######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037816 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرد على الأخنائي قاضي المالكية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037816 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37816 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37816 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الداني بن منير آل زهوي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى - 1423هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة العصرية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | كلمات مضيئة # قال الله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما # [النساء: 65] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « ... عليكم بسنتي، وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات ~~الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». # حديث صحيح وقال المصنف- رحمه الله-: «الراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان ~~يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد». # وقال: «ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو ~~العبارات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب ~~باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب ~~إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ # فقال: إذا صام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما ~~هو للمسلمين، هذا أفضل». # «مجموع الفتاوى» (28/ 231). # PageV01P005 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة المحقق # إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن ~~سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل ~~عمران: 102]. # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا [النساء: 1]. # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما [الأحزاب: 70، ~~71]. # أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ~~ضلالة في النار. # وبعد؛ فإن من تمام حفظ كتاب الله وحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، الذب ms001 والدفاع عنهما، ودفع كل ما يشوبهما. # ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذا الأساس المتين، فحفظوا وصية ~~نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، فحموا الكتاب والسنة من تحريف الغالين، ~~وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وهذا بفضل التربية التي رباها إياهم ~~النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم. ثم سار على هذا المنهج القويم من ~~بعدهم تلاميذهم من التابعين وأئمة الدين. حتى ظهرت نابتة السوء، وبدأت ~~رائحة المبتدعة تفوح؛ فظهر الخوارج المبتدعة الذين كفروا عليا عليه السلام ~~وحاربوه، ثم ظهر أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الحاقد، الذي ألب الفتن، ~~ونشر العقائد الفاسدة الباطلة. # ثم توالت الفتن، وانتشرت البدع، وكثر المتكلمون في دين الله بالباطل، ~~كالجهمية الذين عطلوا الصفات، والمتكلمين الذين حرفوا نصوص رب العالمين، # PageV01P006 # والفلاسفة المهوسين، والمعتزلة والأشاعرة والمرجئة، وغيرهم من أصحاب ~~المقالات المخالفة لهدي رسول رب العالمين. # لكن مع هذا الشر المستطير؛ لم يندثر علماء أهل السنة والجماعة، علماء ~~الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؛ أهل الحديث والأثر، بل إنهم لكل هؤلاء ~~كانوا بالمرصاد، فقابلوا الباطل بالحق، والجهل بالعلم، والبدعة بالسنة، ~~والكذب بالصدق، والادعاء بالحجة، وجردوا أهل الفتنة والبدعة من سلاحهم، ~~وجاهدوهم بسلاح البيان والعلم، فناظروهم وناقشوهم، وألفوا الردود على بدعهم ~~وباطلهم، وأظهروا الحق والمحجة الواضحة. # وكان من بين أولئك الأئمة العلماء الثقات الأمناء؛ شيخ الإسلام نادرة ~~زمانه، المجدد أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني- رحمه ~~الله-. # فقد «قضى جل حياته في جهاد أهل الباطل والبدع؛ ببيانه الواضح، وقلمه ~~السيال، وإمكاناته العقلية الهائلة، وشجاعته النادرة، فأنتج كل ذلك هذه ~~الثروة العظيمة من المؤلفات التي أعلى الله بها منار الحق، ودفع بها ~~الباطل. # وكان يركز في أكثرها على أولئك المبتدعة- من صوفية وأشعرية- والذين يصرون ~~على الانتساب إلى أهل السنة والجماعة، ذلك الأسلوب الذي خدعوا به الأمة ~~الإسلامية، فأوقعوا أجيالا منهم في أحضان البدع والخرافات المشينة ... # لقد كانت كتابات وجهاد ومؤلفات شيخ الإسلام تركز على فكر ومناهج وعقائد ~~تلك الطوائف المعتزية إلى السنة والجماعة- وهي بعيدة عنها-؛ فألف في هذا ~~الميدان الكثير والكثير؛ ms002 مثل: «در تعارض العقل والنقل» و «بيان تلبيس ~~الجهمية» وجانب كبير من فتاواه، وجانب كبير من كتابه «منهاج السنة» الذي ~~ألفه ردا على الروافض، ومثل «الحموية» و «الواسطية» و «التدمرية» و «التوسل ~~والوسيلة» و «الرد على البكري» و «الرد على الأخنائي»، وغير هذه؛ مما صبه ~~حمما على هذه الأصناف الخطيرة ... » «1». # ولا شك أن الرد على المخالفين من المبتدعة وأهل الأهواء؛ فيه حماية ~~للشريعة الغراء، وهو من أصول الاعتقاد، واتباع سير الأسلاف، وفيه قمع ~~للمعاندين والمنافقين، وشد أزر الموحدين، وإعلاء لمنهج سيد الأنبياء ~~والمرسلين «2». PageV01P007 # وهذا الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ الكريم، هو ثمرة أحد هذه الجهود ~~المباركة، التي قام بها شيخ الإسلام، فقد قام فيه بالرد على قاضي المالكية؛ ~~محمد بن أبي بكر الأخنائي «1»، في مسألة زيارة قبر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والتفريق في ذلك بين الزيارة الشرعية والزيارة البدعية. # وهذه المسألة من المسائل الخطيرة والحساسة التي كثر فيها الكلام، وطال ~~حولها النقاش، فمن متبع لهدي النبيين والسلف الصالحين، ومن متبع لطرق ~~الغاوين المبتدعين، وسبل الشياطين. # ولا شك أن مثل هذه المسائل محلها التشريع، ونحن نؤمن ونعتقد أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، بين لنا الحق في هذه المسألة، لأنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم مات ولم يترك لنا خيرا إلا دلنا وأرشدنا عليه، وما من شر إلا ~~وحذر أمته منه. # والمصنف رحمه الله قد بين بالأدلة الشرعية؛ من القرآن والسنة الصحيحة، ~~وأقوال العلماء الثقات؛ الهدي الصحيح، والقول الحق المبين في هذه المسألة ~~المهمة. # واعلم- رحمني الله وإياك- أيها المسلم؛ أنه قد صنف في هذه المسألة كتب ~~ومصنفات كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: ### | 1 - # «زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور» للمصنف، وهي موجودة في «مجموع ~~الفتاوى». ### | 2 - # «شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور» تأليف مرعي بن يوسف الكرمي ~~الحنبلي، نشر بمكتبة الباز بمكة المكرمة. ### | 3 - # «الصارم المنكي في الرد على السبكي» لابن عبد الهادي، نشر بمؤسسة الريان ~~ببيروت. ### | 4 - # «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» لمحدث العصر العلامة محمد ms003 ناصر ~~الدين الألباني رحمه الله. ### | 5 - # «تنبيه زائر المدينة إلى الممنوع والمشروع في الزيارة» للعلامة صالح بن ~~غانم السدلان- حفظه الله تعالى- نشر بدار بلنسية بالرياض. ### | 6 - # «أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة» للعلامة المحدث ~~أحمد بن يحيى النجمي- حفظه الله ورعاه- نشر بمكتبة الغرباء الأثرية ~~بالمدينة النبوية. وغيرها كثير. PageV01P008 ### | منهجي في تحقيق الكتاب ### | 1 - # تخريج الآيات القرآنية. ### | 2 - # تخريج الأحاديث النبوية وبيان درجتها. ### | 3 - # ضبط النص؛ بالرجوع إلى المصادر قدر الإمكان، مع العلم أن هذه الطبعة ~~ضبطها من طبعة العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي- رحمه الله- ولم أتمكن ~~من الحصول على مخطوط للكتاب، وقد بذلت ما بقدرتي في ضبط النص، وقد أثبت ~~تعليقات العلامة المعلمي في الهامش. ### | 4 - # ترجمت لبعض الأعلام الواردة، وعرفت ببعض الفرق باختصار. ### | 5 - # صنعت فهارس علمية للكتاب. # ملاحظة: لم أصنع ترجمة للمصنف- رحمه الله- لسببين اثنين: # الأول: شهرته الكبيرة بين الخاصة والعامة. # ثانيا: كثرة من ترجم له سواء في مقدمات كتبه المحققة، أو بتراجم مستقلة. # وقد أخبرت أن الشيخ بكر أبو زيد ألف في ترجمته وسيرته ترجمة موسعة على ~~نسق الترجمة التي كتبها لابن القيم- رحمه الله-، لكن لم أوفق للحصول عليها ~~حتى الآن، فاللهم يسر لي ذلك. # هذا؛ وأسأل الله العلي العظيم أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، ~~وأسأله حسن القبول، كما أسأله أن يوفقني لخدمة هذا الدين، وأن يثبتنا على ~~الحق والصراط المستقيم. # اللهم اغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين، اللهم تجاوز عن سيئاتنا وتقبل ~~أعمالنا، واهدنا يا أرحم الراحمين، واجمع كلمة المسلمين على الحق والدين. # اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما مزيدا. # كتبه: # أبو عبد الله العاملي السلفي الداني بن منير آل زهوي- كان الله له- ~~الجية؛ منطقة جبل لبنان العاشر من رمضان المبارك لعام إحدى وعشرين ~~وأربعمائة وألف # PageV01P009 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة المؤلف # الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده ms004 لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم تسليما. بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا. وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ~~ومهيمنا عليه. وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، وجعلهم خير أمة ~~أخرجت للناس. وإن أعظم نعمة أنعم الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~كتاب الله الذي لا تفنى عجائبه، ولا يحاط بمعجزاته. وقد أوتي صلى الله عليه ~~وسلم هذا الكتاب ومثله معه من السنة التي كان ينزل بها جبريل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما كان ينزل بالقرآن فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن «1»، ~~فالذي بلغه للناس صلى الله عليه وسلم من آيات ربه وما ثبت عنه في الصحيح من ~~سنته الشريفة ليس عن هوى النفس، كما أنه ليس من الظن كحال الذين هم له ~~مخالفون، بل هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق ~~الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب ~~الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى [النجم: 4 - 12] أيها الجاهلون، ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز ~~الحميد [سبأ: 6] فهم له يتبعون. فلهذا كان أفضل الخلق وأقربهم من اتبع ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأضلهم وأشقاهم من كان أبعد عن ذلك، وهم ~~الأخسرون. وقد يتفق من يكون فيه معرفة لبعض ما جاء به، لكن لم يتبعه فيكون ~~مشابها لليهود، ومن كان PageV01P010 # يخالف ما جاء به جهلا وضلالا كان كالنصارى؛ الذين هم في دينهم يغلون، ~~والله هو المسئول أن يجعلنا وإخواننا من عباده الذين هم بكتاب الله يهتدون، ~~وبرسول الله يؤمنون، وبحبل الله معتصمون، ولأولياء الله يوالون، ولأعدائه ~~يعادون، وفي سبيله يجاهدون، ولطريقي المغضوب عليهم والضالين يجتنبون، ~~وللسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان يتبعون. # أما بعد: فإن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق، وفرق به بين ms005 الحق والباطل ~~وبين الهدى والضلال، وبين الغي والرشاد، وبين طريق الجنة وطريق النار، وبين ~~أوليائه وأعدائه، وبين المعروف والمنكر والخبيث والطيب، والحلال والحرام ~~ودين الحق والباطل. # فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما ~~شرعه الله ورسوله. وليس لأحد من الثقلين الإنس والجن سبيل إلى رضى الله ~~وكرامته ورحمته إلا بالإيمان بمحمد واتباعه، فإن الله أرسله برسالة عامة ~~إلى جميع الثقلين الجن والإنس في جميع أمور الدين الباطنة والظاهرة بشرائع ~~الإسلام وحقائق الإيمان إلى علمائهم وعبادهم وملوكهم وسوقتهم، فليس لأحد ~~وإن عظم علمه وعبادته وملكه وسلطانه أن يعدل عما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إلى ما يخالفه في شيء من الأمور الدينية؛ باطنها وظاهرها، ~~وشرائعها وحقائقها، بل على جميع الخلق أن يتبعوه ويسلموا لحكمه. قال الله ~~تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65]، وقال الله تعالى: يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: ~~59] الآية، وقال تعالى: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا [يونس: 10] ~~كما قال في سورة البقرة: فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه [البقرة: 213] الآية. وفي ~~صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي ~~يقول: # «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» «1». وقد علق «2» سبحانه ~~بطاعته، فقال في ذم المنافقين: # ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إلى قوله: فأولئك ~~هم الفائزون إلى قوله: وما على الرسول إلا البلاغ المبين [النور: 47 - 54]. ~~PageV01P011 # وهذا الأصل متفق عليه بين كل من آمن به الإيمان الواجب الذي فرضه ms006 الله ~~على الخلق، وكل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع، كما قال تعالى: فاتقوا ~~الله ما استطعتم [التغابن: 16]. وهذا تبيين لقوله تعالى: اتقوا الله حق ~~تقاته [آل عمران: 102]. # قال ابن مسعود: «حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر ~~فلا يكفر» «1». لكن الأمر مشروط بالاستطاعة كما بينه في قوله تعالى: فاتقوا ~~الله ما استطعتم. فقد يخفى على الإنسان بعض سنة الرسول وأمره مع اجتهاده في ~~طاعته، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». أخرجاه في ~~الصحيحين «2». وقد يقول الرجل ويحكم بغير علم فيأثم على ذلك كما يأثم إذا ~~قال بخلاف ما يعلمه من الحق، وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل علم الحق وقضى به ~~فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى ~~بخلافه فهو في النار» «3». وقد ذم الله القول بغير علم ونهى عنه في غير ~~موضع من كتابه. قال تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] وقال ~~تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~[الأعراف: 33] الآية وقال تعالى عن الشيطان: إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [البقرة: 169] وقال فيها يخاطب به أهل ~~الكتاب: ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به ~~علم [آل عمران: 66] الآية. وقال: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا ~~على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه [الأعراف: 169]. وقال: يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق [النساء: 171]. وجعل العامل ~~بغير علم كاذبا والصادق هو الذي يتكلم بعلم، فقال تعالى: آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ~~[الأنعام: 143] وقال تعالى: قل هاتوا برهانكم ms007 إن كنتم صادقين PageV01P012 # [البقرة: 111]. لا سيما أهل الشرك فإنه وصفهم بالإفك مع الشرك، وقرن ~~الكذب بالشرك كما قرن الصدق بالإخلاص، ولهذا يقرن بين المنافقين أهل الكذب ~~وبين المشركين في مثل قوله: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين إلى ~~قوله: وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا [الفتح: 4 - 6]. وقال تعالى: واجتنبوا قول ~~الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء [الحج: ~~30، 31]. وقال عن أهل الكهف: # هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين [الكهف: ~~15] الآية. # وقال عن الخليل: إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا [العنكبوت: ~~17]. وقال لأبيه وقومه: ماذا تعبدون أإفكا آلهة دون الله تريدون [الصافات: ~~85، 86] ومثل هذا مذكور في غير موضع من القرآن. وكثير من الناس يقع في ~~الشرك والإفك جهلا وضلالا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع. ### | مدار الدين على توحيد الله تعالى # والله سبحانه وتعالى قد أرسل جميع رسله وأنزل جميع كتبه بأن لا يعبد إلا ~~الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك ولا نبي ولا صالح، ولا تماثيلهم ~~ولا قبورهم، ولا شمس ولا قمر ولا كوكب، ولا ما صنع من التماثيل لأجلهم ولا ~~شيء من الأشياء، وبين أن كل ما يعبد من دونه فإنه لا يضر ولا ينفع، وإن كان ~~ملكا أو نبيا، وأن عبادته كفر، فقال تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ~~فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا إلى قوله: محذورا [الإسراء: 56، 57] ~~بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس لا يملكون كشف ~~الضر ولا تحويله، وأن هؤلاء المدعوون «1» من الملائكة والأنبياء يتقربون ~~إلى الله ويرجونه ويخافونه، وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالا من الجن ~~فآمنت الجن المعبودون، وبقي عابدوهم يعبدونهم، كما ذكر ذلك ابن مسعود «2». ~~وقال تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة إلى ~~قوله: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سبأ: 22، 23]. # بين سبحانه أن كل ما يدعى ms008 من دونه من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم ~~مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا لهم نصيب فيهم، وليس لله نظير يعاونه من ~~خلقه، وهذه الأقسام الثلاثة هي التي تحصل مع المخلوقين؛ إما أن يكون لغيره ~~ملك دونه، أو يكون شريكا له، أو يكون معينا وظهيرا له. والرب تعالى ليس له ~~من خلقه مالك ولا شريك ولا ظهير. لم يبق إلا الشفاعة؛ وهو دعاء الشافع ~~وسؤاله لله في المشفوع له. # فقال تعالى: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له. ثم إنه خص بالذكر ~~الملائكة PageV01P013 # والأنبياء في قوله: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة إلى ~~قوله: بعد إذ أنتم مسلمون [آل عمران: 79، 80]. بين أن اتخاذهم أربابا كفر، ~~وقال تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح ~~إلى قوله: والله هو السميع العليم [المائدة: 72 - 76]. فقد بين أن من دعا ~~المسيح وغيره فقد دعا ما لا يملك له ضرا ولا نفعا، وقال لخاتم الرسل: قل لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك [الأنعام: ~~50]. وقال: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~[الأعراف: 188]. وقال: قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ~~[يونس: 49]. # وقال: قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا [الجن: 21]. وقال: ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ~~أو يعذبهم فإنهم ظالمون [آل عمران: 127، 128]. وقال: إنك لا تهدي من أحببت ~~ولكن الله يهدي من يشاء [القصص: 56]. وقال: إن تحرص على هداهم فإن الله لا ~~يهدي من يضل [النحل: 37]. # PageV01P014 ### | فصل [الكلام على الكتاب المردود عليه] # قد أرسل إلي بعض أصحابنا جزءا أخبر أنه صنفه بعض القضاة قد تكلم في ~~المسألة التي انتشر الكلام فيها؛ وهي السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ~~كالسفر إلى ms009 زيارة القبور هل هو محرم أو مباح أو مستحب؟ # وهي المسألة التي أجبت فيها من مدة بضع عشرة سنة بالقاهرة، فأظهرها بعض ~~الناس في هذا الوقت ظنا أن الذي فيها خلاف الإجماع، وأن السفر لمجرد قبور ~~الأنبياء والصالحين هو مثل السفر المستحب بلا نزاع، وهو السفر إلى مسجد ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المتضمن لما شرعه الله من السفر إلى مسجده ~~والصلاة فيه والسلام عليه، ومحبته وتعظيمه، وغير ذلك من حقوقه صلى الله ~~عليه وسلم في مسجده المؤسس على التقوى، المجاور لقبره صلى الله عليه وسلم، ~~وظنوا أن السفر، إلى زيارة قبور جميع الأنبياء والصالحين مستحب مجمع على ~~استحبابه مثل هذا السفر المشروع بالنص وإجماع المسلمين إلى مدينة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، سواء سافر مع حج البيت أو بدون حج البيت، فإن هذا ~~السفر المشروع إلى مدينته بالنص والإجماع لا يختص بوقت الحج، فإن المسلمين ~~على عهد خلفائه الراشدين كانوا يحجون ويرجعون إلى أوطانهم، ثم ينشئ السفر ~~إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ينشئه، لأنه عبادة مستقلة بنفسها ~~كالسفر إلى بيت المقدس، والسفر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من ~~السفر إلى المسجد الأقصى بالنص والإجماع. فظن من ظن أن السفر المشروع هو ~~لمجرد القبر لا لأجل المسجد، وأن المسجد يدخل ضمنا وتبعا في السفر، وأن ~~قبور سائر الأنبياء كذلك، أو أن المسافرين لمجرد القبور سفرهم مشروع كالسفر ~~إلى المساجد الثلاثة، ومن الناس من ظن أنه أفضل من السفر إلى المساجد ~~الثلاثة، حتى صرحوا بأنه أفضل من الحج، وأن الدعاء عند قبور الأنبياء ~~والصالحين أفضل من الدعاء في المسجد الحرام ومسجد الرسول وعرفة ومزدلفة ~~ومنى، وغير ذلك من المساجد والمشاعر التي أمر الله ورسوله بالعبادة فيها، ~~والدعاء والذكر فيها، وظن من ظن أن هذا مجمع عليه، وأن من قال السفر لغير ~~المساجد الثلاثة سواء كان لقبر نبي أو غير نبي، منهي عنه أو أنه مباح ليس ~~بمستحب فقد خالف الإجماع، وليس معهم بما ظنوه ms010 نقل عن أحد من أئمة الدين ~~الذين لهم في الأمة لسان # PageV01P015 # صدق، ولا حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف ~~والأئمة المشهورون وغيرهم على خلاف ما ظنوه، فإجماع أهل العلم الذين تحكى ~~أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع هو على خلاف ما ظنه الغالطون إجماعا وجرت ~~في ذلك فصول. # لكن المقصود هنا أنه أرسل إلي ما كتبه هذا القاضي وأقسم بالله علي أن ~~أكتب عليه شيئا ليظهر للناس جهل مثل هؤلاء الذين يتكلمون في الدين بغير ~~علم، وذلك أنهم رأوا في كلامه من الجهل والكذب والضلال ما لا يظن أن يقع ~~فيه آحاد العلماء الذين يعرفون ما يقولون فكيف بمن سمي: «قاضي القضاة» «1»! ### | المردود عليه عنده شيء من الدين لكن مع جهل وسوء فهم # ورأيت كلامه يدل على أن عنده نوعا من الدين، كما عند كثير من الناس نوع ~~من الدين، لكن مع جهل وسوء فهم وقلة علم، حتى قد يجهل دين الرسول الذي هو ~~يؤمن به ويكفر من قال بقول الرسول وصدق خبره وأطاع أمره، وقد يجهل أحدهم ~~مذهبه الذي انتسب إليه، كما قد يجهل مذهب مالك وغيره من أئمة المسلمين ~~الأربعة وغيرهم، فإن هذه المسألة التي فيها النزاع وهي التي أجبت فيها وإن ~~كانت في كتب أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وقد ذكروا القولين. وأبو حنيفة ~~مذهبه في ذلك أبلغ من مذهب الشافعي وأحمد، فهي في كلام مالك وأصحابه أكثر، ~~وهي موجودة في كتبهم الصغار والكبار، ومالك نفسه نص على قبر نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم بخصوصه أنه داخل في هذا الحديث، بخلاف كثير من الفقهاء، فإن ~~كلامهم عام، لكن احتجاجهم بالحديث وغيره يبين أنهم قصدوا العموم، وكذلك ~~بيانهم لمأخذ المسألة يقتضي العموم. # فهذا المعترض وأمثاله لا عرفوا ما قاله أئمتهم وأصحاب أئمتهم، ولا ما ~~قاله بقية علماء المسلمين، ولا عرفوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وسنة خلفائه الراشدين، ولا ما كان يفعله الصحابة والتابعون لهم بإحسان. # ونقل هذا المعارض عن الجواب ms011 ما ليس فيه، بل المعروف المتواتر عن المجيب ~~في جميع كتبه وكلامه بخلافه، وليس في الجواب ما يدل عليه بل على نقيض ما ~~قاله. وهذا إما أن يكون عن تعمد للكذب، أو عن سوء فهم مقرون بسوء الظن وما ~~تهوى الأنفس، وهذا أشبه الأمرين به، فإن من الناس من يكون عنده نوع من ~~الدين؛ لكن مع جهل عظيم، فهؤلاء يتكلم أحدهم بلا علم؛ فيخطئ، ويخبر عن ~~الأمور بخلاف ما هي عليه خبرا غير مطابق، ومن تكلم في الدين بغير الاجتهاد ~~المسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الذي في السنن عن PageV01P016 # بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القضاة ثلاثة: قاضيان في ~~النار وقاض في الجنة؛ رجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق ~~وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة». فهذا الذي ~~يجهل وإن لم يتعمد خلاف الحق فهو في النار، بخلاف المجتهد الذي قال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد ~~الحاكم فأخطأ فله أجر». فهذا جعل له أجرا مع خطئه، لأنه اجتهد فاتقى الله ~~ما استطاع، بخلاف من قضى بما ليس له به علم وتكلم بدون الاجتهاد المسوغ له ~~الكلام؛ فإن هذا كما في الحديث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» وفي رواية: ~~«بغير علم» «1». # وفي حديث جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه ~~فأصاب فقد أخطأ ومن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار» «2». # وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، ~~فإذا لم يبق عالما؛ اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا؛ فأفتوا بغير علم فضلوا ~~وأضلوا» «3» وفي رواية للبخاري: «فأفتوا برأيهم». وهذا ms012 بخلاف المجتهد الذي ~~اتقى الله ما استطاع وابتغى طلب العلم بحسب الإمكان، وتكلم ابتغاء وجه ~~الله، وعلم رجحان دليل على دليل، فقال بموجب PageV01P017 # الراجح، فهذا مطيع لله مأجور أجرين إن أصاب، وإن أخطأ أجرا واحدا. ومن ~~قال: # كل مجتهد مصيب بمعنى أنه مطيع لله فقد صدق، ومن قال: المصيب لا يكون إلا ~~واحدا، وإن الحق لا يكون إلا واحدا ومن لم يعلمه فقد أخطأ، بمعنى أنه لم ~~يعلم الحق في نفس الأمر فقد صدق، كما بسط هذا في مواضع. ### | التحذير من الكلام في دين الله بغير علم # والمقصود: أن من تكلم بلا علم يسوغ، وقال غير الحق فإنه يسمى كاذبا، فكيف ~~بمن ينقل عن كلام موجود خلاف ما هو فيه مما يعرف كل من تدبر الكلام أن هذا ~~نقل باطل؟ فإن مثل هذا كذب ظاهر، والأول على صاحبه إثم الكذب ويطلق عليه ~~الكذب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب أبو السنابل» «1». وكما قال ~~لما قيل له: إنهم يقولون إن عامرا بطل عمله، قتل نفسه. فقال: «كذب من قال ~~ذلك» «2». # وكما قال عبادة: «كذب أبو محمد» لما قال الوتر واجب «3». وقال ابن عباس: ~~PageV01P018 # «كذب نوف» لما قال: إن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر ~~«1»، ومثل هذا كثير. # فإذا كان هذا الخبر الذي ليس بمطابق يسمى كذبا فما هو كذب ظاهر أولى، ~~ومثل هذا إذا حكم بين الناس بالجهل فهو أحد القضاة الثلاثة الذين قال فيهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة؛ قاضيان في النار وقاض في الجنة؛ ~~رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في ~~النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار». وإن قيل فيه: قد يكون مجتهدا ~~مخطئا مغفورا له، فحكمه الذي أخطأ فيه وخالف فيه النص والإجماع باطل باتفاق ~~العلماء، وكذلك حكم من شاركه في ذلك. # وكلام هذا وأمثاله يدل على أنهم بعيدون عن معرفة الصواب في هذا الباب، ~~كأنهم غرباء عن دين الإسلام ms013 في مثل هذه المسائل لم يتدبروا القرآن ولا ~~عرفوا السنن ولا آثار الصحابة ولا التابعين ولا كلام أئمة المسلمين، وفي ~~مثل هؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «بدأ الإسلام ~~غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» «2». فشريعة الإسلام في هذا الباب غريبة عند ~~هؤلاء لا يعرفونها، فإن هذا وأمثاله لو كان عندهم علم بنوع من أنواع الأدلة ~~الشرعية في هذا الباب لوزعهم ذلك عما وقعوا فيه من الضلال والابتداع ~~ومخالفة دين المرسلين، والخروج عما عليه جميع أئمة الدين، مع ما فيه من ~~الافتراء على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى علماء المسلمين وعلى ~~المجيب. # والاستدلال على ما ذكروه بما لا يصلح أن يكون دليلا؛ إما حديث صحيح لا ~~يدل على المطلوب وإما خبر معتل مكذوب، والمستدل بالحديث عليه أن يبين صحته ~~ويبين دلالته على مطلوبه. وهذا المعترض لم يجمع في حديث واحد بين هذا وهذا، ~~بل إن ذكر حديثا صحيحا لم يكن دالا على محل النزاع، وإن أشار إلى ما يدل؛ ~~لم يكن ثابتا عند أهل العلم بالحديث الذين يعتد بهم في الإجماع والنزاع. # فأما ما فيه من الافتراء والكذب على المجيب فليس المقصود الجواب عنه وله ~~أسوة أمثاله من أهل الإفك والزور، وقد قال الله تعالى: إن الذين جاؤ بالإفك ~~عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من ~~الإثم [النور: 11]. بل المقصود الانتصار لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، وبيان ~~جهل الجاهل الذي يتكلم في الدين بالباطل وبغير علم. فأذكر ما يتعلق ~~بالمسألة وبالجواب. وليس المقصود أيضا العدوان PageV01P019 # على أحد لا المعترض ولا غيره، ولا بخس حقه، ولا تخصيصه بما لا يختص به، ~~بما يشركه فيه غيره، بل المقصود الكلام بموجب العلم والعدل والدين، كما قال ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة: 8]. وليس أيضا ~~المقصود ذم شخص معين، بل المقصود بيان ما يذم وينهى ms014 عنه ويحذر عنه من الخطأ ~~والضلال في هذا الباب، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما بال ~~رجال يقولون أو يفعلون كذا» «1». فيذم ذلك الفعل ويحذر عن ذلك النوع، وليس ~~مقصوده إيذاء شخص معين. ولكن لما كان هذا صنف مصنفا وأظهره وشهره؛ لم يكن ~~بد من حكاية ألفاظه والرد عليه وعلى من هو مثله ممن ينتسب إلى علم ودين، ~~ويتكلم في هذه المسألة بما يناقض دين المسلمين، حيث يجعل ما بعث الله به ~~رسوله كفرا، وهذا رأس هؤلاء المبدلين، فالرد عليه رد عليهم. PageV01P020 ### | فصل [بداية الرد على المعترض] # قال المعترض: «أما بعد؛ فإن العبد لما وقف على الكلام المنسوب لابن تيمية ~~المنقول عنه من نسخة فتياه ظهر لي- من صريح ذلك القول وفحواه- مقصده السيئ ~~ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه ~~أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها». # فيقال: هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل، والافتراء ما يلحق صاحبه ~~بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة. ~~وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر ~~معناه فيسلك طريق الهدى والسداد. فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه ولا يذكر ما ~~فيه فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم. وذلك أن الجواب ليس فيه ~~تحريم زيارة القبور البتة، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم، ولا كان ~~السؤال عن هذا، وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور، وذكر قولي العلماء ~~في ذلك. # والمجيب قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور، وفي جميع ~~مناسكه، يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد، ويذكر زيارة قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مسجده، والأدب في ذلك، وما قاله العلماء، ~~وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية، ولا حكاه عن ~~أحد، بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب؛ أن زيارة القبور مستحبة بالإجماع، ~~ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعا وهو نزاع ms015 مرجوح، والصحيح أنها مستحبة، وهو في ~~هذا الجواب إنما ذكر القولين في السفر إلى القبور، وذكر أحد القولين أن ذلك ~~معصية، ولم يقل إن هذا معصية محرمة مجمع عليها، لكن قال: إذا كان السفر ~~إليها ليس للعلماء فيه إلا قولان: قول من يقول إنه معصية، وقول من يقول إنه ~~ليس بمحرم؛ بل لا فضيلة فيه وليس بمستحب، فإذن من اعتقد أن السفر لزيارة ~~قبورهم أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك ~~طاعة كان ذلك محرما بالإجماع. فهذا الإجماع حكاه لأن علماء المسلمين الذين ~~رأينا أقوالهم اختلفوا في قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ~~المسجد الحرام، # PageV01P021 # ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» «1». هل هو تحريم لذلك أو نفي لفضيلته على ~~قولين، وعامة المتقدمين على الأول مع اتفاقهم على أن هذا يتناول السفر إلى ~~القبور. # فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور ~~وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ~~وغيره، وإن كان الله سماه الوادي المقدس وسماه البقعة المباركة ونحو ذلك، ~~فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهي ~~عنه، وأن قوله: «لا تشد الرحال» نهي بصيغة الخبر، كما قد جاء في الصحيح ~~بصيغة النهي، من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد ~~الأقصى» «2». فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه، فإن ~~لفظه صلى الله عليه وسلم صريح في النهي، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي ~~متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد، سواء كان النهي عنها بطريق ~~فحوى الخطاب، وأنه إذا نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة؛ فالنهي عن السفر ~~إلى ما ليس بمسجد أولى، أو كان بطريق شمول اللفظ، فالصحابة ms016 الذين رووا هذا ~~الحديث بينوا عمومه لغير المساجد، كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن ~~أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة: # من أين أقبلت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجت. # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة ~~مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيليا»، أو قال: «بيت ~~المقدس» «3». وقال أبو زيد عمر بن شبة النميري «4»، في كتاب «أخبار المدينة ~~النبوية» «5»: حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا ~~شهر بن حوشب، سمعت أبا سعيد PageV01P022 # الخدري؛ وذكر عنده الصلاة في الطول فقال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد ~~الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» «1». فهذا فيه أنه رواه بلفظ مسجد، ~~وبين أن النهي متناول للطور وإن لم يكن مسجدا بطريق الأولى، فإن الذين ~~يقصدون الطور ومثله لا يقصدونه لأنه مسجد، بل ولم يكن هناك قرية يتخذ ~~المسلمون فيها مسجدا، وبناء المسجد حيث لا يصلى فيه بدعة، وإنما يقصدونه ~~لشرف البقعة، فعلم أن النهي عن المساجد نهي عن غيرها بطريق الأولى. وقد ثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب البقاع إلى الله ~~المساجد» «2». فإذا كان قد حرم السفر إلى أحب البقاع إلى الله، غير ~~الثلاثة؛ فما دونها في الفضيلة أولى أن ينهى عنه كما قال الصحابة، ومنهم ~~أيضا ابن عمر. # قال أبو زيد: حدثنا ابن أبي الوزير، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ~~طلق، عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور. فقال: «إنما تشد ~~الرحال إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، فدع ~~عنك الطور فلا تأته». # لكن طائفة من المتأخرين قالوا: ليس هذا نهيا بل هو نفي لاستحباب السفر ~~إلى غير الثلاثة ونفي لوجوب السفر بالنذر إلى غير الثلاثة. وهؤلاء يقولون: ~~إن الحديث عام في السفر إلى ms017 قبور الأنبياء وآثارهم وغير ذلك. # وقال ابن حزم الظاهري: السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة حرام. وأما ~~السفر إلى آثار الأنبياء فذلك مستحب، ولأنه ظاهري لا يقول بفحوى الخطاب وهو ~~إحدى الروايتين عن داود الظاهري؛ فلا يقول إن قوله: فلا تقل لهما أف ~~[الإسراء: 23] يدل على النهي عن الضرب والشتم، ولا أن قوله تعالى: ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق [الإسراء: 31]. يدل على تحريم القتل مع الغنى ~~واليسار، وأمثال ذلك مما يخالفه فيه عامة علماء المسلمين، ويقطعون بخطإ من ~~قال مثل ذلك، فينسبونه إلى عدم الفهم ونقص العقل، ومع هذا فلم أجده ذكر ذلك ~~إلا في آثار الأنبياء لا في القبور. # وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور؛ فما رأيت أحدا من علماء المسلمين قال ~~إنه مستحب، وإنما تنازعوا هل هو منهي عنه أو مباح، وهذا الإجماع والنزاع لم ~~يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم: يستحب زيارة قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولا إطلاق القول بأنه PageV01P023 # يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون ~~الحج ويقولون يستحب للحاج أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم. # ومعلوم أن هذا إنما يمكن مع السفر، لم يريدوا بذلك زيارة القريب، بل ~~أرادوا زيارة البعيد، فعلم أنهم قالوا يستحب السفر إلى زيارة قبره؛ لكن ~~مرادهم بذلك هو السفر إلى مسجده، إذ كان المصلون والزوار لا يصلون إلا إلى ~~مسجده لا يصل أحد إلى قبره ولا يدخل إلى حجرته. # ولكن قد يقال: هذا في الحقيقة ليس زيارة لقبره، ولهذا كره من كره من ~~العلماء أن يقال زرت قبره، ومنهم من لم يكرهه. والطائفتان متفقون على أنه ~~لا يزار قبره كما تزار القبور بل إنما يدخل إلى مسجده. وأيضا فالنية في ~~السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة. فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه ~~فهذا مشروع بالنص والإجماع، وإن كان لم يقصد إلا القبر، لم يقصد المسجد ~~فهذا مورد النزاع، فمالك والأكثرون يحرمون هذا السفر، وكثير من الذين ~~يحرمونه لا يجوزون ms018 قصر الصلاة فيه. وآخرون يجعلونه سفرا جائزا وإن كان غير ~~مستحب ولا واجب بالنذر. # وأما من كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معا فهذا قد قصد مستحبا مشروعا ~~بالإجماع، وهذا لم يكن في الجواب تعرض لهذا والجواب في السؤال كان عمن سافر ~~لا يقصد إلا زيارة القبور لا يقصد سفرا شرعيا كالسفر إلى مكة وإلى مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى. ولم يكن السؤال ولا الجواب عمن ~~سافر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن قصد مع ذلك السفر إلى قبره، ~~فإن هذا لم تجمع العلماء على أنه سفر غير مستحب، بل أصحاب أحمد لهم في- ~~المسافر إلى القبور هل يقصر الصلاة- أربعة أوجه: قيل: يقصر مطلقا، وقيل: لا ~~يقصر مطلقا، وقيل: لا يقصر إلا إلى قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: ~~إلى قبور الأنبياء مطلقا. # فهذان الوجهان من لم يعرفهما تخبط في هذه المسائل، فيعرف العمل الممكن ~~المشروع والقصد في ذلك ليظهر له الفرق بين الرسول وبين غيره من جهة الفعل ~~والقصد، فإن السفر المسمى زيارة له إنما هو سفر إلى مسجده. # وقد ثبت بالنص والإجماع أن المسافر ينبغي له أن يقصد السفر إلى مسجده ~~والصلاة فيه، وعلى هذا قد يقال: نهيه عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة ~~لا يتناول شدها إلى قبره، فإن ذلك غير ممكن، فلم يبق إلا شدها إلى مسجده، ~~وذلك مشروع بخلاف غيره، فإنه يمكن زيارته فيمكن شد الرحل إليه، لكن يبقى ~~قصد المسافر ونيته ومسمى الزيارة في لغته، هل قصده مجرد القبر أو المسجد أو ~~كلاهما؟ # كما قال مالك لمن سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال: إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل فيه، ~~وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: # PageV01P024 # «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». فهذا السائل من عرفه أن لفظ زيارة ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم يتناول من أتى المسجد وكان قصده القبر ms019 ومن ~~أتاه وقصده المسجد، وهذا عرف عامة الناس المتأخرين يسمون هذا كله زيارة ~~لقبره، ولم يكن هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بل تغير ~~الاصطلاح في مسمى اللفظ والمقصود به، وهو صلى الله عليه وسلم لا يشرع ~~للقريب من زيارته ما نهى عنه المسافر الذي يشد الرحل بخلاف غيره، فلا يقال: ~~إن زيارته بلا شد رحل مشروعة ومع شد الرحل منهي عنها، كما يقال في سائر ~~المشاهد وفي قبور الشهداء وغيرهم من أموات المسلمين، إذ لم يشرع للمقيمين ~~بالمدينة من زيارته ما ينهى عنها المسافرون، بل جميع الأمة مشتركون فيما ~~يؤمرون به من حقوقه حيث كانوا، بل قد قيل: إن الأمر بالعكس، وإنه يستحب ~~للمسافر من السلام عليه والوقوف على قبره ما لا يستحب لأهل البلد، وإذا كان ~~لا يمكن إلا العبادة في مسجده، فهذا مشروع لمن شد الرحل، ومن لم يشده تبقى ~~النية كما ذكر مالك، وهذه النية التي يقصد صاحبها القبر دون المسجد قد نص ~~مالك وغيره على أنها مكروهة لأهل المدينة قصدا وفعلا فيكره لهم كلما دخلوا ~~المسجد أو خرجوا منه أن يأتوا القبر. وقد ذكر مالك أن هذا بدعة لم يبلغه عن ~~أحد من السلف ونهى عنها، وقال: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». ~~فالذي يقصد مجرد القبر ولا يقصد المسجد خالف الحديث والإجماع، فإنه قد ثبت ~~عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجده مستحب وأن الصلاة فيه بألف صلاة «1». ~~واتفق المسلمون على ذلك وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام. ~~وقال بعضهم إنه أفضل من المسجد الحرام، ومسجده يستحب السفر إليه، والصلاة ~~فيه مفضلة لخصوص كونه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بناه هو وأصحابه ~~وكان يصلي فيه هو وأصحابه، فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يدفن في حجرة عائشة، وكذلك هي ثابتة بعد موته، ليست ~~فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر، كما أن المسجد الحرام مفضل لا لأجل قبر؛ ~~وكذلك المسجد ms020 الأقصى مفضل لا لأجل قبر؛ فكيف لا يكون مسجد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مفضل لا لأجل قبر؟ # فمن ظن أن فضيلته لأجل القبر أو أنه إنما يستحب السفر إليه لأجل القبر، ~~فهو جاهل مفرط في الجهل مخالف لإجماع المسلمين، ولما علم من سنة سيد ~~المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهذا تنقص بالرسول وبقوله ودينه، مكذب له ~~فيما قاله، مبطل لما شرعه وإن ظن أنه يعظمه، كما أن النصارى يكذبون كثيرا ~~مما أخبر به المسيح عن ربه عز وجل ودينه، ويظنون أن ذلك تعظيما له ولدينه، ~~وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا PageV01P025 # به عن الله، وطاعتهم فيما أمروا به، ومتابعتهم ومحبتهم وموالاتهم، لا ~~التكذيب بما أرسلوا به، والإشراك بهم والغلو فيهم، بل هذا كفر بهم وطعن ~~فيهم ومعاداة لهم. ### | من قصد السفر إلى المدينة فليقصد السفر إلى المسجد # والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد ~~والصلاة فيه، كما إذا سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وإذا قصد ~~السفر إلى القبر دون المسجد وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا لأجل القبر، ~~واعتقد أن السفر إليه تبع للقبر كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلي في ~~مساجد هناك، فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبره ~~كالسفر إلى قبور هؤلاء المساجد التي عندهم، فقد خالف إجماع المسلمين وخرج ~~عن شريعة سيد المرسلين، وما سنه لأمته الغر الميامين، بخلاف الذي قصد ~~المسجد. وإلا فمن جهة العمل لا يمكن أحدا أن يفعل عند قبره لا سنة ولا ~~بدعة، إنما يفعل ذلك في المسجد، فمن فعل فيه سنة حمد عليها وأجر عليها، ومن ~~فعل فيه بدعة ذم ونهي عنها، ففي الصحيحين عنه أنه قال: «المدينة حرم ما بين ~~عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» «1». # والله سبحانه قد فرق بين قبر رسوله وقبر غيره، فإنهم دفنوه بالحجرة لم ~~يبرزوا ms021 قبره كما كانوا يبرزون قبورهم خوفا أن يتخذ مسجدا، ثم إنهم منعوا ~~الناس من زيارته كما يزورون القبور، فلم يكونوا يمكنون الناس من الدخول إلى ~~قبره لزيارته، ثم إنهم سدوا باب الحجرة وبنوا عليها حائطا آخر، فلم يبق أحد ~~متمكنا من زيارته كما تزار القبور. # ولهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بهذا الاسم في حقه، فقال: # تستحب زيارة قبره أو لا تستحب أو نحو ذلك، ولا علق بهذا الاسم حكما ~~شرعيا. # وقد كره من كره من العلماء التكلم به، وذلك اسم لا مسمى له ولفظ لا حقيقة ~~له، وإنما تكلم به من تكلم من المتأخرين، ومع هذا فلم يريدوا به ما هو ~~المعروف من زيارة القبور، فإنه معلوم أن الذاهب إلى هناك إنما يصل إلى ~~مسجده، ليس هناك زيارة تفعل في غير مسجده، ولو قدر أنه وقف في الطريق من ~~جهة المشرق وفعل ما فعل لم يكن هناك سنة عند أحد من العلماء، وإذا كان لا ~~بد للزائر من المسجد فالمسجد نفسه يشرع إتيانه سواء كان القبر هناك أو لم ~~يكن، وكل ما يشرع فيه من العبادات فإنه مشروع سواء كان القبر هناك أو لم ~~يكن، وسواء تعلق بالرسول كالصلاة والسلام عليه وسؤال الله له الوسيلة ~~والثناء عليه والمحبة والتعظيم والتوقير وغير ذلك من حقوقه صلى الله عليه ~~وسلم، أو لم يتعلق بالرسول كالصلاة والاعتكاف، مع أنه لا بد في ذلك من ذكر ~~PageV01P026 # الرسول بالشهادة له والسلام عليه وكذلك الصلاة عليه، وهذه العبادات ~~وغيرها وحقوقه وغير حقوقه هي مشروعة في جميع المساجد وإن لم يكن هناك قبره ~~بل في جميع البقاع إلا ما استثناه الشرع. # وإذا كان السفر الذي يسمى زيارة لقبره إنما هو سفر إلى مسجده لا إلى ~~غيره، وكان ما شرع فيه مشروعا في ذلك المسجد وفي غيره، وإن لم يكن القبر ~~هناك لم يكن شيء من ذلك مشروعا لأجل القبر ولا مختصا بها. # وأما ما يفعله بعض الناس من البدع المختصة بالقبر فذلك ليس ms022 بمشروع بل هو ~~منهي عنه. # فتبين أنه ليس في الشريعة عمل يسمى زيارة لقبره، وأن هذا الاسم لا مسمى ~~له، والذين أطلقوا هذا الاسم إن أرادوا به ما يشرع فالمعنى صحيح، لكن عبروا ~~عنه بلفظ لا يدل عليه، ولهذا كره من كره أن يقال لمن سلم عليه هناك زرت قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أرادوا ما لا يشرع فذاك المعنى خطأ مفهوم ~~ومع هذا فليس هو زيارة، فلو قدر أن بعض الناس أشرك في مسجده به، واتخذه ~~إلها، وسجد للقبر وطاف به سبعا واستلمه وقبله، لم يكن شيء من ذلك زيارة ~~لقبره، وإن كان محرما فهذا لفظ لا حقيقة له. بل يقال لمن أطلقه: إن هي إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [النجم: 23]. # وهذا بخلاف قبر غيره فإنه ليس على الناس من حقوقه في سائر البقاع ما ~~عليهم من حق النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمروا أن يصلوا عليهم ويسلموا ~~عليهم حيث كانوا كما أمروا بذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنهم ~~حيث صلوا وسلموا عليه بلغه صلاتهم وسلامهم، لا يختص بيته بذلك، كما جاءت ~~بذلك الأحاديث. وغيره يستحب أن يزار فيوصل إلى قبره فيدعى له. والصلاة على ~~القبر مشروعة لمن لم يصل على الميت عند أكثر العلماء كما جاءت بذلك ~~الأحاديث الصحيحة، وهم متنازعون: إلى كم يصلي على القبر، وأحد القولين في ~~مذهب الشافعي وأحمد أنه يصلي عليه أبدا. # واتفقوا على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى عليه كما لم يصل ~~عليه أحد من المسلمين بعد أن دفن، فهذا لعلو قدره لا لخفضه عن غيره، فإنه ~~قد شرع في حقه من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ما هو أعظم من الصلاة ~~عليه عند القبر، والصلاة عليه عند القبر يخاف فيها أن يتخذ قبره وثنا ~~وعيدا. والرسول صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون محبة المؤمن له وتعظيمه ~~له وصلاته وسلامه عليه وسائر حقوقه موجودا ms023 معه في جميع البقاع لا يختص ~~القبر بشيء من حقوقه، فمن خص القبر بشيء من حقوقه وقصر فيه عند غير القبر ~~فهو مقصر في حق الرسول صلى الله عليه وسلم مريد لما نهى عنه من اتخاذ قبره ~~عيدا، وذلك يفضي إلى أن يقصر الناس في حقوقه في سائر البقاع، وكذلك ما يفعل ~~عند قبر # PageV01P027 # غيره من الزيارة، وعند قبره ليس بمأمور ولا مقدور لعلو قدره واختصاصه بما ~~ميزه الله على غيره صلى الله عليه وسلم كما خص بأن دفن في الحجرة ولم ~~يبرزوا قبره. # فتبين أن ما في الجواب من قول المجيب السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء، ~~هل هو محرم أم مباح؟ ونحو ذلك لا يتناول قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~بالنية فقط كما قال مالك، وإلا فذلك أمر ليس بمقدور. وما ليس بمقدور فهو ~~بالضرورة ليس بمشروع ولا مأمور به. # وأما السفر المشروع إلى هناك فهذا لا يدخل في هذا اللفظ قطعا فإنه ليس ~~سفرا لمجرد زيارة قبره لا من جهة الفعل ولا من جهة القصد. ومما يبين هذا أن ~~جميع من يسافر لزيارة قبره إنما يصل إلى مسجده ويصلي فيه، لكن من الذين ~~يسافرون إلى هناك من لا يعلم أن الدخول هو إلى المسجد وأن القبر محجوب، ~~ومنهم من قد عرف ذلك لكن قد يظن أن المسجد بني لأجل القبر كما يبنى على بعض ~~القبور مساجد لأجلها فيأتي الزائر فيصلي فيها أولا تحية المسجد أو غيرها، ~~والمقصود هو القبر، وهؤلاء منهم من لا يعرف أن مسجده محترم معظم يقصد لنفسه ~~لا لأجل القبر، ومنهم من لا يعرف أن الصلاة فيه بألف صلاة، ولا أن السفر ~~مشروع إليه كما يشرع إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، بل يظن كثير منهم ~~أن السفر إنما هو لأجل القبر، ولا يعلم أن السفر إلى مسجده مشروع مستحب ~~مرغب فيه، وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقا وأن الصلاة فيه ~~بألف صلاة سواء كان عنده القبر أو لم يكن، كما كانت ms024 هذه الفضيلة ثابتة له ~~في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كان الذين يصلون فيه إذ ذاك أفضل من ~~غيرهم، وكانت الهجرة واجبة له في حياة الرسول قبل فتح مكة على المسلمين أن ~~يهاجروا إلى المدينة دار الهجرة ودار السنة ودار النصرة. # ومن كان بها كان عليه أن يصلي في المسجد النبوي ولو لم يكن إلا الجمعة، ~~فإن الجمعة فرض على الأعيان باتفاق الأمة، ولم يكن على عهده بالمدينة مسجد ~~يصلي فيه الجمعة إلا مسجده، وهو أول مسجد أسس على التقوى، وأول مسجد أذن ~~فيه وأقيم فيه الصلاة. فمن علم فضيلته وفضيلة الصلاة فيه وفضيلة السفر إليه ~~وهو يريد السفر إلى القبر ويعلم أنه إنما يصل إلى مسجده فهذا لا بد إن كان ~~مؤمنا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقصد السفر إلى مسجده وإن ~~قصد مع ذلك القبر لا يتصور من المؤمن به العالم بشريعته العالم أن المسافر ~~إلى هناك يصل إلى مسجده لا يتصور مع هذا العلم والمعرفة والإيمان أن لا ~~يقصد السفر إلى مسجده بل لا يقصد إلا مجرد القبر، بل الذي يسافر ولا يقصد ~~إلا مجرد القبر إما أن يكون جاهلا بشريعته وفضيلة السفر إليه أو جاهلا ~~بالحال لا يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده، أو لا يعلم أن مسجده مؤسس على ~~التقوى مقصود معظم قبل حصول القبر، فإنه لم يبن لأجل القبر ولا حرمته ~~وفضيلته وعظمته لأجله، فلا يتصور أن يقصد مجرد القبر إلا من يكون جاهلا # PageV01P028 # بهذا أو بهذا أو بهذا، وإن كان عالما بذلك كله، مع هذا ليس قصده إلا ~~السفر إلى القبر كما يسافر إلى قبر من يعظمه من الصالحين وغيرهم، والسفر ~~إلى المسجد ليس له عنده حرمة ولا يعتقد فضيلته ولا يقصد السفر إليه مع علمه ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم رغب في ذلك وبين فضل مسجده. فهذا لا يكون إلا ~~كافرا بالرسول، ومثل هذا يقع من المشركين الذين يرون قصد القبور المعظمة ~~أولى من قصد ms025 المساجد، والحج إليها أفضل من الحج إلى مكة، ودعاء الخلق أفضل ~~من دعاء الخالق، والدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد والمشاعر. ومنهم ~~من يجعل استقبالها في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول: هذه القبلة ~~الخاصة والكعبة قبلة العامة. # ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به الرسول، ومن الشرك برب ~~العالمين، لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه وأن الرسول جاء بالحق ~~الذي لا يسوغ خلافه، بل إنما يفعل هذا من كان جاهلا بسنة الرسول، أو من ~~يجعل له طريقا إلى الله غير متابعة الرسول، مثل من يجعل الرسول مبعوثا إلى ~~العامة وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن ~~لهم طريقا أفضل من طريقة الرسول ونحو ذلك! وهؤلاء كلهم كفار، وإن عظموا قبر ~~الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم، ومنهم من يجعل قبر شيخه أعظم من قبر ~~الرسول، ومنهم من يجعل قبر الرسول أعظم ولكن يعظم أصحاب القبور من جهة أنه ~~يعبدهم ليقربوه إلى الله زلفى، لا يعظم الرسول من جهة أنه رسول الله الذي ~~أوجب على جميع الخلق اتباعه وطاعته وسلوك سبيله واتباع ما جاء به، وهذا نعت ~~المؤمن به، والمؤمنون به لا يعرضون عن قصد السفر إلى مسجده مع علمهم أنهم ~~يصلون إلى مسجده إلا بجهلهم بسنته. فإذا عرفوها دعاهم الإيمان به إلى ~~متابعته صلى الله عليه وسلم تسليما. والمجيب إنما ذكر النزاع في السفر ~~لمجرد زيارة القبور، فلم يدخل في هذا السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وهو المراد بالسفر لزيارة قبره، فهل يمكن هذا المعترض أن يحكي عن إمام ~~من أئمة المسلمين أنه قال: يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو أنه يستحب ~~السفر إلى زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده، أو بدون دخوله، هل قال هذا ~~أحد؟ # أو أنه يستحب السفر إلى القبر دون قصد المسجد؟ مع أنه إنما يصل إلى ~~المسجد، والسفر إليه مستحب بالنص والإجماع والصلاة فيه مفضلة، فهل قال مسلم ~~إن هذا ms026 المستحب بالنص والإجماع مع فعل الإنسان له إذا لم يقصده البتة، ~~وإنما قصد مجرد القبر يكون هذا السفر مستحبا بنص أو إجماع، أو هل قال ذلك ~~إمام من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين؟ وإن لم يكن هنا نص ولا ~~إجماع. # وهل يترك قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه مع كونه يعلم أنه إنما يصل إلى ~~مسجده إلا من هو جاهل بدينه أو كافر بما جاء به؟ فإن هذا ليس عليه في النية ~~كلفة # PageV01P029 # أصلا، فإنه إذا كان لا بد له من الوصول إلى المسجد ومن ثم الصلاة فيه لم ~~يبق إلا أنه يقصد ذلك في ابتداء السفر. فإذا لم يقصده فإنه يكون جاهلا بأن ~~ذلك مستحب مشروع كما يوجد عليه كثير من الجهال يظنون أن المشروع إنما هو ~~السفر إلى القبر والسفر إلى المسجد تبع للقبر، فإذا عرف الجاهل بسنته ~~المعلومة عند جميع علماء أمته ثم من بعد ذلك يشاق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين؛ فإن الله يوليه وما تولى ويصليه جهنم وساءت ~~مصيرا. فإذا لم يعرف أن إماما من أهل الاجتهاد قال: إنه يستحب السفر إلى ~~مجرد القبر دون المسجد وإن كان المسافر يعلم أنه إنما يصل إلى المسجد وإن ~~سفره مشروع، ثم لا يقصد ذلك فيكون سفره مشروعا مستحبا، هذا مما يقطع بأنه ~~لا يقوله عالم. فإذا لم يثبت ذلك سلم الإجماع المذكور، وإن قدر أن هذا قول ~~ثالث كان ذلك قولا خفيا قاله بعض المتأخرين لم يبلغ المجيب، والمجيب ذكر ~~إجماع العلماء الذين عرفت أقوالهم في هذا الحديث وفي هذه المسألة، وهذا ~~مبسوط في مكان آخر. # والمقصود هنا أن ما حكاه عن المجيب أنه يحرم زيارة قبور الأنبياء وزيارة ~~القبور كذب بين على المجيب ليس في الجواب، وإنما فيه السفر خاصة. وكلام ~~المجيب فيما لا يحصيه إلا الله يبين كذب النقل وأنه يستحب زيارة قبور ~~المؤمنين عموما فضلا عن الصالحين والأنبياء، بل نفس السفر الذي ذكر فيه ~~القولين، لم يذكر ms027 أنه يختار أحد القولين بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء، فكيف ~~يجوز أن يحكي عنه أنه حرم زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر القبور، ~~وأنه ادعى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها؟ من المعلوم لكل من قرأ شيئا من ~~العلم ما في كتب العلماء من إباحة زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك، ~~وذكر النزاع في زيارتها للنساء. # هذا موجود في الكتب الصغار والكبار، وقد قرأه المجيب وقرئ عليه مرات لا ~~يحصيها إلا الله، وليس هذا مما يخفى على آحاد الطلبة الذين يحضرون عنده. ~~فكيف يحكي إجماع المسلمين على أن زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور معصية ~~محرمة؟ # ولو كان لهذا القاضي نوع عقل وحكي له ذلك عن آحاد الطلبة لم يصدقه وقال: # هل في الإسلام من ينتسب إلى أدنى علم يقول: إن زيارة القبور معصية محرمة ~~مجمع عليها؟ فهل في الإسلام شخص يحكي الإجماع على تحريم زيارة القبور ~~مطلقا؟ وإذا كان هذا ما يعلم انتفاؤه عن جميع المسلمين كان انتفاؤه عن ~~المجيب أولى؛ فكان الواجب عليه أن يكذب ناقل ذلك فضلا عن أن يكون هو الناقل ~~عن جواب قد رآه الناس وعلموا أنه ليس فيه ذلك، وإنما فيه ذكر الخلاف في ~~السفر إليها، والسفر إليها مسألة وزيارتها بلا سفر مسألة. # وأما قبر النبي صلى الله عليه وسلم فالسفر إلى زيارته هو السفر إلى ~~مسجده، والسفر إلى مسجده # PageV01P030 # مستحب بالإجماع ليس من مسائل النزاع، وكل من علم أنه إنما يصل إلى مسجده ~~وعلم أنه مسجده الذي يصلي فيه هو وأصحابه وأنه أفضل المساجد بعد المسجد ~~الحرام أو مطلقا وأنه صلى الله عليه وسلم جعل الصلاة فيه بألف صلاة وأنه ~~قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ونحو ذلك، وهو مؤمن بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم، فلا بد أن يقصد إذا سافر إلى هناك السفر إلى مسجده لا يمكن ~~مع علمه بذلك وإيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يقصد السفر إلى ~~مسجده، فلا يقصد السفر إلى القبر دون المسجد إلا جاهل أو ms028 كافر، لكن كثير من ~~الناس قد عرفوا فضيلة مسجده والسفر إليه فهم يقصدون ذلك ويقصدون السفر إلى ~~القبر أيضا، ثم منهم من يستوي عنده القصدان ومنهم من يكون قصد المسجد أقوى ~~عنده، ومنهم من يكون قصد القبر أقوى عنده. وهؤلاء يظنون أن قصد السفر إلى ~~قبره من المحبة له والتعظيم، وأن ذلك أعظم من قصد السفر إلى مسجده، وهم ~~غالطون في ذلك، فإن السفر إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم والتأسي ~~بإبراهيم فيما كان يفعله هناك من الحج أفضل من زيارة قبر إبراهيم بالكتاب ~~والسنة والإجماع، بل الحج كما حج إبراهيم قد فرضه الله على عباده والسفر ~~إلى غير المساجد الثلاثة قد نهى عنه، وكذلك السفر إلى بيت المقدس هو أفضل ~~من السفر إلى قبر سليمان الذي بناه بعد إبراهيم، وكذلك السفر إلى مسجد ~~نبينا صلى الله عليه وسلم والتأسي به فيما كان يفعله فيه من العبادات وفعل ~~ما رغب في فعله في المسجد هو الذي يصدر عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه ~~وسلم ومحبته وتعظيمه دون السفر إلى مجرد قبره، ولو قدر أن شخصا سافر إلى ~~قبر إبراهيم ولم يسافر إلى مسجده- المسجد الحرام- وهو الحج واعتقد أنهما ~~سواء وأن السفر إلى قبره أفضل كان كافرا. وكذلك بيت المقدس من اعتقد أن ~~السفر إلى قبر سليمان أفضل من السفر إليه أو هما سواء كان كافرا، كذلك ~~السفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اعتقد أن السفر إلى مجرد القبر أفضل ~~من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل بشريعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وإما كافر به. وهؤلاء نظير الذي يعتقد أن السفر إلى قبور الأنبياء ~~والصالحين مثل الحج أو أفضل من الحج. وهذا لا يعتقده إلا جاهل مفرط في ~~الجهل بدين الإسلام أو كافر مشاق للرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين ~~له الهدى متبع غير سبيل المؤمنين. فمن لم يفرق بين السفر المشروع إلى مسجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره السفر الشرعي والزيارة ms029 الشرعية ~~المجمع على استحبابها وبين السفر إلى قبر غيره فهو إما جاهل بما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وإما كافر بالرسول صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: كيف يزور قبره مع كونه كافرا به؟ # قيل: كثير من الناس يعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم ويعتقدون أنه من ~~أفضل الناس، ولكن يقولون إنهم ما يجب عليهم اتباعه وطاعته بل لهم طريق إلى ~~الله تغنيهم عنه، وقد يقولون: إن طريقهم أفضل من طريقه، كما يعتقد كثير من ~~اليهود والنصارى أنه # PageV01P031 # كان مبعوثا إلى الأميين لا إليهم، فهم يعظمونه ظاهرا وباطنا، لكن يقولون ~~لا يجب علينا اتباعه؛ وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين. # وكذلك كثير ممن يظهر الإسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة، وأنه كان ~~صاحب قوة قدسية، وقد يفضلونه على جميع الخلق، ومع هذا لا يقرون بما جاء به ~~ولا يوجبون على أنفسهم اتباعه ظاهرا وباطنا، ويقولون هو رسول إلى العامة أو ~~إلى الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية، كما ~~يقول مثل هذا كثير ممن يظهر الإسلام، وهؤلاء من أشد الناس تعظيما للقبور ~~والسفر إليها ودعاء أصحابها، ولهم في ذلك كلام ذكرناه في غير هذا الموضع، ~~وهؤلاء وأمثالهم قد يقولون إن زيارة قبره وقبر من هو دونه أفضل من الحج إلى ~~البيت الحرام ومن صلاة الجمعة والجماعة في مسجده وغير مسجده. ### | [الفرق بين زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبين زيارة قبره] # والمقصود أن هذا المعترض وأمثاله لم يفرقوا بين السفر إلى مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وزيارته المجمع على استحبابها وبين السفر إلى زيارة قبر ~~غيره، وإن كان عنده مسجد فإن ذلك مجمع على عدم استحبابه بل سووا بين ~~المستحب بالنص والإجماع، وبين ما ليس بمستحب بالنص والإجماع، وظنوا أن ~~المجيب سوى بينهما في نفي الاستحباب فقابلوه بأن سووا بينهما في الاستحباب ~~فوقعوا في أنواع من الباطل المخالف للكتاب والسنة والإجماع. # ولو قال قائل: إن إتيان المساجد لا يستحب ولا يشرع كان كافرا حلال الدم، ms030 ~~ولو قال لا يسافر إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد لكان قد قال ما قاله الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وقاله علماء المسلمين، فمن لم يفرق بين هذا وهذا كان ~~أجهل الناس. # وكذلك لو قال: لا يستحب السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وزيارته المشروعة في المسجد كالصلاة والسلام كان مخالفا للإجماع. لكن من ~~العلماء من لا يسمي هذا زيارة لقبره ويكره هذه التسمية وهذا القول أشبه ~~بالمعقول والمنقول. ولو قال يستحب السفر إلى جميع القبور والصلاة في ~~المساجد المبنية عليها لكان مخالفا للنص والإجماع. # وهب أن المعارض سوى بينهما في نظره، وجوابه كيف يحل له أن يكذب على غيره ~~ويحكي عنه التسوية بينهما في التحريم ويقول إنه حكى إجماع المسلمين على ~~تحريم الزيارة مطلقا بسفر وغير سفر؟ ونحن نحكي لفظ الجواب الذي اعترض عليه ~~لينظر ما نقله عنه وأبطله منه هل هو صدق وعدل، أم لا؟ # ولفظ السؤال: ما تقول السادة العلماء في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين مثل قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره، فهل يجوز له في سفره أن ~~يقصر الصلاة؟ وهل # PageV01P032 # هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«من حج ولم يزرني فقد جفاني» «1» «ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في ~~حياتي» «2». وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ~~ومسجدي هذا». # ولفظ الجواب: الحمد لله «3»، أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين. PageV01P033 # أحدهما: وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية، ~~ويقولون إن هذا سفر معصية؛ كأبي عبد الله بن بطة «1»، وأبي الوفاء بن عقيل ~~«2»، وطوائف كثيرين «3» من العلماء المتقدمين؛ أنه لا يجوز القصر في مثل ~~هذا السفر، لأنه سفر منهي عنه. ومذهب الشافعي ومالك وأحمد أن السفر المنهي ~~عنه لا تقصر فيه الصلاة. # والقول الثاني: أنه يقصر فيه الصلاة ms031 وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر ~~المحرم كأبي حنيفة، ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز ~~السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، كأبي حامد الغزالي، وأبي محمد ~~المقدسي، وأبي الحسن بن عبدوس الحراني، وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس ~~بمحرم لعموم قوله: «فزوروا «4» القبور» «5». وقد يحتج بعض من لا يعرف ~~الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: ~~«من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» رواه الدارقطني. وأما ما يذكره ~~بعض الناس من قوله صلى الله عليه وسلم: «من حج ولم يزرني فقد جفاني». فهذا ~~لا يرويه أحد من العلماء، وهذا مثل قوله: «من زارني وزار أبي [إبراهيم] في ~~عام واحد ضمنت له على الله الجنة» «6». فإن هذا أيضا باطل باتفاق العلماء ~~لم يروه أحد، ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني. وقد زاد ~~فيها المجيب حاشية بعد ذلك، ولكن هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في ~~كتب الفقه والحديث لا محتجا به ولا معتضدا به، ولكن ذكره أبو أحمد بن عدي ~~في كتاب «الضعفاء» ليبين به ضعف راويه، فذكره من حديث النعمان بن شبل ~~الباهلي المصري PageV01P034 # عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حج ولم ~~يزرني فقد جفاني». # قال ابن عدي: لم يروه عن مالك غير هذا، يعني وقد علم أنه ليس من حديث ~~مالك، فعلم أن الآفة من جهته. قال موسى بن هارون: كان النعمان هذا متهما. ~~وقال أبو حاتم ابن حبان: يأتي عن الثقات بالطامات. وقال الدارقطني: الطعن ~~في هذا الحديث من محمد بن محمد لا من النعمان. # وأما الحديث الآخر: «من زارني وزار أبي [إبراهيم] في عام واحد ضمنت له ~~على الله الجنة»؛ فهذا ليس في شيء من الكتب لا بإسناد موضوع ولا غير موضوع، ~~وقد قيل: # إن هذا لم يسمع في الإسلام حتى فتح المسلمون بيت المقدس في زمن صلاح ~~الدين، فلهذا لم يذكر أحد من ms032 العلماء لا هذا ولا هذا لا على سبيل الاعتقاد ~~ولا على سبيل الاعتماد، بخلاف الحديث الذي تقدم فإنه قد ذكره جماعة ورووه، ~~وهو معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضري القاري صاحب عاصم، عن ليث بن أبي ~~سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج ~~فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» «1». وقد اتفق أهل العلم ~~بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا دون قراءته. قال البيهقي في: «شعب ~~الإيمان» «2»: وقد روى حفص بن أبي داود وهو ضعيف، عن ليث بن أبي سليم، عن ~~مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج فزار ~~قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي». قال يحيى بن معين في حفص هذا: ليس ~~بثقة. وهو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش وأبو بكر أوثق منه. # وفي رواية عنه: كان حفص أقرأ من أبي بكر وكان أبو بكر صدوقا وكان حفص ~~كذابا. # وقال البخاري: تركوه. وقال مسلم بن الحجاج: متروك. وقال علي بن المديني: # ضعيف الحديث تركته على عمد. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال ~~مرة: متروك. وقال صالح بن محمد البغدادي: لا يكتب حديثه وأحاديثه كلها ~~مناكير. # وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: لا يكتب حديثه وهو ~~ضعيف الحديث لا يصدق متروك الحديث. وقال عبد الرحمن بن خراش: هو كذاب ~~متروك، يضع الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: # عامة أحاديثه عمن روى عنه غير محفوظة. PageV01P035 # وفي الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطني وغيرهما من حديث موسى بن ~~هلال: حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» «1». # قال البيهقي- وقد روى هذا الحديث- ثم قال: «وقد قيل عن موسى عن عبيد ~~الله، قال: وسواء قال عبد الله أو عبيد الله فهو منكر عن نافع عن ms033 ابن عمر، ~~لم يأت به غيره». وقال العقيلي في موسى بن هلال هذا: لا يتابع على حديثه. ~~وقال أبو حاتم الرازي: هو مجهول. وقال أبو زكريا النووي في «شرح المهذب» ~~«2» لما ذكر قول أبي إسحاق: ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من زار قبري ~~وجبت له شفاعتي» قال النووي: أما حديث ابن عمر فرواه أبو بكر البزار ~~والدارقطني والبيهقي بإسنادين ضعيفين جدا. هذا آخر الحاشية. # قال المجيب في تمام الجواب: وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر ~~لزيارة القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء ويزور القبور وأجاب عن حديث «لا ~~تشد الرحال»؛ بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب. # وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ~~والمسجد الأقصى» وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به. فلو نذر ~~الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير المساجد ~~الثلاثة؛ لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة. ولو نذر أن يسافر إلى المسجد ~~الحرام بحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق PageV01P036 # العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد ~~الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في ~~أحد قوليه وأحمد، ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ~~ما كان من جنسه واجب بالشرع. # وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصه» «1». والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب الوفاء به. # وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر ~~إليها إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء ms034 لأنه ليس ~~من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة، لأن ذلك ليس ~~بشد رحل كما في الحديث الصحيح: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد ~~إلا الصلاة فيه كان كعمرة» «2». وهذا الحديث رواه أهل السنن كالنسائي وابن ~~ماجه والترمذي «3» وحسنه، وقالوا: لأن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين ~~بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة ~~وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة، وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة ~~في «الإبانة الصغرى» من البدع المخالفة للسنة. # وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسي لأن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، والسفر إليه لا يجب بالنذر. # وقوله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال»، محمول على نفي ~~الاستحباب عنه؛ جوابان: أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل ~~صالح ولا قربة ولا هو من الحسنات. فإذن من اعتقد السفر لزيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر ~~لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرما بإجماع PageV01P037 # المسلمين، فصار التحريم من هذه الجهة. ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا ~~لذلك. # وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من هذا ~~الباب. # الوجه الثاني: أن هذا الحديث يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم. # وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة لم يخرج أحد من أهل ~~السنن المعتمدة شيئا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام ~~أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول ~~الرجل زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم ~~أو مشروعا أو مأثورا عن النبي صلى ms035 الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة. # والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما ~~يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» ~~«1». وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه. # وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد ~~قال: # «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت» ~~ثم ينصرف «2». # وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تتخذوا قبري ~~عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» «3». وفي «سنن سعيد بن ~~منصور» أن الحسن بن PageV01P038 # الحسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ~~وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا ~~سواء. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته: «لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت ~~عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا» «1». وهم دفنوه في ~~حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء لئلا يصلي أحد عند قبره ~~ويتخذه مسجدا فيتخذ قبره وثنا. # وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى ~~زمن الوليد بن عبد الملك؛ لا يدخل أحد إلى عنده لا لصلاة هناك ولا لتمسح ~~بالقبر ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد. وكان السلف من ~~الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا الدعاء ~~دعوا مستقبلي القبلة لم يستقبلوا القبر. # وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضا لا يستقبل ~~القبر. # وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر ms036 عند السلام عليه خاصة. ولم يقل أحد من ~~الأئمة أنه يستقبل القبر عند الدعاء، أي الدعاء الذي يقصده لنفسه، إلا في ~~حكاية مكذوبة تروى عن مالك، ومذهبه بخلافها. # واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله ~~وهذا كله محافظة على التوحيد «2». فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور ~~مساجد، كما قال طائفة من السلف في PageV01P039 # قوله تعالى: وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا [نوح: 23] قالوا: # هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم ~~صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وقد ذكر بعض هذا المعنى ~~البخاري في صحيحه لما ذكر قول ابن عباس: إن هذه الأوثان صارت إلى العرب، ~~وذكره ابن جرير الطبري وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف «1». وذكره ~~وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق. وقد بسطت الكلام على هذه المسائل ~~في غير هذا الموضع. ### | أول من وضع أحاديث زيارة المشاهد # وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور أهل ~~البدع من الروافض ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك ~~فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها في دين الله ما لم ينزل الله به سلطانا، فإن ~~الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد كما قال تعالى: قل أمر ~~ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين [الأعراف: ~~29] وقال: # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا [الجن: 18] وقال: إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر [التوبة: 18] وقال: ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد [البقرة: 187] وقال تعالى: ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله أن يذكر فيها اسمه [البقرة: 114]. # وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» ~~«2». والله تعالى أعلم. # فهذه ألفاظ المجيب، فليتدبر الإنسان ما تضمنته، وما عارض به ms037 هؤلاء ~~المعارضون مما نقلوه عن الجواب، وما ادعوا أنه باطل؛ هل هم صادقون مصيبون ~~في هذا أو هذا، أو هم بالعكس؟ # والمجيب أجاب بهذا من بضع عشرة سنة بحسب حال السائل واسترشاده، ولم يبسط ~~القول فيها ولا سمى كل من قال بهذا القول، ومن قال بهذا القول بحسب ما تيسر ~~في هذا الوقت، وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب المصنفة في ~~مذهب مالك والشافعي وأحمد وفي شروح الحديث وغير ذلك. والقول بتحريم السفر ~~إلى غير المساجد الثلاثة وإن كان قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وهو قول ~~مالك وجمهور أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد؛ الحديث عندهم معناه: تحريم ~~السفر إلى غير الثلاثة، لكن منهم من يقول: قبر نبينا صلى الله عليه وسلم لم ~~يدخل في العموم. PageV01P040 # ثم لهذا القول مأخذان: أحدهما: أن السفر إليه سفر إلى مسجده، وهذا المأخذ ~~هو الصحيح وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه. # والمأخذ الثاني: أن نبينا لا يشبه بغيره من النبيين، كما قال طائفة من ~~أصحاب أحمد: إنه يحلف به، وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيا عنه، وهو رواية ~~عن أحمد. # ومن أصحابه من قال في المسألتين: حكم سائر الأنبياء كحكمه، قاله بعضهم في ~~الحلف بهم، وقاله بعضهم: في زيارة قبورهم، وكذلك أبو محمد الجويني ومن ~~وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضي تحريم السفر إلى غير الثلاثة. # وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد قالوا: المراد بالحديث نفي الفضيلة ~~والاستحباب، ونفي الوجوب بالنذر لا نفي الجواز، وهذا قول الشيخ أبي حامد ~~وأبي علي وأبي المعالي والغزالي وغيرهم، وهو قول ابن عبد البر وأبي محمد ~~المقدسي ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد. # فهذان القولان الموجودان في كتب المسلمين ذكرهما المجيب، ولم يعرف أحدا ~~معروفا من العلماء المسمين في الكتب أنه يستحب السفر إلى زيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين. ولو علم أن في المسألة قولا ثالثا لحكاه، لكنه لم يعرف ~~ذلك، وإلى الآن لم يعرف أن أحدا قال ذلك، ولكن أطلق كثير منهم القول ~~باستحباب زيارة ms038 قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك. ~~وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعا في الجواب، فإنه من المعلوم أن مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستحب السفر إليه بالنص والإجماع، فالمسافر إلى ~~قبره لا بد إن كان عالما بالشريعة أن يقصد السفر إلى مسجده، ولا يدخل ذلك ~~في جواب المسألة، فإن الجواب إنما كان عمن سافر لمجرد زيارة قبورهم، ~~والعالم بالشريعة لا يقع في هذا؛ فإنه يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قد استحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه، وهو يسافر إلى مسجده، فكيف لا يقصد ~~السفر إليه؟ # وكل من علم ما يفعله باختياره فلا بد أن يقصده. وإنما ينتفي القصد مع ~~الجهل؛ إما مع الجهل بأن السفر إلى مسجده مستحب لكونه مسجده، لا لأجل ~~القبر، وإما مع الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده. فأما مع العلم ~~بالأمرين فلا بد أن يقصد السفر إلى مسجده، ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس ~~لسائر القبور، من وجوه متعددة كما قد بسط في مواضع. # وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو معتاد لهم من السفر ~~إلى زيارة قبر من يعظمونه؛ يسافرون إليه ليدعوه ويدعوا عنده، ويدخلون إلى ~~قبره ويقعدون عنده، ويكون عليه أو عنده مسجد بني لأجل القبر، فيصلون في ذلك ~~المسجد تعظيما لصاحب القبر. # PageV01P041 # وهذا مما لعن النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب على فعله ونهى أمته عن ~~فعله، فقال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد يحذر ما فعلوا». وهو في الصحيحين من غير وجه. وقال قبل أن يموت بخمس: ~~«إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم. # فمن لم يفرق بين ما هو مشروع في زيارة القبور، وما هو منهي عنه لم يعرف ~~دين الإسلام في هذا الباب. # PageV01P042 ### | فصل [خلط المردود عليه بين زيارة القبور والسفر إليها] # قال: «فعند ذلك شرح الله صدري ms039 للجواب عما نقل فيه من مقالته، وسارعت ~~لإطفاء بدعته وضلالته. فأقول وبالله التوفيق، وأن يوصلنا إليه من أسهل ~~طريق: لقد ضل صاحب هذه المقالة وأضل، وركب طريق الجهالة واستقل، وحاد في ~~دعواه عن الحق وما جاد، وجاهر بعداوة الأنبياء وأظهر لهم العناد، فحرم ~~السفر لزيارة قبره وسائر القبور، وخالف في ذلك الخبر الصحيح المأثور، وهو ~~ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «زوروا القبور» «1». ~~وورد عنه أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا» ~~«2». فرفع صلى الله عليه وسلم الحرج عن المكلف بعد ما كان حظر. والمشهور أن ~~الأمر بعد الحظر يقتضي الوجوب. وأقل درجاته أن يلحق بالمباح أو المندوب». # والجواب عن هذا من وجوه: # الأول: أن في هذا من الجراءة على الله ورسوله وعلماء المسلمين أولهم ~~وآخرهم ما يقتضي أن يعرف من قال هذه المقالة ما فيها من مخالفة دين الإسلام ~~وتكذيب الله ورسوله ويستتاب منها؛ فإن تاب وإلا ضرب عنقه. وذلك أنه ادعى ~~أنه من حرم السفر إلى غير المساجد الثلاثة، أو حرم السفر لمجرد زيارة ~~القبور فقد جاهر الأنبياء بالعداوة، وأظهر لهم العناد، فحرم السفر لزيارة ~~قبره وسائر القبور. ذكر ذلك بحرف الفاء وليس في كلام المجيب إلا حكاية ~~القولين في السفر لمجرد زيارة القبور. # فإذا قيل: إنه جاهر بالعداوة وأظهر العناد لأجل تحريم هذا السفر؛ كان كل ~~من حرمه مجاهرا للأنبياء بالعداوة مظهرا لهم العناد، ومعلوم أن مجاهرة ~~الأنبياء بالعداوة PageV01P043 # وإظهار العناد لهم غاية في الكفر، فيكون كل من نهى عن هذا السفر كافرا. ~~وقد نهى عن ذلك عامة أئمة المسلمين، وإمامه مالك صرح بالنهي عن السفر لمن ~~نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن النذر يوجب فعل الطاعة ~~عنده فلم يجعله مع النذر مباحا بل جعله محرما منهيا عنه لما سئل عمن نذر أن ~~يأتي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ # فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأته ms040 وليصل، وإن ~~كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ~~ثلاثة مساجد». # ومذهبه المعروف في جميع كتب أصحابه الكبار والصغار، كالمدونة لابن ~~القاسم، والتفريع لابن الجلاب؛ أنه من نذر إتيان المدينة النبوية إن كان ~~أراد الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفى بنذره، وإن كان أراد غير ~~ذلك لم يوف بنذره. # فالسفر إلى المدينة ليس عنده مستحبا إلا للصلاة في المسجد، فأما من سافر ~~إليها لغير ذلك؛ كزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو زيارة قبور ~~شهداء أحد، أو أهل البقيع، أو مسجد قباء، فإن هذا السفر عنده منهي عنه فلا ~~يوف بنذره، فهذا مذهبه في كل منذور من السفر إلى المدينة سوى الصلاة في ~~مسجده. # ومسألة إتيان القبر بخصوصه داخلة في ذلك، وقد ذكرها بخصوصها عنه القاضي ~~إسماعيل بن إسحاق محتجا بذلك على ما ذكره فدل على ثبوت ذلك عنده عن مالك. ~~قال في كتابه «المبسوط» لما ذكر قول محمد بن مسلمة: من نذر أن يأتي مسجد ~~قباء فعليه أن يأتيه، قال القاضي إسماعيل: إنما هذا فيمن كان من أهل ~~المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء، لأن إعمال المطي اسم ~~للسفر، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، في نذر ولا غيره. وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي ~~جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». وهذا يوافق ما في المدونة ~~وغيرها من الكتب، ففي «المدونة» «1» وهي الأم في مذهب مالك: «ومن قال: لله ~~علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو علي المشي إلى المدينة أو إلى بيت ~~المقدس؛ فلا يأتهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسميهما فيقول: إلى ~~مسجد الرسول أو مسجد ms041 إيليا، وإن لم ينو الصلاة فيهما فليأتهما راكبا ولا ~~هدي عليه، وكأنه لما سماهما قال لله علي أن أصلي فيهما، ولو نذر الصلاة في ~~غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته». # وهذه المسائل في الكتب الصغار والكبار، وقد صرح فيها أن من نذر المشي أو ~~الإتيان إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بيت المقدس فلا يأتهما إلا ~~أن يريد الصلاة في المسجدين. PageV01P044 # فتبين بهذا أن السفر إلى المدينة أو بيت المقدس في غير الصلاة في ~~المسجدين ليس طاعة ولا مستحبا ولا قربة، بل هو منهي عنه وإن نذره، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله ~~فلا يعصه» «1» رواه البخاري وغيره، وهو من حديث مالك في الموطأ. فمن سافر ~~لبيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجد مثل زيارة ما هنالك من مقابر ~~الأنبياء والصالحين وآثارهم كان عاصيا عنده، ولو نذر ذلك لم يجز له الوفاء ~~بنذره، وكذلك من سافر إلى قبر الخليل أو غيره، وكذلك من سافر إلى مدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لمجرد القبر لا للعبادة المشروعة في المسجد كان ~~عاصيا، وإن نذر ذلك لم يوف بنذره؛ سواء سافر لأجل قبره أو لأجل ما هنالك من ~~المقابر والآثار أو مسجد قباء، أو غير ذلك. # وقال القاضي عبد الوهاب في «الفروق»: «يلزم المشي إلى بيت الله الحرام ~~ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس، والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى ~~الله. # والفرق بينهما: أن المشي إلى بيت الله طاعة فيلزمه، والمدينة وبيت المقدس ~~الطاعة في الصلاة في مسجديهما فقط، فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه، ~~ألا ترى أن من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك، ولو نذر أن يأتي المسجد ~~لغير صلاة لم يلزمه». # فإذا كان إمامه ينهى عن السفر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم دون ~~إتيان مسجده، ونهى الناذر لذلك أن يوفي بنذره، والمالكية- بل الأئمة ~~الأربعة- وغيرهم متفقون على أن ذلك لا يوفي ms042 بنذره، بل مالك والجمهور نهوا ~~عن الوفاء بنذره لكونه عندهم معصية، فيلزم هذا المفتري أن يكون مالك ~~وأصحابه مجاهرين بالعداوة للأنبياء مظهرين لهم العناد، وكذلك سائر الأئمة ~~والجمهور؛ الذين حرموا السفر لغير المساجد الثلاثة، وإن كان المسافر قصده ~~الصلاة في مسجد آخر. # ومعلوم أن المساجد أحب البقاع إلى الله، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغضها ~~إلى الله الأسواق» «2». # والأئمة الأربعة متفقون على أن السفر إلى مسجد غير الثلاثة لا يلزم ~~بالنذر، ولا يسن، وليس مستحبا، ولا طاعة ولا برا ولا قربة، وجمهورهم ~~يقولون: إنه حرام، مع أن قصد المساجد للصلاة فيها والدعاء أفضل بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واتفاق علماء أمته من قصد قبور الأنبياء والصالحين ~~والدعاء عندها، بل هذا محرم نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P045 # ولعن أهل الكتاب على فعله تحذيرا لأمته؛ ففي الصحيح أنه قال قبل أن يموت ~~بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». وفي الصحاح من غير وجه أنه قال في مرض موته: ~~«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد- يحذر ما فعلوا» ~~قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا». فمقابر ~~الأنبياء والصالحين لا يجوز اتخاذها مساجد بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واتفاق أئمة المسلمين على ذلك، من كره الصلاة في المقبرة ~~ومن لم يكره؛ فإن الذين لم يكرهوها قالوا: سبب الكراهة هو نجاسة التراب، ~~فإذا كان طاهرا لم يكره. # وأما اتخاذ القبور مساجد بسبب تعظيم صاحب القبر حتى يتخذ قبره وثنا. وهذه ~~علة أخرى علل بها طوائف من المسلمين من فقهاء المدينة والكوفة وفقهاء ~~الحديث من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم، كما ذكرت أقوالهم في غير هذا ~~الموضع. بل صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم الذي حرم هذا السفر يلزم هذا ~~المفتري الجاهل أن يكون مجاهرا للأنبياء بالعداوة ms043 والعناد، بل المساجد غير ~~الثلاثة نهى عن السفر إليها. وأما إتيانها بلا سفر للصلاة والدعاء فمن أعظم ~~العبادات، والعبادات والقربات تكون واجبا تارة ومستحبا أخرى. وأما قبور ~~الأنبياء والصالحين فلا يستحب إتيانها للصلاة عندها، والدعاء عند أحد من ~~أئمة الدين، بل ذلك منهي عنه في الأحاديث الصحيحة كما ذكر ذلك غير واحد من ~~العلماء، ولكن يجوز أن تزار القبور للدعاء لها كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يزور أهل البقيع. وأما قبره خصوصا فحجب الناس عنه ومنعوا من الدخول ~~إليه، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري- وفي رواية بيتي- عيدا، ~~وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» «1» وكذلك قال في السلام عليه. ~~والله أمر بالصلاة والسلام عليه مطلقا، وذلك مأمور به في جميع البقاع لا ~~يختص قبره باستحباب ذلك، بل هو مستحب مشروع في جميع البقاع، وتخصيص القبر ~~بذلك منهي عنه. فالذين نهوا عن هذا السفر إنما نهوا عنه طاعة لله ورسوله ~~فهم قاصدون بذلك طاعة الله واتباع رسوله، ولو كانوا مخطئين لم يكن القاصد ~~لطاعة الأنبياء معاديا لهم لا سرا ولا جهرا، ولا معاندا لهم، بل موجبا ~~لطاعتهم والإيمان بهم، ومواليا لهم ومسلما لحكمهم، ولو كان مخطئا فإن هذا ~~كان قصده، فكيف يجعل معاديا لهم لا سيما مع أنه مصيب موافق لهم باطنا ~~وظاهرا؟ # ولو قدر أن المجيب حرم زيارة القبور مطلقا سفرا وغير سفر فهذا قول طائفة ~~من السلف مثل الشعبي والنخعي وابن سيرين، كما ذكر ذلك عنهم غير واحد، منهم ~~ابن بطال في «شرح البخاري». وهؤلاء من أجل علماء المسلمين في زمن التابعين ~~باتفاق المسلمين، ويحكى قولا في مذهب مالك. ومن قال ذلك لم يكن معاديا ~~للأنبياء لا PageV01P046 # سرا ولا جهرا، ولا معاندا لهم لا باطنا ولا ظاهرا. ومن قال عن علماء ~~المسلمين الذين اتفق المسلمون على إمامتهم إنهم كانوا معاندين للأنبياء؛ ~~فإنه يستحق عقوبة مثله. ولا خلاف بين المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان قد نهى عن زيارة القبور أولا، فكان ذلك محرما ms044 في أول الإسلام، وقد ~~اعترف هذا المعترض بذلك. فهل يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حرم ~~زيارة القبور كان مجاهرا للأنبياء بالعداوة مظهرا لهم العناد؟! # وكذلك سائر الشرع المنسوخ؛ ليس فيه معاداة للأنبياء ولا معاندة لهم، لا ~~سرا ولا جهرا، فإن الله لم يشرع معاداة أنبيائه ولا معاندتهم قط، بل ~~الإيمان بجميع الأنبياء كالتوحيد لا بد منه في كل شرعة، ودين الأنبياء ~~واحد، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنا معاشر ~~الأنبياء ديننا واحد» «1». وقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا الآية إلى قوله: وإن هذه أمتكم أمة واحدة [المؤمنون: 51، ~~52]. قال عامة المفسرين: على ملة واحدة وعلى دين واحد «2». وقد قال تعالى: ~~وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة إلى قوله: ولتنصرنه ~~[آل عمران: 81]. فأمر متقدمهم أن يؤمن بمتأخرهم كما أمر متأخرهم أن يؤمن ~~بمتقدمهم. فكل ما شرع في وقت لا يكون مقصوده معاداة للأنبياء، كما لا يكون ~~مقصوده شركا، فإن الله لم يشرع الشرك قط، ولا شرع معاداة الأنبياء قط، لكن ~~من تمسك بالمنسوخ مع علمه بأنه منسوخ يكون مكذبا، ثم معاداة الأنبياء ~~ومعاندتهم هي كفر بهم وتكذيب لهم. ### | لا يوجد في الكتاب ولا في السنة دليل على استحباب زيارة قبور الأنبياء # فأين في كتاب الله وسنة رسوله أنه يستحب السفر لمجرد زيارة قبورهم أو ~~قبور غيرهم، حتى يكون مخالف ذلك مخالفا لذلك النص؟ ولو قدر أنه خالف نصا لم ~~يبلغه، أو رجح غيره عليه؛ لم يكن ذلك معاداة لهم ولا معاندة، ولكن الجهال ~~وأهل الضلال يظنون أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق، ~~وأنها من الإيمان بهم. أو يظنون أن زيارة قبورهم من باب التعظيم لهم، ~~وتعظيم أقدارهم وجاههم عند الله، وأن الزائر إذا دعاهم وتضرع لهم وسألهم ~~حصل مطلوبه؛ إما بشفاعتهم له، وإما لمجرد عظم قدرهم عند الله، يعطى سؤله ~~إذا دعاهم، وإما أن PageV01P047 # يقول: يفيض على الداعي من جهتهم ما ms045 يطلب من غير علم منهم ولا قصد، كشعاع ~~الشمس الذي يظهر في الماء، وبواسطة الماء يظهر في الحائط، وإن كانت الشمس ~~لا تدري بذلك. وهذا قول طائفة من المتفلسفة المنتسبين إلى الملل. وقد ذكره ~~صاحب «الكتب المضنون بها على غير أهلها» «1» وغيره، كما بسط الكلام على ذلك ~~في موضع آخر. ومعلوم أن زيارة القبور بهذا القصد وعلى هذا الوجه ليست من ~~شريعة الإسلام، بل من دين المشركين والمعطلين. والرسول لم يشرع مثل هذا ~~لأمته، ولا فعله أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة ~~المسلمين، بل النصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم تنهى عما قد ~~يفضي إلى هذا، فكيف إلى هذا؟ فإنه صلى الله عليه وسلم لعن الذين يتخذون ~~قبور الأنبياء مساجد يحذر ما فعلوا. وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم ~~عن ذلك» وخص بيته بأن قال: «لا تتخذوا قبري عيدا» وفي رواية: «بيتي عيدا». ~~وقال: # «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد». # فإذا كان قد حرم أن تتخذ مسجدا يعبد الله فيها لئلا يفضي إلى دعائه، فكيف ~~إذا كان المقصود بالزيارة هو دعاء صاحب القبر؟ وذلك هو المقصود بالسفر إلى ~~قبره. # وقد قال تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [آل عمران: 80]. والمشرك يقصد فيما يشرك به أن ~~يشفع له أو يتقرب بعبادته إلى الله أو يكون قد أحبه كما يحب الله. ~~والمشركون بالقبور توجد فيهم الأنواع الثلاثة؛ قال الله تعالى: ويعبدون من ~~دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله [يونس: # 18] الآية. وقال تعالى: والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى [الزمر: 3]. وقال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165]. ~~وقال تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من ms046 دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا إلى قوله: محذورا [الإسراء: 56، 57]. وقوله تعالى: PageV01P048 # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير إلى قوله: وهو العلي ~~الكبير [سبأ: 22، 23]. حتى إن الملائكة إذا قضي الأمر صعقوا، ولا يعلمون ما ~~قضاه حتى يفزع عن قلوبهم؛ أي يزول عنها الفزع، حينئذ يعلمون ما قضاه وما ~~قاله، فكيف يشفعون عنده ابتداء قال تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ~~[الأنبياء: 28] الآية. وقال: وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا ~~[النجم: 26] الآية. # وكذلك من ظن أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق؛ فهذا ~~الظن ليس هو دين أحد من المسلمين، ولم يقل أحد إن السفر إلى المسجد النبوي ~~أو المسجد الأقصى واجب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرع السفر ~~إليهما، وقال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد ~~الأقصى، ومسجدي هذا». فكيف بما دون ذلك من القبور والآثار؟ لم يقل أحد من ~~علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب، بل ولا عرف عنهم القول بالاستحباب. ~~بل السلف والقدماء على تحريم ذلك، والمتأخرون متنازعون، فأحد القولين أن ~~ذلك جائز لا فضيلة فيه. والآخر أنه ينهى عنه. وعلى هذا القول دلت سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وسلف الأمة، فإنه ثبت عنه أنه قال: ~~«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وهذه صيغة خبر معناه النهي. ولكن من ~~قال ليست نهيا بل نفيا للفضيلة، وهذا الاحتمال وإن كان باطلا فإنما يقدح في ~~رواية أبي هريرة. والحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة ومن رواية أبي ~~سعيد الخدري. ولفظ حديث أبي سعيد: عن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثا ~~فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ~~فأقول عليه ما لم أسمع؟ سمعته يقول: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ms047 ثلاثة مساجد، ~~مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». وسمعته يقول: «لا تسافر ~~المرأة يوما من الدهر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها». ولفظ أبي سعيد هو ~~الثابت في الصحاح؛ صريح في النهي، وهو صريح في أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن السفر إلى غير الثلاثة. وتبين بذلك أن من قال السفر إلى غيرها ~~جائز أو غير مكروه فهو مخطئ، والله أعلم. # وإذا كان ذلك ليس بواجب ولا مستحب؛ بل هو منهي عنه، لم يكن من حقوقهم ~~التي أوجبها الله ولا دعا عباده إليها، فأي معاداة وأي معاندة لمن نهى عن ~~شيء ليس من حقوقهم ولا مما أوجبوه ولا دعوا إليه؟ بل هو ناه عما نهوا عنه ~~آمر بما أمروا به، مطيع لهم متبع لهم، قصده متابعتهم، فكيف يكون مع ~~متابعتهم قصدا وقولا وعملا معاديا ومعاندا؟ لو قدر أنه متأول مخطئ؛ فكيف ~~إذا كان قد ذكر قولي علماء المسلمين الذين نهوا والذين أباحوا وحجة كل قول؟ ~~والسلف على النهي، وكلام علماء المسلمين مالك وغيره موجود في كتب كثيرة، ~~فكفى بقاض مالكي جهلا # PageV01P049 # وضلالا أن يقول بكفر من قال بقول إمامه وأصحابه، بل كفى بمن قال ذلك جهلا ~~وضلالا سواء كان مالكيا أو غير مالكي مع عظم قدر مالك بإجماع أهل الإسلام ~~الخاص منهم والعام، بل لم يكن في وقته مثله. وقد روى الترمذي وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب ~~العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة» «1». قال غير واحد: كانوا يرونه ~~مالك بن أنس، فلو كان ما قاله هو وأصحابه مما خالفهم فيه بقية الأئمة لم ~~يكن ذلك من مسائل التكفير، ولا من معاداة الأنبياء ومعاندتهم. فكيف والذي ~~قاله مالك بن أنس هو قول سائر الأئمة كما يدل عليه كلامهم وأصحابهم ~~ومسائلهم؟ والذين خالفوه غايتهم أن قالوا: إن السفر جائز. ولو قدر أن بعضهم ~~قالوا: هو مستحب؛ فليس فيهم من يجعل أصحاب ذلك القول ممن تنقص ms048 الأنبياء أو ~~عاداهم أو عاندهم، بل قائل هذا من أجهل الناس. وهو في هذه المقالة بالنصارى ~~أشبه منه بالمسلمين. # وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق- وهو من أجل علماء المسلمين ومن أجل من قلد ~~قضاء القضاة، حتى كان المتولي لذلك وحده في جميع بلاد بني العباس في خلافة ~~المعتضد- ذكر في كتابه «المبسوط» ما تقدم ذكره في باب إتيان مسجد قباء ~~والصلاة PageV01P050 # فيه، لما ذكر محمد بن مسلمة: أن من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن ~~يأتيه. قال: # إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد ~~قباء، لأن إعمال المطي اسم للسفر؛ ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ~~ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في نذر ولا غيره. # قال: وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: # إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل ~~للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» الحديث. وذكر فيه عن ~~مالك أنه قال فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه قال: فإني ~~أكره له ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة ~~مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى ومسجدي هذا». وتقدم أن في «المدونة» ~~وسائر الكتب ما يوافق ذلك. # قال في «المدونة» «1»: ومن قال: «لله علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، ~~أو المشي إلى المدينة أو بيت المقدس، فلا يأتيهما أصلا، إلا أن ينوي الصلاة ~~في مسجديهما أو يسميهما فيقول: إلى مسجد الرسول، أو مسجد إيليا، وإن لم ينو ~~الصلاة فليأتهما راكبا ولا هدي عليه» وكأنه لما سماهما قال: لله علي أن ~~أصلي فيهما. ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم ~~يأته، فقد تبين أنه إن نوى الصلاة في المسجدين وفى بنذره، وكذلك إن سمى ~~المسجدين فإن المسجد إنما يؤتى للصلاة، وأما إذا نذر إتيان نفس ms049 البلد فليس ~~عليه أن يأتيه، وهذا يتناول إتيانه لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقبور الشهداء وأهل البقيع، وإتيان مسجد قباء، كما يتناول النهي عن السفر ~~إلى بيت المقدس لزيارة القبور والآثار التي هناك من آثار الأنبياء، وإتيان ~~المسجد لغير الصلاة كالتمسح بالصخرة وتقبيلها، أو إتيانه للوقوف عشية عرفة، ~~والطواف بالصخرة، أو لغير ذلك مما يظنه بعض الناس عبادة وليس بعبادة، ومما ~~هو عبادة للقريب ولا يسافر لأجله؛ كزيارة قبور المسلمين للدعاء لهم ~~والاستغفار، فإن هذا مستحب لمن خرج إلى المقبرة من البلد ولمن اجتاز به، ~~ولا يشرع السفر لذلك. # فمالك وغيره نهوا عن السفر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة ~~المشروعة في المسجدين سواء كان المسافر يسافر لأمر غير مشروع بحال، أو لما ~~هو مشروع للقريب ولا يشرع السفر لأجله، وكذلك مذهب مالك أنه لا يسافر إلى ~~المدينة لشيء من ذلك بل هذا السفر منهي عنه والسفر المنهي عنه عنده لا تقصر ~~فيه الصلاة لكن بعض أصحابه وهو محمد بن مسلمة استثنى مسجد قباء، وابن عبد ~~البر جعل السفر مباحا إلى غير الثلاثة المساجد ولا يلزم بالنذر لأنه ليس ~~بقربة كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. PageV01P051 # وأما جمهور أصحاب مالك فعلى قوله في أن السفر لغير المساجد الثلاثة محرم ~~لا يجوز أن يفعل ولو نذره فلا يستحب عند أحد منهم. # وقال القاضي عياض: لا يباح السفر لغير المساجد الثلاثة لا لناذر ولا ~~لمتطوع. # وقال أبو الوليد الباجي «1» قبله في السفر إلى مسجد قباء: إنه منهي عنه. ~~قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي «2» في «الفروق»: فرق بين مسألتين ~~يلزم نذر المشي إلى البيت الحرام ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس، ~~والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله. قال: والفرق بينهما: أن المشي إلى ~~بيت الله طاعة تلزمه، والمدينة وبيت المقدس الصلاة في مسجديهما فقط، فلم ~~يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه. # ألا ترى أن من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك، ولو نذر أن يأتي ms050 المسجد ~~لغير صلاة لم يلزمه أن يأتي، فقد صرح بأن المدينة وبيت المقدس لا طاعة في ~~المشي إليهما إنما الطاعة الصلاة في مسجديهما فقط، وأنه لو نذر أن يأتي ~~المسجد لغير صلاة لم يلزمه ذلك بناء على أنه ليس بطاعة. ### | [إتيان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأجل القبر ليس بطاعة] # فتبين أن من أتى مسجد الرسول لغير الصلاة؛ أنه ليس بطاعة ولا يلزم ~~بالنذر. # وتبين أن السفر إليه وإتيانه لأجل القبر ليس بطاعة كما ذكر ذلك مالك ~~وسائر أصحابه. PageV01P052 # ولا يرد على هذا الاعتكاف؛ فإن المعتكف عنده لا بد أن يصلي، وكذلك من ~~دخله لتعلم العلم أو تعليمه فإنه يصلي فيه أولا. # والمقصود أن هذه المسألة مذكورة في المختصرات؛ ذكرها أبو القاسم بن ~~الجلاب في «التفريع» قال: ومن قال علي المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فإن ~~أراد الصلاة في مسجديهما لزمه إتيانهما راكبا والصلاة فيهما، وإن لم ينو ~~ذلك فلا شيء عليه. ولو قال: لله علي المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت ~~المقدس لزمه إتيانهما راكبا والصلاة فيهما. وإن نذر السفر إلى مسجد سوى ~~المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس فإن كان قريبا لا يحتاج ~~إلى راحلة مضى إليه وصلى فيه، وإن كان بعيدا لا ينال إلا براحلة صلى في ~~مكانه ولا شيء عليه. # وهذا الفرق الذي ذكره ابن الجلاب في سائر المساجد من القريب والبعيد ذكره ~~قبله محمد بن المواز في الموازية وغيره قال: أما السفر إلى المدينتين؛ ~~مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وبيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين فإنه ~~لا يستحب عند أحد منهم، بل جمهورهم نهوا عنه وحرموه موافقة لمالك، لنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وقد ذكر ذلك ~~ابن بشير في تنبيهه والقيرواني في تقريبه، وغيرهما من أصحاب مالك. # فهذا نص مالك الإمام وأصحابه على أن من نذر إتيان المدينة لغير الصلاة في ~~مسجدها ولو أنه لزيارة أهل البقيع وشهداء أحد وزيارة ms051 قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه لا يأتيها ولا يوف بنذره، بل السفر لذلك منهي عنه لقوله: ~~«لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». # بل السفر إلى ما يظن أنه زيارة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم وليس ~~بزيارة لقبره أولى بالنهي عن السفر لزيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ~~ومسجد قباء. وهذه الأماكن يستحب لأهل المدينة إتيانها وإن لم يقدموا من ~~سفر، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يخرج إلى القبور يدعو لهم، ~~وكان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا «1». ### | التفريق بين الغرباء والمقيمين في المدينة في السلام عليه خارج الحجرة # وأما ما يظن أنه زيارة لقبره مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام والدعاء؛ ~~فهذا لا يستحب لأهل المدينة بل ينهون عنه، لأن السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان- الخلفاء الراشدين وغيرهم- كانوا ~~يدخلون إلى مسجده للصلوات الخمس وغير ذلك، والقبر عند جدار المسجد ولم ~~يكونوا يذهبون إليه ولا يقفون عنده، فإذا كان السفر لما شرع لأهل المدينة ~~في غير المساجد منهيا عنه، PageV01P053 # فالنهي عن السفر لما ليس بمشروع مما يسمى زيارة لقبره وليس زيارة أولى ~~وأحرى. # وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء؛ ذكروا أنه لا يستحب بل يكره للمقيمين ~~بالمدينة الوقوف عند القبر للسلام أو غيره، لأن السلف من الصحابة لم يكونوا ~~يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلوات الخمس وغيرها على عهد الخلفاء ~~الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يصلون ~~بالناس في المسجد؛ أبو بكر وعمر فصليا بالناس إلى حين ماتا، وعثمان إلى أن ~~حصر، وعلي صلى فيه مدة مقامه بالمدينة إلى أن خرج إلى العراق. وكان الناس ~~يقدمون عليهم من الأمصار يصلون معهم. ومعلوم أنه لو كان مستحبا لهم أن ~~يقفوا حذاء القبر ويسلموا أو يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك. ولو ~~فعلوه لكثر وظهر واشتهر، لكن مالك وغيره خصوا سن ذلك عند السفر لما نقل عن ~~ابن عمر. # قال القاضي عياض: قال مالك في «المبسوط»: وليس يلزم ms052 من دخل المسجد وخرج ~~منه من أهل المدينة الوقوف للقبر. وإنما ذلك للغرباء. وقال فيه أيضا: ولا ~~بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناسا من أهل المدينة ~~لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما ~~وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر، ~~يسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ~~ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة ~~وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده، وإنما ~~اشتهر هذا عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر أتى القبر فقال: # السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ~~وممن رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب «الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم» قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ~~نافع، عن ابن عمر؛ كان إذا قدم من سفر أتى المسجد ثم أتى القبر فقال: ~~«السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه» ~~«1». # فإن قيل: مالك وغيره استحبوا للغرباء كلما دخلوا المسجد أن يأتوا القبر، ~~وهذا يناقض ما ذكر عنهم من النهي عن السفر لأجل القبر، فإنهم خصوا الغرباء ~~المسافرين بقصد القبر، فيكون لهم في المسألة روايتان. # قيل: ليس الأمر كذلك؛ بل هم استحبوا للغرباء الذين قدموا لأجل الصلاة في ~~المسجد أن يقفوا بالقبر ويسلموا، كما استحبوا لهم أن يأتوا مسجد قباء، وأن ~~يزوروا PageV01P054 # أهل البقيع وشهداء أحد، وهم لو قصدوا السفر لأجل أهل البقيع والشهداء أو ~~لموضع غير مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذلك منهيا عنه عندهم، لكن ~~إذا سافروا لأجل المسجد والصلاة فيه أتوا ms053 القبر وزاروا قبور الشهداء وأهل ~~البقيع ومسجد قباء ضمنا وتبعا، كما أن الرجل ينهى أن يسافر إلى غير المساجد ~~الثلاثة، فلو سافر إلى بلد لتجارة أو طلب علم أو نحو ذلك كان يأتي مسجده ~~ويزور قبره، وإن كان لم يسافر لأجل ذلك، وإنما الرخصة في هذا للغرباء دون ~~أهل المدينة، فأهل المدينة يفعلون ذلك عند السفر فيحصل مقصودهم، والغرباء ~~إنما يقيمون بالمدينة أياما. وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وفي المسجد الحرام، فإنهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا ~~فيه. وأما أهل البلد فتطوعهم في البيوت أفضل. قال مالك: التنفل فيه للغرباء ~~أحب إلي من التنفل في البيوت. # وحجتهم في ذلك أن الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد، وأهل البلد ~~يصلون فيه دائما الفرض، فيحصل مقصودهم بذلك، وتطوعهم في البيوت أفضل لما ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيها الناس؛ أفضل ~~الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» «1». وقال صلى الله عليه وسلم في ~~النساء: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن» «2». # وأما الغرباء فلا يمكنهم أن يصلوا الفرض فيه دائما، لأن الفرائض لها ~~أوقات محدودة، فيستكثروا من التنفل فيه، وكذلك المسجد الحرام. ولهذا ~~استحبوا في المسجد الحرام الطواف للغرباء وفضلوه على الصلاة. قال ابن ~~القاسم: «الطواف بالبيت للغرباء أحب إلي من الصلاة» «3». وذلك لأن الغرباء ~~لا يمكنهم الطواف كل وقت، بخلاف أهل البلد فإنه يمكنهم ذلك في جميع ~~الأوقات. وإذا خرجوا من البلد ثم رجعوا اعتمروا. ولهذا قال ابن عباس: يا ~~أهل مكة؛ لا عمرة عليكم، إنما عمرتكم الطواف بالبيت. # وقد نص أحمد على مثل ما قال ابن عباس مع قوله بوجوب العمرة على غيرهم في ~~المشهور عنه. ومن أصحابه من جعل الفرق رواية ثالثة، ومنهم من تأولها، ولكن ~~المنصوص عنه الفرق كقول ابن عباس. ولكن الأثر المنقول عن ابن عمر ليس فيه ~~أنه كان يفعل ذلك إلا إذا قدم من سفر ليس فيه أنه ms054 كان يفعل ذلك عند إرادة ~~السفر. PageV01P055 # وقد يستحب للقادم من السفر ما لا يستحب لغيره، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين. ولم ينقل عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يودعه. وكذلك طواف القدوم الذي يطوفه القادم إلى ~~مكة يستحب فيه الرمل أولا لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوا ذلك ~~في عمرتهم، وفي حجة الوداع، ولا يستحب ذلك لأهل مكة لأنه لا قدوم عليهم. ~~وكذلك الاضطباع يستحب فيه عند الجمهور؛ أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال ~~مالك: ليس بسنة. # فما نقل عن ابن عمر من تخصيصه الوقوف عند القبر والسلام بما إذا قدم من ~~سفر هو- والله أعلم- لكون ذلك تحية مجيئه إذا قدم من السفر، كما أن طواف ~~القدوم يسمى طواف التحية وفيه الرمل والاضطباع، وليس ذلك مشروعا لأهل مكة، ~~وكذلك طواف الوداع لا يشرع لأهل مكة، إذ لا وداع في حقهم. # فتفريقهم بين الغرباء وبين المقيمين له نظير في الشرع، لكن أصل استحبابهم ~~ما استحبوه من فعل ابن عمر. وقد احتج أحمد وغيره مع ذلك بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه ~~السلام» رواه أبو داود وغيره، وهو على شرط مسلم، وفي رواته أبو صخر حميد بن ~~زياد وهو مختلف فيه، ضعفه ابن معين، ووافقه النسائي، ومرة وثقه، ووافقه ~~أحمد «1». # فمالك وأحمد وغيرهما احتجوا بفعل ابن عمر. وقد احتج أحمد وأبو داود وابن ~~حبيب وغيرهم بحديث أبي هريرة هذا. وفي هذا نزاع مذكور في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا بيان قول مالك وغيره من أهل العلم، وأنهم لم يتناقضوا حيث ~~منعوا من السفر إلى غير المساجد الثلاثة، وأنه لا يسافر إلى المدينة إلى ~~غير المسجد، لا للقبر وغيره. وأن السفر إلى غير الثلاثة منهي عنه، وإن كان ~~قد نذره، فإن قوله: # «لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة» إذا كان متناولا بالإجماع السفر ~~إلى سائر المساجد، مع ms055 أنها أحب البقاع إلى الله، فالسفر إلى المقابر أولى ~~بالنهي أو بعدم الفضيلة. وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي المدينة ~~لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أو غيرهم لم يوف بنذره. وقال مالك ~~والأكثرون؛ قالوا: لا يجوز أن يوفي بنذره فإنه معصية. ولو نذر السفر إلى ~~نفس المسجد للصلاة فيه لم يحرم عليه الوفاء بالإجماع، بل يستحب الوفاء «2». ~~وقيل: يجب على قولين للشافعي، والوجوب مذهب مالك وأحمد، ونفي الوجوب مذهب ~~أبي حنيفة. PageV01P056 # فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلت عليه السنة من الفرق بين ~~السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه، والسفر إليها لغير مسجده؛ ~~كالسفر لأجل مسجد قباء، أو لزيارة القبور التي فيها؛ قبر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وقبور من فيها من السابقين الأولين وغيرهم رضوان الله عليهم ~~أجمعين. # وظهر أنه إذا نهي عن السفر إلى ما يستحب لأهل المدينة إتيانه بلا سفر ~~كزيارة مسجد قباء وشهداء أحد والبقيع؛ فالنهي عما يكره لأهل المدينة إتيانه ~~أولى وأحرى. # والله سبحانه خص رسوله بما خصه به تفضيلا له وتكريما لما يجب من حقه على ~~كل مسلم في كل موضع، فإن الله أوجب الإيمان به ومحبته وموالاته ونصره ~~وطاعته واتباعه على كل أحد في كل مكان، وأمر من الصلاة عليه والسلام عليه ~~في كل مكان، ومن سؤال الوسيلة له عند كل أذان، ومن ذكر فضائله ومناقبه وما ~~يعرف به قدر نعمة الله به على أهل الأرض، وأن الله لم ينعم على أهل الأرض ~~نعمة أعظم من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، وأنه هو أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم، وأنه لا يؤمن العبد حتى يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس ~~أجمعين «1»، بل حتى يكون أحب إليه من نفسه «2». إلى غير ذلك من حقوقه ~~المبسوطة في غير هذا الموضع «3». # وكل هذه مشروعة في جميع البقاع ليس منها شيء يختص بالقبر ولا بما هو قريب ~~من القبر. ولا شرع للناس أن يكون قيامهم بهذه الحقوق عند القبر ms056 أفضل من ~~قيامهم بها في بلادهم، بل المشروع أن يقوموا بها في كل مكان. ومن قام بها ~~عند القبر وفتر عن القيام بها في بلده، كما يوجد في بعض الناس يوجد من ~~محبته وتعظيمه وثنائه ودعائه للرسول عند قبره أعظم مما يوجد في بلده ~~وطريقه. وهذه حالة منقوصة غير محمودة، وصاحبها منحوس الحظ، ناقص النصيب، ~~وهو ناقص الدين والإيمان؛ إما بترك واجب يأثم بتركه، وإما بترك مستحب تنقص ~~درجته بتركه، بخلاف من من الله عليه فجعل محبته وثناءه وتعظيمه ودعاءه ~~للرسول في بلده مثل ما إذا كان بالمدينة عند قبره أو أعظم. فهذه هي الحالة ~~المحمودة المشروعة وهي حال الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، ~~ولا يعرف عن أحد منهم أنه كان يزيد حبه وتعظيمه PageV01P057 # ودعاؤه وثناؤه عند القبر. ولهذا لم يكونوا يأتونه، لأن قيامهم بما يجب من ~~حقوق الرسول في جميع الأمكنة سواء. # وقد نهى عن تخصيص القبر بذلك وأن يتخذوه عيدا ومسجدا لأنه مظنة أن يتخذ ~~وثنا ويفضي إلى الشرك، ومظنة أن ينقص قيامهم بحقه في سائر البقاع إذا خصوا ~~تلك البقعة بمزيد القيام، كما أن المشاعر لما خصت بالعبادات؛ فالمؤمن تجد ~~إيمانه فيها أعظم من إيمانه في غيرها، والرسول صلى الله عليه وسلم حقه في ~~جميع البقاع سواء، ولكن تتنوع حقوقه بحسب الأحوال، ولهذا إذا اعتبرت أحوال ~~الناس كان من يعظم الميت عند قبره مقصرا في حقوقه التي أمر بها في سائر ~~البقاع بحسب ما زاد عند القبر. وهذا أمر مطرد معروف من جميع أحوال الناس. # ولما كان السابقون الأولون أقوم بحقوقه في جميع المواضع؛ كانوا أبعد ~~الناس عن تخصيص القبر بشيء، والخلفاء الراشدون ونحوهم لما كانوا أقوم ~~بحقوقه من غيرهم لم يفعلوا ما فعله ابن عمر ونحوه، فأبوه عمر كان أقوم بحقه ~~صلى الله عليه وسلم منه وكان ينهى أن يقصد الصلاة في موضع صلى فيه، خلاف ما ~~فعله ابنه عبد الله مع فضله ودينه رضي الله عنهم أجمعين. وبسط هذا له موضع ~~آخر. # والمقصود ms057 هنا أن قول القائل: «من حرم السفر إلى زيارة قبره وسائر القبور ~~فقد جاهر الأنبياء بالعداوة، وأظهر لهم العناد». يستلزم أن يكون كذلك إمامه ~~مالك؛ بل وإمام غيره من المسلمين، فإنه من أجل أئمة المسلمين وهو أحد ~~أئمتنا الكبار، فإن جميع أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة أئمة لنا رضي ~~الله عنهم أجمعين. فإنه قد صرح في هذا الباب بما يبطل قول هذا الجاهل أكثر ~~من تصريح غيره. ### | [قبر الرسول صلى الله عليه وسلم أجل وأعظم أن يزار كسائر القبور] # الوجه الثاني: من الجواب: أن قول القائل: إن الناهي عن السفر لزيارة ~~القبور؛ قبور الأنبياء وغيرهم، قد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم ~~العناد، إنما يتوجه إذا كانت زيارة القبور التي جاءت بها الشريعة؛ هي من ~~باب خضوع الزائر للمزور وذله وتواضعه له واستسلامه وانقياده لعظمة قدر ~~المزور، وجاهه عند الله وقربه إليه. # فإذا كان المقصود بالزيارة مثل هذا كان النهي عن ذلك تنقيصا لهم وغضا من ~~أقدارهم، كالذي يزور معظما في الدين أو الدنيا، زيارة خاضع له متواضع له ~~متبرك به. فإذا قيل له: هذا لا ينبغي زيارته، أمكن أن يقال: هذا تنقص لقدره ~~وخفض من منزلته. والزيارة التي جاءت بها الشريعة وذكرها الأئمة من قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ليست من هذا النوع، بل مقصودها الدعاء ~~للميت، كالصلاة على جنازته. وقد يكون الزائر فيها أعظم قدرا من المزور، كما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم قدرا من كل من زار قبره؛ كأهل # PageV01P058 # البقيع، وشهداء أحد وأمه. وقد يكون الزائر دون المزور كما في «صحيح مسلم» ~~عن بريدة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، ~~فكان قائلهم يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا ~~إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» «1». وفي حديث عائشة ~~في الصحيح: «ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين» «2». وفي حديث ~~آخر: «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» «3». # فالدعاء الذي أمر به بعد السلام من ms058 جنس الدعاء في صلاة الجنازة، وفي صلاة ~~الجنازة قد يكون المصلي أفضل من الميت كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفضل من الذين صلى عليهم. وكذلك السابقون من أصحابه أفضل ممن صلوا عليهم من ~~غيرهم. وقد يكون المصلى عليه أفضل؛ كالنبي صلى الله عليه وسلم لما مات وصلى ~~عليه المسلمون أفذاذا، وهو أفضل من كل من صلى عليه. وكذلك أبو بكر وعمر صلى ~~عليهما المسلمون وهما أفضل ممن صلى عليهما. # وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فقبره أجل وأعظم من أن يزار كما تزار ~~قبور سائر المؤمنين، فإن أولئك إذا حصل الزائر عند قبورهم وشاهد القبر فإنه ~~يحصل له من الرغبة في الدعاء للميت والترحم عليه، والمحبة والمودة، ما قد ~~يكون أعظم مما لو كان غائبا. # ولهذا شرعت الصلاة على قبره. # واختلف العلماء هل تشرع على القبر مطلقا؟ على قولين في مذهب الشافعي ~~وأحمد، مع اتفاقهم على أنه لا يصلى على قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك ~~لعظم قدره وحقه، لا لنقص ذلك، فإن الناس مأمورون أن يحبوه ويعظموه، ويذكروه ~~ويذكروا ما من الله به عليه، وما من به عليهم بسببه، ويصلوا عليه ويسلموا ~~عليه في كل مكان، وأن لا يفعلوا ذلك عند قبره أعظم مما يفعلونه في سائر ~~البقاع، فإنه يفضي إلى نقص ذلك في سائر البقاع إذا خص قبره بما لا يوجد عند ~~غيره. # ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون أحد عند قبره في كل وقت، لو كان مما يوصل ~~إليه، فكيف إذا كان محجوبا؟ # فتخصيص قبره بصلاة عليه أو سلام أو دعاء أو ثناء، يقتضي هضم ذلك ونقصه في ~~سائر البقاع، فينقص إيمانهم به وتوسلهم بالإيمان به، ويفوتهم حظ عظيم من ~~كرامة الله لهم بقيامهم بحقه، مع أن ذلك ذريعة إلى الشرك. فكان في تخصيص ~~قبره بما يخص به قبر غيره مفسدة وفوات مصلحة. PageV01P059 # ولهذا جاءت سنته بأن لا يزار قبره كما تزار القبور؛ لعظم قدره وحقه كما ~~بينا. # وأما من زار قبره أو قبر ms059 غيره ليشرك به ويدعوه من دون الله فهذا حرام ~~كله، وهو مع كونه شركا بالله فهو ترك لما يجب من حقه صلى الله عليه وسلم ~~وطلب منه ما ليس إليه بل إلى الله، وأين من يطيعه ويعينه على ما أمر الله ~~به ويقوم بما يجب عليه من حقه ممن يقصر في حقه وطاعته وإعانته، ويقصر في ~~عبادة الله وتوحيده ودعائه، ويكلف المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الخالق ~~سبحانه وتعالى، فيؤذيه بذلك ويؤذي الله بالشرك به؟ وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون ~~له ندا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم» «1». وقد قال تعالى: يا أيها الذين ~~آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب: 56] فهذا حقه صلى الله عليه وسلم. ~~وقال تعالى: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ~~[الأحزاب: 57] الآية. ### | المقصود الشرعي من زيارة القبور # وأهل البدع والجهل يفعلون ما هو من جنس الأذى لله ورسوله، ويدعون ما أمر ~~الله به من حقوقه وهم يظنون أنهم يعظمونه؛ كما تفعل النصارى بالمسيح، ~~فيضلهم الشيطان كما أضل النصارى، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. والذين ~~يزورون قبور الأنبياء والصالحين ويحجون إليها ليدعوهم ويسألوهم، أو ~~ليعبدوهم ويدعوهم من دون الله؛ هم مشركون. وهم إذا قالوا نحن نحبهم، فهم إن ~~كانوا صادقين هم يحبونهم مع الله، لا يحبونهم لله كمحبة أهل الشرك للأنداد، ~~قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165]. والحب لله؛ أن يكون الله هو المحبوب ~~لذاته ويحب أنبياءه لأنه يحبهم، وعلامة محبتهم متابعتهم، كما قال تعالى: قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] فمن اتبع الرسول ~~فهو الذي يحبه الله، وأما من قال إنه يحبه وإن غلا فيه وأشرك به، إذا لم ~~يتبعه فإن الله لا يحبه، بل إذا خالفه أبغضه بحسب ذلك، ولكل درجات مما ~~عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون [الأحقاف: 19]. وما ربك ms060 بظلام للعبيد ~~[فصلت: 46]. # فالزيارة للقبور التي شرعها الرسول هي من جنس الصلاة على الجنائز، سواء ~~كان الداعي فاضلا أو مفضولا. # فليس المقصود بها الخضوع للميت والتواضع له كما يقصد بتصديق الأنبياء ~~وطاعتهم، ولا شرعت لكون المزور ذا جاه عند الله ومنزلة، بل هي مشروعة في حق ~~كل مؤمن. PageV01P060 # وجائز أيضا زيارة قبر الكافر لتذكر الموت. ولكن شاع لفظ الزيارة في ~~المعنى الأول عند كثير من المتأخرين، ولم يكن هذا معروفا في السلف، وما ~~صاروا يفهمون من إطلاق اللفظ بزيارة قبور الأنبياء والصالحين، إلا أنها ~~زيارة لقبورهم لعظم قدرهم وجاههم، وعلو منزلتهم عند الله، كما تزور النصارى ~~قبور من يعظمونه، وكما يتوجهون إلى صورته المصورة ويتشفعون به. # ومن هؤلاء من يظن أن القبر إذا كان في مدينة أو قرية فإنهم ببركته يرزقون ~~وينصرون، وأنه يندفع عنهم الأعداء والبلاء بسببه. ويقولون عمن يعظمونه: إنه ~~خفير البلد الفلاني، كما يقولون: السيدة نفيسة «1» خفيرة مصر القاهرة، ~~وفلان وفلان خفراء دمشق أو غيرها، وفلان خفير حران أو غيرها، وفلان وفلان ~~خفراء بغداد أو غيرها. PageV01P061 # ويظنون أن البلاء يندفع عن هذه المدائن والقرى بمن عندهم من قبور ~~الصالحين أو الأنبياء. ثم قد يكون في البلد من قبور الصحابة والتابعين من ~~هو أفضل من ذلك الذي جعلوه خفيرا، كما أن فيهم من الصحابة والتابعين وغيرهم ~~من هو أفضل من نفيسة بكثير. # وبدمشق من الصحابة والتابعين من هو أفضل من بعض من يجعلونه خفيرا، أو ~~يقصدون الدعاء عند قبره، كرابعة في باب الصغير، وكرسلان التركماني وغيرهم. ~~وقد نزل عدو كافر بالبلد فتمثل له الشيطان بصورة ذلك الخفير، وأنه يضربه ~~بعكازه أو غيره، ويقول: ارحل من عندي، فيرحل ذلك الملك الكافر لما رآه، ~~فيظن أولئك أن نفس الشيخ الميت أو سره أتاه فدفع عنه. # وفي المدفونين بالبلد من هو أفضل من ذلك بكثير. وهذا مما لم يكن معروفا ~~على عهد الصحابة والتابعين، ولكن حدث بعدهم. # ومن أقدم ما روي في ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي «1» قال: سمعت ms061 أبا ~~بكر الرازي يقول: سمعت عبد الله بن موسى الطلحي يقول: سمعت أحمد بن العباس ~~يقول: خرجت من بغداد هاربا منها، فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة فقال لي: ~~من أين خرجت؟ فقلت: من بغداد، وهربت منها لما رأيت فيها من الفساد، خفت أن ~~يخسف بأهلها. فقال: ارجع ولا تخف، فإن فيها قبور أربعة من أولياء الله، هم ~~حصن لها من جميع البلايا. قلت: من هم؟ قال: الإمام أحمد بن حنبل، ومعروف ~~الكرخي، وبشر بن الحارث الحافي، ومنصور بن عمار الواعظ. فرجعت ولم أخرج. # وهذا الشخص الذي قال هذا هو مجهول لا يعرف؛ وقد يكون جنيا وقد يكون ~~إنسيا. فإن الجن كثيرا ما يتصورون في صورة الإنس. ويقول أحدهم: لن ينفرد به ~~في البرية أنا النبي فلان، أو الشيخ فلان، أو الخضر. ومثل هذا كثير معروف ~~تطول حكاية آحاده فإنها لا تحصى لكثرتها. # وهؤلاء قد يظنون أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم مقبورا بينهم مثل ~~وجوده في حياته، والله تعالى يقول: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون [الأنفال: 33]. وهذا غلط عظيم؛ فقد روى الترمذي: ~~حدثنا سفيان بن وكيع، PageV01P062 # حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عباد بن يوسف، عن ~~أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أنزل الله علي أمانين لأمتي: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار» «1». # فقد بين صلى الله عليه وسلم أن الأمان بوجوده هو في حياته، وأنه بعد موته ~~لم يبق إلا الاستغفار، ليس في وجود القبور أمان. # وكذلك في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة ~~لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبت ~~أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» «2». # ومما يوضح الأمر في ذلك أنه ms062 من المعلوم أن بيت المقدس وما حوله من قبور ~~الأنبياء ما هو أكثر من غيره، فإنه قد قيل: إن بني إسرائيل بعث فيهم ألف ~~نبي، ومع هذا فقد قال الله تعالى: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين إلى قوله تعالى: عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا ~~[الإسراء: 4 - 8]. فقد بين الله أنهم إذا علوا وأفسدوا عاقبهم الله ~~بذنوبهم، وسلط عليهم العدو الذي جاس خلال الديار ودخل المسجد، وقتل فيهم من ~~لا يحصي عدده إلا الله، ولم يخفرهم أحد من قبور الأنبياء التي كانت هناك، ~~وإنما الناس يجزون بأعمالهم، والله تعالى هو الذي يرزقهم وينصرهم، لا رازق ~~غيره ولا ناصر إلا هو. قال تعالى: أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن [الملك: 20] الآيتين. فليس للعباد من دون الله لا رازق ولا ناصر. ~~وقد قال الله تعالى: وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ~~[الإسراء: 58] الآية. # فأخبر أنه لا بد لكل قرية من هلاك أو عذاب شديد بدون الهلاك، وذلك ~~بذنوبهم بعد إرسال الرسل لهم. قال الله تعالى: وما أهلكنا من قرية إلا لها ~~منذرون ذكرى وما كنا ظالمين [الشعراء: 208، 209]. # وكان أهل المدينة النبوية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد ~~خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أحسن أهل المدائن حالا، ~~ونعمة الله عليهم أعظم النعم لكونهم كانوا مطيعين لله ورسوله، وكانت ~~الخلفاء تسوسهم سياسة نبوية، فلما تغيروا وقتل بينهم عثمان رضي الله عنه ~~تغير الأمر وحصل لهم من الخوف والذل، ثم أصابهم من السيف ما أصابهم ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مدفون بالحجرة، وهو قد بلغهم الرسالة وأدى ~~الأمانة، PageV01P063 # ولم يضمن لهم أنه لوجود قبره أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين يندفع ~~البلاء، وإنما يندفع البلاء بطاعة الرسل لا بقبورهم، فمن أطاعهم كان سعيدا ~~في الدنيا والآخرة، ومن عصاهم استحق ما يستحقه أمثاله، وإن كان عنده ما شاء ~~الله من قبورهم. # وكانت حفصة أم المؤمنين ms063 تتأول فيهم قوله: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ~~مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان [النحل: 112] الآية كما رواه ابن أبي ~~حاتم وغيره من حديث ابن وهب، حدثنا ابن شريح، عن عبد الكريم بن الحارث، ~~سمعه يحدث عن مشرح بن هاعان، عن سليم بن عتر قال: صحبت حفصة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهي خارجة من مكة إلى المدينة، فأخبرت أن عثمان قد قتل. ~~فرجعت حفصة فقالت: # ارجعوا بي عن المدينة؛ فو الذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال الله: ~~وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة [النحل: 112] الآية «1». ولم ترد ~~حفصة رضي الله عنها أن الآية خصت المدينة بالذكر، بل هذا مثل ضربه الله لمن ~~كان كذلك. # وكان أهل مكة لما كانوا كفارا كذلك فأصابهم ما أصابهم، فلما قتل عثمان ~~علمت حفصة أنه سيصيب أهل المدينة من البلاء ما يناسب حالهم بعد ما كانوا ~~فيه من الأمن والطمأنينة، وإتيان رزقهم رغدا من كل مكان، فذكرت ذلك على ~~سبيل التمثيل بالمدينة، لا على سبيل الحصر فيها. # وأهل بغداد أصابهم ما أصابهم من السيف العام وعندهم قبور ألوف من أولياء ~~الله، زيادة على قبور الأربعة، فلم تغن عنهم من الله شيئا. ### | اعتقاد النفع بالقبور هو كاتخاذها أوثانا # وهؤلاء الذين يعتقدون أن القبور تنفعهم وتدفع البلاء عنهم؛ قد اتخذوها ~~PageV01P064 # أوثانا من دون الله، وصاروا يظنون فيها ما يظنه أهل الأوثان في أوثانهم، ~~فإنهم كانوا يرجونها ويخافونها ويظنون أنها تنفع وتضر. ولهذا قالوا لهود ~~عليه السلام: # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [هود: 54] فقال هود: إني أشهد الله ~~واشهدوا أني بريء مما تشركون إلى قوله: فكيدوني جميعا [هود: 54، 55] إلى ~~قوله: إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56]. وقد قال الله تعالى في قصة ~~الخليل: وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان إلى قوله: مهتدون ~~[الأنعام: 80 - 82]. وقال الله تعالى لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم بعد ~~أن خاطب المشركين فقال: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا ms064 لكم إن كنتم صادقين إلى قوله: فلا تنظرون [الأعراف: 194، 195]. # وقال: أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه إلى قوله: حسبي الله ~~عليه يتوكل المتوكلون [الزمر: 36 - 38]. # وأول ما ظهر الشرك بمكة من عمرو بن لحي سيد خزاعة، وكانت خزاعة ولاة ~~البيت بعد جرهم، وقيل: قريش، فجاء إلى البلقاء فرآهم يعبدون الأصنام، ~~وزعموا أنها تنفعهم فجلب أصناما إلى مكة ونصبها حول الكعبة «1». قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي وهو يجر قصبه في النار- أي أمعاءه- ~~وهو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام» «2». # وإذا كان كذلك؛ فمعلوم أنه لو نهى عن زيارة القبور مطلقا كما نهى عن ذلك ~~في أول الإسلام، وكما هو أحد قولي العلماء؛ لم يكن في ذلك معاداة لأهل ~~القبور ولا معاندة، فكيف إذا كان النهي إنما هو عن السفر لزيارة القبور؟ ~~وهو نهي عام لا تختص به الأنبياء والصالحون، بل كما نهى عن السفر إلى مسجد ~~غير الثلاثة، فهل يقول عاقل إن هذا من باب الاستهانة بالمساجد والاستخفاف ~~بها، كالذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه؟ # بل النهي عن السفر إليها مع إتيانها وعمارتها بالعبادات من أفضل الطاعات، ~~فليس في ذلك نقص لقدرها، وكذلك إذا نهى عن السفر مع جواز زيارتها بلا سفر، ~~واستحباب ذلك، فإنه لا يكون تنقصا بأهل القبور بطريق الأولى، إذا كان جنس ~~النهي عن زيارتها ليس تنقصا بهم، بخلاف النهي عن عمارة المساجد وإتيانها ~~للصلاة والذكر PageV01P065 # والدعاء كان من أظلم الناس، فإن من نهى عن ذلك كان كافرا. كما قال تعالى: ~~ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه [البقرة: 114] الآية. ولو ~~نهى عن السفر إليها كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين وقال: ~~من نذر السفر إليها لا يوف بنذره؛ لم يكن تنقصا بالقبور، التي لو نهى عن ~~زيارتها لم يكن متنقصا بها، فإذا نهى عن السفر إليها لم يكن متنقصا بها ~~بطريق الأولى والأحرى، وهذا بين لمن تدبر. ### | شد الرحال لزيارة قبور الصالحين ms065 هو من جنس عمل المشركين # الوجه الثالث: أن يقال: لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء ~~والصالحين، ويزورونها غير الزيارة الشرعية لا يقصدون الدعاء لهم كالصلاة ~~على جنائزهم، بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم ~~وقدرهم عند الله، ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء بهم أو عندهم، وطلب الحوائج ~~منهم، وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى، ولهذا يقولون: إن من نهى عن ~~ذلك فقد تنقص بهم، فهذا القول مبني على ذلك الاعتقاد والقصد والظن. ~~والنصارى يحجون إلى الكنائس لأجل ما فيها من التماثيل، ولأجل من بنيت ~~لأجله، كما يحجون إلى موضع قبر المسيح عندهم الكنيسة، التي يقال: إنها بنيت ~~على قبره موضع الصلب بزعمهم. وهم يبنون الكنائس على من يعظمونه مثل جرجس ~~وغيره، فيتخذون المعابد على القبور، وهم ممن لعنهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك تحذيرا لأمته وقال لأمته: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم. ~~والكنيسة التي بنيت موضع ولادته المسماة ببيت لحم، وكنائس أخر التي يسمونها ~~القيامة. # وكان صاحب الفيل قد بنى كنيسة باليمن وأراد أن يصرف حج العرب عن الكعبة ~~إليها، فدخلها بعض العرب وأحدث فيها، فغضب وجمع الجنود وسار بالفيل ليهدم ~~الكعبة حتى فعل الله به ما فعل. وكذلك كان بالطائف اللات وكانوا يحجون ~~إليها. وفي حديث أبي سفيان عن أمية بن أبي الصلت لما أخبر عن العالم الراهب ~~أنه قد أظل زمان نبي يبعث من العرب، وطمع أمية بن أبي الصلت أن يكون إياه، ~~وقال له ذلك العالم: إنه من أهل بيت يحجه العرب، فقال: إنا معشر ثقيف فينا ~~بيت يحجه العرب، قال: إنه ليس منكم، إنه من إخوانكم من قريش. وذلك البيت هو ~~بيت اللات المذكور في قوله تعالى: # أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [النجم: 19، 20]. والطائف ~~ومكة هما القريتان اللتان قالوا فيهما: لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم [الزخرف: 31]. وآخر غزوات النبي ms066 صلى الله عليه وسلم من غزوات ~~القتال هي غزوة الطائف ولم يفتحها، ثم إن أهلها # PageV01P066 # أسلموا وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمتعهم باللات حولا، ~~فامتنع من ذلك وهدمها، وأمر ببناء المسجد موضعها، واستعمل عليهم عثمان بن ~~أبي العاص الثقفي، وهذا معروف عند أهل العلم. # والمقصود أنهم كانوا يسمون السفر إلى مثل ذلك حجا، ويقولون: إن بيت اللات ~~يحج كما تحج الكعبة، وكانوا يحجون إلى العزى وكانت عند عرفات، ويحجون إلى ~~مناة الثالثة الأخرى، وهي حذو قديد، فكان لكل مدينة من مدائن الحجاز وثن ~~يحجون إليه، فاللات بالطائف، والعزى عند مكة، ومناة لأهل المدينة، كانوا ~~يهلون لها، وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون، الذين ~~يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصد العابدون لله. منهم من قصده قضاء حاجته ~~وإجابة سؤاله. يقول: هؤلاء أقرب إلى الله مني؛ فأنا أتوسل بهم، فهم يتوسطون ~~لي في قضاء حاجتي، كما يتوسط خواص الملك لمن يكون بعيدا عنهم، وقد ينذر ~~لهم، أو يأتي بقربان بلا نذر، ويتقربون إليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى ~~قبورهم، كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى الله من الصدقات والضحايا، ~~وكما يهدون إلى مكة أنواع الهدي. ومنهم من يجعل لصاحب القبر نصيبا من ماله ~~أو بعض ماله، أو يجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتهم. ومنهم من ~~يسيب لهم السوائب، فلا يذبح ولا يركب ما يسيب لهم من بقر وغيرها، كما كان ~~المشركون يسيبون لطواغيتهم، فهذا صنف. # وصنف ثان يحجون إلى قبورهم لما عندهم من المحبة للميت والشوق إليه، أو ~~التعظيم والخضوع له، فيجعلون السفر إلى قبره أو إلى صورته الممثلة تقوم ~~مقام السفر إلى نفسه لو كان حيا، ويجدون بذلك أنسا في قلوبهم وطمأنينة ~~وراحة، كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه، وكما يحصل للقريب ~~والصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه، لكن ذاك حب وتعظيم ديني، فهو أعظم ~~تأثيرا في النفوس، ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبونه ويعظمونه ما لا ~~يجدونه عند ms067 قبر غيره، وإن كان أفضل. وكثير من أتباع المشايخ والأئمة يجدون ~~عند قبر شيخه وإمامه ما لا يجده عند قبور الأنبياء؛ لا نبينا ولا غيره. ~~وذلك لأن الوجد الذي يجدونه ليس سببه نفس فضيلة المزور، بل سببه ما قام ~~بنفوسهم من حبه وتعظيمه، وإن كان هو لا يستحق ذلك، بل قد يكون المزور كافرا ~~مشركا، أو كتابيا، والمحبون له المعظمون يجدون مثل ذلك. وهذا كما أن عباد ~~الأوثان الذين جعلوهم أندادا لله يحبونهم كحب الله؛ يجدون عند الأوثان مثل ~~ذلك. وكذلك عباد العجل؛ قال الله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ~~[البقرة: 93] أي: حب العجل، هذا قول الأكثرين. وموسى حرقه ثم نسفه، فإنه ~~كان قد صار # PageV01P067 # فحما. وقيل: بل أشربوا برادته التي كانت في الماء، وإن موسى برده لكونه ~~كان ذهبا. والأول عليه الجمهور وهو أصح «1». # وقد سئل سفيان بن عيينة عن أهل البدع والأهواء أن عندهم حبا لذلك؟ # فأجاب السائل: بأن ذلك كقوله: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165]. وقوله: وأشربوا ~~في قلوبهم العجل [البقرة: 93]. والله تعالى قد ذكر حب المشركين آلهتهم في ~~كتابه، وبين أن من الناس من يتخذ إلهه هواه، أي يجعل ما يألهه ويعبده هو ما ~~يهواه، فالذي يهواه ويحبه هو الذي يعبده، ولهذا ينتقل من إله إلى إله، ~~كالذي ينتقل من محبوب إلى محبوب، إذ كان لم يحب بعلم وهدى ما يستحق أن يحب، ~~ولا عبد من يستحق أن يعبد، بل عبد وأحب ما أحبه من غير علم ولا هدى ولا ~~كتاب منزل، قال تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا إلى قوله: سبيلا ~~[الفرقان: 43، 44]. وقال: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ~~[الجاثية: 23]. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ذاك الكافر اتخذ دينه بغير ~~هدى من الله ولا برهان «2». وقال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر فإذا ~~رأى ما هو أحسن منه رماه وعبد الآخر «3». وقال ms068 الحسن البصري: ذاك المنافق ~~نصب هواه، فما هوي من شيء ركبه. وقال قتادة: أي والله كلما هوي شيئا ركبه، ~~وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى. # رواهن ابن أبي حاتم وغيره. # وقد قال تعالى: وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم PageV01P068 # [الأنعام: 119] الآية. وقال تعالى: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما أتبعه إن كنتم صادقين إلى قوله: بغير هدى من الله [القصص: 49، 50]. ~~وقال تعالى عن المشركين: أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم ~~الأولين إلى قوله تعالى: فهم عن ذكرهم معرضون [المؤمنون: 68 - 71]. وقال ~~تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا إلى قوله تعالى: يسئلون ~~[الأنبياء: 22، 23]. # فالذين يحجون إلى القبور هم من جنس الذين يحجون إلى الأوثان. والمشركون ~~يدعون مع الله إلها آخر؛ يدعونه كما يدعون الله. وأهل التوحيد لا يدعون إلا ~~الله، لا يدعون مع الله إلها آخر، لا دعاء سؤال وطلب، ولا دعاء عبادة ~~وتأله. والمشركون يقصدون هذا وهذا، وكذلك الحجاج إلى القبور يقصدون هذا ~~وهذا، ومنهم من يصور مثال الميت ويجعل دعاءه ومحبته والأنس به قائما مقام ~~صاحب الصورة، سواء كان نبيا أو رجلا صالحا أو غير صالح، وقد يصور المثال له ~~أيضا- كما يفعل النصارى- وكثيرا ما يظنون في قبر أنه قبر نبي أو رجل صالح، ~~ولا يكون ذلك قبره بل قبر غيره «1»، أو لا يكون قبرا وربما كان قبر كافر، ~~وقد يحسنون الظن بمن يظنونه رجلا صالحا وليا ويكون كافرا أو فاجرا، كما ~~يوجد عند المشركين وأهل الكتاب وبعض الضلال من أهل القبلة. # وهذا الجنس من الزيارة ليس مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم لا إباحة ~~ولا ندبا، ولا استحبه أحد من أئمة الدين، بل هم متفقون على النهي، عن هذا ~~الجنس كله. # وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المستفيضة الصحيحة ما ~~هو أقرب من هؤلاء، وهم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا، ms069 ~~وأخبر أن من كان قبلنا كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. وقال: ~~«ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». فإذا كان قد نهى ولعن ~~من يتخذها مسجدا يعبد الله فيه ويدعو، لأن ذلك ذريعة ومظنة إلى دعاء ~~المخلوق صاحب القبر وعبادته، فكيف بنفس الشرك الذي سد ذريعته ونهى عن ~~اتخاذها مساجد لئلا يفضي ذلك إليه؟ # فمعلوم أن صاحبه أحق باللعنة والنهي، وهذا كما أنه نهى عن الصلاة عند ~~طلوع الشمس وعند غروبها، وقال: «فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها ~~الكفار» «2». # ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة، ~~وإن كان المصلي يقصد السجود لله لا للشمس، لكن نهى عن المشابهة في الصورة ~~لئلا يفضي إلى المشاركة في القصد «3». فإذا قصد الإنسان السجود للشمس وقت ~~طلوع PageV01P069 # الشمس ووقت غروبها؛ كان أحق بالنهي والذم والعقاب ولهذا يكون هذا كافرا. # كذلك من دعا غير الله وحج إلى غير الله؛ هو أيضا مشرك، والذي فعله كفر، ~~لكن قد يكون عالما بأن هذا شرك محرم، كما أن كثيرا من الناس دخلوا في ~~الإسلام من التتار وغيرهم، وعندهم أصنام لهم صغار من لبد وغيره، وهم ~~يتقربون إليها ويعظمونها، ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام، ويتقربون ~~إلى النار أيضا، ولا يعلمون أن ذلك محرم؛ فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على ~~بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك، فهذا ضال وعمله الذي أشرك فيه ~~باطل، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة. قال تعالى: فلا تجعلوا ~~لله أندادا وأنتم تعلمون [البقرة: 22]. # وفي صحيح ابن أبي حاتم وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا ~~رسول الله! كيف ننجو منه؟ # قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم» ~~«1». PageV01P070 # وكذلك كثير من الداخلين في الإسلام يعتقدون أن الحج إلى قبر بعض ms070 الأئمة ~~والشيوخ أفضل من الحج أو مثله، ولا يعلمون أن ذلك محرم، ولا بلغهم أحد أن ~~هذا شرك محرم لا يجوز، وقد بسطنا الكلام في هذا في مواضع. # والمقصود هنا أن هؤلاء المشركين الذين يجعلون أصحاب القبور وسائط يشركون ~~بهم كما يشرك أصحاب الأوثان بأوثانهم، يدعونهم ويستشفعون بهم ويرجونهم ~~ويخافونهم، وقد جعلوهم أندادا يحبونهم كحب الله؛ هم الذين يقولون لمن نهى ~~عن هذا الشرك وأمر بعبادة الله وحده؛ أنه تنقصهم وعاداهم وعاندهم، كما يزعم ~~النصارى أن من جعل المسيح عبدا لله، ولا يملك ضرا ولا نفعا؛ أنه قد تنقص ~~المسيح وعاداه وسبه وعانده! PageV01P071 # وأما من عرف أن الأنبياء نهوا عن هذا الشرك، فأطاعهم واتبع سبيلهم وعبد ~~الله وحده؛ فهذا يمتنع أن يقول: هذا تنقص ومعاداة، فهذا الفرقان هو الذي ~~يفصل بين عباد الرحمن وعباد الشيطان. ### | [واجب المؤمن تجاه النبي صلى الله عليه وسلم] # والأنبياء تجب محبتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، لا سيما خاتم الرسل ~~صلوات الله عليهم أجمعين. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ~~ولده ووالده والناس أجمعين» «1». # وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم» الحديث «2». وفي البخاري عن عبد الله ~~بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل ~~شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، والذي نفسي بيده حتى ~~أكون أحب إليك من نفسك». فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من ~~نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر» «3». # وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ من ms071 كان الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يعود في الكفر ~~بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» «4». وفي بعض طرق ~~البخاري: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله» وذكر ~~الحديث. # وتصديق هذه الأحاديث في كتاب الله تعالى؛ قال تعالى: قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم [التوبة: 24] الآية. ومحبة الرسول هي من محبة الله، فهي ~~حب لله وفي الله، ليست محبة محبوب مع الله، كالذين قال الله فيهم: ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله. والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان كما جاء في الحديث ~~«5». وحب ند مع الله؛ شرك لا يغفره الله، فأين هذا من هذا؟ # والمحبة التي أوجبها الله لرسوله وللمؤمنين لا تختص ببقعة ولا تختص ~~بقبورهم ولا غيرها، وكذلك سائر حقوقهم من الإيمان بهم وما يدخل في ذلك، فإن ~~ذلك PageV01P072 # واجب في كل موضع، وكذلك الصلاة والسلام على الرسول وغير ذلك. فمن يجد ~~قلبه عند قبر الرسول أكثر محبة له وتعظيما، ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليما ~~مما يجده في سائر المواضع؛ كان ذلك دليلا على أنه ناقص الحظ منحوس النصيب ~~من كمال المحبة والتعظيم، وكان فيه من نقص الإيمان وانخفاض الدرجة بحسب هذا ~~التفاوت، بل المأمور به أن تكون محبته وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير ~~القبر أعظم، فإن القبر قد حيل بين الناس وبينه، وقد نهى أن يتخذ عيدا، ودعا ~~الله أن لا يجعل قبره وثنا، فإن لم يجد إيمانه به ومحبته له وتعظيمه له ~~وصلاته عليه وتسليمه عليه إذا كان في بلده أعظم مما يكون لو كان في نفس ~~الحجرة من داخل؛ لكان ناقص الحظ من الدين وكمال الإيمان واليقين، فكيف إذا ~~لم يكن من داخل بل من خارج؟ فهذا هذا، والله أعلم. ### | عداوة الأنبياء بمخالفتهم لا بموافقتهم # الوجه الرابع: أن يقال: عداوة ms072 الأنبياء وعنادهم هو بمخالفتهم لا ~~بموافقتهم كمن نهى عما أمروا به من عبادة الله وحده، وأمر بما نهوا عنه من ~~الشرك بالمخلوقات كلها بالملائكة والأنبياء والشمس والقمر والتماثيل ~~المصورة لهؤلاء، وغير ذلك. # ومن كذبهم فيما أخبروا به من إرسال الله لهم وما أخبروا به عن الله من ~~أسمائه وصفاته وتوحيده وملائكته وعرشه، وما أخبروا به من الجنة والنار ~~والوعد والوعيد، فلا ريب أن من كذب ما أخبروا به ونهى عما أمروا به، وأمر ~~بما نهوا عنه؛ فقد عاداهم وعاندهم. وأما من صدقهم فيما أخبروا به وأطاعهم ~~فيما أمروا به، فهذا هو المؤمن ولي الله الذي والاهم واتبعهم. # وإذا كان كذلك؛ فننظر فيما جاء عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ~~من الأنبياء، إن كانوا أمروا بالسفر إلى القبور كما يسافر المسافرون ~~لزيارتها يدعون ويستغيثون بها، ويطلبون منها الحوائج، ويتضرعون لها- أي ~~لأصحابها- ويرون السفر إليها من جنس الحج أو فوقه أو قريبا منه، فمن نهى ~~عما أمر به الرسول ورغب فيه يكون مخالفا له، وقد يكون بعد ظهور قوله له: ~~وإصراره على مخالفته معاديا ومعاندا، كما قال تعالى: # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى [النساء: 115] الآية. # وإن كان الرسول لم يأمر بشيء من ذلك، ولكن شرع السفر إلى المساجد ~~الثلاثة، وقال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي ~~هذا، والمسجد الأقصى». ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من فعل ذلك، وهو ~~أهون من الحج إليها ومن دعاء أصحابها من دون الله، فإن هذا هو الذي جاءت به ~~الأنبياء دون ذاك. # فالمخالف للرسول الآمر بما نهى عنه من شد الرحال إلى غير المساجد ~~الثلاثة، الآمر بالسفر إلى زيارة القبور؛ قبور الأنبياء والصالحين، وهذا ~~السفر قد علم أنه من # PageV01P073 # جنس الحج، وعلم أن أصحابه يقصدون به الشرك أعظم مما يقصدون الذين يتخذون ~~القبور مساجد، الذي لا ينهى عما نهى عنه الرسول من اتخاذ القبور مساجد، ~~واتخاذها عيدا وأوثانا، المعادي لمن وافق الرسول، فأمر بما أمر، ونهى عما ms073 ~~نهى، المكفر لمن وافق الرسول، المستحل دمه؛ هو أحق بأن يكون معاديا للرسول، ~~معاندا له مجاهرا بعداوة أولياء الرسول وحزبه، ومن كان كذلك كان هو المستحق ~~لجهاده وعقوبته بعد إقامة الحجة عليه، وبيان ما جاء به الرسول، دون الموافق ~~للرسول الناصر لسنته وشريعته وما بعثه الله به من الإسلام والقرآن. # ولكن هذا من جنس أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويعادون من خالفها، ~~وينسبونها إلى الرسول افتراء وجهلا؛ كالرافضة «1» الذين يقولون: إن ~~المهاجرين والأنصار عادوا الرسول وارتدوا عن دينه، وأنهم هم أولياء الله، ~~والخوارج «2» المارقين الذين يدعون أن عثمان وعليا ومن والاهما كفار ~~بالقرآن الذي جاء به الرسول، ويستحلون دماء المسلمين بهذا الضلال. ولهذا ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم وأخبر بما سيكون منهم، وقال فيهم: ~~«يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، ~~يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية. أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله» «3». وقال: ~~«لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» «4». والأحاديث فيهم كثيرة، وعظم ذنبهم ~~بتكفير المسلمين PageV01P074 # واستحلال دمائهم وأموالهم «1»، وإلا فلو لم يفعلوا ذلك لكان لهم أسوة ~~بأمثالهم من أهل الخطأ والضلال. ومعلوم أن الشرك بالله وعبادة ما سواه أعظم ~~الذنوب، والدعاء إليه والأمر به من أعظم الخطايا، ومعاداة من ينهى عنه ~~ويأمر بالتوحيد وطاعة الرسول أعظم من معاداة من هو دونه. ولولا بعد عهد ~~الناس بأول الإسلام وحال المهاجرين والأنصار، ونقص العلم وظهور الجهل، ~~واشتباه الأمر على كثير من الناس؛ لكان هؤلاء المشركون والآمرون بالشرك مما ~~يظهر كفرهم وضلالهم للخاصة والعامة، أعظم مما يظهر من ضلال الخوارج ~~والرافضة، فإن أولئك تشبثوا بأشياء من الكتاب والسنة، وخفي عليهم بعض ~~السنة، اللهم إلا من كان منافقا زنديقا في الباطن مثل بعض الرافضة، ويقال: ~~إن أول من ابتدعه كان منافقا زنديقا، فإن هؤلاء من جنس أمثالهم من الزنادقة ~~والمنافقين، بخلاف الخوارج فإنهم لم يكونوا زنادقة منافقين، بل كان قصدهم ~~اتباع القرآن، لكن لم يكونوا يفهمونه، كما ms074 قال فيهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم». فالمبتدع العابد الجاهل يشبههم من ~~هذا الوجه. وأما الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثانا ومساجد وأعيادا؛ ~~فهؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف، ولا ~~كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه، بل هذا إنما ظهر بعد القرون ~~الثلاثة. # والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخر ظهورها، وإنما يحدث أولا ما ~~كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة كبدعة الخوارج، ومع هذا فقد جاءت الأحاديث ~~الصحيحة فيها بذمهم وعقابهم، وأجمع الصحابة على ذلك. قال الإمام أحمد: صح ~~فيهم الحديث من عشرة أوجه. وقد رواها صاحبه مسلم كلها في صحيحه، وروى ~~البخاري قطعة منها. وأما بدع أهل الشرك وعباد القبور والحجاج إليها فهذا ما ~~كان يظهر في القرون الثلاثة لكل أحد مخالفته للرسول، فلم يتجرأ أحد أن يظهر ~~ذلك في القرون الثلاثة. # وبسط هذا له موضع آخر، ولكن نبهنا على ما به يعرف ما وقع فيه مثل هذا ~~المعترض وأمثاله من الضلال والجهل ومعاداة سنة الرسول ومتبعيها، وموالاة ~~أعداء الرسول وغير ذلك مما يبعدهم عن الله ورسوله. # ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة، وإلا كانت أعماله البدعية المنهي ~~عنها باطلة لا ثواب فيها، وكانت منقصة له خافضة له بحسب بعده عن السنة، فإن ~~هذا حكم أهل الضلال، وهو البعد عن الصراط المستقيم، وما يستحقه أهله من ~~الكرامة. PageV01P075 # ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة، وإلا كان بعده ونقصه وانخفاض درجته ~~وما يلحق في الدنيا والآخرة من انخفاض منزلته وسقوط حرمته وانحطاط درجته هو ~~جزاؤه، والله حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة وهو عليم حكيم لطيف لما يشاء، ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وله الحمد في الأولى والآخرة، ~~وله الحكم وإليه ترجعون. ### | [الكلام في الأحكام الشرعية لا يستدل عليه إلا بالأدلة الشرعية] # الوجه الخامس: أن الكلام في الأحكام الشرعية مثل كون الفعل واجبا أو ~~مستحبا أو محرما أو مباحا لا يستدل عليه إلا بالأدلة الشرعية ms075 من الكتاب ~~والسنة والإجماع والاعتبار. # والأدلة الشرعية كلها مأخوذة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فالمتكلمون ~~فيها سواء اتفقوا أو اختلفوا كلهم متفقون على الإيمان بالرسول وبما جاء به ~~ووجوب اتباعه وأن الحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، ~~فالكلام فيها يستلزم الإيمان بالأنبياء وموالاتهم، ووجوب تصديقهم واتباعهم ~~فيما أوجبوه وحرموه، والقائل منهم عن فعل إنه حرام أو مباح أو واجب؛ إنما ~~يقول: إن الرسول حرمه أو أباحه أو أوجبه، ولو أضاف الإيجاب والتحريم ~~والإباحة إلى غير الرسول لم يلتفت إليه، ولم يكن من علماء المسلمين. # وأهل الإسلام متفقون على هذا الأصل سنيهم وبدعيهم؛ كلهم متفقون على وجوب ~~اتباع ما بلغه الرسول عن الله، وعلى الاستدلال بالقرآن والسنة المعلومة ~~المفسرة لمجمل القرآن. # وأما المخالفة لظاهر القرآن فمن الخوارج من نازع فيها، وهو فاسد من وجوه ~~كثيرة. ومن رد نصا إنما يرده؛ إما لكونه لم يثبت عنده عن الرسول، أو لكونه ~~غير دال عنده على محل النزاع، أو لاعتقاده أنه منسوخ، ونحو ذلك. كما قد ~~بسطت الكلام فيه على ما كتبته في (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وبينت ~~أعذارهم في هذا الباب، وإن كان الواجب هو اتباع ما علم من الصواب مطلقا. # والكلام في ذلك سواء تعلق بحقوق الرب أو حقوق رسوله أو غير ذلك، لا يدخل ~~شيء من ذلك في مسائل سب الأنبياء وتنقصهم ومعاداتهم، وإن كان المتكلم من ~~هؤلاء مخطئا، فإن مصيبهم ومخطئهم إنما مقصوده اتباع الرسول، وتحريم ما ~~حرمه، وإيجاب ما أوجبه، وتحليل ما حلله، وهذا مستلزم لإيمانه بالرسول ~~وموالاته وتعظيمه، فكيف يتصور مع ذلك أن يكون قاصدا لمعاداته أو سبه أو ~~التنقص به، أو غير ذلك؟ هذا ممتنع. # ولهذا لم يكن في المسلمين من جعل أحدا من هؤلاء سبابا للأنبياء معاديا ~~لهم، وإن قدر أنهم أخطئوا، وهذا أمر واضح يعرفه آحاد الطلبة. # PageV01P076 ### | [الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، واختلاف العلماء في وجوبها] # فإذا تكلم العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه ms076 وسلم؛ هل هي واجبة ~~في الصلاة، أو غير واجبة في الصلاة- كقول الجمهور- لم يقل أحد: إن من لم ~~يوجبها فقد تنقص الرسول أو سبه أو عاداه، والذين لم يوجبوها في الصلاة؛ ~~منهم من أوجبها خارج الصلاة، ومنهم من لم يوجبها بحال، وجعل الأمر في الآية ~~أمر ندب، وحكى الإجماع على ذلك. وقد بالغ القاضي عياض في تضعيف قول الشافعي ~~بإيجابها في الصلاة وقال: حكى الإمام أبو جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما ~~إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم في التشهد غير واجبة. قال: وشذ الشافعي في ذلك، فقال: ~~من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير وقبل السلام ~~فصلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه. قال: ولا سلف له في هذا ~~القول، ولا سنة يتبعها، قال: وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه بمخالفته ~~فيها من تقدمه جماعة، وشنعوا عليه الخلاف الحاصل فيها، منهم الطبري ~~والقشيري وغير واحد، قال: وقال أبو بكر بن المنذر: يستحب أن لا يصلي أحد ~~صلاة إلا صلى فيها على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ترك تارك ذلك؛ فصلاته ~~مجزية في مذهب مالك وأهل المدينة والثوري وأهل الكوفة من أهل الرأي وغيرهم، ~~وهو قول جملة أهل العلم، وحكي عن مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير ~~مستحبة، وأن تاركها في التشهد مسيء. قال: وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في ~~الصلاة الإعادة، وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان. # قلت: وأحمد عنه في المسألة ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة، اختار كل رواية ~~طائفة من أصحابه. وذكر محمد بن المواز قولا له كقول الشافعي، قال: وقال ~~الخطابي: ليست بواجبة في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، قال: ~~ولا أعلم له فيها قدوة. وحكي الوجوب عن أبي جعفر الباقر، وأنه قال: لو صليت ~~صلاة لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته لرأيت أنها لم ~~تتم. وقال القاضي عياض: اعلم أن الصلاة ms077 على النبي صلى الله عليه وسلم فرض ~~على الجملة مرغب فيه غير محدود بوقت، لأمر الله تعالى بالصلاة عليه، وحمل ~~الأئمة والعلماء له على الوجوب وأجمعوا عليه. قال: # وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب وادعى فيه الإجماع ~~«1». PageV01P077 # فهذا بعض كلام العلماء في مثل هذه، وحكايات إجماعهم متناقضة، ومع هذا فلم ~~يقل أحد: إن من لم يوجب الصلاة عليه فقد تنقصه أو سبه أو عاداه أو نحو ذلك، ~~فإنهم كلهم قصدهم متابعته، كل بحسب اجتهاده رضي الله عنهم أجمعين. # وكذلك تنازعوا؛ هل تكره الصلاة عليه عند الذبح؟ فكره ذلك مالك وأحمد ~~وغيرهما. قال القاضي عياض: وكره ابن حبيب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~الذبح، وكره سحنون الصلاة عليه عند التعجب. قال: ولا يصلى عليه إلا على ~~طريق الاستحباب PageV01P078 # وطلب الثواب. وقال أصبغ عن ابن القاسم: موطنان لا يذكر فيهما إلا الله؛ ~~الذبح والعطاس فلا يقال فيهما بعد ذكر الله: محمد رسول الله، ولو قال بعد ~~ذكر الله: محمد رسول الله، لم يكره تسميته له مع الله. وقال أشهب: لا ينبغي ~~أن تجعل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم استنانا. # قلت: والشافعي لم يكره ذلك، بل قال: هو من الإيمان، وهو قول طائفة من ~~أصحاب أحمد كأبي إسحاق وابن شاقلا. ### | الحلف بالملائكة والأنبياء # وكذلك تكلموا في الحلف بالملائكة والأنبياء؛ أما الملائكة فاتفق المسلمون ~~على أنه لا يحلف بأحد منهم، ولا تنعقد اليمين إذا حلف به، وهذا أيضا قول ~~الجمهور في الأنبياء كلهم؛ نبينا وغيره، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين، وعنه أنها تنعقد بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ~~اختارها طائفة من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وغيره، وخصوا ذلك بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وابن عقيل عدى ذلك إلى سائر الأنبياء. # والصواب: قول الجمهور؛ وأنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا بنبي ولا غيره، بل ~~ينهى عن الحلف به. # فإذا قيل: لا يحلف به، أو لا يحلف بالأنبياء ولا بالملائكة؛ لم ms078 يكن هذا ~~معاداة لهم ولا سبا، ولا تنقصا بهم عند أحد من المسلمين، وكذلك سائر خصائص ~~الرب إذا نفيت عنهم فقيل: لا تعبد الملائكة ولا الأنبياء، ولا يسجد لهم، ~~ولا يصلى لهم، ولا يدعون من دون الله، ونحو ذلك؛ كان هذا توحيدا وإيمانا ~~ولم يكن هذا تنقيصا بهم، ولا سبا لهم، ولا معاداة، كما قال تعالى: ما كان ~~لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة إلى قوله: بعد إذ أنتم مسلمون ~~[آل عمران 79، 80]. # فإذا قيل: لا يجوز لأحد أن يتخذ الملائكة والنبيين أربابا، كما ذكر الله ~~ذلك في القرآن، ولم يقل مسلم هذا معاداة لهم ولا منقصة ولا سب. # وكذلك إذا قيل: إنهم عباد الله، وإن المسيح وغيره عباد لله؛ كان هذا ~~توحيدا وإيمانا، لم يكن ذلك تنقصا ولا سبا ولا معاداة، قال تعالى: يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إلى قوله: ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا [النساء: 171 - 173]. وقد ذكر أهل ~~التفسير أن أهل نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول: إنه عبد الله. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس بعار بعيسى أن يكون عبدا لله» ~~فنزل: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله [النساء: 172]. أي: لن يأنف ~~ويتعظم عن ذلك. # PageV01P079 # فمن جعل تحقيق التوحيد تنقصا بالأنبياء، أو سبا أو معاداة؛ فهو من جنس ~~هؤلاء النصارى. # والنهي عن اتخاذ قبورهم مساجد والسفر إليها واتخاذها أوثانا وعيدا فهو من ~~هذا الباب؛ من باب تحقيق التوحيد. # وفي مثل هذا المقام يقال: إن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة ~~والأنبياء وغيرهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض إلى قوله: ~~ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سبأ: 22، 23]. فلا تنفع شفاعة ملك ~~ولا نبي إلا بإذن الله، كما قال: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: ~~255]. وقال:* وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله ms079 لمن يشاء ويرضى [النجم: 26]. ولم يكن هذا القول ونحوه تنقصا ~~بالملائكة ولا سبا لهم ولا معاداة لهم، بل الملائكة والأنبياء يعادون من ~~أشرك بهم، ويوالون أهل التوحيد الذين ينزلونهم منازلهم، وهم برآء ممن يغلو ~~فيهم ويشرك بهم، قال تعالى: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك [سبأ: 40، 41] الآية. وقال تعالى: ويوم ~~يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء إلى قوله: ~~نذقه عذابا كبيرا [الفرقان: 17 - 19] وقال تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ~~إلى قوله: نفعا والله هو السميع العليم [المائدة: 72 - 76]. # وهذا بيان أن المسيح وغيره من المخلوقين لا يملكون للناس ضرا ولا نفعا. ~~ولا يجوز أن يقال هذا معاداة له أو سب أو تنقص. # وقد أمر الله سبحانه خاتم الرسل بأن يقول ما ذكره عنه من قوله: قل لا ~~أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير [الأعراف: 188]. # الآية. وقال تعالى: قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا [الجن: 21]. وقال ~~تعالى: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك [الأنعام: 50]. ومثل هذا في القرآن كثير يعم ويخص، فالأول كقول صاحب ~~يس: وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة [يس: 22، ~~23] الآية. وقوله: أليس الله بكاف عبده إلى قوله: قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون [الزمر: 36 - 38] وقال تعالى: ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ~~ولا يضرك إلى قوله: فلا كاشف له إلا هو [يونس: 106، 107]. # وهذا باب واسع. # والمقصود: أن أدنى من يعد من طلبة العلم يعلم أن أفعال العباد إذا تكلم ~~فيها بالأمر والنهي والإيجاب والتحريم، وهل هذا السفر جائز أو مستحب أو ~~محرم أو # PageV01P080 # مكروه، سواء كان إلى مسجد أو إلى قبر نبي أو غير ذلك؛ لم يدخل شيء من هذا ~~في مسائل ms080 تنقيص الأنبياء وسبهم، بل أبلغ من هذا أنه إذا تكلم في مسائل ~~العصمة، وهل يجوز على الأنبياء الذنوب أو لا يجوز «1»، واختار مختار أحد ~~القولين لم يقل أحد من المسلمين إن هذا تنقص وسب ومعاداة، وكذلك السؤال ~~بالأنبياء في الدعاء، مثل أن يقول الداعي: أسألك بحق الأنبياء عليك، نهى ~~أبو حنيفة عنه، وطائفة ترخص في هذا. ولم يقل أحد إن كل من نهى عن ذلك قد ~~تنقص بالأنبياء وعاداهم. # والقاضي عياض رحمه الله مع أنه أبلغ الناس في مسائل العصمة وفي مسائل ~~السب، قد ذكر هذا لئلا يقع فيه هؤلاء الجهال الذين يجعلون الكلام العلمي ~~والاستدلال بالأدلة الشرعية، والاجتهاد في متابعة الرسول والأنبياء، من باب ~~المعاداة والسب والتنقص، ولا ريب أن هذا الباب إن كان فيه معاداة وتنقص ~~لهم؛ فمن خالفهم وأمر بما نهوا عنه ونهى عما أمروا به، وقال عنهم الكذب، ~~ونسب إليهم ما نزههم الله منه، مثل هؤلاء الجهال المفترين، كان هو أولى ~~بالمعاداة والسب والتنقص، كما قد بسط في مواضع آخر. # إذ المقصود هنا ما ذكره القاضي عياض رحمه الله قال: لما ذكر قسم الكلام ~~في PageV01P081 # مسائل السب وما يشتبه ممال ليس بسب قال: الوجه السابع: أن يذكر ما يجوز ~~على النبي صلى الله عليه وسلم أو يختلف في جوازه عليه، وما يطرأ من الأمور ~~البشرية به ويمكن إضافتها إليه، أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على ~~شدته، من مقاساة أعدائه وأذاهم له، ومعرفة ابتداء حاله وسيرته، وما لقيه من ~~بؤس زمنه، ومر عليه من معاناة عيشته، كل هذا على طريق الرواية ومذاكرة ~~العلم، ومعرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء وما يجوز عليهم، فهذا فن خارج عن ~~هذه الفنون الستة، إذ ليس فيه غمص ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف، لا في ~~ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللافظ. قال: لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل ~~العلم وفهماء طلبة الدين ممن يفهم مقاصده، ويحققون فوائده، ويجنب ذلك من ~~عساه لا يفقه، أو يخشى ms081 به فتنة، فقد كره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف ~~لما انطوت عليه من تلك القصص، لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن. فقد قال ~~صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه باستئجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله ~~وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم» «1». وأخبرنا الله ~~بذلك عن موسى. فهذا لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ذكره على وجهه، بخلاف من ~~قصد الغضاضة والتحقير، بل كانت عادة جميع العرب. نعم في ذلك للأنبياء حكمة ~~بالغة وتدريج من الله تعالى لهم إلى كرامته، وتدريب برعايتها لسياسة أممهم ~~من خلقه بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ومتقدم العلم بذلك، وكذلك قد ذكر ~~الله يتمه وعيلته على طريق المنة عليه والتعريف بكرامته له، فذكر الذاكر ~~لها على وجه تعريف حاله والخبر عن مبتدئه، والتعجب من منح الله قبله؛ وعظيم ~~منن الله عنده، ليس فيه غضاضة، بل فيه دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم ~~وصحة دعوته، إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب ومن ناوأه من ~~أشرافهم شيئا فشيئا، ونمى أمره صلى الله عليه وسلم حتى قهرهم وتمكن من ملك ~~مقاليدهم، واستباحة ممالك كثيرة من الأمم غيرهم، بإظهار الله له وتأييده ~~بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، وإمداده بالملائكة المسومين. ولو كان ~~ابن ملك أو ذا أشياع متقدمين لحسب كثير من الجهال أن ذلك موجب ظهوره ومقتضى ~~علوه، ولهذا قال هرقل- حين سأل أبا سفيان بن حرب عنه صلى الله عليه وسلم- ~~هل من آبائه ملك؟ فقال: لا، ثم قال: وقلت لو كان من آبائه من ملك لقلت رجل ~~يطلب ملك أبيه «2». # وإذا اليتم من صفته، وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة وأخبار الأمم ~~السالفة. وكذا وقع ذكره في كتاب أرميا، وبهذا وصفه ابن ذي يزن لعبد المطلب، ~~وبحيرا لأبي طالب. PageV01P082 # وكذلك إذا وصف صلى الله عليه وسلم بأنه أمي كما وصفه الله بذلك؛ فهي مدحة ~~له وفضيلة ثابتة فيه، وقاعدة معجزته، إذ معجزته العظيمة من القرآن العظيم ~~إنما هي ms082 متعلقة بطريق المعارف والعلوم، مع ما منح صلى الله عليه وسلم وفضل ~~به من ذلك، كما قدمناه في القسم الأول. # ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولا لقن بمقتضى العجب، ~~ومنتهى العبر، ومعجزة البشر. وليس ذلك نقيصة، إذ المطلوب من الكتابة ~~والقراءة؛ المعرفة، وإنما هي آلة لها وواسطة موصلة إليها مرادة في نفسها، ~~فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة والسبب؛ والأمية في غيره ~~نقيصة لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة. فسبحان من باين أمره من أمر غيره، ~~وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه، وحياته فيما فيه هلاك من عداه. # وهكذا شق قلبه وإخراج حشوته، كان تمام حياته وغاية قوة نفسه وثبات روعه، ~~وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه، وهلم جرا، إلى سائر ما روي من ~~أخباره صلى الله عليه وسلم وسيره، وتقلله من الدنيا، ومن الملبس والمطعم ~~والمركب، وتواضعه، ومهنته نفسه في أموره، وخدمة بيته، زهدا ورغبة عن الدنيا ~~وتسوية بين حقيرها وخطيرها، لسرعة فناء أمورها وتقلب أحوالها، كل هذا من ~~فضائله صلى الله عليه وسلم ومآثره وشرفه، كما ذكرناه. # فمن أورد شيئا من ذلك موارده وقصد به مقصده كان حسنا. ومن أورد ذلك على ~~غير وجهه وعلم منه بذلك سوء قصده لحق بالفصول التي قدمناها. # هذا كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى يفرق فيما يظن أن فيه غضاضة ونقصا ~~وعيبا وليس هو في نفس الأمر كذلك، وبين من يذكره على وجهه لبيان العلم ~~والدين ومعرفة حقائق الأمور، وبين من يقصد به العيب والإزراء وإن كان لا ~~عيب في ذلك، بل هو من الفضائل والمناقب وهكذا سائر ما فيه هذا. ### | أفضل الناس مع أنبيائهم هم الصحابة # وحينئذ فأعظم أحوال الناس مع الأنبياء وأفضلها وأكملها هو حال الصحابة مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لا سيما أبو بكر وعمر، وهو تصديقه في كل ما يخبر ~~به من الغيب، وطاعته وامتثال أمره في كل ما يوجبه ويأمر به، وأن يكون أحب ~~إلى المؤمن من نفسه ms083 وأهله وماله، وأن يكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~أحب إليه مما سواهما، وأن يتحرى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيعبد ~~الله بما شرعه وسنه من واجب ومستحب، لا يعبده بعبادة نهى عنها، وببدعة ما ~~أنزل الله بها من سلطان، وإن ظن أن في ذلك تعظيما للرسول صلى الله عليه ~~وسلم وتعظيما لقدره، كما ظنه النصارى في المسيح، وكما ظنوه في اتخاذهم ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وكما ظن الذين اتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا، فإن الأمر بالعكس؛ بل كل عبد صالح من الملائكة والأنبياء ~~فإنما يحب ما أحبه الله من # PageV01P083 # عبادته وحده، وإخلاص الدين له، ويوالي من كان كذلك، ويعادي من أشرك، ولو ~~كان المشرك معظما له غاليا فيه فإن هذا يضره ولا ينفعه، لا عند الله ولا ~~عند الذي غلا فيه وأشرك به واتخذه ندا لله يحبه كحب الله، واتخذه شفيعا يظن ~~أنه إذا استشفع به يشفع له بغير إذن، أو اتخذه قربانا يظن أنه إذا عبده ~~قربه إلى الله، فهذه كلها ظنون المشركين. قال تعالى: ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله ~~بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض [يونس: 18]. وقال تعالى: # والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~[الزمر: 3]. وقال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165] وقال تعالى: ولقد أهلكنا ما ~~حولكم من القرى إلى قوله: يفترون [الأحقاف: 27، 28]. وقد ثبت عنه صلى الله ~~عليه وسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: # قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه وأنذر عشيرتك ~~الأقربين [الشعراء: 214] فقال: # «يا معشر قريش؛ اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا ~~بني عبد مناف؛ لا أغني عنكم من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله؛ لا أغني ~~عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد؛ ms084 لا أغني عنك من الله شيئا، سليني من ~~مالي ما شئت» «1». # وفي الصحيحين أنه قال: «لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير ~~له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، أو رقاع تخفق، يقول: يا رسول ~~الله؛ أغثني أغثني، فأقول: # لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك» «2». وهذا باب واسع. # الوجه السادس: أن هذا المعترض سوى بين السفر إلى زيارة قبره صلى الله ~~عليه وسلم وسائر القبور، وذكر أن المجيب حرم السفر لزيارة قبره وسائر ~~القبور، وهذا يقتضي أن المجيب حرم السفر إلى مسجده، وهذا كذب على المجيب، ~~فإن الذين قالوا من علماء المسلمين إنه يستحب زيارة قبره، أو حكوا على ذلك ~~الإجماع؛ لو قدر أنهم صرحوا باستحباب السفر إليه فمرادهم السفر إلى مسجده. ~~فإن هذا هو المقدور وهو المشروع، فإن كل مسافر وزائر يذهب إلى هناك إنما ~~يصل إلى مسجده، ويشرع له الصلاة في مسجده بالاتفاق، وكل من ذكر زيارة قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه يبدأ بالصلاة في مسجده، ثم بعد ذلك ~~يسلم عليه، وهذا هو المنصوص عن الأئمة؛ كمالك وأحمد وغيرهما. # ففي «العتبية» عن مالك قال: يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قال: وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث العمود ~~المخلق. قال: وأما الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. والتنفل فيه للغرباء أحب ~~إلي من التنفل في البيوت. PageV01P084 # وقد روي عن مالك رواية أخرى أنه لم يحدد للتنفل موضعا من المسجد، بل سوى ~~بين الجميع. وكذلك قال أحمد وابن حبيب وسائر العلماء؛ إنه يبدأ بالركوع في ~~المسجد. وهذا مذهب السلف والخلف- أهل المذاهب الأربعة وغيرهم- لكن منهم من ~~يختار الصلاة في الروضة، كما ذكر ذلك أحمد وابن حبيب وغيرهما. # وما علمت نزاعا في أنه يصلي في المسجد أولا إلا ما رأيته في المناسك لأبي ~~القاسم بن حباب السعدي في آداب الإحرام والمجاورة والزيارة، قال فيه: فإذا ~~دخل الداخل المسجد فهل يبدأ بحقوق المسجد أو بحقوق ms085 المصطفى وهو التأدب ~~بآداب الزيارة؟ اختلف العلماء في ذلك؛ فمن قائل يقول: يبدأ بحقوق المسجد ~~أولا لأنه أول البقعة يلاقيها قبل لقاء المصطفى، فيقيم آداب المسجد بصلاة ~~ركعتين قبل الزيارة، قالوا: ولا يزيد بزيارته ميتا على زيارته حيا، وقد ~~كانت صحابته إذا دخلوا للقائه في المسجد يبدءون بتحية المسجد قبل لقائه، ~~بأمر منه واقتداء منهم. # وقال آخرون: دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى، فالقسم الأول زيارته، ~~والثاني حقوق المسجد، فيبدأ بحقوقه قبل حقوق المسجد. والصحيح الأول. # قلت: هذا القول لم يقله عالم معروف يحكى قوله، إنما قاله: بعض من لا يعرف ~~شريعة الإسلام، ولهذا علله بقوله: دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى، ~~فإن هذا التعليل يدل على جهله بسنته صلى الله عليه وسلم المتواترة التي ~~أجمع المسلمون عليها، وهو أن المسجد شرع دخوله للصلاة فيه، وإن لم يكن هناك ~~قبره كما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه، والرحال تشد ~~إليه كما قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد ~~الأقصى، ومسجدي هذا». وهذا متفق عليه بين المسلمين. # والسفر لقبره لو كان مشروعا لكان يسافر لهذا ولهذا. # فالذي يقول: إن السفر للقبر دون المسجد هو المشروع، فمن قال: هذا؛ فإنه ~~لا يعرف دين الإسلام، فإن أصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ~~تعين قتله. فكيف إذا كان المشروع هو السفر إلى مسجده وقد نهى عن السفر إلى ~~غير المساجد الثلاثة كما قد ذكره السلف والأئمة، وهذا مبسوط في موضع آخر. # والمقصود هنا؛ أن الزائر إنما يصل إلى مسجده ويشرع له الصلاة في مسجده ~~بالاتفاق، والصلاة والسلام عليه والثناء وتعزيره وتوقيره وذكر ما من الله ~~عليه به، ومن على الناس به. فأما الوصول إلى قبره أو الدخول إلى حجرته؛ ~~فهذا غير ممكن ولا مقدور، ولا هو من المشروع المأمور، بخلاف سائر القبور. # وإذا كان المراد بزيارة قبره والسفر إليه هو السفر إلى مسجده وفعل ما ~~يشرع هناك؛ فالمجيب قد ذكر أن هذا مستحب بالنص ms086 والإجماع، وما حكاه عن ~~المجيب # PageV01P085 # يقتضي أنه حرم مثل هذا السفر، ويقتضي أن السفر إليه والسفر إلى قبر غيره ~~سواء، وهذا غلط عظيم على شرع الرسول وعلى المجيب وغيره. # الوجه السابع: أنه إذا كان المراد بالسفر إليه وزيارته هو السفر إلى ~~مسجده؛ وهذا سفر مستحب بالنص والإجماع، والسفر لزيارة سائر القبور ليس ~~مستحبا بالنص والإجماع، وهذا المعترض قد سوى بينهما، فقد خالف النص ~~والإجماع. # الوجه الثامن: أن يقال: المراد بزيارته المستحبة وبالسفر إليها هو السفر ~~إلى مسجده باتفاق المسلمين، ثم جميع ما يشرع هناك من الصلاة والسلام عليه ~~والدعاء له والثناء عليه، هو مشروع في مسجده وسائر المساجد، وسائر البقاع ~~باتفاق المسلمين، فلم يبق لنفس القبر اختصاص بعبادة من العبادات، بخلاف قبر ~~غيره؛ فإنه إذا استحب زيارة قبور أحد المؤمنين للدعاء له والاستغفار؛ استحب ~~أن يصلي إلى قبره ويدعو له هناك، كما يصلي على قبره، فإن قبره بارز يمكن ~~الوصول إليه، والرسول حجب قبره ولم يبرزوه، فلا يشرع ولا يقدر أحد على ~~زيارته كما يشرع ويقدر على زيارة قبر غيره، بل زيارته التي يشرع لها السفر ~~إنما هي السفر إلى مسجده، ولهذا كان أهل مدينته يكره لهم كلما دخلوا المسجد ~~وخرجوا منه أن يأتوا إلى قبره، بخلاف مسجده؛ فإنه مشروع لهم إتيانه والصلاة ~~فيه، كما يشرع في سائر المساجد، والصلاة فيه أفضل. والغرباء يستحب لهم صلاة ~~التطوع في مسجده بخلاف أهل البلد، فإنه قد ثبت عنه أنه قال لأهل المدينة: ~~«أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» «1». # فعلم أن الذي ذكروه من استحباب زيارة قبره إنما هو السفر إلى مسجده، ليس ~~هو زيارة قبره كما تزار القبور، فإن ذلك غير مشروع ولا مقدور، والمجيب قد ~~ذكر هذا الفرق وذكر استحباب السفر إلى مسجده بالنص والإجماع وما استحبه ~~العلماء من زيارة قبره، وهذا المعترض سوى بينهما، وذكر عن المجيب أنه حرم ~~السفر لزيارة قبره وسائر القبور، ولم يذكر عنه أنه استحب السفر إلى مسجده ~~وزيارته الزيارة الشرعية، فتبين بطلان ما ms087 نقله عنه. # مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جوازها؛ قال ابن بطال في «شرح البخاري»: ~~كره قوم زيارة القبور لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في ~~النهي عنها. # وقال الشعبي: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ~~لزرت قبر ابني. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن ~~سيرين مثله، قال: وفي PageV01P086 # المجموعة قال علي بن زياد: سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: كان قد نهى ~~عنه عليه السلام ثم أذن فيه، فلو فعل إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أر بذلك ~~بأسا، وليس من عمل الناس. وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها. # فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخص فيها يقول: ليس من عمل ~~الناس، وفي الآخر ضعفها. فلم يستحبها لا في هذا ولا في هذا. وهذا هو القول ~~الذي حكاه المعترض عن المجيب؛ من أنه حرم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور ~~مطلقا. والمجيب لم يذكره ولم يحكه، ولكن حكاه وقاله غيره ممن هم من أكابر ~~علماء المسلمين، فهل يقول عاقل: إن هؤلاء كانوا مجاهرين للأنبياء بالعداوة ~~معاندين لهم؟ # PageV01P087 ### | فصل [الأحاديث التي احتج بها المعترض على جواز شد الرحال للقبور، والرد على ذلك] # وأما ما احتج به من الأحاديث الواردة في زيارة القبور فعنها أجوبة: # أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكرته ما يدل على استحباب زيارة قبر نبينا صلى ~~الله عليه وسلم ولا غيره من القبور. # وأما قوله: «فزوروا القبور». فالأمر بمطلق الزيارة أو استحبابها أو ~~إباحتها لا يستلزم السفر إلى ذلك، لا استحبابا به ولا إباحته، كما أن ذلك ~~لا يتناول زيارتها لمن ينوح عندها ويقول الهجر، ولا زيارتها لمن يشرك عندها ~~ويدعوها، ويفعل عندها من البدع ما نهى عنه، كما أن قوله تعالى: فصيام ثلاثة ~~أيام [البقرة: 196] لا يتناول أيام الحيض، ولا يومي العيدين، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في مسجده تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس ~~وعشرين درجة» «1». لا يقتضي ms088 أن يسافر إلى المسجد ليصلي، بل يقتضي إتيانه من ~~بيته ومكان قريب بلا سفر. وقوله: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» «2». # وقوله: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها» «3». لا يقتضي ~~أنها تسافر من غير زوج ولا ذي محرم، ولا على أن على زوجها أن يأذن لها إذا ~~أرادت السفر إلى أحد المساجد، ولو كان مع زوج أو ذي محرم. إنما عليه الإذن ~~في الفرض وهو الحج، مع قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذنت أحدكم امرأته ~~إلى المسجد» فلا يقال: إنه عام في السفر وغيره. # فإن قيل: هذه المواضع قد عرف أنه أراد الإتيان إلى المسجد من البيت لم ~~يرد السفر، لأن هذا هو المعروف بينهم. # قيل: وكذلك زيارة القبور لم يكونوا يعرفونها إلا من المدينة إلى مقابرها، ~~وإذا جازوا بها، لم يعرف قط أن أحدا من الصحابة والتابعين وتابعيهم سافروا ~~لزيارة قبر. PageV01P088 # الجواب الثاني: وهو أنه خاطبهم بما كانوا يعرفونه من الزيارة، وهم لم ~~يكونوا يعرفون زيارة القبور إلا كما يعرفون اتباع الجنائز، يتبعون الجنازة ~~من البيت إلى المقبرة، وكذلك يخرج أحدهم لزيارة القبور من البيت إلى ~~المقبرة، أو يمر بالقبر مرورا، فهذا هو الذي كانوا يعرفونه ويفهمونه من ~~قوله. # قال أحمد بن القاسم: سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن الرجل يزور قبر ~~أخيه الصالح ويتعمد إتيانه؟ # قال: وما بأس بذلك؟ قد زار الناس القبور. قال: وقد ذهبنا نحن إلى قبر عبد ~~الله بن المبارك، وقال حنبل: سئل أبو عبد الله عن زيارة القبور، فقال: قد ~~رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن فيها بعد، فلا بأس أن يأتي ~~الرجل قبر أبيه أو أمه أو ذي قرابته؛ فيدعو له ويستغفر له فينصرف. # قال علي بن سعد: سألت أحمد؛ قلت: زيارة القبور تركها أفضل عندك أم ~~زيارتها؟ قال: زيارتها. # ولهذا إنما زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه لما سافر لفتح مكة، ~~فزارها في الطريق، لم يسافر لذلك، ولا كان أحد على عهد ms089 أبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي رضي الله عنهم ولا عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم يسافر لزيارة قبر، ~~لا قبر نبي ولا صالح ولا غيرهما، لا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ولا ~~إبراهيم عليه السلام، ولا غيره، بل هذا إنما حدث بعد ذلك، ولا كان في ~~الإسلام مشهد على قبر أو أثر نبي أو رجل صالح يسافر إليه، بل ولا يزار ~~للصلاة والدعاء عنده، بل هذا كله محدث. بل ولا كانوا يزورون القبور للتبرك ~~بالميت ودعائه والدعاء به، وإنما كانوا يزورونه إن كان مؤمنا للدعاء له ~~والاستغفار، كما يصلون على جنازته، وإن كان غير مسلم زاروه رقة عليه، كما ~~زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال في الحديث ~~الصحيح: الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «استأذنت ربي في أن ~~أزور قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي» «1». # ومن هنا يظهر الجواب الثالث: وهو أن الزيارة التي أذن فيها الرسول أو ندب ~~إليها أو فعلها مقصودها نفع الميت والإحسان إليه بالدعاء له والاستغفار، ~~ومقصودها تذكر الموت أو الرقة على الميت، لم يكن مقصودها أن تعود بركة ~~الميت المزور على الحي الزائر، ولا أن يدعوه ويسأله ويستشفع به، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما زار قبور أهل البقيع وقبور الشهداء لم يكن هذا ~~مقصوده. ومن قال هذا؛ فقد أعظم الفرية على الرسول صلى الله عليه وسلم وجعله ~~مستشفعا بأصحابه الموتى داعيا مستغيثا مستجيرا بهم، وهذا لا PageV01P089 # يقوله مسلم، بل جعله مستغيثا مستجيرا بأمه التي منع من الاستغفار لها ~~بخلاف المؤمن، فلم يكن في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم التي شرعها لأمته ~~بقوله وفعله طلب حاجة من الميت، ولا القصد بها تعظيمه وعبادته أو التوسل به ~~أو دعائه، بل المقصود بها نفعه؛ كالصلاة على جنازته والصلاة على قبره حيث ~~شرع ذلك. # وكذلك ما علمه لأصحابه أن يقولوه إذا زاروا القبور؛ إنما فيه السلام ~~عليهم والدعاء لهم والاستغفار، كما ms090 في الصلاة على جنائزهم. ففي صحيح مسلم ~~وغيره عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام على أهل الديار ~~(وفي لفظ) السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله ~~بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» «1». وفيه أيضا عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: «السلام ~~عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» «2». وفيه أيضا عن ~~عائشة رضي الله عنها في حديث طويل، قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن ربك ~~يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم». قال: قلت: يا رسول الله؛ كيف أقول؟ ~~قال: قولي: «السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، يرحم الله ~~المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» «3». # وفي «سنن ابن ماجه» في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: فقدته ~~صلى الله عليه وسلم فإذا هو بالبقيع، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين ~~أنتم لنا فرط ونحن بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ~~واغفر لنا ولهم» «4». # وفي المسند والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه، فقال: «السلام عليكم يا ~~أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلف لنا ونحن بالأثر» «5». قال ~~الترمذي: حديث حسن غريب. # فزيارة القبور المشروعة من جنس الصلاة على الميت، أما الصلاة عليه إذا ~~كان ظاهرا أو على قبره، لكن الصلاة عليه هي صلاة ذات تحليل وتحريم واصطفاف ~~وتكبيرات، والزيارة المطلقة دعاء لهم. # وفي الصحيحين: أنه صلى على شهداء أحد بعد ثماني سنين، كصلاته على الميت ~~«6». PageV01P090 # قال أبو بكر بن المنذر: ولا بأس بزيارة القبور، ويستغفر للميت، ويرق قلب ~~الزائر، ويذكر الآخرة، فهذا الذي سنه الرسول لأمته بقوله وفعله في موتى ~~المسلمين، وأما هو نفسه فلقبره حكم آخر، فإن قبور ms091 المؤمنين ظاهرة بارزة وهو ~~دفن في حجرته، ومنع الناس من الوصول إلى قبره، وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ~~وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وكذلك قال في السلام. وقال: «إن ~~لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». وقال: «اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». # ولهذا لم يصل أحد على قبره ولا شرع الصلاة على قبره عند أحد من العلماء، ~~بل أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد أنه يصلى على قبور المؤمنين دائما، ~~وأما هو فلا يصلى على قبره بالإجماع؛ لأن المقصود بالصلاة على القبور ~~وزيارتها هو الدعاء، والرسول قد أمرنا بالصلاة والسلام عليه وطلب الوسيلة ~~له، وغير ذلك في جميع المواضع، وهذا أعظم مما يفعل عند قبر غيره، وأمر ~~الناس أن تكون محبته وتعظيمه وما يقوم بقلوبهم معهم أينما كانوا، فلا ينقص ~~ما يستحقه من المحبة والتعظيم والصلاة والتسليم إذا كانوا في سائر المواضع، ~~عما يفعل في بيته وعند قبره من ذلك، ولهذا نهى عن اتخاذ بيته عيدا، وفي ~~لفظ: قبره. فلا يخص بيته وقبره بشيء من ذلك، فيكون في سائر البقاع ناقصا ~~عما يكون عند القبر، فإن ذلك يتضمن نقص حقه وبخسه إياه، وهذا من تنقيص حقه ~~المنهي عنه. والجهال يظنون أن النهي عنه تنقيص لحقه، ولا يعلمون أن هذا ~~أعظم لقدره ولحقه من وجوه متعددة. # وأيضا فهذا فيه مفسدة اتخاذ قبره عيدا ووثنا ومسجدا، فنهى صلى الله عليه ~~وسلم عنه لما فيه من المفسدة وعدم المصلحة، فهو صلى الله عليه وسلم له خاصة ~~في علو قدره وحقه لا يشركه فيها غيره؛ الزيارة التي شرعها لعموم المؤمنين، ~~وهو إنما خاف أن يتخذ قبره وثنا وعيدا؛ بخلاف قبور عموم المؤمنين، لكن ما ~~عظم من القبور حتى صار وثنا وعيدا فإنه ينهى عن ذلك ويزال ما حصل به، حتى ~~إنه يحرم أن يبنى عليه مسجد «1». ### | الفرق بين الزيارة الشرعية وبين الزيارة البدعية # والمقصود: أن ما سنه لأمته نوع غير النوع الذي ms092 يقصده أهل البدع؛ من السفر ~~إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فإنهم لا يسافرون لأجل ما شرع من ~~الدعاء لهم والاستغفار، بل لأجل دعائهم والدعاء بهم، والاستشفاع بهم، ~~فيتخذون قبورهم مساجد وأوثانا وعيدا يجتمعون فيه. PageV01P091 # وهذا كله مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، ~~فكيف يشبه ما نهى عنه وحرمه بما سنه وفعله؟ # وهذا الموضع يغلط فيه هذا المعترض وأمثاله، ليس الغلط فيه من خصائصه، ~~ونحن نعدل فيه ونقصد قول الحق والعدل فيه، كما أمر الله تعالى؛ فإنه أمر ~~بالقسط على أعدائنا الكفار، فقال سبحانه وتعالى: كونوا قوامين لله شهداء ~~بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا ~~[المائدة: 8]. فكيف بإخواننا المسلمين، والمسلمون إخوة، والله يغفر له ~~ويسدده ويوفقه وسائر إخواننا المسلمين. # الجواب الرابع: أنه لو قدر أن هذا اللفظ عام؛ فأحاديث النهي عن السفر إلى ~~غير المساجد الثلاثة تخصص هذا، كما تخصص إتيان المساجد، ومعلوم أن إتيان ~~المساجد أفضل من إتيان المقابر ونحوها، والسفر إليها أفضل. فإذا كان قد نهي ~~عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة؛ فالنهي عما يكون إتيانه والسفر إليه دون ~~إتيان المساجد أولى، ولهذا لم يقل أحد من المسلمين إنه يسافر إلى القبور ~~دون المساجد بخلاف العكس، فإنه يحكى عن الليث بن سعد. # الجواب الخامس: أن يقال: ليس فيما ذكرته ما يقتضي أن السفر إليها مستحب ~~بل ولا زيارتها من قوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها». وفي لفظ: «ولا تقولوا هجرا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية ~~فانتبذوا، ولا تشربوا مسكرا، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا ما بدا ~~لكم». رواه مسلم في صحيحه عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحي ~~فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء فاشربوا في الأوعية ~~كلها ولا تشربوا مسكرا» «1». وقد اتفق المسلمون على أن الانتباذ في الأوعية ~~والادخار أراد ms093 به إباحة ذلك بعد حظره، لم يرد به الندب إلى ذلك، فكذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» قد يقال: لم يرد ~~به الندب، ولا يلزم من إباحتها ولا من الندب إليها إباحة السفر، كإتيان ~~المساجد. # وقوله- أعني المعترض-: المشهور أن الأمر بعد الحظر يقتضي الوجوب. # يقال له: الجواب من وجهين: # أحدهما: أن المعروف عن السلف والأئمة أن صيغة «افعل» بعد الحظر ترفع ~~الحظر المتقدم، وتعيد الفعل إلى ما كان عليه «2»، بهذا جاء الكتاب والسنة؛ ~~كقوله PageV01P092 # تعالى: وإذا حللتم فاصطادوا [المائدة: 2] وقوله تعالى: ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله [البقرة: 222] وقوله تعالى: ~~فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض [الجمعة: 10] وقوله تعالى: علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم إلى قوله: من الفجر ~~[البقرة: 187]. فإن هذا لما جاء بعد حظر الجماع والأكل بعد النوم ليلة ~~الصيام أفاد الإباحة، وهذا بخلاف قوله تعالى: ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا ~~طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث [الأحزاب: 53] فإن الانتشار هنا قبل ذلك ~~لم يكن واجبا فإنه أذن لهم في الدخول، لم يوجبه عليهم. وأما قوله: فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين [التوبة: 5]. فإنه أيضا لرفع الحظر ~~وإعادة الأمر إلى ما كان قبل الأشهر، وهو أنه كان مأمورا به. # وقد ورد الأمر المطلق؛ لكن في زيارة قبر أمه كما روى مسلم في صحيحه عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى ~~وأبكى من حوله، فقال: # «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزورها فأذن ~~لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت». ومعلوم أن استئذانه ربه طلب إباحة ~~الزيارة لا طلب استحبابها، فلما أذن له كانت زيارته لأمه مباحة، فقوله: ~~«فزوروها» ورد على هذا السبب، فلا بد أن يتناوله، فيدخل في ذلك زيارة ~~القريب الكافر من غير دعاء له ولا استغفار، ومعلوم أن هذه الزيارة ليست مثل ~~ما كان يفعله بأهل البقيع وشهداء أحد، ms094 ونحو ذلك من زيارة قبور المؤمنين ~~التي تتضمن الدعاء لهم، ولا يلزم إذا كانت تلك مستحبة لما فيها من نفع ~~المؤمنين؛ كالصلاة على جنائزهم، أن تكون هذه مستحبة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «فإنها تذكر الموت»؛ هو بيان لجهة المصلحة ~~المعارضة للمفسدة التي أوجبت النهي فإنها تذكر الموت، وإن كانت قد تورث ~~جزعا، ففيهما من PageV01P093 # المصلحة ما عارض المفسدة، وحينئذ فإن كانت مباحة حصل المقصود، واستحباب ~~مثل هذه الزيارة يفتقر إلى دليل آخر، فالفرق بين زيارة المؤمنين والكفار ~~فرق معلوم، فإن الدعاء للمؤمنين حق لهم؛ كعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم، ~~ونحن إن جوزنا أن يعاد المريض الذمي فليس ذلك حقا له كالمسلم، وأما جنازته ~~فإن السنة أن يركب ويمشي أمامها فإنه لا يكون تابعا لها، كما نقل مثل ذلك ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ودل عليه حديث المغيرة بن شعبة؛ الراكب خلف ~~الجنازة وعن يمينها ويسارها، وقريبا منها، رواه الترمذي. وفي الحديث الآخر ~~الذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: ليس منها من تقدمها، فإذا ركب ~~وتقدمها لم يكن تابعا لها. ولو قدر أن الأمر بعد الحظر يقتضي عند الإطلاق ~~الوجوب؛ ففي هذا الحديث قد اتفق المسلمون على أنه ليس للوجوب، لا سيما ~~وسببه زيارة قبر أمه. ولا يجب على المسلمين زيارة أقاربهم الكفار باتفاق ~~المسلمين. # وأما النزاع بين المسلمين؛ هل زيارة القبور مستحبة أو مباحة أو منهي ~~عنها؟ # لم يقل أحد بوجوبها. فتبين أن ما ذكره ليس فيه ما يدل على محل النزاع؛ ~~وهو استحباب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين لدعائهم والرغبة ~~إليهم، إذ هذا مقصود المسافرين، ليس مقصودهم الدعاء لهم والاستغفار لهم، بل ~~قد ينهون عن ذلك، ويستعظمون أن مثل هؤلاء يحتاجون إلى دعاء الأحياء، ومنهم ~~من إذا قيل له: # سلم على فلان. ينهى عن ذلك، ويقول: السلام علينا من فلان، فيتخذونهم ~~أربابا. # فإنه لا يجيب الدعوات، ويفرج الكربات، وينزل الرزق، ويهدي القلوب، ويغفر ~~الذنوب، إلا الله وحده لا شريك له. كما قال تعالى: ms095 ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله [آل عمران: 135]. وقال تعالى: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار إلى قوله: فأنى تصرفون. وقال تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم. إلى قوله: محذورا [الإسراء: 56، 57]. # وهذه تتناول كل من يدعى من دون الله ممن هو مؤمن من الملائكة والإنس ~~والجن، وقد فسرها السلف بهذا كله. وقال ابن مسعود: «كان أناس من الإنس ~~يعبدون قوما من الجن، فأسلم الجن وتمسك الآخرون بعبادتهم، فنزلت هذه الآية» ~~«1». # وقال السدي أيضا: عن أبي صالح عن ابن عباس: هو عيسى وأمه وعزير. # وقال السدي أيضا: ذكروا أنهم اتخذوا الآلهة، وهو حين عبدوا الملائكة ~~والمسيح عليه السلام وعزير. فقال الله تعالى: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة [الإسراء: 57]. وقد قال تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد PageV01P094 # إذ أنتم مسلمون [آل عمران: 80]. وقال تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك ~~وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سبأ: 22، 23] ~~فتبين أن من دعي في زعمهم من دون الله فإنه لا يملك شيئا ولا له شرك مع ~~الله، ولا هو معين ولا ظهير، ولم يبق إلا الشفاعة. فقال: # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له. كما قال تعالى: من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه [البقرة: 255]. ولهذا كان أوجه الشفعاء وأول شافع وأول مشفع ~~صلى الله عليه وسلم إذا جاء الخلق يوم القيامة إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ~~ثم إلى موسى ثم عيسى ليشفعوا لهم، فكل منهم يرده إلى الآخر ويعتذرون، فإذا ~~أتوا المسيح قال: اذهبوا إلى محمد عبد غفر له من ذنبه ما تقدم وما تأخر، ~~قال صلى الله عليه وسلم: «فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت له ساجدا فأحمده ~~بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقال: أي محمد؛ ارفع رأسك، قل يسمع لك، ms096 ~~وسل تعطه واشفع تشفع. قال: فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة». # والحديث في الصحيحين «1». بين أنه إذا رأى ربه لا يبتدئ بالشفاعة بل يسجد ~~ويحمد، حتى يؤذن له، ثم يؤذن له في حد محدود طبقة بعد طبقة، كما في الحديث. ~~وذلك مبسوط في مواضع. PageV01P095 ### | فصل [المصنف لا يحرم زيارة القبور الزيارة الشرعية] # ثم قال المعترض: وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى زيارة قتلى ~~أحد وإلى بقيع الغرقد. وهذا الأمر لا ينكره من أئمة النقل أحد. وفي الصحيح ~~أنه صلى الله عليه وسلم استأذن ربه في زيارة قبر أمه فأذن له، وأجيب في ذلك ~~لما سأله. فعلام يحمل هذا القائل زيارته لقبر أمه ومشيه الذي منه صدر؟ فإن ~~حمله على التحريم فقد ضل وكفر، وإن حمله على الجواز والندب فقد لزمته الحجة ~~والتقم الحجر. # يقال: هذا الكلام مبني على افترائه المتقدم، وهو أن المجيب يحرم زيارة ~~القبور مطلقا، وقد تقدم أن هذا افتراء عليه، بل هو يجوز زيارة قبور ~~المؤمنين للدعاء لهم والاستغفار، ويجوز زيارة قبر الكافر للرقة والاعتبار؛ ~~كزيارة النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه. # ثم يقال له: أولا: النبي صلى الله عليه وسلم لم يسافر لزيارتها بل ذلك في ~~طريقه لما فتح مكة. # ويقال له: من أين لك أنه مشى إلى قبر أمه؟ وإن كان المشي جائزا فإنه إنما ~~زارها في طريقه في السفر، وكان راكبا وقبرها كان بارزا، فعله لما نزل عنده، ~~وقبرها كان بالأبواء، بل نزل عنده لم يحتج إلى المشي إليه، ولكن هذا لا ~~خبرة له بالنصوص كيف قيلت، ولا بتفصيل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم. # ويقال له: هذه الزيارة ليست من جنس زيارة قبور الأنبياء والصالحين التي ~~يقصد بها التبرك بهم، ودعاؤهم والاستشفاع بهم، فإن هذا لا يجوز أن يقصده ~~النبي صلى الله عليه وسلم بزيارة أهل البقيع وقتلى أحد، فكيف بقبر أمه؟ # بل هذه الزيارة للرقة والاعتبار، وهذه جائزة ما زال المجيب يجوز هذه ~~وأمثالها، وهذا مذكور في عامة ms097 كتبه وفتاويه، معروف عنه عند كل من يعرف ما ~~يقول في هذا الباب. وليس في جواب الفتيا المتنازع فيها نهي عن هذا، ولا ~~حكاية النهي فيها عن أحد. # والحديث قد رواه مسلم في صحيحه من وجهين عن أبي هريرة، قال في أحدهما: ~~«استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها ~~فأذن لي». وقال في الآخر: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى ~~من حوله فقال صلى الله عليه وسلم: # «استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور ~~قبرها؛ فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت». وهذه الزيارة كانت عام ~~الفتح في سفره. # PageV01P096 ### | فصل [هل وردت أحاديث صحيحة في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم؟] # قال المعترض: وورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة ~~الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح. # والجواب: من وجوه: # أحدها: أن يقال: لو ورد من ذلك ما هو صحيح لكان إنما يدل على مطلق ~~الزيارة، وليس في جواب الاستفتاء نهي عن مطلق الزيارة، ولا حكى نزاع في ذلك ~~الجواب، وإنما فيها ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد زيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين، وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يتناول محل ~~النزاع، ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع. # الثاني: أنه لو قدر أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة؛ لكان المراد بها ~~هو المراد بقول من قال من العلماء: إنه يستحب زيارة قبره، ومرادهم بذلك ~~السفر إلى مسجده، وفي مسجده يسلم عليه ويصلى عليه، ويدعى له ويثنى عليه، ~~ليس المراد أنه يدخل إلى قبره ويوصل إليه، وحينئذ فهذا المراد قد استحبه ~~المجيب، وذكر أنه مستحب بالنص والإجماع، فمن حكى عن المجيب أنه لا يستحب ما ~~استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع؛ فقد استحق ما ~~يستحقه الكاذب المفتري. وإذا كان يستحب هذا وهو المراد بزيارة ms098 قبره، فزيارة ~~قبره بهذا المعنى من مواقع الإجماع، لا من موارد النزاع. # الثالث: أن نقول: قول القائل: إنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة؛ قول ~~لم يذكر عليه دليلا، فإذا قيل له: لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج ~~إلى الجواب، وهو لم يذكر شيئا من تلك الأحاديث، كما ذكر قوله: «كنت نهيتكم ~~عن زيارة القبور فزوروها». وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد، فإن هذا ~~صحيح، وهنا لم يذكر شيئا من الحديث الصحيح، فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل ~~بالمنع. # الوجه الرابع: أن نقول: هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين ~~العارفين بالصحيح، وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح ~~عند أهل المعرفة، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئا من ذلك، ولا أرباب السنن # PageV01P097 # المعتمدة؛ كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم، ولا أهل المساند التي ~~من هذا الجنس؛ كمسند أحمد وغيره. ولا في موطأ مالك، ولا مسند الشافعي ونحو ~~ذلك، شيء من ذلك، ولا احتج إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك ~~والشافعي وأحمد وغيره بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف تكون في ذلك أحاديث ~~صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث؟ ومن أين لهذا ~~وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة، وهو لا يعرف هذا الشأن؟ # الوجه الخامس: قوله: وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز ~~الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، ويحصل بها الترجيح. # فيقال له: اصطلاح الترمذي ومن بعده؛ أن الحديث ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، ~~وضعيف. والضعيف قد يكون موضوعا يعلم أنه كذب، وقد لا يكون كذلك، فما ليس ~~بصحيح وكان حسنا على هذا الاصطلاح احتج به. وهو لم يذكر حديثا، وبين أنه ~~حسن يجوز الاستدلال به. فنقول له: لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز ~~الاستدلال به، وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة، فيقابل بالمنع. # الوجه السادس: أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ~~ضعيفة؛ بل موضوعة، كما قد بسط في مواضع، وذكرت ms099 هذه الأحاديث وذكرت كلام ~~الأئمة عليها حديثا حديثا، بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ ~~زيارة قبره البتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفا عندهم. ولهذا كره مالك التكلم ~~به، بخلاف لفظ زيارة القبور مطلقا. فإن هذا اللفظ معروف عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعن أصحابه وفي القرآن: ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ~~[التكاثر: 1، 2]. لكن معناه عند الأكثرين الموت، وعند طائفة هي زيارتها ~~للتفاخر بالموتى والتكاثر. # وأما لفظ قبر النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص فلا يعرف لا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، وكل ما روي فيه فهو ضعيف، بل هو كذب ~~موضوع، عند أهل العلم بالحديث، كما قد بسط هذا في مواضع. # الوجه السابع: أن يقال: الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة ~~كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل وأبي داود؛ احتجوا إما بفعل ابن عمر كما ~~احتج به مالك وأحمد وغيرهم، وإما بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد ~~جيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل يسلم ~~علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». فهذا عمدة أحمد وأبي داود ~~وابن حبيب وأمثالهم، وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند (عند ~~قبري) لكن عرفوا أن هذا هو المراد، وأنه لم يرد على كل مسلم عليه في كل ~~صلاة في شرق الأرض وغربها، مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد بطل ~~الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام، # PageV01P098 # وإن كان المراد هو السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء، فهل يدخل ~~فيه من سلم من خارج الحجرة؟ # فهذا مما تنازع فيه الناس، وقد توزعوا في دلالته، فمن الناس من يقول: هذا ~~إنما يتناول من سلم عليه عند قبره، كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة ~~فيسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يرد عليهم، فأولئك سلموا عليه ~~عند قبره وكان يرد عليهم. وهذا قد ms100 جاء عموما في حق المؤمنين؛ «ما من رجل ~~يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى ~~يرد عليه السلام» «1». # قالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره، بل سلامهم ~~عليه كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وخرج ~~منه، وهذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه، بقوله: صلوا عليه وسلموا ~~تسليما وهذا السلام قد ورد: أنه «من سلم عليه مرة سلم الله عليه عشرا» كما ~~أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا. فأما أثر: «من صلى عليه مرة ~~صلى الله عليه عشرا» فهذا ثابت من وجوه؛ بعضها في الصحيح، كما في صحيح مسلم ~~عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة ~~صلى الله بها عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ~~تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله ~~لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي» «2». وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غير هذا الوجه، كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى علي واحدة صلى الله ~~عليه عشرا» «3». # وأما السلام؛ فقد جاء أيضا في أحاديث، من أشهرها حديث عبد الله بن ~~المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن سليمان مولى الحسن بن علي، ~~عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقال: «إنه جاءني جبرائيل فقال: أما يرضيك ~~يا محمد، أنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا؟ أو لا يسلم ~~عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا» «4». PageV01P099 # وقد روي في عدة ms101 أحاديث: أن الله يصلي على كل من صلى عليه، ويسلم على من ~~يسلم عليه. ولم يذكر عددا، لكن الحسنة بعشر أمثالها، فالمقيد يفسر المطلق. # قال القاضي عياض: من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه عليه السلام قال: # «لقيت جبريل فقال لي: أبشرك أن الله يقول: من سلم عليك سلمت عليه، ومن ~~صلى عليك صليت عليه». قال: ونحوه من رواية أبي هريرة ومالك بن أوس بن ~~الحدثان وعبيد الله بن أبي طلحة «1». # قلت: وبسط الكلام على هذه الأحاديث له موضع آخر. والمقصود هنا؛ أن ما أمر ~~الله به من الصلاة والسلام عليه هو كما أمر به صلى الله عليه وسلم من ~~الدعاء له بالوسيلة، وهذا أمر اختص هو به، فإن الله أمر بذلك في حقه بعينه ~~مخصوصا بذلك، وإن كان السلام على جميع عباد الله الصالحين مشروعا على وجه ~~العموم، وقد قيل: إن الصلاة تكره على غير الأنبياء، وغلا بعضهم فقال: تكره ~~على غيره، وكذلك قال بعض المتأخرين: # في السلام. ولكن الصواب الذي عليه عامة العلماء؛ أنه يسلم على غيره، وأما ~~الصلاة فقد جوزها أحمد وغيره، والنزاع فيها معروف. # وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: حدث أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، ~~فإنما أنا رسول من المرسلين» «2». وقد قال الله في كتابه: قل الحمد لله ~~وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: 59] وقال: وسلام على المرسلين والحمد ~~لله رب العالمين [الصافات: 181، 182]. وقال: لما ذكر نوحا وإبراهيم وموسى ~~وهارون وإلياسين: وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين ~~[الصافات: 78، 79]. وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم [الصافات: ~~108، 109]. وتركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى وهارون PageV01P100 # [الصافات: 119، 120]. وتركنا عليه في الآخرين سلام على إل ياسين ~~[الصافات: 129، 130]. # والمقصود هنا؛ أن هذا السلام المأمور به خصوصا هو المشروع في الصلاة ~~وغيرها عموما على كل عبد صالح، كقول المصلي: «السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين». فإن هذا ثابت في التشهدات المروية عن ms102 النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلها، مثل حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين، وحديث أبي موسى، وابن عباس، ~~اللذين رواهما مسلم، وحديث ابن عمر، وعائشة، وجابر، وغيرهم، التي في ~~المساند والسنن «1». # وهذا السلام لا يقتضي ردا من المسلم عليه، بل هو بمنزلة دعاء المؤمن ~~للمؤمنين واستغفاره لهم، فيه الأجر والثواب من الله، وليس على المدعو لهم ~~مثل ذلك الدعاء، بخلاف سلام التحية؛ فإنه مشروع بالنص والإجماع في حق كل ~~مسلم، وعلى المسلم عليه أن يرد السلام ولو كان المسلم عليه كافرا، فإن هذا ~~من العدل الواجب، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد على اليهود إذا ~~سلموا عليه بقوله: # «وعليكم» «2». وإذا سلم على معين تعين الرد «3»، وإذا سلم على الجماعة؛ ~~فهل ردهم فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ على قولين مشهورين لأهل العلم ~~«4». # والابتداء به عند اللقاء سنة مؤكدة، وهل هي واجبة؟ على قولين معروفين ~~وهما قولان في مذهب أحمد وغيره «5». # وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن هو من هذا الباب، ولهذا روي أن ~~الميت PageV01P101 # يرد السلام مطلقا «1». فالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في مسجده ~~وسائر المساجد وسائر البقاع؛ مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وأما السلام ~~عليه عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعا لما كان ممكنا بدخول من يدخل ~~على عائشة، وأما تخصيص هذا السلام أو الصلاة بالمكان القريب من الحجرة؛ ~~فهذا محل النزاع. # وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة ~~والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلي في المسجد استحب أيضا أن يأتي ~~إلى الحجرة ويصلي ويسلم كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، ~~ومنهم من لم يذكر إلا الثاني فقط. وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع ~~الأول فقط. # فأما النوع الأول فهو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المسجد وغير ~~هذا المسجد. # وأما النوع الثاني فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء، سواء ~~فعله مع الأول أو مجردا عنه، كما ذكر ابن ms103 حبيب وغيره، إذا دخل مسجد الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قال: بسم الله وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~السلام علينا من ربنا، وصلى الله وملائكته على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي ~~وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك، وجنبني من الشيطان الرجيم. ثم اقصد إلى ~~الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر، فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر، ~~تحمد الله فيهما، وتسأل تمام ما خرجت إليه، وتسأل العون عليه، وإن كانت ~~ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك، وفي الروضة أفضل. وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: «ما بين قبري ومنبري على ترعة من ترع الجنة» «2». ثم تقف بالقبر ~~متواضعا وتصلي عليه PageV01P102 # وتثني بما يحضر، وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء ~~وقبور الشهداء. # قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة، وهو المنقول ~~عن الإمام أحمد في مناسك المروذي، وأما مالك فنقل عنه أنه يستحب التطوع في ~~موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: لا يتعين لذلك موضع من المسجد، ~~وأما الفرض فيصليه في الصف الأول مع الإمام بلا ريب. # والذي ثبت في الصحيح عن سلمة بن الأكوع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة «1». # وأما قصد تخصيصه بالصلاة فيه فالصلاة أفضل، وأما مقامه فإنما كان يقوم ~~فيه إذا كان إماما يصلي بهم الفرض، والسنة أن يقف الإمام وسط المسجد أمام ~~القوم، فلما زيد في المسجد صار موقف الإمام في الزيادة. # والمقصود؛ معرفة ما ورد عن السلف من الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد ~~وعند القبر. ففي مسند أبي يعلى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا زيد بن ~~الحباب، أخبرنا جعفر بن إبراهيم؛ من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن عمر، عن ~~أبيه، عن علي بن الحسين، أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، ms104 فنهاه، فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من ~~أبي، عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ~~ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» «2». # وهذا الحديث مما خرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ~~PageV01P103 # فيما اختاره من الأحاديث الجياد المختارة الزائدة على ما في الصحيحين، ~~وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم ~~البستي ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل تصحيح الحاكم، فإن فيه ~~أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره. # فهذا علي بن الحسين زين العابدين «1» وهو من أجل التابعين علما ودينا، ~~حتى قال الزهري: ما رأيت هاشميا مثله، وهو يذكر هذا الحديث بإسناده ولفظه: # «لا تتخذوا بيتي عيدا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». وهذا يقتضي أنه لا ~~مزية للسلام عليه عند بيته، كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته، بل قد نهى ~~عن تخصيص بيته بهذا وهذا. # وحديث الصلاة مشهور في سنن أبي داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع، ~~أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي ~~فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» «2». PageV01P104 # وهذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ؛ فيه لين ~~لا يمنع الاحتجاج به، قال يحيى بن معين: هو موثقه، وحسبك بابن معين موثقا. ~~وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ هو لين تعرف ~~وتنكر «1». # قلت: ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانا، فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه ~~محفوظ، وهذا له شواهد متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع. # كما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان، ~~عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم ms105 قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم ~~تبلغني» «2». # وقال سعيد أيضا: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: ~~رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت ~~فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند ~~القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا دخلت المسجد ~~فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي ~~عيدا، ولا بيوتكم قبورا، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ~~وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء ~~«3». # ورواه القاضي، إسماعيل بن إسحاق في كتاب «فضل الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم» ولم يذكر هذه الزيادة وهي قوله: «ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا ~~سواء». لأن مذهبه أن القادم من سفر والمريد للسفر سلامه هناك أفضل، وأن ~~الغرباء يسلمون إذا دخلوا وخرجوا، ولهذه مزية على من بالأندلس. والحسن بن ~~الحسن وغيره لا يفرقون بين أهل المدينة والغرباء ولا بين المسافر وغيره، ~~فرواه القاضي إسماعيل عن إبراهيم بن حمزة حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن ~~سهيل بن أبي سهيل قال: جئت أسلم على PageV01P105 # النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فدعاني فجئته فقال: # ادن فتعش، قال: قلت: لا أريده، قال لي: ما لي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم. قال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه؛ ثم قال: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «صلوا في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». ولم ~~يذكر قول الحسن؛ فهذا فيه أنه أمره أن يسلم عند دخول المسجد، وهو السلام ~~المشروع الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجماعة من السلف؛ كانوا ~~يسلمون عليه إذا دخلوا ms106 المسجد، وهذا مشروع في كل مسجد. وهذا الحسن بن الحسن ~~هو الحسن المثنى وهو من التابعين وهو نظير علي بن الحسين؛ هذا ابن الحسين ~~وهذا ابن الحسن. # وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله هذا عن الحسن بن علي نفسه رضي الله عنهم ~~أجمعين فقال: وعن الحسن بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حيثما ~~كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني» «1». # قال: وعن الحسن بن علي قال: إذا دخلت المسجد فسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا ~~بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». # قلت: والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد مأثور عنه صلى الله عليه وسلم ~~وعن غير واحد من الصحابة والتابعين، مثل الحديث الذي في المسند والترمذي ~~وابن ماجه عن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: «رب اغفر لي ~~ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك» وإذا خرج صلى على محمد وسلم، وقال: «رب اغفر ~~لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك» «2». هذا لفظ الترمذي، وفي غيره أنه صلى ~~الله عليه وسلم أمر بذلك. # وفي سنن أبي داود عن أبي أسيد- أو أبي حميد- قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~ليقل» - وذكر الحديث «3». PageV01P106 # قال القاضي عياض: ومن مواطن الصلاة والسلام عليه دخول المسجد. قال أبو ~~إسحاق بن شعبان: وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي- على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعلى آله، ويترحم عليه صلى الله عليه وسلم وعلى آله، ويبارك عليه صلى ~~الله عليه وسلم وعلى آله ويسلم عليه تسليما ويقول: # «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك». قال: وقال عمرو بن ~~دينار في قوله: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم [النور: 61] فقال: إن ~~لم يكن في البيت أحد فقل: ms107 «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام ~~على أهل البيت ورحمة الله وبركاته». # قال: وقال ابن عباس: المراد بالبيوت هنا المساجد «1». # وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله، وإذا ~~لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # قال: وعن علقمة قال: إذا دخلت المسجد أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته، صلى الله وملائكته على محمد صلى الله عليه وسلم. قال: ونحوه ~~عن كعب؛ إذا دخل وإذا خرج، ولم يذكر الصلاة. # قال: واحتج ابن شعبان لما ذكره بحديث فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله إذا دخل المسجد، قال: ومثله ~~ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وذكر السلام والرحمة. # قال: وروى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إذا دخلت المسجد فصل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقل: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك- وفي رواية أخرى- فليسلم ~~وليصل ويقول إذا خرج: اللهم إني أسألك من فضلك- وفي أخرى- اللهم احفظني من ~~الشيطان». # وعن محمد بن سيرين: «كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد: صلى الله ~~وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بسم الله ~~دخلنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا» وكانوا يقولون: إذا خرجوا مثل ~~ذلك. # قلت: هذا فيه حديث مرفوع في سنن أبي داود وغيره أنه يقال عند دخول ~~المسجد: «اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا وبسم ~~الله خرجنا وعلى الله توكلنا» «2». PageV01P107 # قال القاضي عياض: وعن أبي هريرة: «إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لي ... » «1». PageV01P108 # قلت: وروى ابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري، عن صفوان بن مرة، عن مجاهد ~~في هذه الآية: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة ~~طيبة [النور: 61] قال: إذا دخلت بيتا ليس ms108 فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين. وإذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: وإذا دخلت على أهلك فقل: السلام عليكم. # قلت: والآثار مبسوطة في مواضع. # والمقصود هنا أن يعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من ~~الصلاة والسلام عليه، وبين سلام التحية الموجب للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن ~~حي وميت، ويرد فيه على الكافر، ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء ~~الراشدين ومن بعدهم إذا دخلوا المسجد لصلاة، واعتكاف، أو تعليم، أو تعلم، ~~أو ذكر لله ودعاء له، ونحو ذلك مما شرع في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى ~~ناحية القبر فيزورونه هناك، ولا يقفون خارج الحجرة كما لم يكونوا يدخلون ~~الحجرة أيضا لزيارة PageV01P109 # قبره، فلم تكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره صلى الله عليه وسلم لا من ~~المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضا يأتون من بيوتهم لمجرد ~~زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة ~~والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه وبينوا ~~أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في المبسوط، وقد ذكره أصحابه كأبي ~~الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما، قيل لمالك: إن ناسا من أهل المدينة لا ~~يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك- أي يقفون على قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيصلون عليه، ويدعون له- ولأبي بكر وعمر- يفعلون ذلك في اليوم ~~مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين، أو أكثر ~~عند القبر، يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، ~~وتركه واسع، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني هذا عن ~~أول هذه الأمة وصدرها؛ أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو ~~أراده. فقد كره مالك رحمه الله هذا وبين أنه لم يبلغه هذا عن أهل العلم ~~بالمدينة، ولا عن صدر هذه الأمة وأولها، وهم الصحابة، وإن ms109 ذلك يكره لأهل ~~المدينة إلا عند السفر، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل ~~البقيع وشهداء أحد وغيرهم، بل هم في ذلك ليسوا بدون سائر الأمصار، فإذا لم ~~يكن لأولئك الامتناع عن زيارة القبور، بل يستحب عند جمهور العلماء، كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، فأهل المدينة أولى أن لا يكره؛ بل يستحب ~~لهم زيارة القبور، كما يستحب لغيرهم، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولكن قبر النبي صلى الله عليه وسلم خص بالمنع شرعا وحسا. كما دفن في الحجرة ~~ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة، كما تزار سائر القبور فيصل الزائر إلى ~~عند القبر، وقبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس كذلك، فلا تستحب هذه الزيارة ~~في حقه، ولا تمكن، وهذا لعلو قدره وشرفه، لا لكون أن غيره أفضل منه، فإن ~~هذا لا يقوله أحد من المسلمين، فضلا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين ~~بالمدينة وغيرها. # ومن هنا غلط طائفة من الناس يقولون إذا كانت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة ~~فكيف بقبر سيد الأولين والآخرين. ### | زيارة القبور ليست من باب الإكرام والتعظيم # وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقا هو من باب الإكرام والتعظيم له، ~~والرسول أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد، وظنوا أن ترك الزيارة له فيه ~~تنقص لكرامته، فغلطوا وخالفوا السنة وإجماع الأئمة، سلفها وخلفها، فقولهم ~~نظير قول من يقول: إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى قبر المزور؛ ~~فإن ذلك أبلغ في الدعاء له. وإن كان مقصوده دعاءه كما يقصده أهل البدع فهو ~~أبلغ في دعائه، فالرسول أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه. # PageV01P110 # وقد ثبت بالتواتر وإجماع الأمة أن الرسول لا يشرع الوصول إلى قبره لا ~~للدعاء، ولا لدعائه ولا لغير ذلك، بل غيره يصلى على قبره عند أكثر السلف ~~كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة؛ ~~تشرع مع القرب والمشاهدة، وهو بالإجماع لا يصلى على قبره، سواء كان للصلاة ~~حد محدود، أو كان يصلي ms110 على القبر مطلقا، ولم يعرف أن أحدا من الصحابة ~~الغائبين لما قدم صلى على قبره صلى الله عليه وسلم. # وزيارة القبور المشروعة هي مشروعة مع الوصول إلى القبر بمشاهدته، وهذه ~~الزيارة غير مشروعة في حقه بالنص والإجماع ولا هي أيضا ممكنة. # فتبين غلط هؤلاء الذين قاسوه على عموم المؤمنين، وهذا من باب القياس ~~الفاسد، ومن قاس قياس الأولى ولم يعلم ما اختص به كل واحد من المقيس ~~والمقيس به؛ كان قياسه من جنس قياس المشركين الذين كانوا يقيسون الميتة على ~~المذكي، ويقولون للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟ ~~فأنزل الله تعالى: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام: 121]. # وكذلك لما أخبر الله أن الأصنام التي تعبد هي وعابدوها حصب جهنم، قاس ابن ~~الزبعري قبل أن يسلم هو وغيره من المشركين عيسى بها، وقالوا: فيجب أن يعذب ~~عيسى. قال تعالى:* ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون [الزخرف: 57، 58] ~~ثم قال: إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل [الزخرف: ~~59]. وبين تعالى الفرق بقوله تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون [الأنبياء: 101] بين أن من كان صالحا؛ نبيا أو غير نبي، لم ~~يعذب لأجل من أشرك به وعبده، وهو بريء من إشراكهم به. # وأما الأصنام فهي حجارة تجعل حصبا للنار، وقد قيل: إنها من الحجارة التي ~~قال الله: وقودها الناس والحجارة [البقرة: 24] وقال تعالى: وأما القاسطون ~~فكانوا لجهنم حطبا [الجن: 15] وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا؛ أن يعرف أن ما مضت به سنته وكان عليه خلفاؤه وأصحابه وأهل ~~العلم والدين بالمدينة؛ تركهم لزيارة قبره أكمل في القيام بحق الله وحق ~~رسوله، فهو أكمل وأفضل وأحسن مما يفعل مع غيره، وهو أيضا في حق الله ~~وتوحيده أكمل وأتم وأبلغ. # أما كونه أتم في حق الله؛ فلأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا ms111 # PageV01P111 # به شيئا، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «1». # ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب، فلا يتقى غيره ولا يخاف غيره، ولا ~~يتوكل على غيره، ولا يدعى غيره، ولا يصلى لغيره، ولا يصام لغيره، ولا يتصدق ~~إلا له، ولا يحج إلا إلى بيته. قال الله تعالى: ومن يطع الله ورسوله ويخش ~~الله ويتقه فأولئك هم الفائزون [النور: 52]. فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل ~~الخشية والتقوى لله وحده، وقال تعالى: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ~~[التوبة: 59] فجعل الإيتاء لله والرسول، كما قال تعالى: وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7] وجعل التوكل والرغبة إلى الله ~~وحده. وقال تعالى: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب [الشرح: 7، 8] وقال ~~تعالى:* وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ~~وله ما في السماوات والأرض [النحل: 51، 52] الآية. وقال تعالى: فلا تخشوا ~~الناس واخشون [المائدة: 44] وقال تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا [الإسراء: 56] وقال تعالى: قل أرأيتم ما ~~تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ~~[الأحقاف: 4] الآية. وقال تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض [سبأ: 22] إلى قوله: لمن أذن له ~~[سبأ: 23] وهذا باب واسع. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا ~~استعنت فاستعن بالله» «2». # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة السبعين ألفا الذين ~~يدخلون الجنة بغير حساب، قال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ~~ربهم يتوكلون» «3». PageV01P112 # فهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم؛ والرقية دعاء، فكيف بما هو أبلغ من ~~ذلك؟ # ومعلوم أنه لو اتخذ قبره عيدا ومسجدا ووثنا وصار الناس يدعونه ويتضرعون ~~إليه، ويسألونه ويتوكلون عليه، ويستغيثون ويستجيرون به، وربما سجدوا له ms112 ~~وطافوا به، وصاروا يحجون إليه؛ وهذه كلها من حقوق الله وحده لا يشركه فيها ~~مخلوق، فكان من حكمة الله دفنه في حجرته، ومنع الناس من مشاهدة قبره ~~والعكوف عليه، والزيارة له، ونحو ذلك، لتحقيق توحيد الله وعبادته وحده لا ~~شريك له، وإخلاص الدين لله. # وأما قبور أهل البقيع ونحوهم من المؤمنين فلا يجعل ذلك عندها، وإذا قدر ~~أن ذلك فعل عندها؛ منع من يفعل ذلك، وهدم ما يتخذ عليها من المساجد. وإن لم ~~تزل الفتنة إلا بتعفية قبره وتعميته فعل ذلك، كما فعله الصحابة بأمر عمر بن ~~الخطاب في قبر دانيال «1». # وأما كون ذلك أعظم لقدره وأعلى لدرجته؛ فلأن المقصود المشروع بزيارة قبور ~~المؤمنين كأهل البقيع وشهداء أحد، هو الدعاء لهم، كما كان هو يفعل ذلك إذا ~~زارهم، وكما سنه لأمته، فلو سن للأمة أن يزوروا قبره للصلاة عليه والسلام ~~عليه والدعاء له، كما كان بعض أهل المدينة يفعل ذلك أحيانا- وبين مالك أنه ~~بدعة لم يبلغه عن صدر هذه الأمة، ولا عن أهل العلم بالمدينة، وأنها مكروهة، ~~فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها- لكان بعض الناس يزوره، ثم ~~لتعظيمه في القلوب، وعلم الخلق بأنه أفضل الرسل وأعظمهم جاها، وأنه أوجه ~~الشفعاء إلى ربه؛ يدعو النفس إلى أن تطلب منه حاجاتها وأغراضها وتعرض عن ~~حقه الذي هو له من الصلاة والسلام عليه والدعاء له، فإن الناس مع ربهم ~~كذلك، إلا من أنعم الله عليه بحقيقة الإيمان، إنما يعظمون الله عند ضرورتهم ~~إليه، كما قال تعالى: وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ~~فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه [يونس: 12] الآية. وقال ~~تعالى: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [الإسراء: 67] الآية. # وقال تعالى: وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه ~~[الزمر: 8] الآية. # ونظائر هذا في القرآن متعددة. # فإذا كانوا إلا من شاء الله؛ إنما يعظمون ربهم ويوحدونه ويذكرونه عند ~~ضرورتهم لأغراضهم، ms113 ولا يعرفون حقه إذا خلصهم فلا يحبونه ويعبدونه، ولا ~~يشكرونه ولا يقومون بطاعته، فكيف يكونون مع المخلوق؟ PageV01P113 # فهم يطلبون من الأنبياء والصالحين أغراضهم، وذلك مقدم عندهم على حقوق ~~الأنبياء والصالحين، فإذا أيقنوا أن في زيارة قبر نبي أو صالح تحصيل ~~أغراضهم بسؤاله ودعائه وجاهه وشفاعته؛ أعرضوا عن حقه واشتغلوا بأغراضهم، ~~كما هو الموجود في عامة الذين يحجون إلى القبور المعظمة ويقصدونها لطلب ~~الحوائج، فلو أذن الرسول لهم في زيارة قبره ومكنهم من ذلك؛ لأعرضوا عن حق ~~الله الذي يستحقه من عبادته وحده، وعن حق الرسول الذي يستحقه من الصلاة ~~والسلام عليه والدعاء له، بل ومن جعله واسطة بينهم وبين الله في تبليغ أمره ~~ونهيه وخبره. فكانوا يهضمون حق الله وحق الرسول، كما فعلت النصارى، فإنهم ~~بغلوهم في المسيح تركوا حق الله من عبادته وحده، وتركوا حق المسيح، فهم لا ~~يدعون له؛ بل هو عندهم رب يدعى، ولا يقومون بحق رسالته؛ فينظرون ما أمر به ~~وما أخبر به، بل اشتغلوا بالشرك به وبغيره، وطلب حوائجهم ممن يستشفعون به ~~من الملائكة والأنبياء، وصالحيهم، عما يجب من حقوقهم. # وأيضا فلو جعلت الصلاة والسلام عليه والدعاء له عند قبره أفضل منها في ~~غير تلك البقعة، كما قد يكون الدعاء للميت عند قبره أفضل؛ لكانوا يخصون تلك ~~البقعة بزيادة الدعاء له، وإذا غابوا عنها تنقص صلاتهم وسلامهم ودعاؤهم له، ~~فإن الإنسان لا يجتهد في الدعاء في المكان المفضول، كما يجتهد فيه في ~~المكان الفاضل، وهم قد أمروا أن يقوموا بحق الرسول في كل مكان، وأن لا يكون ~~البعيد عن قبره أنقص إيمانا وقياما بحقه، من المجاور لقبره، وقال لهم صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث كنتم، فإن صلاتكم ~~تبلغني». # وقد شرع لهم أن يصلوا عليه ويسألوا له الوسيلة إذا سمعوا المؤذن حيث ~~كانوا، وأن يسلموا عليه في كل صلاة، ويصلوا عليه في الصلاة، ويسلموا عليه ~~إذا دخلوا المسجد وإذا خرجوا منه، فهذا الذي أمروا به عام في كل مكان، وهو ms114 ~~يوجب من القيام بحقه، ورفع درجته، وإعلاء منزلته، ما لا يحصل لو جعل ذلك ~~عند قبره أفضل، ولا إذا سوي بين قبره وقبر غيره، بل إنما يحصل كمال حقه مع ~~حق ربه بفعل ما شرعه وسنه لأمته، من واجب ومستحب، وهو أن يقوموا بحق الله ~~ثم بحق رسوله حيث كانوا؛ من المحبة والموالاة والطاعة، وغير ذلك من الصلاة ~~والسلام والدعاء، وغيره ذلك. ولا يقصدون تخصيص القبر لما يفضي إليه ذلك من ~~ترك حق الله وحق رسوله. # فهذا وغيره مما يبين أن ما نهي عنه الناس ومنعوا منه، وكان السلف لا ~~يفعلونه من زيارة قبره، وإن كانت زيارة قبره غير مستحبة؛ فهو أعظم لقدره، ~~وأرفع لدرجته، وأعلى في منزلته، وإن ذلك أقوم بحق الله، وأتم وأكمل في ~~عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين له، ففي ذلك تحقيق شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وإن أهل البدع الذين فعلوا ما لم يشرعه، ~~بل ما نهى عنه، وخالفوا الصحابة # PageV01P114 # والتابعين لهم بإحسان فاستحبوا ما كان أولئك يكرهونه ويمنعون منه؛ هم ~~مضاهون للنصارى، وإنهم نقصوا من تحقيق الإيمان بالله وبرسوله والقيام بحق ~~الله وحق رسوله بقدر ما دخلوا فيه من البدعة، التي ضاهوا بها النصارى، فهذا ~~هذا، والله أعلم. # وأيضا فإنه إذا أطيع أمره، واتبعت سنته؛ كان له من الأجر بقدر أجر من ~~أطاعه واتبع سنته، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى؛ كان له من ~~الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء» «1». # وقوله: «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» ~~«2». # وأما البدع التي لم يشرعها بل نهى عنها، وإن كانت متضمنة للغلو فيه، ~~والشرك به، والإطراء له، كما فعلت النصارى؛ فإنه لا يحصل بها أجر لمن عمل ~~بها، فلا يكون للرسول فيها منفعة، بل صاحبها إن عذر كان ضالا لا أجر له ~~فيها، وإن قامت عليه الحجة استحق العذاب. وقد قال النبي صلى الله ms115 عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا ~~عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» «3». # فإن قال هؤلاء الذين قاسوا زيارة قبره على زيارة سائر القبور: إن الناس ~~منعوا من الوصول إليه تعظيما لقدره، وجعل سلامهم وخطابهم له من الحجرة لأن ~~ذلك أبلغ في الأدب والتعظيم. # قيل: فهذا يوجب الفرق؛ فإن الزيارة المشروعة إن كان مقصودها الدعاء له؛ ~~فكون ذلك قريبا من الحجرة أفضل منه في سائر المساجد والبقاع، فالذي يدعو له ~~داخل الحجرة أقرب، وإن كان القرب مستحبا، فكلما كان أقرب كان أفضل، كسائر ~~القبور. # وإن كان مقصودها ما يقوله أهل الشرك والضلال من دعائه؛ ودعاؤه من القرب ~~أولى، فينبغي أن يكون من داخل الحجرة أولى، ولما ثبت بالنص والإجماع أن هذا ~~القرب من القبر ممنوع منه وهو أيضا غير مقدور عليه، علم أن القرب من ذلك ~~ليس بمستحب، بخلاف زيارة قبر غيره والصلاة على قبره، فإن القرب منه مستحب ~~إذا لم يفض إلى مفسدة من شرك أو بدعة أو نياحة، فإن أفضى إلى ذلك منع من ~~ذلك. # ومما يوضح هذا؛ أن الشخص الذي يقصد أتباعه زيارة قبره؛ يجعلون قبره بحيث ~~يمكن زيارته، فيكون له باب يدخل منه إلى القبر، ويجعل عند القبر مكان ~~للزائر إذا دخل، بحيث يتمكن من القعود فيه، بل يوسع المكان ليسع الزائرين، ~~ومن PageV01P115 # اتخذه مسجدا جعل عنده صورة محراب أو قريبا منه، وإذا كان الباب مغلقا جعل ~~له شباكا على الطريق ليراه الناس فيه، فيدعونه. # وقبر النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف هذا كله، لم يجعل للزوار طريق إليه ~~بوجه من الوجوه، ولا قبر في مكان كبير يسع الزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى ~~منه القبر، بل منع الناس من الوصول إليه والمشاهدة. # ومن أعظم ما من الله به على رسوله وعلى أمته واستجاب فيه دعاءه؛ أن دفن ~~في بيته بجانب مسجده، فلا يقدر أحد أن يصلي إلا إلى المسجد. # والعبادة المشروعة في المسجد معروفة، بخلاف ما لو كان ms116 قبره منفردا عن ~~المسجد. والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد، وإذا سمي هذا زيارة لقبره ~~فهو اسم لا مسمى له، إنما هو إتيان إلى مسجده، ولهذا لم يطلق السلف هذا ~~اللفظ. # ولا عند قبره قناديل معلقة، ولا ستور مسبلة، بل إنما تعلق القناديل في ~~المسجد المؤسس على التقوى، ولا يقدر أحد أن يخلق نفس قبره بزعفران أو غيره ~~من الخلوق، ولا ينذر له زيتا ولا شمعا ولا سترا، ولا غير ذلك مما ينذر لغير ~~قبره، وإن كان فعل شيء من ذلك في ظاهر الحجرة، أو كان في بعض الأحوال قد ~~ستر بعض الناس الحجرة، أو خلقها بعضهم بزعفران؛ فهذا إنما هو للحائط الذي ~~يلي المسجد، لا من باطن الحجرة والقبر، كما يفعل بقبر غيره. # فعلم أن الله سبحانه استجاب دعاءه حيث قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد» وإن كان كثير من الناس يريدون أن يجعلوه وثنا، ويعتقدون أن ذلك تعظيم ~~له، كما يريدون ذلك ويعتقدونه في قبر غيره، فهم لا يتمكنون من ذلك، بل هذا ~~القصد والاعتقاد خيال في أنفسهم لا حقيقة له في الخارج، بخلاف القبر الذي ~~جعله وثنا. ### | الأنبياء والأولياء الذين عبدوا من دون الله لا إثم عليهم، إنما الإثم على من عبدهم # وإن كان الميت وليا لله لا إثم عليه من فعل من أشرك به، كما لا إثم على ~~المسيح من فعل من أشرك به، كما قال تعالى: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن ~~أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته إلى قوله: عليهم وأنت على كل شيء ~~شهيد [المائدة: 116، 117]. وقال تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ~~[المائدة: 72] وقال تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ms117 أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل إلى قوله: نذقه عذابا كبيرا ~~[الفرقان: 17 - 19]. # PageV01P116 # فالمعبودون من دون الله سواء كانوا أولياء كالملائكة والأنبياء ~~والصالحين، أو كانوا أوثانا؛ قد تبرءوا ممن عبدهم وبينوا أنه ليس لهم أن ~~يوالوا من عبدهم ولا أن يواليهم من عبدهم، فالمسيح وغيره كانوا برآء من ~~المشرك بهم ومن إثمه، لكن المقصود بيان ما فضل الله به محمدا وأمته وأنعم ~~به عليهم من إقامته التوحيد لله؛ والدعوة إلى عبادته وحده، وإعلاء كلمته ~~ودينه، وإظهار ما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، وما صانه الله به وصان ~~قبره من أن يتخذ مسجدا. # فإن هذا من أقوى أسباب ضلال أهل الكتاب، ولهذا لعنهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك تحذيرا لأمته، وبين أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم ~~القيامة. # ولما كان أصحابه أعلم الناس بدينه وأطوعهم له؛ لم يظهر فيهم من البدع ما ~~ظهر فيمن بعدهم، لا في أمر القبور ولا غيرها، فلا يعرف من الصحابة من كان ~~يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيهم من له ذنوب، ~~لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه من تعمد الكذب على نبيهم، وكذلك البدع ~~الظاهرة المشهورة؛ مثل بدعة الخوارج، والروافض، والقدرية «1»، والمرجئة ~~«2»، لم يعرف PageV01P117 # عن أحد من الصحابة شيء من ذلك، بل النقول الثابتة عنهم تدل على موافقتهم ~~للكتاب والسنة. # وكذلك اجتماع رجال الغيب بهم أو الخضر أو غيره، وكذلك مجيء الأنبياء ~~إليهم في اليقظة، وحمل من يحمل منهم إلى عرفات، ونحو ذلك مما وقع فيه كثير ~~من العباد، وظنوا أنه كرامة من الله، وكان من إضلال الشياطين لهم ما لم ~~تطمع الشياطين أن توقع الصحابة في مثل هذا، فإنهم كانوا يعلمون أن هذا كله ~~من الشيطان، ورجال الغيب هم الجن، قال تعالى: وأنه كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا [الجن: 6]. # وكذلك الشرك بأهل القبور، لم يطمع الشيطان أن يوقعهم فيه، فلم يكن على ~~عهدهم في الإسلام قبر ms118 يسافر إليه ولا يقصد للدعاء عنده، أو لطلب بركة ~~شفاعته، وغير ذلك، بل أفضل الخلق محمد خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم وقبره ~~عندهم محجوب- لا يقصده أحد منهم لشيء من ذلك، وكذلك التابعون لهم بإحسان ~~ومن بعدهم من أئمة المسلمين. # وإنما تكلم العلماء والسلف في الدعاء للرسول عند قبره؛ منهم من نهى عن ~~الوقوف للدعاء له دون السلام عليه، ومنهم من رخص في هذا وهذا. وأما دعاؤه ~~هو وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته؛ فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين ~~الأربعة ولا غيرهم. بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك. # أما مالك رضي الله عنه فقد قال القاضي عياض: وقال مالك في «المبسوط»: لا ~~أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، لكن يسلم ويمضي. # وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره إسماعيل بن إسحاق في «المبسوط» قال: # وقال مالك: لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ~~ولكن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ~~ثم يمضي. وقال مالك رضي الله عنه ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه ~~كان يقول: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك ~~يا أبت- أو يا أبتاه-». ثم ينصرف، ولا يقف يدعو. # فرأى مالك ذلك من البدع. قال: وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر، لا إلى القبلة، ويدنو ~~ويسلم ولا يمس القبر بيده. # فقوله في هذه الرواية: «إذا سلم ودعا» قد يريد بالدعاء السلام؛ فإنه قال: ~~«يدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده» ويؤيد ذلك أنه قال في رواية ابن وهب: يقول ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقد يريد؛ أنه يدعو له بلفظ ~~الصلاة، كما ذكر في الموطأ من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر؛ أنه كان ~~يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى # PageV01P118 # أبي ms119 بكر وعمر. وفي رواية يحيى بن يحيى «1». وقد غلطه ابن عبد البر وغيره، ~~وقالوا: إنما لفظ الرواية ما ذكره ابن القاسم والقعنبي وغيرهما: يصلي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر. # قال أبو الوليد الباجي: وعندي أنه يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ ~~الصلاة، ولأبي بكر وعمر، لما في حديث ابن عمر من الخلاف. # قال القاضي عياض: وقال في «المبسوط»: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى ~~سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي ~~بكر وعمر. فإن كان أراد بالدعاء السلام أو الصلاة فهو موافق لتلك الرواية، ~~وإن كان أراد دعاء زائدا؛ فهي رواية أخرى، وبكل حال فإنما أراد الدعاء ~~اليسير. # وأما ابن حبيب فقال: ثم يقف بالقبر متواضعا موقرا فيصلي عليه ويثني بما ~~يحضر، ويسلم على أبي بكر وعمر. فلم يذكر إلا الثناء عليه مع الصلاة. # والإمام أحمد ذكر مع الثناء عليه بلفظ الشهادة له بذلك مع الدعاء له بغير ~~الصلاة مع دعاء الداعي لنفسه أيضا، ولم يذكر أن يطلب منه شيئا ولا يقرأ عند ~~القبر قوله تعالى: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر ~~لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما [النساء: 64] ولم يذكر ذلك مالك ~~والمتقدمون من أصحابه، ولا جمهورهم، بل قال في منسك المروذي: «ثم ائت ~~الروضة، وهي بين القبر والمنبر، فصل فيها وادع بما شئت، ثم ائت قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقل: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ~~السلام عليك يا محمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول ~~الله، وأشهد أنك بلغت رسالة ربك ونصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل الله بالحكمة ~~والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيا ~~عن أمته، ورفع درجتك العليا، وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة ~~والأولى كما تقبل من إبراهيم، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، ~~وأوردنا حوضه، ms120 واسقنا بكأسه مشربا رويا لا نظمأ بعدها أبدا». # وما من دعاء أو شهادة وثناء يذكر عند القبر إلا قد وردت السنة بذلك أو ما ~~هو أحق منه في سائر البقاع، لا يمكن أحد أن يأتي بذكر يشرع عند القبر دون ~~غيره، وهذا تحقيق لنهيه صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره أو بيته عيدا، فلا ~~يقصد تخصيصه بشيء من الدعاء للرسول فضلا عن الدعاء لغيره، بل يدعى بذلك ~~للرسول حيث كان الداعي، فإن ذلك PageV01P119 # يصل إليه صلى الله عليه وسلم تسليما، وهذا بخلاف ما شرع عند قبر غيره، ~~لقوله: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله ~~بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين». فإن هذا لا ~~يشرع إلا عند القبور، لا يشرع عند غيرها، وهذا مما يظهر الفرق بينه وبين ~~غيره، وأن ما شرعه وفعله أصحابه من المنع من زيارة قبره كما تزار القبور هو ~~من فضائله، وهو رحمة لأمته، ومن تمام نعمة الله عليها، فالسلف كلهم متفقون ~~على أن الزائر لا يسأله شيئا ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه ~~يوم القيامة؛ لا شفاعة ولا استغفارا ولا غير ذلك، وإنما كان نزاعهم في ~~الوقوف للدعاء له والسلام عليه عند الحجرة، فبعضهم رأى هذا من السلام ~~الداخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي ~~روحي حتى أرد عليه السلام» واستحبه لذلك، وبعضهم لم يستحبه؛ إما لعدم ~~دخوله، وإما لأن السلام المأمور به في القرآن مع الصلاة، وهو الصلاة ~~والسلام الذي لا يوجب الرد أفضل من السلام الموجب للرد، فإن هذا مما دل ~~عليه الكتاب والسنة واتفق عليه السلف، فإن السلام المأمور به في القرآن ~~كالصلاة المأمور بها في القرآن، كلاهما لا يوجب الرد، بل الله تعالى يصلي ~~على من صلى عليه، ويسلم على من سلم عليه، ولأن السلام الذي يوجب الرد هو حق ~~المسلم، كما قال تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ms121 ردوها ~~[النساء: 86]. ولهذا يرد السلام على من سلم وإن كان كافرا، فكان اليهود إذا ~~سلموا عليه يقول: «وعليكم، أو عليكم». وأمر أمته بذلك، وإنما قال صلى الله ~~عليه وسلم: «عليكم» لأنهم قد يقولون: السام عليك. والسام: الموت. فيقال: ~~عليكم، قال صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا» ~~ولما قالت عائشة رضي الله عنها: # وعليكم السام واللعنة؛ قال: «مهلا يا عائشة؛ فإن الله رفيق يحب الرفق في ~~الأمر كله، أو لم تسمعي ما قلت لهم- يعني رددت عليهم- فقلت: عليكم» «1». ~~فإذا قالوا: السام، قال: عليكم. وأما إذا علم أنهم قالوا السلام فلا يخصون ~~بالرد فيقال: عليكم، فيصير المعنى السلام عليكم لا علينا، بل يقال: وعليكم. ~~وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته لهم: # «وعليكم» فإنما هو جزاء دعائهم وهو دعاء بالسلامة، والسلام أمان فقد يكون ~~المستجاب هو سلامتهم منا أي من ظلمنا وعدواننا. # وكذلك كل من رد السلام على غيره فإنما دعا له بسلام، وهذا مجمل، ومن ~~الممتنع أن يكون كل من رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام من الخلق ~~دعا له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، فقد كان المنافقون يسلمون عليه ~~ويرد عليهم، ويرد على المسلمين أصحاب الذنوب وغيرهم، ولكن السلام فيه أمان. ~~فلهذا لا يبتدأ الكافر PageV01P120 # الحربي بالسلام «1»، بل لما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر قال ~~فيه: «من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى» كما ~~قال موسى لفرعون. والحديث في الصحيحين من رواية ابن عباس عن أبي سفيان بن ~~حرب في قصته المشهورة لما قرأ قيصر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن ~~أحواله «2». # وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ابتداء اليهود بالسلام، فمن العلماء من ~~حمل ذلك على العموم، ومنهم من رخص إذا كانت للمسلم إليه حاجة أن يبتدئه ~~بالسلام، بخلاف اللقاء، والكفار كاليهودي والنصراني يسلمون عليه وعلى أمته ~~سلام التحية الموجب للرد، وأما السلام المطلق فهو كالصلاة عليه إنما يصلي ~~عليه ms122 ويسلم عليه أمته، فاليهود والنصارى لا يصلون ويسلمون عليه، وكانوا إذا ~~رأوه يسلمون عليه، فذاك الذي يختص به المؤمنون ابتداء وجوابا أفضل من هذا ~~الذي يفعله الكفار معه ومع أمته ابتداء وجوابا، ولا يجوز أن يقال: إن ~~الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية فإن الله يسلم عليهم عشرا، فإنه يجيبهم ~~على ذلك فيوفيهم، كما لو كان له دين فقضاه. # وأما ما يختص بالمؤمنين فإذا صلوا عليه صلى الله على من صلى عليه عشرا ~~وإذا سلم عليه سلم الله عليه عشرا، وهذه الصلاة والسلام هو المشروع في كل ~~مكان بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى، لا ~~فرق في هذا بين الغرباء وأهل المدينة عند القبر، وأما السلام عند القبر فقد ~~عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا ~~المسجد وخرجوا منه، ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حيا لكانوا يفعلونه ~~كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو فيه، فإنه ~~مشروع لهم كلما رأوه أن يسلموا عليه، بل السنة لمن جاء إلى قوم أن يسلم ~~عليهم إذا قدم وإذا قام كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: «ليست ~~الأولى بأحق من الآخرة» «3». # فهو حين كان حيا كان أحدهم إذا أتى يسلم وإذا قام يسلم، ومثل هذا لا يشرع ~~عند القبر باتفاق المسلمين، وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة. ولو كان ~~سلام التحية خارج الحجرة مستحبا؛ لكان مستحبا لكل أحد، ولهذا كان أكثر ~~السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة، ولا بين حال السفر وغيره، فإن ~~استحباب هذا PageV01P121 # لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، ولا يمكن أحدا أن ~~ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع ~~للقبر، وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرير ذلك ~~كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولم يشرع ذلك لأهل المدينة. # فمثل هذه الشريعة ليس منقولا عن النبي صلى الله ms123 عليه وسلم ولا عن خلفائه، ~~ولا هو معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من ~~السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة، كما كان ابن عمر يتحرى ~~الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر في السفر، وجمهور الصحابة لم ~~يكونوا يصنعون ذلك، بل أبوه عمر كان ينهى عن مثل ذلك. # روى سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المعرور بن ~~سويد، عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في صلاة الفجر: ألم تر ~~كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [الفيل: 1]. ولإيلاف قريش [قريش: 1] في الثانية. ~~فلما رجع من حجه رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: ما هذا؟ فقالوا: # مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا ملة أهل الكتاب ~~قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن ~~لم تعرض له فليمض» «1». # وما اتفق عليه الصحابة ابن عمر وغيره من أنه لا يستحب لأهل المدينة ~~الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا، بل يكره ذلك، فتبين ضعف ~~حجة من احتج بقوله: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه ~~السلام». فإن هذا لو دل على استحباب السلام عليه من المسجد لما اتفق ~~الصحابة على ترك ذلك، ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره، فلما ~~اتفقوا على ترك ذلك مع تيسره علم أنه غير مستحب، بل لو كان جائزا لفعله ~~بعضهم، فدل على أنه كان عندهم من المنهي عنه، كما دلت عليه سائر الأحاديث. # وعلى هذا فالجواب عن الحديث؛ إما بتضعيفه على قول من يضعفه، وإما بأن ذلك ~~يوجب فضيلة الرسول بالرد لا فضيلة المسلم بالرد عليه، إذ كان هذا من باب ~~المكافأة والجزاء، حتى أنه يشرع للبر والفاجر، وإما بأن يقال: هذا إنما هو ~~فيمن سلم عليه من قريب، والقريب أن يكون في بيته، فإنه إن لم يحد بذلك لم ~~يبق له حد محدود ms124 من جهة الشرع، كما تقدم ذكر هذا. # وأما الوجه الثاني: فتوجيهه؛ أن الحديث ليس فيه ثناء على المسلم ولا مدح ~~PageV01P122 # له، ولا ترغيب له في ذلك، ولا ذكر أجر له، كما جاء في الصلاة والسلام ~~المأمور بهما، فإنه قد وعد أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، وكذلك ~~من سلم عليه، وأيضا فهما مأمور بهما، وكل مأمور به ففعله محمود مشكور ~~مأجور. # وأما قوله: «ما من رجل يمر بقبر الرجل فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه ~~حتى يرد عليه السلام، وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ~~عليه السلام». فإنما فيه مدح المسلم عليه، والإخبار بسماعه السلام، وأنه ~~يرد السلام، فيكافئ المسلم عليه لا يبقى للمسلم عليه فضل فإنه بالرد تحصل ~~المكافأة، كما قال تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ~~[النساء: 86] ولهذا كان الرد من باب العدل المأمور به الواجب لكل مسلم إذا ~~كان سلامه مشروعا، وهذا كقوله: «من سألنا أعطيناه ومن لم يسألنا أحب إلينا» ~~«1». هو إخبار بإعطائه السائل، ليس هذا أمرا بالسؤال، وإن كان السلام ليس ~~مثل السؤال، لكن هذا اللفظ إنما يدل على مدح الراد، وأما المسلم فيقف الأمر ~~فيه على الدليل. وإذا كان المشروع لأهل مدينته أن لا يقفوا عند الحجرة ~~ويسلموا عليه، علم قطعا أن الحديث لم يرغب في ذلك. PageV01P123 # ومما يبين ذلك أن مسجده كسائر المساجد لم يختص بجنس من العبادات لا يشرع ~~في غيره، وكذلك المسجد الأقصى، ولكن خصا بأن العبادة فيهما أفضل، بخلاف ~~المسجد الحرام، فإنه مخصوص بالطواف واستلام الركن وتقبيل الحجر وغير ذلك، ~~وأما المسجدان الآخران فما يشرع فيهما من صلاة وذكر واعتكاف، وتعلم وتعليم، ~~وثناء على الرسول، وصلاة عليه، وتسليم عليه، وغير ذلك من العبادات، فهو ~~مشروع في سائر المساجد، والعمل الذي يسمى زيارة لقبره لا يكون إلا في ~~مسجده، لا خارجا عن المسجد. فعلم أن المشروع من ذلك العمل مشروع في سائر ~~المساجد لا اختصاص لقبره بجنس من ms125 أجناس العبادات، ولكن العبادة في مسجده ~~أفضل منها في غيره، لأجل المسجد لا لأجل القبر. # ومما يوضح هذا؛ أنه لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره؛ ~~لا ترغيبا في ذلك، ولا غير ترغيب، فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة ~~عندهم، ولهذا كره من كره من العلماء إطلاق هذا الاسم، والذين أطلقوا هذا ~~الاسم من العلماء إنما أرادوا به إتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه ~~فيه، إما قريبا من الحجرة، وإما بعيدا عنها، إما مستقبلا للقبلة وإما ~~مستقبلا للحجرة. # وليس في أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم من احتج على ذلك بلفظ روي في ~~زيارة قبره، بل إنما يحتجون بفعل ابن عمر مثلا، وهو أنه كان يسلم، أو بما ~~روي عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي ~~روحي حتى أرد عليه السلام». # وذلك احتجاج بلفظ السلام لا بلفظ الزيارة. # وليس في شيء من مصنفات المسلمين التي يعتمدون عليها في الحديث والفقه أصل ~~عن الرسول ولا عن أصحابه في زيارة قبره. # أما أكثر مصنفات جمهور العلماء فليس فيها استحباب شيء من ذلك، بل يذكرون ~~المدينة وفضائلها وأنها حرم، ويذكرون مسجده وفضله وفضل الصلاة فيه والسفر ~~إليه وإلى المسجد الحرام، ونذر ذلك ونحو ذلك من المسائل، ولا يذكرون ~~استحباب زيارة قبره لا بهذا اللفظ ولا بغيره. فليس في الصحيحين وأمثالهما ~~شيء من ذلك، ولا في عامة السنن مثل: النسائي والترمذي وغيرهما، ولا في مسند ~~الشافعي وأحمد وإسحاق وأمثالهم من الأئمة. # وطائفة أخرى ذكروا ما يتعلق بالقبر لكن بغير لفظ زيارة قبره، كما روى ~~مالك في الموطأ عن ابن عمر أنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ~~أبي بكر وعمر. وكما قال أبو داود في «سننه»: باب ما جاء في زيارة القبر ~~وذكر قوله: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه ~~السلام». # PageV01P124 # ولهذا أكثر كتب الفقه المختصرة التي تحفظ ms126 ليس فيها استحباب زيارة قبره، ~~مع ما يذكرونه من أحكام المدينة، وإنما يذكر ذلك قليل منهم، والذين يذكرون ~~ذلك يفسرونه بإتيان المسجد كما تقدم. # ومعلوم أنه لو كان هذا من سنته المعروفة عند أمته المعمول بها من زمن ~~الصحابة والتابعين لكان ذكر ذلك مشهورا عند علماء الإسلام في كل زمان، كما ~~اشتهر ذكر الصلاة عليه والسلام عليه، كما اشتهر عندهم ذكر مسجده وفضل ~~الصلاة فيه، فلا يكاد يعرف مصنف للمسلمين في الحديث والفقه إلا وفيه ذكر ~~الصلاة والسلام عليه، وذكر فضل مدينته والصلاة في مسجده. # ولهذا لما احتاج المنازعون في هذه المسألة إلى ذكر سنة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وسنة خلفائه وما كان عليه أصحابه؛ لم يقدر أحد منهم على أن ~~يستدل في ذلك بحديث منقول عنه إلا وهو حديث ضعيف؛ بل موضوع مكتوب. وليس ~~معهم بذلك نقل عن الصحابة ولا عن أئمة المسلمين، فلا يقدر أحد أن ينقل عن ~~إمام من أئمة المسلمين أنه قال يستحب السفر إلى مجرد زيارة القبور، ولا ~~السفر إلى مجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا السفر لمجرد زيارة قبره ~~بدون الصلاة في مسجده، بل كثير من المصنفات ليس فيها إلا ذكر المسجد ~~والصلاة فيه، وهي الأمهات؛ كالصحيحين ومسانيد الأئمة، وغيرهما. # وفيها ما فيه ذكر السلام عند الحجرة، كما جاء عن ابن عمر، وكما فهموه من ~~قوله، ومنها ما يذكر فيه لفظ زيارة قبره والصلاة في مسجده، وفيها ما يطلق ~~فيه زيارة قبره ويفسر ذلك بإتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه. # وأما التصريح باستحباب السفر لمجرد زيارة قبره دون مسجده فهذا لم أره عن ~~أحد من أئمة المسلمين، ولا رأيت أحدا من علمائهم صرح به، وإنما غاية الذي ~~يدعي ذلك أنه يأخذه من لفظ مجمل قاله بعض المتأخرين. مع أن صاحب ذلك اللفظ ~~قد يكون صرح بأنه لا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة، أو أن السفر إلى غيرها ~~منهي عنه، فإذا جمع كلامه علم أن الذي استحبه ليس هو السفر لمجرد القبر بل ~~للمسجد. ms127 ولكن قد يقال: إن كلام بعضهم ظاهر في استحباب السفر لمجرد الزيارة. # فيقال: هذا الظهور إنما كان لما فهم المستمع من زيارة قبره ما يفهم من ~~زيارة سائر القبور. فمن قال: إنه يستحب زيارة قبره كما يستحب زيارة سائر ~~القبور، وأطلق هذا؛ كان ذلك متضمنا لاستحباب السفر لمجرد القبر، فإن الحجاج ~~وغيرهم لا يمكنهم زيارة قبره إلا بالسفر إليه، لكن قد علم أن الزيارة ~~المعهودة من القبور ممتنعة في قبره فليست من العمل المقدور ولا المأمور به، ~~فامتنع أن يكون أحد من العلماء # PageV01P125 # يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة، وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة ~~والسلام عليه والثناء عليه هناك، لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوه. # ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ومن تبعهم لم يسموا هذا زيارة ~~لقبره، وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه، ودعاء له وثناء عليه في ~~مسجده، سواء كان القبر هناك أو لم يكن. ثم كثير من المتأخرين لما رويت ~~أحاديث في زيارة قبره ظن أنها أو بعضها صحيح، فتركب من إجمال اللفظ ورواية ~~هذه الأحاديث الموضوعة غلط من غلط في استحباب السفر لمجرد زيارة القبر، ~~وإلا فليس هذا قولا منقولا عن إمام من أئمة المسلمين. وإن قدر أنه قاله بعض ~~العلماء كان هذا قولا ثالثا في هذه المسألة. # فإن الناس في السفر لمجرد زيارة القبور لهم قولان: النهي والإباحة. فإذا ~~كان قول من عالم مجتهد ممن يعتد به في الإجماع إن ذلك مستحب صارت الأقوال ~~ثلاثة، ثم ترجع إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ~~[النساء: 59]. # والمقصود؛ أن هذا كله يبين ضعف حجة المفرق بين الصادر من المدينة والوارد ~~عليها، والوارد على مسجده من الغرباء، والصادر عنه، وذلك أنه يمتنع أن ~~يقال: إنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين فيها، ms128 ~~فإن أولئك هم أفضل منه وخواصها؛ وهم الذين خاطبهم بهذا، فيمتنع أن يكون ~~المعنى: من سلم منكم يا أهل المدينة لم أرد عليه ما دمتم مقيمين بها! فإن ~~المقام بها هو غالب أوقاتهم، وليس في الحديث تخصيص، ولا روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يدل على ذلك. # يبين هذا؛ أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض ~~الأمور ويسلمون عليه، إنما كان يرد عليهم إذا سلموا. # إن قيل: إنه لم يكن يرد عليهم فهذا تعطيل للحديث. وإن قيل: كان يرد عليهم ~~من هناك ولا يرد إذا سلموا من خارج؛ فقد ظهر الفرق. # وإن قيل: بل هو يرد على الجميع؛ فحينئذ إن كان رده لا يقتضي استحباب هذا ~~السلام بطل الاستدلال به، وإن كان رده يقتضي الاستحباب وهو من سلم من خارج؛ ~~لزم أن يستحب لأهل المدينة السلام كلما دخلوا المسجد وخرجوا، وهو خلاف ما ~~أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان؛ وخلاف قول المفرقين. # ومن أهل المدينة من قد لا يسافر منها أو لا يسافر إلا للحج، والقادم قد ~~يقيم بالمدينة العشر والشهر، فهذا يرد عليه في اليوم والليلة عشر مرات ~~وأكثر، كلما دخل # PageV01P126 # وكلما خرج، وذاك المدني المقيم لا يرد عليه قط، أو لا يرد عليه في عمره ~~إلا مرة. # وأيضا فاستحباب هذا للوارد والصادر؛ تشبيه له بالطواف الذي يشرع للحاج ~~عند الورود إلى مكة، وهو الذي يسمى طواف القدوم وطواف التحية وطواف الورود، ~~وعند الصدور وهو الذي يسمى طواف الوداع. وهذا تشبيه لبيت المخلوق ببيت ~~الخالق، ولهذا لا يجوز الطواف بالحجرة بالإجماع، بل ولا الصلاة إليها؛ لما ~~ثبت عنه في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أنه قال صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» «1». # وأيضا فالطواف بالبيت يشرع لأهل مكة وغيرهم كلما دخلوا المسجد، والوقوف ~~عند القبر كلما دخل المدني لا يشرع بالاتفاق، فلم يبق الفرق بين المدني ~~وغير المدني له أصل في السنة، ولا نظير في الشريعة، ولا هو ms129 مما سنه الخلفاء ~~الراشدون، وعمل به عامة الصحابة؛ فلا يجوز أن يجعل هذا من شريعته وسنته، ~~وإذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم؛ كان غايته ~~أن يثبت به التسويغ، بحيث يكون هذا مانعا من دعوى الإجماع على خلافه، بل ~~يكون كسائر المسائل التي ساغ فيها الاجتهاد لبعض العلماء، أما أن يجعل من ~~سنة الرسول وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته، لكون بعض السلف فعل ذلك؛ ~~فهذا لا يجوز. # ونظير هذا مسحه للقبر. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله- يعني أحمد ~~بن حنبل-: قبر النبي صلى الله عليه وسلم يلمس ويتمسح به؟ # فقال: ما أعرف هذا. # قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم؛ قد جاء فيه. قال أبو عبد الله: ~~شيء يروونه عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن عمر أنه مسح على ~~المنبر. # قال: فيروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة. # قلت: ويروى عن يحيى بن سعيد- يعني الأنصاري- شيخ مالك وغيره أنه حيث أراد ~~الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا، فرأيته استحسن ذلك، ثم قال: ~~لعله عند الضرورة والمشي. # قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: ورأيت أهل ~~العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقومون ناحية فيسلمون. # فقال أبو عبد الله: نعم؛ وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: ~~بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم. PageV01P127 # وقد ذكر أحمد بن حنبل أيضا في منسك المروذي نظير ما نقل عن ابن عمر وابن ~~المسيب ويحيى بن سعيد، وهذا كله يدل على التسويغ، وأن هذا مما فعله بعض ~~الصحابة، فلا يقال: الفقد إجماعهم على تركه؛ بحيث يكون فعل من فعل ذلك ~~اقتداء ببعض السلف لم يبتدع هو شيئا من عنده، وأما أن يقال: إن الرسول ندب ~~إلى ذلك ورغب فيه، وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها؛ فهذا يحتاج إلى دليل ~~شرعي، لا يكفي في ذلك فعل بعض السلف. # ولا يجوز أن يقال: إن الله ورسوله يحب ذلك أو ms130 يكرهه، وإنه سن ذلك وشرعه، ~~أو نهى عن ذلك وكرهه، ونحو ذلك إلا بدليل يدل على ذلك، لا سيما إذا عرف أن ~~جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك؛ فيقال: لو كان هو ندبهم إلى ذلك وأحبه ~~لهم لفعلوه، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير. ونظائر هذا متعددة، والله ~~أعلم. # والمؤمن قد يتحرى الصلاة أو الدعاء في مكان دون مكان لاجتماع قلبه فيه ~~وحصول خشوعه فيه، لا لأنه يرى أن الشارع فضل ذلك المكان؛ كصلاة الذي يكون ~~في بيته ونحو ذلك. فمثل هذا إذا لم يكن منهيا عنه لا بأس به، ويكون ذلك ~~مستحبا في حق ذلك الشخص لكون عبادته فيه أفضل، كما إذا صلى القوم خلف إمام ~~يحبونه كانت صلاتهم أفضل من أن يصلوا خلف من هم له كارهون، وقد يكون العمل ~~المفضول في حق بعض الناس أفضل، لكونه أنفع له وكونه أرغب فيه، وهو أحب إليه ~~من عمل أفضل منه لكونه يعجز عنه أو لم يتيسر له، فهذا يختلف بحسب اختلاف ~~الأشخاص، وهو غير ما ثبت فضل جنسه بالشرع؛ كما ثبت أن الصلاة أفضل، ثم ~~القراءة، ثم الذكر بالأدلة الشرعية، مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل ~~من الفاضل في غير مكانه، كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر، ~~على الصلاة المنهي عنها في هذا الوقت، وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود ~~على القراءة لأنه نهى أن يقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، وكفضيلة الدعاء في ~~آخر الصلاة على القراءة هناك لأنه موطن الدعاء، ونظائره متعددة، وبسط هذا ~~له موضع آخر. # ولكن المقصود هنا أن يعلم أن ما قيل إنه مستحب للأمة قد ندبهم إليه ~~الرسول ورغبهم فيه، فلا بد له من دليل يدل على ذلك، ولا يضاف إلى الرسول ~~إلا ما صدر عنه، والرسول هو الذي فرض الله على جميع الخلق الإيمان به، ~~وطاعته، واتباعه، وإيجاب ما أوجبه، وتحريم ما حرمه، وشرع ما شرعه، وبه فرق ~~الله بين الهدى والضلال، والرشاد والغي، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، ~~وهو الذي شهد ms131 الله له بأنه يدعو إليه بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم، وأنه ~~على صراط مستقيم. وهو الذي جعل الرب طاعته طاعة له، في مثل قوله تعالى: من ~~يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: 80] وقوله تعالى: وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله [النساء: 64] # PageV01P128 # وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته، ولا يسأل الناس يوم ~~القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور، قال ~~تعالى: فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين [الأعراف: 6] وهو الذي ~~أخذ الله له الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق، أنه ~~إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه، وهو الذي فرق الله به بين أهل ~~الجنة وأهل النار؛ فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة، ومن كذبه وعصاه كان ~~من أهل النار، قال تعالى: ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله [النساء: 13، ~~14] الآية. والوعد بسعادة الدنيا والآخرة والوعيد بشقاء الدنيا والآخرة ~~معلق بطاعته، فطاعته هي الصراط المستقيم وهي حبل الله المتين، وهي العروة ~~الوثقى، وأصحابها هم أولياء الله المتقون وحزبه المفلحون وجنده الغالبون، ~~والمخالفون له هم أعداء الله حزب إبليس اللعين، قال تعالى: ويوم يعض الظالم ~~على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا [الفرقان: 27] إلى قوله: # خذولا [الفرقان: 29]. وقال تعالى: يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ~~ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ~~[الأحزاب: 66، 67] إلى قوله: لعنا كبيرا [الأحزاب: 68]. وقال تعالى: قل ~~أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين [آل عمران: 32]. ~~وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65]. وقال تعالى: فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور: 63]. # وقال تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين [النساء: 69] وجميع ms132 الرسل أخبروا أن ~~الله أمر بطاعتهم، كما قال تعالى: # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله [النساء: 64]، يأمرون بعبادة ~~الله وحده، وخشيته وحده، وتقواه وحده، ويأمرون بطاعتهم، كما قال تعالى: ومن ~~يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون [النور: 52] وقال نوح ~~عليه السلام: اعبدوا الله واتقوه وأطيعون [نوح: 3] وقال في سورة الشعراء: ~~فاتقوا الله وأطيعون [الشعراء: 126] وكذلك قال هود وصالح وشعيب ولوط. # والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته في كل مكان وزمان، ليلا ~~ونهارا، سفرا وحضرا، سرا وعلانية، جماعة وفرادى، وهم أحوج إلى ذلك من ~~الطعام والشراب بل من النفس، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذب ~~بالرسول، وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا ~~الأشقى الذي كذب وتولى [الليل: 14 - 16] أي: كذب به وتولى عن طاعته، كما ~~قال في موضع آخر: فلا # PageV01P129 # صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى [القيامة: 31 - 32] وقال تعالى: إنا أرسلنا ~~إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ~~فأخذناه أخذا وبيلا [المزمل: 15 - 16]. وقال تعالى: فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41]. # وقال تعالى: يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ~~[النساء: 42] والله تعالى قد سماه سراجا منيرا، وسمى الشمس سراجا وهاجا، ~~والناس إلى هذا السراج المنير أحوج منهم إلى السراج الوهاج، فإنهم محتاجون ~~إليه سرا وعلانية، ليلا ونهارا، بخلاف الوهاج، وهو أنفع لهم فإنه منير ليس ~~فيه أذى؛ بخلاف الوهاج فإنه ينفع تارة ويضر أخرى. # ولما كانت حاجة الناس إلى الرسول والإيمان به، وطاعته ومحبته، وموالاته ~~وتعظيمه، وتعزيره وتوقيره، عامة في كل زمان ومكان؛ كان ما يؤمر به من حقوق ~~عاما لا يختص بغيره، فمن خص قبره بشيء من الحقوق كان جاهلا بقدر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وقدر ما أمر الله به من حقوقه. # وكل من اشتغل بما أمر الله به من طاعته شغله ذلك عما نهى عنه من البدع ~~المتعلقة ms133 بقبره وقبر غيره، ومن اشتغل بالبدع المنهي عنها ترك ما أمر به ~~الرسول من حقه، فطاعته هي مناط السعادة والنجاة. # والذين يحجون إلى القبور ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول ~~وأشركوا بالرب، ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد والإيمان بالرسول، وهو ~~تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وجميع الخلق يأتون ~~يوم القيامة فيسألون عن هذين الأصلين: «ماذا كنتم تعبدون، وبماذا أجبتم ~~المرسلين؟» كما بسط هذا في موضعه. # والمقصود؛ أن الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ~~أجمعين يدخلون المسجد ويصلون فيه الصلوات الخمس، ويصلون على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويسلمون عليه عند دخول المسجد، ولم يكونوا يذهبون يقفون إلى جانب ~~الحجرة ويسلمون هناك، وكانت على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة ~~عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار. # ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد ~~موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتا جابر بن عبد ~~الله وهو توفي في خلافة عبد الملك قبل خلافة الوليد، فإنه توفي سنة بضع ~~وسبعين، والوليد تولى سنة بضع وثمانين، وتوفي سنة بضع وتسعين. فكان بناء ~~المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك «1». PageV01P130 # وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب «أخبار المدينة» مدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من أشياخه وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز ~~لما كان نائبا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هجرية هدم المسجد ~~وبناه بالحجارة المنقوشة المطابقة، وقصه وعمله بالفسيفساء «1» وبالمرمر، ~~وعمل سقفه بالساج «2» وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأدخلها في المسجد، وأدخل القبر فيه، ونقل لبن المسجد ولبن الحجرات ~~فبنى به داره في الحرة، فهو فيها اليوم بياض على اللبن. # وقال: حدثنا محمد بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن هارون بن كثير قال: ~~بنى عمر من حجارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مدماكين في أعلى ms134 مسجد بني ~~حرام الذي في الشعب. والمدماك الساف «3». # قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن جعفر بن ~~وردان، عن أبيه قال: لما استعمل الوليد عمر بن عبد العزيز أمره بالزيادة في ~~المسجد وبنيانه، فاشترى ما حواليه من الشرق والغرب والشام، فلما خلص إلى ~~القبلة قال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: لسنا نبيعه هو من ~~حق حفصة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسكنها. فقال عمر بن عبد ~~العزيز: ما أنا بتارككم أو أدخلها في المسجد. فلما كثر الكلام بينهما قال ~~له عمر: أجعل لكم في المسجد بابا تدخلون منه، وأعطيكم دار الرقيق مكان هذه ~~الطريق وما بقي من الدار فهو لكم، فقبلوا، فأخرج بابهم من المسجد، وهي ~~الخوخة التي في المسجد تخرج من دار حفصة بنت عمر، وأعطاهم دار الرقيق وقدم ~~الجدار في موضعه اليوم، وزاد من الشرق ما بين الأسطوانة المربعة إلى جدار ~~المسجد اليوم، وهو عشرة أساطين من مربعة القبر إلى الرحبة إلى الشام ومده ~~من الغرب أسطوانتين، وأدخل فيه حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف الثلاث التي يقال لهن القرائن، قال: فلما ~~قدم الوليد حاجا جعل يطوف في المسجد وينظر إليه ويقول: هاهنا، ومعه أبان بن ~~عثمان فلما استنفد الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان بن عثمان فقال: ~~أين بناؤنا من بنائكم. فقال أبان: إنا بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء ~~الكنائس، قال: ومكث عمر في بنائه ثلاث سنين. قال أبو زيد: قال أبو غسان: # وسمعناه يحدث أن الوليد قال لعمر: ما منعك أن تجعل جدار المسجد على بناء ~~جدار PageV01P131 # القبلة وأن تجعل سقفه على عمد السقيفة التي على المنبر؟ فقال: وهل تدري ~~كم أنفقت على جدار القبلة وهاتين السقيفتين؟ قال: كم أنفقت؟ قال: خمسة ~~وأربعين ألف درهم، وقال بعضهم: أربعة آلاف دينار، فقال: والله لكأنك ~~أنفقتها من مالك، قال أبو غسان: # وقد جاءنا أن القبلة على ms135 بناء عثمان، ولم يزد فيها أحد. وجاء هذا الحديث، ~~فالله أعلم أي ذلك الحق. غير أن الأقوى عندنا أنها على بناء عثمان، قال: ~~وقد سمعنا أن الذي كلم به عمر بن عبد العزيز آل عمر منزل حفصة من الحجرات، ~~وإنما أعطاهم عمر الخوخة لما أعطوه من ذلك المنزل. وسمعنا من يقول إنما ~~أعطوه مربدا «1» كان لحفصة فأدخله في المسجد، وأن ذلك المربد كان وراء ~~منزلها من الحجرات في الزاوية التي عند القبر من ناحية المنارة، فأعطوه ذلك ~~المربد وفتح لهم الخوخة. # قلت: قول من قال إن القبلة على بناء عثمان لم يزد فيها أحد صحيح، وما ذكر ~~من فعل عمر بن عبد العزيز صحيح أيضا، فإن عمر إنما بنى جدار القبلة على ~~موضع جدار عثمان، لكنه زاد من المشرق الزيادة التي قدام حجرة عائشة وهو ~~منزل حفصة، فكانت زيادته لما زاد من الشرق أيضا في الجدار القبلي بقدر تلك ~~الزيادة، والجدار القبلي بالغ في تزويقه أكثر من الجدر الثلاثة. فقال له ~~الوليد: ألا جعلت الجدر كلها مثله وجعلت سقفه مثل السقيفة التي على القبر، ~~فذكر عمر أن ذلك كان يذهب فيه مال كثير. # قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن عمار، ~~عن جده قال: لما صار عمر إلى جدار القبلة دعا مشيخة من أهل المدينة من قريش ~~والأنصار والعرب والموالي فقال: تعالوا احضروا بنيان قبلتكم، لا تقولوا عمر ~~غير قبلتنا، فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع مكانه حجرا، فكانت زيادة الوليد من ~~المشرق إلى المغرب ست أساطين وزاد إلى الشام من الأسطوانة المربعة التي في ~~القبر أربع عشرة أسطوانة منها عشر في الرحبة وأربع في السقايف الأول التي ~~كانت قبل، وزاد من الأسطوانة التي دون المربعة إلى الشرق أربع أساطين، فدخل ~~بيت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد. فهذا قد بين أن الجدار الذي بناه ~~عمر هو موضع الجدار الذي بناه عثمان وهو الجدار اليوم، وأن الزيادة من ~~الشرق أربع أساطين، فدخلت ms136 حجرة عائشة وما قدامها وهو حجرة حفصة، وهناك زاد ~~الجدار القبلي أيضا. # قال أبو زيد قال أبو غسان: وحدثني عدة من مشايخ البلد أن عمر لما جاءه ~~كتاب الوليد بهدم المسجد أرسل إلى عدة من آل عمر فقال: إن أمير المؤمنين قد ~~كتب إلي أن أبتاع بيت حفصة، وكان عن يمين الخوخة قريبا من منزل عائشة الذي ~~فيه PageV01P132 # القبر، وكانتا يتهاديان الكلام وهما في منزليهما من قرب ما بينهما، فلما ~~دعاهم إلى ذلك قالوا: ما نبيعه شيئا، قال: إذن أدخله في المسجد، قالوا: أنت ~~وذاك فأما طريقها فلا تقطعها، فهدم البيت وأعطاهم الطريق ووسعها لهم حتى ~~انتهى بها إلى الأسطوانة، وكانت قبل ذلك ضيقة بقدر ما يمر الرجل منحرفا. ~~قال أبو غسان: ثم سام عمر بني عبد الرحمن بن عوف بدارهم فأبوا، فهدمها ~~عليهم وأدخلها في المسجد. وقال عبد الرحمن بن حميد: فذهب لنا متاع كثير من ~~هدمهم. قال: وأدخل حجرات النبي صلى الله عليه وسلم مما يلي الشرق ومن ~~الشام. وقال أبو غسان: أخبرني عبد العزيز بن عمران عن عبد الرحمن بن عبد ~~العزيز الأنصاري عن شيخ من مواليهم أدرك عثمان بن حنيف قال: لما انصرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر وزاد في مسجده البنية الثانية ضرب ~~الحجرات ما بين القبلة إلى الشام، ولم يضربها غربيه وكانت خارجة من المسجد ~~مديرة به إلا من الغرب، وكانت لها أبواب في المسجد. # قال أبو زيد: حدثنا القعنبي وأبو غسان، عن مالك قال: كان الناس يدخلون ~~حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يصلون فيها يوم الجمعة بعد وفاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وكان المسجد يضيق بأهله، ولم تكن في المسجد، وكانت ~~أبوابها في المسجد، قال أبو غسان: # أخبرني مخبر من آل عمران؛ أن حجرة حفصة كانت ما بين الخوخة التي يقال لها ~~اليوم خوخة آل عمر، إلى بيت عائشة وهو القبر، وإن موضع سرير النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي كان يضطجع عليه في بيت حفصة ما بين ms137 الأسطوانة الثانية من ~~الأسطوانات التي تلي الخوخة الشرقية إلى الأسطوانة التي تليها، وإن سائر ~~الحجرات كانت تواليه بعد بيت عائشة، فأتموا بها إلى القبلة وآخرها قباله ~~وكانت من جريد عليها شعر، وكانت البيوت من مدر «1». قال أبو غسان: أخبرني ~~ابن أبي فديك سألت محمد بن هلال عن باب بيت عائشة أين كان؟ قال: مما يلي ~~الشام، قلت: أكان مصراعين أم فردا؟ قال: كان فردا. قلت: مم كان؟ قال: كان ~~من عرعر أو ساج «2». قلت: سائر الروايات فيها أن أبوابها مستورة بالمسوح. # قال أبو زيد: حدثني هارون بن معروف حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن عثمان، عن ~~عطاء، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: وددت لو تركوا لنا مسجد نبينا على ~~حاله وبيوت أزواجه رضي الله عنهن ومنبره ليقدم القادم فيعتبر. قال ابن ~~عطاء: عن أبيه وكانت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الرجل فيمس ~~سقف البيت والحجرات سقف عليها المسوح. PageV01P133 # قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عبد الله بن زيد ~~الهذلي، قال: رأيت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين هدمها عمر بن ~~عبد العزيز كانت باللبن ولها حجر من جريد مطرود بالطين، عددت تسعة أبيات ~~بحجراتها وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى منزل أسماء بنت الحسن اليوم. # ورأيت بيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وحجرتها من لبن، فسألت ~~ابن ابنها فقال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة دومة الجندل، ~~بنت حجرتها بلبن، فلما نظر إلى اللبن فدخل عليها أول نسائه فقال: «ما هذا ~~البناء؟» فقالت: أردت أن أكف أبصار الناس، فقال: # «يا أم سلمة؛ إن شر ما ذهبت فيه أموال الناس البناء». قال الواقدي: فحدثت ~~بهذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري فقال: سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه ~~عمران بن أبي أنس، يقول وهو بين القبر والمنبر: أدركت حجرات أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم من ms138 جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب ~~الوليد يقرأ، فأمر بإدخالها في المسجد، فما رأيت يوما كان أكثر من ذلك ~~اليوم باكيا. فسمعت سعيد بن المسيب يقول: «والله لوددت أنهم تركوها على ~~حالها ينشأ ناس من المدينة ويقدم قادم من الأفق فيرى ما أكرم به النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر». ~~قال: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمران بن أبي أنس: كان فيها ~~أربعة أبيات بلبن له حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر ~~لها على أبوابها مسوح الشعر ذرعت الستر، فوجدته ثلاث أذرع في ذراع وعظم ~~الذراع. فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيتني وأنا في المسجد فيه نفر ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو ~~أمامة بن سهل بن حنيف، وخارجة بن زيد، وإنهم يبكون حتى أخضل الدمع لحاهم، ~~وقال يومئذ أبو أمامة: # «ليتها تركت حتى يقصر الناس عن البناء ويرى الناس ما رضي الله لنبيه ~~وخزائن الدنيا بيده». # قلت: قوله في هذه الرواية: إن فيهم نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن كان هذا محفوظا فمراده من كان صغيرا في عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ومثل محمود بن الربيع، ومثل ~~السائب بن يزيد، وعبد الله بن أبي طلحة، فأما من كان مميزا على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلم يكن بقي منهم أحد، لكن في سهل بن سعد خلاف قيل توفي ~~سنة ثمان وثمانين فيكون قد مات قبل ذلك أو سنة إحدى وتسعين. ولفظ الحجرة في ~~هذه الآثار لا يراد به جملة المبيت، كما في قوله تعالى: # إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون [الحجرات: 4] بل يراد ~~ما يتخذ حجرة للبيت عند بابه، مثل الحرم للبيت، وكانت هذه من جريد النخل ~~بخلاف الحجر التي هي المساكن فإنها كانت ms139 من اللبن؛ وأم سلمة جعلت حجرتها من ~~لبن كما يروى أن بعضهن كانت له حجرة وبعضهن لم يكن له حجرة والأبواب مستورة ~~بستور الشعر، # PageV01P134 # وكان بيت علي الذي يسكن فيه هو وفاطمة خلف حجرة عائشة رضي الله عنها، لم ~~يزل حتى أدخله الوليد في المسجد. # ومما يوضح مسمى الحجرة التي قدام البيت ما في سنن أبي داود وغيره عن ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من ~~صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» «1». فبين ~~أنه كلما كان المكان أستر لها فصلاتها فيه أفضل، فالخدع أستر من البيت الذي ~~يقعد فيه، والبيت أستر من الحجرة التي هي أقرب إلى الباب والطريق. # قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى حدثني عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله ~~بن أبي عائشة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال: زاد عثمان بن ~~عفان في المسجد قبل أن يقتل بأربع سنين، فزاد قبة من ناحية القبلة موضع ~~جداره على جدار المقصورة اليوم، وزاد فيه من المغرب أسطوانة بعد المربعة، ~~وزاد فيه من الشام خمسين ذراعا ولم يزد فيه من الشرق شيئا. # قال أبو غسان: وأخبرني غير واحد من ثقات أهل البلد أن عثمان زاد في ~~القبلة إلى موضع القبلة اليوم ثم لم يغير ذلك إلى اليوم. # قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أشياخه أن ~~عثمان أدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب مما يلي القبلة والشام والغرب، ~~وأدخل بعض بيوت حفصة بنت عمر مما يلي القبلة، فأقام المسجد على تلك الحال ~~حتى زاد فيه الوليد بن عبد الملك. # وحدثنا محمد بن يحيى، عن رجل، عن ابن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد قال: ~~قدم عثمان المسجد وزاد في قبليه ولم يزد في شرقيه وزاد في غربيه قدر ~~أسطوانة وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة «2» وبيضه بالقصة، وقدر زيد بن ~~ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل ms140 وجعل فيه طيقانا مما يلي الشرق والغرب، ~~وذلك قبل أن يقتل عثمان بأربع سنين، فزاد فيه إلى الشام خمسين ذراعا. # قلت: حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم يبنهن كلهن مع بناء المسجد ~~أولا، فإنه لم يكن حينئذ متزوجا بتسع بل بنى بعائشة وكان قد تزوجها بمكة، ~~وكذلك سودة ثم بحفصة، فلهذا كانت حجرهن لاصقة بالمسجد، وآخر من تزوجها صفية ~~بنت حيي لما فتح خيبر سنة تسع من الهجرة وحينئذ اتخذ لها بيتا، وكان بيتها ~~أبعد من المسجد من PageV01P135 # غيره، كما في الصحيحين عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي أم المؤمنين ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ~~ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني «1» - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد-، ~~فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما؛ إنها صفية بنت حيي» فقالا: # سبحان الله يا رسول الله. فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ~~وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا، أو شيئا» «2». # ففي هذا الحديث أن مسكنها كان في دار أسامة بن زيد وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قام معها ليقلبها إلى مسكنها، وأنه مر به رجلان من الأنصار، ولو ~~كان منزلها متصلا بالمسجد لم يحتج إلى شيء من ذلك، فإن المسجد لم يكن فيه ~~ما يخافه، ولكن خرج معها من المسجد ليوصلها إلى مسكنها، والرجلان مرا به في ~~الطريق لم يكن مرورهما في المسجد، فإن المسجد لم يكن طريقا بالليل، ولو ~~رأياه في المسجد لم يحتج أن يقول ما قال، بل رأياه ومعه امرأة خارجا من ~~المسجد، فقال ما قال لئلا يقذف الشيطان في قلوبهما شيئا من الظن السيئ ~~فيهلكا بذلك. # وأما ما ذكروه من أن عثمان زاد في المسجد من جهة الشام مع أنه لم يأخذ ~~شيئا من جهة الحجر فعلم أن من الحجر ما لم يكن ملتصقا بالمسجد، فإن الناس ms141 ~~بنوا دورهم متصلة بالمسجد قبل أن يتزوج جويرية وصفية وغيرهما، ولم يكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليزاحم أحدا في داره، فكان يتخذ الحجرة شامي ~~المسجد وإن لم تكن متصلة به، ولهذا ذكروا أن عثمان زاد من جهة الشام خمسين ~~ذراعا ولم يأخذ شيئا من الحجر، بل الوليد زاد على ذلك بأخذ الحجر، فكانت ~~الحجر كما ذكروا من ناحية الشرق مع الاتصال، وحجرة حفصة شرقية وقبلية، فإن ~~حجرة عائشة هي التي كانت مسامتة لم تتقدم المسجد، وأما حجرة حفصة فكانت ~~فاضلة عن المسجد من مقدمه، ولهذا زادوها مع الزيادة في المسجد، وكذلك الحجر ~~التي كانت في الشام كانت شرقية وشامية، لكن الشامي لم يكن ملتصقا بالمسجد ~~فلهذا قال من قال؛ كانت الحجرة من قبليه وشرقيه ولم يذكر الشام، وذكر آخرون ~~أن منها ما كان من الشام ولا منافاة بين القولين، فإن صاحب القول الأول ~~أراد ما يتصل بالمسجد، وما كان شام المسجد بقليل كان شرقية أيضا فكانت هذه ~~شرقية شامية، ومن قال شامية فمعناه أنها من جهة شام الشرق وإن لم تكن متصلة ~~بالمسجد، فكثير من الروايات من هذا الباب قد ظن بها تناقضا فإن كانت ~~متناقضة فما ناقض الصحيح فهو باطل، وإن كان المعنى متفقا فلا تناقض، وقد ~~جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد تضعف فيه PageV01P136 # الصلاة بألف صلاة كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد فيجوز ~~الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجا منه، ولهذا اتفق ~~الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، ~~وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في ~~غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده ~~إلى غير مسجده ويأمرون بذلك. # قال أبو زيد: حدثني محمد بن يحيى حدثني من أثق به أن عمر زاد في المسجد ~~من القبلة إلى موضع المقصورة التي هي به اليوم، قال: فأما الذي لا ms142 يشك فيه ~~أهل بلدنا أن عثمان رضي الله عنه هو الذي وضع القبلة في موضعها اليوم، ثم ~~لم تغير بعد ذلك. # قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن عثمان، عن مصعب بن ثابت، عن ~~خباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما وهو في مصلاه: «لو زدنا في ~~مسجدنا» وأشار بيده نحو القبلة، فلما ولي عمر قال: إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لو زدنا في مسجدنا» وأشار بيده نحو القبلة فأدخلوا رجلا مصلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأجلسوه، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى إذا رأوا ~~ذلك نحو ما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يده، ثم مدوا مقاطا «1» ~~فوضعوا طرفه بيد الرجل، ثم مدوا فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا ذلك ~~شبيها بما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزيادة فقدم عمر القبلة، ~~فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة «2». # وقال: حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب قال: # قال عمر لو مد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة لكان منه. # حدثنا محمد بن يحيى، عن سعد بن سعيد، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان ~~مسجدي» فكان أبو هريرة يقول: «والله لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت ~~أن أصلي فيه» «3». # حدثنا محمد حدثني عبد العزيز، عن عمران، عن فليح بن سليمان، عن ابن أبي ~~عمرة قال: زاد عمر في المسجد في شامية، ثم قال: «لو زدنا فيه حتى بلغ ~~الجبانة كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه الله بعامر». # وهذا الذي جاءت به الآثار، وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين ~~وعملهم فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل. PageV01P137 # وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر ~~وعثمان رضي الله عنهما، ms143 فإن كلاهما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في ~~الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه ~~بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل ~~منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، ~~وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا. لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن ~~الزيادة ليست من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفا من العلماء. وقد ذكروا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم زاد فيه لما قدم من خيبر، قال أبو غسان: حدثني ~~غير واحد ولا اثنين ممن يوثق به من أهل العلم من أهل البلد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ترك المسجد من القبلة في تلك البنية على حده الأول ~~فأخذت الأساطين من الشرق إلى الأسطوانة التي دون المربعة التي عند القبر ~~التي لها نجاف طالع «1»، وأثبت من الشام لم يزد فيه شيء ومن الغرب إلى ~~الأسطوانة التي دون المربعة الغربية. ومن بيان ذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يعتكف في موضع مجلس آل عبد الرحمن بن هشام، وأن عائشة رضي الله ~~عنها كانت ترجل رأسه وهو في بيتها وهو معتكف في المسجد. وهذه الأمور نبهنا ~~عليها هاهنا، فإنه يحتاج إلى معرفتها، وأكثر الناس لا يعرفون الأمر كيف كان ~~ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك، وكان من المقصود أن المسجد لما زاد ~~فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة كان قد مات عامة الصحابة ولم يبق إلا من أدرك ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ سن التمييز الذي يؤمر فيه بالطهارة ~~والصلاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم ~~عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» «2». # ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان بعد ~~بضع وثمانين. وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين وأن عمر بن عبد العزيز ~~مكث في بنائه ثلاث سنين. وسنة ms144 ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير من التابعين ~~مثل سعيد بن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة «3»، ويقال لها سنة الفقهاء. ~~وجابر بن PageV01P138 # عبد الله كان من السابقين الأولين ممن بايع بالعقبة وتحت الشجرة، ولم يكن ~~بقي من هؤلاء غيره لما مات وذلك قبل تغيير المسجد بسنتين، ولم يبق بعده ممن ~~كان بالغا حين موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا سهل بن سعد الساعدي فإنه ~~توفي سنة ثمان وثمانين، وقيل سنة إحدى وتسعين. ولهذا قيل فيه إنه آخر من ~~مات بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله أبو حاتم البستي ~~وغيره. وأما من مات بعد ذلك فكانوا صغارا، مثل السائب بن يزيد الكندي ابن ~~أخت عمر، فإنه مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقيل: إنه مات بعده عبد الله ~~بن أبي طلحة الذي حنكه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك محمود بن الربيع ~~الذي عقل مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه من بئر كان في ~~دارهم وله خمس سنين، مات سنة تسع وستين. ومحمود بن الربيع مات سنة ثلاث ~~وتسعين. وأبو أمامة بن سهل بن حنيف سماه النبي صلى الله عليه وسلم أسعد ~~باسم أسعد بن زرارة مات سنة مائة، لكن هؤلاء لم يكن لهم في حياته صلى الله ~~عليه وسلم من التمييز ما ينقلون عنه أقواله وأفعاله التي ينقلها الصحابة؛ ~~مثل ما ينقلها جابر وسهل بن سعد وغيرهما. وأما ابن عمر فكان قد مات قبل ذلك ~~عام قتل ابن الزبير بمكة سنة ثنتين وسبعين، وابن عباس مات قبل ذلك بالطائف ~~سنة بضع وستين، فهؤلاء وأمثالهم من الصحابة لم يدرك أحد منهم تغيير المسجد ~~وإدخال الحجر فيه، وأنس بن مالك كان بالبصرة لم يكن بالمدينة، وقد قيل: إنه ~~آخر من مات بها من الصحابة، وكانت حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم شرقي ~~المسجد وقبليه، وقيل وشامية فاشتريت من ملاكها ورثة أزواجه صلى الله عليه ~~وسلم، وزيدت في المسجد فدخلت حجرة عائشة. وكان الذي ms145 تولى ذلك عمر بن عبد ~~العزيز نائب الوليد على المدينة، فسد باب الحجرة وبنى حائطا آخر عليها غير ~~الحائط القديم، فصار المسلم عليه من وراء جدار أبعد من المسلم عليه لما كان ~~جدارا واحدا. # قال هؤلاء: ولو كان سلام التحية الذي يرده على صاحبه مشروعا في المسجد ~~كان له حد ذراع أو ذراعين أو ثلاثة، فلا يعرف الفرق بين المكان الذي يستحب ~~فيه هذا السلام، والمكان الذي لا يستحب. # فإن قيل: من سلم عليه عند الحائط الغربي رد عليه. قيل: وكذلك من كان خارج ~~المسجد، وإلا فما الفرق؟ وحينئذ فيلزم أن يرد على جميع أهل الأرض، وعلى كل ~~مصل في كل صلاة كما ظنه بعض الغالطين، ومعلوم بطلان ذلك. # وإن قيل: يختص بقدر بين المسلم وبين الحجرة. # قيل: فما حد ذلك؟ وهم لهم قولان: منهم من يستحب القرب من الحجرة، ~~PageV01P139 # كما استحب ذلك مالك وغيره، ولكن يقال فما حد ذلك القرب؟ وإذا جعل له حد ~~فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب؟ وآخرون من المتأخرين يستحبون التباعد ~~عن الحجرة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي رضي الله ~~عنهم، فهل هو بذراع أو باع أو أكثر؟ وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة ~~بأربع أذرع، فإنهم قالوا: يكون حين يسلم عليه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة ~~عن يساره ولا يدنو أكثر من ذلك. وهذا والله أعلم قاله المتقدمون لأن ~~المقصود به السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه ليس المقصود سلام ~~التحية الذي يرد جوابه المسلم عليه، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد، ولا ~~يستقبل به القبلة، ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد، وبالجملة فمن قال إنه ~~يسلم سلام التحية الذي يقصد به الرد فلا بد له من أن يحد مكان ذلك، يقال: ~~إلى أين يسمع ويرد السلام؟ فإن حد في ذلك ذراعا أو ذراعين أو عشر أذرع أو ~~قال: إن ذلك في المسجد كله أو خارج المسجد فلا بد له من دليل، والأحاديث ~~الثابتة منه ms146 فيها: «أن الملائكة يبلغونه صلاة من يصلي عليه، وسلام من يسلم ~~عليه» ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه صلى الله عليه وسلم ذلك، فمن زعم أنه ~~يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان فلا بد له من حد. ومعلوم أنه ~~ليس في ذلك حد شرعي ولا أحد يحد في ذلك حدا إلا عورض بمن يزيده أو ينقصه ~~ولا فرق. # وأيضا فذلك يختلف بارتفاع الأصوات وانخفاضها، والسنة في السلام عليه خفض ~~الصوت، ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك، بخلاف ~~المسلم من الحجرة فإنه فرق ظاهر بينه وبين المسلم عليه من المسجد ثم السنة ~~لمن دخل مسجده أن يخفض صوته، فإن المسلم عليه إن رفع الصوت أساء الأدب برفع ~~الصوت في المسجد، وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة، وهذا بخلاف ~~السلام الذي أمر الله به ورسوله الذي يسلم الله على صاحبه كما يصلي على من ~~يصلي عليه، فإن هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر. # وبالجملة فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء، وعلى كل تقدير فلم يكن ~~عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب ~~زيارة قبره يحتجون به، فعلم أن هذه الأحاديث ليست مما يعرفه أهل العلم. ~~ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذاب وإما ضعيف سيئ الحفظ ونحو ذلك، كما ~~قد بين في غير هذا الموضع، وهذا الحديث الذي فيه: «ما من رجل يسلم علي إلا ~~رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» قد احتج به أحمد وغيره من العلماء، ~~وقيل: هو على شرط مسلم، ليس على شرط البخاري، وهو معروف من حديث حياة بن ~~شريح المصري؛ الرجل الصالح الثقة عن أبي صخر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، ~~عن أبي هريرة. وقد أخرج مسلم حديثا بهذا الإسناد وأبو صخر هذا متوسط. ولهذا # PageV01P140 # اختلف فيه عن يحيى بن معين، فمرة قال: هو ضعيف، ووافقه النسائي، ومرة ~~قال: # لا بأس به، ووافقه ms147 أحمد. # فلو قدر أن هذا الحديث مخالف لما هو أصح منه وجب تقديم ذاك عليه، ولكن ~~السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث. # ولو أريد إثبات سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الحديث لكان ~~هذا مختلفا فيه، فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه. # ومسلم روى بهذا الإسناد قوله صلى الله عليه وسلم: «من خرج مع جنازة من ~~بيتها وصلى عليها ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل ~~أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد» «1». وهذا الحديث قد ~~رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما من ~~غير هذا الطريق. ومسلم قد يروي عن الرجل في المتابعات ما لا يرويه فيما ~~انفرد به، وهذا معروف منه في عدة رجال، يفرق بين من يروي عنه ما هو معروف ~~من رواية غيره، وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به، ولهذا كان كثير من أهل ~~العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك هو على شرط مسلم أو البخاري كما بسط ~~هذا في موضعه. # الوجه الثامن: أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يخف على الصحابة ~~والتابعين بالمدينة ولو كان ذلك معروفا عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة- ~~مالك وغيره- أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كرهوا ~~هذا القول دل على أنه ليس عندهم فيه أثر، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا عن الصحابة رضي الله عنهم. # الوجه التاسع: أن الذين كرهوا هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء ~~متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم إنما هو سفر إلى ~~مسجده، ولو لم يقصد إلا السفر للقبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد، لكن ~~قد يختلف الحكم بنيته كما تقدم. # وأما زيارة قبره كما هو معروف في زيارة القبور فهذا ممتنع غير مقدور ولا ~~مشروع، وبهذا يظهر أن ms148 قول الذين كرهوا أن يسمي هذا زيارة لقبره صلى الله ~~عليه وسلم قولهم أولى بالصواب، فإن هذا ليس زيارة لقبره ولا فيه ما يختص ~~بالقبر، بل كل ما يفعل فإنما هو عبادة تفعل في المساجد كلها، وفي غير ~~المساجد أيضا. ومعلوم أن زيارة القبر لها اختصاص بالقبر، ولما كانت زيارة ~~قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده، وعبادة في مسجده، ليس فيها ما يختص ~~بالقبر؛ كان قول من كره أن يسمي هذا زيارة لقبره أولى بالشرع والعقل ~~واللغة، ولم يبق إلا السفر إلى مسجده، وهذا مشروع بالنص PageV01P141 # والإجماع. والذين قالوا: تستحب زيارة قبره إنما أرادوا هذا. فليس بين ~~العلماء خلاف بالمعنى بل في التسمية والإطلاق، والمجيب لم يحك نزاعا في ~~استحباب هذه الزيارة الشرعية التي تكون في مسجده، وبعضهم يسميها زيارة ~~لقبره، وبعضهم يكره أن تسمى زيارة لقبره، وإذا كان المجيب يستحب ما يستحب ~~بالنص والإجماع وقد ذكر ما فيه النزاع، كان الحاكي عنه خلاف ذلك كاذبا ~~مفتريا يستحق ما يستحقه أمثاله من المفترين. # PageV01P142 ### | فصل [حديث «من صلى علي عند قبري سمعته»] # قال المعترض: «وتضافرت النقول عن الصحابة والتابعين وعن السادة العلماء ~~المجتهدين، بالحض إلى ذلك والندب إليه، والغبطة لمن سارع لذلك وداوم عليه، ~~حتى نحا بعضهم في ذلك إلى الوجوب، ورفعه عن درجة المباح والمندوب، ولم يزل ~~الناس مطبقين على ذلك عملا وقولا، لا يشكون في ندبه ولا يبغون عنه حولا، ~~وفي مسند ابن أبي شيبة: «من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا ~~سمعته». # هكذا في النسخة التي أحضرت إلي مكتوبة عن المعترض، وقد صحح على قوله: ~~سمعته، وهو غلط فإن لفظ الحديث: «من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي ~~نائيا بلغته». هكذا ذكره الناس وهكذا ذكره القاضي عياض عن ابن أبي شيبة، ~~وهذا المعترض عمدته في مثل هذا الكتاب القاضي عياض. وهذا الحديث قد رواه ~~البيهقي وغيره من حديث العلاء بن عمرو الحنفي، حدثنا أبو عبد الرحمن، عن ~~الأعمش، عن أبي صالح، عن ms149 أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته» «1». قال البيهقي: أبو ~~عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه نظر وقد مضى ما ~~يؤكده. قلت: هو تبليغ صلاة أمته وسلامهم عليه كما في الأحاديث المعروفة مثل ~~الحديث الذي في سنن أبي داود وغيره عن حسين الجعفي. # حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن ~~[أبي] أوس الثقفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل أيامكم يوم ~~الجمعة فيه PageV01P143 # خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، ~~فإن صلاتكم معروضة علي». قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت، يقولون ~~بليت؟ فقال: # «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» «1». # وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ورواه أبو حاتم، قال ~~البيهقي: وله شواهد، وروى حديثين عن ابن مسعود وأبي أمامة، وله شواهد أجود ~~مما ذكرها البيهقي. # منها ما رواه ابن ماجه: حدثنا عمرو بن سواد البصري حدثنا عبد الله بن ~~وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن ~~نسي الكندي، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن ~~أحدا لم يصل علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها». قال: قلت: وبعد الموت؟ ~~وقال: «وبعد الموت؛ إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» «2». ~~ورواه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تهذيب الآثار من حديث سعيد بن أبي ~~هلال كما تقدم. # ومنها ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن ~~صلاتكم تبلغني حيث كنتم» «3». وهذا له شواهد مراسيل من وجوه مختلفة يصدق ~~بعضها بعضا؛ ms150 منها ما رواه سعيد بن منصور في «سننه»: حدثنا حباب بن علي ~~حدثنا محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم ~~فإن صلاتكم تبلغني» «4». # وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: # رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر؛ فناداني وهو في بيت ~~فاطمة يتعشى فقال: «هلم إلى العشاء» فقلت: لا أريده. فقال: «ما لي رأيتك ~~عند القبر؟» PageV01P144 # فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم ~~عليه». ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ~~ولا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ~~وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا ~~سواء «1». # ورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب «فضل الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم» ولفظه قال: ما لي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، وذكر الحديث، ولم يذكر قول ~~الحسن. # وقال إسماعيل: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، عن وهيب، عن أيوب السختياني قال: ~~بلغني والله أعلم أن ملكا موكل بكل من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى يبلغه «2». # وأما السلام؛ ففي النسائي وغيره من حديث سفيان الثوري، عن عبد الله بن ~~السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» «3». # وفي الحديث الذي تقدم من رواية أبي يعلى الموصلي، وقد تقدم إسناده عن علي ~~بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيدخل فيها، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ms151 ولا بيوتكم قبورا، ~~فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». # فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان، يصدق ~~بعضها بعضا وهي متفقة على أنه من صلى عليه وسلم عليه من أمته فإن ذلك يبلغه ~~ويعرض عليه، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي والمسلم بنفسه، إنما ~~فيها أن ذلك يعرض عليه ويبلغه صلى الله عليه وسلم في مدينته ومسجده أو مكان ~~آخر. # فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه، وأما من سلم عليه عند قبره ~~فإنه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين؛ ليس هو من خصائصه، ولا هو ~~السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشرا، كما يصلي على من صلى ~~عليه عشرا، فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختص بمكان دون ~~مكان. PageV01P145 # وقد تقدم حديث أبي هريرة أنه يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند ~~قبره، لكن النزاع في معنى كونه عند القبر، هل المراد به في بيته، كما يراد ~~مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم ~~قريبا منها، أو يراد به من كان في المسجد أيضا قريبا من الحجرة، كما قاله ~~طائفة من السلف والخلف، وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن ~~أراده من أهل المدينة أو لا يستحب بحال؟ وليس الاعتماد في سماعه ما يبلغه ~~من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة. # فأما ذاك الحديث وإن كان معناه صحيحا فإسناده لا يحتج به، وإنما يثبت ~~معناه بأحاديث أخر، فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير، ~~عن الأعمش كما ظنه البيهقي، وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل المعرفة ~~بالحديث، وهو عندهم موضوع على الأعمش، قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ~~محمد بن مروان ليس بثقة. وقال البخاري: سكتوا عنه، لا يكتب حديثه البتة ~~«1». وقال الجوزجاني: ذاهب الحديث «2». وقال النسائي: # متروك الحديث ms152 «3». وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث [و] قال أبو حاتم ~~الرازي والأزدي: متروك الحديث «4». وقال الدارقطني: ضعيف «5». وقال ابن ~~حبان: لا يحل كتب حديثه لا اعتبارا ولا للاحتجاج به بحال «6». وقال ابن ~~عدي: # عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على روايته بين. # فهذا الكلام على ما ذكره من الحديث مع أنا قد بينا صحة معناه بأحاديث ~~أخر، وهو لو كان صحيحا فإنما فيه أنه يبلغ صلاة من صلى عليه نائيا ليس فيه ~~أنه يسمع ذلك، كما وجدته منقولا عن هذا المعترض، فإن هذا لم يقله أحد من ~~أهل العلم ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال، ~~يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه. ~~فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلي باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة أنه ~~يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة. وقول القائل: إنه ~~يسمع الصلاة من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه ~~مكابرة، وإن أراد أنه هو يكون بحيث PageV01P146 # يسمع أصوات الخلائق من بعيد، فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع ~~أصوات العباد كلهم. قال تعالى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون [الزخرف: 80] وقال: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: 7] الآية. وليس أحد من البشر بل ~~ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول ~~النصارى الذين يقولون إن المسيح هو الله، وإنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع ~~أصواتهم ويجيب دعاءهم، قال تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم [المائدة: 72] ~~إلى قوله: والله هو السميع العليم [المائدة: 76]. فلا المسيح ولا غيره من ~~البشر ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق لا ضرا ولا نفعا، بل ولا لنفسه؛ ~~وإن كان أفضل الخلائق، قال تعالى: قل إني لا أملك ms153 لكم ضرا ولا رشدا [الجن: ~~21] وقال: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك [الأنعام: 50] الآية. وقال: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء ~~الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء [الأعراف: 188] ~~الآية. وقوله: إلا ما شاء الله فيه قولان، قيل: هو استثناء متصل وأنه يملك ~~من ذلك ما ملكه الله، وقيل هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ~~بحال. فقوله: إلا ما شاء الله استثناء منقطع، أي لكن يكون من ذلك ما شاء ~~الله، كقول الخليل عليه السلام: ولا أخاف ما تشركون به [الأنعام: 80] ثم ~~قال: إلا أن يشاء ربي شيئا [الأنعام: 80] أي: لا أخاف أن تفعلوا شيئا، لكن ~~إن شاء ربي شيئا كان وإلا لم يكن، وإلا فهم لا يفعلون شيئا. وكذلك قوله: ~~ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ثم قال: إلا من شهد بالحق [الزخرف: ~~86] فيه قولان؛ أصحهما أنه استثناء منقطع؛ أي: لكن من شهد بالحق تنفعه ~~الشفاعة وتنفع شفاعته، كقوله: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سبأ: ~~23] وقال: قل لله الشفاعة جميعا [الزمر: 44]. وبسط هذا له موضع آخر. # PageV01P147 ### | فصل [مذهب السلف في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم] # وأما ما ذكره من تضافر النقول عن السلف بالحض على ذلك وإطباق الناس عليه ~~قولا وعملا. # فيقال: الذي اتفق عليه السلف والخلف وجاءت به الأحاديث الصحيحة هو السفر ~~إلى مسجده والصلاة والسلام عليه في مسجده وطلب الوسيلة له وغير ذلك مما أمر ~~الله به ورسوله، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين سلفهم وخلفهم وهذا هو ~~مراد العلماء الذين قالوا إنه يستحب السفر إلى زيارة قبر نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، فإن مرادهم بالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده، وذكروا في ~~مناسك الحج أنه يستحب زيارة قبره، وهذا هو مراد من ذكر الإجماع على ذلك، ~~كما ذكر القاضي عياض قال: «وزيارة قبره سنة بين المسلمين مجمع عليها، ~~وفضيلة مرغب فيها». ms154 # فمرادهم الزيارة التي بينوها وشرحوها كما ذكر القاضي عياض في هذا الفصل؛ ~~فصل زيارة قبره، وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج ~~المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~والتبرك برؤية روضته، ومنبره، وقبره، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطئ قدميه، ~~والعمود الذي كان يستند إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه، وبمن عمره وقصده ~~من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كله. # قلت: وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر ~~غيره، فإن قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون ~~للقبور عندها من سنة وبدعة، وأما هو صلى الله عليه وسلم فلا سبيل لأحد يصل ~~إلى مسجده أن يدخل بيته ولا يصل إلى قبره، بل دفنوه في بيته بخلاف غيره، ~~فإنهم دفنوا في الصحراء. كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره. ~~ولكن خشي أن يتخذ مسجدا، فدفن في بيته لئلا يتخذ قبره مسجدا ولا عيدا ولا ~~وثنا. فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح، عن عبد الله بن نافع، ~~أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # PageV01P148 # «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم ~~تبلغني حيث كنتم». وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي صحيح مسلم ~~عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». # فلما لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيرا لأمته من ذلك ونهاهم عن ذلك، ~~ونهاهم أن يتخذوا قبره عيدا ودفن في حجرته، لئلا يتمكن ms155 أحد من ذلك، وكانت ~~عائشة ساكنة فيها، فلم يكن في حياتها يدخل أحد لذلك، إنما يدخلون إليها هي، ~~ولما توفيت لم يبق بها أحد. ثم لما أدخلت في المسجد سدت وبني الجدار ~~البراني عليها فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره كالزيارة المعروفة عند قبر ~~غيره، سواء كانت سنية أو بدعية، بل إنما يصل الناس إلى مسجده، ولم يكن ~~السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة ~~قبره البتة ولم يتكلموا بذلك، وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا من كلامهم، ~~فإن هذا المعنى ممتنع عندهم فلا يعبر عن وجوده وهو قد نهى عن اتخاذ بيته ~~وقبره عيدا. وسأل الله أن لا يجعل قبره وثنا ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ~~فقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». ولهذا كره مالك ~~وغيره أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم. # ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك، وقد باشر التابعين بالمدينة ~~وهو أعلم الناس بمثل ذلك، ولو كان في هذا حديث معروف عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعرفه هؤلاء ولم يكره مالك وأمثاله من علماء المدينة، الإخبار ~~بلفظ تكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان رضي الله عنه يتحرى ألفاظ ~~الرسول في الحديث، فكيف يكره النطق بلفظه؟ # ولكن طائفة من العلماء سموا هذا زيارة لقبره وهم لا يخالفون مالكا ومن ~~معه في المعنى، بل الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة له ~~صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك في مسجده يستحبه هؤلاء، لكن هؤلاء سموا هذا ~~زيارة لقبره وأولئك كرهوا أن يسمى هذا زيارة لقبره. # وقد حدث من بعض المتأخرين في ذلك بدع لم يستحبها أحد من الأئمة الأربعة ~~كسؤاله الاستغفار. وزاد بعض جهال العامة ما هو محرم أو كفر بإجماع المسلمين ~~كالسجود للحجرة والطواف بها، وأمثال ذلك مما ليس هذا موضعه. ومبدأ ذلك من ~~الذين ظنوا أن هذا زيارة لقبره فظن هؤلاء أن الأنبياء والصالحين تزار ms156 ~~قبورهم لدعائهم والطلب منهم واتخاذ قبورهم أوثانا حتى يفضلون تلك البقعة ~~على المساجد، وإن بني عليها مسجد فضلوه على المساجد التي بنيت لله، وحتى قد ~~يفضلون الحج إلى قبر من يعظمونه على الحج إلى البيت العتيق، إلى غير ذلك ~~مما هو كفر وردة عن الإسلام باتفاق المسلمين. # PageV01P149 # فالذي تضافرت به النقول عن السلف قاطبة وأطبقت عليه الأمة قولا وعملا هو ~~السفر إلى مسجده المجاور لقبره والقيام بما أمر الله به من حقوقه في مسجده، ~~كما يقام بذلك في غير مسجده، لكن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام عند ~~الجمهور، وقيل: إنه أفضل مطلقا؛ كما نقل عن مالك وغيره. # ولم يتطابق السلف والخلف على إطلاق زيارة قبره، ولا ورد بذلك حديث صحيح، ~~ولا نقل معروف عن أحد من الصحابة، ولا كان الصحابة المقيمون بالمدينة من ~~المهاجرين والأنصار إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه يجيئون إلى القبر ويقفون ~~عنده ويزورونه، فهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة. وقد ذكر مالك وغيره أن هذا ~~من البدع التي لم تنقل عن السلف، وأن هذا منهي عنه وهذا الذي قاله مالك مما ~~يعرفه أهل العلم الذين لهم عناية بهذا الشأن، يعرفون أن أصحابه لم يكونوا ~~يزورون قبره لعلمهم بأنه قد نهى عن ذلك، ولو كان قبره يزار كما تزار القبور ~~قبور أهل البقيع والشهداء شهداء أحد؛ لكان الصحابة يفعلون ذلك، إما بالدخول ~~إلى حجرته، وإما بالوقوف عند قبره إذا دخلوا المسجد وهم لم يكونوا يفعلون ~~لا هذا ولا هذا، بل هذا من البدع كما بين ذلك أئمة العلم، وهذا مما ذكره ~~القاضي عياض وهو الذي قال: # «زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها». وهو في هذا الفصل ذكر عن ~~مالك أنه كره أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر فيه أيضا: ~~«قال مالك في «المبسوط»: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة ~~الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء. # وقال مالك في المبسوط أيضا: ولا بأس لمن قدم من سفر أن ms157 يقف على قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناسا من أهل ~~المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، ~~وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر ~~فيسلمون ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه ~~واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه ~~الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده». ~~فقد بين مالك أنه لم يبلغه عن السلف من الصحابة المقيمين بالمدينة أنهم ~~كانوا يقفون بالقبر عند دخول المسجد إلا لمن قدم من سفر، مع أن الذي يقصد ~~السفر فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع. # وقد ذكر القاضي عياض عن أبي الوليد الباجي أنه احتج لما كره مالك فقال: # أهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد». وقال: «لا تجعلوا قبري عيدا». # قلت: فهذا يبين أن وقوف أهل المدينة بالقبر وهو الذي يسمي زيارة لقبره من # PageV01P150 # البدع التي لم يفعلها الصحابة، وأن ذلك منهي عنه لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا». # وإذا كانت هذه الزيارة مما نهي عنها في الأحاديث فالصحابة أعلم بنهيه ~~وأطوع له، فلهذا لم يكن بالمدينة منهم من يزور قبره باتفاق العلماء، وهذا ~~الوقوف الذي يسميه غير مالك زيارة لقبره الذي بين مالك وغيره أنه بدعة لم ~~يفعلها الصحابة؛ هي زيارة مقصود صاحبها الصلاة والسلام، كما بين ذلك في ~~السؤال لمالك، لكن لما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا ~~علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». # وروي مثل ذلك في السلام ms158 عليه؛ علم أنه كره تخصيص تلك البقعة بالصلاة ~~والسلام، بل يصلي عليه ويسلم في جميع المواضع وذلك واصل إليه. فإذا كان مثل ~~هذه الزيارة للقبر بدعة منهيا عنها فكيف من يقصد ما يقصده من قبور الأنبياء ~~والصالحين ليدعوهم ويستغيث بهم ليس قصده الدعاء لهم. ومعلوم أن هذا أعظم في ~~كونه بدعة وضلالا، فالسلف والخلف إنما تطابقوا على زيارة قبره بالمعنى ~~المجمع عليه من قصد مسجده والصلاة فيه كما تقدم، وهذا فرق بينه وبين سائر ~~قبور الأنبياء الصالحين، فإنه يشرع السفر إلى عند قبره لمسجده الذي أسس على ~~التقوى، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين والصلاة مقصورة فيه باتفاق ~~المسلمين. ومن قال: إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة؛ فإنه يستتاب، فإن تاب ~~وإلا قتل، وليس ذلك سفرا لمجرد القبر، بل لا بد أن يقصد إتيان المسجد ~~والصلاة فيه، وإن لم يقصد إلا القبر فهذا يندرج في كلام المجيب، حيث قال: ~~أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة؟ ~~على قولين معروفين فهو ذكر القولين فيمن سافر لمجرد قصد زيارة القبور، وأما ~~من سافر لقصد الصلاة في مسجده عند حجرته التي فيها قبره فهذا سفر مشروع ~~مستحب باتفاق المسلمين، وقد تقدم قول مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن ~~يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كان أراد مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث ~~الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». فالسائل سأله عن من نذر أن ~~يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ففصل مالك في الجواب بين أن يريد ~~القبر أو المسجد، مع أن اللفظ إنما هو نذر أن يأتي القبر، فعلم أن لفظ ~~إتيان القبر وزيارة القبر والسفر إلى القبر ونحو ذلك يتناول من يقصد ~~المسجد، وهذا مشروع يتناول من لم يقصد إلا القبر، وهذا منهي عنه كما دلت ~~عليه النصوص وبينه العلماء مالك وغيره. # فمن نقل عن ms159 السلف أنهم استحبوا السفر لمجرد القبر دون المسجد بحيث لا ~~يقصد المسافر المسجد ولا الصلاة فيه، بل إنما يقصد القبر كالصورة التي نهى ~~عنها # PageV01P151 # مالك، فهذا لا يوجد في كلام أحد من علماء السلف استحباب ذلك فضلا عن ~~إجماعهم عليه، وهذا الموضع يجب على المسلمين عامة وعلمائهم تحقيقه ومعرفة ~~ما هو المشروع والمأمور به الذي هو عبادة الله وحده وطاعة له ولرسوله وبر ~~وتقوى وقيام بحق الرسول، وما هو شرك وبدعة وضلالة منهي عنها لئلا يلتبس هذا ~~بهذا، فإن السفر إلى مسجد المدينة مشروع باتفاق المسلمين، لكن إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، وقد تقدم عن مالك وغيره أنه إذا نذر إتيان ~~المدينة إن كان قصده الصلاة في المسجد يوف بنذره وإلا لم يوف بنذره، وأما ~~إذا نذر إتيان المسجد لزمه لأنه إنما يقصد الصلاة، فلم يجعل إلى المدينة ~~سفرا مأمورا به إلا سفر من قصد الصلاة في المسجد، وهو الذي يؤمر به الناذر ~~بخلاف غيره، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». # وجعل من سافر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة الشرعية في ~~المسجدين سفرا منهيا عنه لا يجوز أن يفعله وإن نذره، وهذا قول جمهور ~~العلماء، فمن سافر إلى مدينة الرسول أو بيت المقدس لقصد زيارة ما هناك من ~~القبور أو من آثار الأنبياء والصالحين؛ كان سفره محرما عند مالك والأكثرين، ~~وقيل: إنه سفر مباح ليس بقربة، كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو ~~قول ابن عبد البر، وما علمنا أحدا من علماء المسلمين المجتهدين الذين تذكر ~~أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع ذكر أن ذلك مستحب، فدعوى من ادعى أن ~~السفر إلى مجرد القبور مستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر. وكذلك إن ~~ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم، أو جمهور علماء المسلمين ~~فهو كذب بلا ريب، وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة ~~المجتهدين، وإن ms160 قال: إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك، وهو ~~بعد أن يعرف صحة نقله؛ نقل قولا شاذا مخالفا لإجماع السلف مخالفا لنصوص ~~الرسول، فكفى بقول فسادا أن يكون قولا مبتدعا في الإسلام مخالفا للسنة ~~والجماعة لما سنه الرسول ولما اجتمع عليه سلف الأمة وأئمتها، والنقل عن ~~علماء السلف يوافق ما قاله مالك، فمن نقل عنهم ضد ذلك فقد كذب، وأقل ما في ~~الباب أنه يجعل ممن طولب بصحة نقله والألفاظ المجملة التي يقولها طائفة قد ~~عرف مرادهم. وعياض نفسه الذي ذكر أن زيارته سنة مجمع عليها قد بين الزيارة ~~المشروعة في ذلك، وقد ذكر عياض في قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد» ما هو ظاهر مذهب مالك أن السفر إلى غيرها محرم، كما قاله مالك فهو ~~أيضا يقول إن السفر لمجرد زيارة القبور محرم، كما قاله مالك وسائر أصحابه ~~مع ما ذكره من استحباب الزيارة الشرعية ومع ما ذكره من كراهة مالك أن يقول ~~القائل: # زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV01P152 ### | فصل [خلط المعترض بين زيارة الأحياء وبين زيارة القبور] # قال المعارض المناقض: وروى مسلم في صحيحه في الذي سافر لزيارة أخ له في ~~الله ولفظ الحديث: «إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ~~ملكا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في تلك القرية. قال: ~~هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: # لا؛ إلا أني أحببته في الله. فقال: إني رسول الله إليك فإن الله أحبك كما ~~أحببته فيه» «1». # وفي موطأ مالك عن معاذ بن جبل في حديث ذكر فيه: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: أي عن الله «وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في ~~والمتزاورين في والمتباذلين في» «2». # قال: «فقد علمت أيها الأخ بهذا فضيلة زيارة الإخوان وما أعد الله بها ~~للزائرين من الفضل والإحسان، فكيف بزيارة من هو حي الدارين وإمام الثقلين ~~الذي جعل الله حرمته في حال مماته كحرمته في ms161 حال حياته؟ ومن شرفه الحق بما ~~أعطاه من جميل صفاته، ومن هدانا ببركته إلى الصراط المستقيم، وعصمنا به من ~~الشيطان الرجيم، ومن هو آخذ بحجزنا أن نقتحم في نار الجحيم، ومن هو ~~بالمؤمنين رءوف رحيم؟». # والجواب: أما زيارة الأخ الحي في الله كما في الحديث فهذا نظير زيارته في ~~حياته يكون الإنسان بذلك من أصحابه وهم خير القرون، وأما جعل زيارة القبر ~~كزيارته حيا كما قاسه هذا المعترض فهذا قياس ما علمت أحدا من علماء ~~المسلمين قاسه، ولا علمت أحدا منهم احتج في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ~~بالقياس على زيارة الحي المحبوب في الله. وهذا من أفسد القياس. فإنه من ~~المعلوم أنه من زار الحي حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله ~~وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه، وليس رؤية قبره ~~أو رؤية ظاهر الجدار الذي بني على بيته PageV01P153 # بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه، ولو كان هذا مثل هذا كان كل ~~من زار قبره مثل واحد من أصحابه، ومعلوم أن هذا من أبطل الباطل. # وأيضا فالسفر إليه في حياته؛ إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة ~~كالسفر قبل الفتح، فيكون المسافر إليه مسافرا للمقام عنده بالمدينة مهاجرا ~~من المهاجرين إليه، وهذا السفر انقطع بفتح مكة قال صلى الله عليه وسلم: «لا ~~هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» «1». # ولهذا لما جاء صفوان بن أمية مهاجرا أمره أن يرجع إلى مكة، وكذلك سائر ~~الطلقاء كانوا بمكة لم يهاجروا. وإما أن يكون المسافر إليه وافدا إليه ~~ليسلم عليه ويتعلم منه ما يبلغه قومه؛ كالوفود الذين كانوا يفدون إليه- لا ~~سيما سنة عشر- سنة الوفود. وقد أوصى في مرضه قبل أن يموت بثلاث فقال: ~~«أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو مما كنت ~~أجيزهم» «2». ومن الوفود وفد عبد القيس لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم ~~بالبحرين، لكن هؤلاء أسلموا قديما قبل فتح مكة، وقالوا: لا نستطيع أن نأتيك ~~إلا في شهر حرام لأن بيننا ms162 وبينك هذا الحي من كفار مضر، وهم أهل نجد كأسد ~~وغطفان وتميم وغيرهم، فإنهم لم يكونوا قد أسلموا بعد. وكان السفر إليه في ~~حياته لتعلم الإسلام والدين ولمشاهدته وسماع كلامه، وكان خيرا محضا، لم يكن ~~أحد من الأنبياء والصالحين عبده في حياته بحضرته، فإنه كان ينهى من يفعل ما ~~هو دون ذلك من المعاصي فكيف بالشرك؟ كما نهى الذين سجدوا له، والذين صلوا ~~خلفه قياما، وقال: «إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، فلا تفعلوا» رواه ~~مسلم «3». # وفي المسند بإسناد صحيح عن أنس قال: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته ~~لذلك» «4». # وفي الصحيح أن جارية قالت عنده: # وفينا نبي يعلم ما في غد فقال: «دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين» «5». ~~PageV01P154 # ومثل هذا كثير من نهيه عن المنكر بحضرته، فكل من رآه في حياته لم يتمكن ~~أن يفعل بحضرته منكرا يقر عليه. # وأما الذين يزورون القبور فيفعلون عندها من أنواع المنكرات ما لا يضبط، ~~كما يفعل المشركون والنصارى وأهل البدع عند قبر من يعظمونه من أنواع الشرك ~~والغلو، وبحسبك أنه صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى لأجل اتخاذ ~~قبور أنبيائهم مساجد، فإذا اتخذ القبر مسجدا فقد لعن صاحبه. # ومعلوم أنه لو كان حيا في المسجد لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات، ~~وقصد القبر الذي اتخذ مسجدا مما نهى عنه ولعن أهل الكتاب على فعله، وأيضا ~~فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدين وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة ~~في جميع البقاع، فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظم للرسول التعظيم التام ~~والمحبة التامة إلا عند قبره، بل هو مأمور بهذا في كل مكان. فكانت زيارته ~~في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسفر إلى القبر لمجرده بالعكس مفسدة ~~راجحة لا مصلحة فيها، بخلاف السفر إلى مسجده فإنه مصلحة راجحة وهناك يفعل ~~من حقوقه ما يشرع كما في سائر المساجد. وهذا مما يبين ms163 به كذب الحديث الذي ~~فيه: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» «1». وهذا الحديث معروف ~~من رواية حفص بن سليمان الغاضري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر ~~قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن ~~زارني في حياتي». وقد رواه عنه غير واحد، وهو عندهم معروف من طريقه، وهو ~~عندهم ضعيف في الحديث إلى الغاية حجة في القراءة. # قال يحيى بن معين: حفص ليس بثقة. وقال الجوزجاني: قد فرغ منه منذ دهر ~~«2». وقال البخاري: تركوه. وقال مسلم بن الحجاج: متروك. وقال علي بن ~~المديني: ضعيف الحديث، وتركته على عمد. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب ~~حديثه. وقال مرة: متروك. وقال صالح بن محمد: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها ~~مناكير. وقال زكريا الساجي: يحدث عن سماك وغيره، أحاديثه بواطيل. وقال أبو ~~زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، هو ضعيف لا يصدق متروك ~~الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال الدارقطني ضعيف. # وقال ابن عدي: وعامة أحاديثه عمن يروي عنه غير محفوظة. # وقد رواه الطبراني في «المعجم» من حديث الليث بن بنت ليث بن أبي سليم، ~~PageV01P155 # عن زوجة جده عائشة، عن ليث. وهذا الليث وزوجة جده مجهولان لأن ليثا غير ~~معروف بضبط ولا عدالة مع غرابتهما، ونفس المتن باطل. # فإن الأعمال التي فرضها الله ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من ~~الصحابة. بل في الصحيحين عنه أنه قال: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه» «1». فالجهاد والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق ~~المسلمين، ولا يكون الرجل بهما كمن سافر إليه في حياته ورآه، كيف وذاك إما ~~أن يكون مهاجرا إليه كما كانت الهجرة قبل الفتح، أو من الوفود الذين كانوا ~~يفدون إليه يتعلمون الإسلام ويبلغونه عنه إلى قومهم، وهذا عمل لا يمكن أحدا ~~بعدهم أن يفعل مثله. # ومن شبه من زار قبر شخص بمن كان يزوره في حياته ms164 فهو مصاب في عقله ودينه. # والزيارة الشرعية لقبر الميت مقصودها الدعاء له والاستغفار كالصلاة على ~~جنازته، والدعاء المشروع المأمور به في حق نبينا- كالصلاة عليه والسلام ~~عليه وطلب الوسيلة له- مشروع في جميع الأمكنة لا يختص بقبره، فليس عند قبره ~~عمل صالح تمتاز به تلك البقعة، بل كل عمل صالح يمكن فعله هناك يمكن فعله في ~~سائر البقاع، لكن مسجده أفضل من غيره. فللعبادة فيه فضيلة بكونها في مسجده، ~~كما قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» ~~«2». # والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه مشروعة فيه قبل أن يدفن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حجرته، وقبل أن تدخل حجرته في المسجد، ولم يتجدد بعد ذلك فيه ~~عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وغير ما ~~شرعه هو لأمته ورغبهم فيه ودعاهم إليه، وما يشرع للزائر من صلاة وسلام ~~ودعاء له وثناء عليه كل ذلك مشروع في مسجده في حياته، وهي مشروعة في سائر ~~المساجد، بل وفي سائر البقاع التي تجوز فيها الصلاة، وهو صلى الله عليه ~~وسلم قد جعلت له ولأمته الأرض مسجدا وطهورا، فحيثما أدركت أحدا الصلاة ~~فليصل فإنه مسجد، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم ~~«3». # ومن ظن زيارة القبر تختص بجنس من العبادة لم تكن مشروعة في المسجد، وإنما ~~شرعت لأجل القبر فقد أخطأ، لم يقل هذا أحد من الصحابة والتابعين، وإنما غلط ~~في بعض هذا بعض المتأخرين، وغاية ما نقل عن بعض الصحابة- كابن عمر- أنه كان ~~إذا قدم من سفر يقف عند القبر ويسلم، وجنس السلام عليه مشروع في ~~PageV01P156 # المسجد وغير المسجد قبل السفر وبعده، وأما كونه عند القبر فهذا كان يفعله ~~ابن عمر إذا قدم من سفر. # وكذلك الذين استحبوه من العلماء استحبوه للصادر والوارد من المدينة ~~وإليها من أهلها، أو الوارد والصادر من المسجد من الغرباء، مع أن أكثر ~~الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك، ولا فرق أكثر السلف بين الصادر والوارد، بل ms165 ~~كلهم ينهون عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال أبو الوليد ~~الباجي: إنما فرق بين أهل المدينة وغيرها لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل ~~المدينة يقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم. # وقال: قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب ~~الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وقال: «لا تجعلوا قبري عيدا»، ~~وهذا الذي ذكره من أوله سواء في النهي. فإن قوله: «لا تجعلوا- أو: لا ~~تتخذوا- بيتي عيدا» نهي لكل أمته؛ أهل المدينة والقادمين إليها، وكذلك نهيه ~~عن اتخاذ القبور مساجد وخبره بأن غضب الله اشتد على من فعل ذلك هو متناول ~~للجميع، وكذلك دعاؤه بأن لا يتخذ قبره وثنا عام. وما ذكره من أن الغرباء ~~قصدوا لذلك تعليقا على العلة ضد مقتضاها، فإن القصد لذلك منهي عنه، كما صرح ~~به مالك وجمهور أصحابه، وكما نهى عنه وليس بقربة وإذا كان منهيا عنه لم ~~يشرع الإعانة عليه، وكذلك إذا لم يكن قربة. # وابن عمر رضي الله عنهما لم يكن يسافر إلى المدينة لأجل القبر بل المدينة ~~وطنه، وكان يخرج عنها لبعض الأمور ثم يرجع إلى وطنه، فيأتي المسجد فيصلي ~~فيه ويسلم، فأما السفر لأجل القبور فلم يعرف عن أحد من الصحابة؛ بل ابن عمر ~~كان يقدم إلى بيت المقدس فلا يزور قبر الخليل. وكذلك أبوه عمر ومن معه من ~~المهاجرين والأنصار قدموا إلى بيت المقدس ولم يذهبوا إلى قبر الخليل، وسائر ~~الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر إلى قبر ~~الخليل ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر كما تقدم. # وما كان قربة للغرباء فهو قربة لأهل المدينة كإتيان قبور الشهداء وأهل ~~البقيع، وما لم يكن قربة لأهل المدينة لم يكن لغيرهم؛ كاتخاذ بيته عيدا ~~واتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا، وكالصلاة إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق ~~البطن بها والطواف بها، وغير ذلك مما يفعله جهال القادمين فإن هذا بإجماع ~~المسلمين ينهى عنه الغرباء ms166 كما نهي عنه أهل المدينة، ينهون عنه صادرين ~~وواردين باتفاق المسلمين، وبالجملة فجنس الصلاة والسلام عليه والثناء عليه ~~ونحو ذلك مما استحبه بعض العلماء عند القبر الواردين أو الصادرين هو مشروع ~~في مسجده وسائر المساجد. # وأما ما كان سؤالا له فهذا لم يستحبه أحد من السلف لا الأئمة الأربعة ولا ~~غيرهم. ثم بعض من يستحب هذا من المتأخرين يدعونه مع الغيب، فلا يختص هذا # PageV01P157 # عندهم بالقبر، وأما نفس داخل بيته عند قبره فلا يمكن أحدا الوصول إلى ~~هناك، ولم يشرع هناك عمل يكون هناك أفضل منه في غيره، ولو شرع لفتح باب ~~الحجرة للأمة، بل قد قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم ~~تبلغني حيثما كنتم». وقد تقدم ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز ~~الدراوردي، عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب فناداني فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فقال: إذا دخل المسجد فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا ~~بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي ~~حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني». ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء. # وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرها من الشام؛ مثل معاذ ~~بن جبل، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء. وغيرهم لم ~~يعرف عن أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام لا قبر الخليل ولا ~~غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وكذلك الصحابة الذين ~~كانوا بالحجاز والعراق وسائر البلاد كما قد بسط في غير هذا الموضع. وروى ~~سعيد بن منصور في سننه أن رجلا كان ينتاب قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال له حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب: يا هذا؛ إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ms167 «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم ~~تبلغني». فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. # فإن قيل: الزائر في الحياة إنما أحبه الله لكونه يحبه في الله، والمؤمنون ~~يحبون الرسول أعظم، وكذلك يحبون سائر الأنبياء والصالحين، فإذا زاروهم ~~أثيبوا على هذه المحبة. # قيل: حب الرسول من أعظم واجبات الدين. وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ من كان ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن ~~كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار» «1». # وفي الحديث الصحيح، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ~~يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» «2». وفي ~~البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ ~~بيد عمر فقال: يا رسول الله؛ لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده؛ حتى أكون أحب إليك من ~~نفسك». فقال له عمر: إنه الآن والله لأنت إلي أحب من نفسي. قال: «الآن يا ~~عمر» «3». وتصديق هذا في القرآن في قوله: النبي أولى بالمؤمنين PageV01P158 # من أنفسهم [الأحزاب: 6] وفي قوله: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم [التوبة: 24] الآية. وقال: لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله [المجادلة: 22] إلى قوله: بروح منه ~~[المجادلة: 22]. # وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ~~النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم [الأحزاب: 6] وأما من مات وترك مالا فليرثه ~~عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» «1». وفي حديث ~~آخر: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت ms168 به» «2». # لكن حبه وطاعته وتعزيره وتوقيره، وسائر ما أمر الله به من حقوقه؛ مأمور ~~به في كل مكان، لا يختص بمكان دون مكان، وليس من كان في المسجد عند القبر ~~بأولى بهذه الحقوق ووجوبها عليه ممن كان في موضع آخر. # ومعلوم أن زيارة قبره كالزيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة. ~~ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومكنوا من فعل ~~تلك العبادة عند قبره، وهم لم يمكنوا إلا من الدخول إلى مسجده. والذي يشرع ~~في مسجده PageV01P159 # يشرع في سائر المساجد، لكن مسجده أفضل من سائرها غير المسجد الحرام على ~~نزاع في ذلك، وما يجده المسلم في قلبه من محبته والشوق إليه، والأنس بذكره، ~~وذكر أحواله، فهو مشروع له في كل مكان، وليس في مجرد زيارة ظاهر الحجرة ما ~~يوجب عبادة لا تفعل بدون ذلك، بل نهى عن أن يتخذ ذلك المكان عيدا وأن يصلى ~~عليه حيث كان العبد، ويسلم عليه، فلا يخص بيته وقبره لا بصلاة عليه ولا ~~بسلام عليه، فكيف بما ليس كذلك؟ وإذا خص قبره بذلك صار ذلك في سائر الأمكنة ~~دون ما هو عند قبره ينقص حبه وتعظيمه وتعزيره وموالاته والثناء عليه عند ~~غير قبره، كما يفعل عند قبره كما يجده الناس في قلوبهم إذا رأوا من يحبونه ~~ويعظمونه يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة أعظم مما يكونون ~~بخلاف ذلك. # والرسول هو الواسطة بينهم وبين الله في كل مكان وزمان، فلا يؤمرون بما ~~يوجب نقص محبتهم وإيمانهم في عامة البقاع والأزمنة، مع أن ذلك لو شرع لهم ~~لأشغلوا بحقوقهم عن حقه، واشتغلوا بطلب الحوائج منه كما هو الواقع، فيدخلون ~~في الشرك بالخالق وفي ترك حق المخلوق. فينقض تحقيق الشهادتين؛ شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. # وأما ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه في كل مكان، وأن لا يتخذوا بيته ~~عيدا ولا مسجدا، ومنعهم من أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تزار القبور؛ فهذا ~~يوجب كمال ms169 توحيدهم للرب، وكمال إيمانهم بالرسول ومحبته وتعظيمه، حيث كانوا ~~واهتمامهم بما أمروا به من طاعته، فإن طاعته هي مدار السعادة وهي الفارقة ~~بين أولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، فأهل طاعته هم أولياء ~~الله المتقون وجنده المفلحون وحزبه الغالبون، وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ~~ذلك «1». والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم ~~أندادا؛ هم من أهل معصيته ومخالفته، لا من أهل طاعته وموافقته، فهم في هذا ~~الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه. وإن ظنوا أن هذا من موالاته ~~ومحبته، كما يظن النصارى أن ما هم عليه من الغلو في المسيح والشرك به من ~~جنس محبته وموالاته. # وكذلك دعاؤهم للأنبياء والموتى؛ كإبراهيم وموسى وغيرهما، ويظنون أن هذا ~~من محبتهم وموالاتهم، وإنما هو من جنس معاداتهم. ولهذا يتبرءون منهم يوم ~~القيامة، وكذلك الرسول يتبرأ ممن عصاه، وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه. ~~قال تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214] إلى قوله: تعملون ~~[الشعراء: 216]. PageV01P160 # فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرءوا من كل معبود غير الله ومن كل من عبده، ~~قال تعالى: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ~~إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده [الممتحنة: 4]. # وكذلك سائر الموتى ليس في مجرد رؤية قبورهم ما يوجب لهم زيادة المحبة إلا ~~لمن عرف أحوالهم بدون ذلك فيتذكر أحوالهم فيحبهم، والرسول يذكر المسلمون ~~أحواله ومحاسنه وفضائله وما من الله به عليه ومن به على أمته، فبذلك يزداد ~~حبهم له وتعظيمهم له لا بنفس رؤية القبر، ولهذا تجد العاكفين على قبور ~~الأنبياء والصالحين من أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم. وإنما قصد جمهورهم ~~التأكل والترؤس بهم، فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رئاسة أو مأكلة، لا ~~ليزدادوا لهم حبا وخيرا. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم ~~أحياء، والذين ms170 يتخذون القبور مساجد» «1». # وما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يستحقه صلى الله عليه وسلم، والأمر فوق ~~ما ذكره أضعافا مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به، وطاعتنا له، واتباع سنته، ~~والتأسي به والاقتداء، PageV01P161 # ومحبتنا له، وتعظيمنا له، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، ومتابعة ~~سنته، فإذا هذا هو طريق النجاة والسعادة، وهو سبيل الخلق ووسيلتهم إلى الله ~~تعالى. ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره، والشرك بالله، واتباع غير ~~سبيل المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان. وهو قد قال: «لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». # وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما ~~فعلوا. وقال: # «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقال: ~~«خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ~~ضلالة» رواه مسلم «1». وقال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، ~~فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» «2» رواه أهل السنن، ~~وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. إلى غير ذلك من الأدلة التي تبين أن الحجاج ~~إلى قبورهم من المخالفين للرسول صلى الله عليه وسلم الخارجين عن شريعته ~~وسنته، لا من الموافقين له المطيعين له، كما بسط في غير هذا الموضع. ~~PageV01P162 ### | فصل [تعدي المعترض على المصنف، وجواب المصنف عليه] # ثم قال المعترض: «وقد ذكر هذا القائل أن السفر إلى زيارة النبي المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم معصية يحرم فيه القصر، فارتكب بذلك أمرا عظيما، وخالف ~~فيه السادة العلماء وأئمة العصر، فمقتضى ذلك أن يسوي بينه وبين السفر لقتل ~~النفوس، والحامل له على ذلك سوء معتقده وذهنه المعكوس، فهو كمن أضله الله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فقلبه لا يقبل الحق لما ~~نازله من الظلمة والغشاوة». # والجواب أن يقال: ما في هذا الكلام من السب والشتم ليس هو علما يستحق ~~الجواب عليه، ويمكن الإنسان أن يقابله بأضعاف ذلك ويكون صادقا لا ms171 يكون ~~كاذبا مثله، ويتبين أنه من أجهل الناس وأسوئهم فهما وأقلهم علما، وأنه إلى ~~التفهيم والتعليم أحوج منه إلى خروجه عن الصراط المستقيم، وهو إلى التعزير ~~والتأديب والتقويم أحوج منه إلى أن يقفو ما ليس له به علم، ويقول على الله ~~ما لا يعلم، وقد قال تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~[الأعراف: 33] الآية، وهؤلاء الذين يستحبون الحج إلى القبور ودعاء أهلها من ~~دون الله يشركون بالله ما لم ينزل به سلطانا، ويقولون على الله ما لا ~~يعلمون، ويجعلون ذلك من جنس حج بيت الله ويقرنونه به، وهو لما ذكر الحج، ~~قال: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين [الحج: 26] إلى قوله: عميق [الحج: 27]. # ولما ذكر تعظيم حرماته وشعائره في الحج قال: ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو ~~خير له عند ربه [الحج: 30] إلى قوله: ومما رزقناهم ينفقون [الحج: 35]. # فهو قد ذكر التوحيد هاهنا وأمر باجتناب الشرك واجتناب قول الزور فقرن ~~بينهما، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عدلت شهادة الزور الإشراك ~~بالله» «1». وهؤلاء الضلال PageV01P163 # لهم نصيب من الشرك بالله، ونصيب من قول الزور: ويعبدون من دون الله ما لم ~~ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير [الحج: 71]. # وهذا المعترض لم يفهم ما قاله المجيب، بل كذب عليه كذبا يعلم جميع الناس ~~أنه كذب، ولم يعرف ما قاله العلماء لا مالك ولا غيره، ونفس الذي أنكره على ~~المجيب صرح به مالك تصريحا لم يصرح مثله المجيب، فإن المجيب لم يذكر أن ~~السفر إلى مسجده وزيارته على الوجه المشروع معصية، ولا ذكر أن ما يريده ~~العلماء بالسفر إلى قبره وهو السفر إلى مسجده معصية. بل قد صرح بأنه سفر ~~طاعة مستحب، وكذلك ذكر ما ذكره العلماء من استحباب زيارته والدعاء وما ~~يتعلق بذلك. وذكر لفظا عاما فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين، وحكى قولين معروفين عند أهل العلم؛ وهما قولان معروفان عند ms172 ~~أصحاب الشافعي وأحمد. ومالك وأصحابه رضي الله عنهم أظهر قولا بتحريم السفر ~~إلى زيارة القبور، وقد صرح مالك بأن قبر PageV01P164 # النبي صلى الله عليه وسلم هو مما نهي عن شد الرحال إليه، وأن من نذر ذلك ~~لا يجوز أن يوفي بنذره، بل مذهبه المعروف عنه في عامة كتب أصحابه أولهم ~~وآخرهم، في الكتب الصغار والكبار؛ أن السفر إلى مدينة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين منهي عنه، وإن نذره ناذر لم ~~يكن له أن يفعله لأنه منهي عنه، فلا يجوز عنده السفر إلى هاتين المدينتين ~~إلا لأجل الصلاة في المسجدين، لا لأجل زيارة قبر ولا مسجد آخر، ولا أثر من ~~الآثار، ولا غير ذلك مما يقصد به فضل مكان معين. # وأما من سافر لتجارة أو طلب علم أو غير ذلك فليس هذا من هذا الباب. فإن ~~هذا ليس قصده متعلقا بعين المكان. وأما السفر إلى سائر الأمصار لأجل ~~مساجدها أو قبر فيها فلا يجوز عنده بحال، ثم إن مذهبه أن السفر المحرم لا ~~تقصر فيه الصلاة. # وأما المجيب فلم يجزم بأن الصلاة لا تقصر فيه كما ذكره هذا المفتري، بل ~~ذكر قول هؤلاء وقول هؤلاء، ولم يرجح قول من منع القصر، ولكن ذكر حجة من نهى ~~عن السفر إلى غير الثلاثة فلما ذكرها تبين أنها الراجحة، وأنه ليس مع أولئك ~~ما يعارضها. # وأما قوله: إنه خالف في ذلك السادة العلماء وأئمة العصر. # فيقال: هذا باطل؛ فإنه لم يخالف في ذلك أحدا من علماء المسلمين، وأئمة ~~الدين المعروفين عند المسلمين بأنهم أئمة الدين. وأما من تكلم بلا علم أو ~~تكلم بالهوى والجهل، فهذا ليس من أئمة الدين، ولا يذكر المسلمون قول مثل ~~هذا في كتبهم على أن يتبع ويقتدى به، بل قال تعالى للخليل لما قال: قال إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين [البقرة: 124]. ~~فبين أن عهده بالإمامة لا ينال ظالما، فلا يكون الظالم إماما للمتقين، بل ~~قال تعالى: ms173 وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ~~[السجدة: 24] فالأئمة الذين يهدون بأمر الله هم أهل الصبر واليقين، والله ~~تعالى أخبر أنه جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يهدون بأمره، وإبراهيم إمام ~~الحنفاء والداعي إلى توحيد الله وعبادته وحده، والتبرؤ من عبادة ما سوى ~~الله ومن العابدين لغيره وقد أخبر الله أنه لا يرغب عن ملته إلا من كان ~~سفيها جاهلا، وقال تعالى: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين [النحل: 120] والأمة هو: القدوة الذي يؤتم به. وكان ابن مسعود ~~يقول: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا، فيقولون: إن إبراهيم. فيقول: إن ~~معاذا. فيعلمون أنه لم يرد التلاوة، وإنما أراد أن يعرفهم أن معاذا كان ~~إماما. وكل من جعله الله إماما فإنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ~~والنهي عن دعاء ما سواه، لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة، ينهون عن دعاء ~~الملائكة والأنبياء فضلا عمن سواهم. وبهذا بعث الله جميع الرسل وأنزل جميع ~~الكتب، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، قال ~~تعالى: # PageV01P165 # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ~~[الزخرف: 45]. وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25]. # وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~[النحل: 36]. وقال تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله [آل عمران: 79] إلى قوله: مسلمون ~~[آل عمران: 80]. # والحج إلى قبورهم ودعاؤهم من دون الله من الشرك بهم واتخاذهم أربابا، قال ~~الله تعالى: قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما [الأنعام: 161] ~~إلى قوله: وأنا أول المسلمين [الأنعام: 163]. # فمن أمر الناس أن يحجوا إلى قبر مخلوق أو يدعوه؛ فقد أمرهم أن يجعلوا ~~صلاتهم ونسكهم لغير الله، وهذا من الأئمة الذين يدعون إلى النار، لا من ~~أئمة الهدى ms174 والتقى. فالقولان اللذان ذكرهما هما القولان المعروفان عن علماء ~~المسلمين وأئمة الدين، وما عرف لهم قول ثالث. فمن قال قولا ثالثا فحسبه أن ~~يحكي قوله ويبين خطؤه، لا يجعل قوله مقدما على أقوال السلف الماضين وأئمة ~~الدين وعلماء المسلمين. ولم يخالفهم أحد بحجة في الدين، ولا نقل قوله عن ~~أحد من أئمة المسلمين، ولكن حججهم من جنس هذا وأمثاله. وقد صنف من هو أفضل ~~منه، مصنفا أكبر من مصنفه، وحججهم كلها يشبه بعضها بعضا، ليست من حجج علماء ~~المسلمين ولا ينقلونها، ولا موجبها عن أحد من أئمة الدين، بل هي من جنس حجج ~~النصارى والمشركين، إما نقل عن الأنبياء هو كذب عليهم، كالأحاديث التي ~~يحتجون بها في أنه رغب في زيارة قبره، وكلها كذب، كما يحتج النصارى وأهل ~~البدع بما يفعلونه من الكذب على الأنبياء. وإما ألفاظ متشابهة يحرفون فيها ~~الكلم عن مواضعه، ويضعونها على غير مواضعها، ويدعون المحكم المنصوص كما ~~تفعل النصارى وأهل البدع؛ يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ~~ويدعون المحكم المبين الذي هو أم الكتاب. وإما احتجاجهم بقول من ليس قوله ~~حجة ولا يجب اتباعه. وإما أحوال شيطانية؛ وهذه حجج النصارى وأمثالهم، وأهل ~~الضلال المخالفين للأنبياء وأئمة الهدى، كما قال تعالى: قل يا أهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [المائدة: 77] فلا نقل مصدق ولا بحث محقق، بل ~~هذيان مزوق، يروج على هذا وأمثاله من الجهال الذين لا يعرفون دين المسلمين ~~في هذه المسألة وأمثالها، ولا يفرقون بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان، ولا ~~بين الأنبياء والمرسلين أهل التوحيد والإيمان، وبين أهل البدع المضاهين ~~لعباد الصلبان. # وأما قوله: «فمقتضى ذلك أن يسوى بينه وبين السفر لقتل النفوس إلخ». # PageV01P166 # فعنه أجوبة، أحدها: أن هذا يلزم مثله فيمن سافر إلى المساجد للصلاة كمن ~~سافر من مصر إلى الشام ليصلي في جامع دمشق، أو سافر من الشام ليصلي في جامع ~~مصر، فهذا السفر منهي عنه أو ms175 غير مستحب عند الأئمة، وهو سفر معصية عند مالك ~~وجمهور أصحابه، والأكثرين لا تقصر فيه الصلاة بمقتضى هذا الحديث، فقد سوى ~~بينه وبين السفر لقتل النفوس. # الثاني: أن المحرمات إذا اشتركت في جنس التحريم كان الشرك محرما والنظرة ~~محرمة، ولم يلزم من ذلك أن يسوى بين الكفر بالمعاصي ولا الكبائر بالصغائر. # الثالث: أن يقال: بل قد يكون الحج إلى القبور أعظم من قتل النفوس، وقد ~~يكون شركا ينقل عن الملة، فإن كثيرا من هؤلاء يعتقد أن السفر إلى قبر الشيخ ~~أو الإمام أو النبي أفضل من الحج، ويسمونه الحج الأكبر، وينادي مناديهم من ~~أراد الحج الأكبر أي السفر لزيارة بعض القبور المنسوبة إلى بعض أهل البيت، ~~ومنهم من يقول له صاحبه: تبيعني زيارتك للشيخ بكذا وكذا حجة، فلا يفعل. ~~ويصنف علماؤهم كتبا في مناسك حج المشاهد، كما صنف المفيد بن النعمان. ومن ~~الناس من يحج إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع من هناك لا يحج إلى ~~البيت العتيق، ويقول: هذا هو المقصود. ومنهم من يحلف فيقول: # وحق النبي الذي تحج المطايا إليه، ومنهم من يصلي إلى قبر شيخه ويستقبله ~~في الصلاة، ويقول: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة! وأنا أعرف من فعل ~~هذا وهذا وهذا، وهم قوم لهم عبدة وزهد ودين، لكن فيهم جهل وضلال، كما أن ~~رهبان النصارى وغيرهم هم من أزهد الناس وأعظمهم اجتهادا في العبادة، لكن ~~بجهل وضلال، والله تعالى قد أمرنا أن نقول في صلاتنا: اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: ~~6، 7]. وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن عدي بن حاتم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» «1». # قال الترمذي: حديث حسن. وهكذا قال السلف. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: لا ~~أعلم خلافا في هذا الحرف بين المفسرين «2». ### | من اعتقد أن السفر إلى قبر شيخ أو إمام أفضل من الحج فهو كافر # ومعلوم أن من اعتقد أن السفر إلى ms176 قبر شيخ أو إمام أو نبي أفضل من الحج؛ ~~PageV01P167 # فهو كافر، ولو قتل نفسا مع اعتقاده أن ذلك محرم وأنه مذنب لكان ذنبه أخف ~~من ذنب من جعل الحج إلى الأوثان أفضل من الحج إلى بيت الرحمن. وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» دليل على أن القبور قد ~~تجعل أوثانا، وهو صلى الله عليه وسلم خاف من ذلك فدعا الله أن لا يفعله ~~بقبره، واستجاب الله دعاءه رغم أنف المشركين الضالين الذين يشبهون قبر غيره ~~بقبره، ويريدون أن يجعلوه وثنا يحج إليه ويدعى من دون الله. والله قد أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، فلا يقدر ~~أحد من البشر أن يصل إلا إلى مسجده الذي هو بيت الله تعالى الذي بني لعبادة ~~الله وحده، لا يصل إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم البتة، ولو كان قصده ~~بيت المخلوق دون بيت الخالق فالله تعالى لا يوصله إلا إلى بيت الخالق رحمة ~~من الله بهذه الأمة، وإجابة لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم تسليما. # فإذا فعل في بيت الله من الشرك والبدع ما لا يجوز فهذا يختص به، كما كان ~~المشركون يشركون عند البيت، ليس هذا الضلال متعلقا بقبره، ولا يمكن أن يفعل ~~في نفس قبر الرسول وبيته ما يمكن أهل الشرك والضلال أن يفعلوه عند القبور، ~~والحمد لله رب العالمين. # ولكن عند قبر غيره قد يفعلون ما هو من جنس فعل النصارى، بل حتى قد يفضل ~~هذا الشرك على التوحيد، فما كفاهم جعل الشرك كالتوحيد بل جعلوا الشرك أفضل ~~من التوحيد، وقد قال سفيان الثوري: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن ~~المعصية قد يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها» «1». وقد كان على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجل يشرب الخمر، يقال له عبد الله [وكان يلقب] حمارا، ~~فلعنه رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنه فإنه يحب الله ~~ورسوله» رواه البخاري «2». ولما أتى ms177 ذو الخويصرة- وهو رجل ناتئ الجبين، ~~غائر العينين، كث اللحية- وقال: يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل! فأراد بعض ~~الصحابة قتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه؛ فإنه يخرج من ضئضئ «3» ~~هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع ~~قراءتهم، يقرءون القرآن PageV01P168 # لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» وهذا ~~الحديث في الصحيحين وغيرهما «1». # فهذا العابد الظاهر العبادة هو ومن اتبعه لما خالفوا سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واستحلوا دماء من لم يوافقهم على بدعتهم؛ أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقتالهم. وذاك الشارب الخمر لما كان محبا للرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولسنته، لكنه قد ثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنته، ~~وقال: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله». PageV01P169 ### | فصل [المردود عليه وأسجاعه الفارغة] # قال: «واعلم أن الزيارة لا يتصور أن تكون منفكة عن الحرمة من مكان إلى ~~مكان، ولو حصل ذلك بطي الأرض أو الطيران فإن حصولها بغير ذلك أمر لا تقبله ~~الأذهان، واعتقاده ضرب من الهذيان. لأن الزائر لا يطلق عليه زائر إلا بعد ~~حركته وانتقاله وخروجه عن محله وارتحاله وكيف تكون الرحلة إلى القربة معصية ~~محرمة، والقصد المطلوب طاعة معظمة؟ # فالسفر إلى القبر من باب الوسائل إلى الطاعات، كنقل الخطأ إلى المساجد ~~والجماعات، فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما اشتمل ~~عليه قوله من المناقضة والخلل، لما أبدى لهم عواره، ولستر عنهم شناره». # يقال: هذا المعترض كثير الألفاظ والإسجاع، قليل الفائدة التي يحصل بها ~~الانتفاع. أسجاع كأسجاع الكهان، ليس فيها برهان ولا بيان. لا استدلال ~~بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، ولا نقل لقول أئمة الدين أهل ~~الإجماع والنزاع. بل يطول الكلام فيما يفهمه الأغنام، ويجعل عدته انتهاك ~~أعراض أئمة الإسلام، والطعن على شريعة خير الأنام، بقلة علم وسوء فهم ~~وإعراض عن التفقه والتعلم والتفهم والإعلام. # وهذه المسألة المتنازع فيها وفيما يناسبها عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحاديث صحيحة محكمة، ms178 وفيها لأئمة الدين أقوال صريحة مفهمة. لم يذكر شيئا من ~~ذلك، بل عمدته اتباع ما تشابه من القول، يبتغي الفتنة ويبتغي تأويله، وليس ~~من الراسخين في العلم الذين يعرفون تأويله؛ الذي هو تفسيره ومعناه، وإن كان ~~له تأويل آخر استأثر به الله، وكلا القولين في الوقف والابتداء منقولان عن ~~السلف الأتقياء، وكل من القولين قاله طائفة من السلف العلماء. وأهل الضلال ~~كالنصارى، وأهل البدع كالخوارج والرافضة والجهمية والقدرية؛ يتبعون ما ~~تشابه عليهم معناه، ويدعون المحكم المنصوص الذي بينه الله، ويقولون لمن ~~اتبع المسيح وآمن بما قاله من أنه عبد الله ورسوله- كما صرح به في غير موضع ~~من إنجيله- إنه قد شتم المسيح وتنقصه وعابه وعاداه، وهم قد شتموا الله ~~وأشركوا به وكذبوا المسيح وعصوه، فكفروا بالله ورسوله. وهكذا الغلاة في ~~علي؛ يقولون لمن اتبع عليا فيما أخبر به عن نفسه، واتبع الرسول فيما قاله ~~عن # PageV01P170 # علي وغيره؛ إنه شتم عليا وآذاه، وهم الذين كذبوا عليا وخالفوه، بل خالفوا ~~الرسول الذي به آمن علي، وعمدتهم التمسك بأحاديث بعضها ضعيف أو مكذوب، ~~وبعضها متشابه لا يدل على المطلوب. كالنصارى تارة ينقلون عن المسيح وغيره ~~من الأنبياء أقوالا باطلة، وتارة يتمسكون بألفاظ متشابهة، لا تدل على ما ~~ابتدعوه. # وهكذا أهل البدع الذين يدعون أهل القبور ويحجون إليها ويجعلون أصحابها ~~أندادا لله، حتى يقول بعضهم: إن الحج إليها أفضل من الحج إلى بيت الله. # وأهل البدع في القبور أنواع متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع، لكن ~~عمدتهم إما أحاديث مكذوبة، وإما ألفاظ مجملة متشابهة؛ كلفظ زيارة القبور ~~ونحوه مما يراد به أنواع من الأمور، وحصل فيها اشتباه ونزاع بين العلماء ~~والجمهور، ويدعون الصحيح المنصوص المحكم الثابت من الأحاديث عن خاتم ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه التي ليس في سندها ولا فيما يستدل به من ~~معناها نزاع بين العلماء، كما في الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد ~~الحرام، ومسجدي ms179 هذا، والمسجد الأقصى». ولفظ أبي سعيد الذي في صحيح مسلم ~~وغيره: «لا تشدوا الرحال» بصيغة النهي. وهو أيضا مروي عنه من وجوه أخر، كما ~~رواه مالك وأهل السنن والمسانيد عن بصرة بن أبي بصرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولفظه أنه قال: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» «1». # فإن هذا الحديث قد اتفق علماء المسلمين على صحة إسناده، واتفقوا على وجوب ~~العمل بمعناه. واتفقوا على تناوله لمحل النزاع وهو السفر إلى القبور، ثم ~~تنازعوا هل مراده النهي، أو مراده نفي الاستحباب والفضيلة؟ وما اتفقوا عليه ~~كاف في الاحتجاج في مسألة النزاع. # وأما السلف من الصحابة والتابعين والأئمة فلم يعرف بينهم نزاع أنه نهى عن ~~السفر إلى غير الثلاثة. والحديث قد جاء في الصحيح بصيغة النهي الصريح، ~~فقال: # «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وأبو سعيد سمعه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، هكذا في الصحيح أنه سمعه منه لم يسمعه من غيره، بخلاف رواية أبي ~~هريرة فإنها مطلقة، وأبو هريرة كان يروي الحديث، ثم يقول حدثني فلان، كما ~~في حديث صوم الجنب، فقال: حدثنيه الفضل بن عباس. # ومثل ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت PageV01P171 # عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. وفي الصحيحين ~~أيضا عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: لما نزل برسول الله «1» صلى ~~الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة «2» له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها، فقال ~~وهو كذلك: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما ~~صنعوا. # فإذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد يحذر أمته أن يفعلوا ذلك، ~~مع أن المساجد إنما تكون لعبادة الله، لكن إذا اتخذت القبور مساجد للعبادة؛ ~~صار ذلك ذريعة إلى قصد القبر ودعاء صاحبه واتخاذه وثنا، فإذا كان قد لعن من ~~يفعل الوسيلة ms180 إلى الشرك، فكيف بمن أتى بالشرك الصريح؟ وإذا كان هذا حال من ~~دعا أهل القبور من غير حج إليه، فكيف بمن حج إليه أو جعل الحج إليهم أفضل ~~من الحج إلى بيت الله؟ بل الحج إلى آثارهم مثل مكان نزلوا به، ويلبي ويحرم ~~إذا حج إلى آثارهم، كما كان بعض الشيوخ بمصر يحرم إذا حج إلى مسجد يوسف، ~~وكما حج مرة إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم رجع ولم يحج إلى مكة، ~~وقال: حصل المقصود بهذا. # وهو صلى الله عليه وسلم في مرضه يكرر تحذير أمته فينهاهم علانية في ~~المسجد، ثم لعن من يفعل ذلك. وهو منزول به في السياق حرصا على هذه الأمة، ~~وتحذيرا لأمته من مظان الشرك وأسبابه، إذ كان جماع الدين هو عبادة الله ~~وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه ~~والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه ~~وبيان شقاوة أهله. ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ ~~إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم ~~خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» «3». # فهذا نهيه قبل أن يموت بخمس ولعنه في مرضه من يفعل ذلك، كما في الصحيحين ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد». وفي لفظ مسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد». # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها؛ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة ~~رأينها بأرض الحبشة، ذكرتا من حسنها وتصاوير فيها لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولئك كانوا إذا كان فيهم ~~الرجل الصالح ms181 فمات؛ بنوا على قبره PageV01P172 # مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» ~~«1». ذمهم على هذا وهذا، ولهذا نهى أمته عن هذا وهذا. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~الهياج الأسدي «2» قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ألا أبعثك على ~~ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أمرني أن لا أدع تمثالا إلا ~~طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» «3». # فأمره طمس التماثيل، وتسوية القبور العالية المشرفة. إذ كان الضالون أهل ~~الكتاب أشركوا بهذا وبهذا؛ بتماثيل الأنبياء والصالحين وبقبورهم. وفي ~~المسند وصحيح ابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور ~~مساجد» «4». # وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تضلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» «5». وبسط هذا له موضع آخر. ~~ولكن نبهنا هنا على مثل هذا لأن هذا المعترض لم يأت في كلامه بعلم ولا حجة ~~ولا دليل، بل حجته من جنس ما ذكره هنا، أن الزيارة لا بد فيها من الحركة ~~والانتقال، وهذا معلوم لكل أحد، فقوله والزيارة نفسها قربة، والوسيلة إلى ~~القربة قربة؛ هذا مضمون كلامه. # ونسب المجيب إلى التناقض حيث أباح الزيارة، ومنع من الوسيلة إليها وهو ~~السفر، ولهذا قال: «فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما ~~اشتمل عليه كلامه من المناقضة والخلل، لما أبدي لهم عواره، ولستر عنهم ~~شناره». # وجواب هذا من وجوه: # أحدها: أن يقال: أنت المتناقض فيما حكيته عنه، فإنك في أول كلامك قلت أنه ~~ظهر لك من صريح كلامه وفحواه؛ مقصده السيئ ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور ~~الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها، ودعوى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها. ~~وقد علم كل من وقف على الجواب أنه لم يحرم الزيارة مطلقا، ولا حكى ذلك عن ~~أحد فضلا عن أن يحكيه إجماعا، لكن هذا قول طائفة من السلف حرموا ms182 زيارة ~~القبور مطلقا، كما نقل عن الشعبي والنخعي وابن سيرين، لكن المجيب لم يذكر ~~هذا القول، فإنه قول مرجوح، ولو قدر أنه حكاه لم يحك الإجماع على التحريم. ~~فإن بطلان هذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم، إذ كانت كتب العلماء مشحونة ~~بذكر جواز زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك. ثم هناك جعلت المجيب يجوز ~~الزيارة وينهى عن الوسيلة PageV01P173 # إليها وهو السفر، فجعلته متناقضا. وكذلك قلت بعدها: «لأنه نقل الجواز عن ~~الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى المشتهرين بالزهادة والتقوى، ~~الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم، ونقل عدم ~~الجواز- إن صح نقله- عمن لا يعتمد عليه ولا يعتد بخلافه ولا يعرج عليه». # فإذا كان قد نقل الجواز عن هؤلاء؛ وهو جواز السفر للزيارة، فكيف يحكى عنه ~~أنه جعل كل زيارة القبور معصية محرمة مجمعا عليها؟ هذا هو التناقض. ثم ~~نسبته إلى التناقض وأنت المتناقض، فقلت: «ثم قال في آخر كلامه: إن ما ادعاه ~~مجمع على أنه حرام. وهذه مناقضة لما تقدم منه في الكلام، فليت شعري حين قال ~~هذا أكان به جنة أم أدركته من الله محنة»؟ # فيقال لك: المستحق للطعن في عقله ودينه من جعل المستقيم أعوج، وزاغ عن ~~سواء المنهج، وتناقض فيما يقول، وجعل غيره هو المتناقض، كما قيل في المثل ~~السائر: «رمتني بدائها وانسلت». ولكن أهل البدع المخالفين لما جاءت به ~~الرسل يضاهئون أعداء الرسل الذين نسبوهم إلى الجنون، قال تعالى: كذلك ما ~~أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون [الذاريات: 52]، وقال ~~تعالى عن قوم نوح: وقالوا مجنون وازدجر [القمر: 54]، وقال فرعون: إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27]، وقال تعالى: وقالوا يا أيها الذي ~~نزل عليه الذكر إنك لمجنون [الذاريات: 6]. # فيقال: لفظ الجواب: أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ~~فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين. # وقوله: من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء؛ احترازا عن السفر المشروع، ~~كالسفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله ms183 عليه وسلم، إذا سافر السفر المشروع ~~فسافر إلى مسجده وصلى فيه، وصلى عليه، وسلم عليه، ودعا وأثنى كما يحبه الله ~~ورسوله؛ فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وليس فيه نزاع، فإن هذا لم ~~يسافر لمجرد زيارة القبور بل للصلاة في المسجد، فإن المسلمين متفقون على أن ~~السفر الذي يسمى زيارة لا بد فيه من أن يقصد المسجد ويصلي فيه، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه». ولقوله: ~~«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ~~ومسجدي هذا». والسؤال والجواب لم يكن المقصود فيه خصوص السفر إلى زيارة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا السفر على هذا الوجه مشروع مستحب باتفاق ~~المسلمين، ولم يقل أحد من المسلمين إن السفر إلى زيارة قبره، محرم مطلقا، ~~بل من سافر إلى مسجده وصلى فيه، وفعل ما يؤمر به من حقوق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم؛ كان هذا مستحبا مشروعا باتفاق المسلمين، لم يكن هذا مكروها عند ~~أحد منهم. لكن السلف لم يكونوا يسمون هذا زيارة لقبره، وقد كره من كره من ~~أئمة العلماء أن يقال: زرت # PageV01P174 # قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وآخرون يسمون هذا زيارة لقبره صلى الله ~~عليه وسلم، لكنهم يعلمون ويقولون إنه إنما يصل إلى مسجده. وعلى اصطلاح ~~هؤلاء؛ من سافر إلى مسجده وصلى فيه وزار قبره صلى الله عليه وسلم الزيارة ~~الشرعية، لم يكن هذا محرما عند أحد من المسلمين، بخلاف السفر إلى زيارة قبر ~~غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه ليس عنده مسجد يسافر إليه. # فالسؤال والجواب كان من جنس السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ~~كما يفعل أهل البدع، ويجعلون ذلك حجا أو أفضل من الحج أو قريبا من الحج، ~~حتى يروي بعضهم حديثا ذكره بعض المصنفين في زماننا في فضل من زار الخليل ~~قال فيه: # وقال وهب بن منبه: إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين الحج، فمن لم ~~يحج ولحق ذلك ولحق بقبر إبراهيم، ms184 فإن زيارته تعدل حجة. وهذا كذب على وهب بن ~~منبه. كما أن قوله: «من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله ~~الجنة» «1». كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر بعض أهل العلم ~~أن هذا الحديث إنما افتراه الكاذبون لما فتح بيت المقدس، واستنقذ من أيدي ~~النصارى على يد صلاح الدين سنة بضع وثمانين وخمسمائة، فإن النصارى نقبوا ~~قبر الخليل وصار الناس يتمكنون من الدخول إلى الحظيرة. # وأما على عهد الصحابة والتابعين- وهب بن منبه وغيره- فلم يكن هذا ممكنا ~~ولا عرف عن أحد من الصحابة والتابعين أنه سافر إلى قبر الخليل عليه السلام، ~~بل ولا قبر غيره من الأنبياء، ولا من أهل البيت، ولا من المشايخ ولا غيرهم، ~~ووهب بن منبه «2» كان باليمن لم يكن بالشام، ولكن كان من المحدثين عن بني ~~إسرائيل والأنبياء المتقدمين مثل كعب الأحبار ومحمد بن إسحاق ونحوهما. # وقد ذكر العلماء ما ذكره وهب في قصة الخليل وليس فيه شيء من هذا. ولكن ~~أهل الضلال افتروا آثارا مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى ~~الصحابة والتابعين توافق بدعهم، وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من الأكاذيب ~~ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وغرض أولئك الحج إلى قبر علي أو الحسين رضي ~~الله عنهما، أو إلى قبور PageV01P175 # الأئمة كموسى «1» والجواد «2» وموسى بن جعفر «3» وغيرهم من الأئمة الأحد ~~عشر، فإن الثاني عشر دخل السرداب وهو عندهم حي إلى الآن ينتظر «4»، ليس له ~~غرض في الحج إلى قبر الخليل. PageV01P176 # وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. فلكل قوم هدي ~~يخالف هدي الآخرين، قال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها [الروم: 30] إلى قوله: فرحون [الروم: 32]. وهؤلاء تارة يجعلون ~~الحج إلى قبورهم أفضل من الحج، وتارة نظير الحج، وتارة بدلا عن الحج. ~~فالجواب كان عن مثل هؤلاء، ولكن ذكر قبر نبينا صلى الله عليه وسلم لشمول ~~الأدلة الشرعية: فإنه إذا احتج بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال ms185 ~~إلا إلى ثلاثة مساجد» كان مقتضى هذا أنه لا يسافر إلا إلى المسجد، لا إلى ~~مجرد القبر، كما قال مالك رضي الله عنه للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: «لا ~~تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». # وهذا كما لو نهى الناس أن يحلفوا بالمخلوقات، وذكر لهم قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «1». وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تحلفوا إلا بالله» «2» ونحو ذلك. PageV01P177 # وقيل: إنه لا يجوز الحلف بالملائكة ولا الكعبة ولا الأنبياء ولا غيرهم. ~~فإذا قيل: ولا بالنبي صلى الله عليه وسلم لزم طرد الدليل. فقيل: ولا يحلف ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قاله جمهور العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي ~~وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. ومن الناس من يستثني نبينا كما ~~استثناه طائفة من الخلف، فجوزوا الحالف به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ~~اختارها طائفة من أصحابه؛ كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وخصوه بذلك. وبعضهم ~~طرد ذلك في الأنبياء، وهو قول ابن عقيل في كتابه المفردات، لكن قول الجمهور ~~أصح «1». لأن النهي هو الحلف بالمخلوقات كائنا من كان، كما وقع النهي عن ~~عبادة المخلوق، وعن تقواه وخشيته والتوكل عليه، وجعله ندا لله، وهذا متناول ~~لكل مخلوق؛ نبينا وسائر الأنبياء، والملائكة وغيرهم. # فكذلك الحلف بهم، والنذر لهم أعظم من الحلف بهم، والحج إلى قبورهم أعظم ~~من الحلف بهم والنذر لهم. وكذلك السفر إلى زيارة القبور وقصر الصلاة فيه. # ولأصحاب أحمد فيه أربعة أقوال؛ قيل: يقصر الصلاة مطلقا في كل سفر لزيارة ~~القبور. وقيل: لا يقصر مطلقا في شيء من ذلك. وقيل: يقصر في السفر لزيارة ~~قبر نبينا خاصة. وقيل: بل لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم وقبور سائر ~~الأنبياء. # فالذين استثنوا نبينا قد يعللون ذلك بأن السفر هو إلى مسجده، وذلك مشروع ~~مستحب ms186 بالاتفاق، فتقصر فيه الصلاة، بخلاف السفر إلى قبر غيره فإنه سفر ~~لمجرد القبر. وقد يستثنونه من العموم كما استثناه من استثناه منهم في ~~الحلف، ثم ظن بعضهم أن العلة هي النبوة فطرد ذلك في الأنبياء. والصواب أن ~~السفر إلى قبره إنما يستثنى لأنه سفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم. ثم إن ~~الناس أقسام؛ منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده، ثم إذا صار في مسجده ~~فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع، فهذا سفر مجمع على ~~استحبابه وقصر الصلاة فيه. ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر، ولا يقصد ~~الصلاة في المسجد أو لا يصلي فيه، فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع. ومنهم من ~~يقصد هذا وهذا، فهذا لم يذكر في الجواب، إنما ذكر في الجواب من لم يسافر ~~إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. # ومن الناس من لا يقصد إلا القبر؛ لكن إذا أتى المسجد صلى فيه، فهذا أيضا ~~يثاب على ما فعله من المشروع كالصلاة في المسجد والصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم والسلام عليه، ونحو ذلك من الدعاء والثناء عليه، ومحبته ~~وموالاته، والشهادة له بالرسالة PageV01P178 # والبلاغ، وسؤال الله الوسيلة له، ونحو ذلك مما هو من حقوقه المشروعة في ~~مسجده- بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم-. # ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من الزيارة حتى يرى المسجد ~~والحجرة بل يسمع لفظ زيارة قبره، فيظن ذلك؛ كما هو المعروف المعهود من ~~زيارة القبور أنه يصل إلى القبر ويجلس عنده، ويفعل ما يفعله من زيارة شرعية ~~أو بدعية، فإذا رأى المسجد والحجرة تبين له أنه لا سبيل لأحد أن يزور قبره ~~كالزيارة المعهودة عند قبر غيره، وإنما يمكن الوصول إلى مسجده والصلاة فيه ~~وفعل ما يشرع للزائر في المسجد لا في الحجرة عند القبر، بخلاف قبر غيره. ~~فإذا عرف معنى أول الجواب؛ فالمجيب لما ذكر القولين وحجة كل منهما وذكر أنه ~~يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال» على ms187 نفي الاستحباب، وأن ~~أصحاب القول الآخر يجيبون عنه بوجهين: # أحدهما: أن هذا تسليم لكون هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ~~ولا هو من الحسنات، فإذا من اعتقد أن السفر لقبور الأنبياء والصالحين قربة ~~وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك ~~محرما بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدا ~~لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل يسافر إليها لغرض مباح ~~فهذا جائز وليس من ذاك. # الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم، فهذا الإجماع ~~المحكي هنا هو فيمن اعتقد أن ذلك طاعة وقربة وسافر لاعتقاده أن ذلك طاعة، ~~فإن الذين قالوا بالجواز، قالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد ~~الرحال إلخ» يقتضي أن السفر إليها ليس بمستحب، وليس هو واجب بالاتفاق، فلا ~~يكون قربة وطاعة، فإن القربة والطاعة إما واجب وإما مستحب، وما ليس بواجب ~~ولا مستحب فليس قربة ولا طاعة بالإجماع. فمن اعتقد أن ذلك قربة وطاعة، أو ~~قال: إنه قربة وطاعة، أو فعله لأنه قربة وطاعة؛ فقد خالف هذا الإجماع. ولكن ~~من علم أن الفعل ليس بطاعة ولا قربة امتنع أن يعتقده قربة وطاعة، فإن ذلك ~~جمع بين اعتقادين متناقضين وامتنع من أن يفعله لذلك. وإنما يعتقده قربة ~~ويفعله على وجه التقرب من لا يعلم أنه ليس بقربة، ويكون مخطئا في هذا ~~الاعتقاد؛ وإن كان خطؤه مغفورا له، وهذا لا يعاقب على هذا الفعل، لأنه لم ~~يعلم تحريمه كسائر المتقربين بما نهي عنه قبل العلم بالنهي، كمن كان يصلي ~~إلى بيت المقدس قبل العلم بالنهي، وكمن صلى في أوقات النهي ولم يعلم ~~بالنهي، فإن الله عز وجل يقول: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: ~~15]. # لكن الأفعال التي ليست واجبة ولا مستحبة لا ثواب فيها؛ فهؤلاء لا يثابون ~~ولا يعاقبون. وهذا الإجماع المذكور فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين، لم يدخل فيه السفر لزيارة قبر نبينا صلى الله ms188 عليه وسلم على ~~الوجه المشروع، فإن هذا السفر مستحب # PageV01P179 # بإجماع المسلمين. فمن ظن أن هذا يقتضي أنه لا يستحب سفر أحد إلى مدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مسجده ولا قبره؛ فقد غلط، فإن هذا لم يقله ~~أحد، والقولان حكيا في جواز القصر لمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين، فإنهما قولان معروفان في مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومالك ~~وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر لغير المساجد الثلاثة كقبور الأنبياء ~~وغيرها محرم حتى قبر نبينا، كما صرح به مالك، ونهى الناذر عن الوفاء به. ~~وابن عبد البر ومن وافقه جعلوا ذلك جائزا لا يجب بالنذر، لكن لو فعله جاز، ~~واستدلوا بإتيان مسجد قباء. وكذلك طائفة من أصحاب أحمد؛ كأبي محمد المقدسي، ~~وطائفة من أصحاب الشافعي كأبي المعالي والغزالي والرافعي، حملوا هذا الحديث ~~على نفي الاستحباب والفضيلة. وكذلك أبو حامد الأسفراييني وأبو علي بن أبي ~~هريرة ومن اتبعهما. # قال أبو المعالي: كان شيخي- يعني أبا محمد الجويني- يفتي بالمنع من شد ~~الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة. وربما كان يقول: يحرم، قال: والظاهر ~~أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة، وبه قال الشيخ أبو علي. ومقصود الحديث تخصيص ~~القربة بالمساجد الثلاثة. وقال الشيخ أبو حامد في توجيه أحد قولي الشافعي: ~~إنه لا يجب بالنذر؛ قال: يحتمل أن يريد به لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد واجبا، ويحتمل أن يريد به لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مواضع مستحبا، ~~فيحمل الحديث على نفي الوجوب مع النذر، أو نفي الاستحباب. # وأما قدماء أصحاب أحمد فقولهم كقول مالك، وعليه يدل كلام أحمد. وكذلك أبو ~~محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي، وأبو محمد الجويني من أصحاب الوجوه. ~~والوجهان في مذهب الشافعي ذكرهما أبو المعالي والرافعي وغيرهما، كما ذكر ~~القولين أبو زكريا النووي في شرح مسلم فقال: «واختلف العلماء في شد الرحال ~~وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة؛ كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى ~~المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو ~~حرام، وهو الذي ms189 أشار القاضي عياض إلى اختياره. قال: والصحيح عند أصحابنا ~~وهو الذي اختاره إمام الحرمين، والمحققون؛ أنه لا يحرم ولا يكره» «1». # قلت: والقاضي عياض مع مالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير ~~المساجد الثلاثة محرم كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة ~~مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها؛ أراد به الزيارة الشرعية، كما ذكره مالك ~~وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلي عليه ويسلم عليه، كما ذكروه في ~~كتبهم. وقد قال القاضي PageV01P180 # عياض في هذا الفصل- فصل الزيارة- قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى إلى ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، ~~فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف. قال: وقال مالك في رواية ابن ~~وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف بوجهه إلى القبر، لا ~~إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده. وقال في المبسوط: لا أرى أن ~~يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضي. # فهذا مالك لم يستحب إلا السلام خاصة، كما كان ابن عمر يفعل. قال نافع: # رأيت ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر ~~فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا ~~أبت، ثم ينصرف. قال مالك في رواية ابن وهب يقول: السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته. قال القاضي عياض: وعن ابن قسط والقعنبي: كان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا المسجد مسوا رمانة المنبر التي تلي ~~القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. # فهذا المنقول عن الصحابة أنهم كانوا يدعون في الروضة من ناحية المنبر، لا ~~من ناحية الحجرة، ويمسكون بميامنهم رمانة المنبر، وقد ذكرنا في مواضع ~~اختلاف العلماء عند السلام عليه هل يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة كما قال ~~مالك، أو يستقبل القبلة كما قال أبو حنيفة؟ وفي مذهب أحمد نزاع. والمشهور ~~عند أصحابه كما قال مالك، وفي منسك المروزي ms190 الذي نقله عن أحمد أنه قال في ~~السلام على النبي صلى الله عليه وسلم: # ولا تستقبل الحائط، خذ مما يلي صحن المسجد فسلم على أبي بكر وعمر. وقال: # فإذا أردت الخروج فائت المسجد وصل ركعتين، وودع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمثل سلامك الأول، وسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وحول وجهك ~~إلى القبلة، وسل الله حاجتك متوسلا إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم تقض من ~~الله عز وجل. فقد نهاه عن استقبال حائط القبر، وأمره إذا سلم على الشيخين ~~أن يأخذ مما يلي صحن المسجد، وهذا يقتضي أن يسلم عليهم مستقبل الحجرة، بحيث ~~يكون مستقبلا للمغرب مستدبرا للمشرق، والقبلة عن يمينه، ويسلم عليه عند ~~رأسه. فإذا أراد السلام على الشيخين أخذ مما يلي صحن المسجد لا يستقبل حائط ~~المسجد من جهة القبلة، بل ينصرف عن يساره إلى رأسيهما فيسلم عليهما هناك. ~~وهذا السلام واستقبال القبلة هو الذي يفهم من سلام ابن عمر، فإنه كان يسلم ~~قبل أن تدخل الحجرة في المسجد، ولم يكن حينئذ يمكن أحد أن يستقبل الحجرة ~~ويستدبر القبلة، فإن قبلي الحجرة لم يكن من المسجد، ولا كان منفصلا طريقا، ~~بل كان متصلا بحجرة حفصة وغيرها. فعلم أن ابن عمر وغيره من الصحابة لم يكن ~~يمكنهم السلام من جهة القبلة جهة الوجه، بل كانوا يكونون إما مستقبلا أحدهم ~~للقبلة والحجرة النبوية عن يساره، كما قال أبو حنيفة، أو يستقبل الحجرة ~~ويستدبر المغرب كما قال أحمد. وهذا يوافق سلام ابن عمر وغيره من # PageV01P181 # الصحابة، فإنهم لم يكونوا يسلمون عند وجهه. وما ذكره القاضي عياض عن أنس ~~بن مالك لا يدل على هذا القول، بل يدل على قول أبي حنيفة؛ فإنه ذكر عن ~~بعضهم قال: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع ~~يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~انصرف. # فقول الراوي: إنه رفع يديه حق ظننت أنه افتتح الصلاة؛ دليل على أنه ms191 كان ~~مستقبل القبلة، فإن المصلي لا بد أن يستقبلها، ولو كان يستقبل الحائط من ~~ناحية القبلة أو من الغرب لم يظن أنه يصلي، فإن أحدا لا يصلي إلى الشمال، ~~ولا إلى الشرق، لكن روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في المصنف الذي له في «فضل ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» قال: حدثني إسحاق بن محمد الفروي ~~حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا نافع: أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلى ~~السجدتين في المسجد، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فيضع يده اليمنى على ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويستدبر القبلة، ثم يسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ثم يسلم على أبي بكر وعمر «1». فهذه الرواية فيها نظر، فإن فيها ~~خلاف ما قد جاء عن مالك وأحمد من فعل ابن عمر أنه كان يدنو إلى القبر ولا ~~يمسه. # وحديث ابن عمر هذا رواه مالك عن نافع وعن عبد الله بن دينار، ورواه عن ~~نافع أيوب السختياني وغيره، وعن أيوب حماد بن زيد ومعمر. # وقد ذكر ذلك مالك وغيره أنه لا يمس القبر، وكذلك كان سائر علماء المدينة. # وكذلك قال أحمد أن ابن عمر فعل ذلك. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن ~~حنبل: # قبر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: ~~فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه- قال أبو عبد الله- شيء يروونه ~~عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن عمر أنه كان يمسح على المنبر، ~~وقال: ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة. قلت: ويروونه عن يحيى بن سعيد ~~أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه، ~~ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء. قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم ~~بجدار القبر. وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يرونه، ويقومون ~~ناحية فيسلمون عليه. فقال أبو عبد الله: # نعم؛ وهكذا كان ابن عمر يفعل، ثم قال أبو ms192 عبد الله: بأبي وأمي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم تسليما. PageV01P182 # وقد يقال: هذه الرواية لا تخالف ما عليه الأئمة من أنه لا يتمسح بالقبر، ~~فإن ابن عمر لم يكن يتمسح بالقبر، بل كان يريد أن يسلم من جهة الوجه فلا ~~يمكنه أن يستقبل الوجه، فكان يحاذي ما يكون مستقبل الوجه ليكون أقرب إلى ~~الاستقبال، ويضع يده على الحائط ليعتمد عليها ويكون أبلغ في القرب إلى ~~القبر، لكن هذه الرواية تخالف ما قيل إنه كان يقف ناحية. إلا أن يقال: كان ~~يتقدم إلى القبر فيكون ناحية بهذا الاعتبار. وبسط هذا له موضع آخر. # والصواب أن هذه الزيادة انفرد بها إسحاق بن محمد الفروي، عن عبيد الله بن ~~عمر، غلط فيها وخالف فيها من هو أوثق منه عن ابن عمر، فإن أيوبا رواه عن ~~عبيد الله، عن عبد الله بن عمر خلاف ما رواه إسحاق، مع أن رواية أيوب عن ~~نافع رواها حماد بن زيد ومعمر وغيرهما. ورواية مالك عن نافع مشهورة، وكذلك ~~روايته عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ليس في شيء منها ما ذكره إسحاق بن ~~محمد الفروي. ولا يقال إنه ثقة انفرد بزيادة، لوجهين: # أحدهما: أنه خالف من هو أوثق منه، كما رواه يحيى بن معين قال: حدثنا أبو ~~أسامة، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وممن ذكر هذا الشيخ الصالح الزاهد شيخ العراق في زمنه عند ~~العامة والخاصة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في «أماليه» قال: قرأت على ~~عبيد الله الزهري حدثك أبوك قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أبي داود ~~الطيالسي، عن يحيى بن معين، فذكره. # وهذا أبو أسامة يروي عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يكره مس ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا موافق لما ذكره الأئمة أحمد وغيره عن ~~ابن عمر، كما دلت عليه سائر الروايات. فلو لم يكن إلا معارضة هذه لرواية ms193 ~~إسحاق الفروي وكلاهما عن عبيد الله، لوجب التوقف فيها، كيف وأبو أسامة أوثق ~~من الفروي؟ وقد روى ما وافقته العلماء عليه ولم يزد شيئا انفرد به كما في ~~رواية الفروي. # الثاني: أن الفروي وإن كان في نفسه صدوقا وكتبه صحيحة، فإنه أضر في آخر ~~عمره فكان ربما حدث من حفظه فيغلط، وربما لقن فيلقن. ولهذا كانوا ينكرون ~~عليه روايته للحديث على خلاف ما يرويه الناس، مثل ما روى حديث الإفك على ~~خلاف ما رواه الناس، وكذلك حديث ابن عمر هذا رواه على خلاف ما رواه الناس. ~~وقد روى عنه البخاري في صحيحه. وقال أبو حاتم الرازي: «كان صدوقا وذهب بصره ~~وربما لقن وكتبه صحيحة» وقال مرة: «مضطرب» «1» وقال أبو عبيد الآجري: سألت ~~أبا داود عنه فوهاه جدا. وقال النسائي: ليس بثقة. وذكره PageV01P183 # أبو حاتم بن حبان في كتاب «الثقات» «1». وقال الدارقطني: لا يترك ومما ~~أنكر عليه حديث الإفك، فإنه رواه غير ما رواه الناس. # فهذا كلام الأئمة يبين ما ذكرناه فيه من التفصيل. وبذلك يعرف ضعف ما ذكره ~~من حديث ابن عمر، يبين ذلك اتفاق العلماء على كراهة مس قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فكيف يكون ابن عمر قد مسه ولا يعرفون ذلك كما عرفوا مسه لمنبره؟ ~~وقد ثبت عن ابن عمر أنه كره مسه. وروى أبو الحسن علي بن عمر القزويني أيضا ~~في «أماليه» قال: قرأت على عبيد الله الزهري قلت له: حدثك أبوك قال: حدثني ~~عبد الله بن أحمد قال: # حدثني أبي قال: سمعت أبا زيد حماد بن دليل قال لسفيان- يعني ابن عيينة- ~~قال: # أكان أحد يتمسح بالقبر؟ قال: لا؛ ولا يلتزم القبر ولكن يدنو. قال أبي: ~~يعني إلا عظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وحماد بن دليل هذا الذي سمعه أحمد يسأل ابن عيينة هو معروف من أهل العلم، ~~روى عنه أبو داود وكان قاضي المدائن. # وروى أيضا أبو الحسن القزويني عن الزهري عن نوح بن يزيد قال: أخبرنا أبو ~~إسحاق، يعني إبراهيم بن سعد، قال: ms194 ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وكان يكره إتيانه. ونوح بن يزيد بن سيار المؤدب هذا الراوي عن ~~إبراهيم بن سعد هو ثقة معروف بصحبة إبراهيم وله اختصاص به، روى عنه أحمد بن ~~حنبل وأبو داود وغيرهما. قال أبو بكر الأثرم: ذكر لي أبو عبد الله نوح بن ~~يزيد المؤدب فقال: هذا شيخ كبير، أخرج إلي كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ~~ألفاظا. وقال محمد بن المثنى: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: اكتب عنه فإنه ~~ثقة حج مع إبراهيم بن سعد وكان يؤدب ولده. وذكره ابن حبان في «الثقات» «2». # وأما إبراهيم بن سعد فهو من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علما وأوثقهم، ~~وكان قد خرج إلى بغداد. روى عنه الناس؛ أحمد بن حنبل وطبقته، ومن سعة علمه ~~روى عنه الليث بن سعد، وهو أقدم وأجل منه. # وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الذي ذكر عنه ابنه ~~إبراهيم أنه قال: ما رأيت أبي قط أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~يكره إتيانه. وهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين ومن أصلحهم وأعبدهم، ~~وكان قاضي المدينة في زمن التابعين في زمن القاسم بن محمد بن أبي بكر ~~الصديق وأمثاله، وهو أدرك بناء الوليد بن عبد الملك المسجد وإدخال الحجرة ~~فيه، وأدرك ما كان عليه السلف قبل PageV01P184 # ذلك من الصحابة والتابعين. قال أبو حاتم الرازي «1»: وهو من جلة أهل ~~المدينة وقدماء شيوخهم، كان على القضاء. وقد ذكروا أنه رأى عبد الله بن ~~عمر، وروى عن عبد الله بن جعفر، وفي سماعه منه نظر، ومات قديما بعد القاسم ~~بن محمد بقليل، فإن القاسم توفي سنة إحدى وعشرين ومائة وهذا توفي سنة ست ~~وعشرين ومائة، وقد خرج من المدينة غير مرة تارة إلى الحج، وتارة كان قد ~~استعمل على الصدقات، ومرة خرج إلى العراق وإلى واسط، فروى عنه سفيان الثوري ~~وشعبة والعراقيون، وهو الذي روى حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ms195 ليس فيه ~~فهو رد» «2» عن القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أدرك ~~بالمدينة جابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي وغيرهما من الصحابة، ورأى ~~أكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب وسائر الفقهاء السبعة، ومعلوم أنه لم ~~يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه، بل قد يخالف ابن عمر فإنه ما نقله عنه ابنه ~~يقتضي أنه كان لا يأتيه لا عند السفر ولا غيره، بل يكره إتيانه مطلقا، كما ~~كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~وأنه أمر بالصلاة والسلام عليه في كل زمان ومكان، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~«لا تتخذوا قبري عيدا». وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد». كما قد بين ~~هذا في مواضع. مع أن سعد بن إبراهيم هذا في دينه وعبادته وصيامه وتلاوته ~~للقرآن بحيث كان يختم باليوم والليلة كثيرا. وأبو الحسن علي بن عمر ~~القزويني وغيره من أهل العلم والدين ذكروا هذه الآثار عن الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم ليبينوا للناس كيف كان السلف يفعلون في مثل ذلك، وبسط هذا له موضع ~~آخر. # والمقصود أن ما حكى القاضي عياض الإجماع فيه لم ينه عنه في الجواب، بل ~~السفر إلى مسجده وزيارته التي يسميها بعضهم زيارة وبعضهم يكره أن تسمى ~~زيارة على الوجه المشروع سنة مجمع عليها، كما ذكره القاضي عياض، ولا يدخل ~~في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاثة؛ كالسفر إلى قبور الأنبياء ~~والصالحين، ولا من سافر لمجرد قبره فلم يزر زيارة شرعية بل بدعية، فهذا لا ~~يقول أحد أنه مجمع على أنه سنة، ولكن هذا الموضع مما يشكل على كثير من ~~الناس. فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ~~ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين، ليعرف ~~المجمع عليه من المتنازع فيه، فإن في الزيارة مسائل متعددة تنازعوا فيها، ~~لكن لم يتنازعوا في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه، ~~ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده. ms196 ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في ~~أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب، لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا ~~لغير ذلك. PageV01P185 # فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال» حديث متفق على صحته ~~وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل ~~فيه، فإما أن يكون نهيا وإما أن يكون نفيا للاستحباب. وقد جاء في الصحيح ~~بصيغة النهي صريحا، فتعين أنه نهي، فهذان طريقان لا أعلم فيهما نزاعا بين ~~الأئمة الأربعة. والجمهور والأئمة الأربعة، وسائر العلماء؛ لا يوجبون ~~الوفاء بالنذر على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء قبورهم أو غير ~~قبورهم، وما علمت أحدا أوجبه إلا ابن حزم فإنه أوجب الوفاء على من نذر مشيا ~~أو ركوبا أو نهوضا إلى مكة أو إلى المدينة أو بيت المقدس قال: وكذلك إلى ~~أثر من آثار الأنبياء. قال: فإن نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى مسجد من ~~المساجد غير الثلاثة لم يلزمه. # وهذا عكس قول الليث بن سعد فإنه قال: من نذر المشي إلى مسجد من المساجد ~~مشى إلى ذلك المسجد. وابن حزم فهم من قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد» أي لا تشد إلى مسجد. وهو لا يقول بفحوى الخطاب وشبهه، فلا يجعل هذا ~~نهيا عما هو دون المساجد في الفضيلة بطريق الأولى، بل يقول في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه» «1» ~~أنه لو بال ثم صب البول فيه لم يكن منهيا عن الاغتسال فيه «2». # وداود الظاهري عنه في فحوى الخطاب روايتان وهذه إحداهما. # وابن حزم ومن قال بإحدى روايتي داود يقولون إن قوله: فلا تقل لهما أف ~~[الإسراء: 23] لا يدل على تحريم الشتم والضرب. وهذا قول ضعيف جدا في غاية ~~الفساد عند عامة العلماء، فإنهم يقولون: إذا كان البائل الذي يحتاج إلى ~~البول قد نهي أن يبول فيه ثم يغتسل فيه فالذي بال في إناء ثم صبه فيه أولى ~~بالنهي. كما ms197 أنه لما نهي عن الاستجمار بطعام الجن وطعام دوابهم العظام ~~والروث كان ذلك تنبيها على النهي عن الاستجمار بطعام الإنس بطريق الأولى، ~~وكل ما نهي عن الاستجمار به فتلطيخه بالعذرة أولى بالنهي، فإنه لا حاجة إلى ~~ذلك. # فلهذا فهم الصحابة من نهيه أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة أن السفر ~~إلى طور سيناء داخل في النهي، وإن لم يكن مسجدا، كما جاء عن بصرة بن أبي ~~بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم. # والصحابة الذين سمعوا هذا الحديث من الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرهم ~~أدخلوا غير المساجد الثلاثة في النهي، ونهوا أن تشد الرحال إلى الطور الذي ~~كلم الله عليه موسى PageV01P186 # مع أن الله لم يعظم في القرآن جبلا أعظم منه، وسماه الوادي المقدس ~~والبقعة المباركة. فإذا كان مثل هذا الجبل لا تشد الرحال إليه فإنه لا تشد ~~الرحال إلى ما يعظم من الغيران «1»، والجبال؛ مثل جبل لبنان وقاسيون ~~ونحوهما بالشام، وجبل الفتح ونحوه بصعيد مصر؛ بطريق الأولى. بل إذا كان ~~الصحابة لم يكونوا يسافرون إلى الطور ونحوه، بل ولا يزورون إذا قدموا مكة ~~لا جبل حراء الذي نزل فيه الوحي ابتداء، ولا غار ثور المذكور في القرآن ~~الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه والله ثالثهما. # وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لا تحزن إن الله معنا ~~[التوبة: 40]. والنبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي عليه لم يقرب ذلك ~~الغار ولا غيره مما بمكة إلا المسجد الحرام والمشاعر. وكذلك لما حج إنما ~~ذهب إلى المسجد الحرام والمشاعر. وقد ثبت في الصحيح أنها أحب البقاع إلى ~~الله تعالى، فأغنى ذلك عن غيرها، ولهذا لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد ~~باتفاق الأئمة، ولو نذره في غير مسجد لم يوف بنذره فإنه غير جائز. # وقد تقدم عن الصحابة؛ أبي سعيد وابن عمر وبصرة بن أبي بصرة أنهم نهوا عن ~~السفر إلى الطور لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد». ولفظ ms198 أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم وغيره: «لا تشدوا الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد» بصيغة النهي الصريحة، ورواه أحمد في «المسند» من حديث ~~أبي هريرة من طريقين. # والأماكن التي ينهى عن الصلاة فيها كأعطان الإبل والحمام هي مأوى ~~الشياطين، وكذلك ما يسافر إليه بعض الناس من المغارات ونحوه من الجبال، ~~قاصدين لتعظيم تلك البقعة بالشام ومصر والجزيرة وخراسان وغيرها، وكل موضع ~~تعظمه الناس غير المساجد ومشاعر الحج فإنه مأوى الشياطين، ويتصورون بصورة ~~بني آدم أحيانا حتى يظن كثير من الناس أنهم من الإنس وأنهم رجال الغيب، ~~ويقولون: الأربعون الأبدال بجبل لبنان أو غيره من الجبال، وهي مأوى الجن ~~وهم رجال الغيب، كما قال تعالى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا [الجن: 6] سماهم الله رجالا، وسموا جنا لأنهم يجتنون عن ~~الأبصار؛ أي: # يستترون، كما تسمى الإنس إنسا؛ لأنهم يؤنسون أي: يبصرون، كما قال موسى ~~عليه السلام: إني آنست نارا [طه: 10] أي: أبصرت نارا. # والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة معروفة، لكن كثير من الناس يعتقد أنهم ~~من الإنس، وأنهم صالحون يغيبون عن أبصار الخلائق، ولا ريب أن بعض الإنس قد ~~يحجبه الله أحيانا عن أبصار بعض الناس إما إكراما له، أو منعا له من ظلمهم ~~إن كان PageV01P187 # وليا، وأما احتجاب إنسي طول عمره عن جميع الإنس؛ فهذا لم يقع، بل هذا نعت ~~الجن الذين قال الله فيهم: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم [الأعراف: ~~27]. # والمسافرون إلى هذه الجبال إنما يسافرون إلى مأوى الشياطين، وما يرونه من ~~الخوارق هناك هو من إضلال الشياطين لهم، كما تفعله الشياطين عند الأصنام؛ ~~فإنهم يضلون عابديها بأنواع حتى قد يظن أن الصنم كلمه، وقد يظهرون للسدنة ~~أحيانا كما كانوا في الجاهلية. وكذلك يوجد عند النصارى من هذا كثير، وبسط ~~هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا؛ أن الصحابة كأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وبصرة بن ~~أبي بصرة؛ فهموا من الحديث شموله لغير المساجد كالطور، وحديث بصرة معروف في ms199 ~~السنن والموطأ، قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج ~~إليه لما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تعمل المطي ~~إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وأما ~~ابن عمر فروى أبو زيد عمر بن شبه النميري في كتاب «أخبار المدينة». حدثنا ~~ابن أبي الوزير حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق، عن قزعة قال: أتيت ~~ابن عمر فقلت: إني أريد الطور؟ فقال: «لا؛ إنما تشد الرحال إلى ثلاثة ~~مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور لا ~~تأته» «1» رواه أحمد بن حنبل في «مسنده». # وهذا النهي من بصرة وابن عمر، ثم موافقة أبي هريرة؛ يدل على أنهم فهموا ~~من حديث النبي صلى الله عليه وسلم النهي، فلذلك نهوا عنه، لم يحملوه على ~~مجرد نفي الفضيلة. # وكذلك أبو سعيد الخدري وهو راوية أيضا وحديثه في الصحيحين، فروى أبو زيد ~~حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا عبد الحميد بن بهرام حدثنا شهر بن حوشب، ~~سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير ~~المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» «2». # فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شد الرحال إليه، مع أن اللفظ الذي ذكره ~~إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى ~~PageV01P188 # بالنهي، والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة، وأن الله سماه ~~الوادي المقدس، والبقعة المباركة، وكلم الله موسى هناك. وما علمت المسلمين ~~بنوا هناك مسجدا، فإنه ليس هناك قرية للمسلمين وإن كان هناك مسجد. فإذا نهي ~~الصحابة عن السفر إلى تلك البقعة وفيها مسجد، فإذا لم يكن فيها مسجد كان ~~النهي عنها أقوى، وهذا ظاهر لا يخفى على أحد. فالصحابة الذين سمعوا الحديث ~~من النبي صلى الله عليه وسلم فهموا منه النهي، وفهموا منه تناوله لغير ~~المساجد، وهم ms200 أعلم بما سمعوه، وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا، ذكر ما تنازع فيه الأئمة المشهورون أو غيرهم وما لم ~~يتنازعوا فيه، فإن بين الطرفين اللذين لم تتنازع فيهما الأئمة مسائل متعددة ~~فيها نزاع، ولكن طائفة من المتأخرين يستحبون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين، ويفعلون ذلك، ويعظمونه، لكن هل في هؤلاء أحد من المجتهدين الذين ~~تحكى أقوالهم وتجعل خلافا على من قبلهم من أئمة المسلمين؟ هذا مما يجب ~~النظر فيه. وأيضا فالذين قالوا: السفر إليها جائز ليس بمحرم ولا مكروه؛ قد ~~يفهم منه أنه مستحب، لأن الذين يفعلون ذلك إنما يفعلونه لأنه قربة، فإذا ~~قيل في ذلك إنه جائز، قد تقولون: نحن قلنا هو جائز مباح، لم نقل إنه مستحب، ~~ولا قلنا إن التقرب به جائز، فمن جعله قربة فقد خالف قولنا الصريح، فقد ~~يفهم منه أن التقرب بذلك جائز، لكن قولهم مع ذلك إنه ليس بمستحب ولا فضيلة ~~فيه لأجل الحديث ينفي ذلك، فلا بد لهم من اتباع الحديث، فصار في قولهم ~~تناقض. وهذا مما احتج به عليهم أهل القول بالتحريم. فهذا الجواب على ما ~~ادعاه من التناقض في نقل الخلاف والإجماع. # PageV01P189 ### | فصل [كلام المصنف على حديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة] # وأما قوله: «إن الزيارة إذا كانت جائزة فالوسيلة إليها جائزة فيجوز ~~السفر». # فيقال له: هذا باطل؛ فليس كل ما كان جائزا أو مستحبا أو واجبا جاز التوسل ~~إليه بكل طريق، بل العموم يدعى في النهي، فما كان منهيا عنه كان التوسل ~~إليه محرما، ومن هذا سد الذرائع. وأما ما كان مأمورا به فلا بد أن يكون له ~~طريق، لكن لا يجب أن يجوز التوسل إليه بكل طريق، بل لو توسل الإنسان إلى ~~الطاعة بما حرمه الله؛ مثل الفواحش، والبغي، والشرك به، والقول عليه بغير ~~علم؛ لم يجز ذلك. فلو أراد أن يفعل فاحشة وزعم أنها تفضي إلى طاعة؛ لم يكن ~~له ذلك. وكذلك لو أراد أن يشرك بالله ببطانه ويقول عليه ما لم ms201 يعلم، نعم ~~يجوز أن يقول بلسانه ما لا يعتقده عند الإكراه، وأن يستعمل المعاريض عند ~~الحاجة. # وإتيان المساجد للجمعة والجماعة من أفضل القربات وأعظم الطاعات، وهو إما ~~واجب أو سنة مؤكدة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في ~~المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة» «1». ولو أراد مع ~~هذا أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة ليصلي هناك جمعة أو جماعة؛ لم يكن ~~هذا مشروعا، بل كان محرما عند الأئمة والجمهور، ولو نذر ذلك لم يوف بنذره ~~عند أحد من الأئمة الأربعة وعامة علماء المسلمين، وليس فيه إلا ما حكي عن ~~الليث بن سعد، مع أن لفظه مجمل. بل ولا يجوز أن يوفي بنذره عند الأكثرين، ~~كما قاله مالك وغيره، لقوله: «لا تشد الرحال» وقوله في الحديث الصحيح: «من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» «2». وقد اتفق ~~العلماء على أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، وإن كان صاحبه يعتقد أنه ~~نذر طاعة، كما لو نذر ذبح نفسه أو ولده، لكن تنازعوا فيما إذا نذر ذبح ~~ولده؛ هل عليه ذبح كبش أو كفارة يمين أو لا شيء عليه؟ على ثلاثة أقوال ~~مشهورة، PageV01P190 # وهي ثلاث روايات عن أحمد، لكن ظاهر مذهبه كالأول وهو قول أبي حنيفة، ~~ومذهب الشافعي لا شيء عليه. وكذلك سائر المعاصي قيل فيها كفارة يمين وهو ~~ظاهر مذهب أحمد. وقيل: لا شيء فيها، وهو المنقول عن الشافعي ومالك، وقيل: # إن قصد بها اليمين لزمته كفارة يمين، وهو مذهب أبي حنيفة والخراسانيين من ~~أصحاب الشافعي. # فالجمهور لما اعتقدوا أن قوله: «لا تشد الرحال» مراده النهي، قالوا: هو ~~سفر معصية، فلا يجوز الوفاء به وإن اعتقده الناذر قربة كما قاله مالك ~~والأكثرون، ولهذا قالوا: لا يجوز السفر لمن قصد القبر سواء كان قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو غيره وإن نذره، ومن قال السفر إلى غير المساجد ~~الثلاثة ليس بمنهي عنه ولا هو طاعة ولا قربة، قال: لا ms202 يجب الوفاء به لكنه ~~جائز. ومن هنا يعرف مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، فإن قالوا: إن من نذر ~~السفر إلى غير الثلاثة يجوز له السفر، وإن لم يجب عليه كان قولهم بجواز ~~السفر، وأن الحديث لنفي الفضيلة، كما قاله من قاله من المتأخرين. # وإن قالوا: إن هذا النذر لا يوفى به بحال لنهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يسافر إلى غير الثلاثة، كما قاله مالك وغيره؛ دل على تحريم السفر إلى ~~غير الثلاثة، وهو لو نذر السفر للصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أو المسجد الأقصى جاز له السفر باتفاقهم، وإنما تنازعوا في الوجوب؛ فمذهب ~~مالك وأحمد أنه يجب، ومذهب أبي حنيفة لا يجب، وللشافعي قولان. # وقوله: «كيف تكون الرحلة إلى القربة معصية محرمة»؟ # يقال له: هذا كثير في الشريعة؛ كالرحلة للصلاة والاعتكاف والقراءة والذكر ~~في غير المساجد الثلاثة، فإن هذا معصية عند مالك والأكثرين، وكما لو رحلت ~~المرأة إلى أمر غير واجب بدون إذن الزوج؛ كحج التطوع فإنها رحلة إلى قربة ~~وهي معصية محرمة بالاتفاق. وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بدون إذن سيده كان ~~رحيله إلى قربة وكان معصية محرمة بالإجماع. وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ~~ولا ذي محرم لزيارة غير واجبة، ومثل هذا كثير. ولو كان الطريق يحصل فيه ضرر ~~في دينه لم يكن له أن يسافر لا للحج ولا لإتيان المسجد وإن كان ذلك قربة، ~~والمرأة بلا سفر لها أن تشهد العيد والجمعة بل والجماعة بلا سفر، وليس لها ~~أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم. ومن طولب بقضاء دين لزمه قضاؤه ولم يكن له ~~أن يسافر بالمال الذي يجب صرفه في قضاء دينه، وإن كان قصده أن يتوسل بذلك ~~السفر إلى الحج وغيره. # ففي مواضع كثيرة يكون العمل طاعة إذا أمكن بلا سفر، ومع السفر لا يجوز. # وصاحب الشرع قد قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ~~ومسجدي # PageV01P191 # هذا، والمسجد الأقصى». ومعلوم أن سائر المساجد يستحب إتيانها ms203 بلا سفر، ~~فهذا الفرق ثابت بنص الرسول صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: ما رحل إليه هؤلاء المنهيون عن السفر ليس بقربة في حقهم. # قيل له: ومن رحل لزيارة القبور لم يكن ما رحل إليه قربة في حقه. فزيارة ~~القبور بالرحلة كالصلاة في غير المساجد الثلاثة، فالرحلة ليست بقربة ولا ~~طاعة، بل معصية محرمة عند الأئمة الذين صرحوا بذلك ومن وافقهم. وأما نقل ~~الخطا إلى المساجد، فهو إتيان إليها بغير سفر، وهذا مشروع، فهو نظير نقل ~~النبي صلى الله عليه وسلم خطاه إلى زيارة أهل البقيع فإن ذلك عمل صالح، ~~وكذلك الزيارة المستحبة من البلد نقل الخطا فيها عمل صالح. # فقد تبين أنه لا مناقضة في ذلك، ولو قدر أن هذا تناقض كان تناقضا ممن قال ~~ذلك؛ مثل مالك وجمهور أصحابه، ومثل من قاله من أصحاب الشافعي وأحمد، فإن ~~المجيب ذكر القولين. فإن كان هنا عوار وشنار في القول بالتحريم كان هذا ~~لازما لمالك الإمام ومن وافقه، وحاشى لله أن يلزم مالكا ومن وافقه تناقض ~~فيها. في هذا وهم متبعون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هذا ~~المعترض الجاهل تارة يجعل قول المتبعين للسنة كمالك وغيره تناقضا، وتارة ~~يجعله مجاهرة للأنبياء بالعداوة وإظهارا لعنادهم، وهو يضيف ذلك إلى المجيب، ~~والمجيب لم يقل إلا ما قاله هؤلاء، بل حكى قولهم وقول غيرهم وذكر حجة ~~القولين بخلاف مالك وأتباعه فإنهم جزموا بالتحريم ولم يلتفتوا إلى قول من ~~حمل الحديث على نفي الاستحباب؛ لظهور فساد هذا القول وتناقضه. # وأيضا فهذا الذي ذكره إنما يتصور في زيارة غير قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم كأهل البقيع وشهداء أحد وسائر المؤمنين المدفونين في بلادهم. ومع هذا ~~ما علمنا أحدا أنه قال يستحب السفر لمجرد هذه الزيارة، بل إما أن يكون ~~محرما وإما أن يكون مباحا، وإن كانت الزيارة من البلد مستحبة، وأما نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم فله شأن آخر؛ فضله الله على غيره، فإن الله أمرنا ~~بالصلاة والسلام مطلقا وأن تطلب ms204 له الوسيلة. ومحبته وتعظيمه فرض على كل أحد ~~بل فرض على كل أحد أن يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده، وهو أولى بكل ~~مؤمن من نفسه، فحقوقه وشريعته إيجابا واستحبابا لا يختص ببقعة، بل هي ~~مشروعة في جميع البقاع، لا فرق في ذلك بين أهل المدينة وغيرهم. # وقد نهى أن يتخذ قبره عيدا، وقال: «صلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم ~~تبلغني». وقال في السلام مثل ذلك، وأخبر أن «لله ملائكة سياحين يبلغوني عن ~~أمتي السلام». وهو قد حيل بين قبره وبين الناس ومنعوا من الوصول إليه، إذ ~~لم يكن داخل الحجرة عبادة مستحبة هناك دون المسجد، بل كل ما يفعل هناك ~~ففعله في المسجد أفضل من صلاة # PageV01P192 # وتسليم عليه وغير ذلك، ولهذا لم تكن الصحابة والتابعون بالمدينة إذا ~~دخلوا المسجد وخرجوا يقفون عند قبره لا لصلاة ولا دعاء ولا سلام ولا غير ~~ذلك. # وقد ذكر أهل العلم مالك وغيره أن هذا يكره، ولم يكن السلف يفعلونه، وإنه ~~لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ومعلوم أنه لو كان الإتيان إلى ~~عند القبر مستحبا لأهل المدينة لكان الصحابة والتابعون أعلم بذلك وأتبع له ~~من غيرهم. ومالك وأمثاله ممن أدرك التابعين من أعلم الناس بمثل هذا، وقد ~~ذكر أنه لم يبلغه عن أحد من صدر هذه الأمة من أهل المدينة أنه كان يقف عند ~~القبر لا لسلام ولا لغيره. وذكر مالك أن ذلك يكره إلا عند السفر، لما نقل ~~عن ابن عمر، وقد كره مالك وغيره أن يسمي هذا زيارة لقبره. # وحينئذ فيقال: أهل المدينة يكره لهم ما تسميه أنت زيارة لقبره، فلم يبق ~~هذا مشروعا بلا سفر حتى يقال: إن السفر إليه وسيلة إلى المستحب، وإنما ~~استحبه مالك وأحمد وغيرهما لمن سافر لأجل المسجد، فإذا صار في المسجد فيفعل ~~ذلك، بل المستحب لأهل المدينة لا يستحب السفر له بل إذا سافر إليها فعله، ~~فإذا صار بالمدينة زار أهل البقيع وشهداء أحد وزار مسجد قباء، وإن كان لم ~~يسافر ms205 لأجل ذلك، فما لا يستحب لأهل المدينة أولى أن لا يستحب السفر إليه. ~~وابن عمر إنما كان يقف عند القبر ويسلم إذا قدم من سفر وقدومه لم يكن لأجل ~~الزيارة بل كانت المدينة وطنه، فيدخل المسجد فيصلي فيه ثم يسلم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # PageV01P193 ### | فصل [الرد على المعترض فيما افتراه على أئمة المسلمين في أنهم يجوزون السفر إلى زيارة القبور] # وأما قول المعترض: «إنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم ~~الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ~~ولا يرجع في ذلك لمن عداهم، ونقل عدم الجواز- إن صح نقله- عن من لا يعتمد ~~عليه، ولا يعتد بخلافه، ولا يعرج عليه، بل هو ملحق بصاحب هذه المقالة في ~~الخطأ والطغيان والجراءة على مرتبة النبيين الموجبة للخسران». # فيقال: أولا: قائل هذا هو إلى التعزير والتأديب والأمر بتعلم العلم وأن ~~يقال له: # تعلم ثم تكلم؛ أحوج منه إلى أن يناظر ويرد عليه، فإنه لا يعرف قدر ~~العلماء ولا يعرف ما قاله مالك وهو إمام الأمة في زمنه، ولا يعرف ما قاله ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. وكلامه يقتضي أن مالكا وأمثاله ممن لا يعتمد ~~عليه ولا يعتد بخلافه، وأنه من أهل الخطأ والطغيان، وأهل الجراءة على ~~النبيين الموجبة للخسران، ومعلوم أن من قال هذا في علماء المسلمين كمالك ~~ونحوه استحق العقوبة البليغة. فإن هذا قول يلزم منه أن مالكا وأمثاله من ~~الأئمة هم من الذين جاهروا بالعداوة للأنبياء وأظهروا لهم العناد، وأن فيهم ~~جراءة على مرتبة النبيين توجب الخسران؟ ومعلوم أن هذا من أعظم الافتراء ~~عليهم والاجتراء. # ثم إنه قال ذلك فيما اتبعوا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأطاعوا فيه ~~أمره ونهيه، ونهوا عما نهى وأمروا بما أمر، فصار حقيقته أنه من أطاع الله ~~ورسوله ونهى عما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كالسفر إلى غير ~~المساجد الثلاثة هو كافر معاند للأنبياء. ومعلوم أن من قال مثل هذا فإنه ~~يستتاب فإنه تاب وإلا قتل، وإذا ms206 لم يعرف أن قوله يتضمن هذا ويستلزمه عرف ~~ذلك ويبين له، فإن أصر استحق العقوبة، ولو عرف أن هذا يلزم قوله لكان كافرا ~~مرتدا، لكنه جاهل لم يعرف أن هذا يلزم قوله، فإنه لم يعرف مذهب مالك ولا ~~غيره من الأئمة في مسألة النزاع، ولا عرف ما فيها من الأدلة الشرعية، ولا ~~تدبر ما ذكره المجيب؛ بل تكلم بظنه وهواه، وأعرض عن سبيل الهدى الذي بعث ~~الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم: 23]. # PageV01P194 # ثم يقال ثانيا: هب أن الذين نقل عنهم الجواز أفضل أهل الأرض فالمجيب؛ ذكر ~~القولين وذكر حجة كل واحد من نصر الجواز سوغ له المجيب ذلك، فإنه قد قاله ~~جماعة من العلماء لكن هؤلاء المعارضون خرقوا إجماع الطائفتين وقالوا: إنه ~~يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، فقالوا: إنه يستحب السفر إلى غير المساجد ~~الثلاثة، وعلى ذلك فيجب بالنذر على قول الجمهور الذين يوجبون الوفاء بنذر ~~الطاعة كمن نذر السفر إلى المدينة وبيت المقدس، وهو قول مالك وأحمد ~~والشافعي في أحد قوليه. فهؤلاء خرقوا إجماع الطائفتين وما كفاهم ذلك حتى ~~ادعوا أن هذا الخرق للإجماع إجماع، وحتى سعوا في عقوبة من قال يقول إحدى ~~الطائفتين، إما الجواز وإما التحريم، بل استحلوا تكفيره والسعي في قتله، ~~فهؤلاء من أعظم أهل البدع والضلال كالخوارج والروافض، وأمثالهم من الجهال ~~الذين يخالفون السنة وإجماع السلف، ويعادون من قال بالسنة وإجماع السلف ~~لشبه باطلة كأحاديث مفتراة وألفاظ مجملة لم يفهموها. # ويقال ثالثا: المجيب سمى من المجوزين ثلاثة: أبو حامد الغزالي من أصحاب ~~الشافعي، وأبو الحسن بن عبدوس وأبو محمد المقدسي من أصحاب أحمد، وسمى من ~~المانعين؛ أبا عبد الله بن بطة وأبا الوفاء بن عقيل ولكن ليس هذا قولهما ~~فقط بل هو قول مالك. صرح بذلك في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، ~~وهؤلاء ذكروا ذلك على وجه التعميم. قال أبو الوفاء بن عقيل في كتابه ~~المشهور المسمى ms207 بالفصول وبكفاية المفتى: # فصل: فإن سافر إلى زيارة المقابر كهذه المشاهد المحدثة كمشهد الكوفة ~~وسامراء وطوس والمدائن وأوانا «1»، كقبر مصعب بن عمير وطلحة والزبير ~~بالبصرة، بينه وبينها مسافة القصر، لم يستبح رخصة السفر لأن شد الرحال ~~نحوها منهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». والنهي يمنع أن ~~يكون هذا سفرا شرعيا، والترخص بما نهي عنه لا يجوز. # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» ~~والميزة معتبرة بالشرع، قال: # «فإن سافر أحد إلى أحد هذه المواضع في تجارة أو زيارة نظرت، فإن كان قصده ~~التجارة والزيارة تابعة جاز القصر، وإن كان أكثر قصده الزيارة وكان قصده ~~لهما متساويا فلا يستبيح ذلك لأنه سفر منهي عنه أشبه سفر المعصية». # فابن عقيل ذكر المنع من السفر إلى القبور عموما، لكن احتج بحجة مالك: «لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب ~~الشافعي صرحوا بتحريم السفر إلى غير الثلاثة عموما، لأجل الحديث، وهو قوله ~~PageV01P195 # صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فقولهم كقول ~~مالك يوجب التحريم إلى ما سوى الثلاثة من زيارة القبور وغيرها. وأما ابن ~~بطة فإنه ذكر ذلك في الإبانة الصغرى التي يذكر فيها جل أقوال أهل السنة وما ~~خالفها من البدع «البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحال إلى زيارتها» فذكر ~~ذلك أيضا عموما، وقوله: وشد الرحال إلى زيارتها يبين أن هذا الشد داخل عنده ~~في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» كما أن ~~تجصيصها داخل في نهيه صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور. وليس هؤلاء ~~القائلون بالتحريم بدون أولئك، بل هم أجل قدرا وأحق بمنصب الاجتهاد من ~~أولئك، فإن مالكا إمام عظيم. ثم قوله: هذا قد وافقه عليه أصحابه مع كثرتهم ~~وكثرة علمائهم، وقوله الذي صرح فيه بالنهي عن الوفاء بالنذر لمن نذر ms208 إتيان ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق مقررا له، وهو ~~أولى بمنصب الاجتهاد من أولئك وهو أعلم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ~~والتابعين ممن خالفه من أصحاب الشافعي وأحمد، فإن المخالفين فيها مثل أبي ~~المعالي والغزالي ونحوهما، وهؤلاء ليس فيهم عند أصحاب الشافعي من له وجه في ~~مذهب الشافعي فضلا عن أن يكون مجتهدا بخلاف أبي محمد الجويني والد أبي ~~المعالي فإنه صاحب وجه في مذهب الشافعي. وكان يقال: لو جاز أن يبعث الله ~~نبيا في زمنه لبعثه في علمه ودينه وحسن طريقته، وابنه أبو المعالي إنما ~~تخرج به وهو معظم لوالده غاية التعظيم؛ ولكن قول أبي المعالي مأثور عن ~~الشيخ أبي حامد وأبي علي بن أبي هريرة وهما من أصحاب الوجوه، ولهذا كان في ~~المسألة وجهان، وقد وافق فيها ابن عبد البر وطائفة، ولكن مالك وجمهور ~~أصحابه مع من وافقهم من السلف والأئمة أجل قدرا من المخالفين لهم. # وقد تقدم أن مالكا وأصحابه ينهون عن الوفاء بنذر ذلك وأنه من نذر إتيان ~~المدينة أو بيت المقدس لغير الصلاة في المسجد؛ لم يجز له الوفاء بنذره، لأن ~~السفر لغير المسجد منهي عنه، سواء سافر لزيارة ما هناك من قبور الصالحين أو ~~غير ذلك. # وابن بطة العكبري من أعلم الناس بالسنة والآثار وأتبعهم لها، ومن أزهد ~~الناس، وهو معروف بأن دعاءه مستجاب. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~منامه الحسين بن علي الجوهري أخو أبي محمد الجوهري الحسن فقال: يا رسول ~~الله قد اشتبهت علينا المذاهب. فقال: عليك بهذا الشيخ يعني ابن بطة، فانحدر ~~إلى عكبرا فلما رآه أبو عبد الله تبسم، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «1». وعلمه بالسنة وزهده ودينه غاية. وأبو الوفاء بن عقيل مبرز في ~~زمانه تعظمه الطوائف كلها لبراعته وفطنته وفهمه، وهو أعلم بالفقه والكلام ~~والحديث ومعاني القرآن من أبي حامد، وهو في الدين من أحسن PageV01P196 # الناس دينا. ولكن أبا حامد دخل في أشياء من الفلسفة هي عند ms209 ابن عقيل ~~زندقة، وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة. وابن عقيل يزن ~~كلام الصوفية بالأدلة الشرعية أكثر مما يزنه أبو حامد «1». ففي الجملة من ~~عرف أقدار العلماء تبين له أن القائلين بالتحريم للسفر إلى غير المساجد ~~الثلاثة؛ القبور وغيرها، هم أجل قدرا عند الأمة من القائلين بالجواز. # والذين سماهم المجيب سمى من حضره قوله وقت الجواب من هؤلاء وهؤلاء، ولم ~~يتعرض لتفضيل أحد الصنفين، بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء على عادة العلماء، فإن ~~الأحكام الشرعية تقوم عليها أدلة شرعية فيمكن معرفة الحق فيها بالعلم ~~والعدل. # وأما تفضيل الأشخاص بعضهم على بعض ففي كثير من المواضع لا يسلم صاحبه عن ~~قول بلا علم واتباع لهواه، فللشيطان فيه مجال رحب. والمجيب لم يتعرض لذلك، ~~ولو قدر أن المنازع واحد فالاعتبار في موارد النزاع بالحجة، كما قال تعالى: ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر [النساء: 59]. # وقول هذا المعترض:- أنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم ~~الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، الذين لا يعتد بخلاف من سواهم ~~ولا يرجع في ذلك لمن عداهم-. # كلام باطل، صدر عن متكلم بلا علم، توغل في الجهل فليس في الأمة من هو ~~بهذه الصفة بل هذا من خصائص الرسول، فهو الذي لا يعتد بخلاف من سواه، وكل ~~من سوى الرسول يؤخذ من قوله ويترك، كما نقل ذلك عن مالك قال: كل أحد يؤخذ ~~من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر. # ولو قيل مثل هذا في الأئمة المجتهدين كالأربعة كان منكرا من القول وزورا. # فلو قال قائل: الأئمة الأربعة لا يعتد بخلاف من سواهم، فإذا خالفهم ~~الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد ~~ونحوهم، أو خالفهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن ~~أبي رباح، أو خالفهم ابن عمر أو ابن عباس أو أبو هريرة وعائشة ونحوهم لم ~~يعتد بخلافهم لكان هذا منكرا من القول وزورا. فكيف يقال لبعض ms210 المتأخرين من ~~أصحاب الشافعي وأحمد، وهم قد خالفوا شيوخهم؛ إن هؤلاء لا يعتد بخلاف من ~~سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم؟ PageV01P197 ### | فصل [زعم المعترض أن المؤلف خرق الإجماع] # قال المعترض: «ثم يلزم من دعواه أن ذلك مجمع على تحريمه؛ أن تكون السادة ~~الصحابة مع التابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين، للإجماع خارقين، ~~مصرين على تقرير الحرام، مرتكبين بأنفسهم وفتاويهم ما لا يجوز، مجمعين على ~~الضلالة، سالكين طريق العماية والجهالة». # فيقال: هذا من نمط ما قبله، وفيه من القول المنكر والزور ما لا يحيط ~~بتفصيله إلا رب العالمين. وذلك أن الجواب ليس فيه إلا الإجماع على أن السفر ~~إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور ليس مستحبا ولا قربة ولا طاعة، ولم ~~ينقل خلاف هذا عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، أن السفر ~~لمجرد زيارة القبور مستحب، هذا لا يمكن أحد أن ينقله عن أحد من السلف ~~والأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل ولا كان على عهد الصحابة رضي الله عنهم في ~~ديار الإسلام قبر ولا مشهد ولا أثر يسافر إليه، ولم يكن أحد على عهد ~~الصحابة والتابعين يسافر إلى قبر الخليل ولا كان ظاهرا، بل كان في المغارة ~~التي بني عليها البناء الذي يمنعه. وقيل: إن سليمان عليه السلام بناه كما ~~بنيت الحجرة على قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وكان الصحابة والتابعون ~~يسافرون إلى بيت المقدس ولم يكونوا يسافرون إلى قبر الخليل، وقبر يوسف نفسه ~~إنما ظهر في خلافة المقتدر أظهره بعض العجائز المتصلة بدار الخلافة ولا كان ~~لتلك البنية باب حتى استولى الكفار الفرنج على البلاد، فهم نقبوا نقبا ~~ودخلوا فيه وصار ذلك مثل الباب، ثم لما فتح المسلمون البلاد لم يسد ذلك ~~النقب. # فالسنة أن يسد ولا يدخل أحد إلى هناك لا لصلاة ولا غيرها، كما كان عليه ~~الأمر على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، فمتى أقر ~~الصحابة والتابعون أحدا على شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، القبور أو ~~غيرها؟! # وبصرة لما رأى أبا ms211 هريرة قادما من الطور الذي كلم الله عليه موسى قال: لو ~~أدركتك قبل أن تذهب إليه لم تذهب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» ووافقه أبو هريرة على ذلك. هكذا رواه ~~أهل السنن والموطأ وفي الصحيحين أن أبا هريرة رضي الله عنه روى هذا وذلك ~~الحديث، فإما أن يكون أبو # PageV01P198 # هريرة قد نسي الحديث، أو يقال لم يكن سمعه وهو ضعيف، أو يكون ما في ~~الصحيحين هو الصواب دون قصة بصرة بن أبي بصرة. # نعم الذي أقر عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين هو السفر إلى مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مستحب مشروع بالنص والإجماع. والإنسان إذا ~~أتى مسجده فصلى في مسجده ما يشرع له من الصلاة والصلاة على الرسول والتسليم ~~والثناء عليه ونشر فضائله ومناقبه وسننه وما يوجب محبته وتعظيمه والإيمان ~~به وطاعته، فهذا كله مشروع مستحب في مسجده، هذا هو المقصود من الزيارة ~~الشرعية. والسفر إلى مسجده للصلاة فيه وما يتبع ذلك مستحب بالنص والإجماع. # ولكن كلام المعترض يشعر بأن المجيب ينهى عن السفر إلى مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وزيارته الزيارة الشرعية، وأنه حكى في ذلك قولين، وبهذا ~~يشنع بعض الناس ممن له غرض فاسد، أو جهل بما يقال، أو جمع الأمرين وهذا ~~باطل، وكلام المجيب في أجوبته الكثيرة ومصنفاته كلها بين أن السفر إلى ~~مسجده وزيارته الشرعية مستحب باتفاق المسلمين لم ينه عنه أحد. وهذا الذي ~~اتفق عليه المسلمون وإن تنازعوا في بعض تفاصيل الزيارة الشرعية، فثم أمور ~~يستحبها بعضهم وينهى عنها بعضهم، قد ذكرت في مواضع. # فمواضع النزاع لا يصح فيها دعوى الإجماع ومحل النزاع لم يذكر في الجواب ~~فيه نزاع، فإن كان هذا المعترض ظن أنه حكى الإجماع على تحريم السفر إلى ~~مسجده وزيارته الشرعية؛ فهذا خطأ منه، ليس في الجواب شيء من هذا، بل فيه ~~تقرير السفر إلى مسجده والزيارة الشرعية، فإنه جعل عمدة المتنازعين قوله ~~صلى الله عليه وسلم: «لا ms212 تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ~~والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». وقد ذكر المجيب أن هذا الحديث مما اتفق ~~الأئمة على صحته والعمل به. فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف ~~فيه ويسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة الأربعة، ~~ولو نذر أن يسافر ويأتي إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب ذلك باتفاق ~~العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى ~~لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد ~~قوليه وأحمد، ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده الوفاء بالنذر ~~إلا فيما كان من جنسه واجب بالشرع. وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة، ~~كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». ~~والسفر إلى المسجدين طاعة، فلهذا وجب الوفاء به. # وأما السفر إلى غير المساجد الثلاثة؛ فلم يوجبه أحد من العلماء، هكذا في ~~الجواب، والشافعي رحمه الله في القول الذي لا يوجب فيه السفر إلى المسجدين # PageV01P199 # يستحبه بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة؛ فإنه لا يوجبه ولا يستحبه، وهذا ~~معروف من كلامه وكلام أصحابه الذين شرحوا كلامه، مثل تعليقة الشيخ أبي حامد ~~وغيرها، وقد نقل عن الليث كلام قد بسط الكلام عليه في مواضع أخرى. # فهذا في نفس الجواب أن السفر إلى المساجد الثلاثة باتفاق العلماء، كما دل ~~عليه الحديث الصحيح الذي اتفقوا على صحته، ولكن تنازعوا في وجوب ذلك ~~بالنذر، مع أن الذين قالوا لا يجب السفر إلى المسجدين قالوا: إنه يستحب ~~بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة؛ فلا يجب ولا يستحب عند أحد منهم، بل صرح ~~بالتحريم من صرح منه كمالك وغيره، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد. ~~قال الشافعي في مختصر المزني: «ولو قال لله علي أن أمشي لم يكن عليه شيء ~~حتى يكون برا، ms213 فإن لم يكن برا فلا شيء عليه لأنه ليس في المشي إلى غير ~~المواضع الثلاثة بر، وذلك مثل المسجد الحرام، قال: وأحب لو نذر إلى مسجد ~~المدينة، أو إلى بيت المقدس أو يمشي» «1». # قال الشيخ أبو حامد الأسفرائيني: إذا نذر مشيا فلا يخلو إما أن يعين ~~الموضع الذي يمشي إليه أو لا يعين؛ فإن لم يعين الموضع فإن هذا النذر لا ~~ينعقد لأن المشي في نفسه ليس بقربة، وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى قربة؛ ~~كالحج والعمرة والجهاد، وإن عين الموضع الذي يمشي إليه فلا يخلو إما أن ~~يقول: لله علي أن أمشي إلى بيت الله الحرام، أو إلى مسجد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، أو المسجد الأقصى، أو إلى أحد المساجد، قال الشافعي: كمسجد مصر ~~أو إفريقية، فإذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام انعقد نذره. وإن نذر المشي ~~إلى مسجد الرسول أو إلى المسجد الأقصى فالذي في «الأم» أنه لا يلزمه لأنه ~~قال: وأحب لو نذر المشي إلى مسجد المدينة. وقال في البويطي: # يلزمه المشي إليه وهو قول مالك. # وعلل أبو حامد القولين وقال في توجيه منع اللزوم: فيحمل على أنه أراد لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبا، ويحتمل لا تشد مستحبا لكنه وجوبا أو ~~استحبابا، فتبين أنه لا يستحب السفر إلى غير المواضع الثلاثة، قال: أما إذا ~~نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد سوى الثلاثة مثل مسجد مصر وإفريقية، فإن ~~هذا لا يلزمه وإن نذر أن يصلي في مسجد منها معين لزمه الصلاة ولا يتعين ~~الموضع، وله أن يصلي في أي مسجد شاء، لأن المشي في نفسه ليس بقربة. وإنما ~~يلزمه إذا نذر المشي إلى ما هو قربة، ومعلوم أنه ليس لغير هذه الثلاثة مزية ~~بعضها على بعض في القربة، فلم يتعين المشي إليه أو الصلاة فيه بالنذر. # فإذا كان هذا في الفتيا فكيف يجوز أن يظن أن فيها النهي عن ما فعله ~~الصحابة PageV01P200 # والتابعون وأئمة المسلمين من السفر إلى مسجده؟ وقد صرح فيها ms214 بأن ذلك طاعة ~~مشروعة بالنص والإجماع. وأما زيارته ففي نفس الجواب. # وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة لم يرو أحد من أهل ~~السنن المعتمدة شيئا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام ~~أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول ~~الرجل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا اللفظ مشروعا عندهم ~~أو معروفا أو مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة. # والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك؛ أي عن زيارة ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من ~~الأحاديث إلا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». وعلى ~~هذا اعتمد أبو داود في «سننه»، وكذلك مالك في «الموطأ» روى عن عبد الله بن ~~عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك ~~يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت» ثم ينصرف. # فهذا قد ذكر في الجواب؛ أن الأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة، ~~لم تعتمد الأئمة على شيء منها، بل مالك كره أن يقال: زرت قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ولكن أحمد وغيره كأبي داود وعبد الملك بن حبيب اعتمدوا في ~~زيارة قبره على قوله صلى الله عليه وسلم: # «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». ومالك ~~وأحمد وغيرهما احتجوا بحديث ابن عمر أنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر وعمر، فكان عند الأئمة كمالك وأحمد من المأثور في ذلك السلام ~~عليه، وهذا هو الذي يسمى زيارة قبره، فأحمد وأبو داود وغيرهما يسمون السلام ~~عليه زيارة لقبره صلى ms215 الله عليه وسلم، وكذلك ترجم أبو داود عليه: باب ما ~~جاء في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وأما مالك فإنه يستحب هذا ~~السلام ولا يسميه زيارة لقبره، ومالك قد تقدم كلامه وأنه في مواضع لم يستحب ~~سوى السلام كما جاء عن ابن عمر، وقد ذكر في الجواب. # وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا ~~مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر. # وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضا ولا يستقبل ~~القبر. وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة، ولم يقل ~~أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر عند الدعاء يعني لنفسه، كما يفعله ~~المستغيثون بالميت، ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر في هذه الحال ~~إلا في حكاية مكذوبة تروى عن # PageV01P201 # مالك ومذهبه بخلافها «1». واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بيده ولا يقبله. # فقد ذكر ما ذكره العلماء في زيارته والسلام عليه، وأين يسلم عليه وأين ~~يدعو، وهذا كله إنما يكون في المسجد. وقد تقدم أن السفر إلى المسجد مستحب ~~مشروع بالنص والإجماع، فهذا الذي أجمع عليه المسلمون ذكر في الجواب أنه ~~مستحب، فهذا الذي يزعم أن في الجواب ما يقتضي إجماع الصحابة والأئمة على ~~تقرير الحرام قول باطل ظاهر البطلان، بل في الجواب ذكر ما أجمع عليه وما ~~نوزع فيه، والمجمع عليه من الزيارة والسفر ذكره، وذكر أنه ثابت بالنص ~~والإجماع. PageV01P202 ### | فصل [افتراء المعترض على المصنف] # قال المعترض: «لكن كم لصاحب هذه المقالة من مسائل خرق فيها الإجماع، ~~وفتاوى أباح فيها ما حرم الله من الإبضاع، وتعرض لتنقيص الأنبياء، وحط من ~~مقادير الصحابة والأولياء، فلقد تجرأ بما ادعاه وقاله، على تنقيص الأنبياء ~~لا محالة، فتعين مجاهدته والقيام عليه، والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه، ~~وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين، ليكون عبرة للمعتبرين. ~~وليرتدع به أمثاله من المتمردين. والحمد لله رب العالمين». آخر كلامه. # والكلام على هذا من وجوه: # أحدها: أن هذا ms216 ليس كلاما في المسألة العلمية التي وقع فيها النزاع، ولا ~~عينت مسألة أخرى حتى يتكلم فيها بما قاله العلماء ودل عليه الكتاب والسنة، ~~وإنما هو دعاوى مجردة على شخص معين. ومعلوم أن مثل هذا غير مقبول بالإجماع، ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لو يعطى الناس ~~بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» «1». # الوجه الثاني: أن يقال: ثم من المعلوم أنه ما من أهل ضلالة إلا وهم يدعون ~~على أهل الحق من جنس هذه الدعوى، فاليهود يدعون أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأمته أباحوا ما حرمه الله كالعمل في السبت، ومثل أكل كل ذي ظفر ~~كالإبل والبط والإوز، وكشحم الترائب والكليتين وغير ذلك، والنصارى تقول: ~~إنهم تنقصوا المسيح والحواريين، فإن الحواريين عندهم رسل الله، وقد ~~يفضلونهم على إبراهيم وموسى، ويقولون عن المسيح: إنه الله، ويقولون: هو ابن ~~الله، ومن قال إنه عبد الله فقد سبه وتنقصه عندهم، والطائفتان يحرمون ~~التسري، والنصارى يحرمون الطلاق، واليهود إذا تزوجت المطلقة حرمت على ~~المطلق أبدا، والنصارى قد يحرمون التزوج ببنات العم والعمة والخال والخالة، ~~ويحرمون أن يتزوج الرجل أكثر من واحدة. # فمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته عند الطائفتين قد أباحوا ما حرمه الله من ~~الإبضاع على PageV01P203 # زعمهم. فإذا كان مثل هذا الكلام قد يقوله أهل الباطل من الكفار لأهل ~~الإيمان كما قد يقوله أهل الحق بمجرد دعواه لا يقبل، بل على المدعي أن يبين ~~أن ما ادعاه مما يقوله أهل الحق في أهل الباطل دون العكس. # الوجه الثالث: إن المتنازعين من الأئمة قد يقول أهل البدع منهم والأهواء ~~مثل هذا في أئمة السنة والجماعة، كما يقول الرافضة: إن الصحابة خالفوا نص ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالخلافة على علي وبدلوه وكتموه، وذلك أعظم من ~~مخالفة الإجماع، ويقولون: إن جمهور المسلمين أباحوا نكاح الكتابيات عندهم ~~مما حرمه الله من الإبضاع. ويقولون: إن الصحابة وجمهور الأمة حطوا من ~~مقادير أولياء الله علي وأئمة أهل بيته، وهم ms217 الخلفاء الراشدون وهم عندهم ~~معصومون، وهم غلاة في عصمتهم، وقالوا: إنه لا يجوز عليهم السهو والغلط ~~بحال، وغلوا في عصمة الأنبياء ليكون ذلك تمهيدا لما يدعونه من عصمة الأئمة ~~أولياء الله، إذ هم عند طائفة منهم أفضل من الأنبياء «1»، وجمهورهم يقولون ~~الناس أحوج إليهم منهم إلى الأنبياء، وإنهم قد يستغنون عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا يستغنون عن الإمام المعصوم، وذلك واجب عندهم في كل زمان، ~~وقالوا: إنه من حين صغره يكون معصوما، حتى قالوا لأجل ذلك إن النبي يجب ~~أيضا أن يكون قبل النبوة معصوما من الغلط والسهو في كل شيء، وزعم بعضهم أنه ~~لا بد أن يكون النبي والإمام عارفا بلغة كل من بعث إليهم على اختلاف لغاتهم ~~وكثرتها، ولا بد أيضا أن يكون عالما بالصنائع والمتاجر وسائر الحرف، ليكون ~~مستغنيا بعلمه عن الرجوع إلى أحد من رعيته في دين أو دنيا، وذلك يوجب رجوع ~~المعصوم إلى غير المعصوم وإلى من يجوز عليه الخطأ أو الغلط، ولأن رجوعه ~~إليهم يقتضي نقصه عندهم وحاجته. # وعندهم أن من نفى هذا عن الأئمة والأنبياء فقد تعرض لتنقيص الأنبياء وحط ~~من مقادير الأئمة والأولياء. وعندهم أن من قال ذلك فقد تجرأ بما ادعاه ~~وقاله على تنقيص الأنبياء لا محالة، فتعين عندهم مجاهدته والقيام عليه ~~والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة ~~للأنبياء والمرسلين ولأولياء الله أئمة الدين. وبهذا ونحوه استحل أهل البدع ~~تكفير جمهور المسلمين وقتالهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم وسبي عيالهم، ~~واستعانوا عليهم بالكفار من النصارى والمشركين PageV01P204 # الترك التتار «1» حتى فعلوا بديار الإسلام ما فعلوه بالعراق وخراسان ~~والجزيرة والشام، وغير ذلك. وكذلك فعلوا بمصر والمغرب في دولة العبيديين. # وإذا كان مثل هذا القول يقوله أهل البدع والضلال بل أهل الردة والنفاق، ~~كما يقوله الكفار في أهل الإيمان، وقد يقوله المحق فيمن يستحقه، وأكثر من ~~عرف أن يقوله في أهل العلم هم أهل البدع والنفاق والكفار. ولا ريب أن قول ~~هذا المبتدع الجاهل هو بهم أشبه إذ هو ms218 من أهل البدع الجهال، ليس هو ممن ~~يعرف النظر والاستدلال. # الوجه الرابع: أن يقال: علماء المسلمين وأئمة الدين ما زالوا يتنازعون في ~~بعض المسائل فيبيح هذا من الفروج ما يحرمه هذا، كما يبيح كثير نكاح أم ~~المزني بها وابنتها، ولا يرون الزنا ينشر حرمة المصاهرة، وهو قول الشافعي ~~وغيره. وآخرون يحرمون ذلك وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وتنازعوا في الخلية ~~والبرية والبائن والبتة ونحو ذلك من كنايات الطلاق الظاهرة، فقوم يقولون هي ~~واحدة رجعية كما قاله عمر بن الخطاب وغيره، وهو قول الشافعي وغيره. وقوم ~~يقولون هي ثلاث؛ كما نقل عن علي، وهو مذهب مالك وغيره. وقوم يقولون واحدة ~~بائنة كما نقل عن ابن مسعود، وهو مذهب أحمد. وأحمد كان يتوقف في ذلك وترجح ~~عنده الثلاث ويكره أن يفتي به، وإن نوى واحدة فهي رجعية عنده، ولو نوى ~~بائنة لم تكن إلا رجعية كقول الشافعي، وروي عنه أنها تكون بائنة، كقول أبي ~~حنيفة. # وكما تنازعوا فيما إذا خلعها بعد طلقتين فأباحها ابن عباس وطاوس وعكرمة ~~وغيرهم، وقالوا: الخلع ليس بطلاق، واستدلوا بالكتاب والسنة وهو أحد قولي ~~الشافعي، وظاهر مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهم ~~من فقهاء الحديث، وقيل: بل هي طلقة واحدة كما نقل عن عثمان وغيره من ~~الصحابة، لكن ضعف أحمد وابن خزيمة وغيرهما كل ما نقل عن الصحابة إلا قول ~~ابن عباس، وهو قول كثير من التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي في ~~القول الآخر. # وتنازعوا فيما سوى ذلك، وهم كلهم مجتهدون مصيبون بمعنى أنهم مطيعون لله، ~~وأما بمعنى العلم بحكمه في نفس الأمر فالمصيب واحد وله أجران والآخر له ~~PageV01P205 # أجر، وخطأه مغفور له، لا يطلق القول على أحدهم أنه أحل ما حرم الله وحرم ~~الله وحرم ما أحل الله بمعنى الاستحلال والتعمد. وإذا أريد أن ذلك وقع على ~~وجه التأويل فعامة العلماء وقعوا في مثل هذا، والله يأجرهم ولا يؤاخذهم على ~~خطئهم. # الوجه الخامس: أن يقال: قول القائل فيما يتكلم فيه العلماء ms219 بالأدلة ~~الشرعية، مثل ما إذا قيل: إنه لا يجوز الحلف بالأنبياء ولا النذر لهم، ولا ~~السجود لقبورهم، ولا الحج إليها، ولا اتخاذ قبورهم مساجد ونحو ذلك، أو قيل: ~~إنه لا تجب الصلاة على النبي في الصلاة، كما قاله مالك وأكثر العلماء. أو ~~قيل: إنه يكره الصلاة عليه عند الذبح أو لا يستحب، كما هو قول مالك وأحمد. ~~وقيل: يستحب؛ وهو قول الشافعي. فإذا قال قائل في مثل هذه المسائل: إن هذا ~~تنقيص للأنبياء؛ فإن أراد بذلك أن قائل هذا القول قصد التنقيص لهم، والعيب ~~لهم، والطعن عليهم، والشتم؛ فقد كذب وافترى كذبا ظاهرا. وإن قال: إنه نقصهم ~~عما يستحقونه عند الله فهذا محل النزاع، فصاحب القول الآخر يقول بل أخطأ ~~فيما يستحقونه ولم يقل ما ينقص درجتهم التي يستحقونها، وإن قدر أنه أخطأ في ~~اجتهاده فلا إثم عليه في ذلك، فكيف إذا كان هو المصيب للصواب المتبع للكتاب ~~والسنة، ولما كان عليه التابعون مع الأصحاب. # الوجه السادس: أنه إنما يقبل قول من يدعي أن غيره يخالف الإجماع إذا كان ~~ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ذلك، لا يكون ~~مثل هذا المعترض الذي لا يعرف نفس المذهب الذي انتسب إليه، ولا ما قال ~~أصحابه في مثل هذه المسألة التي قد افترى فيها وصنف فيها، فكيف يعرف مثل ~~هذا إجماع علماء المسلمين مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال؟ # الوجه السابع: أن لفظ «كم» يقتضي التكثير وهذا يوجب كثرة المسائل التي ~~خرق المجيب فيها الإجماع، والذين هم أعلم من هذا المعترض وأكثر اطلاعا ~~اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، ~~بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع كما ظنه بعضهم في ~~مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلا ومن الاستدلال فقها وحديثا ~~ما لم يطلع عليه. # الوجه الثامن: إن المجيب ولله الحمد لم يقل قط في مسألة إلا بقول قد سبقه ~~إليه العلماء، فإن كان قد يخطر له ويتوجه ms220 له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف ~~أنه قد قال بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد: «إياك أن تتكلم في مسألة ليس ~~لك فيها إمام» فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولا يخرق به إجماع ~~المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟ فهل يتصور أن يكون ~~الإجماع واقعا في موارد النزاع؟ ولكن من لم يعرف أقوال العلماء قد يظن ~~الإجماع من عدم # PageV01P206 # علمه النزاع وهو مخطئ في هذا الظن لا مصيب. ومن علم حجة على من لم يعلم، ~~والمثبت مقدم على النافي. # الوجه التاسع: إن دعوى الإجماع من علم الخاصة الذي لا يمكن الجزم فيه ~~بأقوال العلماء، إنما معناها عدم العلم بالمنازع، ليس معناها الجزم بنفي ~~المنازع، فإن ذلك قول بلا علم، ولهذا رد الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما على ~~من ادعاها بهذا المعنى، وبسط الشافعي في ذلك القول، وأحمد كان يقول هذا ~~كثيرا، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه أن الناس لم يختلفوا؟ ~~ولكن يقول: لا أعلم مخالفا. وأبو ثور قال: إن الذي يذكر من الإجماع معناه ~~أنا لا نعلم منازعا، ثم ما يعرف من ادعى الإجماع في هذه الأمور إلا وقد وجد ~~في بعض ما نذكره من الإجماعات نزاعا لم يطلع عليه، كما قد بسط الكلام على ~~هذا في مواضع. فإذا كان هذا في ادعاء العلماء الأكابر فكيف بما يدعيه هذا ~~المعترض من الإجماع، وهو من حين ادعائه الإجماع في هذه المسألة المتنازع ~~فيها- وهو السفر إلى غير المساجد الثلاثة- فجعل السفر لمجرد زيارة القبور ~~أمرا مجمعا عليه وإن من قال بخلاف ذلك فقد تنقص الأنبياء وجاهرهم بالعداوة؟ # والإجماع من علماء المسلمين إنما هو على خلاف ما ظنه هو وأمثاله ممن ~~يتحكمون في الدين بلا علم، فإنهم مجمعون على أن قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» متناول لشد الرحال لزيارة ~~القبور، ثم تنازعوا هل موجب الحديث النهي والتحريم أو موجبه نفي الفضيلة ~~والاستحباب؟ فمن قال إنه يستحب ms221 شد الرحال إلى غير الثلاثة كزيارة القبور؛ ~~فهذا هو الذي خالف الإجماع بلا ريب، مع مخالفته للرسول صلى الله عليه وسلم، ~~فهو ممن خالف الرسول والمؤمنين واتبع غير سبيلهم، لكن إذا لم يكن قد تبين ~~له الهدى عرف ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لم يكفر، فإن ~~الله إنما ألحق الوعيد بمن شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير ~~سبيل المؤمنين، فقد توعده بأنه يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا. # ومن قال: إن السفر إلى غير الثلاثة كزيارة القبور مستحب، فقد خالف الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وخالف علماء أمته. وأما السفر إلى مسجده صلى الله عليه ~~وسلم فهو سفر إلى أحد المساجد الثلاثة ليس مما نهى عنه، وإذا فعل في مسجده ~~ما شرع من الزيارة الشرعية وصلى عليه وسلم كما أمر الله وعلم فهو محسن في ~~هذه الزيارة، كما كان محسنا في شد الرحل إلى مسجده، وهذا هو الذي أجمع عليه ~~المسلمون أيضا، كما أجمعوا أنه لا تشد الرحال لمجرد زيارة القبور، فذاك ~~الإجماع على شدها إلى مسجده وزيارته الشرعية حق، وهذا الإجماع على أنه لا ~~يستحب شد الرحال إلى غير الثلاثة حق، وكلا الإجماعين معه نص عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. والعالم من اتبع هذا وهذا، ليس هو من # PageV01P207 # ترك النص والإجماع من أحد الجانبين وتمسك في الجانب الآخر بألفاظ مجملة ~~يظن الإجماع على ما فهمه منها، ولم تجمع الأمة على ما فهمه، بل ما فهمه قد ~~تكون مجمعة على تحريمه كمن يفهم من الزيارة لقبورهم الحج إليهم ودعاءهم من ~~دون الله، فهذا مجمع على تحريمه، فمن يفهم من الزيارة الحج إليهم ودعاءهم ~~من دون الله فهذا مجمع على تحريمه، والله أعلم. # الوجه العاشر: أن النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة ~~القبور؛ إنما يكون تنقصا بالنبي لو كانت زيارة القبور المشروعة هي من باب ~~تعظيم الزائر للمزور، والخضوع له، وإنه إنما شرع زيارة قبره لعظم قدره ~~وجاهه عند ms222 الله، وعلو مرتبته عنده. فإن قيل: إنه لا يزار قبره أو لا يسافر ~~إلى زيارة قبره، كان ذلك غضا ونقصا لمنزلته المذكورة. وليس الأمر في دين ~~الإسلام كذلك، بل زيارة القبور التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذنا فيها وفعلا لها أو ترغيبا فيها؛ إنما المقصود بها نفع الزائر للمزور، ~~وإحسانه إليه بدعائه له واستغفاره له إن كان مؤمنا، وإن كان كافرا. # فالمقصود بها تذكرة الموت، ليس المقصود بما شرعه الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم من زيارة القبور خضوع الزائر للمزور لعلو جاهه وقدره. وبهذا يظهر ~~الفرقان بين الزيارة الشرعية والمباحة والمستحبة، وبين الزيارة البدعية ~~المكروهة المنهي عنها. وإذا كان كذلك؛ فمعلوم أن الأنبياء والصالحين إذا ~~كانت زيارة قبورهم إنما هي الدعاء لهم، كما يصلى على جنائزهم، كزيارة سائر ~~قبور المؤمنين ليست خضوعا من الزائر لهم لعلو جاههم وعظم قدرهم؛ لم يكن في ~~ترك هذه الزيارة تنقص بهم، ولا غض من قدرهم، فترك الإنسان زيارته لكثير من ~~قبور المسلمين لا يكون تنقصا لهم، ولو كان ترك زيارتهم تنقصا لكان فعلها ~~واجبا. وكذلك إذا نهي عن السفر إليها كما نهي عن السفر لزيارة سائر القبور، ~~فلا يخطر ببال أحد أن ذلك تنقص بهم، فأن لا يكون ذلك تنقصا بالأنبياء أولى ~~وأحرى، وإنما ظن النهي أو الترك تنقصا من ظن أن الزيارة خضوع لهم لجاههم ~~وعظم قدرهم، كالإيمان بهم وطاعتهم وتصديقهم فيما أخبروا به عن الله. # ولا ريب أن من قال لا يجب الإيمان بهم أو لا تجب طاعتهم وتصديقهم أو طعن ~~في شيء مما أخبروا به عن الله أو أمروا به فقد تنقصهم وهو كافر مرتد إن ~~أظهر ذلك، ومنافق زنديق إن أبطنه. وهذا الموضع منشأ الاشتباه على كثير من ~~الناس، فلفظ زيارة القبور في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وما فعله هو ~~من الزيارة لم يكن شيء منها خضوعا للميت، ولا تعظيما له لجاهه وقدره، بل ~~كان ذلك دعاء له كما يدعى له إذا صلى على ms223 جنازته، وإذا كان الذي يصلي على ~~جنازته ويزار قبره أعظم قدرا كان الدعاء له أعظم، لكن فرق بين أن يقصد دعاء ~~الله له ليرحمه ويزيده من فضله، وبين أن يقصد دعاؤه وسؤاله والاستشفاع به ~~لجاهه وقدره عند الله. فالزيارة المشروعة من الجنس الأول من جنس # PageV01P208 # الأول من جنس الصلاة على الجنازة لا من جنس الثاني، كرغبة الخلق يوم ~~القيامة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم، وكرغبة أصحابه إليه في ~~حياته أن يدعو لهم ويستسقي لهم، فهذا الطلب منه كان لعلو جاهه وعظم منزلته ~~عند الله، ولهذا يأتون يوم القيامة إلى أولي العزم فيردهم هذا إلى هذا، حتى ~~يردهم المسيح إليه. وفي حياته كانوا يطلبون منه الدعاء ويتوجهون به إلى ~~الله، ويتوسلون إليه بدعائه وشفاعته لجاهه عند الله، ولما مات استسقوا ~~بالعباس عمه وقال عمر: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا ~~فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ فيسقون» رواه البخاري في صحيحه ~~«1». # ومعنى قوله: كنا نتوسل إليك بنبينا؛ أي: بدعائه وشفاعته، ولهذا توسلوا ~~بعد موته بدعاء العباس وشفاعته لما تعذر عليهم التوسل به بعد موته، كما ~~كانوا يتوسلون به في حياته، ولم يرد عمر بقوله: «كنا نتوسل إليك بنبينا»: ~~أن نسألك بحرمته، أو نقسم عليك به من غير أن يكون هو داعيا شافعا لنا، كما ~~يفعله بعض الناس بعد موته، فإن هذا لم يكونوا يفعلونه في حياته، إنما كانوا ~~يتوسلون بدعائه، ولو كانوا يفعلونه في حياته لكان ذلك ممكنا بعد موته كما ~~كان في حياته، ولم يكونوا يحتاجون أن يتوسلوا بالعباس. وكثير من الناس يغلط ~~في معنى قول عمر وإذا تدبره عرف الفرق «2». # ولو كان التوسل به بعد موته ممكنا كالتوسل به في حياته لما عدلوا عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العباس. وكذلك معاوية لما استسقى توسل بدعاء ~~يزيد بن الأسود الجرشي «3». وكذلك نقل عن الضحاك بن قيس «4». فمن فهم مراد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور وفرق بين الشرعية والبدعية، تبين ms224 ~~له الحق من الباطل. # ونبينا صلى الله عليه وسلم أمر الله بالصلاة والسلام عليه، وأمر عند سماع ~~الأذان أن تطلب الوسيلة له، فهذا حق له على الأمة، وهو مشروع مأمور به في ~~كل مكان، لا يختص به في مكان عند قبره، فلم يبق في زيارة قبره أمر يختص به ~~ذلك المكان بخلاف غيره. # وأيضا فنهى عن اتخاذ بيته عيدا وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي ~~حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وكذلك السلام، قال: «إن لله ملائكة سياحين ~~يبلغوني عن PageV01P209 # أمتي السلام». فصلاة الأمة وسلامها يصل إليه من جميع الأمكنة، وقد نهى عن ~~اتخاذ بيته عيدا لئلا يتخذ قبره وحدثنا ومسجدا، بخلاف قبور سائر المؤمنين، ~~فإنه إذا دعي لأحدهم عند قبره لم يفض ذلك إلى أن يتخذ وحدثنا ومسجدا إلا ~~إذا اتخذ مسجدا. # فلهذا نهى عن اتخاذ القبور قبور الأنبياء والصالحين مساجد. # فتبين أن الذي يجعل ما أمر الله به ورسوله تنقيصا إنما هو لجهله وشركه ~~وضلاله ونقص علمه وإيمانه بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ~~المنقص للرسول الطاعن عليه، الذام لما جاء به الآمر بما نهى عنه، الناهي ~~عما أمر به، المبدل لشريعته، وهو أحق بالكفر والقتل، فإنه إن كان المخطئ ~~المخالف للرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة كافرا يجب قتله؛ فلا ريب ~~أنه المخالف، فيكون كافرا مباح الدم. وإن كان المخطئ معذورا لأنه لم يقصد ~~مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما خفيت عليه سنته، واشتبه عليه الحق؛ ~~لم يكفر ولم يقتل واحد منهما، لكن المخالف له أقرب إلى الكفر وحل الدم، ~~فإما أن يكون الموافق له المتبع لسنته الآمر بما أمر به الناهي عما نهى عنه ~~كافرا مباح الدم، والمخالف له المبدل لدينه الطاعن في شريعته المعادي لسنته ~~المعادي لأوليائه المبلغين لسنته معصوم الدم؛ فهذا تبديل الدين وقلب لحقائق ~~الإيمان، وهو فعل أهل الجهل والطغيان؛ كالنصارى وعباد الأوثان. # الوجه الحادي عشر: أن يقال: الذين يأمرون بالحج إلى القبور ودعاء الموتى ~~والاستغاثة بهم ms225 والتضرع لهم، ويجعلون السفر إلى قبورهم كالسفر إلى المساجد ~~الثلاثة أو أفضل منه؛ هم مشركون من جنس عباد الأوثان، قد جعلوا القبور ~~أوثانا. # وهذا هو الذي دعا الرسول ربه فيه فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، ~~اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فقبره لا يمكن أحد أن ~~يصل إليه حتى يتخذه وحدثنا، وإنما يصل إلى مسجده، لكن يقصد المسافر إليه أن ~~يتخذه وحدثنا كقبر غيره، أو يظن ذلك ولكن لا يمكنه ذلك، بخلاف قبور غيره ~~فإن فيها ما اتخذ أوثانا، وقد ثبت بل استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد، ونهى أمته عن ذلك، فإذا كان من ~~اتخذها مسجدا يصلي فيه لله تعالى ويدعو الله ملعونا؛ فالذي يقصدها ليدعو ~~فيها غير الله ويتضرع فيها لغير الله ويخضع ويخشع فيها لغير الله أحق ~~باللعنة، وإنما لعن الأول لأن فعله ذريعة إلى هذا الشرك الصريح. ومعلوم أن ~~المسافرين لقبور الأنبياء والصالحين يفعلون هذا وأمثاله ويسافرون لذلك. فمن ~~أمر بذلك واستحبه كان آمرا بالشرك بالله واتخاذ أنداد من دونه، آمرا بما ~~حرم الله ورسوله ولعن فاعله. # والشرك أعظم الذنوب، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله ~~أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن # PageV01P210 # تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» ~~«1». # وأنزل الله تصديق ذلك: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون [الفرقان: 68] الآية وقال تعالى: ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48]. ~~ومعلوم أن الأنبياء إنما وجب تعظيمهم لأنهم صفوة عباد الله، ولأنهم أمروا ~~بتوحيده وعبادته، وبلغوا أمره ونهيه، قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25] وقال تعالى: ~~ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ms226 اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36] ~~وقال تعالى: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ~~[الزخرف: 45]. # فالغلاة في المخلوقين كالنصارى ونحوهم من أهل البدع صاروا بغلوهم مشركين، ~~قال تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ~~[التوبة: 31] وقال تعالى: # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا ~~بالله ورسله [النساء: 171] إلى قوله: # فسيحشرهم إليه جميعا [النساء: 172]. # ومعلوم أنه إذا فرض ذنبان أحدهما: الشرك والغلو في المخلوق. والثاني: # نقص رسول من بعض حقه، كمن يعتقد في المسيح أنه صلب مع أنه رسول الله، ~~ومعلوم أن نجاته ورفعه إلى السماء أعظم قدرا من أن يسلط العدو عليه حتى ~~يصلب، فلو نقصه رجل ذلك واعتقد أنه صلب، ولم يعلم أن القرآن نفى صلبه؛ كان ~~هذا الخطأ دون خطأ من غلا فيه وأشرك به. ولو قال قائل: إنه لا تشرع زيارة ~~القبور بحال لا بسفر ولا غير سفر، وقال آخر: بل يشرع السفر إليهم لدعائهم ~~والتضرع لهم كما يفعله المشركون وأهل البدع؛ لكان هذا الشرك أعظم خطأ ~~وضلالا من ذلك النقص. # فالشرك عند الله أعظم إثما، وصاحبه أعظم عقوبة، وأبعد من المغفرة من ~~المتنقص لهم عن كمال رتبتهم، فإنه إذا كان كلاهما كافرا، فكفر المشركين ~~أعظم. وكل شرك بالله فهو تكذيب للرسل وتنقص بهم، وليس كل من كذب بعض ما ~~جاءوا به يكون مشركا كافرا، مثل كثير من أهل الكتاب، فالشرك أعظم الذنوب. ~~وهؤلاء الجهال المضاهون للنصارى غلوا في التخلص من النقص حتى وقعوا في ~~الشرك والغلو وتكذيب الرسول الذي هو أعظم إثما، كما أصاب النصارى، فكانوا ~~كالمستجيرين من الرمضاء بالنار، وكان ما فروا إليه من الشرك والغلو وتكذيب ~~الرسل وتنقصهم، أعظم PageV01P211 # إثما وعقابا مما فروا منه مما ظنوه تنقصا، ولو فروا مما هو ms227 نقص لبعض ~~أقدارهم فوقعوا في الشرك كان ما فروا إليه شرا مما فروا منه. والدين الحق ~~دين الإسلام؛ عبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسله كما يدل عليه قولنا: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. والله سبحانه جمع بين ~~هذين الأصلين في غير موضع، كقوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا [البقرة: 21، ~~22] الآية. فبدأ بالتوحيد ثم قال: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~[البقرة: 23] الآية. وفي أول آل عمران قال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~[آل عمران: 2] ثم قال: نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل ~~التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان [آل عمران: 3، 4] فذكر ~~التوحيد أولا ثم ذكر النبوات المتضمنة إنزال الكتاب. وفي سورة القصص قال: ~~ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ~~[القصص: 62، 63] إلى قوله: ماذا أجبتم المرسلين [القصص: 65] فذكر مناداتهم ~~لتحقيق التوحيد أولا، ثم مناداتهم ماذا أجابوا المرسلين، وذكر تبري ~~المعبودين من العابدين، ثم قال: ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون إلى قوله: ما كانوا يفترون [القصص: 75] فذكر هناك اعتراف المشركين ~~بالتوحيد، وهنا اعتراف المعبودين، وذكر في سورة يونس نظير ما في البقرة، ~~فقرر التوحيد أولا ثم النبوة، فقال بعد قوله: ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول ~~للذين أشركوا مكانكم [يونس: 28] إلى قوله: فأنى تصرفون [يونس: 32] وذكر أنه ~~ليس معهم إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا. ثم قال: وما كان هذا القرآن ~~أن يفترى من دون الله [يونس: 37] إلى قوله: إن كنتم صادقين [يونس: 38] فقرر ~~النبوة ثم تحداهم بالمعارضة، ليبين عجزهم وعجز جميع الإنس والجن عن أن ~~يأتوا بمثله، وأنه إنما أنزله الله. وكذلك سورة هود افتتحها بقوله: كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير [هود: 1] إلى قوله: ثم توبوا إليه ~~[هود: 3] وافتتحها بذكر الكتاب، فإنه الداعي إلى التوحيد، فإن ms228 هذه نزلت ~~بمكة ولم يكونوا مقرين بالتوحيد بخلاف آل عمران فإنها من أواخر ما نزل؛ ~~نزلت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر، والخطاب مع النصارى، وكانوا مقرين ~~بالتوحيد، لكن ابتدعوا شركا وغلوا واتبعوا المتشابه، من جنس الذين يحجون ~~إلى القبور ويتخذونها أوثانا، ولهذا لما ذكر آية التحدي في هؤلاء قال: أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات [هود: 13] إلى قوله: مسلمون ~~[هود: 14] وأظهر عجزهم وإن القرآن منزل من الله بالإيمان بالكتاب والرسول ~~وبالتوحيد قال: فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو [هود: 14] ~~وقوله بعلمه أي نزل متضمنا لعلمه أخبر فيه بعلمه كما قال: لكن الله يشهد ~~بما أنزل # PageV01P212 # إليك أنزله بعلمه [النساء: 166] فتبين أن الذي تضمنه هو علم الله، لا علم ~~غيره، ولو كان كلام غيره لكان مضمونه علم ذلك المتكلم. ومن قال: أنزله وهو ~~يعلمه؛ فقوله ضعيف، فإنه يعلم كل شيء وليس كلامه في إثبات علمه، ومثل هذا ~~في القرآن مذكور في مواضع. وقد قال تعالى: فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما ~~كانوا يعملون [الحجر: 92، 93] قال أبو العالية- وهو من قدماء التابعين-: ~~خلتان يسأل عنهما الأولون والآخرون؛ ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم ~~المرسلين. وقال تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط [البقرة: 136] الآية فجمع في هذه ~~الآية بين الإيمان بما أنزله على أنبيائه وبين عبادته وحده لا شريك له. # وفي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر بهذه ~~الآية، وبآية من آل عمران قوله: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم [آل عمران: 64] الآية «1». # وهذه الآية هي التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ملك النصارى ~~في كتابه إليه وآية البقرة قد قال قبلها: وقالوا كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا قل بل ملة إبراهيم [البقرة: 135] الآية. # وهذا هو التوحيد ثم ذكر في هذه الآية الإيمان بما أنزل على أنبيائه، ثم ~~قال: قل أتحاجوننا في الله وهو ms229 ربنا وربكم [البقرة: 139] الآية. فأفصح في ~~آخر الآيات الثلاث بإخلاص الدين كله لله، مع أن الربوبية شاملة، والأعمال ~~مختصة لكل عامل عمله، والإخلاص يتناول الإخلاص في عبادته والإخلاص في ~~التوكل عليه. # وفي المأثور عن أبي الدرداء رواها أبو نعيم في الحلية وغيره أنه كان ~~يقول: # «ذروة الإيمان الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام ~~للرب» «2». وهذان الأصلان؛ توحيد الرب والإيمان برسله، لا بد منهما، ولهذا ~~لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وهذا يتضمن الإسلام والإيمان، وهو الدين الذي بعث الله به جميع النبيين، ~~فكلهم كانوا مسلمين مؤمنين قائمين بهذين الأصلين. وقد بسط الكلام على مسمى ~~الإيمان والإسلام في مواضع، مثل شرح النصوص الواردة في الإسلام والإيمان في ~~الكتاب والسنة وغير ذلك «3». PageV01P213 ### | [واجب الموحد تجاه الملائكة والأنبياء] # والمقصود هنا، أن الله أمرنا أن نؤمن بالملائكة والأنبياء، وأمر أن لا ~~نتخذهم أربابا ولا نشرك بهم، ولا نغلو فيهم، ولا نعبد إلا الله وحده، قال ~~تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق [البقرة: 136] الآية. فأمرنا أن نؤمن بما أوتي جميع الأنبياء، ولهذا ~~كان الإيمان بجميع ما جاءوا به واجبا، ومن كفر بنبي معلوم النبوة فهو كافر ~~مرتد، ومن سب نبيا كان مرتدا مباح الدم باتفاق الأئمة، وإنما تنازعوا في ~~قبول توبته. وقد بين كفر من يؤمن ببعض ويكفر ببعض، فقال تعالى: # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض [النساء: 150] إلى قوله: أولئك هم الكافرون حقا ~~[النساء: 151] الآية. وقال تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون [البقرة: 285] الآية. وقال تعالى: # ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ~~[البقرة: 177]. وقال تعالى: # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك ~~على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [البقرة: 4، 5] ودين الأنبياء واحد ~~وملتهم واحدة، وهي الأمة، وإنما تنوعت شرائعهم ومناهجهم، كما قال ms230 تعالى: ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48]. # وقد افترق اليهود والنصارى، فاليهود جفوا عنهم فكذبوهم وقتلوهم كما أخبر ~~الله عنهم بقوله: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا ~~كذبتم وفريقا تقتلون [البقرة: 87] والنصارى غلوا فيهم؛ فأشركوا بهم حتى ~~كفروا بالله، قال تعالى: # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله [النساء: 171] إلى قوله: فسيحشرهم إليه ~~جميعا [النساء: 172] الآية. فبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن ~~مشابهة اليهود، وبعبادة الله وحده والاعتراف بأنهم عباد الله، لا يجوز ~~اتخاذهم أربابا ولا الشرك بهم والغلو فيهم، يخرج عن مشابهة النصارى. فإن ~~اتخاذهم أربابا كفر، قال الله تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [آل عمران: 80]. ~~والنصارى يشركون بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان، قال تعالى: اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] الآية. فمن غلا فيهم ~~واتخذهم أربابا فهو كافر، ومن كذب شيئا مما جاءوا به أو سبهم أو عابهم، أو ~~عاداهم، فهو كافر. فلا بد من رعاية هذا الأصل. # وهذا المعترض وأمثاله التفتوا إلى جانب التعظيم لهم، دون جانب التوحيد ~~لله # PageV01P214 # والنهي عن الشرك، فوقعوا في الغلو والشرك، فبقوا مشابهين للنصارى. وهذا ~~مخالف لدين الإسلام، كما أن من لم يؤمن بهم وبما جاءوا به ومن لم يجعل ~~الطريق إلى الله هو اتباعهم وموالاتهم، ومعاداة من خالفهم، فهو مخالف لدين ~~الإسلام. # الوجه الثاني عشر: # أن يقال: لا ريب أن الجهاد والقيام على من خالف الرسل والقصد بسيف الشرع ~~إليهم وإقامة ما يجب بسبب أقوالهم نصرة للأنبياء والمرسلين، وليكون عبرة ~~للمعتبرين ليرتدع بذلك أمثاله من المتمردين، من أفضل الأعمال التي أمرنا ~~الله أن نتقرب بها إليه، وذلك قد يكون فرضا على الكفاية وقد يتعين على من ~~علم أن غيره لا يقوم به. # والكتاب والسنة مملوءان بالأمر بالجهاد وذكر فضيلته، لكن يجب أن يعرف ~~الجهاد الشرعي الذي أمر الله به ورسوله من الجهاد ms231 البدعي بجهاد أهل الضلال ~~الذين يجاهدون في طاعة الشيطان وهم يظنون أنهم مجاهدون في طاعة الرحمن، ~~كجهاد أهل البدع والأهواء، كالخوارج ونحوهم الذين يجاهدون في أهل الإسلام ~~«1»، وفيمن هو أولى بالله ورسوله منهم من السابقين الأولين والذين اتبعوهم ~~بإحسان إلى يوم الدين، كما جاهدوا عليا ومن معه، وهم لمعاوية ومن معه أشد ~~جهادا، ولهذا قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي ~~رواه أبو سعيد قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أدنى ~~الطائفتين إلى الحق» «2» فقتلهم علي ومن معه، إذ كانوا أولى بالحق من ~~معاوية ومن معه، وهم كانوا يدعون أنهم يجاهدون في سبيل الله لأعداء الله. ~~وكذلك من خرج من أهل الأهواء على أهل السنة واستعان بالكفار من أهل الكتاب ~~والمشركين والتتر وغيرهم، هم عند أنفسهم مجاهدون في سبيل الله. بل وكذلك ~~النصارى هم عند أنفسهم مجاهدون. PageV01P215 # وإنما المجاهد في سبيل الله من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون ~~الدين كله لله، كما في الصحيحين عن أبي موسى قال: قيل: يا رسول الله الرجل ~~يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء؛ فأي ذلك في سبيل الله؟ قال صلى ~~الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» ~~«1». وقد قال الله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ~~[الأنفال: 39] والجهاد باللسان هو لما جاء به الرسول كما قال تعالى في ~~السورة المكية الفرقان: ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين ~~[الفرقان: 51، 52] الآية. وإذا كان كذلك، فالجهاد أصله ليكون الدين كله ~~لله، بحيث تكون عبادته وحده هو الدين الظاهر، وتكون عبادة ما سواه مقهورا ~~مكتوما أو باطلا معدوما، كما قال في المنافقين وأهل الذمة، إذا كان لا يمكن ~~الجهاد حتى تصلح جميع القلوب فإن هدى القلوب إنما هو بيد الله، وإنما يمكن ~~حتى يكون الدين ظاهرا دين الله، كما قال تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله [التوبة: 33]. # ومعلوم أن ms232 أعظم الأضداد لدين الله هو الشرك، فجهاد المشركين من أعظم ~~الجهاد، كما كان جهاد السابقين الأولين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من ~~قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». # وكلمة الله؛ إما أن يراد بها كلمة معينة؛ وهي التوحيد لا إله إلا الله، ~~فيكون هذا من نمط الآية. وإما أن يراد بها الجنس أن يكون ما يقوله الله ~~ورسوله فهو الأعلى على كل قول، وذلك هو الكتاب ثم السنة، فمن كان يقول بما ~~قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه، فهو القائم بكلمة الله، ~~ومن قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول؛ فهو الذي يستحق ~~الجهاد. # وهذا المعترض وأمثاله قد خالفوا قول الله ورسوله وسائر أئمة المسلمين، ~~فإنهم متفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد» وأن شد الرحال لزيارة القبور داخل في ذلك، إما بطريق العموم ~~اللفظي، كدخول المساجد، وإما بطريق الفحوى وتنبيه الخطاب. فإنه إذا كان ~~السفر إلى المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله غير مشروع، فما دونها أولى ~~أن لا يكون مشروعا، ومعلوم أن الصلوات الخمس جماعة وفرادى وقراءة القرآن ~~والاعتكاف والذكر والدعاء هو مشروع في المساجد، وهو في المساجد أفضل منه في ~~القبور، فإذا كان لا يسافر لذلك إلى المساجد فلا يسافر لذلك إلى القبور ~~بطريق الأولى، وإذا لم يسافر لهذه العبادات التي يحبها الله ورسوله، وهي ~~إما واجبة مستحبة، إذا لم يسافر لها لا إلى المساجد ولا إلى PageV01P216 # القبور، فلا يسافر إلى القبور. ولما لم يأمر الله به من الشرك والبدع ~~بطريق الأولى، فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الرسول، لكن لمن عرف دينه ~~المتفق عليه بين علماء أمته، فمن جعل هذا السفر مستحبا أو مشروعا أو استحل ~~عداوة من نهى عنه وعقوبته، فهذا محاد لله ولرسوله، وهو المستحق للجهاد دون ~~الآمر بما أمر الله به الناهي عما نهى الله عنه، فإنه يجب نصره وموالاته، ~~كما ms233 يجب جهاد المخالف له ومعاداة ما أتاه من الباطل. وما استحبه علماء ~~المسلمين وأجمعوا عليه من السفر إلى مسجد الرسول وزيارته على الوجه الشرعي ~~فهذا مستحب بالإجماع لا ينازع فيه أحد، فإن كانوا يجاهدون من نهى عن هذا ~~فهذا لا وجود له. # وإن جاهدوا أهل النزاع من المسلمين، فمسائل النزاع إما أن لا يكون فيها ~~جهاد بل جدال وبيان وحجة وبرهان، وهذا جهاد باللسان، وإما أن يكون فيها ~~جهاد، فيكون لمن خالف السنة والرسول، لا من اتبع الكتاب والسنة، وما كان ~~عليه سلف الأمة. # وحينئذ فعلى كل تقدير قد تبين أن المعترض وأمثاله من أهل البدع والضلال ~~والكذب والجهل وتبديل الدين وتغيير شريعة الرسل هم أولى بأن يجاهدوا باليد ~~واللسان بحسب الإمكان، وإنهم فيما استحلوه من جهاد أهل العلم والسنة من جنس ~~الخوارج المارقين، بل هم شر من أولئك، فإن أولئك لم يكونوا يدعون إلى الشرك ~~ومعصية الرسول، وظنهم أنهم ينصرونهم ظن باطل لا ينفعهم، كظن النصارى أنهم ~~ينصرون المسيح ورسل الله، وقد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون [التوبة: # 31]. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما قال له ما ~~عبدوهم قال: «إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت ~~تلك عبادتهم إياهم» «1». رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما وصححه. ~~PageV01P217 # فقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى أن رءوسهم لما أحلوا لهم ~~الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، كانت تلك الطاعة عبادة لهم وشركا ~~بالله، وهذا يتناول ما إذا أحلوا أو حرموا، معتمدين للمخالفة أو متأولين ~~مخطئين، لا سيما وعلماء النصارى هم عند أنفسهم لم يفعلوا إلا ما يسوغ لهم ~~فعله، كالرؤساء إذا قدر أنهم اجتهدوا وأخطئوا يغفر لهم، فإن من اتبعهم مع ~~علمه بأنهم أخطئوا وخالفوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عبد غير الله ~~وأشرك به. # ومثل هذا المعترض يريد ممن يبين له سنة الرسول صلى ms234 الله عليه وسلم وشرعه ~~وتحليله وتحريمه أن يدع ذلك ويتبع غيره، وهذا حرام بإجماع المسلمين، فقد ~~أجمعوا على أن من تبين له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجز له ~~أن يقلد أحدا في خلافه «1». وأما العاجز عن الاجتهاد فيجوز له التقليد عند ~~الأكثرين، وقيل: لا يجوز بحال، وأما القادر على الاجتهاد فمذهب الشافعي ~~وأحمد وغيرهما أنه لا يجوز له التقليد، وذهب طائفة إلى جوازه، وقيل: يجوز ~~تقليد الأعلم، ويروى هذا عن محمد بن الحسن وغيره. فمن عاب من اتبع ما تبين ~~له من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستحل أن يخالفه ويتبع غيره فهو ~~مخطئ مذموم على عيبه له بإجماع المسلمين، فكيف إذا كان يدعو إلى ما يفضي ~~إلى الشرك العظيم، من دعاء غير الله، واتخاذهم أوثانا، والحج إلى غير بيت ~~الله، لا سيما مع تفصيل الحج إليها على حج بيت الله، أو تسويته به، أو جعله ~~قريبا منه، فهؤلاء المشركون والمفترون مثل هذا المعترض وأمثاله المستحقين ~~للجهاد، وبيان ما دعوا إليه من الضلال والفساد، وما نهوا عنه من الهدى ~~والرشاد، ولتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV01P218 ### | [الفرقان بين الحق والباطل] # ونختم الكلام بخاتمة في بيان الفرقان بين الحق والباطل يظهر بها طريق ~~الهدى من الضلال، وذلك أن الله سبحانه كما تقدم التنبيه عليه أمرنا أن نؤمن ~~بالأنبياء وما جاءوا به، وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث إلينا ومحبته ~~وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه، وأمرنا أيضا أن لا نعبد إلا الله وحده ولا ~~نشرك به شيئا، ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابا، وفرق بين حقه الذي يختص ~~به الذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي، وبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته ~~وأنبيائه عموما، ولمحمد خاتم الرسل وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصا، فإن ~~الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، فاصطفى من الملائكة جبريل لرسالته، ~~واصطفى من البشر محمدا صلى الله عليه وسلم، وأخبر ms235 أن هذا القرآن الذي نزل ~~به هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغا له عن الله، قال تعالى: من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله [البقرة: 97] وقال: وإنه لتنزيل رب ~~العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ~~[الشعراء: 192 - 195] كما قال في الآية الأخرى: وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل [النحل: 101] إلى قوله: عربي مبين [النحل: 103] وقوله: ~~وإذا بدلنا آية مكان آية إلى قوله: قل نزله روح القدس من ربك [النحل: 102] ~~يبين أن روح القدس نزل بآيات القرآن من ربه، وبعض الكفار لما زعم أنه يتعلم ~~من بشر، قال الله تعالى: لسان الذي يلحدون إليه [النحل: 103]- أي: يضيفون ~~إليه التعليم-: أعجمي وهذا لسان عربي مبين فدل على أن هذا اللسان العربي ~~المبين تعلمه من الملائكة، ولم يتعلمه من بشر، ولا من تلقاء نفسه، بل جاءه ~~به روح القدس، وروح القدس هو جبريل، وهو الروح الأمين، فإنه أخبر أن جبريل ~~نزله على قلبه، وأخبر أن الروح الأمين نزل به عليه، فعلم أن جبريل وهو ~~الروح الأمين. وقال هاهنا: نزله روح القدس من ربك فعلم أنه روح القدس وقال ~~في سورة التكوير: إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم ~~أمين [التكوير: 19 - 21] ثم قال: وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين ~~[التكوير: 22، 23]. كما ذكر ذلك في سورة النجم. وقال في سورة الحاقة: فلا ~~أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون [الحاقة: 38، 39] إلى قوله: تنزيل من رب ~~العالمين [الحاقة: 43] إلى قوله: حاجزين [الحاقة: 47]. # فهذا محمد كما يدل عليه الكلام كله، وهذا قول عامة العلماء، وقد غلط بعض ~~من شذ فزعم أن جبريل غلط كما غلط من هو أعظم غلطا منه فزعم أن التي في ~~التكوير في محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه وتعالى إنما أضافه إلى هذا ~~تارة وإلى هذا تارة بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين أنه قول رسول ~~بلغه عن مرسله لم يحدث منه ms236 شيئا من تلقاء نفسه. # ولا منافاة بين أن يكون ذلك الرسول بلغه إلى هذا وهذا بلغه إلى الإنس ~~والجن، فهو # PageV01P219 # قول هذا وقول هذا، وقد غلط بعض الناس فظن أنه أضافه إلى الرسول لأنه أحدث ~~القرآن العربي وعبر به عن المعنى الذي فهمه، وهذا باطل من وجوه. إذ لو كان ~~هذا حقا تناقض الخبران، فإن كون هذا أحدث القرآن العربي يناقض كون الآخر ~~أحدثه، فإنه إذا أحدثه أحدهما امتنع كون الآخر هو الذي أحدثه، بخلاف ما إذا ~~بلغه فإنه يبلغه هذا إلى هذا، وهذا إلى الناس، والناس يبلغونه بعضهم إلى ~~بعض، كما قال تعالى: # لأنذركم به ومن بلغ [الأنعام: 19] وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني ~~إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» «1». وبسط هذا ~~له موضع آخر. # والمقصود هنا؛ أن الله أوجب علينا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~خصوصا وبالملك الذي جاءه بالقرآن، فإن سائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم ~~مجملا، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر ~~به، وأن نصدقه في كل ما أخبر به، وغيره من الأنبياء عليهم السلام علينا أن ~~نؤمن بأن كل ما أخبروا به عن الله فهو حق، وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا ~~إليهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم أمرنا بما أمرتنا به الرسل من الدين ~~العام؛ مثل عبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان بالملائكة والنبيين وحمل ~~الشرائع، بعد ما ذكره في سورة الأنعام وسبحان «2»، بل وعامة السور المكية، ~~فإن ذلك مما اتفق عليه الرسل، ولكن بعض الأمور التي يقع في مثلها النسخ؛ ~~مثل يوم السبت، وحل بعض الأطعمة وحرمتها، واتخاذ منسك هم ناسكوه، وهو مما ~~تنوعت فيه الشرائع وخص الله محمدا صلى الله عليه وسلم بأفضل الشرائع ~~والمناهج، وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا، أن الله تعالى أمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم، وبجميع ms237 ما ~~أوتوا، كما قال تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى [البقرة: ~~136] الآية. وقال تعالى: ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين [البقرة: 177] وقال تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ~~ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله [البقرة: 285] وقال ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل [النساء: 136] إلى قوله: وكان الله غفورا رحيما ~~[النساء: 152]. # فالأنبياء وسائط بين الله عز وجل وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ~~ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته، وغير ذلك مما كان وسيكون. وأما محمد ~~صلى الله عليه وسلم فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق، وقد ختم الله به ~~الأنبياء، وآتاه من PageV01P220 # الفضائل ما فضله به على غيره، وجعله سيد ولد آدم، وخصائصه وفضائله كثيرة ~~وعظيمة، لا يسعها هذا الموضع. # وهو سبحانه مع هذا قد نهانا عن الشرك بهم والغلو فيهم، وميز بين حقه ~~تعالى وحقهم، فقال تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله [آل عمران: 79] إلى قوله: مسلمون ~~[آل عمران: 80] فهذا بيان أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، مع وجوب ~~الإيمان بهم ما لم يحصل بعبادة الأوثان، فإن الأوثان تستحق الإهانة وأن ~~تكسر كما كسر إبراهيم الأصنام، وكما حرق موسى العجل ونسفه، وكما كان نبينا ~~صلى الله عليه وسلم يكسر الأصنام ويهدم بيوتها، وقد قال تعالى: إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون [الأنبياء: 98] فإهانتها من ~~تمام التوحيد والإيمان. # والملائكة والأنبياء بل الصالحون يستحقون المحبة والموالاة والتكريم ~~والثناء مع أنه يحرم الغلو فيهم والشرك بهم، فلهذا صار بعض الناس يزيد في ~~التعظيم على ما يستحقونه فيصير شركا، وبعضهم يقصر عما يجب لهم من الحق ~~فيصير فيه نوع من الكفر. # والصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين ms238 والصديقين ~~والشهداء والصالحين، وهو القيام بما أمر الله به ورسله في هذا وهذا. والله ~~تعالى يميز حقه من حق غيره ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال له: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله ~~أعلم قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حقهم عليه إذا ~~فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أن لا يعذبهم» «1». وقد قال تعالى: ~~سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون ~~سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم ~~إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا [الكهف: 26] ونزعنا من كل أمة ~~شهيدا [القصص: 75] الآية. فالرسل كلهم، نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم يبينون ~~أن العبادة التقوى حق لله وحده، وحق الرسل طاعتهم؛ قال نوح عليه السلام: يا ~~قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون [نوح: 2، 3] وكذلك ~~قال هود وصالح وشعيب وغيرهم: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وقال ~~تعالى: كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول ~~أمين فاتقوا الله وأطيعون [الشعراء: 105 - 108]. وكذلك قال سائر الرسل هود ~~وصالح وشعيب، كل يقول: «فاتقوا الله وأطيعون» وكذلك في رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم قال الله تعالى: # ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون [النور: 52] ~~فجعل الطاعة لله PageV01P221 # والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. وقال: وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين إنما هو إله واحد [النحل: 51] إلى قوله: أفلا تتقون [الأعراف: 65] ~~فأنكر سبحانه أن يتقى غيره كما أمر ألا يرهب إلا إياه. # وقال تعالى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم [البقرة: ~~150] الآية. وقال تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~[التوبة: 18]. فقد أمر الله تعالى في غير موضع بأن يخشى ويخاف ولا يخشى ~~ويخاف غيره، وقال: # ولو أنهم رضوا ما آتاهم ms239 الله ورسوله وقالوا حسبنا الله [التوبة: 59] ~~الآية. ففي الإيتاء قال: ما آتاهم الله ورسوله. كما قال: وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7] لأن الحلال ما حلله الله ورسوله، ~~والحرام ما حرمه الله ورسوله، فما أعطاه الرسول للناس فهو حقهم بالقول ~~والعمل؛ كالفرائض التي قسمها الله وأعطى كل ذي حق حقه، وكذلك من الفيء ~~والصدقات ما أعطى فهو حقه، وما أباحه له فهو المباح، وما نهاه عنه فهو حرام ~~عليه، فلهذا قال تعالى: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله [التوبة: 59] ولم يقل هنا ورسوله لأن الله تعالى وحده حسب عبده، أي: ~~كافيه، لا يحتاج الرب فيه كفايته إلى أحد لا رسول ولا نبي، ولهذا لا تجيء ~~هذه الكلمة إلا لله وحده، كقوله: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا ~~لكم [آل عمران: 173] الآية. وقال تعالى: فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله ~~إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم [التوبة: 129] وقال تعالى: وإن ~~يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره إلى قوله: يا أيها ~~النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين [الأنفال: 62 - 64]. أي: حسبك وحسب ~~من اتبعك من المؤمنين، كما قاله جمهور أهل العلم. ومن قال: إن الله ومن ~~اتبعك حسبك، فقد غلط ولم يجعل الله وحده حسبه، بل جعله وبعض المخلوقين ~~حسبه، وهذا مخالف لسائر آيات القرآن. وقال: # أليس الله بكاف عبده [الزمر: 36] فهو وحده كاف عبده. وقال تعالى: يتوكل ~~على الله فهو حسبه [الطلاق: 3] فلهذا قال تعالى: وقالوا حسبنا الله ولم يقل ~~ورسوله، ثم قال: إنا إلى الله راغبون [التوبة: 59] ولم يقل: ورسوله، بل جعل ~~الرغبة إليه وحده، كما قال: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب [الشرح: 7، 8] ~~فالرغبة تتضمن التوكل، وقد أمر أن لا يتوكل إلا عليه، كقوله: وعلى الله ~~فتوكلوا [المائدة: 23] وقوله: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون [النحل: 99] فالتوكل على الله وحده، والرغبة إليه وحده، والرهبة ~~منه وحده ليس لمخلوق ms240 لا للملائكة ولا الأنبياء في هذا حق، كما ليس لهم حق ~~في العبادة. # ولا يجوز أن نعبد إلا الله وحده ولا نخشى ولا نتقي إلا الله وحده، كما ~~قال # PageV01P222 # تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون [الأنفال: 2]. # فإذا قال القائل: لا يجوز التوكل إلا على الله وحده، ولا العبادة إلا لله ~~وحده، ولا يتقى ويخشى إلا الله وحده؛ لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، ~~كان هذا تحقيقا للتوحيد ولم يكن هذا سبا لهم ولا تنقصا بهم ولا عيبا لهم، ~~وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية، فنقص المخلوق عن الخالق من ~~لوازم كل مخلوق، ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق والملائكة والأنبياء ~~كلهم عباد لله يعبدونه، كما قال تعالى: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون [النساء: 172] وقال تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون إلى قوله: كذلك نجزي الظالمين [الأنبياء: 26 - 29] ~~فإذا نفى عن مخلوق ملك أو نبي أو غيرهما ما كان من خصائص الربوبية، وبين ~~أنه عبد لله، كان هذا حقا واجب القبول، وكان إثباته إطراء للمخلوق، فإن ~~دفعه عن ذلك كان عاصيا بل مشركا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله، ~~فقولوا: عبد الله ورسوله» «1». والله تعالى قد وصفه بالعبودية حين أرسله ~~وحين تحدى وحين أسرى به، فقال تعالى: # وأنه لما قام عبد الله [الجن: 19] وقال: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا [البقرة: # 23] وقال: سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء: 1]. وأهل الباطل يقولون لمن ~~وصفهم بالعبودية إنه عابهم وسبهم ونحو ذلك، كما ذكر طائفة من المفسرين أن ~~وفد نجران قالوا: يا محمد؛ إنك تعيب صاحبنا وتقول إنه عبد فقال النبي عليه ~~السلام: # ليس بعيب لعيسى أن يكون عبد الله، فنزل: ms241 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون [النساء: 172] أي لم يأنف المسيح من ذلك، ولم ~~يتعظم من جعله عبدا لله. فعند النصارى الغلاة أنه سبه وعابه. ولهذا لما سأل ~~النجاشي جعفر بن أبي طالب: ما تقول في المسيح عيسى؟ فقال: هو عبد الله ~~ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، رفع النجاشي عودا، وقال: ما زاد ~~المسيح على ما قلت هذا العود، فنخرت بطارقته، فقال: وإن نخرتم «2». فهم ~~يجعلون قول الحق في المخلوق سبا له، PageV01P223 # وهم يسبون الله ويصفونه بالنقائص والعيوب، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله: شتمني ابن آدم، وما ~~ينبغي له ذلك، وكذبني وما ينبغي له ذلك. فأما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ~~ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وأما ~~تكذيبه إياي فقوله: إنه لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من ~~إعادته» «1». رواه البخاري من حديث ابن عباس «2» فقد أخبر سبحانه أن هؤلاء ~~يسبونه، وقد كان معاذ بن جبل يقول عن النصارى: «لا ترحموهم فقد سبوا الله ~~سبة ما سبه إياها أحد من البشر». وهذا نظير ما ذكره الله تعالى عن المشركين ~~بقوله: # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم ~~[الأنبياء: 36] أي يعيبها وهم بذكر الرحمن هم كافرون [الأنبياء: 36]. ~~فكانوا ينكرون على محمد عليه السلام أن يذكر آلهتهم بما تستحقه، وهم يكفرون ~~بذكر الرحمن ولا ينكرون ذلك، كما قال تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم [الأنعام: 108]. # وهكذا من فيه شبه من اليهود والنصارى والمشركين تجده يغلو في بعض ~~المخلوقين من المشايخ والأئمة والأنبياء وغيرهم، إذا ذكروا بما يستحقونه ~~أنكر ذلك ونفر منه وعادى من فعل ذلك، وهو وأصحابه يستخفون بعبادة الله وحده ~~وبحقه وبحرماته وشعائره، ولا ينكر ذلك. ويحلف أحدهم بالله ويكذب، ويحلف بمن ~~يعظمه ويصدق، ولا يستجيز الكذب إذا حلف به، ms242 وهؤلاء من جنس النصارى ~~والمشركين. وكذلك قد يعيبون من نهى عن شركهم؛ كالحج إلى القبور التي يحجون ~~إليها عادة، وهم يستخفون بحرمة الحج إلى بيت الله ويجعلون الحج إلى القبور ~~أفضل منه. وقد ينهون عن الحج اعتياضا إلى القبور، ويقولون: هذا الحج ~~الأكبر، وهؤلاء من جنس المشركين وعباد الأوثان. وكذلك هذا المعترض وأمثاله ~~يرون النهي عن الحج إلى قبور الأنبياء والصالحين إخلالا بحقهم، ومعاداة ~~لهم، ونحو ذلك. وهم لا يرون الشرك بالله ودعاء غيره واتخاذ عباده من دونه ~~أولياء؛ إخلالا بحقه ومعاداة له. # ومعلوم أن المشركين من أعظم أعداء الله عز وجل، قال الله تعالى: يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة [الممتحنة: ~~1] إلى قوله: حتى تؤمنوا بالله وحده [الممتحنة: 4] فأمر بالتأسي بإبراهيم ~~ومن معه لما تبرءوا من المشركين وما يعبده المشركون، وأظهروا لهم العداوة ~~والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده. فالمشرك PageV01P224 # والآمر بالشرك والراضي به، معاد لله، ومن عادى الله فقد عادى أنبياءه ~~وأولياءه. # وأما من أمر بما جاءت به الرسل، فلم يعادهم ولم يعاندهم. قال الله تعالى: # قل يا أيها الكافرون [الكافرون: 1] إلى آخر السورة. # وهنا موضع يشكل وذلك أنه قال عليه السلام في الحديث الصحيح: «أصدق كلمة ~~قد قالها شاعر كلمة لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل» «1» وذلك مثل قوله: ذلك بأن الله هو الحق ~~وأن ما يدعون من دونه هو الباطل [الحج: 62]. فالمراد بالباطل؛ ما لا ينفع، ~~وكل ما سوى الله لا تنفع عبادته، كما في الأثر: «أشهد أن كل معبود من لدن ~~عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك الكريم» فإن هذا يدخل فيه كل ما عبد من ~~دون الله من الملائكة والأنبياء، وهؤلاء قد سبقت لهم من الله الحسنى، فكيف ~~يدخلون في الباطل؟ وكذلك قوله: فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال [يونس: 32]؟ فيقال: إن المراد عبادتهم والعمل لهم باطل، وقد يقال عن ~~الشيء إنه لا شيء لانتفاء المقصود منه ليس بشيء، وكما قال عليه السلام ms243 عن ~~الكهان لما سئل عنهم، فقال: «ليسوا بشيء». فقالوا: إنهم يحدثون بالشيء ~~فيكون حقا، فذكر: # «أن ذلك من الجن تخطف الكلمة من الحق ويزيدون فيها من الكذب مائة كذبة» ~~«2». فهم ليسوا بشيء؛ أي: لا ينتفع بهم فيما يقصد منهم، وهو الاستخبار عن ~~الأمور الغائبة، لأنهم يكذبون كثيرا، فلا يدرى ما قالوه أهو صدق أم كذب، ~~وهم مع ذلك موجودون يضلون ويضلون. فقوله: «ليس بشيء» مثل قوله: ألا كل شيء ~~ما خلا الله باطل، وقوله: ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل [الحج: 62] فهو من جهة كونه معبودا باطل لا ينتفع به، ولا يحصل ~~لعابده مقصود العبادة، وإن كان من جهة أخرى هو شمس وقمر ينتفع بضيائه ~~ونوره، وهو يسجد لله ويسبحه. وكذلك الملائكة والأنبياء إذا نفي عنهم كونهم ~~آلهة معبودين تبين أن عبادتهم عمل باطل لا ينتفع به لم ينف ذلك ما يستحقونه ~~من الإجلال والإكرام، وعلو قدرهم عند الله تعالى، والتبري من عبادتهم، ~~وكونهم معبودين، لا من موالاتهم والإيمان بهم، وقولهم: إنا برآؤا منكم ومما ~~تعبدون من دون الله [الممتحنة: 4] أي: ومن عبادتهم ومن كونهم معبودين، كما ~~قال الخليل عليه السلام: يا قوم إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78] فهو ~~بريء من كل شريك لله من جهة كونه جعل شريكا وندا لله، ولم يبرأ منه من ~~PageV01P225 # جهات أخرى فإبراهيم لم يبرأ من الشمس والقمر والكواكب من جهة كونها مسخرة ~~لمنافع العباد، وكونها تسجد لله وتسبحه، وكونها من آياته العظيمة، بل من ~~جهة كونها شركا لله، وقوله: إني بريء مما تشركون وإن كان يقال: ما يعبدونه، ~~إن من شرككم فقد صرح في قوله: إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله أي ~~بريء من المعبودين من دون الله، وكذلك قوله: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 75 - 77]. # أما الأوثان ونحوها فتعادى مطلقا، والشمس والقمر والملائكة والكواكب ~~تعادى عبادتها وكونها آلهة معبودة، فتبغض من هذه الجهات وتعادى مع وجوب ms244 ~~الإيمان بالملائكة، وإذا قيل للنصارى نحن براء من شرككم ومما تعبدون من دون ~~الله، وقد قال تعالى: قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ~~والله هو السميع العليم [المائدة: 76] هذا بعد قوله تعالى: ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ~~[المائدة: 75] فقد عبد المسيح وغيره، فالبراءة من كل معبود سوى الله؛ ~~كالبراءة من كل إله سوى الله، وذلك براءة من الشرك ومن كون ما سوى الله ~~معبودا، وليس هو براءة من المسيح من جهة كونه رسولا كريما وجيها عند الله، ~~بل براءة مما قيل فيه من الباطل لا من الحق، والمسيح والملائكة وغيرهم ~~يتبرءون ممن عبدوهم، ويعادونهم ولا يوالونهم، قال الله تعالى: ويوم يحشرهم ~~جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون إلى قوله تعالى: أكثرهم ~~بهم مؤمنون [سبأ: 40، 41] وقال تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله ~~[الفرقان: 17] الآية. وقال تعالى: ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين ~~كنتم تزعمون [القصص: 62] الآية. وقال تعالى: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا ~~عبادي من دوني أولياء [الكهف: 102] وقال تعالى: أم اتخذوا من دونه أولياء ~~فالله هو الولي [الشورى: 9] وقال تعالى: قل أغير الله أتخذ وليا [الأنعام: ~~14] الآية. وهو سبحانه لم ينه عن موالاتهم دونه، فمن أحبهم ووالاهم لله فهو ~~موحد، ومن جعلهم أندادا أحبهم كما يحب الله فهو مشرك، فالحب لله توحيد ~~وإيمان، والحب كما يحب الله شرك وكفر. وكذلك الشفاعة، قال تعالى: # ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع [السجدة: 4] وقال تعالى: ليس لها من دون ~~الله ولي ولا شفيع [الأنعام: 70] وقال عز وجل: ما من شفيع إلا من بعد إذنه ~~[يونس: 3] وقال تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255] وقال ~~تعالى: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سبأ: 23] فتبين أنه لا تنفع ~~شفاعة الملائكة والأنبياء ولا غيرهم إلا لمن أذن له، حتى إذا قضي بالأمر ~~ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله تعالى كأنه ms245 سلسلة على صفوان، وصعقوا ~~فلا يعلمون ما قال: حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال # PageV01P226 # ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير [سبأ: 23] فحينئذ يعلمون ما قضى به ~~«1». فكيف يشفعون بدون إذنه. # قال الله تعالى: بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ~~[الأنبياء: 26، 27] وقال: أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا ~~يملكون شيئا [الزمر: 43] الآية. وأوجه الشفعاء وأول شافع يوم القيامة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أحاديث الشفاعة أن الناس ~~يوم القيامة إذا ذهبوا إلى آدم ليشفع لهم يردهم إلى نوح، ونوح إلى إبراهيم، ~~وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى المسيح، والمسيح إلى محمد صلى الله عليهم ~~أجمعين، فيقول: اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر، قال صلى الله عليه وسلم: «فيأتوني فأذهب إلى ربي فإذا رأيت ربي خررت ~~ساجدا، وأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، وحينئذ فيقول تعالى: ~~أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، قال: فأقول: أي رب أمتي ~~فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة» «2». وكذلك ذكر في الثانية والثالثة وفي صحيح ~~البخاري عن أبي هريرة قلت: «يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم ~~القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ظننت أن لا يسألني عن هذا ~~الحديث أحد أولى منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي من ~~قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» «3». فقد بين أوجه الشفعاء أنه إذا أتى ~~يبدأ بالسجود لله والحمد لله، لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له، فإذا أذن له ~~فحينئذ يشفع، فإذا شفع حد له حدا فيدخلهم الجنة. # وبين أن أولى الناس بشفاعته من كان أعظم إخلاصا وتوحيدا لا من كان سائلا ~~وطالبا منه أو من غيره، فالأمر كله لله وحده لا شريك له، هو الذي يأذن في ~~الشفاعة وهو الذي يقبل شفاعة الشفيع فيمن يختار، فربك يخلق ما يشاء ويختار ~~ما كان لهم ms246 الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون. فالذين يخالفون شريعة ~~الأنبياء ويغلون فيهم ويقولون إنهم يحبونهم ويوالونهم ويعظمونهم بذلك؛ ~~فالأنبياء يتبرءون منهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم بريء من عمل من يخالف ~~أمره وسنته، قال الله تعالى: فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون [الشعراء: ~~216] ولا ينفع من عصى الرسول أن يقول: قصدي تعظيمهم، فإنه إنما أمر ~~بطاعتهم، ولم يؤمر أن يعبد الله بالظن وما تهوى الأنفس، قال الله تعالى: # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~إلى قوله: شهيد [المائدة: 116، 117]. فقد أخبر أنه لم يقل لهم إلا ما أمره ~~الله به؛ أن يعبدوا الله وحده، وكذلك سائر الأنبياء، قال الله تعالى: وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه PageV01P227 # أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25]. وهو سبحانه إنما يعبد بما ~~شرع من الدين، لا يعبد بما شرع من الدين بغير إذنه فإن ذلك شرك، قال الله ~~تعالى: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله [الشورى: 21] ~~وقال تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله: ما تدعوهم إليه ~~[الشورى: 13] والدين الذي شرعه إما واجب، وإما مستحب، فكل من عبد عبادة ~~ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة؛ كانت من الشرك والبدع. والحج إلى ~~القبور ليس من شرعه، لا واجبا ولا مستحبا، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل عنه ~~حديثا صحيحا في استحباب ذلك، ولا عن أصحابه، ولا علماء أمته، وإنما ينقل في ~~ذلك أحاديث مكذوبة، فهي من الإفك والشرك. وإنما السفر إلى المساجد الثلاثة ~~لأنه سفر إلى بيوت الله التي بنتها الأنبياء لعبادته، واحدها يجب الحج ~~إليه، والآخر أن يستحب السفر إليهما. # والحج الواجب كما يختص بذلك المكان فهو يختص بأعمال لا تشرع في غيره، ~~كالطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى، ورمي ~~الجمار، وسوق الهدي إلى هناك، وغير ذلك. # وأما المسجدان الآخران فلا يشرع فيهما إلا من جنس ما يشرع ms247 لسائر المساجد؛ ~~كالصلاة والذكر والدعاء والاعتكاف، لكن للعبادة فيهما فضيلة على العبادة في ~~سائر المساجد أوجبت تلك الفضيلة أن يشرع السفر إليهما. # وقبر النبي صلى الله عليه وسلم مجاور مسجده فإذا أتى مسجده فعل فيه ما ~~يشرع له من حق الرسول من الصلاة والسلام وغير ذلك، وكل ما يفعله من ذلك في ~~مسجده فهو مشروع في سائر المساجد والأمكنة، لكن مسجده أفضل، فالصلاة فيه ~~بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وهذا الفعل المشروع في حقه، ~~كالصلاة والسلام هل يسمى زيارة لقبره، ويطلق ذلك عليه؟ على قولين معروفين. ~~فإنه لا يوصل إلى قبره ويزار الزيارة المعروفة في حق غيره، بل قد منع الناس ~~من ذلك، فما بقي المشروع هناك كالمشروع من الزيارة لسائر القبور، إذا كان ~~الله قد خص نبيه بالأمر بالصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان، وخص بالدفن ~~في حجرته، فلا يصل أحد إليه لئلا يتخذ قبره مسجدا ووثنا وعيدا. وكلما تدبر ~~الإنسان ما أمر به وشرعه تبين له أنه جمع في شرعه بين كمال توحيد الرب ~~وإخلاص الدين له، وبين كمال طاعة الرسل وتعزيرهم ومحبتهم وموالاتهم ~~ومتابعتهم، فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أتبعهم للرسول باطنا وظاهرا، صلى ~~الله عليه وسلم تسليما، والحمد لله وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه ~~وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV01P228 # وجد في آخر الأصل ما نصه: «آخر كتاب الرد على الأخنائي قاضي المالكية، ~~واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية لا البدعية». لشيخ الإسلام تقي ~~الدين أحمد بن تيمية. أنهاه بقلمه راجي عفو ربه وكرمه الفقير إلى رحمة ربه ~~الولي حسين بن حسن بن حسين بن علي غفر الله له ولوالديه ولكافة المسلمين. ~~جعله الله نافعا من قرأه ومن نظر فيه ومن سأل لوالدي المغفرة، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غرة جمادى الآخرة سنة 1303 ه» «1». ~~PageV01P229 ### | الفهارس العامة ### | فهرس الآيات القرآنية # - فهرس الأحاديث # - فهرس المصادر والمراجع # PageV01P231 ### | فهرس الآيات القرآنية # الآية/ رقمها/ الصفحة سورة البقرة فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ms248 / ~~22/ 70 # وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم / 93/ 67، 68 # قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين / 111/ 12 # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه / 114/ 40، 66 # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا/ 165/ 48، 60، 68 # إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا/ 169/ 12 # ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد/ 187/ 40 # فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين / 213/ 11 # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه / 255/ 80 # سورة آل عمران قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني / 31/ 60 # ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم / 66/ 12 # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم / 79/ 14، 79 # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا/ 80/ 48 # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين / 81/ 47 # اتقوا الله حق تقاته / 102/ 12 # ليقطع طرفا من الذين كفروا/ 127/ 14 # PageV01P233 # الآية/ رقمها/ الصفحة سورة النساء يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم / 59/ 11 # ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك / 64/ 119 # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم / 65/ 11 # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى / 115/ 73 # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله / 172/ 79 # سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط/ 8/ 20، ~~92 # وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم / 72/ 14، 80، 116 # سورة الأنعام قل لا أقول لكم عندي خزائن الله / 50/ 14 # وحاجه قومه / 80/ 65 # وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد/ 119/ 68 # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم / 121/ 111 # قل آلذكرين حرم أم الأنثيين / 143/ 12 # سورة الأعراف فلنسئلن الذين أرسل إليهم / 6/ 129 # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن / 33/ 12 # ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا/ 169/ 12 # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا/ 188/ 14، 80 # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم / 194/ 65 # سورة الأنفال وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم / 33/ 62 # سورة التوبة ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله / 59/ 112 # PageV01P234 # الآية/ رقمها/ الصفحة سورة يونس وما كان الناس إلا أمة واحدة/ ms249 19/ 11 # سورة النحل وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة/ 112/ 64 # سورة الإسراء فلا تقل لهما أف / 23/ 23 # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق / 31/ 23 # ولا تقف ما ليس لك به علم / 36/ 12 # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه / 56/ 13، 48 # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه / 67/ 113 # سورة الأنبياء إن الذين سبقت لهم منا الحسنى / 101/ 111 # سورة النور ويقولون آمنا بالله وبالرسول / 47/ 11 # ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه / 52/ 112 # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا/ 61/ 109 # سورة الفرقان أرأيت من اتخذ إلهه هواه / 43/ 68 # سورة الزخرف ولما ضرب ابن مريم مثلا/ 57/ 111 # سورة الجاثية أفرأيت من اتخذ إلهه هواه / 23/ 68 # سورة الحشر وما آتاكم الرسول فخذوه / 7/ 112 # PageV01P235 ### | فهرس الأحاديث # الحديث الصفحة حرف الألف أحب البقاع إلى الله المساجد 23، 45 # أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب 154 # إذا اجتهد الحاكم فأصاب 12، 17 # إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد 88 # إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم 106 # إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم 108 # إذا سألت فاسأل الله 112 # إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين 100 # إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول 99 # إذا ولج أحدكم منزله 107 # استأذنت ربي أن أزور قبر أمي 89، 93 # أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته 86 # أفضل أيامكم يوم الجمعة 143 # أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة 144 # اللهم إني أسألك خير المولج 107 # اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل 11 # أن تجعل لله ندا وهو خلقك 210 # إنا معشر الأنبياء ديننا واحد 47 # إن أولئك كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح 172 # إن الله لا يقبض العلم انتزاعا 17 # إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم 136 # PageV01P236 # الحديث الصفحة إن جبريل قال لي 99 # إن رجلا زار أخا له 153 # إن من شرار الناس من تدركهم الساعة 161 # إن لله ملائكة سياحين 145 # إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم 154 # إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ms250 مساجد 40، 41 # إنه جاءني في جبريل فقال: أما يرضيك 99 # إنهم أحلوا لهم الحرام 217 # إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل 172 # أنزل الله علي أمانين 63 # حرف الباء بدأ الإسلام غريبا 19 # بلغوا عني ولو آية 220 # البدعة أحب إلى إبليس من المعصية 168 # حرف التاء تمرق مارقة على حين فرقة 215 # حرف الثاء ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان 72 # حرف الحاء حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى 12 # حيثما كنتم فصلوا علي 106 # حرف الدال دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا 168 # دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين 154 # حرف الذال ذروة الإيمان الصبر 213 # PageV01P237 # الحديث الصفحة حرف الراء رأيت عمرو بن لحي وهو يجر قصبه 65 # حرف الزاي زوروا القبور 43 # حرف السين السلام عليك يا رسول الله 38، 54 # السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين 59، 90 # السلام على أهل القبور 90 # حرف الشين الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل 70 # حرف الصاد صلوا في بيوتكم 106 # صلاة الرجل في مسجده تفضل على صلاته 88 # صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها 135 # صلاة في مسجدي 156 # حرف العين عدلت شهادة الزور الإشراك بالله 163 # على رسلكما إنها صفية 136 # حرف القاف قاتل الله اليهود 17، 19 # القضاة ثلاثة 12 # حرف الكاف كان جبريل ينزل على رسول الله بالسنة كما ينزل 10 # كذب أبو السنابل 18 # كذب أبو محمد 18 # كذب من قال ذلك (الوتر واجب) 18 # PageV01P238 # الحديث الصفحة كذب نوف 19 # كنت نهيتكم عن زيارة القبور 43 # حرف اللام لعن الله اليهود والنصارى 39، 42 # لو بني هذا المسجد إلى صنعاء 137 # لو زدنا في مسجدنا 137 # حرف الميم ما بال رجال يقولون كذا 20 # ما بين قبري ومنبري روضة 102 # ما من رجل يمر بقبر أخيه 99 # ما من رجل يسلم علي 38، 56، 140 # ما من مؤمن إلا وأنا أولى به 159 # ما من نبي إلا وقد رعى الغنم 82 ms251 # مروهم بالصلاة لسبع 138 # من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء 37 # من حج ولم يزرني فقد جفاني 33 # من خرج مع جنازة من بيتها 141 # من دعا إلى هدى كان له من الأجر 115 # من زار قبري وجبت له شفاعتي 36 # من زارني بعد موتي فكأنما زارني 155 # من زارني وزار أبي إبراهيم 175 # من سألنا أعطيناه 123 # من سن في الإسلام سنة حسنة 115 # من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها 99 # من صلى علي عند قبري سمعته 143 # من قال في القرآن برأيه فليتبوأ 17 # من قال في القرآن برأيه فأصاب 17 # من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا 216 # PageV01P239 # الحديث الصفحة من كان حالفا فليحلف بالله 177 # حرف النون نهيتكم عن زيارة القبور 92 # النجوم أمنة للسماء 63 # حرف الهاء هذا ملة أهل الكتاب قبلكم 122 # هم الذين لا يسترقون 112 # حرف اللام ألف لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبة بعير 84 # لا تتخذوا بيتي عيدا 103، 144، 158 # لا تتخذوا قبري عيدا 29، 38، 46 # لا تجعلوا بيوتكم قبورا 104، 105، 144 # لا تجلسوا على القبور 127 # لا تحلفوا بآبائكم 177 # لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد 21، 22، 49 # لا تصلوا إلى القبور 173 # لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم 115 # لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد 22 # لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله 168 # لا تمنعوا إماء الله مساجد الله 55 # لا هجرة بعد الفتح 154 # لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليه 57، 72، 158 # لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من 57، 72، 158 # لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما 159 # لا يبولن أحدكم في الماء الدائم 186 # لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها 23 # حرف الياء يا أبا هريرة: ظننت أن لا يسألني 227 # PageV01P240 # الحديث الصفحة يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله 84 # يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم 74 # يقول الله: شتمني ابن آدم 224 # يوشك أن يضرب الناس ms252 أكباد الإبل 50 # اليهود مغضوب عليهم 167 # PageV01P241 ### | فهرس المصادر والمراجع # حرف الألف ### | 1 - # إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة- أحمد بن أبي بكر البوصيري- ~~ت: دار المشكاة للبحث العلمي- بإشراف: أبو تميم ياسر بن إبراهيم- دار ~~الوطن- الرياض- ط 1 - سنة 1420. ### | 2 - # أحكام الجنائز وبدعها- محمد ناصر الدين الألباني- مكتبة المعارف- الرياض- ~~الطبعة الأولى للطبعة الجديدة- سنة 1412. ### | 3 - # أحوال الرجال- لأبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني- تحقيق: السيد صبحي ~~البدري السامرائي- مؤسسة الرسالة- بيروت- ط 1 - سنة 1405. ### | 4 - # أحاديث معلة ظاهرها الصحة- مقبل بن هادي الوادعي- دار الآثار- اليمن- ط 2 ~~- سنة 1421. ### | 5 - # إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل- محمد ناصر الدين الألباني- ~~المكتب الإسلامي- بيروت- ط 2 - سنة 1405. ### | 6 - # أسد الغابة في معرفة الصحابة- لعز الدين بن الأثير الجزري- تحقيق وتعليق: ~~محمد إبراهيم البنا، محمد أحمد عاشور، محمود عبد الوهاب فائد- دار إحياء ~~التراث العربي- بيروت. ### | 7 - # أصول السرخسي- أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي- حقق أصوله: أبو الوفاء ~~الأفغاني- دار المعرفة- بيروت- مصورة عن طبعة المعارف الهندية. ### | 8 - # اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم- لشيخ الإسلام ابن تيمية- ~~تحقيق: د. ناصر عبد الكريم العقل- مكتبة الرشد- الرياض- ط 5 - سنة 1417. ### | 9 - # الأم- للإمام محمد بن إدريس الشافعي- دار المعرفة- بيروت. ### | 10 - # الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية- ابن بطة العكبري الحنبلي- دار الراية- ~~الرياض- ط 2 - سنة 1415. # PageV01P242 ### | 11 - # الأسماء والصفات- أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي- تحقيق: عبد الله بن ~~محمد الحاشدي- مكتبة السوادي- جدة- ط 1 - سنة 1413. ### | 12 - # الإشراف على نكت مسائل الخلاف- القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي- ~~تحقيق: الحبيب بن طاهر- دار ابن حزم- ط 1 - سنة 1420. ### | 13 - # الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين ~~والمستشرقين- خير الدين الزركلي- دار العلم للملايين- بيروت- ط 12 - سنة ~~1997. ### | 14 - # الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع- الحافظ جلال الدين السيوطي- تحقيق: ~~مشهور بن حسن آل سلمان- دار ابن القيم- الدمام- ط 2 - سنة 1416. ### | 15 - # الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء- الحافظ ابن عبد البر- اعتنى ~~به: عبد الفتاح أبو غدة- مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب- ط 1 - سنة 1417. ### | 16 - # الأنساب- عبد الكريم بن محمد السمعاني- تقديم وتعليق: عبد الله عمر ~~بارودي- دار الفكر- بيروت- ط 1 - سنة 1419. ### | 17 - # الأنوار النعمانية! - لنعمة الله الجزائري!! - مؤسسة الأعلمي- بيروت. ### | 18 - # الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف- أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر- ~~تحقيق: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف- دار طيبة- الرياض- ط 2 - سنة ~~1414. # حرف الباء ### | 19 - # البداية ms253 والنهاية- الحافظ ابن كثير الدمشقي- مكتبة المعارف- بيروت- سنة ~~1414. # حرف التاء ### | 20 - # التاريخ الكبير- الإمام محمد بن إسماعيل البخاري- تصحيح وتعليق: عبد ~~الرحمن المعلمي اليماني- دار الكتب العلمية- بيروت- مصورة عن طبعة دائرة ~~المعارف بالهند. ### | 21 - # تاريخ بغداد- الخطيب البغدادي- دار الكتب العلمية- مصورة عن الطبعة ~~الهندية. ### | 22 - # تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد- محمد ناصر الدين الألباني- المكتب ~~الإسلامي- بيروت- ط 4 - سنة 1403. # PageV01P243 ### | 23 - # تحرير تقريب التهذيب- تأليف: بشار عواد معروف وشعيب الأرناءوط- مؤسسة ~~الرسالة- بيروت- ط 1 - سنة 1417. ### | 24 - # التحصيل من المحصول- سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي- تحقيق: عبد ~~الحميد علي أبو زنيد- مؤسسة الرسالة- بيروت- ط 1 - سنة 1408. ### | 25 - # تذكرة الحفاظ- شمس الدين الذهبي- دار الكتب العلمية- مصورة طبعة دائرة ~~المعارف العثمانية بالهند. ### | 26 - # ترتيب المدارك- عياض بن موسى اليحصبي- ت: أحمد بكير محمود- مكتبة الحياة- ~~بيروت. ### | 27 - # التعليقات الرضية على الروضة الندية- العلامة المحدث محمد ناصر الدين ~~الألباني- تحقيق: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الأثري- دار ابن ~~عفان- القاهرة- ط 1 - سنة 1420. ### | 28 - # التحقيقات في شرح الورقات- الحسين بن أحمد بن محمد الكيلاني الشافعي ~~المعروف بابن قاوان- تحقيق: الشريف سعد بن عبد الله حسين- دار النفائس- ~~عمان- الأردن- ط 1 - سنة 1419. ### | 29 - # تفسير القرآن العظيم- للحافظ ابن كثير الدمشقي- مؤسسة الريان- بيروت- ط 5 ~~- سنة 1420. ### | 30 - # تفسير القرآن العظيم- الحافظ ابن أبي حاتم- تحقيق: أسعد محمد الطيب- ~~مكتبة الباز- مكة المكرمة- ط 2 - سنة 1419. ### | 31 - # تقريب التهذيب- للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني- تحقيق: أبو الأشبال صفير ~~أحمد الباكستاني- دار العاصمة- الرياض- ط 1 - سنة 1416. ### | 32 - # تلبيس إبليس- الحافظ جمال الدين بن أبي الفرج بن الجوزي- خرج أحاديثه: ~~عبد الرزاق المهدي- دار الخير- بيروت، دمشق- ط 2 - سنة 1421. ### | 33 - # التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد- الحافظ ابن عبد البر ~~الأندلسي- تحقيق: سعيد أحمد أعراب- الطبعة المغربية. ### | 34 - # التمهيد في أصول الفقه- أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني- ~~تحقيق: مفيد محمد أبو عمشة- مؤسسة الريان- المكتبة المكية- ط 2 - سنة 1421. ### | 35 - # تهذيب التهذيب- الحافظ ابن حجر العسقلاني- مؤسسة الرسالة- بيروت. # PageV01P244 ### | 36 - # تهذيب الكمال- الحافظ المزي- تحقيق: بشار عواد معروف- مؤسسة الرسالة- ~~بيروت- ط 5 - سنة 1415. ### | 37 - # التوسل أنواعه وأحكامه- آلف بينها ونسقها: محمد عبد عباسي- بحوث كتبها ~~وألقاها محمد ناصر الدين الألباني- المكتب الإسلامي- بيروت- ط 5 - سنة ~~1406. ### | 38 - # تيسير العلام شرح عمدة الأحكام- عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح آل بسام- ~~ط 2 - نشر جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت. # حرف الثاء ### | 39 ms254 - # الثقات- الحافظ محمد بن حبان بن أحمد أبي حاتم البستي- ط. دائرة المعارف ~~العثمانية- حيدرآباد- الهند- ط 1 - سنة 1393. # حرف الجيم ### | 40 - # الجامع الصحيح المعروف ب «سنن الترمذي» - الحافظ أبو عيسى الترمذي- ~~تحقيق: أحمد محمد شاكر- دار الكتب العلمية. ### | 41 - # الجامع لأحكام القرآن- «تفسير القرطبي» - أبو عبد الله محمد بن أحمد ~~القرطبي- دار إحياء التراث العربي- بيروت- ط 1 - سنة 1416. ### | 42 - # جامع العلوم والحكم- الحافظ ابن رجب الحنبلي- تحقيق: شعيب الأرناءوط ~~وإبراهيم باجس- مؤسسة الرسالة- ط 5 - سنة 1414. # طبعة أخرى: بتحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد- دار ابن الجوزي- الدمام- ط ~~2 - سنة 1420. ### | 43 - # جامع بيان العلم وفضله- الحافظ ابن عبد البر الأندلسي- تحقيق: سمير ~~الزهيري- دار ابن الجوزي- الدمام- ط 2 - سنة 1417. ### | 44 - # الجرح والتعديل- لابن أبي حاتم الرازي- مصورة عن طبعة دائرة المعارف ~~العثمانية بالهند. ### | 45 - # جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام- الإمام ابن ~~القيم- تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان- دار ابن الجوزي- الدمام- ط 1 - سنة ~~1417. # حرف الحاء ### | 46 - # الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة- الحافظ أبو القاسم # PageV01P245 # إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني- تحقيق: محمد بن ربيع بن هادي عمير ~~المدخلي- دار الراية- الرياض- ط 1 - سنة 1411. # حرف الخاء ### | 47 - # خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- للإمام الحافظ أبي عبد الرحمن أحمد ~~بن شعيب النسائي- تحقيق: أبي عبد الله العاملي السلفي الداني بن منير آل ~~زهوي- المكتبة العصرية- بيروت- ط 1 - سنة 1421. # حرف الدال ### | 48 - # كتاب الدعاء- الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني- تحقيق: محمد ~~سعيد البخاري- دار البشائر الإسلامية- بيروت- ط 1 - سنة 1407. ### | 49 - # دلائل النبوة- للبيهقي- تحقيق: عبد المعطي قلعجي- دار الكتب العلمية- ط 1 ~~- سنة 1405. # حرف الذال ### | 50 - # الذرية الطاهرة- للدولابي- تحقيق: سعد المبارك الحسن- الدار السلفية- ~~الكويت- ط 1. ### | 51 - # ذم الكلام وأهله- أبو إسماعيل الهروي- تحقيق: أبي جابر عبد الله بن محمد ~~الأنصاري- مكتبة الغرباء الأثرية- المدينة النبوية- ط 1 - سنة 1419. ### | 52 - # الرسالة- للإمام محمد بن إدريس الشافعي- تحقيق: أحمد محمد شاكر. ### | 53 - # الرضا عن الله بقضائه- لابن أبي الدنيا- تحقيق: ضياء الحسن السلفي- الدار ~~السلفية- بومباي- الهند- ط 1 - سنة 1410. ### | 54 - # دفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة! - محمود سعيد ممدوح!! - دار ~~الإمام النووي- عمان- الأردن- ط 1 - سنة 1416. ### | 55 - # روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه- موفق الدين ابن قدامة المقدسي- ~~تحقيق: د. شعبان محمد إسماعيل- مؤسسة الريان- المكتبة التدمرية- المكتبة ~~المكية- ط 1 - سنة 1419. ### | 56 - # الروضة الندية ms255 شرح الدرر البهية- محمد صديق حسن خان القنوجي- تحقيق: محمد ~~صبحي حسن حلاق- مكتبة الكوثر- الرياض- ط 5 - سنة 1418. # حرف الزاي ### | 57 - # زاد المعاد في هدي خير العباد- لابن قيم الجوزية- تحقيق: شعيب الأرناءوط # PageV01P246 # وعبد القادر الأرناءوط- مؤسسة الرسالة- بيروت- ط 26 - سنة 1412. # طبعة أخرى: مؤسسة الريان- بيروت- ط 1 - سنة 1418. # حرف السين ### | 58 - # سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام- محمد بن إسماعيل الصنعاني- تحقيق: ~~محمد صبحي حسن حلاق- دار ابن الجوزي- الدمام- ط 1 - سنة 1418. ### | 59 - # سلسلة الأحاديث الصحيحة- محمد ناصر الدين الألباني- مكتبة المعارف- ~~الرياض- ط 1 - سنة 1415. # طبعة أخرى: طبعة المكتب الإسلامي- بيروت- المجلد الأول- ط 4 - سنة 1405. ### | 60 - # سلسلة الأحاديث الضعيفة- محمد ناصر الدين الألباني- مكتبة المعارف- ~~الرياض. ### | 61 - # سنن ابن ماجه- بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي- دار الكتب العلمية. ### | 62 - # سنن أبي داود- تحقيق: عزت الدعاس- دار ابن حزم- بيروت- ط 1 - سنة 1418. ### | 63 - # سنن الدارمي- عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي- تحقيق: فواز زمرلي وخالد ~~السبع العلمي- ط 2 - دار الكتاب العربي بيروت- سنة 1417. ### | 64 - # السنن الكبرى- للبيهقي- مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية. ### | 65 - # السنن الكبرى- الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي- تحقيق: عبد ~~الغفار البنداري وسيد كسروي حسن- دار الكتب العلمية- بيروت- ط 1 - سنة ~~1411. ### | 66 - # السنة- لابن أبي عاصم- تحقيق: باسم فيصل الجوابرة- دار الصميعي- الرياض- ~~ط 1 - سنة 1419. ### | 67 - # السنة- محمد بن نصر المروزي- تحقيق: سالم بن أحمد السلفي- مؤسسة الكتب ~~الثقافية- ط 1 - سنة 1408. ### | 68 - # سير أعلام النبلاء- شمس الدين الذهبي- مؤسسة الرسالة- بيروت- ط 3 - سنة ~~1406. ### | 69 - # السيرة النبوية- عبد الملك بن هشام- تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم ~~الأبياري وعبد الحفيظ شلبي- دار إحياء التراث العربي- ط 1 - سنة 1415. # PageV01P247 # حرف الشين ### | 70 - # شذرات الذهب في أخبار من ذهب- ابن العماد الحنبلي- دار إحياء التراث ~~العربي- بيروت- مصورة عن الطبعة المصرية. # طبعة أخرى: دار ابن كثير- بيروت، دمشق- تحقيق: عبد القادر الأرناءوط ~~ومحمود الأرناءوط- ط 1 - سنة 1411. ### | 71 - # شرح أصول اعتقاد أهل السنة- هبة الله اللالكائي- تحقيق: أحمد سعد حمدان- ~~دار طيبة- الرياض- ط 4 - سنة 1416. ### | 72 - # شرح السنة- للحافظ البغوي- تحقيق: شعيب الأرناءوط- المكتب الإسلامي- ~~بيروت. ### | 73 - # الشرح الممتع على زاد المستنقع- شرح فضيلة العلامة محمد بن صالح ~~العثيمين- مؤسسة آسام- الرياض- ط 4 - سنة 1416. ### | 74 - # الشريعة- أبو بكر محمد بن الحسين الآجري- تحقيق: الوليد سيف النصر- مؤسسة ~~قرطبة- المكتبة المكية- ط 1 - سنة 1417. ### | 75 - # شعب الإيمان- أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي- تحقيق: أبي هاجر محمد ~~السعيد بن بسيوني زغلول- دار الكتب العلمية- ط 1 - سنة ms256 1410. ### | 76 - # الشفاعة- تأليف: أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي- نشر دار الآثار- ~~صنعاء- توزيع مؤسسة الريان- بيروت- ط 3 - سنة 1420. # حرف الصاد ### | 77 - # صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان- تحقيق: شعيب الأرناءوط- مؤسسة الرسالة- ~~بيروت- ط 3 - سنة 1418. ### | 78 - # صحيح البخاري- مع فتح الباري. ### | 79 - # صحيح مسلم بن الحجاج- بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي- دار ابن حزم ومؤسسة ~~الريان. ### | 80 - # صحيح الجامع الصغير- محمد ناصر الدين الألباني- المكتب الإسلامي- بيروت- ~~ط 3 - سنة 1408. ### | 81 - # صحيح الترغيب والترهيب- محمد ناصر الدين الألباني- مكتبة المعارف- ~~الرياض- ط 3 - سنة 1409. # PageV01P248 ### | 82 - # صحيح سنن الترمذي- محمد ناصر الدين الألباني- المكتب الإسلامي- بيروت. ### | 83 - # صراط النجاة! - السيد الخوئي!! - تعليق الشيخ جواد التبريزي- دار المحجة ~~البيضاء- بيروت. ### | 84 - # صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها- ~~محمد ناصر الدين الألباني- مكتبة المعارف- الرياض- الطبعة الثانية للطبعة ~~الجديدة- سنة 1417. # حرف الضاد ### | 85 - # ضعيف الجامع الصغير- محمد ناصر الدين الألباني- المكتب الإسلامي- بيروت- ~~ط 3 - سنة 1410. ### | 86 - # ضعيف سنن أبي داود- محمد ناصر الدين الألباني- المكتب الإسلامي- بيروت- ط ~~1 - سنة 1412. ### | 87 - # ضعيف سنن الترمذي- محمد ناصر الدين الألباني- المكتب الإسلامي- بيروت- ط ~~1 - سنة 1411. # حرف الطاء ### | 88 - # طبقات المحدثين بأصبهان- عبد الله بن محمد بن جعفر، المعروف بأبي الشيخ- ~~تحقيق: عبد الغفور البلوشي- مؤسسة الرسالة- بيروت- ط 1 - سنة 1412. # حرف العين ### | 89 - # العلل المتناهية في الأحاديث الواهية- الحافظ عبد الرحمن بن الجوزي- ~~تحقيق: إرشاد الحق الأثري- ط 1 - سنة 1399 - لاهور- باكستان. ### | 90 - # عمل اليوم والليلة- أبو بكر أحمد بن محمد الدينوري، المعروف بابن السني- ~~تحقيق: سالم أحمد السلفي- مؤسسة الكتب الثقافية- بيروت- ط 1 - سنة 1408. # حرف الغين ### | 91 - # غاية المرام في تخريج الأحاديث الحلال والحرام- محمد ناصر الدين ~~الألباني- المكتب الإسلامي- بيروت- ط 4 - سنة 1414. # حرف الفاء ### | 92 - # فتح الباري شرح صحيح البخاري- الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني- دار الريان- ~~القاهرة- مصر- ط 2 - سنة 1407. # PageV01P249 ### | 93 - # فتح السلام في أحكام السلام- مساعد بن قاسم الفالح- مكتبة العبيكان- ~~الرياض- ط 1 - سنة 1416. ### | 94 - # فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير- محمد بن علي ~~الشوكاني- تحقيق: عبد الرحمن عميرة- دار الوفاء- المنصورة- مصر- ط 2 - سنة ~~1418. ### | 95 - # الفرق بين الفرق- عبد القاهر البغدادي الأسفراييني- دار الكتب العلمية- ~~بيروت. ### | 96 - # فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام- د. غالب بن علي العواجي- دار لينة- ~~دمنهور- مصر- ط 3 - سنة 1418. ### | 97 - # فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم- القاضي إسماعيل بن إسحاق ~~الجهضمي- تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني- المكتب ms257 الإسلامي- بيروت- ط 3 - ~~سنة 1397. ### | 98 - # الفقيه والمتفقه- الخطيب البغدادي- تحقيق: عادل بن يوسف العزاري- دار ابن ~~الجوزي- الدمام- ط 1 - سنة 1417. ### | 99 - # الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة- محمد بن علي الشوكاني- تحقيق: ~~عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني- المكتب الإسلامي- بيروت. # حرف القاف ### | 100 - # القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية- الإمام أبو ~~الحسن علاء الدين بن محمد البعلي الحنبلي المعروف بابن اللحام- تحقيق: عبد ~~الكريم الفضيلي- المكتبة العصرية- بيروت- ط 1 - سنة 1418. # حرف الكاف ### | 101 - # كتب حذر منها العلماء- مشهور بن حسن آل سلمان- دار الصميعي- الرياض- ودار ~~ابن حزم- بيروت- ط 1 - سنة 1415. ### | 102 - # كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة- نور الدين علي بن أبي بكر ~~الهيثمي- تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي- مؤسسة الرسالة- ط 1 - سنة 1404. ### | 103 - # الكلم الطيب- لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية- تحقيق: محمد ناصر الدين ~~الألباني- المكتب الإسلامي- بيروت- ط 5 - سنة 1405. # PageV01P250 # حرف الميم ### | 104 - # المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين- الحافظ محمد بن حبان أبو ~~حاتم البستي- تحقيق: محمود إبراهيم زائد- دار الباز- مكة المكرمة. ### | 105 - # مجمع الزوائد ومنبع الفوائد- نور الدين الهيثمي- دار الكتاب العربي- ~~بيروت. ### | 106 - # مجموعة الفتاوى- شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني- ~~تحقيق: عامر الجزار وأنور الباز- دار الوفاء- المنصورة- مكتبة العبيكان- ~~الرياض- ط 2 - سنة 1419. ### | 107 - # المجموع شرح المهذب- شرف الدين النووي- حققه وعلق عليه وأكمله بعد ~~نقصانه: محمد نجيب المطيعي- دار إحياء التراث العربي- بيروت- مصورة عن ~~الطبعة المصرية- سنة 1415. ### | 108 - # المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد- محمد بن عبد الرحمن ~~الخميس- دار أطلس- ط 1 - سنة 1418. ### | 109 - # مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين- جمع وترتيب: فهد ~~بن ناصر بن إبراهيم السليمان- دار الثريا للنشر- الرياض- ط 2 - سنة 1414. ### | 110 - # المحصول في علم أصول الفقه- فخر الدين الرازي- تحقيق: طه جابر فياض ~~العلواني- مؤسسة الرسالة- بيروت- ط 3 - سنة 1418. ### | 111 - # المحلى- لابن حزم- تحقيق: أحمد محمد شاكر- دار إحياء التراث العربي- ~~بيروت- ط 1 - سنة 1418. ### | 112 - # المدخل إلى السنن الكبرى- للحافظ أبي بكر البيهقي- تحقيق: محمد ضياء ~~الرحمن الأعظمي- دار الخلفاء للكتاب الإسلامي- الكويت. ### | 113 - # المراسيل- الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني- تحقيق: شعيب ~~الأرناءوط- مؤسسة الرسالة بيروت- ط 2 - سنة 1418. ### | 114 - # المستصفى من علم الأصول- أبو حامد الغزالي- دار إحياء التراث العربي- ~~بيروت- ط 1 - سنة 1418. ### | 115 - # مسائل علمية في الدعوة والسياسية الشرعية- كتبه: علي بن حسن بن علي بن ~~عبد الحميد الحلبي الأثري- راجعه: العلامة محمد ms258 ناصر الدين الألباني- مكتبة ~~ابن القيم- الكويت- دار ابن خزيمة- الرياض- ط 1 - سنة 1421. # PageV01P251 ### | 116 - # المستدرك على الصحيحين- للحاكم- دائرة المعارف العثمانية- ومعه التلخيص ~~للذهبي. ### | 117 - # المسند- الإمام أحمد بن حنبل- ط. المكتب الإسلامي- مصورة عن الطبعة ~~المنيرية. # طبعة أخرى: دار المعارف بمصر- تعليق وشرح: أحمد محمد شاكر. # وثالثة: مؤسسة قرطبة- القاهرة- توزيع: مكتبة الخراز- جدة- اعتناء: أبي ~~عاصم حسن بن عباس بن قطب- وهي تكملة لعمل الشيخ أحمد شاكر. ط 1 - سنة 1418. ### | 118 - # المسند- الحافظ عبد الله بن الزبير الأسدي الحميدي- تحقيق: حبيب الرحمن ~~الأعظمي- عالم الكتب- بيروت- مصورة عن طبعة المجلس العلمي بالهند- سنة ~~1382. ### | 119 - # مسند أبي يعلى الموصلي- الحافظ أحمد بن علي بن المثنى التميمي- تحقيق: ~~حسين سليم أسد- دار المأمون للتراث- دمشق- ط 1 - سنة 1405. ### | 120 - # مسند أبي بكر الصديق- أحمد بن على المروزي- تحقيق: شعيب الأرناءوط- ~~المكتب الإسلامي- بيروت- ط 2 - سنة 1399. ### | 121 - # مشكاة المصابيح- محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي- تحقيق: محمد ناصر ~~الدين الألباني- المكتب الإسلامي- ط 3 - سنة 1405. ### | 122 - # المصنف- عبد الرزاق الصنعاني- بتحقيق: عبد الرحمن الأعظمي- المكتب ~~الإسلامي- بيروت. ### | 123 - # المصنف- ابن أبي شيبة- المجمع العلمي بالهند- وطبعة دار الفكر- بيروت. ### | 124 - # المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية- الحافظ أحمد بن حجر ~~العسقلاني- مؤسسة قرطبة والمكتبة- ط 1 - سنة 1418. # طبعة أخرى: دار العاصمة- الرياض- بتنسيق: د. سعد بن ناصر الشتري- ط 1 - ~~سنة 1419. ### | 125 - # المعجم الكبير- الحافظ الطبراني- تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي- دار ~~إحياء التراث العربي- بيروت- مصورة عن مكتبة ابن تيمية بالقاهرة. ### | 126 - # معجم الصحابة- عبد الباقي بن قانع- تحقيق: خليل إبراهيم قوتلاي وحمدي ~~الدمرداش محمد- مكتبة نزار مصطفى الباز- مكة المكرمة- ط 1 - سنة 1418. # PageV01P252 ### | 127 - # المعرفة والتاريخ- للفسوي- تحقيق: أكرم ضياء العمري- مطبعة الإرشاد ~~ببغداد- سنة 1394. ### | 128 - # مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، الإمام أبو الحسن الأشعري- تحقيق: ~~محمد محيي الدين عبد الحميد- المكتبة العصرية- بيروت- سنة 1416. ### | 129 - # الملل والنحل- للشهرستاني- دار المعرفة- بيروت- ط 6 - سنة 1417. ### | 130 - # موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية- جمع وترتيب: عبد الله بن مبارك ~~البوصي- مكتبة دار البيان الحديثة- الطائف- السعودية- ط 1 - سنة 1420. ### | 131 - # الموطأ- للإمام مالك بن أنس- رواية يحيى الليثي- مؤسسة الريان- بيروت. ### | 132 - # موضح أوهام الجمع والتفريق- الخطيب البغدادي- تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى ~~المعلمي اليماني- دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد- الهند- سنة 1378. ### | 133 - # الموضوعات- لابن الجوزي- تحقيق: نور الدين بن شكري بن علي بويا جيلار- ~~أضواء السلف ومكتبة التدمرية- ط 1 - سنة 1418. ### | 134 - # ميزان الاعتدال في نقد الرجال- الحافظ شمس الدين الذهبي- تحقيق: علي ~~البجاوي- دار المعرفة- بيروت. # حرف النون ### | 135 - # نتائج الأفكار في تخريج أحاديث ms259 الأذكار- الحافظ ابن حجر العسقلاني- ~~تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي- دار ابن كثير- دمشق- بيروت- ط 1 - سنة ~~1421. ### | 136 - # النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة- جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن ~~تغري بردي الأتابكي- دار الكتب المصرية. ### | 137 - # نفائس الأصول في شرح المحصول- أحمد بن إدريس القرافي- تحقيق: عادل أحمد ~~عبد الموجود وعلي محمد معوض- قرظه: د. عبد الفتاح أبو سنة- مكتبة الباز- ~~مكة المكرمة- ط 3 - سنة 1420. ### | 138 - # نهاية السئول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول- القاضي جمال الدين ~~الإسنوي- تحقيق: د. شعبان محمد إسماعيل- دار ابن حزم- بيروت- ط 1 - سنة ~~1420. ### | 139 - # نهاية الوصول إلى دراية الأصول- صفي الدين الأرموي- تحقيق: صالح بن ~~سليمان اليوسف وسعد بن سالم السويح- مكتبة نزار مصطفى الباز- مكة المكرمة- ~~ط 2 - سنة 1419. PageV01P253 ms260