######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007626 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرد على المنطقيين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007626 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7626 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7626 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: - #META# 041.EdNUMBER :: - #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعرفة، بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # ... # كتاب الرد على المنطقيين # للإمام ابن تيمية # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وأعن # قال شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن ~~الشيخ الإمام العلامة مفتي الفرق، شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام ~~العلامة مفتي الفرق مجد الدين عبد السلام بن تيمية: # الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # أما بعد فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ~~ينتفع به البليد ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأيت من صدق كثير منها. # ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئا ثم لما كنت ~~بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد فذكرت له ~~بعض ما يستحقه من التجهيل والتضليل. واقتضى ذلك أني كتبت في قعدة بين الظهر ~~من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة. ثم تعقبته بعد ذلك في مجالس إلى ~~أن تم. # PageV01P003 # ولم يكن ذلك من همتي فإن همتي إنما كانت فيما كتبته عليهم في الإلهيات. # وتبين لي أن كثيرا مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من ~~أصول فساد قولهم في الإلهيات، مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات ~~التي سموها ذاتيات وما ذكروه من حصر طرق العلم في ما ذكروه من الحدود ~~والأقيسة البرهانية بل وفيما ذكروه من الحدود التي يعرف التصورات بل ما ~~ذكروه من صور القياس ومواده اليقينيات. # فأراد بعض الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم في المنطق ~~فأذنت في ذلك لأنه يفتح باب معرفة الحق، وإن كان ما فتح من باب الرد عليهم ~~يحتمل أضعاف ما علقته تلك الساعة فقلت: # فصل: ملخص أصول المنطق واصطلاحاته # بنوا المنطق على الكلام في الحد ونوعه والقياس البرهاني ونوعه قالوا لأن ~~العلم أما تصور وأما تصديق وكل منهما بديهي وأما نظري فإنه من ms001 المعلوم أنه ~~ليس الجميع بديهيا ولا يجوز أن يكون الجميع نظريا لافتقار النظري إلى ~~البديهي فيلزم الدور القبلي أو التسلسل في العلل التي هي هنا أسباب العلم ~~وهي الأدلة وهما ممتنعان. # والنظري منهما لا بد له من طريق ينال به فالطريق الذي ينال به التصور هو ~~الحد والطريق الذي ينال به التصديق هو القياس # PageV01P004 # فالحد اسم جامع لكل ما يعرف التصور وهو القول الشارح فيدخل فيه الحقيقي ~~والرسمي واللفظي أو هو الحقيقي خاصة فيقرن به الرسمي واللفظي ليس من هذا ~~الباب أو والحد اسم للحقيقي والرسمي دون اللفظي فان كل نوع من هذه الثلاثة ~~اصطلاح طائفة منهم كما قد بسطته وذكرت أسماءهم في غير هذا الموضع والقياس ~~أن كانت مادته يقينية فهو البرهان خاصة وإن كانت مسلمة فهو الجدلى وإن كانت ~~مشهورة فهو الخطابي وإن كانت مخيلة فهو الشعري وإن كانت مموهة فهو ~~السوفسطائي ولهذا قد يتداخل البرهاني والخطابي والجدلي وبعض الناس يجعل ~~الخطابي هو الظني وبعضهم يجعله الاقناعي ولهم اصطلاحات أخر بعضها موافق ~~لاصطلاح المعلم الأول أرسطو وبعضها مخالف له فان كثيرا من المصنفين فيه ~~خرجوا في كثير منه عن طريقة معلمهم الأول ولكن ليس المقصود هنا بسط هذا ثم ~~الحد إنما يتألف من الصفات الذاتية أن كان حقيقيا وإلا فلا بد من العرضية ~~وكل منهما أما أن يكون مشتركا بين المحدود وغيره وأما أن يكون مميزا له عن ~~غيره فالمشترك الذاتي الجنس والمميز الذاتي الفصل والمؤلف منهما النوع ~~والمشترك العرضي هو العرض العام والمميز العرضى هو الخاصة وقد يعبر ب ~~الخاصة عما يعرض ل النوع وإن لم يكن عاما لأفراده لكن تلك الخاصة لا يحصل ~~بها التمييز كما قد يعبر ب النوع عن الأنواع الإضافية التي هي بالنسبة إلى ~~ما فوقها نوع وبالنسبة إلى ما تحتها جنس ولكن هذا وأمثاله من جزئيات المنطق ~~التي ليس هنا المقصود الكلام فيها فان للكلام على ما ذكروه في الجنس والنوع ~~مقاما آخر غير ما علق في هذه العجالة فهذه الكليات الخمس ms002 وبإزاء الكلي ~~الجزئي وهو ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه والكلام في المركب مسبوق ~~بالكلام على المفرد ودلالة اللفظ عليه # PageV01P005 # والقياس مؤلف من مقدمتين والمقدمة قضية أما موجبة وأما سالبة وكل منهما ~~أما كلية وأما جزئية فلا بد من الكلام في القضايا وأنواعها وجهاتها. # وقد يستدل عليها ب نقيضها وبعكسها وبعكس نقيضها فإنها إذا صحت بطل نقيضها ~~وصح عكسها وعكس نقيضها فتكلم في تناقض القضايا وعكسها المستوى وعكس نقيضها. # والقضية أما حملية وأما شرطية متصلة وأما شرطية منفصلة فانقسم القياس ~~باعتبار صورته إلى قياس تداخل وهو الحملي وقياس تلازم وهو الشرطي المتصل ~~وقياس تعاند وهو التقسيم والترديد وهو الشرطي المنفصل هذا باعتبار صورته ~~وباعتبار مادته إلى الأصناف الخمسة المتقدمة. # فلا بد من الكلام في مواد القياس وهي القضايا التي يستدل بها على غيرها ~~وهذا كله في قياس الشمول وأما قياس التمثيل والاستقراء فله حكم آخر فإنهم ~~قالوا الاستدلال ب الكلى على الجزئي هو قياس الشمول وب الجزئي على الكلى هو ~~الاستقراء أما التام أن علم شموله للأفراد وإلا ف الناقص والاستدلال بأحد ~~الجزئيين على الآخر هو قياس التمثيل. # مع أنا قد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام على أن كل قياس شمول فانه يعود ~~إلى التمثيل كما أن كل قياس تمثيل فانه يعود إلى شمول وأن جعلهم قياس ~~الشمول يفيد اليقين دون قياس التمثيل خطأ. # وذكرنا تنازع الناس في اسم القياس هل يتناولهما جميعا كما عليه جمهور ~~الناس أو هو حقيقة في التمثيل مجاز في قياس الشمول كما اختاره أبو حامد ~~الغزالي وأبو محمد المقدسي أو بالعكس كما اختاره ابن حزم وغيره من أهل ~~المنطق والكلام على هذا مبسوط في مواضع # PageV01P006 # والمقصود هنا ذكر شيء آخر فنقول: الكلام في أربع مقامات مقامين سالبين ~~ومقامين موجبين. # فالأولان: # أحدهما: في قولهم أن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد. # والثاني: أن التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس. # والآخران: في أن الحد يفيد العلم بالتصورات وأن القياس أو البرهان ~~الموصوف يفيد العلم بالتصديقات ms003 # PageV01P007 ### | المقام الأول: المقام السلبي في الحدود والتصورات. # في قولهم: أن التصورات غير البديهية لا تنال إلا بالحد # والكلام على هذا من وجوه:. # أحدها: أن يقال لا ريب أن النافي عليه الدليل إذا لم يكن نفيه بديهيا كما ~~أن على المثبت الدليل فالقضية سواء كانت سلبية أو إيجابية إذا لم تكن ~~بديهية فلا بد لها من دليل وأما السلب بلا علم فهو قول بلا علم فقول ~~القائل: أنه لا تحصل هذه التصورات إلا بالحد قضية سالبة وليست بديهية فمن ~~أين لهم ذلك وإذا كان هذا قولا بلا علم كان في أول ما أسسوه القول بلا علم ~~فكيف يكون القول بلا علم أساسا لميزان العلم ولما يزعمون أنه آلة قانونية ~~تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره # PageV01P007 # الثاني: أن يقال الحد يراد به نفس المحدود وليس هذا مرادهم ههنا ويريدون ~~به القول الدال على ما هيه المحدود وهو مرادهم هنا وهو تفصيل ما دل عليه ~~الاسم بالإجمال. # فيقال: إذا كان الحد قول الحاد فالحاد أما أن يكون قد عرف المحدود بحد ~~وأما أن يكون عرفه بغير حد فان كان الأول فالكلام في الحد الثاني كالكلام ~~في الأول وهو مستلزم للدور القبلى أو التسلسل في الأسباب والعلل وهما ~~ممتنعان باتفاق العقلاء وإن كان عرفه بغير حد بطل سلبهم وهو قولهم أنه لا ~~يعرف إلا بالحد. # الثالث: أن الأمم جميعهم من أهل العلم والمقالات وأهل العمل والصناعات ~~يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى معرفتها ويحققون ما يعانونه من العلوم ~~والأعمال من غير تكلم بحد منطقي ولا نجد أحدا من أئمة العلوم يتكلم بهذه ~~الحدود لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطب ولا الحساب ولا أهل الصناعات مع ~~أنهم يتصورون مفردات علمهم فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود. # الرابع: أنه إلى الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم على أصلهم بل أظهر ~~الأشياء الإنسان وحده ب الحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورة وكذلك حد ~~الشمس وأمثال ذلك حتى أن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود ذكروا ل الاسم ms004 ~~بضعة وعشرين حدا وكلها معترض عليها على أصلهم بل أنهم ذكروا ل الاسم سبعين ~~حدا لم يصح منها شيء كما ذكر ذلك ابن الأنباري المتأخر والأصوليون ذكروا ل ~~القياس بضعة وعشرين حدا وكلها معترض على أصلهم وعامة الحدود المذكورة في ~~كتب الفلاسفة والأطباء والنحاة والاصوليين والمتكلمة معترضة على أصلهم وإن ~~قيل بسلامة بعضها كان قليلا بل منتفيا فلو كان تصور الأشياء موقوفا على ~~الحدود لم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئا من هذه الأمور والتصديق موقوف ~~على التصور فإذا لم يحصل تصور لم يحصل تصديق فلا يكون عند بني آدم علم في ~~عامة علومهم وهذا من أعظم السفسطة # PageV01P008 # الخامس: أن تصور الماهية إنما يحصل عندهم بالحد الذي هو الحقيقي المؤلف ~~من الذاتيات المشتركة والمميزة وهو المركب من الجنس والفصل وهذا الحد أما ~~متعذر أو متعسر كما قد أقروا بذلك وحينئذ فلا يكون قد تصور حقيقة من ~~الحقائق دائما أو غالبا وقد تصورت الحقائق فعلم استغناء التصورات عن الحد. # السادس: أن الحدود الحقيقية عندهم إنما تكون الحقائق المركبة وهي الأنواع ~~التي لها جنس وفصل وأما ما لا تركيب فيه وهو ما لا يدخل مع غيره تحت جنس ~~كما م ثله بعضهم ب العقول فليس له حد وقد عرفوه وهو من التصورات المطلوبة ~~عندهم فعلم استغناء التصورات عن الحد بل إذا أمكن معرفة هذه بلا حد فمعرفة ~~تلك الأنواع أولى لأنها أقرب إلى الحس وان أشخاصها مشهودة. # وهم يقولون أن التصديق لا يقف على التصور التام الذي يحصل بالحد الحقيقي ~~بل يكفي فيه أدنى تصور ولو ب الخاصة وتصور العقول من هذا الباب وهذا اعتراف ~~منهم بأن جنس التصور لا يقف على الحد الحقيقي لكن يقولون الموقوف عليه هو ~~تصور الحقيقة أو التصور التام وسنبين أن شاء الله أنه ما من تصور إلا وفوقه ~~تصور أتم منه وأنا نحن لا نتصور شيئا بجميع لوازمه حتى لا يشذ عنا منها شيء ~~وأنه كلما كان التصور لصفات المتصور أكثر كان التصور أتم. # وأما ms005 جعل بعض الصفات داخلة في حقيقة الموصوف وبعضها خارجة فلا يعود إلى ~~أمر حقيقي وإنما يعود ذلك إلى جعل الداخل ما دل عليه اللفظ ب التضمن ~~والخارج اللازم ما دل عليه اللفظ ب اللزوم فتعود الصفات الداخلة في الماهية ~~إلى ما دخل في مراد المتكلم بلفظه والخارجة اللازمة للماهية إلى ما يلزم ~~مراده بلفظه وهذا أمر يتبع مراد المتكلم فلا يعود إلى حقيقة ثابتة في نفس ~~الأمر للموصوف وقد بسطنا ألفاظهم في غير هذا الموضع وبينا ذلك بيانا مبسوطا ~~يبين أن ما سموه الماهية أمر يعود إلى ما يقدر في الأذهان لا إلى ما يتحقق ~~في الأعيان والمقدر في الأذهان بحسب ما يقدره كل أحد في ذهنه فيمتنع أن # PageV01P009 # تكون الحقائق الموجودة تابعة لذلك. # السابع: أن مستمع الحد يسمع الحد الذي هو مركب من ألفاظ كل منها لفظ دال ~~على معنى فان لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات تلك الألفاظ ودلالتها على ~~معانيها المفردة لم يمكنه فهم الكلام والعلم بأن اللفظ دال على المعنى أو ~~موضوع له مسبوق بتصور المعنى فمن لم يتصور مسمى الخبر والماء والسماء ~~والأرض والأب والأم لم يعرف دلالة اللفظ عليه وإذا كان متصورا لمسمى اللفظ ~~ومعناه قبل استماعه وإن لم يعرف دلالة اللفظ عليه امتنع أن يقال أنه إنما ~~تصوره باستماع اللفظ لأن في ذلك دورا قبليا إذ يستلزم أن يقال لم يتصور ~~المعنى حتى سمع اللفظ وفهمه ولم يمكن أن يفهم المراد باللفظ حتى يكون قد ~~تصور ذلك المعنى قبل ذلك وهذا كما أنه مذكور في دلالة الأسماء على مسمياتها ~~المفردة فهو بعينه وارد في دلالة الحدود على المحدودات إذ كلاهما إنما يدل ~~على معنى مفرد لكن الحد يفيد تفصيل ما دل عليه الاسم بالاجمال. # وقد يكون فيه عند المنطقين تفصيل صفاته المشتركة والمختصة وإن كان ~~للمتكلمين في الحد طريق آخر إذ لا يحدون إلا ب الخاصة المميزة الفاصلة دون ~~المشتركة بل يمنعون من التركيب الذي يوجبه المنطقيون وهو لعمري أقرب إلى ~~المقصود كما ms006 سنبينه أن شاء الله تعالى ونبين أن فائدة الحدود التمييز لا ~~التصوير. # وإذا كان المطلوب التمييز فإنما ذاك بالمميز فقط دون المشترك ولأنه كلما ~~كان أوجز واجمع وأخص كان أحسن كالأسماء فليس الحد في الحقيقة إلا اسما من ~~الأسماء أو اسمين أو ثلاثة كقولك: حيوان ناطق وكذلك قيل في تعليم آدم ~~الأسماء كلها تعليم حدودها وهي من جنس الحدود المحدود المذكورة في قوله ~~تعالى: {وأجدر إلا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} التوبة # PageV01P010 # الثامن: أن الحد إذا كان هو قول الحاد فمعلوم أن تصور المعاني لا يفتقر ~~إلى الألفاظ فان المتكلم قد يتصور معنى ما يقوله بدون لفظ والمستمع قد ~~يمكنه تصور تلك المعاني من غير مخاطب بالكلية فكيف يمكن أن يقال لا تتصور ~~المفردات إلا بالحد الذي هو قول الحاد. # التاسع: أن الموجودات المتصورة أما أن يتصورها الإنسان بحواسه الظاهرة ~~كالطعم واللون والريح والأجسام التي تحمل هذه الصفات وأما أن يتصورها ~~بمشاعره الباطنة كما تتصور الأمور الحسية الباطنة الوجدية مثل الجوع والشبع ~~والحب والبغض والفرح والحزن واللذة والألم والإرادة والكراهية والعلم ~~والجهل وأمثال ذلك وكل من الأمرين قد يتصوره معينا وقد يتصوره مطلقا أو ~~عاما وهذه التصورات جميعها غنية عن الحد ولا يمكنه تصور شيء بدون مشاعره ~~الظاهرة والباطنة وما غاب عنه يعرفه بالقياس والاعتبار بما شاهده. # العاشر: أنهم يقولون أن للمعترض أن يطعن على حد الحاد ب النقض والمعارضة. # والنقض أما في الطرد وأما في العكس أما الطرد فهو أنه حيث وجد الحد وجد ~~المحدود فيكون الحد مانعا فإذا بين وجود الحد ولا محدود لم يكن مطردا ولا ~~مانعا بل دخل فيه غيره كما لو قال في حد الإنسان أنه الحيوان وأما العكس ~~وهو أن يكون حيث انتفى الحد انتفى المحدود لكون الحد جامعا وإذا لم يكن ~~جامعا انتفى الحد مع بقاء بعض المحدود كما لو قال في حد الإنسان أنه العربي ~~فلا يكون الحد منعكسا ولو استعمل لفظ الطرد في موضع العكس لكان سائغا ~~والمقصود أنه ms007 لا بد من اتفاق الحد والمحدود في العموم والخصوص فلا بد أن ~~يكون مطابقا للمحدود لا يدخل فيه ما ليس من المحدود ولا يخرج منه ما هو من ~~المحدود فمتى كان أحدهما اعم كان باطلا بالاتفاق وسمى ذلك نقضا # PageV01P011 # فان النقض يرد على الحد والدليل والقضية الكلية والعلة لكن الدليل ~~والقضية الكلية لا يجب فيهما الانعكاس إلا بسبب منفصل مثل المتلازمين إذا ~~استدل بأحدهما على الآخر فهنا يكون الدليل مطردا منعكسا وأما الحد فلا بد ~~فيه من الانعكاس. # والعلة أن كانت تامة وجب طردها وإن لم تكن تامة جاز تخلف الحكم عنها ~~لفوات شرط أو وجود مانع ويسمى ذلك تخصيصا ونقضا أما وجود الحكم بلا علة ~~فيسمى عدم عكس وعدم تاثير ونفس الحكم المتعلق بها ينتفي لا بانتفائها ولا ~~يجب انتفاء نظيره إذا كان له علة أخرى فمجرد عدم الانعكاس لا يدل على فساد ~~العلة إلا إذا وجد الحكم بدون العلة من غير أن تخلفها علة أخرى وهو في ~~الحقيقة وجود نظير الشخص وهو نوعه فهنا تكون العلة عديمة التأثير فتكون ~~باطلة وبهذا يظهر أن عدم التأثير مبطل لها وعدم الانعكاس ليس مبطلا لها ~~فإنها إذا انتفت انتفى الحكم المعلق بها وإذا وجد الحكم بعلة أخرى فان كانت ~~العلة مساوية هي كالآخرى فهي هي وإن كانت مجانبة لها فلا بد أن يختلف الحكم ~~كما أن حل الدم كان اسم جنس فالحل الحاصل بالردة نوع غير النوع الحاصل ~~بالزنا والحل الحاصل بالقتل فان الحل الحاصل بالقتل يجوز فيه الفداء ~~والمعافاة والحل الحاصل بالردة يجوز فيه الغفران بالتوبة والحل الحاصل ~~بالزنا فيه حد الرجم بالحجارة وبحضور شهود وكثير نظائر هذا فإلى في احد ~~الحلين أن كان مماثلا للآخر فالعلتان واحدة وإن اختلف الحكم اختلف العلة ~~وانتقاض الوضوء بالبول والغائط نوع واحد ليس هو من باب تغاير الحكم بعلتين ~~كالقتل بالحدود قال المعترض: "هذه الأوصاف لا تأثير لها في حل الدم فان ~~الردة وزنا المحصن وحراب الكافر الأصلي يبيح الدم مع انتفاء هذه ms008 الأوصاف" ~~فيقال له: فان الحل وجد لسبب آخر لا لعدم تأثر هذه الأوصاف كما يستحق الابن # PageV01P012 # الإرث بالنسب والنكاح والولاء ويثبت الملك بالمعاوضة والإرث والإيهاب ~~والاغتنام وتلك المباحات لو كان للمستدل فيجب القود فياسا على القتل لم يرد ~~عليه هذا السؤال لأن الواجب بالردة والزنا ليس قودا. # وأما عدم التأثير مبطل لما هو العلة لأن تأثير الدلالة الذي يجمع فيه لا ~~يدل على العلة فان الدليل لا يجب انعكاسه كما لو قال من يركب القياس في ~~مسألة زكوة الصبي ملبوس فلا يجب له الزكاة كلباس الكبير قيل له لا تأثير ~~لكونه لباسا لا في الفرع ولا في الأصل بل هذا الحكم ثابت عند أهل الشرع في ~~جميع مال الصغير وهذه كلمات جوامع في هذه الكليات التي يكثر فيها اضطراب ~~الناس. # وأما المعارضة للحد بحد آخر فظاهر. # فإذا كان المستمع للحد يبطله ب النقص تارة وب المعارضة أخرى ومعلوم أن ~~كليهما لا يمكن إلا بعد تصور المحدود علم أنه يمكن تصور المحدود بدون الحد ~~وهو المطلوب. # الحادي عشر: أن يقال هم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج ~~إلى حد وإلا لزم الدور أو التسلسل. # وحينئذ فيقال كون العلم بديهيا أو نظريا هو من الأمور النسبية الإضافية ~~مثل كون القضية يقينية أو ظنية إذ قد يتيقن زيد ما يظنه عمرو وقد يبده زيدا ~~من المعاني ما لا يعرفه غيره إلا بالنظر وقد يكون حسيا لزيد من العلوم ما ~~هو خبرى عند عمرو وإن كان كثير من الناس يحسب أن كون العلم المعين ضروريا ~~أو كسبيا أو بديهيا أو نظريا هو من الأمور اللازمة له بحيث يشترك في ذلك ~~جميع الناس وهذا غلط عظيم وهو مخالف للواقع. # فان من رأى الأمور الموجودة في مكانه وزمانه كانت عنده من الحسيات # PageV01P013 # المشاهدات وهي عند من علمها بالتواتر من المتواترات وقد يكون بعض الناس ~~إنما علمها بخبر ظنى فتكون عنده من باب الظنيات فان لم يسمعها فهي عنده من ~~المجهولات وكذلك العقليات فان ms009 الناس يتفاوتون في الإدراك تفاوتا لا يكاد ~~ينضبط طرفاه ولبعضهم من العلم البديهي عنده والضروري ما ينفيه غيره أو يشك ~~فيه وهذا بين في التصورات والتصديقات. # وإذا كان ذلك من الأمور النسبية الإضافية أمكن أن يكون بديهيا عند بعض ~~الناس من التصورات ما ليس بديهيا لغيره فلا يحتاج إلى حد وهذا هو الواقع ~~وإذا قيل فمن لم يحصل له تلك المحدودات بالبداهة حصلت له بالحد قيل كثير ~~منهم يجعل هذا حكما عاما في جنس النظريات لجنس الناس وهذا خطا واضح ومن ~~تفطن لما ذكرناه يقال له ذلك الشخص الذي لم يعلمها بالبديهة يمكن أن تصير ~~بديهة له بمثل الأسباب التي حصلت لغيره فلا يجوز أن يقال لا يعلمها إلا ~~بالحدود. # PageV01P014 ### | المقام الثاني: المقام الايجابي في الحدود والتصورات # وهو أنه هل يمكن تصور الأشياء بالحدود. # فيقال المحققون من النظار يعلمون أن الحد فائدته التمييز بين المحدود ~~وغيره كالاسم ليس فائدته تصوير المحدود وتعريف حقيقته وإنما يدعى هذا أهل ~~المنطق اليوناني أتباع أرسطو ومن سلك سبيلهم وحذا حذوهم تقليدا لهم من ~~الإسلاميين وغيرهم فأما جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين وغيرهم فعلى ~~خلاف هذا. # وإنما دخل هذا في كلام من تكلم في أصول الدين والفقه بعد أبي حامد في ~~أواخر المائة الخامسة وأوائل المائة السادسة فأما أبو حامد فقد وضع مقدمة ~~منطقية في أول المستصفى وزعم أن من لم يحط بها علما فلا ثقة له بشي من # PageV01P014 # علومه وصنف في ذلك محك النظر ومعيار العلم ودواما اشتدت به ثقته وأعجب من ~~ذلك أنه وضع كتابا سماه القسطاس المستقيم ونسبه إلى أنه تعليم الأنبياء ~~وإنما تعلمه من ابن سينا وهو تعلمه من كتب أرسطو وهؤلاء الذين تكلموا في ~~الحدود بعد أبى حامد هم الذين تكلموا في الحدود بطريقة أهل المنطق ~~اليوناني. # وأما سائر طوائف النظار من جميع الطوائف المعتزلة والأشعرية والكرامية ~~والشيعة وغيرهم ممن صنف في هذا الشأن من اتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ~~فعندهم إنما تفيد الحدود التمييز بين المحدود وغيره بل أكثرهم ms010 لا يسوغون ~~الحد إلا بما يميز المحدود عن غيره ولا يجوز أن يذكر في الحد ما يعم ~~المحدود وغيره سواء سمي جنسا أو عرضا عاما وإنما يحدون بما يلازم المحدود ~~طردا وعكسا ولا فرق عندهم بين ما يسمى فصلا وخاصة ونحو ذلك مما يتميز به ~~المحدود من غيره. # وهذا مشهور في كتب أهل النظر في مواضع يطول وصفها من كتب المتكلمين من ~~أهل الإثبات وغيرهم كأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر إسحاق وأبي بكر بن ~~فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي المعالي الجويني وأبي الميمون النسفي ~~الحنفي وغيرهم وقبلهم أبو علي وأبو هاشم وعبد الجبار وأمثالهم من شيوخ ~~المعتزلة وكذلك ابن النوبخت والموسى والطوسي وغيرهم من شيوخ الشيعة وكذلك ~~محمد بن الهيصم وغيره من شيوخ الكرامية فإنهم إذا تكلموا في الحد قالوا أن ~~حد الشىء وحقيقته خاصته التي تميزه # PageV01P015 # قال أبو القاسم الأنصاري في شرح الإرشاد: "قال إمام الحرمين: القصد من ~~التحديد في اصطلاح المتكلمين التعرض لخاصة الشيء وحقيقة التي يقع بها الفصل ~~بينه وبين غيره". # قال الأستاذ: "حد الشيء معناه الذي لأجله كان بالوصف المقصود بالذكر" قال ~~أبو المعالي: "ولو قال قائل حد الشيء معناه واقتصر عليه كان سديد أو قال حد ~~الشيء حقيقته أو خاصته كان حسنا". # قال: "فإن قيل: إذا قلتم حد العلم أو حقيقة ما يعلم به فلم تذكروا خاصة ~~العلم لأن العلم يشتمل على مختلفات ومتماثلات لا يجمع جميعها في خاصة واحدة ~~فان المجتمعين في الأخص متماثلان؟ فنقول: إنما غرضنا أن نبين أن المذكور ~~حدا هو خاصة وصف المحدود في مقصود الحد إذ ليس الغرض بالسؤال عن العلم ~~التعرض لتفصيله وإنما الغرض معرفة العلمية بأخص وصف العلم الذي يشترك فيه ~~ما يختلف منه وما يتماثل بما ذكرناه حيث قلنا أنه المعرفة أو ما يعلم به أو ~~التبيين". # وهذا على طريقة الأستاذ ومن رام ذكر حد من قبيل المعلومات فإنما غرضه ~~الوقوف على صفة يشترك فيها القبيل المسئول عنه على وجه يتضح للسائل. # قال أبو ms011 المعالي: "فان قيل الحد يرجع إلى قول المخبر أو إلى صفة في ~~المحدود قلنا: ما صار إليه كافة الأئمة أن الحد صفة المحدود سكت عنه ~~الواصفون أم نطقوا وهو بمعنى الحقيقة" وقد ذكر القاضي في التقريب أن الحد ~~قول الحاد المنبئ عن الصفة التي تشترك فيها آحاد المحدود ووافق الأصحاب في ~~أن حقيقة الشيء ومعناه راجعان إلى صفة دون قول القائل وإنما بين ذلك في ~~الحد لمشابهته الوصف ومشابهة الحقيقة الصفة ونحن نفصل بين الوصف والصفة" ثم ~~قال القاضي: "من الأشياء ما يحد ومنها ما لا يحد وما من محقق إلا وله حقيقة ~~ومن صار إلى أن الحد يرجع إلى حقيقة المحدود" # PageV01P016 # يقول: "ما من ذي حقيقة إلا وله حد نفيا كان أو إثباتا والغرض من التحديد ~~التعرض لحقيقة الشيء التي بها يتميز عن غيره والشيء إنما يتميز عن غيره ~~بنفسه وحقيقته لا بقول القائل". # ثم قال أبو المعالي: "قال المحققون الاطراد والانعكاس من شرائط الحد وإذا ~~كان الغرض من الحد تمييز المحدود بصفة عما ليس منه فليس يتحقق ذلك إلا مع ~~الاطراد والانعكاس ف الطرد هو تحقق المحدود مع تحقق الحد والعكس هو انتفاء ~~المحدود مع انتفاء الحد. # وإذا قيل حد العلم هو العرض لم يطرد ذلك إذ ليس كل عرض علما فهذا نقض ~~الحد ولو قلنا في حد العلم كل معرفة حادثة فهذا لا ينعكس إذ ثبت علم ليس ~~بحادث والسائل عن حد العلم لم يقصد حد ضرب منه تخصيصا وإنما أراد الإحاطة ~~بمعنى سائر العلوم. # وإذا قلنا العلم هو المعرفة فكل معرفة علم وكل علم معرفة وكل ما ليس بعلم ~~فليس بمعرفة وكل ما ليس بمعرفة فليس بعلم وهذه عبارات أربع: عبارتان في ~~النفي وعبارتان في الإثبات ولا تستقيم الحدود دون ذلك". # قال أبو المعالي: "فان قال قائل: هل يجوز تركيب الحد من وصفين أم لا؟ ~~قلنا: اختلف المتكلمون:. # فذهب كثير منهم إلى أن المركب ليس بحد وشيخنا أبو الحسن يميل إلى ذلك ~~ويقدح في التركيب وليس ms012 المراد بمنع التركيب تكليف المسئول أن يأتي في حد ما ~~يسأل عنه بعبارة واحدة إذ المقصود إتحاد المعنى بدون اللفظ والعبارات لا ~~تقصد لأنفسها وليست هي حدودا بل هي منبئة عن الحدود وقال شيخنا أبو الحسن ~~في حد العلم مع منعه التركيب: "هو ما أوجب كون محله عالما وهذا يشتمل على ~~كلمات ولم يعد هذا تركيبا فان المقصود بالحد التعرض لصفة واحدة هو إيجاب ~~العلم حكمه وكذلك إذا قيل في حد الجوهر ما قبل العرض فليس # PageV01P017 # بمركب وإن ذكر العرض وقبوله إياه ولكن المقصود بالحد التعرض للقبول فقط. # ثم التركيب فيه تقسيم فمنه باطل بالاتفاق ومنه مختلف فيه فالمتفق عليه هو ~~أن يذكر الحاد معنيين يقع الاستقلال بأحدهما وذكر الآخر لغو في مقصود الحد ~~وشرطه وأما المختلف فيه فكما يقول المعتزلة في حد المرئي ما يكون لونا أو ~~متلونا فهم يصححون هذا الحد ولا يرون هذا التركيب قادحا قالوا لأن المقصود ~~من الحد حصر المحدود مع التعرض للحقيقة فإذا قامت الدلالة على أن المتحيز ~~يرى وعلى أن الألوان مرئية ولا يجتمع الألوان والجوهر في حقيقة واحدة إذ ~~الأوصاف الجامعة لها محدودة منها الوجود والحدوث وباطل تحديد المرئي ~~بالموجود أو المحدث إذ يلزم منه رؤية الطعوم والروائح والعلوم ونحوها فإذا ~~لم يمكن الجمع بين الجواهر والألوان في صفة جامعة لها في حكم الرؤية غير ~~منتقضة فلا وجه إلا ذكر الجواهر بخاصتها وذكر الألوان بحقيقتها. # ومعظم المتكلمين على الامتناع من مثل ذلك في الحدود وقالوا المتحيز وكون ~~اللون هيئة حكمان متنافيان فينبغي أن لا يثبت لهما مع تباينهما حكم لا ~~تباين فيه وهو كون المرئي مرئيا". # قال الأستاذ أبو المعالي: "وأحسن طريقة في هذا ما ذكره القاضي فإنه قال: ~~"ما يذكر من معرفة الحدود ينقسم فربما يتأتى ضبط آحاد المحدود بصفة واحدة ~~يشترك فيها جملة الآحاد نحو تحديدنا العلم ب المعرفة والشيئية ب الوجود ~~وربما لا يتأتى ضبط جميع آحاد المحدود في صفة واحدة يشترك جميعها فيها فلو ~~ذكر في حدها صفة ms013 جامعة لبطل فإذا كان الأمر كذلك وتأتي ضبط ما يسأل عنه ~~بذكر صفتين يشتمل إحداهما على قبيل من المسئول والآخرى على القبيل الآخر ~~لصح تحديده" قال القاضي: "ولو حقق ذلك لزال فيه الخلاف فان الذي يحد بصفتين ~~لو قيل له أتدعي # PageV01P018 # اجتماع القبلين في صفة واحدة؟ لما ادعاه ولو قيل لمطالبة أتنكر تحقيق ~~الانحصار عند ذكر الصفتين لما وجد سبيلا إلى إنكار ذلك والحد ليس بموجب ~~وإنما هو بيان وكشف وهذا المعنى يتحقق في الصفتين تحققه في الصفة الواحدة ~~فإن الكلام إلى مناقشة في العبارة". # وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: "وان قال لنا قائل: ما حد العلم عندكم ~~قلنا: حده معرفة المعلوم على ما هو به والدليل على ذلك أن هذا الحد يحصره ~~على معناه ولا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه شيء هو فيه والحد إذا أحاط ~~بالمحدود على هذا السبيل وجب أن يكون حدا ثابتا صحيحا فكلما حد به العلم ~~وغيره وكانت حاله في حصر المحدود وتميزه من غيره وإحاطته به حال ما حددنا ~~به العلم وجب الاعتراف بصحته وقد ثبت أن كل علم تعلق بمعلوم فأنه معرفة له ~~على ما هو به وكل معرفة بمعلوم فإنها علم به فوجب توفيق الحد الذي حددنا به ~~العلم وجعلناه تفسيرا لمعنى منه بأنه علم". # قلت: فقد بين القاضي أن كل ما أحاط بالمحدود بحيث لا يدخل فيه ما ليس منه ~~ولا يخرج منه ما هو منه كان حدا صحيحا. # اعتراف الغزالي باستعصاء الحد: # وقد ذكر الغزالي في كتابه الكبير في المنطق الذي سماه معيار العلم مذهب ~~المتكلمين هذا بعد أن ذكر استعصاء الحد على طريقة المنطقيين فقال: # الفصل السابع: في استعصاء الحد على القوى البشرية إلا عند غاية التشمير ~~والجهد: # ومن عرف ما ذكرناه من مثارات الاشتباه في الحد عرف عن أن القوة البشرية ~~لا تقوى على التحفظ عن كل ذلك إلا على الندوز وهي كثيرة وأعصاها على الذهن ~~أربعة أمور: # PageV01P019 # أحدها: أن شرطنا أن نأخذ الجنس ms014 الأقرب ومن أين للطالب أن لا يغفل عنه ~~فيأخذ جنسا يظن أنه أقرب وربما يوجد ما هو أقرب منه فيحد الخمر بأنه مائع ~~مسكر ويذهل عن الشراب الذي هو تحته وهو أقرب منه ويحد الإنسان بأنه جسم ~~ناطق مائت ويغفل عن الحيوان وأمثاله. # الثاني: أنا إذا شرطنا أن تكون الفصول ذاتية كلها واللازم الذي لا يفارق ~~في الوجود والوهم يشتبه بالذاتي غاية الاشتباه ودرك ذلك من أغمض الأمور فمن ~~أين له أن لا يغفل فيأخذ لازما فيورده بدل الفصل ويظن أنه ذاتي. # الثالث: أنا شرطنا أن يأتي بجميع الفصول الذاتية حتى لا يحل بواحد ومن ~~أين يأمن من شذوذ بعضها عنه لا سيما إذا وجد فصلا حصل به التمييز والمساواة ~~في الاسم في الحمل كالجسم ذي النفس الحساس ومساواته لفظ الحيوان مع إغفال ~~المتحرك بالإرادة وهذا من أغمض ما يدرك. # الرابع: أن الفصل مقوم ل النوع مقسم ل الجنس فإذا لم يراع شرط التقسيم ~~اخذ في القسمة فصولا ليست أولية ل الجنس وهو غير مرضى في الحدود فان الجسم ~~كما أنه ينقسم إلى النامي وغير النامي انقساما ب فصل ذاتي فكذلك ينقسم إلى ~~الحساس وغير الحساس والى الناطق وغير الناطق فمهما قيل الجسم ينقسم إلى ~~الناطق وغير الناطق فقد قسم بما ليس هو الفصل القاسم أوليا بل ينبغي أن ~~يقسم أولا إلى النامي وغير النامي ثم النامي ينقسم إلى الحيوان وغير ~~الحيوان ثم الحيوان إلى الناطق وغير الناطق وكذلك الحيوان ينقسم إلى ذي ~~رجلين والى ذي أرجل ولكن هذا التقسيم ليس ل فصول أولية بل ينبغي أن يقسم ~~الحيوان إلى ماش وغير ماش ثم الماشي ينقسم إلى ذي # PageV01P020 # رجلين وذي أرجل إذ الحيوان لم يستعد ل الرجلين والأرجل باعتبار كونه ~~حيوانا بل باعتبار كونه ماشيا واستعد لكونه ماشيا باعتبار كونه حيوانا. # فرعاية الترتيب في هذه الأمور شرط للوفاء بصناعة الحد وهي في غاية العسر. # ولذلك لما عسر اكتفى المتكلمون بالتمييز وقالوا أن الحد هو القول الجامع ~~المانع ولم يشترطوا فيه ms015 إلا التمييز. # ويلزم عليه الاكتفاء ب الخواص فيقال في حد الفرس أنه الصهال وفي حد ~~الإنسان أنه الضحاك وفي الكلب أنه النباح وذلك في غاية البعد عن غرض ~~التعريف لذات المحدود. # ولأجل عسر التحديد قد رأينا أن نورد جملة من الحدود المعلومة المحررة في ~~الفن الثاني من كتاب الحدود". # ثم قال: # الفن الثاني: في الحدود المفصلة # إعلم أن الأشياء التي يمكن تحديدها لا نهاية لها لأن العلوم التصديقية ~~غير متناهية وهي تابعة ل التصورات وأقل ما يشتمل عليه التصديق تصوران وعلى ~~الجملة فكل ما له اسم يمكن تحرير حده ورسمه أو شرح اسمه وإذا لم يكن في ~~الاستقصاء مطمع فالأولى الاستقصار على القوانين المعروفة لطريقه وقد حصل ~~ذلك بالفن الأول. # ولكنا أوردنا حدودا مفصلة لفائدتين:. # إحداهما: أن تحصل الدربة بكيفية تحرير الحد وتأليفه فان الامتحان ~~والممارسة للشيء يفيد قوة عليه لا محالة. # الثانية: أن يقع الاطلاع على معاني أسماء أطلقها الفلاسفة وقد أوردناها ~~في كتاب تهافت الفلاسفة إذ لم يمكن مناظرتهم إلا بلغتهم وعلى حكم اصطلاحهم ~~وإذا لم نفهم ما أوردناه من اصطلاحهم لا يمكن مناظرتهم # PageV01P021 # فقد أوردنا ألفاظ أطلقوها في الإلهيات والطبيعات وشيئا قليلا من ~~الرياضيات. # فلتؤخذ هذه الحدود على أنها شرح الاسم فان قام البرهان على أن ما شرحوه ~~هو كما شرحوه اعتقد حدا وإلا اعتقد شرحا للاسم. # كما يقال: حد الجني حيوان هوائي ناطق مشف الجرم من شانه أن يتشكل بأشكال ~~مختلفة فيكون هذا شرحا للاسم في تفاهم الناس فأما وجود هذا الشيء على هذا ~~الوجه فيعرف بالبرهان فان دل على وجوده كان حدا بحسب الذات وإن لم يدل عليه ~~بل دل على أن الجني المراد به في الشرع موجود آخر كان هذا شرحا للاسم في ~~تفاهم الناس. # وكما تقول في حد الخلاء أنه بعد يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة قائم لا في ~~مادة من شأنه أن يملأه جسم ويخلو عنه وربما دل الدليل على أن ذلك محال ~~فيؤخذ على أنه شرح للاسم في إطلاق النظار. ms016 # وإنما قدمنا هذه المقدمة ليعلم أن ما نورده من الحدود شرح لما أراده ~~الفلاسفة بالاطلاق لا حكم بأن ما ذكروه كما ذكروه فان ذلك مما يتوقف على ما ~~يوجبه البرهان". # الرد على كلام الغزالي: # قلت: ما ذكره من صعوبة الحد على الشروط التي ذكرها حق لو كان المقصود ~~بالحد تصوير الحدود كما يدعونه وكان ذلك ممكنا لكن ما ذكروه في الحد باطل ~~فإنه يمتنع أن يحصل بمجرد الحد تصور المحدود وما ذكروه من الفرق بين الصفات ~~الذاتية المقومة الداخلة في الماهية والصفات الخارجة اللازمة أمر باطل لا ~~حقيقة له وما أوجبوه من ذكر الصفتين في الحدود هو مما يحظره المتكلمون ~~فيمتنعون منه في الحد والتحقيق أنه لا واجب ولا محظور كما قد بيناه في موضع ~~آخر # PageV01P022 # وكل ما يذكرونه من الحدود فانما يفيد التمييز وإذا كان لا يحصل بالحد إلا ~~التمييز فالتمييز قد يحصل ب الفصل والخاصة فعلم أن طريقة المتكلمين أسد في ~~تحصيل المقصود الصحيح بالحدود. # وأما قوله: "إن ذلك في غاية البعد عن التعريف لذات المحدود" فيقال وكذلك ~~سائر الحدود هي غير محصلة لتصوير ذات المحدود كما سنبينه إن شاء الله ~~تعالى. # وما ذكره من الوجوه حجة عليهم. # فان ما ذكره من لزوم اخذ الجنس القريب أمر اصطلاحي وذلك أنه إذا أخذ ~~البعيد كان الفصل يدل على القريب بالتضمن أو الالتزام كدلالة القريب على ~~البعيد ف الناطق عندهم يدل على الحيوان والمسكر على الشراب كما يدل الحيوان ~~على الجسم وكما يدل الشراب على المائع سواء جعلوا هذه دلالة تضمن أو التزام ~~فان كانوا يكتفون بمثل هذه الدلالة كان الفصل كافيا وإن كانوا لا يكتفون ~~إلا بما يدل على الذاتيات بالمطابقة لم يكن ذكر الجنس القريب وحده كافيا. # فإذا قال: مائع مسكر كان لفظ المسكر يدل عل أنه الشراب فان المسكر ههنا ~~اخص عندهم من الشراب ومن المائع وهو فصل كالناطق ل الإنسان ومعلوم حينئذ أن ~~كل مسكر شراب كما أن كل ناطق حيوان كما أنه إذا قيل في ms017 الإنسان جسم ناطق ف ~~الناطق عندهم اخص من الجسم ومن الحيوان وهو يدل على الحيوان بالتضمن أو ~~الالتزام ودل لفظ المائع على الجنس البعيد بالمطابقة. # وإذا قال: شراب مسكر دل قوله شراب على أنه مائع بالتضمن أو الالتزام ~~عندهم ودل على الجنس القريب بالمطابقة فصار الفرق بينهما أنه تارة # PageV01P023 # يدل على الجنس البعيد بالمطابقة والقريب بالتضمن وتارة بالعكس. # فإذا قالوا الأحسن أن يدل على القريب بالمطابقة لأنه اخص بالمحدود وكلما ~~كان اخص كان أكثر تمييزا قيل ليس في ذلك اختصاص احد الحدين بتصوير الماهية ~~دون الآخر بل بأنه أتم تمييزا. # وهذا تكلم على المعنى الذي ذكره في حد الخمر بحسب ما قاله ف الخمر اسم ل ~~المسكر عند الشارع سواء كان مائعا أو جامدا طعاما أو شربا كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر" فلو كان الخمر جامدة وأكلها كانت خمرا ~~باتفاق المسلمين. # وأما الوجه الثاني: فقوله: "اللازم الذي لا يفارق في الوجود والوهم يشتبه ~~بالذاتي غاية الاشتباه" كلام صحيح بل ليس بينهما في الحقيقة فرق إلا بمجرد ~~الوضع والاصطلاح كما قد بين في غير هذا الموضع وبين أنهم في هذا الوضع ~~المنطقي والاصطلاح المنطقي فرقوا بين المتماثلين وسووا بين المختلفين. # وهذا وضع مخالف لصريح العقل وهو أصل صناعة الحدود الحقيقية عندهم فتكون ~~صناعة باطلة إذ الفرق بين الحقائق لا يكون بمجرد أمر وضعي بل بما هي عليه ~~الحقائق في نفسها وليس بين ما سموه ذاتيا وما سموه لازما للماهية في الوجود ~~والذهن فرق حقيقي في الخارج وإنما هي فروق اعتبارية تتبع الوضع واختيار ~~الواضع وما يفرضه في ذهنه وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع وذكرنا ألفاظ ~~أئمتهم في هذا الموضع وتفسيرها. # وإن حاصل ما عندهم أن ما يسمونه ماهية هي ما يتصوره الذهن فان أجزاء ~~الماهية هي تلك الأمور المتصورة فإذا تصور جسما ناميا حساسا # PageV01P024 # متحركا بالإرادة ناطقا أو ضاحكا كان كل جزء من هذه الأجزاء المعنى ~~المتصور وكان داخلا في هذا التصور وإن تصور ms018 حيوانا ناطقا كان أيضا كل منهما ~~جزءا مما تصوره داخلا فيه وكان ما يلزم هذه الصورة الذهنية مثل كونه حيا ~~وحساسا وناميا هو لازما لهذا المتصور في الذهن فالماهية بمنزلة المدلول ~~عليه بالمطابقة وجزؤها المقوم لها الداخل فيها الذي هو وصف ذاتي لها بمنزلة ~~المدلول عليه التضمن واللازم لها الخارج عنها بمنزلة المدلول عليه ~~بالالتزام ومعلوم أن هذا أمر يتبع ما يتصوره الإنسان سواء كان مطابقا أو ~~غير مطابق ليس هو تابع للحقائق في نفسها. # وأصل غلط هؤلاء أنه اشتبه عليهم ما في الأذهان بما في الأعيان فالإنسان ~~إذا حد شيئا كالإنسان مثلا بمن هو جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق كان ~~هذا القول له لفظ ومعنى فكل لفظ من ألفاظه له معنى من هذه المعاني جزء هذا ~~الكلام. # وأما قوله في الثالث: "إنه يشترط جميع الفصول" فهذا كاشتراط الجنس وليس ~~في ذلك ما يفيد تصوير الماهية وأما التمييز فيحصل بدون ذلك وهذا أمر وضعي ~~والمتكلمون قد اتفقوا على أنه لا يجوز الجمع بين وصفين متساويين في العموم ~~والخصوص ضد ما يوجبه هؤلاء فلا يجمع بين فصلين وهذا كما إذا حد الحيوان ~~بأنه جسم نام حساس متحرك بالإرادة ف الحساس والمتحرك بالإرادة فصلان ~~والمنطقيون يوجبون ذكرهما والمتكلمون يمنعون من ذكرهما جميعا ويأمرون ~~بالاقتصار على أحدهما. # أما الوجه الرابع: فانه من جنس احد الجنس البعيد بدل القريب فان تقسيم # PageV01P025 # الجنس بالفصول الآخرية دون الأولية مثل تقويم النوع ب الأجناس الأولية ~~دون الآخرية. # صناعة الحد وضع اصطلاحي غير فطري: # وقوله: "رعاية الترتيب في هذه الأمور شرط للوفاء بصناعة الحد وهو في غاية ~~العسر" فيقال:. # هذه صناعة وضعية اصطلاحية ليست من الأمور الحقيقة العلمية وهي مع ذلك ~~مخالفة لصريح العقل ولما عليه الوجود في مواضع فتكون باطلة ليست من الأوضاع ~~المجردة كوضع أسماء الأعلام فان تلك فيها منفعة وهي لا تخالف عقلا ولا ~~وجودا وأما وضعهم فمخالف لصريح العقل والوجود ولو كان وضعا مجردا لم يكن ~~ميزانا للعلوم والحقائق فان الأمور الحقيقية العلمية ms019 لا تختلف باختلاف ~~الأوضاع والاصطلاحات كالمعرفة بصفات الأشياء وحقائقها فالعلم بأن الشيء حي ~~أو عالم أو قادر أو مريد أو متحرك أو ساكن أو حساس أو غير حساس ليس هو من ~~الصناعات الوضعية بل هو من الأمور الحقيقية الفطرية التي فطر الله تعالى ~~عباده عليها كما فطرهم على أنواع الإرادات الصحيحة والحركات المستقيمة. # لاسيما وهؤلاء يقولون: أن المنطق ميزان العلوم العقلية ومراعاته تعصم ~~الذهن عن أن يغلط في فكره كما أن العروض ميزان الشعر والنحو والتصريف ميزان ~~الألفاظ العربية المركبة والمفردة وآلات المواقيت موازين لها. # ولكن ليس الأمر كذلك فان العلوم العقلية تعلم بما فطر الله عليه بني آدم ~~من أسباب الإدراك لا تقف على ميزان وضعي لشخص معين ولا يقلد في # PageV01P026 # العقليات أحد بخلاف العربية فإنها عادة لقوم لا تعرف إلا بالسماع ~~وقوانينها لا تعرف إلا بالاستقراء بخلاف ما به يعرف مقادير المكيلات ~~والمذونات والمزروعات والمعدودات فإنها تفتقر إلى ذلك غالبا لكن تعيين ما ~~به يكال ويوزن بقدر مخصوص أمر عادي كعادة الناس في اللغات. # وقد تنازع علماء المسلمين في مسمى الدرهم والدينار هل هو مقدر بالشرع أو ~~المرجع فيه إلى العرف؟ على قولين أصحهما الثاني وعلى ذلك يبنى النصب الشرعي ~~هل هو مائتا درهم يوزن معين أو مائتا درهم مما يتعامل بها الناس؟ باعتبار ~~تقررها. # وأما ما ذكروه من صناعة الحد فلا ريب أنهم وضعوها وهم معترفون بأن الواضع ~~لها أرسطو وهم يعظمونه بذلك ويقولون لم يسبقه احد إلى جميع أجزاء المنطق ~~وتنازعوا هل سبق بعض أجزائه على قولين. # وأجزاء المنطق ثمانية: 1- المفرادات وهى المقولات المعقولة المفردة و 2- ~~التركيب الأول وهو تركيب القضايا و 3- التركيب الثاني وهو تركيب القياس من ~~القضايا ثم 4- البرهاني و 5- الجدلي و 6- الخطابي و 7- الشعري و 8- ~~السفسطة. # ويسمون الجزء الأول إيساغوجى وقد يقولون أن فرفوريوس هو الذي أدخل ذلك ~~المنطق بعد أرسطو. # وقد يجعلون القياس والبرهان واحدا ويجعلون أجزاءه سبعة ويقولون # PageV01P027 # هذا قول أرسطو. # والجزء الثاني الذي يشتمل على المقدمات يسمونه هرمينياس ومعناه العبارات. ms020 # والثالث الذي يشتمل على القياس المطلق يسمونه انولوطيقيا الأول. # والبرهاني يسمونه انولوطيقا الثاني. # والجدلي يسمونه طوبيقا. # والخطابي يسمونه ديطويقا. # والشعري يسمونه اوقيوطيقا. # والسفسطة يسمونه سوفسطيقا. # وهذه عبارات يونانية فإذا تكلمت بها العرب فإنها تعربها وتقربها إلى ~~لغاتها كسائر ما تكلمت به العرب من الألفاظ المعجمة فلهذا توجد ألفاظها ~~مختلفة. # وقد كانت الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع وعامة الأمم ~~بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم فان أرسطو كان وزيرا للاسكندر بن ~~فيلبس المقدوني وليس هذا ذا القرنين المذكور في القرآن كما يظنه كثير منهم ~~بل هذا كان قبل المسيح بنحو ثلثمائه سنة. # وجماهير العقلاء من جميع الأمم يعرفون الحقائق من غير تعلم منهم بوضع ~~أرسطو وهم إذا تدبروا أنفسهم وجدوا أنفسهم تعلم حقائق الأشياء بدون هذه ~~الصناعة الوضعية. # ثم أن هذه الصناعة زعموا أنها تفيد تعريف حقائق الأشياء ولا تعرف إلا بها ~~وكلا هذين غلط # PageV01P028 # ولما راموا ذلك لم يكن بد من أن يفرقوا بين بعض الصفات وبعض إذ جعلوا ~~التصور بما جعلوه ذاتيا فلا بد أن يفرقوا بين ما هو ذاتي عندهم وما ليس ~~كذلك ولا بد أن يرتبوا ذكرها على ترتيب مخصوص إذ لا تذكر على كل ترتيب ~~فكانت الصفات الذاتية مادة الحد الوضعي والترتيب الذي ذكروه هو صورته. # ولما كان ذلك مستلزما للتفريق بين المتماثلين أو المتقاربين كان ممتنعا ~~أو عسرا إذ يفرقون بين صفة وصفة يجعل أحدهما ذاتية دون أخرى مع تساويهما أو ~~تقاربهما ويفرقون بين ترتيب وترتيب بجعل أحدهما معرفا للحقيقة دون الآخر مع ~~تساويهما أو تقاربهما وطلب الفرق بين المتماثلات طلب ما لا حقيقة له فهو ~~ممتنع وإن كان بين المتقاربين كان عسرا فالمطلوب أما متعذرا وأما متعسرا ~~فان كان متعذرا بطل بالكلية وإن كان متعسرا فهو بعد حصوله ليس فيه فائدة ~~زائدة على ما كان يعرف قبل حصوله فصاروا بين أن يمتنع عليهم ما شرطوه أو ~~ينالوه ولا يحصل به ما قصدوه وعلى التقديرين ليس ما وضعوه من الحد طريقا ~~لتصور ms021 الحقائق في نفس من لا يتصورها بدون الحد وإن كان الحد قد يفيد من ~~تنبيه المخاطب وتمييز المحدود ما قد تفيده الأسماء كما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى. # وما ذكروه من الفرق بين الحد وشرح الاسم فتلخيصه أن المحدود المميز عن ~~غيره إذا تصورت حقيقته فقد يكون هو الموجود الخارجي وقد يكون هو المراد ~~الذهني وقد يراد بالحد تمييز ما عناه المتكلم بالاسم وتفهيمه سواء كان ذلك ~~المعنى الذي أراده بالاسم ثابتا في الخارج أو لم يكن وقد يراد به تمييز ما ~~هو موجود في الخارج وهذا شأن كل من فسر كلام متكلم أو شرحه فقد يفسر مراد ~~المتكلم ومقصودة سواء كان مطابقا للخارج أو لم يكن وقد يتبين مع ذلك أنه ~~مطابق # PageV01P029 # للأمر الخارج وأنه حق في نفسه. # وإذا كان الكلام غير حق لم يكن مطابقا للخارج فيريد المستمع أن يطابق ~~بينه وبين الواقع فلا يطابقه ولا يوافقه حتى قد يظن الظان أن الشارح أو ~~المستمع لم يفهم مقصود المتكلم لعسرته ولا يكون كذلك بل لأن ما ذكره من ~~الكلام ليس بمطابق للواقع فلا يمكن مطابقته إياه وقد يكون ظن من ظنه مطابقا ~~للخارج إحسانا للظن بالمتكلم ويكون قد ظن أنه لم يفهمه لدقته عليه فلا يكون ~~كذلك. # وقولهم في الحد الحقيقي أنه متعسر وإنه لا يتوقف عليه إلا آحاد الناس هو ~~من هذا الباب فان الحد الحقيقي إذا أريد به ما زعموه فإنه لا حقيقة له في ~~الخارج إذ يريدون به أن الموصوف في نفسه مؤلف من بعض صفاته اللازمة له التي ~~بعضها اعم منه وبعضها مطابق له دون بعض صفاته اللازمة المساوية لتلك العامة ~~في العموم وللمطابقة في المطابقة دون بعض وأن حقيقته هي مركبة من تلك ~~الصفات دون غيرها وان تلك الحقيقة يصورها الحد دون غيره فهذا ليس بحق. # فدعواهم تأليفه من بعض الصفات اللازمة دون بعض باطلة بل دعواهم أنه مركب ~~من الصفات باطلة ودعواهم له حقيقة ثابتة في الخارج يصورها الحد دون غيره ms022 ~~باطلة وإنما الواقع أن المحدود الموصوف الذي ميز بالاسم أو الحد عن غيره قد ~~يكون ثابتا في الخارج وقد يكون ثابتا في نفس المتكلم بالاسم أو الحد وهو ~~يظن ثبوته في الخارج وليس كذلك. # وبهذا يقال الحد يكون تارة بحسب الاسم وتارة بحسب المسمى ويقال الحد يكون ~~تارة بحسب اسم الشيء وتارة بحسب حقيقته وإن كان الحد بحسب الاسم قد يكون ~~مطابقا للخارج لكن المقصود أن الحد تارة يميز بين المراد باللفظ وغير ~~المراد وتارة يميز بين الموجود في الخارج من الأعيان وبين غيره وهذا ~~التمييز إنما يحصل بواسطة ذلك فالتمييز الذي في النفس يجب أن يكون مطابقا ~~للتمييز في الخارج والتمييز الذي يحصل للمستمع هو بواسطة التمييز الذي في ~~نفس المتكلم والله أعلم # PageV01P030 # خلط مقالات أهل المنطق بالعلوم النبوية وإفساد ذلك للعقول والأديان: # وقد تفطن أبو عبدا لله الرازي بن الخطيب لما عليه أئمة الكلام وقرر في ~~محصله وغيره أن التصورات لا تكون مكتسبة وهذا هو حقيقة قول القائلين أن ~~الحد لا يفيد تصوير المحدود. # لكنه لم يهتد هو وأمثاله إلى ما سبق إليه أئمة الكلام في هذا المقام. # وهذا مقام شريف ينبغي أن يعرف فانه بسبب إهماله دخل الفساد في العقول ~~والأديان على كثير من الناس إذ خلطوا ما ذكره أهل المنطق في الحدود بالعلوم ~~النبوية التي جاءت به الرسل التي عند المسلمين واليهود والنصارى بل وسائر ~~العلوم كالطب والنحو وغير ذلك. # وصاروا يعظمون أمر الحدود ويدعون أنهم هم المحققون لذلك وأن ما يذكره ~~غيرهم من الحدود إنما هي لفظية لا تفيد تعريف الماهية والحقيقة بخلاف ~~حدودهم ويسلكون الطرق الصعبة الطويلة والعبارات المتكلفة الهائلة وليس لذلك ~~فائدة إلا تضييع الزمان وإتعاب الأذهان وكثرة الهذيان ودعوى التحقيق بالكذب ~~والبهتان وشغل النفوس بما لا ينفعها بل قد يضلها عما لا بد لها منه وإثبات ~~الجهل الذي هو أصل النفاق في القلوب وإن ادعوا أنه أصل المعرفة والتحقيق. # وهذا من توابع الكلام الذي كان السلف ينهون عنه وإن كان الذي نهوا ms023 عنه ~~خيرا من هذا وأحسن إذ هو كلام في أدلة وأحكام ولم يكن قدماء المتكلمين ~~يرضون أن يخوضوا في الحدود على طريقة المنطقيين كما دخل في ذلك متأخروهم ~~الذين يظنون ذلك من التحقيق وإنما هو زيغ عن سواء الطريق. # ولهذا لما كانت هذه الحدود ونحوها لا تفيد الإنسان علما لم يكن عنده ~~وإنما تفيده كثرة كلام سموهم أهل الكلام # PageV01P031 # وهذا - لعمرى - في الحدود التي ليس فيها باطل فأما حدود المنطقين التي ~~يدعون أنهم يصورون بها الحقائق فإنها باطلة يجمعون بها بين المختلفين ~~ويفرقون بين المتماثلين. # الأدلة على بطلان دعواهم أن الحدود تفيد تصوير الحقائق: # ونحن نبين أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق وان حدود أهل المنطق التي ~~يسمونها حقيقية تفسد العقل والدليل على ذلك وجوه: # الوجه الأول: الحد -سواء جعل مركبا أو مفردا- لا يفيد معرفة المحدود # احدها: أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه فإنه إذا قال حد الإنسان مثلا أنه ~~الحيوان الناطق أو الضاحك فهذه قضية خبرية ومجرد دعوى خلية عن حجة فإما أن ~~يكون المستمع لها عالما يصدقها بدون هذا القول وأما أن لا يكون فان كان ~~عالما بذلك ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا الحد وإن لم يكن عالما يصدقه ~~بمجرد قول المخبر الذي لا دليل معه لا يفيده العلم كيف وهو يعلم أنه ليس ~~بمعصوم في قوله فقد تبين أنه على التقديرين ليس الحد هو الذي يفيده معرفة ~~المحدود. # فإن قيل: الحد ليس هو الجملة الخبرية وإنما هو مجرد قولك حيوان ناطق وهذا ~~مفرد لا جملة وهذا السؤال وارد على احد اصطلاحيهم فإنهم تارة يجعلون الحد ~~هو الجملة كما يقول الغزالي وغيره وتارة يجعلون الحد هو المفرد المفيد ~~كالاسم وهو الذي يسمونه التركيب التقييدي كما يذكر ذلك الرازي ونحوه قيل ~~التكلم بالمفرد لا يفيد ولا يكون جوابا للسائل سواء كان موصوفا تركيبا # PageV01P032 # مركبا تركيبا تقييديا أو لم يكن كذلك. # ولهذا لما مر بعض العرب بمؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله بالنصب قال: ~~فعل ماذا. # فإذا ms024 قيل: ما هذا قيل طعام فهذا خبر مبتدأ محذوف باتفاق الناس تقديره هذا ~~طعام كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ~~وقوله: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} إلى قوله: ~~{قل الله} وكقوله: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ~~رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} أي هم ثلاثة وهم خمسة وهم سبعة. # ومنه قوله تعالى: {وقل الحق من ربكم} أي هذا الحق من ربكم ليس كما يظنه ~~بعض الجهال أي قل القول الحق فان هذا لو أريد لنصب لفظ الحق والمراد إثبات ~~أن القرآن حق ولهذا قال: {الحق من ربكم} ليس المراد ههنا بقول حق مطلق بل ~~هذا المعنى مذكور في قوله: {وإذا قلتم فاعدلوا} وقوله: {ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} . # ثم إذا قدر أن الحد هو المفرد فالمفرادات أسماء وغاية السائل أن يتصور ~~مسماها لكن من أين له إذا تصور مسماها أن هذا المسمى هو المسئول عنه وأن ~~هذا المسمى هو حقيقة المحدود؟. # فان قيل يفيده مجرد تصور المسمى من غير أن يحكم أنه هو ذلك أو غير ذلك بل ~~تصور إنسان قيل فحينئذ يكون هذا كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه وهو ~~دلالة الاسم على مسماه كما لو قيل الإنسان وهذا يحقق ما قلناه من أن # PageV01P033 # دلالة الحد كدلالة الاسم وهذا هو قول أهل الصواب الذين يقولون الحد تفصيل ~~ما دل عليه الاسم بالإجمال وحينئذ فيقال أن لا نزاع بين العقلاء أن مجرد ~~الاسم لا يوجب تصوير المسمى لمن لم يتصوره بدون ذلك وإنما الاسم يفيد ~~الدلالة عليه والإشارة إليه. # ولهذا قالوا أن المقصود باللغات ليس هو دلالة اللفظ المفرد على معناه ~~وذلك لأن اللفظ المفرد لا يعرف دلالته على المعنى أن لم يعرف أنه موضوع له ~~ولا يعرف أنه موضوع له حتى يتصور اللفظ والمعنى فلو كان المقصود بالوضع ~~استفادة معاني الألفاظ المفردة لزم الدور. # وإذا لم يكن المقصود من ms025 الأسماء تصوير معانيها المفردة ودلالة الحد ~~كدلالة الاسم لم يكن المقصود من الحد تصوير معناه المفرد وإذا كان دلالة ~~الاسم على مسماه مسبوقا بتصور مسماه وجب أن تكون دلالة الحد على المحدود ~~مسبوقا بتصور المحدود وإذا كان كل من المحدود والمسمى متصورا بدون الاسم ~~والحد وكان تصور المسمى والمحدود مشتركا في دلالة الحد والاسم على معناه ~~امتنع أن تتصور المحدودات بمجرد الحدود كما يمتنع تصور المسميات بمجرد ~~الأسماء وهذا هو المطلوب. # ولهذا كان من المتفق عليه بين جميع أهل الأرض أن الكلام المفيد لا يكون ~~إلا جملة تامة كاسمين أو فعل واسم. # هذا مما اعترف به المنطقيون وقسموا الألفاظ إلى اسم وكلمة وحرف يسمى أداة ~~وقالوا المراد ب الكلمة ما يريده النحاة بلفظ الفعل لكنهم مع هذا يناقضون ~~ويجعلون ما هو اسم عند النحاة حرفا في اصطلاحهم فالضمائر ضمائر الرفع ~~والنصب والجر والمتصلة والمنفصلة مثل قولك رأيته ومر بي فان هذه اسماء ~~ويسميها النحاة الأسماء المضمرة والمنطقيون يقولون أنها في لغة اليونان من ~~باب الحروف ويسمونها الخوالف كأنها # PageV01P034 # خلف عن الأسماء الظاهرة. # فأما الاسم المفرد فلا يكون كلاما مفيدا عند أحد من أهل الأرض بل ولا أهل ~~السماء وإن كان وحده كان معه غيره مضمرا أو كان المقصود به تنبيها أو إشارة ~~كما يقصد بالأصوات التي لم توضع لمعنى لا أنه يقصد به المعاني التي تقصد ~~بالكلام. # ولهذا عد الناس من البدع ما يفعله بعض النساك من ذكر اسم الله وحده بدون ~~تأليف كلام فان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الذكر لا إله إلا الله ~~وأفضل الدعاء الحمد لله" رواه أبو حاتم في صحيحه وقال: "أفضل ما قلت أنا ~~والنبيون من قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير" رواه مالك وغيره. # وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلم أمته ذكر الله تعالى ~~بالجمل التامة مثل "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ms026 والله أكبر ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله" "أفضل الكلام بعد القرآن: أربع وهي من القرآن سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" رواه مسلم وفي صحيح مسلم عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لأن أقول سبحان الله والحمد لله # PageV01P035 # ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" وقال: "من كان ~~آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" وأمثال ذلك. # فظن طائفة من الناس أن ذكر الاسم المفرد مشروع بل ظنه بعضهم أفضل في حق ~~الخاصة من قول لا إله إلا الله ونحوها وظن بعضهم أن ذكر الاسم المضمر وهو ~~(هو) هو أفضل من ذكر الاسم المظهر. # وأخرجهم الشيطان إلى أن يقولوا لفظا لا يفيد إيمانا ولا هدى بل دخلوا ~~بذلك في مذهب أهل الزندقة والإلحاد أهل وحده الوجود الذين يجعلون وجود ~~المخلوقات وجود الخالق ويقول احدهم ليس إلا الله والله فقط ونحو ذلك. # وربما احتج بعضهم عليه بقوله تعالى: {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} ~~وظنوا أنه مأمور بان يقول الاسم مفردا وإنما هو جواب الاستفهام حيث قال: ~~{وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} قال الله ~~تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله} ~~أي الله انزل الكتاب الذي جاء به موسى. # وإذا عرف أن مجرد الإسم ومجرد الحد لا يفيد ما يفيده الكلام بحال علم أن ~~الحد خبر مبتدإ محذوف لتكون جملة تامة. # ثم قد بينا فساد قولهم سواء جعل الحد مفردا كالأسماء أو مركبا كالجمل ~~وأنه على التقديرين لا يفيد تصوير المسمى وهو المطلوب # PageV01P036 # ودعوى المدعى أن الحد مجرد المفرد المفيد كدعواهم أن التصور الذي هو احد ~~نوعى العلم هو التصور المجرد عن كل نفي وإثبات ومعلوم أن مثل هذا لا يكون ~~علما عند أحد من العلماء بل إذا خطر ببال ms027 الإنسان شيء ما ولم يخطر له ثبوته ~~ولا انتفاءه بوجه من الوجوه لم يكن قد علم شيئا مثل من خطر له بحر زئبق أو ~~جبل ياقوت خاطرا مجردا عن كون هذا التصور ثابتا في الخارج أو منتفيا ممكنا ~~أو ممتنعا فان هذا من جنس الوسواس لا من جنس العلم. # وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع متعددة مثل الكلام على المحصل وبينا ~~أن المشروط في التصديق من جنس العلم المشروط في القول فمن صدق بما لم ~~يتصوره كان قد تكلم بغير علم ومن صدق بما تصوره كان كالمتكلم بعلم فقولهم ~~في الحدود ألقولية من جنس قولهم في التصورات الذهنية. # الوجه الثاني: خبر الواحد بلا دليل لا يفيد العلم # الثاني: أنهم يقولون الحد لا يمنع ولا يقوم عليه دليل وإنما يمكن إبطاله ~~ب النقض والمعارضة بخلاف القياس فانه يمكن فيه الممانعة والمعارضة. # فيقال: إذا لم يكن الحاد قد أقام دليلا على صحة الحد امتنع أن يعرف ~~المستمع المحدود به إذا جوز عليه الخطأ فإنه إذا لم يعرف صحة الحد إلا ~~بقوله وقوله محتمل للصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله للصدق والكذب امتنع ~~أن يعرفه بقوله. # ومن العجب أن هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية ويجعلون العلم ~~بالمفرد أصلا للعلم بالمركب ويجعلون العمدة في ذلك على الحد الذي هو قول ~~الحاد بلا # PageV01P037 # دليل وهو خبر واحد عن أمر عقلي لا حسي يحتمل الصواب والخطأ والصدق والكذب ~~ثم يعيبون على من يعتمد في الأمور السمعية على نقل الواحد الذي معه من ~~القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني زاعمين أن خبر الواحد لا ~~يفيد العلم ولا ريب أن مجرد خبر الواحد الذي لا دليل على صدقة لا يفيد ~~العلم لكن هذا بعينه قولهم في الحد وإنه خبر واحد لا دليل على صدقه بل ولا ~~يمكن عندهم إقامة دليل على صدقه فلم يكن الحد مفيدا لتصور المحدود. # ولكن أن كان المستمع قد تصور المحدود قبل هذا أو تصوره معه أو بعده بدون ms028 ~~الحد وعلم أن ذلك حده علم صدقه في حده وحينئذ فلا يكون الحد أفاد التصوير ~~وهذا بين. # وتلخيصه أن المحدود بالحد لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد وصدق قوله ~~لا يعلم بمجرد الخبر فلا يعلم المحدود بالحد. # ومن قال أنا أريد بالحد المفرد لم يكن قوله مفيدا لشيء أصلا فإن التكلم ب ~~الاسم المفرد لا المستمع شيئا بل أن كان تصور المحدود بدون هذا اللفظ كان ~~قد تصوره بدون هذا اللفظ المفرد وإن لم يكن تصوره لا قبله ولا بعده. # الوجه الثالث: لو حصل تصور المحدود بالحد لحصل ذلك قبل العلم بصحة الحد # الثالث: أن يقال لو كان مفيدا لتصور المحدود لم يحصل ذلك إلا بعد العلم ~~بصحة الحد فانه دليل التصور وطريقه وكاشفه فمن الممتنع أن نعلم صحة المعرف ~~المحدود قبل العلم بصحة المعرف والعلم بصحة الحد لا يحصل إلا بعد العلم ~~بالمحدود إذ الحد خبر عن مخبر هو المحدود فمن الممتنع أن يعلم صحة الخبر ~~وصدقه قبل # PageV01P038 # تصور المخبر عنه من غير تقليد المخبر وقبول قوله فيما يشترك في العلم به ~~المخبر والمخبر ليس هو من باب الأخبار عن الأمور الغائبة. # الوجه الرابع: معرفة المحدود يتوقف على العلم بالمسمى واسمه فقط # الرابع: أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية ويسمونها أجزاء ~~الحد وأجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها ونحو ذلك من العبارات. # فان لم يعلم المستمع أن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع أن يتصوره وإن ~~علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد فثبت أنه على تقدير النقيضين لا ~~يكون قد تصوره بالحد وهذا بين. # فإنه إذا قيل الإنسان هو الحيوان الناطق فان لم يكن قد عرف الإنسان قبل ~~هذا كان متصورا لمسمى الحيوان الناطق ولا يعلم أنه الإنسان احتاج إلى العلم ~~بهذه النسبة وإن لم يكن متصورا لمسمى الحيوان الناطق احتاج إلى شيئين إلى ~~تصور ذلك وإلى العلم بالنسبة المذكورة وإن عرف ذلك كان قد تصور الإنسان ~~بدون الحد. # الحد قد ينبه تنبيها: # نعم الحد ms029 قد ينبه على تصور المحدود كما ينبه الاسم فان الذهن قد يكون ~~غافلا عن الشيء فإذا سمع اسمه أو حده اقبل بذهنه إلى الشيء الذي اشير إليه ~~بالاسم أو الحد فيتصوره فيكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم وهذا هو ~~الصواب وهو التمييز بين الشيء المحدود وغيره # PageV01P039 # ويكون الحدود للانواع بالصفات كالحدود للاعيان بالجهات كما إذا قيل حد ~~الأرض من الجانب القبلي كذا ومن الجانب الشرقي كذا وميزت الأرض باسمها ~~وحدها وحد الأرض يحتاج إليه إذ خيف من الزيادة في المسمى أو النقص منه ~~فيفيد إدخال المحدود جميعه وإخراج ما ليس منه كما يفيد الاسم وكذلك حد ~~النوع. # وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة وبالوصفية أخرى وحقيقة الحد في الموضعين ~~بيان مسمى الاسم فقط وتمييز المحدود عن غيره لا تصوير المحدود وإذا كان ~~فائدة الحد بيان مسمى الاسم والتسمية أمر لغوي وضعي رجع في ذلك إلى قصد ذلك ~~المسمى ولغته ولهذا يقول الفقهاء من الأسماء ما يعرف حده ب اللغة ومنه ما ~~يعرف حده ب الشرع ومنه ما يعرف حده ب العرف. # ومن هذا تفسير الكلام وشرحه إذا أريد به تبيين مراد المتكلم فهذا يبنى ~~على معرفة حدود كلامه وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره فانه يحتاج إلى ~~معرفة دليل صحة الكلام فالأول فيه بيان تصوير كلامه والثاني بيان تصديق ~~كلامه. # وتصوير كلامه كتصوير مسميات الأسماء ب الترجمة تارة لمن يكون قد تصور ~~المسمى ولم يعرف أن ذلك اسمه وتارة لمن لم يكن قد تصور المسمى فيشار له إلى ~~المسمى بحسب الإمكان أما إلى عينة وأما إلى نظيره ولهذا يقال الحد تارة ~~يكون ل الاسم وتارة يكون ل المسمى. # وأئمة المصنفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند التحقيق ~~بهذا كما ذكر أبو حامد الغزالي في كتاب معيار العلم الذي صنفه في المنطق ~~بعد أن قال: # PageV01P040 # "البحث النظري الجاري في الطلب أما أن يتجه إلى تصور أو إلى تصديق ~~فالموصل إلى التصور يسمى قولا شارحا فمنه حد ومنه رسم والموصل ms030 إلى التصديق ~~يسمى حجة فمنه قياس ومنه استقراء وغيره". # قال الغزالي: "مضمون هذا الكتاب تعريف مبادئ القول الشارح لما أريد تصوره ~~حدا كان أو رسما وتعريف مبادئ الحجة الموصلة إلى التصديق قياسا كان أو غيره ~~مع التنبيه على شروط صحتها ومثار الغلط فيها". # قال: "فان قلت: كيف يجهل الإنسان العلم التصوري حتى يفتقر إلى الحد؟ ~~قلنا: بان يسمع الإنسان اسما لا يعرف معناه كمن قال ما الخلاء؟ وما الملاء؟ ~~وما الشيطان؟ وما العقار؟ فيقال: العقار الخمر فان لم يعرفه باسمه المعروف ~~يفهمه بحده فيقال الخمر هو شراب مسكر معتصر من العنب فيحصل له علم تصوري ~~بذات الخمر". # قلت: فقد بين أن فائدة الحدود من جنس فائدة الأسماء وان ذلك كمن سمع اسما ~~لا يعرف معناه فيذكر له اسم فان لم يتصوره وإلا ذكر له الحد. # وهذا مما يعترف به حذاقهم حتى بين معلمهم الثاني أبو نصر الفارابي وهو ~~أعظم الفلاسفة كلاما في المنطق وتفاريعه من برهانه. # ومعلوم أن الاسم لا يفيد بنفسه تصوير المسمى وإنما يفيد التمييز بينه ~~وبين غيره وأما تصور المسمى فتارة يتصوره الإنسان بذاته بحسه الباطن أو ~~الظاهر وتارة يتصوره بتصور نظيره وهو ابعد فمن عرف عين # PageV01P041 # الخمر إذا لم يعرف مسمى لفظ العقار قيل له هو الخمر أو غيرها من الأسماء ~~فعرفها ومن لم يعرف عين الخمر بحال عرف بنظيرها فقيل له هو شراب فإذا تصور ~~القدر المشترك بين النظيرين ذكر له ما يميزها فقيل مسكر. # ولكن الكلام في تصوره لمعنى المسكر كالكلام في تصوره لمعنى الخمر فان لم ~~يعرف عين المسكر وإلا لم يمكن تعريفه إلا بنظيره فيقال هو زوال العقل وهذا ~~جنس يشترك فيه النوم والجنون والاغماء والسكر فلا بد أن يميز السكر فيقال ~~زوال العقل بما يلتذ به ثم اللذة لا بد أن يكون قد تصور جنسها ب الأكل ~~والشرب وغيرهما. # وهذا يبين أن فائدة الحدود قد تكون اضعف من فائدة الأسماء لأنها تفيد ~~معرفة الشيء بنظيره والاسم يكتفى به من عرفه بنفسه. ms031 # وحقيقة الأمر أن الحد هو أن تصف المحدود بما تفصل به بينه وبين غيره ~~والصفات تفيد معرفة الموصوف خبرا وليس المخبر كالمعاين ولا من عرف المشهود ~~عليه بعينه كمن عرفه بصفته وحليته فمن عرف المسمى بعينه كان الاسم مغنيا له ~~عن الحد كما تقدم ومن لم يعرفه بعينه لم يفده الحد ما يفيد الاسم لمن عرفه ~~بعينه إذ الاسم هناك يدل على العين التي عرفها بنفسها والحد لمن لم يعرف ~~العين إنما يفيده معرفة النوع لا معرفة العين كما يتصور اللذه بشرب الخمر ~~من لم يشربها قياسا على اللذة ب الخبز واللحم ومعلوم فرق ما بين اللذتين. # وليس مقصودنا أن فائدة الحدود اضعف مطلقا وإنما المقصود أنها من جنس # PageV01P042 # فائدة الأسماء وأنها مذكرة لا مصورة أو معرفة بالتسمية مميزة للمسمى من ~~غيره أو معرفة بالقياس. # اعتراف ابن سينا بأن من الأمور ما هو متصور بذاته: # وهكذا يقول حذاقهم في تحديد أمور كثيرة قد حدها غيرهم يقولون لا يمكن ~~تحديدها تحديد تعريف لماهياتها بل تحديد تنبيه وتمييز كما قال ابن سينا في ~~الشفاء قال: # "فنقول: إن الموجود والشئ والضروري معانيها ترتسم في النفس إرتساما أوليا ~~ليس ذلك الارتسام مما يحتاج أن يجلب بأشياء هو أعرف منها. # فانه كما أنه في باب التصديق مباديء أولية يقع التصديق بها لذاتها ويكون ~~التصديق لغيرها بسببها وإذا لم يخطر بالبال أو يفهم اللفظ الدال عليها لم ~~يمكن التوصل إلى معرفة ما يعرف بها وإذا لم يكن التعريف الذي يحاول إخطارها ~~بالبال أو يفهم ما يدل عليها من الألفاظ محاولا لافادة علم ما ليس في ~~الغريزة بل منبها على تفهيم ما يريده القائل أو يذهب إليه وربما كان ذلك ~~بأشياء هي في أنفسها أخفى من المراد تعريفه لكنها لعلة ما وعبارة ما صارت ~~أعرف. # كذلك في التصورات أشياء هي مباديء للتصور هي متصورات لذاتها وإذا أريد أن ~~يدل عليها لم يكن ذلك في الحقيقة تعريفا لمجهول بل تنبيها وإخطارا بالبال ~~باسم العلامة وربما كانت في نفسها ms032 أخفى منه # PageV01P043 # لكنها لعلة ما وحال ما تكون أظهر دلالة فإذا استعملت تلك العلامة نبهت ~~النفس على إخطار ذلك المعنى بالبال من حيث أنه هو المراد لا غيره من غير أن ~~تكون العلامة بالحقيقة معلمة إياه. # ولو كان كل تصور يحتاج إلى أن يسبقه تصور قبله لذهب الأمر إلى غير ~~النهاية أو لدار وأولى الأشياء بأن تكون متصورة لأنفسها الأشياء العامة ~~للأمور كلها كالموجود والشيء والواحد وغيره ولهذا ليس يمكن أن يبين شيء ~~منها ببيان لا دور فيه ألبتة أو ببيان وشيء أعرف منها. # وكذلك من حاول أن يقول فيها شيئا وقع في اضطراب كمن يقول أن من حقيقة ~~الموجود أن يكون فاعلا أو منفعلا وهذا وإن كان ولا بد فمن أقسام الموجود ~~والموجود أعرف من الفاعل والمنفعل وجمهور الناس يتصورون حقيقة الموجود ولا ~~يعرفون ألبتة أنه يجب أن يكون فاعلا أو منفعلا وأنا إلى هذه الغاية لم يتضح ~~لي ذلك إلا بقياس لاغير فكيف يكون حال من يروم أن يعرف الشيء الظاهر بصفة ~~له تحتاج إلى بيان حتى يثبت وجودها له. # وكذلك قول من قال أن الشيء هو الذي يصح عنه الخبر فان يصح أخفى من ل ~~الشيء والخبر أخفى من الشيء فكيف يكون هذا تعريفا ل الشيء وإنما تعرف الصحة ~~ويعرف الخبر بعد أن يستعمل في بيان كل واحد منهما أنه شيء أو أنه أمر أو ~~أنه ما أو أنه الذي وجميع ذلك كالمرادفات لاسم الشيء فكيف يصح أن يعرف ~~الشيء تعريفا حقيقيا بما لا يعرف إلا به نعم ربما كان في ذلك وأمثاله تنبيه ~~ما وأما بالحقيقة فانك إذا قلت # PageV01P044 # أن الشيء هو ما يصح أن يخبر عنه تكون كأنك قلت أن الشيء هو الشيء الذي ~~يصح عنه الخبر لأن معنى ما والذي والشيء معنى واحد فتكون قد أخذت الشيء في ~~حد الشيء على أننا لا ننكر أن يقع بهذا وما أشبهه مع فساد مأخذه تنبيه بوجه ~~ما على الشيء ونقول أن معنى الموجود ومعنى الشيء متصوران ms033 في الانفس وهما ~~معنيان والموجود والمثبت والمحصل اسماء مترادفة على معنى واحد ولا شك أن ~~معناها قد حصل في نفس من يقرأ هذا الكتاب". # وكذلك قال في حد الواحد والكثير قال: # "فصل في تحقيق الواحد والكثير وإبانة أن العدد عرض والذي يصعب علينا ~~تحقيقه ما هية الواحد وذلك انا إذا قلنا أن الواحد الذي لا ينقسم فقد قلنا ~~أن الواحد الذي لا يتكثر ضرورة فأخذنا في بيان الواحد الكثرة وأما الكثرة ~~فمن الضرورة أن تحد ب الواحد لأن الواحد مبدأ الكثرة ومنه وجودها وماهيتها. # ثم أي حد حددنا به الكثرة استعملنا فيه الواحد بالضرورة فمن ذلك ما نقول ~~أن الكثرة هو المجتمع من وحدات فقد اخذنا الوحدة في حد الكثرة ثم عملنا ~~شيئا آخر وهو أنا أخذنا المجمتع في حدها والمجتمع يشبه أن يكون هو الكثرة ~~نفسها وإذا قلنا من الوحدات أو الوحدان أو الآحاد فقد أوردنا بدل # PageV01P045 # لفظ الجمع هذا اللفظ ولا يفهم معناه ولا يعرف إلا ب الكثرة وإذا قلنا أن ~~الكثرة هي التي تعد بالواحد فنكون قد أخذنا في حد الكثرة الوحدة ونكون أيضا ~~أخذنا في حدها العدد والتقدير وذلك إنما يفهم ب الكثرة أيضا. # فما أغنى علينا أن نقول في هذا الباب شيئا يعتد به لكنه يشبه أن تكون ~~الكثرة أيضا أعرف عند تخيلنا ويشبه أن تكون الوحدة والكثرة من الأمور التي ~~يتصورها بديا فذكر الكثرة نتخيلها أولا والوحدة نعقلها من غير مبدأ لتصورها ~~ثم أن كان ولابد فخيالي ثم تعريفنا الكثرة ب الوحدة تعريفا عقليا وهنالك ~~نأخذ الوحدة متصورة بذاتها ومن أوائل التصور يكون تعريفنا الوحدة ب الكثرة ~~تنبيها يستعمل فيه المذهب الخيالي النومي إلى معقول عندنا لا يتصور حاضرا ~~في الذهن. # فإذا قالوا أن الوحدة هي الشيء الذي ليست فيه كثرة دلوا على أن المراد ~~بهذه اللفظة الشيء المعقول عندنا بديا الذي يقابل هذا الآخر وليس هو فينبه ~~عليه بسلب هذا عنه. # والعجب ممن يحدد العدد ويقول أن العدد كثرة مؤلفة من وحدة أو ms034 آحاد ~~والكثرة نفس العدد ليس كالجنس ل العدد وحقيقة الكثرة أنها مؤلفة من وحدات ~~فقولهم أن الكثرة مؤلفة من وحدات كقولهم أن الكثرة كثرة فان الكثرة ليس إلا ~~اسما ل المؤلف من الوحدات # PageV01P046 # فان قال قائل: إن الكثرة قد تؤلف من أشياء غير الوحدات مثل الناس والدواب ~~فنقول أنه هذه كما أن الأشياء ليست كثرات بل أشياء موضوعة ل الكثرة وكما أن ~~تلك الأشياء وحدان لا وحدات فكذلك هي كثيرة لا كثرة والذين يحسبون أنهم إذا ~~قالوا أن العدد كمية منفصلة ذات ترتيب فقد تخلصوا من هذا فما تخلصوا فان ~~الكمية تحوج تصورها للنفس إلى أن تعرف ب الجزء أأو القسمة أو المساوة أما ~~الجزء والقسمة فانما يمكن تصورهما ب الكثرة وأما المساوة فان الكمية أعرف ~~منها عند العقل الصريح لأن المساواة من الأعراض الخاصة ب الكمية التي يجب ~~أن توخذ في حدها الكمية فيقال أن المساوة هي اتحاد في الكمية والترتيب الذي ~~أخذ في حد العدد أيضا هو ما لا يفهم إلا بعد فهم العدد. # فيجب أن يعلم أن هذه كلها تنبيهات مثل الشبيه بالأمثلة والأسماء ~~المترادفة فان هذه المعاني متصورة كلها أو بعضها لذواتها وإنما يدل عليها ~~بهذه الأشياء لينبه عليها وتميز فقط". # قلت: فهذا الكلام الذي ذكره ابن سينا هنا قد تلقوه عنه بالقبول كما يذكر ~~مثل ذلك أبو حامد والرازي والسهروردي وغيرهم. # فيقال: هذا الذي ذكروه في حدود هذه الأمور هو موجود في سائر ما يرومون ~~بيانه بحدودهم عند التدبر والتأمل لكن منها ما هو بين لكل أحد كالأمور ~~العامة ومنها ما هو بين لبعض الناس كما يعرف أهل الصناعات والمقالات أمورا ~~لا يعرفها غيرهم فحدودها بالنسبة إلى هؤلاء كحدود تلك الأمور التي يعم ~~علمها بالنسبة إلى العموم # PageV01P047 # وأما الأمور التي تخفى فمجرد الحدود لا تفيد تعريف حقيقتها بعينها وإنما ~~تفيد تمييزها ونوعا من التعريف الشبهي. # وهذا يتبين بتقرير قاعدة في ذلك فنقول: # التحقيق السديد في مسألة التحديد: # المقول في جواب (ما هو) المطلوب تعريفه بالحد ms035 هو جواب لقول سائل قال ما ~~كذا كما يقول ما الخمر؟ أو ما الإنسان؟ أو ما الثلج؟. # فهذا الاسم المستفهم عنه المذكور في السؤال أما أن يكون السائل غير عالم ~~بمسماه وأما أن يكون عالما بمسماه. # مطلوب السائل المتصور للمعنى الجاهل بدلالة اللفظ عليه: # فالأول كالسائل عن اسم تحديد في غير لغته أو عن اسم غريب في لغته أو عن ~~اسم معروف في لغته لكن مقصوده تحديد مسماه مثل العربي إذا سأل عن معاني ~~الأسماء الأعجمية إذا سأل عن معاني الأسماء العربية وبعض الأعاجم إذا سأل ~~بعضا عن معاني الأسماء التي تكون في لغة المسئول دون السائل وهذا هو ~~الترجمة. # الترجمة وأحكامها: # فالمترجم لا بد أن يعرف اللغتين التي يترجمها والتي يترجم بها وإذا عرف ~~أن المعنى الذي يقصد بهذا الاسم في هذه اللغة هو المعنى الذي يقصد به في ~~اللغة الأخرى ترجمه كما يترجم اسم الخبز والماء والأكل والشرب والسماء ~~والأرض والليل والنهار والشمس والقمر ونحو ذلك من أسماء الأعيان والأجناس ~~وما تضمنته من الأشخاص سواء كانت مسمياتها أعيانا أو معاني. # والترجمة تكون للمفردات وللكلام المؤلف التام # PageV01P048 # وإن كان كثير من الترجمة لا يأتي بحقيقة المعنى التي في تلك اللغة بل بما ~~يقاربه لأن تلك المعاني قد لا تكون لها في اللغة الأخرى ألفاظ تطابقها على ~~الحقيقة لا سيما لغة العرب فان ترجمتها في الغالب تقريب. # ومن هذا الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما بل وتفسير القرآن وغيره ~~من سائر أنواع الكلام وهو في أول درجاته من هذا الباب فان المقصود ذكر مراد ~~المتكلم بتلك الأسماء أو بذلك الكلام. # وهذا الحد هم متفقون على أنه من الحدود اللفظية مع أن هذا هو الذي يحتاج ~~إليه في إقراء العلوم المصنفة بل في قراءة جميع الكتب بل في جميع أنواع ~~المخاطبات بتلك فان من قرأ كتب النحو والطب أو غيرهما لا بد أن يعرف مراد ~~أصحابها بتلك الأسماء ويعرف مرادهم بالكلام المؤلف وكذلك من قرأ كتب الفقه ~~والكلام والفلسفة وغير ذلك. ms036 # معرفة الحدود الشرعية من الدين: # وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو كتاب الله وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ثم قد تكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية ولهذا ذم ~~الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} والذي أنزله على رسوله فيه ~~ما قد يكون الاسم غريبا بالنسبة إلى المستمع كلفظ ضيزى وقسورة وعسعس وأمثال ~~ذلك. # وقد يكون مشهورا لكن لا يعلم حده بل يعلم معناه على سبيل الإجمال # PageV01P049 # كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج فان هذه وإن كان جمهور المخاطبين ~~يعلمون معناها على سبيل الإجمال فلا يعلمون مسماها على سبيل التحديد الجامع ~~المانع إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي التي يقال لها الأسماء ~~الشرعية. # كما إذا قيل صلاة الجنازة وسجدة السهو وسجود الشكر والطواف هل تدخل في ~~مسمى الصلاة في قوله صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم " فقيل هل كل ذلك صلاة تجب فيها الطهارة وهل لا ~~تجب الطهارة لمثل ذلك فهل تجب لما تحريمه التكبير وتحليله التسليم وهي ~~كصلاة الجنازة وسجد السهو دون الطواف سجود التلاوة. # وكذلك اسم الخمر والربا والميسر ونحو ذلك يعلم أشياء من مسمياتها ومنها ~~ما لا يعلم إلا ببيان آخر فانه قد يكون الشيء داخلا في اسم الربا والميسر ~~والإنسان لا يعلم ذلك إلا بدليل يدل على ذلك شرعي أو غيره. # ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن حد الغيبة فقال: "ذكرك ~~أخاك بما يكره فقال له: أرأيت أن كان في أخي ما أقول فقال: إن كان فيه ما ~~تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". # وكذلك قوله لما قال: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر " # PageV01P050 # فقال رجل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن ~~الكبر ذلك؟ فقال: "لا الكبر بطر ms037 الحق وغمط الناس ". # وكذلك لما قيل له ما الإسلام وما الإيمان وما الإحسان ولما سئل عن أشياء ~~أهي من الخمر وغير ذلك. # بالجملة فالحاجة إلى معرفة هذه الحدود ماسة لكل أمة وفي كل لغة فان ~~معرفتها من ضرورة التخاطب الذي هو النطق الذي لا بد منه لبني آدم. # أقسام الحدود اللفظية: # وهذا الذي يقال له حد بحسب الاسم والمقول في جواب ما هو من هذا النوع وقد ~~يكون اسما مرادفا وقد يكون مكافيا غير مرادف بحيث يدل على الذات مع صفة ~~أخرى كما إذا قال: ما الصراط المستقيم؟ فقال: هو الإسلام واتباع القرآن أو ~~طاعة الله ورسوله والعلم النافع والعمل الصالح وما الصارم فقيل هو المهند ~~وما أشبه ذلك. # وقد يكون الجواب ب المثال كما إذا سئل عن لفظ الخبز ورأى # PageV01P051 # رغيفا فقال: هذا فان معرفة الشخص يعرف منه النوع. # وإذا سئل عن المقتصد والسابق والظالم فقال: المقتصد الذي يصلي الفريضة في ~~وقتها ولا يزيد والظالم الذي يؤخرها عن الوقت والسابق الذي يصليها في أول ~~الوقت ويزيد عليها النوافل الراتبة ونحو ذلك من التفسير الذي هو تمثيل يفيد ~~تعريف المسمى ب المثال لإخطاره بالبال لا لأن السائل لم يكن يعرف المصلي في ~~أول الوقت وفي أثنائه والمؤخر عن الوقت لكن لم يكن يعرف أن هذه الثلاثة ~~أمثلة الظالم والمقتصد والسابق فإذا عرف ذلك قاس به ما يماثله من المقتصر ~~على الواجب والزائد عليه والناقص عنه. # ثم إن معرفة حدود هذه الأسماء في الغالب تحصل بغير سؤال لمن يباشر ~~المتخاطبين بتلك اللغة أو يقرأ كتبهم فان معرفة معاني اللغات تقع كذلك. # وهذه الحدود قد يظن بعض الناس أنها حدود لغوية يكفي في معرفتها العلم ~~باللغة والكتب المصنفة في اللغة وكتب الترجمة وليس كذلك على الإطلاق. # بل الأسماء المذكورة في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: # - منها ما يعرف حده باللغة كالشمس والقمر والكوكب ونحو ذلك. # - ومنها مالا يعرف إلا بالشرع كأسماء الواجبات الشرعية والمحرمات الشرعية ~~كالصلاة والحج والربا والميسر. # - ومنها ما يعرف ب ms038 العرف العادي وهو عرف الخطاب باللفظ كاسم النكاح ~~والبيع والقبض وغير ذلك. # هذا في معرفة حدود ها التي هي مسمياتها على العموم # PageV01P052 # الاجتهاد والتأويل: # وأما معرفة دخول الأعيان الموجودة في هذه الأسماء والألفاظ فهذا قد يكون ~~ظاهرا وقد يكون خفيا يحتاج إلى اجتهاد وهذا هو التأويل في لفظ الشارع الذي ~~يتفاضل الفقهاء وغيرهم فيه فإنهم قد اشتركوا في حفظ الألفاظ الشرعية بما ~~فيها من الأسماء أو حفظ كلام الفقهاء أو النحاة أو الأطباء وغيرهم ثم ~~يتفاضلون بأن يسبق أحدهم إلى أن يعرف أن هذا المعنى الموجود هو المراد أو ~~مراد هذا الاسم كما يسبق الفقيه الفاضل إلى حادثة فينزل عليها كلام الشارع ~~أو كلام الفقهاء وكذلك الطبيب يسبق إلى مرض لشخص معين فينزل عليه كلام ~~الأطباء إذ الكتب والكلام المنقول عن الأنبياء والعلماء إنما هو مطلق بذكر ~~الأشياء لصفاتها وعلاماتها فلا بد يعرف أن هذا المعين هو ذاك. # وإذا كان خفيا فقد يسميه بعض الناس تحقيق المناط فان الشارع قد ناط الحكم ~~بوصف كما ناط قبول الشهادة بكونه ذا عدل وكما ناط العشرة المأمور بها ~~بكونها بالمعروف وكما ناط النفقة الواجبة بالمعروف وكما ناط الاستقبال في ~~الصلاة بالتوجه شطر المسجد الحرام يبقي النظر في هذا المعين هل هو شطر ~~المسجد الحرام وهل هذا الشخص ذو عدل وهل هذه النفقة نفقة بالمعروف وأمثال ~~ذلك لابد فيه من نظر خاص لا يعلم ذلك بمجرد الاسم. # وقد يكون الاجتهاد في دخول بعض الأنواع في مسمى ذلك الاسم كدخول الأشربة ~~المسكرة من غير العنب والنخل في مسمى الخمر ودخول الشطرنج والنرد ونحوهما ~~في مسمى الميسر ودخول السبق بغير محلل في سباق الخيل ورمى النشاب في ذلك ~~ودخول الرمل ونحوه في الصعيد # PageV01P053 # الذي في قوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا} ودخول من خرج منه منى فاسد في ~~قوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ودخول الساعد في قوله: {فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه} ودخول البياض الذي بين العذار والأذن في قوله: {فاغسلوا ~~وجوهكم} ودخول الماء المتغير بالطهارات أو ما ms039 أوقعت به نحاسة ولم تغيره في ~~قوله: {فلم تجدوا ماء} ودخول المائع الذي لم يغيره ما مات فيه من الطيبات ~~أو الخبائث ودخول سارق الأموال الرطبة في قوله: {والسارق والسارقة} ودخول ~~النباش في ذلك ودخول الحلفة بما يلزم لله في مسمى الإيمان ودخول بنات ~~البنات والجدات في قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} . # ومثل هذا الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين ممن يثبت القياس ومن ينفيه فان ~~بعض الجهال يظن أن من نفى القياس يكفيه في معرفة مراد الشارع مجرد العلم ب ~~اللغة وهذا غلط عظيم جدا. # ولهذا قال ابن عباس: "التفسير على أربعة أوجه: # - تفسير تعرفه العرب من كلامها. # - وتفسير لا يعذر أحد بجهالته. # - وتفسير يعلمه العلماء. # - وتفسير لا يعلمه إلا الله". # والتفسير الذي يعلمه العلماء فيتضمن الأنواع التي لا تعلم بمجرد اللغة ~~كالأسماء الشرعية ويتضمن أعيان المسميات وأنواعها التي يفتقر دخولها في ~~المسمى إلى اجتهاد العلماء. # فصل: # ثم إن هذا الاسم المسئول عنه الذي لا يعلم السائل معناه إذا أجيب عنه بما ~~يقال # PageV01P054 # في جواب ما هو ينقسم حال السائل فيه إلى نوعين: # أحدهما: أن يكون قد تصور المعنى بغير ذلك اللفظ ولكن لم يعرف أنه يعنى ~~بذلك اللفظ فهذا لا يفتقر إلا إلى ترجمة اللفظ كالمعاني المشهورة عند الناس ~~من الأعيان والصفات والأفعال كالخبز والماء والأكل والشرب والبياض والسواد ~~والطول والقصر والحركة والسكون ونحو ذلك. # مطلوب السائل الغير المتصور للمعنى الجاهل باسمه: # والثاني: أن يكون غير متصور المعنى كما أنه غير عالم بدلالة اللفظ عليه ~~وهذا يحتاج إلى شيئين إلى ترجمة اللفظ وإلى تصور المعنى إلى حد الاسم ~~والمسمى. # وهذا مثل من يسأل عن لفظ الثلج وهو لم يره قط أو يسأل عن اسم نوع من ~~الفاكهة أو الحيوان الذي لم يره أو لم يكن في بلاده أو يسأل عن اسم المسجد ~~والصلاة والحج وكان حديث عهد بالإسلام لم يتصور هذه المعاني أو يسأل عن اسم ~~نوع من الأطعمة والأشربة التي لا يعرفها أو اسم نوع من أنواع الثياب ms040 ~~والمساكن التي لا يعرفها. # وبالجملة فكل ما لا يعرفه الشخص من الأعيان والأفعال والصور إذا سمع اسمه ~~أما في كلام الشارع أو كلام العلماء أو كلام بعض الناس فانه إذا كان ذلك ~~المعنى هو لم يتصوره ولا له في لغته لفظ فهنا لا يمكن تعريفه إياه بمجرد ~~ترجمة اللفظ بل الطريق في تعريفه إياه أما التعيين وأما الصفة. # وأما التعيين فانه بحضور الشيء المسمى ليراه أن كان مما يرى أو يذوقه أو ~~يلمسه ونحو ذلك بحيث يعرف المسمى كما عرفه المتكلمون بذلك الاسم. # فإذا رأى الثلج وذاقه ورأى الفاكهة أو الطبيخ أو الحلوى وذاقه أو رأى # PageV01P055 # الحيوان الذي لم يألفه أو رأى العبادات أو الأعمال التي لم يكن يعرفها ~~فحينئذ يتصورها ويتصور اسمها كما تصورها أهل اللغة وهم على قسمين منهم من ~~علم ذلك بالمشاهدة ولم يذق حقيقته ومنهم من يكون قد ذاقه. # وأما الطريق الثاني وهو أن يوصف له ذلك والوصف قد يقوم مقام العيان كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ~~ينظر إليها". # ولهذا جاز عند جمهور العلماء بيع الأعيان الغائبة ب الصفة. # هذا مع أن الموصوف شخص وأما وصف الأنواع فأسهل. # ولهذا التعريف ب الوصف هو التعريف ب الحد فانه لا بد أن يذكر من الصفات ~~ما يميز الموصوف والمحدود من غيره بحيث يجمع أفراده وأجزاءه ويمنع أن يدخل ~~فيه ما ليس منه وهي في الحقيقة تعريف بالقياس والتمثيل إذ الشيء لا يتصوره ~~إلا بنفسه أو بنظيرة. # وبيان ذلك أنه يذكر من الصفات المشتركة بينه وبين غيره ما يكون مميزا ~~لنوعه فكل صفة من تلك الصفات إنما تدل على القدر المشترك بينه وبين غيره من ~~النوع مثلا والقدر المشترك إنما يفيد المعرفة للعين ب المثال لا يفيد معرفة ~~العين المختصة إذ الدال على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز لكن ~~يكون مجموع الصفات مميزا له تمييز تمثيل لا تمييز تعيين فان غير نوعه لا ~~تجمع له تلك ms041 الصفات وهو نفسه لا يميز إلا بما يخصه # PageV01P056 # فالحد يفيد الدلالة عليه لا تعريف عينه بمنزلة من يقال له فلان في هذه ~~الدار يدل عليه قبل أن يراه وهو قد يصور المشترك بينه وبين غيره بدون هذه ~~الدلالة. # ومن تدبر هذا تبين له أن الحدود المصورة للمحدود لمن لا يعرفه إنما هي ~~مؤلفة من الصفات المشتركة لا يدخل فيها وصف مختص به إذ المختص وإن كان لا ~~بد منه في الحد المميز فهو لم يتصوره وأنها لا تفيد تعريف عينه فضلا عن ~~تصوير ما يتنبه له وإنما يفيد تعريفه بطريق التمثيل المقارب إذ لو عرف ~~المثل المطابق لعرف حقيقة. # ثم قد يكون المخصص صفة واحدة وقد يكون الاختصاص بمجموع الصفتين. # ولو عرف المستمع الوصف الذي يخصه كان قد تصوره بعينه فيكون هو من القسم ~~الأول الذي يترجم له اللفظ فقط. # مثال ذلك أنه إذا سمع لفظ الخمر وهو لا يعرف اللفظ ولا مسماه فيقال له هو ~~الشراب المسكر ولفظ الشراب جنس ل الخمر يدخل فيه الخمر وغيرها من الأشربة ~~وهذا واضح وكذلك لفظ المسكر الذي يظن أنه فصل مختص ب الخمر وهو في الحقيقة ~~جنس فيه يشترك الشراب وغيره فان لفظ المسكر ومعناه لا يختص ب الشراب بل قد ~~يكون ب طعام وقد يحصل السكر بغير طعام وشراب فحينئذ فلا فرق بين أن يقول هو ~~المسكر من الأشربة أو ما اجتمع فيه الشرب والسكر أو يقول الشراب المسكر ~~إنما هو كما يقول ثوب خز وباب حديد ورجل طويل أو قصير فان الرجل أعم من ~~الطويل والطويل اعم من الرجل ولكن باجتماع هذين يتميز. # وكذلك قولهم في حد الإنسان هو الحيوان الناطق فلما نقضوا عليهم ب الملك ~~زاد المتآخرون المائت وهي زيادة فاسدة فان كونه مائتا ليس بوصف ذاتي له إذ ~~يمكن تصور الإنسان مع عدم خطور موته بالبال بل ولا # PageV01P057 # هو صفة لازمة فضلا عن أن تكون ذاتية فان الإنسان في الآخرة هو إنسان كامل ~~وهو حي أبدا. # وهب أن ms042 من الناس من يشك في ذلك أو يكذب به أليس هو مما يمكن تصوره في ~~العقل فإذا قدر الإنسان على الحال الذي أخبرت به الرسل عليهم السلام أليس ~~هو إنسانا كاملا وهو غير مائت. # ثم يقال أيضا والملك يموت عند كثير من المسلمين واليهود والنصارى أو ~~أكثرهم وهب أنه لا يموت كما قالته طائفة من أهل الملل وغيرهم كما يقوله من ~~يقوله ولكن ليس ذلك معلوما للمخاطب بالحد لا سيما والنفس الناطقة من جنس ما ~~يسمونه الملائكة وهي العقول والنفوس الفلكية عندهم فظهر ضعف ما يذكره ~~الفارابي وأبو حامد وغيرهما من هذا الاحتراز. # ولكن يقال اسم الحيوان عندهم مختص ب النامي المغتذي وهذا يخرج الملك ~~فالحيوان يخرج الملك وحينئذ فالناطق اعم من الإنسان إذ قد يكون إنسانا وغير ~~إنسان كما أن الحيوان أعم منه. # وهب أنا نقبل فصلهم ب المائت فنقول المائت أيضا ليس مختصا بالإنسان بل هو ~~من الصفات التي يشترك فيها الحيوان. # فقد تبين أن كل صفة من هذه الصفات الحيوان والناطق والمائت ليس منها واحد ~~مختص بنوع الإنسان فبطل قولهم أن الفصل لا يكون إلا بالصفات المختصة بالنوع ~~فضلا عن كونها ذاتية وإنما يحصل التمييز بذكر المجموع أما الوصفين وأما ~~الثلاثة. # هذا إذا جعل الفصل مصورا للمحدود في نفس من لم يتصوره وأما إذا جعل الفصل ~~مميزا له عن غيره فلا ريب أنه يكون بالصفات المختصة # PageV01P058 # والمقصود أنه من تصور المحدود بنفسه فلا بد أن يتصور ما يختصه ويميزه عن ~~غيره وهذا لا يحتاج في تصوره إلى حد ولكن يترجم له الاسم الدال عليه ويميز ~~له المسمى عن غيره لكن الحد يكون منبها له على الحقيقة كما ينبهه الاسم إذا ~~كان عارفا بمسماه. # وأما من لم يكن متصورا له فلا يمكن أن يذكر له صفة واحدة تختص بالمحدود ~~فلا يمكن تعريفه إياه لا ب فصل ولا خاصة سواء ذكر الجنس والعرض العام أو لم ~~يذكر لأن الصفة التي تختص المحدود لا تتصور بدون تصور المحدود إذ لا ms043 وجود ~~لها بدونه والعقل إنما يجرد الكليات إذا تصور بعض جزئياتها فمن لم يتصور ~~الشيء الموجود كيف يتصور جنسه ونوعه. # ولكن يتصور ب التثميل والتشبيه ويتصور القدر المشترك بين تلك الصفة ~~الخاصة وبين نظيرها من الصفات والقدر المشترك ليس هو فصلا ولا خاصة ولكن قد ~~ينتظم من قدر مشترك وقدر مشترك ما يخص المحدود كما في قولك شراب مسكر. # وعلى هذا فإذا قيل في الفرس أنه حيوان صاهل وفي الحمار أنه حيوان ناهق ~~وفي البعير أنه حيوان راغ وفي الثور أنه حيوان خائر وفي الشاة أنها حيوان ~~ثاغ وفي الظبي أنه حيوان باغم وأمثال ذلك فهذه الأصوات مختصة بهذه الأنواع ~~لكن لا تفيد تعريف هذه الحيوانات لمن لم يكن عارفا بها فمن لم يعرف الفرس ~~لا يعرف الصهيل ومن لم يعرف الحمار لا يعرف النهيق أعنى لا يعرف معناه وإن ~~سمع اللفظ فإذا أريد تعريف النهيق قيل له هو صوت الحمار فيلزم الدور إذ ~~يكون قد عرف الحمار ب النهيق والنهيق ب الحمار. # وهكذا سائر الخواص المميزة للمحدود لا يعرف بها المحدود لمن لم يكن عرفه. # فتبين أن تعريف الشيء إنما هو بتعريف عينه أو بذكر ما يشبهه فمن عرف عين # PageV01P059 # الشيء لا يقتصر في معرفته إلى حد ومن لم يعرفه فإنما يعرف به إذا عرف ما ~~يشبهه ولو من بعض الوجوه فيؤلف له من الصفات المشتبهة المشتركة بينه وبين ~~غيره ما يخص المعرف. # ومن تدبر هذا وجد حقيقته وعلم معرفة الخلق بما أخبروا به من الغيب من ~~الملائكة واليوم الآخر وما في الجنة والنار من أنواع النعيم والعذاب بل عرف ~~أيضا ما يدخل من ذلك في معرفتهم بالله تعالى وصفاته ولم قال كثير من السلف ~~المتشابه هو الوعد والوعيد والمحكم: هو الأمر والنهى ولم قيل القرآن يعمل ~~بمحكمه ويؤمن بمتشابهه وعلم أن تأويل المتشابه الذي هو العلم بكيفية ما ~~أخبرنا به لا يعلمه إلا الله وإن كان العلم بتأويله الذي هو تفسيره ومعناه ~~المراد به يعلمه الراسخون في العلم ms044 كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. # هذا كله إذا كان السائل القائل ما هو غير عالم بالمسمى. # وأما إن كان عالما بالمسمى ودلالة الاسم عليه فلا يحتاج إلى التمييز بين ~~المسمى وغيره ولا إلى تعريفه دلالة الاسم عليه فيكون مطلوبه قدرا زائدا على ~~التمييز بينه وبين غيره وهذا هو الذي يجعلونه مطلوبا للسائل عن المحدود ~~وجوابه هو عندهم المقول في جواب ما هو. # ومعلوم أن مطلوب هذا قد يكون ذكر خصائص له باطنة لم يطلع عليها وقد يكون ~~مطلوبه بيان علته الفاعلية أو الغائية وقد يكون مطلوبه معرفة ما تركب منه ~~شيء ما وقد يكون مطلوبه معرفة حقيقته التي لا يعلمها المسئول أو علمها ولا ~~عبارة تدل السائل عليها كالسائل عن حقيقة النفس وأمثال ذلك # PageV01P060 # وجواب مثل هذا لا يجب أن يحصل بذكر صفة مشتركة مع الصفات المختصة بل قد ~~لا يحصل إلا بذكر جميع المشتركات وقد يحصل بذكر بعض المختصات وقد يحصل بغير ~~ذلك بحسب غرض السائل ومقصوده. # الوجه الخامس: التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة # الخامس: أن التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة فيمتنع أن تطلب بالحد ~~وذلك لأن الذهن أما أن يكون شاعرا بها وأما أن لا يكون شاعرا بها فان كان ~~شاعرا بها امتنع طلب الشعور وحصوله لأن تحصيل الحاصل ممتنع وإنما قد يطلب ~~دوام الشعور وتكرره أو قوته وإن لم يكن شاعرا بها امتنع من النفس طلب ما لا ~~تشعر به فان الطلب والقصد مسبوق بالشعور. # فان قيل فالإنسان يطلب تصور الملك والجن والروح وأشياء كثيرة وهو لا يشعر ~~بها قيل هو قد سمع هذه الأسماء فهو يطلب تصور مسماها كما يطلب من سمع ~~ألفاظا لا يفهم معانيها تصور معانيها سواء كانت المعاني متصورة له قبل ذلك ~~أو لم تكن وهو إذا تصور مسمى هذه الأسماء فلا بد أن يعلم أنها مسماة بهذا ~~الاسم إذ لو تصور حقيقة ولم يكن ذلك الاسم فيها لم يكن تصور مطلوبه فهنا ~~المتصور ذات وأنها مسماة بكذا من ms045 جنس ما يرى الثلج من لم يكن يعرفه فيراه ~~ويعلم أن اسمه الثلج وهذا ليس تصورا للمعنى فقط بل للمعنى ولا سمه وهذا لا ~~ريب أن يكون مطلوبا ولكن هذا لا يوجب أن يكون المعنى المفرد مطلوبا فان ~~المطلوب هنا تصديق وفيه أمر لغوي. # وأيضا فان المطلوب هنا لا يحصل بمجرد الحد بل لا بد من تعريف المحدود ~~بالإشارة إليه أو غير ذلك مما لا يكتفى فيه بمجرد اللفظ # PageV01P061 # فان قيل جعلتم امتناع الطلب لازما للنقيضين والنقيضان لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان وإذا عدم اللازم عدم الملزوم فإذا كان امتناع الطلب وهو اللازم ~~معدوما لزم عدم النقيضين وعدم النقيضين محال قيل هذا الامتناع لازم على ~~تقدير هذا النقيض أو تقدير هذا النقيض فأيهما كان ثابتا في نفس الأمر كان ~~الامتناع لازما له يلزم به في نفس الأمر وليس في هذا جمع بين النقيضين ولا ~~رفع للنقيضين وهذا يقوى المقصود فان هذا الامتناع إذا لزم من انتفائه ~~المحال لم يكن منتفيا بل يكون هذا الامتناع ثابتا وهو المطلوب وإذا كان عدم ~~هذا الامتناع مستلزما للنقيضين كان محالا فيكون نقيضه وهو ثبوت هذا ~~الامتناع حقا فيكون امتناع الطلب للتصورات المفردة ثابتا وهو المراد. # وإذا لم تكن التصورات المفردة مطلوبة فاما أن تكون حاصلة للإنسان فلا ~~تحصل بالحد فلا يفيد الحد التصوير وأما أن تكون حاصلة فمجرد حصول الحد لا ~~يوجب ذكر الأسماء تصور المسميات لمن لا يعرفها ومتى كان له شعور بها لم ~~يحتج إلى الحد في ذلك الشعور إلا من جنس ما يحتاج إلى الاسم. # والمقصود هو التسوية بين فائدة الحدود وفائدة الاسم لكن الحد إذا تعددت ~~فيه الألفاظ كان كتعداد الأسماء سواء كانت مشتقة أو غير مشتقة. # الوجه السادس: التفريق بين الذاتي والعرضي باطل: # السادس: أن يقال المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد التام وهو الحقيقي ~~وهو المؤلف من الجنس والفصل من الذاتيات المشتركة والمميزة دون العرضيات ~~التي هي العرض العام والخاصة والمثال المشهور # PageV01P062 # عندهم أن الذاتي المميز الإنسان الذي هو ms046 الفصل هو الناطق والخاصة هي ~~الضاحك. # فنقول مبنى هذا الكلام على الفرق بين الذاتي والعرضي. # وهم يقولون المحمول الذاتي داخل في حقيقة الموضوع أي الوصف الذاتي داخل ~~في حقيقة الموصوف بخلاف المحمول العرضي فانه خارج عن حقيقة. # ويقولون الذاتي هو الذي تتوقف الحقيقة عليه بخلاف العرضي ويقسمون العرضي ~~إلى لازم وعارض واللازم إلى لازم لوجود الماهية دون حقيقتها كالظل للفرس ~~والموت للحيوان والى لازم للماهية كالزوجية والفردية للأربعة والثلاثة. # والفرق بين لازم الماهية ولازم وجودها أن لازم وجودها يمكن أن تعقل ~~الماهية موجودة دونه بخلاف لازم الماهية لا يمكن أن يعقل موجودا دونه. # وجعلوا له خاصة ثانيه وهو أن الذاتي ما كان معلولا للماهية بخلاف للازم ~~ثم قالوا من اللوازم ما يكون معلولا للماهية بغير وسط وقد يقولون ما كان ~~ثابتا لها بواسطة وقالوا أيضا الذاتي ما يكون سابقا للماهية في الذهن ~~والخارج بخلاف اللازم فانه ما يكون تابعا. # فذكروا هذه الفروق الثلاثة وطعن محققوهم في كل واحد من هذه الفروق ~~الثلاثة وبينوا أنه لا يحصل به الفرق بين الذاتي وغيره كما قد بسطت كلامهم ~~في غير هذا الموضع. # وقد يقولون أيضا هو المقوم للماهية الذي يكون متقدما عليها في الوجود ~~وهذه الماهية وهو أن يسبق الذاتي للماهية فانه لا يتأخر عن الماهية في ~~التصور. # PageV01P063 # والفرق الثالث أنه لازم لها بواسطة والعرض اللازم لازم لها بوسط والوسط ~~عند أئمتهم كابن سينا وغيره وهو ما يسمونه باللازم في ذلك ولأنه معناه ~~الدليل لبعض متأخريهم كالرازي. # ثم قد تناقضوا في هذا المقام كما قد بسطته في غير هذا المقام لما حكيت ~~ألفاظهم وتناقضهم كما ذكرته من أقوال ابن سينا في الإشارات وغير ذلك من ~~أقوالهم إذ لم نحك هنا نفس ألفاظهم وإنما القصد التنبيه على جوامع تعرف ما ~~يظهر به بطلان كثير من أقوالهم المنطقية. # وهذا الكلام الذي ذكروه مبني على اصلين فاسدين الفرق بين الماهية ووجودها ~~ثم الفرق بين الذاتي لها واللازم لها. # الكلام على الفرق بين الماهية ووجودها: # فالأصل الأول ms047 قولهم أن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها ~~وهذا هو قولهم بان حقائق الأنواع المطلقة التي هي ماهيات الأنواع والأجناس ~~وسائر الكليات موجودة في الأعيان وهو يشبه من بعض الوجوه قول من يقول ~~المعدوم شيء وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وهذا من افسد ما ~~يكون. # وإنما اصل ضلالهم أنهم رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد ويميز بين ~~المقدور عليه والمعجوز عنه ونحو ذلك فقالوا ولو لم يكن ثابتا لما كان كذلك ~~كما أنا نتكلم في حقائق الأشياء التي هي ماهياتها مع قطع النظر عن وجودها ~~في الخارج فنتخيل الغلط أن هذه الحقائق والماهيات أمور ثابتة في الخارج. # والتحقيق أن ذلك كله أمر موجود وثابت في الذهن لا في الخارج عن الذهن ~~والمقدر في الأذهان قد يكون أوسع من الموجود في الأعيان وهو موجود وثابت في ~~الذهن وليس هو في نفس الأمر لا موجودا ولا ثابتا فالتفريق بين الوجود # PageV01P064 # والثبوت مع دعوى أن كليهما في الخارج غلط عظيم وكذلك التفريق بين الوجود ~~والماهية مع دعوى أن كليهما في الخارج. # وإنما نشأت الشبهة من جهة أنه غلب على أن ما يوجد في الذهن يسمى ماهية ~~وما يوجد في الخارج يسمى وجودا لأن الماهية مأخوذة من قولهم ما هو كسائر ~~الأسماء المأخوذة من الجمل الاستفهامية كما يقولون الكيفية والاينية ويقال ~~ماهية ومايية وهي أسماء مولدة وهي المقول في جواب ما هو بما يصور الشيء في ~~نفس السائل. # فلما كانت الماهية منسوبة إلى الاستفهام ب ما هو والمستفهم إنما يطلب ~~تصوير الشيء في نفسه كان الجواب عنها هو المقول في جواب ما هو بما يصور ~~الشيء في نفس السائل وهو الثبوت الذهني سواء كان ذلك المقول موجودا في ~~الخارج أو لم يكن فصار بحكم الاصطلاح أكثر ما يطلق الماهية على ما في الذهن ~~ويطلق الوجود على ما في الخارج فهذا أمر لفظي اصطلاحي. # وإذا قيد وقيل الوجود الذهبي كان هو الماهية التي في الذهن وإذا قيل ~~ماهية الشيء ms048 في الخارج كان هو عين وجوده الذي في الخارج. # فوجود الشيء في الخارج عين ماهيته في الخارج كما اتفق على ذلك أئمة ~~النظار المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة وسائر أهل الإثبات من المتكلمة ~~الصفاتية وغيرهم كأبي محمد بن كلاب وأبى الحسن الأشعري وأبى عبد الله بن ~~كرام وأتباعهم دع أئمة أهل السنة والجماعة من السلف والأئمة الكبار. # واتفقوا على أن المعدوم ليس له في الخارج ذات قبل وجوده وأما في الذهن ~~فنفس ماهيته التي في الذهن هي أيضا وجوده الذي في الذهن وإذا أريد ب ~~الماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج كانت هذه الماهية غير # PageV01P065 # الوجود لكن ذلك لا يقتضى أن يكون وجود الماهيات التي في الخارج زائدا ~~عليها في الخارج وأن يكون للماهيات ثبوت في الخارج غير وجودها في الخارج. # ومما يوضح الكلام في الأصل الأول أن المتفلسفة أتباع أرسطو كابن سينا ~~ودونه لا يقولون أن كل معدوم من الأشخاص وغيرها هو ثابت في الخارج. # وإنما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة والشيعة وهم أحسن حالا من المتفلسفة ~~فان المتفلسفة على قولين. # وأما قد ماؤهم كفيثاغورس وأتباعه وأفلاطون وأتباعه فقد كانوا في ذلك على ~~ضلال مبين رد عليهم أرسطو وأتباعه كما ذكر ذلك ابن سينا في الشفاء وغيره. # كان أصحاب فيثاغورس يظنون أن الأعداد والمقادير أمور موجودة في الخارج ~~غير المعدودات والمقدرات. # ثم أصحاب أفلاطون تفطنوا لفساد هذا وظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة ~~الإنسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة في الخارج غير الأعيان الموجودة في الخارج ~~وأنها أزلية لا تقبل الاستحالة وهذه التي تسمى المثل الأفلاطونية والمثل ~~المعلقة. # ولم يقتصروا على ذلك بل أثبتوا ذلك أيضا في المادة والمدة والمكان ~~فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ثابتة في الخارج وهي الهيولى الأولية التي ~~غلطهم فيها جمهور العقلاء من إخوانهم وغير إخوانهم وأثبتوا مدة وجودية ~~خارجة عن الأجسام وصفاتها وأثبتوا خلاء وجوديا خارجا من الأجسام وصفاتها ~~وتفطن أرسطو وذووه أن هذه كلها أمور مقدرة في الأذهان لا ثابتة في الأعيان ms049 ~~كالعدد مع المعدود ثم زعم أرسطو وذووه أن المادة موجودة في الخارج غير ~~الصور المشهودة وأن الحقائق النوعية ثابتة في الخارج غير الأشخاص # PageV01P066 # المعينة وهذا أيضا باطل كما بسط في غير هذا الموضع وبين أن قول من يقول ~~أن الجسم مركب من الهيولى والصورة باطل كما أن قول من يقول أنه مركب من ~~الجواهر المفردة باطل وأن أكثر فرق أهل الكلام من المسلمين وغيرهم ~~كالكلابية والنجارية والضرارية والهشامية وكثير من الكرامية لا يقولون بهذا ~~ولا بهذا كما عليه جماهير أهل الفقه وغيرهم. # والكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط في غير هذا الموضع ~~والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ~~ووجود الماهية في الخارج هو مبنى على هذا الأصل الفاسد. # وحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء والوجود ~~هو نفس ما يكون في الخارج منه وهذا فرق صحيح فان الفرق بين ما في النفس وما ~~في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ~~ولا في الوجود فهذا باطل. # ومعلوم أن لفظ الماهية يراد به ما في النفس والموجود في الخارج ولفظ ~~الوجود يراد به بيان ما في النفس والموجود في الخارج فمتى أريد بهما ما في ~~النفس ف الماهية هي الوجود وإن أريد بهما ما في الخارج ف الماهية هي الوجود ~~أيضا وأما إذا بأحدهما ما في النفس وبالآخر ما في الوجود الخارج ف الماهية ~~غير الوجود. # وكلامهم إنما يستلزم ثبوت ماهية في الذهن لا في الوجود الخارجي وهذا لا ~~نزاع فيه ولا فائدة فيه إذ هذا خبر عن مجرد وضع واختراع إذ يقدر كل إنسان ~~أن يخترع ماهية في نفسه غير ما اخترعه الآخر وإذا ادعى هذا أن الماهية هي ~~الحيوان الناطق أمكن الآخر أن يقول بل هي الحيوان الضاحك وإذا قال هذا أن ~~الحيوانية ذاتية ل الإنسان بخلاف العددية ل الزوج والفرد # PageV01P067 # أمكن الآخر أن يعارضه ويقول بل العدد ms050 ذاتي ل الزوج والفرد واللون ذاتي ل ~~السواد بخلاف الحيوان فليس ذاتيا ل الإنسان إذ مضمون هذا كله أن يأتي شخص ~~إلى صفات متماثلة في الخارج فيدعى أن الماهية التي يخترعها في نفسه هي هذه ~~الصفة دون هذه فأنه أن جعل هذا مطابقا للأمر في نفسه وهو قولهم كان مبطلا ~~وإن قال هذا اصطلاح اصطلحته قوبل باصطلاح آخر وكان هذا مما لا فائدة فيه. # فان قيل فهم يردون بذلك ما ذكره ابن سينا وغيره من أن كون العدد زوجا ~~وفردا ليس وصفا بينا لكل عدد بل تارة يعلم ثبوته ل العدد بلا وسط كما يعلم ~~أن الاثنين نصف الأربعة وتارة لا يعلم ثبوته إلا بوسط به يعلم أن هذا نصف ~~هذا كما يعلم أن ألفا وثلاثمائة واثنين وسبعين لها نصف بخلاف الحيوانية ل ~~الحيوان فإنها بينة بلا وسط إذ كل حيوان أنه حيوان. # قيل هذا باطل من وجهين: # أحدهما: أن هذا أمر يرجع إلى علم الإنسان بأن هذه الصفة ثابتة للموصوف ~~بلا وسط وإلى أن علمه بأن هذه الصفة ثابتة لا بد له من وسط وليس هذا فرقا ~~يعود إلى الموجودات في نفسها فان كون هذا العدد زوجا أو فردا هو مثل كون ~~هذا العدد زوجا أو فردا سواء علم الإنسان بذلك أو لم يعلم وإذا كان علمه ~~بأحدهما يحتاج إلى دليل دون الآخر لم يوجب ذلك الفرق بينهما في نفس الأمر ~~ولكن هذا مما يبين حقيقة قولهم الذي بيناه في غير هذا الموضع وهو أن ~~الماهية عندهم عبارة عما دل عليه اللفظ ب المطابقة وجزؤها الداخل فيها ما ~~دل عليه اللفظ ب التضمن واللازم الخارج عنها ما دل عليه ب الالتزام فترجع ~~الماهية وجزؤها الداخل واللازم الخارج إلى مدلول المطابقة والتضمن ~~والالتزام وهذا أمر يتبع قصد المتكلم وغايته وما دل عليه بلفظه لا يتبع ~~الحقائق الموجودة في نفسها فان تصور المتكلم قد يكون مطابقا وقد يكون # PageV01P068 # غير مطابق. # وهم هنا فرقوا بين الصفات المتماثلة فجعلوا بعضها ذاتيا داخلا في ms051 الحقيقة ~~وبعضها عرضيا خارجا لازما للحقيقة. # الوجه الثاني: أن يقال علم الناس بلزوم الصفات للموصوف وعدم لزومها أمر ~~يتفاوت فيه الناس فقد يشك بعض الناس في بعض الأشياء أنه حيوان أو أنه لون ~~حتى يعلم ذلك كما يشك في بعض الأعداد أنه زوج حتى يعلم ذلك بالوسط فلا فرق ~~حينئذ بين ما جعلوه ذاتيا وما جعلوه عرضيا لازما للحقيقة وهو المطلوب. # وأما اللازم للماهية والعرض لوجودها فملخصه أنه يمكن أن يفرض في الذهن ~~ماهية خالية عن هذا اللازم بخلاف الآخر كما يفرض في الذهن فرس لا ظل لها ~~وفرس غير مخلوقة بل كما يفرض في الذهن زنجي غير أسود وغراب غير أسود وأمثال ~~ذلك. # فيقال إذا قدر أن هذا الذي في الذهن هو الحقيقة فان عني به هو حقيقة ما ~~في الذهن فهذا حق وهذا وجود ما في الذهن فلا فرق بين الماهية ووجودها وإن ~~عني به أن هذا هو الماهية التي في الخارج كان بمنزلة أن يقال هذا هو ~~الموجود الذي في الخارج فانه أن جعلت الماهية التي في الخارج مجردة عن هذه ~~الصفات اللازمة أمكن أن يجعل الوجود الذي في الخارج مجردا عن هذه الصفات ~~اللازمة وإن جعل هذا هو نفس الماهية بلوازمها كان هذا بمنزلة أن يقال هذا ~~الوجود بلوازمه. # وعلى التقديرين فلا فرق بين الوجود والماهية إلا فرق بين ما في الذهن وما ~~في الخارج وتقدير ماهية في الخارج بدون هذا اللازم كتقدير وجود في الخارج ~~بدون هذا اللازم وهما باطلان. # PageV01P069 # الكلام على التفريق بين الذاتي واللازم: # الأصل الثاني: وهو المقصود أن ما ذكروه من الفرق بين العرضي اللازم ~~للماهية والذاتي لا حقيقة له فان الزوجية والفردية للعدد الزوج والفرد مثل ~~الناطقية والصاهلية للحيوان الإنسان والفرس وكلاهما إذا خطر بالبال منه ~~الموصوف والصفة لم يمكن تقدير الموصوف دون الصفة. # وإذا قيل أنه يمكن أن يخطر بالبال الأربعة والثلاثة فيفهم بدون أن يخطر ~~بالبال كون ذلك عددا شفعا أو وترا قيل يمكن أن يخطر بالبال الإنسان مع ms052 أنه ~~لم يخطر بالبال أنه ناطق ولا أنه حيوان وإذا قيل أن هذا لا يكون تصورا تاما ~~ل الإنسان قيل أن هذا لا يكون تصورا تاما ل الأربعة أو الثلاثة. # وكذلك العرض الذي هو سواد إذا خطر بالبال أنه سواد ولم يخطر أنه لون أو ~~لم يخطر بالبال أنه عرض أو صفة لغيره أو قائم بغيره ونحو ذلك فأنه لا يمكن ~~أن يقدر في الذهن سواد أو بياض ويقدر أنه ليس ب قائم بغيره بل إذا خطر ~~بالبال معا فلا بد أن يعلم أنه قائم بغيره كما إذا خطر بالبال الجسم الحساس ~~النامي المتحرك بالإرادة مع الإنسان فلا بد أن يعلم أنه موصوف بذلك بل لزوم ~~ذلك ل اللون في الذهن آكد. # فجعل هذه الصفات اللازمة في الذهن لهذه الموصوفات ليست ذاتية لها وهذه ~~ذاتية ل الإنسان تحكم محض ولعلة إلى العكس أقرب أن صح التفريق بينهما. # لهذا يتناقضون في التمثيل فهم يقولون الحيوانية ذاتية ل الحيوان كالإنسان ~~والفرس وغيرهما ف الحيوان هو الذاتي المشترك والناطق هو # PageV01P070 # الذاتي المميز ويقولون العددية ليست ذاتية مشتركة ل الزوج والفرد ولا ~~الزوجية والفردية ذاتية مميزة ل الزوج والفرد وأما اللونية فتارة يجعلونها ~~ك الحيوانية فيجعلونها ذاتية وتارة يجعلونها ك العددية فيجعلونها غير ذاتية ~~وسبب ذلك دعواهم أن كون العدد المعين زوجا أو فردا قد يخفى فلا يعلم إلا ~~بوسط هو الدليل بخلاف كون الإنسان والفرس والجمل والحمار والقرد ونحو ذلك ~~حيوانا فإنه بين لكل أحد. # ومعلوم أن جميع الصفات اللازمة منها ما هو خاص بالموصوف يصلح أن يكون ~~فصلا ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره وكل منهما في الخارج واحد فكما أن ~~السواد هو اللون وهو العرض القائم بغيره والثلاثة هي العدد وهي الفرد ف ~~الإنسان هو الحيوان وهو الناطق والفرس هو الحيوان وهو الصاهل وهكذا سائر ~~المحدودات. # وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي يتقدم تصوره في الذهن لتصور الموصوف ~~دون الآخر فباطل من وجهين: # أحدهما: أن هذا خبر عن ms053 وضعهم إذ هم يقدمون هذا في أذهانهم ويؤخرون هذا ~~وهذا تحكم محض فكل من قدم هذا دون هذا فإنما قلدهم في ذلك ومعلوم أن ~~الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا بل تصوراتنا تابعة ~~لها فليس إذا فرضنا هذا مقدما وهذا مؤخرا يكون هذا في الخارج كذلك وسائر ~~بني آدم الذين لم يقلدوهم في هذا الوضع لا يستحضرون هذا التقديم والتأخير ~~ولو كان هذا فطريا لكانت الفطرة تدركه بدون التقليد المغير لها كما تدرك ~~سائر الأمور الفطرية والذي في الفطرة أن هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف ~~وقد تخطر بالبال وقد لا تخطر وكلما خطرت كان الإنسان أعلم بالموصوف وإذا لم ~~تخطر كان علمه بصفاته أقل أما أأن يكون هذا خارجا عن الذات وهذا داخلا في ~~الذات فهذا # PageV01P071 # تحكم ليس له شاهد لا في الخارج ولا في الفطرة. # لاسيما وهم يقولون الذاتي يتقدم على الماهية في الذهن وفي الخارج ويسمونه ~~الجزء المقوم لها ويقولون أجزاء الماهية متقدمة عليها في الذهن وفي الخارج ~~لأن الماهية مركبة منها وكل مركب فانه مسبوق بمفرداته. # ومعلوم أن صفات الموصوف قائمة به يمتنع أن تكون مقدمة عليه في الخارج ~~وأما تسمية الصفة جزء فسبب ذلك أنها أجزاء في التصور الذهني وفي اللفظ فانك ~~إذا قلت جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق كان هذا المجموع لفظه ومعناه ~~مركبا من هذه الألفاظ ومعانيها وتلك من أجزاء هذا المركب ولكن هذا تحقيق ما ~~قلناه من أن ما سموه الماهية وجزئها الداخل فيها ولازمها الخارج منها يعود ~~إلى المعاني المتصورة في الذهن التي يدل عليها اللفظ ب المطابقة وجزؤها هو ~~ما دل عليه ب التضمن وخارجها اللازم ما دل عليه ب الالتزام. # وهم تارة يقولون الذاتي يسبق الماهية وتارة يقولون لا يتأخر عنها ويجعلون ~~كلا من هذين فرقا وهما متداخلان فان ما يتقدم عنها يمتنع أن يتأخر عنها. # الوجه الثاني: أن كون الوصف ذاتيا للموصوف هو أمر تابع للحقيقة التي هو ~~بها سواء تصورته أذهاننا أو لم تتصوره فلا ms054 بد إذا كان احد الوصفين ذاتيا ~~دون الآخر أن يكون بينهما أمرا يعود إلى حقيقتهما الخارجة الثابتة بدون ~~الذهن وأما أن يكون الفرق بين الحقائق الخارجة لا حقيقة له إلا بمجرد ~~التقدم والتأخر في الذهن فهذا لا يكون حقا إلا أن تكون الحقيقة والماهية هي ~~ما تقدر في الذهن لا ما يوجد في الخارج وذلك أمر يتبع تقدير صاحب الذهن ~~وحينئذ فيعود حاصل هذا الكلام إلى أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في ~~الخارج وهي التخيلات والوهميات الباطلة وهذا كثير في أصولهم كما بيناه في ~~غير موضع في بيان ما ذكروه في الهيولي والعقول والماهيات وغير ذلك # PageV01P072 # وهنا وجه ثالث يظهر به فساد ما ذكروه وهو أنهم قالوا الذاتيات هي أجزاء ~~الماهية وهي متقدمة عليها في الذهن وفي الخارج والأجزاء هي هذه الصفات ~~فجعلوا صفة الموصوف متقدمة عليه في الخارج وهذا مما يعلم بصريح العقل ~~بطلانه. # وسبب غلطهم أن ذلك الوصف إذا تكلم به كان جزءا من الكلام متقدما على سائر ~~الجملة في التصور والتعبير وهو في الذهن واللسان جزء من الجملة التي هي في ~~الحقيقة وما به الماهية عندهم فلما كان ما يشتبه عليهم ما في الأذهان وما ~~في الأعيان فظنوا أن صفات الأعيان المقومة لماهياتها الثابتة في الخارج هي ~~متقدمة عليها في الخارج وكان هذا من أظهر الغلط لمن تصور ما قالوا وقد ~~يثبتون ماهيته متقدم عليها. # الوجه السابع: اشتراط الصفات الذاتية المشتركة أمر وضعي محض: # الوجه السابع: أن يقال قولهم أن الحد التام يفيد تصوير الحقيقة واشتراطهم ~~أن يكون مؤلفا من الذاتي المميز والذاتي المشترك وهو الجنس. # يقال لهم هل تشترطون فيه أن تتصور جميع صفاته الذاتية المشتركة بينه وبين ~~غيره أم لا فان اشترطتم ذلك لزم أن تقولوا مثلا جسم نام حساس متحرك ~~بالإرادة فأما لفظ الحيوان فلا يدل على هذه الصفات ب المطابقة ولا ب فصلها ~~وإن لم تشترطوا ذلك فاكتفوا بمجرد المميز ك الناطق مثلا فان الناطق يدل على ~~الحيوان كما يدل الحيوان ms055 على النامي إذ النامي جنس قريب ل الحيوان يشترك ~~فيه الحيوان والنبات فإذا أردت حد الحيوان على وضعهم قلت: الجسم النامي ~~الحساس المتحرك بالإرادة كما تقول في الإنسان حيوان ناطق # PageV01P073 # والمقصود أنهم أن اكتفوا في الدلالة على الصفات المشتركة بما يدل ب ~~التضمين أو بالالتزام فالفصل يدل على ذلك وإن أرادوا تفصيلها بدلالة ~~المطابقة فلم يفعلوا ذلك. # وهذا يبين أن إيجابهم في الحد التام الجنس القريب دون غيره تحكم محض ~~ونظير هذا دعواهم أن البرهان لا بد أن يكون مؤلفا من مقدمتين لا أقل ولا ~~أكثر فان اكتفى فبه ب مقدمة واحدة قالوا الآخرى محذوفة وسموه قياس الضمير ~~وإن احتج فيه إلى مقدمات قالوا هذه قياسات متداخلة. # فاصطاحوا على أنه لابد في الحد من لفظين جنس وفصل ولابد في القياس من ~~مقدمتين وكل هذا تحكم. # فان البرهان قد يكتفى فيه ب مقدمة وقد لا يتم إلا ب مقدمتين وقد لا يتم ~~إلا بثلاث مقدمات وأربع وخمس بحسب حاجة المستدل وما يعلم مما لا يعلم من ~~المقدمات. # وكذلك اكتفاؤهم في الحد بلفظين لفظ يدل على المشترك ولفظ يدل على المميز ~~وزعمهم أن الحد التام لا يحصل إلا بهذا لا يحتاج إلى زيادة عليه ولا يحصل ~~بدونه فانه يقال أن أريد ب الحد التام ما يصور الصفات الذاتيات على التفصيل ~~مشتركها ومميزيها فالجنس القريب مع الفصل لا يحصل ذلك وإن أريد بما يدل على ~~الذاتيات ولو ب التضمن أو الالتزام ف الفصل بل الخاصة يدل على ذلك. # وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع الأجناس أو يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم ~~عنه جواب إلا أن هذا وضعهم واصطلاحهم ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف ~~باختلاف الأوضاع فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع # PageV01P074 # والاصطلاح الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف وهذا عين الضلال ~~والإضلال كمن يجيء إلى شخصين متماثلين يجعل هذا مؤمنا وهذا كافرا وهذا ~~عالما وهذا جاهلا وهذا سعيدا وهذا شقيا من غير افتراق بين ذاتيهما وصفاتهما ~~بل ms056 بمجرد وضعه واصطلاحه فهم مع دعواهم القياس العقلي يفرقون بين المتماثلات ~~ويسوون بين المختلفات. # ولهذا كان الذي عليه عامة الناس من نظار المسلمين وغيرهم الاقتصار في ~~الحدود على الوصف المميز الفاصل بن المحدود وغيره إذ التمييز يحصل بهذا ~~وذلك هو الوصف المطابق للمحدود في العموم والخصوص إلى أخرها بحيث يدخل فيه ~~جميع أفراد المحدود وأجزائه ويخرج منه ما ليس منه فهذا هو الحد الذي عليه ~~نظار المسلمين كما بسطنا قولهم في غير هذا الموضع. # وأما سائر الصفات المشتركة فقد لا يمكن الإحاطة بها ولا ريب أنه كلما كان ~~الإنسان بها أعلم كان بالموصوف اعلم وأنه ما من تصور إلا وفوقه تصور أكمل ~~منه ونحن لا سبيل إلى أن نعلم شيئا من كل وجه. # ولا نعلم لوازم كل مربوب ولوازم لوازمه إلى آخرها فانه ما من مخلوق إلا ~~وهو مستلزم للخالق والخالق مستلزم لصفاته التي منها علمه وعلمه محيط بكل ~~شيء فلو علمنا لوازم لوازم الشيء إلى آخرها لزم أن نعلم كل شيء وهذا ممتنع ~~من البشر فان الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم الأشياء كما هي عليه من غير ~~احتمال زيادة وأما نحن فما من شيء نعلمه إلا ويخفى علينا من أموره ولوازمه ~~ما لا نعلمه. # يوضح ذلك أنهم يقولون ما ذكره أبو حامد في معيار العلم: "إن دلالة التضمن ~~كدلالة لفظ البيت على الحائط ودلالة لفظ الإنسان على الحيوان وكذلك دلالة ~~كل وصف اخص على # PageV01P075 # الوصف الأعم الجوهري. # ودلالة الالتزام والاستتباع كدلالة لفظ السقف على الحائط فانه مستتبع له ~~استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته ودلالة لفظ الإنسان على قابل صنعة ~~الخياطة ومعلمها". # قال: "والمعتبر في التعريفات دلالة المطابقة والتضمن فأما دلالة الالتزام ~~فلا لأن المدلول عليه فيها غير محدود ولا محصور إذ لوازم الأشياء ولوازم ~~لوازمها لا تنضبط ولا تنحصر فيؤدي إلى أن يكون اللفظ الواحد على ما لا ~~يتناهى من المعاني وهو محال". # فقد جعل دلالة الخاص على الاسم دلالة تضمن كدلالة الإنسان على الحيوان ~~وذكر أنها ms057 معتبرة في التعريفات ومعلوم أن دلالة الحيوان على الحساس المتحرك ~~بالإرادة ودلالة الحساس على النامي ودلالة النامى على الجسم هو كذلك عندهم ~~ومعلوم أن دلالة الناطق على الحيوان كدلالة النامى على الجسم فكان الواجب ~~حينئذ أن يكتفى ب الناطق أو لا يكتفي معه بلفظ الحيوان فإنهم أن اكتفوا ~~بدلالة التضمن لزم الحذف وإن لم يكتفوا لزم التفصيل. # الوجه الثامن: اشتراط ذكر الفصول مع التفريق بين الذاتي واللازم غير ~~ممكن: # الوجه الثامن: وهو أن اشتراطهم مثلا ذكر الفصول التي هي الذاتيات المميزة ~~مع تفريقهم بين الذاتي والعرضى اللازم للماهية غير ممكن إذ ما من مميز هو ~~من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص إلا ويمكن شخصا # PageV01P076 # أن يجعله ذاتيا مميزا ويمكن الآخر أن يجعله عرضيا لازما للماهية. # الوجه التاسع: توقف معرفة الذات على معرفة الذاتيات وبالعكس يستلزم ~~الدور: # الوجه التاسع: أن يقال هذا التعليم دوري قبلي فلا يصح. # وذلك أنهم يقولون أن المحدود لا يتصور ولا يحد حدا حقيقيا إلا بذكر صفاته ~~الذاتية ثم يقولون الذاتي هو ما لا يمكن تصور الماهية بدون تصوره فيفرقون ~~بين الذاتي وغير الذاتي أن الذاتي ما يتوقف عليه تصور الماهية فلا بد أن ~~يتصور قبلها. # ويقولون تارة لا بد أن يتصور معها فلا يمكن عندهم أن يتأخر تصوره عن تصور ~~الماهية وبذلك يعرف أنه وصف ذاتي. # فحقيقة قولهم أنه لا يعلم الذاتي من غير الذاتي حتى تعلم الماهية ولا ~~تعلم الماهية حتى تعلم الصفات الذاتية التي منها تؤلف الماهية وهذا دور. # فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود حتى يتصور صفاته الذاتية ولا يعرف أن ~~الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي هو المحدود حتى تتصور فلا يعلم أنها ~~ذاتية حتى يتصور الموصوف ولا يتصور الموصوف حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز ~~بينها وبين غيرها داخل فيها وما هو جزء لها فان تصور كون الشيء جزءا لغيره ~~بدون تصور ذلك الغير ممتنع. # ونحن لم نقل أنه لا يتصور الوصف الذاتي حتى يتصور الموصوف بل الإنسان ~~يتصور أشياء ms058 كثيرة ولا يتصور أنها صفات لغيرها ولا أجزاء لها فضلا عن كونها # PageV01P077 # لازمة ذاتية أو غير لازمة وإنا قلنا لا يعلم أنها جزء من الماهية وأنها ~~ذاتية ل الماهية داخلة في حقيقة الماهية أن لم تتصور الماهية. # وإن قيل أن مجرد تصور الصفات الذاتيات كاف في تصور الماهية وإن لم أعلم ~~أن تلك الصفات ذاتية قيل من أين يعلم الإنسان أن هذه الصفات هي الذاتيات ~~دون غيرها أن لم يعرف الماهية التي هذه الصفات ذاتية لها داخلة فيها ومن ~~أين يعلم إذا تصور بعض الصفات اللازمة أن هذه هي الذاتية التي تتركب منها ~~الماهية والذات دون غيرها أن لم يعلم الذات فيتوقف معرفة الذات التي هي ~~الماهية على معرفة الذاتيات وتتوقف معرفة الذاتيات أي معرفة كونها هي ~~الذاتيات لهذه الماهية دون غيرها من اللوازم على معرفة الذات فيتوقف ~~معرفتها على معرفتها فلا يعرف هو ولا يعرف الذاتيات. # وهذا كلام متين يجتاح اصل كلامهم ويبين أنهم متحكمون فيما وضعوه لم ~~يثبتوه على اصل علمي تابع للحقائق ولكن قالوا هذا ذاتي وهذا غير ذاتي بمجرد ~~التحكم ولم يعتمدوا على أمر يمكن الفرق به بين الذاتي وغيره إذ هذا غير ~~ممكن فيما وضعوه ويبين أن ما ذكروه مما زعموا أنه صفات ذاتية لا يعرف حقيقة ~~الموصوف أصلا بل ما ذكروه يستلزم أنه لا يمكن حده فإذا لم يعرف المحدود إلا ~~بالحد والحد غير ممكن لم يعرف وذلك باطل. # مثال ذلك إذا قدر أنه لا تتصور حقيقة الإنسان حتى تتصور صفاته الذاتية ~~التي هي عندهم الحيوانية والناطقية وهذه الحيوانية والناطقية لا يعرف أنها ~~صفاته الذاتية دون غيرها حتى يعرف أن ذاته لا تتصور إلا بها # PageV01P078 # وأن ذاته تتصور بها دون غيرها ولا يعلم أن ذاته لا تتصور إلا بها حتى ~~تعرف ذاته. # فان قيل مجرد تصور الحيوانية والناطقية يوجب تصور الإنسان قيل مجرد تصوره ~~بذلك لا يوجب أن يعلم أن هذا هو الإنسان حتى يعلم أن الإنسان مؤلف من هذه ~~دون غيرها وهذا يوجب ms059 معرفته ب الإنسان قبل ذلك. # وأما مجرد قوله حيوان ناطق إذا جعل مفردا ولم يكن خبر مبتدأ محذوف فانه ~~بمنزلة الاسم المفرد وهذا لا يفيد فهم كلام. # وإذا ادعى المدعى أن من تصور هذا فقد تصور الإنسان بدون دليل يقيمه على ~~أن هذا هو حقيقة الإنسان كان بمنزلة من يقول في حده الحيوان الضاحك ويدعى ~~أن هذا هو حقيقة الإنسان فكلاهما دعوى بلا برهان. # وهذا يبين أن دلالة الحد بمنزلة دلالة الاسم إنما يفيد التمييز بين ~~المحدود المسمى وغيره ولكنه قد يفيد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال وذلك ~~التفصيل يتنوع بحسب ما يذكر من الصفات لا يختص ذلك ببعض الصفات المطابقة ~~للموصوف التي هي لازمة ملزومة دون غيرها ويبين أن الألفاظ بمجردها لا تفيد ~~تصور الحقائق لمن لم يتصورها بدون ذلك لكنها تفيد التنبيه والإشارة لمن كان ~~غافلا معرضا. # فان قيل تصوره موقوف على تصور الصفات الذاتية لا على معرفة أنها ذاتية ~~وقد يمكن تصورها وإن لم يعرف أنها ذاتية له قيل هب أن الأمر كذلك لكن لا بد ~~من التمييز بين الصفات الذاتية التي لا تتصور الذات إلا بها وبين العرضية ~~التي تتصور بدونها ولا يمكن التمييز بين هذين النوعين إلا إذا عرفت ذاته ~~المؤلفة من الصفات الذاتية ولا تعرف ذاته # PageV01P079 # حتى تعرف الصفات الذاتية ولا تميز بين الذاتيات وغيرها حتى تعرف ذاته ~~فصار معرفة الذات موقوفا على معرفة الذات وهذا هو الدور. # وكذلك معرفة الذاتيات موقوف على معرفة الذاتيات فلا تعرف الصفات التي هي ~~ذاتية للموصوف حتى تعرف أن تصور الذات موقوف على تصورها ولا يعرف أن تصور ~~الذات موقوف على تصورها حتى تعرف الذات ولا تعرف الذات حتى تعرف الذاتيات ~~وهذا بين عند تأمل مقصودهم فإنهم يقولون لا يحد الشيء حدا حقيقيا إلا بذكر ~~صفاته الذاتية فلا بد من الفرق بين صفاته الذاتية والعرضية والفرق بينهما ~~أن الذاتي هو ما لا تتصور الحقيقة إلا به فإذا كنا لم نعرف الحقيقة لم نعرف ~~الصفات التي يتوقف معرفة ms060 الحقيقة عليها وإذا لم نعرف هذه الصفات لم نعرف ~~الصفات الذاتية من العرضية وهو المطلوب. # وهذا بخلاف الفرق بين الصفات اللازمة والعارضة فانه فرق حقيقي ثابت في ~~نفس الأمر. # أبحاث في حد العلم والخبر: # مثال ذلك أنهم يتنازعون في حد العلم والأمر والخبر ونحو ذلك من الأمور ~~التي شاع الكلام عليها في العلوم المشهورة فمن النظار من يحدها كما يقولون ~~في العلم معرفة المعلوم على ما هو به أو يقولون إعتقاد المعلوم على رأي ال ~~معتزلة الذين لا يقولون أن لله علما أو يقولون العلم ما أوجب لمن قام به أن ~~يكون عالما ونحو ذلك. # ويقال في حد الخبر هو ما احتمل الصدق والكذب أو ما شاع أن يقال لصاحبه في ~~اللغة صدقت أو كذبت ونحو ذلك. # ويعترض على هذه الحدود بالاعتراضات المشهورة # PageV01P080 # مثل أن يقال المعلوم مشتق من العلم ومعرفة المشتق متوقفة على معرفة ~~المشتق منه فلو عرف المشتق بالمشتق منه لزم الدور. # أو يقال العلم هو المعرفة وهذا حد لفظي. # أو يقال قولك على ما هو به زيادة. # ويقال إدخال الصدق والكذب أو التصديق والتكذيب في حد الخبر لا يصلح ~~لأنهما نوعا الخبر وتعريفهما إنما يمكن بالخبر فلو عرف الخبر بهما لزم ~~الدور. # وأمثال ذلك من الاعتراضات المشهورة على الحدود المشهورة. # ومنهم من يقول هذه الأشياء لا يمكن تحديدها أو لا يحتاج إلى تحديدها بل ~~هي غنية عن الحد. # كما يقال في العلم أن غير العلم لا يعرف إلا بالعلم فلو عرف العلم بغيره ~~لزم الدور. # أو يقال تصوره العلم لا يحصل إلا بعلم وذلك العلم العين موقوف على العلم ~~فلو توقف تصور العلم على غيره لزم الدور. # أو يقال في تعريف العلم والخبر والأمر أن كل أحد يعلم جوعه وشبعه ويعلم ~~أنه عالم بذاك والعلم بالمركب مسبوق بالعلم بالمفرد فإذن كل أحد يعلم العلم ~~فيكون تصوره بديهيا. # ويقال في الأمر والخبر كل أحد يحسن أن يأمر وأن يخبر ويعلم أن هذا أمر ~~وهذا خبر والعلم بالمركب مسبوق ms061 بالعلم بالمفرد. # فيقال له العلم بالخبر المعين والأمر المعين لا يستلزم العلم بالمطلوب ~~بالحد لأن المطلوب بالحد تعريف الحقيقة العامة الجامعة المانعة وتصور ~~المعين إنما يستلزم تصور الحقيقة مطلقا لا بشرط العموم والمطابقة فان ~~الحقيقة لا توجد # PageV01P081 # عامة في الأعيان إذ الكليات بشرط كونها كليات إنما توجد في الذهن والعلم ~~بالعين لا يستلزم العلم بالكلى بشرط كونه كليا فإذن ما علمه بالمعين ليس هو ~~المحدود. # يوضح ذلك بأن تصور خر معين وعلم معين تصور لأمر جزئي والمطلوب بالحد هو ~~المعنى الكلي الجامع المانع فأن قيل يلزم من وجود الجزئي وجود الكلي أو قيل ~~المطلق جزء المعين. # فأن أريد بذلك أنه يوجد جزءا معينا فأن ما هو مطلق في الذهن إذا وجد في ~~الخارج كان معينا فهذا حق ولكن لا يفيدهم وأما أن أريد بذلك أن المطلق الذي ~~لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه هو نفسه جزء من هذا المعين مع كونه كليا ~~فهذا مكابرة ظاهرة ونفس تصوره كاف للعلم بفساده فأن الجزئي من معين خاص ~~والكلي اعم وأكثر منه فكيف يكون الكثير بعض القليل وإذا كان المطلوب بالحد ~~هو الكلي الجامع المانع الذي يطابق جميع أفراد المحدود فلا يخرج عنه شيء ~~ولا يدخل فيه ما ليس منه فمعلوم أن تصور المعين لا يستلزم مثل هذا. # وأيضا فهذا منقوض بسائر المحدودات كالإنسان وغيره مما يتصور جنس مفرداته ~~كل أحد. # ويقال قوله أن غير العلم لا يعرف إلا بالعلم فلو عرف العلم بغيره لزم ~~الدور # PageV01P082 # أن أراد به المعلوم لا يعرف إلا بعلمه فهذا حق لكن العلم لا يعرف ب غير ~~العلم فيعرف العلم المطلق أو العام بعلم معين فلفظ العلم في أحد المقدمتين ~~ليس معناه معنى العلم في المقدمة الآخرى فيلزم الدور إذ قول القائل العلم ~~لا يعرف إلا بالعلم معناه أن كل معلوم لا يعرف إلا بالعلم. # وقوله فلو عرف العلم بغيره لزم الدور يقال المعرف المحدود ليس هو علما ~~بمعلوم معين بل هو العلم الكلي والعلم الكلي يعلم ms062 بعلم جزئي مقيد ولا ~~منافاة في ذلك كما يخبر عن الخبر بخبر فيخبر عن الخبر المطلق أو العام بخبر ~~معين خاص. # وقول القائل في الجواب أن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره أي ~~بغير العلم لا على تصور العلم فانقطع الدور وهو أحد الجوابين فان حصول ~~العلم بكل معلوم يتوقف على حصول العلم المعين لا على تصوره والمطلوب ما يحد ~~تصور العلم لا حصول العلم بتلك المعلومات. # والجواب الآخر أن يقال: تصور غير العلم مما يتوقف على حصول العلم بذلك ~~المعلوم لا على حصول العلم المحدود وهو الجامع المانع والمطلوب بالحد هو ~~هذا قدر فلو أن حصول تصور غير العلم موقوف على العلم بذلك المعلوم وعلى ~~تصور ذلك العلم لم يكن هذا مانعا من الحاجة إلى الحد فكيف وقد يقال من علم ~~الشيء قد يعلم أنه عالم ويعود ما ذكر. # وإيضاح هذا أن في الخارج أمورا معينة كالإنسان المعين والعلم المعين # PageV01P083 # والخبر المعين وقد يتصور الإنسان أمرا مطلقا كالإنسان المطلق والعلم ~~المطلق والخبر المطلق وهذا المطلق قد يراد به المطلق بشرط له إطلاق وهو ~~الذي يقال أنه كل عقل وقد يراد به المطلق لا بشرط وهو الذي يسمى الكلى ~~الطبيعي. # وهذا الكلى المطلق لا بشرط قد يتنازعون هل هو موجود في الخارج أم لا ~~والتحقيق أنه يوجد في الخارج لكن معينا مشخصا فلا يوجد في الخارج إلا إنسان ~~معين وفيه حيوانية معينة وناطقية معينة ولا يوجد فيه إلا علم معين وخبر ~~معين. # ثم من الناس من يقول أن المطلق جزء من المعين ويقولون العام جزء من الخاص ~~فانه حيث وجد هذا الإنسان وهذا الحيوان وجد مسمى الإنسان ومسمى الحيوان وهو ~~المطلق. # ومن الناس من ينكر هذا ويقول المطلق الكلى هو الذي لا يمنع تصور معناه من ~~وقوع الشركة فيه فيجوز أن تدخل فيه أفراد كثيرة والمعين هو جزئي يمنع تصوره ~~من وقوع الشركة فيه فكيف يكون الكبير بعض القليل وكيف يكون العام أو المطلق ~~الذي يتناول أفرادا كثيرة ms063 أو يصلح ليتناول جزءا من المعين الجزئي الذي لا ~~يتناول إلا ذلك الشخص الجزئي الموجود في الخارج. # وفصل الخطاب أنه ليس في الخارج إلا جزئي معين ليس في الخارج ما هو مطلق ~~عام مع كونه مطلقا عاما وإذا وجد المعين الجزئي فالإنسان والحيوان وجدت فيه ~~إنسانية معينة مختصة مقيدة غير عامة ولا مطلقة. # فالمطلق إذا قيل هو جزء من المعين فإنما يكون جزءا بشرط أن لا يكون مطلقا ~~عاما والمعنى أن ما يتصوره الذهن مطلقا عاما يوجد في الخارج لكن لا يوجد ~~إلا مقيدا خاصا وهذا كما إذا قيل أن ما في نفسي وجد أو فعل أو فعلت ما في ~~نفسي فمعناه أن الصور الذهنية وجدت في الخارج أي # PageV01P084 # وجد ما يطابقها. # إذا عرف هذا فكل ما يعلم إنما يعلم بعلم معين وهذا العلم المعين فيه حصة ~~من العلم المطلق العام ليس فيه علم مطلق عام مع كونه مطلقا عاما والإنسان ~~إذا تصور هذا الإنسان وهذا العلم وهذا الخبر لم يتصوره مطلقا عاما وإنما ~~يتصوره معينا خاصا. # وذلك لا يستلزم أن يعلم المحدود الكلى الجامع المانع الشامل لجميع ~~الأفراد المانع من دخول غيرها فيه فغير العلم إذا توقف على حصول العلم ~~فإنما توقف على حصول علم معين جزئي لا على تصوره كما قيل في الجواب الأول. # فلو قيل أنه موقوف أيضا على تصوره لكان موقوفا على تصور أمر جزئي معين لا ~~على تصور المحدود المطلق الجامع المانع فان تصور هذا الكلى الجامع المانع ~~لا يتوقف عليه وجود علم شيء من الأشياء ولا يتوقف على وجوده ولا على تصوره ~~فلا يتوقف العلم بشيء من الأشياء على المحدود وهو العلم الجامع المانع ولا ~~على الحد وهو العلم بهذا الجامع المانع فلا يقف لا على تصوره ولا على ~~وجوده. # وكذلك ما ذكروه في إثبات النظر ب النظر يقال فيه صحة جنس النظر ب نظر ~~معين والنظر المعين يعلم صحته بالضرورة فالدليل نظر معين والمدلول عليه جنس ~~النظر والنظر المعين يعلم صحته بالضرورة. # وأمثال ms064 ذلك من التصورات والتصديقات التي يعلم المعين منها بالضرورة ويعلم ~~جنسها بهذا المعين منها وليس ذلك من باب تعريف الشيء بنفسه. # فإذا كان القول ب أن هذه الأمور محدودة بالحدود الممكنة ترد عليه ~~الاعتراضات القادحة على أصلهم والقول بأنها غير مفتقرة إلى الحدود ترد # PageV01P085 # عليه الاعتراضات الفادحة على أصلهم لم يكن القول على أصلهم لا بأنها ~~محدودة بما يمكن من الحدود ولا بأنها مستغنية عن الحدود وإذا لم تكن غنية ~~عن الحد بل مفتقرة إليه والحدود غير ممكنة لزم توقف تعريفها على ما لا يمكن ~~فيلزم امتناع تعريفها ومعلوم أن معرفتها حاصلة فعلم بطلان قولهم. # وأيضا فيبقى الإنسان غير متمكن لا من إثبات أن لها حدودا ولا من نفي أن ~~يكون لها حدود وما استلزم المنع من النفي والإثبات أو رفع النفي والإثبات ~~كان باطلا فان كل ما يذكر من الحدود يرد عليه ما يقدح فيه على أصلهم وقد ~~ثبت عندهم أنه لا بد لها من حد فيلزم أنه لا بد لها من حد وكل حد فهو باطل ~~فيلزم إثبات الحد ونفيه. # وما استلزم ذاك إلا لأنهم جعلوا مقصود الحد تصوير المحدود وإذا قيل ~~المقصود من الحد التمييز بين المحدود وغيره كان كل من القولين حقا ولم ~~يتقابل النفي والإثبات بل الذين حدوها بحدودهم أفادت حدودهم التمييز بينها ~~وبين غيرها والتمييز يحصل بما يطابق المحدود في العموم والخصوص وهو الملازم ~~له من الطرفين في النفي والإثبات. # وأما اللوازم فقد تكون أعم من المحدود كما أن الملزومات قد تكون أخص منه ~~فان الملزوم قد يكون اخص من اللازم كما أن اللازم قد يكون أعم من الملزوم ~~فان الإنسان مستلزم الحيوان والإنسان أخص منه والحيوان لازم له وهو أعم منه ~~بخلاف المتلازمين فإنهما متساويان في العموم والخصوص كالإنسانية مع ~~الناطقية والصاهلية مع الفرسية ونحو ذلك. # والحدود لا تجوز إلا ب الملازم في الطرفين النفي والإثبات لا بمجرد ~~اللوازم كما يطلقه بعضهم ولا بمجرد الملزومات ثم التمييز يحصل ب المطابق ~~الملازم وإن كان ms065 قد لا يحتاج إلى هذا التمييز إذا حصل الاستغناء عنه بالاسم # PageV01P086 # والذين قالوا أنها غنية عن الحدود بينوا أن مطلق الحقيقة تتصور بلا حد ~~وهذا حق بل هذا ثابت في جميع الحقائق أن مطلقها متصور بلا حد ولكن المقصود ~~التمييز بين مسمى هذا الاسم العام وبين غيره أو التمييز بين المعنى العام ~~المتشابه في أفراده وبين غيره وتمييز العام من غيره قد لا يكفى فيه مجرد ~~تصوره مطلقا أو تصور بعض أفراده فليس كل من تصور معنى مطلقا تصوره عاما ~~مميزا بينه وبين غيره فكيف إذا لم يتصوره إلا خاصا مقيدا معينا إذ قد يقطع ~~في مواضع بأنها خبر وأنها أمر وأنها علم ويشك في مواضع كما يشك في الاعتقاد ~~المطابق الذي يحصل للمقلد وفي أمر الأدنى للأعلى وفي الأمر الخالي عن ~~الإرادة ونحو ذلك. # فالمطلوب من الجمع والمنع الذي هو مقصود الحد لا يحصل بتصور أعيان معينة ~~ولكن يحصل منه تصور الحقيقة في الجملة فان من تصورها معينة تصورها في ~~الجملة وهو تصورها مع كونها مقيدة فيمكنه حينئذ أن يتصورها لا بشرط إذا ~~جردها عن التعريف بمعنى أنه لا يشترط فيها التعريف ولا أنه يشترط عدمه. # وهذا المطلق هل هو في الخارج جزء من المعين أو هذا المطلق وهو المطلق لا ~~بشرط ليس هو في الخارج شيئا غير الأعيان الموجودة فيه قولان كما تقدم بيانه ~~وفصل الخطاب فيه. # فحينئذ فلا يكون المتصور ل الأمر المعين والخبر المعين والعلم المعين قد ~~تصور الأشياء معينة أو تصور الحقيقة معينة لا مطلقة ولا عامة. # PageV01P087 ### | المقام الثالث: المقام السلبي في الأقيسة والتصديقات في قولهم "إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس" # فصل: # وأما القياس فالكلام في المقامين أيضا. # المقام الأول: السلبي فنقول: # حصر العلم على القياس قول بغير علم: # قولهم: "إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس" الذي ذكروا صورته ~~ومادته قضية سلبية نافية ليست معلومة بالبديهة ولم يذكروا على هذا السلب ~~دليلا أصلا فصاروا مدعين مالم يبينوه بل قائلين بغير ms066 علم إذ العلم بهذا ~~السلب متعذر على أصلهم فمن اين لهم أنه لا يمكن أحدا من بني آدم أن يعلم ~~شيئا من التصديقات التي ليست عندهم بديهية إلا بواسطة القياس المنطقي ~~الشمولي الذي وصفوا مادته وصورته؟. # الفرق بين البديهي والنظري أمر نسبي محض: # والثاني: أن يقال: هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ~~ومنها نظري وأنه يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي. # وإذا كان كذلك فالفرق بين البديهي والنظري إنما هو بالنسبة والإضافة # PageV01P088 # فقد يبده هذا من العلم ويبتدىء في نفسه ما يكون بديهيا له وإن كان غيره ~~لا يناله إلا بنظر قصير أو طويل بل قد يكون غيره يتعسر عليه حصوله بالنظر ~~وقد تقدم التنبيه على هذا في التصورات لكن نزيده هنا دليلا يختص هذا فنقول. # البديهي من التصديقات هو ما يكفى تصور طرفيه موضوعه ومحموله في حصول ~~تصديقه فلا يتوقف على وسط يكون بينهما وهو الدليل الذي هو الحد الأوسط سواء ~~كان تصور الطرفين بديهيا أو لم يكن. # ومعلوم أن الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان ~~فمن الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية يباين بها غيره مباينة ~~كبيرة وحينئذ فيتصور الطرفين تصورا تاما بحيث تتبين بذلك التصور التام ~~اللوازم التي لا تتبين لغيره الذي لم يتصور الطرفين التصور التام. # وذلك أن من الناس من يكون لم يتصور الطرفين إلا ببعض صفاتهما المميزة ~~فيكون من تصورهما ببعض صفاتهما المشتركة مع ذلك سواء سميت ذاتية أو لم تسم ~~عالما بثبوت تلك الصفات لهما وثبوت كثير مما يكون لازما لهما بخلاف من لم ~~يتصور إلا الصفات المميزة. # بطلان التفريق بين الذاتي واللازم لثبوت كل منهما بغير وسط. # وذلك أنهم قرروا في المنطق أن من اللوازم ما يكون لازما بغير وسط فهذا ~~يعلم بنفس تصور الملزوم. # والوسط المذكور في هذه المواضع هو عند ابن سينا ومحققيهم هو الدليل # PageV01P089 # وهو الحد الأوسط. # وهذا يختلف باختلاف الناس فقد يحتاج ms067 هذا في العلم ب الملزوم إلى دليل ~~بخلاف الآخر. # ومن لم يفهم مرادهم في هذا الموضع يظن أنهم أرادوا ب الوسط ما هو وسط في ~~نفس الموصوف بحيث يكون ثبوت الوصف اللازم ل الملزوم بواسطته لا يثبت بنفسه ~~كما قد فهم ذلك عنهم طائفة منهم الرازي وغيره وهذا مع أنه غلط عليهم كما ~~بينا ألفاظهم في غير هذا الموضع فهو أيضا باطل في نفسه. # ولا ريب أن من اللوازم ما يفتقر إلى وسط ومنها ما لا يفتقر إلى وسط عندهم ~~وهذا احد الفروق الثلاثة التي فرقوا بها بين الذاتي والعرضي اللازم للماهية ~~وقد أبطلوا هذا الفرق ويعبر بعضهم عن هذا الفرق ب التعليل كما يعبر به ابن ~~حاجب. # فإذا كان في اللوازم ما هو ثابت في نفس الأمر بغير وسط ولا علة لم يبق ~~هذا فرقا بين الذاتي وبين هذه اللوازم فبطلت التصديق بهذا لكن من تصور ~~الذات بهذه اللوازم فتصوره أتم ممن لم يتصورها بهذه اللوازم. # وإذا كان المراد ب الوسط الدليل الذي يعلل به الثبوت الذهني لا الخارجي ~~فهذا يختلف باختلاف الناس ولا ريب أن ما يستدل به سواء سمى قياسا أو برهانا ~~أو غير ذلك قد يكون هو علة لثبوت الحكم في نفس الأمر ويسمى قياس العلة ~~وبرهان العلة وبرهان لم وقد لا يكون كذلك وهو الدليل المطلق ويسمى قياس ~~الدلالة وبرهان الدلالة وبرهان أن وهذا مراد ابن سينا وغيره ب الوسط وهذا ~~مما تختلف فيه أحوال الناس # PageV01P090 # فالتفريق بين الذاتي والعرضي اللازم أبعد ولهذا أبطل ابن سينا الفرق بهذا ~~كما قد ذكرنا لفظه في موضع آخر فانه على التفسيرين من اللوازم ما يثبت بغير ~~وسط. # فإذا قيل الذاتي ما يثبت بغير وسط وقد عرف أن من اللوازم ما ثبت بغير وسط ~~تبين بطلان هذا الفرق على كل تقدير. # اختلاف أحوال الناس في احتياجهم وعدم احتياجهم إلى الدليل: # وأما كون الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر إليه في بعض القضايا بعض الناس ~~دون بعض فهذا أمر بين ms068 فان كثيرا من الناس تكون القضية عنده حسية أو مجربة ~~أو برهانية أو متواترة وغيره إنما عرفه بالنظر والاستدلال. # ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول ل الموضوع إلى دليل لنفسه ~~بل لغيره ويبين ذلك لغيره بأدلة هو غنى عنها حتى يضرب له أمثالا ويقول له ~~أليس كذا أليس كذا ويحتج عليه من الأدلة العقلية والسمعية بما يكون حدا ~~أوسط عند المخاطب مما لا يحتاج إليه المستدل بل قد يعلم الشيء ب الحس ~~ويستدل على ثبوته لغيره ب الدليل. # وهذا أكبر من أن يحتاج إلى تمثيل فما أكثر من يرى الكواكب ويرى الهلال ~~وغيره فيقول قد طلع الهلال وتكون هذه القضية له حسية وقد تكون عند غيره ~~مشكوكا فيها أو مظنونة أو خبرية بل قد يظنها كذبا إذا صدق المنجم الخارص ~~القائل أنه لا يرى # PageV01P091 # بطلان منع المنطقيين الاحتجاج بالمتواترات والمجربات والحدسيات: # وقد ذكر من ذكر من هؤلاء المنطقيين أن القضايا المعلومة ب التواتر ~~والتجربة والحدس يختص بها من علمها بهذه الطريق فلا تكون حجة على غيره ~~بخلاف غيرها فإنها مشتركة يحتج بها على المنازع. # وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذا تفريق فاسد. # فان الحسيات الظاهرة والباطنة تنقسم إلى خاصة وعامة وليس ما رآه زيد أو ~~شمه أو ذاقة أو لمسة يجب اشتراك الناس فيه وكذلك ما وجده في نفسه من جوعه ~~وعطشه وألمه ولذته ولكن بعض الحسيات قد تكون مشتركة بين الناس كاشتراكهم في ~~رؤية الشمس والقمر والكواكب وأخص من ذلك اشتراك أهل البلد الواحد في رؤية ~~ما عندهم من جبل وجامع ونهر وغير ذلك من الأمور المخلوقة والمصنوعة. # وكذلك الأمور المعلومة ب التواتر والتجارب قد يشترك فيها عامة الناس ~~كاشتراك الناس في العلم بوجود مكة ونحوها من البلاد المشهورة واشتراكهم في ~~وجود البحر وأكثرهم ما رآه واشتراكهم في العلم بوجود موسى وعيسى ومحمد ~~وادعائهم النبوة ونحو ذلك فان هؤلاء قد تواتر خبرهم إلى عامة بني آدم وإن ~~قدر من لم يبلغه أخبارهم فهم في ms069 أطراف المعمورة لا في الوسط. # المجربات تحصل بالحس والعقل: # وكذلك المجربات فعامة الناس قد جربوا أن شرب الماء يحصل معه الري وأن قطع ~~العنق يحصل معه الموت وأن الضرب الشديد يوجب الألم. # والعلم بهذه القضية الكلية تجربي فان الحس إنما يدرك ريا معينا وموت شخص ~~معين وألم شخص معين أما كون كل من فعل به ذلك يحصل له مثل ذلك # PageV01P092 # فهذه القضية الكلية لا تعلم ب الحس بل بما يتركب من الحس والعقل وليس ~~الحس هنا هو السمع. # وهذا النوع قد يسميه بعض الناس كله تجربيات وبعضهم يجعله نوعين تجربيات ~~وخدسيات فان كان الحس المقرون ب العقل من فعل الإنسان كأكله وشربه وتناوله ~~الدواء سماه تجربيا وإن كان خارجا عن قدرته كتغير أشكال القمر عند مقابلة ~~الشمس سماه حدسيا والأول أشبه باللغة فان العرب تقول رجل مجرب بالفتح لمن ~~جربته الأمور وأحكمته وإن كانت تلك من أنواع البلايا التي لا تكون ~~باختياره. # وذلك أن التجربة تحصل بنظره واعتباره وتدبره كحصول الأثر المعين دائرا مع ~~المؤثر المعين دائما فيرى ذلك عاده مسمرة لا سيما أن شعر بالسبب المناسب ~~فيضم المناسب إلى الدوران مع السبر والتقسيم فانه لا بد في جميع ذلك من ~~السبر والتقسيم الذي ينفى المتزاحم وإلا فمتى حصل الأثر مقرونا بأمرين لم ~~تكن إضافته إلى أحدهما دون الآخر بأولى من العكس ومن إضافته إلى كليهما. # وما يحتج به الفقهاء في إثبات كون الوصف علة للحكم من دوران ومناسبة وغير ~~ذلك إنما يفيد المقصود مع نفى المزاحم وذلك يعلم ب السبر والتقسيم فان كان ~~نفى المزاحم ظنيا كان اعتقاد العلية ظنيا وإن كان قطعيا كان الاعتقاد قطعيا ~~إذا كان قاطعا بأن الحكم لا بد له من علة وقاطعا بأنه لا يصلح للعلة إلا ~~الوصف الفلاني. # وهكذا القضايا العادية من قضايا الطب وغيرها هي من هذا الباب وكذلك قضايا ~~النحو والتصريف واللغة من هذا الباب ولكن في اللغة يدور المعنى مع اللفظ لا ~~هذا الباب وفي النحو والتصريف يدور الحكم مع ms070 النوع وهذا كالعلم بأن أكل ~~الخبز ونحو ه يشبع وشرب الماء ونحوه يروى ولبس الحشايا # PageV01P093 # يوجب الدفأ والتجرد من الثياب يوجب البرد ونحو ذلك. # لكن من لا يثبت الأسباب والعلل من أهل الكلام كالجهم وموافقيه في ذلك مثل ~~أبي الحسن وأتباعه يجعلون المعلوم اقتران احد الأمرين بالآخر لمحض مشيئة ~~القادر المريد من غير أن يكون أحدهما سببا للآخر ولا مولدا له. # وأما جمهور العقلاء من المسلمين وغير المسلمين وأهل السنة من أهل الكلام ~~والفقة والحديث والتصوف وغير أهل السنة من المعتزلة وغيرهم فيثبتون الأسباب ~~ويقولون كما يعلم اقتران أحدهما بالآخر فيعلم أن في النار قوة تقتضى ~~التسخين وفي الماء قوة تقتضى التبريد وكذلك في العين قوة تقتضى الأبصار وفي ~~اللسان قوة تقتضى الذوق ويثبتون الطبيعة التي تسمى الغريزة والنحيزة والخلق ~~والعادة ونحو ذلك من الأسماء. # ولهذا كان السلف كأحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما يقولون العقل ~~غريزة وأما نفاة الطبائع فليس العقل عندهم إلا مجرد العلم كما هو قول أبى ~~الحسن الأشعري والقاضي أبى بكر والقاضي أبى يعلى وأبن عقيل وأبي الخطاب ~~والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم وإن كان بعض هؤلاء قد يختلف كلامهم ~~فيثبتون في موضع آخر الغرائز والأسباب كما هو مذهب الفقهاء والجمهور. # فالمقصود أن لفظ التجربة يستعمل فيما جربه الإنسان ب عقله وحسه وإن لم ~~يكن من مقدوراته كما قد جربوا أنه إذا طلعت الشمس انتشر الضوء في الآفاق ~~وإذ غابت أظلم الليل وجربوا أنه إذا بعدت الشمس عن سمت رؤؤسهم جاء البرد ~~وإذا جاء البرد سقط ورق الأشجار وبرد ظاهر الأرض وسخن باطنها وإذا قربت من ~~سمت رؤوسهم جاء الحر وإذا جاء الحر أورقت الأشجار وأزهرت فهذا أمر يشترك في ~~العلم به جميع الناس لما قد اعتادوه وجربوه # PageV01P094 # ثم يعلم من يثبت الأسباب أن سبب ذلك أن شبيه الشيء منجذب إليه وضده هارب ~~منه فإذا برد الهواء برد ظاهر الأرض وظاهر ما عليها فهربت السخونة إلى ~~البواطن فيسخن جوف الأرض ويسخن الماء الذي في جوفه ms071 ولهذا تكون الينابيع في ~~الشتاء حارة وتكون أجواف الحيوان حارة فتأكل في الشتاء أكثر مما تأكل في ~~الصيف بسبب هضم الحرارة للطعام وإذا كان الصيف سخن الهواء فسخنت الظواهر ~~وهربت البرودة إلى البواطن فيبرد باطن الأرض وأجواف الحيوان وتبرد الينابيع ~~ولهذا يكون الماء النابع في الصيف ابرد منه في الشتاء ويضعف الهضم للطعام. # فهذه القضايا ونحوها مجربات عاديات وإن كان كثير منها يقع بغير فعل بنى ~~آدم. # وكذلك ما علم من سنة الله تعالى من نصر أنبيائه وعباده المؤمنين وعقوباته ~~لأعدائه الكافرين هو مما قد علم ويحصل به الاعتبار وإن لم يكن ذلك مما يقدر ~~عليه المجرب نفسه وقد يعلم الإنسان من فعل غيره ما يحصل له به العلم ~~التجربي وإن لم يكن له قدرة على فعل الغير. # وأيضا فالسبب المقتضى للعلم ب المجربات هو يكرر اقتران أحد الأمرين ~~بالآخر أما مطلقا وأما مع الشعور بالمناسب وهذا القدر يشترك فيه ما تكرر ~~بفعله وما تكرر بغير فعله فكونه بفعله وصف عديم التأثير في اقتضاء العلم ~~فلا يحتاج أن يجعل هذا نوعا غير النوع الآخر مع تساويهما في السبب المقتضى ~~للعلم إلا لبيان شمول المجربات لهذين الصنفين كما يقال في الحسيات أنها ~~تتناول ما أحسه ببصره وسمعه وشمه وذوقه ولمسه ونحو ذلك. # مع أن الفرق الذي بين أنواع الحسيات تختلف فيه أنواع العلوم أعظم مما ~~تختلف في هذا فان البصر يرى غير مباشرة المرئي والذوق والشم واللمس # PageV01P095 # لا يحصل له الإحساس إلا بمباشرة المحسوس والسمع وإن كان يحس الأصوات ~~فالمقصود الأعظم به معرفة الكلام وما يخبر به المخبرون من العلم. # وهذا سبب تفضيل طائفة من الناس ل السمع على البصر كما ذهب إليه ابن قتيبة ~~وغيره وقال الأكثرون البصر أفضل من السمع والتحقيق أن إدراك البصر أكمل كما ~~قاله الأكثرون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس المخبر كالمعاين" ~~لكن السمع يحصل به من العلم لنا أكثر مما يحصل بالبصر ف البصر أقوى وأكمل ~~والسمع أعم وأشمل. # وهاتان الحاستان هما ms072 الأصل في العلم بالمعلومات التي يمتاز بها الإنسان ~~عن البهائم. # ولهذا يقرن الله بينهما الفؤاد في مواضع: # كقوله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} وقوله ~~تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} وقال: {وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ~~إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم # PageV01P096 # ما كانوا به يستهزئون} وقال تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة} وقال تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} في حق المنافقين ~~وقال في حق الكافرين {فهم لا يعقلون} وقال تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} وقال تعالى: {وإذا ~~قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ~~ولوا على أدبارهم نفورا} ونظائر هذا متعددة. # وأما الشم والذوق واللمس فحس محض لا يحصل إلا بمباشرة الحيوان لذلك ~~فالثلاثة كالجنس الواحد وقد قال تعالى: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار ~~فهم يوزعون حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ~~وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} فالجلود أن خصت باللمس لم يدخل فيها الشم ~~والذوق وإن قيل بل يدخل فيها عمت الجميع وإنما ميزت عن اللمس لاختصاصها ~~ببعض الأعضاء وبنوع من المدركات وهو الطعوم والروائح فان سائر البدن لا ~~يميز بين طعم وطعم وريح وريح ولكن يميز بين الحار والبارد واللين والصلب ~~والناعم # PageV01P097 # والخشن ويميز بين ما يلتذ به وبين ما يتألم ونحو ذلك. # والمقصود أنهم ms073 جعلوا المجربات والمتواترات مما يختص به من حصل له ذلك فلا ~~يصلح أن يحتج به على غيره وهذه قد يحصل فيها اختصاص واشتراك كما أن الحسيات ~~كذلك قد يحصل فيها اختصاص واشتراك. # وأيضا فالاشتراك قد يكون في عين المعلوم المدرك وقد يكون في نوعه فالأول ~~كاشتراك الناس في رؤية الشمس والقمر وغيرهما والثاني كاشتراكهم في معرفة ~~الجوع والعطش والري والشبع واللذة والألم. # فان المعين الذي ذاقه هذا الشخص ليس هو المعين الذي ذاقه هذا إذ كل إنسان ~~يذوق ما في باطنه ولكن يشترك الناس في معرفة جنس ذلك. # وما يسمونه من الرعد وما يرونه من البرق يشترك أهل المكان الواحد في رؤية ~~المعين وسمعه ويشترك الناس في رؤية النوع وسمعه إذ الرعد والبرق الذي يحصل ~~في زمان ومكان يكون غير ما يحصل في زمان آخر ومكان آخر. # ومن المحسوسات المعروفة بالرؤية أنواع كثيرة من الحيوان والنبات وغير ذلك ~~يوجد ببعض البلاد دون بعض فتكون مشهورة ومرئية لمن رآها دون سائر الناس ~~فإنهم إنما يعلمون ذلك ب الخبر وذلك الخبر قد يكون المشتركون فيه أكثر من ~~المشتركين في الرؤية. # فتبين أن القضايا الحسية والمتواترة والمجربة قد تكون مشتركة وقد تكون ~~مختصة فلا معنى للفرق بأن هذه يحتج بها على المنازع دون هذه. # إنكار المتواترات هو من أصول الإلحاد والكفر: # ثم هذا الفرق مع ظهور بطلانه هو من أصول الإلحاد والكفر فان المنقول عن ~~الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها يقول احد هؤلاء # PageV01P098 # بناء على هذا الفرق: "هذا لم يتواتر عندي فلا يقوم به الحجة على" فيقال ~~له "اسمع كما سمع غيرك وحينئذ يحصل لك العلم". # وإنما هذا كقول من يقول رؤية الهلال أو غيره لا تحصل إلا بالحس وأنا لم ~~أره فيقال له أنظر إليه كما نظر غيرك فتراه إذا كنت لم تصدق المخبرين. # وكمن يقول: "العلم بالنبوة لا يحصل إلا بعد النظر وأنا لا أنظر أو لا ~~أعلم وجوب النظر حتى أنظر". # ومن جواب هؤلاء أن حجة الله برسله قامت بالتمكن ms074 من العلم فليس من شرط حجة ~~الله تعالى علم المدعوين بها. # ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانعا من قيام حجة ~~الله تعالى عليهم وكذلك إعراضهم عن استماع المنقول عن الأنبياء وقراءة ~~الآثار المأثورة عنهم لا يمنع الحجة إذ المكنة حاصلة. # فلذلك قال تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن ~~في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم} . # وقال تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا} . # وقال تعالى: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا} . # وقال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك # PageV01P099 # أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} . # وقال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا} . # وقال: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم ~~بكم عمي فهم لا يعقلون} . # ومن هذا الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل ~~الحديث والسنة من الآثار النبوية والسلفية المعلومة عندهم بل المتواترة ~~عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم بإحسان. # فان هؤلاء يقولون: "هذه غير معلومة لنا" كما يقول من يقول من الكفار أن ~~معجزات الأنبياء غير معلومة لهم وهذا لكونهم لم يطبلوا السبب الموجب للعلم ~~بذلك وإلا فلو سمعوا ما سمع أولئك وقرأوا الكتب المصنفة التي قرأها أولئك ~~تحصل لهم من العلم ما حصل لأولئك. # وعدم العلم ليس علما بالعدم وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود فهم إذا ~~لم يعلموا ذلك لم يكن هذا علما منهم بعدم ذلك ولا بعدم علم غيرهم به بل هم ~~كما قال الله تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا ms075 بعلمه ولما يأتهم تأويله} . # وتكذيب من كذب بالجن هو هذا الباب وإلا فليس عند المتطيب والمتفلسف دليل ~~عقلي ينفي وجودهم لكن غايته أنه ليس في صناعته ما يدل على وجودهم وهذا إنما ~~يفيد عدم العلم لا العلم بالعدم وقد اعترف بهذا حذاق الأطباء والفلاسفة ~~كأبقراط وغيره. # والمقصود هنا التنبيه على كليات طرق العلم التي تكلم فيها هؤلاء وغيرهم # PageV01P100 # شرك الفلاسفة أشنع من شرك الجاهلية: # ولهذا لما صنف طائفة في تقدير الشرك على أصولهم وأثبتوا الشفاعة التي ~~يثبتها المشركون كان شرك هؤلاء شرا من شرك مشركي العرب وغيرهم. # فان مشركي العرب وغيرهم ممن يقر بأن الرب فاعل بمشيئته وقدرته وأنه خالق ~~كل شيء وأن السموات والأرض مخلوقة لله ليست مقارنة له في الوجود دائمة ~~بدوامه كانوا يعبدون غير الله ليقربوهم إليه زلفى ويتخذونهم شفعاء يشفعون ~~لهم عند الله بمعنى أنهم يدعون الله لهم فيجيب الله دعاءهم له وهؤلاء ~~المشركون الذين بين القرآن كفرهم وجاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~شركهم. # قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله} . # وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى} . # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} قالت طائفة من السلف: "كان أقوام ~~يدعون الملائكة والأنبياء فقال تعالى هؤلاء الذين تدعونهم يتوسلون إلى كما ~~تتوسلون إلى ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي. # وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة # PageV01P101 # والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} . # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ms076 ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . # وقال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى} . # وقال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} . # ومثل هذا في القران كثير. # والعرب كانوا مع شركهم وكفرهم يقولون أن الملائكة مخلوقون وكان من يقول ~~منهم أن الملائكة بنات يقولون أيضا أنهم محدثون ويقولون أنه صاهر إلى الجن ~~فولدت له الملائكة. # وقولهم من جنس قول النصارى في أن المسيح ابن الله مع أن مريم أمه ولهذا ~~قرن سبحانه بين هؤلاء وهؤلاء. # وقول هؤلاء الفلاسفة شر من قول هؤلاء كلهم. # فان الملائكة عند من آمن بالنبوات منهم هي العقول العشرة وتلك عندهم ~~قديمة أزلية والعقل رب كل ما سوى الرب عندهم وهذا لم يقل مثله احد من ~~اليهود والنصارى ومشركي العرب لم يقل احد أن ملكا من الملائكة رب العالم ~~كله. # ويقولون أن العقل الفعال مبدع لما تحت فلك القمر وهذا أيضا كفر لم يصل ~~إليه احد من كفار أهل الكتاب ومشركي العرب # PageV01P102 # وهؤلاء يقولون ما ذكره ابن سينا واتباعه كصاحب الكتب المضنون بها على غير ~~أهلها ومن وافقهم من القرامطة والباطنية من الملاحدة والجهال الذين دخلوا ~~في الصوفية وأهل الكلام كأهل وحدة الوجود وغيرهم. # يجعلون الشفاعة مبنية على ما يعتقدونه من أن الرب لا يفعل بمشيئته وقدرته ~~وليس عالما بالجزئيات ولا يقدر أن يغير العالم بل العالم فيض فاض عنه بغير ~~مشيئته وقدرته وعلمه. # فيقولون إذا توجه المستشفع إلى من يعظمه من الجواهر العالية كالعقول ~~والنفوس والكواكب والشمس والقمر أو إلى النفوس المفارقة مثل بعض # PageV01P103 # الصالحين فانه يتصل بذلك المعظم المستشفع به فإذا فاض على ذلك ما يفيض من ~~جهة الرب فاض على هذا المستشفع من جهة شفيعة. # ويمثلونه بالشمس إذا طلعت على مرآة فانعكس الشعاع الذي على المرآة على ~~موضع آخر فأشرق بذلك الشعاع ms077 فذلك الشعاع حصل له بمقابلة المرآة وحصل للمرآة ~~بمقابلة الشمس. # فهذا الداعي المستشفع إذا توجه إلى شفيعه أشرق عليه من جهته مقصود ~~الشفاعة وذلك الشفيع يشرق عليه من جهة الحق. # ولهذا يرى هؤلاء دعاء الموتى عند القبور وغير القبور ويتوجهون إليهم ~~ويستعينون بهم ويقولون أن أرواحنا إذا توجهت إلى روح المقبور في القبور ~~اتصلت به ففاضت عليها المقاصد من جهته. # وكثير منهم ومن غيرهم من الجهال يرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء ~~والصالحين من أهل البيت وغيرهم أفضل من الصلوات الخمس والدعاء في المساجد ~~وأفضل من حج البيت العتيق. # ومعلوم أن كفر هؤلاء بما يقولونه في الشفعاء أعظم من كفر مشركي العرب بما ~~قالوه فيهم لأن كلتي الطائفتين عبدوا من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله لكن العرب اقروا بأن الله عالم بهم قادر ~~عليهم يخلق بمشيئته وقدرته وقالوا أن هؤلاء ينفعونا بدعائهم لنا. # وأما مشركوا الفلاسفة كما ذكره ابن سينا ومن اتبعه فيقولون أن من يستشفع ~~به لا يدعو الله لنا بشئ والله لا يعلم دعاءنا ولا دعاءه ولا يسمع نداءنا ~~ولا نداءه بل ولا يعرف بنا ولا نراه ولا يعرف به فانا نحن من الجزئيات ~~والله لا يعلم الجزئيات عندهم ولا يقدر على تغيير شيء من العالم ولا يفعل ~~بمشيئته # PageV01P104 # لكن قالوا لكن نحن إذا توجهنا إلى هؤلاء بالدعاء لهم والسؤال منهم بل ~~وبالعبادة لهم فاض علينا ما يفيض منهم وفاض عليهم ما يفيض من جهة الله. # ثم أن طائفة من أهل الكلام يردون عليهم باطلهم بقول باطل فيردون فاسدا ~~بفاسد وإن كان أحدهما أكثر فسادا مثل إنكار كثير منهم لكثير من الأمور ~~الرياضية كاستدارة الفلك وغير ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة وآثار السلف ~~مع دلالة العقل. # أو يفعلون كما فعله الشهرستاني في الملل والنحل حيث اخذ يذكر المفاضلة ~~بين الأرواح العلوية وبين الأنبياء ويجعل إثبات هذه وسائط أولى من تلك ~~تفضيلا لأقوال الحنفاء على أقوال الصابئة وهذا غلط عظيم. # فان ms078 الحنفاء لا يثبتون بين الله وبين مخلوقاته واسطة في عبادته وسؤاله ~~وإنما يثبتون الوسائط في تبليغ رسالاته فأصل الحنفاء شهادة أن لا إله إلا ~~الله وشهادة أن محمدا وغيره من الرسل رسل الله. # وأما الوسائط التي يثبتها المشركون فيجعلون الملائكة معبودين وهذا كفر ~~وضلال وتوسط الملائكة بمعنى تبليغ رسالات الله أو بمعنى أنهم يفعلون ما ~~يفعلونه بإذن الله مما اتفق عليه الحنفاء. # ومعلوم أن المشركين من عباد الأصنام وغيرهم كانت الشياطين تضلهم فتكلمهم ~~وتقضى لهم بعض حوائجهم وتخبرهم بأمور غائبة عنهم. # وكان للكهان شياطين تخبرهم وتأمرهم وإن كان الكذب فيما يقولونه أكثر من ~~الصدق. # وهكذا المشركون في زماننا الذين يدعون غير الله كالشيوخ الغائبين والموتى ~~تتصور لهم الشياطين في صور الشيوخ حتى يظنوا أن الشيخ حضر وأن الله صور # PageV01P105 # على صورته ملكا وأن ذلك من بركة دعائه وإنما يكون الذي تصور لهم شيطان من ~~الشياطين. # وهذا مما نعرف أنه ابتلى في زماننا وغير زماننا خلق كثير أعرف منهم عددا ~~وأعرف من ذلك وقائع متعددة. # والشياطين أيضا تضل عباد القبور كما كانت تضل المشركين من العرب وغيرهم. # وكانت اليونان من المشركين يعبدون الأوثان ويعانون السحر كما ذكروا ذلك ~~عن أرسطو وغيره وكانت الشياطين تضلهم وبهم يتم سحرهم وقد لا يعرفونهم أن ~~ذلك من الشياطين بل قد لا يقرون بالشياطين بل يظنون ذلك كله من قوة النفس ~~أو من أمور طبيعية أو من قوى فلكية فان هذه الثلاثة هي أسباب عجائب العالم ~~عند ابن سينا وموافقيه. # وهم جاهلون بما سوى ذلك من أفعال الشياطين الذين هم أعظم تأثيرا في ~~العالم في الشر من هذا كله وجاهلون بملائكة الله الذين يجرى بسببهم كل خير ~~في السماء والأرض. وما يدعونه من جعل الملائكة هي العقول العشرة أو هي ~~القوى الصالحة في النفس وأن الشياطين هي القوى الخبيئة مما قد عرف فساده ~~بالدلائل العقلية بل بالضرورة من دين الرسول. # فإذا كان شرك هؤلاء وكفرهم في نفس التوحيد وعبادة الله وحده أعظم من شرك ~~مشركي العرب ms079 وكفرهم فأي كمال للنفس في هذه الجهالات. # وهذا وأمثاله يفتقر إلى بسط كثير وقد ذكرنا منه طرفا في مواضع غير هذا. # والمقصود هنا ذكر ما ادعاه هؤلاء في البرهان المنطقي # PageV01P106 # بطلان دعواهم لا بد في البرهان من قضية كلية: # وأيضا فإذا قالوا العلوم اليقينية النظرية لا تحصل إلا ب البرهان الذي هو ~~عندهم قياس شمولي وعندهم لا بد فيه من قضية كلية موجبة. # ولهذا قالوا لا نتاج عن قضيتين سالبتين ولا جزئيتين في شيء من أنواع ~~القياس لا بحسب صورته كالحملي والشرطي المتصل والمنفصل ولا بحسب مادته لا ~~البرهاني ولا الخطابي ولا الجدلي بل ولا الشعري. # فيقال إذا كان لا بد في كل ما يسمونه برهانا من قضية كلية فلا بد من ~~العلم بتلك القضية الكلية أي من العلم بكونها كلية وإلا فمتى جوز عليها أن ~~لا تكون كلية بل جزئية لم يحصل العلم بموجبها والمهملة وهي المطلقة التي ~~يحتمل لفظها أن يكون كلية وجزئية في قوة الجزئية. # وإذا كان لا بد في العلم الحاصل بالقياس الذي يخصونه باسم البرهان من ~~العلم ب قضية كلية موجبة فيقال. # العلم بتلك القضية أن كان بديهيا أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيا ~~بطريق الأولى. # وإن كان نظريا احتاج إلى علم بديهي فيفضى إلى الدور المعي أو التسلسل في ~~أمور لها مبدأ محدود فان علم ابن آدم إذا توقف على علم منه وعلمه على علم ~~منه فعلمه له مبدأ لأنه نفسه مبدأ ليس هذا ك تسلسل الحوادث الماضية وأيضا ~~فانه تسلسل في المؤثرات وكلاهما باطل. # وهكذا يقال في سائر القضايا الكلية التي يجعلونها مبادئ البرهان ويسمونها ~~الواجب قبولها سواء كانت حسية ظاهرة أو باطنة وهي التي يحسها بنفسه # PageV01P107 # أو كانت من المجربات أو المتواترات أو الحدسيات عند من يجعل منها ما هو ~~من اليقينيات الواجب قبولها. # مثل العلم بكون ضوء القمر مستفادا من الشمس إذا رأى اختلاف أشكاله عند ~~اختلاف محاذياته للشمس كما يختلف إذا فارقها بعد الاجتماع كما في ليلة ~~الهلال ms080 وإذا كان ليلة الاستقبال عند الإبدار. # وهم متنازعون هل الحدس قد يفيد اليقين أم لا. # ومثل العقليات المحضة كقولنا الواحد نصف الاثنين والكل أعظم من الجزء ~~والأشياء المساوية لشئ واحد متساية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا ~~يرتفعان ولا يجتمعان. # فما من قضية من هذه القضايا الكلية التي تجعل مقدمة في البرهان إلا ~~والعلم ب النتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان بل هو الواقع كثيرا. # فإذا علم أن كل واحد فهو نصف كل اثنين وأن كل اثنين نصفهما واحد فانه ~~يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين وهلم جرا في سائر القضايا المعينة من ~~غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية. # وكذلك كل كل وجزء يمكن العلم بأن هذا الكل أعظم من جزئه بدون توسط القضية ~~الكلية. # وكذلك هذان النقيضان من تصورهما نقيضين فانه يعلم أنهما لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان فكل أحد يعلم أن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ولا يخلو من ~~الوجود والعدم كما يعلم المعين الآخر ولا يحتاج ذلك إلى أن يستدل عليه بأن ~~كل شيء لا يكون موجودا معدوما معا. # وكذلك الضدان فان الإنسان يعلم أن هذا الشيء لا يكون اسود أبيض ولا يكون ~~متحركا ساكنا كما يعلم أن الآخر كذلك ولا يحتاج في العلم بذلك # PageV01P108 # إلى قضية كلية بان كل شيء لا يكون اسود أبيض ولا يكون متحركا ساكنا وكذلك ~~في سائر ما يعلم تضادهما فان علم تضاد المعينين علم أنهما لا يجتمعان وإن ~~لم يعلم تضادهما لم يغنه العلم بالقضية الكلية وهي علمه بأن كل ضدين لا ~~يجتمعان فان العلم بالقضية الكلية يفيد العلم ب المقدمة الكبرى المشتملة ~~على الحد الأكبر وذلك لا يغنى بدون العلم ب المقدمة الصغرى المشتملة على ~~الحد الأصغر والعلم بالنتيجة وهو أن هذين المعينين ضدان فلا يجتمعان يمكن ~~بدون العلم بالمقدمة الكبرى وهو أن كل ضدين لا يجتمعان فلم يفتقر العلم ~~بذلك إلى القياس الذي خصوه باسم البرهان. # وإن كان البرهان في كلام الله ورسوله وكلام سائر أصناف العلماء لا يختص ms081 ~~بما يسمونه هم البرهان وإنما خصوا هم لفظ البرهان بما اشتمل على القياس ~~الذي خصوا صورته ومادته بما ذكروه. # مثال ذلك أنه إذا أريد إبطال قول من يثبت الأحوال ويقول أنها لا موجودة ~~ولا معدومة فقيل هذان نقيضان وكل نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان فان هذا ~~جعل للواحد لا موجودا ولا معدوما ولا يمكن جعل شيء من الأشياء لا موجودا ~~ولا معدوما في حال واحدة فلا يمكن جعل الحال لا موجودة ولا معدومة كان ~~العلم بأن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ممكنا بدون هذه القضية الكلية ~~فلا يفتقر العلم ب النتيجة إلى البرهان. # وكذلك إذا قيل أن هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح لوجوده على عدمه ~~على اصح القولين أو لأحد طرفيه على قول طائفة من الناس أو قيل هذا محدث وكل ~~محدث فلا بد له من محدث فتلك القضية الكلية وهى قولنا كل محدث لا بد له من ~~محدث وكل ممكن لا بد له مرجح يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس ~~البرهاني عندهم بدون العلم بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا ~~بها فيعلم أن هذا المحدث لا بد له من محدث وهذا # PageV01P109 # الممكن لا بد له من مرجح. # فان شك عقله وجوز أن يحدث هو بلا محدث احدثه أو أن يكون وهو ممكن يقبل ~~الوجود والعدم بدون مرجح يرجح وجوده جوز ذلك في غيره من المحدثات والممكنات ~~بطريق الأولى وإن جزم بذلك في نفسه لم يحتج علمه ب النتيجة المعينة وهو ~~قولنا وهذا محدث فله محدث أو هذا ممكن فله مرجح إلى العلم بالقضية الكلية ~~فلا يحتاج إلى القياس البرهاني. # ومما يوضح هذا أنك لا تجد أحدا من بني آدم يريد أن يعلم مطلوبا بالنظر ~~ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته إلا ويمكنه العلم به بدون ذلك القياس ~~البرهاني المنطقي. # فساد قولهم بأنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين: # ولهذا لا تجد أحدا من سائر أصناف العقلاء غير هؤلاء ينظم دليله من ms082 ~~المقدمتين كما ينظمه هؤلاء بل يذكرون الدليل المستلزم للمدلول. # ثم الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون مقدمتين وقد يكون مقدمات بحسب ~~حاجة الناظر المستدل إذ حاجة الناس تختلف. # وقد بسطنا ذلك في الكلام على المحصل وبينا تخطئة جمهور العقلاء لمن قال ~~أنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين لا يستغنى عنهما ولا يحتاج إلى أكثر ~~منهما كما يقوله من يقوله من المنطقيين. # وهذا ينبغي أن تأخذه من المواد العقلية التي لا يستدل عليها بنصوص ~~الأنبياء فانه يظهر بها فساد منطقهم. # الكلام على تمثيلهم كل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام. # وأما إذا أخذته من المواد المعلومة بأقوال الأنبياء فانه يظهر الاحتياج ~~إلى القضية # PageV01P110 # الكلية كما إذا أردنا بيان تحريم النبيذ المتنازع فيه فقلنا النبيذ مسكر ~~وكل مسكر حرام أو قلنا أنه خمر وكل خمر حرام. # فقولنا النبيذ المسكر خمر يعلم بالنص وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~كل مسكر خمر وقولنا كل خمر حرام يعلم بالنص والإجماع وليس في ذلك نزاع ~~وإنما النزاع في المقدمة الصغرى وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال كل مسكر خمر وكل مسكر حرام. # وفي لفظ كل مسكر خمر وكل خمر حرام وقد يظن بعض الناس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكر هذا على النظم المنطقي لتبيين النتيجة ب المقدمتين كما يفعله ~~المنطقيون وهذا جهل عظيم ممن يظنه فان النبي صلى الله عليه وسلم أجل قدرا ~~من أن يستعمل مثل هذا الطريق في بيان العلم. # بل من هو أضعف عقلا وعلما من آحاد علماء أمته لا يرضى لنفسه أن يسلك ~~طريقة هؤلاء المنطقيين بل يعدونهم من الجهال الذين لا يحسنون الاستدلال ~~ويقولون هؤلاء قوم كانوا يحسنون الصناعات كالحساب والطب ونحو ذلك وأما ~~العلوم البرهانية الكلية اليقينية والعلوم الإلهية فلم يكونوا من رجالها. # وقد بين ذلك نظار المسلمين في كتبهم وبسطوا الكلام عليهم. # وذلك أن كون كل خمر حراما هو مما علمه المسلمون ms083 فلا يحتاجون إلى معرفة ~~ذلك ب القياس. # وإنما شك بعضهم في أنواع من الأشربة المسكرة كالنبيذ المصنوع من العسل ~~والحبوب وغير ذلك كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنه قيل: # PageV01P111 # يا رسول الله عندنا شراب يصنع من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من ~~الذرة يقال له المزر؟ قال: -وكان قد أوتى جوامع الكلم- فقال: "كل مسكر ~~حرام" فأجابهم صلى الله عليه وسلم بقضية كلية بين بها أن كل ما يسكر فهو ~~محرم وبين أيضا أن كل ما يسكر فهو خمر. # وهاتان قضيتان كليتان صادقتان متطابقتان العلم بأيهما كان يوجب العلم ~~بتحريم كل مسكر إذ ليس العلم بتحريم كل مسكر متوقفا على العلم بهما جميعا. # فان من علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر حرام " وهو من ~~المؤمنين به علم أن النبيذ المسكر حرام ولكن قد يحصل له الشك هل أراد القدر ~~المسكر أو أراد جنس المسكر وهذا شك في مدلول قوله فإذا علم مراده صلى الله ~~عليه وسلم علم المطلوب. # وكذلك إذا علم أن النبيذ خمر والعلم بهذا أو كد في التحريم فان من يحلل ~~النبيذ المتنازع فيه لا يسميه خمرا فإذا علم بالنص أن كل مسكر خمر كان هذا ~~وحده دليلا على تحريم كل مسكر عند أهل الإيمان الذين يعلمون أن الخمر محرم ~~وأما من لم يعلم تحريم الخمر لكونه لم يؤمن بالرسول فهذا لا يستدل بنصه. # وإن علم أن محمدا رسول الله لكن لم يعلم أنه حرم الخمر فهذا لا ينفعه ~~قوله كل مسكر خمر بل ينفعه قوله كل مسكر حرام وحينئذ يعلم بهذا تحريم الخمر ~~لأن الخرم والمسكر اسمان لمسمى واحد عند الشارع وهما متلازمان عنده في ~~العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين يحرمون كل مسكر. # وليس المقصود هنا الكلام في تقرير المسألة الشرعية بل التنبيه على ~~التمثيل فان # PageV01P112 # هذا المثال كثيرا ما يمثل به من صنف في المنطق من علماء المسلمين. # التمثيل بصور مجردة عن المواد المعينة: # والمنطقيون يمثلون بصور مجردة عن ms084 المواد لا تدل على شيء يعينه لئلا ~~يستفاد العل بالمثال من صورته المعينة كما يقولون: # كل أ: ب، وكل ب: ج، فكل أ: ج. # لكن المقصود هو العلم المطلوب من المواد المعينة فإذا جردت يظن الظان أن ~~هذا يحتاج إليه في المعينات وليس الأمر كذلك. # بل إذا طولبوا بالعلم بالمقدمتين الكليتين في جميع مطالبهم العقلية التي ~~لم تؤخذ عن المعصومين تجدهم يحتجون بما يمكن معه العلم ب المعينات المطلوبة ~~بدون العلم بالقضية الكلية فلا يكون العلم بها موقوفا على البرهان. # فالقضايا النبوية لا تحتاج إلى القياس العقلى الذي سموه برهانا وما ~~يستفاد بالعقل من العلوم أيضا لا يحتاج إلى قياسهم البرهاني فلا يحتاج إليه ~~لا في العقليات ولا في السمعيات. # فامتنع أن يقال لا يحصل علم إلا بالقياس البرهاني الذي ذكروه. # العلوم الحسية لا تكون إلا جزئية معينة: # ومما يوضح ذلك أن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية فنحن لم ندرك بالحس ~~إلا إحراق هذه النار وهذه النار لم ندرك أن كل نار محرقة فإذا جعلنا هذه ~~قضية كلية وقلنا كل نار محرقة لم يكن لنا طريق يعلم به صدق هذه القضية ~~الكلية علما يقينيا إلا والعلم بذلك ممكن في الأعيان المعينة بطريق الأولى. # وإن قيل ليس المراد العلم ب الأمور المعينة فان البرهان لا يفيد إلا ~~العلم بقضية كلية فالنتائج المعلومة ب البرهان لا تكون إلا كلية كما يقولون ~~هم ذلك # PageV01P113 # والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان. # قيل فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشئ موجود بل بأمور مقدرة في ~~الأذهان لا يعلم تحققها في الأعيان وإذا لم يكن في هذا علم بشئ موجود لم ~~يكن في البرهان علم بموجود فيكون قليل المنفعة جدا بل عديم المنفعة. # وهم لا يقولوك بذلك بل يستعملونه في العلم بالموجودات الخارجة الطبيعية ~~والإلهية. # ولكن حقيقة الأمر كما بيناه في غير هذا الموضع أن المطالب الطبيعية التي ~~ليست من الكليات اللازمة بل الأكثرية فلا تفيد مقصود البرهان. # وأما الإلهيات فكلياتهم ms085 فيها أفسد من كليات الطبيعية وغالب كلامهم فيها ~~ظنون كاذبة فضلا عن أن تكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان. # ولهذا حدثونا بإسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب كشف ~~أسرار المنطق والموجز وغيرهما أنه قال عند الموت: "أموت وما عرفت شيئا إلا ~~علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر" ثم قال: "الافتقار وصف سلبي فأنا أموت ~~وما عرفت شيئا" وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم. # فهذا أمر يعرفه كل من خبرهم ويعرف أنهم اجهل أهل الأرض بالطرق التي ينال ~~بها العلوم العقلية والسمعية إلا من علم منهم علما من غير الطريق المنطقية ~~فتكون علومه من تلك الجهة لا من جهتهم مع كثرة تعبهم في البرهان الذين ~~يزعمون أنهم يزنون به العلوم ومن عرف منهم بشئ من العلوم لم يكن ذلك بواسطة ~~ما حرروه في المنطق # PageV01P114 # القضايا الكلية تعلم بقياس التمثيل: # ومما يبين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر إلى برهانهم ~~أن يقال إذا كان لا بد في برهانهم من قضية كلية فالعلم بتلك القضية الكلية ~~لا بد له من سبب فان عرفوها ب اعتبار الغائب بالشاهد وان حكم الشيء حكم ~~مثله كما إذا عرفنا أن هذا النار محرقة علمنا أن النار الغائبة محرقة لأنها ~~مثلها وحكم الشيء حكم مثله فيقال. # هذا استدلال ب قياس التمثيل وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن فإذا ~~كانوا علموا القضية الكلية بقياس التمثيل رجعوا في اليقين إلى ما يقولون ~~أنه لا يفيد إلا الظن. # وإن قالوا بل عند الإحساس بالجزئيات يحصل في النفس علم الكلى من واهب ~~العقل أو تستعد النفس عند الإحساس بالجزئيات لأن يفيض عليها الكلى من واهب ~~العقل أو قالوا من العقل الفعال عندهم أو نحو ذلك قيل لهم. # الكلام فيها به يعلم أن ذلك الحكم الكلى الذي في النفس علم لا ظن ولا ~~جهل. # فان قالوا هذا يعلم بالبديهة والضرورة كان هذا قولا بأن هذه القضايا ~~الكلية معلومة بالبديهة والضرورة وأن النفس مضطرة إلى هذا ms086 العلم وهذا أن ~~كان حقا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضا في النفس ~~بالبديهة والضرورة كما هو الواقع. # فان جزم العقلاء ب الشخصيات من الحسيات أعظم من جزمهم ب الكليات وجزمهم ~~بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس والعلم ب الجزئيات # PageV01P115 # أسبق إلى الفطرة فجزم الفطرة بها أقوى ثم كلما قوى العقل اتسعت الكليات. # وحينئذ فلا يجوز أن يقال أن العلم ب الأشخاص موقوف على العلم ب الأنواع ~~والأجناس ولا أن العلم ب الأنواع موقوف على العلم ب الأجناس بل قد يعلم ~~الإنسان أنه حساس متحرك بالإرادة قبل أن يعلم أن كل إنسان كذلك ويعلم أن ~~الإنسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان كذلك فلم يبق علمه ب أنه أو ب أن ~~غيره من الحيوان حساس متحرك بالإرادة موقوفا على البرهان. # وإذا علم حكم سائر الناس وسائر الحيوان فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ~~ذلك الغائب مثل هذا الشاهد أو أنه يساويه في السبب الموجب لكونه حساسا ~~متحركا بالإرادة ونحو ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء ~~في إثبات الأحكام الشرعية. # استواء قياس التمثيل وقياس الشمول: # وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن وقياسهم هو الذي يفيد اليقين ~~وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال وأن قياس التمثيل ~~وقياس الشمول سواء وإنما يختلف اليقين والظن بحسب المواد فالمادة المعينة ~~أن كانت يقينية في أحدهما كانت يقينية في الآخر وإن كانت ظنية في أحدهما ~~كانت ظنية في الآخر. # وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة الأصغر والأوسط والأكبر ~~والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطا وجامعا ومشتركا ~~وصفا ومقتضيا ونحو ذلك من العبارات. # فإذا قال في مسألة النبيذ كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فلا بد له من إثبات ~~المقدمة الكبرى وحينئذ يتم البرهان. # وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر فيكون حراما قياسا على خمر العنب # PageV01P116 # بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار فان الإسكار هو مناط ms087 التحريم في الأصل ~~وهو موجود في الفرع. # فيما به يقرر أن كل مسكر حرام به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق ~~الأولى بل التقرير في قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم. # فيكون الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات لا يكفى في قياس التمثيل ~~إثباته في أحد الجزئين لثبوته في الجزء الآخر لاشتراكهما في أمر لم يقم ~~دليل على استلزامه للحكم كما يظنه هؤلاء الغالطون بل لا بد من أن يعلم أن ~~المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الأوسط وهو الذي ~~يسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم. # وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج إليه غالبا ~~في تقرير صحة القياس. # فان المعترض قد يمنع الوصف في الأصل وقد يمنع الحكم في الأصل وقد يمنع ~~الوصف في الفرع وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول لا اسلم أن ما ذكرته ~~من الوصف المشترك هو العلة أو دليل العلة فلا بد من دليل يدل على ذلك أما ~~من نص أو إجماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو الدوران عند من يستدل بذلك ~~فما دل على أن الوصف المشترك مستلزم الحكم أما علة وأما دليل العلة هو الذي ~~يدل على أن الحد الأوسط مستلزم الأكبر وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى ~~فان اثبت العلة كان برهان علة وإن اثبت دليلها كان برهان دلالة وإن لم يفد ~~العلم بل أفاد الظن فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية ~~وهذا أمر بين. # ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولى كما يستعمل ~~في العقليات القياس التمثيلى وحقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر # PageV01P117 # رد القول بأنه لا قياس في العقليات إنما هو في الشرعيات: # ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي ~~وأبي محمد المقدسي وغيرهم أن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في ~~الشرعيات ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقا ms088 فقولهم ~~مخالف لقول جمهور نظار المسلمين بل وسائر العقلاء. # فان القياس يستدل به في العقليات كما يستدل به في الشرعيات فانه إذا ثبت ~~أن الوصف المشترك مستلزم الحكم كان هذا دليلا في جميع العلوم وكذلك إذا ثبت ~~أنه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر كان هذا دليلا في جميع العلوم وحيث لا ~~يستدل بالقياس التمثيلي لا يستدل بالقياس الشمولي. # وأبو المعالي ومن قبله من نظار المتكلمين لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا ~~يرضونها بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك. # غير أن المنطقيين وجمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان ~~المشترك مستلزما للحكم كما يمثلون به من الجمع بالحد والعلة والشرط ~~والدليل. # ومنازعهم يقول لم يثبت الحكم في الغائب لأجل ثبوته في الشاهد بل نفس ~~القضية الكلية كافية في المقصود من غير احتياج إلى التمثيل. # فيقال لهم وهكذا في الشرعيات فانه متى قام الدليل على أن الحكم معلق ~~بالوصف الجامع لم يحتج إلى الأصل بل نفس الدليل الدال على أن الحكم معلق ~~بالوصف كاف لكن لما كان هذا كليا والكلى لا يوجد إلا معينا كان تعيين الأصل ~~مما يعلم به تحقق هذا الكلى وهذا أمر نافع في الشرعيات والعقليات فعلمت أن ~~القياس حيث قام الدليل على أن الجامع مناط الحكم أو على إلغاء الفارق بين ~~الأصل والفرع فهو قياس صحيح ودليل صحيح في أي شيء كان. # تنازع الناس في مسمى القياس: # وقد تنازع الناس في مسمى القياس # PageV01P118 # فقالت طائفة من أهل الأصول: هو حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس ~~الشمول كابي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي وغيرهما. # وقالت طائفة: بل هو بالعكس حقيقة في الشمول مجاز في التمثيل كابن حزم ~~وغيره. # وقال جمهور العلماء بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي يتناولهما جميعا ~~وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع العلوم العقلية ~~وهو الصواب وهو قول الجمهور من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم كالشيخ أبي ~~حامد والقاضي أبي الطيب وأمثالهما وكالقاضي أبي يعلى والقاضي ms089 يعقوب ~~والحلواني وأبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم فان حقيقة أحدهما هو ~~حقيقة الآخر وإنما تختلف صورة الاستدلال. # والقياس في اللغة تقدير الشيء بغيره وهذا تتناول تقدير الشيء المعين ~~بنظيره المعين وتقديره بالأمر الكلى المتناول له ولأمثاله فان الكلى هو ~~مثال في الذهن لجزئياته ولهذا كان مطابقا موافقا له. # حقيقة قياس الشمول: # وقياس الشمول هو انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلى ~~المتناول له ولغيره والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلى بأن ينتقل من ذلك ~~الكلى اللازم إلى الملزوم الأول وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام ثم ~~انتقال من ذلك العام إلى الخاص من جزئى إلى كلى ثم من ذلك الكلى إلى الجزئي ~~الأول فيحكم عليه بذلك الكلى. # ولهذا كان الدليل اخص من مدلوله الذي هو الحكم فانه يلزم من وجود الدليل ~~وجود الحكم واللازم لا يكون أخص من ملزومه # PageV01P119 # بل أعم منه أو مساويه وهو المعنى بكونه أعم. # والمدلول عليه الذي هو محل الحكم وهو المحكوم عليه المخبر عنه الموصوف ~~الموضوع أما أخص من الدليل وأما مساويه فيطلق عليه القول بأنه اخص منه لا ~~يكون أعم من الدليل إذ لو كان أعم منه لم يكن الدليل لازما له وإذا لم يكن ~~لازما له لم يعلم أن لازم الدليل وهو الحكم لازم له فلا يعلم ثبوت الحكم له ~~فلا يكون الدليل دليلا وإنما يكون إذا كان لازما ل المحكوم عليه الموصوف ~~المخبر عنه الذي يسمى الموضوع والمبتدأ مستلزما الحكم الذي هو صفة وخبر ~~وحكم وهو الذي يسمى المحمول والخبر. # هذا كالسكر الذي هو أعم من النبيذ المتنازع فيه وأخص من التحريم. # وقد يكون الدليل مساويا في العموم والخصوص للحكم ول محله. # وبأي صورة ذهنية أو لفظية صور الدليل فحقيقته واحدة وإن ما يعتبر في كونه ~~دليلا هو كونه مستلزما للحكم لازما للمحكوم عليه فهذا هو جهة دلالته سواء ~~صور قياس شمول وتمثيل أو لم يصور كذلك. # وهذا أمر يعقله القلب وإن لم يعبر عنه اللسان ms090 ولهذا كانت أذهان بني آدم ~~تستدل ب الأدلة على المدلولات وإن لم يعبروا عن ذلك بالعبارات المبينة لما ~~في نفوسهم وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم وإن لم يسلكوا اصطلاح طائفة ~~معينة من أهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم فالعلم بذلك الملزوم لا بد أن ~~يكون بينا بنفسه أو بدليل آخر. # حقيقة قياس التمثيل والموازنة بينه وبين قياس الشمول: # وأما قياس التمثيل فهو انتقال المذهن من حكم معين إلى حكم معين ~~لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلى لأن ذلك الحكم يلزم ذلك المشترك ~~الكلى ثم العلم بذلك الملزوم لا بد له من سبب إذا لم يكن بينا كما تقدم # PageV01P120 # فهنا يتصور المعينين أولا وهما الأصل والفرع ثم ينتقل إلى لازمهما وهو ~~المشترك ثم إلى لازم اللازم وهو الحكم. # ولا بد أن يعرف أن الحكم لازم المشترك وهو الذي يسمى هناك قضية كبرى ثم ~~ينتقل إلى إثبات هذا اللازم للملزوم الأول المعين. # فهذا هو هذا في الحقيقة وإنما يختلفان في تصوير الدليل ونظمه وإلا ~~فالحقيقة التي بها صار دليلا وهو أنه مستلزم للمدلول حقيقة واحدة. # ومن ظلم هؤلاء وجهلهم أنهم يضربون المثل في قياس التمثيل بقول القائل ~~السماء مؤلفة فتكون محدثة قياسا على الإنسان ثم يوردون على هذا القياس ما ~~يختص به لخصوص المادة وهذا يرد عليه لو جعل قياس الشمول فانه لو قيل السماء ~~مؤلفة وكل مؤلف محدث لورد عليه هذه الاسئلة وزيادة. # ولكن إذا اخذ قياس الشمول في مادة معلومة بينة لم يكن فرق بينه وبين قياس ~~التمثيل بل قد يكون التمثيل أبين ولهذا كان العقلاء يقيسون به. # وكذلك قولهم في الحد أنه لا يحصل بالمثال إنما ذلك في المثال الذي لا ~~يحصل به التمييز بين المحدود وغيره بحيث يعرف به ما يلازم المحدود طردا ~~وعكسا بحيث يوجد حيث وجد وينتفى حيث انتفى فان الحد المميز للمحدود هو ما ~~به يعرف الملازم المطابق طردا وعكسا فكل ما حصل هذا فقد ميز المحدود من ~~غيره وهذا هو الحد عند جماهير النظار ms091 ولا يسوغون إدخال الجنس العام في ~~الحد. # فإذا كان المقصود الحد بحسب الاسم فسأل بعض العجم عن مسمى الخبز فأرى ~~رغيفا وقيل له هذا فقد يفهم أن هذا اللفظ يوجد فيه كل ما هو خبز سواء كان ~~على صورة الرغيف أو غير صورته وقد بسط الكلام على ما # PageV01P121 # ذكروه وذكره المنطقيون في الكلام على المحصل وغير ذلك. # وجد هذا في الأمثلة المجردة إذا كان المقصود إثبات الجيم للألف والحد ~~الأوسط هو الباء فقيل: # كل ألف باء وكل باء جيم أنتج كل ألف جيم. # ولكن يحتاج ذلك إلى إثبات القضية الكبرى مع الصغرى وإذا قيل. # كل ألف جيم قياسا عل الدال. # لأن الدال هي جيم. # وإنما كانت جيما لأنها باء. # والألف أيضا باء. # فتكون الألف جيما لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء. # كان هذا صحيحا في معنى الأول لكن فيه زيادة مثال قيست عليه الألف مع أن ~~الحد الأوسط وهو الباء موجود فيهما. # دعواهم في البرهان أنه يفيد العلوم الكمالية: # فان قيل ما ذكرتموه من كون البرهان لا بد فيه من قضية كلية صحيح ولهذا لا ~~يثبتون به إلا مطلوبا كليا ويقولون البرهان لا يفيد إلا الكليات. # ثم اشرف الكليات هي العقليات المحضة التي لا تقبل التغيير والتبديل فهي ~~التي تكمل بها النفس وتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بخلاف ~~القضايا التي تتبدل وتتغير. # وإذا كان المطلوب هو الكليات العقلية التي لا تقبل التبديل والتغيير فتلك ~~إنما تحصل ب القضايا العقلية الواجب قبولها بل إنما تكون في القضايا التي ~~جهتها الوجوب كما يقال كل إنسان حيوان وكل موجود فاما واجب وأما ممكن # PageV01P122 # ونحو ذلك من القضايا الكلية التي لا تقبل التغير. # أقسام العلوم عندهم ثلاثة: # ولهذا كانت العلوم عندهم ثلاثة: # - أما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو الطبيعي ~~وموضوعه الجسم. # - وأما علم مجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج وهو الرياضي كالكلام في ~~المقدورات المعدودة والمقدار والعدد. # - وأما ما يتجرد عن المادة فيهما وهو ms092 الإلهى وموضوعه الوجود المطلق ~~بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض. # الجواهر الخمسة: # وانقسام الجوهر إلى ما هو حال، وما هو محل، وما ليس بحال ولا محل، بل هو ~~يتعلق بذلك تعلق التدبير، والى ما ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك. # فالأول: هو الصورة. # والثاني: هو المادة وهو الهيولي ومعناه في لغتهم المحل. # والمركب منهما هو الجسم. # والثالث: هو النفس. # والرابع: هو العقل. # وهذه الخمسة أقسام الجوهر عندهم. # والأول مقالي يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر ولكن طائفة من متأخريهم كابن ~~سينا امتنعوا من تسميته جوهرا وقالوا الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في ~~موضوع أي لا في محل يستغنى عن الحال فيه وهذا إنما يكون فيما وجوده غير ~~ماهيته والأول ليس كذلك فلا يكون جوهرا وهذا خالفو مما # PageV01P123 # فيه سلفهم ونازعوهم فيه نزاعا لفظيا ولم يأتوا بفرق صحيح معقول فان تخصيص ~~أسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي. # وأولئك يقولون بل هو كل ما ليس في موضوع كما يقول المتكلمون كل ما هو ~~قائم بنفسه أو كل ما هو متحيز أو كل ما قامت به الصفات أو كل ما حمل ~~الاعراض ونحو ذلك. # وأما الفرق المعنوي فدعواهم أن وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج ~~باطل ودعواهم أن الأول وجود مقيدة بالسلوب أيضا باطل كما هو مبسوط في ~~موضعه. # علم المقولات العشر: # مع أن تقسيم الوجود إلى واجب وممكن هو تقسيم ابن سينا وأتباعه وأما أرسطو ~~والمتقدمون فلا يقسمونه إلا إلى جوهر وعرض والممكن عندهم لا يكون إلا حادثا ~~كما اتفق على ذلك سائر العقلاء وهذا العلم هو علم المقولات العشر وهو ~~المسمى عندهم قاطيغورياس. # الأدلة على بطلان دعواهم في البرهان: # والمقصود هنا الكلام على البرهان فيقال:. # هذا الكلام وإن ضل به طوائف فهو كلام مزخرف وفيه من الباطل ما يطول وصفه ~~ولكن ننبه هنا على بعض ما فيه وذلك من وجوه: # الوجه الأول: البرهان لا يفيد العلم بشئ من الموجودات. # الأول: ms093 أن يقال إذا كان البرهان لا يفيد إلا العلم بالكليات والكليات ~~إنما تتحقق في الأذهان لا في الأعيان وليس في الخارج إلا موجود معين لم ~~يعلم # PageV01P124 # بالبرهان شيء من المعينات فلا يعلم به موجود أصلا بل إنما يعلم به أمور ~~مقدرة في الأذهان. # ومعلوم أن النفس لو قدر أن كمالها في العلم فقط وإن كانت هذه قضية كاذبة ~~كما بسط في موضعه فليس هذا علما تكمل به النفس إذ لم تعلم شيئا من ~~الموجودات ولا صارت عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بل صارت عالما ~~لأمور كلية مقدرة لا يعلم بها شيء من العالم الموجود وأي خير في هذا فضلا ~~عن أن يكون كمالا. # الوجه الثاني: لا يعلم بالبرهان واجب الوجود ولا العقول الخ. # الثاني: أن يقال اشرف الموجودات هو واجب الوجود ووجوده معين لا كلى فان ~~الكلى لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع تصوره من وقوع ~~الشركة فيه وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه بل إنما علم ~~أمر كلى مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب الوجود. # وكذلك الجواهر العقلية عندهم وهي العقول العشرة أو أكثر من ذلك عند من ~~يجعلها أكثر من ذلك عندهم كالسهروردى المقتول وأبى البركات وغيرهما كلها ~~جواهر معينة لا أمور كلية فإذا لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيء منها # PageV01P125 # وكذلك الأفلاك التي يقولون أنها أزلية أبدية وهي معينة فإذا لم يعلم إلا ~~الكليات لم تكن معلومة. # فلا يعلم لا واجب الوجود ولا العقول ولا شيء من النفوس ولا الأفلاك بل ~~ولا العناصر ولا المولدات وهذه جملة الموجودات عندهم فأي علم هنا تكمل به ~~النفس! # الوجه الثالث: ليس العلم الإلهي عندهم علما بالخالق ولا بالمخلوق. # الثالث: أن يقال العلم الأعلى عندهم الذي هو الفلسفة الأولى والحكمة ~~العليا علم ما بعد الطبيعة باعتبار الاستدلال وما هو قبلها باعتبار الوجود ~~وهو الذي يسميه طائفة منهم العلم الإلهي. # وموضوع هذا العلم هو الوجود المطلق الكلى المنقسم إلى ms094 واجب وممكن وقديم ~~ومحدث وجوهر وعرض. # إيراد لابن المطهر الحلى وتخطئة المصنف له عليه: # وقد أورد بعض المتأخرين من الشيعة المصنفين في علمهم ما ذكره أنه الأسرار ~~الخفية في العلوم العقلية عليهم سؤالا قال: إن كان موضوعه كل موجود فلا ~~يبحث فيه عن عوارض كل موجود وإن كان أخص من ذلك كالواجب والممكن فذلك جزء ~~منه. # التقسيم نوعان: تقسيم الكل إلى أجزائه وتقسيم الكلى إلى جزئياته # PageV01P126 # فيقال له القسمة نوعان: قسمة الكلى إلى جزئياته وقسمة الكل إلى أجزائه ~~والقسمة الثانية هي المعروفة في الأمر العام كما يقول العلماء باب القسمة ~~ويذكرون قسمة المواريث والمغانم والأرض وغير ذلك ومنه قوله تعالى: {ونبئهم ~~أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر} ومنه قوله تعالى: {لها سبعة أبواب لكل ~~باب منهم جزء مقسوم} . # أما تقسيم الكلى إلى جزئياته فمثل قولنا الحيوان ينقسم إلى ناطق وأعجمي ~~وهو قسمة الجنس إلى أنواعه والنوع إلى أشخاصه. # ولهذا كان النحاة إذا أرادوا أن يقسموا ما يقسمونه إلى اسم وفعل وحرف ~~يختلف كلامهم فكثير منهم يقول الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف وهذا هو الذي ~~يذكره قدماء النحاة. # فاعترض عليهم بعض من صنف في قوانين النحو كالكرولي وقالوا كل جنس قسم إلى ~~أنواعه أو أنواع أشخاصه فالاسم المقسوم الأعلى صادق على الأنواع والأشخاص ~~وإلا فليست بأقسام له فصاروا يقولون الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف ~~ويقولون الكلمة جنس تحته أنواع الاسم والفعل والحرف. # وهذا الاعتراض خطأ ممن أورده لأن أولئك لم يقصدوا تقسيم الكلى إلى ~~جزئياته وإنما قصدوا تقسيم الكل إلى أجزائه وهو التقسيم المعروف أولا في ~~العقول واللغات كما إذا قلت هذه الأرض مقسومة فلفلان هذا الجانب ولفلان هذا ~~الجانب كما قال تعالى: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر} والكلام ~~مركب من الأسماء والأفعال # PageV01P127 # والحروف كما يتركب البيت من السقف والحيطان والأرض وكما أن بدن الإنسان ~~مركب من أعضائه المتميزة وأخلاطه الممتزجة فتقسيمه إلى الأعضاء والأخلاط ~~تقسيم كل إلى أجزائه ومثل هذا يمتنع أن يصدق فيه ms095 اسم المقسوم على الأجزاء ~~فليس كل واحد من أعضائه بدنا ولا كل من أخلاطه بدنا ولا كل من أجزاء السقف ~~بيتا وكذلك الوجه إذا قيل ينقسم إلى جبين وأنف وعين وخد وغير ذلك لم يكن كل ~~واحد من هذه الأعضاء وجها ونظائر هذا كثيرة. # وأما الكلى فإنما يوجد في الذهن لا في الخارج فتبين أن تقسيم الأولين ~~أظهر من تقسيم الآخرين. # معنى الكلمة والحرف في كلام العرب: # ثم أن الآخرين جعلوا أن الكلمة اسم جنس لهذه الأنواع ولفظ الكلمة لا يوجد ~~في لغة العرب إلا اسما لجملة تامة اسمية أو فعلية كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " وقوله: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة ~~لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... ... ... ... # وقوله في النساء: "أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله " ~~ومنه قوله تعالى: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا} ~~وقوله تعالى: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم # PageV01P128 # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} . # ومثل هذا كثير في كلام العرب. # وبعض متأخرى النحاة لما سمع بعض هذا قال وقد يراد ب الكلام الكلمة. # وليس الأمر كما زعمه بل لا يوجد في كلام العرب لفظ الكلمة إلا للجملة ~~التامة التي هي كلام ولا تطلق العرب لفظ كلمة ولا كلام إلا على جملة تامة ~~ولهذا ذكر سيبويه أنهم يحكون بالقول ما كان كلاما ولا يحكون به ما كان ~~قولا. # وأما تسمية الاسم وحده كلمة والفعل وحده كلمة والحرف وحده كلمة مثل هل ~~وبل فهذا اصطلاح محض لبعض النحاة ليس هذا من لغة العرب أصلا وإنما تسمى ~~العرب هذه المفردات حروفا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ ~~القران فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام ~~حرف وميم حرف" والذي عليه محققوا العلماء أن ms096 المراد بالحرف الاسم وحده ~~والفعل حرف المعنى لقوله: ألف حرف" وهذا اسم. # ولهذا لما سأل الخليل أصحابه عن النطق بالزاء من زيد فقالوا: (زا) فقال ~~نطقتم بالاسم وإنما الحرف زه ومنه قول أبي الأسود # PageV01P129 # الدؤلي وذكر له لفظه من الغريب وقال: "هذا حرف لم يبلغك" فقال: "كل حرف ~~لم يبلغ عمك فافعل به كذا. # ولهذا ذكر سيبويه في أول كتابه التقسيم إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس ~~باسم ولا فعل فجعل الفصل من النوع الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا ~~فعل فميزه بقوله جاء لمعنى عن حروف الهجاء مثل (الف) (با) (تا) فان هذه ~~حروف هجاء. # وهذه الألفاظ أسماء تعرب إذا عقدت وركبت ولكن إذا نطق بها قبل التركيب ~~نطق بها ساكنة كما ينطق بأسماء العدد قبل التركيب والعقد فيقال واحد اثنان ~~ثلاثة ولهذا يعلم الصبيان في أول الأمر اسما الحروف المفردة (اب ت ث) ثم ~~المركبة وهو (ابجد هوز حطي) ويعلمون أسماء الأعداد واحد اثنان ثلاث. # عود إلى أصل الموضوع. # والمقصود هنا أن التقسيم نوعان تقسيم الكل إلى أجزائه وهو أشهرهما ~~وأعرفهما في العقول واللغات والثاني تقسيم الكلي إلى جزئياته وهو التقسيم ~~الثاني لأن الكليات هي المعقولات الثانية. # فإذا قال القائل الوجود الذي هو موضوع العلم الإلهي عندهم أما أن يكون كل ~~موجود أو بعضه وهو الواجب أو الممكن كان هذا الحصر خطأ منه لأن موضوعه ~~الوجود الكلي المنقسم إلى أنواعه لا الكل المنقسم إلى أجزائه ومعلوم أن ~~الوجود الكلي يتكلمون في لواحقه الذاتيه لا في لواحق كل موجود. # العلم الأعلى عند المنطقيين ليس علما بموجود في الخارج: # لكن الذي تبين به خساسة ما عند القوم ونقص قدره أن هذا الوجود الكلي # PageV01P130 # إنما يكون كليا في الذهن لا في الخارج فإذا كان هذا هو العلم الأعلى ~~عندهم لم يكن الأعلى عندهم علما بشيء موجود في الخارج بل علما بأمر مشترك ~~بين جميع الموجودات وهو مسمى الوجود وذلك كمسمى الشيء والذات والحقيقة ~~والنفس والعين والماهية ونحو ذلك ms097 من المعاني العامة ومعلوم أن العلم بهذا ~~ليس هو علما بموجود في الخارج لا بالخالق ولا بالمخلوق وإنما هو علم بأمر ~~مشترك كلي يشترك فيه الموجودات لا يوجد إلا في الذهن ومن المتصورات ما ~~يشترك فيه الموجود والمعدوم كقولنا مذكور ومعلوم ومخبر عنه فهذا اعم من ~~ذاك. # وهذا بخلاف العلم الأعلى عند المسلمين فانه العلم بالله الذي هو في نفسه ~~أعلى من غيره من كل وجه والعلم به أعلى العلوم من كل وجه والعلم به اصل لكل ~~علم وهم يسلمون أن العلم به إذا حصل على الوجه التام يستلزم العلم بكل ~~موجود. # وهذا بخلاف العلم بمسمى الوجود فان هذا لا حقيقة له في الخارج ولا العلم ~~بالقدر المشترك يستلزم العلم بأجناسه وأنواعه وما يتميز به كل شيء بل ليس ~~فيه إلا علم بقدر مشترك لا تصور له في الخارج وإنما هو علم بهذه المشتركات. # وليس في مجرد العلم بذلك ما يوجب كمال النفس بل ولا في العلم بأقسامه ~~العامة فانا إذا علمنا أن الوجود ينقسم إلى جوهر وعرض وأن أقسام الجوهر ~~خمسة كما زعموه مع أن ذلك ليس بصحيح ولا يثبت مما ذكروه إلا الجسم وأما ~~المادة والصورة والنفس والعقل فلا يثبت لها حقيقة في الخارج إلا أن يكون ~~جسما اوعرضا ولكن ما يثبتونه يعود إلى أمر مقدر في النفس لا في الخارج كما ~~قد بسط في موضعه. # وقد اعترف بذلك من ينصرهم ويعظمهم كأبي محمد بن حزم وغيره ولتعظيمه # PageV01P131 # المنطق رواه بإسناده إلى متى الترجمان الذي ترجمه إلى العربية ومع هذا ~~فاعترف بما ذكرناه وقد بسط ذلك في موضعه. # ونحن نفرض هنا وجود ذلك في الخارج فالعلم بانقسام ذلك إلى جواهر خمسة ~~وانقسام العرض إلى الأنواع التسعة مع أنه لم يقم دليل على انقسامه إلى تسعة ~~عند بعضهم وقد انشدوا فيها: # زيد الطويل الأسود ابن مالك ... في داره بالأمس كان يتكى # في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوى # فذكر في هذين البيتين الجوهر والكم والكيف والإضافة والأين ms098 ومتى والوضع ~~والملك وأن يفعل وأن ينفعل. # ولما لم يقم دليل على حصر أجناسها العالية في تسعة جعلها بعضهم خمسة ~~وبعضهم ثلاثة الكم والكيف والإضافة. # والمقصود هنا أنه إذا علم هذا التقسيم وعندهم كلما كان أعم كان أقرب إلى ~~المعقول وكان البرهان عليه أقوم فانه لا يقوم برهان واجب القبول دائما إلا ~~على ما لا يتغير وهذه الأعراض عندهم لا يقوم ب واجب الوجود بل ولا ب العقول ~~إلا بعضها على نزاع بينهم فيعود الكمال إلى تصور وجود مطلق لا حقيقة له في ~~الخارج كتصور ذات مطلقة وشئ مطلق وحقيقة مطلقة. # وأي كمال للنفس في مجرد تصور هذه الأمور العامة الكلية إذا لم تتصور ~~أعيان الموجودات المعينة الجزئية وأي علم في هذا برب العالمين الذي لا تكمل ~~النفوس إلا # PageV01P132 # بمعرفته وعبادته محبة وذلا كما قد بسط في موضعه. # ولهذا كانت نهاية الفلاسفة إذا هداهم الله بعض الهداية بداية اليهود ~~والنصارى الكفار فضلا عن المسلمين أمة محمد صلى الله عليه وسلم فان ما عند ~~اليهود والنصارى الكفار بعد النسخ والتبديل مما هو من نوع كمال النفس أفضل ~~في الجنس والكم والكيف مما عند الفلاسفة. # الوجه الرابع: العلم الرياضي لا تكمل به النفوس وإن ارتضت به العقول: # إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والى الرياضي والى الإلهي وجعلهم الرياضي ~~اشرف من الطبيعي والإلهي اشرف من الرياضي هو مما قلبوا به الحقائق. # فان العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ حركاتها ~~وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع اشرف من مجرد تصور مقادير ~~مجردة وأعداد مجردة فان كون الإنسان لا يتصور إلا شكلا مدورا أو مثلثا أو ~~مربعا ولو تصور كل ما في أقليدس أو لا يتصور إلا أعدادا مجردة ليس فيه علم ~~بموجود في الخارج وليس ذلك كمالا في النفس ولولا أن ذلك يطلب فيه معرفة ~~المعدودات والمقدرات الخارجية التي هي أجسام وأعراض لما جعل علما. # وإنما جعلوا الهندسة مبدأ لعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة أو ~~ينتفعوا ms099 به في عمارة الدنيا هذا مع أن براهينهم القياسية لا تدل على شيء ~~دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية. # فان علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل والهندسة التي هي علم بالكم ~~المنفصل علم يقيني لا يحتمل النقيض البتة مثل جمع الأعداد وقسمتها # PageV01P133 # وضربها ونسبة بعضها إلى بعض. # فانك إذا جمعت مائة إلى مائة علمت أنها مائتان وإذا قسمتها على عشرة كان ~~لكل واحد عشرة وإذا ضربتها في عشرة كان المرتفع مائة. # والضرب مقابل للقسمة فان ضرب الأعداد الصحيحة تضعيف آحاد احد العددين ~~بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع احد العددين على آحاد العدد الآخر فإذا ~~قسم المرتفع بالضرب على احد العددين خرج المضروب الآخر وإذا ضرب الخارج ~~بالقسمة في المقسوم عليه خرج المقسوم فالمقسوم نظير المرتفع بالضرب فكل ~~واحد من المضروبين نظير المقسوم والمقسوم عليه والنسبة تجمع هذا كله فنسبة ~~احد المضروبين إلى المرتفع كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر ونسبة المرتفع ~~إلى احد المضروبين كنسبة الآخر إلى الواحد. # فهذه الأمور وأمثالها مما يتكلم فيه الحساب أمر معقول مما يشترك فيه ذوو ~~العقول وما من احد من الناس إلا يعرف منه شيئا فانه ضروري في العلم ضروري ~~في العمل ولهذا يمثلون به في قولهم الواحد نصف الاثنين ولا ريب أن قضاياه ~~كلية واجبة القبول لا تنتقض البتة. # استطراد. # وهذا مبتدأ فلسفتهم التي وضعها فيثاغورس وكانوا يسمون أصحابه أصحاب العدد ~~وكانوا يظنون أن الأعداد المجردة موجودة خارج الذهن. # ثم تبين لأفلاطون وأصحابه غلط ذلك وظنوا أن الماهيات المجردة ك الإنسان ~~المطلق والفرس المطلق موجودات خارج الذهن وأنها أزلية أبدية. # ثم تبين لأرسطو وأصحابه غلط ذلك فقالوا بل هذه الماهيات المطلقة موجودة ~~في الخارج مقارنة لوجود الأشخاص ومشى من مشى من اتباع أرسطو من المتأخرين # PageV01P134 # على هذا وهو أيضا غلط فان ما في الخارج ليس بكلى أصلا وليس في الخارج إلا ~~ما هو معين مخصوص. # وإذا قيل الكلي الطبيعي في الخارج فمعناه أن ما هو كلي في الذهن ms100 هو مطابق ~~للأفراد الموجودة في الخارج مطابقة العام لأفراده والموجود في الخارج معينا ~~مختص ليس بكلي أصلا ولكن فيه حصة من الكلي. # وما في الذهن يطلق عليه أنه قد يوجد الخارج كما يقال فعلت ما في نفسي وفي ~~نفسي أمور أريد فعلها ومنه قوله تعالى: {إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} وقول ~~عمر كنت زورت في نفسي مقالة أحببت أن أقولها ونظائره كثيرة. # والكلي إذا وجد في الخارج لا يكون إلا معينا لا يكون كليا فكونه كليا ~~مشروط بكونه في الذهن. # ومن اثبت ماهية لا في الذهن ولا في الخارج فتصور قوله تصورا تاما يكفي في ~~العلم بفساد قوله وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. # عود إلى اصل الموضوع. # والمقصود هنا أن هذا العلم هو الذي تقوم عليه براهين صادقة لكن لا تكمل ~~بذلك نفس ولا تنجو به من عذاب ولا يحصل لها به سعادة. # ولهذا قال أبو حامد الغزالي وغيره في علوم هؤلاء: # PageV01P135 # "هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون ~~كاذبة لا ثقة بها و {إن بعض الظن إثم} " يشيرون بالأول إلى العلوم الرياضية ~~وبالثاني إلى ما يقولونه في الإلهيات وفي أحكام النجوم ونحو ذلك. # الأسباب المغرية بالاشتغال بالعلم الرياضي وما أشبهه: # لكن قد تلتذ النفس بذلك كما تلتذ بغير ذلك فان الإنسان يلتذ بعلم ما لم ~~يكن علمه وسماع ما لم يكن سمعه إذا لم يكن مشغولا عن ذلك بما هو أهم عنده ~~منه كما قد يلتذ بأنواع من الأفعال التي هي من جنس اللهو واللعب. # وأيضا ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح والقضايا ~~الصادقة والقياس المستقيم فيكون في ذلك تصحيح الذهن والإدراك وتعويد النفس ~~أنها تعلم الحق وتقوله لتستعين بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك. # ولهذا يقال أنه كان أوائل الفلاسفة أول ما يعلمون أولادهم العلم الرياضي ~~وكثير من شيوخهم في آخر أمره إنما يشتغل بذلك لأنه لما نظر في طرقهم وطرق ~~من عارضهم ms101 من أهل الكلام الباطل لم يجد في ذلك ما هو حق اخذ يشغل نفسه ~~بالعلم الرياضي كما كان يجري مثل ذلك لمن هو من أئمة الفلاسفة كابن واصل ~~وغيره. # وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب ~~والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك لأن فيه تفريحا للنفس وهو علم صحيح لا ~~يدخل فيه غلط. # PageV01P136 # وقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إذا لهوتم فالهوا ~~بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض" فان حساب الفرائض علم معقول مبني على ~~اصل مشروع فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ الشرع ولكن ليس هو علما يطلب لذاته ~~ولا تكمل به النفس. # وأولئك المشركون كانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ويدعونها ~~بأنواع الدعوات كما هو معروف من أخبارهم وما صنف على طريقهم من الكتب ~~الموضوعه في الشرك والسحر ودعوة الكواكب والعزائم والأقسام التي بها يعظم ~~إبليس وجنوده وكان الشيطان بسبب السحر والشرك يغويهم بأشياء هي التي دعتهم ~~إلى ذلك الشرك والسحر فكانوا يرصدون الكواكب ليتعلموا مقاديرها ومقادير ~~حركاتها وما بين بعضها وبعض من الاتصالات ليستعينوا بذلك على ما يرونه ~~مناسبا لها. # ولما كانت الأفلاك مستديرة ولم يكن معرفة حسابها إلا بمعرفة الهندسة ~~وأحكام الخطوط المنحنية والمستقيمة تكلموا في الهندسة لذلك ولعمارة الدنيا. # فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك وإلا فلو لم يتعلق بذلك غرض إلا مجرد تصور ~~الأعداد والمقادير لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعي المذكور. # وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين يتلذذون بذلك فان لذات النفوس ~~أنواع ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد والقمار حتى يشغله ذلك عما هو انفع له ~~منه. # فكان مبدأ وضع المنطق من الهندسة فجعلوه أشكالا كالأشكال الهندسية وسموه ~~حدودا كحدود تلك الأشكال لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى الشكل المعقول وهذا ~~لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة # PageV01P137 # والله تعالى قد يسر للمسلمين من العلم والبيان مع العمل الصالح والإيمان ~~ما برزوا به على كل نوع من أنواع جنس الإنسان والحمد لله رب العالمين. # العلم ms102 الإلهي عندهم ليس له معلوم في الخارج: # وأما العلم الإلهي الذي هو عندهم مجرد عن المادة في الذهن والخارج فقد ~~تبين لك أنه ليس له معلوم في الخارج وإنما هو علم بأمور كلية مطلقة لا توجد ~~كلية إلا في الذهن وليس في هذا من كمال النفس شيء. # وان عرفوا واجب الوجود بخصوصه فهو علم بمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة ~~فيه وهذا مما لا يدل عليه القياس الذي يسمونه البرهان ف برهانهم لا يدل على ~~شيء معين بخصوصه لا واجب الوجود ولا غيره وإنما يدل على أمر كلي والكلي لا ~~يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع العلم به من وقوع الشركة ~~فيه ومن لم يتصور ما يمتنع الشركة فيه لم يكن قد عرف الله. # ومن لم يثبت للرب إلا معرفة الكليات كما يزعمه ابن سينا وأمثاله وظن ذلك ~~كمالات للرب وكذلك يظن كمالا للنفس بطريق الأولى لا سيما إذا قال أن النفس ~~لا تدرك إلا الكليات وإنما يدرك الجزئيات البدن فهذا في غاية الجهل. # وهذه الكليات التي لا يعرف بها الجزئيات الموجودة لا كمال فيها البتة ~~والنفس إنما تحب معرفة الكليات لتحيط بها بمعرفة الجزئيات فإذا لم يحصل ذلك ~~لم تفرح النفس بذلك. # الوجه الخامس: كمال النفس بمعرفة الله مع العمل الصالح لا بمجرد معرفة ~~الله فضلا عن كونه يحصل بمجرد علم الفلسفة. # الوجه الخامس: أن يقال: هب أن النفس تكمل بالكليات المجردة كما زعموه فما ~~يذكرونه في العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولو أحقه ليس كذلك فان # PageV01P138 # تصور معنى الوجود فقط أمر ظاهر حتى يستغني عن الحد عندهم لظهوره فليس هو ~~المطلوب وإنما المطلوب أقسامه. # ونفس انقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث هو اخص ~~من مسمى الوجود وليس في مجرد معرفة انقسام الأمر العام في الذهن إلى أقسام ~~بدون معرفة الأقسام ما يقتضى علما عظيما عاليا على تصور الوجود. # فإذا عرفت الأقسام فليس فيها ما هو علم بمعلوم لا يقبل التغير ms103 والاستحالة ~~فان هذه الأقسام عامتها إنما هو في هذا العالم وكل ذلك يقبل التغير ~~والاستحالة وليس معهم دليل أصلا يدلهم على أن العالم لم يزل ولا يزال هكذا. # وجميع ما يحتجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة وتوابع ~~ذلك فانما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه لا على قدم شيء معين ولا دوام شيء ~~معين فالجزم بأن مدلول تلك الأدلة هو هذا العالم أو شيء منه جهل محض لا ~~مستند له إلا عدم العلم بموجود غير هذا العالم وعدم العلم ليس علما بالعدم. # ولهذا لم يكن عند القوم إيمان بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء فهم لا ~~يؤمنون لا بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت. # وإذا قالوا نحن نثبت العالم العقلي أو المعقول الخارج عن العالم المحسوس ~~وذلك هو الغيب فان هذا وان كان قد ذكره طائفة من المتكلمة والمتفلسفة خطأ ~~وضلال فان ما سواء من المعقولات إنما يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في ~~الأذهان لا موجودة في الأعيان والرسل أخبرت عما هو موجود في الخارج وهو ~~أكمل وأعظم وجودا مما نشهده في الدنيا فأين هذا من هذا. # وهم لما كانوا مكذبين بما أخبرت به الرسل في نفس الأمر واحتاجوا إلى ~~الجمع بين قولهم وبين تصديق الرسل لما بهرهم من أمر الرسل قالوا: إن الرسل ~~قصدوا # PageV01P139 # إخبار الجمهور بما يتخيل إليهم لينتفعوا بذلك في العدل الذي أقاموه لهم". # ثم منهم من يقول: "إن الرسل عرفت ما عرفناه من نفي هذه الأمور" ومنهم من ~~يقول: "بل لم يكونوا يعرفون هذا وإنما كان كمالهم في القوة العملية لا ~~النظرية" وأقل اتباع الرسل إذا تصور حقيقة ما عندهم وجده مما لا يرضى به ~~أقل اتباع الرسل. # وإذا علم بالأدلة العقلية أن هذا العالم يمتنع أن يكون شيء منه قديما ~~أزليا وعلم بأخبار الأنبياء المؤيدة بالعقل أنه كان قبله عالم آخر منه خلق ~~وانه سوف يستحيل وتقوم القيامة ونحو ذلك علم أن غاية ما عندهم من الأحكام ~~الكلية ms104 ليست مطابقة بل هي جهل لا علم. # وهب أنهم لم يعلموا ما أخبرت به الرسل فليس في العقل ما يوجب ما ادعوه من ~~كون هذه الأنواع الكلية التي في هذا العالم أزلية أبدية لم تزل ولا تزال ~~فلا يكون العلم بذلك علما بكليات ثابتة وعامة فلسفتهم الأولى وحكمتهم ~~العليا من هذا النمط. # وكذلك من صنف على طريقتهم كصاحب المباحث المشرقية وصاحب حكمة الإشراق ~~وصاحب دقائق الحقائق ورموز الكنوز وصاحب # PageV01P140 # كشف الحقائق وصاحب الأسرار الخفية في العلوم العقلية وأمثال هؤلاء ممن لم ~~يجرد القول لنصر مذهبهم مطلقا ولا تخلص من إشراك ضلالهم مطلقا بل شاركهم في ~~كثير من ضلالهم وشاركهم في كثير من محالهم وتخلص من بعض وبالهم وأن كان ~~أيضا لم ينصفهم في بعض ما أصابوا فيه واخطأ لعدم علمه بمرادهم أو لعدم ~~معرفته أن ما قالوه صواب. # مآخذ علوم أبي علي ابن سينا وشيء من أحواله: # ثم إن هؤلاء إنما يتبعون كلام ابن سينا وابن سينا تكلم في أشياء من ~~الإلهيات والنبويات والمعاد والشرائع لم يتكلم فيها سلفه ولا وصلت إليها ~~عقولهم ولا بلغتها علومهم فإنه استفادها من المسلمين وان كان إنما اخذ عن ~~الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية وكان أهل بيته من أهل دعوتهم ~~من اتباع الحاكم العبيدي # PageV01P141 # الذي كان هو أهل بيته واتباعه معروفين عند المسلمين بالإلحاد أحسن ما ~~يظهرونه دين الرفض وهم في الباطن يبطون الكفر المحض. # وقد صنف المسلمون في كشف اسرارهم وهتك استارهم كتبا كبارا وصغارا ~~وجاهدوهم باللسان واليد إذ كانوا أحق بذلك من اليهود والنصارى ولو لم يكن ~~إلا كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب وكتاب عبد ~~الجبار بن احمد وكتاب أبي حامد الغزالي وكلام أبي إسحاق وكلام ابن فورك ~~والقاضي أبي يعلى وابن عقيل والشهر ستاني # PageV01P142 # وغير هؤلاء مما يطول وصفه. # والمقصود هنا أن ابن سينا اخبر عن نفسه أن أهل بيته أباه وأخاه كانوا من ~~هؤلاء الملاحدة وانه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذاك فانه كان يسمعهم ms105 يذكرون ~~العقل والنفس. # وهؤلاء المسلمين الذين كان ينتسب إليهم هم مع الإلحاد الظاهر والكفر ~~الباطن اعلم بالله من سلفه الفلاسفة كأرسطو واتباعه فان أولئك ليس عندهم من ~~العلم بالله إلا ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه. # وقد ذكرت كلام أرسطو نفسه الذي ذكره في علم ما بعد الطبيعة في مقالة ~~اللام وغيرها وهو آخر منتهى فلسفته وبينت بعض ما فيه من الجهل فانه ليس في ~~الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الإلهي مع الخطأ والضلال مثل ~~علماء اليهود والنصارى وأهل البدع من المسلمين وغيرهم اجهل من هؤلاء ولا ~~ابعد عن العلم بالله تعالى منهم. # نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا ~~بها ذلك وهم قد يقصدون الحق لا يظهر عليهم العناد لكنهم جهال بالعلم الإلهي ~~إلى الغاية ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ. # وابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين وكان قد تلقى ما تلقاه عن ~~الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة أراد أن يجمع بين ما عرفه ~~بعقله # PageV01P143 # من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه فتكلم في الفلسفة بكلام مركب من كلام سلفه ~~ومما أحدثه مثل كلامه في النبوات وأسرار الآيات والمنامات بل وكلامه في بعض ~~الطبيعيات والمنطقيات وكلامه واجب الوجود ونحو ذلك. # والا فأرسطو واتباعه ليس في كلامهم ذكر واجب الوجود ولا شيء من الأحكام ~~التي ل واجب الوجود وإنما يذكرون العلة الأولى ويثبتونه من حيث هو علة ~~غائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به. # فابن سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض أصلاح حتى راجت على من لم يعرف ~~دين الإسلام من الطلبة النظار وصاروا يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض ~~فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده ولكن سلموا لهم أصولا فاسدة في المنطق ~~والطبيعيات والإلهيات ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببا إلى ~~ضلالهم في مطالب عالية إيمانية ومقاصد سامية قرانية خرجوا بها عن حقيقة ~~العلم والإيمان وصاروا بها ms106 في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون بل ~~يتسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات. # والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم كما ~~زعموه مع أنه قول باطل فان النفس لها قوتان قوة علمية نظرية وقوة أرادية ~~علمية فلا بد لها من كمال القوتين بمعرفة الله وعبادته. # وعبادته تجمع محبته والذل له فلا تكمل نفس قط إلا بعبادة الله وحده # PageV01P144 # لا شريك له والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له وبهذا بعث الله ~~الرسل وانزل الكتب الإلهية كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له. # وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها أصلاح أخلاق النفس ~~لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس أو مقصودها أصلاح المنزل والمدينة ~~وهو الحكمة العملية فيجعلون العبادات وسائل محضة إلى ما يدعونه من العلم ~~ولهذا يرون ذلك ساقطا عمن حصل المقصود كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية ومن ~~دخل في الإلحاد أو بعضه وانتسب إلى الصوفية أو المتكلمين أو الشيعة أو ~~غيرهم. # تزييف القول بأن الإيمان مجرد معرفة الله: # والجهمية قالوا: "الإيمان مجرد معرفة الله" وهذا القول وان كان خيرا من ~~قولهم فانه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله ~~وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولو أحقه وهذا أمر لو كان له ~~حقيقة في الخارج لم يكن كمالا للنفس إلا بمعرفة خالقها سبحانه وتعالى. # فهؤلاء الجهمية من أعظم مبتدعة المسلمين بل جعلهم غير واحد خارجين عن # PageV01P145 # اثنتين وسبعين فرقة كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط ~~وهو قول طائفة من المتأخرين من أصحاب احمد وغيرهم وقد كفر غير واحد من ~~الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما لمن يقول هذا القول وقالوا ~~هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون واليهود الذين يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم مؤمنين. # فقول الجهمية خير من قول هؤلاء فان ما ذكروه هو اصل ما تكمل به النفوس ~~لكن لم يجمعوا بين علم النفس وبين أرادتها التي هي ms107 مبدأ القوة العملية ~~وجعلوا الكمال في نفس العلم وان لم يصدقه قول ولا عمل ولا اقترن به من ~~الخشية والمحبة والتعظيم وغير ذلك مما هو من أصول الإيمان ولوازمه. # وأما هؤلاء فبعدوا عن الكمال غاية البعد. # والمقصود هنا الكلام على برهانهم فقط وإنما ذكرنا بعض ما لزمهم بسبب ~~أصولهم الفاسدة. # واعلم أن بيان ما في كلامهم من الباطل والنقض لا يستلزم كونهم أشقياء في ~~الآخرة إلا إذا بعث الله إليهم رسولا فلم يتبعوه. # بل يعرف به أن من جاءته الرسل بالحق فعدل عن طريقهم إلى طريق هؤلاء كان ~~من الأشقياء في الآخرة # PageV01P146 # والقوم لولا الأنبياء لكانوا اعقل من غيرهم لكن الأنبياء جاؤوا بالحق ~~وبقاياه في الأمم وان كفروا ببعضه حتى مشركي العرب كان عندهم بقايا من دين ~~إبراهيم فكانوا بها خيرا من الفلاسفة المشركين الذين يوافقون أرسطو وأمثاله ~~على أصولهم. # الوجه السادس: البرهان لا يفيد أمورا كلية واجبة البقاء في الممكنات: # الوجه السادس: أنه أن كان المطلوب ب قياسهم البرهاني معرفة الموجودات ~~الممكنة فتلك ليس فيها واجب البقاء على حال واحدة أزلا وأبدا بل هي قابلة ~~للتغير والاستحالة وما قدر أنه من اللازم لموصوفه فنفس الموصوف ليس بواجب ~~البقاء فلا يكون العلم به علما بموجود واجب الوجود. # وليس لهم على أزلية شيء من العالم دليل صحيح كما قد بسط في موضعه وإنما ~~غاية أدلتهم تستلزم دوام نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة وذلك ممكن موجود ~~عين بعد عين من ذلك النوع أبدا مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم ~~كما هو مقتضى العقل الصريح والنقل الصحيح فان القول ب أن المفعول المعين ~~مقارن لفاعله أزلا وأبدا مما يقضي صريح العقل بامتناعه أي شيء قدر فاعله لا ~~سيما إذا كان فاعلا باختياره كما دلت عليه الدلائل اليقينية ليست التي ~~يذكرها المقصرون في معرفة أصول العلم والدين كالرازي وأمثاله كما بسط في ~~موضعه. # وما يذكرونه من اقتران المعلول بعلته فإذا أريد بالعلة ما يكون مبدعا ~~للمعلول فهذا باطل بصريح العقل ولهذا تقر ms108 بذلك جميع الفطر السليمة التي لم ~~تفسد بالتقليد الباطل ولما كان هذا مستقرا في الفطر كان نفس الإقرار بأنه ~~خالق كل شيء وموجبا لأن يكون كل ما سواه محدثا مسبوقا بالعدم. # وان قدر دوام الخالقية لمخلوق بعد مخلوق فهذا لا ينافي أن يكون خالقا لكل # PageV01P147 # شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم ليس معه شيء سواه قديم بقدمه بل ذلك ~~أعظم في الكمال والجود والأفضال. # وأما إذا أريد بالعلة ما ليس كذلك كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة ~~اليد وحصول الشعاع عن الشمس فليس هذا من باب الفاعل من شيء بل هو من باب ~~المشروط والشرط قد يقارن المشروط. # واما الفاعل فيمتنع أن يقارنه مفعوله المعين وان لم يمتنع أن يكون فاعلا ~~لشيء بعد شيء فقدم نوع الفعل كقدم نوع الحركة وذلك لا ينافي حدوث كل جزء من ~~أجزائها بل يستلزمه لامتناع قدم شيء منها بعينه. # وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الأمم حتى أرسطو واتباعه فإنهم وان ~~قالوا بقدم العالم فهم لم يثبتوا له مبدعا ولا علة فاعلة بل علة غائية ~~يتحرك الفلك للتشبه بها لأن حركة الفلك أرادية. # وهذا القول وهو "أن الأول ليس مبدعا للعالم وإنما هو علة غائية للتشبه ~~به" وان كان في غاية الجهل والكفر فالمقصود أنهم وافقوا سائر العقلاء في أن ~~الممكن المعلول لا يكون قديما بقدم علته كما يقول ذلك ابن سينا وموافقوه. # ولهذا أنكر هذا القول ابن رشد وأمثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا طريقة ~~أرسطو وسائر العقلاء في ذلك وبينوا أن ما ذكره ابن سينا مما خالف به سلفه ~~وجماهير العقلاء وكان قصده أن يركب مذهبا من مذهب المتكلمين ومذهب سلفه ~~فيجعل الموجود الممكن معلول الواجب مفعولا له مع كونه أزليا قديما بقدمه ~~واتبعه على إمكان ذلك اتباعه في ذلك كالسهروردي الحلبي # PageV01P148 # والرازي والآمدي والطوسي وغيرهم. # زعم الرازي ما ذكره في محصلة أن القول ب كون الممكن المفعول المغلول يكون ~~قديما للموجب بالذات مما اتفق عليه الفلاسفة والمتكلمون لكن المتكلمون ms109 ~~يقولون بالحدوث ولكون الفاعل عندهم فاعلا بالاختيار. # وهذا غلط على الطائفتين بل لم يقل ذلك احد لا من المتكلمين ولا من ~~الفلاسفة المتقدمين الذين نقلت إلينا أقوالهم كأرسطو وأمثاله وإنما قاله ~~ابن سينا وأمثاله. # والمتكلمون إذا قالوا بقدم ما يقوم بالرب من الصفات ونحوها فلا يقولون ~~أنها مفعولة ولا معلولة لعلة فاعلة بل الذات القديمة هي الموصوفة بتلك ~~الصفات عندهم فصفاتها من لوازمها يمتنع تحقق كون الواجب واجبا قديما إلا ب ~~صفاته اللازمة له كما قد بسط في موضعه ويمتنع عندهم قدم ممكن يقبل الوجود ~~والعدم مع قطع النظر عن فاعله. # وكذلك أساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم ويمتنع أن يكون ~~الممكن لم يزل واجبا سواء قيل أنه واجب بنفسه أو بغيره. # ولكن ما ذكره ابن سينا وأمثاله في أن الممكن قد يكون قديما واجبا بغيره ~~أزليا أبديا كما يقولونه في الفلك هو الذي فتح عليهم في الإمكان من الأسئلة ~~القادحة في قولهم ما لا يمكنهم أن يجيبوا عنه كما قد بسط في موضعه فان ليس ~~موضع تقريره هذا ولكن نبهنا به على أن برهانهم القياسي إلي لا يفيد أمورا ~~كلية واجبة البقاء في الممكنات # PageV01P149 # وأما واجب الوجود تبارك وتعالى فالقياس الذي يدعونه لا يدل على ما يختص ~~به وإنما يدل على أمر مشترك كلى بينه وبين غيره إذا كان مدلول القياس ~~الشمولي عندهم ليس إلا أمور كلية مشتركة وتلك لا تختص بواجب الوجود رب ~~العالمين سبحانه وتعالى. # فلم يعرفوا ببرهانهم شيئا من الأمور التي يجب دوامها لا من الواجب ولا من ~~الممكنات. # وإذا كانت النفس إنما تكمل بالعلم الذي يبقى ببقاء معلومه وهم لم يعلموا ~~علما يبقى ببقاء معلومه لم يستفيدوا ببرهانهم ما تكمل به النفس من العلم ~~فضلا عن أن يقال أن ما تكمل به النفس من العلم لا يحصل إلا ببرهانهم. # طريقة الأنبياء في الاستدلال: # ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه الاستدلال على الرب ~~تعالى بذكر آياته وان استعملوا في ذلك القياس استعملوا القياس ms110 إلا ولى ولم ~~يستعملوا قياس شمول يستوي أفراده ولا قياس تمثيل محض فان الرب تعالى لا مثل ~~له ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي يستوي أفراده بل ما ثبت بغيره من كمال لا ~~نقص فيه فثبوته له بطريق الأولى وما تنزه عنه غيره من النقائص فتنزهه عنه ~~بطريق الأولى. # استعمال قياس الأولى في القران: # ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القران من هذا الباب ~~كما يذكره في دلائل ربو بيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وإمكان المعاد ~~وغير ذلك من المطالب العالية السنية والمعالم الإلهية التي هي اشرف العلوم ~~وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف وان كان كما لها لا بد فيه من كمال ~~علمها وقصدها جميعا فلا بد من عبادة الله وحده المتضمنة لمعرفته ومحبته ~~والذل له. # PageV01P150 # الاستدلال بالآيات في القران: # وأما استدلاله تعالى بالآيات فكثير في القران والفرق بين الآيات وبين ~~القياس أن الآية هي العلامة وهي الدليل الذي يستلزم عين المدلول لا يكون ~~مدلوله أمرا كليا مشتركا بين المطلوب وغيره بل نفس العلم به يوجب العلم ~~بعين المدلول كما أن الشمس آية النهار قال تعالى: {وجعلنا الليل والنهار ~~آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} فنفس العلم بطلوع الشمس ~~يوجب العلم بوجود النهار. # وكذلك آيات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم نفس العلم بها يوجب العلم ~~بنبوته بعينه لا يوجب أمرا كليا مشتركا بينه وبين غيره. # وكذلك آيات الرب تعالى نفس العلم بها يوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى لا ~~يوجب علما كليا مشتركا بينه وبين غيره. # والعلم بكون هذا مستلزما لهذا هو جهة الدليل. # فكل دليل في الوجود لا بد أن يكون مستلزما للمدلول والعلم باستلزام ~~المعين للمعين المطلوب أقرب إلى الفطرة من العلم بأن كل معين من معينات ~~القضية الكلية يستلزم النتيجة والقضايا الكلية هذا شأنها فان القضايا ~~الكلية أن لم تعلم معيناتها بغير التمثيل وإلا لم تعلم إلا بالتمثيل فلا بد ~~من معرفة لزوم المدلول للدليل الذي هو الحد الأوسط. # فلا بد أن ms111 يعرف أن كل فرد من أفراد الحكم الكلي المطلوب يلزم كل فرد من ~~أفراد الدليل كما إذا قيل كل اب وكل ب ج فكل ج افلا بد أن يعرف أن كل فرد ~~من أفراد الجيم يلزم كل فرد من أفراد الباء وكل فرد من أفراد الباء يلزم كل ~~فرد من أفراد الألف ومعلوم أن العلم بلزوم الجيم المعين للباء المعين ~~والباء المعين للألف المعين أقرب إلى الفطرة من هذا. # وهذا كما قدمناه في أمثلة أقيستهم البرهانية مثل قولهم الكل أعظم من ~~الجزء # PageV01P151 # والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا ~~يجتمعان ولا يرتفعان ونحو ذلك فان هذه قضايا كلية. # ومعلوم أن الإنسان إذا تصور ما يتصوره من معين أو جزئه فان تصوره لكون ~~هذا الكل المعين أعظم من جزئه أسبق إلى عقله من أن يتخيل أن كل كل أعظم من ~~جزئه فهو يتصور أن بدنه أعظم من يده ورجله وان السماء أعظم من كواكبها ~~والجبل أعظم من بعضه والمدينة أعظم من بعضها ونحو ذلك قبل أن يتصور القضية ~~الكلية الشاملة لجميع هذه الأفراد. # ولذلك إذا تصور شيئا معينا يعلم أنه لا يكون موجودا معدوما في حال واحدة ~~قبل أن يتصور أن كل نقيضين لا يجتمعان ولذلك إذا تصور سوادا معينا علم أنه ~~لا يكون اللون الواحد سوادا بياضا قبل أن يتصور أن كل ضدين لا يجتمعان ~~وأمثال ذلك كثيرة. # وإذا قيل تلك القضية الكلية تحصل في الذهن ضرورة أو بديهة من واهب العقل ~~قيل فحصول تلك القضية المعينة في الذهن من واهب العقل أقرب. # عظم الفرق بين إثبات الرب بالآيات وبين إثباته بالقياس البرهاني: # ومعلوم أن كل ما سوى الله من الممكنات فانه مستلزم لذات الرب تعالى يمتنع ~~وجوده بدون وجود ذات الرب تعالى وتقدس. # وان كان مستلزما أيضا لأمور كلية مشتركة بينه وبين غيره فلأنه يلزم من ~~وجوده وجود لوازمه وتلك الكليات المشتركة من لوازم المعين اعني يلزمه ما ~~يخصه من ذلك الكلي العام والكلي المشترك يلزمه ms112 بشرط وجوده ووجود العالم ~~الذي يتصور القدر المشترك وهو سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه فيعلم ~~نفسه المقدسة بما يخصها ويعلم الكليات أنها كليات فيلزم من وجود الخاص وجود ~~العام # PageV01P152 # المطلق أي حصة المعين من ذلك العام كما يلزم من وجود هذا الإنسان وجود ~~الإنسان ومن وجود هذا الإنسان وجود الإنسانية والحيوانية القائمة به. # فكل ما سوى الرب مستلزم لنفسه المقدسة بعينها يمتنع وجود شيء سواه بدون ~~وجود نفسه المقدسة فان الوجود المطلق الكلي لا تحقق له في الأعيان فضلا عن ~~أن يكون خالقا لها مبدعا. # ثم يلزم من وجوده المعين الوجود المطلق المطابق للمعين فإذا تحقق الوجود ~~الواجب تحقق الوجود المطلق المطابق للمعين وإذا تحقق الفاعل لكل شيء تحقق ~~الفاعل المطلق المطابق وإذا تحقق القديم الأزلي تحقق القديم المطلق المطابق ~~وإذا تحقق الغنى عن كل شيء تحقق الغنى المطابق وإذا تحقق رب كل شيء تحقق ~~الرب المطابق كما ذكرنا أنه إذا تحقق هذا الإنسان وهذا الحيوان تحقق ~~الإنسان المطلق المطابق والحيوان المطلق المطابق. # لكن المطلق لا يكون مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان والله تعالى هو ~~الخالق للأمور الموجودة في الأعيان والمعلم للصور الذهنية المطابقة لما في ~~الأعيان. # ولهذا كان أول ما انزل على رسوله {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من ~~علق اقرأ وربك الأكرم} إلى قوله: {ما لم يعلم} بين في أول ما انزل أنه خالق ~~الأعيان عموما وخصوصا فكما أنه خالق الموجودات العينية فهو المعلم للماهيات ~~الذهنية فالموجودات الخارجية آيات مستلزمة لوجود عينه وإذا تصورتها الأذهان ~~معينة أو مطلقة فهو المعلم لهذا المتصور إذ الصور الذهنية أيضا من آياته ~~المستلزمة لوجود عينه لكنها تدل مع ذلك على هدايته وتعليمه كما قال تعالى: ~~{سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق # PageV01P153 # فسوى والذي قدر فهدى} وقال موسى: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} . # كما أن الموجودات العينية من آيات وجوده والصور الذهنية من حيث أنها ~~موجودات عينيه من هذا الباب كما أنها من جهة ms113 مطابقتها للموجودات الخارجية ~~من الباب الأول. # لكن إذا علم إنسان وجود إنسان مطلق وحيوان مطلق لم يكن عالما بنفس المعين ~~كذلك من علم واجبا مطلقا وفاعلا مطلقا وغنيا مطلقا لم يكن عالما بنفس رب ~~العالمين وما يختص به عن غيره. # وذلك هو مدلول آياته تعالى فآياته تستلزم عينه التي يمنع تصورها من وقوع ~~الشركة فيها وكل ما سواه دليل على عينه وآية له فانه ملزوم لعينه وكل ملزوم ~~فانه دليل على لازمة ويمتنع تحقق شيء من الممكنات إلا مع تحقق عينه فكلها ~~ملزوم لنفس الرب دليل عليه آية له. # ودلالتها بطريق قياسهم على الأمر المطلق الكلى الذي لا يتحقق إلا في ~~الذهن فلم يعلموا ب برهانهم ما يختص بالرب تعالى ولهذا ما يثبتونه من واجب ~~الوجود عند التحقيق إنما هو أمر كلى لا يختص بالرب تعالى حتى قد يجعلونه ~~مجرد الوجود. # دلالة قياس الأولى في إثبات صفات الكمال: # وأما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعا للقرآن فيدل على أنه يثبت ~~له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتا لغيره مع التفاوت ~~الذي لا يضبطه العقل كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق بل إذا ~~كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا يحصر قدره وهو يعلم ~~أن فضل الله على كل مخلوق أعظم من فضل مخلوق على مخلوق كان هذا مما يبين له ~~أن ما يثبت للرب أعظم مما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره فكأن قياس ~~الأولى يفيده # PageV01P154 # أمرا يختص به الرب مع علمه بجنس ذلك الأمر. # لا بد من الأسماء المشككة من معنى كلى مشترك: # ولهذا كان الحذاق يختارون أن الأسماء المقولة عليه وعلى غيره مقولة بطريق ~~التشكيك الذي هو نوع من التواطؤ العام ليست بطريق الاشتراك اللفظي ولا ~~بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتماثل أفراده بل بطريق الاشتراك المعنوي الذي ~~تتفاضل أفراده كما يطلق لفظ البياض والسواد على الشديد كبياض الثلج وعلى ما ~~دونه كبياض العاج فكذلك ms114 لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن وهو في الواجب ~~أكمل وأفضل من فضل هذا البياض على هذا البياض. # لكن التفاضل في الأسماء المشككة لا يمنع أن يكون اصل المعنى مشتركا كليا ~~بينهما فلا بد في الأسماء المشككة من معنى كلي مشترك وإن كان ذلك لا يكون ~~إلا في الذهن وذلك مورد التقسيم تقسيم الكلي إلى جزئياته إذا قيل الموجود ~~ينقسم إلى واجب وممكن فان مورد التقسيم مشترك بين الأقسام ثم كون وجود هذا ~~الواجب أكمل من وجود الممكن لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنى كليا مشتركا ~~بينهما. # وهكذا في سائر الأسماء والصفات المطلقة على الخالق والمخلوق كاسم الحي ~~والعليم والقدير والسميع والبصير وكذلك في صفاته كعلمه وقدرته ورحمته ورضاه ~~وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته. # الخلاف في الأسماء التي تطلق عليه تعالى وعلى العباد: # والناس تنازعوا في هذا الباب فقالت طائفة كأبي العباس الناشئ من شيوخ # PageV01P155 # المعتزلة الذين كانوا أسبق من أبي علي هي حقيقة في الخالق مجاز في ~~المخلوق. # وقالت طائفة من الجهمية والباطنية والفلاسفة وبالعكس هي مجاز في الخالق ~~حقيقة في المخلوق. # وقال جماهير الطوائف هي حقيقة فيهما وهذا قول طوائف النظار من المعتزلة ~~والأشعرية والكرامية والفقهاء وأهل الحديث والصوفية وهو قول الفلاسفة. # لكن كثيرا من هؤلاء يتناقض فيقر في بعضها بانها حقيقة كاسم الموجود ~~والنفس والذات والحقيقة ونحو ذلك وينازع في بعضها لشبه نفاه الجميع والقول ~~فيما نفاه نظير القول فيما أثبته ولكن هو لقصوره فرق بين المتماثلين ونفي ~~الجميع يمتنع أن يكون موجودا. # وقد علم أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث وغنى وفقير ومفعول ~~وغير مفعول وأن وجود الممكن يستلزم وجود الواجب ووجود المحدث يستلزم وجود ~~القديم ووجود الفقير يستلزم وجود الغنى ووجود المفعول يستلزم وجود غير ~~المفعول وحينئذ فبين الوجودين أمر مشترك والواجب يختص بما يتميز به فكذلك ~~القول في الجميع. # والأسماء المشككة هو متواطئة باعتبار القدر بالمشترك ولهذا كان المتقدمون ~~من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة ms115 باسم بل لفظ المتواطئة يتناول ~~ذلك كله فالمشككة قسم من المتواطئة العامة وقسيم المتواطئة الخاصة. # وإذا كان كذلك فلا بد في المشككة من إثبات قدر مشترك كلي وهو مسمى ~~المتواطئة العامة وذلك لا يكون مطلقا إلا في الذهن وهذا مدلول قياسهم ~~البرهاني # PageV01P156 # ولا بد من إثبات التفاضل وهو مدلول المشككة التي هي قسيم المتواطئة ~~الخاصة وذلك هو مدلول الأقيسة البرهانية القرآنية وهي قياس الأولى. # ولا بد من إثبات خاصة الرب التي بها يتميز عما سواه وذلك مدلول آياته ~~سبحانه التي يستلزم ثبوتها ثبوت نفسه لا يدل على هذه قياس لا برهاني ولا ~~غير برهاني. # فتبين بذلك أن قياسهم البرهاني لا يحصل المطلوب الذي به تكمل النفس في ~~معرفة الموجودات ومعرفة خالقها فضلا عن أن يقال لا تعلم المطالب إلا به. # وهذا باب واسع لكن المقصود في هذا المقام التنبيه على بطلان قضيتهم ~~السالبة وهي قولهم أن العلوم النظرية لا تحصل إلا بواسطة برهانهم. # شناعة زعمهم أن علم الله أيضا يحصل بواسطة القياس: # ثم لم يكفهم هذا السلب العام الذي تحجروا فيه واسعا وقصروا العلوم على ~~طريق ضيقه لا تحصل إلا مطلوبا لا طائل فيه حتى زعموا أن علم الله وعلم ~~أنبيائه وأوليائه إنما يحصل بواسطة القياس المشتمل على الحد الأوسط كما ~~يذكر ذلك ابن سينا وأتباعه. # وهم في إثبات ذلك خير ممن نفى علمه وعلم أنبيائه من سلفهم الذين هم من ~~اجهل الناس برب العالمين وبأنبيائه وبكتبه. # فابن سينا لما تميز عن أولئك بمزيد عقل وعلم سلك طريقهم المنطقي في تقرير ~~ذلك وصاروا سالكوا هذه الطريق وإن كانوا اعلم من سلفهم وأكمل فهم أضل من ~~اليهود والنصارى وأجهل إذ كان أولئك حصل لهم من الإيمان ب واجب الوجود ~~وصفاته ما لم يحصل لهؤلاء الضلال لما في صدورهم من الكبر والخيال وهم من ~~أتباع فرعون وأمثاله ولهذا تجدهم لموسى ومن معه من أهل الملل والشرائع ~~متنقصين أو معادين # PageV01P157 # قال الله تعالى: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن ms116 في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} وقال: {الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار} وقال: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله ~~التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} # وقد بسط الكلام على قول فرعون ومتابعة هؤلاء له والنمرود بن كنعان ~~وأمثالهما من رؤوس الكفر والضلال ومخالفتهم لموسى وإبراهيم وغيرهما من رسل ~~الله صلوات الله عليهم في مواضع. # وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للمؤمنين أهل الجنة وآل فرعون أئمة لأهل ~~النار. # وقال تعالى: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ~~ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} إلى قوله: ~~{قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين} . # وقال في آل إبراهيم: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا # PageV01P158 # بآياتنا يوقنون} والمقصود أن متأخريهم الذين هم اعلم منهم جعلوا علم الرب ~~يحصل بواسطة القياس البرهاني وكذلك علم أنبيائه وقد بسطنا الكلام في الرد ~~عليهم في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا التنبيه على فساد قولهم أنه لا يحصل العلم إلا بالبرهان ~~الذي وصفوه وإذا كان هذا السلب باطلا في حكم آحاد الناس كان بطلانه أولى في ~~علم رب العالمين سبحانه وتعالى ثم ملائكته وأنبيائه صلوات الله عليهم ~~أجمعين. # فصل: أقوال المنطقيين في الدليل والقياس: # وأيضا فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس والاستقراء والتمثيل قالوا لأن ~~الاستدلال أما أن يكون ب الكلى على الجزئي أو ب ms117 الجزئي على الكلي أو بأحد ~~الجزئين على الآخر وربما عبروا عن ذلك ب الخاص والعام فقالوا أما أن يستدل ~~ب العام على الخاص أو ب الخاص على العام أو بأحد الخاصين على الآخر. # قالوا والأول هو القياس يعنون به قياس الشمول فإنهم يخصونه باسم القياس ~~وكثير من أهل الأصول والكلام يخصون باسم القياس التمثيل وأما جمهور العقلاء ~~فاسم القياس عندهم يتناول هذا وهذا. # قالوا والاستدلال بالجزئيات على الكلي هو الاستقراء فان كان تاما فهو ~~الاستقراء التام وهو يفيد اليقين وإن كان ناقصا لم يفد اليقين فالأول هو ~~استقراء جميع الجزئيات والحكم عليه بما وجد في جزئياته والثاني استقراء ~~أكثرها وقد يكذب كقول القائل الحيوان إذا أكل حرك فكه الأسفل # PageV01P159 # لأنا استقريناها فوجدناها هكذا فيقال له: "التمساح يحرك الأعلى". # ثم قالوا القياس ينقسم إلى الاقتراني والاستثنائي ف الاستثنائي ما تكون ~~النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل والاقتراني ما تكون فيه بالقوة ~~كالمؤلف من القضايا الحملية كقولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام. # والاستثنائي ما يؤلف من الشرطيات وهو نوعان: # أحدهما: متصلة كقولنا أن كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر واستثناء عين ~~المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم. # والثاني: المنفصلة هي أما مانعة الجمع والخلو كقولنا العدد أما زوج وأما ~~فرد فان هذين لا يجتمعان ولا يخلو العدد عن أحدهما وأما مانعة الجمع فقط ~~كقولنا هذا أما أبيض وأما اسود أي لا يجتمع السواد والبياض وقد يخلو المحل ~~عنهما وأما مانعه الخلو فهي التي يمتنع فيها عدم الجزئين جميعا ولا يمتنع ~~اجتماعهما. # وقد يقولون مانعة الجمع والخلو هي الشرطية الحقيقية وهي مطابقة للنقيضين ~~في العموم والخصوص ومانعة الجمع هي أخص من النقيضين فان الضدين لا يجتمعان ~~وقد يرتفعان وهما اخص من النقيضين. # وأما مانعة الخلو فإنها أعم من النقيضين وقد يصعب عليهم تمثيل ذلك بخلاف ~~النوعين الأولين فان أمثالهما كثيرة ويمثلونه بقول القائل هذا راكب البحر ~~أو لا يغرق فيه أي لا يخلو منهما فانه لا يغرق إلا إذا ms118 كان في البحر فإما ~~أن لا يغرق فيه وحينئذ لا يكون راكبه وأما أن يكون راكبه وقد يجتمع أن يركب ~~ويغرق. # والأمثال كثيرة كقولنا هذا حي أو ليس بعالم أو قادر أو سميع أو # PageV01P160 # بصير أو متكلم فانه أن وجدت الحيوة فهو احد القسمين وإن عدمت عدمت هذه ~~الصفات وقد يكون حيا من لا يوصف بذلك وكذلك إذا قيل هذا متطهر أو ليس بمصل ~~فانه أن عدمت الصلاة عدمت الطهارة وإن وجدت الطهارة فهو القسم الآخر فلا ~~يخلو الأمر منهما. # وكذلك كل عدم شرط ووجود مشروطه فانه إذا ردد الأمر بين وجود المشروط وعدم ~~الشرط كان ذلك مانعا من الخلو فانه لا يخلو الأمر من وجود الشرط وعدمه وإذا ~~عدم عدم الشرط فصار الأمر لا يخلو من وجود المشروط وعدم الشرط. # ثم قسموا الاقتراني إلى الأشكال الأربعة لكون الحد الأوسط أما محمولا في ~~الأولى موضوعا في الصغرى وهو الشكل الطبيعي وهو ينتج المطالب الأربعة ~~الجزئي والكلى والايجابي والسلبي وأما أن يكون الأوسط محمولا فيهما وهو ~~الثاني ولا ينتج إلا السلب وأما أن يكون موضوعا فيهما ولا ينتج إلا ~~الجزئيات والرابع ينتج الجزئيات والسلب الكلى لكنه بعيد عن الطبع. # ثم إذا أرادوا بيان إنتاج الثاني والثالث وغير ذلك من المطالب احتاجوا ~~إلى الاستدلال ب النقيض والعكس وعكس النقيض فانه يلزم من صدق القضية كذب ~~نقيضها وصدق عكسها المستوى وعكس نقيضها فإذا صدق قولنا ليس احد من الحجاج ~~بكافر صح قولنا ليس احد من الكفار حاجا وإذا صح قولنا كل حاج مسلم صح قولنا ~~بعض المسلمين حاج وقولنا من ليس بمسلم فليس بحاج. # رد المصنف أقوالهم في الدليل والقياس: # فنقول هذا الذي قالوه أما أن يكون باطلا وأما أن يكون تطويلا يبعد # PageV01P161 # الطريق على الطالب المستدل فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق أو طريق طويل ~~يتعب صاحبه حتى يصل إلى الحق مع إمكان وصوله بطريق قريب كما كان يمثله بعض ~~سلفنا بمنزلة من قيل له أين أذنك فرفع يده فوق رأسه ms119 رفعا شديدا ثم أدارها ~~إلى أذنه اليسرى وقد كان يمكنه الإشارة إلى اليمنى أو اليسرى من طريق ~~مستقيم وما أشبه هؤلاء بقول القائل: # أقام يعمل أياما رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء # وبقول الآخر: # وإني وإني ثم إني وإنني ... إذا انقطعت نعلى جعلت لها شسعا # وما أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} ~~فأقوم الطرق إلى أشرف المطالب ما بعث الله به رسوله وأما طريق هؤلاء فهي مع ~~ضلالهم في البعض واعوجاج طريقهم وطولها في البعض الأخرى إنما يوصلهم إلى ~~أمر لا ينجى من عذاب الله فضلا عن أن يوجب لهم السعادة فضلا عن حصول الكمال ~~للأنفس البشرية بطريقهم. # بطلان حصر الأدلة في القياس والاستقراء والتمثيل: # بيان ذلك أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل حصر ~~لا دليل عليه بل هو باطل وقولهم أيضا أن العلم المطلوب لا يحصل إلا ~~بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص قول لا دليل عليه بل هو باطل. # واستدلالهم على الحصر بقولهم: "إما أن يستدل بالكلى على الجزئي أو ~~بالجزئي على الكلى أو بأحد الجزئين على الآخر والأول هو القياس والثاني هو ~~الاستقراء والثالث هو التمثيل". # يقال لم تقيموا دليلا على انحصار الاستدلال في هذه الثلاثة فإنكم إذا ~~عنيتم # PageV01P162 # بالاستدلال بجزئي على جزئي قياس التمثيل لم يكن ما ذكرتموه حاصرا وقد بقى ~~الاستدلال بالكلى على الكلي الملازم له وهو المطابق له في العموم والخصوص ~~وكذلك الاستدلال بالجزئي الملازم له بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ~~ومن عدمه عدمه فان هذا ليس مما سميتموه قياسا ولا استقراء ولا تمثيلا وهذه ~~هي الآيات. # الاستدلال بالكلى على الكلى وبالجزئي على الجزئي الملازم له: # وهذا كالاستدلال بطوع الشمس على النهار وبالنهار على طلوع الشمس فليس هذا ~~استدلالا بكلى على جزئي بل الاستدلال بطوع معين على نهار معين استدلالا ~~بجزئي على جزئي وبجنس النهار على جنس الطلوع استدلالا بكلى على كلى. # وكذلك الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة استدلالا بجزئي على ms120 جزئي ~~كالاستدلال ب الجدي وبنات نعش والكوكب الصغير القريب من القطب الذي يسميه ~~بعض الناس القطب كما يسمى بعض الناس الجدي القطب وإن كان القطب في الحقيقة ~~جزءا من الفلك قريبا من ذلك الكوكب الصغير. # وكذلك الاستدلال بظهور كوكب على ظهور نظيره في العرض والاستدلال # PageV01P163 # بطلوعه على غروب آخر وتوسط آخر ونحو ذلك من الأدلة التي اتفق عليها الناس ~~قال تعالى: {وبالنجم هم يهتدون} . # والاستدلال على المواقيت والأمكنة بالأمكنة أمر اتفق عليه العرب والعجم ~~وأهل الملل والفلاسفة فإذا استدل بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقا ~~ومغربا ويمينا وشمالا من الكواكب كان استدلالا بجزئي على جزئي لتلازمهما ~~وليس ذلك من قياس التمثيل وإن قضى به قضاء كليا كان استدلالا بكلى على كلى ~~وليس استدلالا بكلى على جزئي بل بأحد الكليين المتلازمين على الآخر. # ومن عرف مقدار أبعاد الكواكب بعضها من بعض وعلم ما يقارن منها طلوع الفجر ~~استدل بما رآه منها على مقدار ما مضى من الليل وما بقى منه وهو استدلال ~~بأحد المتلازمين على الآخر ومن علم الجبال والأنهار والرياح استدل بها على ~~ما يلازمها من الأمكنة. # ثم اللزوم أن كان دائما لا يعرف له ابتداء بل هو منذ خلق الله الأرض ~~كوجود الجبال والأنهار العظيمة النيل والفرات وسيحان وجيحان والبحر كان ~~الاستدلال مطردا. # وإن كان اللزوم أقل من ذلك مدة مثل الكعبة شرفها الله فان الخليل بناها ~~ولم تزل معظمة لم يعل عليها جبار قط استدل بها بحسب ذلك فيستدل بها وعليها ~~فان أركان الكعبة مقابلة لجهات الأرض الأربعة الحجر الأسود يقابل المشرق ~~والغربي الذي يقابله ويقال له الشامي يقابل المغرب واليماني يقابل الجنوب ~~وما يقابله يقال له العراقى إذا قيل الذي من ناحية الحجر الشامي وإن قيل ~~لذاك الشامي قيل لهذا العراقى فهذا الشامي العراقي # PageV01P164 # يقابل الشمال وهو يقابل القطب وحينئذ فيستدل بها على الجهات ويستدل ~~بالجهات عليها. # وما كان مدته اقصر من مدة الكعبة كالأبنية التي في الأمصار والأشجار كان ~~الاستدلال بها بحسب ذلك فيقال ms121 علامة الدار الفلانية أن على بابها شجرة من ~~صفتها كذا وكذا وهما متلازمان مدة من الزمان. # فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الآخر وكلاهما معين جزئي وليس ~~هو من قياس التمثيل. # حد الدليل عند النظار: # ولهذا عدل نظار المسلمين عن طريقهم فقالوا الدليل هو المرشد إلى المطلوب ~~وهو الموصل إلى المقصود وهو ما يكون العلم به مستلزما للعلم بالمطلوب. # أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى المطلوب وهو ما يكون النظر الصحيح ~~فيه موصلا إلى علم أو إلى اعتقاد راجح. # ولهم نزاع اصطلاحي هل يسمى هذا الثاني دليلا أو يخص باسم الإمارة ~~والجمهور يسمون الجميع دليلا ومن أهل الكلام من لا يسمى ب الدليل إلا ~~الأول. # ثم الضابط في الدليل أن يكون مسستلزما للمدلول فكل ما كان مستلزما لغيره ~~أمكن أن يستدل به عليه أن كان التلازم من الطرفين أمكن أن يستدل بكل منهما ~~على الآخر فيستدل المستدل مما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه. # ثم أن كان اللزوم قطعيا كان الدليل قطعيا وان كان ظاهرا وقد يتخلف كان ~~الدليل ظنيا. # فالأول كدلالة المخلوقات على خالقها سبحانه وتعالى وعلمه وقدرته ومشيئته ~~ورحمته وحكمته فان وجودها مستلزم لوجود ذلك ووجودها بدون ذلك ممتنع فلا ~~توجد إلا دالة على ذلك. # ومثل دلالة خبر الرسول على ثبوت ما اخبر به عن الله فانه لا يقول عليه ~~إلا # PageV01P165 # الحق إذ كان معصوما في خبره عن الله لا يستقر في خبره عنه خطأ البتة. # فهذا دليل مستلزم لمدلوله لزوما واجبا لا ينفك عنه بحال وسواء كان ~~الملزوم المستدل به وجودا أو عدما فقد يكون الدليل وجودا وعدما ويستدل بكل ~~منهما على وجود وعدم فانه يستدل بثبوت الشيء على انتفاء نقيضه وضده ويستدل ~~بانتقاء نقيضه على ثبوته ويستدل بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتقاء ~~اللازم على انتقاء الملزوم بل كل دليل يستدل به فانه ملزوم لمدلولة وقد دخل ~~في هذا كل ما ذكروه وما لم يذكروه. # فان ما يسمونه الشرطي المتصل مضمونه الاستدلال بثبوت ms122 الملزوم على ثبوت ~~اللازم وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم سواء عبر عن هذا المعنى بصيغة ~~الشرط أو بصيغة الجزم واختلاف صيغ الدليل مع اتحاد معناه لا يغير حقيقية ~~والكلام إنما هو في المعاني لا في الألفاظ. # فإذا قال القائل أن كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر وإن كانت الشمس ~~طالعة فالنهار موجود وإن كان الفاعل عالما قادرا فهو حي ونحو ذلك فهذا معنى ~~قوله: "صحة الصلاة تستلزم صحة الطهارة" وقوله: "يلزم من صحة الصلاة صحة ~~ثبوت الطهارة" وقوله: "لا يكون مصليا إلا مع الطهارة" وقوله: "الطهارة شرط ~~في صحة الصلاة وإذا عدم الشرط عدم المشروط" وقوله: "كل مصل متطهر فمن ليس ~~بمتطهر فليس بمصل" وأمثال ذلك من أنواع التأليف للألفاظ والمعاني التي ~~يتضمن هذا الاستدلال من غير حصر الناس في عبارة واحدة. # أستطراد. # وإذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها وإذا ضاقت العقول والتصورات ~~بقى صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان كما يصيب أهل المنطق اليوناني تجدهم ~~من أضيق الناس علما وبيانا وأعجزهم تصورا وتعبيرا # PageV01P166 # ولهذا من كان منهم ذكيا إذا تصرف في العلوم وسلك مسلك أهل المنطق طول ~~وضيق وتكلف وتعسف وغايته بيان البين وإيضاح الواضح من العي وقد يوقعه ذلك ~~في أنواع من السفسطة التي عافى الله منها من لم يسلك طريقهم. # مثل ما ذكروه عن يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف أنه قال في بعض مناظراته ~~هذا من باب فقد عدم الوجود ومثل هذه العبارات الطويلة الركيكة كثير في ~~كلامهم حتى في كلام أفضل متأخريهم مع أنه أفضلهم وأحسنهم بيانا. # وكذلك تكلفاتهم في حدودهم مثل حدهم ل الإنسان والشمس بأنها كوكب يطلع ~~نهارا وهل من يحد الشمس مثل هذا الحد ونحوه إلا من هو من أجهل الناس وهل ~~عند الناس شيء أظهر من الشمس حتى يحد الشمس به ومن لم يعرف الشمس فأما أن ~~يجهل اللفظ فيترجم له وليس هذا من الحد الذي ذكروه وأما أن لا يكون رآها ~~لعماه فهذا لا يرى النهار ولا الكواكب بطرق الأولى مع أنه لا ms123 بد أن يسمع من ~~الناس ما يعرف ذلك دون طريقهم. # وهم معترفون بان الشكل الأول من الحمليات يغنى عن جميع صور القياس ~~وتصويره نطرى لا يحتاح احد إلى تعلمه منهم مع أن الاستدلال لا يحتاج إلى ~~تصوره على الوجه الذي يزعمونه. # فصل: إبطال قولهم: "أن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين" # وأما قولهم: "إن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين بلا زيادة ولا نقصان" # PageV01P167 # فان كان الدليل مقدمة واحدة قالوا الأخرى محذوفة وسموه هو قياس الضمير ~~وإن كان مقدمات قالوا هي أقيسة مركبة ليس هو قياسا واحدا فهذا قول باطل ~~طردا وعكسا. # وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس فمن الناس ~~من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة لعلمه مما سوى ذلك كما أن منهم من لا ~~يحتاج في علمه بذلك إلى الاستدلال بل قد يعلمة بالضرورة ومنهم من يحتاج إلى ~~مقدمتين ومنهم من يحتاج إلى ثلاث ومنهم من يحتاج إلى أربع وأكثر. # فمن أراد أن يعرف أن هذا المسكر المعين محرم فان كان يعرف أن كل مسكر ~~محرم ولكن لا يعرف هل هذا المعين مسكر أم لا لم يحتج إلا إلى مقدمة واحدة ~~وهو أن يعمل أن هذا مسكر فإذا قيل له هذا حرام فقال ما الدليل عليه فقال ~~المستدل الدليل على ذلك أنه مسكر فقال لا نسلم أنه مسكر فمتى أقام الدليل ~~على أنه مسكر تم المطلوب. # وكذلك لو تنازع اثنان في بعض أنواع الأشربة هل هو مسكر أم لا؟ كما يسأل ~~الناس كثيرا عن بعض الأشربة فلا يكون السائل ممن يعلم أنها تسكر أو لا تسكر ~~ولكن قد علم أن كل مسكر حرام فإذا ثبت عنده بخبر من يصدقه أو بغير من ~~الأدلة أنه مسكر علم تحريمه وكذلك سائر ما يقع الشك في الدراجه تحت قضية ~~كلية من الأنواع والأعيان مع العلم بحكم تلك القضية كتنازع الناس في النرد ~~والشطرنج هل هما من الميسر أم لا؟ وتنازعهم في النبيذ المتنازع فيه هل هو ms124 ~~من الخمر أم لا؟ وتنازعهم في الحلف بالنذر والطلاق والعتاق هل هو داخل في ~~قوله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} أم لا؟ وتنازعهم في قوله: {أو ~~يعفو الذي بيده عقدة النكاح} هل هو الزوج أو الولي المستقل؟ وأمثال ذلك # PageV01P168 # وقد يحتاج الاستدلال إلى مقدمتين لمن لم يعلم أن النبيذ المسكر المتنازع ~~فيه محرم ولم يعلم أن هذا المعين مسكر فهو لا يعلم أنه محرم حتى يعلم أنه ~~مسكر ويعلم أن كل مسكر حرام. # وقد يعلم أن هذا مسكر ويعلم أن كل مسكر خمر لكن لم يعلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حرم الخمر لقرب عهده بالإسلام أو لنشأه بين جهال أو زنادقة ~~يشكون في ذلك. # أو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر حرام" أو يعلم أن هذا ~~خمر وان النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر لكن لم يعلم أن محمدا رسول ~~الله أو لم يعلم أنه حرمها على جميع المؤمنين بل ظن أنه أباحها لبعض الناس ~~وظن أنه منهم كمن ظن أنه أباح شربها للتداوي أو غير ذلك فهذا لا يكفيه في ~~العلم بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريما عاما إلا أن يعلم أنه مسكر وأنه خمر ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر أو أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حرم كل مسكر وانه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا فما حرمه فقد حرمه الله ~~وأنه حرمه تحريما عاما لم يبحه للتداوي ولا للتلذذ. # ومما يبين أن تخصيص الاستدلال بمقدمتين باطل أنهم قالوا في حد القياس ~~الذي يشمل البرهانى والخطابي والجدلى والشعري والسوفسطائي أنه قول مؤلف من ~~أقوال أو عبارة عما ألف من أقوال إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر قالوا ~~واحترزنا بقولنا من أقوال عن القضية الواحدة التي تستلزم لذاتها صدق عكسها ~~وعكس نقيضها وكذب نقيضها وليست قياسا قالوا ولم نقل مؤلف من مقدمات لانا لا ~~يمكننا تعريف المقدمة من حيث هي مقدمة إلا بكونها جزء القياس فلو ms125 أخذناها ~~في حد القياس كان دورا. # والقضية الخبرية إذا كانت جزء القياس سموها مقدمة وإن كانت مستفادة ~~بالقياس سموها نتيجة وإن كانت مجردة عن ذلك سموها قضية وتسمى # PageV01P169 # أيضا قضية مع تسميتها نتيجة ومقدمة وهي الخبر وليست هي المبتدأ والخبر في ~~اصطلاح النحاة بل أعم منه فان المبتدأ والخبر لا يكون إلا جملة اسمية ~~والقضية الخبرية قد تكون اسمية وفعلية كما لو قيل في قوله: {يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} وقوله: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} فان ~~هذه جملة خبرية وليست المبتدأ والخبر في اصطلاح النحاة. # والمقصود هنا أنهم أرادوا ب القول في قولهم القياس قول مؤلف من أقوال ~~القضية التي هي جملة تامة خبرية لم يريدوا بذلك المفرد الذي هو الحد فان ~~القياس مشتمل على ثلاثة حدود: اصغر وأوسط واكبر كما إذا قيل النبيذ ~~المتنازع فيه مسكر وكل مسكر حرام فالنبيذ والمسكر والحرام كل منها مفرد وهي ~~الحدود في القياس فليس مرادهم بالقول هذا بل مرادهم أن كل قضية قول كما ~~فسروا مرادهم بذلك ولهذا قالوا قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنها قول ~~آخر واللازم إنما هو النتيجة وهي قضية وخبر وجملة تامة ليست مفردا ولذلك ~~قالوا القياس قول فسموا مجموع القضيتين قولا. # وإذا كانوا قد جعلوا القياس مؤلفا من أقوال وهي القضايا لم يجب أن يراد ~~بذلك قولان فقط لأن لفظ الجمع أما أن يكون متناولا ل اثنين فصاعدا كقوله: ~~{فإن كان له إخوة فلأمه السدس} وأما أن يراد به الثلاثة فصاعدا وهو الأصل ~~عند الجمهور. # ولكن قد يراد به جنس العدد فيتناول الاثنين فصاعدا ولا يكون الجمع مختصا ~~ب اثنين فإذا قالوا هو مؤلف من أقوال أن أرادوا جنس العدد كان المعنى من ~~اثنين فصاعدا فيجوز أن يكون مؤلفا من ثلاث مقدمات وأربع مقدمات فلا يختص ~~بالاثنين وإن أرادوا الجمع الحقيقي لم يكن مؤلفا إلا من ثلاثة # PageV01P170 # فصاعدا وهم قطعا ما أرادوا هذا لم يبق إلا الأول. # فإذا قيل هم يلتزمون ذلك ويقولون ms126 نحن نقول أقل ما يكون القياس من مقدمتين ~~وقد يكون من مقدمات فيقال أولا هذا خلاف ما في كتبكم فإنكم لا تلتزمون إلا ~~مقدمتين فقط وقد صرحوا أن القياس الموصل إلى المطلوب سواء كان اقترانيا أو ~~استثنائيا لا ينقص عن مقدمتين ولا يزيد عليهما. # وعللوا ذلك بان المطلوب المتحد لا يزيد على جزئين مبتدأ وخبر فان كان ~~القياس اقترانيا فكل واحد من جزئي المطلوب لا بد وان يناسب مقدمة منه أي ~~يكون فيها أما مبتدأ وأما خبرا ولا يكون هو نفس المقدمة قالوا وليس المطلوب ~~أكثر من جزئين فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين وإن كان القياس استثنائيا فلا ~~بد فيه من مقدمة شرطية متصلة أو منفصلة تكون مناسبة لكل مطلوب أو نقيضه ولا ~~بد من مقدمة استثنائية فلا حاجة إلى ثالثة. # قالوا لكن ربما أدرج في القياس قول زائد على مقدمتي القياس أما غير متعلق ~~بالقياس أو متعلق به والمتعلق بالقياس أما لترويج الكلام وتحسينه أو لبيان ~~المقدمتين أو إحداهما ويسمون هذا القياس المركب قالوا وحاصله يرجع إلى ~~أقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد إلا أن القياس المبين للمطلوب بالذات ~~منها ليس إلا واحدا والباقي لبيان مقدمات القياس قالوا وربما حذوا بعض ~~مقدمات القياس أما تعويلا على فهم الذههن لها أو لترويج المغلطة حتى لا ~~يطلع على كذبها عند التصريح بها قالوا ثم أن كانت الأقيسة لبيان المقدمات ~~قد صرح فيها بنتائجها فيسمى القياس مفصولا وإلا ف موصول. # ومثلوا الموصول بقول القائل كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم وكل جسم جوهر ~~فكل إنسان جوهر. # والمفصول بقولهم كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان # PageV01P171 # جسم ثم يقول كل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان حيوان فيلزم منهما أن ~~كل إنسان جوهر. # فيقال لهم أما المطلوب الذي لا يزيد على جزئين فذاك في النطق به والمطلوب ~~في العقل إنما هو شيء واحد لا اثنان وهو ثبوت النسبة الحكمية أو انتفاؤها ~~وإن شئت قلت اتصاف الموصوف بالصفة نفيا أو إثباتا ms127 وإن شئت قلت نسبة المحمول ~~إلى الموضوع والخبر إلى المبتدأ نفيا أو إثباتا وأمثال ذلك من العبارات ~~الدالة على المعنى الواحد المقصود ب القضية. # فإذا كان النتيجة أن النبيذ حرام أو ليس بحرام أو الإنسان حساس أو ليس ~~بحساس أو نحو ذلك فالمطلوب ثبوت التحريم للنبيذ أو انتفاؤه وكذلك ثبوت الحس ~~للإنسان أو انتفاؤه والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ذلك المطلوب حصل بها ~~المقصود وقولنا النبيذ خمر يناسب المطلوب وكذلك قولنا الإنسان حيوان. # فإذا كان الإنسان يعلم أن كل خمر حرام ولكن يشك في النبيذ المتنازع فيه ~~هل يسمى في لغة الشارع خمرا فقيل النبيذ حرام لأنه قد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر حرام كانت هذا القضية وهي قولنا ~~قد قال النبي صلى الله عليه وسلم أن كل مسكر خمر يفيد تحريم النبيذ وإن كان ~~نفس قوله قد تضمن قضية أخرى. # والاستدلال بذلك مشروط بتقديم مقدمات معلومة عند المستمع وهي أن ما صححه ~~أهل العلم بالحديث فقد وجب التصديق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وإن ~~ما حرمه الرسول فهو حرام ونحو ذلك. # فلو لزم أن يذكر كل ما يتوقف عليه العلم وإن كان معلوما كانت المقدمات ~~أكثر من اثنتين بل قد تكون أكثر من عشر وعلى ما قالوه فينبغي لكل من استدل # PageV01P172 # بقول النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: "النبي حرم ذلك وما حرمه فهو ~~حرام" فهذا حرام وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أوجب وما أوجبه ~~النبي فقد وجب فهذا قد وجب". # وإذا احتج على تحريم الأمهات والبنات ونحو ذلك يحتاج أن يقول أن الله حرم ~~هذا في القران وما حرمه الله فهو حرام وإذا احتج على وجوب الصلاة والزكاة ~~والحج بمثل قول الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} يقول أن الله أوجب ~~الحج في كتابه وما أوجبه الله فهو واجب وأمثال ذلك ما يعده العقلاء لكنه ~~وعيا وإيضاحا للواضح وزيادة قول لا حاجة إليها. # وهذا التطويل ms128 الذي لا يفيد في قياسهم نظير تطويلهم في حدودهم كقولهم في ~~حد الشمس أنها كوكب يطلع نهارا وأمثال ذلك من الكلام الذي لا يفيد إلا ~~تضييع الزمان وإتعاب الأذهان وكثرة الهذيان ثم أن الذين يتبعونهم في حدودهم ~~وبراهينهم لا يزالون مختلفين في تحديد الأمور المعروفة بدون تحديدهم ~~ويتنازعون في البرهان على أمور مستغنية عن براهينهم # إبطال قولهم: "ليس المطلوب أكثر من جزئين": # وقولهم: "ليس المطلوب أكثر من جزئين فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين" ~~فيقال: أن أردتم ليس له إلا اسمان مفردان فليس الأمر كذلك بل قد يكون ~~التعبير عنه بأسماء متعددة مثل من شك في النبيذ هل هو حرام بالنص أم ليس ~~حراما لا بنص ولا قياس فإذا قال المجيب النبيذ حرام بالنص كان المطلوب ~~ثلاثة أجزاء وكذلك لو سأل هل الإجماع دليل قطعي فقال الإجماع دليل قطعي كان ~~المطلوب ثلاثة أجزاء فإذا قال هل الإنسان جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق ~~أم لا فالمطلوب هنا له ستة أجزاء. # وفي الجملة فالموضوع والمحمول الذي هو مبتدأ وخبر وهو جملة خبرية قد تكون ~~جملة مركبة من لفظين وقد تكون من ألفاظ متعددة إذا كان مضمونها مقيدا قيود # PageV01P173 # كثيرة مثل قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقوله تعالى: {إن الذين آمنوا ~~والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور ~~رحيم} وقوله: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} ~~وأمثال ذلك من القيود التي يسميها النحاة الصفات والعطف والأحوال وظرف ~~المكان وظرف الزمان ونحو ذلك. # فإذا كانت القضية مقيدة بقيود كثيرة لم تكن مؤلفة من لفظين بل من ألفاظ ~~متعددة ومعان متعددة. # وإن أريد أن المطلوب ليس إلا معنيان سواء عبر عنهما بلفظين أو ألفاظ ~~متعددة قيل وليس الأمر كذلك بل قد يكون المطلوب معنى واحدا وقد يكون معنين ~~وقد يكون معاني متعددة فان المطلوب بحسب طلب الطالب وهو الناظر المستدل ~~والسائل المتعلم المناظر وكل منهما قد ms129 يطلب معنى واحدا وقد يطلب معنيين وقد ~~يطلب معاني والعبارة عن مطلوبه قد تكون بلفظ واحد وقد تكون بلفظين وقد تكون ~~بأكثر فإذا قال النبيذ حرام قيل له نعم كان هذا اللفظ وحده كافيا في جوابه ~~كما لو قيل له هو حرام. # فان قالوا القضية الواحدة قد تكون في تقدير قضايا كما ذكرتموه من التمثيل ~~ب الإنسان فان هذه القضية الواحدة في تقدير خمس قضايا وهي خمس مطالب ~~والتقدير هل هو جسم أم لا وهل هو حساس أم لا وهل هو نام أم لا وهل هو متحرك ~~بالإرادة أم لا وهل هو ناطق أم لا وكذلك فيما تقدم هل النبيذ حرام أم لا ~~فإذا كان حراما فهل تحريمه بالنص أو بالقياس. # فيقال إذا رضيتم بمثل هذا وهو أن تجعلوا الواحد في تقدير عدد فالمفرد قد # PageV01P174 # يكون في معنى قضية فإذا قال النبيذ المسكر حرام فقال المجيب نعم فلفظ نعم ~~في تقدير قوله هو حرام. # وإذا قال ما الدليل عليه فقال الدليل عليه تحريم كل مسكر أو أن كل مسكر ~~حرام أو قول النبي صلى الله عليه وسلم "كل مسكر حرام" ونحو ذلك من العبارات ~~التي جعل الدليل فيها اسما مفردا وهو جزء واحد لم يجعله قضية مؤلفه من ~~اسمين مبتدأ وخبر فان قوله تحريم كل مسكر اسم مضاف. # وقوله أن كل مسكر حرام بالفتح مفرد أيضا فان أن وما في حيزها في تقدير ~~المصدر المفرد وإن المكسورة وما في حيزها جملة تامة ولهذا قال النحاة قاطبة ~~أن إن تكسر إذا كانت في موضع الجملة والجملة خبر وقضية وتفتح في موضع ~~المفرد الذي هو جزء القضية ولهذا يكسرونها بعد القول لأنهم إنما يحكون ب ~~القول الجملة التامة. # وكذلك إذا قلت الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم أو الدليل عليه ~~النص أو اجماع الصحابة أو الدليل عليه الآية الفلانية أو الحديث الفلاني أو ~~الدليل عليه قيام المقتضى للتحريم السالم عن المعارض المقاوم أو الدليل ~~عليه أنه مشارك لخمر العنب فيما ms130 يستلزم التحريم وامثال ذلك مما يعبر فيه عن ~~الدليل اسم مفرد لا بالقضية التي هي جملة تامة ثم هذا الدليل الذي عبر عنه ~~باسم مفرد هو إذا فصل عبر عنه بألفاظ متعددة. # والمقصود أن قولكم أن الدليل الذي هو القياس لا يكون إلا جزئين فقط أن ~~أردتم لفظين فقط وإن ما زاد على لفظين فهو أدلة لا دليل واحد لأن ذلك اللفظ ~~الموصوف بصفات تحتاج كل صفة إلى دليل قيل لكم وكذلك يمكن أن يقال في ~~اللفظين هما دليلان لا دليل واحد فان كل مقدمة تحتاج إلى دليل. # وحينئذ فتخصيص العدد باثنين دون ما زاد تحكم لا معنى له فانه إذا كان ~~المقصود قد يحصل بلفظ مفرد وقد لا يحصل إلا بلفظين وقد لا يحصل إلا بثلاثة # PageV01P175 # أو أربعة وأكثر فجعل الجاعل اللفظين هما الأصل الواجب دون ما زاد وما نقص ~~وان الزائد أن كان في المطلوب جعل مطالب متعددة وان كان في الدليل يذكر ~~مقدمات جعل ذلك في تقدير أقيسة متعددة تحكم محض ليس هو أولى من أن يقال بل ~~الأصل في المطلوب أن يكون واحدا ودليله جزء واحد فإذا زاد المطلوب على ذلك ~~جعل مطلوبين أو ثلاثة أو أربعة بحسب زيادته وجعل الدليل دليلين أو ثلاثة أو ~~أربعة بحسب دلالته وهذا إذا قيل فهو أحسن من قولهم لأن اسم الدليل مفرد ~~فيجعل معناه مفردا والقباس هو الدليل ولفظ القياس يقتضى التقدير كما يقال ~~قست هذا بهذا والتقدير يحصل بواحد كما يحصل باثنين وبثلاثة فأصل التقدير ~~بواحد وإذا قدر باثنين أو ثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرا واحدا فكون ~~تلك التقديرات أقيسة لا قياسا واحدا. # فجعلهم ما زاد على الاثنين من المقدمات في معنى أقيسة متعددة وما نقص عن ~~الاثنتين نصف قياس لا قياس تام اصطلاح محض لا يرجع إلى معنى معقول كما ~~فرقوا بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة ل الماهية والوجود بمثل هذا ~~التحكم. # تنازع اصطلاحي في مسمى العلة والدليل:. # وحينئذ فيعلم أن القوم لم يرجعوا فيما سموه ms131 حدا وبرهانا إلى حقيقة موجودة ~~ولا إلى أمر معقول بل إلى اصطلاح مجرد كتنازع الناس في العلة هل هي اسم لما ~~يستلزم المعلوم بحيث لا يختلف عنها بحال فلا يقبل النقيض والتخصيص أو هو ~~اسم لما يكون مقتضيا للمعلول وقد يتخلف عنه المعلول لفوات شرط أو وجود مانع ~~وكاصطلاح بعض أهل النظر والجدل في تسمية احدهم الدليل ل ما هو مستلزم ~~للمدلول مطلقا حتى يدخل في ذلك عدم المعارض والآخر يسمى الدليل ل ما كان من ~~شأنه أن يستلزم المدلول وإنما يتخلف استلزامه لفوات شرط أو وجود مانع ~~وتنازع أهل الجدل هل على المستدل أن يتعرض في ذكر الدليل # PageV01P176 # لتبيين المعارض جملة أو تفصيلا حيث يمكن التفصيل أو لا يتعرض لتبيينه لا ~~جملة ولا تفصيلا أو يتعرض لتبيينه جملة لا تفصيلا. # وهذه أمور وضعية اصطلاحية بمنزلة الألفاظ التي يصطلح عليها الناس للتعبير ~~عما في أنفسهم وبمنزلة ما يعتاده الناس في بعض الأفعال لكونهم رأوا ذلك ~~أولى بهم من غيره وإن كان غيره أولى منه ليست حقائق ثابتة في أنفسها لأمور ~~معقولة يتفق فيها الأمم كما يدعيه هؤلاء في منطقهم. # بل هؤلاء الذين يجعلون العلة والدليل يراد به هذا أو هذا أقرب إلى ~~المعقول من جعل هؤلاء الدليل لا يكون إلا من مقدمتين فان هذا تخصيص لعدد ~~دون عدد بلا موجب وأولئك لحظوا صفات ثابتة في العلة والدليل وهو وصف التمام ~~أو مجرد الاقتضاء فكان ما اعتبره أولئك أولى بالحق والعقل مما اعتبره هؤلاء ~~الذين لم يرجعوا إلا إلى مجرد التحكم. # المنطق أمر اصطلاحي وضعه رجل من اليونان: # ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم بأنه أمر اصطلاحي وضعه رجل من ~~اليونان لا يحتاج إليه العقلاء ولا طلب العقلاء للعلم موقوفا عليه كما ليس ~~موقوفا على التعبير بلغاتهم مثل فيلاسوفيا وسوفسطيقا وانولوطيقا وإثولوجيا ~~وقاطيغورياس وإيساغوجى ومثل تسميتهم للفعل ب الكلمة وللحرف ب الأداة ونحو ~~ذلك من لغاتهم التي يعبرون بها عن معانيهم # PageV01P177 # تعلم العربية فرض على الكفاية بخلاف المنطق: # فلا يقول احد ms132 أن سائر العقلاء يحتاجون إلى هذه اللغة لا سيما من كرمه ~~الله بأشرف اللغات الجامعة لأكمل مراتب البيان المبينة لما تتصوره الأذهان ~~بأوجز لفظ وأكمل تعريف. # وهذا ما احتج به أبو سعيد السيرافي في مناظرته المشهورة لمتى الفيلسوف ~~لما اخذ متى يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء إليه ورد عليه أبو سعيد بعدم ~~الحاجة إليه وأن الحاجة إنما تدعو إلى تعلم العربية لأن المعاني فطرية ~~عقلية لا تحتاج إلى اصطلاح خاص بخلاف اللغة المتقدمة التي يحتاج إليها في ~~معرفة ما يجب معرفته من المعاني فانه لا بد فيها من التعلم ولهذا كان تعلم ~~العربية التي يتوقف فهم القران والحديث عليها فرضا على الكفاية بخلاف ~~المنطق # PageV01P178 # بطلان القول بأن تعلم المنطق فرض على الكفاية: # ومن قال من المتأخرين: "أن تعلم المنطق فرض على الكفاية" فانه يدل على ~~جهلة بالشرع وجهله بفائدة المنطق وفساد هذا القول معلوم بالاضطرار من دين ~~الإسلام وأجهل منه من قال أنه فرض على الأعيان مع أن كثيرا من هؤلاء ليسوا ~~مقرين بإيجاب ما أوجبه الله ورسوله وتحريم ما حرمه الله ورسوله. # ومعلوم أن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة ~~المسلمين عرفوا ما يجب عليهم وكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يعرف منطق اليونان ~~فكيف يقال: أنه لا يوثق بالعلم أن لم يوزن به أو يقال أن فطر بني آدم في ~~الغالب لا تستقيم إلا به. # فان قالوا نحن لا نقول أن الناس يحتاجون إلى اصطلاح المنطق بل إلى ~~المعاني التي توزن بها العلوم قيل لا ريب أن المجهولات لا تعرف إلا ~~بالمعلومات والناس يحتاجون إلى أن يزنوا ما جهلوه بما علموه وهذا من ~~الموازين التي انزلها الله حيث قال الله: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان} وقال: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} ~~وهذا موجود عند أمتنا وغير أمتنا ممن لم يسمع قط بمنطق اليونان فعلم أن ~~الأمم غير محتاجة إليه. # ملخص دعاوى أهل المنطق وكذبها: # وهم لا يدعون احتياج الناس إلى نفس ألفاظ ms133 اليونان بل يدعون الحاجة إلى ~~المعاني المنطقية التي عبروا عنها بلسانهم وهو كلامهم في المعقولات الثانية ~~فان موضوع المنطق هو المعقولات الثانية من حيث يتوصل بها إلى علم ما لم ~~يعلم فانه ينظر في أحوال المعقولات الثابتة وهي النسب الثابتة للماهيات من ~~حيث هي مطلقة عرض لها أن كانت موصولة إلى تحصيل ما ليس بحاصل أو معينة في ~~ذلك لا على وجه جزئي بل على قانون كلي # PageV01P179 # ويدعون أن صاحب المنطق ينظر في جنس الدليل كما أن صاحب أصول الفقه ينظر ~~في الدليل الشرعي ومرتبته فيميز بين ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي ~~وينظر في مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض وهم يزعمون ~~أن صاحب المنطق ينظر في الدليل المطلق الذي هو أعم من الشرعي ويميز بين ما ~~هو دليل وما ليس بدليل. # ويدعون أن نسبة منطقهم إلى المعاني كنسبة العروض إلى الشعر وموازين ~~الأموال إلى الأموال وموازين الأوقات إلى الأوقات وكنسبة الذراع إلى ~~المذروعات. # وهذا هو الذي قاله جمهور علماء المسلمين وغيرهم من العقلاء أنه باطل فان ~~منطقهم لا يميز بين الدليل وغير الدليل لا في صورة الدليل ولا في مادته ولا ~~يحتاج أن يوزن به المعاني بل ولا يصح وزن المعاني به على ما هو عليه وإن ~~كان فيه ما هو حق فلا بد في كلام كل مصنف من حق بل فيه أمور باطلة إذا وزنت ~~بها العلوم أفسدتها. # ودعواهم أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره دعوى كاذبة ~~بل من أكذب الدعاوى. # والكلام معهم إنما هو في المعاني التي وضعوها في المنطق وزعموا أن ~~التصورات المطلوبة لا تنال إلا بها والتصديقات المطلوبة لا تنال إلا بها ~~فذكروا لمنطقهم أربع دعاوى دعوتان سالبتان ودعوتان موجبتان. # أدعوا أنه لا تنال التصورات بغير ما ذكروه فيه من الطريق وأن # PageV01P180 # التصديقات لا تنال بغير ما ذكروه فيه من الطريق وهاتان الدعوتان من أظهر ~~الدعاوي كذبا وادعوا أن ما ذكروه من الطريق يحصل به ms134 تصور الحقائق التي لم ~~تكن متصورة وهذا أيضا باطل وقد تقدم البينة على هذه الدعاوى الثلاثة وسيأتي ~~الكلام على دعواهم الرابعة التي هي امثل من غيرها وهى دعواهم أن برهانهم ~~يفيد العلم التصديقى. # فان قالوا أن العلم التصديقي أو التصوري أيضا لا ينال بدونه فهم ادعوا أن ~~طرق العلم على عقلاء بني آدم مسدودة إلا من الطريقين اللتين ذكروهما ما ~~ذكروه من الحد وما ذكروه من القياس وادعوا أن ما ذكروه من الطريقين يوصلان ~~إلى العلوم التي ينالها بنو آدم بعقولهم بمعنى أن ما يوصل لا بد أن يكون ~~على الطريق الذي ذكروه لا على غيره فما ذكروه آلة قانونية به توزن الطرق ~~العلمية ويميز به بين الطريق الصحيحة والفاسدة فمراعاة هذا القانون يعصم ~~الذهن أن يزل في الفكر الذي ينال به تصور أو تصديق. # هذا ملخص دعاويهم وكل هذه الدعاوى كذب في النفي والإثبات فلا ما نفوه من ~~طرق غيرهم كلها باطل ولا ما أثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه الذي ادعوه ~~فيه وإن كان في طرقهم ما هو حق كما أن في طرق غيرهم ما هو باطل فما احد ~~منهم ولا من غيرهم يصنف كلاما إلا ولا بد أن يتضمن ما هو حق. # ما معهم من الحق أقل مما مع اليهود والنصارى والمشركين: # فمع اليهود والنصارى من الحق بالنسبة إلى مجموع ما معهم أكثر مما مع ~~هؤلاء من الحق بل ومع المشركين عباد الأصنام من العرب ونحوهم من الحق أكثر ~~مما مع هؤلاء بالنسبة إلى ما معهم في مجموع فلسفتهم النظرية والعلمية ~~الأخلاق والمنازل والمداين # PageV01P181 # ولهذا كان اليونان مشركين كفارا يعبدون الكواكب والأصنام شرا من اليهود ~~والنصارى بعد النسخ والتبديل بكثير ولولا أن الله من عليهم بدخول دين ~~المسيح إليهم فحصل لهم من الهدى والتوحيد وما استفادوه من دين المسيح ما ~~داموا متمسكين بشريعته قبل النسخ والتبديل لكانوا من جنس أمثالهم من ~~المشركين. # ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا على دين مركب من حنيفية وشرك بعضه حق ms135 وبعضه ~~باطل وهو خير من الدين الذي كان عليه أسلافهم. # وقد قيل أن آخر ملوكهم كان صاحب المجسطى بطلميوس. # والمشهور المتواتر أن أرسطو وزير الاسكندر بن فيلبس كان قبل المسيح بنحو ~~ثلاثمائة سنة وكثير من الجهال يحسب أن هذا هو ذو القرنين المذكور في # PageV01P182 # القرآن ويعظم أرسطو بكونه كان وزيرا له كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله من ~~الجهال بأخبار الأمم. # مقالات سخيفة للمتفلسفة والمتصوفة في الأنبياء المرسلين: # ومن ملاحدة المتصوفة من يزعم أن أرسطو كان هو الخضر خضر موسى. # وهؤلاء منهم من يفضل الفلاسفة على الأنبياء في العلم ويقول أن هارون كان ~~أعلم من موسى وإن عليا كان أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعمون أن ~~الخضر كان أعلم من موسى وأن عليا وهارون والخضر كانوا فلاسفة يعلمون ~~الحقائق العقلية العلمية أكثر من موسى وعيسى ومحمد لكن هؤلاء كانوا في ~~القوة العلمية أكمل ولهذا وضعوا الشرائع العلمية. # وهؤلاء يفضلون فرعون على موسى ويسمونه أفلاطن القبطي وقد يقولون أن صاحب ~~مدين الذي تزوج موسى بنته هو أفلاطن اليوناني أستاذ أرسطو ويقولون أن موسى ~~كان أعلم من غيره بالسحر وإنه استفاد ذلك من حموه إذ كان عندهم ليست ~~المعجزات إلا قوى نفسانية أو طبيعية أو فلكية من جنس السحر ولكن موسى كان ~~مبرزا على غيره في ذلك. # إلى أمثال ذلك من المقالات التي تقولها الملاحدة المتفلسفة المنتمون إلى ~~الإسلام في الظاهر من متشيع ومتصوف كابن سبعين وابن عربي وأصحابه # PageV01P183 # ولهم من هذا الجنس ما يطول حكايته مما يدل على أنهم من اجهل الناس ~~بالمعقول والمنقول ولم يكفهم جهلهم بما جاءت به النبوات حتى ضموا إلى ذلك ~~الجهل بأخبار العالم وأيام الناس والجهل بالعقليات. # فان أفلاطن أستاذ أرسطو كان قبل المسيح بأقل من أربعمائة سنة وذلك بعد ~~موسى بمدة طويلة تزيد على فكيف يتعلم منه. # إبطال القول بحياة الخضر: # وقولهم أن الخضر هو أرسطو من اظهر الكذب البارد والخضر على الصواب مات ~~قبل ذلك بزمان طويل والذين يقولون أنه حي ms136 كبعض العباد وبعض العامة وكثير من ~~اليهود والنصارى غالطون في ذلك غلطا لا ريب فيه. # وسبب غلطهم أنهم يرون في الأماكن المنقطعة وغيرها من يظن أنه من الزهاد ~~ويقول أنا الخضر وقد يكون ذلك شيطانا قد يتمثل بصورة آدمي. # وهذا مما علمنا في وقائع كثيرة حتى في مكان الذي كتبت فيه هذا عند الربوة # PageV01P184 # بدمشق رأى شخص بين الجبلين صورة رجل قد سد ما بين الجبلين وبلغ رأسه راس ~~الجبل وقال أنا الخضر وأنا نقيب الأولياء وقال للرجل الرائي أنت رجل صالح ~~وأنت ولي الله ومد يده إلى فأس كان الرجل نسيه في مكان وهو ذاهب إليه ~~فناوله اياه وكان بينه وبين ذلك المكان نحو ميل ومثل هذه الحكاية كثير. # وكل من قال أنه رأى الخضر وهو صادق أما أن يتخيل له في نفسه أنه رآه ويظل ~~ما في نفسه كان في الخارج كما يقع لكثير من أرباب الرياضات وأما أن يكون ~~جنيا يتصور له بصورة إنسان ليضله وهذا كثير جدا قد علمنا منه ما يطول وصفه ~~وأما أن يكون رأى انسيا ظن أنه الخضر وهو غالط في ظنه فان قال له ذلك الجني ~~أو الإنسي أنه الخضر فيكون قد كذب عليه لا يخرج الصدق في هذا الباب عن هذه ~~الأقسام الثلاثة. # وأما الأحاديث فكثيرة ولهذا لم ينقل عن احد من الصحابة أنه رأى الخضر ولا ~~اجتمع به لأنهم كانوا أكمل علما وإيمانا من غيرهم فلم يكن يمكن الشيطان ~~التلبيس عليهم كما لبس على كثير من العباد ولهذا كثير من الكفار اليهود ~~والنصارى يأتيهم من يظنون أنه الخضر ويحضر في كنائسهم وربما حدثهم بأشياء ~~وإنما هو شيطان جاء إليهم فيضلهم. # ولو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمن ~~به ويجاهد معه كما اخذ الله الميثاق على الأنبياء وأتباعهم بقوله: {وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه} والخضر قد أصلح السفينة لقوم ms137 من عرض الناس فكيف لا ~~يكون بين محمد وأصحابه. # وهو أن كان نبيا فنبينا أفضل منه وان لم يكن نبيا فأبو بكر وعمر أفضل منه ~~وهذا مبسوط في موضعه # PageV01P185 # حقيقة شخصيات أرسطو والاسكندر وذي القرنين: # وكلامنا هنا في ضلال هؤلاء المتفلسفة الذين يبنون ضلالهم بضلال غيرهم ~~فيتعلقون بالكذب في المنقولات وبالجهل في المعقولات كقولهم أن أرسطو وزير ~~ذي القرنين المذكور في القرآن لأنهم سمعوا أنه كان وزير الاسكندر وذو ~~القرنين يقال له الاسكندر. # وهذا من جهلهم فان الاسكندر الذي وزر له أرسطو هو ابن فيلبس المقدوني ~~الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى وهو إنما ذهب إلى ~~ارض القدس لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره وكان مشركا يعبد الأصنام ~~وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام. # وذو القرنين كان موحدا مؤمنا بالله وكان متقدما على هذا ومن يسميه ~~الاسكندر يقول هو الاسكندر بن دارا # PageV01P186 # ولهذا كان هؤلاء المفلسفة إنما راجوا على ابعد الناس عن العقل والدين ~~كالقرامطة والباطنية الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس ~~وأظهروا الرفض وكجهال المتصوفة وأهل الكلام وإنما ينفقون في دولة جاهلية ~~بعيدة عن العلم والإيمان أما كفارا وأما منافقين كما نفق منهم من نفق على ~~المنافقين الملاحدة ثم نفق على المشركين الترك وكذلك إنما ينفقون دائما على ~~اعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين. # مزيد الكلام على تحديدهم الاستدلال بمقدمتين فقط: # وكلامنا الآن فيما احتجوا به على أنه لا بد في الدليل من مقدمتين لا أكثر ~~ولا أقل وقد عرف ضعفه. # ثم أنهم لما علموا أن الدليل قد يحتاج إلى مقدمات وقد يكفى فيه مقدمة ~~واحدة قالوا أنه ربما أدرج في القياس قول زائد أي مقدمة ثالثة زائدة على ~~مقدمتين لغرض فاسد أو صحيح كبيان المقدمتين ويسمونه المركب قالوا ومضمونه ~~أقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد إلا أن المطلوب منها بالذات # PageV01P187 # ليس إلا واحدا قالوا وربما حذفت إحدى المقدمات أما للعلم بها أو لغرض ~~فاسد وقسموا المركب إلى مفصول وموصول كما ms138 تقدم. # فيقال هذا اعتراف منكم بان من المطالب ما يحتاج إلى مقدمات ومنها ما يكفى ~~فيه مقدمة واحدة ثم قلتم أن ذلك الذي يحتاج إلى مقدمات هو في معنى أقيسة ~~متعددة فيقال لكم إذا ادعيتم أن الذي لا بد منه إنما هو قياس واحد يشتمل ~~على مقدمتين وان ما زاد على ذلك هو في معنى أقيسة كل قياس لبيان مقدمة من ~~المقدمات فقولوا أن الذي لا بد منه هو مقدمة واحدة وان ما زاد على تلك ~~المقدمة من المقدمات فإنما هو لبيان تلك المقدمة. # وهذا أقرب إلى المعقول فانه إذا لم يعلم ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت ~~الحكم للمحكوم عليه وهو ثبوت الخبر للمبتدأ أو المحمول للموضوع إلا بوسط ~~بينهما هو الدليل فالذي لا بد منه هو مقدمة واحدة وما زاد على ذلك فقد ~~يحتاج إليه وقد لا يحتاج إليه. # وأما دعوى الحاجة إلى القياس الذي هو المقدمتان للاحتياج إلى ذلك في بعض ~~المطالب فهو كدعوى الاحتياج في بعضها إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس للاحتياج ~~إلى ذلك في بعض المطالب وليس تقدير عدد بأولى من عدد وما يذكرونه من حذف ~~إحدى المقدمتين لوضوحها أو للتغليط يوجد مثله في حذف الثالثة والرابعة. # ومن احتج على مسألة بمقدمة لا تكفي وحدها في بيان المطلوب أو مقدمتين أو ~~ثلاثة لا تكفي طولب بالتمام الذي يحصل به الكفاية وإذا ذكرت المقدمات منع ~~منها ما يقبل المنع وعورض منها ما يقبل المعارضة حتى يتم الاستدلال كمن # PageV01P188 # طلب منه الدليل على تحريم شراب خاص حين قال هذا حرام فقيل له لم قال لأنه ~~نبيذ مسكر فهذه المقدمة كافية أن كان المستمع ممن يعلم أن كل مسكر حرام إذا ~~سلم له تلك المقدمة. # وان منعه إياها وقال لا نسلم أن هذا مسكر احتاج إلى بيانها بخبر من يوثق ~~بخبره أو بالتجربة في نظيرها وهذا قياس تمثيل وهو مفيد لليقين فان الشراب ~~الكثير إذا جرب بعضه وعلم أنه مسكر علم أن الباقي منه مسكر لأن حكم بعضه ~~مثل ms139 بعض وكذلك سائر القضايا التجربية كالعلم بأن الخبز يشبع والماء يروي ~~وأمثال ذلك إنما مبناها على قياس التمثيل بل وكذلك سائر الحسيات التي علم ~~أنها كلية إنما هو بواسطة قياس التمثيل. # وان كان ممن ينازعه في أن النبيذ المسكر حرام احتاج إلى مقدمتين إلى ~~إثبات أن هذا مسكر والى أن كل مسكر خمر فيثبت الثانية بأدلة متعددة كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر" و"كل شراب اسكر فهو حرام " وبأنه ~~سئل عن شراب يصنع من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له ~~المزر وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال: " كل مسكر حرام" وهذه الأحاديث في ~~الصحيح وهي وأضعافها معروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أنه حرام ~~كل شراب اسكر. # فان قال أنا اعلم أنه خمر لكن لا اسلم أن الخمر حرام أو لا اسلم أنه حرام ~~مطلقا اثبت هذه المقدمة الثالثة وهلم جرا. # مزيد البيان أن المقدمة الواحدة قد تكفي: # ومما يبين لك أن المقدمة الواحدة قد تكفي في حصول المطلوب أن الدليل هو ~~ما يستلزم الحكم المدلول عليه كما تقدم بيانه ولما كان الحد الأول مستلزما ~~للأوسط # PageV01P189 # والأوسط للثالث ثبت أن الأول مستلزم للثالث فان ملزوم الملزوم ملزوم ~~ولازم اللازم لازم فالحكم لازم من لوازم الدليل لكن لم يعرف لزومه إياه إلا ~~بوسط بينهما والوسط ما يقرن بقولك لأنه. # وهذا مما ذكره المنطقيون ابن سينا وغيره ذكروا الصفات اللازمة للموصوف ~~وان منها ما يكون بين اللزوم وردوا بذلك على من فرق من أصحابهم بين الذاتي ~~واللازم للماهية بأن اللازم ما افتقر إلى وسط بخلاف الذاتي فقالوا له كثير ~~من الصفات اللازمة لا يفتقر إلى وسط وهي البينة اللزوم والوسط عند هؤلاء هو ~~الدليل. # وأما ما ظنه بعض الناس أن الوسط هو ما يكون متوسطا في نفس الأمر بين ~~اللازم القريب واللازم البعيد فهذا خطا ومع هذا يتبين حصول المراد على ~~التقديرين فنقول. # إذا كانت اللوازم منها ما لزومه للملزوم بين بنفسه ms140 لا يحتاج إلى دليل ~~يتوسط بينهما فهذا نفس تصوره وتصور الملزوم يكفي في العلم بثبوته له وإذا ~~كان بينهما وسط فذاك الوسط إذا كان لزومه للملزوم الأول ولزوم الثاني له ~~بينا لم يفتقر إلى وسط ثان. # وان كان احد الملزومين غير بين بنفسه احتاج إلى وسط وان لم يكن واحد ~~منهما بينا احتاج إلى وسطين وهذا الوسط هو حد تكفي فيه مقدمة واحدة. # فإذا طلب الدليل على تحريم النبيذ المسكر فقيل لأنه قد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر خمر أو كل مسكر حرام" فهذا الوسط وهو قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يفتقر عند المؤمن لزوم تحريم المسكر له إلى ~~وسط ولا يفتقر لزوم تحريم النبيذ المتنازع فيه لتحريم المسكر إلى وسط فان ~~كل احد يعلم أنه إذا حرم كل مسكر حرم النبيذ المسكر المتنازع فيه وكل # PageV01P190 # مؤمن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حرم شيئا حرم. # ولو قال الدليل على تحريمه أنه مسكر فالمخاطب أن كان يعرف أن ذلك مسكر ~~والمسكر محرم سلم له التحريم ولكنه كان غافلا عن كونه مسكرا أو جاهلا بكونه ~~مسكرا. # وكذلك إذا قال لأنه خمر فان اقر أنه خمر ثبت التحريم وإذا اقر بعد إنكاره ~~فقد يكون كان جاهلا فعلم أو غافلا فذكر فليس كل من علم شيئا كان ذاكرا له. # الخلاف في أن العلم بالمقدمتين كاف في العلم بالنتيجة أم لا: # ولهذا تنازع هؤلاء المنطقيون في العلم بالمقدمتين هل هو كاف في العلم ~~بالنتيجة أم لا بد من التفطن لأمر ثالث وهذا الثاني هو قول ابن سينا وغيره ~~قالوا لأن الإنسان قد يكون عالما ب أن البغلة لا تلد ثم يغفل عن ذلك ويرى ~~بغلة منتفخة البطن فيقول أهذه حامل أم لا فيقال له أما تعلم أنها بغلة ~~فيقول بلى ويقال له أما تعلم أن البغلة لا تلد فيقول بلى قال فحينئذ يتفطن ~~لكونها لا تلد. # ونازعه الرازي وغيره وقالوا هذا ضعيف لأن اندراج ms141 إحدى المقدمتين تحت ~~الأخرى أن كان مغايرا للمقدمتين كان ذلك مقدمة أخرى لا بد فيها من الإنتاج ~~ويكون الكلام في كيفية التيامها مع الأوليين كالكلام في كيفية التيام ~~الأوليين ويفضى ذلك إلى اعتبار ما لا نهاية له من المقدمات وان لم يكن ذلك ~~معلوما مغايرا للمقدمتين استحال أن يكون شرطا في الإنتاج لأن الشرط مغاير ~~للمشروط وهنا لا مغايرة فلا يكون شرطا وأما حديث البغلة فذلك إنما يمكن إذا ~~كان الحاضر في الذهن إحدى المقدمتين فقط أما الصغرى وأما الكبرى وأما عند ~~اجتماعهما في الذهن فلا نسلم أنه يمكن الشك أصلا في النتيجة. # قلت: وحقيقة الأمر أن هذا النزاع لزمهم في ظنهم الحاجة إلى مقدمتين فقط # PageV01P191 # وليس الأمر كذلك بل المحتاج إليه هو ما به يعلم المطلوب سواء كانت مقدمة ~~أو اثنتين أو ثلاثا والمغفول عنه ليس بمعلوم حال الغفلة فإذا تذكر صار ~~معلوما بالفعل وهنا الدليل هو العلم بأن البغلة لا تحبل وهذه المقدمة كان ~~زاهلا عنها فلم يكن عالما بها العلم الذي يحصل به الدلالة فان المغفول عنه ~~لا يدل حين ما يكون مغفولا عنه بل إنما يدل حال كونه مذكورا إذ هو بذلك ~~يكون معلوما علما حاضرا. # والرب تعالى منزه عن الغفلة والنسيان لأن ذلك يناقض حقيقة العلم كما أنه ~~منزه عن السنة والنوم لأن ذلك يناقض كمال الحياة والقيومية فان النوم اخو ~~الموت ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون كما لا يموتون وكانوا يلهمون التسبيح ~~كما يلهم احدنا النفس. # والمقصود هنا أن وجه الدليل العلم بلزوم المدلول له سواء سمي استحضارا أو ~~تفطنا أو غير ذلك فمتى استحضر في ذهنه لزوم المدلول له علم أنه دال عليه ~~وهذا اللزوم أن كان بينا له وإلا فقد يحتاج في بيانه إلى مقدمة أو ثنتين أو ~~ثلاثة أو أكثر. # والأوساط تتنوع بتنوع الناس فليس ما كان وسطا مستلزما للحكم في حق هذا هو ~~الذي يجب أن يكون وسطا في حق الآخر بل قد يحصل له وسط آخر. # فالأوساط هو ms142 الدليل وهو الواسطة في العلم بين اللازم والملزوم وهما ~~المحكوم والمحكوم عليه فان الحكم لازم للمحكوم عليه ما دام حكما له ~~والأواسط التي هي الأدلة مما يتنوع ويتعدد بحسب ما يفتحه الله للناس من ~~الهداية كما إذا كان الوسط خبر صادق فقد يكون الخبر لهذا غير الخبر لهذا. # وإذا رأى الناس الهلال وثبت عند دار السلطان وتفرق الناس فأشاعوا ذلك في ~~البلد فكل قوم يحصل لهم العلم بخبر من غير المخبرين الذين اخبروا غيرهم. # والقران والسنة الذي بلغه الناس عن الرسول بلغ كل قوم بوسائط غير # PageV01P192 # وسائط غيرهم لا سيما في القرن الثاني والثالث فهؤلاء هم مقرئون ومعلمون ~~وهؤلاء مقرئون ومعلمون وهؤلاء هم وسائط وهم الأواسط بينهم وبين معرفة ما ~~قاله الرسول وفعله وهم الذين دلوهم على ذلك بإخبارهم وتعليمهم. # وكذلك المعلومات التي تنال بالعقل أو الحس إذا نبه عليها منه وارشد إليها ~~مرشد فذلك أيضا مما يختلف ويتنوع ونفس الوسائط العقلية تتنوع وتختلف. # وأما من جعل الوسط في اللوازم هو وسطا في نفس ثبوتها للموصوف فهذا باطل ~~من وجوه كما قد بسط في موضعه وبتقدير صحته فالوسط الذهني اعم من الخارجي ~~كما أن الدليل اعم من العلة فكل علة يمكن الاستدلال بها على المعلول وليس ~~كل دليل يكون علة في نفس الأمر. # وكذلك ما كان متوسطا في نفس الأمر أمكن جعله متوسطا في الذهن فيكون دليلا ~~ولا ينعكس لأن الدليل هو ما كان مستلزما للمدلول فالعلة المستلزمة للمعلول ~~يمكن الاستدلال بها والوسط الذي يلزم الملزوم ويلزمه اللازم البعيد هو ~~مستلزم لذلك اللازم فيمكن الاستدلال به. # فتبين أنه على كل تقدير يمكن الاستدلال على المطلوب بمقدمة واحدة إذا لم ~~يحتج إلى غيرها وقد لا يمكن إلا بمقدمات فيحتاج إلى معرفتهن وان تخصيص ~~الحاجة بمقدمتين دون ما زاد وما نقص تحكم محض. # لا يلتزم الاستدلال بمقدمتين فقط إلا أهل المنطق: # ولهذا لا تجد في سائر طوائف العقلاء ومصنفي العلوم من يلتزم في استدلاله ~~البيان بمقدمتين لا أكثر ولا أقل ويجتهد في ms143 رد الزيادة إلى ثنتين وفي تكميل ~~النقص بجعله مقدمتين إلا أهل منطق اليونان ومن سلك سبيلهم دون من كان باقيا ~~على فطرته السليمة أو سلك مسلك غيرهم كالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم ~~بإحسان # PageV01P193 # وسائر أئمة المسلمين وعلمائهم ونظارهم وسائر طوائف الملل. # وكذلك أهل النحو والطب والهندسة لا يدخل في هذا الباب إلا من اتبع في ذلك ~~هؤلاء المنطقيين كما قلدوهم في الحدود المركبة من الجنس والفصل وما ~~استفادوا بما تلقوه عنهم علما إلا علما يستغني عن باطل كلامهم أو ما يضر ~~ولا ينفع لما فيه من الجهل أو التطويل الكثير. # ولهذا لما كان الاستدلال تارة يقف على مقدمة وتارة على مقدمتين وتارة على ~~مقدمات كانت طريقة نظار المسلمين أن يذكروا من الأدلة على المقدمات ما ~~يحتاجون إليه ولا يلتزمون في كل استدلال أن يذكروا مقدمتين كما يفعله من ~~يسلك سبيل المنطقيين بل كتب نظار المسلمين وخطبائهم وسلوكهم في نظرهم ~~لأنفسهم ومناظرتهم لغيرهم تعليما وإرشادا ومجادلة على ما ذكرت وكذلك سائر ~~أصناف العقلاء من أهل الملل وغيرهم إلا من سلك طريق هؤلاء. # وما زال نظار المسلمين يعيبون طريق أهل المنطق ويبينون ما فيها من العي ~~واللكنة وقصور العقل وعجز النطق ويبينون أنها إلى إفساد المنطق العقلي ~~واللساني أقرب منها إلى تقويم ذلك ولا يرضون أن يسلكوها في نظرهم ومناظرتهم ~~لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه. # الإمام الغزالي وعلم المنطق: # وإنما كثر استعمالها من زمن أبي حامد فانه ادخل مقدمة من المنطق في أول ~~كتابه المستصفى وزعم أنه لا يثق بعلمه إلا من عرف هذا المنطق # PageV01P194 # وصنف فيه معيار العلم ومحك النظر. # وصنف كتابا سماه القسطاس المستقيم ذكر فيه خمس موازين الضروب الثلاثة ~~الحمليات والشرطي المتصل والشرطي المنفصل وغير عبارتها إلى أمثلة أخذها من ~~كلام المسلمين وزعم أنه اخذ تلك الموازين من الأنبياء وذكر أنه خاطب بذلك ~~بعض أهل التعليم. # وصنف كتابا في مقاصدهم وصنف كتابا في تهافتهم وبين كفرهم بسبب مسألة قدم ~~العالم وإنكار العلم بالجزئيات وإنكار المعاد. # وبين في ms144 آخر كتبه أن طريقهم فاسدة لا توصل إلى يقين وذمها أكثر مما ذم ~~طريقة المتكلمين لكن بعد أن أودع كتبه المضنون بها على غير أهلها وغيرها من ~~معاني كلامهم الباطل المخالف لدين المسلمين ما غير عبارته وعبر عنه بعبارة ~~المسلمين # PageV01P195 # التي لم يريدوا بها ما أراده كما يأخذ لفظ الملك والملكوت والجبروت. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحان ذي الجبروت ~~والملكوت والكبرياء والعظمة والجبروت والملكوت فعلوت الجبر والملك كالرحموت ~~والرغبوت والرهبوت فعلوت من الرحمة والرغبة والرهبة والعرب تقول رهبوت خير ~~من رحموت أي أن ترهب خير من أن ترحم. # ف الجبروت والملكوت يتضمن من معاني أسماء الله تعالى وصفاته ما دل عليه ~~معنى الملك الجبار وأبو حامد يجعل عالم الملك عالم الأجسام وعالم الملكوت ~~والجبروت عالم النفس والعقل ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~لم يقصدوا بهذا اللفظ هذا. # بل ما يثبته المتفلسفة من العقل باطل عند المسلمين بل هو من أعظم الكفر ~~فان العقل الأول عندهم مبدع كل ما سوى الله والعقل العاشر مبدع ما تحت فلك ~~القمر وهذا من أعظم الكفر عند المسلمين واليهود والنصارى. # والعقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا وهو أيضا غريزة في الإنسان ~~فمسماه من باب الأعراض لا من باب الجواهر القائمة بأنفسها وعند المتفلسفة ~~مسماه من النوع الثاني. # والملائكة التي أخبرت بها الرسل وإن كان بعض من يريد بالجمع بين النبوة ~~والفلسفة يقول أنها العقول فهذا من أبطل الباطل فبين ما وصف الله به ~~الملائكة في كتابه وبين العقول التي يثبتها هؤلاء من الفروق ما لا يخفى إلا ~~على من أعمى الله بصيرته كما قد بسطنا ذلك في موضعه. # والحديث الذي يروى أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له ~~أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا أكرم على منك فبك # PageV01P196 # آخذ وبك أعطى وبك الثواب وبك العقاب هو حديث موضوع باتفاق أهل المعرفة ~~بالحديث كما ذكر ذلك الدارقطني وبين من ms145 وضعه وكذلك ذكر ضعفه أبو حاتم بن ~~حيان والعقيلي وابن الجوزي وغيرهم. # ومع هذا فلفظه أول ما خلق الله العقل قال له فمدلوله أنه خاطبه في أول ~~أوقاته خلقه ليس مدلوله أنه أول المخلوقات وفي تمامه أنه قال ما خلقت خلقا ~~أكرم على منك فدل أنه خلق قبله غيره وفيه أنه مخلوق. # وأبو حامد يفرق بين عالم الخلق وعالم الأمر فيجعل الأجسام عالم الخلق ~~والنفوس والعقول عالم الأمر وهذا أيضا ليس من دين المسلمين بل كل ما سوى ~~الله مخلوق عند المسلمين والله تعالى خالق كل شيء. # وإذا ادعو أن العقول التي أثبتوها هي الملائكة في كلام الأنبياء فقد ثبت ~~بالنص والإجماع أن الله خلق الملائكة بل خلقهم من مادة كما ثبت في صحيح ~~مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الملائكة من نور ~~وخلق # PageV01P197 # الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" فبين أن الملائكة مخلوقون من ~~مادة موجودة قبلهم فأين هذا من قول من ينفى الخلق عنها ويقول أنها مبتدعة ~~لا مخلوقة أو يقول أنها قديمة أزلية لم تكن من مادة أصلا وهذه الأمور ~~مبسوطة في موضع آخر. # والمقصود هنا أن كتب أبى حامد وإن كان يذكر فيها كثيرا من كلامهم الباطل ~~أما بعبارتهم أو بعبارة أخرى فهو في آخر أمره يبالغ في ذمهم ويبين أن ~~طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريقة ~~المتكلمين ومات وهو مشتغل ب البخاري ومسلم والمنطق الذي كان يقول فيه ما ~~يقول ما حصل له مقصوده ولا أزال عنه ما كان فيه من الشك والحيرة بل كان ~~متوقفا حائرا فيما هو من أعظم المطالب العالية الإلهية والمقاصد السامية ~~الربانية ولم يغن عنه المنطق شيئا. # ولكن بسبب ما وقع منه في أثناء عمره وغير ذلك صار كثير من النظار يدخلون ~~المنطق اليوناني في علومهم حتى صار من يسلك طريق هؤلاء من المتأخرين يظن ~~أنه لا طريق إلا هذا وأن ما ادعوه من ms146 الحد والبرهان هو أمر صحيح مسلم عند ~~العقلاء ولا يعلم أنه ما زال العقلاء والفضلاء من المسلمين وغيرهم يعيبون ~~ذلك ويطعنون فيه وقد صنف نظار المسلمين في ذلك مصنفات متعددة وجمهور ~~المسلمين يعيبونه عيبا مجملا لما يرونه من آثاره ولوازمه الدالة على ما في ~~أهله مما يناقض العلم والإيمان ويفضى بهم الحال إلى أنواع من الجهل والكفر ~~والضلال. # والمقصود هنا أن ما يدعونه من توقف كل مطلوب نظري على مقدمتين لا أكثر ~~ليس كذلك # PageV01P198 # دعواهم إضمار إحدى المقدمتين في قياس الضمير: # وهم يسمون القياس الذي حذفت إحدى مقدمتيه قياس الضمير ويقولون أنها قد ~~تحذف أما للعلم بها وأما غلطا وأما تغليطا. # فيقال إذا كانت معلومة كانت كغيرها من المقدمات المعلومة وحينئذ فليس ~~إضمار مقدمة بأولى من إضمار ثنتين وثلاثة وأربعة فان جاز أن يدعى في الدليل ~~الذي لا يحتاج إلا إلى مقدمة أن الأخرى مضمرة محذوفة جاز أن يدعى فيما ~~يحتاج إلى ثنتين أن الثالثة محذوفة وكذلك فيما يحتاج إلى ثلاث وليس لذلك حد ~~ومن تدبر هذا وجد الأمر كذلك # وجود الركة والعى في كلام أهل المنطق: # ولهذا لا يوجد في كلام البلغاء أهل البيان الذين يقيمون البراهين والحجج ~~اليقينية بأبين العبارات من استعمال المقدمتين في كلامهم ما يوجد في كلام ~~أهل المنطق بل من سلك طريقهم كان من المضيقين لطريق العلم عقولا وألسنة ~~ومعانيهم من جنس ألفاظهم تجد فيها من الركة والعى ما لا يرضاه عأقل. # وكان يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف الإسلام في وقته أعنى الفيلسوف الذي ~~في الإسلام وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين كما قالوا لبعض أعيان القضاة ~~الذين كانوا في زماننا ابن سينا من فلاسفة الإسلام فقال ليس للإسلام فلاسفة ~~كان يعقوب يقول في أثناء كلامه لعدم فقد وجود كذا وأنواع هذه الإضافات. # ومن وجد في بعض كلامه فصاحة أو بلاغة كما يوجد في بعض كلام ابن سينا ~~وغيره فلما استفاده من المسلمين من عقولهم وألسنتهم وإلا فلو مشى على طريقة ~~سلفه وأعرض عما تعلمه من ms147 المسلمين لكان عقله ولسانه يشبه عقولهم وألسنتهم. # التباس أمر المنطق على طائفة لم يتصوروا حقائقه: # وهم أكثر ما ينفقون على من لا يفهم ما يقولونه ويعظمهم بالجهل والوهم # PageV01P199 # أو يفهم بعض ما يقولونه أو أكثره أو كله مع عدم تصوره في تلك الحال ~~لحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما يعرف بالعقول السليمة وما ~~قاله سائر العقلاء مناقضا لما قالوه وهو إنما وصل إلى منتهى أمرهم بعد كلفة ~~ومشقه واقترن بها حسن الظن فتورط من ضلالهم فيما لا يعلمه إلا الله. # ثم أن تداركه الله بعد ذلك كما أصاب كثيرا من الفضلاء الذين أحسنوا بهم ~~الظن ابتداء ثم انكشف لهم من ضلالهم ما أوجب رجوعهم عنهم وتبر أهم منهم بل ~~وردهم عليهم وإلا بقى في الضلال. # وضلالهم في الإلهيات ظاهر لأكثر الناس ولهذا كفرهم فيها نظار المسلمين ~~قاطبة وإنما المنطق التبس الأمر فيه على طائفة لم يتصوروا حقائقه ولوازمه ~~ولم يعرفوا ما قال سائر العقلاء في تناقضهم فيه. # واتفق أن فيه أمورا ظاهرة مثل الشكل الأول ولا يعرفون أن ما فيه من الحق ~~لا يحتاج إليهم فيه بل طولوا فيه الطريق وسلكوا الوعر والضيق ولم يهتدوا ~~فيه إلى ما يفيد التحقيق. # وليس المقصود في هذا المقام بيان ما أخطأوا في إثباته بل ما أخطأوا في ~~نفيه حيث زعموا أن العلم النظري لا يحصل إلا ببرهانهم وهو من القياس. # تلازم قياس الشمول وقياس التمثيل وبيانه بالأمثلة: # وجعلوا أصناف الحجج ثلاثة القياس والاستقراء والتمثيل وزعموا أن التمثيل ~~لا يفيد اليقين وإنما يفيده القياس الذي تكون مادته من القضايا التي ~~ذكروها. # وقد بينا في غير هذا الموضع أن قياس التمثيل وقياس الشمول متلازمان وأن ~~ما حصل بأحدهما من علم أو ظن حصل بالآخر مثله إذا كانت المادة واحدة # PageV01P200 # والاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية بل إذا كانت المادة يقينية سواء ~~كانت صورتها في صورة قياس التمثيل أو صورة قياس الشمول فهي واحدة وسواء ~~كانت صورة القياس اقترانيا او استثنائيا بعبارتهم ms148 أو بأي عبارة شئت لا سيما ~~في العبارات التي هي خير من عباراتهم وأبين في العقل وأوجز في اللفظ ~~والمعنى واحد. # وحد هذا في أظهر الأمثلة إذا قلت هذا إنسان وكل إنسان مخلوق أو حيوان أو ~~حساس أو متحرك بالإرادة أو ناطق أو ما شئت من لوازم الإنسان فان شئت صورت ~~الدليل على هذه الصورة وإن شئت قلت هو إنسان فهو مخلوق أو حساس أو حيوان أو ~~متحرك كغيره من الناس لاشتراكهما في الإنسانية المستلزمة لهذه الصفات وإن ~~شئت قلت هذا إنسان والإنسانية مستلزمة لهذه الأحكام فهي لازمة له وإن شئت ~~قلت أن كان إنسانا فهو متصف بهذا الصفات اللازمة للإنسان وإن شئت قلت أما ~~أن يتصف بهذه الصفات وأما أن لا يتصف والثاني باطل فتعين الأول لأن هذه ~~لازمة للإنسان لا يتصور وجوده بدونها. # الاستقراء ليس استدلالا بجزئي على كلي: # وأما الاستقراء فإنما يكون يقينيا إذا كان استقراء تاما وحينئذ فتكون قد ~~حكمت على القدر المشترك بما وجدته في جميع الأفراد وهذا ليس استدلالا يجزئى ~~على كلى ولا بخاص على عام بل استدلال بأحد المتلازمين على الآخر فان وجود ~~ذلك الحكم في كل فرد من أفراد الكلى العام يوجب أن يكون لازما لذلك الكلى ~~العام. # فقولهم أن هذا استدلال بخاص جزئي على عام كلي ليس بحق وكيف ذلك والدليل ~~لا بد أن يكون ملزوما للمدلول فانه لو جاز وجود الدليل مع عدم المدلول عليه ~~ولم يكن المدلول لازما له لم يكن إذا علمنا ثبوت ذلك الدليل نعلم ثبوت # PageV01P201 # المدلول معه إذا علمنا أنه تارة يكون معه وتارة لا يكون معه فانا إذا ~~علمنا ذلك ثم قلنا أنه معه دائما كنا قد جمعنا بين النقيضين. # وهذا اللزوم الذي نذكره هنا يحصل به الاستدلال بأي وجه حصل اللزوم وكلما ~~كان اللزوم أقوى وأتم وأظهر كانت الدلالة أقوى وأتم وأظهر كالمخلوقات ~~الدالة على الخالق سبحانه وتعالى فانه ما منها مخلوق إلا وهو ملزوم لخالقه ~~لا يمكن وجوده بدون وجود خالقه بل ولا ms149 بدون علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ~~ورحمته فكل مخلوق دال على ذلك كله. # وإذا كان المدلول لازما للدليل فمعلوم أن اللازم أما أن يكون مساويا ~~للملزوم وأما أن يكون أعم منه فالدليل أما أن يكون مساويا للحكم المدلول في ~~العموم والخصوص وأما أن يكون اخص منه لا يكون الدليل أعم منه. # القياس استدلال بكلى على ثبوت كلى آخر لجزئيات ذلك الكلى: # وإذا قالوا في القياس يستدل بالكلى على الجزئي فليس الجزئي هو الحكم ~~المدلول عليه إنما الجزئي هو الموصوف المخبر عنه محل الحكم فهذا قد يكون ~~أخص من الدليل وقد يكون مساويا له بخلاف الحكم الذي هو صفة هذا وحكمه الذي ~~اخبر به عنه فانه لا يكون إلا اعم من الدليل أو مساويا له فان ذلك هو ~~المدلول اللازم للدليل والدليل هو لازم المخبر عنه الموصوف. # فإذا قيل النبيذ حرام لأنه خمر كونه خمرا هو الدليل وهو لازم للنبيذ ~~والتحريم لازم للخمر. # والقياس المؤلف من المقدمتين إذا قلت النبيذ المتنازع فيه مسكر أو خمر ~~وكل مسكر أو كل خمر حرام فأنت لم تستدل ب المسكر أو الخمر الذي هو كلى على ~~نفس محل النزاع الذي هو اخص من الخمر وهو النبيذ فليس هو استدلالا بذلك ~~الكلى عل هذا الجزئي بل استدللت به على تحريم هذا النبيذ فلما كان # PageV01P202 # تحريم هذا النبيذ مندرجا في تحريم كل مسكر قال من قال أنه استدلال بالكلى ~~على الجزئي والتحقيق أن ما ثبت للكلى فقد ثبت لكل واحد من جزئياته والتحريم ~~أعم من الخمر وهو ثابت لها فهو ثابت لكل فرد فرد من جزئياتها فهو استدلال ~~بكلى على ثبوت كلى آخر لجزئيات ذلك الكلى وذلك الدليل هو كالجزئي بالنسبة ~~إلى ذلك الكلى الذي هو الحكم وهو كلى بالنسبة إلى تلك الجزئيات التي هي ~~المحكوم عليها. # وهذا مما لا يتنازعون فيه فان الدليل هو الحد الأوسط وهو اعم من الأصغر ~~أو مساو له والأكبر اعم منه أو مساو له والأكبر هو الحكم والصفة والخبر وهو ~~محمول النتيجة ms150 والأصغر هو المحكوم عليه الموصوف المبتدأ وهو موضوع النتيجة. # قياس التمثيل هو اشتراك الجزئيين في علة الحكم: # وأما قولهم في التمثيل أنه استدلال بجزئي على جزئي فان أطلق ذلك وقيل أنه ~~استدلال بمجرد الجزئي على الجزئي فهو غلط فان قياس التمثيل إنما يدل بحد ~~أوسط وهو اشتراكهما في علة الحكم أو دليل الحكم مع العلة فانه قياس علة أو ~~قياس دلالة. # لا تعلم صحة القياس في قياس الشبه: # وأما قياس الشبة فإذا قيل به لم يخرج عن أحدهما فان الجامع المشترك بين ~~الأصل والفرع أما أن يكون هو العلة أو ما يستلزم العلة وما استلزمها فهو ~~دليلها وإذا كان الجامع لا علة ولا ما يستلزم العلة لم يكن الاشتراك فيه ~~مقتضيا للاشتراك في الحكم بل كان المشترك قد يكون معه العلة وقد لا يكون ~~فلا يعلم حينئذ أن علة الأصل موجودة في الفرع فلا يعلم صحة القياس بل لا ~~يكن صحيحا إلا إذا اشتركا فيها ونحن لا نعلم الاشتراك فيها إلا إذا علمنا ~~اشتراكهما فيها أو في ملزومها فان ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم فإذا ~~قدرنا أنهما لم # PageV01P203 # يشتركا في الملزوم ولا فيها كان القياس باطلا قطعا لأنه حينئذ تكون العلة ~~مختصة بالأصل وإن لم يعلم ذلك لم تعلم صحة القياس. # وقد يعلم صحة القياس بانتفاء الفارق بين الأصل والفرع وإن لم يعلم عين ~~العلة ولا دليلها فانه يلزم من انتفاء الفارق اشتراكهما في الحكم. # وإذا كان قياس التمثيل إنما يكون تاما بانتفاء الفارق وأما بإبداء جامع ~~وهو كلى يجمعهما يستلزم الحكم وكل منهما يمكن تصويره بصورة قياس الشمول وهو ~~يتضمن لزوم الحكم للكلى ولزوم الكلى لجزئياته وهذا حقيقة قياس الشمول ليس ~~ذلك استدلالا بمجرد ثبوته لجزئي على ثبوته لجزئي آخر. # فأما إذا قيل بما يعلم أن المشترك مستلزم الحكم قيل مما تعلم القضية ~~الكبرى في القياس فبيان الحد الأوسط هو المشترك الجامع ولزوم الحد الأكبر ~~له هو لزوم الحكم للجامع المشترك كما قد تقدم التنبيه على هذا. # وقد يستدل ms151 بجزئي على جزئي إذا كانا متلازمين أو كان أحدهما ملزوم الآخر ~~من غير عكس فان كان اللزوم عن الذات كانت الدلالة على الذات وإن كان في صفة ~~أو حكم كانت الدلالة على الصفة والحكم. # فقد تبين ما في حصرهم من الخلل وأما تقسيمهم إلى الأنواع الثلاثة فكلها ~~تعود إلى ما ذكروه في استلزام الدليل للمدلول. # عود الاقتراني والاستثنائي إلى معنى واحد: # وما ذكروه في الاقتراني يمكن تصويره بصورة الاستثنائي وكذلك الاستثنائي ~~يمكن تصويره بصورة الاقتراني فيعود الأمر إلى معنى واحد # PageV01P204 # وهو مادة الدليل والمادة لا تعلم من صور القياس الذي ذكروه بل من عرف ~~المادة بحيث يعلم أن هذا مستلزم لهذا علم الدلالة سواء صورت بصورة القياس ~~أو لم تصور وسواء عبر عنها بعباراتهم أو بغيرها بل العبارات التي صقلها ~~عقول المسلمين وألسنتهم خير من عباراتهم بكثير كثير. # والاقترانى كله يعود إلى لزوم هذا لهذا وهذا لهذا كما ذكر وهذا بعينه هو ~~الاستثنائي المؤلف من المتصل والمنفصل. # فان الشرطي المتصل استدلال باللزوم بثبوت الملزوم الذي هو المقدم وهو ~~الشرط على ثبوت اللازم هو التالي وهو الجزاء أو بانتفاء اللازم وهو التالي ~~الذي هو الجزاء على انتفاء الملزوم هو المقدم وهو الشرط. # وأما الشرطي المنفصل وهو الذي يسميه الأصوليون السبر والتقسيم وقد تسميه ~~أيضا الجدليون التقسيم والترديد فمضمونه الاستدلال بثبوت احد النقضين على ~~انتفاء الآخر وبانتفائه على ثبوته أو الاستدلال بثبوت أحد الضدين على ~~انتفاء الآخر وأقسامه أربعة ولهذا كان في مانعة الجمع والخلو الاستثناءات ~~الأربعة وهو أنه أن ثبت هذا انتفى نقيضه وكذلك الآخر وإن انتفى هذا ثبت ~~نقيضه وكذلك الآخر. # ومانعة الجمع الاستدلال بثبوت احد الضدين على انتفاء الآخر والأمران ~~متنافيان # PageV01P205 # ومانعة الخلو فيها تناقض ولزوم والنقيضان لا يرتفعان فمنعت الخلو منهما ~~ولكن جزاءها وجود شيء وعدم آخر ليس هو وجود الشيء وعدمه ووجود شيء وعدم آخر ~~قد يكون أحدهما لازما للآخر وإن كانا لا يرتفعان لأن ارتفاعهما يقتضى ~~ارتفاع وجود شيء وعدمه معا. # مدار الاستدلال على مادة العلم ms152 لا على صورة القياس: # وبالجملة ما من شيء إلا وله لازم لا يوجد بدونه وله مناف مضاد لوجوده ~~فيستدل عليه بثبوت ملزومه وعلى انتفائه بانتفاء لازمه. # ويستدل على انتفائه بوجود منافيه ويستدل بانتفاء منافيه على وجوده إذا ~~انحصر الأمر فيهما فلم يمكن عدمهما جميعا كما لم يمكن وجودهما جمعيا. # وهذا الاستدلال يحصل من العلم بأحوال الشيء وملزومها ولوازمها وإذا ~~تصورته الفطرة عبرت عنه بأنواع من العبارات وصورته في أنواع من صور الأدلة ~~لا يختص شيء من ذلك بالصورة التي ذكروها في القياس فضلا عما سموه البرهان ~~فان البرهان شرطوا له مادة معينة وهي القضايا التي ذكروها واخرجوا من ~~الأوليات ما سموه وهميات وما سموه مشهورات وحكم الفطرة بهما لا سيما بما ~~سموه وهميات أعظم من حكمها بكثير من اليقينيات التي جعلوها مواد البرهان. # وقد بسطت القول على هذا وبينت كلامهم في ذلك وتناقضهم وأن ما أخرجوه يخرج ~~به ما ينال به اشرف العلوم من العلوم النطرية والعلوم العملية ولا يبقى ~~بأيديهم إلا أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان ولولا أن هذا ~~الموضع لا يتسع لحكاية ألفاظهم في هذا وما أوردته عليهم لذكرته فقد ذكرت ~~ذلك كله في مواضعه من العلوم الكلية والإلهية فإنها هي المطلوبة. # والكلام في المنطق إنما وقع لما زعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها ~~الذهن أن # PageV01P206 # يزل في فكره فاحتجنا أن ننظر في هذه الآلة هل هي كما قالوا أو ليس الأمر ~~كذلك. # تزييف القول بأن هذه علوم قد صقلتها الأذهان الخ: # ومن شيوخهم من إذا بين له من فساد أقولهم ما يتبين به ضلالهم وعجز عن دفع ~~ذلك يقول هذه علوم قد صقلتها الأذهان أكثر من ألف سنة وقبلها الفضلاء فيقال ~~له عن هذا أجوبة. # أحدها: أنه ليس الأمر كذلك فما زال العقلاء الذين هم أفضل من هؤلاء ~~ينكرون عليهم ويبينون خطأهم وضلالهم. # فأما القدماء فالنزاع بينهم كثير معروف وفي كتب أخبارهم ومقالاتهم من ذلك ~~ما ليس هذا موضع ذكره. # وأما أيام الإسلام ms153 فان كلام نظار المسلمين في بيان فساد ما أفسدوه من ~~أصولهم المنطقية والإلهية بل والطبيعية بل والرياضية كثير قد صنف فيه كل ~~طائفة من طوائف نظار المسلمين حتى الرافضة. # وأما شهادة سائر العلماء وطوائف أهل الإيمان بضلالهم وكفرهم فهذا البيان ~~عام لا يدفعه إلا معاند والمؤمنون شهداء الله في الأرض. # فإذا كان أعيان الأذكياء الفضلاء من الطوائف وسائر أهل العلم والإيمان ~~معلنين بتخطئتهم وتضليلهم أما جملة وأما تفصيلا امتنع أن كون العقلاء قاطبة ~~تلقوا كلامهم بالقبول. # الوجه الثاني: أن هذا ليس بحجة فان الفلسفة التي كانت قبل أرسطو وتلقاها ~~من قبلة بالقبول طعن أرسطو في كثير منها وبين خطأهم وابن سينا وأتباعه ~~خالفوا القدماء في طائفة من أقاويلهم المنطقية وغيرها وبينوا خطأهم ورد ~~الفلاسفة بعضهم على بعض أكثر من رد كل طائفة بعضهم على بعض وأبو البركات ~~وأمثاله قد ردوا على أرسطو ما شاء الله لأنهم يقولون إنما قصدنا الحق ليس ~~قصدنا التعصب لقائل معين ولا لقول معين # PageV01P207 # الثالث: أن دين عباد الأصنام أقدم من فلسفتهم وقد دخل فيه من الطوائف ~~أعظم ممن دخل في فلسفتهم وكذلك دين اليهود المبدل أقدم من فلسفة أرسطو ودين ~~النصارى المبدل قريب من زمن أرسطو فان أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة ~~سنة فانه كان في زمن الاسكندر بن فيلبس الذي يؤرخ به تاريخ الروم الذي ~~يستعمله اليهود والنصارى. # الرابع: أن يقال فهب أن الأمر كذلك فهذه العلوم عقلية محضة ليس فيها ~~تقليد لقائل وإنما تعلم بمجرد العقل فلا يجوز أن تصحح بالنقل بل ولا يتكلم ~~فيها إلا بالمعقول المجرد فإذا دل المعقول الصريح على بطلان الباطل منها لم ~~يجز رده فان أهلها لم يدعوا أنها مأخوذة عمن يجب تصديقه بل عن عقل محض فيجب ~~التحاكم فيها إلى موجب العقل الصريح # فصل: # قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن عند المناطقة بخلاف الاستقراء: # وقد احتجوا بما ذكروه من أن الاستقراء دون القياس الذي هو قياس الشمول ~~وأن قياس التمثيل دون الاستقراء فقالوا أن قياس التمثيل ms154 لا يفيد إلا الظن ~~وإن المحكوم عليه قد يكون جزئيا بخلاف الاستقراء فانه قد يفيد اليقين ~~والمحكوم عليه لا يكون إلا كليا. # قالوا وذلك أن الاستقراء هو الحكم على كلى بما تحقق في جزئياته فان كان ~~في جميع الجزئيات كان الاستقراء تاما كالحكم على المتحرك ب الجسمية لكونها ~~محكوما بها على جميع جزئيات المتحرك من الحيوان والجماد والنبات # PageV01P208 # والناقص كالحكم على الحيوان ب أنه إذا أكل تحرك فكه الأسفل عند المضغ ~~لوجود ذلك في أكثر جزئياته ولعله فيما لم يستقرا على خلافه كالتمساح والأول ~~ينتفع به في اليقينيات بخلاف الثاني وإن كان منتفعا به في الجدليات. # وأما قياس التمثيل فهو الحكم على شيء بما حكم به على غيره بناء على جامع ~~مشترك بينهما كقولهم العالم موجود فكان قديما كالباري أو هو جسم فكان محدثا ~~كالإنسان وهو مشتمل على فرع واصل وعلة وحكم فالفرع ما هو مثل العالم في هذا ~~المثال والأصل ما هو مثل الباري أو الإنسان والعلة الموجود أو الجسم والحكم ~~القديم أو المحدث. # قالوا ويفارق الاستقراء من جهة أن المحكوم عليه فيه قد يكون جزئيا ~~والمحكوم عليه في الاستقراء لا يكون إلا كليا. # إشكالات أوردها نظار المسلمين على قياس التمثيل: # قالوا وهو غير مفيد لليقين فانه ليس من ضرورة اشتراك أمرين فيما يعمهما ~~اشتراكهما فيما حكم به على أحدهما إلا أن يبين أن ما به الاشتراك علة لذلك ~~الحكم وكل ما يدل عليه فظني فان المساعد على ذلك في العقليات عند القائلين ~~به لا يخرج عن الطرد والعكس والسبر والتقسيم. # أما الطرد والعكس فلا معنى له غير تلازم الحكم والعلة وجودا وعدما ولا بد ~~في ذلك من الاستقراء ولا سبيل إلى دعواه في الفرع إذ هو غير المطلوب فيكون ~~الاستقراء ناقصا لا سيما ويجوز أن تكون علة الحكم في الأصل مركبة من أوصاف ~~المشترك ومن غيرها ويكون وجودها في الأوصاف متحققا فيها فإذا وجد المشترك ~~في الأصل ثبت الحكم لكمال علته وعند انتفائه فينتفى لنقضان العلة وعند ذلك ms155 ~~فلا يلزم من وجود المشترك في الفرع ثبوت الحكم لجواز تخلف باقي الأوصاف أو ~~بعضها # PageV01P209 # وأما السبر والتقسيم فحاصله يرجع إلى دعوى حصر أوصاف الأصل في جملة معينة ~~وإبطال كل ما عدى المستبقى وهو أيضا غير يقيني لجواز أن يكون الحكم ثابتا ~~في الأصل لذات الأصل لا لخارج وإلا لزم التسلسل وان ثبت لخارج فمن الجائز ~~أن يكون لغيرها ابدا وان لم يطلع عليه البحث عنه وليس الأمر كذلك في ~~العاديات فانا لا نشك مع سلامة البصر وارتفاع الموانع في عدم بحر من زئبق ~~وجبل من ذهب بين أيدينا ونحن لا نشاهده وان كان منحصرا فمن الجائز أن يكون ~~معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع وثبوت الحكم مع المشترك ~~في صورة مع تحلف غيره من الأوصاف المقارنة له في الأصل مما لا يوجب ~~استقلاله بالتعليل لجواز أن يكون في تلك معللا بعلة أخرى ولا امتناع فيه ~~وان كان لا علة له سواه فجائز أن يكون علة لخصوصه لا لعمومه وان بين أن ذلك ~~الوصف يلزمه لعموم ذاته الحكم فمع بعده يستغنى عن التمثل. # قالوا والفراسة البدنية هي عين التمثيل غير أن الجامع فيها بين الأصل ~~والفرع دليل العلة لا نفسها وهو المسمى في عرف الفقهاء ب قياس الدلالة ~~فإنها استدلال بمعلول العلة على ثبوتها ثم الاستدلال بثبوتها على معلولها ~~الآخر إذ مبناها على أن المزاج علة لخلق باطن وخلق ظاهر فيستدل بالخلق ~~الظاهر على المزاج ثم بالمزاج على الخلق الباطن كالاستدلال ب عرض الأعلى ~~على الشجاعة بناء على كونهما معلولي مزاج واحد كما يوجد مثل ذلك في الأسد. # ثم إثبات العلة في الأصل لا بد فيها من الدوران أو التقسيم كما تقدم وان ~~قدر أن علة الحكمين في الأصل واحدة فلا مانع من ثبوت أحدهما في الفرع بغير ~~علة الأصل وعند ذلك فلا يلزم الحكم الآخر. # هذا كلامهم على ما حرره لهم نظار المسلمين الذين أوردوا على قياس التمثيل ~~هذه الإشكالات وإلا فكلام أئمتهم في قياس ms156 التمثيل ليس فيه هذا التحرير الذي # PageV01P210 # حرره لهم نظار المسلمين. # رد المنصف إشكالاتهم على قياس التمثيل: # فيقال تفريقهم بين قياس المشمول وقياس التمثيل بأن الأول قد يفيد اليقين ~~والثاني لا يفيد إلا الظن فرق باطل بل حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر ~~اليقين وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن فان إفادة ~~الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه عل صورة أحدهما دون الآخر بل باعتبار تضمن ~~أحدهما لما يفيد اليقين فان كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينا ~~حصل به اليقين وان لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظنا لم يفد إلا الظن. # والذي يسمى في أحدهما حدا أوسط هو في الآخر الوصف المشترك والقضية الكبرى ~~المتضمنة لزوم الحد الأكبر للأوسط هو بيان تأثير الوصف المشترك بين الأصل ~~والفرع فما به يتبين صدق القضية الكبرى به يتبين أن الجامع المشترك مستلزم ~~للحكم فلزوم الأكبر للأوسط هو لزوم الحكم للمشترك. # فإذا قلت النبيذ حرام قياسا على الخمر لأن الخمر إنما حرمت لكونها مسكرة ~~وهذا الوصف موجود في النبيذ كان بمنزلة قولك كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام ~~فالنتيجة قولك النبيذ حرام والنبيذ هو موضوعها وهو الحد الأصغر والحرام ~~محمولها وهو الحد الأكبر والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو الحد ~~الأوسط المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى. # فإذا قلت النبيذ حرام قياسا على خمر العنب لأن العلة في الأصل هو الإسكار ~~وهو موجود في الفرع فثبت التحريم لوجود علته فإنما استدللت على تحريم ~~النبيذ ب المسكر وهو الحد الأوسط لكن زدت في قياس التمثيل ذكر الأصل الذي ~~ضربته مثلا للفرع وهذا لأن شعور النفس بنظير الفرع أقوى في المعرفة من مجرد ~~دخوله في الجامع الكلي وإذا قام الدليل على تأثير الوصف # PageV01P211 # المشترك لم يكن ذكر الأصل محتاجا إليه. # والقياس لا يخلو أما أن يكون ب إبداء الجامع أو بإلغاء الفارق والجامع ~~أما العلة وأما دليلها وأما القياس بإلغاء الفارق فهنا إلغاء الفارق هو ~~الحد الأوسط. ms157 # فإذا قيل هذا مساو لهذا ومساوي المساوي مساو كانت المساواة هي الحد ~~الأوسط وإلغاء الفارق عبارة عن المساواة فإذا قيل لا فرق بين الفرع والأصل ~~إلا كذا وهو مهدر فهو بمنزلة قولك هذا مساو لهذا وحكم المساوي حكم مساويه. # وأما قولهم كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم فظني فيقال لا ~~نسلم فان هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلا ثم نقول الذي يدل به على ~~عليه المشترك هو الذي يدل به على صدق القضية الكبرى وكل ما يدل به على صدق ~~الكبرى في قياس الشمول يدل به على علية المشترك في قياس الثمثيل سواء كان ~~علميا أو ظنيا فان الجامع المشترك في التمثيل هو الحد الأوسط ولزوم الحكم ~~له هو لزوم الأكبر للأوسط ولزوم الأوسط للأصغر هو لزوم الجامع المشترك ~~للأصغر وهو ثبوت العلة في الفرع. # فإذا كان الوصف المشترك وهو المسمى ب الجامع والعلة أو دليل العلة أو ~~المناط أو ما كان من الأسماء إذا كان ذلك الوصف ثابتا في الفرع لازما له ~~كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الصغرى وإذا كان الحكم ثابتا للوصف لازما له ~~كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الكبرى وذكر الأصل يتوصل به إلى إثبات إحدى ~~المقدمتين. # فان كان القياس ب إلغاء الفارق فلا بد من الأصل المعين فان المشترك هو ~~المساواة بينهما وتماثلهما وهو إلغاء الفارق وهو الحد الأوسط وإن كان # PageV01P212 # القياس بإبداء العلة فقد يستغنى عن ذكر الأصل إذا كان الاستدلال على علية ~~الوصف لا يفتقر إليه وأما إذا احتاج إثبات علية الوصف إليه فيذكر الأصل ~~لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك وهو الحد الأكبر. # وهؤلاء الذين فرقوا بين قياس التمثيل وقياس الشمول اخذوا يظهرون كون ~~أحدهما ظنيا في مواد معينة وتلك المواد التي لا تفيد إلا الظن في قياس ~~التمثيل لا تفيد إلا الظن في قياس الشمول وإلا فإذا أخذوه فيما يستفاد به ~~اليقين من قياس الشمول أفاد اليقين في قياس التمثيل أيضا وكان ظهور اليقين ~~به ms158 هناك أتم. # فإذا قيل في قياس الشمول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم كان ~~الحيوان هو الحد الأوسط وهو المشترك في قياس التمثيل بأن يقال الإنسان جسم ~~قياسا على الفرس وغيره من الحيوانات فان كون تلك الحيوانات حيوانا هو ~~مستلزم لكونها أجساما سواء كان علة أو دليل العلة والحيوانية موجودة في ~~الإنسان فيكون جسما. # وإذا نوزع في علية الحكم في الأصل فقيل له لا نسلم أن الحيوانية تستلزم ~~الجسمية كان هذا نزاعا في قوله كل حيوان جسم وذلك أن المشترك بين الأصل ~~والفرع إذا سمى علة فانما يراد به ما يستلزم الحكم سواء كان هو العلة ~~الموجبة لوجوده في الخارج أو كان مستلزما لذلك يسمى الأول قياس علة والثاني ~~قياس دلالة. # ومن الناس من يسمى الجميع علة لا سيما من يقول أن العلة إنما يراد بها ~~المعرف وهو الأمارة والعلامة والدليل لا يراد بها الباعث والداعي. # ومن قال أنه قد يراد بها الداعي وهو الباعث وهذا قول أئمة الفقهاء وجمهور ~~المسلمين فانه يقول ذلك في علل الأفعال وأما غير الأفعال فقد تفسر العلة ~~فيها بالوصف المستلزم كاستلزام الإنسانية ل الحيوانية والحيوانية # PageV01P213 # للجسمية وإن لم يكن أحد الوصفين هو المؤثر في الآخر. # عل أنا قد بينا في غير هذا الموضع أن ما به يعلم كون الحيوان جسما به ~~يعلم أن الإنسان جسم حيث بينا أن قياس الشمول الذي يذكرونه قليل الفائدة أو ~~عديمها وأن ما به يعلم صدق الكبرى في العقليات به يعلم صدق أفرادها التي ~~منها الصغرى بل وبذلك يعلم صدق النتيجة كما في قول القائل الكل أعظم من ~~الجزء والأشياء المساوية لشئ واحد متساوية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا ~~يجتمعان ولا يرتفعان. # حقيقة توحيد الفلاسفة: # وهذا كقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه أن ثبت لهم أن الرب تعالى ~~بمعنى الواحد الذي يدعونه وهو أنه ليس له صفة ثبوتية أصلا بل هو مسلوب لكل ~~أمر ثبوتي لا يوصف إلا بالسلب المحض أو بما لا يتضمن ms159 إلا السلب كالإضافة ~~التي هي معنى السلب وجعلوا إبداعه للعالم أمرا عدميا لكونه إضافة عندهم ~~وجعلوا العلم والعالم والمعلوم والعشق والعاشق والمعشوق واللذة كل ذلك ~~أمورا عدمية ليس فيها أمر ثبوتي وادعوا أن نفس العلم والعناية والقدرة هو ~~نفس العالم القادر المريد ونفس العلم هو نفس القدرة ونفس القدرة هو نفس ~~العناية وهذا كله هو العشق وهو اللذة والعشق واللذة هو العاشق الملتذ ~~والعشق واللذة هو نفس العلم ونفس القدرة وعلمه بنفسه هو علمه بالمعلومات ~~إلى أمثال ذلك مما يتضمنه قولهم الذي يسمونه توحيد واجب الوجود. # رد قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد: # فان قدر ثبوت هذا المعنى الذي يسمونه توحيدا مع أن جماهير العقلاء من ~~جميع الأمم إذا تصوروا ذلك علموا بضرورة العقل أن هذا قول باطل متناقض فان ~~قدر ثبوته قيل حينئذ الواحد لا يصدر عنه إلا واحد يقررونه بقولهم # PageV01P214 # لأنه لو صدر عنه اثنان لكان مصدر الألف غير مصدر الجيم وكان المصدر مع ~~هذا الصادر مخالفا لهذا المصدر مع هذا الصادر فيكون في المصدر جهتان وذلك ~~ينافى الوحدة وبهذا اثبتوا أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا لئلا يكون فيه ~~جهتان جهة فعل وجهة قبول فيكون مركبا. # فيقال لهم إذا كان صدور الصادرات عنه هو فعله لها والفعل إضافة محضة إليه ~~وهو عندكم لا يوصف بصفة ثبوتية بل لا يوصف إلا بما هو سلب وقلتم أن الإضافة ~~هنا سلب لم يكن ولو صدر عنه ألف صادر إلا بمنزلة سلب الأشياء عنه وإذا قلتم ~~ليس هو بعرض ولا ممكن ولا محدث ونحو ذلك لم تكن كثرة السلوب توجب أمرا ~~ثبوتيا والإبداع عندكم لا يوجب له وصفا ثبوتيا فكثرة الإبداعات منه لا توجب ~~له وصفا ثبوتيا. # هذا مع أنهم متناقضون في جعلهم الإبداع أمرا عدميا بل في قولهم هو إضافة ~~والإضافة أمرا عدميا قد قرروا في العلم الأعلى عندهم القاسم ل الوجود ~~ولواحقه أن الوجود ينقسم إلى جوهر وعرض ومن الأعراض أن يفعل ومنها الإضافة ~~والإبداع هو من مقولة ms160 أن يفعل وهو أمر وجودي وإبداع الباري أكمل من كل ~~إبداع فكيف يكون أكمل أنواع أن يفعل عدميا. # ثم هم جعلوا الإضافة جنسا غير أن يفعل فان ثبت هذا بطل جعل إبداعه للعالم ~~مجرد إضافة وإن سلم أنه إضافة ف الإضافة عندهم من جملة الأجناس الوجودية ~~وهذا وأمثاله مما يبين فساد ما قالوه في الإلهيات من التعطيل مما يطول ~~وصفه. # ثم إذا سلم هذا وسلم أن الإضافة عدمية وكثرة العدميات له لا توجب تكثر ~~أمور ثبوتية فيه مثل تكثر سائر السلوب وإذا قدر أنه أبدع كل شيء بلا واسطة ~~لم يكن في هذا إلا كثرة أمور عدمية يتصف بها وتلك لا توجب كثرة في # PageV01P215 # ذاته مثل سلب جميع المبدعات عنه فإذا قيل ليس بفلك ولا كوكب ولا شمس ولا ~~جنة ولا نار ولا هواء ولا تراب ولا حيوان ولا إنسان ولا نبات كان سلبها عنه ~~بمنزلة إضافتها إليه عندهم وإذا لم يكن هذا إثبات كثرة في ذاته فكذلك ~~الآخر. # وقولهم مصدر ألف غير مصدر باء وهو مع هذا غير كونه مع هذا كما يقال سلب ~~ألف عنه غير سلب باء عنه والشئ مع سلب ألف عنه ليس هو ذاك مع سلب باء عنه ~~وإذا قيل كثرة السلوب لا توجب تعدد أمر ثبوتى له قيل وكثرة الإضافات كذلك ~~عندكم. # ثم يقال الإضافات إليه مثل كونه علة ومبدعا وخالقا وفاعلا ونحو ذلك أما ~~أن يوجب كون الفعل أمرا ثبوتيا يقوم به وأما أن لا يوجب ذلك فان كان الفعل ~~أمرا ثبوتيا قام به بطل نفيكم للصفات ولزم أنه موصوف بالأمور الثبوتية التي ~~منها تهربون وإن لم يكن ثبوتيا كان عدميا فلم يكن في كثرة المفعولات إلا ~~كثرة الأفعال التي هي عدمية وكثرة العدميات لا توجب اتصافه بأمر ثبوتى وإذا ~~كان كونه فاعلا عندكم ليس وصفا ثبوتيا فكونه قابلا كذلك بطريق الأولى ~~وحينئذ فلا يمتنع كون الشيء فاعلا وقابلا. # ومعلوم أن هذا التناقض لزمهم لكونهم جعلوا الأمور الوجودية عدما كما ~~جعلوا نفس الفعل ms161 والتأثير ليس إلا إضافة عدمية ثم ادعوا ذلك في أكمل ~~الفاعلين فعلا وأحقهم بالوجود التام من سائر الموجودات وإلا فهم قد قرروا ~~في العلم الكلى أن الفعل والانفعال أمران وجوديان وهما من الأعراض الموجودة ~~وهما مقولة أن يفعل وأن ينفعل وأن يفعل هو الفعل وأن ينفعل هو القبول ~~وأثبتوا في بعض الأفعال الطبيعية أنها أمور وجودية وأن الفعل هناك وجودي ~~ولكن نقضوا ما ذكروا هناك في العلم الإلهي # PageV01P216 # وكان ما نفوه أحق بالإثبات مما أثبتوه إذ كانوا معرضين عن الله ومعرفته ~~وعبادته جاهلين بما يجب له ويستحقه يعبدون المخلوقات ويعظمونها ويعرفون من ~~كمالها ما يتخذونها به آلهة إشراكا منهم بالله ويدعون رب العالمين لا ~~يعرفونه ولا يعبدونه ولا يعرفون ما يستحقه من الكمال الذي به يجب أن يعبد ~~بل الذي يعلم به أنه لا يستحق العبادة إلا هو وهذا كله مبسوط في مواضعه. # وأرسطو وأصحابه القدماء لم يثبتوا له فعلا ولا جعلوه مبدعا لبعدهم عن ~~معرفته ولهذا كان في قولهم من الفساد ما يطول وصفه ولكن ابن سينا وأتباعه ~~لما جعلوه مبدعا ظهر في كلامهم مثل هذا التناقض. # والمقصود هنا الكلام على المنطق ومثلنا بهذا إلا أن هذا من اشرف المطالب ~~الإلهية التي يختصون هم بأثباتها والمقصود أن نبين أنه لا فرق بين القياس ~~الشمولي والتمثيلي إذا أعطى كل منهما حقه. # ما أمكن إثباته بقياس الشمول كان إثباته ب التمثيل أظهر: # ثم إذا قدر أن ما ذكروه يدلهم على أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد بهذا ~~الطريق أثبت ذلك ب قياس التمثيل وكان أحسن مثل أن يقال الواحد لا يصدر عنه ~~إلا واحد فالأول لا يصدر عنه إلا واحد لأن الواحد بسيط والبسيط لا يصدر عنه ~~إلا بسيط كما أن الحار لا يصدر عنه إلا الحرارة والبارد لا يصدر عنه إلا ~~البرودة وأمثال ذلك مما يذكر في الطبيعيات. # ومن هنا قالوا في الإلهيات الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لكن إذا أرادوا ~~أن يثبتوا ذلك في الإلهيات ب قياس ms162 شمولي وقدر صحته أمكن جعله قياسا تمثيلا ~~وإن قدر أنهم عجزوا أما مطلقا وأما في رب العالمين لكون الوحدة التي وصفوه ~~بها تعطيلا له في الحقيقة ونفيا لوجوده وعجزوا عنه ولم يكن معهم إلا هذا ~~القياس التمثيلي وإذا أثبتوه بالقياس التمثيلي واثبتوا فيه أن الحكم تعلق ~~بالقدر المشترك فقد أفاد هذا ما أفاده قياس الشمول وزيادة # PageV01P217 # مثل أن يقولوا أن الواحد في مورد الإجماع إنما لم يصدر عنه إلا واحد لأنه ~~بسيط فلو صدر عنه اثنان لكان مركبا فالنار البسيطة لا تصدر عنها إلا ~~الحرارة ومتى قدر صدور الحر والبرد جميعا لزم أن تكون مركبة فهذا أن مشى ~~لهم في قياس التمثيل مشى لهم في قياس الشمول وإن بطل هناك كان هناك أبطل. # وأما إثباته ب قياس الشمول دون التمثيل فممتنع فلا يمكن أحدا أن يثبت ~~قضية كلية ب قياس شمول إلا وإثباتها ب التمثيل أيسر وأظهر وإن عجز عن ~~إثباتها ب التمثيل فعجزه عن إثباتها ب الشمول أقوى وأشد. # فإنهم إذا قالوا الحار لا يصدر عنه إلا الحار لأنه واحد والواحد لا يصدر ~~عنه إلا واحد فانه قد يقال لهم ما تعنون ب الصدور أتعنون به استقلاله بصدور ~~الأثر عنه أو أن يكون سببا في صدور الأثر بحيث إذ انضم إلى غيره حصل المؤثر ~~التام. # ليس في الوجود واحد يفعل وحده إلا الله وحده: # فان أردتم الأول لم نسلم لكم أن في الوجود ما هو مؤثر تام ولا شيء مستقل ~~بالفعل غير الله تعالى والحار الذي اثر حرارة والبارد الذي أثر برودة إنما ~~اثر في محل قابل للتسخين والتبريد فكانت الحرارة الحاصلة في القابل بسببه ~~وبسبب الحار معا وأيضا فذلك مشروط بانتفاء العائق المانع وإلا فلو حصل ما ~~يمنع وصول الأثر إليه لم يحصل وكذلك الشعاع إذا قيل الشمس مستقلة به لم ~~يسلم ذلك فانه مشروط بالجسم الذي ينعكس الشعاع عليه ومشروط بعدم المانع ~~كالسحاب والسقف. # وعلى هذا فليس في الوجود واحد يفعل وحده إلا الله وحده قال تعالى: ms163 {ومن ~~كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} قال مجاهد وغيره: "تذكرون فتعلمون أن ~~خالق الأرواح واحد". # قال تعالى: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل # PageV01P218 # شيء وهو بكل شيء عليم} فنفى التولد عنه لامتناع التولد من شيء واحد وأن ~~التولد إنما يكون بين اثنين وهو سبحانه لا صاحبة له وأيضا فانه خلق كل شيء ~~وخلقه لكل شيء يناقض أن يتولد عنه شيء وهو بكل شيء عليم وعلمه بكل شيء ~~يستلزم أن يكون فاعلا بإرادته فان الشعور فارق بين الفاعل بالإرادة والفاعل ~~بالطبع فيمتنع مع كونه عالما أن يكون كالأمور الطبيعية التي يتولد عنها ~~الأشياء بلا شعور كالحار والبارد فلا يجوز إضافة الولد إليه بوجه سبحانه ~~قال تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له ~~صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} . # والذين قالوا أن العقول والنفوس صدرت عنه خرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~فان أولئك لم يكونوا يجعلون شيئا من البنين والبنات مبدعة لكل ما سواه ~~وهؤلاء يجعلون احد البنين وهو العقل أبدع كل ما سواه ويجعلون العقل كالذكر ~~والنفس كالأنثى وهذا مما صرحوا به وكانت العرب تقر بأنه خلق السموات والأرض ~~وأحدثهما بعد أن لم تكونا ولم يكونوا يقولون أنها قديمة أزلية معه لم تزل ~~معه وهذا مبسوط في موضع آخر. # والمقصود هنا أنهم لم يعلموا في الوجود شيئا واحدا صدر عنه وحده شيء عل ~~سبيل الاستقلال فصار قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد باطلا في قياس ~~الشمول وباطلا في قياس التمثيل لكن الغرض أنه لو أثبت هذا وأمثاله ب قياس ~~الشمول لكان إثباته ب قياس التمثيل أولى. # وأيضا فهذا الحار الذي يفعل الحرارة والبارد الذي يفعل برودة إنما يفعل ~~ذلك مع عدم العلم والإرادة بخلاف ما يفعل بعلم واختيار كالإنسان فان هذا # PageV01P219 # يفعل أفعالا متنوعة وتصدر عنه أمور مختلفة وهم يسلمون ذلك ويقولون أن ms164 ~~الفاعل بالطبع يتحد فعله والفاعل الاختيار يتنوع فعله وإذا كان كذلك فمعلوم ~~أن ما يفعل بالعلم والإرادة أكمل مما يفعل بلا علم ولا أرادة فالإنسان أكمل ~~من الجماد وحينئذ فان كان باب القياس صحيحا فقياس الرب بما يفعل بعلم ~~واختيار أولى من قياسه بما يفعل بلا علم ولا اختيار فما بالهم شبهوا رب ~~العالمين بالجمادات ونزهوه أن يشبهوه بالأحياء الناطقين. # وهذا الخذلان أصابهم في باب صفاته وأفعاله فهم في باب الصفات يقولون إذا ~~قلنا أنه حي عالم قادر مريد فقد شبهناه ب النفس الفلكية أو الإنسانية فيقال ~~لهم إذا نفيم عنه العلم والحيوة والقدرة والإرادة فقد شبهتموه بالجمادات ~~كالتراب والماء فان كنتم إنما هربتم من التشبيه فالذي إليه شر مما هربتم ~~منه. # ثم إنكم تزعمون أن الفلسفة هي التشبة بالآلة على قدر الطاقة وان الفلك ~~يتشبه به بحسب الإمكان فتجعلون مخلوقاته قادرة على التشبه به من بعض الوجوه ~~فان كان التشبه به منفيا عنه من كل وجه امتنع أن يكون مقدورا للمخلوقات وإن ~~جاز أو وجب إثباته من بعض الوجوه كان هو أقدر عليه من مخلوقاته فكان إذا ~~كان التشبه من بعض الوجوه ممكنا أن يخلق ما فيه من صفات الكمال ما يشبهه من ~~بعض الوجوه أولى من أن يقدر ذلك لمخلوق على أن يحدث لنفسه ما يصير به ~~مشابها له من بعض الوجوه سواء قيل أنه خالق أفعال المخلوقات أو لم يقل بذلك ~~فانه على الأول يكون هو الخالق لما فيه شبه له وحينئذ فيبطل قولهم وعلى ~~الثاني فيكون المخلوق بدون إعانة الخالق له يقدر على أن يحدث ما يشبه الرب ~~والرب لا يقدر على ذلك. # فتبين أن قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لا يصح استدلالهم به في حق ~~الله تعالى بأي قياس استدلوا # PageV01P220 # وإن قالو أن الواحد من الوجه الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وان صدر منه ~~اثنان فمن وجهين أو قالوا هذا معلوم بالضرورة فلا يحتاج إلى دليل فانه لا ~~بد بين المصدر والصادر ms165 من مناسبة والوجه الواحد لا يناسب اثنين قيل لهم هذا ~~يبطل قولكم في نفي الصفات فان الرب قد صدر عنه مخلوقات كثيرة وإذا كان ~~الواحد لا يصدر عنه من الوجه الواحد إلا واحد امتنع أن تصدر هذه المخلوقات ~~عن خالقها من وجه واحد فدل ذلك على أنه متصف بأمور متنوعة من صفات متنوعة ~~وأفعال متنوعة صدر عنه باعتبارها ما وجد من المخلوقات فكان اصل ضلالهم ~~توهمهم إمكان صدور المخلوقات عما قدروه من الواحد الذي لا يوجد إلا في ~~الأذهان لا في الأعيان ولقد أحسن بعض الفضلاء إذ قال الصفع أحسن من توحيد ~~الفلاسفة بل قصر فيما قال. # وإذا قالوا هو واحد ليس له صفات وأفعال تقوم به فلو صدر عنه أكثر من واحد ~~لكان قد صدر عن الواحد من الوجه الواحد أكثر من واحد قيل لهم فذلك الأول أن ~~كان واحدا من كل وجه لزم أن لا يصدر عنه إلا واحد من كل وجه وهذا خلاف ~~المشاهدة وان كان فيه كثرة بوجه ما فقد صدر عن الواحد من الوجه الواحد أكثر ~~من واحد وان قالوا تلك الوجوه التي في الصادر الأول أمور عدمية قيل فقد صدر ~~عنه باعتبارها كثرة وإذا جاز هذا جاز أن تجعل الأمور الإضافية الكثيرة في ~~الأول مبدأ الكثرة فكيفما أدير قولهم تبين أنه افسد من قول النصارى في ~~التثليث. # وحقيقة قولهم الذي قرره ابن سينا وأمثاله أنه أي موجود فرض في الوجود كان ~~أكمل من رب العالمين وذلك أنه قرر أنه وجود مشروط بسلب جميع الأمور ~~الثبوتية عنه وهو معنى قولهم هو الوجود المقيد بسلب جميع الماهيات وقولهم ~~الوجود الذي لا يعرض له شيء من الماهيات فان هذا بناه على قوله أن وجود ~~الماهيات عارض لها بناء على أن في الخارج لكل ممكن وجودا وماهية غير # PageV01P221 # الوجود وان ذلك الوجود عرض لتلك الماهية وان كان لازما لها ولهذا قالوا ~~أن واجب الوجود وجوده لا يعرض لشيء من الماهيات لئلا يلزم التركيب والتعليل ~~فيكون وجودا مقيدا بأن ms166 لا يعرض لشيء من الماهيات فلا يجوز أن يكون له حقيقة ~~في نفسه غير الوجود المحض الذي لا يتقيد بأمر ثبوتي. # فيقال له فعلى هذا التقدير قد شارك جميع الموجودات في مسمى الوجود وامتاز ~~عنها بقيد عدمي وهو سلب كل ثبوت وامتاز به كل منها عنه بما يخصه من الحقيقة ~~الموجودة ومعلوم أن الوجود أكمل من العدم وهم يسلمون ذلك فإذا اشترك اثنان ~~في الوجود وامتاز أحدهما عن الآخر بأمر وجودي والآخر لم يميز إلا بأمر عدمي ~~كان الممتاز بأمر وجودي أكمل من الممتاز بأمر عدمي لأنه شارك هذا في الوجود ~~المشترك وامتاز عنه بالوجود المختص وذلك لم يمتز عنه إلا بعدم كل وجود خاص ~~وسواء جعل الوجود المشترك جنسا أو عرضا عاما وجعل المميز بينهما فصلا أو ~~خاصة فعلى كل تقدير يلزم أن يكون ما لم يتميز إلا بعدم دون ما تميز بوجود. # وهم يقولون إنما فررنا إلى هذا من التركيب فيقال أن كان التركيب نقصا ~~لكان ما فررتم إليه شرا مما فررتم منه فان الذي فررتم إليه يوجب أن لا يكون ~~له وجود في الخارج لأن الموجود الذي لا يختص بأمر ثبوتي لا يوجد إلا في ~~الأذهان لا في الأعيان وإذا قدر ثبوته في الخارج فكل موجود ممكن أكمل منه ~~فيلزم أن يكون كل مخلوق ولو أنه ذرة أو بعوضة أكمل من رب العالمين رب الأرض ~~السموات والقول المستلزم هذا في غاية الفساد. # فالحمد لله الذي هدانا لمعرفة الحق وبيان ما التبس على هؤلاء الذين يدعون ~~أنهم أكمل الناس وهم اجهل الناس برب العالمين. # والله تعالى اخبر عن المشركين ما ذكره في سورة الشعراء من قوله: {وأزلفت ~~الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم # PageV01P222 # تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون ~~وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ ~~نسويكم برب العالمين} فهذا حال من سوى المخلوقات برب العالمين فكيف حال من ~~فضل كل ms167 مخلوق على رب العالمين. # وإذا قيل هم لم يفهموا ولم يقصدوه قيل ونحن لم نقل أنهم تعمدوا مثل هذا ~~الباطل لكن هذا لازم قولهم وهو دليل على غاية فساده وغاية جهلهم بالله ~~تعالى وأنهم أضل من اليهود والنصارى ومشركي العرب وأمثالهم من المشركين ~~الذين يعظمون الخالق أكثر من تعظيم هؤلاء المعطلين: # فان كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وان كنت تدري فالمصيبة أعظم # كون لفظ التركيب مجملا يطلق على معان: # وما فروا منه من التركيب قد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع وبينا أن لفظ ~~التركيب مجمل يراد به تركيب الجسم من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت كتركيب ~~السكنجبين وغيره من الأدوية بل ومن الأطعمة والأشربة والملابس والمساكن من ~~أجزائها التي كانت متفرقة فألف بينها وركب بعضها مع بعض حتى صارت على الحال ~~المركبة. # وقد يراد ب المركب ما لا يمتزج فيه احد الاثنين بالآخر كما يقال ركب ~~الباب في موضعه وركب المسمار في الباب وهذا التركيب اخص من الأول وهو ~~المشهور من الكلام وقد قال تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك} ومعلوم أن ~~عاقلا لا يقول أن الله تعالى مركب بهذا المعنى الأول ولا بالثاني. # وقد يقال المركب على ما يمكن مفارقة بعض أجزائه لبعض كأخلاط الإنسان ~~وأعضائه فإنها وان لم يعقل أنها كانت مفترقة فاجتمعت بل خلقه الله # PageV01P223 # من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولكن يمكن تفريق بعض أعضائه عن بعض ويعقل ~~أيضا أنه إذا مات استحال فصار بعضه ترابا وبعضه هواء فتفرقت أعضائه وأخلاطه ~~وكذلك سائر الحيوان والنبات ومعلوم أن عأقلا لا يقول أن هذا مركب بهذا ~~الاعتبار. # وأما تسمية الواحد الموصوف بصفاته مركبا كتسمية الحي العالم القادر ~~الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركبا فهذا اصطلاح لهم لا يعرف شيء من ~~الشرائع ولا اللغات ولا عقول جماهير العقلاء جعلوا هذا تركيبا وان تسميته ~~مركبا. # فإذا قالوا نحن نسميه تركيبا لأن فيه إثبات معان متعددة لذات واحدة ونحن ~~نسمي ذلك تركيبا ونقيم الدليل العقلي على امتناعه قيل إذا ms168 كان إلا كذلك ~~فالنظر في المعاني المعقولة لا في الألفاظ السمعية ونحن لا نوافقكم على جعل ~~الإنسان مركبا من الحيوانية والناطقية ولا أن في الوجود شيئا مركبا من ~~أجزاء عقلية بل المركب من الأجزاء العقلية إنما يكون في الأذهان لا الأعيان ~~وكل ما في الوجود من المركبات فإنما هو مركب من أجزاء حسية موجودة في ~~الخارج. # والناس قد تنازعوا في الجسم هل هو مركب من أجزاء حسية وهو الجواهر ~~المفردة أو من أجزاء عقلية وهي المادة والصورة أو لا من هذا ولا من هذا على ~~ثلاثة أقوال والصحيح عندنا القول الثالث ثم يليه قول من جعله مركبا من ~~الأجزاء الحسية وافسد الثلاثة قول من جعله مركبا من الأجزاء العقلية كما قد ~~بسط في موضعه. # وحينئذ فمن قال أن الباري جسم وان الجسم مركب من الأجزاء الحسية أو ~~العقلية كان الاستدلال على بطلان هذا التركيب استدلالا مقبولا ممن يقوله # PageV01P224 # فان مطلوبه صحيح لكن يبقى النظر هل يحسن هذا المستدل الاستدلال عليه أو ~~لا يحسنه. # واما من قال أنه ليس ب مركب لا هذا التركيب ولا هذا التركيب وإنما اسميه ~~جسما أو جوهرا لأن الجسم والجوهر عندي اسم لكل موجود قائم بنفسه فهذا ~~النزاع معه في اسم الجسم والجوهر نزاع لفظي لا عقلي ولا شرعي فان الشرع لم ~~ينطق بهذا الاسم لا نفيا ولا إثباتا والعقل إنما ينظر في المعاني لا في ~~مجرد اللفظ فالنظر مع هذا أما في إثبات كون الجسم مركبا احد التركيبين وهذا ~~بحث عقلي معروف وأما في كون لفظ الجسم في اللغة لكل مركب وهذا مركب وهذا ~~بحث لغوي له موضع آخر. # وهؤلاء ليس مقصودهم بنفي التركيب هذا المعنى فقط فان هذا يوافقهم عليه ~~كثير من مثبتة الصفات لكن مقصودهم أنه لا يتصف بصفة ثبوتية أصلا واخذوا لفظ ~~التركيب الذي وافقتهم بعض أهل الكلام على نفي معناه وتوسعوا فيه حتى جعلوه ~~اعم مما وافقهم عليه أولئك المتكلمون ونفوه وصاروا كالجهمية المحضة التي ~~تنفي الأسماء والصفات أو تثبتها على ms169 وجه المجاز. # دليل نفاة الصفات والرد عليه: # والمقصود هنا أن نقول قولهم الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركب من هذا ~~وهذا يقال لهم سموا هذا تركيبا أو تجسيما أو ما شئتم من الأسماء فما الدليل ~~على نفي هذا عقلا أو سمعا قالوا الدليل على ذلك أن كل مركب مفتقر إلى ~~أجزائه وجزؤه غيره ف المركب مفتقر إلى غيره والمفتقر إلى غيره ليس واجبا ~~بنفسه. # فيقال أجزاء هذا الدليل وألفاظه التي تسمونها حدودا كلها ألفاظ مجملة ~~تحتمل حقا وباطلا واستعمال الألفاظ المجملة في الحدود والقياس من باب ~~السفسطة. # فيقال لكم قد عرف أن لفظ المركب مجمل وان المراد به هنا ذات تقوم بها ~~صفات وحينئذ فالمراد ب الافتقار تلازم الذات والصفات بمعنى # PageV01P225 # انه لا توجد الذات إلا مع وجود صفتها الملازمة لها ولا توجد الصفة إلا مع ~~وجود الذات الملازمة لها ولو قدر أنه أريد بالتركيب التركيب من الأجزاء ~~الحسية أو العقلية مع تلازم الأجزاء فهذا معناه. # فإذا قيل كل مركب مفتقر إلى جزئه أن عني به أنه مستلزم لجزئه وانه لا ~~يوجد إلا بوجود جزئه فهذا صحيح فان وجود المجموع بدون كل من آحاده ممتنع ~~وان أريد أنه يفتقر إليه افتقار المفعول إلى فاعله والمعلول إلى علته ~~الفاعلة أو القابلة أو الغائية أو الصورية فهذا باطل فان الواحد من العشرة ~~والجزء من الجملة لا يجوز أن يكون فاعلا ولا غاية ولا هي هو الصورة. # ثم قولكم وجزؤه غيره يقال لفظ الغير يراد به ما كان مباينا للشيء وما ~~يجوز مفارقته له وما ليس إياه فان أردتم أن جزء المجموع ما هو مباين له ~~فهذا باطل فانه يمتنع أن يكون مباينا له مع كونه جزءا منه فيمتنع أن يكون ~~غيرا له بهذا الاعتبار وان قلتم يجوز أن يفارقه فهذا ليس عام على الإطلاق ~~بل يجوز في بعض الأفراد أن يفارق غيره من الأجزاء ويفارق المجموع الذي هو ~~الهيئة الاجتماعية ولا يلزم ذلك في كل مجموع لا سيما على أصلهم فان الفلك ~~عندهم ms170 مركب من أجزائه وصفاته ولا يجوز عندهم على أجزائه التفرق. # والمسلمون وجمهور العقلاء عندهم أن الله حي عليم قدير ولا يجوز أن يفارقه ~~كونه حيا عالما قادرا بل لم يزل ولا يزال كذلك وكونه حيا عالما قادرا من ~~لوازم ذاته وهي ملازمة لذاته لا يجوز عليه الافتراق بوجه من الوجوه فامتنع ~~أن تكون صفاته هذه أغيارا بهذا الاعتبار. # وان فسر الغيران بما ليس أحدهما هو الآخر أو بما يجوز العلم بأحدهما مع ~~عدم العلم بالآخر فلا ريب أن صفة الموصوف التي يمكن معرفتها # PageV01P226 # بدونه غير له بهذا الاعتبار لكن إذا كانت تلك الصفة لازمة له وهو لازم ~~لها لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون أحدهما مفتقرا إلى الآخر مفعولا للآخر ~~ولا علة فاعلة ولا غائية ولا صورية أكثر ما في ذلك أن تكون الصفة مفتقرة ~~إلى الذات افتقار الحال إلى محله القابل له وهم يسمون القابل علة قابلة لكن ~~فيما يحدث لها من المقبولات لا فيما يكون لازما لها ازلا وأبدا وان قدر ~~أنهم يسمون جميع ذلك علة ومعلولا فتكون الذات علة قابلة للصفة بهذا ~~الاعتبار وكون الصفة معلولة هو معنى كونها صفة قائمة بالموصوف. # مجموع الذات والصفة لا يفتقر إلى العلل الأربع: # ومع هذا فليس مجموع الذات والصفة مفتقرا إلى شيء من أنواع العلل الأربع ~~لا إلى الفاعل ولا إلى الغاية ولا إلى القابل ولا إلى الصورة فبطل أن يقال ~~المجموع مفتقر إلى جزئه افتقار المعلول إلى علته بوجه من الوجوه لكن غايته ~~أن فيه افتقار الصفة إلى الموصوف افتقار الحال اللازم لمحله إلى محله ~~المستلزم له فيقال لهم وأي شيء في كونه موجودا بنفسه لا فاعل له ما يوجب ~~نفي هذا التلازم الذي سموه افتقار نحو ذاته وصفاته. # وقولهم ما افتقر إلى غيره لم يكن واجبا بنفسه يقال لهم قد علم أن المراد ~~ب الافتقار التلازم والمراد ب الغير ما هو داخل في المجموع أما الذات وأما ~~الصفات ليس المراد به ما هو مباين له وما ms171 يجوز مفارقته له وغايته أن يراد ~~أن الصفة لا بد لها من الموصوف فليس المراد افتقار المعلول إلى علته ~~الفاعلة وحينئذ فليس في هذا التلازم الذي سميتموه افتقارا ولا في هذه ~~الصفات التي سميتموها أغيارا ما يوجب أن يكون شيء من ذلك مفعولا لفاعل ولا ~~لعلة فاعلة. # وواجب الوجود الذي دلت الممكنات عليه هو الموجود بنفسه القائم بنفسه رب ~~العالمين الذي لا يفتقر إلى فاعل ولا علة فاعلة بل هو بنفسه وصفاته # PageV01P227 # لا يفتقر إلى شيء من العلل الأربع. # كون صفاته تعالى واجبة الوجود: # وأما نفس صفاته فليس لها فاعل ولا علة فاعلة ولا علة غائية ولا صورية فهي ~~واجبة الوجود إذا عنى ب واجب الوجود احد هذه المعاني. # وان عنى ب واجب الوجود ما هو اعم من ذلك حتى يدخل فيه ما ليس له محل يقوم ~~به فليست واجبة الوجود بهذا التفسير بل هي ممكنة الوجود والذات مستلزمة لها ~~وهي محل لها. # وإذا قيل فيلزم أن يكون الذات فاعلة وقابلة وذاك باطل قيل كلا المقدمتين ~~ممنوعة فان كون الذات مستلزمة لصفتها القائمة بها لا يقتضى أن تكون فاعلة ~~لها بل يمتنع أن تكون الذات فاعلة للصفة اللازمة في الممكن فكيف في رب ~~العالمين بل يمتنع أن يكون الرب فاعلا لما هو لازم له وان كان بائنا عنه ~~كالفلك فكيف يكون فاعلا لصفته اللازمة له وان قدر أنهم سموا هذا الاستلزام ~~فعلا وقالوا هي فاعلة بهذا الاعتبار قيل لهم فلا نسلم أنه لا يجوز كون ~~الشيء الواحد فاعلا وقابلا بهذا الاعتبار بل ولا باعتبار آخر. # فان استدلوا على ذلك بحجتهم المعروفة المبينة على نفي التركيب فلا يمكنهم ~~جعل ذلك مقدمة في نفس الدليل لأن هذا مصادرة على المطلوب وهو جعل المطلوب ~~مقدمة في إثبات نفسه بعبارة أخرى فإنهم إذا نفوا التركيب عن الواجب بناء ~~على مقدمات منها أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا واثبتوا هذه المقدمة بناء ~~على نفي التركيب كانوا قد اثبتوا كلا من المقدمتين بالأخرى فلا تكون واحدة ms172 ~~منهما ثابتة. # والدليل الدال على إثبات واجب الوجود دل على إثبات فاعل مبدع ل الممكنات ~~والمبدع لها يمتنع أن يكون صفة قائمة بغيره فان ذلك الموصوف هو الفاعل ~~حينئذ دون مجرد الصفة وهذا الواجب الذي دلت عليه آياته ليس # PageV01P228 # يفتقر إلى علة من العلل الأربع مع اتصافه بصفاته اللازمة له. # إذا جاز استلزام الذات للمفعولات فاستلزامها للصفات أولى: # ومن أعظم تناقض هؤلاء أنهم يقولون الذات إذا استلزمت الصفات كان ذلك ~~افتقارا منها إلى الغير فلا تكون واجبة وهم يقولون أن الذات مستلزمة ~~لمفعولاتها المنفصلة عنها ولا يجعلون ذلك منافيا لوجوب وجودها بنفسها فان ~~كان الاستلزام للمفعولات لا ينافي وجوب الوجود فالاستلزام للصفات أولى أن ~~لا ينافيه. # وان كان ذلك الاستلزام ينافي وجوب الوجود كان حينئذ قد عرض له أن يفعل ~~بعد أن لم يكن فاعلا وهذا ممتنع عندهم وهذا اظهر المعقولات التي قهروا بها ~~المتكلمين الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية والكلابية وأتباعهم ولم ~~يميز الطائفتان بين فاعل النوع وفاعل العين. # ثم إذا جاز أن يفعل ف الفعل ثبوتي فيلزم قيامه به ودعوى أن المفعول عين ~~الفعل مكابرة للعقل وإذا جاز قيام الفعل به كان قيام الصفات بطريق الأولى. # فساد القول بأن المفعول عين الفعل: # والذين جعلوا المفعول عين الفعل من أهل الكلام كالأشعرية ومن وافقهم من ~~حنبلي وشافعي ومالكي وغيرهم إنما ألجاهم إلى ذلك فرارهم من قيام الحوادث ~~بالقديم وتسلسل الحوادث وهذان كل منهما غير ممتنع عند هؤلاء الفلاسفة مع أن ~~أولئك المتكلمين النفاة حجتهم على النفي ضعيفة. # وجماهير المسلمين وطوائفهم على خلاف ذلك والقول بأن الخلق غير المخلوق هو ~~مذهب السلف قاطبة وذكر البخاري في كتاب خلق أفعال العباد # PageV01P229 # انه قول العلماء مطلقا بلا نزاع وهو قول أئمة الحديث وجمهورهم وقول أكثر ~~طوائف الكلام كالهشامية والكلابية والكرامية وقول جمهور الفقهاء من أصحاب ~~أبي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي وقول الصوفية كما حكاه عنهم صاحب التعرف ~~لمذهب التصوف وهو قول أهل السنة فيما حكاه البغوي صاحب شرح السنة. # وحجة هؤلاء ms173 أنه لو كان الخلق غير المخلوق لكان أما قديما وأما حادثا فان ~~كان قديما لزم قدم المخلوق فيلزم قدم العالم وان كان حادثا فانه يفتقر إلى ~~خلق آخر ويلزم التسلسل ويلزم أيضا كون الرب محلا للحوادث. # فيقال لهم جميع هذه المقدمات مما ينازعكم الناس فيها ولا تقدرون على ~~إثبات واحدة منها فقولكم لو كان قديما لزم قدم المخلوق يقول لكم من ~~توافقونه على قدم الإرادة نحن وانتم متفقون على قدم الإرادة وان تأخر ~~المراد فتأخر المخلوق عن الخلق كذلك أو أولى وهذا جواب الحنفية والكرامية # PageV01P230 # وكثير من الحنبلية والشافعية والمالكية والصوفية وأهل الحديث لهم. # وإما قولهم أن كان محدثا افتقر إلى خلق آخر فهذا أيضا ممنوع فإنهم يسلمون ~~أن المخلوقات محدثة منفصلة بدون حدوث خلق فإذا جاز هذا في الحادث المنفصل ~~عن المحدث فلان يجوز حدوث الحادث المتصل به بدون خلق بطريق الأولى والأخرى. # ولهذا كان كثير من هؤلاء أو أكثرهم هم يقولون أن الخلق الذي قام به حادث ~~لا محدث ويقولون ما قام به من الفعل حدث بنفس القدرة والإرادة لا يفتقر إلى ~~خلق وإنما يفتقر إلى الخلق المخلوق والمخلوق ما كان منفصلا عنه وكثير منهم ~~يسمونه محدثا ويقولون هو محدث ليس ب مخلوق فان المخلوق ما خلقه بائنا عنه ~~وأما نفس فعله وكلامه ورضاه وغضبه وفرحه الذي يقوم بذاته ب قدرته فانه وان ~~كان حادثا ومحدثا فليس ب مخلوق وليس كل حادث ولا محدث مخلوقا عند هؤلاء. # فان قيل النزاع في ذلك لفظي قيل هذا لا يضرهم فان من سمى ذلك القائم به ~~مخلوقا قالوا له غايته أن المخلوق الذي هو نفس الخلق لا يفتقر إلى خلق آخر ~~ولا يلزم من ذلك أن المخلوق الذي ليس ب خلق لا يفتقر إلى الخلق فان من ~~المعقول أن المخلوق لا بد له من خلق وأما الخلق نفسه إذا جوز وجود مخلوق ~~بلا خلق فتجويز خلق بلا خلق أولى والمنازع لهم يجوز وجود كل مخلوق بلا خلق ~~فإذا جوزوا هم نوعا ms174 منه بلا خلق كان ذلك أولى بالجواز والفرق بين نفس الخلق ~~الذي به خلق المخلوق وبين المخلوق معقول. # البحث في قيام الحوادث به تعالى: # وكذلك احتجاجهم بامتناع حلول الحوادث لا ينفع الفلاسفة فان هذا إنما نفوه ~~لامتناع قيام الحادث بالقديم وهؤلاء الفلاسفة يجوزون قيام الحادث # PageV01P231 # بالقديم ومن جوز قيام الصفات بالباري منهم جوز قيام الحوادث به مثل كثير ~~من أساطينهم القدماء والمتأخرين كأبي البركات وغيره فهذان قولان معروفان ~~لهم أما القول الثالث وهو تجويز الصفات دون الأفعال فهذا لا اعرف به قائلا ~~منهم فان كان قد قاله بعضهم فالكلام معه كالكلام مع من قال ذلك من أهل ~~الكلام. # وعلى هذا فلا يلزم التسلسل وان لزم فإنما هو تسلسل في الآثار وهو وجود ~~كلام بعد كلام أو فعل بعد فعل والنزاع في هذا مشهور وإنما يعرف نفيه عن ~~الجهمية والقدرية ومن وافقهم من كلابي وكرامي ومن وافقهم من المتفقه وأما ~~أئمة السلف وأئمة السنة فلا يمنعون هذا بل يجوزونه بل يوجبونه ويقولون أن ~~الله لم يزل متكلما إذا شاء بل يقولون أنه لم يزل فاعلا يقوم به الأفعال ~~الاختيارية بمشيئته وقدرته وهذا كله مبسوط في مواضعه. # والمقصود هنا أنه يلزم من كونه فاعلا قيام الصفات به فان الفعل أمر وجودى ~~وان يفعل من أقسام الوجود ووجود المخلوق المفعول بلا خلق ولا فعل ممتنع ~~وإذا قام الخلق به ف العلم والقدرة لازمة الخلق وقيامهما به أولى. # وأنهم أن قالوا يستلزم المفعول ولا يستلزم الصفة لكون الملزوم مفتقرا إلى ~~اللازم فهذا من أعظم التناقض وان قالوا أنه لا يستلزمه كان ذلك أدل على ~~بطلان قولهم في الصفات والأفعال وكان الدليل يدل على قيام الأفعال به ~~والصفات وقيام الصفات به أولى من قيام الأفعال فبطل ما نفوا به الصفات ~~وسموه تركيبا. # والواحد الذي قالوا أنه لا يصدر عنه إلا واحد هو الواحد المسلوب عنه ~~الصفات كلها بل هو الوجود المقيد بكل سلب وهذا لا حقيقة له إلا في الذهن ~~وأي موجود مخلوق قدر فهو ms175 أكمل من هذا الخيال الذي لا حقيقة له في الخارج # PageV01P232 # والتعظيم له إنما نشأ من اعتقاد أنه رب العالمين وانه واجب الوجود ونحو ~~ذلك من الصفات التي تظهر كمالها وأما من هذه الجهة النافية السلبية فما من ~~وجود إلا وهو أكمل منه وإذا كانوا قد جمعوا بين وصفه بذلك الكمال وهذا ~~النقصان الذي يكون كل موجود أكمل منه دل على تناقضهم وفساد قولهم وكان ما ~~قالوه من الحق حقا وما قالوه من الباطل باطلا وهذه المسائل الإلهية مبسوطة ~~في موضعها. # رد القول بأن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن: # والمقصود هنا الكلام على المنطق وما ذكروه من البرهان وأنهم يعظمون قياس ~~الشمول ويستخفون ب قياس التمثيل ويزعمون أنه إنما يفيد الظن وان العلم لا ~~يحصل إلا بذلك وليس الأمر كذلك بل هما في الحقيقة من جنس واحد وقياس ~~التمثيل الصحيح أولى بإفادة المطلوب علما كان أو ظنا من مجرد قياس الشمول ~~ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون ب قياس التمثيل أكثر مما يستدلون ب قياس ~~الشمول بل لا يصح قياس الشمول في الأمر العام إلا بتوسط قياس التمثيل وكل ~~ما يحتج به على صحة قياس الشمول في بعض الصور فانه يحتج به على صحة قياس ~~التمثيل في تلك الصورة ومثلنا هذا بقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه ~~من أشهر أقوالهم الإلهية الفاسدة. # وأما الأقوال الصحيحة فهذا أيضا ظاهر فيها فان قياس الشمولي لا بد فيه من ~~قضية كلية موجبة ولا نتاج عن سالبتين ولا عن جزئيتين باتفاقهم والكلي لا ~~يكون كليا إلا في الذهن فإذا عرف تحقق بعض أفراده في الخارج كان ذلك مما ~~يعين على العلم بكونه كليا موجبا فانه إذا أحس الإنسان ببعض الأفراد ~~الخارجية انتزع منه وصفا كليا لا سيما إذا كثرت أفراده فالعلم بثبوت الوصف ~~المشترك لأصل في الخارج هو أصل العلم بالقضية الكلية وحينئذ ف القياس ~~التمثيلي أصل # PageV01P233 # ل القياس الشمولي أما أن يكون سببا في حصوله وأما أن يقال لا يوجد بدونه ~~فكيف ms176 يكون وحده أقوى منه. # وهؤلاء يمثلون الكليات بمثل قول القائل الكل أعظم من الجزء والنقيضان لا ~~يجتمعان ولا يرتفعان والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وما من ~~كلي من هذه الكليات إلا وقد علم من أفراده الخارجة أمور كثيرة وإذا أريد ~~تحقق هذه الكلية في النفس ضرب لها المثل بفرد من أفرادها وبين انتفاء ~~الفارق بينه وبين غيره أو ثبوت الجامع وحينئذ يحكم العقل بثبوت الحكم لذلك ~~المشترك الكلي وهذا حقيقة قياس التمثيل. # ولو قدرنا أن قياس الشمول لا يفتقر إلى التمثيل وان العلم بالقضايا ~~الكلية لا يفتقر إلى العلم بمعين أصلا فلا يمكن أن يقال إذا علم الكلي مع ~~العلم بثبوت بعض أفراده في الخارج كان انقص من أن يعلمه بدون العلم بذالك ~~المعين فان العلم بالمعين ما زاده إلا كمالا فتبين أن ما نفوه من صورة ~~القياس أكمل مما أثبتوه. # ما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل هو من كلام متأخريهم: # واعلم أنهم في المنطق الإلهي بل والطبيعي غيروا بعض ما ذكره أرسطو لكن ما ~~زادوه في الإلهي خير من كلام أرسطو فاني قد رأيت الكلامين وأرسطو واتباعه ~~في الإلهيات اجهل من اليهود والنصارى بكثير كثير وأما في الطبيعيات فغالب ~~كلامه جيد وأما المنطق فكلامه فيه خير من كلامه في الإلهي. # وما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل والاحتجاج عليه بما ذكروه هو من كلام ~~متأخريهم لما رأوا استعمال الفقهاء له غالبا والفقهاء يستعملونه كثيرا في ~~المواد الظنية وهناك الظن حصل من المادة لا من صورة القياس فلو صوروا تلك ~~المادة ب قياس الشمول لم يفد أيضا إلا الظن لكن هؤلاء ظنوا أن الضعف من جهة ~~الصورة فجعلوا صورة قياسهم يقينيا وصورة قياس الفقهاء ظنيا. # PageV01P234 # ومثلوه بأمثلة كلامية ليقرروا أن المتكلمين يحتجون علينا بالأقيسة الظنية ~~كما مثلوه من الاحتجاج عليهم بأن الفلك جسم أو مؤلف فكان محدثا قياسا على ~~الإنسان وغيره من المولدات ثم اخذوا يضعفون هذا القياس لكن إنما ضعفوه بضعف ~~مادته فان هذا الدليل الذي ذكره الجهمية ms177 والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية ~~وغيرهم على حدوث الأجسام أدلة ضعيفة لأجل مادتها لا لكون صورتها ظنية ولهذا ~~لا فرق بين أن يصوروها بصورة التمثيل أو الشمول. # والآمدى ونحوه ممن يصنف في الفلسفة ويكره التمثيل بمثل هذا لما فيه من ~~التشنيع على المتكلمين فيمثل بمثال متفق عليه كقوله العالم موجود فكان ~~قديما كالباري فان أحدا من العقلاء لا يحتج على قدم العالم بكونه موجودا ~~وإلا لزم قدم كل موجود وهذا لا يقوله عأقل. # إبطال القول بأن الدوران والتقسيم لا يفيدان إلا الظن: # وما ذكروه من أن قياس التمثيل إنما يثبت بالدوران أو التقسيم وكلاهما لا ~~يفيد إلا الظن قول باطل ويلزمهم مثل ذلك في قياس الشمول. # أما التقسيم فإنهم يسلمون أنه يفيد اليقين إذا كان حاصرا وإذا كان كذلك ~~فانه يمكن حصر المشترك في أقسام لا يزيد عليها وإبطال التعليل بجميعها إلا ~~بواحد وان لم يمكن ذلك لم يمكن جعل ذلك المشترك حدا أوسط فلا يفيد اليقين ~~ولو استعمل فيه قياس الشمول. # جواب اعتراضهم على السبر والتقسيم بقولهم: # وأما قوله يجوز أن يكون الحكم ثابتا في الأصل لذات الأصل وإلا لزم ~~التسلسل فنقول لا يلزم التسلسل إلا إذا كان لا يثبت إلا لخارج أما إذا كان ~~تارة يثبت لخارج وتارة لغير خارج لم يلزم التسلسل وحينئذ فلا يمتنع أن # PageV01P235 # تعلم أن الحكم في هذا الأصل المعين لم يثبت لما يختص به بل لوصف مشترك ~~بينه وبين غيره. # فائدتان في تعليل الحكم بعلة قاصرة: # وهذا كما يقول الفقهاء أن الحكم يعلل تارة ب علة متعدية وتارة ب علة ~~قاصرة والتعليل ب القاصرة إذا كانت منصوصة جائز باتفاق الفقهاء وإنما ~~تنازعوا فيما إذا كانت مستنبطة والأكثرون على جواز ذلك وهو الصحيح وهو مذهب ~~مالك والشافعي واحمد بن حنبل في المنصوص عنه فانه دائما يعلل بالعلل ~~القاصرة وهو اختيار أبي الخطاب وغيره من أصحابه. # ولكن القاضي أبو يعلى وطائفة وافقوا أصحاب أبي حنيفة في منعهم التعليل ب ~~القاصرة وهذا من كلام متأخريهم وسبب ms178 ذلك النزاع في مسألة تعليل الربو في ~~المذهب والفضة وأمثالهما هل العلة فيه متعدية أو قاصرة وأما أبو حنيفة نفسه ~~وصاحباه لم ينقل عنهم في ذلك شيء والذي يليق بعقلهم وفضلهم أنهم لا يمنعون ~~ذلك مطلقا كما لا يمتنع في المنصوصة. # وفي ذلك فائدتان: قصر الحكم على مورد النص ومنع الإلحاق لئلا يظن الظان ~~أن الحكم يثبت فيما سوى مورد النص كما يعلل تحريم الميتة بعلة تمنع دخول ~~المذكي فيها ويعلل تحريم الدم بعلة تمنع دخول العرق والريق وغيرهما فيها ~~ويعلل اختصاص الهدى والأضحية بالإنعام بعلة تمنع دخول غيرها فيها ويعلل ~~وجوب الحد في الخمر بعلة تمنع دخول الدم والميتة فيها وأمثال ذلك كثيرة بل ~~من يقول أن جميع # PageV01P236 # الأحكام يثبت بالنص يقول أنها معللة بعلل قاصرة لكن إنما يعلل بالعلة ~~المتعدية نص يتناول بعض أنواع الحكم فيعلل ذلك الحكم بعلة تتعدى إلى سائر ~~النوع الذي دل على ثبوت الحكم فيه نص آخر. # والفائدة الثانية معرفة حكم الشرع وما اشتمل عليه من مصالح العباد في ~~المعاش والمعاد فان ذلك مما يزيد به الإيمان والعلم ويكون أعون على التصديق ~~والطاعة واقطع لشبه أهل الإلحاد والشناعة وانصر لقول من يقول أن الشرع ~~جميعه إنما شرع لحكمة ورحمة لم يشرع لا لحكمة ورحمة بل لمجرد قهر التعبد ~~ومحض المشيئة. # وإذا كانت الأوصاف في الأصل قد تكون مختصة بذات الأصل وقد تكون مشتركة ~~بينه وبين غيره خارجة عنه لم يلزم إذا كان هذا الأصل ثبت الحكم فيه لخارج ~~مشترك أن يكون الحكم في كل اصل لخارج مشترك. # جواب قولهم: # قوله وان ثبت لخارج فمن الجائز أن يكون لغير ما أبدى وان لم يطلع عليه مع ~~البحث عنه بخلاف الحسيات فيقال أما أن يكون التقسيم في العقليات قد يفيد ~~اليقين وأما أن لا يفيده بحال فان كان الأول بطل جعلهم الشرطي المنفصل من ~~صور القياس والبرهان وان كان الثاني بطل كلامهم هذا ومعلوم أن هذا أحق ~~بالبطلان من ذاك فان القائل إذا قال الوجود أما ms179 أن يكون واجبا وأما أن يكون ~~ممكنا وأما أن يكون قديما وأما أن يكون حادثا وأما أن يكون قائما بنفسه ~~وأما أن يكون قائما بغيره وأما أن يكون مخلوقا وأما أن يكون خالقا ونحو ذلك ~~من التقسيم الحاصر لجنس الوجود كان هذا حصرا # PageV01P237 # لكلي عقلي بل الوجود اعم الكليات وإذا أمكن العقل أن يحصر أقسامه فحصر ~~أقسام بعض أنواعه أولى وهم يسلمون هذا كله وهذا هو العلم الأعلى عندهم فكيف ~~يقولون أن السبر والتقسيم لا يفيد اليقين. # تمثيل التقسيم الحاصر في مسألة الرؤية: # ثم إذا اختلف الناس في ما يجوز رؤيته فقال بعضهم المصحح للرؤية أمر لا ~~يكون إلا وجوديا محضا فما كان وجوده أكمل كان أحق أن يرى وقال آخر بل ~~المصحح لها ما يختص بالوجود الناقص الذي هو أولى بالعدم مثل كون كل الشيء ~~محدثا مسبوقا بالعدم أو ممكنا يقبل العدم كان قول من علل إمكان الرؤية بما ~~يشترك فيه القديم والحادث والواجب والممكن أولى من هذا فان الرؤية وجود محض ~~وهي إنما تتعلق بموجود لا بمعدوم فما كان أكمل وجودا بل كان وجوده واجبا ~~فهو أحق بها مما يلازمه العدم ولهذا يشترط فيها النور الذي هو بالوجود أولى ~~من الظلمة والنور الأشد كالشمس لم يمتنع رؤيته لذاته بل لضعف الإبصار فهذا ~~يقتضى أنا نعجز عن رؤية الله مع ضعف أبصارنا ولهذا لم يطق موسى رؤية الله ~~في الدنيا لكن لا يمتنع أن تكون رؤيته ممكنه والله قادر على تقوية أبصارنا ~~لنراه. # وإذا قيل هي مشروطة ب اللون والجهة ونحو ذلك مما يمتنع على الله قيل له ~~كل ما لا بد منه في الرؤية لا يمتنع في حق الله فإذا قال القائل لو رؤى ~~للزم كذا واللازم منتف كانت إحدى مقدمتيه كاذبة وهكذا كل ما اخبر به الصادق ~~الذي اخبر بأن المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر كل ما اخبر به وظن ~~الظان أن في العقل ما يناقضة لا بد أن يكون إحدى مقدماته باطلة. # فإذا قال ms180 لو رؤى لكان متحيزا أو جسما أو كان في جهة أو كان ذا لون وذلك ~~منتف عن الله قيل له جميع هذه الألفاظ مجملة لم يأت شرع بنفي # PageV01P238 # مسماها حتى تنفى بالشرع وإنما ينفيها من ينفيها فيستفسر عن مراده إذ ~~البحث في المعاني المعقولة لا في مجرد هذه الألفاظ. # فيقال: ما تريد بأن المرئي لا بد أن يكون متحيزا فان المتحيز في لغة ~~العرب التي نزل بها القرآن يعنى به ما يحوزه غيره كما في قوله تعالى: {أو ~~متحيزا إلى فئة} فهذا تحيز موجود يحيط به موجود غيره إلى موجودات تحيط به ~~وسمى متحيزا لأنه تحيز من هؤلاء إلى هؤلاء والمتكلمون يريدون بالتحيز ما ~~شغل الحيز والحيز عندهم تقدير مكان ليس أمرا موجودا فالعالم عندهم متحيز ~~وليس في حيز وجودي والمكان عند أكثرهم وجودي. # فإذا أريد ب المتحيز ما يكون في حيز وجودي منعت المقدمة الأولى وهو قوله: ~~"كل مرئي متحيز" فان سطح العالم يمكن أن يرى وليس في عالم آخر وإن قال: بل ~~أريد به "لا بد أن يكون في حيز وإن كان عدميا" قيل له العدم ليس بشئ فمن ~~جعله في الحيز العدمى لم يجعله في شيء موجود ومعلوم أنه ما ثم موجود إلا ~~الخالق والمخلوق فإذا كان الخالق بائنا عن المخلوقات كلها لم يكن في شيء ~~موجود وإذا قيل هو في حيز معدوم كان حقيقته أنه ليس في شيء فلم قلت أن هذا ~~محال. # وكذلك إذا قال يلزم أن يكون جسما ففيه إجمال التنبيه عليه. # وكذلك إذا قال في جهة فان الجهة يراد بها شيء موجود وشئ معدوم فان شرط في ~~المرئي أن يكون في جهة موجودة كان هذا باطلا برؤية سطح العالم وإن جعل ~~العدم جهة قيل له إذا كان بائنا عن العالم ليس معه هناك غيره فليس في جهة ~~وجودية وإذا سميت ما هنالك جهة وقلت هو في جهة على هذا التقدير منعت انتفاء ~~اللازم وقيل لك العقل والسمع يدلان على ثبوت هذا اللازم لا ms181 # PageV01P239 # على انتفائه. # وهذا التقسيم مثلنا به في مسألة الرؤية فإنها من أشكل المسائل العقلية ~~وأبعدها من قبول التقسيم المنحصر ومع هذا فان حصر الأقسام فيها ممكن فكيف ~~يغيرها. # وحيئنذ فإذا احتج عليها ب قياس التمثيل فقيل المخلوقات الموجودة يمكن ~~رؤيتها فالخالق أحق بإمكان الرؤية لأن المصحح للرؤية في المخلوقات أمر ~~مشترك بين الخالق والمخلوق لا يختص بالمخلوق وإذا كان المشترك مستلزما لصحة ~~الرؤية ثبتت صحة الرؤية. # ولا يجعل المشترك المصحح هو مجرد الوجود كما يسلكه الأشعري ومن اتبعه ~~كالقاضي أبى بكر وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضي أبى يعلى بل يجعله ~~القيام بالنفس كما يسلكه ابن كلاب وغيره من مثبتي الرؤية من أصحاب احمد ~~وغيرهم كأبي الحسن الزاغونى أو لا يعين المصحح بل يجعل قدرا مشتركا # PageV01P240 # كالتقسيم الحاصر وهو أيضا يفيد اليقين كما قد بسط في موضعه. # وإذا كانت مسألة الرؤية والمصحح لها أمكن تقريره على هذا الوجه فكيف فيما ~~هو أوضح منها إذا قيل الفاعل منا مريد وهو متصور لما يفعله فالخالق أولى أن ~~يعلم ما خلق أو قيل إذا كان الفعل الاختياري فينا مشروطا بالعلم فهو في حق ~~الخالق أولى لأن ما به استلزمت الإرادة العلم أما أن يختص بالعبد أو يكون ~~مشتركا والأول باطل فتعين الثاني لأن استلزام الإرادة العلم كمال للفاعل لا ~~نقص فيه والواجب أحق بالكمال الذي لا نقص فيه من الممكن المخلوق فإذا كان ~~العبد يعلم ما يفعل فالباري أولى أن يعلم ما يفعل. # وإذا قيل إذا كان الرب حيا أمكن كونه سميعا بصيرا متكلما وما جاز له من ~~الصفات وجب له لأن ثبوت صفاته له لا تتوقف على غيره ولا يجعله غيره متصفا ~~بصفات الكمال لأن من جعل غيره كاملا فهو أحق بالكمال منه وغيره مخلوقه ~~ويمتنع أن يكون مخلوقه أكمل منه بل ويمتنع أن يكون هو الذي أعطاه صفات ~~الكمال لأن ذلك يستلزم الدور القبلي أو غير ذلك من الأدلة التي بسطت في غير ~~هذا الموضع. # وهم في كلامهم في جنس القياس ms182 لم يتعرضوا لآحاد المسائل ونحن لا نحتاج إلى ~~ذلك لكن الغرض التمثيل لمسائل قد يشكل على كثير من الناس استعمال القياس ~~فيها لأجل المادة فتبين أن لها مادة يمكن أن يستخرج منها أدلة تلك المطالب ~~وتلك المادة تصور بصورة الشمول تارة وبصورة التمثيل أخرى لكن إذا صورت ~~بصورة الشمول علم أن أفرادها لا تتساوى وإذا صورت بصورة التمثيل علم أن ~~الرب أحق بكل كمال لا نقص فيه أن يثبت له وأحق بنفي كل نقص عنه من نفيه عن ~~سائر الموجودات. # جواب قولهم: # وإن كان منحصرا فمن الجائز أن يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا ~~تحقق له في الفرع # PageV01P241 # وأما قولهم إذا انحصرت الأقسام فمن الجائز أن يكون معللا بالمجموع أو ~~بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع فيقال هذا ممكن في بعض الصور كالمسائل ~~الظنية من الفقه أو غيره إذا قيل خيار الأمة المعتقة تحت العبد كقصة بريرة ~~أما أن يكون ثبت لكونها كانت تحت ناقص وأما أن يكون لكونها ملكت نفسها أمكن ~~أن يقال وأما أن يكون لمجموع الأمرين. # لكن تعليله بما يختص الأصل سواء كان هو المجموع أو بعض منه إنما يمكن ~~العلم بنفيه كما يمكن العلم بغيره من المنفيات كما إذا قيل: "الإنسان إنما ~~كان حساسا متحركا بالإرادة لحيوانيته لا لإنسانيته والحيوانية مشتركة بينه ~~وبين الفرس وسائر الحيوان فيكون حساسا متحركا بالإرادة" فلا يمكن أن يدعى ~~في مثل هذه أن المختص بالإنسان هو علة كونه حساسا متحركا بالإرادة بل العلة ~~ليست إلا المشترك بينه وبين الحيوان. # وكذلك إذا قيل القديم لا يجوز عدمه لأن قدمه أما بنفسه أو بموجب يجب قدمه ~~بنفسه وما كان قديما بنفسه كان موجودا بنفسه بالضرورة فان القدم أخص من ~~الوجود فيلزم من ثبوته ثبوت الوجود فإذا قديما بنفسه فهو موجود بنفسه ~~بالضرورة وما كان موجودا بنفسه فهو واجب بنفسه وإلا لافتقر إلى فاعل ~~فالقديم أما واجب بنفسه وأما لازم للواجب بنفسه وكلاهما ممتنع العدم لأنه ~~يستلزم عدم الواجب بنفسه ولو عدم ms183 لكان قابلا للعدم فلا يكون واجبا بنفسه ~~ولهذا اتفق العقلاء على هذا وهو أن القديم أما موجود واجب بنفسه وأما لازم ~~لما هو كذلك # PageV01P242 # فإذا قال القائل: "لو كانت الأفلاك قديمة لامتنع عدمها لكن عدمها ممكن ~~بالأدلة الدالة عليه فلا تكون قديمة" لم يجز أن يقال: "بل القديم لا يجوز ~~عدمه لعلة مختصة بالقديم بنفسه دون ما كان معلولا لغيره" فالأفلاك وإن قيل ~~هي قديمة فهي ممكنة العدم فان هذا باطل لما ذكرناه من أن المشترك بين ~~الواجب بنفسه والواجب بغيره هو مستلزم لقدم المشترك بين القديم الموجود ~~بنفسه والقديم الموجود بغيره فمن ادعى قديما موجودا بغيره وقال أنه مع هذا ~~يمكن عدمه فقوله متناقض كما بسط في موضعه ولهذا لم يقل احد من العقلاء أنها ~~قديمة يمكن عدمها الإمكان المعروف وإنما ادعوا أن لها ماهية باعتبار نفسها ~~فقيل الوجود والعدم ولكن وجب لها الوجود من غيرها. # وقد تبين بطلان هذا في غير هذا الموضع وبين أن هذا قول مخالف لجميع ~~العقلاء حتى أرسطو واتباعه لا يكون عندهم ممكنا إلا المحدث الذي يمكن وجوده ~~وعدمه أو حتى هؤلاء الذين قالوا بأنها قديمة يمكن وجودها وعدمها كابن سينا ~~واتباعه تناقضوا ووافقوا سلفهم وسائر العقلاء فذكروا في عدة مواضع أن ~~الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثا وان كل ما كان دائما لا ~~يكون ممكنا وأما القديم الذي لا يمكن عدمه فليس عندهم ممكنا وان كان وجوبه ~~بغيره. # وإنما خالف في هذا طائفة من الفلاسفة كابن سينا وأمثاله الذين أرادوا أن ~~يجمعوا بين قول سلفهم وبين ما جاءت به الرسل مع دلالة العقول عليه فلم ~~يمكنهم ذلك إلا بما خالفوا به الرسل مع مخالفة العقول مع مخالفة سلفهم فيما ~~أصابوا فيه وموافقتهم فيما اخطئوا فيه وكان كفرا في الملل ومع تناقضهم ~~ومخالفة جميع العقلاء. # وأما قولهم: "بثبوت الحكم مع المشترك في صورة مع تخلف غيره من الأوصاف ~~المقارنة له في الأصل مما لا يوجب استقلاله بالتعليل لجواز أن يكون الحكم ms184 ~~في تلك معللا بعلة أخرى" فيقال هذا غلط وذلك أنه متى ثبت الحكم مع المشترك ~~في # PageV01P243 # صورة تمتنع أن تكون الأوصاف الزائدة المقارنة له في الأصل مؤثرة في الحكم ~~مع تخلف غيره من الأوصاف فإنها مختصة بالأصل فلو كانت مؤثرة لم يجز أن يوجد ~~الحكم في غير الأصل وحينئذ فعدمها لا يؤثر والصورة الأخرى قد يثبت فيها ~~وجود المشترك. # وأما إمكان وجود وصف آخر مستقل بعلة فهذا لا بد من نفيه أما بدليل قاطع ~~أو ظاهر أو بأن الأصل عدمه ويكون القياس حينئذ يقينيا أو ظنيا. # والكلام فيما إذا حصرت أقسام العلة ونفي التعليل عن كل منها إلا واحد ~~والنفي قد يكون لنفي التعليل بها من الأصل وقد يكون لنفي التعليل مطلقا ~~فالأول يحتاج معه إلى الثاني في تلك الصورة وأما الثاني فهو يتناول النفي ~~في تلك الصورة وغيرها. # وقولهم: "وإن كان لا علة له سواه فجائز أن يكون علة لخصوصه لا لعمومه" ~~فيقال هذا هو في معنى السؤال الأول وهو أن يكون الحكم ثبت لذات المحل لا ~~لأمر منفصل وهو التعليل بالعلة القاصرة الواقفة على مورد النص. # وأما قولهم: "أن بين أن ذلك الوصف يستلزم الحكم وأن الحكم لازم لعموم ~~ذاته فمع بعده يستغنى عن التمثيل" فيقال لا بعد في ذلك بل كلما دل عل أن ~~الحد الأوسط يستلزم الأكبر فانه يستدل به على جعل ذلك الحد وصفا مشتركا بين ~~أصل وفرع ويلزمه الحكم. # وأما قوله: "إنه يستغنى عن التمثيل" فيقال: نعم والتمثيل في مثل هذا يذكر ~~للإيضاح وليتصور للفرع نظير لأن الكلى إنما وجوده كلى في الذهن لا في ~~الخارج فإذا عرف تحققه في الخارج كان أيسر لوجود نظيره ولان المثال قد يكون ~~ميسرا لإثبات التعليل بل قد لا يمكن بدونه وسائر ما تثبت به العلة من ~~الدوران والمناسبة وغير ذلك إذا اخذ معه السبر والتقسيم أمكن كون القياس ~~قطعيا # PageV01P244 # وأيضا فقد يكون قياس التمثيل يقينيا في كذا فان الجمع بين الأصل والفرع ~~كما يكون بإبداء الجامع يكون ms185 بإلغاء الفارق وهو أن يعلم أن هذا مثل هذا لا ~~يفترقان في مثل هذا الحكم ومساوي المساوي مساو والعلم بالمساواة والمماثلة ~~مما قد يعلم بالعقل كما يعلم بالسمع فإذا علم حكم أحد المتماثلين علم أن ~~الآخر مثله لا سيما إذا كان الكلام فيما تجرد من المعقولات مثل القول بأن ~~شيئا من السواد عرض مفتقر إلى المحل فيقال سائر أفراد السواد كذلك بل ويقال ~~وسائر الألوان كذلك وكذلك أن قيل أن حركة الكواكب تحدث شيئا بعد شيء قيل ~~وسائر الحركات كذلك. # وبالجملة فقد بينا أن كل قياس لا بد فيه من قضية كلية إيجابية وبينا أن ~~تلك القضية لا بد أن يعلم صدق كونها كلية وكل ما به يعلم ذلك به يعلم أن ~~الحكم لازم لذلك الكلى المشترك فيمكن جعل ذلك الكلى المشترك هو الجامع بين ~~الأصل والفرع فكل قياس شمول يمكن جعله قياس تمثيل فإذا أفاد اليقين لم يزده ~~التمثيل إلا قوة. # إذا علمت إحدى المقدمتين بنص المعصوم فاستعمال الشمول أولى: # وقياس التمثيل يمكن جعله قياس شمول لكن قد يكون بيان صحته محتاجا إلى ~~بيان إحدى مقدمتيه لا سيما الكبرى فإنها هي في الغالب التي تحتاج إلى ~~البيان وإذا كان كذلك الأصل المقيس عليه أولا أسهل في البيان ف قياس ~~التمثيل أعون على البيان إلا إذا كانت القضية الكلية معلومة بنص المعصوم ~~فهنا يكون الاستدلال بها أولى من الاستدلال بقياس التمثيل لكن الدليل هنا ~~يكون شرعيا لم تعلم إحدى مقدمتيه إلا بنص المعصوم أو الإجماع المعصوم لم ~~تعلم بمجرد العقل وهم. # والكلام مع من يجعل مواد البرهان القضايا الكلية المعلومة بدون قول # PageV01P245 # المعصوم بل قد يسمون القياس المستدل على إحدى مقدماته بقول المعصوم من ~~الخطابي والجدلى لأنهم يجعلون تلك القضايا من المسلمات والمقبولات لا من ~~البرهانيات اليقينيات. # وهذا أيضا من ضلالهم فان القضية اليقينية ما علم أنها حق علما يقينيا ~~فإذا علم بدليل قطعي أن المعصوم لا يقول إلا حقا وعلم بالضرورة أنه قضى ~~بهذه القضية الكلية كما قضى ب ms186 أن الله بكل شيء عليم وأن الله خالق كل شيء ~~وانه لا نبي بعده ونحو ذلك من القضايا الخبرية التي علم بالضرورة أن ~~المعصوم أخبر بها عامة كلية كان هذا من أحسن الطرق في حصول اليقين وهذا ~~الطريق لا يدخل في قياسهم البرهاني ولكن هذا لما كان مبنيا على مقدمات ~~سمعية لم نقررها في هذا الموضع لم نحتج به عليهم بل احتججنا عليهم بما ~~يسلمونه. # وما بيناه بمجرد العقل من أن قولهم العلوم الكسبية لا تحصل إلا بقياسهم ~~البرهاني قول باطل بل هو من أبطل الأباطيل. # هذا في جانب النفي. # PageV01P246 ### | المقام الرابع: في قولهم أن القياس يفيد العلم بالتصديقات # فصل: # وأما المقام الثاني وهو المقام الرابع من المقامات الأربعة المذكورة أولا ~~وهو أدق المقامات. # PageV01P246 # تبصرة على ما تقدم من المقامات: # فان ما نبهنا عليه خطأهم في منع إمكان التصور إلا ب الحد بل ومن نفى دعوى ~~حصول التصور ب الحد وبقى انحصار التصديق فيما ذكروه من والقياس مدركه قريب ~~والعلم به ظاهر وخطأ المنطقيين فيه واضح بأدنى تدبر وإنما يلبسون على الناس ~~بالتهويل والتطويل. # المقامان الأول والثاني. # وأظهرها خطأ دعواهم أن التصورات المطلوبة لا تحصل إلا بما ذكروه من الحد ~~ثم أن مجرد الحد يفيد تصور الحقائق الثابتة في الخارج بمجرد قول الحاد سواء ~~جعل الحد هو الجملة التامة الخبرية التي يسمونها القضية والتقييد الجزئي أو ~~جعل الحد هو خبر المبتدأ المفرد وإن كان له صفات تقيده وتميزه. # فإنه إذا قال ما الإنسان فقيل الحيوان الناطق أو قيل الإنسان الحيوان ~~الناطق فقد يقال الحد هو قولك الإنسان هو الحيوان الناطق وقد يقال بل الحد ~~الحيوان الناطق وهذا في حكم المفرد وليس هذا كلاما تاما يحسن السكوت عليه ~~أن لم يقدر له مبتدأ يكون خبرا عنه أو جعل مبتدأ خبر محذوف ومن جعل هذا ~~وحده هو الحد وجعله بمجرده يفيد تصور الحقيقة فقوله أبعد عن الصواب. # المقام الثالث: # وبعد ذلك قولهم أن شيئا من التصديقات المطلوبة لا ينال إلا بما ذكروه ms187 من ~~القياس فان هذا النفي العام أمر لا سبيل إلى العلم به ولا يقوم عليه دليل ~~أصلا وقد اشرنا إلى فساد ما ذكروه مع أنه معلوم البطلان بما يحصل من ~~التصديقات المطلوبة بدون ما ذكروه من القياس كما يحصل تصورات مطلوبة بدون ~~ما يذكرونه من الحد. # بخلاف هذا المقام الرابع فان كون القياس المؤلف من مقدمتين يفيد # PageV01P247 # النتيجة هو أمر صحيح في نفسه. # كون القياس المنطقي عديم التأثير في العلم: # لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب ~~إلى أرسطو صاحب التعاليم أن ما ذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب ~~العظيم ليس فيه فائدة علمية بل كل ما يمكن علمه ب قياسهم المنطقي يمكن علمه ~~بدون قياسهم المنطقي وما لا يمكن علمه بدون قياسهم لا يمكن علمه ب قياسهم ~~فلم يكن في قياسهم لا تحصيل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه ولا حاجة به ~~إلى ما يمكن العلم به بدونه فصار عديم التأثير في العلم وجودا وعدما ولكن ~~فيه تطويل كثير متعب فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه إتعاب الأذهان ~~وتصنييع الزمان وكثرة الهذيان. # والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية إلى العلم ~~وقالوا يعنى نظار المسلمين هذا لا يفيد هذا المطلوب بل قد يكون من الأسباب ~~المعوقة له لما فيه من كثرة تعب الذهن كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب إلى ~~مكة أو غيرها من البلاد فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة ~~بسعي معتدل وإذا قيض له من يسلك به التعاسيف والعسف في اللغة الأخذ عل غير ~~طريق بحيث يدور به طرقا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة فانه يتعب تعبا كثيرا ~~حتى يصل إلى الطريق المستقيمة أن وصل وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب فيعتقد ~~اعتقادات فاسدة وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء فلا هو نال ~~مطلوبه ولا هو استراح هذا إذا بقى في الجهل البسيط وهكذا هؤلاء. # ولهذا حكى من كان حاضرا ms188 عند موت إمام المنطقيين في زمانه الخونجي صاحب ~~الموجز وكشف الأسرار وغيرهما أنه قال عند موته أموت وما # PageV01P248 # علمت شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف ~~سلبي أموت وما علمت شيئا. # فهذا حالهم إذا كان منتهى احدهم الجهل البسيط وأما من كان منتهاه الجهل ~~المركب فكثير والواصل منهم إلى علم يشبهونه بمن قيل له أين أذنك فأدار يده ~~فوق رأسه ومدها إلى أذنه بكلفة وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى أذنه من تحت ~~رأسه فهو أسهل وأقرب. # استعمال طرق غير الفطرية تعذيب للنفوس بلا منفعة: # والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية كانت تعذيبا للنفوس بلا ~~منفعة لها كما لو قيل لرجل اقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية فان ~~هذا ممكن بلا كلفة فلو قال له قائل اصبر فانه لا يمكنك القسمة حتى تعرف ~~حدها وتميز بينها وبين الضرب فان القسمة عكس الضرب فان الضرب هو تضعيف آحاد ~~العددين بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع آحاد أحد العددين على آحاد العدد ~~الآخر ولهذا إذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه عاد المقسوم وإذا قسم ~~المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر ثم يقال ما ذكرته في ~~حد الضرب لا يصح فانه إنما يتناول ضرب العدد الصحيح لا يتناول ضرب المكسور ~~بل الحد الجامع لهما أن يقال الضرب طلب جملة تكون نسبتها إلى احد المضروبين ~~كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر فإذا قيل اضرب النصف في الربع فالخارج هو ~~الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد. # فهذا وإن كان كلاما صحيحا لكن من المعلوم أن من معه مال يريد أن يقسمه ~~بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أنه لا يقسمه حتى يتصور هذا كله كان ~~هذا # PageV01P249 # تعذيبا له بلا فائدة وقد لا يفهم هذا الكلام وقد يعرض له فيه إشكالات. # الدليل ما كان موصلا إلى المطلوب: # فكذلك الدليل والبرهان فان الدليل هو المرشد إلى المطلوب والموصل إلى ~~المقصود وكل ما كان مستلزما لغيره ms189 فانه يمكن أن يستدل به عليه ولهذا قيل ~~الدليل ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن وبعض المتكلمين يخص ~~لفظ الدليل بما يوصل إلى العلم ويسمى ما يوصل إلى الظن أمارة وهذا اصطلاح ~~من اصطلح عليه من المعتزلة ومن تلقاه عنهم. # فالمقصود أن كل ما كان مستلزما لغيره بحيث يكون ملزوما له فانه يكون ~~دليلا عليه وبرهانا له سواء كانا وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجوديا ~~والآخر عدميا فأبدا الدليل ملزوم للمدلول عليه والمدلول لازم للدليل. # ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة متى علمت علم المطلوب وقد يحتاج المستدل ~~إلى مقدمتين وقد يحتاج إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس وأكثر ليس لذلك حد مقدر ~~يتساوى فيه جميع الناس في جميع المطالب بل ذلك بحسب علم المستدل الطالب ~~بأحوال المطلوب والدليل ولوازم ذلك وملزوماته. # فإذا قدر أنه قد عرف ما به يعلم المطلوب إلا مقدمة واحدة كان دليله الذي ~~يحتاج إلى بيانه له تلك المقدمة كمن علم أن الخمر محرم وعلم أن النبيذ ~~المتنازع فيه مسكر لكن لم يعلم أن كل مسكر هو خمر فهو لا يحتاج إلا إلى هذه ~~المقدمة فإذا قيل ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل ~~مسكر خمر " حصل مطلوبه ولم يحتج إلى أن يقال: "كل نبيذ مسكر" "وكل مسكر ~~خمر" ولا أن يقال: "كل مسكر خمر" "وكل خمر حرام" فان هذا كله معلوم له لم ~~يكن يخفى عليه إلا أن اسم الخمر هل هو مختص ببعض المسكرات كما ظنه طائفة من ~~علماء المسلمين أو هو شامل لكل مسكر فإذا ثبت له عن صاحب الشرع # PageV01P250 # أنه جعله عاما لا خاصا حصل مطلوبه وهذا الحديث في صحيح مسلم ويروى ~~بلفظين: "كل مسكر خمر"، "وكل مسكر حرام ". # ولم يقل: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" كالنظم اليوناني وإن كان روى في بعض ~~طرق الحديث فليس بثابت فان النبي صلى الله عليه وسلم اجل قدرا في عمله ~~وبيانه من أن يتكلم بمثل هذيانهم ms190 فانه أن قصد مجرد تعريف الحكم لم يحتج مع ~~قوله إلى دليل وإن قصد بيان الدليل كما بين الله في القران عامة المطالب ~~الإلهية التي تقرر الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر فهو صلى الله عليه ~~وسلم أعلم الخلق بالحق وأحسنهم بيانا له. # فعلم أنه ليس جميع المطالب يحتاج إلى مقدمتين ولا يكفى في جميعها مقدمتان ~~بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة سواء كان مقدمة أو مقدمتين أو أكثر وما ~~قصد به هدى عاما كالقرآن الذي انزله الله بيانا للناس يذكر فيه من الأدلة ~~ما ينتفع به الناس عامة. # وأما ما قد يعرض لبعضهم في بعض الأحوال من سفسطة تشككه في المعلومات فتلك ~~من جنس المرض والوساوس وهذه إنما يمكن بيان أنواعها العامة وأما ما يختص به ~~كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه ~~كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله ونظرة هو فيما يخص حاله ~~ونحو ذلك. # وأيضا فما يذكرونه من القياس لا يفيد إلا العلم بأمور كلية لا يفيد العلم ~~بشئ معين من الموجودات ثم تلك الأمور الكلية يمكن العلم بكل واحد منها بما ~~هو أيسر من قياسهم فلا تعلم كلية بقياسهم إلا والعلم بجزئياتها ممكن بدون # PageV01P251 # قياسهم الشمولى وربما كان أيسر فان العلم بالمعينات قد يكون أبين من ~~العلم بالكليات وهذا مبسوط في موضعه. # ليس في قياسهم إلا صورة الدليل من غير بيان صحته أو فساده: # والمقصود هنا أن المطلوب هو العلم والطريق إليه هو الدليل فمن عرف دليل ~~مطلوبه عرف مطلوبه سواء نظمه بقياسهم أم لا ومن لم يعرف دليله لم ينفعه ~~قياسهم ولا يقال أن قياسهم يعرف صحيح الأدلة من فاسدها فان هذا إنما يقوله ~~جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم فان قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته وأما ~~كون الدليل المعين مستلزما لمدلوله فهذا ليس في قياسهم ما يتعرض له بنفي ~~ولا إثبات وإنما هذا بحسب علمه بالمقدمات التي اشتمل عليها الدليل وليس في ms191 ~~قياسهم بيان صحة شيء من المقدمات ولا فسادها وإنما يتكلمون في هذا إذا ~~تكلموا في مواد القياس وهو الكلام في المقدمات من جهة ما يصدق بها وكلامهم ~~في هذا فيه خطأ كثير كما نبه عليه في موضع آخر. # الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو اللزوم: # والمقصود هنا أن الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو اللزوم ~~فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم وإن لم يذكر لفظ ~~اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ بل من عرف أن كذا لا بد له من كذا أو أنه ~~إذا كان كذا كان كذا وأمثال هذا فقد علم اللزوم كما يعرف أن كل ما في ~~الوجود فهو أية لله فانه مفتقر إليه محتاج إليه لا بد له منه فيلزم من ~~وجوده وجود الصانع. # وكما يعلم أن المحدث لا بد له من محدث كما قال تعالى: {أم خلقوا من غير ~~شيء أم هم الخالقون} وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء ~~الأسرى عام بدر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور قال: ~~فلما سمعت قوله: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} # PageV01P252 # أحسست بفؤادي قد انصدع. # فان هذا تقسيم حاصر يقول أخلقوا من غير خالق خلقهم فهذا ممتنع في بداية ~~العقول أم هم خلقوا أنفسهم فهذا أشد امتناعا فعلم أن لهم خالقا خلقهم وهو ~~سبحانه وتعالى ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه القضية التي ~~استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن أحدا إنكارها فلا يمكن ~~صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه ولا يمكنه أن يقول هو أحدث ~~نفسه. # وقد بسطنا الكلام على ما قاله الناس في هذا المقام من الحدوث والإمكان ~~وعلة الافتقار إلى المؤثر وذكرنا عامة طرائق أهل الأرض في إثبات الصانع من ~~المتكلمين والفلاسفة وطرق الأنبياء صلوات الله عليهم وما سلكه عامة نظار ~~الإسلام من معتزلي وكرامى وكلابي واشعري وفيلسوف وغيرهم في غير ms192 موضع مثل ~~كتاب تعارض العقل والنقل وغير ذلك # PageV01P253 # وكذلك بينا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في شرح الأصبهانية وكتاب ~~الرد على النصارى وغيرهما. # وبينا أن كثيرا من النظار يسلك طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول لا ~~يوصل إلى المطلوب إلا بهذا الطريق ولا يكون الأمر كما قاله في النفي وإن ~~كان مصيبا في صحة ذلك الطريق فان المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج ~~يسر الله على # PageV01P254 # عقول الناس معرفة أدلته فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة ~~وأدلتها كثيرة جدا وطرق الناس في معرفتها كثيرة وكثير من الطرق لا يحتاج ~~إليه أكثر الناس وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره أو من أعرض عن غيره وبعض ~~الناس يكون الطريق كلما كان ادق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان انفع له لأن ~~نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة فإذا كان الدليل قليل المقدمات ~~أو كانت جلية لم تفرح نفسه به ومثل هذا قد يستعمل معه الطريق الكلامية ~~المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته لا لكون العلم بالمطلوب متوقفا عليها ~~مطلقا فان من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن ~~غير الأذكياء معرفته لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم فيجب معرفة الأمور ~~الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات وهذا يسلك معه هذه السبيل. # وأيضا فان النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن ويدر به ويقويه على العلم ~~فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل تعين على قوة الرمي والركوب وإن ~~لم يكن ذلك وقت قتال وهذا مقصد حسن. # ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة ~~كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور لشحذ الذهن فانه علم صحيح ~~في نفسه ولهذا يسمى الرياضي فان لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع في ~~رياضة الأبدان بالحركة والمشي كما يذكر ذلك الأطباء وغيرهم وفي رياضة ~~النفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة والآداب المحمودة وفي رياضة الأذهان ~~بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة. # ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله ms193 عنه أنه قال: "إذا لهوتم فالهوا بالرمي ~~وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض" أراد إذا لهوا بعمل أن يلهوا بعمل ينفعهم في ~~دينهم وهو الرمي وإذا لهوا بكلام لهوا بكلام ينفعهم أيضا # PageV01P255 # في عقلهم ودينهم وهو الفرائض. # وعلم الفرائض نوعان: أحكام وحساب. # فالأحكام ثلاثة أنواع: أحدها: علم الأحكام على مذهب بعض الفقهاء وهذا ~~أولها ويليه علم أقاويل الصحابة والعلماء فيما اختلف فيه منها ويليه علم ~~أدلة ذلك من الكتاب والسنة. # وأما علم حساب الفرائض فمعرفة أصول المسائل وتصحيحها والمناسخات وقسمة ~~التركات وللفرائض في ذلك طريق معلومة وكتب مصنفة وهذا الثاني كله علم معقول ~~يعلم بالعقل كما يعلم بالعقل سائر حساب المعاملات وغير ذلك من الأنواع التي ~~يحتاجها إليها الناس. # ثم قد ذكروا حساب المجهولات الملقب بحساب الجبر والمقابلة وهو علم قديم ~~لكن إدخاله في الوصايا والدور ونحو ذلك أول من عرف أنه ادخله في ذلك محمد ~~بن موسى الخوارزمي وبعض الناس يذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~تكلم في ذلك وانه تعلم زيادة ذلك من يهودي وهذا كذب على علي رضي الله عنه # PageV01P256 # ونحن قد بينا في الكتاب المصنف في الدور لما ذكرنا فيه أن لفظ الدور يقال ~~على ثلاثة أنواع: # الدور الكوني الذي يذكر في الأدلة العقلية أنه لا يكون هذا حتى يكون هذا ~~ولا يكون هذا حتى يكون هذا وطائفة من النظار كالرازي يقولون هو ممتنع ~~والصواب أنه نوعان كما يقوله الآمدي وغيره دور قبلي ودور معي في الدور ~~القبلي ممتنع والدور المعى ممكن. # ف الدور القبلي الذي يذكر في العلل وفي الفاعل والمؤثر ونحو ذلك مثل أن ~~يقال لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر لأنه يفضى إلى الدور. # وهو أن يكون هذا قبل ذاك وذاك قبل هذا وذاك فاعل لهذا وهذا فاعل لذاك ~~فيكون الشيء فاعلا لفاعله ويكون قبل قبله وقد اورد الرازي وغيره عليه ~~إشكالات ذكرناها وبينا وجه حلها طرق إثبات الصانع. # وأما الدور المعى فهو كدور الشرط مع الشروط وأحد ms194 المتضائفين مع الآخر إذا ~~قيل صفات الرب لا تكون إلا مع ذاته ولا تكون ذاته إلا مع صفاته فهذا صحيح ~~وكذلك إذا قيل لا تكون الأبوة إلا مع النبوة ولا تكون النبوة إلا مع ~~الأبوة. # والنوع الثاني: مما يسمى دورا الدور الحكمى الفقهي المذكور في المسألة ~~السريجية وغيرها وقد أفردنا في هذا مصنفات وبينا حقيقة هذا الدور وأنه باطل ~~عقلا وشرعا وبينا في مصنف آخر هل في الشريعة شيء من هذا الدور أم لا. # والنوع الثالث: الدور الحسابي وهو أن يقال لا يعلم هذا حتى يعلم هذا فهذا ~~هو الذي يطلب حله بحساب الجبر والمقابلة # PageV01P257 # وقد ذكر كثير من متأخري الفقهاء مسائل وذكروا أنها لا تنحل إلا بطريق ~~الجبر والمقابلة وقد بينا أنه يمكن الجواب عن كل مسألة شرعية جاء بها ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بدون حساب الجبر والمقابلة وإن كان أيضا حساب ~~الجبر والمقابلة صحيحا وقد كان لأبي وجدي رحمهما الله فيه من النصيب ما قد ~~عرف. # ليست شريعة الإسلام موقوفة على شيء من علومهم: # فنحن قد بينا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من ~~غير المسلمين أصلا وإن كان طريقا صحيحا بل طريق الجبر والمقابلة فيها تطويل ~~يغنى الله عنه بغيره كما ذكرنا في المنطق. # وهكذا كل ما بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم مثل العلم بجهة القبلة ~~والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال فكل هاذ يمكن ~~العلم به بالطرق المعروفة التي كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ~~ولا يحتاج معها إلى شيء آخر وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقا أخر ~~وكثير منهم يظن أنه لا يمكن المعرفة بالشريعة إلا بها وهذا من جهلهم. # العلم بجهة القبلة: # كما قد يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة أطوال ~~البلاد وعروضها # PageV01P258 # وعرض البلد هو بعد ما بينه وبين خط الاستواء والموازي كدائرة معدل النهار ~~وذلك يعرف بارتفاع القطب الشمالي فان القطبين إذا كانا على دائرة الأفق كان ms195 ~~بعد كل منها عن خط الاستواء بعدا واحدا وليس لخط الاستواء عرض فإذا بعد ~~الإنسان عن خط الاستواء مقدار درجة فلكية ارتفع القطب في قطره عن دائرة ~~الأفق مقدار درجة ثم إذا بعد درجتين ارتفع القطب درجتين وهلم جرأ فعرض ~~البلد يعرف بارتفاع القطب فإذا كان البلدان عرضهما سواء ك دمشق وبغداد وعرض ~~كل منهما ثلاثا وثلاثين درجة يكون ارتفاع القطب فيهما واحدا. # وأما الطول فليس له حد في السماء يضبط به إذ هو بحسب المعمور من الأرض ~~فيجعل الطول مبدأ العمارة وكانوا يحدون بجزائر تسمى جزائر الخالدات من جهة ~~الغرب ويمكن أن تفرض بلدة ويجعل الطول شرقيا وغربيا كما فعل بعضهم حيث جعل ~~مكة شرفها الله تعالى هي التي يعتبر بها الطول لأنها باقية محفوظة محروسة ~~وجعل الطول نوعين شرقيا وغربيا. # فهذا علم صحيح حسابي يعرف بالعقل لكن معرفة المسلمين بقبلتهم في الصلاة ~~ليست موقوفة على هذا بل قد ثبت عن صاحب الشرع صلوات الله عليه أنه قال: "ما ~~بين المشرق والمغرب قبلة " قال الترمذي: "حديث صحيح" وبهذا كان عند جماهير ~~العلماء أن المصلى ليس عليه أن يستدل بالقطب ولا الجدى ولا غير ذلك بل إذا ~~جعل من في الشام ونحوها المغرب عن يمينه والمشرق # PageV01P259 # عن شماله كانت صلوته صحيحة فان الله إنما أمر باستقبال شطر المسجد الحرام ~~وفي الحديث المسجد قبلة مكة ومكة قبلة الحرم والحرم قبلة الأرض ولهذا لم ~~يعرف عن الصحابة أنهم ألزموا الناس في الصلاة أن يعتبروا الجدي. # كون اعتبار الجدى لمعرفة القبلة بدعة: # ولهذا أنكر الإمام احمد وغيره من العلماء على من ألزم الناس باعتبار ~~الجدي فضلا عن طول البلاد وعرضها بل المساجد التي صلى فيها الصحابة كمسجد ~~دمشق وغيره فيه انحراف يسير عن مسامتة عين الكعبة وكذلك غيره فكان هذا من ~~الحكمة أن يعرف إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على أن المصلى ليس عليه ~~مسامتة عين الكعبة بل تكفيه الجهة التي هي شطر المسجد الحرام. # من بدع المتكلمين ردهم ما صح من الفلسفة: ms196 # وكذلك ما يعلم بالمشاهدة والحساب الصحيح من أحوال الفلك علم صحيح لا يدفع ~~والأفلاك مستديرة ليست مضلعة ومن قال أنها مضلعة أو جوز ذلك من أهل الكلام ~~فهو وأمثاله ممن يرد على الفلاسفة وغيرهم ما قالوه من علم صحيح معقول مع ~~كونه موافقا للمشروع وهذا من بدع أهل الكلام الذي ذمه السلف وعابوه فإنهم ~~ناظروا الفلاسفة في العلم الإلهي في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع ~~ومسائل المعاد والنبوات وغير ذلك بطرق فاسدة حائدة من مسلك الشرع والعقل. # وكان ذلك من أسباب ضلال كثير من الناس حيث ظنوا أن ما يقوله هؤلاء ~~المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول وليس الأمر كذلك بل كلما علم بالعقل ~~الصريح فلا يوجد عن الرسول إلا ما يوافقه ويصدقه. # إجماع المسلمين على أن الفلك مستدير: # وما نحن فيه من كرية الأفلاك واستدارتها من هذا الباب بل هذا مما أجمع # PageV01P260 # عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين لا يعرف بينهم نزاع في أن الفلك ~~مستدير وقد حكى إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد منهم أبو الحسين بن ~~المنادى الإمام الذي له أربعمائة مصنف وكان من الطبقة الثانية من أصحاب ~~احمد ومنهم أبو محمد بن حزم ومنهم أبو الفرج بن الجوزي والآثار بذلك معروفة ~~ثابتة عن السلف كما دل على ذلك الكتاب والسنة. # وقد ذكرنا طرفا من ذلك في جواب مسألة سئلنا عنها في هذا الباب فذكرنا ~~دلالة الكتاب والسنة على ذلك موافقا لما علم بالحساب العقلي. # وقد قال تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك ~~يسبحون} وقال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار وكل في فلك يسبحون} . # تفسير قوله تعالى: {كل في فلك يسبحون} . # وقد ذكر الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره ثنا أبى يعنى ~~الإمام أبا حاتم الرازي ثنا نصر بن علي حدثني أبي عن شعبة بن الحجاج عن ~~الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ms197 {كل في فلك ~~يسبحون} قال: "في فلكة مثل فلكة المغزل". # وذكر عن احمد الزبيري عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في # PageV01P261 # قوله: (يسبحون) قال: "يدورون في أبواب السماء كما يدور المغزل في ~~الفلكة". # وقال ثنا الحسن بن الحسن ثنا إبراهيم بن عبد الله بن الهروى ثنا حجاج عن ~~أبي جريج اخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول: " {وكل في فلك ~~يسبحون} قال: "النجوم والشمس والقمر فلكة كفلكة المغزل" وقال: "مثل ذلك ~~الحسبان -يعنى مجاهد- حسبان الرحى" وهو سفودها القائم الذي يدور عليه ~~والحسبان في اللغة: سهام قصار الواحدة حسبانة وكان مجاهد يفسر قوله: {الشمس ~~والقمر بحسبان} بهذا وقال غيره: "هو من الحساب" قيل هو مصدر وقيل: جمع حساب ~~كشهاب وشهبان. # قال مجاهد: "ولا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل ~~ولا يدور الحسبان إلا بالرحى ولا يدور الرحى إلا بالحسبان" قال: "فكذلك ~~النجوم والشمس والقمر هي في فلك لا يدمن إلا به ولا يدوم إلا بهن" قال: ~~"فنقر بأصبعه" قال: فقال مجاهد: "يدمن كذلك كما نقر" قال: "فالحسبان والفلك ~~يصيران إلى شيء واحد غير أن الحسبان في الرحى والفلك في المغزل" كل ذلك عن ~~مجاهد. # قلت: قوله: "لا يدوم إلا به" أي لا يدور إلا به ومنه الدوامة بالضم ~~والتشديد وهي فلكة يرميها الصبي بخيط فتدوم على الأرض أي تدور ومنه تدويم ~~الطير وهو تحليقه وهو دورانه في طيرانه ليرتفع إلى السماء وقوله نقر بأصبعه ~~يعنى نقر بها من الأرض وأدارها ليشبه بذلك دوران الفلك. # وقال ابن أبي حاتم قرى على يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب ثنا السري ابن ~~يحيى قال: سأل رجل الحسن البصري عن قوله: {كل في فلك يسبحون} # PageV01P262 # قال: "يعنى استدارتهم". # وقال بندة ثنا أبي ثنا عبيد الله بن عائشة ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا ~~أبو روق سمعت الضحاك في قوله: {كل في فلك يسبحون} قال: "يدور ويذهب". # ثنا أبي ثنا مسروق بن المرزبان ثنا يحي بن أبي ms198 زائدة ثنا ورقاء عن ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد {كل في فلك يسبحون} قال: "الفلك كحديدة الرحى" يعنى قطب ~~كحديدة الرحى وهو قطب الرحى وهو السفود القائم الذي يسمى أيضا حسبانا. # ثنا بن على الحسين بن حنيد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا مروان بن معاوية ~~عن جويبر عن الضحاك {في فلك يسبحون} قال: "الفلك السرعة والجري في ~~الاستدارة و (يسبحون) يعملون" يريد أن لفظ الفلك يدل على الاستدارة وعلى ~~سرعة الحركة كما في دوران فلكة المغزل ودوران الرحى. # وقال ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس قوله: {في فلك} يقول: "دوران" وقوله: "يسبحون يعني يجرون". # وعن إياس بن معاوية قال: "السماء على الأرض مثل القبة". # وقد بسط القول في ذلك بدلائله من الكتاب والسنة في غير هذا الموضع. # ولفظ الفلك في لغة العرب يدل على الاستدارة قال الجوهري: "فلكة المغزل ~~سميت بذلك لاستدارتها والفلكة قطعة من الأرض أو # PageV01P263 # الرمل تستدير وترتفع على ما حولها والجمع فلك" وقال: "ومنه قيل: فلك ثدي ~~الجارية تفليكا وتفلك استدار". # قلت: والسباحة تتضمن الجري بسرعة كما ذكر ذلك أهل اللغة. # العلم بالهلال: # وكذلك أيضا الهلال فان الشارع جعله معلقا بالرؤية فقال: "صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته" وقال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب إذا رأيتموه فصوموا ~~وإذا رأيتموه فأفطروا" وقال: "صوموا من الوضح إلى الوضح ". # والعارفون بالحساب لا يتنازعون في أن الهلال لا يمكن ضبط وقت طلوعه ~~بالحساب فإنهم وإن عرفوا أن نور القمر مستفاد من الشمس وعرفوا أنه إذا ~~اجتمع القرصان عند الاستسرار لا يرى له ضوء فإذا فارق الشمس صار فيه النور ~~فهم أكثر ما يمكنهم أن يضبطوا بالحساب كم بعده عند غروب الشمس عن الشمس هذا ~~إذا قدر صحة تقويم الحساب وتعديله فإنهم يسمونه علم التقويم والتعديل لأنهم ~~يأخذون أعلى مسير الكواكب وأدناه فيأخذون معدله فيحسبونه. # فإذا قدر أنهم حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس لم يكن في هذا ما يدل ms199 على ~~ثبوت الرؤية ولا انتفائها لأن الرؤية أمر حسى لها أسباب متعددة من صفاء ~~الهواء وكدره وارتفاع المنظر وانخفاضه وحدة البصر وكلالة فمن الناس من لا ~~يراه ويراه من هو أحد بصرا منه ويرى من مكان عال ولا يرى من منخفض # PageV01P264 # ويكون الجو صافيا فيرى ويكون كدرا فلا يرى. # فلما كانت أسباب الرؤية لا تنضبط بالحساب لم تمكن معرفة وقت الرؤية ~~بالحساب ولهذا كان قدماء علماء الهيئة كبطلميوس صاحب المجسطي وغيره لم ~~يتكلموا في ذلك بحرف وإنما تكلم فيه بعض المتأخرين مثل كوشيار الديلمي ~~ونحوه لما رأوا الشريعة قد جاءت باعتبار الرؤية أحبوا أن يعرفوا ذلك ~~بالحساب فضلوا وأضلوا. # ومن قال أنه لا يرى على اثنتي عشرة درجة أو عشر أو نحو ذلك فقد أخطأ فان ~~من الناس من يراه على أقل من ذلك ومنهم من لا يراه على ذلك بل قد يراه نصف ~~النهار إذا فارق الشمس أدنى مفارقة فلا للعقل اعتبروا ولا للشرع عرفوا ~~ولهذا أنكر عليهم ذلك حذاق صناعتهم. # العلم بطلوع الفجر: # وهكذا أمر الفجر فان الزمان يوم وأسبوع وشهر وعام فأما اليوم فيعلم بالحس ~~والمشاهدة وكذلك الشهر والعام يعرف بالعدد في القمرية وبالرؤية في الشمسية ~~قال تعالى: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا} كانت ثلثمائة ~~شمسية وثلثمائة وتسع هلالية. # وأما الأسبوع فليس له حد يعرف بالحس والعقل وإنما عرف بإخبار الأنبياء أن ~~الله خلق هذا العالم في ستة أيام ثم استوى على العرش ولهذا شرع الله لأهل ~~الملل أن يجتمعوا في الأسبوع يوما لعبادة الله وحده ويكون ذلك سببا لحفظ ~~الأسبوع # PageV01P265 # الذي به يعلم أن الله خلق هذا العالم في ستة أيام ولهذا لا توجد أسماء ~~الأسبوع في لغة من لا يعرفون شرائع الأنبياء كالمشركين من الترك وغيرهم ~~فإنهم لا يعرفونه والعادة تتبع التصور فمن لم يتصور شيئا لم يعرفه. # واليوم يعرف بطلوع الفجر وهو النور الذي يظهر من جهة المشرق وهو أول نور ~~الشمس المتصل الذي لا ينقطع بخلاف الفجر الأول فانه يأتي ms200 بعده ظلمة ~~والاعتبار في الشرع في الصلاة والصيام وغير ذلك بالثاني ويعرف بالحس ~~والمشاهدة كما يعرف الهلال ويعرف بالقياس على ما قرب منه تقريبا إذا عرف ~~عند طلوعه مواضع الكواكب من السماء فيستدل في اليوم الثاني بذلك على وقت ~~طلوعه. # وأما تقدير حصة الفجر بأمر محدود من حركة الفلك مساو لحصة العشاء كما ~~فعله طائفة من الموقتين فغلطوا في ذلك كما غلط من قدر قوس الرؤية تقديرا ~~مطلقا وذلك لأن الفجر نور الشمس وهو شعاعها المنعكس الذي يكون من الهواء ~~والأرض وهذا يختلف باختلاف مطارحة التي ينعكس عليها فإذا كان الجو صافيا من ~~الغيوم لم يظهر فيه النور كما يظهر إذا كان فيه بخار فان البخار لغلظه ~~وكثافته ينعكس عليه الشعاع ما لا ينعكس على الهواء الرقيق إلا ترى أن الشمس ~~إذا طلعت إنما يظهر شعاعها على الأرض والجبال ونحو ذلك من الأجسام الكثيفة ~~وان كانت صقيلة كالمرآة والماء كان اظهر وأما الهواء فانه وان استنار بها ~~فان الشعاع لا يقف فيه بل يخرقه إلى أن يصل إلى جسم كثيف فينعكس. # ففي الشتاء تكون الأبخرة في الليل كثيرة لكثرة ما يتصعد من الأرض بسبب ~~رطوبتها ولا يحلل البخار فيها فينعكس الشعاع عليه فيظهر الفجر حينئذ قبل ما ~~يظهر لو لم يكن بخار وأما الصيف فان الشمس بالنهار تحلل البخار فإذا غربت ~~الشمس لم يكن للشعاع التابع لها بخار يرده فتطول في الصيف حصة العشاء بهذا # PageV01P266 # السبب وتطول في الشتاء حصة الفجر بهذا السبب وفي الصيف تقصر حصة الفجر ~~لتأخر ظهور الشعاع إذ لا بخار يرده لأن الرطوبات في الصيف قليلة وتقصر حصة ~~العشاء في نهار الشتاء لكثرة الأبخرة في الشتاء فحاصلة أن كلا من الحصتين ~~تتبع ما قبلها في الطول والقصر بسبب البخار لا بسبب فلكي. # والذين ظنوا أن ذلك يكون عن حركة الفلك قدروه بذلك فغلطوا في تقديرهم ~~وصاروا يقولون حصة الفجر في الشتاء اقصر منها في الصيف وحصة العشاء في ~~الصيف اقصر منها في الشتاء فان هذه جزء ms201 من الليل وهذه جزء من النهار فتتبعه ~~في قدره ولم يعرفوا الفرق بين طلوع الشمس وغروبها وبين طلوع شعاعها فان ~~الشمس تتحرك في الفلك فحركتها تابعة للفلك والشعاع هو بحسب ما يحمله وينعكس ~~عليه من الهواء الأبخرة وهذا أمر له سبب ارضي ليس مثل حركة الفلك. # ولهذا كان ما قالوه بالقياس الفاسد أمرا يخالقه الحس ويعرف كذب ما قالوه ~~باتفاق طوائف بني ادم فالذي يعرف بالحس والعقل الصريح لا يخالفه شرع ولا ~~عقل ولا حس فان الأدلة الصادقة لا تتعارض مدلولاتها ولكن ما يقال بقياس ~~فاسد وظن فاسد يقع فيه الاختلاف. # كون عدد الأفلاك تسعة ليس عليه دليل: # وعدد الأفلاك وكونها تسعة ليس أمرا معلوما ولا قام دليل على أنه ليس وراء ~~التسعة شيء بل صرح أئمتهم بأنه يجوز أن تكون أشياء أخر وهذه التسعة إنما ~~أثبتوها بما راوه من اختلاف حركات الكواكب وكذلك اثبتوا لكل كوكب من الخمسة ~~المتحيزة عددا من الأفلاك بسبب اختلاف حركاته وعرفوا ارتفاع بعضها فوق بعض ~~بكسوف الأسفل للأعلى وبينهم اختلاف كثير يطول وصفه في الأمور الفلكية التي ~~لا تعرف بالحس وكثير مما يقولونه في ذلك لا يقوم عليه دليل. # ولهذا لما أخبرت الأنبياء بعرش الرب وكرسيه ظن بعضهم أن الكرسي هو الفلك ~~الثامن والعرش هو الفلك التاسع وهذا القول مع أنه لا دليل عليه أصلا فهو # PageV01P267 # باطل من وجوه كثيرة قد بينا بعضها في مسألة الإحاطة. # وجمهورهم يقولون بحدوث هذا العالم وإنما عرف القول بقدمه من أرسطو ~~ومتبعيه وقد رأيت كلام أرسطو في ذلك في مقالة اللام وهي آخر العلم الإلهي ~~ومنتهى فلسفته وتكلمنا على ما ذكره هو وغيره من الفلاسفة وبينا أن ما قاله ~~خالف فيه جمهور الفلاسفة وأساطينهم وليس معه قط دليل يدل على قدم شيء من ~~العالم وإنما تدل على دوام الفاعلية وتوابع ذلك. # وقد بسطنا الكلام على ذلك في الكلام على هذا الأصل وما اضطربوا فيه وهم ~~المبتدعون من المتكلمين الذين يضيفون إلى الشريعة ما لم يدل عليه كتاب ولا ms202 ~~سنة ولا قاله احد من سلف الأمة ولا أئمتها فيجمعون في كلامهم بين حق وباطل ~~والمتفلسفة في كلامهم حق وباطل وكلا الطائفتين لا يوافق ما دل عليه العقل ~~الصريح المطابق لما جاءت به الرسل. # اختلافهم في مدة بقاء العالم: # ثم الجمهور منهم القائلون بحدوث هذا العالم تكلم منهم طوائف في بقائه وفي ~~وقت فنائه من الروم والهند وغيرهم لكن بلا دليل صحيح وسبب ذلك أنهم لم ~~يعرفوا للحوادث التي في هذا العالم سببا إلا حركة الفلك وما يتجدد فيه من ~~الأشكال واتصالات الكواكب فقاسوا بقاءه على ذلك فمنهم من قال: "يبقى اثني ~~عشر ألف سنة" ومنهم من قال: "ستة وثلاثين ألف سنة" ومنهم من قال: "ثلثمائة ~~ألف وستون ألف سنة" ومنهم من قال: "ثمانية وأربعين ألف سنة أو أربعة وعشرين ~~ألف سنة" وكل ذلك قول بلا علم # PageV01P268 # فإن منشأ النزاع أن الثوابت كان المعروف عندهم أنها تقطع الفلك كل مائة ~~سنة درجة من درجات الفلك التي هي ثلثمائة وستون درجة فلما رصدوها زمن ~~المأمون زعموا أن الصحيح أنها تقطعها في ثلثي هذه المدة كل سنة وستين سنة ~~وثلثي سنة والصواب أن الرصد الأول هو الصحيح وقد اعتبر ذلك بمواضع الكواكب ~~التي ذكرها غير واحد من القدماء في كتبهم واصطرلاباتهم ومواضعها الآن تدل ~~على اعتبار ذلك على أن الرصد القديم هو الصحيح وأنها تقطع الدرجة في مائة ~~سنة. # وإذا ضرب ذلك في ثلثمائة وستين كان على القول الأول ستة وثلاثين ألفا ~~وعلى القول الثاني أربعة وعشرين ألفا ومن قال ثلثمائة ألف وستون ألفا قال ~~هذا دور في عشرة ادوار ومن قال اثنا عشر ألف سنة جعل لكل برج ألف سنة وليس ~~معهم دليل يدل على أن هذه المدة هي مدة بقاء الفلك. # والأصل الذي بنوا عليه فاسد وهو ظنهم أن الحوادث جميعها سببها حركات ~~الفلك. # تقابلهم لمنكري تأثير حركات الفلك في الحوادث مطلقا: # وهذا الأصل قد تقابلوا فيه هم والمبتدعة من أهل الكلام فأولئك يقولون ليس ~~لشيء من حركات الفلك تأثير ms203 في هذا العالم ولا شيء منها سبب في حدوث شيء # PageV01P269 # بل يطردون هذا في جميع الموجودات فلا يجعلون الله خلق شيئا لسبب ولا ~~لحكمة ولا يجعلون للإنسان قدرة تؤثر في مقدورها ولا لشيء من الأجسام طبيعة ~~ولا غريزة بل يقولون فعل عنده لا به وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع ~~السلف والأئمة وصرائح العقول. # فان الله تعالى يقول: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} وقال تعالى: {وهو الذي يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} ~~وقال: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} ومثل هذا ~~كثير في الكتاب والسنة يذكر سبحانه أنه فعل هذا بهذا كما ذكر أنه انزل ~~الماء بالسحاب وانه أحيا الأرض بالماء. # والعلماء متفقون على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره وإثبات الأسباب ~~والقوى كما قد ذكرنا أقوالهم في موضعها وليس من السلف من أنكر كون حركات ~~الكواكب قد تكون من تمام أسباب الحوادث كما أن الله جعل هبوب الرياح ونور ~~الشمس والقمر من أسباب الحوادث. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الشمس ~~والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان ~~من آيات الله يخوف الله بهما عباده فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة " # PageV01P270 # وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكسوف بالصلاة والذكر والدعاء ~~والصدقة والعتاقة والاستغفار وكذلك عند سائر الآيات التي يخوف الله بها ~~عباده. # وقوله: "لا تنكسفان لموت احد ولا لحياته" رد لما كان قد توهمه بعض الناس ~~من أن كسوف الشمس كان لأجل موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ms204 ~~قد مات وكسفت الشمس فتوهم بعض الجهال من المسلمين أن الكسوف كان لأجل هذا ~~فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الكسوف لا يكون سببه موت احد من أهل ~~الأرض ونفى بذلك أن يكون الكسوف معلولا عن ذلك وظنوا أن هذا من جنس اهتزاز ~~العرش لموت سعد بن معاذ كما ثبت ذلك في الصحيح فنفى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك وبين أن ذلك من آيات الله التي يخوف بها عباده. # والتخويف إنما يكون بما يكون سببا للشر قال تعالى: {وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا} فلو كان الكسوف وجوده كعدمه بالنسبة إلى الحوادث لم يكن سببا لشر ~~وهو خلاف نص الرسول. # وأيضا في السير أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر وقال لعائشة: ~~" يا عائشة تعوذي بالله من شر هذا فان هذا هو الغاسق إذا وقب" والاستعاذة ~~إنما تكون مما يحدث عنه شر. # وأمر صلى الله عليه وسلم عند انعقاد أسباب الشر بما يدفع موجبها بمشيئتة ~~الله تعالى وقدرته من الصلاة والدعاء والذكر والاستغفار والتوبة والإحسان ~~بالصدقة والعتاقة فان هذه الأعمال الصالحة تعارض الشر الذي انعقد سببه كما ~~في الحديث # PageV01P271 # "إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان". # وهذا كما لو جاء عدو فانه يدفع بالدعاء وفعل الخير وبالجهاد له وإذا هجم ~~البرد يدفع باتخاذ الدفء فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء. # وهذا ما اتفق عليه الملل وأساطين الفلاسفة حتى يذكر عن بطلميوس أنه قال: ~~"واعلم أن ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته ~~الأفلاك الدائرات". # وكسوف الشمس إنما يكون وقت استسرار القمر آخر الشهر وخسوف القمر إنما ~~يكون ليالي الابدار الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر كما أن الهلال قد ~~يكون ليلة الثلاثين أو الحادي والثلاثين هذا الذي أجرى الله به عادته في ~~حركات الشمس والقمر. # وما ذكره بعض الفقهاء من تقدير اجتماع الكسوف وصلاة العيد فهذا لم يقله ~~احد من الصحابة ولا ذكره أكثر العلماء لا احمد ولا غيره ولكن ذكره طائفة من ~~الفقهاء ms205 من أصحاب الشافعي واحمد وغيرهما تبعا لما ذكره الشافعي وانه رضي ~~الله عنه لما تكلم فيما إذا اجتمع صلاتان كيف يصنع وذكر أنه يقدم ما يفوت ~~على ما لا يفوت ذكر من جملة التقدير صلاة العيد والكسوف طردا للقاعدة مع ~~إعراضه عن كون ذلك يقع أو لا يقع كما يقدر الفقهاء مسائل كثيرة لطرد القياس ~~مع إعراضهم عن وقوع ذلك في الوجود بل يقدرون ما يعلمون أنه لا يقع عادة ~~كعشرين جدة وفروع الوصايا فجاء بعض الفقهاء فأخذ يكابر ويقول أن هذا قد يقع # PageV01P272 # وذكروا عن الواقدي أنه قال: "إبراهيم مات يوم العاشر وذلك اليوم كسفت ~~الشمس" وهذا كله باطل والواقدي ليس بحجة بالإجماع إذا اسند ما ينقله فكيف ~~إذا كان مقطوعا وقول القائل أنها كسفت يوم العاشر بمنزلة قوله طلع الهلال ~~في عشرين من الشهر لكن هذه عادة ظاهرة يعرفها الناس كلهم وتلك عادة يعرفها ~~من استقراها وعرف أسبابها ومجاري النيرين من الناس. # التكلم بلا علم في الشرعيات وفي العقليات وضرره: # فليس لأحد أن يتكلم بلا علم بل يحذر ممن يتكلم في الشرعيات بلا علم وفي ~~العقليات بلا علم فان قوما أرادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة ~~وأقيستهم الفاسدة فكان ما فعلوه مما جرا الملحدين اعداء الدين عليه فلا ~~للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا. # وأقوام يدعون أنهم يعرفون العلوم العقلية وأنها قد تخالف الشريعة وهم من # PageV01P273 # أجهل الناس بالعقليات والشرعيات وأكثر ما عندهم من العقليات أمور قلدوا ~~من قالها لو سئلوا عن دليل عقلي يدل عليها لعجزوا عن بيانه والجواب عما ~~يعارضه ثم من العجائب أنهم يتركون اتباع الرسل المعصومين الذين لا يقولون ~~إلا الحق ويعرضون عن تقليدهم ثم يقلدون في مخالفة ما جاءوا به من يعلمون هم ~~أنه ليس بمعصوم وانه قد يخطىء تارة ويصيب أخرى. # وهؤلاء عندهم أمور معلومة من الحسابيات مثل وقت الكسوف والخسوف ومثل كرية ~~الأفلاك ووجود السحاب من البخاري ونحو ذلك من الأمور الطبيعية والرياضية ~~فيحتجون بها على من يظن أنه من أهل الشرع ms206 فيسرع ذلك المنتسب إلى الشرع برد ~~ما يقولونه بجهله فيكون رد ما قالوه من الحق سببا لتنفيرهم عما جاء به ~~الرسول من الحق بسبب مناظرة هذا الجاهل. # والله تعالى أمرنا أن لا نكذب ولا نكذب بحق وإنما مدح سبحانه من يصدق ~~فيتكلم بعلم ويصدق ما يقال له من الحق قال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} : {والذي جاء ~~بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} وهاتان صفتان لنوع واحد وهو من يجيء ~~بالصدق ويصدق بالحق إذا جاءه فهذا هو المحمود عند الله وأما من كذب أو كذب ~~بما جاءه من الحق فذلك مذموم عند الله تعالى. # وكذلك قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} أي لا تقل ما ليس لك به علم ~~{إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} . # PageV01P274 # وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون} وقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} ومثل هذا متعدد في كتاب الله تعالى. # حقيقة ملائكة الله تعالى وعقول الفلاسفة: # ثم أن حركات الأفلاك وان كانت من جملة الأسباب فليس الحوادث كلها صادرة ~~عن حركة الفلك بل فوق ذلك من مخلوقات الله أمور أخر. # وملائكة الله الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض وهم المدبرات أمرا ~~والمقسمات أمرا التي اقسم الله بها في كتابه ليست هي الكواكب عند احد من ~~سلف الأمة وليست الملائكة هي العقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة المشاون ~~اتباع أرسطو ونحوهم كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع وبين خطأ من ~~يظن ذلك ويجمع بين ما قالوه وبين ما جاءت به الرسل. # ويقول: أن قوله: "أول ما خلق الله العقل" هو حجة لهم على العقل الأول ~~ويسمونه القلم ليجعلوا ذلك مطابقا لقوله أول ما خلق ms207 الله القلم بسطنا ~~الكلام على ذلك في نحو مجلد في الكلام على السبعينية وغيرها وذكرنا أن حديث ~~العقل ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث كأبي حاتم بن حبان وأبي جعفر ~~العقيلي وأبي الحسن الدارقطني وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم بل هو موضوع ~~عندهم # PageV01P275 # ومع هذا فلفظه: "أول ما خلق الله العقل قال له: اقبل فأقبل فقال له: أدبر ~~فأدبر فقال: وعزتي ما خلقت خلقا أكرم على منك فبك اخذ ربك أعطى وبك الثواب ~~وبك العقاب" فان كان الحديث صحيحا فهو حجة عليهم لأن معناه أنه خاطب العقل ~~في أول أوقات خلقه بهذا الخطاب وفيه أنه لم يخلق خلقا أكرم عليه منه فهذا ~~يدل على أنه خلق قبله غيره. # وأيضا فالعقل في لغة الرسول وأصحابه وأمته عرض من الأعراض يكون مصدر عقل ~~يعقل عقلا كما في قوله: {لعلهم يعقلون} و {لعلكم تعقلون} و {لهم قلوب ~~يعقلون بها} ونحو ذلك وقد يراد به الغريزة التي في الإنسان قال احمد بن ~~حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما: "إن العقل غريزة". # والعقل في لغة فلاسفة اليونان جوهر قائم بنفسه فأين هذا من هذا ولهذا قال ~~في الحديث: "فبك اخذ وبك أعطى وبك الثواب وبك العقاب" وهذا يقال في عقل بني ~~ادم. # وهم يزعمون أن أول ما صدر عن رب العالمين جوهر قائم بنفسه وانه رب جميع ~~العالم وان العقل العاشر هو رب كل ما تحت فلك القمر ومنه تنزلت الكتب على ~~الأنبياء # PageV01P276 # وعندهم أن الله لا يعرف عين موسى ولا عيسى ولا محمد ولا غير ذلك من ~~جزئيات هذا العالم فضلا عن علمه بتفاصيل ما جرى يوم بدر ويوم احد ويوم ~~الأحزاب وغير ذلك من الأحوال التي يذكرها الله في القران ويخبر بما كان ~~ويكون من الأمور المعينة الجزئية. # ولهذا كان قولهم في النبوة أنها مكتسبة وأنها فيض يفيض على روح النبي إذا ~~استعدت نفسه لذلك فمن راض نفسه حتى استعدت فاض ذلك عليه وان الملائكة هي ما ~~يتخيل في نفسه من الخيالات النورانية وكلام الله هو ms208 ما يسمعه في نفسه من ~~الأصوات بمنزلة ما يراه النائم في منامه. # ومن عرف ما اخبر الله به عن ملائكته جبريل وغيره في غير موضع علم أن هذا ~~الذي قالوه اشد مخالفة لما جاءت به الرسل من أقوال الكفار المبدلين من ~~اليهود والنصارى فان الله اخبر عن الملائكة لما جاءوا إلى إبراهيم في صورة ~~البشر أضيافا ثم ذهبوا إلى لوط في غير موضع واخبر عن جبريل حين ذهب إلى ~~مريم وتمثل لها بشرا سويا ونفخ فيها. # وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي غير مرة ~~واتاه مرة في صورة أعرابي وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن الحرث بن ~~هشام قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي قال: " يأتيني أحيانا # PageV01P277 # في مثل صلصلة الجرس وهو اشد على فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل ~~لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" قالت: "عائشة لقد رايته ينزل عليه في ~~اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا". # وقد قال تعالى: {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم ~~أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما ~~هو بقول شيطان رجيم} وأكثر القراء يقرءون (بظنين) يعني بمتهم وقد قرى ~~(بضنين) أي ببخيل وزعم بعض المتفلسفة أن هذا هو العقل الفعال لأنه دائم ~~الفيض فيقال قد قال {لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم} ~~والعقل الفعال لو قدر وجوده فلا تأثير له فيما ثم وإنما تأثيره فيما تحت ~~فلك القمر فكيف ولا حقيقة له. # بل ما يدعونه من المجردات والمفارقات غير النفس الناطقة كالعقول والنفوس ~~إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان كما بسط الكلام عليها في الصفدية ~~وغيرها فان ما يقولونه من العقليات في الطبيعيات غالبه صحيح وكذلك في ~~الحساب المجرد حساب العدد والمقدار الكم والكيف فان هذا كله صحيح وإنما ~~يغلط الإنسان فيه من نفسه. # ابن سينا والعبيديون الإسماعيلية: ms209 # وأما الإلهيات فكلام أرسطو وأصحابه فيها قليل جدا ومع قلته فكثير منه بل ~~أكثره خطأ ولكن ابن سينا اخذ ما ذكروه وضم إليه أمورا أخر من أصول ~~المتكلمين واخذ يقول ما ذكره على بعض ألفاظ الشرع وكان هو وأهل # PageV01P278 # بيته من الملاحدة الباطنية اتباع الحاكم وعيرة من العبيديين الإسماعيلية ~~وأولئك كانوا يستعملون التأويل الباطن في جميع أمور الشريعة علميها وعمليها ~~حتى تأولوا الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت لكن كانوا يأمرون ~~بالشريعة لعوامهم فإنهم كانوا يتظاهرون بالتشيع. # وكانت الرافضة الاثنا عشرية تدعى أن الإمامة بعد جعفر في ابنه موسى بن ~~جعفر فادعى هؤلاء أنها في ابنه إسماعيل بن جعفر وانتقلت إلى ابنه محمد بن ~~إسماعيل وادعوا أن ميمون القداح بن محمد هذا وسموا محمد هذا هو الإمام ~~المخفى وإنما كان ميمون هذا يعرف بالانتساب إلى باهلة وقد ذكر غير واحد من ~~أهل المعرفة أنه كان يهوديا وكان من أبناء المجوس كما ذكر ذلك القاضي أبو ~~بكر ابن الطيب في كتاب كشف أسرارهم وهتك أستارهم وغيره من علماء المسلمين. # وأما قرامطة البحرين أبو سعيد بن الجنابى وأصحابه فأولئك كانوا يتظاهرون ~~بالكفر الصريح ولهذا قتلوا الحجاج والقوهم في بئر زمزم واخذوا الحجر # PageV01P279 # الأسود وبقى عندهم مدة. # بخلاف العبيديين فإنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام ويقولون أنهم شيعة ~~فالظاهر عنهم الرفض لكن كان باطنهم الإلحاد والزندقة كما قال أبو حامد ~~الغزالي في كتاب المستظهري ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض وهذا الذي ~~قاله أبو حامد فيهم هو متفق عليه بين علماء المسلمين وكانوا يأمرون عامتهم ~~بالعبادات وهم على درجات مرتبة عندهم كلما ارتفع درجة عبروا الشريعة عنده ~~فإذا انتهى اسقطوا عنه الشرع. # وكان ابن صباح من أتباعهم أحنا عن المستنصر الذي جرى في أيامه فتنه ~~البساسيرى وهو الذي أحدث السكين وأصحاب الالموت من اتباعه والذين كانوا ~~بالشام كسنان ونحوه هم من اتباع أولئك وباطنهم مركب من مذهب المجوس ~~والفلاسفة واخذوا عن المجوس الأصلين النور والظلمة واخذوا عن الفلاسفة ~~العقل والنفس وعبروا هم عن ذلك ب ms210 السابق والتالي # PageV01P280 # فلما دخل معهم المتفلسفة كابن سينا وأمثاله تبين لهم أن ما يدعونه على ~~الرسول من التأويلات مما يعلم بطلان كثير منها بالضرورة والفيلسوف من حيث ~~هو فيلسوف ليس له غرض فيما يعلم أنه باطل فسلكوا مسلكا بين مسلك هؤلاء ~~الملاحدة وبين دين المسلمين فالشرائع الظاهرة أقروها ولم يتأولوها لكن قد ~~يقولون أن بعضها يسقط عن الخاصة ودخل معهم في هذا طائفة من متصوفة الفلاسفة ~~كابن عربي وابن سبعين وغيرهما وأما العلميات فتأولوا بعضها كاللوح قالوا هو ~~النفس الكلية والقلم هو العقل الفعال وربما قالوا عن الكوكب والشمس والقمر ~~التي رآها إبراهيم أنها النفس والعقل الفعال والعقل الأول وتأولوا الملائكة ~~ونحو ذلك. # وأما صفات الرب ومعاد الأبدان وغير ذلك فمذهب محققيهم كابن سينا وأمثاله ~~أنها لا تتأول وأن ما دلت عليه ليس ثابتا في نفس الأمر ولا يستفاد منها علم ~~قالوا بل المراد منها خطاب الجمهور بما يخيل إليهم ما يعتقدونه في أمر ~~الإيمان بالله واليوم الآخر لينتفعوا بذلك الاعتقاد وإن كان باطلا لا حقيقة ~~له في نفس الأمر فان هذا غايته أن الأنبياء كذبوا لمصلحة الجمهور وهم يرون ~~مثل ذلك من تمام حكمتهم وهم يعظمون شرائع الأنبياء العملية وأما العلمية ~~فعندهم العلم في ذلك بما يقوله الفلاسفة وأما الأنبياء فلا يستفاد من جهتهم ~~علم بذلك. # ثم منهم من يقول النبي أعظم من الفيلسوف فيقولون النبي كان في الباطن على ~~مذهب هؤلاء الفلاسفة لكن خاصته التخييل وإن كان كذبا في الحقيقة لمصلحة ~~الجمهور ومنهم من يقول بل الفيلسوف أعظم من النبي، والنبي قد لا يكون عارفا ~~في الباطن بما يجوز على الله وما لا يجوز وحقيقة الأمر في المعاد لكن هو ~~حاذق في وضع الشرائع العملية. # وكثير من ملاحدة المتصوفة كابن عربي وابن سبعين والقونوي # PageV01P281 # والتلمساني وغيرهم يوافقونهم في أصولهم لكن يغيرون العبارات فيعبرون ~~بالعبارات الإسلامية عما هو قولهم وفي الكتب المضنون بها على غير أهلها ~~وغيرها من كتب مصنفيها قطعة من هذا وبسبب ذلك وقع ابن عربي وأمثاله ms211 من ~~ملاحدة المتصوفة مع هؤلاء ولهذا كثر كلام علماء المسلمين في مصنفيها ومن ~~الناس من ينكر أن تكون من كلام أبي حامد لما رأى ما فيها من المصائب ~~العظيمة وآخرون يقولون بل رجع عن ذلك وختم له بالاشتغال بالبخاري ومسلم كما ~~قد ذكر ذلك في سيرته. # وهؤلاء المتفلسفة ومتصوفوهم كابن سبعين وأتباعه يجوزون أن يكون الرجل ~~يهوديا أو نصرانيا أو مشركا يعبد الأوثان فليس الإسلام عندهم واجبا ولا ~~التهود والتنصر والشرك محرما لكن قد يرجحون شريعة الإسلام على غيرها وإذا ~~جاء المريد إلى شيخ من شيوخهم وقال: "أريد أن اسلك على يديك" يقول له: "على ~~دين المسلمين أو اليهود أو النصارى" فإذا قال له المريد: اليهود والنصارى ~~أما هم كفار؟ يقول: لا ولكن المسلمون خير منهم" وهذا من جنس جهال التتر أول ~~ما أسلموا فان الإسلام عندهم خير من غيره وإن كان غيره جائزا لا يوالون ~~عليه ويعادون عليه. # وهذا أيضا أكثر اعتقاد علماء النصارى أو كثير من اليهود يرون دين ~~المسلمين واليهود والنصارى بمنزلة المذاهب في دين المسلمين فيجوز للرجل ~~عندهم أن # PageV01P282 # ينتقل من هذه الملة إلى تلك أما لرجحانها عنده في الدين وأما لمصلحة ~~دنياه كما ينتقل الإنسان من مذهب بعض أئمة المسلمين إلى مذهب إمام آخر كما ~~ينتقل من مذهب مالك إلى الشافعي ومن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب احمد ونحو ~~ذلك. # أرسطو ومشركوا اليونان: # وأما أرسطو وأصحابه فكانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب وهكذا كان دين ~~اليونان والروم قبل ظهور دين المسيح فيهم وكان أرسطو قبل المسيح بنحو ~~ثلثمائة سنة وكان وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ له اليهود ~~والنصارى التأريخ الرومي وكان قد ذهب إلى ارض الفرس واستولى عليها. # وطائفة من الناس تظن أنه كان وزير الاسكندر ذي القرنين المذكور في القران ~~وهذا جهل فان ذا القرنين كان مقدما على أرسطو بمدة عظيمة وكان مسلما يعبد ~~الله وحده لم يكن مشركا بخلاف المقدوني وذو القرنين بلغ أقصى المشرق ~~والمغرب وبنى سد يأجوج ومأجوج كما ذكر ms212 الله في كتابه والمقدوني لم يصل لا ~~إلى هذا ولا إلى هذا ولا وصل إلى السد. # وآخر ملوكهم كان بطلميوس صاحب المجسطي وبعده صاروا نصارى وكانت اليونان ~~والروم مشركين كما ذكر يعبدون الشمس والقمر والكواكب ويبنون لها هياكل في ~~الأرض ويصورون لها أصناما يجعلون لها طلاسم من جنس شرك النمرود بن كنعان ~~وقومه الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل صلوات الله # PageV01P283 # وسلامه عليه. # وبقايا هذا الشرك في بلاد الشرق في بلاد الخطا والترك يصنعون الأصنام على ~~صورة النمرود ويكون الصنم كبيرا جدا ويعلقون السبح في أعناقهم ويسبحون باسم ~~النمرود ويشتمون إبراهيم الخليل. # وكان من النفر القادمين إلى دمشق سنة 699 تسع وتسعين وستمائة بعض هؤلاء ~~وهو يجمع بين أن يصلي الصلوات الخمس وبين أن يسبح باسم نمرود وهذا أيضا ~~مذهب كثير من هؤلاء المتفلسفة وعلمائهم وعبادهم يصلون الصلوات الخمس ~~ويعبدون الشمس والقمر أو غيرهما من الكواكب ومن هؤلاء طوائف موجودون في ~~الشام ومصر والعراق وغير ذلك. # وسبب ذلك أنه يحصل لهم أحيانا من جنس ما يظهر للمشركين الذين كانوا ~~يعبدون الكواكب والأصنام فأنه كانت من الشياطين تدخل في الصنم وتكلم عابديه ~~فتخبرهم بأمور مكاشفة لهم وتأمرهم بأمور يطلبون منهم قضاء حوائجهم. # قال الله تعالى: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا} قال ابن عباس: "كان في كل صنم شيطان يتراأى للسدنة فيكلمهم" وقال ~~أبي بن كعب: "مع كل صنم جنية". # ولهذا لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى وكانت ~~العزى عند عرفات خرجت منها عجوز ناشرة شعرها وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "هذه شيطانة العزى وقد يئست العزى أن تعبد بأرض العرب " وكان خالد ~~يقول: "يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك" وأما اللات فكانت ~~عند الطائف ومناة الثالثة الأخرى كانت حذو قديد بالساحل # PageV01P284 # فان المدائن التي للمشركين بأرض الحجاز كانت ثلاثة: مكة والمدينة والطائف ~~وكان لكل أهل مدينة طاغوت من هذه الثلاثة ولهذا خصصها سبحانه بالذكر في ms213 ~~قوله: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى ~~تلك إذا قسمة ضيزى} أي قسمة جائرة {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان} فإنهم كانوا يجعلون لله أولادا إناثا وشركاء ~~إناثا فقال: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} . # أصل الشرك من تعظيم القبور وعبادة الكواكب: # والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين: # أولهما: تعظيم قبور الصالحين وتصوير تماثيلهم للتبرك بها وهذا أول ~~الأسباب التي بها ابتدع الآدميون الشرك وهو شرك قوم نوح قال ابن عباس: "كان ~~بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " أن نوحا أول رسول بعث إلى أهل الأرض " ولهذا لم يذكر الله ~~في القرآن قبله رسولا فان الشرك إنما ظهر في زمانه. # وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس وذكره أهل التفسير والسير من غير ~~واحد من السلف في قوله تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} "أن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم" وأن هذه الأصنام صارت إلى العرب ~~وذكر ابن عباس قبائل العرب التي كانت فيهم مثل هذه الأصنام # PageV01P285 # والسبب الثاني: عبادة الكواكب فكانوا يصنعون للأصنام طلاسم للكواكب ~~ويتحرون الوقت المناسب لصنعة ذلك الطلسم ويصنعونه من مادة تناسب ما يرونه ~~من طبيعة ذلك الكوكب ويتكلمون عليها بالشرك والكفر فتأتى الشياطين فتكلمهم ~~وتقضى بعض حوائجهم ويسمونها روحانية الكواكب وهي الشيطان أو الشيطانة التي ~~تضلهم. # والكتاب الذي صنفه بعض الناس وسماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم ~~فان هذا كان شرك الكلدانيين والكشدانيين وهم الذين بعث إليهم الخليل صلوات ~~الله عليه وهذا أعظم أنواع السحر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس ~~شعبة من السحر زاد ما زاد ". # ولهذا صنف تنكلوشاه البابلي كتابه في درجات ms214 الفلك وكذلك # PageV01P286 # شرك الهند وسحرهم من هذا مثل كتاب طمطم الهندي وكذلك أبو معشر البلغي له ~~كتاب سماه مصحف القمر وكذلك ثابت بن قرة الحراني صاحب الزيج. # حران دار الصابئة: # فان حران كانت دار هؤلاء الصابئة وفيها ولد إبراهيم أو انتقل إليها من ~~العراق على اختلاف القولين. # وكان بها هيكل العلة الأولى هيكل العقل الأول هيكل النفس الكلية هيكل زحل ~~هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الشمس وكذلك الزهرة وعطارد والقمر. # وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء ~~أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في ~~دولة الإسلام إلى آخر وقت ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها أطباء ~~وكتابا وبعضهم لم يسلم. # ولما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم وتعلم منهم ~~وأخذ # PageV01P287 # عنهم ما أخذ من المتفلسفة وكان ثابت بن قرة قد شرح كلام أرسطو في ~~الإلهيات وقد رايته وبينت بعض ما فيه من الفساد فان فيه ضلالا كثيرا. # وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور دين النصرانية وكانوا يصلون إلى ~~القطب الشمالي ولهذا توجد في دمشق مساجد قديمة فيها قبله إلى القطب الشمالي ~~وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء. # فان الصابئة نوعان صابئة حنفاء موحدون وصابئة مشركون فالأولون هم الذين ~~اثنى الله عليهم بقوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~من هذه الملل الأربع المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين. # فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل وكذلك الذين دانوا ~~بالإنجيل قبل النسخ والتبديل والصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين ~~لملة إبراهيم إمام الحنفاء صلى الله عليه وصلى الله على محمد وعلى آل محمد ~~كما صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أنه حميد مجيد قبل نزول التوراة ~~والإنجيل. # وهذا بخلاف المجوس والمشركين فأنه ليس ms215 فيهم مؤمن فلهذا قال الله تعالى: ~~{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن ~~الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد} فذكر الملل الست ~~هؤلاء وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيمة لم يذكر في الست من كان مؤمنا إنما ~~ذكر ذلك في الأربعة فقط # PageV01P288 # ثم أن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين والفلاسفة المشركون من هؤلاء ~~المشركين أما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به ~~شيئا ويؤمنون بأن الله محدث لهذا العالم ويقرون بمعاد الأبدان فأولئك من ~~الصابئة الحنفاء الذين أثنى الله عليهم. # ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون ~~من العرب تقر بحدوثه وكذلك المشركون من الهند وقد ذكر أهل المقالات أن أول ~~من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين هم أرسطو. # قسطنطين أول ملك اظهر دين النصارى: # وكان دين المسيح لما دخل فيه طائفة من أهل حران وفيهم هيلانة الحرانية ~~الفندقانية فهولها ملك الروم أبو قسطنطين فتزوجها فولدت له قسطنطين فنصرت ~~ابنها قسطنطين وهو الذي اظهر دين النصارى وبنى القسطنطينية وفي زمنه ابتدع ~~النصارى هذه الامانة التي اتفقت عليها طوائفهم اليوم فانه اتفق عليها ~~ثلثمائة وبضعة عشرة من علمائهم وعبادهم. # قالوا وهو الذي ابتدع الصلاة إلى الشرق وإلا فلم يصل قط أحد من أنبيائهم ~~وأتباعهم إلى الشرق ولم يشرع الله مكانا يصلى إليه إلا الكعبة. # والأنبياء -الخليل ومن قبله- إنما كانوا يصلون إلى الكعبة وموسى صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن يصلى إلى بيت المقدس بل قالوا أنه كان ينصب قبة العهد إلى # PageV01P289 # العرب ويصلى إليها في التيه فلما فتح يوشع بيت المقدس بعد موت موسى نصب ~~القبة على الصخرة فكانوا يصلون إليها فلما خرب بيت المقدس وذهبت القبة صارت ~~اليهود يصلون إلى الصخرة لأنه موضع القبة والسامرة يصلون إلى جبل هناك ~~قالوا لأنه كان عليه التابوت. # ولما رأى علماء النصارى وعبادهم أن الروم واليونان مشركون واستصعبوا ~~نقلهم إلى التوحيد المحض وضعوا لهم ms216 دينا مركبا من دين الأنبياء ودين ~~المشركين فكان أولئك اليونان والروم يتخذون الأصنام المجسدة التي لها ظل ~~فاتخذ النصارى الصور المرقومة في الحيطان والسقوف التي لا ظل لها وكان ~~أولئك يسجدون للشمس والقمر فصارت النصارى يسجدون إليها وجعلوا السجود إليها ~~بدلا من السجود لها. # فضل محمد صلى الله عليه وسلم إمام التوحيد وأمته على من تقدم: # ولهذا لما بعث الله خاتم المرسلين وأفضل النبيين محمدا صلى الله عليه ~~وسلم إمام التوحيد الذي بعث الله به الرسل قبلة وأظهره وخلصه من شوائب ~~الشرك فظهر التوحيد بسببه ظهورا فضله الله به وفضل به أمته على سائر من ~~تقدم. # الأنبياء كلهم كانوا مسلمين: # فان الأنبياء جميعهم وأممهم كانوا مسلمين مؤمنين موحدين لم يكن قط دين ~~يقبله الله غير الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ~~{واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال ~~تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنا معشر الأنبياء ~~ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا أنه ليس بيني وبينه نبي" وقد ~~أخبر # PageV01P290 # الله في القرآن عن جميع الأنبياء وأممهم من نوح إلى الحواريين أنهم كانوا ~~مسلمين مؤمنين كما قد بسط في موضع آخر. # وقد قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} فأمر الرسل ~~أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم وذكرهم الله ~~في آيتين من كتابه هذه السورة وفي قوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} # وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم وإن هذه ms217 أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ~~من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} # وقال تعالى: {وما كان الناس إلا أمة واحدة} كما قال في يونس {فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما # PageV01P291 # اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.} # فالمرسلون صلوات الله عليهم أجمعين أولهم وأخرهم بعثوا بدين الإسلام وهو ~~عبادة الله وحدة لا شريك له يعبد في كل وقت بما أمر أن يعبد به في ذلك ~~الوقت فالصلاة إلى بيت المقدس كان لما أمر الله به من دين الإسلام ثم لما ~~نهى عنه وأمر ب الصلاة إلى الكعبة صارت الصلاة إلى الكعبة من دين الإسلام ~~دون الصلاة إلى الصخرة. # فتنوع شرائع الأنبياء كتنوع الشريعة الواحدة ولهذا قال تعالى: {لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا} فالشرعة الشريعة والمنهاج الطريق والسبيل فالشرعة ~~كالباب الذي يدخل منه والمنهاج كالطريق الذي يسلك فيه والمقصود هو حقيقة ~~الدين بان يعبد الله وحده لا شريك له وهذه الحقيقة الدينية التي اتفق عليها ~~الرسل هي دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره والشرك الذي حرمه على السن ~~رسله أن يعبد مع الله غيره. # ومن لم يعبد الله أصلا كفرعون ونحوه ممن قال الله فيهم: {إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} فهؤلاء معطلة وهم شر الكفار ومع ~~هذا يكون لهم ما يعبدونه دون الله كما قال تعالى في قوم فرعون: {ويذرك ~~وآلهتك} فقال غير واحد من السلف:" كان له آلهة يعبدها". # ومن عبد مع الله إلها آخر فهو ms218 مشرك الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله وإن # PageV01P292 # كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خالق العالم وهذا كان شرك العرب كما أخبر ~~الله عنهم في غير موضع من القرآن أنهم كانوا يقولون أن الله خلق العالم ~~ولكن كانوا يتخذون الآلهة شفعاء يشفعون لهم يتقربون بهم إلى الله كما قال ~~تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} وقال تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} وقال تعالى: ~~{والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وبسط ~~هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا أن الحوادث كان لها أسباب وإن كانت حركات الفلك من جملة ~~الأسباب. # فصل: القياس مع صحته لا يستفاد به علم بالموجودات. # فصورة القياس لا يدفع صحتها لكن يبين أنه لا يستفاد به علم بالموجودات ~~كما أن اشتراطهم للمقدمتين دون الزيادة والنقص شرط باطل فهو وإن حصل به ~~يقين فلا يستفاد بخصوصه نفس مطلوب شيء من الموجودات بل ما يحصل به قد يحصل ~~بدونه وقد يحصل بدونه ما لا يحصل به. # فنقول أن صورة القياس إذا كانت مواده معلومة فلا ريب أنه يفيد اليقين ~~وإذا قيل: كل أ: ب وكل ب: ج وكانت المقدمتان معلومتين فلا ريب أن هذا ~~التأليف يفيد العلم بأن كل أ: ج وهذا لا نزاع فيه. # فصورة القياس لا يتكلم على صحتها فان ذلك ظاهر سواء في ذلك الاقتراني ~~المؤلف من الحمليات الذي هو قياس التداخل والاستثنائي المؤلف # PageV01P293 # من الشرطيات المتصلة الذي هو التلازم والتقسيم. # وكذلك ما ذكروه من أن الشكل الأول من الاقتران يفيد المطالب الأربعة ~~النتائج الأربعة: الموجبة والسالبة والجزئية والكلية وان الثاني يفيد ~~السالبة الكلية والجزئية وأن الثالث يفيد الجزئية سالبة كانت أو موجبة. # وفي التلازم استثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ~~ينتج نقيض المقدم وهو قول نظار المسلمين وجود الملزوم يقتضي وجود اللازم ms219 ~~وانتفاء اللازم يقتضى انتفاء الملزوم بل هذا مع اختصاره فانه يشمل جميع ~~أنواع الأدلة سواء سميت براهين أو أقيسة أو غير ذلك فان كل ما يستدل به على ~~غيره فانه مستلزم له فيلزم من تحقق الملزوم الذي هو الدليل تحقق اللازم ~~الذي هو المطلوب المدلول عليه ويلزم من انتفاء اللازم الذي هو المدلول عليه ~~انتفاء الملزوم الذي هو الدليل. # ولهذا كان من عرف أن المدعى باطل علم أنه لا يقوم عليه دليل صحيح فانه ~~يمتنع أن يقوم على الباطل دليل صحيح ومن عرف أن الدليل صحيح علم أن لازمه ~~الذي هو المطلوب حق فانه يجب إذا كان الدليل حقا أن يكون المطلوب المدلول ~~عليه حقا وإن تنوعت صور الأدلة ومقدماتها وترتيبها. # ولهذا كان الدليل الذي يصور بصورة القياس الاقتراني يصور أيضا بصورة ~~الاستثنائي ويصور بصورة أخرى غير ما ذكروه من الألفاظ وترتيبها والمقصود ~~هنا الكلام على ما ذكروه كما ذكرنا الكلام على الشرطي المتصل. # والتقسيم قد يكون مانعا من الجمع والخلو كما يقال العدد أما شفع وأما وتر ~~وهما في معنى النقيضين الذين لا يجتمعان ولا يرتفعان فقد يكون مانعا من ~~الجمع دون الخلو كالضدين الذين لا يجتمعان وقد يرتفعان كما يقال هذا أما ~~أسود وأما أحمر وقد يخلو منهما # PageV01P294 # وقد يكون مانعا من الخلو دون الجمع كعدم المشروط ووجود الشرط والمراد ~~بالشرط هنا ما يلزم من عدمه عدم الحكم سواء عرف ذلك بالشرع أو بالعقل مثل ~~كون الطهارة شرطا في الصلاة والحيوة شرطا في العلم ليس المراد ما يسميه ~~النحاة شرطا كالجملة الشرطية المعلقة ب أن وأخواتها فان هذا في المعنى سبب ~~لوجود الجزاء ولفظ الشرط يقال على هذا وهذا بالاشتراك. # ومن جعل لفظ الشرط ينقسم إلى الثلاثة فقد غلط فانه قد يجتمع عدم المشروط ~~ووجود الشرط إذ وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط ولكن لا يرتفعان جميعا ~~فلا يرتفع وجود الشرط وعدم المشروط لأنه حينئذ يعدم الشرط ويوجد المشروط ~~وهذا لا يكون كما إذا قيل هذا غرق بغير ms220 ماء أو صحت صلاته بغير وضوء أو وجب ~~رجمه بغير زنا فيقال هذا أما أن يكون في ماء وأما أن لا يغرق وأما أن يكون ~~متطهرا وأما أن لا تصح صلاته وأما أن يكون زانيا وأما أن لا يجوز رجمه. # وكذلك لو قيل ليس في الوجود واجب ولا ممكن ولا قديم ولا محدث فقيل لا بد ~~في الوجود من واجب أو ممكن أو قديم أو محدث فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان. # وكذلك إذا قيل الوجود أما قائم بنفسه كالجسم وأما قائم بغيره ك العرض ~~فهذان لا يرتفعان وقد يجتمعان فكل ما لا يخلو الوجود عنهما مع إمكان ~~اجتماعهما أو لا يخلو بعض الأنواع عنهما مع إمكان اجتماعهما فهو من هذا ~~الباب كما إذا قيل الوارث بطريق الأصالة أما أن يرث بفرض وأما أن يرث ~~بتعصيب وقد يجتمع في الشخص الواحد أن يكون ذا فرض وعصبة كالزوج إذا كان ابن ~~عم أو معتقا. # فالشرطي المتصل هو من التلازم والمنفصل هو في الثاني كما في الضدين ~~والنقيضين وهذه الصورة صورة التقسيم الذي هو الشرطي المنفصل هي # PageV01P295 # أيضا تعود إلى اللزوم فانه يلزم من وجود احد الضدين عدم الآخر ومن عدمه ~~وجوده وهذه مانعة الجمع والخلو. # فهذه الأشكال وإن تكثرت فجميعها يعود إلى أن الدليل يستلزم المدلول ويمكن ~~تصوير ذلك بصور متعددة مما ذكروه ومما لم يذكروه. # فهم يقولون البرهان ينحصر في الاقتراني والاستثنائي فان الاقتراني ينحصر ~~في أربعة أشكال والاستثنائي ينحصر في الشرطي المتصل والشرطي المنفصل فيعود ~~إلى ستة أشكال وجمهورهم لا يذكرون الشكل الرابع من الاقترانيات لبعده عن ~~الطبع وحصروها في أربعة بناء على حصرهم الدليل في مقدمتين تشتركان في حد ~~أوسط ثم الأوسط أن كان محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى فهو الشكل الأول ~~المنتج للمطالب الأربعة وإن كان موضوعا فيهما فهو الثاني المنتج للسلبيات ~~وإن كان محمولا فيهما فهو الثالث المنتج للايجابيات وإن كان محمولا في ~~الكبرى موضوعا في الصغرى عكس الأول فهو الرابع وهو أبعدها عن الطبع وأكثرهم ms221 ~~لا يذكونه فيجعلون الأشكال خمسة هذه الثلاثة مع الاستثنائي الشرطي المتصل ~~والشرطي المنفصل. # فهذه الأشكال إذا قدر أفادتها فهي صورة من صور الأدلة لا ينحصر تصوير ~~الأدلة في هذه الأشكال كما لا ينحصر تصوير الدليل في مقدمتين بل هذا الحصر ~~خطأ في النفي والإثبات فقد يكون الدليل مقدمة وقد يكون مقدمات وهذه الأشكال ~~تكثر تصوير الدليل على أشكال أخر غير هذه فلا تنحصر في خمسة أو ستة وقد ~~يؤتى بالدليل بدون هذه الأشكال جميعها وبدون المقدمتين إذا كان مقدمة ~~واحدة. # وإذا قالوا أن جميع ما يذكر من الأدلة يرجع إلى هذه الأشكال قيل لهم بل ~~جميع الأدلة يرجع إلى أن الدليل مستلزم للمدلول وحينئذ فإما أن يكون ~~الاعتبار بما ذكروه من صور الأشكال ولفظها أو بما ذكروه من المعنى فان كانت ~~العبرة # PageV01P296 # بالصورة لم يكن تخصيص صورة الدليل بخمسة أو ستة صوابا كما لم يكن تخصيصه ~~بمقدمتين صوابا إذ كان يمكن تصويره بصور كثيرة متنوعة ليس فيها لفظ شرط لا ~~متصل ولا منفصل ولا هو على صورة القياس الحملى كما ذكروه وإن كانت العبرة ~~بالمعنى كان ذلك أدل عل فساد ما ذكروه فان المعنى هو أن يكون ما يستدل به ~~مستلزما لما يستدل به عليه سواء كان مقدمة أو مقدمتان أو أكثر وسواء كان ~~على الشكل والترتيب الذي ذكروه أو غيره. # والصواب في هذا الباب أن يقال ما ذكروه إذا كان صوابا فانه تطويل للطريق ~~وتبعيد للمطلوب وعكس للمقصود فإنهم زعموا أنهم جعلوه آلة قانونية تمنع ~~الذهن أن يزل في فكره وما ذكروه إذا كلفوا الناظر المستدل أن يلزمه في ~~تصوراته وتصديقاته كان أقرب إلى زلله في فكره وضلاله عن مطلوبه كما هو ~~الواقع فلا تجد أحدا التزم وضع هؤلاء واصطلاحهم إلا كان أكثر خطأ وأقل ~~صوابا ممن لم يلتزم وضعهم وسلك إلى المطلوب بفطرة الله التي فطر عباده ~~عليها ولهذا لا يوجد أحد ممن حقق علما من العلوم كان ملتزما لوضعه. # ولهذا يقال كثرة هذه الأشكال وشروط نتاجها تطويل ms222 قليل الفائدة كثير التعب ~~فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل فانه متى ~~كانت المادة صحيحة أمكن تصويرها بالشكل الأول الفطري فبقية الأشكال لا ~~يحتاج إليها وإنما تفيد بالرد إلى الشكل الأول أما بإبطال النقيض الذي ~~يتضمنه قياس الخلف وأما بالعكس المستوي أو عكس النقيض فان ثبوت أحد ~~المتناقضين يستلزم نفي الآخر إذا روعي التناقض من كل وجه فهم يستدلون بصحة ~~القضية على بطلان نقيضها وعلى ثبوت عكسها المستوي وعكس نقيضها بل تصور ~~الذهن بصورة الدليل يشبه حساب الإنسان لما معه من الرقيق والعقار. # والفطرة تصور القياس الصحيح من غير تعليم والناس بفطرهم يتكلمون ب ~~الأنواع الثلاثة التداخل والتلازم والتقسيم كما يتكلمون بالحساب ونحوه ~~والمنطقيون # PageV01P297 # قد يسلمون ذلك. # ويقولون أن المقدمتين لا بد منها لا أكثر ولا أقل ويقولون أكثر الناس ~~يحذفون إحدى المقدمتين لظهورها اختصارا ويسمون هذا قياس الضمير وإن احتجاج ~~المطلوب إلى مقدمات جعلوا القياس معنى أقيسة متعددة بناء على قولهم أنه ~~لابد في القياس من مقدمتين ويسمونه القياس المركب ويقسمونه إلى موصول وهو ~~ما لا يذكر فيه إلا نتيجة واحدة والى مفصول وهو ما يذكر فيه عقب كل مقدمتين ~~نتيجة فالأول كقولك هذا نبيذ وكل نبيذ مسكر وكل مسكر خمر وكل خمر حرام فهذا ~~حرام والثاني كقولك هذا نبيذ وكل نبيذ مسكر فهذا مسكر ثم تقول وكل مسكر خمر ~~وكل خمر حرام فكل مسكر حرام ثم تقول هذا مسكر وكل مسكر حرام فهذا حرام. # وهذا كله مما غلطوا فيه والصواب الذي عليه جماهير النظار من المسلمين ~~وغيرهم أن الدليل قد يتوقف على مقدمة تارة وقد يتوقف على مقدمتين تارة وعلى ~~ثلاث تارة وعلى أكثر من تلك فما كان من المقدمات معلوما لم يحتج أن يستدل ~~عليه وإنما يستدل على المجهول والمطلوب المجهول يعلم بدليله ودليله ما ~~استلزمه وكل ملزوم فانه يصح الاستدلال به على لازمه وحينئذ فإذا كان ~~المطلوب ملزوم يعلم لزومه له استدل عليه به وكفى ذلك وإن لم ms223 يكن المستدل ~~يعلم إلا ملزوم ملزومه احتاج إلى مقدمتين وإن لم يعلم إلا ملزوم ملزوم ~~ملزومه احتجاج إلى ثلاث وهلم جرا. # بيان أن حصول العلم لا يتوقف على القياس المنطقي: # وإذا كان كذلك فنقول لا ننكر أن القياس يحصل به علم إذا كانت مواده ~~يقينية لكن نحن نبين أن العلم الحاصل به لا يحتاج فيه إلى القياس المنطقي ~~بل يحصل بدون ذلك فلا يكون شيء من العلم متوقفا على هذا القياس # PageV01P298 # ونبين أن المواد اليقينية التي ذكروها لا يحصل بها علم بالأمور الموجودة ~~فلا يحصل بها مقصود تزكو به النفوس. # بل ولا علم بالحقائق الموجودة في الخارج على ما هي عليه إلا من جنس ما ~~يحصل ب قياس التمثيل فلا يمكن قط أن يحصل بالقياس الشمولى المنطقي الذي ~~يسمونه البرهاني علم إلا وذلك يحصل ب قياس التمثيل الذي يستضعفونه فان ذلك ~~القياس لا بد فيه من قضية كلية والعلم بكون الكلية كلية لا يمكن الجزم به ~~إلا مع الجزم بتماثل أفراده في القدر المشترك وهذا يحصل ب قياس التمثيل. # وكلا القياسين ينتفع به إذا تلقت بعض مقدماته الكلية عن خبر المعصوم إذا ~~استعملت في الإلهيات بطريق الأولى كما جاء به القران وأما بدون هذين فلا ~~ينفع في الإلهيات ولا ينفع أيضا في الطبيعيات منفعة علمية برهانية وإنما ~~يفيد قضايا عادية قد تنحرف فتكون من باب الأغلب. # وأما الرياضي المجرد عن المادة كالحساب والهندسة فهذا حق في نفسه لكن ليس ~~له معلوم في الخارج وإنما هو تقدير عدد ومقدار في النفس لكن ذلك يطابق أي ~~معدود ومقدر واقعه في الخارج والبرهان لا يقوم إلا على ما في النفس لا يقوم ~~على ما في الخارج وأكثر ما تعبوا في الهندسة ليتوصلوا بذلك إلى علم الهيئة ~~كصفة الأفلاك والكواكب ومقادير ذلك وحركاته وهذا بعضه معلوم ب البرهان ~~وأكثره غير معلوم ب البرهان وبينهم فيه من الاختلاف ما يطول وصفه فصار ~~المعلوم ببراهينهم من الرياضي وغيره أمر لا تزكو به النفوس ولا يعلم به ms224 ~~الأمور الموجودة إلا كما يعلم ب قياس الثمثيل. # وهذا يظهر بالكلام في مادة القياس فنقول هم لا ريب عندهم أنه لا بد في كل ~~قياس من قضية كلية ولا قياس في جميع الأشكال لا عن سالبتين ولا عن جزئيتين ~~ولا عن صغرى سالبة مع كبرى جزئية لكن قد يكون عن صغرى جزئية مع كبرى سالبه ~~كلية والمقصود أنه لا بد في القياس في جميع صورة من قضية كلية وفي أكثر # PageV01P299 # القياس لا بد من موجبة كلية بل النتيجة الكلية لا تكون إلا عن موجبة كلية ~~والسالبة الكلية لا تفيد حكما كليا إلا مع موجبه كلية. # بيان أصناف اليقينيات عندهم التي ليس فيها قضية كلية: # فإذا كان لا بد في كل قياس من قضية كلية فنقول المواد اليقينيات قد ~~حصروها في الأصناف المعروفة عندهم. # أحدها: الحسيات ومعلوم أن الحس لا يدرك أمرا كليا عاما أصلا فليس في ~~الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح أن تكون مقدمة في البرهان اليقيني ~~وإذا مثلوا ذلك ب أن النار تحرق ونحو ذلك لم يكن لهم علم بعموم هذه القضية ~~وإنما معهم التجربة والعادة التي هي من جنس قياس التمثيل لما يعلمونه من ~~الحكم الكلى لا فرق بينه وبين قياس الشمول وقياس التمثيل وإن علم ذلك ~~بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من هذه ~~القوة هو أيضا حكم كلى. # وإن قيل أن الصورة النارية لا بد أن تشتمل على هذه القوة وأن ما لا قوة ~~فيه ليس بنار فهذا الكلام إذا قيل أنه صحيح قيل أنه لا يفيد الجزم بأن كل ~~ما فيه هذه القوة تحرق كل ما لاقاه وإن كان هو الغالب فهذا يشترك فيه قياس ~~والتمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص ومعلوم أن كل من قال أن كل نار ~~تحرق كل ما لاقته فقد أخطأ فانه لا بد من كون المحل قابلا للإحراق إذ قد ~~علم أنها لا تحرق كل شيء كما لا تحرق السمندل والياقوت وكما لا ms225 تحرق ~~الأجسام المطلية بأمور مصبوغة وأما خرق العادة فمقام آخر. # ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها مع أن القضية الكلية ليست ~~حسية وإنما القضية الحسية أن هذه النار تحرق فان الحس لا يدرك إلا شيئا ~~خاصا وأما الحكم العقلي فيقولون أن النفس عند رؤيتها هذه المعينات تستعد ~~لان # PageV01P300 # تفيض عليها قضية كلي بالعموم ومعلوم أن هذا من جنس قياس التمثيل ولا يوثق ~~بعمومه أن لم يعلم أن الحكم العام لازم للقدر للمشترك وهذا إذا علم علم في ~~جميع المعينات فلم يكن العلم بالمعينات موقوفا على هذا. # مع أنه ليس من القضايا العاديات قضية كلية لا يمكن نقضها باتفاق العقلاء ~~بل والفلاسفة يجوزون خرق العادات لكن يذكرون أن لها أسبابا فلكية أو قوى ~~نفسانية أو أسبابا طبيعية فهذه الثلاثة هي أسباب خرق العادات عندهم والى ~~ذلك ينسبون معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء والسحر وغير ذلك وقد بسطنا ~~الكلام على ذلك في مسألة معجزات الأنبياء هل هي قوى نفسانية أم لا وبينا ~~فساد قولهم هذا حتى عند جماهير أساطين الفلاسفة بالأدلة الصحيحة بما ليس ~~هذا موضعه وهي المعروفة ب مسألة الصفدية. # والثاني: الوجديات الباطنة كادراك كل احد جوعه وعطشه وحبه وبغضه وألمه ~~ولذته وهذه كلها جزئيات وإنما يعلم الإنسان حال غيره والقضية الكلية ب قياس ~~التمثيل بل هذه لا يشترك الناس في إدراك كل جزئي منها كما قد يشتركون في ~~إدراك بعض الحسيات المنفصلة كالشمس والقمر ففيها من الخصوص في المدرك ~~والمدرك ما ليس في الحسيات المنفصلة وإن اشتركوا في نوعها فهي تشبه ~~العاديات. # زعمهم تساوي النفوس سبب ضلالهم في معرفة النبوات: # ولم يقيموا حجة على وجوب تساوي النفوس في هذه الأحوال بل ولا على النفس ~~الناطقة أنها مستوية الأفراد وهذا من أسباب ضلالهم في معرفة النبوات فإنهم ~~عرفوا كثيرا من الأحكام التي تشترك فيها النفوس عادة وإن جاز انخرامها # PageV01P301 # ثم بلغهم أمور أخرى خارجة عن قياسهم فأرادوا إجراء تلك على ذلك القياس ~~فرأوا أن لبعض النفوس قوة حدسية وانه ms226 قد يكون لها تأثير في بعض الأمور وقد ~~يتخيل إليها ما تعلمه كما يتخيل إلى النائم ما يراه فظنوا أن جميع ما يحصل ~~للنفوس من الوحي ونزول الملائكة وسمع كلام الله هو من هذا الباب وجعلوا ~~خاصة النبوة هي هذه الثلاث فمن وجدت فيه كان نبيا وقالوا النبوة مكتسبة ~~وصار فضلاؤهم تتعرض لأن يصيروا أنبياء كما جرى للسهرودي المقتول ولابن ~~سبعين وغيرهم. # وابن عربي لما علم أنه لا يمكن دعوى النبوة ادعى ختم الولاية وادعى أن ~~خاتم الأولياء أكمل في العلم بالله من خاتم الأنبياء وانه يأخذ من المعدن ~~الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى النبي وكان سبب هذا اعتقاد قول هؤلاء ~~المتفلسفة الملاحدة أن النبي يأخذ عن جبريل الذي هو خيال في نفسه وذلك ~~الخيال يأخذ عن العقل قال فالنبي يأخذ عن هذا الخيال وأنا اخذ عن العقل ~~الذي يأخذ منه الخيال. # وضموا هذا إلى أن جميع الحوادث إنما تحدث عن حركة الفلك وهو من افسد ~~أصولهم التي ضلوا بها. # والثالث: المجريات وهي كلها جزئية فان التجربة إنما تقع على أمور معينة ~~وكذلك المتواترات فان المتواترات إنما هو ما علم بالحس من مسموع أو مرئي ~~فالمسموع قول معين والمرئي جسم معين أو لون معين أو عمل معين أو أمر ما ~~معين. # وأما الحدسيات أن جعلت يقينية فهي نظير المجريات إذا الفرق بينهما لا ~~يعود إلى العموم والخصوص وإنما يعود إلى أن المجريات تتعلق بما هو من أفعال ~~المجربين والحدسيات تكون عن أفعالهم وبعض الناس يسمى الكل تجربيات. # لا تستعمل القضايا الكلية في شيء من الموجودات: # فلم يبق معهم إلا الأوليات التي هي البديهيات العقلية والأوليات الكلية ~~إنما هي قضايا مطلقة في الأعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم الواحد نصف ~~الاثنين # PageV01P302 # والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وهذه مقدرات في الذهن ليست ~~في الخارج كلية. # فقد تبين أن القضايا الكلية البرهانية التي يجب القطع بكليتها التي ~~يستعملونها في قياسهم لا تستعمل في شيء من الأمور الموجودة المعينة وإنما ms227 ~~تستعمل في مقدرات ذهنية فإذا لا يمكنهم معرفة الأمور الموجودة المعينة ~~بالقياس البرهاني وهذا هو المطلوب. # لا دليل لهم على حصر أقسام الوجود في المقولات العشر: # ولهذا لم يكن لهم علم بحصر أقسام الوجود بل أرسطو لما حصر أجناس ~~الموجودات من المقولات العشر الجوهر والكم والكيف والأين ومتى والوضع وأن ~~يفعل وان ينفعل والملك وقد جمعها بعضهم في بيتين فقال: # زيد الطويل الأسود ابن مالك ... في داره بالأمس كان يتكى # في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوى # لما حصرهم المعلم الأول في الجوهر والأعراض التسعة اتفقوا على أنه لا ~~سبيل إلى معرفة صحة هذا الحصر حتى جعل بعضهم أجناس الأعراض ثلاثة وقيل غير ~~ذلك. # لا دليل لهم على حصر الموجودات في الجواهر الخمسة: # وكذلك لما قسموا الجوهر إلى خمسة أقسام العقل والنفس والمادة والصورة ~~والجسم وجعلوا الجسم قسمين فلكيا وعنصريا والعنصري الأركان التي هي ~~الاستقصاآت والمولدات الحيوان والنبات والمعدن كان هذا التقسيم مع فساده في ~~الإثبات ليس حصر الموجودات فيه معلوما فانه لا دليل لهم على حصر الأجسام في ~~الفلكيات والعنصريات وهم معترفون بإمكان وجود أجسام وراء # PageV01P303 # الأفلاك فلا يمكن الحصر فيما ذكر حتى يعلم انتفاء ذلك وهم لا يعلمون ~~انتفاءه فكيف وقد قامت الأدلة على ثبوت أعيان قائمة بأنفسها فوق الأفلاك ~~كما قد بسط في موضعه. # وهم منازعون في واجب الوجود هل هو داخل في مقولة الجوهر فأرسطو والقدماء ~~كانوا يجعلونه من مقولة الجوهر وابن سينا امتنع من ذلك لكن أرسطو واتباعه ~~لم يكونوا يقولون واجب الوجود إنما يقولون العلة الأولى والمبدأ وليس في ~~كلام أرسطو تقسيم الموجودات إلى واجب بنفسه وممكن بنفسه مع كونه قديما ~~أزليا بل كان الممكن عندهم الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثا ~~وإنما قسمه هذه القسمة متأخروهم من الملاحدة الذين انتسبوا إلى الإسلام ~~كابن سينا وأمثاله وجعلوا هذا عوضا عن تقسيم المتكلمين الموجود إلى قديم ~~وحادث وسلكوا طريقة وركبوها من كلام المتكلمين ومن كلام سلفهم مثل استدلال ~~أولئك بالتركيب على ms228 الحدوث فاستدل هو بالتركيب على الإمكان. # الكلام على قول الخليل عليه السلام {هذا ربي} : # وأولئك زعموا أن قول إبراهيم: {لا أحب الآفلين} المراد به المتحركين لأن ~~الحركة حادثة والحادث لا يقوم إلا بحادث فهي سمة الحدوث فاستدل بالحدوث على ~~حدوث المتحرك والمعنى لا أحب المحدثين الذين تقوم بهم الحوادث. # فقال هؤلاء بل الأفول الذي هو الحركة دليل على أن المتحرك ممكن وان كان ~~قديما أزليا قالوا والأفول هوى في حظيرة الإمكان وقوله لا أحب الآفلين أي ~~الممكنين وان كان الممكن قديما. # وكان قدماء المتكلمين يمثلون الدليل العقلي بقولهم كل متغير محدث والعالم ~~متغير فهو محدث فجاء الرازي في محصله فجعل يمثل ذلك بقوله كل متغير ممكن ~~والعالم متغير فهو ممكن # PageV01P304 # وإبراهيم صلى الله عليه وسلم لم يرد هذا ولا هذا كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع وبين أن كل واحد من الاستدلال بالحركة على الحدوث أو الإمكان دليل ~~باطل كما يقول ذلك أكثر العقلاء من اتباع الأنبياء وأهل الكلام وأساطين ~~الفلاسفة. # ولكن كان قومه يعبدون الكواكب مع اعترافهم بوجود رب العالمين وكانوا ~~مشركين يتخذ احدهم له كوكبا يعبده ويطلب حوائجه منه كما تقدم الإشارة إليه ~~ولهذا قال الخليل عليه السلام: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} # وقال تعالى أيضا: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} فأمر سبحانه بالتأسي بإبراهيم ~~والذين معه في قولهم لقومهم: {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله} . # وكذلك ذكر الله عنه في سورة الصافات أنه قال لقومه: {فما ظنكم برب ~~العالمين} وقال لهم: {أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} . # فالقوم لم يكونوا جاحدين لرب العالمين ولا كان قوله: {هذا ربي} هذا الذي ~~هو خلق السموات والأرض على ms229 أي وجه قاله سواء قاله إلزاما لقومه أو تقديرا ~~أو غير ذلك ولا قال احد قط من الآدميين أن كوكبا من الكواكب أو أن الشمس ~~والقمر أبدعت السموات كلها # PageV01P305 # ولا يقول هذا عاقل بل عباد الشمس والقمر والكواكب يعبدونها كما يعبد عباد ~~الأصنام للأصنام وكما يعبد عباد الأنبياء والصالحين لهم ولتماثيلهم وكما ~~يعبدون آخرون الملائكة وآخرون يعبدون الجن لما يرجون بعبادتها من جلب منفعة ~~أو دفع مضرة لا لاعتقادهم أنها خلقت العالم. # بل قد يجعلونها شفعاء ووسائط بينهم وبين رب العالمين كما قال تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} وقال تعالى: ~~{والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقال ~~تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا ~~شفيع} وقال تعالى: {أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا ~~شفيع} وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} . # والشفاعة التي أخبرت بها الرسل هي أن يأذن الله للشفيع فيشفع فيكون الأمر ~~كله لله كما قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال: {ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى} وهذا بخلاف ما اتخذه المشركون من الشفعاء. # وأما الفلاسفة القائلون بقدم العالم فالشفاعة عندهم أن يفيض على المستشفع ~~من الشفيع ما يقصده من غير قصد الشفيع ولا سؤال منه كما ينعكس شعاع الشمس ~~من المرآة على الحائط وقد ذكر ذلك ابن سينا ومن تلقى عنه كصاحب الكتب ~~المضنون بها على غير أهلها ومن اخذ عنه. # PageV01P306 # وهذا الشرك أعظم من شرك مشركي العرب والنصارى ونحوهم فان أولئك كانوا ~~يقولون صانع العلم فاعل مختار وان الشافع يستله ويدعوه لكن يثبتون شفاعة ~~بغير إذنه وشفاعة لما ليس له شفاعة ويعبدون الشافع ويسألونه من ms230 دون الله ~~ويصورون على تمثاله صورة يعبدونها وكانت الشياطين تدخل في تلك الأصنام ~~وتكلمهم وتتراأى للسدنة أحيانا كما يوجد نظير ذلك في هذا الزمان مواضع ~~كثيرة. # بقية الكلام على الجواهر الخمسة: # وأيضا فدعواهم أن الجوهر جنس تحته أربعة وهي العقل والنفس والمادة ~~والصورة والخامس هو الجسم إذا حقق الأمر عليهم كان ما يثبتونه من العقليات ~~إنما هو موجود في الذهن والعقل بمنزلة الكليات لا وجود لها في الخارج وقد ~~اعترف بهذا من ينصرهم ويعظمهم كابن حزم وغيره. # رد لقول من زعم أن عالم الغيب هو العالم العقلي: # ومن زعم أن عالم الغيب أخبرت به الرسل هو العالم العقلي الذي يثبته هؤلاء ~~فهو من أضل الناس فان ابن سينا ومن سلك سبيله في هذا كالشهرستاني والرازي ~~وغيرهما يقولون أن الإلهيين يثبتون العالم العقلي ويردون على الطبيعيين ~~منهم الذين لا يثبتون إلا العالم الحسي ويدعون أن العالم العقلي الذي ~~يثبتونه هو ما أخبرت به الرسل من الغيب الذي أمروا بالإيمان به مثل وجود ~~الرب والملائكة والجنة. # وليس الأمر كذلك فان ما يثبتونه من العقليات إذا حقق الأمر لم يكن لها ~~وجود إلا في العقل وسميت مجردات ومفارقات لأن العقل يجرد الأمور الكلية على ~~المعينات. # وأما تسميتها مفارقات فكان أصله أن النفس الناطقة تفارق البدن وتصير ~~حينئذ عقلا وكانوا يسمون ما جامع المادة بالتدبير لها كالنفس قبل الموت # PageV01P307 # نفسا وما فارقها بالكلية فلم يتعلق بها لا تعلق تدبير ولا غيره عقلا ولا ~~ريب أن النفس الناطقة قائمة بنفسها باقية بعد الموت منعمة أو معذبة كما دل ~~على ذلك نصوب الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها ثم تعاد إلى الأبدان ~~ومن قال من أهل الكلام أن النفس عرض من أعراض البدن أو جزء من أجزائه فقوله ~~بدعة ولم يقل ذلك أحد من سلف الأمة. # ولكن ما يدعون ثبوته في الخارج من المجردات العقلية لا يثبت على السير ~~العقلي له تحقق إلا في الذهن. # إثبات المجردات في الخارج هو مبدأ فلسفتهم: # وهذا كان مبدأ فلسفة ms231 هؤلاء فإنهم نظروا في الأجسام الطبيعية فعلموا القدر ~~المشترك الكلى فصاروا يظنون ثبوته في الخارج فكان أولهم فيثاغورس وشيعته ~~أثبتوا أعدادا مجردة في الخارج ثم رد ذلك عليهم أفلاطون وشيعته وأثبتوا ~~ماهيات كلية مجردة مثل إنسان كلى وفرس كلى أزلي أبدى خارج الذهن وأثبتوا ~~أيضا زمانا مجردا سموه الدهر وأثبتوا مكانا مجردا سموه الخلاء واثبتوا مادة ~~مجردة عن الصور وهي المادة الأولى والهيولى الأولى عندهم. # فجاء أرسطو وشيعته فردوا ذلك كله عليهم ولكن أثبتوا هذه المجردات في ~~الخارج مقارنة للأعيان وفرقوا بين الشيء الموجود في الخارج وبين ماهيتة ~~الكلية المقارنة لأفرادها في الخارج كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله وغلط ~~هؤلاء في هذا وكذلك أثبتوا العقول العشرة وظنوا وجودها في الخارج وهم ~~غالطون في ذلك وأدلتهم عليها في غاية الفساد وأما النفوس الفلكية فكان ~~قدماؤهم يجعلونها أعراضنا لكن ابن سينا وطائفة رجحوا أنها جواهر قائمة ~~بنفسها كنفس الإنسان وهذا لبسطه موضع آخر. # كون منتهى محققيهم الوجود المطلق الكلى الخيالي: # والمقصود هنا أن ما يثبتونه من العقليات إذا حققت لم تكن إلا ما ثبت في # PageV01P308 # عقل الإنسان كالأمور الكلية فإنها عقلية مطابقة لأفرادها الموجودة في ~~الخارج وكذلك العدد المجرد عن المعدود والمقدار المجرد عن المقدور والماهية ~~المجردة عن الوجود والزمان المجرد عن الحركة والمكان المجرد عن الجسم ~~وأعراضهم. # ولهذا كان منتهى محققيهم الوجود المطلق وهو الوجود المشترك بين الموجودات ~~وهذا إنما يكون مطلقا في الأذهان لا في الأعيان والمتفلسفة يجعلون الكلي ~~المشترك موضوع العلم الإلهي. # وأما الوجود الواجب فتارة يقولون هو الوجود المقيد بالقيود السلبية كما ~~يقوله ابن سينا وتارة يجعلونه المجرد عن كل قيد سلبي وثبوتي كما يقوله بعض ~~الملاحدة من باطنية الرافضة والاتحادية وتارة يجعلونه نفس وجود الموجودات ~~فلا يجعلون للممكنات وجودا غير الوجود الواجب وقد بسط الكلام عليهم في غير ~~هذا الموضع. # وغايتهم أنهم يجعلون في أنفسهم شيئا ويظنون أن ذلك موجود في الخارج ولهذا ~~تمدهم الشياطين فان الشياطين تتصرف في الخيال وتلقى في خيالات الناس أمورا ~~لا ms232 حقيقة لها ومحققو هؤلاء يقولون ارض الحقيقة هي ارض الخيال. # كون أمور الغيب موجودة ثابتة مشهودة: # وأما ما أخبرت به الرسل صلى الله عليه وسلم من الغيب فهو أمور موجودة ~~ثابتة أكمل وأعظم مما نشهده نحن في هذه الدار وتلك أمور محسوسة تشاهد وتحس ~~ولكن بعد الموت وفي الدار الآخرة ويمكن أن يشهدها في هذه الدار من يختصه ~~الله بذلك ليست عقلية قائمة بالعقل ولهذا كان الفرق بينها وبين الحسيات # PageV01P309 # التي تشهدها أن تلك غيب وهذه شهادة قال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} . # وكون الشيء غائبا وشاهدا أمر إضافي بالنسبة إلينا فإذا غاب عنا كان غيبا ~~وإذا شهدناه كان شهادة وليس هو فرقا يعود إلى أن ذاته تعقل ولا تشهد ولا ~~تحس بل كل ما يعقل ولا يمكن أن يشهد بحال فإنما يكون في الذهن. # والملائكة يمكن أن يشهدوا ويروا والرب تعالى يمكن رؤيته بالأبصار ~~والمؤمنون يرونه يوم القيامة وفي الجنة كما تواترت النصوص في ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم واتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها. # وإمكان رؤيته يعلم بالدلائل العقلية القاطعة لكن ليس هو الدليل الذي سلكه ~~طائفة من أهل الكلام كأبي الحسن وأمثاله حيث ادعوا أن كل موجود يمكن رؤيته ~~بل قالوا ويمكن أن تتعلق به الحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس ~~فان هذا مما يعلم فساده بالضرورة عند جماهير العقلاء. # أغاليط المتكلمين والمتفلسفة: # وهذا من أغاليط بعض المتكلمين كغلطهم في قولهم أن الأعراض يمتنع بقاؤها ~~وان الأجسام متماثلة وأنها مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل قسمة ~~ولا يتميز منها جانب من جانب فان هذا غلط وقول المتفلسفة بأنها مركبة من ~~المادة والصورة العقليين أيضا غلط كما قد بسط هذا كله في غير هذا الموضع. # وكذلك غلط من غلط من المتكلمين وادعى أن الله لم يخلق شيئا لسبب ولا ~~لحكمة ولا خص شيئا من الأجسام بقوى وطبائع وادعى أن كل ما يحدث فان الفاعل ~~المختار الذي يخص احد المتماثلين بلا تخصيص أصلا يحدثه وأنكر ما ms233 في # PageV01P310 # مخلوقات الله وما في شرعه من الحكم التي خلق وأمر لأجلها. # فان غلط هؤلاء مما سلط أولئك المتفلسفة وظنوا أن ما يقول هؤلاء وأمثالهم ~~هو دين المسلمين أو قول الرسول وأصحابه ولهذا كانت مناظرة ابن سينا وأمثاله ~~في كتبهم لمبتدعة أهل الكلام فعامة مناظرة ابن سينا هي للمعتزلة وابن رشد ~~للكلابية وكانوا إذا بينوا فساد بعض ما يقوله مبتدعة أهل الكلام يظنون أنه ~~لم يبق حق إلا ما يقولونه هم وذلك بالعكس وليس الأمر كذلك بل ما يقوله ~~مبتدعة أهل الكلام فيه خطأ مخالف للشرع والعقل. # والخطأ فيما تقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم ~~من خطأ المتكلمين وأما فيما يقولونه في العلوم الطبيعية والرياضية فقد يكون ~~صواب المتفلسفة أكثر من صواب من رد عليهم من أهل الكلام فإن أكثر كلام أهل ~~الكلام في هذه الأمور بلا علم ولا عقل ولا شرع. # ونحن لم نقدح فيما علم من الأمور الطبيعية والرياضية لكن ذكرنا أن ما ~~يدعونه من البرهان الذي يفيد علوما يقينية كلية بالأمور الطبيعية ليس كما ~~يدعونه بل غالب الطبيعيات إنما هي عادات تقبل التغير ولها شروط وموانع وهم ~~لا يريدون بالقضايا البرهانية الواجب قبولها إلا ما يكون لزوم المحمول منها ~~للموضوع لزوما ذاتيا لا يقبل التغير بحال فإذا قالوا كل اب لم يريدوا أن كل ~~ما هو في الوجود افهو ب ولا كل ما جد أو سيوجد وإنما يريدون أن كل ما يفرض ~~ويقدر في العقل بل في نفس الأمر مع قطع النظر عن الوجودين الذهني والخارجي ~~فهو ب كما قالوا كل إنسان حيوان فالطبيعة الإنسانية من حيث هي تستلزم ~~الحيوانية. # وهم يدعون أن الماهية قد تنفك عن الوجودين الخارجي والذهني وهي من ~~أغاليطهم ومعلوم أن هذا أن أريد به الإنسان المعروف فالإنسان المعروف لا ~~يكون إلا حيوانا وهذا أمر واضح ليس هو مما يطلب علمه بالبراهين فالصفات # PageV01P311 # اللازمة للموصوف التي لا يكون له حقيقة إلا بها لا توجد بدونها. # وقد بسط الكلام على فرقهم بين ms234 اللازمة وبين الذاتية المقومة الداخلة في ~~الماهية وبين اللازمة للماهية واللازمة لوجودها وبين أن هذا كله باطل إلا ~~إذا أريد ب الماهية ما يتصور في الذهن وبالوجود ما يكون في الخارج فالفرق ~~بين مصورات الأذهان وموجودات الأعيان فرق صحيح وأما أن يدعي في الخارج ~~جوهرين قائمين بأنفسهما أحدهما الإنسان المحسوس والآخر إنسان معقول ينطبق ~~على كل واحد من أفراد الإنسان ويدعي أن الصفات اللازمة التي لا يمكن تحقق ~~الموصوف إلا بها منها ما هو داخل مقوم لماهيته الموجودة في الخارج ومنها ما ~~هو خارج عارض لماهيته الموجودة في الخارج فهذا كله باطل كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع. # أقيستهم مبنية على القضايا الكلية لا علم لهم بها: # والمقصود أن ما يذكرونه من الإلهية في العلوم الإلهية والطبيعية وما ~~يتعلق بها فلا يفيد يقينا إلا كما يفيد قياس التمثيل إذ هي مبنية على قضية ~~كلية لا يقين عندهم بأنها كلية إلا كاليقين الذي عندهم بقياس التمثيل ولا ~~سبيل لهم إلى ذلك مثل قولهم في العلم الإلهي الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ~~والشيء الواحد لا يكون فاعلا وقابلا وأمثال هذه القضايا الكلية التي لا علم ~~لهم بها ولا يستدلون على ذلك إلا بقياس فيه قضية كلية لا علم لهم بها وإن ~~كان يمكن إبطالها. # لكن المقصود هنا بيان أنه لا علم بالموجود يحصل عن قياسهم وهذا باب واسع ~~يظهر بالتدبر. # الكلام على الواحد البسيط الذي يجعلونه مبدأ المركبات: # فإن قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد قضية كلية وهم لم يعرفوا في ~~الوجود قط شيئا واحدا من كل وجه صدر عنه شيء لا واحد ولا اثنان # PageV01P312 # والواحد البسيط الذي يصفون به واجب الوجود من جنس الواحد البسيط الذي ~~يجعلونه مبدأ المركبات إذا قالوا الإنسان مركب من الحيوانية والناطقية ~~وينتهي الأمر إلى واحد بسيط لا تركيب فيه فان هذا الواحد لا يوجد إلا في ~~الذهن لا في الخارج. # فان قولهم إنسان مركب من الحيوان والناطق والحيوانية والناطقية لا يصح ~~منه إلا ms235 ما يتصور في الذهن فان المتصور يتصور في نفسه إنسانا ناطقا وجسما ~~حساسا متحركا بالإرادة ناطقا فيكون كل من هذه الأجزاء جزءا مما تصوره في ~~نفسه واللفظ الدال على جميعها يدل عليها بالمطابقة وعلى أبعاضها بالتضمن ~~وعلى لازمها بالالتزام ومجموعها هي تمام الماهية المتصورة في الذهن والداخل ~~فيها هو الداخل في تلك الماهية والخارج عنها هو الخارج عن تلك الماهية وتلك ~~الماهية بحسب ما يتصوره الذهن فإذا تصور إنسانا ضاحكا كان الضاحك جزء هذه ~~الماهية. # وأما دعوى المدعي أن الإنسان الموجود في الخارج مركب من وهذا فلا يصح إلا ~~إذا أريد به أنه متصف بهذين الوصفين وهما قائمان به وهو حامل لهما كما يحمل ~~الجوهر أعراضه والموصوف صفاته. # وأما أن يقال أن الجوهر مركب من أعراض أو مركب من جواهر أحدها جسم والآخر ~~حساس والآخر نام والآخر متحرك بالإرادة وان هذا الإنسان المعين فيه جواهر ~~متعددة بتعدد هذه الأسماء وان الجوهر الذي هو الحساس ليس هو الذي هو متحركا ~~بالإرادة ولا الذي هو جسم ولا الذي هو ناطق ولا الناطق هو الحساس فهذا مما ~~يعلم فساده بعد تصوره بالصورة. # توحيد واجب الوجود عند الفلاسفة: # وكذلك الواحد الذي يصفون به واجب الوجود وانه مجرد عن جميع # PageV01P313 # الصفات الثبوتية ليس له حياوة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ويقولون مع ذلك ~~هو عأقل ومعقول وعقل ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق ويقولون أن كل صفة ~~من هذه الصفات هي الأخرى فاللذة هي العقل والعقل هي العشق ويقولون أن كل ~~صفة من هذه الصفات هي الموصوف والعلم هو العالم واللذة واللذة هي الملتذ ~~والعشق هو العاشق فهذا ونحوه من أقوالهم في صفات واجب الوجود مما إذا تصوره ~~المتصور تصورا صحيحا كان مجرد تصوره يوجب العلم الضروي بفساده. # وقد بسطنا الكلام عليه وبينا ما ألجأهم إلى القول بهذا وكلامهم في ~~التركيب وبينا أن أكثر الفلاسفة المتقدمين قبل أرسطو وكثير من المتأخرين ~~كأبي البركات صاحب المعتبر وغيره لا يقولون بهذا بل ردوا على من قاله ms236 واصل ~~هذا كله ما ادعوه من أن إثبات الصفات تركيب ممتنع وهذا أخذوه عن المعتزلة ~~ليس هذا من كلام أرسطو وذويه وقد تكلمنا في بيان فساده في مصنف مفرد في ~~توحيد الفلاسفة وفي شرح الاصبهانية والصفدية وغير ذلك. # ثم بنوا هذا على أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا لأن ذلك يستلزم التركيب ~~وان الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لأن صدور اثنين يقتضى تعدد المصدر فمصدر ج ~~غير مصدر ب وذلك يستلزم التركيب الممتنع. # فمدار كلامهم في التوحيد والصفات كله على لفظ التركيب وقد بسطنا القول ~~فيه وبينا ما في هذا اللفظ من إجمال فان التركيب خمسة أنواع: أحدها: تركب ~~الذات من وجود وماهية والثاني: تركيبها من وصف عام # PageV01P314 # ووصف خاص كالمركب من الجنس والفصل والثالث: تركيب من ذات وصفات والرابع: ~~تركيب الجسم من المادة والصورة والخامس: تركيبه من الجواهر المنفردة. # وقد بينا أن ما يدعونه من التركيب من الوجود والماهية ومن الجنس والفصل ~~باطل وأما تركيب الجسم من هذا وهذا فأكثر العقلاء يقولون الجسم ليس مركبا ~~لا من المادة والصورة ولا من الجواهر المنفردة لم يبق إلا ذات لها صفات. # وقد بينا أن المركب يقال على ما ركبه غيره وعلى ما كانت أجزاؤه متفرقة ~~فاجتمعت وعلى ما يقبل مفارقة بعضه بعضا وهذه الأنواع الثلاثة منتفية عن رب ~~العالمين باتفاق المسلمين. # وهم جعلوا ما يوصف بالصفات تركيبا وهذا اصطلاح لهم وحقيقة الأمر تعود إلى ~~موصوف له صفات متعددة فتسمية المسمى هذا تركيبا اصطلاح لهم والنظر إنما هو ~~في المعاني العقلية وأما الألفاظ فان وردت عن صاحب الشرع المعصوم كان لها ~~حرمة وإلا لم يلتفت إلى من اخذ يعبر عن المعاني الصحيحة المعلومة بالعقل ~~والشرع بعبارة مجملة توهم معاني فاسدة وقيل لهم البحث في المعاني لا في ~~الألفاظ كما بسط في موضعه. # الوجه الثاني: إن المعين المطلوب علمه بالقضايا الكلية يعلم قبلها ~~وبدونها: # الوجه الثاني: أن يقال إذا كان لا بد في كل قياس من قضية كلية فتلك ~~القضية # PageV01P315 # الكلية لا ms237 بد أن تنتهي إلى أن تعلم بغير قياس وإلا لزم الدور والتسلسل ~~فإذا كان لا بد أن تكون لهم قضايا كلية معلومة بغير قياس فنقول. # ليس في الموجودات ما تعلم الفطرة له قضية كلية بغير قياس إلا وعلمها ~~بالمفردات المعينة من تلك القضية الكلية أقوى من علمها بتلك القضية الكلية ~~مثل قولنا الواحد نصف الاثنين والجسم لا يكون في مكانين والضدان لا يجتمعان ~~فان العلم بأن هذا الواحد نصف هذين الاثنين أقدم في الفطرة من العلم بأن كل ~~واحد نصف كل اثنين وهكذا كل ما يفرض من الآحاد. # فيقال المقصود بهذه القضايا الكلية أما أن يكون العلم بالموجود الخارجي ~~أو العلم بالمقدرات الذهنية أما الثاني ففائدته قليلة وأما الأول فما من ~~موجود معين إلا وحكمه بعلم تعينه اظهر وأقوى من العلم به عن قياس كلى ~~يتناوله فلا يحصل بالقياس كثير فائدة بل يكون ذلك تطويلا وإنما يستعمل ~~القياس في مثل ذلك لأجل الغالط والمعاند فيضرب له المثل وتذكر الكلية ردا ~~لغلطه وعناده بخلاف من كان سليم الفطرة. # وكذلك قولهم الضدان لا يجتمعان فأي شيئين علم تضادهما فانه يعلم أنها لا ~~يجتمعان قبل استحضار قضية كلية بأن كل ضدين لا يجتمعان وما من جسم معين إلا ~~يعلم أنه لا يكون في مكانين قبل العلم بأن كل جسم لا يكون في مكانين وكذلك ~~قولهم النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فان مرادهم بذلك أن وجود الشيء ~~وعدمه لا يجتمعان ولا يرتفعان فما من شيء معين إلا ويعلم أنه لا يكون ~~موجودا معدوما وانه لا يخلو عن الوجود والعدم قبل العلم بهذه القضية العامة ~~وأمثال ذلك كثير لمن تدبره. # ويعلم أن المعين المطلوب علمه بهذه القضايا الكلية الأولية يعلم قبل أن ~~تعلم هذه القضية الكلية ويعلم بدونها ولا يحتاج العلم به إلى القضية الكلية ~~وإنما يعلم بالقضية الكلية ما يقدر في الذهن من أمثال ذلك مما لم يوجد في ~~الخارج وأما الموجودات # PageV01P316 # الخارجية فتعلم بدون هذا القياس. # قياس الشمول مبناه على قياس التمثيل: # وإذا ms238 قيل أن من الناس من يعلم بعض الأعيان الخارجية بهذا القياس فيكون ~~مبناه على قياس التمثيل الذي ينكرون أنه يقيني فهم بين أمرين أن اعترفوا ~~بأن قياس التمثيل من جنس قياس الشمول ينقسم إلى يقيني وظني بطل تفريقهم وان ~~ادعوا الفرق بينهما وان قياس الشمول يكون يقينيا دون التمثيل منعوا ذلك ~~وبين لهم أن اليقين لا يحصل في مثل هذه الأمور إلا أن يحصل ب التمثيل فيكون ~~العلم بما لم يعلم من المفردات الموجودة في الخارج قياسا على ما علم منها ~~وهذا حق لا ينازع فيه عأقل. # بل هذا من اخص صفات العقل التي فارق بها الحس إذا الحس لا يعلم إلا معينا ~~والعقل يدركه كليا مطلقا لكن بواسطة التمثيل ثم العقل يدركها كلها مع عزوب ~~الأمثلة المعينة عنه لكن هي في الأصل إنما صارت في ذهنه كلية عامة بعد ~~تصوره لأمثال معينة من أفرادها وإذا بعد عهد الذهن بالمفردات المعينة فقد ~~يغلط كثيرا بأن يجعل الحكم أما اعم وأما اخص وهذا يعرض للناس كثيرا. # أنواع المفروضات الذهنية: # ومن هنا يغلط كثيرا ممن يسلك سبيلهم حيث يظن أن ما عنده من القضايا ~~الكلية صحيح ويكون عند التحقيق ليس كذلك وهم يتصورون الشيء بعقولهم ويكون ~~ما تصوروه معقولا بالعقل فيتكلمون عليه ويظنون أنهم تكلموا في ماهية مجردة ~~بنفسها من حيث هي هي من غير أن تكون ثابتة في الخارج ولا في الذهن فيقولون ~~الإنسان من حيث هو هو والوجود من حيث هو هو والسواد من حيث هو هو ونحو ذلك ~~ويظنون أن هذه الماهية التي جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية محققة ~~في الخارج على هذا التجريد وذلك غلط كغلط أوليهم فيما جردوه # PageV01P317 # من العدد والمثل الأفلاطونية وغيرها بل هذه المجردات المسلوب عنها كل قيد ~~ثبوتي وسلبي لا تكون إلا مقدرة في الذهن. # وإذا قال القائل فأنا افرض الإنسان مجردا عن الوجودين الخارجي والذهني ~~قيل له هذا الفرض في الذهن أيضا كما تفرض سائر الممتنعات في الذهن مثل أن ~~يفرض موجودا ms239 لا واجبا ولا ممكنا ولا قائما بنفسه ولا بغيره ولا مبائنا ~~لغيره ولا مجانبا له وهذا كله مفروض في الذهن وليس كل ما فرضه الذهن أمكن ~~وجوده في الخارج وليس كل ما حكم به الإنسان على ما يقدره ويفرضه في ذهنه ~~يكون حكما صحيحا على ما يوجد في الخارج ولا كل ما أمكن تصور الذهن له يكون ~~وجوده في الخارج. # بل الذهن يتصور اشياء ويقدرها مع علمه بامتناعها ومع علمه بامكانها في ~~الخارج ومع عدم علمه بالامتناع الخارجي والإمكان الخارجي وهذا الذي يسمى ~~الإمكان الذهني فان الإمكان يستعمل على وجهين إمكان ذهني وامكان خارجي ف ~~الإمكان الذهني أن يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه بل يقول يمكن هذا ~~لا لعلمه بامكانه بل لعدم علمه بامتناعه مع أن ذاك الشيء قد يكون ممتنعا في ~~الخارج. # واما الإمكان الخارجي فأن يعلم إمكان الشيء في الخارج وهذا يكون بأن يعلم ~~وجوده في الخارج أو وجود نظيره أو وجود ما هو ابعد عن الوجود منه فإذا كان ~~الابعد عن قبول الوجود موجودا ممكن الوجود فالأقرب إلى الوجود منه أولى. # طريقة القرآن في بيان إمكان المعاد: # وهذه طريقة القران في بيان إمكان المعاد يبين ذلك بهذه الطريق. # فتارة يخبر عمن اماتهم ثم احياهم كما اخبر عن قوم موسى بقوله: {وإذ قلتم ~~يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} # PageV01P318 # وكما اخبر عن المضروب بالبقرة بقوله: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي ~~الله الموتى} وكما اخبر عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال ~~لهم الله: {موتوا ثم أحياهم} . # وكما اخبر عن: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت ~~يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى ms240 العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} وعن إبراهيم: {وإذ ~~قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن ~~قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ~~ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم} وكما اخبر عن المسيح عليه ~~السلام أنه كان يحيى الموتى باذن الله. # وكما اخبر عن أصحاب الكهف أنهم لبثوا نياما في كهفهم ثلاث مائة سنين ~~وازدادوا تسعا وقال تعالى: {وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن ~~الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم} وقد ذكر غير واحد من العلماء أن ~~الناس كانوا قد تنازعوا في زمانهم هل يبعث الله الارواح فقط أو يبعث ~~الارواح والاجساد فأعثر الله هؤلاء على أهل الكهف وعلموا أنهم بقوا نياما ~~لا يأكلون ولا يشربون ثلثمائة سنة شمسية وهي ثلثمائة وتسع هلالية فأعلمهم ~~الله بذلك إمكان إعادة الأبدان # PageV01P319 # فهذه إحدى الطرق التي يبين الله بها إمكان المعاد. # وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الأولى وان الإعادة اهون من الابتداء كما في ~~قوله: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم} وكما في قوله: ~~{وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} وكما قوله: {وقالوا أإذا كنا عظاما ~~ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر ~~في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة} وكما في قوله تعالى: ~~{وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} . # وتارة يستدل على إمكان ذلك بخلق السموات والأرض فان خلقها أعظم من إعادة ~~الإنسان كما في قوله: {وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا أولم يروا أن الله الذي ms241 خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ~~وجعل لهم أجلا لا ريب فيه} وكما في قوله تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} وقوله: {أولم يروا ~~أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ~~بلى أنه على كل شيء قدير} . # وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات كما في قوله: {وهو الذي يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت # PageV01P320 # فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم ~~تذكرون} وكما في قوله: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ~~ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} . # وقد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا الموضع وبين أن ما عند أئمة ~~النظار أهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية على المطالب الإلهية فقد ~~جاء القران بما فيها من الحق وما هو أكمل وابلغ منها على أحسن وجه مع تنزهه ~~عن الاغاليط الكبيرة الموجودة عند هؤلاء فأن خطأهم فيها كثير جدا ولعل ~~ضلالهم أكثر من هداهم وجهلهم أكثر من علمهم. # ولهذا قال أبو عبد الله الرازي في اخر عمره في كتابه أقسام اللذات: "لقد ~~تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروى ~~غليلا ورايت أقرب الطرق طريقة القران اقرأ في الإثبات: {الرحمن على العرش ~~استوى} : {إليه يصعد الكلم الطيب} وأقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} : {ولا ~~يحيطون به علما} ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي". # فساد إثبات الإمكان الخارجي بمجرد عدم العلم بالامتناع: # والمقصود هنا أن الإمكان الخارجي يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم ~~بالامتناع كما يقوله طائفة منهم الامدى إذا أرادوا وإثبات إمكان أمر قالوا ~~لو # PageV01P321 # قدرنا هذا لم يلزم منه ممتنع فأن هذه القضية الشرطية غير معلومة فان كونه ~~لا يلزم منه محذور ليس معلوما بالبديهة ولا اقام عليه دليلا نظريا. # وابعد من اثباته الإمكان الخارجي بالإمكان الذهني ما ms242 يسلكه طائفة من ~~المتفلسفة والمتكلمة كابن سينا والرازي وغيرهما في إثبات الإمكان الخارجي ~~بمجرد إمكان تصوره في الذهن كما أن ابن سينا واتباعه لما أداروا إثبات ~~موجودفي الخارج معقول لا يكون محسوسا بحال استدلوا على ذلك بتصور الإنسان ~~الكلي المطلق المتناول للافراد الموجودة في الخارج وهذا إنما يفيد إمكان ~~وجود هذه المعقولات في الذهن فإن الكلي لا يوجد كليا إلا في الذهن وهذا ليس ~~مورود النزاع وإنما النزاع في إمكان وجود مثل هذا المعقول في الخارج وليس ~~كل ما تصوره الذهن يكون موجودا في الخارج كما يتصور الذهن فأن الذهن يتصور ~~ما يمتنع وجوده في الخارج كما يتصور الجمع بين النقيضين والضدين. # وقد تبعه الرازي على الاستدلال بهذا واستدل هو غيره على إمكان ذلك بأن ~~قال يمكن أن يقال الموجود أما أن يكون مجانبا لغيره وأما أن يكون مبائنا ~~لغيره وأما أن لا يكون لا مجانبا لا مبائنا فظنوا أنه بامكان هذا التقسيم ~~العقلى يستدل على إمكان وجود كل من الأقسام في الخارج وهذا غلط فان هذا ~~التقسيم كقو ل القائل الموجود أما أن يكون واجبا وأما أن يكون ممكنا وأما ~~أن لا يكون واجبا ولا ممكنا وأما أن يكون قديما وأما أن يكون محدثا وأما أن ~~لا يكون قديما ولا محدثا وأما أن يكون قائما بنفسه وأما أن يكون قائما ~~بغيره وأما أن لا يكون قائما بنفسه ولا بغيره وأمثال ذلك من التقسيمات التي ~~يقدرها الذهن ومعلوم أن هذا لا يدل على إمكان وجود موجود لا واجب ولا ممكن ~~ولا قديم ولا حادث ولا قائم بنفسه ولا بغيره وكذلك ما تقدم فأين طرق هؤلاء ~~في إثبات الإمكان الخارجي من طريقة القران # PageV01P322 # محاولتهم معارضة الفطر وتعاليم الرسل: # ثم أنهم بمثل هذه الطرق الفاسدة يريدون خروج الناس عما فطروا عليه من ~~المعارف اليقينية والبراهين العقلية وما جاءت به الرسل من الأخبار الإلهية ~~عن الله تعالى واليوم الآخر. # وبينوا لرب العالمين من الوجود ما يستلزم الجمع بين النقيضين فيكذبوا ~~بصريح المعقول وصحيح ms243 المنقول كقولهم لاهو مبائن للمخلوقات ولا مجانب لها ~~ولا يشار إليه ونحو ذلك من القضايا السلبية التي يصفون بها رب العالمين مما ~~لا يتضمن وصفه بصفة كمال بل يشاركه فيها الممتنعات والمعدومات وتستلزم كون ~~الموصوف بها معدوما بل ممتنعا. # ويريدون أن يجعلوا مثل هذه القضايا الكاذبة والخيالات الفاسدة اصولا ~~عقلية يعارض بها ما ارسل الله به رسله وأنزل به كتبه من الايات وما فطر ~~الله عليه عباده وما تقوم عليه الأدلة العقلية التي لا شبهة فيها. # ولهذا كان أساطين الفلاسفة القدماء وكثير من المتأخرين منهم على خلاف قول ~~هؤلاء النفاة وكانوا أقرب إلى موافقة الأنبياء وأتباع الأنبياء من هؤلاء ~~النفاة من المتفلسفة والجهمية والمتكلمة كما قد بسطت أقوالهم في غير هذا ~~الموضع. # والمقصود هنا التنبيه على اصول سلموها أفسدوا بها العلوم العقلية ~~والسمعية فإن مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها ومبنى السمع على تصديق ~~الأنبياء صلواة الله عليهم. # كون تعليم الأنبياء جامعا للأدلة العقلية والسمعية جميعا: # ثم الأنبياء صلوات الله عليهم كملوا للناس الأمرين فدلوهم على الأدلة ~~العقلية التي بها تعلم المطالب الإلهية التي يمكنهم علمهم بها بالنظر ~~والاستدلال وأخبروهم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته بمجرد ~~نظرهم واستدلالهم # PageV01P323 # وليس تعليم الأنبياء صلوات الله عليهم مقصورا على مجرد الخبر كما يظنه ~~كثير من النظار بل هم بينوا من البراهين العقلية التي بها يعلم العلوم ~~الإلهية ما لا يوجد عند هؤلاء البتة فتعليمهم ص جامع للادلة العقلية ~~والسمعية جميعا بخلاف الذين خالفوهم فان تعليمهم غير مفيد للادلة العقلية ~~والسمعية مع ما في نفوسهم من الكبر الذي ما هم ببالغيه كما قال تعالى: {إن ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه فاستعذ بالله أنه هو السميع البصير} وقال: {الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله ~~على كل قلب متكبر جبار} وقال تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم ms244 من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} ومثل هذا كثير في القران ~~وقد بسطنا القول فيه في بيان درء تعارض الشرع والعقل. # ولهذا لما كانوا يتصورون في اذهانهم ما يظنون وجوده في الخارج جعلوا ~~علومهم ثلاثة أنواع ادناها عندهم الطبيعي وهو ما لا يتجرد عن المادة لا في ~~الذهن ولا في الخارج وهو الكلام في الجسم واحكامه واقسامه واوسطها الرياضي ~~وهو ما بتجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج مثل الحساب والهندسة فانه # PageV01P324 # لا يوجد في الخارج ذو مقدار إلا جسما ولكن يجرد المقدار في النفس واعلاها ~~عندهم ما يسمونه علم ما بعد الطبيعة باعتبار الوجود العيني وقد يسمونه ~~العلم الإلهي ويسمونه الفلسفة الأولى والحكمة العليا وهو ما تجرد عن المادة ~~في الذهن والخارج. # وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم في هذه الأنواع لم يجد عندهم علما ~~بمعلومات موجودة في الخارج إلا القسم الذي يسمونه الطبيعي وما يتبعه من ~~الرياضي وأما الرياضي المجرد في الذهن فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها ~~في الخارج والذي سموه علم ما بعد الطبيعة وهو ما جردوه عن المادة في الذهن ~~والخارج إذا تدبر لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في الخارج وإنما تصوروا ~~أمورا مقدرة في أذهانهم لا حقيقة لها في الخارج ولهذا كان منتهى نظرهم وآخر ~~فلسفتهم وحكمتهم هو الوجود المطلق الكلى أو المشروط بسلب جميع الأمور ~~الوجودية. # فموضوع العلم الالهى الناظر في الوجود ولواحقه هو الوجود الكلى المنقسم ~~إلى جوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث وهذا لا وجود له في الخارج وإنما ~~يوجد في الذهن وهو العلم الأعلى عندهم فهذا العلم الأعلى مقدر في الذهن ~~والعلى الأعلى الموجود في الخارج هو الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل ~~قوله: {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى ~~فجعله غثاء أحوى} . # وأما واجب الوجود الذي يثبتونه فاما أن يجعلوه وجودا مجردا عن كل قيد ~~ثبوتي وعدمى وأما أن يقولوا بل هو مقيد بالامور السلبية دون ms245 الثبوتية كقول ~~ابن سينا وأمثاله وهذا إنما يوجد في الذهن لا في الخارج فانه يمتنع ثبوث ~~موجود خارجي لا يوصف بشئ من الأمور الثبوتية أو لا من الثبوتية ولا السلبية ~~بل أي موجود حقير فرضته كان خيرا من هذا الذي لا يوصف بشئ ثبوتي فانه قد ~~شارك ذلك الموجود الحقير في مسمى الوجود ولم يمتز عنه إلا بوصف عدمى # PageV01P325 # وذلك الموجود الحقير امتاز عنه بأمر وجودى الوجود خير من العدم فكان ما ~~امتاز به ذلك الموجود الحقير خيرا مما ميزوا به واجب الوجود يزعمهم وقد بسط ~~هذا في موضع آخر وبين أن ما يثبتونه ويجعلونه واجب الوجود هو ممتنع الوجود ~~ولكن يفرض في الذهن كما يفرض سائر الممتنعات. # والمقصود هنا أنهم كثيرا ما يدعون في المطالب البرهانية من الأمور ~~العقلية ما يكونوا قد قدروه في أذهانهم ويقولن نحن نتكم في الأمور الكلية ~~والعقليات المحضة وإذا ذكر لهم شيء قالوا نتكلم فيما هو أعم من ذلك وفي ~~الحقيقة من حيث هي هى ونحو هذه العبارات فيطالبون بتحقيق ما ذكروه في ~~الخارج ويقال يبنوا هذا أي شيء هو فهنالك يظهر بجهلهم وأن ما يقولونه هو ~~أمر مقدر في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان وهذا مثل أن يقال لهم اذكروا ~~مثال ذلك والمثال أمر جزئي فإذا عجزوا عن التمثيل وقالوا نحن نتكم في ~~الأمور الكلية فاعلم أنهم يتكلمون بلا علم وفيما لا يعلمون أن له معلوما في ~~الخارج بل فيما ليس له معلوم في الخارج وفيما قد يمتنع أن يكون له معلوم في ~~الخارج وإلا فالعلم بالامور الموجودة إذا كان كليا كان له معلومات ثابتة في ~~الخارج. # ولفظ الكلى يريدون به ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ثم قد يكون ~~ممتنعا في الخارج كشريك الباري وقد يكون معدوما وإنما يقدره الذهن كما يقدر ~~عنز ايل وهذا تمثيل أرسطو. # وقد يكون موجودا في الخارج لكن لا يقبل الشركة وقد يمكن وقوع الشركة فيه ~~ولم تقع وهم يمثلون هذا باسم الاله والشمس ms246 ويجعلون مسمى هذا كليا لا يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه وإنما امتنعت الشركة فيه لسبب خارجي فانحصر نوعه ~~في شخصه لا لمجرد تصور معناه وهذا مشهور بينهم. # وإنما يصح هذا إذا كان لفظ الاله ولفظ الشمس اسم جنس بحيث لا يقصد به ~~الشمس المعينة ولا الاله المعين المعروف فان الكلى عندهم مثل # PageV01P326 # اسم جنس في اصطلاح النحاة وهو ما علق على الشيء وعلى كل ما اشبهه والناس ~~لا يقصدون بلفظ الشمس إلا الشمس المعينة واللام فيها لتعريف العهد لا للجنس ~~كما قال تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك ~~يسبحون} فمسمى الشمس والقمر هنا جزئي لا كلى بخلاف لفظ الكوكب والنجم ونحو ~~ذلك فانه كلى وكذلك اسم الاله عند المسلمين إنما يريدون به إلههم وهو الله ~~لا إله إلا هو. # وعلى هذا فليس هذا ولا هذا كليا مشتركا بل نفس تصور معناه يمنع من وقوع ~~الشركة فيه فهو معين مختص وهو الذي يسمونه الجزئي ليس مطلقا مشتركا وهو ~~الذي يسمونه الكلى. # وكان الخسر وشاهى من أعيانهم وأعيان أصحاب الرازي وكان يقول: "ما عثرنا ~~إلا على هذه الكليات" وكان قد وقع في حيرة وشك حتى كان يقول: "والله ما ~~أدرى ما أعتقد والله ما أدرى ما أعتقد والله ما أدري ما اعتقد". # الاستدلال بالكليات على أفرادها استدلال بالخفي على الجلي: # والمقصود أن الذي يدعونه من الكليات هو إذا كان علما فهو مما يعرف ب قياس ~~التمثيل لا يقف على القياس المنطقى الشمولي أصلا بل ما يدعون توقفه على هذا ~~القياس تعلم أفراده التي يستدل عليها بدون هذا القياس وذلك أيسر وأسهل ~~فيكون الاستدلال عليها بالقياس الذي يسمونه البرهاني استدلالا على الأجلى ~~بالأخفى. # وإذا قيل فالبرهان يفيد قضية كلية قيل أما البرهان الذي يستحق اسم ~~البرهان عندهم وهو ما كان مؤلفا من المقدمات اليقينية المحضة الواجب قبولها ~~التي يمتنع # PageV01P327 # نقيضها فإنها بهذه المنزلة وأما ما لا يكون كذلك بل يكون مؤلفا من ~~القضايا التجريبة العادية كالقضايا الطبيعية ms247 والطبية والنحوية ونحو ذلك ~~فهذه كثيرا ما تكون منتقضة ولا يجزم العقل بامتناع انتقاضها إلا بشروط فان ~~العاديات يجوز انتقاضها والقضية الكلية إذا جاز انتقاضها لم يكن عندهم مادة ~~للبرهان بل للجدل والخطابة. # فان قيل وأنتم تجزمون بمراد المتكلم بكلامه في غالب المواضع كما تجزمون ~~بمراد الرسول ومراد علماء الشرع والطب والنحو والعلم باللغات مبناه على ~~القضايا العادية قيل الجزم بمراد الشخص المعين ليس هو قضية كلية بل هو علم ~~بمراد شخص معين وهذا وإن كان علمنا بلغته وعادته هو مما يعين على العلم ~~بمراده فلا بد مع ذلك من علم يختص به يعرف أنه إنما تكلمه بتلك العادة ~~ليفهمنا مراده وحينئذ فليس هذا مما نحن فيه ولهذا لا نستدل على هذا بمجرد ~~ما ذكروه من برهانهم. # وهم يعيبون في صناعة الحد أن يعرف الجلى بالخفي وهذا في صناعة البرهان ~~اشد عيبا فان البرهان لا يراد به إلا به إلا بيان المدلول عليه وتعريفه ~~وكشفه وأيضاحه فإذا كان هو أوضح وأظهر كان هذا بيانا للجلى بالخفي وأما ~~الحد فالصواب أن المراد به التمييز بينه وبين المحدود لا تعريف الماهية ~~وإذا كان مطلوبه هو التمييز فقد يكون المميز اخفى وقد يكون أجلى. # المقدمات الخفية قد تنفع بعض الناس وفي المناظرة: # ومع هذا فلما كان الجلاء والخفاء من الأمور النسبية فقد ينتفع بالدليل ~~الخفي والحد الخفي بعض الناس وكثير من الناس إذا ذكر له الواضح لم يعبا به ~~وقد لا يسلمه حتى يذكر له دليل مستلزم ثبوته فانه يسلمه وكذلك إذا ذكر له ~~حد يميزه وهذا في الغالب يكون من معاند أو ممن تعودت نفسه أنها لا تعلم إلا ~~ما تعنت عليه وفكرت فيه وانتقلت فيه من مقدمة إلى مقدمة فان العادة طبيعة ~~ثانية فكثير ممن تعود البحث والنظر صارت عادة نفسه كالطبيعة له لا يعرف ولا ~~يقبل ولا يسلم # PageV01P328 # إلا ما حصل له بعد بحث ونظر بل وجدل ومنع ومعارضة فحينئذ يعرف به ويقبله ~~ويسلمه وإن كان عند أكثر الناس من ms248 الأمور الواضحة البينة لا تحتاج إلى بحث ~~ونظر فالطريق الطويلة والمقدمات الخفية التي يذكرها كثير من النظار تنفع ~~لمثل هؤلاء في النظر وتنفع في المناظرة لقطع المعاند وتبكيت الجاحد. # فان السفسطة أمر يعرض لكثير من النفوس وهي جحد الحق وهي لفظه معربة من ~~اليونانية أصلها سوفسطيا أي حكمه مموهة فلما عربت قيل سفسطة. # وأما ما يذكره طائفة من أهل الكلام ونأقلي المقالات أن في الناس رجل يقال ~~له سوفسطا وانه وأصحابه ينكرون جميع الحقائق والعلوم فهذا باطل لا حقيقة له ~~ولا يتصور أن يعيش احد من بني آدم بل ولا من البهائم مع جحد جميع الحقائق ~~والشعور بها فان الإنسان مدنى بالطبع فلا بد أن يعرف بعض الناس بعضا ويعرف ~~الإنسان جوعه وشبعه وعطشه وريه ولذته وألمه ويميز بين ما يأكله وما لا ~~يأكله وما يلبسه وما لا يلبسه وبين مسكنه ومسكن جاره وبين الليل والنهار ~~وغير ذلك من الأمور التي هي ضرورية في الحياة. # وكذلك ما يذكرونه أن في السمنية قوم ينكرون من العلوم ما سوى الحسيات حتى ~~ينكروا المتواترات غلط على القوم فإنهم انكروا وجود ما لا يمكن الاحساس به ~~لم ينكروا وجود ما لا يحسونه مم به وقد ذكر الامام احمد مناظرتهم للجهم بن ~~صفوان وهي تقتضى ذلك وإلا فهؤلاء من عقلاء # PageV01P329 # الهند وحكمائهم وإن كانوا مشركين يعبدون الأصنام فلا يتصور أن احدهم ينكر ~~ما كان قبل مولده فلا ينكر وجود البلاد والانهار والجبال والدور التي لم ~~يرها ولا ينكر وجود كل إنسان أو بهمة لم يرها فان هذا ليس عليه أحد من بنى ~~آدم بل بنو آدم كلهم متفقون على أن ما شاهدوه علموه بالمشاهدة وما غاب عنهم ~~علموه بالأخبار فلا يتصور أن كل طائفة من الطوائف تتفق على جحد جنس ~~الأخبار. # ولكن قد تعرض السفسطة لبعض الطوائف ولبعض الأشخاص في بعض المعارف فان ~~أمراض القلوب كأمراض الأجسام فكما أنها ليس في الوجود أمة ولا شخص يمرض بكل ~~مرض فليس فيهم من هو جاهل بكل شيء ms249 وفاسد الاعتقاد في كل شيء وفاسد القصد في ~~كل شيء بل قد يوجد فيهم من هو مريض ببعض الامراض بل قد يوجد بعض الطوائف ~~يكثر فيهم بعض الامراض وهؤلاء المرضى لا ينتفعون بالاغذية الفطرية بل ~~يحتاجون إلى علاج وادوية تناسب مزاجهم. # وكذلك من كان به سفسطة ومرضت فطرته في بعض المعارف لا يستعمل معه الأدلة ~~النظرية بل يستعمل معه نوع من العلاج والادوية فقد تكون الحدود والأدلة ~~التي تحوجه إلى النظر والفكر إذا تصورها مقدمة مما يزيل # PageV01P330 # سفسطته وتحوجه إلى الاعتراف بالحق وهذا بمنزلة من يغلط في الحساب والحساب ~~لا يحتمل وجهين وقد يكون غلطه ظاهرا وهو لا يعرفه أو لا يعترف به فيسلك معه ~~طريق طويل يعرف بها الحق ويقال له أخذت كذا وأخذت كذا فصار كذا وأخذت كذا ~~وأخذت كذا فصار كذا. # وكذلك للمناظر قد تضرب له الامثال فان المثال يكشف الحال حتى في ~~المعلومات بالحس والبديهة وقد تستسلف معه المقدمات وإلا فقد يجحد إذا عرف ~~أنه يلزمه الاعتراف بما ينكره وهي طريقة المتقدمين من نظار المسلمين وقدماء ~~اليونان في المناظرة يكون المستدل هو السائل لا المعترض فيستسلف المقدمات ~~ويقول ما تقول في كذا وفي كذا أو يقول ليبين كذا وكذا مقدمة مقدمة فإذا ~~اعترف بتلك المقدمات بين ما تستلزمه من النتائج المطلوبه. # فيجب الفرق بين ما يقف معرفة الحق عليه ويحتاج إليه وبين ما يعرف الحق ~~بدونه ولكن قد يزال به بعض الامراض ويقطع به بعض المعاندين والله سبحانه ~~اعلم. # وكثير من النظار يسلك في معرفة المطلوب طريقا يقولون لا طريق إلا هو ~~وكذلك في الحدود وقد تكون تلك الطريق فاسدة وقد تكون صحيحة ولكن للناس طرق ~~أخرى كما قد يقوله كثير منهم في معرفة الصانع أو معرفة صدق رسوله أنه لا ~~طريق إليها إلا هذه الطريق ويكون للناس طرق خير منها. # كتاب الآراء والديانات للنوبختي: # وكنت قد علقت الكلام على أهل المنطق في مجلس واحد بسرعة لسبب اقتضى ذلك ~~ثم بعد مدة نظرت في كتاب الآراء ms250 والديانات لأبي محمد الحسن بن موسى ~~النوبختى فرأيته قد ذكر نحو هذا المعنى عمن تقدم من متكلمى المسلمين فانه # PageV01P331 # ذكر كلام أرسطوا مختصرا. # اختلاف الفلاسفة فيما بينهم: # وأرسطو هو المعلم الأول لاصحاب هذه التعاليم الذي يسمون المشائين وهم ~~أصحاب هذا المنطق اليوناني الذي وضعه أرسطو وما يتبعه من الطبيعي والإلهي ~~فان الفلاسفة ليسوا امة واحدة لها مقالة في العلم الإلهي والطبيعي وغيرهما ~~بل هم أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله أعظم ~~مما بين الملة الواحدة كاليهود والنصارى أضعافا مضاعفة. # كلما كان القوم عن اتباع الرسل أبعد كان اختلافهم أكثر: # فان القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب المنزلة كان أعظم في تفرقهم ~~واختلافهم فإنهم يكونوا أضل كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا ~~أوتوا الجدل" ثم قرأ قوله: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} إذ لا ~~يحكم بين الناس فيما تنازعوا فيه إلا كتاب منزل ونبي مرسل كما قال تعالى: ~~{كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} # PageV01P332 # ولهذا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} وقد أنزل مع رسله الكتاب ~~والميزان كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} وقال: {الله الذي ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان} . # والميزان قال كثير من المفسرين: "هو العدل" وقال بعضهم: ms251 "هو ما به توزن ~~الأمور وهو ما به يعرف العدل" وكذلك قالوا في قوله: {والسماء رفعها ووضع ~~الميزان} الامثال المضروبة والأقيسة العقلية التي تجمع بين المتماثلات ~~وتفرق بين المختلفات وإذا أطلق لفظ الكتاب كما في قوله: {وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} دخل فيه الميزان لأن الله تعالى ~~بين في كتابه من الامثال المضروبة والمقاييس العقلية ما يعرف به الحق ~~والباطل. # وهذا كلفظ الحكمة تارة يقرن ب الكتاب كما في قوله: {وأنزل الله عليك ~~الكتاب والحكمة} وتارة يفرد الكتاب كقوله: {الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب} وإذا أفرد دخلت الحكم في معناه وكذلك في لفظ القرآن والإيمان قال ~~تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم} # PageV01P333 # وإذا أفرد لفظ القرآن فهو يدل على الإيمان كما الإيمان يدل على القرآن ~~فهما متلازمان وسيأتي أن شاء الله الكلام على هذا وقد أمر الله بالجماعة ~~والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا} وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شيء} وقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} ~~وقد اخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون فقال تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من ~~رحم ربك} . # ولهذا يوجد اتبع الناس للرسول أقلهم اختلافا كأهل الحديث والسنة فإنهم ~~أقل اختلافا من جميع الطوائف ثم من كان إليهم أقرب من جميع الطوائف ~~المنتسبة إلى السنة كانوا أقل أختلافا فأما من بعد من السنة كالمعتزلة ~~والرافضة فتجدهم أكثر الطوائف اختلافا. # كثرة اختلاف الفلاسفة: # وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره احد وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتاب ~~المقالات مقالات غير الإسلاميين عنهم من المقالات ما لم يذكره الفارابي ~~وابن سينا وأمثالهما وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب في كتاب الدقائق الذي ~~رد فيه على الفلاسفة والمنجدمين ورجح فيه منطق المتكلمين من ms252 العرب على منطق ~~اليونان وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة ذكروا ~~أنواعا من المقالات وردوها # PageV01P334 # ولكن مذهب الفلاسفة الذين نصره الفارابي وابن سينا وأمثالها كالسهروردي ~~وردى المقتول على الزندقة وكأبي بكر بن الصائغ وابن رشد الحفيد هو مذهب ~~المشائين اتباع أرسطو صاحب المنطق وهو الذي يذكره الغزالي في كتاب # PageV01P335 # مقاصد الفلاسفة وعليه رد في التهافت وهو الذي يذكره الرازي في الملخص ~~والمباحث المشرقية ويذكره الامدى في دقائق الحقائق ورموز الكنوز وغير ذلك. # وعلى طريقهم مشى أبو ابركات صاحب المعتبر لكن لم يقلدهم تقليد غيره بل ~~اعتبر ما ذكروه بحسب نظره وعقله وكذلك الرازي والامدى يعترضان عليهم في ~~كثير مما يذكرونه بحسب ما يسنح لهم وابن سينا أيضا قد يخالف الأولين في بعض ~~ما ذكروه ولهذا ذكر في كتابه المسمى ب الشفاء أن الحق الذي ثبت عنده ذكره ~~في الحكمة المشرقية والسهروردي ذكر ما ثبت عنده في حكمة الاشراق والرازي في ~~المباحث المشرقية. # واتباع أرسطو من الأولين اشهرهم ثلاثة برقلس والاسكندر الافرديوسي ~~وثامسطيوس صاحب الشروح والترجمة وإذا قال الرازي في كتبه: "اتفقت الفلاسفة" ~~فهم هؤلاء وإلا فالفلاسفة طوائف كثيرون وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات ~~والإلهيات وفي الهيئة أيضا وقد ذكروا أنه أول من قال منهم بقدم العالم ~~أرسطو # PageV01P336 # وقد ذكر محمد بن يوسف العامري وهو من المصنفين في مذاهبم أن قدماءهم ~~دخلوا الشام واخذوا عن اتباع الأنبياء داود وسليمان وان فيثاغورس معلم ~~سقراط اخذ عن لقمان الحكيم وسقراط هو معلم افلاطن وافلاطن معلم أرسطو. # والمقصود هنا أن نظار المسلمين ما زالوا يصنفون في الرد عليهم في المنطق ~~وغير المنطق ويبينون خطاهم فيما ذكروه في الحد والقياس جميعا كما يبينون ~~خطأهم في الإلهيات وغيرها ولم يكن احد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقتهم ~~بل المعتزلة والأشعرية والكرامية والشيعة وسائر طوائف النظر كانوا يعيبونها ~~ويثبتون فسادها واول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم ~~فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره. # كلام النوبختي في الرد على المنطق: # وهذا الرد ms253 عليهم مذكور في كثير من كتب أهل الكلام لكن اتفق اني رايت هذا ~~الفصل أولا في كلام النوبختي فانه بعد أن ذكر طريقة أرسطو في المنطق قال: # "وقد اعترض قوم من متكلمي أهل الإسلام على اوضاع المنطق هذه وقالوا أما ~~قول صاحب المنطق: "أن القياس لا يبنى من مقدمة واحدة" فغلط لأن القائل إذا ~~أراد مثلا أن يدل على أن الإنسان جوهر فقال استدل على نفس الشيء المطلوب من ~~غير تقديم المقدمتين وهو أن يقول: "أن الدليل على أن الإنسان جوهر أنه يقبل ~~المتضادات في أزمان مختلفة" وليس يحتاج إلى مقدمة ثانية هي قول القائل: "أن ~~كل قابل للمتضادات في ازمان مختلفة فجوهر" لأن دلالته على أن "كل قابل ~~للمتضادات في ازمان مختلفة فجوهر" هو نفس ما خولف فيه واراد الدلالة عليه ~~لأن الخاص داخل في العام فعلى ايهما دل استغنى عن الآخر وقد يستدل الإنسان ~~إذا شاهد الاثر على أن له مؤثرا والكتابة على أن لها # PageV01P337 # كاتبا من غير أن يحتاج في استدلاله على صحة ذلك إلى المقدمتين قالوا ~~فنقول أنه لا بد من مقدمتين فإذا ذكرت احداهما استغنى بمعرفة المخاطب ~~بالآخرى فترك ذكرها لا لأنه مستغن عنها. # قلنا لسنا نجد مقدمتين كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة لأن القائل إذا ~~قال: "الجوهر لكل حي" والحيوة لكل إنسان فتكون النتيجة أن الجوهر لكل إنسان ~~فسواء في العقول قول القائل: "الجوهر لكل حي" وقوله: "لكل انسان". # قلت: معنى ذلك انا إذا قلنا كل إنسان حي وكل حي جوهر كما يقولون كل إنسان ~~حيوان وكل حيوان جوهر أو جسم فسواء في العقول علمنا بان كل إنسان جوهر أو ~~جسم وعلمنا بأن كل حيوان جوهر أو جسم فمن علم أن كل حيوان جوهر فقد علم ~~أيضا أن كل إنسان جوهر. # ومقصوده أنهم لا يجدون مقدمتين أوليتين بديهيتين يستدل بهما على شيء من ~~موارد النزاع التي تحتاج إلى البرهان بل لا بد أن يكون إحداهما أو كلاهما ~~غير بديهية ومتى قدر أنهما بديهيتان ms254 فاحداهما تكفى كما ذكره من المثال وإن ~~قدرت إحداهما نظرية فهي التي يحتاج إلى بيانها وإذا كانتا جميعا نظريتين ~~احتيج إلى بيانهما جميعا كما لو كانت ثلاث مقدمات وما يحتاج إلى أنه يستدل ~~عليه ثم يستدل به وإنما يستدل إبتداء بما هو بين بنفسه كالبديهيات". # قال: "ولا يجدون في المطالب العلمية أن المطلوب يقف على مقدمتين بينتين ~~بأنفسهما بل إذا كان الأمر كذلك كانت إحداهما كافية". # قال: "ونقول لهم أرونا مقدمتين أوليتين لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما ~~يستدل بهما على شيء مختلف فيه وتكون المقدمتان في العقول أولى بالقبول من ~~النتيجة فإذا كنتم لا تجدون ذلك بطل ما ادعيتموه". # قال أبو محمد الحسن بن موسى النوبخي: "وقد سألت غير واحد من رؤسائهم # PageV01P338 # ان يوجد بينة فما أوجد بينة". # قال: "فما ذكره أرسطو طاليس غير موجود ولا معروف". # قال: "وأما ما ذكره بعد ذلك من الشكلين الباقيين فهما غير مستعملين على ~~ما بناهما عليه وإذا كانا يصحان بقلب مقدماتهما حتى يعودا إلى الشكل الأول ~~فالكلام حينئذ في الشكل الأول هو الكلام فيهما". # وذكر كلاما آخر ليس هذا موضعه ومقصوده أن سائر الاشكال إنما تنتج بالرد ~~إلى الشكل الأول أما بقياس الخلف الذي يتضمن إثبات الشيء بابطال نقيضه وأما ~~بواسطة حكم نقيض القضية أو عكسها المستوى أو عكس نقيضها فبيان الاشكال ~~ونتاجها فيه كلفة ومشقة مع أنه لا حاجة إليها فان الشكل الأول يمكن أن ~~يستعمل فيه جميع المواد الثبوتية والسلبية الكلية والجزئية وقد عرفت انتفاء ~~فائدته فانتفاء فائدة فروعه التي لا تفيد إلا بالرد إليه أولى وأحرى. # والمقصود هنا أن هذه الأمة ولله الحمد لم يزل فيها من يتفظن لما في كلام ~~أهل الباطل من الباطل ويرده وهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق ~~ورد الباطل رأيا وراية من غر تشاعر ولا تواطؤ. # بطلان دعواهم أن النتائج النظرية تحتاج إلى مقدمتين: # وهذا الذي نبه عليه هؤلاء النظار يوافق ما نبهنا عليه فان القياس مشتمل ~~على مقدمتين صغرى وكبرى فالكبرى ms255 هي العامة والصغرى اخص منها كما إذا قلت كل ~~نبيذ خمر وكل خمر حرام فان النبيذ المتنازع فيه اخص من الخمر والخمر اخص من ~~الحرام فالأول هو الحد الأصغر والآخر هو الحد الأكبر والأوسط المتكرر فيهها ~~هو الحد الأوسط وحاصل القياس إدراج خاص تحت عام. # ومعلوم أن من علم العام فقد علم شموله لافراده ولكن قد يعزب عنه دخول # PageV01P339 # بعض الأفراد فيه أما لعزوب علمه بالعام أو لعزوب علمه بالخاص كما مثله ~~المنطقيون ابن سينا وغيره فيمن ظن أن هذه الدابة تحمل فيقال له أما تعلم أن ~~هذه بغلة فيقول نعم ويقال له أما تعلم أن البغلة لا تحمل فحينئذ يتفطن ~~لأنها لم تحمل فهذا وان ذكر بشيء كان غافلا عنه لم يستفد بذلك علم ما لم ~~يكن يعلمه فان لم يخطر بقلبه هذا لم يلزم من علمه بأنها بغلة أنها لا تحمل. # لكن هذا قد لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة وهي التي يذكرها فانه أن كان ~~يعلم أن هذه الدابة بغلة ونسى أن البغلة لا تحمل بحمل وهو قد جهل أو نسى أن ~~هذه بغلة عرف بهذه وحدها. # وقد تنازع في هذا الموضع طائفتان ابن سينا ومن معه والرازي ومن معه وسبب ~~نزاعهما الأصل الفاسد الذي أخذوه تقليدا لارسطو فقال ابن سينا: "لا بد مع ~~المقدمتين من التفطن لاندراج الخاص تحت العام" ومثله بهذا فقال: "قد يكون ~~الرجل يعلم أن هذه الدابة المعينة بغلة ويعلم أن البغلة لا تحمل لكن يذهل ~~عن دخول هذا المعين تحت ذلك العام فإذا تفطن لذلك حصل النتاج وإلا فلا". # وقال الرازي: "وهذا يقتضى أنه لا بد من ثلاث مقدمات مقدمة بأن يعلم أن ~~هذه بغلة ومقدمة أن البغلة لا تحمل ومقدمة أن هذا يتناول هذا واختار أنه لا ~~يحتاج إلا إلى مقدمتين أن هذه بغلة وان البغلة لا تحمل وانه إذا كان غافلا ~~عن هذه الكلية لم يكن عالما بها بالفعل فإذا صار عالما بها بالفعل بحيث ~~تكون حاضرة في ذهنه امتنع ms256 مع ذلك أن لا يعلم أن هذه البغلة لا تحمل". # وفصل الخطاب أن المطلوب قد يحتاج إلى مقدمة والى اثنتين والى ثلاث والى ~~اربع فأصل الاضطراب دعواهم أن النتائج النظرية تحتاج إلى مقدمتين وتكفى ~~فيها مقدمتان فجعلوا لا بد في كل مطلوب نظري من مقدمتين وادعوا أنه يكفى في ~~كل مطلوب نظري مقدمتان وكلا الأمرين باطل # PageV01P340 # فالشخص المعين إذا رأى دابة وظنها حاملا أن كان ممن لم يعلم أنها بغلة ~~ولم يعلم أن البغال عقم أو يعلم الأمرين ونسيهها أو نسى أحدهما وجهل الآخر ~~فانه يحتاج إلى العلم بمقدمتين وتذكر المنسي نوع من العلم يحتاج أن يعلم ~~أنها بغلة ويعلم أن البغلات لا يحملن وإن كان يعلم أن البغلة لا تحمل لكن ~~لم يعرف أنها بغلة احتاج إلى مقدمة واحدة فإذا قيل له هذه بغلة فإذا عرف ~~أنها بغلة وفي نفسه معلوم أن البغلة لا تحمل علم أن هذه المعينة لا تحمل ~~وإن كان يعلم أن هذه بغلة وقد علم قديما أن البغلة لا تحمل لكن عزب هذا ~~العلم عن ذهنه في هذا الوقت ونسيه فهذا قد نسى علمه والنسيان من اضداد ~~العلم فإذا ذكر بعلمه ذكره فإذا ذكر أن البغلة لا تحمل حصل له مقدمة واحدة. # والعلم يحصل بالعلم بالدليل لمن لم يكن عالما به قط ولمن يذكره بعد ~~النسيان إذا كان قد علمه ثم نسيه ولهذا قال سبحانه: {أفلم ينظروا إلى ~~السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا ~~فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} فبين ~~سبحانه أن آياته تبصرة وتذكرة فالتبصرة بعد العمى وهو الجهل والتذكرة بعد ~~النسيان وهو ضد العلم. # وهؤلاء لما تقلدوا قول من يقول أنه لا بد من مقدمتين وبهما يحصل النتاج ~~فرأى بعضهم أن المقدمتين معلومتان لهذا الظان أن هذه البغلة حامل مع عدم ~~العلم قال فلا بد من التفطن فيقال له ما ذكرته من التفطن هو الذي يحتاج ~~إليه هذا لا ms257 يحتاج إلى شيء من المقدمات غير هذه وهذا التفطن هو تذكر ما ~~نسيه وهو مقدمة واحده. # ومن قال أن هذا هو إحدى المقدمتين فقد أصاب في ذلك لكن يقال له لا تحتاج ~~إلا إلى هذه المقدمة فقط لا تحتاج إلى غيرها وهذا الظان متى حضر في # PageV01P341 # ذهنه أن هذه بغلة وان البغلة لا تحمل لزم قطعا أن يحضر في ذهنه أنها لا ~~تحمل. # فالمدلول لازم للدليل فمتى تصور الإنسان الدليل ولزوم المدلول له تصور ~~المدلول فإذا تصور أنها بغلة وتصور لازم ذلك وهو نفى الحمل عن البغلة تصور ~~قطعا نفيه عن هذه فأما مجرد الدليل بدون تصور لزوم المدلول له فلا يحصل به ~~العلم واللوازم البين لزومها للدليل تعلم بمجرد العلم به وبلزومها له ~~واللوازم الخفية التي يفتقر العلم بلزومها إلى وسط وهو دليل ثان على اللزوم ~~يقف على ذلك والاذهان في هذا متفاوقة فقد يحتاج هذا الذهن في معرفة اللزوم ~~إلى وسط وهو الدليل والآخر لا يحتاج إليه. # وقد تنازع النظار في العلم الحاصل بالدليل هل هو لزومه عن الدليل لزوما ~~عاديا كما يقولونه في الشبع مع الأكل أو لزوما عقليا يسمى التضمن بحيث لا ~~يمكن الانفكاك عنه كما يمتنع وجود العلم والإرادة بدون الحيوة. # والأول قول قدماء النظار ك الأشعري وغيره ولهذا جعله المعتزلة من باب ~~التولد وهذا كالرؤية مع التحديق وكالسمع مع الاصغاء وإلا فحصول العلم ~~بالدليل دون المدلول عليه ليس ممتنعا لذاته بل الأول سبب للثاني ومقتض له ~~وموجب له بحكم سنة الله تعالى في عباده بخلاف الحيوة مع العلم فان الأول ~~شرط للثاني ولهذا كان العلم يوجد مع الحيوة ليست الحيوة متقدمة عليه كما ~~يتقدم العلم بالدليل على العلم بالمدلول عليه. # ونظار المسلمين مع تنازعهم في هذا متفقون على أن الدليل مقدمة واحدة كما ~~ذكرناه وما ذكروه من البغلة موجود في سائر النظريات فان الإنسان قد يعلم ~~الخاص ولا يعلم العام وقد يعلم العام ولا يعلم الخاص كما قد يعلم أن هذه ~~بغلة ولا يعلم ms258 أن البغلة لا تحمل وقد يعلم أن البغلة لا تحمل ولا يعلم أن ~~هذه بغلة ولا يجب أن يكون علمه بالخاص مقدما على العام ولا متاخرا بل قد ~~يتفق في بعض الناس علمه بالخاص قبل العام وفي بعض الناس يعلم العام قبل ~~الخاص # PageV01P342 # وكذلك المعينات وذلك أن علمه بأن هذه البغلة لا تحمل كعلمه بأن هذه لا ~~تحمل وبأن هذه لا تحمل فلا يجب أن يعلم أن هذا المعين مثل هذا المعين بل قد ~~يعلم احد المعينين ولا يعلم الآخر ولا يجب أن يكون علمه بالمعينات قبل علمه ~~بالقضية العامة ولا أن يكون بالمعينات أعلم ولا يجب أن يكون بالقضية العامة ~~الكلية التي يستفيد بها العلم بحكم الققضايا المعينة اعلم منه بوصف القضايا ~~المعينة أي لا يجب أن يكون علمه بأن كل بغلة لا تحمل أقوى ولا يجب أن يكون ~~العلم العام الذي يفيده علم المعينات في نفسه أسبق من علم معين علم به أنها ~~بغلة أي العلم بأن البغلة لا تحمل لا يجب أن يكون أقوى ولا أسبق في الذهن ~~من العلم بأن هذه الدابة بغلة بل قد يجهل أنها بغلة كما قد يجهل أن البغلة ~~لا تحمل فإذا قدر أنه يعلم أن البغلة لا تحمل ومستنده في ذلك ما اشتهر من ~~خبر الناس فذلك يتناول المعين كتناوله لما هو اعم منه مثل تناوله للبغلات ~~الحمراء والسوداء ولما تكون أمه أتانا فلو خطر له أن ما تكون أمه أتانا ~~وأبوه حصانا يحمل قيل له أما تعلم أن هذا البغلة وان البغلة لا تحمل. # وان كان مستنده في أن البغلة لا تحمل هو تجربته فالتجربة لا تكون عامة ~~وإنما جرب ذلك في بغلات معينة فما به يعلم مساواة سائر البغلات لها يعلم ~~مساواة هذه البغلة لها. # واعتبر هذا بنظائره يتبين لك أنه يمكن الاستغناء عن القياس المنطقي بل ~~يكون استعماله تطويلا وتكثيرا للفكر والنظر والكلام بلا فائدة وان الحاجة ~~إلى المقدمات بحسب حال المستدل فقد يحتاج تارة إلى مقدمة وتارة ms259 إلى ثنتين ~~وتارة إلى ثلاث وتارة إلى أكثر من ذلك وانه تارة يجهل كون المعين بغلة وإذا ~~كان كذلك فمتى علم أن هذه بغلة علم أنها لا تحمل إذا كان قد حصل في نفسه ~~علم عام يتناول جميع البغلات وإذا علم المعين وهو أنها بغلة ولم يعلم ~~المطلق لم يحتج إلا إلى علم العام وهو أن البغلة لا تحمل واعتبر هذا بسائر ~~الأمور تجده كذلك # PageV01P343 # الوجه الثالث: عدم دلالة القياس البرهاني على إثبات الصانع: # الوجه الثالث: أن القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة ~~وإنما تكون كلية في الأذهان لا في الأعيان وأما الموجودات في الخارج فهي ~~أمور معينة كل موجود له حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه لا يشاركه فيها غيره ~~فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجود معين وهم معترفون بذلك ~~وقائلون أن القياس لا يدل على أمر معين وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا يدل على ~~جزئي وإنما يدل على كلي والمراد بالجزئي ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ~~وكل موجود له حقيقة تخصه يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها فإذن القياس لا ~~يفيد معرفة أمر موجود بعينه وكل موجود فإنما هو موجود بعينه فلا يفيد معرفة ~~شيء من حقائق الموجودات وإنما يفيد أمورا كلية مطلقة مقدرة في الأذهان لا ~~محققة في الأعيان. # وقد بسطنا الكلام على هذا وغيره في غير هذا الموضع وبين أن ما يذكره ~~النظار من الأدلة القياسية التي يسمونها براهين على إثبات الصانع سبحانه ~~وتعالى لا يدل شيء منها على عينه وإنما يدل على أمر مطلق كلي لا يمنع تصوره ~~من وقوع الشركة فيه. # فانا إذا قلنا هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث أو ممكن والممكن لا ~~بد له من واجب إنما يدل هذا على محدث مطلق أو واجب مطلق ولو عين بأنه قديم ~~أزلي عالم بكل شيء وغير ذلك فكل هذا إنما يدل فيه القياس على أمر مطلق كلي ~~لا يمنع تصوره من وقوع الشركة ms260 فيه وإنما يعلم عينه بعلم آخر يجعله الله في ~~القلوب وهم معترفون بهذا لأن النتيجة لا تكون ابلغ من المقدمات والمقدمات ~~فيها قضية كلية لا بد من ذلك والكلي لا يدل على معين. # وهذا بخلاف ما يذكره الله في كتابه من الآيات كقوله تعالى: {إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} إلى قوله: {لقوم يعقلون} # PageV01P344 # وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} {لقوم يتفكرون} وغير ذلك فانه يدل ~~على المعين كالشمس التي هي آية النهار وقال تعالى: {وجعلنا الليل والنهار ~~آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا} والدليل أتم من ~~القياس فان الدليل قد يكون بمعين على معين كما يستدل بالنجم وغيره من ~~الكواكب على الكعبة ف الآيات تدل على نفس الخالق سبحانه لا على قدر مشترك ~~بينه وبين غيره فان كل ما سواه مفتقر إليه نفسه فيلزم من وجوده وجود عين ~~الخالق نفسه. # الكلام على علة الافتقار إلى الصانع: # وقد بسط الكلام على هذا في مواضع مثل ما ذكرناه من طرق إثبات العلم ~~بالصانع والطرق التي سلكها عامة النظار في هذا المطلوب والكلام على المحصل ~~وغير ذلك فان المتأخرين من النظار تكلموا في علة الافتقار إلى المؤثر وان ~~شئت قلت إلى الصانع هل هو الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما. # فالأول: قول المتفلسفة المتأخرين ومن وافقهم كالرازي ومقصودهم بذلك أن ~~مجرد الإمكان بدون الحدوث يوجب الافتقار إلى الصانع فيمكن كون الممكن قديما ~~لا محدثا مع كونه مفتقرا إلى المؤثر وهذا القول مما اتفق جماهير العقلاء من ~~الأولين والآخرين على فساده حتى أرسطو وقدماء الفلاسفة ومن اتبعه من ~~متأخريهم كابن رشد الحفيد وغيره كلهم يقولون أن ما أمكن وجوده وأمكن عدمه ~~لا يكون إلا محدثا وإنما قال هذا القول ابن سينا وأمثاله واتبعهم الرازي ~~وأمثاله وهؤلاء يجعلون الشيء الممكن مفتقرا إلى الفاعل في حال بقائه فقط ~~فانه لم يكن له حال حدوث ولهذا لما جعلوا مثل هذا ممكنا اضطرب كلامهم في ~~الممكن وورد عليهم إشكالات لا جواب لهم ms261 عنها كما ذكر في كتبه كلها الكبار ~~والصغار ك الأربعين ونهاية العقول والمطالب العالية والمحصل وغيرها وقد ~~بسطناه في غير هذا الموضع # PageV01P345 # والقول الثاني: أن علة الافتقار مجرد الحدوث وان المحدث يفتقر إلى الفاعل ~~حال حدوثه لا حال بقائه وهذا قول طائفة من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم وهذا ~~أيضا قول فاسد. # والقول الثالث: أن علة الافتقار هي الإمكان والحدوث ولم يجعل أحدهما شرطا ~~في الآخر وقد يجعل احد الشطرين وقد بينا في غير هذا الموضع أن كل واحد من ~~الحدوث والإمكان دليل على الافتقار إلى الصانع وان كانا متلازمين فإذا ~~علمنا أن هذا محدث علمنا أنه مفتقر إلى من يحدثه وإذا علمنا أن هذا ممكن ~~وجوده وممكن عدمه علمنا أنه لا يرجح وجوده على عدمه إلا بفاعل يجعله ~~موجودا. # وكونه مفتقرا إلى الفاعل هو من لوازم حقيقته لا يحتاج أن يعلل بعلة جعلته ~~مفتقرا بل الفقر لازم لذاته فكل ما سوى الله فقير إليه دائما لا يستغني عنه ~~طرفة عين وهذا من معاني اسمه الصمد ف الصمد الذي يحتاج إليه كل شيء وهو ~~مستغن عن كل شيء وكما أن غنى الرب ثبت له لنفسه لا لعلة جعلته غنيا فكذلك ~~فقر المخلوقات وحاجتها إليه ثبت لذواتها لا لعلة جعلتها مفتقرة إليه. # فمن قال علة الافتقار إلى الفاعل هي الحدوث أو الإمكان أو مجموعهما أن ~~أراد أن هذه المعاني جعلت الذات فقيرة لم يصح شيء من ذلك وإن أراد أن هذه ~~المعاني يعلم بها فقر الذات فهو حق فكل منهما مستلزم لفقر الذات وهي مفتقرة ~~إليه حال حدوثها وحال بقائها لا يمكن استغناؤها عنه لا في هذه الحال ولا في ~~هذه الحال. # وأما تقدير ممكن يقبل أن يكون موجودا ويقبل أن يكون معدوما مع أنه واجب ~~الوجود لغيره أزلا وأبدا فهذا جمع بين المتناقضين فان ما يجب وجوده أزلا ~~وأبدا لا يقبل العدم أصلا وقول القائل أنه باعتبار ذاته مع قطع النظر # PageV01P346 # عن موجبه يقبل الوجود والعدم باطل لوجوه. # منها أن هذا ms262 مبنى على أن له ذاتا محققة في الخارج غير الموجود المعين وأن ~~تلك الذات تكون ثابتة مع عدمه وهذا باطل بل ليس له حقيقة في الخارج إلا ~~الموجود الثابت في الخارج وما يكون حقيقة الوجود لا يقبل العدم أصلا فليس ~~في الخارج ماهية ثابتة تكون ثابتة في الخارج في حال العدم حتى يقال أن ~~الوجود يعرض ولكن الذات المعلومة المتصورة في الذهن تكون تارة موجودة في ~~الخارج وتارة معدومة. # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع فان هذا يتعلق بقول من يقول المعدوم شيء ~~من المعتزلة وغيرهم ويقول من يقول الماهيات ثابتة في الخارج وهي الموجودات ~~المعينة كقول من يقول ذلك من المتفلسفة ومن وافقهم وكلاهما باطل بل الفرق ~~المعقول هو الفرق بين ما يعلم في الأذهان وبين ما يوجد في الأعيان فإذا قيل ~~لما يعلم في الذهن أنه شيء في الذهن أو العلم أو ثابت في العلم أو الذهن أو ~~سمى ذلك ماهية وقيل أن المثلث تثبت ماهيته في الذهن مع الشك في وجوده فهذا ~~صحيح وأما إذا قيل في الخارج ذات ثابتة لا موجودة أو في الخارج ماهية ~~المثلث أو غيره ثابتة مع أنه ليس موجودا فهذا باطل يعلم بطلانه بالتصور ~~الجيد السليم والدلائل الكثيرة كما قد بسط في موضعه. # ومنها أنه لو فرض أن ل الممكن ذاتا غير وجوده فإذا كان الموجود لازما لها ~~أبدا وأزلا واجبا بغيرها لم تقبل هذه الذات أن تكون معدومة قط وقول القائل ~~هي في نفسها ليس لها وجود إذا قدر أن هناك ذاتا غير الوجود لا يقتضى أنه ~~يمكن عدمها ويمكن وجودها مع القول بوجوب وجودها أزلا وأبدا. # ومنها أن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله المعين لا يجوز مقارنته له في ~~الزمان وما يذكرونه من تقدم حركة اليد على حركة الخاتم ونحو ذلك ويجعلونه ~~تقدما بالعلة ليس في شيء من ذلك علة فاعلة أصلا وإنما ذلك شرط في هذا ولا ~~يمكن أحدا # PageV01P347 # قط أن يبين في الوجود علة فاعلة لمعلول ms263 مفعول مع مقارنتها له في الزمان ~~أصلا وإنما يمكن المقارنة بين الشرط والمشروط ولكن لفظ العلة فيه إجمال ~~يراد به الفاعل ويراد به القابل والشروط. # وهذا أيضا مما حصل فيه تلبيس في صفات واجب الوجود لما قالوا لو كانت له ~~صفات لكانت معلولة للذات والواجب لا يكون معلولا فيقال لهم واجب الوجود قد ~~يعنى به ما لا يحتاج إلى فاعل فالصفات واجبة بهذا الاعتبار وقد يعنى به ما ~~لا يفتقر إلى محل وعلى هذا فالذات واجبة وأما الصفات فليست واجبة بهذا ~~التفسير والبرهان قام على أن الممكنات لا بد لها من فاعل لا يفتقر إلى ما ~~سواه لم يقم على أن صفاته كذاته لا تفتقر إلى محل وهذه الأمور مبسوطة في ~~موضعها. # الكلام على جنس القياس والدليل مطلقا: # والمقصود هنا الكلام على جنس القياس والدليل مطلقا وقد بسطنا الكلام على ~~هذا في غير هذا الموضع لما تكلمنا على ما ذكروه من أن الاستدلال تارة يكون ~~بالعام على الخاص وهو القياس وتارة بالخاص على العام وهو الاستقراء وتارة ~~بأحد الخاصين على الآخر وهو التمثيل وبينا فساد هذا الحصر والتقسيم وفساد ~~ما ذكر في حكم الأقسام فان من أنواع الاستدلال ما يستدل فيه بمعين على معين ~~وبالمساوي على المساوي سواء كان معينا أو كليا. # فليس من ضرورة الدليل أن يكون أعم أو اخص بل لا بد في الدليل من أن يكون ~~ملزوما للحكم والملزوم قد يكون اخص من اللازم وقد يكون متساويا له ولا يجوز ~~أن يكون أعم منه لكن قد يكون اعم من المحكوم عليه الموصوف الذي هو موضوع ~~النتيجة المخبر عنه. # فان المطلوب الذي هو النتيجة إذا كانت هو أن النبيذ المسكر المتنازع فيه ~~حرام فاستدل على ذلك بان النبيذ المسكر خمر بالنص وهو قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم كل مسكر خمر رواه مسلم وغيره ف الخمر أعم من النبيذ المتنازع فيه # PageV01P348 # أخص من الحرام والحرام هو الحكم وهو الخبر وهو الصفة وهو المطلوب بالدليل ~~وهو الذي يسمونه الحد ms264 الأكبر ويسمونه محمول النتيجة والنبيذ هو المحكوم ~~عليه وهو المخبر عنه وهو الموصوف وهو محل الحكم وهو الذي يسمونه الحد ~~الأصغر وموضوع النتيجة والخمر هو الدليل وهو الحد الأوسط والمطلوب بالدليل ~~معرفة الحكم لا معرفة عينة فهذا الدليل يجب أن لا يكون أخص من محل الحكم بل ~~يكون أما مساويا له وأما أعم منه لأنه لا بد أن يشمل جميع محل الحكم فإذا ~~كان اخص لم يشمله. # ويجب أن لا يكون أعم من الحكم بل يكون أما مساويا له وأما اخص منه لأنه ~~مستلزم للحكم والحكم لازم له فإذا كان أعم منه أمكن وجوده بدون وجود الحكم ~~فلا يصلح أن يكون دليلا مستلزما له فلا بد في الدليل أن يكون مساويا للحكم ~~أو أخص منه ليكون مستلزما له ولا بد أن يكون أعم من المحكوم عليه أو مساويا ~~له ليتناول جميع صور المحكوم عليه وإلا لم يكن دليلا على حكمه بل على حكم ~~بعضه. # والناس هنا قد يضطرب أذهانهم في الدليل هل يجب أن لا يكون اعم من المدلول ~~عليه أو لا يكون اخص وسبب ذلك أن المدلول عليه قد يعنى به الحكم نفسه وقد ~~يعنى به المحكوم عليه فإذا أقمنا الدليل على أن النبيذ حرام فقد يقال ~~المدلول عليه هو النبيذ وهذا يجب أن لا يكون أعم من الدليل بل أما مساويا ~~وأما أخص وقد يقال المدلول عليه هو الحكم وهو حرمة النبيذ وهذا الحكم يجب ~~أن لا يكون اخص من الدليل بل يكون أما مساويا له وأما أعم منه لأن الحكم ~~لازم للدليل والدليل لازم للمحكوم عليه فلا بد أن يكون المحكوم عليه ~~مستلزما للدليل بحيث يكون حيث وجد وجد الدليل ليشمله الدليل ولا بد أن # PageV01P349 # يكون الحكم لازما للدليل بحيث يكون حيث تحقق الدليل تحقق الحكم حتى يثبت ~~الحكم في جميع صور المحكوم عليه. # وإذا كان كذلك فقد يستدل بالمعين على المعين المساوي له في العموم ~~والخصوص كالاستدلال بإحدى كواكب السماء على الملازم كما يستدل بالجدي على ms265 ~~بنات نعش وببنات نعش على الجدي ويستدل بالجدي على جهة الشمال وبجهة الشمال ~~على الجدي ويستدل بالشمس على المشرق وبالمشرق على الشمس ومن هذا الباب ما ~~ذكر من أخبار نبينا صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء قبله فإنها صفات ~~مطابقة له ليست اعم منه ولا أحص منه وكذلك سائر الأمور المتلازمة فانه ~~يستدل بأحد المتلازمين على ثبوت الآخر وبانتفائه على انتفائه فإذا كان ~~المدلول معينا كانت الآية معينة. # وقد تكون الآية تستلزم وجود المدلول من غير عكس كآيات الخالق سبحانه ~~وتعالى فانه يلزم من وجوده وجدوده ولا يلزم من وجوده وجودها وهي كلها آيات ~~دالة على نفسه المقدسة لا على أمر كلى لا يمنع تصوره من وقوع الاشتراك فيه ~~بينه وبين غيره بل ذلك مدلول القياس. # والقرآن يستعمل الاستدلال بالآيات ويستعمل أيضا في إثبات الإلهية قياس ~~الأولى وهو أن ما ثبت لموجود مخلوق من كمال لا نقص فيه فالرب أحق به وما ~~نزه عنه مخلوق من النقائص فالرب أحق بتنزيهه عنه كما ذكر سبحانه وتعالى هذا ~~في محاجته للمشركين الذين جعلوا له شركاء فقال: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل ~~لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم} . # وقال تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم # PageV01P350 # بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه ~~على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} وقال: {أفرأيتم اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} وكذلك في ~~إثبات صفاته وإثبات النبوة والمعاد كما قد بسط في موضعه. # وأما القياس الذي يستوي أفراده ويماثل الفرع فيه أصله فهذا يمتنع ~~استعماله في حق الله تعالى فان الله لا مثل له سبحانه وتعالى وإذا استعمل ~~فيه مثل هذا القياس لم يفد إلا أمرا كليا مشتركا بينه وبين ms266 غيره لا يدل على ~~ما يختص به الرب سبحانه إلا أن يضم إليه علم آخر فان هذا الكلى الذي هو ~~مدلول القياس قد انحصر نوعه في شخصه وهذا أيضا لا يفيد التعيين بل لا بد في ~~التعيين من علم آخر. # الوجه الرابع: التصور التام للحد الأوسط يغنى عن القياس المنطقي: # الوجه الرابع: أن يقال القياس ثلاثة أنواع قياس التداخل وقياس التلازم ~~وقياس التعاند باعتبار القضايا الحملية والشرطية المتصلة والشرطية المنفصلة ~~ومن ذلك تعرف المختلطات فنقول مثلا في قياس التداخل له ثلاثة حدود الحد ~~الأصغر والحد الأوسط والحد الأكبر إذا قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام ف ~~المسكر مثلا هو الحد الأصغر والخمر الأوسط والحرام الأكبر والأصغر لا بد أن ~~يكون داخلا في الأوسط لأنه اخص منه أو مساويا له والشئ يدخل في أكثر منه ~~وفي نظيره كما يدخل الإنسان في الحيوان فان الحيوان اعم وكذلك الإنسان ~~والناطق والضحاك متلازمة فكل منها يتناول الآخر فكذلك التداخل في الأحكام ~~الشرعية فان من شرب الخمر ثم شرب ثم شرب كفاه حد # PageV01P351 # واحد والنتيجة المطلوبة هي كل مسكر حرام. # والنظر نوعان: أحدهما: النظر في المسألة التي هي القضية المطلوب حكمها ~~ليطلب دليلها الذي هو الحد الأوسط مثلا وهذا هو النظر الذي لا يجامع العلم ~~بل يضاده لأن هذا الناظر طالب للعلم بها ولو كان عالما بها لم يطلب العلم ~~لأن ذلك تحصيل الحاصل والثاني: النظر في الدليل وهو العلم بالدليل المستلزم ~~للعلم بالمدلول عليه وهو تصور الحد الأوسط المستلزم لثبوت الأكبر للأصغر ~~مثل من يعلم أن الخمر حرام وأن كل مسكر خمر فيلزم أن يعلم أن كل مسكر حرام ~~وهذا النظر هو ترتيب المقدمتين في النفس وهذا النظر هو الذي يوجب العلم ولا ~~ينافى العلم. # وللناس في هذا الباب اضطراب عظيم هل النظر مفيد للعلم أو غير مفيد وهل هو ~~ضد العلم أم لا وأمثال ذلك وكثير من النظار يقول في مصنفه أن النظر يضاد ~~العلم ويقول أيضا أنه مستلزم للعلم وهذا تناقض ms267 بين فان ملزوم الشيء لا يكون ~~مضادا له لكن النظر الذي يستلزم العلم غير النظر الذي يضاده فذاك هو النظر ~~الاستدلالي وهذا هو النظر الطلبي ذاك هو نظر في الدليل فإذا تصوره وتصور ~~استلزامه للحكم علم الحكم والنظر الطلبي نظر في المطلوب حكمه هل يظفر بدليل ~~يدله على حكمه أو لا يظفر كطالب الضالة والمقصود قد يجده وقد لا يجده وقد ~~يعرض عنهما فان الأول انتقال من المبادئ إلى المطالب والآخر انتقال من ~~المطالب إلى المبادئ. # وتحقيق الأمر أن النظر نوعان بمنزلة نظر العين وهو نوعان: أحدهما: ~~التحديق لطلب الرؤية وهو بمنزلة تحديق القلب في المسألة لطلب حكمها وهذا قد ~~يحصل معه العلم وقد لا يحصل ولا يكون طالب العلم حين الطلب عالما بمطلوبة ~~تصديقا كان علمه أو تصورا على رأى من جعل التصور المطلوب خارجا عن التصديق ~~والثاني: نفس الرؤية وهو بمنزلة رؤية الدليل كترتيب المقدمتين والظفر بالحد ~~الأوسط # PageV01P352 # فهذا يوجب العلم كما توجب رؤية العين العلم بالمرئي ولا ينافى هذا النظر ~~العلم فهذا الثاني نظر في الدليل كالذي ينظر في القرآن والحديث فيعلم الحكم ~~والأول نظر في الحكم كالذي ينظر في المسألة لينال دليلها من القرآن ~~والحديث. # فنقول من المعلوم أن معرفة القلب بثبوت المحمول للموضوع وهو ثبوت الصفة ~~للموصوف وهو ثبوت الحكم المسئول عنه مثل حرمة المسكر قد تحصل بواسطة هذا ~~الحد وهو أن يعلم أن هذا خمر مع علمه أن الخمر حرام وهذا قياس الشمول وقد ~~يحصل بغير هذا مثل أن يرى أن المسكر مساو لخمر العنب في مناط التحريم ~~فيستوي بينهما في التحريم وهذا قياس التمثيل وقد يحصل بأن يرى فيه المفسدة ~~التي في الخمر فيحكم بالتحريم لدرء تلك المفسدة وهذا قياس التعليل. # وقياس التمثيل وقياس التعليل يشملهما جنس القياس لكن القياس قد يحتاج في ~~إثبات الحكم في الفرع إلى اصل معين فيلحق الفرع به أما لإبداء الجامع وأما ~~لإلغاء الفارق فان إبداء الجامع وهو علة الحكم في الأصل يسمى قياس العلة ~~وأما ما يدل ms268 على العلة وهو قياس الدلالة فهذا صار قياس تمثيل وتعليل معا ~~وإن قاس بإلغاء الفارق وهو أن يبين له أنه ليس بينهما فرق مؤثر وإن لم يعلم ~~عين العلة فهذا قياس تمثيل لا تعليل وقد يقوم دليل على أن الوصف الفلاني ~~مستلزم للحكم وإن لم يعرف له أصل معين وهذا قياس تعليل وهو يشبه قياس ~~الشمول. # وقياس الشمول وقياس التمثيل متلازمان فكل ما ذكر بهذا القياس يمكن ذكره ~~بهذا القياس فان قياس الشمول لا بد فيه من حد أوسط مكرر وذاك هو مناط الحكم ~~في قياس التمثيل وهو القدر المشترك وهو الجامع بين الأصل والفرع مثال ذلك ~~إذا قيل النبيذ حرام قياسا على الخمر لأن فيه الشدة المطربة # PageV01P353 # وهذه هي العلة في التحريم أو لأنه مسكر والمسكر هو علة التحريم وبين ذلك ~~بدليله كان قياسا صحيحا وإذا قيل النبيذ مسكر وكل مسكر حرام أو النبيذ فيه ~~الشدة المطربة وما فيه الشدة المطربة فهو حرام فهذا أيضا صحيح وكل ما أمكن ~~أن يستدل به على صحة المقدمة الكبرى أمكن أن يستدل به على كون الوصف ~~المشترك علة للحكم في الأصل وكل ما أمكن يستدل به على الصغرى فانه يستدل به ~~على ثبوت الوصف في الفرع. # ثم أن كان ذاك الدليل قطعيا فهو قطعي في القياسين وإن كان ظنيا فهو ظني ~~في القياسين وأما دعوى من يدعى من المنطقيين وأتباعهم أن اليقين إنما يحصل ~~ب قياس الشمول دون قياس التمثيل فهو قول في غاية الفساد وهو قول من لم ~~يتصور حقيقة القياسين كما قد بسط في موضعه. # وقد يعلم الحكم المطلوب بنص على أن كل مسكر حرام كما قد ثبت هذا الحديث ~~في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك لم يتعين قياس الشمول ~~لإفادة الحكم بل ولا قياس من الأقيسة فانه قد يعلم بلا قياس. # وإذا علم بقياس الشمول فكل ما يعلم بقياس الشمول فانه يعلم بقياس التمثيل ~~أيضا كما تقدم ويجعل الحد الأوسط هو الجامع بين الأصل ms269 والفرع والدليل الذي ~~يقيمه صاحب قياس الشمول على صحة المقدمة الكبرى الكلية يقيمه صاحب قياس ~~التمثيل على علية الوصف وإن الجامع وهو الوصف المشترك الذي هو الحد الأوسط ~~في قياس الشمول هو مستلزم للحكم وهو علية في الأصل كما يقيمه في ذاك على أن ~~الحد الأكبر لازم للحد الأوسط فالحد الأكبر في قياس الشمول هو الحكم في ~~قياس التمثيل والحد الأوسط هو الجامع المشترك ويسمى المناط والحد الأصغر هو ~~الفرع ويمتاز قياس التمثيل بأن فيه ذكر اصل يكون نظيرا للفرع الذي هو الحد ~~الأصغر وقياس الشمول ليس فيه هذا فصار في قياس التمثيل ما # PageV01P354 # في قياس الشمول وزيادة وقد بسط هذا في موضع آخر. # وقد لا يحتاج إلى دليل آخر ذي مقدمتين ولا قياس ولا غيره بل يكفيه مقدمة ~~واحدة وقد يستغنى أيضا عن تلك المقدمة بتصوره التام ابتداء مثل أن يكون نفس ~~علمه بأن الخمر حرام قد تصور معه مسمى الخمر أنها المسكر فصار علمه بجميع ~~مفردات الخمر سواء فيعلم أن هذا المسكر خمر حرام وهذا المسكر خمر حرام ~~وأمثال ذلك أو يعلم أن الخمر حرام ولا يعلم أن كل مسكر يسمى خمرا بل يظن ~~ذلك الاسم مختصا ببعض المسكرات فإذا علم بنص الشارع أو باستعمال الصحابة ~~الذين نزل فيهم القرآن أو بأنها لما حرمت لم يكن عندهم من عصير الأعناب شيء ~~وإنما كان الذي يسمونه خمرا هو المسكر من نبيذ التمر أو بغير ذلك من الأدلة ~~إذا علم هذه المقدمة الواحدة وهو أن كل مسكر خمر علم الحكم. # فتبين أن قولهم أن المطلوب لا بد فيه من القياس وذلك القياس يجب أن يكون ~~القياس المنطقي الشمولي ولا بد فيه من مقدمتين ليس بصواب وهذا يبطل قولهم ~~لا علم تصديقي إلا بالقياس المنطقي كما تقدم وأما هنا فالمقصود بيان قلة ~~منفعته أو عدمها وذلك أن هذا المطلوب أن كان معه قضية علمت من جهة الرسول ~~تفيده العموم وهو أن كل مسكر حرام حصل مدعاه فالقضايا الكلية المتلقاة عن ~~الرسل ms270 تفيد العلم في المطالب الإلهية. # وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه أما منتقضة وأما أنها ~~بمنزلة قياس التمثيل وأما أنها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة بل ~~بالمقدرات الذهنية كالحساب والهندسة فانه وإن كان ذلك يتناول ما وجد على ~~ذلك المقدار فدخول المعين فيه لا يعلم بالقياس بل بالحس فلم يكن القياس ~~محصلا للمقصود أو تكون مما لا اختصاص لهم بها بل يشترك فيها سائر الأمم ~~بدون خطور منطقهم بالبال مع استواء قياس التمثيل وقياس الشمول # PageV01P355 # وإثبات العلم بالصانع والنبوات ليس موقوفا على شيء من الأقيسة بل يعلم ~~بالآيات الدالة على شيء معين لا شركة فيه ويحصل بالعلم الضروري الذي لا ~~يفتقر إلى نظر وما يحصل منها بالقياس الشمولي فهو بمنزلة ما يحصل بقياس ~~التمثيل فهو أمر كلى لا يحصل به العلم بما يختص به الرب وما يختص به الرسول ~~إلا بانضمام علم آخر إليه. # والعلم بصدق المخبر المعين وإن لم يكن نبيا يعلم بأسباب متعددة غير ~~القياس ويعلم أيضا بقياس التمثيل كما يعلم بقياس الشمول فكيف العلم بصدق ~~النبي الصادق صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا طرقا من الطرق التي يعلم بها ~~صدق الأنبياء في غير هذا الموضع. # والناس يعلمون الأمور الموجودة وصفاتها وأحوالها من غير قياس شمولي فضلا ~~عن أن يقال لا بد هنا من مقدمتين صغرى وكبرى فالصغرى هي المشتملة على الحد ~~الأصغر والكبرى المشتملة على الحد الأكبر والحد الأوسط متكرر فيها خبر ~~محمول في الصغرى ومبتدأ موضوع في الكبرى كقولك كل خمر حرام فيقال إذا علم ~~أن كل خمر حرام فقد يعلم ابتداء مفردات الخمر وأنها شاملة لكل مسكر بل يظن ~~أنها متناولة لبعض المسكر كعصير العنب التي المشتد ثم يعلم بعد ذلك شمولها ~~لكل مسكر وهو إذا تجدد له هذا العلم فإنما يجدد له علمه بالعموم وعلمه ~~بالعموم إنما يعود بتصوره التام لمسمى الخمر فانه كان قبل ذلك لم يتصورها ~~تصورا جامعا بل تصورا غير جامع ولو حصل له هذا التصور الجامع لم يحتج ms271 إلى ~~قياس فقد تبين أن القياس المفيد للتصديق يغنى عنه التصور التام للحد ~~الأوسط. # كل تصور يمكن جعله تصديقا وبالعكس: # وهذا يؤول إلى أمر وهو أن كل ما يسمونه تصورا يمكن جعله تصديقا وما ~~يسمونه تصديقا يمكن جعله تصورا فان القائل إذا قال ما الخمر # PageV01P356 # المحرمة فقال المجيب هي المسكر كان هذا عندهم تصورا واحدا وهو تصور مسمى ~~الخمر وهذا في الحقيقة تصديق مركب من موضوع ومحمول وإذا قال كل مسكر خمر ~~وكل خمر حرام كان هذا قياسا وهو يفيد التصديق الذي هو المسكر حرام ويفيد أن ~~المسكر داخل في مسمى الخمر وإن أريد بيان الحد المطرد المنعكس قيل المسكر ~~هو الخمر وكل خمر حرام فيفيد هذا القياس تصور معنى الخمر. # وسبب ذلك أن كل ما يتكلم به في الحد والقياس هو قضية تامة وهي الجملة في ~~اصطلاح النحاة والجواب في السؤال عن التصور وعن التصديق هو بقضية تامة هي ~~جملة خبرية فكلاهما قول مركب في السؤال والجواب وكلاهما فيه إثبات صفة ~~لموصوف كإثبات الخمرية للمسكر وهو إثبات محمول لموضوع والإنسان هو في ~~الموضعين قد تصور أن المسكر هو الخمر وصدق بأن المسكر هو الخمر فأما التصور ~~المفرد الذي لا يعبر عنه إلا ب اسم مفرد فذلك لا يسأل عنه باللفظ المفرد ~~ولا يجاب عنه باللفظ المفرد حتى يفصل نوع تفصيل يصلح لمثله لأن يكون جملة. # وهذا قد بسط في غير هذا الموضع كما بسط في الكلام على المحصل وغيره وبين ~~أن قولهم العلم ينقسم إلى تصور وتصديق وأن التصور وهو التصور الساذج العرى ~~عن جميع القيود الثبوتية والسلبية كلام باطل فان كل ما عرى عن كل قيد ثبوتي ~~وسلبي يكون خاطرا من الخواطر ليس هو علما أصلا بشئ من الأشياء فان من خطر ~~بقلبه شيء من الأشياء ولم يخطر بقلبه صفة لا ثبوتية ولا سلبية لم يكن قد ~~علم شيئا. # وإذا قيل الإنسان حيوان والعالم مخلوق ونحو ذلك فهنا قد تصور إنسانا علم ~~أنه موجود لم يتصور شيئا تصورا ms272 ساذجا لا نفى فيه ولا إثبات بل تصور وجوده ~~وغير ذلك من صفاته وكذلك العالم قد تصور وجوده وإذا تصور بحر زئبق وجبل ~~ياقوت فان لم يتصور مع هذا عدمه في الخارج # PageV01P357 # ولا امتناعه ولا شيء من الأشياء كان هذا خيالا من الخيالات ووسواسا من ~~الوساوس ليس هذا من العلم في شيء فان تصور مع ذلك عدمه في الخارج كان قد ~~تصور تصورا مقيدا بالعدم لم يكن تصوره خاليا من جميع القيود. # فان قلت: فما التصور القابل للتصديق المشروط فيه قيل هو التصور الخالي عن ~~معرفة ذلك التصديق ليس هو الخالي عن جميع القيود السلبية والثبوتية فإذا ~~كان يشك هل النبيذ حرام أم لا فقد تصور النبيذ وتصور الحرام وكل من ~~التصورين متصور بقيود فهو يعلم أن النبيذ شراب وأنه موجود وأنه يشرب وأنه ~~يسكر وغير ذلك من صفاته لكن لم يعلم أنه حرام فليس من شرط التصور المشروط ~~في التصديق أن يكون ساذجا خاليا عن كل قيد ثبوتي وسلبي بل أن يكون خاليا عن ~~التقييد بذلك التصديق. # وقول القائل التصديق مسبوق بالتصور مثل قوله القول مسبوق بالعلم فليس ~~لأحد أن يتكلم بما لا يعلم كذلك لا يصدق ولا يكذب لما لا يتصوره وحينئذ ~~فالتصور التام مستلزم للتصديق والتصور الناقص يحتاج معه إلى دليل يثبت له ~~حكم. # وهذا يقرر ما عليه نظار المسلمين كما قررنا ذلك من قبل من أن التصورات ~~المفردة لا تعلم بمجرد الحد وأن المطلوب بالحد هو تصديق يفتقر إلى ما تفتقر ~~إليه التصديقات فكما ذكرنا هناك أن الذي يجعلونه حدا هو تصديق يفتقر إلى ~~دليل فيقال هنا ما يجعلونه قياسا يعود في الحقيقة إلى الحد والتصور كما ~~يعود هذا القياس إلى أن يعلم مسمى الخمر وإذا كان كذلك فإذا كانوا يقولون ~~أن الحد لا يقام عليه دليل ولا يحتاج إلى قيام دليل فنقول العلم بمسمى ~~الخمر لا يحتاج إلى قياس بل قد يعلم بما يعلم به سائر التصورات المفردة ~~ومسميات جميع الأسماء من تفطن النفس لشمول ms273 ذلك المعنى لهذه الصورة وثبوته ~~فيها. # وكلما تدبر العاقل هذا وعرفه معرفة جيدة تبين له أن الصواب ما عليه نظار ~~المسلمين # PageV01P358 # وجماهير العقلاء من أن الحدود بمنزلة الأسماء وهو تفصيل ما دل عليه الاسم ~~بالإجمال وأن المطلوب من الحد هو التمييز بين المحدود وغيره وذلك يكون ~~بالوصف الملازم له طردا وعكسا بحيث يكون الحد جامعا مانعا. # وأنه مع ذلك ليس لأحد أن يدعي دعوى غير بديهية إلا بدليل فالحاد أن كان ~~يحد مسمى اسم كما يقول في الخمر أنها المسكر وفي الغيبة أنها ذكرك أخاك بما ~~يكره وفي الكبر أنه بطر الحق وغمط الناس فعليه أن يبين أن ما ذكره مطابق ~~لمسمى ذلك الاسم أما بالنقل عن الشارع المتكلم بهذه الأسماء مثل أن يقول قد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر خمر " وما ~~ليس بمسكر فليس بخمر بالإجماع فيثبت أن الخمر هو المسكر أو يقول ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: ~~"ذكرك أخاك بما يكره" فقال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: "إن كان ~~فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ". # فإذا عورض هذا بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لفاطمة بنت قيس لما استشارته فيمن خطبها فقالت: خطبني أبو جهم ومعاوية ~~فقال: "أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء " وفي لفظ "لا يضع عصاه عن عاتقه وأما ~~معاوية فصعلوك لا مال له انكحى أسامة " فإذا قال المعترض هنا قد ذكر كلا ~~منهما بما يكره والغيبة محرمة كان الجواب مع إحدى المقدمتين بأن يقال لا ~~نسلم أن هذا داخل في حد الغيبة وإن سلم دخوله في الحد دل على جواز الغيبة ~~لمصلحة راجحة مثل نصيحة المستشير فإنها لما استشارته وجب نصحها ومثل ذلك ~~الكلام في جرح الرواة الكاذبين والغالطين وشهادة الشاهد الكاذب وشكاية ~~المظلوم وغير # PageV01P359 # ذلك عما دل الشرع ms274 على جوازه. # فانه يقال فيه أحد الأمرين لازم أما أن يقال المؤمن لا يكره ذلك إذا كان ~~صادق الإيمان لأن المؤمن لا يكره ما أمر الله ورسوله به وهذا مما أمر الله ~~به ورسوله ويقال أن كرهه فهو من هذه الجهة ناقص الإيمان فيه شعبة نفاق فلا ~~يكون هو الأخ الذي قيل فيه ذكرك أخاك بما يكره وهذا مبنى على أن الشخص ~~الواحد يكون فيه طاعة ومعصية وبر وفجور وخير وشر وشعبة إيمان وشعبة نفاق أو ~~يقول إذا سلم شمول اللفظ له هذا من الغيبة المباحة فلا بد من التزام أحد ~~أمرين أما أنه لم يدخل في مسمى الغيبة وأما أنه لم يدخل فيما حرم منها ~~ولهذا نظائر. # والمقصود التنبيه على المثال وأن من ادعى حد اسم فلا بد له من دليل وكذلك ~~أن ادعى حدا بحسب الحقيقة. # وهذا الذي عليه نظار المسلمين وغيرهم أصح مما عليه أهل المنطق اليوناني ~~من وجوه فان أولئك يدعون أن الحد يفيد تصوير الماهية في نفس المستمع ويدعون ~~أن ذلك يحصل بمجرد قول الحاد من غير دليل أصلا. # ثم أنهم عمدوا إلى الصفات اللازمة للموصوف ففرقوا بينها وجعلوها ثلاثة ~~أصناف ذاتية داخلة في الماهية وخارجة لازمة للماهية دون وجودها وخارجة ~~لازمة لوجودها وهذا كله باطل إذا أريد بالماهية الموجودات الخارجية وهي ~~التي تقصد بالحد والتعريف وأما إذا قدر أن الماهية هي مجرد ما يتصوره النفس ~~فقدر تلك الماهية وصفتها يتبع تصور المتصور فتارة يتصور جسما حساسا ناميا ~~متحركا بالإرادة ناطقا فتكون الماهية هي هذه الأجزاء كلها وتارة يتصور ~~حيوانا ناطقا وتارة يتصور حيوانا ضاحكا وتارة يتصور ضاحكا فقط وتارة يتصور ~~ناطقا فقط فإذا جعل ما دخل في تصوره داخلا فيه وما # PageV01P360 # خرج عنه لازما له أو غير لازم كما ذكر ذلك بعضهم وكما ذكروه من دلالة ~~المطابقة والتضمن الالتزام كان هذا صحيحا لكن ليس فيه منفعة في العلوم ~~والحقائق ومعرفة صفاتها الذاتية وغير الذاتية أصلا بل هذا يرجع إلى تصور ~~مراد المتكلم سواء كان ms275 حقا أو باطلا. # وأما نظار المسلمين فالحد عندهم يكون بالوصف الملازم والوصف الواحد ~~الملازم كاف لا يذكرون معه الوصف المشترك لا الجنس ولا العرض العام بل ~~يعيبون على من يذكر ذلك في الحدود وهل يحد بالتقسيم لهم فيه قولان والصفات ~~تنقسم إلى قسمين لازمه للموصوف وغير لازمة والذي عليه نظار أهل السنة وسائر ~~المثبتين للصفات والقدر أن وجود كل شيء في الخارج عين حقيقته فاللازم ~~للموجود الخارجي لازم للحقيقة الخارجية ولا يقبل من أحد دعوى غير معلومة ~~إلا بدليل فأين هذا المنطق وأين هذا الميزان المستقيمة العادلة من ميزان ~~أولئك الجائرة الغائلة التي ليس فيها لا صدق ولا عدل: {وتمت كلمت ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته} . # الوجه الخامس: من الأقيسة ما تكون مقدمتاه ونتيجته بديهية # الوجه الخامس: أن يقال هذا القياس هو قياس الشمول وهو العلم بثبوت الحكم ~~لكل فرد من الأفراد. # فنقول قد علم وسلموا أنه لا بد أن يكون العلم بثبوت بعض الأحكام لبعض # PageV01P361 # أفرادها بديهيا فان النتيجة إذا افتقرت إلى مقدمتين فلا بد أن ينتهي ~~الأمر إلى مقدمتين تعلم بدون مقدمتين وإلا لزم الدور أو التسلسل الباطلان ~~ولهذا كان من المقرر عند أهل النظر أنه لا بد في التصورات والتصديقات من ~~تصورات بديهية وتصديقات بديهية. # ولفرض المقدمتين البديهيتين كل مسكر خمر وكل خمر حرام وإن لم يكن هذا ~~بديهيا لكن المقصود التمثيل ليعلم بالمثال حكم سائر القضايا فإذا قدر أنه ~~علم بالبديهة أن كل فرد من أفراد الخمر حرام وعلم بالبديهة أن كل فرد من ~~أفراد المسكر خمر كان علمنا بالبديهة أن هذه الأفراد حرام من أسهل الأشياء. # وإنما يخفى ذلك لكون أكثر المقدمات لا يكون بديهية بل مبينة بغيرها كافي ~~هذا المثال فان المقدمة الثانية ثابتة بالنص والإجماع والأولى ثابتة بالسنة ~~الصحيحة لكن لم يعرفها كثير من العلماء فطريق العلم بالمقدمتين يختلف. # وأما إذا أفردنا ذلك في مقدمتين طريق العلم بهما واحد لم نحتج إلى القياس ~~مثل العلم بأن كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس ms276 متحرك بالإرادة فهنا قد يكون ~~العلم بأن كل إنسان حساس متحرك بالإرادة أبين وأظهر وكذلك إذا قلنا كل ~~إنسان جسم أو جوهر أو حامل للصفات ثم قلنا كل ما هو جسم أو جوهر أو حامل ~~للصفات فليس بعرض أو هو قائم بنفسه أو هو موصوف بالصفات ونحو ذلك كان العلم ~~بأن كل إنسان هو كذلك مما لا يحتاج إلى هذا التطويل فالمقدمتان أن كان طريق ~~العلم بهما واحدا وقد علمتا فلا حاجة إلى بيانهما وإن كان طريق العلم بهما ~~مختلفا فمن لم يعلم إحداهما احتاج إلى بيانها وإن لم يحتج إلى الأخرى التي ~~علمها وهذا ظاهر في كل ما تقدره. # فتبين أن منطقهم يعطي تضييع الزمان وكثرة الهذيان وإتعاب الأذهان وكذلك ~~إذا علمنا أن كل رسول نبي وكل نبي فهو في الجنة فعلمنا أن كل # PageV01P362 # رسول فهو في الجنة أبين من هذا وهذا كثير جدا. # الوجه السادس: من القضايا الكلية ما يمكن العلم به بغير توسط القياس # وهو يتضح بالوجه السادس وهو أن يقال لا ريب أن المقدمة الكبرى أعم من ~~الصغرى أو مثلها لا يكون أخص منها والنتيجة اخص من الكبرى أو مساوية لها ~~واعم من الصغرى أو مساوية لها كالحدود الثلاثة فان الأكبر أعم من الأصغر أو ~~مثله والأوسط مثل الأصغر أو اعم ومثل الأكبر أو اخص ولا ريب أن الحس يدرك ~~المعينات أولا ثم ينتقل منها إلى القضايا العامة فان الإنسان يرى هذا ~~الإنسان وهذا الإنسان وهذا الإنسان ويرى أن هذا حساس متحرك بالإرادة ناطق ~~وهذا كذا وهذا كذا فيقضى قضاء عاما أن كل إنسان حساس متحرك بالإرادة ناطق. # فنقول العلم بالقضية العامة أما أن يكون بتوسط قياس أو بغير توسط قياس ~~فان كان لا بد من توسط قياس والقياس لا بد فيه من قضية عامة لزم أن لا يعلم ~~العام إلا بالعام وذلك يستلزم الدور أو التسلسل فلا بد أن ينتهي الأمر إلى ~~قضية كلية عامة معلومة بالبديهة وهم يسلمون ذلك. # وإن أمكن علم القضية العامة ms277 بغير توسط قياس أمكن علم الأخرى فان كون ~~القضية بديهية أو نظرية ليس وصفا لازما لها يجب استواء جميع الناس فيه بل ~~هو أمر نسبى إضافي بحسب حال علم الناس بها فمن علمها بلا دليل كانت بديهية ~~له ومن احتاج إلى نظر واستدلال بدليل كانت نظرية له. # وكذلك كونها معلومة بالعقل أو الخبر المتواتر أو خبر النبي الصادق أو ~~الحس ليس هو أمرا لازما لها بل كذب مسيلمة الكذاب مثلا قد يعلم بقول # PageV01P363 # النبي الصادق أنه كذاب وقد يعلم ذلك من باشره ورآه يكذب ويعلم ذلك من غاب ~~عنه بالتواتر ويعلم ذلك بالاستدلال فانه ادعى النبوة وأتى يناقض النبوة ~~فيعلم بالاستدلال وكذلك الهلال قد يعلم طلوعه بالرؤية فتكون القضية حسية ~~ويعلم ذلك من لم يره بالأخبار المتواترة فتكون القضية عنده من المتواترات ~~ويعلم ذلك من علم أن تلك الليلة إحدى وثلاثون بالحساب والاستدلال ومثل هذا ~~كثير فالمعلوم الواحد يعلمه هذا بالحس وهذا بالخبر وهذا بالنظر وهذه طرق ~~العلم لبني آدم وهكذا القضايا الكلية إذا كان منها ما يعلم بلا قياس ولا ~~دليل وليس لذلك حد في نفس القضايا بل ذلك بحسب أحوال بنى آدم لم يمكن أن ~~يقال فيما علمه زيد بالقياس أنه لا يمكن غيره أن يعلمه بلا قياس بل هذا نفى ~~كاذب. # الوجه السابع: الأدلة القاطعة على استواء قياسي الشمول والتمثيل. # الوجه السابع: أن يقال هم يدعون أن المفيد لليقين هو قياس الشمول فأما ~~قياس التمثيل فيزعمون أنه لا يفيد اليقين ونحن نعلم أن من التمثيل ما يفيد ~~اليقين ومنه ما لا يفيده ك الشمول فان الشيئين قد يكون تماثلهما معلوما وقد ~~يكون مظنونا كالعموم وإن جمع بينهما بالعلة فالعلة في معنى عموم الشمول. # يوضح هذا أن يقال قياس الشمول يؤول في الحقيقة إلى قياس التمثيل كما أن ~~الآخر في الحقيقة يؤول إلى الأول ولهذا تنازع الناس في مسمى القياس فقيل هو ~~قياس التمثيل فقط وهو قول أكثر الأصوليين وقيل قياس الشمول فقط وهو قول ~~أكثر المنطقيين وقيل ms278 بل القياسان جميعا وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين ~~وذلك أن قياس الشمول مبناه على اشتراك الأفراد في الحكم العام وشموله لها ~~وقياس التمثيل مبناه على اشتراك الاثنين في الحكم الذي يعمهما # PageV01P364 # ومآل الأمرين واحد وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. # ونحن نذكر هنا ما لم نذكره في غير هذا الموضع فنقول قد تبين فيما تقدم أن ~~قياس الشمول يمكن جعله قياس تمثيل وبالعكس فإذا قال القائل في مسألة القتل ~~بالمثقل قتل عمد عدوان محض لمن يكافئ القاتل فأوجب القود كالقتل بالمحدد ~~فقد جعل القدر المشترك الذي هو مناط الحكم القتل العمد العدوان المحض ~~للمكافئ وهذا يسمى العلة والمناط والجامع والمشترك والمقتضى والموجب ~~والباعث والأمارة وغير ذلك من الأسماء فإذا أراد أن يصوغه ب قياس الشمول ~~قال هذا قتل عمد عدوان محض للمكافئ وما كان كذلك فهو موجب للقود. # والنزاع في الصورتين هو في كونه عمدا محضا فان المنازع يقول العمدية لم ~~تتمحض وليس المقصود هنا ذكر خصوص المسألة بل التمثيل وهذا نزاع في المقدمة ~~الصغرى وهو نزاع في ثبوت الوصف في الفرع فان قياس التمثيل قد يمنع فيه ثبوت ~~الوصف في الأصل ويمنع ثبوته في الفرع وقد يمنع كونه علة الحكم. # ويسمى هذا السؤال سؤال المطالبة وهو أعظم أسئلة القياس وجوابه عمدة ~~القياس فان عمدة القياس على كون المشترك مناط الحكم وهذا هو المقدمة الكبرى ~~وهو كما لو قال في هذه المسألة لا نسلم أن كل ما كان عمدا محضا يوجب القصاص ~~وكذلك منع الحكم في الأصل أو منع الوصف في الأصل وهو منع للمقدمة الكبرى في ~~قياس الشمول. # أللهم إلا أن يقيم المستدل دليلا على تأثير الوصف في غير أصل معين وهذا ~~قياس التعليل المحض كما لو قال النبيذ المسكر محرم لأن المعنى الموجب ~~للتحريم # PageV01P365 # وهو كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة موجود فيها وهذا المعنى قد دل النص ~~على أنه علة التحريم وقد وجد فيثبت فيه التحريم. # وهم في قياس الشمول إذا أرادوا إثبات المقدمة الكبرى ms279 التي هي نظير جعل ~~المشترك بين الأصل والفرع مناط الحكم فلا بد من دليل يبين ثبوت الحكم لجميع ~~أفراد المقدمة باعتبار القدر المشترك الكلى بين الأفراد وهذا هو القدر ~~المشترك الجامع في قياس التمثيل فالجامع هو الكلى والكلى هو الجامع. # ومن قال من متأخري النظار كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد أن ~~العقليات ليس فيها قياس بل الاعتبار فيها بالدليل فهذا مع أنهم خالفوا فيه ~~جماهير النظار وأئمة النظر فنزاعهم فيها يرجع إلى اللفظ فإنهم يقولون ~~العقليات لا تحتاج إلى أن يعين فيها أصل يلحق فيه الفرع وليس جعل أحدهما ~~أصلا والآخر فرعا بأولى من العكس بل الاعتبار بالدليل الشامل للصورتين ~~فيقال لهم لا ريب أنه في العقليات والشرعيات لم يقع النزاع في جميع أفراد ~~المعنى العام الذي يسمى الجامع المشترك بل وقع في بعضها وبعضها متفق عليه ~~فتسمية هذا أصلا وهذا فرعا أمر إضافي ولو قدر أن بعض الناس علم حكم الفرع ~~بنص وخفي عليه حكم الأصل لجعل الأصل فرعا والفرع أصلا والجمع أما أن يكون ~~بإلغاء الفارق وأما أن يكون بإبداء الجامع وهذا يكون في العقليات قطعيا ~~وظنيا كما يكون في الشرعيات # PageV01P366 # فإذا قيل الأحكام والإتقان يدل على علم الفاعل شاهدا فكذلك غائبا أو قيل ~~علة كون العالم عالما قيام العلم به في الشاهد فكذلك في الغائب أو قيل ~~الحيوة شرط في العلم شاهدا فكذلك غائبا أو قيل حد العالم في الشاهد من قام ~~به العلم فكذلك في الغائب فهذه الجوامع الأربعة التي تذكرها الصفاتية من ~~الجمع بين الغائب والشاهد في الصفات الحد والدليل والعلة والشرط فذكر ~~الشاهد حتى يمثل القلب صورة معينة ثم يعلم بالعقل عموم الحكم وهو أن ~~الأحكام والإتقان مستلزم لعلم الفاعل فان الفعل المحكم المتقن لا يكون إلا ~~من عالم وكذلك سائرها. # وهذا كسائر ما يعلم من الكليات العادية إذا قيل هذا الدواء مسهل للصفراء ~~ومنضج للخلط الفلاني ونحو ذلك فان التجربة إنما دلت على أشياء معينة لم تدل ~~على أمر عام لكن ms280 العقل يعلم أن المناط هو القدر المشترك بما يعلم من انتفاء ~~ما سواه ومناسبته أو لا يعلم مناسبته وهذا قد يكون معلوما تارة كما يعلم أن ~~أكل الخبز يشبع وشرب الماء يروي وأن السقمونيا مسهل للصفراء وإن كان قد ~~يتخلف الحكم بفوات شرطه إذ قدمنا أن الطبيعيات التي هي العاديات ليس فيها ~~كليات لا تقبل النقض بحال فكان ذكر الأصل في القياس العقلي لتنبيه العقل ~~على المشترك الكلى المستلزم للحكم لا لأن مجرد ثبوت الحكم في صورة يوجب ~~ثبوته في أخرى بدون أن يكون هناك جامع يستلزم الحكم. # وإذا قيل فمن أين يعلم أن الجامع مستلزم للحكم قيل من حيث يعلم القضية ~~الكبرى في قياس الشمول فإذا قال القائل هذا فاعل محكم لفعله وكل محكم لفعله ~~فهو عالم فأي شيء ذكر في علة هذه القضية الكلية فهو موجود في قياس التمثيل ~~وزيادة أن هناك أصلا يمثل به قد وجد فيه الحكم مع المشترك وفي قياس الشمول ~~لم يذكر شيء من الأفراد التي يثبت الحكم فيها ومعلوم أن ذكر الكلى المشترك ~~مع # PageV01P367 # بعض أفراده اثبت في العقل من ذكره مجردا عن جميع الإفراد باتفاق العقلاء. # ولهذا هم يقولون أن العقل بحسب إحساسه بالجزئيات يدرك العقل بينها قدرا ~~مشتركا كليا فالكليات في النفس تقع بعد معرفة الجزئيات المعينة فمعرفة ~~الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب في معرفة الكليات فكيف يكون ذكرها مضعفا ~~للقياس ويكون عدم ذكرها موجبا لقوته وهذه خاصة العقل فان خاصة العقل معرفته ~~الكليات بتوسط معرفته بالجزئيات فمن أنكرها أنكر خاصة عقل الإنسان ومن جعل ~~ذكرها بدون شيء من محالها المعينة أقوى من ذكرها مع التمثيل لمواضعها ~~المعينة كان مكابرا والعقلاء باتفاقهم يعلمون أن ضرب المثل الكلى مما يعين ~~على معرفته وانه ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجردا عن ~~الأمثال. # ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل في الطب ~~والحساب والطبيعيات والصناعات والتجارات وغير ذلك وجد الأمر كذلك فإذا قيل ~~يسخن جوف الإنسان ms281 في الشتاء ويبرد في الصيف لأنه في الشتاء يكون الهواء ~~باردا فيبرد ظاهر البدن فتهرب الحرارة إلى باطن البدن لأن الضد يهرب من ~~الضد والشبيه ينجذب إلى شبيه فتظهر البرودة إلى الظاهر لأن شبه الشيء منجذب ~~إليه كان هذا أمرا كليا مطلقا فإذا قيل ولهذا يسخن جوف الأرض في الشتاء ~~وجوف الحيوان كله ولهذا تبرد الأجواف في الصيف لسخونة الظواهر فتهرب ~~البرودة إلى الأجواف كان كلما تصور الإنسان النظائر قويت معرفته بتلك ~~الكلية وهو أن الضد يهرب من ضده والنظير ينجذب إلى نظيره وهذا معلوم في ~~الطبيعيات والنفسانيات وغيرهما لكن إذا ذكرت النظائر قوى العلم بذلك وقد ~~يعبر عن ذلك بأن الجنسية علة الضم. # وكذلك إذا قيل الشمس إذا وقعت على البحر أو غيره تسخنه فتصاعد منه بخار ~~لأن الحرارة تحلل الرطوبة ثم قيل كما يتصاعد البخار من القدر التي فيها ~~الماء الحار # PageV01P368 # كان هذا المثال مما يؤكد معرفة الأول. # والأقيسة التي يستعملها الفلاسفة في علومهم ويجعلونها كلية كلها يعتضدون ~~فيها بالأمثلة وليس مع القوم إلا ما علموه من صفات الأمور المشاهدة ثم ~~قاسوا الغائب على المشاهد به بالجامع المشترك الذي يجعلونه كليا فان لم يكن ~~هذا صحيحا لم يكن مع أحد من أهل الأرض علم كلى يشترك فيه ما شهده وما غاب ~~عنه حتى قوله الخبز يشبع والماء يروي ونحو ذلك فانه لم يعلم بحسه إلا أمورا ~~معينة فمن أين له أن الغائب بمنزلة الشاهد إلا بهذه الطريق والإنسان قد ~~ينكر أمرا حتى يرى واحدا من جنسه فيقر بالنوع ويستفيد بذلك حكما كليا. # ولهذا يقول سبحانه: {كذبت قوم نوح المرسلين} {كذبت عاد المرسلين} {كذبت ~~ثمود المرسلين} ونحو ذلك وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد لكن كانوا ~~مكذبين بجنس الرسل لم يكن تكذيبهم بالواحد لخصوصه وهذا بخلاف تكذيب اليهود ~~والنصارى لمحمد صلى الله عليه وسلم فإنهم لم يكذبوا جنس الرسل إنما كذبوا ~~واحدا بعينه بخلاف مشركي العرب الذين لم يعرفوا الرسل فان الله يحتج عليهم ~~في القرآن بإثبات جنس ms282 الرسالة. # ولهذا يجيب سبحانه عن شبه منكري جنس الرسالة كقولهم: {أبعث الله بشرا ~~رسولا} فيقول: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون} أي هذا متواتر عند أهل الكتاب فاسألوهم عن الرسل الذين ~~جاءتهم أكانوا بشرا أم لا وكذلك قوله: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو ~~أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون} فإنهم لا يستطيعون الأخذ عن الملك في صورته فلو أرسلنا ~~إليهم ملكا لجعلناه رجلا في صورة الإنسان وحينئذ كان يلتبس عليهم الأمر ~~ويقولون هو رجل والرجل لا يكون رسولا وكذلك الرسل قبله قال تعالى: {أوعجبتم ~~أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل # PageV01P369 # منكم لينذركم} كما قال تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس} وكما قال تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل} ونحو ذلك. # فكان علمهم بثبوت معين من هذا النوع يوجب العلم بقضية مطلقة وهو أن هذا ~~النوع موجود بخلاف ما إذا اثبت ذلك ابتداء بلا وجود نظير فانه يكون أصعب ~~وإن كان ممكنا فان نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ولم يكن قبله ~~رسول بعث إلى الكفار المشركين يدعوهم إلى الانتقال عن الشرك إلى التوحيد ~~وآدم والذين كانوا بعده كان الناس في زمنهم مسلمين كما قال ابن عباس: "كان ~~بين آدم ونوح عشر قرون كلهم على الإسلام" لكن لما بعث الله نوحا وأنجى من ~~آمن به وأهلك من كذبه صار هذا المعين يثبت هذا النوع أقوى مما كان يثبت ~~ابتداء. # والذين قالوا الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان مبدأ كلامهم في الأمور ~~الطبيعية فإنهم رأوا البارد إنما يقتضى التبريد فقط والحار إنما يقتضي ~~التسخين فقط وكذلك سائرها لكن هذا ليس فيه إحداث واحد لواحد فان البرودة ~~الحاصلة لا بد لها مع السبب من محل قابل وارتفاع موانع فلم يحصل السبب إلا ~~عن شيئين لا عن واحد لكن هذا كان مبدأ كلامهم. ms283 # وأما احتجاج ابن سينا وأمثاله بأنه لو صدر اثنان لكان مصدر هذا غير مصدر ~~هذا ولزم التركيب المنافي للوحدة فهذه الحجة تبع لحجة التركيب وهذه أخذوها ~~من أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم ليست هذه من كلام أئمة الفلاسفة كأرسطو ~~وأتباعه لا سيما أكثر أساطين الفلاسفة فإنهم كانوا يقولون بإثبات الصفات ~~لله تعالى بل وبقيام الأمور الاختيارية كما ذكرنا كلامهم في غير هذا الموضع ~~وهو اختيار أبي البركات صاحب المعتبر ومن قال أنه خالف أكثر الفلاسفة ~~فمراده المشائين وأما الأساطين قبل هؤلاء فكلام كثير منهم يدل على هذا ~~الأصل كما هو مذكور في موضعه # PageV01P370 # ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف فإذا رأى الشيئين ~~المتماثلين علم أن هذا مثل هذا يجعل حكمهما واحدا كما إذا رأى الماء والماء ~~والتراب والتراب والهواء والهواء ثم حكم بالحكم الكلى على القدر المشترك ~~وإذا حكم على بعض الأعيان ومثله بالنظير وذكر المشترك كان أحسن في البيان ~~فهذا قياس الطرد إذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما وهذا قياس ~~العكس. # وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس ~~فانه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل ~~ما فعلوا أصابه ما أصابهم فيتقى تكذيب الرسل حذرا من العقوبة وهذا قياس ~~الطرد ويعلم أن من لم يكذب الرسل بل أتبعهم لا يصيبه ما أصاب هؤلاء وهذا ~~قياس العكس وهو المقصود من الاعتبار بالمعذبين فان المقصود ثبت في الفرع ~~عكس حكم الأصل لا نظيره والاعتبار يكون بهذا وبهذا قال تعالى: {لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب} وقال: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة ~~تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره ~~من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} # الميزان المنزل من الله هو القياس الصحيح: # وقد قال سبحانه وتعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} وقال: ~~{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط} والميزان يفسره ms284 السلف بالعدل ويفسره بعضهم بما يوزن به وهما ~~متلازمان وقد أخبر أنه انزل ذلك مع رسله كما أنزل معهم الكتاب ليقوم الناس ~~بالقسط. # فما يعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان وكذلك ~~ما يعرف به اختلاف المختلفات فمعرفة أن هذه الدارهم أو غيرها من الأجسام ~~الثقيلة # PageV01P371 # بقدر هذه تعرف بموازينها وكذلك معرفة أن هذا الكيل مثل هذا يعرف بميزانه ~~وهو المكاييل وكذلك معرفة أن هذا الزمان مثل هذا الزمان يعرف بموازينه التي ~~يقدر بها الأوقات كما يعرف به مظلال وكما يعرف بجري من ماء ورمل وغير ذلك ~~وكذلك معرفة أن هذا بطول هذا يعرف بميزانه وهو الذارع فلا بد بين كل ~~متماثلين من قدر مشترك كلى يعرف به أن أحدهما مثل الآخر. # فكذلك الفروع المقيسة على أصولها في الشرعيات والعقليات تعرف بالموازين ~~المشتركة بينهما وهي الوصف الجامع المشترك الذي يسمى الحد الأوسط فانا إذا ~~علمنا أن الله حرم خمر العنب لما ذكره من أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ~~وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء ثم رأينا نبيذ الحبوب من الحنطة ~~والشعير والرز وغير ذلك يماثلها في المعنى الكلى المشترك الذي هو علة ~~التحريم كان هذا القدر المشترك الذي هو العلة هو الميزان التي انزلها الله ~~في قلوبنا لنزن بها هذا ونجعله مثل هذا فلا نفرق بين المتماثلين والقياس ~~الصحيح هو من العدل الذي أمر الله تعالى به. # ومن علم الكليات من غير معرفة المعين فمعه الميزان فقط والمقصود بها وزن ~~الأمور الموجودة في الخارج وإلا فالكليات لولا جزئياتها المعينات لم يكن ~~بها اعتبار كما أنه لولا الموزونات لم يكن إلى الميزان من حاجة ولا ريب أنه ~~إذا احضر احد الموزونين واعتبر بالآخر بالميزان كان اتم في الوزن من أن ~~يكون الميزان وهو الوصف المشترك الكلى في العقل أي شيء حضر من الأعيان ~~المفردة وزن بها فان هذا أيضا وزن صحيح وذلك أحسن في الوزن فانك إذا وزنت ~~بالصنجة # PageV01P372 # قدرا من النقدين ثم وزنت بها نظيره والأول ms285 شاهد والناس يشهدون أن هذا وزن ~~به هذا فظهر مثله أو أكثر أو أقل كان أحسن من أن يوزن أحدهما في مغيب الآخر ~~فانه قد يظن أن الوازن لم يعدل في الوزن كما يعدل إذا وزنها معا فان هذا ~~يعتبر بأن يوزن أحدهما بالآخر بلا صنجة وهكذا الموزونات بالعقل. # وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع وبينا أن القياس الصحيح هو من ~~العدل الذي انزله وانه لا يجوز قط أن يختلف الكتاب والميزان فلا يختلف نص ~~ثابت عن الرسل وقياس صحيح لا قياس شرعي ولا عقلي ولا يجوز قط أن الأدلة ~~الصحيحة النقلية تخالف الأدلة الصحيحة العقلية وأن القياس الشرعي الذي ~~روعيت شروط صحته يخالف نصا من النصوص وليس في الشريعة شيء على خلاف القياس ~~الصحيح بل على خلاف القياس الفاسد كما قد بسطنا ذلك في مصنف مفرد وذكرنا في ~~كتاب درء تعارض العقل والنقل ومتى تعارض في ظن الظان الكتاب والميزان النص ~~والقياس الشرعي أو العقلي فأحد الأمرين لازم أما فساد دلالة ما احتج به من ~~النص أما بأن لا يكون ثابتا عن المعصوم أو لا يكون دالا على ما ظنه أو فساد ~~دلالة ما احتج به من القياس سواء كان شرعيا أو عقليا بفساد بعض مقدماته أو ~~كلها لما يقع في الأقيسة من الألفاظ المجملة المشتبهة. # وأبو حامد ذكر في القسطاس المستقيم الموازين الخمسة وهي منطق اليونان ~~بعينة غير عبارته ولا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلي الذي انزل الله ~~هو منطق اليونان لوجوه: أحدها: أن الله انزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق ~~اليونان من عهد نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو ~~قبل المسيح بثلثمائة سنة فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن بهذا الثاني: أن ~~امتنا أهل # PageV01P373 # الإسلام ما زالوا يزنون بالموازين العقلية ولم يسمع سلفنا بذكر هذا ~~المنطق اليوناني وإنما ظهر في الإسلام لما عربت الكتب الرومية في دولة ~~المأمون أو قريبا منها الثالث: أنه ما زال نظار المسلمين بعد أن ms286 عرب وعرفوه ~~يعيبونه ويذمونه ولا يلتفتون إليه ولا إلى أهله في موازينهم العقلية ~~والشرعية. # ولا يقول القائل ليس فيه مما انفردوا به إلا اصطلاحات لفظية وإلا ~~فالمعاني العقلية مشتركة بين الأمم فانه ليس الأمر كذلك بل فيه معان كثير ~~فاسدة ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التي هي الأقيسة العقلية وزعموا ~~أنه آله قانونية # PageV01P374 # تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره وليس الأمر كذلك فانه لو احتاج ~~الميزان إلى ميزان لزم التسلسل وأيضا فالفطرة أن كانت صحيحة وزنت بالميزان ~~العقلي وإن كانت بليدة أو فاسدة لم يزدها المنطق لو كان صحيحا إلا بلادة ~~وفسادا ولهذا يوجد عامة من يزن به علومه لا بد أن يتخبط ولا يأتي بالأدلة ~~العقلية على الوجه المحمود ومتى أتى بها على الوجه المحمود اعرض عن ~~اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز والتطويل وتبعيد الطريق وجعل الواضحات ~~خفيات وكثرة الغلط والتغليط. # كل قياس في العالم يمكن رده إلى القياس الاقتراني: # فان قيل ما ذكرته من أن قياس الشمول يرجع إلى قياس التمثيل يتوجه في قياس ~~الاقتراني دون الاستثنائي فان الاستثنائي ما تكون النتيجة أو نقيضها مذكورة ~~فيه بالفعل بخلاف الاقتراني فان النتيجة إنما هي فيه بالقوة والاستثنائي ~~مؤلف من الشرطيات المتصلة وهو التلازم ومن المنفصلة وهو التقسيم ولا ريب أن ~~الحد الأوسط في الاقترانى يمكن جعله الجامع المشترك في القياس التمثيلي ~~بخلاف الاستثنائى قيل الجواب من وجوه. # منها أن التلازم والتقسيم إذا قيل هذا مستلزم لهذا حيث وجد وجد فان هذا ~~قضية كلية فتستعمل على وجه التمثيل وعلى وجه الشمول بأن يقاس بعض أفرادها ~~ببعض ويجعل القدر المشترك هو مناط الحكم وكذلك إذا قيل هذا أما كذا وأما ~~كذا فهو أيضا كلى يبين بصيغة التمثيل وبصيغة الشمول ولهذا كانت الأحكام ~~الثابتة بصيغة العموم يمكن استعمال قياس التمثيل فيها بأن يقاس بعض أفرادها ~~ببعض ويجعل المعنى المشترك هو مناط الحكم. # ومنها أن كل قياس في العالم يمكن رده إلى الاقترانى فإذا قيل بصيغة الشرط ~~أن كانت الصلاة ms287 صحيحة فالمصلى متطهر أمكن أن يقال كل مصل فهو متطهر وأن ~~يقال الصلاة مستلزمة الطهارة ونحو ذلك من صور القياس الاقتراني والحد ~~الأوسط فيه أن استثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ~~ينتج نقيض # PageV01P375 # المقدم وهذا معنى قولنا إذا وجد الملزوم وجد اللازم وإذا انتفى اللازم ~~انتفى الملزوم فان المقدم هو الملزوم والتالي هو اللازم وهكذا كل شرط وجزاء ~~فالشرط ملزوم والجزاء لازم له. # وهذا إذا جعل بصيغة الاقترانى فقيل هذا مصل وكل مصل متطهر فهذا متطهر أو ~~قيل هذا ليس بمتطهر ومن لا يكون متطهرا ليس بمصل فهذا ليس بمصل والقضية ~~الكلية فيه أن كل مصل متطهر وأن كل من ليس بمتطهر فليس بمصل فالسالبة ~~والموجبة كلاهما كليتان وهذه الكلية معروفة بنص الشارع ليست مما عرفت ~~بالعقل ولو كانت مما تعرف بالعقل المجرد لعرفت ب قياس التمثيل مع أنها تصاغ ~~ب قياس التمثيل فيقال هذا مصل فهو متطهر كسائر المصلين أو هذا ليس بمتطهر ~~فليس بمصل كسائر من ليس بمتطهر ثم يبين أن الجامع المشترك مستلزم للحكم كما ~~في الأول. # وكذلك الشرطي المنفصل الذي هو التقسيم والترديد إذا قيل هذا أما أن يكون ~~شفعا أو وترا ونحو ذلك قيل هذا لا يخلو من كونه شفعا أو وترا ولا يجتمع هذا ~~وهذا معا وهو شفع فلا يكون وترا أو هو وتر فلا يكون شفعا وهذه القضية ~~معلومة بالبديهة لكن تصور أفرادها أبين من تصور كليتها فلا يحتاج شيء من ~~أفرادها أن يبين بالقياس الكلى المنطقي فانه أي شيء علم أنه شفع علم أنه ~~ليس بوتر بدون أن يوزن بأمر كلى عنده ولا بقياس على نظيره فلا يحتاج أن ~~يقال وكل شفع فليس بوتر أو كل وتر فليس بشفع. # وهذا كما تقدم التنبيه عليه أن ما يثبتونه بالقضايا الكلية تعلم مفرداتها ~~بدون تلك القضايا بل وتعرف بدون قياس التمثيل فإذا عرف أن هذا الثوب أو ~~غيرة اسود عرف أنه ليس بأبيض بدون أن يقال كل اسود فانه ليس بأبيض ms288 وهذه ~~الكلية من أن كل أسود لا يكون أبيض يعرف بدون أن يعرف أن كل ضدين لا ~~يجتمعان ولو أثبت تلك المعينات بهذه الكلية لاحتيج أن يبين أنهما ضدان فانه ~~لا يعلم أنهما # PageV01P376 # ضدان حتى يعلم أنهما لا يجتمعان وإذا علم أنهما لا يجتمعان أغنى ذلك عن ~~الاستدلال عليه بكونهما ضدين. # فعلم أنه لا يحتاج أن يبين ما يندرج في هذا الكلى لا من الأنواع ولا من ~~الأعيان المعينة به بل العلم بها أبين من العلم بهذه الكلية بل إذا أرادوا ~~أن يبينوا أن الضدين لا يجتمعان قالوا المراد بالضدين هما الوصفان ~~الوجوديان اللذان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد والبياض فيعود الأمر إلى ~~تعريفهم مرادهم بهذا اللفظ وأما بيان ما دل عليه من المعاني المعقولة فلا ~~يحتاج إلى الاستدلال عليه بالكلى وكذلك في النقيضين وكذلك في الشرط ~~والمشروط والعلة والمعلول وسائر هذه الأمور الكلية. # إبطال القول باقتران العلة والمعلول في الزمان: # ولهذا من لم يحكم معرفة هذا وإلا التبست عليه المعقولات ودخل عليه غلطهم ~~سواء كانوا قد غلطوا هم في التصور وهو الغالب على أئمتهم أو كانوا يقصدون ~~التغليط كما يفعله بعضهم. # مثال ذلك أنه إذا قيل لهم في مسألة حدوث العالم كيف يكون العالم مفعولا ~~مصنوعا للرب وهو مساوق له أزلا وأبدا مقارن له في الزمان هذا مما يعلم ~~فساده بضرورة العقل فان المفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان قالوا بل ~~هذا ممكن وهو أن تقدم العلة على المعلول تقدما عقليا لازما كتقدم حركة اليد ~~على حركة الخاتم الذي فيها وتقدم الشمس على الشعاع وتقدم الحركة على الصوت ~~الناشئ عنها ثم أن كان ممن تكلم في العلة والمعلول المذكور في الصفات ~~والأحوال وهو يقول العلم علة كون العالم عالما كما يقوله مثبتوا الأحوال من ~~النظار كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي في أول قوليه والقاضي أبي يعلى ~~وأمثالهم فانه قد ألف أن العلة والمعلول متلازمان مقترنان فلا يستنكر مثل ~~هذا هنا # PageV01P377 # ولهذا غلط بسبب متابعتهم في هذا طوائف ms289 من الفقهاء في الفقه كأبي المعالي ~~واتباعه أبي حامد والرافعي وغيرهم فادعوا شيئا خالفوا فيه جميع أئمة الفقه ~~المتقدمين من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ولم يقله الشافعي ولا احد من ~~أئمة أصحابه ولا غيرهم وهو أنه إذا قال لامرأته إذا شربت أو زنيت أو فعلت ~~كذا فأنت طالق وقصده أن يقع بها الطلاق إذا وجد ذلك الشرط أو قال إذا ~~أعطيتني ألفا فأنت طالق أو قال إذا طلقتك فأنت طالق طلقة أخرى أو إذا وقع ~~عليك طلاقي فأنت طالق أو قال مثل ذلك في العتق فزعموا أن الحكم المعلق بشرط ~~يقع هو والشرط معا في زمن واحد بناء على أن الشرط علة للحكم والمعلول يقارن ~~العلة في الزمان. # وهذا خطأ شرعا ولغة وعقلا أما الشرع فان جميع الأحكام المعلقة بالشروط لا ~~تقع شيء منها إلا عقيب الشروط لا تقع مع الشروط والفروع المنقولة عن الأئمة ~~تبين ذلك وأما لغة فإن الجزاء عند أهل اللغة يكون عقب الشرط وبعده ولا يكون ~~الجزاء مع الشرط في الزمان ولهذا قد يكون الجزاء مما يتأخر زمانه كقوله ~~تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} وفي ~~النذر إذا قال: إن شفى الله مريضي فعلى صوم سنة فلا يجب عليه الصوم إلا بعد ~~الشفاء لا مقارنا للشفاء ولا في زمن الشفاء وكذلك إذا قال: إن سلم الله ~~مالي الغائب وكذلك إذا قال: من رد عبدي الآبق أو بنى لي هذا الحائط ونحو ~~ذلك وأيضا فهذا يذكر بحرف الفاء والفاء للتعقيب يوجب أن يكون الثاني عقيب ~~الأول لا معه وأما عقلا فلأن الأول هنا كالفاعل # PageV01P378 # الموجب للثاني ولا يعرف قط أن الفاعل يقارنه مفعوله. # وما ذكروه من اقتران العلة العقلية لمعلولها كالعلم والعالمية فجوابه أنه ~~عند جماهير العقلاء ليس هنا علة ومعلول بل العلم هو العالمية وهذا مذهب ~~جمهور نظار أهل السنة والبدعة وهو نفي الأحوال فلا علة ولا معلول وإن جعلت ~~المعلول الحكم بكونه عالما والخبر عنه بكونه عالما فهذا ms290 قد يتأخر عن العلم ~~وعلى قول من أثبت الحال هو يقول أنها ليست موجودة ولا معدومة فليست نظير ~~المعلولات الوجودية. # وأيضا فهؤلاء يقولون أن العالم فاعل للعالمية ولا هو جاعل العالمية ولا ~~هذا عنده من باب تأثير الوجود كالأسباب والعلل فان كونه عالما لازم للعلم ~~بما يلزم العلم أنه علم ليس هذا مثل كون قطع الرقبة سببا للموت ولا كون ~~الأكل سببا للشبع من الأسباب التي خلقها الله فكيف بالأسباب التي يصنعها ~~العباد كقوله إذا زنيت فأنت طالق فهنا علق حادثا بحادث وحكم بكون ذلك الأول ~~سببا للثاني فأين هذا من العلم والعالمية وإنما غرهم الاشتراك في لفظ ~~العلة. # وكذلك المتفلسفة ليس في جميع ما مثلوا به علة فاعله قارنت مفعولها في ~~الزمان فحركة اليد ليست هي الفاعلة لحركة الخاتم بل المحرك لهما واحد ولكن ~~حركتهما متلازمة لاتصال الخاتم باليد كحركة بعض اليد مع بعض وكما يقال حركت ~~يدي فتحرك الخاتم وكما يقال حركت كفى فتحركت أصابعي وليست حركة الكف فاعلة ~~لحركة الأصابع وإن قدر أنها بعدها لم يسلم اقترانهما في الزمان بل تكون ~~كأجزاء الزمان المتصل بعضها ببعض فانه لا فصل بينهما وإن كان الجزء الثاني ~~متصلا بالأول كذلك أجزاء الحركة كحركة الظل وغيره كل جزء منها يحدث بعد ~~الآخر وفي الزمان الذي يلي حركة الجزء الأول فأما أن يقال الحركتان وجدتا ~~معا وأحدهما فاعلة للأخرى فهذا باطل. # وأيضا فان المعروف أنه إذا قيل حركت يدي فتحرك خاتمي أو المفتاح في # PageV01P379 # كمى ونحو ذلك إذا تحرك بحركة تخصه مثل أن يكون الخاتم ملقى فإذا حرك يده ~~علق في يده فتحرك وهذه الحركة بعد حركة اليد في الزمان وأما إذا كان الخاتم ~~متصلا بالإصبع ثابتا فيها وإنما يتحرك كما تتحرك الأصابع فالمحرك للجميع ~~واحد ولو كان الإنسان نائما أو ميتا فرفع رجل يده وفيها الخاتم لكانت أيضا ~~متحركة بحركة اليد وهى حركة واحدة شملت الجميع لاتصال بعضه ببعض ليس هنا ~~حركتان إحداهما سبب الأخرى فضلا عن أن تكون فاعلة لها ms291 ومن قال في مثل هذا ~~حركت يده فتحرك خاتمه فإنما هو كقوله فتحركت اليد فإنما يريد بذلك أن ~~الحركة شملت الجميع ولم يرد بذلك أن حركة اليد كانت سببا للحركة الأولى ولا ~~نعرف عاقلا يقول هذا ويقصد هذا وإن قدر أنه وجد فليس قوله حجة على سائر ~~العقلاء ومن رفع يد ميت أو نائم وفيها خاتم لم تكن حركة بعض ذلك سببا لبعض ~~بل الجميع موجود في زمان واحد لفاعل واحد وسبب واحد. # فبطل أن يكون في الوجود سبب يقارن مسببه في الزمان بل لا يكون إلا قبله ~~فكيف بالفاعل المستقل وإنما الذي يقارن الشيء في الزمان شرطه وتقدم الواحد ~~على الاثنين هو من هذا الباب لا من باب تقدم الشرط على المشروط وحركة ~~الخاتم مع اليد هي من باب المشروط مع الشرط ليست من باب المفعول مع الفاعل ~~ولكن لفظ العلة فيه إجمال. # وكذلك الصوت مع الحركة فان الصوت يحدث عقيب الحركة وغايته أن يكون معها ~~كالجزء الثاني من الحركة مع الأول والحركة المتصلة والزمان المتصل ليس بعضه ~~مع بعض في الزمان فغاية الصوت مع الحركة أن تكون كذلك وكذلك الشعاع مع ظهور ~~الشمس مع أن الشمس ليست فاعلة للشعاع بل الشعاع يحدث في الأرض إذا قابل ~~الشمس ما ينعكس الشعاع عليه وكذلك الحركة ليست # PageV01P380 # هي الفاعلة للصوت ولكن الشمس شرط في الشعاع والحركة شرط في الصوت. # وأما فاعل يبدع مفعوله ويكون مقارنا له في الزمان فهذا لا يوجد قط لكن ~~لفظ العلة فيه إجمال فالعلة الفاعلة شيء والعلة التي هي شرط شيء آخر والشرط ~~قد يقارن المشروط في زمانه بخلاف الفاعل فانه لا بد أن يتقدم فعله على ~~المعين وإذا قدر أنه لم يزل فاعلا فكل جزء من أجزاء الفعل مسبوق بجزء آخر ~~وإن كان نوع الفعل لم يزل فلا يتصور أن يكون فعله أو مفعوله معينا مع الله ~~أزلا وأبدا وإن قيل أنه لم يزل فاعلا بمشيئته فدوام نوع الفعل شيء ودوام ~~الفعل المعين والمفعول المعين شيء ms292 آخر. # والذي أخبرت به الرسل ودلت عليه العقول واتفق عليه جماهير العقلاء من ~~الأولين والآخرين أن الله خالق كل شيء وأن كل ما سواه فهو مخلوق له وكل ~~مخلوق محدث مسبوق بالعدم وأما تغيير هؤلاء للفظ المحدث وقولهم إنا نقول أنه ~~محدث حدوثا ذاتيا بمعنى أنه معلول فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه فان ~~المحدث معلوم أنه قد كان بعد أن لم يكن وأنه مفعول أحدثه محدث إحداثا وما ~~لم يزل ولا يزال فلا يسميه أحد من العقلاء في لغة من اللغات محدثا بل ولا ~~يقول أحد من العقلاء أنه مفعول مصنوع مخلوق ولا يقول أحد أنه ممكن يمكن ~~وجوده ويمكن عدمه إلا هذه الشرذمة من الفلاسفة. # الميزان العقلي هو المعرفة الفطرية للتماثل والاختلاف: # وهذه الأمور مبسوطة في مواضعها وإنما المقصود هنا أنهم إذا عدلوا عن ~~المعرفة الفطرية العقلية للمعينات إلى أقيسة كلية وضعوا ألفاظها وصارت ~~مجملة تتناول حقا وباطلا حصل بها من الضلال ما هو ضد المقصود من الموازين ~~وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة وكانوا فيها من المطففين {الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون # PageV01P381 # وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} وأين البخس في الأموال من البخس في العقول ~~والأديان مع أن أكثرهم لا يقصدون البخس بل هم بمنزلة من قد ورث موازين من ~~أبيه يزن بها تارة له وتارة عليه ولا يعرف أهي عادلة أم عائلة. # والميزان التي انزلها الله مع الكتاب حيث قال الله تعالى: {الله الذي ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان} وقال: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان} هي ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله وخلافه ~~فيسوى بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين بما جعله الله في فطر عبادة ~~وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف. # فان قيل إذا كان هذا مما يعرف بالعقل فكيف جعله الله تعالى مما أرسلت به ~~الرسل قيل لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل ~~والاختلاف فان الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل ويعرفون ~~الأقيسة العقلية الصحيحة التي ms293 يستدل بها على المطالب الدينية فليست العلوم ~~النبوية مقصورة على مجرد الخبر كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام ويجعلون ~~ما يعلم بالعقل قسيما للعلوم النبوية بل الرسل صلوات الله عليهم بينت ~~العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علما وعملا وضربت الأمثال فكملت ~~الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها مما كانت الفطرة معرضة عنه أو كانت الفطرة ~~قد فسدت بما حصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد وبينت ~~ما كانت الفطرة معرضة عنه حتى صار عند الفطرة معرفة الميزان التي أنزلها ~~الله وبينها رسله. # والقرآن والحديث مملوء من هذا يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية ~~والأمثال المضروبة ويبين طرق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين ~~وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقوله: ~~{أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} أي هذا # PageV01P382 # حكم جائر لا عادل فان فيه تسوية بين المختلفين وقال: {أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} ومن ~~التسوية بين المتماثلين قوله: {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في ~~الزبر} وقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} . # والقرآن مملوء من ذلك لكن ليس هذا موضعه وإنما المقصود التنبيه على جنس ~~الميزان العقلي وانها حق كما ذكر الله في كتابه وليست هي مختصة بمنطق ~~اليونان وإن كان فيه قسط منها بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة التسوية بين ~~المتماثلين والفرق بين المختلفين سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة ~~قياس التمثيل وصيغ التمثيل هي الأصل وهي أكمل والميزان القدر المشترك وهو ~~الجامع وهو الحد الأوسط. # وإنزاله تعالى الميزان مع الرسل كإنزاله الإيمان وهو الأمانة معهم ~~والإيمان لم يحصل إلا بهم كما قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء ms294 من ~~عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال: ~~"حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر ~~حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من ~~السنة وحدثنا عن رفع الأمانة" قال: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من ~~قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ثم ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه ~~فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منترا وليس فيه ~~شيء" فقد بين في هذا الحديث # PageV01P383 # أن الأمانة التي هي الإيمان أنزلها في أصل القلوب فان الجذر هو الأصل ~~وهذا إنما كان بواسطة الرسل لما اخبروا بما اخبروا به فسمع ذلك ف ألهم الله ~~القلوب الإيمان وانزله في القلوب. # وكذلك أنزل الله سبحانه الميزان في القلوب لما بينت الرسل العدل وما يوزن ~~به عرفت القلوب ذلك فأنزل الله على القلوب من العلم ما تزن به الأمور حتى ~~تعرف التماثل والاختلاف وتضع من الآلات الحسية ما يحتاج إليه في ذلك كما ~~وضعت موازين النقدين وغير ذلك وهذا من وضعه تعالى الميزان قال تعالى: ~~{والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ~~ولا تخسروا الميزان} وقال كثير من المفسرين: "هو العدل" وقال بعضهم: "ما ~~يوزن به ويعرف العدل" وهما متلازمان # الوجه الثامن: ليس عندهم برهان على علومهم الفلسفية # إنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة التي ذكروها ~~من القضايا الحسيات والأوليات والمتواترات والمجربات والحدسيات ومعلوم أنه ~~لا دليل على نفى ما سوى هذه القضايا كما تقدم البينة عليه. # ثم مع ذلك إنما اعتبروا في الحسيات والعقليات وغيرهما ما جرت العادة ~~باشتراك بنى آدم فيه وتناقضوا في ذلك وذلك أن بنى آدم إنما يشتركون كلهم في ~~بعض المرئيات وبعض المسموعات فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب ~~ويرون جنس السحاب والبرق وإن لم يكن ما رآه هؤلاء من ذلك هو ما يراه هؤلاء ~~وكذلك يشتركون في سماع ms295 صوت الرعد وأما ما يسمعه بعضهم من كلام # PageV01P384 # بعض وصوته فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع ~~غيرهم وكذلك أكثر المرئيات فانه ما من شخص ولا أهل درب ولا مدينة ولا إقليم ~~إلا ويرون من المرئيات ما لا يراه غيره وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا ~~يشترك جميع الناس في شيء معين فيه بل الذي يشمونه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه ~~ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين ~~كما يتفقون في شرب جنس الماء ومس جنس النساء. # وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة والحدس فانه قد يتواتر عند هؤلاء ويجرب ~~هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ولم يجربوه ولكن قد يتفقان في الجنس كما يجرب ~~قوم بعض الأدوية ويجرب الآخرون جنس تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا في ~~معرفة عين المجرب. # ثم هم مع هذا يقولون في المنطق أن المتواترات والمجربات والحدسيات تختص ~~بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره فيقال لهم وكذلك المشمومات ~~والمذوقات والملموسات بل اشتراك الناس في المتواترات أكثر فان الخبر ~~المتواتر ينقله عدد كثير فيكثر السامعون له ويشتركون في سماعه من العدد ~~الكثير لا سيما إذا كان العدد الكثير مئين وألوفا فبطائفة من هؤلاء يحصل ~~العلم المتواتر فإذا نقل هؤلاء لقوم وهؤلاء لقوم وهؤلاء لقوم حصل العلم ~~المتواتر لأمم لا يحصى عددهم إلا الله بخلاف ما يدرك بالحواس فانه يختص بمن ~~أحسه فإذا قال رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شممت فكيف يمكنه أن يقيم من ~~هذا برهانا على غيره ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد فلا يلزم من ذلك ~~أن يكون غيرهم أحسها ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلا بطريق الخبر فإذا ~~ادعوا أن الخبر المتواتر مختص بالحسيات فلا يقوم به البرهان على المنازع ~~فالحسيات أعظم اختصاصا فيلزم أن لا يقوم بها برهان على المنازع وليس في ~~الحسيات أكثر اشتراكا # PageV01P385 # الرؤية فان الناس يشتركون في رؤية ms296 الأنوار العلوية كالشمس والقمر ~~والكواكب ولكن مواد البرهان لا يختص بذلك. # وإن قالوا الحسيات تحصل ب الاشتراك في جنسها كاشتراك الناس في معرفة ~~الألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة وإن لم يكن عين ما أحسه هؤلاء ~~هو عين ما احسه هؤلاء لكن اشتركا في الجنس قيل والمتواترات والمجربات قد ~~يشتركون في جنسها كما تقدم بل وجود الشبع والري عقيب الأكل والشرب هو من ~~المجربات والناس يشتركون في جنسه وكذلك وجود اللذة بذلك وبالجماع وغير ذلك ~~بما إذا فعله الإنسان وجد عقيبه أثرا من الآثار ثم يتكرر ذلك حتى يعلم أن ~~ذاك سبب هذا الأثر فهذا هو التجربيات. # والقضايا الظنية أصلها التجربيات وهو من هذا الباب فان المراد أنه إذا ~~استعمل الدواء الفلاني وجد زوال المرض أو حصل به ألم المرض فوجود المرض ~~بهذا ووجود زواله بهذا هو من التجربيات وكذلك الالام واللذات التي تحصل ~~بالمشمومات والمسموعات والمرئيات والملموسات فان الحس ينال كذا ويرى هذا ~~ويسمع هذا ويذوق هذا ويلمس هذا ثم وجود اللذة في النفس هو من الوجديات ~~المعلومة بالحس الباطن وهو من جنس الحسيات الظاهرة. # وأما الاعتقاد الكلى القائم في النفس من أن هذا الجنس يحصل به اللذة وهذا ~~الجنس يحصل به الألم فهذا من التجربيات إذ الحسيات الظاهرة والباطنة ليس ~~فيها شيء كلى فالقضاء الكلى الذي يقوم بالقلب هو مركب من الحس والعقل وهو ~~التجربيات كما في اعتقاد حصول الشبع والري بما يعرف من المأكولات ~~والمشروبات والموت والمرض بما يعرف من السموم القاتلة والأسباب الممرضة ~~وزوال ذلك بالأسباب المعروفة وكل هذا من القضايا التجربية فالحس به يعرف ~~الأمور المعينة ثم إذا تكررت مرة بعد مرة أدرك العقل أن هذا بسبب القدر ~~المشترك الكلى فقضى فضاء كليا أن هذا يورث اللذة الفلانية وهذا يورث الألم ~~الفلاني. # PageV01P386 # والحدسيات هي كذلك فبالحس يعرف أعيانها ثم يتكرر فتعلم بالعقل القدر ~~المشترك لكن ذلك التكرر لا يكون بفعل الإنسان بل هو كما يعرف من الأمور ~~السماوية مثل أن يرى اختلاف أنوار القمر عند اختلاف ms297 مقابلته للشمس فيحدس أن ~~ضوءه مستفاد منها ومثل ما يرى الثوابت لا تختلف حركتها بالطول والعرض بل ~~حركتها حركة واحدة فيحدس أن فلكها واحد وإلا فيجوز أن يكون لكل واحد فلكا ~~حركته مثل حركة الآخر ومثل ما يرى اختلاف حركات السبعة فيحدس عن اختلاف ~~أفلاكها وهذا يسمى في اللغة تجربيات وكثير منهم أيضا يسميه تجربيات ولا ~~يجعل قسما غير المجربات. # وبالجملة الأمور العادية سواء كان سبب العادة أرادة نفسانية أو قوة ~~طبيعية فالعلم بكونها كلية هو من التجربيات أو الحدسيات أن جعلت نوعا أخر ~~حتى العلم بمعانى اللغات هو من الحدسيات فان الإنسان يسمع لفظ المتكلم ثم ~~قد يعلم مراده المعين بإشارة إليه أو بقرينة أخرى ثم إذا تكرر تكلمه بذلك ~~اللفظ مرة بعد مرة وهو يريد به ذلك المعنى علم أن هذه عادته الإرادية وهو ~~أرادة هذا المعنى بهذا اللفظ إذا قصد إفهام المخاطب وهذا مما يسمونه ~~الحدسيات إذ ليس كلام المتكلم موقوفا على اختيار المستمع وهو من التجربيات ~~العامة فان السمع إنما عرف به الصوت والمعنى المعين قد يفهم أولا بأسباب ~~متعددة أما كون هذا المتكلم من عادته ولغته أنه إذا تكلم بهذا اللفظ أراد ~~ذلك المعنى فهذا من هذا الباب وكذلك سائر ما يعلم من عادات الناس وعادات ~~البهائم وعادات النبات وعادات سائر الأعيان هو من هذا الباب. # وقد يعلم احد الشخصين بعادة نظيره فإذا كان من عادة شخص إذا قال أو فعل ~~أمرا أراد به شيئا ورأى نظيره يقول ذلك أو يفعله فقد اعتقد أنه أراد ما ~~أراد لأن العادة عرف أنها للنوع لا للشخص كعادة الناس في اللغات والأفعال # PageV01P387 # من العبادات وغير العبادات فإذا رأى الرجل يدخل المسجد قرب صلاة الجمعة ~~وعليه أهبة أهل الصلاة اعتقد أنه يدخله للصلاة لأن هذا عادة هذا النوع ~~وكذلك إذا رأى قاعدا في محل التطهير شارعا فيما يشرع فيه المتطهر عرف أنه ~~يتطهر ثم العاديات قد تنتقض وقد يعلم ما يفعله الفاعل من العلم بصفاته ~~ويعلم صفاته من أفعاله ms298 لكن ذاك من باب الاستدلال النظري العقلي وهو ~~الاستدلال بالملزوم على اللازم فليس ذاك من هذا. # كون العلوم الفلسفية من المجربات: # فعامة ما عند الفلاسفة بل وسائر العقلاء من العلوم الكلية بأحوال ~~الموجودات هو من العلم بعادة ذلك الموجود وهو مما يسمونه الحدسيات وعامة ما ~~عندهم من العلوم العقلية الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة فهو من هذا ~~القسم من المجربات أن كان علما فان هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع ~~فليس عند القوم برهان على المنازع وأيضا فان كون هذه الأجسام الطبيعية جربت ~~وكون الحركات الفلكية جربت لا يعرفه أكثر الناس إلا بالنقل والتواتر في هذا ~~قليل وإنما الغاية أن تنتقل التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل ~~الحساب. # وعلم الهيئة الذي هو أعظم علومهم الرياضية العقلية الذي جعله أرسطو أهله ~~هم أئمة الفلاسفة وعلمهم اصل الفلسفة فانه منه تعرف عدد الأفلاك وحركاتها ~~وإلا فالحس لا يرى إلا حركة الأجسام المعينة فيرى الشمس متحركة والقمر ~~متحركا والكواكب متحركة هذا الذي يعلم بالحس وأما كون هذه مذكورة في أفلاك ~~متحركة فهذا إنما يعلمونه من علم الهيئة والعلم بأن بعض الأفلاك فوق بعض ~~علموه بكسوف الأعلى الأسفل فلما رأوا القمر يكسف سائرها استدلوا بذلك على ~~أنه تحت الجميع ولما رأوا زحل لا يكسف شيئا والجميع تكسفه استدلوا بذلك على ~~أنه فوق # PageV01P388 # الجميع وكذلك كون الثوابت في الثامن ادعوا علمه بأنها لا تكسف شيئا بل قد ~~يكسفها غيرها وأما أفلاكها فاستدلوا عليها بالحركات. # والعلم بقدر حركاتها وبكسوف بعضها لبعض ونحو ذلك مداره على الإرصاد ~~وغايته أن بعض الناس رأى هذا فأخبر به غيره وليس هذا خبرا متواترا بل غالبه ~~خبر واحد ثم أن الأرصاد يقع فيها من الغلط ما هو معروف ولهذا اختلفت أرصاد ~~المتقدمين والمتأخرين في حركة الثوابت هل تقطع درجة فلكية في كل مائة سنة ~~أو في ستة وستين وثلثي سنه كما زعمه أهل الرصد المأموني ولما اخبرهم أهل ~~الهيئة بحركة الفك استدلوا بذلك على أن لها نفسا ms299 تحركه بالإرادة لأن حركته ~~دورية ليست طبيعية واستدلوا على عدد النفوس التسعة بالأفلاك التسعة وعلى ~~العقول العشرة بالأفلاك التسعة مع العقل العاشرة الذي هو أول صادر عن واجب ~~الوجود وجعلوا الفلك يتحرك للتشبه بالعلة الأولى ليخرج ما فيه من الايون ~~والأوضاع وغاية الفلسفة عندهم التشبه بالعلة الأولى بحسب الإمكان فهذا هو ~~العلم الإلهي الذي هو الفلسفة الأولى والحكمة العليا وفيه من المقدمات ~~الضعيفة ما ليس هذا موضع بسطه. # وإنما المقصود أن مبناه على قضايا يخبر بها بعض الناس عن قضايا حدسية ~~فإذا قالوا أن هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع والقضايا الطبيعية ~~مبناها على ما ينقله بعض الناس من التجارب فإذا لم يكن في هذا ولا هذا ~~برهان لم يكن عند القوم برهان على ما يختصون به وأما ما يشتركون فيه هم ~~وسائر الناس فهذا ليس مضافا إليهم ولا هو من علمهم فأين البرهان على العلوم ~~الفلسفية مع العلم بأن العاديات التي هي عامة علومهم الكلية منتقضة كما ~~بيناه في غير هذا الموضع فنحن نعلم أنه ليس معهم في عامة ما يدعونه برهانيا ~~برهان يقيني ولكن مع هذا نذكر بعض تناقضهم. # PageV01P389 # سنة الله التي لا تنتقض بحال: # ولكن العادة التي لا تنتقض بحال ما اخبر الله أنها لا تنتقض كقوله تعالى: ~~{لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك ~~بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا ~~تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} وقال: ~~{ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة ~~الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} وقال: {وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما ~~زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا ~~بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت ~~الله تحويلا} ms300 فهذه سنة الله وعادته في نصر عباده المؤمنين إذا قاموا ~~بالواجب على الكافرين وانتقامه وعقوبته للكافرين الذين بلغتهم الرسل بعذاب ~~من عنده أو بأيدي المؤمنين هي سنة الله التي لا توجد منتقضة قط وكما قال ~~قبل هذا {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا ~~من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا} لم يقل هنا ولن تجد لأن هذه سنة شرعية ~~لا ترى بالمشاهدة بل تعلم بالوحي بخلاف نصره للمؤمنين وعقوبته للمنذرين ~~فانه أمر مشاهد فلن يوجد منتقضا. # وقد أراد بعض الملاحدة كالسهروردي المفتول في كتابه المبدأ والمعاد الذي ~~سماه الالواح العمادية أن يجعل له دليلا من القرآن والسنة على إلحاده ~~فاستدل # PageV01P390 # بهذه الآية على أن العالم لا يتغير بل لا تزال الشمس تطلع وتغرب لأنها ~~عادة الله فيقال له انخراق العادات أمر معلوم بالحس والمشاهدة بالجملة وقد ~~أخبر في غير موضع أنه سبحانه لم يخلق العالم عبثا وباطلا بل لأجل الجزاء ~~فكان هذا من سنته الجميلة وهو جزاؤه الناس بأعمالهم في الدار الآخرة كما ~~أخبر به من نصر أوليائه وعقوبة أعدائه فبعث الناس للجزاء هو من هذه السنة ~~وهو لم يخبر بان كل عادة لا تنتقض بل أخبر عن السنة التي هي عواقب أفعال ~~العباد بإثابته أولياءه ونصرهم على الأعداء فهذه هي التي اخبر لن يوجد لها ~~تبديل ولا تحويل كما قال: {فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا} . # وذلك لأن العادة تتبع أرادة الفاعل وإرادة الفاعل الحكيم هي أرادة حكيمة ~~فتسوى بين المتماثلات ولن يوجد لهذه السنة تبديل ولا تحويل وهو إكرام أهل ~~ولايته وطاعته ونصر رسله والذين آمنوا على المكذبين فهذه السنة تقتضيها ~~حكمته سبحانه فلا انتقاض لها بخلاف ما اقتضت حكمته تغييره فذاك تغييره من ~~الحكمة أيضا ومن سنته التي لا يوجد لها تبديل ولا تحويل لكن في هذه الآيات ~~رد على من يجعله يفعل بمجرد أرادة ترجح أحد المتماثلين بلا ms301 مرجح فان هؤلاء ~~ليس عندهم له سنة لا تتبدل ولا حكمة تقصد وهذا خلاف النصوص والعقول فإن ~~السنة تقتضي تماثل الآحاد وأن حكم الشيء نظيره فيقتضي التسوية بين ~~المتماثلات وهذا خلاف قولهم. # المتواتر عن الأنبياء أعظم من المتواتر عن الفلاسفة: # والمقصود هنا الكلام على الفلاسفة فنقول معلوم أن من شياطينهم من يقول ~~المتواترات لا يقوم بها البرهان على المنازع ليدخل في ذلك ما تواتر عن ~~الأنبياء صلوات الله عليهم من الآيات والبراهين والمعجزات التي بعثوا بها ~~كما # PageV01P391 # يدخلون ما اخذ عن الأنبياء من المقبولات. # فيقال لهم من المعلوم بالاضطرار أن تواتر خروج محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومجيئه بهذا القرآن أعظم عند أهل الأرض من تواتر وجود الفلاسفة كلهم فضلا ~~عما يخبرون به من القضايا التجربية والحدسية التي استدلوا بها على ~~الطبيعيات والفلكيات وكذلك ما تواتر من سائر معجزاته وما تواتر من أخبار ~~موسى والمسيح صلوات الله عليهما هذا معلوم عند الناس أعظم من تواتر وجود ~~أولئك فضلا عن تواتر ما يخبرون به. # ولهذا صار ظهور الأنبياء مما تؤرخ به الحوادث في العالم بظهور أمرهم عند ~~الخاصة والعامة فان التاريخ يكون بالحادث المشهور الذي يشترك الناس فيه ~~ليعرفوا به كم مضى بعده وقبله كما أن النهار يعرف بطلوع الشمس والشهر ~~بالهلال لأنه نور ظاهر يشترك الناس في رؤيته ولهذا جعل عمر تاريخ المسلمين ~~من الهجرة النبوية فإنها أظهر أحوال الرسول المشهورة وهو خروجه من بلد إلى ~~بلد وبها اعز الله الإسلام وكانت العرب قبل الإسلام تؤرخ بالحوادث المشهورة ~~وكذلك الروم والفرس والقبط وسائر الأمم يؤرخون مثل ذلك فنحن اليوم إذا ~~أردنا أن نعرف زمان واحد من هؤلاء المتفلسفة قلنا كان قبل المسيح بكذا وكذا ~~سنة. # بل أرسطو إنما عرف زمانه لأنه قد عرف أنه كان وزير الاسكندر بن فيلبس ~~المقدوني ملك اليونان وكانوا مشركين يعبدون الكواكب والأصنام ويعانون السحر ~~أرسطو وملكه وغيرهما وهذا الاسكندر لما جاء إلى الشام أقام أيام بني ~~إسرائيل غلب عليهم فذكروا أنه طلب أن يكتب في ms302 التوراة فقالوا ما يمكن هذا ~~فقال اجعلوا لي تأريخا فصار التاريخ الرومي الذي تؤرخ به اليهود والنصارى ~~مؤرخا به وأرسطو وزيره فعرف وقته من هذا الوجه وكان قبل المسيح بثلثمائة ~~سنة. # PageV01P392 # والتواريخ التي تختص بها اليهود هي من الأنبياء وأحوال بيت المقدس يقولون ~~في البيت الأول في البيت الثاني. # ثم عرف أرسطوا بهذه الكتب المنسوبة إليه كما عرف بطليموس المجسطى وكما ~~عرف ابقراط وجالينوس بما ينسب إليهما من كتب الطب وإلا فأي شيء هو الذي ~~تواتر عند الناس من أخبار هؤلاء فضلا عن أن يتواتر عنهم ما يذكرونه في ~~كتبهم من القضايا التجربية والحدسية وغاية ما يوجد أن يقول بطلميوس هذا مما ~~رصده فلان وأن يقول جالينوس هذا مما جربته أنا أو ذكر لى فلان أنه جربه أو ~~نحو ذلك من الحكايات التي ملأ بها جالينوس كتابه وليس في هذه شيء من ~~المتواتر وإن قدر أن غيره جرب أيضا فذاك خبر واحد. # ولكن ما يدعى في تجارب الأطباء من الأدوية أقرب إلى التسليم مما يدعونه ~~في تجاربهم الرصدية وذلك لاشتراك كثير من الأطباء في تجربة الدواء الواحد ~~وأيضا فلكثرة وجود ما يدعى فيه التجربة من النبات وتواطؤ المجربين له وليس ~~كذلك ما يدعونه من فلسفتهم فانا رأينا تجارب الأطباء على غير منوالهم ~~وعلمنا صدقها كثيرا وليس القصد إلا بفساد تأصيلهم فقط وإلا فالأطباء في ~~تجاربهم أسد حالا منهم لأن القوم إنما يذكرون دواء موجودا يمكن تجربته ~~كثيرا لوجوده ولكثرة المحتاجين إليه ممن يصيبه ما يقال أن ذلك الدواء يؤثر ~~فيه شفاء والله فاعل ذلك الشفاء في ذلك الدواء فبينهم حينئذ فرق من حيث ما ~~قررته # PageV01P393 # فالتواتر عزيز عندهم جدا وأكثر الناس لم يجربوا جميع ما جربوه ولا علموا ~~بالارصاد ما ادعوا أنهم علموه وإذا قيل قد اتفق على ذلك رصد فلان وفلان كان ~~غاية ما عندهم أن يذكروا جماعة رصدوا وهذا غاية أن يكون من المتواتر الخاص ~~الذي ينقله طائفة. # فمن زعم أنه لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن ms303 الأنبياء كيف يمكنه أن يقيم ~~على غيره برهانا بمثل هذا التواتر ويعظم علم الهيئة والفلسفة ويدعى أنه علم ~~عقلي معلوم بالبرهان. # كون الفلاسفة من أجهل الخلق برب العالمين: # وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم هذا حاله فما الظن ~~بالإلهيات التي إذا نظر فيها كلام معلمهم الأول أرسطو وتدبره الفاضل العاقل ~~لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين وصار يتعجب ~~تعجبا لا ينقضي ممن يقرن علم هؤلاء بالإلهيات إلى ما جاءت به الأنبياء ويرى ~~أن هذا من جنس من يقرن الحدادين بالملائكة بل من يقرن دهاقين القرى بملوك ~~العالم فهو أقرب إلى العلم والعدل ممن يقرن هؤلاء بالأنبياء فان دهقان ~~القرية متول عليها كتولي الملك على مملكته فله جزء من الملك. # وأما ما جاءت به الأنبياء فلا يعرفه هؤلاء البتة وليسوا قريبين منه بل ~~كفار اليهود والنصارى أعلم بالأمور الإلهية ولست أعنى بذلك ما اختص ~~الأنبياء بعلمه من الوحي الذي لا ينال غيرهم فان هذا ليس من علمهم ولا من ~~علم غيرهم وإنما أعنى العلوم العقلية التي بينها الرسل للناس بالبراهين ~~العقلية في أمر معرفة الرب وتوحيده ومعرفة أسمائه وصفاته وفي النبوات ~~والمعاد وما جاءوا به من مصالح الأعمال التي تورث السعادة في الآخرة فان ~~كثيرا من ذلك قد بينه الرسل بالأدلة العقلية فهذه العقليات الدينية الشرعية ~~الإلهية هي التي لم يشموا رائحتها ولا في علومهم ما يدل عليها وأما ما ~~اختصت الرسل بمعرفته وأخبرت به من الغيب فذاك # PageV01P394 # أمر أعظم من أن يذكر في ترجيحه على الفلسفة وإنما المقصود الكلام في ~~العلوم العقلية التي تعلم بالأدلة العقلية دع ما جاءت به الأنبياء فانه ~~مرتبة عالية. # وهؤلاء المتكلمون من أهل الملل الذين يدعهم أهل السنة من أهل الملل ~~كالجهمية والمعتزلة وما يفرع على هؤلاء من جميع طوائف الكلام فان الفلاسفة ~~تقول أن هؤلاء أهل جدل ليسوا أصحاب برهان ويجعلون نفوسهم هم أصحاب البرهان ~~ويسمون هؤلاء أهل الجدل ويجعلون أدلتهم من المقاييس الجدلية إذ كانوا قد ms304 ~~قسموا القياس خمسة أقسام برهاني وخطابي وجدلي وشعري وسوفسطائي كما سنتكلم ~~عليه أن شاء الله ولهذا تجد ابن سينا وابن رشد وغيرهما من المتفلسفة يجعل ~~هؤلاء أهل الجدل وان مقدماتهم التي يحتجون بها جدلية ليست برهانية ويجعلون ~~أنفسهم أصحاب البرهان. # ونحن لا ننازعهم أن كثيرا مما يتكلمه المتكلمون باطل لكن إذا تكلم ~~بالإنصاف والعدل ونظر في كلام معلمهم الأول أرسطو وأمثاله في الإلهيات وفي ~~كلام من هم عند المسلمين من شر طوائف المتكلمين كالجهمية والمعتزلة مثلا ~~وجد بين ما يقوله هؤلاء المتفلسفة وبين ما يقوله هؤلاء من العلوم التي يقوم ~~عليها البرهان العقلي من الفروق التي تبين فرط جهل أولئك بالنسبة إلى هؤلاء ~~ما لا يمكن ضبطه وهذا كلام أرسطو موجود وكلام هؤلاء موجود فان هؤلاء ~~المتكلمين يتكلمون بالمقدمات البرهانية اليقينية أكثر من أولئك بكثير كثير ~~وأرسطو أكثر ما يبني الأمور الإلهية على مقدمات سوفسطاية في غاية الفساد ~~ولولا أن هذا ليس موضع ذكره لذكرت كلامه في مقالة اللام التي هي آخر علومه ~~بألفاظها وكذلك كلامه في اثولوجيا # PageV01P395 # وهذا ابن سينا أفضل متأخريهم الذي ضم إلى كلامه في الإلهيات من القواعد ~~التي أخذها عن المتكلمين أكثر مما أخذه عن سلفه الفلاسفة أكثر كلامه فيها ~~مبني على مقدمات سوفسطائية ملبسة ليست خطابية ولا جدلية ولا برهانية مثل ~~كلامه في توحيد الفلاسفة وكلامه في أسرار الآيات وكلامه في قدم العالم كما ~~بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. # الوجه التاسع: الرد على ابن سينا والرازي في كلامهما في القضايا المشهورة ~~المشتمل على ثمانية أنواع. # الوجه التاسع: أنهم اخرجوا القضايا التي يسمونها الوهميات والتي يسمونها ~~الآراء المحودة عن أن تكون يقينيات وقد بينا في غير هذا الموضع أنها وغيرها ~~من العقليات سواء ولا يجوز التفريق بينهما وان اقتضاء الفطرة لهما واحد. # أما المشهورات فان ابن سينا قال في إشاراته: # أصناف القضايا المستعملة فيما بين القائسين ومن يجري مجراهم أربعة مسلمات ~~ومظنونات وما معها ومشبهات بغيرها ومتخيلات والمسلمات أما معتقدات وأما ~~مأخوذات والمعتقدات أصنافها ms305 ثلاثة الواجب قبولها والمشهورات والوهميات ~~والواجب قبولها أوليات ومشاهدات ومجربات وما معها من الحدسيات والمتواترات ~~وقضايا قياساتها معها" إلى أن قال: # "فأما المشهورات في هذه الجملة فمنها أيضا هذه الأوليات ونحوها مما يوجب ~~قبوله لا من حيث هي واجب قبولها بل من حيث عموم الاعتراف بها". # PageV01P396 # قال: "ومنها الآراء المسمات بالمحمودة وربما خصصناها باسم المشهورة إذ لا ~~عمدة لها إلا الشهرة وهو أنه لو خلى إنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه ولم ~~يؤدب بقبول قضاياها ولم يفد الاستقراء ظنه القوى إلى حكم لكثرة الجزئيات ~~ولم يستدع إليها ما في طبعه الإنساني من الرحمة والخجل والأنفة والحمية ~~وغير ذلك لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه مثل حكمنا أن سلب ~~مال الإنسان قبيح وان الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه". # قال: "ومن هذا الجنس ما يسبق وهم كثير من الناس وليس شيء من هذا يوجه ~~العقل الساذج ولو توهم الإنسان بنفسه أنه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدبا ~~ولم يطع انفعالا نفسانيا أو خلقا لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء بل ~~أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه وليس كذلك حال قضائه أن الكل أعظم من الجزء". # وهذه المشهورات قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة وان كانت صادقة ليست تنسب ~~إلى الأوليات ونحوها إذا لم تكن بينة عند العقل الأول إلا بنظر وان كانت ~~محمودة عنده والصادق غير المحمود وكذلك الكاذب غير الشنيع ورب شنيع حق ورب ~~محمود كاذب. # والمشهورات أما من الواجبات وأما من التأديبات الصلاحية وما تطابق عليها ~~الشرائع الإلهية وأما خلقيات وانفعاليات وأما استقرائيات وهي أما بحسب ~~الإطلاق وأما بحسب أصحاب صناعة وحكمة. # وقد ذكر الرازي في شرحه للإشارات تقرير الفرق بين الأوليات العقلية ~~والمشهوارات والوهميات: # وقالوا المشهورات تشبه بالأوليات ووجه الفرق ظاهر فان الأولى # PageV01P397 # هو الذي يكون حكمه على موضوعه في الوجودين حملا أولا لا ثانيا أي لا يكون ~~حمله بتوسط فان المحمول على غيره بتوسط شيء آخر كان بعد حمل ذلك الشيء فلا ms306 ~~يكون حمله عليه أولا بل ثانيا. # وهذا إنما يظهر إذا لم يكن للعقل في ذلك الحكم موجب آخر إلا مجرد حضور ~~طرفي الموضوع والمحمول أما إذا كان هناك أسباب أخر من الرقة أو الأنفة أو ~~الحمية أو العادة أو الحمد على النظام الكلى والمصلحة العامة فحينئذ لا ~~يعرف أن الموجب لحكم العقل بذلك هو نفس حضور طرفي الموضوع والمحمول أو ذلك ~~لأسباب أخر. # فإذا أردت أن تمتحن ذلك فعليك أن تقدر نفسك كأنك خلقت في هذه الحال ولا ~~تلتفت إلى مقتضيات العادات وأحكام سائر القوى من الرأفة والرقة وتجرد عما ~~تعودته والفتة من القضايا المصلحية ثم تعرض على نفسك طرفي الموضوع والمحمول ~~فان كان نفس حضورهما يوجب حكم العقل بتلك النسبة كانت القضية أولية وإلا ~~كانت مشهورة وهو مثل قولنا الكذب قبيح فان السبب في شهرته تعلق المصلحة ~~العامة به وقولنا الإيلام قبيح والسبب فيه الرقة والدليل على أن ذلك ليس من ~~الأوليات انا عند الفرض المذكور إذا عرضنا على العقل أن الشيء لا يخلو عن ~~النفي والإثبات وعرضنا عليه أن الكذب قبيح وجدنا العقل جازما بالأول متوقفا ~~في الثاني فعرفنا أن ذلك ليس من المحولات الأولية. # ثم أن المشهور قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا فالصادق قد يكون أوليا وقد ~~لا يكون بل يحتاج في إثباته إلى البرهان فان كل أولى لا بد أن يكون مشهورا ~~لكن لا ينعكس فان السبب في الشهرة أما كونه أوليا أو تعلق النظام به أو ~~الانفعالات النفسانية كما ذكرنا أو الاستقراء العام فان لكل مذهب أمورا ~~مشهورة عندهم ربما لا تكون # PageV01P398 # مشهورة عند من يخالفهم. # قلت: والكلام على هذا بأنواع متعددة. # النوع الأول: الكلام على تفريقهم بين الأوليات والمشهورات. # النوع الأول: أن التفريق بين الأوليات وغيرها بأن الأوليات ما كان ثبوت ~~الموضوع للمحمول وهو ثبوت الصفة للموصوف والمحكوم به للمحكوم عليه والمخبر ~~به للمخبر عنه كثبوت الخبر للمبتدأ بالتفريق بين الأولى وغيره بان الموضوع ~~أن ثبت للمحمول بنفسه في الوجودين الذهني والخارجي فهو ms307 أولى وإن افتقر إلى ~~وسط فليس بأولى فرق بنى على اصل فاسد وهو أن الصفات اللازمة للموصوف منها ~~ما يلزم بنفسه ليس بينه وبين الموصوف وسط في نفس الأمر ومنها ما لا يلزم ~~بنفسه بل بوسط في نفس الأمر يكون ذلك الوسط لازما للموصوف ويكون هذا ~~المحمول لازما لذلك اللازم. # وهذا الفرق قد ذكره غير واحد كالرازي وغيره في الصفات اللازمة وابن سينا ~~ذكره أيضا لكن ابن سينا ذكر أنه إنما أراد ب الوسط الحد الأوسط في القياس ~~وهو ما يقرن باللام في قولك لأنه وهذا هو الدليل والدليل هو وسط في الذهن ~~للمستدل ليس هو وسطا في نفس ثبوت الصفة للموصوف فانه قد يستدل بالمعلول على ~~العلة كما يستدل بالعلة على المعلول ويستدل بأحد المعلولين على الآخر ~~ويستدل بثبوت احد الضدين على انتفاء الآخر وبثبوت احد المتلازمين على تحقق ~~الآخر. # ولا ريب أن الصفات اللازمة للموصوف تنقسم إلى ما لزومه بين للإنسان والى ~~ما ليس هو بينا بل يفتقر ملزومه إلى دليل وكونه بينا للإنسان وغير بين ليس ~~هو صفة الشيء في نفسه وإنما هو إخبار عن علم الإنسان به وتنبيه له فهو # PageV01P399 # إخبار عن الوجود الذهني لا الخارجي فما كان بينا للإنسان معلوما له ~~موجودا في ذهنه لم يحتج فيه إلى دليل وما لم يكن كذلك احتاج فيه إلى دليل ~~وكون الشيء بينا وغير بين نسبة وإضافة بين المعلوم والإنسان العالم وهذا ~~يختلف فيه أحوال الناس فقد يتبين لزيد ما لا يتبين لعمرو فان أسباب العلم ~~وقوة الشعور وجودة الأذهان متفاوتة فلا يلزم إذا تبين لإنسان ثبوت بعض ~~الصفات أو لزومها أو اتصاف الموصوف بها أن يتبين ذلك لكل احد ولا يلزم إذا ~~خفي على بعض الناس أن يكون خفيا على كل احد. # وحينئذ فإذا فرق بين الأولى وغيره بان الأولى لا يحتاج إلى وسط فبين كون ~~القضية أولية أو غير أولية فرق إضافي بحسب أحوال الناس فيكون ذلك بمنزلة أن ~~يقال القضية أما أن تكون معلومة وأما ms308 أن لا تكون وأما أن تكون ظاهرة وأما ~~أن لا تكون وأما أن تكون واضحة وأما أن لا تكون وأما أن تكون جلية وأما أن ~~لا تكون وأما أن يتصور الإنسان صدقها وأما أن لا يتصور وهذا فرق صحيح فإن ~~كل قضية بالنسبة إلى كل احد أما أن تكون بينة له وأما أن لا تكون بينة له ~~ولكن ليس هذا الفرق يميز بين أجناس القضايا حتى يجعل جنس منها بتمامه من ~~قبيل غير البين وجنس آخر بتمامه من جنس البين فإن هذا الفرق لا يعود إلى ~~صفة لازمة للقضية كما ادعاه من أن اللازم البين ما ثبت للموصوف بلا وسط في ~~نفس الأمر واللازم غير البين ما كان ثبوته بوسط في نفس الأمر بل جميع ~~اللوازم للموصوف ليس بينها وبين الموصوف وسط أصلا في نفس الأمر وإن احتجاج ~~الإنسان في علمه بثبوتها إلى دليل فليس كل ما لا يعلم لزومه للموصوف إلا ~~بدليل لا يكون ثبوته له إلا بوسط كما تقدم بيانه فإن المعلول لازم لعلته ~~المعينة لا يمكن تخلف المعلول عن علته التامة التي دخل فيها وجود الشروط ~~وانتفاء الموانع ومع هذا فقد لا يعلم ثبوت المعلول إلا بوسط بأن يستدل ~~بمعلول آخر على العلة # PageV01P400 # ثم بالعلة على المعلول كما يستدل بالرائحة التي في الشراب على أنه مسكر ~~ويستدل بالمسكر على التحريم كقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر وكل ~~مسكر حرام" رواه مسلم وكما يستدل بثبوت كفارة اليمين في الالتزام على أنه ~~يمين ويستدل بأنه يمين على انعقاد الإيلاء به وكذلك بالعكس وكما يستدل ~~بالشعاع المنتشر على طلوع الشمس وبطلوعها على فوات الفجر وكما يستدل بفيء ~~الظلال على زوال الشمس وبزوالها على دخول وقت الظهر فإنها لا تفيء من ~~المغرب إلى المشرق إلا إذا زالت الشمس ولا يسمى فيئا إلا ما كان بعد الزوال ~~والظل اسم عام لما كان في أول النهار وآخره وإن شئت تستدل بتزايد الظلال ~~بعد تناهي قصرها على الزوال وبه على دخول وقت ms309 الظهر وكما يستدل بالجدي على ~~جهة الشمال ويستدل بها على جهة الكعبة بأن يعلم أن الكعبة في تلك الأرض من ~~جهة الجنوب والقطب شماليها أما محاذيا للركن الشامي سواء كما في أرض حران ~~وما سامتها وأما مائلا إلى المشرق وجهة الباب فينحرف إلى المغرب كما في أرض ~~العراق ومثل هذا كثير. # وبالجملة فالدليل باتفاق العقلاء اعم من العلة بل كل ملزوم يستلزم غيره ~~يمكن الاستدلال به عليه مطلقا ولا يفرق في هذا بين لازم ولازم ولا يقال من ~~اللوازم ما يلزم بوسط فلا يمكن العلم به إلا بعد ذلك الوسط بل يمكن ~~الاستدلال به عليه كما يمكن الاستدلال بكل ملزوم على لازمه فإن شرط ذلك ~~العلم بالملزوم متى علم أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم. # فقد يكون ما هو لازم بغير وسط عندهم ولا يعرف لزومه إلا بالوسط الذي هو ~~الدليل كالمعلول مع العلة وقد يكون ما يزعمون أنه لازم بوسط ويمكن العلم ~~بلزومه بلا وسط كما ذكروه من المثال في ذلك فزعموا أن اللونية للسواد ~~والجسمية للحيوان ذاتية لثبوتها بلا وسط وزعموا أن الزوجية والفردية للعدد ~~عرضية قالوا لأنا وإن علمنا أن الأربعة زوج والثلاثة فرد فلا يعلم ذلك في ~~كل الأعداد بل يفتقر علمنا بأن المائتين واثنين وستين زوج والإحدى # PageV01P401 # وستون فرد إلى وسط وهو أن يقسم هذه فإذا انقسمت بقسيمين متساويين علمنا ~~أنها زوج. # وقد بينا في كلامنا على فساد قولهم في الفرق بين الذاتي واللازم أن الفرق ~~لا يعود إلى صفة الموصوف في نفس الأمر بل كون الزوجية والفردية لازمة للزوج ~~والفرد كلزوم العددية للعدد ولزوم اللونية للبياض والسواد ولزوم الجسمية ~~للحيوان ولكن بعض اللوازم بين لبعض الناس أنه لازم لجميع الأفراد وبعضها ~~يخفي ثبوته لبعض الأفراد وهذا فرق يعود إلى الإنسان كما أن من الأشياء ما ~~نراها ومن الأشياء ما لا نراها وكذلك من الأشياء ما نعلمها ومن الأشياء ما ~~لا نعلمها ولا يقتضى ذلك أن يكون ما علمه من الصفات هو أجزاء ms310 للماهية تركبت ~~منها لو جاز أن تتركب الماهية من الأوصاف وما لم يعلمه لا يكون أجزاء ~~للماهية فكيف إذا كان تركب الماهية الموجودة في الخارج من صفات قائمة بها ~~ودعوى أن تلك الصفات أجزاء لها مقومة وهي سابقة عليها في غاية الفساد. # والرازي وأمثاله لما شاركوا المنطقيين في هذا الخطأ زعموا أن الوسط ~~الذهني هو وسط خارجي فهذا باطل وما علمت قدماء المنطقيين يقولونه ولا رايته ~~في كلام ابن سينا وأمثاله وإنما الذي رايته في كلامه أن الوسط هو الدليل. # برهان للرازي على هذا التفريق وبيان تناقضه من ثلاثة عشر طريقا: # فالرازي لما ادعى ما ادعاه لزمه تناقض زائد على تناقض المنطقيين. # قال الرازي: # "والبرهان على أن ما يكون لزومه بغير وسط كان بينا هو أن الماهية لما هي ~~هي مقتضية لذلك اللازم فإذا عقلنا الماهية وجب أن نعقل منها أنها # PageV01P402 # لما هي هي تقتضى ذلك اللازم وإلا لما كنا عقلنا الماهية لما هي هي وإذا ~~عقلنا منها لما هي مقتضية للازم الفلاني وجب أن نعقل اللازم الفلاني لأن ~~العلم بإضافة أمر إلى أمر يتضمن العلم بكل المضافين". # قال: "فهذا ما قيل في هذا الباب وفيه بحث لا بد من ذكره فان لقائل أن ~~يقول أن ما يحصل لزومه من العلم بالماهية العلم بلازمها القريب وذلك القريب ~~علة قريبة للازم الثاني فحينئذ يجب أن يعلم اللازم الثاني وان يعلم من ذلك ~~الثاني اللازم الثالث فكان يجب أن يكون العلم بالماهية مقتضيا للعلم بجميع ~~لوازمها القريبة والبعيدة وذلك محال فثبت أن العلم بالماهية لا يقتضى العلم ~~بلازمها". # قال: "أيضا فان ماهية العلة غير مقولة بالقياس إلى المعلوم وعلته والعلة ~~مقولة بالقياس إلى المعلول فإذن ماهية العلة مغايرة لعلتها فإذن لا يلزم من ~~العلم بماهية العلة العلم بدليل المعلول. # ثم قال لكنا نقول في جواب هذا الشك العلم بماهية العلة لا يقتضى العلم ~~بالمعلول إلا بشرط اخر وهو حصول تصور المعلول فان العلية أمر إضافي لا يحصل ~~بمجرد ذات العلة فلا يكون ms311 العلم بذات العلة كافيا في العلم بالعلية لكن ذات ~~العلة وذات المعلول هما لذاتيهما يقتضيان الوصف الإضافي وهو العلية ~~والمعلولية لا جرم عند حصول تصورهما يجب حصول التصديق بانتساب أحدهما إلى ~~الآخر وهذا هو المعنى بقولنا اللازم الذي يكون بغير وسط يكون بين الثبوت. # قال وإذا ثبت أن تصور العلة إنما يوجب التصديق بثبوت المعلول القريب له ~~عند تصور المعلول ثم من الجائز أن لا يحصل تصور المعلول عند تصور العلة لا ~~جرم لا يلزم من العلم بحقيقة العلة العلم بثبوت كل # PageV01P403 # اللوازم القريبة والبعيدة". # قال: "وأما الشك الثاني فهو أيضا خارج لانا لا نسلم أن العلية مغايرة ~~لحقيقة ذات العلة لكنا ندعي أن تصور حقيقة العلة مع تصور حقيقة المعلول ~~القريب يوجب العلم بكون العلة علة لذلك المعلول". # قلت: فهذا الكلام الذي زعموا أنه برهان قرروا به الأصول الكلية ل الحد ~~والبرهان وفيه من الفساد والخطأ والتناقض ما يطول وصفه لكن ننبه على بعضه ~~وذلك من طرق. # الطريق الأول: # إن قوله: "الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم" أن عني به أن الماهية ~~الملزومة هي العلة في حصول لازمها في نفس الأمر كما يقتضيه كلامه فهذا من ~~أبطل الباطل فليس كل ما كان لازما لغيره يكون ذلك الغير هو العلة المقتضية ~~لوجوده في نفس الأمر فان العلة نفسها لازمة لمعلولها المعين لا يوجد ~~المعلول المعين إلا بتلك العلة وان قدر وجود ما هو من جنسه بغير تلك العلة ~~فليس هو ذلك المعين والعلة لا تكون معلولة لمعلولها وهي لازمة له. # وكذلك احد المعلولين يلازم المعلول الآخر كالأبوة والبنوة هما متلازمان ~~وليس وجود أحدهما علة للآخر بل كلاهما معلول علة أخرى وكذلك جميع ~~المتلازمات كالناطقية والضاحكية للإنسان متلازمان وليس أحدهما علة للآخر ~~وكذلك الحس والحركة الإرادية متلازمان وليس أحدهما علة الآخر ونظير هذا ~~كثير في الحسيات والعقليات والشرعيات وكل شيء فان نجوم الثريا متلازمة ما ~~دام الفلك موجودا على هذه الصفة وليس بعضها علة لبعض وكذلك الأخلاط الأربعة ~~في جسد ms312 ابن ادم متلازمة وليس بعضها علة لبعض وصفات الرب تعالى كعلمه وقدرته ~~متلازمة وليس إحدى الصفتين علة للأخرى والأدلة الدالة على # PageV01P404 # الصانع جل جلاله وهي جميع مخلوقاته ملزومة لوجوده وليس فيها والعياذ ~~بالله ما يجوز أن يقال أنه علة له. # وبالجملة فكل دليل فهو مستلزم لمدلوله والمدلول لازم للدليل وهذا متفق ~~عليه بين العقلاء ومتفق بين العقلاء على أن الدليل لا يختص بان يكون معلولا ~~لمدلوله بل الدليل اعم وكل من هذين أمر بين مع اتفاق العقلاء عليه فكيف ~~يجوز أن يقال أن كل ما لزم غيره فان الملزوم هو العلة المقتضية للازم وكل ~~مدلول فهو لازم لدليله مع انتفاء هذا الاقتضاء في أكثر الأدلة. # فان قيل: نحن لا نعني اللازم هنا إلا الصفات اللازمة لموصوف وتلك الماهية ~~الموصوفة مقتضية لذاتها لتلك الصفات قيل هذا خطأ من وجوه: # أحدها: أنهم لم يعنوا ذلك كما حكينا كلامهم بل جعلوا القضايا التي ليست ~~أولية هي ما يفتقر إلى هذا الوسط الذي جعلوه هنا معلولا للماهية كما قد ~~حكينا كلامهم وان الأوليات حمل محمولها على موضوعها في الوجودين الذهني ~~والخارجي حملا أوليا بلا وسط فجعلوا الوسط الذهني هو الخارجي والخارجي هو ~~الذي ذكروه هنا وجعلوه معلول الماهية وأيضا فإنهم بهذا فرقوا بين اللازم ~~البين واللازم غير البين. # الوجه الثاني: أن يقال هب أنهم أرادوا الصفات اللازمة للماهية فكل دليل ~~فهو ملزوم لمدلوله فكونه مستلزما لمدلوله صفة له لازمة له وهي على قولهم ~~أما أن تكون بوسط وأما أن تكون بغير وسط فآيات الله المخلوقة وهي العالم ~~جميعه مستلزمة لوجود الرب تعالى ووجوده لازم لها وكونها ملزومة لذلك صفة ~~لها لازمة لا يتصور قط أن يزول عنها هذا اللازم فإنها مفتقرة بالذات إلى ~~الخالق وهذا الفقر لازم لها لا يفارقها البتة وحدوثها دليل على الباري ~~وليست هي التي اقتضت وجوده وكذلك المعلول تقوم به صفات لازمة له وهو وصفاته ~~تستلزم العلة # PageV01P405 # والمعلول وصفاته من العلة ليس هو علة لصفاته. # الوجه الثالث: أن يقال لا ms313 نسلم أن في الموصوفات ما هو علة فاعلة لصفته ~~أصلا بل هو محل لصفاته القائمة به والموصوف أن كان رب العالمين فلا فاعل ~~لصفاته كما لا فاعل لذاته وان كان مخلوقا فالفاعل لذاته هو الفاعل لصفاته ~~أما كون ذاته علة فاعلة لصفاته فهذا باطل قطعا. # ومما يتبين بطلانه أن الكلام في صفاته اللازمة وتلك لا تفارقه ولا يتصور ~~أن يكون فاعلا إلا بعد وجودها فيمتنع كونه هو الموجد لها وأما صفاته ~~المقومة فتلك عندهم هي المقومة لذاته ليست ذاته السابقة لها وهي كالعلة ~~فجعلوا بعض صفاته اللازمة علة لذاته وهي الصفات المقومة وبعضها معلولة وهي ~~اللازمة غير المقومة والقسمان خطأ فليس في صفات الموصوف اللازمة ما هو علة ~~للذات ولا معلول للذات بل هي صفات قائمة بالذات وفاعل الذات فاعل صفاتها أن ~~كانت الذات من الذوات المفعولة والذي خلق الإنسان خلق الحيوانية والناطقية ~~وخلق الضاحكية وغيرها ليس بعض هذه الصفات سابقا لذات الإنسان أو مادة لها ~~ولا علة لها ولا بعضها معلول لها بل هي صفات قائمة بالإنسان لازمة له والذي ~~خلقه خلق هذه الصفات اللازمة له وكذلك سائر المخلوقات. # الوجه الرابع: أن يقال ما تعني بقولك وتلك الماهية الموصوفة مقتضية ~~بصفاتها أن عنيت أنها مستلزمة لها فحينئذ جميع الملزومات كذلك كما تقدم ~~فبطل كونهم أرادوا بعض الملزومات وان عنيت أنها فاعلة للزومها فليس في ~~الماهيات ما يفعل شيئا من صفاتها. # الطريق الثاني: # أن يقال لو سلم أنها مقتضية لذلك اللازم بمعنى أنها علة كما ادعاه أو ~~بمعنى أنها ملزومة لذلك اللازم كما هو الحق في نفس الأمر فان كون الملزوم ~~ملزوما واللازم لازما له هو ثابت لا ريب فيه وأما كون الملزوم فعل اللازم ~~أو علة للازم # PageV01P406 # فهذا قد يكون في بعض الملزومات كالمعلول المعين اللازم لعلته وإلا فأكثر ~~اللوازم ليست معلولة لملزوماتها وسواء قدر أنها معلولة أو لم يقدر فقوله ~~الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم كلام مجمل فان كون الشيء ملزوما ~~لغيره هو أنه متى تحقق ms314 الملزوم تحقق اللازم فقوله الماهية لما هي هي مقتضية ~~لذلك اللازم كلام فيه إجمال فان كونها ملزومة حقيقة معقولة فقول القائل لما ~~هي هي يقتضى أن اللزوم قسمان لزوم لما هي هي ولزوم لغير ما هي هي. # فان قيل نعم عندي اللزوم نوعان فاللازم البين الذي لا يفتقر إلى وسط هو ~~اللازم لما هي هي واللازم الذي يفتقر إلى وسط هو اللازم لأجل الوسط لا لما ~~هي هي قيل له الكلام في هذا الفرق فأنت تريد أن تقيم البرهان على أن ما كان ~~لزومه بغير وسط كان بينا لا يفتقر إلى دليل بل كان من الأوليات فمجرد تصور ~~طرفي القضية كاف في العلم به والمنازع يقول لك قد يكون اللازم بغير وسط ~~كالعلة مع معلولها لا يعلم إلا بدليل ووسط فيكون وسطا في العلم والذهن لا ~~وسطا في الخارج وأنت قد ادعيت أن كل ما كان مفتقرا إلى وسط في الذهن فانه ~~يفتقر إلى وسط في الوجود وان ما لا يفتقر إلى وسط في الوجود لا يفتقر إلى ~~وسط في الذهن وعلى هذا ادعيت إقامة البرهان. # ونحن نقول مجرد التصور التام لما ادعيته يوجب العلم الضروري بفساده لكن ~~نبين مع ذلك فساد ما دللت به على دعواك كما نبين فساد شبه السوفسطائية وان ~~سموها براهين وهو انك صادرت على المطلوب فجعلت المطلوب مقدمة في إثبات نفسه ~~فانك لم يمكنك الاستدلال حتى أخذت مسلما أن اللوازم تنقسم إلى البين الذي ~~يلزم لما هي هي والى اللازم بوسط الذي يفتقر إلى وسط في نفس الأمر والمنازع ~~لك يقول لا نسلم افتقار شيء من اللوازم إلى وسط في نفس الأمر بل جميع ~~اللوازم يلزم الملزوم نفسه وان كان بعض الملزومات شرطا في البعض كما أن ~~العلم مشروط بالحيوة والإرادة مشروطة بالعلم فليس الشرط وسطا ملزوما للازم ~~الثاني كما # PageV01P407 # ادعيته بل الذات مستلزمة الجميع ومتى تحققت تحقق الجميع ولا يتحقق شيء ~~منها إلا مع الذات وبعضها لا يتحقق إلا مع بعض بل قد تكون ms315 متلازمة كصفات ~~الله تعالى لا يتحقق شيء منها إلا مع الأخرى فحياته لازمة لعلمه وقدرته ~~ومشيئته وكذلك قدرته ملازمة لعلمه وحياته فهي كلها متلازمة وهي أيضا لازمة ~~للذات والذات لازمة لها وليس شيء من الصفات هو وسطا للأخرى كما ادعيته من ~~أن بعض اللوازم لازم للذات وبعضها لازم اللازم وبعضها لازم لازم اللازم بل ~~جميعها لازمة للذات وهي أيضا متلازمة. # والذي ذكرناه من أن بعض الصفات قد يكون شرطا وهو من جنس الصفات وأما ~~الصفات اللازمة للموصوف مطلقا سواء كان هو الخالق أو كان الملزوم مخلوقا ~~كصفات الإنسان اللازمة كلها متلازمة فحيوانية الإنسان وناطقيته وضاحكيته ~~متلازمة لا يوجد واحد منها دون الآخر وان وجدت حيوانية في غيره فتلك ~~حيوانية غير حيوانيتة والفصول والخواص كلها متلازمة كالناطقية والضاحكية ~~وإذا كانت متلازمة وبعضها شرطا في بعض امتنع أن يكون الشرط هو الوسط الذي ~~به يثبت المشروط كما ادعوه لأن ذلك مستلزم أن يكون كل صفة لازمة وسطا ~~للأخرى وان يكون ليس شيء من الصفات اللازمة يلزم بنفسه فيلزم الجمع بين ~~النقيضين فعلم أن كون إحدى الصفتين شرطا في الأخرى لا يقتضى كونها وسطا في ~~الثبوت كما ادعوه وإذا كان المنازع يمنع انقسام اللوازم إلى ما لا يلزم ~~بنفسه وبوسط وبرهانك مبنى على اخذ هذا التقسيم مسلما كنت مصادرا على ~~المطلوب مثبتا للشيء بنفسه. # فان قلت: أنا أقيم هذا البرهان على من يسلم لي من المنطقيين أن من ~~اللوازم ما يلزم بوسط وبغير وسط قيل لك فهذا أيضا خطأ من وجوه: أحدها: أن ~~القياس يكون حينئذ جدليا لا برهانيا وأنت جعلته برهانيا الثاني: أن المنطق ~~الذي هو ميزان العلوم عندكم لا يجوز أن تجعل المقدمات المبينة له جدلية ~~فانه حينئذ لا # PageV01P408 # يكون علما بل يكون شيئا اتفق بعض الناس على دعواه ونحن نعلم أن كثيرا من ~~الناس يدعون صحة المنطق ولكن أي فائدة في هذا الثالث أن يقال ولو سلم لك ~~هذا التقسيم فالبرهان خطأ كما سيأتي بيانه وخطأه دليل على فساد اصل ms316 التقسيم ~~وإذا كان اصل التقسيم خطا كان البرهان باطلا وكان التقسيم باطلا وهو ~~المطلوب. # الطريق الثالث: # أن يقال قولكم فإذا عقلنا الماهية وجب أن نعقل منها أنها لما هي هي تقتضى ~~ذلك اللازم يقال هذا ممنوع وذلك أن قول القائل عقلنا الماهية وتصورنا ~~الماهية ونحو ذلك من العبارات لفظ مجمل فانه قد يعني به التصور التام ~~والعقل التام الذي يتضمن تصور الملزوم وقد نعني به أنا عقلناها وتصورنا ~~نوعا من العقل والتصور وان لم يكن تاما ولا شك أن مثل هذا لا يستلزم تصور ~~الملزوم فدعواك أن كل عقل للماهية يوجب أن نعقل منها أنها لما هي هي تقتضى ~~ذلك اللازم ممنوع وهو خلاف الواقع فان الناس لا يزالون يعقلون بعض الماهيات ~~نوعا من العقل فلا يعقلون أنها لما هي هي تقتضى اللازم وبالجملة فنحن في ~~هذا المقام يكفينا المنع فان الدعوى ليست بديهية ولم يقم عليها دليلا إلا ~~قوله وإلا لما عقلنا الماهية لما هي هي فان أراد بهذا اللازم المنفي العقل ~~التام الذي هو التصور التام فنحن نسلم ذلك ونقول ليس كل من تصور ماهية ما ~~وعقلها نوعا من العقل والتصور يكون قد عقلها وتصورها عقلا تاما وتصورا تاما ~~وان أراد بهذا اللازم المنفي أنا لا يكون حصل لنا شيء من التصور والعقل ~~فهذا ممنوع. # الطريق الرابع: # أن يقال ما ذكره يستلزم أن لا يعقل شيء من المفردات البسائط ولا يعقل شيء ~~وحده بل كل من عقل شيئا فلا بد أن يعقل لازمه القريب فيكون قد عقل اثنين ~~وتصور اثنين لم يعقل واحدا ولم يتصور واحدا وهذا مناقض لما زعموه من # PageV01P409 # أن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق وان التصور هو التصور الساذج الذي لا ~~يكون معه حكم بشيء أصلا لا بنفي ولا بإثبات ونحن وان كنا قلنا أن مثل هذا ~~ليس بعلم وانه لا يسمى علما إلا ما تضمن العلم بنفي أو إثبات فلا يمتنع أن ~~يتصور الشيء من بعض الوجوه وان لم يتصور أنه ملزوم للوازم له ms317 يلزمه بنفسها ~~فقد ثبت أن قوله باطل باتفاق العقلاء # الطريق الخامس: # أن يقال لو كان ما ذكرته صحيحا للزم أن من عقل شيئا عقل لوازم الشيء ~~جميعها فانه إذا عقل الملزوم وجب أن يعقل لازمه الذي بغير وسط ثم عقل ذلك ~~اللازم يوجب عقل الآخر وهلم جرا فيلزم أن يكون قد عقل اللوازم جميعها وهذا ~~كما أنه يبطل حجته فهو يبطل اصل قولهم أن اللازم بغير وسط لا يفتقر إلى ~~دليل في حق احد. # فانه لو كان كذلك لكان من تصور شيئا تصور جميع لوازمه ويلزم أن من عرف ~~الله عرف جميع ما يعلمه الله فيعلم كل شيء لأن علمه سبحانه من لوازم ذاته ~~بل يلزم أن من علم شيئا من مخلوقاته علم كل شيء فان المخلوق مستلزم للخالق ~~والخالق مستلزم لعلمه بكل شيء بل وهو مستلزم لمشيئته ومشيئته مستلزمة لجميع ~~ما خلقه فانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلو كان من علم الملزوم لا بد ~~أن يعلم لازمه لزم أن من علم شيئا فقد علم كل شيء. # وفساد هذا بين مع أن فساد هذه الدعوى اظهر من أن يحتاج إلى دليل لكن إذا ~~عرف شناعة لوازمها كان أدل على قبحها وفسادها وهذا يتضمن السؤال الذي ذكره ~~وقال فيه بحث لا بد من ذكره كما تقدم حكاية لفظه والجواب الذي ذكره عنه ~~باطل وقد تناقض فيه وذلك يتبين بذكر # PageV01P410 # الطريق السادس: # وهو أن قوله العلم بماهية العلة لا يقتضى العلم بالمعلول إلا بشرط آخر ~~وهو حضور تصور المعلول فيقال المعلول عندكم هنا هو اللازم الأول الذي كان ~~الموصوف علة له في ذاته لم يفتقر في كونه علة له إلى المعلول فان العلة لو ~~افتقرت في كونها علة إلى المعلول لم تكن وحدها علة وللزم تقدم المعلول على ~~علية علته وعلية علته متقدمة على ذاته وهذا دور ممتنع باتفاق العقلاء. # وانتم جعلتم ما كان يفتقر لزومه إلى وسط افتقر العلم به إلى وسط وما لزم ~~بلا وسط علم ms318 بلا وسط فإذا جعلتم العلم بلزومه موقوفا على تصور المعلول ~~والعلة والملزوم واللازم جميعا وقلتم لا يعلم اللزوم إلا بعد هذين التصورين ~~واللزوم الخارجي موقوف على العلة وحدها لا على الاثنين بطل قولكم أن الوسط ~~الذهني هو الخارجي فان هذا يتوقف العلم بلزومه على تصورين ولزومه في الخارج ~~إنما هو لازم لواحد لا لاثنين. # الطريق السابع: # قولك في الجواب أن الماهية وحدها لا تكفي في حصول العلية لأن العلية أمر ~~إضافي والأمور الإضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول ~~كلا المضافين كلام باطل سواء كانت العلية أمرا عدميا أو وجوديا فإنها أن ~~كانت عدمية بطل هذا الكلام وان كان أمرا وجوديا فمعلوم أن العلة وحدها هي ~~الموجبة للمعلول وإلا لم تكن علة له بل جزء علة والمعلول لا يكون إلا بعد ~~العلة فإذا كانت وحدها موجبة وهو لا يوجد إلا بوجود العلة علم أنها وحدها ~~توجب المعلول والعلية. # الطريق الثامن: # قولك الأمور الإضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد تعني به في الذهن ~~أو في الخارج فان هذا الموضع فيه التباس أن عنيت أنها لا تتصور إلا بتصور # PageV01P411 # شيئين فهذا صحيح ولا ريب أن العلية لا تتصور إلا بتصور العلة والمعلول ~~فحصولها في التصور الذهني مشروط بحصول تصور المضافين في الذهن وان عنيت ~~أنها لا توجد في الخارج إلا بالشيئين فهذا باطل بالضرورة واتفاق العقلاء ~~فان ذات الرب وحدها مستلزمة لكل ما يتصف به من الأمور الثبوتية والإضافية ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين والفلاسفة وسائر الناس فان كونه خالقا للعالم ~~وربا وفاعلا هو الذي يسمونه علة ومؤثرا والناس متنازعون في الخلق هل هو أمر ~~عدمي وهو نفس المخلوق كما يقوله أكثر المعتزلة والأشعرية أم الخلق زائد على ~~المخلوق كما هو قول جماهير المسلمين وهو قول السلف والأئمة وذكر البخاري ~~أنه قول العلماء مطلقا لم يذكر فيه نزاع وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا ~~الموضع. # والمقصود هنا أنه على كل قول فلا يقول عاقل ms319 أن المخلوق أوجب كونه خالقا ~~ولا المعلول جعل العلة علة ولا أنه شرط في ذلك بل الخالق سبحانه هو وحده ~~خلق جميع المخلوقات وكونه خالقا على قول الجمهور حاصل بقدرته ومشيئته عند ~~المسلمين ليس خاصا بالمخلوقات بل خلق المخلوق متقدم عليه في نفس الأمر فكيف ~~يكون الخلق معلولا ل المخلوق وكذلك علية العلة متقدمة على المعلول في نفس ~~الأمر فكيف يكون المعلول جزء علية العلة فقوله أن العلية أمر إضافي والأمور ~~الإضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين ~~فيه تغليط بسبب الإجمال في قوله فالشيء الواحد لا يكفي في حصولها فان ما ~~ذكره صحيح في الحصول في العلم والتصور وأما الحصول الخارجي فالشيء الواحد ~~قد يكون علة لأمور كثيرة إضافية والعلة علة المعلول وعلة عليتها وهما جميعا ~~حاصلان بالعلة وكذلك الأبوة والبنوة من المتضائفات وهما لازمان للإيلاد ~~فعلة الايلاد أوجبت هذين المتضائفين # PageV01P412 # فان قيل أراد أن الأمور الإضافية لا توجد إلا بوجود المضافين وان كان ~~أحدهما مستقلا بوجود المضافين قيل عن هذا جوابات أحدها: بأنه لم يرد هذا ~~ولو أراده لم ينفعه وكان خطأ فهذه ثلاثة أجوبة. # وذلك أن كلامه في وجود علية العلة هو حصل بالعلة وحدها أو بها وبالمعلول ~~فلا بد أن يدخل صورة الدعوى في دليله ولفظه تقدم قال فيه وبيانه أن ماهية ~~العلة وحدها لا تكفي في حصول العلية لأن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية ~~لا تكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين فإذا لم تكن ~~ذات العلة مستقلة باقتضاء حصول صفة العلية لا جرم لم يكن العلم بذات العلة ~~كافيا في حصول العلم بالعلية فقد تبين مراده وهو أن العلة لا تستقل باقتضاء ~~صفة العلية بل المقتضى بحصول هذه الصفة العلة والمعلول جميعا وهذا باطل. # ولو قدر أنه أراد أن الأمور الإضافية تتوقف على وجود المضافين وان لم يكن ~~أحدهما علة بل شرطا أي لا توجد الإضافة إلا مع وجود المضافين لم ينفعه ms320 هذا ~~فانه يقول العة أوجبت الأمرين معا ولم يوجد أحدهما إلا مع الآخر ويلزمه أن ~~يقول في العلم مثل ذلك فيقول العلم بالملزوم يوجب العلم باللازم وبالملزوم ~~فان الملزوم هو العلة عندهم في هذا موضع واللازم هو المعلول. # ثم أنه لا يسلم له أن كل إضافة تتوقف على وجود المضافين في أن واحد فان ~~التقدم والسبق ونحو ذلك من الأمور الإضافية توجد قبل وجود احد المضافين ~~وكذلك علية العلة التي ليست تامة توصف بها العلة قبل وجود المعلول وهي التي ~~يسميها الفقهاء الأسباب فيقال ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة والسببية من ~~الأمور الإضافية والنصاب موصوف بها قبل وجوب الزكاة وكذلك يقال هذا موجود ~~قبل هذا أو هو متقدم على هذا أو هو أسبق من هذا # PageV01P413 # ومثل هذا كثير. # الطريق التاسع: # انه قال: "أن ذات العلة والمعلول يعني اللازم والملزوم بغير وسط عند ~~تصورهما يجب حصول التصديق بانتساب أحدهما إلى الآخر" فيقال هذا أول الدعوى ~~فانه أن أراد بالتصور التام الذي يحصل معه تصور الملزوم فهذا حق ولكن لا ~~ينفعه فانه ادعى أن مطلق عقل الماهية يوجب ذلك وأيضا فانا نلزمه مثل ذلك في ~~جميع الملزومات أنها متى تصورت تصور اللازم وهو باطل وأيضا فانا نحن نلتزم ~~مثل ذلك في التصور التام فنقول في جميع اللوازم متى تصور الملزوم تصورا ~~تاما يحصل به تصور الملزوم حصل معه العلم بأن هذا لازم وان لم يحصل هذا ~~التصور لم يجب العلم باللازم في شيء من الأمور كما سيأتي ذكر ذلك. # وقوله: "متى تصورنا حقيقة العلة وحقيقة المعلول امتنع عند ذلك أن لا نصدق ~~بثبوت أحدهما للآخر" أن أراد التصور التام فهذا مشترك بين جميع اللوازم وان ~~أراد غيره فالحكم ممنوع وهو إنما ادعى أن مطلق عقل الماهية يوجب ذلك وقد ~~بينا أن عقلها أو تصورها ينقسم إلى تام وغير تام وان ما ذكره إنما يلزم في ~~التام. # الطريق العاشر: # أن يقال أن كنت تعني باللزوم البين هذا فهكذا يفسر به لازم اللازم فيقال ms321 ~~إذا تصور اللازم الأول وتصور لازم لازمه امتنع حينئذ أن لا بعرف أن أحدهما ~~علة للآخر فيلزم ما فررت منه وهو أنه متى تصور شيئا تصور جميع لوازمه. # الطريق الحادي عشر: # قوله: "إذا اثبت أن تصور العلة إنما يوجب التصديق بثبوت المعلول القريب ~~عند تصور المعلول ثم من الجائز أن لا يحصل تصور المعلول عند تصور العلة لا ~~جرم لا يلزم من العلم بحقيقة العلة العلم بكل اللوازم القريبة والبعيدة ~~فيقال له أنت فرقت # PageV01P414 # بين اللوازم القريبة والبعيدة بأن القريبة ما كان بين اللزوم وادعيت أن ~~ما كان بين اللزوم وهو ما ثبت بغير وسط يجب أن يعلم إذا تصور الملزوم فلا ~~يفتقر إلى وسط وقد فسرت ذلك في آخر الأمر بأن المراد إذا تصور الملزوم ~~واللازم جميعا فيجب أن يعلم الملزوم فيقال لك وهكذا أيضا إذا تصور اللازم ~~الأول ولازمه الثاني فقد تصور الملزوم ولازمه القريب فيجب أن يتصور لزومه ~~له وقد كان تصور لزوم الأول فيلزم ما فررت منه من أنه إذا عرف لزوم الأول ~~عرف لزوم سائر اللوازم فإذا شرطت في العلم بلزوم الأول حضورهما جميعا فكذلك ~~فاشرطه في العلم بلزوم الثاني وإن حذفت الشرط في الثاني فاحذفه من الأول ~~حتى يكون الكلام عدلا. # وعلى التقديرين يلزم بطلان الفرق بين لازم ولازم بأن هذا بوسط وبأن هذا ~~بغير وسط إذا فسر الوسط بوسط في نفس الأمر وبطلان ما ادعوه من أن اللازم ~~بغير وسط يجب العلم به بلا دليل وان اللازم بوسط لا يعلم إلا بالعلم بالوسط ~~فما ادعوه من هذا وهذا باطل فبطل ما ذكروه من دليل الفرق بين الأوليات ~~والمشهورات وهو المطلوب. # الطريق الثاني عشر: # انه قال في جواب السؤال الثاني "لا نسلم أن العلية مغايرة لحقيقة ذات ~~العلة لكنا ندعي أن تصور حقيقة العلة مع تصور حقيقة المعلول القريب يوجب ~~العلم بكون العلة علة لذلك المعلول" فيقال هذا كلام مناقض لما تقدم مع ~~تناقضه في نفسه فان العلية أن لم تكن مغايرة لذات العلة ms322 بطل قولك أن ماهية ~~العلة وحدها لا تكفي في حصول العلية لأن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية ~~لا تكفي في حصولها الشيء الواحد فإنها إذا لم تغايرها لم يكن هناك شيء يكون ~~معلولا لا للعلة ولا لها ولغيرها بل ولا هناك شيء يتصور إذا تصورت العلة ~~والمعلول وان قيل هي مغايرة في العلم لا في الأعيان فإنها أمر عدمي قيل ~~وهذا يبطل قوله فان العدم المحض لا # PageV01P415 # حصول له فضلا عن أن يفتقر إلى علة لحصوله ولكن تصورها في الذهن يتوقف على ~~المضافين وهذا مما قدمنا أنه حق وهو مبطل لما قاله. # الطريق الثالث عشر: # أنهم قد زعموا أن اللوازم مترتبة في نفسها بالذات مستلزمة للأول والثاني ~~مستلزم للثالث والثالث للرابع وان ما كان لزومه بغير وسط كان بينا لا يحتاج ~~إلى دليل وقد تناقض تفسيره لذلك لتناقض القول في نفسه فيقال له أي شيء قلته ~~في لزوم الأول للملزوم الأول يقال في اللازم الثاني للأول سواء بسواء من كل ~~وجه وحينئذ فأي شيء فسرت به العلم بلزوم الأول لا يفتقر إلى وسط يلزمك مثله ~~في الثاني فيكون موجب برهانك أن من علم شيئا علم جميع لوازمه وهذا في غاية ~~الفساد. # فصل: برهان آخر للرازي على هذا التفريق. # ثم ذكر برهانا آخر على ما ادعاه من أن ما كان لزومه بغير وسط كان بينا ~~فقال: "برهان آخر وهو أنا إذا عقلنا ماهية فانه تبقى بعض لوازمها مجهولة ~~ويمكننا تعرف تلك اللوازم المجهولة فلولا وجود لوازم بينه الثبوت للشيء ~~وإلا لزم التسلسل وأما عدم تعرف تلك اللوازم وكلاهما باطلان". # قال: "وهذا البرهان كاف في إثبات اصل المقصود من أن الصفات اللازمة في ~~نفسها يلزم بعضها بوسط في نفس الأمر وبعضها بغير وسط وإنما يدل هذا على أن ~~الإنسان قد يتبين له لزوم بعض اللوازم بلا دليل وبعضها لا يتبين إلا بدليل. # وهذا لا ريب فيه لكن الدليل كل ما كان مستلزما للمدلول لا يختص بما يكون ~~علة للمدلول ولا بعض اللوازم ms323 في نفس الأمر علة لبعض ولا كل ما كان بينا ~~لزيد يجب أن يكون بينا لعمرو. # فتبين أن الفرق الذي ذكره بين الأوليات والمشهورات من أن الأولى هو الذي ~~يكون حمله على موضوعه أولا في الوجودين حملا ثانيا غلط لا يستقيم إلا # PageV01P416 # في الوجود الخارجي فانه ليس في اللوازم ترتيب حتى يكون بعضها أولا وبعضها ~~ثانيا ولا في الذهن فان الوسط إنما هو الدليل فيعود الفرق إلى أن الأوليات ~~ما لا يفتقر إلى دليل والنظريات ما يفتقر إلى دليل وهذا كلام صحيح متفق ~~عليه لا يحتاج إلى ما ذكروه ولكن هذا يوجب كون القضية أولية ونظرية هو من ~~الأمور الإضافية فقد تكون بديهية لزيد نظرية لعمرو باعتبار تمام التصور ~~فمتى تصور الشيء تصورا أتم من تصور غيره تصور من لوازمه ما لم يتصوره ذو ~~التصور الناقص فلم يحتج في معرفته بتلك اللوازم إلى وسط واحتاج صاحب التصور ~~الناقص إلى وسط وأيضا فهذا لا يوجب كون المشهورات ليست يقينية كما سنذكره ~~أن شاء الله. # رد ابن سينا تفريقهم بين الصفات الذاتية واللازمة: # ولفظ ابن سينا في إشاراته قال: # "وأما اللازم غير المقوم يخص باسم اللازم فان كان المقوم أيضا لازما فهو ~~الذي يصحب الماهية ولا يكون جزءا منها مثل كون المثلث مساوي الزوايا ~~القائمتين". # قال: "وأمثال هذا أن كان لزومها بغير وسط كانت معلومة واجبة اللزوم وكانت ~~ممتنعة الرفع من الوهم مع كونها غير مقومة وان كان لها وسط بين يبين به ~~علمت واجبة به". # قال: "وأعني بالوسط ما يقرن بقولنا لأنه كذا وهذا الوسط أن كان مقوما ~~للشيء لم يكن اللازم مقوما له لأن مقوم المقوم مقوم بل كان لازما له أيضا ~~فان احتاج إلى وسط تسلسل إلى غير نهاية فلم يكن وسطا وان لم يحتج فهناك ~~لازم بين اللزوم بلا وسط وان كان الوسط لازما متقدما واحتاج إلى توسط لازم ~~آخر أو مقوم غير منته من ذلك إلى لازم بلا وسط تسلسل إلى غير النهاية فلا ~~بد في كل ms324 حال من # PageV01P417 # لازم بغير وسط وقد بان أنه ممتنع الرفع في الوهم فلا يلتفت إذا إلى ما ~~يقال أن كل ما ليس بمقوم فقد يصح رفعه من الوهم ومن أمثلة كون كل عدد ~~مساويا للآخر أو مفاوتا. # قلت: مقصوده بهذا الرد على من قال من المنطقيين أن الفرق بين الصفة ~~الذاتية والعرضية اللازمة أن ما ليس بذاتي يمكن رفعه في الوهم فيمكن تصور ~~الموصوف بدون تصوره بخلاف الذاتي فتبين أن اللوازم لا بد أن تنتهي إلى لازم ~~بين لا يفتقر إلى وسط وذاك يمتنع رفعه في الوهم إذا تصور الموصوف وهذا الذي ~~قاله جيد وهو يبطل الفرق الذي هو عمدتهم. # ولهم فرق ثان بأن الذاتي ما لا يفتقر إلى علة واللازم ما يفتقر إلى علة ~~والعلة هي الوسط وهذا الفرق افسد من الذي قبله فان كون بعض الصفات اللازمة ~~تفتقر إلى علة دون بعض باطل ثم سواء قيل يفتقر إلى علة أو وسط وسواء جعل ~~ذلك هو الدليل أو هو أيضا علة لثبوته في الخارج فان من اللوازم ما لا يفتقر ~~إلى علة فبطل هذا الفرق الثاني. # والفرق الثالث التقدم في الذهن أو في الخارج وهو أن الذاتي ما لا يمكن ~~تصور الموصوف إلا بعد تصوره بخلاف اللازم العرضي فانه متصور بعد تصور ~~الملزوم والذاتي هو المقوم وهذا الفرق أيضا فاسد فان الصفة لا تتقدم على ~~الموصوف في الخارج أصلا وأما في الذهن فقد تتصور الصفة والموصوف جميعا فلا ~~يتقدم تصور الصفة وبتقدير التقدم فهذا يختلف باختلاف التصور التام والناقص ~~لا باختلاف اللوازم نفسها. # فعلى هذه الفروق الثلاثة أو أحدها يعتمدون حتى الذين صاروا يجعلون المنطق ~~في أول أصول الفقه من المتأخرين هذا عمدتهم كما يذكر ذلك الآمدي وابن ~~الحاجب وغيرهما وكلها باطلة أما التقدم الخارجي فمن المعلوم بصريح العقل # PageV01P418 # أن الصفة القائمة بالموصوف والعرض القائم بالجوهر لا يعقل تقدمه عليه ~~بوجه من الوجوه بل إذا اعتبر تقدم عقلي أو غيره فالذات متقدمة على الصفات. # وأما في التصور فالتصور مراتب ms325 متعددة يكون مجملا ومفصلا فالإنسان قد يخطر ~~له الإنسان ولا يستحضر شيئا من صفاته فهذا تصوره تصورا مجملا وقد يخطر له ~~مع ذلك أنه ناطق كما قد يخطر له مع ذلك أنه ضاحك وإذا تصور الحيوان قد يخطر ~~له أنه حساس كما قد يخطر له أنه متحرك بالإرادة وكما يخطر له أنه متألم أو ~~متلذذ وانه يحب ويبغض وإذا تصور أن الإنسان حيوان ناطق ولم يتصور الحيوان ~~مفصلا لم يكن قد تصور الإنسان مفصلا فما من صفة لازمة إلا ويمكن وجودها في ~~التصور المفصل وحذفها في التصور المجمل. # وحينئذ فقول القائل: "أن الذاتي ما لا يتصور الموصوف إلا بعد تصوره" إن ~~ادعاه في كل تصور فهذا باطل وهو ممن يسلم بطلانه فانه يقول: "قولك عن ~~الإنسان أنه حيوان ناطق حمد تام يفيد تصور حقيقته" ومع هذا لم يتصور ~~الذاتيات مفصلة فانه لم يستحضر في ذهنه أن الحيوان هو الجسم الحساس النامي ~~المتحرك بالإرادة فثبت أنهم يجعلونه متصور الحقيقة بدون استحضار الذاتيات ~~على وجه التفصيل فلا يجب في كل ذاتي أن يتقدم تصوره المفصل. # وأما التصور المجمل فلا يجب فيه استحضار شيء من الصفات وتصور الإنسان ~~مجملا كتصور الحيوان مجملا ومعلوم أن الموصوف يشاركه غيره في صفات ويفارقه ~~في صفات فإذا لم يجب ذكر جميع الصفات المشتركة على وجه التفصيل فدعوى ~~الاكتفاء ببعضها دون بعض تحكم محض وإذا كانت حقيقة الإنسان عندهم متصورة ~~بدون تصور الصفات الذاتية المشتركة على وجه التفصيل علم أن ما ذكروه من أن # PageV01P419 # الذاتي ما لا يمكن تصور الموصوف بدونه باطل وان اكتفوا بالتصور المجمل ~~فمن تصور الإنسان مطلقا فقد دخل في جميع ذلك صفاته وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا الكلام على ما فرقوا به بين الأوليات والمشهورات من أن ~~الأوليات ليس بين الموصوف وصفته وسط في نفس الأمر بخلاف غيره وقد تبين ~~بطلان هذا الفرق طردا وعكسا وانه قد يكون من اللوازم التي لا وسط لها في ~~نفس الأمر ما يفتقر إلى دليل ومن ms326 اللوازم التي يدعون افتقارها إلى وسط ما ~~يعلم ثبوته بلا دليل وان التفريق بين اللوازم بوسط في نفس الأمر باطل وان ~~الوسط الذي هو الدليل يختلف باختلاف أحوال الناس ليس هو أمرا لازما للقضايا ~~فهذه عدة أوجه من هذا الطريق الأول. # النوع الثاني: لا دليل على دعواهم أن المشهورات ليست من اليقينيات: # النوع الثاني: أن يقال المراد ب المشهورات عندهم هي القضايا العلمية كلها ~~مثل كون العدل حسنا والظلم قبيحا والعلم حسنا والجهل قبيحا والصدق حسنا ~~والكذب قبيحا والإحسان حسنا ونحو ذلك من الأمور التي تنازع الناس هل حسنها ~~وقبحها بالعقل أم لا. # المثبتة والنفاة للحسن والقبح العقليين: # وأكثر الطوائف على إثبات الحسن والقبح العقليين لكن لا يثبتونه كما يثبته ~~نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم بل القائلون بالتحسين والتقبيح من أهل السنة ~~والجماعة من السلف والخلف كمن يقول به من الطوائف الأربعة وغيرهم يثبتون ~~القدر والصفات ونحوهما مما يخالف فيه المعتزلة أهل السنة ويقولون مع هذا ~~بإثبات الحسن والقبح العقليين وهذا قول الحنفية ونقلوه أيضا عن أبي حنيفة ~~نفسه وهو قول كثير من المالكية والشافعية والحنبلية كأبي الحسن التميمي ~~وأبي الخطاب وغيرهما # PageV01P420 # من أئمة أصحاب احمد كأبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال الشاشي ~~وغيرهما من الشافعية وكذلك من أصحاب مالك وكذلك أهل الحديث كأبي نضر السجزي ~~وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهما. # بل هؤلاء ذكروا أن نفي ذلك هو من البدع التي حدثت في الإسلام في زمن أبي ~~الحسن الأشعري لما ناظر المعتزلة في القدر بطريق الجهم بن صفوان ونحوه من ~~أئمة الجبر فاحتاج إلى هذا النفي قالوا وإلا فنفي الحسن والقبح العقليين ~~مطلقا لم يقله احد من سلف الأمة ولا أئمتها بل ما يؤخذ من كلام الأئمة ~~والسلف في تعليل الأحكام وبيان حكمة الله في خلقه وأمره وبيان ما فيما أمر ~~الله به من الحسن الذي يعلم بالعقل وما في مناهيه من القبح المعلوم بالعقل ~~ينافي قول النفاة. # والنفاة ليس لهم حجة في النفي أصلا وقد ms327 استقصى أبو الحسن الآمدي ما ذكروه ~~من الحجج وبين أنها عامتها فاسدة وذكر هو حجة اضعف من غيرها وهو أن الحسن ~~والقبح عرض والعرض لا يقوم بالعرض فان إثبات هذا لا # PageV01P421 # يحتاج إلى قيام العرض بالعرض كما توصف الأعراض بالصفات وجميع ذلك قائم ~~بالعين الموصوفة فنقول هذا سواد شديد وهذه حركة سريعة وبطيئة وهم يسلمون أن ~~كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص أو ملائما للفاعل أو منافرا له قد يعلم ~~بالعقل وهذه صفات للفعل وهي قائمة بالموصوف. # ومن الناس من يظن أن الحسن والقبح صفة لازمة للموصوف وان معنى كون الحسن ~~صفة ذاتية له هذا معناه وليس الأمر كذلك بل قد يكون الشيء حسنا في حال ~~قبيحا في حال كما يكون نافعا ومحبوبا في حال وضارا وبغيضا في حال والحسن ~~والقبح يرجع إلى هذا وكذلك يكون حسنا في حال وسيئا في حال باعتبار تغير ~~الصفات. # والحسن والقبح من أفعال العباد يرجع إلى كون الأفعال نافعة لهم وضارة لهم ~~وهذا مما لا ريب فيه أنه يعرف بالعقل ولهذا اختار الرازي في آخر أمره أن ~~الحسن والقبح العقليين ثابتان في أفعال العباد وأما إثبات ذلك في حق الله ~~تعالى فهو مبني على معنى محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وفرحه بتوبة التائب ~~ونحو ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع وهل ذلك صفات ليست هي الإرادة كما ~~اتفق عليه السلف والأئمة أو ذلك هو الإرادة بعينها كما يقوله من يقوله من ~~المعتزلة والجهمية ومن وافقهم. # بيان أن قضايا التحسين والتقبيح من أعظم اليقينيات: # والمقصود هنا ذكر هذه القضايا المشهورة من بني ادم كلهم كقولهم العدل حسن ~~وجميل وصاحبه يستحق المدح والكرامة والظلم قبيح مذموم سيء وصاحبه يستحق ~~الذم والإهانة فان هؤلاء نفوا كونها من اليقينيات وهذا يستلزم أن لا يقول ~~الفلاسفة بالحسن والقبح العقليين إذ لم يكن في العقل قضية برهانية عقلية ~~ومن الناس # PageV01P422 # من حكى عنهم القول بذلك والتحقيق أنهم في ذلك متنازعون مضطربون كما في ~~أمثال ذلك. # فنقول دعوى ms328 المدعي أن هذه القضايا ليست من اليقينيات دعوى باطلة بل هذه ~~من أعظم اليقينيات المعلومة بالعقل وذلك أن التصديق مسبوق بالتصور فينبغي ~~أن ننظر معنى قولنا العدل حسن والظلم قبيح ثم ننظر في ثبوت هذا المحمول ~~لهذا الموضوع ولنتكلم في عدل الناس وظلمهم. # فنقول الناس إذا قالوا العدل حسن والظلم قبيح فهم يعنون بهذا أن العدل ~~محبوب للفطرة يحصل لها بوجوده لذة وفرح نافع لصاحبه ولغير صاحبه يحصل به ~~اللذة والفرح وما تتنعم به النفوس وإذا قالوا الظلم قبيح فهم يعنون به أنه ~~ضار لصاحبه ولغير صاحبه وانه بغيض يحصل به الألم والغم وما تتعذب به النفوس ~~ومعلوم أن هذه القضايا هي في علم الناس لها بالفطرة وبالتجربة أعظم من أكثر ~~قضايا الطب مثل كون السقمونيا تسهل الصفراء فلم كانت التجربيات يقينية وهذه ~~التي هي اشهر منها وقد جربها الناس أكثر من تلك لا تكون يقينية مع أن ~~المجربين لها أكثر واعلم واصدق وجزئياتها في العالم أكثر من جزئيات تلك ~~والمخبرون بذلك عنها أيضا أكثر واعلم واصدق. # فان الإنسان من نفسه يجد من لذة العدل والصدق والعلم والإحسان والسرور ~~بذلك ما لا يجده من الظلم والكذب والجهل والناس الذين وصل إليهم ذلك والذين ~~لم يصل إليهم ذلك يجدون في أنفسهم من اللذة والفرح والسرور بعدل العادل ~~وبصدق الصادق وعلم العالم وإحسان المحسن ما لا يجدونه في الظلم والكذب ~~والجهل والإساءة ولهذا يجدون في أنفسهم محبة لمن فعل ذلك وثناء عليه ودعاء ~~له وهم مفطورون على محبة ذلك واللذة به لا يمكنهم دفع ذلك من أنفسهم كما ~~فطروا على وجود اللذة ب الأكل والشرب والألم بالجوع والعطش فلم كانت تلك ~~القضايا من اليقينيات المعلومة بالحس والعقل كالتجربة وغيرها ولم تكن هذه ~~من القضايا # PageV01P423 # العقلية المعلومة أيضا بالحس والعقل والأمر فيها أعظم واللذة التي توجد ~~بهذه لذة روحانية عقلية شريفة والإنسان كلما كمل عقله كانت هذه اللذة أحب ~~إليه من تلك اللذة. # ثم الفلاسفة اثبتوا معاد الأرواح واللذة العقلية وهي مبنية على ms329 هذه ~~القضايا التي سموها المشهورات فان لم تكن معلومة كان ما أثبتوه من ذلك ليس ~~فيه شيء من العلم بل يقولون ما يقوله غيرهم من أن اللذات الباطنة أقوى ~~واشرف من اللذات الظاهرة ويدعون الضرورة في إثبات لذة وراء اللذات الحسية ~~الظاهرة وإذا كانت اللذة أما إدراك الملائم كما قد يزعمونه أو هي تابعة ~~ولازمة للإدراك الملائم كما يقوله غيرهم وهو الصحيح فمعلوم أن العلم والعدل ~~والصدق والإحسان ملائم لبني آدم فيكونوا ملتذين بذلك بل يكون التذاذهم بذلك ~~أعظم من غيره وهذا معنى كون الفعل حسنا ومعنى كونه قبيحا ضد ذلك. # وإذا تصور معنى الحسن والقبح علم أن هذه المشهورات من أعظم اليقينيات ~~فإنها ما اتفقت عليها الأمم لما علموه بالحس والعقل والتجربة بل اتفاق ~~الناس على هذه أعظم من اتفاقهم على عامة ما يذكرونه وقد يعيش طوائف من ~~الناس زمانا لا تخطر لهم القضايا الكلية العقلية التي جعلوها مبادئ العلم ~~كقول القائل النفي والإثبات لا يجتمعان وان يعلم أن هذا الشيء المعين إذا ~~كان موجودا لم يكن معدوما لكن قد لا تخطر لهم القضية الكلية بل وقد لا يخطر ~~لهم تقدير اجتماع وجوده وعدمه فان هذا التقدير ممتنع فلا يخطر لأكثر الناس ~~ولا توجد طائفة إلا وهي تحسن العدل والصدق والعلم وتقبح ضد ذلك. # وأيضا فالحكمة عندهم وعند سائر الأمم نوعان علم وعمل وهذه الحكمة عند ~~المسلمين قال مالك رحمه الله: "الحكمة معرفة الدين والعمل به" ولذلك قال ~~ابن قتيبة: "الحكمة عند العرب العلم والعمل" والحكمة العملية عندهم وعند ~~غيرهم # PageV01P424 # تتضمن علم الأخلاق وسياسة المنزل وسياسة المدنية وبنى ذلك كله على هذه ~~القضايا المشهورة بل وكل عمل يؤمر به فلا بد فيه من العدل فالعدل مأمور به ~~في جميع الأعمال والظلم منهي عنه نهيا مطلقا. # ولهذا جاءت أفضل الشرائع والمناهج بتحقيق هذا كله وتكلميه فأوجب الله ~~العدل لكل أحد على كل أحد في كل حال كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ms330 أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} وقال تعالى: {لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} وقال ~~تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ~~أن تحكموا بالعدل} وقال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} ومثل هذا ~~كثير. # وكذلك تحريم الظلم بمجموع أنواعه كثير في النصوص الإلهية حتى في الحديث ~~الإلهي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على ~~نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار ~~وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني اغفر لكم يا عبادي كلكم جائع ~~إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني ~~أكسكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم يا عبادي إنكم لن ~~تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وأخركم ~~وإنسكم # PageV01P425 # وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا ~~عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ~~ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا ~~في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا ~~كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه". # والمقصود أن الحكمة العملية كلها مبنية على هذه القضايا والنفس لها قوتان ~~العلمية والعملية ms331 والعمل لا بد أن يكون بعلم فان لم يكن هذه القضايا معلومة ~~لم يكن شيء من الحكمة العملية معلوما ولا شيء من الأعمال والأخلاق المحمودة ~~والمذمومة معلوما وهذا مع ما فيه من المناقضة لما يقولونه هو وغيرهم من ~~العقلاء فهو مكابرة ظاهرة مع أنا في هذا النوع من الكلام لم نقصد إقامة ~~الدليل على فساد قولهم بل صورناه لتعلم حقيقته وطالبناهم بالدليل على أن ~~هذه المشورات ليست يقينية فإنهم لم يذكروا على ذلك دليلا أصلا وسنتكلم على ~~ما توهموه دليلا من # النوع الثالث: في بيان كون المشهورات من جملة القضايا الواجب قبولها # قولهم هذه القضايا ليست بأولية لما ذكروه من الفرق بين الأولى # PageV01P426 # وغيره قد تقدم بطلان هذا الفرق ولكن نحن نسلم أن من القضايا ما يكون ~~بديهيا أوليا لبعض الناس أو لكلهم ويكون مجرد تصور طرفى القضية موجبا للحكم ~~لكن ليس علة ذلك كون المحمول لازما للموضوع بلا وسط في نفس الأمر كما ذكر ~~ذلك الرازي ونحوه وإن كان هذا لم نجده في كلام ابن سينا وأمثاله بل الوسط ~~عنده الدليل كما تقدم بل ولا ذاك أمرا لازما للقضية بل قد تكون بديهية لزيد ~~ونظرية لعمرو بحسب المتصور لتمامه ونقضانه. # وهذا مما قد تنازع فيه بعضهم ويدعون أن كل ما كان أوليا لزيد فهو أولى ~~لغيره كما يدل كلامهم على ذلك وأن الادميين يشتركون في العلم بكل ما هو ~~أولى لكل شخص منهم لانها موجب العقل والعقل مشترك وهذا القول أن كنا نبطله ~~ونقول القضية قد تكون ضرورية لزيد نظرية لعمرو كذلك غير ذلك من القضايا قد ~~تكون المتواترة لهذا محسوسة لهذا والمجربة لهذا معلومة بالاستدلال لهذا ~~ونحو ذلك. # وإذا كان كذلك فنحن ليس مقصودنا أن هذه القضايا المشهورة أولية أو ليست ~~أولية ولا أنها أوليه لجميع الناس أو لبعضهم بل المقصود أنها من جملة ~~القضايا الواجب قبولها التي يجب التصديق بها وتكون مادة للبرهان فإنهم ~~جعلوا المعتقدات ثلاثة الواجب قبوها والمشهورات والوهميات والمقصود هنا أن ~~المشهورات العامة مثل ms332 حسن العدل وقبح الظلم هي من الواجب قبولها وإن لم نقل ~~هي أولية فان الواجب قبولها قد جعلوها اصناقا أوليات ومشاهدات ومجربات ~~وحدسيات ومتواترات وقضايا قياساتها معها. # وهذه المشهورات إذا لم تكن أولية لم تكن بدون كثير من المجربات والحدسيات ~~ونحو ذلك فتكون مادة للبرهان اليقيني كالمتواترات والمجربات فان المتواترات # PageV01P427 # والمجربات ليست أوليات وهذه المشهورات ابلغ من كثير من المجربات والعلم ~~بها والتصديق بها في نفوس الأمم قاطبة أقوى واثبت من العلم بكثير من ~~المجربات والمتواترات التي تواترت عند بعض الأمم دون بعض. # وبهذا الاعتبار فلم يذكروا حجة على أنها ليست من اليقينيات فان قولهم ~~موجب الحكم بها العادات أو الاحوال النفسانية أو مصلحة النظام هذا لا ينافي ~~كونها يقينية بل هو دليل على ذلك كما سنذكره أن شاء الله تعالى فان ~~المجربات كلها عاديات فكونها عاديات لا ينافى كونها يقينيات وكذلك كون قوى ~~النفس تقتضيها فان هذا يدل على الملائمة والمنافرة وهذا هو معنى الحسن ~~والقبح فلذلك لا ينافى كونها قضايا صادقة معلومة الصدق وكذلك كون نظام ~~العالم مربوطا بها لا ينافى كونها صادقة معلومة فليس فيما ذكروه ما ينافي ~~العلم بها ولا يدعى كونها أولية بالمعنى الذي ذكروه كما لا يدعى ذلك في ~~المجربات والمتواترات وذلك لا ينافى كونها من اليقينيات. # النوع الرابع: خاصة العقل والفطرة استحسان الحسن واستقباح القبيح # النوع الرابع: أن يقال قوله: "لا عمدة لها إلا الشهرة وهو أنه لو خلى ~~الإنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه إلى قوله لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله ~~أو وهمه أو حسه مثل حكمنا بأن سلب مال الإنسان قبيح وأن الكذب قبيح لا ~~ينبغي أن يقدم عليه". # فيقال لا نسلم هذا فان هذا دعوى مجردة وقوله سلب مال الإنسان قبيح لفظ ~~عام وقد يسلب ماله بعدل وقد يسلب بظلم والكلام فيما إذا علم الإنسان أنه ~~سلب ماله ظلما مثل أن يعلم أن الاثنين المشتركين في المال من كل وجه استولى ~~أحدهما على الآخر فسلبه أكثر من نصف ونحو ذلك ms333 فان عقول العقلاء قاطبة # PageV01P428 # وأوهامهم تقضى بقبح هذا. # أما الوهم فانه قد فسره بقوله في الاشارات: # "وأيضا فان الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية ~~معانى جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس مثل إدراك الشاة معنى في ~~الذئب غير محسوس وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس إدراكا جزئيا يحكم ~~به كما يحكم الحس بما يشاهده فعندك قوة هذا شأنها. # فهذه القوة التي سموها الوهم هي التي يدرك بها الإنسان صداقة الصديق ~~وعدواة العدو ويدرك بها كل من الزوجين ما في الزوج الآخر من الأمر المحبوب ~~وبها يميل الإنسان إلى غيره وبها ينفر عنه ولهذا يقولون: "اكبر حاكم على ~~النفوس الوهم". # ومعلوم أن هذه القوة تميل إلى الشخص الذي تعلم أنه عادل صادق محسن وتنفر ~~عن الشخص الذي تعلم أنه كاذب ظالم مسئ بل تميل إلى هذا الشخص وإن لم يصل ~~إليها من جهته نفع وضرر والنفوس مجبولة على محبة العدل وأهله وبغض الظلم ~~وأهله وهذه المحبة التي في الفطرة هو المعنى بكونه حسنا وهذا البغض هو ~~المعنى بكونه قبيحا كما يقال في الصورة الظاهرة هذا حسن وهذا قبيح فالحسن ~~الظاهر ما يحسه الحس الظاهر والحسن الباطن ما يحسه القلب الباطن وإذا كانت ~~النفوس مجبولة على محبة هذا وبغض هذا فهذا معنى الحسن والقبح فكيف يقال لو ~~ترك الإنسان وحسه وعقله ووهمه لم يقض بها ونفوس بنى آدم مجبولة على استحسان ~~هذا واستقباح هذا؟ # وأما العقل فأخص صفات العقل عند الإنسان أن يعلم الإنسان ما ينفعه ويفعله ~~ويعلم ما يضره ويتركه والمراد بالحسن هو النافع والمراد بالقبيح هو الضار ~~فكيف يقال أن عقل الإنسان لا يميز بين الحسن وبين القبيح وهل أعظم تفاضل # PageV01P429 # العقلاء إلا بمعرفة هذا من هذا بل وجنس الناس يميل إلى من يتصف بالصفات ~~الجميلة وينفر عمن يتصف بالقبائح فذاك يميل جنس الإنسان إلى سمع كلامه ~~ورؤيته وهذا ينفر عن رؤيته وسمع كلامه. # النوع الخامس: في بيان كون هذه المشهورات معلومة بالفطرة # النوع الخامس: ms334 أن مبادىء هذه القضايا أمر ضروري في النفوس فإنها مفطورة ~~على حب ما يلائمها وبغض ما يضرها والمراد بالحسن ما يلائمها وبالقبيح ما ~~يضرها وإذا كانت مفطورة على حب هذا وبغض هذا فالمراد بقولنا حسن أنه ملائم ~~نافع والمراد بقولنا قبيح أنه ضار مؤذ وهذا أمر فطري فعلم أن الناس بفطرتهم ~~يعلمون هذه القضايا المشهورة بينهم. # النوع السادس: في بيان كون الموجب لاعتقاد هذه المشهورات من لوازم ~~الإنسانية # النوع السادس: أن يقال: لو لم يكن لهذه القضايا مبدأ في قوى الإنسان لم ~~تشتهر في جميع الأمم فان المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في ~~الفطرة المشتركة بين جميع الأمم فعلم أن الموجب لاعتقاد هذه القضايا أمر ~~اشتركت فيه الأمم وذلك لا يكون إلا من لوازم الإنسانية فان الأمم لم تشترك ~~كلها في غير لوازم الإنسانية. # النوع السابع: رد ابن سينا على نفسه في قوله بأن المشهورات لا تدرك بقوى ~~النفس # النوع السابع: قوله: "لو توهم الإنسان بنفسه أنه خلق دفعة تام العقل ولم ~~يسمع أدبا ولم يطع انفعالا نفسانيا ولا خلقا لم يقض في أمثاله بشيء" هذا ~~ممنوع بل أن كان تام العقل علم أن العلم والعدل والصدق ينفعه وتصلح به نفسه ~~وتلتذ وأن الكذب والظلم يضره ويفسد نفسه ويؤلمها ولو قدر أنه لا يعلم به ~~أحد غير # PageV01P430 # علم العقل بأنه إذا ظلم أبغضه الناس وعادوه وغير علمه بأن الله يعاقبه. # فان قيل الإنسان يلتذ بما يراه قبيحا كما قد يلتذ بما يأخذه ظلما فيأكله ~~ويشربه قيل وإن التذ بدنه فان قلبه وعقله لا يلتذ بذلك بل يلتذ إذا عدل وإن ~~قدر أنه يلتذ به لذة حاضرة فانه يتألم بقبح عاقبته عنده وإذا لم يتألم ~~فلغيبة عقله عن إدراك المؤلم كما قد يحصل للسكران وغيره من أمور تؤلمه ولا ~~يتألم بها لغيبة عقله عن إدراكها. # وهذا مما قد ذكره ابن سينا نفسه فقال في نمط البهجة والسعادة. # "إنه قد يسبق إلى الأوهام العامية أن اللذات القوية ms335 المستعلية هي الحسية ~~وأن ما عداها لذات ضعيفة وكلها خيالات غير حقيقة". # وقد يمكن أن ينبه من جملتهم من له تمييز ما فيقال له أليس ألذ ما يصفونه ~~من هذا القبيل هو المنكوحات والمطعومات وأمور تجرى مجراها وانتم تعلمون أن ~~المتمكن من غلبة ما ولو في أمر خسيس كالشطرنج والنرد قد يعرض له منكوح ~~ومطعوم فيرفضه لما يعتاضه من لذة الغلبة الوهمية وقد يعرض منكوح ومطعوم ~~لطالب العفة والرياسة مع صحة جسمه في صحبة حشمه فينفض اليد منهما مراعاة ~~للحشمة فيكون مراعاة الحشمة آثر وألذ لا محالة هناك من المنكوح والمطعوم. # وإذا عرض للكرام من الناس الالتذاذ بإنعام يصيبون موضعه أثروه على ~~الالتذاذ بمشتهى حيواني متنافس فيه وآثروا فيه غيرهم على أنفسهم مسرعين إلى ~~الإنعام به # PageV01P431 # وكذلك فان كبير النفس يستصغر الجوع والعطش عند المحافظة على ماء الوجه ~~ويستحقر هول الموت ومفاجأة العطب عند مناجزة المبارزين وربما اقتحم الواحد ~~على عدد دهم ممتطيا ظهر الخطر لما يتوقعه من لذة الحمد ولو بعد الموت كأن ~~تلك تصل إليه وهو ميت. # فقد بان أن اللذات الباطنة مستعلية على اللذات الحسية وليس ذلك في العاقل ~~فقط بل وفي العجم من الحيوانات فان من كلاب الصيد ما يقنص الصيد على الجوع ~~ثم يمسكه على صاحبه وربما حمله إليه والراضعة من الحيوانات تؤثر ما ولدته ~~على نفسها وربما خاطرت محامية عليه أعظم من مخاطرتها في ذات حمايتها نفسها. # فإذا كانت اللذات الباطنة أعظم من الظاهرة وإن لم تكن عقلية فما قولك في ~~العقلية. # فيقال له هذا كله حجة عليك في قولك أن استحسان الحسن واستقباح القبيح لا ~~يدركه الإنسان لا بحسه ولا بعقله ولا بوهمه وأنت قد ذكرت أن الإنسان بل ~~الحيوان يلتذ بالحمد والثناء ويلتذ بالغلبة ويلتذ بالإنعام والإحسان ~~والرحمة أعظم من التذاذة بالأكل والشرب ومعلوم أن لذة الأكل والشرب مما ~~يعلم بالحس الظاهر فهذه اللذه الباطنة يعلم بالحس الباطن وبالوهم فكيف تقول ~~أن الحسن والوهم والعقل لا يعلم به حسن الحسن وقبح القبيح ms336 وما ذكرته من ~~التذاذ الإنسان بالإيثار وتركه الطعام الشهي مراعاة الحشمة ونحو ذلك إنما ~~هو لكونه يرى ذاك قبيحا وهذا جميلا ويلتذ بفعل الجميل لذة باطنة يحس بها ~~فكيف يقال أن الحسن والقبيح لا ينال بشيء من قوى النفس وإنما يصدق به لمجرد ~~الشهرة فقط من غير موجب حسي ولا وهمي ولا عقلي # PageV01P432 # النوع الثامن: رد قولهم أن العقل بمجرده لا يقضى في المشهورات بشيء # النوع الثامن: أنه قال: # "تنبيه أن اللذة هي إدراك ونيل ما لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من ~~حيث هو كذلك والألم هو إدراك ونيل ما لوصول ما هو عند المدرك نقص وشر من ~~حيث هو كذلك وقد يختلف الخير والشر بحسب القياس فالشيء الذي هو عند الشهوة ~~خير هو مثل المطعم الملائم والملمس الملائم والذي هو عند الغضب خير فهو ~~الغلبة والذي عند العقل فتارة وباعتبار فالحق وتارة وباعتبار فالجميل ومن ~~العقليات نيل الشكر ووفور الحمد والمدح والكرامة وبالجملة فان همم ذوي ~~العقول في ذلك مختلفة. # وكل خير بالقياس إلى شيء ما فهو الكمال الذي يختص به وينحوه باستعداده ~~الأول وكل لذة فإنها تتعلق بأمرين بكمال خيري وبادراك له من حيث هو كذلك". # فيقال: هذا تصريح بان العقل يحب الحق ويلتذ به ويحب الجميل ويلتذ به وان ~~محبة الحمد والشكر والكرم هي من العقليات وهذا صحيح فان للإنسان قوتين قوة ~~علمية فهي تحب الحق وقوة عملية فهي تحب الجميل والجميل هو الحسن والقبيح ~~ضده. # وتفريقه بين الحق والجميل هو بحسب اصطلاحه وإلا فاللغة التي جاء بها ~~القرآن وتكلم بها الرسول لفظ الحق منها يتضمن النوعين كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # PageV01P433 # "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته ~~امرأته فإنهن من الحق" وقوله: "الوتر حق فمن شاء أوتر بركعة ومن شاء أوتر ~~بثلاث ومن شاء أوتر بخمس أو سبع" ومثل هذا موجود في غير موضع من كلامه ومن ~~هذا الباب قوله: "اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: # ألا ms337 كل شيء ما خلا الله باطل ... ... ... ...ومنه قوله تعالى: {ذلك بأن ~~الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} وقوله: {فذلكم الله ربكم ~~الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال} ومعلوم أن ما عبد من دونه موجود مخلوق ~~ولكن عبادته باطلة وهو باطل لأن المقصود منه بالعبادة معدوم ولهذا يقول ~~الفقهاء بطلت العبادة وبطل العقد وقد قال تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} ~~والإبطال ضد الإحقاق وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ~~ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن ~~الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} # PageV01P434 # وقد بين الله أن الأعمال السيئة القبيحة باطلة في مثل قوله: {والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه ~~موج} فهذا الثاني مثل ما يصدر عن الجهل البسيط والأول الجهل المركب وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ~~ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ~~فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا} فهذا مثل إبطال العمل ~~بالمن والأذى وبالرياء والكفر والمقصود أنها لم تبق نافعة بخلاف العمل الحق ~~المحمود فانه نافع ومنه قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا} . # وبالجملة فما ذكروه تصريح منهم بأن العقل يميز بين الجميل والقبيح وأن ~~العاقل يلتذ بالجميل ويتألم بالقبيح وأن الجميل كمال وخير للقوة العاقلة من ~~حيث هي كذلك وهذا مناقض لقولهم أن العقل بمجرده لا يقضى في أمثال هذا بشيء ~~لا بحسن ولا بقبيح وهكذا تناقضوا في نفس الوهميات كما سنذكره إن شاء الله ~~وسبب ذلك أنهم تارة يقولون بموجب الفطرة فيكون كلامهم صحيحا وتارة يقولون ~~بمقتضى الفطرة الفاسدة التي قد فسدت بالاعتقادات الفاسدة فيقولون باطلا. # كون ms338 الوجود كله مبنيا على الحق والعدل: # وهذه القضايا التي اتفقت الأمم عليها مثل حسن الصدق والعدل وقبح الكذب ~~والظلم داخلة في مسمى الحق كما تقدم في كلام الله ورسوله وكذلك كلام ~~العقلاء قاطبة يسمون هذا كله حقا ويقولون لصاحب الدين: "له عليه حق" # PageV01P435 # وأعطيه حقه وإذا حكم بينهما بعدل وقسم بإنصاف يقولون هذا حق وإن حكم ~~بخلاف ذلك يقولون هذا ظلم وجور وإذا لم يكن عنده شيء حق بل هو يدعى الباطل ~~فيسمون الصدق حقا والكذب باطلا كما في كلام الله ورسوله قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إن لصاحب الحق مقالا " وفي لفظ: "إن لصاحب الحق اللسان واليد " ~~وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك لما طلب غريمه أي كعب: " دع الشطر" ~~قال: قد فعلت يا رسول الله قال "قم فاقضه ". # وذلك لأن الأمور الحسنة تتضمن أمرا موجودا ماضيا ومستقبلا ففيها وجود ~~وكمال الوجود والأمور القبيحة تتضمن عدما ماضيا أو مستقبلا ففيها نفى ~~الوجود أو كمال الوجود فان كان موجودا كان العلم بوجوده حقا مطابقا له ~~والأخبار عن وجوده كذلك وأما الكذب المتضمن نفيه والجهل الذي هو عدم العلم ~~به فهو عدم علم وعدم قول حق بل الكذب من جنس الجهل المركب وأيضا العلم كمال ~~وجود والصدق كمال وجود والجهل والكذب صفة نقص. # وكذلك العدل كالتسوية بين المتماثلين والتفصيل بين المختلفين هو تحقيق ~~الأمور على ما هي عليه وتكميلها ولهذا مبنى الوجود كله على العدل حتى في ~~المطاعم والملابس والأبنية ونحو ذلك فالبيت المبنى أن لم تكن حيطانه معتدلة ~~بل كان بعضها أطول من بعض طولا فاحشا أو كان منحنيا غير مستقيم فسد السقف ~~وكذلك الثياب أن لم تكن على مقدار لا بسيها معادلة لهم وإلا لم ينتفعوا بها ~~وكذلك ما يضع من المطاعم والأدوية أن لم أجزاؤه معتدلة في الصفة والقدر في ~~الكم والكيف فسد وكان مضرا لا نافعا فهذا موجود في الأمور المحسوسة أن ~~العدل فيها حسن أي تحصل به المنفعة والمصلحة والظلم فيها قبيح أي ms339 تحصل به ~~المضرة والفساد # PageV01P436 # وعلم الأخلاق والسياسة عندهم وعند سائر العقلاء مبنى على العدل ولهذا ~~جعلوا كمال الإنسان العملى أربعة أمور أصلاح الشهوة والغضب والعدل بينهما ~~وفي العلم بذلك والذي ذكروه هو بعض صفات الكمال التي أرسل الله بها رسله ~~وانزل بها كتبه والاقتصار على ما ذكروه لا تحصل به السعادة التي هي كمال ~~الإنسان ولكنه من الأمور المعتبرة فيها. # وقد بسطنا هذه الأمور وبينا قصور فلسفتهم عن حصول السعادة والكمال بها ~~وأنها ابلغ في القصور من دين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل وان ما ~~عندهم إذا أخذ منه الحق وترك الباطل كان جزءا من الأجزاء المحصلة للسعادة ~~وفيه أمور كثيرة باطلة وأمور هي حق لكن ليس مما تحصل به السعادة والكمال. # الوجه العاشر: لا حجة على تكذيبهم بأخبار الأنبياء الخارجة عن قياسهم # الوجه العاشر: أن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو ~~خارج عن قياسهم الذي ذكروه بل الفراسة أيضا وأمثالها فان ادخلوا ذلك فيما ~~ذكروه من الحسيات والعقليات لم يمكنهم نفى ما لم يدركوه ولم يبق لهم ضابط ~~وهذا موضع ينبغي تحقيقه. # وهم أعني ابن سينا واتباعه جعلوا القضايا من جهة ما يصدق بها المستعملة ~~بين القائسن ومن يجرى مجراهم أربعة أصناف الأول الواجب قبولها التي هي مادة ~~البرهان وهي الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات وربما ضموا ~~إلى ذلك قضايا معها حدودها ولم يذكروا دليلا على هذا الحصر ولهذا اعترف ~~المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه. # وإذا كان كذلك لم يلزم أن كل ما لم يدخل في قياسهم أن لا يكون معلوما ~~وحينئذ # PageV01P437 # فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ فانه إذا ذكر له ~~قضايا يمكن العلم بها بغير هذه الطرق لم يمكن وزنها بهذه الآلة وعامة هؤلاء ~~المنطقيون يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم وهذا في غاية الجهل لا سيما أن ~~كان الذي كذبوا به من أخبار الأنبياء فيكونون ممن قال الله فيه: {بل كذبوا ~~بما لم ms340 يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} وهذا صار بمنزلة المنجم إذا كذب ~~بعلم الطب أو الطبيب إذا كذب بعلم النجوم والناس أعداء ما جهلوا ومن جهل ~~شيئا عاداه. # فإذا كان اشرف العلوم لا سبيل إلى معرفتها بطريقهم لزم أمران أحدهما أنه ~~لا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس في قياسهم دليل عليه والثاني أن ما ~~علموه خسيس بالنسبة إلى ما جهلوه فكيف إذا علم أنه لا يفيد النجاة ولا ~~السعادة # الوجه الحادي عشر: بطلان قولهم: "إن البرهاني والخطابي والجدلى هي ~~المذكورة في قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} . # الوجه الحادي عشر: أنهم يجعلون ما هو حق وعلم يجب تصديقه ليس علما وما هو ~~باطل ليس بعلم علما وذلك أن هؤلاء جعلوا أجناس الأقيسة باعتبار مادتها خمسة ~~البرهان والخطابة والجدل والشعر والسفسطة أصله سوفسطيقا وكذلك سائرها لها ~~أسماء باليونانية ولسائر أجناس المنطق لكنها ألفاظ طويلة مثل قاطيغورياس ~~وانولوطيقا إلى غير ذلك واللغة العربية أوجز وأبين فهي أكمل بيانا وأوجز ~~لفظا. # ويجعلون القياس باعتبار صورته قسمين الاقتراني والاستثنائي لتأليفه من ~~الحمليات والشرطيات المتصلة والمنفصلة ويتكلمون قبل القياس في القضايا ~~وأقسامها # PageV01P438 # وأحكامها مثل النقيض والعكس المستوى وعكس النقيض فإنها إذا صحت بطل ~~نقيضها وصح عكسها وعكس نقيضها فإذا قيل كل إنسان حيوان فنقيضه باطل وهو أنه ~~ليس شيء من الإنسان حيوان وصح عكسه وهو أن بعض الحيوان إنسان وعكس نقيضه ~~وهو أن ما ليس بحيوان فليس بإنسان فإن التناقض اختلاف القضيتين بالسلب ~~والإيجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى وإن العكس جعل الموضوع ~~محمولا والمحمول موضوعا مع بقاء الصدق وعكس النقيض والسالبة هو أن يجعل ~~الموضوع محمولا مع جعل الإيجاب سلبا. # وأقسامها: الكلية والجزئية والموجبة والسالبة أي العامة والخاصة والمثبتة ~~والنافية وقبل ذلك يتكلمون في مفردات القضية وهي المعاني المفردة مثل ~~الكلام في الكلي والجزئي والذاتي والعرضي وقبل ذلك في الألفاظ الدالة على ~~المعاني كدلالة المطابقة والتضمن والالتزام. # والمقصود في هذا كله هو الحد والقياس والقياس هو المطلوب الأعظم ms341 والمطلوب ~~الأعظم من أنواع القياس هو القياس البرهاني قالوا والبرهان ما كانت مواده ~~يقينية وهي التي يجب قبولها كما تقدم وأما الخطابي فمواده هي المشهورات ~~التي تصلح لخطاب الجمهور سواء كانت علمية أو ظنية والجدلي هو الذي مواده ما ~~يسلمها المجادل سواء كانت علمية أو ظنية أو مشهورة أو غير مشهورة وهذا أحسن ~~ما تفسر به هذه الأصناف الثلاثة. # وكثير منهم يقول بل البرهاني ما كانت مقدماته واجبة القبول كما تقدم ~~والجدلي ما كانت مقدماته مشهورة سواء كانت حقا أو باطلا أو واجبة أو ممتنعة ~~أو ممكنة والخطابي ما كانت مقدماته ظنية كيف كانت فالخطابي هو الذي يفيد ~~الظن مطلقا سواء كانت مقدماته مسلمة أو مشهورة والجدلي ما يكون مقدماته ~~مشهورة # PageV01P439 # ومنهم من يقول بل البرهاني مؤلف من الواجبات والجدلي من الأكثريات ~~والخطابي من المتساويات والشعري من الممتنعات وهذا ليس بشيء فان الشعري ما ~~تشعر به النفس فيقصد به تنفيرها وترغيبها وترهيبها وقد يكون صدقا وقد يكون ~~كذبا ولكن المقصود بالشعريات تحريك النفس لا لإفادتها علما. # وابن سينا رد هذا القول فقال: "ولا يلفت إلى ما يقال من أن البرهانيات ~~واجبة والجدلية ممكنة أكثرية والخطابية ممكنة متساوية لا مثل فيها ولا قدرة ~~والشعرية كاذبة ممتنعة فليس الاعتبار بذلك ولا أشار إليه صاحب المنطق لكنه ~~مع رده لهذا ذكر القول الثاني فقال القياسات البرهانية مؤلفة من المقدمات ~~الواجب قبولها والجدلية مؤلفة من المشهورات والتقريرية ما كانت واجبة أو ~~ممكنة أو ممتنعة والخطابية مؤلفة من المظنونات والمقبولات التي ليست ~~بمشهورة وما يشبهها كيف كانت ولو ممتنعة والشعرية مؤلفة من المقدمات ~~المخيلة من حيث يشعر من يخيلها كانت صادقة أو كاذبة وأما السوفسطائية فهي ~~التي تستعمل الشبهة ويشاركها في ذلك الممتحنة المجربة على سبيل التغليط فان ~~كان التشبيه بالواجبات ونحو استعمالها سمي صاحبها سوفسطائيا وان كان ~~بالمشهورات سمي صاحبها مشاغبا ومماريا والمشاغب بإزاء الجدلي والسوفسطائي ~~بإزاء الحليم". # وهذا الذي ذكره في مواد الجدلي والخطابي ضعيف أيضا بل مواد الجدلي هي ~~المسلمات التي يسلمها ms342 المجادل سواء كانت مشهورة أو لم تكن وسواء كانت حقا ~~أو باطلا ومواد الخطابي هي المشهورات ونحوها التي يخاطب بها الجمهور وكل من ~~ذلك يكون برهانيا وغير برهاني ويكون صادقا وكاذبا هذا مراد قدمائهم وهو ~~أشبه باللفظ والتقسيم. # وأما كون الخطابيات هي الظنيات مطلقا فهذا خطا عند القوم فانه إذا كانت ~~الجدليات قد تكون علمية فالخطابيات التي هي اشرف منها أولى أنها قد تكون ~~علمية فان # PageV01P440 # الخطاب ارفع من الجدل عندهم والتفسير الأول تفسير محققيهم المتقدمين فانه ~~ليس من شرط الخطابي ولا الجدلي أن لا يكون علميا كما أنه ليس من شرط ~~البرهاني أن لا يخاطب به الجمهور وان لا يجادل به المنازع بل البرهاني إذا ~~كان مشهورا صلح للبرهان والخطابة والجدلي إذا كان برهانيا صلح للبرهان ~~والجدل وإذا كانت القضية مبرهنة وهي مشهورة مسلمة من المناظر صلحت للبرهان ~~والخطابة والجدل بخلاف الشعري فان المقصود به تحريك النفس ليس المراد به أن ~~يفيد لا علما ولا ظنا فلهذا لم يدخل مع الثلاثة وأيضا فالخطابيات يراد بها ~~خطاب الجمهور وهذا إنما يكون بالقضايا المشهورة عند الجمهور وان كانت ظنية ~~وإذا كانت علمية فهو أجود فليس من شرطها أن لا تكون علمية وأما الجدلي ~~فإنما هو خطاب لناس معينين فإذا سلموا تلك المقدمات حصل مقصود الجدلي وان ~~لم تكن مشهورة. # وأما السوفسطائي فهو المشبه الملبس وهو الباطل الذي اخرج في صورة الحق ~~والمراد بيان فساده وإلا فليس لأحد أن يتكلم به فانه كذب في صورة صدق وباطل ~~في صورة حق لكن المقصود بذكره تعريفه وامتحان الأذهان بحل شبه السوفسطائية. # ثم قد يقول من يقول من حذاقهم ومن يروم أن يقرن بين طريقهم وطريق ~~الأنبياء أن الأقسام الثلاثة البرهان والجدل والخطابة هي المذكورة في قوله ~~تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} ~~. # كلام أهل الفلسفة في الأنبياء عليهم السلام: # ثم يقولون أن ما جاءت به الأنبياء فهو من جنس الخطابة التي قصد بها خطاب ~~الجمهور لم يقصد به ms343 تعريف الحقائق هذا في الأمور العملية فان مبادىء الأمور ~~العلمية قد لا يجعلونها من البرهانيات بل من المشهورات كالعلم بحسن العدل ~~وقبح # PageV01P441 # الظلم وأما العلميات فيقولون أن الأنبياء لم يذكروا حقائق الأمور في ~~معرفة الله والمعاد وإنما اخبروا الجمهور بما يتخيلونه في ذلك لينتفعوا به ~~في إقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا بذلك الحق ويقولون أنهم أرادوا بخطابهم ~~للناس أن يعتقدوا الأمور على خلاف ما هي عليه وهي من جنس الكذب لمصلحة ~~الناس وهم يعلمون هذه المرتبة ثم النبي عندهم هل يعرف الأمور العلمية فيه ~~نزاع بينهم. # وهم يعظمون محمدا صلى الله عليه وسلم يقولون لم يأت إلى العالم ناموس ~~أفضل من ناموسه ويفضله كثير منهم على الفيلسوف ومنهم من يفضل الفيلسوف عليه ~~وهم حائرون في أمور الأنبياء ولهذا كلامهم في الأنبياء في غاية الاضطراب ~~ولم ينقلوا عن أرسطو واتباعه فيهم شيئا بل ذكروا من كلام أفلاطون وغيره في ~~النواميس ما جعلوا به واضعي النواميس من اليونان وغيرهم من جنس الأنبياء ~~الذين ذكرهم الله في القران ونحن نعلم أن الرسل جميعهم دعوا إلى عبادة الله ~~وحده لا شريك له كما قال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} والنواميس التي يذكرونها فيها شرك لا يأمر ~~به أحد من أنبياء الله فعلم أن كل من ذكروه من واضعي النواميس المخالفة لما ~~اتفقت عليه الرسل فليس بني ولا متبع لنبي بل هو من جنس واضعي النواميس من ~~ملوك الكفار ووزرائهم وعقلائهم وعلمائهم وعبادهم. # وهم وان عظموا الأنبياء ونواميسهم فلأجل أنهم أقاموا قانون العدل الذي لا ~~تقوم مصلحة العالم إلا به ويوجبون طاعة الأنبياء والعمل بنواميسهم وهي ~~الشرائع التي جاؤوا بها ولكنهم لم يأتوا بالأمور العلمية بل بالعمليات ~~النافعة والعلميات عندهم أما أن تكون التي علمها وما أمكنه إظهارها بل اظهر ~~ما يخالف الحق عنده لمصلحة الجمهور وأما أنه لم يعلمها وإلا فهم يجوزون ms344 ~~للرجل أن يتمسك بأي ناموس كان ولا يوجبون اتباع نبي بعينه لا محمد ولا غيره ~~إلا من جهة مصلحة دنياهم بذلك # PageV01P442 # لا لأنه يعذب في الآخرة على مخالفة شريعة محمد أو غيره. # ولهذا لما ظهرت الترك الكفار وأراد من أراد منهم أن يدخل في الإسلام قبل ~~ظهور الإسلام عليهم أشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لا يفعل فان ~~ذاك لسانه عربي ولا يحتاجون إلى شريعته ونحو هذا الكلام يبين أن الشريعة ~~التي جاء بها محمد لا يحتاج إليها مثلكم وأمثالكم وقد قيل أن الذي أراد ~~الدخول في الإسلام وقال له منجمه هذا هو هولاكو ولما قدم هولاكو الشام ~~وتقلد القضاء من جهته بعض قضاة الشام الذين كانوا يعظمون صوفية الفلاسفة ~~كابن عربي ونحوه ودخل إلى البلد أخذ يثني على ملك الكفار ويعظمه ويذكر ما ~~يذكر من فضائله بزعمه فقال له بعض الحاضرين يا ليته كان مسلما فقال القاضي ~~وأي حاجة لهذا إلى الإسلام سواء كان مسلما أو لم يكن وهذا بناء على هذا ~~الأصل. # فالنبي عندهم يشبه من بعض الوجوه أئمة المذاهب عند المتكلمين كأبي حنيفة ~~ومالك والشافعي واحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري والليث بن ~~سعد والأوزاعي وداود بن علي وغير هؤلاء من أئمة الفقهاء # PageV01P443 # فان المتكلمين يعظمون هؤلاء في علم الشريعة العملية والقضايا الفقهية ~~وأما في الكلام وأصول الدين مثل مسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوات ~~والمعاد فلا يلتزمون موافقة هؤلاء بل قد يجعلون شيوخهم المتكلمين أفضل منهم ~~في ذلك وقد يقولون أنهم وان علموا ذلك لكن لم يبسطوا القول فيه ولم يبينوه ~~كما فعل ذلك شيوخ المتكلمين. # فالنبي عند هؤلاء المتفلسفة يشبه المجتهد المتبوع عند المتكلمين ولهذا ~~يقول من يقرنهم بالأنبياء كأصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم اتفقت ~~الأنبياء والحكماء أو يقولون الأنبياء والفلاسفة كما يقول الأصوليون اتفق ~~الفقهاء والمتكلمون وهذا قول الفقهاء والمتكلمين ونحو ذلك والذين يعظمونهم ~~يريدون التوفيق بين ما يقولونه وبين ما جاءت به الأنبياء كما تقدم أنهم ~~يجعلون الأقيسة الثلاثة ms345 هي المذكورة في صورة النحل ويجعلون الملائكة هي هي ~~العقول والنفوس ومنهم طائفة ادعت كثرة الملائكة كأبي البركات صاحب المعتبر ~~وهؤلاء أقرب عندهم فان الأنبياء صرحوا بكثرة الملائكة وقد يجعلون الجن ~~والشياطين هي قوى النفوس الصالحة والفلسفة وقد بسط القول عليهم في غير هذا ~~الموضع وبين أن الملائكة التي أخبرت بها الرسل من ابعد الأشياء عما يدعونه ~~من العقول والنفوس وان الجن والشياطين أحياء ناطقون موجودون ليسوا أعراضا ~~قائمة بغيرها. # الكلام على جعلهم الأقيسة الثلاثة من القران: # والمقصود هنا كلامهم في المنطق فنقول قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك # PageV01P444 # بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} ليس المراد به ما يذكونه ~~من القياس البرهاني والخطابي والجدلي فان الأقيسة التي هي عندهم برهانية قد ~~تقدم بعض وصفها وأنها لا تفيد قط إلا أمرا كليا لا يدل على شيء معين وتلك ~~الكليات غالبها إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان والذي جاء به الرسول ~~أمران خبر وأمر. # فأما الخبر فانه اخبر عن الله بأسمائه وصفاته المعينة وهذا أمر يعترفون ~~هم أنه لا يعرف ببرهانهم وما اخبر به الرسول عن ربه عز وجل فهم من ابعد ~~الناس عن معرفته وكفار اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أقرب إلى الرسول ~~فيه منهم إليه وكذلك ما اخبر به عن الملائكة والعرش والكرسي والحنة والنار ~~ليس في ذلك شيء يمكن معرفته بقياسهم وليس المراد بالعرش الفلك التاسع ولا ~~بالكرسي الثامن كما قد بسط في موضع آخر ولو قدر أنه كذلك فليس هذا مما يعلم ~~بالقياس المنطقي. # والرسول اخبر عن أمور معينة مثل نوح وخطابه لقومه وأحواله المعينة ومثل ~~إبراهيم وأحواله المعينة ومثل موسى وعيسى وأحوالهما المعينة وليس شيء من ~~ذلك يمكن معرفته بقياسهم لا البرهاني ولا غيره فان أقيستهم لا تفيد إلا ~~أمورا كلية وهذه أمور خاصة. # وكذلك اخبر عما كان وعما سيكون بعده من الحوادث المعينة حتى اخبر عن ~~التتر بما ثبت في الصحيحين عنه من غير وجه أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى ~~تقاتلوا الترك ms346 صغار الأعين ذلف الأنوف حمر الخدود ينتعلون الشعر كأن وجوههم ~~المجان المطرقة" فهل يتصور أن قياسهم وبرهانهم يدل على ادمي معين أو امة ~~معينة فضلا عن أن يوصف بهذه الصفات قبل ظهورهم بنحو سبعمائة سنة # PageV01P445 # وكذلك قوله الثابت في الصحيح: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من ارض ~~الحجاز تضيء بها أعناق الإبل ببصرى" وهذه النار قد خرجت قبل مجيء أكثر ~~الكفار إلى بغداد سنة خمس وخمسين وستمائة وقد تواتر عن أهل بصرى أنهم رأوا ~~ببصرى أعناق الإبل من ضوء تلك النار وخبر هذه النار مشهور متواتر بعد أن ~~خرجت بجبال الحجاز وكانت تحرق الحجر ولا تنضج اللحم وفزع لها الناس فزعا ~~شديدا فهل يدل قياس برهاني أو غير برهاني على هذا الأمر المعين ويخبر به ~~المخبر قبل حدوثه بأكثر من ستمائة وخمسين سنة فان هذا اخبر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم في آخر أيام النبوة وأبو هريرة إنما اسلم عام خيبر سنة سبع ~~من الهجرة وصحب النبي صلى الله عليه وسلم أقل من أربع سنين فأخباره كلها ~~متأخرة. # وكذلك سائر ما اخبر به من الأمور الماضية والمستقبلة والأمور الحاضرة مما ~~يعلمون هم أنه يمتنع أن يعرف ذلك بالقياس البرهاني وغيره فان ذاك إنما يدل ~~على أمر مطلق كلي لا على شيء معين. # وأما العمليات التي أمر بها فهم وان ادعوا أن ما عندهم من الحكمة الخلفية ~~والمنزلة والمدنية تشبه ما جاء به من الشريعة العملية فهذا من أعظم البهتان ~~وذاك أن حكمتهم العملية إنما مبناها على أنهم عرفوا أن النفس لها قوة ~~الشهوة والغضب الشهوة لجلب # PageV01P446 # الملائم والغضب لدفع المنافي فجعلوا الحكمة الخلقية مبناها على ذلك ~~فقالوا ينبغي تهذيب الشهوة والغضب لكون كل منهما بين الإفراط والتفريط وهذا ~~يسمى عفة وهذا يسمى شجاعة والتعديل بينهما عدلا وهذه الثلث تطلب لتكميل ~~النفس بالحكمة النظرية العلمية فصار الكمال عندهم هذه الأمور العفة ~~والشجاعة والعدل والعلم. # وقد تكلم في هذا طوائف من الداخلين في الإسلام واستشهدوا على ذلك بما ~~وجدوه في ms347 القران والحديث وكلام السلف في مدح هذه الأمور والذين صنفوا في ~~الأخلاق والأعمال على طريق هؤلاء مثل كتاب موازين الأعمال لأبي حامد ومثل ~~أصحاب رسائل إخوان الصفا ومثل كتب محمد بن يوسف العامري وغيره يبنون كلامهم ~~على هذا الأصل. # لكن غلطوا فان مراد الله ورسوله بالعلم الذي يمدحه ليس هو العلم النظري ~~الذي هو عند فلاسفة اليونان بل الحكمة: "اسم يجمع العلم والعمل به في كل ~~امة" قال ابن قتيبة وغيره: "الحكمة عند العرب العلم والعمل به" وسئل مالك ~~عن الحكمة؟ فقال: "هو معرفة الدين والعمل به" وكل امة لها حكمة بحسب علمها ~~ودينها فالهند لهم حكمة مع أنهم مشركون كفار والعرب قبل الإسلام كانت لهم ~~حكمة وكان فيهم حكماء العرب مع كونهم مشركين يعبدون الأوثان فكذلك اليونان ~~لهم حكمة كحكمتهم. # وحكماء كل طائفة هم أفضل تلك الطائفة علما وعملا لكن لا يلزم من ذلك أن ~~يكونوا ممدوحين عند الله وعند رسوله فان الممدوح عند الله وعند رسوله لا ~~يكون قط إلا من المؤمنين المسلمين الذين امنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والبعث بعد الموت وعبدوا الله وحده لم يشركوا به شيئا ولم يكذبوا نبيا من ~~أنبيائه ولا كتابا من كتبه # PageV01P447 # ولا يثنى الله قط إلا على هؤلاء كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى ~~من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~وقال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ~~واتخذ الله إبراهيم خليلا} . # وقد ذكر الله عن الأنبياء وأتباعهم أنهم كانوا مسلمين مؤمنين من نوح إلى ~~الحواريين وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين} وهذا عام ms348 في الأولين والآخرين وقال: {إن الدين عند ~~الله الإسلام} وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} وقوله تعالى: {أسلم ~~وجهه لله وهو محسن} أي اخلص قصده وعمله لله وهو محسن يفعل الصالحات وهذا هو ~~الإسلام وهو أن يكون عمله عملا صالحا ويعمله لله تعالى وهذا هو عبادة الله ~~وحده لا شريك له وبهذا بعث الله الرسل جميعهم. # سبب نزول قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} الآية: # وكذلك لما ذكر الملل الأربعة الذين فيهم من هو محمود سعيد قال تعالى: {من ~~آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون} وروى الناس كابن أبي حاتم وغيره بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قال سلمان: "سألت النبي # PageV01P448 # صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم فذكر من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: ~~{إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا} وكذلك ذكر السدي عن أشياخه في تفسيره المعروف قال: "نزلت ~~هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذ ذكر أصحابه فأخبره فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك ويشهدون انك ~~ستبعث نبيا فأنزل الله هذه الآية: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} فقال: "كان إيمان اليهود أنه من تمسك ~~بالتوراة وبسنة موسى حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة واخذ ~~بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا وإيمان النصارى أن من تمسك ~~بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلى الله ~~عليه وسلم فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من ~~سنة عيسى والإنجيل كان هالكا" قال ابن أبي حاتم: "وروي عن سعيد بن جبير نحو ~~هذا". # و {والذين هادوا} أولا: المراد بهم أمة ms349 محمد. # وأما ما يذكره طائفة من المفسرين في قوله: {والذين هادوا} أن فيهم أقوالا ~~أحدها: أنهم هم الذين آمنوا بعيسى قبل أن يبعث محمد قاله ابن عباس والثاني: ~~أنهم الذين آمنوا بموسى وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى فآمنوا به وعملوا # PageV01P449 # بشريعته لما أن جاء محمد وقالوا هذا قول السدي عن أشياخه والثالث: أنهم ~~طلاب الدين كحبيب النجار وقس بن ساعدة وسلمان الفارسي وأبي ذر وبحيرا ~~الراهب آمنو بالنبي قبل مبعثه فمنهم من أدركه وتابعه ومنهم من لم يدركه ~~والخامس أنهم المنافقون والسادس أنهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين والكتب ~~المتقدمة فلا يؤمنوا بك ولا بكتابك. # فهذه الأقوال ذكرها الثعلبي وأمثاله ولم يسموا قائلها وذكرها أبو الفرج ~~ابن لجوزي إلا السادس وسمي قائل الأولين وذكر أنهم المنافقون عن الثوري ~~وهذه الأقوال كلها مبتدعة لم يقل الصحابة والتابعون لهم بإحسان شيئا منها ~~وما نقل عن السدي غلط عليه وقد ذكرنا لفظه الموجود في تفسيره المنقول ~~بالإسناد الثابت في تفاسير الذين يذكرون الأسانيد كتفسير عبد الرحمن بن أبي ~~حاتم وتفسير أبي بكر بن المنذر وتفسير محمد بن جرير الطبري وأمثال هذه ~~التفاسير وما # PageV01P450 # نقل عن ابن عباس لا يثبت. # وهي أقوال باطلة فان من كان متمسكا بشريعة عيسى قبل أن يبعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم من غير تبديل فهم النصارى الذين أثنى الله عليهم وكذلك من ~~تمسك بشريعة موسى قبل النسخ والتبديل فهم اليهود الذين أثنى الله عليهم ~~وطلاب الدين كحبيب النجار كان على دين المسيح وكذلك بحيرا الراهب وغيره وكل ~~من تقدم من الأنبياء وأمتهم يؤمنون بمحمد فليس هذا من خصائص هذا النفر ~~القليل. # الكلام على أخذ الله ميثاق النبيين على الإيمان بمحمد: # قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} وعن علي بن أبى طالب ~~أنه قال: "لم يبعث الله نبيا ادم ومن ms350 بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ~~وأمره وأخذ العهد على قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه" وكذلك عن ~~ابن عباس أنه قال: "ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد لئن بعث محمد وهو ~~حي ليؤمنن به وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته أن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن ~~به ولينصرنه". # وقال بعض العلماء: "أخذ الميثاق على النبيين وأمتهم فاجتزأ بذكر الأنبياء ~~عن ذكر الأمم لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع ~~وحقيقة الأمر أن الميثاق إذا أخذ على الأنبياء دخل فيه غيرهم لكونه تابعا ~~لهم ولأنه إذا وجب على الأنبياء الإيمان به ونصره فوجوب ذلك على من اتبعهم ~~أولى وأحرى ولهذا ذكر عن الأنبياء فقط" # PageV01P451 # وقد قيل أن المراد بأخذ الميثاق على الأنبياء هو أخذه على قومهم فإنهم هم ~~الذين يدركون النبي الآتي وقالوا هي في قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب وزعم بعضهم أن هذه القراءة هي الصواب ~~والأولى غلط من الكتاب وهذا قول باطل ولولا أنه ذكر لما حكيته فإن ما بين ~~لوحي المصحف متواتر والقرآن صريح في أن الله أخذ الميثاق على النبيين فلا ~~يلتفت إلى من قال إنما أخذ على أممهم. # لكن الأنبياء أمروا أن يلتزموا هذا الميثاق مع علم الله وعلم من اعلمه ~~منهم أنهم لا يدركونه كما نؤمن نحن بما تقدمنا من الأنبياء والكتب وإن لم ~~ندركهم وأمر الجميع بتقدير إدراكه أن يؤمنوا به وينصروه كما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم اخبرنا بنزول عيسى ابن مريم من السماء على المنارة البيضاء ~~شرقي دمشق واخبر أنه يقتل المسيح الدجال فنحن مأمورون بالإيمان بالمسيح ابن ~~مريم وطاعته أن أدركناه وإن كان لا يأمرنا إلا بشريعة محمد ومأمورون بتكذيب ~~المسيح الدجال وأكثر المسلمين لا يدركون ذلك بل إنما يدركه بعضهم. # قال طاووس: "أخذ الله ميثاق النبيين بعضهم على بعض {ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} فقال: "هذه الآية ms351 لأهل الكتاب أخذ الله ~~ميثاقهم أن يؤمنوا بمحمد ويصدقوه" يعني بذلك أن من أدرك نبوة محمد منهم ~~يعنى هم الذين أدركهم العمل بالآية وإلا فذكر أن الميثاق أخذ على النبيين ~~بعضهم على بعض لكن ذلك عهد وإقرار مع العلم بأنهم لا يدركونه وكذلك عن ~~السدي "لم يبعث الله نبيا قط من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه ليؤمنن بمحمد ~~ولينصرنه إن خرج وهو حي وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن خرج وهم ~~أحياء" وقال محمد بن اسحق: "ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى أنبيائهم الميثاق ~~بتصديقه إذا هو جاءهم # PageV01P452 # وإقرارهم به على أنفسهم" فقال: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة ثم جاءكم} الاية. # وقوله: {رسول مصدق لما معكم} متناول لمحمد بالاتفاق فان رسالته كانت عامة ~~وقد قال الله له: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه} فكتابه مهيمن على ما بين يديه من كتب السماء وقد أوجب الله ~~على أهل الكتابين وسائر أهل الأرض الإيمان به وهذا مذكور في غير موضع من ~~القران والحديث وهو مع أنه إجماع من المسلمين فهو معلوم بالاضطرار من دينه ~~متواتر عنه كما تواتر عنه غزوه اليهود والنصارى. # وهل يدخل في ذلك غيره من الرسل؟ فيه قولان قيل: أن الله أخذ ميثاق الأول ~~من الأنبياء أن يصدق الثاني وينصره وأمره أن يأخذ الميثاق على قومه بذلك ~~وقيل بل هذا الرسول هو محمد خاصة وهذا قول الجمهور وهو الصواب لأن الأنبياء ~~قبله إنما كانت دعوتهم خاصة لم يكونوا مبعوثين إلى كل أحد فإذا لم يدخل في ~~دعوته جميع أهل زمنهم ومن بعدهم كيف يدخل فيها من أدركهم من الأنبياء قبلهم ~~والله تعالى قد بعث في كل قوم نبيا كما قال تعالى: {إنا أرسلناك بالحق ~~بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وكذلك قوله: {لتؤمنن به ولتنصرنه} ~~والنصرة مع الإيمان به هو ms352 الجهاد ونوح وهود ونحوهم من الرسل لم يؤمروا ~~بجهاد ولكن موسى وبنوا إسرائيل أمروا بالجهاد. # وقوله: (لما) هذه اللام تسمى الموطئة للقسم فان الكلام إذا كان فيه شرط ~~متقدم وقسم كان جواب القسم يسد مسد جواب الشرط والقسم جميعا وأدخلت اللام ~~الموطئة على أداة الشرط وما هنا شرطية واللام في قوله: {لتؤمنن به} هي جواب ~~القسم ونظير اللام الموطئة في قوله: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ~~ما تبعوا قبلتك} ونظير هذه الآية قوله: {ولئن # PageV01P453 # جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} وقوله: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك} {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه} . # ولهذا قال النحاة كالمبرد والزجاج: "هذه لام التحقيق دخلت على ما الجزاء ~~أي الشرطية كما تدخل على أن ومعناه لمهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به واللام في لتؤمنن به جواب الجزاء" وكذلك قال ~~الفراء: "من فتح اللام جعلها لاما زائدة بمنزلة اليمين إذا وقعت على جزاء ~~صرف بعد ذلك الجزاء على جهة فعل وحرف جوابه كجواب اليمين والمعنى أي كتاب ~~أتيتكم ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به وجواب الجزاء في قوله: ~~(لتؤمن به) ومعنى قولهم جواب الجزاء في هذا أي جواب القسم تضمن أيضا جواب ~~الجزاء فهو جواب لهما في المعنى". # والمقصود أن ما عليه جميع الأمم من حكمة علمية وعملية إذا لم يكونوا ممن ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحا فان الله لا يمدحهم ولا يثني عليهم ~~وهؤلاء الفلاسفة أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأوثان ويبنون الهياكل ~~للكواكب فليست حكمتهم من الحكمة التي أثنى الله عليها وعلى أهلها ومن كان ~~من الفلاسفة الصابئة المشركين فهو من جنسهم. # الصابئة وصواب التحقيق عنهم: # وأما الصابئون الحنفاء فهم في الصابئين بمنزلة من كان متبعا لشريعة ~~التوراة والإنجيل # PageV01P454 # قبل النسخ والتبديل من اليهود والنصارى وهؤلاء ممن حمدهم الله وأثنى ~~عليهم وبعض الناس يقول أن بقراط كان من هؤلاء. # ووهب بن منبه من اعلم ms353 الناس بأخبار الأمم المتقدمة وقد روى ابن أبي حاتم ~~بالإسناد الثابت أنه قيل لوهب بن منبه ما الصابئون؟ قال: "الذي يعرف الله ~~وحده وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا" وكذلك روى عن الثوري عن ليث ~~عن مجاهد قال: "هم قوم من المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين" قال: "وروى ~~عن علماء نحو ذلك" أي ليس لهم شريعة مأخوذة عن نبي ولم يرد بذلك أنهم كفار ~~فان الله قد أثنى على بعضهم فهم متمسكون بالإسلام المشترك وهو عبادة الله ~~وحده وإيجاب الصدق والعدل وتحريم الفواحش والظلم ونحو ذلك مما اتفقت الرسل ~~على إيجابه وتحريمه فان هذا دخل في الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينا ~~غيره وكذلك قال عبد الرحمن بن زيد: "هم قد يقولون لا إله إلا الله فقط وليس ~~لهم كتاب ولا نبي". # وهذا كما كانت العرب عليه قبل أن يبتدع عمرو بن لحي الشرك وعبادة الأوثان ~~فإنهم كانوا حنفاء يعبدون الله وحده ويعظمون إبراهيم وإسماعيل ولم يكن لهم ~~كتاب يقرؤونه ويتبعون شريعته وكان موسى قد بعث إلى بني إسرائيل بشريعة ~~التوراة وحج البيت العتيق ولم يبعث إلى العرب لا عدنان ولد إسماعيل ولا ~~قحطان والناس # PageV01P455 # متفقون على أن عدنان ولد اسماعيل وربيعة ومضر وأما قحطان فقال بعضهم: "هم ~~أيضا من ولد إسماعيل" والصحيح أنهم كانوا موجودين قبل إبراهيم بأرض اليمن ~~ومنهم جرهم الذين سكنوا مكة ومنهم تعلم إسماعيل العربية. # وأما من قال من السلف: "الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور" كما ~~نقل ذلك عن أبي العالية والضحاك والسدي وجابر بن يزيد والربيع ابن انس ~~فهؤلاء أرادوا من دخل في دين أهل الكتاب منهم وكذلك من قال: "هم صنف من ~~النصارى" كما يروى عن ابن عباس أنه قال: "هم صنف من النصارى وهم السائحون ~~المحلقة أوساط رؤؤسهم فهؤلاء عرفوا منهم من دخل في أهل الكتاب". # ومن قال: "أنهم يعبدون الملائكة" كما يروي عن الحسن قال: "هم قوم يعبدون ~~الملائكة" وعن أبي جعفر الرازي قال: "بلغني أن ms354 الصابئين قوم يعبدون ~~الملائكة ويقرؤون الزبور ويصلون" فهذا أيضا صحيح وهم صنف منهم وهؤلاء كثير ~~من الصابئين يعبدون الروحانيات العلوية لكن هؤلاء من المشركين منهم ليسوا ~~من الحنفاء. # وكذلك اختلاف الفقهاء في الصابئين هل هم من أهل الكتاب أم لا؟ ويذكر فيه ~~عن احمد روايتان وكذلك قولان للشافعي والذي عليه محققوا الفقهاء أنهم صنفان ~~فمن دان بدين أهل الكتاب كان منهم وإلا فلا. # وقال أبو الزناد: "الصابئون قوم مما يلي العراق وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ~~ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات فهؤلاء ~~الصابئة الذين أدركهم الإسلام وكانوا بأرض حران والذين خبروهم عرفوا أنهم ~~ليسوا من أهل الكتاب بل مشركون يعبدون الكواكب ولا يحل أكل # PageV01P456 # ذبائحهم ولا نكاح نسائهم وان اظهروا الإيمان بالنبيين فهو من جنس إيمان ~~الفلاسفة بالنبيين والفلاسفة الصابئون من هؤلاء. # وأما قبول الجزية منهم فهو على خلاف المشهور فمن قبلها من غير أهل الكتاب ~~كما يقبل من المجوس قبلها من هؤلاء وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة واحمد في ~~إحدى الروايتين ومن لم يقبلها إلا من أهل الكتاب لم يقبلها من هؤلاء كما ~~إذا لم يدخلوا في دين أهل الكتاب كما هو قول الشافعي واحمد في الرواية ~~الأخرى عنه وكان أبو سعيد الإصطخري أفتى بأن لا تقبل منهم الجزية ونازعه في ~~ذلك جماعة من الفقهاء. # كون إيمان الفلاسفة كإيمان المنافقين: # وهذا كما أن كثيرا من الفلاسفة وغيرهم من الزنادقة يدخلون في دين ~~المسلمين واليهود والنصارى من الشرائع الظاهرة وان لم يكونوا في الباطن ~~مقرين بحقيقة ما جاءت به الأنبياء كالمنافقين في المسلمين يجري عليهم أحكام ~~الإسلام في الظاهر وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار. # فان قيل هؤلاء الفلاسفة يؤمنون بالله واليوم الآخر فإنهم يقرون بواجب ~~الوجود وبمعاد الأرواح قيل النصارى خير منهم ومن أسلافهم وهم مع هذا لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين # PageV01P457 # الحق فلا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ms355 يعملون صالحا فكيف هؤلاء؟ ~~قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون} مع أن النصارى يقرون بمعاد الأبدان لكن لما ~~أنكروا ما اخبر به الرسول من الأكل والشرب ونحو ذلك صاروا ممن لا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر وهؤلاء الفلاسفة لا يقرون بمعاد الأبدان. # ولهم في معاد النفوس ثلاثة أقوال والثلاثة تذكر عن الفارابي نفسه أنه كان ~~يقول تارة هذا وتارة هذا وتارة هذا منهم من يقر بمعاد الأنفس مطلقا ومنهم ~~من يقول إنما تعاد النفوس العالمة دون الجاهلة فان العالمة تبقى بالعلم فان ~~النفس تبقى ببقاء معلومها والجاهلة التي ليس لها معلوم باق تفسد وهذا قول ~~طائفة من أعيانهم ولهم فيه مصنفات ومنهم من ينكر معاد الأنفس كما ينكر معاد ~~الأبدان وهو قول طوائف منهم وكثير منهم يقول بالتناسخ. # اليوم الآخر كما هو مذكور في القران: # وليس شيء من ذلك إيمانا باليوم الآخر فان اليوم الآخر هو الذي ذكره الله ~~في قوله تعالى: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} وقوله تعالى: {قل إن ~~الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} وقوله تعالى: {زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله ~~يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير يوم ~~يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} وقوله تعالى: {وإذا الرسل أقتت لأي يوم ~~أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين} إلى قوله: ~~{انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا ~~يغني من اللهب إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالت صفر ويل يومئذ # PageV01P458 # للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين ~~هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ويل يومئذ ~~للمكذبين} وقوله تعالى: {إن في ذلك لآية ms356 لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع ~~له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا ~~بإذنه فمنهم شقي وسعيد} وقوله: {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم ~~عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين} وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين يقوم احدهم في العرق إلى أنصاف ~~أذنيه". # وقوله: {القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش} وقوله: {فإذا نفخ في الصور نفخة ~~واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت ~~السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} وقوله: {أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة ~~واحدة فإذا هم ينظرون وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي ~~كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون ما لكم لا تناصرون بل هم ~~اليوم مستسلمون} وقوله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع ~~من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره} # PageV01P459 # إلى قوله: {يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسأل حميم ~~حميما يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه} وقوله تعالى: ~~{فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون يوم يخرجون من الأجداث ~~سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا ~~يوعدون} وقوله: {فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون ~~من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر} ~~وقوله تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا السماء منفطر به ~~كان وعده مفعولا} ms357 وقوله تعالى: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل ~~كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد} ومثل هذا في القران كثير. # فهولاء لا يؤمنون باليوم الآخر فلم يدخلوا في من مدح من الصابئين. # بيان بعض ضلالات من معتقدات الفلاسفة: # وأيضا لأنبياء وأتباعهم بل وجماهير الأمم متفقون على أن الله خلق السموات ~~والأرض فهي محدثة بعد أن لم تكن وكذلك أساطين الفلاسفة والقول بقدمها هو عن ~~أرسطو وشيعته ومن وافقهم فكيف يجوز أن يقال أن الحكمة التي أمر الله نبيه ~~أن يدعو الخلق بها هو هذا. # وأيضا فحكمتهم غايتها تعديل أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي هو كمالها ~~وهذا من أقل ما جاء به الرسل ومن توابعه والمقصود بالعبادات التي أمرت بها ~~الرسل تكميل النفس بمحبة الله تعالى وتألهه فإن النفس لها قوتان علمية ~~وعملية وهؤلاء جعلوا كمالها في العلم فقط ثم ظنوا ذلك هو العلم بالوجود ~~المطلق حتى يصير الإنسان عالما معقولا موازيا للعالم الموجود ومنهم من يقول ~~النفس إنما تبقى ببقاء # PageV01P460 # معلومها وهم يعتقدون بقاء الأفلاك والعقول والنفوس فجعلوا كمالها في ~~العلم بالموجودات التي اعتقدوا بقاءها ومن تقرب إلى الإسلام منهم يقول بل ~~كمالها في العلم بواجب الوجود وهذا يشبه قول الجهم بن صفوان ومن وافقه في ~~أن الإيمان مجرد العلم بالله. # وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع في جواب المسألة الصفدية ~~وغير ذلك وبينا أنهم غلطوا من وجوه منها ظنهم أن كمال النفس في مجرد العلم ~~ومنها ظنهم أن هذا الكمال يحصل بمعرفة أمور كلية لا موجودات معينة ومنها ~~ظنهم أن ما عندهم في الإلهيات علم وأكثر جهل ولهذا كان الغاية عندهم التشبه ~~بالفلك. # ولهذا يصنف من يصنف منهم في الصلاة فليس المقصود منها عبادة الله ولا ~~دعاؤه فانه لا يعلم الجزئيات عندهم ولا يميز بين المصلي وغير المصلي بل ~~مقصود الصلاة هو العلم بالوجود المطلق الذي يزعمون أنه كمال النفس والصلاة ~~الظاهرة ms358 يطلب منها سياسة البدن ورياضته وإنما قالوا أن يسأل القمر ويستعيذه ~~فانه يدبر هذا العالم بواسطة العقل الفعال فهو عندهم الرب الذي يسأل ~~ويستعاذ به ومنه فاضت العلوم على الأنبياء وغيرهم. # وربما قالو المقصود بالصلاة تذكر الشرع الذي شرعه الشارع ليحفظ به ~~القانون الذي شرعه لهم لمصلحة الدنيا كما يذكر ذلك ابن سينا وغيره وذلك ~~أنهم لا يثبتون أن الله يسمع كلام العباد ولا يرى أفعالهم ولا يجيب دعاءهم ~~بل الدعاء عندهم هو تصرف النفس في هيولي العالم فيحصل لها بما تهتم به من ~~تجردها عن البدن نوع تجريد حتى تتصرف في هيولي العالم وأما الرب تعالى فليس ~~هو عندهم لا بكل شيء عليم ولا على كل شيء قدير ولا يعلم لا السر ولا النجوى ~~ولا غير ذلك من # PageV01P461 # أحوال العباد ولا له ملائكة كثير ينزلون ويصعدون إليه عندهم ولا يصعد ~~إليه لا الكلم الطيب ولا العمل الصالح وغاية الأنفس عندهم أن تكون متصلة ~~بالعقل الفعال الذي هو ربها عندهم لا تصعد إلى الله. # وإذا قالوا: "سعادة النفس أن تشهد الله وتراه" فحقيقة ذلك عندهم هو العلم ~~بما تصورته من الوجود المطلق أو من وجود واجب الوجود وصاحب الكتب المضنون ~~بها على غير أهلها إذا تكلم في رؤية الحق ورؤية وجهه في كتابه الأحياء أو ~~غيره قال: "هذا يعود مراده وهو معرفة النفس الناطقة بربها" هذه هي الرؤية ~~عندهم كما قد بين ذلك في غير موضع لأن الأصول التي اعتقدوها من أقوال ~~النفاة المعلطلة ألجأتهم إلى هذه العقائد الفاسدة كما قد بسط في موضعه فكيف ~~تكون الحكمة العلمية التي أمر الله بها ورسوله موافقة لحكمة هؤلاء. # ضلالهم في نفي علم الله وغيره من الصفات ورده: # ونحن قد بسطنا الكلام على فساد قولهم في العلم وغيره من الصفات وبينا ~~أصولهم التي أوجبت أن قالوا مثل هذه الأقوال التي هي من أعظم الفرية على ~~الله # PageV01P462 # وبينا فسادها ولهذا لما تفطن أبو البركات لفساد قول أرسطو أفرد مقالة في ~~العلم وتكلم على بعض ms359 ما قاله في المعتبر وانتصف منه بعض الانتصاف مع أن ~~الأمر أعظم مما ذكره أبو البركات وأعظم عمدهم في نفيه أنه يستلزم التكثر ~~والتغير. # فالتكثر يريدون به إثبات الصفات ثم ابن سينا وغيره اثبتوا علمه بنفسه ~~وبلوازم نفسه معينا كالأفلاك كليا كغيرها فيلزمهم ما فروا منه من تعدد ~~الصفات وهم يقولون أنه عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق ولذيذ وملتذ ~~ولذة وربما قالوا مبتهج وهي معان متعددة ثم يكابرون فيقولون العلم هو الحب ~~وهو القدرة وهو اللذة فيجعلون كل صفة هي الصفة الأخرى ويزيدون مكابرة أخرى ~~فيقولون العلم هو العالم والحب هو المحب واللذة هو الملتذ فيجعلون الصفات ~~عين الموصوف ولما رأى الطوسي شارح الإشارات ما لزم صاحبها سلك طريقة أخرى ~~جعل فيها العلم بالمعقولات هو نفس المعقولات مع أنهم ليس لهم قط حجة على ~~نفي الصفات إلا ما تخيلوه من أن هذا تركيب وقد بينا فساده من وجوه كثيرة. # أما التغير فقالوا العلم بالمتغيرات يستلزم أن يكون علمه بأن الشيء سيكون ~~غير علمه بأن قد كان فيلزم أن يكون محلا للحوادث وهم ليس عندهم على نفي هذه ~~اللوازم حجة أصلا لا بينة ولا شبهة وإنما نفوه لنفيهم الصفات لا لأمر يختص ~~بذلك بخلاف من نفي ذلك من الكلابية ونحوهم فإنهم لما اعتقدوا أن القديم لا ~~تقوم به الحوادث قالوا لأنها لو قامت به لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث ~~فهو حادث وقد بين أتباعهم كالرازي والآمدي وغيرهم فساد المقدمة الأولى التي ~~يخالفهم فيها جمهور العقلاء ويقولون بل القابل للشيء قد يخلو عنه وعن ضده ~~أما المقدمة الثانية فهي حجة المتكلمين الجهمية والقدرية ومن وافقهم من أهل ~~الكلام على إثبات حدوث الأجسام باستلزامها للحوادث وقالوا ما لا يخلو عن # PageV01P463 # الحوادث أو ما لا يسبقها فهو حادث لبطلان حوادث لا أول لها وهو التسلسل ~~في الآثار. # والفلاسفة لا يقولون بشيء من ذلك بل عندهم القديم تحله الحوادث ويجوزون ~~الحوادث لا أول لها ولهذا كان كثير من أساطينهم ومتأخريهم كأبي ms360 البركات ~~يخالفونهم في إثبات الصفات وقيام الحوادث بالواجب وقالوا لا خوانهم ~~الفلاسفة ليس معكم حجة على نفي ذلك بل هذه الحجة أثبتموها من جهة التنزيه ~~والتعظيم بلا حجة والرب لا يكون مدبرا للعالم إلا بهذه القضية فكان من ~~تنزيه الرب وإجلاله تنزيهه عن هذا التنزيه وإجلاله عن هذا الإجلال. # وللنظار في جوابهم عن هذا طريقان منهم من يمنع المقدمة الأولى ومنهم من ~~يمنع الثانية فالأول جواب كثير من المعتزلة والأشعري وأصحابه وغيرهم ممن ~~ينفي حلول الحوادث فادعى هؤلاء أن العلم بأن الشيء سيكون هو عين العلم بأنه ~~قد كان وان المتجدد إنما هو نسبته بين المعلوم والعلم لا أمر ثبوتي والثاني ~~جواب هشام وابن كرام وأبي الحسين البصري وأبي عبد الله بن الخطيب وطوائف ~~غير هؤلاء قالوا لا محذور في هذا وإنما المحذور في أن لا يعلم الشيء حتى ~~يكون فان هذا يستلزم أنه لم يكن عالما وانه أحدث بلا علم وهذا قول باطل. # أدلة القران والحديث على إثبات العلم لله تعالى: # وعامة من يستشكل الآيات الواردة في هذا المعنى كقوله إلا لنعلم حتى # PageV01P464 # نعلم يتوهم أن هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون وهذا جهل فان القران قد ~~اخبر بأنه يعلم ما سيكون في غير موضع بل ابلغ من ذلك أنه قدر مقادير ~~الخلائق كلها وكتب ذلك قبل أن يخلقها فقد علم ما سيخلقه علما مفصلا وكتب ~~ذلك واخبر بما اخبر به من ذلك قبل أن يكون وقد اخبر بعلمه المتقدم على ~~وجوده ثم لما خلقه علمه كائنا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون فهذا هو الكمال ~~وبذلك جاء القران في غير موضع بل وبإثبات رؤية الرب له بعد وجوده كما قال ~~تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} فأخبر أنه سيرى ~~أعمالهم. # وقد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ودلائل العقل على أنه سميع بصير ~~والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه ~~عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم كما قال تعالى: {قد سمع الله ms361 قول التي تجادلك ~~في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} أي تشتكي إليه وهو يسمع ~~التحاور والتحاور تراجع الكلام بينها وبين الرسول قالت عائشة: "سبحان الذي ~~وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~جانب البيت وانه ليخفي على بعض كلامها" فأنزل الله: {قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} وكما قال تعالى ~~لموسى وهارون: {لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} وقال: {أم يحسبون أنا لا ~~نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} . # وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضعة عشر موضعا في القران مع ~~إخباره في مواضع أكثر من ذلك أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون وقد اخبر في ~~القران من المستقبلات التي لم تكن بعد بما شاء الله بل اخبر بذلك نبيه وغير # PageV01P465 # نبيه {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} بل هو سبحانه يعلم ما كان ~~وما يكون وما لو كان كيف كان يكون كقوله {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} بل ~~وقد يعلم بعض عباده بما شاء أن يعلمه من هذا وهذا ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء. # قال تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه} وقال: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} وقوله: {وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء} وقوله: {وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا} وقوله: {أم حسبتم ~~أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة} وقوله: {ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما ~~لبثوا أمدا} وقوله: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين} إلى قوله: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} ~~وقوله: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو ms362 أخباركم} وغير ~~ذلك من المواضع. # روى عن ابن عباس في قوله: {إلا لنعلم} أي لنرى وروي لنميز وهكذا قال عامة ~~المفسرين إلا لنرى ونميز وكذلك قال جماعة من أهل العلم قالوا لنعلمه موجودا ~~واقعا بعد أن كان قد علم أنه سيكون ولفظ بعضهم قال العلم على منزلتين علم ~~بالشيء قبل وجوده وعلم به بعد وجوده والحكم للعلم به بعد وجوده لأنه يوجب ~~الثواب والعقاب قال فمعنى قوله لنعلم أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل ~~الثواب والعقاب ولا ريب أنه كان عالما سبحانه بأنه سيكون لكن لم يكن ~~المعلوم قد وجد وهذا كقوله: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في # PageV01P466 # السماوات ولا في الأرض} أي بما لم يوجد فانه لو وجد لعلمه فعلمه بأنه ~~موجود ووجوده متلازمان يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه ~~والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر. # والمقصود أن يعرف الإنسان أنهم يقولون من الجهل والكفر ما هو في غاية ~~الضلال فرارا من لازم ليس لهم قط دليل على نفيه ولو قدر شبهة تعارض ثبوت ~~العلم فأين هذا من هذا وأين الأدلة الدالة على ثبوت علمه والمحذور في نفي ~~علمه مما يظن أنه يدل على نفي الصفات أو نفي بعضها دليلا ومحذورا. # بطلان قولهم الثلاثة المذكورة في النحل هي البرهان والخطابة والجدل: # والمقصود هنا أن ما يجعلونه من القران مطابقا لأصولهم ليس كما يقولون فان ~~قيل لا ريب أن ما جاء به الرسول من الحكمة والموعظة الحسنة والجدل يخالف ~~أقوال هؤلاء الفلاسفة أعظم من مخالفته لأقوال اليهود والنصارى لكن المقصود ~~أن الثلاثة المذكورة في القران هي البرهان الصحيح والخطابة الصحيحة والجدل ~~الصحيح وان لم تكن هي عين ما ذكره اليونان إذ المنطق لا يتعرض لشيء من ~~المواد وإنما الغرض أن هذه الثلاثة هي جنس هذه الثلاثة. # قيل وهذا أيضا باطل فان الخطابة عندهم ما كان مقدماته مشهورة سواء كانت ~~علما مجردا أو علما يقينيا والوعظ في القران هو الأمر والنهي والترغيب ~~والترهيب كقوله تعالى: ms363 {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} . # فقوله: {ما يوعظون به} أي ما يؤمرون به وقال: {يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين} أي ينهاكم عن ذلك. # وأيضا فالقرآن ليس فيه أنه قال: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم} وذلك # PageV01P467 # لأن الإنسان له ثلاثة أحوال: إما أن يعرف الحق ويعمل به وأما أن يعرفه ~~ولا يعمل به وأما أن يجحده فأفضلها أن يعرف الحق ويعمل به والثاني: أن ~~يعرفه لكن نفسه تخافه فلا توافقه على العمل به والثالث: من لا يعرفه بل ~~يعارضه فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة فأن الحكمة هي اللم بالحق ~~والعمل به فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيدعون بالحكمة ~~والثاني: من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعظة الحسنة فهاتان ~~هما الطريقان الحكمة والموعظة وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا فأن النفس ~~لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وان عرفته فالناس يحتاجون إلى الموعظة ~~الحسنة والى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا. # وأما الجدل فلا يدعى به بل هو من باب دفع الصائل فإذا عارض الحق معارض ~~جودل بالتي هي أحسن ولهذا قال وجادلهم فجعله فعلا مأمورا به مع قوله ادعهم ~~فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن وقال ~~في الجدال بالتي هي أحسن ولم يقل بالحسنة كما قال في الموعظة لأن الجدال ~~فيه مدافعة ومغاضبة فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من ~~الممانعة والمدافعة والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل فما دام الرجل ~~قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أو لهما جميعا لم يحتج إلى مجادلة فإذا ~~مانع جودل بالتي هي أحسن. # والمجادلة يعلم كما أن الحكمة بعلم وقد ذم الله من يجادل بغير علم فقال ~~تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به ~~علم} والله لا ms364 يأمر المؤمنين أن يجادلوا بمقدمة يسلمها الخصم أن لم تكن ~~علما فلو قدر أنه قال باطلا لم يأمر الله أن يحتج عليهم بالباطل لكن هذا ~~قدر يفعل لبيان فساد قوله وبيان تناقضه لا لبيان الدعوة إلى القول الحق ~~والقرآن مقصوده بيان الحق ودعوة العباد إليه وليس المقصود ذكر ما تناقضوا ~~فيه من أقوالهم ليبين # PageV01P468 # خطأ أحدهما: لا بعينه فالمقدمات الجدلية التي ليست علما هذا فائدتها وهذا ~~يصلح لبيان خطأ الناس مجملا. # ثم أنهم تارة يجعلون النبوة إنما هي من باب الخطابة وتارة يجعلون الخطابة ~~أحد أنواع كلامها فيتناقضون وسبب ذلك أن القرآن أمر عظيم باهر لم يعرفوا ~~قدره ولا دروا ما فيه من العلم والحكمة وأرادوا أن يشبهوا به كلام قوم كفار ~~اليهود والنصارى أقل ضلالا منهم في معرفة الله ومعرفة أنبيائه وكتبه وأمره ~~ونهيه ووعده ووعيده ولو شبه مشبه القرآن بالتوراة والإنجيل لظهر خطأه غاية ~~الظهور والجميع كلام الله تعالى فكيف بكلام هؤلاء الملاحدة. # الوجه الثاني عشر: كون نفيهم وجود الجن والملائكة والوحي قولا بلا علم: # الوجه الثاني عشر: أن يقال هم معترفون بالحسيات الظاهرة وبالحسيات ~~الباطنة التي يحس بها الإنسان ما في نفسه كإحساسه بجوعه وعطشه ولذته وألمه ~~وشهوته وغضبه وفرحه وغمه وكذلك ما يتخيله في نفسه من أمثلة الحسيات التي ~~أحسها فانه يتخيل ذلك من نفسه. # وقد فرقوا بين قوة التخيل والوهم فالتخيل أن يتخيل الحسيات والوهم أن ~~يتصور في الحسيات معنى غير محسوس كما يتصور الصداقة والعداوة فان الشاة ~~تتصور في الذئب معنى هو العداوة وهو غير محسوس ولا تتخيل وتتصور في التيس ~~معنى الصداقة فالموالات والمعادات يسمون الشعور بها توهما وهم لم يتكلموا ~~في ذلك بلغة العرب فان الوهم في لغة العرب معنى آخر كما قد بين في موضعه. # ولسي معهم ما ينفى وجود ما يمكن أن يختص برؤيته بعض الناس بالباطن ~~كالملائكة والجن بل ولا معهم ما ينفى تمثل هذه الأرواح أجساما حتى ترى ~~بالحس # PageV01P469 # الظاهر ولا معهم أن النفس قد ترى غيرهما ما ms365 هو من أحوالها مثل أن ترى عند ~~الموت أمورا موجودة لم تكن تراها وهي متعلقة بالبدن وكذلك النائم وإن كان ~~قد يتخيل فليس معهم علم بأن كل ما يراه يكون تخيلا مع إمكان أن يرى في ~~منامه من جنس ما يراه الميت عند مفارقة روحه بدنه فان النفس الناطقة هي ~~الرائية وإنما يمنعها من ذلك تعلقها بالبدن فإذا تم تجردها بالموت رأت ما ~~لم تكن تراه كما قال تعالى: {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} وقال ~~تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ~~ولكن لا تبصرون} قال المفسرون: يعنى الملائكة وكذلك بالنوم قد يحصل لها نوع ~~تجريد ولهذا من الناس من يرى في منامه شيئا فيأتي كما يراه من غير تغيير ~~أصلا بل يكون المرئي في المنام هو الموجود في اليقظة. # وأما رؤية كثير من الناس للجن حال الصرع وغير الصرع فهذا أكثر وأشهر من ~~أن يذكر وما يدعيه الأطباء من أن الصرع كله من الأخلاط فغلطه ظاهر فان دخول ~~الجني بدن الإنسي وتكلمه على لسانه بأنواع من الكلام وغير ذلك أمر قد علمه ~~كثير من الناس بالضرورة وقد اتفق عليه أئمة الإسلام كما اتفقوا على وجود ~~الجن وقد رآهم غير واحد من الناس وخاطبوهم فهذا باب واسع فما الظن ~~بالملائكة الكرام التي يراهم الأنبياء صلوات الله عليهم يرونهم بباطنهم ~~وظاهرهم. # وأيضا فقد تواتر في الكتب الإلهية والأحاديث النبوية أن الملائكة تتصور ~~بصورة البشر وكذلك الجن ويرون في تلك الصورة كما أخبر الله عن ضيف إبراهيم ~~في غير موضع من كتابه وكما اخبر عن مريم أنه أرسل إليها الروح وهو جبريل: ~~{فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا ~~رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} . # وجميع هذه الأمور ليس معهم على نفيها إلا ما هو من أضعف الشبه فنفيهم مثل ~~هذه الحسيات الباطنة والظاهرة قول بلا علم ولهذا صاروا يحملون ما جاءت به # PageV01P470 # الأنبياء على أنه من باب ms366 التخيل في النفس ويجعلون الملائكة وكلام الله ~~الذي بلغوه هو ما يتخيل في نفس النبي من الصور والأصوات كما يتخيل للنائم ~~وذلك من أعراضه القائمة به ليس هناك عندهم ملك منفصل ولا كلام نزل به الملك ~~من الله عندهم. # وكل ما ينفونه من هذا ليس معهم فيه إلا الجهل المحض فهم يكذبون بما لم ~~يحيطوا بعلمه ولم يأتهم تأويله مع أن عامه أساطين الفلاسفة كانوا يقرون ~~بهذه الأشياء وكذلك أئمة الأطباء كأبقراط وغيره يقر بالجن ويجعل الصرع ~~نوعين صرعا من الخلط وصرعا من الجن ويقول في بعض الأدوية هذا ينفع من الصرع ~~الذي يعالجه الأطباء لا الصرع الذي يعالجه أرباب الهياكل ونقل عنه أنه قال ~~طبنا بالنسبة إلى طب أرباب الهياكل كطب العجائز بالنسبة إلى طبنا وهذه ~~الأمور لبسطها موضع آخر. # وإنما المقصود أن ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفى ما لم ~~يعلم نفيه أوجب لهم من الجهل والكفر ما صاروا به أسوأ حالا من كفار اليهود ~~والنصارى وادعى ابن سينا وموافقوه أن أسباب العجائب في العالم أما قوة ~~فلكية وأما قوة نفسانية وأما قوة طبيعية وأهل السحر منهم والطلسمات يعلمون ~~من وجود الجن ومعاونتهم لهم على الأمور العجيبة ما هو متواتر مشهور عندهم ~~فضلا عما يعلمه المسلمون وسائر أهل الملل من ذلك فضلا عن العلم بالملائكة ~~وما وكلهم الله من الأمور التي يدبرونها كما قال فيهم: {فالمدبرات أمرا} ~~وقال: {فالمقسمات أمرا} وهم الملائكة باتفاق السلف وغيرهم من علماء ~~المسلمين لم يقل أحد من السلف أنها الكواكب. # الوجه الثالث عشر: طريقهم لا يفرق بين الحق والباطل بخلاف طريقة الأنبياء # الوجه الثالث عشر: أن يقال كون القضية برهانية معناه عندهم أنها معلومة # PageV01P471 # للمستدل بها وكونها جدلية معناه كونها مسلمة وكونها خطابية معناه كونها ~~مشهورة أو مقبولة أو مظنونة وجميع هذه الفروق هي نسب وإضافات عارضة للقضية ~~ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها فضلا عن أن تكون ذاتية لها على أصلهم بل ليس ~~فيها ما هو صفة لها في ms367 نفسها بل هذه صفات نسبية باعتبار شعور الشاعر بها ~~ومعلوم أن القضية قد تكون حقا والإنسان لا يشعر بها فضلا عن أن يظنها أو ~~يعلمها وكذلك قد تكون خطابية أو جدلية وهى حق في نفسها بل قد تكون برهانية ~~أيضا كما قد سلموا ذلك. # وإذا كان كذلك فالرسل صلوات الله عليهم أخبروا بالقضايا التي هي حق في ~~نفسها لا تكون كذبا باطلا قط وبينوا من الطرق العلمية التي يعرف بها صدق ~~تلك القضايا ما هو مشترك ينتفع به جنس بني آدم وهذا هو العلم النافع للناس. # وأما هؤلاء المتفلسفة فلم يسلكوا هذا المسلك بل سلكوا في القضايا الأمر ~~النسبي فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل وغير ذلك لم يجعلوه برهانيات وإن ~~علمه مستدل آخر والجدليات ما سلمه المنازع وإن لم يسلمه غيره وعلى هذا ~~فتكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة ما ليس من البرهانيات عند إنسان ~~وطائفة أخرى فلا يمكن أن تحد القضايا العلمية بحد جامع مانع بل تختلف ~~باختلاف أحوال من علمها ومن لم يعلمها حتى أن أهل الصناعات عند أهل كل ~~صناعة من القضايا التي يعلمونها ما لا يعلمها غيرهم. # وحينئذ فيمتنع أن تكون طريقهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب ~~باعتبار ما هو الأمر عليه في نفسه ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين ~~الآدميين بخلاف طريقة الأنبياء فإنهم اخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق ~~بين الحق والباطل والصدق والكذب فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ما ناقض ~~الحق فهو باطل فلهذا جعل الله ما انزله من الكتاب حاكما بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وانزل أيضا الميزان وهو ما يوزن به ويعرف به الحق من الباطل ~~ولكل حق ميزان # PageV01P472 # يوزن به بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون فانه لا يمكن أن يكون هاديا ~~للحق ولا مفرقا بين الحق والباطل ولا هو ميزان يعرف بها الحق من الباطل ~~وأما المتكلمون فما كان في كلامهم موافقا لما جاءت به الأنبياء فهو منه وما ~~خالفه فهو من البدع الباطلة شرعا وعقلا. # فان ms368 قيل نحن نجعل البرهانيات إضافية فكل ما علمه الإنسان بمقدماته فهو ~~برهاني عنده وان لم يكن برهانيا عند غيره قيل لم يفعلوا ذلك فان من سلك هذا ~~السبيل لم يجد مواد البرهان في أشياء معينة مع إمكان علم كثير من الناس ~~لأمور أخر بغير تلك المواد المعينة التي عينوها وإذا قالوا نحن لا نعين ~~المواد فقد بطل أحد أجزاء المنطق وهو المطلوب. # الوجه الرابع عشر: فساد جعلهم علوم الأنبياء تحصل بواسطة القياس المنطقي # الوجه الرابع عشر: أنهم لما ظنوا أن طريقهم كلية محيطة بطرق العلم الحاصل ~~لبني آدم مع أن الأمر ليس كذلك وقد علم الناس أما بالحس وأما بالعقل وأما ~~بالأخبار الصادقة علوما كثيرة لا تعلم بطرقهم التي ذكروها ومن ذلك ما علمته ~~الأنبياء صلوات الله عليهم من المعلوم فأرادوا إجراء ذلك على قانونهم ~~الفاسد فقالوا النبي له قوة أقوى من قوة غيره في العلم والعمل وربما سموها ~~قوة قدسية وهو أن يكون بحيث ينال الحد الأوسط من غير تعليم معلم له فإذا ~~تصور طرفي القضية أدراك بتلك القوة القدسية الحد الأوسط الذي قد يتعسر أو ~~يتعذر على غيره إدراكه بلا تعليم لأن قوى الأنفس في الإدراك غير محدودة ~~فجعلوا ما تخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما هو بواسطة القياس المنطقي ~~وهذا في غاية الفساد. # فان القياس المنطقي إنما يعرف به أمور كلية كما تقدم وهم يسلمون ذلك ~~والرسل أخبروا بأمور معينة شخصية جزئية ماضية وحاضرة ومستقبلة كما في ~~القرآن من قصة نوح والخطاب والأحوال التي جرت بينه وبين قومه وكذلك هود ~~وصالح # PageV01P473 # وشعيب وسائر الرسل وكذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المستقبلات فعلم بذلك أن ما علمه الرسول لم يكن بواسطة القياس المنطقي. # بل قد جعل ابن سينا علم الرب بمفعولاته من هذا الباب فانه يعلم نفسه ~~والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فجعل علمه يحصل بهذه الواسطة وهذا يصلح ~~أن يكون دليلا على علمه بمخلوقاته لا أن يكون علمه بمخلوقاته يفتقر إلى حد ms369 ~~أوسط مع أنه لم يعط هذا البرهان موجبه بل أنكر علمه بالجزئيات التي في ~~الموجودات الأخرى فان لم يعلم الجزئيات لم يعلم شيئا من المخلوقات مع أن ~~العقول والنفوس والأفلاك كلها جزئية ونفسه أيضا معينة ولهذا أراد بعضهم جبر ~~هذا التناقض فقال إنما نفى علمه بالجزئيات في الأمور المتغيرة فيقال التغير ~~من لوازم الفلك فلا يكون الفلك إلا متغيرا وصدور المعلول المتغير عن علة ~~غير متغيرة ممتنع بالضرورة كما قد بسط في موضعه. # جعلهم معرفة النبي بالغيب مستفادة من النفس الفلكية وبيان فساده من عشرة ~~وجوه: # فان قيل هم يذكرون لمعرفة النبي بالغيب سببا آخر وهو أنهم يقولون أن ~~الحوادث التي في الأرض تعلمها النفس الفلكية ويسميها من أراد الجمع بين ~~الفلسفة والشريعة باللوح المحفوظ كما يوجد في كلام أبى حامد ونحوه وهذا ~~فاسد فان اللوح المحفوظ الذي وردت به الشريعة "كتب الله فيه مقادير الخلائق ~~قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" كما ثبت ذلك في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم واللوح المحفوظ لا يطلع عليه غير الله والنفس ~~الفلكية تحت # PageV01P474 # العقول ونفوس البشر عندهم تتصل بها وتنقش في نفوس البشر ما فيها. # ولهذا يقول بعض الشيوخ الذين يتكلمون باللوح المحفوظ على طريقة هؤلاء أما ~~عن معرفة بأن هذا قولهم وأما عن متابعة منهم لمن قال ذلك من شيوخهم الذين ~~أخذوا ذلك عن الفلاسفة كما يوجد في كلام أبن عربي وابن سبعين والشاذلي ~~وغيرهم يقولون أن العارف قد يطلع على اللوح المحفوظ وأنه يعلم أسماء مريديه ~~من اللوح المحفوظ أو أنه يعلم كل ولى كان ويكون من اللوح المحفوظ ونحو هذه ~~الدعاوى التي مضمونها أنهم يعلمون ما في اللوح المحفوظ وهذا باطل مخالف ~~لدين المسلمين وغيرهم من أتباع الرسل. # والمقصود هنا أنهم يقولون أن النفس إذا حصل لها تجرد عن البدن أما بالنوم ~~وأما بالرياضة وأما بقوتها في نفسها اتصلت بالنفس الفلكية وانتقش فيها ما ~~في النفس الفلكية من العلم بالحوادث الأرضية ثم ذلك العلم العقلي ms370 قد تخبر ~~به النفس مجردا وقد تصوره القوة المخيلة في صور مناسبة له ثم تلك الصور ~~تنتقش في الحس المشترك كما أنه إذا أحس أشياء بالظاهر ثم تخيلها فإنها ~~تنتقش في الحس المشترك فالحس المشترك يرتسم فيه ما يوجد من الحواس الظاهرة ~~وينتقش فيه ما تصوره القوة المتخيلة في الباطن وما يراه الإنسان في منامه ~~والمحرور في حال مرضه من الصور الباطنة هو من هذا لكن نفس النبي عليه ~~السلام لها قوة كاملة فيحصل لها تجرد في اليقظة فتعلم وتتخيل وترى ما يحصل ~~لغيرها في النوم. # قيل هذا الكلام أولا ليس من كلام قدماء الفلاسفة كأرسطو وأصحابه ولا ~~جمهورهم إنما هو معروف عن ابن سينا وأمثاله وقد أنكر ذلك عليه إخوانه ~~الفلاسفة كابن رشد وغيره وزعموه أن هذا كلام باطل لم يتبع فيه سلفه وثانيا # PageV01P475 # إنه مبنى على أصول فاسدة كثيرة: # الأول: أنه لا سبب للحوادث إلا الحركة الفلكية وهذا من أبطل الأصول. # الثاني: إثبات العقول والنفوس التي يثبتونها وهو باطل. # هل منبع الفيض هو النفس الفلكية أو العقل الفعال: # الثالث: إثبات كون الفيض يحصل من النفس الفلكية فإنهم لو سلم لهم ما ~~يذكرونه من أصولهم فعندهم ما يفيض على النفوس إنما هو من العقل الفعال ~~المدبر لكل ما تحت فلك القمر ومنه تفيض العلوم عندهم على نفوس البشر ~~الأنبياء وغيرهم والعقل الفعال لا يتمثل فيه شيء من الجزئيات المتغيرة بل ~~إنما فيه أمر كلى لكنه بزعمهم دائم الفيض فإذا استعدت النفس لأن يفيض عليها ~~منه شيء فاض وذلك الفيض لا يكون بجزئي فانه لا جزئي فيه فكيف يقولون هنا أن ~~الفيض على النفوس هو من النفس الفلكية. # فان قيل هم يقولون أن الجزئيات معلومة للعقول على وجه كلى وللنفوس ~~الفلكية على وجه جزئي قيل العلم بالكلى وهو القدر المشترك بين الجزئيات لا ~~يفيد العلم بشيء من الجزئيات البتة فان علم الإنسان بمسمى الوجود أو بمسمى ~~الجسم أو بمسمى الحيوان أو الإنسان أو البياض أو السواد لا يفيده العلم قط ms371 ~~بموجود معين ولا بجسم معين ولا حيوان معين ولا إنسان معين ولا بياض معين ~~ولا سواد معين ولو كانت الجزئيات تعلم من الكليات لكان من علم مسمى شيء قد ~~علم كل شيء فإنها كلها جزئيات هذا المسمى. # وهذا أيضا مما يدل على فساد قول ابن سينا ومن وافقه على أن الباري يعلم ~~الجزئيات على وجه كلى بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذره في السموات ولا في ~~الأرض فان هذا تناقض بين لمن تصور حقيقة الأمر فان من لم يتصور إلا كليا ~~ويمتنع عنده أن يتصور جزئيا معينا أما مطلقا وأما إذا كان متغيرا كان قد ~~عزب عن علمه كل شيء في الوجود أما مطلقا وأما إذا كان متغيرا وعلمه الكلى ~~لا # PageV01P476 # يفيده شيئا من معرفة المعينات وهم دائما ما يشبعون أنفسهم بالمحال بمثل ~~هذه الكليات. # ولهذا كان موضوع الفلسفة الأولى والحكمة العليا هو الوجود الكلى المشترك ~~بين الموجودات المنقسم إلى جوهر وعرض وعلة ومعلول وهذا الموضوع ليس له وجود ~~في الخارج ولا يعلم بمعرفة الوجود المطلق شيء من الموجودات الثابتة في نفس ~~الأمر أصلا فان كل موجود فانه موجود خاص متميز عما سواه وصفاته القائمة به ~~أن كانت جوهرا فهي مختصة به وإن كان عرضا فهو عرض معين في محل معين فمن لم ~~يعرف إلا الكلى المشترك لم يعرف شيئا من الموجودات التي هي في نفسها ~~موجودات وإنما علم أمرا كليا لا يكون كليا إلا في الأذهان لا في الأعيان. # إن نفس فلك القمر لا تعلم إلا جزءا من الحوادث: # الرابع: أن النفوس عندهم تسعة بعدد الأفلاك وحركات الأفلاك عندهم هي تسبب ~~الحوادث ومعلوم أن كل نفس تعلم حركة فلكها فنفس فلك القمر لا تعلم ما في ~~نفس الفلك الاطلس وفلك الثوابت وغيره والنفوس البشرية إنما تتصل أن اتصلت ~~بنفس فلك القمر كما أنه إنما يفيض عليها ما يفيض من العقل الفعال وحينئذ ~~فلا تعلم إلا جزءا يسيرا من أسباب الحوادث فمن أين تعلم الحوادث المنفصلة. # ليست حركة الأفلاك ms372 علة تامة للحوادث: # الخامس: أنه لو قدر أنها تعلم حركات الأفلاك كلها وانه لا سبب للحوادث ~~إلا حركة الأفلاك فحركة الأفلاك ليست علة تامة للحوادث بل تختلف أفعالها ~~باختلاف القوابل فتؤثر في كل شيء بحسبه فمن لم يعلم أحوال القوابل مع ~~الفواعل لم يعلم الحوادث فلا يكون عالما بها والنفوس الفلكية غايتها أن ~~تعلم حركات أفلاكها لا تعلم ما ليس داخلا فيها # PageV01P477 # وإذا قيل أن حركات العناصر والمتولدات إنما تختلف لاختلاف حركة الأفلاك ~~فالعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول قيل تختلف باختلاف القوابل كما تختلف ~~باختلاف الفواعل والعناصر موجودة قبل حركات الأفلاك فلا يلزم من العلم بها ~~العلم بنفس العناصر ومقاديرها ليعلم بحركات الأفلاك العلم بالحوادث الأرضية ~~وقول القائل العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول إنما يستقيم في العلة التامة ~~المستلزمة للمعلول وحركات الأفلاك غايتها أن تكون جزءا صغيرا من أسباب ~~الحوادث. # لا يلزم علم النفس الفلكية بكل ما يحدث من الأمور: # السادس: أنه بتقدير أن تكون للفلك نفس فلكية متحركة كما تحرك نفس الإنسان ~~لبدنه فإنها تتصور ما تريد فعله كما يتصور الإنسان ما يريد فعله وأما ~~الأمور المتولدة الحاصلة بأسباب منفصلة مع فعله فلا يجب أن يكون شاعرا بها ~~فمن أين يلزم علم النفس الفلكية بكل ما يحدث من الأمور الحاصلة لحركاتها ~~وبأمور أخر فإنهم يقولون الفلك إذا تحرك حرك العناصر فامتزجت نوعا من ~~الامتزاج وتحرك العناصر وامتزاجها ليس هو نفس حركة الفلك ولا حركة الفلك ~~تامة له ثم إذا امتزجت فاض عليها من العقل الفعال ما يفيض فبتقدير أن تستعد ~~نفس الإنسان لأن يفيض عليها من العقل الفعال ما يفيض لا يجب أن تعلم النفس ~~الفلكية ذلك مع أن كلامهم في هذا الموضع قد عرف تناقضه وفساده فان العقل أن ~~كان يفيض عنه ما ليس هو فيه كان في المعلول ما ليس في العلة وإن كان لا ~~يفيض إلا ما فيه فليس فيه إلا الكليات ليس فيه صور جسمانية ولا علم بجزئيات ~~ولا مزاج ولا غير ذلك مما يدعون ms373 فيضه عن العقل. # بيان أن الحوادث الماضية ليست منتقشة في النفس الفلكية: # السابع: أن النفس الفلكية تحرك الفلك دائما فيلزم أن تعلم كل وقت الحركة ~~التي تريدها وإذا سلم له أنها تعلم ما تولد عنها وعن غيرها قيل لهم لا ريب ~~أن ما مضى قبل تلك الحركة المعينة من الجزئيات لا يكون معلوما للنفس على ~~سبيل # PageV01P478 # التفصيل فانه لو كان معلوما للنفس على سبيل التفصيل للزم وجود ما لا ~~نهاية له في أن واحد فان الحوادث الماضية لا نهاية لها فلو كان العلم بكل ~~منها موجودا على سبيل التفصيل في النفس الفلكية للزم وجود أمور لا نهاية ~~لها في أن واحد وهذا ممتنع. # فان قيل هم يجوزون هذا كما يجوزون وجود نفوس لا نهاية لها في أن واحد فان ~~قاعدتهم في هذا أن ما هو مجتمع وله ترتيب طبيعي كالفلك أو وضعي كالأجسام ~~يمتنع وجود ما لا نهاية فيه فإذا انتفى أحد القيدين جوزوا وجود ما لا نهاية ~~له أما بأن لا يكون مجتمعا كالحوادث المتعاقبة وأما أن يكون مجتمعا غير ~~مترتب كالنفوس الفلكية قيل الجواب من وجوه أحدها أن هذا قول طائفة منهم ~~كابن سينا وغيره وقد أنكر عليه ذلك إخوانه الفلاسفة كابن رشد وغيره وزعموا ~~أن هذا ليس هو قول أئمتهم الفلاسفة وبينهم في ذلك مشاجرات ليس هذا موضعها ~~الثاني أن الحركات الفلكية مترتبة كل واحد على ما قبلها فإذا قدر اجتماع ~~العلم المفصل بها كان قد اجتمع حوادث مترتبة والعلوم أيضا مجتمعة في النفس ~~الفلكية والجزئيات عندهم لا تنطبع عندهم إلا في قوى جسمانية فيلزم وجود ما ~~لا يتناهى من الأعراض في صورة جسمانية وهذا هو أعظم ما ينكرونه فان القوة ~~الجسمانية عندهم لا تقوى على أفعال لا تتناهى فضلا عن أن تقوى على أعراض لا ~~نهاية لها الثالث أن يقال أن قالوا أن جميع ما يحدث لم تزل نفس الفلك عالمة ~~به على التفصيل كان علمها قديما أزليا والحركات حادثة شيئا بعد شيء ~~والحوادث الجزئية لا ms374 بد لها من تصورات جزئية حادثة معها وهم يسلمون ذلك وإن ~~قالوا أنها لم تعلمها مفصلة إلا شيئا بعد شيء حصل المقصود أيضا وعلى ~~التقديرين لا بد عندهم للنفس الفلكية من علوم متعاقبة كما يحصل لنفس ~~الإنسان وحينئذ فان كانت علومها باقية لم تزل الأمور المرتبة تحدث شيئا بعد ~~شيء وهى مجتمعه في محل واحد بل في قوة جسمانية فيلزم وجود أعراض مجتمعة لا ~~نهاية لها في محل واحد بل في قوة جسمانية وهذا من أعظم الأمور إحالة عندهم ~~في نفس الأمر # PageV01P479 # وإذا كان كذلك تبين أن الحوادث الماضية ليست منتقشة في النفس الفلكية. # والأنبياء بل وغير الأنبياء يخبرون بالحوادث المتقدمة كالأخبار بما جرى ~~في زمن نوح وقبل نوح وبعد نوح فيمتنع أن يكون الخبر بذلك استفادة من النفس ~~الفلكية التي يسميها الملاحدة الذين ينزلون الكتاب والسنة على أصول هؤلاء ~~المشركين المعطلين يسمونها اللوح المحفوظ وهكذا العلم بالحوادث المستقبلة ~~قبل أن تكون بمئين من السنين أو بألوف من السنين فان تلك لم تنتقش بعد ~~عندهم في النفس الفلكية وقد يخبر بها الأنبياء كما بشر متقدموهم بممحد وكما ~~أخبر محمد بما سيأتي بل ويعلم أيضا بالرؤيا وغير ذلك. # لا سبيل لنفي كون الأرواح تلقى الأخبار في نفوس البشر: # الوجه الثامن: أنه لو قدر أن النفوس الفلكية تعلم الجزئيات فالجزم بكون ~~ما يحدث في نفوس البشر من العلم بالجزئيات هو منها أو من العقل الفعال لو ~~قدر وجوده إنما يجوز إذا علم انتفاء سبب آخر وهذا لا سبيل لهم إلى العلم ~~بنفيه فلم لا يجوز أن يكون ذلك مما يلقيه الملائكة بل ومما يلقيه الجن أيضا ~~كما تواترت الأخبار عن الأنبياء صلوات الله عليهم بأنهم يذكرون أن الملائكة ~~تخبرهم بما تخبرهم به وكما تواتر إخبار الجن لبنى آدم تارة بما يسترقونه من ~~خبر السماء وتارة بغير ذلك والعلم بالمغيبات من هذا الوجه هو مما اتفق عليه ~~الأنبياء وأتباعهم المسلمون واليهود والنصارى واتفق عليه جماهير بنى آدم من ~~غير أهل الملل كالمشركين من ms375 العرب ومن الهند ومن الكلدانيين وغيرهم كلهم ~~يذكرون ما تخبر به الأرواح أما مطلقا وأما أن تعين. # وقد ذكرنا أن الصابئة نوعان حنفاء ومشركون فالحنفاء هم من المسلمين ~~المؤمنين وأما المشركون كالصابئة الذين بعث الله إليهم الخيل عليه السلام ~~وغيرهم فهؤلاء يقرون بهذا والصابئة الحرانيون لهم نبي على أصلهم يقال له ~~البابا وله مصحف يذكر فيه كثيرا من الأخبار المستقبلة ويذكرون أن سيدته ~~يعنى روحانية الزهرة # PageV01P480 # أخبرته بذلك وكثير منها صحيح كإخبار بدخول المسلمين بلاد حران وغيرها ~~وفتحهم البلاد وإهانتهم لطائفته وكان بحران بئر يقال لها بئر عزون يعظمونها ~~تعظيما كثيرا وكان يذكر أن الأرواح تجتمع إليها ويذكر أنواعا من هذه الأمور ~~في مصحف له وهو موجود قد قرأته أنا وغيري. # وهذه الأرواح منهم من يطلق عليها اسم الأرواح والروحانيات ولا يفصل ومنهم ~~من يسميها جميعها الملائكة ولا يفرقون بين الجن والملائكة لا سيما وطائفة ~~من أهل الكلام وغيرهم يجعلون الجن والملائكة جنسا واحدا وإنما يفرقون ~~بالأعمال الصالحة والفاسدة كالآدميين ومن هذا تنازع العلماء في إبليس هل ~~كان من الملائكة أم لا وقد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع وأما من يعرف ~~حقيقة الأمر من علماء المسلمين فيعلمون أن الأرواح التي تعين المشركين هي ~~الشياطين ويفرقون بين الملائكة وبين الجن كما هو ثابت بالكتاب والسنة ~~والإجماع. # بيان كون الغلط في هذه الإخبارات أكثر من الصواب: # التاسع أنه بتقدير أن يكون سبب الإخبارات هو اتصال النفس بالقوة ~~النفسانية الفلكية أو هو إخبار الأرواح كما تقدم فمعلوم أن الغلط في هذا ~~أكثر من الصواب أما على أصلهم فلأن الخيال يصور للحس المشترك ما علمته ~~النفس من الصور المناسبة والخيال يكذب أكثر مما يصدق وأما على قول المسلمين ~~وغيرهم فلأن الجن يكذبون كثيرا في إخبارهم وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه لما ذكر إخبار الكهان قال أنهم يسمعون الكلمة فيكذبون ~~مائة كذبة وهذا أمر معلوم بالتجربة والتواتر فان الذين يخبرون بما يخبرون ~~به عن الجن يكثر الكذب ms376 في إخبارهم # PageV01P481 # وأما الرؤيا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"الرؤيا ثلاثة رؤيا من الله ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة فيراه ~~في المنام ورؤيا من الشيطان" فقد بين الصادق المصدوق أن من الرؤيا ما هو من ~~حديث النفس ومنها ما هو من وسوسة الشيطان وقد أمرنا سبحانه أن نستعيذ من ~~هذين الواسواسين في قوله: {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر ~~الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} . # ولا بد من التمييز بين الصدق والكذب وليس فيما ذكروه ولا فيما يذكره ~~غيرهم ما يميز بين هذا وهذا ولا يميز بين هذا وهذا مطلقا إلا الأنبياء ~~ولهذا أمرنا الله أن نؤمن بكل ما جاؤوا به الأنبياء فإنهم معصومون لا يقرون ~~على الخطأ فيما يبلغونهه عن الله باتفاق المسلمين قال تعالى: {قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم} وقال تعالى: {ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} . # ولهذا كان أهل الرياضة والزهد والعبادة من الصوفية وغيرهم يرون أشياء في ~~الباطن يظنونها حقا ويكون باطلا ولهذا يقول من يقول من أهل العلم كأبي ~~القاسم السهيلى وغيره نعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي وهذا مما كان ~~يقوله شيخه أبو بكر بن العربي وكان مع تعظيمه لشيخه أبى حامد الغزالي يقول: # PageV01P482 # "شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر" وكان ~~يذكر عنه أنه كان يقول: "أنا مزجى البضاعة في الحديث". # وهؤلاء المتفلسفة يقولون أن غاية ما عند النبي قياس من جنس القياس ~~الفلسفي أو خيال من جنس الخيال الصوفي فان ما ذكروه للنبي يتصف به آحاد ~~الناس فان اتصال النفوس بالنفس الفلكية وانعقاد الأقيسة العقلية في النفس ~~هو قدر مشترك بين الناس إنما هو بحسب استعداد النفوس ثم هم أعنى ابن سينا ~~وأمثاله يقولون ms377 أن النفوس الناطقة متماثلة بحسب الحقيقة وإنما اختلفت ~~باعتبار أبدانها فهي كماء واحد وضعته في آنية مختلفة فاختلف لاختلاف ~~الأوعية وأسباب صفات النفس عندهم أما المزاج وأما العادة وأما ما يتبع ذلك ~~ويا ليت شعري كم مقدار ما يوجب التفاوت بين النفوس أن لم يكن التفاوت إلا ~~بهذا السبب فيلزم من هذا أن تكون نفس أخس الناس مشاركة في الحقيقة لنفس ~~إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإنما امتازت عنها بأمور عارضة وأن تكون نفس ~~كثير من الناس قريبة من نفوسهم أو أفضل وتكون مستعدة لأن يحصل لها ما حصل ~~لنفوسهم. # ولهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة وصار كثير منهم يطلب أن يؤتى مثل ما أوتي ~~رسل الله وأن يؤتى صحفا منشرة كما طلب ذلك غير واحد في زماننا وكما طلبه ~~السهروردي المقتول وابن سبعين وغيرهما وسبب ذلك أن هذه النبوة التي أثبتوها ~~أمرها من جنس منامات الناس. # ولهذا كان عمدتهم في إثبات النبوة هو المنامات ولما أراد ابن سينا ~~وأمثاله أن # PageV01P483 # يقرروا ذلك قالوا التجربة والقياس مطابقان على أن للنفس الإنسانية أن ~~تنال من الغيب نيلا ما وقرروا ذلك بأن معرفة المغيبات في النوم ممكنة فوجب ~~أن يكون أيضا في اليقظة ممكنا والمقدمة الأولى معلومة بالتجربة والتواتر ~~وأما الثانية فهو أنه لما صح ذلك في النوم لم يمكن القطع باستحالته في ~~اليقظة بل لو قدرنا أن الناس ما جربوا وقوع ذلك في النوم لكان استبعادهم ~~بحصول هذا حال النوم اشد من استبعادهم لحصوله حال اليقظة فانه لو قيل لواحد ~~أن جمعا من الأذكياء مع كمال عقولهم وسلامة حواسهم وذكاء قرائحهم وقوة ~~أفكارهم وأنظارهم احتالوا بكل حيلة لتحصيل معرفة بعض المغيبات فعجزوا ثم أن ~~واحدا منهم لما صار كالميت وبطلت حركته وإدراكه عرف ذلك المغيب لقيل بأن ~~ذلك محال ولا حتجوا عليه بأنه لما عجز عنه القوى الكامل فالضعيف الناقص ~~أولى بالعجز عنه ولكن وقوع هذا المعنى مرارا كثيرة حال النوم مما أزال ~~الاستبعاد والعناد فثبت أن حصول معرفة المغيبات لما كان ممكنا ms378 حال النوم ~~فبأن يكون ممكنا حال اليقظة أولى قالوا ونحن لا نستدل بصحة إحدى الحالين ~~على القطع بالحال الأخرى ولكن على دفع استبعاد المنكر وحصول الرأي الأخلق ~~الأولى. # قلت فهذه المقدمة التي بنوا عليها معرفة الغيب للأنبياء وغيرهم ومعلوم أن ~~النائم تتجرد نفسه عن بدنه نوع تجرد فان النوم أخو الموت وقد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه: "اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها ~~لك مماتها ومحياها أن أمسكتها فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به ~~عبادك الصالحين ويقول أيضا باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك ارفعه أن أمسكت نفسي ~~فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" # PageV01P484 # وكان ذا استيقظ يقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أمتنا واليه النشور ~~" وقد قال الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون} فأخبر سبحانه أنه يتوفى الأنفس حين النوم وحين الموت ~~وأن ما يتوفاه حين النوم منه ما يقضى عليه الموت في نومه ومنه ما يرسله ~~وبسبب تجردها عن البدن يحصل لها من العلم ما يلقيه الله إليها أما بواسطة ~~الملك الذي يريها ويحدثها من الرؤيا وأما بغير ذلك. # قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} قال عبادة ابن الصامت: "رؤيا ~~المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام" وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "لم يبق بعدى من النبوة إلا المبشرات وهي الرؤيا ~~الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له" وقال: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة " وفي الصحيحن عن عائشة # PageV01P485 # قالت: "أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا ~~الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ms379 ثم حبب إليه ~~الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد" وقد ~~قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} فلا ريب أن ما يجعله الله في ~~النفوس وغيرها يجعله بعد إعدادها لذلك وتسويتها لما يلقى فيها فهذا ونحوه ~~حق يقول به السلف وجمهور المسلمين وإنما ينكر ذلك من ينكر الحكم والأسباب ~~من أهل الكلام. # والنبي صلى الله عليه وسلم بدئ أولا بالرؤيا الصادقة فانه رؤيا الأنبياء ~~وحي معصوم كما قال ابن عباس وعبيد بن عمير وغيرهما: "رؤيا الأنبياء وحي" ~~وقرأ قول إبراهيم عليه السلام {إني أرى في المنام أني أذبحك} ثم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نقل من درجة إلى درجة ثم بعد هذا جاءه الملك فخاطبه ~~بالكلام فأحيانا يأتيه في الباطن فيكلمه وأحيانا يتمثل له في صورة رجل ~~فيكلمه ثم عرج به إلى ربه ليلة الإسراء. # فما ادعوه من أن الرؤيا قد يحصل بها معرفة المغيبات حق وهذا يحتج به على ~~من ينكر هذا الجنس مطلقا ولكن لا تجعل النبوة كلها من هذا الجنس فمن الباطل ~~ما ادعوه في النبوة وفي كيفيتها حيث زعموا أنه ليس هناك ملك حي يأتي بالوحي ~~من الله ولا لله كلام يتكلم به يسمعه الملك فينزل به ولا يعرف الله جزئيات ~~الأمور حتى يكتبها عنده أو حتى يخبر بها الملك والملك يخبر بها النبي أو ~~يخبر بها النبي ابتداء. # وزعموا أنه ليس لله ما يدبر به أمر السموات والأرض إلا مجرد حركة الفلك ~~وأثبتوا نبوة حال كثير من أحوال أوساط المسلمين خير منها فان كثيرا من ~~أوساط المسلمين له من العلم والعمل أعظم مما أثبته هؤلاء للأنبياء فإنهم ~~جعلوا خواص النبوة نوعين القوة العلمية التي ينال بها العلم أما بواسطة ~~القياس المنطقي وأما بواسطة # PageV01P486 # التجرد الذي هو كتجرد النائم حتى تتصل بالنفس الفلكية والثاني القوة ~~العملية وهو أن تكون نفسه قوية على التصرف في هيولى العالم بحيث تحدث عنه ~~عجائب والنوع الأول يتضمن أمرين: أحدهما: معرفة العلوم الكلية بالقياس ms380 ~~المنطقي والثاني: معرفة الجزئيات بهذا الاتصال ثم الخيال يصور المعقولات في ~~الصور المناسبة لها وينقشها في الحس المشترك فيرى الإنسان في باطنه صورا ~~ويسمع أصواتا وتلك الصور عندهم ملائكة الله وتلك الأصوات كلام الله. # ولهذا كان الملاحدة من المتصوفة على طريقهم كابن عربي وابن سبعين وغيرهما ~~قد سلكوا مسلك ملاحد الشيعة كأصحاب رسائل إخوان الصفا واتبعوا ما وجدوه من ~~كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وغير ذلك مما يناسب ذلك فصار ~~بعضهم يرى أن باب النبوة مفتوح لا يمكن إغلاقه فيقول كما كان ابن سبعين ~~يقول: "لقد زرب ابن آمنة حيث قال: لا نبي بعدى" أو يرى لكونه اشد تعظيما ~~للشريعة أن باب النبوة قد أغلق فيدعى أن الولاية أعظم من النبوة وأن خاتم ~~الأولياء اعلم بالله من خاتم الأنبياء وأن خاتم الأنبياء بل وجميع الأنبياء ~~إنما يستفيدون معرفة الله من مشكوة خاتم الأولياء ويقول أنه يوافق النبي في ~~معرفة الشريعة العملية لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا ~~وإنه أعلم من النبي بالحقائق العلمية لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه ~~الملك الذي يوحى به إلى الرسول. # PageV01P487 # وهذا بناء على أصول هؤلاء الفلاسفة الكفار الذين هم اكفر من اليهود ~~والنصارى الذين سلك هؤلاء سبيلهم ولكن غيروا عباراتهم فأخذوا عبارات ~~المسلمين الموجودة في كلام الله ورسوله وسلف الأمة وعلمائها وعبادها ومن ~~دخل في هؤلاء من الصوفية المتبعين للكتاب والسنة كالفضيل بن عياض وأبي ~~سليمان الداراني ومعروف الكرخى والسري السقطي والجنيد وسهل بن عبد الله ~~وغيرهم أخذوا معاني أولئك الملاحدة فعبروا عنها بالعبارات الموجودة في كلام ~~من هو معظم عند المسلمين فيظن من سمع ذلك أن أولئك المعظمين إنما عنوا بهذه ~~العبارات الموجودة في كلامهم ما أراده هؤلاء الملحدون كما فعلت ملاحدة ~~الشيعة الإسماعيلية ونحوهم. # فحمد عندهم يأخذ من الملك الذي هو عندهم خيال في نفسه وذلك الخيال يأخذ ~~عن العقل فمحمد عندهم يأخذ عن جبريل وهذا الخيال هو جبريل وجبريل يأخذ عن ~~ما ms381 علمه من النفس الفلكية فزعم ابن عربي أنه يأخذ من العقل وهو المعدن الذي ~~يأخذ منه جبريل فان ابن عربي وهؤلاء يعظمون طريق الكشف # PageV01P488 # والمشاهدة والرياضة والعبادة ويذمون طريق النظر والقياس وما يدعونه من ~~الكشف والمشاهدة عامته خيالات في أنفسهم ويسمونها حقيقة ولهذا يقول باب ارض ~~الحقيقة وهى ارض الخيال وقد ادعى أن الفتوحات الملكية ألقاها إليه روح بمكة ~~وإذا كان صادقا فقد ألقاها إليه شيطان من الشياطين كما كان مسيلمة الكذاب ~~يلقى إليه شيطان وكذلك الأسود العنسى وكذلك غيرهما من المتنبئين الكذابين. # وكذلك الذين يدعون الولاية بدون متابعة الرسول تنزل عليهم الشياطين ~~وتخبرهم بأشياء وتأمرهم بأشياء وربما أحضرت لهم طعاما ونفقة وغير ذلك وربما ~~حملت أحدهم في الهواء إلى مكان ونحو ذلك فهم في الأولياء من جنس مسيلمة ~~الكذاب وأمثاله في الأنبياء ولهم أحوال شيطانية يظنونها من كرامات أولياء ~~الله وإنما هي من أحوال اعداء الله وهؤلاء من جنس كهان العرب الذين كان ~~يكون لأحدهم رئي من الجن من جنس شيوخ العباد الذين للمشركين من الهند ~~والترك والحبشة وغيرهم الكفار أو من جنس شيوخ النصارى فان هؤلاء شيوخ ~~المشركين وأهل الكتاب لهم شياطين تقترن بهم وكذلك للداخل في المشيخة والدين ~~والزهد والعبادة مع الخروج عن الكتاب والسنة ممن يدعى الإسلام ثم أن كانوا ~~كفارا منافقين فجنهم من جنسهم وإن كانوا فساقا فجنهم من جنسهم وإن كانوا ~~أهل جهل وبدعة بلا علم كان جهنم من جنسهم. # كون الملائكة أحياء ناطقين لا صورا خالية: # الوجه العاشر: أنه من المتواتر عن الأنبياء صلوات الله عليهم أن الملائكة # PageV01P489 # أحياء ناطقون يأتونهم عن الله بما يخبر به ويأمر به تارة وينصرونهم ~~ويقاتلون معهم تارة وكانت الملائكة احيانا تأتيهم في صورة البشر والحاضرون ~~يرونهم وقد اخبر الله عن الملائكة في كتاب بأخبار متنوعة وذلك يناقض ما ~~يزعمونه من أن الملك إنما هو الصورة الخيالية التي ترتسم في الحس المشترك ~~أو أنها العقول والنفوس. # الأخبار المتواترة بمجيء الملائكة في صورة البشر: # قال الله تعالى: {علمه شديد ms382 القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم ~~دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما ~~رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى} . # وفي الصحيحين عن مسروق قال: "كنت متكئا عند عائشة رضي الله عنها فقالت: ~~يا أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت: ما ~~هن. قالت: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ومن زعم أنه ~~يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية ومن أعظم أنه كتم شيئا مما أوحى ~~إليه فقد أعظم على الله الفرية" قال: "وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم ~~المؤمنين انظري ولا تعجليني ألم يقل الله تعالى: {ولقد رآه بالأفق المبين} ~~{ولقد رآه نزلة أخرى} فقالت: "أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها ~~هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض" ~~وفي لفظ: "فقلت: فأين قوله عزوجل {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى} # PageV01P490 # قالت: "إنما ذاك جبريل عليه السلام كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه ~~هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد أفق السماء". # وفي الصحيحين أيضا عن الشيباني قال سألت زر بن حبيش عن قول الله: {فكان ~~قاب قوسين أو أدنى} قال: "أخبرني ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأى جبريل له ستمائة جناح" وعن ابن مسعود أيضا قال: {ما كذب الفؤاد ما رأى} ~~قال: "رأى جبريل له ستمائة جناح" وعنه أيضا {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} ~~قال: "رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح" وقال البخاري في بعض طرقه: "رأى ~~رفرفا اخضر قد سد الأفق" ms383 وعن عبد الله قال: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} ~~قال: "رأى رفرفا أخضر قد سد الأفق" وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: {ولقد رآه ~~نزلة أخرى} قال: "رأى جبريل". # وقد قال سبحانه: {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم ~~أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما ~~هو بقول شيطان رجيم} فبين أن الرسول الذي جاء به إلى محمد رسول كريم ذو قوة ~~عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وهذه صفة لا تنطبق على ما في النفس من ~~الخيال ولا على العقل الفعال فانه اخبر أنه مطاع والمطاع فوق السموات ليس ~~هذا ولا هذا وكذلك قوله: {نزل به الروح الأمين على قلبك} وقوله: {من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى ~~للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو ~~للكافرين} وقال تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم # PageV01P491 # بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق} . # وفي الصحيحين عن عائشة أن الحرث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده ~~على فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني ~~فأعي ما يقول" قالت عائشة: "ولقد رايته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد ~~فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا". # وفي الصحيحين عن عائشة قالت: "كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق ~~الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد ~~الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة ~~فيتزود لمثلها حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: ms384 اقرأ قال: ~~ما أنا بقارىء قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ ~~قلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ~~فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم ~~أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم ~~الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} وذكر الحديث بطوله وذكر فترة ~~الوحي قال جابر في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم في فترة الوحي قال: ~~"بينا أنا امشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني ~~بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني # PageV01P492 # زملوني فأنزل الله {يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر ~~والرجز فاهجر} فحمى الوحي وتتابع ". # وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وهو في ~~الصحيحين ومن حديث عمر وهو في مسلم ومن حديث غيرهما "أنه جاءه أعرابي شديد ~~بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه اثر السفر ولا يعرفه منا أحد ~~فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"الإسلام أن تشهد أن لا اله إلا الله وان محمد رسول الله وتقيم الصلاة ~~وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه؟ ~~قال: وسأله عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث ~~بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت" وقال في الإحسان: "أن تعبد ~~الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك" وسأله عن الساعة؟ فقال: "ما ~~المسئول عنها بأعلم من السائل" وسأله عن أشراطها؟ فقال ما ذكروه فلما أدبر ~~قال: على بالرجل فطلب فلم يوجد فقال: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم". # وقد استفاض أنه كان يأتيه في صورة دحية الكلبي وكان من أجمل الناس صورة ~~وقد اخبر الله في القران أن الملائكة أتوا إلى إبراهيم ثم لوطا ms385 في صورة ~~رجال فقال تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم # PageV01P493 # قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت ~~امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو ~~الحكيم العليم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين فأخرجنا من كان ~~فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية ~~للذين يخافون العذاب الأليم} فأخبر أنهم دخلوا على إبراهيم وسلموا عليه فرد ~~عليهم وأنكرهم لما رأى من صورهم العجيبة واتاهم بالعجل السمين ضيافة لهم ~~فلما رآهم لا يأكلون أو جس منهم خيفة فقالوا له لا تخف واخبروه أنهم رسل ~~الله وبشروه بالغلام العليم إسحاق بعد كبره وكبر امرأته وذلك من خوارق ~~العادات وقالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين ~~والملائكة أرسلوا الحجارة من السماء على قرى قوم لوط وقد ذكر الله قصتهم في ~~مواضع من القران في سورة هود والحجر والعنكبوت وفي كل موضع يذكر نوعا مما ~~جرى. # واخبر الله تعالى أنه أرسل إلى مريم العذراء البتول ملكا في صورة بشر ~~فقال تعالى: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت ~~من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت ~~أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ~~ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ~~فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ~~فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة ~~تساقط عليك رطبا ms386 جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي ~~إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم # PageV01P494 # اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت ~~هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم ~~من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني ~~مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم ~~يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى ~~ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم} وقد ذكر الله النفخ في فرجها من هذا الروح في موضعين آخرين من ~~القران. # فهذه الأخبار المتواترة من مجيء الملائكة في صورة البشر. # أخبار نزول الملائكة لنصر الأنبياء وتأييدهم: # وأما نزولهم لنصر الأنبياء وتأييدهم فقد ذكره الله في غير موضع من كتابه ~~في قصة بدر {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند ~~الله إن الله عزيز حكيم} إلى قوله: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا} وقوله: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق} . # وقوله تعالى في يوم أحد: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ~~بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ~~ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} # PageV01P495 # وقال تعالى في يوم الخندق: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون ~~بصيرا} . # وقال تعالى: {لقد نصركم ms387 الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين ~~كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} . # وقال عند خروجه للهجرة: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ~~ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل ~~الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة ~~الله هي العليا والله عزيز حكيم} # أنواع أخر من أخبار الملائكة: # وقد اخبر سبحانه عن الملائكة بقوله: {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم ~~بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما ~~كنتم تكتمون} . # وأخبر عنهم سبحانه بقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه فذلك نجزيه جهنم} فأين هذا النعت من قول هؤلاء المتفلسفة الذين يدعون ~~أن العقل الأول رب جميع العالمين العلوي والسفلي # PageV01P496 # وكذلك كل عقل حتى ينتهي إلى الفعال فيزعمون أنه رب لما تحت فلك القمر وقد ~~قال سبحانه: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى} . # وقال تعالى: {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم ~~لا يسأمون} وقال تعالى: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا ms388 يستكبرون ~~عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون} وقال: {إن الذين ~~عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} . # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا تصفون كما تصف ~~الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يسدون الأول ~~فالأول ويتراصون في الصف " وهذا موافق لقوله تعالى: {والصافات صفا ~~فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا} ولقوله عنهم: {وما منا إلا له مقام معلوم ~~وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} . # وقال تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ~~ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} . # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون} وقال # PageV01P497 # تعالى في صفة أهل النار: {سأصلية سقر ومآ ادراك ما سقر لا تبقى ولا تذر ~~لواحة للبشر عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ~~وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر} وقال تعالى: {فليدع ناديه ~~سندع الزبانية} قال غير واحد من الصحابة والتابعين كأبي هريرة وعبد الله بن ~~الحارث وعطاء: "هم الملائكة" وقال قتادة: "الزبانية في كلام العرب الشرط" ~~وقال مقاتل: "هم خزنة جهنم" قال أهل اللغة كابن قتيبة وغيره: "هو مأخوذ من ~~الزبن وهو الدفع كأنهم يدفعون أهل النار إليها" قال ابن دريد: "الزبن الدفع ~~يقال ناقة زبون إذا زبنت حالبها دفعته برجلها وتزابن القوم تداراوا واشتقاق ~~الزبانية من الزبن". # وأيضا في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اخبر ليلة ~~المعراج بما رآه من الملائكة والجنة والنار ms389 واخبر عن البيت المعمور أنه ~~يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون آخر ما عليهم. # وما في القران والأحاديث وكلام السلف من ذكر الملائكة وأحوالهم يفوق ~~الإحصاء وكذلك عند أهل التوراة والإنجيل ونبوات سائر الأنبياء # PageV01P498 # بيان كذبهم على الأنبياء وان النبوة ليست كما يدعونه: # وما اخبر به الأنبياء يناقض قول من قال عن الأنبياء "إن الذي رأوه من ~~الملائكة إنما هو ما يخيل في أنفسهم وان الذي سمعوه إنما هو ما سمعوه في ~~نفوسهم" فان كان مقصوده أنهم أرادوا بما اخبروا به هذا فهذا كذب صريح عليهم ~~لا حيلة فيه وان كان مكذبا لهم يقول أنهم لم يروا شيئا أو أنهم غلطوا فيما ~~اخبروا به من ذلك فهذا ليس مقام من يفسر كلامهم ويبين مرادهم كما يزعمه ~~هؤلاء المتفلسفة الذين يتكلمون على النبوة بما يدعون أنه تفسير لها ~~والمقصود هنا بيان كذبهم على الأنبياء وان النبوة ليست كما يدعونه. # وأما الكذب للأنبياء فلخطابه مقام آخر مع أن هذا من اجهل أهل الأرض ~~وأكفرهم وذلك أن الأنبياء عدد كثيرون وهم بإجماع العقلاء العلم والعدل في ~~غاية صفات الكمال من العقل والعلم والعدل والصدق والأخلاق الحسنة وكل منهم ~~لم ير الآخر ولم يستمع منه لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم فانه لم يكن ~~بمكة على عهده أحد يعرف شيئا من كتب الأنبياء البتة وكل منهم يخبر عما رأى ~~وسمع أخبارا يصدق بعضها بعضا فلو لم تثبت عصمة الأنبياء وصدقهم بل كان ~~المخبر بمثل هذا مجهولا لوجب تواتر جنس ما رأوه كما أن العدد الكثير إذا ~~اخبر كل منهم أنه رأى اسود تواتر وجود السودان عند من لم يرهم ولهذا لما ~~اخبر كثير من المصروعين عن وجود الصرع ثبت بهذا وجوده في الجملة ولم يكن ~~تكذيب المصروعين فيما يخبرون به مما يعاينونه بل عامة العقلاء يعلم أنهم ~~رأوا الجن الأحياء الناطقين وهذا معلوم عند جمهور العقلاء علما ضروريا لا ~~يمكنهم النزاع فيه. # تدبير الله أمر السماء والأرض بواسطة الملائكة: # وأيضا فالأدلة ms390 العقلية تدل على أن الملائكة بهم يدبر الله أمر السماء ~~والأرض كما قد بسط الكلام على هذا في غير موضعه وبين فيه أن الحركات ثلاثة: ~~طبيعية # PageV01P499 # وقسرية وإرادية لأن المتحرك إنما يتحرك بقوة فيه أو خارجة عنه والثاني هو ~~المقسور المتحرك قسرا والأول أن لم يكن له شعور فهي الحركة الطبيعية وان ~~كان له شعور فهي الإرادية والقسرية تابعة للقاسر فلولا هو لم يتحرك المقسور ~~والطبيعية إنما يكون إذا خرج الجسم الطبيعي عن محله فيطلب بطبعه العود إلى ~~محله فإذا عاد سكن كالتراب إذا سقط على الأرض والماء إذا وصل إلى مقره ونحو ~~ذلك فلم يبق هنا متحرك ابتداء إلا المتحرك بالحركة الإرادية فعلم أن جميع ~~الحركات مبدأها حركة إرادية ومعلوم أن الآدميين لا يحركون الهواء والسحاب ~~وغير ذلك من الأجسام فالمحرك لها أحياء يحركون لها بالإرادة وهؤلاء هم ~~الملائكة. # والملك معناه الرسول واصله ملاك على وزن مفعل ولكن ألقيت حركة الهمزة على ~~الساكن قبلها وحذفت وهذه المادة معناها الرسالة سواء تقدمت اللام على ~~الهمزة كما في صيغة الملك أو تقدمت الهمزة على اللام وهذه الأمور لبسطها ~~موضع آخر. # وإنما المقصود أن نعرف أن ما يفسرون به الملائكة والوحي مما يعلم ~~بالاضطرار من دين الرسول أنه مناقض لما جاء به فعلم أن ما يثبتونه من ~~النبوة لا حقيقة له وان ادعاءهم أن علم الأنبياء إنما يحصل بالقياس المنطقي ~~وأما باتصال نفسه بالنفس الفلكية من أبطل الكلام وذلك مما يبين فساد ما ~~ذكروه في المنطق من حصر طرق العلم مادة وصورة وهو المطلوب في هذا الموضع ~~ويبين أنهم اخرجوا من العلوم الصادقة اجل وأعظم واكبر مما أثبتوه وان ما ~~ذكروه من الطرق إنما يفيد علوما قليلة خسيسة لا كثيرة ولا شريفة وهذه مرتبة ~~القوم فإنهم من أخس الناس علما وعملا وكفار اليهود والنصارى اشرف منهم علما ~~وعملا من وجوه كثيرة # PageV01P500 # كون حصول العلم في قلوب الأنبياء من الملائكة: # ومما يبين ذلك أن يقال ما يحصل في قلوب الأنبياء وغيرهم من العلم ms391 بأمور ~~معينة أما أن يكون له سبب يقتضى حصول ذلك العلم أو يحصل بلا سبب كما يقول ~~ذلك من أهل الكلام من ينكر الأسباب في الوجود فان لم يكن له سبب بطل قولهم ~~أن ذلك من العقل والنفس وان كان له سبب أمكن أن يكون ذلك هو ملائكة تعلمهم ~~بذلك أو جن تعلم بعض الناس وهم ليس لهم حجة أصلا على نفي ذلك بتقدير ما ~~يقولونه من قدم الأفلاك وصدورها عن علة مستلزمة لها كما يقوله ابن سينا أو ~~أن العلة تحركها تحريك القدوة للمقتدى به على قول أرسطو واتباعه فعلى قول ~~أرسطو واتباعه وعلى كل قول ليس في العقل حجة تنفي ذلك وإذا أمكن كون ذلك من ~~الملائكة بطل قولهم بل نقول يجب أن يكون ذلك من الملائكة إذا كان له سبب ~~فان كون ذلك من النفس الفلكية قد ظهر بطلانه فوجب أن يكون ذلك من الملائكة ~~وهو المطلوب. # وقد اثبت طائفة من نظار المسلمين والفلاسفة وجود الملائكة والجن بهذه ~~الطريق وقالوا نحن نجد أمورا تحدث في نفوسنا بغير قصد منا من العلوم ~~والإرادات وما هو من جنس العلوم والإرادات من الخواطر خواطر الشبهات ~~والشهوات فلا بد لتلك من فاعل يحدثها في قلوبنا والله سبحانه وتعالى هو ~~خالق كل شيء لكن لم يخلق شيئا إلا لسبب كما دل على ذلك استقراء خلقه ~~للموجودات ولا يحدث حادثا إلا بسبب حادث والإنسان يكون قلبه خاليا من ~~اعتقاد الضدين ومن أرادة الضدين فيحدث أحدهما في قلبه فلا بد لذلك من سبب ~~حادث أوجب ذلك ولا يجوز إضافة ذلك إلى مجرد حركات الفلكية فان نسبة الحركة ~~الفلكية في اليوم المعين إلى الأشخاص نسبة واحدة والناس مختلفون في هذه ~~الخواطر اختلافا لا مزيد عليه والشخص الواحد يختلف حاله فتارة يكون مؤمنا ~~وتارة يكون كافرا وتارة برا # PageV01P501 # وتارة فاجرا وتارة عالما وتارة جاهلا وتارة ناسيا وتارة ذاكرا بدون حدوث ~~سبب فلكي يرجح أحد هذين الحالين على الآخر وأهل الأرض الواحدة والبلد ~~الواحد والإقليم الواحد تختلف ms392 أحوالهم في ذلك مع أن طالع البلد لم يختلف ~~ومع أن المتجدد من الأشكال الفلكية قد يكون متشابه الأحوال وأحوالهم مع هذا ~~تختلف وهذا لبسطه موضع آخر. # فان ظن هؤلاء أن الحوادث التي تحت الفلك ليس سببها إلا تغير أشكال الفلك ~~واتصالات الكواكب من افسد الأقوال ولهذا كان أصحاب هذا القول من أكثر الناس ~~جهلا وكذبا وتناقضا وحيرة. # حيرة الفلكيين في أمر الكعبة وما لها من التعظيم والمهابة: # ولهذا حاروا في مكة شرفها الله وأي شيء هو الطالع الذي بنيت عليه على ~~زعمهم حتى رزقت هذه السعادة العظيمة وهذا البناء العظيم مع طول الأزمان مع ~~أنه لم يقصدها أحد بسوء إلا انتقم الله منه كما فعل بأصحاب الفيل ولم يعل ~~عليها عدو قط والحجاج بن يوسف لم يكن عدوا لها ولا أراد هدمها ولا أذاها ~~بوجه من الوجوه ولا رماها بمنجنيق أصلا ولكن كان محاصرا لابن الزبير وكان ~~ابن الزبير وأصحابه في المسجد وكانوا يرمون بالمنجنيق له ولأصحابه لا لقصد ~~الكعبة وإن يهدموا الكعبة ولا وقع فيها شرعي من حجارة الحجاج # PageV01P502 # بل كان ابن الزبير قد بناها على قواعد إبراهيم والصقها بالأرض وجعل لها ~~بابين كما أخبرته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لولا قومك ~~حديثوا عهد بجاهلية لنقضت الكعبة وألصقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا ~~يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه" ووصف لعائشة من الحجر ما هو من البيت ~~قريبا من سبعة ازرع موضع انحناء الحجر وكانت القريش قد بنتها فقصرت بها ~~النفقة فتركوا ما تركوه من الحجر ورفعوها. # فلما ولي الزبير شاور الناس في ذلك فمنهم من رأى ذلك مصلحة ومنهم من أشار ~~عليه بأن لا يفعل وقال: "هذه الكعبة هي التي كانت على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعليها اسلم الناس" وهذا كان رأي ابن عباس وطائفة. # والفقهاء متنازعون في هذه المسألة منهم من يرى إقرارها كقول ابن عباس وهو ~~قول مالك وغيره ويقال أن الرشيد شاوره أن يفعل كما فعل ابن الزبير ms393 فأشار ~~عليه أن لا يفعل ورأى أن هذا يفضي إلى انتقاض حرمة الكعبة باختلاف الملوك ~~في ذلك هذا يهدمها ليبنيها كما فعل ابن الزبير وهذا يرى أن يعيدها # PageV01P503 # كما كانت ومنهم من يرى تصويب ما فعله ابن الزبير ويقال أن الشافعي يميل ~~إلى هذا. # فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما فعل ~~ابن الزبير فيخبره بأنهم وجدوا قواعد إبراهيم وانه أرى ذلك لأهل مكة فكتب ~~إليه عبد الملك أن يعيدها كما كانت إلا ما زاده من الطول فلا يغيره ويذكر ~~أن ما فعله ابن الزبير لا يعلم أصله. # ثم أن عبد الملك حدثه بعض الناس بحديث عائشة فقال: "وددت اني وليت ابن ~~الزبير من ذلك ما تولى". # والمقصود أنه ولله الحمد لم يردها أحد من المسلمين بسوء لا الحجاج ولا ~~غيره ولكن قرامطة البحرين بعد ذلك بمدة أخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم مدة ~~فانتقم الله منهم وجرت فيهم المثلات. # فصار هؤلاء الفلكيون حائرين في أمرها لما جعل الله لها من العز والمهابة ~~والتعظيم مع المحبة ومع كون الناس من مشارق الأرض ومغاربها يأتونها بمحبة ~~ورغبة وذل مع المشاق العظيمة التي تزيد على مشقة عامة الأسفار من الجوع ~~والعطش والخوف والتعب وانه ليس بمكة بساتين ولا أنهار ولا غير ذلك مما ~~تطلبه النفوس حتى الجأ بعضهم الحيرة إلى أن زعم أن تحتها مغارة فيها طلاسم ~~موجهة إلى جميع الجهات # PageV01P504 # وأنها تبخر في شهر رجب أو غيره لتصرف وجوه الناس إليها ونحو هذه الأقوال ~~المكذوبة التي يعلم كل من له علم بمكة أنها كذب مختلق وانه لا ينزل أحد قط ~~إلى أسفل الكعبة ولا مغارة تحتها. # ونفس التبخير لا يفعله المسلمون عبادة وقربانا كما كان يفعل ذلك من قبلهم ~~بل هو عندهم من جنس الطيب فتقصد رائحته ومن كان قبل المسلمين من أهل الكتاب ~~كانوا يقربون القرابين فتنزل النار تأكله وقد يدخنون بدخن وأما المشركون من ~~عباد الكواكب والأصنام فالتدخين عندهم من أصول العبادات. # بل وجود ms394 مكة مما يدل على القادر المختار وانه يخلق بمشيئته وقدرته وعلمه ~~كما قال تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم} وقد قال ابن عباس: "لو ترك الناس الحج سنة واحدة لما ~~نوظروا" ولهذا كان حج البيت كل عام فرضا على الكفاية كما ذكر ذلك الفقهاء ~~من أصحاب الشافعي كالقاضي أبي بكر وغيره. # والمقصود هنا أنه إذا علم ما يحدث في النفوس ليس سببه مجرد حركة الفلك مع ~~أنه لا بدل منه من سبب دل ذلك على وجود الملائكة والجن وهذا سلف الأمة ~~والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين فإنهم يقولون أن الشياطين توسوس في ~~نفوس بني ادم كالعقائد الفاسدة والأمر باتباع الهوى وان الملائكة بالعكس ~~إنما تقذف في القلوب الصدق والعدل قال ابن مسعود: "إن للملك لمة وللشيطان ~~لمة فلمة الملك إيعاد # PageV01P505 # بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق" وفي الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به ~~قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا: وإياك يا رسول الله قال وإياي إلا أن ~~الله أعانني عليه فأسلم" وفي لفظ "فلا يأمرني إلا بخير ". # قال تعالى: {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس ~~الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} والقول الصحيح الذي عليه أكثر ~~السلف أن المعنى من شر الموسوس من الجنة ومن الناس من شياطين الإنس والجن. # وقال: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "يا أبا ذر تعوذ ~~بالله من شياطين الإنس والجن" قال: يا رسول الله أو للإنس شياطين؟ قال: ~~"نعم شر من شياطين الجن " قال تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} وهم شياطينهم ms395 من ~~الإنس كما قال ذلك عامة السلف وكما يدل # PageV01P506 # عليه سباق القران فان شياطين الجن لم يكونوا يحتاجون إلى أن يخلوا بهم ~~ولا هم يقولون لهم {إنا معكم إنما نحن مستهزئون} . # كون الصواب من الهام الملك والخطأ من إلقاء الشيطان: # وقد تنازع الناس في العلم الحاصل في القلب عقيب النظر والاستدلال على ~~أقوال فهؤلاء المتفلسفة يقولون أن ذلك من فيض العقل الفعال عند استعداد ~~النفس والمعتزلة يقولون هو حاصل على سبيل التولد والأشعري وغيره يقولون هو ~~حاصل بفعل الله تعالى كما تحصل سائر الحوادث عندهم لا يجعلون لشيء من ~~الحوادث سببا ولا حكمة. # والذي عليه السلف والأئمة أن الله جعل للحوادث أسبابا وحكمة وهذه الحوادث ~~قد تحدث بأسباب من الملائكة أو من الجن وان ما يحصل في القلب من العلم ~~والقوة ونحو ذلك قد يجعله الله بواسطة فعل الملائكة كما قال تعالى: {إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} وقال تعالى: {لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الأيمان ~~وأيدهم بروح منه} وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل القضاء ~~واستعان عليه وكل إليه ومن لم يسأل القضاء ولم يستعن عليه انزل الله إليه ~~ملكا يسدده" والتسديد هو إلقاء القول السداد في قلبه وقال تعالى: {وأوحينا ~~إلى أم موسى أن أرضعيه} وقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا} وهؤلاء لم يكونوا أنبياء بل ذلك الهام وقد يكون بتوسط ~~الملك كما قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل # PageV01P507 # رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} . # والآراء والخطأ في الرأي من إلقاء الشيطان ولو كان صاحبها مجتهدا معذورا ~~كما قال غير واحد من الصحابة كأبي بكر وابن مسعود في بعض المسائل: "أقول ~~فيها برأيي فان يكن صوابا فمن الله وان يكن خطا فمني ومن الشيطان والله ~~ورسوله ms396 بريء منه". # وما يكون من الشيطان إذا لم يقدر الإنسان على دفعه لا يأثم به كما يراه ~~النائم من أضغاث الشيطان وكاحتلامه في المنام فانه وان كان من الشيطان فقد ~~رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ. # وكذلك ما يحدث به الإنسان نفسه من الشر قد تجاوز الله له عنه حتى يتكلم ~~به أو يعمل به وإن كان من الشيطان ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به " ~~وفي الصحيحين من غير وجه عن أبي هريرة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر أنه "إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشر ~~حسنات وإذا هم بسيئة فلا تكتبوها عليه فان عملها فاكتبوها سيئة وان تركها ~~فاكتبوها له حسنة فانه إنما تركها من جرائي". # وفي الصحيح أن الصحابة سألوا النبي عن الوسوسة التي يكرهها # PageV01P508 # المؤمن وهي ما يلقي في قلبه من خواطر الكفر فقالوا: يا رسول الله أن ~~احدنا ليجد في نفسه ما لأن يحرق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض ~~أحب إليه من أن يتكلم به؟ قال: "ذلك صريح الإيمان " وفي حديث آخر: "الحمد ~~لله الذي رد كيده إلى الوسوسة". # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أذن المؤذن أدبر ~~الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين اقبل فإذا أقيمت ~~الصلاة أدبر فإذا قضيت اقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه فيقول: اذكر كذا اذكر ~~كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل أن يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم ~~فليسجد سجدتين" فقد اخبر أن الشيطان يوسوس في الصلاة ولم يأمر بإعادة ~~الصلاة. # فالاعتقادات والإرادات الفاسدة تحصل بسبب شياطين الإنس والجن والاعتقادات ~~الصحيحة والإرادات المحمودة قد تحصل بسبب الملائكة وصالحي الإنس فان سماع ~~الكلم قد يؤثر في قلب المستمع فالمتكلم فاعل فان كان السامع قابلا انتقش ~~كلامه في قلبه وان لم يكن ms397 قابلا لم ينتقش فيه. # إبطال القول بمعرفة الغيب بدون توسط الأنبياء: # وما يذكره طوائف من الباطنية باطنية الشيعة كأصحاب رسائل إخوان الصفا ~~وباطنية الصوفية كابن سبعين وابن عربي وغيرهما وما يوجد في كلام أبي حامد ~~وغيره من أهل الرياضة وتصفية القلب وتزكية النفس بالأخلاق المحمودة قد ~~يعلمون # PageV01P509 # حقائق ما أخبرت به الأنبياء من أمر الإيمان بالله والملائكة والكتاب ~~والنبيين واليوم الآخر ومعرفة الجن والشياطين بدون توسط خبر الأنبياء هو ~~بناء على هذا الأصل الفاسد وهو أنهم إذا صفوا نفوسهم نزل على قلوبهم ذلك ~~أما من جهة العقل الفعال أو غيره # كلام في الغزالي قادح فيه: # وأبو حامد يكثر ذكر هذا وهو مما أنكره عليه المسلمون وقالوا فيه أقوالا ~~غليظة بهذا السبب الذي اسقط فيه توسط الأنبياء في الأمور الخبرية وجعل ما ~~جاء به الرسول من الكتاب والسنة لا يفيد معرفة شيء من الغيب ولا يعرف معنى ~~كلامه وما يتأول منه وما لا يتأول لكن إذا ارتاض الإنسان انكشفت له الحقائق ~~فما وافق كشفه اقره وما لم يوافقه تأوله ولهذا قالوا: "كلامه يقدح في ~~الإيمان بالأنبياء" وذلك أن هذا مأخوذ من أصول هؤلاء الفلاسفة ولهذا كانوا ~~يقولون: "أبو حامد أمرضه (الشفاء) " وانشد فيه ابن العربي الأبيات المعروفة ~~عنه حيث قال: # برئنا إلى الله من معشر ... هم مرض من كتاب الشفا # PageV01P510 # وكم قلت: # يا قوم انتم على ... شفا جرف من كتاب الشفا # فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله حتى كفى # فماتوا على دين رسطالس ... وعشنا على ملة المصطفى # وكلامه في مشكوة الأنوار وفي كيمياء السعادة هو قول هؤلاء ولهذا يذكر أن ~~صاحب الرياضة قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى بن عمران عليه السلام وأمثال ~~هذه الأقاويل التي أنكرها علماء المسلمين العارفين بما جاء به الرسول من ~~الكتاب والسنة من الطوائف كلها من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة واحمد بن ~~حنبل والصوفية المحققين المتبعين للرسول وأهل الحديث ونظار أهل السنة. # وقد أنكر عليه طائفة من أهل الكلام والرأي كثيرا مما قاله من ms398 الحق وزعموا ~~أن طريقة الرياضة وتصفية القلب لا تؤثر في حصول العلم واخطأوا أيضا في هذا ~~النفي بل الحق أن التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم. # لكن لا بد من الاعتصام بالكتاب والسنة في العلم والعمل ولا يمكن أن أحدا ~~بعد الرسول يعلم ما اخبر به الرسول من الغيب بنفسه بلا واسطة الرسول ولا ~~يستغني أحد في معرفة الغيب عما جاء به الرسول وكلام الرسول مبين للحق بنفسه ~~ليس كشف أحد ولا قياسه عيارا عليه فما وافق كشف الإنسان وقياسه وافقه وما ~~لم يكن كذلك خالفه بل ما يسمى كشفا وقياسا هو مخالف للرسول فهذا قياس فاسد ~~وخيال فاسد وهو الذي يقال فيه نعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي. # والإنسان قد يصفي نفسه ويلقى الشيطان في نفسه أشياء فان لم يعتصم بالذكر ~~المنزل وإلا اقترن به الشيطان كما قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض ~~له شيطانا فهو له قرين} وقوله: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} . # الفرق بين طرق متكلمي الإسلام وطرق المناطقة الفلاسفة: # فإن قيل ما ذكره أهل المنطق من حصر طرق العلم يوجد نحو منه في كلام ~~متكلمي # PageV01P511 # المسلمين بل منهم من يذكره بعينه أما بعباراتهم وأما بتغيير العبارة قيل ~~الجواب من وجهين: # أحدهما: أن ليس كل ما يقوله المتكلمون حقا بل كل ما جاء به الرسول فهو حق ~~وما قاله المتكلمون وغيرهم مما يخالف ذلك فهو باطل وقد عرف ذم السلف ~~والأئمة لأهل الكلام المحدث المشتمل على الباطل المخالف للكتاب والسنة وقد ~~بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع ومر أن الكلام المذموم الذي ذمه السلف ~~الطيب اتباع الصحابة والتابعين لهم بإحسان هو الكلام الباطل وهو المخالف ~~لما جاء به الرسول. # وهذان وصفان ملازمان فكل ما خالف ما جاء به الرسول فهو باطل وكل كلام في ~~الدين باطل فهو مخالف لما جاء به الرسول وبطلان ذلك قد يعلم بالأدلة ~~العقلية مع دلالة الشرع على بطلانه ودلالة الشرع تكون تارة بالأخبار ms399 عن ~~الحق والباطل وتارة بالإرشاد والهداية إلى الأدلة التي بها يعرف الحق وينظر ~~العاقل في تلك الأدلة التي ارشد الرسول إليها ودل عليها. # الثاني: أن يقال متكلموا الإسلام لم يسلكوا طريق هؤلاء الفلاسفة فانه ليس ~~فيهم أحد يحصر طرق العلم حصرا يدخل فيه الأنبياء كما فعل هؤلاء حيث جعلوا ~~ما علمه الأنبياء داخلا في طريقهم فجعلوا النبوة من جنس ما يكون لبعض الناس ~~إذا كان فيه ذكاء وزهد بل المتكلمون متفقون على أن النبي يعلمه الله بما لا ~~يعلم به غيره بمشيئة الرب وقدرته فإنهم متفقون على أن الله يفعل بمشيئته ~~وقدرته وانه يرسل ملكا إلى النبي وهو يعلم الملك ويعلم ما يقول وما يقوله ~~للنبي ليس فيهم من يقول أن الله لا يعلم الجزئيات ولا أن الله ليس بقادر ~~مختار ولا أن الأفلاك قديمة أزليه ولا من ينكر معاد الأبدان ولا من يقول أن ~~ملائكة الله مجرد ما يتخيل في النفوس كما يتخيل للنائم ولا كلام الله مجرد ~~ما يتخيل في النفوس من الأصوات ولا من يقول أن ما يعلمه الأنبياء من الغيب ~~إنما يفيض على نفوسهم من النفس الفلكية # PageV01P512 # ولا يجعل احدهم اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية. # ولا يقول أحد منهم أن شيئا غير الله أبدع ما سواه كما يقوله هؤلاء أن ~~العقل الأول أبدع كل ما سواه من الممكنات ويسميه من ينتسب إلى الإسلام منهم ~~القلم ويظنون أن الحديث المروي: "إن أول ما خلق الله العقل قال له: اقبل ~~فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر" هو هذا العقل والحديث لفظه حجة عليهم لا لهم ~~ومع هذا فلو كان حجة لهم لم يجز التمسك به لأنه موضوع باتفاق أهل المعرفة ~~بالحديث كما ذكر ذلك الدارقطني وابن حبان وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهم. # بطلان جعلهم النبوة جزءا من الفلسفة: # والمتكلمون إذا حصروا طرق العلم حصروا طرق مثلهم وأمثالهم فيذكرون ~~الحسيات والعقليات الضرورية والنظرية سواء كان ذلك الحصر مطابقا أو ليس ~~بمطابق لم يقصدوا أن يذكروا الطريق التي بها يعلم ms400 النبي ما يوحي إليه بل ~~هذه الطريق خارجة عما يقدرون عليه هم وأمثالهم من الطرق وليست من جنسها ~~عندهم بخلاف المتفلسفة فان النبي عندهم من جنس غيره من الأذكياء الزهاد ~~لكنه قد يكون أفضل والنبوة عندهم جزء من الفلسفة وهذا هو الضلال العظيم فان ~~الفلسفة كلها لا يصير صاحبها في درجة اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل ~~فضلا عن درجتهم قبل ذلك فضلا عن درجة المؤمنين أهل القران كالصحابة ~~والتابعين فضلا عن درجة واحد من الأنبياء فضلا عن الرسل فضلا عن أولي العزم ~~منهم بل عامة أذكياء الناس وازهد الناس أن يكون مشبها للتابعين بإحسان ~~للسابقين الأولين. # فأما درجة السابقين الأولين كأبي بكر وعمر فتلك لا يبلغها أحد وقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم ~~محدثون فان # PageV01P513 # يكن في أمتي فعمر " وفي حديث آخر: "إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ~~" وقال على: "كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر" وفي الترمذي وغيره ~~"لو لم ابعث فيكم لبعث فيكم عمر ولو كان بعدي نبي ينتظر لكان عمر". # ومع هذا فالصديق أكمل منه فان الصديق كمل في تصديقه للنبي فلا يتلقى إلا ~~عن النبي والنبي معصوم والمحدث كعمر يأخذ أحيانا عن قلبه ما يلهمه ويحدث به ~~لكن قلبه ليس معصوما فعليه أن يعرض ما القي عليه على ما جاء به الرسول فان ~~وافقه قبله وان خالفه رده ولهذا قد رجع عمر عن أشياء وكان الصحابة يناظرونه ~~ويحتجون عليه فإذا بينت له الحجة من الكتاب والسنة رجع إليها وترك ما رآه ~~والصديق إنما يتلقى عن الرسول لا عن قلبه فهو أكمل من المحدث وليس بعد أبي ~~بكر صديق أفضل منه ولا بعد عمر محدث أفضل منه. # كون معيار الولايات عند العارفين هو لزوم الكتاب والسنة: # ولهذا كان الشيوخ العارفون المستقيمون من مشايخ التصوف وغيرهم يأمرون أهل # PageV01P514 # القلوب أرباب الزهد والعبادة والمعرفة والمكاشفة بلزوم الكتاب والسنة قال ~~الجنيد بن محمد: "علمنا هذا ms401 مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرا القران ويكتب ~~الحديث لا يصلح له أن يتكلم بعلمنا" وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: "إنه ~~لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين الكتاب والسنة" ~~وقال أيضا: "ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر" وقال ~~أبو عثمان النيسابوري: "من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن ~~أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة فان الله يقول: {وإن تطيعوه تهتدوا} وقال ~~آخر: "من لم يتهم خواطره في كل حال فلا تعده في ديوان الرجال". # وقيل لأبي يزيد البسطامي: قد قدم شيخ من أصحابك فذهب ليزوره فرآه قد بصق ~~في القبلة فقال: "ارجعوا بنا هذا رجل لم يأتمنه الله على أدب من آداب ~~الشريعة فكيف يأتمنه على سره" وهذا الذي فعله أبو يزيد يستدل عليه بما في ~~السنن سنن أبي داود وغيره "أن رجلا كان إماما في مسجد من مساجد الأنصار فان ~~كل قبيلة كان لها مسجد فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فرأى بصاقا في القبلة ~~فقال من فعل هذا فذكرا الإمام فنهاهم أن يصلوا خلفه فلما جاء ليؤمهم منعوه ~~وقالوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نصلي خلفك فجاء إليه فذكر ~~ذلك له فقال: صدقوا إنك آذيت الله ورسوله". # وقال غير واحد من الشيوخ والعلماء: "لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي # PageV01P515 # على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي" ومثل هذا ~~كثير في كلام المشائخ والعارفين وأئمة الهدى وأفضل أولياء الله عندهم ~~أكملهم متابعة للأنبياء ولهذا كان الصديق أفضل الأولياء بعد النبيين فما ~~طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر لكمال ~~متابعته وهم كلهم متفقون على أنه لا طريق للعباد إلى الله إلا باتباع ~~الواسطة الذي بينهم وبين الله وهو الرسول. # ولكن دخل في طريقهم أقوام ببدع وفسوق والحاد وهؤلاء مذمومون عند الله ~~وعند رسوله وعند أوليا الله المتقين وهم صالحوا عباده مثل ms402 من يظن أن لبعض ~~الأولياء طريقا إلى الله بدون اتباع الرسول أو يظن أن من الأولياء من يكون ~~مثل النبي أو أفضل منه أو أنه يكون من هو خاتم الأولياء أفضل من السابقين ~~الأولين أو اعلم بالله من خاتم الأنبياء وأمثال هذه المقالات التي تقولها ~~من دخل فيهم من الملاحدة الضالين ومن هذا الوجه صار قوم متصوفون يتفلسفون. # وتكلم ابن سينا في إشاراته على مقامات العارفين وقال الرازي في شرحه: ~~"هذا الباب اجل ما في الكتاب فانه رتب علم الصوفية ترتيبا ما سبقه إليه من ~~قبله ولا يلحقه من بعده" وهذا الذي قاله الرازي قاله بحسب معرفته فانه لم ~~يكن عارفا بطريق الصوفية العارفين المتبعين للكتاب والسنة ولعله قد رأى من ~~صوفية وقته وفيه من الجهالات والضلالات ما رأى أن هذا الكلام أحسن ما يرتب ~~عليه طريقهم وقد ذكر في مقامات العارفين أمر النبوة التي يثبتونها. # الفناء المذموم والفناء المحمود: # وآخر ما انتهى إليه العارفون في تسليكه هو الفناء عما سوى الحق الذي ~~أثبته والبقاء # PageV01P516 # به وهذا لو كان سالكه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~ويفعل ما أمر الله به وينتهي عما نهى الله عنه فيسلك سلوك اتباع الرسل ~~لكانت هذه الغاية سلوكا ناقصا عند أئمة العارفين فان الفناء الذي أثبته ~~إنما هو الفناء عن شهود السوي وكذلك من اتبعه مثل ابن الطفيل المغربي صاحب ~~رسالة حي بن يقظان وأمثاله وهذا فناء عن ذكر السوى وشهوده وحظوره بالقلب ~~وهذا حال ناقص يعرض لبعض السالكين ليس هو الغاية ولا شرطا في الغاية. # بل الغاية الفناء عن عبادة السوي وهو حال إبراهيم ومحمد الخليلين صلى ~~الله عليه وسلم فانه قد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ~~وجه أنه قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". # وحقيقة هذا الفناء هو تحقيق الحنيفية وهو إخلاص الدين لله وهو أن يغني ~~يفني بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه وبطاعته عن ~~طاعة ms403 ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبالحب فيه والبغض فيه عن الحب فيما ~~سواه والبغض فيه فلا يكون لمخلوق من المخلوقين لا لنفسه ولا لغير نفسه على ~~قلبه شركة مع الله تعالى ولهذا أمر إبراهيم الخليل بذبح ابنه فانه كان قد ~~سأل الله أن يهبه إياه ولم يكن له ابن غيره. # فان الذبيح هو إسماعيل على اصح القولين للعلماء وقول أكثرهم كما دل عليه ~~الكتاب والسنة فقال الخليل: {رب هب لي من الصالحين} قال # PageV01P517 # الله: {فبشرناه بغلام حليم} والغلام الحليم إسماعيل وأما إسحاق فقال فيه ~~{نبشرك بغلام عليم} وإسحاق بشرت به سارة أيضا لما غارت من هاجر والله ذكر ~~قصته بعد قصة الذببح فانه لما ذكر قصة الذببح قال بعدها وبشرناه بإسحاق ~~نبيا من الصالحين والمقصود هنا أن الله أمر الخليل بذبح ابنه بكره امتحانا ~~له وابتلاء ليخرج من قلبه محبة ما سوى الله ليتم كونه خليلا بذلك فهذا هو ~~الكمال. # وأما مجرد شهوده الحق من غير فعل ما يحبه ويرضاه فهذا ليس بإيمان ينجي من ~~عذاب الله فضلا عن أن يكون هذا غاية العارفين. # ثم الذي لا يشهد السوي مطلقا أن شهده عين السوي فهذا قول الملاحدة ~~القائلين بوحدة الوجود وان كان ذلك لغيبته وأعراضه عن شهود السوي فمن شهد ~~ما سواه مخلوقا له آية له وشهد ما فيه من آياته كان أكمل ممن لم يشهد هذا ~~وهؤلاء قد يبلغ بهم الأمر إلى أن يروا أن شهود الذات مجردة عين الصفات هو ~~أعلى مقامات الشهود وهذا من جهلهم فان الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة ~~لها في الخارج وليس ذاك رب العالمين ولكن هم في أنفسهم جردوها عن الصفات ~~وشهدوا مجرد الذات كما يشهد الإنسان تارة علم الرب وتارة قدرته فهؤلاء ~~شهدوا مجرد ذات مجردة فهذا في غاية النقص في معرفة الله والإيمان به فكيف ~~يكون هذا غاية ومنهم من ينظر هذا شرطا في السلوك وليس كذلك بل السابقون ~~الأولون أكمل الناس ولم يكن مثل هذا يخطر بقلوبهم ms404 ولو ذكره أحد عندهم لذموه ~~وعابوه. # الفرق بين شهود الخلق وشهود الشرع: # ومن جعل من الصوفية هذا الفناء غاية وقال أنه يفني عن شهود فعل الرب حتى ~~لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة فهذا غلط عند أئمة القوم وأصحاب هذا الفناء # PageV01P518 # يسمون هذا اصطلاما ومحوا وجمعا وكان الجنيد رضي الله عنه لما رأى طائفة ~~من أصحابه وصلوا إلى هذا أمرهم بالفرق الثاني وهو أن يفرقوا بين المأمور ~~والمحظور وما يحبه الله وما يسخطه حتى يحبوا ما أحب ويبغضوا ما ابغض وإلا ~~فإذا شهدوا خلقه لكل شيء ولم يشهدوا إلا هذا الجمع استوت الأشياء كلها في ~~شهودهم لشمول الخلق والمشيئة والقدرة لكل شيء وهذا شهود لقدره لا لشرعه ~~ودينه فلم يبق في قلوبهم حب لما يحبه وبغض لما يبغضه وموالاة لما يواليه ~~ومعاداة لما يعاديه وكانوا ممن انكر عليهم سبحانه بقوله: {أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال ~~فيهم: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} . # ونفس ولاية الله مخالفة لعداوته واصل الولاية والعداوة الحب والبغض ~~فأولياء الله هم الذين يحبون ما أحب ويبغضون ما ابغض وأعداؤه الذين ما يحب ~~ويحبون ما يبغض وقد قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} وقال تعالى: {فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} وقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} . # فمن لم يشهد بقلبه إلا خلقه الشامل ومشيئته العامة وربوبيته الشاملة لكل ~~شيء لم يفرق بين وليه وعدوه ولم تتميز عنده الفرائض والنوافل وغيرها وقد ~~ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ms405 وسلم قال: "يقول ~~الله: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل ما ~~افترضت عليه # PageV01P519 # ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي ~~يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ~~وما ترددت عن شيء انا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره ~~مساءته ولا بد له منه". # فالناظر إلى القدر لا يفرق بين مأمور ومحذور سواء كان فرضا أو نفلا وهو ~~مع هذا لا بد لنفسه أن تميل إلى شيء وتنفر عن شيء فان خلو الحي عن الإرادة ~~مطلقا محال فان لم يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه أحب ما تحبه نفسه وابغض ~~ما تبغضه نفسه فيخرج عن الفرق الإلهي النبوي الذي هو حقيقة قول لا اله إلا ~~الله وحقيقة دين الإسلام إلى الفرق النفساني الشيطاني. # ثم هؤلاء صاروا فرقا أما ابن سينا وأمثاله من الملاحدة فإنهم يأمرون بهذا ~~مع سائر إلحادهم من نفي الصفات وقدم الأفلاك وإنكار معاد الأبدان وجعل ~~النبوة تنال بالكسب كالذكاء والزهد وإنما يفيض عليها فيض من العقل الفعال ~~فيخرج من دين المسلمين واليهود والنصارى. # بل الفناء المحمود عند العارفين هو تحقيق شهادة أن لا اله إلا الله فلا ~~يشهد لمخلوق شيئا من الإلهية فيشهد أنه لا خالق غيره ويشهد أنه لا يستحق ~~العبادة غيره ويتحقق بحقيقة قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} وقوله: {فاعبده ~~وتوكل # PageV01P520 # عليه} وإلا فإذا شهدت أنه المستحق للعبادة مع رؤيتك نفسك لم تشهد حقيقة ~~إياك نستعين وإذا شهدت حقيقة أنه الفاعل لكل شيء ولم تشهد أنه المستحق ~~للعبادة دون ما سواه وان عبادته إنما تكون بطاعة رسوله لم تشهد حقيقة إياك ~~نعبد وإذا تحققت بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} تحققت بالفناء في التوحيد ~~الذي بعث الله به رسله وانزل به كتبه قال الله تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل ms406 ~~إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} . # وقال تعال: {فاعبده وتوكل عليه} وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وقال تعالى: {قل هو ~~ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} . # ولهذا لما سلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما هذه الطريق الفاسدة أورثهم ~~ذلك الفناء عن وجود السوي فجعلوا الموجود واحدا ووجود كل مخلوق هو عين وجود ~~الحق وحقيقة الفناء عندهم أن لا يرى إلا الحق وهو الرائي والمرئي والعابد ~~والمعبود والذاكر والمذكور والناكح والمنكوح والأمر الخالق هو الأمر ~~المخلوق وهو المتصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم وعباد الأصنام ما ~~عبدوا غيره وما ثم موجود مغاير له البتة عندهم وهذا منتهي سلوك هؤلاء ~~الملحدين. # فحقيقته قول فرعون لأن فرعون كان في الباطن عالما بأن ما يقوله باطل وكان ~~جاحدا مريدا للعلو والفساد ولهذا جحد وجود الصانع بالكلية وأما هؤلاء فجهال ~~ضلال يحسبون أن ما يقولونه هو حقيقة إثبات الرب وتعظيمه وهو في الحقيقة قول ~~فرعون فان فرعون ما كان ينكر وجود هذا العالم ولا ينكر أن الموجودات تشترك ~~في مسمى الوجود وإنما كان ينكر أن لهذا الوجود خالقا مباينا له ولهذا أمر ~~ببناء ليكذب موسى بزعمه أن للعالم آلها فوقه قال تعالى: {وقال فرعون # PageV01P521 # يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد ~~فرعون إلا في تباب} وقال تعالى: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من ~~إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا ~~أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم ~~في هذه ms407 الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} . # وأكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون أن فرعون أكمل من ~~موسى وان فرعون صادق في قوله: {أنا ربكم الأعلى} لأن الوجود فاضل ومفضول ~~والفاضل يستحق أن يكون رب المفضول ومنهم من يقول مات مؤمنا وان تغريقه كان ~~ليغتسل غسل الإسلام فإنهم مع قولهم بأن الوجود واحد قد يقولون أما بقول ~~بعضهم أن الثبوت غير الوجود وان ماهيات الممكنات ثابتة وان وجود الحق قاض ~~عليها كما يقول ذلك ابن عربي وغيره وأما أن يفرق بين المطلق والمعين كما ~~يقوله صاحبه القونوي وابن سبعين قوله قريب من هذا وقد بسط الكلام عليهم في ~~غير هذا الموضع وإنما ذكروا هنا لأن هؤلاء هم آخر مراتب فلاسفة الصوفية ~~الذين يقولون أنهم أهل التحقيق والعرفان وكل من سواهم عندهم ناقص بالنسبة ~~إليهم وقد رأيت من هؤلاء غير واحد. # وهم يرتبون الناس طبقات أدناها عندهم الفقيه ثم المتكلم ثم الفيلسوف ثم ~~الصوفي أي صوفي الفلاسفة ثم المحقق ويجعلون ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة ~~في الثانية وأبا حامد وأمثاله من الصوفية من العشرة ويجعلون المحقق هو ~~الواحد # PageV01P522 # ولهذا ذكر ابن عرابي في الفتوحات له أربع عقائد الأول: عقيدة أبي المعالي ~~وأمثاله مجردة عن الحجة ثم هذه العقيدة بحجتها ثم عقيدة الفلاسفة ثم عقيدة ~~المحققين وذلك أن الفيلسوف يفرق بين الوجود والممكن والواجب وهؤلاء يقولون ~~الوجود واحد والصوفي الذي يعظمه هؤلاء هو الصوفي الذي عظمه ابن سينا وبعده ~~المحقق. # وهؤلاء ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا نصارى بل كثير من المشركين أحسن حالا ~~منهم وهؤلاء أئمة النظار المتفلسفة وصوفيتهم وشيعتهم كان من أسباب تسلطهم ~~وظهورهم هو بدع أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والرافضة ومن نحا نحوهم في ~~بعض الأصول الفاسدة فان هؤلاء اشتركوا هم وأولئك الملاحدة في أصول فاسدة ~~يجعلونها قضايا عقلية صادقة وهي باطلة كاذبة مخالفة للشرع والعقل. # مقالات للفلاسفة لم يذهب إليها أحد من طوائف المسلمين: # ثم أراد هؤلاء المتكلمون الرد عليهم في إلحادهم الظاهر الذي يظهر فيه ~~فخالفتهم ms408 للمسلمين مثل القول بقدم العالم وإنكار علم الله بالجزئيات والقول ~~بإنكار المعاد وهذه الثلاثة هي التي يكفرهم بها أبو حامد الغزالي في تهافت ~~الفلاسفة وطائفة يقولون أن سائر أقوالهم الباطلة هي البدع التي ذهب إليها ~~بعض أهل الكلام كإنكار الصفات وليس الأمر كما قاله هؤلاء بل مقالاتهم التي ~~لم يذهب إليها أحد من طوائف المسلمين لا أهل البدعة ولا أهل السنة كثيرة ~~مثل قولهم في النبوات والملائكة وكلام الله وقولهم في الشفاعة وإنكار مشيئة ~~الله وقدرته وليس هذا من لوازم القول بقدم العالم بل في القائلين بذلك من ~~يقول أن الله يفعل بمشيئته وقدرته كأحد القولين الذين ذكرهما أبو البركات ~~واختاره وكذلك ما يقولونه في الملائكة أنها مجرد ما يتخيل في النفوس أو ~~أنها العقول وان الواحد منها أبدع كل ما سواه وان العقل الفعال هو المدبر ~~لكل ما تحت الفلك وان الوحي على # PageV01P523 # الأنبياء إنما يجيء منه وانه منتهى معاد الأنفس. # فإنكارهم لقدرة الله ومشيئته أعظم من إنكارهم لعلمه بالجزئيات فان كثير ~~من الناس كان لا يعرف ذلك ولكن يعلم أن الله قادر خلق الأشياء بمشيئته كما ~~في الصحيحين عن ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ~~ثقفيان وقرشي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال: أحدهم أترون الله يسمع ~~ما نقول فقال الثاني: يسمع أن جهرنا ولا يسمع أن أخفينا فقال الثالث: أن ~~كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا فأنزل الله: {وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} ~~وهؤلاء يقرون بأن الله خلق السموات والأرض بمشيئته وقدرته وكذلك كان بعض ~~أحداث من المسلمين قد يجهل هذه المسألة فيقول يا رسول الله مهما يكتم الناس ~~يعلمه الله فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم نعم ولم يكن هؤلاء يجهلون أن ~~الله خلق كل شيء بمشيئته وقدرته بل كان هذا من أظهر ms409 الأمور وأعرفها عند ~~عامة المسلمين بل وعامة المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام وهم كفار وهم ~~مشركون وهم الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم أول من يتناوله ذم ~~القرآن للمشركين ومع هذا فكانوا مقرين بأن الله خلق السموات والأرض وما ~~بينهما وخلق كل شيء بقدرته ومشيئته فكانوا أحسن حالا من هؤلاء الفلاسفة في ~~الإقرار بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وانه خلق الأشياء بمشيئة وقدرته. # فان هؤلاء حقيقة قولهم أنه لم يخلق شيئا ومتقدموهم كأرسطو وأتباعه على ~~أنه علة يتحرك الفلك للتشبه بها فليس هو عندهم لا موجبا بالذات ولا فاعلا ~~بالمشيئة وأما ابن سينا وأمثاله ممن يقول أنه موجب بذاته فهم يقولون ما ~~يعلم جماهير العقلاء # PageV01P524 # أنه مخالف لضرورة العقل إذ يثبتون مفعولا ممكنا يمكن وجوده ويمكن عدمه ~~وهو مع هذا قديم أزلي لم يزل ولا يزال وهو مفعول معلول لعلة فاعلة لم يزل ~~مقارنا لها في الزمان فكل من هذين القولين مما خالفوا فيه جماهير العقلاء ~~من الأولين والآخرين حتى سلفهم كأرسطو ونحوه فإنهم لم يقولوا بهذا ولا بهذا ~~بل أولئك يقولون أن الفلك قديم أزلى بنفسه ليس له مبدع ولكن يتحرك للتشبه ~~بالعلة الأولى فهو مفتقر إليها من هذه الجهة لا من جهة أنها مبدعة له ~~وحقيقة قوله أنها شرط في وجود العالم مع وجوبه بنفسه فيجعلون الواجب بنفسه ~~مفتقرا إلى غيره وهذا مما ينكره متأخروهم كابن سينا وأمثاله. # وكذلك القائلون بالعلة الموجبة كابن سينا وابن رشد والسهروردى وغيرهم ~~حقيقة قولهم أنه شرط في وجود الممكنات لا مبدع لها ولا فاعل فإنهم لا ~~يثبتون للحوادث محدثا أصلا في نفس الأمر إذ الفلك عندهم ممكن له مبدع وهو ~~متحرك باختياره كما يتحرك الإنسان باختياره وله نفس فلكية كما للإنسان نفس ~~وليس عندهم فوقه شيء يحدث عنه شيء. # وإن قالوا أنه معلول فقولهم في الفلك أقبح من قول القدرية في أفعال ~~الحيوان فان القدرية يقولون أن الله خلق الحيوان بقدرته ومشيئته فجعل له ~~قدرة تصلح للضدين فهو ms410 يحدث أرادته وأفعاله بقدرته ومشيئته وهؤلاء لا يجعلون ~~الفلك مخلوقا في الحقيقة وإن قالوا هو معلول ولو جعلوه مخلوقا فعندهم هو ~~متحرك حركة اختيارية نفسانية بمشيئة وقوة فيه وليس فوقه شيء يحدث هذه ~~الحركة ولا يفعلها وإنما الفلك متحرك للتشبه بالأول لاستخراج أيونه وأوضاعه ~~إذ هي غاية كماله. # وإن قالوا أن حركته تصدر عن الأول فكلام لا حقيقة له فإنهم وكل عاقل يعلم ~~أن الشيء البسيط الذي هو على حال واحدة أزلا وأبدا لا يحدث عنه شيء فضلا عن ~~حوادث مختلفة ويعلمون أن المتغيرات لا تصدر عن بسيط البتة وهذا كله مبسوط ~~في غير هذا الموضع # PageV01P525 # والمقصود هنا التنبيه على أن الكفر الذي يوجد فيهم قولا وفعلا أعظم من ~~كفر اليهود والنصارى ومشركي العرب الذين هم أول من بعث إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ونزل فيه القرآن بكفره واستحقاقه النار. # الشفاعة الشركية المنفية والشفاعة الشرعية الثابتة: # ومن ذلك أن أولئك المشركين كانوا يجعلون ما يشركون به شفعاء يشفعون لهم ~~إلى الله والله يقبل شفاعتهم وهو سؤالهم ودعاؤهم بقدرته ومشيئته كما ذكر ~~الله ذلك في مواضع من كتابه فقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السماوات ولا في الأرض} . # ولهذا نفى الله شفاعة أحد إلا باذنه في غير موضع من القرآن بقوله: {من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقوله: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} وقال: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون ~~الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما ~~كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} وقال: {الله الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه ~~من ولي ولا شفيع ms411 أفلا تتذكرون} وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل ~~منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} وقال تعالى: {قل ~~ادعوا الذين زعمتم # PageV01P526 # من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما ~~من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقال ~~تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشاء ويرضى} . # فهذه الشفاعة التي نفاها القرآن تتضمن نفى ما كان يقوله مشركوا العرب ~~وأمثالهم من المشركين وهى من جنس شرك النصارى ونحوهم من الضلال المنتسبين ~~إلى الإسلام حيث يعتقدون في الملائكة أو الأنبياء أو الشيوخ أنهم شفعاء لهم ~~عند الله كما يشفع الشفعاء إلى ملوك الدنيا ويضربون لله مثلا فيقولون من ~~أراد أن يتقرب إلى ملك عظيم فلا ينبغي له أن يأتي إليه أولا بل يتقرب إلى ~~خاصته وهم يرفعون حوائجه ويقربونه إليه قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي يقولون ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى ذكر سبحانه هذا بعد قوله: {تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن ~~الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} . # وقال في هذه السورة: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن ~~يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي ~~انتقام ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما ~~تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ms412 ضره أو أرادني برحمة هل ~~هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} وقال فيها: {قل إني ~~أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين # PageV01P527 # وأمرت لأن أكون أول المسلمين} وقال فيها: {قل أفغير الله تأمروني أعبد ~~أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} . # تفسير قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون} الاية: # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} . # روى ابن أبي حاتم وغيره بأسانيد ثابتة عن شعبة عن السدي سمع أبا صالح عن ~~ابن عباس في قول الله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} هو ~~عيسى وأمه وعزير والملائكة وكذلك في تفسير عطية عن ابن عباس قال: "كان أهل ~~الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا" وعن إسرائيل عن السدي عن أبي ~~صالح: "عيسى وعزير والملائكة" وكذلك في تفسير أسباط عن السدي قال: "ذكروا ~~أنهم اتخذوا الآلهة وهو حين عبدوا الملائكة والمسيح وعزيرا قال الله: ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} . # وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن مسعود قال: "كان ناس من الإنس يعبدون ناسا ~~من الجن فأسلم الجن وتمسك الآخرون بعبادتهم فنزلت: {أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته} إلى أخر الآية وكذلك # PageV01P528 # روى ابن أبي حاتم وغيره أن ابن شوذب عن مطر الوراق قال: "أنزلها الله في ~~حي من العرب كانوا يعبدون حيا من الجن" وفي تفسير مقاتل: "أن المشركين ~~كانوا يعبدون الملائكة ويقولون هي تشفع لنا عند الله فلما ابتلوا بالقحط ~~سبع سنين قيل لهم: {ادعوا الذين زعمتم} . # والآية تتناول كل من دعى غير الله وذلك المدعو يبتغى إلى الله الوسيلة أي ~~القربى والزلفى ويرجو رحمة الله ويخاف عذابه وهذا يدخل فيه الملائكة ~~والأنبياء والصالحون الإنس والجن وقد قرأ طائفة ms413 (أولئك الذين تدعون) فبين ~~أن الذين يدعونهم المشركون هم يتقربون إلى الله ويرجونه ويخافونه فكيف يجوز ~~دعاؤهم وهذا كقوله: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} . # حصر أقسام المدعوين من دون الله ونفى كل واحد منهم: # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} فذكر سبحانه الأقسام الممكنة فان المشرك الذي ~~يدعو غير الله ويرجوه ويخافه أما أن يجعله مالكا أو شريكا أو ظهيرا أو ~~شفيعا وهكذا كل من طلب منه أمر من الأمور أما أن يكون مالكا مستقلا به وأما ~~أن يكون شريكا فيه وأما أن يكون عونا وظهيرا لرب الأمر وأما أن يكون سائلا ~~محضا وشافعا إلى رب الأمر فإذا انتفت هذه الوجوه امتنعت الاستغاثة به. # ولهذا كان الناس بعضهم مع بعض من الملوك وغيرهم فيما يتساءلونه لا يخرجون ~~عن هذه الأقسام أما أن يكون لكل منهما ملك متميز عن الآخر فيطلب من هذا ما ~~في ملكه ومن هذا ما في ملكه وأما أن يكون أحدهما شريكا للآخر فيطلب منه ما ~~يطلب من الشريك وأما أن يكون أحدهما من أعوان الآخر وأنصاره وظهرانه # PageV01P529 # كأعوان الملوك فهو محتاج إليهم فيطلب منهم ما يحتاج إليه وإذا انتفت هذه ~~الوجوده لم يبق إلا مجرد طلب محض وسؤال من غير حاجة بالمسئول إلى السائل ~~الشافع. # والمشركون بالله كل منهم في نوع من هذه الأنواع منهم من اثبت فاعلا ~~مستقلا غير الله لكن لم يثبتوه مماثلا له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله وهذا كالمجوس الذين أثبتوا قديما شريرا يستقل بفعل الشر وكذلك ~~القائلون منهم أنه خلق الشر والقدرية من جميع الأمم أثبتوا غير الله يحدث ~~أشياء ينفرد بأحداثها دون الله وإن كان الله خالقا له ولهذا قال السلف ~~القدرية مجوس هذه الأمة. # والقائلون بقدم العالم كلهم لا بد لهم ms414 من إثبات غير الله فاعلا أما أرسطو ~~وأتباعه فان الفلك عندهم بحركته هو المحدث للحركات وما يتولد عنها ثم من ~~أثبت له شريكا من العقول والنفوس جعله مستقلا بإحداث شيء وذاك مستقلا ~~بإحداث شيء ومن قال منهم بالعلة المشبهة بها ومن قال بالموجب بالذات فان ~~الطائفتين لا يثبتون في الحقيقة أن الله أحدث شيئا ولا خلقه. # والله سبحانه نفى أن يكون لغير ملك أو شرك في الملك أو يكون له ظهير فانه ~~سبحانه هو وحده خالق كل شيء وربه ومليكه وهذا هو مذهب أهل السنة المثبتين ~~للقدر القائلين بأن الله خالق كل شيء بمشيئته وقدرته لكن السلف والأئمة ~~وأتباعهم يثبتون قدره العبد وفعله ويثبتون الحكمة والأسباب وجهم ومن اتبعه ~~من أهل الكلام ينفون ذلك كله كما قد بسط في موضعه. # تفسير قوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} الآية: # ولم يثبت سبحانه إلا الشفاعة لكن اثبت شفاعة مفيدة ليست هي الشفاعة # PageV01P530 # التي يظنها المشركون فقال تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} ~~وقد جاءت الأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تخبر بما يوافق ~~تفسير هذه الآية من حال الملائكة مع الله كما وصفهم تعالى في الآية الأخرى ~~فقال: {بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} ففي الحديث ~~الصحيح الذي رواه احمد والبخاري وغيرهما عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ~~عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله إذا ~~قضى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على ~~صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلى ~~الكبير فيسمعها مسترقو السمع وهم هكذا " -ووصف سفيان بيده فأقامها منحرفة- ~~"فربما أدرك الشهاب المسترق قبل أن يرمى بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم ~~يدركه فيرمى بها إلى الذي يليه ثم يرمى بها إلى الذي يليه إلى الذي يليه ثم ~~يلقيها إلى ms415 الأرض فتلقى على لسان الساحراو لسان الكاهن فيكذب عليها مائة ~~كذبة فيقولون قد اخبر يوم كذا وكذا بكذا وكذا فوجدنا حقا للكلمة التي سمعت ~~من السماء". # وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن الزهري عن علي بن الحسين عن ~~عبد الله بن عباس حدثني رجل من الانصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رمى بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # PageV01P531 # "ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول ولد عظيم أو مات عظيم ~~قال: فانه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى ~~أمرا سبحه حمله العرش ثم سبحه أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح ~~أهل السماء الدنيا ثم يقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير فيقولون كذا وكذا فيخبر أهل السموات ~~بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيلقونه إلى ~~أوليائهم فيلقون إلى أوليائهم فيرمون فما جاءوا به على وجهه فهو الحق ~~ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون". # وكذلك في الحديث الآخر المعروف من رواية نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم ~~عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس ~~بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله أن يوحى ~~بأمره تكلم بالوحي فإذا تكلم أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة من ~~خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من ~~يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فيمضي به جبريل على الملائكة ~~كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول قال الحق وهو ~~العلى الكبير فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث ~~أمره الله من السماء والأرض" وقد رواه ابن أبي حاتم والطبري وغيرهما. # وقوله: {فزع عن قلوبهم} أي أزال ms416 عنها الفزع وكذلك قال غير واحد من # PageV01P532 # السلف: "جلى عن قلوبهم" وهذا كما يقال قرد البعير إذا أزال عنه القراد ~~ويقال تحرج وتحوب وتأثم وتحنث إذا أزال عنه الحرج والحوب والإثم والحنث. # وروى ابن أبي حاتم ثنا الحسن بن محمد الواسطي ثنا يزيد بن هارون عن شريك ~~عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس في قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} ~~قال: "كان إذا نزل الوحي كان صوته كوقع الحديد على الصفوان قال: فيصعق أهل ~~السماء حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم قالت الرسل: الحق وهو ~~العلى الكبير" وقال عن الحادث الدمشقي ثنا أبى عن عن جعفر بن أبي المغيره ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم} ~~قال: "تنزل الأمر إلى السماء الدنيا له وقعة كوقعة السلسلة على الصخرة ~~فيفزع له جميع أهل السموات فيقولون ماذا قال ربكم ثم يرجعون إلى أنفسهم ~~فيقولون الحق وهو العلى الكبير". # ويروى من تفسير عطية عن ابن عباس {حتى إذا فزع عن قلوبهم} الآية قال: ~~"لما أوحى الله إلى محمد دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي سمعت ~~الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله ~~فقالوا الحق وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا وانه منجزة" قال ابن عباس: ~~"وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا فلما سمعوه خروا سجدا فلما رفعوا رؤسهم ~~قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير". # وبإسناده من تفسير قتادة رواية عبد الرزاق عن معمر عنه {حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم} قال: "لما كانت الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم فنزل الوحي مثل صوت الحديد فأفزع الملائكة ذلك فقال الله: {حتى إذا ~~فزع # PageV01P533 # عن قلوبهم} يقول: حتى إذا جلي عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ~~وهو العلي الكبير. ويروى بإسناده من تفسير الوالبي عن ابن عباس فزع عن ~~قلوبهم قال: جلي عن قلوبهم. ms417 قال: وروى عن ابن عمر وأبي عبد الرحمن السلمي ~~وللشعبي والضحاك والحسن وإبراهيم النخعي وقتادة مثل ذلك. # وقد روى أحمد وغيره عن أبي معاوية أو عبد الرحمن عن الأعمش عن مسروق عن ~~عبد الله بن مسعود قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صوته كحر ~~السلسلة على الصفا فيعصون لذلك ويخرون سجدا فإذا علموا أنه وحي فزع عن ~~قلوبهم قال: فيرد إليهم فينادي أهل السموات بعضهم بعضا ماذا قال ربكم قالوا ~~الحق وهو العلي الكبير" , وقد رواه أبو داود في سننه مرفوعا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وهذا الذي جاء به الكتاب والسنة والآثار مما يصيب الملائكة عند سماع ~~الوحي إذا قضى الله الأمر يتناول ما يقضيه بخلقه وبقدره وما يقضيه بشرعه ~~وبأمره. فإنهم ذكروا ذلك عند تكلمه بالقرآن وعندما يقضيه من الحوادث التي ~~يسمع بعضها مسترق السمع ويخبر بها الكهان ومسترق السمع وهذا الصنف هو ~~الغالب فإن إرسال رسول من البشر قليل بالنسبة إلى هذه الحوادث. # قول الفلاسفة في الشفاعة أعظم شركا من قول غيرهم: # وقال سبحانه: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} فبين سبحانه أن من اتخذ # PageV01P534 # الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر مع أن المشركين إنما كانوا يتخذونهم ~~شفعاء ويتقربون بهم إلى الله زلفى فإذا كان هؤلاء الذين دعوا مخلوقا ليشفع ~~لهم عند الله كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيسأله ويرغب إليه بلا إذنه وقد ~~جعلهم الله مشركين كفارا مأواهم جهنم فكيف بشرك هؤلاء الفلاسفة وما يثبتونه ~~من الشفاعة فإنهم يجوزون دعاء الجواهر العلوية الشمس والقمر والكواكب وكذلك ~~الأرواح التي يسمونها العقول والنفوس ويسميها من انتسب إلى أهل الملل ~~الملائكة وهؤلاء المشركون قد تنزل عليهم أرواح تقضى بعض مطالبهم وتخبرهم ~~ببعض الأمور وهم لا يميزون بين الملائكة والجن بل قد يسمون ms418 الجميع ملائكة ~~وأرواحا ويقولون روحانية الشمس روحانية عطارد روحانية الزهرة وهى الشيطان ~~والشيطانة التي تضل من أشرك بها كما أن لنفس الأصنام وهي التماثيل المصنوعة ~~على اسم الوثن من الأنبياء والصالحين أو على اسم كوكب من الكواكب أو روح من ~~الأرواح والأصنام أيضا لها شياطين تدخل فيها وتكلم أحيانا بعض المشركين وقد ~~تترايا أحيانا فيراها بعض الناس من السدنة وغيرهم. # فالمشركون من الفلاسفة القائلين بقدم العالم هم أعظم شركا وما يدعونه من ~~الشفاعة لألهتم أعظم كفرا من مشركي العرب فإنهم لا يقولون أن الشفيع يسأل ~~الله والله يجيب دعوته كما يقوله المشركون الذين يقولون أن الله خالق ~~بقدرته ومشيئته فان هؤلاء عندهم أنه لا يعلم الجزئيات ولا يحدث شيئا ~~بمشيئته وقدرته وإنما العالم فاض عنه. # فيقولون إذا توجه الداعي إلى من يدعوه كتوجه إلى الموتى عند قبورهم وغير ~~قبورهم وتوجهه إلى الأرواح العالية فانه يفيض عليهم ما يفيض من ذلك المعظم ~~الذي دعاه واستغاث به وخضع له من غير فعل من ذلك الشفيع ولا سؤال منه لله ~~تعالى كما يفيض شعاع الشمس على ما يقابلها من الأجسام الصقيلة كالمرآة ~~وغيرها ثم ينعكس الشعاع من ذلك الجسم الصقيل إلى حائط أو ماء وهذا قد ذكره ~~غير # PageV01P535 # واحد من هؤلاء كابن سينا ومن اتبعه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره. # وهؤلاء يزورون القبور الزيارة المنهي عنه بهذا القصد فان الزيارة الشرعية ~~مقصودها مثل مقصود الصلاة على الجنازة يقصد بها السلام على الميت والدعاء ~~له بالمغفرة والرحمة وأما الزيارة المبتدعة التي هي من جنس زيادة المشركين ~~فمقصودهم بها طلب الحوائج من الميت أو الغائب أما أن يطلب الحاجة منه أو ~~يطلب منه أن يطلبها من الله وأما أن يقسم على الله به ثم كثير من هؤلاء ~~يقول أن ذلك المدعو يطلب تلك الحاجة من الله أو أن الله يقضيها بمشيئته ~~واختياره للإقسام على الله بهذا المخلوق وأما أولئك الفلاسفة فيقولون بل ~~نفس التوجه إلى هذه الروح يوجب أن يفيض منها على المتوجه ما يفيض ms419 كما يفيض ~~الشعاع من الشمس من غير أن تقصد هي قضاء حاجة أحد ومن غير أن يكون الله ~~يعلم بشيء من ذلك على أصلهم الفاسد. # فتبين أن شرك هؤلاء وكفرهم أعظم من شرك مشركي العرب وكفرهم وأن اتخاذ ~~هؤلاء الشفعاء الذين يشركون بهم من دون الله أعظم كفرا من اتخاذ أولئك. # ليس توسط البشر عند الحنفاء كتوسط العلويات عند الفلاسفة: # ولهذا كانت مناظرة كثير من أهل الكلام لهم مناظرة قاصرة حيث لم يعرف ~~أولئك حقيقة ما بعث الله به رسله وانزل به كتبه وما ذمه من الشرك ثم يكشفون ~~بنور النبوة ما عند هؤلاء من الضلال كما ناظرهم الشهر ستاتي في كتاب الملل ~~والنحل لما ذكر فصلا في المناظرة بين الحنفاء وبين الصابئة المشركين فان ~~الحنفاء يقولون بتوسط البشر وأولئك يقولون بتوسط العلويات فأخذ يبين أن ~~القول بتوسط البشر # PageV01P536 # أولى من القول بتوسط العلويات ومعلوم أنه إذا أخذ التوسط على ما يعتقدونه ~~في العلويات كان قولهم اظهر فكان رده عليهم ضعيفا لضعف العلم بحقيقة دين ~~الإسلام. # فان الحنفاء ليس فيهم من يقول بإثبات البشر وسائط في الخلق والتدبير ~~والرزق والأحياء والإماتة وسماع الدعاء وإجابة الداعي بل الرسل كلهم وأتباع ~~الرسل متفقون على أنه لا يعبد إلا الله وحده فهو الذي يسأل ويعبد وله يصلى ~~ويسجد وهو الذي يجيب دعاء المضطرين ويكشف الضر عن المضرورين ويغيث عباده ~~المستغيثين {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له ~~من بعده} {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} . # وليس عند الحنفاء أن أحدا غير الله يستقل بفعل شيء بل غايته أن يكون سببا ~~والأثر لا يحصل إلا به وبغيره من الأسباب وبصرف الموانع والله تعالى هو ~~الذي يخلق بتأثير الأسباب وبدفع الموانع مع خلقه سبحانه أيضا لهذا السبب ~~لكن المقصود أنه ليس في الوجود ما يستقل بإحداث شيء ولا ثم شيء يوجب كل اثر ~~إلا مشيئة الله وحده فما شاء كان وما لم ms420 يشأ لم يكن. # والرسل هم وسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ رسالاته وأمره ونهيه ووعده ~~ووعيده كما قال تعالى: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} وقال: {يا ~~أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا} فاخبر أنه أرسله شاهدا كما قال: {ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهداء على الناس} وقال: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا} وقال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا} ولما دفن النبي صلى الله عليه وسلم شهداء أحد قال: ~~"أما أنا فشهيد # PageV01P537 # على هؤلاء" وقوله: {مبشرا ونذيرا} بالوعد والوعيد وداعيا إلى الله بإذنه ~~بالأمر والنهى. # وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون} وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} وقال تعالى: {وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقد ~~اخبر الله عن أول الرسل نوح عليه السلام ومن بعده من الرسل أنهم قالوا ~~لقومهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} وقال نوح: {ولا أقول لكم عندي ~~خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم ~~لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين} وكذلك ~~قال لخاتم الرسل: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك إن أتبع إللا ما يوحى إلي} . # فتوسط البشر بالرسالة مثل توسط الملك بالرسالة كما قال تعالى: {الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} وقال تعالى: {إنه لقول رسول كريم ذي قوة ~~عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين} فهذا جبريل ثم قال: {وما صاحبكم بمجنون} ~~وقوله: {وما صاحبكم} كقوله في الآية الأخرى: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم ~~وما غوى} # PageV01P538 # الحكمة في إرسال الرسول البشري ms421 إلى البشر دون الملكي: # فقوله صاحبكم تنبيه على نعمته على البشر وإحسانه إليهم إذ بعث إليهم من ~~يصحبهم ويصحبونه بشرا مثلهم فإنهم لا يطيقون الأخذ عن الملك كما قال تعالى: ~~{وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} . # وروى ابن أبي حاتم عن أبي زرعة عن منجاب بن الحرث عن بشر بن عمارة عن أبي ~~روق عن الضحاك عن ابن عباس {ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} لأهلكناهم {ثم لا ~~ينظرون} لا يؤخرون {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} يقول: "لو أتاهم ملك ما ~~أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة" وكذلك قال ~~غيره من المفسرين {وللبسنا عليهم} قالوا لخلطنا ولشبهنا عليهم ما يخلطون ~~ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا املك هو أو أدمى. # فبين سبحانه أنه لو أنزل ملكا لم يمكنهم أن يروه إلا في صورة بشر كما كان ~~جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه الناس في صورة دحية الكلبى أو ~~في صورة أعرابي لما أتاه وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وكذلك لما ~~أتوا إبراهيم ولوطا ورأتهم سارة وقم لوط لم يأتوا إلا في صورة رجال وكذلك ~~لما أتى جبريل مريم عليه السلام لينفخ فيها أتاها في صورة رجل قال تعالى: ~~{فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني ~~أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} ~~وإذا كانوا لا يستطيعون أن يروا الملك إلا في صورة رجل فلو جاءهم لقالوا ~~هذا بشر ليس بملك واشتبه الأمر واختلط والتبس الأمر عليهم فلم تكن هذه شبهة ~~تنقطع بانزال ملك # PageV01P539 # وهذا كما قال في السورة الأخرى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا ~~تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله ms422 كان عليك كبيرا قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا} إلى قوله: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا ~~أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} . # وأيضا في قوله صاحبكم بيان أنه عربي بعث بلسانهم كما قال: {وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه} وقد قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ~~ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} . # قيل المراد من أنفس العرب فالخطاب لهم. # وقيل من أنفس بني ادم فهو بشر لا ملك ولا جني لأن الخطاب لجميع الخلق ~~الذين أرسل إليهم لا سيما وهذه في سورة براءة وهي من آخر القران نزولا وقيل ~~أن هذه الآية آخر ما نزل وقد نزلت بعد دعوة الروم والفرس والقبط وهو ~~بالمؤمنين من هؤلاء كلهم رؤوف رحيم ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم من ~~الإنس ومن العرب أفضل الإنس ومن قريش أفضل العرب ومن بني هاشم أفضل قريش ~~والأنفس يراد بهم جنس الإنسان كما قال تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا} فقوله: {صاحبكم} مثل قوله: {من أنفسكم} ومثل قوله: ~~{أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} . # وقوله: {سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} لم يقصد بهذا اللفظ تفضيل ~~الملك عليه كما توهمه بعض الناس كما أن قوله: {أن أوحينا إلى رجل # PageV01P540 # منهم} وقوله: {سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} لم يقصد به أن غيره أفضل ~~منه. # كون الرسول مبلغا للقرآن عن الله لا محدثا له: # وقال سبحانه: {وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على ~~الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم} فالرسول هنا هو الرسول الملكي جبريل ~~وقال في السورة الأخرى: {إنه لقول رسول كريم ms423 وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا ~~بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين} فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. # وأضافه إلى هذا الرسول تارة والى هذا تارة لأن كلا من الرسولين بلغه ~~وأداه ولفظ الرسول يتضمن مرسلا أرسله فكان في اللفظ ما يبين أن الرسول مبلغ ~~له عن غيره لا أن الرسول أحدث شيئا منه كما توهمه بعض الناس وظن أن إضافته ~~إلى رسول يقتضى أنه هو الذي أحدث القران العربي فانه قد أضافه إلى هذا تارة ~~والى هذا تارة فلو كان المراد الإحداث لتناقض الخبران. # ولأنه أضافه إليه باسم رسول لم يقل أنه لقول ملك ولا قول بشر بل قد كفر ~~من قال أنه قول البشر في قوله: {ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا ~~وبنين شهودا} إلى قوله: {إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ~~ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول ~~البشر سأصليه سقر} والكلام # PageV01P541 # الذي توعد بسقر من قال أنه قول البشر هو الكلام الذي أضافه إلى رسول من ~~البشر تارة والى رسول من الملائكة تارة لأن المراد هناك أنه بلغه والذي ~~كفره قال أنه أنشأه وانه كلام نفسه سواء كان المراد المعنى أو اللفظ أو ~~كلاهما فان الذي لعنه الله هو الذي قال أن هذا إلا قول البشر. # فمن قال أن هذا القران قول البشر فهو من جنس قوله من بعض الوجوه ولهذا ~~قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه} فأخبر أن ما يسمعه المستجير هو كلام الله والمستجير يسمعه ~~بصوت القارىء والصوت صوت القارى والكلام كلام الباري كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "زينوا القران بأصواتكم " وقال: "لله اشد أذنا إلى الرجل ~~الحسن الصوت بالقرآن من صاحب ms424 القينة إلى قينته". # وكذلك ذكر في غير موضع أن الصوت المسموع من العبد هو صوت العبد كما قال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر بعضكم لبعض} وقال: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} وقال لقمن لابنه: {واقصد في مشيك ~~واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} . # وفي سنن أبي داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ~~الموسم: "ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فان قريشا قد منعوني أن ~~ابلغ كلام ربي". # PageV01P542 # فرسل الله وسائط في تبليغ رسالاته كما قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما ~~أنزل إليك} وقال تعالى: {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} وقال تعالى عن نوح: {ولكني رسول ~~من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي} . # وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار " وفي السنن عن زيد بن ثابت وابن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "نضر الله أمرا سمع منا حديثا فبلغه إلى من يسمعه ~~فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه" وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: "ليبلغ الشاهد الغائب فرب ~~من مبلغ أوعى من سامع". # والمقصود هنا أن الحنفاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له وهم مسلمون ~~وجميع الأنبياء وأممهم كانوا مسلمين مؤمنين {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل # PageV01P543 # منه} لأن {الدين عند الله الإسلام} في كل زمان ومكان وقد اخبر الله عن ~~نوح وإبراهيم وإسرائيل وغيرهم إلى الحواريين أنهم كانوا مسلمين ونوح أول ~~رسول بعث إلى أهل الأرض كما ثبت ذلك في الحديث ms425 المتفق على صحته حديث ~~الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # فمن جعل ما يثبته الحنفاء من توسط البشر أو توسط الملائكة من جنس ما ~~يثبته المشركون واخذ يفاضل بين البشر والملائكة لم يكن عارفا بدين الإسلام. # بل قول الحنفاء هو ما قاله الله تعالى في كتابه حيث قال: {ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} فمن اتخذ هؤلاء أو هؤلاء أربابا كما يقول من يجعلهم وسائط في ~~العبادة والدعاء ونحو ذلك فهو كافر. # وصاحب الكتب المضنون بها قد جعل الملائكة والنبيين وسائط وجعل هذه ~~شفاعتهم موافقة للفلاسفة كما تقدم من أن هذا القول شر من قول مشركي العرب. # وجاء بعده صاحب كتاب السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم فذكر فيه ~~الشرك الصريح من عبادة الكواكب والجن والشياطين ودعواتها وبخورها وخواتيمها ~~وأصنامها التي تجعل لها على مذهب المشركين الكلدانيين والكشدانيين الذين ~~بعث إليهم إبراهيم الخليل وبنى على ذلك القول بقدم العالم وان لا سبب # PageV01P544 # لحدوث الحوادث إلا مجرد حركة الفلك كما يقوله هؤلاء القائلون بقدم العالم ~~الذين هم شر من مشركي العرب. # وكذلك ذكر في تفسير حديث المعراج ما هو مبني على أصول هؤلاء الذين هم ~~اكفر الكفار كقوله أن الأنبياء الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم هم ~~الكواكب فآدم القمر ويوسف الزهرة ونحو هذا الهذيان وان المعراج إنما هو ~~رؤية قلبه الوجود كما يذكر ابن عربي وغيره مثل هذا المعراج ويثبتون لأنفسهم ~~إسراء ومعراجا. # وهذه خيالات تلقيها الشياطين مناسبة لما يعتقدونه من الإلحاد على عادة ~~الشياطين في إضلال بني آدم فإنما يضلونهم بما يقبلونه منهم وما يوافق ~~أهواءهم. # والحمد لله رب العالمين. PageV01P545 ms426