######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000350 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرد على الأخنائي واستحباب زيارة خير البرية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الردود :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الرد على الأخنائي #META# 030.LibURI :: JK_000350 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المطبعة السلفية #META# 044.EdPLACE :: القاهرة #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # كتاب الرد على الأخنائي واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية ~~PageV01P001 * بسم الله الرحمن الرحيم * # [ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ~~ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم تسليما بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه وأكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة وجعلهم خير أمة ~~أخرجت للناس وان أعظم نعمة أنعم الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~كتاب الله الذي لا تفنى عجائبه ولا يحاط بمعجزاته وقد أوتي صلى الله عليه ~~وسلم هذا الكتاب ومثله معه من السنة التي كان ينزل بها جبريل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما كان ينزل بالقرآن فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن فالذي ~~بلغه للناس صلى الله عليه وسلم من آيات ربه وما ثبت عنه في الصحيح من سنته ~~الشريفة ] ليس عن هوى النفس كما أنه ليس من الظن كحال الذين هم له مخالفون ~~بل هو @QB@ وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم ~~دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما ~~رأى أفتمارونه على ما يرى @QE@ أيها الجاهلون والذين أوتوا العلم يرون أن ~~ما أنزل إليه من ربه @QB@ هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد @QE@ فهم ~~له يتبعون فلهذا كان أفضل الخلق وأقربهم إلى الله من كات أتبع لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأضلهم واشقاهم من كان أبعد عن ذلك وهم الأخسرون وقد ~~يتفق من يكون فيه معرفة لبعض ما جاء به لكن PageV01P003 لم يتبعه فيكون ~~مشابها لليهود ومن كان يخالف ما جاء به جهلا وضلالا كان كالنصارى الذين هم ~~في دينهم يغلون والله هو المسئول أن يجعلنا وإخواننا من ms001 عبادة الذيم هم ~~بكتاب الله يهتدون وبرسول الله يؤمنون وبحبل الله يعتصمون ولأولياء الله ~~يوالون ولأعدائه يعادون وفي سبيله يجاهدون ولطريقي المغضوب عليهم والضالين ~~يجتنبون وللسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان ~~يتبعون # أما بعد ان إلى علمائهم وعبادهم وملوكهم وسوقتهم فليس لأحد وإن عظم علمه ~~وعبادته وملكه وسلطانه أن يعدل عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~ما يخالفه في شيء من الأمور الدينية باطنها وظاهرها وشرائعها وحقائقها بل ~~على جميع الخلق أن يتبعوه ويسلموا لحكمه قال الله تعالى @QB@ فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ وقال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ وما كان الناس ~~إلا أمة واحدة فاختلفوا @QE@ كما قال في سورة البقرة @QB@ فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه @QE@ الآية وفي صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا ~~فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدي من PageV01P004 ~~تشاء إلى صراط مستقيم وقد علق سبحانه بطاعته [ الفوز ] فقال في ذم ~~المنافقين @QB@ ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من ~~بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم @QE@ ~~إلى قوله @QB@ فأولئك هم الفائزون @QE@ إلى قوله @QB@ وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين @QE@ # وهذا الاصل متفق عليه بين كل من آمن به الايمان الواجب الذي فرضه الله ~~على الخلق وكل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع كما قال تعالى @QB@ فاتقوا ~~الله ما استطعتم @QE@ وهذا تبيين لقوله تعالى @QB@ اتقوا الله حق تقاته ~~@QE@ قال ابن مسعود حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا ~~يكفر لكن الأمر مشروط ms002 بالاستطاعة كما بينه في قوله تعالى @QB@ فاتقوا الله ~~ما استطعتم @QE@ فقد يخفى على الانسان بعض سنة الرسول وأمره مع اجتهاده في ~~طاعته فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران واذا اجتهد فأخطأ وفله أجر أخرجاه في ~~الصحيحين وقد يقول الرجل ويحكم بغير علم فيأثم على ذلك كما يأثم إذا قال ~~بخلاف ما يعلمه من الحق وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في ~~الجنة ورجل قضى للناسس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو ~~في النار وقد ذم الله القول بغير علم ونهى عنه في غير موضع من كتابه قال ~~تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي @QE@ الآية وقال تعالى عن ~~الشيطان @QB@ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون @QE@ وقال فيما يخاطب به أهل الكتاب @QB@ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما ~~لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم @QE@ الآية وقال @QB@ ألم يؤخذ ~~عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه @QE@ ~~وقال PageV01P005 @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على ~~الله إلا الحق @QE@ وجعل العامل بغير علم كاذبا والصادق هو الذي يتكلم بعلم ~~فقال تعالى @QB@ آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ~~نبئوني بعلم إن كنتم صادقين @QE@ وقال تعالى @QB@ قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين @QE@ لا سيما أهل الشرك فانه وصفهم بالافك مع الشرك وقرن الكذب ~~بالشرك كما قرن الصدق الاخلاص ولهذا يقرن بين المنافقين أهل الكذب وبين ~~المشركين في مثل قوله @QB@ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين @QE@ إلى ~~قوله @QB@ وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ واجتنبوا قول ~~الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك ms003 بالله فكأنما خر من السماء @QE@ ~~وقال عن أهل الكهف @QB@ هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم ~~بسلطان بين @QE@ الآية وقال عن الخليل @QB@ إنما تعبدون من دون الله أوثانا ~~وتخلقون إفكا @QE@ وقال لأبيه وقومه @QB@ ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله ~~تريدون @QE@ ومثل هذا مذكور في غير موضع من القرآن وكثير من الناس يقع في ~~الشرك والإفك جهلا وضلالا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع # والله سبحانه وتعالى قد أرسل جميع رسله وأنزل جميع كتبه بأن لا يعبد إلا ~~الله وحده لا شريك له لا يعبد معه لا ملك ولا نبي ولا صالح ولا تماثيلهم ~~ولا قبورهم ولا شمس ولا قمر ولا كوكب ولا ما صنع من التماثيل لأجلهم ولا ~~شيء من الاشياء وبين أن كل ما يعبد من دونه فانه لا يضر ولا ينفع وإن كان ~~ملكا أو نبيا وأن عبادته كفر فقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ~~فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا @QE@ إلى قوله @QB@ محذورا @QE@ بين ~~سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس لا يملكون كشف الضر ~~ولا تحويله وأن هؤلاء المدعوين من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ~~ويرجونه ويخافونه وكذلك كان قوم من الإنس PageV01P006 يعبدون رجالا من الجن ~~فآمن الجن المعبودون وبقي عابدوهم يعبدونهم كما ذكر ذلك ابن مسعود وقال ~~تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة @QE@ إلى ~~قوله @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ بين سبحانه أن كل ما ~~يدعى من دونه من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السموات ~~والأرض ولا لهم نصيب فيهما وليس لله ظهير يعاونه من خلقه وهذه الأقسام ~~الثلاثة هي التي تحصل مع المخلوقين إما أن يكون لغيره ملك دونه أو يكون ~~شريكا له أو يكون معينا وظهيرا له والرب تعالى ليس له من خلقه مالك ولا ~~شريك ولا ظهير لم يبق إلا الشفاعة وهو دعاء الشافع وسؤاله لله في المشفوع ~~له فقال تعالى ms004 @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ ثم إنه خص ~~بالذكر الملائكة والأنبياء في قوله @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ~~والحكم والنبوة @QE@ إلى قوله @QB@ بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ بين أن اتخاذهم ~~أربابا كفر وقال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم وقال المسيح @QE@ إلى قوله @QB@ والله هو السميع العليم @QE@ فقد بين ~~أن من دعا المسيح وغيره فقد دعا ما لا يملك ضرا ولا نفعا وقال لخاتم الرسل ~~@QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ~~@QE@ وقال @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون @QE@ وقال @QB@ قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله @QE@ ~~وقال @QB@ إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا @QE@ وقال @QB@ ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ~~أو يعذبهم فإنهم ظالمون @QE@ وقال @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشاء @QE@ وقال @QB@ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ~~@QE@ # ( فصل ) قد أرسل إلى بعض أصحابنا جزءا أخبر أنه صنفه بعض القضاة قد تكلم ~~PageV01P007 في المسألة التي انتشر الكلام فيها وهي السفر إلى غير المساجد ~~الثلاثة كالسفر إلى زيارة القبور هل هو محرم أو مباح أو مستحب وهي المسألة ~~التي أجبت فيها من مدة بضع عشرة سنة بالقاهرة فأظهرها بعض الناس في هذا ~~الوقت ظنا أن الذي لا خلاف الإجماع وأن السفر لمجرد قبور الأنبياء ~~والصالحين هو مثل السفر المستحب بلا نزاع وهو السفر إلى مسجد نبينا صلى ~~الله عليه وسلم المتضمن لما شرعه الله من السفر إلى مسجده والصلاة فيه ~~والسلام عليه ومحبته وتعظيمه وغير ذلك من حقوقه صلى الله عليه وسلم في ~~مسجده المؤسس على التقوى المجاور لقبره صلى الله عليه وسلم وظنوا أن السفر ~~لزيارة ms005 قبور جميع الأنبياء والصالحين مستحب مجمع على استحبابه مثل هذا ~~السفر المشروع بالنص وإجماع المسلمين إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~سواء سافر مع حج البيت أو بدون حج البيت فان هذا السفر المشروع إلى مدينته ~~بالنص والاجماع لا يختص بوقت الحج فان المسلمين على عهد خلفائه الراشدين ~~كانوا يحجون ويرجعون إلى أوطانهم ثم ينشئ السفر إلى مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ينشئه لأنه عبادة مستقلة بنفسها كالسفر إلى بيت المقدس والسفر ~~إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من السفر إلى المسجد الأقصى بالنص ~~والاجماع فظن من ظن أن السفر مشروع هو لمجرد القبر لا لأجل المسجد وأن ~~المسجد يدخل ضمنا وتبعا في السفر وأن قبور سائر الأنبياء كذلك أو أن ~~المسافرين لمجرد القبور سفرهم مشروع كالسفر إلى المساجد الثلاثة ومن الناس ~~من ظن أنه أفضل من السفر إلى المساجد الثلاثة حتى صرحوا بأنه أفضل من الحج ~~وأن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المسجد الحرام ~~ومسجد الرسول وعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك من المساجد والمشاعر التي أمر ~~الله ورسوله بالعبادة فيها والدعاء والذكر فيها وظن من ظن أن هذا مجمع عليه ~~وأن من قال السفر لغير المساجد الثلاثة سواء كان لقبر نبي أو غير نبي منهي ~~عنه أو أنه مبا ليس بمستحب فقد خالف الإجماع وليس معهم بما ظنوه نقل عن أحد ~~أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق ولا حجة من كتاب الله ولا سنة ~~رسوله بل الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة المشهورون وغيرهم على خلاف ما ~~ظنه فاجماع أهل العلم الذين تحزى أقوالهم في مسائل PageV01P008 الإجماع ~~والنزاع هو على خلاف ما ظنه الغالطون إجماعا وجرت في ذلك فصول # لكن المقصود هنا أنه أرسل إلي ما كتبه هذا القاضي وأقسم بالله علي أن ~~أكتب عليه شيئا ليظهر للناس جهل هؤلاء الذين يتكلمون في الدين بغير علم ~~وذلك أنهم رأوا في كلامه من الجهل والكذب والضلال مالا يظن أن يقع ms006 فيه آحاد ~~العلماء الذين يعرفون ما يقولون فكيف بمن سمى قاضي القضاة # ورأيت كلامه يدل على أن عنده نوعا من الدين كما عند كثير من الناس نوع من ~~الدين لكن مع جهل وسوء فهم وقلة علم حتى قد يجهل دين الرسول الذي هو يؤمن ~~به ويكفر من قال بقول الرسول وصدق خبره وأطاع أمره وقد يجهل أحدهم مذهبه ~~الذي انتسب إليه كما قد يجهل مذهب مالك وغيره من أئمة المسلمين الأربعة ~~وغيرهم فان هذه المسألة التي فيها النزاع وهي التي أجبت فيها وإن كانت في ~~كتب أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وقد ذكروا القولين وأبو حنيفة مذهبه في ~~ذلك أبلغ من مذهب الشافعي وأحمد فهي في كلام مالك وأصحابه أكثر وهي موجودة ~~في كتبهم الصغار والكبار ومالك نفسه نص على قبر نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم بخصوصه أنه داهل في هذا الحديث بخلاف كثير من الفقهاء فان كلامهم عام ~~لكن احتجاجهم بالحديث وغيره يبين أنهم قصدوا العموم وكذلك بيانهم لمأخذ ~~المسألة يقتضي العموم فهذا المعترض وأمثاله لا عرفوا ما قاله أئمتهم وأصحاب ~~أئمتهم ولا ما قاله بقية علماء المسلمين ولا عرفوا سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين ولا ما كان يفعله الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان # ونقل هذا المعارض عن الجواب ما ليس فيه بل المعروف المتواتر عن المجيب في ~~جميع كتبه وكلامه بخلافه وليس في الجواب ما يدل عليه بل على نقيض ما قاله ~~وهذا إما أن يكون عن تعمد للكذب أو عن سوء فهم مقرون بسوء الظن وما تهوى ~~الأنفس وهذا أشبه الأمرين به فان من الناس من يكون عنده نوع من الدين مع ~~جهل عظيم فهؤلاء يتكلم أحدهم بلا علم فيخطئ ويخبر عن الأمور بخلاف ما هي ~~عليه خبرا غير مطابق ومن تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام ~~وأخطأ فانه كاذب آثم PageV01P009 كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي في السنن عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم ms007 أنه قال القضاة ~~ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل قضى للناس على جهل فهو في النار ~~ورجل عرف الحق وقضى بخلافه فهو في النار ورجل علم الحق فقضى به فهو في ~~الجنة فهذا الذي يجهل وأن لم يتعمد خلاف الحق فهو في النار بخلاف المجتهد ~~الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ~~وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر فهذا جعل له أجرا مع خطأه لأنه اجتهد ~~فاتقى الله ما استطاع بخلاف من قضى بما ليس له به علم وتكلم بدون الاجتهاد ~~المسوغ له الكلام فان هذا كما في الحديث عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وفي ~~رواية بغير علم وفي حديث جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم من قال في ~~القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار وفي الصحيحين ~~عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله لا يقبض ~~العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء فاذا لم يبق عالما ~~اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وفي رواية ~~للبخاري فأفتوا برأيهم وهذا بخلاف المجتهد الذي اتقى الله ما استطاع وابتغى ~~طلب العلم بحسب الامكان وتكلم ابتغاء وجه الله وعلم رجحان دليل على دليل ~~فقال بموجب الراجح فهذا مطيع لله مأجور أجرين إن أصاب وإن أخطأ أجرا واحدا ~~ومن قال كل مجتهد نصيب بمعنى أنه مطيع للع فقد صدق ومن قال المصيب لا يكون ~~إلا واحدا وان الحق لا يكون إلا واحدا ومن لم يعلمه فقد أخطأ بمعنى أنه لم ~~يعلم الحق في نفس الأمر فقد صدق كما بسط هذا في مواضع # والمقصود أن من تكلم بلا علم يسوغ وقال غير الحق فانه يسمى كاذبا فكيف ~~بمن ينقل عن كلام موجود خلاف ما هو فيه مما يعرف كل من تدبر ms008 الكلام أن هذا ~~نقل باطل فان مثل هذا الكذب ظاهر والأول على صاحبه إثم الكذب ويطلق عليه ~~الكذب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كذب أبو السنابل وكما قال لما قيل ~~له PageV01P010 إنهم يقولون إن عامرا بطل عمله قتل نفسه فقال كذب من قال ~~ذلك وكما قال عبادة كذب أبو محمد لما قال الوتر واجب وقال ابن عباس كذب نوف ~~لما قال إن موسى صاحب بني اسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر ومثل هذا كثير ~~فاذا كان هذا الخبر الذي ليس بمطابق يسمى كذبا فما هو كذب ظاهر أولى ومثل ~~هذا إذا حكم بين الناس بالجهل فهو أحد القضاة الثلاثة الذين قال فيهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم ~~الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ورجل ~~قضى للناس على جهل فهو في النار وإن قيل فيه قد يكون مجتهدا مخطئا مغفورا ~~له فحكمه الذي أخطأ فيه وخالف فيه النص والاجماع باطل باتفاق العلماء وكذلك ~~حكم من شاركه في ذلك وكلام هذا وأمثاله يدل على أنهم بعيدون عن معرفة ~~الصواب في هذا الباب كأنهم غرباء عن دين الاسلام في مثل هذه المسائل لم ~~يتدبروا القرآن ولا عرفوا السنن ولا آثار الصحابة ولا التابعين ولا كلام ~~أئمة المسلمين وفي مثل هؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فشريعة الاسلام في هذا ~~الباب غريبة عند هؤلاء لا يعرفونها فان هذا وأمثاله لو كان عندهم علم بنوع ~~من أنواع الأدلة الشرعية في هذا الباب لوزعهم ذلك عما عليه جميع أئمة الدين ~~مع ما فيه من الافتراء على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى علماء ~~المسلمين وعلى المجيب # والاستدلال على ما ذكروه بما لا يصلح أن يكون دليلا إما حديث صحيح لا يدل ~~على المطلوب وإما خبر معتل مكذوب والمستدل بالحديث عليه أن يبين صحته ويبين ms009 ~~دلالته على مطلوبه وهذا المعترض لم يجمع في حديث واحد بين هذا وهذا بل إن ~~ذكر PageV01P011 صحيحا لم يكن دالا على محل النزاع وإن اشار إلى ما يدل لم ~~يكن ثابتا عند أهل العلم بالحديث الذين يعتد بهم في الاجماع والنزاع فأما ~~ما فيه من الافتراء والكذب على المجيب فليس المقصود الجواب عنه وله أسوة ~~أمثاله من أهل الافك والزور وقد قال الله تعالى @QB@ إن الذين جاؤوا بالإفك ~~عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من ~~الإثم @QE@ بل المقصود الانتصار لله ولكتابه ولرسوله ولدينه وبيان جهل ~~الجاهل الذي يتكلم في الدين بالباطل وبغير علم فأذكر ما يتعلق بالمسألة ~~وبالجواب وليس المقصود أيضا العدوان على أحد لا المعترض ولا غيره ولا بخس ~~حقه ولا تخصيصه بما لا يختص به مما يشركه فيه غيره بل المقصود الكلام بموجب ~~العلم والعدل والدين كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى @QE@ وليس أيضا المقصود ذم شخص معين بل المقصود بيان ما يذم وينهى ~~عنه ويحذر عنه من الخطأ والضلال في هذا الباب كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول ما بال رجال يقولون أو يفعلون كذا فيذم ذلك الفعل ويحذر عن ذلك ~~النوع وليس مقصوده إياذاء شخص معين ولكن لما كان هذا صنف مصنفا وأظهره ~~وشهره لم يكن بد من حكاية ألفاظه والرد عليه وعلى من هو مثله ممن ينتسب إلى ~~علم ودين ويتكلم في هذه المسألة بما يناقض دين المسلمين حيث يجعل ما بعث ~~الله به رسوله كفرا وهذا رأس هؤلاء المبدلين فالرد عليه رد عليهم & فصل & # قال المعترض أما بعد فان العبد لما وقف على الكلام المنسوب لابن تيمية ~~المنقول عنه من نسخة فتياه ظهر لي من صريح ذلك القول وفحواه مقصده السيء ~~ومغزاه وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه أن ~~ذلك معصية محرمة ms010 مجمع عليها # فيقال هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل والافتراء ما يلحق صاحبه ~~PageV01P012 بالكذابين المردودي الشهادة أو الجهال البالغين في نقص الفهم ~~والبلادة وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد ~~وأن يذكر معناه فيسلك طريق الهدي والسداد فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه ولا ~~يذكر ما فيه فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم وذلك أن الجواب ~~ليس فيه تحريم زيارة القبور البتة لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيره ولا ~~كان السؤال عن هذا وانما فيه الجواب عن السفر إلى القبور وذكر قولي العلماء ~~في ذلك والمجيب قد عرفت كتبه وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور وفي ~~جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ويذكر زيارة ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مسجده والأدب في ذلك وما قاله ~~العلماء وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية ولا ~~حكاه على أحد بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب أن زيارة القبور مستحبة ~~بالاجماع ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعا وهو نزاع مرجوح والصحيح أنها مستحبة ~~وهو في هذا الجواب إنما ذكر القولين في السفر إلى القبور وذكر أحد القولين ~~أن ذلك معصية ولم يقل إن هذا معصية محرمة مجمع عليها لكن قال إذا كان السفر ~~إليها ليس للعلماء فيه إلا قولان قول من يقول إنه معصية وقول من يقول إنه ~~ليس بمحرم بل لا فضيلة فيه وليس بمستحب فاذن من اعتقد أن السفر لزيارة ~~قبورهم أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك ~~طاعة كان ذلك محرما بالإجماع فهذا الإجماع حكاه لأن علماء المسلمين الذين ~~رأينا أقوالهم اختلفوا في قوله لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى هل هو تحريم لذلك أو نفي لفضيلته على ~~قولين عامة المتقدمين على الأول مع اتفاقهم على أن هذا يتناول السفر إلى ~~القبور فان الصحابة ms011 والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى ~~القبور وآثار الأنبياء داخل هذا النهي كالسفر إلى الطور الذي كلم الله عليه ~~موسى وغيره وأن كان الله سماه الوادي المقدس وسماه البقعة المباركة ونحو ~~ذلك فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كما لم يعرف PageV01P013 عنهم ~~نزاع أن ذلك منهي عنه وأن قوله لا تشد الرحال ني بصيغة الخبر كما قد جاء في ~~الصحيح بصيغة النهي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد ~~الاقصى فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه فان لفظه صلى ~~الله عليه وسلم صريح في النهي ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر ~~إلى البقاع المعظمة غير المساجد سواء كان النهي عنها بطريق فحوى الخطاب ~~وأنه إذا نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة فالنهي عن السفر إلى ما ليس ~~بمسجد اولى أو كان بطريق شمول اللفظ فالصحابة الذين رووا هذا الحديث بينوا ~~عمومه لغير المساجد كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة ~~الغفاري أنه قال لابي هريرة من أين أقبلت قال من الطور فقال لو أدركتك قبل ~~أن تخرج لما خرجت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تعمل المطي ~~إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو ~~قال بيت المقدس وقال أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار المدينة ~~النبوية حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا عبد الحميد بن بهرام حدثنا شهر بن ~~حوشب سمعت أبا سعيد الخدري وذكر عنده الصلاة في الطور فقال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه ~~الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا فهذا فيه أنه رواه ms012 ~~بلفظ مسجد وبين أن النهي متناول للطور وان لم يكن مسجدا بطريق الأولى فان ~~الذين يقصدون الطور ومثله لا يقصدونه لأنه مسجد بل ولم يكن هناك قرية يتخذ ~~المسلمون فيها مسجدا وبناء المسجد حيث لا يصلى فيه بدعة وإنما يقصدونه لشرف ~~البقعة فعلم أن النهي عن المساجد نهى عن غيرها بطريق الأولى وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحب البقاع إلى الله المساجد ~~فاذا كان قد حرم السفر إلى أحل البقاع إلى الله غير الثلاثة فما دونها في ~~الفضيلة أولى أن ينهى عنه كما قال الصحابة ومنهم أيضا ابن عمر قال أبو زيد ~~حدثنا ابن أبي الوزير حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن PageV01P014 طلق عن ~~قزعة قال أتيت ابن عمر فقلت إني أريد الطور فقال إنما تشد الرحال إلى ثلاثة ~~مساجد المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى فدع عنك الطور فلا تأته # لكن طائفة من المتأخرين قالوا ليس هذا نهيا بل هو نفي لاستحباب السفر إلى ~~غير الثلاثة ونفي لوجوب السفر بالنذر إلى غير الثلاثة وهؤلاء يقولون إن ~~الحديث عام في السفر إلى قبور الأنبياء وآثارهم وغير ذلك # وقال ابن حزم الظاهري السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة حرام وأما ~~السفر إلى آثار الأنبياء فذلك مستحب ولأنه ظاهري لا يقول بفحوى الخطاب وهو ~~إحدى الروايتين عن داود الظاهري فلا يقول إن قوله @QB@ فلا تقل لهما أف ~~@QE@ يدل على النهي عن الضرب والشتم ولا إن قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق @QE@ يدل على تحريم القتل مع الغنى واليسار وأمثال ذلك ~~مما يخالفه فيه عامة علماء المسلمين ويقطعون بخطأ من قال مثل ذلك فينسبونه ~~إلى عدم الفهم ونقص العقل ومع هذا فلم أجده ذكر ذلك إلا في آثار الأنبياء ~~لا في القبور # وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور فما رأيت أحدا من علماء المسلمين قال ~~إنه مستحب وإنما تنازعوا هل هو منهي عنه أو مباح وهذا الإجماع والنزاع لم ~~يتناول المعنى الذي أراده العلماء ms013 بقولهم يستحب زيارة قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا إطلاق القول بأنه يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في ~~كلام كثير منهم فانهم يذكرون الحج ويقولون يستحب للحاج أن يزور قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن هذا إنما يمكن مع السفر لم يريدوا بذلك زيارة ~~القريب بل أرادوا زيارة البعيد فعلم أنهم قالوا يستحب السفر إلى زيارة قبره ~~لكن مرادهم بذلك هو السفر إلى كسجده إذ كان المصلون والزوار لا يصلون إلا ~~إلى مسجده لا يصل أحد إلى قبره ولا يدخل إلى حجرته ولكن قد يقال هذا في ~~الحقيقة ليس زيارة لقبره ولهذا من كره من العلماء أن يقال زرت قبره ومنهم ~~من لم يكرهه والطائفتان متفقون على أنه لا يزار قبره كما تزار القبور بل ~~إنما يدخل إلى مسجده وأيضا فالنية PageV01P015 في السفر إلى مسجده وزيارة ~~قبره مختلفة فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهذا مشروع بالنص والإجماع ~~وإن كان لم يقصد إلا القبر فهذا مورد النزاع فمالك والأكثرون يحرمون هذا ~~السفر وكثير من الذين يحرمونه لا يجوزون قصر الصلاة فيه وآخرون يجعلونه ~~سفرا جائزا وإن كان غير مستحب ولا واجب بالنذر # وأما من كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معا فهذا قد قصد مستحبا مشروعا ~~بالإجماع وهذا لم يكن في الجواب تعرض لهذا والجواب في السؤال كان عمن سافر ~~لا يقصد إلا زيارة القبور لا يقصد سفرا شرعيا كالسفر إلى مكة وإلى مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى ولم يكن السؤال ولا الجواب عمن ~~سافر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وان قصد مع ذلك السفر إلى قبره فان ~~هذا لم تجمع العلماء على أنه سفر غير مستحب بل أصحاب أحمد لهم في المسافر ~~إلى القبور هل يقصر الصلاة أربعة أوجه قيل يقصر مطلقا وقيل لا يقصر مطلقا ~~وقيل لا يقصر إلا إلى قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وقيل إلى قبور الأنبياء ~~مطلقا فهذان الوجهان من لم يعرفهما تخبط ms014 في هذه المسائل فيعرف العمل الممكن ~~المشروع والقصد في ذلك ليظهر له الفرق بين الرسول وبين غيره من جهة الفعل ~~والقصد فان السفر المسمى زيارة له إنما هو سفر إلى مسجده وقد ثبت بالنص ~~والإجماع أن المسافر ينبغي له أن يقصد السفر إلى مسجده والصلاة فيه وعلى ~~هذا فقد يقال نهيه عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد لا يتناول شدها إلى ~~قبره فان ذلك غير ممكن لم يبق إلا شدها إلى مسجده وذلك مشروع بخلاف غيره ~~فانه يمكن زيارته فيمكن شد الرحل اليه لكن يبقى قصد المسافر ونيته ومسمى ~~الزيارة في لغته هل قصده مجرد القبر أو المسجد أو كلاهما كما قال مالك لمن ~~سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن كان أراد ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل فيه وإن كان أراد القبر فلا ~~يفعل للحديث الذي جاء لا يعمل المطي إلا إلا ثلاثة مساجد فهذا السائل من ~~عرفه أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم تتناول من أتى المسجد وكان ~~قصدة القبر ومن أتاه وقصده المسجد وهذا عرف عامة الناس المتأخرين يسمون هذا ~~كله زيارة لقبره ولم يكن PageV01P016 هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين ~~لهم باحسان بل تغير الاصطلاح في مسمى اللفظ والمقصود به وهو صلى الله عليه ~~وسلم لا يشرع للقريب من زيارته ما نهى عنه المسافر الذي يشد الرحل بخلاف ~~غيره فلا يقال إن زيارته بلا شد رحل مشروعة ومع شد الرحل منهي عنها كما ~~يقال في سائر المشاهد وفي قبور الشهداء وغيرهم من أموات المسلمين إذ لم ~~يشرع للمقيمين بالمدينة من زيارته ما ينهى عنها المسافرون بل جميع الأمة ~~مشتركون فيما يؤمرون به من حقوقه حيث كانوا بل قد قيل إن الأمر بالعكس وأنه ~~يستحب للمسافر من السلام عليه والوقوف على قبره مالا يستحب لأهل البلد وإذا ~~كان لا يمكن إلا العبادة في مسجده فهذا مشروع لمن شد الرحل ومن لم يشده ~~تبقى النية ms015 كما ذكر مالك وهذه النية التي يقصد صاحبها القبر دون المسجد قد ~~نص مالك وغيره على أنها مكروهة لأهل المدينة قصدا وفعلا فيكره لهم كلما ~~دخلوا المسجد أو خرجوا منه أن يأتوا القبر وقد ذكر مالك أن هذا بدعة لم ~~يبلغه عن أحد من السلف ونهى عنها وقال لن يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح ~~أولها فالذي يقصد مجرد القبر ولا يقصد المسجد خالف الحديث والإجماع فانه قد ~~ثبت عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجده مستحب وأن الصلاة فيه بألف صلاة ~~واتفق المسلمون على ذلك وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام وقال ~~بعضهم أنه أفضل من المسجد الحرام ومسجده يستحب السفر إليه والصلاة فيه ~~مفضلة لخصوص كونه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بناه هو وأصحابه ~~وكان يصلي فيه هو وأصحابه فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يدفن في حجرة عائشة وكذلك هي ثابتة بعد موته ليست ~~فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر كما أن المسجد الحرام مفضل لا لأجل قبر ~~وكذلك المسجد الأقصى مفضل لا لأجل قبر فكيف لا يكون مسجد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مفضلا لا لأجل قبر فمن ظن أن فضيلته لأجل القبر أو أنه إنما ~~يستحب السفر إليه لأجل القبر فهو جاهل مفرط في الجهل مخالف لاجماع المسلمين ~~ولما علم من سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهذا تنقص بالرسول وبقوله ~~ودينه مكذب له فيما قاله مبطل لما شرعه وإن ظن أنه يعظمه كما أن النصارى ~~يكذبون كثيرا PageV01P017 مما أخبر به المسيح عن ربه عز وجل ودينه ويظنون ~~ذلك تعظيما له ولدينه وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا به عن الله ~~وطاعتهم فيما أمروا به ومتابعتهم ومحبتهم وموالاتهم لا التكذيب بما أرسلوا ~~به والاشراك بهم والغلو فيهم بل هذا كفر بهم وطعن فيهم ومعاداة لهم # والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد ~~والصلاة فيه كما إذا ms016 سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى وإذا سافر إلى ~~القبر دون المسجد وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا لأجل القبر واعتقد أن ~~السفر إليه تبعا للقبر كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلى في المسجد ~~هناك فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبره كالسفر إلى ~~هؤلاء والمساجد التي عندهم فقد خالف إجماع المسلمين وخرج عن شريعة سيد ~~المرسلين وما سنة لامته الغر الميامين بخلاف الذي قصد المسجد وإلا فمن جهة ~~العمل لا يمكن أحدا أن يفعل عند قبره لا سنة ولا بدعة إنما يفعل ذلك في ~~المسجد فمن فعل فيه سنة حمد عليها وأجر عليها ومن فعل فيه بدعة ذم ونهي ~~عنها ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال المدينة حرم ما بين عير ~~إلى ثور من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا والله سبحانه قد فرق بين قبر رسوله ~~وقبر غيره فانهم دفنوه بالحجرة لم يبرزوا قبره كما كانوا يبرزون قبورهم ~~خوفا أن يتخذ مسجدا ثم إنهم منعوا الناس من زيارته كما يزورون القبور فلم ~~يكونوا يمكنون الناس من الدخول إلى قبره لزيارته ثم إنهم سدوا باب الحجرة ~~وبنوا عليها حائطا آخر فلم يبق أحد متمكنا من زيارته كما تزار القبور ولهذا ~~لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بهذا الاسم في حقه فقال تستحب زيارة ~~قبره أو لا تستحب أو نحو ذلك ولا علق بهذا الاسم حكما شرعيا وقد ذكره من ~~كره من العلماء التكلم به وذلك اسم لا مسمى له ولفظ لا حقيقة له وإنما تكلم ~~به من تكلم من المتأخرين ومع هذا فلم يريدوا به ما هو المعروف من زيارة ~~القبور فانه معلوم أن الذاهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده ليس هناك زيارة ~~تفعل في غير مسجده ولو PageV01P018 قدر أنه وقف في الطريق من جهة المشرف ~~وفعل ما فعل لم يكن هناك سنة عند أحد ms017 من العلماء وإذا كان لا بد للزائر من ~~المسجد فالمسجد نفسه يشرع إتيانه سواء كان القبر هناك أو لم يكن وكل ما ~~يشرع فيه من العبادات فانه مشروع سواء كان القبر هناك أو لم يكن وسواء تعلق ~~بالرسول كالصلاة والسلام عليه وسؤال الله له الوسيلة والثناء عليه والمحبة ~~والتعظيم والتوقير وغير ذلك من حقوقه صلى الله عليه وسلم أو لم يتعلق ~~بالرسول كالصلاة والاعتكاف مع أنه لا بد في ذلك من ذكر الرسول بالشهادة له ~~والسلام عليه وكذلك الصلاة عليه وهذه العبادات وغيرها وحقوقه وغير حقوقه هي ~~مشروعة في جميع المساجد وإن لم يكن هناك قبره بل في جميع البقاع إلا ما ~~استثناه الشرع # وإذا كان السفر الذي يسمى زيارة لقبره إنما هو سفر إلى مسجده لا إلى غيره ~~وكان ما شرع فيه مشروعا في ذلك المسجد وفي غيره وإن لم يكن القبر هناك لم ~~يكن شيء من ذلك مشروعا لأجل القبر ولا مختصا به # وأما ما يفعله بعض الناس من البدع المختصة بالقبر فذلك ليس بمشروع بل هو ~~منهي عنه # فتبين أنه ليس في الشريعة عمل يسمى زيارة لقبره وأن هذا الاسم لا مسمى له ~~والذين أطلقوا هذا الاسم إن أرادوا به ما يشرع فالمعنى صحيح لكن عبروا عنه ~~بلفظ لا يدل عليه ولهذا كره من كره أن يقال لمن سلم عليه هناك زرت قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وان أرادوا مالا يشرع فذاك المعنى خطأ مفهوم ومع ~~هذا فليس هو زيارة فلو قدر أن بعض الناس أشرك في مسجده واتخذه آلها وسجد ~~للقبر وطاف به سبعا واستلمه وقبله لم يكن شيء من ذلك زيارة لقبره وإن كان ~~محرما فهذا لفظ لا حقيقة له بل يقال لمن أطلقه @QB@ إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان @QE@ وهذا بخلاف قبر غيره ~~فانه ليس على الناس من حقوقه في سائر البقاع ما عليهم من حق النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا أمروا أن يصلوا عليهم ms018 ويسلموا عليهم حيث كانوا كما أمروا ~~بذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنهم حيث صلوا وسلموا عليه بلغه ~~صلاتهم وسلامهم لا يختص بيته PageV01P019 بذلك كما جاءت الأحاديث وغيره ~~يستحب أن يزار فيوصل إلى قبره فيدعى له والصلاة على القبر مشروعة لمن لم ~~يصل على الميت عند أكثر العلماء كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة وهم ~~متنازعون إلى كم يصلى على القبر وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد أن ~~يصلى عليه أبدا واتفقوا على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى عليه ~~كما لم يصلي عليه أحد من المسلمين بعد أن دفن فهذا لعلو قدره لا لخفضه عن ~~غيره فانه قد شرع في حقه من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ما هو أعظم من ~~الصلاة عليه عند القبر والصلاة عليه عند القبر يخاف فيها أن يتخذ قبره وثنا ~~وعيدا والرسول صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون محبة المؤمن له وتعظيمه له ~~وصلاتخ وسلامه عليه وسائر حقوقه موجودا معه في جميع البقاع لا يختص القبر ~~بشيء من حقوقه فمن خص القبر بشيء من حقوقه قصر فيه عند غير القبر فهو مقصر ~~في حق الرسول صلى الله عليه وسلم مريد لما نهى عنه من اتخاذ قبره عيدا وذلك ~~يفضي إلى أن يقصر الناس في حقوقه في سائر البقاع وكذلك ما يفعل عند قبر ~~غيره من الزيارة هو عند قبره ليس بمأمور ولا مقدور لعلو قدره واختصاصه بما ~~ميزه الله على غيره صلى الله عليه وسلم كما خص بأن دفن في الحجرة ولم برزوا ~~قبره # فتبين أن ما في الجواب من قول المجيب السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء هل ~~هو محرم أو مباح ونحو ذلك لا يتناول قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~بالنية فقط كما قال مالك وإلا فذلك أمر ليس بمقدور وما ليس بمقدور فهو ~~بالضرورة ليس بمشروع ولا مأمور به وأما السفر المشروع إلى هناك فهذا لا ~~يدخل في هذا اللفظ قطعا فانه ليس ms019 سفرا لمجرد زيارة قبره لا من جهة الفعل ~~ولا من جهة القصد ومما يبين هذا أن جميع من يسافر لزيارة قبره إنما يصل إلى ~~مسجده ويصلي فيه لكن من الذين يسافرون إلى هناك من لا يعلم أن الدخول هو ~~إلى مسجده ويصلي فيه لكم من الذين يسافرون إلى هناك من لا يعلم أن الدخول ~~هو إلى المسجد وأن القبر محجوب ومنهم من قد عرف ذلك لكن قد يظن أن المسجد ~~بني لأجل القبر كما يبنى على بعض القبور مساجد لأجلها فيأتي الزائر فيصلي ~~فيها أولا تحية المسجد أو غيرها والمقصود هو القبر وهؤلاء منهم من لا يعرف ~~أن مسجده محترم معظم يقصد لنفسه لا لأجل القبر ومنهم من لا يعرف أن الصلاة ~~فيه PageV01P020 بألف صلاة ولا أن السفر مشروع اليه كما يشرع إلى المسجد ~~الحرام والمسجد الاقصى بل يظن كثير منهم أن السفر إنما هو لأجل القبر ولا ~~يعلم أن السفر إلى مسجده مشروع مستحب مرغب فيه وأنه أفضل المساجد بعد ~~المسجد الحرام أو مطلقا وأن الصلاة فيه بألف صلاة سواء كان عنده القبر أو ~~لم يكن كما كانت هذه الفضيلة ثابتة له في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بل كان الذين يصلون فيه إذ ذاك أفضل من غيرهم وكانت الهجرة واجبة له في ~~حياة الرسول قبل فتح مكة على المسلمين أن يهاجرة إلى المدينة دار الهجرة ~~ودار السنة ودار النصرة ومن كان بها كان عليه أن يصلي في المسجد النبوي ولو ~~لم يكن إلا الجمعة فان الجمعة فرض على الأعيان باتفاق الأمة ولم يكن على ~~عهده بالمدينة مسجد يصلى فيه الجمعة إلا مسجده وهو أول مسجد أسس على التقوى ~~وأول مسجد أذن فيه وأقيم فيه الصلاة فمن علم فضيلته وفضيلة الصلاة فيه ~~وفضيلة السفر إليه وهو يريد السفر إلى القبر ويعلم أنه إنما يصل إلى مسجده ~~فهذا لا بد إن كان مؤمنا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقصد ~~السفر إلى مسجده وإن قصد مع ms020 ذلك القبر لا يتصور من المؤمن به العالم ~~بشريعته العالم أن المسافر إلى هناك يصل إلى مسجده لا يتصور مع هذا العلم ~~والمعرفة والايمان أن لا يقصد السفر إلى مسجده بل لا يقصد إلا مجرد القبر ~~بل الذي يسافر ولا يقصد إلا مجرد القبر إما أن يكون جاهلا بشريعته وفضيلة ~~السفر إليه أو جاهلا بالحال لا يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده أو لا يعلم أن ~~مسجده مؤسس على التقوى مقصود معظم قبل حصول القبر فانه لم يبن لأجل القبر ~~ولا حرمته وفضيلته وعظمته لأجله فلا يتصور أن يقصد مجرد القبر إلا من يكون ~~جاهلا بهذا أو بهذا أو بهذا وإن كان عالما بذلك كله ومع هذا ليس قصده إلا ~~السفر إلى القبر كما يسافر إلى قبر من يعظمه من الصالحين وغيرهم والسفر إلى ~~المسجد ليس له عنده حرمة ولا يعتقد فضيلته ولا يقصد السفر إليه مع علمه أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم رغب في ذلك وبين فضل مسجده فهذا لا يكون إلا ~~كافرا بالرسول ومثل هذا يقع من المشركين الذين يرون قصد القبور المعظمة ~~أولى من قصد المساجد والحج اليها أفضل من الحج إلى مكة ودعاء الخلق أفضل من ~~دعاء PageV01P021 الخالق والدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد والمشاعر ~~ومنهم من يجعل استقبالها في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول هذه قبلة ~~الخاصة والكعبة قبلة العامة ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به ~~الرسول ومن الشرك برب العالمين لا يفعل هذا من يعلم أن الرسل جاء بخلافه ~~وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يسوغ خلافه بل إنما يفعل هذا من كان جاهلا ~~بسنة الرسول أو من يجعل له طريقا إلى الله غير متابعة الرسول مثل من يجعل ~~الرسول مبعوثا إلى العامة وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى ~~متابعة الرسول أو أن لهم طريقا أفضل من طريقة الرسول ونحو ذلك وهؤلاء كلهم ~~كفار وان عظموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم ومنهم من يجعل ms021 قبر شيخه ~~أعظم من قبر الرسول ومنهم من يجعل قبر الرسول أعظم ولكن يعظم أصحاب القبور ~~من جهة أنه يعبدهم ليقربوه إلى الله زلفى لا يعظم الرسول من جهة أنه رسول ~~الله الذي أوجب على جميع الخلق اتباعه وطاعته وسلوك سبيله واتباع ما جاء به ~~وهذا نعت المؤمن به والمؤمنون به لا يعرضون عن قصد السفر إلى مسجده مع ~~علمهم أنهم يصلون إلى مسجده إلا بجهلهم بسنته فاذا عرفوها دعاهم الايمان به ~~إلى متابعته صلى الله عليه وسلم تسليما والمجيب إنما ذكر النزاع في السفر ~~لمجرد زيارة القبور فلم يدخل في هذا السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وهو المراد بالسفر لزيارة قبره فهل يمكن هذا المعترض أن يحكي عن إمام ~~من أئمة المسلمين أنه قال يستحب السفر لمجرد زيارة القبور أو أنه يستحب ~~السفر إلى زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده أو بدون دخوله هل قال هذا أحد ~~أو أنه يستحب السفر إلى القبر دون قصد المسجد مع أنه إنما يصل إلى المسجد ~~والسفر اليه مستحب بالنص والاجماع والصلاة فيه مفضلة فهل قال مسلم إن هذا ~~المستحب بالنص والاجماع مع فعل الانسان له إذا لم يقصده البتة وإنما قصد ~~مجرد القبر يكون هذا السفر مستحبا بنص واجماع أو هل قال ذلك إمام من أئمة ~~المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين وإن لم يكن هنا نص ولا إجماع وهل ~~يترك قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه مع كونه يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده ~~إلا من هو جاهل بدينه أو كافر بما جاء به فان هذا ليس عليه في النية كلفة ~~أصلا PageV01P022 فانه إذا كان لا بد له من الوصول إلى المسجد ومن الصلاة ~~فيه لم يبق إلا أنه يقصد ذلك في ابتداء السفر فاذا لم يقصده فانه يكون ~~جاهلا بأن ذلك مستحب مشروع كما يوجد عليه كثير من الجهال يظنون أن المشروع ~~إنما هو السفر إلى القبر والسفر إلى المسجد تبع للقبر فاذا عرف الجاهل ~~بسنته المعلومة عند ms022 جميع علماء أمته ثم من بعد ذلك يشاق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين فان الله يوليه ما تولى ويصليه جهنم ~~وساءت مصيرا فاذا لم يعرف أن إماما من أهل الاجتهاد قال إنه يستحب السفر ~~إلى مجرد القبر دون المسجد وان كان المسافر يعلم أنه إنما يصل إلى المسجد ~~وأن سفره مشروع ثم لا يقصد ذلك فيكون سفره مشروعا مستحبا هذا مما يقطع بانه ~~لا يقوله عالم فاذا لم يثبت ذلك سلم الاجماع المذكور وإن قدر أن هذا قول ~~ثالث كان ذلك قولا خفيا قاله بعض المتأخرين لم يبلغ المجيب والمجيب ذكر ~~إجماع العلماء الذين عرفت أقوالهم في هذا الحديث وفي هذه المسألة وهذا ~~مبسوط في مكان آخر # والمقصود هنا أن ما حكاه عن المجيب أنه يحرم زيارة قبور الأنبياء وزيارة ~~القبور كذب بين على المجيب ليس في الجواب وإنما فيه السفر خاصة وكلام ~~المجيب فيما لا يحصيه إلا الله يبين كذب النقل وأنه يستحب زيارة قبور ~~المؤمنين عموما فضلا عن الصالحين والأنبياء بل نفس السفر الذي ذكر فيه ~~القولين لم يذكر أنه يختار أحد القولين بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء فكيف يجوز ~~أن يحكى عنه أنه حرم زيارة قبور الانبياء والصالحين وسائر القبور وانه ادعى ~~أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها ثم من المعلوم لكل من قرأ شيئا من العلم ما ~~في كتب العلماء من إباحة زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك وذكر النزاع ~~في زيارتها للنساء هذا موجود في الكتب الصغار والكبار وقد قرأه المجيب وقرئ ~~عليه مرات لا يحصيها إلا الله وليس هذا مما يخفى على آحاد الطلبة الذين ~~يحضرون عنده فكيف يحكي إجماع المسلمين على أن زيارة قبور الأنبياء وسائر ~~القبور معصية محرمة ولو كان لهذا القاضي نوع عقل وحكى له ذلك عن آحاد ~~الطلبة لم يصدقه وقال هل في الاسلام من ينتسب إلى أدنى علم يقول إن زيارة ~~القبور معصية محرمة PageV01P023 مجمع عليها وهل في الاسلام شخص يحكي ~~الإجماع على ms023 تحريم زيارة القبور مطلقا وإذا كان هذا ما يعلم انتفاؤه عن ~~جميع المسلمين كان انتفاؤه عن المجيب أولى فكان الواجب عليه أن يكذب ناقل ~~ذلك فضلا عن أن يكون هو الناقل عن جواب قد رآه الناس وعلموا أنه ليس فيه ~~ذلك وإنما ذكر الخلاف في السفر إليها والسفر إليها مسألة وزيارتها بلا سفر ~~مسألة # وأما قبر النبي صلى الله عليه وسلم فالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده ~~والسفر إلى مسجده مستحب بالاجماع ليس من مسائل النزاع وكل من علم أنه إنما ~~يصل إلى مسجده وعلم أنه مسجده الذي كان يصلي فيه هو وأصحابه وأنه أفضل ~~المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقا وأنه صلى الله عليه وسلم جعل الصلاة ~~فيه بألف صلاة وأنه قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ونحو ذلك وهو ~~مؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يقصد إذا سافر إلى هناك السفر ~~إلى مسجده لا يمكن مع علمه بذلك وإيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم أن لا ~~يقصد السفر إلى مسجده فلا يقصد السفر إلى القبر دون المسجد إلا جاهل أو ~~كافر لكن كثير من الاس قد عرفوا فضيلة مسجده والسفر إليه فهم يقصدون ذلك ~~ويقصدون السفر إلى القبر أيضا ثم منهم من يستوي عنده القصدان ومنهم من يكون ~~قصد المسجد أقوى عنده ومنهم من يكون قصد القبر أقوى عنده وهؤلاء يظنون أن ~~قصد السفر إلى قبره من المحبة له والتعظيم وأن ذلك أعظم من قصد السفر إلى ~~مسجده وهم غالطون في ذلك فان السفر إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم ~~والتأسي بابراهيم فيما كان يفعله هناك من الحج أفضل من زيارة قبر إبراهيم ~~بالكتاب والسنة والاجماع بل الحج كما حج إبراهيم قد فرضه الله على عباده ~~والسفر إلى غير المساجد الثلاثة قد نهى عنه وكذلك السفر إلى بيت المقدس هو ~~أفضل من السفر إلى قبر سليمان الذي بناه بعد إبراهيم وكذلك السفر إلى مسجد ~~نبينا صلى الله عليه وسلم والتأسي به فيما ms024 كان يفعله فيه من العبادات وفعل ~~ما رغب في فعله في المسجد هو الذي يصدر عن الايمان بالرسول صلى الله عليه ~~وسلم ومحبته وتعظيمه دون السفر إلى مجرد قبره ولو قدر أن شخصا سافر إلى قبر ~~إبراهيم ولم يسافر إلى مسجده المسجد PageV01P024 الحرام وهو الحج واعتقد ~~أنهما سواء أو أن السفر إلى قبره أفضل كان كافرا وكذلك بيت المقدس من اعتقد ~~أن السفر إلى قبر سليمان أفضل من السفر إليه أو هما سواء كان كافرا كذلك ~~السفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اعتقد أن السفر إلى مجرد القبر أفضل ~~من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل بشريعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم واما كافر به وهؤلاء نظير الذي يعتقد أن السفر إلى قبور الأنبياء ~~والصالحين مثل الحج أو أفضل من الحج وهذا لا يعتقده إلا جاهل مفرط في الجهل ~~بدين الاسلام أو كافر مشاق للرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين له ~~الهدى متبع غير سبيل المؤمنين فمن لم يفرق بين السفر المشروع إلى مسجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره السفر الشرعي والزيارة الشرعية ~~المجمع على استحبابها وبين السفر إلى قبر غيره فهو إما جاهل بما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وإما كافر بالرسول صلى الله عليه وسلم # فان قيل كيف يزور قبره مع كونه كافرا به قيل كثير من الناس يعظمون الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ويعتقدون أنه من أفضل الناس ولكن يقولون انهم ما يجب ~~عليهم اتباعه وطاعته بل لهم طريق إلى الله تغنيهم عنه وقد يقولون إن طريقهم ~~أفضل من طريقه كما يعتقد كثير من اليهود والنصارى أنه كان مبعوثا إلى ~~الأميين لا اليهم فهم يعظمونه ظاهرا وباطنا لكن يقولون لا يجب علينا اتباعه ~~وهؤلاء كفار باجماع المسلمين # وكذلك كثير من يظهر الاسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة وأنه كان صاحب ~~قوة قدسية وقد يفضلونه على جميع الخلق ومع هذا لا يقرون بما جاء به ولا ~~يوجبون ms025 على أنفسهم اتباعه ظاهرا وباطنا ويقولون هو رسول إلى العامة أو إلى ~~الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية كما يقول ~~مثل هذا كثير ممن يظهر الاسلام وهؤلاء من أشد الناس تعظيما للقبور والسفر ~~اليها ودعاء أصحابها ولهم في ذلك كلام ذكرناه في غير هذا الموضع وهؤلاء ~~وأمثالهم قد يقولون إن زيارة قبره وقبر من دونه أفضل من الحج إلى البيت ~~الحرام ومن صلاة الجمعة والجماعة في مسجده وغير مسجده # والمقصود أن هذا المعترض وأمثاله لم يفرقوا بين السفر إلى مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وزيارته المجمع على استحبابها وبين السفر إلى زيارة قبر ~~غيره وان كان عنده مسجد فان PageV01P025 ذلك مجمع على عدم استحبابه بل سووا ~~بين المستحب بالنص والاجماع وبين ما ليس بمستحب بالنص والاجماع وظنوا أن ~~المجيب سوى بينهما في نفي الاستحباب فقابلوه بأن سووا بينهما في الاستحباب ~~فوقعوا في أنواع الباطل المخالف للكتاب والسنة والاجماع ولو قال قائل ان ~~إتيان المساجد لا يستحب ولا يشرع كان كافرا حلال الدم ولو قال لا يسافر إلى ~~مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد لكان قد قال ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وقاله علماء المسلمين فمن لم يفرق بين هذا وهذا كان أجهل الناس وكذلك لو ~~قال لا يستحب السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وزيارته المشروعة ~~في المسجد كالصلاة والسلام كان مخالفا للاجماع لكن من العلماء من لا يسمي ~~هذا زيارة لقبره ويكره هذه التسمية وهذا القول أشبه بالمعقول والمنقول ولو ~~قال يستحب السفر إلى جميع القبور والصلاة في المساجد المبنية عليها لكان ~~مخالفا للنص والاجماع وهب أن المعارض سوى بينهما في نظره وجوابه كيف يحل له ~~أن يكذب على غيره ويحكي عنه التسوية بينهما في التحريم ويقول إنه حكم إجماع ~~المسلمين على تحريم الزيارة مطلقا بسفر وغير سفر ونحن نحكى لفظ الجواب الذي ~~اعترض عليه لينظر ما نقله عنه وأبطله منه هل هو صدق وعدل أم لا # ولفظ السؤال # ما تقول ms026 السادة العلماء في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء والصالحين مثل ~~قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة ~~وهل هذه الزيارة شرعية أم لا وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~من حج ولم يزرني فقد جفاني ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي وروي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا PageV01P026 # ولفظ الجواب ( الحمد لله أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة على قولين معروفين أحدهما وهو قول متقدمي ~~العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية ويقولون إن هذا سفر معصية ~~كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفا بن عقيلي وطوائف كثيريم من العلماء ~~المتقدمين أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر لأنه سفر منهي عنه ومذهب ~~الشافعي ومالك وأحمد أن السفر المنهي عنه لا تقصر فيه الصلاة # والقول الثاني أنه يقصر فيه الصلاة وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر ~~المحرم كأبي حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من اصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز ~~السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي وأبي محم المقدسي ~~وأبي الحسن بن عبدوس الحراني وهؤلاء يقولون إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم ~~قوله فزوروا القبور وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في ~~زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله من زارني بعد مماتي فكأنما زارني ~~في حياتي رواه الدارقطني وأما ما يذكره بعض الناس من قوله صلى الله عليه ~~وسلم من حج ولم يزرني فقد جفاني فهذا لا يرويه أحد من العلماء وهذا مثل ~~قوله من زارني وزار أبي في عام واححد ضمنت له على الله الجنة فان هذا أيضا ~~باطل باتفاق العلماء لم يروه أحد ولم يحتج به أحد وإنما يحتج بعضهم بحديث ~~الدارقطني # وقد زاد فيها المجيب حاشية بعد ذلك ولكن هذا وإن كان لم يروه ms027 أحد من ~~العلماء في كتب الفقه والحديث لا محتجا به ولا معتضدا به ولكن ذكره أبو ~~أحمد ابن عدي في كتاب الضعفاء ليبين به ضعف راويه فذكره من حديث النعمان بن ~~شبل الباهلي المصري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من حج ولم يزرني فقد جفاني قال ابن عدي ولم يروه عن مالك غير هذا ~~يعني وقد علم أنه ليس من حديث مالك فعلم أن الآفة من جهته قال موسى بن ~~هارون كان النعمان هذا متهما وقال أبو حاتم بن حبان يأتي على الثقات ~~بالطامات وقال الدارقطني الطعن في هذا PageV01P027 الحديث من محمد بن محمد ~~لا من النعمان وأما الحديث الآخر من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له ~~على الله الجنة فهذا ليس في شيء من الكتب لا باسناد موضوع ولا غير موضوع ~~وقد قيل إن هذا لم يسمع في الاسلام حتى فتح المسلمون بيت المقدس في زمن ~~صلاح الدين فلهذا لم يذكر أحد من العلماء لا هذا ولا هذا لا على سبيل ~~الاعتماد ولا على سبيل الاعتضاد بخلاف الحديث الذي تقدم فانه قد ذكره جماعة ~~ورووه وهو معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضري القارئ صاحب عاصم عن ليث بن ~~أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حج ~~فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وقد اتفق أهل العلم بالحديث على ~~الطعن في حديث حفص هذا دون قراءته قال البيهقي في شعب الايمان وقد روى حفص ~~بن أبي داود وهو ضعيف عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي ~~قال يحيى بن معين في حفص هذا ليس بثقة وهو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش ~~وأبو بكر أوثق منه وفي رواية عنه كان حفص اقرأ من ms028 أبي بكر وكان أبو بكر ~~صدوقا وكان حفص كذابا وقال البخاري تركوه وقال مسلم بن الحجاج متروك وقال ~~علي بن المديني ضعيف الحديث تركته على عمد وقال النسائي ليس بثقة ولا يكتب ~~حديثه وقال مرة متروك وقال صالح بن محمد البغدادي لا يكتب حديثه وأحاديثه ~~كلها مناكير وقال أبو زرة ضعيف الحديث وقال أبو حاتم الرازي لا يكتب حديثه ~~وهو ضعيف الحديث لا يصدق متروك الحديث وقال عبد الرحمن بن خراش هو كذاب ~~متروك بضع الحديث وقال الحاكم أبو أحمد ذاهب الحديث وقال ابن عدي عامة ~~أحاديثه عمن روي عنه غير محفوظة # وفي الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطني وغيرهما من حديث موسى بن هلال ~~حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من زار قبري وجبت له شفاعتي قال البيهقي وقد روى هذا الحديث ثم قال ~~وقد قيل PageV01P028 عن موسى عن عبيد الله قال وسواء قال عبد الله أو عبيد ~~الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر لم يأت به غيره وقال العقيلي في موسى بن ~~هلال هذا لا يتابع على حديثه وقال أبو حاتم الرازي هو مجهول وقال أبو زكريا ~~النووي في شرح المهذب لما ذكر قول أبي اسحاق ويستحب زيارة قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~زار قبري وجبت له شفاعتي قال النووي أما حديث ابن عمر فرواه أبو بكر البزار ~~والدارقطني والبيهقي باسنادين ضعيفين جدا هذا آخر الحاشية # قال المجيب في تمام الجواب وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر ~~لزيارة القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء ويزور القبور وأجاب عن حديث لا ~~تشد الرحال بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب وأما الأولون فانهم يحتجون بما ~~في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى وهذا ms029 الحديث اتفق ~~الأئمة على صحته والعمل به فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف ~~فيه ويسافر إليه غير المساجد الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة ولو ~~نذر أن يسافر إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء ~~ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الاقصى لصلاة أو ~~اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد ~~ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده النذر إلا ما كان من جنسه ~~واجب بالشرع وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما ثبت في صحيح البخاري ~~عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن ~~نذر أن يعصي الله فلا يعصه والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب الوفاء به ~~وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر ~~اليها إذا نذره حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من ~~الثلاثة مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد ~~رحل كما في الحديث الصحيح من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا ~~الصلاة فيه كان كعمرة وهذا الحديث رواه أهل السنن كالنسائي PageV01P029 ~~وابن ماجة والترمذي وحسنه وقالوا لأن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين ~~بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا استحب ذلك أحد من ائمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة ~~وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة ~~في الإبانة الصغرى من البدع المخالفة للسنة # وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسي لأن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمسجد قباء لم تكن بشد رحل والسفر إليه لا يجب بالنذر # وقوله في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال محمول على نفس ~~الاستحباب ms030 عنه جوابان أحدهما أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ~~ولا قربة ولا هو من الحسنات فاذن من اعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لاعتقاده أنها ~~طاعة كان ذلك محرما بإجماع المسلمين فصار التحريم من هذه الجهة ومعلوم أن ~~أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح ~~فهذا جائز وليس من هذا الباب الوجه الثاني أن هذا الحديث يقتضي النهي ~~والنهي يقتضي التحريم # وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة لم يخرج أحد من أهل ~~السنن المعتمدة شيئا منها ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها بل مالك إمام ~~أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول ~~الرجل زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم أو ~~مشروعا أو مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة ~~والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما ~~يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ~~وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه وكذلك مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر ~~أنه كان إذا دخل المسجد قال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا ~~بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف PageV01P030 وفي سنن أبي داود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فان ~~صلاتكم تبلغني وفي سنن سعيد بن منصور أن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي ~~طالب رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن رسول الله ~~صلى ms031 الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فان ~~صلاتكم تبلغني ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء وفي الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة لولا ذلك لأبرز قبره لكن كره ~~أن يتخذ مسجدا وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في ~~الصحراء لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدا فيتخذ قبره وثنا # وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى ~~زمن الوليد ابن عبد الملك لا يدخل أحد إلى عنده لا لصلاة هناك ولا لتمسح ~~بالقبر ولا دعاء هناك بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد وكان السلف من ~~الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا الدعاء ~~دعوا مستقبلي القبلة لم يستقبلوا القبر # وأما وقوف المسلم عليه فقال أبو حنيفة يستقبل القبلة أيضا لا يستقبل ~~القبر وقال أكثر الأئمة بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة ولم يقل أحد ~~من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء أي الدعاء الذي يقصده لنفسه إلا في ~~حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها # واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله ~~وهذا كله محافظة على التوحيد فان من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد ~~كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ قالوا كانوا قوما صالحين في قوم ~~نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد ~~فعبدوهم وقد ذكر بعض هذا المعنى البخاري في PageV01P031 صحيحه لما ذكر قول ~~ابن عباس إن هذه الأوثان صارت إلى العرب وذكره ابن جرير الطبري وغيره في ~~التفسير عن غير واحد من السلف وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة ~~طرق وقد بسطت الكلام على هذه المسائل في غير ms032 هذا الموضع وأول من وضع هذه ~~الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور أهل البدع من الروافض ~~ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ~~ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا فان الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر ~~المساجد دون المشاهد كما قال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند @QE@ @QB@ مع الله أحدا @QE@ وقال @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر @QE@ وقال @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه @QE@ ~~وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك والله تعالى ~~أعلم # فهذه ألفاظ المجيب فليتدبر الإنسان ما تضمنته وما عارض به هؤلاء ~~المعارضون مما نقلوه عن الجواب وما دعوا أنه باطل هل هم صادقون مصيبون في ~~هذا أو هذا أو هم بالعكس والمجيب أجاب بهذا من بضع عشرة سنة بحسب حال ~~السائل واسترشاده ولم يبسط القول فيها ولا سمي كل من قال بهذا القول ومن ~~قال بهذا القول بحسب ما تيسر في هذا الوقت وإلا فهذان القولان موجودان في ~~كثير من الكتب المصنفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد وفي شروح الحديث وغير ~~ذلك والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة وإن كان قبر نبينا صلى ~~الله عليه وسلم هو قول مالك وجمهور أصحابه وكذلك أكثر أصحاب أحمد الحديث ~~عندهم معناه تحريم السفر إلى غير الثلاثة لكن منهم من يقول قبر نبينا صلى ~~الله عليه وسلم لم يدخل في العموم PageV01P032 # ثم لهذا القول مأخذان أحدهما أن السفر إليه سفر إلى مسجده وهذا المأخوذ ~~هو الصحيح وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه والمأخذ الثاني أن نبينا لا ~~يشبه بغيره من النبيين كما قال طائفة من أصحاب أحمد إنه يحلف به وإن كان ~~الحلف بالمخلوقات منهينا عنه وهو رواية عن أحمد ومن أصحابه من قال في ms033 ~~المسألتين حكم سائر الأنبياء كحكمه قاله بعضهم في الحلف بهم وقاله بعضهم في ~~زيارة قبورهم وكذلك أبو محمد الجويني ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن ~~الحديث يقتضي تحريم السفر إلى غير الثلاثة وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك ~~وأحمد قالوا المراد بالحديث نفي الفضيلة والاستحباب ونفي الوجوب بالنذر لا ~~نفي الجواز وهذا قول الشيخ أبي حامد وأبي علي وأبي المعالي والغزالي وغيرهم ~~وهو قول ابن عبد البر وأبي محمد المقدسي ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد # فهذان القولان الموجودان في كتب المسلمين ذكرهما المجيب ولم يعرف أحدا ~~معروفا من العلماء المسلمين في الكتب [ قال ] غنه يستحب السفر إلى زيارة ~~قبور الأنبياء والصالحين ولو علم أن في المسألة قولا ثالثا لحكاه لكنه لم ~~يعرف ذلك وإلى الآن لم يعرف أن أحدا قال ذلك ولكن أطلق كثير منهم القول ~~باستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحكى بعضهم الإجماع على ذلك ~~وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعا في الجواب فانه من المعلوم أن مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستحب السفر اليه بالنص والاجماع فالمسافر إلى ~~قبره لا بد إن كان عالما بالشريعة أن يقصد السفر إلى مسجده ولا يدخل ذلك في ~~جواب المسألة فان الجواب إنما كان عمن سافر لمجرد زيارة قبورهم والعالم ~~بالشريعة لا يقع في هذا فانه يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استحب ~~السفر إلى مسجده والصلاة فيه وهو يسافر إلى مسجده فكيف لا يقصد السفر إليه ~~وكل من علم ما يفعله باختياره فلا بد أن يقصده وإنما ينتفي القصد مع الجهل ~~إما مع الجهل بأن السفر إلى مسجده مستحب لكونه مسجده لا لأجل القبر وإما مع ~~الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده فأما مع العلم بالأمرين فلا بد أن ~~يقصد السفر إلى مسجده ولهذا كان زيارة قبره حكم ليس لسائر القبور من وجوه ~~متعددة كما قد بسط في مواضع # وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو معتاد لهم من السفر ms034 ~~إلى زيارة PageV01P033 قبر من يعظمونه يسافرون إليه ليدعوه ويدعوا عنده ~~ويدخلون إلى قبره ويقعدون عنده ويكون عليه أو عنده مسجد بني لأجل القبر ~~فيصلون في ذلك المسجد تعظيما لصاحب القبر وهذا مما لعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أهل الكتاب على فعله ونهى أمته عن فعله فقال في مرض موته لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وهو في الصحيحين ~~من غير وجه وقال قبل أن يموت بخمس إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور ~~أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فاني أنهاكم عن ذلك ~~رواه مسلم # فمن لم يفرق بين ما هو مشروع في زيارة القبور وما هو منهي عنه لم يعرف ~~دين الاسلام في هذا الباب & فصل & # قال فعند ذلك شرح الله صدري للجواب عما نقل فيه من مقالته وسارعت لاطفاء ~~بدعته وضلالته فأقول وبالله التوفيق وأن يوصلنا اليه من أسهل طريق لقد ضل ~~صاحب هذه المقالة وأضل وركب طريق الجهالة واستقل وحاد في دعواه عن الحق وما ~~جاد وجاهر بعداوة الانبياء وأظهر لهم العناد فحرم السفر لزيارة قبره وسائر ~~القبور وخالف في ذلك الخبر الصحيح المأثور وهو ما ورد عنه صلى الله عليه ~~وسلم في الصحيح أنه قال زوروا القبور وورد عنه انه قال كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا فرفع صلى الله عليه وسلم الحرج عن المكلف ~~بعد ما كان حظر والمشهور أن الأمر بعد الحظر يقتضي الوجوب وأقل درجاته أن ~~يلحق بالمباح أو المندوب # والجواب عن هذا من وجوه الأول أن في هذا الكلام من الجرأة على الله ~~ورسوله وعلماء المسلمين أولهم وآخرهم ما يقتضي أن يعرف من قال هذه المقالة ~~ما فيها من مخالفة دين الاسلام وتكذيب الله ورسوله ويستتاب منها فان تاب ~~وإلا ضربت عنقه وذلك أنه ادعى أنه حرم السفر إلى غير المساجد الثلاثة أو ~~حرم السفر لمجرد زيارة القبور فقد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد ~~فحرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور ms035 ذكر ذلك PageV01P034 بحرف الفاء وليس ~~في كلام المجيب إلا حكاية القولين في السفر لمجرد زيارة القبور # فاذا قيل إنه جاهر بالعداوة وأظهر العناد لأجل تحريم هذا السفر كان كل من ~~حرمه مجاهرا للأنبياء بالعداوة مظهرا لهم العناد ومعلوم أن مجاهرة الأنبياء ~~بالعداوة وإظهار العناد لهم غاية في الكفر فيكون كل من نهى عن هذا السفر ~~لمن نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم مع أن النذر يوجب فعل الطاعة ~~عنده فلم يجعله مع النذر مباحا بل جعله محرما منهيا عنه لما سئل عمن نذر أن ~~يأتي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن كان أراد مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل الحديث ~~الذي جاء لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ومذهبه المعروف في جميع كتب ~~أصحابه الكبار والصغار كالمدونة لابن القاسم والتفريع لابن الجلاب أنه من ~~نذر إتيان المدينة النبوية إن كان أراد الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفى بنذره وإن كان أراد غير ذلك لم يوف بنذره فالسفر إلى المدينة ليس ~~عنده مستحبا إلا للصلاة في المسجد فأما من سافر إليها لغير ذلك كزيارة قبر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أو زيارة قبور شهداء أحد أو أهل البقيع أو مسجد ~~قباء فان هذا السفر عنده منهي عنه فلا يوف بنذره فهذا مذهبه في كل منذور من ~~السفر إلى المدينة سوى الصلاة في مسجده ومسأله إتيان القبر بخصوصه داخلة في ~~ذلك وقد ذكرها بخصوصها عنه القاضي اسماعيل بن اسحاق محتجا بذلك على ما ذكره ~~فدل على ثبوت ذلك عنده عن مالك قال في كتابه المبسوط لما ذكر قول محمد بن ~~مسلمة من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه قال القاضي اسماعيل إنما ~~هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء لأن ~~إعمال المطي اسم للسفر ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء ms036 عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في نذر ولا غيره وقد روى عن مالك أنه سئل عمن نذر ~~أن يأتي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن كان أراد مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل فيه وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل ~~الحديث الذي جاء لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد وهذا يوافق ما في ~~المدونة PageV01P035 وغيرها من الكتب ففي المدونة وهي الأم في مذهب مالك ~~ومن قال لله علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس أو علي المشي إلى المدينة أو ~~بيت المقدس فلا يأتهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسميهما فيقول إلى ~~مسجد الرسول أو مسجد إيلياء وإن لم ينو الصلاة فيهما فليأتهما راكبا ولا ~~هدي عليه وكأنه لما سماهما قال لله علي أن أصلي فيهما ولو نذر الصلاة في ~~غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته # وهذه المسائل في الكتب الصغار والكبار وقد صرح فيها أن من نذر المشي أو ~~الاتيان إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بيت المقدس فلا يأتهما إلا ~~أن يريد الصلاة في المسجدين فتبي بهذا أن السفر إلى المدينة أو بيت المقدس ~~في غير الصلاة في المسجدين ليس طاعة ولا مستحبا ولا قربة بل هو منهي عنه ~~وإن نذره لقوله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصه رواه البخاري وغيره وهو من حديث مالك في الموطأ فمن ~~سافر لبيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجد مثل زيارة ما هنالك من ~~مقابر الأنبياء والصالحين وآثارهم كان عاصيا عنده ولو نذر ذلك لم يجز له ~~الوفاء بنذره وكذلك من سافر إلى قبر الخليل أو غيره وكذلك من سافر إلى ~~مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لمجرد القبر لا للعبادة المشروعة في ~~المسجد كان عاصيا وإن نذر ذلك لم يوف بنذره سواء سافر لأجل قبره أو لأجل ما ~~هنالك من المقابر والآثار أو مسجد ms037 قباء أو غير ذلك # وقال القاضي عبد الوهاب في الفروق يلزم المشي إلى بيت الله الحرام ولا ~~يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس والكل مواضع يتقرب باتيانها إلى الله ~~والفرق بينهما أن المشي إلى بيت الله طاعة فيلزمه والمدينة وبيت المقدس ~~الطاعة في الصلاة في مسجديهما فقط فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه ألا ~~ترى أن من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك ولو نذر أن يأتي المسجد لغير ~~صلاة لم يلزمه فاذا كان إمامه ينهى عن السفر إلى قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم دون إتيان مسجده ونهى الناذر لذلك أن يوفي بنذره والمالكية بل ~~PageV01P036 الأئمة الأربعة وغيرهم متفقون على أن ذلك لا يوفي بنذره بل ~~مالك والجمهور نهوا عن الوفاء بنذره لكونه عندهم معصية فيلزم هذا المفتري ~~أن يكون مالك وأصحابه مجاهرين بالعداوة للأنبياء مظهرين لهم العناد وكذلك ~~سائر الأئمة والجمهور الذين حرموا السفر لغير المساجد الثلاثة وإن كان ~~المسافر قصده الصلاة في مسجد آخر ومعلوم أن المساجد أحب البقاع إلى الله ~~كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحب ~~البقاع إلى الله المساجد وأبغضها إلى الله الأسواق والأئمة الأربعة متفقون ~~على أن السفر إلى مسجد غير الثلاثة لا يلزم بالنذر ولا يسن وليس مستحبا ولا ~~طاعة ولا برا ولا قربة وجمهورهم يقولون إنه حرام مع أن قصد المساجد للصلاة ~~فيها والدعاء أفضل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق علماء أمته من ~~قصد قبور الأنبياء والصالحين والدعاء عندها بل هذا محرم نهى عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولعن أهل الكتاب على فعله تحذيرا لأمته ففي الصحيح أنه ~~قال قبل أن يموت بخمس ان من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فاني أنهاكم عن ذلك وفي الصحاح من غير وجه أنه قال في ~~مرض موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك ms038 لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا فمقابر ~~الأنبياء والصالحين لا يجوز اتخاذها مساجد بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واتفاق أئمة المسلمين على ذلك من كره الصلاة في المقبرة ومن ~~لم يكره فان الذين لم يكرهوها قالوا سبب الكراهة هو نجاسة التراب فاذا كان ~~طاهرا لم يكره # وأما اتخاذ القبور مساجد فبسبب تعظيم صاحب القبر حتى يتخذ قبره وثنا وهذه ~~علة أخرى علل بها طوائف من المسلمين من فقهاء المدينة والكوفة وفقهاء ~~الحديث من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم كما ذكرت أقوالهم في غير هذا الموضع ~~بل صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم الذي حرم هذا السفر يلزم هذا المفتري ~~الجاهل أن يكون مجاهرا للأنبياء بالعداوة والعناد بل المساجد غير الثلاثة ~~نهى عن السفر إليها وأما إتيانها بلا سفر للصلاة والدعاء فمن أعظم العبادات ~~والعبادات والقربات يكون واجبا تارة ومستحبا أخرى وأما قبور الأنبياء ~~PageV01P037 والصالحين فلا يستحب إتيانها للصلاة عندها والدعاء عند أحمد من ~~أئمة الدين بل ذلك منهي عنه في الأحاديث الصحيحه كما ذكر ذلك غير واحد من ~~العلماء ولكن يجوز أن تزار القبور للدعاء لها كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يزور أهل البقيع وأما قبره خصوصا فحجب الناس عنه ومنعوا من الدخول ~~إليه وقال صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري وفي رواية بيتي عيدا وصلوا ~~علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني وكذلك قال في السلام عليه والله أمر ~~بالصلاة والسلام عليه مطلقا وذلك مأمور به في جميع البقاع لا يختص قبره ~~باستحباب ذلك بل هو مستحب مشروع في جميع البقاع وتخصيص القبر بذلك منهي عنه ~~فالذين نهوا عن هذا السفر إنما نهوا عن طاعة الله ورسوله فهم قاصدون بذلك ~~طاعة الله واتباع رسوله ولو كانوا مخطئين لم يكن القاصد لطاعة الأنبياء ~~معاديا لهم لا سرا ولا جهرا ولا معاندا لهم بل موجبا لطاعتهم والإيمان بهم ~~ومواليا لهم ومسلما لحكمهم ولو كان مخطئا فان هذا كان قصده فكيف يجعل ~~معاديا لهم لا سيما ms039 مع أنه مصيب موافق لهم باطنا وظاهرا # ولو قدر أن المجيب حرم زيارة القبور مطلقا سفرا وغير سفر فهذا قول طائفة ~~من السلف مثل الشعبي والنخعي وابن سيرين كما ذكر ذلك عنهم غير واحد منهم ~~ابن بطال في شرح البخاري وهؤلاء من أجل علماء المسلمين في زمن التابعين ~~باتفاق المسلمين ويحكى قولا في مذهب مالك ومن قال ذلك لم يكن معاديا ~~للأنبياء لا سرا ولا جهرا ولا معاندا لهم لا باطنا ولا ظاهرا ومن قال عن ~~علماء المسلمين الذين اتفق المسلمون على أمانتهم إنهم كانوا معاندين ~~للأنبياء فانه يستحق عقوبة مثله ولا خلاف بين المسلمين أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان قد نهى عن زيارة القبور أولا فكان ذلك محرما في أول الاسلام ~~وقد اعترف هذا المعترض بذلك فهل يقال إن الرسول لما حرم زيارة القبور كان ~~مجاهرا للأنبياء بالعداوة ومظهرا لهم العناد وكذلك سائر الشرع المنسوخ ليس ~~فيه معاداة للأنبياء ولا معاندة لهم لا سرا ولا جهرا فان الله لم يشرع ~~معاداة أنبيائه ولا معاندتهم قط بل الايمان بجميع الأنبياء كالتوحيد لا بد ~~منه في كل شرعة ودين الأنبياء واحد كما في الصحيح عن النبي PageV01P038 صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إنا معشر الانبياء ديننا واحد وقال تعالى @QB@ يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا @QE@ الآية إلى قوله @QB@ إن هذه ~~أمتكم أمة واحدة @QE@ قال عامة المفسرين على ملة واحدة وعلى دين واحد وقد ~~قال تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة @QE@ ~~إلى قوله @QB@ ولتنصرنه @QE@ فأمر متقدمهم أن يؤمن بمتأخرهم كما أمر ~~متأخرهم أن يؤمن بمتقدمهم فكل ما شرع في وقت لا يكون مقصوده معاداة ~~للأنبياء كما لا يكون مقصوده شركا فان الله لم يشرع الشرك قط ولا شرع ~~معاداة الأنبياء قط لكن من تمسك بالمنسوخ مع علمه بأنه منسوخ يكون مكذبا ثم ~~معاداة الانبياء ومعاندتهم هي كفر بهم وتكذيب لهم # فأين في كتاب الله وسنة رسوله أنه يستحب السفر لمجرد زيارة قبورهم أو ms040 ~~قبور غيره حتى يكون مخالف ذلك مخالفا لذلك النص ولو قدر أنه خالف نصا لم ~~يبلغه أو رجح غيره عليه لم يكن ذلك معاداة لهم ولا معاندة ولكن الجهال وأهل ~~الضلال يظنون أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق وأنها من ~~الإيمان بهم أو يظنون أن زيارة قبورهم من باب التعظيم لهم وتعظيم أقدارهم ~~وجاههم عند الله وأن الزائر إذا دعاهم وتضرع لهم وسألهم حصل مطلوبه إما ~~بشفاعتهم له وإما لمجرد عظم قدرهم عند الله يعطي سؤاله إذا دعاهم وأما أن ~~يقول يفيض على الداعي من جهتهم ما يطلب من غير علم منهم ولا قصد كشعاع ~~الشمس الذي يظهر في الماء وبواسطة الماء يظهر في الحائط وإن كانت الشمس لا ~~تدري بذلك فهذا قول طائفة من المتفلسفة المنتسبين إلى الملل وقد ذكره صاحب ~~الكتب المضنون بها على غير أهلها وغيره كما بسط الكلام على ذلك في موضع ~~PageV01P039 آخر ومعلوم أن زيارة القبور بهذا القصد وعلى هذا الوجه ليست من ~~شريعة الإسلام بل من دين المشركين والمعطلين والرسول لم يشرع مثل هذا لأمته ~~ولا فعله أصحابه ولا التابعون لهم باحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ~~بل النصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم تنهى عما قد يفضي إلى هذا ~~فكيف إلى هذا فانه صلى الله عليه وسلم لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء ~~مساجد يحذر ما فعلوا وقال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم ~~وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فاني أنهاكم عن ذلك وخص بيته ~~بان قال لا تتخذوا قبري عيدا وفي رواية بيتي عيدا وقال اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فاذا كان قد ~~حرم أن تتخذ مسجدا يعبد الله فيها لئلا يفضي إلى دعائه فكيف إذا كان ~~المقصود بالزيارة هو دعاء صاحب القبر وذلك هو المقصود بالسفر إلى قبره وقد ~~قال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد ms041 إذ أنتم مسلمون @QE@ والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له أو ~~يتقرب بعبادته إلى الله أو يكون قد أحبه كما يحب الله والمشركون بالقبور ~~توجد فيهم الأنواع الثلاثة قال الله تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله @QE@ الآية وقال تعالى ~~@QB@ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا @QE@ إلى قوله @QB@ محذورا ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ~~@QE@ PageV01P040 الى قوله @QB@ وهو العلي الكبير @QE@ حتى إن الملائكة إذا ~~قضى الأمر صعقوا ولا يعلمون ما قضاه حتى يفزع عن قلوبهم أي يزول عنها الفزع ~~حينئذ يعلمون ما قضاه وما قاله فكيف يشفعون عنده ابتداء قال تعالى @QB@ ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ الآية وقال @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا @QE@ الآية وكذلك من ظن أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي ~~تجب على الخلق فهذا الظن ليس هو دين أحد من المسلمين ولم يقل أحد إن السفر ~~إلى المسجد النبوي أو المسجد الأقصى واجب مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد شرع السفر إليهما وقال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ~~والمسجد الأقصى ومسجدي هذا فكيف بما دون ذلك من القبور والآثار لم يقل أحد ~~من علماء المسلمين أن السفر إلى ذلك واجب بل ولا عرف عنهم القول بالاستحباب ~~بل السلف والقدماء على احريم ذلك والمتأخرون متنازعون فأحد القولين أن ذلك ~~جائز لا فضيلة فيه والآخر أنه ينهى عنه وعلى هذا القول دلت سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وسلف الأمة فانه قد ثبت عنه أنه ms042 قال لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد وهذه صيغة خبر معناه النهى ولكن من قال ~~ليست نهيا بل هي نفي للفضيلة فهذا الاحتمال وإن كان باطلا فانما يقدح في ~~رواية أبي هريرة والحديث في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري ولفظ حديث ~~أبي سعيد عن قزعة عن أبي سعيد قال سمعت منه حديثا فاعجبني فقلت له أنت سمعت ~~هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاقول عليه ما لم أسمع سمعته يقول ~~لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى وسمعته يقول لا تسافر المرأة يوما من الدهار إلا ومعها زوجها أو ذو ~~محرم منها ولفظ أبي سعيد هو الثابت في الصحاح صريح في النهي وهو صريح في أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السفر إلى غير الثلاثة وتبين بذلك أن ~~من قال السفر إلى غيرها جائز أو غير مكروه فهو مخطئ والله أعلم # وإذا كان ذلك ليس بواجب ولا مستحب بل هو منهي عنه لم يكن من حقوقهم التي ~~PageV01P041 أوجبها الله ولا دعا عباده اليها فأي معاداة وأي معاندة لمن ~~نهى عن شيء ليس من حقوقهم ولا مما أوجبوه ولا دعوا إليه بل هو ناه عما نهوا ~~عنه آمر بما أمروا به مطيع لهم متبع لهم قصده متابعتهم فكيف يكون مع ~~متابعتهم قصدا وقولا وعملا معاديا ومعاندا ولو قدر أنه متأول مخطئ فكيف إذا ~~كان قد ذكر قولي علماء المسلمين الذين نهوا والذين أباحوا وحجة كل قول ~~والسلف على النهي وكلام علماء المسلمين مالك وغيره موجود في كتب كثيرة فكفى ~~بقاض مالكي جهلا وضلالا أن يقول بكفر من قال بقول إمامه وأصحابه بل كفى بمن ~~قال ذلك جهلا وضلالا سواء كان مالكيا أو غير مالكي مع عظم قدر مالك باجماع ~~أهل الاسلام الخاص منهم والعام بل لم يكن في وقته مثله وقد روى الترمذي ~~وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوشك أن يضرب الناس أكباد ms043 الإبل ~~في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة قال غير واحد كانوا يرونه ~~مالك بن أنس # فلو كان ما قاله هو وأصحابه مما خالفهم فيه بقية الأئمة لم يكن ذلك من ~~مسائل التكفير ولا من معاداة الأنبياء ومعاندتهم فكيف والذي قاله مالك بن ~~أنس هو قول سائر الأئمة كما يدل عليه كلامهم وأصحابهم ومسائلهم والذين ~~خالفوه غايتهم أن قالوا إن السفر جائز ولو قدر أن بعضهم قالوا هو مستحب ~~فليس فيهم من يجعل أصحاب ذلك القول ممن تنقص الأنبياء أو عاداهم أو عاندهم ~~بل قائل هذا من أجهل الناس وهو في هذه المقالة بالنصارى أشيه منه بالمسلمين # وقد ذكر اسماعيل بن اسحاق وهو من أهل علماء المسلمين ومن أجل من قلد قضاء ~~القضاة حتى كان المتولي لذلك وحده في جميع بلاد بني العباس في خلافة ~~المعتضد ذكر في كتابه المبسوط ما تقدم ذكره في باب إتيان مسجد قباء والصلاة ~~فيه لما ذكر محمد بن مسلمة أن من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه قال ~~إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء ~~لأن إعمال المطي اسم للسفر ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في نذر ولا غيره قال وقد روي عن مالك أنه سئل ~~عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن كان أراد المسجد ~~PageV01P042 فليأته وليصل فيه وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث ~~الذي جاء لا تعمل المطي إلا إلا ثلاثة مساجد الحديث وذكر فيه عن مالك أنه ~~قال فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه قال فإني أكره له ذلك ~~لقوله صلى الله عليه وسلم لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ~~والمسجد الأقصى ومسجدي هذا وتقدم أن في المدونة وسائر الكتب ما يوافق ذلك ~~قال في المدونة ومن قال لله علي أن آتي المدينة أو ms044 بيت المقدس أو المشي إلى ~~المدينة أو بيت المقدس فلا يأتيهما أصلا إلا أن ينوي الصلاة فليأتهما راكبا ~~ولا هدي عليه وكأنه لما سماهما قال لله علي أن أصلي فيهما ولو نذر الصلاة ~~في غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته فقد تبين أنه إن نوى ~~الصلاة في المسجدين وفى بنذره وكذلك ان سمى المسجدين فان المسجد إنما يؤتى ~~للصلاة وأما اذا نذر إتيان نفس البلد فليس عليه أن يأتيه وهذا يتناول ~~إتيانه لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الشهداء وأهل البقيع ~~وإتيان مسجد قباء كما يتناول النهي عن السفر إلى بيت المقدس لزيارة القبور ~~والآثار التي هناك من آثار الأنبياء وإتيان المسجد لغير الصلاة كالتمسح ~~بالصخرة وتقبيلها أو إتيانه للوقوف عشية عرفة والطواف بالصخرة أو لغير ذلك ~~مما يظنه بعض الناس عبادة وليس بعبادة ومما هو عبادة للقريب ولا يسافر ~~لأجله كزيارة قبور المسلمين للدعاء لهم والاستغفار فان هذا مستحب لمن خرج ~~إلى المقبرة ولمن اجتاز به ولا يشرع السفر لذلك فمالك وغيره نهوا عن السفر ~~إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجدين سواء كان ~~المسافر يسافر لأمر غير مشروع بحال أو لما هو مشروع للقريب ولا يشرع السفر ~~لأجله وكذلك مذهب مالك أنه لا يسافر إلى المدينة لشيء من ذلك بل هذا السفر ~~منهي عنه والسفر المنهي عنه عنده لا تقصر فيه الصلاة لكن بعض أصحابه وهو ~~محمد بن مسلمة استثنى مسجد قباء وابن عبد البر جعل السفر مباحا إلى غير ~~الثلاثة مساجد ولا يلزم بالنذر لأنه ليس بقربة كما يقوله بعض أصحاب الشافعي ~~وأحمد PageV01P043 وأما جمهور أصحاب مالك فعلى قوله في أن السفر لغير ~~المساجد الثلاثة محرم لا يجوز أن يفعل ولو نذره فلا يستحب عند أحد منهم ~~وقال القاضي عياض لا يباح السفر لغير المساجد الثلاثة لا لناذر ولا لمتطوع ~~وقال أبو الوليد الباجي قبله في السفر إلى مسجد قباء إنه منهي عنه قال ~~القاضي عبد الوهاب البغدادي ms045 المالكي في الفروق فرق بين مسألتين يلزم نذر ~~المشي إلى البيت الحرام ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس والكل ~~مواضع يتقب باتيانها إلى الله قال والفرق بينهما أن المشي إلى بيت الله ~~طاعة تلزمه والمدينة وبيت المقدس الصلاة في مسجديهما فقط فلم يلزم نذر ~~المشي أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه أن يأتي فقد صرح بان المدينة وبيت ~~المقدس لا طاعة في المشي اليهما إنما الطاعة الصلاة في مسجديهما فقط ولو ~~نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه ذلك بناء على أنه ليس بطاعة # فتبين أن من أتى مسجد الرسول لغير الصلاة أنه ليس بطاعة ولا يلزم بالنذر ~~وتبين أن السفر اليه وإتيانه لأجل القبر ليس بطاعة كما ذكر ذلك مالك وسائر ~~أصحابه ولا يرد على هذا الاعتكاف فان المعتكف عنده لا بد أن يصلي وكذلك من ~~دخله لتعلم العلم أو تعليمه فانه يصلي فيه أولا # والمقصود أن هذه المسألة مذكورة في المختصرات ذكرها أبو القاسم بن الجلاب ~~في التفريع قال ومن قال علي المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فان أراد ~~الصلاة في مسجديهما لزمه إتيانهما راكبا والصلاة فيهما وإ لم ينو ذلك فلا ~~شيء عليه ولو قال لله علي المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس لزمه ~~إتيانهما راكبا والصلاة فيهما وإن نذر السفر إلى مسجد سوى المسجد الحرام أو ~~مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس فان كان قريبا لا يحتاج إلى راحلة مضى ~~إليه وصلى فيه وإن كان بعيدا لا ينال إلا براحلة صلى في مكانه ولا شيء عليه ~~وهذا الفرق الذي ذكره ابن الجلاب في سائر المساجد بين القريب والبعيد ذكره ~~قبله محمد بن المواز في الموازية وغيره قال أما السفر إلى PageV01P044 ~~المدينتين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وبيت المقدس لغير الصلاة في ~~المسجدين فانه لا يستحب عند أحد منهم بل جمهورهم نهوا عنه وحرموه موافقة ~~لمالك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ms046 ~~وقد ذكر ذلك ابن بشير في تنبيهه والقيرواني في تقريبه وغيرهما من أصحاب ~~مالك # فهذا نص مالك الإمام وأصحابه على أن من نذر إتيان المدينة لغير الصلاة في ~~مسجدها ولو أنه لزيارة أهل البقيع وشهداء أحد وزيارة قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فانه لا يأتيها ولا يوف بنذره بل السفر لذلك منهي عنه لقول لا ~~تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد بل السفر إلى ما يظن أنه زيارة لقبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وليس بزيارة قبره أولى بالنهي عن السفر لزيارة قبور أهل ~~البقيع وشهداء أحد ومسجد قباء وهذه الأماكن يستحب لأهل المدينة إتيانها وإن ~~لم يقدموا من سفر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يخرج إلى ~~القبور يدعو لهم وكان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا # وأما ما يظن أنه زيارة لقبره مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام والدعاء فهذا ~~لا يستحب لأهل المدينة بل ينهون عنه لان السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم باحسان الخلفاء الراشدين وغيرهم كانوا يدخلون إلى ~~مسجده للصلوات الخمس وغير ذلك والقبر عند جدار المسجد ولم يكونوا يذهبون ~~اليه ولا يقفون عنده فاذا كان السفر لما شرع لأهل المدينة في غير المساجد ~~منهيا عنه فالنهي عن السفر لما ليس بمشروع مما يسمى زيارة لقبره وليس زيارة ~~أولى وأحرى وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء ذكروا أنه لا يستحب بل يكره ~~للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر للسلام أو غيره لأن السلف من الصحابة ~~لم يكونوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلوات الخمس وغيرها على عهد ~~الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فانهم كانوا ~~يصلون بالناس في المسجد أبو بكر وعمر فصليا بالناس إلى حين ماتا وعثمان إلى ~~أن حصر وعلي صلى فيه مدة مقامه بالمدينة إلى أن خرج إلى العراق وكان الناس ~~يقدمون من الأمصار يصلون معهم ومعلوم أنه لو كان مستحبا لم أن يقفوا حذاء ~~القبر ويسلموا أو PageV01P045 يدعوا أن يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك ms047 ولو ~~فعلوه لكثر وظهر واشتهر لكن مالك وغيره خصوا سن ذلك عند السفر لما نقل عن ~~ابن عمر قال القاضي عياض قال مالك في المبسوط وليس يلزم من دخل المسجد وخرج ~~منه من أهل المدينة الوقوف للقبر وإنما ذلك للغرباء وقال فيه أيضا ولا بأس ~~لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر قيل له فان ناسا من أهل المدينة لا ~~يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في ~~الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر يسلمون ~~ويدعون ساعة فقال لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح ~~آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني إن أول هذه الأمة وصدرها أنهم ~~كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده وإنما اشتهر هذا عن ~~ابن عمر أنه إذا قدم من سفر أتى القبر فقال السلام عليك يا رسول الله ~~السلام عليك يا أبا كبر السلام عليك يا أبت وممن رواه القاضي إسماعيل بن ~~اسحاق في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال حدثنا سليمان بن ~~حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر كان إذا قدم من سفر ~~أتى المسد ثم أتى القبر فقال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا ~~بكر السلام عليك يا أبتاه # فان قيل مالك وغيره استحبوا للغرباء كلما دخلوا المسجد أن يأتوا القبر ~~وهذا يناقض ما ذكر عنهم من النهي عن السفر لأجل القبر فانهم خصوا الغرباء ~~المسافرين بقصد القبر فيكون لهم في المسألة روايتان قيل ليس الأمر كذلك بل ~~هم استحبوا للغرباء الذين قدموا لأجل الصلاة في المسجد أن يقفوا بالقبر ~~ويسلموا كما استحبوا لهم أن يأتوا مسجد قباء وأن يزوروا أهل البقيع وشهداء ~~أحد وهم لو قصدوا السفر ms048 لأجل أهل البقيع والشهداء أو لموضع غير مسجد الرسول ~~صلى الله عليه وسلم كان ذلك منهيا عنه عندهم لكن إذا سافروا لأجل المسجد ~~والصلاة فيه أتوا القبر وزاروا قبور الشهداء وأهل البقيع ومسجد قباء ضمنا ~~وتبعا كما أن الرجل ينهى أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة فلو سافر إلى ~~بلد لتجارة أو طلب PageV01P046 علم أو نحو ذلك كان يأتي مسجده ويزور قبره ~~وإن كان لم يسافر لأجل ذلك وإنما الرخصة في هذا للغرباء دون أهل المدينة ~~فأهل المدينة يفعلون ذلك عند السفر فيحصل مقصودهم والغرباء إنما يقيمون ~~بالمدينة أياما وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي المسجد الحرام فانهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه وأما أهل ~~البلد فتطوعهم في البيوت أفضل قال مالك التنفل فيه للغرباء أحب إلي من ~~التنفل في البيوت وحجتهم في ذلك أن الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من ~~المساجد وأهل البلد يصلون فيه دائما الفرض فيحصل مقصودهم بذلك وتطوعهم في ~~البيوت أفضل لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيها ~~الناس أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة وقال صلى الله عليه ~~وسلم في النساء لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن وأما ~~الغرباء فلا يمكنهم أن يصلوا الفرض فيه دائما لأن الفرائض لها أوقات محدودة ~~فيستكثروا من التنفل فيه وكذلك المسجد الحرام ولهذا استحبوا في المسجد ~~الحرام الطواف للغرباء وفضلوه على الصلاة قال ابن القاسم الطواف بالبيت ~~للغرباء أحب إلي من الصلاة وذلك لأن الغرباء لا يمكنهم الطواف كل وقت بخلاف ~~أهل البلد فانه يمكنهم ذلك في جميع الأوقات وإذا خرجوا من البلد ثم رجعوا ~~اعتمروا ولهذا قال ابن عباس يا أهل مكة لا عمرة عليكم إنما عمرتكم الطواف ~~بالبيت وقد نص أحمد على مثل ما قال ابن عباس مع قوله بوجوب العمرة على ~~غيرهم في المشهور عنه ومن أصحابه من جعل الفرق رواية ثالثة ومنهم من تأولها ~~ولكن ms049 المنصوص عنه الفرق كقول ابن عباس ولكن الأثر المنقول عن ابن عمر ليس ~~فيه أنه كان يفعل ذلك إلا إذا قدم من سفر ليس فيه أنه كان يفعل ذلك عند ~~إرادة السفر وقد يستحب للقادم من السفر ما لا يستحب لغيره فان النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ولم ينقل ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يودعه وكذلك طواف القدوم الذي يطوفه القادم ~~إلى مكة يستحب فيه الرمل أولا لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوا ~~ذلك في عمرتهم وفي حجة الوداع ولا يستحب ذلك لأهل مكة لأنه لا قدوم عليهم ~~وكذلك الاضطباع PageV01P047 يستحب فيه عند الجمهور أبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد وقال مالك ليس بسنة فما نقل عن ابن عمر من تخصيصه الوقوف عند القبر ~~والسلام بما إذا قدم من سفر هو والله أعلم لكون ذلك تحية مجيئه إذا قدم من ~~السفر كما ذأن طواف القدوم يسمى طواف التحية وفيه الرمل والاضطباع وليس ذلك ~~مشروعا لأهل مكة وكذلك طواف الوداع لا يشرع لأهل مكة إذ لا وداع في حقهم # فتفريقهم بين الغرباء وبين المقيمين له نظير في الشرع لكن أصل استحبابهم ~~ما استحبوه من فعل ابن عمر وقد احتج أحمد وغيره مع ذلك بقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ~~رواه أبو داود وغيره وهو على شرط مسلم وفي رواته أبو صخر حميد بن زياد وهو ~~مختلف فيه ضعفه ابن معين ووافقه النسائي ومرة ثقه ووافقه أحمد # فمالك وأحمد وغيرهما احتجوا بفعل ابن عمر وقد احتج أحمد وأبو داود وابن ~~حبيب وغيرهم بحديث أبي هريرة هذا وفي هذا نزاع مذكور في غير هذا الموضع # والمقصود هنا بيان قول مالك وغيره من أهل العلم وأنهم لم يتناقضوا حيث ~~منعوا من السفر إلى غير المساجد الثلاثة وأنه لا يسافر إلى المدينة إلى غير ~~المسجد لا للقبر وغيره وأن ms050 السفر إلى غير الثلاثة منهي عنه وإن كان قد نذره ~~فان قوله لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة إذا كان متناولا بالإجماع ~~السفر إلى سائر المساجد مع أنها أحب البقاع إلى الله فالسفر إلى المقابر ~~أولى بالنهي أو بعدم الفضيلة وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي ~~المدينة لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أو غيرهم لم يوف بنذره وقال ~~مالك والأكثرون لا يجوز أن يوفى بنذره فانه معصية ولو نذر السفر إلى نفس ~~المسجد للصلاة فيه لم يحرم عليه الوفاء بالاجماع بل يستحب الوفاء وقيل يجب ~~على قولين للشافعي والوجوب مذهب مالك وأحمد ونفي الوجوب مذهب أبي حنيفة # فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلت عليه السنة من الفرق بين ~~السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه والسفر اليها لغير مسجده ~~كالسفر لأجل مسجد PageV01P048 قباء أو لزيارة القبور التي فيها قبر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وقبور من فيها من السابقين الأولين وغيرهم رضوان الله ~~عليهم أجمعين وظهر أنه إذا نهى عن السفر إلى ما يستحب لأهل المدينة إتيانه ~~بلا سفر كزيارة مسجد قباء وشهداء أحد والبقيع فالنهي عما يكره لأهل المدينة ~~إتيانه أولى وأحرى # والله سبحانه خص رسوله بما خصه به تفضيلا له وتكريما لما يجب من حقه على ~~كل مسلم في كل موضع فان الله أوجب الإيمان به ومحبته وموالاته ونصره وطاعته ~~واتباعه على كل أحد في كل مكان وأمر من الصلاة عليه والسلام عليه في كل ~~مكان ومن سؤال الوسيلة له عند كل أذان ومن ذكر فضائله ومناقبه وما يعرف به ~~قدر نعمة الله به على أهل الأرض وأن الله لم ينعم على أهل الأرض نعمة أعظم ~~من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم اليهم وأنه هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وأنه لا يؤمن العبد حتى يكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين بل حتى ~~يكون أحب اليه من نفسه إلى غير ذلك من حقوقه المبسوطة في غير هذا الموضع ms051 ~~وكل هذه مشروعة في جميع البقاع ليس منها شيء يختص بالقبر ولا بما هو قريب ~~من القبر ولا شرع للناس أن يكون قيامهم بهذه الحقوق عند القبر أفضل من ~~قيامهم بها في بلادهم بل المشروع أن يقوموا بها في كل مكان ومن قام بها عند ~~القبر وفتر عن القيام بها في بلده كما يوجد في بعض الناس يوجد من محبته ~~وتعظيمه وثنائه ودعائه للرسول عند قبره أعظم مما يوجد في بلده وطريقه فهذه ~~حالة منقوصة غير محمودة وصاحبها مبخوس الحظ ناقص النصيب وهو ناقص الدين ~~والايمان إما بترك واجب يأثم بتركه وإما بترك مستحب تنقص درجته بتركه بخلاف ~~من من الله عليه فجعل محبته وثناءه وتعظيمه ودعاءه للرسول في بلده مثل ما ~~إذا كان بالمدينة عند قبره أو أعظم فهذه هي الحالة المحمودة المشروعة وهي ~~حال الصحابة والتابعين لهم باحسان إلى يوم القيامة ولا يعرف عن أحد منهم ~~أنه كان يزيد حبه وتعظيمه ودعاؤه وثناؤه عند القبر ولهذا لم يكونوا يأتونه ~~لأن قيامهم بما يجب من حقوق الرسول في جميع الأمكنة سواء وقد نهى عن تخصيص ~~القبر بذلك وأن يتخذوه عيدا ومسجدا لأنه مظنة أن يتخذ وثنا ويفضي إلى الشرك ~~PageV01P049 ومظنة أن ينقص قيامهم بحقه في سائر البقاع إذا خصوا تلك البقعة ~~بمزيد القيام كما أن المشاعر لما خصت بالعبادات فالمؤمن تجد إيمانه فيها ~~أعظم من إيمانه في غيرها والرسول صلى الله عليه وسلم حقه في جميع البقاع ~~سواء ولكن تتنوع حقوقه بحسب الأحوال ولهذا إذا اعتبرت أحوال الناس كان من ~~يعظم الميت عند قبره مقصرا في حقوقه التي أمر بها في سائر البقاع بحسب ما ~~زاد عند القبر وهذا أم ر مطرد معروف من جميع أحوال الناس # ولما كان السابقون الأولون أقوم بحقوقه في جميع المواضع كانوا أبعد الناس ~~عن تخصيص القبر بشيء والخلفاء الراشدون ونحوهم لما كانوا أقوم بحقوقه من ~~غيرهم لم يفعلوا ما فعله ابن عمر ونحوه فأبوه عمر كان أقوم بحقه صلى الله ~~عليه وسلم منه ms052 وكان ينهى أن يقصد الصلاة في موضع صلى فيه خلاف ما فعله ابنه ~~عبد الله مع فضله ودينه رضي الله عنهم أجمعين وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن قول القائل من حرم السفر إلى زيارة قبره وسائر القبور ~~فقد جاءهم الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد يستلزم أن يكون كذلك إمامه ~~مالك بل وإمام غيره من المسلمين فانه من أجل أئمة المسلمين وهو أحد أئمتنا ~~الكبار فان جميع أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة أئمة لنا رضي الله عنهم ~~أجمعين فانه قد صرح في هذا الباب بما يبطل قول هذا الجاهل أكثر من تصريح ~~غيره # الوجه الثاني من الجواب أن قول القائل إن الناهي عن السفر لزيارة القبور ~~قبور الأنبياء وغيرهم قد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظعر لهم العناد إنما ~~يتوجه إذا كانت زيارة القبور التي جاءت بها الشريعة هي من باب خضوع الزائر ~~للمزور وذله له وتواضعه له واستسلامه وانقياده لعظمة قدر المزور وجاهه عند ~~الله وقربه اليه # فاذا كان المقصود بالزيارة مثل هذا كان النهي عن ذلك تنقيصا لهم وغضا من ~~أقدارهم كالذي يزور معظما في الدين أو الدنيا زيارة خاضع له متواضع له ~~متبرك به فاذا قيل له هذا لا ينبغي زيارته أمكن أن يقال هذا تنقص لقدره ~~وخفض من منزلته والزيارة التي PageV01P050 جاءت بها الشريعة ذكرها الأئمة ~~من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ليست من هذا النوع بل مقصودها ~~الدعاء للميت كالصلاة على جنازته وقد يكون الزائر فيها أعظم قدرا من المزور ~~كما كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم قدرا من كل من زار قبره كأهل البقيع ~~وشهداء أحد وأمه وقد يكون الزائر دون المزور كما في صحيح مسلم عن بريدة قال ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم اذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم ~~يقول السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم ~~للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفي حديث عائشة في الصحيح ويرحم الله ~~المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ms053 وفي حديث آخر اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا ~~تفتنا بعدهم فالدعاء الذي أمر به بعد السلام من جنس الدعاء في صلاة الجنازة ~~وفي صلاة الجنازة قد يكون المصلي أفضل من الميت كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم أفضل من الذين صلى عليهم وكذلك السابقون من أصحابه أفضل ممن صلوا ~~عليهم من غيرهم وقد يكون المصلى عليه أفضل كالنبي صلى الله عليه وسلم لما ~~مات وصلى عليه المسلمون أفذاذا وهو أفضل من كل من صلى عليه وكذلك أبو بكر ~~وعمر صلى عليهما المسلمون وهما أفضل ممن صلى عليهما # وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فقبره أجل وأعظم من أن يزار كما تزار ~~قبور سائر المؤمنين فان أولئك إذا حصل الزائر عند قبورهم وشاهد القبر فانه ~~يحصل له من الرغبة في الدعاء للميت والترحم عليه والمحبة والمودة ما قد ~~يكون أعظم مما لو كان غائبا ولهذا شرعت الصلاة على قبره واختلف العلماء هل ~~تشرع على القبر مطلقا على قولين في مذهب الشافعي وأحمد مع اتفاقهم على أنه ~~لا يصلى على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لعظم قدره وحقه لا لنقص ذلك ~~فان الناس مأمورون أن يحبوه ويعظموه ويذكروه ويذكروا ما من الله به عليه ~~وما من به عليهم بسببه ويصلوا عليه ويسلموا عليه في كل مكان وأن لا يفعلوا ~~ذلك عند قبره أعظم مما يفعلونه في سائر البقاع فانه يفضي إلى نقص ذلك في ~~سائر البقاع إذا خص قبره بما لا يوجد عند غيره ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون ~~أحد عند قبره في كل وقت PageV01P051 لو كان مما يوصل اليه فكيف إذا كان ~~محجوبا فتخصيص قبره بصلاة عليه أو سلام أو دعاء أو ثناء يقتضي هضم ذلك ~~ونقصه في سائر البقاع فينقص إيمانم به وتوسلهم بالإيمان به ويفوتهم حظ عظيم ~~من كرامة الله لهم بقيامهم بحقه مع أن ذلك ذريعة إلى الشرك فكان في تخصيص ~~قبره بما يخص به قبر غيره مفسدة وفوات مصلحة ولهذا جاءت سنته بأن ms054 لا يزار ~~قبره كما تزار القبور لعظم قدره وحقه كما بينا وأما من زار قبره أو قبر ~~غيره ليشرك به ويدعوه من دون الله فهذا حرام كله وهو مع كونه شركا بالله ~~فهو ترك لما يجب من حقه صلى الله عليه وسلم وطلب منه ما ليس إليه بل إلى ~~الله وإين من يطيعه ويعينه على ما أمر الله به ويقوم بما يجب عليه من حقه ~~ممن يقصر في حقه وطاعته وإعانته ويقصر في عبادة الله وتوحيده ودعائه ويكلف ~~المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الخالق سبحانه وتعالى فيؤذيه بذلك ويؤذي الله ~~بالشرك به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما أحد أصبر ~~على أذى يسمعه من الله يجعلون له ندا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم وقد قال ~~تعالى @QB@ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما @QE@ فهذا حقه صلى الله عليه وسلم قال تعالى @QB@ إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة @QE@ الآية # وأهل البدع والجهل يفعلون ما هو من جنس الأذى لله ورسوله ويدعون ما أمر ~~الله به من حقوقه وهم يظنون أنهم يعظمونه كما تفعل النصارى بالمسيح فيضلهم ~~الشيطان كما أضل النصارى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا والذين يزورون قبور ~~الأنبياء والصالحين ويحجون اليها ليدعوهم ويسألوهم أو ليعبدوهم ويدعوهم من ~~دون الله هم مشركون وهم إذا قالوا نحن نحبهم فهم إن كانوا صادقين هم ~~يحبونهم مع الله لا يحبونهم لله كمحبة أهل الشرك للأنداد قال تعالى @QB@ ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله @QE@ والحب لله أن يكون الله هو المحبوب لذاته ويحب أنبياءه لأنه ~~يحبهم وعلامة محبتهم متابعتهم كما قال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله @QE@ فمن اتبع الرسول فهو الذي يحبه الله وأما من ~~PageV01P052 قال انه يحبه وإن غلا فيه وأشرك به إذا لم يتبعه فان الله لا ~~يحبه بل إذا خالفه أبغضه بحسب ms055 ذلك @QB@ ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم ~~أعمالهم وهم لا يظلمون @QE@ @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ فالزيارة ~~للقبور التي شرعها الرسول هي من جنس الصلاة على الجنائز سواء كان الداعي ~~فاضلا أو مفضولا فليس المقصود بها الخضوع للميت والتواضع له كما يقصد ~~بتصديق الأنبياء وطاعتهم ولا شرعت لكون المزور ذا جاه عند الله ومنزلة بل ~~هي مشروعة في حق كل مؤمن وجائز أيضا زيارة قبر الكافر لتذكر الموت ولكن شاع ~~لفظ الزيارة في المعنى الأول عند كثير من المتأخرين ولم يكن هذا معروفا في ~~السلف وما صاروا يفهمون من إطلاق اللفظ بزيارة قبور الأنبياء والصالحين إلا ~~أنها زيارة لقبورهم لعظم قدرهم وجاههم وعلو منزلتهم عند الله كما تزور ~~النصارى قبور من يعظمونه وكما يتوجهون إلى صورته المصورة ويتشفعون به # ومن هؤلاء من يظن أن القبر إذا كان في مدينة أو قرية فانهم ببركته يرزقون ~~وينصرون وأنه يندفع عنهم الأعداء والبلاء بسببه ويقولون عمن يعظمونه إنه ~~خفير البلد الفلاني كما يقولون السيدة نفيسة خفيرة مصر القاهرة وفلان وفلان ~~خفراء دمشق أو غيرها وفلان خفير حران أو غيرها وفلان وفلان خفراء بغداد أو ~~غيرها ويظنون أن البلاء يندفع عن هذه المدائن والقرى بمن عندهم من قبور ~~الصالحين أو الأنبياء ثم قد يكون في البلد من قبور الصحابة والتابعين من هو ~~أفضل من ذلك الذي جعلوه خفيرا كما أن فيهم من الصحابة والتابعين وغيرهم من ~~هو أفضل من نفيسة بكثير وبدمشق من الصحابة والتابعين من هو أفضل من بعض من ~~يجعلونه خفيرا أو يقصدون الدعاء عند قبره كاربعة في باب الصغير وكرسلان ~~التركماني وغيرهم وقد نزل عدو كافر بالبلد فتمثل له الشيطان بصورة ذلك ~~الخفير وأنه يضربه بعكازه أو غيره ويقول ارحل من عندي فيرحل ذلك الملك ~~الكافر لما رآه فيظن أولئك أن نفس الشيخ الميت أو سره أتاه فدفع ~~PageV01P053 عنه وفي المدفونين بالبلد من هو أفضل من ذلك بكثير وهذا مما لم ~~يكن معروفا على عهد الصحابة والتابعين ولكن حدث بعدهم # ومن أقدم ما ms056 روي في ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر ~~الرازي يقول سمعت عبد الله بن موسى الطلحي يقول سمعت أحمد بن العباس يقول ~~خرجت من بغداد هاربا منها فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة فقال لي من أين ~~خرجت فقلت من بغداد وهربت منها لما رأيت فيها من الفساد خفت أن يخسف بأهلها ~~فقال ارجع ولا تخف فان فيها قبور أربعة من أولياء الله هم حصن لها من جميع ~~البلايا قلت من هم قال الإمام أحمد بن حنبل ومعروف الكرخي وبشر بن الحارث ~~الحافي ومنصور ابن عمار الواعظ فرجعت ولم أخرج وهذا الشخص الذي قال هذا هو ~~مجهول لا يعرف وقد يكون جنيا وقد يكون إنسيا فان الجن كثيرا ما يتصورون في ~~صورة الانس ويقول أحدهم لمن ينفرد به في البرية أنا النبي فلان أو الشيخ ~~فلان أو الخضر ومثل هذا كثير معروف تطول حكاية آحاده فانها لا تحصى لكثرتها # وهؤلاء قد يظنون أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم مقبورا بينهم مثل ~~وجوده في حياته والله تعالى يقول @QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون @QE@ وهذا غلط عظيم فقد روى الترمذي حدثنا ~~سفيان بن وكيع حدثنا ابن نمير عن اسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن ~~يوسغ عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنزل الله أمانين لأمتي @QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون @QE@ فاذا مضيت تركت فيكم الاستغفار فقد بين صلى ~~الله عليه وسلم أن الأمان بوجوده هو في حياته وأنه بعد موته لم يبق إلا ~~الاستغفار ليس في وجود القبور أمان وكذلك في صحيح مسلم عن أبي موسى الاشعري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال النجوم أمنة للسماء فاذا ذهبت النجوم ~~أتى السماء ما توعد وأما أمنة PageV01P054 لأصحابي فاذا ذهبت أتى أصحابي ما ~~يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فاذا ذهبت أصحابي أتى ms057 أمتي ما يوعدون # ومما يوضح الأمر في ذلك أنه من المعلوم أن بيت المقدس وما حوله من قبور ~~الأنبياء ما هو أكثر من غيره فانه قد قيل إن بني غسرائيل بعث فيهم ألف نبي ~~ومع هذا فقد قال الله تعالى @QB@ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا ~~@QE@ فقد بين الله أنهم إذا غلوا وأفسدوا عاقبهم الله بذنوبهم وسلط عليهم ~~العدو الذي جاس خلال الديار ودخل المسجد وقتل فيهم من لا يحصى عدده إلا ~~الله ولم يخفرهم أحد من قبور الأنبياء التي كانت هناك وإنما الناس يجزون ~~بأعمالهم والله تعالى هو الذي يرزقهم وينصرهم لا رازق غيره ولا ناصر إلا هو ~~قال تعالى @QB@ أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن @QE@ ~~الآيتين فليس للعباد من دون الله لا رازق ولا ناصر وقد قال الله تعالى @QB@ ~~وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة @QE@ الآية فأخبر أنه لا بد ~~لكل قرية من هلاك أو عذاب شديد يدون الهلاك وذلك بذنوبهم بعد إرسال الرسل ~~لهم قال الله تعالى @QB@ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ~~ظالمين @QE@ وكان أهل المدينة النبوية على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعهد خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أحسن أهل ~~المدائن حالا ونعمة الله عليهم أعظم النعم لكونهم كانوا مطيعين لله ورسوله ~~وكانت الخلفاء تسوسهم سياسة نبوية فلما تغيروا وقتل بينهم عثمان رضي الله ~~عنه تغير الأمر وحصل لهم من الخوف والذل ثم اصابهم من السيف ما اصابهم ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم مدفون بالحجرة وهو قد بلغهم الرسالة وأدى ~~الأمانة ولم يضمن لهم أنه لوجود قبره أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين ~~يندفع البلاء وإنما يندفع البلاء بطاعة الرسل لا بقبورهم فمن أطاعهم كان ~~سعيدا في الدنيا والآخرة ومن عصاهم استحق ما يستحقه أمثاله وإن كان عنده ما ~~شاء الله من ms058 قبورهم وكانت PageV01P055 حفصة أم المؤمنين تتأول فيهم قوله ~~@QB@ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~@QE@ الآية كما رواه ابن أبي حاتم وغيره من حديث ابن وهب حدثنا ابن شريح عن ~~عبد الكريم بن الحارث سمعه يحدث عن مشرح ابن عاهان عن سليم بن عفير قال ~~صحبت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خارجة من مكة إلى المدينة ~~فأخبرت أن عثمان قد قتل فرجعت حفصة فقالت ارجعوا بي عن المدينة فوالذي نفسي ~~بيده إنها للقرية التي قال الله @QB@ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~@QE@ الآية ولم ترد حفصة رضي الله عنها أن الآية خصت المدينة بالذكر بل هذا ~~مثل ضربه الله لمن كان كذلك وكان أهل مكة لما كانوا كفارا كذلك فأصابهم ما ~~أصابهم فلما قتل عثمان علمت حفصة أن سيصيب اهل المدينة من البلاء ما يناسب ~~حالهم بعد ما كانوا فيه من الأمن والطمأنينة وإتيان رزقهم رغدا من كل مكان ~~فذكرت ذلك على سبيل التمثيل بالمدينة لا على سبيل الحصر فيها وأهل بغداد ~~أصابهم ما أصابهم من السيف العام وعندهم قبور ألوف من أولياء الله زيادة ~~على قبور الأربعة فلم تغن عنهم من الله شيئا # وهؤلاء الذين يعتقدون أن القبور تنفعهم وتدفع البلاء عنهم قد اتخذوها ~~أوثانا من دون الله وصاروا يظنون فيها ما يظنه أهل الأوثان في أوثانهم ~~فانهم كانوا يرجونها ويخافونها ويظنون أنها تنفع وتضر ولهذا قالوا لهود ~~عليه السلام @QB@ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء @QE@ فقال هود @QB@ ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا @QE@ إلى ~~قوله @QB@ إن ربي على صراط مستقيم @QE@ وقد قال الله تعالى في قصة الخليل ~~@QB@ وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان @QE@ إلى قوله @QB@ مهتدون ~~@QE@ وقال الله تعالى لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم يعد أن خاطب المشركين ~~فقال @QB@ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم ~~إن كنتم صادقين @QE@ إلى قوله @QB@ لا ينظرون @QE@ وقال ms059 @QB@ أليس الله ~~بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه @QE@ إلى قوله @QB@ قل حسبي الله عليه ~~يتوكل المتوكلون @QE@ وأول ما ظهر الشرك بمكة من عمرو بن لحي سيد خزاعة ~~وكان خزاعة ولاه البيت PageV01P056 بعد جرهم وقيل قريش فجاء إلى البلقاء ~~فرآهم يعبدون الأصنام وزعموا أنهم تنفعهم فجلب أصناما إلى مكة ونصبها حول ~~الكعبة قال النبي صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن لحي وهو يجر قصبة في ~~النار أي أمعاءه وهو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام وإذا كان كذلك ~~فمعلوم أنه لو نهى عن زيارة القبور مطلقا كما نهى عن ذلك معاداة لأهل ~~القبور ولا معاندة فكيف إذا كان النهي إنما هو عن السفر لزيارة القبور وهو ~~نهي عام لا يختص به الأنبياء والصالحون بل كما نهى عن السفر إلى مسجد غير ~~الثلاثة فهل يقول عاقل إن هذا من باب الاستهانة بالمساجد والاستخفاف بها ~~كالذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه بل النهي عن السفر اليها مع أن ~~إتيانها وعمارتها بالعبادات من أفضل الطاعات ليس في ذلك نقص لقدرها وكذلك ~~إذا نهى عن السفر مع جواز زيارتها بلا سفر واستحباب ذلك فانه لا يكون تنقصا ~~بأهل القبور بطريق الأولى إذ كان جنس النهي عن زيارتها ليس تنقصا بهم بخلاف ~~النهي عن عمارة المساجد وإتيانها للصلاة والذكر والدعاء كان من أظلم الناس ~~[ و ] كان كافرا كما قال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر ~~فيها اسمه @QE@ الآية ولو نهى عن السفر اليها كما نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأئمة المسلمين وقال من نذر السفر اليها لا يوف بنذره لم يكن تنقصا ~~بالقبور التي لو نهى عن زيارتها لم يكن متنقصا بها فاذا نهى عن السفر اليها ~~لم يكن متنقصا بها بطريق الأولى والأحرى وهذا بين لمن تدبر # ( الوجه الثالث ) أن يقال لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء ~~والصالحين ويزورونها غير الزيارة الشرعية لا يقصدون الدعاء لهم كالصلاة على ~~جنائزهم بل الزيارة عندهم والسفر لذلك ms060 من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم ~~عند الله ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء بهم أو عندهم وطلب الحوائج منهم وغير ~~ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى ولهذا يقولون إن من نهى عن ذلك فقد تنقص ~~بهم فهذا القول مبني على ذلك الاعتقاد PageV01P057 والقصد والظن والنصارى ~~يحجون إلى الكنائس لأجل ما فيها من التماثيل ولأجل من بنيت لأجله كما يحجون ~~إلى موضع قبر المسيح عندهم الكنيسة التي يقال إنها بنيت على قبره موضع ~~الصلب بزعمهم وهم يبنون الكنائس على من يعظمونه مثل جرجس وغيره فيتخذون ~~المعابد على القبور وهم ممن لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك تحذيرا ~~لأمته وقال لأمته إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فاني أنهاكم عن ذلك رواه مسلم والكنيسة التي بنيت موضع ~~ولادته المسماة ببيت لحم وكنائس أخر التي يسمونها القمامة # وكان صاحب الفيل قد بنى كنيسة باليمن وأراد أن يصرف حج العرب عن الكعبة ~~اليها فدخلها بعض العرب وأحدث فيها فغضب وجمع الجنود وسار بالفيل ليهدم ~~الكعبة حتى فعل الله به ما فعل وكذلك كان بالطائف اللات وكانوا يحجون اليها ~~وفي حديث أبي سفيان عن أمية بن أبي الصلت لما أخبر عن العالم الراهب أنه قد ~~أظل زمان نبي يبعث من العرب وطمع أمية بن أبي الصلت أن يكون إياه وقال له ~~ذلك العالم إنه من أهل بيته يحجه العرب فقال إنا معشر ثقيف فينا بيت يحجه ~~العرب قال إنه ليس منكم إنه من إخوانكم من قريش وذلك البيت هو بيت اللات ~~المذكور في قوله تعالى @QB@ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ~~@QE@ والطائف ومكة هما القريتان اللتان قالوا فيهما @QB@ لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم @QE@ وآخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غزوات القتال هي غزوة الطائف ولم يفتحها ثم إن أهلها أسلموا وطلبوا من ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يمتعهم باللات حولا فامتنع من ذلك وهدمها وأمر ~~ببناء المسجد موضعها واستعمل عليهم ms061 عثمان بن أبي العاص الثقفي وهذا معروف ~~عند أهل العلم # والمقصود أنهم كانوا يسمون السفر إلى مثل ذلك حجا ويقولون إن بيت اللات ~~يحج كما تحج الكعبة وكانوا يحجون إلى العزى وكانت عند عرفات ويحجون إلى ~~مناة PageV01P058 الثالثة الأخرى وهي حذو قديد فكان لكل مدينة من مدائن ~~الحجاز وثن يحجون إليه فاللات بالطائف والعزى عند مكة ومناة لأهل المدينة ~~كانوا يهلون لها وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون ~~الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصده العابدون لله منهم من قصده قضاء ~~حاجته وإجابة سؤاله يقول هؤلاء أقرب إلى الله مني فأنا أتوسل بهم فهم ~~يتوسطون لي في قضاء حاجتي كما يتوسط خواص الملك لمن يكون بعيدا عنه وقد ~~ينذر لهم أو يأتي بقربان بلا نذر ويتقربون اليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى ~~قبورهم كما يتقرب المسلمون به إلى الله من الصدقات والضحايا وكما يهدون إلى ~~مكة أنواع الهدي ومنهم من يجعل لصاحب القبر نصيبا من ماله أو بعض ماله أو ~~يجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتهم ومنهم من يسيب لهم السوائب ~~فلا يذبح ولا يركب وما يسيب لهم من بقر وغيرها كما كان المشركون يسيبون ~~لطواغيتهم فهذا صنف وصنف ثان يحجون إلى قبورهم لما عندهم من المحبة للميت ~~والشوق اليه أو التعظيم والخضوع له فيجعلون السفر إلى قبره أو إلى صورته ~~الممثلة تقوم مقام السفر إلى نفسه لو كان حيا ويجدون بذلك أنسا في قلوبهم ~~وطمأنينة وراحة كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه وكما يحصل ~~للقريب والصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه لكن ذاك حب وتعظيم ديني فهو أعظم ~~تأثيرا في النفوس ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبونه ويعظمونه ما لا ~~يجدونه عند قبر غيره وإن كان أفضل وكثير من أتباع المشايخ والأئمة يجد عند ~~قبر شيخه وإمامه ما لا يجده عند قبور الأنبياء لا نبينا ولا غيره # وذلك لأن الوجد الذي يجدونه ليس سببه نفس فضيلة المزور بل سببه ما قام ms062 ~~بنفوسهم من حبه وتعظيمه وإن كان هو لا يستحق ذلك بل قد يكون المزور كافرا ~~مشركا أو كتابيا والمحبون له المعظمون يجدون مثل ذلك وهذا كما أن عباد ~~الأوثان الذين جعلوهم أندادا لله يحبونهم كحب الله يجدون عند الأوثان مثل ~~ذلك وكذلك عباد العجل قال الله تعالى @QB@ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ~~@QE@ أي حب العجل هذا قول الأكثرين وموسى حرقه ثم نسفه فانه كان قد صار ~~فحما وقيل بل أشربوا برادته PageV01P059 التي كانت في الماء وأن موسى برده ~~لكونه كان ذهبا والأول عليه الجمهور وهو أصح # وقد سئل سفيان بن عيينة عن أهل البدع والأهواء أن ما عندهم حبا لذلك ~~فأجاب السائل بأن ذلك كقوله @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وقوله @QB@ وأشربوا في ~~قلوبهم العجل @QE@ والله تعالى قد ذكر حب المشركين آلهتهم في كتابه وبين أن ~~من الناس من يتخذ إلهه هواه أي يجعل ما يألهه ويعبده هو ما يهواه فالذي ~~يهواه ويحبه هو الذي يعبده ولهذا ينتقل من إله إلى إله كالذي ينتقل من ~~محبوب إلى محبوب إذ كان لم يحب بعلم وهدى ما يستحق أن يحب ولا عبد من يستحق ~~أن يعبد بل عبد وأحب ما أحبه من غيره ولا هدى ولا كتاب منزل قال تعالى @QB@ ~~أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا @QE@ إلى قوله @QB@ سبيلا ~~@QE@ وقال @QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم @QE@ قال ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس ذاك الكافراتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان وقال ~~سعيد بن جبير كان أحدهم يعبد الحجر فاذا رأى ما هو أحسن منه رماه وعبد ~~الآخر وقال الحسن البصري ذاك المنافق نصب هواه فما هوى من شيء ركبه وقال ~~قتادة أي والله كلما هوى شيئا ركبه وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ~~ورع ولا تقوى رواهن ابن أبي حاتم وغيره وقد قال تعالى @QB@ وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذكر اسم ms063 الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم @QE@ الآية وقال ~~تعالى @QB@ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ~~@QE@ إلى قوله @QB@ بغير هدى من الله @QE@ وقال تعالى عن المشركين @QB@ ~~أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين @QE@ إلى قوله تعالى ~~@QB@ فهم عن ذكرهم معرضون @QE@ وقال تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ يسألون @QE@ فالذين يحجون إلى القبور هم ~~من جنس الذين يحجون إلى الأوثان والمشركون يدعون مع الله إلها آخر يدعونه ~~كما يدعون الله وأهل التوحيد لا يدعون إلا الله لا يدعون مع الله إلها آخر ~~لا دعاء سؤال وطلب ولا دعاء عبادة PageV01P060 وتأله والمشركون يقصدون هذا ~~وهذا ومنهم من يصور مثال الميت ويجعل دعاءه ومحبته الأنس به قائما مقام ~~صاحب الصورة سواء كان نبيا أو رجلا صالحا أو غير صالح وقد يصور المثال له ~~أيضا كما يفعل النصارى وكثيرا ما يظنون في قبر أنه قبر نبي أو رجل صالح ولا ~~يكون ذلك قبره بل قبر غيره أو لا يكون قبرا وربما كان قبر كافر وقد يحسنون ~~الظن بمن يظنونه رجلا صالحا وليا ويكون كافرا أو فاجرا كما يوجد عند ~~المشركين وأهل الكتاب وبعض الضلالة من أهل القبلة # وهذا الجنس من الزيارة ليس مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم لا إباحة ~~ولا ندبا ولا استحبه أحد من أئمة الدين بل هم متفقون على النهي عن هذا ~~الجنس كله وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المستفيضة ~~الصحيحة ما هو أقرب من هؤلاء وهم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~فعلوا وأخبر أن من كان قبلنا كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ~~وقال ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فاني أنهاكم عن ذلك فاذا كان قد نهى ولعن ~~من يتخذها مسجدا يعبد الله فيه ويدعو لأن ذلك ذريعة ومظنة إلى دعاء المخلوق ~~صاحب القبر وعبادته فكيف بنفس الشرك الذي سد ذريعته ونهى عن اتخاذها مساجد ~~لئلا يفضى ms064 ذلك اليه فمعلوم أن صاحبه أحق باللعنة والنهي وهذا كما أنه نهى ~~عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وقال فانها تطلع بين قرني شيطان ~~وحينئذ يسجد لها الكفار ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت لما فيه من ~~مشابعة الكفار في الصورة وإن كان المصلي يقصد السجود لله لا للشمس لكن نهى ~~عن المشابهو في الصورة لئلا يفضي إلى المشاركة في القصد فاذا قصد الانسان ~~السجود للشمس قت طلوع الشمس ووقت غروبها كان أحق بالنهي والذم والعقاب ~~ولهذا يكون هذا كافرا كذلك من دعا غير الله وحج إلى غير الله هو أيضا مشرك ~~والذي فعله كفر لكن قد لا يكون عالما بأن هذا شرك محرم كما أن كثيرا من ~~الناس دخلوا في الاسلام من التتار وغيرهم وعندهم أصنام لهم صغار من لبد ~~وغيره وهم يتقربون اليها PageV01P061 ويعظمونها ولا يعلمون أن ذلك محرم في ~~دين الاسلام ويتقربون إلى النار أيضا ولا يعلمون أن ذلك محرم فكثير من ~~أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك فهذا ضال ~~وعمله الذي أشرك فيه باطل لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة قال ~~تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون @QE@ وفي صحيح أبي حاتم ~~وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الشرك في هذه الأمة اخفى من ~~دبيب النمل فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله كيف ننجو منه قال قل ~~اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم وكذلك كثير ~~من الداخلين في الاسلام يعتقدون أن الحج إلى قبر بعض الأئمة والشيوخ أفضل ~~من الحج أو مثله ولا يعلمون أن ذلك محرم ولا بلغهم أحد أن هذا شرك محرم لا ~~يجوز وقد بسطنا الكلام في هذا في مواضع # والمقصود هنا أن هؤلاء المشركين الذين يجعلون أصحاب القبور وسائط يشركون ~~بهم كما يشرك أصحاب الأوثان بأوثانهم يدعونهم ويستشفعون بهم ويرجونهم ~~ويخافونهم وقد جعلوهم أندادا يحبونهم كحب الله ms065 هم الذين يقولون لمن نهى عن ~~هذا الشرك وأمر بعبادة الله وحده إنه تنقصهم وعاداهم وعاندهم كما يزعم ~~النصارى أن من جعل المسيح عبدا لله ولا يملك ضرا ولا نفعا إنه قد ينقص ~~المسيح وعاداه وسبه وعانده # وأما من عرف أن الأنبياء نهوا عن هذا الشرك فأطاعهم واتبع سبيلهم وعبد ~~الله وحده فهذا يمتنع أن يقول هذا تنقص ومعاداة فهذا الفرقان هو الذي يفصل ~~بين عباد الرحمن وعباد الشيطان والأنبياء تجب محبتهم وموالاتهم وتعزيرهم ~~وتوقيرهم لا سيما خاتم الرسل صلوات الله عليهم أجمعين وقد ثبت في الصحيحين ~~عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يؤمن أحدكم ~~حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي البخاري عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي PageV01P062 نفسي ~~بيده لا يؤمن أحدكم الحديث وفي البخاري عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه ~~قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمربن الخطاب رضي الله ~~عنه فقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من فسك ~~فقال له عمر فانه الآن والله أنت أحب إلي من نفسي فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم الآن يا عمر وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ثلا من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه ~~مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله ومن كان يكره أن يعود في ~~الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وفي بعض طرق ~~البخاري لا يجد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله وذكر الحديث # وتصديق هذه الأحاديث في كتاب الله تعالى قال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم ms066 @QE@ الآية ومحبة الرسول هي من محبة الله فهي حب لله وفي ~~الله ليست محبة محبوب مع الله كالذين قال الله فيهم @QB@ ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ والحب ~~في الله والبغض في الله من أوثق عرى الايمان كما جاء في الحديث وحب ند مع ~~الله شرك لا يغفره الله فأين هذا من هذا والمحبة التي أوجبها لرسوله ~~وللمؤمنين لا تختص ببقعة ولا تختص بقبورهم ولا غيرها وكذلك سائر حقوقهم من ~~الإيمان بهم وما يدخل في ذلك فان ذلك واجب في كل موضع وكذلك الصلاة والسلام ~~على الرسول وغير ذلك فمن يجد قلبه عند قبر الرسول أكثر محبة له وتعظيما ~~ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليما مما يجده في سائر المواضع كان ذلك دليلا على ~~أنه ناقص الحظ مبخوس النصيب من كمال المحبة والتعظيم وكان فيه من نقص ~~الإيمان وانخفاض ادرجة بحسب هذا التفاوت بل المأمور به أن تكون محبته ~~وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير القبر أعظم فان القبر قد حيل بين الناس ~~وبينه وقد نهى أن يتخذ عيدا ودعا الله أن لا يجعل قبره وثنا فان لم يجد ~~إيمانه به ومحبته له PageV01P063 وتعظيمه له وصلاته عليه إذا كان في بلده ~~أعظم مما يكون لو كان في نفس الحجرة من داخل لكان ناقص الحظ من الدين وكمال ~~الإيمان واليقين فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج فهذا هذا والله أعلم # ( الوجه الرابع ) أن يقال عداوة الأنبياء وعنادهم هو بمخالفتهم لا ~~بموافقتهم كمن نهى عما أمروا من عبادة الله وحده وأمر بما نهوا عنه من ~~الشرك بالمخلوقات كلها بالملائكة والأنبياء والشمس والقمر والتماثيل ~~المصورة لهؤلاء وغير ذلك ومن كذبهم فيما أخبروا به من إرسال الله لهم وما ~~أخبروا به عن الله من أسمائه وصفاته وتوحيده وملائكته وعرشه وما أخبروا به ~~من الجنة والنار والوعد والوعيد فلا ريب أن من كذب ما أخبروا به ونهى عما ~~أمروا به فهذا بما نهوا عنه ms067 فقد عاداهم وعاندهم وأما من صدقهم فيما أخبروا ~~به وأطاعهم فيما أمروا به فهذا هو المؤمن ولي الله الذي والاهم واتبعهم ~~وإذا كان كذلك فننظر فيما جاء عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وغيره من ~~الأنبياء وإن كانوا أمروا بالسفر إلى القبور كما يسافر المسافرون لزيارتها ~~يدعونها ويستغيثون بها ويطلبون منها الحوائج ويتضرعون لها أي لأصحابها ~~ويرون السفر اليها من جنس الحج أو فوقه أو قريبا منه فمن نهى عما أمر به ~~الرسول ورغب فيه يكون مخالفا له وقد يكون بعد ظهور قوله له وإصراره على ~~مخالفته معاديا ومعاندا كما قال تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى @QE@ وإن كان الرسول لم يأمر بشيء من ذلك ولكن شرع السفر إلى ~~المساجد الثلاثة وقال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ~~ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من قعل ذلك وهو ~~اهون من الحج اليها ومن دعاء أصحابها من دون الله فان هذا هو الذي جاءت به ~~الأنبياء دون ذاك فالمخالف للرسول الآمر بما نهى عنه من شد الرحال إلى غير ~~المساجد الثلاثة الآمر بالسفر إلى زيارة القبور قبور الأنبياء والصالحين ~~وهذا السفر قد علم أنه من جنس الحج وعلم أن أصحابه يقصدون به الشرك أعظم ~~مما يقصده الذين يتخذون القبور مساجد الذي لا ينهى عما نهى عنه الرسول من ~~اتخاذ القبور مساجد واتخاذها عيدا وأوثانا PageV01P064 المعادي لمن وافق ~~الرسول فأمر بما أمر ونهى عما نهى المكفر لمن وافق الرسول المستحل دمه هو ~~أحق بأن يكون معاديا للرسول معاندا له جاهرا بعداوة أولياء الرسول وحزبه ~~ومن كان كذلك كان هو المستحق لجهاده وعقوبته بعد إقامة الحجة عليه وبيان ما ~~جاء به الرسول دون الموافق للرسول الناصر لسنته وشريعته وما بعثه الله به ~~من الاسلام والقرآن ولكن هذا من جنس أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويعادون ~~من خالفها ونسبونها إلى الرسول افتراء وجهلا كالرافضة الذين يقولون إن ~~المهاجرين والأنصار عادوا الرسول وارتدوا ms068 عن دينه وأنهم هم أولياء الله ~~والخوارج المارقين الذين يدعون أن عثمان وعليا ومن والاهما كفار بالقرآن ~~الذي جاء به الرسول ويستحلون دماء المسلمين بهذا الضلال ولهذا أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقتالهم وأخبر بما سيكون منهم وقال فيهم يحقر أحدكم ~~صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا ~~يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم فان في قتلهم أجرا عند الله وقال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ~~والأحاديث فيهم كثيرة وعظم ذنبهم بتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم ~~وإلا فلو لم يفعلوا ذلك لكان لهم أسوة بأمثالهم من أهل الخطأ والضلال ~~ومعلوم أن الشرك بالله وعبادة ما سواه أعظم الذنوب والدعاء اليه والأمر به ~~من أعظم الخطايا ومعاداة من ينهى عنه ويأمر بالتوحيد وطاعة الرسول أعظم من ~~معاداة من هو دونه ولولا بعد عهد الناس بأول الاسلام وحال المهاجرين ~~والأنصار ونقص العلم وظهور الجهل واشتباه الأمر على كثير من الناس لكان ~~هؤلاء المشركون والآمرون بالشرك مما يظهر كفهم وضلالهم للخاصة والعامة أعظم ~~مما يظهر ضلال الخوارج والرافضة فان أولئك تشبثوا بأشياء من الكتاب والسنة ~~وخفي عليهم بعض السنة اللهم إلا من كان منافقا زنديقا في الباطن مثل بعض ~~الرافضة ويقال إن أول من ابتدعه كان منافقا زنديقا فان هؤلاء من جنس ~~أمثالهم من الزنادقة والمنافقين بخلاف الخوارج فانهم لم يكونوا زنادقة ~~منافقين بل كان قصدهم اتباع القرآن لكن لم يكونوا يفهمونه كما قال فيهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P065 يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ~~فالمبتدع العابد الجاهل يشبههم من هذا الوجه وأما الحجاج إلى القبور ~~والمتخذون لها أوثانا ومساجد وأعيادا فهؤلاء لم يكن على عهد الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف ولا كان في الاسلام قبر ولا مشهد يحج ~~اليه بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة ~~للرسول يتأخر ظهورها وإنما يحدث أولا ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة ~~كبدعة الخوارج ومع هذا فقد ms069 جاءت الأحاديث الصحيحه فيها بذمهم وعقابهم وأجمع ~~الصحابة على ذلك قال الإمام أحمد صح فيهم الحديث من عشرة أوجه وقد رواها ~~صاحبه مسلم كلها في صحيحه وروى البخاري قطعة منها وأما بدع أهل الشرك ~~وعبادة القبور والحجاج اليها فهذا ما كان يظهر في القرون الثلاث لكل أحد ~~مخالفته للرسول فلم يتجرأ أحد أن يظهر ذلك في القرون الثلاثة وبسط هذا له ~~موضع آخر ولكن نبهنا لى ما به يعرف ما وقع فيه مثل هذا المعترض وأمثاله من ~~الضلال والجهل ومعاداة سنة الرسول وتبعيها وموالاة أعداء الرسول وغير ذلك ~~مما يبعدهم عن الله ورسوله # ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة وإلا كانت أعماله البدعية المنهي ~~عنها باطلة لا ثواب فيها وكانت منقصة له خافضو له بحسب بعده عن السنة فان ~~هذا حكم أهل الضلال وهو البعد عن الصراط المستقيم وما يستحقه أهله من ~~الكرامة ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة وإلا كان بعده ونقصه وانخفاض ~~درجته وما يلحقه في الدنيا والآخرة من انخفاض منزلته وسقوط حرمته وانحطاط ~~درجته هو جزاؤه والله حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة وهو عليك حكيم لطيف لما ~~يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وله الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم واليه ترجعون # ( الوجه الخامس ) أن الكلام في الأحكام الشرعية مثل كون الفعل واجبا أو ~~مستحبا أو محرما أو مباحا لا يستدل عليه إلا الأدلة الشرعية من الكتاب ~~والسنة والاجماع والاعتبار والأدلة الشرعية كلها مأخوذة عن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فالمتكلمون فيها سواء اتفقوا أو اختلفوا كلهم متفقون على الإيمان ~~بالرسول وبما جاء به ووجوب اتباعه وأن الحلال PageV01P066 ما حلله والحرام ~~ما حرمه والدين ما شرعه فالكلام فيها يستلزم الإيمان بالأنبياء وموالاتهم ~~ووجوب تصديقهم واتباعهم فيما أوجبوه وحرموه والقائل منهم عن فعل إنه حرام ~~أو مباح أو واجب إنما يقول إن الرسول حرمه أو أباحه أو أوجبه ولو أضاف ~~الإيجاب والتحريم والإباحة إلى غير الرسول لم يلتفت اليه ولم يكن من علماء ms070 ~~المسلمين وأهل الإسلام متفقون على هذا الأصل سنيهم وبدعيهم كلهم متفقون على ~~وجوب اتباع ما بلغه الرسول عن الله وعلى الاستدلال بالقرآن والسنة المعلومة ~~المفسرة لمجمل القرآن وأما المخالفة لظاهر القرآن فمن الخوارج من نازع فيها ~~وهو فاسد من وجوه كثيرة ومن رد نصا إنما يرده إما لكونه لم يثبت عنده عن ~~الرسول أو لكونه غير دال عنده على محل النزاع أو لاعتقاده أنه منسوخ ونحو ~~ذلك كما قد بسطت الكلام فيه على ما كتبته في رفع الملام عن الأئمة الأعلام ~~وبينت أعذارهم في هذا الباب وإن كان الواجب هو اتباع ما علم من الصواب ~~مطلقا والكلام في ذلك سواء تعلق بحقوق الرب أو حقوق رسوله أو غير ذلك لا ~~يدخل شيء من ذلك في مسائل سب الأنبياء وتنقصهم ومعاداتهم وإن كان المتكلم ~~من هؤلاء مخطئا فان مصيبهم ومخطئهم إنما مقصوده اتباع الرسول وتحريم ما ~~حرمه وإيجاب ما أوجبه وتحليل ما حلله وهذا مستلزم لإيمانه بالرسول وموالاته ~~وتعظيمه فكيف يتصور مع ذلك ان يكون قاصدا لمعاداته أو سبه أو التنقص به أو ~~غير ذلك وهذا ممتنع ولهذا لم يكن في المسلمين من جعل أحدا من هؤلاء سبابا ~~للأنبياء معاديا لهم وإن قدر أنهم أخطأوا وهذا أمر واضح يعرفه آحاد الطلبة # فاذا تكلم العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هل هي واجبة ~~في الصلاة أو غير واجبة في الصلاة كقول الجمهور لم يقل أحد إن من لم يوجبها ~~فقد تنقص الرسول أو سبه أو عاداه والذين لم يوجبوها في الصلاة منهم من ~~أوجبها خارج الصلاة ومنهم من لم يوجبها بحال وجعل الأمر في الآية أمر ندب ~~وحكى الاجماع على ذلك وقد بالغ القاضي عياض في تضعيف قول الشافعي بايجابها ~~في الصلاة وقال حكى الإمام أبو جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما إجماع جميع ~~المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم في PageV01P067 التشهد غير واجبة قال وشذ الشافعي في ذلك فقال من ~~لم يصل ms071 على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته ~~فاسدة وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه قال ولا سلف له في هذا القول ولا سنة ~~يتبعها قال وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه بمخالفته فيها من تقدمه ~~جماعة وشنعوا عليه بخلاف الحاصل فيها منهم الطبري والقشيري وغير واحد قال ~~وقال أبو بكر بن المنذر يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فان ترك تارك ذلك فصلاته مجزية في مذهب مالك وأهل ~~المدينة والثوري وأهل الكوفة من أهل الرأي وغيرهم وهو قول جملة أهل العلم ~~وحكي عن مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير مستحبة وأن تاركها في التشهد ~~مسيء قال وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة وأوجب إسحاق ~~الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان قلت وأحمد عنه في المسألة ثلاث روايات ~~كالأقوال الثلاثة اختار كل رواية طائفة من أصحابه وذكر محمد بن المواز قولا ~~له كقول الشافعي قال وقال الخطابي ليست بواجبة في الصلاة وهو قول جماعة ~~الفقهاء إلا الشافعي قال ولا أعلم له فيها قدوة وحكى الوجوب عن أبي جعفر ~~الباقر وأنه قال لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأهل بيته لرأيت أنها لم تتم وقال القاضي عياض اعلم أن الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرض على الجملة مرغب فيه غير محدود بوقت لأمر الله ~~تعالى بالصلاة عليخ وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب وأجمعوا عليه قال ~~وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب وادعى فيه الاجماع # فهذا بعض كلام العلماء في مثل هذه وحكايات إجماعهم متناقضة ومع هذا فلم ~~يقل أحد إن من لم يوجب الصلاة عليه فقد تنقصه أو سبه أو عاداه أو نحو ذلك ~~فانهم كلهم قصدهم متابعته كل بحسب اجتهاده رضي الله عنهم أجمعين وكذلك ~~تنازعوا هل تكره الصلاة عليه عند الذبح فكره مالك وأحمد وغيرهما قال القاضي ~~عياض وكره ms072 ابن حبيب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح كره سحنون ~~الصلاة عليه عند التعجب قال ولا يصلى عليه إلا على طريق الاستحباب وطلب ~~الثواب وقال أصبغ عن أبن القاسم PageV01P068 موطنان لا يذكر فيهما إلا الله ~~الذبح والعطاس فلا يقال فيها بعد ذكر الله محمد رسول الله ولو قال بعد ذكر ~~الله محمد رسول الله لم يكره تسميته له مع الله وقال أشهب لا ينبغي أن تجعل ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم استنانا قلت والشافعي لم يكره ذلك بل ~~قال هو من الايمان وهو قول طائفة من أصحاب أحمد كأبي إسحاق بن شاقلا وكذلك ~~تكلموا في الحلف بالملائكة والأنبياء أما الملائكة فاتفق المسلمون على أنه ~~لا يحلف بأحد منهم ولا تنعقد اليمين إذا حلف به وهذا أيضا قول الجمهور في ~~الأنبياء كلهم نبينا وغيره وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد في ~~إحدى الروايتين وعنه أنها تنعقد بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة اختارها ~~طائفة من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وغيره وخصوا ذلك بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وابن عقيل عدى ذلك إلى سائر الأنبياء والصواب قول الجمهور وأنه ~~لا تنعقد اليمين بمخلوق لا بنبي ولا غيره بل ينهى عن الحلف به فاذا قيل لا ~~يحلف به أو لا يحلف بالأنبياء ولا بالملائكة لم يكن هذا معاداة لهم ولا سبا ~~ولا تنقصا بهم عند أحد من المسلمين وكذلك سائر خصائص الرب إذا نفيت عنهم ~~فقيل لا تعبد الملائكة ولا الأنبياء ولا يسجد لهم ولا يصلى لهم ولا يدعون ~~من دون الله ونحو ذلك كان هذا توحيدا وإيمانا لم يكن هذا تنقيصا بهم ولا ~~سبا لهم ولا معاداة كما قال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ~~والحكم والنبوة @QE@ إلى قوله بعد @QB@ إذ أنتم مسلمون @QE@ # فاذا قيل لا يجوز لأحد أن يتخذ الملائكة والنبيين أربابا كما ذكر الله ~~ذلك في القرآن ولم يقل مسلم هذا معاداة لهم ولا منقصة ولا سب وكذلك إذا قيل ~~إنهم عباد ms073 الله وإن المسيح وغيره عباد الله كان هذا توحيدا وإيمانا لم يكن ~~ذلك تنقصا ولا سبا ولا معاداة قال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق @QE@ إلى قوله @QB@ ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا @QE@ وقد ذكر أهل التفسير أن أهل نجران قالوا يا ~~محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنه ليس بعار بعيسى أن يكون عبدا لله فنزل @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون ~~عبدا لله @QE@ أي لن يأنف ويتعظم عن ذلك فمن جعل تحقيق التوحيد تنقصا ~~بالأنبياء أو سبا PageV01P069 أو معاداة فهو من جنس هؤلاء النصارى والنهي ~~عن اتخاذ قبورهم مساجد والسفر إليهم واتخاذها أوثانا وعيدا فهو من هذا ~~الباب من باب تحقيق التوحيد # وفي مثل هذا المقام يقال إن كا ما يدعى من دون الله من الملائكة ~~والأنبياء وغيرهم @QB@ لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض @QE@ ~~إلى قوله @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ فلا تنفه شفاعة ~~ملك ولا نبي إلا بإذن الله كما قال @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~@QE@ وقال @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ ولم يكن هذا القول ونحوه تنقصا بالملائكة ~~ولا سبا لهم ولا معاداة لهم بل الملائكة والأنبياء يعادون من أشرك بهم ~~ويوالون أهل التوحيد الذين ينزلونهم منازلهم وهم برآه ممن يغلو فيهم ويشرك ~~بهم قال تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون قالوا سبحانك @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ويوم يحشرهم وما يعبدون من ~~دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء @QE@ إلى قوله @QB@ نذقه عذابا ~~كبيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم @QE@ إلى قوله @QB@ ~~والله هو السميع العليم @QE@ وهذا بيان أن المسيح وغيره من المخلوقين لا ~~يملكون للناس ضرا ولا ms074 نفعا ولا يجوز أن يقال هذا معاداة له أو سب أو تنقص ~~وقد أمر الله سبحانه خاتم الرسل بأن يقول ما ذكره عنه من قوله @QB@ قل لا ~~أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك @QE@ ومثل هذا في القآن كثير يعم ويخص فالأل كقول صاحب يس @QB@ ~~وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة @QE@ الآية ~~وقوله @QB@ أليس الله بكاف عبده @QE@ إلى قوله قل PageV01P070 @QB@ حسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تدع من دون الله ما لا ~~ينفعك ولا يضرك @QE@ إلى قوله @QB@ فلا كاشف له إلا هو @QE@ وهذا باب واسع # والمقصود أن أدنى من يعد من طلبة العلم يعلم أن أفعال العباد إذا تكلم ~~فيها بالأمور والنهي والإيجاب والتحريم وهل هذا السفر جائز أو مستحب أو ~~محرم أو مكروه سواء كان إلى مسجد أو إلى قبر نبي أو غير ذلك لم يدخل شيء من ~~هذا في مسائل تنقيص الأنبياء وسبهم بل أبلغ من هذا أنه إذا تكلم في سمائل ~~العصمة وهل يجوز على الأنبياء الذنوب أو لايجوز واختار مختار أحد القولين ~~لم يقل أحد من المسلمين إن هذا تنقص وسب ومعاداة وكذلك السؤال بالأنبياء في ~~الدعاء مثل أن يقول الداعي أسالك بحق الأنبياء عليك نهى أبو حنيفة عنه ~~وطائفة ترخص في هذا ولم يقل أحد إن كل من نهى عن ذلك قد تنقص الانبياء ~~وعادهم والقاضي عياض رحمه الله مع أنه أبلغ الناس في مسائل العصمة وفي ~~مسائل السب قد ذكر هذا لئلا يقع فيه هؤلاء الجهال الذين يجعلون الكلام ~~العملي والسب والتنقص ولا ريب أن هذا الباب إن كان فيه معاداة وتنقص لهم ~~فمن خالفهم وأمر بما نهوا عنه ونهى عما أمروا به وقال عنهم الكذب ونسب ~~اليهم ما ms075 نزههم الله منه مثل هؤلاء الجهال المفترين كان هو أولى بالمعاداة ~~والسب والتنقص كما قد بسط في مواضع أخر إذ المقصود هنا ما ذكره القاضي عياض ~~رحمه الله لما ذكر قسم الكلام في مسائل السب وما يشتبه به ما ليس بسب قال ~~الوجه السابع أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أو يختلف في ~~جوازع عليه وما يطرأ من الأمور البشرية به ويمكن اضافتها اليه أو يذكر ما ~~امتحن به وصبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه وأذاهم له ومعرفة ~~ابتداء حاله وسيرته وما لقيه من بؤس زمنه ومر عليه من معاناة عيشته كل هذا ~~على طريق الرواية ومذاكرة العلم ومعرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء وما ~~يجوز عليهم فذا فن خارج عن هذه الفنون الستة إذ ليس فيه غمص ولا نقص ولا ~~إزراء ولا استخفاف لا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللافظ قال لكن يجب أن ~~يكون الكلام فيه مع أهل العلم وفهماء PageV01P071 طلبته الذين ممن مقاصده ~~ويحققون فوائده ويجنب ذلك من عساه لا يفقه أو يخشى به فتنة فقد كره بعض ~~السلف تعليم النساء سورة يوسف لما انطوت عليه من تلك القصص لضعف معرفتهن ~~ونقص عقولهن وإدراكهن فقد قال صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه باستئجاره ~~لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال صلى الله عليه وسلم ما من نبي إلا وقد ~~رعى الغنم وأخبرنا الله بذلك عن موسى فهذا لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ~~ذكره على وجهه بخلاف من قصد الغضاضة والتحقير بل كانت عادة جميع العرب نعم ~~في ذلك الأنبياء حكمة بالغة وتدريج من الله تعالى لهم إلى كرامته وتدريب ~~برعايتها لسياسة أممهم من خلقه بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ومتقدم ~~العلم بذلك وكذلك قد ذكر الله يتمه وعيلته على طريق المنة عليه والتعريف ~~بكرامته له فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله والخبر عن مبتدئه والتعجب ~~من منح الله قبله وعظيم منن الله عنده ليس فيه ms076 غضاضة بل فيه دلالة على ~~نبوته صلى الله عليه وسلم وصحة دعوته إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على ~~صناديد العرب ومن ناوأه من أشرافهم شيئا فشيئا ونمى أمره صلى الله عليه ~~وسلم حتى قهرهم وتمكن من ملك مقاليدهم واستباحة ممالك كثيرة من الأمم غيرهم ~~باظهار الله وتأييده بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم وإمداده بالملائكة ~~المسومين ولو كان ابن ملك أو ذا أشياع متقدمين لحسن كثير من الجهال أن ذلك ~~موجب ظهوره ومقتضى علوه ولهذا قال هرقل حين سأل أبا سفيان ابن حرب عنه صلى ~~الله عليه وسلم هل من آبائه ملك فقال لا ثم قال ولو قلت كان من آبائه ملك ~~لقلت رجل يطلب ملك أبيه وإذ اليتم من صفته وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة ~~وأخبار الأمم السالفة وكذا وقع ذكره في كتاب إرميا وبهذا وصفه ابن ذي يزن ~~لعبد المطلب وبحيرا لأبي طالب وكذلك إذ وصف صلى الله عليه وسلم بأنه أمي ~~كما وصفه الله بذلك فهي مدحة له وفضيلة ثابتة فيه وقاعدة معجزته إذ معجزته ~~العظيمة من القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما منح ~~صلى الله عليه وسلم وفضل به من ذلك كما قدمناه في القسم الأول ووجود مثل ~~ذلك من رجل لم يقرأ أو لم يكتب ولم يدارس ولا لقن مقتضى العجب ومنتهى العبر ~~ومعجزة البشر وليس ذلك نقيصة إذ المطلوب من الكتابة PageV01P072 والقراءة ~~والمعرفة وإنما هي آلة لها وواسطة موصلة إلى غير مرادها في نفسها فاذا حصلت ~~الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة والسبب والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب ~~الجهالة وعنوان الغباوة فسبحان من باين أمره من أمر غيره وجعل شرفه فيما ~~فيه محطة سواه وحياته فيما فيه هلاك من عداه هذا شق قلبه وإخراج حشوته كان ~~تمام حياته وغاية قوة نفسه وثبات روعه وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته ~~وفنائه وهلم جرا إلى سائر ما روى من أخباره صلى الله عليه وسلم وسيره ~~وتقلله من الدنيا ومن الملبس والمطعم ms077 والمركب وتواضعه ومهنته نفسه في أموره ~~وخدمة بيته زهدا ورغبة عن الدنيا وتسوية بين حقيرها وخطيرها لسرعة فناء ~~أمورها وتقلب أحوالها كل هذا من فضائله صلى الله عليه وسلم ومآثره وشرفه ~~كما ذكرناه فمن أورد شيئا من ذلك موارده وقصد به مقصده كان حسنا ومن أورد ~~ذلك على غير وجهه وعلم منه ذلك سوء قصده لحق بالفصول التي [ قدمناها ] # هذا كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى يفرق فيما يظن أن فيه غضاضة ونقصا ~~وعيبا وليس هو في نفس الأمر كذلك وبين من يذكره على وجهه لبيان العلم ~~والدين ومعرفة الفضائل والمناقب وهكذا وهكذا سائر ما فيه هذا # وحينئذ فأعظم أحوال الناس مع الأنبياء وأفضلها وأكملها هو حال الصحابة مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لا سيما أبو بكر وعمر وهو تصديقه في كل ما يخبر ~~به من الغيب وطاعته وامتثال أمره في كل ما يوجبه ويأمر به وأن يكون أحب إلى ~~المؤمن من نفسه وأهله وماله وأن يكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب ~~اليه مما سواهما وأن يتحرى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيعبد الله ~~بما شرعه وسنه من واجب ومستحب لا يعبده بعبادة نهى عنها وببدعة ما أنزل ~~الله بها من سلطان وإن ظن أن في ذلك تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتعظيما لقدره كما ظنه النصارى في المسيح وكما ظنوه في اتخاذهم أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله وكما PageV01P073 ظن الذين اتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا فان الأمر بالعكس بل كل عبد صالح من الملائمة والأنبياء ~~فانما يحب ما أحبه الله من عبادته وحده وإخلاص الدين له ويوالي من كان كذلك ~~ويعادي من أشرك ولو كان المشرك معظما له غاليا فيه فان هذا يضره ولا ينفعه ~~لا عند الله ولا عند الذي غلا فيه أشرك فيه واتخذه ندا لله يحبه كحب الله ~~واتخذه شفيعا يظن أنه إذا استشفع به يشفع له بغير إذن أو اتخذه قربانا يظن ~~أنه إذا عبده قربه إلى الله فهذه كلها ms078 ظنون المشركين قال تعالى @QB@ ~~ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد أهلكنا ما ~~حولكم من القرى @QE@ إلى قوله @QB@ يفترون @QE@ وقد ثبت عنه صلى الله عليه ~~وسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين أنزل الله عليه @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ فقال يا معشر قريش ~~اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد مناف لا أغني ~~عنكم من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنكم من الله شيئا يا ~~فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا سليني من مالي ما شئت وفي ~~الصحيحين أنه قال ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له ~~رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تبعر أو رقاع تخفق يقول يا رسول الله أغثني ~~أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك وهذا باب واسع # ( الوجه السادس ) أن هذا المعترض سوى بين السفر إلى زيارة قبره صلى الله ~~عليه وسلم وسائر القبور وذكر أن المجيب حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور ~~وهذا يقتضي أن المجيب حرم السفر إلى مسجده وهذا كذب على المجيب فان الذين ~~قالوا من علماء المسلمين إنه يستحب زيارة قبره أو حكوا على ذلك الإجماع لو ~~قدر أنهم صرحوا باستحباب السفر إليه فمرادهم السفر إلى مسجده فان هذا هو ~~المقدور وهو المشروع فان كل مسافر وزائر PageV01P074 يذهب إلى هناك إنما ~~يصل إلى مسجده ويشرع له الصلاة في مسجده بالاتفاق وكل من ذكر زيارة قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه يبدأ بالصلاة في مسجده ثم بعد ذلك ms079 يسلم ~~عليه وهذا هو المنصوص عن الأئمة كمالك وأحمد وغيرهما ففي العتبية عن مالك ~~قال يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قال وأحب ~~مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث العمود المخلق قال ~~وأما الفريضة فالتقدم إلى الصفوف والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في ~~البيوت وقد روي عن مالك رواية أخرى أنه لم يحد للتنفل موضعا من المسجد بل ~~سوى بين الجميع وكذلك قال أحمد وابن حبيب وسائر العلماء إنه يبدأ بالركوع ~~في المسجد وهذا مذهب السلف والخلف أهل المذاهب الأربعة وغيرهم لكن منهم من ~~يختار الصلاة في الروضة كما ذكر ذلك أحمد وابن حبيب وغيرهما وما علمت نزاعا ~~في أنه يصلي في المسجد أولا إلا ما رأيته في مناسك لأبي القاسم ابن حباب ~~السعدي في آداب الإحرام والمجاورة والزيارة قال فيه فاذا دخل الداخل المسجد ~~فهل يبدأ بحقوق المسجد أو بحقوق المصطفى وهو التأدب بآداب الزيارة اختلف ~~العلماء في ذلك فمن قائل يقول يبدأ بحقوق المسجد أولا لأنه أول البقعة ~~يلاقيها قبل لقاء المصطفى فيقيم آداب المسجد بصلاة ركعتين قبل الزيارة ~~قالوا ولا يزيد بزيارته ميتا على زيارته حيا وقد كانت صحابته إذا دخلوا ~~للقائه في المسجد يبدأون بتحية المسجد قبل لقائه بأمر منه واقتدار منهم # وقال آخرون دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى فالقصد زيارته والثاني ~~حقوق المسجد فيبدأ بحقوقه قبل حقوق المسجد والصحيح الأول قلت هذا القول لم ~~يقله عالم معروف يحكيى قوله إنما قاله بعض من لا يعرف شريعة الاسلام ولهذا ~~علله بقوله دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى فان هذا التعليل يدل على ~~جهله بسنته صلى الله عليه وسلم المتواترة التي أجمع المسلمون عليها وهو أن ~~المسجد شرع دخوله للصلاة فيه وإن لم يكن هناك قبره كما كان على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه والرحال تشد اليه كما قال لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ms080 PageV01P075 ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين والسفر لقبره لو كان مشروعا لكان يسافر لهذا ~~ولهذا فالذي يقول إن السفر للقبر دون المسجد هو المشروع فمن قال هذا فانه ~~لا يعرف دين الاسلام فإن أصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ~~تعين قتله فكيف إذا كان المشروع هو السفر إلى مسجده وقد نهى عن السفر إلى ~~غير المساجد الثلاثة كما قد ذكره السلف والأئمة وهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أن الزائر إنما يصل إلى مسجده ويشرع له الصلاة في مسجده ~~بالاتفاق والصلاة والسلام عليه والثناء عليه والثناء وتعزيره وتوقيره وذكر ~~ما من الله عليه به ومن على الناس به فأما الوصول إلى قبره أو الدخول إلى ~~حجرته فهذا غير ممكن ولا مقدور ولا هو من المشروع المأمور بخلاف سائر ~~القبور وإذا كان المراد بزيارة قبره والسفر إليه هو السفر إلى مسجده وفعل ~~ما يشرع هناك فالمجيب قد ذكر أن هذا مستحب بالنص والإجماع وما حكاه عن ~~المجيب يقتضي أنه حرم مثل هذا السفر ويقتضي أن السفر اليه والسفر إلى قبر ~~غيره سواء وهذا غلط عظيم على شرع الرسول وعلى المجيب وغيره # ( الوجه السابع ) أنه إذا كان المراد بالسفر إليه وزيارته هو السفر إلى ~~مسجده فهذا سفر مستحب بالنص والاجماع وهذا المعترض قد سوى بينهما فقد خالف ~~النص والاجماع # ( الوجه الثامن ) أن يقال المراد بزيارته المستحبة وبالسفر اليها هو ~~السفر إلى مسجده باتفاق المسلمين ثم جميع ما يشرع هناك من الصلاة والسلام ~~عليه والدعاء له والثناء عليه هو مشروع في مسجده وسائر المساجد وسائر ~~البقاع باتفاق المسلمين فلم يبق لنفس القبر اختصاص بعبادة من العبادات ~~بخلاف قبر غيره فانه إذا استحب زيارة قبور أحد المؤمنين للدعاء له ~~والاستغفار استحب أن يصل إلى قبره ويدعو له هناك كما يصلي على قبره فان ~~قبره بارز يمكن الوصول اليه والرسول حجب قبره ولم يبرزوه فلا يشرع ولا يقدر ~~أحد على زيارته كما يرع ويقدر على زيارة قبر غيره بل زيارته التي يشرع لها ms081 ~~السفر إنما هي السفر إلى مسجده ولهذا كان أهل مدينته يكره لهم كلما دخلوا ~~المسجد PageV01P076 وخرجوا منه أن يأتوا إلى قبره بخلاف مسجده فانه مشروع ~~لهم إتيانه والصلاة فيه كما يشرع في سائر المساجد والصلاة فيه أفضل ~~والغرباء يستحب لهم صلاة التطوع في مسجده بخلاف أهل البلد فانه قد ثبت عنه ~~أنه قال لأهل المدينة أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة فعلم أن ~~الذي ذكروه من استحباب زيارة قبره إنما هو السفر إلى مسجده ليس هو زيارة ~~قبره كما تزار القبور فان ذلك غير مشروع ولا مقدور والمجيب قد ذكر هذا ~~الفرق وذكر استحباب السفر إلى مسجده بالنص والاجماع وما استحبه العلماء من ~~زيارة قبره وهذا المعترض سوى بينهما وذكر عن المجيب أنه حرم السفر لزيارة ~~قبره وسائر القبور ولم يذكر عنه أنه استحب السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية ~~فتبين بطلان ما نقله عنه مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جواها قال ابن ~~بطال في شرح البخاري كره قوم زيارة القبور لأنه روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أحاديث في النهي عنها وقال الشعبي لولا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابني قال إبراهيم النخعي كانوا يكرهون ~~زيارة القبور وعن ابن سيرين مثله قال وفي المجموعة قال علي بن زياد سئل ~~مالك عن زيارة القبور فقال كان قد نهي عنه علي السلام ثم اذن فيه فلو فعل ~~إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أر بذلك بأسا وليس من عمل الناس وروى عنه أنه ~~كان يضعف زيارتها # فهذا قول طائفة من السلف ومالك في القول الذي رخص فيها يقول ليس من عمل ~~الناس وفي الآخر ضعفها لم يستحبها لا في هذا ولا في هذا وهذا هو القول الذي ~~حكاه المعترض عن المجيب من أنه حرم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور مطلقا ~~والمجيب لم يذكره ولم يحكه ولكن حكاه وقاله غيره ممن هم من أكابر علماء ~~المسلمين فهل يقول عاقل إن ms082 هؤلاء كانوا مجاهرين للأنبياء بالعداوة معاندين ~~لهم # ( فصل ) وأما ما يحتج به من الأحاديث الواردة في زيارة القبور فعنها ~~أجوبة ( أحدها ) أن يقال ليس فيما ذكرته ما يدل على استحباب زيارة قبر ~~نبينا صلى الله عليه وسلم ولا غيره من القبور وأما قوله فزوروا القبور ~~فالأمر بمطلق الزيارة أو استحبابها أو إباحتها PageV01P077 لا يستلزم السفر ~~إلى ذلك لا استحبابه ولا إباحته كما ان ذلك لا يتناول زيارتها لمن ينوح ~~عندها ويقول الهجر ولا زيارتها لمن يشرك عندها ويدعوها ويفعل عندها من ~~البدع ما نهي عنه كما أن قوله تعالى @QB@ فصيام ثلاثة أيام @QE@ لا يتناول ~~أيام الحيض ولا يومي العيدين وقوله صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل في مسجده ~~تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة لا يقتضي أن يسافر إلى ~~المسجد ليصلي بل يقتضي إتيانه من بيته ومكان قريب بلا سفر وقوله لا تمنعوا ~~إماء الله مساجد الله وقوله إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا ~~يمنعها لا يقتضي إنها تسافر من غير زوج ولا ذي محرم ولا على أن زوجها إن ~~ياذن لها إذا أرادت السفر إلى أحد المساجد ولو كان مع زوج أو ذي محرم إنما ~~عليه الاذن في الفرض وهو الحج مع قوله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنت ~~أحجكم امرأته إلى المسجد فلا يقال إنه عام في السفر وغيره # فان قيل هذه المواضع قد عرف أنه أراد الإتيان إلى المسجد من البيت لم يرد ~~السفر لأن هذا هو المعروف بينهم قيل وكذلك زيارة القبور لم يكونوا يعرفونها ~~إلا من المدينة إلى مقابرها وإذا جازوا بها لم يعرف قط أن أحدا من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم سافروا لزيارة قبر # ( الجواب الثاني ) وهو أنه خاطبهم بما كانوا يعرفونه من الزيارة وهم لم ~~يكونوا يعرفون زيارة القبور إلا كما يعرفون اتباع الجنائز يتبعون الجنازة ~~من البيت إلى المقبرة وكذلك يخرج أحدهم لزيارة القبور من البيت إلى المقبرة ~~أو يمر بالقبر مرورا فهذا هو الذي كانوا يعرفونه ويفهمونه من ms083 قوله قال أحمد ~~بن القاسم سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن الرجل يزور قبر أخيه الصالح ~~يتعمد إتيانه قال وما بأس بذلك قد زار الناس القبور قال وقد ذهبنا نحن إلى ~~قبر عبد الله بن المبارك وقال حنبل سئل أبو عبد الله عن زيارة القبور فقال ~~قد رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن فيها بعد فلا بأس أن يأتي ~~الرجل قبر أبيه أو أمه أو ذي قرابته فيدعو له ويستغفر له فينصرف وقال علي ~~بن سعيد PageV01P078 سألت أحمد قلت زيارة القبور تركها أفضل عندك أم ~~زيارتها قال زيارتها # ولهذا إنما زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه لما سافر لفتح مكة ~~فزارها في الطريق لم يسافر لذلك ولا كان أحد على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ~~رضي الله عنهم ولا عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم يسافر لزيارة قبر لا قبر ~~نبي ولا صالح ولا غيرهما لا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ولا إبراهيم عليه ~~السلام ولا غيره بل هذا إنما حدث بعد ذلك ولا كان في الإسلام مشهد على قبر ~~أو أثر نبي أو رجل صالح يسافر إليه بل ولا يزار للصلاة والدعاء عنده بل هذا ~~كله محدث بل ولا كانوا يزورون القبور للتبرك بالميت ودعائه والدعاء به ~~وإنما كانوا يزورونه إن كان مؤمنا للدعاء له والاستغفار كما يصلون على ~~جنازته وإن كان غير مسلم زاروه رقة عليه كما زار النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته في ~~أن أستغفر لها فلم يأذن لي # ومن هنا يظهر ( الجواب الثالث ) وهو ان الزيارة التي أذن فيها الرسول أو ~~ندب اليها أو فعلها مقصودها نفع الميت والاحسان اليه بالدعاء له والاستغفار ~~ومقصودها تذكر الموت أو الرقة على الميت لم يكن مقصودها أن تعود بركة الميت ~~المزور على الحي الزائر ms084 ولا أن يدعوه ويسأله ويستشفع به فان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما زار قبور أهل البقيع وقبور الشهداء لم يكن هذا مقصوده ومن ~~قال هذا فقد أعظم الفرية على الرسول صلى الله عليه وسلم وجعله مستشفعا ~~بأصحابه الموتى داعيا مستغيثا مستجيرا بهم وهذا لا يقوله مسلم بل جعله ~~مستغيثا مستجيرا بأمه التي منه من الاستغفار لها بخلاف المؤمن فلم يكن في ~~زيارة النبي صلى الله عليه وسلم التي شرعها لأمته بقوله وفعله طلب حاجة من ~~الميت ولا القصد بها تعظيمه وعبادته أو التوسل به أو دعاؤه بل المقصود بها ~~نفعه كالصلاة على جنازته والصلاة على قبره حيث شرع ذلك وكذلك ما علمه ~~لأصحابه أن يقولوه إذا زاروا القبور إنما فيه السلام عليهم والدعاء لهم ~~والاستغفار كما في الصلاة على جنائزهم ففي صحيح مسلم وغيره عن بريدة بن ~~الحصيب رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا ~~خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم PageV01P079 السلام على أهل الديار ( وفي ~~لفظ السلام عليكم أهل الديار ) من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفيه أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم ~~مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها في ~~حديث طويل قال إن جبريل أتاني فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع ~~فتستغفر لهم قالت قلت يا رسول الله كيف أقول قال قولي السلام عليكم أهل ~~الديار من المسلمين والمؤمنين يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ~~وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وفي سنن ابن ماجه في هذا الحديث عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت فقدته صلى الله عليه وسلم فاذا هو بالبقيع فقال السلام ~~عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط ونحن بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ~~ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم وفي المسند والترمذي ms085 عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم ~~بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلف لنا ~~ونحن بالأثر قال الترمذي حديث حسن غريب # فزيارة القبور المشروعة من جنس الصلاة على الميت إما الصلاة عليه إذا كان ~~ظاهرا أو على قبره لكن الصلاة عليه ذات تحليل وتحريم واصطفاف وتكبيرات ~~والزيارة المطلقة دعاء لهم وفي الصحيحين أنه صلى على شهداء أحد بعد ثماني ~~سنين كصلاتخ على الميت قال أبو بكر بن المنذر ولا بأس بزيارة القبور ~~ويستغفر للميت ويرق قلب الزائر ويذكر الآخرة فهذا الذي سنة الرسول لأمته ~~بقوله وفعله في موتى المسلمين وأما هو نفسه فلقبره حكم آخر فان قبور ~~المؤمنين ظاهرة بارزة وهو دفن في حجرته ومنع الناس الوصول إلى قبره وقال لا ~~تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني وكذلك قال في ~~السلام وقال إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام وقال اللهم لا ~~تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ~~ولهذا لم يصل PageV01P080 أحد على قبره ولا شرع الصلاة على قبره عند أحد من ~~العلماء بل أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد أنه يصلي على قبور المؤمنين ~~دائما وأما هو فلا يصلى على قبره بالاجماع لأن المقصود بالصلاة على القبر ~~وزيارتها هو الدعاء والرسول قد أمرنا بالصلاة والسلام عليه وطلب الوسيلة له ~~وغير ذلك في جميع المواضع وهذا أعظم مما يفعل عند قبر غيره وأمر الناس أن ~~تكون محبته وتعظيمه وما يقوم بقلوبهم معهم أينما كانوا فلا ينقص ما يستحقه ~~من المحبة والتعظيم والصلاة والتسليم إذا كانوا في سائر المواضع عما يفعل ~~في نيته وعند قبره من ذلك ولهذا نهى عن اتخاذ بيته عيدا وفي لفظ قبره فلا ~~يخصبيته وقبره بشيء من ذلك فيكون في سائر البقاع ناقصا عما يكون عند القبر ~~فان ذلك يتضمن نقص حقه وبخسه إياه وهذا من تنقيص ms086 حقه المنهي عنه والجهال ~~يظنون أن النهي عنه تنقيص لحقه ولا يعلمون أن هذا أعظم لقدره ولحقه من وجوه ~~متعددة وأيضا فهذا فيه مفسدة اتخاذ قبره عيدا ووثنا ومسجدا فنهى صلى الله ~~عليه وسلم عنه لما فيه من المفسدة وعدم المصلحة فهو صلى الله عليه وسلم له ~~خاصة في علو قدره وحقه لا يشركه فيها غيره الزيارة التي شرعها لعموم ~~المؤمنين وهو إنما خاف أن يتخذ قبره وثنا وعيدا بخلاف قبور عموم المؤمنين ~~لكن ما عظم من القبور حتى صار وثنا وعيدا فانه ينهى عن ذلك ويزال ما حصل به ~~حتى أنه يحرم أن يبنى عليه مسجد # والمقصود أن ما سنه لأمته نوع غير النوع الذي يقصده أهل البدع من السفر ~~إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فانهم لا يسافرون لأجل ما شع من الدعاء ~~لهم والاستغفار بل لأجل دعائهم والدعاء بهم والاستشفاع بهم فيتخذون قبورهم ~~مساجد وأوثانا وعيدا يجتمعون فيه وهذا كله مما نهى عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة فكيف يشبه ما نهى عنه وحرمه بما سنه وفعله ~~وهذا الموضع يغلط فيه هذا المعترض وأمثاله ليس الغلط فيه من خصائصه ونحن ~~نعدل فيه ونقصد قول الحق والعدل فيه كما أمر الله تعالى فانه أمر بالقسط ~~على أعدائنا الكفار فقال سبحانه وتعالى @QB@ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ ~~PageV01P081 فكيف باخواننا المسلمين والمسلمون إخوة والله يغفر له ويسدده ~~ويوفقه وسائر إخواننا المسلمين # ( الجواب الرابع ) أنه لو قدر أن هذا اللفظ عام فأحاديث النهي عن السفر ~~إلى غير المساجد الثلاثة تخص هذا كما تخص إتيان المساجد ومعلوم أن إتيان ~~المساجد أفضل من إتيان المقابر ونحوها والسفر إليها أفضل فاذا كان قد نهى ~~عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة فالنهي عما يكون إتيانه والسفر اليه دون ~~إتيان المساجد أولى ولهذا لم يقل أحد من المسلمين إنه يسافر إلى القبور دون ~~المساجد بخلاف العكس فانه يحكى عن الليث بن سعد ms087 # ( الجواب الخامس ) أن يقال ليس فيما ذكرته ما يقتضي أن السفر اليها مستحب ~~بل ولا زيارتها من قوله صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها وفي لفظ ولا تقولوا هجرا وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية ~~فانتبذوا ولا تشربوا مسكرا وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا ما بدا لكم ~~رواه مسلم في صحيحه عن بريدة بن الخصيب قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فأمسكوا ما ~~بدا لكم ونهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء فاشربوا في الأوعية كلها ولا ~~تشربوا مسكرا وقد اتفق المسلمون على أن الانتباذ في الأوعية والادخار أاد ~~به إباحة ذلك بعد حظره لم يرد به الندب إلى ذلك فكذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها قد يقال أراد به الإباحة بعد ~~الحظر لم يرد به الندب ولا يلزم من إباحتها ولا من الندب إليها إباحة السفر ~~كاتيان المساجد # وقوله أعني المعترض المشهور أن الأمر بعد الحظر يقتضي الوجوب يقال له ~~الجواب من وجهين أحدهما أن المعروف عن السلف والائمة أن صيغة افعل بعد ~~الحظر ترفع الحظر المتقدم وتعيد الفعل إلى ما كان عليه بهذا جاء الكتاب ~~والسنة كقوله تعالى @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض @QE@ وقوله تعالى @QB@ علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم @QE@ إلى قوله @QB@ من ~~الفجر @QE@ PageV01P082 فان هذا لما جاء بعد حظر الجماع والأكل بعد النوم ~~ليلة الصيام أفاد الإباحة وهذا بخلاف قوله تعالى @QB@ ولكن إذا دعيتم ~~فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث @QE@ فان الانتشار هنا قبل ~~ذلك لم يكن واجبا فانه أذن لهم في الدخول لم يوجبه عليهم وأما قوله @QB@ ~~فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين @QE@ فانه أيضا لرفع الحظر ~~وإعادة الأمر إلى ما كان قبل الأشهر وهو أنه كان مأمورا به # وقد ms088 ورد الأمر المطلق لكن في زيارة قبر أمه كما روى مسلم في صحيحه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى ~~من حوله فقال استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن ~~أزورها فأذن لي فزوروا القبور فانها تذكر الموت ومعلوم أن استئذانه ربه طلب ~~إباحة الزيارة لا طلب استحبابها فلما أذن له كانت زيارته لأمه مباحة فقوله ~~فزوروها ورد على هذا السبب فلا بد أن يتناوله فيدخل في ذلك زيارة القريب ~~الكافر من غير دعاء له ولا استغفار ومعلوم أن هذه الزيارة ليست مثل ما كان ~~يفعله بأهل البقيع وشهداء أحد ونحو ذلك من زيارة قبور المؤمنين التي تتضمن ~~الدعاء لهم ولا يلزم إذا كانت تلك مستحبة لما فيها من نفع المؤمنين كالصلاة ~~على جنائزهم أن تكون هذه مستحبة وقوله صلى الله عليه وسلم فانها تذكر الموت ~~هو بيان لجهة المصلحة المعارضة للمفسدة التي أوجبت النهي فانها تذكر الموت ~~وإن كات قد تورث جزعا ففيها من المصلحة ما عارض المفسدة وحينئذ فان كانت ~~مباحة حصل المقصود واستحباب مثل هذه الزيارة يفتقر إلى دليل آخر فالفرق بين ~~زيارة المؤمنين والكفار فرق معلوم فان الدعاء للمؤمنين حق لهم كعبادة ~~مرضاهم وتشييع جنائزهم ونحن إن جوزنا أن يعاد المريض الذمي فليس ذلك حقا له ~~كالمسلم وأما جنازته فان السنة أن يركب ويمشي أمامها فانه لا يكون تابعا ~~لها ما نقل مقل ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودل عليه حديث المغيرة ~~بن شعبة الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها ووراءها وعن يمينها ويسارها ~~وقريبا منها رواه الترمذي وفي الحديث الآخر الذي في السنن عن PageV01P083 ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليس معها من تقدمها فاذا ركب وتقدمها لم يكن ~~تابعا لها ولو قدر أن الأمر بعد الحظر يقتضي عند الإطلاق الوجوب ففي هذا ~~الحديث قد اتفق المسلمون على أنه ليس للوجوب لا سيما وسببه زيارة قبر أمه ~~ولا يجب على ms089 المسلمين زيارة أقاربهم الكفار باتفاق المسلمين # وأما النزاع بين المسلمين هل زيارة القبور مستحبة أو مباحة أو منهي عنها ~~لم يقل أحد بوجوبها فتبين أن ما ذكره ليس فيه ما يدل على محل النزاع وهو ~~استحباب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين لدعائهم والرغبة إليهم إذ ~~هذا مقصود المسافرين ليس مقصودهم الدعاء لهم والاستغفار لهم بل قد ينهون عن ~~ذلك ويستعظمون أن مثل هؤلاء يحتاجون إلى دعاء الأحياء ومنهم من إذا قيل سلم ~~على فلان ينهى عن ذلك ويقول السلام علينا من فلان فيتخذونهم أربابا فانه لا ~~يجيب الدعوات ويفرج الكربات وينزل الرزق ويهدي القلوب ويغفر الذنوب إلا ~~الله وحده لا شريك له كما قال تعالى @QB@ ومن يغفر الذنوب إلا الله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ~~@QE@ إلى قوله @QB@ فأنى تصرفون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم @QE@ إلى قوله @QB@ محذورا @QE@ وهذه ~~تتناول كل من يدعى من دون الله ممن هو مؤمن من الملائكة والإنس والجن وقد ~~فسرها السلف بهذا كله وقال ابن مسعود كان أناس من الإنس يعبدون قوما من ~~الجن فأسلم الجن وتمسك الآخرون بعبادتهم فنزلت هذه الآية وقال السدي أيضا ~~عن أبي صالح عن ابن عباس هو عيسى وأمه وعزير وقال السدي أيضا ذكروا أنهم ~~اتخذوا الآلهة وهو حين عبدوا الملائكة والمسيح عليه السلام وعزير فقال الله ~~تعالى @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ وقد قال تعالى ~~@QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ PageV01P084 فتبين ~~أن من دعي في زعمهم من دون الله فانه لا يملك شيئا ولا له شرك مع الله ولا ~~هو معين ولا ظهير ولم يبق إلا الشفاعة ms090 فقال @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن أذن له @QE@ كما قال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ ~~وله 1 ا كان أوجه الشفعاء وأول شافع وأول مشفع صلى الله عليه وسلم إذا جاء ~~الخلق يوم القيامة إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم إلى موسى ثم عيسى ليشفعوا ~~لهم فكل منهم يرده إلى الآخر ويعتذرون فاذا أتوا المسيح قال اذهبوا إلى ~~محمد عبد غفر له من ذنبه ما تقدم وما تأخر قال صلى الله عليه وسلم فأذهب ~~إلى ربي فاذا رأيته خررت له ساجدا فأحمده بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن ~~فيقال أي محم ارفع رأسك قل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع قال فيحد لي حدا ~~فادخلهم الجنة والحديث في الصحيحين بين أنه إذا رأى ربه لا يبتدئ بالشفاعة ~~بل يسجد ويحمد حتى يؤذن له ثم يؤذن له في حد محدود طبقة بعد طبقة كما في ~~الحديث وذلك مبسوط في مواضع # ( فصل ) ثم قال المعترض وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى ~~زيارة قتلى أحد وإلى بقيع الغرقد وهذا الأمر لا ينكره من أئمة النقل أحد ~~وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم استأذن ربه في زيارة قبر أمه فاذن له ~~وأجيب في ذلك لما سأله فعلام يحمل هذا القائل زيارته لقبر أمه ومشيه الذي ~~منه صدر فان حمله على التحريم فقد ضل وكفر وإن حمله على الجواز والندب فقد ~~لزمته الحجة والتقم الحجر # يقال هذا الكلام مبني على افترائه المتقدم وهو أن المجيب يحرم زيارة ~~القبور مطلقا وقد تقدم أن هذا افتراء عليه بل هو يجوز زيارة قبور المؤمنين ~~للدعاء لهم والاستغفار ويجوز زيارة قبر الكافر للرقة والاعتبار كزيارة ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه ثم يقال له أولا النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يسافر لزيارتها بل ذلك في طريقه لفتح مكة # ويقال له من أين لك أنه مشى إلى قبر أمه وإن كان المشي جائزا فانه إنما ~~زارها في طريق ms091 في السفر وكان راكبا وقبرها كان بارزا فعله لما نزل عنده ~~وقبرها كان PageV01P085 بالأبواء بل نزل عنده لم يحتج إلى المشي إليه ولكن ~~هذا لا خبرة له بالنصوص كيف قيلت ولا يتفضيل أفعال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # ويقال له هذه الزيارة ليست من جنس زيارة قبور الأنبياء والصالحين التي ~~يقصد بها التبرك بهم ودعاؤهم والاستشفاع بهم فان هذا لا يجوز أن يقصده ~~النبي صلى الله عليه وسلم بزيارة أهل البقيع وقتلى أحد فكيف بقبر أمه بل ~~هذه الزيارة للرقة والاعتبار وهذه جائزة ما زال المجيب يجوز هذه وأمثالها ~~وهذا مذكور في عامة كتبه وفتاويه معروف عنه عند كل من يعرف ما يقول في هذا ~~الباب وليس في جواب الفتيا المتنازع فيها نهي عن هذا ولا حكاية النهي فيها ~~عن أحد والحديث قد رواه مسلم في صحيحه من وجهين عن أبي هريرة قال في أحدهما ~~استأذنت ربي في أن استغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها ~~فأذن لي وقال في الآخر زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من ~~حوله فقال صلى الله عليه وسلم استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم ياذن لي ~~واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فانها تذكركم الموت وهذه ~~الزيارة كانت عام الفتح في سفره # ( فصل ) قال المعترض وورد في زيارة قبره أحاديث صحيحه وغيرها مما لم يبلغ ~~درجة الصحيح لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها ~~الترجيح # ( والجواب ) من وجوه ( أحدها ) أن يقال لو ورد من ذلك ما هو صحيح لكان ~~إنما يدل على مطلق الزيارة وليس في جواب الاستفتاء نهي عن مطلق الزيارة ولا ~~حكى نزاع في ذلك الجواب وإنما فيها ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد ~~زيارة قبور الأنبياء والصالحين وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم ~~يتناول محل النزاع ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع # ( الثاني ) أنه لو قدر أنه ورد في ms092 زيارة قبره أحاديث صحيحه لكان المراد ~~بها هو المراد بقول من قال من العلماء إنه يستحب زيارة قبره ومرادهم بذلك ~~السفر إلى مسجده وفي مسجده يسلم عليه ويصلي عليه ويدعي له ويثني عليه ليس ~~المراد أنه يدخل إلى قبره PageV01P086 ويوصل إليه وحينئذ فهذا المراد قد ~~استحبه المجيب وذكر أنه مستحب بالنص والإجماع فمن حكى عن المجيب أنه لا ~~يستحب ما استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع فقد استحق ~~ما يستحقه الكاذب المفتري وإذا كان يستحب هذا وهو المراد بزيارة قبره ~~فزيارة قبره بهذا المعنى من مواقع الإجماع لا من موارد النزاع # ( الثالث ) أن نقول قول القائل إنه ورد في زيارد قبره أحاديث صيحة قول لم ~~يذكر عليه دليلا فاذا قيل له لا نسلن أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى ~~الجواب وهو لم يذكر شيئا من تلك الأحاديث كما ذكر قوله كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور فزوروها وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد فان هذا صحيح وهنا لم ~~يذكر شيئا من الحديث الصحيح فبقي ما ذكره دعوى مجردة مقابل المنع # ( الوجه الرابع ) أن نقول هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين ~~العارفين بالصحيح وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح ~~عند أهل المعرفة ولم يخرج أرباب الصحيح شيئا من ذلك ولا أرباب السنن ~~المعتمدة كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم ولا أهل المساند التي من ~~هذا الجنس كمسند أحمد وغيره ولا في موطأ مالك ولا مسند الشافعي ونحو ذلك ~~شيء من ذلك ولا احتج إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي ~~وأحمد وغيرهم بحديث فيه ذكر زيارة قبره فكيف تكون في ذلك أحاديث صحيحه ولم ~~يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك ~~الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن # ( الوجه الخامس ) قوله وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح لكنها يجوز ~~الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح فيقال له اصطلاح ~~الترمذي ومن ms093 بعده أن الحديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف والضعيف قد يكون ~~موضوعا يعلم أنه كذب وقد لا يكون كذلك فما ليس بصحيح وكان حسنا على هذا ~~الاضطلاح احتج به وهو لم يذكر حديثا وبين أنه حسن يجوز الاستدلال به فنقول ~~له لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به وهو لم يذكر إلا دعوى ~~مجردة فيقابل بالمنع PageV01P087 # ( الوجه السادس ) أن يقال ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به بل كلها ~~ضعيفة بل موضوعة كما قد بسط في مواضع وذكرت هذه الأحاديث وذكرت كلام الأئمة ~~عليها حديثا حديثا بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره ~~ألبتة فلم يكن هذا اللفظ معروفا عندهم ولهذا كره مالك التكلم به بخلاف لفظ ~~زيارة مطلقا فان هذا اللفظ معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ~~وفي القرآن الكريم @QB@ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر @QE@ لكن معناه ~~عند الأكثرين الموت وعند طائفة هي زيارتها للتفاخر بالموتى والتكاثر وأما ~~لفظ قبر النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص فلا يعرف لا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا عن أصحابه وكل ما روي فيه فهو ضعيف بل هو كذب موضوع عند ~~أهل العلم بالحديث كما قد بسط هذا في مواضع # ( الوجه السابع ) أن يقال الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة ~~كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل وأبي داود احتجوا إما بفعل ابن عمر كما احتج ~~به مالك وأحمد وغيرهما وإما بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره باسناد جيد ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من رجل يسلم علي إلا ~~رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام فهذا عمدة أحمد وأبي داود وابن حبيب ~~وأمثالهم وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند عند قبري لكن عرفوا ~~أن هذا هو المراد وأنه لم يرد على كل مسلم عليه في كل صلاة في شرق الأرض ~~وغربها مع أن هذا المعنى إن كان ms094 هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه ~~على اختصاص تلك البقعة بالسلام وإن كان المراد هو السلام عند قبره كما فهمه ~~عامة العلماء فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة فهذا من سلم عليه عند ~~قبره كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلمون على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فكان يرد عليهم فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم وهذا ~~قد جاء عموما في حق المؤمنين ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا ~~فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام قالوا فأما من كان ~~في المسجد PageV01P088 فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره بل سلامهم عليه ~~كالسلام عليه في الصلاة وكالسلام عليه إذا دخل المسجد وخرج منه وهذا هو ~~السلام الذي أمر الله به في حقه بقوله @QB@ صلوا عليه وسلموا تسليما @QE@ ~~وهذا السلام قد ورد أنه من سلم عليه مرة سلم الله عليه عشرا كما أنه من صلى ~~عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا فاما أثر من صلى عليه مرة صلى الله عليه ~~عشرا فهذا ثابت من وجوه بعضها في الصحيح كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سمعتم المؤذن فقولون مثل ما ~~يقول ثم صلوا علي فانه من صلى علي مرة صلى الله بها عليه عشرة ثم سلوا الله ~~لي الوسيلة فانها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن ~~أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي وهذا مروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه كما في حديث العلاء بن عبد ~~الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلى علي ~~واحدة صلى الله عليه عشرا وأما السلام فقد جاء أيضا في أحاديث من أشهرها ~~حديث عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن ms095 سليمان مولى ~~الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقال إنه جاءني جبرائيل فقال أما ~~يرضيك يا محمد أنه لا يصلي عليه أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا أو لا يسلم ~~عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا وقد روي في عدة أحاديث إن الله يصلي ~~على كل من صلى عليه ويسلم على من يسلم عليه ولم يذكر عددا لكن الحسنة بعشر ~~أمثالها فالمقيد يفسر المطلق # قال القاضي عياض من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه عليه السلام قال لقيت ~~جبريل فقال لي أبشرك إن الله يقول من سلم عليك سلمت عليه ومن صلى عليك صليت ~~عليه قال ونحوه من رواية أبي هريرة ومالك بن أوس بن الحدثان وعبيد الله بن ~~أبي طلحة قلت وبسط الكلام على هذه الأحاديث له موضع آخر # والمقصود هنا أن ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه هو كما أمر به ~~صلى الله عليه وسلم من الدعاء PageV01P089 له بالوسيلة وهذا أمر اختص هو به ~~فان الله أمر بذلك في حقه بعينه مخصوصا بذلك وإن كان السلام على جميع عباد ~~الله الصالحين مشروعا على وجه العموم وقد قيل إن الصلاة تكره على غير ~~الأنبياء وغلا بعضهم فقال تكره على غيره وكذلك قال بعض المتأخرين في السلام ~~ولكن الصواب الذي عليه عامة العلماء أنه يسلم على غيره وأما الصلاة فقد ~~جوزها أحمد وغيره والنزاع فيها معروف وفي تفسير شيبان عن قتادة قال حدث أنس ~~بن مالك عن أبي طلحة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلمتم علي ~~فسلموا على المرسلين فانما أنا رسول من المرسلين وقد قال الله في كتابه ~~@QB@ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى @QE@ وقال @QB@ وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين @QE@ وقال لما ذكر نوحا وإبراهيم وموسى ~~وهرون والياسين @QB@ وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في ms096 العالمين @QE@ ~~@QB@ وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم @QE@ @QB@ وتركنا عليهما في ~~الآخرين سلام على موسى وهارون @QE@ @QB@ وتركنا عليه في الآخرين سلام على ~~إل ياسين @QE@ # والمقصود هنا أن هذا السلام المأمور به خصوصا هو المشروع في الصلاة ~~وغيرها عموما على كل عبد صالح كقول المصلي السلام علينا وعلى عباد اللله ~~الصالحين فان هذا ثابت في التشهدات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلها مثل حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وحديث أبي موسى وابن عباس اللذين ~~رواهما مسلم وحديث ابن عمر وعائشة وجابر وغيرهم التي في المساند والسنن ~~وهذا السلام لا يقتضي ردا من المسلم عليه بل هو بمنزلة دعاء المؤمن ~~للمؤمنين واستغفاره لهم فيه الأجر والثواب من الله وليس على المدعو لهم مثل ~~ذلك الدعاء بخلاف سلام التحية فانه مشروع بالنص والإجماع في حق كل مسلم ~~وعلى المسلم عليه أن يرد السلام ولو كان المسلم عليه كافرا فان هذا من ~~العدل الواجب ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد على اليهود إذا سلموا ~~عليه بقوله وعليكم وإذا سلم عليه معين تعين الرد وإذا سلم على الجماعة فهل ~~ردهم فرض على الأعيان أو على الكفاية على قولين PageV01P090 مشهورين لأهل ~~العلم والابتداء به عند اللقاء سنة مؤكدة وهل هي واجبة على قولين معروفين ~~وهما قولان في مذهب أحمد وغيره وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن هو من ~~هذا الباب ولهذا روي أن الميت يرد السلام مطلقا فالصلاة والسلام عليه صلى ~~الله عليه وسلم في مسجده وسائر المساجد وسائر البقاع مشروع بالكتاب والسنة ~~والاجماع وأما السلام عليه عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعا لما ~~كان ممكنا بدخول من يدخل على عائشة وأما تخصيص هذا السلام أو الصلاة ~~بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال ~~منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد ثم بعد ~~أن يصلي في المسجد استحب أيضا أن يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم كما ذكر ذلك ~~طائفة ms097 من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ومنهم من لم يذكر إلا الثاني فقط وكثير ~~من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط فاما النوع الاول فهو المشروع لأهل ~~البلد وللغرباء في هذا المسجد وغير هذا المسجد وأما النوع الثاني فهو الذي ~~فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء سواء فعله مع الأول أو مجردا عنه كما ~~ذكر ابن حبيب وغيره إذا دخل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم قال بسم الله ~~وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام علينا من ربنا وصلى الله ~~وملائكته على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك وجنبني ~~من الشيطان الرجيم ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر فاركع فيها ~~ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله فيهما وتسأل تمام ما خرجت اليه وتسأل ~~العون عليه وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك وفي الروضة أفضل وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على ترعة ~~من ترع الجنة ثم تقف بالقبر متواضعا وتصلي عليه وتثني بما يحضر وتسلم على ~~أبي بكر وعمر وتدعوا لهما وأكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالليل والنهار ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء # قلت وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة وهو المنقول ~~عن الإمام أحمد في مناسك المروذي وأما مالك فنقل عنه أنه يستحب التطوع في ~~موضع PageV01P091 صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل لا يتعين لذلك موضع ~~من المسجد وأما الفرض فيصليه في الصف الأول مع الإمام بلا ريب والذي ثبت في ~~الصحيح عن سلمة بن الأكوع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتحرى ~~الصلاة عند الاسطوانة وأما قصد تخصيصه بالصلاة فيه فالصلاة أفضل وأما مقامه ~~فانما كان يقوم فيه إذا كان إماما يصلي بهم الفرض والسنة أن يقف الإمام وسط ~~المسجد أمام القوم فلما زيد في المسجد صار موقف الإمام في الزيادة والمقصود ms098 ~~معرفة ما ورد عن السلف من الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد وعند القبر ~~ففي مسند أبي يعلى حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا زيد بن الحباب أخبرنا ~~جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن عمر عن أبيه عن علي بن ~~الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيدخل فيها فنهاه فقال ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا فان تسليمكن ~~يبلغني أينما كنتم وهذا الحديث مما أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد ~~الواحد المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد المختارة الزائدة على ما في ~~الصحيحين وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي ~~حاتم البستي ونحوهما فان الغلط في هذا قليل ليس هو مثل تصحيح الحاكم فان ~~فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره # فهذا علي بن الحسين زين العابدين وهو من أجل التابعين علما ودينا حتى قال ~~الزهري ما رأيت هاشميا مثله وهو يذكر هذا الحديث باسناده ولفظه لا تتخذوا ~~بيتي عيدا فان تسليمكم يبلغني أينما كنتم وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام ~~عليه عند بيته كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته بل قد نهى عن تخصيص بيته ~~بهذا وهذا وحديث الصلاة مشهور في سنن أبي داود وغيره من حديث عبد الله بن ~~نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي ~~فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم وهذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير لكن عبد الله ~~بن نافع فيه لين لا يمنع الاحتجاج به قال PageV01P092 يحيى بن معين هو ثقة ~~وحسبك بابن معين موثقا وقال أبو زرعة لا بأس به وقال أبو حاتم الرازي ليس ~~بالحافظ هو ms099 لين تعرف وتنكر قلت ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانا فاذا كان ~~لحديثه شواهد علم أنه محفوظ وهذا له شواهد متعددة قد بسطت في غير هذا ~~الموضع كما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن ~~عجلان عن أبي سعيد المهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا ~~بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني وقال ~~سعيد أيضا حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال رآني ~~الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة ~~يتعشى فقال هلم إلى العشاء فقلت لا أريده فقال ما لي رأيتك عند القبر فقلت ~~سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا دخلت المسجد فسلم عليه ثم قال ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا ~~لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا عليه إن صلاتكم تبلغني ~~حيثما كنتم ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء ورواه القاضي اسماعيل بن اسحاق ~~في كتاب ( فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) ولم يذكر هذه الزيادة ~~وهي قوله ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء لأن مذهبه أن القادم من سفر ~~والمريد للسفر سلامه هناك أفضل وأن الغرباء يسلمون إذا دخلوا وخرجوا ولهذه ~~مزية على من بالأندلس والحسن بن الحسن وغيره لا يفرقون بين أهل المدينة ~~والغرباء ولا بين المسافر وغيره فرواه القاضي إسماعيل عن إبراهيم بن حمزة ~~حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي سهيل قال جئت أسلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فدعاني فجئته فقال ادن فتعش قال قلت لا أريده قال لي مالي رأيتك وقفت قلت ~~وقفت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخلت المسجد فسلم عليه ثم ~~قال إن رسول الله ms100 صلى الله عليه وسلم قال صلوا في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم ~~مقابر لعن الله اليهود والنصارة اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فان ~~صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ولم يذكر قول الحسن فهذا فيه أنه أمره أن يسلم ~~عند دخول المسجد وهو السلام المشروع الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P093 وجماعة من السلف كانوا يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد وهذا ~~مشروع في كل مسجد وهذا الحسن بن الحسن هو الحسن المثنى وهو من التابعين وهو ~~نظير علي بن الحسين هذا ابن الحسين وهذا ابن الحسين وقد ذكر القاضي عياض ~~رحمه الله هذا عن الحسن بن علي نفسه رضي الله عنهم أجمعين فقال وعن الحسن ~~بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حيثما كنتم فصلوا علي فان صلاتكم ~~تبلغني قال وعن الحسن بن علي قال إذا دخلت المسجد فسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتي عيدا ولا ~~بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم # قلت والصلاة واللام عليه عند دخول المسجد مأثور عنه صلى الله عليه وسلم ~~وعن غير واحد من الصحابة والتابعين مثل الحديث الذي في المسند والترمذي ~~وابن ماجه عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال رب اغفر لي ~~ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال رب اغفر لي ~~ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك هذا لفظ الترمذي وفي غيره أنه صلى الله عليه ~~وسلم أمر بذلك وفي سنن أبي داود عن أبي أسيد أو أبي حميد قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم وليصل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم ليقل وذكر الحديث قال القاضي عياض ومن مواطن الصلاة والسلام ~~عليه دخول المسجد قال أبو اسحاق بن شعبان وينبغي لمن دخل ms101 المسجد أن يصلي ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ويترحم عليه صلى الله عليه وسلم ~~وعلى آله ويبارك عليه صلى الله عليه وسلم وعلى آله ويسلم عليه تسليما ويقول ~~اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك قال وقال عمرو بن دينار في ~~قوله @QB@ فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم @QE@ فقال إن لم يكن في ~~البيت أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام على أهل البيت ~~ورحمة الله وبركاته قال وقال ابن عباس المراد بالبيوت هنا المساجد وقال ~~النخعي PageV01P094 إذا لم يكن في المسجد أحد فقل السلام على رسول الله ~~وإذا لم يكن في البيت أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين قال ~~وعن علقمة قال إذا دخلت المسجد أقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته صلى الله وملائكته على محمد صلى الله عليه وسلم قال ونحوه عن كعب ~~إذا دخل وإذا خرج ولم يذكر الصلاة قال واحتج ابن شعبان لما ذكره بحديث ~~فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يفعله إذا دخل المسجد قال ومثله عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وذكر ~~السلام والرحمة قال وروى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخلت المسجد فصل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقل اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفي رواية أخرى فليسلم ~~وليصل ويقول إذا خرج اللهم إني أسألك من فضلك وفي أخرى اللهم احفظني من ~~الشيطان وعن محمد بن سيرين كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد صلى الله ~~وملائكته على محمد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته بسم الله ~~دخلنا وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك # قلت هذا فيه حديث مرفوع في سنن أبي داود وغيره أنه يقال عند دخول المسجد ~~اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم ms102 الله ولجنا ولسم الله خرجنا ~~وعلى الله توكلنا قال القاضي عياض وعن أبي هريرة إذا دخل أحدكم المسجد ~~فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم افتح لي قلت وروى ابن أبي ~~حاتم من حديث سفيان الثوري عن صفوان بن مرة عن مجاهد في هذه الآية @QB@ ~~فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة @QE@ قال ~~إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا ~~دخلت المسجد فقل السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا دخلت على ~~أهلك فقل السلام عليكم # قلت والى ثار مبسوطة في مواضع والمقصود هنا أن يعرف ما كان عليه السلف من ~~الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه وبين سلام التحية الموجب ~~للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن حي وميت ويرد فيه على الكافر ولهذا كان ~~الصحابة بالمدينة على PageV01P095 عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إذا ~~دخلوا المسجد لصلاة أو اعتكاف أو تعليم أو تعلم أو ذكر لله ودعاء له ونحو ~~ذلك مما شرع في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى نايحة القبر فيزورونه هناك ~~ولا يقفون خارج الحجرة كما لم يكونوا يدخلوا الحجرة أيضا لزيارة قبره فلم ~~تكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره صلى الله عليه وسلم لا من المسجد خارج ~~الحجرة ولا داخل الحجرة ولا كانوا أيضا يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره ~~صلى الله عليه وسلم بل هذا من البدع التي أنكرها الائمة والعلماء وإن كان ~~الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه وبينوا أن السلف لم ~~يفعلوها كما ذكره مالك في المبسوط وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي ~~والقاضي عياض وغيرهما قيل لمالك إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ~~ولا يريدونه يفعلون ذلك أي يقفون على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلون ~~عليه ويدعون له ولأبي بكر وعمر يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما ~~وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين أو ms103 أكثر عند القبر يسلمون ~~ويدعون ساعة فقال لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسد ولن يصلح ~~آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها ~~أنهم كانوا يفعلون هذا عن أهل العلم بالمدينة ولا عن صدر هذه الأمة وأولها ~~وهم الصحابة وأن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر ومعلوم أن أهل ~~المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم بل هم في ذلك ~~ليسوا بدون سائر الأمصار فاذا لم يكن لأولئك الامتناع عن زيارة القبور بل ~~يستحب عند جمهور العلماء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل فأهل ~~المدينة أولى أن لا يكره بل يستحب لهم زيارة القبور كما يستحب لغيرهم ~~اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكن قبر النبي صلى الله عليه وسلم خص ~~بالمنع شرعا وحسا كما دفن في الحجرة ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة ~~كما تزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر وقبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليس كذلك فلا يستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن وهذا لعلو قدره وشرفه ~~لا لكون أن غيره أفضل منه فان هذا لا يقوله أحد من المسلمين فضلا عن ~~الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها PageV01P096 ومن هنا ~~غلط طائفة من الناس يقولون إذا كانت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر ~~سيد الأولين والآخرين وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقا هو من باب ~~الإكرام والتعظيم له والرسول أحق بالاكرام والتعظيم من كل أحد وظنوا أن ترك ~~الزيارة له فيخ تنقص لكرامته فغلطوا وخالفوا السنة والإجماع الأمة سلفها ~~وخلفها فقولهم نظير قول من يقول إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى ~~قبر المزور فان ذلك أبلع في الدعاء له وإن كان مقصوده دعاءه كما يقصده أهل ~~البدع فهو أبلغ في دعائه فالرسول أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه وقد ثبت ~~بالتواتر وإجماع الأمة أن الرسول لا يشرع الوصول إلى قبره لا ms104 للدعاء له ولا ~~لدعائه ولا لغير ذلك بل غيره يصلى على قبره عند أكثر السلف كما دلت عليه ~~الأحاديث الصحيحة والصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة تشرع مع القرب ~~والمشاهدة وهو بالاجماع لا يصلى على قبره سواء كان للصلاة حد محدود أو كان ~~يصلى على القبر مطلقا ولم يعرف أن أحدا من الصحابة الغائبين لما قدم صلى ~~على قبره صلى الله عليه وسلم وزيارة القبور المشروعة هي مشروعة مع الوصول ~~إلى القبر بمشاهدته وهذه الزيارة غير مشروعة في حقه بالنص والاجماع ولا هي ~~أيضا ممكنة فتبين غلط هؤلاء الذين قاسوه على عموم المؤمنين وهذا من باب ~~القياس الفاسد ومن قاس قياس الأولى ولم يعلم ما اختص به كل واحد من المقيس ~~والمقيس به كان قياسه من جنس قياس المشركين الذين كانوا يقيسون الميتة على ~~المذكى ويقولون للمسلمين أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله فأنزل ~~الله تعالى @QB@ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم ~~إنكم لمشركون @QE@ وكذلك لما أخبر الله أن الأصنام التي تعبد هي وعابدوها ~~حصب جهنم قاس ابن الزبعري قبل أن يسلم هو وغيره من المشركين عيسى بها ~~وقالوا فيجب أن يعذب عيسى قال تعالى @QB@ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك ~~منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ~~@QE@ ثم قال @QB@ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ~~@QE@ وبين تعالى الفرق بقوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون @QE@ PageV01P097 بين أن من كان صالحا نبيا أو غير نبي ~~لم يعذب لاجل من أشرك به وعبده وهو بريء من إشراكهم به وأما الأصنام فهي ~~حجارة تجعل حصبا للنار وقد قيل إنها من الحجارة التي قال الله @QB@ وقودها ~~الناس والحجارة @QE@ وقال تعالى @QB@ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا @QE@ ~~وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن يعرف أن ما مضت به سنته وكان عليه خلفاؤه وأصحابه وأهل ~~العلم والدين بالمدينة تركهم لزيارة قبره أكمل ms105 في القيام بحق الله وحق ~~رسوله فهو أكمل وأفضل وأحين مما يفعل مع غيره وهو أيضا في حق الله وتوحيده ~~أكمل وأتم وأبلغ أما كونه أتم في حق الله فلأن حق الله على عباده أن يعبدوه ~~ولا يشركوا به شيئا كما ثبت ذلك في الصحيحين عن معاد بن جبل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب فلا يتقي غيره ولا يخاف ~~غيره ولا يتوكل على غيره ولا يدعى غيره ولا يصلي لغيره ولا يصام لغيره ولا ~~يتصدق إلا له ولا يحج إلا إلى بيته قال الله تعالى @QB@ ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فجعل الطاعة لله والرسول ~~وجعل الخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ~~@QE@ فجعل الإيتاء لله والرسول كما قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ وجعل التوكل والرغبة إلى الله وحده وقال تعالى ~~@QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الله لا ~~تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ما في السماوات ~~والأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض ~~أم لهم شرك في السماوات @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض @QE@ إلى قوله ~~@QB@ لمن أذن له @QE@ وهذا PageV01P098 باب واسع وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لابن عباس إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وفي الصحيحين ~~عن النبي د الله وعبادته وحده لا شريك لا وإخلاص الدين لله وأما قبور ~~البقيع ذلك من المؤمنين فلا يفعل ذلك عندها وإذا قدر أن ذلك فعل عندها منع ~~من يفعل ذلك وهدم ما يتخذ ms106 عليها من المساجد وإن لم تزل الفتنة إلا بتعفية ~~قبره وتعميته فعل ذلك كما فعله الصحابة بأمر عمر بن الخطاب في قبر دانيال # وأما كون ذلك أعظم لقدره وأعلى لدرجته فلأن المقصود المشروع بزيارة قبور ~~المؤمنين كأهل البقيع وشهداء أحد هو الدعاء لهم كما كان هو يفعل ذلك إذا ~~زارهم وكما سنه لأمته فلو سن للأمة أن يزوروا قبره للصلاة عليه والسلام ~~عليه والدعاء له كما كان بعض أهل المدينة يفعل ذلك أحيانا وبين مالك أنه ~~بدعة لم يبلغه عن صدر هذه الأة ولا عن أهل العلم بالمدينة وأنها مكروهة ~~فانه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها لكان بعض الناس يزورونه ثم ~~لتعظيمه في القلوب وعلم الخلق بأنه أفضل الرسل وأعظمهم جاها وأه أوجه ~~الشفعاء إلى ربه يدعو النفس إلى أن تطلب منه حاجاتها وأغراضها وتعرض عن حقه ~~الذي هو له من الصلاة والسلام عليه والدعاء له فان الناس مع ربهم كذلك إلا ~~من أنعم الله عليه بحقيقة اللايمان إنما يعظمون الله عند ضرورتهم إليه كما ~~قال تعالى @QB@ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ وإذا ~~مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ PageV01P099 وقال تعالى @QB@ ~~وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه @QE@ الآية ~~ونظائر هذا في القرآن متعددة فاذا كاوا إلا من شاء الله إنما يعظمون ربهم ~~ويوحدونه ويذكرونه عند ضرورتهم لأغراضهم ولا يعرفون حقه إذا خلصهم فلا ~~يحبونه ويعبدونه ولا يشكرونه ولا يقومون بطاعته فكيف يكونون مع المخلوق فهم ~~يطلبون من الأنبياء والصالحين أغراضهم وذلك مقدم عندهم على حقوق الأنبياء ~~والصالحين فاذا أيقنوا أن في زيارة قبر نبي أو صالح تحصيل أغراضهم بسؤاله ~~ودعائه وجاهه وشفاعته أعرضوا عن حقه واشتغلوا بأغراضهم كما هو الموجود في ~~عامة الذين يحجون إلى القبور المعظمة ويقصدونها لطلب الحوائج فلو أذن ~~الرسول لهم في زيارة قبره ms107 ومكنهم من ذلك لأعرضوا عن حق الله الذي يستحقه من ~~الصلاة والسلام عليه والدعاء له بل ومن جعله واسطة بينهم وبين الله في ~~تبليغ أمره ونهيه وخبره فكانوا يهضمون حق الله وحق الرسول كما فعلت النصارى ~~فانهم بغلوهم في المسيح تركوا حق الله من عبادته وحده وتركوا حق المسيح فهم ~~لا يدعون له بل هو عندهم رب يدعى ولا يقومون بحق رسالته فينظرون ما أمر به ~~وما أخبر به بل اشتغلوا بالشرك به وبغيره وطلب حوائجهم ممن يستشفعون به من ~~الملائكة والأنبياء وصالحيهم عما يجب من حقوقهم وأيضا فلو جعلت الصلاة ~~والسلام عليه والدعاء له عند قبره أفضل منها في غير تلك البقعة كما قد يكون ~~الدعاء للميت عند قبره أفضل لكانوا يخصون تلك البقعة بزيادة الدعاء له وغذا ~~غابوا عنها تنقص صلاتهم وسلامهم ودعاؤهم له فان الانسان لا يجتهد في الدعاء ~~في المكان المفضول كما يجتهد فيه في المكان الفاضل وهم قد أمروا أن يقوموا ~~بحق الرسول في كل مكان وأن لا يكون البعيد عن قبره أنقص إيمانا وقياما بحقه ~~من المجاور لقبره وقال لهم صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا ~~عليه حيث كنتم فان صلاتكم تبلغني وقد شرع لهم أن يصلوا عليه ويسألوا له ~~الوسيلة إذا سمعوا المؤذن حيث كانوا وأن يسلموا عليه في كل صلاة ويصلوا ~~عليه في الصلاة ويسلموا ليع إذا دخلوا المسجد وإذا خرجوا منه فهذا الذي ~~أمروا به PageV01P100 عام في كل مكان وهو يوجب من القيام بحقه ورفع درجته ~~وإعلاء منزلته ما لا يحصل لو جعل ذلك عند قبره أفضل ولا إذا سوى بين قبره ~~وقبر غيره بل إنما يحصل كمال حقه مع حق ربه بفعل ما شرعه وسنه لأمته من ~~واجب ومستحب وهو أن يقوموا بحق الله ثم بحق رسوله حيث كانوا من المحبة ~~والموالاة والطاعة وغير ذلك من الصلاة والسلام والدعاء وغير ذلك ولا يقصدون ~~تخصيص القبر لما يفضي إليه من ترك حق الله وحق رسوله فهذا وغيره مما ms108 يبين ~~أن ما نهى عنه الناس ومنعوا منه وكان السلف لا يفعلونه من زيارة قبره وإن ~~كانت زيارة قبره غير مستحبة فهو أعظم لقدره وأرفع لدرجته وأعلى في منزلته ~~وأن ذلك أقوم بحق الله وأتم وأكمل في عبادته وحده لا شريك له وإخلاص الدين ~~له ففي ذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن أهل ~~البدع الذين فعلوا ما لم يشرعه بل ما نهى عنه وخالفوا الصحابة والتابعين ~~لهم باحسان فاستحبوا ما كان أولئك يكرهونه ويمنعون منه هم مضاهئون للنصارى ~~وأنهم نقصوا من تحقيق الإيمان بالله وبرسوله والقيام بحق الله وحق رسوله ~~بقدر ما دخلوا فيه من البدعة التي ضاهوا بها النصارى فهذا هذا والله أعلم # وأيضا فانه إذا أطيع أمره واتبعت سنته كان له من الأجر بقدر أجر من أطاعه ~~واتبع سنته لقوله صلى الله عليه وسلم من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل ~~أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء وقوله من سن سنة حسنة كان له ~~أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة وأما البدع التي لم يرعها بل نهى ~~عنها وإن كانت متضمنة للغلو فيه والشرك به والإطراء له كما فعلت النصارى ~~فانه لا يحصل بها أجر لمن عمل بها فلا يكون للرسول فيها منفعة بل صاحبها إن ~~عذر كان ضالا لا أجر له فيها وإن قامت عليه الحجة استحق العذاب وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لا تطروني كما أطرت النصارى ~~عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله # فان قال هؤلاء الذين قاسوا زيارة قبره على زيارة سائر القبور إن الناس ~~منعوا من PageV01P101 الوصول إليه تعظيما لقدره وجعل سلامهم وخطابهم له من ~~الحجرة لأن ذلك أبلغ في الادب والتعظيم قيل فهذا يوجب الفرق فان الزيارة ~~المشروعة إن كان مقصودها الدعاء له فكون ذلك قريبا من الحجرة أفضل منه في ~~سائر المساجد والبقاع فالذي يدعو له داخل الحجرة ms109 أقرب وإن كان القرب مستحبا ~~فكلما كان أقرب كان افضل كسائر القبور وإن كان مقصودها ما يقوله أهل الشرك ~~والضلال من دعائه ودعاؤه من القرب أولى فينبغي أن يكون من داخل الحجرة أولى ~~ولما ثبت بالنص والاجماع أن هذا القرب من القبر ممنوع منه وهو أيضا غير ~~مقدور عليه علم أن القرب من ذلك ليس بمستحب بخلاف زيارة قبر غيره والصلاة ~~على قبره فان القرب منه مستحب إذا لم يفض إلى مفسدة من شرك أو بدعة أو ~~نياحة فان أفضى إلى ذلك منع من ذلك # ومما يوضح هذا أن الشخص الذي يقصد أتباعه زيارة قبره يجعلون قبره بحيث ~~يمكن زيارته فيكون له باب يدخل منه إلى القبر ويجعل عند القبر مكان للزائر ~~إذا دخل بحيث يتمكن من القعود فيه بل يوسع المكان ليسع الزائرين ومن اتخذه ~~مسجدا جعل عنده صورة محراب أو قريبا منه وإذا كان الباب مغلقا جعل له شباكا ~~على الطريق ليراه الناس فيه فيدعونه وقبر النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ~~هذا كله لم يجعل للزوار طريق إليه بوجه من الوجوه ولا قبر في مكان كبير يسع ~~الزوار ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر بل منع الناس من الوصول اليه ~~والمشاهدة له ومن أعظم ما من الله به على رسوله وعلى أمته واستجاب فيه ~~دعاءه أن دفن في بيته بجانب مسجده فلا يقدر أحد أن يصل إلا إلى المسجد ~~والعبادة المشروعة في المسجد معروفة بخلاف ما لو كان قبره منفردا عن المسجد ~~والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد وإذا سمى هذا زيارة لقبره فهو اسم لا ~~مسمى له إنما هو إتيان إلى مسجده ولهذا لم يطلق السلف هذا اللفظ ولا عند ~~قبره قناديل معلقة ولا ستور مسبلة بل إنما تعلق القناديل في المسجد المؤسس ~~على التقوى ولا يقدر أحد أن يخلق نفس قبره بزعفران أو غيره من الخلوق ولا ~~ينذر له زيتا ولا شمعا ولا سترا ولا غير ذلك مما ينذر لغير قبره وإن كان ~~فعل ms110 شيء من ذلك في ظاهر الحجرة أو كان PageV01P102 في بعض الأحوال قد ستر ~~بعض الناس الحجرة أو خلقها بعضهم بزعفران فهذا إنما هو للحائط الذي يلي ~~المسجد لا من باطن الحجرة والقبر كما يفعل بقبر غيره فعلم أن الله سبحانه ~~استجاب دعاءه حيث قال اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وإن كان كثير من الناس ~~يريدون أن يجعلوه وثنا ويعتقدون أن ذلك تعظيم له كما يريدون ذلك ويعتقدونه ~~في قبر غيره فهم لا يتمكنون من ذلك بل هذا القصد والاعتقاد خيال في أنفسهم ~~لا حقيقة له في الخارج بخلاف القبر الذي جعل وثنا وإن كان الميت وليا لله ~~لا إثم عليه من فعل من اشرك به كما لا إثم على المسيح من فعل من اشرك به ~~كما قال تعالى @QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته @QE@ إلى قوله @QB@ وأنت على كل شيء شهيد @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا ~~بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار @QE@ وقال تعالى @QB@ ويوم ~~يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل @QE@ إلى قوله @QB@ نذقه عذابا كبيرا @QE@ فالمعبودون من دون الله ~~سواء كانوا أولياء كالملائكة والأنبياء والصالحين أو كانوا أوثانا قد ~~تبرأوا ممن عبدهم وبينوا أنه ليس لهم أن يوالوا من عبدهم ولا أن يواليهم من ~~عبدهم فالمسيح وغيره كانوا برآء من المشرك بهم ومن إثمه لكن المقصود بيان ~~ما فضل الله به محمدا وأمته وأنعم به عليهم من إقامته التوحيد لله والدعوة ~~إلى عبادته وحده وإعلاء كلمته ودينه وإظهار ما بعثه الله به من الهدى ودين ~~الحق وما صانه الله به وصان قبره من أن يتخذ مسجدا فان هذا ms111 من أقوى أسباب ~~ضلال أهل الكتاب ولهذا لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك تحذيرا ~~لأمته وبين أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم القيامة ولما كان اصحابه أعلم ~~الناس بدينه وأطوعهم له لم يظهر فيهم من البدع ما ظهر فيمن بعدهم لا في أمر ~~القبور ولا غيرها فلا يعرف من الصحابة من كان يتعمد الكذب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإن كان فيهم من له ذنوب PageV01P103 لكن هذا الباب مما ~~عصمهم الله فيه من تعمد الكذب على نبيهم وكذلك البدع الظاهرة المشهورة مثل ~~بدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة لم يعرف عن أحد من الصحابة شيء من ~~ذلك بل النقول الثابتة عنهم تدل على موافقتهم للكتاب والسنة وكذلك اجتماع ~~رجال الغيب بهم أو الخضر أو غيره وكذلك مجيء الأنبياء إليهم في اليقظة وحمل ~~من يحمل منهم إلى عرفات ونحو ذلك مما وقع فيه كثير من العباد وظنوا أنه ~~كرامة من الله وكان من اضلال الشياطين لهم لم تطمع الشياطين أن أتوقع ~~الصحابة في مثل هذا فانهم كانوا يعلمون أن هذا كله من الشيطان ورجال الغيب ~~هم الجن قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا @QE@ وكذلك الشرك بأهل القبور لم يطمع الشيطان أن يوقعهم فيه ~~فلم يكن على عهدهم في الإسلام قبر يسافر إليه ولا يقصد للدعاء عنده أو لطلب ~~بركة شفاعته غير ذلك بل أفضل الخلق محمد خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم ~~وقبره عندهم محجوب لا يقصده أحد منهم لشيء من ذلك وكذلك التابعون لهم ~~باحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين وإنما تكلم العلماء والسلف في الدعاء ~~للرسول عند قبره منهم من نهى عن الوقوف لدعاء له دون السلام عليه ومنهم من ~~رخص في هذا وهذا ومنهم من نهى عن هذا وهذا وأما دعاؤه هو وطلب استغفاره ~~وشفاعته بعد موته فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين الأربعة ولا غيرهم ~~بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك أما مالك ms112 رضي الله عنه فقد قال القاضي ~~عياض وقال مالك في المبسوط لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدعو لكن يسلم ويمضي وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره إسماعيل بن اسحاق في ~~المبسوط قال وقال مالك لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدعو ولكن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما ثم يمضي وقال مالك رضي الله عنه ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن ~~عمر أنه كان يقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام ~~عليك يا ابت أو يا ابتاه ثم ينصرف ولا يقف يدعو فرأى مالك ذلك من البدع قال ~~وقال مالك في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ~~ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة PageV01P104 ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده ~~فقوله في هذه الرواية إذا سلم ودعا قد يريد بالدعاء السلام فانه قال ~~يدنوويسلم ولا يمس القبر بيده ويؤيد ذلك أنه قال في رواية ابن وهب يقول ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وقد يريد أنه يدعو له بلفظ ~~الصلاة كما ذكر في الموطأ من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان ~~يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر وفي رواية يحيى بن ~~يحيى وقد غلطه ابن عبد البر وغيره وقالوا إنما لفظ الرواية ما ذكره ابن ~~القاسك والقعنبي وغيرهما يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر ~~وعمر قال أبو الوليد الباجي وعندي أنه يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ ~~الصلاة ولأبي بكر وعمر لما في حديث ابن عمر من الخلاف قال القاضي عياض وقال ~~في المبسوط لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر فان كان أراد ms113 بالدعاء ~~السلام أو الصلاة فهو موافق لتلك الرواية وإن كان أراد دعاء زائدا فهي ~~رواية أخرى وبكل حال فانما أراد الدعاء اليسير وأما ابن حبيب فقال ثم يقف ~~بالقبر متواضعا موقرا فيصلي عليه ويثني بما يحضر ويسلم على أبي بكر وعمر ~~فلم يذكر إلا الثناء عليه مع الصلاة والإمام أحمد ذكر الثناء عليه بلفظ ~~الشهادة بذلك مع الدعاء له بغير الصلاة مع دعاء الداعي لنفسه أيضا ولم يذكر ~~أن يطلب منه شيئا ولا يقرأ عند القبر قوله تعالى @QB@ ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ~~@QE@ ولم يذكر ذلك أحمد والمتقدمون من أصحابه ولا جمهورهم بل قال في منسك ~~المروذي ثم أئت الروضة وهي بين القبر والمنبر فصل فيها وادع بما شئت ثم ائت ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقل السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله ~~وبركاته السلام عليك يا محمد بن عبد الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ~~أنك رسول الله وأشهد أنك بلغت رسالة ربك ونصحت لأمتك وجاهدت PageV01P105 في ~~سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقينفجزاك الله ~~أفضل ما جزى نبيا عن أمته ورفع درجتك العليا وتقبل شفاعتك الكبرى وأعطاك ~~سؤلك في الآخرة والأولى كما تقبل من إبراهيم اللهم احشرنا في زمرته وتوفنا ~~على سنته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشربا رويا لا نظمأ بعدها أبدا وما من ~~دعاء أو شهادة وثناء يذكر عند القبر إلا قد وردت السنة بذلك أو ما هو أحق ~~منه في سائر البقاع لا يمكن أحدا أن يأتي بذكر يشرع عند القبر دون غره وهذا ~~تحقيق لنهيه صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره أو بيته عيدا فلا يقصد تخصيصه ~~بشيء من الدعاء للرسول فضلا عن الدعاء لغيره بل يدعى بذلك للرسول حيث كان ~~الداعي فان ذلك يصل اليه صلى الله عليه وسلم تسليما وهذا بخلاف ما شرع عند ~~قبر غيره لقوله السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا ms114 إن شاء ~~الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين فان هذا لا ~~يشرع إلا عند القبور لا يشرع عند غيرها وهذا مما يظهر الفرق بينه وبين غيره ~~وإن ما شرعه وفعله أصحابه من المنع من زيارة قبره كما تزار القبور هو من ~~فضائله وهو رحمة لامته ومن تمام نعمة الله عليها فالسلف كلهم متفقون على أن ~~الزائر لا يأله شيئا ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته ويطلب منه يوم ~~القيامة لا شفاعة ولا استغفارا ولا غير ذلك وإنما كان نزاعهم في الوقوف ~~للدعاء له والسلام عليه عند الحجرة فبعضهم رأى هذا من السلام الداخل في ~~قوله صلى الله عليه وسلم ما من رجل يسلم عليه عند الحجرة فبعضهم رأى هذا من ~~السلام الداخل في قوله صلى الله عليه وسلم ما من رجل يسلم علي إلا رد الله ~~علي روحي حتى أرد عليه السلام واستحبه لذلك وبعضهم لم يستحبه إما لعدم ~~دخوله وإما لأن السلام المأمور به في القرآن مع الصلاة وهو الصلاة والسلام ~~الذي لا يوجب الرد أفضل من السلام الموجب للرد فان هذا مما يدل عليه الكتاب ~~والسنة واتفق عليه السلف فان السلام المأمور به في القرآن كالصلاة المأمور ~~بها في القرآن كلاهما لا يوجب الرد بل الله تعالى يصلي على من صلى عليه ~~ويسلم على من سلم عليه ولأن السلام الذي يوجب الرد هو حق المسلم كما قال ~~@QB@ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها @QE@ ولهذا يرد السلام ~~على من سلم وإن كان كافرا فكان اليهود إذا سلموا عليه يقول وعليكم أو عليكم ~~PageV01P106 وأمر أمته بذلك وإنما قال صلى الله عليه وسلم عليكم لأنهم قد ~~يقولون السام عليك والسام الموت فيقال عليكم قال صلى الله عليه وسلم يستجاب ~~لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا ولما قالت عائشة رضي الله عنها وعليكم السام ~~واللعنة قال مهلا يا عائشة فان الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله أو لم ~~تسمعي ما قلت لهم يعني رددت ms115 عليهم فقلت عليكم فاذا قالوا السام قال عليكم ~~وأما إذا أنهم قالوا السلام فلا يخصون بالرد فيقال عليكم فيصير المعنى ~~السلام عليكم لا علينا بل يقال وعليكم وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأمته لهم وعليكم فانما هو جزاء دعائهم وهو دعاء بالسلامة والسلام أمان فقد ~~يكون المستجاب هو سلامتهم منا أي من ظلمنا وعدواننا وكذلك كل من رد السلام ~~على غيره فانما دعا له بسلام وهذا مجمل ومن الممتنع أن يكون كل من رد عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم السلام من الخلق دعا به بالسلامة من عذاب الدنيا ~~والآخرة فقد كان المنافقون يسلمون عليه ويرد عليهم ويرد على المسلمين أصحاب ~~الذنوب وغيرهم ولكن السلام فيه أمان # فلهذا لا يبتدأ الكافر الحربي بالسلام بل لما كتب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى قيصر قال فيه من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم سلام على من ~~اتبع الهدى كما قال موسى لفرعون والحديث في الصحيحين من رواية ابن عباس عن ~~أبي سفيان بن حرب في قصته المشهورة لما قرأ قيصر كتاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسأله عن أحواله وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ابتداء اليهود بالسلام ~~فمن العلماء من حمل ذلك على العموم ومنهم من رخص إذا كانت للمسلم إليه حاجة ~~أن يبتدئه بالسلام بخلاف اللقاء والكفار كاليهودي والنصراني يسلمون عليه ~~وعلى امته سلام التحية الموجب للرد وأما السلام المطلق فهو كالصلاة عليه ~~إنما يصلي عليه ويسلم عليه أمته فاليهود والنصارى لا يصلون ويسلمون عليه ~~وكانوا إذا رأوه يسلمون عليه فذاك الذي يختص به المؤمنون ابتداء وجوابا ~~أفضل من هذا الذي يفعله الكفار معه ومع أمته ابتداء وجوابا ولا يجوز أن ~~يقال إن الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية فان الله يسلم عليهم عشرا فانه ~~يجيبهم على ذلك فيوفيهم كما لو كان له دين فقضاه وأما ما يختص بالمؤمنين ~~فاذا صلوا عليه صلى الله على من صلى عليه عشرا وإذا سلم عليه سلم الله عليه ms116 ~~عشرا PageV01P107 وهذه الصلاة والسلام هو المشروع في كل مكان بالكتاب ~~والسنة والاجماع بل هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى لا فرق في هذا بين ~~الغرباء وأهل المدينة عند القبر وأما السلام عند القبر فقد عرف أن الصحاة ~~والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد وخرجوا ~~منه ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حيا لكانوا يفعلونه كلما دخلوا المسجد ~~وخرجوا منه كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو فيه فانه مشروع لهم كلما رأوه ~~أن يسلموا عليه بل السنة لمن جاء إلى قوم أن يسلم عليهم إذا قدم وإذا قام ~~كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال ليست الأولى بأحق من الآخرة ~~فهو حين كان حيا كان أحدهم إذا أتى يسلم وإذا قام يسلم ومثل هذا لا يشرع ~~عند القبر باتفاق المسلمين وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة ولو كان ~~سلام التحية خارج الحجرة مستحبا لكان مستحبا لكل أحد ولهذا كان أكثر السلف ~~لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة ولا بين حال السفر وغيره فان استحباب ~~هذا لهؤلاء وكرامته حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ولا يمكن أحدا أن ينقل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر ~~وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا ~~المسجد وخرجوا منه ولم يشرع ذلك لأهل المدينة فمثل هذه الشريعة ليس منقولا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه ولا هو معروف من عمل الصحابة ~~وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر وليس هذا من عمل الخلفاء ~~وأكابر الصحابة كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل ~~وعبر في السفر وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك بل أبوه عمر كان ينهى ~~عن مثل ذلك روى سعيد ابن منصور في سننه حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ~~المعرور بن سويد عن عمر قال خرجنا معه في حجة حجها فقرأ ms117 بنا في صلاة الفجر ~~@QB@ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل @QE@ و @QB@ لإيلاف قريش @QE@ في ~~الثانية فلما رجع من حجه رأى الناس ابتدروا المسجد فقال ما هذا فقالوا مسجد ~~صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا ملة أهل الكتاب قبلكم ~~اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض ~~له PageV01P108 فليمض وما اتفق عليه الصحابة ابن عمر وغيره من أنه لا يستحب ~~لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا بل يكره ذلك ~~فتبين ضعف حجة من احتج بقوله ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى ~~أرد عليه السلام فان هذا لو دل على استحباب السلام عليه من المسجد لما اتفق ~~الصحابة على ترك ذلك ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره فلما ~~اتفقوا على ترك ذلك مع المنهي عنه كما دلت عليه سائر الأحاديث # وعلى هذا فالجواب عن الحديث إما بتضعيفه على قول من يضعفه وإما بأن ذلك ~~يوجب فضيلة الرسول بالرد لا فضيلة المسلم بالرد عليه إذ كان هذا من باب ~~المكافأة والجزاء حتى إنه يشرع للبر والفاجر وإما بأن يقا إلا رد الله علي ~~روحي حتى أرد عليه السلام فانما فيه مدح المسلم عليه والإخبار بسماعه ~~السلام وأنه يرد السلام فيكافئ المسلم عليه لا يبقى للمسلم عليه فضل فانه ~~بالرد تحصل المكافأة كما قال تعالى @QB@ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ~~أو ردوها @QE@ ولهذا كان الرد من باب العدل المأمور به الواجب لكل مسلم إذا ~~كان سلامه مشروعا وهذا كقوله من سألنا أعطيناه ومن لم يسألنا أحب إلينا هو ~~إخبار باعطائه السائل ليس هذا أمرا بالسؤال وإن كان السلام ليس مثل السؤال ~~لكن هذا اللفظ إنما يدل على مدح الراد PageV01P109 وأما المسلم فيقف الأمر ~~فيه على الدليل وإذا كان المشروع لأهل مدينته أن لا يقفوا عند الحجرة ~~ويسلموا عليه علم قطعا أن الحديث لم يرغب في ذلك ومما يبين ذلك أن ms118 مسجده ~~كسائر المساجد لم يختص بجنس العبادات لا يشرع في غيره وكذلك المسجد الأقصى ~~ولكن خصا بأن العبادة فيهما أفضل بخلاف المسجد الحرام فانه مخصوص بالطواف ~~واستلام الركن وتقبيل الحجر وغير ذلك وأما المسجدان الآخران فما يشرع فيهما ~~من صلاة وذكر واعتكاف وتعلم وتعليم وثناء على الرسول وصلاة عليه وتسليم ~~عليه وغير ذلك من العبادات فهو مشروع في سائر المساجد والعمل الذي يسمى ~~زيارة لقبره لا يكون إلا في مسجده لا خارجا عن المسجد فعلم أن المشروع من ~~ذلك العمل مشروع في سائر المساجد لا اختصاص لقبره بجنس من أجناس العبادات ~~ولكن العبادة في مسجده أفضل منها في غيره لأجل المسجد لا لأجل القبر # ومما يوضح هذا أنه لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره ~~لا ترغيبا في ذلك ولا غير ترغيب فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة ~~عندهم ولهذا كره من كره من العلماء إطلاق هذا الاسم والذين أطلقوا هذا ~~الاسم من العلماء إنما أرادوا به إتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه ~~إما قريبا من الحجرة وإما بعيدا عنها إما مستقبلا للقبلة وإما مستقبلا ~~للحجرة وليس في ائمة المسلمين إلا الأربعة ولا غيرهم من احتج على ذلك بلفظ ~~روى في زيارة قبره بل إنما يحتجون بفعل ابن عمر مثلا وهو أنه كان يسلم أو ~~بما روى عنه من قوله صلى الله عليه وسلم ما من رجل يسلم علي إلا رد الله ~~علي روحي حتى أرد عليه السلام وذلك احتجاج بلفظ السلام لا بلفظ الزيارة ~~وليس في شيء من مصنفات المسلمين التي يعتمدون عليها في الحديث والفقه أصل ~~عن الرسول ولا عن أصحابه في زيارة قبره أما أكثر مصنفات جمهور العلماء فليس ~~فيها استحباب شيء من ذلك بل يذكروت المدينة وفضائلها وأنها حرم ويذكرون ~~مسجده وفضله وفضل الصلاة فيه والسفر إليه وإلى المسجد الحرام ونذر ذلك ونحو ~~ذلك من المسائل ولا يذكرون استحباب زيارة قبره لا بهذا اللفظ ولا بغيره ~~فليس في ms119 الصحيحين وأمثالهما PageV01P110 شيء من ذلكولا في عامة السنن مثل ~~النسائي والترمذي وغيرهما ولا في مسند الشافعي وأحمد وإسحاق وأمثالهم من ~~الأئمة وطائفة اخرى ذكروا ما يتعلق بالقبر لكن بغير لفظ زيارة قبره كما روى ~~مالك في الموطأ عن ابن عمر أنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ~~أبي بكر وعمر وكما قال أبو داود في سننه باب ما جاء في زيارة القبر وذكر ~~قوله ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ولهذا ~~أكثر كتب الفقه المختصرة التي تحفظ ليس فيها استحباب زيارة قبره مع ما ~~يذكرونه من أحكام المدينة وإنما يذكر ذلك قليل منهم والذين يذكرون ذلك ~~يفسرونه باتيان المسجد كما تقدم ومعلوم أنه لو كان هذا من سنته المعروفة ~~عند أمته المعمول بها من زمن الصحابة والتابعين لكان ذكر ذلك مشهورا عند ~~علماء الإسلام في كل زمان كما اشتهر ذكر الصلاة عليه والسلام عليه وكما ~~اشتهر عندهم ذكر مسجده وفضل الصلاة فيه فلا يكاد يعرف مصنف للمسلمين في ~~الحديث والفقه إلا وفيه ذكر الصلاة والسلام عليه وذكر فضل مدينته والصلاة ~~في مسجدها ولهذا لما احتاج المنازعون في هذه المسألة إلى ذكر سنة الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وسنة خلفائه وما كان عليه أصحابه لم يقدر أحد منهم على ~~أن يستدل في ذلك بحديث منقول عنه إلا وهو حديث ضعيف بل موضوع مكذوب وليس ~~معهم بذلك نقل عن الصحابة ولا عن أئمة المسلمين فلا يقدر أحد أن ينقل عن ~~إمام من أئمة المسلمين أنه قال يستحب السفر إلى مجرد زيارة القبور ولا ~~السفر إلى مجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ولا السفر لمجرد زيارة قبره ~~بدون الصلاة في مسجده بل كثير من المصنفات ليس فيها إلا ذكر المسجد والصلاة ~~فيه وهي الأمهات كالصحيحين ومساند الأئمة وغيرهما وفيها ما فيه ذكر السلام ~~عند الحجرة كما جاء عن ابن عمر وكما فهموه من قوله ومنها ما يذكر فيه لفظ ~~زيارة قبره والصلاة في مسجده ms120 وفيها ما يطلق فيه زيارة قبره ويفسر ذلك ~~باتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه وأما التصريح باستحباب السفر ~~لمجرد زيارة قبره دون مسجده فهذا لم أرد عن أحد من أئمة المسلمين ولا رأيت ~~احدا من علمائهم صرح به وإنما غاية الذي يدعي ذلك أنه يأخذه من لفظ مجمل ~~قاله بعض PageV01P111 المتأخرين مع أن صاحب ذلك اللفظ قد يكون صرح بأنه لا ~~يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة أو أن السفر إلى غيرها منهي عنه فاذا جمع ~~كلامه علم أن الذي استحبه ليس هو السفر لمجرد القبر بل للمسجد # ولكن قد يقال إن كلام بعضهم ظاهر في استحباب السفر لمجرد الزيارة # فيقال هذا الظهور إنما كان لما فهم المستمع من زيارة قبره [ ما ] يفهم من ~~زيارة سائر القبور فمن قال إنه يستحب زيارة سائر القبور وأطلق هذا كان ذلك ~~متضمنا لاستحباب السفر لمجرد القبر فان الحجاج وغيرهم لا يمكنهم زيارة قبره ~~إلا بالسفر إليه لكن قد علم أن الزيارة المعهودة من القبور ممتنعة في قبره ~~فليست من العمل المقدور ولا المأمور [ به ] فامتنع أن يكون أحد من العلماء ~~يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة ~~والسلام عليه والثناء عليه هناك لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوا ولو ~~سكلوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ومن تبعهم لم يعلموا هذا زيارة لقبره ~~وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ودعاء له وثناء عليه في مسجده سواء ~~كان القبر هناك أو لم يكن ثم كثير من المتأخرين لما رويت أحاديث في زيارة ~~قبره ظن أنها أو بعضها صحيح فتركب من إجمال اللفظ ورواية هذه الأحاديث ~~الموضوعة غلط من غلط في استحباب السفر لمجرد زيارة القبر وإلا فليس هذا ~~قولا منقولا عن إمام من أئمة المسلمين وإن قدر أنه قاله بعض العلماء كان ~~هذا قولا ثالثا في هذه المسألة فان الناس في السفر لمجرد زيارة القبور لهم ~~قولان النهي والإباحة فاذا كان قول من عالم مجتهد ممن يعتد به في ms121 الإجماع ~~أن ذلك مستحب صارت الأقوال ثلاثة ثم ترجع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ # والمقصود أن هذا كله يبين ضعف حجة المفرق بين الصادر من المدينة والوارد ~~عليها والوارد على مسجده من الغرباء والصادر عنه وذلك أنه يمتنع أن يقال ~~إنه يرد على هؤلاء PageV01P112 ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين ~~فيها فان أولئك هم أفضل منه وخواصها وهم الذين خاطبهم بهذا فيمتنع أن يكون ~~المعنى من سلم منكم يا أهل المدينة لم ارد عليها ما دمتم مقيمين بها فان ~~المقام بها هو غالب أوقاتهم وليس في الحديث تخصيص ولا [ روي ] عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يدل على ذلك # يبين هذا أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلوا على عائشة لبعض الأمور ~~ويسلمون عليه إنما كان يرد عليهم إذا سلموا إن قيل إنه لم يكن يرد عليهم ~~فهذا تعطيل للحديث وإن قيل كان يرد عليهم من هناك ولا يرد إذا سلموا من ~~خارج فقد ظهر الفرق وإن قيل بل هو يرد على الجميع فحينئذ إن كان رده لا ~~يقتضي استحباب هذا السلام بطل الاستدلال به وإن كان رده يقتضي الاستحباب ~~وهو من سلم من خارج لزم أن يستحب لأهل المدينة السلام كلما دخلوا المسجد ~~وخرجوا وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وخلاف قول ~~المفرقين ومن أهل المدينة من قد لا يسافر منها أو لا يسافر إلا للحج ~~والقادم قد يقيم بالمدينة العشر والشهر فهذا يرد عليه في اليوم والليلة عشر ~~مرات أو أكثر كلما دخل وكلما خرج وذاك المدني المقيم لا يرد عليه قط أو لا ~~يرد عليه في عمرة إلا مرة وأيضا فاستحباب هذا للوارد والصادر تشبيه له ~~بالطواف الذي يشرع للحاج عند الورود إلى مكة وهو الذي يسمى طواف القدوم ~~وطواف التحية ms122 وطواف الورود وعند الصدور وهو الذي يسمى طواف الوداع وهذا ~~تشبيه لبيت المخلوق ببيت الخالق ولهذا لا يجوز الطواف بالحجرة بالإجماع بل ~~ولا الصلاة اليها لما ثبت عنه في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أنه قال صلى ~~الله عليه وسلم لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها وأيضا فالطواف بالبيت ~~يشرع لأهل مكة وغيرهم كلما دخلوا المسجد والوقوف عند القبر كلما دخل المدني ~~لا يشرع بالاتفاق فلم يبق الفرق بين المدني وغير المدني له أصل في السنة ~~ولا نظير في الشريعة ولا هو مما سنه الخلفاء الراشدون وعمل به عامة الصحابة ~~فلا يجوز أن يجعل هذا من شريعته وسنته وإذا فعله من الصحابة الواحد ~~PageV01P113 والإثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أن يثبت به ~~التسويغ بحيث يكون هذا مانعا من دعوى الإجماع على خلافه بل يكون كسائر ~~المسائل التي ساغ فيها الاجتهاد لبعض العلماء أما أن يجعل من سنة الرسول ~~وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذلك فهذا لا يجوز ~~ونظير هذا مسحه للقبر قال أبو بكر الأثرم قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن ~~حنبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم يلمس ويتمسح به فقال ما أعرف هذا قلت له ~~فالمنبر قال أما المنبر فنعم قد جاء فيه قال أبو عبد الله شيء يروونه عن ~~ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر قال فيروونه عن ~~سعيد بن الميسب في الرمانة قلت ويروى عن يحيى بن سعيد يعني الأنصاري شيخ ~~مالك وغيره أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا ~~فرأيته استحسن ذلك ثم قال لعله عند الضرورة والمشي قلت لأبي عبد الله انهم ~~يلصقون بطونهم بجدار القبر وقلت له ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا ~~يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون فقال أبو عبد الله نعم وهكذا كان ابن عمر ~~يفعل ثم قال أبو عبد الله بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم # وقد ذكر ms123 أحمد بن حنبل أيضا في منسك المروذي نظير ما نقل عن ابن عمر وابن ~~المسيب ويحيى بن سعيد وهذا كله إنما يدل على التسويغ وأن هذا مما فعله بعض ~~الصحابة فلا يقال انعقد إجمعهم على تركه بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء ~~ببعض السلف لم يبتدع هو شيئا من عنده وأما أن يقال إن الرسول ندب إلى ذلك ~~ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها فهذا يحتاج إلى دليل شرعي لا يكفي ~~في ذلك فعل بعض السلف ولا يجوز أن يقال إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه ~~وإنه سن ذلك وشرعه أو نهى عن ذلك وكرهه ونحو ذلك إلا بدليل يدل على ذلك لا ~~سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك فيقال لو كان هو ندبهم ~~إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه فانهم كانوا أحرص الناس على الخير ونظائر هذا ~~متعددة والله أعلم PageV01P114 # والمؤمن قد يتحرى الصلاة أو الدعاء في مكان دون مكان لاجتماع قلبه فيه ~~وحصول خشوعه فيه لا لأنه يرى أن الشارع فضل ذلك المكان كصلاة الذي يكون في ~~بيته ونحو ذلك فمثل هذا إذا لم يكن منهيا عنه لا بأس به ويكون ذلك مستحبا ~~في حق ذلك الشخص لكون عبادته فيه أفضل كما إذا صلى القوم خلف إمام يحبونه ~~كانت صلاتهم أفضل من ان يصلوا خلف من هم له كارهون وقد يكون العمل المفضول ~~في حق بعض الناس أفضل لكونه أنفع له وكونه أرغب فيه وهو أحب اليه من عمل ~~أفضل منه لكونه يعجز عنه أو لم يتيسر له فهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص ~~وهو غير ما ثبت فضل جنسه بالشرع كما ثبت أن الصلاة افضل ثم القراءة ثم ~~الذكر بالأدلة الشرعية مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل من الفاضل في ~~غير مكانه كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر على الصلاة ~~المنهي عنها في هذا الوقت وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود على القراءة ~~لأنه نهى أن يقرأ القرآن راكعا أو ms124 ساجدا وكفضيلة الدعاء في آخر الصلاة على ~~القراءة هناك لأنه موطن الدعاء ونظائره متعددة وبسط هذا له موضع آخر ولكن ~~المقصود هنا أن يعلم أن ما قيل إنه مستحب للأمة قد ندبهم اليه الرسول ~~ورغبهم فيه فلا بد له من دليل يدل على ذلك ولا يضاف إلى الرسول إلا ما صدر ~~عنه والرسول هو الذي فرض الله على جميع الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه ~~وإيجاب ما أوجبه وتحريم ما حرمه وشرع ما شرعه وبه فرق الله بين الهدى ~~والضلال والرشاد والغي والحق والباطل والمعروف والمنكر وهو الذي شهد الله ~~له بأنه يدعو إليه بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم وأنه على صراط مستقيم وهو ~~الذي جعل الرب وطاعته طاعة له في مثل قوله تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله @QE@ وقوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ~~@QE@ وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته ولا يسأل الناس يوم ~~القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته وبه يمتحنون في القبور قال تعالى ~~@QB@ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين @QE@ وهو الذي أخذ الله له ~~الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق انه إذا جاءهم ~~PageV01P115 أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه وهو الذي فرق الله به بين أهل ~~الجنة وأهل النار فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة ومن كذبه وعصاه كان ~~من أهل النار قال تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله @QE@ الآية ~~والوعد بسعادة الدنيا الآخرة والوعيد بشقاء الدنيا والآخرة معلق بطاعته ~~فطاعته هي الصراط المستقيم وهي حبل الله المتين وهي العروة الوثقة وأصحابها ~~هم أولياء الله المتقون وحزبه المفلحون وجنده الغالبون والمخالفون له هم ~~أعداء الله حزب ابليس اللعين قال تعالى @QB@ ويوم يعض الظالم على يديه يقول ~~يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا @QE@ إلى قوله @QB@ خذولا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ~~وقالوا ms125 ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا @QE@ إلى قوله @QB@ لعنا كبيرا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب ~~الكافرين @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين @QE@ وجميع الرسل أخبروا أن ~~الله أمر بطاعتهم كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله @QE@ يأمرون بعبادة الله وحده وخشيته وحده وتقواه وحده ويأمرون ~~بطاعتهم كما قال تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون @QE@ وقال نوح عليه السلام @QB@ اعبدوا الله واتقوه وأطيعون @QE@ ~~وقال في سورة @QB@ فاتقوا الله وأطيعون @QE@ وكذلك قال هود وصالح وشعيب ~~ولوط والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته في كل مكان وزمان ليلا ~~ونهارا سفرا وحضرا [ سرا ] وعلانية جماعة وفرادى وهم أحوج إلى ذلك من ~~الطعام والشراب بل من النفس فانهم PageV01P116 متى فقدوا ذلك فالنار جزاء ~~من كذب بالرسول وتولى عن طاعته كما قال تعالى @QB@ فأنذرتكم نارا تلظى لا ~~يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى @QE@ أي كذب به وتولى عن طاعته كما قال ~~في موضع آخر @QB@ فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا ~~أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون ~~الرسول فأخذناه أخذا وبيلا @QE@ وقال تعالى @QB@ فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا @QE@ وقال تعالى @QB@ يومئذ يود الذين ~~كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض @QE@ والله تعالى قد سماه سراجا ~~منيرا وسمى الشمس سراجا وهاجا والناس إلى هذا السراج المنير أحوج إلى ~~السراج الوهاج فانهم محتاجون اليه سرا وعلانية ليلا ونهارا بخلاف الوهاج ~~وهو أنفع لهم فانه منير ليس فيه أذى بخلاف الوهاج فانه ينفع تارة ويضر أخرى # ولما كانت حاجة الناس إلى الرسول ms126 والإيمان به وطاعته ومحبته وموالاته ~~وتعظيمه وتعزيره وتوقيره عامة في كل زمان ومكان كان ما يؤمر به من حقوقه ~~عاما لا يختص بغيره فمن خص قبره بشيء من الحقوق كان جاهلا بقدر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وقدر ما أمر الله به من حقوقه وكل من اشتغل بما أمر الله به ~~من طاعته شغله ذلك عما نهى عنه من البدع المتعلقة بقبره وقبر غيره ومن ~~اشتغل بالبدع المنهي عنها ترك ما أمر به الرسول من حقه فطاعته هي مناط ~~السعادة والنجاة # والذين يحجون إلى القبور ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول ~~وأشركوا بالرب ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد والايمان بالرسول وهو ~~تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وجمع الخلق يأتون يوم ~~القيامة فيسألون عن هذين الأصلين ماذا كنتم تعبدون وبما أجبتم المرسلين كما ~~بسط هذا في موضعه # والمقصود أن الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين ~~يدخلون PageV01P117 المسجد ويصلون فيه الصلوات الخمس ويصلون على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويسلمون عليه عند دخول المسجد ولم يكونوا يدهبون يقفون إلى ~~جانب الحجرة ويسلمون هناك وكانت على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته ~~خارجة عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار ثم إنه إنما أدخلت الحجرة ~~في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا ~~بالمدينة وكان من آخرهم موتا جابر بن عبد الله وهو توفي في خلافة عبد الملك ~~قبل خلافة الوليد فانه توفي سنة بضع وسبعين والوليد تولى سنة بضع وثمانين ~~وتوفي سنة بضع وتسعين فكان بناء المسجد وادخال الحجرة فيه فيما بين ذلك وقد ~~ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار المدينة مدينة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم عن أشياخه وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان ~~نائبا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هجرية هدم المسجد وبناه ~~بالحجارة المنقوشة المطابقة وقصد وعمله بالفسيفساء وبالمرمر وعمل ms127 سقفه ~~بالساج وماء الذهب وهدم حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأدخلها في ~~المسجد وأدخل القبر فيه ونقل لبن المسجد ولبن الحجرات فبنى به داره في ~~الحرة فهو فيها اليوم بياض على اللبن وقال حدثنا محمد بن يحيى عن إسحاق بن ~~إبراهيم عن هارون بن كثير قال بنى عمر من حجارة مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم مدماكين في أعلى مسجد بني حرام الذي في الشعب والمدماك الساف وقال أبو ~~زيد حدثنا محمد بن يحيى حدثني عبد العزيز بن عمران عن جعفر بن وردان عن ~~أبيه قال لما استعمل الوليد عمر بن عبد العزيز أمره بالزيادة في المسجد ~~وبنيانه فاشترى ما حواليه من الشرق والغرب PageV01P118 والشام فلما خلص إلى ~~القبلة قال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب لسنا نبيعه هو من حق ~~حفصة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسكنها فقال عمر بن عبد العزيز ما ~~أنا بتارككم أو دخلها في المسجد فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر أجعل ~~لكم في المسجد بابا تدخلون منه وأعطيكم دار الرقيق مكان هذه الطريق وما بقي ~~من الدار فهو لكم فقبلوا فأخرج بابهم من المسجد وهي الخوخة التي في المسجد ~~تخرج من دار حفصة بنت عمر وأعطاهم دار الرقيق وقدم الجدار في موضعه اليوم ~~وزاد من الشرق ما بين الاسطوانة المربعة إلى جدار المسجد اليوم وهو عشرة ~~اساطين من مربعة القبر إلى الرحبة إلى الشام ومده من الغرب اسطوانتين وأدخل ~~فيه حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف ~~الثلاث التي يقال لها القرائن قال فلما قدم الوليد حاجا جعل يطوف في المسجد ~~وينظر اليه ويقول ها هنا ومعه أبان بن عثمان فلما استنفد الوليد النظر إلى ~~المسجد التفت إلى أبان بن عثمان فقال أين بناؤنا من بنائكم فقال أبان إنا ~~بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس قال ومكث عمر في بنائه ثلاث ~~سنين قال أبو زيد قال أبو غسان ms128 وسمعناه يحدث أن الوليد قال لعمر ما منعك أن ~~تجعل جدار المسجد على بناء جدار القبلة وأن تجعل سقفه على عمد السقيفة التي ~~على المنبر فقال وهل تدري كم أنفقت على جدار القبلة وهاتين السقيفتين قال ~~كم أنفقت قال خمسة وأربعين ألف درهم وقال بعضهم أربعة آلاف دينار فقال ~~والله لكأنك أنفقتها من مالك قال أبو غسان وقد جاءنا أن القبلة على بناء ~~عثمان لم يزد فيها أحد وجاء هذا الحديث فالله أعلم أي ذلك الحق غير أن ~~الأقوى عندنا أنها على بناء عثمان قال وقد سمعنا أن الذي كلم به عمر بن عبد ~~العزيز آل عمر منزل حفصة من الحجرات وإنما أعطاهم عمر الخوخة لما أعطوه من ~~ذلك المنزل وسمعنا من يقول إنما أعطوه مربدا PageV01P119 لحفصة فادخله في ~~المسجد وأن ذلك المربد كان وراء منزلها من الحجرات في الزاوية التي عند ~~القبر من ناحية المنارة فاعطوه ذلك المربد وفتح بهم الخوخة قلت قول من قال ~~إن القبلة على بناء عثمان لم يزد فيها أحد صحيح وما ذكر من فعل عمر بن عبد ~~العزيز صحيح أيضا فان عمر إنما بنى جدار القبلة على موضع جدار عثمان لكنه ~~زاد من المشرق الزيادة التي قدام حجرة عائشة وهو منزل حفصة فكانت زيادته ~~لما زاد من الشرق أيضا في الجدار القبلي بقدر تلك الزيادة والجدار القبلي ~~بالغ في تزويقه أكثر من الجدر الثلاثة فقال له الوليد ألا جعلت الجدر كلها ~~مثله وجعلت سقفه مثل السقيفة التي على القبر فذكر عمر أن ذلك كان يذهب فيه ~~مال كثير قال أبو زيد حدثنا محمد بن يحيى عن محمد ابن إسماعيل عن محمد بن ~~عمار عن جده قال لما صار عمر إلى جدار القبلة دعا مشيخة من أهل المدينة من ~~قريش والأنصار والعرب والموالي فقال تعالوا احضروا بنيان قبلتكم لا تقولوا ~~عمر غير قبلتنا فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع مكانه حجرا فكانت زيادة الوليد ~~من المشرق إلى المغرب ست أساطين وزاد إلى الشام من الاسطوانة ms129 المربعة التي ~~في القبر أربع عشرة اسطوانة منها عشر في الحبة وأربع في السقائف الأولى ~~التي كانت قبل وزاد من الاسطوانة التي دون المربعة إلى الشرق أربع أساطين ~~فدخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فهذا قد بين أن الجدار الذي ~~بناه عمر هو موضع الجدار الذي بناه عثمان وهو الجدار اليوم وأن الزيادة من ~~الشرق أربع أساطين فدخلت حجرة عائشة وما قدامها وهو حجرة حفصة وهناك زاد ~~الجدار القبلي أيضا قال أبو زيد قال أبو غسان وحدثني عدة من مشايخ البلد أن ~~عمر لما جاءه كتاب الوليد بهدم المسجد أرسل إلى عدة من آل عمر فقال إن أمير ~~المؤمنين قد كتب إلي أن أبتاع بيت حفصة وكان على يمين الخوخة قريبا من منزل ~~عائشة الذي فيه القبر وكانتا تتهاديان الكلام وهما في منزليهما من قرب ما ~~بينهما فلما دعاهم إلى ذلك قالوا ما نبيعه شيئا قال اذن أدخله في المسجد ~~قالوا أنت وذاك فاما طريقها فلا تقطعها فهدم البيت وأعطاهم الطريق ووسعها ~~لهم حتى انتهى بها إلى الاسطوانة وكانت قبل ذلك ضيقة بقدر ما يمر الرجل ~~منحرفا قال PageV01P120 أبو غسان ثم سام عمر بنى عبد الرحمن بن عوف بدارهم ~~فابوا فهدمها عليهم وأدخلها في المسجد وقال عبد الرحمن بن حميد فذهب لنا ~~متاع كثير من هدمهم قال وأدخل حجرات النبي صلى الله عليه وسلم مما يلي ~~الشرق ومن الشام وقال أبو غسان أخبرني عبد العزيز ابن عمران عن عبد الرحمن ~~بن عبد العزيز الأنصاري عن شيخ من مواليهم أدرك عثمان ابن حنيف قال لما ~~انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر وزاد في مسجده البنية الثانية ضرب ~~الحجرات ما بين القبلة إلى الشام ولم يضربها غربيه وكانت خارجة من المسجد ~~مديرة به إلا من الغرب وكانت لها أبواب في المسجد قال أبو زيد حدثنا ~~القعنبي وأبو غسان عن مالك قال كان الناس يدخلون حجر أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصلون فيها يوم الجمعة بعد وفاة ms130 النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~المسجد يضيق بأهله ولم تكن في المسجد وكانت أبوابها في المسجد قال أبو غسان ~~أخبرني مخبر من آل عمران أن حجرة حفصة كانت ما بين الخوخة التي يقال لها ~~اليوم خوجة آل عمر إلى بيت عائشة وهو القبر وأن موضع سرير النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي كان يضطجع عليه في بيت حفصة ما بين الاسطوانة الثانية من ~~الاسطوانات التي تلي الخوجة الشرقية إلى الإسطوانة التي تليها وأن سائر ~~الحجرات كانت تواليه بعد بيت عائشة فأتموا بها إلى القبلة وآخرها قباله ~~وكانت من جريد عليها شعر وكانت البيوت من مدر قال أبو غسان وأخبرني ابن أبي ~~فديك سألت محمد بن هلال عن باب بيت عائشة أين كان قال مما يلي الشام قلت ~~أكان مصراعين أم فردا قال كان فردا قلت مم كان قال كان من عرعر أو ساج قلت ~~سائر الروايات فيها أن أبوابها مستورة بالمسوح قال أبو زيد حدثني هارون بن ~~معروف حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال ~~وددت لو تركوا لنا مسجد نبينا على حاله وبيوت أزواجه رضي الله عنهم ومنبره ~~ليقدم القادم فيعتبر قال ابن عطاء عن أبيه وكانت بيوت أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقوم الرجل فيمس سقف البيت والحجرات سقف PageV01P121 عليها ~~المسوح قال أبو زيد حدثنا محمد بن يحيى عن الواقدي عن عبد الله بن زيد ~~الهذلي قال رأيت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين هدمها عمر بن عبد ~~العزيز كانت باللبن ولها حجر من جريد مطرود بالطين عددت تسعة أبيات ~~بحجراتها وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى منزل أسماء بنت الحسن اليوم ورأيت بيت أم سلمة زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحجرتها من لبن فسألت ابن ابنها فقال لما غزا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غزوة دومة الجندل بنت حجرتها بلبن فلما نظر إلى ms131 اللبن فدخل عيها ~~أول نسائه فقال ما هذا البناء فقالت أردت أن أكف أبصار الناس فقال يا أم ~~سلمة إن شر ما ذهبت فيه أموال الناس البناء قال الواقدي فحدثت بهذا الحديث ~~معاذ بن محمد الانصاري فقال سمعت الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس ~~يقول وهو بين القبر والمنبر أدركت حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من ~~جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود فحضرت كتاب الوليد يقرأ فأمر بادخالها ~~في المسجد فما رأيت يوما كان أكثر من ذلك اليوم باكيا فسمعت سعيد بن المسيب ~~يقول والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناس من المدينة ويقدم قادم من ~~الأفق فيرى ما أكرم به النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فيكون ذلط مما ~~يزهد الناس في التكاثر والتفاخر قال فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال ~~عمران بن أبي أنس كان فيها أربعة أبيات بلبن له حجر من جريد وكانت خمسة ~~أبيات من جريد مطينة لا حجر لها على أبواب مسوح الشعر ذرعت الستر فوجدته ~~ثلاث أذرع في ذراع وعظم الذراع فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيتني ~~وأنا في المسجد فيه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سلمة ~~بن عبد الرحمن وأبو أمامة ابن سهل بن حنيف وخارجة بن زيد وإنهم يبكون حتى ~~أخضل الدمع لحاهم وقال يومئذ أبو أمامة ليتها تركت حتى يقصر الناس عن ~~البناء ويرى الناس ما رضي الله لنبيه وخزائن الدنيا بيده قلت قوله في هذه ~~الرواية إن فيهم نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان هذا ~~محفوظا فمراده من كان صغيرا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثل أبي أمامة ~~ابن سهل بن حنيف ومثل محمود بن الربيع ومثل السائب بن زيد وعبد الله بن أبي ~~طلحة PageV01P122 فأما من كان مميزا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~يكن بقي منهم أحد لكن في سهل بن سعد خلاف قيل ms132 توفي سنة ثمان وثمانين فيكون ~~قد مات قبل ذلك أو سنة إحدى وتسعين ولفظ الحجرة في هذه الآثار لا يراد به ~~جملة البيت كما في قوله تعالى @QB@ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون @QE@ بل يراد ما يتخذ حجرة للبيت عند بابه مثل تحريم ~~للبيت وكانت هذه من جيد النخل بخلاف الحجر التي هل المساكن فانها كانت من ~~اللبن وأم سلمة جعلت حجرتها من لبن كما يروى أن بعضهن كانت له حجرة وبعضهن ~~لم يكن له حجرة والأبواب مستورة بستور الشعر وكان بيت علي الذي يسكن فيه هو ~~وفاطمة خلف حجرة عائشة رضي الله عنهم لم يزل حتى أدخله الوليد في المسجد # ومما يوضح مسمى الحجرة التي قدام البيت ما في سنن أبي داود وغيره عن ابن ~~عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المرأة في بيتها أفضل من ~~صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها فبين أنه كلما ~~كان المكان أستر لها فصلاتها فيه أفضل فالمخدع أستر من البيت الذي يقعد فيه ~~والبيت أستر من الحجرة التي هي أقرب إلى الباب والطريق قال أبو زيد حدثنا ~~محمد بن يحيى حدثني عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن أبي عائشة عن محمد ~~بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال زاد عثمان بن عفان في المسجد قبل أن يقتل ~~بأربع سنين فزاد فيه من ناحية القبلة موضع جداره على جدار المقصورة اليوم ~~وزاد فيه من المغرب أسطوانة بعد المربعة وزاد فيه من الشام خمسية ذراعا ولم ~~يزد فيه من الشرق شيئا قال أبو غسان وأخبرني غير واحد من ثقات أهل البلد أن ~~عثمان زاد في القبلة إلى موضع القبلة اليوم ثم لم يغير ذلك إلى اليوم قال ~~أبو زيد حدثنا محمد بن يحيى عن عبد الرحمن بن سعد عن أشياخه أن عثمان أدخل ~~فيه دار العباس بن عبد المطلب مما يلي القبلة والشام والغرب وأدخل بعض بيوت ~~حفصة بنت عمر مما ms133 يلي القبلة فأقام المسجد على تلك الحال حتى زاد فيه ~~الوليد بن عبد الملك وحدثنا محمد ابن يحيى عن رجل عن ابن أبي الزناد عن ~~خارجة قال قدم عثمان المسجد وزاد في قبليه ولم يزد في شرقيه وزاد في غربيه ~~قدر اسطوانة وبناه بالحجارة المنقوشة PageV01P123 والقصة وبيضه بالقصة وقدر ~~زيد بن ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل وجعل فيه طيقانا مما يلي الشرق ~~والغرب وذلك قبل أن يقتل عثمان بأربع سنين فزاد فيه إلى الشام خمسين ذراعا # قلت حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم يبنيهن كلهن مع بناء المسجد ~~أولا فانه لم يكن حينئذ مزوجا بتسع بل بنى بعائشة وكان قد تزوجها بمكة ~~وكذلك سودة ثم بحفصة فلهذا كانت حجرهن لاصقة بالمسجد وآخر من تزوجها صفية ~~بنت حيي لما فتح خيبر سنة تسع من الهجرة وحينئذ اتخذ لها بيتا وكان بيتها ~~أبعد عن المسجد من غيره كما في الصحيحين عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي ~~أم المؤمنين قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ~~ليلا فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبنيوكان مسكنها في دار أسامة بن ~~زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا سبحان الله ~~يا رسول الله فقال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف ~~في قلوبكما شرا أو شيئا ففي هذا الحديث أن مسكنها كان ف دار اسامة بن زيد ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم قام معها ليقلبها إلى مسكنها وأنه مر به ~~رجلان من الأنصار ولو كان منزلها متصلا بالمسجد لم يحتج إلى شيء من ذلك فان ~~المسجد لم يكن فيه ما يخافه ولكن خرج معها من المسجد ليوصلها إلى مسكنها ~~والرجلان مرا به في الطريق لم يكن مرورهما في المسجد فان المسجد لم يكن ~~طريقا بالليل ولو رأياه في المسجد لم يحتج ms134 أن يقول ما قال بل رأياه ومعه ~~امرأة خارجا من المسجد فقال ما قال لئلا يقذف الشيطان في قلوبهما شيئا من ~~الظن السيء فيهلكا بذلك # وأما ما ذكروه من أن عثمان زاد في المسجد من جهة الشام مع أنه لم يأخذ ~~شيئا من جهة الحجر فعلم أن من الحجر ما لم يكن ملتصقا بالمسجد فان الناس ~~بنوا دورهم متصلة بالمسجد قبل أن يتزوج جويرية وصفية وغيرهما ولم يكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليزاحم أحدا PageV01P124 في داره فكان يتخذ الحجرة شامي ~~المسجد وإن لم تكن متصلة به ولهذا ذكروا أن عثمان زاد من جهة الشام خمسين ~~ذراعا ولم يأخذ شيئا من الحجر بل الوليد زاد على ذلك بأخذ الحجر فكانت ~~الحجر كما ذكروا من ناحية الشرق مع الاتصال وحجرة حفصة شرقية وقبلية فان ~~حجرة عائشة هي التي كانت مسامتة لم تتقدم المسجد وأما حجرة حفصة فكانت ~~فاضلة عن المسجد من مقدمه ولهذا زادوها مع الزيادة في المسجد وكذلك الحجر ~~التي كانت في الشام كانت شرقية وشامية لكن الشامي لم يكن ملتصقا بالمسجد ~~فلهذا قال من قال كانت الحجرة من قبليه وشرقية ولم يذكر الشام وذكر آخرون ~~أن منها ما كان من الشام ولا منافاة بين القولين فان صاحب القول الأول أراد ~~ما يتصل بالمسجد وما كان شام المسجد بقليل كان شرقيه أيضا فكانت هذه شرقيه ~~شامية ومن قال شامية فمعناه أنها من جهة شام الشرق وإن لم تكن متصلة ~~بالمسجد فكثير من الروايات من هذا الباب قد يظن بها تناقض فان كانت متناقضة ~~فما ناقض الصحيح فهو باطل وإن كان المعنى متفقا فلا تناقض وقد جاءت الآثار ~~بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد تضعف فيه الصلاة بألف صلاة كما أن ~~المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد فيجوز الطواف فيه والطواف لا ~~يكون إلا في المسجد لا خارجا منه ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في ~~الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان وعلى ذلك عمل المسلمين ms135 كلهم ~~فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده والصحابة وسائر ~~المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده ويأمرون بذلك ~~قال أبو زيد حدثني محمد بن يحيى حدثني من أثق به أن عمر زاد في المسجد من ~~القبلة إلى موضع المقصورة التي هي به اليوم قال فأما الذي لا يشك فيه أهل ~~بلدنا أن عثمان رضي الله عنه هو الذي وضع القبلة في موضعها اليوم ثم لم ~~تغير بعد ذلك قال أبو زيد حدثنا محمد بن يحيى عن محمد بن عثمان عن مصعب بن ~~ثابت عن خباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما وهو في مصلاه لو زدنا ~~في مسجدنا واشار بيده نحو القبلة فلما ولي عمر قال إن PageV01P125 النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لو زدنا في مسجدنا واشار بيده نحو القبلة فأدخلوا ~~رجلا مصلى النبي صلى الله عليه وسلم وأجلسوه ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى ~~إذا رأوانحو ما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يده ثم مدوا مقاطا ~~فوضعوا طرفه بيد الرجل ثم مدوا فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى إذا رأوا ~~ذلك شبيها بما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزيادة فقدم عمر ~~القبلة فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة وقال حدثنا محمد بن يحيى ~~عن محمد بن إسماعيل عن ابن أبي ذئب قال قال عمر لو مد مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى ذي الحليفة لكان منه حدثنا محمد بن يحيى عن سعد بن سعيد عن ~~أخيه عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو بني ~~هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي فكان أبو هريرة يقول والله لو مد هذا ~~المسجد إلى باب داري ما عدوت أن أصلي فيه حدثنا محمد حدثني عبد العزيز عن ~~عمران عن فليح بن سليمان عن ابن أبي عمرة قال زاد عمر في المسجد في شامية ~~ثم قال لو ms136 زدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجاءه الله بعامر # وهذا الذي جاءت به الآثار هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم ~~فانهم قالوا إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت ~~به السنة وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما فان كلاهما ~~زاد من قبلي المسجد فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام ~~الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع وإذا كان كذلك فيمتنع ~~أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده وأن يكون الخلفاء والصفوف ~~الأول كانوا يصلون في غير مسجده وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا لكن ~~رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده وما علمت لمن ذكر ذلك ~~سلفا من العلماء وقد ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم زاد فيه لما قدم من ~~خيبر قال أبو غسان حدثني غير واحد ولا PageV01P126 اثنين ممن يوثق به من ~~أهل العلم من أهل البلد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك المسجد من ~~القبلة في تلك البنية على حده الأول فأخذت الأساطين من الشرق ألى الاسطوانة ~~التي دون المربعة التي عند القبر التي لها نجاف طالع وأثبت من الشام لم يزد ~~فيه شيء ومن الغرب إلى الاسطوانة التي دون المربعة الغربية ومن بيان ذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في موضع مجلس آل عبد الرحمن بن هشام ~~وأن عائشة رضي الله عنها كانت ترجل رأسه وهي في بيتها وهو معتكف في المسجد ~~وهذه الأمور نبهنا عليها ها هنا فانه يحتاج إلى معرفتها وأكثر الناس لا ~~يعرفون الأمر كيف كان ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك وكان من المقصود ~~أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة كان قد مات عامة الصحابة ~~ولم يبق إلا من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ سن التمييز ms137 الذي ~~يؤمر فيه بالطهارة والصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم مروهم بالصلاة ~~لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع # ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك وكان بعد ~~بضع وثمانين وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين وأن عمر بن عبد العزيز ~~مكث في بنائه ثلاث سنين وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير من التابعين ~~مثل سعيد ابن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة ويقال لها سنة الفقهاء وجابر ~~بن عبد الله كان من السابقين الأولين ممن بايع بالعقبة وتحت الشجرة ولم يكن ~~بقي من هؤلاء غيره لما مات وذلك قبل تغيير المسجد بسنين ولم يبق بعده ممن ~~كان بالغا موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا سهل بن سعد الساعدي فانه توفي ~~سنة ثمان وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين ولهذا قيل فيه إنه آخر من مات ~~بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله أبو حاتم السبتي ~~وغيره وأما من مات بعد ذلك فكانوا صغارا مثل السائب بن يزيد الكندي ابن أخت ~~نمر فانه مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين وقيل إنه مات بعده عبد الله بن أبي ~~طلحة الذي حنكه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك محمود بن الربيع الذي عقل ~~مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه من PageV01P127 بئر كانت في ~~دارهم وله خمس سنين مات سنة تسع وتسعين وسنه ثلاث وتسعون وأبو أمامة بن سهل ~~بن حنيف سماه النبي صلى الله عليه وسلم أسعد باسم أسعد بن زرارة مات سنة ~~مائة لكن هؤلاء لم يكن لهم في حياته صلى الله عليه وسلم من التمييز ما ~~ينقلون عنه أقواله وافعاله التي ينقلها الصحابة مثل ما ينقله جابر وسهل بن ~~سعد وغيرهما وأما ابن عمر فكان قد مات قبل ذلك عام قتل ابن الزبير بمكة [ ~~سنة ] ثنتين وسبعين وابن عباس مات قبل ذلك بالطائف سنة بضع وستين فهؤلاء ~~وأمثالهم من الصحابة لم يدرك أحد منهم تغيير ms138 المسجد وإدخال الحجر فيه وأنس ~~بن مالك كان بالبصرة لم يكن بالمدينة وقد قيل إنه آخر من مات بها من ~~الصحابة وكانت حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم شرقي المسجد وقبليه وقيل ~~وشاميه فاشتريت من ملاكها ورثة أزواجه صلى الله عليه وسلم وزيدت في المسجد ~~فدخلت حجرة عائشة وكان الذي تولى ذلك عمر بن عبد العزيز نائب الوليد على ~~المدينة فسد باب الحجرة وبنى حائطا آخر عليها غير الحائط القديم فصار ~~المسلم عليه من وراء جدار أبعد من المسلم عليه لما كان جدارا واحدا # قال هؤلاء ولو كان سلام التحية الذي يرده على صاحبه مشروعا في المسجد كان ~~له حد ذراع أو ذراعين أو ثلاثة فلا يعرف الفرق بين المكان الذي يستحب فيه ~~هذا السلام والمكان الذي لا يستحب فان قيل من سلم عليه عند الحائط الغربي ~~رد عليه قيل وكذلك من كان خارج المسجد وإلا فما الفرق وحينئذ فيلزم أن يرد ~~على جميع أهل الأرض وعلى كل مصل في كل صلاة كما ظنه بعض الغالطين ومعلوم ~~بطلان ذلك وإن قيل يختص بقدر بين المسلم وبين الحجرة قيل فما حد ذلك وهم ~~لهم قولان منهم من يستحب القرب من الحجرة كما استحب ذلك مالك وغيره ولكن ~~يقال فما حد ذلك القرب وإذا جعل له حد فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب ~~وآخرون من المتأخرين يستحبون التباعد عن الحجرة كما ذكر ذلك من ذكره من ~~أصحاب أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما فهل هو بذراع أو باع أو أكثر ~~وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربع أذرع فانهم قالوا يكون حين يسلم ~~عليه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة PageV01P128 عن يساره ولا يدنو أكثر من ~~ذلك وهذا والله أعلم قاله المتقدمون لأن المقصود به السلام المأمور به في ~~القرآن كالصلاة عليه ليس المقصود به سلام التحية الذي يرد جواب المسلم عليه ~~فان هذا لا يشرع فيه هذا البعد ولا يستقبل به القبلة ولا يسمع إذا كان ~~بالصوت المعتاد وبالجملة ms139 فمن قال إنه يسلم سلام التحية الذي يقصد به الرد ~~فلا بد له من أن حد مكان ذلك يقال إلى أين يسمع ويرد السلام فان حد في ذلك ~~ذراعا أو ذراعين أو عشر أذرع أو قال إن ذلك في المسجد كله أو خارج المسجد ~~فلا بد له من دليل والأحاديث الثابتة منه فيها أن الملائكة يبلغونه صلاة من ~~يصلي عليه وسلام من يسلم عليه ليس في شيء منها أن يسمع بنفسه صلى الله عليه ~~وسلم ذلك فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان فلا بد له ~~من حد ومعلوم أنه ليس في ذلك حد شرعي ولا أحد يحد في ذلك حدا إلا عورض بمن ~~يزيده أو ينقصه ولا فرق # وأيضا فذلك يختلف بارتفاع الاصوات وانخفاضها والسنة في السلام عليه خفض ~~الصوت ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك بخلاف المسلم ~~من الحجرة فانه فرق ظاهر بينه وبين المسلم عليه من المسجد ثم السنة لمن دخل ~~مسجده أن يخفض صوته فان المسلم عليه ان رفع الصوت أساء الأدب برفع الصوت في ~~المسجد وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة وهذا بخلاف السلام الذي ~~أمر الله به ورسوله الذي يسلم الله على صاحبه كما يصلي على من يصلى عليه ~~فان هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر # وبالجملة فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء وعلى كل تقدير فلم يكن ~~عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب ~~زيارة قبره يحتجون به نعلم أن هذه الأحاديث ليست مما يعرفه أهل العلم ولهذا ~~لما تتبعت وجدت رزاتها إما كذاب وإما ضعيف سيء الحفظ ونحو ذلك كما قد بين ~~في غير هذا الموضع وهذا الحديث الذي فيه ما من رجل يسلم علي إلا رد الله ~~علي روحي حتى أرد عليه السلام قد احتج به أحمد وغيره من العلماء وقيل هو ~~على شرط مسلم ليس على شرط البخاري PageV01P129 وهو ms140 معروف من حديث حيوة بن ~~شريح المصري الرجل الصالح الثقة عن أبي صخر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ~~أبي هريرة وقد أخرج مسلم حديثا بهذا الاسناد وأبو صخر هذا متوسط ولهذا ~~اختلف فيه عن يحيى بن معين فمرة قال هو ضعيف ووافقه النسائي ومرة قال لا ~~بأس به ووافقه أحمد فلو قدر أن هذا الحديث مخالف لما هو أصح منه ووجب تقديم ~~ذاك عليه ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جار في غير ~~هذا الحديث ولو أريد إثبات سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا ~~الحديث لكان هذا مخالفا فيه فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه ومسلم روى ~~بهذا الاسناد قوله الأجر كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع كان له من ~~الأجر مثل أحد وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي ~~هريرة وعائشة رضي الله عنهما من غير هذا الطريق ومسلم قد يروي عن الرجل في ~~المتابعات مالا يرويه فيما انفرد به وهذا معروف منه في عدة رجال يفرق بين ~~من يروى عنه ما هو معروف من رواية غيره وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به ~~ولهذا كان كثير من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك هو على شرط مسلم ~~أو البخاري كما بسط هذا في موضعه # ( الوجه الثامن ) أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يخف على الصحابة ~~والتابعين بالمدينة ولو كان ذلك معروفا عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة ~~مالك غيره أن يقول القائل زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فلما كرهوا هذا ~~القول دل على أنه ليس عندهم فيه أثر لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~الصحابة رضي الله عنهم # ( الوجه التاسع ) أن الذين كرهوا هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء ~~متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم إنما هو سفر إلى ~~مسجده ولو لم يقصد إلا السفر ms141 للقبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد لكن ~~قد يختلف الحكم بنيته كما تقدم وأما زيارة قبره كما هو معروف في زيارة ~~القبور فهذا ممتنع غير مقدور ولا مشروع وبهذا يظهر أن قول الذين كرهوا أن ~~يسمى هذا زيارة لقبره صلى الله عليه وسلم قولهم أولى بالصواب فان هذا ليس ~~زيارة PageV01P130 لقبره ولا فيه ما يختص بالقبر بل كل ما يفعل فانما هو ~~عبادة تفعل في المساجد كلها وفي غير المساجد أيضا ومعلوم أن الزيارة القبر ~~لها اختصاص بالقبر ولما كانت زيارة قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده ~~وعبادة في مسجده ليس فيها ما يختص بالقبر كان قول من كره أن يسمي هذا زيارة ~~لقبره أولى بالشرع والعقل واللغة ولم يبق إلا السفر إلى مسجده وهذا مشروع ~~بالنص والإجماع والذين قالوا تستحب زيارة قبره إنما أرادوا هذا فليس بين ~~العلماء خلاف بالمعنى بل في التسمية والاطلاق والمجيب لم يحك نزاعا في ~~استحباب هذه الزيارة الشرعية التي تكون في مسجده وبعضهم يسميها زيارة لقبره ~~وبعضهم يكره أن تسمى زيارة لقبره وإذا كان المجيب يستحب ما يستحب بالنص ~~والاجماع وقد ذكر ما فيه النزاع كان الحاكي عنه خلاف ذلك كاذبا مفتريا ~~يستحق ما يستحقه أمثاله من المفترين # ( فصل ) قال المعترض وتضافرت النقول عن الصحابة والتابعين وعن السادة ~~العلماء المجتهدين بالحض على ذلك والندب اليه والغبطة لمن سارع لذلك ودوام ~~عليه حتى نحا بعضهم في ذلك إلى الوجوب ورفعه عن درجة المباح والمندوب ولم ~~يزل الناس مطبقين على ذلك قولا وعملا لا يشكون في ندبه ولا يبغون عنه حولا ~~وفي مسند ابن أبي شيبة من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا سمعته ~~هكذا في النسخة التي أحضرت إلي مكتوبة عن المعترض وقد صحح على قوله سمعته ~~وهو غلط فان لفظ الحديث من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى عليه نائيا ~~بلغته هكذا ذكره الناس وهكذا ذكره القاضي عياض عن ابن أبي شيبة وهذا ~~المعترض عمدته في مثل ms142 هذا الكتاب القاضي عياض وهذا الحديث قد رواه البيهقي ~~وغيره من حديث العلاء بن عمر الحنفي حدثنا أبو عبد الرحمن عن الأعمش عن أبي ~~صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلى علي عند قبري ~~سمعته ومن صلى عليه نئيا بلغته قال البيهقي أبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن ~~مروان السدي فيما أرى وفيه نظر وقد مضى ما يؤكده قلت هو تبليغ صلاة أمته ~~وسلامهم عليه كما في الأحاديث المعروفة مثل الحديث الذي في سنن أبي داود ~~PageV01P131 وغيره عن حسين الجعفي حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي ~~الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس الثقفي قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة ~~فأكثروا علي من الصلاة فيه فان صلاتكم معروضة علي قالوا كيف تعرض صلاتنا ~~عليك وقد أرمت يقولون بليت فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد ~~الأنبياء وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ورواه أبو حاتم قال ~~البيهقي وله شواهد وروى حديثين عن ابن مسعود وأبي أمامة وله شواهد أجود مما ~~ذكره البيهقي منها ما رواه ابن ماجه حدثنا عمرو بن سواد البصري حدثنا عبد ~~الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن ~~عبادة بن نسي [ الكندي ] عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فانه مشهود تشهده ~~الملائكة وإن أحدا لم يصل علي إلا عرضت علي صاته حتى يفرغ منها قال قلت ~~وبعد الموت قال وبعد الموت إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ~~ورواه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تهذيب الآثار من حديث سعيد بن أبي ~~هلال كما تقدم ومنها ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ms143 لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تتخذوا قبري عيدا وصلوا ~~عليه فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم وهذا له شواهد مراسيل من وجوه مختلفة يصدق ~~بعضها بعضا منها ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا حبان بن علي حدثنا ~~محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فان ~~صلاتكم تبلغني وقال سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل ~~قال رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت ~~فاطمة يتعشى فقال هلم إى العشاء فقلت لا أريده فقال مالي رأيتك عند القبر ~~فقلت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا دخلت المسجد فسلم عليه ~~PageV01P132 ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتي ~~عيدا ولا بيوتكم مقابر لعن الله اليهود [ والنصارى ] اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد وصلوا عليه فان صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ما أنتم ومن بالاندلس منه ~~إلا سواء ورواه اسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولفظه قال مالي رأيتك وقفت قلت وقفت أسلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال إذا دخلت المسجد فسلم وذكر الحديث ولم يذكر قول الحسن ~~وقال اسماعيل حدثنا إبراهيم بن الحجاج عن وهيب عن أيوب السختياني قال بلغني ~~والله أعلم أن ملكا موكل بكل من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~يبلغه وأما السلام ففي النسائي وغيره من حديث سفيان الثوري عن عبد الله بن ~~السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام وفي الحديث الذي تقدم من ~~رواية أبي يعلى الموصلي وقد تقدم إسناده عن علي بن الحين أنه رأى رجلا يجيء ~~إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل ms144 فيها فنهاه وقال ألا ~~أحدثم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخل ~~فيها فنهاه وقال ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا فان تسليمكم ~~يبلغني أينما كنتم فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه ~~حسان يصدق بعضها بعضا وهي متفقة على انه من صلى عليه وسلم عليه من أمته فان ~~ذلك يبلغه ويعرض عليه وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي والمسلم بنفسه ~~إنما فيها من ذلك يعرض عليه ويبلغه صلى الله عليه وسلم في مدينته ومسجده أو ~~مكان آخر فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فانه يبلغه وأما من سلم عليه عند ~~قبره فانه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه ولا هو ~~السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشرا كما يصلي على من صلى عليه ~~عشرا فان هذا هو الذي أمر الله به في القرآن وهو لا يختص بمكان دون مكان ~~وقد تقدم حديث أبي هريرة أنه يرد السلام على من سلم عليه والمراد عند قبره ~~لكن النزاع في معنى كونه عند القبر هل المراد به في بيته كما يراد مثل ذلك ~~في سائر ما أخبر به من سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم قريبا منها ~~أو يراد به من كان في المسجد أيضا قريبا من الحجرة كما قاله طائفة من ~~PageV01P133 السلف والخلف وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن ~~أراده من أهل المدينة أو لا يستحب بحال وليس الاعتماد في سماعه ما يبلغه من ~~صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة فأما ذاك الحديث وإن كان ~~معناه صحيحا فاسناده لا يحتج بع وإنما يثبت معناه بأحاديث أخر فانه لا يعرف ~~إلا من حديث محم بن مروان السدي الصغير عن الأعمش كما ظنه البيهقي وما ظنه ms145 ~~في هذا هو متفق عليه عند أهل المعرفة بالحديث وهو عندهم موضوع على الأعمش ~~قال عباس الدوري عن يحيى بن معين محمد بن مروان ليس بثقة وقال البخاري ~~سكتوا عنه لا يكتب حديثه ألبتة وقال الجوزجاني ذاهب الحديث وقال النسائي ~~متروك الحديث وقال صالح جزرة كان يضع الحديث [ و ] قال أبو حاتم الرازي ~~الازدي متروك الحديث وقال الدارقطني ضعيف وقال ابن حبان لا يحل كتب حديثه ~~لا اعتبارا ولا للاحتجاج به بحال وقال ابن عدي عامة ما يرونه غير محفوظ ~~والضعف على روايته بين فهذا الكلام على ما ذكره من الحديث مع أنا قد بينا ~~صحة معناه بأحاديث أخر وهو لو كان صحيحا فانما فيه أنه يبلغ صلاة من صلى ~~عليه نائيا ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولا عن هذا المعترض فان هذا ~~لم يقله أحد من أهل العلم ولا يعرف في شيء من الحديث وإنما يقوله بعض ~~المتأخرين الجهال يقولون إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع باذنيه صلاة من ~~يصلي عليه فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلي باطل وإنما في الأحاديث ~~المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة وقول ~~القائل إنه يسمع الصلاة من البعيد ممتنع فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه ~~فهذه مكابرة وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس ~~هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم قال تعالى @QB@ أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون @QE@ وقال @QB@ ~~ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم @QE@ الآية ~~وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم ومن قال هذا في ~~بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون إن المسيح هو الله PageV01P134 ~~وإنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجب دعائهم قال تعالى @QB@ لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل ~~اعبدوا الله ربي ms146 وربكم @QE@ إلى قوله @QB@ والله هو السميع العليم @QE@ فلا ~~المسيح ولا غيره من البشر ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق لا ضرا ولا ~~نفعا بل ولا لنفسه وإن كان أفضل الخلائق قال تعالى @QB@ قل إني لا أملك لكم ~~ضرا ولا رشدا @QE@ وقال @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك @QE@ وقال @QB@ قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ~~إلا ما شاء الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ~~ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء @QE@ ~~الآية وقوله @QB@ إلا ما شاء الله @QE@ فيه قولان قيل هو استثناء متصل وإنه ~~يملك من ذلك ما ملكه الله وقيل هو منقطع والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ~~ضرا بحال فقوله @QB@ إلا ما شاء الله @QE@ استثناء منقطع أي لكن يكون من ~~ذلك ما شاء الله كقول الخليل عليه السلام @QB@ ولا أخاف ما تشركون به @QE@ ~~ثم قال @QB@ إلا أن يشاء ربي شيئا @QE@ أي لا أخاف أن تفعلوا شيئا لكن إن ~~شاء ربي شيئا كان وإلا لم يكن وإلا فهم لا يفعلون شيئا وكذلك قوله @QB@ ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق @QE@ فيه قولان أصحهما ~~أنه استثناء منقطع أي لكن من شهد بالحق تنفعه الشفاعة وتنفع شفاعته كقوله ~~@QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال @QB@ قل لله الشفاعة ~~جميعا @QE@ وبسط هذا له موضع آخر # ( فصل ) وأما ما ذكره من تضافر النقول عن السلف بالحض على ذلك وإطباق ~~الناس عليه قولا وعملا فيقال الذي اتفق عليه السلف والخلف وجاءت به ~~الأحاديث الصحيحة هو السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه في مسجده وطلب ~~الوسيلة له وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله فهذا السفر مشروع باتفاق ~~المسلمين سلفهم وخلفهم هذا هو مراد العلماء الذين قالوا إنه يستحب السفر ~~إلى زيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم فان مرادهم بالسفر إلى زيارته هو ~~السفر إلى مسجده ms147 وذكروا في مناسك الحج أنه يستحب زيارة قبره وهذا ~~PageV01P135 هو مراد من ذكر الإجماع على ذلك كما ذكر القاضي عياض قال ~~وزيارة قبره سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها فمرادهم الزيارة ~~التي بينوها وشرحوها كما ذكر القاضي عياض في هذا الفصل فصل زيارة قبره وقال ~~إسحاق بن إبراهيم الفقيه ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد ~~إلى الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك برؤية روضته ومنبره ~~وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود الذي كان يستند إليه وينزل ~~جبريل بالوحي فيه عليه وبمن عمره وقصده من الصحابة والتابعين وأئمة ~~المسلمين والاعتبار بذلك كله قلت وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها ~~نظير المراد بزيارة قبر غيره فان قبر غيره يوصل اليه ويجلس عنده ويتمكن ~~الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة وبدعة وأما هو صلى الله ~~عليه وسلم فلا سبيل لأد يصل إلى مسجده أن يدخل بيته ولا يصل إلى قبره بل ~~دفنوه في بيته بخلاف غيره فانهم دفنوا في الصحراء كما في الصحيحين عن عائشة ~~رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة ~~ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدا فدفن في بيته لئلا يتخذ قبره ~~مسجدا ولا عيدا ولا وثنا فان في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح عن عبد ~~الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا ~~وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال اللهم ~~لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ~~وفي صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا ms148 فلا تتخذوا القبور مساجد فاني أنهاكم عن ذلك فلما لعن من ~~يتخذ القبور مساجد تحذيرا لأمته من ذلك ونهاهم عن ذلك ونهاهم أن يتخذوا ~~قبره عيدا دفن في حجرته PageV01P136 لئلا يتمكن أحد من ذلك وكانت عائشة ~~ساكنة فيها فلم يكن في حياتها يدخل أحد لذلك إنما يدخلون إليها خي ولما ~~توفيت لم يبق بها أحد ثم لما أدخلت في المسجد سدت وبني الجدار البراني ~~عليها فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره كالزيارة المعروفة عند قبر غيره ~~سواء كانت سنية أو بدعية بل إنما يصل الناس إلى مسجده ولم يكن السلف يطلقون ~~على هذا زيارة لقبره ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبره البتة ولم ~~يتكلموا بذلك وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا من كلامهم فان هذا المعنى ~~ممتنع عندهم فلا يعبر عن وجوده وهو قد نهى عن اتخاذ بيه وقبره عيدا وسأل ~~الله أن لا يجعل قبره وثنا ونهى عن اتخاذ القبور مساجد فقال اشتد غضب الله ~~على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولهذا كره مالك وغيره أن يقال زرنا قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان السلف ينطلقوت بهذا لم يكرهه ماك وقد ~~باشر التابعين بالمدينة وهو أعلم الناس بمثل ذلك ولو كان في هذا حديث معروف ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم لعرفه هؤلاء ولم يكره مالك وأمثاله من علماء ~~المدينة الإخبار بلفظ تكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان رضي الله ~~عنه يتحرى ألفاظ الرسول في الحديث فكيف يكره النطف بلفظه ولكن طائفة من ~~العلماء سموا هذا زيارة لقبره وهم لا يخالفون مالكا ومن معه في المعنى بل ~~الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة له صلى الله عليه وسلم ~~ونحو ذلك في مسجده يستحبه هؤلاء ولكن هؤلاء سموا هذا زيارة لقبره وأولئك ~~كرهوا أن يسمى هذا زيارة لقبره وقد حدث من بعض المتأخرين في ذلك بدع لم ~~يستحبها أحد من الائمة الأربعة كسؤاله الاستغفار وزاد بعض الجال العامة ما ms149 ~~هو محرم أو كفر بإجماع المسلمين كالسجود للحجرة والطواف بها وأمثال ذلك مما ~~ليس هذا موضعه ومبدأ ذلك من الذين ظنوا أن هذا زيارة لقبره فظن هؤلاء أن ~~الأنبياء والصالحين تزار قبورهم لدعائهم والطلب منهم واتخاذ قبورهم أوثانا ~~حتى يفضلون تلك البقعة على المساجد وإن بنى عليه مسجد فضلوه على المساجد ~~التبي بنيت لله وحتى قد يفضلون الحج إلى قبر من يعظمونه على الحج إلى البيت ~~العتيق إلى غير ذلك مما هو كفر وردة عن الإسلام باتفاق المسلمين فالذي ~~تضافرت به النقول عن السلف قاطبة وأطبقت عليه الأمة PageV01P137 قولا وعملا ~~هو السفر إلى مسجده المجاور لقبره والقيام بما أمر الله به من حقوقه في ~~مسجده كما يقام بذلك في غير مسجده لكن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد ~~الحرام عند الجمهور وقيل إنه أفضل مطلقا كما نقل عن مالك وغيره ولم يتطابق ~~السلف والخلف على إطلاق زيارة قبره ولا ورد بذلك حديث صحيح ولا نقل معروف ~~عن أحد من الصحابة ولا كان الصحابة المقيمون بالمدينة من المهاجرين ~~والأنصار إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه يجيئون إلى القبر ويقفون عنده ~~ويزورونه فهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة وقد ذكر مالك وغيره أن هذا من ~~البدع التي لم تنقل عن السلف وأن هذا منهي عنه وهذا الذي قاله مالك مما ~~يعرفه أهل العلم الذين لهم عناية بهذا الشأن يعرفون أن الصحابة لم يكونوا ~~يزورون قبره لعلمهم بأنه ق نهي عن ذلك ولو كان قبره يزار كما تزار القبور ~~قبور أهل البقيع والشهداء شهداء أحد لكان الصحابة يفعلون ذلك إما بالدخول ~~إلى حجرته وإما بالوقوف عند قبره إذا دخلوا المسجد وهم لم يكونوا يفعلوا ~~هذا ولا هذا بل هذا من البدع كما بين ذلك أئمة العلم وهذا مما ذكره القاضي ~~عياض وهو الذي قال زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغوب فيها وهو في هذا ~~الفصل ذكر عن مالك أنه كره أن يقال زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ~~فيه أيضا قال ms150 مالك في المبسوط وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل ~~المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء وقال مالك في المبسوط يضا ولا بأس ~~لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو له ولأبي ~~بكر وعمر قيل له فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه ~~يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو ~~المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة فقال لم يبلغني هذا عن أهل ~~الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم ~~يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء ~~من سفر أو أراده فقد بين مالك إنه لم يبلغه عن السلف من الصحابة المقيمين ~~بالمدينة أنهم كانوا يقفون بالقبر عند دخول المسجد إلا لمن قدم من سفر مع ~~أن الذي يقصد السفر فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع PageV01P138 # وقد ذكر القاضي عياض عن أبي الوليد الباجي أنه احتج لما كره مالك فقال ~~أهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أهل القبر والتسليم وقال صلى الله ~~عليه وسلم اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد وقال لا تجعلوا قبري عيدا # قلت فهذا يبين أن وقوف أهل المدينة بالقبر وهو الذي يسمى زيارة لقبره من ~~البدع التي لم يفعلها الصحابة وأن ذلك منهي عنه لقوله صلى الله عليه وسلم ~~اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد وقوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا وإذا كانت هذه الزيارة ~~مما نهى عنها في الأحاديث فالصحابة أعلم بنهيه وأطوع له فلهذا لم يكن ~~بالمدينة منهم من يزور قبره باتفاق العلماء وهذا الوقوف الذي يسميه غير ~~مالك زيارة لقبره الذي بين مالك وغيره أنه بدعة لم يفعلها الصحابة هي زيارة ~~مقصود صاحبها الصلاة ms151 والسلام كما بين ذلك في السؤال لمالك لكن لما قال صلى ~~الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم ~~تبلغني وروى مثل ذلك في السلام عليه علم انه كره تخصيص تلك البقعة بالصلاة ~~والسلام بل يصلي عليه ويسلم في جميع المواضع وذلك واصل اليه فاذا كان مثل ~~هذه الزيارة للقبر بدعة منهيا عنها فكيف من يقصد ما يقصده من قبور الأنبياء ~~والصالحين ليدعوهم ويستغيث بهم ليس قصده الدعاء لهم ومعلوم أن هذا أعظم في ~~كونه بدعة وضلالا فالسلف والخلف إنما تطابقوا على زيارة قبره بالمعنى ~~المجمع عليه من قصد مسجده والصلاة فيه كما تقدم وهذا فرق بينه وبين سائر ~~قبور الانبياء والصالحين فانه يشرع السفر إلى عند قبره لمسجده الذي أسس على ~~التقوى فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين والصلاة مقصورة فيه باتفاق ~~المسلمين ومن قال إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة فانه يستتاب فان تاب ~~وإلا قتل وليس ذلك سفرا لمجرد القبر بل لا بد أن يقصد إتيان المسد والصلاة ~~فيه وإن لم يقصد إلا القبر فهذا يندرج في كلام المجيب حيث قال أما من سافر ~~لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة على قولين ~~معروفين فهو ذكر القولين فيمن سافر لمجرد قصد PageV01P139 زيارة القبور ~~وأما من سافر لقصد الصلاة في مسجده عند حجرته التي فيها قبره فهذا سفر ~~مشروع مستحب باتفاق المسلمين وقد تقدم قول مالك للسائل الذي سأله عمن نذر ~~أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن كان اراد مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم فليأته وليصل فيه وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث ~~الذي جاء لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد فالسائل سأله عمن نذر أن يأتي ~~إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ففصل مالك في الجواب بين أن يريد القبر ~~أو المسجد مع أن اللفظ إنما هو نذر أن يأتي القبر فعلم أن لفظ إتيان القبر ~~وزيارة القبر والسفر إلى ms152 القبر ونحو ذلك يتناول من يقصد المسجد وهذا مشروع ~~بتناول من لم يقصد إلا القبر وهذا منهي عنه كما دلت عليه النصوص وبينه ~~العلماء مالك وغيره فمن نقل عن السلف أنهم استحبوا السفر لمجرد القبر دون ~~المسجد بحيث لا يقصد المسافر المسجد ولا الصلاة فيه بل إنما يقصد القبر ~~كالصورة التي نهى عنها مالك فهذا لا يوجد في كلام أحد من علماء السلف ~~استحباب ذلك فضلا عن إجماعهم عليه وهذا الموضع يجب على المسلمين عامة ~~وعلمائهم تحقيقه ومعرفة ما هو المشروع والمأمور به الذي هو عبادة الله وحده ~~وطاعة له ولرسوله وبر وتقوى وقيام بحق الرسول وما هو شرك وبدعة وضلالة منهي ~~عنها لئلا يلتبس هذا بهذا فان السفر إلى مسجد المدينة مشروع باتفاق ~~المسلمين لكن إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وقد تقدم عن مالك ~~وغيره إنه إذا نذر إتيان المدينة إن كان قصده الصلاة في المسجد [ يوف بنذره ~~] وإلا لم يوف بنذره وأما إذا نذر إتيان المسجد لزمه لأنه إنما يقصد الصلاة ~~فلم يجعل إلى المدينة سفرا مأمورا به إلا سفر من قصد الصلاة في المسجد وهو ~~الذي يؤمر به الناذر بخلاف غيره لقوله صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى وجعل من سافر ~~إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة الشرعية في المسجدين سفرا ~~منهيا عنه لا يجوز أن يفعله وأن نذره وهذا قول جمهور العلماء فمن سافر إلى ~~مدينة الرسول إو بيت المقدس لقصد زيارة ما هناك من القبور أو من آثار ~~الأنبياء والصالحين كان سفره محرما عند مالك والأكثرين وقيل إنه سفر مباح ~~PageV01P140 ليس بقربة كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وهو قول ابن ~~عبد البر وما علمنا أحدا من علماء المسلمين المجتهدين الذين تذكر أقوالهم ~~في مسائل الاجماع والنزاع ذكر أن ذلك مستحب فدعوى من ادعى أن السفر إلى ~~مجرد القبور مستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر وكذلك إن ms153 ادعى أن هذا ~~قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ~~ريب وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين وإن قال إن ~~هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك وهو بعد أن يعرف صحة نقله نقل ~~قولا شاذا مخالفا لاجماع السلف مخالفا لنصوص الرسول فكفى بقول فسادا أن ~~يكون قولا مبتدعا في الاسلام مخالفا للسنة والجماعة لما سنه الرسول ولما ~~اجتمع عليه سلف الأمة وأئمتها والنقل عن علماء السلف يوافق ما قاله مالك ~~فمن نقل عنهم ضد ذلك فقد كذب وأقل ما في الباب أنه يجعل ممن طولب بصحة نقله ~~والألفاظ المجملة التي يقولها طائفة قد عرف مرادهم وعياض نفسه الذي ذكر أن ~~زيارته سنة مجمع عليها قد بين الزيارة المشروعة في ذلك وقد ذكر عياض في ~~قوله لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ما هو ظاهر مذهب مالك أن السفر إلى ~~غيرها محرم وسائر أصحابه مع ما ذكره من استحباب الزيارة الشرعية ومع ما ~~ذكره من كراهة مالك أن يقول القائل زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم # ( فصل ) قال المعارض المناقض وروى مسلم في صحيحه في الذي سافر لزيارة أخ ~~له في الله ولفظ الحديث إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على ~~مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخا لي في تلك القرية قال ~~هل لك عليه من نعمة تربها قال لا إلا أن أحببته في الله فقال إني رسول الله ~~إليك فان الله أحبك كما أحببته فيه وفي موطأ مالك عن معاذ بن جبل في حديث ~~ذكر فيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أي عن الله وجبت محبتي ~~لمتحابين في والمتجالسين PageV01P141 في والمتزاورين في والمتباذلين في قال ~~فقد علمت أيها الأخ بهذا فضيلة زيارة الأخوان وما اعد الله بها للزائرين من ~~الفضل والاحسان فكيف بزيارة من هو حي الدارين واما الثقلين الذي جعل الله ms154 ~~حرمته في حال مماته كحرمته في حال حياته ومن شرفه الحق بما أعطاه من جميل ~~صفاته ومن هدانا ببركته إلى الصراط المستقيم وعصمنا به من الشيطان الرجيم ~~ومن هو آخذ بحجزنا أن نقتحم في نار الجحيم ومن هو بالمؤمنين رءوف رحيم # والجواب أما زيارة الأخ الحي في الله كما في الحديث فهذا نظير زيارته صلى ~~الله عليه وسلم في حياته يكون الانسان بذلك من أصحابه وهم خير القرون وأما ~~جعل زيارة القبر كزيارته حيا كما قاسه هذا المعترض فهذا قياس ما علمت أحد ~~من علماء المسلمين قاسه ولا علمت أحدا منهم احتج في زيارة قبره صلى الله ~~عليه وسلم بالقياس على زيارة الحي المحبوب في الله وهذا من أفسد القياس ~~فانه من المعلوم أنه من زار الحي حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته ~~وسؤاله وجوابه وغير ذلك مالا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه وليس رؤية ~~قبره أو رؤية ظاهر الجدار الذي بني على بيته بمنزلة رؤيته ومشاهدته ~~ومجالسته وسماع كلامه ولو كان هذا مثل هذا كان كل من زار قبره مثل واحد من ~~أصحابه ومعلوم أن هذا من أبطل الباطل وأيضا فالسفر اليه في حياته إما أن ~~يكون لما كانت الهجرة اله واجبة كالسفر قبل الفتح فيكون المسافر اليه ~~مسافرا للمقام عنده بالمدينة مهاجرا من المهاجرين اليه وهذا السفر انقطع ~~بفتح مكة قال صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ولهذا ~~لما جاء صفوان بن أمية مهاجرا أمره أن يرجع إلى مكة وكذلك سائر الطلقاء ~~كانوا بمكة لم يهاجروا وإما أن يكون المسافر اليه وافدا إليه ليسلم عليه ~~ويتعلم منه ما يبلغه قومه كالوفود الذين كانوا يفدون اليه لا سيما سنة عشر ~~سنة الوفود وقد أوصى في مرضه [ قبل أن يموت ] بثلاث فقال اخرجوا اليهود ~~والنصارى من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم ومن الوفود وفد ~~عبد القيس PageV01P142 لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم بالبحرين لكن هؤلاء ~~أسلموا قديما قبل فتح مكة ms155 وقالوا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام لأن ~~بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وهم أهل نجد كأسد وغطفان وتميم وغيرهم ~~فانهم لم يكونوا قد أسلموا بعد وكان السفر اليه في حياته لتعلم الاسلام ~~والدين ولمشاهدته وسماع كلامه وكان خيرا محضا ولم يكن أحد من الانبياء ~~والصالحين عبد في حياته بحضرته فانه كان ينهى من يفعل ما هو دون ذلك من ~~المعاصي فكيف بالشرك كما نهى الذين سجدوا له والذين صلوا خلفه قياما وقال ~~إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم فلا تفعلوا رواه مسلم وفي المسند باسناد ~~صحيح عن أنس قال لم يكن شخص أحب اليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك وفي الصحيح أن ~~جارية قالت عنده % وفينا نبي يعلم ما في غد % # فقال دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين ومثل هذا كثير من نهيه عن المنكر ~~بحضرته فكل من رآه في حياته لم يتمكن أن يفعل بحضرته منكرا يقر عليه وأما ~~الذين يزورون القبور فيفعلون عندها من أنواع المنكرات مالا يضبط كما يفعل ~~المشركون والنصارى وأهل البدع عند قبر من يعظمونه من أنواع الشرك والغلو ~~وبحسبك أنه صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى لأجل اتخاذ قبور ~~أنبيائهم مساجد فاذا اتخذ القبر مسجدا فقد لعن صاحبه ومعلوم أنه لو كان حيا ~~في المسجد لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات وقصد القبر الذي اتخذ ~~مسجدا مما نهي عنه ولعن أهل الكتاب على فعله وأيضا فليس عند قبره مصلحة من ~~مصالح الدين وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع فلا ~~ينبغي أن يكون صاحبها غير معظم للرسول التعظيم التام والمحبة التامة إلا ~~عند قبره بل هو مأمور بهذا في كل مكان فكانت زيارته في حياته مصلحة راجحة ~~لا مفسدة فيها والسفر إلى القبر لمجرده بالعكس مفسدة راجحة لا مصلحة فيها ~~بخلاف السفر إلى مسجده فانه مصلحة راجحة وهناك يفعل من ms156 حقوقه ما يشرع كما ~~في سائر المساجد وهذا مما PageV01P143 يبين به كذب الحديث الذي فيه من ~~زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي وهذا الحديث معروف من رواية حفص بن ~~سليمان الغاضري عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وقد ~~رواه عنه غير واحد وهو عندهم معروف من طريقه وهو عندهم ضعيف في الحديث إلى ~~الغاية حجة في القراءة قال يحيى بن معين حفص لس بثقة وقال الجوزجاني قد فرغ ~~منه منذ دهر وقال البخاري تركوه وقال مسلم ابن الحجاج متروك وقال علي بن ~~المديني ضعيف الحديث وتركته على عمد وقال النسائي ليس بثقة ولا يكتب حديثه ~~وقال مرة متروك وقال صالح بن محمد لا يكتب حديثه وأحاديثه كلها مناكير وقال ~~زكريا الساجي يحدث عن سماك وغيره أحاديثه بواطيل وقال أبو زرعة ضعيف الحديث ~~وقال أبو حاتم لا يكتب حديثه هو ضعيف لا يصدق متروك الحديث وقال الحاكم أبو ~~أحمد ذاهب الحديث وقال الدارقطني ضعيف وقال ابن عدي وعامة أحاديثه عمن يروى ~~عنه غير محفوظة وقد رواه الطبراني في المعجم من حديث الليث ابن بنت ليث بن ~~أبي سليم عن زوجة جده عائشة عن ليث وهذا الليث وزوجة جده مجهولان لأن ليثا ~~غير معروف بضبط ولا عدالة مع غرابتهما ونفس المتن باطل فان الأعمال التي ~~فرضها الله ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة بل في الصحيحين ~~عنه أنه قال لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه فالجهاد ~~والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق المسلمين ولا يكون الرجل بهما كمن ~~سافر اليه في حياته ورآه كيف وذاك إما أن يكون مهاجرا إليه كما كانت الهجرة ~~قبل الفتح أو من الوفود الذين كانوا يفدون اليه يتعلمون الإسلام ويبلغونه ~~عنه إلى قومهم وهذا عمل لا يمكن أحدا بعدهم أن يفعله مثله ومن ms157 شبه من زار ~~قبر شخص بمن كان يزوره في حياته فهو مصاب في عقله ودينه والزيارة الشرعية ~~لقبر PageV01P144 الميت مقصودها الدعاء له والاستغفار كالصلاة على جنازته ~~والدعاء المشروع المأمور به في حق نبينا كالصلاة عليه والسلام عليه وطلب ~~الوسيلة له مشروع في جميع الأمكنة فعله هناك يمكن فعله في سائر البقاع لكن ~~مسجده أفضل من غيره فللعبادة فيه فضيلة بكونها في مسجده كما قال صلاة في ~~مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام والعبادات المشروعى ~~فيه بعد دفنه مشوعة فيه قبل أن يدفن النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته ~~وقبل أن تدخل حجرته في المسجد ولم يتجدد بعد ذلك فيه غير العبادات التي ~~كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وغير ما شرعه هو لأمته ورغبهم فيه ~~ودعاهم اليه وما يشرع للزائر من صلاة وسلام ودعاء له وثناء عليه كل ذلك ~~مشروع في مسجده في حياته وهي مشروعة في سائر المساجد بل وفي سائر البقاع ~~التي تجوز فيها الصلاة وهو صلى الله عليه وسلم قد جعلت له ولأمته الأرض ~~مسجدا وطهورا فحيثما أدركت أحدا الصلاة فليصل فانه مسجد كما ثبت ذلك في ~~الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم ومن ظن زيارة القبر تختص بجنس من ~~العبادة لم تكن مشروعة في المسجد وإنما شرعت لأجل القبر فقد أخطأ لم يقل ~~هذا أحد من الصحابة والتابعين وإنما غلط في بعض هذا بعض المتأخرين وغاية ما ~~نقل عن بعض الصحابة كابن عمر أنه كان اذا قدم من سفر يقف عند القبر ويسلم ~~وجنس السلام عليه مشروع في المسجد وغير المسجد قبل السفر وبعده وأما كونه ~~عند القبر فهذا كان يفعله ابن عمر اذا قدم من سفر وكذلك الذين استحبوه من ~~العلماء استحبوه للصادر والوارد من المدينة وإليها من اهلها أو الوارد ~~والصادر من المسجد من الغرباء مع أن أكثر الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك ولا ~~فرق أكثر السلف بين الصادر والوارد بل كلهم ينهون عما نهى ms158 عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد قال أبو الوليد الباجي إنما فرق بين أهل المدينة ~~وغيرها لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة يقيمون بها لم يقصدوها من أجل ~~القبر والتسليم وقال قال صلى الله عليه وسلم اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ~~اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال لا تجعلوا قبري ~~عيدا PageV01P145 وهذا الذي ذكره من أوله سواء في النهي فان قوله لا تجعلوا ~~أو لا تتخذوا بيتي عيدا نهي لكل أمته أهل المدينة والقامين اليها وكذلك ~~نهيه عن اتخاذ القبور مساجد وخبره بأن غضب الله اشتد على من فعل ذلك هو ~~متناول للجميع وكذلك دعاؤه بان لا يتخذ قبره وثنا عام وما ذكره من أن ~~الغرباء قصدوا لذلك تعليق على العلة ضد مقتضاها فان القصد لذلك منهي عنه ~~كما صرح به مالك وجمهور أصحابة وكما نهى عنه وليس بقربة واذا كان منهيا عنه ~~لم يشرع الإعانة عليه وكذلك اذا لم يكن قربة وابن عمر رضي الله عنهما لم ~~يكن يسافر إلى المدينة لأجل القبر بل المدينة وطنه وكان يخرج عنها لبعض ~~الأمور ثم يرجع إلى وطنه فيأتي المسجد فيصلي فيه ويسلم فأما السفر لأجل ~~القبور فلم يعرف عن أحد من الصحابة بل ابن عمر كان يقدم إلى بيت المقدس فلا ~~يزور قبر الخليل وكذلك أبوه عمر ومن معه من المهاجرين والانصار قدموا إلى ~~بيت المقدس ولم يذهبوا إلى قبر الخليل وسائر الصحابة الذين كانوا ببيت ~~المقدس لم يعرف عن أحد منهم أنه يسافر إلى قبر الخليل ولا غيره كما لم ~~يكونوا يسافرون إلى المدينة لاجل القبر كما تقدم وما كان قربة للغرباء فهو ~~قربة لاهل المدينة كاتيان قبور الشهداء وأهل البقيع وما لم يكن لغيرهم ~~كاتخاذ بيته عيدا واتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا وكالصلاة إلى الحجرة والتمسح ~~بها وإلصاق البطن بها والطواف بها وغير ذلك مما يفعله جهال القادمين فان ~~هذا باجماع المسلمين ينهى عنه الغرباء كما نهي عنه اهل المدينة ينهون عنه ms159 ~~صادرين وواردين باتفاق المسلمين وبالجملة فجنس الصلاة والسلام عليه والثناء ~~عليه ونحو ذلك مما استحبه بعض العلماء عند القبر للواردين أو الصادرين هو ~~مشروع في مسجده وسائر المساجد وأما ما كان سؤالا له فهذا لم يستحبه أحد من ~~السلف لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ثم بعض من يستحب هذا من المتأخرين ~~يدعونه مع الغيب فلا يختص هذا عندهم بالقبر واما نفس داخل بيته عند قبره ~~فلا يمكن أحدا الوصول إلى هناك ولم يشرع هناك عمل يكون هناك افضل منه في ~~غيره ولو شرع لفتح باب الحجرة للأمة بل قد قال لا تتخذوا بيتي عيدا وصلوا ~~علي فان صلاتكم تبلغني حيثما كنتم PageV01P146 وقد تقدم ما رواه سعيد بن ~~منصور في سننه عن عبد العزيز الداروردي عن سهيل بن أبي سهيل قال رآني الحسن ~~بن الحسن بن علي بن أبي طالب فناداني فقال مالي رأيتك عند القبر فقلت سلمت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا دخلت المسجد فسلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتي ~~عيدا ولا بيوتكم مقابر لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا ~~عليه حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء ~~وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرها من الشام مثل معاذ بن ~~جبل وأبي عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وغيرهم لم يعرف عن ~~أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام لا قبر الخليل ولا غيره كما ~~لم يكونوا يسافون إلى المدينة لأجل القبر وكذلك الصحابة الذين كانوا ~~بالحجاز والعراق وسائر البلاد كما قد بسط في غير هذا الموضع وروى سعيد بن ~~منصور في سننه أن رجلا كان ينتاب قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حسن ~~بن حسن بن علي بن أبي طالب يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ~~تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم ms160 فان صلاتكم تبلغني فما أنت ورجل ~~بالأندلس منه إلا سواء # فان قيل الزائر في الحياة إنما أحبه الله لكونه يحبه في الله والمؤمنون ~~يحبون الرسول أعظم وكذلك يحبون سائر الأنبياء والصالحين فاذا زاروهم أثيبوا ~~على هذه المحبة قيل حب الرسول من أعظم واجبات الدين وفي الصحيحين عن أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان ~~الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن ~~كان يكره ان يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار وفي الحديث الصحيح عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي البخاري عن ~~عبد الله بن هشام قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر ~~فقال يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب اليك من نفسك فقال له عمر ~~PageV01P147 إنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي قال الآن يا عمر وتصديق ~~هذا في القرآن في قوله @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ وفي قوله ~~@QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم @QE@ الآية ~~وقال @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله @QE@ إلى قوله @QB@ بروح منه @QE@ وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في ~~الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئتم @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ ~~فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينا أو ضياعا ~~فليأتني فأنا مولاه وفي حديث آخر لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت ~~به لكن حبه وطاعته وتعزيره وتوقيره وسائر ما أمر الله به من حقوقه مأمور ms161 به ~~في كل مكان لا يختص بمكان دون مكان وليس من كان في المسجد عند القبر بأولى ~~بهذه الحقوق ووجوبها عليه ممن كان في موضع آخر ومعلوم أن زيارة قبره ~~كالزيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة ولو كان في زيارة قبره ~~عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومكنوا من فعل تلك العبادة عند قبره وهم ~~لم يمكنوا إلا من الدخول إلى مسجده والذي يشرع في مسجده يشرع في سائر ~~المساجد لكن مسجده أفضل من سائرها غير المسجد الحرام على نزاع في ذلك وما ~~يجده المسلم في قلبه من محبته والشوق اليه والأنس بذكره وذكر أحواله فهو ~~مشروع له في كل مكان وليس في مجرد زيارة ظاهر الحجرة ما يوجب عبادة لا تفعل ~~بدون ذلك بل نهى عن أن يتخذ ذلك بل نهى عن أن يتخذ ذلك المكان عيدا ويصلي ~~عليه حيث كان العبد ويسلم عليه فلا يخص بيته وقبره لا بصلاة عليه ولا بسلام ~~عليه فكيف بما ليس كذلك واذا خص قبره بذلك صار ذلك في سائر الأمكنة دون ما ~~هو عند قبره وينقص حبه وتعظيمه وتعزيره وموالاته والثناء عليه عند غير قبره ~~كما يفعل عند قبره كما يجده الناس في قلوبهم اذا رأوا من يحبونه ويعظمونه ~~يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة أعظم مما يكونون بخلاف ذلك ~~والرسول هو الواسطة بينهم وبين الله في كل مكان وزمان فلا PageV01P148 ~~يؤمرون بما يوجب نقص محبتهم وإيمانهم في عامة البقاع والأزمنة مع أن ذلك لو ~~شرع لهم لاشتغلوا بحقوقهم عن حقه واشتغلوا بطلب الحوائج منه كما هو الواقع ~~فيدخلوا في الشرك بالخالق وفي ترك حق المخلوق فينقص تحقيق الشهادتين شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأما ما شرعه لهم من الصلاة ~~والسلام عليه في كل مكان وأن لا يتخذوا بيته عيدا ولا مسجدا ومنعهم من أن ~~يدخلوا اليه ويزوروه كما تزار القبور فهذا يوجب كمال توحيدهم للرب وكمال ~~ايمانهم بالرسول ومحبته وتعظيمه حيث كانوا ms162 واهتمامهم بما أمروا به من طاعته ~~فان طاعته هي مدار السعادة وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه وأهل الجنة ~~وأهل النار فأهل طاعته هم أولياء الله المتقون وجنده المفلحون وحزبه ~~الغالبون وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ذلك والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر ~~غيره ويدعونهم ويتخذونهم أندادا هم من أهل معصيته ومخالفته لا من أهل طاعته ~~وموافقته فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه وإن ظنوا أن ~~هذا من موالاته ومحبته كما يظن النصارى أن ما هم عليه من الغلو في المسيح ~~والشرك به من جنس محبته وموالاته وكذلك دعاؤهم للانبياء والموتى كابراهيم ~~وموسى وغيرهما ويظنون أن هذا من محبتهم وموالاتهم وإنما هو من جنس معاداتهم ~~ولهذا يتبرأون منهم يوم القيامة وكذلك الرسول يتبرأ ممن عصاه وان كان قصده ~~تعظيمه والغلو فيه قال تعالى @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن ~~اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون @QE@ فقد أمر الله ~~المؤمنين أن يتبرأوا من كل معبود غير الله ومن كل من عبده قال تعالى @QB@ ~~قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ وكذلك سائر الموتى ليس في مجرد ~~رؤية قبورهم ما يوجب لهم زيادة المحبة إلا لمن عرف أحوالهم بدون ذلك فيتذكر ~~أحوالهم فيحبهم والرسول يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه وفضائله وما من الله ~~به عليه ومن به على أمته فبذلك يزداد حبهم له وتعظيمهم له لا بنفس رؤية ~~القبر ولهذا تجد PageV01P149 العاكفين على قبور الأنبياء والصالحين من أبعد ~~الناس عن سيرتهم ومتابعتهم وإنما قصد جمهور التأكل والترؤس بهم فيذكرون ~~فضائلهم ليحصل لهم بذلك رياسة أو مأكلة لا ليزدادوا لهم حبا وخيرا وفي مسند ~~الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~إن من شراء الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور ms163 مساجد ~~وما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يتحقه صلى الله عليه وسلم والأمر فوق ما ~~ذكره أضعافا مضاعفة لكن هذا يوجب إيماننا به وطاعتنا له واتباع سنته ~~والتأسي به والاقتداء ومحبتنا له وتعظيمنا له وموالاة أوليائه ومعاداة ~~أعدائه ومتابعة سنته فان هذا هو طريق النجاة والسعادة وهو سبيل الخلق ~~ووسيلتهم إلى الله تعالى ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره والشرك ~~بالله واتباع غير سبيل المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهم باحسان وهو ~~قد قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد وقال لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وقال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا ~~علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني وقال خير الكلام كلام الله وخير الهدي ~~هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة رواه مسلم وقال إنه من يعش ~~منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ~~تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة ~~رواه أهل السنن وقال الترمذي حديث حسن صحيح إلى غير ذلك من الأدلة التبي ~~تبين أن الحجاج إلى قبورهم من المخالفين للرسول صلى الله عليه وسلم ~~الخارجين عن شريعته وسنته لا من الموافقين له المطيعين له كما بسط في غير ~~هذا الموضع # ( فصل ) ثم قال المعترض وقد ذكر هذا القائل أن السفر إلى زيارة النبي ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم معصية يحرم فيه القصر فارتكب بذلك أمرا عظيما ~~وخالف فيه السادة العلماء وأئمة العصر فمقتضى ذلك أن يسوي بينه وبين السفر ~~لقتل النفوس والحامل له على PageV01P150 ذلك سوء معتقده وذهنه المعكوس فهو ~~كمن أضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فقلبه لا ~~يقبل الحق لما نازله من الظلمة والغشاوة # والجواب أن يقال # ما في هذا الكلام من السب والشتم هو علما يستحق الجواب عليه ويمكن ~~الإنسان أن يقابله بأضعاف ذلك ويكون صادقا لا يكون كاذبا مثله ويتبين أنه ~~من أجهل الناس وأسوئهم فهما ms164 وأقلهم علما وأنه إلى التفهيم والتعليم أحوج ~~منه إلى أن يقفو ما ليس له به علم ويقول على الله ما لا يعلم وقد قال تعالى ~~@QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ الآية وهؤلاء الذين ~~يستحبون الحج إلى القبور ودعاء أهلها من دون الله يشركون بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا ويقولون على الله مالا يعلمون ويجعلون ذلك من جنس حج بيت الله ~~ويقربونه به وهو لما ذكر الحج قال @QB@ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن ~~لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس ~~بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق @QE@ ولما ذكر تعظيم ~~حرماته وشعائره في الحج قال @QB@ ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ~~ربه @QE@ إلى قوله @QB@ ومما رزقناهم ينفقون @QE@ فهو قد ذكر التوحيد هاهنا ~~وأمر باجتناب الشرك واجتناب قول الزور فقرن بينهما ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم عدلت شهادة الزور الإشراك بالله وهؤلاء الضلال لهم نصيب من ~~الشرك بالله ونصيب من قول الزور @QB@ ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به ~~سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير @QE@ وهذا المعترض لم يفهم ~~ما قاله المجيب بل كذب عليه كذبا يعلم جميع الناس أنه كذب ولم يعرف ما قاله ~~العلماء لا مالك ولا غيره ونفس الذي أنكره على المجيب صرح به مالك تصريحا ~~لم يصرح مثله المجيب فان المجيب لم يذكر أن السفر إلى مسجده وزيارته على ~~الوجه المشروع معصية ولا ذكر أن ما يريده العلماء بالسفر إلى قبره وهو ~~السفر PageV01P151 الى مسجده معصية بل قد صرح بأنه سفر طاعة مستحب وكذلك ~~ذكر ما ذكره العلماء من استحباب زيارته والدعاء وما يتعلق بذلك وذكر لفظا ~~عاما فيمن سافر لمجرد قبور الانبياء والصالحين وحكى قولين معروفين عند أهل ~~العلم وهما قولان معروفان عند أصحاب الشافعي وأحم ومالك وأصحابه رضي الله ~~عنهم أظهر قولا بتحريم السفر إلى زيارة القبور وقد صرح ms165 مالك بأن قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم هو مما نهي عن شد الرحال اليه وأن من نذر ذلك لا يجوز ~~أن يوفي بنذره بل مذهبه المعروف عنه في عامة كتب أصحابه أولهم وآخرهم في ~~الكتب الصغار والكبار أن السفر إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم والى ~~بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين منهي عنه وإن نذره ناذر لم يكن له أن ~~يفعله لانه منهي عنه فلا يجوز عنده السفر إلى هاتين المدينتين إلا لأجل ~~الصلاة في المسجدين لا لأجل زيارة قبر ولا مسجد آخر ولا أثر من الآثار ولا ~~غير ذلك مما يقصد به فضل مكان معين وأما من سافر لتجارة أو طلب علم أو غير ~~ذلك فليس هذا من هذا الباب فان هذا ليس قصده متعلقا بعين المكان وأما السفر ~~إلى سائر الامصار لأجل مساجدها أو قبر فيها فلا يجوز عنده بحال ثم إن مذهبه ~~أن السفر المحرم لا تقصر فيه الصلاة وأما المجيب فلم يجزم بأن الصلاة لا ~~تقصر فيه كما ذكره هذا المفتري بل ذكر قول هؤلاء وقول هؤلاء ولم يرجح قول ~~من منع القصر ولكن ذكر حجة من نهى عن السفر إلى غير الثلاثة فلما ذكرها ~~تبين أنها الراجحة وأنه ليس مع أولئك ما يعارضها # وأما قوله إنه خالف في ذلك السادة العلماء وأئمة العصر فيقال هذا باطل ~~فانه لم يخالف في ذلك أحدا من علماء المسلمين وأئمة الدين المعروفين عند ~~المسلمين بانهم ائمة الدين وأما من تكلم بلا علم أو تكلم بالهوى والجهل ~~فهذا ليس من ائمة الدين ولا يذكر المسلمون قول مثل هذا في كتبهم على أن ~~يتبع ويقتدى به بل قال تعالى للخليل لما قال @QB@ إني جاعلك للناس إماما ~~قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين @QE@ فبين أن عهده بالإمامة لا ~~ينال ظالما فلا يكون الظالم إماما للمتقين PageV01P152 بل قال تعالى @QB@ ~~وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ ~~فالأئمة الذين يهدون بأمره وإبراهيم إمام الحنفاء والداعي إلى ms166 توحيد الله ~~وعبادته وحده والتبرؤ من عبادة ما سوى الله ومن العابدين لغيره وقد أخبر ~~الله أنه لا يرغب عن ملته إلا من كان سفيها جاهلا وقال تعالى @QB@ إن ~~إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين @QE@ والأمة هو القدوة ~~الذي يؤتم به وكان ابن مسعود يقول إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ~~فيقولون إن إبراهيم فيقول إن معاذا فيعلمون أنه لم يرد التلاوة وإنما أارد ~~أن يعرفهم أن معاذا كان إماما وكل من جعله الله إماما فانه يدعو إلى عبادة ~~الله وحده لا شريك له والنهي عن دعاء ما سواه لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة ~~ينهون عن دعاء الملائكة والأنبياء فضلا عمن سواهم وبهذا بعث الله جميع ~~الرسل وأنزل جميع الكتب وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا ~~سواه قال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال تعالى @QB@ ما كان ~~لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله @QE@ إلى قوله @QB@ مسلمون @QE@ والحج إلى قبورهم ودعاؤهم من دون ~~الله من الشرك بهم واتخاذهم أربابا قال الله تعالى @QB@ قل إنني هداني ربي ~~إلى صراط مستقيم دينا قيما @QE@ إلى قوله @QB@ وأنا أول المسلمين @QE@ فمن ~~أمر الناس أن يحجوا إلى قبر مخلوق أو يدعوه فقد أمرهم أن يجعلوا صلاتهم ~~ونسكهم لغير الله وهذا من الائمة الذين لا يدعون إلى النار لا من أئمة ~~الهدى والتقى فالقولان اللذان ذكرهما هما القولان المعروفان عن علماء ~~المسلمين وأئمة الدين وما عرف لهم قول ثالث فمن قال قولا ثالثا فحسبه أن ~~يحكى قوله ويبين خطؤه لا يجعل قوله مقدما على أقوال السلف الماضين وأئمة ~~الدين وعلماء المسلمين ولم يخالفهم أحد بحجة PageV01P153 في الدين ms167 ولا نقل ~~قوله عن أحد من أئمة المسلمين ولكن حججهم من جنس هذا وأمثاله وقد صنف من هو ~~أفضل منه مصنفا أكبر من مصنفه وحججهم كلها يشبه بعضها بعضا ليست من حجج ~~علماء المسلمين ولا ينقلونها ولا موجبها عن أحد من أئمة الدين بل هي من جنس ~~حجج النصارى والمشركين إما نقل عن الأنبياء هو كذب عليهم كالأحاديث التي ~~يحتجون بها في أنه رغب في زيارة قبره وكلها كذب كما يحتج النصارى وأهل ~~البدع بما يفعلونه من الكذب على الأنبياء وإما ألفاظ متشابهة يحرفون فيها ~~الكلم عن مواضعه ويضعونها على غير مواضعها ويدعون المحكم المنصوص كما تفعل ~~النصارى وأهل البدع يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ويدعون ~~المحكم المبين الذي هو أم الكتاب وإما احتجاج النصارى وأمثالهم وأهل الضلال ~~المخالفين للأنبياء وأئمة الهدى كما قال تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل @QE@ فلا نقل مصدق ولا بحث محقق بل هذيان مزوق يروج ~~على هذا وأمثاله من الجهال الذين لا يعرفون دين المسلمين في هذه المسألة ~~وأمثالها ولا يفرقون بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان ولا بين الأنبياء ~~والمرسلين أهل التوحيد والإيمان وبين أهل البدع المضاهين لعباد الصلبان # وأما قوله فمقتضى ذلك أن يسوى بينه وبين السفر لقتل النفوس الخ فعنه ~~أجوبة أحدها أ هذا يلزم مثله فيمن سافر إلى المساجد للصلاة كمن سافر من مصر ~~إلى الشام ليصلي في جامع دمشق أو سافر من الشام ليصلي في جامع مصر فهذا ~~السفر منهي عنه أو غير مستحب عند الأئمة وهو سفر معصية عند مالك وجمهور ~~أصحابه والأكثرين لا تقصر فيه الصلاة بمقتضى هذا الحديث فقد سوى بينه وبين ~~السفر لقتل النفوس الثاني أن المحرمات إذا اشتركت في جنس التحريم كان الشرك ~~محرما والنظرة محرمة ولم يلزم من PageV01P154 ذلك أن يسوى الكفر بالمعاصي ~~ولا الكبائر بالصغائر الثالث أن يقال بل قد يكون الحج إلى القبور ms168 أعظم من ~~قتل النفوس وقد يكون شركا ينقل عن الملة فان كثيرا من هؤلاء يعتقد أن السفر ~~إلى قبر الشيخ أو الإمام أو النبي أفضل من الحج ويسمونه الحج الأكبر وينادي ~~مناديهم من أراد الحج الأاكبر أي السفر لزيارة بعض القبور المنسوبة إلى بعض ~~أهل البيت ومنهم من يقول له صاحبه تبيعني زيارتك للشيخ بكذا وكذا حجة فلا ~~يفعل ويصنف علماؤهم كتبا في مناسك حج المشاهد كما صنف المفيد بن النعمان ~~ومن الناس من يحج إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع من هناك لا يحج ~~إلى البيت العتيق ويقول هذا هو المقصود ومنهم من يحلف فيقول وحق النبي الذي ~~تحج المطايا اليه ومنهم من يصلي إلى قبر شيخه ويستقبله في الصلاة ويقول هذه ~~قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة وأنا أعرف من فعل هذا وهذا وهذا وهم قوم ~~لهم عبادة وزهد ودين لكن فيهم جهل وضلال كما أن رهبان النصارى وغيرهم من ~~أزهد الناس وأعظمهم اجتهادا في العبادة لكن بجهل وضلال والله تعالى أمرنا ~~أن نقول في صلاتنا @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن ~~عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اليهود مغضوب عليهم ~~والنصارى ضالون قال الترمذي حديث حسن وهكذا قال السلف قال ابن أبي حاتم في ~~تفسيره لا أعلم خلافا في هذا الحرف بين المفسرين # ومعلوم أن من اعتقد أن السفر إلى قبر شيخ أو إمام أو نبي أفضل من الحج ~~فهو كافر ولو قتل نفسا مع اعتقاده أن ذلك محرم وأنه مذنب لكان ذنبه أخف من ~~ذنب من جعل الحج إلى الأوثان افضل من الحج إلى بيت الرحمن وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد دليل على أن القبور قد تجعل ~~أوثانا وهو صلى الله عليه وسلم خاف من ذلك فدعا الله أن لا يفعله بقبره ~~واستجاب الله دعاءه رغم أنف المشركين الضالني ms169 الذين يشبهون قبر غيره بقبره ~~ويريدون أن يجعلوه وثنا يحج اليه ويدعى من دون الله والله قد أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا فلا PageV01P155 ~~يقدر أحد من البشر أن يصل إلا إلى مسجده الذي هو بيت الله تعالى الذي بني ~~لعبادة الله وحده لا يصل إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم البتة ولو كان ~~قصده بيت المخلوق دون بيت الخالق فالله تعالى لا يوصله إلا إلى بيت الخالق ~~رحمه من الله بهذه الأمة وإجابة لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم تسليما فاذا ~~فعل في بيت الله من الشرك والبدع ما لا يجوز فهذا يختص به كما كان المشركون ~~يشركون عند البيت ليس هذا الضلال متعلقا بقبره ولا يمكن أن يفعل في نفس قبر ~~الرسول وبيته ما يمكن أهل الشرك والضلال أن يفعلوه عند القبور والحمد لله ~~رب العالمين ولكن عند قبر غيره قد يفعلون ما هو من جنس فعل النصارى بل حتى ~~قد يفضل هذا الشرك على التوحيد فما كفاهم جعل الشرك كالتوحيد بل جعلوا ~~الشرك أفضل من التوحيد وقد قال سفيان الثوري البدعة أحب إلى إبليس من ~~المعصية لأن المعصية قد يتاب منها والبدعة لا يتاب منها وقد كان على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجل يشرب الخمر يقال له عبد الله حمار فلعنه رجل ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله رواه ~~البخاري ولما أتى ذو الخويصرة وهو رجل ناتئ الجبين غائر العينين كث اللحية ~~وقال يا محمد اعدل فانك لم تعدل فأراد بعض الصحابة قتله فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعه فانه يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ~~وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ~~يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وهذا الحديث في الصحيحين ~~وغيرهما فهذا العابد الظاهر العبادة هو ومن اتبعه لما خالفوا سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms170 واستحلوا دماء من لم يوافقهم على بدعتهم أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقتالهم وذاك الشارب الخمر لما كان محبا للرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولسنته نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنته وقال لاتلعنه فانه ~~يحب الله ورسوله # ( فصل ) قال واعلم أن الزيارة لا يتصور أن تكون منفكة عن الحركة من مكان ~~إلى مكان ولو حصل ذلك بطي الأرض أو الطيران فان حصولها بغير ذلك أمر ~~PageV01P156 لا تقبله الأذهان واعتقاده ضرب من الهذيان لان الزائر لا يطلق ~~عليه زائر إلا بعد حركته وانتقاله وخروجه عن محله وارتحاله وكيف تكون ~~الرحلة إلى القربة معصية محرمة والقصد المطلوب طاعة معظمة فالسفر إلى القبر ~~من باب الوسائل إلى الطاعات كنقل الخطأ إلى المساجد والجماعات فلو علم هذا ~~القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل وما اشتمل عليه قوله من المناقضة ~~والخلل لما أبدى لهم عواره ولستر عنهم شناره يقال هذا المعترض كثير الألفاظ ~~والأسجاع قليل الفائدة التي يحصل بها الانتفاع أسجاع كأسجاع الكهان ليس ~~فيها برهان ولا بيان لا استدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع ~~ولا نقل لقول أئمة الدين أهل الإجماع والنزاع بل يطول الكلام فيما يفهما ~~الأغتام ويجعل عدته انتهاك أعراض أئمة الإسلام والطعن على شريعة خير الأنام ~~بقلة علم وسوء فهم وإعراض عن التفقه والتعلم والتفهم والإعلام وهذه المسألة ~~المتنازع فيها وفيما يناسبها عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة ~~محكمة وفيها لأئمة الدين اقوال صريحة مفهمة لم يذكر شيئا من ذلك بل عمدته ~~اتباع ما تشابه من القول يبتغي الفتنة ويبتغي تأويله وليس من الراسخين في ~~العلم الذين يعرفون تأويله الذي هو تفسيره ومعناه وإن كان له تأويل آخر ~~استأثر به الله وكلا القولين في الوقف والابتداء منقولان عن السلف الاتقياء ~~وكل من القولين قاله طائفة من السلف العلماء وأهل الضلال كالنصارى وأهل ~~البدع كالخوارج والرافضة والجهمية والقدرية يتبعون ما تشابه عليهم معناه ~~ويدعون المحكم المنصوص الذي بينه الله ويقولون لمن اتبع المسيح وآمن بما ms171 ~~قاله من أنه عبد الله ورسوله كما صرح به في غير موضع من إنجيله إنه قد شتم ~~المسيح وتنقصه وعابه وعاداه وهم قد شتموا الله وأشركوا به وكذبوا المسيح ~~وعصوه فكفروا بالله ورسوله وهكذا الغلاة في على يقولون لمن اتبع عليا فيما ~~أخبر به عن نفسه واتبع الرسول فيما قال عن علي وغيره إنه شتم عليا وآذاه ~~وهم الذين كذبوا عليا وخالفوه بل خالفوا الرسول الذي به آمن علي وعمدتهم ~~التمسك بأحاديث بعضها ضعيف أو مكذوب وبعضها متشابه لا يدل على المطلوب ~~كالنصارى تارة ينقلون عن المسيح وغيره من PageV01P157 الأنبياء اقوالا ~~باطلة وتارة يتمسكون بألفاظ متشابهة لا تدل على ما ابتدعوه وهكذا أهل البدع ~~الذين يدعون أهل القبور ويحجون اليها ويجعلون أصحابها أندادا لله حتى يقول ~~بعضهم إن الحج اليها أفضل من الحج إلى بيت الله وأهل البدع في القبور أنواع ~~متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع لكن عمدتهم إما أحاديث مكذوبة وإما الفاظ ~~مجملة متشابهة كلفظ زيارة القبور ونحوه مما يراد به أنواع من الأمور وحصل ~~فيها اشتباه ونزاع بين العلماء والجمهر ويدعون الصحيح المنصوص المحكم ~~الثابت من الأحاديث عن خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه التي ليس في ~~سندها ولا فيما يستدل به من معناها نزاع بين العلماء كما في الصحيحين عن ~~أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ولفظ أبي ~~سعيد الذي في صحيح مسلم وغيره لا تشدوا الرحال بصيغة النهي وهو أيضا مروي ~~عنه من وجوه أخر كما رواه مالك وأهل السنن والمسانيد عن بصرة بن أبي بصرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه أنه قال لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة ~~مساجد فان هذا الحديث قد اتفق علماء المسلمين على صحة غسناده واتفقوا على ~~وجوب العمل بمعنا واتفقوا على تناوله لمحل النزاع وهو السفر إلى القبور ثم ~~تنازعوا أهل مراده النهي أو مراده نفي الاستحباب ms172 والفضيلة وما اتفقوا عليه ~~كاف في الاحتجاج في مسألة النزاع # وأما السلف من الصحابة والتابعين والأئمة فلم يعرف بينهم نزاع أنه نهى عن ~~السفر إلى غير الثلاثة والحديث قد جاء في الصحيح قد جاء في الصحيح بصيغة ~~النهي الصريح فقال لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد وأبو سعيد سمعه من ~~النبي صلى الله عليه وسلم هكذا في الصحيح أنه سمعه منه لم يسمعه من غيره ~~بخلاف رواية أبي هريرة فإنها مطلقة وأبو هريرة كان يروي الحديث ثم يقول ~~حدثني فلان كما في حديث صوم الجنب فقال حدثنيه الفضل ابن عباس ومثل ما في ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مرضه الذي لم يقم منه لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ~~قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا PageV01P158 ~~وفي الصحيحين أيضا عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا لما نزل برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فاذا اغتم بها كشفها ~~فقال وهو كذلك لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ~~ما صنعوا فاذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد يحذر أمته أن يفعلوا ~~ذلك مع أن المساجد إنما تكون لعبادة الله لكن إذا اتخذت [ القبور ] مساجد ~~للعبادة صار ذلك ذريعة إلى قصد القبر ودعاء صاحبه واتخاذه وثنا فاذا كان قد ~~لعن من يفعل الوسيلة إلى الشرك فكيف بمن أتى بالشرك الصريح وإذا كان هذا ~~حال من دعا أهل القبور من غير حج إليهم فكيف بمن حج إليهم أو جعل الحج ~~اليهم أفضل من الحج إلى بيت الله بل الحج إلى آثارهم مثل مكان نزلوا به ~~ويلبي ويحرم إذا حج إلى آثارهم كما كان بعض الشيوخ بمصر يحرم إذا حج إلى ~~مسجد يوسف وكما حج مرة إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم رجع ولم يحج ~~إلى مكة وقال حصل المقصود بهذا وهو ms173 صلى الله عليه وسلم في مرضه يكرر تحذير ~~أمته فينهاهم علانية في المسجد ثم لعن من يفعل ذلك وهو منزول به في السياق ~~حرصا على هذه الأمة وتحذيرا لأمته من مظان الشرك وأسبابه إذ كان جماع الدين ~~هو عبادة الله وحده وأعظم الذنوب الشرك والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد ~~بالدعاء إليه والترغيب فيه وبيان سعادة أهله وتعظيم الشرك بالنهي عنه ~~والتحذير منه وبيان شقاوة أهله ففي صحيح مسلم عن جندب ابن عبد الله قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى ~~الله أن يكون لي منكم خليل فان الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم ~~خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فاني أنهاكم عن ذلك فهذا نهيه قبل أن يموت بخمس ولعنه في مرضه من ~~يفعل ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد PageV01P159 وفي الصحيحين عن ~~عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة ~~ذكرتا من حسنها وتصاوير فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن هؤلاء كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا ~~على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم ~~القيامة ذمهم على هذا وهذا ولهذا نهى أمته عن هذا وهذا وفي صحيح مسلم عن ~~أبي الهياج الأسدي قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ألا أبعثك على ما ~~بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ~~ولا قبرا مشرفا إلا سويته فأمره بطمس التماثيل وتسوية القبور العالية ~~المشرفة إذ كان الضالون أهل الكتاب اشركوا بهذا وبهذا بتماثيل الأنبياء ~~والصالحين وبقبورهم وفي المسند وصحيح أبي حاتم ms174 عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين ~~يتخذون القبور مساجد وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها وبسط هذا له موضع ~~آخر لكن نبهنا هنا على مثل هذا لأن هذا المعترض لم يأت في كلامه بعلم ولا ~~حجة ولا دليل بل حجته من جنس ما ذكره هنا أن الزيارة لا بد فيها من الحركة ~~والانتقال وهذا معلوم لكل أحد فقوله والزيارة نفسها قربة والوسيلة إلى ~~القربة قربة هذا مضمون كلامه ونسب المجيب إلى التناقض حيث أباح الزيارة ~~ومنع من الوسيلة إليها وهو السفر ولهذا قال فلو علم هذا القائل ما في كلامه ~~من الخطأ والزلل وما اشتمل عليه كلامه من المناقضة والخلل لما أبدى لهم ~~عواره ولستر عنهم شناره # وجواب هذا من وجوه أحدها أن يقال أنت المتناقض فيما حكيته عنه فانك في ~~أول كلامك قلت إنه ظهر لك من صريح كلامه وفحواه مقصده السيء ومغزاه وهو ~~تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر اليها ودعوى أن ذلك معصية ~~محرمة مجمع PageV01P160 عليها وقد علم كل من وقف على الجواب أنه لم يحرم ~~الزيارة مطلقا ولا حكى ذلك عن أحد فضلا عن أن يحكيه إجماعا لكن هذا قول ~~طائفة من السلف حرموا زيارة القبور مطلقا كما نقل عن الشعبي والنخعي وابن ~~سيرين لكن المجيب لم يذكر هذا القول فانه قول مرجوح ولو قدر أنه حكاه لم ~~يحك الإجماع على التحريم فإن بطلان هذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم إذ ~~كانت كتب العلماء مشحونة بذكر جواز زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك ثم ~~هنا جعلت المجيب يجوز الزيارة وينهى عن الوسيلة إليها وهو السفر فجعلته ~~متناقضا وكذلك قلت بعدها لأنه نقل الجواز عن الائمة المرجوع إليهم في علوم ~~الدين والفتوى المشتهرين بالزهادة والتقوى الذين لا يعتد بخلاف من سواهم ~~ولا يرجع في ذلك ms175 لمن عداهم ونقل عدم الجواز عن هؤلاء وهو جواز السفر ~~للزيارة فكيف يحكى عنه أنه جعل كل زيارة القبور معصية محرمة مجمعا عليها ~~هذا هو التناقض ثم نسبته إلى التناقض وأنت المتناقض فقلت ثم قال في آخر ~~كلامه إن ما ادعاه مجمع على أنه حرام وهذه مناقضة لما تقدم منه في الكلام ~~فليت شعري حين قال هذا أكان به جنة أم أدركته من الله محنة فيقال لك ~~المستحق للطعن في عقله ودينه من جعل المستقيم أعوج وزاغ عن سواء المنهج ~~وتناقض فيما يقول وجعل غيره هو المتناقض كما قيل في المثل السائر رمتني ~~بدائها وانسلت ولكن أهل البدع المخالفين لما جاءت به الرسل يضاهئون أعداء ~~الرسل الذين نسبوهم إلى الجنون قال تعالى @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم ~~من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون @QE@ وقال تعالى عن قوم نوح @QB@ وقالوا ~~مجنون وازدجر @QE@ وقال فرعون @QB@ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون @QE@ # فيقال لفظ الجواب أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل ~~يجوز له قصر الصلاة على قولين معروفين وقوله من سافر لمجرد زيارة قبور ~~الأنبياء PageV01P161 احترازا عن السفر المشروع كالسفر إلى زيارة قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا سافر السفر المشروع فسافر إلى مسجده وصلى فيه وصلى ~~عليه وسلم ودعا وأثنى كما يحبه الله ورسوله فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق ~~المسلمين وليس فيه نزاع فان هذا لم يسافر لمجرد زيارة القبور بل الصلاة في ~~المسجد فإن المسلمين متفقون على أن السفر الذي يسمى زيارة لا بد فيه من أن ~~يقصد المسجد ويصلى فيه لقوله صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا خير من ~~ألف صلاة فيما سواه ولقوله لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا والسؤال والجواب لم يكن المقصود فيه خصوص ~~السفر إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذا السفر على هذا الوجه ~~مشروع متحب باتفاق ms176 المسلمين ولم يقل أحد من المسلمين إن السفر إلى زيارة ~~قبره محرم مطلقا بل من سافر إلى مسجده وصلى فيه وفعل ما يؤمر به من حقوق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان هذا مستحبا مشروعا باتفاق المسلمين لم يكن ~~هذا مكروها عند أحد منهم لكن السلف لم يكونوا يسمون هذا زيارة لقبره وقد ~~كره من كره من ائمة العلماء أن يقال زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وآخرون يسمون هذا زيارة لقبره صلى الله عليه وسلم لكنهم يعلمون ويقولون إنه ~~إنما يصل إلى مسجده وعلى اصطلاح هؤلاء من سافر إلى مسجده وصلى فيه وزار ~~قبره صلى الله عليه وسلم الزيارة الشرعية لم يكن هذا محرما عند أحد من ~~المسلمين بخلاف السفر إلى زيارة قبر غيره من الأنبياء والصالحين فإنه ليس ~~عنده مسجد يسافر إليه فالسؤال والجواب كان من جنس السفر إلى زيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين كما يفعل أهل البدع ويجعلون ذلك حجا أو افضل من الحج أو ~~قريبا من الحج حتى يروي بعضهم حديثا ذكره بعض المصنفين في زماننا في فضل من ~~زار الخليل قال فيه وقال وهب بن منبه إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس ~~وبين الحج فمن لم يحج ولحق ذلك ولحق بقبر إبراهيم فان زيارته تعدل حجة وهذا ~~كذب على وهب بن منبه كما أن قوله من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له ~~على الله الجنة كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر بعض أهل ~~العلم أن هذا الحديث إنما افتراه الكاذبون لما فتح بيت المقدس واستنقذ من ~~أيدي النصارى على يد PageV01P162 صلاح الدين سنة بضع وثمانين وخمسمائة فان ~~النصارى نقبوا قبر الخليل وصار الناس يتمكنون من الدخول إلى الحظيرة وأما ~~على عهد الصحابة والتابعين وهب بن منبه وغيره فلم يكن هذا ممكنا ولا عرف عن ~~أحد من الصحابة والتابعين أنه سافر إلى قبر الخليل عليه السلام بل ولا قبر ~~غيره من الأنبياء ولا من أهل البيت ولا من المشايخ ms177 ولا غيرهم ووهب بن منبه ~~كان باليمن لم يكن بالشام ولكن كان من المحدثين عن بني إسرائيل والأنبياء ~~المتقدمين مثل كعب الأحبار ومحمد بن إسحاق ونحوهما وقد ذكر العلماء ما ذكره ~~وهب في قصة الخليل وليس فيه شيء من هذا ولكن أهل الضلال افتروا آثارا ~~مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه والتابعين توافق بدعهم ~~وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من الأكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكره ~~وغرض أولئك الحج إلى قبر علي أو الحسين رضي الله عنهما أو إلى قبور الأئمة ~~كموسى والجواد وموسى بن جعفر وغيرهم من الائمة الأحد عش فان الثاني عشر دخل ~~السرداب وهو عندهم حي إلى الآن ينتظر ليس له غرض في الحج إلى قبر الخليل ~~وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا فلكل قوم هدى يخالف ~~هدي الآخرين قال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها @QE@ إلى قوله @QB@ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب ~~بما لديهم فرحون @QE@ وهؤلاء تارة يجعلون الحج إلى قبورهم أفضل من الحج ~~وتارة نظير الحج وتارة بدلا عن الحج فالجواب كان عن مثل هؤلاء ولكن ذكر قبر ~~نبينا صلى الله عليه وسلم لشمول الأدلة الشرعية فانه إذا احتج بقوله صلى ~~الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد كان مقتضى هذا أنه لا ~~يسافر إلا إلى المسجد لا إلى مجرد القبر كما قال مالك رضي الله عنه للسائل ~~الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن كان أراد ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل فيه وإن كان أراد القبر فلا ~~يفعل للحديث الذي جاء لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد وهذا كما لو نهى ~~الناس أن يحلفوا بالمخلوقات وذكر لهم قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان ~~حالفا PageV01P163 فليحلف بالله أو ليصمت وقوله صلى الله عليه وسلم لا ~~تحلفوا إلا بالله ونحو ذلك وقيل إنه لا ms178 يجوز الحلف بالملائكة ولا الكعبة ~~ولا الأنبياء ولا غيرهم فاذا قيل ولا بالنبي صلى الله عليه وسلم لزم طرد ~~الدليل فقيل ولا يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قال جمهور العلماء وهو ~~مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ومن الناس من ~~يستثني نبينا كما استثناه طائفة من الخلف فجوزوا الحلف به وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وخصوه ~~بذلك وبعضهم طرد ذلك في الأنبياء وهو قول ابن عقيل في كتابه المفردات لكن ~~قول الجمهور أصح لأن النهي هو عن الحلف بالمخلوقات كائنا من كان كما وقع ~~النهي عن عبادة المخلوق وعن تقواه وخشيته والتوكل عليه وجعله ندا لله وهذا ~~متناول لكل مخلوق نبينا وسائر الأنبياء والملائكة وغيرهم فكذلك الحلف بهم ~~والنذر لهم أعظم من الحلف بهم والحج إلى قبورهم أعظم من الحلف بهم والنذر ~~لهم وكذلك السفر إلى زيارة القبور وقصر الصلاة فيه ولأصحاب أحمد فيه أربعة ~~اقوال قيل يقصر الصلاة مطلقا في كل سفر لزيارة القبور وقيل لا يقصر مطلقا ~~في شيء من ذلك وقيل يقصر في السفر لزيارة قبر نبينا خاصة وقيل بل لزيارة ~~قبره صلى الله عليه وسلم وقبور سائر الأنبياء فالذين استثنوا نبينا قد ~~يعللون ذلك بأن السفر هو إلى مسجده وذلك مشروع مستحب بالاتفاق فتقصر فيه ~~الصلاة بخلاف السفر إلى قبر غيره فانه سفر لمجرد القبر وقد يستثنونه من ~~العموم كما استثناه منهم في الحلف ثم ظن بعضهم أن العلة هي النبوة فطرد ذلك ~~في الأنبياء والصواب أن السفر إلى قبره إنما يستثنى لأنه سفر إلى مسجده صلى ~~الله عليه وسلم # ثم إن الناس أقسام منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده ثم إذا صار في ~~مسجده فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع فهذا سفر مجمع ~~على استحبابه وقصر الصلاة فيه ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر ولا يقصد ~~الصلاة في المسجد أو لا يصلي فيه فهذا لا ms179 ريب أنه ليس بمشروع ومنهم من يقصد ~~هذا وهذا فهذا لم يذكر في الجواب إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد ~~زيارة قبور الأنبياء PageV01P164 والصالحين ومن الناس من لا يقصد إلا القبر ~~لكن إذا أتى المسجد صلى فيه فهذا أيضا يثاب على ما فعله من المشروع كالصلاة ~~في المسجد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه ونحو ذلك من ~~الدعاء والثناء عليه ومحبته وموالاته والشهادة له بالرسالة والبلاغ وسؤال ~~الله الوسيلة له ونحو ذلك مما هو من حقوقه المشروعة في مسجده بأبي هو وأمي ~~صلى الله عليه وسلم ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من الزيارة ~~حتى يرى المسجد والحجرة بل يسمع لفظ زيارة قبره فيظن ذلك كما هو المعروف ~~المعهود من زيارة القبور أنه يصل إلى القبر ويجلس عنده ويفعل ما يفعله من ~~زيارة شرعية أو بدعية فإذا رأى المسجد والحجرة تبين له أنه لا سبيل لأحد أن ~~يزور قبره كالزيارة المعهودة عند قبر غيره وإنما يمكن الوصول إلى مسجده ~~والصلاة فيه وفعل ما يشرع للزائر في المسجد لا في الحجرة عند القبر بخلاق ~~قبر غيره فاذا عرف معنى أول الجواب فالمجيب لما ذكر القولين وحجة كل منهما ~~وذكر أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال على نفي الاستحباب وأن ~~أصحاب القول الآخر يجيبون عنه بوجهين أحدهما أن هذا تسليم لكون هذا السفر ~~ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات فإذا من اعتقد أن السفر ~~لقبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر ~~لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرما بإجماع المسلمين فصار التحريم من جهة ~~اتخاذه قربة ومعلوم أن أحدا لا يسافر اليها إلا لذلك وأما اذا قدر أن الرجل ~~يسافر اليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من ذاك الوجه الثاني أن النفي يقتضي ~~النهي والنهي يقتضي التحريم فهذا الإجماع هنا هو فيمن اعتقد أن ذلك طاعة ~~وقربة وسافر لاعتقاده أن ms180 ذلك طاعة فان الذين قالوا بالجواز قالوا إن قوله ~~صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال الخ يقتضي أن السفر اليها ليس بمستحب ~~وليس هو واجب بالاتفاق فلا يكون قربة وطاعة فإن القربة والطاعة إما واجب ~~وإما مستحب وما ليس بواجب ولا مستحب فليس قربة PageV01P165 ولا طاعة ~~بالإجماع فمن اعتقد أن ذلك قربة وطاعة أو قال إنه قربة وطاعة أو فعله لأنه ~~قربة وطاعة فقد خالف هذا الإجماع ولكن من علم أن الفعل ليس بطاعة ولا قربة ~~امتنع أن يعتقده قربة وطاعة فان ذلك جمع بين اعتقادين متناقضين وامتنع من ~~أن يفعله لذلك وإنما يعتقده قربة ويفعله على وجه التقرب من لا يعلم أنه ليس ~~بقربة ويكون مخطئا في هذا الإعتقاد وان كان خطؤه مغفورا له وهذا لا يعاقب ~~على هذا الفعل لأنه لم يعلم تحريمه كسائر المتقربين بما ينهى عنه قبل العلم ~~بالنهي كمن كان يصلي إلى بيت المقدس قبل العلم بالنهي وكمن صلى في أوقات ~~النهي ولم يعلم بالنهي فان الله عز وجل يقول @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا @QE@ لكن الأفعال التي ليست واجبة ولا مستحبة لا ثواب فيها فهؤلاء لا ~~يثابون ولا يعاقبون وهذا الإجماع المذكور فيمن سافر لمجرد زيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين لم يدخل فيه السفر لزيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ~~على الوجه المشروع فان هذا السفر مستحب بإجماع المسلمين فمن ظن أن هذا ~~يقتضي أنه لا يستحب سفر أحد إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مسجده ~~ولا قبره فقد غلط فان هذا لم يقله أحد والقولان حكيا في جواز القصر لمن ~~سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فانهما قولان معروفان في مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد ومالك وجمهور أصحابه يقولون إن السفر لغير المساجد ~~الثلاثة قبور الأنبياء وغيرها محرم حتى قبر نبينا كما صرح به مالك نهى ~~الناذر عن الوفاء به وابن عبد الب ومن وافقه جعلوا ذلك جائزا لا يجب بالنذر ~~لكن لو فعله جاز واستدلوا بإتيان مسجد قباء وكذلك ms181 طائفة من أصحاب أحمد كأبي ~~محمد المقدسي وطائفة من اصحاب الشافعي كأبي المعالي والغزالي والرافعي ~~حملوا هذا الحديث على نفي الاستحباب والفضيلة وكذلك أبو حامد الاسفراييني ~~وأبو علي بن أبي هريرة ومن اتبعهما قال أبو المعالي كان شيخي يعني أبا محمد ~~الجويني يفتي بابمنع من شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة وربما كان ~~يقول يحرم قال والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة وبه قال الشيخ أبو علي ~~ومقصود الحديث تخصيص القربة بالمساجد الثلاثة وقال الشيخ أبو حامد في توجيه ~~أحد قولي الشافعي PageV01P166 إنه لا يجب بالنذر قال يحتمل أن يريد به لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبا ويحتمل أن يريد به لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مواضع مستحبا فيحمل الحديث على نفي الوجوب مع النذر أو نفي ~~الاستحباب وأما القدماء أصحاب أحمد فقولهم كقول مالك وعليه يدل كلام أحمد ~~وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من اصحاب الشافعي وأبو محمد الجويني من أصحاب ~~الوجوه والوجهان في مذهب الشافعي ذكرهما أبو المعالي والرافعي وغيرهما كما ~~ذكر القولين أبو زكريا النووي في شرح مسلم فقال واختلف العلماء في شد ~~الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى ~~المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام ~~وهو الذي اشار القاضي عياض إلى اختياره قال والصحيح عند أصحابنا وهو الذي ~~اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره قلت والقاضي عياض مع ~~مالك وجمهور أصحابه يقولون إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرم كقبور ~~الأنبياء فقال القاضي عياض إن زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها ~~أراد به الزيارة الشرعية كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم ~~يصلي عليه ويسلم عليه كما ذكروه في كتبهم وقد قال القاضي عياض في هذا الفصل ~~فصل الزيارة قال بعضهم رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على ms182 النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم انصرف قال وقال مالك في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ودعا يقف بوجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس ~~القبر بيده وقال في المبسوط لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدعو ولكن يسلم ويمضي فهذا مالك يم يستحب إلا السلام خاصة كما كان ابن ~~عمر يفعل قال نافع رأيت ابن عمر يسلم على القبر رأيته مائة مرة وأكثر يجيء ~~إلى القبر فيقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام ~~عليك يا ابت ثم ينصرف قال مالك في رواية ابن وهب يقول السلام عليك ايها ~~النبي ورحمة الله وبركاته قال القاضي عياض وعن ابن قسيط والقعنبي كان اصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا المسجد مسوا رمانة المنبر التي تلي ~~القبر بميامينهم ثم استقبلوا القبلة يدعون فهذا PageV01P167 المنقول عن ~~الصحابة أنهم كانوا يدعون في الروضة من ناحية المنبر لا من ناحية الحجرة ~~ويمسكون بميامينهم رمانة المنبر وقد ذكرنا في مواضع اختلاف العلماء عند ~~السلام عليه هل يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة كما قال مالك أو يستقبل ~~القبلة كما قال أبو حنيفة وفي مذهب أحمد نزاع والمشهور عند أصحابه كما قال ~~مالك وفي منسك المروذي الذي نقله عن أحمد أنه قال في السلام على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا تستقبل الحائط وخذ مما يلي صحن المسجد فسلم على أبي بكر ~~وعمر وقال فإذا أردت الخروج فأئت المسجد وصل ركعتين وودع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمثل سلامك الأول وسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ~~وحول وجهك إلى القبلة وسل الله حاجتك متوسلا اليه بنبيه صلى الله عليه وسلم ~~تقض من الله عز وجل فقد نهاه عن استقبال حائط القبر وأمره إذا سلم على ~~الشيخين أن يأخذ مما يلي صحن المسجد وهذا يقتضي أن يسلم عليهم مستقبل ~~الحجرة بحيث يكون مستقبلا للمغرب مستدبرا للمشرق ms183 والقبلة عن يمينه ويسلم ~~عليه عند رأسه فإذا أراد السلام على الشيخين أخذ مما يلي صحن المسجد لا ~~يستقبل حائط المسجد من جهة القبلة هو الذي يفهم من سلام ابن عمر فانه كان ~~يسلم قبل أن يدخل الحجرة في المسجد ولم يكن حينئذ يمكن أحدا أن يستقبل ~~الحجرة ويستدبر القبلة فان قبلي الحجرة لم يكن من المسجد ولا كان منفصلا ~~طريقا بل كان متصلا بحجرة حفصة وغيرها فعلم أن ابن عمر وغيره من الصحابة لم ~~يكن يمكنهم السلام من جهة القبلة جهة الوجه بل كانوا يكونوا اما مستقبلا [ ~~أحدهم ] للقبلة والحجرة النبوية عن يساره كما قال أبو حنيفة أو يستقبل ~~الحجرة ويستدبر المغرب كما قال أحمد وهذا يوافق سلام ابن عمر وغيره من ~~الصحابة فانهم لم يكونوا يسلمون عند وجهه وما ذكره القاضي عياض عن أنس بن ~~مالك لا يدل على هذا القول بل يدل على قول أبي حنيفة فانه ذكر عن بعضهم قال ~~رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع PageV01P168 ~~يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~انصرف فقول الراوي إنه رفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة دليل على أنه ~~كان مستقبل القبلة فإن المصلي لا بد أن يستقبلها ولو كان يستقبل الحائط من ~~ناحية القبلة أو من الغرب لم يظن أنه يصلي فإن أحدا لا يصلي إلى الشمال أو ~~إلى الشرق لكن روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في المصنف الي له في فضل الصلاة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم قال حدثني إسحاق بن محمد الفروي حدثنا عبيد ~~الله بن عمر حدثنا نافع أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلى السجدتين في ~~المسجد ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فيضع يده اليمنى على قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويستدبر القبلة ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~يسلم على أبي بكر وعمر فهذه الرواية فيها نظر فإن فيها ms184 خلاف ما قد جاء عن ~~مالك وأحمد من فعل ابن عمر أنه كان يدنو إلى القبر ولا يمسه وحديث ابن عمر ~~هذا رواه مالك عن نافع وعن عبد الله بن دينار ورواه عن نافع أيوب السختياني ~~وغيره وعن أيوب حماد بن زيد ومعمر وقد ذكر ذلك مالك وغيره أنه لا يمس القبر ~~وكذلك كان سائر علماء المدينة وكذلك قال أحمد إن ابن عمر فعل ذلك قال أبو ~~بكر الأثرم قلت لأحمد بن حنبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح به ~~فقال ما أعرف هذا قلت له فالمنبر قال أما المنبر فنعم قد جاء فيه قال أبو ~~عبد الله شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه كان ~~يتمسح على المنبر وقال ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة قلت ويروونه ~~عن يحيى بن سعيد أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا ~~فرأيته استحسنه ثم قال لعله عند الضرورة والشيء قيل لأبي عبد الله إنهم ~~يلصقون بطونهم بجدار القبر وقلت له أرأيت أهل العلم من أهل المدينة لا ~~يرونه ويقومون ناحية فيسلمون عليه فقال أبو عبد الله نعم وهكذا كان ابن عمر ~~يفعل ثم قال أبو عبد الله بأبي وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ~~وقد يقال هذه الرواية لا تخالف ما عليه الائمة من أنه لا يتمسح بالقبر فإن ~~ابن عمر لم يكن يتمسح بالقبر بل كان يريد أن يسلم من جهة الوجه فلا يمكنه ~~أن يستقبل الوجه فكان PageV01P169 يحاذي ما يكون مستقبل الوجه ليكون أقرب ~~إلى الاستقبال ويضع يده على الحائط ليعتمد عليها ويكون أبلغ في القرب إلى ~~القبر لكن هذه الرواية تخالف ما قيل إنه كان يقف ناحية إلا أن يقال كان ~~يتقدم إلى القبر فيكون ناحية بهذا الاعتبار وبسط هذا له موضع آخر والصواب ~~أن هذه الزيادة انفرد بها إسحاق بن محمد الفروي عن عبيد الله عن عبد الله ~~بن عمر غلط فيها ms185 وخالف فيها من هو أوثق منه عن ابن عمر فان أيوبا رواه عن ~~عبد الله بن عمر خلاف ما رواه إسحاق مع أن رواية أيوب عن نافع رواها حماد ~~بن زيد ومعمر وغيرهما ورواية مالك عن نافع مشهورة وكذلك روايته عن عبد الله ~~بن دينار عن ابن عمر ليس في شيء منها ما ذكره إسحاق بن محمد الفروي ولا ~~يقال إنه ثقة انفرد بزيادة لوجهين أحدهما أنه خالف من هو أوثق منه كما رواه ~~يحيى بن معين قال حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان ~~يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم وممن ذكر هذا الشيخ الصالح الزاهد ~~شيخ العراق في زمنه عند العامة والخاصة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في ~~أماليه قال قرأت على عبيد الله الزهري حدثك أبوك قال حدثنا عبد الله ابن ~~جعفر عن أبي داود الطيالسي عن يحيى بن معين فذكره وهذا أبو أسامة يروي عن ~~عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهذا موافق لما ذكره الأئمة أحمد وغيره عن ابن عمر كما دلت عليه سائر ~~الروايات فلو لم يكن إلا معارضة هذه الرواية إسحاق الفروي وكلاهما عن عبيد ~~الله لوجب التوقف فيها كيف وأبو أسامة أوثق من الفروي وقد روى ما وافقته ~~العلماء عليه ولم يزد شيئا انفرد به كما في رواية الفروي الثاني أن الفروي ~~وإن كان في نفسه صدوقا وكتبه صحيحه فإنه أضر في آخر عمره فكان ربما حدث من ~~حفظه فيغلط وربما لقن فيلقن ولهذا كانوا ينكرون عليه روايته للحديث على ~~خلاف ما يرويه الناس مثل ما روى حديث الإفك على خلاف ما رواه الناس وكذلك ~~حديث ابن عمر هذا رواه على خلاف ما رواه الناس وقد روى عنه البخاري في ~~صحيحه وقال أبو حاتم الرازي كان صدوقا وذهب بصره وربما لقن وكتبه صحيحه ~~وقال مرة مضطرب وقال أبو عبيد الآجري سألت أبا ms186 داود عنه فوهاه جدا وقال ~~النسائي ليس بثقة وذكره أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات PageV01P170 وقال ~~الدارقطني لا يترك ومما أنكر عليه حديث الإفك فإنه رواه غير ما رواه الناس ~~فهذا كلام الأئمة يبين ما ذكرناه فيه من التفصيل وبذلك يعرف ضعف ما ذكره من ~~حديث ابن عمر يبين ذلك اتفاق العلماء على كراهة مس قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكيف يكون ابن عمر ق مسه ولا يعرفون ذلك كما عرفوا مسه لمنبره وقد ثبت ~~عن ابن عمر أنه كره مسه وقد روى أبو الحسن على بن عمر القزويني أيضا في ~~أماليه قال قرأت على عبيد الله الزهري قلت له حدثك أبوك قال حدثني عبد الله ~~بن أحمد قال حدثني أبي قال سمعت أبا زياد حماد بن دليل قال لسفيان يعني ابن ~~عيينة قال كان أحد يتمسح بالقبر قال لا ولا يلتزم القبر ولكن يدنو قال أبي ~~يعني الإعظام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحماد ابن دليل هذا الذي سمعه ~~أحمد يسأل ابن عيينة هو معروف من أهل العلم وروي عنه أبو داود وكان قاضي ~~المدائن وروى أيضا أبو الحسن القزويني عن الزهري عن عن نوح بن يزيد قال ~~أخبرنا أبو إسحاق يعني إبراهيم بن سعد قال ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكان يكره اتيانه ونوح بن يزيد بن سيار المؤدب هذا ~~الراوي عن إبراهيم ابن سعد هو ثقة معروف بصحبة إبراهيم وله اختصاص به روى ~~عنه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما قال أبو بكر الأثرم ذكر لي أبو عبد ~~الله نوح بن يزيد المؤدب فقال هذا شيخ كبير أخرج إلي كتاب إبراهيم بن سعد ~~فرأيت فيه ألفاظا وقال محمد بن المثنى سألت أحمد بن حنبل عنه فقال اكتب عنه ~~فإنه ثقة حج مع إبراهيم بن سعد وكان يؤدب ولده وذكره ابن حبان في الثقات ~~وأما إبراهيم بن سعد فهو من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علما وأوثقهم وكان ~~قد خرج ms187 إلى بغداد روى عنه الناس أحمد ابن حنبل وطبقته ومن سعة علمه روى عنه ~~الليث بن سعد وهو أقدم وأجل منه وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ~~عوف الزهري الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه قال ما رأيت أبي قط أتى قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان يكره إتيانه فهو من أفضل أهل المدينة في زمن ~~التابعين ومن أصلحهم وأعبدهم وكان قاضي المدينة في زمن التابعين في زمن ~~القاسم PageV01P171 ابن محمد بن أبي بكر الصديق وأمثاله وهو أدرك بناء ~~الوليد بن عبد الملك المسجد وإدخال الحجرة فيه وأدرك ما كان عليه السلف قبل ~~ذلك من الصحابة والتابعين قال أبو حاتم الرازي وهو من جلة أهل المدينة ~~وقدماء شيوخهم كان على القضاء وقد ذكروا أنه رأى عبد اله بن عمر وروى عن ~~عبد الله بن جعفر وفي سماعه منه نظر ومات قديما بعد القاسم بن محمد بقليل ~~فإن القاسم توفي سنة إحدى وعشرين ومائة وهذا توفي سنة ست وعشرين ومائة وقد ~~خرج من المدينة غير مرة تارة إلى الحج وتارة كان قد استعمل على الصدقات ~~ومرة خرج إلى العراق إلى واسط فروى عنه سفيان الثوري وشعبة والعراقيون وهو ~~الذي روى حديث من أحدث في أمرنا هذا ما لس فيه فهو رد عن القاسم عن عائشة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أدرك بالمدينة جابر بن عبد الله وسهل بن ~~سعد الساعدي وغيرهما من الصحابة ورأى أكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب ~~وسائر الفقهاء السبعة ومعلوم أن لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه بل قد ~~يخالف ابن عمر فإن ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه كان لا يأتيه لا عند السفر ~~ولا غيره بل يكره إتيانه مطلقا كما كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من ~~نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأنه أمر بالصلاة والسلام عليه في كل زمان ~~ومكان وقال صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا وقال اللهم لا تجعل قري ~~وثنا ms188 يعبد كما قد بين هذا في مواضع مع أن سعد بن إبراهيم هذا في دينه ~~وعبادته وصيامه وتلاوته للقرآن بحيث كان يختم باليوم والليلة كثيرا وأبو ~~الحسن علي بن عمر القزويني وغيره من أهل العلم والدين ذكروا هذه الآثار عن ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم ليبينوا للناس كيف كان السلف يفعلون في مثل ذلك ~~وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود أن ما حكى القاضي عياض الإجماع فيه لم ينه عنه في الجواب بل ~~السفر إلى مسجده وزيارته التي يسميها بعضهم زيارة وبعضهم يكره أن تسمى ~~زيارة على PageV01P172 على الوجه المشروع سنة مجمع عليها كما ذكره القاضي ~~عياض ولا يدخل في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاثة كالسفر إلى قبور ~~الأنبياء والصالحين ولا من سافر لمجرد قبره فلم يزر زيارة شرعية بل بدعية ~~فهذا لا يقول أحد إنه مجمع على أنه سنة ولكن هذا الموضع مما يشكل على كثير ~~من الناس فينبعي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية ~~ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمع ~~عليه من المتنازع فيه فإن في الزيارة مسائل متعددة تنازعوا فيها لكن لم ~~يتنازعوا في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه ونحو ~~ذلك مما شرعه الله في مسجده ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن ~~السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا لغير ~~ذلك فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال حديث متفق على صحته ~~وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل ~~فيه فإما أن يكون نهيا وإما أن يكون نفيا للاستحباب وقد جاء في الصحيح ~~بصيغة النهي صريحا فتعين أنه نهي فهذان طريقان لا أعلم فيهما نزاعا بين ~~الائمة الأربعة والجمهور والائمة الأربعة وسائر العلماء لا يوجبون الوفاء ~~بالنذر على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء قبورهم أو غير قبورهم ~~وما علمت أحدا أوجبه إلا ابن حزم فإنه أوجب الوفاء ms189 على من نذر مشيا أو ~~ركوبا أو نهوضا إلى مكة أو إلى المدينة أو بيت المقدس قال وكذلك إلى أثر من ~~آثار الأنبياء قال فإن نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى مسجد من المساجد غير ~~الثلاثة لم يلزمه وهذا عكس قول الليث بن سعد فإنه قال من نذر المشي إلى ~~مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد وابن حزم فهم من قوله لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد أي لا تشد إلى مسجد وهو لا يقول بفحوى الخطاب وشبهه ~~فلا يجعل هذا نهيا عما هو دون المساجد في الفضيلة بطريق الأولى بل يقول في ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه ~~إنه لو بال ثم صب البول فيه لم يكن منهيا عن الاغتسال فيه وداود الظاهري ~~عنه في فحوى الخطاب روايتان وهذه إحداهما وابن حزم ومن قال بإحدى روايتي ~~داود يقولون إن PageV01P173 قوله @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ لا يدل على ~~تحريم الشتم والضرب وهذا قول ضعيف جدا في غاية الفساد عند عامة العلماء ~~فإنهم يقولون إذا كان البائل الذي يحتاج إلى البول قد نهى أن يبول فيه ثم ~~يغتسل فيه فالذي بال في إناء ثم صبه فيه أولى بالنهي كما أنه لما نهي عن ~~الاستجمار بطعام الجن وطعام دوابهم العظام والروق كان ذلك تنبيها على النهي ~~عن الاستجمار بطعام الإنس بطريق الأولى وكل ما نهي عن الاستجمار به فتلطيخه ~~بالعذرة أولى بالنهي فإنه لا حاجة إلى ذلك فلهذا فهم الصحابة من نهيه أن ~~يسافر إلى غير المساجد الثلاثة أن السفر إلى طور سنياء داخل في النهي وإن ~~لم يكن مسجدا كما جاء عن بصرة بن أبي بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم ~~والصحابة الذين سمعوا هذا الحديث من الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرهم ~~أدخلوا غير المساجد الثلاثة في النهي ونهوا أن تشد الرحال إلى الطور الذي ~~كلم الله عليه موسى مع أن الله لم يعظم في القرآن جبلا أعظم ms190 منه وسماه ~~الوادي المقدس والبقعة المباركة فإذا كان مثل هذا الجبل لا تشد الرحال إليه ~~فإن لا تشد الرحال إلى ما يعظم من الغيران والجبال مثل جبل لبنان وقاسيون ~~ونحوهما بالشام وجبل الفتح ونحوه بصعيد مصر بطريق الأولى بل إذا كان ~~الصحابة لم يكونوا يسافرون إلى الطور ونحوه بل ولا يزورون إذا قدموا مكة لا ~~جبل حراء الذي نزل فيه الوحي ابتداء ولا غار ثور المذكور في القرآن الذي ~~كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه والله ثالثهما وفيه قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم [ لأبي بكر ] @QB@ لا تحزن إن الله معنا @QE@ والنبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد نزول الوحي عليه لم يقرب ذلك الغار ولا غيره مما بمكة ~~إلا المسجد الحرام والمشاعر وكذلك لما حج إنما ذهب إلى المسجد الحرام ~~والمشاعر وقد ثبت في الصحيح أنها أحب البقاع إلى الله تعالى فأغنى ذلك عن ~~غيرها ولهذا لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد باتفاق الأئمة ولو نذره في غير ~~مسجد لو يوف بنذره فإنه غير جائز وقد تقدم عن الصحابة أبي سعيد وابن عمر ~~وبصرة بن أبي بصرة أنهم نهوا عن السفر إلى الطور لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ولفظ أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم ~~وغيره PageV01P174 لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد بصيغة النهي ~~الصريحة ورواه أحمد في المسند من حديث أبي هريرة من طريقين والأماكن التي ~~ينهى عن الصلاة فيها كأعطان الإبل والحمام هي مأوى الشياطين # وكذلك ما يسافر إليه بعض الناس من المغارات ونحوها من الجبال قاصدين ~~لتعظيم تلك البقعة بالشام ومصر والجزيرة وخراسان وغيرها وكل موضع تعظمه ~~الناس غير المساجد ومشاعر الحج فإنه مأوى الشياطين ويتصورون بصورة بني آدم ~~أحيانا حتى يظن كثير من الناس أنهم من الأنس وأنهم رجال الغيب ويقولون ~~الأربعون الأبدال بجبل لبنان أو غيره من الجبال وهي مأوى الجن وهم رجال ~~الغيب كما قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال ms191 من الجن ~~فزادوهم رهقا @QE@ سماهم الله رجالا وسموا جنا لأنهم يجتنون عن الأبصار أي ~~يستترون كما تسمى الإنس إنسا يؤنسون أي يبصرون كما قال موسى عليه السلام ~~@QB@ إني آنست نارا @QE@ أي أبصرت نارا والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة ~~معروفة لكن كثير من الناس يعتقد انهم من الإنس وأنهم صالحون يغيبون عن ~~أبصار الخلائق ولا ريب أن بعض الإنس قد يحجبه الله أحيانا عن أبصار بعض ~~الناس إما إكراما له أو منعا له من ظلمهم إن كان وليا وإما احتجاب إنسي طول ~~عمره عن جميع الإنس فهذا لم يقع بل هذا نعت الجن الذين قال الله فيهم @QB@ ~~إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم @QE@ والمسافرون إلى هذه الجبال إنما ~~يسافرون إلى مأوى الشياطين وما يرونه من الخوارق هناك ما هو من إضلال ~~الشياطين لهم كما تفعله الشياطين عند الأصنام فإنهم يضلون عابديها بأنواع ~~حتى قد يظن أن الصنم كلمه وقد يظهرون للسدنة أحيانا كما كانوا في الجاهلية ~~وكذلك يوجد عند النصارى من هذا كثير وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن الصحابة كأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وبصرة بن أبي ~~بصرة فهموا من الحديث شموله لغير المساجد كالطور وحديث بصرة معروف في السنن ~~والموطأ قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما ~~خرجت سمعت PageV01P175 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تعمل المطي ~~إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى وأما ابن عمر ~~فروى أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب ( أخبار المدينة ) حدثنا ابن أبي ~~الوزير حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزعة قال أتيت ابن عمر فقلت ~~إني أريد الطور فقال لا إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ~~ومسجد المدينة والمسجد الأقصى فدع عنك الطور فلا تأته رواه أحمد بن حنبل في ~~مسنده وهذا النهي من بصرة وابن عمر ثم موافقة أبي هريرة يدل على أنهم فهموا ~~من ms192 حديث النبي صلى الله عليه وسلم النهي فلذلك نهوا عنه لم يحملوه على مجرد ~~نفي الفضيلة وكذلك أبو سعيد الخدري وهو راويه أيضا وحديثه في الصحيحين فروى ~~أبو زيد حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا عبد الحميد بن بهرام حدثنا شهر بن ~~حوشب سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور فقال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غري ~~المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن ~~شد الرحال اليه مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد ~~فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي والطور إنما يسافر من يسافر ~~اليه لفضيلة البقعة وأن الله سماه الوادي المقدس والبقعة المباركة وكلم ~~الله موسى هناك وما علمت المسلمين بنوا هناك مسجدا فإنه ليس هناك قرية ~~للمسلمين وإن [ كان ] هناك مسجد فاذا نهى الصحابة عن السفر إلى تلك البقعة ~~وفيها مسجد فإذا لم يكن فيها مسجد كان النهي عنها أقوى وهذا ظاهر لا يخفى ~~على أحد فالصحابة الذين سمعوا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فهموا ~~منه النهي وفهموا منه تناوله لغير المساجد وهم أعلم بما سمعوه وبسط هذا له ~~موضع آخر # والمقصود هنا ذكر ما تنازع فيه الائمة المشهورون أو غيرهم وما لم ~~يتنازعوا فيه فإن بين الطرفين اللذين لم تتنازع فيهما الأئمة مسائل متعددة ~~فيها نزاع ولكن طائفة من المتأخرين يستحبون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين ويفعلون ذلك ويعظمونه لكن هل في هؤلاء أحد من المجتهدين الذين ~~تحكى أقوالهم وتجعل خلافا على من قبلهم من PageV01P176 أئمة المسلمين هذا ~~مما يجب النظر فيه وأيضا فالذين قالوا السفر اليها جائز ليس بمحرم ولا ~~مكروه قد يفهم منه أنه مستحب لأن الذين يفعلون ذلك إنما يفعلونه لأنه قربة ~~فاذا قيل في ذلك إنه جائز قد يقولون نحن قلنا هو جائز مباح لم نقل إنه ~~مستحب ولا قلنا أن ms193 التقرب به جائز فمن جعله قربة فقد خالف قولنا الصريح فقد ~~يفهم منه أن التقرب بذلك جائز لكن قولهم مع ذلك إنه ليس بمستحب ولا فضيلة ~~فيه لأجل [ أن ] الحديث ينفي ذلك فلا بد لهم من اتباع الحديث فصار في قولهم ~~تناقض وهذا مما احتج به عليهم أهل القول بالتحريم # فهذا الجواب على ما ادعاه من التناقض في نقل الخلاف والإجماع # ( فصل ) وأما قوله إن الزيارة إذا كانت جائزة فالوسيلة اليها جائزة فيجوز ~~السفر فيقال له هذا باطل فليس كل ما كان جائزا أو مستحبا أو واجبا جاز ~~التوسل اليه بكل طريق بل العموم يدعي في النهي فما كان منهيا عنه كان ~~التوسل اليه محرما ومن هذا سد الذرائع وأما ما كان مأمورا به فلا بد أن ~~يكون له طريق لكن لا يجب أن يجوز التوسل اليه بكل طريق بل لو توسل الإنسان ~~إلى الطاعة بما حرمه الله مثل الفواحش والبغي والشرك به والقول عليه بغير ~~علم لم يجز ذلك فلو أراد أن يفعل فاحشة وزعم أنها تقضي إلى طاعة لم يكن له ~~ذلك وكذلك لو أراد أن يشرك بالله بباطنه ويقول عليه ما لم يعلم نعم يجوز أن ~~يقول بلسانه مالا يعتقده عند الإكراه وأن يستعمل المعاريض عند الحاجة # وإتيان المساجد للجمعة والجماعة من أفضل القربات وأعظم الطاعات وهو إما ~~واجب أو سنة مؤكدة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل في المسجد ~~تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة ولو أراد مع هذا أن يسافر ~~إلى غير المساجد الثلاثة ليصلي هناك جمعة أو جماعة لم يكن هذا مشروعا بل ~~كان محرما عند الأئمة والجمهور PageV01P177 ولو نذر ذلك لم يوف بنذره عند ~~أحد من الأئمة الأربعة وعامة علماء المسلمين وليس فيه إلا ما حكي عن الليث ~~بن سعد مع أن لفظه مجمل بل ولا يجوز أن يوفي بنذره عند الأكثرين كما قاله ~~مالك وغيره لقوله لا تشد الرحال وقوله في الحديث الصحيح من نذر أن ms194 يطيع ~~الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه وقد اتفق العلماء على أن نذر ~~المعصية لا يجوز الوفاء به وان كان صاحبه يعتقد أنه نذر طاعة كما لو نذر ~~ذبح نفسه أو ولده لكن تنازعوا فيما إذا نذر ذبح ولده هل عليه ذبح كبش أو ~~كفارة يمين أو لا شيء عليه على ثلاثة أقوال مشهورة وهي ثلاث روايات عن أحمد ~~لكن ظاهر مذهبه كالأول وهو قول أبي حنيفة ومذهب الشافعي لا شيء عليه وكذلك ~~سائر المعاصي قيل فيها كفارة يمين وهو ظاهر مذهب أحمد وقيل لا شيء فيها وهو ~~المنقول عن الشافعي ومالك وقيل إن قصد بها اليمين لزمته كفارة يمين وهو ~~مذهب أبي حنيفة والخراسانيين من أصحاب الشافعي فالجمهور لما اعتقدوا أن ~~قوله لا تشد الرحال مراده النهي قالوا هو سفر معصية فلا يجوز الوفاء به وان ~~اعتقده الناذر قربة كما قاله مالك والأكثرون ولهذا قالوا لا يجوز السفر لمن ~~قصد القبر سواء كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره وإن نذر ومن قال ~~السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمنهي عنه ولا هو طاعة ولا قربة قال لا ~~يب الوفاء به لكنه جائز ومن هنا يعرف مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما فان ~~قالوا ان من نذر السفر إلى غير الثلاثة يجوز له السفر وإن لم يجب عليه كان ~~قولهم بجاز السفر وأن الحديث لنفي الفضيلة كما قاله من قاله من المتأخرين ~~وإن قالوا إن هذا النذر لا يوفى بحال لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يسافر إلى غير الثلاثة كما قاله مالك وغيره دل على تحريم السفر إلى غير ~~الثلاثة وهو لو نذر السفر للصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو ~~المسجد الاقصى جاز له السفر باتفاقهم وإنما تنازعوا في الوجوب فمذهب مالك ~~وأحمد أنه يجب ومذهب أبي حنيفة لا يجب وللشافعي قولان # وقوله كيف تكون الرحلة إلى القربة معصية محرمة يقال له هذا كثير في ~~الشريعة كالرحلة للصلاة والاعتكاف والقراءة ms195 والذكر في غير المساجد الثلاثة ~~فان PageV01P178 هذا معصية عند مالك والأكثرين وكما لو رحلت المرأة إلى أمر ~~غير واجب بدون إذن الزوج كحج التطوع فانها رحلة إلى قربة وهي معصية محرمة ~~بالاتفاق وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بدون إذن سيده كان رحيله إلى قربه ~~وكان معصية محرمة بالإجماع وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ولا ذي محرم ~~لزيارة غير واجبة ومثل هذا كثير ولو كان الطريق يحصل فيه ضرر في دينه لم ~~يكن له أن يسافر لا للحج ولا لإتيان المسجد وان كان ذلك قربة والمرأة بلا ~~سفر لها أن تشهد العيد والجمعة بل والجماعة بلا سفر وليس لها أن تسافر إلا ~~مع زوج أو ذي محرم ومن طولب بقضاء دين لزمه قضاؤه لم يكن له أن يسافر ~~بالمال الذي يجب صرفه في قضاء دينه وان كان قصده أن يتوسل بذلك السفر إلى ~~الحج وغيره # ففي مواضع كثيرة يكون العمل طاعة اذا أمكن بلا سفر ومع السفر لا يجوز ~~وصاحب الشرع قد قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ~~ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ومعلوم أن سائر المساجد يستحب إتيانها بلا سفر ~~فهذا الفرق ثابت بنص الرسول صلى الله عليه وسلم # فان قيل ما رحل اليه هؤلاء المنهيون عن السرف ليس بقربة في حقهم قيل لهم ~~ومن رحل لزيارة القبور لم يكن ما رحل اليه قربة في حقه فزيارة القبور ~~بالرحلة كالصلاة في غير المساجد الثلاثة فالرحلة ليست بقربة ولا طاعة بل ~~معصية محرمة عند الأئمة الذين صرحوا بذلك ومن وافهم وأما نقل الخطا إلى ~~المساجد فهو إتيان اليها بغير سفر وهذا مشروع فهو نظير نقل النبي صلى الله ~~عليه وسلم خطاه إلى زيارة أهل البقيع فان ذلك عمل صالح وكذلك الزيارة ~~المستحبة من البلد نقل الخطا فيها عمل صالح # فقد تبين أنه لا مناقضة في ذلك ولو قدر أن هذا تناقض ممن قال ذلك مثل ~~مالك وجمهور الصحابة ومثل من قاله من أصحاب الشافعي وأحمد فان ms196 المجيب ذكر ~~القولين فان كان هنا عوار وشنار في القولين بالتحريم كان هذا لازما لمالك ~~الإمام PageV01P179 ومن وافقه وحاشى لله أن يلزم مالكا ومن وافقه تناقض ~~فيها في هذا وهم متبعون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن هذا المعترض ~~الجاهل تارة يجعل قول المتبعين للسنة كمالك وغيره متناقضا وتارة يجعله ~~مجاهرة للأنبياء بالعداوة وإظهارا لعنادهم وهو يضيف ذلك إلى المجيب والمجيب ~~لم يقل إلا ما قاله هؤلاء بل حكى قولهم وقول غيرهم وذكر حجة القولين بخلاف ~~مالك وأتباعه فانهم جزموا بالتحريم ولم يلتفتوا إلى قول من حمل الحديث على ~~نفي الاستحباب لظهور فساد هذا القول وتناقضه وأيضا فهذا الذي ذكره إنما ~~يتصور في زيارة غير قبر النبي صلى الله عليه وسلم كأهل البقيع وشهداء أحد ~~وسائر المؤمنين المدفونين في بلادهم ومع هذا ما علمنا أحدا قال يستحب السفر ~~لمجرد هذه الزيارة بل إما أن يكون محرما وإما أن يكون مباحا وان كانت ~~الزيارة من البلد مستحبة وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فله شأن آخر ~~فضله الله على غيره فان الله أمرنا بالصلاة والسلام عليه مطلقا وأن نطلب له ~~الوسيلة ومحبته وتعظيمه فرض على كل أحد بل فرض على كل أحد أن يكون الرسول ~~أحب اليه من ولده ووالده وهو أولى بكل مؤمن من نفسه فحقوقه وشريعته إيجابا ~~واستحبابا لا تختص ببقعة بل هي مشروعة في جميع البقاع لا فرق في ذلك بين ~~أهل المدينة وغيرهم وقد نهى أن يتخذ قبره عيدا وقال صلوا علي حيثما كنتم ~~فان صلاتكم تبلغني وقال في السلام مثل ذلك وأخبر إن لله ملائكة سياحين ~~يبلغوني عن أمتي السلام وهو قد حيل بين قبره وبين الناس ومنعوا من الوصول ~~اليه إذ لم يكن داخل الحجرة عبادة مستحبة هناك دون المسجد بل كل ما يفعل ~~هناك ففعله في المسجد أفضل من صلاة وتسليم عليه وغير ذلك ولهذا لم يكن ~~الصحابة والتابعون بالمدينة إذا دخلوا المسجد وخرجوا يقفون عند قبره لا ~~لصلاة ولا دعاء ms197 ولا سلام ولا غير ذلك # وقد ذكر أهل العلم مالك وغيره أن هذا يكره ولم يكن السلف يفعلونه وأنه لن ~~يصلح آخر هذه الأمة إلا ما يصلح اولها ومعلوم أنه لو كان الإتيان إلى عند ~~القبر مستحبا لأهل المدينة لكان الصحابة التابعون أعلم بذلك وأتبع له من ~~غيرهم ومالك PageV01P180 وأمثاله ممن أدرك التابعين من أعلم الناس بمثل هذا ~~وقد ذكر أنه لم يبلغه عن أحد من صدر هذه الأمة من أهل المدينة أنه كان يقف ~~عند القبر لا لسلام ولا لغيره وذكر مالك أن ذلك يكره إلا عند السفر لما نقل ~~عن ابن عمر وقد كره مالك وغيره أن يسمي هذا زيارة لقبره وحينئذ فيقال أهل ~~المدينة يكره لهم ما تسميه أنت زيارة لقبره فلم يبق هذا مشروعا بلا سفر حتى ~~يقال إن السفر اليه ويلة إلى المستحب وانما استحبه مالك وأحمد وغيرهما لمن ~~سافر لأجل المسجد فاذا صار في المسجد فيفعل ذلك بل المستحب لأهل المدينة لا ~~يستحب السفر له بل إذا سافر اليها فعله فاذا صار بالمدينة زار أهل الالبقيع ~~وشهداء أحد وزار مسجد قباء وإن كان لم يسافر لأجل ذلك فما لا يستحب لأهل ~~المدينة أولى أن لا يستحب السفر اليه وابن عمر إنما كان يقف عند القبر ~~ويسلم إذا قدم من سفر وقدومه لم يكن لأجل الزيارة بل كانت المدينة وطنه ~~فيدخل المسجد فيصلي فيه ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم # ( فصل ) وأما قول المعترض إنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع اليهم في ~~علوم الدين والفتوى المشتهرين بالزهادة والتقوى الذين لا يعتد بخلاف من ~~سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم ونقل عدم الجواز إن صح نقله عمن لا يعتمد ~~عليه ولا يعتد بخلافه ولا يعرج عليه بل هو ملحق بصاحب هذه المقالة في الخطأ ~~والطغيان والجراءة على مرتبة النبيين الموجبة للخسران # فيقال أولا قائل هذا هو إلى التعزير والتأديب والأمر بتعلم العلم وأن ~~يقال له تعلم ثم تكلم أحوج منه إلى أن يناظر ms198 ويرد عليه فانه لا يعرف قدر ~~العلماء ولا يعرف ما قاله مالك وهو إمام الأمة في زمنه ولا يعرف ما قاله ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وكلامه يقتضي أن مالكا وأمثاله ممن لا يعتمد ~~عليه ولا يعتد بخلافه وأنه من أهل الخطأ والطغيان وأهل الجرأة على النبيين ~~الموجبة للخسران ومعلوم أن من قال هذا في علماء المسلمين كمالك ونحوه استحق ~~العقوبة البليغة فان هذا قول يلزم منه أن مالكا وأمثاله من الائمة هم من ~~الذين جاهروا بالعداوة للأنبياء وأظهروا لهم العناد وأن فيهم جراءة على ~~مرتبة النبيين توجب PageV01P181 الخسران ومعلوم أن هذا من أعظم الافتراء ~~عليهم والاجتراء ثم إنه قال فيما اتبعوا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأطاعوا فيه أمره ونهيه ونهوا عما نهي وأمروا بما أمر فصار حقيقته أنه من ~~أطاع الله ورسوله ونهى عما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم كالسفر إلى غير ~~المساجد الثلاثة هو كافر معاند للأنبياء ومعلوم أن من قال مثل هذا فانه ~~يستتاب فان تاب وإلا قتل وإذا لم يعرف أن قوله يتضمن هذا ويستلزمه عرف ذلك ~~ويبين له فان أصر استحق العقوبة ولو عرف أن هذا يلزم قوله لكان كافرا مرتدا ~~لكنه جاهل لم يعرف أن هذا يلزم قوله فانه لم يعرف مذهب مالك ولا غيره من ~~الأئمة في مسألة النزاع ولا عرف ما فيها من الأدلة الشرعية ولا تدبر ما ~~ذكره المجيب بل تكلم بظنه وهواه وأعرض عن سبيل الهدى الذي بعث الله به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ # ثم يقال ثانيا هب أن الذين نقل عنهم الجواز أفضل أهل الأرض فالمجيب ذكر ~~القولين وذكر حجة كل واحد من نصر الجواز سوغ له المجيب ذلك فانه قد قاله ~~جماعة من العلماء لكن هؤلاء المعارضون خرقوا إجماع الطائفتين وقالوا انه ~~يستحب السفر لمجرد زيارة القبور فقالوا انه يستحب السفر إلى غير المساجد ~~الثلاثة وعلى ذلك فيجب بالنذر على ms199 قول الجمهور الذين يوجبون الوفاء بنذر ~~الطاعة كمن نذر السفر إلى المدينة وبيت المقدس وهو قول مالك وأحمد والشافعي ~~في أحد قوليه فهؤلاء خرقوا إجماع الطائفتين وما كفاهم ذلك حتى ادعوا أن هذا ~~الخرق للاجماع إجماع وحتى سعوا في عقوبة من قال بقول إحدى الطائفتين إما ~~الجواز وإما التحريم بل استحلوا تكفيره والسعي في قتله فهؤلاء من أعظم أهل ~~البدع والضلال كالخوارج والرافض وأمثالهم من الجهال الذين يخالفون السنة ~~وإجماع السلف ويعادون من قال بالسنة وإجماع السلف لشبه باطلة كأحاديث ~~مفتراة وألفاظ مجملة لم يفهموها # ويقال ثالثا المجيب سمى من المجوزين ثلاثة أبو حامد الغزالي من أصحاب ~~الشافعي PageV01P182 وأبو الحسن بن عبدوس وأبو محمد المقدسي من أصحاب أحمد ~~وسمى من المانعين أبا عبد الله ابن بطة وأبا الوفاء بن عقيل ولكن ليس هذا ~~قولهما فقط بل هو قول مالك صرح بذلك في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ~~وهؤلاء وهؤلاء ذكروا ذلك على وجه التعميم قال أبو الوفاء ابن عقيل في كتابه ~~المشهور المسمى بالفصول وبكفاية المفتي فصل فان سافر إلى زيارة المقابر ~~كهذه المشاهد المحدثة كمشهد الكوفة وسامرا وطوس والمدائن وأوانا كقبر مصعب ~~بن عمير وطلحة والزبير بالبصرة بينه وبينها مسافة القصر لم يستبح رخصة ~~السفر لأن شد الرحال نحوها منهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ~~والنهي يمنع أن يكون هذا سفرا شرعيا والترخص بما نهي عنه لا يجوز ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد والميزة معتبرة ~~بالشرع قال فان سافر أحد إلى أحد هذه المواضع في تجارة أو زيارة نظرت فان ~~كان قصده التجارة والزيارة تابعة جاز القصر وان كان أكثر قصده الزيارة أو ~~كان قصده لهما متساويا فلا يستبيح ذلك عموما لكن احتج بحجة مالك لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي ~~صرحوا بتحريم السفر ms200 إلى غير الثلاثة عموما لأجل الحديث وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فقولهم كقول مالك يوجب ~~التحريم إلى ما سوى الثلاثة من زيارة القبور وغيرها وأما ابن بطة فانه ذكر ~~ذلك في الإبانة الصغرى التي يذكر فيها جل أقوال أهل السنة وما خالفها من ~~البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحال إلى زيارتها فذكر ذلك أيضا ~~عموما وقوله وشد الرحال إلى زيارتها يبين أن هذا الشد داخل عنده في قوله ~~صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد كما أن تجصيصها داخل ~~في نهيه صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور وليس PageV01P183 هؤلاء ~~القائلون بالتحريم بدون أولئك بل هم أجد قدرا وأحق بمنصب الاجتهاد من أولئك ~~فان مالكا إمام عظيم ثم قوله هذا وقد وافقه عليه وأصحابه مع كثرتهم وكثره ~~علمائهم وقوله الذي صرح فيه بالنهي عن الوفاء بالنذر لمن نذر إتيان قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكره القاضي اسماعيل بن اسحاق مقررا له وهو أولى ~~بمنصب الاجتهاد من أولئك وهو أعلم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ~~ممن خالفه من أصحاب الشافعي وأحمد فان المخالفين فيها مثل أبي المعالي ~~والغزالي ونحوهما وهؤلاء ليس فيهم عند أصحاب الشافعي من له وجه في مذهب ~~الشافعي فضلا عن أن يكون مجتهدا بخلاف أبي محمد الجويني والد أبي المعالي ~~فانه صاحب وجه في مذهب الشافعي وكان يقال لو جاز أن يبعث الله نبيا في زمنه ~~لبعثه في علمه ودينه وحسن طريقته وابنه أبو المعالي إنما تخرج به وهو معظم ~~لوالده غاية التعظيم ولكن قول أبي المعالي مأثور عن الشيخ أبي حامد وأبي ~~علي ابن أبي هريرة وهما من أصحاب الوجوه ولهذا كان في المسألة وجهان وقد ~~وافق فيها ابن عبد البر وطائفة ولكن مالك وجمهور أصحابه مع من وافقهم من ~~السلف والأئمة أجل قدرا من المخالفين لهم وقد تقدم أن مالكا وأصحابه ينهون ~~عن الوفاء بنذره ذلك وأنه من نذر إتيان المدينة أو ms201 بيت المقدس لغير الصلاة ~~في المسجد لم يجز له الوفاء بنذره لأن السفر لغير المسجد منهي عنه سواء ~~سافر لزيارة ما هناك من قبور الصالحين أو غير ذلك وابن بطة العكبري من أعلم ~~الناس بالسنة والآثار وأتبعهم لها ومن أزهد الناس وهو معروف بأن دعاءه ~~مستجاب وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه الحسين بن علي الجوهري ~~أخو أبي محمد الجوهري الحسن فقال يا رسول الله قد اشتبهت علينا المذاهب ~~فقال عليك بهذا الشيخ يعني ابن بطة فانحذر إلى عكبرا فلما رآه أبو عبد الله ~~تبسم وقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه بالسنة وزهده ودينه غاية ~~وأبو الوفاء بن عقيل مبرز في زمانه تعظمه الطوائف كلها لبراعته وفطنته ~~وفهمه وهو أعلم بالفقه والكلام والحديث ومعاني القرآن من أبي حامد وهو في ~~الدين من أحسن الناس دينا ولكن أبو حامد دخل في اشياء من الفلسفة هي عند ~~ابن عقيل زندقة وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات PageV01P184 ~~الفلاسفة وابن عقيل يزن كلام الصوفية بالأدلة الشرعية أكثر مما يزنه أبو ~~حامد ففي الجملة من عرف أقدار العلماء تبين له ان القائلين بالتحريم للسفر ~~إلى غير المساجد الثلاثة القبور وغيرها هم أجل قدرا عند الأمة من القائلين ~~بالجواز # والذين سماهم المجيب سمى من حضره قوله وقت الجواب من هؤلاء وهؤلاء ولم ~~يتعرض لتفضيل أحد الصنفين بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء على عادة العلماء فان ~~الأحكام الشرعية تقوم عليها أدلة شرعية فيمكن معرفة الحق فيها بالعلم ~~والعدل وأما تفضيل الأشخاص بعضهم على بعض ففي كثير من المواضع لا يسلم ~~صاحبه عن قول بلا علم واتباع لهواه فللشيطان فيه مجال رحب والمجيب لم يتعرض ~~لذلك ولو قدر أن المنازع واحد فالاعتبار في مواد النزاع بالحجة كما قال ~~تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر @QE@ # وقول هذا المعترض إنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع اليهم في علوم الدين ~~والفتوى المشتهرين بالزهادة ms202 والتقوى الذين لا يعتد بخلاف من سواهم ولا يرجع ~~في ذلك لمن عداهم كلام باطل صدر عن متكلم بلا علم توغل في الجهل فليس في ~~الأمة من هو بهذه الصفة بل هذا من خصائص الرسول فهو الذي لا يعتد بخلاف من ~~سواه وكل من سوى الرسول يؤخذ من قوله ويترك كما نقل ذلك عن مالك قال كل أحد ~~يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر ولو قيل مثل هذا في الأئمة ~~المجتهدين كالأربعة كان منكرا من القول وزورا فلو قال قائل الأئمة الأربعة ~~لا يعتد بخلاف من سواهم فاذا خالفهم الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق ~~بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد ونحوهم أو خالفهم سعيد بن المسيب والحسن ~~البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح أو خالفهم ابن عمر أو ابن عباس ~~أو أبو هريرة وعائشة ونحوهم لم يعتد بخلافهم لكان هذا منكرا من القول وزورا ~~فكيف يقال في بعض المتأخرين من اصحاب الشافعي وأحمد وهم قد خالفوا شيوخهم ~~إن هؤلاء لا يعتد بخلاف من سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم PageV01P185 # ( فصل ) قال المعترض ثم يلزم من دعواه أن ذلك مجمع على تحريمه أن تكون ~~السادة الصحابة من التابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين للاجماع خارقين ~~مصرين على تقرير الحرام مرتكبين بأنفسهم وفتاويهم مالا يجوز مجمعين على ~~الضلالة سالكين طريق العمائة والجهالة فيقال هذا من نمط ما قبله وفيه من ~~القول المنكر والزور مالا يحيط بتفصيله إلا رب العالمين وذلك أن الجواب ليس ~~فيه إلا الإجماع على أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور ليس ~~مستحبا ولا قربة ولا طاعة ولم ينقل خلاف هذا عن أحد من الصحابة والتابعين ~~والأئمة المجتهدين أن السفر لمجرد زيارة القبور مستحب هذا لا يمكن لأحد أن ~~ينقله عن أحد من السلف والأئمة الأربعة ولا غيرهم بل ولا كان على عهد ~~الصحابة رضي الله عنهم في ديار الاسلام قبر ولا مشهد ولا أثر يسافر اليه ~~ولم يكن أحد على عهد الصحابة ms203 والتابعين يسافر إلى قبر الخليل ولا كان ظاهرا ~~بل كان في المغارة التي بني عليها البناء الذي يمنعه وقيل إن سليمان عليه ~~السلام بناه كما بنيت الحجرة على قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وكان ~~الصحابة والتابعون يسافرون إلى بيت المقدس ولم يكونوا يسافرون إلى قبر ~~الخليل وقبر يوسف نفسه إنما ظهر في خلافة المقتدر أظهره بعض العجائز ~~المتصلة بدار الخلافة ولا كان لتلك البنية باب حتى استولى الكفار الفرنج ~~على البلاد فهم نقبوا نقبا ودخلوا فيه وصار ذلك مثل الباب ثم لما فتح ~~المسلمون البلاد لم يسد ذلك النقب فالسنة أن يسد ولا يدخل أحد إلى هناك لا ~~لصلاة ولا غيرها كما كان عليه الأمر على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من ~~الصحابة والتابعين فمتى أقر الصحابة والتابعون أحدا على شد الرحال إلى غير ~~المساجد الثلاثة القبور أو غيرها وبصرة بما رأى أبا هريرة قادما من الطور ~~الذي كلم الله عليه موسى قال لو أدركتك قبل أن تذهب اليه لم تذهب سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ووافقه ~~أبو هريرة على ذلك هكذا رواه أهل السنن والموطأ وفي الصحيحين أن أبا هريرة ~~رضي الله عنه روى هذا الحديث فاما أن يكون أبو هريرة قد نسي الحديث أو يقال ~~لم يكن سمعه وهو ضعيف أو يكون ما في الصحيحين هو الصواب PageV01P186 دون ~~قصة بصرة بن أبي بصرة نعم الذي أقر عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين ~~هو السفر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مستحب مشروع بالنص ~~والاجماع والانسان إذا مسجده فصلى في مسجده ما يشرع له من الصاة والصلاة ~~على الرسول والتسليم والثناء عليه ونشر فضائله ومناقبه وسننه وما يوجب ~~محبته وتعظيمه والايمان به وطاعته فهذا كله مشروع مستحب في مسجده هذا هو ~~المقصود من الزيارة الشرعية والسفر إلى مسجده للصلاة فيه وما يتبع ذلك ~~مستحب بالنص والاجماع ولكن كلام المعترض يشعر بأن المجيب ينهى عن السفر إلى ~~مسجد ms204 رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيارته الزيارة الشرعية وأنه حكى في ~~ذلك قوليه وبهذا يشنع بعض الناس ممن له غرض فاسد أو جهل بما يقال أو جمع ~~الأمرين وهذا باطل وكلام المجيب في أجوبته الكثيرة ومصنفاته كلها بين أن ~~السفر إلى مسجده وزيارته الزيارة الشرعية مستحب باتفاق المسلمين لم ينه عنه ~~أحد وهذا الذي اتفق عليه المسلمون وإن تنازعوا في بعض تفصيل الزيارة ~~الشرعية فثم أمور يستحبها بعضهم وينهى عنها بعضهم قد ذكرت في مواضع فمواضع ~~النزاع لا يصح فيها دعوى الاجماع ومحل النزاع ولم يذكر في الجواب فيه نزاع ~~فان كان هذا المعترض ظن أنه حكى الاجماع على تحريم السفر إلى مسجده وزيارته ~~الشرعية فهذا خطأ منه ليس في الجواب شيء من هذا بل فيه تقرير السفر إلى ~~مسجده والزيارة الشرعية فانه جعل عمدة المتنازعين قوله صلى الله عليه وسلم ~~لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي ~~هذا وقد ذكر المجيب أن هذا الحديث مما اتفق الأئمة على صحته والعمل به فلو ~~نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر اليه غير هذه الثلاثة ~~لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة الأربعة ولو نذر أن يسافر ويأتي إلى المسجد ~~الحرام بحج أو عمرة وجب ذلك باتفاق العلماء ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا الندر ~~عند مالك PageV01P187 والشافعي في أحد قوليه وأحمد ولم يجب عليه عند أبي ~~حنيفة لأنه لا يجب عنده الوفاء بالنذر إلا فيما كان من جنسه واجب بالشرع ~~وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ~~رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ~~ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب الوفاء ~~به وأما السفر إلى غير المساجد الثلاثة فلم يوجبه أحد من العلماء هكذا في ~~الجواب ms205 والشافعي رحمه الله في القول الذي لا يوجب فيه السفر إلى المسجدين ~~يستحبه بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة فإنه لا يوجبه ولا يستحبه وهذا معروف ~~من كلامه وكلام أصحابه الذين شرحوا كلامه مثل تعليقه الشيخ أبي حامد وغيرها ~~وقد نقل عن الليث كلام قد بسط الكلام عليه في مواضع أخرى فهذا في نفس ~~الجواب أن السفر إلى المساجد الثلاثة باتفاق العلماء كما دل عليه الحديث ~~الصحيح الذي اتفقوا على صحته ولكن تنازعوا في وجوب ذلك بالنذر مع أن الذين ~~قالوا لا يجب السفر إلى المسجدين قالوا إنه يستحب بخلاف ما سوى المساجد ~~الثلاثة فلا يجب ولا يستحب عند أحد منهم بل صرح بالتحريم من صرح منهم كمالك ~~وغيره وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد قال الشافعي ف مختصر المزني ~~ولو قال الله علي أن أمشي لم يكن عليه شيء حتى يكون برا فأن لم يكن برا فلا ~~شيء عليه لأنه ليس في المشي إلى غير مواضع التبرر بر وذلك مثل المسجد ~~الحرام قال وأحب لو نذر إلى مسجد المدينة أو إلى بيت المقدس أن يمشي قال ~~الشيخ أبو حامد الاسفرائيني إذا نذر مشيا فلا يخلو إما أن يعين الموضع الذي ~~يمشي إليه أو لا يعين فإن لم يعين الموضع فإن هذا النذر لا ينعقد لأن المشي ~~في نفسه ليس بقربة وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى قربة كالحج والعمرة ~~والجهاد وإن عين الموضع الذي يمشي اليه فلا يخلو إما أن يقول لله علي أن ~~أمشي إلى بيت الله الحرام أو إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلى ~~المسجد الأقصى أو إلى أحد المساجد قال الشافعي كمسجد مصر أو إفريقية فإذا ~~نذر المشي إلى بيت الله الحرام انعقد نذره وإن نذر المشي إلى PageV01P188 ~~مسجد الرسول أو إلى المسجد الأقصى فالذي في الأم أنه لا يلزمه لأنه قال ~~وأحب لو نذر المشي إلى مسجد المدينة وقال في البويطي يلزمه المشي إليه وهو ~~قول مالك وعلل أبو حامد القولين وقال ms206 في توجيه منع اللزوم فيحمل على أنه ~~أراد لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبا ويحتمل لا تشد مستحبا لكنه ~~وجوبا أو استحبابا فتبين أنه لا يستحب السفر إلى غير المواضع الثلاثة قال ~~وأما إذا نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد سوى الثلاثة مثل مسجد مصر ~~وإفريقية فإن هذا لا يلزمه وإن نذر أن يصلي في مسجد منها معين لزمه الصلاة ~~ولا يتعين الموضع وله أن يصلي في أي مسجد شاء لأن المشي في نفسه ليس بقربة ~~وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى ما هو قربة ومعلوم أنه ليس لغير هذه الثلاثة ~~مزية بعضها على بعض في القربة فلم يتعين المشي إليه أو الصلاة فيه بالنذر ~~فإذا كان هذا في الفتيا فكيف يجوز أن يظن أن فيها النهي عما فعله الصحابة ~~والتابعون وأئمة المسلمين من السفر إلى مسجده وقد صرح فيها بأن ذلك طاعة ~~مشروعة بالنص والإجماع وأما زيارته ففي نفس الجواب # وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة لم يرو أحد من أهل ~~السنن المعتمدة شيئا منها ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها بل مالك إمام ~~أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول ~~الرجل زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا اللفظ مشروعا عندهم أو ~~معروفا أو مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة ~~والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك أي عن زيارة قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث ~~إلا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ~~أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام وعلى هذا اعتمد أبو ~~داود في سننه وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن ms207 عمر أنه كان إذا دخل ~~المسجد قال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك ~~يا ابت ثم ينصرف PageV01P189 # فهذا قد ذكر في الجواب أن الأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة لم ~~تعتمد الأئمة على شيء منها بل مالك كره أن يقال زرت قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولكن أحمد وغيره كأبي داود وعبد الملك بن حبيب اعتمدوا في زيارة ~~قبره على قوله صلى الله عليه وسلم ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي ~~حتى أرد عليه السلام ومالك وأحمد وغيرهما احتجوا بحديث ابن عمر أنه كان ~~يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكان عند الائمة كمالك ~~وأحمد من المأثور في ذلك السلام عليه وهذا هو الذي يسمى زيارة قبره فاحمد ~~وأبو داود وغيرهما يسمون السلام عليه زيارة لقبره صلى الله عليه وسلم وكذلك ~~ترجم أبو داود عليه باب ما جاء في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأما ~~مالك فإنه يستحب هذا السلام ولا يسميه زيارة لقبره ومالك قد تقدم كلامه ~~وأنه في مواضع لم يستحب سوى السلام كما جاء عن ابن عمر وقد ذكر في الجواب # وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء مستقبلي ~~القبلة ولم يستقبلوا القبر وأما وقوف المسلم عليه فقال أبو حنيفة يستقبل ~~القبلة أيضا ولا يستقبل القبر وقال أكثر الأئمة بل يستقبل القبر عند السلام ~~عليه خاصة ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء يعني لنفسه ~~كما يفعله المستغيثون بالميت ولم يقل أحد من الائمة إنه يستقبل القبر في ~~هذه الحال إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها واتفق الأئمة ~~على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم بيده ولا يقبله # فقد ذكر ما ذكره العلماء في زيارته والسلام عليه وأين يسلم عليه وأين ~~يدعو وهذا كله إنما يكون في المسجد وقد تقدم أن السفر إلى المسجد مستحب ~~مشروع بالنص ms208 والإجماع فهذا الذي أجمع عليه المسلمون ذكر في الجواب أنه ~~مستحب وهذا الذي يزعم أن في الجواب ما يقتضي إجماع الصحابة والأئمة على ~~تقرير الحرام قول باطل ظاهر البطلان PageV01P190 بل في الجواب ذكر ما أجمع ~~عليه وما نوزع فيه والمجمع عليه من الزيارة والسفر ذكره وذكر أنه ثابت ~~بالنص والاجماع # ( فصل ) قال المعترض لكن كم لصاحب هذه المقالة من مسائل خرق فيها الإجماع ~~وفتاوى أباح فيها ما حرم الله من الأبضاع وتعرض لتنقيص الأنبياء وحط من ~~مقادير الصحابة والأولياء فلقد تجرأ بما ادعاه وقاله على تنقيص الأنبياء لا ~~محالة فتعين مجاهدته والقيام عيله والقصد بسيف الشريعة المحمدية اليه ~~وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين ليكون عبرة للمعتبرين ~~وليرتدع به أمثاله من المتمردين والحمد لله رب العالمين آخر كلامه # والكلام على هذا من وجوه ( أحدها ) أن هذا ليس كلاما في المسألة العلمية ~~التي وقع فيها النزاع ولا عينت مسألة أخرى حتى يتكلم فيها بما قاله العلماء ~~ودل عليه الكتاب والسنة وإنما هي دعاوى مجردة على شخص معين ومعلوم أن مثل ~~هذا غير مقبول بالإجماع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعي ~~عليه # ( الوجه الثاني ) أن يقال ثم من المعلوم أنه ما من أهل ضلالة إلا وهم ~~يدعون على أهل الحق من جنس هذه الدعوى فاليهود يدعون أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأمته أباحوا ما حرمه الله كالعمل في السبت ومثل أكل كل ذي ظفر ~~كالإبل والبط والاوز وكشحم الترائب والكليتين وغير ذلك والنصارى تقول إنهم ~~تنقصوا المسيح والحواريين فإن الحواريين عندهم هم رسل الله وقد يفضلونهم ~~على إبراهيم وموسى ويقولون هو ابن الله ومن قال إنه عبد الله فقد سبه ~~وتنقصه عندهم والطائفتان يحرمون التسري والنصارى يحرمون الطلاق واليهود إذا ~~تزوجت المطلقة حرمت على المطلق أبدا والنصارى قد يحرمون التزوج ببنات العم ~~والعمة والخال والخالة ويحرمون أن يتزوج الرجل أكثر من واحدة ms209 فمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وأمته عند الطائفتين قد اباحوا ما حرمه الله من الأبضاع على ~~زعمهم فإذا كان مثل هذا الكلام قد يقوله أهل الباطل من الكفار لأهل الإيمان ~~PageV01P191 كما قد يقوله أهل الحق بمجرد دعواه لا يقبل بل على المدعي أن ~~يبين أن ما ادعاه مما يقوله أهل الحق في أهل الباطل دون العكس # ( الوجه الثالث ) أن المتنازعين في الائمة قد يقول أهل البدع منهم ~~والأهواء مثل هذا في أئمة السنة والجماعة كما يقول الرافضة إن الصحابة ~~خالفوا نص الرسول صلى الله عليه وسلم بالخلافة على علي وبدلوه وكتموه وذلك ~~أعظم من مخالفة الاجماع ويقولون إن جمهور المسلمين أباحوا نكاح الكتابيات ~~وهو عندهم مما حرمه الله من الأبضاع ويقولون إن الصحابة وجمهور الأمة حطوا ~~من مقادير أولياء الله علي وأئمة أهل بيته وهم الخلفاء الراشدون وهم عندهم ~~معصومون وهم غلاة في عصمتهم وقالوا إنه لا يجوز عليهم السهو والغلط بحال ~~وغلوا في عصمة الأنبياء ليكون ذلك تمهيدا لما يدعونه من عصمة الأئمة أولياء ~~الله إذ هم عند طائفة منهم أفضل من الأنبياء وجمهورهم يقولون الناس أحوج ~~اليهم منهم إلى الأنبياء وأنهم قد يستغنون عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~يستغنون عن الإمام المعصوم وذلك واجب عندهم في كل زمان وقالوا إنه من حين ~~صغره يكون معصوما حتى قالوا لأجل ذلك إن الني يجب أيضا أن يكون قبل النبوة ~~معصوما من الغلط والسهو في كل شيء وزعم بعضهم أنه لا بد أن يكون النبي ~~والإمام عارفا بلغة كل من بعث اليهم على اختلاف لغاتهم وكثرتها ولا بد ايضا ~~أن يكون عالما بالصنائع والمتاجر وسائر الحرف ليكون مستغنيا بعلمه عن ~~الرجوع إلى أحد من رعيته في دين أو دنيا وذلك يوجب رجوع المعصوم إلى غير ~~المعصوم وإلى من يجوز عليه الخطأ أو الغلط ولأن رجوعه اليهم يقتضي نقصه ~~عندهم وحاجته وعندهم أن من نفى هذا عن الأئمة والأنبياء فقد تعرض لتنقيص ~~الأنبياء وحط من مقادير الائمة والأولياء وعندهم أن ms210 من قال ذلك فقد تجرأ ~~بما ادعاه وقاله على تنقيص الانبياء لا محالة فتعين عندهم مجاهدته والقيام ~~عليه والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة ~~للأنبياء والمرسلين ولاولياء الله أئمة الدين وبهذا ونحوه استحل أهل البدع ~~تكفير جمهور المسلمين وقتالهم واستحلوا دماءهم وأموالهم وسبي PageV01P192 ~~عيالهم واستعانوا بالكفار من النصارى والمشركين الترك والتتار حتى فعلوا ~~بديار الإسلام ما فعلوه بالعراق وخراسان والجزيرة والشام وغير ذلك وكذلك ~~فعلوا بمصر والمغرب في دولة العبيديين وإذا كان مثل هذا القول يقوله أهل ~~البدع والضلال بل أهل الردة والنفاق كما يقوله الكفار في أهل الإيمان قد ~~يقوله المحق فيمن يستحقه وأكثر من عرف أنه يقوله في أهل العلم هم أهل البدع ~~والنفاق والكفار ولا ريب أن قول هذا المبتدع الجاهل هو بهم أشبه إذ هو من ~~أهل البدع الجهال ليس هو ممن يعرف النظر والاستدلال # ( الوجه الرابع ) أن يقال علماء المسلمين وأئمة الدين ما زالوا يتنازعون ~~في بعض المسائل فيبيح هذا من الفروج ما يحرمه هذا كما يبيح كثير نكاح أم ~~المزني بها وابنتها ولا يرون الزنا ينشر حرمة المصاهرة وهو قول الشافعي ~~وغيره وآخرون يحرمون ذلك وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وتنازعوا في الخلية ~~والبرية والبائن والبتة ونحو ذلك من كنايات الطلاق الظاهرة فقوم يقولون هي ~~واحدة رجعية كما قاله عمر بن الخطاب وغيره وهو قول الشافعي وغيره وقوم ~~يقولون هي ثلاث كما نقل عن علي وهو مذهب مالك وغيره وقوم يقولون واحدة ~~بائنة كما نقل عن ابن مسعود وهو مذهب أحمد وأحمد كان يتوقف في ذلك وترجح ~~عنده الثلاث ويكره أن يفتى به وإن نوى واحدة فهي رجعية عنده ولو نوى بائنة ~~لم تكن إلا رجعية كقول الشافعي وروى عنه أنها تكون بائنة كقول أبي حنيفة ~~وكما تنازعوا فيما إذا خلعها بعد طلقتين فأباحها ابن عباس وطاوس ~~PageV01P193 وعكرمة وغيرهم وقالوا الخلع ليس بطلاق واستدلوا بالكتاب والسنة ~~وهو أحد قولي الشافعي وظاهر مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وابن ms211 ~~خزيمة وغيرهم من فقهاء الحديث وقيل بل هي طلقة واحدة كما نقل عن عثمان ~~وغيره من الصحابة لكن ضعف أحمد وابن خزيمة وغيرهما كل ما نقل عن الصحابة ~~إلا قول ابن عباس وهو قول كثير من التابعين وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ~~والشافعي في القول الآخر وتنازعوا فيما سوى ذلك وهم كلهم مجتهدون مصيبون ~~بمعنى أنهم مطيعون لله وأما بمعنى العلم بحكمه في نفس الأمر فالمصيب واحد ~~وله أجران والآخر له أجر وخطأه مغفور له لا يطلق القول على أحدهم إنه أحل ~~ما حرم الله وحرم ما أحل الله بمعنى الاستحلال والتعمد وإذا أريد أن ذلك ~~وقع على وجه التأويل فعامة العلماء وقعوا في مثل هذا والله يأجرهم ولا ~~يؤاخذهم على خطأهم # ( الوجه الخامس ) أن يقال قول القائل فيما يتكلم فيه العلماء بالأدلة ~~الشرعية مثل ما إذا قيل إنه لا يجوز الحلف بالأنبياء ولا النذر لهم ولا ~~السجود لقبورهم ولا الحج اليها ولا اتخاذ قبورهم مساجد ونحو ذلك أو قيل إنه ~~لا تجب الصلاة على النبي في الصلاة كما قاله وأكثر العلماء أو قيل إنه يكره ~~الصلاة عليه عند الذبح أو لا يستحب كما هو قول مالك وأحمد وقيل يستحب وهو ~~قول الشافعي فاذا قال قائل في مثل هذه المسائل إن هذا تنقيص للأنبياء فان ~~أراد بذلك أن قائل هذا القول قصد التنقيص لهم والعيب لهم والطعن عليهم ~~والشتم فقد كذب وافترى كذبا ظاهرا وإن قال إنه نقصهم عما يستحقونه عند الله ~~فهذا محل النزاع فصاحب القول الآخر يقول بل أخطأ فيما يستحقونه ولم يقل ما ~~ينقص درجتهم التي يستحقونها وإن قدر أنه أخطأ في اجتهاده فلا إثم عليه في ~~ذلك فكيف إذا كان هو المصيب للصواب المتبع للكتاب والسنة ولما كان عليه ~~التابعون من الأصحاب # ( الوجه السادس ) أنه إنما يقبل قول من يدعي أن غيره يخالف الإجماع إذا ~~كان ممن PageV01P194 يعرف الإجماع والنزاع وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ~~ذلك لا يكون مثل هذا المعترض الذي لا يعرف ms212 نفس المذهب الذي انتسب اليه ولا ~~ما قال أصحابه في مثل هذه المسألة االتي قد افتري فيها وصنف فيها فكيف يعرف ~~مثل هذا أجماع علماء المسلمين مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال # ( الوجه السابع ) أن لفظ كم يقتضي التكثير وهذا يوجب كثرة المسائل التي ~~خرق المجيب فيها الإجماع والذين هم أعلم من هذا المعترض وأكثر اطلاعا ~~اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الاجماع بل ~~غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع كما ظنه بعضهم في مسألة ~~الحلف بالطلاق وكان فيها من النزاع نقلا ومن الاستدلال فقها وحديثا ما لم ~~يطلع عليه # ( الوجه الثامن ) أن المجيب ولله الحمد لم يقل قط في مسالة إلا بقول سبقه ~~اليه العلماء فان كان قد يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف ~~أنه قد قاله بعض العلماء كما قال الإمام أحمد إياك أن تتكلم في مسألة ليس ~~لك فيها إمام فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولا يخرق به إجماع ~~المسلمين وهو لا يقول إلا ما سبقه اليه علماء المسلمين فهل يتصور أن يكون ~~الإجماع واقعا في موارد النزاع ولكن من لم يعرف اقوال العلماء قد يظن ~~الإجماع من عدم علمه النزاع وهو مخطئ في هذا الظن لا مصيب ومن علم حجة على ~~من لم يعلم والمثبت مقدم على النافي # ( الوجه التاسع ) أن دعوى الإجماع من علم الخاصة الذي لا يمكن الجزم فيه ~~بأقوال العلماء إنما معناها عدم العلم بالمنازع ليس معناه الجزم بنفي ~~المنازع فان ذلك قول بلا علم ولهذا رد الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما على ~~من ادعاها بهذا المعنى وبسط الشافعي في ذلك القول وأحمد كان يقول هذا كثيرا ~~ويقول من ادعى الإجماع فقد كذب وما يدريه أن الناس لم يختلفوا ولكن يقول لا ~~أعلم مخالفا وأبو ثور قال إن الذي يذكر من الإجماع معناه أنا لا نعلم ~~منازعا ثم يعرف من ادعى الإجماع في هذه PageV01P195 الأمور إلا وقد وجد في ~~بعض ms213 ما نذكره من الإجماعات نزاعا لم يطلع عليه كما قد بسط الكلام على هذا ~~في مواضع فاذا كان هذا في ادعاء العلماء الأكابر فكيف بما يدعيه هذا ~~المعترض من الإجماع وهو من جنس ادعائه الإجماع في هذه المسألة المتنازع ~~فيها وهو السفر إلى غير المساجد الثلاثة فجعل السفر لمجرد زيارة القبور ~~أمرا مجمعا عليه وأن من قال بخلاف ذلك فهو تنقص الأنبياء وجاهرهم بالعداوة ~~والإجماع من علماء المسلمين إنما هو على خلاف ما ظنه هو وأمثاله ممن ~~يتحكمون في الدين بلا علم فانهم مجمعون على أن قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد متناول لشد الرحال لزيارة القبور ~~ثم تنازعوا هل موجب الحديث النهي والتحريم أو موجبه نفي الفضيلة والاستحباب ~~فمن قال إنه يستحب شد الرحال إلى غير الثلاثة كزيارة القبور فهذا هو الذي ~~خالف الإجماع بلا ريب مع مخالفته للرسول صلى الله عليه وسلم فهو ممن خالف ~~الرسول والمؤمنين واتبع غير سبيلهم لكن إذا لم يكن قد تبين له الهدى وعرف ~~ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لم يكفر فان الله إنما ألحق ~~الوعيد بمن شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ~~فقد توعده بأنه يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا ومن قال إن السفر ~~إلى غير الثلاثة كزيارة القبور مستحب فقد خالف الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وخالف علماء أمته واما السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم فهو سفر إلى أحد ~~المساجد الثلاثة ليس مما نهى عنه وإذا فعل في مسجده ما شرع من الزيارة ~~الشرعية وصلى عليه وسلم كما أمر الله وعلم فهو محسن في هذه الزيارة كما كان ~~محسنا في شد الرحل إلى مسجده وهذا هو الذي أجمع عليه المسلمون أيضا كما ~~أجمعوا أنه لا تشد الرحال لمجرد زيارة القبور فذاك الإجماع على شدها إلى ~~مسجده وزيارته الشرعية حق وهذا الإجماع على أنه لا يستحب شد الرحال إلى غير ~~الثلاثة ms214 حق وكلا الاجماعين معه نص عن الرسول صلى الله عليه وسلم والعالم من ~~اتبع هذا وهذا وليس هو من ترك النص والإجماع من أحد الجانبين وتمسك في ~~الجانب الآخر بألفاظ مجملة يظن الإجماع على ما فهمه منها ولم تجمع الأمة ~~على ما فهمه بل ما فهمه قد يكون مجمعا على تحريمه كمن يفهم من الزيارة الحج ~~اليهم ودعاءهم من دون الله فهذا PageV01P196 مجمع على تحريمه فمن يفهم من ~~الزيارة الحج اليهم ودعاءهم من دون الله فهذا مجمع على تحريمه والله أعلم # ( الوجه العاشر ) أن النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة ~~القبور إنما يكون تنقصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لو كانت زيارة القبور ~~المشروعة هي من باب تعظيم الزائر للمزور والخضوع له وأنه إنما شرع زيارة ~~قبره لعظم قدره وجاهه عند الله وعلو مرتبته عنده فإن قيل إنه لا يزار قبره ~~أو لا يسافر إلى زيارة قبره كان ذلك غضا ونقصا لمنزلته المذكورة وليس الأمر ~~في دين الإسلام كذلك بل زيارة القبور التي شرعها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذنا فيها وفعلا لها أو ترغيبا فيها إنما المقصود بها نفع الزائر ~~للمزور وإحسانه اليه بدعائه له واستغفاره له إن كان مؤمنا وان كان كافرا ~~فالمقصود خضوع الزائر للمزور لعلو جاهه وقدره وبهذا يظهر الفرقان بين ~~الزيارة الشرعية المباحة والمستحبة وبين الزيارة البدعية المكروهة والمنهي ~~عنها وإذا كان كذلك فمعلوم أن الأنبياء والصالحين إذا كانت زيارة قبورهم ~~إنما هي للدعاء لهم كما يصلى على جنائزهم كزيارة سائر قبور المؤمنين وليست ~~خضوعا من الزائر لهم لعلو جاههم وعظم قدرهم لم يكن في ترك هذه الزيارة تنقص ~~بهم ولا غض من قدرهم فترك الإنسان زيارته لكثير من قبور المسلمين لا يكون ~~تنقصا لهم ولو كان ترك زيارتهم تنقصا لكان فعلها واجبا وكذلك إذا نهي عن ~~السفر اليها كما نهى عن السفر لزيارة سائر القبور فلا يخطر ببال أحد أن ذلك ~~تنقص بهم فأن لا يكون ذلك تنقصا بالأنبياء أولى ms215 وأحرى وإنما ظن النهي أو ~~الترك تنقصا من ظن أن الزيارة خضوع لهم لجاههم وعظم قدرهم كالإيمان بهم ~~وطاعتهم وتصديقهم فيما أخبروا به عن الله ولا ريب أن من قال لا يجب الإيمان ~~بهم أو لا تجب طاعتهم وتصديقهم أو طعن في شيء مما أخبروا به عن الله أو ~~أمروا به فقد تنقصهم وهو كافر مرتد إن ظهر ذلك ومنافق زنديق إن أبطنه وهذا ~~الموضع منشأ الاشتباه على كثير من الناس فلفظ زيارة القبور في كلام الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وما فعله هو من الزيارة لم يكن شيء منها خضوعا للميت ~~ولا تعظيما لجاهه PageV01P197 وقدره بل كان ذلك دعاء له كما يدعى له إذا ~~صلي على جنازته وإذا كان الذي يصلي على جنازته ويزار قبره أعظم قدرا كان ~~الدعاء له أعظم لكن فرق بين أن يقصد دعاء الله له ليرحمه ويزيده من فضله ~~وبين أن يقصد دعاءه وسؤاله والاستشفاع به لجاهه وقدره عند الله فالزيارة ~~المشروعة من الجنس الأول من جنس الصلاة على اجنازة لا من جنس الثاني كرغبة ~~الخلق يوم القيامة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم وكرغبة ~~أصحابه اليه في حياته أن يدعو لهم ويستسقي لهم فهذا الطلب منه كان لعلو ~~جاهه وعظم منزلته عند الله ولهذا يأتون يوم القيامة إلى أولي العزم فيردهم ~~هذا إلى هذا حتى يردهم المسيح اليه وفي حياته كانوا يطلبون منه الدعاء ~~ويتوجهون إلى الله ويتوسلون اليه بدعائه وشفاعته لجاهه عند الله ولما مات ~~استسقوا بالعباس عمه وقال عمر اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا ~~فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون رواه البخاري في صحيحه ~~ومعنى قول كنا نتوسل إليك بنبينا أي بدعائه وشفاعته ولهذا توسلوا بعد موته ~~بدعاء العباس وشفاعته لما تعذر عليهم التوسل به بعد موته كما كانوا يتوسلون ~~به في حياته ولم يرد عمر بقوله كنا نتوسل اليك بنبينا أن نسألك بحرمته أو ~~نقسم عليك به من غير أن يكون هو داعيا ms216 شافعا لنا كما يفعله بعض الناس بعد ~~موته فان هذا لم يكونوا في حياته إنما كانوا يتوسلون بدعائه ولو كانوا ~~يفعلونه في حياته لكان ذلك ممكنا بعد موته كما كان في حياته ولم يكونوا ~~يحتاجون أن يتوسلوا بالعباس وكثير من الناس يغلط في معنى قول عمر وإذا ~~تدبره عرف الفرق ولو كان التوسل به بعد موته ممكنا كالتوسل به في حياته لما ~~عدلوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العباس وكذلك معاوية لما استسقى ~~توسل بدعاء يزيد بن الاسود الجرشي وكذلك نقل عن الضحاك بن قيس فمن فهم مراد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور وفرق بين الشرعية والبدعية تبين ~~له الحق من الباطل ونبينا صلى الله عليه وسلم أمر الله بالصلاة والسلام ~~عليه وأمر عند سماع الأذان أن تطلب الوسيلة له فهذا حق له على الأمة وهو ~~مشروع مأمور به في كل مكان لا يختص به في مكان عند قبره فلم يبق في زيارة ~~قبره أمر يختص به ذلك المكان بخلاف غيره PageV01P198 وأيضا فنهى عن اتخاذ ~~بيته عيدا وقال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم ~~تبلغني وكذلك السلام قال إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام ~~فصلاة الأمة وسلامها يصل إليه من جميع الأمكنة وقد نهى عن اتخاذ بيته عيدا ~~لئلا يتخذ قبره وثنا ومسجدا بخلاف قبور سائر المؤمنين فانه إذا دعى لأحدهم ~~عند قبره لم يفض ذلك إلى أن يتخذ وثنا ومسجدا إلا إذا اتخذ مسجدا فلهذا نهي ~~عن اتخذا القبور قبور الأنبياء والصالحين مساجد فتبين أن الذي يجعل ما أمر ~~الله به ورسوله تنقيصا إنما هو لجهله وشركه وضلاله ونقص علمه وإيمانه بما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المنقص للرسول الطاعن عليه الذام لما ~~جاء به الآمر بما نهى عنه الناهي عما أمر به المبدل لشريعته وهو أحق بالكفر ~~والقتل فانه إن كان المخطئ المخالف للرسول صلى الله عليه وسلم في هذه ~~المسألة كافرا يجب قتله فلا ms217 ريب أنه المخالف فيكون كافرا مباح الدم وإن كان ~~المخطئ معذورا لأنه لم يقصد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم انما خفيت ~~عليه سنته واشتبه عليه الحق لم يكفر ولم يقتل واحد منهما لكن المخالف له ~~أقرب إلى الكفر وحل الدم فأما أن يكون الموافق له المتبع لسنته الآمر بما ~~أمر به الناهي عما نهى عنه كافرا مباح الدم والمخالف له المبدل لدينه ~~الطاعن في شريعته المعادي لسنته المعادي لأوليائه المبلغين لسنته معصوم ~~الدم فهذا تبديل للدين وقلب لحقائق الايمان وهو فعل أهل الجهل والطغيان ~~كالنصارى وعباد الأوثان # ( الوجه الحادي عشر ) أن يقال الذين يأمرون بالحج إلى القبور ودعاء ~~الموتى والاستغاثة بهم والتضرع لهم ويجعلون السفر إلى قبورهم كالسفر إلى ~~المساجد الثلاثة أو أفضل منه هم مشركون من جنس عباد الأوثان قد جعلوا ~~القبور أوثانا وهذا هو الذي دعا الرسول ربه فيه فقال اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فقبره لا يمكن ~~أحدا أن يصل اليه حتى يتخذه وثنا وإنما يصل إلى مسجده لكن يقصد المسافر ~~اليه أن يتخذه وثنا كقبر غيره أو يظن ذلك ولكن لا يمكنه ذلك بخلاف قبور ~~غيره فان فيها ما اتخذ أوثانا وقد ثبت بل استفاض PageV01P199 عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد ونهى أمته عن ذلك ~~فاذا كان من اتخذها مسجدا يصلي فيه لله تعالى ويدعو الله ملعونا فالذي ~~يقصدها ليدعو فيها غير الله ويتضرع فيها لغير الله ويخضع ويخضع فيها لغير ~~الله أحق باللعنة وإنما لعن الأول لأن فعله ذريعة إلى هذا الشرك الصريح ~~ومعلوم أن المسافرين لقبور الأنبياء والصالحين يفعلون هذا وأمثاله ويسافرون ~~لذلك فمن أمر بذلك واستحبه كان آمرا بالشرك بالله واتخاذ أنداد من دونه ~~آمرا بما حرم الله ورسوله ولعن فاعله والشرك أعظم الذنوب كما في الصحيحين ~~عن ابن مسعود قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال أن تجل لله ندا وهو ~~خلقك ms218 قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم أي قال أن تزاني ~~بحليلة جارك وأنزل الله تصديق ذلك @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون @QE@ الآية وقال تعالى ~~@QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ ومعلوم أن ~~الأنبياء إنما وجب تعظيمهم لأنهم صفوة عباد الله ولأنهم أمروا بتوحيده ~~وعبادته وبلغوا أمره ونهيه قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ فالغلاة ~~في المخلوقين كالنصارى وغيرهم من أهل البدع صاروا بغلوهم مشركين قال تعالى ~~@QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ~~ورسله @QE@ إلى قوله @QB@ فسيحشرهم إليه جميعا @QE@ ومعلوم أنه إذا فرض ~~ذنبان أحدهما الشرك والغلو في المخلوق والثاني نقص رسول من بعض حقه كمن ~~يعتقد في المسيح أنه صلب مع أنه رسول الله ومعلوم أن PageV01P200 نجاته ~~ورفعه إلى السماء أعظم قدرا من أن يسلط العدو عليه حتى يصلب فلو نقصه رجل ~~ذلك واعتقد أنه صلب ولم يعلم أن القرآن نفى صلبه كان هذا الخطأ دون خطأ من ~~غلا فيه وأشرك به ولو قال قائل إنه لا تشرع زيارة القبور بحال لا بسفر ولا ~~غير سفر وقال آخر بل يشرع السفر إليهم لدعائهم والتضرع لهم كما يفعله ~~المشركون وأهل البدع لكان هذا الشرك أعظم خطأ وضلالا من ذلك النقص فالشرك ~~عند الله أعظم إثما وصاحبه أعظم عقوبة وأبعد عن المغفرة من ms219 المتنقص لهم عن ~~كمال رتبتهم فإنه إذا كان كلاهما كافرا فكفر المشركين أعظم وكل شرك بالله ~~فهو تكذيب للرسل وتنقص بهم وليس كل من كذب بعض ما جاءوا به يكون مشركا ~~كافرا مثل كثير من أهل الكتاب فالشرك أعظم الذنوب وهؤلاء الجهال المضاهون ~~للنصارى غلوا في التخلص من النقص حتى وقعوا في الشرك والغلو وتكذيب الرسول ~~الذي هو أعظم إثما كما أصاب النصارى فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار ~~وكان ما فروا إليه من الشرك والغلو وتكذيب الرسل وتنقصهم أعظم إثما وعقابا ~~مما فروا من مه مما ظنوه تنقصا ولو فروا مما هو نقص لبعض أقدارهم فوقعوا في ~~الشرك كان ما فروا إليه شرا مما فروا منه والدين الحق دين الإسلام عبادة ~~الله وحده لا شريك له وتصديق رسله كما يدل عليه قولنا أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والله سبحانه يجمع بين هذين الاصلين في ~~غير موضع كقوله تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا @QE@ الآية فبدأ بالتوحيد ثم ~~قال @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا @QE@ الآية وفي أول آل عمران ~~قال @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ ثم قال @QB@ نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان @QE@ فذكر التوحيد أولا ثم ذكر النبوات المتضمنة إنزال الكتاب وفي ~~سورة القصص قال @QB@ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال ~~الذين حق عليهم القول @QE@ إلى قوله @QB@ ماذا أجبتم المرسلين @QE@ فذكر ~~مناداتهم لتحقيق التوحيد أولا ثم مناداتهم ماذا أجابوا المرسلين ~~PageV01P201 وذكر تبري المعبودين من العابدين ثم قال @QB@ ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون @QE@ إلى قوله @QB@ وما كانوا يفترون ~~@QE@ فذكر هناك اعتراف المشركين بالتوحيد وهنا اعتراف المعبودين وذكر في ~~سورة يونس نظير ما في البقرة فقرر التوحيد أولا ثم النبوة فقال بعد قوله ~~@QB@ ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم @QE@ إلى ms220 قوله @QB@ ~~فأنى تصرفون @QE@ وذكر أنه ايس معهم إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا ثم ~~قال @QB@ وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله @QE@ إلى قوله @QB@ إن ~~كنتم صادقين @QE@ فقرر النبوة ثم تحداهم بالمعارضة ليبين عجزهم وعجز جميع ~~الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله وأنه إنما أنزله الله وكذلك سورة هود ~~افتتحها بقوله @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير @QE@ إلى ~~قوله @QB@ ثم توبوا إليه @QE@ وافتتحها بذكر الكتاب فانه الداعي إلى ~~التوحيد فان هذه نزلت بمكة ولم يكونوا مقرين بالتوحيد بخلاف آل عمران فانها ~~من أواخر ما نزل نزلت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر والخطاب مع النصارى ~~وكانوا مقرين بالتوحيد لكن ابتدعوا شركا وغلوا واتبعوا المتشابه من جنس ~~الذين يحجون إلى القبور ويتخذونها أوثانا ولهذا لما ذكر آية التحدي في ~~هؤلاء قال @QB@ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ إلى ~~قوله @QB@ مسلمون @QE@ وأظهر عجزهم وأن القرآن منزل من الله بالإيمان ~~بالكتاب والرسول وبالتوحيد قال @QB@ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا ~~إله إلا هو @QE@ وقوله بعلمه أي نزل متضمنا لعلمه أخبر فيه بعلمه كما قال ~~@QB@ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه @QE@ فتبين أن الذي تضمنه هو ~~علم الله لا علم غيره ولو كان كلام غيره لكان مضمونه علم ذلك المتكلم ومن ~~قال أنزله وهو يعلمه فقوله ضعيف فانه يعلم كل شيء وليس كلامه في إثبات علمه ~~ومثل هذا في القرآن مذكور في مواضع وقد قال تعالى @QB@ فوربك لنسألنهم ~~أجمعين عما كانوا يعملون @QE@ قال أبو العالية وهو من قدماء التابعين خلتان ~~يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين وقال ~~تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط @QE@ PageV01P202 فجمع في هذه الآية بين الإيمان ~~بما أنزله على أنبيائه وبين عبادته وحده لا شريك له وفي الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر بهذه الآية وبآية في ms221 آل عمران ~~قوله @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم @QE@ الآية ~~وهذه الآية هي التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ملك النصارى ~~في كتابه إليه وآية البقرة قد قال قبلها @QB@ وقالوا كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا قل بل ملة إبراهيم @QE@ الآية وهذا هو التوحيد ثم ذكر في هذه الآية ~~الإيمان بما أنزل على أنبيائه ثم قال @QB@ قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا ~~وربكم @QE@ الآية فأفصح في آخر الآيات الثلاث بإخلاص الدين كله لله مع أن ~~الربوبية شاملة والأعمال مختصة لكل عامل عمله والإخلاص يتناول الإخلاص في ~~عبادته والإخلاص في التوكل عليه وفي المأثور عن أبي الدرداء رواها أبو نعيم ~~في الحلية وغيره أنه كان يقول ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر ~~والإخلاص للتوكل والاستسلام للرب وهذان الأصلان توحيد الرب والإيمان برسله ~~لا بد منهما ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وهذا يتضمن الإسلام والإيمان وهو الدين الذي بعث الله به ~~جميع النبيين فكلهم كانوا مسلمين مؤمنين قائمين بهذين الأصلين وقد بسط ~~الكلام على مسمى الإيمان والإسلام في مواضع مثل شرح النصوص الواردة في ~~الإسلام والإيمان في الكتاب والسنة وغير ذلك # والمقصود هنا أن الله أمرنا أن نؤمن بالملائكة والأنبياء وأمر أن لا ~~نتخذهم أربابا ولا نشرك بهم ولا نغلو فيهم ولا نعبد إلا الله وحده قال ~~تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق @QE@ الآية فأمرنا أن نؤمن بما أوتي جميع الأنبياء ولهذا كان ~~الإيمان بجميع ما جاءوا به واجبا ومن كفر بنبي معلوم PageV01P203 النبوة ~~فهو كافر مرتد ومن سب نبيا كان مرتدا مباح الدم باتفاق الأئمة وإنما ~~تنازعوا في قبول توبته وقد بين كفر من يؤمن ببعض ويكفر ببعض فقال تعالى ~~@QB@ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك هم الكافرون حقا ~~@QE@ الآية وقال تعالى @QB@ آمن ms222 الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ~~@QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ~~@QE@ # ودين الأنبياء واحد وملتهم واحدة وهي الأمة وإنما تنوعت شرائعهم ومناهجهم ~~كما قال تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ # وقد افترق اليهود والنصارى فاليهود جفوا عنهم فكذبوهم وقتلوهم كما أخبر ~~الله عنهم بقوله @QB@ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون @QE@ والنصارى غلوا فيهم فأشركوا بهم حتى كفروا ~~بالله قال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله @QE@ إلى قوله @QB@ فسيحشرهم ~~إليه جميعا @QE@ الآية فبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن ~~مشابهة اليهود وبعبادة الله وحده والاعتراف بأنهم عباد الله لا يجوز ~~اتخاذهم أربابا ولا الشرك بهم والغلو فيهم يخرج عن مشابهة النصارى فان ~~اتخاذهم أربابا كفر قال الله تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ والنصارى يشركون ~~بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان قال تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ الآية فمن غلا فيهم واتخذهم أربابا فهو ~~كافر ومن كذب شيئا مما جاءوا به أو سبهم أو عابهم أو عاداهم فهو كافر فلا ~~بد من رعاية هذا الأصل وهذا المعترض وأمثاله التفتوا إلى جانب التعظيم لهم ~~دون جانب التوحيد لله والنهي عن PageV01P204 الشرك فوقعوا في الغلو والشرك ~~فبقوا مشابهين للنصارى وهذا مخالف لدين الإسلام كما أن من لم يؤمن بهم وبما ~~جاءوا به ومن لم يجعل الطريق إلى الله هو اتباعهم وموالاتهم ومعاداة من ~~خالفهم فهو مخالف لدين الإسلام # ( الوجه الثاني عشر ) أن يقال لا ريب أن الجهاد والقيام على من خالف ~~الرسل والقصد بسيف الشرع اليهم وإقامة ما يجب بسبب أقوالهم نصرة للأنبياء ~~والمرسلين وليكون عبرة للمعتبرين ليرتدع بذلك أمثاله ms223 من المتمردين من أفضل ~~الأعمال التي أمرنا الله أن نتقرب بها إليه وذلك قد يكون فرضا على الكفاية ~~وقد يتعين على من علم أن غيره لا يقوم به والكتاب والسنة مملوءان بالأمر ~~بالجهاد وذكر فضيلته لكن يجب أن يعرف الجهاد الشرعي الذي أمر الله به ~~ورسوله من الجهاد البدعي جهاد أهل الضلال الذين يجاهدون في طاعة الشيطان ~~وهم يظنون أنهم يجاهدون في طاعة الرحمن كجهاد أهل البدع والأهواء كالخوارج ~~ونحوهم الذين يجاهدون في أهل الإسلام وفيمن هو أولى بالله ورسوله منهم من ~~السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين كما جاهدوا عليا ومن ~~معه وهم لمعاوية ومن معه اشد جهادا ولهذا قال فيهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد قال تمرق مارقة على حين فرقة من ~~المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق فقتلهم علي ومن معه إذ كانوا أولى ~~بالحق من معاوية ومن معه وهم كانوا يدعون أنهم يجاهدون في سبيل الله لأعداء ~~الله وكذلك من خرج من أهل الأهواء على أهل السنة واستعان بالكافر من أهل ~~الكتاب والمشركين والتتر وغيرهم هم عند أنفسهم مجاهدون في سبيل الله بل ~~وكذلك النصارى هم عند أنفسهم مجاهدون وإنما المجاهد في سبيل الله من جاهد ~~لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله كما في الصحيحين عن أبي ~~موسى قال قيل يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ~~ذلك في سبيل الله قال صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا فهو في سبيل الله وقد قال الله تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ والجهاد باللسان هو مما يجاهد به الرسول كما ~~PageV01P205 قال تعالى في السورة المكية @QB@ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية ~~نذيرا فلا تطع الكافرين @QE@ الآية وإذا كان كذلك فالجهاد أصله ليكون الدين ~~كله لله بحيث تكون عبادته وحده هو الدين الظاهر وتكون عبادة ما سواه مقهورا ~~مكتوما أو باطلا معدوما كما ms224 قال في المنافقين وأهل الذمة إذ كان لا يمكن ~~الجهاد حتى تصلح جميع القلوب فان هدى القلوب إنما هو بيد الله وإنما يمكن ~~حين يكون الدين ظاهرا دين الله كما قال تعالى @QB@ هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله @QE@ ومعلوم أن أعظم الأضداد لدين ~~الله هو الشرك فجهاد المشركين من أعظم الجهاد كما جهاد السابقين الأولين ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل ~~الله وكلمة الله إما أن يراد بها كلمة معينة وهي التوحيد لا إله إلا الله ~~فيكون هذا من نمط الآية وإما أن يراد بها الجنس أن يكون ما يقوله الله ~~ورسوله فهو الأعلى على كل قول وذلك هو الكتاب ثم السنة فمن كان يقول بما ~~قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه فهو القائم بكلمة الله ومن ~~قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول فهو الذي يستحق الجها ~~وهذا المعترض وأمثاله قد خالفوا قول الله ورسوله وسائر أئمة المسلمين فانهم ~~متفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد وإن شد الرحال لزيارة القبور داخل في ذلك إما بطريق العموم اللفظي ~~كدخول المساجد وإما بطريق الفحوى وتنبيه الخطاب فانه إذا كان السفر إلى ~~المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله غير مشروع فما دونها أولى أن لا يكون ~~مشروعا ومعلوم أ الصلوات الخمس جماعة وفرادى وقراءة القرآن والاعتكاف ~~والذكر والدعاء هو مشروع في المساجد وهو في المساجد أفضل منه في القبور ~~فاذا كان لا يسافر لذلك إلى المساجد فلا يسافر لذلك إلى القبور بطريق ~~الأولى وإذا لم يسافر لهذه العبادات التي يحبها الله ورسوله وهي إما واجبة ~~وإما مستحبة إذا لم يسافر لها لا إلى المساجد ولا إلى القبور فلا يسافر إلى ~~القبور لما لم يأمر الله به من الشرك والبدع بطريق الأولى فهذا أمر معلوم ~~بالاضطرار من دين الرسول PageV01P206 لكن ms225 لمن عرف دينه المتفق عليه بين ~~علماء أمته فمن جعل هذا السفر مستحبا أو مشروعا أو استحل عداوة من نهى عنه ~~وعقوبته فهذا محاد لله ولرسوله وهو المستحق للجهاد دون الآمر بما أمر الله ~~به الناهي عما نهى الله عنه فانه يجب نصره وموالاته كما يجب جهاد المخالف ~~له ومعاداة ما أتاه من الباطل وما استحبه علماء المسلمين وأجمعوا عليه من ~~السفر إلى مسجد الرسول وزيارته على الوجه الشرعي فهذا مستحب بالإجماع لا ~~ينازع فيه أحد فان كانوا يجاهدون من نهى عن هذا فهذا لا وجود له وإن جاهدوا ~~أهل النزاع من المسلمين فمسائل النزاع إما أن لا يكون فيها جهاد بل جدال ~~وبيان حجة وبرهان وهذا جهاد باللسان وإما أن يكون فيها جهاد فيكون لمن خالف ~~السنة والرسول لا من اتبع الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وحينئذ ~~فعلى كل تقدير قد تبين أ نالمعترض وأمثاله من أهل البدع والضلال والكذب ~~والجهل وتبديل الدين وتغيير شريعة الرسل هم أولى بأن يجاهدوا باليد واللسان ~~بحسب الإمكان وانهم فيما استحلوه من جهاد أهل العلم والسنة من جنس الخوارج ~~المارقين بل هم شر من أولئك فإن أولئك لم يكونوا يدعون إلى الشرك ومعصية ~~الرسول وظنهم أنهم ينصرونهم ظن باطل لا ينفعهم كظن النصارى أنهم ينصرون ~~المسيح ورسل الله وقد @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون @QE@ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما قال له ~~ما عبدوهم قال إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت ~~تلك عبادتهم إياهم رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما وصححه فقد أخبر ~~الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى أن رءوسهم لما أحلوا لهم الحرام ~~وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم كانت تلك الطاعة عبادة لهم وشركا بالله وهذا ~~يتناول ما إذا أحلوا وحرموا متعمدين للمخالفة أو متأولين مخطئين لا سيما ~~وعلماء النصارى هم عند أنفسهم لم ms226 يفعلوا إلا ما يوغ لهم فعله كالرؤساء إذا ~~قدر أنهم اجتهدوا وأخطأوا يغفر لهم فان من اتبعهم مع علمه بأنهم أخطأوا ~~وخالفوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عبد غير الله واشرك PageV01P207 به ~~ومثل هذا المعترض يريد ممن يبين له سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وشرعه ~~وتحليله وتحريمه أن يدع ذلك ويتبع غيره وهذا حرام بإجماع المسلمين فقد ~~أجمعوا على أن من تبين له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجز له ~~أن يقلد أحدا في خلافه وأما العاجز عن الاجتهاد فيجوز له التقليد عند ~~الأكثرين وقيل لا يجوز بحال وأما القادر على الاجتهاد فمذهب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما أنه لا يجوز له التقليد وذهب طائفة إلى جوازه وقيل يجوز تقليد ~~الأعلم ويروي هذا عن محمد بن الحسن وغيره فمن عاب من اتبع ما تبين له من ~~سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستحل أن يخالفه ويتبع غيره فهو مخطئ ~~مذموم على عيبه له بإجماع المسلمين فكيف إذا كانوا يدعوا إلى ما يفضي إلى ~~الشرك العظيم من دعاء غير الله واتخاذهم أوثانا والحج إلى غير بيت الله لا ~~سيما مع تفضيل الحج اليها على حج بيت الله أو تسويته به أو جعله قريبا منه ~~فهؤلاء المشركون والمفترون مثل هذا المعترض وأمثاله المستحقين للجهاد وبيان ~~ما دعوا اليه من الضلال والفساد وما نهوا عنه من الهدى والرشاد ولتكون كلمة ~~الله هي العليا ويكون الدين كله لله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم # ونختم الكلام بخاتمة في بيان الفرقان بين الحق والباطل يظهر بها طريق ~~الهدى من الضلال وذلك أن الله سبحانه كما تقدم التنبيه عليه أمرنا أن نؤمن ~~بالأنبياء وما جاءوا به وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث الينا ومحبته ~~وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه وأمرنا أيضا أن لا نعبد إلا الله وحده ولا ~~نشرك به شيئا ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابا وفرق بين حقه الذي يختص به ~~والذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي ms227 وبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته ~~وأنبيائه عموما ولمحمد خاتم الرسل وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصا فان ~~الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس فاصطفى من الملائكة جبريل لرسالته ~~واصطفى من البشر محمدا صلى الله عليه وسلم وأخبر ان هذا القرآن الذي نزل به ~~هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغا له عن الله قال تعالى @QB@ من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله @QE@ وقال @QB@ وإنه لتنزيل رب ~~العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ~~@QE@ PageV01P208 كما قال في الآية الأخرى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ~~@QE@ وقوله @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ إلى قوله @QB@ قل نزله روح ~~القدس من ربك @QE@ يبين أن روح القدس نزل بآيات القرآن من ربه وبعض الكفار ~~لما زعم أنه يتعلم من بشر قال الله تعالى @QB@ لسان الذي يلحدون إليه @QE@ ~~أي يضيفون اليه التعليم @QB@ أعجمي وهذا لسان عربي مبين @QE@ فدل على أن ~~هذا اللسان العربي المبين تعلمه من الملائكة ولم يتعلمه من بشر ولا من ~~تلقاء نفسه بل جاءه به روح القدس وروح القدس هو جبريل وهو الروح الأمين ~~فانه أخبر أن جبريل نزل على قلبه وأخبر أن الروح الأمين نزل به عليه فعلم ~~أن جبريل هو الروح الأمين وقال هاهنا انه @QB@ نزله روح القدس من ربك @QE@ ~~فعلن أنه روح القدس وقال في سورة @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين مطاع ثم أمين @QE@ ثم قال @QB@ وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه ~~بالأفق المبين @QE@ كما ذكر ذلك في سورة النجم وقال في سورة @QB@ فلا أقسم ~~بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما ms228 تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا ~~بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين @QE@ فهذا محمد كما يدل عليه الكلام كله وهذا قول عامة العلماء وقد ~~غلط بعض من شذ فزعم أن جبريل غلط كما غلط من هو أعظم غلطا منه فزعم أن التي ~~في التكوير في محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه وتعالى إنما اضافه إلى ~~هذا تارة والى هذا تارة بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين أنه قول رسول ~~بلغه عن مرسله لم يحدث منه شيئا من تلقاء نفسه ولا منافاة بين أن يكون ذلك ~~الرسول بلغه إلى هذا وهذا بلغه إلى الإنس والجن فهو قول هذا وقول هذا وقد ~~غلط بعض الناس فظن أنه إضافه إلى الرسول لأنه أحدث PageV01P209 القرآن ~~العربي وعبر به عن المعنى الذي فهمه وهذا باطل من وجوه إذ لو كان هذا حقا ~~تناقض الخبران فإن كون هذا أحدث القرآن العربي يناقض كون الآخر أحدثه فإنه ~~إذا أحدثه أحدهما امتنع كون الآخر هو الذي أحدثه بخلاف ما إذا بلغه فإنه ~~يبلغه هذا إلى هذا وهذا إلى الناس والناس بلغونه بعضهم إلى بعض كما قال ~~تعالى @QB@ لأنذركم به ومن بلغ @QE@ وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني ~~إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وبسط هذا له ~~موضع آخر # والمقصود هنا أن الله أوجب علينا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم خصوصا ~~وبالملك الذي جاءه بالقرآن فإن سائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم مجملا وأما ~~محمد صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به وأن نصدقه ~~في كل ما أخبر به وغيره من الأنبياء عليهم السلام علينا أن نؤمن بأن كل ما ~~أخبروا به عن الله فهو حق وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم ومحمد صلى ~~الله عليه ms229 وسلم أمرنا بما أمرتنا به الرسل من الدين العام مثل عبادة الله ~~وحده لا شريك له والإيمان بالملائكة والنبيين وجمل الشرائع بعد ما ذكره في ~~سورة الأنعام وسبحان بل وعامة السور المكية فإن ذلك مما اتفق عليه الرسل ~~ولكن بعض الأمور التي يقع في مثلها النسخ مثل يوم السبت وحل بعض الأطعمة ~~وحرمتها واتخاذ منسك هم ناسكوه هو مما تنوعت فيه الشرائع وخص الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بأفضل الشرائع والمناهج وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن الله تعالى أمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم وبجميع ما ~~أوتوا كما قال تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى @QE@ الآية ~~وقال تعالى @QB@ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين @QE@ وقال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ~~كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من ~~قبل @QE@ إلى قوله @QB@ وكان الله غفورا رحيما @QE@ PageV01P210 فالأنبياء ~~وسائط بين الله عز وجل وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده وما ~~أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان وسيكون وأما محمد صلى الله عليه ~~وسلم فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق وقد ختم به الأنبياء وآتاه من ~~الفضائل ما فضله به على غيره وجعله سيد ولد آدم وخصائصه وفضائله كثيرة ~~وعظيمة لا يسعها هذا الموضع وهو سبحانه مع هذا قد نهانا عن الشرك بهم ~~والغلو فيهم وميز بين حقه تعالى وحقهم فقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله @QE@ إلى قوله @QB@ مسلمون @QE@ فهذا بيان أن اتخاذ الملائكة والنبيين ~~أربابا كفر مع وجوب الإيمان بهم ما لم يحصل بعبادة الأوثان فإن الأوثان ~~تستحق الإهانة وان تكسر كما كسر إبراهيم الأصنام وكما حرق موسى العجل ونسفه ~~وكما كان نبينا ms230 صلى الله عليه وسلم يكسر الأصنام ويهدم بيوتها وقد قال ~~تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ ~~فاهانتها من تمام التوحيد والإيمان والملائكة والأنبياء بل الصالحون ~~يستحقون المحبة والموالاة والتكريم والثناء مع أنه يحرم الغلو والشرك بهم ~~فلهذا صار بعض الناس يزيد في التعظيم على ما يستحقونه فيصير شركا وبعضهم ~~يقصر عما يجب لهم من الحق فيصير فيه نوع من الكفر والصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهو القيام ~~بما أمر الله به ورسله في هذا وهذا والله تعالى يميز حقه من حق غيره ففي ~~الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا معاذ أتدري ~~ما حق الله على العباد قلت الله ورسوله أعلم قال أن يعبدون ولا يشركوا به ~~شيئا أتدري يا معاذ ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله أعلم قال ~~أن لا يعذبهم وقد قال تعالى @QB@ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا @QE@ الآية فالرسل كلهم نوح وهود وصالح ~~وشعيب وغيرهم يبينون أن العبادة والتقوى حق لله وحده وحق الرسل وطاعتهم قال ~~نوح عليه PageV01P211 السلام @QB@ يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون @QE@ وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم @QB@ يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره @QE@ وقال تعالى @QB@ كذبت قوم نوح المرسلين إذ ~~قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون @QE@ ~~وكذلك قال سائر الرسلو هود وصالح ولوط وشعيب كل يقول @QB@ فاتقوا الله ~~وأطيعون @QE@ وكذلك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى @QB@ ~~ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فجعل الطاعة ~~لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين إنما هو إله واحد @QE@ إلى قوله @QB@ أفغير الله تتقون @QE@ فأنكر ~~سبحانه أن يتقى غيره كما أمر ألا نرهب إلا إياه وقال تعالى ms231 @QB@ لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ إنما ~~يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر @QE@ الآية فقد أمر الله تعالى ~~في غير موضع أن يخشى ويخاف وألا يخشى ويخاف غيره وقال @QB@ ولو أنهم رضوا ~~ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله @QE@ الآية ففي الإيتاء قال ما ~~آتاهم الله ورسوله كما قال @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ لأن الحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله ~~فما أعطاه الرسول للناس فهو حقهم بالقول والعمل كالفرائض التي قسمها الله ~~وأعطى كل ذي حق حقه وكذلك من الفيء والصدقات ما أعطى فهو حقه وما أباحه له ~~فهو المباح وما نهاه عنه فهو حرام عليه فلهذا قال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ~~ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله @QE@ ولم يقل هنا ورسوله لأن الله ~~تعالى وحده حسب عبده أي كافيه لا يحتاج الرب في كفايته إلى أحد لا رسول ولا ~~نبي ولهذا لا تجيء هذه الكلمة إلا لله وحده كقوله @QB@ الذين قال لهم الناس ~~إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ فإن تولوا فقل ~~حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره @QE@ ~~PageV01P212 إلى قوله @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ~~@QE@ أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين كما قاله جمهور أهل العلم ومن قال ~~إن الله ومن اتبعك حسبك فقد غلط ولم يجعل وحده حسبه بل جعله وبعض المخلوقين ~~حسبه وهذا مخالف لسائر آيات القرآن وقال @QB@ أليس الله بكاف عبده @QE@ فهو ~~وحده كاف عبده وقال تعالى @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ فلهذا قال ~~تعالى @QB@ وقالوا حسبنا الله @QE@ ولم يقل ورسوله ثم قال @QB@ إنا إلى ~~الله راغبون @QE@ ولم يقل ورسوله بل جعل الرغبة إليه وحده كما قال @QB@ ~~فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ فالرغبة تتضمن التوكل وقد أمر أن لا ~~يتوكل ms232 إلا عليه كقوله @QB@ وعلى الله فتوكلوا @QE@ فالتوكل على الله وحده ~~والرغبة إليه وحده والرهبة منه وحده ايس لمخلوق لا للملائكة ولا الأنبياء ~~في هذا حق كما ليس لهم حق في العبادة ولا يجوز أن نعبد إلا الله وحده ولا ~~نخشى ولا نتقي إلا الله وحده كما قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون @QE@ فإذا قال القائل لا يجوز التوكل إلا على الله وحده ولا ~~العبادة إلا لله وحده ولا يتقى ويخشى إلا الله وحده لا الملائكة ولا ~~الأنبياء ولا غيرهم كان هذا تحقيقا للتوحيد ولم يكن هذا سبا لهم ولا تنقصا ~~بهم ولا عيبا لهم وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية فنقص ~~المخلوق عن الخالق من لوازم كل مخلوق ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق ~~والملائكة والأنبياء كلهم عباد لله يعبدونه كما قال تعالى @QB@ لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون @QE@ إلى قوله @QB@ وكذلك ~~نجزي الظالمين @QE@ فإذا نفى عن مخلوق ملك أو نبي أو غيرهما ما كان من ~~خصائص الربوبية وبين أنه عبد الله كان هذا حقا واجب القبول وكان إثباته ~~إطارء للمخلوق فإن رفعه عن ذلك كان عاصيا بل مشركا ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الذي في الصحيحين عن ابن PageV01P213 [ عباس عن ] ~~ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى ~~عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله والله تعالى قد ~~وصفه بالعبودية حين أرسله وحين تحدى وحين أسري به فقال تعالى @QB@ وأنه لما ~~قام عبد الله @QE@ وقال @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا @QE@ ~~وقال @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده @QE@ وأهل الباطل يقولون لمن وصفهم ~~بالعبودية إنه عابهم وسبهم ونحو ذلك كما ذكر طائفة من المفسرين أن وفد ~~نجران قالوا يا محمد إنك تعيب صاحبنا وتقول ms233 إنه عبد الله فقال النبي عليه ~~السلام ليس بعيب لعيسى أن يكون عبد ا لله فنزل @QB@ لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون @QE@ أي لن يأنف المسيح من ذلك ولن ~~يتعظم من جعله عبدا لله فعند النصارى الغلاة أنه سبه وعابه ولهذا لما سأل ~~النجاشي جعفر بن أبي طالب ما تقول في المسيح عيسى فقال هو عبد الله ورسوله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه رفع النجاشي عودا وقال ما زاد المسيح على ~~ما قلت هذا العود فنخرت بطارقته فقال وإن نخرتم فهم يجعلون قول الحق في ~~المخلوق سبا له وهم يسبون الله ويصفونه بالنقائص والعيوب كما في الصحيحين ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله شتمني ابن آدم ~~وما ينبغي له ذلك وكذبني وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله اني اتخذت ~~ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأما ~~تكذيبه إياي فقوله إنه لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من ~~إعادته رواه البخاري من حديث ابن عباس فقد أخبر سبحانه أن هؤلاء يسبونه وقد ~~كان معاذ بن جبل يقول عن النصارى لا ترحموهم فقد سبوا الله سبة ما سبه ~~إياها أحد من البشر وهذا نظير ما ذكره الله تعالى عن المشركين بقوله @QB@ ~~وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون @QE@ فكانوا ينكرون على محمد عليه السلام أن يذكر ~~آلهتهم بما تستحقه وهم يكفرون بذكر الرحمن ولا ينكرون PageV01P214 ذلك كما ~~قال تعالى @QB@ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم @QE@ وهكذا من فيه شبه من اليهود والنصارى والمشركين تجده يغلو في بعض ~~المخلوقين من المشايخ والائمة والأنبياء وغيرهم فإذا ذكروا بما يستحقونه ~~أنكر ذلك ونفر منه وعادى من فعل ذلك وهو وأصحابه يستخفون ms234 بعبادة الله وحده ~~وبحقه وبحرماته وشعائره ولا ينكر ذلك ويحلف أحدهم بالله ويكذب ويحلف بمن ~~يعظمه ويصدق ولا يستجيز الكذب إذا حلف به وهؤلاء من جنس النصارى والمشركين ~~وكذلك قد يعيبون من نهى عن شركهم كالحج إلى القبور التي يحجون اليها عادة ~~وهم يستخفون بحرمة الحج إلى بيت الله ويجعلون الحج إلى القبور أفضل منه وقد ~~ينهون عن الحج اعتياضا بالحج إلى القبور ويقولون هذا الحج الأكبر وهؤلاء من ~~جنس المشركين وعباد الأوثان وكذلك هذا المعترض وأمثاله يرون النهي عن الحج ~~إلى قبور الأنبياء والصالحين اخلالا بحقهم ومعاداة لهم ونحو ذلك وهم لا ~~يرون الشرك بالله ودعاء غيره واتخاذ عباده من دونه أولياء اخلالا بحقه ~~ومعاداة لهم ومعلوم أن المشركين من أعظم أعداء الله عز وجل قال الله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة @QE@ إلى قوله @QB@ حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ فأمر بالتأسي ~~بابراهيم ومن معه لما تبرأوا من المشركين وما يعبده المشركون وأظهروا لهم ~~العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده فالمشرك والآمر بالشرك والراضي به ~~معاد لله ومن عادى الله فقد عادى أنبياءه وأولياءه وأما من أمر بما جاءت به ~~الرسل فلم يعادهم ولم يعاندهم قال الله تعالى @QB@ قل يا أيها الكافرون ~~@QE@ إلى آخر السورة # وهنا موضع يشكل وذلك أنه قال عليه السلام في الحديث الصحيح أصدق كلمة قد ~~قالها شاعر كلمة لبيد % ألا كل شيء ما خلا الله باطل % # وذلك مثل قوله @QB@ ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ~~@QE@ PageV01P215 فالمراد بالباطل مالا ينفع وكل ما سوى الله لا تنفع ~~عبادته كما في الأثر أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا ~~وجهك الكريم فإن هذا يدخل فيه كل ما عبد من دون الله من الملائكة والأنبياء ~~وهؤلاء قد سبقت لهم من الله الحسنى فكيف يدخلون في الباطل وكذلك قوله @QB@ ~~فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال @QE@ فيقال إن ~~المرادعبادتهم والعمل لهم ms235 باطل وقد يقال عن الشيء انه لا شيء وليس بشيء ~~لانتفاء المقصود منه وكما قال عليه السلام عن الكهان لما سئل عنه فقال ~~ليسوا بشيء فقال انهم يحدثون بالشيء فيكون حقا فذكر أن ذلك من الجن تخطف ~~الكلمة من الحق ويزيدون فيها من الكذب مائة كذبة فهم ليسوا بشيء أي لا ~~ينتفع بهم فيما يقصد منهم وهو الاستخبار عن الأمور الغائبة لأنهم يكذبون ~~كثيرا فلا يدري ما قالوه أهو صدق أم كذب وهم مع ذلك موجودون يضلون ويضلون ~~فقوله ليس بشيء مثل قوله ألا كل شيء ما خلا الله باطل وقوله @QB@ ذلك بأن ~~الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل @QE@ فهو من جهة كونه معبودا ~~باطل لا ينتفع به ولا يحصل لعابده مقصود العبادة وإن كان من جهة أخرى هو ~~شمس وقمر ينتفع بضيائه ونوره وهو يسجد لله ويسبحه وكذلك الملائكة والأنبياء ~~اذا نفى عنهم كونهم آلهة معبودين تبين أن عبادتهم عمل باطل لا ينتفع به ولم ~~ينف ذلك ما يستحفونه من الإجلال والإكرام والإيمان بهم وقولهم @QB@ إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله @QE@ أي ومن عبادتهم ومن كونهم معبودين ~~كما قال الخليل عليه السلام @QB@ يا قوم إني بريء مما تشركون @QE@ فهو بريء ~~من كل شريك لله من جهة كونه جعل شريكا وندا لله ولم يبرأ منه من جهات أخرى ~~فإبراهيم لم بيرأ من الشمس والقمر والكواكب من جهة كونها مسخرة لمنافع ~~العباد وكونها تسجد لله وتسبحه وكونها من آياته العظيمة بل من جهة كونها ~~شركاء لله وقوله @QB@ إني بريء مما تشركون @QE@ وان كان يقال ما مصدرية أي ~~PageV01P216 من شرككم فقد صرح في قوله @QB@ إنا برآء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله @QE@ أي برآء من المعبودين من دون الله وكذلك قوله @QB@ أفرأيتم ~~ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ ~~أما الأوثان ونحوها فتعادي مطلقا والشمس والقرم والملائكة والكواكب تعادي ~~عبادتها وكونها آلهة معبودة فتبغض من هذه الجهات وتعادى مع وجوب الإيمان ms236 ~~بالملائكة وإذا قيل للنصارى نحن برآء من شرككم ومما تعبدون من دون الله وقد ~~قال تعالى @QB@ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله ~~هو السميع العليم @QE@ هذا بعد قوله تعالى @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام @QE@ فقد عبد ~~المسيح وغيره فالبراءة من كل معبود سوى الله كالبراءة من كل إله سوى الله ~~وذلك براءة من الشرك ومن كون ما سوى الله معبودا وليس هو براءة من المسيح ~~من جهة كونه رسولا كريما وجيها عند الله بل براءة مما قيل فيه من الباطل لا ~~من الحق والمسيح والملائكة وغيرهم يتبرءون ممن عبدوهم ويعادونهم ولا ~~يوالونهم قال الله تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ أكثرهم بهم مؤمنون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ~~ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون @QE@ إلى ية وقال تعالى ~~@QB@ أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ~~أغير الله أتخذ وليا @QE@ الآية وهو سبحانه لم ينه عن موالاتهم دونه فمن ~~أحبهم ووالاهم لله فهو موحد ومن جعلهم أندادا وأحبهم كما يحب الله فهو مشرك ~~فالحب لله توحيد وإيمان والحب كما يحب الله شرك وكفر وكذلك الشفاعة قال ~~تالى @QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ وقال تعالى @QB@ ليس لها من ~~دون الله ولي ولا شفيع @QE@ وقال عز وجل @QB@ ما من شفيع إلا من بعد إذنه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ PageV01P217 ~~وقال تعالى @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ فتبين انه لا ~~تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء ولا غيرهم إلا لمن اذن له حتى إذا قضى الأمر ~~ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان وصعقوا ~~فلا يعلمون ما قال @QB@ حتى إذا فزع عن قلوبهم ms237 قالوا ماذا قال ربكم قالوا ~~الحق وهو العلي الكبير @QE@ فحينئذ يعلمون ما قضى به فكيف يشفعون بدون إذنه ~~قال الله تعالى @QB@ بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ~~@QE@ وقال @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~@QE@ الآية # وأوجه الشفعاء وأول شافع يوم القيامة محمد صلى الله عليه وسلم وقد ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة أحاديث الشفاعة أن الناس يوم القيامة إذا ذهبوا إلى آدم ~~ليشفع لهم يردهم إلى نوح ونوح إلى إبراهيم وإبراهيم إلى موسى وموسى إلى ~~المسيح والمسيح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين فيقول اذهبوا إلى محمد ~~فإنه عبد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال صلى الله عليه وسلم ~~فيأتوني فاذهب إلى ربي فإذا رأيت ربي خررت ساجدا وأحمد ربي بمحامد يفتحها ~~علي لا أحسنها الآن وحينئذ فيقول تعالى أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل ~~تعطه واشفع تشفع قال فأقول أي رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة وكذلك ذكر ~~في الثانية والثالثة وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قلت يا رسول الله من ~~أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة فقال صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ظننت ~~أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد ~~الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه فقد بين أوجه الشفعاء ~~أنه إذا أتى يبدأ بالسجود لله والحمد لله لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له ~~فإذا اذن له فحينئذ يشفع فاذا شفع حد له حدا فيدخلهم الجنة وبين أن أولى ~~الناس بشفاعته من كان أعظم اخلاصا وتوحيدا لا من كان سائلا وطالبا منه أو ~~من غيره فالأمر كله لله وحده لا شريك له هو الذي ياذن في الشفاعة وهو الذي ~~يقبل شفاعة الشفيع فيمن يختار فربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ~~سبحان الله وتعالى عما يشركون PageV01P218 # فالذين يخالفون شريعة الأنبياء ويغلون فيهم ويقولون أنهم يحبونهم ms238 ~~ويوالونهم ويعظمونهم بذلك فالأنبياء يتبرءون منهم ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~بريء من عمل من يخالف أمره وسنته قال الله تعالى @QB@ فإن عصوك فقل إني ~~بريء مما تعملون @QE@ ولا ينفع من عصى الرسول أن يقل قصدي تعظيمهم فإنه ~~إنما أمر بطاعتهم ولم يؤمر أن يعبد الله بالظن وما تهوى الأنفس قال الله ~~تعالى @QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت ~~قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ~~ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما ~~دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد @QE@ فقد ~~أخبر أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به أن يعبدوا الله وحده وكذلك سائر ~~الأنبياء قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وهو سبحانه إنما يعبد بما شرع من الدين لا ~~يعبد بما شرع من الدين بغير إذنه فإن ذلك شرك قال الله تعالى @QB@ أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ وقال تعالى @QB@ شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~@QE@ والدين الذي شرعه إما واجب وإما مستحب فكل من عبد عبادة ليست واجبة في ~~شرع الرسول ولا مستحبة كانت من الشرك والبدع والحج إلى القبور ليس من شرعه ~~لا واجبا ولا مستحبا فإنه لا يقدر أحد أن ينقل عنه حديثا صحيحا في استحباب ~~ذلك ولا عن أصحابه ولا علماء أمته وإنما ينقل في ذلك أحاديث مكذوبة فهي من ~~الإفك والشرك وانما السفر إلى المساجد الثلاثة لأنه سفر إلى بيوت الله التي ~~بنتها ms239 الأنبياء لعبادته وأحدها يجب الحج اليه والآخر ان يستحب السفر اليهما ~~والحج الواجب كما يختص بذلك المكان فهو يختص بأعمال لا تشرع في غيره ~~كالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى ورمي الجمار ~~PageV01P219 وسوق الهدي إلى هناك وغير ذلك وأما المسجدان الآخران فلا يشرع ~~فيهما الا من جنس ما يشرع لسائر المساجد كالصلاة والذمر والدعاء والاعتكاف ~~لكن للعبادة فيهما فضيلة على العبادة في سائر المساجد أوجبت تلك الفضيلة أن ~~يشرع السفر اليهما وقبر النبي صلى الله عليه وسلم مجاور مسجده فإذا أتى ~~مسجده فعل فيه ما يشرع له من حق الرسول من الصلاة والسلام وغير ذلك وكل ما ~~يفعله فيه من ذلك في مسجده فهو مشروع في سائر المساجد والأمكنة لكن مسجده ~~أفضل فالصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وهذا الفعل ~~المشروع في حقه كالصلاة والسلام هل يسمى زيارة لقبره ويطلق ذلك عليه على ~~قولين معروفين فإنه لا يوصل إلى قبره ويزار الزيارة المعروفة في حق غيره بل ~~قد منع الناس من ذلك فما بقي المشروع هناك كالمشروع من زيارة لسائر القبور ~~إذ كان الله قد خص نبيه بالأمر بالصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان وخص ~~بالدفن في حجرته فلا يصل أحد إليه لئلا يتخذ قبره مسجدا ووثنا وعيدا وكلما ~~تدبر الإنسان ما أمر به وشرعه تبين له أنه جمع في شرعه بين كمال توحيد الرب ~~وإخلاص الدين له وبين كمال طاعة الرسل وتعزيرهم ومحبتهم وموالاتهم ~~ومتابعتهم فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أتبعهم للرسول باطنا وظاهرا صلى ~~الله عليه وسلم تسليما والحمد لله وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه وسلم ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل # وجد في آخر الأصل ما نصه # آخر كتاب ( الرد على الأخنائي ) قاضي المالكية واستحباب زيارة خير البرية ~~الزيارة الشرعية لا البدعية لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية # أنهاه بقلمه راجي عفو ربه وكرمه الفقير إلى رحمة ربه الولي حسين بن حسن ~~بن حسين بن علي غفر الله له ولوالديه ms240 ولكافة المسلمين جعله الله نافعا من ~~قرأه ومن نظر فيه ومن سأل لوالدي المغفرة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم # غرة جمادى الآخرة سنة 1303 ه PageV01P220 ms241