######OpenITI# #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ابن الجوزي, #META# 020.BookTITLE :: القواعد النورانية الفقهية #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 030.LibURI ::Shamela_0021729 #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي. وهو حسبي. (ونعم الوكيل) # قال الشيخ الإمام العالم العامل القدوة، رباني الأمة، ومحيي السنة، ~~العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد ~~السلام، ابن تيمية الحراني - قدس الله روحه ونور ضريحه -: # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد خاتم ~~المرسلين وإمام المهتدين وعلى آله أجمعين. ### | [فصل في الطهارة] # [الطهارة والنجاسة نوعان] # فصل # أما العبادات: فأعظمها الصلاة. والناس إما أن يبتدئوا مسائلها بالطهور؛ ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطهور» كما رتبه أكثرهم، وإما ~~بالمواقيت التي تجب بها الصلاة، كما فعله مالك وغيره. # فأما الطهارة والنجاسة فنوعان من الحلال والحرام - في # PageV01P021 # اللباس ونحوه - تابعان للحلال والحرام في الأطعمة والأشربة. # ومذهب أهل الحديث في هذا الأصل العظيم الجامع وسط بين مذهب العراقيين ~~والحجازيين، فإن أهل المدينة - مالكا وغيره - يحرمون من الأشربة كل مسكر، ~~كما صحت بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وليسوا ~~في الأطعمة كذلك، بل الغالب عليهم فيها عدم التحريم، فيبيحون [الطيور] ~~مطلقا وإن كانت من ذات المخالب، [ويكرهون] كل ذي ناب من السباع، وفي ~~تحريمها عن مالك روايتان، وكذلك في الحشرات عنه -هل هي محرمة، أو مكروهة - ~~روايتان، وكذلك البغال والحمير، وروي عنه أنها مكروهة أشد من كراهة السباع، ~~وروي عنه: أنها محرمة بالسنة دون تحريم الحمير، والخيل أيضا يكرهها، لكن ~~دون كراهة السباع. # وأهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس، ليست ~~الخمر عندهم إلا من العنب، ولا يحرمون القليل من المسكر إلا أن يكون خمرا ~~من العنب، أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب النيء، أو يكون من مطبوخ ~~عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه، وهم في الأطعمة في غاية التحريم حتى حرموا ~~الخيل والضباب، وقيل: إن أبا حنيفة يكره الضب والضباع ونحوها. # فأخذ أهل الحديث في الأشربة بقول أهل المدينة وسائر # PageV01P022 # [أهل] الأمصار؛ موافقة للسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه ms001 وسلم ~~وأصحابه في التحريم، وزادوا عليهم في متابعة السنة. وصنف الإمام أحمد كتابا ~~كبيرا في الأشربة، ما علمت [أحدا] صنف أكبر منه، وكتابا أصغر منه. وهو أول ~~من أظهر في العراق هذه السنة، حتى إنه دخل بعضهم بغداد فقال: هل فيها من ~~يحرم النبيذ؟ فقالوا: لا، إلا أحمد بن حنبل دون غيره من الأئمة، وأخذ فيها ~~بعامة السنة، حتى إنه حرم العصير والنبيذ بعد ثلاث، وإن لم يظهر فيه شدة؛ ~~متابعة للسنة المأثورة في ذلك؛ لأن الثلاث مظنة ظهور الشدة غالبا، والحكمة ~~هنا مما تخفى، فأقيمت المظنة مقام الحكمة، حتى إنه كره الخليطين، إما كراهة ~~تنزيه أو تحريم على اختلاف الروايتين عنه، وحتى اختلف قوله في الانتباذ في ~~الأوعية: هل هو مباح أو محرم أو مكروه؟ لأن أحاديث النهي كثيرة جدا وأحاديث ~~النسخ قليلة. فاختلف اجتهاده: هل تنسخ تلك الأخبار المستفيضة بمثل هذه ~~الأخبار التي لا تخرج عن كونها أخبار آحاد، ولم يخرج البخاري منها شيئا؟ # وأخذوا في الأطعمة بقول أهل الكوفة لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم # PageV01P023 # لحوم الحمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على من تمسك في هذا الباب ~~بعدم وجود نص التحريم في القرآن، حيث قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على ~~أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم ~~هذا القرآن فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام ~~حرمناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما حرم الله تعالى» . # وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه. # PageV01P024 # وعلموا أن ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم [إنما هو] زيادة تحريم ~~ليس نسخا للقرآن؛ لأن القرآن إنما دل على أن الله لم يحرم إلا الميتة والدم ~~ولحم الخنزير، وعدم التحريم ليس تحليلا، وإنما هو بقاء للأمر على ما ms002 كان، ~~وهذا قد ذكره الله في سورة الأنعام التي هي مكية باتفاق العلماء، ليس كما ~~ظنه أصحاب مالك والشافعي أنها من آخر القرآن نزولا، وإنما سورة المائدة هي ~~المتأخرة، وقد قال الله فيها: {أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4] فعلم أن عدم ~~التحريم المذكور في سورة الأنعام ليس تحليلا، وإنما هو عفو، فتحريم رسول ~~الله رافع للعفو ليس نسخا للقرآن. # لكن لم يوافق أهل الحديث الكوفيين على جميع ما حرموه، بل أحلوا الخيل ~~لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحليلها يوم خيبر، وبأنهم ذبحوا ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا وأكلوا لحمه، وأحلوا الضب لصحة ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال: لا أحرمه وبأنه أكل على ~~مائدته وهو ينظر ولم ينكر على من أكله، وغير ذلك مما جاءت فيه الرخصة. # PageV01P025 # فنقصوا عما حرمه أهل الكوفة من الأطعمة، كما زادوا على أهل المدينة في ~~الأشربة؛ لأن النصوص الدالة على تحريم الأشربة المسكرة أكثر من النصوص ~~الدالة على تحريم الأطعمة. # ولأهل المدينة سلف من الصحابة والتابعين في استحلال ما أحلوه أكثر من سلف ~~أهل الكوفة في استحلال المسكر، والمفاسد الناشئة من المسكر أعظم من مفاسد ~~خبائث الأطعمة، ولهذا سميت الخمر " أم الخبائث " كما سماها عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنه - وغيره، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد شاربها، وفعله ~~هو وخلفاؤه، وأجمع عليه العلماء، دون المحرمات من الأطعمة فإنه لم [يحد] ~~فيها أحد من أهل العلم إلا ما بلغنا عن الحسن البصري، بل قد أمر صلى الله ~~عليه وسلم بقتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة، وإن كان الجمهور على أنه ~~منسوخ. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه - عن تخليل الخمر وأمر ~~بشق ظروفها وكسر دنانها، وإن كان قد اختلفت الرواية عن أحمد: هل هذا باق أو ~~منسوخ؟ # الوضوء من لحوم الإبل # ولما كان الله سبحانه وتعالى إنما حرم الخبائث لما فيها من # PageV01P026 # الفساد إما في العقول أو الأخلاق أو غيرها، ظهر ms003 على الذين استحلوا بعض ~~المحرمات من الأطعمة أو الأشربة من النقص بقدر ما فيها من المفسدة، ولولا ~~التأويل لاستحقوا العقوبة. # ثم إن الإمام أحمد وغيره من علماء الحديث زادوا في متابعة السنة على ~~غيرهم بأن أمروا بما أمر الله به ورسوله مما يزيل ضرر بعض المباحات، مثل: ~~لحوم الإبل فإنها حلال بالكتاب والسنة والإجماع، ولكن فيها من القوة ~~الشيطانية ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنها جن خلقت من ~~جن» ، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود: «الغضب من الشيطان، ~~وإن الشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» ~~فأمر بالتوضؤ من الأمر العارض من الشيطان، فأكل لحمها يورث قوة شيطانية ~~تزول بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحمها، كما صح ذلك ~~عنه من غير وجه من حديث جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأسيد بن الحضير، ~~وذي # PageV01P027 # الغرة وغيرهم، فقال مرة: «توضؤوا من لحوم الإبل ولا توضؤوا من لحوم ~~الغنم، وصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل» ، فمن توضأ من ~~لحومها اندفع عنه ما يصيب المدمنين لأكلها من غير وضوء - كالأعراب - من ~~الحقد وقسوة القلب التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله المخرج ~~عنه في الصحيحين: «إن الغلظة وقسوة القلوب في الفدادين أصحاب الإبل، وإن ~~السكينة في أهل الغنم» . # واختلف عن أحمد: هل يتوضأ من سائر اللحوم المحرمة؟ على روايتين، بناء على ~~أن الحكم مختص بها، أو أن المحرم أولى بالتوضؤ منه من المباح الذي فيه نوع ~~مضرة. # وسائر المصنفين من أصحاب الشافعي وغيره وافقوا أحمد على هذا الأصل، ~~وعلموا أن من اعتقد أن هذا منسوخ بترك الوضوء مما مست النار فقد أبعد؛ لأنه ~~فرق في الحديث بين اللحمين، ليتبين أن العلة هي الفارقة بينهما لا الجامع. # وكذلك قالوا بما اقتضاه الحديث: من أنه يتوضأ منه نيئا ومطبوخا؛ ولأن هذا ~~الحديث كان بعد النسخ، ولهذا «قال في لحم الغنم: وإن شئت ms004 فلا تتوضأ» ؛ ولأن ~~النسخ لم يثبت إلا بالترك من لحم غنم، فلا عموم له، وهذا معنى قول جابر: " ~~«كان آخر الأمرين # PageV01P028 # منه: ترك الوضوء مما مست النار» " فإنه رآه يتوضأ، ثم رآه أكل لحم غنم ~~ولم يتوضأ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم صيغة عامة في ذلك، ولو ~~نقلها لكان فيه نسخ للخاص بالعام الذي لم يثبت شموله لذلك الخاص عينا، وهو ~~أصل لا يقول به أكثر المالكية والشافعية والحنبلية. # هذا مع أن أحاديث الوضوء مما مست النار لم يثبت أنها منسوخة، بل قد قيل: ~~إنها متأخرة، ولكن أحد الوجهين في مذهب أحمد: أن الوضوء منها مستحب ليس ~~بواجب، والوجه الآخر: لا يستحب. # فلما جاءت السنة بتجنب الخبائث الجسمانية والتطهر منها كذلك جاءت بتجنب ~~الخبائث الروحانية والتطهر منها، حتى قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قام ~~أحدكم من الليل فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خيشومه» ، ~~وقال: «إذا قام أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ~~ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» . فعلل الأمر بالغسل بمبيت الشيطان ~~على خيشومه؛ فعلم أن ذلك سبب للطهارة من غير النجاسة الظاهرة، فلا يستبعد ~~أن يكون هو السبب لغسل يد القائم من نوم الليل. # وكذلك نهى عن الصلاة في أعطان الإبل وقال: «إنها جن خلقت من جن» ، كما ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأرض كلها مسجد # PageV01P029 # إلا المقبرة والحمام» ، وقد روي عنه: «أن الحمام بيت الشيطان» ، وثبت عنه ~~أنه «لما ارتحل عن المكان الذي ناموا فيه عن صلاة الفجر قال: إنه مكان ~~حضرنا فيه الشيطان» . # فعلل صلى الله عليه وسلم الأماكن بالأرواح الخبيثة كما يعلل بالأجسام ~~الخبيثة، وبهذا يقول أحمد وغيره من فقهاء الحديث، ومذهبه الظاهر عنه أن ما ~~كان مأوى للشياطين - كالمعاطن والحمامات - حرمت # PageV01P030 # الصلاة فيه، وما عرض الشيطان فيه - كالمكان الذي ناموا فيه عن الصلاة - ~~كرهت فيه الصلاة. # والفقهاء الذين لم ينهوا عن ذلك: إما لأنهم لم يسمعوا هذه ms005 النصوص سماعا ~~تثبت به عندهم، أو سمعوها ولم يعرفوا العلة فاستبعدوا ذلك عن القياس ~~فتأولوه. # وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة خلاف هذه المسائل، ~~وأنهم لم يكونوا يتوضئون من لحوم الإبل: فقد غلط عليهم، وإنما توهم ذلك لما ~~نقل عنهم: " أنهم لم يكونوا يتوضؤون مما مست النار "، وإنما المراد أن أكل ~~ما مس النار ليس هو سببا عندهم لوجوب الوضوء، والذي أمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الوضوء من لحوم الإبل ليس سببه مس النار، كما يقال: كان فلان ~~لا يتوضأ من مس الذكر، وإن كان يتوضأ منه إذا خرج منه مذي. # [مرور الكلب الأسود والمرأة والحمار بين يدي المصلي] # ومن تمام هذا: أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره ~~من حديث أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنهما، وجاء من حديث غيرهما: أنه «يقطع ~~الصلاة الكلب الأسود والمرأة والحمار» ، وفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~الكلب الأسود والأحمر والأبيض؛ بأن " الأسود شيطان "، وصح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «إن الشيطان تفلت علي البارحة ليقطع صلاتي، # PageV01P031 # فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد» الحديث، فأخبر أن ~~الشيطان أراد أن يقطع عليه صلاته، فهذا أيضا يقتضي أن مرور الشيطان يقطع ~~الصلاة، فلذلك أخذ أحمد بذلك في الكلب الأسود واختلف قوله في المرأة ~~والحمار؛ لأنه عارض هذا الحديث حديث عائشة لما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصلي وهي في قبلته، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما لما اجتاز على ~~أتانه بين يدي بعض الصف والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى، مع ~~أن المتوجه أن الجميع يقطع، وأنه يفرق بين المار واللابث كما فرق بينهما في ~~الرجل في كراهة مروره دون لبثه في القبلة إذا استدبره المصلي ولم يكن ~~متحدثا، وأن مروره ينقص ثواب الصلاة دون اللبث. # واختلف المتقدمون من أصحاب أحمد في الشيطان الجني إذا علم بمروره: هل ~~يقطع الصلاة؟ والأوجه: أنه يقطعها ms006 بتعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبظاهر قوله: يقطع صلاتي؛ لأن الأحكام التي جاءت بها السنة في الأرواح ~~الخبيثة من الجن وشياطين الدواب في الطهارة والصلاة في أمكنتهم وممرهم ونحو ~~ذلك، قوية في الدليل نصا وقياسا. ولذلك أخذ بها فقهاء الحديث، ولكن مدرك ~~علمها أثرا هو لأهل الحديث. ومدركه قياسا هو في باطن الشريعة وظاهرها دون ~~التفقه في ظاهرها فقط. # ولو لم يكن في الأئمة من استعمل هذه السنن الصحيحة النافعة # PageV01P032 # لكان وصما على الأمة ترك مثل ذلك والأخذ بما ليس بمثله لا أثرا ولا رأيا. # ولقد كان أحمد رحمه الله يعجب ممن يدع حديث " الوضوء من لحوم الإبل " مع ~~صحته التي لا شك فيها وعدم المعارض له، ويتوضأ من مس الذكر مع تعارض ~~الأحاديث فيه وأن أسانيدها ليست كأحاديث الوضوء من لحوم الإبل، ولذلك أعرض ~~عنها الشيخان: البخاري ومسلم، وإن كان أحمد على المشهور عنه يرجح أحاديث ~~الوضوء من مس الذكر، لكن غرضه: أن الوضوء من لحوم الإبل أقوى في الحجة من ~~الوضوء من مس الذكر. # وقد ذكرت ما يبين أنه أظهر في القياس منه، فإن تأثير المخالطة أعظم من ~~تأثير الملامسة، ولهذا كان كل نجس محرم الأكل، وليس كل محرم الأكل نجسا. # وكان أحمد يعجب أيضا ممن لا يتوضأ من لحوم الإبل ويتوضأ من الضحك في ~~الصلاة، مع أنه أبعد عن القياس والأثر، والأثر فيه مرسل قد ضعفه أكثر ~~الناس، وقد صح عن الصحابة ما يخالفه. # والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف بعضهم، وهو ~~تضعيف من لم يعرف الحديث كما ذكر أصحابه، أو بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقطع الصلاة شيء» ، أو بما روي في ~~ذلك عن الصحابة. # PageV01P033 # وقد كان الصحابة مختلفين في هذه المسألة، أو برأي ضعيف لو صح لم يقاوم ~~هذه الحجة، خصوصا مذهب أحمد. # فهذا أصل في الخبائث الجسمانية والروحانية. # بيان مقدار ما يعفى من النجاسة # وأصل آخر: وهو أن الكوفيين قد عرف ms007 تخفيفهم في العفو عن النجاسة، فيعفون ~~من المغلظة عن قدر الدرهم البغلي، ومن المخففة عن ربع المحل المتنجس، ~~والشافعي بإزائهم في ذلك، فلا يعفو عن النجاسات إلا عن أثر الاستنجاء وونيم ~~الذباب ونحوه، ولا يعفو عن دم ولا عن غيره إلا عن دم البراغيث ونحوه، مع ~~أنه ينجس أرواث البهائم وأبوالها وغير ذلك، فقوله في النجاسات نوعا وقدرا ~~أشد أقوال الأئمة الأربعة. # ومالك متوسط في نوع النجاسة وفي قدرها، فإنه لا يقول بنجاسة الأرواث ~~والأبوال مما يؤكل لحمه، ويعفو عن يسير الدم وغيره. # وأحمد كذلك، فإنه متوسط في النجاسات، فلا ينجس الأرواث والأبوال، ويعفو ~~عن اليسير من النجاسات التي يشق الاحتراز عنها، حتى إنه في إحدى الروايتين ~~عنه يعفو عن يسير روث البغل والحمار وبول الخفاش وغير ذلك مما يشق الاحتراز ~~عنه، بل يعفو في إحدى الروايتين عن اليسير من الروث والبول من كل حيوان ~~طاهر، كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في شرح المذهب، وهو مع ذلك يوجب اجتناب ~~النجاسة في الصلاة في الجملة من غير خلاف عنه، لم # PageV01P034 # يختلف قوله في ذلك كما اختلف أصحاب مالك، ولو صلى بها جاهلا أو ناسيا لم ~~تجب عليه الإعادة في أصح الروايتين، كقول مالك كما دل عليه حديث «النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما خلع نعليه في أثناء الصلاة لأجل الأذى الذي فيهما، ولم ~~يستقبل الصلاة» ، ولما صلى الفجر فوجد في ثوبه نجاسة أمر بغسلها ولم يعد ~~الصلاة، والرواية الأخرى: تجب الإعادة، كقول أبي حنيفة والشافعي. # وأصل آخر في إزالتها، فمذهب أبي حنيفة: تزال بكل مزيل من المائعات ~~والجامدات، والشافعي لا يرى إزالتها إلا بالماء حتى ما يصيب أسفل الخف ~~والحذاء والذيل: لا يجزئ فيه إلا الغسل بالماء، وحتى نجاسة الأرض. # ومذهب أحمد فيه متوسط، فكل ما جاءت به السنة قال به، يجوز في الصحيح عنه: ~~مسحها بالتراب ونحوه من النعل ونحوه كما جاءت به السنة، كما يجوز مسحها من ~~السبيلين فإن السبيلين بالنسبة إلى سائر الأعضاء كأسفل الخف بالنسبة إلى ms008 ~~سائر الثياب في تكرر النجاسة على كل منها. # واختلف أصحابه في أسفل الذيل: هل هو كأسفل الخف؟ كما جاءت به السنة ~~واستوائها للأثر في ذلك، والقياس: إزالتها عن الأرض بالشمس والريح يجب ~~التوسط فيه. # PageV01P035 # فإن التشديد في النجاسات جنسا وقدرا هو دين اليهود، والتساهل هو دين ~~النصارى، ودين الإسلام هو الوسط، فكل قول يكون فيه شيء من هذا الباب يكون ~~أقرب إلى دين الإسلام. # [اختلاط الحلال بالحرام كاختلاط المائع الطاهر بالنجس] # وأصل آخر: وهو اختلاط الحلال بالحرام كاختلاط المائع الطاهر بالنجس، فقول ~~الكوفيين فيه من الشدة ما لا خفاء به. # وسر قولهم: إلحاق الماء بسائر المائعات، وأن النجاسة إذا وقعت في مائع لم ~~يمكن استعماله إلا باستعمال [الخبيث] ، فيحرم الجميع [مع أن تنجيس] المائع ~~غير الماء الآثار فيه قليلة. # وبإزائهم مالك وغيره من أهل المدينة فإنهم - في المشهور - لا ينجسون ~~الماء إلا بالتغير، ولا يمنعون من المستعمل ولا غيره؛ مبالغة في طهورية ~~الماء، مع فرقهم بينه وبين غيره من المائعات. # ولأحمد قول كمذهبهم، لكن المشهور عنه التوسط بالفرق بين قليله وكثيره ~~كقول الشافعي. # واختلف قوله في المائعات غير الماء، هل يلحق بالماء، أو لا يلحق به كقول ~~مالك والشافعي؟ أو يفرق بين الماء وغير الماء كخل العنب؟ على ثلاث روايات. # وفي هذه الأقوال من التوسط أثرا ونظرا ما لا خفاء به، مع أن قول أحمد ~~الموافق لقول مالك راجح في الدليل. # [أجزاء الميتة التي لا رطوبة فيها كالشعر والظفر والريش] # وأصل آخر: وهو أن للناس في أجزاء الميتة التي لا رطوبة فيها - كالشعر ~~والظفر والريش - مذاهب، هل هو طاهر أو نجس؟ ثلاثة أقوال. # PageV01P036 # أحدها: نجاستها مطلقا، كقول الشافعي ورواية عن أحمد بناء على أنها جزء من ~~الميتة. # والثاني: طهارتها مطلقا، كقول أبي حنيفة وقول في مذهب أحمد، بناء على أن ~~الموجب للنجاسة هو الرطوبات، وهي إنما تكون فيما يجري فيه الدم، ولهذا حكم ~~بطهارة ما لا نفس له سائلة، فما لا رطوبة فيه من الأجزاء بمنزلة ما لا نفس ~~له ms009 سائلة. # والثالث: نجاسة ما كان فيه حس، كالعظم إلحاقا له باللحم اليابس، وعدم ~~نجاسة ما لم يكن فيه إلا النماء كالشعر إلحاقا له بالنبات. # [طهارة الأحداث التي هي الوضوء والغسل] # وأصل آخر: وهو طهارة الأحداث التي هي الوضوء والغسل، فإن مذهب فقهاء ~~الحديث: استعملوا فيها من السنن ما لا يوجد لغيرهم ويكفي المسح على الخفين ~~وغيرها من اللباس والحوائل، فقد صنف الإمام أحمد كتاب المسح على الخفين، ~~وذكر فيه من النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المسح على ~~الخفين والجوربين وعلى العمامة، بل على خمر النساء كما كانت أم سلمة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها تفعله، وعلى القلانس كما كان أبو موسى ~~وأنس يفعلانه، ما إذا تأمله العالم علم فضل علم أهل الحديث على غيرهم، مع ~~أن القياس يقتضي ذلك اقتضاء ظاهرا، وإنما توقف عنه من توقف من الفقهاء؛ ~~لأنهم قالوا بما بلغهم من الأثر وجبنوا عن القياس ورعا. # ولم يختلف قول أحمد فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، كأحاديث المسح ~~على العمائم والجوربين، والتوقيت في المسح، وإنما اختلف # PageV01P037 # قوله فيما جاء عن الصحابة كخمر النساء وكالقلانس الدنيات. # ومعلوم أن في هذا الباب من الرخصة التي تشبه أصول الشريعة وتوافق الآثار ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # واعلم أن كل من تأول في هذه الأخبار تأويلا - مثل كون المسح على العمامة ~~مع بعض الرأس هو المجزئ ونحو ذلك - لم يقف على مجموع الأخبار، وإلا فمن وقف ~~على مجموعها أفادته علما يقينا بخلاف ذلك. # التيمم # وأصل آخر في التيمم: فإن أصح حديث فيه حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه، ~~المصرح بأنه يجزئ ضربة واحدة للوجه والكفين، وليس في الباب حديث يعارضه من ~~جنسه، وقد أخذ به فقهاء الحديث أحمد وغيره، وهذا أصح من قول من قال: يجب ~~ضربتان وإلى المرفقين، كقول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، أو ضربتان إلى ~~الكوعين. # [الحيض والاستحاضة] # وأصل آخر: في الحيض والاستحاضة فإن مسائل الاستحاضة من أشكل ms010 أبواب ~~الطهارة، وفي الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنن: سنة في المعتادة ~~أنها ترجع إلى عادتها، وسنة في المميزة أنها تعمل بالتمييز، وسنة في ~~المتحيرة التي ليست لها عادة ولا تتميز # PageV01P038 # بأنها تتحيض غالب عادات النساء ستا أو سبعا، وأن تجمع بين الصلاتين إن ~~شاءت. # فأما السنتان الأولتان ففي الصحيح، وأما الثالثة: فحديث حمنة بنت جحش، ~~رواه أهل السنن وصححه الترمذي، وكذلك قد روى أبو داود وغيره في سهلة بنت ~~سهيل بعض معناه. # وقد استعمل أحمد هذه السنن الثلاث في المعتادة المميزة والمتحيرة، فإن ~~اجتمعت العادة والتمييز قدم العادة في أصح الروايتين، كما جاء في أكثر ~~الأحاديث. # فأما أبو حنيفة فيعتبر العادة إن كانت، ولا يعتبر التمييز ولا الغالب، بل ~~إن لم تكن عادة إن كانت مبتدأة حيضها حيضة الأكثر، وإلا حيضة الأقل. # ومالك يعتبر التمييز ولا يعتبر العادة ولا الأغلب، فإن [لم يكن تمييز] لم ~~يعتبر العادة ولا الأغلب فلا يحيضها، بل تصلي أبدا إلا في الشهر الأول، فهل ~~تحيض أكثر الحيض، أو عادتها وتستظهر ثلاثة أيام؟ على روايتين. # والشافعي يستعمل التمييز والعادة دون الأغلب، فإن اجتمع قدم التمييز، وإن ~~عدم صلت أبدا، واستعمل من الاحتياط في الإيجاب والتحريم والإباحة ما فيه ~~مشقة عظيمة علما وعملا. # فالسنن الثلاث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالات ~~الفقهية استعملها فقهاء الحديث ووافقهم في كل منها طائفة من الفقهاء. # PageV01P039 ### | [فصل في الصلاة] # [فصل في مواقيت الصلاة] # فصل # وأما إذا ابتدؤوا الصلاة بالمواقيت، ففقهاء الحديث قد استعملوا في هذا ~~الباب جميع النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات الجواز ~~وأوقات الاختيار. # فوقت الفجر: ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، ووقت الظهر: من ~~الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله، سوى فيء الزوال، ووقت العصر: إلى اصفرار ~~الشمس على ظاهر مذهب أحمد، ووقت المغرب: إلى مغيب الشفق، ووقت العشاء: إلى ~~منتصف الليل على ظاهر مذهب أحمد. # هذا بعينه قول رسول الله صلى ms011 الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في ~~صحيحه عن عبد الله بن عمرو، وروي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ~~وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث من قوله في المواقيت الخمس أصح منه، ~~وكذلك صح معناه من غير وجه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من ~~حديث أبي موسى وبريدة رضي الله عنهما، وجاء مفرقا في عدة أحاديث، وغالب ~~الفقهاء إنما استعملوا غالب ذلك. # فأهل العراق المشهور عنهم: أن العصر لا يدخل وقتها حتى يصير ظل كل شيء ~~مثليه، وأهل الحجاز - مالك وغيره - ليس للمغرب عندهم إلا وقت واحد. # PageV01P040 ### | [فصل في الجمع بين الصلاتين في السفر والمطر والمرض] # فصل # وكذلك نقول بما جاءت به السنة والآثار من الجمع بين الصلاتين في السفر ~~والمطر والمرض، كما في حديث المستحاضة، وغير ذلك من الأعذار. # ونقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار من أن الوقت وقتان: وقت اختيار ~~وهو خمس مواقيت، ووقت اضطرار وهو ثلاث مواقيت، ولهذا أمرت الصحابة - كعبد ~~الرحمن بن عوف وابن عباس وغيرهما - الحائض إذا طهرت قبل الغروب أن تصلي ~~الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر أن تصلي المغرب والعشاء. وأحمد موافق في ~~هذه المسائل لمالك رحمه الله، وزائد عليه بما جاءت به الآثار، والشافعي ~~رحمه الله هو دون مالك في ذلك، وأبو حنيفة أصله في الجمع معروف. # وكذلك أوقات الاستحباب، فإن أهل الحديث يستحبون الصلاة في أول الوقت في ~~الجملة، إلا حيث يكون في التأخير مصلحة راجحة كما جاءت به السنة، فيستحبون ~~تأخير الظهر في الحر مطلقا، سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين، ويستحبون تأخير ~~العشاء ما لم يشق. # وبكل ذلك جاءت السنن الصحيحة التي لا دافع لها، وكل من الفقهاء يوافقهم ~~في البعض أو الأغلب. # فأبو حنيفة: يستحب التأخير إلا في المغرب، والشافعي: # PageV01P041 # يستحب التقديم مطلقا حتى في العشاء، على أحد القولين، وحتى في الحر إذا ~~كانوا مجتمعين، وحديث أبي ذر الصحيح فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم ms012 ~~بالإبراد، وكانوا مجتمعين. ### | [فصل في الأذان] # فصل # وأما الأذان، الذي هو شعار الإسلام: فقد استعمل فقهاء الحديث - كأحمد - ~~فيه جميع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحسن أذان بلال وإقامته، ~~وأذان أبي محذورة وإقامته، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «علم أبا محذورة الأذان مرجعا» . وفي صحيح مسلم: الإقامة مشفوعة، ~~وثبت في الصحيحين: " «أن بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» "، وفي ~~السنن: " أنه لم يكن يرجع ". # فرجح أحمد أذان بلال؛ لأنه الذي كان يفعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~دائما، قبل أذان أبي محذورة وبعده إلى أن مات، واستحسن أذان أبي محذورة ولم ~~يكرهه، وهذا أصل مستمر له في جميع صفات العبادات: أقوالها وأفعالها، يستحسن ~~كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير كراهة لشيء منه، مع علمه ~~بذلك، واختياره للبعض، أو تسويته بين الجميع، كما جوز القراءة بكل قراءة ~~ثابتة، وإن كان قد اختار # PageV01P042 # بعض القراءة، مثل أنواع الأذان والإقامة، وأنواع التشهدات الثابتة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كتشهد ابن مسعود وأبي موسى وابن عباس وغيرهم، ~~وأحبها إليه: تشهد ابن مسعود، لأسباب متعددة: # منها: كونه أصحها وأشهرها. # ومنها: كونه محفوظ الألفاظ، لم يختلف في حرف منه. # ومنها: كون غالبها يوافق ألفاظه، فيقتضي أنه هو الذي كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يأمر به غالبا. # وكذلك أنواع الاستفتاح والاستعاذة المأثورة، وإن اختار بعضها. # وكذلك مواضع رفع اليدين في الصلاة، ومحل وضعهما بعد الرفع، وصفات التحميد ~~المشروع بعد التسميع. # ومنها: صفات الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن اختار بعضها. # ومنها: أنواع صلاة الخوف، يجوز كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من ~~غير كراهة. # ومنها: أنواع تكبيرات العيدين، يجوز كل مأثور، وإن استحب بعضه. # PageV01P043 # ومنها التكبير على الجنائز، يجوز - على المشهور - التربيع والتخميس ~~والتسبيع، وإن اختار التربيع. # وأما بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك ويكرهون بعضه، فمنهم من يكره الترجيع ~~في الأذان، كأبي حنيفة. ومنهم من ms013 يكره تركه كالشافعي. ومنهم من يكره شفع ~~الإقامة، كالشافعي. ومنهم من يكره إفرادها، حتى صار الأمر بأتباعهم إلى نوع ~~جاهلية، فصاروا يقتتلون في بعض بلاد المشرق على ذلك حمية جاهلية. مع أن ~~الجميع حسن قد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر بلالا بإفراد ~~الإقامة، وأمر أبا محذورة بشفعها، وإنما الضلالة حق الضلالة أن ينهى أحد ~~عما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. ### | [فصل في كون البسملة آية من القرآن وفي قراءتها في الصلاة] # فصل # فأما صفة الصلاة: فمن شعائرها: مسألة البسملة. # فإن الناس اضطربوا فيها نفيا وإثباتا: في كونها آية من القرآن وفي ~~قراءتها، وصنفت من الطرفين مصنفات، يظهر في بعض كلامها نوع من جهل وظلم، مع ~~أن الخطب فيها يسير. وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة ~~والاختلاف الذي نهينا عنه، إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفرقة بين ~~الأمة، وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا، لولا ما يدعو إليه ~~الشيطان من إظهار شعار الفرقة. # فأما كونها آية من القرآن: فقالت طائفة، كمالك: ليست من القرآن إلا في ~~سورة النمل، والتزموا أن الصحابة أودعت المصحف ما ليس من كلام الله على ~~سبيل التبرك. # PageV01P044 # وحكى طائفة من أصحاب أحمد هذا رواية عنه، وربما اعتقد بعضهم أنه مذهبه. # وقالت طائفة، منهم الشافعي: ما كتبوها في المصحف بقلم المصحف - مع ~~تجريدهم للمصحف عما ليس من القرآن - إلا وهي من السورة، مع أدلة أخرى. # وتوسط أكثر فقهاء الحديث - كأحمد - ومحققي أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: ~~كتابتها في المصحف تقتضي أنها من القرآن؛ للعلم بأنهم لم يكتبوا فيه ما ليس ~~بقرآن، لكن لا يقتضي ذلك أنها من السورة، بل تكون آية مفردة أنزلت في أول ~~كل سورة، كما كتبها الصحابة سطرا مفصولا. كما قال ابن عباس: " كان لا يعرف ~~فصل السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم ". # فعند هؤلاء: هي آية من كتاب الله في أول كل سورة كتبت في أولها، وليست من ~~السورة. وهذا هو المنصوص عن ms014 أحمد في غير موضع. ولم يوجد عنه نقل صريح بخلاف ~~ذلك. وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره. وهو أوسط الأقوال وأعدلها. # وكذلك الأمر في تلاوتها في الصلاة: طائفة لا تقرؤها لا سرا ولا جهرا، ~~كمالك والأوزاعي. وطائفة: تقرؤها جهرا، كأصحاب ابن جريج والشافعي. والطائفة ~~الثالثة المتوسطة: جماهير فقهاء الحديث مع فقهاء أهل الرأي، يقرؤونها سرا، ~~كما نقل عن جماهير الصحابة، مع أن أحمد يستعمل ما روي عن الصحابة في هذا ~~الباب. فيستحب # PageV01P045 # الجهر بها لمصلحة راجحة، حتى إنه نص على أن من صلى بالمدينة [يجهر بها] ، ~~قال بعض أصحابه: لأنهم كانوا ينكرون على من يجهر بها، ويستحب للرجل أن يقصد ~~إلى تأليف هذه القلوب بترك هذه المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم ~~من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت ~~لما رأى في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام ~~الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متما، وقال: " الخلاف شر ". # وهذا وإن كان وجها حسنا فمقصود أحمد أن أهل المدينة كانوا لا يقرؤونها ~~فيجهر بها ليبين أن قراءتها سنة، كما جهر ابن عباس بقراءة أم الكتاب على ~~الجنازة، وقال: " لتعلموا أنها سنة "، وكما جهر عمر بالاستفتاح غير مرة، ~~وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالآية أحيانا في صلاة الظهر ~~والعصر، ولهذا نقل عن أكثر من روي عنه الجهر بها من الصحابة المخافتة، ~~فكأنهم جهروا لإظهار أنهم يقرؤونها كما جهر بعضهم بالاستعاذة أيضا. # والاعتدال في كل شيء استعمال الآثار على وجهها، فإن # PageV01P046 # كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها دائما، وأكثر الصحابة لم ~~ينقلوا ذلك ولم يفعلوه: ممتنع قطعا، [لا سيما] وقد ثبت عن غير واحد منهم ~~نفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعارض ذلك خبر ثابت إلا وهو محتمل، ~~وكون الجهر بها لا يشرع بحال - مع أنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة - ~~نسبة للصحابة إلى فعل المكروه وإقراره، مع ms015 أن الجهر في صلاة المخافتة يشرع ~~لعارض كما تقدم، وكراهة قراءتهم مع ما في قراءتها من الآثار الثابتة عن ~~الصحابة المرفوع بعضها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكون الصحابة كتبوها ~~في المصحف، وأنها كانت تنزل مع السورة: فيه ما فيه، مع أنها إذا قرئت في ~~أول كتاب سليمان، فقراءتها في أول كتاب الله في غاية المناسبة. # فمتابعة الآثار فيها الاعتدال والائتلاف والتوسط الذي هو أفضل الأمور. # ثم مقدار الصلاة: يختار فيه فقهاء الحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~التي كان يفعلها غالبا، وهي الصلاة المعتدلة المتقاربة التي يخفف فيها ~~القيام والقعود ويطيل فيها الركوع والسجود ويسوي بين الركوع والسجود وبين ~~الاعتدال منهما، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع كون قراءته ~~في الفجر بما بين الستين إلى المائة آية، وفي الظهر بنحو الثلاثين آية، وفي ~~العصر والعشاء على النصف من ذلك مع أنه قد كان يخفف عن هذه الصلاة لعارض، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأدخل في الصلاة وإني أريد أن أطيلها ~~فأسمع بكاء الصبي فأخفف لما # PageV01P047 # أعلم من وجد أمه به» ، كما أنه قد يطيلها [على] ذلك لعارض، كما قرأ صلى ~~الله عليه وسلم في المغرب بطولى الطوليين، وهي الأعراف. # ويستحب إطالة الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية، ويستحب أن يمد في ~~الأوليين ويحذف في الأخريين، كما رواه سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وعامة فقهاء الحديث على هذا. # ومن الفقهاء من لا يستحب أن يطيل الاعتدال من الركوع والسجود، ومنهم من ~~يراه ركنا خفيفا؛ بناء على أنه يشرع تابعا لأجل الفصل، لا أنه مقصود. # ومنهم من يسوي بين الركعتين الأوليين. # ومنهم من يستحب ألا يزيد الإمام في تسبيح الركوع والسجود على ثلاث ~~تسبيحات، إلى أقوال أخر قالوها. ### | [فصل في بيان ما أمر الله به ورسوله من إقامة الصلاة وإتمامها والطمأنينة فيها] # فصل # في بيان ما أمر الله به ورسوله من إقامة الصلاة وإتمامها والطمأنينة ~~فيها. # قال ms016 الله تعالى في غير موضع من كتابه: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~[البقرة: 43] # PageV01P048 # [البقرة: 43، 83، 110، والنساء: 76، ويونس: 87، والحج: 78، والنور: 56، ~~والروم: 31، والمجادلة: 13، والمزمل: 31] . # وقال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا - إذا مسه الشر جزوعا - وإذا مسه ~~الخير منوعا - إلا المصلين} [المعارج: 19 - 22] [المعارج] ، وقال تعالى: ~~{قد أفلح المؤمنون - الذين هم في صلاتهم خاشعون - والذين هم عن اللغو ~~معرضون - والذين هم للزكاة فاعلون - والذين هم لفروجهم حافظون - إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين - فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك ~~هم العادون - والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون - والذين هم على صلواتهم ~~يحافظون} [المؤمنون: 1 - 9] [المؤمنون] . # وقال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} ~~[البقرة: 45] [البقرة] ، وقال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} [مريم: 59] [مريم] ، وقال تعالى: {فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} ~~[النساء: 103] [النساء: 103] ، وقال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] [البقرة] ، وسيأتي بيان الدلالة ~~في هذه الآيات. # وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين، وأخرج أصحاب السنن - أبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجه - وأصحاب المسانيد كمسند أحمد وغير ذلك من ~~أصول الإسلام، عن أبى هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل المسجد، فدخل رجل ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع الرجل ~~فصلى كما كان صلى ثم سلم عليه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك ~~السلام، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: ~~والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة # PageV01P049 # فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع ~~حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم ~~افعل ذلك في صلاتك كلها» . # وفي رواية للبخاري: «إذا قمت إلى ms017 الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة، ~~فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع رأسك ~~حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن ~~جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في ~~صلاتك كلها.» . # وفي رواية له: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوي قائما» ، ~~وباقيه مثله، وفي رواية: «وإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا ~~فإنما انتقصته من صلاتك» . # وعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه: " أن رجلا دخل المسجد - فذكر الحديث ~~وقال فيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس ~~حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله عز وجل ويثني عليه، ~~ويقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى يطمئن راكعا، ثم ~~يقول: الله أكبر، ثم يرفع رأسه حتى # PageV01P050 # يستوي قائما، ثم يسجد حتى يطمئن ساجدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يرفع رأسه ~~حتى يستوي قاعدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع ~~رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» ، وفي رواية: «إنها لا تتم صلاة ~~أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله عز وجل، فيغسل وجهه ويديه إلى ~~المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده، ثم يقرأ ~~من القرآن ما أذن له وتيسر - وذكر نحو اللفظ الأول وقال -: ثم يكبر فيسجد ~~فيمكن وجهه - وربما قال: جبهته - من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم ~~يكبر فيستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه - فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات ~~حتى فرغ ثم قال -: لا تتم صلاة لأحدكم حتى يفعل ذلك» ، رواه أهل السنن أبو ~~داود والنسائي وابن ماجه، والترمذي وقال: حديث حسن، والروايتان لفظ أبي ~~داود. # وفي رواية ثالثة له: «قال: إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم ~~القرآن وبما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت فضع ms018 راحتيك على ركبتيك وامدد ~~ظهرك، وقال: إذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى» . وفي ~~رواية أخرى: قال: «إذا أنت قمت في صلاتك فكبر الله عز وجل، ثم اقرأ ما تيسر ~~عليك من القرآن» ، وقال فيه: «فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش # PageV01P051 # فخذك اليسرى ثم تشهد، ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك» ، وفي ~~رواية أخرى: قال: «فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد فأتم، ثم كبر، فإن كان معك ~~قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله عز وجل وكبره وهلله» ". وقال فيه: «وإن ~~انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك» . # فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر ذلك المسيء في صلاته بأن يعيد الصلاة وأمر ~~الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب، وأمره إذا قام إلى الصلاة ~~بالطمأنينة، كما أمره بالركوع والسجود وأمره المطلق على الإيجاب. # وأيضا قال له: " فإنك لم تصل "، فنفى أن يكون عمله الأول صلاة، والعمل لا ~~يكون منفيا إلا إذا انتفى شيء من واجباته، فأما إذا فعل كما أوجبه الله عز ~~وجل؛ فإنه لا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات التي ليست بواجبة. # وأما ما يقوله بعض الناس: إن هذا نفي للكمال، كقوله: «لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد» ، فيقال له: نعم هو لنفي الكمال، لكن لنفي كمال ~~الواجبات أو لنفي كمال المستحبات؟ # فأما الأول: فحق، وأما الثاني: فباطل، لا يوجد مثل ذلك في # PageV01P052 # كلام الله عز وجل ولا في كلام رسوله قط، وليس بحق. فإن الشيء إذا كملت ~~واجباته فكيف يصح نفيه؟ . # وأيضا فلو جاز لجاز نفي صلاة عامة الأولين والآخرين؛ لأن كمال المستحبات ~~من أندر الأمور. # وعلى هذا: فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض ~~واجباته، كقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] [النساء] ، ~~وقوله تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من ~~بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} ms019 [النور: 47] [النور ] ، وقوله تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} [الحجرات: 15] [الحجرات: ~~15] الآية، وقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62] [النور: 62] الآية، ~~ونظائر ذلك كثيرة. # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له» ، «ولا ~~صلاة إلا بفاتحة الكتاب» ، «ولا صلاة إلا بوضوء» . # PageV01P053 # وأما قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» ، فهذا اللفظ قد قيل: ~~إنه لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عبد الحق الإشبيلي: أنه ~~رواه بإسناد كلهم ثقات، وبكل حال فهو مأثور عن علي رضي الله عنه، ولكن ~~نظيره في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سمع النداء ثم لم ~~يجب من غير عذر فلا صلاة له» . # ولا ريب أن هذا يقتضي أن إجابة المؤذن المنادي والصلاة في جماعة: من ~~الواجبات، كما ثبت في الصحيح: «أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إني رجل ~~شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل ~~تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة» . # لكن إذا ترك هذا الواجب فهل يعاقب عليه ويثاب على ما فعله من الصلاة، أم ~~يقال: إن الصلاة باطلة، عليه إعادتها كأنه لم يفعلها؟ # هذا فيه نزاع بين العلماء. # وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما ~~انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك» . # فقد بين أن الكمال الذي نفي هو هذا التمام الذي ذكره # PageV01P054 # النبي صلى الله عليه وسلم، فإن التارك لبعض ذلك قد انتقص من صلاته بعض ما ~~أوجبه الله فيها، وكذلك قوله في الحديث الآخر: «فإذا فعل هذا فقد تمت ~~صلاته» . # ويؤيد هذا: أنه أمره بأن يعيد الصلاة ولو كان المتروك مستحبا لم يأمره ~~بالإعادة، ولهذا يؤمر مثل هذا المسيء بالإعادة، كما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذا، لكن لو لم يعد ms020 وفعلها ناقصة فهل يقال: إن وجودها كعدمها ~~بحيث يعاقب على تركها؟ أو يقال: إنه يثاب على ما فعله ويعاقب على ما تركه، ~~بحيث يجبر ما تركه من الواجبات بما فعله من التطوع؟ هذا فيه نزاع، والثاني ~~أظهر؛ لما روى أبو داود وابن ماجه عن أنس بن حكيم الضبي قال: «خاف رجل من ~~زياد - أو ابن زياد - فأتى المدينة، فلقي أبا هريرة رضي الله عنه قال: ~~فنسبني فانتسبت له، فقال: يا فتى، ألا أحدثك حديثا؟ قال: قلت: بلى يرحمك ~~الله - قال يونس: فأحسبه ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: إن أول ~~ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم: الصلاة، قال: يقول ربنا عز وجل ~~لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة ~~كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن ~~كان له تطوع قال: أتموها من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم» . # وفي لفظ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد ~~أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئا قال الرب: ~~انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فكمل به ما # PageV01P055 # انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر أعماله على هذا» ، رواه الترمذي، وقال: ~~حديث حسن. # وروى أيضا أبو داود وابن ماجه عن تميم الداري رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بهذا المعنى قال: «ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال على ~~حسب ذلك» . # وأيضا فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود» ، رواه ~~أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. # فهذا صريح في أنه لا تجزئ الصلاة حتى يعتدل الرجل من الركوع وينتصب من ~~السجود، فهذا يدل على إيجاب الاعتدال في الركوع ms021 والسجود. # وهذه المسألة، وإن لم تكن هي مسألة الطمأنينة، فهي تناسبها وتلازمها. # وذلك: أن هذا الحديث نص صريح في وجوب الاعتدال، فإذا وجب الاعتدال لإتمام ~~الركوع والسجود فالطمأنينة فيهما أوجب. # وذلك: أن قوله: " «يقيم ظهره في الركوع والسجود» "، أي: عند رفعه رأسه ~~منهما، فإن إقامة الظهر تكون من تمام الركوع والسجود؛ # PageV01P056 # لأنه إذا ركع كان الركوع من حين ينحني إلى أن يعود فيعتدل، ويكون السجود ~~من حين الخرور من القيام أو القعود إلى حين يعود فيعتدل، فالخفض والرفع هما ~~طرفا الركوع والسجود وتمامهما؛ فلهذا قال: " يقيم صلبه في الركوع والسجود ~~". # ويبين ذلك: [أن وجوب هذا من الاعتدالين كوجوب إتمام الركوع والسجود] ، ~~وهذا كقوله في الحديث المتقدم: «ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه حتى تطمئن مفاصله ~~وتسترخي، ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه» ، فأخبر أن إقامة ~~الصلب في الرفع من السجود لا في حال الخفض. # والحديثان المتقدمان بين فيهما وجوب هذين الاعتدالين، ووجوب الطمأنينة، ~~لكن قال في الركوع والسجود والقعود: " «حتى تطمئن راكعا وحتى تطمئن ساجدا ~~وحتى تطمئن جالسا» "، وقال في الرفع من الركوع: " «حتى تعتدل قائما وحتى ~~تستوي قائما» "؛ لأن القائم يعتدل ويستوي وذلك مستلزم للطمأنينة. # وأما الراكع والساجد فليسا منتصبين، وذلك الجالس لا يوصف بتمام الاعتدال ~~والاستواء، فإنه قد يكون فيه انحناء إما إلى أحد الشقين ولا سيما عند ~~التورك، وإما إلى أمامه؛ لأن أعضاءه التي يجلس عليها منحنية غير مستوية ~~ومعتدلة، مع أنه قد روى ابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال في الرفع من ~~الركوع: " حتى تطمئن قائما. # وعن علي بن شيبان الحنفي قال: «خرجنا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه فلمح بمؤخر عينه رجلا لا # PageV01P057 # يقيم صلاته - يعني صلبه في الركوع والسجود - فلما قضى النبي صلى الله ~~عليه وسلم الصلاة قال: يا معشر المسلمين لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في ~~الركوع والسجود،» رواه الإمام أحمد وابن ماجه وفي رواية للإمام أحمد: أن ~~رسول الله صلى الله عليه ms022 وسلم قال " «لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه ~~بين ركوعه وسجوده» . # وهذا يبين أن إقامة الصلب: هي الاعتدال في الركوع كما بيناه، وإن كان ~~طائفة من العلماء من أصحابنا وغيرهم فسروا ذلك بنفس الطمأنينة، واحتجوا ~~بهذا الحديث على ذلك وحده، لا على الاعتدالين، وعلى ما ذكرناه: فإنه يدل ~~عليهما. # وروى الإمام أحمد في المسند عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا: يا ~~رسول الله كيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها» ، أو قال: ~~«لا يقيم صلبه في الركوع والسجود» ، وهذا التردد في اللفظ ظاهره: أن المعنى ~~المقصود من اللفظين واحد، وإنما شك في اللفظ كما في نظائر ذلك. # وأيضا: فعن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد ~~كما يوطن البعير» أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه. # PageV01P058 # وإنما جمع بين الأفعال الثلاثة وإن كانت مختلفة الأجناس؛ لأنه يجمعها ~~مشابهة البهائم في الصلاة، فنهى عن مشابهة فعل الغراب، وعما يشبه فعل ~~السبع، وعما يشبه فعل البعير، وإن كان نقر الغراب أشد من ذينك الأمرين لما ~~فيه من أحاديث أخر. # وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «اعتدلوا في الركوع والسجود ولا يبسطن أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» ، ~~لا سيما وقد بين في حديث آخر: " أنه من صلاة المنافقين "، والله تعالى أخبر ~~في كتابه أنه لن يقبل عمل المنافقين. # فروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«تلك صلاة المنافق، يمهل حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر ~~أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا» ، فأخبر أن المنافق يضيع وقت الصلاة ~~المفروضة، ويضيع فعلها وينقرها، فدل ذلك على ذم هذا وهذا، وإن كان كلاهما ~~تاركا للواجب. ms023 # وذلك حجة واضحة في أن نقر الصلاة غير جائز، وأنه من فعل من فيه نفاق ~~والنفاق كله حرام، وهذا الحديث حجة مستقلة بنفسها وهو مفسر لحديث قبله، ~~وقال الله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] ~~[النساء] ، وهذا وعيد شديد لمن ينقر في صلاته فلا يتم ركوعه وسجوده ~~بالاعتدال والطمأنينة. # PageV01P059 # والمثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الأمثال، فإن الصلاة ~~قوت القلوب كما أن الغذاء قوت الجسد، فإذا كان الجسد لا يتغذى باليسير من ~~الأكل، فالقلب لا يقتات بالنقر في الصلاة، بل لا بد من صلاة تامة تقيت ~~القلوب. # وأما ما يرويه طوائف من العامة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " رأى ~~رجلا ينقر في صلاته فنهاه عن ذلك، فقال: لو نقر الخطاب من هذه نقرة لم يدخل ~~النار، فسكت عنه عمر "، فهذا لا أصل له ولم يذكره أحد من أهل العلم فيما ~~بلغني، لا في الصحيح ولا في الضعيف، والكذب ظاهر عليه فإن المنافقين قد ~~نقروا أكثر من ذلك وهم في الدرك الأسفل من النار. # وأيضا: فعن أبي عبد الله الأشعري الشامي قال: «صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأصحابه، ثم جلس في طائفة منهم، فدخل رجل فقام يصلي، فجعل يركع ~~وينقر في سجوده ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فقال: ترون هذا؟ ~~لو مات مات على غير ملة محمد، ينقر صلاته كما ينقر الغراب الرمة، إنما مثل ~~الذي يصلي ولا يتم ركوعه وينقر في سجوده، كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو ~~تمرتين لا تغنيان عنه شيئا، فأسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار، وأتموا ~~الركوع والسجود» ، قال أبو صالح: فقلت لأبي عبد الله الأشعري: من حدثك بهذا ~~الحديث؟ قال: أمراء الأجناد: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن ~~حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، كل هؤلاء يقولون: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، رواه أبو بكر بن ms024 خزيمة في صحيحه بكماله، وروى ابن ماجه بعضه. # PageV01P060 # وأيضا: ففي صحيح البخاري [عن أبي وائل عن زيد بن وهب] : " أن حذيفة بن ~~اليمان رضي الله عنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته دعاه ~~وقال له حذيفة: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. ولفظ أبي وائل: " ما صليت "، وأحسبه قال: " لو ~~مت مت على غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم ". # وهذا الذي لم يتم صلاته إنما ترك الطمأنينة، أو ترك الاعتدال أو ترك ~~[كليهما] فإنه لا بد أن يكون قد ترك بعض ذلك، إذ نقر الغراب والفصل بين ~~السجدتين بحد السيف، والهبوط من الركوع إلى السجود، [لا يمكن] أن ينقص منه ~~مع الإتيان بما قد يقال: إنه ركوع أو سجود، وهذا الرجل كان يأتي بما قد ~~يقال له ركوع وسجود، لكنه لم يتمه، ومع هذا قال له حذيفة: " ما صليت "، ~~فنفى عنه الصلاة، ثم قال: " لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها ~~محمدا صلى الله عليه وسلم " و " على غير السنة "، وكلاهما المراد به هنا: ~~الدين والشريعة، ليس المراد به فعل المستحبات، فإن هذا لا يوجب هذا الذم ~~والتهديد، فلا يكاد أحد يموت على كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المستحبات؛ ولأن لفظ: " الفطرة، والسنة " في كلامهم هو: الدين والشريعة، ~~وإن كان بعض الناس اصطلحوا على أن لفظ " السنة " يراد # PageV01P061 # به ما ليس بفرض، إذ قد يراد بها ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه» ، فهي تتناول ما سنه من ~~الواجبات أعظم مما سنه من التطوعات، كما في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه قال: " إن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإن هذه ~~الصلوات في جماعة من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا ~~المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو ms025 تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد ~~رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق "، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها ~~وعضوا عليها بالنواجذ» . # ولأن الله سبحانه وتعالى أمر في كتابه بإقامة الصلاة، وذم المصلين ~~الساهين عنها المضيعين لها، فقال تعالى في غير موضع: {وأقيموا الصلاة} ~~[البقرة: 43] ، وإقامتها تتضمن إتمامها بحسب الإمكان، كما سيأتي في حديث ~~أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " «أقيموا الركوع والسجود فإني أراكم من بعد ~~ظهري» "، وفي رواية: " «أتموا الركوع والسجود» "، وسيأتي تقرير دلالة ذلك. # والدليل على ذلك من القرآن أنه سبحانه وتعالى قال: {وإذا ضربتم في الأرض ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ~~[النساء: 101] [النساء: 101] ، فأباح الله القصر من عددها والقصر من # PageV01P062 # صفتها، ولهذا علقه بشرطين: السفر والخوف، فالسفر: يبيح قصر العدد فقط، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر ~~الصلاة» ، ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة عنه، ~~التي اتفقت الأمة على نقلها عنه " «أنه كان يصلي الرباعية في السفر ركعتين» ~~" ولم يصلها في السفر أربعا قط، ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما، لا في ~~الحج ولا في العمرة ولا في الجهاد. # والخوف يبيح قصر صفتها كما قال الله تعالى في تمام الكلام: {وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا ~~فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم} [النساء: 102] [النساء: 102] ، فذكر صلاة الخوف، وهي صلاة ذات ~~الرقاع، إذ كان العدو في جهة القبلة، وكان فيها: " أنهم كانوا يصلون خلفه، ~~فإذا قام إلى الثانية فارقوه وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم ذهبوا إلى ~~مصاف أصحابهم " كما قال: {فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} [النساء: 102] ~~فجعل السجود لهم خاصة، فعلم أنهم يفعلونه منفردين ثم قال: {ولتأت طائفة ~~أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} [النساء: 102] فعلم أنهم يفعلونه [معه مأمومين] ms026 ~~. # وفي هذه الصلاة تفريق المأمومين، ومفارقة الأولين للإمام، وقيام الآخرين ~~قبل سلام الإمام، ويتمون لأنفسهم ركعة. # ثم قال تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} [النساء: 103] [النساء: 103] ، فأمرهم بعد ~~الأمن بإقامة # PageV01P063 # الصلاة، وذلك يتضمن الإتمام وترك القصر منها الذي أباحه الخوف والسفر، ~~فعلم أن الأمر بالإقامة يتضمن الأمر بإتمامها بحسب الإمكان. # وأما قوله في صلاة الخوف: {فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102] ، فتلك إقامة ~~وإتمام في حال الخوف، كما أن الركعتين في السفر إقامة وإتمام، كما ثبت في ~~الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " «صلاة السفر ركعتان، وصلاة ~~الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم» "، وهذا يبين ما رواه مسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال: قلت ~~لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: " «إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال الله ~~عز وجل: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] وقد ذهب ذلك اليوم؟ ~~فقال: عجبت مما عجبت منه، فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقة ~~تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» ، فإن المتعجب ظن أن القصر مطلقا مشروط ~~بعدم الأمن، فبينت السنة أن القصر نوعان، كل نوع له شرط. # وثبتت السنة أن الصلاة مشروعة في السفر تامة؛ لأنه بذلك أمر الناس، ليست ~~مقصورة في الأجر والثواب، وإن كانت مقصورة في الصفة والعمل؛ إذ المصلي يؤمر ~~بالإطالة تارة ويؤمر بالاقتصار تارة. # وأيضا فإن الله تعالى قال: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت ~~على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] [النساء: 103] # PageV01P064 # والموقوت قد فسره السلف بالمفروض وفسروه بما له وقت، والمفروض هو المقدر ~~المحدد؛ فإن التوقيت والتقدير والتحديد والفرض ألفاظ متقاربة، وذلك يوجب أن ~~الصلاة مقدرة محددة مفروضة موقوتة، وذلك في زمانها وأفعالها، وكما أن ~~زمانها محدود، فأفعالها أولى أن تكون محدودة موقوتة، وهو يتناول تقدير ~~عددها بأن جعله خمسا، وجعل بعضها أربعا في الحضر واثنتين في السفر، وبعضها ~~ثلاثا، وبعضها اثنتين في الحضر ms027 والسفر، وتقدير عملها أيضا؛ ولهذا يجوز عند ~~العذر الجمع المتضمن لنوع من التقديم والتأخير في الزمان، كما يجوز أيضا ~~القصر من عددها ومن صفتها بحسب ما جاءت به الشريعة، وذلك أيضا مقدر عند ~~العذر كما هو مقدر عند غير العذر؛ ولهذا فليس للجامع بين الصلاتين أن يؤخر ~~صلاة النهار إلى الليل أو صلاة الليل إلى النهار، وصلاتي النهار: الظهر ~~والعصر، وصلاتي الليل: المغرب والعشاء، وكذلك أصحاب الأعذار الذين ينقصون ~~من عددها وصفتها، وهو موقوت محدود، ولا بد أن تكون الأفعال محدودة الابتداء ~~والانتهاء، فالقيام محدود بالانتصاب بحيث لو خرج عن حد المنتصب إلى حد ~~المنحني الراكع باختياره، لم يكن قد أتى بحد القيام. # ومن المعلوم أن ذكر القيام - الذي هو القراءة - أفضل من ذكر الركوع ~~والسجود، ولكن نفس عمل الركوع والسجود أفضل من عمل القيام؛ ولهذا كان عبادة ~~بنفسه، ولم يصح في شرعنا إلا لله بوجه من الوجوه، وغير ذلك من الأدلة ~~المذكورة في غير هذا الموضع. # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن هذه الأفعال مقدرة محدودة # PageV01P065 # بقدر التمكن منها، فالساجد عليه أن يصل إلى الأرض، وهو غاية التمكن ليس ~~له غاية دون ذلك إلا لعذر، وهو من حين انحنائه أخذ في السجود سواء سجد من ~~قيام أو من قعود، فينبغي أن يكون ابتداء السجود مقدرا بذلك بحيث يسجد من ~~قيام أو قعود، لا يكون سجوده من انحناء، فإن ذلك يمنع كونه مقدرا محدودا ~~بحسب الإمكان، ومتى وجب ذلك وجب الاعتدال في الركوع وبين السجدتين. # وأيضا: ففي ذلك إتمام الركوع والسجود # وأيضا: فأفعال الصلاة إذا كانت مقدرة وجب أن يكون لها قدر وذلك هو ~~الطمأنينة، فإن من نقر نقر الغراب لم يكن لفعله قدر أصلا؛ فإن قدر الشيء ~~ومقداره فيه زيادة على أصل وجوده، ولهذا يقال للشيء الدائم: ليس له قدر؛ ~~فإن القدر لا يكون لأدنى حركة بل لحركة ذات امتداد # وأيضا: فإن الله عز وجل أمرنا بإقامتها، والإقامة: أن تجعل قائمة، والشيء ~~القائم: هو المستقيم المعتدل، فلا بد أن ms028 تكون أفعال الصلاة مستقرة معتدلة، ~~وذلك إنما يكون بثبوت أبعاضها واستقرارها، وهذا يتضمن الطمأنينة، فإن من ~~نقر نقر الغراب لم يقم السجود، ولا يتم سجوده إذا لم يثبت ولم يستقر، وكذلك ~~الراكع # يبين ذلك ما جاء في الصحيحين عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصف من ~~تمام الصلاة» ، وأخرجاه من حديث عبد العزيز بن # PageV01P066 # صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " «أتموا الصفوف فإني أراكم من خلف ظهري» " وفي لفظ: " «أقيموا ~~الصفوف» " وروى البخاري من حديث حميد، عن أنس قال: " «أقيمت الصلاة فأقبل ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا؛ فإني ~~أراكم من وراء ظهري، وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وبدنه ببدنه» " # فإذا كان تقويم الصف وتعديله من تمامها وإقامتها بحيث لو خرجوا عن ~~الاستواء والاعتدال بالكلية حتى يكون رأس هذا عند النصف الأسفل من هذا، لم ~~يكونوا مصطفين، ولكانوا يؤمرون بالإعادة، وهم بذلك أولى من الذي صلى خلف ~~الصف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة، فكيف بتقويم ~~أفعالها وتعديلها بحيث لا يقيم صلبه في الركوع والسجود؟ . # ويدل على ذلك - وهو دليل مستقل في المسألة - ما أخرجاه في الصحيحين عن ~~شعبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~«أقيموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من بعدي - وفي رواية: من بعد ~~ظهري - إذا ركعتم وسجدتم» "، وفي رواية للبخاري عن همام، عن قتادة عن أنس ~~رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " «أتموا الركوع ~~والسجود فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما ~~سجدتم» "، ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي وابن # PageV01P067 # أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " «أتموا الركوع والسجود» " - ولفظ ابن ms029 أبي عروبة - " «أقيموا الركوع ~~والسجود فإني أراكم» " وذكره # فهذا يبين أن إقامة الركوع والسجود توجب إتمامها كما في اللفظ الآخر، ~~وأيضا [فأمره] لهم بإقامة الركوع والسجود يتضمن السكون فيهما؛ إذ من ~~المعلوم أنهم كانوا يأتون بالانحناء في الجملة، بل الأمر بالإقامة يقتضي ~~أيضا الاعتدال فيهما وإتمام طرفيهما، وفي هذا رد على من زعم أنه لا يجب ~~الرفع فيهما وذلك أن هذا أمر للمأمومين خلفه، ومن المعلوم أنه لم يكن ~~يمكنهم الانصراف قبله # وأيضا فقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله ~~قانتين} [البقرة: 238] [البقرة] أمر بالقنوت في القيام لله، والقنوت: دوام ~~الطاعة لله عز وجل سواء كان في حال الانتصاب أو في حال السجود، كما قال ~~تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ~~ربه} [الزمر: 9] [الزمر: 9] ، وقال تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب ~~بما حفظ الله} [النساء: 34] [النساء: 34] وقال: {ومن يقنت منكن لله ورسوله} ~~[الأحزاب: 31] [الأحزاب: 31] وقال: {وله من في السماوات والأرض كل له ~~قانتون} [الروم: 26] [الروم] . # فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] إما ~~أن يكون أمرا لإقامة الصلاة مطلقا كما في قوله: {كونوا قوامين بالقسط} ~~[النساء: 135] # PageV01P068 # [النساء: 135] فيعم أفعالها، ويقتضي الدوام في أفعالها، وإما أن يكون ~~المراد به: القيام المخالف للقعود، فهذا يعم ما قبل الركوع وما بعده، ~~ويقتضي الطول وهو القنوت المتضمن للدعاء، كقنوت النوازل وقنوت الفجر عند من ~~يستحب المداومة عليه. # وإذا ثبت وجود هذا ثبت وجوب الطمأنينة في سائر الأفعال بطريق الأولى # ويقوي الوجه الأول: حديث زيد بن أرقم الذي في الصحيحين عنه قال: " «كان ~~أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة، فنزلت {وقوموا لله قانتين} [البقرة: ~~238] قال: فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» " حيث أخبر أنهم كانوا يتكلمون ~~في الصلاة، ومعلوم أن السكوت عن خطاب الآدميين واجب في جميع الصلاة، فاقتضى ~~ذلك الأمر بالقنوت في جميع الصلاة، ودل الأمر بالقنوت على السكوت عن مخاطبة ~~الناس؛ لأن القنوت هو دوام الطاعة، فالمشتغل بمخاطبة العباد تارك للاشتغال ~~بالصلاة ms030 التي هي عبادة الله وطاعته، فلا يكون مداوما على طاعته؛ ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم عليه ولم يرد بعد أن كان يرد: " «إن في ~~الصلاة لشغلا» " فأخبر أن في الصلاة ما يشغل المصلي عن مخاطبة الناس، وهذا ~~هو القنوت فيها، وهو دوام الطاعة؛ ولهذا جاز عند جمهور العلماء تنبيه ~~الناسي لما هو مشروع فيها من القراءة والتسبيح؛ لأن ذلك لا يشغله عنها، ولا ~~ينافي القنوت فيها # PageV01P069 # وأيضا فإنه سبحانه قال: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا ~~سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15] [السجدة] فأخبر أنه ~~لا يكون مؤمنا إلا من سجد إذا ذكر بالآيات وسبح بحمد ربه. # ومعلوم أن قراءة القرآن في الصلاة هي تذكير بالآيات، ولذلك وجب السجود مع ~~ذلك، وقد أوجب خرورهم سجدا وأوجب تسبيحهم بحمد ربهم، وذلك يقتضي وجوب ~~التسبيح في السجود، وهذا يقتضي وجوب الطمأنينة؛ ولهذا قال طائفة من العلماء ~~من أصحاب أحمد وغيرهم: إن مقدار الطمأنينة الواجبة مقدار التسبيح الواجب ~~عندهم. # والثاني: أن الخرور هو السقوط والوقوع، وهذا إنما يقال فيما يثبت ويسكن ~~لا فيما لا يوجد منه سكون على الأرض؛ ولهذا قال الله: {فإذا وجبت جنوبها} ~~[الحج: 36] والوجوب في الأصل هو الثبوت والاستقرار. # وأيضا: فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «لما نزلت {فسبح باسم ربك ~~العظيم} [الواقعة: 74] [الواقعة] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] قال: ~~اجعلوها في سجودكم» " رواه أبو داود، وابن ماجه. # فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجعل هذين التسبيحين في الركوع والسجود، ~~وأمره على الوجوب وذلك يقتضي وجوب ركوع وسجود تبعا لهذا التسبيح، وذلك هو ~~الطمأنينة. # PageV01P070 # ثم إن من الفقهاء من قد يقول: التسبيح ليس بواجب، وهذا القول يخالف ظاهر ~~الكتاب والسنة؛ فإن ظاهرهما يدل على وجوب الفعل والقول جميعا، فإذا دل دليل ~~على عدم وجوب القول لم يمنع وجوب الفعل # وأما من يقول بوجوب التسبيح فيستدل لذلك بقوله تعالى: ms031 {وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل الغروب} [ق: 39] [ق: 39] وهذا أمر بالصلاة كلها، كما ثبت ~~في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: " «كنا جلوسا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم ~~سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا ~~تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ {وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [ق: 39] » . # وإذا كان الله عز وجل قد سمى الصلاة تسبيحا فقد دل ذلك على وجوب التسبيح، ~~كما أنه لما سماها قياما في قوله تعالى: {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] ~~[المزمل] دل على وجوب القيام، وكذلك لما سماها قرآنا في قوله تعالى: {وقرآن ~~الفجر} [الإسراء: 78] [الإسراء: 78] دل على وجوب القرآن فيها، ولما سماها ~~ركوعا وسجودا في مواضع دل على وجوب الركوع والسجود فيها. # وذلك: أن تسميتها بهذه الأفعال دليل على أن هذه الأفعال لازمة لها، فإذا ~~وجدت الصلاة وجدت هذه الأفعال، فتكون من الأبعاض اللازمة، كما أنهم يسمون ~~الإنسان بأبعاضه اللازمة له # PageV01P071 # فيسمونه رقبة ورأسا ووجها ونحو ذلك، كما في قوله تعالى: {فتحرير رقبة} ~~[المجادلة: 3] [المجادلة: 3] ، ولو جاز وجود الصلاة بدون التسبيح لكان ~~الأمر بالتسبيح لا يصلح أن يكون أمرا بالصلاة، فإن اللفظ حينئذ لا يكون ~~دالا على معناه ولا على ما يستلزم معناه. # وأيضا: فإن الله عز وجل ذم عموم الإنسان واستثنى إلا المصلين الذين هم ~~على صلاتهم دائمون، [كما] قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا - إذا مسه الشر ~~جزوعا - وإذا مسه الخير منوعا - إلا المصلين - الذين هم على صلاتهم دائمون} ~~[المعارج: 19 - 23] [المعارج] والسلف من الصحابة ومن بعدهم قد فسروا الدائم ~~على الصلاة بالمحافظ على أوقاتها، وبالدائم على أفعالها بالإقبال عليها، ~~والآية تعم هذا وهذا، فإنه قال: {على صلاتهم دائمون} [المعارج: 23] والدائم ~~على الفعل هو المديم له الذي يفعله دائما، فإذا كان هذا فيما يفعل في ~~الأوقات المتفرقة: هو أن يفعله كل ms032 يوم بحيث لا يفعله تارة ويتركه أخرى، ~~وسمي ذلك دواما عليه، فالدوام على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دواما ~~وأن تتناول الآية ذلك، وذلك يدل على وجوب إدامة أفعالها؛ لأن الله عز وجل ~~ذم عموم الإنسان واستثنى المداوم على هذه الصفة، فتارك إدامة أفعالها يكون ~~مذموما من الشارع، والشارع لا يذم إلا على ترك واجب أو فعل محرم. # وأيضا: فإنه سبحانه وتعالى قال: {إلا المصلين - الذين هم على صلاتهم ~~دائمون} [المعارج: 22 - 23] ، فدل ذلك على أن المصلي قد يكون دائما على ~~صلاته وقد لا يكون دائما عليها، وأن المصلي الذي ليس بدائم مذموم، وهذا ~~يوجب ذم من لا يديم أفعاله المتصلة والمنفصلة، وإذا # PageV01P072 # وجب دوام أفعالها فذلك هو نفس الطمأنينة؛ فإنه يدل على وجوب إدامة الركوع ~~والسجود وغيرهما، ولو كان المجزئ أقل مما ذكر من الخفض - وهو نقر الغراب - ~~لم يكن ذلك دواما، ولم يجب الدوام على الركوع والسجود، وهما أصل أفعال ~~الصلاة. # فعلم أنه كما تجب الصلاة يجب الدوام عليها المتضمن للطمأنينة والسكينة في ~~أفعالها. # وأيضا: فقد قال الله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا ~~على الخاشعين} [البقرة: 45] [البقرة] . # وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين، كقوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت ~~عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا ~~على الذين هدى الله} [البقرة: 143] [البقرة: 143] ، وقوله تعالى: {كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} [الشورى: 13] [الشورى: 13] . # فقد دل كتاب الله عز وجل على من كبر عليه ما يحبه الله، [فأنه] مذموم ~~بذلك في الدين مسخوط منه ذلك، والذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب أو فعل ~~محرم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع. # فمن المعلوم أن الخشوع المذكور في قوله تعالى: {وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين} [البقرة: 45] لا بد أن يتضمن الخشوع في الصلاة؛ فإنه لو كان ~~المراد الخشوع خارج الصلاة لفسد المعنى؛ إذ لو قيل: إن الصلاة لكبيرة إلا ~~على من خشع خارجها ولم يخشع فيها ms033 كان # PageV01P073 # يقتضي أنها لا تكبر على من لم يخشع فيها وتكبر على من خشع فيها، وقد ~~انتفى مدلول الآية، فثبت أن الخشوع واجب في الصلاة. # ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضا قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون - الذين ~~هم في صلاتهم خاشعون - والذين هم عن اللغو معرضون - والذين هم للزكاة ~~فاعلون - والذين هم لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين - فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون - والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون - والذين هم على صلواتهم يحافظون - أولئك هم ~~الوارثون - الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} [المؤمنون: 1 - 11] ~~[المؤمنون] . # أخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة، وذلك يقتضي أنه ~~لا يرثها غيرهم، وقد دل هذا على وجوب هذه الخصال؛ إذ لو كان فيها ما هو ~~مستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأن الجنة تنال بفعل الواجبات دون ~~المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب، وإذا كان الخشوع ~~في الصلاة واجبا فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعا. # ومنه حديث عمر رضي الله عنه: حيث رأى رجلا يعبث في صلاته فقال: " لو خشع ~~قلب هذا لخشعت جوارحه " أي لسكنت وخضعت، وقال تعالى: {ومن آياته أنك ترى ~~الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} [فصلت: 39] [فصلت: 39] ~~فأخبر أنها بعد الخشوع تهتز، والاهتزاز حركة، وتربو، والربو: الارتفاع. # فعلم أن الخشوع فيه سكون وانخفاض؛ ولهذا «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول في حال ركوعه: " اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت # PageV01P074 # خشع لك سمعي وبصري ومخي وعقلي وعصبي» " رواه مسلم في صحيحه، فوصف نفسه ~~بالخشوع في حال الركوع؛ لأن الراكع ساكن متواضع، وبذلك فسرت الآية، ففي ~~التفسير المشهور الذي يقال له: تفسير الوالبي، عن علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما - وقد رواه المصنفون في التفسير كأبي بكر بن المنذر، ~~ومحمد بن جرير الطبري وغيرهما، من حديث أبي صالح عبد الله بن صالح عن ~~معاوية بن أبي صالح عن علي ms034 بن أبي طلحة عن ابن عباس - قوله تعالى: {في ~~صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] يقول: خائفون ساكنون، ورووا في التفاسير ~~المسندة كتفسير ابن المنذر وغيره من حديث سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد " ~~خاشعون " قال: السكون فيها، قال: وكذلك قال الزهري، ومن حديث هشام عن مغيرة ~~عن إبراهيم النخعي قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون، قال الضحاك: الخشوع ~~الرهبة لله، وروي عن الحسن: خائفون، وروى ابن المنذر من حديث أبي عبد ~~الرحمن المقبري، حدثنا المسعودي، حدثنا أبو سنان أنه قال في هذه الآية ~~{الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] قال: الخشوع في القلب وأن يلين ~~كنفه للمرء المسلم وأن لا [تلتفت] في صلاتك، وفي تفسير ابن المنذر أيضا ما ~~في تفسير إسحاق بن راهويه عن روح، حدثنا سعيد، عن قتادة: {الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] # PageV01P075 # قال: الخشوع في القلب والخوف وغض البصر في الصلاة، وعن أبي عبيدة معمر بن ~~المثنى في كتابه " مجاز القرآن " {في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] أي لا ~~تطمح أبصارهم ولا يلتفتون. # وقد روى الإمام أحمد في كتاب الناسخ والمنسوخ من حديث ابن سيرين، ورواه ~~إسحاق بن راهويه في التفسير، وابن المنذر أيضا في التفسير الذي له، رواه من ~~حديث الثوري، حدثني خالد، عن ابن سيرين قال: " «كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يرفع بصره إلى السماء فأمر بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده» " أي محل ~~سجوده، قال سفيان: وحدثني غيره عن ابن سيرين " أن هذه الآية نزلت في ذلك ~~{قد أفلح المؤمنون - الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 1 - 2] قال: هو ~~سكون المرء في صلاته " قال معمر: وقال الحسن: " خائفون " وقال قتادة: " ~~الخشوع في القلب " ومنه خشوع البصر وخفضه وسكونه عند تقليبه في الجهات، ~~كقوله تعالى: {فتول عنهم يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر - خشعا أبصارهم ~~يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر - مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا ~~يوم عسر} [القمر: 6 - 8] [القمر] وقوله تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث ~~سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون - خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك ms035 اليوم الذي ~~كانوا يوعدون} [المعارج: 43 - 44] [المعارج] وفي القراءة الأخرى [في الآية ~~الأولى] ( [خاشعا] أبصارهم) وفي هاتين الآيتين وصف أجسادهم بالحركة السريعة ~~حيث لم يصف بالخشوع إلا أبصارهم، بخلاف آية الصلاة، فإنه وصف # PageV01P076 # بالخشوع جملة المصلين بقوله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} ~~[المؤمنون: 2] وقوله تعالى: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] ~~. # وقال تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون - خاشعة ~~أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون} [القلم: 42 - ~~43] [القلم] . # ومن ذلك: خشوع الأصوات، كقوله تعالى: {وخشعت الأصوات للرحمن} [طه: 108] ~~[طه: 108] وهو انخفاضها وسكونها، وقال تعالى: {وترى الظالمين لما رأوا ~~العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل - وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ~~ينظرون من طرف خفي} [الشورى: 44 - 45] [الشورى: 44، 45] وقال تعالى: {وجوه ~~يومئذ خاشعة - عاملة ناصبة - تصلى نارا حامية - تسقى من عين آنية} ~~[الغاشية: 2 - 5] [الغاشية] وهذا يكون يوم القيامة، وهذا هو الصواب من ~~القولين بلا ريب، كما قال في القسم الآخر: {وجوه يومئذ ناعمة - لسعيها ~~راضية - في جنة عالية} [الغاشية: 8 - 10] [الغاشية] وقال تعالى: {ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين - وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ~~وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} ~~[الأنبياء: 72 - 73] [الأنبياء] . # وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا وهو متضمن للسكون والخشوع، فمن نقر نقر ~~الغراب لم يخشع في سجوده، وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ~~ينخفض لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن، ومن ~~لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده، ومن لم يخشع كان آثما عاصيا، وهو ~~الذي بيناه. # PageV01P077 # ويدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد ~~تاركيه كالذي يرفع بصره إلى السماء، فإنه حركته ورفعه، وهو ضد حال الخاشع، ~~فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~«ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟ " فاشتد قوله في ms036 ذلك فقال: " ~~لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» "، وعن جابر بن سمرة قال : «دخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المسجد وفيه ناس يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء فقال: ~~" لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء أو لا ترجع إليهم أبصارهم» " ~~الأول: في البخاري والثاني: في مسلم، وكلاهما في سنن أبي داود والنسائي ~~وابن ماجه. # وقال محمد بن سيرين: " «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع بصره في ~~الصلاة فلما نزلت هذه الآية {قد أفلح المؤمنون - الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون} [المؤمنون: 1 - 2] لم يكن يجاوز بصره موضع سجوده» " رواه الإمام ~~أحمد في كتاب الناسخ والمنسوخ. # فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع حرمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتوعد عليه. # وأما الالتفات لغير حاجة فهو ينقص الخشوع ولا ينافيه. فلهذا كان ينقص ~~الصلاة كما روى البخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~«سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في الصلاة فقال: " هو ~~اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» ". # PageV01P078 # وروى أبو داود والنسائي عن أبي الأحوص، عن أبى ذر رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في ~~صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه» "، وأما لحاجة فلا بأس به كما ~~روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال: " «ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب» " قال أبو ~~داود: وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس، وهذا كحمله أمامة بنت أبي ~~العاص بن الربيع من زينب بنت رسول الله، وفتحه الباب لعائشة ونزوله من ~~المنبر لما صلى بهم يعلمهم، وتأخره في صلاة الكسوف، وإمساكه الشيطان وخنقه ~~لما أراد أن يقطع صلاته، وأمره بقتل الحية والعقرب في الصلاة، وأمره برد ~~المار بين يدي المصلي ومقاتلته، وأمره النساء بالتصفيق، وإشارته في الصلاة، ~~وغير ذلك من الأفعال التي تفعل لحاجة، ولو كانت لغير ms037 حاجة كانت من العبث ~~المنافي للخشوع المنهي عنه في الصلاة. # ويدل على ذلك أيضا : ما رواه تميم الطائي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه ~~قال: " «دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس رافعو أيديهم - قال ~~الراوي وهو زهير بن معاوية: وأراه قال: في الصلاة - فقال: ما لي أراكم ~~رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة» " رواه مسلم وأبو ~~داود والنسائي، ورووا أيضا عن عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة رضي ~~الله عنه قال: " «كنا إذا صلينا # PageV01P079 # خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن ~~عن يساره فلما صلى قال: ما بال أحدكم يومئ بيده كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما ~~يكفي أحدكم - أو: ألا يكفي أحدكم - أن يقول هكذا - وأشار بإصبعه - يسلم على ~~أخيه من عن يمينه ومن عن شماله» " وفي رواية قال: " «أما يكفي أحدكم - أو ~~أحدهم - أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله» ؟ ~~". # ولفظ مسلم: " «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا إذا سلمنا ~~قلنا بأيدينا: السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت ~~إلى صاحبه ولا يومئ بيده» ". # فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسكون في الصلاة، وهذا يقتضي ~~السكون فيها كلها، والسكون لا يكون إلا بالطمأنينة، فمن لم يطمئن لم يسكن ~~فيها، وأمره بالسكون فيها موافق لما أمر الله تعالى به من الخشوع فيها، ~~وأحق الناس باتباع هذا هم أهل الحديث. # ومن ظن أن نهيه عن رفع الأيدي هو النهي عن رفعها إلى منكبه حين الركوع ~~وحين الرفع منه وحمله على ذلك - فقد غلط، فإن الحديث جاء مفسرا بأنهم كانوا ~~إذا سلموا في الصلاة سلام التحليل أشاروا بأيديهم إلى المسلم عليهم من عن ~~اليمين ومن عن الشمال. # ويبين ذلك قوله: " «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها ms038 أذناب خيل # PageV01P080 # شمس؟» " والشمس جمع شموس وهو الذي [تسميه] العامة الشموص، وهو [الذي] ~~يحرك ذنبه ذات اليمين وذات الشمال، وهى حركة لا سكون فيها. # وأما رفع الأيدي عند الركوع وعند الرفع بمثل رفعها عند الاستفتاح، فذلك ~~مشروع باتفاق المسلمين، فكيف يكون الحديث نهيا عنه؟ # وقوله: " «اسكنوا في الصلاة» " يتضمن ذلك؛ ولهذا صلى بعض الأئمة الذين لم ~~يكونوا يرون هذا الرفع إلى جنب عبد الله بن المبارك فرفع ابن المبارك يديه ~~فقال له: أتريد أن تطير؟ فقال: " إن كنت أطير في أول مرة فأنا أطير في ~~الثانية، وإلا فلا " وهذا نقض لما ذكره من المعنى. # وأيضا فقد تواترت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا الرفع، ~~فلا يكون نهيا عنه ولا يكون ذلك الحديث معارضا، بل لو [قدر تعارضها] ~~فأحاديث هذا الرفع كثيرة متواترة ويجب تقديمها على الخبر الواحد لو عارضها، ~~وهذا الرفع فيه سكون، فقوله: " «اسكنوا في الصلاة» " لا ينافي هذا الرفع ~~كرفع الاستفتاح وكسائر أفعال الصلاة، بل قوله: " اسكنوا " يقتضي السكون في ~~كل بعض من أبعاض الصلاة وذلك يقتضي وجوب السكون في الركوع والسجود ~~والاعتدالين، فبين هذا أن السكون مشروع في جميع أفعال الصلاة بحسب الإمكان؛ ~~ولهذا يسكن فيها في الانتقالات التي منتهاها إلى الحركة، فإن # PageV01P081 # السكون فيها يكون بحركة معتدلة لا سريعة، كما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم في المشي إليها وهى حركة إليها، فكيف بالحركة فيها؟ فقال: " «إذا ~~أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا ~~وما فاتكم فاقضوا» ". # وهذا أيضا دليل مستقل في المسألة، فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ~~وائتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» ". رواه ~~البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. قال أبو داود: وكذلك قال الترمذي وابن ~~أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ومعمر وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري: " «وما فاتكم ~~فأتموا» " وقال ابن عيينة عن الزهري " فاقضوا ms039 " قال محمد بن عمر عن أبي ~~سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وجعفر بن أبي ربيعة عن الأعرج عن أبي ~~هريرة: " فأتموا " وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: " فأتموا " ~~وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «ائتوا ~~الصلاة وعليكم السكينة فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم» " قال أبو داود: ~~وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه: " وليقض " وكذلك قال أبو ~~رافع عن أبي هريرة، وأبو ذر رضي الله عنه روي عنه: " فأتموا، واقضوا " ~~اختلف عنه. # PageV01P082 # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالسكينة حال الذهاب إلى ~~الصلاة ونهى عن السعي الذي هو إسراع في ذلك؛ لكونه سببا للصلاة فالصلاة أحق ~~أن يؤمر فيها بالسكينة وينهى فيها عن الاستعجال. # فعلم أن الراكع والساجد مأمور بالسكينة منهي عن الاستعجال بطريق الأولى ~~والأحرى، لا سيما وقد أمره بالسكينة بعد سماع الإقامة الذي يوجب عليه ~~الذهاب إليها، ونهاه أن يشتغل عنها بصلاة تطوع وإن أفضى ذلك إلى فوات بعض ~~الصلاة، فأمره بالسكينة وأن يصلي ما فاته منفردا بعد سلام الإمام، وجعل ذلك ~~مقدما على الإسراع إليها، وهذا يقتضي شدة النهي عن الاستعجال إليها، فكيف ~~فيها؟ # يبين ذلك ما روى أبو داود عن أبي ثمامة الحناط عن كعب بن عجرة قال: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج ~~عامدا إلى المسجد، فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة» " فقد نهاه صلى الله عليه ~~وسلم في مشيه إلى الصلاة عما نهاه عنه في الصلاة من الكلام والعمل له ~~منفردا، فكيف يكون حال المصلي نفسه في ذلك المشي وغير ذلك؟ فإذا كان منهيا ~~عن السرعة والعجلة في المشي، مأمورا بالسكينة وإن فاته بعض الصلاة مع ~~الإمام حتى يصلي قاضيا له، فأولى أن يكون مأمورا بالسكينة فيها. # ويدل على ذلك: أن الله عز وجل أمر في كتابه بالسكينة والقصد في الحركة ~~والمشي مطلقا فقال: {واقصد في مشيك ms040 واغضض من صوتك} [لقمان: 19] [لقمان: 19] ~~، وقال تعالى: # PageV01P083 # {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما} [الفرقان: 63] [الفرقان] قال الحسن وغيره: بسكينة ووقار، فأخبر أن ~~عباد الرحمن هم هؤلاء، فإذا كان مأمورا بالسكينة والوقار في الأفعال ~~العادية التي هي من جنس الحركة، فكيف الأفعال العبادية؟ ثم كيف بما هو فيها ~~من جنس السكون كالركوع والسجود؟ فإن هذه الأدلة تقتضي السكينة في الانتقال ~~كالرفع والخفض والنهوض والانحطاط، وأما نفس الأفعال التي هي المقصود ~~بالانتقال كالركوع نفسه والسجود نفسه والقيام والقعود أنفسهما، وهذه هي من ~~نفسها سكون فمن لم يسكن فيها لم يأت بها، وإنما هو بمنزلة من أهوى إلى ~~القعود ولم يأت به، كمن مد يده إلى الطعام ولم يأكل منه أو وضعه على فيه ~~ولم يطعمه. # وأيضا: فإن الله تعالى أوجب الركوع والسجود في الكتاب والسنة، وهو واجب ~~بالإجماع لقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] ~~[الحج: 77] ، وقوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون - خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم ~~سالمون} [القلم: 42 - 43] [القلم] وقوله تعالى: {فما لهم لا يؤمنون - وإذا ~~قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [الانشقاق: 20 - 21] [الانشقاق] وقوله تعالى: ~~{إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون} [السجدة: 15] [السجدة] ، وقوله تعالى: {واسجد واقترب} [العلق: ~~19] [العلق: 19] ، وقوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ~~ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ~~وكثير حق عليه العذاب} [الحج: 18] [الحج: 18] فدل على أن الذي لا يسجد لله ~~من الناس قد حق عليه العذاب، وقوله: {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} ~~[الإنسان: 26] [الإنسان] ، وقوله تعالى: {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} ~~[الحجر: 98] # PageV01P084 # [الحجر] وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} [المرسلات: 48] ~~[المرسلات] وقوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} [المائدة: 55] [المائدة] وإذا كان ~~الله عز وجل ms041 قد فرض الركوع والسجود لله في كتابه كما فرض أصل الصلاة، ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم، وسنته تفسر ~~الكتاب وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه، وفعله إذا خرج امتثالا لأمر أو تفسيرا ~~لمجمل كان حكمه حكم ما امتثله وفسره، وهذا كما أنه صلى الله عليه وسلم لما ~~كان يأتي في كل ركعة بركوع واحد وسجودين كان كلاهما واجبا، وكان هذا ~~امتثالا منه لما أمر الله به من الركوع والسجود، وتفسيرا لما أجمل ذكره في ~~القرآن، وكذلك المرجع إلى سنته في كيفية السجود، وقد كان يصلي الفريضة ~~والنافلة والناس يصلون على عهده ولم يصل قط إلا بالاعتدال عن الركوع ~~والسجود وبالطمأنينة في أفعال الصلاة كلها، قد نقل ذلك كل من نقل صلاة ~~الفريضة والنافلة، والناس يصلون على عهده ولم يصل قط إلا بالاعتدال عن ~~الركوع والسجود وبالطمأنينة، وكذلك كانت صلاة أصحابه على عهده، وهذا يقتضي ~~وجوب السكون والطمأنينة في هذه الأفعال كما يقتضي وجوب عددها وهو سجودان مع ~~كل ركوع. # وأيضا: فإن مداومته على ذلك في كل صلاة كل يوم مع كثرة الصلوات، من أقوى ~~الأدلة على وجوب ذلك؛ إذ لو كان غير واجب لتركه ولو مرة؛ ليبين الجواز أو ~~ليبين جواز تركه بقوله، فلما لم يبين - لا بقوله ولا بفعله - جواز ترك ذلك ~~مع مداومته عليه، كان ذلك دليلا على وجوبه. # وأيضا فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري «أنه قال لمالك بن # PageV01P085 # الحويرث وصاحبه: " إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وصلوا ~~كما رأيتموني أصلي» " فأمرهم أن يصلوا كما رأوه يصلي. # وذلك يقتضي أنه يجب على الإمام أن يصلي بالناس كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصلي لهم، ولا معارض لذلك ولا مخصص، فإن الإمام يجب عليه ما لا ~~يجب على المأموم والمنفرد. # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن سهل بن سعد أنه قال: ~~" «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المنبر ms042 وكبر وكبر الناس ~~معه وراءه وهو على المنبر، ثم رجع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم ~~عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إنما ~~صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» ". # وفي سنن أبي داود والنسائي عن سالم البراد قال: " «أتينا عقبة بن عمرو ~~الأنصاري أبا مسعود، فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقام بين أيدينا في المسجد فكبر، فلما ركع وضع يديه على ركبتيه وجعل ~~أصابعه أسفل من ذلك وجافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم قال: سمع ~~الله لمن حمده، فقام حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر وسجد ووضع كفه على ~~الأرض، ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه فجلس حتى ~~استقر كل شيء منه، ففعل ذلك أيضا، ثم صلى أربع ركعات مثل هذا الركعة فصلى ~~صلاته، ثم قال: هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي» ". # PageV01P086 # وهذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنهم كانوا لا يصلون إلا مطمئنين، ~~وإذا رأى بعضهم من لا يطمئن أنكر عليه ونهاه، ولا ينكر واحد منهم على ~~المنكر لذلك، وهذا إجماع منهم على وجوب السكون والطمأنينة في الصلاة قولا ~~وفعلا، ولو كان ذلك غير واجب لكانوا يتركونه أحيانا كما كانوا يتركون ما ~~ليس بواجب. # وأيضا: فإن الركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين ~~انحنائه، وحين وضع وجهه على الأرض، فأما مجرد الخفض والرفع عنه فلا يسمى ~~ذلك ركوعا ولا سجودا، ومن سماه ركوعا وسجودا فقد غلط على اللغة، فهو مطالب ~~بدليل من اللغة على أن هذا يسمى راكعا وساجدا حتى يكون فاعله ممتثلا للأمر ~~وحتى يقال: إن هذا الأمر المطالب به يحصل الامتثال فيه بفعل ما يتناوله ~~الاسم؛ فإن هذا لا يصح حتى يعلم أن مجرد هذا يسمى في اللغة ركوعا وسجودا، ~~وهذا مما لا سبيل إليه ولا دليل عليه، فقائل ذلك قائل بغير علم في ms043 كتاب ~~الله وفي لغة العرب، وإذا حصل الشك هل هذا ساجد أو ليس بساجد؟ لم يكن ~~ممتثلا بالاتفاق؛ لأن الوجوب معلوم وفعل الواجب ليس بمعلوم، كمن يتيقن وجوب ~~صلاة أو زكاة عليه ويشك في فعلها. # وهذا أصل ينبغي معرفته، فإنه يحسم مادة المنازع الذي يقول: إن هذا يسمى ~~ساجدا وراكعا في اللغة؛ فإنه قال بلا علم ولا حجة، وإذا طولب بالدليل انقطع ~~وكانت الحجة لمن يقول: ما نعلم براءة ذمته إلا بالسجود والركوع المعروفين، ~~ثم يقال: لو وجد استعمال لفظ الركوع والسجود في لغة العرب بمجرد ملاقاة ~~الوجه للأرض بلا طمأنينة، لكان المعفر خده # PageV01P087 # ساجدا ولكان الراغم أنفه - وهو الذي لصق أنفه بالرغام وهو التراب - ~~ساجدا، لا سيما عند المنازع الذي يقول: يحصل السجود بوضع الأنف دون الجبهة ~~من غير طمأنينة، فيكون نقر الأرض بالأنف سجودا، ومعلوم أن هذا ليس من لغة ~~القوم، كما أنه ليس من لغتهم تسمية نقرة الغراب ونحوها سجودا، ولو كان كذلك ~~لكان يقال للذي يضع وجهه على الأرض ليمص شيئا على الأرض أو يعضه أو ينقله ~~ونحو ذلك: ساجدا. # وأيضا: فإن الله أوجب المحافظة والإدامة على الصلاة، وذم إضاعتها والسهو ~~عنها، فقال في أول سورة المؤمنون: {قد أفلح المؤمنون - الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون - والذين هم عن اللغو معرضون - والذين هم للزكاة فاعلون - والذين هم ~~لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين - ~~فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون - والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~- والذين هم على صلواتهم يحافظون} [المؤمنون: 1 - 9] وقد سبق بيان أن هذه ~~الخصال واجبة. # وكذلك في سورة سأل سائل قال: {إن الإنسان خلق هلوعا - إذا مسه الشر جزوعا ~~- وإذا مسه الخير منوعا - إلا المصلين - الذين هم على صلاتهم دائمون - ~~والذين في أموالهم حق معلوم - للسائل والمحروم - والذين يصدقون بيوم الدين ~~- والذين هم من عذاب ربهم مشفقون - إن عذاب ربهم غير مأمون - والذين هم ~~لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين - ~~فمن ms044 ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون - والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~- والذين هم بشهاداتهم قائمون - والذين هم على صلاتهم يحافظون} [المعارج: ~~19 - 34] فذم الإنسان كله إلا ما استثناه، فمن لم يكن متصفا بما استثناه ~~كان مذموما، كما في قوله تعالى: {والعصر - إن الإنسان لفي خسر - إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1 - 3] # PageV01P088 # [العصر] ، وقال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا} [مريم: 59] [مريم] وقال تعالى: {فويل للمصلين - الذين هم ~~عن صلاتهم ساهون} [الماعون: 4 - 5] ، وقال تعالى: {حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] [البقرة] وهذه الآيات ~~تقتضي ذم من ترك شيئا من واجبات الصلاة، وإن كان في الظاهر مصليا مثل أن ~~يترك الوقت الواجب أو يترك تكميل الشرائط والأركان من الأعمال الظاهرة ~~والباطنة، وبذلك فسرها السلف، ففي تفسير عبد بن حميد - وذكره عن ابن المنذر ~~في تفسيره - من حديث عبد حدثنا روح عن سعيد عن قتادة {والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون} [المؤمنون: 9] : على وضوئها ومواقيتها وركوعها. # وروى أبو بكر بن المنذر في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن بن عبد الله ~~قال: " قيل لعبد الله: إن الله أكثر ذكر الصلاة في القرآن: {الذين هم على ~~صلاتهم دائمون} [المعارج: 23] و {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] ~~، {والذين هم على صلاتهم يحافظون} [المعارج: 34] فقال عبد الله: ذلك على ~~مواقيتها، فقالوا: ما كنا نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن إلا الترك، قال: تركها ~~كفر ". # وروى سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق ~~" في قول الله: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} [المعارج: 34] ، قال: على ~~مواقيتها، فقالوا: ما كنا نرى ذلك يا أبا عبد الرحمن، إلا # PageV01P089 # الترك، قال: تركها كفر "، وروي من حديث سعيد بن أبي مريم {الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون} [الماعون: 5] بتضييع ميقاتها، وروي عن أبي ثور عن ابن جريج ~~في قوله: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} [المعارج: 34] المكتوبة، والتي في ~~سأل سائل: التطوع، وهذا قول ضعيف. ms045 ### | [فصل في بيان القدر المشروع للإمام في الصلاة] # فصل # وأما القدر المشروع للإمام: فهي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~في صحيح البخاري عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه قال: " «إذا حضرت ~~الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم، ثم صلوا كما رأيتموني أصلي» ". # وأما القيام: ففي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة " «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقرأ في الفجر ب {ق - والقرآن المجيد} [ق: 1] ) » ونحوها، وكانت ~~صلاته بعد إلى تخفيف " أي يجعل صلاته بعد الفجر خفيفة، كما في صحيح مسلم ~~أيضا عنه قال: " «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل ~~إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك» "، وفي الصحيحين عن ~~أبي برزة الأسلمي قال: " «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير ~~التي تدعونها الأولى لحين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله ~~في أقصى المدينة # PageV01P090 # والشمس حية - قال الراوي: ونسيت ما قال في المغرب - وكان يستحب أن يؤخر ~~العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ~~ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ فيها بالستين إلى ~~المائة» "، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: " «حزرنا قيام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأولتين من ~~الظهر قدر ثلاثين آية، قدر الم السجدة، وحزرنا قيامه في الأولتين من العصر ~~على قدر الآخرتين من الظهر، وحزرنا قيامه في الآخرتين من العصر على النصف ~~من ذلك» "، رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وفي الصحيحين وغيرهما عن جابر بن ~~سمرة قال: قال عمر لسعد بن أبي وقاص: " «لقد شكاك الناس في كل شيء حتى في ~~الصلاة، قال: أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ولا آلو ما ~~اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ذاك الظن بك يا أبا ~~إسحاق» " وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي سعيد رضي ms046 الله عنه قال: " «لقد كانت ~~صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها» " وفي صحيح ~~مسلم أيضا عن أبي وائل قال: " «خطبنا عمار بن ياسر يوما فأوجز وأبلغ، ~~فقلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، فقال: إني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P091 # يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة ~~وأقصروا الخطبة، إن من البيان سحرا» ". # وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " «كنت أصلي مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم الصلوات فكانت صلاته قصدا» " أي وسطا. # وفعله الذي سنه لأمته هو من التخفيف الذي أمر به الأئمة، إذ التخفيف من ~~الأمور الإضافية، فالمرجع في مقداره إلى السنة، وذلك كما خرجاه في الصحيحين ~~عن جابر رضي الله عنه قال: " «كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم يرجع فيؤمنا - وقال مرة: ثم يرجع فيصلي بقومه - فأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم - وقال مرة: العشاء - فصلى معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~جاء يؤم قومه - فقرأ البقرة فاعتزل رجل من القوم فصلى، فقيل: نافقت، فقال: ~~ما نافقت، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن معاذا يصلي معك ثم يرجع ~~فيؤمنا يا رسول الله، إنما نحن أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا وإنه جاء يؤمنا ~~فقرأ سورة البقرة، فقال: أفتان أنت يا معاذ؟ اقرأ بكذا، اقرأ بكذا " قال ~~أبو الزبير: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] ، {والليل إذا يغشى} [الليل: ~~1] » ، وفي رواية للبخاري عن جابر رضي الله عنه قال: " أقبل رجل بناضحين، ~~وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي " وذكره نحوه، فقال في آخره: " «فلولا صليت ~~بسبح اسم ربك # PageV01P092 # الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الضعيف والكبير ~~وذو الحاجة» ". # وفي الصحيحين عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: " «جاء رجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: إني ms047 لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل ~~بنا، فما رأيت رسول الله غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ. قال: أيها ~~الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز؛ فإن وراءه الكبير والضعيف ~~وذا الحاجة» " وفي رواية: " فإن فيهم الضعيف والكبير " وفي رواية: " ~~«فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة» ". # وفي صحيح البخاري من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " «إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي ~~فأتجوز كراهية أن أشق على أمه» ". # وأما مقدار بقية الأركان مع القيام: فقد أخرجا في الصحيحين عن شريك بن ~~عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " «ما صليت وراء ~~إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم» ". # PageV01P093 # وفي رواية عن شريك عنه: " «وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن ~~تفتتن أمه» ". # وأخرجا فيهما من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال: " «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكملها» "، وفي لفظ: " ~~«يوجز الصلاة ويتم» ". # وأخرجا أيضا عن أبي قتادة، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي ~~فأتجوز من صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه» " رواه مسلم من حديث ~~ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: " «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ~~بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة ~~القصيرة» ". # وروى مسلم أيضا عن أنس رضي الله عنه قال: " «ما صليت خلف أحد أوجز صلاة، ~~ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاته متقاربة، وصلاة أبي ~~بكر متقاربة، فلما كان عمر رضي الله عنه مد في صلاة الصبح» " وعن قتادة عن ~~أنس رضي الله عنه " «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ms048 من # PageV01P094 # أخف الناس صلاة في تمام» ". # فقول أنس رضي الله عنه: " «ما صليت وراء إمام قط أخف ولا أتم صلاة من ~~رسول الله» " يريد أنه صلى الله عليه وسلم كان أخف الأئمة صلاة وأتم الأئمة ~~صلاة، وهذا لاعتدال صلاته وتناسبها كما في اللفظ الآخر: " «وكانت صلاته ~~معتدلة» " وفي اللفظ الآخر: " «كانت صلاته متقاربة» " لتخفيف قيامها ~~وقعودها، وتكون أتم صلاة لإطالة ركوعها وسجودها، ولو أراد أن يكون نفس ~~الفعل الواحد كالقيام هو أخف وهو أتم لناقض ذلك، ولهذا بين التخفيف الذي ~~كان يفعله إذا بكى الصبي وهو قراءة سورة قصيرة، وبين أن عمر بن الخطاب مد ~~في صلاة الصبح، وإنما مد في القراءة، فإن عمر رضي الله عنه كان يقرأ في ~~الفجر بسورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف. # والذي يبين ذلك: ما رواه أبو داود في سننه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال: " «ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تمام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام ~~حتى نقول: قد أوهم، ثم يكبر ويسجد، وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد ~~أوهم» " كما أخرجا في الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت، عن أنس قال: " «إني ~~لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا " قال ~~ثابت: " فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع ~~انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي» " وللبخاري من حديث شعبة عن ثابت ~~قال: قال أنس رضي الله عنه # PageV01P095 # ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «وكان يصلي، فإذا رفع ~~رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: قد نسي» ". # فهذه أحاديث أنس الصحيحة تصرح أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان ~~يوجزها ويكملها، والتي كانت أخف الصلاة وأتمها، أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يقوم فيها من الركوع حتى يقول القائل: إنه قد نسي، ms049 ويقعد بين السجدتين حتى ~~يقول القائل: قد نسي، وإذا كان في هذا يفعل ذلك، فمن المعلوم [باتفاق] ~~المسلمين والسنة المتواترة أن الركوع والسجود لا ينقصان عن هذين ~~الاعتدالين، بل كثير من العلماء يقول: لا يشرع ولا يجوز أن يجعل هذين ~~الاعتدالين بقدر الركوع والسجود، بل ينقصان عن الركوع والسجود، وفي ~~الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم قال: " «غلب على الكوفة رجل - قد سماه، زمن ~~ابن الأشعث، وسماه غندر في رواية: مطر بن ناجية - فأمر أبا عبيدة بن عبد ~~الله أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول: ~~اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل ~~الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد " قال الحكم: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت البراء بن ~~عازب يقول: " كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - قيامه وركوعه، وإذا ~~رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين - قريبا من السواء» "، قال ~~شعبة: فذكرته لعمرو بن مرة، فقال: " قد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى فلم ~~تكن صلاته هكذا "، ولفظ # PageV01P096 # مطر عن شعبة: " «كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين ~~وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود، قريبا من السواء» " وهو في ~~الصحيح والسنن من حديث هلال بن أبي حميد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن ~~عازب قال: " «رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه فركوعه ~~فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته ما بين التسليم ~~والانصراف قريبا من السواء» ". # ويشهد لهذا ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول حين يرفع رأسه من الركوع: " ~~«سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما ~~شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، ms050 أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ". # وقوله: " أحق ما قال العبد " هكذا هو في الحديث، وهو خبر مبتدأ محذوف، ~~وأما ما ذكره بعض المصنفين من الفقهاء والصوفية من قوله: " حق ما قال العبد ~~" فهو تحريف بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث والسنة، ليس له أصل في الأثر، ~~ومعناه أيضا فاسد، فإن # PageV01P097 # العبد يقول الحق والباطل، وأما الرب سبحانه وتعالى فهو يقول الحق ويهدي ~~السبيل، كما قال تعالى: {فالحق والحق أقول} [ص: 84] . # وأيضا فليست الصلاة مبنية إلا على الثناء على الله عز وجل. # وروى مسلم وغيره عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: " اللهم ربنا لك الحمد ملء ~~السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء ~~والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما ~~منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ". # وروى مسلم وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى قال: " «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك ~~الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» ". # وفي رواية أخرى لمسلم زاد بعد هذا أنه كان يقول: " «اللهم طهرني من ~~الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» ". # فإن قيل: فإذا كانت هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي اتفق ~~الصحابة رضي الله عنهم على نقلها عنه، وقد نقلها أهل الصحاح والسنن ~~والمسانيد من هذه الوجوه وغيرها، والصلاة عمود الدين، فكيف خفي ذلك على ~~طائفة من فقهاء العراق وغيره حتى لم يجعلوا الاعتدال من الركوع والقعود بين ~~السجدتين من الأفعال المقارنة للركوع # PageV01P098 # والسجود، ولا استحبوا في ذلك ذكرا أكثر من التحميد بقول: " ربنا لك الحمد ~~" حتى إن بعض المتفقهة قال: إذا طال ms051 ذلك طولا كثيرا بطلت صلاته. # قيل: سبب ذلك وغيره أن الذي مضت به السنة أن الصلاة يصليها بالمسلمين ~~الأمراء وولاة الحرب، فوالي الجهاد هو كان أمير الصلاة على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، وما بعد ذلك إلى أثناء دولة بني العباس، ~~والخليفة هو الذي يصلي بالناس الصلوات الخمس والجمعة، لا يعرف المسلمون غير ~~ذلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سيكون بعده من تغير الأمراء، ~~حتى قال: " «سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة ~~لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة» "، فكان من هؤلاء من يؤخرها عن وقتها ~~حتى يضيع الوقت المشروع فيها، كما أن بعضهم كان لا يتم التكبير أي لا يجهر ~~بالتكبير في انتقالات الركوع وغيره، ومنهم من لا يتم الاعتدالين، وكان هذا ~~يشيع في الناس فيربو في ذلك الصغير ويهرم فيه الكبير، حتى إن كثيرا من خاصة ~~الناس لا يظن السنة إلا ذلك. # فإذا جاء أمراء أحيوا السنة عرف ذلك، كما رواه البخاري في صحيحه عن ~~قتادة، عن عكرمة قال: " «صليت خلف شيخ بمكة فكبر اثنين وعشرين تكبيرة، فقلت ~~لابن عباس: إنه لأحمق، فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم صلى الله عليه ~~وسلم» ". # وفي رواية أبي بشر عن عكرمة قال: " «رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ~~ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس # PageV01P099 # فقال: أوليس تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أم لك؟» ". # وهذا يعني به: أن ذلك الإمام كان يجهر بالتكبير، فكان الأئمة الذين يصلي ~~خلفهم عكرمة لا يفعلون ذلك، وابن عباس لم يكن إماما حتى يعرف ذلك منه، ~~فأنكر ذلك عكرمة حتى أخبره ابن عباس، وأما نفس التكبير فلم يكن يشتبه أمره ~~على أحد، وهذا كما أن عامة الأئمة المتأخرين لا يجهرون بالتكبير بل يفعل ~~ذلك المؤذن ونحوه، فيظن أكثر الناس أن هذه هي السنة، ولا خلاف بين أهل ~~العلم أن هذه ليست هي السنة، بل هم متفقون على ما ثبت عندهم بالتواتر ms052 عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤذن وغيره من المأمومين لا يجهرون بالتكبير ~~دائما، كما أن بلالا لم يكن يجهر بذلك خلف النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ~~إذا احتيج إلى ذلك لضعف صوت الإمام أو بعد المكان فهذا قد احتجوا لجوازه ~~بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يسمع الناس التكبير خلف النبي صلى ~~الله عليه وسلم في مرضه، حتى تنازع الفقهاء في جهر المأموم لغير حاجة هل ~~يبطل صلاته أم لا؟ . # ومثل ذلك ما أخرجاه في الصحيحين والسنن عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، ~~قال: " «صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبر ~~وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ عمران بن ~~حصين بيدي فقال: قد ذكرني هذا بصلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: لقد ~~صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم» " ولهذا لما جهر بالتكبير سمعه ~~عمران ومطرف كما سمعه غيرهما. # PageV01P100 # ومثل هذا ما في الصحيحين والسنن أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه: " «أنه ~~كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يسجد ثم ~~يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يقوم من الجلوس من الثنتين، يفعل ذلك في كل ~~ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده إني لأقربكم ~~شبها بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كانت هذه لصلاته حتى فارق ~~الدنيا» ". # وهذا كان يفعله أبو هريرة رضي الله عنه لما كان أميرا على المدينة، فإن ~~معاوية كان يعاقب بينه وبين مروان بن الحكم في إمارة المدينة، فيولي هذا ~~تارة ويولي هذا تارة، وكان مروان يستخلف وكان أبو هريرة يصلي بهم بما هو ~~أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة مروان وغيره من أمراء ~~المدينة. # وقوله: " في المكتوبة وغيرها " يعني: ما كان من النوافل مثل قيام رمضان، ~~كما أخرجه البخاري من حديث ms053 الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، ~~وأبي سلمة: " أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة ~~وغيرها في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم ويكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله ~~لمن حمده، ثم يقول: ربنا لك الحمد "، وذكر نحوه. # وكان الناس قد اعتادوا ما يفعله غيره فلم يعرفوا ذلك حتى سألوه، كما رواه ~~مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة: " «أن أبا هريرة رضي الله عنه ~~كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع، فقلت: يا أبا هريرة ما هذا التكبير؟ ~~قال: إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم» ". # PageV01P101 # وهذا كله معناه جهر الإمام بالتكبير؛ ولهذا كانوا يسمونه إتمام التكبير ~~لما فيه من إتمامه برفع الصوت، وفعله في كل خفض ورفع. # يبين ذلك: أن البخاري ذكر في باب التكبير عند النهوض من الركعتين قال: ~~وكان ابن الزبير يكبر في نهضته، ثم روى البخاري من حديث فليح بن سليمان عن ~~سعيد بن الحارث قال: «صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من ~~السجود وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين وقال: هكذا رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم» ، ثم أردفه البخاري بحديث مطرف، قال: " «صليت أنا ~~وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان إذا سجد كبر وإذا ~~رفع كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما سلم أخذ عمران بن حصين بيدي، ~~فقال: لقد صلى بنا هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: لقد ذكرني ~~هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم» ". # فهذا يبين أن الكلام إنما هو في الجهر بالتكبير، وأما أصل التكبير فلم ~~يكن مما يخفى على أحد، وليس هذا أيضا مما يجهل هل يفعله الإمام أم لا ~~يفعله، فلا يصح لهم نفيه عن الأئمة كما لا يصح نفي القراءة في صلاة ~~المخافتة، ونفي التسبيح في الركوع والسجود، ونفي القراءة في الركعتين ~~الآخرتين، ونحو ذلك؛ ولهذا استدل بعض ms054 من كان لا يتم التكبير ولا يجهر به ~~بما روي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: " «أنه صلى مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان لا يتم التكبير» "، رواه أبو داود، والبخاري في ~~التاريخ الكبير، وقد حكى # PageV01P102 # [أبو داود] الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل، وهذا إن كان محفوظا فلعل ~~ابن أبزى صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مؤخر المسجد، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم صوته ضعيف فلم يسمع تكبيره، فاعتقد أنه لم يتم التكبير، ~~وإلا فالأحاديث المتواترة عنه بخلاف ذلك، فلو خالفها كان شاذا لا يلتفت ~~إليه، ومع هذا فإن كثيرا من الفقهاء المتأخرين يعتقدون أن إتمام التكبير هو ~~نفس فعله ولو سرا، وأن علي بن أبي طالب وأبا هريرة وغيرهما من الأئمة إنما ~~أفادوا الناس نفس فعل التكبير في الانتقالات، ولازم هذا أن عامة المسلمين ~~ما كانوا يعرفون أن الصلاة لا يكبر في خفضها ولا رفعها. # وهذا غلط بلا ريب ولا نزاع بين من يعرف كيف كانت الأحوال، ولو كان المراد ~~التكبير سرا لم يصح نفي ذلك ولا إثباته، فإن المأموم لا يعرف ذلك من إمامه ~~ولا يسمى ترك التكبير بالكلية تركا؛ لأن الأئمة كانوا يكبرون عند الافتتاح ~~دون الانتقالات، وليس كذلك السنة، بل الأحاديث المروية تبين أن رفع الإمام ~~وخفضه كان في جميعها التكبير، وقد قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: ~~" ما الذي نقصوا من التكبير؟ قال: إذا انحط إلى السجود من الركوع، وإذا ~~أراد أن يسجد السجدة الثانية من كل ركعة ". # فقد بين الإمام أحمد أن الأئمة لم يكونوا يتمون التكبير، بل نقصوا ~~التكبير في الخفض من القيام ومن القعود، وهو كذلك، والله أعلم؛ لأن الخفض ~~يشاهد بالأبصار فظنوا لذلك أن المأموم لا # PageV01P103 # يحتاج إلى أن يسمع تكبيرة الإمام؛ لأنه يرى ركوعه ويرى سجوده بخلاف الرفع ~~من الركوع والسجود، فإن المأموم لا يرى الإمام فيحتاج أن يعلم رفعه ~~بتكبيره. # ويدل على صحة ما قاله أحمد من حديث ms055 ابن أبزى أنه صلى خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم يتم التكبير، وكان لا يكبر إذا خفض، هكذا رواه أبو داود ~~الطيالسي عن شعبة عن الحسن بن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن ~~أبيه # وقد ظن أبو عمر بن عبد البر كما ظن غيره أن هؤلاء السلف ما كانوا يكبرون ~~في الخفض والرفع، وجعل ذلك حجة على أنه ليس بواجب؛ لأنهم لا يقرون الأمة ~~على ترك واجب حتى إنه قد روي عن ابن عمر: " أنه كان يكبر إذا صلى وحده في ~~الفرض، وأما التطوع فلا " قال أبو عمر: لا يحكي أحمد عن ابن عمر إلا ما صح ~~عنده إن شاء الله. # قال: وأما رواية مالك عن نافع عن ابن عمر " أنه كان يكبر في الصلاة كلما ~~خفض ورفع " فيدل ظاهرها على أنه كذلك كان يفعل، إماما وغير إمام، قلت: ما ~~روى مالك لا ريب فيه، والذي ذكره أحمد لا يخالف ذلك ولكن غلط ابن عبد البر ~~فيما فهم من كلام أحمد؛ فإن كلامه إنما كان في التكبير دبر الصلاة أيام ~~العيد الأكبر، لم يكن التكبير في الصلاة؛ ولهذا فرق أحمد بين الفرض والنفل، ~~فقال: " أحب إلي أن يكبر في الفرض دون النفل " ولم يكن أحمد ولا غيره ~~يفرقون في # PageV01P104 # تكبير الصلاة بين الفرض والنفل، بل ظاهر مذهبه أن تكبير الصلاة واجب في ~~النفل كما أنه واجب في الفرض، وإن قيل: هو سنة في الفرض، قيل: هو سنة في ~~النفل، فأما التفريق بينهما فليس قولا له ولا لغيره. # وأما الذي ذكره عن ابن عمر في تكبيره دبر الصلاة إذا كان منفردا فهو ~~مشهور عنه، وهي مسألة نزاع بين العلماء مشهورة، وقد قال ابن عبد البر لما ~~ذكر حديث أبي سلمة: " «أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يصلي لهم فيكبر كلما ~~خفض ورفع، فلما انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم» " فقال ابن عبد البر: إن الناس لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك، ms056 ويدل ~~عليه ما رواه ابن أبي ذئب في موطئه عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أنه قال: " «ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن وتركهن ~~الناس: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا، وكان يقف قبل القراءة هنيهة ~~يسأل الله من فضله، وكان يكبر كلما رفع وخفض» " قلت: هذه الثلاثة تركها ~~طائفة من الأئمة والفقهاء ممن لا يرفع اليدين ولا يوجب التكبير ومن لا ~~يستحب الاستفتاح والاستعاذة، ومن لا يجهر من الأئمة بتكبير الانتقال. # قال: وقد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير إنما هو إيذان بحركات الإمام ~~وشعار للصلاة وليس بسنة إلا في الجماعة، أما من صلى وحده فلا بأس عليه أن ~~لا يكبر؛ ولهذا ذكر مالك هذا الحديث وحديث ابن شهاب عن علي بن حسين قال: " ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل ~~تلك # PageV01P105 # صلاته حتى لقي الله عز وجل» " وحديث ابن عمر وجابر رضي الله عنهم: " ~~أنهما كانا يكبران كلما خفضا ورفعا في الصلاة " فكان جابر يعلمهم ذلك، قال: ~~فذكر مالك هذه الأحاديث كلها؛ ليبين لك أن التكبير من سنن الصلاة. # قلت: ما ذكره مالك فكما ذكره، وأما ما ذكره ابن عبد البر من الخلاف فلم ~~أجده ذكر لذلك أصلا إلا ما ذكره أحمد عن علماء المسلمين أن التكبير مشروع ~~في الصلوات، وإنما ذكر ذلك مالك وغيره - والله أعلم - لأجل ما كره من فعل ~~الأئمة الذين كانوا لا يتمون التكبير، وقد قال ابن عبد البر: روى ابن وهب: ~~أخبرني عياض بن عبد الله الفهري: " أن عبد الله بن عمر كان يقول: لكل شيء ~~زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها " وإذا كان ابن عمر يقول ذلك ~~فكيف يظن به أنه لا يكبر إذا صلى وحده؟ هذا لا يظنه عاقل بابن عمر. # قال ابن عبد البر: وقد روي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة ~~وغيرهم " أنهم كانوا لا يتمون التكبير ms057 " وذكر ذلك أيضا عن القاسم وسعيد بن ~~جبير، وروي عن أبي سلمة عن أبي هريرة " «أنه كان يكبر هذا التكبير ويقول: ~~إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم» "، قال: وهذا يدل على أن التكبير ~~في كل خفض ورفع كان الناس قد تركوه، وفي ترك الناس له من غير نكير من واحد ~~منهم ما يدل على أن الأمر محمول عندهم على الإباحة. # قلت: لا يمكن أن يعلم إلا ترك الجهر به، فأما ترك الإمام # PageV01P106 # التكبير سرا فلا يجوز أن يدعى تركه إن لم يصل الإمام إلى فعله، فهذا لم ~~يقله أحد من الأئمة ولم يقل أحد: إنهم كانوا يتركون في كل خفض ورفع، بل ~~قالوا: كانوا لا يتمونه، " ومعنى لا يتمونه " [ينقصونه] ونقصه عدم فعله في ~~حال الخفض، كما تقدم من كلامه، وهو نقص بترك رفع الصوت به، أو نقص له بترك ~~ذلك في بعض المواضع. # وقد روى ابن عبد البر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " «صليت خلف ~~رسول الله صلى عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، فكلهم كان ~~يكبر إذا رفع رأسه وإذا خفض» " قال: وهذا معارض لما روي عن عمر أنه كان لا ~~يتم التكبير، وروي عن سعيد بن عبد العزيز عن الزهري قال: " قلت لعمر بن عبد ~~العزيز: ما منعك أن تتم التكبير، وهذا عاملك [عبد العزيز] يتمه؟ فقال: تلك ~~صلاة الأول، وأبى أن يقبل مني ". # قلت: وإنما خفي على عمر بن عبد العزيز وعلى هؤلاء الجهر بالتكبير، كما ~~خفي ذلك على طوائف من أهل زماننا، وقبله ما ذكره ابن أبي شيبة: أخبرنا جرير ~~عن منصور عن إبراهيم قال: " أول من نقص التكبير زياد ". # قلت: زياد كان أميرا في زمن عمر فيمكن أن يكون ذلك # PageV01P107 # صحيحا، ويكون زياد قد سن ذلك حين تركه غيره، وروي عن الأسود بن يزيد عن ~~أبي موسى الأشعري قال: " «لقد ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، إما نسيناها وإما تركناها ms058 عمدا، وكان يكبر كلما رفع وكلما ~~وضع وكلما سجد» ". # ومعلوم أن الأمراء بالعراق الذين شاهدوا ما عليه أمراء البلد، وهم أئمة، ~~ولم يبلغهم خلاف ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأوا من شاهدوهم من ~~أهل العلم والدين لا يعرفون غير ذلك، فظنوا أن ذلك هو من أصل السنة، وحصل ~~بذلك نقصان في وقت الصلاة وفعلها فاعتقدوا أن تأخير الصلاة أفضل من تقديمها ~~كما كان الأئمة يفعلون ذلك، وكذلك عدم إتمام التكبير وغير ذلك من الأمور ~~الناقصة عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كان ابن مسعود ~~يتأول في بعض الأمراء الذين كانوا على عهده أنهم من الخلف الذين قال الله ~~تعالى فيهم: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون ~~غيا} [مريم: 59] فكان يقول: " كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ~~ويهرم فيها الكبير؟ إذا ترك فيها شيء قيل: تركت السنة؟ فقيل: متى ذلك يا ~~أبا عبد الرحمن؟ فقال: ذلك إذا ذهب علماؤكم وقلت فقهاؤكم والتمست الدنيا ~~بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين "، وكان عبد الله بن مسعود يقول أيضا: " أنا ~~من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال، أمور تكون من كبرائكم، فأيما رجل أو ~~امرأة # PageV01P108 # أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول فالسمت الأول ". # ومن هذا الباب أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة في خلافة ~~الوليد ابن عمه - وعمر هذا هو الذي بنى الحجرة النبوية إذ ذاك - صلى خلفه ~~أنس بن مالك رضي الله عنه، فقال ما رواه أبو داود والنسائي عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه: " «ما صليت وراء أحد بعد رسول صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى " يعني: عمر بن عبد العزيز، ~~قال: " فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات» " وهذا كان في ~~المدينة، مع أن أمراءها كانوا أكثر محافظة على السنة من أمراء بقية ~~الأمصار، فإن الأمصار كانت تساس برأي الملوك، والمدينة إنما كانت تساس بسنة ms059 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا، ولكن كانوا قد غيروا أيضا بعض ~~السنة، ومن اعتقد أن هذا كان في خلافة عمر بن عبد العزيز فقد غلط، فإن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه لم يدرك خلافة عمر بن عبد العزيز، بل مات قبل ذلك ~~بسنتين. # وهذا يوافق الحديث المشهور الذي في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن ~~عون بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم - ~~وذلك أدناه - وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدناه» "، قال ~~أبو داود: هذا مرسل؛ عون لم يدرك عبد الله بن مسعود، وكذلك قال البخاري في ~~تاريخه، وقال الترمذي: ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله لم يدرك ابن ~~مسعود، عون هو من علماء # PageV01P109 # الكوفة المشهورين، وهو من أهل بيت عبد الله، وقيل: إنما تلقاه من علماء ~~أهل بيته؛ فلهذا تمسك الفقهاء بهذا الحديث في التسبيحات لما له من الشواهد، ~~حتى صاروا يقولون في الثلاث: إنها أدنى الكمال أو أدنى الركوع، وذلك يدل ~~على أن أعلاه أكثر من هذا. # فقول من يقول من الفقهاء: إن السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من ~~أصل الشافعي وأحمد رضي الله عنهما وغيرهم، هو من جنس قول من يقول: من السنة ~~أن لا يطيل الاعتدال بعد الركوع أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت أو نحو ~~ذلك، فإن الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلا، بل ~~الأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في الصحاح والسنن ~~والمسانيد وغيرها تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح في أغلب صلاته أكثر ~~من ذلك كما تقدم دلالة الأحاديث عليه، ولكن هذا قالوه لما سمعوا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " «إذا أم أحدكم الناس فليخفف، وإذا صلى لنفسه ~~فليطول ما شاء» " ولم يعرفوا مقدار [التطويل] ولا علموا ms060 التطويل الذي نهى ~~عنه لما قال لمعاذ: " «أفتان أنت يا معاذ» ؟ " فجعلوا هذا برأيهم قدرا ~~للمستحب، ومن المعلوم أن مقدار الصلاة - واجبها ومستحبها - لا يرجع فيه إلى ~~غير السنة، فإن هذا من العلم الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد؛ إذ ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات، وكذلك ~~خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم، فيجب البحث عما سنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي، وإنما يكون اجتهاد ~~الرأي فيما لم تمض به سنة عن # PageV01P110 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرده ~~بالرأي والقياس. # ومما يبين هذا: أن التخفيف أمر نسبي إضافي ليس له حد في اللغة ولا في ~~العرف؛ إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء، ويستخف هؤلاء ما يستطيله ~~هؤلاء، فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس (ومقادير العبادات، ولا في كل من ~~العبادات التي ليست شرعية) . # فعلم أن الواجب على المسلم: أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى ~~السنة، وبهذا يتبين أن أمره صلى الله عليه وسلم بالتخفيف لا ينافي أمره ~~بالتطويل أيضا في حديث عمار الذي في الصحيح لما قال: " «إن طول صلاة الرجل ~~وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة» "، وهناك أمرهم ~~بالتخفيف، ولا منافاة بينهما، فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة والتخفيف ~~هناك بالنسبة إلى ما فعل بعض الأئمة في زمانه من قراءة البقرة في العشاء ~~الآخرة؛ ولهذا قال: " «فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء» ". # PageV01P111 # فبين أن المنفرد ليس لطول صلاته حد تكون به الصلاة خفيفة، بخلاف الإمام ~~لأجل مراعاة المأمومين؛ فإن خلفه السقيم والكبير وذا الحاجة؛ ولهذا مضت ~~السنة بتخفيفها عن الإطالة إذا عرض للمأمومين أو بعضهم عارض، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: " «إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي ~~فأخفف لما أعلم من وجد أمه» " وبذلك علل النبي صلى الله عليه وسلم فيما ms061 ~~تقدم من حديث [ابن مسعود] . # وكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا ~~الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء» "، وفي رواية: " «فإن فيهم السقيم ~~والشيخ الكبير وذا الحاجة» ". # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصرها أحيانا عما كان يفعل غالبا، ~~كما روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال: " «كأني أسمع صوت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الغداة {فلا أقسم بالخنس - الجوار ~~الكنس} [التكوير: 15 - 16] » "، وروي أنه قرأ في صلاة الفجر في بعض أسفاره ~~بسورة الزلزلة، وكان يطولها أحيانا حتى ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: " «أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو # PageV01P112 # يقرأ {والمرسلات عرفا} [المرسلات: 1] فقالت: يا بني لقد أذكرتني بقراءتك ~~هذه السورة؛ إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في ~~المغرب» ". # وفي الصحيحين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال: " «سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور في المغرب» "، وفي البخاري والسنن عن ~~مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: " «ما لك تقرأ في المغرب بقصار ~~المفصل، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى ~~الطوليين؟ قال: قلت: ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف» ". # فهذه الأحاديث من أصح الأحاديث، وقد ثبت فيها أنه كان يقرأ في المغرب ~~تارة بالأعراف وتارة بالطور وتارة بالمرسلات، مع اتفاق الفقهاء على أن ~~القراءة في المغرب سنتها أن تكون أقصر من القراءة في الفجر، فكيف تكون ~~القراءة في الفجر وغيرها؟ . # ومن هذا الباب ما روى وكيع عن منصور، عن إبراهيم النخعي قال: كان أبو ~~عبيدة بن عبد الله بن مسعود يطيل القيام بقدر الركوع، فكانوا يعيبون ذلك ~~عليه، قال أبو محمد بن حزم: العيب على من عاب عمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وعول على من ms062 لا حجة فيه، قلت: قد تقدم فعل أبي عبيدة الذي في الصحيح ~~وموافقته لفعل # PageV01P113 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الذين عابوا عليه كانوا من أهل ~~الكوفة الذين في زمن الحجاج وفتنة ابن الأشعث لم يكونوا من الصحابة ولا عرف ~~أنهم من أعيان التابعين، وإن كان قد يكون فيهم من أدرك ابن مسعود؛ فإن ابن ~~مسعود لم يكن هو الإمام الراتب في زمنه، بل الإمام الراتب كان غيره، وابن ~~أبي مسعود أقرب إلى متابعة أبيه من هؤلاء المجهولين. # فهؤلاء الذين أنكروا على أبي عبيدة إنما أنكروا عليه لمخالفته العادة ~~التي اعتادوها، وإن خالفت السنة النبوية، ولكن ليس هذا الإنكار من الفقهاء. # يبين ذلك أن أجل فقيه أخذ عنه إبراهيم النخعي هو علقمة، وتوفي قبل فتنة ~~ابن الأشعث التي صلى فيها أبو عبيدة بن عبد الله، فإن علقمة توفي سنة إحدى ~~أو اثنتين وستين في أوائل إمارة يزيد، وفتنة ابن الأشعث كانت في إمارة عبد ~~الملك، وكذلك مسروق، قيل: إنه توفي قبل السبعين أيضا، وقيل فيهما كما قيل ~~في مسروق ونحوه. # فتبين أن أكابر الفقهاء من أصحاب عبد الله بن مسعود لم يكونوا هم الذين ~~أنكروا ذلك، مع أن من الناس [إذا سمع هذا الإطلاق صرفه إلى إبراهيم النخعي، ~~وقد (علمه) أن المشهور أن علقمة يظن أن إبراهيم وأمثاله أنكروا ذلك] وهم ~~رأوا # PageV01P114 # ذلك وهم أخذوا العلم عن عبد الله، ونحوه، فقد تبين أن الأمر ليس كذلك. # آخر ما وجد في الأصل، والحمد لله رب العالمين. ### | [فصل في كون السلام من الصلاة] # فصل # وأما السلام من الصلاة: فالمختار عند مالك ومن تبعه من أهل المدينة: ~~تسليمة واحدة في جميع الصلاة فرضها ونفلها المشتملة على الأركان الفعلية أو ~~على ركن واحد، وعند أهل الكوفة تسليمتان في جميع ذلك، ووافقهم الشافعي. # والمختار في المشهور عن أحمد أن الصلاة الكاملة المشتملة على قيام وركوع ~~وسجود يسلم منها تسليمتان، وأما الصلاة بركن واحد كصلاة الجنازة وسجود ~~التلاوة وسجود الشكر، فالمختار فيها تسليمة واحدة كما ms063 جاءت أكثر الآثار ~~بذلك، فالخروج من الأركان الفعلية المتعددة بالتسليم المتعدد، ومن الركن ~~الفعلي المفرد بالتسليم المفرد؛ فإن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت ~~معتدلة، فما طولها أعطى كل جزء منها حظه من الطول، وما خففها أدخل التخفيف ~~على عامة أجزائها. ### | [فصل في صلاة الجماعة] # فصل # فأما صلاة الجماعة: فاتبع أهل الحديث ما دل عليه الكتاب والسنة وأقوال ~~الصحابة من وجوبها، مع عدم العذر، وسقوطها بالعذر، وتقديم الأئمة بما قدم ~~به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: " «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن ~~كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في # PageV01P115 # السنة سواء فأقدمهم هجرة» "، ففرق بين العلم بالكتاب والعلم بالسنة، كما ~~دل عليه الحديث، وإنما يكون ترجيح بعض الأئمة على بعض إذا استووا في ~~المعرفة بإقام الصلاة على الوجه المشروع وفعلها على السنة، وفي دين الإمام ~~الذي يخرج به المأموم عن نقص الصلاة خلفه، فإذا استويا في كمال الصلاة ~~منهما وخلفهما قدم الأقرأ ثم الأعلم بالسنة وإلا ففضل الصلاة في نفسها مقدم ~~على صفة إمامهم، وما يحتاج إليه من العلم والدين فيها مقدم على ما يستحب من ~~ذلك وغيره. # وقد يقول بعض العلماء: هي سنة مؤكدة، وقد يقول آخرون: هي فرض على ~~الكفاية، ولهم في تقديم الأئمة خلاف. # ويأمر بإقامة الصفوف فيها كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من سننها ~~الخمس، وهي: تقويم الصفوف ورصها وتقاربها وسد الأول فالأول وتوسيط الإمام، ~~حتى ينهى عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة المنفرد خلف الصف، ~~ويأمره بالإعادة كما أمره بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثين ثابتين ~~عنه أمر فيهما المنفرد خلف الصف بالإعادة، كما أمر المسيء في صلاته ~~بالإعادة، وكما أمر المسيء في وضوئه # PageV01P116 # الذي ترك فيه موضع ظفر من قدمه لم يمسه الماء، بالإعادة. # فهذه المواضع دلت على اشتراط الطهارة والاصطفاف في الصلاة والإتيان ~~بأركانها. # والذين خالفوا حديث المنفرد خلف الصف كأبي حنيفة ومالك والشافعي، منهم من ~~لم يبلغه الحديث ms064 أو لم يثبت عنده، والشافعي رآه معارضا بكون الإمام يصلي ~~وحده وبكون مليكة جدة أنس صلت خلفهم، وبحديث أبي بكرة لما ركع دون الصف. # وأما أحمد فأصله في الأحاديث إذا تعارضت في قضيتين متشابهتين غير ~~متماثلتين: أنه يستعمل كل حديث على وجهه ولا يضرب أحدهما بالآخر، فيقول في ~~مثل هذه المرأة: إذا كانت مع النساء صلت بينهن، وأما إذا كانت مع الرجال لم ~~تصل إلا خلفهم وإن كانت وحدها؛ لأنها منهية عن مصافة الرجال، فانفرادها عن ~~الرجال أولى بها من مصافتهم، كما أنها إذا صلت بالنساء صلت بينهن؛ لأنه ~~أستر لها، كما يصلي إمام العراة بينهم، وإن كانت سنة الرجل الكاسي إذا أم ~~أن يتقدم بين يدي الصف. # ونقول: إن الإمام لا يشبه المأموم؛ فإن سنته التقدم لا المصافة، وسنة ~~المؤتمين الاصطفاف، نعم يدل انفراد الإمام والمرأة على جواز انفراد الرجل ~~المأموم لحاجة، وهو ما إذا لم يحصل له مكان يصلي فيه إلا انفرادا، فهذا ~~قياس قول أحمد وغيره؛ ولأن # PageV01P117 # واجبات الصلاة وغيرها تسقط بالأعذار، فليس الاصطفاف إلا بعض واجباتها، ~~فسقط بالعجز في الجماعة كما يسقط غيره فيها وفي سنن الصلاة؛ ولهذا كان ~~تحصيل الجماعة في صلاة الخوف والمرض ونحوهما - مع استدبار القبلة والعمل ~~الكثير ومفارقة الإمام، ومع ترك المريض القيام - أولى من أن يصلوا وحدانا؛ ~~ولهذا ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أنه يجوز تقديم المؤتم على إمامه عند الحاجة ~~كحال الزحام ونحوه، وإن كان لا يجوز لغير حاجة، وقد روي في بعض صفات صلاة ~~الخوف؛ ولهذا سقط عنده وعند غيره من أئمة السنة ما يعتبر للجماعة من عدل ~~الإمام وحل البقعة ونحو ذلك للحاجة، فجوزوا - بل أوجبوا - فعل صلوات الجمعة ~~والعيدين والخوف والمناسك ونحو ذلك خلف الأئمة الفاجرين وفي الأمكنة ~~المغصوبة، إذا أفضى ترك ذلك إلى ترك الجمعة والجماعة، أو إلى فتنة في الأمة ~~ونحو ذلك، كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه: " «لا يؤمن فاجر مؤمنا إلا ~~أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه» " لأن غاية ذلك ms065 أن يكون عدل الإمام ~~واجبا، فيسقط بالعذر كما سقط كثير من الواجبات في جماعة الخوف بالعذر. # ومن اهتدى لهذا الأصل - وهو أن نفس واجبات الصلاة تسقط بالعذر، وكذلك ~~الواجبات في الجماعات ونحوها - فقد هدي لما جاءت به السنة من التوسط بين ~~إهمال بعض واجبات الشريعة رأسا، كما قد يبتلى به بعضهم، وبين الإسراف في ~~ذلك الواجب حتى يفضي إلى ترك غيره من الواجبات التي هي أوكد منه عند العجز ~~عنه، وإن كان ذلك الأوكد مقدورا عليه، كما قد # PageV01P118 # يبتلى به آخرون، فإن فعل المقدور عليه من ذلك دون المعجوز عنه هو الوسط ~~بين الأمرين. # وعلى هذا الأصل تنبني مسائل الهجرة والعزم التي هي أصل مسألة الإمامة ~~بحيث لا يفعل [إلا ما تسع القدرة] . # ولهذا كان أحمد في المنصوص عنه وطائفة من أصحابه يقولون بجواز اقتداء ~~المفترض بالمتنفل للحاجة، كما في صلاة الخوف، وكما لو كان المفترض غير ~~قارئ، كما في حديث عمرو بن سلمة ومعاذ ونحو ذلك، وإن كان لا يجوزه لغير ~~حاجة على إحدى الروايتين عنه، فأما إذا جوزه مطلقا فلا كلام، وإن كان من ~~أصحابه من لا يجوزه بحال. # فصارت الأقوال في مذهبه وغير مذهبه ثلاثة، والمنع مطلقا هو المشهور عن ~~أبي حنيفة ومالك، كما أن الجواز مطلقا هو قول الشافعي. # ويشبه هذا مفارقة المأموم إمامه قبل السلام، فعنه ثلاث روايات: أوسطها ~~جواز ذلك للحاجة، كما تفعل الطائفة الأولى في صلاة الخوف، وكما فعل الذي ~~طول عليه معاذ صلاة العشاء الآخرة لما شق عليه طول الصلاة، والرواية ~~الثانية: المنع مطلقا، كقول أبي حنيفة، والرواية الثالثة: الجواز مطلقا ~~كقول الشافعي؛ ولهذا جوز أحمد في المشهور عنه أن المرأة تؤم الرجال لحاجة ~~مثل أن تكون قارئة وهم غير قارئين، فتصلي بهم التراويح، كما «أذن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV01P119 # لأم ورقة أن تؤم أهل دارها، وجعل لها مؤذنا» ، وتتأخر خلفهم وإن كانوا ~~مأمومين بها، للحاجة، وهو حجة لمن يجوز تقدم المأموم لحاجة، هذا مع ما روي ~~عنه صلى الله عليه ms066 وسلم من قوله: " «لا تؤمن امرأة رجلا» "، وأن المنع من ~~إمامة المرأة بالرجال قول عامة العلماء. # ولهذا الأصل استعمل أحمد ما استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله ~~في الإمام: " «إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» " وأنه علل ذلك بأنه يشبه ~~قيام الأعاجم بعضهم لبعض، فسقط عن المأمومين القيام لما في القيام من ~~المفسدة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم من مخالفة الإمام ~~والتشبه بالأعاجم في القيام له، وكذلك عمل أئمة الصحابة بعده لما اعتلوا ~~فصلوا قعودا والناس خلفهم قعود كأسيد بن الحضير. # ولكن كره هذا لغير الإمام الراتب؛ إذ لا حاجة إلى نقص الصلاة في الائتمام ~~به؛ ولهذا كرهه أيضا إذا مرض الإمام الراتب مرضا مزمنا؛ لأنه يتعين حينئذ ~~انصرافه عن الإمامة، ولم ير هذا منسوخا بكونه صلى الله عليه وسلم في مرضه ~~صلى في أثناء الصلاة قاعدا وهم قيام؛ لعدم المنافاة بين ما أمر به وبين ما ~~فعله؛ ولأن الصحابة فعلوا ما أمر به بعد موته مع شهودهم لفعله، فيفرق بين ~~القعود من أول الصلاة والقعود في أثنائها، إذ يجوز الأمران جميعا؛ إذ ليس ~~في الفعل تحريم للمأمور به بحال، مع ما في هذه المسائل من الكلام الدقيق ~~الذي # PageV01P120 # ليس هذا موضعه، وإنما الغرض التنبيه على قواعد الشريعة التي تعرفها ~~القلوب الصحيحة التي دل عليها قوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} ~~[التغابن: 16] وقوله صلى الله عليه وسلم: " «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما ~~استطعتم» " وأنه إذا تعذر جمع الواجبين قدم أرجحهما، وسقط الآخر [بالعجز] ~~الشرعي، والتنبيه على ضوابط من مآخذ العلماء [رضي الله عنهم] . ### | [فصل في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام] # فصل # في [ارتباط] صلاة المأموم بصلاة الإمام # الناس فيه على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا ارتباط بينهما، وأن كل امرئ يصلي لنفسه، وفائدة الائتمام ~~في تكثير الثواب بالجماعة، وهذا هو الغالب على أصل الشافعي، لكن قد عورض ~~بمنعه اقتداء القارئ بالأمي والرجل بالمرأة، وإبطال صلاة المؤتم بمن لا ~~صلاة له كالكافر والمحدث، وفي ms067 هذه المسائل كلام ليس هذا موضعه. # ومن الحجة فيه: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الأئمة: " «إن أحسنوا ~~فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم» ". # PageV01P121 # والقول الثاني: أنها منعقدة بصلاة الإمام وفرع عليها مطلقا، فكل خلل حصل ~~في صلاة الإمام يسري إلى صلاة المأموم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~«الإمام ضامن» " وعلى هذا فالمؤتم بالمحدث الناسي لحدثه يعيد كما يعيد ~~إمامه، وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب، حتى اختار ~~بعض هؤلاء كمحمد بن الحسن أن لا يأتم المتوضئ بالمتيمم لنقص طهارته عنه. # والقول الثالث: أنها منعقدة بصلاة الإمام، لكن إنما يسري النقص إلى صلاة ~~المأموم مع عدم العذر منهما، فأما مع العذر فلا يسري النقص، فإذا كان ~~الإمام يعتقد طهارته فهو معذور في الإمامة والمأموم معذور في الائتمام، ~~وهذا قول مالك وأحمد وغيرهما، وعليه ينزل ما يؤثر عن الصحابة في هذه ~~المسألة وهو أوسط الأقوال، كما ذكرنا في نفس صفة الإمام الناقص: أن حكمه مع ~~الحاجة يخالف حكمه مع عدم الحاجة، فحكم صلاته كحكم نفسه. # وعلى هذا أيضا ينبني اقتداء المؤتم بإمام قد ترك ما يعتقده المأموم من ~~فرائض الصلاة، إذا كان الإمام متأولا تأويلا يسوغ، كأن لا يتوضأ من خروج ~~النجاسات من غير السبيلين، ولا من مس الذكر ونحو ذلك؛ فإن اعتقاد الإمام ~~هنا صحة صلاته كاعتقاده صحتها مع عدم العلم بالحدث وأولى؛ فإنه هناك تجب ~~عليه الإعادة، وهذا أصل نافع أيضا. # ويدل على صحة هذا القول: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يصلون لكم، فإن أصابوا ~~فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» " فهذا نص في أن # PageV01P122 # الإمام إذا أخطأ كان درك خطئه عليه لا على المأمومين، فمن صلى معتقدا ~~لطهارته وكان محدثا أو جنبا أو كانت عليه نجاسة، وقلنا: عليه الإعادة ~~للنجاسة كما يعيد من الحدث، فهذا الإمام مخطئ في هذا الاعتقاد، فيكون خطؤه ~~عليه فيعيد صلاته، وأما المأمومون فلهم هذه ms068 الصلاة وليس عليهم من خطئه شيء، ~~كما صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا نص في إجزاء صلاتهم. # وكذلك لو ترك الإمام بعض فرائض الصلاة بتأويل أخطأ فيه عند المأموم، مثل ~~أن يمس ذكره ويصلي، أو يحتجم ويصلي، أو يترك قراءة البسملة، أو يصلي وعليه ~~نجاسة لا يعفى عنها عند المأموم، ونحو ذلك، فهذا الإمام أسوأ أحواله أن ~~يكون مخطئا إن لم يكن مصيبا، فتكون هذه الصلاة للمأموم وليس عليه من خطأ ~~إمامه شيء، وكذلك روى أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «من أم الناس فأصاب الوقت وأتم ~~الصلاة فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم» " لكن لم يذكر ~~أبو داود " وأتم الصلاة " فهذا الانتقاص يفسره الحديث الأول أنه الخطأ، ~~ومفهوم قوله: " وإن أخطأ فعليه ولا عليهم " أنه إذا تعمد لم يكن كذلك، ~~ولاتفاق المسلمين على أن من يترك الأركان المتفق عليها لا ينبغي الصلاة ~~خلفه. ### | [فصل في محل القنوت في الصلاة] # فصل # وأما القنوت فالناس فيه طرفان ووسط، منهم من لا يرى القنوت إلا قبل ~~الركوع، ومنهم من لا يراه إلا بعده. # PageV01P123 # وأما فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره فيجوزون كلا الأمرين؛ لمجيء السنة ~~الصحيحة بهما، وإن اختاروا القنوت بعد الركوع لأنه أكثر وأقيس؛ فإن سماع ~~الدعاء مناسب لقول العبد: " سمع الله لمن حمده " فإنه يشرع الثناء على الله ~~قبل دعائه، كما بنيت فاتحة الكتاب على ذلك، أولها ثناء وآخرها دعاء. # وأيضا فالناس في شرعه في الفجر على ثلاثة أقوال بعد اتفاقهم على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قنت في الفجر، منهم من قال: هو منسوخ؛ فإنه قنت ثم ترك، ~~كما جاءت به الأحاديث الصحيحة، ومن قال: المتروك هو الدعاء على أولئك ~~الكفار، فلم يبلغه ألفاظ الحديث أو بلغته فلم يتأملها؛ فإن في الصحيحين عن ~~عاصم الأحول قال: «سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن القنوت هل كان قبل ~~الركوع ms069 أو بعد الركوع، فقال: قبل الركوع، قال: فإن فلانا أخبرني أنك قلت: ~~بعد الركوع، قال: كذب، إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم [قبل] ~~الركوع، أراه كان بعث قوما يقال لهم القراء، زهاء سبعين رجلا إلى قوم ~~مشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله عهد، فقنت صلى الله عليه وسلم ~~شهرا يدعو عليهم» ، وكذلك الحديث الذي رواه أحمد والحاكم # PageV01P124 # عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: " «ما زال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الدنيا " جاء لفظه مفسرا: " أنه ما ~~زال يقنت قبل الركوع» ". # والمراد هنا بالقنوت: طول القيام، لا الدعاء، كذلك جاء مفسرا. # ويبينه ما جاء في الصحيحين عن محمد بن سيرين قال: قلت لأنس بن مالك رضي ~~الله عنه: " «قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح؟ قال: نعم، ~~بعد الركوع يسيرا» "، فأخبر أن قنوته كان سرا وكان بعد الركوع، فلما كان ~~لفظ القنوت هو إدامة الطاعة، سمي كل تطويل في قيام أو ركوع أو سجود، قنوتا، ~~كما قال تعالى {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما} [الزمر: 9] ولهذا ~~لما سئل ابن عمر رضي الله عنه عن القنوت الراتب قال: " ما سمعنا ولا رأينا ~~" وهذا قول. # ومنهم من قال: بل القنوت سنة راتبة، حيث قد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قنت، وروي عنه «أنه ما زال يقنت حتى فارق الدنيا» ، وهذا قول ~~الشافعي. # ثم من هؤلاء من استحبه في جميع الصلوات لما صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قنت فيهن، وجاء ذلك من غير وجه في المغرب والعشاء # PageV01P125 # الآخرة والظهر، لكن لم يرو أحد أنه قنت قنوتا راتبا بدعاء معروف، ~~فاستحبوا أن يدعو فيه بقنوت الوتر الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم ~~للحسن بن علي، وهو: " اللهم اهدني فيمن هديت - إلى آخره ". # وتوسط آخرون من فقهاء الحديث وغيرهم كأحمد وغيره، فقالوا: قد ثبت أن ~~النبي صلى الله عليه ms070 وسلم قنت للنوازل التي نزلت به من العدو في قتل أصحابه ~~أو حبسهم، ونحو ذلك، فإنه قنت مستنصرا، كما استسقى حين الجدب، فاستنصاره ~~عند الحاجة كاسترزاقه عند الحاجة؛ إذ بالنصر والرزق قوام أمر الناس، كما ~~قال تعالى: {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} [قريش: 4] وكما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " «وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم: بدعائهم وصلاتهم ~~واستغفارهم» "، وكما قال في صفات الأبدال: " «بهم ترزقون وبهم تنصرون» "، ~~وكما ذكر الله هذين النوعين في سورة الملك وبين أنهما بيده سبحانه # PageV01P126 # وتعالى في قوله: {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن ~~الكافرون إلا في غرور - أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ~~ونفور} [الملك: 20 - 21] ثم ترك القنوت جاء مفسرا أنه صلى الله عليه وسلم ~~تركه لزوال ذلك السبب، وكذلك كان عمر رضي الله عنه إذا أبطأ عليه خبر جيوش ~~المسلمين قنت، وكذلك علي رضي الله عنه قنت لما حارب من حارب من الخوارج ~~وغيرهم. # قالوا: وليس الترك نسخا؛ فإن الناسخ لا بد أن ينافي المنسوخ، وإذا فعل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أمرا لحاجة ثم تركه لزوالها لم يكن ذلك نسخا، بل ~~لو تركه تركا مطلقا لكان ذلك يدل على جواز الفعل والترك لا على النهي عن ~~الفعل. # قالوا: ونعلم قطعا أنه لم يكن يقنت قنوتا راتبا، فإن مثل هذا مما تتوفر ~~الهمم والدواعي على نقله، فإنه لم ينقل أحد من الصحابة قط أنه دعا في قنوته ~~في الفجر ونحوها إلا لقوم أو على قوم، ولا نقل أحد منهم قط أنه قنت دائما ~~بعد الركوع، ولا أنه قنت دائما يدعو قبله، وأنكر غير واحد من الصحابة ~~القنوت الراتب، فإذا علم هذا علم قطعا أن ذلك لم يكن، كما يعلم أن " حي على ~~خير العمل " لم يكن من الأذان الراتب، وإنما فعله بعض الصحابة لعارض تحضيضا ~~للناس على الصلاة. # فهذا القول أوسط الأقوال، وهو أن القنوت مشروع غير منسوخ لكنه مشروع ~~للحاجة ms071 النازلة لا سنة راتبة. # وهذا أصل آخر في الواجبات والمستحبات كالأصل الذي تقدم فيما يسقط بالعذر، ~~فإن كل واحد من الواجبات والمستحبات الراتبة يسقط بالعذر العارض بحيث لا ~~يبقى لا واجبا ولا مستحبا، كما سقط # PageV01P127 # بالسفر والمرض والخوف كثير من الواجبات والمستحبات، وكذلك أيضا قد يجب أو ~~يستحب للأسباب العارضة ما لا يكون واجبا ولا مستحبا راتبا. # فالعبادات في ثبوتها وسقوطها تنقسم إلى راتبة وعارضة، وسواء في ذلك ثبوت ~~الوجوب أو الاستحباب أو سقوطه، وإنما تغلط الأذهان من حيث تجعل العارض ~~راتبا، أو تجعل الراتب لا يتغير بحال، ومن اهتدى للفرق بين المشروعات ~~الراتبة والعارضة انحلت عنه هذه المشكلات انحلالا كثيرا. ### | [فصل في القراءة خلف الإمام] # فصل # وأما القراءة خلف الإمام # فالناس فيها طرفان ووسط، منهم من يكره القراءة خلف الإمام حتى يبلغ بها ~~بعضهم إلى التحريم سواء في ذلك صلاة السر والجهر، وهذا هو الغالب على أهل ~~الكوفة ومن اتبعهم كأصحاب أبي حنيفة، ومنهم من يؤكد القراءة خلف الإمام حتى ~~يوجب قراءة الفاتحة وإن سمع الإمام يقرأ، وهذا هو الجديد من قولي الشافعي، ~~وقول طائفة معه، ومنهم من يأمر بالقراءة في صلاة السر وفي حال سكتات الإمام ~~في صلاته الجهرية وللبعيد الذي لا يسمع الإمام، وأما القريب الذي يسمع ~~قراءة الإمام فيأمرونه بالإنصات لقراءة إمامه إقامة للاستماع مقام التلاوة، ~~وهذا قول الجمهور كمالك وأحمد وغيرهم من فقهاء الأمصار وفقهاء الآثار، ~~وعليه يدل عمل أكثر الصحابة، وتتفق عليه أكثر الأحاديث. # وهذا الاختلاف شبيه باختلافهم في صلاة المأموم هل هي مبنية على صلاة ~~الإمام أم كل واحد منهما يصلي لنفسه؟ كما تقدم # PageV01P128 # التنبيه عليه؟ فأصل أبي حنيفة: أنها داخلة فيها ومبنية عليها مطلقا، حتى ~~إنه يوجب الإعادة على المأموم حيث وجبت الإعادة على الإمام. # وأصل الشافعي: أن كل رجل يصلي لنفسه، لا يقوم مقامه، لا في فرض ولا سنة، ~~ولهذا أمر المأموم بالتسميع، وأوجب عليه القراءة، ولم يبطل صلاته بنقص صلاة ~~الإمام إلا في مواضع مستثناة، كتحمل الإمام عن المأموم سجود ms072 السهو، وتحمل ~~القراءة إذا كان المأموم مسبوقا، وإبطال صلاة القارئ خلف الأمي ونحو ذلك. # وأما مالك وأحمد: فإنها عندهما مبنية عليها من وجه دون وجه، كما ذكرناه: ~~من الاستماع للقراءة في حال الجهر، والمشاركة في حال المخافتة، ولا يقول ~~المأموم عندها: " سمع الله لمن حمده " بل يحمد جوابا لتسميع الإمام، كما ~~دلت عليه النصوص الصحيحة. وهي مبنية عليها فيما يعذران فيه، دون ما لا ~~يعذران، كما تقدم في الإمامة. ### | [فصل في الصلوات في الأحوال العارضة] # فصل # وأما الصلوات في الأحوال العارضة # كالصلاة المكتوبة: في الخوف، والمرض، والسفر، ومثل الصلاة لدفع البلاء ~~عند أسبابه، كصلوات الآيات في الكسوف ونحوه، أو الصلاة لاستجلاب النعماء، ~~كصلاة الاستسقاء، ومثل الصلاة على الجنازة، ففقهاء الحديث كأحمد وغيره: ~~متبعون لعامة الحديث الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في ~~هذا الباب، فيجوزون في صلاة الخوف جميع الأنواع المحفوظة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ويختارون قصر الصلاة في السفر؛ اتباعا لسنة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فإنه لم يصل في السفر قط رباعية إلا # PageV01P129 # مقصورة، ومن صلى أربعا لم يبطلوا صلاته؛ لأن الصحابة أقروا من فعل ذلك، ~~بل منهم من يكره ذلك، ومنهم من لا يكرهه، وإن رأى تركه أفضل، وفي ذلك عن ~~أحمد روايتان. # وهذا بخلاف الجمع بين الصلاتين، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما لم ~~يفعله إلا مرات قليلة، فإنهم يستحبون تركه إلا عند الحاجة إليه؛ اقتداء ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حين جد به السير، حتى اختلف عن أحمد: هل ~~يجوز الجمع للمسافر النازل الذي ليس بسائر أم لا؟ ولهذا كان أهل السنة ~~مجمعين على جواز القصر مختلفين في جواز الإتمام، ومجمعين على جواز التفريق ~~بين الصلاتين، مختلفين في جواز الجمع بينهما. # ويجوزون جميع الأنواع الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة ~~الكسوف. # فأصحها وأشهرها: أن يكون في كل ركعة ركوعان. وفي الصحيح أيضا: في كل ركعة ~~ثلاث ركوعات وأربعة، ويجوزون حذف الركوع الزائد، كما جاء عن النبي - صلى ms073 ~~الله عليه وسلم - ويطيلون السجود # PageV01P130 # فيها كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجهرون فيها بالقراءة كما ~~ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وكذلك الاستسقاء: يجوزون الخروج إلى الصحراء؛ لصلاة الاستسقاء والدعاء ~~كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجوزون الخروج والدعاء بلا ~~صلاة كما فعله عمر - رضي الله عنه - بمحضر من الصحابة. ويجوزون الاستسقاء ~~بالدعاء تبعا للصلوات الراتبة، كخطبة الجمعة، ونحوها كما فعله النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وكذلك الجنازة: فإن اختيارهم أنه يكبر عليها أربعا، كما ثبت عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه: أنهم كانوا يفعلونه غالبا. ويجوز على ~~المشهور عند أحمد التخميس في التكبير ومتابعة الإمام في ذلك. لما ثبت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم " أنه كبر خمسا " وفعله غير واحد من الصحابة، ~~مثل علي بن أبي طالب وغيره، ويجوز أيضا على الصحيح عنده: التسبيع، ومتابعة ~~الإمام فيه، لما ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يكبرون أحيانا سبعا بعد موت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولما في ذلك من الرواية عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. ### | [فصل في الزكاة] # [السائمة] # فصل # الأصل الثاني: الزكاة # وهم أيضا متبعون فيها لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، آخذين ~~بأوسط الأقوال الثلاثة، أو بأحسنها في [السائمة] فأخذوا في أوقاص # PageV01P131 # الإبل بكتاب الصديق - رضي الله عنه - ومتابعيه، المتضمن أن في الإبل ~~الكثيرة في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة؛ لأنه آخر الأمرين من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف الكتاب الذي فيه استئناف الفريضة ~~بعد مائة وعشرين، فإنه متقدم على هذا؛ لأن استعمال عمرو بن حزم على نجران ~~كان قبل موته بمدة. وأما كتاب الصديق: فإنه - صلى الله عليه وسلم - كتبه ~~ولم يخرجه إلى العمال، حتى أخرجه أبو بكر. # [المعشرات] # وتوسطوا في المعشرات بين أهل الحجاز وأهل العراق. # فإن أهل العراق، كأبي حنيفة: يوجبون العشر في كل ما أخرجت الأرض إلا ~~القصب ونحوه في القليل والكثير منه، بناء على أن العشر ms074 حق الأرض كالخراج، ~~ولهذا لا يجمعون بين العشر والخراج. # وأهل الحجاز: لا يوجبون العشر إلا في النصاب المقدر بخمسة أوسق، ووافقهم ~~عليه أبو يوسف ومحمد، ولا يوجبون من الثمار إلا في التمر والزبيب، وفي ~~الزروع في الأقوات، ولا يوجبون في عسل ولا غيره. والشافعي على مذهب أهل ~~الحجاز. # وأما أحمد وغيره من فقهاء الحديث: فيوافقون في النصاب قول أهل الحجاز؛ ~~لصحة السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بأنه ليس فيما دون خمسة أوسق ~~صدقة، ولا يوجبون الزكاة في الخضراوات لما في الترك من عمل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وخلفائه والأثر عنه، لكن يوجبها في الحبوب والثمار التي # PageV01P132 # تدخر، وإن لم تكن تمرا أو زبيبا، كالفستق والبندق جعلا للبقاء في ~~المعشرات بمنزلة الحول في الماشية والجرين. فيفرق بين الخضراوات وبين ~~المدخرات. وقد يلحق بالموسق الموزونات، كالقطن على إحدى الروايتين، لما في ~~ذلك من الآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم -. # ويوجبها في العسل لما فيه من الآثار التي جمعها هو، وإن كان غيره لم ~~تبلغه إلا من طريق ضعيفة، وتسوية بين جنس ما أنزله الله من السماء وما ~~أخرجه من الأرض. # ويجمعون بين العشر والخراج؛ لأن العشر حق الزرع، والخراج حق الأرض، ~~وصاحبا أبي حنيفة قولهما هو قول أحمد أو قريب منه. # [مقدار الصاع والمد] # وأما مقدار الصاع والمد، ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمد ربعه، وهذا قول أهل الحجاز في ~~الأطعمة والمياه. وقصة مالك مع أبي يوسف فيه مشهورة، وهو قول الشافعي وكثير ~~من أصحاب أحمد أو أكثرهم. # والثاني: أنه ثمانية أرطال، والمد ربعه. وهو قول أهل العراق في الجميع. # والقول الثالث: أن صاع الطعام خمسة أرطال وثلث، وصاع الطهارة ثمانية ~~أرطال. كما جاء بكل واحد منهما الأثر. فصاع الزكوات والكفارات وصدقة الفطر: ~~هو ثلثا صاع الغسل والوضوء، وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ممن جمع ~~بين الأخبار المأثورة في هذا الباب لمن تأمل الأخبار الواردة في ذلك. # PageV01P133 # ومن أصولها: أن أبا حنيفة أوسع ms075 في إيجابها من غيرها، فإنه يوجب في الخيل ~~السائمة المشتملة على الآثار، ويوجبها في كل خارج من الأرض، ويوجبها في ~~جميع أنواع الذهب والفضة من الحلي المباح وغيره. ويجعل الركاز المعدن ~~وغيره، فيوجب فيه الخمس، لكنه لا يوجب ما سوى صدقة الفطر والعشر إلا على ~~مكلف، ويجوز الاحتيال لإسقاطها، واختلف أصحابه: هل هو مكروه أم لا؟ فكرهه ~~محمد، ولم يكرهه أبو يوسف، وأما مالك والشافعي: فاتفقا على أنه لا يشترط ~~لها التكليف بما في ذلك من الآثار الكثيرة عن الصحابة. # ولم يوجبها في الخيل، ولا في الحلي المباح، ولا في الخارج، إلا ما تقدم ~~ذكره. وحرم مالك الاحتيال لإسقاطها، وأوجبها مع الحيلة. وكره الشافعي ~~الحيلة في إسقاطها [ولم يحرمه] . # وأما أحمد: فهو في الوجوب بين أبي حنيفة ومالك، كما تقدم في المعشرات، ~~وهو يوجبها في مال المكلف وغير المكلف. # واختلف قوله في الحلي المباح، وإن كان المنصور عند أصحابه: أنه لا يجب، ~~وقوله في الاحتيال كقول مالك يحرم الاحتيال لسقوطها، ويوجبها مع الحيلة، ~~كما دلت عليه سورة نون وغيرها من الدلائل. # والأئمة الأربعة وسائر الأمة - إلا من شذ - متفقون على وجوبها في عرض ~~التجارة، سواء كان التاجر مقيما أو مسافرا، وسواء كان # PageV01P134 # متربصا وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر - ~~أو مديرا كالتجار الذين في الحوانيت، سواء كانت التجارة بزا من جديد، أو ~~لبيس، أو طعاما من قوت أو فاكهة، أو أدم، أو غير ذلك، أو كانت آنية كالفخار ~~ونحوه، أو حيوانا من رقيق أو خيلا، أو بغالا، أو حميرا، أو غنما معلوفة، أو ~~غير ذلك، فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة، كما أن الحيوانات ~~الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة. ### | [فصل لا بد في الزكاة من الملك] # فصل # ولا بد في الزكاة من الملك. # واختلفوا في اليد، فلهم في زكاة ما ليس في اليد كالدين ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها تجب في كل دين وكل عين، وإن لم تكن تحت يد صاحبها كالمغصوب ~~والضال، والدين المجحود، ms076 وعلى معسر أو مماطل، وأنه يجب تعجيل الإخراج مما ~~يمكن قبضه، كالدين على الموسر وهذا أحد قولي الشافعي وهو أقواهما. ### | [فصل في إخراج القيم في الزكاة] # فصل # وللناس في إخراج القيم في الزكاة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يجزئ بكل حال، كما قاله أبو حنيفة. # PageV01P135 # والثاني: لا يجزئ بحال، كما قاله الشافعي. # والثالث: أنه لا يجزئ إلا عند الحاجة، مثل من يجب عليه شاة في الإبل ~~وليست عنده، ومثل من يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس. # وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحا. فإنه منع من إخراج القيم، وجوزه في مواضع ~~للحاجة. لكن من أصحابه من نقل عنه جوازه، فجعلوا عنه في إخراج القيمة ~~روايتين، واختاروا المنع؛ لأنه المشهور عنه، كقول الشافعي. وهذا القول أعدل ~~الأقوال، كما ذكرنا مثله في الصلاة، فإن الأدلة الموجبة للعين نصا وقياسا ~~كسائر أدلة الوجوب. ومعلوم أن مصلحة وجوب العين قد يعارضها أحيانا [ما] في ~~القيمة من المصلحة الراجحة، وفي العين من المشقة المنتفية شرعا. ### | [فصل في الصيام] # [تبييت النية في الصيام] # فصل # وأما الأصل الثالث: فالصيام # وقد اختلفوا في تبييت نيته على ثلاثة أقوال: # فقالت طائفة - منهم أبو حنيفة - إنه يجزئ كل صوم فرضا كان أو نفلا بنية ~~قبل الزوال، كما دل عليه حديث عاشوراء، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما «دخل على عائشة فلم يجد طعاما فقال: "إني إذا صائم» . # وبإزائها طائفة أخرى - منهم مالك قالت: لا يجزئ الصوم # PageV01P136 # إلا مبيتا من الليل، فرضا كان أو نفلا على ظاهر حديث حفصة وابن عمر الذي ~~يروى مرفوعا وموقوفا: " «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» ". # وأما القول الثالث: فالفرض لا يجزئ إلا بتبييت النية، كما دل عليه حديث ~~حفصة وابن عمر؛ لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم، والنية لا تنعطف على ~~الماضي. وأما النفل فيجزئ بنية من النهار كما دل عليه قوله: " «إني إذا ~~صائم» " كما أن الصلاة المكتوبة يجب فيها من الأركان - كالقيام والاستقرار ~~على الأرض - ما لا يجب في التطوع، توسيعا من الله ms077 على عباده في طرق التطوع. ~~فإن أنواع التطوعات دائما أوسع من أنواع المفروضات، وصومهم يوم عاشوراء إن ~~كان واجبا: فإنما وجب عليهم من النهار؛ لأنهم لم يعلموا قبل ذلك. وما رواه ~~بعض الخلافيين المتأخرين أن ذلك كان في رمضان: فباطل لا أصل له. # وهذا أوسط الأقوال: وهو قول الشافعي وأحمد. واختلف قولهما: هل يجزئ ~~التطوع بنية بعد الزوال؟ والأظهر صحته، كما نقل عن الصحابة. # واختلف أصحابهما في الثواب: هل هو ثواب يوم كامل، أو من حين نواه؟ ~~والمنصوص عن أحمد: أن الثواب من حين النية. # وكذلك اختلفوا في التعيين، وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: # PageV01P137 # أحدها: أنه لا بد من نية رمضان. فلا تجزئ نية مطلقة ولا معينة لغير ~~رمضان، وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، اختارها كثير من أصحابه. # والثاني: أنه يجزئ بنية مطلقة ومعينة لغيره، كمذهب أبي حنيفة ورواية ~~محكية عن أحمد. # والثالث: أنه يجزئ بالنية المطلقة، دون نية التطوع أو القضاء أو النذر. ~~وهو رواية عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه. ### | [فصل في صوم يوم الغيم] # فصل # واختلفوا في صوم يوم الغيم. وهو ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ~~ليلة الثلاثين من شعبان. # فقال قوم: يجب صومه بنية من رمضان احتياطا، وهذه الرواية عن أحمد: هي ~~التي اختارها أكثر متأخري أصحابه، وحكوها عن أكثر متقدميهم، بناء على ما ~~تأولوه من الحديث، وبناء على أن الغالب على شعبان هو النقص، فيكون الأظهر ~~طلوع الهلال كما هو الغالب، فيجب بغالب الظن. # وقالت طائفة: لا يجوز صومه من رمضان. وهذه رواية عن أحمد، اختارها طائفة ~~من أصحابه كابن عقيل والحلواني، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، ~~استدلالا بما جاء من الأحاديث، وبناء على أن الوجوب لا يثبت بالشك. # وهناك قول ثالث: وهو أنه يجوز صومه من رمضان، ويجوز فطره والأفضل صومه من ~~وقت الفجر. ومعلوم أنه لو عرف وقت # PageV01P138 # الفجر الذي [يجوز طلوعه] جاز له الإمساك والأكل، وإن أمسك وقت الفجر فإنه ~~لا معنى لاستحباب ms078 الإمساك، لكن [لو شك في طلوع النهار وجب عليه الإمساك] . # وأكثر نصوص أحمد إنما تدل على هذا القول، وأنه كان يستحب صومه ويفعله لا ~~أنه يوجبه، وإنما أخذ في ذلك بما نقله عن الصحابة في مسائل ابنه عبد الله ~~والفضل بن زياد القطان وغيرهم، أخذ بما نقله عن عبد الله بن عمر ونحوه. ~~والمنقول عنهم: أنهم كانوا يصومون في حال الغيم، لا يوجبون الصوم، وكان ~~غالب الناس لا يصومون، ولم ينكروا عليهم الترك. # وإنما لم يستحب الصوم في الصحو، بل نهى عنه: لأن الأصل والظاهر عدم ~~الهلال، فصومه تقديم لرمضان بيوم، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~ذلك. # واختلفت الرواية عنه: هل يسمى يوم الغيم يوم شك؟ على روايتين، وكذلك ~~اختلف أصحابه في ذلك. # وأما يوم الصحو عنده: فيوم شك أو يقين من شعبان ينهى عن صومه بلا توقف. ~~وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره، فإن المشكوك في وجوبه - ~~كما لو شك في وجوب زكاة، أو كفارة، أو صلاة، أو غير ذلك - لا يجب فعله ولا ~~يستحب تركه، بل يستحب فعله احتياطا. # PageV01P139 # فلم تحرم أصول الشريعة الاحتياط، ولم توجب بمجرد الشك. # وأيضا: فإن أول الشهر كأول النهار، ولو شك في طلوع النهار لم يجب عليه ~~الإمساك، ولم يحرم عليه الإمساك بقصد الصوم، ولأن الإغمام أول الشهر ~~كالإغمام بالشك، بل ينهى عن صوم يوم الشك، لما يخاف من الزيادة في الفرض. # وعلى هذا القول: يجتمع غالب المأثور عن الصحابة في هذا الباب. فإن ~~الجماعات الذين صاموا منهم - كعمر، وعلي، ومعاوية، وغيرهم - لم يصرحوا ~~بالوجوب، وغالب الذين أفطروا لم يصرحوا بالتحريم. # ولعل من كره الصوم منهم إنما كرهه لمن يعتقد وجوبه، خشية إيجاب ما ليس ~~بواجب. كما كره من كره منهم الاستنجاء بالماء لمن خيف عليه أن يعتقد وجوبه، ~~وكما أمر طائفة منهم من صام في السفر أن يقضي لما ظنوه (به) من كراهة الفطر ~~في السفر، فتكون الكراهة عائدة إلى حال الفاعل، لا إلى نفس الاحتياط ms079 ~~بالصوم. فإن تحريم الصوم أو إيجابه كليهما فيه بعد عن أصول الشريعة. ~~والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت إنما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد ~~إكمال العدة، كما دل بعضها على الفعل قبل الإكمال. أما الإيجاب قبل الإكمال ~~للصوم ففيها نظر. # فهذا القول المتوسط هو الذي يدل عليه غالب نصوص أحمد. # ولو قيل بجواز الأمرين واستحباب الفطر لكان (أولى من القول) بالتحريم أو ~~الإيجاب، (والذي) يؤثر عن الصديق (وابن عمر رضي الله عنهما) أنهم كانوا ~~يأكلون مع الشك في طلوع الفجر، ولكن (لا يجوز الأكل إذا شك في غروب الشمس) ~~. # PageV01P140 ### | [فصل في الحج] # [حجة الوداع] # فصل # وأما الحج: فأخذوا فيه بالسنن الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في صفته وأحكامه. # وقد ثبت بالنقل المتواتر عند الخاصة من علماء الحديث من وجوه كثيرة في ~~الصحيحين وغيرهما: «أنه - صلى الله عليه وسلم - لما حج # حجة الوداع " # أحرم هو والمسلمون من ذي الحليفة " فقال: " من شاء أن يهل بعمرة فليفعل، ~~ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل، ومن شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل "، فلما ~~قدموا وطافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أمر جميع المسلمين الذين حجوا معه ~~أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ ~~الهدي محله فراجعه بعضهم في ذلك فغضب وقال: " انظروا ما أمرتكم به فافعلوه» ~~"، وكان هو - صلى الله عليه وسلم - قد ساق الهدي، فلم يحل من إحرامه. ولما ~~رأى كراهة بعضهم للإحلال قال: " «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت ~~الهدي ولجعلتها عمرة، ولولا أن معي الهدي لأحللت» " وقال أيضا: " «إني لبدت ~~رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» " «فحل المسلمون جميعهم إلا النفر ~~الذين ساقوا الهدي، منهم: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي بن أبي ~~طالب وطلحة بن عبيد الله. فلما كان يوم التروية أحرم المحلون بالحج وهم ~~ذاهبون إلى منى فبات بهم # PageV01P141 # تلك الليلة بمنى وصلى بهم فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم ~~سار بهم إلى نمرة ms080 على طريق ضب، ونمرة خارجة عن عرفة من يمانيها وغربيها ~~ليست من الحرم ولا من عرفة، فنصبت له القبة بنمرة، وهناك كان ينزل خلفاؤه ~~الراشدون بعده، وبها الأسواق وقضاء الحاجة والأكل ونحو ذلك. فلما زالت ~~الشمس ركب هو ومن ركب معه وسار والمسلمون إلى المصلى ببطن عرنة. حيث قد بني ~~المسجد، وليس هو من الحرم ولا من عرفة، وإنما هو برزخ بين المشعرين الحلال ~~والحرام هناك، بينه وبين الموقف نحو ميل، فخطب بهم خطبة الحج على راحلته، ~~وكان يوم الجمعة. ثم نزل فصلى بهم الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين، ثم سار ~~والمسلمون معه إلى الموقف بعرفة عند الجبل المعروف بجبل الرحمة، واسمه ~~"إلال" على وزن هلال، وهو الذي تسميه العامة عرفة. فلم يزل هو والمسلمون في ~~الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس، فدفع بهم إلى مزدلفة، فصلى المغرب ~~والعشاء بعد مغيب الشفق قبل حط الرحال حيث نزلوا بمزدلفة، وبات بها حتى طلع ~~الفجر، فصلى بالمسلمين الفجر في أول وقتها مغلسا بها زيادة على كل يوم، ثم ~~وقف عند " قزح " وهو جبل مزدلفة الذي يسمى المشعر الحرام، وإن كانت مزدلفة ~~كلها هي المشعر الحرام المذكور في القرآن، فلم يزل واقفا بالمسلمين إلى أن ~~أسفر جدا، ثم دفع بهم حتى قدم منى، فاستفتحها برمي جمرة العقبة، ثم رجع إلى ~~منزله بمنى فحلق رأسه، ثم نحر ثلاثا وستين بدنة من الهدي الذي ساقه، وأمر ~~عليا فنحر الباقي، وكان مائة بدنة، ثم أفاض إلى مكة، فطاف طواف الإفاضة، ~~وكان قد عجل ضعفة أهل بيته من # PageV01P142 # مزدلفة قبل طلوع الفجر، فرموا الجمرة بليل، ثم أقام بالمسلمين أيام منى ~~الثلاث، يصلي بهم الصلوات الخمس مقصورة غير مجموعة، يرمي كل يوم الجمرات ~~الثلاث بعد زوال الشمس، يفتتح بالجمرة الأولى - وهي الصغرى، وهي الدنيا إلى ~~منى، والقصوى من مكة - ويختتم بجمرة العقبة، ويقف بين الجمرتين الأولى ~~والثانية، وبين الثانية والثالثة وقوفا طويلا بقدر سورة البقرة يذكر الله ~~ويدعو، فإن المواقف ثلاث: عرفة، ومزدلفة، ومنى. ثم أفاض آخر أيام التشريق ms081 ~~بعد رمي الجمرات هو والمسلمون، فنزل بالمحصب عند خيف بني كنانة، فبات هو ~~والمسلمون فيه ليلة الأربعاء، وبعث تلك الليلة عائشة مع أخيها عبد الرحمن؛ ~~لتعتمر من التنعيم، وهو أقرب أطراف الحرم إلى مكة من طريق أهل المدينة. وقد ~~بنى بعده هناك مسجدا سماه الناس مسجد عائشة؛ لأنه لم يعتمر بعد الحج مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه أحد قط إلا عائشة؛ لأجل أنها كانت ~~قد حاضت لما قدمت. وكانت معتمرة فلم تطف قبل الوقوف بالبيت ولا بين الصفا ~~والمروة. وقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - اقض ما يقضي الحاج، غير أن ~~لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة ثم ودع البيت هو والمسلمون ورجعوا ~~إلى المدينة، ولم يقم بعد أيام التشريق، ولا اعتمر أحد قط على عهده عمرة ~~يخرج فيها من الحرام إلى الحل إلا عائشة وحدها» . # PageV01P143 # فأخذ فقهاء الحديث: كأحمد وغيره بسنته في ذلك كله. وإن كان منهم ومن ~~غيرهم من قد يخالف بعد ذلك بتأويل تخفى عليه فيه السنة. # [المتعة لمن جمع بين النسكين في سفرة واحدة وأحرم في أشهر الحج] # فمن ذلك أنهم استحبوا للمسلمين أن يحجوا كما أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أصحابه. ولما اتفقت جميع الروايات على أنه أمر أصحابه بأن يحلوا من ~~إحرامهم ويجعلوها متعة استحبوا المتعة لمن جمع بين النسكين في سفرة واحدة ~~وأحرم في أشهر الحج، كما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلموا أن من ~~أفرد الحج واعتمر عقبه من الحل - وإن قالوا: إنه جائز - فإنه لم يفعله أحد ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا عائشة، على قول من يقول: ~~إنها رفضت العمرة وأحرمت بالحج، كما يقول الكوفيون. وأما على قول أكثر ~~الفقهاء: أنها صارت قارنة: فلا عائشة ولا غيرها فعل ذلك. # وكذلك علموا أن من لم يسق الهدي وقرن بين النسكين لا يفعله. وإن قال ~~أكثرهم - كأحمد وغيره - إنه جائز. فإنه لم يفعله أحد على عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم ms082 - إلا عائشة، على قول من قال: إنها كانت قارنة. # ولم يختلف أئمة الحديث فقهاء وعلماء، كأحمد وغيره: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نفسه لم يكن مفردا للحج، ولا كان متمتعا تمتعا حل به من ~~إحرامه. ومن قال من أصحاب أحمد: إنه تمتع وحل من إحرامه فقد غلط. وكذلك من ~~قال: إنه لم يعتمر في حجته فقد غلط. # وأما من توهم من بعض الفقهاء أنه اعتمر بعد حجته، كما يفعله المختارون ~~للإفراد إذا جمعوا بين النسكين: فهذا لم يروه أحد، ولم يقله أحد أصلا من ~~العالمين بحجته - صلى الله عليه وسلم -. فإنه لا خلاف بينهم أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لا هو ولا أحد من أصحابه اعتمر بعد الحج إلا عائشة. ولهذا لا # PageV01P144 # يعرف موضع الإحرام بالعمرة إلا بمسجد عائشة، حيث لم يخرج أحد من الحرم ~~إلى الحل فيحرم بالعمرة إلا هي، ولا كان - صلى الله عليه وسلم - أيضا قارنا ~~قرانا طاف فيه طوافين وسعى سعيين. فإن الروايات الصحيحة كلها تصرح بأنه ~~إنما طاف بالبيت وبين الصفا والمروة قبل التعريف مرة واحدة. # فمن قال من أصحاب أبي حنيفة، أو مالك، أو الشافعي، أو أحمد شيئا من هذه ~~المقالات فقد غلط. # وسبب غلطه: ألفاظ مشتركة سمعها في ألفاظ الصحابة الناقلين لحجة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. فإنه قد ثبت في الصحاح عن غير واحد - منهم: عائشة، ~~وابن عمر وغيرهما «أنه - صلى الله عليه وسلم - تمتع بالعمرة إلى الحج» وثبت ~~أيضا عنهم «أنه أفرد الحج» ، وعامة الذين نقل عنهم «أنه أفرد الحج» ثبت ~~عنهم أنهم قالوا: «إنه تمتع بالعمرة إلى الحج» . # وثبت عن أنس بن مالك أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «لبيك عمرة وحجا» وعن عمر: أنه أخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «أتاني آت من ربي - يعني بوادي العقيق - وقال: قل: عمرة في حجة» ، ~~ولم يحك أحد لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أحرم به إلا عمر وأنس. # فلهذا قال الإمام أحمد: ms083 لا أشك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~قارنا، وأما # PageV01P145 # ألفاظ الصحابة: فإن التمتع بالعمرة إلى الحج اسم لكل من اعتمر في أشهر ~~الحج وحج من عامه، سواء جمع بينهما بإحرام واحد أو تحلل من إحرامه، فهذا ~~التمتع العام يدخل فيه القران، ولذلك وجب عليه الهدي عند عامة الفقهاء ~~إدخالا له في عموم قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي} [البقرة: 196] [البقرة: 196] وإن كان اسم "التمتع" قد يختص بمن ~~اعتمر ثم أحرم بالحج بعد قضاء عمرته. فمن قال منهم: " تمتع بالعمرة إلى ~~الحج " لم يرد أنه حل من إحرامه، ولكن أراد: أنه جمع في حجته بين النسكين ~~معتمرا في أشهر الحج، لكن لم يبين: هل أحرم بالعمرة قبل الطواف بالبيت ~~وبالجبلين، أو أحرم بالحج بعد ذلك؟ فإن كان قد أحرم قبل الطوافين، فهو قارن ~~بلا تردد. وإن كان إنما أهل بالحج بعد الطواف بالبيت وبالجبلين، وهو لم يكن ~~حل من إحرامه: فهذا يسمى متمتعا؛ لأنه اعتمر قبل الإهلال بالحج، ويسمى ~~قارنا؛ لأنه أحرم بالحج قبل إحلاله من العمرة. ولهذا يسميه بعض أصحابنا ~~"متمتعا"، ويسميه بعضهم "قارنا"، ويسميه بعضهم بالاسمين، وهو الأصوب. وهذا ~~في التمتع الخاص، فأما التمتع العام: فيشمله بلا تردد. # ومع هذا: فالصواب ما قطع به أحمد من أنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم ~~بالحج قبل الطواف لقوله: «لبيك عمرة وحجا» ، ولو كان من حين يحرم بالعمرة ~~مع قوله سبحانه: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة: 196] [البقرة: 196] ؛ ~~لأن العمرة دخلت في الحج، كما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -. # [كانت عمرة المتمتع جزءا من حجه فالهدي المسوق لا ينحر حتى يقضي التفث] # وإذا كانت عمرة [المتمتع] جزءا من حجه فالهدي المسوق لا ينحر حتى يقضي ~~التفث، كما قال تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] # PageV01P146 # [الحج: 29] ، وذلك إشارة إلى الهدي المسوق، فإنه نذر. ولهذا لو عطب دون ~~محله وجب نحره؛ لأن نحره إنما يكون عند بلوغه محله، وإنما يبلغ محله إذا ~~بلغ صاحبه محله؛ ms084 لأنه تبع له، وإنما يبلغ صاحبه محله يوم النحر، إذ قبل ذلك ~~لا يحل مطلقا؛ لأنه يجب عليه أن يحج، بخلاف من اعتمر عمرة مفردة فإنه حل ~~حلا مطلقا. # [المقام بمنى يوم التروية والمبيت بها الليلة] # وأما ما تضمنته سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المقام بمنى يوم ~~التروية والمبيت بها الليلة التي قبل يوم عرفة، ثم المقام بعرنة - التي بين ~~المشعر الحرام وعرفة - إلى الزوال والذهاب منها إلى عرفة والخطبة، ~~والصلاتين في أثناء الطريق ببطن عرنة: فهذا كالمجمع عليه بين الفقهاء، وإن ~~كان كثير من المصنفين لا يميزه، وأكثر الناس لا يعرفه لغلبة العادات ~~المحدثة. # [الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء] # ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه جمع بالمسلمين جميعهم ~~بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء. وكان معه خلق كثير ~~ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها. ولم يأمر حاضري المسجد ~~الحرام بتفريق كل صلاة في وقتها، ولا أن يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلوا ~~معه العصر، وأن ينفردوا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين، فإن هذا ~~مما يعلم بالاضطرار لمن تتبع الأحاديث أنه لم يكن. وهو قول مالك وطائفة من ~~أصحاب الشافعي وأحمد، وعليه يدل كلام أحمد. # وإنما غفل قوم من أصحاب الشافعي وأحمد عن هذا، فطردوا قياسهم في الجمع، ~~واعتقدوا أنه إنما جمع لأجل السفر. والجمع للسفر لا يكون إلا لمن سافر ستة ~~عشر فرسخا، وحاضروا مكة ليسوا عن عرنة بهذا البعد. # PageV01P147 # وهذا ليس بحق، فإنه لو كان جمعه لأجل السفر لجمع قبل هذا اليوم وبعده، ~~وقد أقام بمنى أيام التشريق ولم يجمع فيها، لا سيما ولم ينقل عنه أنه جمع ~~في السفر وهو نازل إلا مرة واحدة، وإنما كان يجمع في السفر إذا جد به ~~السير، وإنما جمع لنحو الوقوف، لأجل أن لا يفصل بين الوقوف بصلاة ولا ~~غيرها. كما قال أحمد: إنه يجوز الجمع لأجل ذلك من الشغل المانع من تفريق ~~الصلوات. # ومن اشترط ms085 في هذا الجمع السفر من أصحاب أحمد، فهو أبعد عن أصوله من أصحاب ~~الشافعي. فإن أحمد يجوز الجمع لأمور كثيرة غير السفر ، حتى قال القاضي أبو ~~يعلى وغيره - تفسيرا لقول أحمد: إنه يجمع لكل ما يبيح ترك الجماعة - فالجمع ~~ليس من خصائص السفر. وهذا بخلاف القصر، فإنه لا يشرع إلا للمسافر. # [قصر الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى وأيام التشريق] # ولهذا قال أكثر الفقهاء، كالشافعي وأحمد: إن قصر الصلاة بعرفة ومزدلفة ~~ومنى وأيام التشريق: لا يجوز إلا للمسافر الذي يباح له القصر عندهم، طردا ~~للقياس، واعتقادا أن القصر لم يكن إلا للسفر، بخلاف الجمع حتى أمر أحمد ~~وغيره: أن الموسم لا يقيمه أمير مكة لأجل قصر الصلاة. # وذهب طوائف من أهل المدينة وغيرهم - منهم مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي ~~وأحمد، كأبي الخطاب في عباداته الخمس - إلى أنه يقصر المكيون وغيرهم، وأن ~~القصر هناك لأجل النسك. # والحجة مع هؤلاء: أنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من ~~صلى خلفه بعرفة ومزدلفة ومنى من المكيين أن يتموا الصلاة، كما أمرهم # PageV01P148 # أن يتموا لما كان يصلي بهم بمكة أيام فتح مكة حين قال لهم: " «أتموا ~~صلاتكم فإنا قوم سفر» ". # فإنه لو كان المكيون قد قاموا لما صلوا خلفه الظهر فأتموها أربعا، ثم لما ~~صلوا العصر قاموا فأتموها أربعا، ثم لما صلوا خلفه عشاء الآخرة قاموا ~~فأتموها أربعا، ثم كانوا مدة مقامه بمنى يتمون خلفه - لما أهمل الصحابة نقل ~~مثل هذا. # [صلاة العيد بمنى يوم النحر] # ومما قد يغلط فيه الناس: اعتقاد بعضهم أنه يستحب صلاة العيد بمنى يوم ~~النحر، حتى قد يصليها بعض المنتسبين إلى الفقه، أخذا فيه بالعمومات اللفظية ~~أو القياسية. وهذه غفلة عن السنة ظاهرة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وخلفاءه لم يصلوا بمنى عيدا قط، وإنما صلاة العيد بمنى هي [رمي] جمرة ~~العقبة. فرمي جمرة العقبة لأهل الموسم بمنزلة صلاة العيد لغيرهم. ولهذا ~~استحب أحمد أن تكون صلاة أهل الأمصار وقت النحر بمنى. ولهذا خطب النبي - ~~صلى الله ms086 عليه وسلم - يوم النحر بعد الجمرة. كان كما يخطب في غير مكة بعد ~~صلاة العيد، ورمي الجمرة تحية منى، كما أن الطواف تحية المسجد الحرام. # [تحية المسجد الحرام] # ومثل هذا ما قاله طائفة - منهم ابن عقيل - أنه يستحب للمحرم إذا دخل ~~المسجد الحرام: أن يصلي تحية المسجد، كسائر المساجد، ثم يطوف طواف القدوم ~~أو [نحوه] . وأما الأئمة وجماهير الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: فعلى إنكار ~~هذا. # أما أولا: فلأنه خلاف السنة المتواترة من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم # PageV01P149 # وخلفائه، فإنهم لما دخلوا المسجد لم يفتتحوا إلا بالطواف، ثم الصلاة عقب ~~الطواف. # وأما ثانيا: فلأن تحية المسجد الحرام: هي الطواف، كما أن تحية سائر ~~المساجد هي الصلاة. # [الصلاة عقب السعي] # وأشنع من هذا: استحباب بعض أصحاب الشافعي لمن سعى بين الصفا والمروة أن ~~يصلي ركعتين بعد السعي على المروة، قياسا على الصلاة بعد الطواف. وقد أنكر ~~ذلك سائر العلماء من أصحاب الشافعي، وسائر الطوائف، ورأوا أن هذه بدعة ~~ظاهرة القبح. فإن السنة مضت بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه ~~طافوا وصلوا، كما ذكر الله الطواف والصلاة، ثم سعوا ولم يصلوا عقب السعي. ~~فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات، أو بالموقف بعرفات، أو ~~جعل الفجر أربعا قياسا على الظهر. والترك الراتب: سنة، كما أن الفعل ~~الراتب: سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، ~~وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع، ما دلت الشريعة على فعله ~~حينئذ، كجمع القرآن في المصحف، وجمع الناس في التراويح على إمام واحد، ~~وتعلم العربية، وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، ~~بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه - صلى الله ~~عليه وسلم - لفوات شرطه أو وجود مانع. # فأما ما تركه من جنس العبادات، مع أنه لو كان مشروعا لفعله أو أذن فيه ~~ولفعله الخلفاء بعده والصحابة: فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة، ويمتنع ~~القياس بمثله، وإن جاز القياس في النوع الأول. ms087 وهو مثل قياس صلاة العيدين ~~والاستسقاء والكسوف على الصلوات الخمس في أن يجعل لها أذان وإقامة، كما ~~فعله بعض # PageV01P150 # المروانية في العيدين . وقياس حجرته ونحوها من مقابر الأنبياء على بيت ~~الله في الاستلام والتقبيل ونحو ذلك من الأقيسة التي تشبه قياس الذين حكى ~~الله عنهم أنهم قالوا: {إنما البيع مثل الربا} [البقرة: 275] [البقرة: 275] ~~. # التلبية # وأخذ فقهاء الحديث - كالشافعي وأحمد وغيرهما مع فقهاء الكوفة - ما عليه ~~جمهور الصحابة والسلف بتلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه قد ~~ثبت عنه أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. # وذهبت طائفة من السلف من الصحابة والتابعين وأهل المدينة - كمالك - إلى ~~أن التلبية تنقطع بالوصول إلى الموقف بعرفة؛ لأنها إجابة، فتنقطع بالوصول ~~إلى المقصد. وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -هي التي يجب اتباعها. # وأما المعنى: فإن الواصل إلى عرفة - وإن كان قد وصل إلى هذا الموقف - ~~فإنه قد دعي بعده إلى موقف آخر، وهو مزدلفة. فإذا قضى الوقوف بمزدلفة، فقد ~~دعي إلى الجمرة. فإذا شرع في الرمي فقد انقضى دعاؤه، ولم يبق مكان يدعى ~~إليه محرما؛ لأن الحلق والذبح يفعله حيث أحب من الحرم، وطواف الإفاضة يكون ~~بعد التحلل الأول. # ولهذا قالوا أيضا بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه يلبي ~~بالعمرة إلى أن يستلم الحجر، وإن كان ابن عمر ومن اتبعه من أهل المدينة # PageV01P151 # كمالك قالوا: يلبي إلى أن يصل إلى الحرم، فإنه وإن وصل إليه فإنه مدعو ~~إلى البيت. # نعم يستفاد من هذا المعنى: أنه إنما يلبي حال سيره، لا حال الوقوف بعرفة ~~ومزدلفة وحال المبيت بها. وهذا مما اختلف فيه أهل الحديث. # فأما التلبية حال السير من عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى: فاتفق ~~من جمع الأحاديث الصحيحة عليه. # [أكل المحرم لحم الصيد الذي صاده الحلال وذكاه] # واختلف الناس في أكل المحرم لحم الصيد الذي صاده الحلال وذكاه على ثلاثة ~~أقوال: # فقالت طائفة من السلف: هو حرام، اتباعا لما فهموه من قوله تعالى: {وحرم ~~عليكم ms088 صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] [المائدة: 96] . ولما ثبت «عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه رد لحم الصيد لما أهدي إليه» . # وقال آخرون، منهم أبو حنيفة: بل هو مباح مطلقا، عملا بحديث أبي قتادة لما ~~صاد الحمار الوحشي، وأهدى لحمه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بأنه ~~لم يصده له، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. # وقالت الطائفة الثالثة التي فيها فقهاء الحديث: بل هو مباح للمحرم إذا لم ~~يصده له المحرم، ولا ذبحه من أجله، توفيقا بين الأحاديث، كما روى جابر عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، # PageV01P152 # ما لم تصيدوه أو يصد لكم» . قال الشافعي: هذا أحسن حديث في هذا الباب ~~وأقيس. وهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي وغيرهم. # وإنما اختلفوا إذا صيد لمحرم بعينه، فهل يباح لغيره من المحرمين؟ على ~~قولين هما وجهان في مذهب أحمد - رحمه الله تعالى -. ### | [فصل في قواعد متعلقة بالعقود من المعاملات المالية والنكاحية وغيرها] # [فصل القاعدة الأولى العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل] # فصل # وأما العقود من المعاملات المالية والنكاحية وغيرها # فنذكر فيها قواعد جامعة عظيمة المنفعة، [فإن ذلك فيها أيسر منه في ~~العبادات] . # فمن ذلك: صفة العقود. فالفقهاء فيها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الأصل في العقود: أنها لا تصح إلا بالصيغ والعبارات التي قد ~~يخصها بعض الفقهاء باسم الإيجاب والقبول، سواء في ذلك: البيع، والإجارة، ~~والهبة، والنكاح، والوقف، والعتق، وغير ذلك. وهذا ظاهر قول الشافعي، وهو ~~قول في مذهب أحمد، يكون تارة رواية منصوصة في بعض المسائل، كالبيع والوقف، ~~ويكون تارة رواية مخرجة، كالهبة والإجارة. # PageV01P153 # ثم هؤلاء يقيمون الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها، كما في الأخرس. # ويقيمون الكتابة أيضا مقام العبارة عند الحاجة. وقد يستثنون مواضع دلت ~~النصوص على جوازها إذا مست الحاجة إليها. كما في الهدي إذا عطب دون محله ~~فإنه ينحر ثم يصبغ نعله المعلق في عنقه بدمه علامة للناس، ومن أخذه ملكه. ~~وكذلك ms089 الهدية ونحو ذلك، لكن الأصل عندهم هو اللفظ؛ لأن الأصل في العقود هو ~~التراضي، المذكور في قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ~~[النساء: 29] [النساء: 29] ، وقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} ~~[النساء: 4] [النساء: 4] . والمعاني التي في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ ~~التي جعلت لإبانة ما في القلب، إذ الأفعال من المعاطاة ونحوها: تحتمل وجوها ~~كثيرة؛ ولأن العقود من جنس الأقوال، فهي في المعاملات كالذكر والدعاء في ~~العبادات. # والقول الثاني: أنها تصح بالأفعال، [فيما] كثر عقده بالأفعال، كالمبيعات ~~[المحقرات] ، وكالوقف في مثل من بنى مسجدا وأذن للناس في الصلاة فيه، أو ~~سبل أرضا للدفن فيها، أو بنى مطهرة وسبلها للناس، وكبعض أنواع الإجارة: كمن ~~دفع ثوبه إلى غسال أو خياط يعمل بالأجر، أو ركب سفينة ملاح، وكالهدية، ونحو ~~ذلك. فإن هذه العقود لو لم تنعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أكثر أمور ~~الناس، ولأن الناس من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى يومنا هذا ما ~~زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ، بل بالفعل الدال على المقصود. # وهذا هو الغالب على أصول أبي حنيفة، وهو قول في مذهب # PageV01P154 # أحمد ووجه في مذهب الشافعي، بخلاف المعاطاة في الأموال الجليلة فإنه لا ~~حاجة إليه، ولم يجر به العرف. # والقول الثالث: أن العقود تنعقد بكل ما دل على مقصودها، من قول أو فعل ~~وبكل ما عده الناس بيعا أو إجارة. فإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ ~~والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال. ~~وليس لذلك حد مستقر، لا في شرع ولا في لغة، بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس، ~~كما تتنوع لغاتهم، فإن ألفاظ البيع والإجارة في لغة العرب ليست هي الألفاظ ~~التي في لغة الفرس أو الروم أو الترك أو البربر أو الحبشة، بل قد تختلف ~~ألفاظ اللغة الواحدة. # ولا يجب على الناس التزام نوع معين من الاصطلاحات في المعاملات. ولا يحرم ~~عليهم التعاقد بغير ما يتعاقد به غيرهم إذا كان ما تعاقدوا ms090 به دالا على ~~مقصودهم. وإن كان قد يستحب بعض الصفات، وهذا هو الغالب على أصول مالك وظاهر ~~مذهب أحمد؛ ولهذا يصحح في ظاهر مذهبه بيع المعاطاة مطلقا، وإن كان قد وجد ~~اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر، بأن يقول: خذ هذا بدراهم فيأخذه، أو ~~يقول: أعطني خبزا بدراهم، فيعطيه ما يقبضه، أو لم يوجد لفظ من أحدهما، بأن ~~يضع الثمن ويقبض جرزة البقل أو الحلواء، أو غير ذلك، كما يتعامل به غالب ~~الناس، أو يضع المتاع له ليوضع بدله، فإذا وضع البدل الذي يرضى به أخذه، ~~كما يحكيه التجار عن عادة بعض أهل المشرق، فكل ما عده الناس بيعا فهو بيع، ~~وكذلك في الهبة كل ما عده الناس هبة [فهو هبة مثل الهدية] . # PageV01P155 # ومثل: تجهيز الزوجة بمال يحمل معها إلى بيت زوجها إذا كانت العادة جارية ~~بأنه عطية لا عارية، وكذلك الإجارات: مثل: ركوب سفينة الملاح المكاري، ~~وركوب دابة الجمال أو الحمار، أو البغال المكاري على الوجه [الذي اعتقد] ~~أنه إجارة، ومثل الدخول إلى الحمامات التي يدخلها الناس بالأجرة، ومثل دفع ~~الثوب إلى غسال أو خياط يعمل بالأجر، أو دفع الطعام إلى طباخ أو شواء يطبخ ~~أو يشوي بالأجر، سواء شوى اللحم مشروحا أو غير مشروح، حتى اختلف أصحابه في ~~الخلع، هل يقع بالمعاطاة؟ مثل أن تقول: اخلعني بهذه الألف أو بهذا الثوب، ~~فيقبض العوض على الوجه المعتاد من أن ذلك رضا منه بالمعاوضة. # فذهب العكبريون كأبي حفص العكبري وأبي علي بن شهاب إلى أن ذلك خلع صحيح، ~~وذكروا من كلام أحمد ومن قبله من السلف من الصحابة والتابعين ما يوافق ~~قولهم، ولعله هو الغالب على نصوصه، بل لقد نص على أن الطلاق يقع بالقول ~~وبالفعل، واحتج على أنه يقع بالكتاب بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به» ، ~~قال: وإذا كتب فقد عمل. # وذهب البغداديون الذين كانوا في ذلك الوقت، كأبي عبد الله بن حامد، ومن ms091 ~~اتبعهم، كالقاضي أبي يعلى، ومن سلك سبيله: أنه لا تقع الفرقة إلا بالكلام ~~وذكروا من كلام أحمد ما اعتمدوه في ذلك، بناء على أن الفرقة فسخ النكاح، ~~والنكاح يفتقر إلى لفظ، فكذلك فسخه. # PageV01P156 # وأما النكاح: فقال هؤلاء كابن حامد والقاضي وأصحابه، مثل أبي الخطاب ~~وعامة المتأخرين: إنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج، كما قاله ~~الشافعي بناء على أنه لا ينعقد بالكناية؛ لأن الكناية تفتقر إلى نية، ~~والشهادة شرط في صحة النكاح، والشهادة على النية غير ممكنة، ومنعوا من ~~انعقاد النكاح بلفظ الهبة أو العطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك. # وقال أكثر هؤلاء - كابن حامد والقاضي والمتأخرين - إنه لا ينعقد إلا بلفظ ~~العربية لمن يحسنها، ومن لم يقدر على تعلمها انعقد بمعناها الخاص بكل لسان، ~~وإن قدر على تعلمها ففيه وجهان، بناء على أنه مختص بهذين اللفظين. وأن فيه ~~شوب التعبد. # وهذا - مع أنه ليس منصوصا عن أحمد - فهو مخالف لأصوله، ولم ينص أحمد على ~~ذلك، ولا نقلوا عنه نصا في ذلك، وإنما نقلوا قوله في رواية أبي [الحرث] : ~~إذا وهبت نفسها لرجل فليس بنكاح، فإن الله تعالى قال: {خالصة لك من دون ~~المؤمنين} [الأحزاب: 50] [الأحزاب: 50] ، وهذا إنما هو نص على منع ما كان ~~من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو النكاح بغير مهر، بل قد نص ~~أحمد في المشهور عنه على أن النكاح ينعقد بقوله لأمته: " أعتقتك وجعلت عتقك ~~صداقك " وبقوله: " جعلت عتقك صداقك، أو صداقك عتقك " ذكر ذلك في غير موضع ~~من جواباته. # فاختلف أصحابه، فأما أبو عبد الله بن حامد: فطرد قياسه، وقال: لا بد مع ~~ذلك من أن يقول: " تزوجتها أو نكحتها "؛ لأن # PageV01P157 # النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلا بهاتين الصيغتين. # وأما القاضي أبو يعلى وغيره: فجعلوا هذه الصورة مستثناة من القياس الذي ~~وافقوا عليه ابن حامد، وأن ذلك من صور الاستحسان. # وذكر ابن عقيل قولا في المذهب: أنه ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج؛ لنص ~~أحمد بهذا، وهذا أشبه بنصوص أحمد وأصوله. # ومذهب مالك في ms092 ذلك شبيه بمذهبه، فإن أصحاب مالك اختلفوا: هل ينعقد بغير ~~لفظ الإنكاح والتزويج؟ على قولين، والمنصوص عنه إنما هو منع ما اختص به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من هبة البضع بغير مهر، قال ابن القاسم: وإن ~~وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك، فهو عندي جائز، وما ذكره ~~بعض أصحاب مالك وأحمد من أنه لا ينعقد إلا بهذين اللفظين بعيد عن أصولهما، ~~فإن الحكم مبني على مقدمتين: # إحداهما: أن ما سوى ذلك كناية، وأن الكناية مفتقرة إلى النية، ومذهبهما ~~المشهور: أن دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية، ~~ولهذا جعلا الكنايات في الطلاق والقذف ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح. # ومعلوم أن دلالات الأحوال في النكاح معروفة: من اجتماع الناس لذلك ~~والتحدث بما اجتمعوا له، فإذا قال بعد ذلك: " ملكتها لك بألف درهم " علم ~~الحاضرون بالاضطرار أن المراد به الإنكاح، وقد شاع هذا اللفظ في عرف الناس ~~حتى سموا عقده إملاكا وملاكا، ولهذا روى الناس قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لخاطب الواهبة الذي التمس فلم # PageV01P158 # يجد خاتما من حديد رووه تارة: " «أنكحتكها بما معك من القرآن» " وتارة: ~~"ملكتكها " وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت عنه أنه اقتصر ~~على " ملكتكها " بل إما أنه قالهما جميعا، أو قال أحدهما، لكن لما كان ~~اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع سواء، رووا الحديث تارة هكذا وتارة هكذا. # ثم تعيين اللفظ العربي في مثل هذا في غاية البعد عن أصول أحمد ونصوصه، ~~وعن أصول الأدلة الشرعية، إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم، وهو وإن كان ~~قربة فإنما هو كالعتق والصدقة، ومعلوم أن العتق لا يتعين له لفظ لا عربي ~~ولا عجمي، وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين لها لفظ عربي بالإجماع، ثم ~~العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما ~~يفهمه من اللغة التي اعتادها. # نعم لو قيل: تكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع ~~الخطاب بغير ms093 العربية لغير حاجة: لكان متوجها كما قد روي عن مالك وأحمد ~~والشافعي ما يدل على كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة ، وقد ~~ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع. # وقد ذكر أصحاب مالك والشافعي وأصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، ~~والمتأخرين: أنه يرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم، فما اعتقدوه نكاحا بينهم ~~جاز إقرارهم عليه إذا أسلموا وتحاكموا إلينا، إذا لم يكن حينئذ مشتملا على ~~مانع، وإن كانوا # PageV01P159 # يعتقدون أنه ليس بنكاح لم يجز الإقرار عليه، حتى قالوا: لو قهر حربي ~~حربية فوطئها، أو طاوعته واعتقداه نكاحا أقرا عليه، وإلا فلا. # ومعلوم أن كون القول أو الفعل يدل على مقصود العقد لا يختص به المسلم دون ~~الكافر، وإنما اختص المسلم بأن الله أمر في النكاح بأن يميز عن السفاح، كما ~~قال تعالى: {محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} [المائدة: 5] [المائدة: ~~5] ، وقال: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] [النساء: ~~25] فأمر بالولي والشهود ونحو ذلك، مبالغة في تمييزه عن السفاح، وصيانة ~~للنساء عن التشبه بالبغايا، حتى شرع فيه الضرب بالدف والوليمة الموجبة ~~لشهرته، ولهذا جاء في الأثر: " «المرأة لا تزوج نفسها: فإن البغي هي التي ~~تزوج نفسها» " وأمر فيه بالإشهاد، أو بالإعلان، أو بهما جميعا، فإنه ثلاثة ~~أقوال، هي ثلاث روايات في مذهب أحمد، ومن اقتصر على الإشهاد علله بأن به ~~يحصل الإعلان المميز له عن السفاح، وبأنه يحفظ النسب عند التجاحد. # فهذه الأمور التي اعتبرها الشارع في الكتاب والسنة والآثار حكمتها بينة، ~~فأما التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر. # وهذه القاعدة الجامعة التي ذكرناها من أن العقود تصح بكل ما دل على ~~مقصودها من قول أو فعل، هي التي تدل عليها أصول الشريعة، وهي التي تعرفها ~~القلوب، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~[النساء: 3] [النساء: 3] ، وقال: {أنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] ~~[النور: 32] وقال: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] [البقرة: 275] ، وقال: ~~{فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] [النساء: ms094 4] ~~، # PageV01P160 # وقال: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] [النساء: 29] ، ~~وقال: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] ، وقال: ~~{ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم - وإن كنتم على سفر ولم ~~تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 282 - 283] [البقرة: 282، 283] وقال: ~~{من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] [البقرة: 245] ، وقال: ~~{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} ~~[البقرة: 261] [البقرة: 261] ، وقال: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} ~~[البقرة: 276] [البقرة: 276] ، وقال: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا يضاعف لهم} [الحديد: 18] [الحديد: 18] ، وقال: {فتحرير رقبة} ~~[النساء: 92] [النساء: 92] ، وقال: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] [الطلاق: ~~1] وقال: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} [البقرة: 231] [البقرة: 231] ~~، إلى غير ذلك من الآيات المشروع فيها هذه العقود: إما أمرا، وإما إباحة، ~~والمنهي فيها عن بعضها كالربا، فإن الدلالة فيها من وجوه: # أحدها: أنه اكتفى بالتراضي في البيع في قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم} [النساء: 29] ، وبطيب نفس في التبرع في # PageV01P161 # قوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] فتلك ~~الآية في جنس المعاوضات، وهذه الآية في جنس التبرعات، ولم يشترط لفظا ~~معينا، ولا فعلا معينا يدل على التراضي، وعلى طيب ms095 النفس، ونحن نعلم ~~بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب ~~النفس بطرق متعددة من الأقوال والأفعال. # فنقول: قد وجد التراضي وطيب النفس، والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من ~~العقود، وهو ظاهر في بعضها، وإذا وجد تعلق الحكم بهما بدلالة القرآن، وبعض ~~الناس قد يحمله اللدد في نصره لقول معين على أن يجحد ما يعلمه الناس من ~~التراضي وطيب النفس، فلا عبرة بجحد مثل هذا، فإن جحد الضروريات قد يقع ~~كثيرا عن مواطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب، فالعبرة بالفطرة السليمة التي ~~لم يعارضها ما يغيرها، ولهذا قلنا: إن الأخبار المتواترة يحصل بها العلم ~~حيث لا تواطؤ على الكذب؛ لأن الفطر السليمة لا تتفق على الكذب، فأما مع ~~التواطؤ والاتفاق فقد يتفق جماعات على الكذب. # الوجه الثاني: أن هذه الأسماء جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقا بها ~~أحكام شرعية، وكل اسم فلا بد له من حد، فمنه ما يعلم حده باللغة، كالشمس ~~والقمر والبر والبحر والسماء والأرض، ومنه ما يعلم بالشرع، كالمؤمن والكافر ~~والمنافق، وكالصلاة والزكاة والصيام والحج، وما لم يكن له حد في اللغة ولا ~~في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس، كالقبض المذكور في قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه» . # PageV01P162 # ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدا، لا في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عين ~~للعقود صفة معينة [من] الألفاظ أو غيرها، أو قال ما يدل على ذلك من أنها لا ~~تنعقد إلا بالصيغ الخاصة، بل قد قيل: إن هذا القول مما يخالف الإجماع ~~القديم، وأنه من البدع، وليس لذلك حد في لغة العرب، بحيث يقال: إن أهل ~~اللغة يسمون هذا بيعا ولا يسمون هذا بيعا، حتى يدخل أحدهما في خطاب الله ~~ولا يدخل الآخر، بل تسمية أهل العرف من العرب هذه المعاقدات بيعا: دليل على ~~أنها في لغتهم تسمى بيعا، والأصل بقاء اللغة وتقريرها ms096 لا نقلها وتغييرها، ~~فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس ~~وعاداتهم، فما سموه بيعا فهو بيع، وما سموه هبة فهو هبة. # الوجه الثالث: أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح ~~بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم ~~أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. # وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل ~~فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى. وذلك؛ لأن ~~الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن يكون مأمورا بها، فما لم ~~يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه # PageV01P163 # [عبادة؟ ! وما لم يثبت من [العبادات] أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه] ~~محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في ~~العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى ~~قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ~~[الشورى: 21] [الشورى: 21] . # والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في ~~معنى قوله: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا} ~~[يونس: 59] [يونس: 59] ، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما ~~لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى: ~~{وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون - وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ~~ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون - ~~وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون} [الأنعام: 136 - 138] [الأنعام] ms097 ، فذكر ما ابتدعوه من العبادات ومن ~~التحريمات. # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال : " «قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم ~~الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل # PageV01P164 # به سلطانا» ". # وهذه قاعدة عظيمة نافعة، وإذا كان كذلك فنقول: # البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في ~~معاشهم - كالأكل والشرب واللباس - فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات ~~بالآداب الحسنة، فحرمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ~~ينبغي، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها ~~وصفاتها. # وإذا كان كذلك: فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا، ما لم تحرم ~~الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة، وإن كان بعض ~~ذلك قد يستحب، أو يكون مكروها، وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا، فيبقون فيه ~~على الإطلاق الأصلي. # وأما السنة والإجماع: فمن تتبع ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والصحابة من أنواع المبايعات والمؤاجرات والتبرعات: علم ضرورة أنهم لم ~~يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين، والآثار في ذلك كثيرة ليس هذا موضعها، ~~إذ الغرض التنبيه على القواعد، وإلا فالكلام في أعيان المسائل له موضع غير ~~هذا. # فمن ذلك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنى مسجده، والمسلمون بنوا ~~المساجد على عهده وبعد موته، ولم يأمر أحدا أن يقول: وقفت هذا المسجد، ولا ~~ما يشبه هذا اللفظ، بل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من بنى لله مسجدا ~~بنى الله له بيتا في الجنة» ، فعلق الحكم بنفس بنائه. # PageV01P165 # وفي الصحيحين: أنه «لما اشترى الجمل من عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: " ~~هو لك يا عبد الله بن عمر» ولم يصدر من ابن عمر لفظ قبول. وكان يهدي ويهدى ~~له، فيكون قبض الهدية قبولها، ولما نحر البدنات قال: " من شاء اقتطع " مع ~~إمكان قسمتها، فكان هذا إيجابا، وكان الاقتطاع هو القبول، ms098 وكان يسأل فيعطي، ~~أو يعطي من غير سؤال فيقبض المعطى، ويكون الإعطاء هو الإيجاب، والأخذ هو ~~القبول، في قضايا كثيرة جدا، ولم يكن يأمر الآخذين بلفظ، ولا يلتزم أن ~~يتلفظ لهم بصيغة، كما في إعطائه للمؤلفة قلوبهم وللعباس وغيرهم. # وجعل إظهار الصفات في المبيع بمنزلة اشتراطها باللفظ في مثل المصراة ~~ونحوها من المدلسات. # وأيضا: فإن التصرفات جنسان: عقود، وقبوض، كما جمعها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في قوله: «رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا ~~إذا قضى، سمحا إذا اقتضى» ويقول الناس: البيع والشراء، والأخذ والعطاء. # والمقصود من العقود: إنما هو القبض والاستيفاء. فإن المعاقدات تفيد وجوب ~~القبض وجوازه، بمنزلة إيجاب الشارع، # PageV01P166 # ثم التقابض ونحوه وفاء بالعقود، بمنزلة فعل المأمور به في الشرعيات. # والقبض ينقسم إلى صحيح وفاسد، كالعقد. وتتعلق به أحكام شرعية، كما تتعلق ~~بالقبض، فإذا كان المرجع في القبض إلى عرف الناس وعاداتهم من غير حد يستوي ~~فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات، فكذلك العقود، وإن حررت عبارته ~~قلت: أحد نوعي التصرفات. فكان الرجوع فيه إلى عادة الناس كالنوع الآخر. # ومما يلتحق بهذا: أن الإذن العرفي في الإباحة أو التمليك أو التصرف بطريق ~~الوكالة كالإذن اللفظي، فكل واحد من الوكالة والإباحة ينعقد بما يدل عليها ~~من قول وفعل، والعلم برضى المستحق يقوم مقام إظهاره للرضى. # وعلى هذا يخرج مبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عثمان بن عفان ~~بيعة الرضوان، وكان غائبا، وإدخاله أهل الخندق إلى منزل أبي طلحة ومنزل ~~جابر بدون استئذانهما؛ لعلمه أنهما راضيان بذلك. ولما دعاه - صلى الله عليه ~~وسلم - اللحام سادس ستة: اتبعهم رجل، فلم يدخله حتى استأذن اللحام الداعي، ~~وكذلك ما يؤثر عن الحسن البصري: أن أصحابه لما دخلوا منزله وأكلوا طعامه ~~قال: ذكرتموني أخلاق قوم قد مضوا. # وكذلك معنى قول أبي جعفر: إن الإخوان من يدخل # PageV01P167 # أحدهم يده في جيب صاحبه فيأخذ منه ما شاء. # ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن استوهبه كبة شعر: " «أما ما ms099 كان ~~لي ولبني عبد المطلب: فقد وهبته لك» " وكذلك إعطاؤه المؤلفة قلوبهم عند من ~~يقول: إنه أعطاهم من أربعة الأخماس. # وعلى هذا خرج الإمام أحمد بيع «حكيم بن حزام وعروة بن الجعد لما وكله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في شراء شاة بدينار، فاشترى شاتين وباع ~~إحداهما بدينار» . # فإن التصرف بغير استئذان خاص: تارة بالمعاوضة، وتارة بالتبرع، وتارة ~~بالانتفاع، مأخذه: إما إذن عرفي عام، أو خاص. ### | [فصل القاعدة الثانية في المعاقد حلالها وحرامها] # فصل # القاعدة الثانية في المعاقد: حلالها وحرامها. # والأصل في ذلك: أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل. وذم ~~الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وذم اليهود على أخذهم ~~الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل. وهذا يعم كل ما يؤكل ~~بالباطل في المعاوضات والتبرعات، وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق. # وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان، ذكرهما الله في كتابه # PageV01P168 # هما: الربا، والميسر. فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر سورة ~~البقرة، وسور: آل عمران، والروم، والمدثر. وذم اليهود عليه في سورة النساء، ~~وذكر تحريم الميسر في المائدة. # ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصل ما جمعه الله في كتابه. ~~«فنهى - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر» كما رواه مسلم وغيره عن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه -. والغرر: هو المجهول العاقبة، فإن بيعه من الميسر ~~الذي هو القمار. وذلك: أن العبد إذا أبق، أو الفرس أو البعير إذا شرد، فإن ~~صاحبه إذا باعه فإنما يبيعه مخاطرة، فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير. فإن ~~حصل له قال البائع: قمرتني، وأخذت مالي بثمن قليل، وإن لم يحصل قال ~~المشتري: قمرتني وأخذت الثمن مني بلا عوض، فيفضي إلى مفسدة الميسر التي هي ~~إيقاع العداوة والبغضاء، مع ما فيه من أكل المال بالباطل، الذي هو نوع من ~~الظلم، ففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء. # [ومن نوع الغرر] ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيع حبل ~~الحبلة، والملاقيح، والمضامين، ومن بيع ms100 السنين، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، ~~وبيع الملامسة والمنابذة، ونحو ذلك كله من نوع الغرر. # PageV01P169 # وأما الربا: فتحريمه في القرآن أشد، ولهذا قال تعالى : {ياأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين - فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 278 - 279] [البقرة: 278، 279] ، ~~وذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكبائر كما خرجاه في الصحيحين عن ~~أبي هريرة - رضي الله عنه -، وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت ~~لهم بظلمهم، وصدهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل. ~~وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا، كما يربي الصدقات، وكلاهما أمر مجرب عند ~~الناس. # وذلك: أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج، وإلا فالموسر لا يأخذ ألفا ~~حالة بألف ومائتين مؤجلة إذا لم يكن له حاجة لتلك الألف، وإنما يأخذ المال ~~بمثله وزيادة إلى أجل من هو محتاج إليه، فتقع تلك الزيادة ظلما للمحتاج، ~~بخلاف الميسر فإن المظلوم فيه غير [مفتقر] ، ولا هو محتاج إلى العقد، وقد ~~تخلو بعض صوره عن الظلم إذا وجد في المستقبل المبيع على الصفة التي ظناها، ~~والربا فيه ظلم محقق للمحتاج ولهذا كان ضد الصدقة، فإن الله لم يدع ~~الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء، فإن مصلحة الغني والفقير في الدين ~~والدنيا لا تتم إلا بذلك، فإذا أربى معه، فهو بمنزلة من له على رجل دين ~~فمنعه دينه، وظلمه زيادة أخرى، والغريم محتاج إلى دينه، فهذا من أشد أنواع ~~الظلم، ولعظمه: لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - آكله، وهو الآخذ، وموكله ~~وهو المحتاج المعطي للزيادة، وشاهديه وكاتبه، لإعانتهم عليه. # PageV01P170 # ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم أشياء مما يخفى فيها الفساد ~~لإفضائها إلى الفساد المحقق، كما حرم قليل الخمر؛ لأنه يدعو إلى كثيرها، ~~مثل ربا الفضل فإن الحكمة فيه قد تخفى، إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين ~~إلا لاختلاف الصفات، مثل: كون الدرهم صحيحا، والدرهمين مكسورين، أو كون ~~الدرهم مصوغا، أو من نقد نافق، ونحو ذلك، ولذلك خفيت ms101 حكمة تحريمه على ابن ~~عباس ومعاوية وغيرهما، فلم يروا به بأسا، حتى أخبرهم الصحابة الأكابر - ~~كعبادة بن الصامت، وأبي سعيد وغيرهما - بتحريم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لربا الفضل. # وأما الغرر فإنه ثلاثة أنواع: إما المعدوم، كحبل الحبلة، وبيع السنين، ~~وإما المعجوز عن تسليمه كالعبد الآبق، وإما المجهول المطلق، أو المعين ~~المجهول جنسه أو قدره، كقوله: بعتك عبدا، أو بعتك ما في بيتي، أو بعتك ~~عبيدي. # فأما المعين المعلوم جنسه وقدره، المجهول نوعه أو صفته - كقوله بعتك ~~الثوب الذي في كمي، أو العبد الذي أملكه، ونحو ذلك - ففيه خلاف مشهور. ~~[وتلقب] مسألة بيع الأعيان الغائبة. وعن أحمد فيه ثلاث روايات. # إحداهن: لا يصح بيعه بحال، كقول الشافعي الجديد. # والثانية: يصح وإن لم يوصف، وللمشتري الخيار إذا رآه، كقول أبي حنيفة. ~~وقد روي عن أحمد: لا خيار له. # والثالثة - وهي المشهور - أنه لا يصح بالصفة، ولا يصح بدون الصفة، ~~كالمطلق الذي في الذمة، وهو قول مالك. # PageV01P171 # ومفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن ~~تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار جملة وإن لم يعلم دواخل ~~الحيطان والأساس. ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار ~~الحمل أو اللبن، وإن كان قد نهى عن بيع الحمل مفردا. وكذلك اللبن عند ~~الأكثرين، وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها فإنه يصح، مستحق الإبقاء كما ~~دلت عليه السنة، وذهب إليه الجمهور: كمالك، والشافعي، وأحمد، وإن كانت ~~الأجزاء التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد. # وجوز النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا باع نخلا قد أبرت أن يشترط ~~المبتاع ثمرتها، فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، لكن على وجه البيع ~~للأصل. # فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره. # ولما احتاج الناس إلى العرايا رخص في بيعها بالخرص. فلم يجوز المفاضلة ~~المتيقنة، بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة، وهو ~~قدر النصاب خمسة أوسق، أو ما ms102 دون النصاب، على اختلاف القولين للشافعي ~~وأحمد، وإن كان المشهور عن أحمد ما دون النصاب. # إذا تبين ذلك فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، # PageV01P172 # فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع، ~~كما كان يقال: عطاء أفقه الناس في المناسك، وإبراهيم أفقههم في الصلاة، ~~والحسن أجمع لذلك كله؛ ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فضل ~~فيه لمن استقرأ ذلك في أجوبته؛ ولهذا كان أحمد موافقا له في الأغلب، فإنهما ~~يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشديد، لما تقدم من شدة تحريمه وعظم مفسدته، ~~ويمنعان الاحتيال له بكل طريق، حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه وإن لم تكن ~~حيلة، وإن كان مالك يبلغ في سد الذرائع [ما لا يختلف] قول أحمد فيه، أو لا ~~يقوله، لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيل كلها. # وجماع الحيل نوعان: إما أن يضموا إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود، أو ~~يضموا إلى العقد عقدا ليس بمقصود. # فالأول مسألة " مد عجوة " وضابطها: أن يبيع ربويا بجنسه ومعهما أو مع ~~أحدهما ما ليس من جنسه، مثل أن يكون غرضهما بيع فضة بفضة متفاضلا ونحو ذلك، ~~فيضم إلى الفضة القليلة عوضا آخر، حتى يبيع ألف دينار في منديل بألفي ~~دينار. # فمتى كان المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا حرمت مسألة " مد عجوة " بلا ~~خلاف عند مالك وأحمد وغيرهما، وإنما يسوغ مثل هذا من جوز الحيل من ~~الكوفيين، وإن كان قدماء الكوفيين يحرمون هذا. # وأما إن كان كلاهما مقصودا كمد عجوة ودرهم بمد عجوة # PageV01P173 # ودرهم، أو مدين أو درهمين، ففيه روايتان عن أحمد، والمنع: قول مالك ~~والشافعي، والجواز: قول أبي حنيفة، وهي مسألة اجتهاد. # وأما إن كان المقصود من أحد الطرفين غير الجنس الربوي، كبيع شاة ذات صوف ~~ولبن، بصوف أو لبن: فأشهر الروايتين عن أحمد الجواز. # والنوع الثاني من الحيل: أن يضما إلى العقد المحرم عقدا غير مقصود، مثل ~~أن يتواطآ على أن يبيعه بخرزه، ثم يبتاع ms103 الخرز منه بأكثر من ذلك الذهب، أو ~~يوطئا ثالثا على أن يبيع أحدهما عرضا، ثم يبيعه المبتاع لمعامله المرابي ثم ~~يبيعه المرابي لصاحبه، وهي الحيلة المثلثة، أو يقرن بالقرض محاباة في بيع ~~أو إجارة أو مساقاة ونحو ذلك، مثل أن يقرضه ألفا ويبيعه سلعة تساوي عشرة ~~بمائتين، أو يكريه دارا تساوي ثلاثين بخمسة ونحو ذلك. # فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة التي حرم الله من أجلها الربا، ~~وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبد الله بن عمرو أنه ~~قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ~~ليس عندك» ، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهو من جنس حيل اليهود، فإنهم ~~إنما استحلوا الربا بالحيل، ويسمونه المشكند، وقد لعنهم الله على ذلك. # وقد روى ابن بطة بإسناد حسن عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلون محارم ~~الله # PageV01P174 # بأدنى الحيل» وفي الصحيحين عنه أنه قال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم ~~الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها» وفي السنن عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «من أدخل فرسا بين فرسين - وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارا، من ~~أدخل فرسا بين فرسين - وقد أمن أن يسبق- فهو قمار» وقال - صلى الله عليه ~~وسلم - فيما رواه أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «البيعان ~~بالخيار ما لم يتفرقا، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله» . # ودلائل تحريم الحيل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة، ذكرنا ~~منها نحوا من ثلاثين دليلا فيما كتبناه في ذلك، وذكرنا ما يحتج به من ~~يجوزها، كيمين أبي أيوب، وحديث تمر خيبر، ومعاريض السلف، وذكرنا جواب ذلك. # ومن ذرائع ذلك: مسألة العينة، وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل، ثم يبتاعها منه ~~بأقل من ذلك، فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين؛ لأنها حيلة. وقد روى أحمد وأبو ~~داود بإسنادين جيدين عن ms104 ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل ~~الله؛ أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم» ، وإن لم ~~يتواطآ فإنهما يبطلان البيع الثاني، سدا # PageV01P175 # للذريعة، ولو كانت عكس مسألة العينة من غير تواطؤ: ففيه روايتان عن أحمد، ~~وهو أن يبيعه حالا، ثم يبتاع منه بأكثر مؤجلا. وأما مع التواطؤ فربا محتال ~~عليه. # ولو كان مقصود المشتري الدراهم وابتاع السلعة إلى أجل ليبيعها ويأخذ ~~ثمنها، فهذا يسمى التورق، وفي كراهته عن أحمد روايتان، والكراهة قول عمر بن ~~عبد العزيز ومالك، فيما أظن، بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة، أو غرضه ~~الانتفاع أو القنية، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق. # ففي الجملة: أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما ~~مراعين لمقصود الشريعة وأصولها، وقولهم في ذلك هو الذي يؤثر مثله عن ~~الصحابة، وتدل عليه معاني الكتاب والسنة. # وأما الغرر: فأشد الناس فيه قولا أبو حنيفة والشافعي. # أما الشافعي: فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من ~~الفقهاء، مثل الحب والثمر في قشره الذي ليس بصوان، كالباقلاء والجوز واللوز ~~في قشره الأخضر، وكالحب في سنبله، فإن القول الجديد عنده: أن ذلك لا يجوز، ~~مع أنه قد اشترى في مرض موته باقلاء أخضر. فخرج ذلك له قولا، واختاره طائفة ~~من أصحابه، كأبي سعيد الإصطخري. وروى عنه أنه ذكر له أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «نهى عن بيع الحب حتى يشتد» فدل على جواز بيعه بعد اشتداده، ~~وإن كان في سنبله. فقال: إن صح هذا أخرجته من العام، أو كلاما قريبا من ~~هذا. وكذلك ذكر أنه رجع عن القول بالمنع. # PageV01P176 # قال ابن المنذر: جواز ذلك هو قول مالك وأهل المدينة، وعبيد الله [بن ~~الحسن] وأهل البصرة وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي. وقال الشافعي مرة: لا ~~يجوز، ثم بلغه حديث ابن عمر، فرجع عنه وقال به. قال ابن المنذر: ولا أعلم ~~أحدا يعدل عن القول ms105 به. # وذكر بعض أصحابه له قولين، وأن الجواز هو القديم، حتى منع من بيع الأعيان ~~الغائبة بصفة وغير صفة، متأولا أن بيع الغائب غرر وإن وصف، حتى اشترط فيما ~~في الذمة - كدين السلم - من الصفات وضبطها ما لم يشترطه غيره. ولهذا يتعذر ~~أو يتعسر على الناس المعاملة في العين، والدين بمثل هذا القول. وقاس على ~~بيع الغرر جميع العقود، من التبرعات والمعاوضات، فاشترط في أجرة الأجير ~~وفدية الخلع والكتابة، وصلح أهل الهدنة، وجزية أهل الذمة: ما اشترطه في ~~البيع عينا ودينا، ولم يجوز في ذلك جنسا وقدرا وصفة إلا ما يجوز مثله في ~~البيع، وإن كانت هذه العقود لا تبطل بفساد أعواضها، أو يشترط لها شروط أخر. # وأما أبو حنيفة: فإنه يجوز بيع الباقلاء ونحوه في القشرين، ويجوز إجارة ~~الأجير بطعامه وكسوته، ويجوز أن تكون جهالة المهر، كجهالة مهر المثل ويجوز ~~بيع الأعيان الغائبة بلا صفة مع الخيار؛ لأنه يرى وقف العقود، لكنه يحرم ~~المساقاة والمزارعة ونحوهما من المعاملات مطلقا، والشافعي يجوز بيع بعض ~~ذلك، ويحرم أيضا كثيرا من الشروط في البيع والإجارة والنكاح وغير ذلك مما ~~يخالف مطلق العقد. # PageV01P177 # وأبو حنيفة يجوز بعض ذلك، ويجوز من الوكالات والشركات ما لا يجوزه ~~الشافعي، حتى جوز شركة المفاوضة والوكالة بالمجهول المطلق. # وقال الشافعي: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فما أعلم شيئا باطلا. # فبينهما في هذا الباب عموم وخصوص، لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول ~~أبي حنيفة في ذلك. # وأما مالك: فمذهبه أحسن المذاهب في هذا. فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما ~~تدعو إليه الحاجة، أو يقل غرره، بحيث يحتمل في العقود، حتى يجوز بيع ~~المقاثي جملة، وبيع المغيبات في الأرض، كالجزر والفجل ونحو ذلك. # وأحمد قريب منه في ذلك، فإنه يجوز هذه الأشياء، ويجوز - على المنصوص عنه ~~- أن يكون المهر عبدا مطلقا، أو عبدا من عبيده ونحو ذلك مما لا يزيد جهالة ~~على مهر المثل، وإن كان من أصحابه من يجوز المبهم دون المطلق، كأبي الخطاب، ~~ومنهم من يوافق ms106 الشافعي، فلا يجوز في المهر وفدية الخلع ونحوهما إلا ما ~~يجوز في المبيع، كأبي بكر عبد العزيز. ويجوز - على المنصوص عنه - في فدية ~~الخلع أكثر من ذلك، حتى ما يجوز في الوصية وإن لم يجز في المهر، كقول مالك، ~~مع اختلاف في مذهبه ليس هذا موضعه، لكن المنصوص عنه: أنه لا يجوز بيع ~~المغيب في الأرض، كالجزر ونحوه إلا إذا قلع، وقال: هذا الغرر شيء ليس يراه، ~~كيف يشتريه؟ والمنصوص عنه: أنه لا يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان ~~ونحوه إلا لقطة لقطة، ولا يباع من المقاثي والمباطخ إلا ما ظهر دون ما # PageV01P178 # بطن، ولا تباع الرطبة إلا جزة جزة، كقول أبي حنيفة والشافعي؛ لأن ذلك ~~غرر، وهو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. # ثم اختلف أصحابه فأكثرهم أطلقوا ذلك في كل مغيب، كالجزر والفجل والبصل ~~وما أشبه ذلك كقول [الشافعي وأبي حنيفة] . # وقال الشيخ أبو محمد: إذا كان مما يقصد فروعه وأصوله، كالبصل المبيع ~~أخضر، والكراث والفجل، أو كان المقصود فروعه، فالأولى جواز بيعه؛ لأن ~~المقصود منه ظاهر فأشبه الشجر [والحيطان] ، ويدخل ما لم يظهر في البيع ~~تبعا، وإن كان معظم المقصود منه أصوله لم يجز بيعه في الأرض؛ لأن الحكم ~~للأغلب، وإن تساويا لم يجز أيضا؛ لأن الأصل اعتبار الشرط، وإنما سقط في ~~الأقل التابع. # وكلام أحمد يحتمل وجهين، فإن أبا داود قال: قلت لأحمد: بيع الجزر في ~~الأرض؟ قال: لا يجوز بيعه إلا ما قلع منه. هذا الغرر، شيء ليس يراه، كيف ~~يشتريه؟ فعلل بعدم الرؤية. # فقد يقال: إن لم يره كله لم يبع، وقد يقال: رؤية بعض المبيع تكفي إذا دلت ~~على الباقي، كرؤية وجه العبد. # وكذلك اختلفوا في المقاثي إذا بيعت بأصولها كما هو العادة غالبا. فقال ~~قوم من المتأخرين: يجوز ذلك؛ لأن بيع أصول الخضراوات، كبيع الشجر، وإذا باع ~~الشجرة وعليها الثمر لم يبد صلاحه جاز فكذلك هذا، وذكر أن هذا مذهب أبي ~~حنيفة والشافعي. # PageV01P179 # وقال المتقدمون: لا يجوز بحال، وهو معنى كلامه ومنصوصه. وهو إنما ms107 نهى عما ~~يعتاده الناس، وليست العادة جارية في البطيخ والقثاء والخيار أن يباع دون ~~عروقه، والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع عنده، فإن المنصوص عنه في رواية ~~الأثرم، وإبراهيم بن الحارث في الشجر الذي عليه ثمر لم يبد صلاحه: أنه إن ~~كان الأصل هو مقصوده الأعظم جاز، وأما إن كان مقصوده الثمرة، فاشترى الأصل ~~معها حيلة: لم يجز، وكذلك إذا اشترى أرضا وفيها زرع أو شجر مثمر لم يبد ~~صلاحه، فإن كانت الأرض هي المقصود: جاز دخول الثمر والزرع معها تبعا، وإن ~~كان المقصود هو الثمر والزرع، فاشترى الأرض لذلك: لم يجز، وإذا كان هذا ~~قوله في ثمرة الشجر، فمعلوم أن المقصود من المقاثي والمباطخ: إنما هو ~~الخضراوات، دون الأصول التي ليس لها إلا قيمة يسيرة بالنسبة إلى الخضر. # وقد خرج ابن عقيل وغيره فيها وجهين: # أحدهما: جواز بيع المغيبات، بناء على إحدى الروايتين عنه في بيع ما لم ~~يره. ولا شك أنه ظاهر، فإن المنع إنما يكون على قولنا: لا يصح بيع ما لم ~~يره، فإذا صححنا بيع الغائب فهذا من الغائب. # والثاني: أنه يجوز بيعها مطلقا، كمذهب مالك إلحاقا لها بلب الجوز، وهذا ~~القول هو قياس أصول أحمد وغيره لوجهين: # أحدهما: أن أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ~~ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه، والمرجع في كل شيء إلى ~~الصالحين من أهل الخبرة به، وهم يقرون # PageV01P180 # بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما يعرف غيرها مما اتفق المسلمون على جواز ~~بيعه وأوكد. # الثاني: أن هذا مما تمس حاجة الناس إلى بيعه. فإنه إذا لم يبع حتى يقلع، ~~حصل على أصحابه ضرر عظيم، فإنه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة ~~فيه، وإن قلعوه جملة فسد بالقلع، فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ~~ونحوهما في قشره الأخضر. # وأحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة ~~لحاجة المشتري إلى أكل الرطب، أو البائع إلى أكل الثمر، فحاجة البائع هنا ~~أوكد بكثير، وسنقرر ذلك إن شاء ms108 الله. # وكذلك قياس أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث: جواز بيع المقاثي باطنها ~~وظاهرها، وإن اشتمل ذلك على بيع معدوم، إذا بدا صلاحها، كما يجوز بالاتفاق ~~إذا بدا صلاح بعض نخلة أو شجرة أن يباع جميع ثمرها، وإن كان فيها ما لم ~~يصلح بعد. # وغاية ما اعتذروا به عن خروج هذا من القياس أن قالوا: إنه لا يمكن إفراد ~~البيع لذلك من نخلة واحدة؛ لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت بغيرها في ~~يوم واحد؛ لأن البسرة تصفر في يومها، وهذا بعينه موجود في المقثاة. # وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي وأحمد عن بيع المعدوم تبعا بأن ما يحدث من ~~الزيادة في الثمرة بعد العقد ليس بتابع للموجود، وإنما يكون ذلك للمشتري؛ ~~لأنه موجود في ملكه. # والجمهور من الطائفتين يعلمون فساد هذا العذر؛ لأنه يجب # PageV01P181 # على البائع سقي الثمرة، ويستحق إبقاءها على الشجر بمطلق العقد، ولو لم ~~يستحق الزيادة بالعقد لما وجب على البائع ما به تؤخذ، فإن الواجب على ~~البائع بحكم البيع توفية المبيع الذي أوجبه العقد، لا ما كان من موجبات ~~الملك. # وأيضا: فإن الرواية اختلفت عن أحمد إذا بدا الصلاح في حديقة من الحدائق ~~هل يجوز بيع جميعها، أم لا يباع إلا ما صلح منها؟ على روايتين: # أشهرهما عنه: أنه لا يباع إلا ما بدا صلاحه، وهي اختيار قدماء أصحابه، ~~كأبي بكر وابن شاقلا. # والرواية الثانية: يكون بدو الصلاح في البعض صلاحا للجميع، وهي اختيار ~~أكثر أصحابه، كابن حامد والقاضي ومن تبعهما. # ثم المنصوص عنه في هذه الرواية أنه قال: إذا كان في بستان بعضه بالغ، ~~وبعضه غير بالغ: بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ، فمنهم من فرق بين صلاح ~~القليل والكثير، كالقاضي أخيرا، وأبي حكيم النهرواني، وأبي البركات وغيرهم ~~ممن قصر الحكم بما إذا غلب الصلاح، ومنهم من سوى بين الصلاح القليل ~~والكثير، كأبي الخطاب وجماعات، وهو قول مالك والشافعي والليث، وزاد مالك ~~فقال: يكون صلاحا لما جاوره من الأقرحة، وحكوا ذلك رواية عن أحمد. # واختلف هؤلاء: هل ms109 يكون صلاح النوع - كالبرني من الرطب - صلاحا لسائر ~~أنواع الرطب؟ على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد. # أحدهما: المنع، وهو قول القاضي وابن عقيل وأبي محمد. # PageV01P182 # والثاني: الجواز، وهو قول أبي الخطاب. # وزاد الليث على هؤلاء فقال: صلاح الجنس - كالتفاح واللوز - يكون صلاحا ~~لسائر أجناس الثمار. # ومأخذ من جوز شيئا من ذلك: أن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن بيع بعض ذلك دون ~~بعض يفضي إلى سوء المشاركة، واختلاف الأيدي. وهذه علة من فرق بين البستان ~~الواحد والبساتين، ومن سوى بينهما، فإنه قال: المقصود الأمن من العاهة. ~~وذلك يحصل بشروع الثمر في الصلاح. # ومأخذ من منع ذلك: أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حتى يبدو ~~صلاحها» ، يقتضي بدو صلاح الجميع. # والغرض من هذه المذاهب: أن من جوز بيع البستان من الجنس الواحد لبدو ~~الصلاح في بعضه، فقياس قوله: جواز بيع المقثاة إذا بدا صلاح بعضها، ~~والمعدوم هنا فيها كالمعدوم من أجزاء الثمرة، فإن الحاجة تدعو إلى ذلك ~~أكثر، إذ تفريق الأشجار في البيع أيسر من تفريق البطيخات والقثاءات ~~والخيارات، وتمييز اللقطة عن اللقطة لو لم يشق، فإنه أمر لا ينضبط، فإن ~~اجتهاد الناس في ذلك متفاوت. # والغرض من هذا: أن أصول أحمد تقتضي موافقة مالك في هذه المسائل، كما قد ~~يروى عنه في بعض الجوابات، أو قد خرجه أصحابه على أصوله، وكما أن العالم من ~~الصحابة والتابعين والأئمة كثيرا ما يكون له في المسألة الواحدة قولان في ~~وقتين، فكذلك يكون # PageV01P183 # له في النوع الواحد من المسائل قولان في وقتين. فيجيب في بعض أفرادها ~~بجواب في وقت، ويجيب في بعض الأفراد بجواب آخر في وقت آخر. وإذا كانت ~~الأفراد مستوية كان له فيها قولان، فإن لم يكن بينهما فرق يذهب إليه ~~المجتهد [فقوله فيها واحد بلا خلاف، وإن كان مما قد يذهب إليه المجتهد] ، ~~فقالت طائفة منهم أبو الخطاب: لا يخرج. وقال الجمهور - كالقاضي أبي يعلى - ~~يخرج الجواب، إذا لم يكن هو ممن يذهب إلى الفرق، كما اقتضته أصوله. ومن ~~هؤلاء من ms110 يخرج الجواب إذا رآهما مستويين، وإن لم يعلم هل هو ممن يفرق أم ~~لا. وإن فرق بين بعض الأفراد وبعض مستحضرا لهما، فإن كان سبب الفرق مأخذا ~~شرعيا: كان الفرق قولا له، وإن كان سبب الفرق مأخذا عاديا أو حسيا ونحو ذلك ~~مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ذلك، فهذا في ~~الحقيقة لا يفرق بينهما شرعا، وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم يعلمه العالم، ~~فإن العلماء ورثة الأنبياء، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنتم ~~أعلم بأمر دنياكم، فأما ما كان من أمر دينكم فإلي» . # وهذا الاختلاف في عين المسألة أو نوعها من العلم قد يسمى تناقضا أيضا؛ ~~لأن التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والإثبات، فإذا كان في وقت قد قال: إن ~~هذا حرام، وقال في وقت آخر فيه أو في مثله: إنه ليس بحرام، أو قال ما ~~يستلزم أنه ليس بحرام - فقد تناقض قولاه، وهو مصيب في كليهما عند من يقول: ~~كل مجتهد مصيب، وأنه ليس لله في الباطن حكم على المجتهد غير ما اعتقده. # PageV01P184 # وأما الجمهور الذين يقولون: إن لله حكما في الباطن، علمه [العالم] في ~~إحدى المقالتين ولم يعلمه في المقالة التي تناقضها، وعدم علمه به مع اجتهاد ~~مغفور له، مع ما يثاب عليه من قصده للحق واجتهاد في طلبه، ولهذا يشبه بعضهم ~~تعارض الاجتهادات من العلماء بالناسخ والمنسوخ في شرائع الأنبياء، مع الفرق ~~بينهما بأن كل واحد من الناسخ والمنسوخ ثابت بخطاب حكم الله باطنا وظاهرا، ~~بخلاف أحد قولي العالم المتناقضين. # هذا فيمن يتقي الله فيما يقوله، مع علمه بتقواه، وسلوكه الطريق الراشد. # وأما أهل الأهواء والخصومات: فهم مذمومون في مناقضتهم؛ لأنهم يتكلمون ~~بغير علم، ولا حسن قصد لما يجب قصده. # وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان: # أحدهما: لازم قوله الحق. فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ~~ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، ~~وكثير مما يضيفه ms111 الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب. # والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق. فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه ~~أنه قد تناقض ، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف ~~من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف ~~إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه، لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لم يشعر ~~بفساد ذلك القول ولا يلزمه. # PageV01P185 # وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ ~~هو أجود من إطلاق أحدهما، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له ~~فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله، وإن كان متناقضا، وهو الفرق بين اللازم ~~الذي يجب التزامه مع لزوم اللازم الذي يجب ترك الملزوم للزومه، فإذا عرف ~~هذا عرف الفرق بين الواجب من المقالات والواقع منها، وهذا متوجه في اللوازم ~~التي لم يصرح هو بعدم لزومها. # فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال، وإلا لأضيف إلى ~~كل عالم ما اعتقدنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، لكونه ملتزما ~~لرسالته، فلما لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول، وإن كان لازما له: ظهر الفرق ~~بين اللازم الذي لم ينفه، واللازم الذي نفاه، ولا يلزم من كونه نص على ~~الحكم نفيه للزوم ما يلزمه؛ لأنه قد يكون عن اجتهادين في وقتين. # وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء - مع وجود الاختلاف في قول كل ~~منهما: - أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد، وهو مأمور في ~~الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله، وإن لم يكن مطابقا، لكن اعتقادا ليس ~~بيقيني، كما يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل، وإن كانا في الباطن قد ~~أخطآ أو كذبا، وكما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدل الضابط، أو باتباع ~~الظاهر، فيعتقد ما دل عليه ذلك، وإن لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا، فالاعتقاد ~~المطلوب هو الذي يغلب على ms112 الظن مما يؤمر به العباد، وإن كان قد يكون غير ~~مطابق، وإن لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط. # فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين مع # PageV01P186 # قصده للحق واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة: عذر بما لم يعلمه ~~وهو الخطأ المرفوع عنا، بخلاف أصحاب الأهواء، فإنهم {إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الأنفس} [النجم: 23] [النجم: 23] ويجزمون بما يقولونه بالظن ~~والهوى جزما لا يقبل النقيض، مع عدم العلم بجزمه، فيعتقدون ما لم يؤمروا ~~باعتقاده، لا باطنا ولا ظاهرا، ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده، ويجتهدون ~~اجتهادا لم يؤمروا به، فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما ~~لم يعلموه، فكانوا ظالمين، شبيها بالمغضوب عليهم، أو جاهلين، شبيها ~~بالضالين. # فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق، وقد سلك طريقه، ~~وأما متبع الهوى المحض: فهو من يعلم الحق ويعاند عنه. # وثم قسم آخر - وهم غالب الناس - وهو أن يكون له هوى، وله في الأمر الذي ~~قصد إليه شبهة، فتجتمع الشهوة والشبهة، ولهذا جاء في حديث مرسل عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود ~~الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» . # فالمجتهد المحض مغفور له أو مأجور، وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب، ~~وأما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى: فهو مسيء، وهم في ذلك درجات ~~بحسب ما يغلب، وبحسب الحسنات الماحية. # وأكثر المتأخرين - من المنتسبين إلى فقه أو تصوف - مبتلون بذلك. # PageV01P187 # وهذا القول الذي دلت عليه أصول مالك، وأصول أحمد، وبعض أصول غيرهما: هو ~~أصح الأقوال، وعليه يدل غالب معاملات السلف، ولا يستقيم أمر الناس في ~~معاشهم إلا به، وكل من توسع في تحريم ما يعتقده غررا: فإنه لا بد أن يضطر ~~إلى إجازة [ما حرمه] ، فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة، ~~وإما أن يحتال، وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم، فما رأينا أحدا التزم ~~مذهبه في تحريم هذه المسائل، ولا يمكنه ذلك، ونحن ms113 نعلم قطعا أن مفسدة ~~التحريم لا تزول بالحيلة التي يذكرونها، فمن المحال أن يحرم الشارع علينا ~~أمرا نحن محتاجون إليه، ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها وإنما هي من ~~جنس اللعب. # ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل، فوجدته أحد شيئين: إما ذنوب ~~جوزوا عليها بتضييق في أمورهم، فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل، فلم ~~تزدهم الحيل إلا بلاء، كما جرى لأصحاب السبت من اليهود، وكما قال تعالى: ~~{فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] [النساء: ~~160] ، وهذا الذنب ذنب عملي، وإما مبالغة في التشديد لما اعتقدوه من تحريم ~~الشارع، فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل، وهذا من خطأ الاجتهاد، ~~وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما أحل له، وأدى ما أوجب عليه، فإن الله لا يحوجه ~~إلى الحيل المبتدعة أبدا، فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج، ~~وإنما بعث نبينا - صلى الله عليه وسلم - بالحنيفية السمحة. # فالسبب الأول: هو الظلم. # والسبب الثاني: هو عدم العلم. والظلم، والجهل هما وصف للإنسان المذكور في ~~قوله تعالى {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] [الأحزاب: ~~72] . # PageV01P188 # وأصل هذا: أن الله سبحانه إنما حرم علينا المحرمات من الأعيان: كالدم ~~والميتة ولحم الخنزير، أو من التصرفات: كالميسر والربا وما يدخل فيهما بنوع ~~من الغرر وغيره، لما في ذلك من المفاسد التي نبه الله عليها ورسوله بقوله ~~سبحانه {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] ~~[المائدة] . # فأخبر سبحانه: أن الميسر يوقع العداوة والبغضاء، سواء كان ميسرا بالمال ~~أو باللعب، فإن المغالبة بلا فائدة وأخذ المال بلا حق يوقع في النفوس ذلك، ~~وكذلك روى فقيه المدينة من الصحابة زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: كان ~~الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبايعون الثمار، فإذا ~~[جذ] الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، ~~أصابه قشام: عاهات يحتجون بها، فقال ms114 رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما ~~كثرت عنده الخصومة في ذلك -: «فأما لا، فلا تبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر، ~~كالمشورة لهم يشير بها ، لكثرة خصومتهم واختلافهم» وذكر خارجة بن زيد: " أن ~~زيدا لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأحمر من الأصفر " ~~رواه البخاري تعليقا، وأبو داود إلى قوله: " خصومتهم "، وروى أحمد في ~~المسند عنه قال: «قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ونحن ~~نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خصومة فقال: ما هذا؟ فقيل له: إن هؤلاء ابتاعوا الثمار يقولون: أصابنا ~~الدمان والقشام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فلا تبايعوها حتى ~~يبدو صلاحها» . # PageV01P189 # فقد أخبر أن سبب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك: ما أفضت إليه ~~من الخصام، وهكذا بيوع الغرر، وقد ثبت نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ~~في الصحيحين، من حديث ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس. وفي مسلم من حديث ~~أبي هريرة، وفي حديث أنس تعليله، ففي الصحيحين عن أنس: «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل: وما تزهى؟ قال: حتى ~~تحمر أو تصفر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت إذا منع الله ~~الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه» وفي رواية: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن بيع الثمر حتى يزهو، فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر، ~~أرأيت إن منع الله الثمرة، بم تستحل مال أخيك» ، قال أبو مسعود الدمشقي: ~~جعل مالك والداروردي قول أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة من حديث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، أدرجاه فيه، ويرون أنه غلط. # فهذا التعليل - سواء كان من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من ~~كلام أنس - فيه بيان أن في ذلك أكلا للمال بالباطل، حيث أخذه في عقد معاوضة ~~بلا عوض مضمون. # وإذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء، وأكل الأموال ~~بالباطل، فمعلوم أن ms115 هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها، ~~كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل، لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض، ~~وإن لم يجز غيره بعوض، وكما أن اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم يكن فيه ~~منفعة، فهو باطل، وإن كان فيه منفعة - وهو ما ذكره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بقوله: «كل لهو # PageV01P190 # يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، ~~فإنهن من الحق» - صار هذا اللهو حقا. # ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف ~~فيها من تباغض، أو أكل مال بالباطل؛ لأن الغرر فيها يسير كما تقدم، والحاجة ~~إليها ماسة، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر، والشريعة جميعها مبنية ~~على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم، فكيف ~~إذا كانت المفسدة منتفية؟ ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد ~~البيع على الشجر إلى كمال الصلاح، أباح الشرع ذلك، قاله جمهور العلماء كما ~~سنقرر قاعدته - إن شاء الله تعالى -، ولهذا كان مذهب أهل المدينة وفقهاء ~~الحديث: أنها إذا تلفت بعد البيع بجائحة هلكت من ضمان البائع، كما رواه ~~مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، ~~بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟» وفي رواية لمسلم عنه: «أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بوضع الجوائح» ، والشافعي - رضي الله عنه - لما لم يبلغه ~~هذا الحديث - وإنما بلغه حديث لسفيان بن عيينة اضطرب فيه - أخذ في ذلك بقول ~~الكوفيين: إنها تكون من ضمان المشتري؛ لأنه مبيع قد تلف بعد القبض؛ لأن ~~التخلية بين المشتري وبينه قبض. وهذا على أصل الكوفيين أمشى؛ # PageV01P191 # لأن المشتري لم يملك إبقاءه على الشجر، وإنما موجب العقد عندهم: القبض ~~الناجز بكل حال وهو طرد لقياس سنذكر أصله وضعفه، مع أن مصلحة بني آدم لا ~~تقوم على ذلك، ومع أني ms116 لا أعلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة صريحة ~~بأن المبيع التالف قبل التمكن من القبض يكون من مال البائع، وينفسخ العقد ~~بتلفه إلا حديث الجوائح هذا، ولو لم يكن فيه سنة لكان الاعتبار [الصريح] ~~يوافقه وهو ما نبه عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «بم يأخذ ~~أحدكم مال أخيه بغير حق؟» فإن المشتري للثمرة إنما يتمكن من جذاذها عند ~~كمالها ونضجها، لا عند العقد، كما أن المستأجر إنما يتمكن من استيفاء ~~المنفعة شيئا فشيئا، فتلف الثمرة قبل التمكن [من الجذاذ كتلف العين المؤجرة ~~قبل التمكن] من استيفاء المنفعة، وفي الإجارة يتلف من ضمان المؤجر ~~بالاتفاق، فكذلك في البيع. # وأبو حنيفة يفرق بينهما بأن المستأجر لم يملك المنفعة، وأن المشتري لم ~~يملك الإبقاء، وهذا الفرق لا يقول به الشافعي، وسنذكر أصله. # فلما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها، ~~وفي لفظ مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تتبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة» ، وفي لفظ لمسلم عنه: «نهى ~~عن بيع النخل حتى تزهى، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع ~~والمشتري» وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض» . # PageV01P192 # فمعلوم أن العلة ليست كونه كان معدوما، فإنه بعد بدو صلاحه وأمنه العاهة ~~يزيد أجزاء لم تكن موجودة وقت العقد. وليس المقصود الأمن من العاهات ~~النادرة، فإن هذا لا سبيل إليه، إذ قد يصيبها ما ذكره الله عن أهل الجنة ~~الذين {أقسموا ليصرمنها مصبحين - ولا يستثنون} [القلم: 17 - 18] [القلم 17، ~~18] ، وما ذكره في سورة يونس في قوله: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ~~وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن ~~لم تغن بالأمس} [يونس: 24] [يونس] ، وإنما المقصود ذهاب الآفة التي يتكرر ~~وجودها، وهذا إنما تصيب الزرع قبل اشتداد الحب، وقبل ms117 ظهور النضج في الثمر، ~~إذ العاهة بعد ذلك نادرة بالنسبة إلى ما قبله ; ولأنه لو منع بيعه بعد هذه ~~الغاية لم يكن له وقت يجوز بيعه إلى حين كمال الصلاح. وبيع الثمر على الشجر ~~بعد كمال صلاحه متعذر ; لأنه لا يكمل جملة واحدة، وإيجاب قطعه على مالكه ~~فيه ضرر مرب على ضرر الغرر. # فتبين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم مصلحة جواز البيع الذي ~~يحتاج إليه على مفسدة الغرر اليسير، كما تقتضيه أصول الحكمة التي بعث بها - ~~صلى الله عليه وسلم - وعلمها أمته. # ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه، غير ناظر إلى ما يعارض علته من ~~المانع الراجح: أفسد كثيرا من أمر الدين، وضاق عليه عقله ودينه. # وأيضا ففي صحيح مسلم عن أبي رافع: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~استسلف من رجل بكرا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا # PageV01P193 # رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا جملا ~~خيارا رباعيا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أعطه إياه فإن خيار ~~الناس أحسنهم قضاء» . # ففي هذا دليل على جواز الاستسلاف فيما سوى المكيل والموزون من الحيوان ~~ونحوه، كما عليه فقهاء الحجاز والحديث، خلافا لمن قال من الكوفيين: لا يجوز ~~ذلك ; لأن القرض موجب لرد المثل، والحيوان ليس بمثلي، وبناء على أن ما سوى ~~المكيل والموزون لا يثبت في الذمة عوضا عن مال. # وفيه دليل على أنه يثبت مثل الحيوان تقريبا في الذمة، كما هو المشهور من ~~مذاهبهم، خلافا للكوفيين، ووجه في مذهب أحمد أنه يثبت بالقيمة. # وهذا دليل على أن المعتبر في معرفة المعقود عليه: هو التقريب، وإلا فيعجز ~~الإنسان عن وجود حيوان مثل ذلك الحيوان، لا سيما عند القائلين بأن الحيوان ~~ليس بمثلي، وأنه مضمون في الغصب والإتلاف بالقيمة. # وأيضا: فقد اختلف الفقهاء في تأجيل الديون إلى الحصاد والجداد، وفيه ~~روايتان عن أحمد، إحداهما: يجوز، كقول مالك، وحديث جابر الذي في الصحيح يدل ~~عليه. # وأيضا: فقد دل ms118 الكتاب في قوله تعالى: # PageV01P194 # {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} ~~[البقرة: 236] # [البقرة: 236] ، والسنة في حديث بروع بنت واشق ، وإجماع العلماء: على جواز ~~عقد النكاح بدون فرض الصداق. وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم، وإذا ~~مات عند فقهاء الحديث، وأهل الكوفة المتبعين لحديث بروع بنت واشق، وهو أحد ~~قولي الشافعي. ومعلوم أن مهر المثل متقارب لا محدود، فلو كان التحديد ~~معتبرا في المهر ما جاز النكاح بدونه، كما رواه أحمد في المسند عن أبي سعيد ~~الخدري - رضي الله عنه -: " «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~استئجار الأجير حتى يبين له أجره، وعن بيع اللمس والنجش وإلقاء الحجر» ". ~~فمضت الشريعة بجواز النكاح قبل فرض المهر، وأن الإجارة لا تجوز إلا مع ~~تبيين الأجر، فدل على الفرق بينهما. # وسببه: أن المعقود عليه في النكاح - وهو منافع البضع - غير محدودة، بل ~~المرجع فيها إلى العرف، فلذلك عوضه الآخر ; لأن المهر ليس هو المقصود، ~~وإنما هو نحلة تابعة. فأشبه الثمر التابع للشجر في البيع قبل بدو صلاحه. ~~ولذلك لما قدم وفد هوازن على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخيرهم بين ~~السبي وبين المال فاختاروا السبي، قال لهم: " «إني قائم فخاطب الناس، ~~فقولوا: إنا نستشفع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين، ~~ونستشفع بالمسلمين على رسول الله. وقام فخطب الناس، فقال: إني قد رددت على ~~هؤلاء سبيهم، فمن شاء طيب ذلك، ومن شاء فإنا نعطيه عن كل رأس عشر قلائص من ~~أول ما يفيء الله # PageV01P195 # علينا» ". فهذا معاوضة عن الإعتاق، كعوض الكتابة بإبل مطلقة في الذمة، ~~إلى أجل [متفاوت] غير محدود. وقد روى البخاري عن ابن عمر في حديث خيبر «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم، وغلبهم على ~~الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم، ~~ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح، ~~ويخرجون منها. واشترط عليهم أن لا يكتموا، ولا يغيبوا ms119 شيئا، فإن فعلوا فلا ~~ذمة لهم ولا عهد» . # فهذا مصالحة على مال متميز غير معلوم. وعن ابن عباس قال: " «صالح رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أهل نجران على ألفي حلة: النصف في صفر، ~~والبقية في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، ~~وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ~~ضامنون لها حتى يردوها عليهم، إن كان باليمن كيد أو غارة» " رواه أبو داود. # فهذا مصالحة على ثياب مطلقة معلومة الجنس، غير موصوفة بصفات السلم. وكذلك ~~عارية خيل وإبل وأنواع من السلاح مطلقة غير موصوفة عند شرط، قد يكون وقد لا ~~يكون. # فظهر بهذه النصوص أن العوض عما ليس بمال - كالصداق والكتابة والفدية في ~~الخلع، والصلح عن القصاص والجزية والصلح مع أهل الحرب -: ليس بواجب أن ~~يعلم، كما يعلم الثمن والأجرة. # PageV01P196 # ولا يقاس على بيع الغرر كل عقد على غرر ; لأن الأموال إما أنها لا تجب في ~~هذه العقود، أو ليست هي المقصود الأعظم منها، وما ليس هو المقصود إذا وقع ~~فيه غرر لم يفض إلى المفسدة المذكورة في البيع، بل يكون إيجاب التحديد في ~~ذلك فيه من العسر والحرج المنفي شرعا ما يزيد على ضرر ترك تحديده. ### | [فصل في حكم إجارة الأرض إذا كانت مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع] # فصل. # ومما تمس الحاجة إليه من فروع هذه القاعدة، ومن مسائل بيع الثمر قبل بدو ~~صلاحه، ما قد عمت به البلوى في كثير من بلاد الإسلام أو أكثرها، لا سيما ~~دمشق. وذلك أن الأرض تكون مشتملة على غراس، وأرض تصلح للزرع، وربما اشتملت ~~مع ذلك على مساكن، فيريد صاحبها أن يؤاجرها لمن يسقيها ويزدرعها، أو يسكنها ~~مع ذلك. فهذا - إذا كان فيها أرض وغراس - مما اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن ذلك لا يجوز بحال، وهو قول الكوفيين والشافعي، وهو المشهور من ~~مذهب أحمد عند أكثر أصحابه. # والقول الثاني: يجوز إذا كان الشجر قليلا وكان البياض الثلثين أو أكثر، ~~وكذلك ms120 إذا استكرى دارا فيها نخلات قليلة، أو شجرات عنب ونحو ذلك، وهذا قول ~~مالك، وعن أحمد كالقولين. قال الكرماني: قيل لأحمد: الرجل يستأجر الأرض ~~فيها نخلات؟ قال: أخاف أن يكون استأجر شجرا لم يثمر، وكأنه لم يعجبه، أظنه: ~~أراد الشجر، لم أفهم عن أحمد أكثر من هذا. # وقد تقدم عنه فيما إذا باع ربويا بجنسه معه من غير جنسه إذا كان المقصود ~~الأكبر هو غير الجنس، كشاة ذات صوف أو لبن # PageV01P197 # بصوف أو لبن روايتان. وأكثر أصوله على الجواز، كقول مالك، فإنه يقول: إذا ~~ابتاع عبدا وله مال، وكان مقصوده العبد: جاز، وإن كان المال مجهولا، أو من ~~جنس الثمن، ولأنه يقول: إذا ابتاع أرضا أو شجرا فيها ثمر، أو زرع لم يدرك، ~~يجوز إذا كان مقصوده الأرض والشجر. # وهذا في البيع نظير مسألتنا في الإجارة، فإن ابتياع الأرض بمنزلة ~~اشترائها، واشتراء النخل ودخول الثمرة التي لم تأمن العاهة في البيع تبعا ~~للأصل بمنزلة دخول ثمر النخلات والعنب في الإجارة تبعا. # وحجة الفريقين في المنع: ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من نهيه ~~عن بيع السنين، وبيع الثمر حتى يبدو صلاحه، كما أخرجا في الصحيحين عن ابن ~~عمر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها، نهى البائع والمبتاع» ، وفيهما عن جابر بن عبد الله - رضي الله ~~عنهما - قال: " «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تباع الثمرة حتى تشقح ~~"، قيل: وما تشقح؟ قال: " تحمار أو تصفار، ويؤكل منها» " وفي رواية لمسلم: ~~أن هذا التفسير من كلام سعيد بن المثنى المحدث عن جابر. # وفي الصحيحين عن جابر قال: " «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة» "، وفي رواية لهما " «وعن بيع ~~السنين» " بدل " المعاومة "، وفيهما أيضا عن زيد بن أبي أنيسة عن عطاء # PageV01P198 # عن جابر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم " نهى عن المحاقلة ~~والمزابنة والمخابرة، وأن يشتري النخل حتى يشقه، والإشقاه: أن يحمر أو يصفر ~~أو يؤكل ms121 منه شيء، والمحاقلة: أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم، ~~والمزابنة: أن يباع النخل بأوساق من التمر. والمخابرة: الثلث والربع، ~~وأشباه ذلك» . قال زيد: قلت لعطاء: أسمعت جابرا يذكر هذا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: نعم، وفيهما عن أبي البختري قال: سألت ابن عباس عن ~~بيع النخل، فقال: " «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع النخل ~~حتى يأكل منه، أو يؤكل، وحتى يوزن. فقلت: ما يوزن؟ فقال رجل عنده: حتى ~~[يحرز] » "، وفي مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " « [لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها] ، لا ~~تبتاعوا الثمر بالتمر» ". # وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع ثمر النخل سنين لا يجوز، ~~قالوا: فإذا أكراه الأرض والشجر، فقد باعه الثمر قبل أن يخلق، وباعه سنة أو ~~سنتين، وهذا هو الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم منع منه ~~مطلقا طردا لعموم القياس، ومن جوزه إذا كان قليلا قال: الضرر اليسير يحتمل ~~في العقود، كما لو ابتاع النخل وعليه ثمر لم يؤبر، أو أبر ولم يبد صلاحه، ~~فإنه يجوز، وإن لم يجز إفراده بالعقد. # وهذا متوجه جدا على أصل الشافعي وأحمد وغيرهما من فقهاء # PageV01P199 # الحديث، ولكن لا يتوجه على أصل أبي حنيفة ; لأنه لا يجوز ابتياع الثمر ~~بشرط البقاء، ويجوز ابتياعه قبل بدو صلاحه، وموجب العقد: القطع في الحال، ~~فإذا ابتاعه مع الأصل فإنما استحق إبقاءه ; لأن الأصل ملكه، وسنتكلم إن شاء ~~الله على هذا الأصل. # وذكر أبو عبيد: أن المنع من إجارة الأرض التي فيها شجر كثير: إجماع. # والقول الثالث: أنه يجوز استئجار الأرض التي فيها شجر، ودخول الشجر في ~~الإجارة مطلقا، وهذا قول ابن عقيل، وإليه مال حرب الكرماني، وهذا القول ~~كالإجماع من السلف، وإن كان المشهور عن الأئمة المتبوعين خلافه، فقد روى ~~سعيد بن منصور - ورواه عنه حرب الكرماني في مسائله - قال: حدثنا عباد بن ~~عباد عن هشام بن عروة عن أبيه: " أن ms122 أسيد بن حضير توفي وعليه ستة آلاف درهم ~~[دين] ، فدعا عمر غرماءه، فقبلهم أرضه سنين، وفيها النخل والشجر ". # وأيضا: فإن عمر بن الخطاب ضرب الخراج على أرض السواد وغيرها، فأقر الأرض ~~التي فيها النخل والعنب في أيدي أهل الأرض، وجعل على كل جريب من جرب الأرض ~~السواد والبيضاء خراجا مقدرا، والمشهور: أنه جعل على جريب العنب: عشرة ~~دراهم، وعلى جريب النخل: ثمانية دراهم، وعلى جريب الرطبة: ستة دراهم، وعلى ~~جريب الزرع: درهما وقفيزا من طعام. # والمشهور عند مالك والشافعي وأحمد: أن هذه المخارجة # PageV01P200 # تجري مجرى المؤاجرة، وإنما لم يؤقته لعموم المصلحة، وأن الخراج أجرة ~~الأرض، فهذا بعينه إجارة الأرض السوداء التي فيها شجر، وهو مما أجمع عليه ~~عمر والمسلمون في زمانه وبعده، ولهذا تعجب أبو عبيد في كتاب الأموال من هذا ~~فرأى أن هذه [المعاملة] تخالف ما علمه من مذاهب الفقهاء. # وحجة ابن عقيل: أن إجارة الأرض جائزة، والحاجة إليها داعية، ولا يمكن ~~إجارتها إذا كان فيها شجر إلا بإجارة الشجر، وما لا يتم الجائز إلا به فهو ~~جائز ; لأن المستأجر لا يتبرع بسقي الشجر، وقد لا يساقي عليها. # وهذا كما أن مالكا والشافعي كان القياس عندهما أنه لا تجوز المزارعة، ~~فإذا ساقى العامل على شجر فيها بياض جوزا المزارعة في ذلك البياض، تبعا ~~للمساقاة فيجوزه مالك إذا كان دون الثلث، كما قال في بيع الشجر تبعا للأرض، ~~وكذلك الشافعي يجوزه إذا كان البياض قليلا لا يمكن سقي النخل إلا بسقيه، ~~وإن كان كثيرا والنخل قليلا ففيه لأصحابه وجهان. # هذا إذا جمع بينهما في عقد واحد، وسوى بينهما في الجزء المشروط، كالثلث ~~والربع، فأما إن فاضل بين الجزأين ففيه وجهان لأصحابه. . وكذلك إن فرق ~~بينهما في عقدين وقدم المساقاة ففيه وجهان، فأما إن قدم المزارعة لم تصح ~~المزارعة وجها واحدا. # فقد جوز المزارعة التي لا تجوز عندهما تبعا للمساقاة، فكذلك يجوز إجارة ~~الشجر تبعا لإجارة الأرض. # PageV01P201 # وقول ابن عقيل هو قياس أحد وجهي أصحاب الشافعي بلا شك، ولأن المانعين من ms123 ~~هذا هم بين محتال على جوازه، [أو مرتكب] لما يظن أنه حرام [أو ضار] ومتضرر، ~~فإن الكوفيين احتالوا على الجواز: تارة بأن يؤجر الأرض فقط ويبيحه ثمر ~~الشجر، كما يقولون في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، يبيعه إياها مطلقا، أو ~~بشرط القطع بجميع الأجرة، ويبيحه إبقاءها، وهذه الحيلة منقولة عن أبي حنيفة ~~والثوري وغيرهما، وتارة بأن يكريه الأرض بجميع الأجرة ويساقيه على الشجر ~~بالمحاباة، مثل أن يساقيه على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك. # وهذه الحيلة إنما يجوزها من يجوز المساقاة، كأبي يوسف ومحمد والشافعي في ~~القديم، فأما أبو حنيفة فلا يجوزها بحال، وكذلك الشافعي إنما يجوزها في ~~الجديد في النخل والعنب، فقد اضطروا في هذه المعاملة إلى أن تسمى الأجرة في ~~مقابلة منفعة الأرض، ويتبرع له إما بإعراء الشجر، وإما بالمحاباة في ~~مساقاتها. # ولفرط الحاجة إلى هذه المعاملة ذكر بعض من صنف في إبطال الحيل من أصحاب ~~الإمام أحمد هذه الحيلة فيما يجوز من الحيل - أعني حيلة المحاباة في ~~المساقاة - والمنصوص عن أحمد وأكثر أصحابه: إبطال هذه الحيلة بعينها، كمذهب ~~مالك وغيره. # والمنع من هذه الحيل هو الصحيح قطعا، لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: " «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، # PageV01P202 # ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» " رواه الأئمة الخمسة: أحمد ~~وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، فنهى ~~- صلى الله عليه وسلم - عن أن يجمع بين سلف وبيع، فإذا جمع بين سلف وإجارة ~~فهو جمع بين سلف وبيع أو مثله، وكل تبرع يجمعه إلى البيع والإجارة، مثل: ~~الهبة والعارية، والعرية، والمحاباة في المساقاة والمزارعة والمبايعة، وغير ~~ذلك: هي مثل القرض. # فجماع معنى الحديث: أن لا يجمع بين معاوضة وتبرع ; لأن ذلك التبرع إنما ~~كان لأجل المعاوضة، لا تبرعا مطلقا، فيصير جزءا من العوض، فإذا اتفقا على ~~أنه ليس بعوض جمعا بين أمرين متنافيين، فإن من أقرض رجلا ألف درهم، وباعه ms124 ~~سلعة تساوي خمسمائة بألف لم يرض [بالاقتراض] إلا بالثمن الزائد للسلعة، ~~والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التي اقترضها، فلا ~~هذا باع بيعا بألف، ولا هذا أقرض قرضا محضا، بل الحقيقة: أنه أعطاه الألف ~~والسلعة بألفين فهي مسألة " مد عجوة "، فإذا كان المقصود أخذ ألف بأكثر من ~~ألف: حرم بلا تردد، وإلا خرج على الخلاف المعروف، وهكذا من أكرى الأرض التي ~~تساوي مائة بألف وأعراه الشجر، أو رضي من ثمرها بجزء من ألف جزء، فمعلوم ~~بالاضطرار: أنه إنما تبرع بالثمرة لأجل الألف التي أخذها، وأن المستأجر ~~إنما بذل الألف لأجل الثمرة، فالثمرة هي جل # PageV01P203 # المقصود المعقود عليه أو بعضه، فليست الحيلة إلا ضربا من اللعب ~~[والإفساد] ، وإلا فالمقصود المعقود عليه ظاهر. # والذين لا يحتالون، أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه الحيلة [هم] بين ~~أمرين: إما أن يفعلوا ذلك للحاجة، ويعتقدوا أنهم فاعلون للمحرم، كما رأينا ~~عليه أكثر الناس، وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول الثمار الداخلة في هذه ~~المعاملة فيدخل عليهم من الضرر [والاضطرار] ما لا يعلمه إلا الله، وإن أمكن ~~أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان، فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد ~~الأموال الذي لا تأتي به شريعة قط، فضلا عن شريعة قال الله فيها: {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] [الحج: 78] ، وقال تعالى: {يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] [البقرة: 185] ، وقال تعالى: ~~{يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء: 28] [النساء: 28] ، وفي الصحيحين: " ~~«إنما بعثتم ميسرين» "، " «ويسروا ولا تعسروا» "، " «ليعلم اليهود أن في ~~ديننا سعة» "، فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج، وهو منتف شرعا. # والغرض من هذا: أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن الأمة التزامه قط، لما فيه ~~من الفساد الذي لا يطاق، فعلم أنه ليس بحرام # PageV01P204 # بل هو أشد من الأغلال والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا ~~على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن استقرأ الشريعة في مواردها ~~ومصادرها وجدها ms125 مبنية على قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم ~~عليه} [البقرة: 173] [البقرة: 173] ، وقوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف ~~لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: 3] [المائدة: 3] ، فكل ما احتاج الناس ~~إليه في معاشهم، ولم يكن سببه معصية: هي ترك واجب، أو فعل محرم، لم يحرم ~~عليهم ; لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد، وإن كان سببه معصية، ~~كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة، والمنفق للمال في المعاصي حتى ~~لزمته الديون، فإنه يؤمر بالتوبة، ويباح له ما يزيل ضرورته، فتباح له ~~الميتة، ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال، ~~وحاله كحال الذين قال الله فيهم: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم ~~لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 163] ~~[الأعراف:] ، وقوله: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} ~~[النساء: 160] [النساء: 160] وهذه قاعدة عظيمة ربما ننبه إن شاء الله ~~عليها. # وهذا القول المأثور عن السلف الذي اختاره ابن عقيل: هو قياس أصول أحمد ~~وبعض أصول الشافعي، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، لوجوه متعددة بعد الأدلة ~~الدالة على نفي التحريم شرعا وعقلا، فإن دلالة هذه إنما تتم بعد الجواب عما ~~استدل به أصحاب القول الأول. # الوجه الأول: ما ذكرناه من فعل عمر في قصة أسيد بن الحضير، فإنه قبل ~~الأرض والشجر الذي فيها بالمال الذي كان للغرماء، وهذا عين مسألتنا، ولا ~~يحمل ذلك على أن النخل والشجر كان قليلا، فإنه من المعلوم أن حيطان أهل ~~المدينة كان الغالب عليها # PageV01P205 # الشجر، وأسيد بن الحضير كان من سادات الأنصار ومياسيرهم، فبعيد أن يكون ~~الغالب على حائطه الأرض البيضاء، ثم هذه القصة لا بد أن تشتهر، ولم يبلغنا ~~أن أحدا أنكرها فيكون إجماعا، وكذلك ما ضربه من الخراج على السواد، فإن ~~تسميته خراجا يدل على أنه عوض عما ينتفعون به من منفعة الأرض والشجر، كما ~~يسمي الناس اليوم كراء الأرض لمن يغرسها خراجا، إذا كان على كل شجرة شيء ms126 ~~معلوم، ومنه قوله: {أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير} [المؤمنون: 72] ~~[المؤمنون: 72] ومنه خراج العبد، فإنه عبارة عن ضريبة يخرجها لسيده من ~~ماله، فمن اعتقد أنه أجرة وجب عليه أن يعتقد جواز مثل هذا، لأنه ثابت ~~بإجماع الصحابة. ومن اعتقد أنه ثمن أو عوض مستقل بنفسه فمعلوم أنه لا يشبه ~~غيره، وإنما جوزه الصحابة - ولا نظير له - لأجل الحاجة الداعية إليه، ~~والحاجة إلى ذلك موجودة في كل أرض فيها شجر كالأرض المفتتحة سواء. # فإنه إن قيل: يمكن المساقاة أو المزارعة، قيل: وقد كان يمكن عمر المساقاة ~~والمزارعة، كما فعل في أثناء الدولة العباسية، إما في خلافة المنصور وإما ~~بعده، فإنهم نقلوا أرض السواد من الخراج إلى المقاسمة، التي هي المساقاة ~~والمزارعة. # وإن قيل: إنه يمكن جعل الكراء بإزاء الأرض والتبرع بمنفعة الشجر أو ~~المحاباة فيها، قيل: قد كان يمكن عمر ذلك، فالقدر المشترك بينهما ظاهر. # وأيضا: فإنا نعلم قطعا أن المسلمين ما زالت لهم أرضون فيها شجر [تكرى] بل ~~هذا غالب على أموال أهل الأمصار. ونعلم أن # PageV01P206 # السلف لم يكونوا كلهم يعمرون أرضهم بأنفسهم ولا غالبهم، ونعلم أن ~~المساقاة والمزارعة لا تتيسر في كل وقت ; لأنها تفتقر إلى عامل أمين، وما ~~كل أحد يرضى بالمساقاة، ولا كل من أخذ الأرض يرضى بالمشاركة، فلا بد أن ~~يكونوا قد كانوا يكرون الأرض السوداء ذات الشجر، ومعلوم أن الاحتيال ~~بالتبرع أمر [بارد] لم يكن السلف من الصحابة والتابعين يفعلونه، فلم يبق ~~إلا أنهم كانوا يفعلون كما فعل عمر بمال أسيد بن الحضير، وكما يفعله غالب ~~المسلمين من تلك الأزمنة وإلى اليوم. # فإذا لم ينقل عن السلف أنهم حرموا هذه الإجارة، ولا أنهم أمروا بحيلة ~~التبرع - مع قيام المقتضى لفعل هذه المعاملة - علم قطعا أن المسلمين كانوا ~~يفعلونها من غير نكير من الصحابة والتابعين، فيكون فعلها كان إجماعا منهم. # ولعل الذين اختلفوا في كراء الأرض البيضاء أو المزارعة لم يختلفوا في ~~كراء الأرض السوداء، ولا في المساقاة ; لأن منفعة الأرض ليس فيها طائل ~~بالنسبة إلى ms127 منفعة الشجر. # فإن قيل: فقد قال حرب الكرماني: سئل أحمد عن تفسير حديث ابن عمر: " ~~القبالات ربا " قال: هو أن يتقبل القرية فيها النخل والعلوج ، قيل: فإن لم ~~يكن فيها نخل، وهي أرض بيضاء؟ قال: لا بأس، إنما هو الآن مستأجر، قيل: فإن ~~فيها علوجا؟ قال: فهذا هو القبالة المكروهة، قال حرب: حدثنا عبيد الله بن ~~معاذ # PageV01P207 # حدثنا أبي حدثنا سعيد عن جبلة سمع ابن عمر يقول: " القبالات ربا "، قيل: ~~الربا فيما يجوز تأجيله إنما يكون في الجنس الواحد، لأجل الفضل، فإذا قيل ~~في الأجرة أو الثمن أو نحوهما: إنه ربا، مع جواز تأجيله، فلأنه معاوضة ~~بجنسه متفاضلا ; لأن الربا إما ربا النساء، وذلك [لا يكون فيما يجوز] ~~تأجيله، وإما ربا الفضل، وذلك لا يكون إلا في الجنس الواحد، فإذا انتفى ربا ~~النساء الذي هو التأخير لم يبق إلا ربا الفضل، الذي هو الزيادة في الجنس ~~الواحد، وهذا يكون إذا كان التقبل بجنس مغل الأرض، مثل: أن يقبل الأرض التي ~~فيها نخل [بتمر] ، فيكون مثل المزابنة، وهذا مثل اكتراء الأرض بجنس الخارج ~~منها إذا كان مضمونا في الذمة، مثل: أن يكتريها ليزرع فيها حنطة بحنطة ~~معلومة، ففيه روايتان عن أحمد، إحداهما: أنه ربا، كقول مالك، وهذا مثل ~~القبالة التي كرهها ابن عمر ; لأنه ضمن الأرض للحنطة بحنطة [معلومة، فكأنه ~~ابتاع حنطة بحنطة] تكون أكثر أو أقل، فيظهر الربا. # فالقبالات التي ذكر ابن عمر أنها ربا: هو أن يضمن الأرض التي فيها النخل ~~والفلاحون من جنس مغلها، مثل أن يكون لرجل قرية فيها شجر وأرض، وفيها ~~فلاحون يعملون، تغل له ما تغل من الحنطة والتمر بعد أجرة الفلاحين أو ~~نصيبهم، فيضمنها رجل منه بمقدار معلوم من الحنطة والتمر ونحو ذلك، فهذا ~~مظهر تسميته بالربا، فأما ضمان الأرض بالدراهم والدنانير فليس من باب # PageV01P208 # الربا بسبيل، ومن حرمه فهو عنده من باب الغرر. # ثم إن أحمد لم يكره ذلك إذا كانت أرضا بيضاء ; لأن الإجارة عنده جائزة، ~~وإن كانت الأجرة من جنس الخارج ms128 على إحدى الروايتين ; لأن المستأجر يعمل في ~~الأرض بمنفعته وماله، فيكون المغل بكسبه، بخلاف ما إذا كان فيها العلوج، ~~وهم الذين يعالجون العمل، فإنه لا يعمل فيها شيئا لا بمنفعته ولا بماله، بل ~~العلوج يعملونها، وهو يؤدي القبالة ويأخذ بدلها، فهو طلب الربح في مبادلة ~~المال من غير صناعة ولا تجارة، وهذا هو الربا، ونظير هذا ما جاء به عن [ابن ~~عمر] أنه ربا، وهو اكتراء الحمام والطاحون والفنادق، ونحو ذلك مما لا ينتفع ~~المستأجر به، فلا يتجر فيه ولا يصطنع فيه، وإنما يكتريه ليكريه فقط، فقد ~~قيل: هو ربا. # والحاصل أنها لم تكن ربا لأجل النخل، ولا لأجل الأرض إذا كانت بغير جنس ~~المغل، وإنما كانت ربا لأجل العلوج، وهذه الصورة لا حاجة إليها، فإن العلوج ~~يقومون بها، فتقبيلها لآخر مراباة له، ولهذا كرهها أحمد، وإن كانت بيضاء ~~إذا كان فيها العلوج. # وقد استدل حرب الكرماني على المسألة بمعاملة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لأهل خيبر على أرضها: بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، على أن يعمروها من ~~أموالهم، وذلك أن هذا في المعنى إكراء للأرض منهم ببعض ما يخرج منها، مع ~~إكراء الشجر بنصف ثمره، فيقاس عليه إكراء الأرض والشجر بشيء مضمون ; لأن ~~إعطاء الثمر لو كان بمنزلة بيعه، لكان إعطاء بعضه بمنزلة بيعه، وذلك لا ~~يجوز، وهذه المسألة لها أصلان: # PageV01P209 # الأصل الأول: أنه متى كان بين الشجر أرض أو مساكن دعت الحاجة إلى كرائهما ~~جميعا، فيجوز لأجل الحاجة، وإن كان في ذلك غرر يسير، لا سيما إن كان ~~البستان وقفا، أو مال يتيم، فإن تعطيل منفعته لا يجوز، وإكراء الأرض أو ~~المسكن وحده لا يقع في العادة، ولا يدخل أحد في إجارته على ذلك، وإن اكتراه ~~اكتراه بنقص كثير عن قيمته، وما لا يتم المباح إلا به فهو مباح، فكل ما ثبت ~~إباحته بنص أو إجماع وجب إباحة لوازمه، إذا لم يكن في تحريمها نص ولا ~~إجماع، وإن قام دليل يقتضي تحريم لوازمه، وما لا يتم ms129 اجتناب المحرم إلا ~~باجتنابه فهو حرام، فهنا يتعارض الدليلان. # وفي مسألتنا قد ثبت إباحة كراء بالسنة واتفاق الفقهاء المتبوعين، بخلاف ~~دخول كراء الشجر، فإن تحريمه مختلف فيه، ولا نص فيه. # وأيضا: فمتى أكريت الأرض وحدها وبقي الشجر لم يكن المكتري مأمونا على ~~الثمر، فيفضي إلى اختلاف الأيدي وسوء المشاركة، كما إذا بدا الصلاح في نوع ~~واحد، يخرج على هذا القول، مثل قول الليث بن سعد: إذا بدا الصلاح في جنس - ~~وكان في بيعه متفرقا ضرر - جاز بيع جميع الأجناس. [وبه فسر] تفريق الصفقة، ~~ولأنه إذا أراد أن يبيع الثمر بعد ذلك لم يجد من يشتري الثمرة إذا كانت ~~الأرض والمساكن لغيره إلا بنقص كثير، ولأنه إذا أكرى الأرض، فإن شرط عليه ~~سقي الشجر - والسقي من جملة المعقود عليه - صار المعوض عوضا، وإن لم يشرط ~~عليه السقي، فإذا سقاها - إن ساقاه عليها - صارت الإجارة لا تصح إلا ~~بمساقاة، وإن # PageV01P210 # لم يساقه لزم تعطيل منفعة المستأجر، فيدور الأمر بين أن تكون الأجرة بعض ~~المنفعة، أو لا تصح الإجارة إلا بمساقاة، أو بتفويت منفعة المستأجر، ثم إن ~~حصل للمكري جميع الثمرة أو بعضها ففي بيعها - مع أن الأرض والمساكن لغيره - ~~نقص للقيمة في مواضع كثيرة. # فيرجع الأمر إلى أن الصفقة إذا كان في تفريقها ضرر جاز الجمع بينهما في ~~المعاوضة، وإن لم يجز إفراد كل منهما ; لأن حكم الجمع يخالف حكم التفريق، ~~ولهذا وجب عند أحمد وأكثر الفقهاء على أحد الشريكين إذا تعذرت القسمة: أن ~~يبيع مع شريكه أو يؤاجر معه، إن كان المشترك منفعة ; لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " «من أعتق شركا له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد ~~قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق ~~عليه ما عتق» " أخرجاه في الصحيحين، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بتقويم العبد كله، وبإعطاء الشريك حصته من القيمة، ومعلوم أن قيمة حصته ~~مفردة دون حصته من قيمة الجميع، فعلم أن حقه في نصف النصف، ms130 وإذا استحق ذلك ~~بالإعتاق فبسائر أنواع الإتلاف أولى، وإنما يستحق بالإتلاف ما يستحق ~~بالمعاوضة، فعلم أنه يستحق بالمعاوضة نصف القيمة، وإنما يمكن ذلك عند بيع ~~الجميع، فيجب قسمة العين حيث لا ضرر فيها، فإن كان فيها ضرر قسمت القيمة. # فإذا كنا قد أوجبنا على الشريك بيع نصيبه لما في التفريق من نقص قيمة ~~شريكه، فلأن يجوز بيع الأمرين جميعا - إذا كان في # PageV01P211 # تفريقهما ضرر - أولى، ولذلك جاز بيع الشاة مع اللبن الذي في ضرعها، وإن ~~أمكن تفريقهما بالحلب، وإن كان بيع اللبن وحده لا يجوز. # وعلى هذا الأصل: فيجوز متى كان مع الشجر منفعة مقصودة، كمنفعة أرض للزرع ~~أو بناء للسكن، وأما إن كان المقصود هو الثمر فقط، ومنفعة الأرض أو المسكن ~~ليست جزءا من المقصود، وإنما دخلت لمجرد الحيلة، كما قد يفعل في مسائل " مد ~~عجوة " لم يجئ هذا الأصل. # الأصل الثاني: أن يقال: إكراء الشجر للاستثمار يجري مجرى إكراء الأرض ~~للازدراع، واستئجار الظئر للرضاع، وذلك: أن الفوائد التي [تستخلف] مع بقاء ~~أصولها تجري مجرى المنافع، وإن كانت أعيانا، وهي ثمر الشجر ولبن الآدميات، ~~والبهائم والصوف، والماء العذب، فإنه كلما خلق من هذه شيء فأخذ، خلق الله ~~بدله مع بقاء الأصل، كالمنافع سواء، ولهذا جرت في الوقف والعارية والمعاملة ~~بجزء من النماء مجرى المنفعة، فإن الوقف لا يكون إلا فيما ينتفع به مع بقاء ~~أصله، فإذا جاز وقف الأرض البيضاء أو الرباع لمنفعتها، فكذلك وقف الحيطان ~~لثمرتها، ووقف الماشية لدرها وصوفها، ووقف الآبار والعيون لمائها، بخلاف ما ~~يذهب بالانتفاع كالطعام، ونحوه فلا يوقف. # وأما باب العارية فيسمون إباحة الظهر إفقارا، يقال: أفقره الظهر، وما ~~أبيح لبنه: منيحة، وما أبيح ثمره: عرية، وغير ذلك # PageV01P212 # عارية، وشبهوا ذلك بالقرض الذي ينتفع به المقترض ثم يرد مثله. ومنه قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «منيحة لبن، أو منيحة ورق» " فاكتراء ~~الشجر ; لأن يعمل عليها ويأخذ ثمرها بمنزلة استئجار الظئر لأجل لبنها، وليس ~~في القرآن إجارة منصوصة إلا إجارة الظئر في قوله سبحانه: ms131 {فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] . # ولما اعتقد بعض الفقهاء أن الإجارة لا تكون إلا على منفعة ليست عينا، ~~ورأى جواز إجارة الظئر، قال : المعقود عليه هو وضع الطفل في حجرها، واللبن ~~دخل ضمنا وتبعا، كنقع البئر، وهذا مكابرة للعقل والحس، فإنا نعلم بالاضطرار ~~أن المقصود بالعقد هو اللبن كما ذكره الله بقوله: {فإن أرضعن لكم} [الطلاق: ~~6] ، وضم الطفل إلى حجرها إن فعل فإنما هو وسيلة إلى ذلك، وإنما العلة ما ~~ذكرته: من أن الفائدة التي تستخلف مع بقاء أصلها تجري مجرى المنفعة، وليس ~~من البيع الخاص، فإن الله لم يسم العوض إلا أجرا، لم يسمه ثمنا، وهذا بخلاف ~~ما لو حلب اللبن، فإنه لا يسمى المعاوضة عليه حينئذ إلا بيعا ; لأنه لم ~~يستوف الفائدة من أصلها، كما يستوفي المنفعة من أصلها. # فلما كان للفوائد العينية التي يمكن فصلها عن أصلها حالان: # PageV01P213 # حال تشبه فيه المنافع المحضة، وهي حال اتصالها واستيفاء المنفعة، وحال ~~تشبه فيه الأعيان المحضة، وهي حال انفصالها وقبضها كقبض الأعيان، فإذا كان ~~صاحب الشجر هو الذي يسقيها ويعمل عليها حتى تصلح الثمرة، فإنما يبيع ثمرة ~~محضة، كما لو كان هو الذي يشق الأرض ويبذرها ويسقيها حتى يصلح الزرع، فإنما ~~يبيع زرعا محضا، وإن كان المشتري هو الذي يجد ويحصد، كما لو باعها على ~~الأرض، وكان المشتري هو الذي ينقل ويحول، ولهذا جمع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بينهما في النهي عن بيع الحب حتى يشتد، وعن بيع الثمر حتى يبدو ~~صلاحه، فإن هذا بيع محض للثمرة والزرع، وأما إذا كان المالك يدفع الشجرة ~~إلى [المكتري] حتى يسقيها ويلقحها ويدفع عنها الأذى، فهو بمنزلة دفعه الأرض ~~إلى من يشقها ويبذرها ويسقيها. ولهذا سوى بينهما في المساقاة والمزارعة، ~~فكما أن كراء الأرض ليس ببيع لزرعها، فكذلك كراء الشجرة ليس ببيع لثمرها، ~~بل نسبة كراء الشجر إلى كراء الأرض كنسبة المساقاة إلى المزارعة، هذا ~~معاملة من النماء، وهذا كراء بعوض معلوم. # فإذا كانت هذه الفوائد قد ساوت المنافع في ms132 الوقف لأصلها وفي التبرعات ~~بها، وفي المشاركة بجزء من نمائها، وفي المعاوضة عليها بعد صلاحها، فكذلك ~~تساويها في المعاوضة على استفادتها وتحصيلها، ولو فرق بينهما بأن الزرع ~~إنما يخرج بالعمل بخلاف الثمر فإنه يخرج بلا عمل، كان هذا الفرق عديم ~~التأثير بدليل المساقاة والمزارعة. وليس بصحيح، فإن للعمل تأثيرا في ~~الإثمار، كما له تأثير في الإنبات، ومع # PageV01P214 # عدم العمل عليها قد يعدم الثمر وقد ينقص، فإن من الشجر ما لو لم يسق لم ~~يثمر، ولو لم يكن للعمل عليه تأثير أصلا لم يجز دفعه إلى عامل بجزء من ~~ثمره، ولم يجز في مثل هذه الصورة إجارته قبل بدو صلاحه، فإنه بيع محض ~~للثمرة، لا إجارة للشجر. ويكون كمن أكرى أرضه لمن يأخذ منها ما ينبته الله ~~بلا عمل أحد أصلا قبل وجوده. # فإن قيل: المقصود بالعقد هنا غرر ; لأنه قد يثمر قليلا، وقد يثمر كثيرا. # يقال: مثله في إكراء الأرض، فإن المقصود بالعقد غرر أيضا على هذا ~~التقدير، فإنه قد ينبت قليلا وقد ينبت كثيرا. # وإن قيل: المعقود عليه هناك التمكن من الازدراع لا نفس الزرع النابت. # قيل: المعقود عليه هنا: التمكن من الاستثمار، لا نفس الثمر الخارج. ~~ومعلوم أن المقصود فيهما إنما هو الزرع والثمر، وإنما يجب العوض بالتمكن من ~~تحصيل ذلك. كما أن المقصود باكتراء الدار إنما هو السكنى، وإن وجب العوض ~~بالتمكن من تحصيل ذلك. # فالمقصود في اكتراء الأرض للزرع: إنما هو نفس الأعيان التي تحصد، ليس ~~كاكترائها للسكنى أو البناء، فإن المقصود هناك نفس الانتفاع بجعل الأعيان ~~فيها. # وهذا بين عند التأمل، لا يزيده البحث عنه إلا وضوحا. # فظهر به أن الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيع الثمرة قبل ~~زهوها، وبيع الحب قبل اشتداده، ليس هو إن شاء الله إكراؤها لمن يحصل ثمرتها ~~وزرعها بعمله وسقيه، ولا هذا داخل في نهيه لفظا ولا معنى. # يوضح ذلك: أن البائع لثمرتها عليه تمام سقيها والعمل عليها # PageV01P215 # حتى يتمكن المشتري [من الجذاذ، كما على بائع ms133 الزرع تمام سقيه حتى يتمكن ~~المشتري] من الحصاد، فإن هذا من تمام التوفية، ومؤنة التوفية على البائع، ~~كالكيل والوزن، وأما المكري لها لمن يخدمها حتى تثمر، فهو كمكري الأرض لمن ~~يخدمها حتى تنبت، ليس على المكري عمل أصلا، وإنما عليه التمكين من العمل ~~الذي يحصل به الثمر والزرع. # ولكن يقال: طرد هذا: أن يجوز إكراء البهائم لمن يعلفها ويسقيها ويحتلب ~~لبنها. # قيل: إذا جوزنا على إحدى الروايتين أن تدفع الماشية إلى من يعلفها ~~ويسقيها بجزء من درها ونسلها جاز دفعها إلى من يعمل عليها لدرها ونسلها ~~بشيء مضمون. # وإن قيل: فهلا جاز إجارتها لاحتلاب لبنها كما جاز إجارة الظئر؟ # قيل: إجارة الظئر أن ترضع بعمل صاحبها للغنم ; لأن الظئر هي التي ترضع ~~الطفل، فإذا كانت هي التي توفي المنفعة فنظيره: أن يكون المؤجر هو الذي ~~يوفي منفعة الإرضاع، وحينئذ فالقياس: جوازه. ولو كان لرجل غنم فاستأجر غنم ~~رجل ليرضعها لم يكن هذا ممتنعا. وأما إن كان المستأجر هو الذي يحلب اللبن، ~~أو هو الذي يستوفيه، فهذا مشتر اللبن، ليس مستوفيا لمنفعة، ولا مستوفيا ~~للعين بعمل، وهو شبيه باشتراء الثمرة، واحتلابه كقطافها، وهو الذي نهى # PageV01P216 # عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا يباع لبن في ضرع» بخلاف ما ~~لو استأجرها لأن يقوم عليها ويحتلب لبنها، فهذا نظير اكتراء الأرض والشجر. ### | [فصل إذا باعه الثمرة فقط وأكراه الأرض للسكنى] # فصل # هذا إذا أكرى الأرض والشجر، أو الشجرة وحدها لأن يخدمها ويأخذ الثمرة ~~بعوض معلوم. فإن باعه الثمرة فقط وأكراه الأرض للسكنى: فهنا لا يجيء إلا ~~الأصل الأول المذكور عن ابن عقيل، وبعضه عن مالك وأحمد في إحدى الروايتين، ~~إذا كان الأغلب هو السكنى، وهو أن الحاجة داعية إلى الجمع بينهما. فيجوز في ~~الجمع ما لا يجوز في التفريق، كما تقدم من النظائر. وهذا إذا كان كل واحد ~~من السكنى والثمرة مقصودا له، كما يجري في حوائط دمشق، فإن البستان يكترى ~~في المدة الصيفية للسكنى فيه وأخذ ثمره من غير عمل على ms134 الثمرة أصلا، بل ~~العمل على المكري المضمن. # وعلى ذلك الأصل: فيجوز وإن كان الثمر لم يطلع بحال، سواء كان جنسا واحدا ~~أو أجناسا متفرقة، كما يجوز مثل ذلك في القسم الأول. فإنه إنما جاز لأجل ~~الجمع بينه وبين المنفعة، وهو في الحقيقة جمع بين بيع وإجارة، بخلاف القسم ~~الأول، فإنه قد يقال: هو إجارة ; لأن مؤنة توفية الثمر هنا على المضمن ~~وبعمله يصير ثمرا، بخلاف القسم الأول، فإنه إنما يصير مثمرا بعمل المستأجر، ~~ولهذا يسميه الناس: ضمانا، إذ ليس هو بيعا محضا ولا إجارة محضة. فسمي باسم ~~الالتزام العام في المعاوضات وغيرها، وهو الضمان، كما يسمي الفقهاء مثل ذلك ~~في قوله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، وكذلك يسمى القسم الأول ضمانا ~~أيضا، لكن ذلك يسمى إجارة. وهذا إذا سمي إجارة أو اكتراء فلأن بعضه إجارة ~~أو اكتراء، وفيه بيع أيضا. # PageV01P217 # فأما إن كانت المنفعة ليست مقصودة أصلا، وإنما جاءت لأجل جداد الثمرة مثل ~~أن يشتري عنبا أو بلحا، ويريد أن يقيم في الحديقة لقطافه: فهذا لا يجوز قبل ~~بدو صلاحه ; لأن المنفعة إنما قصدت هنا لأجل الثمر، فلا يكون الثمر تابعا ~~لها ولا يحتاج إلى إجارتها إلا إذا جاز بيع الثمر، بخلاف القسم الذي قبله، ~~فإن المنفعة إذا كانت مقصودة احتاج إلى استئجارها، واحتاج مع ذلك إلى ~~اشتراء الثمرة، [فاحتاج إلى الجمع لأن المستأجر لا يمكنه إذا استأجر المكان ~~للسكنى يدع غيره يشتري الثمرة] ولا يتم غرضه من الانتفاع إلا بأن يكون له ~~ثمرة يأكلها، فإن مقصوده الانتفاع بالسكنى في ذلك المكان والأكل من الثمر ~~الذي فيه. # ولهذا إذا كان المقصود الأعظم هو السكنى، والشجر قليل، مثل أن يكون في ~~الدار نخلات أو غريس عنب ونحو ذلك، فالجواز هنا مذهب مالك، وقياس أكثر نصوص ~~أحمد وغيره. وإن كان المقصود مع السكنى التجارة في الثمر، وهو أكثر من ~~منفعة السكنى، فالمنع هنا أوجه منه في التي قبلها، كما فرق بينهما مالك ~~وأحمد، وإن كان المقصود السكنى والأكل: فهو شبيه بما ms135 لو قصد السكنى والشرب ~~من البئر. وإن كان ثمن المأكول أكثر: فهنا الجواز فيه أظهر من التي قبلها، ~~ودون الأولى على قول من يفرق. وأما على قول ابن عقيل المأثور عن السلف: ~~فالجميع جائز، كما قررناه لأجل الجمع. فإن اشترط مع ذلك أن يحرث له المضمن ~~مقثاة فهو كما لو استأجر أرضا من رجل للزرع على أن يحرثها المؤجر، فقد ~~استأجر أرضه واستأجر منه عملا في الذمة. وهذا جائز، كما لو استكرى منه جملا ~~أو حمارا على أن # PageV01P218 # يحمل المؤجر للمستأجر عليه متاعه، وهذه إجارة عين وإجارة على عمل في ~~الذمة، إلا أن يشترط عليه أن يكون هو الذي يعمل العمل، فيكون قد استأجر ~~عينين. # ولو لم تكن السكنى مقصودة، وإنما المقصود ابتياع ثمرة في بستان ذي أجناس، ~~والسقي على البائع: فهذا عند الليث يجوز، وهو قياس القول الثالث الذي ~~ذكرناه عند أصحابنا وغيرهم وقررناه ; لأن الحاجة إلى الجمع بين الجنسين ~~كالحاجة إلى الجمع بين بيع الثمرة والمنفعة، وربما كان أشد، فإنه قد لا ~~يمكن بيع كل جنس عند بدو صلاحه، فإنه في كثير من الأوقات لا يحصل ذلك، وفي ~~بعضها إنما يحصل بضرر كثير. وقد رأيت من يواطئ المشتري على ذلك، ثم كلما ~~صلحت ثمرة يقسط عليها بعض الثمن. وهذا من الحيل الباردة التي لا تخفى حالها ~~كما تقدم. وما يزال العلماء والمؤمنون ذوو الفطر السليمة ينكرون تحريم مثل ~~هذا، مع أن أصول الشريعة تنافي تحريمه، لكن ما سمعوه من العمومات اللفظية ~~والقياسية، التي اعتقدوا شمولها [لمثل هذا مع ما سمعوه] من قول العلماء ~~الذين يدرجون هذا في العموم: هو الذي أوجب ما أوجب. وهو قياس ما قررناه من ~~جواز بيع المقثاة جميعها بعد بدو صلاحها ; لأن تفريق بعضها متعسر أو متعذر، ~~كتعسر تفريق الأجناس في البستان الواحد، وإن كانت المشقة في المقثاة أوكد، ~~ولهذا جوزها من منع [ذلك في] الأجناس كمالك. # فإن قيل: هذه الصورة داخلة في عموم نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~بيع # PageV01P219 # الثمر حتى ms136 يبدو صلاحه، بخلاف ما إذا أكراه الأرض والشجر ليعمل عليه، فإنه ~~- كما قررتم - ليس بداخل في العموم ; لأنه إجارة لمن يعمل، لا بيع لمعين، ~~وأما هذا فبيع للثمرة، فيدخل في النهي، فكيف تخالفون النهي؟ # قلنا: الجواب عن هذا كالجواب عما يجوز بالسنة والإجماع من ابتياع الشجر ~~مع ثمره الذي لم يبد صلاحه، وابتياع الأرض مع زرعها الذي لم يشتد حبه، وما ~~نصرناه من ابتياع المقاثي، مع أن بعض خضرها لم يخلق، وجواب ذلك بطريقين: # أحدهما: أن يقال: إن النهي لم يشمل بلفظه هذه الصورة ; لأن نهيه - صلى ~~الله عليه وسلم - عن بيع الثمر انصرف إلى البيع المعهود عند المخاطبين وما ~~كان مثله ; لأن لام التعريف تنصرف إلى ما يعرفه المخاطبون. فإن كان هنالك ~~شخص معهود أو نوع معهود انصرف الكلام إليه، كما انصرف اللفظ إلى الرسول ~~المعين في قوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} ~~[النور: 63] [النور: 63] وفي قوله: {فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 16] ، ~~وإلى النوع المخصوص: نهيه عن بيع الثمر [بالثمر] فإنه لا خلاف بين المسلمين ~~أن المراد بالثمر هنا الرطب، دون العنب وغيره، وإن لم يكن المعهود شخصيا ~~ولا نوعيا انصرف إلى [العموم] [وتعريف المضاف إليه] فالبيع المذكور للثمر ~~هو بيع الثمر الذي يعهدونه، دخل كدخول القرن الثاني والثالث فيما خاطب به ~~الرسول أصحابه. # ونظير هذا: ما ذكره أحمد في " «نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بول ~~الرجل # PageV01P220 # في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه» " فحمله على ما كان معهودا ~~على عهده في المياه الدائمة، كالأبيار والحياض التي بين مكة والمدينة. فأما ~~المصانع الكبار التي لا يمكن نزحها التي أحدثت بعده، فلم يدخله في العموم ~~لوجود الفارق المعنوي وعدم العموم اللفظي. # يدل على عدم العموم في مسألتنا: أن في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، ~~قيل: ما تزهى؟ قال تحمر وتصفر» وفي لفظ: «نهى عن بيع الثمر حتى ms137 يزهو» ولفظ ~~مسلم: «نهى عن بيع ثمر النخل حتى يزهو» ، ومعلوم أن ذلك: هو ثمر النخل، كما ~~جاء مقيدا ; لأنه هو الذي يزهو فيحمر أو يصفر، وإلا فمن الثمار ما يكون ~~نضجها بالبياض، كالتوت والتفاح والعنب الأبيض والإجاص الأبيض الذي يسميه ~~أهل دمشق الخوخ، والخوخ الأبيض الذي يسمى الفرسك، ويسميه الدمشقيون الدراق، ~~أو باللين بلا تغير لون كالتين ونحوه. # ولذلك جاء في الصحيحين عن جابر قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن بيع الثمرة حتى تشقح، قيل: وما تشقح؟ قال: تحمار أو تصفار ويؤكل منها» ~~وهذه الثمرة هي الرطب. وكذلك في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو ~~صلاحها، ولا تبتاعوا التمر بالتمر» ، والتمر الثاني هو الرطب بلا ريب، ~~فكذلك الأول ; لأن اللفظ واحد. وفي صحيح مسلم قال: قال # PageV01P221 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبتاعوا التمر حتى يبدو صلاحه، ~~وتذهب عنه الآفة» وقال: «بدو صلاحه: حمرته أو صفرته» فهذه الأحاديث التي ~~فيها لفظ [الثمر] . # وأما غيرها فصريح في النخل، كحديث ابن عباس المتفق عليه: «نهى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن بيع النخل حتى يأكل منه، أو يؤكل منه» ، وفي ~~رواية لمسلم عن ابن عمر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع ~~النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة. نهى البائع والمشتري» ~~. والمراد بالنخل ثمره بالاتفاق ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد جوز ~~اشتراء النخل المؤبر مع اشتراط المشتري لثمرته. # فهذه النصوص ليست عامة عموما لفظيا في كل ثمرة في الأرض، وإنما هي عامة ~~لفظا لكل ما عهده المخاطبون، وعامة معنى لكل ما كان في معناه. وما ذكرنا ~~عدم تحريمه ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معناه، فلم يتناوله دليل الحرمة، ~~فيبقى على الحل. وهذا وحده دليل على عدم التحريم، وبه يتم ما نبهنا عليه ~~أولا من أن الأدلة النافية للتحريم من الأدلة الشرعية والاستصحابية تدل على ms138 ~~ذلك، لكن بشرط نفي الناقل المغير، وقد بينا انتفاءه. # الطريق الثاني: أن نقول: وإن سلمنا العموم اللفظي، لكن ليست هي مرادة بل ~~هي مخصوصة بما ذكرناه من الأدلة التي تخص مثل هذا العموم، فإن هذا العموم ~~مخصوص بالسنة والإجماع في # PageV01P222 # الثمر التابع لشجره، حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ابتاع ~~نخلا [لم يؤبر] فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» أخرجاه من حديث ابن ~~عمر. فجعلها للمبتاع إذا اشترطها بعد التأبير. ومعلوم أنها حينئذ لم يبد ~~صلاحها، ولا يجوز بيعها مفردة. والعموم المخصوص بالنص أو الإجماع يجوز أن ~~يخص منه صورة في معناه عند جمهور الفقهاء من سائر الطوائف، ويجوز أيضا ~~تخصيصه بالإجماع وبالقياس القوي، وقد ذكرنا من آثار السلف ومن المعاني ما ~~يخص مثل هذا لو كان عاما، أو بالاشتداد بلا تغير لون، كالجوز واللوز، فبدو ~~الصلاح في الثمار متنوع، تارة يكون بالرطوبة بعد اليبس، وتارة باليبس بعد ~~الرطوبة، وتارة بتغير لونه بحمرة أو صفرة أو بياض، وتارة لا يتغير. # وإذا كان قد نهى عن بيع الثمر حتى يحمر أو يصفر: علم أن هذا اللفظ لم ~~يشمل جميع أصناف الثمار، وإنما يشمل ما تأتي فيه الحمرة والصفرة، وقد جاء ~~مقيدا: أنه النخل. # فتدبر ما ذكرناه في هذه المسألة، فإنه عظيم المنفعة في هذه [القضية] التي ~~عمت بها البلوى، وفي نظائرها، وانظر في عموم كلام الله ورسوله لفظا ومعنى، ~~حتى تعطيه حقه، وأحسن ما تستدل به على معناه: آثار الصحابة الذين كانوا ~~أعلم بمقاصده، فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة وجريها على الأصول ~~الثابتة المذكورة في قوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم} [الأعراف: 157] [الأعراف: 157] . # PageV01P223 # وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن المعاومة الذي جاء مفسرا في رواية ~~أخرى بأنه بيع السنين: فهو - والله أعلم - مثل نهيه عن بيع حبل الحبلة، ~~إنما نهى أن يبتاع المشتري الثمرة التي يستثمرها رب الشجرة. وأما اكتراء ~~الأرض والشجرة ms139 حتى يستثمرها فلا يدخل هذا في البيع المطلق، وإنما هو نوع من ~~الإجارة. # ونظير هذا: ما تقدم من حديث جابر في الصحيح من أنه نهى عن كراء الأرض، ~~وأنه: " «نهى عن المخابرة» "، وأنه: " «نهى عن المزارعة» "، وأنه قال: " ~~«لا تكروا في الأرض» "، فإن المراد بذلك: الكراء الذي كانوا يعتادونه، كما ~~جاء مفسرا، وهي المخابرة والمزارعة التي كانوا يعتادونها، فنهاهم عما كانوا ~~يعتادونه من الكراء أو المعاومة، الذي يرجع حاصله إلى بيع الثمرة قبل أن ~~تصلح، وإلى المزارعة المشروط فيها جزء معين. # وهذا نهي عما فيه مفسدة راجحة. هذا نهي عن الغرر في جنس البيع، وذاك نهي ~~عن الغرر في جنس الكراء العام الذي يدخل فيه المساقاة والمزارعة، وقد بين ~~في كل منهما أن هذه المبايعة وهذه المكاراة كانت تفضي إلى الخصومة والشنآن، ~~وهو ما ذكره الله في حكمة تحريم الميسر بقوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} [المائدة: 91] [المائدة: 91] . ### | [فصل في قواعد التي أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهي عنه] # فصل # ومن القواعد التي أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهي عنه: أنواع من ~~الإجارات والمشاركات، كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك. # PageV01P224 # فذهب قوم من الفقهاء إلى أن المساقاة والمزارعة حرام باطل، بناء على أنها ~~نوع من الإجارة ; لأنها عمل بعوض، والإجارة لا بد أن يكون الأجر فيها ~~معلوما ; لأنها كالثمن. ولما روى أحمد عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره، وعن النجش واللمس، ~~وإلقاء الحجر» ، وأن العوض في المساقاة والمزارعة مجهول ; لأنه قد يخرج ~~الزرع والثمر قليلا، وقد يخرج كثيرا، وقد يخرج على صفات ناقصة، وقد لا ~~يخرج، فإن منع الله الثمرة كان استيفاء عمل العامل باطلا، وهذا قول أبي ~~حنيفة، وهو أشد الناس قولا بتحريم هذا. # وأما مالك والشافعي، فالقياس عندهما ما قاله أبو حنيفة، إدخالا لذلك في ~~الغرر، لكن جوزا منه ما تدعو إليه الحاجة. # فجوز مالك والشافعي في القديم: المساقاة مطلقا ; لأن ms140 كراء الشجر لا يجوز ~~; لأنه بيع للثمر قبل بدو صلاحه، والمالك قد يتعذر عليه سقي شجره وخدمته، ~~فيضطر إلى المساقاة. بخلاف المزارعة فإنه يمكنه كراء الأرض بالأجر المسمى، ~~فيغنيه ذلك عن المزارعة عليه تبعا، لكن جوزا من المزارعة ما يدخل في ~~المساقاة تبعا. فإذا كان بين الشجر بياض قليل جازت المزارعة عليه تبعا ~~للمساقاة. # ومذهب مالك: أن زرع ذلك البياض للعامل بمطلق العقد، فإن شرطاه بينهما ~~جاز. وهذا إذا لم يتجاوز الثلث. # والشافعي لا يجعله للعامل، لكن يقول: إذا لم يمكن سقي الشجر إلا بسقيه ~~جازت المزارعة عليه. ولأصحابه في البياض إذا كان كثيرا أكثر من الشجر ~~وجهان. # PageV01P225 # وهذا إذا جمعهما في صفقة واحدة، فإن فرق بينهما في صفقتين فوجهان. # أحدهما: لا يجوز بحال ; لأنه إنما جاز تبعا، فلا يفرد بعقد. # والثاني: يجوز إذا ساقى ثم زارع ; لأنه يحتاج إليه حينئذ، وأما إذا قدم ~~المزارعة لم يجز وجها واحدا، وهذا إذا كان الجزء المشروط فيهما واحدا، ~~كالثلث والربع، فإن فاضل بينهما، ففيه وجهان. # وروي عن قوم من السلف - منهم: طاوس والحسن، وبعض الخلف -: المنع من ~~إجارتها بالأجرة المسماة، وإن كانت دراهم أو دنانير. # وروى حرب عن الأوزاعي أنه سئل: هل يصلح اكتراء الأرض؟ فقال: اختلف فيه، ~~فجماعة من أهل العلم لا يرون باكترائها بالدينار والدرهم بأسا، وكره ذلك ~~آخرون منهم ; وذلك لأن ذلك في معنى بيع الغرر ; لأن المستأجر يلتزم الأجرة ~~بناء على ما يحصل له من الزرع، وقد لا ينبت الزرع فيكون بمنزلة اكتراء ~~الشجرة لاستثمارها. وقد كان طاوس يزارع، ولأن المزارعة أبعد عن الغرر من ~~المؤاجرة ; لأن المتعاملين في المزارعة إما أن يغنما جميعا، أو يغرما ~~جميعا، فتذهب منفعة بدن هذا وبقره، ومنفعة أرض هذا، وذلك أقرب إلى العدل من ~~أن يحصل أحدهما على شيء مضمون، ويبقى الآخر تحت الخطر. إذ المقصود بالعقد: ~~هو الزرع، لا القدرة على حرث الأرض وبذرها وسقيها. # وعذر الفريقين - مع هذا القياس - ما بلغهم من الآثار عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من ms141 نهيه عن المخابرة وعن كراء الأرض، كحديث رافع بن خديج، ~~وحديث جابر، فعن نافع: «أن ابن عمر كان يكري مزارعه على # PageV01P226 # عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، وصدرا ~~من إمارة معاوية، ثم حدث عن رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إلى رافع، فذهبت معه، فسأله؟ فقال: نهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كراء المزارع. فقال ابن عمر: قد علمت أنا ~~كنا نكري مزارعنا بما على الأربعاء وشيء من التبن» ، أخرجاه في الصحيحين، ~~وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «حتى بلغه في آخر خلافة معاوية: أن رافع بن ~~خديج يحدث فيها بنهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل عليه وأنا معه، ~~فسأله فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن كراء المزارع، ~~فتركها ابن عمر بعد، فكان إذا سئل عنها بعد قال: زعم رافع بن خديج أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها» . وعن سالم بن عبد الله بن عمر: «أن ~~عبد الله بن عمر كان يكري أرضه، حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ~~ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد الله فقال: يا ابن خديج، ماذا تحدث عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في كراء الأرض؟ قال رافع بن خديج لعبد الله: ~~سمعت عمي - وكانا قد شهدا بدرا - يحدثان أهل الدار: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن كراء الأرض. قال عبد الله: لقد كنت أعلم في عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأرض تكرى، ثم خشي عبد الله أن يكون ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدث في ذلك شيئا لم يعلمه، فترك كراء ~~الأرض» ، رواه مسلم. # وروى البخاري قول عبد الله الذي في آخره عن رافع بن خديج عن عمه ظهير بن ~~رافع، قال ظهير: «لقد نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر كان ~~بنا رافقا، فقلت: وما ذاك؟ ms142 - ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو ~~حق - قال: دعاني # PageV01P227 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما تصنعون بمحاقلكم؟ فقلت؟ ~~نؤاجرها يا رسول الله على [الربع] أو على الأوسق من التمر أو الشعير. قال: ~~فلا تفعلوا، ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها. قال رافع: قلت: سمعا وطاعة» ، ~~أخرجاه في الصحيحين. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه» ، ~~أخرجاه. وعن جابر بن عبد الله قال: «كانوا يزرعونها بالثلث أو الربع، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها ~~أخاه، فإن لم يفعل فليمسك أرضه» ، أخرجاه - وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: ~~«كنا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نأخذ الأرض بالثلث أو الربع ~~بالماذيانات، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فقال: من كانت ~~له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه ~~فليمسكها» ، وفي رواية الصحيح: " ولا يكريها ". وفي رواية في الصحيح: " ~~«نهى عن كراء الأرض» ". # وقد ثبت أيضا في الصحيحين عن جابر قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة» وفي رواية في الصحيحين عن ~~زيد بن أبي أنيسة عن عطاء عن جابر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم " ~~نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة، وأن يشتري النخل حتى يشقه: والإشقاه: ~~أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء، # PageV01P228 # والمحاقلة: أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم، والمزابنة: أن يباع ~~النخل بأوساق من التمر، والمخابرة: الثلث والربع وأشباه ذلك. قال زيد: قلت ~~لعطاء بن أبي رباح: أسمعت جابرا يذكر هذا عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: نعم» . # فهذه الأحاديث قد يستدل بها من ينهى عن المؤاجرة والمزارعة ; لأنه نهى عن ~~كرائها، والكراء يعمها. ولأنه قال: " «فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن لم ~~يفعل فليمسكها» "، فلم يرخص إلا في أن يزرعها أو يمنحها لغيره، ولم ms143 يرخص في ~~المعاوضة عنها، لا بمؤاجرة ولا بمزارعة. # ومن يرخص في المزارعة - دون المؤاجرة - يقول: الكراء هو الإجارة، أو ~~المزارعة الفاسدة التي كانوا يفعلونها بخلاف المزارعة الصحيحة التي ستأتي ~~أدلتها، والتي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعامل بها أهل خيبر، وعمل ~~بها الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة من بعده. # يؤيد ذلك: أن ابن عمر الذي ترك كراء الأرض لما حدثه رافع، كان يروي حديث ~~أهل خيبر رواية من يفتي به. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة. وجميع ذلك من أنواع الغرر. ~~والمؤاجرة أظهر في الغرر من المزارعة كما تقدم. # ومن يجوز المؤاجرة دون المزارعة يستدل بما رواه مسلم في صحيحه عن ثابت بن ~~الضحاك: " «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزارعة، وأمر ~~بالمؤاجرة وقال: لا بأس بها» " فهذا صريح في النهي عن المزارعة، والأمر ~~بالمؤاجرة. ولأنه سيأتي عن رافع بن # PageV01P229 # خديج - الذي روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم -: «أنه لم ينههم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كرائها بشيء معلوم مضمون، وإنما نهاهم عما ~~كانوا يفعلونه من المزارعة» . # وذهب جميع فقهاء الحديث الجامعون لطرقه كلهم - كأحمد بن حنبل وأصحابه ~~كلهم من المتقدمين والمتأخرين، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، ~~وسليمان بن دواد الهاشمي، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وأكثر فقهاء الكوفيين: ~~كسفيان الثوري، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي يوسف ومحمد صاحبي ~~أبي حنيفة، والبخاري صاحب الصحيح، وأبي داود، وجماهير فقهاء الحديث من ~~المتأخرين، كابن المنذر وابن خزيمة والخطابي وغيرهم، وأهل الظاهر وأكثر ~~أصحاب أبي حنيفة - إلى جواز المزارعة والمؤاجرة ونحو ذلك، اتباعا لسنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة خلفائه وأصحابه وما عليه السلف وعمل ~~جمهور المسلمين. وبينوا معاني الأحاديث التي يظن اختلافها في هذا الباب. # فمن ذلك: معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل خيبر هو وخلفاؤه من ~~بعده إلى أن أجلاهم عمر. فعن ابن عمر قال: «عامل رسول الله - صلى الله ms144 عليه ~~وسلم - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» ، أخرجاه. وأخرجا أيضا ~~عن ابن عمر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى أهل خيبر على أن ~~يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما خرج منها» . هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ~~«لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرهم ~~فيها على أن يعملوا على نصف ما خرج منها من الثمر والزرع، فقال # PageV01P230 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أقركم فيها على ذلك ما شئنا. وكان ~~الثمر على السهمان من نصف خيبر، فيأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الخمس» . وفي رواية مسلم عن عبد الله بن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من ~~أموالهم وللرسول - صلى الله عليه وسلم - شطر ثمرها» . وعن ابن عباس: «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى خيبر أهلها على النصف: نخلها ~~وأرضها» ، رواه الإمام أحمد وابن ماجه. وعن طاوس: " «أن معاذ بن جبل أكرى ~~الأرض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان على ~~الثلث والربع، فهو يعمل به إلى يومك هذا» " رواه ابن ماجه. وطاوس كان ~~باليمن، وأخذ عن أصحاب معاذ الذين باليمن من أعيان المخضرمين. وقوله: " ~~وعمر وعثمان "، أي: كنا نفعل كذلك على عهد عمر وعثمان، فحذف الفعل لدلالة ~~الحال عليه ; لأن المخاطبين كانوا يعلمون أن معاذا خرج من اليمن في خلافة ~~الصديق، وقدم الشام في خلافة عمر، ومات بها في خلافته. قال البخاري في ~~صحيحه: وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر - يعني: الباقر - " ما بالمدينة دار ~~هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع "، قال: " وزارع علي، وسعيد بن مالك، ~~وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل ~~عمر، وآل علي، وابن سيرين. وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من ~~عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ". وهذه الآثار ms145 التي ذكرها ~~البخاري قد رواها غير واحد من المصنفين في الآثار. # PageV01P231 # فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزارعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة ~~والتابعين، من غير أن ينكر ذلك منكر، لم يكن إجماع أعظم من هذا، بل إن كان ~~في الدنيا إجماع فهو هذا. لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم زارعوا على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعده إلى أن أجلى عمر اليهود إلى تيماء. # وقد تأول من أبطل المزارعة والمساقاة ذلك بتأويلات مردودة. مثل أن قال: ~~كان اليهود عبيدا للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين. فجعلوا ذلك مثل ~~المخارجة بين العبد وسيده. # ومعلوم بالنقل المتواتر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالحهم ولم ~~يسترقهم حتى أجلاهم عمر، ولم يبعهم ولا مكن أحدا من المسلمين من استرقاق ~~أحد منهم. # ومثل أن قال: هذه معاملة مع الكفار. فلا يلزم أن تجوز مع المسلمين. وهذا ~~مردود، فإن خيبر كانت قد صارت دار إسلام، وقد أجمع المسلمون أنه يحرم في ~~دار الإسلام بين المسلمين وأهل العهد ما يحرم بين المسلمين من المعاملات ~~الفاسدة. ثم إنا قد ذكرنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل بين ~~المهاجرين والأنصار، وأن معاذ بن جبل عامل على عهده أهل اليمن بعد إسلامهم ~~على ذلك، وأن الصحابة كانوا يعاملون بذلك، والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك ~~مع عمومات الكتاب والسنة المبيحة، أو النافية للحرج، ومع الاستصحاب، وذلك ~~من وجوه. # أحدها: أن هذه المعاملة مشاركة، ليست مثل المؤاجرة المطلقة. فإن النماء ~~الحادث يحصل من منفعة أصلين: منفعة العين التي لهذا، كبدنه وبقره، ومنفعة ~~العين التي لهذا، كأرضه وشجره، # PageV01P232 # كما تحصل المغانم بمنفعة أبدان الغانمين وخيلهم، وكما يحصل مال الفيء ~~بمنفعة أبدان المسلمين من قوتهم ونصرهم، بخلاف الإجارة، فإن المقصود فيها ~~هو العمل، أو المنفعة. فمن استأجر لبناء أو خياطة، أو شق الأرض أو بذرها أو ~~حصاد، فإذا وافاه ذلك العمل فقد استوفى المستأجر مقصوده بالعقد، واستحق ~~الأجير أجره، ولذلك يشترط في الإجارة اللازمة: أن يكون العمل مضبوطا كما ~~يشترط مثل ms146 ذلك في المبيع. وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده: هو مثل ~~منفعة أرض المالك وشجره. ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر، وإنما ~~مقصودهما جميعا: ما يتولد من اجتماع المنفعتين. فإن حصل نماء اشتركا فيه، ~~وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته، فيشتركان في المغنم وفي المغرم، ~~كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء الأصول التي لهم. وهذا جنس من التصرفات ~~يخالف في حقيقته ومقصوده وحكمه الإجارة المحضة، وما فيه من شوب المعاوضة من ~~جنس ما في الشركة من شوب المعاوضة. # فإن التصرفات العدلية في الأرض جنسان: معاوضات، ومشاركات. # فالمعاوضات: كالبيع والإجارة. # والمشاركات: شركة الأملاك، وشركة العقد. # ويدخل في ذلك اشتراك المسلمين في مال بيت المال، واشتراك الناس في ~~المباحات، كمنافع المساجد والأسواق المباحة والطرقات، وما يحيا من الموات، ~~أو يوجد من المباحات، واشتراك الورثة في الميراث، واشتراك الموصى لهم ~~والموقوف عليهم في الوصية والوقف، واشتراك التجار والصناع شركة عنان أو ~~أبدان ونحو ذلك. وهذان الجنسان هما منشأ الظلم، كما قال تعالى عن داود عليه ~~السلام: {وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم} [ص: 24] [ص: 24] . # PageV01P233 # والتصرفات الأخرى هي الفضلية، كالقرض والعارية والهبة والوصية. وإذا كانت ~~التصرفات المبنية على المعادلة هي معاوضة أو مشاركة، فمعلوم قطعا: أن ~~المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، ~~والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة ; لأنه أكل مال بالباطل. وهنا لا يأكل ~~أحدهما مال الآخر ; لأنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض [لم يأخذ] منفعة ~~الآخر، إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد ولا هي مقصوده، بل ذهبت منفعة ~~بدنه، كما ذهبت منفعة أرض هذا، ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون قد أخذه، ~~والآخر لم يأخذ شيئا، بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر، فإن أحد المتعاوضين ~~يأخذ شيئا والآخر يبقى تحت الخطر، فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما. وهذا ~~المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ms147 ليس ~~فيها ظلم ألبتة، لا في غرر ولا في غير غرر. # ومن تأمل هذا تبين له مأخذ هذه الأصول، وعلم أن جواز هذه أشبه بأصول ~~الشريعة، وأعرف في العقول، وأبعد عن كل محذور من جواز إجارة الأرض، بل ومن ~~جواز كثير من البيوع والإجارات المجمع عليها، حيث هي مصلحة محضة للخلق بلا ~~فساد. وإنما وقع اللبس فيها على من حرمها من إخواننا الفقهاء بعد ما فهموه ~~من الآثار: من جهة أنهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول لما فيها من عمل ~~بعوض. وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيرا، كعمل الشريكين في المال ~~المشترك، وعمل الشريكين في شركة # PageV01P234 # الأبدان، وكاشتراك الغانمين في المغانم ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى، ~~نعم، لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر لا يتولد من عمله: كان هذا ~~إجارة. # الوجه الثاني: أن هذه من جنس المضاربة. فإنها عين تنمو بالعمل عليها، ~~فجاز العمل عليها ببعض نمائها، كالدراهم والدنانير، والمضاربة جوزها ~~الفقهاء كلهم، اتباعا لما جاء فيها عن الصحابة - رضي الله عنهم - مع أنه لا ~~يحفظ فيها بعينها سنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولقد كان أحمد يرى ~~أن يقيس المضاربة على المساقاة والمزارعة ; لأنها ثبتت بالنص، فتجعل أصلا ~~يقاس عليه، وإن خالف فيها من خالف. وقياس كل منهما على الآخر صحيح، فإن من ~~ثبت عنده جواز أحدهما أمكنه أن يستعمل فيه حكم الآخر لتساويهما. # فإن قيل: الربح في المضاربة ليس من عين الأصل، بل الأصل يذهب ويجيء بدله. ~~فالمال المقسم حصل بنفس العمل، بخلاف الثمر والزرع فإنه من نفس الأصل. # قيل: هذا الفرق فرق في الصورة، وليس له تأثير شرعي. فإنا نعلم بالاضطرار ~~أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال. ~~ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى ~~بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من ~~إضافته إلى منفعة مال هذا. # ولهذا فالمضاربة التي ms148 تروونها عن عمر، إنما حصلت بغير عقد لما أقرض أبو ~~موسى الأشعري لابني عمر من مال بيت المال فتحملاه إلى أبيهما. فطلب عمر ~~جميع الربح ; لأنه رأى ذلك # PageV01P235 # كالغصب، حيث أقرضهما ولم يقرض غيرهما من المسلمين، والمال مشترك، وأحد ~~الشركاء إذا اتجر في المال المشترك بدون إذن الآخر فهو كالغاصب في نصيب ~~الشريك، وقال له ابنه عبد الله: " الضمان كان علينا، فيكون الربح لنا " ~~فأشار عليه بعض الصحابة بأن يجعله مضاربة. # وهذه الأقوال الثلاثة في مثل هذه المسألة موجودة بين الفقهاء - وهي ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد وغيره - هل يكون ربح من اتجر بمال غيره بغير إذنه لرب ~~المال أو للعامل، أو لهما؟ على ثلاثة أقوال، وأحسنها وأقيسها: أن يكون ~~مشتركا بينهما، كما قضى به عمر ; لأن النماء متولد عن الأصلين. # وإذا كان أصل المضاربة الذي قد اعتمدوا عليه، راعوا فيه ما ذكرناه من ~~الشركة، فأخذ مثل الدراهم يجري مجرى عينها. ولهذا سمى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والمسلمون بعده القرض منيحة، يقال: منيحة ورق. ويقول الناس: ~~أعرني دراهمك، يجعلون رد مثل الدراهم مثل رد عين العارية، والمقترض انتفع ~~بها وردها، وسموا المضاربة قراضا ; لأنها في المقابلات نظير القرض في ~~التبرعات. # ويقال أيضا: لو كان ما ذكروه من الفرق مؤثرا لكان اقتضاؤه لتجويز ~~المزارعة دون المضاربة أولى من العكس ; لأن النماء إذا حصل مع بقاء الأصلين ~~كان أولى بالصحة من حصوله مع ذهاب أحدهما. وإن قيل: الزرع نماء الأرض دون ~~البدن، فقد يقال: والربح نماء العامل، دون الدراهم أو بالعكس، وكل هذا ~~باطل، بل الزرع يحصل بمنفعة الأرض المشتملة على التراب والماء والهواء، ~~ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد. # PageV01P236 # ثم لو سلم أن بينها وبين المضاربة فرقا فلا ريب أنها بالمضاربة أشبه منها ~~بالمؤاجرة ; لأن المؤاجرة المقصود فيها هو العمل، ويشترط أن يكون معلوما، ~~والأجرة مضمونة في الذمة أو عين معينة. وهنا ليس المقصود إلا النماء، ولا ~~يشترط معرفة العمل، والأجرة ليست عينا ولا شيئا في الذمة، وإنما هي بعض ما ms149 ~~يحصل من النماء. ولهذا متى عين فيها شيء معين فسد العقد، كما تفسد المضاربة ~~إذا شرطا لأحدهما ربحا معينا، أو أجرة معلومة في الذمة. وهذا بين في ~~الغاية. فإذا كانت بالمضاربة أشبه منها بالمؤاجرة جدا، والفرق الذي بينها ~~وبين المضاربة ضعيف والذي بينهما وبين المؤاجرة فروق غير مؤثرة في الشرع ~~والعقل، وكان لا بد من إلحاقها بأحد الأصلين، فإلحاقها بما هي به أشبه ~~أولى. وهذا أجلى من أن يحتاج فيه إلى إطناب. # الوجه الثالث: أن نقول: لفظ الإجارة فيه عموم وخصوص. فإنها على ثلاث ~~مراتب: # أحدها: أن يقال لكل من بذل نفعا بعوض. فيدخل في ذلك المهر، كما في قوله ~~تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} [النساء: 24] وسواء كان العمل ~~هنا معلوما أو مجهولا، وكان الآخر معلوما أو مجهولا لازما أو غير لازم. # المرتبة الثانية: الإجارة التي هي جعالة، وهو أن يكون النفع غير معلوم، ~~لكن العوض مضمونا، فيكون عقدا جائزا غير لازم، مثل أن يقول: من رد علي عبدي ~~فله كذا. فقد يرده من كان بعيدا أو قريبا. # الثالثة: الإجارة الخاصة، وهي أن يستأجر عينا أو يستأجره على عمل في ~~الذمة، بحيث تكون المنفعة معلومة. فيكون الأجر معلوما # PageV01P237 # والإجارة لازمة. وهذه الإجارة التي تشبه البيع في عامة أحكامه. والفقهاء ~~المتأخرون إذا أطلقوا الإجارة، أو قالوا: " باب الإجارة "، أرادوا هذا ~~بالمعنى. # فيقال: المساقاة والمزارعة والمضاربة ونحوهن من المشاركات على نماء يحصل، ~~من قال: هي إجارة بالمعنى الأعم أو العام، فقد صدق. ومن قال: هي إجارة ~~بالمعنى الخاص فقد أخطأ. وإذا كانت إجارة بالمعنى العام التي هي الجعالة، ~~فهنالك إن كان العوض شيئا مضمونا من عين أو دين، فلا بد أن يكون معلوما، ~~وأما إن كان العوض مما يحصل من العمل جاز أن يكون جزءا شائعا فيه. كما لو ~~قال الأمير في الغزو: من دلنا على حصن كذا فله منه كذا، فحصول الجعل هناك ~~مشروط بحصول المال، مع أنه جعالة محضة لا شركة فيه، فالشركة أولى وأحرى. # ويسلك في هذا ms150 طريقة أخرى، فيقال: الذي دل عليه قياس الأصول أن الإجارة ~~الخاصة يشترط فيها أن يكون العوض غررا، قياسا على الثمن. فأما الإجارة ~~العامة التي لا يشترط فيها العلم بالمنفعة فلا تشبه هذه الإجارة لما تقدم، ~~فلا يجوز إلحاقها بها، فتبقى على الأصل المبيح. # فتحرير المسألة: أن المعتقد لكونها إجارة يستفسر عن مراده بالإجارة. فإن ~~أراد الخاصة: لم يصح، وإن أراد العامة: فأين الدليل على تحريمها إلا بعوض ~~معلوم؟ فإن ذكر قياسا بين له الفرق الذي لا يخفى على غير فقيه، فضلا عن ~~الفقيه، ولن يجد إلى أمر يشمل مثل هذه الإجارة سبيلا. فإذا انتفت أدلة ~~التحريم ثبت الحل. # ويسلك في هذا طريقة أخرى، وهو قياس العكس. وهو أن # PageV01P238 # يثبت في الفرع نقيض حكم الأصل ; لانتفاء العلة المقتضية لحكم الأصل. ~~فيقال: المعنى الموجب لكون الأجرة يجب أن تكون معلومة منتف في باب المزارعة ~~ونحوها ; لأن المقتضي لذلك أن المجهول غرر. فيكون في معنى بيع الغرر ~~المقتضي أكل المال بالباطل، أو ما يذكر من هذا الجنس. وهذه المعاني منتفية ~~في الفرع، فإذا لم يكن للتحريم موجب إلا كذا - وهو منتف - فلا تحريم. # وأما الأحاديث - حديث رافع بن خديج وغيره -: فقد جاءت مفسرة مبينة لنهي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه لم يكن نهيا عما فعل هو والصحابة في ~~عهده وبعده، بل الذي رخص فيه غير الذي نهى عنه. فعن رافع بن خديج قال: " ~~«كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا، كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد ~~الأرض. قال: [فمما] يصاب ذلك وتسلم الأرض، [فمما] تصاب الأرض ويسلم ذلك؟ ~~فنهينا، فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ» ". رواه البخاري. وفي رواية له ~~قال: " «كنا أكثر أهل المدينة حقلا. وكان أحدنا يكري أرضه فيقول: هذه ~~القطعة لي، وهذه لك. فربما أخرجت ذه ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -» وفي رواية: " «فربما أخرجت هذه كذا ولم تخرج ذه، فنهينا عن ~~ذلك، ولم ننه عن الورق» " وفي صحيح مسلم عن رافع قال: «كنا أكثر أهل ms151 ~~الأمصار حقلا. قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه. فربما أخرجت ~~هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا » ". وفي مسلم أيضا ~~عن حنظلة بن قيس # PageV01P239 # قال: «سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: " لا بأس ~~به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما ~~على الماذيانات وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ~~ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر الناس عنه، فأما شيء ~~معلوم مضمون فلا بأس به» . # فهذا رافع بن خديج - الذي عليه مدار الحديث - يذكر أنه لم يكن لهم على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كراء إلا بزرع مكان معين من الحقل. ~~وهذا النوع حرام بلا ريب عند الفقهاء قاطبة، وحرموا نظيره في المضاربة. فلو ~~اشترط ربح ثوب بعينه لم يجز. وهذا الغرر في المشاركات نظير الغرر في ~~المعاوضات. # وذلك أن الأصل في هذه المعاوضات والمقابلات هو التعادل من الجانبين. فإن ~~اشتمل أحدهما على غرر أو ربا دخلها الظلم، فحرمها الله الذي حرم الظلم على ~~نفسه، وجعله محرما على عباده. فإذا كان أحد المتبايعين إذا ملك الثمن بقي ~~الآخر تحت الخطر: لم يجز. ولذلك حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - بيع ~~الثمر قبل بدو صلاحه. فكذلك هذا إذا اشترطا لأحد الشريكين مكانا معينا خرجا ~~عن موجب الشركة. فإن الشركة تقتضي الاشتراك في النماء. فإذا انفرد أحدهما ~~بالمعين لم يبق للآخر فيه نصيب، ودخله الخطر ومعنى القمار، كما ذكره رافع ~~في قوله: " فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه "، فيفوز أحدهما ويخيب الآخر، ~~وهذا معنى القمار، وأخبر رافع: " أنه لم يكن لهم كراء على عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا هذا " وأنه إنما زجر عنه لأجل ما فيه من # PageV01P240 # المخاطرة ومعنى القمار، وأن النهي إنما انصرف إلى ذلك الكراء المعهود، لا ~~إلى ما يكون فيه الأجرة مضمونة في الذمة. وسأشير - إن شاء الله - إلى مثل ~~ذلك ms152 في نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ورافع أعلم بنهي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أي شيء وقع، وهذا - والله أعلم - هو الذي انتهى عنه ~~عبد الله بن عمر، فإنه قال لما حدثه رافع: " قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا ~~على الأربعاء وبشيء من التبن "، فبين أنهم كانوا يكرون بزرع مكان معين. ~~وكان ابن عمر يفعله ; لأنهم كانوا يفعلونه على عهد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى بلغه النهي. # يدل على ذلك: أن ابن عمر كان يروي حديث معاملة خيبر دائما ويفتي به، ~~ويفتي بالمزارعة على الأرض البيضاء، وأهل بيته أيضا بعد حديث رافع. فروى ~~حرب الكرماني قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، حدثنا معتمر بن ~~سليمان، سمعت كليب بن وائل قال: " أتيت ابن عمر فقلت: أتاني رجل له أرض ~~وماء، وليس له بذر ولا بقر، فأخذتها بالنصف، فبذرت فيها بذري، وعملت فيها ~~ببقري فناصفته؟ قال: حسن " وقال: حدثنا ابن أخي حزم، حدثنا يحيى بن سعيد، ~~حدثنا سعيد بن عبيد، سمعت سالم بن عبد الله - وأتاه رجل - فقال: " الرجل ~~منا ينطلق إلى الرجل فيقول: أجيء ببذري وبقري وأعمل أرضك، فما أخرج الله ~~منه فلك منه كذا ولي منه كذا؟ قال: لا بأس به، ونحن نصنعه ". وهكذا أخبر ~~أقارب رافع، ففي البخاري عن رافع قال: " «حدثني عماي أنهم كانوا يكرون ~~الأرض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ينبت على الأربعاء أو ~~بشيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهانا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. ~~فقيل لرافع: فكيف بالدينار # PageV01P241 # والدرهم؟ فقال: ليس بأس بالدينار والدرهم» . وكان الذي نهى عنه من ذلك ما ~~لو نظر فيه ذو الفهم بالحلال والحرام لم يجزه، لما فيه من المخاطرة. «وعن ~~أسيد بن ظهير قال: " كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أعطاها بالثلث والربع ~~والنصف. ويشترط ثلاث جداول والقصارة وما سقى الربيع. وكان العيش إذ ذاك ~~شديدا، وكان يعمل فيها بالحديد ما شاء الله، ويصيب منها منفعة، فأتانا رافع ~~بن خديج فقال: ms153 إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهاكم عن الحقل، ~~ويقول: من استغنى عن أرضه فليمنحها أخاه أو ليدع» رواه أحمد وابن ماجه. ~~وروى أبو داود قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، زاد أحمد: " «وينهاكم عن ~~المزابنة» ، والمزابنة: أن يكون الرجل له المال العظيم من النخل فيأتيه ~~الرجل فيقول: أخذته بكذا وكذا وسقا من تمر. والقصارة ما سقط من السنبل ". ~~وهكذا أخبر سعد بن أبي وقاص وجابر، فأخبر سعد: " «أن أصحاب المزارع في زمان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على ~~السواقي من الزرع، وما سعد بالماء مما حول البئر. فجاءوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فاختصموا في ذلك، فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يكروا ذلك، وقال اكروا بالذهب والفضة» ، رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي. فهذا صريح في الإذن بالكراء بالذهب والفضة، وأن النهي إنما كان ~~عن اشتراط زرع مكان معين. وعن جابر - رضي الله عنه - قال: «كنا نخابر على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنصيب من القصري، ومن كذا، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه أو ~~فليدعها» ، رواه مسلم. # PageV01P242 # فهؤلاء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين رووا عنه النهي قد ~~أخبروا بالصورة التي نهى عنها، والعلة التي نهى من أجلها. وإذا كان قد جاء ~~في بعض طرق الحديث: «أنه نهى عن كراء المزارع» مطلقا فالتعريف للكراء ~~المعهود بينهم. وإذا قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تكروا ~~المزارع» فإنما أراد الكراء الذي يعرفونه كما فهموه من كلامه، وهم أعلم ~~بمقصوده. وكما جاء مفسرا عنه " أنه رخص في غير ذلك الكراء " [ومما] يشبه ~~ذلك ما قرن به النهي من المزابنة ونحوها. واللفظ - وإن كان في نفسه مطلقا - ~~فإنه إذا كان خطابا لمعين في مثل الجواب عن سؤال، أو عقب حكاية حال ونحو ~~ذلك: فإنه كثيرا ما يكون مقيدا بمثل حال المخاطب. كما لو قال المريض ~~للطبيب: إن به ms154 حرارة، فقال له: لا تأكل الدسم ; فإنه يعلم أن النهي مقيد ~~بتلك الحال. # وذلك: أن اللفظ المطلق إذا كان له مسمى معهود، أو حال يقتضيه : انصرف ~~إليه. وإن كان نكرة، كالمتبايعين إذا قال أحدهما: بعتك بعشرة دراهم، فإنها ~~مطلقة في اللفظ، ثم لا ينصرف إلا إلى المعهود من الدراهم. فإذا كان ~~المخاطبون لا يتعارفون بينهم لفظ " الكراء " إلا كذلك الذي كانوا يفعلونه، ~~ثم خوطبوا به: لم ينصرف إلا إلى ما يعرفونه. وكان ذلك من باب التخصيص ~~العرفي، كلفظ " الدابة " إذا كان معروفا بينهم أنه الفرس، أو ذوات الحافر، ~~فقال: لا تأتني بدابة: لم ينصرف هذا المطلق إلا إلى ذلك، ونهي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لهم كان مقيدا بالعرف وبالسؤال. وقد تقدم ما في الصحيحين ~~عن رافع بن خديج وعن ظهير بن رافع قال: «دعاني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: " ما تصنعون بمحاقلكم؟ قلت: نؤاجرها بما على الربيع، وعلى ~~الأوسق # PageV01P243 # من التمر والشعير قال: لا تفعلوا، ازرعوها، أو أزرعوها أو أمسكوها» . # فقد صرح بأن النهي وقع عما كانوا يفعلونه، وأما المزارعة المحضة: فلم ~~يتناولها النهي، ولا ذكرها رافع وغيره فيما يجوز من الكراء ; لأنها - والله ~~أعلم - عندهم جنس آخر غير الكراء المعتاد. فإن الكراء اسم لما وجب فيه أجرة ~~معلومة، إما عين، وإما دين. فإن كان دينا في الذمة مضمونا فهو جائز، وكذلك ~~إن كان عينا من غير الزرع، وأما إن كان عينا من الزرع لم يجز. # فأما المزارعة بجزء شائع من جميع الزرع فليس هو الكراء المطلق، بل هو ~~شركة محضة، إذ ليس جعل العامل مكتريا للأرض، بجزء من الزرع بأولى من جعل ~~المالك مكتريا للعامل بالجزء الآخر. وإن كان من الناس من يسمي هذا كراء ~~أيضا، فإنما هو كراء بالمعنى العام الذي تقدم بيانه. فأما الكراء الخاص ~~الذي تكلم به رافع وغيره فلا، ولهذا السبب بين رافع أحد نوعي الكراء ~~الجائز، وبين النوع الآخر الذي نهوا عنه، ولم يتعرض للشركة ; لأنها جنس ~~آخر. # بقي أن يقال: ms155 فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له أرض ~~فليزرعها أو ليمنحها أخاه وإلا فليمسكها» أمر - إذا لم يفعل واحدا من الزرع ~~والمنيحة - أن يمسكها. وذلك يقتضي المنع من المؤاجرة ومن المزارعة كما ~~تقدم. # فيقال: الأمر بهذا أمر ندب واستحباب، لا أمر إيجاب، أو كان أمر إيجاب في ~~الابتداء لينزجروا عما اعتادوه من الكراء الفاسد. وهذا كما أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لما نهاهم عن لحوم الحمر الأهلية، قال في الآنية # PageV01P244 # التي كانوا يطبخون فيها: " أهريقوا ما فيها واكسروها "، «وقال - صلى الله ~~عليه وسلم - في آنية أهل الكتاب حين سأله عنها أبو ثعلبة الخشني: " إن ~~وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء» " ; ~~وذلك لأن النفوس إذا اعتادت المعصية فقد لا تنفطم عنها انفطاما جيدا إلا ~~بترك ما يقاربها من المباح. كما قيل: " لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى ~~يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال "، كما أنها أحيانا لا تترك المعصية ~~إلا بتدريج، لا بتركها جملة. # فهذا يقع تارة وهذا يقع تارة. ولهذا يوجد في سنة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لمن خشي منه النفرة عن الطاعة: الرخصة له في أشياء يستغني بها عن ~~المحرم، ولمن وثق بإيمانه وصبره: النهي عن بعض ما يستحب له تركه مبالغة في ~~فعل الأفضل. ولهذا يستحب لمن وثق بإيمانه وصبره - من فعل المستحبات البدنية ~~والمالية، كالخروج عن جميع ماله - مثل أبي بكر الصديق - ما لا يستحب لمن لم ~~يكن حاله كذلك، «كالرجل الذي جاءه ببيضة من ذهب، فحذفه بها، فلو أصابته ~~لأوجعته. ثم قال: " يذهب أحدكم فيخرج ماله، ثم يجلس كلا على الناس» . # يدل على ذلك: ما قدمناه من رواية مسلم الصحيحة عن ثابت بن الضحاك أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: لا ~~بأس بها» وما ذكرناه من رواية سعد بن أبي وقاص: " «أنه نهاهم # PageV01P245 # أن يكروا بزرع موضع معين، وقال: اكروا بالذهب والفضة» وكذلك فهمته ~~الصحابة. فإن رافع بن خديج قد روى ms156 ذلك وأخبر أنه: " لا بأس بكرائها بالذهب ~~والفضة " وكذلك فقهاء الصحابة كزيد بن ثابت وابن عباس. ففي الصحيحين «عن ~~عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس : " لو تركت المخابرة؟ فإنهم يزعمون أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - نهى عنها، قال: أي عمرو، إني أعطيهم وأعينهم، وإن ~~أعلمهم أخبرني - يعني ابن عباس - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه ~~عنه ولكن قال: أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجا معلوما» . ~~«وعن ابن عباس أيضا: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحرم ~~المزارعة، ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض» رواه مسلم مجملا والترمذي وقال: ~~حديث حسن صحيح. # فقد أخبر طاوس عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما دعاهم ~~إلى الأفضل وهو التبرع، قال: " وأنا أعينهم وأعطيهم ". وأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالرفق الذي منه واجب وهو ترك الربا والغرر، ومنه مستحب ~~كالعارية والقرض، ولهذا لما كان التبرع بالأرض بلا أجرة من باب الإحسان كان ~~المسلم أحق به، فقال: " «لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه ~~خرجا معلوما» ". وقال: " «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه أو ~~ليمسكها» "، فكان الأخ هو الممنوح. ولما كان أهل الكتاب ليسوا من الإخوان ~~عاملهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يمنحهم، لا # PageV01P246 # سيما والتبرع إنما يكون عن فضل غنى، فمن كان محتاجا إلى منفعة أرضه لم ~~يستحب له المنيحة، كما كان المسلمون محتاجين إلى منفعة أرض خيبر، وكما كان ~~الأنصار محتاجين في أول الإسلام إلى أرضهم، حيث عاملوا عليها المهاجرين. ~~وقد توجب الشريعة التبرع عند الحاجة، كما «نهاهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: " عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت» " ليطعموا الجياع ; ~~لأن إطعامهم واجب، فلما كان المسلمون محتاجين إلى منفعة الأرض وأصحابها ~~أغنياء عنها نهاهم عن المعاوضة ليجودوا بالتبرع، ولم يأمرهم بالتبرع عينا، ~~كما نهاهم عن الادخار، فإن من نهي عن الانتفاع بماله جاد ببذله. إذ لا يترك ~~بطالا، وقد ms157 ينهى النبي - صلى الله عليه وسلم - بل الأئمة، عن بعض أنواع ~~المباح في بعض الأحوال لما في ذلك من منفعة المنهي كما نهاهم في بعض ~~المغازي. # وأما ما رواه جابر من نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة، فهذه هي ~~المخابرة التي نهى عنها. واللام لتعريف العهد. ولم تكن المخابرة عندهم إلا ~~ذلك. # يبين ذلك ما في الصحيح «عن ابن عمر قال: " كنا لا نرى بالخبر بأسا حتى ~~كان عام أول، فزعم رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، فتركناه ~~من أجله» فأخبر ابن عمر أن رافعا روى النهي عن الخبر، وقد تقدم معنى حديث ~~رافع. قال أبو عبيد: الخبر - بكسر الخاء - بمعنى المخابرة. والمخابرة: ~~المزارعة بالنصف والثلث والربع، وأقل وأكثر. وكان أبو عبيد يقول: لهذا سمي ~~الأكار خبيرا ; لأنه يخابر على الأرض، والمخابرة: هي المؤاكرة. # PageV01P247 # وقد قال بعضهم: أصل هذا من خيبر ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أقرها في أيديهم على النصف، فقيل: خابرهم، أي عاملهم في خيبر، وليس هذا ~~بشيء، فإن معاملته بخيبر لم ينه عنها قط، بل فعلها الصحابة في حياته وبعد ~~موته، وإنما روى حديث المخابرة رافع بن خديج وجابر، وقد فسرا ما كانوا ~~يفعلونه، والخبير: هو الفلاح سمي بذلك ; لأنه يخبر الأرض. # وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى الفرق بين المخابرة والمزارعة، فقالوا: ~~المخابرة هي المعاملة على أن يكون البذر من العامل، والمزارعة على أن يكون ~~البذر من المالك. قالوا: والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة لا ~~المزارعة. # وهذا أيضا ضعيف، فإنا قد ذكرنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما في ~~الصحيح من أنه " «نهى عن المزارعة» " كما " نهى عن المخابرة " وكما " «نهى ~~عن كراء الأرض» ". وهذه الألفاظ في أصل اللغة عامة لموضع نهيه وغير موضع ~~نهيه، وإنما اختصت بما يفعلونه لأجل التخصيص العرفي لفظا وفعلا، ولأجل ~~القرينة اللفظية وهي لام العهد وسؤال السائل، وإلا فقد نقل أهل اللغة أن ~~المخابرة هي المزارعة. والاشتقاق يدل على ذلك. ### | [فصل ms158 شروط من أجاز المزارعة] # فصل. # والذين جوزوا المزارعة منهم من اشترط أن يكون البذر من المالك، وقالوا ~~هذه في المزارعة. فأما إن كان البذر من العامل لم يجز، وهذا إحدى الروايتين ~~عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه وأصحاب مالك والشافعي، حيث يجوزون ~~المزارعة. وحجة هؤلاء: قياسها على المضاربة، وبذلك احتج أحمد أيضا. قال ~~الكرماني: قيل # PageV01P248 # لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: رجل دفع أرضه إلى الأكار على الثلث ~~والربع؟ قال: لا بأس بذلك، إذا كان البذر من رب الأرض، والبقر والحديد ~~والعمل من الأكار، يذهب فيه مذهب المضاربة. # ووجه ذلك: أن البذر هو أصل الزرع، كما أن المال هو أصل الربح. فلا بد أن ~~يكون البذر ممن له الأصل، ليكون من أحدهما العمل، ومن الآخر الأصل. # والرواية الثانية عنه: لا يشترط ذلك، بل يجوز أن يكون البذر من العامل، ~~وقد نقل عنه جماهير أصحابه - أكثر من عشرين نفسا - أنه يجوز أن يكري أرضه ~~بالثلث والربع، كما عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر. # فقالت طائفة من أصحابه - كالقاضي أبي يعلى -: إذا دفع أرضه لمن يعمل ~~عليها ببذره بجزء من الزرع للمالك، فإن كان على وجه الإجارة جاز، وإن كان ~~على وجه المزارعة لم يجز. وجعلوا هذا التفريق تقريرا لنصوصه ; لأنهم رأوا ~~في عامة نصوصه صرائح كثيرة جدا في جواز كراء الأرض بجزء من الخارج منها، ~~ورأوا أن هذا هو ظاهر مذهبه عندهم، من أنه لا يجوز في المزارعة [إلا] أن ~~يكون البذر من المالك كالمضاربة، ففرقوا بين باب المزارعة والمضاربة وباب ~~الإجارة. # وقال آخرون - منهم أبو الخطاب - معنى قوله في رواية الجماعة: " يجوز كراء ~~الأرض ببعض الخارج منها " أراد به: # PageV01P249 # المزارعة والعمل من الأكار، قال أبو الخطاب ومتبعوه: فعلى هذه الرواية ~~إذا كان البذر من العامل فهو مستأجر للأرض ببعض الخارج منها، وإن كان من ~~صاحب الأرض: فهو مستأجر للعامل بما شرط له، قال: فعلى هذا ما يأخذه صاحب ~~البذر يستحقه ببذره، وما يأخذه من الأجرة يأخذه ms159 بالشرط. # وما قاله هؤلاء من أن نصه على المكاري ببعض الخارج هو المزارعة، على أن ~~يبذر الأكار: هو الصحيح، ولا يحتمل الفقه إلا هذا، وأن يكون نصه على جواز ~~المؤاجرة المذكورة يقتضي جواز المزارعة بطريق الأولى. وجواز هذه المعاملة ~~مطلقا هو الصواب الذي لا يتوجه غيره أثرا ونظرا. وهو ظاهر نصوص أحمد ~~المتواترة عنه، واختيار طائفة من أصحابه. # والقول الأول: قول من اشترط أن يبذر رب الأرض، وقول من فرق بين أن يكون ~~إجارة أو مزارعة: هو في الضعف نظير من سوى بين الإجارة الخاصة والمزارعة، ~~أو أضعف. # أما بيان نص أحمد: فهو أنه إنما جوز المؤاجرة ببعض الزرع، استدلالا بقصة ~~معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل خيبر، ومعاملته لهم إنما كانت ~~مزارعة لم تكن بلفظ الإجارة. فمن الممتنع أن أحمد لا يجوز ما فعله النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا بلفظ [الإجارة] ، ويمنع فعله باللفظ المشهور. # وأيضا فقد ثبت في الصحيح: " «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شارط أهل ~~خيبر على أن يعتملوها من أموالهم» كما تقدم، ولم يدفع إليهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بذرا، فإذا كانت المعاملة التي فعلها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما كانوا يبذرون فيها # PageV01P250 # من أموالهم، فكيف يحتج بها أحمد على المزارعة، ثم يقيس عليها إذا كانت ~~بلفظ الإجارة، ثم يمنع الأصل الذي احتج به من المزارعة التي بذر فيها ~~العامل؟ ! «والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال لليهود: " نقركم فيها ما ~~أقركم الله» ، لم يشترط مدة معلومة حتى يقال: كانت إجارة لازمة، لكن أحمد ~~حيث قال: - في إحدى الروايتين - إنه يشترط كون البذر من المالك، فإنما قاله ~~متابعة لمن أوجبه قياسا على المضاربة، وإذا أفتى العالم بقول لحجة ولهما ~~معارض راجح لم يستحضر حينئذ ذلك المعارض الراجح، ثم لما أفتى بجواز ~~المؤاجرة بثلث الزرع استدلالا بمزارعة خيبر، فلا بد أن يكون في خيبر كان ~~البذر عنده من العامل، وإلا لم يصح الاستدلال، فإن فرضنا أن أحمد فرق بين ~~المؤاجرة بجزء من ms160 الخارج وبين المزارعة ببذر العامل، كما فرق بينهما طائفة ~~من أصحابه، فمستند هذا الفرق ليس مأخذا شرعيا، فإن أحمد لا يرى اختلاف ~~أحكام العقود باختلاف العبارات كما يراه طائفة من أصحابه الذين يجوزون هذه ~~المعاملة بلفظ الإجارة، ويمنعونها بلفظ المزارعة، وكذلك يجوزون بيع ما في ~~الذمة بيعا حالا بلفظ البيع، ويمنعونه بلفظ السلم ; لأنه يصير سلما حالا، ~~ونصوص أحمد وأصوله تأبى هذا كما قدمناه عنه في مسألة صيغ العقود. فإن ~~الاعتبار في جميع التصرفات القولية بالمعاني لا بما يحمل على الألفاظ، كما ~~شهد به أجوبته في الأيمان والنذور والوصايا وغير ذلك من التصرفات، وإن كان ~~هو قد فرق بينهما، كما فرق طائفة من أصحابه، فيكون هذا التفريق رواية عنه ~~مرجوحة، كالرواية المانعة من الأمرين. # وأما الدليل على جواز ذلك: فالسنة والإجماع والقياس. # أما السنة فما تقدم من معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل خيبر ~~على أن # PageV01P251 # يعتملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم بذرا، وكما عامل المهاجرون والأنصار ~~على أن البذر من عندهم، قال حرب الكرماني: حدثنا محمد بن نصر، حدثنا حسان ~~بن إبراهيم عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي حكيم: " أن ~~عمر بن الخطاب أجلى أهل نجران وأهل فدك وأهل خيبر، واستعمل يعلى [بن منية] ~~فأعطى العنب والنخل على أن لعمر الثلثين ولهم الثلث، وأعطى البياض - يعني ~~بياض الأرض - على: إن كان البذر والبقر والحديد من عند عمر، فلعمر الثلثان ~~ولهم الثلث، وإن كان منهم فلعمر الشطر، ولهم الشطر " فهذا عمر - رضي الله ~~عنه - ويعلى [بن منية] عامله صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عمل ~~في خلافته بتجويز كلا الأمرين: أن يكون البذر من رب الأرض، وأن يكون من ~~العامل، وقال حرب: حدثنا أبو معن، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن الحارث بن ~~حصيرة الأزدي عن صخر بن الوليد عن عمرو بن صليع بن محارب قال: " جاء رجل ~~إلى علي بن أبي طالب فقال: إن فلانا أخذ أرضا فعمل فيها وفعل، فدعاه ms161 علي ~~فقال: ما هذه الأرض التي أخذت؟ فقال: أرض أخذتها أكري أنهارها وأعمرها ~~وأزرعها، فما أخرج الله من شيء فلي النصف وله النصف، فقال: لا بأس بهذا " ~~فظاهره: أن البذر من عنده، ولم ينهه علي عن ذلك، ويكفي إطلاق سؤاله، وإطلاق ~~علي الجواب. # وأما القياس: فقد قدمنا أن هذه المعاملة نوع من الشركة، # PageV01P252 # ليست من الإجارة الخاصة. وإن جعلت إجارة فهي من الإجارة العامة التي تدخل ~~فيها الجعالة والسبق والرمي. وعلى التقديرين: فيجوز أن يكون البذر منهما، ~~وذلك أن البذر في المزارعة ليس من الأصول التي ترجع إلى ربها، كالثمن في ~~المضاربة، بل البذر يتلف كما تتلف المنافع، وإنما ترجع الأرض أو بدن البقرة ~~والعامل. فلو كان البذر مثل رأس المال، لكان الواجب أن يرجع مثله إلى ~~مخرجه، ثم يقتسمان الفضل، وليس الأمر كذلك، بل يشتركان في جميع الزرع، فظهر ~~أن الأصول فيها من أحد الجانبين هي الأرض بمائها وهوائها، وبدن العامل ~~والبقر [وأكثر الحرث والبذر] يذهب كما تذهب المنافع، وكما تذهب أجزاء من ~~الماء والهواء والتراب، فيستحيل زرعا، والله سبحانه يخلق الزرع من نفس الحب ~~والتراب والماء والهواء كما يخلق الحيوان من ماء الأبوين، بل ما يستحيل في ~~الزرع من أجزاء الأرض أكثر مما يستحيل من الحب، والحب يستحيل فلا يبقى، بل ~~يفلقه الله ويحيله كما يحيل أجزاء الماء والهواء، وكما يحيل المني وسائر ~~مخلوقاته من الحيوان، والمعدن والنبات، [ولما] وقع ما وقع من رأي كثير من ~~الفقهاء، اعتقدوا أن الحب والنوى في الزرع والشجر: هو الأصل، والباقي تبع، ~~حتى قضوا في مواضع بأن يكون الزرع والشجر لرب النوى والحب مع قلة قيمته، ~~ولرب الأرض أجرة أرضه. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قضى بضد هذا، حيث قال: " «من زرع في ~~أرض # PageV01P253 # قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته» "، فأخذ أحمد وغيره من ~~فقهاء الحديث بهذا الحديث. وبعض من أخذ به يرى أنه خلاف القياس، وأنه من ~~صور الاستحسان، وهذا لما انعقد في نفسه من القياس ms162 المتقدم، وهو أن الزرع ~~تبع للبذر، والشجر تبع للنوى، وما جاءت به السنة هو القياس الصحيح الذي تدل ~~عليه الفطرة، فإن إلقاء الحب في الأرض بمنزلة إلقاء المني في الرحم سواء، ~~[ولهذا سمى الله تعالى النساء حرثا في قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} ~~[البقرة: 223] كما سمى الأرض المزروعة حرثا، والمغلب في ملك الحيوان إنما ~~هو جانب الأم] ولهذا تبع الولد الآدمي أمه في الحرية والرق دون أبيه، ويكون ~~الجنين البهيم لمالك الأم، دون مالك الفحل الذي نما عن عسبه. وذلك لأن ~~الأجزاء التي استمدها من الأم أضعاف الأجزاء التي استمدها من الأب، وإنما ~~للأب حق الابتداء فقط، ولا ريب أنه مخلوق منهما جميعا، وكذلك الحب والنوى، ~~فإن الأجزاء التي خلق منها الشجر والزرع أكثرها من التراب والماء والهواء. ~~وقد يؤثر ذلك في الأرض [فتضعف] بالزرع فيها، لكن لما كانت هذه الأجزاء ~~تستخلف دائما، فإن الله سبحانه لا يزال يمد الأرض بالماء والهواء وبالتراب، ~~إما مستحيلا من غيره، وإما بالموجود، ولا يؤثر في الأرض نقص الأجزاء ~~الترابية شيئا، إما للخلف بالاستحالة، وإما للكثرة، ولهذا صار يظهر أن ~~أجزاء الأرض في معنى المنافع، بخلاف الحب والنوى الملقى فيها، فإنه عين ~~ذاهبة غير مستخلفة ولا يعوض # PageV01P254 # عنها. لكن هذا القدر لا يوجب أن يكون البذر هو الأصل فقط، فإن العامل هو ~~وبقره لا بد له مدة العمل من قوت وعلف يذهب أيضا، ورب الأرض لا يحتاج إلى ~~مثل ذلك. ولذلك اتفقوا على أن البذر لا يرجع إلى ربه كما يرجع في القراض، ~~ولو جرى عندهم مجرى الأصول لرجع. # فقد تبين أن هذه المعاملة اشتملت على ثلاثة أشياء: أصول باقية: وهي ~~الأرض، وبدن العامل والبقر، والحديد، ومنافع فانية، وأجزاء فانية أيضا، وهي ~~البذر وبعض أجزاء الأرض وبعض أجزاء العامل وبقره، فهذه الأجزاء الفانية ~~كالمنافع الفانية سواء، فتكون الخيرة إليهما فيمن يبذل هذه الأجزاء، ~~ويشتركان على أي وجه شاءا ما لم يفض إلى بعض ما نهى عنه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من أنواع الغرر ms163 أو الربا وأكل المال بالباطل، ولذا جوز أحمد ~~سائر أنواع المشاركات التي تشبه المساقاة والمزارعة، مثل أن يدفع دابته أو ~~سفينته أو غيرهما إلى من يعمل عليها والأجرة بينهما. ### | [فصل خطأ من يتمسك بألفاظ يحسبها عامة أو مطلقة أو بضرب من القياس المعنوي أو الشبهي] # فصل. # وهذا الذي ذكرناه من الإشارة إلى حكمة بيع الغرر وما يشبه ذلك يجمع اليسر ~~في هذه الأبواب، فإنك تجد كثيرا ممن تكلم في هذه الأمور إما أن يتمسك بما ~~بلغه من ألفاظ يحسبها عامة أو مطلقة، أو بضرب من القياس المعنوي، أو ~~الشبهي. فرضي الله عن أحمد حيث يقول: " ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب ~~هذين الأصلين: المجمل، والقياس "، وقال أيضا: " أكثر ما يخطئ الناس من جهة ~~التأويل والقياس "، ثم هذا التمسك يفضي إلى ما لا يمكن اتباعه ألبتة. # ومن هذا الباب: بيع الديون، دين السلم وغيره، وأنواع من # PageV01P255 # الصلح والوكالة وغير ذلك. ولولا أن الغرض ذكر قواعد كلية تجمع أبوابا ~~لذكرنا أنواعا من هذا. ### | [فصل القاعدة الثالثة في العقود والشروط فيها فيما يحل منها ويحرم وما يصح منها ويفسد] # القول الأول الأصل في العقود والشروط الحظر # فصل. # القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها، فيما يحل منها ويحرم، وما يصح ~~منها ويفسد. ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدا. # والذي يمكن ضبطه فيها قولان، أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط ~~فيها ونحو ذلك: الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته. فهذا قول أهل الظاهر، ~~وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا، وكثير من أصول الشافعي وأصول طائفة ~~من أصحاب مالك وأحمد. فإن أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد بكونه لم يرد ~~فيه أثر ولا قياس، كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه، ~~وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد، ~~ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل، أما أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقدا ~~ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع، وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه ms164 ~~واستصحبوا الحكم الذي قبله، وطردوا ذلك طردا جاريا، لكن خرجوا في كثير منه ~~إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم. # وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه [لا يصحح] في العقود شروطا يخالف ~~مقتضاها في المطلق، وإنما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما ~~يمكن فسخه، ولهذا أبطل أن يشترط في البيع خيار، ولا يجوز عنده تأخير تسليم ~~المبيع بحال، ولهذا منع بيع العين # PageV01P256 # المؤجرة. وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته بإزالته. وإنما ~~جوز الإجارة المؤخرة؛ لأن الإجارة عنده لا توجب الملك إلا عند وجود ~~المنفعة، أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به، أو أن يشترط المشتري بقاء ~~الثمر على الشجر وسائر الشروط التي يبطلها غيره. ولم يصحح في النكاح شرطا ~~أصلا؛ لأن النكاح عنده لا يقبل الفسخ. ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار ~~أو نحوهما. ولا يبطل بالشروط الفاسدة مطلقا. وإنما صحح أبو حنيفة خيار ~~الثلاثة الأيام للأثر، وهو عنده موضع استحسان. # والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل، لكنه يستثني ~~مواضع للدليل الخاص. فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث، ولا استثناء منفعة ~~المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع، حتى منع الإجارة المؤخرة؛ لأن ~~موجبها - وهو القبض - لا يلي العقد، ولا يجوز أيضا ما فيه منع المشتري من ~~التصرف المطلق إلا العتق، لما فيه من السنة والمعنى، لكنه يجوز استثناء ~~المنفعة بالشرع، كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه، وكبيع الشجر مع ~~استيفاء الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك. ويجوز في النكاح بعض الشروط دون ~~بعض، ولا يجوز اشتراطها دارها أو بلدها، ولا أن [لا يتزوج] عليها ولا ~~يتسرى، ويجوز اشتراط حريتها وإسلامها. وكذلك سائر الصفات المقصودة على ~~الصحيح من مذهبه، كالجمال ونحوه. وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والإعسار، ~~وانفساخه بالشروط التي تنافيه، كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار بخلاف ~~فساد المهر ونحوه. # PageV01P257 # وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول، لكنهم ~~يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي، كالخيار أكثر ms165 من ثلاث، وكاستثناء البائع ~~منفعة المبيع، واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها، ~~ونحو ذلك من المصالح. فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل، إلا إذا ~~كان فيه مصلحة للمتعاقدين. # وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه ~~الشافعي. فقد يوافقونه في الأصل، ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى، كما قد ~~يوافق هو أبا حنيفة في الأصل، ويستثني أكثر مما يستثني للمعارض. # وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، ويتوسعون في الشروط أكثر منهم، ~~لقولهم بالقياس والمعاني وآثار الصحابة، ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ~~ينفردون بها عن أهل الظاهر. وعمدة هؤلاء قصة بريرة المشهورة. وهو ما خرجاه ~~في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: " «جاءتني بريرة فقالت: كاتبت ~~أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها ~~لهم، ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها، ~~فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقالت: إني قد عرضت ذلك ~~عليهم، فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق. ففعلت عائشة، ~~ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ ! ما كان من ~~شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط. قضاء الله أحق، وشرط ~~الله أوثق، وإنما الولاء لمن # PageV01P258 # أعتق» ". وفي رواية للبخاري: " «اشتريها فأعتقيها، وليشترطوا ما شاءوا. ~~فاشترتها فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط» ". [وفي لفظ] : " «شرط الله أحق ~~وأوثق» ". وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر: " «أن عائشة أم المؤمنين أرادت ~~أن تشتري جارية لتعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا؟ فذكرت ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ms166 فقال: لا يمنعنك ذلك، فإنما الولاء لمن ~~أعتق» ". وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " «أرادت عائشة أن تشتري ~~جارية فتعتقها، فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء. فذكرت ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق» . # ولهم من هذا الحديث حجتان: # إحداهما: قوله: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» . فكل شرط ليس ~~في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع، فليس في كتاب الله، بخلاف ما كان ~~في السنة أو في الإجماع، فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة ~~والإجماع. # ومن قال بالقياس - وهم الجمهور - قالوا: إذا دل على صحته القياس المدلول ~~عليه بالسنة، أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله، فهو في كتاب الله. # PageV01P259 # والحجة الثانية: أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على ~~اشتراط الولاء؛ لأن العلة فيه: كونه مخالفا لمقتضى العقد. وذلك لأن العقود ~~توجب مقتضياتها بالشرع، فيعتبر تغييرها تغييرا لما أوجبه الشرع، بمنزلة ~~تغيير العبادات. وهذا نكتة القاعدة، وهي أن العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ~~ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع، ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي - في ~~أحد القولين - لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطا يخالف مقتضاها، فلا ~~يجوزون للمحرم أن يشترط الإحلال بالعذر، متابعة لعبد الله بن عمر حيث كان ~~ينكر الاشتراط في الحج: " ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم ". وقد استدلوا على ~~هذا الأصل بقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] [المائدة: 3] ~~، وقوله: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} [البقرة: 229] [البقرة: ~~229] . # قالوا: فالشروط والعقود التي لم تشرع تعد لحدود الله، وزيادة في الدين. # وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو ~~بالخصوص قالوا: ذلك منسوخ. كما قاله بعضهم في شروط النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع المشركين عام الحديبية، أو قالوا: هذا عام أو مطلق، فيخص بالشرط ~~الذي في كتاب الله. # واحتجوا أيضا بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى ms167 وشريك: " ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط» ". وقد ذكره # PageV01P260 # جماعة من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث . وقد ~~أنكره أحمد وغيره من العلماء. وذكروا أنه لا يعرف وأن الأحاديث الصحيحة ~~تعارضه. وأجمع الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه عن غيرهم - أن اشتراط ~~صفة في المبيع ونحوه، كاشتراط كون العبد كاتبا أو صانعا، أو اشتراط طول ~~الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك: شرط صحيح. # [القول الثاني الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة] # القول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منها ~~ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله، نصا أو قياسا، عند من يقول به. ~~وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه، لكن ~~أحمد أكثر تصحيحا للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه. # وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها [يثبته] بدليل خاص من أثر أو ~~قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعا من الصحة، ولا يعارض ذلك بكونه شرطا ~~يخالف مقتضى العقد، أو لم يرد به نص. وكان قد بلغه في العقود والشروط من ~~الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ما لا تجده عند غيره من ~~الأئمة، فقال بذلك وبما في معناه قياسا عليه، وما اعتمده غيره في إبطال ~~الشروط من نص، فقد يضعفه أو يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من ~~قياس. وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في ~~تصحيح الشروط، كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقا، فمالك يجوزه بقدر الحاجة، ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضا، ويجوزه ابن ~~حامد وغيره في الضمان # PageV01P261 # ونحوه، ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود، ~~واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق. فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق ~~جوز الزيادة عليه بالشرط، والنقص منه بالشرط ما لم يتضمن مخالفة الشرع، كما ~~سأذكره إن شاء الله. # فيجوز للبائع ms168 أن يستثني بعض منفعة المبيع، كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ~~ذلك، إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير، اتباعا لحديث ~~جابر لما باع النبي صلى الله عليه وسلم جمله واستثنى ظهره إلى المدينة. # ويجوز أيضا للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد أو ~~غيرهما، اتباعا لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة واشترطت عليه خدمة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما عاش. # ويجوز - على عامة أقواله - أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها، كما في حديث ~~صفية، وكما فعله أنس بن مالك وغيره، وإن لم ترض المرأة، كأنه أعتقها ~~واستثنى منفعة البضع لكنه استثناها بالنكاح، إذ استثناؤها بلا نكاح غير ~~جائز، بخلاف منفعة الخدمة. # ويجوز أيضا للواقف إذا وقف شيئا أن يستثني منفعته وغلته جميعها لنفسه مدة ~~حياته، كما روي عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك، وروي فيه حديث مرسل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهل يجوز وقف الإنسان على نفسه؟ فيه عنه روايتان. # PageV01P262 # ويجوز أيضا - على قياس قوله - استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة ~~والصداق وفدية الخلع، والصلح عن القصاص، ونحو ذلك من أنواع إخراج الملك، ~~سواء كان بإسقاط كالعتق أو بتمليك بعوض كالبيع، أو بغير عوض كالهبة. # ويجوز أحمد أيضا في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح؛ لما ~~في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحق الشروط أن توفوا ~~به ما استحللتم به الفروج» . ومن قال بهذا الحديث قال: إنه يقتضي أن الشروط ~~في النكاح أوكد منها في البيع والإجارة. وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في ~~البيع دون النكاح. فيجوز أحمد أن تستثني المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق، ~~فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها، وتزيد على ما يملكه بالإطلاق ~~فتشترط أن تكون مخلية به، فلا يتزوج عليها ولا يتسرى. # ويجوز على الرواية المنصوصة عنه المصححة عند طائفة من أصحابه أن يشترط كل ~~واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة، كاليسار والجمال ونحو ذلك، ويملك ms169 ~~الفسخ بفواته. وهو من أشد الناس قولا بفسخ النكاح وانفساخه، فيجوز فسخه ~~بالعيب، كما لو تزوج عليها وقد شرطت عليه أن لا يتزوج عليها، وبالتدليس كما ~~لو ظنها حرة فظهرت أمة، وبالخلف بالصفة على الصحيح، كما لو شرط الزوج أن له ~~مالا فظهر بخلاف ما ذكر. وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية لمقصوده ~~كالتوقيت واشتراط الطلاق. وهل يبطل بفساد المهر كالخمر والميتة ونحو ذلك؟ ~~فيه عنه روايتان، إحداهما: # PageV01P263 # نعم كنكاح الشغار، وهو رواية عن مالك. والثانية: لا ينفسخ؛ لأنه تابع، ~~وهو عقد مفرد، كقول أبي حنيفة والشافعي. # وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلا أو تركا في المبيع مما ~~هو مقصود للبائع، أو للمبيع نفسه. وإن كان أكثر متأخري أصحابه لا يجوزون من ~~ذلك إلا العتق. وقد يروى ذلك عنه، لكن الأول أكثر في كلامه. ففي جامع ~~الخلال عن أبي طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى بها، تكون ~~جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها، ولا تكون للخدمة؟ قال: لا بأس به، ~~وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية، فقال له: إذا ~~أردت بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني؟ قال: لا بأس به، ولكن ~~لا يطؤها ولا يقربها وله فيها شرط؛ لأن ابن مسعود قال لرجل: " لا تقربنها ~~ولأحد فيها شرط ". # وقال حنبل: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري ~~عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: " أن ابن مسعود اشترى جارية من امرأته، ~~وشرط لها إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به، فسأل ابن مسعود عن ذلك ~~عمر بن الخطاب فقال: لا تنكحها وفيها شرط ". # وقال [حنبل] : قال عمي: " كل شرط في فرج فهو على هذا "، والشرط الواحد في ~~البيع جائز، إلا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها؛ لأنه شرط لامرأته الذي ~~شرط. فكره عمر أن يطأها وفيها شرط. وقال الكرماني: سألت أحمد عن رجل اشترى ~~جارية وشرط ms170 لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها؟ فكأنه رخص فيه. ولكنهم إن ~~اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن، فلا يقربها. # PageV01P264 # يذهب إلى حديث عمر بن الخطاب، حين قال لعبد الله بن مسعود. # فقد نص في غير موضع على أنه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلا ردها إلى ~~البائع بالثمن الأول كالمقابلة. وأكثر المتأخرين من أصحابه على القول ~~المبطل لهذا الشرط، وربما تأولوا قوله " جائز " أي: العقد جائز. وبقية ~~نصوصه تصرح بأن مراده " الشرط " أيضا. واتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر ~~وابن مسعود وزينب امرأة عبد الله، ثلاثة من الصحابة. وكذلك اشتراط المبيع ~~فلا يبيعه ولا يهبه، أو يتسراها، ونحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد كما ~~روى عمر بن شبة في أخبار عثمان: " أنه اشترى من صهيب دارا وشرط أن يقفها ~~على صهيب وذريته من بعده ". # وجماع ذلك: أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة. فكما جاز بالإجماع استثناء ~~بعض المبيع، وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه، جوز أيضا استثناء بعض ~~التصرفات. # وعلى هذا فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، قيل له: أينافي مقتضى ~~العقد المطلق، أو مقتضى العقد مطلقا؟ فإن أراد الأول: فكل شرط كذلك. وإن ~~أراد الثاني: لم يسلم له، وإنما المحذور: أن ينافي مقصود العقد، كاشتراط ~~الطلاق في النكاح، أو اشتراط الفسخ في العقد. فأما إذا شرط ما يقصد بالعقد ~~لم يناف مقصوده. هذا القول هو الصحيح بدلالة الكتاب والسنة والإجماع ~~والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي. # أما الكتاب فقال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} ~~[المائدة: 1] # PageV01P265 # [المائدة: 1] ، والعقود هي العهود. وقال تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو ~~كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا} [الأنعام: 152] [الأنعام: 152] ، وقال ~~تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34] [الإسراء: 34] ، ~~وقال تعالى: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد ~~الله مسئولا} [الأحزاب: 15] [الأحزاب] . فقد أمر سبحانه بالوفاء بالعقود، ~~وهذا عام، وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله وبالعهد. وقد دخل في ذلك ما عقده ~~المرء على ms171 نفسه، بدليل قوله: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل} [الأحزاب: ~~15] ، فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه، وإن لم يكن ~~الله قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد، كالنذر والبيع، وإنما أمر ~~بالوفاء به، ولهذا قرنه بالصدق في قوله: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ~~قربى وبعهد الله أوفوا} [الأنعام: 152] [الأنعام: 142] ، لأن العدل في ~~القول خبر يتعلق بالماضي والحاضر، والوفاء بالعهد يكون في القول المتعلق ~~بالمستقبل، كما قال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين - فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون - ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون} [التوبة: 75 - 77] [التوبة] ، وقال سبحانه: {واتقوا الله ~~الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1] [النساء: 1] ، قال المفسرون - ~~كالضحاك وغيره -: تساءلون به: تتعاهدون وتتعاقدون. وذلك لأن كل واحد من ~~المتعاقدين يطلب من الآخر ما أوجبه العقد من فعل أو ترك أو مال أو نفع ونحو ~~ذلك. وجمع سبحانه في هذه الآية وسائر السورة أحكام الأسباب التي بين بني ~~آدم، المخلوقة: كالرحم، والمكسوبة: كالعقود التي يدخل فيها الصهر وولاية ~~مال اليتيم ونحو ذلك. وقال سبحانه: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما ~~تفعلون} [النحل: 91] # PageV01P266 # {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم} [النحل: 92] [النحل: 91، 92] . والأيمان: جمع يمين، وكل عقد فإنه ~~يمين. قيل: سمي بذلك؛ لأنهم كانوا يعقدونه بالمصافحة باليمين، يدل على ذلك ~~قوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم ~~أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين - فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ~~كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور ~~رحيم - وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه ~~مأمنه ذلك بأنهم ms172 قوم لا يعلمون - كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند ~~رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ~~إن الله يحب المتقين - كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} ~~[التوبة: 4 - 8] [التوبة: 4 - 8] . والإل: هو القرابة، والذمة: العهد، وهما ~~المذكوران في قوله: {تساءلون به والأرحام} [النساء: 1] إلى قوله: {لا ~~يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون} [التوبة: 10] [التوبة] . ~~فذمهم الله على قطيعة الرحم ونقض الذمة، إلى قوله: {وإن نكثوا أيمانهم من ~~بعد عهدهم} [التوبة: 12] [التوبة: 12] ، وهذه نزلت في كفار مكة لما صالحهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ثم نقضوا العهد بإعانة بني بكر على ~~خزاعة، وأما قوله سبحانه: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين} [التوبة: 1] [التوبة] فتلك عهود جائزة، لا لازمة، فإنها كانت ~~مطلقة، وكان مخيرا بين إمضائها ونقضها كالوكالة ونحوها، ومن قال من الفقهاء ~~من أصحابنا وغيرهم: إن الهدنة لا تصلح إلا مؤقتة، فقوله مع أنه # PageV01P267 # مخالف لأصول أحمد يرده القرآن، وترده سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في أكثر المعاهدين، فإنه لم يوقت معهم وقتا. فأما من كان عهده موقتا فلم ~~يبح له نقضه بدليل قوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ~~ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} ~~[التوبة: 4] [التوبة] ، وقال: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} [التوبة: 7] [التوبة] ، ~~وقال: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] ~~[الأنفال] ، فإنما أباح النبذ عند ظهور أمارات الخيانة، لأن المحذور من ~~جهتهم، وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] ~~[الصف] الآية، وجاء أيضا في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري: " إن في القرآن ~~الذي نسخت تلاوته سورة كانت ك " براءة ": " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ~~ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ". وقال ~~تعالى: {والذين ms173 هم لأماناتهم وعهدهم راعون} [المؤمنون: 8] في سورتي ~~المؤمنون والمعارج. وهذا من صفة المستثنين من الهلع المذموم بقوله: {إن ~~الإنسان خلق هلوعا - إذا مسه الشر جزوعا - وإذا مسه الخير منوعا - إلا ~~المصلين - الذين هم على صلاتهم دائمون - والذين في أموالهم حق معلوم للسائل ~~والمحروم - والذين يصدقون بيوم الدين - والذين هم من عذاب ربهم مشفقون - إن ~~عذاب ربهم غير مأمون - والذين هم لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين - فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون - ~~والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} [المؤمنون: 19 - 8] [المعارج] ، هذا ~~يقتضي وجوب ذلك؛ لأنه لم يستثن من المذموم إلا من اتصف بجميع ذلك. ولهذا لم ~~يذكر فيها إلا ما هو # PageV01P268 # واجب، وكذلك في سورة المؤمنين قال في أولها: {أولئك هم الوارثون - الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون} [المؤمنون: 10 - 11] [المؤمنون] ، فمن لم ~~يتصف بهذه الصفات لم يكن من الوارثين، لأن ظاهر الآية الحصر، فإن إدخال ~~الفصل بين المبتدأ والخبر يشعر الحصر، ومن لم يكن من وارثي الجنة كان معرضا ~~للعقوبة إلا أن يعفو الله عنه، وإذا كانت رعاية العهد واجبة فرعايته هي ~~الوفاء به، ولما جمع الله بين العهد والأمانة جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~ضد ذلك صفة المنافق في قوله: " «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد ~~غدر، وإذا خاصم فجر» ". وعنه: [ «على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة ~~والكذب» ] ، وما زالوا يوصون بصدق الحديث وأداء الأمانة، وهذا عام، وقال ~~تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين - الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} [البقرة: 26 - 27] [البقرة: 26، 27] ، ~~فذمهم على نقض عهد الله وقطع ما أمر الله بصلته؛ لأن الواجب إما بالشرع، ~~وإما بالشرط الذي عقده المرء باختياره. وقال أيضا: {الذين يوفون بعهد الله ~~ولا ينقضون الميثاق - والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ~~ويخافون سوء الحساب - والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا ~~مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة ms174 السيئة أولئك لهم عقبى الدار - ~~جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب} [الرعد: 20 - 23] # PageV01P269 # {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار - والذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ~~ولهم سوء الدار} [الرعد: 24 - 25] [الرعد] ، وقال: {أوكلما عاهدوا عهدا ~~نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون} [البقرة: 100] [البقرة] وقال: {ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] ~~[البقرة: 177] ، وقال تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم ~~قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون - بلى ~~من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} [آل عمران: 75 - 76] [آل عمران] ~~، وقال: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم ~~في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم} [آل عمران: 77] [آل عمران] ، وقال تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم ~~إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} ~~[المائدة: 89] [المائدة: 89] . # والأحاديث في هذا كثيرة، مثل ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت ~~فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد ~~أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» . وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # PageV01P270 # «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة» . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي ~~صلى الله عليه ms175 وسلم قال: " «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة» ". وفي ~~رواية: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم ~~غدرة من أمير عامة» . وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب قال: " «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته ~~بتقوى الله، وفيمن معه من المسلمين خيرا " ثم قال: اغزوا باسم الله وفي ~~سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ~~ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو: ~~خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» " الحديث. فنهاهم عن الغدر ~~كما نهاهم عن الغلول. # وفي الصحيحين عن ابن عباس «عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل عن صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم: هل يغدر؟ فقال: لا يغدر، ونحن معه في مدة لا ~~ندري ما هو صانع فيها. قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا إلا هذه الكلمة» ~~. وقال هرقل في جوابه: سألتك هل يغدر؟ فذكرت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا ~~تغدر "، فجعل هذا صفة لازمة للمرسلين. # وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~«إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج» "، فدل على # PageV01P271 # استحقاق الشروط بالوفاء، وأن شروط النكاح أحق بالوفاء من غيرها. # وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ~~ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» ~~". فذم الغادر، وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر. # فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق ~~والعقود، وبأداء الأمانة ورعاية ذلك، والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة ~~والتشديد على من يفعل ذلك. # ولما كان الأصل فيها الحظر والفساد، إلا ما أباحه الشرع لم يجز أن يؤمر ms176 ~~بها مطلقا ويذم من نقضها وغدر مطلقا، كما أن قتل النفس لما كان الأصل فيه ~~الحظر إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه لم يجز أن يؤمر بقتل النفس ويحمل على ~~القدر المباح، بخلاف ما كان جنسه واجبا، كالصلاة والزكاة، فإنه يؤمر به ~~مطلقا. وإن كان لذلك شروط وموانع فينهى عن الصلاة بغير طهارة، وعن الصدقة ~~بما يضر النفس ونحو ذلك. وكذلك الصدق في الحديث مأمور به، وإن كان قد يحرم ~~الصدق أحيانا لعارض ويجب السكوت أو التعريض. # وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به علم أن الأصل صحة العقود ~~والشروط، إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده. ومقصود ~~العقد: هو الوفاء به، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود، دل على أن ~~الأصل فيها الصحة والإباحة. # وقد روى أبو داود والدارقطني من حديث سليمان بن بلال، # PageV01P272 # حدثنا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو ~~حرم حلالا، والمسلمون على شروطهم» ". وكثير بن زيد قال يحيى بن معين في ~~رواية: هو ثقة، وضعفه في رواية أخرى. # وقد روى الترمذي والبزار من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ~~عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلح جائز بين ~~المسلمين، إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، [والمسلمون على شروطهم إلا ~~شرطا أحل حراما أو حرم حلالا] » ، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وروى ابن ~~ماجه منه اللفظ الأول، لكن كثير بن عمرو ضعفه الجماعة. وضرب أحمد على حديثه ~~في المسند فلم يحدث به. فلعل تصحيح الترمذي له لروايته من وجوه. وقد روى ~~أبو بكر البزار أيضا عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «الناس على شروطهم ما وافق الحق» ~~"، وهذه الأسانيد - وإن كان الواحد منها ضعيفا - فاجتماعها ms177 من طرق يشد ~~بعضها بعضا. # وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة، وهو حقيقة # PageV01P273 # المذهب، فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله ولا يحرم ما أباحه ~~الله، فإن شرطه حينئذ يكون مبطلا لحكم الله. وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه ~~الله، وإنما المشترط له أن يكون يوجب بالشرط ما لم يكن واجبا بدونه. فمقصود ~~الشروط وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما، وعدم الإيجاب ليس نفيا للإيجاب، ~~حتى يكون المشترط مناقضا للشرع، وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم ~~يكن واجبا. فإن المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من الإقباض ما لم يكن ~~واجبا ويباح أيضا لكل منهما ما لم يكن مباحا، ويحرم على كل منهما ما لم يكن ~~حراما. وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين. وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع ~~أو رهنا أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها، فإنه يجب، ويحرم ويباح بهذا ~~الشرط ما لم يكن كذلك. # وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصل فساد الشروط، قال: لأنها إما ~~أن تبيح حراما أو تحرم حلالا أو توجب ساقطا أو تسقط واجبا، وذلك لا يجوز ~~إلا بإذن الشارع، وأوردت شبهة عند بعض الناس حتى توهم أن هذا الحديث ~~متناقض، وليس كذلك، بل كل ما كان حراما بدون الشرط، فالشرط لا يبيحه كالربا ~~وكالوطء في ملك الغير، وكثبوت الولاء لغير المعتق، فإن الله حرم الوطء إلا ~~بملك نكاح، أو ملك يمين، فلو أراد رجل أن يعير أمته لآخر للوطء لم يجز له ~~ذلك، بخلاف إعارتها للخدمة فإنه جائز، وكذلك الولاء، فقد " «نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته» "، وجعل الله الولاء كالنسب يثبت ~~للمعتق كما يثبت النسب للوالد. وقال صلى الله عليه وسلم: «من ادعى إلى غير ~~أبيه أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا # PageV01P274 # يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» ، وأبطل الله ما كانوا عليه في الجاهلية من ~~تبني الرجل ابن ms178 غيره، وانتساب المعتق إلى غير مولاه. فهذا أمر لا يجوز فعله ~~بغير شرط، فلا يبيح الشرط منه ما كان حراما، وأما ما كان مباحا بدون الشرط ~~فالشرط يوجبه، كالزيادة في المهر والثمن والرهن وتأخير الاستيفاء. فإن ~~الرجل له أن يعطي المرأة، وله أن يتبرع بالرهن وبالإنظار، ونحو ذلك، فإذا ~~شرطه صار واجبا، وإذا وجب فقد حرمت المطالبة التي كانت حلالا بدونه، لأن ~~المطالبة لم تكن حلالا مع عدم الشرط. فإن الشارع لم يبح مطالبة المدين ~~مطلقا فما كان حلالا وحراما مطلقا فالشرط لا يغيره. # وأما ما أباحه الله في حال مخصوصة ولم يبحه مطلقا، فإذا حوله الشرط عن ~~تلك الحال لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله، وكذلك ما حرمه الله في حال ~~مخصوصة، ولم يحرمه مطلقا لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله، وإن كان بدون ~~الشرط يستصحب حكم الإباحة والتحريم، لكن فرق بين ثبوت الإباحة والتحريم ~~بالخطاب، وبين ثبوته بمجرد الاستصحاب. # فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع، ~~وآثار الصحابة توافق ذلك كما قال عمر رضي الله عنه: " [مقاطع] الحقوق عند ~~الشروط ". # PageV01P275 # وأما الاعتبار فمن وجوه، أحدها: أن العقود والشروط من باب الأفعال ~~العادية. والأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل ذلك ~~على التحريم، كما أن الأعيان: الأصل فيها عدم التحريم. وقوله: {وقد فصل لكم ~~ما حرم عليكم} [الأنعام: 119] [الأنعام: 119] عام في الأعيان والأفعال، ~~وإذا لم يكن حراما لم تكن فاسدة، [لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم، وإذا ~~لم تكن فاسدة] كانت صحيحة. # وأيضا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط، إلا ما ثبت ~~حله بعينه، وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة، وأن انتفاء دليل التحريم ~~دليل على عدم التحريم. فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم ~~التحريم، فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوا، كالأعيان التي لم تحرم. # وغالب ما يستدل به على أن الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة ~~والأقيسة الصحيحة ms179 والاستصحاب العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله، فإنه ~~يستدل به على عدم تحريم العقود والشروط فيها، سواء سمي ذلك حلالا أو عفوا ~~على الاختلاف المعروف بين أصحابنا وغيرهم، فإن ما ذكره الله في القرآن من ~~ذم الكفار على التحريم بغير شرع: منه ما سببه تحريم الأعيان، ومنه ما سببه ~~تحريم الأفعال. كما كانوا يحرمون على المحرم لبس ثيابه والطواف فيها إذا لم ~~يكن أحمسيا ويأمرونه بالتعري، إلا أن يعيره أحمسي ثوبه، ويحرمون عليه ~~الدخول تحت سقف، كما كان الأنصار يحرمون إتيان الرجل امرأته في فرجها إذا ~~كانت [مجبية] ، ويحرمون # PageV01P276 # الطواف بالصفا والمروة، وكانوا مع ذلك قد ينقضون العهود التي عقدوها بلا ~~شرع. فأمرهم الله سبحانه في سورة النحل وغيرها بالوفاء بها إلا ما اشتمل ~~على محرم. # فعلم أن العهود يجب الوفاء بها إذا لم تكن محرمة، وإن لم يثبت حلها بشرع ~~خاص، كالعهود التي عقدوها في الجاهلية وأمر بالوفاء بها، وقد نبهنا على هذه ~~القاعدة فيما تقدم، وذكرنا أنه لا يشرع إلا ما شرعه الله ولا يحرم إلا ما ~~حرمه الله؛ لأن الله ذم المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، ~~وحرموا ما لم يحرمه الله. فإذا حرمنا العقود والشروط التي تجري بين الناس ~~في معاملاتهم العادية بغير دليل شرعي، كنا محرمين ما لم يحرمه الله. بخلاف ~~العقود التي تتضمن شرع دين لم يأذن به الله. فإن الله قد حرم أن يشرع من ~~الدين ما لم يأذن به. فلا يشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا يحرم عادة إلا ~~بتحريم الله، والعقود في المعاملات هي من العادات يفعلها المسلم والكافر، ~~وإن كان فيها قربة من وجه آخر، فليست من العبادات التي يفتقر فيها إلى شرع ~~كالعتق والصدقة. # فإن قيل: العقود تغير ما كان مشروعا؛ لأن ملك البضع أو المال إذا كان ~~ثابتا على حال، فعقد عقدا أزاله عن تلك الحال فقد غير ما كان مشروعا، بخلاف ~~الأعيان التي لم تحرم فإنه لا تغير في إباحتها. # فيقال: لا فرق بينهما، ms180 وذلك أن الأعيان إما أن تكون ملكا لشخص أو لا ~~تكون. فإن كانت ملكا فانتقالها بالبيع أو غيره لا # PageV01P277 # يغيرها وهو من باب العقود، وإن لم تكن ملكا فملكها بالاستيلاء ونحوه: هو ~~فعل من الأفعال مغير لحكمها بمنزلة العقود. # وأيضا فإنها قبل الزكاة محرمة. فالزكاة الواردة عليها بمنزلة العقد ~~الوارد على المال. فكما أن أفعالنا في الأعيان من الأخذ والزكاة: الأصل فيه ~~الحل، وإن غير حكم العين. فكذلك أفعالنا في الأملاك في العقود ونحوها: ~~الأصل فيها الحل، وإن غيرت حكم الملك. # وسبب ذلك: أن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع ~~الثابت بالنكاح، نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام، والشارع أثبت الحكم لثبوت ~~سببه منا، لم يثبته ابتداء. كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات ~~المبتدأة. فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم، ولم يحرم الشارع علينا رفعه: ~~لم يحرم علينا رفعه. فمن اشترى عينا فالشارع أحلها له وحرمها على غيره؛ ~~لإثباته سبب ذلك، وهو الملك الثابت بالبيع. وما لم يحرم الشارع عليه رفع ~~ذلك، فله أن يرفع ما أثبته على أي وجه أحب، ما لم يحرمه الشارع عليه. كمن ~~أعطى رجلا مالا: فالأصل أن لا يحرم عليه التصرف فيه، وإن كان مزيلا للملك ~~الذي أثبته المعطى ما لم يمنع [منه] مانع. وهذا نكتة المسألة التي يتبين ~~بها مأخذها، وهو أن الأحكام الجزئية - من حل هذا المال لزيد وحرمته على ~~عمرو - لم يشرعها الشارع شرعا جزئيا، وإنما شرعها شرعا كليا، مثل قوله: ~~{وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] [البقرة: 276] ، وقوله: {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] # PageV01P278 # [النساء: 24] ، وقوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] ~~[النساء: 3] . وهذا الحكم الكلي ثابت، سواء وجد هذا البيع المعين أو لم ~~يوجد. فإذا وجد بيع معين أثبت ملكها معينا، فهذا المعين سببه فعل العبد، ~~فإذا رفعه العبد فإنما رفع ما أثبته هو بفعله، لا ما أثبته الله من الحكم ~~[الكلي، إذ ما أثبته الله من الحكم] الجزئي إنما هو تابع لفعل العبد سببه ~~فقط لأن، الشارع ms181 أثبته ابتداء. # وإنما توهم بعض الناس أن رفع الحقوق بالعقود والفسوخ مثل نسخ الأحكام، ~~وليس كذلك. فإن الحكم المطلق لا يزيله إلا الذي أثبته وهو الشارع. وأما هذا ~~المعين فإنما ثبت؛ لأن العبد أدخله في المطلق، فإدخاله في المطلق إليه، ~~فكذلك إخراجه: إذ الشارع لم يحكم عليه في المعين بحكم أبدا، مثل أن يقول: ~~هذا الثوب بعه أو لا تبعه، أو هبه أو لا تهبه، وإنما [حكمه] على المطلق ~~الذي إذا أدخل فيه المعين على حكم المعين. # فتدبر هذا، وفرق بين تغيير الحكم المعين الخاص الذي أثبته العبد بإدخاله ~~في المطلق، وبين تغيير الحكم العام الذي أثبته الشارع عند وجود سببه من ~~العبد. وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع، فإنما وجب ~~الوفاء بها لإيجاب الشارع الوفاء بها مطلقا، إلا ما خصه الدليل، على أن ~~الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل، بل والعقلاء جميعهم. وقد ~~أدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي، ففعلها ابتداء لا يحرم ~~إلا بتحريم الشارع، والوفاء بها وجب لإيجاب الشارع إذا ولإيجاب العقل أيضا. # PageV01P279 # وأيضا فإن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، وموجبها هو ما أوجباه على ~~أنفسهما بالتعاقد؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: {إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم} [النساء: 29] [النساء: 29] ، وقال: {فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] ، فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق ~~الجزاء بشرطه، فدل على أنه سبب له، وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب. فدل ~~على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم. وإذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل ~~الصداق، فكذلك سائر التبرعات، قياسا عليه بالعلة المنصوصة التي دل عليها ~~القرآن. وكذلك قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ، لم ~~يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة. ~~وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة أو طابت نفس المتبرع بتبرع، ~~ثبت حله بدلالة القرآن، إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله، كالتجارة ms182 في ~~الخمر ونحو ذلك. # وأيضا فإن العقد له حالان: حال إطلاق، وحال تقييد. ففرق بين العقد المطلق ~~وبين المعنى المطلق من العقود. فإذا قيل: هذا شرط ينافي مقتضى العقد، فإن ~~أريد به: ينافي العقد المطلق، فكذلك كل شرط زائد وهذا لا يضره، وإن أريد: ~~ينافي مقتضى العقد المطلق والمقيد، احتاج إلى دليل على ذلك، وإنما يصح هذا ~~إذا نافى مقصود العقد. فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره، وشرط ~~فيه ما ينافي ذلك المقصود، فقد جمع بين المتناقضين: بين إثبات المقصود ~~ونفيه، فلا يحصل شيء. ومثل هذا الشرط باطل بالاتفاق، بل هو مبطل للعقد ~~عندنا. # والشروط الفاسدة قد تبطل لكونها تنافي مقصود الشارع، مثل اشتراط الولاء ~~لغير المعتق، فإن هذا لا ينافي مقتضى العقد ولا # PageV01P280 # مقصوده [فإن مقصوده] الملك، والعتق قد يكون مقصودا للعقد، فإن اشتراء ~~العبد لعتقه يقصد كثيرا. فثبوت الولاء لا ينافي مقصود العقد، وإنما ينافي ~~كتاب الله وشرطه كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كتاب الله أحق، ~~وشرط الله أوثق» . فإذا كان الشرط منافيا لمقصود العقد كان العقد لغوا، ~~وإذا كان منافيا لمقصود الشارع كان مخالفا لله ورسوله. فأما إذا لم يشتمل ~~على واحد منهما، فلم يكن لغوا، ولا اشتمل على ما حرمه الله ورسوله، فلا وجه ~~لتحريمه، بل الواجب حله، لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه، إذ لولا ~~حاجتهم إليه لما فعلوه. فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه، ولم يثبت ~~تحريمه، فيباح لما في الكتاب والسنة مما يرفع الحرج. # وأيضا فإن العقود والشروط لا تخلو إما أن يقال: لا تحل ولا تصح إن لم يدل ~~على حلها دليل شرعي خاص، من نص أو إجماع أو قياس عند الجمهور، كما ذكرناه ~~من القول الأول، أو يقال: لا تحل وتصح حتى يدل على حلها دليل سمعي، وإن كان ~~عاما. أو يقال: تصح ولا تحرم، إلا أن يحرمها الشارع بدليل خاص أو عام. # والقول الأول: باطل؛ لأن الكتاب والسنة دلا على صحة العقود ms183 والقبوض التي ~~وقعت في حال الكفر، وأمر الله بالوفاء بها إذا لم يكن فيها بعد الإسلام شيء ~~محرم. فقال سبحانه في آية الربا: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما ~~بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] [البقرة] ، فأمرهم بترك ما بقي ~~لهم من الربا في الذمم، ولم يأمرهم برد ما قبضوه بعقد الربا، بل مفهوم ~~الآية - الذي اتفق العمل عليه - # PageV01P281 # يوجب أنه غير منهي عنه. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عام حجة ~~الوداع الربا الذي في الذمم، ولم يأمرهم برد المقبوض، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وأيما قسم أدركه الإسلام ~~فهو على قسم الإسلام» . وأقر الناس على أنكحتهم التي عقدوها في الجاهلية، ~~ولم يستفصل [أحدا] : هل عقد به في عدة أو غير عدة؟ بولي أو بغير ولي؟ بشهود ~~أو بغير شهود؟ ولم يأمر أحدا بتجديد نكاح ولا بفراق امرأته، إلا أن يكون ~~السبب المحرم موجودا حين الإسلام، كما «أمر غيلان بن سلمة الثقفي الذي أسلم ~~وتحته عشر نسوة " أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن» "، وكما «أمر فيروز الديلمي ~~الذي أسلم وتحته أختان " أن يختار إحداهما ويفارق في الأخرى» "، وكما «أمر ~~الصحابة من أسلم من المجوس " أن يفارقوا ذوات المحارم» ". ولهذا اتفق ~~المسلمون على أن العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم ~~تكن محرمة على المسلمين، وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن الشارع. ولو كانت ~~العقود عندهم كالعبادات لا تصح إلا بشرع، لحكموا بفسادها أو بفساد ما لم ~~يكن أهله مستمسكين فيه بشرع. # فإن قيل: فقد اتفق فقهاء الحديث وأهل الحجاز على أنها إذا عقدت على وجه ~~محرم في الإسلام، ثم أسلموا بعد زواله: مضت، ولم يؤمروا باستئنافها؛ لأن ~~الإسلام يجب ما قبله، فليس ما عقدوه # PageV01P282 # بغير شرع دون ما عقدوه مع تحريم الشرع، وكلاهما عندكم سواء. # قلنا: ليس كذلك، بل ما عقدوه مع التحريم إنما يحكم بصحته إذا اتصل به ~~التقابض، وأما إذا أسلموا قبل ms184 التقابض فإنه يفسخ، بخلاف ما عقدوه بغير شرع ~~فإنه لا يفسخ، لا قبل القبض ولا بعده، ولم أر الفقهاء من أصحابها وغيرهم ~~اشترطوا في النكاح القبض، بل سووا بين الإسلام قبل الدخول وبعده؛ لأن نفس ~~عقد النكاح يوجب أحكاما بنفسه، وإن لم يحصل به القبض من المصاهرة ونحوها. ~~كما أن نفس الوطء يوجب أحكاما، وإن كان بغير نكاح. فلما كان كل واحد من ~~العقد والوطء مقصودا في نفسه - وإن لم يقترن بالآخر -[أقرهم] الشارع على ~~ذلك، بخلاف الأموال، فإن المقصود بعقودها هو التقابض. فإذا لم يحصل التقابض ~~لم يحصل مقصودها، فأبطلها الشارع لعدم حصول المقصود. # فتبين بذلك أن مقصود العباد من المعاملات لا يبطله الشارع إلا مع ~~التحريم؛ لأنه لا يصححه إلا بتحليل. # وأيضا فإن المسلمين إذا تعاقدوا بينهم عقودا ولم يكونوا يعلمون لا ~~تحريمها ولا تحليلها، فإن الفقهاء جميعهم - فيما أعلمه - يصححونها إذا لم ~~يعتقدوا تحريمها، وإن كان العاقد لم يكن حينئذ يعلم تحليلها لا باجتهاد ولا ~~بتقليد. ولا يقول أحد لا يصح العقد إلا الذي يعتقد العاقد أن الشارع أحله. ~~فلو كان إذن الشارع الخاص شرطا في صحة العقود: لم يصح عقد إلا بعد ثبوت ~~إذنه، كما لو حكم الحاكم بغير اجتهاد، فإنه آثم، وإن كان قد صادف الحق. # PageV01P283 # وأما إن قيل: لا بد من دليل شرعي يدل على حلها، سواء كان عاما أو خاصا، ~~فعنه جوابان: # أحدهما: المنع كما تقدم. والثاني: أن نقول: قد دلت الأدلة الشرعية العامة ~~على حل العقود والشروط جملة، إلا ما استثناه الشارع. وما عارضوا به سنتكلم ~~عنه إن شاء الله، فلم يبق إلا القول الثالث وهو المقصود. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن ~~كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» ، فالشرط يراد به المصدر ~~تارة، والمفعول أخرى. وكذلك الوعد والخلف. ومنه قولهم: درهم ضرب الأمير، ~~والمراد به هنا - والله أعلم - المشروط، لا نفس التكلم. ولهذا قال: «وإن ~~كان مائة شرط» ، أي: ms185 وإن كان قد شرط مائة شرط، وليس المراد تعديد التكلم ~~بالشرط، وإنما المراد تعديد المشروط. والدليل على ذلك قوله: «كتاب الله ~~أحق، وشرط الله أوثق» ، أي: كتاب الله أحق من هذا الشرط، وشرط الله أوثق ~~منه، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه، بأن يكون المشروط ~~مما حرمه الله تعالى. # وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله، فلم يخالف كتاب الله وشرطه، حتى ~~يقال: " «كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» " فيكون المعنى: من اشترط أمرا ~~ليس في حكم الله ولا في كتابه، بواسطة وبغير واسطة فهو باطل؛ لأنه لا بد أن ~~يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط، حتى يصح اشتراطه ويجب بالشرط، ولما ~~لم يكن في كتاب الله أن الولاء لغير المعتق أبدا كان هذا المشروط - وهو # PageV01P284 # ثبوت الولاء لغير المعتق - شرطا ليس في كتاب الله. فانظر إلى المشروط إن ~~كان [فعلا] أو حكما. فإن كان الله قد أباحه: جاز اشتراطه ووجب، وإن كان ~~الله لم يبحه: لم يجز اشتراطه. فإذا شرط الرجل أن لا يسافر بزوجته، فهذا ~~المشروط في كتاب الله؛ لأن كتاب الله يبيح أن لا يسافر بها. فإذا شرط عدم ~~السفر فقد شرط مشروطا مباحا في كتاب الله. # فمضمون الحديث: أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة، أو يقال: ليس ~~في كتاب الله، أي: [في] كتاب الله نفيه، كما قال: " «سيكون أقوام يحدثونكم ~~بما لم تعرفوا أنتم ولا آباؤكم» " أي: بما تعرفون خلافه، وإلا فما لا يعرف ~~كثير. # ثم نقول: إذا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن العقود والشروط التي لم ~~يبحها الشارع تكون باطلة، بمعنى: أنه لا يلزم بها شيء، لا إيجاب ولا تحريم، ~~فإن هذا خلاف الكتاب والسنة، بل العقود والشروط المحرمة قد يلزم بها أحكام، ~~فإن الله قد حرم عقد الظهار في نفس كتابه، وسماه {منكرا من القول وزورا} ~~[المجادلة: 2] ، ثم إنه أوجب به، على من عاد: الكفارة، ومن لم يعد: جعل في ~~حقه مقصود التحريم ms186 من ترك الوطء أو ترك العقد. وكذا النذر، فإن «النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن النذر» ، كما ثبت ذلك عنه من حديث أبي هريرة وابن ~~عمر وقال: " «إنه لا يأتي بخير» " ثم أوجب الوفاء به إذا كان طاعة في قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " «من نذر # PageV01P285 # أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ". # فالعقد المحرم قد يكون سببا لإيجاب أو تحريم. نعم لا يكون سببا لإباحة، ~~كما أنه لما نهي عن بيوع الغرر، وعن عقد الربا، وعن نكاح ذوات المحارم، ~~ونحو ذلك، لم يستفد المنهي بفعله لما نهي عنه الاستباحة؛ لأن المنهي عنه ~~معصية. والأصل في المعاصي أنها لا تكون سببا لنعمة الله ورحمته، والإباحة ~~من نعمة الله ورحمته، وإن كانت قد تكون سببا للإملاء، ولفتح أبواب الدنيا، ~~لكن ذلك قدر ليس بشرع. بل قد يكون سببا لعقوبة الله والإيجاب، والتحريم قد ~~يكون عقوبة كما قال الله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم} [النساء: 160] [النساء: 160] ، وإن كان قد يكون رحمة أيضا، كما ~~جاءت شريعتنا الحنيفية. # والمخالفون في هذه القاعدة من أهل الظاهر ونحوهم قد يجعلون كل ما لم يؤذن ~~فيه إذن خاص: فهو عقد حرام، وكل عقد حرام فوجوده كعدمه، وكلا المقدمتين ~~ممنوعة، كما تقدم. # وقد يجاب عن هذه الحجة بطريقة ثانية، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أراد أن الشروط التي لم يبحها [الله] ، وإن كان لم يحرمها باطلة. فنقول: # قد ذكرنا ما في الكتاب والسنة والآثار من الأدلة الدالة على وجوب الوفاء ~~بالعهود والشروط عموما، وأن المقصود هو وجوب الوفاء بها. وعلى هذا التقدير، ~~فوجوب الوفاء بها يقتضي أن تكون # PageV01P286 # مباحة، فإنه إذا وجب الوفاء بها لم تكن باطلة، وإذا لم تكن باطلة كانت ~~مباحة، وذلك لأن قوله: " ليس في كتاب الله "، إنما يشمل ما ليس في كتاب ~~الله لا بعمومه ولا بخصوصه، وإنما دل كتاب الله على إباحته بعمومه فإنه في ~~كتاب الله؛ لأن قولنا: هذا في ms187 كتاب الله، يعم ما هو فيه بالخصوص أو ~~بالعموم. وعلى هذا معنى قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} ~~[النحل: 89] ، وقوله: {ولكن تصديق الذي بين يديه} [يوسف: 111] [يوسف: 111] ~~، وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] [الأنعام: 38] على قول ~~من جعل الكتاب هو القرآن، وأما على قول من جعله اللوح المحفوظ: فلا يجيء ~~هاهنا. # يدل على ذلك: أن الشرط الذي بينا جوازه بسنة أو إجماع صحيح بالاتفاق، ~~فيجب أن يكون في كتاب الله. وقد لا يكون في كتاب الله بخصوصه، لكن في كتاب ~~الله الأمر باتباع السنة واتباع سبيل المؤمنين، فيكون في كتاب الله بهذا ~~الاعتبار؛ لأن جامع الجامع جامع، ودليل الدليل دليل بهذا الاعتبار. # يبقى أن يقال على هذا الجواب: فإذا كان كتاب الله أوجب الوفاء بالشروط ~~عموما، فشرط الولاء داخل في العموم. # [فيقال] : العموم إنما يكون دالا إذا لم ينفه دليل خاص، فإن الخاص يفسر ~~العام. وهذا المشروط قد نفاه النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه عن بيع الولاء ~~وعن هبته. وقوله: «من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين» . ودل الكتاب على ذلك بقوله تعالى: # PageV01P287 # {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل - ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 4 - 5] [الأحزاب: 4 - 5] ، فأوجب ~~علينا دعاءه لأبيه الذي ولده، دون من تبناه. وحرم التبني، ثم أمر عند عدم ~~العلم بالأب بأن يدعى أخاه في الدين ومولاه، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لزيد بن حارثة: «أنت أخونا ومولانا» ، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~«إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما ~~يأكل، وليكسه مما يلبس» . # فجعل سبحانه الولاء نظير النسب، وبين سبب الولاء في قوله: {وإذ تقول للذي ~~أنعم الله عليه وأنعمت عليه} [الأحزاب: 37] ، فبين ms188 أن سبب الولاء: هو ~~الإنعام بالإعتاق، كما أن سبب النسب هو الإنعام بالإيلاد. فإذا كان قد حرم ~~الانتقال عن المنعم بالإيلاد، فكذلك يحرم الانتقال عن المنعم بالإعتاق لأنه ~~في معناه، فمن اشترط على المشتري أن يعتق ويكون الولاء لغيره فهو كمن اشترط ~~على المستنكح أنه إذا أولد كان النسب لغيره. # وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إنما الولاء ~~لمن أعتق» . # وإذا كان كتاب الله قد دل على تحريم هذا المشروط بخصوصه وعمومه، لم يدخل ~~في العهود التي أمر الله بالوفاء بها؛ لأنه سبحانه لا يأمر بما حرمه، مع أن ~~الذي يغلب على القلب # PageV01P288 # أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا المعنى الأول، وهو إبطال الشروط ~~التي تنافي كتاب الله. والتقدير: من اشترط شيئا لم يبحه الله فيكون المشروط ~~قد حرمه؛ لأن كتاب الله قد أباح عموما لم يحرمه، أو من اشترط ما ينافي كتاب ~~الله، بدليل قوله: «كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» . فإذا ظهر أن لعدم ~~تحريم العقود والشروط جملة وصحتها [أصلين] : الأدلة الشرعية العامة، ~~والأدلة العقلية التي هي الاستصحاب، وانتفاء المحرم، فلا يجوز القول بموجب ~~هذه القاعدة في أنواع المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع ~~أو المسألة: هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم أم لا؟ . # أما إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي: فقد أجمع المسلمون ~~وعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد ويفتي بموجب هذا ~~الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك. فإن ~~جميع ما أوجبه الله ورسوله، وحرمه الله ورسوله، [مغير] لهذا الاستصحاب، فلا ~~يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذاك. وأما إذا كان ~~المدرك هو النصوص العامة: فالعام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز ~~التمسك به، إلا بعد البحث عن تلك المسألة: هل هي من المستخرج أو من ~~المستبقى؟ وهذا أيضا لا خلاف فيه، وإنما اختلف ms189 العلماء في العموم الذي لم ~~يعلم تخصيصه، أو علم تخصيص صور معينة فيه: هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك ~~قبل البحث عن # PageV01P289 # المخصص المعارض له؟ فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. ~~وذكروا عن أحمد فيه روايتين، وأكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه ~~ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة، وأقوال ~~الصحابة والتابعين وغيرهم. وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره، ~~فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن ~~مقتضاه، فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه. وهذه الغلبة ~~لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض، سواء جعل ~~عدم المعارض جزءا من الدليل، فيكون الدليل هو الظاهر المجرد عن القرينة - ~~كما يختاره من لا يقول بتخصيص الدليل ولا العلة من أصحابنا وغيرهم - أو جعل ~~المعارض [المانع] للدليل، فيكون الدليل هو الظاهر، لكن القرينة مانعة ~~لدلالته، كما يقوله من يقول بتخصيص الدليل والعلة من أصحابنا وغيرهم، وإن ~~كان الخلاف في ذلك إنما يعود إلى اعتبار عقلي، أو إطلاق لفظي، أو اصطلاح ~~جدلي، لا [يرجع] إلى أمر علمي أو فقهي. # فإذا كان كذلك فالأدلة النافية لتحريم العقود والشروط والمثبتة لحلها: ~~مخصوصة بجميع ما حرمه الله ورسوله من العقود والشروط، فلا ينتفع بهذه ~~القاعدة في أنواع المسائل إلا مع العلم بالحجج الخاصة في ذلك النوع، فهي ~~بأصول الفقه - التي هي الأدلة العامة - أشبه منها بقواعد الفقه، التي هي ~~الأحكام العامة. # نعم من غلب على ظنه من الفقهاء انتفاء المعارض في مسألة # PageV01P290 # خلافية أو حادثة انتفع بهذه القاعدة، فنذكر من أنواعها قواعد حكمية ~~مطلقة. # فمن ذلك: ما ذكرناه من أنه يجوز لكل من أخرج عينا من ملكه بمعاوضة كالبيع ~~والخلع، أو تبرع كالوقف والعتق أن يستثني بعض منافعها. فإذا كان مما لا ~~يصلح فيه [الغرر] كالبيع - فلا بد أن يكون المستثنى معلوما، لما روى ~~البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر قال: «بعته - يعني ms190 بعيره - من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، واشترطت حملانه إلى أهلي» "، وإن لم يكن كذلك ~~كالعتق والوقف، فله أن يستثني خدمة العبد ما عاش سيده، أو عاش فلان، ~~ويستثني غلة الوقف ما عاش الواقف. # ومن ذلك : أن البائع إذا شرط على المشتري أن يعتق العبد صح ذلك في ظاهر ~~مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، لحديث بريرة، وإن كان عنهما قول بخلافه. # ثم هل يصير العتق واجبا على المشتري، كما يجب العتق بالنذر بحيث يفعله ~~الحاكم إذا امتنع، أم يملك البائع الفسخ عند امتناعه من العتق، كما يملك ~~الفسخ بفوات الصفة المشروطة في المبيع؟ على وجهين في مذهبهما. ثم الشافعي ~~وطائفة من أصحاب أحمد يرون هذا خارجا عن القياس، لما فيه من منع المشتري من ~~التصرف في ملكه بغير العتق، وذلك مخالف لمقتضى العقد، فإن مقتضاه الملك ~~الذي يملك صاحبه التصرف مطلقا. # قالوا: وإنما جوزته السنة؛ لأن الشارع له إلى العتق تشوف لا # PageV01P291 # يوجد في غيره، ولذلك أوجب فيه السراية، مع ما فيه من إخراج ملك الشريك ~~بغير اختياره، وإذا كان مبناه على التغليب والسراية والنفوذ في ملك الغير ~~لم يلحق به غيره، فلا يجوز اشتراط غيره. # وأصول أحمد ونصوصه تقتضي جواز شرط كل تصرف فيه مقصود صحيح، وإن كان فيه ~~منع من غيره. قال ابن القاسم: قيل لأحمد: الرجل يبيع الجارية على أن ~~يعتقها، فأجازه. فقيل له: فإن هؤلاء - يعني أصحاب أبي حنيفة - يقولون: لا ~~يجوز البيع على هذا الشرط، قال: لم لا يجوز؟ قد اشترى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعير جابر واشترط ظهره إلى المدينة واشترت عائشة بريرة على أن تعتقها، ~~فلم لا يجوز هذا؟ قال: وإنما هذا شرط واحد، والنهي إنما هو عن شرطين، قيل ~~له: فإن شرط شرطين أيجوز؟ قال: لا يجوز. # فقد نازع من منع منه، واستدل على جوازه باشتراط النبي صلى الله عليه وسلم ~~ظهر البعير لجابر، وبحديث بريرة، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما «نهى ~~عن شرطين في بيع» ، مع أن حديث جابر ms191 فيه استثناء بعض منفعة المبيع. وهو نقص ~~لموجب العقد المطلق، واشتراط العتق فيه تصرف مقصود مستلزم لنقص موجب العقد ~~المطلق. # فعلم أنه لا يفرق بين أن يكون النقص في التصرف أو في المملوك، واستدلاله ~~بحديث الشرطين دليل على جواز هذا الجنس كله، ولو كان العتق على خلاف القياس ~~لما قاسه على غيره، ولا استدل عليه بما يشمله وغيره. # وكذلك قال أحمد بن الحسين بن حسان: سألت أبا عبد الله # PageV01P292 # عمن اشترى مملوكا واشترط: هو حر بعد موتي؟ قال: هذا مدبر، فجوز اشتراط ~~التدبير كالعتق. ولأصحاب الشافعي في شرط التدبير خلاف صحح الرافعي أنه لا ~~يصح. # وكذلك جوز اشتراط التسري، فقال أبو طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية ~~بشرط أن يتسرى بها، تكون نفيسة، يحب أهلها أن يتسرى بها، ولا تكون للخدمة؟ ~~قال: لا بأس به. # [فلما] كان التسري [للبائع وللجارية] فيه مقصود صحيح جوزه. # وكذلك جوز أن يشترط بائع الجارية ونحوها على المشتري أنه لا يبيعها لغير ~~البائع، وأن البائع يأخذها إذا أراد المشتري بيعها بالثمن الأول، كما رووه ~~عن عمر وابن مسعود وامرأته زينب. # وجماع ذلك: أن المبيع الذي يدخل في مطلق العقد بأجزائه ومنافعه يملكان ~~اشتراط الزيادة عليه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع نخلا قد ~~أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع» ، فجوز للمشتري اشتراط زيادة ~~على موجب العقد المطلق، وهو جائز بالإجماع. ويملكان اشتراط النقص منه ~~بالاستثناء كما " «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا إلا أن تعلم» "، ~~فدل على جوازها إذا علمت. وكما استثنى جابر ظهر بعيره إلى المدينة. # وقد أجمع المسلمون فيما أعلمه على جواز استثناء الجزء # PageV01P293 # الشائع، مثل: أن يبيعه الدار إلا ربعها أو ثلثها، واستثناء الجزء المعين ~~إذا أمكن فصله بغير ضرر. مثل: أن يبيعه ثمر البستان إلا نخلات بعينها، أو ~~الثياب أو العبيد، أو الماشية التي قد رأياها، إلا شيئا منها قد عيناه. # واختلفوا في استثناء بعض المنفعة، كسكنى الدار شهرا، أو استخدام العبد ~~شهرا، أو ms192 ركوب الدابة مدة معينة، أو إلى بلد بعينه، مع اتفاق الفقهاء ~~المشهورين وأتباعهم وجمهور الصحابة على أن ذلك قد [يقع] ، كما إذا اشترى ~~أمة مزوجة فإن منفعة بضعها التي يملكها الزوج لم تدخل في العقد، كما اشترت ~~عائشة بريرة وكانت مزوجة. لكن هي اشترتها بشرط العتق، فلم تملك التصرف فيها ~~إلا بالعتق، والعتق لا ينافي نكاحها. فلذلك كان ابن عباس رضي الله عنهما - ~~وهو ممن روى حديث بريرة - يرى أن بيع الأمة طلاقها مع طائفة من الصحابة؛ ~~تأويلا لقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: ~~24] [النساء: 24] ، قالوا: فإذا ابتاعها أو اتهبها أو ورثها فقد ملكتها ~~يمينه، فتباح له، ولا يكون ذلك إلا بزوال ملك الزوج. واحتج بعض الفقهاء على ~~ذلك بحديث بريرة. # فلم يرض أحمد هذه الحجة؛ لأن ابن عباس رواه وخالفه. وذلك - والله أعلم - ~~لما ذكرته من أن عائشة لم تملك بريرة ملكا مطلقا. # ثم الفقهاء قاطبة وجمهور الصحابة على أن الأمة المزوجة إذا انتقل الملك ~~فيها - ببيع أو هبة أو إرث أو نحو ذلك، وكان مالكها معصوم الملك - لم يزل ~~عنها ملك الزوج، وملكها المشتري ونحوه إلا منفعة البضع. # PageV01P294 # ومن حجتهم: أن البائع نفسه لو أراد أن يزيل ملك الزوج لم يمكنه ذلك، ~~فالمشتري الذي هو دون البائع لا يكون أقوى منه، ولا يكون الملك الثابت ~~للمشتري أتم من البائع، والزوج معصوم لا يجوز الاستيلاء على حقه، بخلاف ~~المسبية، فإن فيها خلافا ليس هذا موضعه؛ لكون أهل الحرب تباح دماؤهم ~~وأموالهم، وكذلك ما ملكوه من الأبضاع. # وكذلك فقهاء الحديث وأهل الحجاز متفقون على أنه إذا باع شجرا قد بدا ثمره ~~- كالنخل المؤبر - فثمره للبائع مستحق الإبقاء إلى كمال صلاحه، فيكون ~~البائع قد استثنى منفعة الشجر إلى كمال الصلاح. وكذلك بيع العين المؤجرة - ~~كالدار والعبد - عامتهم يجوزه، ويملكه المشتري دون المنفعة التي للمستأجر. # [ففقهاء الحديث] كأحمد وغيره يجوزون استثناء بعض منفعة العقد كما في صور ~~الوفاق، [وكاستثناء] بعض أجزائه معينا ومشاعا، وكذلك يجوزون استثناء بعض ~~أجزائه ms193 معينا، إذا كانت العادة جارية بفصله كبيع الشاة واستثناء بعضها، ~~كسواقطها من الرأس والجلد والأكارع. وكذلك الإجارة فإن العقد المطلق يقتضي ~~نوعا من الانتفاع في الإجارات المقدرة بالزمان، كما لو استأجر أرضا للزرع، ~~أو حانوتا لتجارة فيه أو صناعة، أو أجيرا لخياطة أو بناء ونحو ذلك، فإنه لو ~~زاد على موجب العقد المطلق أو نقص عنه: فإنه يجوز بغير خلاف أعلمه في ~~النكاح، فإن العقد المطلق يقتضي ملك الاستمتاع المطلق الذي يقتضيه العرف ~~حيث شاء ومتى شاء، فينقلها # PageV01P295 # إلى حيث شاء إذا لم يكن فيه ضرر إلا ما استثني من الاستمتاع المحرم [أو ~~كان فيه ضرر فإن العرف لا يقتضيه ويقتضي ملكا للمهر] الذي هو مهر المثل، ~~وملكها للاستمتاع في الجملة، فإنه لو كان مجبوبا أو عنينا ثبت لها الفسخ ~~عند السلف والفقهاء المشاهير، ولو آلى منها ثبت لها فراقه إذا لم يفئ ~~بالكتاب والإجماع، وإن كان من الفقهاء من لا يوجب عليه الوطء وقسم ~~الابتداء، بل يكتفي بالباعث الطبيعي، كمذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن ~~أحمد، فإن الصحيح من وجوه كثيرة: أنه يجب عليه الوطء والقسم كما دل عليه ~~الكتاب والسنة وآثار الصحابة والاعتبار. [وهل] : يتقدر الوطء الواجب بمرة ~~كل أربعة أشهر، اعتبارا بالإيلاء، [أو يجب] أن يطأها بالمعروف كما ينفق ~~عليها بالمعروف؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره. والصحيح الذي يدل عليه أكثر ~~نصوص أحمد، وعليه أكثر السلف: أن ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على ~~الآخر كالنفقة والاستمتاع والمبيت للمرأة وكالاستمتاع للزوج، ليس بمقدر، بل ~~المرجع في ذلك إلى العرف، كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى: {ولهن مثل ~~الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228] ، والسنة في مثل قوله صلى الله عليه ~~وسلم لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» . وإذا تنازع الزوجان فيه فرض ~~الحاكم باجتهاده، كما فرضت الصحابة مقدار الوطء للزوج بمرات معدودة، ومن ~~قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق، فهو # PageV01P296 # كتقدير الشافعي النفقة، إذ كلاهما تحتاجه المرأة ويوجبه العقد. وتقدير ~~ذلك ضعيف عند عامة الفقهاء، ms194 بعيد عن معاني الكتاب والسنة والاعتبار. ~~والشافعي إنما قدره طردا للقاعدة التي ذكرناها عنه من نفيه للجهالة في جميع ~~العقود قياسا على المنع من بيع الغرر، فجعل النفقة المستحقة بعقد النكاح ~~مقدرة طردا لذلك. وقد تقدم التنبيه على هذا الأصل. # وكذلك يوجب العقد المطلق سلامة الزوج من الجب والعنة عند عامة الفقهاء، ~~وكذلك يوجب عند الجمهور سلامتها من موانع الوطء كالرتق، وسلامتها من الجنون ~~والجذام والبرص. وكذلك سلامتها من العيوب التي تمنع كماله، كخروج النجاسات ~~منه أو منها ونحو ذلك، في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره، دون الجمال ونحو ~~ذلك. وموجبه: كفاءة الرجل أيضا دون ما زاد على ذلك. # ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة كالمال والجمال والبكارة ونحو ~~ذلك، صح ذلك، وملك المشترط الفسخ عند فواته، في أصح الروايتين عند أحمد، ~~وأصح وجهي أصحاب الشافعي وظاهر مذهب مالك. والرواية الأخرى: لا يملك الفسخ ~~إلا في شرط الحرية والدين. وفي شرط النسب على هذه الرواية وجهان، سواء كان ~~المشترط هو المرأة في الرجل، أو الرجل في المرأة. بل اشتراط المرأة في ~~الرجل أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم. وما ذكره بعض أصحاب أحمد ~~بخلاف ذلك لا أصل له. # وكذلك لو اشترط بعض الصفة المستحقة بمطلق العقد، مثل أن # PageV01P297 # يشترط الزوج أنه مجبوب أو عنين، أو المرأة أنها رتقاء أو مجنونة، صح هذا ~~الشرط باتفاق الفقهاء. فقد اتفقوا على صحة الشرط الناقص عن موجب العقد ~~واختلفوا في شرط الزيادة عليه في هذا الموضع، كما ذكرته لك. فإن مذهب أبي ~~حنيفة: أنه لا يثبت للرجل خيار عيب ولا شرط في النكاح. وأما المهر: فإنه لو ~~زاد على مهر المثل أو نقص جاز بالاتفاق. # كذلك يجوز أكثر السلف - أو كثير منهم - وفقهاء الحديث ومالك - في إحدى ~~الروايتين - أن ينقص ملك الزوج، فتشترط عليه أن لا ينقلها من بلدها أو من ~~دارها، وأن يزيدها على ما تملكه بالمطلق [كقصره] عليها نفسه فلا يتزوج ~~عليها ولا يتسرى، وعند طائفة من ms195 السلف وأبي حنيفة والشافعي ومالك في ~~الرواية الأخرى: لا يصح هذا الشرط، لكنه له عند أبي حنيفة والشافعي أثر في ~~تسمية المهر. # والقياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء ~~الحديث أن اشتراط الزيادة على مطلق العقد واشتراط النقص جائز ما لم يمنع ~~منه الشرع، فإذا كانت الزيادة في العين أو المنفعة المعقود عليها، والنقص ~~من ذلك ما ذكرت، فالزيادة في الملك المستحق بالعقد والنقص منه كذلك. فإذا ~~شرط على المشتري أن يعتق العبد أو يقف العين على البائع أو غيره، أو أن ~~يقضي بالعين دينا عليه لمعين أو غير معين، أو أن يصل به رحمه ونحو ذلك، فهو ~~اشتراط تصرف مقصود، ومثله التبرع المفروض والتطوع. # وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق من الفضل الذي # PageV01P298 # يتشوفه الشارع فضعيف، فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه فإن صلة ذي الرحم ~~المحتاج أفضل منه، كما نص عليه أحمد. فإن «ميمونة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعتقت جارية لها فقال النبي صلى الله عليه سلم: لو تركتيها لأخوالك ~~لكان خيرا لك» ، ولهذا لو كان للميت أقارب لا يرثون كانت الوصية لهم أولى ~~من الوصية بالعتق. وما أعلم في هذا خلافا، وإنما أعلم الاختلاف في وجوب ~~الوصية لهم، فإن فيه عن أحمد روايتين، إحداهما: تجب، كقول طائفة من السلف ~~والخلف. والثانية: لا تجب، كقول الفقهاء الثلاثة وغيرهم. ولو وصى لغيرهم ~~دونهم فهل [تصرف] تلك الوصية على أقاربه دون الموصى له، أو يعطى ثلثها ~~للموصى له وثلثاها لأقاربه، كما تقسم التركة بين الورثة والموصى له؟ على ~~روايتين عن أحمد. وإن كان المشهور عند أكثر أصحابه: هو القول بنفوذ الوصية. ~~فإذا كان بعض التبرعات أفضل من العتق لم يصح تعليله باختصاصه بمزيد ~~الفضيلة. # وأيضا فقد يكون المشروط على المشتري أفضل كما لو كان عليه دين لله من ~~زكاة أو كفارة أو نذر أو دين لآدمي، فاشترط عليه وفاء دينه من ذلك المبيع، ~~أو اشترط المشتري على البائع وفاء الدين الذي ms196 عليه من الثمن ونحو ذلك، فهذا ~~أوكد من اشتراط العتق. # وأما السراية فإنما كانت لتكميل الحرية. وقد شرع مثل ذلك في الأموال، وهو ~~حق الشفعة فإنها شرعت لتكميل الملك [للشفيع] ، لما في الشركة من الضرار. ~~ونحن نقول: شرع ذلك في جميع # PageV01P299 # المشاركات فيمكن الشريك من المقاسمة. فإن أمكن قسمة العين، وإلا قسمنا ~~ثمنها إذا طلب أحدهما ذلك. فتكميل العتق نوع من ذلك، إذ الشركة تزول ~~بالقسمة تارة، وبالتكميل أخرى. # وأصل ذلك: أن الملك هو القدرة الشرعية على التصرف [في الرقبة] ، بمنزلة ~~القدرة الحسية، فيمكن أن تثبت القدرة على تصرف دون تصرف شرعا، كما يثبت ذلك ~~حسا. ولهذا جاء الملك في الشرع أنواعا، كما أن القدرة تتنوع أنواعا. فالملك ~~التام يملك فيه التصرف في الرقبة بالبيع والهبة، ويورث عنه، ويملك التصرف ~~في منافعه بالإعارة والإجارة والانتفاع وغير ذلك، ثم قد يملك الأمة ~~المجوسية، أو المحرمات عليه بالرضاع، فلا يملك منهن الاستمتاع، ويملك ~~المعاوضة عليه بالتزويج، بأن يزوج المجوسية المجوسي مثلا، وقد يملك أم ~~الولد ولا يملك بيعها ولا هبتها، ولا تورث عنه عند جماهير المسلمين، ويملك ~~وطأها واستخدامها باتفاقهم. وكذلك تملك المعاوضة على ذلك بالتزويج والإجارة ~~عند أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد. # ويملك المرهون ويجب عليه مئونته، ولا يملك [فيه] من التصرف ما يزيل حق ~~المرتهن لا ببيع ولا هبة. وفي العتق خلاف مشهور. # والعبد المنذور عتقه، والهدي، والمال الذي قد نذر للصدقة بعينه، ونحو ذلك ~~مما استحق صرفه إلى القربة، قد اختلف فيه الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: هل ~~يزال ملكه عنه بذلك أم لا؟ وكلا القولين خارج عن قياس الملك المطلق. فمن ~~قال: لم يزل ملكه عنه - كما # PageV01P300 # قد يقوله أكثر أصحابنا - فهو ملك لا يملك صرفه إلا إلى الجهة المعينة ~~بالإعتاق أو النسك أو الصدقة. وهو نظير العبد المشترى بشرط العتق أو الصدقة ~~أو الصلة، أو الفدية المشتراة بشرط الإهداء إلى الحرم. ومن قال: زال ملكه ~~عنه، فإنه يقول: هو الذي يملك عتقه وإهداءه والصدقة به. وهو أيضا خلاف ms197 قياس ~~زوال الملك في غير هذا الموضع. # وكذلك اختلاف الفقهاء في الوقف على معين: هل يصير الموقوف ملكا لله، أو ~~ينتقل إلى الموقوف عليه أو يكون باقيا على ملك الواقف؟ على ثلاثة أقوال في ~~مذهب أحمد وغيره. # وعلى كل تقدير: فالملك الموصوف نوع مخالف لغيره من الملك في البيع أو ~~الهبة. وكذلك ملك الموهوب له، حيث يجوز للواهب الرجوع، كالأب إذا وهب لابنه ~~عند فقهاء الحديث، كالشافعي وأحمد: نوع مخالف لغيره، حيث سلط غير المالك ~~على انتزاعه منه وفسخ عقده. # ونظيره: سائر الأملاك في عقد يجوز لأحد المتعاقدين فسخه، كالمبيع بشرط ~~عند من يقول: انتقل إلى المشتري، كالشافعي وأحمد في أحد قوليهما، وكالمبيع ~~إذا أفلس المشتري بالثمن عند فقهاء الحديث وأهل الحجاز. وكالمبيع الذي ظهر ~~فيه عيب أو فوات صفة، عند جميع المسلمين. فهنا في المعاوضة والتبرع يملك ~~العاقد انتزاعه، وملك الأب لا يملك انتزاعه، وجنس الملك يجمعهما. وكذلك ملك ~~الابن في مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث الذي اتبعوا فيه معنى الكتاب ~~وصريح السنة. # وطوائف من السلف يقولون: هو مباح للأب مملوك للابن، # PageV01P301 # بحيث يكون للأب كالمباحات التي تملك بالاستيلاء، وملك الابن ثابت عليه، ~~بحيث يتصرف فيه تصرفا مطلقا. # فإذا كان الملك يتنوع أنواعا، وفيه من الإطلاق والتقييد ما وصفته وما لم ~~أصفه، لم يمتنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضا إلى الإنسان يثبت منه ما رأى فيه ~~مصلحة له، ويمتنع من إثبات ما لا مصلحة له فيه. والشارع لا يحظر على ~~الإنسان إلا ما فيه فساد راجح أو محض. فإذا لم يكن فيه فساد، أو كان فساده ~~مغمورا بالمصلحة لم يحظره أبدا. ### | [فصل القاعدة الرابعة الشرط المتقدم على العقد بمنزلة المقارن له] # فصل # القاعدة الرابعة: أن الشرط المتقدم على العقد بمنزلة المقارن له في ظاهر ~~مذهب فقهاء الحديث أحمد وغيره، ومذهب أهل المدينة مالك وغيره. وهو قول في ~~مذهب الشافعي نص عليه في صداق السر والعلانية، ونقلوه إلى شرط التحليل ~~المتقدم وغيره. وإن كان المشهور من مذهبه ومذهب أبي ms198 حنيفة: أن المتقدم لا ~~يؤثر، بل يكون كالوعد المطلق عندهم، يستحب الوفاء به، وهو قول في مذهب ~~أحمد، قد يختاره في بعض المواضع طائفة من أصحابه، كاختيار بعضهم: أن ~~التحليل المشروط قبل العقد لا يؤثر إلا أن ينويه الزوج وقت العقد، وقول ~~طائفة كثيرة بما نقلوه عن أحمد من أن الشرط المتقدم على العقد في الصداق لا ~~يؤثر، وإنما يؤثر تسميته في العقد. ومن أصحاب أحمد طائفة - كالقاضي أبي ~~يعلى - يفرقون بين الشرط المتقدم الرافع لمقصود العقد، والمقيد له. فإن كان ~~رافعا - كالمواطأة على كون العقد تلجئة أو تحليلا - أبطله. وإن كان مقيدا ~~له - كاشتراط كون المهر أقل من المسمى - لم يؤثر فيه، لكن المشهور في # PageV01P302 # نصوص أحمد وأصوله وما عليه قدماء أصحابه، كقول أهل المدينة: إن الشرط ~~المتقدم كالشرط المقارن. فإذا اتفقا على شيء وعقد العقد بعد ذلك، فهو مصروف ~~إلى المعروف بينهما مما اتفقا عليه. كما ينصرف الدرهم والدينار في العقود ~~إلى المعروف بينهما، وكما أن جميع العقود إنما تنصرف إلى ما يتعارفه ~~المتعاقدان. ### | [فصل القاعدة الخامسة في الأيمان والنذور] # مقدمات نافعة جدا في هذا الباب # [المقدمة الأولى مسائل الأيمان في حكم المحلوف به أو في حكم المحلوف عليه] # فصل # القاعدة الخامسة في الأيمان والنذور # قال الله تعالى: {ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة ~~أزواجك والله غفور رحيم - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو ~~العليم الحكيم} [التحريم: 1 - 2] [التحريم] ، وقال تعالى: {ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم} ~~[البقرة: 224] [البقرة: 224] ، وقال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم - للذين يؤلون من ~~نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم - وإن عزموا الطلاق ~~فإن الله سميع عليم} [البقرة: 225 - 227] [البقرة] ، وقال تعالى: {ياأيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين - وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ms199 واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون - لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} [المائدة: 87 - ~~89] [المائدة] . # PageV01P303 # وفيها قواعد عظيمة، لكن تحتاج إلى تقديم مقدمات نافعة جدا في هذا الباب ~~وغيره. # المقدمة الأولى: أن اليمين تشتمل على جملتين: جملة مقسم بها، وجملة مقسم ~~عليها. ومسائل الأيمان: إما في حكم المحلوف به، وإما في حكم المحلوف عليه. # فأما المحلوف به: فالأيمان التي يحلف بها المسلمون مما قد يلزم بها حكم: ~~ستة أنواع، ليس لها سابع. # أحدها: اليمين بالله وما في معناها، مما فيه التزام كفر على تقدير ~~[الخبر] ، كقوله: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا، على ما فيه من الخلاف بين ~~الفقهاء. # الثاني: اليمين بالنذر الذي يسمى نذر اللجاج والغضب، كقوله: علي الحج لا ~~أفعل كذا، أو إن فعلت كذا فعلي الحج، أو مالي صدقة إن فعلت كذا، ونحو ذلك. # الثالث: اليمين بالطلاق. # الرابع: اليمين بالعتاق. # الخامس: اليمين بالحرام، كقوله: علي الحرام لا أفعل كذا. # السادس: الظهار، كقوله: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا. # فهذا مجموع ما يحلف به المسلمون مما فيه حكم. # فأما الحلف بالمخلوقين - كالحلف بالكعبة أو قبر الشيخ أو # PageV01P304 # بنعمة السلطان أو بالسيف، أو بحياة أحد من المخلوقين - فما أعلم بين ~~العلماء خلافا أن هذه اليمين مكروهة منهي عنها، وأن الحلف بها لا يوجب حنثا ~~ولا كفارة. وهل الحلف بها محرم أو مكروه كراهة تنزيه؟ فيه قولان في مذهب ~~أحمد وغيره، أصحهما: أنه محرم. ولهذا قال أصحابنا - كالقاضي أبي يعلى وغيره ~~- إنه إذا قال: أيمان المسلمين تلزمني إن فعلت كذا، لزمه [ما يفعله في] ~~اليمين بالله والنذر والطلاق والعتاق والظهار. ولم يذكر الحرام؛ لأن يمين ~~الحرام ظهار عند أحمد وأصحابه. فلما كان موجبها واحدا عندهم دخل الحرام في ~~الظهار، ms200 ولم يدخلوا النذر في اليمين بالله، وإن جاز أن يكفر يمينه بالنذر؛ ~~لأن موجب الحلف بالنذر - المسمى بنذر اللجاج والغضب - عند الحنث: هو ~~التخيير بين التكفير وبين فعل المنذور. وموجب اليمين بالله هو التكفير فقط ~~فلما اختلف موجبهما جعلوهما يمينين. # نعم، إذا قالوا بالرواية الأخرى عن أحمد - وهو أن الحلف بالنذر موجبه ~~الكفارة فقط - دخلت اليمين بالنذر في اليمين بالله. # وأما اختلافهم واختلاف غيرهم من العلماء، في أن مثل هذا الكلام هل ينعقد ~~به اليمين أو لا ينعقد؟ فسأذكره إن شاء الله تعالى وإنما غرضي هنا حصر ~~الأيمان التي يحلف بها المسلمون. # وأما أيمان البيعة، فقالوا: أول من أحدثها الحجاج بن يوسف الثقفي. وكانت ~~السنة: أن الناس يبايعون الخلفاء كما بايع الصحابة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يعقدون البيعة كما يعقدون عقد البيع والنكاح ونحوهما، # PageV01P305 # وإما أن يذكروا الشروط التي يبايعون عليها، ثم يقولون: بايعناك على ذلك، ~~كما بايعت الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة. فلما أحدث الحجاج ~~ما أحدث من [الفسق] كان من جملته أن حلف الناس على بيعتهم لعبد الملك بن ~~مروان بالطلاق والعتاق واليمين بالله وصدقة المال. فهذه الأيمان الأربعة هي ~~كانت أيمان البيعة القديمة المبتدعة. ثم أحدث المستخلفون عن الأمراء ~~والملوك وغيرهم أيمانا كثيرة أكثر من ذلك، وقد تختلف فيها عاداتهم. ومن ~~أحدث ذلك فعليه إثم ما ترتب على هذه الأيمان من الشر. # [المقدمة الثانية الأيمان يحلف بها تارة بصيغة القسم وتارة بصيغة الجزاء] # المقدمة الثانية: أن [هذه الأيمان يحلف بها تارة بصيغة القسم وتارة بصيغة ~~الجزاء] ، لا يتصور أن تخرج اليمين عن هاتين الصيغتين. فالأول كقوله: والله ~~لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، أو علي الحرام لا أفعل كذا، أو ~~علي الحج لا أفعل كذا. والثاني: كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني ~~أو بريء من الإسلام، أو إن فعلت كذا فامرأتي طالق، [أو إن فعلت كذا فامرأتي ~~حرام، أو فهي علي كظهر أمي] ، أو إن فعلت كذا فعلي ms201 الحج، أو فمالي صدقة. ~~ولهذا عقد الفقهاء لمسائل الأيمان بابين، أحدهما: باب تعليق الطلاق ~~بالشروط، فيذكرون فيه الحلف بصيغة الجزاء، كإن وإذا ومتى وما أشبه ذلك، وإن ~~دخل فيه صيغة القسم ضمنا وتبعا. والباب الثاني: باب جامع الأيمان مما يشترك ~~فيه اليمين بالله والطلاق والعتاق وغير ذلك. فيذكرون فيه الحلف بصيغة ~~القسم، وإن دخلت صيغة الجزاء ضمنا وتبعا. # PageV01P306 # ومسائل أحد البابين مختلطة بمسائل الباب الآخر لاتفاقهما في المعنى كثيرا ~~أو غالبا. ولذلك كان طائفة من الفقهاء - كأبي الخطاب وغيره - لما ذكروا في ~~كتاب الطلاق باب تعليق الطلاق بالشروط، أردفوه بباب جامع الأيمان. وطائفة ~~أخرى - كالخرقي والقاضي أبي يعلى وغيرهما - إنما ذكروا باب جامع الأيمان في ~~كتاب الأيمان؛ لأنه به أمس. ونظير هذا باب حد القذف، منهم من يذكره عند باب ~~اللعان، لاتصال أحدهما بالآخر. ومنهم من يؤخره إلى كتاب الحدود؛ لأنه به ~~أخص. # وإذا تبين أن لليمين صيغتين: صيغة القسم، وصيغة الجزاء. فالمقدم في صيغة ~~القسم مؤخر في صيغة الجزاء. والمؤخر في صيغة الجزاء مقدم في صيغة القسم. ~~والشرط المنفي في صيغة الجزاء مثبت في صيغة القسم، فإنه إذا قال: الطلاق ~~يلزمني لا أفعل كذا، فقد حلف بالطلاق أن لا يفعل. فالطلاق مقدم والفعل مؤخر ~~منفي. [ولو حلف بصيغة الجزاء لقال] : إن فعلت كذا فامرأتي طالق، [فكان تقدم ~~الفعل مثبتا وتأخر الطلاق منفيا] . كما أنه في القسم قدم الحكم وأخر الفعل. ~~وبهذه القاعدة تنحل مسائل كثيرة من مسائل الأيمان. # فأما صيغة الجزاء: فهي جملة فعلية في الأصل، فإن أدوات الشرط لا يتصل بها ~~في الأصل إلا الفعل، وأما صيغة القسم: فتكون فعلية، كقوله: أحلف بالله، أو ~~تالله أو والله ونحو ذلك، وتكون # PageV01P307 # اسمية، كقوله: لعمر الله لأفعلن، والحل علي حرام لأفعلن. # ثم هذا التقسيم ليس من خصائص الأيمان التي بين العبد وبين الله، بل غير ~~ذلك من العقود التي تكون بين الآدميين، تارة تكون بصيغة التعليق الذي هو ~~الشرط والجزاء، كقوله في الجعالة: من رد عبدي الآبق فله كذا، وقوله ms202 في ~~السبق: من سبق فله كذا، وتارة بصيغة [الجزم والتحقيق] : إما صيغة خبر ~~كقوله: بعت، وزوجت. وإما صيغة طلب كقوله: بعني واخلعني. # [المقدمة الثالثة بها يظهر سر مسائل الأيمان ونحوها] # المقدمة الثالثة: - وبها يظهر سر مسائل الأيمان ونحوها - أن صيغة التعليق ~~التي تسمى صيغة الشرط وصيغة المجازاة تنقسم إلى ستة أنواع؛ لأن الحالف إما ~~أن يكون مقصوده وجود الشرط فقط، أو وجود الجزاء فقط، أو وجودهما. وإما أن ~~لا يقصد وجود واحد منهما، بل يكون مقصوده عدم الشرط فقط أو عدم الجزاء فقط ~~أو عدمهما. فالأول: بمنزلة كثير من صور الخلع والكتابة ونذر التبرر ~~والجعالة ونحوها. فإن الرجل إذا قال لامرأته: إن أعطيتني ألفا فأنت طالق، ~~أو فقد خلعتك، أو قال لعبده: إن أديت ألفا فأنت حر، أو قال: إن رددت عبدي ~~الآبق فلك ألف درهم، أو قال: إن شفى الله مريضي، أو سلم مالي الغائب فعلي ~~عتق كذا أو الصدقة بكذا، فالمعلق قد لا يكون مقصوده إلا أخذ المال ورد ~~العبد وسلامة النفس والمال. وإنما التزم الجزاء على سبيل العوض كالبائع ~~الذي إنما مقصوده أخذ الثمن والتزم [رد] المبيع على سبيل العوض. # PageV01P308 # فهذا الضرب هو شبيه بالمعاوضة في البيع والإجارة. وكذلك إذا كان قد جعل ~~الطلاق عقوبة لها مثل أن يقول: إذا ضربت أمي فأنت طالق، أو إن خرجت من ~~الدار فأنت طالق. فإنه في الخلع عوضها بالتطليق عن المال؛ لأنها تريد ~~الطلاق، وهنا عوضها عن [معصيتها] بالطلاق. # وأما الثاني: فمثل أن يقول لامرأته: إذا طهرت فأنت طالق، أو يقول لعبده: ~~إذا مت فأنت حر، أو إذا جاء رأس الحول فأنت حر، أو فمالي صدقة، ونحو ذلك من ~~التعليق الذي هو توقيت محض. فهذا الضرب هو بمنزلة المنجز في أن كل واحد ~~منهما قصد الطلاق والعتاق، وإنما أخره إلى الوقت المعين، بمنزلة تأجيل ~~الدين وبمنزلة من يؤخر التطليق من وقت إلى وقت لغرض له في التأخير، لا لعوض ~~ولا لحلف على طلب أو خبر. ولهذا قال الفقهاء من أصحابنا ms203 وغيرهم: إذا حلف ~~أنه لا يحلف بالطلاق، مثل أن يقول: والله لا أحلف بطلاقك، أو إن حلفت ~~بطلاقك فعبدي حر، أو فأنت طالق، [فإنه] إذا قال: إن دخلت أو إن لم تدخلي ~~ونحو ذلك مما فيه معنى الحض أو المنع: فهو حالف. ولو كان تعليقا محضا، ~~كقوله: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، أو أنت طالق إن طلعت الشمس، فاختلفوا ~~فيه، قال أصحاب الشافعي: ليس بحالف، وقال أصحاب أبي حنيفة والقاضي في ~~الجامع: هو حالف. # وأما الثالث - وهو أن يكون مقصوده وجودهما جميعا - فمثل # PageV01P309 # الذي قد آذته المرأة حتى أحب طلاقها واسترجاع الفدية منها، فيقول: إن ~~أبرأتيني من صداقك أو من نفقتك فأنت طالق، وهو يريد كلا منهما. # وأما الرابع: وهو أن يكون مقصوده عدم الشرط، لكنه إذا وجد لم يكره ~~الجزاء، بل يحبه، أو لا يحبه ولا يكرهه. فمثل أن يقول لامرأته: إن زنيت ~~فأنت طالق، أو إن ضربت أمي فأنت طالق، ونحو ذلك من التعليق الذي يقصد فيه ~~عدم الشرط، ويقصد وجود الجزاء عند وجوده، بحيث إذا زنت أو إذا ضربت أمه ~~[يحب] أن يفارقها؛ لأنها لا تصلح له. فهذا فيه معنى اليمين وفيه معنى ~~التوقيت، فإنه منعها من الفعل وقصد إيقاع الطلاق عنده، كما قصد إيقاعه عند ~~أخذ العوض منها، أو عند طهرها، أو عند طلوع الهلال. # وأما الخامس: وهو أن يكون مقصوده عدم الجزاء [وتعليقه] بالشرط لئلا يوجد، ~~وليس له غرض في عدم الشرط فهذا قليل كمن يقول: إن أصبت مائة رمية أعطيتك ~~كذا. # وأما السادس: وهو أن يكون مقصوده عدم الشرط والجزاء، وإنما تعلق الجزاء ~~بالشرط ليمتنع وجودهما فهو مثل نذر اللجاج والغضب، ومثل الحلف بالطلاق ~~والعتاق على حض أو منع أو تصديق أو تكذيب، مثل أن يقال له: تصدق على فلان، ~~أو أصلح بين فلان وفلان، أو حج في هذه السنة، فيقول: إن تصدقت عليه فعليه ~~صيام كذا، أو فامرأته طالق، أو فعبيده أحرار، أو يقول: إن لم # PageV01P310 # أفعل كذا وكذا فعلي نذر كذا، أو ms204 امرأتي طالق، أو عبدي حر، أو يحلف على ~~[فعل] غيره ممن يقصد منعه كعبده ونسيبه وصديقه ممن يحضه على طاعته، فيقول ~~له: إن فعلت، أو إن لم تفعل، فعلي كذا، أو فامرأتي طالق، أو فعبيدي أحرار ~~ونحو ذلك. # فهذا نذر اللجاج والغضب، وما أشبهه من الحلف بالطلاق والعتاق يخالف في ~~المعنى نذر التبرر والتقرب وما أشبهه من الخلع والكتابة، فإن الذي يقول: إن ~~سلمني الله أو سلم مالي من كذا، أو إن أعطاني الله كذا، فعلي أن أتصدق أو ~~أصوم أو أحج: قصده حصول الشرط الذي هو الغنيمة أو السلامة، وقصد أن يشكر ~~الله على ذلك بما نذره. وكذلك المخالع والمكاتب قصده حصول العوض وبذل ~~الطلاق والعتاق عوضا عن ذلك. # وأما النذر في اللجاج والغضب فكما إذا قيل له: افعل كذا، فامتنع من فعله، ~~ثم قال: إن فعلته فعلي الحج أو الصيام. فهنا مقصوده أن لا يكون الشرط، ثم ~~إنه لقوة امتناعه ألزم نفسه إن فعله بهذه الأمور الثقيلة عليه ليكون لزومها ~~له إذا فعل مانعا له من الفعل، وكذلك إذا قال: إن فعلته فامرأتي طالق، أو ~~فعبيدي أحرار، إنما مقصوده الامتناع، والتزم بتقدير الفعل ما هو شديد عليه ~~من فراق أهله وذهاب ماله، ليس غرض هذا أن يتقرب إلى الله بعتق أو صدقة ولا ~~أن يفارق امرأته. ولهذا سمى العلماء هذا نذر اللجاج والغضب، مأخوذا من قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ~~«والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن [يعطي] # PageV01P311 # الكفارة التي فرض الله عليه» . # فصورة هذا النذر صورة نذر التبرر في اللفظ، ومعناه شديد المباينة لمعناه. ~~ومن هذا نشأت الشبهة التي سنذكرها في هذا الباب إن شاء الله تعالى على ~~طائفة من العلماء. وبهذا يتبين فقه الصحابة الذين نظروا إلى معاني الألفاظ ~~لا إلى صورها. # إذا تبينت هذه الأنواع الداخلة في قسم التعليق، فقد علمت أن بعضها معناه ~~معنى اليمين بصيغة القسم، وبعضها ليس ms205 معناه معنى اليمين بصيغة القسم، فمتى ~~كان الشرط المقصود حضا على فعل أو منعا منه، أو تصديقا لخبر أو تكذيبا: كان ~~الشرط مقصود العدم هو وجزاؤه، كنذر اللجاج والغضب والحلف بالطلاق على وجه ~~اللجاج والغضب. # القاعدة الأولى: أن الحالف بالله سبحانه قد بين الله حكمه بالكتاب والسنة ~~والإجماع. # أما الكتاب فقال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم} [البقرة: 225] [البقرة] ، وقال: {قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] [التحريم: 2] ، وقال: {لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تشكرون} [المائدة: 89] [المائدة: 89] . # وأما السنة: ففي الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة أن # PageV01P312 # النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل ~~الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة ~~أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير، ~~وكفر عن يمينك» . # فبين له النبي صلى الله عليه وسلم حكم الأمانة الذي هو الإمارة، وحكم ~~العهد الذي هو اليمين، وكانوا في أول الإسلام لا مخرج لهم من اليمين قبل أن ~~تشرع الكفارة، ولهذا قالت عائشة: " كان أبو بكر لا يحنث في يمين حتى أنزل ~~الله كفارة اليمين "، وذلك لأن اليمين بالله عقد بالله فيجب الوفاء به، كما ~~يجب في سائر العقود وأشد؛ لأن قوله: أحلف بالله، وأقسم بالله، وأولي بالله ~~ونحو ذلك، في معنى قوله: أعقد بالله. لهذا عدي بحرف الإلصاق الذي يستعمل في ~~الربط والعقد، فينعقد المحلوف عليه بالله، كما تنعقد إحدى اليدين بالأخرى ~~في المعاقدة، ولهذا سماه الله سبحانه " عقدا " في قوله: {ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] ، فإذا كان قد عقدها بالله فإن الحنث فيها ~~نقض لعهد الله وميثاقه، لولا ms206 ما فرضه الله من التحلة. ولهذا سمي حلها حنثا، ~~والحنث: هو الإثم في الأصل. فالحنث فيها سبب للإثم لولا الكفارة الماحية، ~~وإنما الكفارة منعته أن يوجب إثما. # ونظير الرخصة في كفارة اليمين بعد عقدها: الرخصة أيضا في كفارة الظهار ، ~~بعد أن كان الظهار في الجاهلية وأول الإسلام طلاقا، وكذلك الإيلاء كان ~~عندهم طلاقا، فإن هذا جار على قاعدة وجوب # PageV01P313 # الوفاء بمقتضى اليمين، فإن الإيلاء إذا أوجب الوفاء بمقتضاه من ترك الوطء ~~صار الوطء محرما، وتحريم الوطء تحريما مطلقا مستلزم لزوال الملك الذي هو ~~الطلاق، وكذلك الظهار إذا أوجب التحريم، فالتحريم مستلزم لزوال الملك، فإن ~~الزوجة لا تكون محرمة على الإطلاق، ولهذا قال سبحانه وتعالى: {ياأيها النبي ~~لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم - قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 1 - 2] [التحريم: 1، 2] ، والتحلة مصدر حللت ~~الشيء تحليلا وتحلة، كما يقال: كرمته تكريما وتكرمة. وهذا المصدر يسمى به ~~المحلل نفسه الذي هو الكفارة. فإن أريد المصدر، فالمعنى: فرض الله لكم ~~تحليل اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد، أو الحل، ولهذا استدل من استدل ~~من أصحابنا وغيرهم - كأبي بكر عبد العزيز - بهذه الآية على التكفير قبل ~~الحنث؛ لأن التحلة لا تكون بعد الحنث فإنه بالحنث تنحل اليمين، وإنما تكون ~~التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لتنحل اليمين. وإنما هي بعد الحنث كفارة لأنها ~~كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله. # فإذا تبين أن ما اقتضته اليمين من وجوب الوفاء بها رفعه الله عن هذه ~~الأمة بالكفارة التي جعلها بدلا من الوفاء في جملة ما رفعه عنها من ~~[الآصار] التي نبه عليها بقوله تعالى: {ويضع عنهم إصرهم} [الأعراف: 157] ، ~~فالأفعال ثلاثة: إما طاعة، وإما معصية، وإما مباح، فإذا حلف [ليفعلن] مباحا ~~أو ليتركنه، فهنا الكفارة مشروعة بالإجماع. # PageV01P314 # وكذلك إذا كان المحلوف عليه فعل مكروه أو ترك مستحب، وهو المذكور في قوله ~~تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ~~والله سميع عليم} ms207 [البقرة: 224] [البقرة] . # وأما إن كان المحلوف عليه ترك واجب أو فعل محرم، فهنا لا يجوز الوفاء به ~~بالاتفاق، بل يجب التكفير عند عامة العلماء. # وأما قبل أن تشرع الكفارة: فكان الحالف على مثل هذا لا يحل له الوفاء ~~بيمينه، ولا كفارة له ترفع عنه مقتضى الحنث، بل يكون عاصيا معصية لا كفارة ~~فيها، سواء وفى أم لم يف، كما لو نذر معصية عند من لم يجعل في نذره كفارة، ~~[وكما لو كان] المحلوف عليه فعل طاعة غير واجبة. ### | [فصل الحالف بالنذر الذي هو نذر اللجاج والغضب] # فصل # فأما الحالف بالنذر الذي هو نذر اللجاج والغضب مثل أن يقول: إذا فعلت كذا ~~فعلي الحج، أو فمالي صدقة، أو فعلي صيام، يريد بذلك أن يمنع نفسه عن الفعل، ~~أو أن يقول: إن لم أفعل كذا فعلي الحج، ونحوه. فمذهب أهل العلم من أهل مكة ~~والمدينة والبصرة والكوفة أنه يجزيه كفارة يمين، وهو قول فقهاء الحديث ~~كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، وهذا هو إحدى الروايتين عن أبي ~~حنيفة، وهو الرواية المتأخرة عنه. # ثم اختلف هؤلاء، فأكثرهم قالوا: هو مخير بين الوفاء بما نذره وبين كفارة ~~يمين، وهذا قول الشافعي والمشهور عن أحمد، ومنهم من # PageV01P315 # قال: بل عليه الكفارة عينا، كما يلزمه ذلك في اليمين بالله. وهو الرواية ~~الأخرى عن أحمد وقول بعض أصحاب الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة في الرواية ~~الأخرى وطائفة: بل يجب الوفاء بهذا النذر. # وقد ذكروا أن الشافعي سئل عن هذه المسألة بمصر فأفتى فيها بالكفارة، فقال ~~له السائل: يا أبا عبد الله هذا قولك؟ فقال: قول من هو خير مني: عطاء بن ~~أبي رباح. وذكروا أن عبد الرحمن بن القاسم حنث ابنه في هذه اليمين فأفتاه ~~بكفارة يمين بقول الليث بن سعد. وقال: إن عدت أفتيك بقول مالك وهو الوفاء ~~به، ولهذا يفرع أصحاب مالك مسائل هذه اليمين على [النذر؛ لعمومات] الوفاء ~~بالنذر، كقوله صلى الله عليه وسلم: " «من نذر أن يطيع الله فليطعه» "، ~~ولأنه حكم جائز معلق ms208 بشرط، فوجب عند ثبوت شرطه كسائر الأحكام، والأول هو ~~الصحيح. والدليل عليه مع ما سنذكره إن شاء الله من دلالة الكتاب والسنة ما ~~اعتمده الإمام أحمد وغيره. # قال أبو بكر الأثرم في مسائله: سألت أبا عبد الله عن رجل قال : ماله في ~~رتاج الكعبة؟ قال: كفارة يمين، واحتج بحديث عائشة، قال: وسمعت أبا عبد الله ~~يسأل عن الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله، أو الصدقة بالملك، أو نحو هذه ~~اليمين، فقال: إذا حنث فكفارة يمين إلا أني لا أحمله على الحنث ما لم يحنث، ~~قل له لا يفعل، قيل لأبي عبد الله: فإذا حنث كفر؟ قال: نعم، قيل له: أليس ~~كفارة يمين؟ قال: نعم، قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: في حديث ليلى بنت ~~العجماء حين حلفت بكذا وكذا وكل مملوك لها حر، # PageV01P316 # فأفتيت بكفارة يمين. فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف ~~بعتق جاريته وأيمان، فقال: أما الجارية: فتعتق، قال الأثرم: حدثنا الفضل بن ~~دكين، حدثنا حسن [عبد الله] بن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة قالت: " من قال: ~~مالي في [رتاج] الكعبة وكل مالي فهو هدي، وكل مالي في المساكين، فليكفر عن ~~يمينه ". # وقال: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال أبي: حدثنا ~~بكر بن عبد الله، أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: " كل ~~مملوك لها محرر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية، وهي نصرانية، إن لم تطلق ~~امرأتك، أو تفرق بينك وبين امرأتك، قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة وكانت إذا ~~ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب، قال: فأتيتها فجاءت معي إليها، ~~فقالت: في البيت هاروت وماروت؟ قالت: يا زينب جعلني الله فداك؛ إنها قالت: ~~كل مملوك لها محرر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية، وهي نصرانية، فقالت: ~~يهودية ونصرانية؟ خلي بين الرجل وامرأته، فأتيت حفصة أم المؤمنين، فأرسلت ~~إليها فأتتها فقالت: يا أم المؤمنين جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك ~~محرر وكل مال لها هدي، وهي ms209 يهودية، وهي نصرانية، فقالت: يهودية ونصرانية، ~~خلي بين الرجل وبين امرأته. قال: فأتيت عبد الله بن عمر فجاء معي إليها ~~فقام على الباب فسلم، فقالت: بأبي أنت وبأبي أبوك، فقال: أمن حجارة أنت، أم ~~من حديد أنت؟ أم من أي شيء أنت؟ أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي ~~فتياهما. قالت: يا أبا عبد الرحمن، # PageV01P317 # جعلني الله فداءك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي وهي ~~يهودية وهي نصرانية، فقال: يهودية ونصرانية؟ كفري عن يمينك وخلي بين الرجل ~~وبين امرأته ". قال الأثرم: حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا عمران عن قتادة ~~عن زرارة بن أبي أوفى أن امرأة سألت ابن عباس: " أن امرأة جعلت بردها عليها ~~هديا إن لبسته. فقال ابن عباس: أفي غضب أم في رضا؟ قالت: في غضب، قال: إن ~~الله تعالى لا يتقرب إليه بالغضب، لتكفر عن يمينها ". وقال: حدثني ابن ~~الطباع، حدثنا أبو بكر بن عياش عن العلاء بن المسيب عن يعلى بن نعمان عن ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: " سئل عن الرجل جعل ماله في المساكين؟ ~~فقال: أمسك عليك مالك، وأنفقه على عيالك، واقض به دينك، وكفر عن يمينك ". ~~وروى الأثرم عن أحمد قال: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج قال: سئل عطاء ~~عن رجل قال: علي ألف بدنة؟ قال: يمين، وعن رجل قال: علي ألف حجة؟ قال: ~~يمين، وعن رجل قال: مالي هدي؟ قال: يمين، وعن رجل قال: مالي في المساكين ~~قال: يمين، وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن الحسن ~~وجابر بن زيد في الرجل يقول: إن لم أفعل كذا وكذا فأنا محرم بحجة؟ قالا: " ~~ليس الإحرام إلا على من نوى الحج، يمين يكفرها ". وقال أحمد: حدثنا عبد ~~الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: يمين يكفرها. وقال حرب ~~الكرماني: حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا يوسف [بن السفر] عن الأوزاعي عن ~~عطاء بن أبي رباح قال: سألت ابن عباس عن الرجل يحلف بالمشي ms210 إلى بيت الله ~~الحرام، قال: إنما المشي على من نواه، # PageV01P318 # فأما من حلف في الغضب فعليه كفارة يمين. # وأيضا فإن الاعتبار في الكلام بمعنى الكلام لا بلفظه. وهذا الحالف ليس ~~مقصوده قربة لله. وإنما مقصوده: الحض على فعل أو المنع منه. وهذا معنى ~~اليمين، فإن الحالف يقصد الحض على فعل شيء أو المنع منه، ثم إذا علق ذلك ~~الفعل بالله تعالى: أجزأته الكفارة، فلأن تجزيه إذا علق به وجوب عبادة أو ~~تحريم مباح بطريق الأولى؛ لأنه إذا علقه بالله ثم حنث كان موجب حنثه أنه قد ~~هتك أيمانه بالله، حيث لم يف بعهده. وإذا علق به وجوب فعل أو تحريمه فإنما ~~يكون موجب حنثه: ترك واجب أو فعل محرم. ومعلوم أن الحنث الذي موجبه خلل في ~~التوحيد أعظم مما موجبه معصية من المعاصي. فإذا كان الله قد شرع الكفارة ~~لإصلاح ما اقتضى الحنث فساده في التوحيد ونحو ذلك وجبره فلأن يشرع لإصلاح ~~ما اقتضى الحنث فساده في الطاعة أولى وأحرى. # وأيضا فإنا نقول: إن موجب صيغة القسم مثل موجب صيغة التعليق، والنذر نوع ~~من اليمين، وكل نذر فهو يمين. فقول الناذر: " لله علي أن أفعل " بمنزلة ~~قوله: أحلف بالله لأفعلن، موجب هذين القولين: التزام الفعل معلقا بالله. # والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: " «النذر حلفة» "، فقوله: ~~إن فعلت كذا فعلي الحج لله، بمنزلة قوله: إن فعلت كذا فوالله لأحجن. # وطرد هذا: أنه إذا حلف ليفعلن برا لزمه فعله، ولم يكن له أن يكفر، فإن ~~[حلفه] ليفعلنه نذر لفعله. # PageV01P319 # وكذلك طرد هذا: أنه إذا نذر ليفعلن معصية أو مباحا فقد حلف على فعلها، ~~بمنزلة ما لو قال: والله لأفعلن كذا، ولو حلف بالله ليفعلن معصية أو مباحا ~~لزمته كفارة يمين، وكذلك لو قال: علي لله أن أفعل كذا. # ومن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يفرق بين البابين. ### | [فصل اليمين بالطلاق أو العتاق في اللجاج والغضب] # فصل # فأما اليمين بالطلاق أو العتاق في اللجاج والغضب: فمثل أن يقصد بها ms211 حضا ~~أو منعا، أو تصديقا أو تكذيبا مثل قوله: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، أو لا ~~فعلت كذا، أو إن فعلت كذا فعبيدي أحرار، أو إن لم أفعله فعبيدي أحرار. فمن ~~قال من الفقهاء # PageV01P320 # المتقدمين: إن نذر اللجاج والغضب يجب فيه الوفاء، فإنه يقول هنا: يقع ~~الطلاق والعتاق أيضا. وأما الجمهور الذين قالوا في نذر اللجاج والغضب: ~~تجزيه الكفارة، فاختلفوا هنا، مع أنه لم يبلغني عن الصحابة في الحلف ~~بالطلاق كلام، وإنما بلغنا الكلام فيها عن التابعين ومن بعدهم؛ لأن اليمين ~~به محدثة لم تكن تعرف في عصرهم. ولكن بلغنا عن الصحابة الكلام في الحلف ~~بالعتق، كما سنذكره إن شاء الله. # فاختلف التابعون ومن بعدهم في اليمين بالطلاق والعتاق، فمنهم من فرق بينه ~~وبين اليمين بالنذر وقالوا: إنه يقع الطلاق والعتاق بالحنث، ولا تجزيه ~~الكفارة، بخلاف اليمين بالنذر. هذا رواية عوف عن الحسن، وهو قول الشافعي ~~وأحمد في الصريح المنصوص عنه، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد وغيرهم. # فروى حرب الكرماني عن معتمر بن سليمان عن عوف عن الحسن قال: " كل يمين - ~~وإن عظمت، ولو حلف بالحج والعمرة، وإن جعل ماله في المساكين، ما لم يكن ~~طلاق امرأة في ملكه يوم حلف، أو عتق غلام في ملكه يوم حلف - فإنما هي يمين ~~". وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يقول لابنه: ~~إن كلمتك فامرأتي طالق وعبدي حر؟ فقال: لا يقوم هذا مقام اليمين، ويلزمه ~~ذلك في الغضب والرضا. وقال سليمان بن داود: يلزمه الحنث في الطلاق والعتاق. ~~وبه قال أبو خيثمة، قال إسماعيل: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق عن ~~معمر عن إسماعيل بن # PageV01P321 # أمية عن عثمان [بن حاضر] الحميري: " أن امرأة حلفت بمالها في سبيل الله ~~أو في المساكين، وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا، فسألت ابن عمر وابن ~~عباس، فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما قولها في المال، فإنها تزكي المال ". ~~قال أبو إسحاق إبراهيم الجوزجاني: الطلاق والعتق لا يحلان في هذا محل ~~الأيمان، ولو ms212 كان [المجزئ فيها مجزئا] في الأيمان لوجب على الحالف بها إذا ~~حنث كفارة، وهذا مما لا يختلف الناس فيه أن لا كفارة فيها. # قلت: أخبر أبو إسحاق بما بلغه من العلم في ذلك، فإن أكثر مفتي الناس في ~~ذلك الزمان - من أهل المدينة وأهل العراق أصحاب أبي حنيفة ومالك - كانوا لا ~~يفتون في نذر اللجاج والغضب إلا بوجوب الوفاء، لا بالكفارة. وإن كان أكثر ~~التابعين مذهبهم فيها الكفارة، حتى إن الشافعي لما أفتى بمصر بجواز ~~الكفارة، كان غريبا بين أصحابه المالكية. وقال له السائل: يا أبا عبد الله ~~هذا قولك؟ فقال: قول من هو خير مني، قول عطاء بن أبي رباح. # فلما أفتى فقهاء الحديث - كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وسليمان بن ~~داود وابن أبي شيبة وعلي المديني ونحوهم، في الحلف بالنذر بالكفارة، وفرق ~~من فرق بين ذلك وبين الطلاق والعتاق لما سنذكره، صار الذي يعرف قول هؤلاء ~~وقول أولئك لا يعلم خلافا في الطلاق والعتاق، وإلا فسنذكر الخلاف في ذلك إن ~~شاء الله تعالى عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقد اعتذر أحمد عما ذكرناه ~~عن الصحابة في كفارة العتق بعذرين: # أحدهما: انفراد سليمان التيمي بذلك. # PageV01P322 # والثاني: معارضته بما رواه عن ابن عمر وابن عباس: أن العتق يقع من غير ~~تكفير. وما وجدت أحدا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم ~~المأثور عن الصحابة ما بلغ أحمد، فقال المروزي: قال أبو عبد الله: إذا قال: ~~كل مملوك له حر، فيعتق عليه إذا حنث؛ لأن الطلاق والعتق ليس فيهما كفارة، ~~وقال: ليس يقول: كل مملوك لها حر، في حديث ليلى بنت العجماء حديث أبي رافع: ~~" أنها سألت ابن عمر وحفصة وزينب، وذكرت العتق، فأمروها بالكفارة " إلا ~~التيمي. وأما حميد وغيره فلم يذكروا العتق. قال: سألت أبا عبد الله عن حديث ~~أبي رافع، قصة حلف مولاته ليفارقن امرأته، وأنها سألت ابن عمر وحفصة، ~~فأمروها بكفارة يمين. قلت: فيها شيء؟ قال: نعم، أذهب إلى أن فيه كفارة ~~يمين، قال أبو عبد ms213 الله: ليس يقول فيه: " كل مملوك " إلا التيمي. قلت: فإذا ~~حلف بعتق مملوكه فحنث؟ قال: يعتق. # كذا يروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: " الجارية تعتق "، ثم قال: ما ~~سمعناه إلا من عبد الرزاق عن معمر. قلت: فأيش إسناده ؟ قال: معمر عن ~~إسماعيل، عن عثمان [بن حاضر] ، عن ابن عمر وابن عباس. # وقال إسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى، وهما مكيان: [وقد فرقا] بين الحلف ~~بالطلاق والعتق والحلف بالنذر؛ [لأنهما] لا يكفران، واتبع ما بلغه في ذلك ~~[عن ابن عمر وابن عباس وبه عارض ما رواه من الكفارة] عن ابن عمر وحفصة ~~وزينب، مع انفراد التيمي بهذه الزيادة. وقال صالح بن # PageV01P323 # أحمد: قال أبي: وإذا قال: جاريتي حرة إن لم أصنع كذا وكذا، قال: قال ابن ~~عمر وابن عباس: تعتق. وإذا قال: كل مالي في المساكين، لم يدخل فيه جاريته ~~[فيه كفارة] ، فإن هذا لا يشبه هذا - ألا ترى أن ابن عمر فرق بينهما - ~~العتق والطلاق لا يكفران - وأصحاب أبي حنيفة يقولون: إذا قال الرجل: مالي ~~في المساكين: إنه يتصدق به على المساكين، وإذا قال: مالي على فلان صدقة، ~~كذلك، وفرقوا بين قوله: إن فعلت كذا فمالي صدقة، أو فعلي الحج، وبين قوله: ~~فامرأته طالق، أو فعبدي حر: بأنه هناك [موجب] القول وجوب الصدقة والحج، لا ~~وجود الصدقة والحج. # فإذا اقتضى الشرط وجوب ذلك كانت الكفارة بدلا عن هذا الواجب، كما تكون ~~بدلا عن غيره من الواجبات. كما كانت في أول الإسلام بدلا عن الصوم الواجب، ~~وبقي الإطعام بدلا عن الصوم عن العاجز عنه. وكما تكون بدلا عن الصوم الواجب ~~في ذمة الميت، فإن الواجب إذا كان في الذمة أمكن أن يخير بين أدائه وبين ~~أداء غيره. # وأما العتق والطلاق: فإن موجب الكلام وجودهما، فإذا وجد الشرط وجد العتق ~~والطلاق. وإذا وقعا لم يرتفعا بعد وقوعهما؛ لأنهما لا يقبلان الفسخ، بخلاف ~~ما لو قال: إن فعلت كذا فلله علي أن أعتق. فإنه هنا لم يعلق العتق، وإنما ~~علق وجوبه ms214 بالشرط، فيخير بين فعل هذا الإعتاق الذي أوجبه على نفسه وبين ~~الكفارة التي هي بدل عنه، ولهذا لو قال: إذا مت فعبدي حر، عتق بموته من غير ~~حاجة # PageV01P324 # إلى الإعتاق، ولم يكن له فسخ هذا التدبير عند الجمهور إلا قولا للشافعي، ~~ورواية عن أحمد، وفي بيعه الخلاف المشهور. ولو وصى بعتقه فقال: إذا مت ~~فأعتقوه، كان له الرجوع في ذلك كسائر الوصايا، [وكان له بيعه هنا، وإن لم ~~يجز بيع المدبر] . # ذكر أبو عبد الله إبراهيم بن محمد [بن محمد] بن عرفة في تاريخه: أن ~~المهدي لما رأى ما أجمع عليه رأي أهل بيته من العهد [إلى ابنه] عزم على خلع ~~عيسى ودعاهم إلى البيعة لموسى، فامتنع عيسى من الخلع، وزعم أن عليه أيمانا ~~تخرجه من أملاكه وتطلق نساءه، فأحضر له المهدي ابن علاثة ومسلم بن خالد ~~الزنجي وجماعة من الفقهاء، فأفتوه بما يخرجه عن يمينه، واعتاض عما يلزمه في ~~يمينه [بمال كثير ذكره] ولم يزل به إلى أن خلع نفسه وبويع للمهدي ولموسى ~~الهادي بعده. # وأما أبو ثور فقال في العتق المعلق على وجه اليمين: يجزئه كفارة يمين، ~~كنذر اللجاج والغضب؛ لأجل ما تقدم من حديث ليلى بنت العجماء التي أفتاها ~~عبد الله بن عمر وحفصة أم المؤمنين، وزينب ربيبة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بكفارة يمين في قولها: " إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لي ~~محرر ". وهذه القصة هي مما اعتمده الفقهاء المستدلون في مسألة نذر اللجاج ~~والغضب، لكن توقف أحمد وأبو عبيد عن العتق فيها لما ذكرته من الفرق، وعارض ~~أحمد ذلك. # وأما الطلاق فلم يبلغ أبا ثور فيه أثر فتوقف عنه، مع أن # PageV01P325 # القياس عنده مساواته للعتق، لكن خاف أن يكون مخالفا للإجماع. # والصواب: أن الخلاف في الجميع - في الطلاق وغيره - كما سنذكره، ولو لم ~~ينقل في الطلاق نفسه خلاف معين لكان فتيا من أفتى من الصحابة في الحلف ~~بالعتاق بكفارة يمين من باب التنبيه على الحلف بالطلاق. فإنه إذا كان نذر ~~العتق ms215 الذي هو قربة لما خرج مخرج اليمين أجزأت فيه الكفارة، فالحلف بالطلاق ~~الذي ليس بقربة: إما أن تجزئ فيه الكفارة، [أو لا] يجب فيه شيء على قول من ~~يقول: نذر غير الطاعة لا شيء فيه. ويكون قوله: " إن فعلت كذا فأنت طالق " ~~بمنزلة قوله: " فعلي أن أطلقك "، كما كان عند أولئك الصحابة ومن وافقهم ~~قوله: " فعبيدي أحرار " بمنزلة قوله: " فعلي أن أعتقهم ". # على أني إلى الساعة لم يبلغني عن أحد من الصحابة كلام في الحلف بالطلاق، ~~وذاك - والله أعلم - لأن الحلف بالطلاق لم يكن قد حدث في زمانهم، وإنما ~~ابتدعه الناس في زمن التابعين ومن بعدهم، فاختلف فيه التابعون ومن بعدهم، ~~فأحد القولين: أنه يقع به كما تقدم، والقول الثاني: أنه لا يلزمه الوقوع. ~~ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: الحلف ~~بالطلاق ليس شيئا، قلت: أكان يراه يمينا؟ قال: لا أدري. # فقد أخبر ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يراه موقعا للطلاق، وتوقف في كونه ~~يمينا يوجب الكفارة؛ لأنه من باب نذر ما لا قربة فيه. وفي كون مثل هذا ~~يمينا خلاف مشهور. وهذا قول أهل الظاهر، كداود وأبي محمد بن حزم، لكن بناء ~~على أنه لا يقع طلاق معلق ولا عتق معلق. # PageV01P326 # واختلفوا في المؤجل، وهو بناء على ما تقدم من أن العقود لا يصح منها إلا ~~ما دل نص أو إجماع على وجوبه أو جوازه، وهو مبني على ثلاث مقدمات يخالفون ~~فيها: # إحداها: كون الأصل تحريم العقود. # الثانية: أنه لا يباح إلا ما كان في معنى المنصوص. # الثالثة: أن الطلاق المؤجل والمعلق لم يندرج في عموم النصوص. # وأما المأخذ المتقدم من كون هذا كنذر اللجاج والغضب [فهذا قياس قول الذين ~~جوزوا التكفير في نذر اللجاج والغضب] وفرقوا بين نذر التبرر ونذر الغضب، ~~فإن هذا الفرق يوجب الفرق بين المعلق الذي يقصد وقوعه عند الشرط، وبين ~~المعلق المحلوف به الذي يقصد عدم وقوعه، إلا أن يصح الفرق المذكور بين كون ms216 ~~المعلق هو الوجود أو الوجوب. وسنتكلم عليه. # وقد ذكرنا أن هذا القول يخرج على أصول أحمد من مواضع ذكرناها. وكذلك هو ~~أيضا لازم لمن قال في نذر اللجاج والغضب بكفارة، كما هو ظاهر مذهب الشافعي ~~وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ، التي اختارها أكثر متأخري أصحابه، وإحدى ~~الروايتين عن ابن القاسم، التي اختارها كثير من متأخري المالكية. فإن ~~التسوية بين الحلف بالنذر والحلف بالعتق هو المتوجه. ولهذا كان هذا من أقوى ~~حجج القائلين بوجوب الوفاء في الحلف بالنذر، فإنهم قاسوه على الحلف بالطلاق ~~والعتاق، واعتقده بعض المالكية مجمعا عليه. # PageV01P327 # وأيضا فإذا حلف بصيغة القسم، كقوله: عبيدي أحرار لأفعلن، أو نسائي طوالق ~~لأفعلن، فهو بمنزلة قوله: مالي صدقة لأفعلن، وعلي الحج لأفعلن. # والذي يوضح التسوية: أن الشافعي إنما اعتمد في الطلاق المعلق على فدية ~~الخلع، فقال في البويطي - وهو كتاب مصري من أجود كتبه -: وذلك أن الفقهاء ~~يسمون الطلاق المعلق بسبب: طلاقا بصفة، ويسمون ذلك الشرط صفة. ويقولون: " ~~إذا وجدت الصفة في زمان البينونة، وإذا لم توجد الصفة "، ونحو ذلك. # وهذه التسمية لها وجهان: # أحدهما: أن هذا الطلاق موصوف بصفة، ليس طلاقا مجردا عن صفة. فإنه إذا ~~قال: أنت طالق في أول السنة، أو إذا طهرت، فقد وصف الطلاق بالزمان الخاص. ~~فإن الظرف صفة للمظروف. وكذلك إذا قال: إن أعطيتني ألفا فأنت طالق، فقد ~~وصفه بعوضه. # والثاني: أن نحاة الكوفة يسمون حروف الجر ونحوها حروف الصفات. فلما كان ~~هذا معلقا بالحروف التي قد تسمى حروف الصفات، سمي طلاقا بصفة، كما لو قال: ~~أنت طالق بألف. # والوجه الأول هو الأصل، فإن هذا يعود إليه، إذ النحاة إنما سموا حروف ~~الجر حروف الصفات؛ لأن الجار والمجرور يصير في المعنى صفة لما تعلق به. # فإذا كان الشافعي وغيره إنما اعتمدوا في الطلاق الموصوف على طلاق الفدية ~~المذكور في القرآن، وقاسوا كل طلاق بصفة عليه، صار هذا كما أن النذر المعلق ~~بشرط مذكور في قوله: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن ~~من ms217 الصالحين} [التوبة: 75] # PageV01P328 # [التوبة] . ومعلوم أن النذر المعلق بشرط هو نذر بصفة، وقد فرقوا بين ~~النذر المقصود شرطه، وبين النذر المقصود عدم شرطه الذي خرج مخرج اليمين. ~~[فكذلك] يفرق بين الطلاق المقصود وصفه كالخلع؛ حيث المقصود فيه العوض، ~~والطلاق المحلوف به ، الذي يقصد عدمه وعدم شرطه، فإنه إنما يقاس بما في ~~الكتاب والسنة ما أشبهه. ومعلوم ثبوت الفرق بين الصفة المقصودة وبين الصفة ~~المحلوف عليها التي يقصد عدمها، كما فرق بينهما في النذر سواء. والدليل على ~~هذا القول: الكتاب والسنة والأثر والاعتبار. # أما الكتاب، فقوله سبحانه: {ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ~~مرضاة أزواجك والله غفور رحيم - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم ~~وهو العليم الحكيم} [التحريم: 1 - 2] [التحريم] . # فوجه الدلالة: أن الله قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] ~~، وهذا نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أن الله قد فرض لهم تحلتها. ~~وقد ذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مع علمه سبحانه بأن الأمة يحلفون بأيمان شتى. فلو فرض ~~يمين واحدة ليس لها تحلة، لكان مخالفا للآية، كيف وهذا عام، لا يخص منه ~~صورة واحدة، لا بنص ولا بإجماع، بل هو عام عموما معنويا مع عمومه اللفظي، ~~فإن اليمين معقودة [توجب] منع المكلف من الفعل. فشرع التحلة لهذا العقد ~~مناسب لما فيه من التخفيف والتوسعة، وهذا موجود في اليمين بالعتق # PageV01P329 # والطلاق أكثر منه في غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب. فإن الرجل إذا ~~حلف بالطلاق ليقتلن النفس أو ليقطعن رحمه أو ليمنعن الواجب عليه - من أداء ~~أمانة ونحوها - فإنه يجعل الطلاق عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين ~~الناس، أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه، ثم إن وفى بيمينه كان عليه من ضرر ~~الدنيا والآخرة ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه، وإن طلق امرأته ~~ففي الطلاق أيضا من ضرر الدنيا والدين ما لا خفاء به. # أما الدين: فإنه مكروه باتفاق الأمة ms218 مع استقامة حال الزوجين: إما كراهة ~~تنزيه أو كراهة تحريم، فكيف إذا كانا في غاية الاتصال وبينهما من الأولاد ~~والعشرة ما يجعل في طلاقهما في أمر الدين ضررا عظيما، وكذلك ضرر الدنيا، ~~كما يشهد به الواقع، بحيث لو خير أحدهما بين أن يخرج من ماله ووطنه وبين ~~الطلاق، لاختار فراق ماله ووطنه على الطلاق، وقد قرن الله فراق [الوطن] ~~بقتل النفس. ولهذا قال أحمد في إحدى الروايتين متابعة لعطاء: إنها إذا ~~أحرمت بالحج فحلف عليها زوجها بالطلاق أنها لا تحج، صارت محصرة وجاز لها ~~التحلل، لما عليها في ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو أو ~~القريب منه. # وهذا ظاهر فيما إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلقك أو أعتق عبيدي، فإن ~~هذا من نذر اللجاج والغضب بالاتفاق، كما لو قال: والله لأطلقنك، أو لأعتقن ~~عبيدي، وإنما الفرق بين وجود العتق ووجوبه: هو الذي اعتمده المفرقون، ~~وسنتكلم عليه إن شاء الله. # وأيضا فإن الله تعالى قال: {ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ~~[التحريم: 1] # PageV01P330 # {تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} [التحريم: 1] [التحريم] ، وهي ~~تقتضي أنه ما من تحريم لما أحل الله إلا والله غفور لفاعله رحيم به، وأنه ~~لا علة تقتضي ثبوت ذلك التحريم؛ لأن [قول " لم "] استفهام في معنى النفي ~~والإنكار. والتقدير: لا سبب لتحريمك ما أحل الله لك والله غفور رحيم، فلو ~~كان الحالف بالنذر والعتاق والطلاق على أنه لا يفعل شيئا لا رخصة له، لكان ~~هنا سبب يقتضي تحريم الحلال وانتفاء موجب المغفرة والرحمة عن هذا الفاعل. # وأيضا فقوله سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين - وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون - لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا ms219 حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} ~~[المائدة: 87 - 89] [المائدة] ، والحجة فيها كالحجة في الأولى وأقوى، فإنه ~~قال: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] ~~، وهذا عام يشمل تحريمها بالأيمان من الطلاق وغيرها، ثم بين وجه المخرج من ~~ذلك بقوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته} [المائدة: 89] ، أي: فكفارة تعقيدكم أو عقدكم الأيمان، ~~وهذا عام، ثم قال: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] ، وهذا عام ~~كعموم قوله: {واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89] . # ومما يوضح عمومه: أنهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم قوله - صلى الله ~~عليه وسلم: «من حلف فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل وإن شاء # PageV01P331 # ترك» ، فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله. وإنما لم ~~يدخل مالك وأحمد وغيرهما [الحلف] بالطلاق موافقة لابن عباس؛ لأن إيقاع ~~الطلاق ليس بحلف، وأما الحلف المنعقد: ما تضمن محلوفا به ومحلوفا عليه: إما ~~بصيغة القسم، وإما بصيغة الجزاء، أو ما كان في معنى ذلك مما سنذكره إن شاء ~~الله. # وهذه الدلالة بينة على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم في مسألة نذر ~~اللجاج والغضب، فإنهم احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية، وجعلوا قوله ~~تعالى: تحلة أيمانكم، وكفارة أيمانكم عاما في اليمين بالله واليمين بالنذر. ~~ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما سواء. # فإن قيل: المراد بالآية اليمين بالله فقط، فإن هذا هو المفهوم من مطلق ~~اليمين، ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام أو الإضافة - في قوله: عقدتم ~~الأيمان، وتحلة أيمانكم - منصرفا إلى اليمين المعهود عندهم، وهي اليمين ~~بالله. وحينئذ فلا يعم اللفظ إلا المعروف عندهم، والحلف بالطلاق ونحوه لم ~~يكن معروفا عندهم. ولو كان اللفظ عاما، فقد علمنا أنه لم يدخل فيه اليمين ~~التي ليست مشروعة، كاليمين بالمخلوقات، فلا يدخل فيه الحلف بالطلاق ونحوه؛ ~~لأنه ليس من اليمين المشروعة، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفا ~~فليحلف بالله أو فليصمت» . # PageV01P332 # وهنا سؤال ممن يقول: كل ms220 يمين غير مشروعة فلا كفارة لها ولا حنث. # فيقال: لفظ اليمين يشمل هذا كله، بدليل استعمال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والصحابة والعلماء اسم اليمين في هذا كله، كقوله - صلى الله عليه ~~وسلم: «النذر حلفة» ، وقول الصحابة لمن حلف بالهدي والعتق: " كفر يمينك "، ~~وكذلك فهمته الصحابة من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سنذكره، ~~ولإدخال العلماء لذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال: إن شاء ~~الله، فإن شاء فعل وإن شاء ترك» . # ويدل على عمومه في الآية أنه سبحانه قال: {لم تحرم ما أحل الله لك} ~~[التحريم: 1] ، ثم قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] ، ~~فاقتضى هذا: أن نفس تحريم الحلال يمين، كما استدل به ابن عباس وغيره. وسبب ~~نزول الآية: إما تحريمه العسل، وإما تحريمه مارية القبطية، وعلى كل تقدير: ~~فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية، وليس يمينا بالله؛ ولهذا أفتى جمهور ~~الصحابة - كعمر وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهم - وغيرهم -: أن تحريم الحلال يمين مكفرة: إما كفارة كبرى كالظهار، ~~وإما كفارة صغرى كاليمين بالله. وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يمينا. # وأيضا فإن قوله تعالى: {لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إما أن ~~يراد به: لم تحرمه بلفظ الحرام، وإما لم تحرمه باليمين بالله ونحوها، وإما ~~لم تحرمه مطلقا؟ فإن أريد الأول أو الثالث: فقد ثبت [أن] تحريمه بغير الحلف ~~بالله يمين [فيعم] . وإن أريد به تحريمه بالحلف بالله، # PageV01P333 # فقد سمى الله الحلف بالله تحريما للحلال. ومعلوم أن اليمين بالله لم توجب ~~الحرمة الشرعية، لكن لما أوجبت امتناع الحالف من الفعل، فقد حرمت عليه ~~الفعل تحريما شرطيا لا شرعيا. فكل يمين توجب امتناعه من الفعل، فقد حرمت ~~عليه الفعل، فيدخل في عموم قوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] . # وحينئذ فقوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] ، لا بد أن ~~يعم كل يمين حرمت الحلال؛ لأن هذا حكم ذلك الفعل. فلا بد أن يطابق ms221 جميع ~~صوره، لأن تحريم الحلال هو سبب قوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ~~[التحريم: 2] ، وسبب الجواب إذا كان عاما كان الجواب عاما، لئلا يكون جوابا ~~عن البعض دون البعض، مع قيام السبب المقتضي للتعميم. وهكذا التقرير في ~~قوله: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] ~~إلى قوله: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] . # وأيضا: فإن الصحابة فهمت العموم، وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على ~~اليمين بالله وغيرها. # وأيضا فنقول: سلمنا أن اليمين المذكورة في الآية المراد بها اليمين ~~بالله، وأن ما سوى اليمين بالله لا يلزم بها حكم. فمعلوم أن الحلف بصفات ~~الله سبحانه كالحلف به، كما لو قال: وعزة الله، أو لعمر الله، أو والقرآن ~~العظيم. فإنه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ونحوها عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والصحابة، ولأن الحلف بصفاته كالاستعاذة بها. وإن كانت ~~الاستعاذة لا تكون إلا بالله وصفاته في مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أعوذ بوجهك، و «أعوذ بكلمات الله # PageV01P334 # التامات» ، و «أعوذ برضاك من سخطك» ، ونحو ذلك. وهذا أمر مقرر عند ~~العلماء. # وإذا كان كذلك: فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله، فإنه ~~إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج، فقد حلف بإيجاب الحج عليه، وإيجاب الحج ~~حكم من أحكام الله، وهو من صفاته، وكذلك لو قال: فعلي تحرير رقبة. وإذا ~~قال: فامرأتي طالق، وعبدي حر، فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه، ~~والتحريم من صفات الله، كما أن الإيجاب من صفات الله. وقد جعل الله ذلك من ~~آياته في قوله: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} [البقرة: 231] [البقرة: 231] ~~فجعل حدوده في النكاح والطلاق والخلع من آياته، لكنه إذا حلف بالإيجاب ~~والتحريم فقد عقد اليمين لله، كما يعقد النذر لله، فإن قوله: علي الحج ~~والصوم عقد لله، ولكن إذا كان حالفا به فهو لم يقصد العقد لله، بل قصد ~~الحلف به. فإذا حنث ولم يف به فقد ترك ما عقده لله، كما أنه إذا ms222 فعل ~~المحلوف فقد ترك ما عقده بالله. # يوضح ذلك: أنه إذا حلف بالله أو بغير الله مما يعظمه # PageV01P335 # بالحلف، فإنما حلف به ليعقد به المحلوف عليه ويربطه؛ لأنه لعظمته في قلبه ~~إذا ربط به شيئا لم يحله. فإذا حل ما ربطه به فقد [انتقصت] عظمته في قلبه، ~~وقطع السبب الذي بينه وبينه كما قال بعضهم: اليمين: العقد على نفسه لحق من ~~له حق. ولهذا إذا كانت اليمين غموسا كانت من الكبائر الموجبة للنار، كما ~~قال سبحانه: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق ~~لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم} [آل عمران: 77] [آل عمران] ، وذكرها - صلى الله عليه وسلم - في ~~عد الكبائر فيما روى الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " «خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل ~~النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار يوم الزحف، ويمين صابرة يقطع بها مالا ~~بغير حق» ". # وذلك: لأنه إذا تعمد أن يعقد بالله ما ليس منعقدا به، فقد نقص الصلة التي ~~بينه وبين ربه، بمنزلة من أخبر عن الله بما هو منزه عنه، أو تبرأ من الله، ~~بخلاف ما إذا حلف على المستقبل فإنه عقد بالله فعلا قاصدا لعقده على وجه ~~التعظيم لله، لكن أباح الله له حل هذا العقد الذي عقده به، كما يبيح له ترك ~~بعض الواجبات لحاجة، أو يزيل عنه وجوبها. ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا ~~قال: هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا، فهي يمين، بمنزلة قوله: والله ~~لأفعلن، لأنه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله، فيكون # PageV01P336 # قد ربط الفعل بإيمانه بالله. هذا هو حقيقة الحلف بالله. فربط الفعل ~~بأحكام الله - من الإيجاب أو التحريم - أدنى حالا من ربطه بالله. # يوضح ذلك: أنه إذا عقد اليمين بالله فهو عقد لها بإيمانه بالله، وهو ما ~~في قلبه من إجلال الله وإكرامه، الذي هو [حق] ms223 الله ومثله الأعلى في ~~السماوات والأرض، كما أنه إذا سبح الله وذكره فهو مسبح له وذاكر له بقدر ما ~~في قلبه من معرفته وعبادته. ولذلك جاء التسبيح تارة لاسم الله، كما في ~~قوله: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] [الأعلى] ، كما أن الذكر يكون تارة ~~لاسم الله، كما في قوله: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} [الإنسان: 25] ~~[الإنسان: 25] ، وكذلك الذكر مع التسبيح في قوله: {ياأيها الذين آمنوا ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 41] [الأحزاب] ، ~~فحيث عظم العبد ربه بتسبيح اسمه، أو الحلف به، أو الاستعاذة به، فهو مسبح ~~له بتوسط المثل الأعلى الذي في قلبه، من معرفته وعبادته وعظمته ومحبته، ~~علما وقصدا وإجلالا وإكراما. وحكم الإيمان والكفر إنما يعود إلى ما كسبه ~~قلبه من ذلك، كما قال سبحانه: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] [البقرة: 22] ، وكما قال في موضع ~~آخر: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] [المائدة: 89] . # فلو اعتبر الشارع ما في لفظ القسم من انعقاده بالإيمان وارتباطه به دون ~~قصد الحلف لكان موجبه أنه إذا حنث يتغير إيمانه بزوال حقيقته، كما في قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: " «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» "، كما أنه ~~إذا حلف على ذلك يمينا فاجرة كانت من الكبائر، [إذ قد # PageV01P337 # اشترى بها ثمنا قليلا] ، فلا خلاق له في الآخرة ولا يكلمه الله يوم ~~القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم. # لكن الشارع علم أن الحالف بها ليفعلن أو لا يفعل ليس غرضه الاستخفاف ~~بحرمة اسم الله والتعلق به كغرض الحالف في اليمين الغموس. فشرع له الكفارة ~~لأنه حل هذه العقدة وأسقطها عن لغو اليمين، لأنه لم يعقد قلبه شيئا من ~~[الجناية] على إيمانه، فلا حاجة إلى الكفارة. # وإذا ظهر أن موجب اليمين: انعقاد الفعل بهذا [اليمين] الذي هو إيمانه ~~بالله، فإذا عدم الفعل كان [مقتضاه] عدم إيمانه، هذا لولا ما شرع الله من ~~الكفارة، كما أن مقتضى قوله: إن فعلت كذا وجب علي كذا، أنه عند الحلف ms224 يجب ~~ذلك الفعل لولا ما شرع من الكفارة. # يوضح ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " «من حلف بملة غير ~~الإسلام [كاذبا] فهو كما قال» " أخرجاه في الصحيحين. فجعل اليمين الغموس في ~~قوله: " هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا "، كالغموس في قوله: " والله ما ~~فعلت كذا "، إذ هو في كلا الأمرين قد قطع عهده # PageV01P338 # من الله حيث علق الإيمان بأمر معدوم والكفر بأمر موجود، بخلاف اليمين على ~~المستقبل. # وطرد هذا المعنى: أن اليمين الغموس إذا كانت في النذر أو الطلاق أو ~~العتاق: وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة، كما يقع الكفر بذلك في أحد قولي ~~العلماء. وبهذا يحصل الجواب على قولهم: المراد به اليمين المشروعة. # وأيضا فقوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ~~بين الناس والله سميع عليم} [البقرة: 224] [البقرة] ، فإن السلف مجمعون - ~~أو كالمجمعين - على أن معناها: لا تجعلوا الله مانعا لكم إذا حلفتم به من ~~البر والتقوى والإصلاح بين الناس، بأن يحلف الرجل أن لا يفعل معروفا مستحبا ~~أو واجبا، أو ليفعلن مكروها حراما أو نحوه، فإذا قيل له: افعل ذلك، أو لا ~~تفعل هذا، قال: قد حلفت بالله، فيجعل الله عرضة ليمينه. # فإذا كان الله قد نهى عباده أن يجعلوا نفسه مانعا لهم بالحلف به من البر ~~والتقوى، فالحلف بهذه الأيمان - إن كان داخلا في عموم الحلف - وجب أن لا ~~يكون مانعا، وإن لم يكن داخلا فهو أولى أن لا يكون مانعا، من باب التنبيه ~~بالأعلى على الأدنى. فإنه إذا نهى عن أن يكون هو سبحانه عرضة لأيماننا أن ~~نبر ونتقي، فغيره أولى أن نكون منهيين عن جعله عرضة لأيماننا. وإذا ثبت ~~أننا منهيون عن أن نجعل شيئا من الأشياء عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي ونصلح ~~بين الناس، فمعلوم أن ذلك إنما هو لما في البر والتقوى والإصلاح مما يحبه ~~الله ويأمر به. # PageV01P339 # فإذا حلف الرجل بالنذر أو بالطلاق أو بالعتاق أن لا يبر ولا يتقي ولا ~~يصلح، فهو بين أمرين: إن ms225 وفى ذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضة ليمينه أن يبر ~~ويتقي ويصلح بين الناس. وإن حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب عليه فعل ~~المنذور، فقد يكون خروج أهله وماله عنه أبعد عن البر والتقوى من الأمر ~~المحلوف عليه، فإن أقام على يمينه ترك البر والتقوى، وإن خرج عن أهله وماله ~~ترك البر والتقوى، فصارت عرضة ليمينه أن يبر ويتقي، فلا يخرج عن ذلك إلا ~~بالكفارة، وهذا المعنى هو الذي دلت عليه السنة. # ففي الصحيحين من حديث همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن ~~يعطي كفارته التي افترض الله عليه» "، ورواه البخاري أيضا من حديث عكرمة عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «من استلج في أهله ~~[بيمين] فهو أعظم إثما» ". فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اللجاج ~~باليمين في أهل الحالف أعظم إثما من التكفير. واللجاج: هو التمادي في ~~الخصومة، ومنه قيل: رجل لجوج: إذا تمادى في المخاصمة، ولهذا تسمي العلماء ~~هذا: نذر اللجاج والغضب، فإنه يلج حتى يعقده، ثم يلج في الامتناع من الحنث، ~~فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اللجاج باليمين أعظم إثما من ~~الكفارة، وهذا عام في جميع الأيمان. # وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الرحمن بن سمرة: " «إذا ~~حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فائت الذي هو خير وكفر عن # PageV01P340 # يمينك» "، أخرجاه في الصحيحين. وفي رواية في الصحيحين: " «فكفر عن يمينك ~~وائت الذي هو خير» ". وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن ~~يمينه وليفعل الذي هو خير» "، وفي رواية: " «فليأت الذي هو خير وليكفر عن ~~يمينه» ". وهذا نكرة في سياق الشرط فيعم كل حلف على يمين كائنا ما كان ~~الحلف، فإذا رأى غير اليمين المحلوف عليها خيرا منها، وهو أن ms226 يكون اليمين ~~المحلوف عليها تركا لخير فيرى فعله خيرا من تركه، أو يكون فعلا لشر فيرى ~~تركه خيرا من فعله، فقد أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي الذي هو ~~خير ويكفر عن يمينه. # وقوله هنا: " على يمين " هو - والله أعلم - من باب تسمية المفعول باسم ~~المصدر، سمى الأمر المحلوف عليه يمينا، كما سمى المخلوق خلقا، والمضروب ~~ضربا، والمبيع بيعا، ونحو ذلك. # وكذلك أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - في قصته وقصة أصحابه لما ~~جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحملونه - فقال: «والله ما ~~أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه "، ثم قال: " إني والله - إن شاء الله - لا ~~أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» ، وفي ~~رواية في الصحيحين: " «إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» ". # PageV01P341 # وروى مسلم في صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفرها وليأت ~~الذي هو خير» ". وفي رواية لمسلم أيضا: " «من حلف على يمين، فرأى غيرها ~~خيرا منها، فليكفرها وليأت الذي هو خير» ". # وقد رويت هذه السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير هذه الوجوه - ~~من حديث عبد الله بن عمر، وعوف بن مالك الجشمي. # فهذه نصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتواترة أنه أمر " «من حلف ~~على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير» "، ولم ~~يفرق بين الحلف بالله أو النذر ونحوه. ورواه النسائي عن أبي موسى قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى ~~غيرها خيرا منها إلا أتيته» "، وهذا صريح في أنه قصد تعميم كل يمين في ~~الأرض، وكذلك أصحابه فهموا منه دخول الحلف بالنذر في هذا الكلام. # فروى أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، ~~حدثنا [حبيب بن المعلم] عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن ms227 المسيب: «أن أخوين من ~~الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني ~~القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر ~~عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا يمين ~~عليك ولا # PageV01P342 # نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك» . # فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر هذا الذي حلف ~~بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب: بأن يكفر عن يمينه وأن لا يفعل ذلك ~~المنذور. واحتج بما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «لا ~~يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك» ". # ففهم من هذا: أن من حلف بيمين أو نذر على معصية أو قطيعة، فإنه لا وفاء ~~عليه في ذلك النذر، وإنما عليه الكفارة كما أفتاه عمر. ولولا أن هذا النذر ~~كان عنده يمينا لم يقل له: " كفر عن يمينك "، وإنما قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا يمين ولا نذر» ؛ لأن اليمين ما قصد بها الحض أو المنع، ~~والنذر: ما قصد به التقرب، وكلاهما لا يوفى به في المعصية والقطيعة. # وفي هذا الحديث دلالة أخرى، وهي أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«لا يمين ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم» " يعم جميع ما يسمى ~~يمينا أو نذرا، سواء كانت اليمين بالله، أو كانت بوجوب ما ليس بواجب من ~~الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدي، أو كانت بتحريم الحلال، كالظهار ~~والطلاق والعتاق. # ومقصود النبي - صلى الله عليه وسلم -: إما أن يكون نهيه عن فعل المحلوف ~~عليه من المعصية والقطيعة فقط، أو يكون مقصوده مع ذلك: أنه لا يلزمه ما في ~~اليمين والنذر من الإيجاب والتحريم. # وهذا الثاني هو الظاهر، لاستدلال عمر بن الخطاب به، فإنه # PageV01P343 # لولا أن الحديث يدل على هذا لم يصح استدلال عمر بن الخطاب به على ما أجاب ~~به ms228 السائل من الكفارة، دون إخراج المال في كسوة الكعبة، ولأن لفظ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يعم ذلك كله. # وأيضا: فمما يبين دخول الحلف بالنذر والطلاق والعتاق في اليمين والحلف في ~~كلام الله ورسوله، ما روى ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» ". رواه أحمد ~~والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن. ولفظ أبي داود قال: [حدثنا ~~أحمد بن حنبل قال] : حدثنا سفيان عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - يبلغ به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، ~~فقد استثنى» "، ورواه أيضا من طريق عبد [الوارث] عن نافع عن ابن عمر قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «من حلف فاستثنى فإن شاء رجع، وإن ~~شاء ترك، غير حنث» ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " «من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث» "، رواه أحمد والترمذي وابن ~~ماجه، ولفظه: " فله ثنياه "، والنسائي وقال: " فقد استثنى ". # ثم عامة الفقهاء أدخلوا الحلف بالنذر وبالطلاق وبالعتاق في هذا الحديث ~~وقالوا: ينفع فيه الاستثناء بالمشيئة، بل كثير من أصحاب أحمد يجعل الحلف ~~بالطلاق لا خلاف فيه في مذهبه، وإنما الخلاف # PageV01P344 # فيما إذا كان بصيغة الجزاء، وإنما الذي لا يدخل عند أكثرهم هو نفس إيقاع ~~الطلاق والعتاق. والفرق بين إيقاعهما والحلف بهما ظاهر. وسنذكر إن شاء الله ~~قاعدة الاستثناء. # فإذا كانوا قد أدخلوا الحلف بهذه الأشياء في قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» "، فكذلك يدخل في ~~قوله: " «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر ~~عن يمينه» "، فإن كلا اللفظين سواء، وهذا واضح لمن تأمله. # فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «من حلف على يمين، فقال: إن شاء ~~الله، فلا حنث عليه» "، لفظ العموم فيه مثله في قوله: " «من ms229 حلف على يمين ~~فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» ". وإذا كان لفظ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حكم الاستثناء هو لفظه في حكم ~~الكفارة: وجب أن يكون كل ما ينفع فيه الاستثناء ينفع فيه التكفير ، وكل ما ~~ينفع فيه التكفير ينفع فيه الاستثناء، كما نص عليه أحمد في غير موضع. # ومن قال: إن الرسول قصد بقوله: " «من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، ~~فلا حنث عليه» " جميع الأيمان التي يحلف بها، من اليمين بالله وبالنذر ~~وبالطلاق وبالعتاق، وأما قوله: " «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها» ~~إلخ " إنما قصد به اليمين بالله، أو اليمين بالله والنذر، فقوله ضعيف. فإن ~~حضور موجب أحد اللفظين بقلب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل حضور موجب ~~اللفظ الآخر، إذ كلاهما لفظ واحد، والحكم فيهما من جنس واحد، وهو [رفع] ~~اليمين: إما بالاستثناء، وإما بالتكفير. # PageV01P345 # وبعد هذا فاعلم أن الأمة انقسمت في دخول الطلاق والعتاق في حديث ~~الاستثناء على ثلاثة أقسام: # فقوم قالوا: يدخل في ذلك الطلاق والعتاق أنفسهما، حتى لو قال: أنت طالق ~~إن شاء الله، وأنت حر إن شاء الله، دخل ذلك في عموم الحديث. وهذا قول أبي ~~حنيفة والشافعي وغيرهما. # وقوم قالوا: لا يدخل في ذلك الطلاق والعتاق، لا إيقاعهما ولا الحلف بهما، ~~لا بصيغة الجزاء ولا بصيغة القسم. وهذا أشهر القولين في مذهب مالك وإحدى ~~الروايتين عن أحمد. # والقول الثالث: أن إيقاع الطلاق والعتاق لا يدخل في ذلك، بل يدخل فيه ~~الحلف بالطلاق والعتاق. وهذه الرواية الثانية عن أحمد، ومن أصحابه من قال: ~~إن كان الحلف بصيغة القسم دخل في الحديث، ونفعته المشيئة، رواية واحدة، وإن ~~كان بصيغة الجزاء ففيه روايتان. # وهذا القول الثالث هو الصواب المأثور معناه عن أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وجمهور التابعين. فإن ابن عباس وأكثر التابعين - كسعيد بن ~~المسيب والحسن - لم يجعلوا في الطلاق استثناء، ولم يجعلوه من الأيمان. # ثم قد ذكرنا عن الصحابة وجمهور ms230 التابعين: أنهم جعلوا الحلف بالصدقة ~~والهدي والعتاقة ونحو ذلك يمينا مكفرة. وهذا معنى قول أحمد في غير موضع: لا ~~استثناء في الطلاق والعتاق، ليسا من الأيمان. # وقال أيضا: الثنيا في الطلاق لا أقول بها. وذلك أن الطلاق والعتاق حرفان ~~واقعان. # PageV01P346 # وقال أيضا : إنما يكون الاستثناء فيما يكون فيه كفارة، والطلاق والعتاق لا ~~يكفران، وهذا الذي قاله ظاهر. # وذلك أن إيقاع الطلاق والعتاق ليسا يمينا أصلا، وإنما هو بمنزلة العفو عن ~~القصاص والإبراء من الدين، ولهذا لو قال: والله لا أحلف على يمين، ثم إنه ~~أعتق عبيدا له، أو طلق امرأته، أو أبرأ غريمه من دم أو مال أو عرض، فإنه لا ~~يحنث، ما علمت أحدا خالف في ذلك. # فمن أدخل إيقاع الطلاق والعتاق في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، لم يحنث» "، فقد حمل العام ما لا ~~يحتمله، كما أن من أخرج من هذا العام قوله: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، أو ~~لا أفعله إن شاء الله، أو إن فعلته فامرأتي طالق إن شاء الله، فقد أخرج من ~~القول العام ما هو داخل فيه. فإن هذا اليمين بالطلاق والعتاق [وهنا ينبغي ~~تقليد أحمد بقوله: الطلاق والعتاق] ليسا من الأيمان، فإن الحلف بهما كالحلف ~~بالصدقة والحج ونحوهما. وذلك معلوم بالاضطرار عقلا وعرفا وشرعا. ولهذا لو ~~قال: والله لا أحلف على يمين أبدا، ثم قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق: حنث. # وقد تقدم أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سموه يمينا [وكذلك ~~الفقهاء كلهم سموه يمينا] وكذلك عامة المسلمين يسمونه يمينا. فمعنى اليمين ~~موجود فيه، فإنه إذا قال: أحلف بالله لأفعلن إن # PageV01P347 # شاء الله، فإن المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه. ~~والمعنى: إني حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله، فإذا لم يفعله لم يكن ~~قد شاءه، فلا يكون ملتزما له، وإلا فلو نوى عوده إلى الحلف، بأن يقصد أني ~~حالف إن شاء الله أن أكون حالفا: كان معنى هذا ms231 [معنى] الاستثناء في ~~الإنشاءات، كالطلاق والعتاق، وعلى مذهب الجمهور لا ينفعه ذلك. وكذلك قوله: ~~الطلاق يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله، تعود المشيئة عند الإطلاق إلى ~~الفعل. فالمعنى: لأفعلنه إن شاء الله فعله، فمتى لم يفعله لم يكن الله قد ~~شاءه، فلا يكون ملتزما للطلاق، بخلاف ما لو عنى: الطلاق يلزمني إن شاء الله ~~لزومه إياه. فإن هذا بمنزلة قوله: أنت طالق إن شاء الله. # وقول أحمد: " إنما يكون الاستثناء فيما فيه الكفارة، والطلاق والعتاق لا ~~يكفران " كلام حسن بليغ، لما تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرج ~~حكم الاستثناء وحكم الكفارة مخرجا واحدا [بصيغة الجزاء] بصيغة واحدة، فلا ~~يفرق بين ما جمعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن الاستثناء إنما يقع ~~لما علق به الفعل، فإن الأحكام التي هي الطلاق والعتاق ونحوهما: لا تعلق ~~على مشيئة الله بعد وجود أسبابها، فإنها واجبة بوجود أسبابها، فإذا انعقدت ~~أسبابها فقد شاءها الله. وإنما تعلق على المشيئة الحوادث التي قد يشاؤها ~~الله وقد لا يشاؤها من أفعال العباد ونحوها. والكفارة إنما شرعت لما يحصل ~~من الحنث في اليمين التي قد يحصل فيها الموافقة: بالبر تارة، والمخالفة ~~بالحنث أخرى. فوجوب الكفارة بالحنث في اليمين التي تحتمل الموافقة ~~والمخالفة، كارتفاع اليمين # PageV01P348 # بالمشيئة التي تحتمل التعليق وعدم التعليق. فكل من حلف على شيء ليفعله ~~فلم يفعله فإنه إن علقه بالمشيئة فلا حنث عليه، وإن لم يعلقه بالمشيئة ~~لزمته الكفارة. فالاستثناء والتكفير يتعاقبان اليمين، إذا لم يحصل فيها ~~الموافقة. # فهذا أصل صحيح يدفع ما وقع في هذا الباب من الزيادة أو النقص على ما ~~أوجبه كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم. # ثم يقال بعد ذلك: قول أحمد وغيره: " الطلاق والعتاق لا يكفران "، كقوله ~~وقول غيره: لا استثناء فيهما. وهذا في إيقاع الطلاق والعتاق. أما الحلف ~~بهما فليس تكفيرا لهما، وإنما هو تكفير للحلف بهما، كما أنه إذا حلف ~~بالصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ونحو ذلك في نذر اللجاج والغضب: فإنه ~~لم يكفر الصلاة والصيام ms232 [والصدقة] والهدي والحج، وإنما يكفر الحلف بهما، ~~وإلا فالصلاة لا كفارة فيها، وكذلك هذه العبادات لا كفارة فيها لمن يقدر ~~عليها، وكما أنه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق، فإن عليه الكفارة بلا ~~خلاف في مذهب أحمد وموافقيه من القائلين بنذر اللجاج والغضب. وليس ذلك ~~تكفيرا للعتق، وإنما هو تكفير للحلف به. # فلازم قول أحمد هذا: أنه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء: كان ~~الحلف بهما تصح فيه الكفارة. وهذا موجب سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كما قدمناه. # وأما من لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء، كأحد القولين في مذهب ~~مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، فهو قول مرجوح. # PageV01P349 # ونحن في هذا المقام إنما نتكلم بتقدير تسليمه، وسنتكلم إن شاء الله في ~~مسألة الاستثناء على حدة. # وإذا قال أحمد أو غيره من العلماء: إن الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة ~~فيه، لأنه لا استثناء فيه - لزم من هذا القول: أنه لا استثناء في الحلف ~~بهما. وأما من فرق من أصحاب أحمد فقال: يصح في الحلف بهما الاستثناء، ولا ~~يصح فيه الكفارة - فهذا الفرق ما أعلمه منصوصا عليه عن أحمد، ولكنهم ~~معذورون فيه من قوله؛ حيث لم يجدوه نص في تكفير الحلف بهما على روايتين ~~[كما نص في الاستثناء في الحلف بهما على روايتين] . # لكن هذا القول لازم على إحدى الروايتين عنه التي ينصرونها، ومن سوى ~~الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها، ولو تفطن لكان: إما أن ~~يلتزمها أو لا يلتزمها، بل يرجع عن الملزوم أو لا يرجع عنه، ويعتقد أنها ~~غير لوازم. # والفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا خرجوا على قول عالم لوازم قوله وقياسه: ~~فإما أن لا يكون نص على ذلك اللازم، لا بنفي ولا إثبات، أو نص على نفيه. ~~وإذا نص على نفيه فإما أن يكون نص على نفي لزومه أو لم ينص. فإن كان قد نص ~~على نفي ذلك اللازم - وخرجوا عليه خلاف المنصوص عنه في تلك المسألة، مثل أن ~~ينص ms233 في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين، أو يعلل مسألة بعلة ينقضها في ~~موضع آخر، كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الاستثناء، وعنه في الاستثناء ~~روايتان - فهذا مبني على تخريج ما لم يتكلم [فيه] بنفي ولا إثبات: هل يسمى ~~ذلك مذهبا له ، أو لا يسمى؟ # PageV01P350 # ولأصحابنا فيه خلاف مشهور. فالأثرم والخرقي وغيرهما: يجعلونه مذهبا له، ~~والخلال وصاحبه وغيرهما: لا يجعلونه مذهبا له. # والتحقيق: أنه قياس قوله: [ولازم قوله] ، فليس بمنزلة المذهب المنصوص ~~عنه، ولا هو أيضا بمنزلة ما ليس بلازم قوله، بل هو منزلة بين المنزلتين. ~~هذا حيث أمكن أن لا يلتزمه. # وأيضا فإن الله شرع الطلاق مبيحا له أو آمرا به، [أو ملزما له] إذا أوقعه ~~صاحبه، وكذلك العتق، وكذلك النذر. # وهذه العقود من النذر والطلاق والعتاق تقتضي وجوب أشياء على العبد، أو ~~تحريم أشياء عليه. والوجوب والتحريم: إنما يلزم العبد إذا قصده أو قصد ~~سببه، فإنه لو جرى على لسانه هذا الكلام بغير قصد لم يلزمه شيء بالاتفاق. ~~ولو تكلم بهذه الكلمات مكرها لم يلزمه حكمها عندنا وعند الجمهور، كما دلت ~~عليه السنة وآثار الصحابة؛ لأن مقصوده إنما هو دفع المكروه عنه، لم يقصد ~~حكمها، ولا قصد التكلم بها ابتداء. # فكذلك الحالف إذا قال: إن لم أفعل كذا فعلي الحج أو الطلاق، ليس قصده ~~التزام حج ولا طلاق، ولا تكلم بما يوجبه ابتداء، وإنما قصده الحض على ذلك ~~الفعل، أو منع نفسه منه، كما أن قصد المكره دفع المكروه عنه، ثم قال على ~~طريق المبالغة في الحض والمنع: إن فعلت كذا فهذا لي لازم، أو هذا علي حرام، ~~لشدة امتناعه من هذا اللزوم والتحريم علق ذلك به، فقصده منعهما جميعا لا ~~ثبوت أحدهما ولا ثبوت سببه. وإذا لم يكن قاصدا للحكم ولا لسببه، وإنما قصده ~~عدم الحكم لم يجب أن يلزمه الحكم. # PageV01P351 # وأيضا: فإن اليمين بالطلاق بدعة محدثة في الأمة، لم يبلغني أنه كان يحلف ~~به على عهد قدماء الصحابة، ولكن قد ذكروها في أيمان البيعة التي رتبها ms234 ~~الحجاج بن يوسف. وهي تشتمل على اليمين بالله وصدقة المال، والطلاق والعتاق. ~~وإني لم أقف إلى الساعة على كلام لأحد من الصحابة في الحلف بالطلاق، وإنما ~~الذي بلغنا عنهم: الجواب في الحلف بالعتق، كما تقدم. # ثم هذه البدعة قد شاعت في الأمة وانتشرت انتشارا عظيما، ثم لما اعتقد من ~~اعتقد: أن الطلاق يقع بها لا محالة، صار في وقوع الطلاق بها من الأغلال على ~~الأمة ما هو شبيه بالأغلال التي كانت على بني إسرائيل، ونشأ عن ذلك خمسة ~~أنواع من المفاسد والحيل في الأيمان، حتى اتخذوا آيات الله هزوا. # وذلك: أنهم يحلفون بالطلاق على ترك أمور لا بد لهم من فعلها، إما شرعا ~~وإما طبعا [وعلى فعل أمور يمتنع فعلها شرعا أو طبعا] وغالب ما يحلفون بذلك ~~في حال اللجاج والغضب، ثم فراق الأهل فيه من الضرر في الدين والدنيا ما ~~يزيد على كثير من أغلال اليهود. وقد قيل: إن الله إنما حرم المطلقة ثلاثا ~~حتى تنكح زوجا غيره، لئلا يتسارع الناس إلى الطلاق، لما فيه من المفسدة، ~~فإذا حلفوا بالطلاق على الأمور اللازمة أو الممنوعة، وهم محتاجون إلى فعل ~~تلك الأمور أو تركها مع عدم فراق الأهل، فقد قدحت الأفكار لهم أربعة أنواع ~~من الحيل، أخذت عن الكوفيين وغيرهم: # الحيلة الأولى في المحلوف عليه: فيتأول لهم خلاف ما قصدوه وخلاف ما يدل ~~على الكلام في عرف الناس وعاداتهم. وهذا هو # PageV01P352 # الذي [وضعه] بعض المتكلمين في الفقه، وسموه باب المعاياة، وسموه باب ~~الحيل في الأيمان. وأكثره مما يعلم بالاضطرار من الدين أنه لا يسوغ في ~~الدين، ولا يجوز حمل كلام الحالف عليه. ولهذا كان الأئمة - كأحمد وغيره - ~~يشددون النكير على من يحتال في هذه الأيمان. # الحيلة الثانية: إذا تعذر الاحتيال في الكلام المحلوف عليه: احتالوا ~~للفعل المحلوف عليه، بأن يأمروه بمخالعة امرأته ليفعل المحلوف عليه في زمن ~~البينونة، وهذه الحيلة أحدث من التي قبلها، وأظنها حدثت في حدود المائة ~~الثالثة. فإن عامة الحيل إنما نشأت عن بعض أهل الكوفة، وحيلة ms235 الخلع لا تمشي ~~على أصلهم؛ لأنهم يقولون: إذا فعل المحلوف عليه في العدة وقع عليه به ~~الطلاق، لأن المعتدة من فرقة [بائنة] يلحقها الطلاق عندهم، فيحتاج المحتال ~~بهذه الحيلة إلى أن يتربص حتى تنقضي العدة ثم يفعل المحلوف عليه [بعد ~~انقضائها] وهذا فيه ضرر عليه من جهة طول المدة. فصار يفتي بها بعض أصحاب ~~الشافعي، وربما ركبوا معها أحد قوليه الموافق لأشهر الروايتين عن أحمد: من ~~أن الخلع فسخ وليس بطلاق، فيصير [الحالف] كلما أراد الحنث خلع زوجته وفعل ~~المحلوف عليه، ثم تزوجها. فإما أن يفتوه بنقص عدد الطلاق أو يفتوه بعدمه. # وهذا الخلع - الذي هو خلع الأيمان - هو شبيه بنكاح المحلل # PageV01P353 # سواء. فإن ذلك عقد عقدا لم يقصده، وإنما قصد إزالته، وهذا فسخ فسخا لم ~~يقصده وإنما قصد إزالته، وهذه حيلة محدثة باردة قد صنف أبو عبد الله ابن ~~بطة جزءا في إبطالها، وذكر عن السلف في ذلك من الآثار ما قد ذكرت بعضه في ~~غير هذا الموضع. # الحيلة الثالثة: إذا تعذر الاحتيال في المحلوف عليه احتالوا في المحلوف ~~به فيبطلوه بالبحث عن شروطه، فصار قوم من المتأخرين من أصحاب الشافعي ~~يبحثون عن صفة عقد النكاح، لعله اشتمل على أمر يكون به فاسدا، ليرتبوا على ~~ذلك أن الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع، ومذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد ~~في إحدى روايتيه: أن الولي الفاسق لا يصح نكاحه، والفسوق غالب على كثير من ~~الناس، فينفق سوق هذه المسألة، بسبب الاحتيال لرفع يمين الطلاق، حتى رأيت ~~من صنف في هذه المسألة مصنفا مقصوده به الاحتيال لرفع الطلاق، ثم تجد هؤلاء ~~الذين يحتالون بهذه الحيلة إنما ينظرون في صفة عقد النكاح، وكون ولاية ~~الفاسق لا تصح عند إيقاع الطلاق، الذي قد ذهب كثير من أهل العلم أو أكثرهم ~~إلى أنه يقع في الفاسد في الجملة. وأما عند الوطء والاستمتاع الذي أجمع ~~المسلمون على أنه لا يباح بالنكاح الفاسد: فلا ينظرون في ذلك، وكذلك لا ~~ينظرون في ذلك عند الميراث وغيره من ms236 أحكام النكاح الصحيح، بل إنما ينظرون ~~إليه فقط عند وقوع الطلاق خاصة، وهو نوع من اتخاذ آيات الله هزوا، ومن ~~المكر في آيات الله، وإنما أوجبه الحلف بالطلاق والضرورة إلى عدم وقوعه. # الحيلة الرابعة: السريجية، في إفساد المحلوف به أيضا، لكن # PageV01P354 # لوجود مانع، لا لفوات شرط. فإن أبا العباس بن سريج وطائفة بعده اعتقدوا ~~أنه إذا قال لامرأته: إذا وقع عليك طلاقي أو طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا؛ ~~أنه لا يقع بعد ذلك عليها طلاق أبدا؛ لأنه إذا وقع المنجز لزم وقوع المعلق، ~~فإذا وقع المعلق امتنع وقوع المنجز، فيفضي وقوعه إلى عدم وقوعه فلا يقع. ~~وأما عامة فقهاء الإسلام من جميع الطوائف فأنكروا ذلك، بل رأوه من الزلات ~~التي يعلم بالاضطرار كونها ليست من دين الإسلام؛ حيث قد علم بالضرورة من ~~دين محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن الطلاق أمر مشروع في كل ~~نكاح، وأنه ما من نكاح إلا ويمكن فيه الطلاق. # وسبب الغلط: أنهم اعتقدوا صحة هذا الكلام، فقالوا: إذا وقع المنجز وقع ~~المعلق، وهذا الكلام ليس بصحيح، فإنه يستلزم وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، ووقوع ~~طلقة مسبوقة بثلاث ممتنع في الشريعة، والكلام المشتمل على ذلك باطل، وإذا ~~كان باطلا لم يلزم من وقوع المنجز وقوع المعلق؛ لأنه إنما يلزم إذا كان ~~التعليق صحيحا. # ثم اختلفوا: هل يقع من المعلق تمام الثلاث، أم يبطل التعليق ولا يقع إلا ~~المنجز؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. # وما أدري: هل استحدث ابن سريج هذه المسألة للاحتيال على رفع الطلاق، أم ~~قالها طردا لقياس اعتقد صحته، واحتال بها من بعده؟ لكني رأيت مصنفا لبعض ~~المتأخرين بعد المائة الخامسة صنفه في هذه المسألة، ومقصوده بها الاحتيال ~~على عدم وقوع الطلاق. ولهذا صاغوها بقولهم: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق ~~قبله ثلاثا؛ لأنه لو قال: إذا طلقتك فأنت طالق [قبله] ثلاثا: لم تنفعه هذه # PageV01P355 # الصيغة في الحيلة، وإن كان كلاهما في الدور سواء، وذلك لأن الرجل إذا قال ~~لامرأته: إذا طلقتك ms237 فعبدي حر، أو فأنت طالق، لم يحنث إلا بتطليق ينجزه بعد ~~هذه اليمين، أو يعلقه بعدها على شرط فيوجد، فإن كل واحد من المنجز والمعلق ~~الذي وجد شرطه تطليق. أما إذا كان قد علق طلاقها قبل هذه اليمين بشرط ووجد ~~الشرط بعد هذه اليمين: لم يكن مجرد وجود الشرط ووقوع الطلاق به تطليقا؛ لأن ~~التطليق لا بد أن يصدر عن المطلق، [ووجود] الطلاق بصفة يفعلها غيره ليس ~~فعلا منه. فأما إذا قال: إذا وقع عليك طلاقي، فهذا يعم المنجز والمعلق بعد ~~هذا بشرط، والواقع بعد هذا بشرط تقدم تعليقه. # فصوروا المسألة بصورة قوله: إذا وقع عليك طلاقي، حتى إذا حلف الرجل ~~بالطلاق لا يفعل شيئا، قالوا له: قل: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ~~ثلاثا، فيقول ذلك، فيقولون له: افعل الآن ما حلفت عليه، فإنه لا يقع عليك ~~طلاق. # فهذا التسرج المنكر عند عامة أهل الإسلام، المعلوم يقينا أنه ليس من ~~الشريعة التي بعث الله بها محمدا - صلى الله عليه وسلم، إنما نفقه في ~~الغالب ما أحوج كثيرا من الناس إليه من الحلف بالطلاق، وإلا فلولا ذلك لم ~~يدخل فيه أحد؛ لأن العاقل لا يكاد يقصد سد باب الطلاق عليه إلا نادرا. # الحيلة الخامسة: إذا وقع الطلاق ولم يمكن الاحتيال، لا في المحلوف عليه ~~قولا ولا فعلا، ولا في المحلوف به إبطالا ولا منعا: احتالوا لإعادة النكاح ~~بنكاح المحلل الذي دلت السنة وإجماع # PageV01P356 # الصحابة - مع دلالة القرآن وشواهد الأصول - على تحريمه وفساده. ثم قد ~~تولد من نكاح المحلل من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، كما نبهنا على بعضه ~~في كتاب " [بيان] الدليل على إبطال التحليل "، وأغلب ما يحوج الناس إلى ~~نكاح المحلل: هو الحلف بالطلاق، وإلا فالطلاق الثلاث لا يقدم عليه الرجل في ~~الغالب إلا إذا قصده، ومن قصده لم يترتب عليه عنده من الندم والفساد ما ~~يترتب على من اضطر إلى وقوعه لحاجته إلى الحنث. # فهذه المفاسد الخمسة التي هي الاحتيال على نقض الأيمان، وإخراجها عن ~~مفهومها ms238 ومقصودها، ثم الاحتيال بالخلع وإعادة النكاح، ثم الاحتيال بالبحث ~~عن فساد النكاح، ثم الاحتيال بمنع وقوع الطلاق، ثم الاحتيال بنكاح المحلل - ~~في هذه الأمور من المكر والخداع والاستهزاء بآيات الله، واللعب الذي ينفر ~~العقلاء عن دين الله، ويوجب طعن الكفار فيه، كما رأيته في بعض كتب النصارى ~~وغيرهم. ويتبين لكل مؤمن صحيح الفطرة أن دين الإسلام بريء منزه عن هذه ~~الخزعبلات التي تشبه حيل اليهود ومخاريق الرهبان، وأن أكثر ما أوقع الناس ~~فيها، وأوجب كثرة إنكار الفقهاء عليها واستخراجهم لها: هو حلف الناس ~~بالطلاق، واعتقاد وقوع الطلاق عند الحنث لا محالة، حتى لقد فرع الكوفيون ~~وغيرهم من فروع الأيمان شيئا كثيرا مبناه على هذا الأصل، وكثير من الفروع ~~الضعيفة التي يفرعها هؤلاء ونحوهم، كما كان الشيخ أبو محمد المقدسي يقول: ~~مثالها مثال رجل بنى دارا حسنة على حجارة مغصوبة، فإذا نوزع في استحقاق تلك ~~الحجارة التي هي الأساس، فاستحقها غيره: # PageV01P357 # انهدم بناؤه؛ فإن تلك الفروع الحسنة إن لم تكن على أصول محكمة وإلا لم ~~يكن لها منفعة. # فإذا كان الحلف بالطلاق واعتقاد لزوم الطلاق عند الحنث قد أوجب هذه ~~المفاسد العظيمة التي قد غيرت بعض أمور الإسلام عند من فعل ذلك، وصار في ~~هؤلاء شبه بأهل الكتاب، كما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم، مع أن ~~لزوم الطلاق عند الحلف به ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا أفتى به ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم، بل ولا أحد منهم فيما أعلمه، ولا ~~اتفق عليه التابعون لهم بإحسان، ولا العلماء بعدهم، ولا هو مناسب لأصول ~~الشريعة، ولا حجة لمن قاله أكثر من عادة مستمرة استندت على قياس معتضد ~~بتقليد لقوم أئمة علماء محمودين عند الأمة، وهم - ولله الحمد - فوق ما يظن ~~بهم، لكن لم نؤمر عند التنازع إلا بالرد إلى الله وإلى رسوله، وقد خالفهم ~~فيه من ليس دونهم، بل مثلهم أو فوقهم. فإنا قد ذكرنا عن أعيان من الصحابة - ~~كعبد الله بن عمر المجمع على إمامته ms239 وفقهه ودينه، وأخته حفصة أم المؤمنين، ~~وزينب ربيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وهي من أمثل فقيهات الصحابة: ~~الإفتاء بالكفارة في الحلف بالعتق، والطلاق أولى منه. وذكرنا عن طاوس وهو ~~من أفاضل علماء التابعين علما وفقها ودينا؛ أنه لم يكن يرى اليمين بالطلاق ~~موقعة له. # فإذا كان لزوم الطلاق عند الحنث في اليمين به مقتضيا لهذه المفاسد، وحاله ~~في الشريعة هذه الحال: كان هذا دليلا على أن ما أفضى إلى هذا الفساد لم ~~يشرعه الله ولا رسوله، كما نبهنا عليه في # PageV01P358 # ضمان الحدائق لمن يزرعها ويستثمرها، وبيع الخضر ونحوها. # وذلك: أن الحالف بالطلاق إذا حلف ليقطعن رحمه، أو ليعقن أباه، أو ليقتلن ~~عدوه المسلم المعصوم، أو ليأتين الفاحشة، أو ليشربن الخمر، أو ليفرقن بين ~~المرء وزوجه، ونحو ذلك من كبائر الإثم والفواحش، فهو بين ثلاثة أمور: إما ~~أن يفعل هذا المحلوف عليه، فهذا لا يقوله مسلم لما فيه من ضرر الدنيا ~~والآخرة، مع أن كثيرا من الناس بل من المفتين: إذا رآه قد حلف بالطلاق، كان ~~ذلك سببا لتخفيف الأمر عليه وإقامة عذره. # وإما أن يحتال ببعض تلك الحيل المذكورة، كما استخرجه قوم من المفتين. ففي ~~ذلك من الاستهزاء بآيات الله ومخادعته والمكر السيئ بدينه والكيد له، وضعف ~~العقل والدين، والاعتداء لحدود الله، والانتهاك لمحارمه والإلحاد في آياته ~~ما لا خفاء به، وإن كان من إخواننا الفقهاء من قد يستجيز بعض ذلك، فقد دخل ~~من الغلط في ذلك - وإن كان مغفورا لصاحبه المجتهد المتقي لله - ما فساده ~~ظاهر لمن تأمل حقيقة الدين. # وإما أن لا يحتال ولا يفعل المحلوف عليه، بل يطلق امرأته كما يفعله من ~~يخشى الله إذا اعتقد وقوع الطلاق. ففي ذلك من الفساد في الدين والدنيا ما ~~لا يأذن به الله ولا رسوله. # أما فساد الدين: فإن الطلاق منهي عنه مع استقامة حال الزوجين باتفاق ~~العلماء، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «إن المختلعات ~~والمنتزعات هن المنافقات» "، وقال: " «أيما امرأة سألت زوجها # PageV01P359 # الطلاق من غير ms240 بأس فحرام عليها رائحة الجنة» ". # وقد اختلف العلماء: هل هو محرم أو مكروه؟ وفيه روايتان عن أحمد، وقد ~~استحسنوا جواب أحمد لما سئل عمن حلف بالطلاق ليطأن امرأته وهي حائض؟ فقال: ~~يطلقها ولا يطأها، قد أباح الله الطلاق وحرم وطء الحائض. # وهذا الاستحسان يتوجه على أصلين: إما على قوله: إن الطلاق ليس بحرام، ~~[وإما أن] يكون تحريمه دون تحريم الوطء، وإلا فإذا كان كلاهما حراما لم ~~يخرج من حرام إلا إلى حرام. # وأما ضرر الدنيا: فأبين من أن يوصف. فإن لزوم الطلاق المحلوف به في كثير ~~من الأوقات يوجب من الضرر ما لم تأت به الشريعة الإسلامية في مثل هذا قط، ~~فإن المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة، وهي متاعه ~~التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم: " «الدنيا متاع، وخير متاعها ~~المرأة المؤمنة، إن نظرت إليها أعجبتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها ~~حفظتك في نفسها ومالك» "، وهي التي أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في قوله لما سأله المهاجرون: " «أي المال خير فنتخذه؟ فقال: أفضله: لسان ~~ذاكر وقلب شاكر وامرأة صالحة تعين أحدكم على إيمانه» "، رواه الترمذي من ~~حديث سالم بن أبي # PageV01P360 # الجعد عن ثوبان. ويكون بينهما من المودة والرحمة ما امتن الله به في ~~كتابه بقوله: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل ~~بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21] [الروم: 21] ، فيكون ألم الفراق أشد عليهما ~~من الموت أحيانا، وأشد من ذهاب المال، وأشد من فراق الأوطان، خصوصا إن كان ~~بقلب كل واحد منهما حب وعلاقة من صاحبه، أو كان بينهما أطفال يضيعون ~~بالفراق ويفسد حالهم، ثم يفضي ذلك إلى القطيعة بين أقاربهما، ووقوع الشر ~~لما زالت نعمة المصاهرة التي امتن الله بها في قوله: {فجعله نسبا وصهرا} ~~[الفرقان: 54] [الفرقان: 54] ، ومعلوم أن هذا من الحرج الداخل في عموم قوله ~~تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] [الحج: 78] ، ومن العسر ~~المنفي بقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ms241 [البقرة: 185] ~~[البقرة: 185] . # وأيضا: فلو كان المحلوف عليه بالطلاق فعل بر وإحسان من صدقة وعتاقة ~~وتعليم علم وصلة رحم وجهاد في سبيل الله، وإصلاح بين الناس، ونحو ذلك من ~~الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها، فإنه لما عليه من الضرر العظيم ~~في الطلاق لا يفعل ذلك، بل ولا يؤمر به شرعا؛ لأنه قد يكون الفساد الناشئ ~~من الطلاق أعظم من الصلاح الحاصل من هذه الأعمال، وهذه المفسدة هي التي ~~أزالها الله بقوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} [البقرة: 224] ~~[البقرة: 124] ، وأزالها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " «لأن يلج ~~أحدكم بيمينه في أهله آثم عند الله من أن يأتي الكفارة التي فرض الله» ". # فإن قيل: فهو الذي أوقع نفسه في أحد هذه المضرات الثلاث، فما كان ينبغي ~~له أن يحلف. # PageV01P361 # قيل: ليس في شريعتنا ذنب إذا فعله الإنسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة ~~إلا بضرر عظيم، فإن الله لم يحمل علينا إصرا كما حمله على الذين من قبلنا. ~~فهب أن هذا قد أتى كبيرة من الكبائر في حلفه بالطلاق، ثم تاب من تلك ~~الكبيرة، فكيف يناسب أصول شريعتنا أن يبقى أثر ذلك الذنب عليه، لا يجد منه ~~مخرجا؟ وهذا بخلاف الذي ينشئ الطلاق، لا بالحلف عليه، فإنه لا يفعل ذلك إلا ~~وهو مريد للطلاق: إما لكراهته للمرأة، أو غضبه عليها ونحو ذلك. # وقد جعل الله الطلاق ثلاثا، فإذا كان إنما يتكلم بالطلاق باختياره، ~~[ووالى] ثلاث مرات متفرقات، كان وقوع الضرر في مثل هذا نادرا بخلاف الأول، ~~فإن مقصوده لم يكن الطلاق، وإنما كان أن يفعل المحلوف عليه، أو لا يفعله. ~~ثم قد يأمره الشرع، أو تضطره الحاجة إلى فعله أو تركه، فيلزمه الطلاق بغير ~~اختياره له ولا لسببه. # وأيضا: فإن الذي بعث الله به محمدا - صلى الله عليه وسلم - في باب ~~الأيمان: تخفيفها بالكفارة، لا تثقيلها بالإيجاب أو التحريم، فإنهم كانوا ~~في الجاهلية يرون الظهار طلاقا، واستمروا على ذلك في أول الإسلام حتى ظاهر ~~أوس بن الصامت - رضي الله عنه - من ms242 امرأته. # وأيضا: فالاعتبار بنذر اللجاج والغضب، فإنه ليس بينهما من الفرق إلا ما ~~ذكرناه، وسنبين إن شاء الله عدم تأثيره. والقياس بإلغاء الفارق أصح ما يكون ~~من الاعتبار باتفاق العلماء المعتبرين. # وذلك: أن الرجل إذا قال: إن أكلت أو شربت فعلي أن أعتق # PageV01P362 # عبدي، أو فعلي أن أطلق امرأتي، أو فعلي الحج، أو فأنا محرم بالحج، أو ~~فمالي صدقة، أو فعلي صدقة: فإنه تجزئه كفارة يمين عند الجمهور، كما قدمناه ~~بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، فكذلك إذا قال: إن أكلت هذا أو شربت ~~هذا فعلي الطلاق، أو فالطلاق لي لازم، أو فامرأتي طالق، أو فعبيدي أحرار. ~~وإن قال: علي الطلاق لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، فهو ~~بمنزلة قوله: علي الحج لا أفعل كذا، أو الحج لي لازم لا أفعل كذا، وكلاهما ~~يمينان محدثتان ليستا مأثورتين عن العرب، ولا معروفتين عند الصحابة. # وإنما المستأخرون صاغوا من هذه المعاني أيمانا، وربطوا إحدى الجملتين ~~بالأخرى، كالأيمان التي كان المسلمون من الصحابة يحلفون بها، وكانت العرب ~~تحلف بها، لا فرق بين هذا وهذا، إلا أن قوله: إن فعلت كذا فمالي صدقة: ~~يقتضي وجوب الصدقة عند الفعل، وقوله: فامرأتي طالق: يقتضي وجود الطلاق. ~~فالكلام يقتضي وقوع الطلاق بنفس الشرط، وإن لم يحدث بعد هذا طلاقا، ولا ~~يقتضي وقوع الصدقة حتى يحدث صدقة. # وجواب هذا الفرق الذي اعتمده الفقهاء المفرقون من وجهين: # أحدهما: منع الوصف الفارق في بعض الأصول المقيس عليها، وفي بعض صور ~~الفروع المقيس عليها. # والثاني: بيان عدم التأثير. # أما الأول: فإنه إذا قال: إن فعلت كذا فمالي صدقة، أو فأنا محرم، أو ~~فبعيري هدي: فالمعلق بالصفة وجود الصدقة والإحرام # PageV01P363 # والهدي، لا وجوبها، كما أن المعلق في قوله: فعبدي حر، وامرأتي طالق: وجود ~~الطلاق والعتق، لا وجوبهما. ولهذا اختلف الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، فيما ~~إذا قال: هذا هدي، وهذا صدقة لله، هل يخرج عن ملكه أو لا يخرج؟ فمن قال: ~~يخرج عن ملكه، فهو كخروج زوجه وعبده عن ملكه. أكثر ms243 ما في الباب: أن الصدقة ~~والهدي يتملكها الناس، بخلاف الزوجة والعبد، وهذا لا تأثير له. وكذلك لو ~~قال: علي الطلاق لأفعلن كذا، أو الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، فهو كقوله: علي ~~الحج لأفعلن كذا، فهو جعل المحلوف به هنا وجوب الطلاق لا وجوده كأنه قال: ~~إن فعلت كذا فعلي أن أطلق. # فبعض صور الحلف بالطلاق يكون المحلوف به صيغة وجوب، كما أن بعض صور الحلف ~~بالنذر يكون المحلوف به صيغة وجود. # وأما الجواب الثاني: فنقول: هب أن المعلق بالفعل هنا وجود الطلاق ~~والعتاق، والمعلق هناك وجوب الصدقة والحج والصيام والإهداء، أليس موجب ~~الشرط ثبوت هذا الوجوب وذاك الوجود عند وجود الشرط؟ # فإذا كان عند الشرط لا يثبت ذلك الوجوب، بل يجزيه كفارة يمين، فكذلك عند ~~الشرط لا يثبت هذا الوجود، بل يجزيه كفارة يمين، كما لو قال: هو يهودي أو ~~نصراني أو كافر إن فعل كذا، فإن المعلق هنا وجود الكفر عند الشرط، ثم إذا ~~وجد الشرط لم يوجد # PageV01P364 # الكفر بالاتفاق، بل يلزمه كفارة يمين أو لا يلزمه شيء. ولو قال ابتداء: ~~هو يهودي أو نصراني أو كافر: للزمه الكفر، بمنزلة قوله ابتداء: عبدي حر ~~وامرأتي طالق، وهذه البدنة هدي، وعلي صوم يوم الخميس. ولو علق الكفر بشرط ~~يقصد وجوده كقوله: إذا أهل الهلال فقد برئت من دين الإسلام، لكان الواجب أن ~~يحكم بكفره، لكن لا [يتأخر] الكفر، لأن توقيته دليل على فساد عقيدته. # فإن قيل في الحلف بالنذر: إنما عليه الكفارة فقط. # قيل مثله في الحلف بالعتق، وكذلك في الحلف بالطلاق، كما لو قال: فعلي أن ~~أطلق امرأتي. # ومن قال: إنه إذا قال: " فعلي أن أطلق امرأتي " لا يلزمه شيء، فقياس قوله ~~في الطلاق: لا يلزمه شيء. ولهذا توقف طاوس في كونه يمينا. # وإن قيل: إنه يخير بين الوفاء به والتكفير، فكذلك هنا يخير بين الطلاق ~~والعتق وبين التكفير. فإن وطئ امرأته كان اختيارا منه للتكفير، كما أنه في ~~الظهار يكون مخيرا بين التكفير وبين تطليقها، فإن وطئها لزمته الكفارة، ms244 لكن ~~في الظهار لا يجوز له الوطء حتى يكفر؛ لأن الظهار منكر من القول وزور حرمها ~~عليه. وأما هنا فقوله: إن فعلت فهي طالق، فهو بمنزلة قوله: فعلي أن أطلقها. ~~أو قال: والله لأطلقنها، فإن طلقها فلا شيء عليه، وإن لم يطلقها فعليه ~~كفارة يمين. # يبقى أن يقال: فهل تجب الكفارة على الفور إذا لم يطلقها # PageV01P365 # حينئذ، كما لو قال: والله لأطلقنها الساعة ولم يطلقها، أو لا تجب إلا إذا ~~عزم على إمساكها، أو لا تجب إلا إذا وجد منه ما يدل على الرضا بها من قول ~~أو فعل، كالذي يخير بين فراقها وإمساكها لعيب ونحوه، وكالمعتقة تحت عبد، أو ~~لا تجب بحال حتى يفوت الطلاق؟ قيل الحكم في ذلك كما لو قال: فثلث مالي صدقة ~~أو هدي ونحو ذلك. # والأقيس في ذلك: أنه مخير بينهما على التراخي، ما لم يوجد منه ما يدل على ~~الرضى بأحدهما، كسائر أنواع الخيار. ### | [فصل موجب نذر اللجاج والغضب] # فصل # موجب نذر اللجاج والغضب على المشهور عندنا أحد شيئين: # إما التكفير، وإما فعل المعلق. ولا ريب أن موجب اللفظ في مثل قوله: إن ~~فعلت كذا فعلي صلاة ركعتين، أو صدقة ألف، أو فعلي الحج، أو صوم شهر: هو ~~الوجوب عند الفعل. فهو مخير بين هذا الوجوب وبين وجوب الكفارة. فإذا لم ~~[يلتزم] الوجوب المعلق، ثبت وجوب الكفارة. فاللازم له أحد الوجوبين، كل ~~منهما ثابت بتقدير عدم الآخر، كما في الواجب المخير. # وكذلك إذا قال: إذا فعلت كذا فعلي عتق هذا العبد، أو تطليق هذه المرأة، ~~أو علي أن أتصدق أو أهدي، فإن ذلك يوجب استحقاق العبد للإعتاق، والمال ~~للتصدق، والبدنة للهدي. # ولو أنه نجز ذلك فقال: هذا المال صدقة، وهذه البدنة هدي، وعلي عتق هذا ~~العبد، فهل يخرج عن ملكه بذلك، أو يستحق # PageV01P366 # الإخراج؟ فيه خلاف، وهو يشبه قوله: هذا وقف. # وأما إذا قال: هذا العبد حر، وهذه المرأة طالق، فهو إسقاط بمنزلة قوله: ~~برئت ذمة فلان من كذا، ومن دم فلان، أو من ms245 قذفي. فإن إسقاط حق الدم والمال ~~والعرض من باب إسقاط حق الملك بملك البضع وملك اليمين. # فإذا قال: إن فعلت فعلي الطلاق، أو فعلي العتق، أو فامرأتي طالق، أو ~~فعبيدي أحرار، وقلنا: إن موجبه أحد الأمرين: فإنه يكون مخيرا بين وقوع ذلك ، ~~وبين وجوب الكفارة، كما لو قال: فهذا المال صدقة، أو هذه البدنة هدي. # ونظير ذلك ما لو قال: إذا طلعت الشمس فعبيدي أحرار، أو نسائي طوالق - ~~وقلنا: التخيير إليه - فإنه إذا اختار أحدهما كان ذلك بمنزلة اختياره أحد ~~الأمرين من الوقوع أو وجوب التكفير. [ومثال ذلك] أيضا: إذا أسلم وتحته أكثر ~~من أربع، أو أختان، فاختار إحداهما، فهذه المواضع التي تكون فيها الفرقة ~~أحد اللازمين: إما فرقة معين، أو نوع الفرقة، لا يحتاج إلى إنشاء طلاق، لكن ~~لا يتعين الطلاق إلا بما يوجب تعيينه، كما في النظائر المذكورة. # ثم إذا اختار الطلاق: فهل يقع من حين الاختيار، أو من حين الحنث؟ يخرج ~~على نظير ذلك. # فلو قال في جنس مسائل نذر اللجاج والغضب: اخترت التكفير أو اخترت فعل ~~المنذور: فهل يتعين بالقول، أو لا يتعين إلا بالفعل؟ # PageV01P367 # إن كان التخيير بين الوجوبين، تعين بالقول، كما في التخيير بين النساء، ~~وبين الطلاق والعتق. # وإن كان بين الفعلين لم يتعين إلا بالفعل، كالتخيير بين خصال الكفارة. # وإن كان بين الفعل والحكم، كما في قوله: إن فعلت كذا فعبدي حر، أو امرأتي ~~طالق، أو دمي هدر، أو مالي صدقة، أو بدنتي هدي: تعين الحكم بالقول، ولم ~~يتعين الفعل إلا بالفعل. والله سبحانه وتعالى أعلم. # آخر ما تيسر بحمد الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ~~PageV01P368 ms246