######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001463 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرد على الشاذلي في حزبيه، وما صنفه في آداب الطريق #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001463 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1463 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1463 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علي بن محمد العمران #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1429هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار عالم الفوائد - مكة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | فصل # الوجه الثاني ما في هذا الحزب من المنكرات # مع أنه أمثل مما هو دونه من الأحزاب ونحن ننبه على بعض ذلك وعلى ترتيب ~~الحزب في ذلك: # قوله وعلمك حسبي. # فإن السنة أن يقال حسبي الله والله حسبي ونحو ذلك كما قال تعالى الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل (173) [آل عمران 173] وقال تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم ~~الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله [التوبة 59] . # وفي صحيح البخاري عن ابن عباس في قوله حسبي الله ونعم الوكيل قالها ~~إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم [آل عمران 173] . # وقال تعالى يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) [الأنفال ~~64] أي الله حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين ومن # PageV01P003 # ظن أن المعنى أن الله ومن اتبعك حسبك فقد غلط غلطا عظيما. # والحسب الكافي فالله هو كافي عبده كما قال أليس الله بكاف عبده [الزمر ~~36] . # وأما مجرد العلم فليس بكاف للعباد فإن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه ~~يعلم المؤمن مؤمنا والكافر كافرا والغني غنيا والفقير فقيرا فمجرد علمه إن ~~لم يقترن به إرادته للإحسان إلى عبده ليفعل ذلك بقدرته لم يحصل للعبد نعمة ~~ولم يندفع عنه نقمة فهو سبحانه يمن بحصول النعم واندفاع النقم بعلمه وقدرته ~~ورحمته. # ولكن قائل هذه الكلمة أخذها من أثر إسرائيلي لا أصل له وهو ما يروى أن ~~جبريل عرض لإبراهيم الخليل لما ألقي في المنجنيق فقال هل لك من حاجة فقال ~~أما إليك فلا فقال سل فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي. # PageV01P004 # ولهذا قال في الحزب الآخر واقرب مني قربا تمحو به كل حجاب محقته عن ~~إبراهيم خليلك فلم يحتج لجبريل رسولك ولا لسؤاله منك. # أما قوله هل لك من حاجة فقال أما إليك فلا فهذا قد ذكره العلماء كأحمد ~~وغيره وهو موافق للشريعة فإن ### | كمال التوكل # ألا يكون للمؤمن ms001 حاجة إلى غير الله أي لا يسأل غير الله ولا يستشرف بقلبه ~~إلى غير الله. # كما قال تعالى فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8) [الشرح 7-8] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما أتاك من هذا المال ~~وأنت # PageV01P005 # غير سائل ولا مستشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك. # وقال لابن عباس وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. # وقال من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله. # والمستعف الذي لا يسأل بلسانه والمستغني الذي لا يستشرف بقلبه فإن الغنى ~~أعلى من العفة وأغنى الغنى غنى النفس كما ثبت في الصحيح ليس الغنى عن كثرة ~~العرض ولكن الغنى غنى النفس. # PageV01P006 # وأما قوله حسبي من سؤالي علمه بحالي فهذا ليس له إسناد معروف بل الذي في ~~الصحيح أنه قال حسبي الله ونعم الوكيل لم يقل ذلك اللفظ. # وما نقل عن الأنبياء المتقدمين إن لم يكن ثابتا بنقل نبينا صلى الله عليه ~~وسلم لم يحتج به في الدين باتفاق علماء المسلمين لكن إذا كان موافقا لشرعنا ~~ذكر على سبيل الاعتضاد لا على سبيل الاعتماد وما ثبت بنقل نبينا عن شرع من ~~قبلنا فيه نزاع معروف. # وأيضا فإن مراسيل أهل زماننا عن نبينا لا نحتج بها باتفاق العلماء مع قرب ~~العهد وحفظ الملة فكيف بمراسيل أهل الكتاب التي ينقلونها عن الأنبياء مع ~~بعد الزمان وكثرة الكذب والبهتان؟! # ثم إن هذا الأثر يقتضي أن إبراهيم اكتفى بعلم الرب عن سؤاله وهذا يقتضي ~~أن العبد لا يسوغ له الدعاء اكتفاء بعلم الرب بحاله وهذا خلاف ما حكاه الله ~~عن إبراهيم وخلاف ما اتفقت عليه الأنبياء قال الله تعالى وإذ قال إبراهيم ~~رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم ~~الآخر إلى قوله ربنا وابعث فيهم رسولا منهم [البقرة 126-129] فهذه دعوة ~~متعددة من إبراهيم وأدعية إبراهيم في القرآن كثيرة. # PageV01P007 # وقد ذكر الله عن الأنبياء أنهم دعوه بمصالح الدين والدنيا والآخرة ونصوص ~~الكتاب والسنة متظاهرة على الأمر ms002 بالدعاء أمر إيجاب أو أمر استحباب فكيف ~~يقال إن تركه مشروع لعلم الرب بحال العبد؟! # والحكاية التي تروى عن بعض الشيوخ أن سائلا قال له تنزل بي الفاقة فأسأل ~~قال تذكر ناسيا أو تعلم جاهلا قال فأجلس وأنتظر قال التجربة عندنا شك قال ~~فما الحيلة قال ترك الحيلة إما أنها كذب من الناقل أو خطأ من القائل وإلا ~~فقد قال تعالى واسألوا الله من فضله [النساء 32] وقال ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية [الأعراف 55] وقال تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [غافر 60] وقال ~~فادعوا الله مخلصين له الدين [غافر 14] . # وفي الترمذي من لم يسأل الله يغضب عليه # PageV01P008 # وفيه ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى في شسع نعله إذا # PageV01P009 # انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر. # والنصوص بذلك كثيرة وليس في الدعاء إعلام جاهل ولا تذكير غافل بل فيه ~~إيمان العبد بقدرة الله ورحمته وإخلاصه له وذله وخشوعه له وهذا تحقيق ~~التوحيد. # PageV01P010 # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين خطأ من قال إن الدعاء لا ~~يجلب منفعة ولا يدفع مضرة بل هو تعبد محض. # وما يذكرونه من الحديث الإلهي إن سألتنا ما لك عندنا فقد اتهمتنا وإن ~~سألتنا ما ليس لك عندنا فقد اجترأت علينا فهذا من الأحاديث المكذوبة على ~~الله. # وكذلك خطأ من قال هو علامة وأمارة وبين أن الصواب الذي اتفق عليه سلف ~~الأمة أن الدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب ودفع المرهوب وقد جرب ~~الناس أن من لم يكن سائلا لله سأل خلقه فإن النفس مضطرة إلى من يحصل لها ما ~~ينفعها ويدفع عنها ما يضرها فإن لم تطلب ذلك من الله طلبته من غيره ولهذا ~~يوجد من يحض على ترك دعاء الله ويمدح من يفعله سائلا للخلق فيرغبون عن دعاء ~~الخالق ويدعون المخلوقين وهذه حال المشركين. ### | الموضع الثاني قوله نسألك العصمة في الحركات # والكلمات والإرادات والخطرات من الشكوك والظنون والأوهام # PageV01P011 # الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب. # فهذا الدعاء ينافي حال من يقول علمك حسبي فمن اكتفى ms003 بالعلم لم يسأل. # ثم يقال هذا الدعاء لا يجوز لأحد أن يدعو به بل هو من الاعتداء في الدعاء ~~الذي نهى الله عنه بقوله ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ~~[الأعراف 55] . # قال أبو مجلز مثل أن يسأل منازل الأنبياء فإذا كان من دون الأنبياء ليس ~~له أن يسأل منازل الأنبياء فكيف إذا سأل ما هو من خصائص الإلهية؟! # ولا ريب أن رفع الأمور الساترة عن مطالعة الغيوب مطلقا لا يحصل لغير الله ~~تعالى فإنه عالم الغيب والشهادة وإنما أطلع من شاء من خلقه على ما يشاء من ~~علمه كما قال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء [البقرة 255] وقال ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) [الإسراء 85] . # وفي الصحيحين أن الخضر قال لموسى لما نقر العصفور # PageV01P012 # نقرة في البحر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ~~هذا البحر. # فإذا كان موسى الذي قال الله فيه وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء [الأعراف 145] والخضر الذي قال فيه آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما (65) [الكهف 65] علمهما في القلة بهذه النسبة فكيف ~~بمن هو دونهما؟! # وقد قال تعالى لأفضل خلقه قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) -إلى ~~قوله- قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا (27) [الجن 25-27] وقال له قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي [الأنعام 50] . # ثم لو قدر أن هذا الدعاء يسوغ أن يدعو به نبي وإن كان هذا تقديرا ممتنعا ~~فهل يسوغ لآحاد العامة أن يدعو بهذا وهل هذا إلا كمن يقول اللهم اجعلني ~~أعلم ما تعلم واجعلني مثلك؟! # ولهذا كان طائفة من المنتسبين إلى الشاذلي يقولون إن الغوث الفرد القطب ~~الجامع يعلم ما يعلمه ms004 الله ويقدر على ما يقدر عليه. # PageV01P013 # ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان هكذا ثم انتقل ذلك السر إلى ~~الحسن بن علي ثم انتقل إلى ذريته حتى انتهى إلى الشيخ أبي الحسن ثم انتقل ~~إلى ابنه. # وكان بعض أعيان المدرسين الذين قدموا إلى الشام يذكر ذلك ويبوح به لمن ~~يجتمع به من أصحابه الفضلاء حتى أخبروني بذلك # PageV01P014 # وكان هذا الشخص يجتمع بي فبينت له فساد هذا الكلام وما فيه من الخروج عن ~~دين الإسلام. # ولا ريب أن هذا القول شر من قول النصارى من بعض الوجوه فإن النصارى ادعوا ~~هذا الغلو في المسيح وحده فمن قال إن كثيرا من الناس يعلم ما يعلمه الله ~~ويقدر على ما يقدر عليه فقد قال في كثير من الناس ما يضاهي قول النصارى في ~~المسيح ابن مريم. # ويحكون عن هذا الشيخ أبي الحسن حكايات لا تخلو من شيئين إما كذب من ~~الناقل أو خطأ من القائل مثل قوله ما من ولي لله كان أو يكون إلى آخر الدهر ~~إلا وأنا أعرفه وأعرف اسمه واسم أبيه ومرتبته من الله ونحو هذا الكلام الذي ~~لا يجوز أن يدعيه أحد من الأنبياء. # PageV01P015 # فإن أفضل الخلق وأكرمهم على الله محمد صلى الله عليه وسلم لا يعرف أمته ~~يوم القيامة إلا بالسيما الظاهرة كما في الحديث الصحيح لما قيل له كيف تعرف ~~من لم يأت بعد من أمتك قال أرأيتم لو كان لرجل خيل محجلة في خيل دهم بهم ~~ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فإنكم تأتون يوم القيامة غرا ~~محجلين من آثار الوضوء. # وقد قال الله تعالى له منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك [غافر ~~78] وكل نبي ولي لله فإذا كان أعلم الخلق وأعلاهم قدرا لا يعلم كل نبي لله ~~فكيف يعلم غيره كل ولي لله وقد قال تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم [التوبة 101] ~~والمنافقون كانوا يظهرون الإسلام فإذا كان ms005 لا يميز فيمن يشاهده من هو مؤمن ~~ومن هو منافق فكيف والعلم بالإيمان العام أيسر من العلم بالولاية الخاصة ~~فكيف يعلم كل من كان ويكون إلى يوم القيامة من أولياء الله وقد قال تعالى ~~ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول [محمد 30] ~~فالمعرفة الأولى بالسيما موقوفة على المشيئة والثانية بلحن القول واقعة ~~وهذا إنما يكون فيمن سمع كلامه. # وقد كان أبو بكر وعمر وهما أفضل هذه الأمة بعد نبيها لا يعلمان كثيرا من ~~المؤمنين في حياتهما فكيف يعلم من بعدهما كل من كان ويكون من الأولياء؟! # PageV01P016 # وأيضا فإن العصمة من الذنوب مطلقا لا تحصل لغير الأنبياء باتفاق أهل ~~العلم المعتبرين. # والرافضة تدعي ثبوتها للأنبياء والأئمة. # والسلف وجمهور الخلف يثبتونها للأنبياء بمعنى أنهم لا يقرون على ذنب وهم ~~باتفاق المسلمين معصومون في تبليغ الرسالة عن أن يقروا في ذلك على خطأ فإن ~~ذلك يناقض مقصود الرسالة. # وأما ما لا ينافي الرسالة ولا الطاعة مثل الشك والظن أو الوهم في الأمور ~~الدنيوية ومثل النسيان في هذه الأمور وغيرها فهذا لم يعصم منه أحد من البشر ~~بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في تأبير النخل ما أراه يغني شيئا ~~وتركوه فصار شيصا قال إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن ~~الله فلن أكذب على الله وفي لفظ أنتم أعلم بأمر دنياكم فأما ما كان من أمر ~~دينكم فإلي رواه مسلم. # وكذلك في الصحيحين أنه قال إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت ~~فذكروني. # PageV01P017 # وفي الترمذي وغيره أنه قال نسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته وهو ~~حديث جيد. # فإذا كان لم يعصم أحد من الأنبياء ولا غيرهم من مثل هذه الظنون والشكوك ~~والأوهام فكيف يعصم غيرهم منها؟! # وأيضا فإن قول القائل الظنون والشكوك والأوهام الساترة للقلوب إما أن ~~يجعلها صفة توضيح وإما أن يجعلها صفة تقييد. # فالأول أن يكون مراده العصمة من كل شك وظن ووهم لأن ذلك ستر القلب عن ~~مطالعة الغيب لأن ms006 الشك والظن والوهم ينافي العلم ويضاده فالضدان لا يجتمعان ~~فعلى هذا التقدير يكون سؤاله أن لا يشك في شيء ولا يظن ظنا ولا يتوهم وهما ~~ومعلوم أن هذا لم يقع لأحد من البشر بل ما من بشر إلا وقد يشك في أشياء ~~كثيرة ويظن فيها ويتوهم. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنكم تختصمون إلي ولعل ~~بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من ~~حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وفي لفظ فاحسبه صادقا. # PageV01P018 # فإن أريد بذلك الظن والشك والوهم الساتر للقلوب عن مطالعة الغيوب دون ~~غيرها فمعلوم أن مطالعة الغيب أعظم من العلم بالمشاهدات فإذا كانت ~~المشاهدات التي يعلمها آحاد الناس لم يعصم فيها أحد من شك وظن ووهم فكيف ~~بالغيوب لا سيما إن أراد بالغيوب ما غاب عن مشاهدة البشر مطلقا وقد قال ~~لأفضل الخلق قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم ~~إني ملك [الأنعام 50] وكذلك أخبر عن نوح أول الرسل. # وأيضا فلو قدر أن هذا ممكن مع أن هذا تقدير ممتنع فليس هذا مما يقرب إلى ~~الله ولا أمر به أمر إيجاب ولا أمر استحباب فإن مجرد كون الرجل يعلم ما غاب ~~عن الشاهد لا يقرب العبد إلى الله إنما يقربه فعل الواجبات والمستحبات. # ولهذا قد يطلع الجن والشياطين على ما لا يطلع عليه الصالحون وكذلك الطيور ~~والبهائم فقد قال الهدهد لسليمان أحطت بما لم تحط به [النمل 22] وقد أخبر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إن البهائم تسمع أصوات ~~المعذبين في قبورهم ولم تكن الجن والبهائم أفضل بذلك من الصالحين والكهان ~~قد كانت الجن تخبرهم بما تسترقه من السمع ولم يكونوا بذلك خيرا من الصالحين ~~بل هم من المذمومين لا الممدوحين ونظائر ذلك متعددة. # PageV01P019 # ولكن هؤلاء الذين يقصدون بالعبادة العلو في الأرض والتشبه بالإله كما ~~يقوله المتفلسفة إن الفلسفة هي ms007 التشبه بالإله على قدر الطاقة يقعون في أمور ~~من هذا الباب ولهذا يجعلون الشفاعة ليست سؤالا لله إنما هي فيض يفيض على ~~الشفيع لتعلق قلبه بالشافع كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله ووقع بعض ذلك في ~~كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وكذلك في كلام # PageV01P020 # صاحب الحزب ما يوافق هذا ذكره في كتابه الذي صنفه في التصوف ذكره في ~~الشفاعة وهو وأمثاله يأخذون من أقوال صاحب الكتب المضنون بها مما يوافق ~~أقوال الفلاسفة ولا يوافق دين الإسلام # PageV01P021 # وهؤلاء يجعلون الدعاء تأثير النفس الناطقة في العالم لا يجعلون ذلك فعلا ~~يجيب الله به الداعي ولهم أصول فاسدة وقد بسط الكلام عليها في غير هذا ~~الموضع. # وأيضا فإن كان سؤال العصمة مشروعا فينبغي للعبد أن يسأل العصمة من الذنوب ~~التي توجب له سخط الله وعذابه فإن ذلك إن كان ممكنا أولى بالسؤال من عصمته ~~من موانع العلم بالغيب فإن هذا بدون تلك العصمة يضر ولا ينفع وتلك العصمة ~~بدون هذا تنفعه فطلب ما [لا] ينفع وترك ما ينفع من قلة المعرفة لما يطلب في ~~الدعاء. # PageV01P022 # وسبب ذلك ما في النفوس من الكبر بالمكاشفات ومطالعة الغيوب والله تعالى ~~يعاقب هذا الضرب بنقيض قصده كما قال تعالى إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه [غافر 56] . # ولهذا يحكى عن هؤلاء من المكاشفات الباطلة ما يطول وصفه فإن أحسن الظن ~~بأحدهم حمل الأمر على أنه يتخيل أمورا لا حقيقة لها فيخبر بحاله أو أن جنيا ~~يلقي إليه ما يكون كذبا فإن أسيء الظن به قيل إنه يتعمد الكذب والكشف ~~النفساني والشيطاني لا بد فيه من الكذب ولهذا كان الكهان وهم من أهل الكشف ~~الشيطاني يخلطون بالكلمة مئة كذبة. # ومن كان له خبرة بالحكايات المعروفة عن أصحاب هذا الحزب وأمثاله وعى من ~~ذلك أمورا والواحد منهم يدعي في نفسه أنه مثل النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~أفضل منه حتى إذا قيل له النبي صلى الله عليه وسلم رأى سدرة المنتهى كأن ~~ورقها آذان ms008 الفيلة وكأن نبقها قلال هجر يقول هو رأيتها أصغر من ذلك ومن ~~يصحح قوله يتأول ذلك على أنه رآها من بعيد وهذا من # PageV01P023 # الباطل المحض فإن ذلك الموضع لم يصعد إليه غير النبي صلى الله عليه وسلم. # ويقول أحدهم دخلت البارحة الجنة وأصاب يدي من شوك شجرها حتى يقول له ~~المنكر عليه شجر الجنة لا شوك فيه إلى أمور أخر من جنس هذه الحكايات قد ~~سمعتها أنا وغيري من أتباع هؤلاء ولولا أني أكره هتيكتهم لسميت كل واحد من ~~هؤلاء وذكرت من حكاياته ما يتبين كثرة ما دخل عليهم من الخطأ والضلال أو ~~التعمد للكذب وهذا عقوبة من يطلب مطالعة الغيوب. # ولهذا يوجد كثير من السالكين لا يطلبون التقرب إلى الله وطلب رضوانه ~~ورحمته والنجاة من عذابه بل إنما مطلوبهم نوع من المكاشفة أو التأثير ~~فيطلبون علما يستعلون به على الناس أو قدرة يستعلون بها على الناس وذلك من ~~باب إرادة العلو في الأرض والفساد فيعاقبهم الله بنقيض قصدهم. # وكرامات أولياء الله تجيء ضمنا وتبعا فإنهم يقصدون وجه الله فتجيء ~~المكاشفات والتأثيرات تبعا لا يقفون عندها ولا تكون هي أكبر همهم ولا مبلغ ~~علمهم. # وخواصهم إنما يستعملونها لحجة في الدين أو لحاجة في الدنيا تعين على ~~الدين ليتقربوا بها إلى الله لا يستعملونها في مباحات الدنيا فضلا عن ~~استعمالها في محظور نهى الله عنه. # ومن كانت هي أصل قصده فلا بد إن حصل له شيء منها أن # PageV01P024 # يستعملها في ما نهي عنه فيعاقبون إما بسلبها وإما بسلب الطاعة حتى يصير ~~أحدهم فاسقا وإما بسلب الإيمان حتى يصير كافرا وهؤلاء كثيرون لا سيما في ~~دول الكفار والظالمين فإنهم بسبب إعانتهم للكفار والظلمة بأحوالهم يعاقبهم ~~الله تعالى على ذلك كما يعرف ذلك تجربة ومشاهدة وسماعا من له به خبرة ~~وعندنا من العلم بذلك ما لا يتسع هذا الموضع لذكر تفاصيله. # فإن قيل هو سأل العصمة من الاعتقادات المانعة من الإيمان وهي إما شك وإما ~~ظن وإما وهم وغرضه بذلك ما يذكره طائفة ms009 من السالكين من أن النفس إذا زكيت ~~عن الصفات المذمومة وحلت بالصفات الممدوحة انتقشت فيها العلوم والمعارف كما ~~يذكر ذلك صاحب الكتب المضنون بها وغيره في الإحياء وغيره. # قيل الجواب من مقامين: # أحدهما أن هذا ليس مطلوب الداعي لوجوه: ### | أحدها # أن هذه الطريق فيها اجتناب الأخلاق والأفعال ففيها ترك الإرادات المذمومة ~~لا مجرد ترك الاعتقادات الفاسدة وهذا الداعي إنما طلب العصمة من جنس ~~الاعتقادات وهو الشك والظن والوهم فإن الاعتقاد الذي ليس بجائز إما راجح ~~وإما مرجوح وإما مساوي فطائفة من النظار يسمون الراجح ظنا والمرجوح وهما ~~والمساوي # PageV01P025 # شكا وهو اصطلاح أبي عبد الله الرازي وغيره. # وأن هذا أمر اصطلاحي ليس هو اللغة العامة العربية التي بها نزل القرآن ~~وخاطبنا الرسول ولغة الفقهاء بل الشك مقارن للظن الراجح كما في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ~~فليطرح الشك وليبن على ما استيقن وفي الحديث الآخر فليتحر الصواب. # وكذلك مسائل الشك التي تكلم فيها الفقهاء كقولهم إذا شك هل أحدث أم لا ~~وإذا شك هل طلق أم لا وإذا اختلط الطاهر بالنجس وشك في عين الطاهر ونحو ذلك ~~فإن هذه العبارة عندهم تتناول الراجح والمرجوح والمساوي ولهذا يقول بعضهم ~~إنه يتحرى ويقول الآخر إنه لا يتحرى فالتحري عندهم يجامع الشك مع أن التحري ~~لا بد فيه من ظن راجح وهذا مبسوط في موضعه. # والمقصود هنا أن هذا الداعي طلب نفي ما ليس جازما من الشك والظن والوهم ~~دون الجازم منها وإن كان غير مطابق ودون الإرادات الفاسدة والأعمال ~~الفاسدة. ### | الثاني # أنه طلب ما يمنع مطالعة الغيب لم يطلب ما يمنع الإيمان # PageV01P026 # بالله وملائكته وكتبه ورسله. # فإن قيل أراد به مطالعته مطلقا دخل فيه المكاشفات العامة التي تحصل [و] ~~التي لا تحصل وأكثرها لا ينفع إذا حصل بل قد يضر. # وإن قيل أراد بمطالعة الغيب نفس المعرفة الواجبة والمستحبة فلفظ مطالعة ~~الغيب لا يدل على ذلك ولا يفهم منه ذلك. ### | الثالث ms010 # إذا كان المطلوب هو نفس معرفة الله والإيمان به فالمشروع أن يسأل ذلك ~~ابتداء لا يسأل بعض موانعه فإن الشك والظن والوهم بعض موانع ذلك ليست جميع ~~موانعه إذ الاعتقادات الجازمة الفاسدة أبلغ في المنع واتباع هوى النفس بغير ~~هدى من الله أبلغ في المنع ولم يذكر. # الوجه ### | الرابع # أنه لو قدر أنه سأل رفع الموانع فالمطلوب لا يكفي في حصوله زوال موانعه ~~بل لا بد من وجود مقتضيه وإلا فمجرد عدم المانع بدون المقتضي لا يكون محصلا ~~للمطلوب. # وأما المقام الثاني فيقال هب أنه سلك طريق أولئك فتلك الطريق فيها باطل ~~كثير من وجوه: # أحدها ظن صاحبها أنه بمجرد الزهد والرياضة وتصفية النفس يحصل له ما يحصل ~~لأولياء الله من الإيمان والتقوى وهذا خطأ فإن ذلك لا يحصل إلا بمتابعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع ما جاء به من القرآن والإيمان. # PageV01P027 # ولهذا كان السلف يقولون الإيمان قول وعمل وموافقة للسنة. # ولفظ بعضهم لا يقبل قول إلا بعمل ولا قول وعمل إلا بموافقة السنة. # وهذا موضع اضطرب فيه كثير من متأخري أهل النظر والكلام وأهل الإرادة ~~والعمل: # فزعم الأولون أن طريق معرفة الله هو النظر والعلم فقط. # وزعم الآخرون أن طريق معرفة الله هو الزهد والعبادة فقط. # ثم إن كثيرا من هؤلاء وهؤلاء أعرضوا عن ملازمة الكتاب والسنة فصار أولئك ~~يسلكون طريقة البحث والنظر والتفكر في الكلام والفلسفة من غير اعتبار لذلك ~~بالكتاب والسنة وصار هؤلاء يسلكون طريقة العبادة والإرادة والزهد والذكر من ~~غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة. # وطائفة من هؤلاء أهل طريقة الذكر قد ينهون عن الفكر ويحرمونه كما ذكره ~~ابن عربي في كتاب الخلوة وغيره وقد يأمرون بذكر الاسم المفرد مظهرا مضمرا ~~فينتج ذلك لأحدهم اعتقادات فاسدة وخيالات غير مطابقة كما أصاب أصحاب ~~الوحدة. # PageV01P028 # وطائفة من أولئك أهل الفكر والنظر قد لا يمدحون العمل والعبادة والزهد بل ~~ربما انتقصوا من يفعل ذلك وكثير منهم يقرن بذلك الفسوق واتباع الأهواء فلا ~~يتورع لا عن الفواحش ولا عن المظالم ms011 ولهذا كان السلف يقولون احذروا فتنة ~~العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. # وكل من هاتين الطائفتين مخطئ من جهتين من جهة اجتزائه بأحد الواجبين عن ~~الآخر ومن جهة خروجه في ذلك عن متابعة الكتاب والسنة فإن الله بعث محمدا ~~بالحق وهدى به الناس من الظلمات إلى النور فأمر المؤمنين بما يحصل لهم ~~الفلاح من العلم النافع والعمل الصالح فكل من هذين واجب وهذا معنى قول ~~السلف الإيمان قول وعمل فلا بد من علم لا بد من عمل وكلاهما واجب في الجملة ~~فمن ظن أنه بالعلم ينال المطلوب بدون العمل الواجب فقد غلط ومن ظن أنه ~~بالعمل ينال المطلوب بدون العلم الواجب فقد غلط وكل منهما لا بد أن يزن ~~عمله وعلمه بالكتاب والسنة. # فمن سلك طريقة العلم فقط وأعرض عن اتباع السنة في علمه ولم يزنه بالكتاب ~~والسنة وأعرض عن العمل الواجب مثل أهل البدع # PageV01P029 # والفجور من نظار أهل الكلام والفلسفة فقد زاغ من هذين الوجهين. # ومن سلك طريقة العمل فقط وأعرض عن اتباع السنة في عمله ووزنه بالكتاب ~~والسنة وأعرض عن العلم الواجب مثل أهل البدع والجهل من العباد والزهاد ~~الذين يبغضون العلم ويعرضون عن اتباع الشريعة فقد زاغ من هذين الوجهين. # وأما من علم العلم النبوي ولم يعمل به أو عمل الأعمال الشرعية من غير علم ~~فهذا زائغ من وجه دون وجه وقد أمرنا الله تعالى أن نقول اهدنا الصراط ~~المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) ~~[الفاتحة 6-7] . # وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اليهود مغضوب عليهم # PageV01P030 # والنصارى ضالون قال الترمذي حديث صحيح. # قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ~~ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. # فإن اليهود عرفوا الحق وما عملوا به فالعالم الفاجر فيه شبه منهم ~~والنصارى عبدوا الله بغير علم فالعابد الجاهل فيه شبه منهم. # وكل من هاتين الطائفتين الزائغتين تذم الأخرى كما قال تعالى ms012 وقالت اليهود ~~ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء [البقرة 113] . # والناس لهم في طريق الرياضة والزهد والتصفية هل تفيد العلم ثلاثة أقوال: # فقالت طائفة ذلك وحده يحصل العلم وربما قالوا لا يحصل # PageV01P031 # العلم إلا به وهو [قول] طائفة من المتفلسفة والمتصوفة كصاحب الإحياء ~~وكيمياء السعادة ومشكاة الأنوار وجواهر القرآن يشير # PageV01P032 # إلى ذلك لكن قيل إنه رجع عن ذلك في آخر عمره. # وقالت طائفة إنه لا تأثير لذلك في العلم ولكن يحصل به ثواب أو يدفع بع ~~عقاب وهو قول كثير من أهل النظر والكلام وغيرهم. # والقول الثالث وهو الصواب أن ذلك عون على بعض العلوم وشرط في حصول بعض ~~العلوم ليس مستقلا بتحصيل العلم بل من العلم ما لا يحصل إلا به فإن الفسق ~~والمعاصي ترين على القلوب حتى تمنعها الهداية والمعرفة كما دللت على ذلك ~~نصوص الكتاب والسنة. # ومن المعلوم ما تعين هذه الطريق عليه فيحصل به العلم ليس مما يحصل بدونه ~~فإن أهل الأعمال الصالحة ييسر الله عليهم العلم كما قال تعالى ولو أنهم ~~فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا ~~أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) [النساء 66-68] وقال تعالى ~~يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه [المائدة 16] . # PageV01P033 # وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به [الحديد 28] والآيات في هذا المعنى كثيرة ~~وهذا باب واسع. # والقرآن يدل على ما أرانا الله من الآيات في أنفسنا وفي الآفاق كما قال ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت 53] أي ~~حتى يتبين لهم أن القرآن حق فقد أخبر أنه سيري عباده من الآيات العيانية ~~المشهودة ما يبين أن آياته المسموعة حق. # ولم يرد بذلك ما تظنه طائفة من أهل الكلام أنه مجرد إثبات العلم بالصانع ~~بدلائل الآفاق والأنفس فإن إثبات الصانع كان قد بين أدلته قبل نزول هذه وقد ms013 ~~قال في هذه الآية سنريهم آياتنا [فصلت 53] وهذا وعد مستقبل وما دل على ~~الصانع وحده معلوم قبل نزول الآية ولأن الضمير في قوله أنه الحق عائد على ~~القرآن كما يدل عليه السياق ومن هذا الغلط ظن بعضهم أن المراد بدلائل ~~الآفاق والأنفس الطريقة النظرية وهو الاستدلال بالأثر على المؤثر والمراد ~~بقوله أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53) [فصلت 53] الاستدلال بالأثر ~~على المؤثر حتى ظن ابن سينا ونحوه أن طريقهم في إثبات واجب الوجود بمجرد ~~الوجود هو مدلول هذه الآية. # PageV01P034 # وآخرون من المتصوفة ظنوا أن طريقتهم في أنهم يعرفون الرب ابتداء ثم ~~يعرفون به المخلوقات هو مدلول الآية والآية دلت على [أن] شهادة الله بصدق ~~القرآن كافية عن الآيات العيانية التي سنريهم إياها في الآفاق وفي أنفسهم. # ولا ريب أن صدق القرآن المعلوم بها وبما أرسل به الرسل من الآيات ~~والمعلوم بدلائل الأنفس والآفاق يتضمن من العلم أضعاف ما ذكره هؤلاء فإن ~~ذلك من العلم بالله وأسمائه وصفاته وملائكته وأنبيائه وأمره ونهيه ووعده ~~ووعيده وغير ذلك مما يتضمن الحق مما ذكروه وما لم يذكروه مع تنزيهه عما ~~يدخل في كلامهم من الباطل وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. # PageV01P035 # فصل # وما ذكر بعد هذا من زلزال المؤمنين وقول المنافقين فهو في القرآن لكن ~~ذكره مع هذا الدعاء غير مناسب فإن هذا إنما يقال إذا كان الوعد من الله ~~ورسوله لا من آحاد الناس والدعاء بعلم الغيب لا يناسب زوال الخوف اللهم إلا ~~أن يكون الداعي وعد أصحابه بأمر فلم يحصل فدعا أن يطالع بالغيب حتى لا يخطئ ~~كشفه وهذا من عدوانه حيث قفى ما ليس له بعلم. # الموضع الثالث قوله في لفظ الحزب المكتوب فقد ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا فيقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض فهذا ليس بسديد فإن ~~الابتلاء لم يكن لأجل هذا القول بل كان ليحصل لهم من اليقين والصبر متأولون ~~به ما وعدهم الله به من الكرامة كما قال تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ms014 ~~ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى ~~يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214) ~~[البقرة 214] . # الموضع الرابع وهو يتضمن مواضع متعددة منها قوله وسخر لنا هذا البحر وكل ~~بحر هو لك في الأرض والسماء والملك # PageV01P036 # والملكوت وبحر الدنيا وبحر الآخرة. # قال هذا كلام لا يقوله من يتصور ما يقول فإن الإنسان إذا كان راكبا بحرا ~~من البحار فما يصنع حينئذ بتسخير البحار البعيدة؟! # ثم قوله وبحر الآخرة من أين في الآخرة بحر غير جهنم؟! # وقوله أيضا كل بحر في الملك والملكوت والملكوت هو تأكيد الملك وباطنه ~~وحقيقته فليس هو خارجا عنه على لغة القرآن وقول سلف الأمة وأئمتها ولكن بعض ~~المتأخرين زعم أن الملك عالم الأجسام وعالم الملكوت عالم العقول. # ومنهم من يفرق بين عالم الملك والملكوت والجبروت فيجعل هذا عالم العقول ~~وهذا عالم النفوس وهذا يوجد في كلام أبي حامد وأمثاله وهو مبني على قول ~~الفلاسفة الدهرية الذين يجعلون الملائكة # PageV01P037 # خارجة عن ملك الله ويقولون إنهم ليسوا أجساما يشار إليها ولا تصعد ولا ~~تنزل ولا توصف بحركة ولا سكون ولا هي داخل الأفلاك ولا خارجها ولا ترى ولا ~~يسمع لها كلام وليس هذا من دين أهل الملل المسلمين ولا غيرهم وقد بسط القول ~~في فساد هذا بما ليس هذا موضعه. # وصاحب الحزب وأمثاله من المتأخرين ينظرون في كتب الصوفية التي فيها ما هو ~~مبني على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين فيتلقون ذلك بالقبول ولا ~~يعرفون حقيقته ولا ما فيه من الباطل المخالف لدين الإسلام مثل ما يوجد في ~~كلامهم من دعوى أحدهم أنه يطلع على اللوح المحفوظ وأنه يأخذ مراده من اللوح ~~المحفوظ ونحو ذلك فإن اللوح المحفوظ عند المتفلسفة كابن سينا وأتباعه هو ~~النفس الفلكية وعندهم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفلكية أو بالعقل الفعال ~~في المنام أو في اليقظة لبعض الناس وهم يدعون أن ما يحصل للناس من المكاشفة ~~يقظة ومناما هو بسبب اتصالها بالنفس الفلكية ms015 والنفس الفلكية عندهم هي سبب ~~حدوث الحوادث في العالم فإذا اتصلت بها نفس البشر انتقش فيها ما كان في ~~النفس الفلكية. # PageV01P038 # وهذه الأمور لم يذكرها قدماء الفلاسفة إنما ذكرها ابن سينا ومن تلقى عنه ~~ويوجد في بعض كلام أبي حامد وابن عربي وابن سبعين وأمثال هؤلاء الذين ~~تكلموا في التصوف والحقيقة على قاعدة الفلاسفة لا على أصول المسلمين ولهذا ~~خرجوا بذلك إلى الإلحاد كإلحاد الشيعة الإسماعيلية والقرامطة الباطنية. # وهذا بخلاف عباد أهل السنة والحديث وصوفيتهم كالفضيل بن عياض وإبراهيم ~~ابن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والسري السقطي والجنيد بن ~~محمد القواريري وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي فإن أولئك ~~من أعظم الناس إنكارا على من هو خير من الفلاسفة كالمعتزلة من أهل الكلام ~~وكالكلابية فكيف بالفلاسفة؟! # والمتكلمون في التصوف والحقائق ثلاثة أصناف: # قوم على مذهب أهل الحديث والسنة كهؤلاء المذكورين. # وقوم على طريقة بعض أهل الكلام من الكلابية أو غيرهم كأبي القاسم القشيري ~~وغيره. # وقوم خرجوا إلى طريقة المتفلسفة مثل من سلك مسلك رسائل إخوانه الصفا ومن ~~ذلك قطعة توجد في كلام أبي حيان # PageV01P039 # التوحيدي. # وأما ابن عربي وابن سبعين وغيرهما ونحوهما فحقائقهم فلسفية غيروا عبارتها ~~وأخرجوها في قالب التصوف أخذوا مخ الفلسفة فكسوه لحاء الشريعة. # PageV01P040 # وابن سينا ذكر في آخر إشاراته الكلام على مقامات العارفين بحسب ما يليق ~~بحاله وذلك يعظمه من لم يعرف الحقائق الإيمانية والمناهج القرآنية. # وأبو حامد الغزالي قد ذكر شيئا من ذلك في بعض كتبه لا سيما الكتب المضنون ~~بها على غير أهلها ومشكاة الأنوار وجواهر القرآن وكيمياء السعادة ونحو ذلك ~~ولهذا قال صاحبه أبو بكر بن العربي شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم ~~أراد أن يخرج منه فما قدر. # لكن أبو حامد مع هذا يكفر الفلاسفة في غير موضع وبين فساد طريقتهم وأنها ~~لا تحصل المقصود وهو في آخر عمره اشتغل بالبخاري ومات على ذلك ولهذا قيل ~~إنه رجع عن هذه الكتب ومن الناس من يقول إنها مكذوبة ms016 عليه ولهذا كثر كلام ~~الناس فيه لأجلها كما تكلم المازري والطرطوشي وأبو [الحسن] المرغيناني ~~والقشيري وابن عقيل وابن الجوزي والقرطبي # PageV01P041 # وأبو البيان الدمشقي وغيرهم وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن لفظ الملكوت والجبروت في كلام كثير من المتأخرين يريدون ~~به غير ما أراد الله ورسوله فيتكلمون بالألفاظ الواردة في الكتاب والسنة ~~ومرادهم بها غير ما أراد الله ورسوله فيحصل بذلك ضلال لكثير من الناس فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده سبحان ذي الجبروت ~~والملكوت والكبرياء والعظمة وهو لم يرد بالجبروت والملكوت العقول والنفوس ~~التي تقصدهما الفلاسفة باتفاق علماء المسلمين ولا يقول مسلم إن ملائكة الله ~~الذين وصفهم في كتابه هي العقول العشرة والنفوس الفلكية التي يذكرها ~~الفلاسفة. # وهؤلاء الفلاسفة يقولون إن العقل الأول هو المبدع لكل ما سوى # PageV01P042 # الله والعقل الفعال العاشر هو المبدع لكل ما تحت فلك القمر. # ومعلوم أن هذا من أعظم الكفر في دين المسلمين فإن مسلما لا يقول إن ملكا ~~من الملائكة خلق كل ما تحت السماء ولا يقول إن ملكا من الملائكة خلق جميع ~~المخلوقات بل القرآن قد بين كفر من قال إنهم متولدون عنه فكيف بمن قال هم ~~متولدون عنه وأنهم خالقون لجميع المخلوقات قال الله تعالى وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون (28) [الأنبياء 26-28] وقال تعالى وكم من ملك في السماوات لا ~~تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (26) [النجم 26] ~~وقال تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) [النساء 172] . # والآيات في هذا المعنى كثيرة وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع ~~فإن المرض بهذه الأمور كثير في كثير من الناس والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم والمقصود هنا التنبيه على بعض ms017 ما في هذا الحزب. # وأيضا فإن هذا الحزب صنف للدعاء به عند ركوب البحر والجهال الذين يتلونه ~~كما يتلى القرآن يقرؤه أحدهم وهو في البر ليس له # PageV01P043 # عزم على ركوب البحر فيبقى داعيا يقول سخر لنا هذا البحر ولا بحر عنده! # وصاحب الحزب ذهب ليحج ويركب البحر فمات ودفن بصحراء عيذاب بمكان يسمى ~~الخرجة قبل ساحل عيذاب بأيام قبل أن يركب البحر ويدعو به فما حصل مقصود ~~لصاحبه فكيف لغيره؟! # وأيضا فقول القائل سخر لنا هذا البحر كما سخرت البحر لموسى كلام باطل فإن ~~الله فرق البحر لموسى حتى مشى على الأرض لم يركب البحر وهذا الداعي ليس ~~مطلوبه أن يفرقه له ولو طلب ذلك لم يفرقه الله له فلا يجوز طلب تسخير ~~كتسخير موسى وإن قال أردت به أصل التسخير لا صفته فقوله سخر لنا هذا البحر ~~كاف فلا حاجة إلى التشبيه مع أن فرق البحر لموسى لا يسمى تسخيرا بل هو أعظم ~~من التسخير. # وأيضا فإن الله قد سخر لنا ما في السموات وما في الأرض فالتسخير نوعان ~~نوع معتاد ونوع خارق للعادة. # فإن كان طلب التسخير المعتاد لم يكن في تشبيهه بخوارق العادات دون غيرها ~~فائدة بل يقال سخره لنا كما سخرته لمن سلمته من عبادك وكما سخرت لنا ما في ~~السموات والأرض. # PageV01P044 # وإن أراد به خرق العادة كما خرقت العادة لموسى وإبراهيم وداود وسليمان ~~كان هذا جهلا فإن ركوب البحر والسلامة فيه ليس فيه خرق عادة. # والكلام المعروف في مثل هذا أن يقال يا من فرق البحر لموسى وجعل النار ~~بردا وسلاما على إبراهيم وسخر الريح والجن لسليمان سخر لنا هذا البحر لأن ~~هذا وصف لله بكمال القدرة العظيمة التي فعل بها هذه الأمور الخارقة للعادة ~~فيقال يا من فعل هذا افعل بنا هذا. # وأما أن يقال سخر لنا هذا كما سخرت هذا فلم يعرف عن المتقدمين مثل هذا ~~الكلام بل هو من الكلام المنكر الذي لا يقوله من يتصور ما يقول والنار لم ~~تسخر لإبراهيم ms018 بل جعلت عليه بردا وسلاما فلم ينتفع هو بها مع كونها نارا بل ~~غيرت صفتها وتسخير الشيء يكون لمن ينتفع به مع بقاء حقيقته. # وكذلك موسى فلق له البحر ولا يقال لمثل هذا تسخير بل هذا أبلغ من التسخير ~~وقد قال تعالى وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه [الجاثية ~~13] وقال وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم ~~الليل والنهار (33) [إبراهيم 32-33] وقال تعالى والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره [الأعراف 54] . # الموضع الخامس [قوله] وامسخهم على مكانتهم فإن هذا دعاء بالمسخ وهو غير ~~جائز ولا يجاب والله أخبر أنه لو شاء فعل ذلك بقوله ولو نشاء لمسخناهم على ~~مكانتهم [يس 67] والله تعالى مسخ قوما قردة وخنازير لنوع من الكفر وكذلك ~~يمسخ من هذه الأمة قوما قردة وخنازير وهذا في أنواع من الكفر كاستحلال ~~المحرمات من # PageV01P045 # سب الصحابة والخمر والمعازف ونحو ذلك. # وأما المسلم العاصي فلا يجوز الدعاء عليه بالمسخ ولا يستجاب ذلك وقد حرم ~~الله الاعتداء في الدعاء والصائل يدفع بما يكف شره فإذا دعي عليه بما يكف ~~شره حصل المقصود من غير احتياج إلى مسخه. # الموضع السادس قول القائل بسم الله بابنا تبارك حيطاننا يس سقفنا دعاء ~~ليس مأمورا به ولا من جنس المأمور وهو مما تنكره القلوب فإن جعل كلام الله ~~بمنزلة الباب والسقف والحيطان يحتاج مثله إلى أثر وإلا فهو بدعة وقد يفهم ~~من ذلك انتقاص حرمته. # الوجه السابع أن يقال مقصود هذا الدعاء كله تيسير الركوب في البحر ودفع ~~العدو وهذا مطلوب يسير ليس هو من أعظم المطالب وإن غالب من يركب البحر من ~~الكفار والفساق يحصل لهم هذا ليس هو مما يحتاج فيه أن تبتذل فيه آيات الله ~~وأسماؤه هذا الابتذال. # الوجه الثامن أن هذا الدعاء لو كان سائغا مشروعا لم يكن مشروعا إلا لمن ~~يقصد ركوب البحر فأما الدعاء به في المساجد والبيوت وغيرها من غير ركوب ~~البحر فإنه لا يفعله إلا جاهل لا يفقه ما يقول أو يستهزئ ms019 بالله وعلى ~~التقديرين فيستحق العقوبة على ذلك كمن يقول وهو لا يريد الركوب اللهم سخر ~~هذا الفيل وهذا الجمل وهذا الفرس والبغل والحمار وليس هناك شيء من الدواب ~~ولا هو يقصد ركوبه فإن هذا إما جاهل بما يقول أو مستهزئ بمن يناجيه! # PageV01P046 # أو يقول ولا طعام عنده وهو لا يريد الأكل اللهم أطعمني من هذا الطعام! # الوجه التاسع أن هذا فيه انتزاع آيات من القرآن ووضعها في غير موضعها ~~وآيات أنزلت لمعاني استعملت في غير تلك المعاني وهذا إن كان سائغا فيسوغ ~~بقدر الحاجة فأما أن يجعل ذلك حزبا يتلى كما يتلى القرآن ويجمع عليه في ~~أوقات معتادة فهذا لا يسوغ. # وقد تنازع الناس في قرآة آيات الحرس مع أنها قرآن محض لم يخلط بغيره ~~فكرهها طائفة من العلماء لأنه تلاوة للقرآن على غير الوجه المشروع فأشبه ~~تنكيس السورة فإنه منهي عنه بالاتفاق ومن رخص في قرآة آيات الحرس فإنه قد ~~جاء ببعض ذلك حديث رواه ابن ماجه. # PageV01P047 # وأما هذا الحزب وأمثاله فإنه خلط لكلام الله بغيره ووضع للآيات في غير ~~مواضعها وآيات انزلت في بيان حال الكفار ومنعهم عن الهدى واستعملت في دفع ~~العدو والله ذكرها مخبرا بها وهذا ذكرها داعيا بها. # وهذا إذا سوغ استعماله وقت الحاجة فلا يجوز أن يجعل حزبا يتلى ويجتمع ~~عليه ولو جاز هذا لجاز لكل شخص أن يصنع في آيات الله وأسمائه مثل هذا ويصنف ~~شيئا لغرض معين مع ما فيه من الخطأ والضلال ويجمع عليه طائفة من الجهال ~~يتلونه بالغدو والآصال كما يتلى كلام المليك المتعال. # وقد تنازع العلماء في قرآة القرآن بالإرادة كما يفعل # PageV01P048 # بالإسكندرية فكرهها مالك وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم وقال في ~~العتبية عن مالك لما سئل عن القوم يجتمعون ويقرؤون في السورة الواحدة فقال ~~هذا بدعة ولم يكن من عمل الناس وإن كان رخص فيها آخرون منهم ومن غيرهم مع ~~أنها قراءة كلام الله محضا. # الوجه العاشر أن استعمال هذا الحزب ذريعة إلى استعمال ما هو ms020 شر منه ~~كالحزب الكبير فإن في ذلك من الأمور المنكرات والدعوات والمحرمات ما يتعين ~~النهي عنه على أهل الديانات. # وإن كان قائله في زهد وعبادة وله دين وإرادة [و] كان له نوع من المكاشفات ~~وخوارق العادات فهذا لا يوجب عصمة صاحبه ولا علمه بأسرار العبادات ولا أن ~~يستن شيئا من الأذكار والدعوات إذا السنن المشروعة في أمور الدين للأنبياء ~~والمرسلين لا لآحاد الصالحين. # PageV01P049 # وذلك مثل ### | قوله في الحزب الكبير فالسعيد حقا من أغنيته # عن السؤال منك والشقي حقا من حرمته مع كثرة السؤال لك فاغننا بفضلك عن ~~سؤالنا منك ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك. # فيقال من المعلوم أن أحدا من المكلفين لا يستغني عن سؤال الله بل السؤال ~~عليه فرض في صلاته بقوله اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) [الفاتحة 6-7] وهذا دعاء واجب على كل ~~مسلم في كل صلاة لا صلاة إلا به وعند جمهور العلماء أنه ركن في الصلاة لا ~~تصح إلا به وهو قال مالك والشافعي وأحمد والمشهور عند أبي يوسف وعند بعضهم ~~وهو واجب وتاركه مسيء وإن لم يوجبوا عليه الإعادة كما يقوله أبو حنيفة ~~ومحمد. # ومعلوم أن ما كان واجبا على العبد لم يكن مستغنيا عنه إذ لا بد للعبد من ~~أداء الواجبات والصلاة عمود الدين لا تسقط لا عن الأنبياء ولا عن الأولياء ~~ولا غيرهم ومن اعتقد سقوطها عن خواص الأولياء فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ~~قتل. # فإن كثيرا من أهل الضلال يعتقدون سقوط الواجبات عن الأولياء الواصلين إلى ~~الحقيقة ويتأولون قوله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) [الحجر 99] قالوا ~~فإذا حصل اليقين سقطت العبادة وهذا من جنس قول القرامطة الباطنية من ~~المتفلسفة وغيرهم الذين # PageV01P050 # يرون العبادات رياضة النفس حتى تصل إلى المعرفة التي يدعونها فإذا وصل ~~إلى المعرفة سقطت عنه. # ومن المعلوم أن هذا خلاف دين الإسلام وأنه قد علم بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد من الأولياء ولا عن ms021 شيء من ~~واجباتها إلا لعذر شرعي مثل سقوط الطهارة للعجز عن استعمالها لعدم أو خوف ~~ضرر وسقوطها بالجنون وسقوط فعلها بالإغماء وفي وجوب القضاء نزاع مشهور ونحو ~~ذلك مما هو معروف في مواضعه. # وقوله حتى يأتيك اليقين (99) المراد به ما يوقن به من الموت وما بعده ~~باتفاق السلف كما في قوله الذي حكاه عن الكفار ما سلككم في سقر (42) قالوا ~~لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين ~~(45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) [المدثر 42-47] ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن مظعون أما هذا فقد جاءه اليقين ~~من ربه. # ولهذا قال الحسن البصري لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلا دون # PageV01P051 # الموت. # ولهذا قال الجنيد تكلم قوم بإسقاط الأعمال وهذه عظيمة والذي يزني ويسرق ~~أهون من هذا أو كما قال. # وأيضا فإن هذا كلام متناقض فإنه يسأل أن يغنيه عن السؤال فيسقط السؤال ~~بالسؤال ويذكر أن الحرمان بكثرة السؤال قد يكون وأن السعيد من أغنيته عن ~~السؤال فإن كان هذا الكلام حقا فصاحب هذا السؤال ليس بسعيد لأنه لم يعتذر ~~عن السؤال. # وأيضا فيقال من لم يسأل الله يغضب عليه فكيف يكون السعيد من أغناه عن ~~السؤال والسؤال لله يكون إما واجبا وإما مستحبا فكيف يكون السعيد من ترك ~~الواجبات والمستحبات قال تعالى واسألوا الله من فضله [النساء 32] وقال ~~تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) [الأعراف 55] . # وقد أخبر الله تعالى عن أنبيائه كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ~~سؤاله ودعاءه وهؤلاء أسعد الخلق وأفضلهم فكيف يكون السعيد من لم يسأل الله ~~لغناه عن سؤاله؟! # PageV01P052 # فإن قيل المراد أن يعطيه بدون السؤال فلا يحوجه أن يسأل. # قيل لم يحصل لأحد جميع مطالبه الدينية والدنيوية بدون السؤال لا لألي ~~العزم ولا لمن دونهم بل سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس ~~سؤالا لربه وبذلك أمره به فقال واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات [محمد ~~19] وقال وقل رب زدني علما ms022 (114) [طه 114] وقد ثبت في الصحيح أنه كان يوم ~~بدر يقول اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم اللهم حتى أنزل الله الملائكة. # والأدعية في القرآن كثيرة مثل قوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~[البقرة 286] الآية فهذا دعاء شرعه الله لرسوله وللمؤمنين. # والأدعية في الأحاديث الصحيحة كثيرة جدا مما كان يدعو بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويعلمها للمؤمنين بل المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون ~~والآخرون هو الشفاعة يوم القيامة وهو سؤال لربه ودعاء له فإذا كان في أفضل ~~مقاماته داعيا لربه فكيف يكون غيره مستغنيا عن السؤال؟! # وأصحابه رضي الله عنهم كانوا إذا توسلوا به واستشفعوا به واستسقوا به ~~إنما يتوسلون بدعائه وسؤاله وهذا هو استشفاعهم به واستسقاؤهم به ولهذا قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث الصحيح لما أجدب الناس عام الرمادة ~~اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ~~فاسقنا فإنما كانوا # PageV01P053 # يتوسلون في حياته بدعائه وسؤاله وتوسلوا بعده بدعاء العباس وسؤاله لقربه ~~منه وكذلك معاوية استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي وقال اللهم إنا نستسقي ~~إليك بخيارنا بيزيد يا يزيد ارفع يديك إلى الله فرفع يديه يدعو ويدعون. # ولهذا قال العلماء يستحب الاستسقاء بأهل الصلاح والدين والأولى أن يكون ~~من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتوسل إلى الله بدعائهم ولو كان ~~التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم والإقسام به على الله مشروعا لكان ~~التوسل بذاته والإقسام به على الله حيا وميتا أولى من العباس ويزيد بن ~~الأسود وغيرهما لأن ذاته أفضل من ذواتهم والإقسام به على الله إن كان القسم ~~بالمخلوق مشروعا أولى من الإقسام بهم بخلاف ما إذا كان التوسل بدعاء الشخص ~~وسؤاله فإنه يتعذر بموت النبي صلى الله عليه وسلم كما يتعذر الائتمام به في ~~الصلاة والجهاد معه. # ومن هذا الباب الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن عثمان بن ~~حنيف أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ms023 ادع الله أن ~~يرد علي بصري فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول اللهم إني أسألك وأتوجه ~~إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني ~~أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضيها اللهم فشفعه # PageV01P054 # في. # فهذا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه سؤاله لله وأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يدعو هو أيضا ويتوسل إلى الله بسؤال الرسول ولهذا ~~أمره أن يقول في الدعاء اللهم فشفعه في قال ذلك على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعا له وأمره هو أن يسأل الله قبول شفاعة الرسول فيه وكذلك حديث ~~الأعرابي وسؤاله الغيث وإزالته وهو في الصحيحين. # ومن قال إن العبد قد يستغني عن سؤال الله ودعائه فهو بمنزلة من قال إنه ~~يستغني عن عبادة الله وطاعته بل سؤال الخلق لربهم أكثر من عبادتهم فإنه ~~يسأله المؤمن والكافر ولا يعبده إلا المؤمن قال الله تعالى يسأله من في ~~السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) [الرحمن 29] وقال تعالى وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا (67) [الإسراء 67] . # وإن قيل المراد بذلك يلهمه عبادته وطاعته فيغنيه عن سؤاله. # قيل سؤاله ودعاؤه الواجب والمستحب من أكبر عبادات العبد وطاعته فكأنه قال ~~لا تجعلني أعبدك بسؤالك والتضرع إليك. # PageV01P055 # وكذلك لما قيل أليس الله بكاف عبده [الزمر 36] قيل عبده هنا هو الذي ~~يعبده بما أمر والدعاء الواجب والمستحب من جملة ذلك. # فإن قيل مراده حاجات الدنيا أي اقضها لي بدون سؤال. # قيل هذا باطل لوجوه: # أحدها أنه لم يخص سؤالا من سؤال. # الثاني أنه قال فأخو الصلاح من أصلحته وأخو الفساد من أضللته والسعيد حقا ~~من أغنيته عن السؤال منك وسياق الكلام يقتضي أنه طلب الاستغناء عن طلب ~~الصلاح. # الثالث أنه يقال والسعيد مأمور بطلب مصالح دينه ودنياه كما في قوله تعالى ~~ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ms024 النار ~~(201) [البقرة 201] . # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأدعية المأثورة عنه فعلا وتعليما ~~لأمته يذكر صلاح الدين والدنيا كقوله اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني ~~وارزقني. # وقوله اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها ~~معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي. # PageV01P056 # وقوله في الحديث الصحيح اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم. # وقوله في الصحيح اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز ~~والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من ضلع الدين وغلبة الرجال. # وقوله في الحديث الصحيح اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ربنا ~~ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر ~~كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك ~~شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين ~~وأغنني من الفقر. # وفي الترمذي ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن ~~لم ييسره لم يتيسر. # وما زال الأنبياء وأتباعهم يسألون الله مصالح دينهم ودنياهم وآخرتهم فمن ~~هو الذي استغنى عن سؤال الله تعالى ثم خاصية العبد # PageV01P057 # أن يسأل ربه وخاصية الرب أن يجيبه فمن ظن أنه يستغني عن سؤاله فقد خرج عن ~~ربقة العبودية. # وهذا من حماقات الجهال الذين يسلكون مسلك المتفلسفة في العبادات ويقولون ~~إن المقصود منها إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم فيجعلون غاية الإنسان هو ~~العلم ويجعلون العلم ما يعرفونه من العلم الإلهي وهو ضالون في هذا وهذا كما ~~قد بسط في موضعه فإن نفس حب الله هو من كمال النفس وسعادتها التي لا يتحصل ~~إلا بها وليس هو مقصود والعلم بالله مقصود لنفسه والعلم الإلهي الذي عندهم ~~غايته معرفة وجود مطلق لا يتصور إلا في الأذهان لا في الأعيان. # وهؤلاء يجعلون الدعاء إنما هو قوة للنفس لتؤثر في هيولي العالم والشفاعة ~~إنما هي فيض تفيض من الشافع على المشفوع كما ms025 يفيض شعاع الشمس فليس عند ~~هؤلاء في الحقيقة سؤال لله ولا عبادة له وعندهم كمال النفس في الفلسفة ~~التشبه بالإله على حسب الطاقة فلا يجعلون العبد عابدا لربه ولا مستغنيا به ~~بل تفيض عنه الأمور كما تفيض عن الرب عندهم وعن العقول كالعقل الأول والعقل ~~الفعال # PageV01P058 # ويدعون أن العقول التي يثبتونها هي من الملائكة في لسان الأنبياء وهذا من ~~أعظم الباطل الذي قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. # بل الملائكة من أعظم المخلوقات عبادة لله وسؤالا له كما أخبر الله عنهم ~~في كتابه بقوله فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم ~~لا يسأمون (38) [فصلت 38] . # ومن ظن أنه يستغني عن سؤال ربه دعاه ذلك إلى الاستنكاف والاستكبار وقال ~~تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله [غافر 7] الآيات وفي الصحيح أن الملائكة ~~تصلي على العبد مادام في مصلاه. # فأين هذا مما تدعيه الفلاسفة من أن العقل الأول مبدع كل ما سوى الله وأن ~~العقل الفعال مبدع لكل ما تحت الفلك؟ # وقد وقع طائفة من أصولهم في الكتب المنسوبة إلى أبي حامد مثل مشكاة ~~الأنوار والمضنون به وغير ذلك وكذلك في كتب البوني المتأخر وأمثاله وفي ~~كلام صاحب الحزب من هذه المواد # PageV01P059 # الفاسدة ما أوجبت مثل هذا الكلام كما سننبه عليه إن شاء الله فإنه قد ذكر ~~في مصنف له قطعة من الحقائق مبنية على أصول متصوفة الفلاسفة ويشبه أن يكون ~~أخذها من كتب صاحب الكتب المضنون بها أو من نحوه. # وابن عربي وابن سبعين وابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وابن رشد ~~الحفيد يستمدون من كلامه ومن هذا الباب وقعوا في الإلحاد الذي شاركوا فيه ~~ملاحدة الشيعة وهم يسمونه التوحيد والتحقيق و [هو] تحقيق الإلحاد الذي يخرج ~~به الرجل من الدين كما تخرج الشعرة من العجين. # PageV01P060 # ثم إن صاحب الحزب خرج من ذلك إلى ضروب من الحلول والاتحاد المقيد أو ~~المطلق كما سنذكره إن شاء الله. # وأيضا فقول القائل والشقي حقا من حرمته مع كثرة السؤال لك ms026 كلام مخالف لما ~~أخبر الله به ورسوله فإن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها ~~إحدى خصال ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها وإما ~~أن يصرف عنه من السوء مثلها قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر. # وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل ~~هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة # PageV01P061 # معه. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ينزل ربنا كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من ~~يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر. # وفي رواية لا أسأل عن عبادي غيري. # وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل ~~الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك في كل ليلة. # وفي الصحيحين عن يوم الجمعة مثله. # وقد قيل سبب الإجابة إما الطاعة للأمر وإما الإيمان بإجابته # PageV01P062 # للداعي فكيف يقال إنه يحرم عبده مع كثرة السؤال له وإن هذا هو الشقي حقا ~~ثم إن هذا سؤال له ممكن أن يكون صاحبه من الأشقياء الذين حرمهم مع كثرة ~~السؤال وحينئذ فيلزم أن لا يدعى بهذا فيكون هذا الدعاء باطلا على قوله كما ~~هو باطل على موجب الكتاب والسنة. # ومن ذلك قوله واذكرنا إذا غفلنا عنك بأحسن مما تذكرنا به إذا ذكرناك ~~وارحمنا إذا عصيناك بأتم مما ترحمنا به إذا أطعناك. # ف ### | يقال هذا الدعاء من الأدعية المحرمة # التي لا يستجيبها الله بمنزلة أن يقال فضل أهل الكفر على أهل الإيمان ~~وأهل الفجور على أهل البر وفضل الغافلين على الذاكرين وهذا دعاء بخلاف ما ~~أخبر الله أن يفعله وبخلاف ما كتبه على نفسه وسبقت به كلمته وأخبرت به رسله ~~عنه ms027 وقد قال تعالى أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ~~أم نجعل المتقين كالفجار (28) [ص 28] وقال أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ~~ما لكم كيف تحكمون (36) [القلم 35-36] وقال أم حسب الذين اجترحوا السيئات ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ~~(21) [الجاثية 21] . # فقد أنكر سبحانه على من ظن أنه يساوي بين أهل طاعته وأهل معصيته فكيف بمن ~~يطلب منه أن يفضل العبد العاصي على المطيع وقد قال تعالى فاذكروني أذكركم ~~[البقرة 152] وفي الصحيح من # PageV01P063 # ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملإ من خلقي ذكرته في ملإ ~~الحديث. # وفي الصحيح مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت. # والله تعالى يقول وما يستوي الأحياء ولا الأموات [فاطر 22] فكيف يسأل ~~الله أن يذكر الميت الغافل بأحسن مما يذكر الحي الذاكر؟! # وقد قال ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون (156) -إلى قوله- واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون (157) [الأعراف 156-157] . # فقد كتب رحمته لأهل طاعته المتقين لكتابه ولرسوله وقد أخبر أنهم هم ~~المفلحون فكيف يكون من لم يطع الله ورسوله بل يعصيه مثل هؤلاء فهذا من ~~الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه. # ولو قال الرجل اللهم اجعلني أفضل من السابقين الأولين لكان معتديا فكيف ~~إذا قال اجعل رحمتك لمن يعصيك أتم من رحمتك لمن يطيعك والله قد وعد أهل ~~طاعته بقوله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك الفوز العظيم (13) [النساء 13] وقال ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) [النساء 14] . # PageV01P064 # فإن قيل قد يراد بذلك أن المطيع قد يحصل له إعجاب وكبر وصاحب المعصية ~~يحصل له ذل وخشية. # قيل من كان عنده كبر أو عجب أو رياء فليس مطيعا بل عاصيا ومعصية الكبر ~~والعجب والرياء أعظم من معصية شرب الخمر فالشارب الخاشع الخائف من ربه أقرب ~~إلى رحمة ربه من الصائم المتكبر المعجب المرائي ms028 فمن ظن أن الطاعة صور ~~الأعمال فهو جاهل بل اسم الطاعة يتناول طاعة القلب بالخوف والرجاء والإخلاص ~~لله والشكر وغير ذلك أعظم مما يتناول طاعة البدن كالصيام والقيام والصدقة ~~قال الله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب [البقرة 177] ~~الآية. # وقد أجمع المسلمون على أن مجرد أعمال البدن بدون عمل القلب لا يكون عبادة ~~ولا طاعة لله وأن كل عمل لا يراد به وجه الله فليس هو عبادة له وفي الصحيح ~~إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد ألا وهي القلب وهذا باب واسع. # وقد يقال المراد إذا وقعنا في الغفلة والمعصية تداركنا برحمتك وانقذنا ~~منها إلى الذكر والطاعة أعظم مما تفعل إذا لم نقع في ذلك. # PageV01P065 # قيل هذا خطأ من وجهين: # أحدهما أن يقال فهذا طالب لأن يجعله ذاكرا مطيعا لا أن يكون مذكورا ~~مرحوما في حال الغفلة والمعصية أعظم مما يكون حال الذكر والطاعة. # والثاني أنه لا يسوغ أن يدعوه بأن ينقله من حال الغفلة والمعصية إلى حال ~~أفضل مما ينقله في حال الذكر والطاعة بل إذا كان يريد الانتقال إلى حال ~~أفضل من حاله فهو إذا كان ذاكرا مطيعا يطلب الانتقال إلى ذكر هو طاعة أفضل ~~من ذلك الذكر والطاعة فهو إن طلب أن يكون لأهل الغفلة والمعصية من الكرامة ~~أعظم مما لأهل الذكر والطاعة مع مقامهم على ذلك فهذا ممتنع وهو مراغمة لدين ~~الله. # وعلى كل تقدير لا نجعل الغافل والعاصي أفضل من الذاكر المطيع لا في الحال ~~ولا في الابتداء اللهم إلا إذا مكر بالذاكر المطيع فانتقل غافلا عاصيا ~~وانتقل الآخر ذاكرا مطيعا فهذا ممكن لكن لا يجوز لأحد أن يدعو الله بأن ~~ينقله من حال الذكر والطاعة إلى حال الغفلة والمعصية. # ومن هذا الجنس قوله واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت ولا تجعل حسناتنا حسنات ~~من أبغضت فالإحسان لا ينفع مع البغض منك والإساءة لا تضر مع الحب منك. # فإن القادح يقول إن الله ms029 يحب المحسنين (195) [البقرة 195] فهو لا # PageV01P066 # يبغض الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو يبغض الكفار فلا يحبهم فحبه سبحانه ~~مستلزم للحسنات وبغضه مستلزم للسيئات. # ف ### | قوله الإحسان لا ينفع مع البغض ليس بسديد # بل الإحسان الذي يستحق أن يسمى إحسانا وهو فعل الواجب والمستحب كما أمر ~~ظاهرا أو باطنا لا يكون إلا مع حبه لا مع بغضه. # ومن كان باطنه خلاف ظاهره وقال إن عمله رياء أو إعجاب أو نفاق أو ريب ~~وعدم إيمان فهذا ليس عمله إحسانا وكذلك من ارتد عن الإسلام فردته أحبطت ~~عمله فما بقي محسنا وكذلك السيئات لا يحبها الله والمسيء لا يحب الله ~~إساءته وإذا كان فيه إيمان وفجور فالله يحب إيمانه لا فجوره على مذهب أهل ~~السنة والجماعة الذين لا يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار ولا يقولون ~~بأن المعاصي تحبط الإيمان كله بل يقولون يخرج من النار من في قلبه مثقال ~~ذرة من إيمان كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يقولون الشخص ~~الواحد يجتمع فيه ما يحبه الله من الطاعة وما يبغضه الله من المعصية ويستحق ~~الثواب على حسناته والعقاب على سيئاته. # وقد يعتذر عن صاحب الحزب بأن المراد جعل سيئاتنا مغفورة بما يحبه من ~~التوبة والحسنات لنكون ممن يحبه من التوابين ولا يجعل حسناتنا حابطة بما ~~يبغضه من الكفر والمعاصي. # لكن يقول الطاعن سياق كلامه وأوله وآخره يدل على أنه ليس هذا مراده فإن ~~كلامه يقتضي أنه لا ينظر إلى ما تفعله العباد من الطاعات # PageV01P067 # والمعاصي والأدعية والذكر والغفلة بل يطلب من الرب بدون الطاعة والذكر ~~والدعاء ما هو فوق ما يحصل بذلك فيطلب منه أن لا يكون مع الذكر والإحسان من ~~الخاسرين. # وهذا كلام يتضمن إلغاء الأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب وجعل ~~النعيم والعذاب يحصل للعباد بخلاف ما أخبرت به الرسل عن الله من وعده ~~ووعيده. # ومثل هذا الرأي يحصل لقوم من الناس من المتصوفة وغيرهم من أهل الإرادة ~~سالكين طريق التأله والزهد والفقر إذا نظروا إلى القدر ms030 والمشيئة المطلقة ~~أعرضوا عما جاءت به الرسل من الأمر والنهي والوعد والوعيد ولا ريب أن هذا ~~ضلال مبين وخروج عن اتباع السنن. # وأمثل من هؤلاء في العلم والقول طائفة من أهل الكلام والفقه والتصوف من ~~المثبتين للقدر يقولون إن الأمر يصدر عن مشيئة محضة بلا حكمة ولا رحمة وأنه ~~ليس في المخلوقات أسباب ولا قوى فهذا قول قالته طائفة وإن كان السلف وجمهور ~~الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وجمهور أهل الكلام على خلافه لكن هؤلاء مع ~~هذا يقرون بالأمر والنهي والوعد والوعيد ويقولون إرسال الرسل وإنزال الكتب ~~مما صدرت عن الرب بمشيئته وعلمت هذه الأمور بالسمع وعلم وقوعها لإخبار الله ~~بها فهم يقولون وسائر الملل لا يجوز أن يسأل ما قد أخبر أنه لا يفعله. # فقول صاحب الحزب مردود على أصلهم أيضا كما هو مردود على أصل الجمهور ~~وبمثل هذا الرأي الفاسد يفتري كثير من السالكين # PageV01P068 # الناظرين إلى محض القدر فإنهم إذا شهدوا الربوبية العامة والقيومية ~~الشاملة لكل شيء وشهدوا الحقيقة الكونية ورأوا توحيد الربوبية ظنوا أن ~~الكمال هو في الفناء في توحيد الربوبية وهذا غلط عظيم وضلال مبين وقع فيه ~~كثير من السالكين. # وكان قد وقع بين الجنيد وأصحابه وبين طائفة من الصوفية في زمانه كلام في ~~هذا المقام وهم يسمونه الجمع فقال الجنيد بعد هذا المقام الفرق الثاني ~~تحقيق العبودية لله وهذا الفرق الذي انتقل إليه المؤمن فإن العبد كان في ~~الفرق الأول يشهد أكثر المخلوقات فانتقل إلى الجمع فيشهد وحده الربوبية ~~الشاملة لكل شيء ثم بعد هذا عليه أن يشهد الفرق الثاني وهو الفرق بين ~~المؤمن والكافر والبر والفاجر وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين ~~المفسدين في الأرض فيشهد أن لا إله إلا الله فيفرق بينه وبين ما سواه بأنه ~~هو الإله الذي يستحق العبادة دون ما سواه وأن عبادته بطاعة رسله فيعبد الله ~~بطاعة رسوله فهذا فرق إلهي نبوي شرعي وبه بعث الله الرسل وأنزل الكتب. # والفناء في هذا المقام أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما ms031 سواه وبمحبته عن ~~محبة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وبالتوكل عليه ~~عن التوكل على ما سواه وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل ~~به الكتب. # وأما الفناء في توحيد الربوبية فذاك نقص عن الشهود الواجب # PageV01P069 # وحسب صاحبه أن يكون معذورا لغلبة الوارد عليه لا أن يكون مشكورا وهو كحال ~~من غاب بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته حتى فني من ~~لم يكن وبقي من لم يزل فهذا حال عارض لبعض السالكين ليس هو من لوازم السلوك ~~ولا هو غاية للسالكين بل هو حال ناقص بكون العجز صاحبه عن الشهود المطابق ~~للحقيقة. # فإن ذلك هو أن يشهد الأمر على ما هو عليه فيشهد عبوديته المحضة ويشهد ~~ربوبية ربه ويشهد مع كونه لا يعبد إلا إياه وأنه يعبده بما شرع لا يعبده ~~بالبدع أنه هو الذي جعله كذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله فيحصل له من الشكر ~~وشهود المنة والبراءة من الحول والقوة ما يحقق مع إخلاصه لله وتوكله عليه ~~وشكره له وهو الذي سماه الجنيد وأصحابه الفرق الثاني وهو الفرق الشرعي ~~والأول الذي انتقلوا عنه هو الفرق الطبيعي فصاحب هذا يفرق بين الأمور بأمر ~~الله ورسوله وذاك بهواه ونفسه. # ولما تكلم الجنيد بهذا نازعه فيه طائفة من الصوفية وبعضهم كلمه فيه ووقع ~~فيه كلام كثير قد ذكر بعضه أبوسعيد بن الأعرابي في أخبار النساك ولهذا صار ~~الجنيد قدوة في هذه الطريق بخلاف # PageV01P070 # أبي الحسين النوري ونحوه ممن اضطرب في هذا المقام وتكلم في الجنيد ~~وأصحابه وتكلم فيه الجنيد وأصحابه فإن أولئك حصل لهم أمور أنكرت عليهم ~~والجنيد نفعه الله بقيامه بالأمر والنهي. # فكل شيخ سالك لم يقم بالأمر والنهي متابعا في ذلك للكتاب والسنة والإيمان ~~فإن الله لم يرد به خيرا كما ثبت في الصحيح من يرد الله به خيرا يفقهه في ~~الدين فمن لم يفقه في الدين لم يرد به خيرا. # فمن سلك الطريق شاهدا لتوحيد ms032 الربوبية غير متفقه في الأمر والنهي ولا ~~عامل بذلك فإنه ضال مضل ولا بد أن يتناقض في طريقه لينظر في حقوق الله ~~تعالى بعين القدر وفي حظوظه بعين هواه إذا نظر إلى الكفار والفجار نظر بعين ~~القدر وإذا نظر إلى من آذاه أو قصر في حقه ولو كان من خيار أولياء الله نظر ~~بعين الهوى فذمه وعابه وطلب عقابه وربما سعى في قتله بباطنه أو ظاهره لهوى ~~نفسه لا لحق # PageV01P071 # ربه وإن لم يقتله سلبه حاله لنوع من الحسد والهوى لا لأجل الأمر والتقوى ~~ويقول إني متصرف بالأمر والأمر مجمل لا يفرق بين الأمر الإلهي النبوي ~~الشرعي الذي بعث به رسوله وبين أمر نفساني أو شيطاني يلقى في باطنه من جهة ~~النفس والشيطان. # و ### | الأحوال ثلاثة رحماني ونفساني وشيطاني. # فالرحماني ما وافق الكتاب والسنة وما خرج عنهما فمن النفس والشيطان والله ~~ورسوله بريئان منه وإن كان واقعا بالقدر. # ونرى صاحب هذا المقام الفاسد يحتج بالقدر وبعضهم يروي أن أهل الصفة ~~قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم شهودا للقدر وتوحيدا للربوبية وهذا من ~~أعظم الفرية على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وهذا حال المشركين ~~الذين احتجوا بالقدر على ترك التوحيد وقالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء [الأنعام 148] فإن طرد صاحب # PageV01P072 # هذا القول مقاله انتهى إلى شرك عباد الأوثان من العرب وغيرهم فإنهم كانوا ~~مقرين بتوحيد الربوبية ولكن عبدوا غير الله بغير إذن الله فمن عبد غير الله ~~أو عبد الله بغير شرعه ففيه شوب من شبه المشركين والنصارى وإذا تعلق مع ذلك ~~بتوحيد الربوبية كان كالمشركين الذين تعلقوا بتوحيد الربوبية. # والمشايخ المستقيمون كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان ~~الداراني ومعروف الكرخي وأمثالهم هم المتبعون للكتاب والسنة والصوفية ~~المتبعون لهم هم صوفية أهل السنة والحديث في اعتقادهم وفي عملهم فهم ~~[يؤمنون] بما أخبر به الرسول ويمتثلون ما أمر به يصدقونه في خبره ويطيعونه ~~في أمره ومن كان كذلك فهو من أولياء الله ms033 المتقين الذين لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون. # وآخرون من المتصوفة دخلوا في نوع من بدع الجهمية الذين ينفون الصفات أو ~~بعضها ويشهدون الجبر والقدر معرضين عن الأمر والنهي فهؤلاء إذا حققوا ~~طريقهم انتهوا إلى البقاء في التوحيد والصفات والفناء في الأمر والنهي. # ومن هنا دخل متصوفة المتفلسفة الذين جمعوا مع هذا وهذا القول # PageV01P073 # بقدم الأفلاك وأن النبوة فيض وأن العبادات وسائل إلى حصول الفيض الذي ~~يصير به الإنسان مثل موسى بن عمران! # وخرج من هنا من جعل النبوة مكتسبة فطلب أن يصير نبيا كالسهروردي المقتول ~~وابن سبعين وغيرهما. # ومن الصوفية من يكون مثبتا للصفات رادا على الجهمية لكن يلحظ الجبر ~~وإثبات القدر شاهدا لتوحيد الربوبية معرضا عن الأمر والنهي ويجعل هذا غاية ~~كما وقع طرف من ذلك في منازل السائرين وأخذه عنه ابن العريف في محاسن ~~المجالس. # وقد صار لفظ الصوفية لفظا مجملا يدخل فيه من هو صديق ومن هو زنديق فإن من ~~صدق الرسول فيما أخبر وأطاعه فيما أمر إذا حقق ذلك صار صديقا ومن أعرض عن ~~خبره وأمره حتى أخبر بنقيض ما # PageV01P074 # أخبر وأمر بخلاف ما أمر فإنه يصير زنديقا وهذا حال الملاحدة الذي ينتسبون ~~إلى الصوفية كالقائلين بوحدة الوجود ويسمون ذلك تصوفا وقد بسط الكلام على ~~لفظ التصوف وما يتعلق به في غير هذا الموضع. # [ومن ذلك قوله فليس كرمك مخصوصا بمن أطاعك وأقبل عليك بل هو مبذول بالسبق ~~لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك] . # ... لا بد لهم أن يمن عليهم بسبب ذلك من الإيمان والطاعة وإلا فمع موت ~~العبد على العصيان والإعراض عن الله لا يجعله كالمطيعين المقبلين عليه كما ~~قال تعالى أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار (28) [ص 28] . # والله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه ويخبر بها كذلك ويكتبها كذلك ~~كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم من أحد إلا ~~وقد علم مقعده من الجنة والنار قالوا ms034 أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب فقال ~~لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له # PageV01P075 # أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل ~~الشقاء فسييسر لعمل أهل الشقاء. # فلما استأذنوه أن يتكلوا على السابقة نهاهم وأخبرهم أن السابقة سبقت ~~بالسعادة بعملها والشقاوة بعملها لم يسبق بسعادة مجردة وشقاوة مجردة فمن ~~ييسره الله لعمل أهل السعادة حتى يموت على ذلك كان هو الذي سبقت له السعادة ~~وبالعكس. # وأما قول القائل كرمك مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك. # إن أراد به ما يبذله للكفار والفجار من نعيم الدنيا فهذا صحيح لكن المؤمن ~~لا يطلب مجرد ذلك فإن نعيم الدنيا مع عذاب الآخرة لا يطلبه مسلم ولهذا ~~تنازع أهل السنة المثبتون للقدر في الكافر هل عليه نعمة دنيوية على قولين ~~معروفين لهم قيل النعيم الذي يعقبه عذاب ليس بنعمة وقيل بل هو نعمة. # وفصل الخطاب أنه نعمة مقيدة وليس نعمة مطلقة تامة ولهذا لم يدخل في قوله ~~اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم [الفاتحة 6-7] . # وإن أراد أنك تبذل في الدنيا والآخرة لمن عصاك ما تبذله لأهل الطاعة وأنك ~~تسوي بين هؤلاء وهؤلاء فهذا مما أنكره الله على من ظنه كما قال تعالى ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) [القلم 35] والآيات # PageV01P076 # في عدم التسوية كثيرة وقد تقدم منها جملة مما فيه حسن حال أوليائه وقبح ~~حال أعدائه فمن ظن أن مشيئة الله قد تقتضي التسوية بين هؤلاء وهؤلاء فهو ~~مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة. # ولا ريب أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن وأنه على كل شيء قدير لكن من الأمور أمور يعلم أنه لا يشاؤها فما سبق ~~في علمه أنه يفعله وسبقت كلمته أنه يفعله وأخبر أنه يفعله وكتب في اللوح ~~المحفوظ أنه يفعله فإنه لا بد أن يفعله وهو لا يشاء نقيضه وهذا متفق عليه ~~بين المسلمين. # ثم جمهور المسلمين يقولون حكمته وعدله مستلزم ms035 أنه يشاء ذلك ولا يشاء ~~نقيضه وتفضيل أهل طاعته على أهل معصيته من هذا الباب لأنه لا يكون منه إلا ~~ذلك ولا يشاء نقيضه قط. # فقول القائل إن كرمك مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك ~~كلام مجمل فإنه إن أراد أنه قد يكون سبق له أنه يتوب وأنك تشاء توبته فهذا ~~كلام صحيح وكذلك إن أراد أنك تغفر له بأسباب المغفرة كالحسنات الماحية ~~والشفاعة المقبولة ونحو ذلك. # وإن أراد أنك تكرم العصاة مثل كرامة المطيعين أو أفضل منها مطلقا مع موت ~~هذا على الطاعة وموت هذا على الكفر والفسوق والعصيان فهذا خطأ مخالف للنصوص ~~والإجماع بل ومخالف لحكمة الله وموجب كلماته. # PageV01P077 # وقول القائل إن الاعتبار بالسابقة أو بما سبق به العلم ونحو ذلك كلام ~~صحيح لكن يعلم مع ذلك أن علم الرب حق مطابق للمعلوم فهو يعلم الأشياء على ~~ما هي عليه لا يكون علمه بخلاف الواقع فهو سبحانه إذا علم أنه سيخلق ~~السموات والأرض ويقيم القيامة فهو يعلم أنه يفعل ذلك بمشيئته وقدرته لا أن ~~ذلك يكون بدون مشيئته وقدرته. # وإذا علم أن السعداء يدخلون الجنة وأن الأشقياء يدخلون النار فهو يعلم أن ~~الأشقياء يدخلون النار بكفرهم وفسوقهم وأن السعداء يدخلون الجنة بالإيمان ~~فإنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان والله تعالى ينشئ للجنة ~~خلقا في الآخرة يدخلهم الجنة بفضل رحمته. # وأما النار فلا يدخلها عند جمهور المسلمين إلا من اتبع الشيطان قال تعالى ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) [ص 85] فأقسم أنه ليملأنها من ~~أتباع إبليس ومن لم يعص الله لم يتبع إبليس وإذا امتلأت بأتباعه لم يكن ~~لغيرهم فيها موضع. # وقد ذهب طائفة من الناس إلى أن النار قد يدخلها من لا ذنب له وهو قول من ~~يقطع أن أطفال المشركين يدخلون النار وقول من يجوز ذلك بلا تكليف وهذا ~~يقوله طائفة من أهل الكلام والفقه والحديث # PageV01P078 # والتصوف ولكن جمهور الناس على نقيض ذلك وقد ثبت في الصحيحين ms036 من حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحس ~~فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا هذه الآية فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله [الروم 30] . # وفي الصحيح قيل يا رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير ~~فقال الله أعلم بما كانوا عاملين وفي الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن أطفال المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين. # فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم على مجموعهم بجنة ولا نار بل أحال على ~~علم الله بما كانوا عاملين وهذا هو المنصوص عن أئمة السنة كأحمد وغيره وهو ~~الذي حكاه أبو الحسن الأشعري في # PageV01P079 # المقالات عن أهل السنة والحديث وقال وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول وإليه ~~نذهب. # ثم هؤلاء الذين يقفون فيهم من يقول يجوز أن يدخلوا جميعهم النار أو الجنة ~~بلا أمر ولا نهي ومنهم من يقول بل يمتحنون في الآخرة فمنهم من يدخل الجنة ~~ومنهم من يدخل النار بمعصيته في الآخرة وقد جاءت بذلك آثار عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة ~~والحديث. # وقد قال طائفة عن أحمد وغيره إنهم يدخلون النار واختاروا ذلك كالقاضي أبي ~~يعلى وغيره وذلك غلط على أحمد وسبب الغلط أن أحمد سئل عنهم فأجاب أنهم على ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم الله أعلم بما كانوا عاملين وهذا الحديث في ~~الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عباس كما تقدم. # وقد روي في حديث آخر أن خديجة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أطفال ~~المشركين فقال هم في النار فقالت بلا عمل فقال الله أعلم بما كانوا عاملين ~~فظن القاضي أبو يعلى ومن وافقه أن أحمد أخذ # PageV01P080 # بحديث خديجة هذا وفيه أنهم من أهل النار وهذا غلط على أحمد فإن حديث ~~خديجة موضوع ms037 لا أصل له وأحمد أجل من أن يعتمد عليه وإنما اعتمد على الحديث ~~الصحيح المتقدم ثم إنه حديث متناقض لأن فيه الجزم بكونهم من أهل النار وفيه ~~قوله الله أعلم بما كانوا عاملين وهذا قول متناقض. # وقالت طائفة إنهم كلهم في الجنة كابن حزم وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما. # والمقصود هنا أنه لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن الله يعذب في الآخرة من لم ~~يذنب ودلائل القرآن والسنة يدلان على نقيض هذا القول والله يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد لكن هذا مما علم أنه لا يشاؤه بالأخبار الصادقة وبموجب حكمته ~~وبمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى كما أنه قد علم أنه لا يخرج أهل الجنة ~~منها بل خالدون فيها أبدا وأنها # PageV01P081 # لا تفنى أبدا. # وعلم أنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان كما أخبرت بذلك ~~النصوص وهو سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو ~~رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم لكن قد علم أنه لا يعذب المتقين ولا ~~يسويهم بالفجار المذنبين. # والأصل الجامع في هذا الباب أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن وكل مؤمن فلا بد ~~له من دخول الجنة وأن كل كافر فلا بد له من دخول النار فمن آمن بالرسل فإنه ~~لا بد له من الجنة ومن كذب الرسل فلا بد له من العذاب. # ومن لم يصدقهم ولم يكذبهم لكونه لم تبلغه الرسالة لم يكن من هؤلاء ولا من ~~هؤلاء بل يحال أمره على علم الله وقد جاءت الآثار بأن هؤلاء يرسل إليهم ~~الرسل في الدار الآخرة وحينئذ فينعم المؤمن # PageV01P082 # ويعاقب المكذب فهذا حكم من كان في الدنيا وأما من ينشئه الله للجنة في ~~الدار الآخرة فليسوا من هؤلاء. # ومن ذلك قوله وليس من الكرم أن لا تحسن إلا لمن أحسن إليك وأنت المفضال ~~العلي بل من الكرم أن تحسن إلى من أساء إليك وأنت الرحيم الغني وقد أمرتنا ~~أن نحسن إلى من أساء إلينا فأنت أولى ms038 بذلك منا. # فيقال إحسان الله إلى عباده ليس من جنس إحسان المخلوق إلى المخلوق مكافأة ~~له على إحسانه فإن العباد كما ثبت في الحديث الصحيح الإلهي إن الله يقول يا ~~عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني وليس لمخلوق ~~عند الله يد يستحق أن يكافئه على ذلك بل أهل السنة المثبتون للقدر متفقون ~~على أن العباد لا يجب لهم على الله تعالى بأنفسهم شيء واتفقوا على أن الله ~~منجز لهم ما وعدهم إياه. # وتنازعوا هل يوجب بنفسه على نفسه ويحرم بنفسه على نفسه على قولين: # أحدهما أنه لا يوجب ولا يحرم وما ورد من ذلك محمول على # PageV01P083 # الإخبار لا على الطلب. # والثاني أنه يوجب ويحرم كقوله كتب ربكم على نفسه الرحمة [الأنعام 54] ~~وقوله يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا. # والقدرية الذين يقولون إنه يجب عليه بمقتضى القياس لا يقولون إن أحدا من ~~الخلق يحسن إليه بل هم متفقون على أنه المحسن إلى عباده الرحيم بهم. # وقد قال تعالى إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [الإسراء 7] وفي ~~الصحيح المتقدم يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. # والله تعالى وإن كان يحب المتقين والمحسنين والصابرين والتوابين ويفرح ~~بتوبة التائبين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهو الذي جعلهم كذلك ~~هو الذي جعل المسلم مسلما والمصلي مصليا كما قال الخليل واجعلنا مسلمين لك ~~[البقرة 128] وقال رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي [إبراهيم 40] . # وإذا كان كذلك فليس يمكن أن يكون للعبد على ربه نعمة حتى يقال إنه أحسن ~~إليه بل إحسان العبد إلى نفسه وإرضاؤه لربه وثواب ربه له هو من نعمة ربه ~~عليه وإحسانه إليه كل نعمة منه فضل # PageV01P084 # وكل نقمة منه عدل. # وأمر الله عباده ليس لحاجته إليهم كأمر المخلوق للمخلوق مثل ما يأمر ~~السيد عبده والأمير جنده ولا نهيه بخلا عليهم بل أمره لهم بالطاعة ms039 وتوفيقهم ~~لها وإثابتهم عليها كل ذلك من إحسانه أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وأحل ~~لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث فالعبد إذا عصاه ظلم نفسه وضر نفسه لم يضر ~~الله شيئا. # والناس في أمره ونهيه على ثلاثة أقوال: # منهم من يقول هو صادر عن محض المشيئة فقد يأمر بما يضر العباد وقد ينهى ~~عما ينفعهم وهو لا يسأل عما يفعل وهذا قول من يجعل المشيئة يجوز أن تتناول ~~كل مقدور وأن الظلم ممتنع لذاته وأن الحكمة ليست إلا مطابقة العلم وهذا قول ~~طائفة من أهل الكلام المثبتين للقدر ومن اتبعهم من الفقهاء. # ومنهم من يقول بل لا يأمر عبدا معينا إلا لأن ذلك الأمر مصلحة له ولا ~~ينهاه إلا لأن ذلك النهي مفسدة له والعبد هو الذي اخترع الطاعة والمعصية من ~~غير معونة من الله امتاز بها المطيع على العاصي وهذا قول المعتزلة ونحوهم ~~من القدرية. # ومنهم من يقول بل أمر العباد بما فيه منفعة لهم إذا أطاعوه ونهاهم عما ~~يضرهم إذا عصوا فمن فعل ما أمر به لم يكن الفعل إلا # PageV01P085 # مصلحة في حقه والمنهي عنه مفسدة في حقه وأما نفس الأمر والنهي فذلك من ~~الله وله حكمة في ذلك كما له حكمة في خلقه وذلك رحمة منه لعموم الخلق وإن ~~لم يصب بعضهم كالمطر الذي ... والشمس التي بطبعها وهذا مذهب الجمهور من ~~الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام. # وتقابل الناس في محبة الله ورضاه هل هي بمعنى الإرادة أو هي أمر آخر أخص؟ # فقالت القدرية وطائفة من المثبتة هي بمعنى الإرادة وقال أكثر أهل السنة ~~المثبتين للقدر بل هي أخص من الإرادة فالقدرية يقولون ما أحب الكفر والفسوق ~~والعصيان فلم يرده فكان في ملكه ما لا يريد وشاء ما لا يكون وكان ما لا ~~يشاء وإذا حلف الرجل ليصلين الظهر الواجب عليه غدا إن شاء الله ولم يصل حنث ~~لأن الله شاء ذلك بزعمهم. # والمقابلون لهم من المثبتة يقولون هو أراد ما العباد فاعلوه فإنه ما شاء ~~كان وما ms040 لم يشأ لم يكن فما وجد من الكفر والفسوق والعصيان فهو بإراداته ~~فيكون بمحبته ورضاه وما علم كونه عندهم فقد أراد كونه وأحب كونه ورضي كونه. # فإذا قيل لهم فقد قال ولا يرضى لعباده الكفر [الزمر 7] ولا # PageV01P086 # يحب الفساد (205) [البقرة 205] . # قالوا لا يرضاه دينا كما أنه لا يريده دينا ولا يرضاه ممن لم يفعله كما ~~أنه لم يرده منه. # فقيل لهم فقولوا إنه لا يحب فعل المأمور ولا ترك المحظور وقولوا إن ما ~~أمر الله به ورسوله فإنه لا يحبه ولا يرضاه ولكن يحب ويرضى ما يكون سواء ~~كان كفرا أو إيمانا. # وقولوا إنه لا يريد ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان فإنه لم يرده دينا ~~كما تأولتم قوله ولا يرضى لعباده الكفر وأنتم تطلقون ما أطلقه المسلمون من ~~أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد قال تعالى إذ يبيتون ما لا يرضى ~~من القول [النساء 108] فهذا قول قد وقع بمشيئته وقد أخبر أنه لا يرضاه وقال ~~تعالى اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه [محمد 28] وما أسخطه لم يرضه مع ~~أنه قد أراده. # وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه عليها فإن ~~كثيرا من الخائضين في هذه المواضع تجدهم متقابلين هؤلاء يثبتون حقا وباطلا ~~وهؤلاء يثبتون حقا وباطلا وخيار الأمور أوساطها وهي طريقة سلف الأمة ~~وأئمتها رضي الله عنهم أجمعين. # فإن قال هذا المدعي أنا أريد بالإحسان إليه فعل ما يرضاه من الطاعة ~~وبالإساءة إليه فعل ما يسخطه من المعاصي. # قيل له وإن أراد هذا فهو مخطئ أيضا من وجوه: # أحدها أن إطلاق القول بأن الطاعة إحسان إلى الله وأن المعصية # PageV01P087 # إساءة إلى الله بدعة فإن التعبير بهذا اللفظ عن هذا المعنى بدعة والألفاظ ~~التي يعبر بها عن صفات الله يتحرى بها الاتباع دون الابتداع لا سيما في ~~مقام المناجاة والدعاء. # والمفهوم من هذا اللفظ أن العبد يحسن إلى الله بالطاعة وهذا باطل فإنما ~~يحسن إلى نفسه والله هو المنعم عليه بذلك والله ms041 سبحانه غني عن غيره من كل ~~وجه ولو لم يكن رضاه متضمنا لنفع الفاعل فكيف إذا كان رضاه للعباد بالشكر ~~يتضمن النفع لهم بذلك. # وكذلك المعصية وإن كان يبغضها ويكرهها ويمقت فاعلها فإنه لا يقال هي ~~إساءة إلى الله أما على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر فإنه هو الذي خلقها ~~لحكمة في ذلك على قول من يثبت الحكمة أو لمحض المشيئة على قول من لا يعال ~~أفعاله وأحكامه. # وإذا كان هو الخالق لها مع قدرته على أن لا يخلقها لم يجز أن يقال إن ~~غيره أساء إليه بها لوجهين: # أحدهما أن الخلق عاجزون عن ذلك كما قال تعالى يا عبادي إنكم لن تبلغوا ~~نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني. # والثاني أنه إذا كان هو الخالق لها بمشيئته وقدرته لحكمة يحبها أو لمحض ~~مشيئته امتنع أن تكون ضارة له لأن الغني عن كل شيء القادر على كل شيء ~~العالم بكل شيء يمتنع أن يضره ما يفعله بقدرته ومشيئته فإن المخلوق العالم ~~بما يضره الغني عنه القادر على تركه لا يفعله فكيف بأعلم العالمين وأقدر ~~القادرين وأحكم الحاكمين # PageV01P088 # وأغنى الأغنياء؟! # ثم من لم يعلل يقول فعله لا يعلل ومن يعلل يقول له في ذلك حكمة خلق ذلك ~~لأجلها ومن فعل شيئا لمراد له يحبه لم يكن متضررا بحصول محبوبه ومراده. # وهؤلاء يقولون وإن كان مبغضا للمعصية كارها لها ماقتا لها فهذا لا ينافي ~~كونه خلقها وأرادها لحكمة في ذلك وهو يحب الغاية التي خلقها لأجلها كالمريض ~~الذي يريد شرب الدواء وهو يبغضه فهو يريده لمحبته العافية الحاصلة به فهو ~~وإن كان مرادا له لحكمة يحبها فهو مبغض له في نفسه فهكذا ما خلقه من ~~الشياطين والمعاصي خلقها لحكمة وهو يبغض تلك المخلوقات المرادة. # وعلى قول هؤلاء فلا تكون المعاصي إساءة إليه إذ كان هو الخالق لها لحكمته ~~بل لو كان المحدث لها غيره لم يكن مسيئا إليه إذا كان قصده تلك الغاية ~~المحبوبة له فمن فعل مع غيره ما يوجب حصول محبوبه ms042 لم يكن مسيئا له وإن كان ~~في ذلك بعض ما يكره فكيف إذا كان هو الفاعل؟! # وأما مذهب القدرية من المعتزلة وغيرهم وإن قالوا إن العبد أحدث المعصية ~~بدون مشيئة الله وقدرته لا يقولون إنها إساءة إلى الله ولا أنها تضر الله ~~بل المعتزلة متفقون على أن علل أفعاله وأحكامه عائدة إلى المخلوق لا إليه ~~وهم غلاة في النفي فلا يصفونه بفرح أو غضب يقوم به ولا حب ولا رضى ولا سخط ~~بل ولا بإرادة تقوم به وإنما ذلك كله عندهم مخلوقات منفصلة عنه ومثل هذا لا ~~يسمى إساءة إليه بلا ريب. # PageV01P089 # والمقصود أن هذا ليس إساءة إلى الله على قول كل طائفة من طوائف المسلمين. ### | الوجه الثالث # أنه جعله إذا عاقب المسيئين لم يكن كريما بل لا يكون كريما إلا إذا أحسن ~~إليهم وهذا جهل فإن الله كريم جواد مع عقوبته للمجرمين فإن كل نعمة منه فضل ~~وكل نقمة منه عدل وعقوبته للظالمين لا ينافي كرمه وجوده باتفاق المسلمين بل ~~هو محمود على كل ما يفعله وكل فعله حسن جميل وذلك أن ### | الكرم والبخل للناس فيه أقوال: # أحدها أن البخل يرجع إلى الاعتقاد والخوف وهو خوف ذهاب المال إذا أنفقه ~~كما يقول ذلك من يقوله من مناظري القدرية والفلاسفة كالقاضي أبي بكر ~~والقاضي أبي يعلى وغيرهما وهؤلاء يقولون فعله متعلق بمحض المشيئة لا علة له ~~والظلم هو الممتنع لذاته وكل ممكن فهو عدل وعلى هذا فالله عالم بكل شيء لا ~~يخاف شيئا فيمتنع وصفه بالبخل وأما الكرم فهو فعل ما فعله فكل ما فعله فهو ~~الكرم عندهم. # والقول الثاني قول القدرية الذين يقولون فعل بكل عبد ما يقدر عليه من ~~النعم الدينية وفي النعم الدنيوية قولان لكن العبد هو الذي صرف نعمته في ~~معاصيه وهؤلاء يقولون ما لم يوجد من الإحسان لم يكن مقدورا له. # PageV01P090 # الثالث قول الفلاسفة الذين يقولون هو موجب بذاته ففعله من لوازم ذاته ~~والعقوبات أمور لازمة لذاته لا يتصور انتفاؤها فلا يكون تركها مقدورا. # الرابع ms043 قول جمهور المسلمين الذين يقولون إنه كريم جواد عدل يخلق ما يشاء ~~ويختار وهو على كل شيء قدير وأنه يفعل ما يفعل لحكمة وهو أرحم بعباده من ~~الوالدة بولدها وما يخلقه من الآلام والعقوبات يخلقه لحكمة له في ذلك لا ~~تحصل تلك الحكمة بدون ذلك المخلوق فهو على غاية الجود والكرم في إرادته ~~وغاية القوة والمكنة في قدرته لكن فعل الشيء يقتضي فعل لوازمه وترك ما ~~ينافيه فوجود أحد الضدين يستلزم ترك الآخر ووجود الملزوم يقتضي وجود ~~اللازم. # وحينئذ فقول القائل ليس من الكرم عقوبة العصاة باطل على كل قول أما على ~~قول الأولين فكل ممكن كرم وأما على قول الطائفة الثانية والثالثة فإن نقيض ~~ذلك ممتنع وترك الممتنع لا ينافي الكرم وأما على قول الرابعة فلأن ذلك ~~مخلوق لحكمة لا تحصل إلا به فلو لم يخلق لفاتت تلك الحكمة التي يستحق الرب ~~أن يحمد لأجلها ويوصف بالجود والكرم. # وإذا كان كذلك كان من تمام الكرم ما يخلقه من العقوبات التي لا يحصل ~~الكرم التام إلا بها وهذا بخلاف الواحد منا فإنه قد يعاقب من أساء إليه لا ~~لحكمة في ذلك ولا لرحمة ولا لمحض حظ نفس الذي قد يكون مذموما أو لا يكون ~~محمودا والله تعالى لا يفعل إلا ما # PageV01P091 # يحمد عليه فله الحمد على كل الحال. # والواحد منا إذا عفى عمن أساء إليه كان أفضل له وأعظم لأجره ومنزلته عند ~~الله والله تعالى لا يفعل شيئا يكون تركه أكمل له في حقه بل كل ما يفعله ~~فهو الأكمل الذي لا أكمل منه فإن كماله من لوازم ذاته وهو غير مفتقر في ذلك ~~إلى غيره لامتناع افتقاره إلى غيره بوجه من الوجوه وإذا كان كماله من لوازم ~~ذاته وهو لا يقف على غيره كان كماله واجب الحصول ممتنع القدم. # وهو سبحانه المستحق لغاية المدح وكمال الثناء وأفضل العباد لا يحصي ثناء ~~عليه بل هو كما أثنى على نفسه وقد بسط الكلام على هذه المقامات الشريفة ~~التي هي من محارات ms044 العقول في غير هذا الموضع. # وقد قال طائفة كأبي حامد وغيره ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه ~~لو كان ممكنا ولم يفعل لكان بخلا يناقض الجود أو عجزا يناقض القدرة وأنكر ~~ذلك آخرون ونسبوه في ذلك إلى الفلسفة وقالوا إذا كان أهل السنة ينكرون على ~~القدرية الذين يقولون إن إصلاح العباد ليس ممكنا فكيف بهذا؟ # وقال آخرون فصل الخطاب أنه إن أريد بذلك أن الله لا يقدر على # PageV01P092 # غير ما فعل أو أن ذلك ممتنع لذاته فهذا خطأ وهو يشبه قول الدهرية ~~القائلين بالموجب بالذات. # وإن قيل إنه على كل شيء قدير ولو شاء لفعل غير ما فعل ولو شاء أن يؤتي كل ~~نفس هداها لفعل لكن فعل ما فعل لحكمة والمشروط بغيره يمتنع وجوده بدون شرطه ~~فليس ممتنعا لنفسه وإنما امتنع لغيره ومن فعل مراده ولوازم مراده لم يكن ~~يترك ما ينافي مراده عاجزا إذ الجمع بين النقيضين ممتنع لذاته وإنما العاجز ~~من إذا أراد شيئا لم يمكنه فعله والممتنع لذاته ليس شيئا باتفاق العقلاء ~~فهذا قول أكثر المسلمين. # وأما من لا يقول بحكمة ولا تعليل ولا جود عنده ولا رحمة إلا وجود المراد ~~فهو لا يقول بهذا إذ هو يقول يجوز تخصيص أحد المتماثلين دون الآخر لا لمخصص ~~بل لمحض الإرادة فلا يتصور عنده بخل فهؤلاء يطعنون في كلام أبي حامد بناء ~~على هذا الأصل وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه ~~على ما يناسب هذا الكلام. # الوجه الرابع قوله كيف وقد أمرتنا أن نحسن إلى من أساء إلينا فأنت أولى ~~بذلك منا. # فهذا أيضا منكر ليس كل ما أمر الله به العباد يجوز أن يطلب منه فضلا عن ~~أن يقال أنت أولى منا بفعل ما أمرتنا به أو أنت أولى بفعل # PageV01P093 # نظيره فإن الله أمر بالركوع والسجود والصيام والطواف بالبيت وبين الصفا ~~والمروة ونحو ذلك من الأفعال ولا يقال أنت أولى بذلك منا والله أمرنا أن ~~ندعوه تضرعا وخفية وليس هو أولى ms045 بذلك منا ونظائر هذا كثيرة. # ولكن الدعاء المشروع في مثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة قولي ~~اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا فيطلب منه ما يحبه. # وبعض العامة يقول في دعائه اللهم إنك أمرتنا أن نعتق عبيدنا ونحن عبيدك ~~فأعتقنا وأمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا وأمرتنا أن ~~نحسن إلى من أساء إلينا وقد أسأنا إلى أنفسنا فأحسن إلينا وهذا الدعاء ليس ~~من الأدعية الشرعية النبوية التي يحتج بها. # وفيه جهل من وجه آخر وهو قول القائل وقد ظلمنا أنفسنا وأسأنا إلى أنفسنا ~~فإن هذا لا يشبه عفو العافي عمن ظلمه وإحسانه إلى من أساء إليه فليس هو ~~مثلا مطابقا لو كان التمثيل في ذلك حقا. # PageV01P094 # وبالجملة ف ### | فعل الرب لا يقاس بأفعال العباد # بل من أعظم الأصول التي أنكرها أهل السنة على المعتزلة ونحوهم من القدرية ~~قياس أفعال الرب على أفعال العباد وبالعكس وقالوا هم مشبهة الأفعال فإنهم ~~يجعلون الحسن من العبد والقبيح منه حسنا من الرب وقبيحا منه وليس الأمر ~~كذلك فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله. # والله تعالى يحب من العباد أمورا اتصف بها كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن الله وتر يحب الوتر وقال إنه جميل يحب الجمال وأنه نظيف يحب ~~النظافة وأنه طيب لا يقبل إلا طيبا ونحو ذلك وقال الراحمون يرحمهم الرحمن ~~فهو يحب اتصاف العبد بهذه # PageV01P095 # الصفات وتعبده بهذه المعاني المحبوبة. # وهذا قد طرده بعض الناس كأبي حامد الغزالي وغيره وجعلوا العبد يتصف ~~بالجبار والمتكبر على وجه فسروه وجعلوا ذلك تخلقا بأخلاق الله ورووا حديثا ~~تخلقوا بأخلاق الله وأنكر ذلك عليهم آخرون كأبي عبد الله المازري وغيره ~~وقالوا ليس للرب خلق يتخلق به العبد وقالوا هذه فلسفة كسيت عباءة الإسلام ~~وهو معنى قول الفلاسفة الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة. # وبالجملة فالاتصاف والتخلق والتعبد بما أحب الله من العباد الاتصاف به ~~وهو من صفاته كالعلم والرحمة والإحسان ms046 والجمال الشرعي ونحو ذلك هو حق كما ~~دل عليه الكتاب والسنة بخلاف الكبرياء ونحوه فإنه قد ثبت في الصحيح أن الله ~~يقول العظمة # PageV01P096 # إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدة منها عذبته. # وصفات الله نوعان نوع يختص به كالإلهية فليس لأحد أن يتصف بذلك فإنه لا ~~إله إلا الله ونوع يتصف عباده منه بما وهبه لهم كالعلم والرحمة والحكمة ~~فهذا وإن اتصف به العبد فالله تعالى لا كفوا له سبحانه فهو منزه عن النقائص ~~مطلقا ومنزه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات كماله بل هو موصوف بصفات ~~الكمال على وجه التفصيل وهو منزه فيها عن التمثيل. # وأما صفات النقص فهي منتفية عنه مطلقا وهو موصوف بالكمال الذي لا غاية ~~فوقه منزه فيه عن التمثيل إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل نثبت له ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى وننفي عنه مماثلة المخلوقات في شيء منها. # وأما الصفات والأفعال التي تختص العبد كالذل والخوف والرجاء والتضرع ~~والافتقار والسؤال ونحو ذلك فهذه وإن أمر الله بها العبد فهو سبحانه منزه ~~عنها لا تطلب منه وإذا كان ما أمر فإنه قد يحسن منه وقد لا يحسن لم يجز أن ~~يقال أنت قد أمرتنا بذلك فأنت أحق به منا هذا إذا كان المطلوب مما يسوغ ~~طلبه منه كالإحسان والعفو والمغفرة. # فأما إذا كان منزها عنه كالإحسان إلى من أساء إليه فهذا خطأ لوجهين لأنه ~~لا يقال إن العبد يحسن إلى الله ويسيء إليه ولأنه لا يقال أفعل كذا لأنك ~~أمرتنا به وأنت أحق أن تفعل ما أمرتنا بفعله بل هذا يقوله الأكفاء بعضهم مع ~~بعض كالإنسان الذي يأمر الناس بطاعة # PageV01P097 # الله ورسوله فهو أحق منهم بفعل ما أمر كما قال تعالى أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) [البقرة 44] ومن قال ~~مثل هذا في حق الله فهو جاهل إن لم يعرف حقيقة ما قال وإن عرف حقيقته وأصر ~~على ذلك فهو كافر. # ولا ريب أن كثيرا من أهل العبادة والنسك والتأله ms047 يناجي الله ويدعوه بأمور ~~منكرة كما قد يعبده بعبادات مبتدعة ويكون قصده الخير واتباع السنة لكن يغلط ~~لجهله فهذا قد يغفر الله له ويرحمه بحسن قصده ولكن يجب النهي عما أخطأ فيه ~~ويبين له الصواب فإن أصر على استصواب مخالفة الرسل قتل. # ومن ذلك قوله واقرب مني بقدرتك قربا تمحق به كل حجاب محقته عن إبراهيم ~~خليلك فلم يحتج لجبريل رسولك ولا لسؤاله منك وحجبته بذلك عن نار عدوك وكيف ~~لا تحجب عن مضرة الأعداء من غنيته عن منفعة الأحباب. # فأما قوله فلم يحتج لجبريل رسولك فكلام صحيح فإن إبراهيم قال حسبي الله ~~ونعم الوكيل ولم يلتفت قلبه إلى غير الله لا جبريل # PageV01P098 # ولا غيره. # وأما قوله ولا لسؤاله منك فهذا كلام لم ينقله ثقة عن إبراهيم وهو مخالف ~~لما حكاه الله عن إبراهيم من سؤاله ودعائه بل قوله حسبي الله ونعم الوكيل ~~هو دعاء في حقيقة الأمر وقد تقدم التنبيه على نظير هذا لما ذكر في الحزب ~~سؤال الله أن يغنيه عن سؤاله وذكرنا أن سؤال الله تارة واجبا وتارة مستحبا ~~والواجبات لا بد منها والمستحبات لا يطلب من الله الغنى عنها فإن ذلك طلب ~~من الله لنقص الدرجة وخفض المرتبة مثل أن يقول اللهم لا تجعلني أفعل نافلة ~~ولا أتقرب إليك بتطوع ونحو ذلك والله يحب من عبده التقرب إليه بالنوافل بعد ~~الفرائض كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ~~الحديث. # وفي الأحزاب أمور أخرى ... ومتى خرج الإنسان عن الأحزاب النبوية والأذكار ~~والدعوات الشرعية كان كالسالك بنيات الطريق ... فقد الضلال من حيث لا يدري ~~وقد يتداركه الله # PageV01P099 # برحمته. # وفي الصحيحين عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله علمني ~~دعاء أدعو به في صلاتي فقال قل اللهم إني ظلمت نفسي ms048 ظلما كثيرا ولا يغفر ~~الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. # فهذا أفضل الخلق بعد الأنبياء لم يدع في صلاته بدعاء حتى سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يعلمه ذلك وعلمه دعاء مضمونه طلب المغفرة والرحمة من ~~الله وهؤلاء تجد أحدهم يخترع أنواعا من الأدعية تتضمن طلب نوع من الإلهية ~~أو ما هو من خصائص النبوة فأين هذا من هذا؟! # وهذا ك ### | قوله وقد وسعت كل شيء من جهالتي بعلمك # فسع ذلك برحمتك كما وسعته بعلمك. # فإن هذا كلام من يعتقد أن الله لم يسع كل شيء رحمة لكن قد يسعه وقد لا ~~يسعه والله أخبر أنه وسع كل شيء رحمة وعلما فكلاهما واقع بسعة علمه بكل شيء ~~وسعة رحمته كل شيء وهذا له بسط ليس هذا موضعه. # فكذلك قوله وقدسنا عن كل وصف يوجب نقصا مما استأثرت به. # وكذلك قوله نسألك الفقر مما سواك والغنى بك حتى لا نشهد إلا # PageV01P100 # إياك. # فإن هذه ألفاظ مجملة قد يراد بها معنى فاسدا كما قد يراد بها معنى صحيحا ~~واللفظ الحسن أن يقال نسألك الغنى عما سواك والفقر إليك. # وقوله حتى لا نشهد إلا إياك إذا أريد حتى لا نشهد معطيا وربا وإلها إلا ~~إياك كان حسنا وإذا أريد به حتى لا نشهد إلا إياك فنغيب بك عن شهود ~~المخلوقات فهذا فناء ناقص وهو من عوارض الطريق ليس بواجب ولا مستحب ولكن قد ~~يعرض لبعض السالكين لضعفه فيعذر فيه ولا يحمد عليه. # وقد يعنى به لا نشهد موجودا إلا إياك وهذا مشهد أهل الإلحاد القائلين ~~بالوحدة والحلول والاتحاد. # وقد تكلمنا على أقسام الفناء في اصطلاح السالكين وبينا أنه يراد به ثلاثة ~~معان أحدها محمود والثاني منقوص والثالث إلحاد. # فالأول أن يفنى بعبادته عن عبادة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه ~~وبمحبته عن محبة ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه ~~وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه وهذه حقيقة ms049 التوحيد الذي أرسل الله به ~~الرسل وأنزل به الكتب وهذا حال الأنبياء وأتباعهم والفناء عن عبادة السوى ~~يقارنه البقاء بعبادته تعالى فهذا # PageV01P101 # الفناء يقارنه البقاء وهو حقيقة قول لا إله إلا الله. # وأما النوع الثاني وهو الفناء عن شهود السوى ويسمى الاصطلام ومنه الفناء ~~في توحيد الربوبية وهو أن يغيب بمشهوده عن شهوده وبمعبوده عن عبادته ~~وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته فيفنى بالمعروف عن المعرفة والعارف. # وهذه الحال ليست واجبة ولا مستحبة وليست حال الأنبياء ولا السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار ولا أكابر المشايخ الصالحين ولكن هو حال ~~يعرض لطائفة من السالكين كما يذكر عن أبي يزيد رحمه الله وعن غيره أنه قال ~~في هذا المشهد سبحاني أو ما في الجبة إلا الله ونحو ذلك. # ويحكون أن شخصا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في # PageV01P102 # اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال أنا وقعت فما أوقعك فقال غبت بك عني ~~فظننت أنك أني. # وهذه الحال إذا زال معها عقل الإنسان الذي هو مناط التكليف بسبب غير محرم ~~كان معذورا وإن كان بسبب محرم فقال مثل ذلك فهو مذموم على ذلك. # وهل يكفر إذا زال بما تشتهيه النفس كالخمر فيه نزاع معروف عند العلماء ~~وأما بما لا تشتهيه الطباع كالبنج فقيل هو كالسكران بالخمر وقيل كالمجنون. # ومن زال عقله بالسماع ونحوه فهو على هذا التفصيل وأما في حال العقل فمن ~~قال هذا كان كافرا يجب قتله إن لم يتب. # وكثير من السالكين تعرض له هذه الحال في بعض الأوقات فإذا حضرت فريضة قام ~~إليها ومنهم من يحفظ عن المعاصي وهذا لصدقهم في حال حضور العقل حفظوا في ~~حال غيبة العقل لكن بكل حال ليس العبد مأمورا بالمقام في هذه الحال وهي ~~تحمد من جهة انجذاب القلب إلى ربه ومن جهة توجهه إليه وتألهه إياه ويسميها ~~بعض الناس الجمع الأول. # وطائفة من الناس جعلوا هذا المقام هو غاية السالكين وأحسن منازل السائرين ~~إلى الله وقالوا إن العبد حينئذ لا يستحسن حسنة ولا ms050 يستقبح سيئة وهذا هو ~~الغاية في كلام صاحب منازل السائرين # PageV01P103 # الملقب بشيخ الإسلام من الإشارة إلى علو هذا المقام ما أنكره عليه حذاق ~~العارفين ولهذا يعلل هؤلاء المحبة والتوكل وغيرهما ويجعلون ذلك من مقامات ~~العامة ويجعلون مقام الخاصة مشاهدة الربوبية العامة والقيومية الشاملة ولا ~~يصلون إلى الفرق الثاني وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأنه المعبود ~~دون ما سواه وأن إلهيته بأن نعبده وعبادته بأن نطيعه وطاعته بأن نطيع ~~رسوله. # وهذا المقام مما حققه الجنيد رضي الله عنه وأمثاله من أئمة أهل الطريق ~~الذين يقتدى بهم الذين يلاحظون الأمر والنهي كالشيخ عبد القادر ونحوه من ~~المتأخرين وهؤلاء هم الذين قالوا قدمنا هذا أي طريقنا هذه على رقبة كل ولي ~~لله أي على كل ولي لله أن يتبع الأمر والنهي الإلهي النبوي الشرعي المحمدي ~~ويحكم على نفسه الكتاب والسنة ولا يخرج عن ذلك لا لذوق يخالفه أو وجد أو ~~حال أو مشهد أو غير ذلك بل يزن أذواقه ومواجيده وأحواله وحقائقه بالكتاب ~~والسنة. # PageV01P104 # والذين نازعوا الجنيد في هذا كأبي الحسين النوري وأمثاله من المتصوفة حصل ~~لهم من الاضطراب ما أوجب أمورا مع أن النوري رحمه الله كان أصح من غيره ~~وأعلى. # ولكن جاء قوم آخرون انحطوا عن هذه الدرجة فصاروا يشهدون الحقيقة الكونية ~~القدرية ويرونها هي الغاية وأن صاحبها لا يحتاج إلى الحقيقة الإلهية ~~النبوية الشرعية بل يتصرف بما يجده ويذوقه والوجد والذوق إن لم يكن موافقا ~~للأمر كان من اتباع الهوى ولهذا تجد كل من يحتج بالحقيقة إنما هو متبع ~~لهواه لا مطيع لمولاه لا يحتج بعلم إذ لو كان عنده علم لقال به قال الله ~~تعالى سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه ~~لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) [الأنعام 148] . # ومن هؤلاء من يقول إنما رجع إلى الأمر والنهي لأجل العامة أو لئلا ms051 يخرب ~~المارستان إشارة إلى أن الأمر والنهي حينئذ سلكه # PageV01P105 # العارف لمصلحة العامة لا لحاجته إليه وهذا من الجهل بالفرق بين توحيد ~~الإلهية وبين توحيد الربوبية وبين الأمر الديني الشرعي النبوي الإلهي ~~والأمر الكوني القدري وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع. # وأصحاب هذا المشهد قد ينتقل أحدهم من هذا إلى الوحدة ولهذا يقولون السالك ~~يشهد أولا طاعة ومعصية ثم يشهد طاعة بلا معصية ثم لا يشهد لا طاعة ولا ~~معصية. # وقد يقول بعضهم يكون أولا فقيرا ثم يصير نبيا ثم يصير إلها وحينئذ يدخلون ~~إلى النوع الثالث من الفناء وهو فناء الملحدين الذين يقولون الوجود واحد ~~كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والقونوي والتلمساني وأمثالهم ممن يجعل ~~الوجود الخالق هو الوجود المخلوق وربما جعلوه حالا فيه ومذهبهم دائر بين ~~الاتحاد والحلول ولكن قد لا يرضون لفظ الاتحاد بل يقولون الوحدة لأن ~~الاتحاد يكون بين شيئين وهم يقولون الوجود واحد لا تعدد فيه ولم يفرقوا بين ~~الواحد بالعين والواحد بالنوع فإن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود كما أن ~~الذوات مشتركة في مسمى الذات ولكن ليس وجود هذا وجود هذا كما أنه ليس ذات ~~هذا هي ذات هذا والقدر المشترك هو كلي # PageV01P106 # مطلق والكلي المطلق لا يوجد كليا مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان بل ~~كل موجود من المخلوقات له ما يختص به لا يشاركه فيه غيره في الخارج فهذا ~~الإنسان المعين لا يشاركه هذا الإنسان المعين فيما يختص به من إنسانيته ~~الخاصة وحيوانيته الخاصة ووجوده الخاص ولكن هو وغيره يشتركان في مطلق ~~الحيوانية والإنسانية والوجود ونحو ذلك. # وهذه المشتركات لا تختص واحدا منها ولا توجد في الخارج مشتركة مطلقة بل ~~لا توجد إلا معينة مختصة وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. # فإنه بسبب الاشتباه في هذه الكليات المطلقة ضل طوائف من أهل العلوم ~~النظريات والذوقيات وإذا كان وجود المخلوق المختص به لا يشركه فيه غيره وإن ~~كان يشابهه فيه غيره فالخالق تعالى أبعد عن ms052 أن يشاركه غيره فيما يختص به ~~سبحانه وتعالى. # ولولا أنه قد اشتهر فساد قول هؤلاء للسائلين عن هذه الأحزاب لبسطنا فيه ~~الخطاب وصاحب الحزب إن لم يكن من هؤلاء ففي كلامه ضرب من الفلسفة الفاسدة ~~وضرب من مذهب الحلولية القائلين بالحلول الخاص أو العام وهذا مما ابتلي به ~~طوائف من متأخري الصوفية لا سيما المستمدين من كلام صاحب مشكاة الأنوار # PageV01P107 # والكتب المضنون بها على غير أهلها فإن في كلام هؤلاء قطعة من قول النصارى ~~وفلاسفة النصارى. # كما في قول طائفة من متأخري أهل البدع من متكلمي الفقهاء قطعة من قول ~~اليهود وفلاسفة اليهود كقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون إن ~~الله لا يرى في الآخرة وأن كلام الله مخلوق لم يقم بذاته. # والفلاسفة منهم يقولون هو فيض فاض على النفوس ليس له وجود في الخارج وهو ~~قول الاتحادية ونحوهم من فلاسفة النصارى والمشابهين لهم من مبتدعة الصوفية. # ومن لم يعرف حقيقة الإسلام الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه وما في ~~طرائق الناس مما يوافق ذلك وما يخالفه لم يحصل له الفرقان الإلهي النبوي ~~المحمدي ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. # PageV01P108 # فصل # ومما يشبه كلام هؤلاء قول صاحب الحزب فيما صنفه في آداب الطريق في علم ~~الحقيقة قال في آخره: # الطريق طريقان طريق خاصة وطريق عامة وأعني بالخاصة المحبوبين الذين هم ~~أبدال الأنبياء. # فأما طريق الخاصة فهو طريق علوي تضمحل العقول في أقل القليل من شرحها ~~ولكن عليك بمعرفة طريق العامة وهو طريق الترقي من منزل إلى منزل إلى أن ~~ينتهي إلى منزل هو مقعد صدق عند مليك مقتدر. # فأول منزل يطؤه المحب للترقي منه إلى العلي هو النفس فيشتغل بسياستها ~~ورياضتها إلى أن ينتهي إلى معرفتها فإذا عرفها وتحقق بها فهنالك تشرق عليه ~~أنوار الثاني وهو القلب فيشتغل بسياسته ومعرفته فإذا صح له ذلك ولم يبق ~~عليه منه شيء رقي إلى المنزل الثالث وهو PageV01P109 # الروح. # فإذا تمت له المعرفة به هبت عليه أنوار ms053 اليقين شيئا فشيئا حتى إذا آنست ~~بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه [بروزا] لا يعقل فيه شيئا مما ~~تقدم له من أمر المنازل الثلاثة فهناك يهيم ما شاء الله ثم يمده الله بنور ~~العقل الأصلي في أنوار اليقين فيشهد موجودا لا حد له ولا غاية بالإضافة إلى ~~هذا العبد وتضمحل جميع الكائنات فيه فتارة يشهدها فيه كما يشهد الينابيب في ~~الهواء بواسطة الشمس فإذا انحرف نور الشمس عن الكوة فلا يشهد للينابيب أثرا ~~فالشمس التي يبصر بها هو العقل الضروري بعد المادة بنور اليقين. # فإذا اضمحل هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود فتارة يفنى ~~وتارة يبقى حتى إذا أريد له الكمال نودي منه نداء خفيا لا صوت له فيمد ~~بالفهم عنهم إلا أن الذي تشهده غير الله ليس من الله PageV01P110 # في شيء فهناك ينتبه من سكرته فيقول أي رب أغثني فإني هالك فيعلم يقينا أن ~~هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله. # فحينئذ يقال له إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أول ما خلق الله العقل وفي خبر آخر قال له أقبل فأقبل الحديث ~~فأعطي هذا العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود إذ لا يقدر على حده ~~وغايته فعجز عن معرفته. # فقيل له هيهات لا تعرفه بغيره فأمده الله عز وجل بنور أسمائه فقطع ذلك ~~كلمح البصر أو كما شاء الله نرفع درجات من نشاء فأمده الله بنور الروح ~~الرباني فعرف به هذا الموجود فرقي إلى ميدان الروح الرباني فذهب جميع ما ~~تحلى به هذا العبد تخلى عنه بالضرورة وبقي كلا شيء موجود ثم أحياه الله ~~بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني. # فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد يقول هو الله فلحقته العناية PageV01P111 # الأزلية فنادته ألا إن هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحد أن يصفه ولا أن ~~يعبر عن شيء من صفاته لغير أهله لكن بنور غيره يعرفه فأمده الله بنور سر ~~الروح فإذا ms054 هو قاعد على باب ميدان السر فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور ~~السر فرفع همته ليعرف هذا السر فعمي عن إدراكه فتلاشت جميع أوصافه كأنه ليس ~~بشيء ثم أمده الله بنور ذاته فأحياه به حياة باقية لا غاية لها فنظر جميع ~~المعلومات بنور هذه الحياة فصار أصل الموجودات نوره شائع في كل شيء لا يشهد ~~غيره. # فنودي من قريب لا تغتر بالله فإن المحجوب من حجب بالله إذ محال أن يحجب ~~غيره فحي بحياة استودعها الله فيه فقال أي رب بك منك إليك أقل عثرتي فإني ~~أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك. PageV01P112 # فهذه سبيل الترقي إلى حضرة العلي الأعلى وهي طريق المحبين أبدال الأنبياء ~~والذي يعطى أحدهم من بعد هذا لا يقدر أحد أن يصف منه ذرة. # قال وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه إذ محال أن يتوصل إليه ~~بغيره. # فأول قدم لهم بلا قدم أن ألقى إليهم من نور ذاته فغيبهم بين عباده وحبب ~~إليهم الخلوات وصغر الأعمال الصالحات وعظم عندهم رب الأرض والسموات فبينا ~~هم كذلك إذ ألبسهم ثوب العدم فنظروا فإذا هم بلا هم. # ثم أردف عليهم ظلمة غيبتهم عن نظرهم بل صار عدما لا علة له فانطمست جميع ~~العلل وزال كل حادث فلا حادث ولا وجود بل ليس إلا العدم الذي لا علة له وما ~~لا علة له فلا معرفة تتعلق به. # اضمحلت المعلومات وزالت المرسومات زوالا لا علة فيه PageV01P113 # وبقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ذات فاضمحلت النعوت والأسماء ~~والصفات فلا اسم ولا صفة ولا ذات فهناك ظهر من لم يزل ظهورا لا علة له بل ~~ظهر بسره لذاته في ذاته ظهورا لا أولية له بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ~~ذاته فحيي هذا العبد بظهوره حياة لا علة لها فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة ~~لها فصار أولا في الظاهر فلا ظاهر قبله فوجدت الأشياء بأوصافه فظهر بنوره ~~في نوره. # فأول ما ظهر سره فظهر به قلمه ms055 ثم ظهر أمره في سره وظهر بأمره الدواة في ~~نور العلم بنور القلم ثم ظهر عقله بأمره في أمره وظهر به عرشه في نور لوحه ~~بنور وجهه ثم ظهر روحه بعقله في عقله فظهر بروحه كرسيه في نور عرشه ثم ظهر ~~قلبه بروحه في روحه فظهر بقلبه حجبه في نور كرسيه بنور كرسيه ثم ظهرت نفسه ~~بقلبه في قلبه وظهر بنفسه فلك للخير والشر في نور حجبه بنور حجبه ثم ظهر ~~جسمه بنفسه في نفسه وظهر بجسمه أجسام العالم كلها PageV01P114 # الكثيف من أرض وسماء وعلى الجملة كل كثيف في نور الفلك. # * * * # فيقال هذا الكلام وإن كان في بعضه أمور صحيحة موافقة للكتاب والسنة ففيه ~~أمور منكرة باطلة مخالفة لدين المسلمين فمنها ما هو مبني على أقوال ~~الفلاسفة الباطنية ومنها ما هو من مذهب الحلولية ومنها غير ذلك. # فأما تقسيمه الطريق إلى طريق خاصة وعامة وجعله الأول طريق المحبين ~~والثاني طريق المحبوبين فيقال كل ولي لله فهو محب لله وهو محبوب لله وحب ~~العبد لربه وحب الرب لعبده متلازمان فإن الله لا يحب إلا من يحبه ومن أحب ~~الله فإن الله يحبه. # ولكن الناس هنا يتكلمون في المجذوب والمربي ومع هذا فقد يكون بعض ~~المجذوبين أعلى وقد يكون بعض المربين أعلى مع أنه لا بد لكل سالك من متابعة ~~الرسول وهذا هو أصل التربية. # ولا بد أن يجتبيه الحق إليه وهو الجذب لكن قد يكون ابتداء السلوك قصد ~~العبد وعمله وعبادته ومجاهدة هواه وقد يمن عليه ابتداء باجتبائه إليه ~~وإنابته إلى مولاه وإعراضه عما سواه وقد قال تعالى الله يجتبي إليه من يشاء ~~ويهدي إليه من ينيب [الشورى 13] PageV01P115 # وقد قال بعض الشيوخ إن هذه الآية فيها ذكر المجذوب والمربي وبسط هذا له ~~موضع آخر. # وفي المشايخ من يقسم السالكين إلى مريد ومراد ومعلوم أن الذين قال الله ~~فيهم ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [الأنعام 52] ~~ما أرادوا وجهه حتى أراد ذلك منهم على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر ms056 ~~وجمهور الصوفية على مذهب أهل السنة في ذلك حتى إن كثيرا منهم يغالي في ذلك ~~ويسقط الأمر والنهي في بعض المشاهد والأحوال وكذلك من أراده الله واجتباه ~~وأحبه واصطفاه فلا بد أن يجعله مريدا له لكن الذين فرقوا بينهما لهم كلام ~~ليس هذا موضع بسطه. # وإنما المقصود هنا أن نقول انقسام أولياء الله إلى عام وخاص تقسيم صحيح ~~لكن الخواص هم السابقون المقربون والعامة هم الأبرار أصحاب اليمين قال ~~تعالى فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله [فاطر ~~32] وقال تعالى وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ~~(8) وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة (9) والسابقون السابقون (10) أولئك ~~المقربون (11) [الواقعة 7-11] وقال تعالى فأما إن كان من المقربين (88) ~~فروح وريحان وجنت نعيم (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من ~~أصحاب اليمين (91) [الواقعة 88-91] # PageV01P116 # وقال إن الأبرار لفي نعيم (22) -إلى قوله تعالى- ومزاجه من تسنيم (27) ~~عينا يشرب بها المقربون (28) [المطففين 22-28] . # قال ابن عباس يشرب بها المقربون صرفا ويمزج لأصحاب اليمين مزجا وقال ~~تعالى إن الأبرار يشربون من كأس [الإنسان 5] الآية. # فهذه خمسة مواضع من كتاب الله يذكر فيها انقسام أهل الجنة إلى أبرار ~~أصحاب يمين ومقربين سابقين. # وفي صحيح البخاري الحديث الإلهي المشهور يقول الله من عادى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة وقد تقدم فقد قسم الأولياء إلى من تقرب بالفرائض ومن لا ~~يزال يتقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض ولهذا قال من قال إن الأولين هم ~~الأبرار وإن الآخرين هم المقربون. # وهكذا ### | الأنبياء نوعان نبي ملك وعبد رسول # ولهذا لما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا ~~رسولا فاختار أن يكون عبدا # PageV01P117 # رسولا. # فالعبد الرسول الذي لا يفعل إلا ما أحبه ربه من واجب ومندوب فلا يعطي إلا ~~من أمر بإعطائه ولا يمنع إلا من أمر بمنعه كما في صحيح البخاري إني والله ~~لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت فإنه لم يرد بذلك ~~العطاء والمنع الذي ms057 يحصل بمجرد المشيئة والقدر فإن جميع المخلوقات لا يعطون ~~ولا يمنعون إلا بمشيئة الله وقدره فلا فضيلة في هذا للمؤمن على الكافر فكيف ~~بالأنبياء بل المراد العطاء والمنع الشرعي أي لا أعطي إلا من أمرت بإعطائه ~~ولا أمنع إلا من أمرت بمنعه وهذه صفة العبد الرسول. # بخلاف النبي الملك فإن الله قال لسليمان هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير ~~حساب (39) [ص 39] قال المفسرون اعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك فهذا ~~إذن له أن يعطي ويمنع بحكم إرادته كما يؤذن للمالك أن يعطي ويمنع لمن يريد ~~إذا لم يكن في ذلك فعل محرم لكن الأول أعلى درجة فإن إعطاءه ومنعه عبادة ~~يتقرب بها إلى الله وهذا عطاؤه ومنعه مباح له يتنعم به ولا يعاقب عليه وما ~~يحصل به ثواب أعظم مما لا يحصل به عقاب. # PageV01P118 # فهكذا الأولياء منهم من يكون على الطريقة الأولى فتكون المباحات في حق ~~غيره عبادات له يتقرب بها إلى الله لا يفعلها إلا بأمره ومنهم من يفعل ~~المباحات متنعما بها غير آثم بها ولا معاقب عليها فهذا تقسيم صحيح معروف ~~بالقلوب معلوم بالكتاب والسنة. # وأما قول القائل عليك بمعرفة طريق العامة وهو طريق الترقي من منزل إلى ~~منزل وأن طريق الخاصة منه إليه فهذا يشير إلى الحلول والاتحاد كما سنبينه ~~إن شاء الله وما ثم طريق لخاصة ولا عامة إلا وفيها ترق من منزل إلى منزل ~~كما قال أعلم الخلق بالله وبطريق الله فيما يروي عن الله ما تقرب إلي عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ~~والتقرب هو الترقي فما في أولياء الله إلا مترق متقرب إليه إما بالفرائض ~~وإما بالنوافل بعد الفرائض ومن لم يتقرب إليه لا بفريضة ولا نافلة فليس من ~~أولياء الله بل من أعدائه فضلا عن أن يكون من خواص الأولياء! # وأما قوله فأول منزل يطؤه المحب للترقي منه إلى العلي فهو النفس فالكلام ~~هنا في نوعين: # أحدهما أن يقال كثير من ms058 المصنفين والمتكلمين في منازل السائرين إلى الله ~~ومنهاج القاصدين إليه وطريق السالكين إليه يذكر كل منهم عدد المنازل ~~وترتيبها بحسب سيره هو أو ما علمه هو من # PageV01P119 # أحوال السالكين ولا يكون ذلك صفة كل سالك بل كثير من السالكين لهم طرق ~~أخرى وترتيب آخر وعدد آخر وكثير منهم لا يكون سلوكهم بترتيب معين وعدد معين ~~ولهذا تجد شيخ الإسلام الأنصاري في منازل السائرين يصف ترتيبا وعددا وتجد ~~أبا بكر الطرطوشي يصف في كتابه ترتيبا آخر وتجد أبا طالب المكي يذكر نوعا ~~ثالثا وتجد غيرهم يذكر أمرا آخر. # وهذا كما أن أهل النظر والاستدلال من السالكين طريق العلم تجد لكل منهم ~~من ترتيب المقدمات العلمية التي يستدل بها طريقا غير طريق الآخر. # ثم كل من هؤلاء وهؤلاء أصحاب المقدمات المرتبة علما وعملا في كلامهم ما ~~هو صواب وما هو خطأ فما وافق الكتاب والسنة من ذلك كله فهو صواب وما خالف ~~ذلك فهو خطأ وهذا موضع اشتبه على كثير من # PageV01P120 # أهل العلم والعبادة ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ولهذا أمر ~~الله المسلم أن يقول في كل صلاة اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) [الفاتحة 6-7] والكلام على ~~هذا مبسوط في غير هذا الموضع. # النوع الثاني أن ### | لفظ النفس # والروح والقلب والفؤاد ونحو ذلك مما يتنازع الناس في معناها إما لاختلاف ~~اصطلاحاتهم وإما لاختلافهم في المعنى. # فلفظ النفس يراد به تارة ذات الشيء وعينه ويراد به الدم السائل كقول ~~الفقهاء ليست له نفس سائلة وقول الشاعر: # تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل # ويراد به الروح التي في الإنسان كقوله يا أيتها النفس المطمئنة (27) ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) [الفجر 27-28] ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما نام عام خيبر إن الله قبض أنفسنا حيث شاء وفي الحديث قاله ~~بلال أخذ نفسي الذي أخذ بنفسك ومنه قوله في الحديث # PageV01P121 # اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد ms059 الطيب. # ويراد بها أيضا بعض صفاتها المذمومة كالهوى المردي فيقال فلان له نفس كما ~~يقال فلان له لسان وفلان له قلب أي لسان خاص وهو القادر على الكلام وقلب ~~خاص وهو الذي له حال من معرفة ووجد وصدق ونحو ذلك فكثير من أهل السلوك ~~يريدون بلفظ النفس النفس الخاصة المذمومة وقد يقسمون لفظ النفس إلى ثلاثة ~~أمارة ولوامة ومطمئنة. # وأما ### | لفظ الروح # فقد يراد به الروح التي في الإنسان وهي النفس التي تقبض وقت الموت ولفظ ~~الروح والنفس بهذا الاعتبار اسمان لذات واحدة لكن باعتبار صفات متنوعة ~~فتسمى روحا باعتبار ونفسا باعتبار وإن كانت الذات واحدة. # ومن هذا الباب أسماء الرسول وأسماء القرآن بل وأسماء الله # PageV01P122 # الحسنى فإن هذه الأسماء تدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة وهذه ~~الأسماء مترادفة في الذات متباينة في الصفات ويسميها بعض الناس المتكافئة ~~وهي مرتبة بين المترادفة المحضة وبين المتباينة المحضة. # وقد يراد بلفظ الروح البخار الخارج من القلب وهو لغة الأطباء. # وقد يراد بلفظ الروح الهواء الذي يخرج من البدن وطائفة من الناس يظنون أن ~~هذا الهواء هو الروح المنفوخة في الإنسان التي تقبض وقت الموت. # والصواب الذي عليه السلف والأئمة أن تلك الروح ليست هي البدن ولا جزءا من ~~البدن ولا صفة من صفات البدن كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام ولا هي ~~أيضا مجردة عن الصفات الثبوتية والأفعال كما تزعم المتفلسفة الذين يقولون ~~إنها لا تصعد ولا تنزل ولا تتحرك ولا تسكن ولا تدخل ولا تخرج ولا يتميز ~~منها شيء عن شيء. # ويقول طائفة منهم كابن سينا إنها لا تدرك الجزئيات المعينة إلى غير ذلك ~~من أقوال النفاة الذين قالوا فيها نظير قولهم في واجب الوجود فلم يصفوه إلا ~~بالسلوب حتى جعلوا الوجود الواجب الذي هو أحق # PageV01P123 # الموجودات بالكمال الوجودي إنما يوصف بالسلوب التي تجعله في حيز ~~الممتنعات التي تقدر في الأذهان ويمتنع وجوده في الأعيان كقولهم إنه الوجود ~~المطلق بشرط الإطلاق المقيد بالنفي عن كل الإثبات مع علمهم ms060 بأن المطلق بشرط ~~الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان وهذا قول أهل الإحاطة وقول ~~طائفة من الباطنية القرامطة وقول ابن سينا وغيره إنه الوجود المقيد بسلب كل ~~حقيقة فجعله مشاركا للموجودات الممكنة في مسمى الوجود وهي تمتاز عنه بأمور ~~وجودية وهو لا يمتاز عنها إلا بأمور عدمية والوجود أكمل من العدم فلازم ~~قوله أن يكون وجود كل ممكن حتى البعوضة أكمل من وجود واجب الوجود. # وأيضا فإن المشتركين في أمر ثبوتي لا يتميز أحدهما عن الآخر لمجرد أمر ~~عدمي ولهذا يقولون إن الفصول والخواص التي تميز بين الأنواع لا تكون عدما ~~محضا بل لا بد أن تتضمن ثبوتا لأن العدم المحض لا يميز أحد المشتركين في ~~الوجود عن صاحبه وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع والمقصود هنا ~~أن تعرف مراد الناس بلفظ النفس والروح. # وكذلك القلب يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجسد مجردة ~~والبهيمة لها قلب بهذا المعنى. # ويراد به هذه المضغة مقيدة بالروح ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا ~~إن في # PageV01P124 # الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ~~ألا وهي القلب. # كما في الحديث الآخر إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان أي ~~تخضع له وتذل تقول له اتق الله فينا فإنك إذا استقمت استقمنا وإن اعوججت ~~اعوججنا. # وفي حديث آخر لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه [ولا يستقيم قلبه] حتى ~~يستقيم لسانه. # فاستقامة القلب واللسان تتضمن استقامة الروح والبدن جميعا فإن البدن ~~مقترن بالروح فلا يحصل للبدن عمل اختياري إلا بمشاركة الروح ولهذا ضرب لهما ~~المثل في الحديث المأثور عن ابن عباس # PageV01P125 # رواه ابن منده في كتاب الروح والنفس قال لا تزال الخصومة بين الناس حتى ~~يختصم الروح والبدن فيقول الروح للبدن أنت أكلت وشربت ونكحت فيقول البدن ~~أنت أمرت فيبعث ملك يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل أعمى ومقعد دخلا بستانا ~~فقال المقعد للأعمى إني أرى ثمرا لكن ms061 لا أطيق قطافه فقال الأعمى لكني أقدر ~~أن أقطفه إلا أني لا أراه فقال له المقعد تعال فاحملني حتى أعلمك به فحمله ~~فجعل المقعد يقول للأعمى خذ هذا اقطف هذا فقطفه فعلى من العقوبة فقال ~~عليهما جميعا فقال كذلك الروح والبدن. # PageV01P126 # إذا تبين ما أشرنا إليه من ترتيب السلوك ومن معنى النفس والروح فقول ~~القائل أول منزل يطؤه المحب للترقي منه إلى العلي فهو النفس فيشتغل ~~بسياستها إلى أن يعرفها فهناك يشرق عليه نور القلب فيشتغل بسياسته ومعرفته ~~فإذا صح له ذلك رقي إلى المنزل الثالث وهو الروح. # يقال له إن أراد بالنفس والقلب والروح هنا ذات لها صفات متعددة فهذا ~~صحيح. # فأما تقديم مسمى النفس على القلب ومسمى القلب على الروح فهذا أمر اصطلاحي ~~ففي كلام الله ورسوله لا أصل لهذا الترتيب بل القلب يوصف بالصلاح تارة ~~وبالفساد أخرى لما في الحديث المتفق على صحته ألا وإن في الجسد مضغة وقد ~~ذكرناه. # وكذلك لفظ النفس تمدح تارة وتذم يا أيتها النفس المطمئنة (27) [الفجر 27] ~~ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) [القيامة 2] وقالت امرأة العزيز وما أبرئ نفسي ~~إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف 53] . # وكذلك لفظ الروح كما في حديث قبض الروح اخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في ~~الجسد الطيب ويقال اخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث وفي ~~الصحيح الأرواح جنود # PageV01P127 # مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. # وأما إن أريد بالنفس والروح ذاتان كل منهما قائمة بنفسها غير الأخرى وراء ~~هذا البدن فهذا غلط. # وهذا الترتيب إذا قيل هو ترتيب صحيح كان هذا مختصا باصطلاح معين ليس هو ~~أمرا علميا ولا هو عاما في حق كل سالك. # وإذا قيل يراد بالنفس ذات الأخلاق الفاسدة ويراد بالقلب ذو الإيمان ~~والإرادات الصالحة ويراد بالروح ذو المعرفة واليقين فهذا أمر اصطلاحي ومع ~~هذا فقد يحصل للإنسان أنواع من المعارف واليقين مع وجود نوع من الهوى ~~والذنوب وقد يحصل له أنواع من الإيمان والأعمال الصالحة مع وجود نوع من ~~الإرادات الفاسدة. # فمذهب الصحابة ms062 والتابعين لهم بإحسان وسلف الأمة وأئمتها أن الشخص الواحد ~~يجتمع فيه ما يحبه الله من الحسنات وما يبغضه من السيئات ويكون مطيعا من ~~وجه عاصيا من وجه برا من وجه فاجرا من وجه مستحقا للثواب من وجه وللعقاب من ~~وجه فيه إيمان من وجه وفيه فسق بل ونفاق من وجه. # وإنما يقول لا يجتمع هذا وهذا الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فإنهم ~~يقولون ما ثم إلا مؤمن مستحق للثواب لا يعاقب بحال أو مخلد في النار لا ~~يخرج منها بشفاعة ولا غيرها ومن فيه فجور فليس معه من الإيمان عندهم شيء. # PageV01P128 # وكانت الخوارج تقول من لم يكن برا قائما بالواجبات تاركا للمحرمات فهو ~~كافر فلما مات الحسن البصري صار طائفة ممن كان يصحبه كعمرو بن عبيد يقولون ~~هو فاسق لا مؤمن ولا كافر وهو مخلد في النار واعتزلوا الجماعة فسموا ~~معتزلة. # وكان قد صحبه طائفة أخرى من النساك منهم عبد الواحد بن زيد واختار طريقة ~~من النسك هو وأتباعه واتخذوا دويرة وهم أول من اعتزل الناس من الصوفية. # ولهم أيضا طريقة بعضها حق وبعضها مذموم لكنهم أقرب من عمرو بن عبيد ~~وأتباعه. # وأما الأئمة من أصحاب الحسن كأيوب السختياني وثابت البناني وعبد الله بن ~~عون وغيرهم فهؤلاء سالمون مما يذم ممن رمي ببدعة من أصحابه. # وكان الحسن جليل القدر في العلم والعمل فكان يسوس الناس في حياته فلما ~~مات صار بعضهم يأخذ ما يوافق هواه من كلامه ويدع ما لا يوافق هواه فصار في ~~بعضهم بدعة وتفرق من هذا الوجه وكان بين # PageV01P129 # هؤلاء وهؤلاء نزاع في أمور وقد ذكر بعض أخبارهم أبو سعيد بن الأعرابي ~~فيما صنفه من أخبار النساك وذكر ذلك معمر بن زياد الأصبهاني وغيرهما من ~~الشيوخ الذين لهم معرفة وتحقيق. # وأما قوله حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه ~~بروزا لا يعقل فيه شيئا مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة فهناك يهيم ما ~~شاء الله. # فهذا كلام من يصف حال بعض الناس ولعله يصف ms063 سلوك نفسه وإلا فمعلوم أن ~~جماهير أولياء الله السالكين لا يهيمون ولا يزول عنهم عقل ما كانوا عليه ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكونوا ~~هائمين في طريقهم ولا مسلوبي عقل في سلوكهم بل كانوا مؤيدين بالعقل واليقين ~~والمعرفة كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيهم كانوا أبر هذه الأمة ~~قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا. # PageV01P130 # وكذلك من بعدهم من المشهورين مثل سعيد بن المسيب والحسن البصري وعامر بن ~~عبد القيس وأويس القرني وأبو مسلم الخولاني ومطرف بن عبد الله بن الشخير ~~ومن بعد هؤلاء ممن جمع الناس أخبارهم في كتب الزهد مثل كتاب الزهد للإمام ~~أحمد وغيره ممن صنف أخبار الزهاد على الأسماء مثل حلية الأولياء لأبي نعيم ~~وصفوة الصفوة لابن الجوزي وكتاب الزهد لعبد الله بن المبارك ممن صنف أخبار ~~الزهد على الأبواب كهناد بن السري وأسد بن موسى وغيرهما. ### | قوله ثم يمده الله بنور العقل الأصلي # في أنوار اليقين فيشهد موجودا لا حد له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد ~~وتضمحل جميع الكائنات فيه فتارة يشهدها فيه كما يشهد الينابيب في الهواء ~~بواسطة الشمس فإذا انحرف نور الشمس عن الكوة لا يشهد للينابيب أثرا فالشمس ~~التي يبصر بها هو العقل الضروري بعد المادة بنور اليقين. # فإذا اضمحل هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود فتارة يفنى ~~وتارة يبقى حتى إذا أريد به الكمال نودي منه نداء خفيا لا صوت له فيمد ~~بالفهم عنهم إلا أن الذي يشهده غير الله ليس من الله في شيء فهناك ينتبه من ~~سكرته فيقول أي رب أغثني فإني هالك فيعلم يقينا أن هذا البحر لا ينجيه منه ~~إلا الله فحينئذ يقال له إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أول ما خلق الله العقل وفي خبر آخر قال له أقبل فأقبل ~~الحديث فأعطي هذا # PageV01P131 # العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود إذ لا يقدر على حده وغايته فعجز ~~عن معرفته ms064 فقيل له هيهات لا تعرفه بغيره فأمده الله جل وعلا بنور أسمائه ~~فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله نرفع درجات من نشاء. # فيقال هذا مبني على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين واليهود ~~والنصارى وقد توجد طائفة من كلامهم في كتب أبي حامد وأمثاله ممن يصنفون ~~ويخلطون ذلك بما هو من أصول الفلاسفة فإن هذا العقل الذي يدعونه ويصفونه ~~مناقض لدين الرسل. # أما العقل الأدنى إلينا الذي يسمونه العقل الفعال ويقولون كل ما تحت فلك ~~القمر من فيضه ويقولون إن الكتب الإلهية إنما نزلت على قلوب الأنبياء منه ~~وأن الكلام الذي حصل لموسى كان منه. # ثم تارة يقولون هو جبريل الذي وما هو على الغيب بضنين (24) [التكوير 24] ~~وتارة يجعلون جبريل ما يتشكل في نفوس الأنبياء من الخيال كالخيال الذي يحصل ~~للنائم. # ولهذا يدعي من يدعي منهم أن الأولياء والفلاسفة أفضل من الأنبياء حتى قال ~~ابن عربي إن الرسل جميعهم إنما يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء ~~وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم فقال ليس هذا ~~العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأولياء إلا من ~~مشكاة الولي الخاتم حتى إن # PageV01P132 # الرسل لا يرونه إلا من مشكاة الولي خاتم الأولياء. # وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل فإن الرسالة ~~والنبوة أعني نبوة التشريع ورسالته منقطعان وأما الولاية فلا تنقطع أبدا ~~فالأنبياء من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأنبياء ~~فكيف بمن دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء تابعا لما جاء به خاتم ~~الأنبياء من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه فإنه ~~من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى. # وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما مثلت له النبوة بالحائط رأى نفسه ~~تنطبع في موضع لبنة وأما خاتم الأولياء فيرى نفسه تنطبع في موضع لبنتين ~~فإنه موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره وما سمعه ms065 فيه من الأحكام كما هو آخذ عن ~~الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه لأنه يرى الأمر على ما هو ~~عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ من ~~المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول. # * * * # وهذا يقوله من يقوله بناء على أصله الفاسد وهو الفلسفة التي أخرجها في ~~قالب التصوف والكشف فإن الملك عندهم هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي ~~وغيره فتلك الخيالات هي ملائكة الله PageV01P133 # عندهم والخيال المطابق يستمد من العقل والولي والفيلسوف عندهم يأخذ من ~~العقل الممد للخيال فلهذا صار النبي الذي يأخذ من الملك أنقص عندهم من ~~الولي الذي يأخذ من فوق الملك. # وهؤلاء يجعلون خاصة النبوة هي التخييل كما يقول ذلك الفارابي وغيره وابن ~~سينا وأتباعه وإن كانوا أقرب الفلاسفة إلى الإسلام فهم وأمثالهم من ~~الملاحدة كالسهروردي المقتول وغيره يجعلون النبوة لها ثلاث خواص قوة العلم ~~بسرعة ويسمونها القوة القدسية وقوة التأثير في العالم وقوة التخييل وهو أن ~~يرى ويسمع في نفسه ما يمثل له من المعاني العقلية وكل ما يراه ويسمعه ~~الأنبياء إنما هو في أنفسهم عندهم لا في الخارج. # وقد وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها ومن تبعه كلام ~~هؤلاء بعبارات أخرى يظن من لم يعرف حقيقة الإسلام وحقيقة الفلسفة أن هذا ~~كلام خواص أولياء الله العارفين وإنما هو كلام الفلاسفة الملحدين الذين هم ~~في الإيمان بأصل النبوة أبعد عن الإيمان من اليهود والنصارى لكنهم يقرون ~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغيره. # PageV01P134 # وقد يقولون إن النبوة مكتسبة وإنها لم تنقطع وربما جعلوا الفلاسفة ~~المشهورين من اليونان أهل مقدونية كسقراط وأفلاطون وأرسطو ونحوهم أنبياء ~~وقد يظنون أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو الإسكندر الذي كان في زمن ~~أرسطو وهذا من جهلهم بالسمعيات والعقليات فإن الإسكندر الذي كان في زمن ~~أرسطو هو الذي تؤرخ له اليهود والنصارى ويقال له ابن فيلبس المقدوني كان ~~قبل المسيح بنحو ms066 ثلاثمائة سنة وهو زمن أرسطو وكان مشركا هو وقومه أهل شرك ~~وسحر ولهم كتب في الشرك والسحر وقد عربت يعرفها من يعرفها وهذا الإسكندر لم ~~يذهب إلى بلاد الترك وإنما انتهى إلى خراسان فضلا عن أن يبني السد. # وذو القرنين المذكور في القرآن كان قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها وبنى ~~السد كما أخبر الله تعالى والسد من أقصى بلاد # PageV01P135 # المشرق والشمال في مهب الصبا وكان متقدما على ذلك. # ولهم إسكندر آخر يقال له الأفروديوسي هو من أتباع أرسطو هو وبرقلس ~~وثامسطيوس ونحوهم ممن اتبع أرسطو وشرح تعاليمه وقال بقدم هذه الأفلاك. # فإنه يقال أول من أظهر هذا القول من هؤلاء الفلاسفة أرسطو وأما الذين ~~قبله كأفلاطون وسقراط ونحوهما فكانوا يقولون بحدوث الأفلاك ولكن يقولون ~~بأنه حادث عن مادة وهل المادة قديمة العين أو قديمة النوع لهم في ذلك كلام ~~وأقوال ليس هذا موضعها. # ولهذا توجد مقالات أئمة الفلاسفة الكبار الذين كانوا من الصابئة الحنفاء ~~لا تخرج عن أقوال الأنبياء فإن الصابئة في الأصل كانوا على هدى كما كانت ~~اليهود والنصارى ولهذا ذكر الله أن في هذه الطوائف سعداء في قوله تعالى إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) [البقرة ~~62] فدل هذا على أن هذه الملل # PageV01P136 # الأربعة كان فيها من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحا وأنهم سعداء في ~~الآخرة ثم لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان من كفر به منهم ومن ~~غيرهم شقيا معذبا. # بخلاف المجوس والمشركين فإن الله ذكرهم في قوله إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) [الحج 17] فهنا ذكر الملل الست ليبين ~~أنه يفصل بينهم يوم القيامة ولم يثن عليهم فلم يثن سبحانه على أحد من ~~المجوس والمشركين كما أثنى على بعض الصابئين واليهود والنصارى وهذا مما ~~استدل به جمهور العلماء على ms067 أن المجوس ليسوا أهل كتاب فلا تباح ذبائحهم ولا ~~نكاح نسائهم إذ لو كانوا أهل كتاب لكان فيهم من يثني الله عليه كما كان في ~~اليهود والنصارى. # والمقصود هنا أن الصابئين فيهم من يحمد وفيهم من يذم فالمحمود من ~~الصابئين لم يخالفوا الأنبياء والفلاسفة المحمودون إذا لم يكونوا من اليهود ~~والنصارى والمسلمين هم من هؤلاء الصابئين. # بخلاف الفلاسفة المذمومين فإنهم مشركون سحرة كأرسطو وأتباعه وأمثالهم ~~فإنهم أهل شرك وسحر ولهذا ليس في كتب أرسطو ذكر الأنبياء بحرف واحد ولا في ~~كتب العلم الإلهي إلا ما ذكره في أثولوجيا وهو علم ما بعد الطبيعة وهو كلام ~~قليل الفائدة كثير # PageV01P137 # الخطأ قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. # بخلاف كلام أرسطو في الطبيعيات مثل كتاب السماع الطبيعي وكتاب السماء ~~والعالم والآثار العلوية والمولدات ونحو ذلك فهذا فيه صواب كثير وفيه أيضا ~~خطأ. # وكلامه في المنطق بعضه صواب لكن فيه تطويل لا يحتاج إليه وبعضه خطأ وهذه ~~الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن ما يثبته هؤلاء من العقول العشرة مما يعلم بالاضطرار ~~أنهم مخالفون لدين المرسلين إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم صلى الله ~~عليهم أجمعين كقولهم إن العقل الأول أبدع كل ما سوى الله وأنه وما سواه ~~لازمة معلولة لذات الله أزلا وأبدا فإن هذا وهذا شر من قول الذين قالوا ~~الملائكة بنات الله وأن المسيح ابن الله والذين اتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا فإن أولئك يقولون إن الله خالق كل ما سواه ويثبتون نوعا من التولد. # وأما هؤلاء فيقولون العقول والنفوس وكل ما سواه متولد عنه لازم لذاته ~~أزلا وأبدا وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~[الأنعام 100] . # وهؤلاء يجعلون العقول كالذكور والنفوس كالإناث وهم # PageV01P138 # متنازعون في النفوس الفلكية هل هي أعراض أو جواهر فجمهورهم يقول هي أعراض ~~ولكن ابن سينا وطائفة قالوا هي جواهر كنفوس الآدميين. # وهؤلاء المتأخرون كابن سينا وأتباعه خلطوا الفلسفة بما أخذوه من كلام ~~المتكلمين الجهمية من المعتزلة وغيرهم وسلكوا في ms068 إثبات الأول طريقة الوجود ~~وقالوا الوجود إما واجب وإما ممكن ولا بد للممكن من واجب أخذوا ذلك من قول ~~هؤلاء المتكلمين إن الموجود إما قديم وإما محدث ولا بد للمحدث من قديم. # وإلا فأئمتهم كأرسطو وأتباعه لم يثبتوا الأول إلا بالحركة الفلكية فقالوا ~~هي حركة شوقية إرادية فلا بد لها من مراد تحب التشبه به وهو يحركها حركة ~~المعشوق لعاشقه. # وهذا الكلام ليس فيه إثبات أن واجب الوجود علة فاعلة لما سواه وإنما فيه ~~أنه علة غائية بمعنى التشبه به ولهذا قالوا الفلسفة هي التشبه بالإله على ~~قدر الطاقة. # والمتقدمون لم يسموه واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود وإنما سموه العلة ~~الأولى والمبدأ والممكن عندهم لا يقال إلا للمحدث الذي يمكن وجوده ويمكن ~~عدمه فأما ما كان دائم الوجود كالفلك عندهم فلا يسمونه ممكنا وإنما هذا ~~اصطلاح ابن سينا # PageV01P139 # وأتباعه. # ثم إن كثيرا من متأخري المتفلسفة ومن خلط بالفلسفة كلامه من المتكلمين ~~والمتصوفة كالسهروردي المقتول والرازي والآمدي يوافقونه على هذا ويسلكون في ~~إثبات واجب الوجود هذه الطريقة وربما جعلوها أشرف الطرق وأن غيرها يحتاج ~~إليها والأمر بالعكس كما قد بسط في غير هذا الموضع. # وأبو البركات صاحب المعتبر وابن رشد الحفيد وأمثالهما يوافقونه تارة ~~ويخالفونه أخرى وهما أقرب إلى الإسلام من ابن سينا وأصحاب رسائل حي بن ~~يقظان وغيرهم نسجوا على هذا المنوال لكن بعبارات أخرى. # وابن سبعين بعدهم سلك مسلكهم وانتهى هو وابن عربي الطائي وأمثالهم إلى ~~القول بوحدة الوجود وهؤلاء يعكسون دين الإسلام فكل من كان أقرب إلى الرسول ~~كان عندهم أنقص فأنقص المراتب عندهم مرتبة أهل الشريعة أصحاب الأمر والنهي ~~ثم مرتبة المتكلم على طريقة الجهمية أو المعتزلة ومن تلقى عنهما ثم مرتبة ~~الفيلسوف ثم مرتبة الصوفي المتفلسف ليس هو الصوفي التابع للكتاب والسنة ثم # PageV01P140 # مرتبة المحقق صاحب القول بوحدة الوجود. # وقد بسطنا القول على هؤلاء وعلى هؤلاء وأمثالهم من المتفلسفة والاتحادية ~~والمتكلمة والمتصوفة الذين دخلوا معهم والمقصود هنا التنبيه على ما دخل في ~~كلام صاحب الحزب ms069 وأمثاله من كلامهم. # وهؤلاء قد يسمون العقل القلم ويسمون النفس الفلكية اللوح ويدعون أن ذلك ~~هو اللوح المحفوظ في كلام الله ورسوله ولهذا يدعي أحدهم أنه اطلع على اللوح ~~المحفوظ وأنه أخذ مريديه من اللوح المحفوظ وفي كلام صاحب الحزب وغيره من ~~ذلك وأخذوا ذلك من كلام أبي حامد الغزالي في ميزان العمل وجواهر القرآن ~~والمضنون به على غير أهله وغير ذلك. # فإنه يجعل اللوح عبارة عن النفس ويجعل الفلك عبارة عن العقل الأول كما ~~يجعل الملك والملكوت والجبروت عبارة عن الجسم والنفس والعقل وصاحب الحزب ~~دخل في هذا الباب كما دخل فيه # PageV01P141 # ابن عربي وغيره. # ولهذا قال عن العقل ثم يمده الله بنور العقل الأصلي فيشهد موجودا لا حد ~~له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد وتضمحل جميع الكائنات فيه وهذا باطل ~~فليس جميع الكائنات في هذا العقل ولا حقيقة لهذا العقل بل ولا هي في ملك من ~~الملائكة. # وكذلك قوله فتارة يفنى وتارة يبقى حتى أذا أريد به الكمال نودي منه نداء ~~خفيا بلا صوت معه كلام باطل من جنس قول الذين قالوا إن موسى نودي من العقل ~~الفعال نداء لا صوت معه ولهذا كان بعض هؤلاء يدعي أنه أفضل من موسى وصاحب ~~مشكاة الأنوار ذكر ما يناسب قول هؤلاء وأن العبد قد ينادى كما نودي موسى ~~وأنه إذا خلع النعلين اللتين هما الدنيا والآخرة حصل له من جنس ما حصل ~~لموسى ومن هنا دخل صاحب خلع النعلين ابن قسي ودخل في أمور من # PageV01P142 # الخيالات الباطلة وشرح ابن عربي كلامه فتارة يعظمه وتارة يبالغ في ذمه ~~والدق عليه وكلامه ما كان فيه من حق أخذه من كلام الأنبياء وادعاه كشفا ~~لنفسه وما كان فيه من خيال باطل فهو من نفسه. # وأما قوله إن الذي تشهده غير الله ليس من الله في شيء فهكذا يقول ~~المتفلسفة إن العقل غير واجب الوجود ولكن أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين ~~الذين يقولون الوجود واحد لهم هنا اضطرابات فتارة يفرقون بين الوجود ms070 ~~والثبوت كابن عربي وتارة يفرقون بين الإطلاق والتعيين كالقونوي وتارة ~~يجعلون الواجب والممكن كالمادة والصورة وكلام ابن سبعين يشبه هذا ولهذا ~~يقول فهو في الماء ماء وفي النار نار وفي الحلو حلو وفي المر مر. # وصاحب الحزب قد يقال إنه ليس هو من القائلين بالوحدة والحلول العام لكن ~~في كلامه نوع من الحلول الخاص وقد يقال إنه من أهل الحلول العام ولهذا قال ~~بعد هذا فيقال له إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أول ما خلق الله # PageV01P143 # العقل وفي خبر آخر قال له أقبل فأقبل الحديث. # فيقال هذا الحديث كذب موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل ~~المعرفة بالحديث كما ذكر ذلك أبو حاتم بن حبان وأبو الفرج ابن الجوزي ~~وغيرهما ولكن هؤلاء ينقلونه من كتب أبي حامد وأمثاله # PageV01P144 # ممن ينقل هذا الحديث من كتب رسائل إخوان الصفا ونحوهم ممن يريد أن يحتج ~~على قول هؤلاء المتفلسفة الملاحدة بالنصوص النبوية ويقول إنه يجمع بين ~~أقوال الأنبياء وبين أقوال هؤلاء المتفلسفة # PageV01P145 # الملاحدة وهيهات فإن دين اليهود والنصارى أقرب إلى دين الإسلام من دين ~~هؤلاء المشركين الصابئين الذين يعبدون الكواكب والأصنام وهم من أشد الناس ~~كفرا برب الأنام. # وإن كان لهم معرفة بأمور دنيوية كالحساب والطب فهذا نوع آخر غير معرفة ~~الله ومعرفة كتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر ومن المعلوم أن كون اليهودي ~~والنصراني حاذقا في طب أو حساب أو كتابة أو فلاحة أو حياكة أو بناء أو غير ~~ذلك لا يوجب أن يكون حاذقا في معرفة الله ودينه فكيف بهؤلاء الذين هم أجهل ~~بالله وبدينه من اليهود والنصارى إلا من كان منهم مع إظهاره لليهودية ~~والنصرانية فإنه قد جمع نوعي الكفر. # وهذا الحديث الموضوع لفظه أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل فهو ~~لو كان حقا إنما فيه أن الله خاطب العقل في أول أوقات خلقه بهذا الخطاب ~~وهذا يدل على أنه خلق قبله غيره وهذا يناقض قولهم وفيه ms071 أنه وصف بالإقبال ~~والإدبار وذلك ممتنع عندهم وفيه أنه قال له فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب ~~وبك العقاب وعندهم أنه مبدع لجميع الكائنات. # والحديث مقصوده أن الله لما خلق العقل الذي في بني آدم والعقل في لغة ~~المسلمين عرض من الأعراض ليس هو جوهرا قائما بنفسه فالحديث لو كان صحيحا لم ~~يدل إلا على ضد قولهم فهم جهال بسنده ومتنه. # وأما ### | قوله فأمده الله بنور الروح الرباني # فعرف به هذا الموجود فرقي إلى ميدان الروح الرباني فذهب جميع ما تحلى به ~~هذا العبد تخلى # PageV01P146 # عنه بالضرورة وبقي كلا شيء موجود ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه ~~الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد يقول ~~هو الله فلحقته العناية الأزلية فنادته ألا إن هذا الموجود هو الذي لا يجوز ~~لأحد أن يصفه ولا أن يعبر عن شيء من صفاته لغير أهله لكن بنور غيره يعرفه. # فيقال هذا بناه على ترتيبه أنه جعل النفس ثم القلب ثم العقل ثم الروح ~~وهذا ليس من المتفلسفة فإنه ليس عندهم وراء العقل الأول غير الواجب ولكنه ~~في كلام طائفة من متأخري الصوفية وأرادوا أن يجمعوا بين ما جاء من كلام ~~الأنبياء وكلام الفلاسفة فسمعوا قوله تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا ~~[النبأ 38] فقالوا هذا الروح فوق الملائكة والملائكة هي العقول فيكون هذا ~~الروح غيرها. # ثم إنهم خلطوا الكلام في هذا الروح بروح ابن آدم ولهذا قال فلما استنشق ~~من مبادئ صفاته كاد يقول هو الله فلحقته العناية الأزلية فنادته ألا إن هذا ~~الموجود هو الذي لا يجوز لأحد أن يصفه ولا أن يعبر عن شيء من صفاته لغير ~~أهله. # وهم يحتجون على هذا بقوله قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا (85) [الإسراء 85] وفي كلام صاحب الإحياء وأمثاله طرف من هذا والقرآن ~~ليس فيه النهي عن وصف روح ابن آدم ولا النهي عن التعبير عن شيء من صفاتها ~~بل الأحاديث والآثار مملوءة من وصف الروح ms072 وأنها تصعد وتنزل وتكون طيبة ~~وخبيثة ومنعمة # PageV01P147 # ومعذبة وأنها تسمع وتبصر وتتكلم وغير ذلك من صفاتها المذكورة في الأحاديث ~~النبوية والآثار السلفية. # وأما ### | قوله فأمده بنور سر الروح # فإذا هو قاعد على باب ميدان السر فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور ~~السر فرفع همته ليعرف هذا الموجود الذي هو السر فعمي عن إدراكه فتلاشت جميع ~~أوصافه كأنه ليس بشيء. # فيقال هذا مبني على إثبات ما بعد الروح وهو السر وآخرون يقولون سر السر ~~وهم إن عنوا به صفات روح الإنسان كان ممكنا وإن عنوا به جوهرا ثابتا فهذا ~~باطل ثم إنه يريد أن يثبت في العالم شيئا آخر وهو سر الروح مطابقا لسر ~~الإنسان كما صنع في النفس والعقل والروح وهذا باطل لم يقله أحد إلا بعض ~~متأخري متفلسفة الصوفية وهو من الخيالات التي لا منتهى لها فإن الوهم ~~والخيال الباطل واسع والسالك إن لم يعصمه الله بنور الإيمان والقرآن وإلا ~~وقع في بحر الوهم والخيال الباطل. # ولهذا كان هؤلاء يعظمون ما يعظم ابن عربي الخيال وهو عندهم أرض الحقيقة ~~ولهذا تتمثل لهم الجن والشياطين ويقولون بالجمع بين النقيضين وهو من باب ~~الخيال الباطل ويلقي إليهم الجن والشياطين كلاما يسمعونه وأنوارا يرونها ~~فيظنون ذلك كرامات وإنما هي أحوال شيطانية لا رحمانية وهي من جنس السحر. # PageV01P148 # ويحكون في هذا أن رجلا نزل إلى دجلة ليغتسل لصلاة الجمعة فخرج في النيل ~~وأقام بمصر عدة سنين وتزوج وولد له هناك ثم نزل ليغتسل للجمعة فخرج من دجلة ~~فرأى غلامه ودابته والناس لم يصلوا بعد تلك الجمعة!! # ومن المعلوم لكل ذي حس أن الشمس يوم الجمعة ببغداد ليس بينه وبين يوم ~~الجمعة بمصر يوما فضلا عن أسبوع فضلا عن شهر فضلا عن عام فضلا عن أعوام ولا ~~الشمس توقفت عدة أعوام في السماء وإنما هذا في الخيال فيظنونه لجهلهم أنه ~~في الخارج كما ذكر ذلك سعيد الفرغاني في شرح قصيدة ابن الفارض هو وأمثاله ~~والكلام على هؤلاء واسع وإنما الغرض التنبيه على النكت. # قوله ms073 ثم أمده الله بنور ذاته فأحياه حياة باقية لا غاية لها فنظر جميع ~~المعلومات بنور [هذه] الحياة فصار أصل الموجودات نور شائع في كل شيء لا ~~يشهد غيره فنودي من قرب لا تغتر بالله فإن المحجوب من حجب عن الله بالله إذ ~~محال أن يحجبه غيره فجيء بحياة استودع الله فيه فقال أي ربي بك منك إليك ~~أقل عثرتي فإني أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك فهذه سبيل الترقي إلى حضرة ~~العلي الأعلى وهو طريق المحبين أبدال الأنبياء والذي يعطى أحدهم من بعد # PageV01P149 # هذا لا يقدر أحد أن يصف منه ذرة. # فيقال بل هذه سبيل هؤلاء أبدال الفراعنة والملاحدة والعلي الأعلى هو ~~عندهم الوجود مصنوع العلم الأعلى والفلسفة الأولى والعلم الأعلى عندهم هو ~~النظر في الوجود ولواحقه فإن سيرهم ينتهي إلى وجود مطلق سار في الجميع ~~والأنبياء وأتباعهم من أعظم الناس مباينة لهؤلاء كمباينة موسى لفرعون ~~وإبراهيم للنمروذ ومسيح الهدى لمسيح الضلالة. # أما قوله فنظر جميع المعلومات فهذا مطابق لما يقوله بعض أتباعه أن علم ~~العبد يطابق علم الرب فيعلم العبد ما يعلمه الرب ويدعون ذلك في النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم في ناس بعده وهذا أفسد من قول النصارى الذين يخصون بذلك ~~المسيح. # وهذا من جنس ما يذكره ابن عربي في سلوكه أن السالك يخاطبه جميع النبات ~~وجميع الحيوانات بجميع ما فيها من الطبائع والمنافع وأمثال ذلك وكذلك يقوله ~~في غير ذلك من الموجودات فهؤلاء يدعون أن أحدهم يعلم ما يعلمه الرب وليس مع ~~أحدهم إلا وهم كاذب وخيال فاسد إن كان ممن لا يتعمد الكذب. # PageV01P150 # وبمثل هؤلاء ضل من اتبعهم حتى يقول أحدهم [أنا] القطب الغوث الفرد الجامع ~~ونواصي الملوك والأولياء بيدي أولي من شئت وأعزل من شئت وأن الله يناجيني ~~على مر الأنفاس وأن مدد الملائكة مني ومدد الحيتان مني كما كان يقوله ~~المستسري الذي جرى له في القاهرة ما جرى. # وأما قوله فإن المحجوب من حجب بالله عن الله إذ محال أن يحجبه غيره. ms074 # فيقال هذا من جنس كلام أهل الوحدة والحلول فإن الاحتجاب بالله عن الله ~~وحجب الله لله محال عند المسلمين وإنما يحجب العبد عن الله غير الله كما ~~قال تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب [الشورى ~~51] . # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دخل أهل الجنة الجنة ~~نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما ~~هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار قال ~~فيكشف الحجاب فينظرون # PageV01P151 # إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة. # وفي الصحيح عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع ~~كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع ~~إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور أو النار لو ~~كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى وفي رواية ما أدركه بصره من خلقه. # ثم الحجب عند السلف وأهل الحديث وغيرهم هي حجب الله عن العبد وعند من ~~يثبت رؤية الله بلا مواجهة الحجب عندهم ما يقوم بالعبد من موانع الرؤية وهي ~~أمر عدمي أو عرض وجودي. # وأما أن الله يحجب نفسه فهذا لا يقوله من يثبت خالقا ومخلوقا مباينا له ~~وإنما يقول من يجعل الوجود واحدا فالحاجب والمحجوب عنده واحد وكذلك الآكل ~~والمأكول والشارب والمشروب والضارب والمضروب والشاتم والمشتوم والعابد ~~والمعبود واللاعن والملعون وهذا قول أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين ~~وأمثالهما. # وكذلك قوله بك منك إليك من جنس قول ابن الفارض: # PageV01P152 # إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلت # وهم يقولون أرسل من نفسه إلى نفسه بنفسه فهو المرسل والمرسل إليه والرسول ~~وهو المحب والمحبوب وهو المصلي والمصلى له! # كما قال ابن الفارض: # لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت # كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة # وما كان لي صلى ms075 سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة # إلى قوله: # وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت # وقوله: # وقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي # فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادى أجابت من دعاني ولبت # وأمثال هذه الأبيات التي يذكر فيها قولهم في وحدة الوجود. # وقال ابن عربي ومكروا مكرا كبارا (22) [نوح 22] لأن الدعوة إلى الله مكر ~~بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى النهاية أدعو # PageV01P153 # إلى الله [يوسف 108] فهذا عين المكر على بصيرة فنبه أن الأمر له كله ~~فأجابوه مكرا كما دعاهم فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هو من حيث ~~هويته وإنما هو من حيث أسماؤه. # وقال شاعرهم: # ما بال عيسك لا يقر قرارها ... وإلام ظلك لا يني متنقلا # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا # فعندهم السير يسير منه إليه من الله إلى الله وقوله بك منك مطابق لهذا ~~ودين المسلمين أن السير من المخلوقات إلى الخالق كما قال تعالى إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه [الأحزاب 45-46] وقال قل ~~هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة [يوسف 108] . # ولا ريب أن الجهمية الذين لا يثبتون للمخلوقات ربا مباينا للمخلوقات ~~غالبا عليها إذا سلكوا وتوجهوا انتهوا إلى القول بالوحدة فيكون سيرهم من ~~المخلوقات إلى المخلوقات وهم يرون المخلوق هو الخالق [فليس] قولهم إنه ما ~~ثم موجود إلا العالم كما قاله فرعون لكن هم يقولون العالم هو الله وفرعون ~~كان يظهر إنكار وجود الله. # PageV01P154 # ولهذا كان ابن عربي وغيره من أهل الوحدة يعظم فرعون. # ولقد سألني قديما عبد الله* الذي كان قاضي اليهود ودعوته إلى الإسلام ~~وبينت له أعلامه حتى أسلم وحسن إسلامه سألني عن قول هؤلاء وكان قد اجتمع ~~بشيخ منهم يقال له حسن الشيرازي فبينت له فساد قول هؤلاء وأن حقيقته حقيقة ~~قول فرعون فقال هكذا قال لي الشيرازي لما دعاني إلى هذا المذهب فقلت له ms076 هذا ~~يشبه قول فرعون فقال نعم نحن على قول فرعون قلت له صرح لك بهذا قال نعم ~~فقلت مع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة وكان لم يسلم بعد قال فقلت له أنا ~~لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون فقال لم قلت لأن موسى غرق فرعون فقلت له نفعتك ~~اليهودية يهودي خير من فرعوني. # وأما ### | قوله أعوذ بك منك # فهذه الكلمة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يرد بها ما ~~أراده النبي صلى الله عليه وسلم بل هي كلمة حق أراد بها هذا القائل ~~PageV01P155 # معنى باطلا حيث قال حتى لا أرى غيرك ومراده أنه ليس ثم غير. # كما قال محال أن يحجبه غيره ثم إن هذا مذهب متناقض فإنه إن كان ثم غير ~~فقد ثبت التعدد وإن كان ما ثم غير فلا يتصور أن يحجب عن الله حتى يقال له ~~المحجوب من حجب عن الله. # و ### | هؤلاء يشهدون وحدة الوجود وفطرتهم تشهد بتعدد الوجود # فلهذا كلامهم دائر بين فطرتهم السليمة ومذاهبهم الذميمة. # ولقد حضر عندي منهم شيخ من شيوخهم وطلب مني شيئا فجعلت أستنطقه هذا ~~المذهب ليسمعه الحاضرون فإن من الناس من ينكر وجود هؤلاء مع كثرتهم لفساد ~~مذهبهم في العقل وكان قد طلب درهما فقلت له من الطالب فقال هو الله قلت ~~والمطلوب قال هو الله قلت والدرهم قال هو الله وكان هناك فروج وسكين فقلت ~~والفروج والسكين فقال هو الله فجعل يقول إني مريض فأعطني فقلت له المعطي ~~غير المعطى أم لا من هو الذي يعطيك وأمثال هذا الكلام الذي أبين به تناقض ~~قولهم ليظهر له فساده وتوبته بعد ذلك فضجر في أثناء الكلام ورفع بصره إلى ~~السماء وقال يا الله فقلت إلى من ترفع وعلى مذهب المحققين أعني أصحابه ما ~~هناك شيء فقال أستغفر الله أخطأت فصار بفطرته يقر بأن الله فوق ومذهبه ~~يأمره بأن ينكر أن يكون فوق العالم شيء وهو حائر بين فطرته # PageV01P156 # التي فطر عليها ومذهبه الذي تلقاه من شيوخه والكلام ms077 على هذا يطول وصفه ~~وإنما المقصود التنبيه. # PageV01P157 # فصل # ثم قال وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه به إذ محال أن يتوصل ~~إليه بغيره. # فيقال لو قال هو به إليه لكان حقا فإن الله لا يعبد إلا بإعانته ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله ف من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا (17) [الكهف 17] . # لكن قال فهو منه إليه فقوله منه إليه من جنس قول أهل الوحدة بل هو من ~~العبد المخلوق المحدث إلى الرب الخالق القديم. # ولما كان كثير من السالكين يقعون في الحلول والاتحاد وكثر ذلك في طريق ~~متأخري الصوفية [أجاب] الجنيد قدس الله روحه لما سئل عن التوحيد فقال ~~التوحيد إفراد الحدوث عن القدم فرضي الله عن الجنيد فإنه كان إمام هدى ~~وتكلم على المرض الذي يبتلى به كثير من هؤلاء. # وقد أنكر ابن عربي على الجنيد وعلى غيره من الشيوخ مثل سهل بن عبد الله ~~التستري وأمثاله في كتابه الذي سماه ب التجليات # PageV01P158 # وادعى أن هؤلاء ماتوا وما عرفوا التوحيد وأنه عرفهم إياه في هذا التجلي ~~الذي له وهو تجل خيالي شيطاني من نفسه إلى نفسه في نفسه. # وأورد على الجنيد أنك إذا قلت التوحيد تمييز المحدث عن القديم فالمميز ~~بين الشيئين لا بد أن يكون غيرهما وإذا كان ما ثم إلا محدث وقديم فمن الذي ~~يميز؟ # [فيقال] هذا ممنوع فليس من شرط المميز بين الشيئين أن يكون غيرهما بل ~~العبد يفرق بين نفسه وبين غيره من المخلوقات وليس هو غيرهما وكذلك يميز بين ~~نفسه وبين ربه والرب تعالى يفرق بين نفسه المقدسة وبين مخلوقاته وليس هو ~~عين الشيئين وما أكثر ما في # PageV01P159 # كلامهم من هذه القضايا الحادثة الخيالية التي يلبسون بها على الناس لا ~~سيما على من يحسن بهم الظن. # وإنما كان الحلول يكثر في كثير من الصوفية ذكر ذلك أبو نعيم الأصبهاني في ~~أول حلية الأولياء وذكره أبو القاسم القشيري في رسالته وغيرها وحذروا منه ~~ومن أهله وذموا هؤلاء كما ms078 كان المشايخ العارفون الذين يقتدى بهم يذمون هذا. # وأما قوله إذ ألبسهم ثوب العدم فنظروا فإذا هم بلا هم ثم أردف عليهم ظلمة ~~غيبتهم عن نظرهم بل صار عدما لا علة له. # فيقال هذا الكلام مجمل يحتمل شيئين: # أحدهما أن يغيب الإنسان عن ملاحظة نفسه وشهودها وذكرها وهذا هو الفناء عن ~~رؤية السوى وهو الفناء الناقص الذي يغيب فيه بموجوده عن وجوده وبمعروفه عن ~~معرفته وبمذكوره عن ذكره فهذا أمر يعرض لبعض السالكين فإن كان صاحبه مغلوبا ~~عليه لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه فحسبه أن يكون معذورا وأما من كان يمكنه ~~الفرق بين الرب والعبد ولم يفرق بينهما فهو من الملحدين. # PageV01P160 # والاحتمال ### | الثاني الفناء عن وجود السوى # وهو أن يشهد عين وجوده عين وجود الحق فيرى ما سوى عين الوجود الحق عدما ~~لا يرى موجودين أحدهما خالق والآخر مخلوق فهذا مشهد أهل الإلحاد من أهل ~~الوحدة والاتحاد. # ثم إنه على هذا التقدير قد يشهد هذا في نفسه فيكون من أهل الوحدة والحلول ~~المعين الخاص كالنصارى لكن هذا شر من النصارى فإن النصارى ادعوا ذلك في ~~المسيح وهؤلاء يجعلونه فيمن لا يعلم إيمانه وقد يشهد ذلك في الوجود مطلقا ~~فيكون من أهل الوحدة والاتحاد العام المطلق فيقول في جميع المخلوقات شرا ~~مما قالته النصارى في المسيح فإن أولئك يقولون كانا اثنين فاتحد أحدهما ~~بالآخر وهؤلاء ما عندهم تعدد بل ما زال وجود ما يقال إنه المخلوقات عين ~~وجود الخالق. # وكذلك قوله فانطمست جميع العلل وزال كل حادث فلا حادث ولا وجود بل ليس ~~إلا العدم الذي لا علة له وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به اضمحلت ~~المعلومات وزالت المرسومات زوالا لا علة فيه فإن هذا الكلام مبالغة في ~~الوحدة فإن الزوال والعدم المحض المعلول ليس عدما محضا وزوالا صرفا فإذا ~~حصل العدم المحض والزوال الصرف لم يكن هناك حادث ولا موجود بل ليس إلا وحدة ~~الوجود. # ولهذا قال وبقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ms079 # PageV01P161 # ذات فهذا مطابق لمذهب أهل الوحدة فإنهم يقولون الرب له تجل باعتبار ذاته ~~وتجل باعتبار أسمائه وصفاته. # فتجلي الذات وجود محض مطلق ليس فيه اسم ولا صفة ولا يرى ولا يشهد ولا ~~يتميز فيه شيء عن شيء ولا ريب أن الوجود المطلق الذي يتصوره الإنسان في ~~نفسه هو بهذا الاعتبار فإن الوجود المطلق بشرط الإطلاق لا يقال فيه رب ولا ~~عبد ولا قديم ولا محدث ولا خالق ولا مخلوق ولا حي ولا عليم ولا قدير ولا ~~غير ذلك فإن كل هذه الأمور فيها تخصيص وتقييد بموجود دون موجود فالرب يخرج ~~العبد والقديم يخرج المحدث والخالق يخرج المخلوق والحي العليم القدير يخرج ~~الميت الجاهل العاجز. # وأما التجلي الأسمائي عندهم فهو ظهوره في الممكنات بحسب استعدادها فيظهر ~~في الكلب بصورة الكلب وفي الإنسان بصورة الإنسان وفي الفلك بصورة الفلك ~~ونحو ذلك. # وقد حكى بعض أصحابنا أنه وقع بين ابن عربي وبين الشيخ أبي حفص السهروردي ~~صاحب عوارف المعارف في الحق إذا تجلى للعبد هل يمكنه أن يسمع خطابه حين ~~التجلي فقال ابن عربي لا يمكن ذلك وقال السهروردي بل يمكن ذلك قال ابن عربي ~~مسكين هذا السهروردي نحن نقول له عن تجلي الذات وهو يخبر عن تجلي الصفات. # PageV01P162 # فلما عرفت هذا من هؤلاء قلت لأصحابنا صدق على أصله الفاسد فإن الذات عنده ~~وجود مطلق لا كلام لها فكيف يكون في حال تجليها سماع خطاب لكن هذه الذات ~~التي يعنيها إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان. # وأما السهروردي فقوله قول المسلمين إن الله يتجلى لعباده يوم القيامة ~~ويكلمهم في عرصات القيامة وفي الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # فقول القائل بقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ذات فاضمحلت النعوت ~~والأسماء والصفات فلا اسم ولا صفة ولا ذات يطابق قول هؤلاء وهذا إن أراد به ~~أن الله نفسه تعدم صفاته فهذا من أظهر الباطل فإن صفاته القائمة بذاته لا ~~تعدم وإن أراد ms080 أني أشهده بلا صفة فهذا شهود ناقص وهو نقص علم وإيمان وإن ~~أراد أني أشهده بحقيقته وهي في نفس الأمر لا صفة لها ولا اسم فهذا مذهب ~~هؤلاء الملاحدة وهو مذهب ملاحدة الإسماعيلية الذين هم شر من هؤلاء. # PageV01P163 # وقوله لا اسم ولا صفة ولا ذات قد يريد بالذات القائم بنفسه فإنه يشهد ~~وجودا مطلقا أطلسا ليس فيه شيء قائم بنفسه فيكون ذاتا ولا قائم بغيره فيكون ~~صفة. # فهذا منتهى معرفة المحبوبين الذين هم أفضل من أبدال الأنبياء عند هؤلاء ~~الضالين وهذا الرب الذي ذكروه لا حقيقة له إلا في أنفسهم هل هو إلا ما ~~يتخيلونه ف سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) ~~والحمد لله رب العالمين (182) [الصافات 180-182] . # وما كنت أظن هذا الشيخ وصل إلى هذا الحد حتى رأيت هذا الكلام ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله ولعله قد تاب من ذلك فإن الإنسان لا يدوم على حال واحدة. # وكذلك ### | قوله فهناك يظهر من لم يزل ظهورا # لا علة له بل ظهر بسره لذاته في ذاته ظهورا لا أولية له بل نظر من ذاته ~~لذاته بذاته في ذاته فحيي هذا العبد بظهوره حياة لا علة لها فظهر بأوصاف ~~جميلة كلها لا علة لها فصار أولا في الظهور لا ظاهر قبله فوجدت الأشياء ~~بأوصافه فظهرت بنوره في نوره. # فيقال قد تقدم قوله إنه لا يبقى هناك ذات فقوله نظر من # PageV01P164 # ذاته لذاته يناقض ما تقدم مع أن هذا الإلحاد والاتحاد أعظم من أن يقتصر ~~على ذمه بمجرد التناقض فقوله ظهر لذته من ذاته في ذاته يطابق مذهب أهل ~~الوحدة الذين يقولون هو الظاهر في جميع المخلوقات وأن ذاته ظهرت لذاته. # وقول ابن عربي ومن أسمائه الحسنى العلي على من يكون عليا وما ثم إلا هو ~~وعن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات ~~فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو. # إلى أن قال قال أبو سعيد الخراز وهو وجه من وجوه ms081 الحق ولسان من ألسنته ~~ينطق عن نفسه بأن الله لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد ثم قال فهو عين ما ~~ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من يبطن عنه ~~فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء ~~المحدثات. # وهذا الكلام ذكره القشيري وغيره عن أبي سعيد الخراز لما قيل # PageV01P165 # له بم عرفت ربك قال بالجمع بين النقيضين وتلا قوله هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3) [الحديد 3] . # وأراد أبو سعيد أن المخلوق لا يكون هو الأول الآخر الظاهر الباطن بل هذا ~~متضاد في حقه بخلاف الخالق ولم يرد أبو سعيد مذهب الحلول والاتحاد فإن أبا ~~سعيد أعلى قدرا من ذلك وإن كان له في الفناء كلام أنكر بعضه وإن قدر أن أبا ~~سعيد وغيره أراد معنى باطلا فذلك المعنى مردود كائنا من كان قائله. # ولما جرت بالديار المصرية من محنة هؤلاء الجهمية ما قد عرفه الناس وظهر ~~مذهبهم وما قاله هذا وأمثاله حدثني بعض الأكابر الذين لهم قدر ومنزلة ~~معروفة أن النصارى لما سمعوا هذا جعلوا يقولون يا مسلمين أنتم أنكرتم علينا ~~قولنا إن المسيح هو الله وهؤلاء شيوخكم يقولون إن الله هو أبو سعيد الخراز ~~فنحن خير منكم!! # ولقد صدق من قال إن قول النصارى خير من قول من قال إن الله # PageV01P166 # هو أبو سعيد الخراز ثم لم يقتصر على ذلك بل قال هو أبو سعيد الخراز وغير ~~ذلك من الأسماء المحدثات!! # ولهذا قيل لبعض أكابرهم ما الفرق بينكم وبين النصارى فقال النصارى خصصوا. # وهذا موجود في كلام ابن عربي وغيره وذكره في كتاب الفصوص وغيره من كتبه ~~ينكرون على المشركين والنصارى تخصيصهم عبادة بعض الأشياء والعارف عندهم من ~~يعبد كل شيء كما قال ابن عربي فقالوا في مكرهم وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا [نوح 23-24] ~~لأنهم إذا تركوهم جهلوا من ms082 الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء. # فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله كما قال في ~~المحمديين وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء 23] أي حكم فالعالم يعلم ~~من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء للصورة ~~المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية فما عبد غير الله في كل ~~معبود. # فهذا وأمثاله من كلام الملحدين أهل الوحدة الذين يقولون الوجود واحد ولهم ~~أشعار على هذا المذهب كالقصيدة المسماة # PageV01P167 # ب نظم السلوك لابن الفارض وشعر ابن إسرائيل والتلمساني صاحب شرح الأسماء ~~الحسنى وشرح مواقف النفري على مذهب هؤلاء. # وكما قال أيضا وكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب ~~العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما قضى الله بشيء إلا ~~وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن ~~العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء. # وهذا من أعظم الناس تحريفا للكلم عن مواضعه يجمعون بين السفسطة في ~~العقليات والقرمطة في السمعيات كإخوانهم الباطنية # PageV01P168 # الإسماعيلية. # وذلك أن قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء 23] معناه أمر ~~ربك باتفاق المسلمين والله إذا أمر بأمر فقد يطاع وقد يعصى بخلاف ما قضاه ~~بمعنى أنه قدره وشاءه فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ومن المعلوم ~~أن الله لم يجعل الواقع من جميع الخلق هو عبادته وحده لا شريك له بل أوجب ~~هذا عليهم فمنهم من أخلص له الدين ومنهم من أشرك به. # قال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين (36) [النحل 36] وذكر الشرك والمشركين في القرآن وذمهم ~~أعظم من أن يذكر هنا. # فدعوى المدعي أن كل عابد فما عبد إلا الله وأن الله ذكر ذلك في كتابه من ms083 ~~أعظم الإفك والبهتان من طائفة تدعي أنها أفضل أرباب التحقيق والتوحيد ~~والعرفان فهذا وأمثاله من علم الملحدين أهل الوحدة الذين يقولون الوجود ~~واحد. # واعلم أن الحلول نوعان حلول مطلق وحلول مقيد. # ف ### | الحلول المطلق # قول الجهمية وأتباعهم من متصوفتهم الذين يقولون إن الله بذاته في كل مكان ~~وهم مضطربون في هذا الباب لتناقضه ورد السلف والأئمة عليهم كثير. # PageV01P169 # وهؤلاء أهل الوحدة من شر هؤلاء فإن هؤلاء جعلوا الوجود الخالق هو الوجود ~~المخلوق وإن أثبتوا تعددا وسموا ذلك المظاهر وفرقوا بين الثبوت والظهور ~~والوجود ونحو ذلك فهو كلام متناقض لا حقيقة له بل يجمعون بين النقيضين كما ~~يصنع إخوانهم المتفلسفة في واجب الوجود إذ يصفونه بصفات الممتنع الوجود ~~فيجمعون بين النقيضين. # وكذلك إخوانهم النصارى إذ قالوا واحدا بالذات ثلاثة بالأقنوم ثم يقولون ~~إن المتحد بالمسيح هو أقنوم الابن فقط دون الأب وروح القدس ويقولون المسيح ~~إله يخلق ويرزق. # فإن هذا من أعظم التناقض فإن الأقانيم إن فسروها بالصفات فالصفة لا تخلق ~~ولا ترزق ولا يمكن اتحادها بشيء دون الموصوف وإن فسروها بذوات تقوم بأنفسها ~~لزم إثبات ثلاثة آلهة. # ويقولون باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد وقد يمثلون هذا بقول ~~القائل فلان طبيب حاسب كاتب فهو مع الطب له حكم ومع الحساب له حكم ومع ~~الكتابة له حكم لكن هذا التمثيل غير مطابق لمذهبهم لأن هذا ذات واحدة لها ~~ثلاث صفات ويستحيل أن صفة من الصفات تتحد أو تحل في شيء آخر دون الذات ودون ~~غيرها من الصفات فيلزمهم إما بطلان التثليث وإما بطلان الحلول وهم ملحدون ~~في أصلي الدين الشهادة بالوحدانية وبالرسالة # PageV01P170 # أبطلوا التوحيد بالتثليث والثاني بالحلول ودعوى إلهية المسيح. # وقد ذمهم يحيى بن عدي ونحوه أن شبهوا قولهم هذا بقول الفلاسفة في العقل ~~والعاقل والمعقول وجعل مذهب الفلاسفة حجة له وهذا من ضلالهم فإن الفلاسفة ~~أضل منهم ومذهبهم أشد فسادا في المعقول والمنقول. # ثم إن الفلاسفة تقول إنه عاقل ومعقول وعقل ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق ~~وعشق وتقول ذلك ms084 كله واحد ليس فيه معان متعددة أصلا بل العلم عين العالم ~~والعلم عين القدرة وعين العناية التي هي الإرادة والحب هو المحبوب وهو ~~المحب ومذهبهم بعد التصور التام أشد تناقضا من قول النصارى بالتثليث. # فمن قال إن العلم هو العالم والقدرة هي القادر واللذة هي الملتذ والمحبة ~~هي المحب وقال العلم هو القدرة والقدرة هي المحبة واللذة فقد جعل الصفات هي ~~الموصوفات وجعل كل صفة هي الأخرى وهو كمن جعل الأعراض هي الجواهر وجعل كل ~~عرض هو الآخر كمن جعل السواد هو الحركة والحركة هي الطعم والطعم هو الحياة ~~والحياة هي اللذة وجعل الحركة هي المتحرك وهذا من أعظم السفسطة وأعظم ~~الباطل!! # PageV01P171 # وهؤلاء كلهم قد يدخلون في معنى الاتحاد الباطل فمن جعل حقيقتين متنوعتين ~~إحداهما هي الأخرى فقد جعل الاثنين واحدا وهو اتحاد باطل وهؤلاء يجعلون ~~الاثنين واحدا في الاتحاد ويجعلون الواحد اثنين فإن كل موجود هو ذلك ~~الموجود بعينه ليس له في الخارج حقيقة سوى الوجود الموجود في الخارج فمن ~~جعل حقيقته في الخارج غير الوجود الثابت في الخارج فقد جعل الواحد اثنين ~~وكذلك من جعل المعدوم ثابتا في الخارج وجعل الوجود غير الثبوت في الخارج ~~كما يقوله من يقوله من المعتزلة والشيعة والاتحادية كابن عربي ونحوه فهو ~~أيضا ممن جعل الواحد اثنين. # ومن هؤلاء من يقول إن معنى جميع التوراة والإنجيل والقرآن معنى واحد ~~بالعين وإن معنى آية الكرسي وآية الدين وآية التيمم هو معنى واحد بالعين ~~وإن الأمر والنهي ليست أنواعا للكلام بل كلها صفات لعين واحدة أو لخمسة ~~أعيان فقوله أيضا من جنس قول هؤلاء. # ولهذا اعترف حذاق أهل هذا القول بأنه يلزمهم القول باتحاد جميع الصفات ~~وإلا تناقضوا وهذه الأمور مبسوطة في موضعها والمقصود هنا التنبيه على أصول ~~الحلول والاتحاد العام. # وأما الحلول والاتحاد الخاص فكقول النصارى بالحلول والاتحاد في المسيح ~~وقول طائفة من الغالية بالحلول في علي أو في # PageV01P172 # الاثني عشر أو في أئمة الإسماعيلية كالمعز وأهل بيته أو في الحاكم أو في ~~الحلاج ms085 أو غير هؤلاء فهذا الحلول الخاص موجود في طوائف متعددة. # ومن الحلول والاتحاد ما يكون في الصفات دون الذات فالحلول في الصفات كقول ~~طائفة إن أصوات العباد بالقرآن أو بغير القرآن أو أفعال العباد أو كلام ~~العباد أو أرواح العباد أو نحو ذلك قديم. # ومن هؤلاء من يقول نحن لا نقول بحلول القديم في المحدث بل بظهوره فيه ~~ولكن إذا صرح بأن الصوت المسموع من العبد قديم أزلي كان قوله بعد هذا بأنه ~~ظهر فيه ولم يحل فيه جمعا بين سفسطتين دعوى قدم ما يعلم حدوثه وبين دعوى أن ~~صوت العبد ليس هو حالا فيه. # وكثير من هؤلاء لا يفهم معنى القديم بل إذا استفسرته عنه قال يريد به أنه ~~غير مخلوق ويقولون يريد أن القرآن كلام الله غير مخلوق ولا ريب أن كلام ~~الله غير مخلوق كما اتفق عليه السلف والأئمة ولا ريب أن القرآن كله كلام ~~الله ليس شيء منه كلاما لغيره لا جبريل ولا غيره والقرآن العربي كلام الله ~~والله نادى موسى بصوت وينادي عباده يوم القيامة كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة لكن هؤلاء ظنوا أن السلف أرادوا بذلك أن ما ليس بمخلوق يكون قديم ~~العين وأن الله لا يتكلم # PageV01P173 # بمشيئته وقدرته ولم يفرقوا بين قديم النوع وقديم العين. # وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبينا جميع أقوال أهل الأرض ~~في القرآن وكلام الله قول الفيضية والخلقية والحدوثية والاتحادية ~~والاقترانية والسلفية والمقصود هنا التنبيه على مسمى الحلول والاتحاد وأنه ~~ينقسم إلى مطلق ومعين. # فالحلول والاتحاد المطلق كقول الجهمية الذين يقولون إنه بذاته في كل مكان ~~ومن يناسبهم من الاتحادية وأهل الوحدة. # وأما المقيد فكقول النصارى بالحلول والاتحاد في المسيح ولهذا قيل ~~للتلمساني أكبر رؤوس هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة في زماننا الذي قيل له ~~كلامكم مثل هذا من الفصوص ونحوه يناقض القرآن فقال التوحيد في كلامنا ~~والقرآن كله شرك فقيل له فإذا كان الوجود كله واحدا فما الفرق بين الزوجة ~~والأخت حتى تحرم هذه ms086 وتحل هذه فقال الجميع عندنا حلال ولكن هؤلاء المحجوبون ~~قالوا حرام فقلنا حرام عليكم. # ... وشرح الأسماء الحسنى على أصول هؤلاء # PageV01P174 # الملاحدة أهل الوحدة. # وقيل له ما الفرق بينكم وبين النصارى فقال النصارى كفروا بالتخصيص يعني ~~أنهم لو قالوا بالاتحاد العام لما كفروا. # وهكذا يقول هؤلاء كابن عربي وغيره إن المشركين إنما أخطؤوا في عبادة بعض ~~المظاهر دون بعض والعارف عندهم يعبد الموجودات ولهذا فإن في فصوص الحكم ~~فكان موسى أعلم بالأمر من هارون فإنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن ~~الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما قضى الله بشيء إلا وقع وكان عتب موسى ~~على أخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى ~~الحق في كل شيء بل من يراه عين كل شيء. # وذلك أنه حرف القرآن وهم دائما يحرفون الكلم عن مواضعه ويلحدون في أسماء ~~الله وآياته كما يفعل إخوانهم من ملاحدة الشيعة الباطنية كالقرامطة من ~~الإسماعيلية وغيرهم والله سبحانه قال وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~[الإسراء 23] أي أمر ربك بذلك ففسروا هم ذلك المعنى أنه قدر أنه لا يعبد ~~إلا هو. # فكل ما عبده المشركون فهو عندهم الله إذ ليس لغيره وجود وهو عندهم العابد ~~والمعبود فلهذا زعم أن موسى أقرهم على عبادة العجل. # فقد قلت لبعض من كان معظما لهم وكان أبوه من شيوخهم وهو # PageV01P175 # سعيد الفرغاني الذي شرح قصيدة نظم السلوك لابن الفارض وكان قد قرأها على ~~القونوي وكان التلمساني أيضا تلميذ القونوي وكان القونوي قد جاء في رسالة ~~إلى مصر فاجتمع بابن سبعين لما قدم من الغرب وكان التلمساني مع شيخه ~~القونوي فقيل لابن سبعين كيف وجدته يعنون في العلم الذي هو عندهم علم ~~التحقيق والتوحيد فذكر أنه من المحققين لكن معه شاب هو أحذق منه يعنون ~~التلمساني. # فقلت لابن سعيد هذا الذي ذكره هذا عن موسى وهارون يوافق ما في القرآن أو ~~يخالفه فقال بل يخالفه فقلت فاختر لنفسك إن كان القرآن حقا فهذا ms087 باطل وذلك ~~أن الله أخبر عن موسى في القرآن بأنه أنكر عبادة العجل غاية الإنكار وقال ~~قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) [طه ~~92-93] إلى قوله وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في ~~اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) ~~[طه 97-98] وقال تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم [البقرة 54] وقال إن ~~الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا [الأعراف ~~152] وهذا مبسوط في موضعه. # والمقصود هنا أن ### | الحلول الخاص أنواع # منه قول النصارى في المسيح والغالية في علي كالزنادقة الذين # PageV01P176 # حرقهم بالنار لما ادعوا فيه الإلهية وقد ادعاها قوم في طائفة من أهل ~~بيته. # وكذلك ادعاها طائفة من أتباع العبيدية الباطنية الذين ادعوا أنهم علويون ~~وملكوا مصر نحوا من مئتي سنة وملكوا بعض المغرب والشام والحجاز مدة كالحاكم ~~ونحوه وقد اعتقدت طائفة من أتباعهم فيهم الإلهية كالدرزية أتباع نشتكين* ~~الدرزي الذي كان من موالي الحاكم وأضل قوما بالشام في وادي تيم الله بن ~~ثعلبة ويقال إنه رفع إليه أسماء بضعة عشر ألفا يعتقدون فيه الإلهية. # وكذلك بعض الغلاة في المشايخ فيهم من قد يعتقد الحلول والاتحاد في بعض ~~المشايخ ويحكون كلمات مجملة أو فاسدة عن أبي يزيد البسطامي وغيره مضمونها ~~الحلول ويعتقدون أنها صحيحة وتلك الكلمات بعضها كذب عمن نقلوها عنه وبعضها ~~مجملة لا تدل على ما قالوه وبعضها خطأ وضلال ممن تكلم بها. # والحلول والاتحاد كثيرا ما يقع في أقوال الغالطين من الصوفية ولهذا أنكر ~~عليهم أبو نعيم الأصبهاني في أول كتاب حلية الأولياء PageV01P177 # وأنكره أيضا أبو القاسم القشيري في رسالته. # ولهذا لما سئل الجنيد عن التوحيد فقال التوحيد إفراد الحدوث عن القدم ~~فأجاب الجنيد بجواب يبين به أن القديم الخالق مباين للمخلوقات المحدثة يرد ~~بذلك على من يذهب إلى الحلول والاتحاد من جهال النساك والمتصوفة. # ولابن ms088 عربي كتاب في التجليات والإسراء وهي تجليات خيالية في نفسه لا ~~حقيقة لها ومعراج خيالي في نفسه وأخذ ينكر فيه على المشايخ الأجلاء من ~~الصوفية كالجنيد وسهل ونحوهما وقد تقدم ذكر ذلك. # وقول صاحب الحزب بل ظهر بسره في ذاته ظهورا لا أولية له بل نظر من ذاته ~~لذاته بذاته في ذاته. # قد يراد به الحلول والاتحاد العام وقد يراد به الحلول والاتحاد الخاص ومع ~~هذا فبأيهما فسر مراده تناقض كلامه والذين يتكلمون بهذه الأمور يتخيلون ~~أشياء لا حقيقة لها ويتكلمون في كل موطن من مواطن الخيال بحسب ما تخيلوه في ~~ذلك الموطن فلهذا لا يجري # PageV01P178 # كلامهم على قانون واحد ولا يحكى لهم مذهب واحد بلوازمه وينفون ما يناقضه. # ولهذا يقول أصحاب الوحدة كما كان يقوله سعيد الفرغاني وغيره ينبغي لمن ~~أراد الدخول في طريق التحقيق أن يجوز الجمع بين النقيضين ولابن عربي: # عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه # فهم في جهل وضلال من جنس النصارى لهم عبادة وزهادة وأخلاق حسنة ولكنهم ~~جهال ضالون لا يعرفون من يعبدون ولا بماذا يعبدونه! # فالنصارى يعبدون غير الله بغير أمر الله وأصل الدين الذي بعث الله به ~~رسله وأنزل به كتبه أن لا يعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع ~~فقول هذا القائل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته وقوله ظهر بسره لذاته في ~~ذاته ظهورا لا أولية له يطابق قول أهل الوحدة والاتحاد العام والحلول ~~العام. # فإن من يقول بالحلول الخاص يحتاج أن يقول إنه حل في غير ذاته أو اتحد ~~بغير ذاته أو نظر أو ظهر لغير ذاته كما يقوله النصارى # PageV01P179 # من اتحاد اللاهوت والناسوت. # ولا يقال في الحلول الخاص قلم وعقل وكرسي وعرش وغير ذلك مما سنذكره فإن ~~هذا كله إنما يطابق قول أهل الوحدة والاتحاد العام. # وإن حمل كلامه على الحلول العام فذاك لا فرق فيه بين شيء وشيء ولا طريق ~~الخاصة والعامة بل هو عند هؤلاء ما ثم إلا وجود ms089 الذات لكن هؤلاء يتناقضون ~~أكثر من تناقض غيرهم فإن الحس والعقل يشهد بتعدد الموجودات فمن أراد أن ~~يجعل المتعددات شيئا واحدا فلا بد أن يتناقض. # وكذلك أهل الاتحاد الخاص يتناقضون وأن الاثنين لا يكونان واحدا إلا إذا ~~استحالا جميعا فصارا شيئا ثالثا كما يختلط الماء واللبن والماء والخمر ~~فيصير ذلك أمرا مختلطا ممتزجا ليس ماء محضا ولا لبنا محضا. # ولهذا النصارى تارة تقول إن اللاهوت والناسوت صارا كالماء واللبن وهذا ~~يقوله من يقوله من اليعاقبة وتارة يقولون صارا كالنار والحديد كما يقوله من ~~يقوله من الملكية وأما # PageV01P180 # النسطورية فإنهم يقولون بالحلول كحلول الماء في الظرف وهم أقل النصارى ~~كفرا وإلحادا وإن كان الجميع كفارا ملحدين. # ومعلوم أن الرب تعالى يمتنع عليه أن تستحيل ذاته مع ذات بعض المخلوقات ~~شيئا ثالثا كالماء واللبن فإن هذا إنما يكون في المخلوقين اللذين مخلطهما ~~وممزجهما ثالث غيرهما فأما الخالق لكل ما سواه الغني عن كل ما سواه الذي ~~يستحيل أن يفتقر إلى شيء غني عنه أو يؤثر فيه ما هو غني عنه الذي كل ما ~~سواه فقير إليه وكل ما يحدث فيما سواه فبقدرته ومشيئته حدث ووجد. # وإذا أمر الخلق بالدعاء وأجابهم وأمرهم بالعمل وأثابهم فهو الذي جعلهم ~~يدعون ويعملون وهو الذي جعلهم يتوبون وهو سبحانه يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ويفرح بتوبة التائبين ويرضى عن المؤمنين فهو الذي خلق الأمور ~~التي ترتب عليها ما ترتب فهو الخالق للأسباب والمسببات والفاعل للبدايات ~~والغايات. # فإذا فرح بتوبة التائب فهو الذي جعله تائبا وإذا رضي عن المؤمنين فهو ~~الذي جعلهم يفعلون ما أرضاه فما إلا ما خلقه وما أفرحه إلا ما شاءه إذ لا ~~يكون في ملكه شيء بدون مشيئته وقدرته وخلقه سبحانه. # PageV01P181 # وقد بسط الكلام في هذه الأمور في غير هذا الموضع فإنها مواضع شريفة تتعلق ~~بمسائل الصفات والأفعال والشرع والقدر وقيام الأمور الاختيارية وهل رضاه ~~وسخطه وفرحه مخلوقات منفصلة عنه كما يقوله من يقوله من المعتزلة ومن وافقهم ~~من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟ # أو ذلك ms090 يرجع إلى صفة واحدة هي الإرادة كما يقوله من يقوله من الكلابية ~~ومن تابعهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟ # وإما ذلك كله صفات قديمة الأعيان تتحد متعلقاتها لا أنفسها كما يقول ذلك ~~من يقوله من الكلابية والسالمية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة ~~وغيرهم؟ # أم ذلك أمور تكون قائمة بذاته حاصلة بقدرته ومشيئته كما دلت عليه النصوص ~~الثابتة في الكتاب والسنة ودلت الأدلة العقلية على موافقة النصوص الإلهية ~~وخطأ مخالفيها وهذا كله مما بسط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن استحالة القديم الواجب لذاته المستلزم صفات الكمال التي ~~صفاته من لوازم ذاته ممتنع لذاته فإن صفات الكمال واجبة له قديمة بقدمه وما ~~وجب قدمه امتنع عدمه والاستحالة لا تكون إلا بعدم ما كان موجودا قبل ذلك. # وليس هذا موضع بسط هذا وإنما المقصود هنا التنبيه على ما يقع # PageV01P182 # في كلام طائفة من الشيوخ من معنى الحلول والاتحاد سواء كان عاما أو خاصا ~~ليحترز عن ذلك ولا يقع فيه من حصل له إما لموافقة ذلك القائل وإما للجهل ~~بما هو الأمر عليه في نفسه وما جاء به الكتاب والسنة وما دل عليه صريح ~~المعقول المطابق لصحيح المنقول. # وقوله فحيي هذا العبد بظهوره حياة لا علة لها فظهر بأوصاف جميلة كلها لا ~~علة لها فصار أولا في الظهور لا ظاهر قبله فوجدت الأشياء بأوصافه وظهرت ~~بنوره في نوره فأول ما ظهر سره وظهر قلمه الفصل إلى آخره وقد تقدم ذكره. # فيقال هذا الكلام يشبه ترتيب الفلاسفة والباطنية القرامطة من الإسماعيلية ~~ونحوهم الذين يقولون صدر عن الواجب عقول عشرة مرتبة ونفوس سبعة للأفلاك ~~ويريدون أن يجمعوا بين ذلك وبين ما جاءت به الرسل فيذكرون الحديث الموضوع ~~أول ما خلق الله العقل وقد قدمنا أنه موضوع وأن لفظه مع ذلك حجة عليهم لا ~~لهم ويسمون العقل الأول القلم لما روي إن أول ما خلق الله القلم. # PageV01P183 # ويوجد نحو من هذا في رسائل إخوان الصفا وفي كلام أبي حامد وكلام ابن عربي ~~وابن سبعين ms091 وغيرهم وقد بسطنا الكلام على فساد مذهب هؤلاء عقلا ونقلا في غير ~~هذا الموضع. # وطائفة من الذين تصوفوا على طريقة هؤلاء الفلاسفة كابن القسي صاحب خلع ~~النعلين وابن سبعين وابن عربي وابن أجلى والبوني المتأخر وابن الطفيل صاحب ~~رسالة حي بن يقظان ونحو هؤلاء خلطوا كلام هؤلاء بشيء من كلام الصوفية ~~وألفاظ القرآن والحديث. # وما ذكره ابن سينا في مقامات العارفين في إشارته هي من أسباب دعاء هؤلاء ~~إلى ما هم عليه وهم لا يتفقون على قول واحد لأن الأصل الذي بنوا عليه باطل ~~فتجدهم مختلفين وكل منهم يدعي كشفا وذوقا ووجدا يخالف الآخر أو يدعي عقلا ~~ونظرا واستدلالا يخالف الآخر فكل لكل مناقض وكل لكل معارض فإنهم لفي قول ~~مختلف (8) # PageV01P184 # يؤفك عنه من أفك (9) [الذاريات 8-9] وقال تعالى ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) [النساء 82] . # وهذا الرجل ذكر ظهور القلم ثم ظهور الأمر ثم ظهور العقل وجمهور هؤلاء ~~يجعلون العقل هو القلم والكلام إذا لم يبن على أصل علمي قال كل ما خطر له ~~وتخيله وهؤلاء كثيرا ما تخيلوا أشياء لا حقيقة لها يظنونها في الخارج ... ~~ويسمي الخيال أرض الحقيقة ويعظم أمره ولعمري إن الخيال الباطل الواسع هو من ~~إلقاء الشيطان والوسواس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. # ثم إنه انتقل من هذا الترتيب إلى أن جعل العقل أولا ثم الروح ثم القلب ثم ~~النفس وهذه أمور في الإنسان لا في الخارج فجعل هذا مثل هذا وهو كلام باطل ~~لا يدل عليه شرع ولا عقل بل يعلم بطلانه بالشرع والعقل. # وقد قدمنا الكلام في ذلك وبينا أن ذات الإنسان واحدة ولكن لها صفات ~~متعددة فباعتبار كل صفة يسمى باسم فأما أن يكون روح الإنسان أو بدنه أعيانا ~~قائمة بأنفسها هي أجسام أو جواهر قائمة بأنفسها إحداها العقل والثاني الروح ~~والثالث النفس فهذا باطل قطعا. # وأيضا فقول القائل ظهر يفهم منه في اللغة المعروفة أنه ظهر لغيره فعرفه ~~أو رآه بعد أن لم يكن ms092 كذلك مع كونه كان موجودا في # PageV01P185 # نفسه كما يقال ظهر الهلال وظهرت الشمس ونحو ذلك. # وهؤلاء قد يريدون بالظهور نفس الوجود ويقولون عن الموجودات مظاهر الحق ~~ومجاليه وليس مرادهم أنه عرف بها ودلت عليه وشهدت له بل مرادهم أنه انكشف ~~موجودا فيها وهو لم يزل فيها عندهم لكنه ظهر للسالك ما لم يكن ظاهرا له. # وكانوا أخذوا عن مشكاة صاحب الأنوار لما سمى الحق نورا بما يناسب هذا ~~وتبعه عليه ابن رشد الحفيد فاختار له من الأسماء اسم النور والنور يقال فيه ~~أشرق وظهر ونحو ذلك. # فيقال إن أريد بظهور الحق في هذه الأمور نفس وجود ذاته فيها فهذا صريح ~~الحلول والاتحاد وإن أريد به أنه عرف وعلم فكل ما في الوجود من شواهد الحق ~~وأعلامه ودلائله وآياته وهذا حكم يعم المخلوقات ويتناول جميع المصنوعات ~~سواء سميت محدثات أو ممكنات أو غير ذلك. # فكل ما سوى الله فقير إليه من كل وجه محتاج إليه حاجة مطلقة عامة فلا ~~وجود لذاته ولا شيء من أحواله وأوصافه إلا بالله ما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن فوجود كل منها مستلزم لوجود الحق وكل ملزوم فهو دليل على اللازم كما أن ~~كل دليل فهو ملزوم لمدلوله. # وكون هذه الموجودات محتاجة إلى الله ودليلا عليه أمر ذاتي لها لازم لا ~~يمكن أن تكون إلا كذلك فكما أن الخالق غني بذاته عن كل # PageV01P186 # شيء يمتنع لذاته أن يكون فقيرا بوجه من الوجوه فما سواه فقير لذاته يمتنع ~~أن يكون غنيا عن الله بوجه من الوجوه فلا حول ولا قوة إلا بالله. # والموجود إما قديم وإما محدث والمحدث لا يكون محدثا إلا بقديم. # وكذلك الموجود إما واجب لنفسه وإما ممكن والممكن لا يكون موجودا إلا ~~بواجب لنفسه. # وكذلك الموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق والمخلوق لا بد له من خالق غير ~~مخلوق فلا بد من الموجود الذي ليس بمخلوق. # وكذلك الموجود إما غني وإما فقير والفقير لا يوجد إلا بالغني فلا بد من ~~الغني على ms093 كل حال وتقدير. # وهذا لأن تقدير مخلوقات أو محدثات أو فقراء أو ممكنات ليس فيها خالق قديم ~~غني واجب بنفسه أفسد من تقدير محدث بلا محدث ومخلوق بلا خالق وفقير بلا غني ~~وممكن موجود بغيره بلا واجب موجود بنفسه فإنه كلما كثرت المحدثات والممكنات ~~والمخلوقات كان افتقارها إلى المحدث الواجب الخالق أعظم من افتقار الواحد ~~فإذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم يكن فيها موجود فتكون كلها معدومات وكثرة ~~المعدومات التي ليس موجود فيها بنفسه يوجب كثرة حاجتها إلى الموجد. # وهذا مع أنه من الضروريات المتفق عليها بين العقلاء فهو # PageV01P187 # مبسوط في غير هذا الموضع. # ولهذا اتفق العقلاء على امتناع التسلسل والدور في المؤثر سواء سمي فاعلا ~~أو خالقا أو موجبا أو علة أو غير ذلك ولكن تنازعوا في التسلسل في الآثار ~~كما بسطناه في موضعه. # والدور نوعان فالدور القبلي كالدور في المؤثرات والعلل والفاعل متفق بين ~~العقلاء على امتناعه. # وأما الدور المعي الاقتراني وهو أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا فهذا ليس ~~ممتنعا لذاته بل ممكن في الجملة كمعلولي العلة كالأبوة مع البنوة وكذلك إذا ~~كان غنيين عن الفاعل كصفات الرب الأزلية مع ذاته المقدسة فإنه لا يوجد شيء ~~من ذلك إلا مع الآخر وهو سبحانه بصفاته الأزلية غني عن الفاعل والمؤثر وهذا ~~كله مبسوط في موضعه. # والمقصود أن كون المخلوقات آيات للرب تبارك وتعالى ودلائل وشواهد ومظاهر ~~بمعنى أنها تدل وتعرف وتشهد بما شهد به القرآن واتفق عليه أهل الإيمان وعلم ~~ثبوته بالبرهان. # بل آياته المخلوقة دلت على صدق آياته المتلوة كما قال تعالى سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت # PageV01P188 # 53] حتى يتبين لهم أن القرآن حق فالضمير عائد على ما تقدم وهو الذي قيل ~~فيه إن كان من عند الله ثم كفرتم به ولهذا قال أولم يكف بربك أنه على كل ~~شيء شهيد (53) [فصلت 53] أي شهادته بما أنزله من القرآن كافية وهو مع هذا ~~أظهر للعيان في الأنفس والآفاق ما بين ms094 أن القرآن حق فيتفق السماع والعيان ~~وبرهان القرآن والغيب وبرهان الحق والشهادة ويتفق علمه وعلم الله الذي ~~أنزله على الرسول وعالمه الذي تستدل به العقول ويتصادق العقل والشرع والرأي ~~والسمع. # وأما كون ذاته سبحانه نفسها تحل في مخلوقاته فهذا هو الباطل سواء سمي ذلك ~~ظهورا وتجليا أو لم يسم فكثيرا ما يتكلم فيه أهل الضلال بالألفاظ التي فيها ~~إجمال إما ضلالا وإما إضلالا وقد يتكلم بالمجمل من لا يضل ولا يضل لكن مع ~~ما يبين به المراد فالذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه ويدعون المحكم ~~كفعل النصارى وأمثالهم من أهل الضلال الذين نزل بسببهم ما أنزل الله في ~~كتابه في آل عمران. # PageV01P189 # فصل # ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرا وأنت ~~تجد لها في الخير محملا. # وقال احمل أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه وقد قال الله ~~اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم [الحجرات 12] . # ونحن لا نحمل كلام رجل على ما لا يسوغ إذا وجدنا له مساغا ولولا ما أوجبه ~~الله نصيحة للخلق ببيان الحق لما كان إلى بيان كلام هذا وأمثاله حاجة ولكن ~~كثير من الناس يأخذون الكلام الذي لا يعلمون ما اشتمل عليه من الباطل ~~فيقتدون بما فيه اعتقادا وعملا ويدعون الناس إلى ذلك. # وقد يرى بعض المؤمنين ما في ذلك من الخطأ والضلال لكن يهاب رده إما خوفا ~~أن يكون حقا لا يجوز رده وإما عجزا عن الحجة والبيان وإما خوفا من ~~المنتصرين له فيجب نصح المسترشد ومعونة المستنجد ووعظ المتهور والمتلدد ~~وبيان الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء # PageV01P190 # والصالحين. # فلهذا وغيره نذكر ما تحتمله الكلمة من المعاني لاحتمال أن يكون قصد بها ~~صاحبها حقا ما لم يتبين مراده فإذا تبين مراده لم يكن بنا حاجة إلى توجيه ~~الاحتمالات. # فقد يقال هذا الشيخ لم يقصد بكلامه الحلول والاتحاد لا مطلقا ولا معينا ~~وإنما تكلم في المقام الذي يسمونه مقام ms095 الفناء والاصطلام وهو أن يغيب ~~السالك بمعروفه عن معرفته وبمذكوره عن ذكره وبمعبوده عن عبادته وبموجوده عن ~~وجوده كما يقال إن شخصا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في اليم فألقى ~~المحب نفسه فقال أنا وقعت فما أوقعك فقال غبت بك عني فظننت أنك أني. # وهذه الحال تعرض لطائفة من أهل سلوك طريق الله وعبادته ومحبته وتعرض أيضا ~~لمن يحب غير الله فيغلب ذكر المحبوب على القلب حتى لا يخطر للمحب تلك ~~الساعة لا نفسه ولا غيره ثم لقوة استيلاء ذلك على قلبه واستتباع قلبه ~~لحواسه يخيل إليه أنما يسمع هو كلام ذلك المحبوب الذي في قلبه وما يراه هو ~~هو وقد يظن أن الذي في قلبه هو في الخارج وليس ذلك إلا في قلبه. # وما يذكر عن بعض النساك والزهاد أنهم يقولون إنهم يرون الله # PageV01P191 # بأعينهم في الدنيا هو من هذا الباب ... ولهم صدق في العبادة والزهد. # وكثير من الشيوخ والمتكلمين في المعرفة ومنازل السائرين وحقائق التوحيد ~~يظنون أن هذا المقام مقام الفناء هو غاية السالكين وهو منتهى الواصلين. # وكذلك المتفلسفة الذين تكلموا في مقامات العارفين كابن سينا في الإشارات ~~وأبي بكر بن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وغيرها عندهم أن هذا هو غاية ~~العارفين. # وهؤلاء المتفلسفة أمرهم على أصلين فاسدين: # أحدهما أن كمال الإنسان ونهايته هو مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه ~~وجعلوا جنس الأخلاق والعبادات والأعمال ونحو ذلك إنما يطلب لكونه وسيلة إلى ~~المعرفة فقط فهي تقصد قصد الوسائل فقط كما تركب الإبل وتقطع المسافة لأجل ~~الحج ولهذا استخف هؤلاء بجنس المحبة والإرادة والعبادة والعمل لكون ذلك ~~عندهم إنما مقصوده تهذيب النفس وإعدادها لحصول ما هو عندهم العلم. # PageV01P192 # والأصل الثاني الفاسد الذي بنوا عليه أمرهم فإنهم لما رأوا أن مجرد العلم ~~هو الغاية والكمال الذي يحصل للإنسان لم يكن عندهم علم إلا ما علموه من ~~العلم الذي يسمونه هم الإلهي وذلك العلم منتهاه هو العلم بالوجود المطلق ~~الكلي وهو [ما] يسمونه العلم الأعلى والفلسفة ms096 الأولى ويقولون هو النظر في ~~الوجود ولواحقه ويقولون موضوع العلم الأعلى هو الوجود ومعلوم أن مسمى ~~الوجود المشترك من الموجودات إنما هو في الذهن وإنما العلم الأعلى هو العلم ~~بالله والله هو الأعلى على كل شيء من كل وجه كما قال سبحانه سبح اسم ربك ~~الأعلى (1) [الأعلى 1] فالعلم به أعلى العلوم وإرادة وجهه أفضل الإرادات ~~ومحبته أفضل المحبات. # وهؤلاء يتكلمون في الوجود المطلق وانقسامه إلى واجب وممكن وعلة ومعلول ~~وانقسام العلة إلى العلل الأربعة: # المادة والصورة وهما علتا ماهية الشيء في نفسه والفاعل والغاية وهما علتا ~~وجود ذلك. # وانقسامه إلى جوهر وعرض وانقسام الجوهر إلى خمسة أقسام العقل والنفس ~~والمادة والصورة والجسم وانقسام الأعراض إلى تسعة وهذه التسعة مع الجوهر هي ~~المسماة بالمقولات العشر عندهم وهي الأجناس العالية للموجودات. # ثم الأعراض هل هي تسعة أو خمسة أو ثلاثة في ذلك # PageV01P193 # نزاع ليس هذا موضعه وهي الكم والكيف والأين ومتى والوضع والإضافة والملك ~~وأن يفعل وأن ينفعل وقد جمعها بعضهم في بيتين فقال: # زيد الطويل الأسود بن مالك ... في داره بالأمس كان يتكي # في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشرة مقالات سوا # وكلامهم في هذه الأمور بعضه حق وبعضه باطل ليس هذا موضع تفصيل ذلك. # ولكن المقصود أن غايتهم معرفة وجود مطلق هو الأعلى عندهم والوجود المطلق ~~لا يكون مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان فهذه العلوم العقلية الإلهية ~~التي يجعلونها غاية كمال الإنسان وبها ينال كمال السعادة غاية معلوماتها ~~أمور مطلقة كليات لا توجد إلا في الأذهان لا في الأعيان كالعلم بالعدد ~~المجرد عن المعدودات. # ويقولون العلوم ثلاثة: # علم متعلق بالمادة في الذهن والخارج وهو العلم الطبيعي وهو الكلام في ~~الجسم وما يلحق ذلك من حده وأنواعه وأنواع أنواعه كالكلام في الجسم مطلقا ~~ثم الكلام في السماء والعالم ثم الكلام في الآثار العلوية ثم الكلام في ~~المولدات من الحيوان والنبات والمعادن # PageV01P194 # وأنواع ذلك وهو أوسع علومهم. # وعلم متعلق بالمادة في الخارج لا في الذهن وهو العلم الرياضي كعلم العدد ms097 ~~والمقدار ومنه علم الهندسة. # وعلم لا يتعلق بالمادة لا في الذهن ولا في غيره وهو علم ما بعد الطبيعة ~~باعتبار العالمين وهو علم ما قبلها باعتبار الموجود المعين وسماه متأخروهم ~~الذين دخلوا في ملة الإسلام العلم الإلهي. # وهذا العلم إذا حقق عليهم لم يكن معلومه إلا أمور مطلقة تقوم في الأذهان ~~لا حقيقة له في الخارج فإن الوجود المطلق وأنواعه وأنواع أنواعه هذا كله ~~أمور مطلقة كلية لا توجد في الخارج وإنما توجد مطلقة في الذهن. # وأما العلم بواجب الوجود فهو عندهم جزء من هذا العلم مع أن واجب الوجود ~~الذي يصفونه لا وجود له في الخارج بل وجوده في الخارج ممتنع كما قد بسط في ~~موضعه. # والعقول العشرة التي يثبتونها إذا حقق الأمر فيها لم يكن لها أيضا وجود ~~إلا في الأذهان لا في الأعيان بل يسمونها مجردات هي عند التحقيق ما يجرده ~~العقل من المعقولات الكلية التي انتزعها من المحسوسات والمعقولات الكلية ~~المنتزعة من المحسوسات هي أمور # PageV01P195 # ثابتة في الذهن وهي أمور كلية سواء كانت شيئا مفردا أو كانت قضية مركبة ~~من موضوع ومحمول. # وإذا حقق الأمر على القوم فلا يثبتون موجودا في الخارج إلا الفلك وما ~~حواه وما يثبتونه من العقليات غير ذلك فلا وجود لها في الحقيقة إلا في ~~الذهن وهذه جملة مختصرة مبسوطة في غير الموضع نبهنا عليها هنا لارتباط ~~الكلام بها. # والذين تصوفوا وتألهوا وسلكوا مسلك التحقيق والعرفان على طريقة هؤلاء كان ~~منتهاهم إثبات هذا الموجود المشهود وهو الفلك وما حواه وهذا غاية ابن سبعين ~~وابن عربي والتلمساني وأمثالهم. # وهو حقيقة قول فرعون لكن هؤلاء سموا هذا الله وظنوا أنه الله وفرعون كان ~~أحذق منهم وأخبر فعلم أنه ليس هو الله وكان يثبت صانع العالم لكن جحده ظلما ~~وعلوا لهذا لما قال لموسى وما رب العالمين (23) [الشعراء 23] قاله على طريق ~~استفهام الإنكار يقول هذا الذي تقول إنه أرسلك ما هو عرفنا به فأجابه موسى ~~جواب من يعرف أنه يعرفه ويظهر إنكاره ويقول هو أعرف ms098 من أن يعرف وأبين من أن ~~يحتاج إلى إظهار وهو معروف عندك. # كما لو جاء رجل برسالة من عند عمر بن الخطاب إلى بعض أعراب المدينة فقال ~~ذلك الأعرابي ما هو هذا عمر فقال له الرسول هو أمير # PageV01P196 # المؤمنين عمر بن الخطاب الذي ولى عليكم فلانا وفعل بكم كذا وكذا وذلك ~~الأعرابي يعلم ذلك لكن تجاهل فهذه كانت حال فرعون مع موسى. # وأما من يقول إنه سأله طالبا لتعريفه الحقيقة بالجنس والفصل وأن موسى عدل ~~عن ذلك إلى التعريف بالأفعال فهذا كلام طائفة من المتأخرين الغالطين فإن ~~فرعون كان منكرا لوجوده وهو القائل ما علمت لكم من إله غيري [القصص 38] ~~وقال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين [الشعراء 29] والطالب ~~لتعريف الحقيقة يكون مقرا بالوجود على أن الجواب بذكر الماهية المركبة من ~~الجنس والفصل قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع وبينا بعض ما وقع فيه من ~~غلط المنطقيين. # فهؤلاء المتفلسفة ضلالهم في كمال النفس وسعادتها مركب من أصلين ظنهم أن ~~الكمال هو مجرد العلم وظنهم أن ذلك العلم هو ما عندهم من العلم الإلهي الذي ~~ليس فيه علم بالإله بل هو من أعظم الجهل بالإله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر. # ولهذا كان منتهى الفلاسفة الإلهيين هو بداية الداخلين في الملل دخولا ~~حقيقيا من اليهود والنصارى فضلا عن المسلمين لكن تسلطوا على كثير من ~~المنتسبين إلى الملل لما فرطوا فيه من معرفة ما جاءت به الرسل من العلم ~~الإلهي الذي هو أشرف العلوم. # PageV01P197 # فطائفة من الناس توافقهم على الأصل الأول دون الثاني وهو من يظن أن كمال ~~النفس وغايته هو مجرد العلم لكن يعلم أنهم مخلطون في العلم الإلهي فيطلب هو ~~علم ذلك من الجهة التي نفوها وهذا حال كثير من الناس وفي كلام أبي حامد ~~أحيانا إشارة إلى ذلك هو قريب من مذهب جهم بن صفوان ومن وافقه كالصالحي ~~والأشعري في أحد قوليه الذي يجعل الإيمان مجرد العلم بالله. # لكن ### | جهم وأتباعه خير من هؤلاء من جهتين # من جهة ms099 أن ما عندهم من العلم بالله أكثر وأصح مما عند هؤلاء ومن جهة أن ~~الأعمال عندهم لها ثواب وعقاب ومن جهة أن لهم من المعرفة بكتاب الله ~~وملائكته ورسوله وغير ذلك من معارف من جنسه ما ليس لهؤلاء وإذا كان جهم ~~خيرا من هؤلاء من جهات كثيرة وقد عرف كلام السلف والأئمة في جهم فكيف يكون ~~هؤلاء عند سلف الأمة وأئمتها ولهذا يوافقون جهما على نفي الصفات وهم وجهم ~~في ذلك أشد من # PageV01P198 # المعتزلة وهم يميلون إلى الجبر والإرجاء كمذهب جهم فهم بالجهمية أشبه ~~منهم بالمعتزلة وإن كانت الجهمية خيرا منهم من وجوه كثيرة. # وما يذكرونه من سعادة النفوس بعد الموت والطريق إلى ذلك فيه من الجهل ~~والضلال ما الله به عليم ومن خبر كلام أئمتهم كابن سينا علم أنهم يعلمون من ~~أنفسهم أنه ليس عندهم بذلك علم وإنما يتكلمون فيما لا علم لهم به كما تمثل ~~به الشهرستاني بقول القائل: # فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد # وأبو محمد بن حزم مع تعظيمه للفلاسفة ولعلومهم وتصنيفه في المنطق وغيره ~~وتعظيمه للمنطق وأن كلامهم وكلام المعتزلة والجهمية عنده حتى نفى الصفات ~~وأراد أن يجمع بين ذلك وبين ما جاءت به الرسل فقال ما لا حقيقة له ولا يعقل ~~وأثبت ألفاظا لا معنى لها وقال وقف العلم عند معرفة الصفات وكان هذا من ~~تحميرهم وتحمير الجهمية فيه اعترف مع ذلك بأنه ليس عندهم علم بما ينجي ~~ويسعد بعد الموت فقال بعد تعديد علومهم من المنطق والطبيعي والرياضي وذكر ~~ما جاءت به النبوة قال والوجه الثالث من منفعة ... ما جاءت به النبوة هو ~~التقديم بنجاة # PageV01P199 # النفوس بعد خروجها من هذه الدار من الهلكة التي ليس معها ولا بعدها شيء ~~من الخير ولا بأقل ولا بأكثر فلا سبيل إلى معرفة حقيقة مراد الخالق عز وجل ~~منا ولا إلى معرفة طريق خلاصنا إلا بالنبوة. # وأما بالعلوم الفلسفية التي قد قدمنا فلا أصلا ومن ادعى ذلك فقد ادعى ~~الكذب لأنه يقول بذلك بلا ms100 برهان ألبتة وما كان هكذا فهو باطل ولا يعجز أحد ~~عن الدعوى وليست دعوى أحد أولى من دعوى غيره بلا برهان. # ثم البرهان قائم على بطلان هذه الدعوى لأن الفلاسفة الذين يستند إليهم ~~هذا المدعي مختلفون في أديانهم كاختلاف غيرهم سواء سواء فوجب طلب الحقيقة ~~من ذلك عند من قام البرهان على أنه إنما يخبر عن خالق العالم ومدبره عز ~~وجل. # قال وهذا مكان يلزم العالم الناصح لنفسه أن لا يجعل كده ولا سعيه ولا ~~اجتهاده إلا في الوقوف على حقيقته وإلا فهو موبق لنفسه وأن لا يشتغل عن ذلك ~~بعلم يقل نفعه ومن فعل ذلك فهو ضعيف العقل فاسد التمييز سيئ الاختيار مستحق ~~الذم جان على نفسه PageV01P200 # أعظم الجنايات. # * * * # قلت وضلالهم نشأ من جهتين من جهة كونهم لا يعقلون ولا يسمعون كما قال ~~تعالى في أهل النار كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) ~~قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) ~~[الملك 8-10] . # فإن ما دخلوا فيه من العقليات في الإلهيات فيه ضلال عظيم مخالف لصريح ~~العقل. # وأما السمعيات فقد علم إعراضهم عنها مع جهلهم وهم يدعون النجاة والسعادة ~~بعد الموت تحصل بما عندهم من العلوم والأعمال من الأخلاق وسياسة المنزل ~~والبدن وهذا باطل قطعا فإنه قد ثبت باليقين الذي لا يحتمل النقض أن من لم ~~يؤمن بالرسول فلا نجاة له ولا سعادة ولو حصل جميع علومهم واتصف بما يأمرون ~~به من الأخلاق والتدبير والسياسة حتى لو قدر أن ما علقوا به النجاة ~~والسعادة من العلوم والأخلاق بوحي من الله كما كان ذلك معلقا بما جاء به ~~موسى وعيسى والنبيون لكان بعض ذلك منسوخا بما بعث الله به محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فكيف وليس الأمر كذلك؟! PageV01P201 # ولهذا كان من لم يعتصم بالملل منهم شرا من اليهود والنصارى وقد قال تعالى ~~إن الذين آمنوا والذين ms101 هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) [البقرة ~~62] فقد بين سبحانه وتعالى أن الموجب للنجاة والسعادة في الدار الآخرة هو ~~الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وهؤلاء مقصرون غاية التقصير فيما ~~عندهم من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ولو قدر أن الذي عندهم ~~كاف في السعادة إذا كانوا صابئين فاليهود والنصارى خير منهم. # ثم من لم يؤمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى ~~فهو كافر شقي معذب في الآخرة فكيف إذا كان من الصابئين الحنفاء فكيف إذا ~~كان من هؤلاء الفلاسفة الذين هم من الصابئة المشركين وقد بين الله سبحانه ~~أن الدين عند الله الإسلام وأنه لا يقبل دينا غيره ولهذا كان الإسلام دين ~~جميع النبيين. # و ### | أصل دين الإسلام # أن يعبد الله وحده لا شريك له وهؤلاء الفلاسفة لا يوجبون عبادة الله ولا ~~يحرمون عبادة ما سواه فهم خارجون عن الإسلام العام الذي لا يسعد أحد إلا به ~~ولا يقبل الله دينا سواه. # فهذا أصل يجب معرفته وأنه في كل زمان ومكان إنما تحصل السعادة بعد الموت ~~بالإيمان والإسلام لكن شرع بعض الشرائع تحت # PageV01P202 # شرائع الأنبياء. # وأما حصول السعادة بمجرد ما يدعيه هؤلاء من العلم أو العلم والأخلاق فهذا ~~باطل معلوم الفساد مع أنه ليس لهم عليه دليل صحيح. # ولما كان أصل هؤلاء أن العبادات والأخلاق إنما هي وسائل إلى مجرد العلم ~~كان المصنفون على طريقهم في الفلسفة كابن سينا والرازي في المباحث المشرقية ~~وغيرها يجعلون الكلام في الأخلاق والسياسات المنزلية والبدنية تنتظم الكلام ~~في الشرائع الإلهية التي جاءت بها الأنبياء كمباني الإسلام الخمس من الصلاة ~~والزكاة والصيام والحج فيجعلون هذه وأمثالها تتعلق بعلوم الأخلاق ~~والسياسات. # ومقصود ذلك إما سياسة الأخلاق وإما سياسة العالم للعدل في الدنيا ودفع ~~ظلم بعضهم عن بعض لا لأن ذلك يوجب السعادة في الآخرة ولا جزء من الموجب ~~للسعادة ولا هو بنفسه كمال للنفس بل ms102 هو متعة للنفس ووسيلة لها إلى إكمالها. # ولهذا في كلام أبي حامد صاحب الإحياء ما يميل إلى هذا كجعله منفعة علم ~~الفقه في الدنيا فقط وكما يذكره من أن مقصود علوم المعاملات تصفية النفس ~~فيحصل لها علم المكاشفة. # PageV01P203 # وتقسيم الأمر إلى ملك وملكوت وجبروت وهي معاني الفلاسفة وعبر عنها ~~بعبارات إسلامية لم يقصد بها الرسول ما يقصده هؤلاء فإن هؤلاء يعنون بالملك ~~الأجسام وبالملكوت والجبروت النفوس والعقول والنبي صلى الله عليه وسلم قال ~~في ركوعه وسجوده سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة لم يرد هذا ~~... وكذلك قوله تعالى فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء [يس 83] وقوله وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض [الأنعام 75] لم يرد هذا ... . # ولهذا يفرقون فطائفة منهم تقول من حصل له العلم الذي هو عندهم الغاية لم ~~يجب عليه ما يجب على الناس من الصلوات وغيرها بل قد يباح له ما لا يباح ~~لغيره من الفواحش والمظالم ومن هنا دخلت القرامطة الباطنية وصاروا يسقطون ~~عن خواصهم واجبات الإسلام ويبيحون لهم ما حرمه الله ورسوله وكانوا في ذلاك ~~أسوأ حالا من أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ومن هنا دخل ~~كثير من الفلاسفة. # والمتكلمون والصوفية لا يرضون مذهب القرامطة الباطنية بل # PageV01P204 # منهم من يقول إذا بلغ الإنسان الغاية في العلم أو المعرفة سقطت عنه ~~الواجبات وقد يتأول بعضهم قوله تعالى واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) ~~[الحجر 99] وقد تقدم الكلام على هذه الآية. # والمقصود هنا التنبيه على أصول أقوال الناس ومنشأ ضلال الضالين ليعرف ذلك ~~فيزهد فيه ويرغب في الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين. # فأما الأصل ... فليعلم أنه كما أن العلم بالله مقصود فمحبة الله أيضا ~~مقصودة فلا يكفي النفس مجرد أن تعرف الله دون أن تحبه وتعبده وهذا أصل ملة ~~إبراهيم الخليل إمام الحنفاء الذي اتخذه الله خليلا وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى ms103 الله عليه وسلم إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وقد ~~قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) [الذاريات 56] والعبادة ~~تتضمن كمال المحبة له وكمال الذل له. # فلو قدر أن الإنسان علم كل علم ولم يكن محبا لله عابدا له كان شقيا معذبا ~~ولم يكن سعيدا في الآخرة ولا ناجيا من عذاب الله. # والله تعالى أرسل جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له ~~وعبادته تتضمن محبته وتعظيمه ومعرفته. # PageV01P205 # وقد أنكرت الجهمية والمعتزلة والكلابية وغيرهم ومن اتبع هؤلاء من الفقهاء ~~محبة ذات الله وقالوا إن ذات الرب لا تحب وإن ما ورد به الشرع من محبته ~~فالمراد به محبة طاعته ومحبة الرب للعباد معناها إثابته أو إرادة إثابته. # وعلى هذا القول قتل الجعد بن درهم حين ضحى به خالد بن عبد الله القسري ~~والقصة مشهورة ... والعلة هو إنكار المحبة والكلام ... ضل من ضل من طوائف ~~أهل البدع والكلام. # ومن أنكر أن الله يحبه عباده ويحب عباده فقد أنكر أصل ملة إبراهيم وهذا ~~قد وقع فيه طوائف من المشهورين بالعلم في كتب أصول الدين وغيرها وأضافوا ~~فيه من الأصول الفاسدة التي تلقوها عن الجهمية. # وهؤلاء الملاحدة من المتفلسفة وغيرهم موافقون لأعداء إبراهيم وموسى ~~كفرعون ونمروذ الذين لم يتبعوا الرسل فيما أمروهم به من عبادة الله وحده لا ~~شريك له. # وهذا هو دين الإسلام الذي لم يبعث الله نبيا إلا به فهو الدين الذي لا ~~يقبل الله ممن ابتغى دينا غيره ولا أن يعبد الله ويعبد غيره فمن # PageV01P206 # عبد الله وغيره فهو مشرك والله لا يغفر أن يشرك به ومن استكبر عن عبادته ~~فقد قال تعالى إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60) [غافر ~~60] ولهذا نجد هؤلاء الذين يستكبرون عن عبادة الله يبتلون بمن يذلهم حتى ~~يستعبدهم من الملوك ونحوهم فهم يستكبرون عن عبادة الله ويعبدون ما سواه!! # وكثير من المنتسبين إلى العلم يبتلى بالكبر كما يبتلى كثير من أهل ~~العبادة بالشرك ولهذا فإن آفة العلم الكبر ms104 وآفة العبادة الرياء وهؤلاء ~~يحرمون حقيقة العلم كما قال تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق [الأعراف 146] . # قال أبو قلابة منع قلوبهم فهم القرآن ولهذا كان الكبر كثيرا في اليهود ~~وأشباه اليهود الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه والشرك كثير في النصارى ~~وأشباه النصارى الذين يعملون ويعبدون بغير علم. # والمهتدون هم الذين يعلمون الحق ويعملون به كما قال تعالى اهدنا الصراط ~~المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) ~~[الفاتحة 6-7] . # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى # PageV01P207 # ضالون ولا يحصل اتباع الصراط المستقيم إلا بالعلم الواجب والعمل اللذين ~~يتبع فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فلا بد من علم ولا بد من عمل وأن يكون كلاهما موافقا لما جاء به الرسول ~~فيجب العلم والعمل والاعتصام بالكتاب والسنة ولهذا قال من قال من السلف ~~الدين قول وعمل وموافقة السنة ولفظ بعضهم لا ينفع قول إلا بعمل ولا ينفع ~~قول وعمل إلا بمتابعة السنة وقد قال تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه [فاطر 10] . # ولهذا كان مذهب الصحابة وجماهير السلف من التابعين لهم بإحسان وعلماء ~~المسلمين أن الإيمان قول وعمل أي قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح. # وأما من صدق بقلبه الرسول وعرف أن ما جاء به حق مع أنه يبغضه ويستكبر عن ~~عبادة الله وطاعته كإبليس وفرعون والنمروذ واليهود فهذا من أعظم الكافرين ~~كفرا. # وقد كان جهم ومن وافقه [يقولون إن الإيمان] مجرد تصديق القلب أو مجرد ~~معرفة القلب [و] أن كل من يثبت أنه كافر في الباطن فإنه لا يكون إلا ~~لارتفاع ما بقلبه من التصديق والمعرفة فعندهم يمتنع أن يبغض الرسول من عرف ~~وصدق بقلبه أنه رسول الله ومعلوم أن هذا مكابرة # PageV01P208 # للحس والعقل والشرع وهو من جنس أقوال الفلاسفة إن كمال النفس في مجرد أن ~~تعلم بل من المعلوم بالضرورة بعد التجربة والامتحان أن الإنسان قد يعرف أن ~~هذا رسول الله وما في قلبه ms105 من محبة الرياسة والحسد له ونحو ذلك يوجب أن ~~يبغضه ويعاديه أعظم من معاداة من جهل أنه رسول الله وقد قال تعالى في حق آل ~~فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل 14] وقال تعالى ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [الأنعام 33] وقال تعالى ~~الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة 146] . # وإبليس لم يكن كفره بتكذيب فإنه لم يبعث إليه الرسول بل أمره الله ~~بالسجود فاستكبر عن ذلك فكان كفره من ترك الخضوع والعبادة لله لا من باب ~~التكذيب لخبره وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ومعرفتها من أهم ~~الأمور فإن بها يعرف الإيمان وسعادة الإنسان وما بعث الله به الرسل. # والمقصود هنا أن هؤلاء كصاحب الإشارات ابن سينا وأتباعه مثل صاحب رسالة ~~حي بن يقظان وغيره لما اعتقدوا أن غاية الإنسان هو العلم وهؤلاء علموا من ~~العلم الإلهي الذي جاء به الرسول ما تميزوا به على سلفهم اليونان فإن الذي ~~عند أولئك من العلم الإلهي نزر قليل مخبط فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر ~~لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى. # وكلام أرسطو صاحب التعاليم في علم ما بعد الطبيعة كلام قليل # PageV01P209 # ذكره في كتاب أثولوجيا ونحوه وأما كلامهم الكثير في العلم الطبيعي وهو ~~الكلام في أحوال الأجسام الفلكية والعنصرية والمولدات من النبات والمعادن ~~والحيوان فلهم في ذلك كلام كثير. # وأما العلم الإلهي فكلامهم فيه مع أنه قليل ففيه خطأ كثير وفيه من الجهل ~~البسيط والمركب أعظم مما في كلام المبتدعة المنتسبة إلى الملة كالجهمية ~~ونحوهم. # وقد تكلم ابن سينا وأتباعه على مقامات العارفين وأرادوا أن يجمعوا بين ~~طريقة أهل البحث والنظر وأهل العبادة والتأله على أصولهم تكلم ابن سينا في ~~مقامات العارفين وكذلك ابن الطفيل صاحب رسالة حي ابن يقظان وأبو عبد الله ~~الرازي يقول ليس في كتابه أفضل من كلامه في مقامات العارفين وما ذكه في ذلك ~~فكلامه هو من أدنى كلام أهل المعرفة والتصوف وقد جعل غايتهم فناء العارف ~~حتى يغيب ms106 عن نفسه وغيره. # وهذا قول طائفة من الصوفية جعلوا الفناء هو منتهى سلوك العارفين وطائفة ~~أخرى يجعلونه من اللوازم في طريق العارفين وكل ذلك خطأ بل هذا الفناء أمر ~~يعرض لبعض السالكين ليس من لوازم الطريق فضلا عن أن يكون هو منتهى سلوك ~~السالكين ولهذا لم يقع هذا الفناء للصحابة الذين هم أفضل الخلق بعد ~~الأنبياء فضلا أن يقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن مضمونه نقص ~~المعرفة وعدم العلم وليس هذا من # PageV01P210 # صفات الكمال بل إذا كان العبد يذكر الله ويعرفه معرفة مفصلة متناولة ~~لأسمائه الحسنى وصفاته العلى وشهد المخلوقات يدبرها الخالق ويصرفها بمشيئته ~~كما هو الأمر عليه في نفسه كان هذا المشهد أكمل وأتم من مشهد أهل الفناء ~~والاصطلام. # وقد قدمنا أن لفظة الفناء تطلق على ثلاثة أمور: # أحدها أن يفنى العبد بعبادته عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه ~~وبطاعته عن طاعة ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه ~~فهذا أهل التوحيد والإخلاص كالرسل وأتباع الرسل وهذا هو أصل ملة إبراهيم ~~وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. # وهذا الفناء مقرون بالبقاء فإن نفي إلهية ما سوى الله مقرون بإثبات ~~إلهيته سبحانه وتعالى وفي هذا الفناء تكلم طائفة من أكابر المشايخ كالشيخ ~~عبد القادر وغيره فيأمرون الإنسان أن يفنى عن هواه وعن الالتفات إلى الخلق ~~بالإخلاص لله والعمل بما أمر به ويبينون أن أصول السلوك ثلاثة أمور فعل ~~المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور. # والأمر الثاني من المعاني التي يعبرون عنها بلفظ الفناء هو الفناء عن ~~شهود السوى وهو أن يفنى بمعبوده عن عبادته وبمعروفه عن معرفته ويسمى ~~الاصطلام المحو وهذا خيال يعرض لبعض السالكين وهو حال ناقص ليس هو الغاية ~~ولا يعرض للكاملين كنبينا صلى الله عليه وسلم والسابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار وهذا كحال الغشي # PageV01P211 # وذهاب العقل يعرض لبعض السالكين. # والثالث هو الفناء عن وجود السوى وهو أن يرى الوجود واحدا أو وجود الخالق ~~وجود ms107 المخلوق وهذا حال الفرعونية القائلين بوحدة الوجود كابن سبعين وابن ~~عربي وابن الفارض والقونوي والتلمساني ونحوهم وهؤلاء مع إلحادهم وجهلهم ~~وتناقض أقوالهم شرعا وعقلا يجعلون ما هم عليه هو غاية التحقيق والتوحيد ~~والعرفان!! # وهم مع من قبلهم ومن هو أقرب إلى الإسلام منهم ... مع من هو خير منهم ~~كالشيعة والمعتزلة ونحوهم فإنهم أخذوا ما في مذاهب هؤلاء من البدع الفاسدة ~~كالتجهم ونفي الصفات وادعاء باطن للكتاب والسنة يخالف ظاهرهما وجعلوا ذلك ~~حجة عليهم فيما نازعوهم. # فقالوا للجهمية والمعتزلة أنتم توافقونا على نفي الصفات وأن إثباتها ~~يتضمن التشبيه والتجسيم والتركيب وذلك باطل فيلزمكم نفي الأسماء أيضا فإن ~~السماء تتضمن الصفات إذ الحي يتضمن الحياة والعليم يتضمن العلم والقادر ~~يتضمن القدرة. # فجعلوا موافقتهم لهم على نفي الصفات حجة لهم على نفي الأسماء فإن ما فروا ~~منه بزعمهم من التشبيه والتركيب ثابت في المسمى بالأسماء كما هو ثابت فيما ~~هو متصف بهذه الصفات. # وأهل السنة المثبتون للأسماء والصفات يحتجون على المعتزلة # PageV01P212 # بعكس هذه الطريقة فإن المعتزلة نفاة الصفات لما قالت لأهل السنة المثبتين ~~للصفات إن العلم والحياة والقدرة والكلام والإرادة أعراض لا تقوم إلا بجسم ~~فإنا لا نعقل موصوفا بهذه الصفات إلا جسما فإذا أثبتم الصفات لزم التجسيم. # قال لهم أهل السنة المثبتون أنتم قد وافقتمونا على أنه حي عليم قدير مع ~~أنكم لا تعقلون مسمى بهذه الأسماء إلا جسما فما كان جوابكم عن الأسماء فهو ~~جوابنا عن الصفات. # وذلك أن كل من نفى شيئا من الأسماء والصفات التي نطق بها الكتاب والسنة ~~فرارا من محذور فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما فر منه فيما نفاه فإذا نفى ~~الغضب والمحبة وأثبت الإرادة والسمع والبصر بناء على أن الغضب والحب الذي ~~يعقل هو ما يتصف به العبد وذلك ممتنع في حق الله. # قيل له الإرادة والسمع والبصر الذي يعقل هو ما يتصف به الإنسان وذلك ~~ممتنع في حق الله تعالى. # فهذا قال هذه الصفات ثابتة لله على ما يليق به من غير أن تماثل ms108 صفاته ~~صفات المخلوقين. # قيل له وكذلك سائر الصفات هي ثابتة لله على ما يليق به من غير أن تماثل ~~صفات المخلوقين فهو سبحانه متصف بصفات الكمال منزه عن النقص بكل وجه ومنزه ~~عن أن يماثله غيره في شيء من صفاته والتنزيه [ينبني على هذين الأصلين: # PageV01P213 # الأول] وهو تنزيهه تعالى عن النقص والعيب بكل وجه وذلك داخل في معنى اسمه ~~القدوس السلام فإنه مستحق لصفات الكمال وهي من لوازم ذاته فكل ما نافى ~~كماله اللازم له وجب نفيه عنه لامتناع اجتماع الضدين وبهذا تبين أن تنزيهه ~~عن النقائص يعلم بالعقل. # فإن طائفة من النظار كصاحب الإرشاد وشيعته قالوا إنما يعلم نفي النقائص ~~بالسمع وهو مبسوط في موضعه فإن الرب تعالى مستحق لصفات الكمال وهي لازمة له ~~يمتنع وجوده بدونها كالحياة والقيومية والعلم والقدرة والحياة والقيومية ~~تنافي السنة والنوم والعلم ينافي النسيان والجهل والقدرة تنافي العجز ~~واللغوب وأمثال ذلك. # والأصل الثاني أنه ليس له كفوا أحد في شيء من صفاته فلا يماثله شيء من ~~الأشياء في شيء من صفاته فمن نفى صفاته كان معطلا ومن مثلها بصفات خلقه كان ~~ممثلا ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات على وجه التفصيل ونفي ~~النقص والتمثيل إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل فقوله تعالى ليس كمثله ~~شيء [الشورى 11] رد على الممثلة وقوله وهو السميع البصير (11) رد على ~~المعطلة. # PageV01P214 # ومن فرق بين صفة وصفة من صفات الكمال كان قوله متناقضا. # فإن قال النافي أنا أنفي جميع الأسماء والصفات كما يقوله غلاة الجهمية ~~والباطنية والقرامطة والاتحادية. # قيل له إما أن تثبت موجودا واجبا قديما خالقا وإما أن لا تثبته فإن أثبته ~~فقد أثبت واجبا وممكنا وقديما وحادثا وخالقا ومخلوقين وهما يتفقان في مسمى ~~الوجود والشيء والذات وأحدهما متميز عن الآخر بما يخصه وهذا هو الذي فررت ~~منه. # وإن نفيت الوجود الواجب القديم قيل لك أنت تعلم أن ثم موجودا وكل موجود ~~فإما ممكن وهو ما قبل العدم ويكون وجوده بغيره وإما واجب الوجود وهو ~~الموجود بنفسه الذي ms109 لا يفتقر إلى غيره وهو أيضا إما حادث وهو ما كان بعد أن ~~لم يكن وإما قديم وهو ما لم يزل وهو أيضا إما مخلوق وهو ما خلقه غيره وإما ~~غير مخلوق وهو أيضا إما فقير إلى غيره وإما غني ليس فقيرا إلى غيره وكل ~~ممكن فلا بد له من واجب وكل محدث فلا بد له من قديم وكل مخلوق فلا بد له من ~~خالق غير مخلوق وكل فقير فلا بد له من غني فإن وجود الممكن بدون الواجب ~~ممتنع وكذلك وجود المحدث بدون المحدث والمخلوق بدون الخالق والفقير بدون ~~الغني فثبت أنه لا بد في الوجود من موجد غني قديم خالق واجب بنفسه. # فإن قال أنا أجعله وجود جميع الموجودات كما يقول أهل وحدة الوجود. # PageV01P215 # قيل له نحن بالمشاهدة والضرورة نعلم أن من الموجودات ما يوجد بعد عدمه ~~ويعدم بعد وجود كما نشاهده من أنواع الحيوانات والنباتات والمعادن والسحاب ~~والمطر وغير ذلك مما يحدث بعد عدمه ويعدم بعد وجوده. # والإنسان يعلم أنه كان بعد أن لم يكن ويعلم أن بدنه يستحيل وأمثال ذلك ~~كثير وكل من عدم مدة فليس بواجب الوجود ولا قديم فإن واجب الوجود لا يقبل ~~العدم بوجه من الوجوه. # فقد علم بالحس وضرورة العقل أن الموجود ينقسم إلى واجب وإلى ممكن وقديم ~~ومحدث وخالق ومخلوق وغني بنفسه وفقير إلى غيره. # وعلم أيضا أنهما متفقان في مسمى الوجود والثبوت والشيء والحقيقة وغير ذلك ~~ويمتاز كل منهما عن الآخر بخصائصه. # وليس اتفاقهما في ذلك بمعنى أن في الخارج عن العلم والذهن معنى واحدا ~~يشتركان فيه بل كل ما في الخارج من الموجودات فهو مختص بما هو موجود في ~~الخارج فصفات كل موصوف قائمة به لا يشركه فيها غيره ولكن يتفقان في معنى ~~عام كلي لا يوجد مطلقا كليا إلا في الذهن والكلي ر يكون كليا إلا في ~~الأذهان لا في الأعيان. # ولكن طائفة من النظار غلطوا في هذا الموضع فظنوا أنه إذا قيل هذان يتفقان ~~في مسمى الوجود ms110 ففي الخارج وجود هو بعينه ثابت لكل منهما وظنوا أن من قال ~~ذلك فإنه يقول وجود الشيء زائد على ماهيته التي هي حقيقته وأن من قال إن ~~لفظ الوجود والشيء والثابت يقال # PageV01P216 # بالتواطؤ العام سواء كان المعنى العام يتفاضل يسمى مشككا أو لم يكن كذلك ~~فإن مذهبهم أن وجود كل شيء زائد على ماهيته ومن قال إن وجود الشيء في ~~الخارج هو حقيقته الخارجة فإنه يجعل لفظ الوجود مشتركا اشتراكا لفظيا وهو ~~غلط فإن مذاهب أئمة النظار والمتكلمين أن لفظ الوجود والشيء ونحوهما من ~~الأسماء العامة التي تسمى متواطئة ليس من الأسماء المشتركة لفظيا كلفظ ~~المشتري الذي يقال على قابل البيع وعلى كوكب في السماء. # ثم إن ### | مذهب نظار أهل الإثبات كالأشعري وغيره أن وجود كل شيء هو حقيقته الموجودة # في الخارج مع قولهم بأن اسم الوجود عام على كل متواطئ ومن نقل عن هؤلاء ~~أنهم قالوا لفظ الوجود مشترك اشتراكا لفظيا فقد غلط عليهم كما يوجد ذلك في ~~كلام أبي عبد الله الرازي وأبي الحسن الآمدي وغيرهما ممن تبع الشهرستاني في ~~ذلك. # فإن قالوا ذلك لما ظنوه لازما له حيث كان من نفاة الأحوال وممن يقول ~~المعدوم ليس بشيء ووجود كل شيء عنده عين حقيقته الموجودة في الخارج فظن ~~هؤلاء أن هذا يلزمه أن يجعل لفظ الوجود مشتركا اشتراكا لفظيا إذ لو كان ~~عاما متواطئا للزم اشتراك الموجودات في مسمى الوجود وامتياز كل واحد عن ~~الآخر بما يخصه فتكون الحقيقة زائدة على الوجود وهذا غلط منهم فإن نظار أهل ~~الإثبات لا يجعلون في الخارج كليا مشتركا وإذا قالوا إن الموجودات اشتركت ~~في مسمى الوجود لم يقولوا إن في الخارج موجودا يشترك فيه هذا وهذا [وكذلك ~~إن] قالوا إن الأشياء تشترك في مسمى الشيء # PageV01P217 # والذات تشترك في مسمى الذات والحقائق تشترك في مسمى الشيء والذات ~~والحقيقة وكذلك إذا قيل الماهية فإنها تشترك في مسمى الماهية. # ومن المعلوم أن الاشتراك في هذه الأسماء لا يوجب أن يكون بين ذات هذا ~~المعين ms111 وذات هذا المعين في الخارج شيئا مشتركا فيه إذ لو كان كذلك لما كان ~~لشيء من الأشياء شيء يختص به فإن أخص الأشياء به نفسه وذاته فإذا قيل الذات ~~مشترك لم يختص به شيء وإذا قيل الذاتان يشتركان في مسمى الذات وإحداهما ~~مختصة عن الأخرى بما تختص فيها من مسمى الذات فذلك المختص فيه أيضا لفظ ~~الذات ... كل شيء فإنه يتميز عن الآخر بنفسه لا يفتقر إلى متميز عن غيره ~~بشيء آخر فإن ذلك الشيء إن تميز بنفسه فقد ثبت أن الشيء متميز بنفسه وإن ~~كان بشيء آخر لزم التسلسل في المتميزات في آن واحد وهو من جنس التسلسل في ~~المؤثرات وهو باطل باتفاق العقلاء وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا التنبيه على أنه لا بد من الاعتراف بموجودين قديم وحادث ~~واجب وممكن خالق ومخلوق وأن لا بد من اتفاقهما في بعض الأسماء والصفات وذلك ~~لا يوجب تماثلهما في شيء من الأشياء فإنه إذا قيل هذا شيء موجود قائم بنفسه ~~وهذا شيء موجود قائم بنفسه لم يكن بينهما تماثل في شيء من الأشياء بمعنى أن ~~ما ثبت # PageV01P218 # لأحدهما في الخارج لا يماثل ما ثبت للآخر لكن اتفقا في مسمى القدر ~~المشترك. # فإن قال القائل قد تماثلا فيه بمعنى أنهما متماثلان في الكلي الذهني ~~الموجود الخارجي لم ينازع في ذلك فإن المقصود أن ما ثبت لأحدهما لا يماثله ~~فيه الآخر وأما في الذهن فليس مختصا بأحدهما بل ولا هو قائما بأحدهما. # فإذا قيل لفظ الوجود أو العلم أو الحياة أو القدرة أو العليم أو الحكيم ~~أو غير ذلك فله ثلاثة اعتبارات. # أحدها أن يختص بالمخلوق فيقال وجود العبد أو علمه أو قدرته أو يقال هذا ~~الإنسان العالم أو الحكيم فالرب تعالى منزه عن كل ما يختص بالمخلوقين وليس ~~الرب متصفا بشيء من ذلك فضلا عن أن يماثل ذلك. # الثاني أن يختص بالخالق فيقال وجوده وذاته وعلمه وقدرته أو يقال إن الله ~~عليم حكيم ونحو ذلك فهو مختص بالرب ms112 تعالى لا يشركه فيه المخلوق بوجه من ~~الوجوه وبهذا يتبين امتناع التشبيه فيما وصف الله به نفسه فإنه لم يذكر من ~~ذلك شيئا إلا مضافا إلى نفسه بما يوجب اختصاصه ويمنع مشاركة غيره له فيه ~~كقوله ولا يحيطون بشيء من علمه [البقرة 255] وقوله إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة [الذاريات 58] وقوله ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص 75] ونحو ذلك ~~فأضاف العلم والقوة واليد إلى الله إضافة توجب اختصاصه بذلك وتمنع # PageV01P219 # مشاركة غيره له فيه بوجه من الوجوه فإذا كان الموصوف لا يماثل الموصوفات ~~وجب أن تكون صفته لا تماثل الصفات ودل على ذلك نفس اختصاصه بجهة الإضافة. # ومن قال حينئذ إن العلم والقوة واليد لا يفهم منه إلا ما يقوم بالمخلوقين ~~كان جاهلا أو متجاهلا فإن ذلك إنما يكون عند الإضافة إلى المخلوق فأما عند ~~الإضافة الموجبة لتخصيص الخالق فهذا كلام باطل. # الاعتبار الثالث أن يقال اللفظ إذا كان مطلقا عاما لا يختص بخالق ولا ~~مخلوق كما يقال موجود وذات وقدرة ويد ونحو ذلك فهذا المطلق لا يختص بالخالق ~~ولا بالمخلوق بل اللفظ يتناول الاثنين لكن هذا المشترك لا وجود له في ~~الخارج عقلا ولا لفظه موجود في الكلام سمعا بل موجود مطلق يتناولهما جميعا ~~لا يختص بخالق ولا مخلوق ولا يوجد في الخارج ولا هو موجود في كلام الله ~~ورسوله وإنما يجرد لفظا ومعنى إذا قيل الموجود ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب ~~وممكن ونحو ذلك فيجرد العقل المعنى المطلق العام المشترك ويجرد من اللغة ~~لفظا مطلقا ثم نقول ما كان من لوازم هذا المشترك فإنه لا نقص فيه ولا محذور ~~وإنما النقائص من لوازم المختص بالمخلوقات والرب تعالى منزه عن كل ما يختص ~~بالمخلوقات فأما ما كان مختصا به أو كان من لوازم هذه الأمور العامة الكلية ~~فإنه صفة كمال فما كان من لوازم الوجود القديم الواجب # PageV01P220 # الخالق أو كان من لوازم مطلق الوجود فإنه صفة كمال لا نقص فيه وإنما ~~النقص فيما كان من لوازم الوجود ms113 المخلوق. # [وإذا عرف] العاقل هذه الأمور فإنه يزول بها عنه شبهات كثيرة وقد بسط ~~الكلام عليها في غير هذا الموضع وإنما نبهنا هنا على بعض ما يتعلق بكلام ~~هؤلاء أهل الوحدة والله الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.* PageV01P221 ms114