######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000907 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أحكام القرآن وغريبه :: التفاسير :: كتب التفاسير وعلوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 17 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير #META# 030.LibURI :: JK_000907 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة ابن تيمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى ~~بعده # قال الشيخ الامام أبو العباس أحمد بن تيمية رضى الله عنه # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ( ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا تسليما PageV12P005 # قاعدة فى القرآن وكلام الله # فان الأمة اضطربت فى هذا اضطرابا عظيما وتفرقوا واختلفوا بالظنون ~~والأهواء بعد مضى القرون الثلاثة لما حدثت فيهم الجهمية المشتقة من الصابئة ~~وقد قال الله تعالى @QB@ وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه @QE@ # والاختلاف نوعان اختلاف فى تنزيله واختلاف فى تأويله # والمختلفون الذين ذمهم الله هم المختلفون فى الحق بأن ينكر هؤلاء الحق ~~الذى مع هؤلاء أو بالعكس فإن الواجب الإيمان بجميع الحق المنزل فاما من آمن ~~بذلك وكفر به غيره فهذا اختلاف يذم فيه أحد الصنفين كما قال تعالى @QB@ تلك ~~الرسل فضلنا بعضهم على بعض @QE@ إلى قوله PageV12P006 @QB@ ولكن اختلفوا ~~فمنهم من آمن ومنهم من كفر @QE@ والاختلاف فى تنزيله أعظم وهو الذى قصدنا ~~هنا فنقول # الإختلاف فى تنزيله هو بين المؤمنين والكافرين فإن المؤمنين يؤمنون بما ~~أنزل والكافرون كفروا بالكتاب وبما ارسل الله به رسله فسوف يعلمون ~~فالمؤمنون بجنس الكتاب والرسل من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين ~~يؤمنون بذلك والكافرون بجنس الكتاب والرسل من المشركين والمجوس والصابئين ~~يكفرون بذلك # وذلك أن الله أرسل الرسل إلى الناس لتبلغهم كلام الله الذي أنزله إليهم ~~فمن آمن بالرسل آمن بما بلغوه عن الله ومن كذب ms0001 بالرسل كذب بذلك فالإيمان ~~بكلام الله داخل فى الإيمان برسالة الله إلى عباده والكفر بذلك هو ~~الكفربهذا فتدبر هذا الأصل فإنه فرقان هذا الاشتباه ولهذا كان من يكفر ~~بالرسل تارة يكفر بأن الله له كلام أنزله على بشر كما أنه قد يكفر برب ~~العالمين مثل فرعون وقومه قال الله تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى ~~رجل منهم أن أنذرالناس الآية وقال تعالى عن نوح وهود @QB@ أوعجبتم أن جاءكم ~~ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم @QE@ وقال ^ وما قدروا الله حق قدره إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء ^ إلى آخر الكلام PageV12P007 فإن فى ~~هذه الآيات تقرير قواعد وقال عن الوحيد @QB@ إن هذا إلا قول البشر @QE@ # ولهذا كان أصل الإيمان الايمان بما أنزله قال تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة @QE@ إلى قوله ~~@QB@ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك @QE@ وفى وسط السورة ~~@QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم @QE@ الآية وفى ~~آخرها @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله @QE@ الآيتين وفى السورة التى تليها @QB@ الم الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل ~~التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان @QE@ وذكر فى اثناء ~~السورة الايمان بما أنزل وكذلك فى آخرها @QB@ ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا @QE@ إلى قوله @QB@ وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم @QE@ الآية # ولهذا عظم تقرير هذا الاصل فى القرآن فتارة يفتتح به السورة إما اخبارا ~~كقوله @QB@ ذلك الكتاب @QE@ وقوله @QB@ الر تلك آيات الكتاب الحكيم @QE@ ~~وقوله @QB@ الر كتاب أحكمت آياته @QE@ الآية وكذلك ال @QB@ طسم @QE@ وال ~~@QB@ حم @QE@ فعامة ال @QB@ الم @QE@ وال @QB@ الر @QE@ وال @QB@ طسم @QE@ ~~وال @QB@ حم @QE@ كذلك PageV12P008 # وإما ثناء بانزاله كقوله @QB@ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا @QE@ @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على ms0002 عبده @QE@ الآية # وأما فى اثناء السور فكثير جدا وثنى قصة موسى مع فرعون لأنهما فى طرفى ~~نقيض فى الحق والباطل فان فرعون فى غاية الكفر والباطل حيث كفر بالربوبية ~~وبالرسالة وموسى فى غاية الحق والايمان من من جهة ان الله كلمه تكليما لم ~~يجعل الله بينه وبينه واسطة من خلقه فهو مثبت لكمال الرسالة وكمال التكلم ~~ومثبت لرب العالمين بما استحقه من النعوت وهذا بخلاف اكثر الأنبياء مع ~~الكفار فان الكفار اكثرهم لا يجحدون وجود الله ولم يكن ايضا للرسل من ~~التكليم ما لموسى فصارت قصة موسى وفرعون اعظم القصص واعظمها اعتبارا لأهل ~~الايمان ولأهل الكفر ولهذا كان النبى يقص على امته عامة ليله عن بنى ~~اسرائيل وكان يتأسى بموسى فى أمور كثيرة ولما بشر بقتل أبى جهل يوم بدر قال ~~هذا فرعون هذه الأمة وكان فرعون وقومه من الصابئة المشركين الكفار ولهذا ~~كان يعبد الهة من دون الله كما اخبر الله عنه بقوله @QB@ ويذرك وآلهتك @QE@ ~~وان كان عالما بما جاء به موسى مستيقنا له لكنه كان جاحدا مثبورا كما اخبر ~~الله بذلك فى قوله @QB@ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ الآية وقال تعالى ~~PageV12P009 @QB@ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات @QE@ إلى قوله @QB@ لقد ~~علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر @QE@ الآية والكفار ~~بالرسل من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب وقوم إبراهيم وموسى ومشركى ~~العرب والهند والروم والبربر والترك واليونان والكشدانيين وسائر الأمم ~~المتقدمين والمستأخرين يتبعون ظنونهم واهواءهم ويعرضون عن ذكر الله الذى ~~آتاهم من عنده كما قال لهم لما اهبط آدم من الجنة @QB@ فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ وفى موضع آخر @QB@ فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~@QE@ الآية وفى أخرى @QB@ إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ms0003 @QE@ # ثم إنهم مع أنهم ما نزل الله بما هم عليه من سلطان إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الانفس يزعمون أن لهم العقل والرأي والقياس العقلي والأمثال ~~المضروبة ويسمون أنفسهم الحكماء والفلاسفة ويدعون الجدل والكلام والقوة ~~والسلطان والمال ويصفون إتباع المرسلين بأنهم سفهاء واراذل وضلال ويسخرون ~~منهم قال الله تعالى PageV12P010 @QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا ~~بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ وقال @QB@ وإذا قيل ~~لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ~~ولكن لا يعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون @QE@ إلى قوله @QB@ وما أرسلوا عليهم حافظين @QE@ وقال تعالى عن قوم ~~نوح @QB@ أنؤمن لك واتبعك الأرذلون @QE@ وقالوا @QB@ ما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي @QE@ وقال @QB@ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ~~ويسخرون من الذين آمنوا @QE@ وقال @QB@ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ~~@QE@ بل هم يصفون الأنبياء بالجنون والسفه والضلال وغير ذلك كما قالوا عن ~~نوح @QB@ مجنون وازدجر @QE@ وقالوا @QB@ إنا لنراك في ضلال مبين @QE@ ولهود ~~@QB@ إنا لنراك في سفاهة @QE@ # | فصل # والايمان بالرسل يجب أن يكون جامعا عاما مؤتلفا لا تفريق فيه ولا تبعيض ~~ولا اختلاف بأن يؤمن بجميع الرسل وبجميع ما أنزل اليهم فمن آمن ببعض الرسل ~~وكفر ببعض أو آمن ببعض ما أنزل الله وكفر ببعض فهو كافر وهذا حال من بدل ~~وكفر من اليهود والنصارى والصابئين فان PageV12P011 هؤلاء فى أصلهم قد ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا فأولئك لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون كما قال تعالى ^ ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ~~آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولاهم يحزنون ^ ونحوه فى المائدة # ومنهم من فرق فآمن ببعض وكفر ببعض كما قال تعالى عن اليهود @QB@ وإذا قيل ~~لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه @QE@ ~~الآيات وقال تعالى @QB@ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ms0004 ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ~~أولئك هم الكافرون حقا @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل @QE@ الآيتين وقال عن المؤمنين ~~@QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ وقال @QB@ شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ # وذم الذين تفرقوا واختلفوا فى الكتب وهم الذين يؤمنون ببعض دون بعض فيكون ~~مع هؤلاء بعض ومع هؤلاء بعض كقوله PageV12P012 @QB@ وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ وقوله @QB@ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم @QE@ وقوله ^ وما تفرق الذين أتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جاءتهم البينة ^ وقال تعالى ^ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا لست منهم فى شىء ^ $ فصل # التفريق والتبعيض قد يكون فى القدر تارة وقد يكون فى الوصف إما فى الكم و ~~إما فى الكيف كما قد يكون فى التنزيل تارة وفى التأويل أخرى فإن الموجود له ~~حقيقة موصوفة وله مقدار محدود فما أنزل الله على رسله قد يقع التفريق ~~والتبعيض فى قدره وقد يقع فى وصفه # فالأول مثل قول اليهود نؤمن بما أنزل على موسى دون ما أنزل على عيسى ~~ومحمد وهكذا النصارى فى إيمانهم بالمسيح دون محمد فمن آمن ببعض الرسل ~~والكتب دون بعض فقد دخل فى هذا فإنه لم يؤمن بجميع المنزل وكذلك من كان من ~~المنتسبين إلى هذه الأمة يؤمن PageV12P013 ببعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض ~~فان البدع مشتقة من الكفر واما الوصف فمثل اختلاف اليهود والنصارى فى ~~المسيح هؤلاء قالوا إنه عبد مخلوق لكن جحدوا نبوته وقدحوا فى نسبه وهؤلاء ~~أقروا بنبوته ورسالته ولكن قالوا هو الله فاختلف الطائفتان فى وصفه وصفته ~~كل طائفة بحق وباطل # ومثل الصابئة الفلاسفة الذين يصفون إنزال الله على رسله بوصف ms0005 بعضه حق ~~وبعضه باطل مثل أن يقولوا ان الرسل تجب طاعتهم ويجوز أن يسمى ما أتوا به ~~كلام الله لكنه إنما أنزل على قلوبهم من الروح الذى هو العقل الفعال فى ~~السماء الدنيا لا من عند الله وهكذا ما ينزل على قلوب غيرهم أيضا كذلك وليس ~~بكلام الله فى الحقيقة وإنما هذا فى الحقيقة كلام النبى وانه سمى كلام الله ~~مجازا فهؤلاء أيضا مبعضين مفرقين حيث صدقوا ببعض صفات ما أنزل الله وبعض ~~صفات رسله دون بعض وربما كان ما كفروا به من الصفات اكثر مما آمنوا به كما ~~ان ما كفر به اليهود من الكتاب أكثر وأعظم مما آمنوا به لكن هؤلاء اكفر من ~~اليهود من وجه وان كان اليهود أكفر منهم من وجه آخر PageV12P014 # فان من كان من هؤلاء يهوديا أو نصرانيا فهو كافر من الجهتين ومن كان منهم ~~لا يوجب اتباع خاتم الرسل بل يجوز التدين باليهودية والنصرانية فهو أيضا ~~كافر من الجهتين فقد يكون أحدهم أكفر من اليهود والنصارى الكافرين بمحمد ~~والقرآن وقد يكون اليهود والنصارى أكفر ممن آمن منهم بأكثر صفات ما بعث ~~الله به محمدا لكنهم فى الأصل أكفر من جنس اليهود والنصارى فان أولئك مقرون ~~فى الأصل بكمال الرسالة والنبوة وهؤلاء ليسوا مقرين بكمال الرسالة والنبوة ~~كما أن من كان قديما مؤمنا من اليهود والنصارى صالحا فهو أفضل ممن كان منهم ~~مؤمنا صالحا وكذلك من كان من المنتسبين إلى الإسلام مؤمنا ببعض صفات القرآن ~~وكلام الله وتنزيله على رسله وصفات رسله دون بعض فنسبته إلى هؤلاء كنسبة من ~~آمن ببعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض إلى اليهود والنصارى # ومن هنا تتبين الضلالات المبتدعة فى هذه الأمة حيث هى من الايمان ببعض ما ~~جاء به الرسول دون بعض وإما ببعض صفات التكليم والرس الة و النبوة دون بعض ~~وكلاهما إما فى التنزيل وإما فى التأويل PageV12P015 $ فصل # والسبب الذى أوقع هؤلاء فى الكفر ببعض ما أنزله هو من جنس ما أوقع ~~الأولين فى الكفر بجميع ms0006 ما أنزل الله فى كثير من المواضع فان من تأمل وجد ~~شبه اليهود والنصارى ومن تبعهم من الصابئين فى الكفر بما أنزل الله على ~~محمد هي من جنس شبه المشركين والمجوس ومن معهم من الصابئين فى الكفر بجنس ~~الكتاب وبما أنزل الله على رسله فى كثير من المواضع فانهم يعترضون على ~~آياته وعلى الكتاب الذي أنزل معه وعلى الشريعة التى بعث بها وعلى سيرته ~~بنحو مما اعترض به على سائر الرسل مثل موسى وعيسى كما قال الله تعالى في ~~جميعهم ^ ما يجادل فى آيات الله الاالذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد ~~كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق ^ إلى قوله @QB@ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين ~~آمنوا @QE@ وفى الآية الأخرى @QB@ إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ~~فاستعذ بالله @QE@ إلى قوله @QB@ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله ~~أنى يصرفون الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون @QE@ ~~PageV12P016 # هذا مع أن السلطان الذى أيد الله به رسوله من أنواع الحجج المعجزات ~~وأنواع القدر الباهرات أعظم مما أيد به غيره ونبوته هى التى طبق نورها ~~مشارق الأرض ومغاربها وبه ثبتت نبوات من تقدمه وتبين الحق من الباطل والا ~~فلولا رسالته لكان الناس فى ظلمات بعضها فوق بعض وأمر مريج يؤفك عنه من أفك ~~الكتابيون منهم والأميون ولهذا لما كان ما يقال له إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبله أمره الله سبحانه باستشهاد أهل الكتاب على مثل ما جاء به # وهذا من بعض حكمة إقرارهم بالجزية كقوله تعالى ^ فإن كنت فى شك مما ~~أنزلنا إليك فاسئل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ^ وقوله ^ كفى بالله شهيدا ~~بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب ^ وقوله ^ وما أرسلنا من قبلك الا رجالا ~~نوحى إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا ~~إليك الذكر ms0007 لتبين للناس ما نزل إليهم ^ وفى الآية الأخرى ^ وما أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا نوحى إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ^ الآية ومثل قوله @QB@ قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله @QE@ # وجماع شبه هؤلاء الكفار أنهم قاسوا الرسول على من فرق الله بينه وبينه ~~وكفروا بفضل الله الذى اختص به رسله فأتوا PageV12P017 من جهة القياس ~~الفاسد ولا بد فى القياس من قدر مشترك بين المشبه والمشبه به مثل جنس الوحى ~~والتنزيل فان الشياطين ينزلون على أوليائهم ويوحون إليهم كقوله @QB@ وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم @QE@ وقال سبحانه ^ هل أنبئكم على ~~من تنزيل الشياطين تنزل على كل أفاك اثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ^ # وقال تعالى فى ال طس وقد افتتح كلامنهن بقصة موسى وتكليم الله إياه ~~وإرساله إلى فرعون فانها أعظم القصص كما قدمناه فقال فى سورة الشعراء ~~المحتوية على قصص المرسلين واحدا بعد واحد وهى سبع قصة موسى وإبراهيم ونوح ~~وهود وصالح ولوط وشعيب ثم قال عن القرآن @QB@ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل ~~به الروح الأمين @QE@ إلى قوله @QB@ وأنهم يقولون ما لا يفعلون @QE@ فذكر ~~الفرق بينه وبين من تنزل عليه الشياطين من الكهان والمتنبئين ونحوهم وبين ~~الشعراء لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع والشاعر أيضا يأتى بكلام ~~منظوم يحرك به النفوس فان قرين الشيطان مادته من الشيطان ويعين الشيطان ~~بكذبه وفجوره والشاعر مادته من نفسه وربما أعانه الشيطان # فأخبر أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها وهو الكاذب فى قوله الفاجر ~~فى عمله بخلاف الصادق البر وان الشعراء إنما يحركون PageV12P018 النفوس إلى ~~أهوائها فيتبعهم الغاوون وهم الذين يتبعون الأهواء وشهوات الغي فنفى كلا ~~منهما بانتقاء لازمه وبين ما يجتمع فيه شياطين الأنس والجن $ فصل # إذا تبين هذا الأصل ظهر به اشتقاق البدع من الكفر فنقول كما أن الذين ~~اثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما ~~أنزل ms0008 الله ولا كفروا بشىء مما أنزل الله وكان اليهود والنصارى صاروا كفارا ~~من جهة تبديلهم لما أنزل الله ومن وجهة كفرهم بما أنزل على محمد فكذلك ~~الصابئة صاروا كفارا من جهة تبديلهم لما أنزل الله ومن جهة كفرهم بما أنزل ~~الله على محمد وان كانوا منافقين كما قد ينافق اليهودى والنصرانى وهؤلاء هم ~~المستأخرون من اليهود والنصارى والصابئين # وذلك ان متأخري الصابئين لم يؤمنوا ان لله كلاما أو يتكلم ويقول أو أنه ~~ينزل من عنده كلاما وذكرا على أحد من البشر أو انه يكلم أحدا من البشر بل ~~عندهم لا يوصف الله بصفة ثبوتية لا يقولون إن له علما ولا محبة ولا رحمة ~~وينكرون أن يكون PageV12P019 الله اتخذ إبراهيم خليلا أو كلم موسى تكليما ~~وإنما يوصف عندهم بالسلب والنفى مثل قولهم ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا ~~داخل العالم ولا خارجه أو باضافة مثل كونه مبدأ للعالم أو ( العلة ) الأولى ~~أو بصفة مركبة من السلب والاضافة مثل كونه عاقلا ومعقولا وعقلا # وعندهم أن الله لا يحض موسى بالتكليم دون غيره ولا يخص محمدا بارسال دون ~~غيره فانهم لا يثبتون له علما مفصلا للمعلومات فضلا عن إرادة تفصيلية بل ~~يثبتون إذا أثبتوا له علما جمليا كليا وغاية جميلة كلية ومن أثبت النبوة ~~منهم قال إنهم إنها فيض تفيض على نفس النبى من جنس ما يفيض على سائر النفوس ~~لكن استعداد النبى اكمل بحيث يعلم مالا يعلمه غيره ويسمع ما لا يسمع غيره ~~ويبصر ما لا يبصر غيره وتقدر نفسه على ما لا تقدر عليه نفس غيره # والكلام الذى تقوله الأنبياء هو كلامهم وقولهم وهؤلاء الذين يقولون عن ~~القرآن @QB@ إن هذا إلا قول البشر @QE@ فان الوحيد الذى هو الوليد بن ~~المغيرة كان من جنسهم كان من المشركين الذين هم صابئون ايضا فان الصابئين ~~كأهل الكتاب تارة يجعلهم الله قسما من المشركين وتارة يجعلهم الله قسيما ~~لهم كما قال تعالى @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ~~@QE@ PageV12P020 @QB@ إن الذين كفروا ms0009 من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ~~@QE@ وكذلك لما ذكر الملل الست فى الحج فقال @QB@ إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا @QE@ الآية وقال تعالى ^ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ارباب من دون الله ~~^ الآية وهذا بعد قوله ^ وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح ~~بن الله ^ إلى قوله @QB@ ولو كره الكافرون @QE@ وقال ^ لقد كفر الذين قالوا ~~ان الله هو المسيح بن مريم ^ فإذا كان اليهود والنصارى قد يكونون مشركين ~~فالصابئون أولى وذلك بعد تبديلهم فحيث وصفوا بالشرك فبعد التبديل وحيث ~~جعلوا غير مشركين فلأن أصل دينهم الصحيح ليس فيه شرك فالشرك مبتدع عندهم ~~فينبغى التفطن لهذه المعانى # وكان الوحيد من ذوى الرأى والقياس والتدبير من العرب وهو معدود من ~~حكمائهم وفلاسفتهم # ولهذا اخبر الله عنه بمثل حال المتفلسفة فى قوله ^ إنه فكر وقدر فقتل كيف ~~قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ادبر واستكبر فقال إن هذا الا ~~سحر يؤثر إن هذا إلا قوله البشر ^ PageV12P021 # ثم إن هؤلاء فيما تقوله الأنبياء حيارى متهوكون فانه بهرهم نور النبوة ~~ولم تقع على أصولهم الفاسدة فصاروا على انحاء منهم من لا يؤمن بكثير مما ~~تقوله الأنبياء والمرسلون بل يعرض عنه أو يشك فيه أو يكذب به ومنهم من يقول ~~يجوز الكذب لمصلحة راجحة والأنبياء فعلوا ذلك ومنهم من يقول يجوز هذا لصالح ~~العامة دون الخاصة وأمثلهم من يقول بل هذه تخيلات وأمثله مضروبة لتقريب ~~الحقائق إلى قلوب العامة وهذه طريقة الفارابى وابن سينا لكن ابن سينا أقرب ~~إلى الإيمان من بعض الوجوه وان لم يكن مؤمنا # فمن ادركته رسالة محمد وبهرته براهينها وانوارها ورأى ما فيها من أصناف ~~العلوم النافعة والأعمال الصالحة حتى قال ابن سينا اتفق فلاسفة العالم على ~~انه لم يطرق العالم ناموس أفضل من هذا الناموس فلابد ان يتأول نصوص الكتاب ~~والسنة على عادة اخوانه فى تحريف الكلم عن مواضعه فيحرفون ما اخبرت به ~~الرسل عن كلام الله تحريفا يصيرون به كفارا ببعض تأويل الكتاب فى بعض صفات ms0010 ~~تنزيله # فلما رأوا أن الرسل سمت هذا الكلام كلام الله وأخبرت أنه نزلت به ملائكة ~~الله مثل الروح الأمين جبريل أطلقت هذه PageV12P022 العبارة الظاهر وكفرت ~~بمعناها فى الباطن وردوها إلى أصلهم أصل الصابئين وصاروا منافقين فى ~~المسلمين وفى غيرهم من أهل الملل # فيقولون هذا القرآن كلام الله وهذا الذى جاءت به الرسل كلام الله ولكن ~~المعنى انه فاض على نفس النبى من العقل الفعال وربما قالوا ان العقل هو ~~جبريل الذى ليس على الغيب بضنين أى بخيل لأنه فياض ويقولون ان الله كلم ~~موسى من سماء عقله وان أهل الرياضة والصفا يصلون إلى ان يسمعوا ما سمعه ~~موسى كما سمعه موسى # وقد ضل بكلامه كثير من المشهورين مثل أبي حامد الغزالي ذكر هذا المعنى فى ~~بعض كتبه وصنفوا رسائل اخوان الصفا وغيرها وجمعوا فيها على زعمهم بين ~~مقالات الصابئة المتأخرين التى هى الفلسفة المبتدعة وبين ما جاءت به الرسل ~~عن الله فأتوا بما زعموا انه معقول ولا دليل على كثير منه وربما ذكروا أنه ~~منقول وفيه من الكذب والتحريف أمر عظيم وانما يضلون به كثيرا بما فيه من ~~الأمور الطبيعية والرياضية التى لا تعلق لها بأمر النبوات والرسالة لا بنفى ~~ولا باثبات ولكن ينتفع بها فى مصالح الدنيا كالصناعات من الحراثة والحياكة ~~والبناية والخياطة ونحو ذلك PageV12P023 فإذا عرف ان حقيقة قول هؤلاء ~~المشركية الصابئة ان القرآن قول البشر كغيره لكنه أفضل من غيره كما أن بعض ~~البشر أفضل من بعض وانه فاض على نفس النبى من المحل الأعلى كما تفيض سائر ~~العلوم والمعارف على نفوس أهلها فاعلم ان هذا القول كثر فى كثير من ~~المتأخرين المظهرين للإسلام وهم منافقون وزنادقة وان ادعوا كمال المعارف من ~~المتفلسفة والمتكلمة والمتصوفة والمتفقهين حتى يقول احدهم كالتلمسانى ~~كلامنا يوصل إلى الله والقرآن يوصل إلى الجنة وقد يقول بعضهم كابن عربى إن ~~الولي يأخذ من حيث ما يأخذ الملك الذى يوحى إلى النبى ويقول كثير منهم ان ~~القرآن للعامة وكلامنا للخاصة # فهؤلاء جعلوا القرآن عضين ms0011 وضربوا له الأمثال مثل ما فعل المشركون قبلهم ~~كما فعلوا بالنبى فان هؤلاء منهم من يفضل الولى الكامل والفيلسوف الكامل ~~على النبى ومنهم من يفضل بعض الأولياء على زعمه أو بعض الفلاسفة مثل نفسه ~~أو شيخه أو متبوعه على النبى وربما قالوا هو أفضل من وجه والنبى أفضل من ~~وجه فلهم من الالحاد والافتراء فى رسل الله نظير مالهم من الالحاد ~~والافتراء فى رسالات الله فيقيسون الكلام الذى بلغته الرسل عن الله بكلامهم ~~ويقيسون رسل الله بأنفسهم وقد بين الله حال هؤلاء فى مثل قوله ^ وما قدروا ~~الله حق قدره إذ قالوا ما انزل على بشر من شىء ^ PageV12P024 إلى ان قال ^ ~~ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) فذكر الله انزل الكتابين الذين لم ينزل من ~~عند الله كتابا اهدى منهما التوراة والقرآن كما جمع بينهما فى قوله ( ~~وقالوا سحران تظاهرا وقالوا انا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~اهدى منهما اتبعه ان كنتم صادقين ) وكذلك الجن لما استعمت القرآن ( قالوا ~~ياقومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى ) الآية وقال تعالى ( قل أرأيتم ~~ان كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى اسرائيل على مثله فآمن ) ~~ولهذا قال النجاشى لما سمع القرآن ان هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة ~~واحدة # ثم ذكر تعالى حال الكذاب والمتنبىء فقال ( ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) ~~فجمع فى هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله وبين من يزعم أنه يوحى إليه ~~ولا يعين من أوحاه فان الذى يدعى الوحى لا يخرج عن هذين القسمين # ويدخل فى القسم الثانى من يرى عينيه فى المنام مالا تريا PageV12P025 ومن ~~يقول القى فى قلبى والهمت ونحو ذلك إذا كان كاذبا # ويدخل فى القسم الأول من يقول قال ms0012 الله لى أو أمرنى الله أو وافقنى أو ~~قال لى ونحو ذلك بخيالات أو الهامات يجدها فى نفسه ولايعلم أنها من عند ~~الله بل قد يعلم انها من الشياطين مثل مسيلمة الكذاب ونحوه ثم قال تعالى ( ~~ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) فهذه حال من زعم ان البشر يمكنهم أن ~~يأتوا بمثل كلام الله أو ان هذا الكلام كلام البشر بفضيلة وقوة من صاحبه ~~فإذا اجتهد المرء أمكن أن يأتى بمثله وهذا يعم من قال انه يمكن معارضة ~~القرآن كابن أبى سرح فى حال ردته وطائفة متفرقين من الناس ويعم المتفلسفة ~~الصابئة المنافقين والكافرين ممن يزعم أن رسالة الأنبياء كلام فاض عليهم قد ~~يفيض على غيرهم مثله فيكون قد أنزل مثل ما أنزل الله فى دعوى الرسل لأن ~~القائل سأنزل مثل ما أنزل الله قد يقوله غير معتقد أن الله أنزل شيئا وقد ~~يقوله معتقدا أن الله أنزل شيئا $ فصل # ولهذا كان أول من أظهر انكار التكليم والمخالة ( الجعد بن درهم ( فى ~~أوائل المائة الثانية وأمر علماء الإسلام كالحسن البصرى وغيره PageV12P026 ~~بقتله فضحى به خالد بن عبد الله القسرى أمير العراق بواسط فقال أيها الناس ~~ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد بن درهم فانه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ~~ثم نزل فذبحه وأخذ ذلك عنه الجهم بن صفوان فأنكر أن يكون الله يتكلم ثم ~~نافق المسلمين فأقر بلفظ الكلام وقال كلامه يخلق فى محل كالهواء وورق الشجر # ودخل بعض أهل الكلام والجدل من المنتسبين إلى الإسلام من المعتزلة ونحوهم ~~إلى بعض مقالة الصابئة والمشركين متابعة للجعد والجهم # وكان مبدأ ذلك أن الصابئة فى الخلق على قولين منهم من يقول إن السموات ~~مخلوقة بعد أن لم تكن كما أخبرت بذلك الرسل وكتب الله تعالى ومنهم من ابتدع ~~فقال بل هى قديمة أزلية لم تزل موجودة بوجود الأول واجب الوجود بنفسه ومنهم ~~من قد ينكر الصانع بالكلية ms0013 ولهم مقالات كثيرة الاضطراب فى الخلق والبعث ~~والمبدأ والمعاد لأنهم لم يكونوا معتصمين بحبل الله تعالى فيجمعهم والظنون ~~لا تجمع الناس فى مثل هذه الأمور التى تعجز الآراء عن إدراك حقائقها الا ~~بوحى من الله تعالى # وهم انما يناظر بعضهم بعضا بالقياس المأخوذ مقدماته من الأمور الطبيعية ~~السفلية وقوى الطبائع الموجودة فى التراب والماء والهواء PageV12P027 ~~والحيوان والمعدن والنبات ويريدون بهذه المقدمات السفلية ان ينالوا معرفة ~~الله وعلم مافوق السموات وأول الأمر وآخره وهذا غلط بين اعتراف به أساطينهم ~~بأن هذا غير ممكن وانهم لا سبيل لهم إلى ادراك اليقين وانهم ان يتبعون إلا ~~الظن # فلما كان هذا حال هذه الصابئة المبتدعة الضالة ومن اضلوه من اليهود ~~والنصارى وكان قد اتصل كلامهم ببعض من لم يهد بهدى الله الذى بعث به رسله ~~من أهل الكلام والجدل صاروا يريدون ان يأخذوا مأخذهم كما أخبر النبى بقوله ~~( لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ( قالوا يا رسول الله ~~فارس والروم قال ( ومن الناس إلا فارس والروم ( فاحتجوا على حدوث العالم ~~بنحو من مسالك هذه الصائبة وهو الكلام فى الأجسام والاعراض بأن تثبت ~~الأعراض ثم يثبت لزومها للأجسام ثم 9 حدوثها ثم يقال مالا يسبق الحوادث فهو ~~حادث واعتمد كثير من أهل الجدل على هذا فى اثبات حدوث العالم فلما رأوا أن ~~الأعراض التى هى الصفات تدل عندهم على حدوث الموصوف الحامل للأعراض التزموا ~~نفيها عن الله لأن ثبوتها مستلزم حدوثه وبطلان دليل حدوث العالم الذى ~~اعتقدوا ان لا دليل سواه بل ربما اعتقدوا انه لا يصح إيمان أحد إلا به ~~معلوم بالاضطرار من دين الإسلام PageV12P028 وهؤلاء يخالفون الصابئة ~~الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم وبأن النبوة كمال تفيض على نفس النبى ~~لأن هؤلاء المتكلمين اكثر حقا واتبع للأدلة العقلية والسمعية لما تنورت به ~~قلوبهم من نور الإسلام والقرآن وإن كانوا قد ضلوا فى كثير مما جاءت به ~~الرسل لكن هم خير من أولئك من وجوه أخرى وافقوا فيها ( أهل السنة ) فوافقوا ~~أولئك على ms0014 ان الله لم يتكلم كما وافقوهم على أنه لا علم له ولا قدرة ولا ~~صفة من الصفات ورأوا ان اثباته متكلما يقتضى أن يكون جسما والجسم حادث لأنه ~~من الصفات الدالة على حدوث الموصوف بل هو عندهم أدل على حدوث المتكلم من ~~غيره بل الله يفتقر من الخارج إلى مالا يفتقر إليه غيره ولأن فيه من ~~الترتيب والتقديم والتأخير ماليس فى غيره ولما رأوا أن الرسل اتفقت على أنه ~~متكلم والقرآن مملوء باثبات ذلك صاروا تارة يقولون متكلم مجازا لا حقيقة ~~وهذا قولهم الأول لما كانوا فى بدعتهم على الفطرة قبل ان يدخلوا فى ~~المعاندة والجحود # ثم إنهم رأوا أن هذا شنيعا فقالوا بل هو متكلم حقيقة وربما حكى بعض ~~متكلميهم الاجماع وليس عندهم كذلك بل حقيقة قولهم واصله عند من عرفه ~~وابتدعه ان الله ليس بمتكلم وقالوا المتكلم من فعل الكلام ولو فى محل منفصل ~~عنه ففسروا المتكلم فى اللغة PageV12P029 بمعنى لا يعرف فى لغة العرب ولا ~~غيرهم لا حقيقة ولا مجازا وهذا قول من يقول إن القرآن مخلوق وهو أحد قولى ~~الصابئة الذين يوافقون الرسل فى حدوث العلم وهو وان كان كفرا بما جاءت به ~~الرسل فليس هو فى الكفر مثل القول الأول لأن هؤلاء لا يقولون ان الله أراد ~~أن يبعث رسولا معينا وان ينزل عليه هذا الكلام الذى خلقه وانكروا أن يكون ~~متكلما على الوجه الذى دلت عليه الكتب الالهية واتفقت عليه أهل الفطرة ~~السليمة # ونشأ بين هؤلاء الذين هم فروع الصابئة وبين المؤمنين اتباع الرسل الخلاف ~~فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به الرسل من وصف الله بالكلام والتكليم واختلفوا ~~فى كتاب الله فآمنوا ببعض وكفروا ببعض واتبع المؤمنين ما أنزل إليهم من ~~ربهم من ان الله تكلم بالقرآن وانه كلم موسى تكليما وانه يتكلم ولم يحرفوا ~~الكلم عن مواضعه كما فعل الأولون بل ردوا تحريف أولئك ببصائر الايمان الذى ~~علموا به مراد الرسل من إخبارهم برسالة الله وكلامه واتبعوا هذا القرآن ~~والحديث واجماع السلف من ms0015 الصحابة والتابعين وسائر اتباع الانبياء وعلموا ان ~~قول هؤلاء اخبث من قول اليهود والنصارى حتى كان ابن المبارك امام المسلمين ~~يقول إنا لنحكى كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع ان نحكى كلام الجهيمة ~~PageV12P030 # وكان قد كثر ظهور هؤلاء الذين هم فروع المشركين ومن اتبعهم من مبدلة ~~الصابئين ثم مبدلة اليهود والنصارى فى أوائل المائة الثانية وأوائل الثالثة ~~فى إمارة أبى العباس الملقب بالمأمون بسبب تعريب كتب الروم المشركين ~~الصابئين الذين كانوا قبل النصارى ومن اشبههم من فارس والهند وظهرت علوم ~~الصابئين المنجمين ونحوهم # وقد تقدم أن أهل الكتاب المبتدع فى الإسلام هم من فروع الصابئين كما يقال ~~المعتزلة مخانيث الفلاسفة فظهرت هذه المقالة فى أهل العلم والكلام وفى أهل ~~السيف والامارة وصار فى أهلها من الخلفاء والأمراء والوزراء والقضاة ~~والفقهاء ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الذين ~~اتبعوا ما انزل اليهم من ربهم ولم يبدلوا ولم يبتدعوا وذلك لقصور وتفريط من ~~اكثرهم فى معرفة حقيقة ما جاء به الرسول واتباعه والا فلو كان ذلك كثيرا ~~فيهم لم يتمكن أولئك المبتدعة لما يخالف دين الاسلام من التمكن منهم $ فصل # فجاء قوم من متكلمى الصفاتية الذين نصروا ان الله له علم وقدرة وبصر ~~وحياة بالمقاييس العقلية المطابقة للنصوص النبوية وفرقوا بين الصفات ~~القائمة بالجواهر فجعلوها اعراضا وبين الصفات القائمة بالرب فلم يسموها ~~اعراضا لأن العرض مالا يدوم ولا يبقى أو ما يقوم بمتحيز أو PageV12P031 جسم ~~فصفات الرب لازمة دائمة ليست من جنس الأعراض القائمة بالأجسام # وهؤلاء أهل الكلام القياسى من الصفاتية فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة ~~الصابئة فى كثير من أمورهم واثبتوا الصفات التى قد يستدل بالقياس العقلى ~~عليها كالصفات السبع وهى الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر ~~والكلام ولهم نزاع فى السمع والبصر والكلام هل هو من الصفات العقلية أو ~~الصفات النبوية الخبرية السمعية ولهم اختلاف فى البقاء والقدم وفى الادراك ~~الذى هو ادراك المشمومات والمذوقات والملموسات ولهم ايضا اختلاف فى الصفات ~~السمعية القرآنية الخبرية كالوجه واليد فاكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها ms0016 ~~وكثير من متأخريهم لا يثبتا وأما ما لا يرد إلا فى الحديث فأكثرهم لا ~~يثبتها ثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عرضها من القياس العقلى ~~عنده ومنهم من يفوض معناها وليس الغرض هنا تفصيل مقالات الناس فيما يتعلق ~~بسائر الصفات وإنما المقصود القول فى رسالة الله وكلامه الذى بلغته رسله ~~فكان هؤلاء بينهم وبين أهل الوراثة النبوية قدر مشترك بما سلكوه من الطرق ~~الصابئة فى أمر الخالق واسمائه وصفاته فصار فى مذهبهم فى الرسالة تركيب من ~~الوراثتين لبسوا حق ورثة الأنبياء بباطل ورثة اتباع الصائبة كما كان فى ~~مذهب أهل الكلام المحض المبتدع كالمعتزلة تركيب وليس بين الاثارة النبوية ~~وبين الاثارة الصابئة PageV12P032 لكن أولئك اشد اتباعا للاثارة النبوية ~~وأقرب إلى مذهب أهل السنة من المعتزلة ونحوهم من وجوه كثيرة # ولهذا وافقهم فى بعض ما ابتدعوه كثير من أهل الفقه والحديث والتصوف لوجوه # أحدها كثرة الحق الذى يقولونه وظهور الاثارة النبوية عندهم الثانى لبسهم ~~ذلك بمقاييس عقلية بعضها موروث عن الصابئة وبعضها مما ابتدع فى الإسلام ~~واستيلاء ما فى ذلك من الشبهات عليهم وظنهم انه لم يمكن التمسك بالاثارة ~~النبوية من أهل العقل والعلم الا على هذا الوجه الثالث ضعف الأثارة النبوية ~~الدافعة لهذه الشبهات والموضحة لسبيل الهدى عندهم # الرابع العجز والتفريط الواقع فى المنتسبين إلى السنة والحديث تارة يروون ~~ما لا يعلمون صحته وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب الا أمانى ~~ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور PageV12P033 # فلما كان هذا منهاجهم وقالوا إن القرآن غير مخلوق لما دل على ذلك من ~~النصوص واجماع السلف ولما رأوا أنه مستقيم على الأصل الذى قرروه فى الصفات ~~ورأوا ان التوفيق بين النصوص النبوية السمعية وبين القياس العقلى لا يستقيم ~~إلا ان يجعلوا القرآن معنى قائما بنفس الله تعالى كسائر الصفات كما جعله ~~الأولون من باب المصنوعات المخلوقات لا قديما كسائر الصفات ورأوا انه ليس ~~إلا مخلوق أو قديم فإن إثبات قسم ثالث قائم بالله يقتضى حلول ms0017 الحوادث بذاته ~~وهو دليل على حدوث الموصوف ومبطل لدلالة حدوث العالم # ثم رأوا أنه لا يجوز ان يكون معانى كثيرة بل إما معنى واحد عند طائفة أو ~~معانى أربعة عند طائفة والتزموا على هذا أن حقيقة الكلام هى المعنى القائم ~~بالنفس وأن الحروف والأصوات ليست من حقيقة الكلام بل دالة عليه فتسمى باسمه ~~اما مجاز عند طائفة أو حقيقة بطريق الاشتراك عند طائفة وإما مجاز فى كلام ~~الله حقيقة فى غيره عند طائفة # وخالفهم الأولون وبعض من يتسنن ايضا وقالوا لا حقيقة للكلام إلا الحروف ~~والاصوات وليس وراء ذلك معنى الا العلم ونوعه أو الارادة ونوعها فصار ~~النزاع بين الطائفتين PageV12P034 # وأورد على هؤلاء أن الأمر والنهى والخبر صفات للكلام اضافية ليست أنواعا ~~له وأقساما وأن كلام الله معنى واحد إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن ~~وبالعبرية فهو توراة وبالسريانية فهو انجيل وقال لهم أكثر الناس هذا معلوم ~~الفساد بالضرورة كما قال الأولون انه خلق الكلام فى الهواء فصار متكلما به ~~وإن المتكلم من أحدث الكلام ولو فى ذات غير ذاته وقال لهم أكثر الناس إن ~~هذا معلوم الفساد بالضرورة # وقال الجمهور من جميع الطوائف إن الكلام إسم للفظ والمعنى جميعا كما أن ~~الانسان المتكلم إسم للروح والجسم جميعا وأنه إذا أطلق على أحدهما فبقرينة ~~وأن معانى الكلام متنوعة ليست منحصرة فى العلم والارادة كتنوع ألفاظه وإن ~~كانت المعانى أقرب إلى الاتحاد والاجتماع والألفاظ أقرب إلى التعدد والتفرق # والتزم هؤلاء أن حروف القرآن مخلوقة وإن لم يكن عندهم الذى هو كلام الله ~~مخلوقا وفرقوا بين كتاب الله وكلامه فقالوا كتاب الله هو الحروف وهو مخلوق ~~وكلام الله هو معناها غير مخلوق وهؤلاء والأولون متفقون على خلق القرآن ~~الذى قال الأولون انه مخلوق واختلف هؤلاءأين خلقت هذه الحروف هل خلقت فى ~~الهواء أو فى نفس جبرائيل أو أن جبرائيل هو الذى أحدثها أو محمد ~~PageV12P035 # وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما ~~جاء عنهم من الكتب والاثارة ms0018 من العلم وهم المتبعون للرسالة اتباعا محضا لم ~~يشوبوه بما يخالفه من مقالة الصابئين وهو أن القرآن كلام الله لا يجعلون ~~بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله والقرآن هو القرآن الذى يعلم المسلمون ~~أنه القرآن حروفه ومعانيه والأمر والنهى هو اللفظ والمعنى جميعا # ولهذا كان الفقهاء المصنفون فى أصول الفقه من جميع الطوائف الحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنبلية إذا لم يخرجوا عن مذاهب الأئمة والفقهاء إذا ~~تكلموا فى الأمر والنهى ذكروا ذلك وخالفوا من قال إن الأمر هو المعنى ~~المجرد ويعلم أهل الاثارة النبوية أهل السنة والحديث عامة المسلمين الذين ~~هم جماهير أهل القبلة أن قوله تعالى ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ونحو ~~ذلك هو كلام الله لا كلام غيره وكلام الله هو ما تكلم به لا ما خلقه فى ~~غيره ولم يتكلم به PageV12P036 # وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # عن رجلين تجادلا فى الأحرف التى أنزلها الله على آدم فقال أحدهما إنها ~~قديمة ليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث فقال الآخر ليست بكلام الله وهي ~~مخلوقة بشكلها ونقطها والقديم هو الله وكلامه منه بدأ وإليه يعود منزل غير ~~مخلوق ولكنه كتب بها وسألا أيهما أصوب قولا وأصح اعتقادا # فأجاب الحمد لله رب العالمين أصل هذه المسألة هو معرفة كلام الله تعالى ~~ومذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة ~~المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة وهو الذى يوافق ~~الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غيرمخلوق منه بدأ وإليه ~~يعود فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس ذلك ~~PageV12P037 مخلوقا منفصلا عنه وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته فكلامه ~~قائم بذاته ليس مخلوقا بائنا عنه وهو يتكلم بمشيئته وقدرته لم يقل أحد من ~~سلف الأمة إن كلام الله مخلوق بائن عنه ولا قال أحد منهم أن القرآن أو ~~التوراة أو الإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبدا وهو لايقدر أن يتكلم بمشيئته ~~وقدرته ولا قالوا إن نفس ندائه لموسى أو نفس الكلمة ms0019 المعينة قديمة أزلية بل ~~قالوا لم يزل الله متكلما إذا شاء فكلامه قديم بمعنى أنه لم يزل متكلما إذا ~~شاء # وكلمات الله لا نهاية لها كما قال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا ) والله سبحانه ~~تكلم بالقرآن العربى وبالتوراة العبرية فالقرآن العربى كلام الله كما قال ~~تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) إلى قوله ( ~~لسان عربى مبين ) فقد بين سبحانه أن القرآن الذى يبدل منه آية نزله روح ~~القدس وهو جبريل وهو الروح الأمين كما ذكر ذلك فى موضع آخر من الله بالحق ~~وبين بعد ذلك أن من الكفار من قال ( إنما يعلمه بشر ) كما قال بعض المشركين ~~يعلمه رجل بمكة أعجمى فقال تعالى ( لسان الذى يلحدون إليه أعجمى ) أى الذى ~~يضيفون إليه هذا التعليم أعجمى ( وهذا لسان عربى مبين ) PageV12P038 # ففى هذا ما يدل على أن الآيات التى هى لسان عربى مبين نزلها روح القدس من ~~الله بالحق كما قال فى الآية الأخرى ( أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ~~فلا تكونن من الممترين ) والكتاب الذى أنزل مفصلا هو القرآن العربى باتفاق ~~الناس وقد أخبر أن الذين أتاهم الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق ~~والعلم لا يكون إلا حقا فقال ( يعلمون ) ولم يقل يقولون فان العلم لا يكون ~~إلا حقا بخلاف القول وذكر علمهم ذكر مستشهد به # وقد فرق سبحانه بين إيحائه إلى غير موسى وبين تكليمه لموسى فى قوله تعالى ~~( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ) إلى قوله ( حجة بعد الرسل ) فرق ~~سبحانه بين تكليمه لموسى وبين ايحائه لغيره ووكد تكليمه لموسى بالمصدر وقال ~~تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) إلى قوله ( روح القدس ) وقال ~~تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) إلى آخر السورة فقد بين ~~سبحانه أنه لم يكن لبشر أن يكلمه الله إلا ms0020 على أحد الأوجه الثلاثة إما وحيا ~~وإما من وراء حجاب وإما أن يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء فجعل الوحى غير ~~التكليم والتكليم من وراء حجاب كان لموسى PageV12P039 # وقد أخبرفى غير موضع أنه ناداه كما قال ( وناديناه من جانب الطور ) الآية ~~وقال ( فلما أتاها نودى من شاطىء الوادى الأيمن ) الآية و النداء بإتفاق ~~أهل اللغة لا يكون إلا صوتا مسموعا فهذا مما اتفق عليه سلف المسلمين ~~وجمهورهم وأهل الكتاب يقولون إن موسى ناداه ربه نداء سمعه باذنه وناداه ~~بصوته سمعه موسى والصوت لا يكون إلا كلاما والكلام لا يكون إلا حروفا ~~منظومة وقد قال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وقال ( حم ~~تنزيل من الرحمن الرحيم ) وقال ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) ~~فقد بين فى غير موضع ان الكتاب والقرآن العربى منزل من الله # وهذا معنى قول السلف منه بدأ قال أحمد بن حنبل رحمه الله منه بدأ أي هو ~~المتكلم به فان الذين قالوا انه مخلوق قالوا خلقه فى غيره فبدا من ذلك ~~المخلوق فقال السلف منه بدا أى هو المتكلم به لم يخلقه فى غيره فيكون كلاما ~~لذلك المحل الذى خلقه فيه فان الله تعالى إذا خلق صفة من الصفات فى محل ~~كانت الصفة صفة لذلك المحل ولم تكن صفة لرب العالمين فإذا خلق طعما أو لونا ~~فى محل كان ذلك المحل هو المتحرك المتلون به وكذلك إذا خلق حياة أو إرادة ~~أو قدرة أو علما أو كلاما فى محل كان ذلك المحل هو المريد PageV12P040 ~~القادر العالم المتكلم بذلك الكلام ولم يكن ذلك المعنى المخلوق فى ذلك ~~المحل صفة لرب العالمين وإنما يتصف الرب تعالى بما يقوم به من الصفات لا ~~بما يخلقه فى غيره من المخلوقات فهو الحى العليم القدير السميع البصير ~~الرحيم المتكلم بالقرآن وغيره من الكلام بحياته وعلمه وقدرته وكلامه القائم ~~به لا بما يخلقه فى غيره من هذه المعانى # ومن جعل كلامه مخلوقا لزمه أن يقول المخلوق هو القائل لموسى ( إننى ms0021 أنا ~~الله لاإله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى ) وهذا ممتنع لا يجوز أن ~~يكون هذا كلاما إلا لرب العالمين وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة ~~وغير ذلك من الكتب بمعانيها وألفاظها المنتظمة من حروفها لم يكن شىء من ذلك ~~مخلوقا بل كان ذلك كلاما لرب العالمين # وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل إن فلانا يقول لما خلق الله الأحرف سجدت له ~~إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أؤمر فقال هذا كفر فأنكر على من قال ان الحروف ~~مخلوقة لأنه إذا كان جنس الحروف مخلوقا لزم أن يكون القرآن العربى والتوراة ~~العبرية وغير ذلك مخلوقا وهذا باطل مخالف لقول السلف والأئمة مخالف للادلة ~~العقلية والسمعية كما قد بسط فى غير هذا الموضع PageV12P041 # والناس قد تنازعوا فى كلام الله نزاعا كثيرا والطوائف الكبار نحو ست فرق ~~فابعدها عن الإسلام قول من يقول من المتفلسفة الصابئة إن كلام الله إنما هو ~~ما يفيض على النفوس إما من العقل الفعال وإما من غيره وهؤلاء يقولون إنما ~~كلم الله موسى من سماء عقله أى بكلام حدث فى نفسه لم يسمعه من خارج # وأصل قول هؤلاء أن الأفلاك قديمة أزلية وان الله لم يخلقها بمشيئته ~~وقدرته فى ستة أيام كما أخبرت به الأنبياء بل يقولون أن الله لا يعلم ~~الجزئيات فلما جاءت الأنبياء بما جاءوا به من الامور الباهرة جعلوا يتأولون ~~ذلك تأويلات يحرفون فيها الكلم عن مواضعه ويريدون أن يجمعوا بينهما وبين ~~اقوال سلفهم الملاحدة فقالوا مثل ذلك وهؤلاء اكفر من اليهود والنصارى وهم ~~كثيروا التناقض كقولهم أن الصفة هى الموصوف وهذه الصفة هى الأخرى فيقولون ~~هو عقل وعاقل ومعقول ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق وقد يعبرون عن ذلك ~~بأنه حي عالم معلوم محب محبوب ويقولون نفس العلم هو نفس المحبة وهو نفس ~~القدرة ونفس العلم هو نفس العالم ونفس المحبة هى نفس المحبوب # ويقولون أنه علة تامة فى الأزل فيجب أن يقارنها معلولها فى PageV12P042 ~~الأزل فى الزمن وإن كان متقدما عليها ms0022 بالعلة لا بالزمان ويقولون إن العلة ~~التامة ومعلولها يقترنان فى الزمان ويتلازمان فلا يوجد معلول إلا بعلة تامة ~~ولا تكون علة تامة إلا مع معلولها فى الزمان ثم يعترفون بان حوادث العالم ~~حدثت شيئا بعد شىء من غير أن يتجدد من المبدع الأول ما يوجب أن يصير علة ~~للحوادث المتعاقبة بل حقيقة قولهم أن الحوادث حدثت بلا محدث وكذلك عدمت بعد ~~حدوثها من غير سبب يوجب عدمها على أصلهم # وهؤلاء قابلهم طوائف من أهل الكلام ظنوا أن المؤثر التام يتراخى عنه أثره ~~وأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح والحوادث لها ~~ابتداء وقد حدثت بعد أن لم تكن بدون سبب حادث ولم يهتد الفريقان للقول ~~الوسط وهو أن المؤثر التام مستلزم أن يكون أثره عقب تأثيره التام لا مع ~~التأثير ولا متراخيا عنه كما قال تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون @QE@ فهو سبحانه يكون كل شىء فيكون عقب تكوينه لا مع ~~تكوينه فى الزمان ولا متراخيا عن تكوينه كما يكون الانكسار عقب الكسر ~~والانقطاع عقب القطع ووقوع الطلاق عقب التطليق لا متراخيا عنه ولا مقارنا ~~له فى الزمان # والقائلون بالتراخى ظنوا امتناع حوادث لاتتناهى فلزمهم أن PageV12P043 ~~الرب لا يمكنه فعل ذلك فالتزموا أن الرب يمتنع أن يكون لم يزل متكلما ~~بمشيئته ويمتنع أن يكون لم يزل قادرا على الفعل والكلام بمشيئته فافترقوا ~~بعد ذلك منهم من قال كلامه لا يكون إلا حادثا لأن الكلام لا يكون إلا ~~مقدورا مرادا وما كان كذلك لا يكون إلا حادثا وما كان حادثا كان مخلوقا ~~منفصلا عنه لامتناع قيام الحوادث به وتسلسلها فى ظنهم # ومنهم من قال بل كلامه لا يكون إلا قائما به وما كان قائما به لم يكن ~~متعلقا بمشيئته وإرادته بل لا يكون إلا قديم العين لأنه لو كان مقدورا ~~مرادا لكان حادثا فكانت الحوادث تقوم به ولو قامت به لم يسبقها ولم يخل ~~منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع ms0023 حوادث لا أول لها # ومنهم من قال بل هو متكلم بمشيئته وقدرته لكنه يمتنع أن يكون متكلما فى ~~الأزل أو أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته لأن ذلك يستلزم وجود حوادث لا ~~أول لها وذلك ممتنع قالت هذه الطوائف ونحن بهذا الطريق عملنا حدوث العالم ~~فاستدللنا على حدوث الأجسام بأنها لا تخلوا من الحوادث ولا تسبقها وما لم ~~يسبق الحوادث فهو حادث ثم من هؤلاء من ظن أن هذه PageV12P044 قضية ضرورية ~~ولم يتفطن لاجمالها ومنهم من تفطن للفرق بين مالم يسبق الحوادث المحصورة ~~المحدودة وما يسبق جنس الحوادث المتعاقبة شيأ بعد شىء أما الأول فهو حادث ~~بالضرورة لأن تلك الحوادث لها مبدأ معين فما لم يسبقها يكون معها أو بعدها ~~وكلاهما حادث # وأما جنس الحوادث شيئا بعد شىء فهذا شىء تنازع فيه الناس فقيل إن ذلك ~~ممتنع فى الماضى والمستقبل كقول الجهم وأبى الهذيل فقال الجهم بفناء الجنة ~~والنار وقال أبو الهذيل بفناء حركات أهلها وقيل بل هو جائز فى المستقبل دون ~~الماضى لأن الماضى دخل فى الوجود دون المستقبل وهو قول كثير من طوائف ~~النظار وقيل بل هو جائز فى الماضى والمستقبل وهذا قول أئمة أهل الملل وأئمة ~~السنة كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما ممن يقول بأن الله لم ~~يزل متكلما إذا شاء وأن كلمات الله لا نهاية لها وهى قائمة بذاته وهو متكلم ~~بمشيئته وقدرته وهو أيضا قول أئمة الفلاسفة # لكن أرسطو وأتباعه مدعون ذلك فى حركات الفلك ويقولون إنه قديم أزلى ~~وخالفوا فى ذلك جمهور الفلاسفة مع مخالفة الأنبياء والمرسلين وجماهير ~~العقلاء فانهم متفقون على أن الله خلق السموات والأرض بل هو خالق كل شىء ~~وكل ما سوى الله مخلوق حادث كائن بعد أن لم يكن وإن القديم الأزلى هو الله ~~تعالى بما هو متصف به من صفات PageV12P045 الكمال وليست صفاته خارجة عن ~~مسمى اسمه بل من قال عبدت الله ودعوت الله فانما عبد ذاته المتصفة بصفات ~~الكمال التى تستحقها ويمتنع وجود ذاته بدون ms0024 صفاتها اللازمة لها # ثم لما تكلم فى النبوات من اتبع أرسطو كابن سينا وأمثاله ورأوا ما جاءت ~~به الأنبياء من إخبارهم بأن الله يتكلم وانه كلم موسى تكليما وانه خالق كل ~~شىء أخذوا يحرفون كلام الأنبياء عن مواضعه فيقولون الحدوث نوعان ذاتى ~~وزمانى ونحن نقول إن الفلك محدث الحدوث الزمانى بمعنى أنه معلول وإن كان ~~أزليا لم يزل مع الله وقالوا إنه مخلوق بهذا الاعتبار والكتب الالهية أخبرت ~~بأن الله خلق السموات والأرض فى ستة أيام والقديم الأزلى لا يكون فى أيام # وقد علم بالاضطرار أن ما أخبرت به الرسل من أن الله خلق كل شىء وأنه خلق ~~كذا إنما أرادوا بذلك أنه خلق المخلوق وأحدثه بعد أن لم يكن كما قال ( وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا ) والعقول الصريحة توافق ذلك وتعلم أن المفعول ~~المخلوق المصنوع لا يكون مقارنا للفاعل فى الزمان ولا يكون إلا بعده وأن ~~الفعل لا يكون إلا باحداث المفعول PageV12P046 # وقالوا لهؤلاء قولكم إنه مؤثر تام فى الازل لفظ مجمل يراد به التأثير ~~العام فى كل شىء ويراد به التأثير المطلق فى شىء بعد شىء ويراد به التأثير ~~فى شىء معين دون غيره فان أردتم الأول لزم أن لا يحدث فى العالم حادث وهذا ~~خلاف المشاهدة وإن أردتم ( الثانى ) لزم أن يكون كل ما سوى الله مخلوقا ~~حادثا كائنا بعد أن لم يكن وكان الرب لم يزل متكلما بمشيئته فعالا لما يشاء ~~وهذا يناقض قولكم ويستلزم أن كل ماسواه مخلوق ويوافق ما أخبرت به الرسل ~~وعلى هذا يدل العقل الصريح فتبين أن العقل الصريح يوافق ما أخبرت به ~~الأنبياء وإن أردتم الثالث فسد قولكم لانه يستلزم انه يشاء ( حدوثها ) بعد ~~أن لم يكن فاعلا لها من غير تجدد سبب يوجب الاحداث وهذا يناقض قولكم فان صح ~~هذا جاز أن يحدث كل شىء بعد أن لم يكن محدثا لشىء وإن لم يصح هذا بطل ~~فقولكم باطل على التقديرين # وحقيقة قولكم أن المؤثر التام لا يكون إلا ms0025 مع أثره ولا يكون الاثر إلا مع ~~المؤثر التام فى الزمن وحينئذ فيلزمكم أن لا يحدث شىء ويلزمكم أن كل ما حدث ~~حدث بدون مؤثر ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر وليس لكم أن تقولوا بعض ~~الآثار يقارن المؤثر التام وبعضها يتراخى عنه PageV12P047 # وأيضا فكونه فاعلا لمفعول معين مقارن له أزلا وأبدا باطل فى صريح العقل ~~وأيضا فأنتم وسائر العقلاء موافقون على أن الممكن الذى لا يكون ( الا ) ~~ممكنا يقبل الوجود والعدم وهو الذى جعلتموه الممكن الخاص الذى قسيمه ~~الضرورى الواجب والضرورى الممتنع لا يكون إلا موجودا تارة ومعدوما أخرى وأن ~~القديم الازلى لا يكون إلا ضروريا واجبا يمتنع عدمه وهذا مما اتفق عليه ~~ارسطو واتباعه حتى إبن سينا وذكره فى كتبه المشهورة كالشفا وغيره ثم تناقض ~~فزعم أن الفلك ممكن مع كونه قديما ازليا لم يزل ولا يزال وزعم ان الواجب ~~بغيره القديم الازلى الذى يمتنع عدمه يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم وزعم ~~ان له ماهية غير وجوده وقد بسط الكلام على فساد قول هؤلاء وتناقضه فى غير ~~هذا الموضع والقول الثانى للناس فى كلام الله تعالى قول من يقول ان الله لم ~~يقم به صفة من الصفات لا حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة ولا ~~رحمة ولا غضب ولا غير ذلك بل خلق كلاما فى غيره فذلك المخلوق هو كلامه وهذا ~~قول الجهمية والمعتزلة وهذا القول أيضا مخالفا للكتاب والسنة واجماع السلف ~~وهو مناقض لأقوال الأنبياء ونصوصهم وليس مع هؤلاء عن الانبياء قول يوافق ~~قولهم بل لهم شبه عقلية فاسدة قد بينا فسادها فى غير هذا PageV12P048 ~~الموضع وهؤلاء زعموا انهم يقيمون الدليل على حدوث العالم بتلك الحجج وهم لا ~~للاسلام نصروا ولا لاعدائه كسروا و القول الثالث قول من يقول انه يتكلم ~~بغير مشيئته وقدرته بكلام قائم بذاته ازلا وابدا وهؤلاء موافقون لمن قبلهم ~~فى أصل قولهم لكن قالوا الرب تقوم به الصفات ولا يقوم به ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته من الصفات الاختيارية وأول من ms0026 اشتهر عنه انه قال هذا القول فى ~~الاسلام ( عبدالله بن سعيد بن كلاب ) ثم افترق موافقوه فمنهم من قال ذلك ~~الكلام معنى واحد هو الامر بكل مامور والنهى عن كل محظور والخبر عن كل مخبر ~~عنه وان عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرية كان توراة وقالوا ~~معنى القرآن والتوراة والانجيل واحد ومعنى آية الكرسى هو معنى آية الدين ~~وقالوا الامر والنهى والخبر صفات للكلام لا انواع له ومن محققيهم من جعل ~~المعنى يعود إلى الخبر والخبر يعود إلى العلم # وجمهور العقلاء يقولون قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة وهؤلاء يقولون ~~تكليمه لموسى ليس الا خلق ادراك يفهم به موسى ذلك المعنى فقيل لهم أفهم كل ~~الكلام أم بعضه ان كان فهمه كله PageV12P049 فقد علم علم الله وان كان فهم ~~بعضه فقد تبعض وعندهم كلام الله لايتبعض ولا يتعدد # وقيل لهم قد فرق الله بين تكليمه لموسى وايحائه لغيره وعلى اصلكم لا فرق # وقيل لهم قد كفر الله من جعل القرآن العربى قول البشر وقد جعله تارة قول ~~رسول من البشر وتارة قول رسول من الملائكة فقال فى موضع ( انه لقول رسول ~~كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) ~~فهذا الرسول محمد وقال فى الآية الاخرى ( انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين مطاع ثم امين ) فهذا جبريل فاضافه تارة إلى الرسول الملكي وتارة ~~إلى الرسول البشرى والله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس # وكان بعض هؤلاء ادعى ان القرآن العربى احدثه جبريل أو محمد فقيل لهم ~~لواحدثه احدهما لم يجز اضافته إلى الاخر وهو سبحانه اضافه إلى كل منهما ~~باسم الرسول الدال على مرسله لا باسم الملك والنبى فدل على انه قول رسول ~~بلغه عن مرسله لا قول ملك أو نبى احدثه من تلقاء نفسه بل قد كفر من قال انه ~~قول البشر PageV12P050 # والطائفة الأخرى التى وافقت ابن كلاب على ان الله لا يتكلم بمشيئته ~~وقدرته قالت بل ms0027 الكلام القديم هو حروف أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب أزلا ~~وأبدا لا يتكلم بها بمشيئته وقدرته ولا يتكلم بها شيئا بعد شىء ولم يفرق ~~هؤلاء بين جنس الحروف وجنس الكلام وبين عين حروف قديمة أزلية وهذا ايضا مما ~~يقول جمهور العقلاء انه معلوم الفساد بالضرورة فان الحروف المتعاقبة شيئا ~~بعد شىء يمتنع أن يكون كل منها قديما أزليا وان كان جنسها قديما لا مكان ~~وجود كلمات لا نهاية لها وحروف متعاقبة لا نهاية لها وامتناع كون كل منها ~~قديما أزليا فان المسبوق بغيره لا يكون أزليا # وقد فرق بعضهم بين وجودها وماهيتها فقال الترتيب فى ماهيتها لا فى وجودها ~~وبطلان هذا القول معلوم بالاضطرار لمن تدبره فان ماهية الكلام الذى هو حروف ~~لا يكون شيئا بعد شىء والصوت لا يكون إلا شيئا بعد شىء فامتنع أن يكون وجود ~~الماهية المعينة أزليا متقدما عليها به مع ان الفرق بينهما بين لو قدر ~~الفرق بينهما ويلزم من هذين الوجهين ان يكون وجودها أيضا مترتبا ترتيبا ~~متعاقبا # ثم من هؤلاء من يزعم ان ذلك القديم هو ما يسمع من العباد من الاصوات ~~بالقرآن والتوارة والانجيل أو بعض ذلك وكان أظهر PageV12P051 فساد مما قبله ~~فانه يعلم بالضرورة حدوث أصوات العباد و طائفة خامسة قالت بل الله يتكلم ~~بمشيئته وقدرته بالقرآن العربى وغيره لكن لم يكن يمكنه أن يتكلم بمشيئته فى ~~الأزل لامتناع حوادث لا أول لها وهؤلاء جعلوا الرب فى الأزل غير قادر على ~~الكلام بمشيئته ولا على الفعل كما فعله أولئك ثم جعلوا الفعل والكلام ممكنا ~~مقدورا من غير تجدد شىء أوجب القدرة والامكان كما قال أولئك فى المفعولات ~~المنفصلة # واما السلف فقالوا لم يزل الله متكلما اذا شاء وان الكلام صفة كمال ومن ~~يتكلم أكمل ممن لا يتكلم كما ان من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر ~~ومن يتكلم بمشيئته وقدرته اكمل ممن يكون الكلام لازما لذاته ليس له عليه ~~قدرة ولا له فيه مشيئة والكمال انما يكون بالصفات ms0028 القائمة بالموصوف لا ~~بالامور المباينة له ولا يكون الموصوف متكلما عالما قادرا إلا بما يقوم به ~~من الكلام والعلم والقدرة واذا كان كذلك فمن لم يزل موصوفا بصفات الكمال ~~اكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفا بها لو كان حدوثها ممكنا فكيف إذا ~~كان ممتنعا فتبين ان الرب لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا ~~بنعوت الجلال ومن أجلها الكلام فلم يزل متكلما إذا شاء ولا يزال كذلك وهو ~~يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن PageV12P052 العربى وما تكلم الله ~~به فهو قائم به ليس مخلوقا منفصلا عنه فلا تكون الحروف التى هى مبانى أسماء ~~الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لان الله تكلم بها $ فصل # ثم تنازع بعض المتأخرين فى الحروف الموجودة فلا كلام الآدميين وسبب ~~نزاعهم أمران # أحدهما أنهم لم يفرقوا بين الكلام الذى يتكلم الله به فيسمع منه وبين ما ~~إذا بلغه عنه مبلغ فسمع من ذلك المبلغ فان القرآن كلام الله تكلم به بلفظه ~~ومعناه بصوت نفسه فإذا قرأه القراء قرأوه بأصوات أنفسهم فإذا قال القارىء ( ~~الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ) كان هذا الكلام المسموع منه كلام ~~الله لا كلام نفسه وكان هو قرأه بصوت نفسه لا بصوت الله فالكلام كلام ~~الباري والصوت صوت القارىء كما قال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ( وكان ~~يقول ( ألا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ربى فان قريشا قد منعونى أن ~~أبلغ كلام ربى ( وكلا الحديثين ثابت فبين أن الكلام الذى يبلغه كلام ربه ~~وبين ان القاريء PageV12P053 يقرأه بصوت نفسه وقال ( ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن ( قال أحمد والشافعى وغيرهما هو تحسينه بالصوت قال أحمد بن حنبل ~~يحسنه بصوته فبين أحمد أن القارىء يحسن القرآن بصوت نفسه # و ( السبب الثانى ( أن السلف قالوا القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ~~وقالوا لم يزل متكلما إذا شاء فبينوا أن كلام الله قديم أى جنسه قديم لم ~~يزل ولم يقل أحد منهم إن نفس الكلام المعين قديم ولاقال أحد منهم ms0029 القرآن ~~قديم بل قالوا أنه كلام الله منزل غير مخلوق وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن ~~بمشيئته كان القرآن كلامه وكان منزلا منه غير مخلوق ولم يكن مع ذلك أزليا ~~قديما بقدم الله وإن كان الله لم يزل متكلما إذا شاء فجنس كلامه قديم فمن ~~فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات فى هذه المسائل ~~المعضلة التى اضطرت فيها أهل الأرض # فمن قال ان حروف المعجم كلها مخلوقة وان كلام الله تعالى ( مخلوق فقد قال ~~قولا ) مخالفا لمعقول الصريح والمنقول الصحيح ومن قال نفس أصوات العباد أو ~~مدادهم أو شيئا من ذلك قديم فقد خالف أيضا أقوال السلف وكان فساد قوله ~~ظاهرا لكل أحد وكان مبتدعا قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين ولا قالته ~~طائفة كبيرة من PageV12P054 طوائف المسلمين بل الأئمة الأربعة وجمهور ~~أصحابهم بريئون من ذلك ومن قال ان الحروف المعين أو الكلمة المعينة قديمة ~~العين فقد ابتدع قولا باطلا فى الشرع والعقل # ومن قال ان جنس الحروف التى تكلم الله بها القرآن وغيره ليست مخلوقة وان ~~الكلام العربى الذى تكلم به ليس مخلوقا والحروف المنتظمة منه جزء منه ~~ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة فقد أصاب # وإذا قال ان الله هدى عباده وعلمهم البيان فانطقهم بها باللغات المختلفة ~~وأنعم عليهم بان جعلهم ينطقون بالحروف التى هى مبانى كتبه وكلامه وأسمائه ~~فهذا قد أصاب فالانسان وجميع ما يقوم به من الأصوات والحركات وغيرها مخلوق ~~كائن بعد ان لم يكن والرب تعالى بما يقوم به من صفاته وكلماته وأفعاله غير ~~مخلوق والعباد إذا قرأوا كلامه فان كلامه الذى يقرؤنه هو كلامه لا كلام ~~غيره وكلامه الذى تكلم به لا يكون مخلوقا وكان ما يقرؤن به كلامه من ~~حركاتهم وأصواتهم مخلوقا وكذلك ما يكتب فى المصاحف من كلامه فهو كلامه ~~مكتوبا فى المصاحف وكلامه غير مخلوق والمداد الذى يكتب به كلامه وغير كلامه ~~مخلوق PageV12P055 # وقد فرق سبحانه وتعالى بين كلامه وبين مداد كلماته بقوله ms0030 تعالى ( قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا ~~بمثله مددا ) وكلمات الله غير مخلوقة والمداد الذى يكتب به كلمات الله ~~مخلوق والقرآن المكتوب فى المصاحف غير مخلوق وكذلك المكتوب فى اللوح ~~المحفوظ وغيره قال تعالى ( بل هو قرآن مجيد فى لوح محفوظ ) وقال ( كلا إنها ~~تذكرة فمن شاء ذكره فى صحف مكرمة مرفوعة مطهرة ) وقال تعالى ( يتلو صحفا ~~مطهرة فيها كتب قيمة ) وقال ( انه لقرآن كريم فى كتاب مكنون لا يمسه إلا ~~المطهرون ) $ فصل # فهذان المتنازعان اللذان تنازعا فى الأحرف التى أنزلها الله على آدم فقال ~~أحدهما انها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ونقطها محدث وقال الآخر انها ليست ~~بكلام الله وانها مخلوقة بشكلها ونفطها وان القديم هو الله وكلامه منه بدأ ~~واليه يعود منزل غير مخلوق ولكنه كتب بها وسؤالهما ان نبين لهما الصواب ~~وأيهما أصح اعتقادا يقال لهما يحتاج بيان الصواب إلى بيان ما فى السؤال من ~~الكلام المجمل PageV12P056 فان كثيرا من نزاع العقلاء لكونهم لا يتصورون ~~مورد النزاع تصورا بينا وكثير من النزاع قد يكون الصواب فيه فى قول آخر غير ~~القولين الذين قالاهما وكثير من النزاع قد يكون مبنيا على أصل ضعيف إذا بين ~~فساده ارتفع النزاع # فأول ما فى هذا السؤال قولهما الأحرف التى أنزلها الله على آدم فانه قد ~~ذكر بعضهم ان الله انزل عليه حروف المعجم مفرقة مكتوبة وهذا ذكره ابن قتيبة ~~فى المعارف وهو ومثله يوجد فى التواريخ كتاريخ ابن جرير الطبرى ونحوه وهذا ~~ونحوه منقول عمن ينقل الأحاديث الاسرائيلية ونحوها من أحاديث الأنبياء ~~المتقدمين مثل وهب بن منبه وكعب الاحبار ومالك بن دينار ومحمد بن اسحاق ~~وغيرهم # وقد أجمع المسلمون على أن ما ينقله هؤلاء عن الأنبياء المتقدمين لا يجوز ~~أن يجعل عمدة فى دين المسلمين إلا إذا ثبت ذلك بنقل متواتر أو ان يكون ~~منقولا عن خاتم المرسلين وأيضا فهذا النقل قد عارضه نقل آخر وهو أن أول من ~~خط وخاط ms0031 ادريس فهذا منقول عن بعض السلف وهو مثل ذلك وأقوى فقد ذكروا فيه ان ~~ادريس أول من خاط الثياب وخط بالقلم وعلى هذا فبنوا آدم من قبل ادريس لم ~~يكونوا يكتبون بالقلم ولا يقرؤن كتبا والذى فى حديث أبى ذر المعروف عن أبى ~~ذر عن PageV12P057 النبى ( ان آدم كان نبيا مكلما كلمه الله قبلا ( وليس ~~فيه أنه انزل عليه شيئا مكتوبا فليس فيه ان الله أنزل على آدم صحيفة ولا ~~كتابا ولا هذا معروف عند أهل الكتاب فهذا يدل على أن هذا لا أصل له ولو كان ~~هذا معروفا عند أهل الكتاب لكان هذا النقل ليس هو فى القرآن ولا فى ~~الأحاديث الصحيحة عن النبى وانما هو من جنس الأحاديث الأسرائيلية التى لا ~~يجب الإيمان بها بل ولا يجوز التصديق بصحتها إلا بحجة كما قال النبى فى ~~الحديث الصحيح ( إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فاما أن ~~يحدثوكم بحق فتكذبوه واما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه ( # والله سبحانه علم آدم الاسما كلها وانطقه بالكلام المنظوم وأما تعليم ~~حروف مقطعة لا سيما إذا كانت مكتوبة فهو تعليم لا ينفع ولكن لما أرادوا ~~تعليم المبتدىء بالخط صاروا يعلمونه الحروف المفردة حروف الهجاء ثم يعلمونه ~~تركيب بعضها إلى بعض فيعلم أبجد هوز وليس هذا وحده كلاما # فهذا المنقول عن آدم من نزول حروف الهجاء عليه لم يثبت به نقل ولم يدل ~~عليه عقل بل الأظهر فى كليهما نفيه وهو من جنس ما يروونه عن النبى من تفسير ~~ا ب ت ث وتفسير أبجد PageV12P058 هوز حطي ويروونه عن المسيح أنه قاله ~~لمعلمه فى الكتاب وهذا كله من الأحاديث الواهية بل المكذوبة ولا يجوز ~~باتفاق أهل العلم بالنقل أن يحتج بشىء من هذه وإن كان قد ذكرها طائفة من ~~المصنفين فى هذا الباب كالشريف المزيدى والشيخ أبى الفرج وابنه عبد الوهاب ~~وغيرهم وقد يذكر ذلك طائفة من المفسرين والمؤرخين فهذا كله عند أهل العلم ~~بهذا الباب باطل لا يعتمد عليه فى شىء من الدين ms0032 # وهذا وإن كان قد ذكره أبو بكر النقاش وغيره من المفسرين وعن النقاش ونحوه ~~نقله الشريف المزيدى الحرانى وغيره فأجل من ذكر ذلك من المفسرين أبو جعفر ~~محمد بن جرير الطبري وقد بين فى تفسيره ان كل ما نقل فى ذلك عن النبى فهو ~~باطل فذكر فى آخر تفسيره اختلاف الناس فى تفسير أبجد هوز حطى وذكر حديثا ~~رواه من طريق محمد بن زياد الجزرى عن فرات بن أبى الفرات عن معاوية بن قرة ~~عن أبيه قال قال رسول الله ( تعلموا أباجاد وتفسيرها ويل لعالم جهل تفسير ~~أبي جاد ( قال قالوا يا رسول الله وما تفسيرها قال ( أما الألف فآلاء الله ~~وحرف من اسمائه وأما الباء فبهاء الله وأما الجيم فجلال الله وأما الدال ~~فدين PageV12P059 الله وأما الهاء فالهاوية وأما الواو فويل لمن سها وأما ~~الزاى فالزاوية وأما الحاء فحطوط الخطايا عن المستغفرين بالاسحار ( وذكر ~~تمام الحديث من هذا الجنس # وذكر حديثا ثانيا من حديث عبد الرحيم بن واقد حدثنى الفرات ابن السائب عن ~~ميمون بن مهران عن ابن عباس قال ( ليس شىء إلا وله سبب وليس كل أحد يفطن له ~~ولا بلغه ذلك ان لأبى جاد حديثا عجيبا أما أبو جاد فأبى آدم الطاعة وجد فى ~~اكل الشجرة وأما هوز فزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض وأما حطى فحطت عنه ~~خطيئته وأما كلمن فأكله من الشجرة ومن عليه بالتوبة ) وساق تمام الحديث من ~~هذا الجنس # وذكر حديثا ثالثا من حديث اسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن إبن أبى ~~مليكة عمن حدثه عن إبن مسعود ومسعر بن كدام عن أبى سعيد قال قال رسول الله ~~( ان عيسى بن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه فقال له المعلم اكتب بسم ~~الله فقال له عيسى وما بسم الله فقال له المعلم وما ادري فقال له عيسى ~~الباء بهاء الله والسين سناؤه والميم ملكه والله إله الآلهة والرحمن رحمن ~~الدنيا والآخرة والرحيم رحيم الآخرة أبو جاد الف آلاء الله وباء ms0033 بهاء الله ~~وجيم جمال الله ودال الله الدائم وهوز هاء الهاوية ( وذكر حديثا ~~PageV12P060 من هذا الجنس وذكره عن الربيع بن أنس موقوفا عليه وروى أبو ~~الفرج المقدسى عن الشريف المزيدى حديثا عن عمر عن النبى فى تفسير ا ب ت ث ~~من هذا الجنس # ثم قال ابن جرير ولو كانت الأخبار التى رويت عن النبى فى ذلك صحاح ~~الأسانيد لم يعدل عن القول بها إلى غيرها ولكنها واهية الأسانيد غير جائز ~~الاحتجاج بمثلها وذلك أن محمد بن زياد الجزري الذي حدث حديث معاوية بن قرة ~~عن فرات عنه غير موثوق بنقله وإن عبد الرحيم بن واقد الذى خالفه فى رواية ~~ذلك عن الفرات مجهول غير معروف عند أهل النقل وإن اسماعيل بن يحيى الذى حدث ~~عن ابن أبى مليكة غير موثوق بروايته ولا جائز عند أهل النقل الاحتجاج ~~بأخباره # قلت اسماعيل بن يحيى هذا يقال له التيمى كوفى معروف بالكذب ورواية ~~اسماعيل بن عياش فى غير الشاميين لا يحتج بها بل هو ضعيف فيما ينقله عن أهل ~~الحجاز وأهل العراق بخلاف ما ينقله عن شيوخه الشاميين فانه حافظ لحديث أهل ~~بلده كثير الغلط فى حديث أولئك وهذا متفق عليه بين أهل العلم بالرجال وعبد ~~الرحمن بن واقد لا يحتج به باتفاق أهل العلم وفرات بن السائب ضعيف أيضا ~~PageV12P061 لا يحتج به فهو فرات بن أبى الفرات ومحمد بن زياد الجزرى ضعيف ~~أيضا # وقد تنازع الناس فى أبجد هوز حطى فقال طائفة هى أسماء قوم قيل أسماء ملوك ~~مدين أو أسماء قوم كانوا ملوكا جبابرة وقيل هى أسماء الستة الايام التى خلق ~~الله فيها الدنيا والاول اختيار الطبري وزعم هؤلاء أن أصلها أبو جاد مثل ~~أبى عاد وهواز مثل رواد وجواب وانها لم تعرب لعدم العقد والتركيب # والصواب أن هذه ليست أسماء لمسميات وإنما ألفت ليعرف تأليف الأسماء من ~~حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم ولفظها أبجد هوز حطى ليس لفظها أبو جاد ~~هواز ثم كثير من أهل الحساب صاروا يجعلونها ms0034 علامات على مراتب العدد فيجعلون ~~الألف واحدا والباء اثنين والجيم ثلاثة إلى الياء ثم يقولون الكاف عشرون ~~وآخرون من أهل الهندسة والمنطق يجعلونها علامات على الخطوط المكتوبة أو على ~~ألفاظ الأقيسة المؤلفة كما يقولون كل ألف ب وكل ب ج فكل ألف ج ومثلوا بهذه ~~لكونها ألفاظا تدل على صورة الشكل والقياس لا يختص بمادة دون مادة # كما جعل أهل التصريف لفظ فعل تقابل الحروف الأصلية PageV12P062 والزائدة ~~ينطقون بها ويقولون وزن استخرج استفعل وأهل العروض يزنون بألفاظ مؤلفة من ~~ذلك لكن يراعون الوزن من غير اعتبار بالأصل والزائد ولهذا سئل بعض هؤلاء عن ~~وزن نكتل فقال نفعل وضحك منه أهل التصريف ووزنه عندهم نفتل فان أصله نكتال ~~وأصل نكتال نكتيل تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الفا ثم لما جزم الفعل ~~سقطت كما نقول مثل ذلك فى نعتد ونقتد من اعتاد يعتاد واقتاد البعير يقتاده ~~ونحو ذلك فى نقتيل فلما حذفوا الألف التى تسمى لام الكلمة صار وزنها # وجعلت ثمانية تكون متحركة وهى الهمزة وتكون ساكنة وهى حرفان على الاصطلاح ~~الأول وحرف واحد على الثانى والألف تقرن بالواو والياء لأنهن حروف العلة ~~ولهذا ذكرت فى آخر حروف المعجم ونطقوا بأول لفظ كل حرف منها إلا الألف فلم ~~يمكنهم أن ينطقوا بها ابتداء فجعلوا اللام قبلها فقالوا لا والتى فى الأول ~~هى الهمزة المتحركة فان الهمزة فى أولها وبعض الناس ينطق بها لام ألف ~~والصواب أن ينطق بها لا وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن العلم لا بد فيه من نقل مصدق ونظر محقق وأما النقول ~~الضعيفة لا سيما المكذوبة فلا يعتمد عليها وكذلك النظريات الفاسدة ~~والعقليات الجهلية الباطلة لا يحتج بها PageV12P063 الثانى أن يقال هذه ~~الحروف الموجودة فى القرآن العربى قد تكلم الله بها بأسماء حروف مثل قوله ( ~~الم وقوله المص وقوله الم طس حم كهيعص حم عسق ن ق ) فهذا كله كلام الله غير ~~مخلوق # الثالث أن هذه الحروف إذا وجدت فى كلام العباد وكذلك الأسماء الموجودة ms0035 فى ~~القرآن اذا وجدت فى كلام العباد مثل آدم ونوح ومحمد وابراهيم وغير ذلك ~~فيقال هذه الاسماء وهذه الحروف قد تكلم الله بها لكن لم يتكلم بها مفردة ~~فان الاسم وحده ليس بكلام ولكن تكلم بها فى كلامه الذى أنزله فى مثل قوله ( ~~محمد رسول الله ) وقوله ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا ) إلى ~~قوله ( رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى ) وقوله ( ان الله اصطفى آدم ونوحا ~~وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) ونحو ذلك ونحن إذا تكلمنا بكلام ~~ذكرنا فيه هذه الاسماء فكلامنا مخلوق وحروف كلامنا مخلوقة كما قال أحمد بن ~~حنبل لرجل ألست مخلوقا قال بلى قال أليس كلامك منك قال بلى قال أليس كلامك ~~مخلوقا قال بلى قال فالله تعالى غير مخلوق وكلامه منه ليس بمخلوق # فقد نص أحمد وغيره على أن كلام العباد مخلوق وهم إنما PageV12P064 ~~يتكلمون بالأسماء والحروف التى يوجد نظيرها فى كلام الله تعالى لكن الله ~~تعالى تكلم بها بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق وصفات الله تعالى لا ~~تماثل صفات العباد فان الله تعالى ليس كمثله شىء لا فى ذاته و لا صفاته ولا ~~أفعاله والصوت الذى ينادى به عباده يوم القيامة والصوت الذى سمعه منه موسى ~~ليس كأصوات شىء من المخلوقات والصوت المسموع هو حروف مؤلفة وتلك لا يماثلها ~~شىء من صفات المخلوقين كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده فان ~~الله لا يماثل المخلوقين فى شىء من الصفات وهو سبحانه قد علم العباد من ~~علمه ماشاء كما قال تعالى ( ولا يحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء ) وهم إذا ~~علمهم الله ما علمهم من علمه فنفس علمه الذى اتصف به ليس مخلوقا ونفس ~~العباد وصفاتهم مخلوقة لكن قد ينظر الناظر إلى مسمى العلم مطلقا فلا يقال ~~ان ذلك العلم مخلوق لا تصاف الرب به وان كان ما يتصف به العبد مخلوقا # واصل هذا ان ما يوصف الله به ويوصف به العباد يوصف الله به على ms0036 ما يليق ~~به ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع ~~والبصر والكلام فان الله له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام فكلامه يشتمل ~~على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام ~~PageV12P065 وكلام العبد يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه # فهذه الصفات لها ثلاث اعتبارات تارة تعتبر مضافة إلى الرب وتارة تعتبر ~~مضافة إلى العبد وتارة تعتبر مطلقة لا تختص بالرب ولا بالعبد فإذا قال ~~العبد حياة الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك فهذا كله غير ~~مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين وإذا قال علم العبد وقدرة العبد وكلام ~~العبد فهذا كله مخلوق ولا يماثل صفات الرب وإذا قال العلم والقدرة والكلام ~~فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه كله انه مخلوق ولا انه غير مخلوق بل ما اتصف ~~به الرب من ذلك فهو غير مخلوق وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق فالصفة ~~تتبع الموصوف فان كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة وان كان الموصوف ~~هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة # ثم إذا قرأ بأم القرآن وغيرها من كلام الله فالقرآن فى نفسه كلام الله ~~غير مخلوق وإن كان حركات العباد واصواتهم مخلوقة ولو قال الجنب ( الحمد لله ~~رب العالمين ) ينوى به القرآن منع من ذلك وكان قرآنا ولو قاله ينوى به حمد ~~الله لا يقصد به القراءة لم يكن قارئا وجاز له ذلك # ومنه قول النبى افضل الكلام بعد PageV12P066 القرآن اربع وهن من القرآن ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ( رواه مسلم فى صحيحه ~~فاخبر انها أفضل الكلام بعد القرآن وقال هى من القرآن فهى من القرآن ~~باعتبار وليست من القرآن باعتبار ولو قال القائل ( يا يحيى خذ الكتاب ) ~~ومقصوده القرآن كان قد تكلم بكلام الله ولم تبطل صلاته بإتفاق العلماء وان ~~قصد مع ذلك تنبيه غيره لم تبطل صلاته عند جمهور العلماء ولو قال لرجل اسمه ~~يحيى وبحضرته كتاب ms0037 يا يحيى خذ الكتاب لكان هذا مخلوقا لأن لفظ يحيى هنا ~~مراد به ذلك الشخص وبالكتاب ذلك الكتاب ليس مرادا به ما اراده الله بقوله ( ~~يا يحيى خذ الكتاب ) والكلام كلام ( المخلوق ) بلفظه ومعناه # وقد تنازع الناس فى مسمى الكلام فى الأصل فقيل هو اسم اللفظ الدال على ~~المعنى وقيل المعنى المدلول عليه باللفظ وقيل لكل منهما بطريق الاشتراك ~~اللفظى وقيل بل هو اسم عام لهما جميعا يتناولهما عند الاطلاق وان كان مع ~~التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة هذا قول السلف وأئمة الفقهاء وان كان ~~هذا القول لا يعرف فى كثير من الكتب # وهذا كما تنازع الناس فى مسمى الإنسان هل هو الروح فقط أو الجسد فقط ~~والصحيح انه اسم للروح والجسد جميعا وان PageV12P067 كان مع القرينة قد ~~يراد به هذا تارة وهذا تارة فتنازعهم فى مسمى النطق كتنازعهم فى مسمى ~~الناطق فمن سمى شخصا محمدا وابراهيم وقال جاء محمد وجاء إبراهيم لم يكن هذا ~~محمد وإبراهيم المذكورين فى القرآن ولو قال محمد رسول الله وإبراهيم خليل ~~الله يعنى به خاتم الرسل وخليل الرحمن لكان قد تكلم بمحمد وإبراهيم الذى فى ~~القرآن لكن قد تكلم بالاسم والفه كلاما فهو كلامه لم يتكلم به فى القرآن ~~العربى الذى تكلم الله به # ومما يوضح ذلك ان الفقهاء قالوا فى آداب الخلاء انه لا يستصحب ما فيه ذكر ~~الله واحتجوا بالحديث الذى فى السنن ( ان النبى كان اذا دخل الخلاء نزع ~~خاتمه وكان خاتمه مكتوبا عليه ( محمد رسول الله ) محمد سطر رسول سطر الله ~~سطر ولم يمنع أحد من العلماء ان يستصحب ما يكون فيه كلام العباد وحروف ~~الهجاء مثل ورق الحساب الذى يكتب فيه أهل الديوان الحساب ومثل الأوراق التى ~~يكتب فيها الباعة ما يبيعونه ونحو ذلك # وفى السيرة ( ان النبى لما صالح غطفان على نصف تمر المدينة أتاه سعد فقال ~~له اهذا شىء أمر الله به فسمعا وطاعة أم شىء تفعله لمصلحتنا فبين له النبى ~~انه لم يفعل ذلك ms0038 بوحى بل فعله باجتهاده فقال لقد كنا فى الجاهلية ~~PageV12P068 وما كانوا يأكلون منها تمرة الا بقرى أو بشراء فلما اعزنا الله ~~بالاسلام يريدون ان يأكلون تمرنا لا يأكلون تمرة واحدة وبصق سعد فى الصحيفة ~~وقطعها ( فاقرة النبى على ذلك ولم يقل هذه حروف فلا يجوز اهانتها والبصاق ~~فيها وأيضا فقد كره السلف محو القرآن بالرجل ولم يكرهوا محو ما فيه كلام ~~الآدميين # وأما قول القائل ان الحروف قديمة أو حروف المعجم قديمة فان أراد جنسها ~~فهذا صحيح وإن أراد الحرف المعين فقد اخطأ فان له مبدأ ومنتهى وهو مسبوق ~~بغيره وما كان كذلك لم يكن إلا محدثا # وأيضا فلفظ الحروف مجمل يراد بالحروف الحروف المنطوقة المسموعة التى هى ~~مبانى الكلام ويراد بها الحروف المكتوبة ويراد بها الحروف المتخيلة فى ~~النفس والصوت لا يكون كلاما إلا بالحروف باتفاق الناس وأما الحروف فهل تكون ~~كلاما بدون الصوت فيه نزاع والحرف قد يراد به الصوت المقطع وقد يراد به ~~نهاية الصوت وحده وقد يراد بالحروف المداد وقد يراد بالحروف شكل المداد ~~فالحروف التى تكلم الله بها غير مخلوقة وإذا كتبت فى المصحف قيل كلام الله ~~المكتوب فى المصحف غير مخلوق وأما نفس أصوات العباد فمخلوقة والمداد مخلوق ~~وشكل المداد مخلوق فالمداد مخلوق بمادته وصورته وكلام الله المكتوب بالمداد ~~غير مخلوق ومن كلام الله PageV12P069 الحروف التى تكلم الله بها فإذا كتبت ~~بالمداد لم تكن مخلوقة وكان المداد مخلوقا وأشكال الحروف المكتوبة مما ~~يختلف فيها اصطلاح الأمم # والخط العربى قد قيل ان مبدأه كان من الأنبار ومنها انتقل إلى مكة وغيرها ~~والخط العربى تختلف صورته العربى القديم فيه تكوف وقد اصطلح المتأخرون على ~~تغيير بعض صوره وأهل المغرب لهم اصطلاح ثالث حتى فى نقط الحروف وترتيبها ~~وكلام الله المكتوب بهذه الخطوط كالقرآن العربى هو فى نفسه لا يختلف ~~باختلاف الخطوط التى يكتب بها # فان قيل فالحرف من حيث هو مخلوق أو غير مخلوق مع قطع النظر عن كونه فى ~~كلام الخالق أو كلام المخلوق فان ms0039 قلتم هو من حيث هو غير مخلوق لزم أن يكون ~~غير مخلوق فى كلام العباد وان قلتم مخلوق لزم أن يكون مخلوقا فى كلام الله ~~قيل قول القائل الحرف من حيث هو هو كقوله الكلام من حيث هو هو والعلم من ~~حيث هو هو والقدرة من حيث هى هى والوجود من حيث هو هو ونحو ذلك # والجواب عن ذلك ان هذه الأمور وغيرها إذا أخذت مجردة مطلقة غير مقيدة ولا ~~مشخصة لم يكن لها حقيقة فى الخارج عن الاذهان PageV12P070 إلا شىء معين ~~فليس ثم وجود إلا وجود الخالق أو وجود المخلوق ووجود كل مخلوق مختص به وان ~~كان اسم الوجود عاما يتناول ذلك كله وكذلك العلم والقدرة اسم عام يتناول ~~افراد ذلك وليس فى الخارج الا علم الخالق وعلم المخلوق وعلم كل مخلوق مختص ~~به قائم به واسم الكلام والحروف يعم كل ما يتناوله لفظ الكلام والحروف وليس ~~فى الخارج الا كلام الخالق وكلام المخلوقين وكلام كل مخلوق مختص به واسم ~~الكلام يعم كل ما يتناوله هذا اللفظ وليس فى الخارج إلا الحروف التى تكلم ~~الله بها الموجودة فى كلام الخالق والحروف الموجودة فى كلام المخلوقين فاذا ~~قيل ان علم الرب وقدرته وكلامه غير مخلوق وحروف كلامه غير مخلوقة لم يلزم ~~من ذلك ان يكون علم العبد وقدرته وكلامه غيرمخلوق وحروف كلامه غيرمخلوقة # وأيضا فلفظ الحرف يتناول الحرف المنطوق والحرف المكتوب وإذا قيل ان الله ~~تكلم بالحروف المنطوقة كما تكلم بالقرآن العربى وبقوله ( الم وحم وطسم وطس ~~ويس وق ون ) ونحو ذلك فهذا كلامه وكلامه غير مخلوق وإذا كتب فى المصاحف كان ~~ما كتب من كلام الرب غير مخلوق وان كان المداد وشكله مخلوقا # و أيضا فاذا قرأ الناس كلام الله فالكلام فى نفسه غير مخلوق إذا كان الله ~~قد تكلم به وإذا قرأه المبلغ لم يخرج عن أن يكون PageV12P071 كلام الله فان ~~الكلام كلام من قاله مبتدئا امرا يأمر به أو خبرا يخبره ليس هو كلام المبلغ ~~له عن ms0040 غيره اذا ليس على الرسول الا البلاغ المبين وإذا قرأه المبلغ فقد ~~يشار إليه من حيث هو كلام الله فيقال هذا كلام الله مع قطع النظر عما بلغه ~~به العباد من صفاتهم وقد يشار إلى نفس صفة العبد كحركته وحياته وقد يشار ~~إليهما فالمشار اليه الأول غير مخلوق والمشار إليه الثانى مخلوق والمشار ~~إليه الثالث فمنه مخلوق ومنه غير مخلوق وما يوجد فى كلام الآدميين من نظير ~~هذا هو نظير صفة العبد لا نظير صفة الرب أبدا # وإذا قال القائل القاف فى قوله ( أقم الصلاة لذكري كالقاف فى قوله % قفا ~~نبك من ذكرى حبيب ومنزل % $ # قيل ما تكلم الله به وسمع منه لا يماثل صفة المخلوقين ولكن إذا بلغنا ~~كلام الله فانما بلغناه بصفاتنا وصفاتنا مخلوقة والمخلوق يماثل المخلوق # وفى هذا جواب للطائفتين لمن قاس صفة المخلوق بصفة الخالق فجعلها غير ~~مخلوقة فان الجهمية المعطلة أشباه اليهود والحلولية الممثلة PageV12P072 ~~أشباه النصارى دخلوا فى هذا وهذا أولئك مثلوا الخالق بالمخلوق فوصفوه ~~بالنقائص التى تختص بالمخلوق كالفقر والبخل وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق ~~فوصفوه بخصائص الربوبية التى لا تصلح إلا لله والمسلمون يصفون الله بما وصف ~~به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل بل يثبتون له ما يستحقه من صفات الكمال وينزهونه عن الاكفاء والأمثال ~~فلا يعطلون الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات فان المعطل يعبد عدما ~~والممثل يعبد صنما والله تعالى ( ليس كمثله شىء وهو السميع البصير ) # ومما ينبغى أن يعرف أن كلام المتكلم فى نفسه واحد وإذا بلغه المبلغون ~~تختلف أصواتهم به فإذا أنشد المنشد قول لبيد % ألا كل شىء ما خلا الله باطل ~~% $ # كان هذا الكلام كلام لبيد لفظه ومعناه مع أن أصوات المنشدين له تختلف ~~وتلك الأصوات ليست صوت لبيد وكذلك من روى حديث النبى بلفظه كقوله ( إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء مانوى ( كان هذا الكلام كلام رسول الله ~~لفظه ومعناه ويقال لمن رواه أدى الحديث بلفظه PageV12P073 وإن كان صوت ms0041 ~~المبلغ ليس هو صوت الرسول فالقرآن أولى أن يكون كلام الله لفظه ومعناه وإذا ~~قرأه القراء فانما يقرؤونه بأصواتهم # ولهذا كان الامام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة يقولون من قال اللفظ ~~بالقرآن أو لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمى ومن قال انه غير مخلوق فهو مبتدع ~~وفى بعض الروايات عنه من قال لفظى بالقرآن مخلوق يعنى به القرآن فهو جهمى ~~لأن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد ~~مخلوق ويراد باللفظ القول الذى يلفظ به اللافظ وذلك كلام الله لا كلام ~~القارىء فمن قال انه مخلوق فقد قال إن الله لم يتكلم بهذا القرآن وان هذا ~~الذى يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله ومعلوم أن هذا مخالف لما علم ~~بالاضطرار من دين الرسول # وأما صوت العبد فهو مخلوق وقد صرح أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت ~~العبد ولم يقل أحمد قط من قال إن صوتى بالقرآن مخلوق فهو جهمى وإنما قال من ~~قال لفظى بالقرآن والفرق بين لفظ الكلام وصوت المبلغ له فرق واضح فكل من ~~بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فانما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه وهو ~~إنما بلغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة ~~والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذى هو حركات PageV12P074 ~~العباد وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد ويراد به نفس الكلام الذى ~~يقرأه التالى ويتلوه ويلفظ به ويكتبه منع أحمد وغيره من اطلاق النفى ~~والإثبات الذى يقتضى جعل صفات الله مخلوقة أو جعل صفات العباد ومدادهم غير ~~مخلوق # وقال أحمد نقول القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف أى حيث تلى وكتب ~~وقرىء مما هو فى نفس الأمر كلام الله فهو كلامه وكلامه غير مخلوق وما كان ~~من صفات العباد وأفعالهم التى يقرؤن ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم ~~فهو مخلوق ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار فانه معلوم أن القرآن واحد ~~ويقرأه خلق كثير والقرآن لا ms0042 يكثر فى نفسه بكثرة قراءة القراء وإنما يكثر ما ~~يقرؤن به القرآن فما يكثر ويحدث فى العباد فهو مخلوق والقرآن نفسه لفظه ~~ومعناه الذى تكلم الله به وسمعه جبريل من الله وسمعه محمد من جبريل وبلغه ~~محمد إلى الناس وأنذر به الأمم لقوله تعالى ( لا نذركم به ومن بلغ ) قرآن ~~واحد وهو كلام الله ليس بمخلوق # وليس هذا من باب ما هو واحد بالنوع متعدد الأعيان كالانسانية الموجودة فى ~~زيد وعمرو ولا من باب ما يقول الانسان مثل قول غيره كماقال تعالى ( كذلك ~~قال الذين من قبلهم مثل قولهم ) فان PageV12P075 القرآن لا يقدر أحد أن ~~يأتى بمثله كما قال تعالى ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) فالانس والجن إذا ~~اجتمعوا لم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا القرآن مع قدرة كل قارىء على أن يقرأه ~~ويبلغه # فعلم أن ما قرأه هو القرآن ليس هو مثل القرآن وأما الحروف الموجودة فى ~~القرآن إذا وجد نظيرها فى كلام غيره فليس هذا هو ذاك بعينه بل هو نظيره ~~وإذا تكلم الله باسم من الأسماء كآدم ونوح وإبراهيم وتكلم بتلك الحروف ~~والأسماء التى تكلم الله بها فاذا قرئت فى كلامه فقد بلغ كلامه فإذا أنشأ ~~الانسان لنفسه كلاما لم يكن عين ما تكلم الله به من الحروف والأسماء هو عين ~~ما تكلم به العبد حتى يقال إن هذه الأسماء والحروف الموجودة فى كلام العباد ~~غير مخلوقة فان بعض من قال إن الحروف والأسماء غير مخلوقة فى كلام العباد ~~ادعى ان المخلوق إنما هو النظم والتأليف دون المفردات وقائل هذا يلزمه أن ~~يكون أيضا والتأليف غير مخلوق إذا وجد نظيره فى القرآن كقوله ( يا يحيى خذ ~~الكتاب ) وإن أراد بذلك شخصا إسمه يحيى وكتابا بحضرته # فان قيل يحيى هذا والكتاب الحاضر ليس هو يحيى والكتاب المذكور فى القرآن ~~وان كان اللفظ نظير اللفظ قيل كذلك PageV12P076 سائر الأسماء والحروف إنما ~~يوجد نظيرها فى كلام ms0043 العباد لا فى كلام الله وقولنا يوجد نظيرها فى كلام ~~الله تقريب أى يوجد فيما نقرأه ونتلوه فان الصوت المسموع من لفظ محمد ويحيى ~~وإبراهيم فى القرآن هو مثل الصوت المسموع من ذلك فى غيرالقرآن وكلا الصوتين ~~مخلوق واما الصوت الذى يتكلم الله به فلا مثل له لا يماثل صفات المخلوقين ~~وكلام الله هو كلامه بنظمه ونثره ومعانيه وذلك الكلام ليس مثل كلام ~~المخلوقين فإذا قلنا ( الحمد لله رب العالمين ) وقصد بذلك قراءة القرآن ~~الذي تكلم الله به فذلك القرآن تكلم الله بلفظه ومعناه لا يماثل لفظ ~~المخلوقين ومعناهم واما إذا قصدنا به الذكر ابتداء من غير أن نقصد قراءة ~~كلام الله فانما نقصد ذكرا ننشئه نحن يقوم معناه بقلوبنا وتنطق بلفظه ~~بألسنتنا وما أنشأناه من الذكر فليس هو من القرآن وان كان نظيره فى القرآن # ولهذا قال النبى فى الحديث الصحيح أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من ~~القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فجعل النبى هذه ~~الكلمات أفضل الكلام بعد القرآن فجعل درجتها دون درجة القرآن وهذا يقتضى ~~أنها ليست من القرآن ثم قال ( هى من القرآن ( وكلا قوليه حق وصواب ولهذا ~~منع أحمد أن يقال الايمان مخلوق PageV12P077 وقال لا إله إلا الله من ~~القرآن وهذا الكلام لا يجوز أن يقال إنه مخلوق وان لم يكن من القرآن ولا ~~يقال فى التوراة والانجيل انهما مخلوقان ولا يقال فى الأحاديث الالهية التى ~~يرويها عن ربه انها مخلوقة كقوله ( يا عبادى انى حرمت الظلم على نفسى ~~وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( فكلام الله قد يكون قرآنا وقد لايكون ~~قرآنا والصلاة إنما تجوز وتصح بالقرآن وكلام الله كله غير مخلوق # فإذا فهم هذا فى مثل هذا فليفهم فى نظائره وان ما يوجد من الحروف ~~والأسماء فى كلام الله يوجد فى غير كلام الله يجوز أن يقال انه من كلام ~~الله باعتبار ويقال ليس من كلام الله باعتبار كما أنه يكون من القرآن ~~باعتبار وغير القرآن باعتبار ms0044 لكن كلام الله القرآن وغير القرآن غير مخلوق ~~وكلام المخلوقين كله مخلوق فما كان من كلام الله فهو غير مخلوق وما كان من ~~كلام غيره فهو مخلوق # وهؤلاء الذين يحتجون على نفى الخلق أو اثبات القدم بشىء من صفات العباد ~~وأعمالهم لوجود نظير ذلك فيما يضاف إلى الله وكلامه والإيمان به شاركهم فى ~~هذا الأصل الفاسد من احتج على خلق ما هو من كلام الله وصفاته بان ذلك قد ~~يوجد نظيره فيما يضاف إلى العبد مثال ذلك أن القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو ~~كلام الله قرؤوه بحركاتهم وأصواتهم فقال الجهمى أصوات العباد ومدادهم ~~مخلوقة وهذا PageV12P078 هو المسمى بكلام الله أو يوجد نظيره فى المسمى ~~بكلام الله فيكون كلام الله مخلوقا # وقال الحلولى الاتحادى الذى يجعل صفة الخالق هى عين صفة المخلوق الذى ~~نسمعه من القراء هو كلام الله وانما نسمع اصوات العباد فاصوات العباد ~~بالقرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق فاصوات العباد بالقرآن غير مخلوقة ~~والحروف المسموعة منهم غير مخلوقة ثم قالوا الحروف الموجودة فى كلامهم هى ~~هذه أو مثل هذه فتكون غير مخلوقة وزاد بعض غلاتهم فجعل أصوات كلامهم غير ~~مخلوقة كما زعم بعضهم ان الاعمال من الايمان وهو غير مخلوق والاعمال غير ~~مخلوقة وزاد بعضهم أعمال الخير و الشر وقال هي القدر والشرع المشروع وقال ~~عمر ما مرادنا بالاعمال الحركات بل الثواب الذي يأتى يوم القيامة كما ورد ~~فى الحديث الصحيح انه تأتى البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو ~~فرقان من طير صواف فيقال له وهذا الثواب مخلوق وقد نص أحمد وغيره من الأئمة ~~على أنه غير مخلوق وبذلك أجابوا من احتج على خلق القرآن بمثل هذا الحديث ~~فقالوا له الذى يجىء يوم القيامة هو ثواب القرآن لانفس القرآن وثواب القرآن ~~مخلوق إلى أمثال هذه الأقوال التى ابتدعها طوائف والبدع تنشأ شيئا فشيئا ~~وقد بسط الكلام فى هذا الباب فى مواضع أخر PageV12P079 وقد بينا أن الصواب ~~فى هذا الباب هو الذى دل عليه الكتاب والسنة ms0045 واجماع السابقين الأولين ~~والتابعين لهم باحسان وهو ما كان عليه الامام أحمد بن حنبل ومن قبله من ~~أئمة الاسلام ومن وافق هؤلاء فان قول الامام أحمد وقول الأئمة قبله هو ~~القول الذى جاء به الرسول ودل عليه الكتاب والسنة ولكن لما امتحن الناس ~~بمحنة الجهمية وطلب منهم تعطيل الصفات وان يقولوا بان القرآن مخلوق وان ~~الله لا يرى فى الآخرة ونحو ذلك ثبت الله الامام أحمد فى تلك المحنة فدفع ~~حجج المعارضين النفاة وأظهر دلالة الكتاب والسنة وان السلف كانوا على ~~الاثبات فآتاه الله من الصبر واليقين ما صار به إماما للمتقين كما قال ~~تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) # ولهذا قيل فيه رحمه الله عن الدنيا ما كان أصبره وبالماضين ما كان أشبهه ~~أتته البدع فنفاها والدنيا فأباها فلما ظهر به من السنة ما ظهر كان له من ~~الكلام فى بيانها وإظهارها أكثر وأعظم مما لغيره فصار أهل السنة من عامة ~~الطوائف يعظمونه وينتسبون إليه # وقد ذكرت كلامه وكلام غيره من الأئمة ونصوص الكتاب والسنة فى هذه الابواب ~~فى غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فانه موافق لصريح ~~المعقول وان العقل الصريح لا يخالف PageV12P080 النقل الصحيح ولكن كثيرا من ~~الناس يغلطون إما فى هذا وإما فى هذا فمن عرف قول الرسول ومراده به كان ~~عارفا بالأدلة الشرعية وليس فى المعقول ما يخالف المنقول ولهذا كان أئمة ~~السنة على ما قاله أحمد بن حنبل قال معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلى من ~~حفظه أى معرفته بالتمييز بين صحيحه وسقيمه والفقه فيه معرفة مراد الرسول ~~وتنزيله على المسائل الاصولية والفروعية أحب إلى من أن يحفظ من غير معرفة ~~وفقه وهكذا قال على بن المدينى وغيره من العلماء فانه من احتج بلفظ ليس ~~بثابت عن الرسول ( أو بلفظ ثابت عن الرسول ) وحمله على مالم يدل عليه فانما ~~أتى من نفسه # وكذلك العقليات الصريحة إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحا لم تكن إلا حقا ~~لا ms0046 تناقض شيئا مما قاله الرسول والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التى بها ~~يعرف الصانع وتوحيده وصفاته وصدق رسله وبها يعرف امكان المعاد ففى القرآن ~~من بيان أصول الدين التى تعلم مقدماتها بالعقل الصريح مالا يوجد مثله فى ~~كلام أحد من الناس بل عامة ما يأتى به حذاق النظار من الأدلة العقلية يأتى ~~القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن منها قال تعالى ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك ~~بالحق وأحسن تفسيرا ) وقال ( ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل ) ~~وقال ( وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) PageV12P081 وأما الحجج ~~الداحضة التى يحتج بها الملاحدة وحجج الجهمية معطلة الصفات وحجج الدهرية ~~وأمثالها كما يوجد مثل ذلك فى كلام المتأخرين الذين يصنفون فى الكلام ~~المبتدع وأقوال المتفلسفة ويدعون انها عقليات ففيها من الجهل والتناقض ~~والفساد مالا يحصيه إلا رب العباد وقد بسط الكلام على هؤلاء فى مواضع أخر # وكان من أسباب ضلال هؤلاء تقصير الطائفتين أو قصورهم عن معرفة ما جاء به ~~الرسول وما كان عليه السلف ومعرفة المعقول الصريح فان هذا هو الكتاب وهذا ~~هو الميزان وقد قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) # وهذه المسألة لا تحتمل البسط على هذه الأمور إذ كان المقصود هنا التنبيه ~~على أن هؤلاء المتنازعين أجمعوا على أصل فاسد ثم تفرقوا فأجمعوا على أن ~~جعلوا عين صفة الرب الخالق هي عين صفة المخلوق ثم قال هؤلاء وصفة المخلوق ~~مخلوقة فصفة الرب مخلوقة فقال هؤلاء صفة الرب قديمة فصفة المخلوق قديمة ثم ~~احتاج كل منهما إلى طرد أصله فخرجوا إلى أقوال ظاهرة الفساد خرج النفاة إلى ~~أن الله لم يتكلم بالقرآن ولا بشىء من الكتب الالهية لا التوراة ولا ~~الانجيل ولا غيرهما وانه لم PageV12P082 يناد موسى بنفسه نداء يسمعه منه ~~موسى ولا تكلم بالقرآن العربى ولا التوراة العبرية وخرج هؤلاء إلى أن ما ~~يقوم ms0047 بالعباد ويتصفون به يكون قديما أزليا وان ما يقوم بهم ويتصفون به لا ~~يكون قائما بهم حالا فيهم بل يكون ظاهرا عنهم من غير قيام بهم # ولما تكلموا فى حروف المعجم صاروا بين قولين طائفة فرقت بين المتماثلين ~~فقالت الحرف حرفان هذا قديم وهذا مخلوق كما قال ابن حامد والقاضى أبو يعلى ~~وابن عقيل وغيرهم فانكر ذلك عليهم الاكثرون وقالوا هذا مخالفة للحس والعقل ~~فان حقيقة هذاالحرف هى حقيقة هذاالحرف وقالوا الحرف حرف واحد وصنف فى ذلك ~~القاضى يعقوب البرزيني مصنفا خالف به شيخه القاضى أبا يعلى مع قوله فى ~~مصنفه وينبغى أن يعلم ان ما سطرته فى هذه المسألة ان ذلك مما استفدته وتفرع ~~عندى من شيخنا وامامنا القاضى ابى يعلى بن الفراء وان كان قد نصر خلاف ما ~~ذكرته فى هذا الباب فهو العالم المقتدى به فى علمه ودينه فانى ما رأيت أحسن ~~سمتا منه ولا أكثراجتهادا منه ولا تشاغلا بالعلم مع كثرة العلم والصيانة ~~والانقطاع عن الناس والزهادة فيما بايديهم والقناعة فى الدنيا باليسير مع ~~حسن التجمل وعظم حشمته عند الخاص والعام ولم يعدل بهذه الاخلاق شيئا من نفر ~~من الدنيا PageV12P083 وذكر القاضى يعقوب فى مصنفه ان ما قاله قول ابى بكر ~~أحمد بن المسيب الطبرى وحكاه عن جماعة من أفضل أهل طبرستان وانه سمع الفقيه ~~عبد الوهاب بن حلبه قاضى حران يقول هو مذهب العلوى 2 الحرانى وجماعة من أهل ~~حران وذكره أبو عبد الله بن حامد عن جماعة من أهل طبرستان ممن ينتمى إلى ~~مذهبنا كأبى محمد الكشفل واسماعيل الكاوذرى فى خلق من اتباعهم يقولون إنها ~~قديمة قال القاضى أبو يعلى وكذلك حكى لى عن طائفة بالشام انها تذهب إلى ذلك ~~منهم النابلسى وغيره وذكر القاضى حسين أن أباه رجع فى آخر عمره إلى هذا ~~وذكروه عن الشريف أبى على بن أبى موسى وتبعهم فى ذلك الشيخ أبو الفرج ~~المقدسى وابنه عبد الوهاب وسائر اتباعه وأبو الحسن بن الزاغونى وأمثاله ~~وذكر القاضى يعقوب أن كلام ms0048 أحمد يحتمل القولين # وهؤلاء تعلقوا بقول أحمد لما قيل له ان سريا السقطى قال لما خلق الله ~~الاحرف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر فقال أحمد هذا كفر وهؤلاء ~~تعلقوا من قول أحمد بقوله كل شىء من المخلوقين على لسان المخلوقين فهو ~~مخلوق وبقوله لو كان كذلك لما تمت صلاته بالقرآن كما لا تتم بغيره من كلام ~~الناس وبقول أحمد PageV12P084 لأحمد بن الحسن الترمذى ألست مخلوقا قال بلى ~~قال أليس كل شىء منك مخلوقا قال بلى قال فكلامك منك وهو مخلوق # قلت الذى قاله أحمد فى هذا الباب صواب يصدق بعضه بعضا وليس فى كلامه ~~تناقض وهو انكره على من قال ان الله خلق الحروف فان من قال ان الحروف ~~مخلوقة كان مضمون قوله ان الله لم يتكلم بقرآن عربى وان القرآن العربى ~~مخلوق ونص أحمد ايضا على ان كلام الادميين مخلوق ولم يجعل شيئا منه غير ~~مخلوق وكل هذا صحيح والسرى رحمه الله انما ذكر ذلك عن بكر بن خنيس العابد ~~فكان مقصودهما بذلك ان الذى لا يعبد الله إلا بامره هو أكمل ممن يعبده ~~برأيه من غير أمر من الله واستشهد على ذلك بما بلغهما أنه لما خلق الله ~~الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر وهذا الأثر لا يقوم بمثله ~~حجة فى شىء ولكن مقصودهما ضرب المثل أن الألف منتصبة فى الخط ليست هى ~~مضطجعة كالباء والتاء فمن لم يفعل حتى يؤمر أكمل ممن فعل بغير أمر # وأحمد أنكر قول القائل أن الله لما خلق الحروف وروى عنه أنه قال من قال ~~إن حرفا من حروف المعجم مخلوق فهو جهمى لأنه سلك طريقا إلى البدعة ومن قال ~~ان ذلك مخلوق فقد قال ان القرآن مخلوق وأحمد قد صرح هو وغيره من الأئمة ان ~~الله لم يزل متكلما إذا PageV12P085 شاء وصرح أن الله يتكلم بمشيئته ولكن ~~أتباع ابن كلاب كالقاضى وغيره تأولوا كلامه على أنه أراد بذلك إذا شاء ~~الاسماع لانه عندهم ms0049 لم يتكلم بمشيئته وقدرته # وصرح أحمد وغيره من السلف ان القرآن كلام الله غير مخلوق ولم يقل أحد من ~~السلف ان الله تكلم بغير مشيئته وقدرته ولا قال أحد منهم أن نفس الكلام ~~المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أو غير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلى ~~لم يزل ولا يزال وان الله قامت به حروف معينة أو حروف وأصوات معينة قديمة ~~أزلية لم تزل ولا تزال فان هذا لم يقله ولا دل عليه قول أحمد ولا غيره من ~~أئمة المسلمين بل كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح فى نقيض هذا وأن الله ~~يتكلم بمشيئته وقدرته وانه لم يزل يتكلم إذا شاء مع قولهم إن كلام الله غير ~~مخلوق وانه منه بدأ ليس بمخلوق ابتدأ من غيره ونصوصهم بذلك كثيرة معروفة فى ~~الكتب الثابتة عنهم مثل ما صنف أبو بكر الخلال فى كتاب السنة وغيره وما ~~صنفه عبد الرحمن بن أبى حاتم من كلام أحمد وغيره وما صنفه أصحابه وأصحاب ~~أصحابه كابنيه صالح وعبد الله وحنبل وأبى داود السجستانى صاحب السنن ~~والاثرم والمروذى وأبى زرعة وأبى حاتم والبخارى صاحب الصحيح وعثمان بن سعيد ~~الدارمى وابراهيم الحربى وعبد الوهاب الوراق PageV12P086 وعباس بن عبد ~~العظيم العنبرى وحرب بن إسماعيل الكرمانى ومن لا يحصى عدده من أكابر أهل ~~العلم والدين وأصحاب أصحابه ممن جمع كلامه وأخباره كعبد الرحمن بن أبى حاتم ~~وأبى بكر الخلال وأبى الحسن البنانى الاصبهانى وأمثال هؤلاء ومن كان أيضا ~~يأتم به وبأمثاله من الأئمة فى الأصول والفروع كأبى عيسى الترمذى صاحب ~~الجامع وأبى عبد الرحمن النسائى وأمثالهما ومثل أبى محمد بن قتيبة وأمثاله ~~وبسط هذا له موضع آخر # وقد ذكرنا فى المسائل الطبرستانية و الكيلانية بسط مذاهب الناس وكيف ~~تشعبت وتفرعت فى هذا الأصل # والمقصود هنا ان كثيرا من الناس المتأخرين لم يعرفوا حقيقة كلام السلف ~~والأئمة فمنهم من يعظمهم ويقول انه متبع لهم مع انه مخالف لهم من حيث لا ~~يشعر ومنهم من يظن أنهم كانوا لا يعرفون ms0050 أصول الدين ولا تقريرها بالدلائل ~~البرهانية وذلك لجهله بعلمهم بل لجهله بما جاء به الرسول من الحق الذى تدل ~~عليه الدلائل العقلية مع السمعية فلهذا يوجد كثير من المتأخرين يشتركون فى ~~أصل فاسد ثم يفرع كل قوم عليه فروعا فاسدة يلتزمونها كما صرحوا فى تكلم ~~الله تعالى بالقرآن العربى وبالتوراة العبرية وما فيهما من حروف الهجاء ~~مؤلفا أو مفردا لما رأوا ان ذلك بلغ بصفات المخلوقين اشتبه بصفات المخلوقين ~~فلم يهتدوا لموضع PageV12P087 الجمع والفرق فقال هؤلاء هذا الذى يقرأ ويسمع ~~مثل كلام المخلوقين فهو مخلوق # وقال هؤلاء هذا الذى من كلام الآدميين هو مثل كلام الله فيكون غير مخلوق ~~كما ذكر ابن عقيل فى كتاب كتاب الارشاد عن بعض القائلين بأن القرآن مخلوق ~~فقال شبهة اعترض بها على بعض أئمتهم فقال أقل ما فى القرآن من امارات الحدث ~~كونه مشبها لكلامنا والقديم لا يشبه المحدث ومعلوم انه لا يمكن دفع ذلك لأن ~~قول القائل لغلامه يحيى يا يحيى خذ الكتاب بقوة يضاهى قوله سبحانه حتى لا ~~يميز السامع بينهما من حيث حسه إلا أن يخبره أحدهما بقصده والاخر بقصده ~~فيميز بينهما بخبر القائل لا بحسه وإذا اشتبها إلى هذا الحد فكيف يجوز دعوى ~~قدم ما يشابه المحدث ويسد مسده مع انه إن جاز دعوى قدم الكلام مع كونه ~~مشاهدا للمحدث جاز دعوى التشبيه بظواهر الآي والاخبار ولا مانع من ذلك فلما ~~فزعنا نحن وأنتم إلى نفى التشبيه خوفا من جواب دخول القرآن بالحدث علينا ~~كذلك يجب أن تفزعوا من القول بالقدم مع وجود الشبه حتى ان بعض أصحابكم يقول ~~لقوة ما رأى من الشبه بينهما ان الكلام واحد والحروف غير مخلوقة فكيف يجوز ~~ان يقال فى الشىء الواحد انه قديم محدث PageV12P088 قلت وهذا الذى حكى عنه ~~ابن عقيل من بعض الاصحاب المذكورين منهم القاضى يعقوب البرزينى ذكره فى ~~مصنفه فقال دليل عاشر وهو ان هذه الحروف بعينها وصفتها ومعناها وفائدتها هى ~~التى فى كتاب الله تعالى وفى اسمائه وصفاته والكتاب ms0051 بحروفه قديم وكذلك ~~هاهنا قال فإن قيل لا نسلم ان تلك لها حرمة وهذه لا حرمة لها قيل لا نسلم ~~بل لها حرمة # فإن قيل لو كان لها حرمة لوجب أن تمنع الحائض والنفساء من مسها وقراءتها ~~قيل قد لا تمنع من قراءتها ومسها ويكون لها حرمة كبعض آية لا تمنع من ~~قراءتها ولها حرمة وهى قديمة وانما لم تمنع من قراءتها ومسها للحاجة إلى ~~تعليمها كما يقال فى الصبى يجوز له مس المصحف على غير طهارة للحاجة إلى ~~تعليمه # فإن قيل فيجب إذا حلف بها حالف ان تنعقد يمينه وإذا خالف يمينه أن يحنث ~~قيل له كما فى حروف القرآن مثله نقول هنا # فإن قيل أليس إذا وافقها فى هذه المعانى دل على انها هي الا ترى انه إذا ~~تكلم متكلم بكلمة يقصد بها خطاب آدمى فوافق صفتها صفة ما فى كتاب الله ~~تعالى مثل قوله يا داود يا نوح يا يحيى وغيرذلك فإنه موافق لهذه الأسماء ~~التى فى كتاب الله وان PageV12P089 كانت فى كتاب الله قديمة وفى خطاب ~~الآدمى محدثة # قيل كل ما كان موافقا لكتاب الله من الكلام فى لفظه ونظمه وحروفه فهو من ~~كتاب الله وان قصد به خطاب آدمى # فإن قيل فيجب إذا أراد بهذه الأسماء آدميا وهو فى الصلاة ان لا تبطل ~~صلاته # قيل له كذلك نقول وقد ورد مثل ذلك عن علي وغيره اذ ناداه رجل من الخوارج ~~( لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) قال فأجابه على وهو فى ~~الصلاة ( فاصبر أن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) وعن ابن ~~مسعود انه استأذن عليه بعض أصحابه فقال ( ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ) # قال فإن قيل أليس إذا قال ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) ونوى به خطاب غلام ~~اسمه يحيى يكون الخطاب مخلوقا وان نوى به القرآن يكون قديما قيل له فى كلا ~~الحالين يكون قديما لأن القديم عبارة عما كان موجودا فيما لم يزل والمحدث ~~عبارة عما حدث بعد ms0052 ان لم يكن والنية لا تجعل المحدث قديما ولا القديم محدثا ~~قال ومن قال هذا فقد بالغ فى الجهل والخطأ PageV12P090 # وقال ايضا كل شيء يشبه بشيء ما فانما يشبهه فى بعض الأشياء دون بعض ولا ~~يشبه من جميع أحواله لأنه إذا كان مثله فى جميع احواله كان هو لا غيره وقد ~~بينا أن هذه الحروف تشبه حروف القرآن فهي غيرها اه # ( قلت ) هذا كلام القاضي يعقوب وامثاله مع انه اجل من تكلم فى هذه ~~المسألة ولما كان جوابه مشتملا على ما يخالف النص والاجماع والعقل خالفه ~~ابن عقيل وغيره من أئمة المذهب الذين هم أعلم به # وأجاب ابن عقيل عن سؤال الذين قالوا هذا مثل هذا بان قال الاشتراك فى ~~الحقيقة لا يدل على الاشتراك فى الحدوث كما ان كونه عالما هو تبينه للشىء ~~على أصلكم ومعرفته به على قولنا على الوجه الذى يتبينه الواحد منا وليس ~~مماثلا لنا فى كوننا عالمين وكذلك كونه قادرا هو صحة الفعل منه سبحانه ~~وتعالى وليست قدرته على الوجه الذى قدرنا عليها فليس الاشتراك فى الحقيقة ~~حاصلا والافتراق فى القدم والحدوث حاصل # قال وجواب آخر لا نقول ان الله يتكلم بكلامه على الوجه PageV12P091 الذى ~~يتكلم به زيد بمعنى انه يقول يا يحيى فإذا فرغ من ذلك انتقل إلى قوله خذ ~~الكتاب بقوة وترتب فى الوجود كذلك بل هو سبحانه وتعالى يتكلم به على وجه ~~تعجز عن مثله أدواتنا فما ذكرته من الاشتباه من قول القائل يا يحيى خذ ~~الكتاب يعود إلى اشتباه التلاوة بالكلام المحدث فأماأنه يشابه الكلام ~~القائم بذاته فلا # قال ابن عقيل قالوا فهذا لا يجىء على مذهبكم فان عندكم التلاوة هى المتلو ~~والقراءة هى المقروء قيل ليس معنى قولنا هى المتلو انها هذه الأصوات ~~المقطعة وانما نريد به ما يظهر من الحروف القديمة فى الاصوات المحدثة ~~وظهورها فى المحدث لابد ان يكسبها صفة التقطيع لاختلاف الانفاس وادارة ~~اللهوات لأن الآلة التى تظهر عليها لا تحمل الكلام إلا على وجه التقطيع ~~وكلام ms0053 الباري قائم بذاته على خلاف هذا التقطيع والابتداء والانتهاء ~~والتكرار والبعدية والقبلية # ومن قال ذلك لم يعرف حد القديم وادعى قدم الاعراض وتقطع القديم وتقطع ~~القديم عرض لا يقوم بقديم ومن اعتقد ان كلام الله القائم بذاته على حد ~~تلاوة التالى من القطع والوصل والتقريب والتبعيد والبعدية والقبلية فقد شبه ~~الله بخلقه ولهذا روى فى الخبر أن موسى سأله بنو اسرائيل كيف سمعت كلام ربك ~~قال كالرعد الذى لا يترجع يعنى ينقطع لعدم قططع الانفاس وعدم الأنفاس ~~والآلات والشفاه PageV12P092 واللهوات ومن قال غير ذلك وتوهم ان الله تكلم ~~على لسان التالى أو الكلام الذى قام بذاته على هذه الصفة من التقطيع والوصل ~~والتقريب والتبعيد فقد حكم به محدثا لأن الدلالة على حدوث العالم هو ~~الاجتماع والافتراق ولأن هذه من صفات الأدوات # قلت فهذا الذى قاله إبن عقيل أقل خطأ مما قاله البرزينى فان ذلك مخالف ~~للنص والإجماع والعقل مخالفة ظاهرة فانه قد ثبت بالنص والاجماع ان من تكلم ~~فى الصلاة بكلام الآدميين عامدا لغير مصلحتها عالما بالتحريم بطلت صلاته ~~بالاجماع خلاف ماذكره القاضى يعقوب ومتى قصد به التلاوة لم تبطل بالاجماع ~~وان قصد به التلاوة والخطاب ففيه نزاع وظاهر مذهب أحمد لا تبطل كمذهب ~~الشافعى وغيره وقيل تبطل كقول أبي حنيفة وغيره # وما ذكروه عن الصحابة حجة عليهم فان قول على بن أبي طالب ( فاصبر إن وعد ~~الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) هو كلام الله ولم يقصد على أن يقول ~~للخارجي ولا يستخفنك الخوارج وإنما قصد أن يسمعه الآية وانه عامل بها صابر ~~لا يستخفه الذين لا يوقنون وابن مسعود قال لهم وهو بالكوفة ( ادخلوا مصر إن ~~شاء الله آمنين ) ومعلوم ان مصر بلا تنوين هى مصر المدينة وهذه لم تكن ~~بالكوفة وإبن مسعود إنما كان بالكوفة فعلم أنه قصد تلاوة الآية وقصد مع ~~PageV12P093 ذلك تنبيه الحاضرين على الدخول فانهم سمعوا قوله ادخلوا فعلموا ~~انه أذن لهم فى الدخول وان كان هو تلا الآية فهذا هذا # وأما جواب ms0054 ابن عقيل فبناه على أصل ابن كلاب الذى يعتقده هو وشيخه وغيرهما ~~وهو الأصل الذى وافقوا فيه ابن كلاب ومن اتبعه كالأشعرى وغيره وهو أن الله ~~لا يتكلم بمشيئته وقدرته وانه ليس فيما يقوم به شىء يكون بمشيئته وقدرته ~~لامتناع قيام الأمور الاختيارية به عندهم لأنها حادثة والله لا يقوم به ~~حادث عندهم ولهذا تأولوا النصوص المناقضة لهذا الأصل كقوله تعالى ( وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) فان هذا يقتضى انه سيرى ~~الأعمال فى المستقبل وكذلك قوله ( ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون ) وقوله ( اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ) وكذلك قوله ( ~~قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) فان هذا يقتضى أنه يحبهم بعد ~~اتباع الرسول وكذلك قوله تعالى ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم ) فان هذا يقتضى انه قال لهم بعد خلق آدم وكذلك قوله تعال ( ~~فلما أتاها نودى ) يقتضى أنه نودى لما أتاها لم يناد قبل ذلك وكذلك قوله ( ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ومثل هذا فى القرآن كثير ~~PageV12P094 وهذا الأصل هو مما أنكره الامام أحمد على ابن كلاب وأصحابه حتى ~~على الحارث المحاسبى مع جلالة قدر الحارث وأمر أحمد بهجره وهجر الكلابية ~~وقال احذروا من حارث الآفة كلها من حارث فمات الحارث وما صلى عليه إلا نفر ~~قليل بسبب تحذير الامام أحمد عنه مع أن فيه من العلم والدين ما هو أفضل من ~~عامة من وافق ابن كلاب على هذا الأصل وقد قيل إن الحارث رجع عن ذلك وأقر ~~بأن الله يتكلم بصوت كما حكى عنه ذلك صاحب التعرف لمذهب التصوف أبو بكر ~~محمد بن اسحاق الكلاباذي # وكثير من المتأخرين من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة وافقوا ابن ~~كلاب على هذا الأصل كما قد بسط الكلام على ذلك فى مواضع أخر # واختلف كلام ابن عقيل فى هذا الأصل فتارة يقول بقول ابن كلاب وتارة يقول ~~بمذهب السلف وأهل الحديث أن الله تقوم ms0055 به الأمور الاختيارية ويقول انه قام ~~به أبصار متجددة حين تجدد المرئيات لم تكن قبل ذلك وقام به علم بأن كل شيء ~~وجد غير العلم الذى كان أولا أنه سيوجد كما دل على ذلك عدة آيات فى القرآن ~~كقوله تعالى ( لنعلم من يتبع الرسول ) وغير ذلك وكلامه فى هذا الأصل وغيره ~~يختلف تارة يقول بهذا وتارة يقول بهذا فان هذه المواضع مواضع PageV12P095 ~~مشكلة كثر فيها غلط الناس لما فيها من الاشتباه والالتباس # والجواب الحق أن كلام الله لا يماثل كلام المخلوقين كما لا يماثل فى شىء ~~من صفاته صفات المخلوقين وقول القائل إن الاشتراك فى الحقيقة لا يدل على ~~الاشتراك فى الحدوث لفظ مجمل فانا إذا قلنا لله علم ولنا علم أو له قدرة ~~ولنا قدرة أو له كلام ولنا كلام أو تكلم بصوت ونحن نتكلم بصوت وقلنا صفة ~~الخالق وصفة المخلوق اشتركتا فى الحقيقة فان أريد بذلك ان حقيقتهما واحدة ~~بالعين فهذا مخالف للحس والعقل والشرع وان أريد بذلك أن هذه مماثلة لهذه فى ~~الحقيقة وإنما اختلفنا فى الصفات العرضية كما قال ذلك طائفة من أهل الكلام ~~وقد بين فساد ذلك فى الكلام على الأربعين للرازى وغير ذلك فهذا أيضا من ~~أبطل الباطل وذلك يستلزم أن تكون حقيقة ذات الباري عز وجل مماثلة لحقيقة ~~ذوات المخلوقين # وان أريد بذلك أنهما اشتركا فى مسمى العلم والقدرة والكلام فهذا صحيح كما ~~انه إذا قيل إنه موجود أو ان له ذاتا فقد اشتركا فى مسمى الوجود والذات لكن ~~هذا المشترك أمر كلى لا يوجد كليا إلا فى الأذهان لا فى الاعيان فليس فى ~~الخارج شىء اشترك فيه مخلوقان كاشتراك الجزئيات فى كلياتها بخلاف اشتراك ~~الاجزاء فى الكل فانه يجب الفرق بين قسمة الكلى إلى جزئياته كقسمة الحيوان ~~إلى PageV12P096 ناطق وغير ناطق وقسمة الانسان إلى مسلم وكافر وقسمة الاسم ~~إلى معرب ومبنى وقسمة الكل إلى أجزائه كقسمة العقار بين الشركاء وقسمة ~~الكلام إلى إسم وفعل وحرف ففى الأول انما اشتركت الأقسام فى أمر ms0056 كلى فضلا ~~عن أن يكون الخالق والمخلوقون مشتركين فى شىء موجود فى الخارج وليس فى ~~الخارج صفة لله يماثل بها صفة المخلوق بل كل ما يوصف به الرب تعالى فهو ~~مخالف بالحد والحقيقة لما يوصف به المخلوق أعظم مما يخالف المخلوق المخلوق ~~واذا كان المخلوق مخالفا بذاته وصفاته لبعض المخلوقات فى الحد والحقيقة ~~فمخالفة الخالق لكل مخلوق فى الحقيقة أعظم من مخالفة أى مخلوق فرض لأي ~~مخلوق فرض ولكن علمه ثبت له حقيقة العلم ولقدرته حقيقة القدرة ولكلامه ~~حقيقة الكلام كما ثبت لذاته حقيقة الذاتية ولوجوده حقيقة الوجود وهو أحق ~~بأن تثبت له صفات الكمال على الحقيقة من كل ما سواه # فهذا هو المراد بقولنا علمه يشارك علم المخلوق فى الحقيقة فليس ما يسمع ~~من العباد من أصواتهم مشابها ولا مماثلا لما سمعه موسى من صوته إلا كما ~~يشبه ويماثل غير ذلك من صفاته لصفات المخلوقين فهذا فى نفس تكلمه سبحانه ~~وتعالى بالقرآن والقرآن عند الامام أحمد وسائر أئمة السنة كلامه تكلم به ~~وتكلم بالقرآن العربى بصوت نفسه وكلم موسى بصوت نفسه الذي لا يماثل شيئا من ~~أصوات العباد PageV12P097 # ثم إذا قرأنا القرآن فانما نقرؤه باصواتنا المخلوقة التى لا تماثل صوت ~~الرب فالقرآن الذى نقرؤه هو كلام الله مبلغا عنه لا مسموعا منه وانما نقرؤه ~~بحركاتنا واصواتنا الكلام كلام الباري والصوت صوت القارىء كما دل على ذلك ~~الكتاب والسنة مع العقل قال الله تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك ~~فاجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) وقال النبى ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ( وقال الامام أحمد فى قول النبى ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( ~~قال يزينه ويحسنه بصوته كما قال ( زينوا القرآن بأصواتكم ( # فنص أحمد على ما جاء به الكتاب والسنة انا نقرأ القرآن باصواتنا والقرآن ~~كلام الله كله لفظه ومعناه سمعه جبريل من الله وبلغه إلى محمد وسمعه محمد ~~منه وبلغه محمد إلى الخلق والخلق يبلغه بعضهم إلى بعض ويسمعه بعضهم من بعض ~~ومعلوم انهم إذا سمعوا كلام النبى ms0057 وغيره فبلغوه عنه كما قال نضر الله امرأ ~~سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فهم سمعوا اللفظ من الرسول بصوت نفسه بالحروف ~~التى تكلم بها وبلغوا لفظه باصوات انفسهم وقد علم الفرق بين من يروى الحديث ~~بالمعنى لا باللفظ واللفظ المبلغ هو لفظ الرسول وهو كلام الرسول فان كان ~~صوت PageV12P098 المبلغ ليس صوت الرسول وليس ما قام بالرسول من الصفات ~~والأعراض فارقته وما قامت بغيره بل ولا تقوم الصفة والعرض بغير محله وإذا ~~كان هذا معقولا فى الصفات المخلوقين فصفات الخالق اولى بكل صفة كمال وأبعد ~~عن كل صفة نقص والتباين الذى بين صفة الخالق والمخلوق اعظم من التباين الذى ~~بين صفة مخلوق ومخلوق وامتناع الاتحاد والحلول بالذات للخالق وصفاته فى ~~المخلوق أعظم من الاتحاد والحلول بالذات للمخلوق وصفاته فى المخلوق وهذه ~~جمل قد بسطت فى مواضع آخر # هذا مع ان احتجاج الجهمية والمعتزلة بان كلام المخلوق بقوله ( يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة ) مثل كلام الخالق غلط باتفاق الناس حتى عندهم فان الذين ~~يقولون هو مخلوق يقولون انه خلقه فى بعض الاجسام أما الهواء أو غيره كما ~~يقولون أنه خلق الكلام فى نفس الشجرة فسمعه موسى # ومعلوم ان تلك الحروف والاصوات التى خلقها الله ليست مماثلة لما يسمع من ~~العبد وتلك هى كلام الله المسموع منه عندهم كما ان أهل السنة يقولون الذى ~~تكلم هو الله بمشيئته وليس ذلك مماثلا لصوت # PageV12P099 العبد وأما القائلون بقدم الكلام المعين سواء كان معنى أو ~~حروفا أو اصواتا فيقولون خلق لموسى اداركا ادرك به ذلك القديم وبكل حال ~~فكلام المتكلم إذا سمع من المبلغ عنه ( غير ما قام بنفس المتكلم المنشىء ) ~~فكيف ( لا ) يكون ذلك فى كلام الله تعالى # فيجب على الانسان فى مسألة الكلام ان يتحرى أصلين احدهما تكلم الله ~~بالقرآن وغيره هل تكلم به بمشيئته وقدرته أم لا وهل تكلم بكلام قائم بذاته ~~أم خلقه فى غيره والثانى تبليغ ذلك الكلام عن الله وأنه ليس مما يتصف به ~~الثانى وان كان المقصود ms0058 بالتبليغ الكلام المبلغ وبسط هذا له موضع آخر # وأيضا فهذان المتنازعان اذا قال احدهما انها قديمة وليس لها مبتدأ وشكلها ~~ونقطها محدث وقال الآخر انها ليست بكلام الله وانها مخلوقة بشكلها ونقطها ~~قد يفهم من هذا انهما ارادا بالحروف الحروف المكتوبة دون المنطوقة والحروف ~~المكتوبة قد تنازع الناس فى شكلها ونقطها فان الصحابة لما كتبوا المصاحف ~~كتبوها غير مشكولة ولا منقوطة لأنهم انما كانوا يعتمدون فى القرآن على حفظه ~~فى صدورهم لا على المصاحف وهو منقول بالتواتر محفوظ فى الصدور ولو عدمت ~~المصاحف لم يكن للمسلمين بها حاجة فان المسلمين ليسوا كأهل الكتاب الذين ~~يعتمدون على الكتب التى تقبل التغير والله أنزل القرآن على محمد فتلقاه ~~تلقيا وحفظه فى قلبه لم ينزله مكتوبا كالتوراة PageV12P100 وأنزله منجما ~~مفرقا ليحفظ فلا يحتاج إلى كتاب كما قال تعالى ( وقالوا لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة ) الآية وقال تعالى ( وقرآنا فرقناه ) الآية وقال تعالى ~~( ولا تعجل بالقرآن ) الآية وقال تعالى ( علينا جمعه وقرآنه ) الآية # وفى الصحيح عن إبن عباس قال كان النبى يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك ~~شفتيه فقال ابن عباس أحركهما لك كما كان النبى يحركهما فحرك شفتيه فأنزل ~~الله تعالى ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه وقرآنه ) قال جمعه ~~فى صدرك ثم تقرأه ( فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ) قال فاستمع له وانصت ( ثم ان ~~علينا بيانه ) أي نبينه بلسانك فكان النبى إذا أتاه جبريل استمع فاذا انطلق ~~جبريل قرأه النبى كما أقرأه فلهذا لم تكن الصحابة ينقطون المصاحف ويشكلونها ~~وأيضا كانوا عربا لا يلحنون فلم يحتاجوا إلى تقييدها بالنقط وكان فى اللفظ ~~الواحد قراءتان يقرأ بالياء والتاء مثل يعملون وتعملون فلم يقيدوه باحدهما ~~ليمنعوه من الأخرى # ثم أنه فى زمن التابعين لما حدث اللحن صار بعض التابعين يشكل المصاحف ~~وينقطها وكانوا يعملون ذلك بالحمرة ويعملون الفتح بنقطة حمراء فوق الحرف ~~والكسرة بنقطة حمراء تحته والضمة بنقطة حمراء PageV12P101 امامه ثم مدوا ~~النقطة وصاروا يعملون الشدة بقولك شد ويعملون المدة بقولك ms0059 مد وجعلوا علامة ~~الهمزة تشبه العين لأن الهمزة أخت العين ثم خففوا ذلك حتى صارت علامة الشدة ~~مثل رأس السين وعلامة المدة مختصرة كما يختصر أهل الديوان الفاظ العدد وغير ~~ذلك وكما يختصر المحدثون أخبرنا وحدثنا فيكتبون أول اللفظ وآخره على شكل ~~أنا وعلى شكل ثنا وتنازع العلماء هل يكره تشكيل المصاحف وتنقيطها على قولين ~~معروفين وهما روايتان عن الامام أحمد لكن لا نزاع بينهم ان المصحف إذا شكل ~~ونقط وجب احترام الشكل والنقط كما يجب احترام الحرف ولا تنازع بينهم ان ~~مداد النقطة والشكل مخلوق كما أن مداد الحرف مخلوق ولا نزاع بينهم ان الشكل ~~يدل على الأعراب والنقط يدل على الحروف وان الاعراب من تمام الكلام العربى # ويروى عن أبى بكر وعمر انهما قالا حفظ إعراب القرآن أحب الينا من حفظ بعض ~~حروفه ولا ريب ان النقطة والشكلة بمجردهما لا حكم لهما ولا حرمة ولا ينبغى ~~أن يجرد الكلام فيهما ولا ريب أن إعراب القرآن العربى من تمامه ويجب ~~الاعتناء باعرابه والشكل يبين إعرابه كما تبين الحروف المكتوبة للحرف ~~المنطوق كذلك يبين الشكل المكتوب للاعراب المنطوق PageV12P102 # فهذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصورا تاما ظهر لهم الصواب وقلت ~~الاهواء والعصبيات وعرفوا موارد النزاع فمن تبين له الحق فى شىء من ذلك ~~اتبعه ومن خفى عليه توقف حتى يبينه الله له وينبغى له أن يستعين على ذلك ~~بدعاء الله ومن أحسن ذلك ما رواه مسلم فى صحيحه عن عائشة أن النبى وكان إذا ~~قام من الليل يصلي يقول ( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~اهدنى لمااختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم ( # وقول القائل الآخر كلامه كتب بها يقتضى انه أراد بالحروف ما يتناول ~~المنطوق والمكتوب كما قال النبى ( من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات أما ~~إنى لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ms0060 ( قال الترمذى حديث ~~صحيح فهنا لم يرد النبى بالحرف نفس المداد وشكل المداد وإنما اراد الحرف ~~المنطوق وفى مراده بالحرف قولان قيل هذا اللفظ المفرد وقيل أراد بالحرف ~~الاسم كما قال ألف حرف ولام حرف وميم حرف # ولفظ الحرف والكلمة له فى لغة العرب التى كان النبى صلى PageV12P103 الله ~~عليه وسلم يتكلم بها معنى وله فى اصطلاح النحاة معنى فالكلمة فى لغتهم هى ~~الجملة التامة والجملة الاسمية أو الفعلية كما قال النبى فى الحديث المتفق ~~على صحته ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان إلى ~~الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقال ( إن أصدق كلمة قالها ~~الشاعر كلمة لبيد % ألا كل شىء ما خلا الله باطل % $ وقال ( ان العبد ~~ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن ان تبلغ مابلغت يكتب له بها رضوانه ~~إلى يوم القيامة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما ~~بلغت يكتب له بها سخطه إلى يوم القيامة ( وقال لأم المؤمنين ( لقد قلت بعدك ~~اربع كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان ~~الله رضا نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته ( ومنه قوله ~~تعالى ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) وقوله ( وألزمهم ~~كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ) وقوله تعالى ( يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ) وقوله ( وجعلها كلمة ~~باقية فى عقبه لعلهم يرجعون ) وقوله ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة ~~الله هي العليا ) وقول النبى ( من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى ~~سبيل الله ( ونظائره كثيرة # ولا يوجد قط فى الكتاب والسنة وكلام العرب لفظ الكلمة إلا PageV12P104 ~~والمراد به الجملة التامة فكثير من النحاة أو أكثرهم لا يعرفون ذلك بل ~~يظنون ان اصطلاحهم فى مسمى الكلمة ينقسم إلى إسم وفعل وحرف هو لغة العرب ~~والفاضل منهم يقول % وكلمة بها كلام قد يؤم % $ # ويقولون العرب قد تستعمل الكلمة فى ms0061 الجملة التامة وتستعملها فى المفرد ~~وهذا غلط لا يوجد قط فى كلام العرب لفظ الكلمة إلا للجملة التامة # ومثل هذا اصطلاح المتكلمين على ان القديم هو مالا أول لوجوده أو مالم ~~يسبقه عدم ثم يقول بعضهم وقد يستعمل القديم فى المتقدم على غيره سواء كان ~~أزليا أو لم يكن كما قال تعالى ( حتى عاد كالعرجون القديم ) وقال ( وإذا لم ~~يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) وقوله تعالى ( قالوا تالله انك لفى ~~ضلالك القديم ) وقال ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الاقدمون ) ~~وتخصيص القديم بالأول عرف اصطلاحى ولا ريب انه أولى بالقدم فى لغة العرب ~~ولهذا كان لفظ المحدث فى لغة العرب بازاء القديم قال تعالى ( ما يأتيهم من ~~ذكر من ربهم محدث وهذا يقتضى أن الذى نزل قبله ليس يمحدث بل متقدم وهذا ~~موافق للغة العرب التى نزل بها القرآن PageV12P105 ونظير هذا لفظ القضاء ~~فانه فى كلام الله وكلام الرسول المراد به إتمام العبادة وإن كان ذلك فى ~~وقتها كما قال تعالى ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل ~~الله ) وقوله ( فإذا قضيتم مناسككم ) ثم اصطلح طائفة من الفقهاء فجعلوا لفظ ~~القضاء مختصا بفعلها فى غير وقتها ولفظ الأداء مختصا بما يفعل فى الوقت ~~وهذا التفريق لا يعرف قط فى كلام الرسول ثم يقولون قد يستعمل لفظ القضاء فى ~~الأداء فيجعلون اللغة التى نزل القرآن بها من النادر # ولهذا يتنازعون فى مراد النبى ( فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ( وفى ~~لفظ ( فأتموا ( فيظنون ان بين اللفظين خلافا وليس الأمر كذلك بل قوله ( ~~فاقضوا ( كقوله ( فأتموا ( لم يرد باحدهما الفعل بعد الوقت بل لا يوجد فى ~~كلام الشارع أمر بالعبادة فى غير وقتها لكن الوقت وقتان وقت عام ووقت خاص ~~لأهل الأعذار كالنائم والناسى إذا صليا بعدالاستيقاظ والذكر فانما صليا فى ~~الوقت الذى أمر الله به فان هذا ليس وقتا فى حق غيرهما PageV12P106 # ومن أعظم أسباب الغلط فى فهم كلام الله ورسوله ان ينشأ الرجل على اصطلاح ~~حادث فيريد ms0062 أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح ويحمله على تلك اللغة التى ~~اعتادها وما ذكر فى مسمى الكلام ما ذكره سيبويه فى كتابه عن العرب فقال ~~وأعلم أن فى كلام العرب انما وقعت على أن تحكى وانما يحكى بعد القول ما كان ~~كلاما قولا وإلا فلا يوجد قط لفظ الكلام والكلمة الا للجملة التامة فى كلام ~~العرب ولفظ الحرف يراد به الاسم والفعل وحروف المعانى واسم حروف الهجاء ~~ولهذا سأل الخليل أصحابه كيف تنطقون بالزاى من زيد فقالوا زاى فقال نطقتم ~~بالإسم وإنما الحرف زه فبين الخليل ان هذه التى تسمى حروف الهجاء هى اسماء # وكثيرا ما يوجد فى كلام المتقدمين هذا حرف من الغريب يعبرون بذلك عن ~~الاسم التام فقوله فله بكل حرف مثله بقوله ( ولكن ألف حرف ولام حرف وميم ~~حرف ( وعلى نهج ذلك وذلك حرف والكتاب حرف ونحو ذلك وقد قيل أن ذلك احرف ~~والكتاب احرف وروى ذلك مفسرا فى بعض الطرق # والنحاة اصطلحوا اصطلاحا خاصا فجعلوا لفظ الكلمة يراد PageV12P107 به ~~الاسم أو الفعل أو الحرف الذى هو من حروف المعانى لأن سيبويه قال فى أول ~~كتابه الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فجعل هذا حرفا خاصا ~~وهو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل لأن سيبويه كان حديث العهد بلغة ~~العرب وقد عرف انهم يسمون الاسم أو الفعل حرفا فقيد كلامه بان قال وقسموا ~~الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولافعل وأراد سيبويه أن ~~الكلام ينقسم إلى ذلك قسمة الكل إلى اجزائه لاقسمة الكلى إلى جزئياته كما ~~يقول الفقهاء بان القسمة كما يقسم العقار والمنقول بين الورثة فيعطى هؤلاء ~~قسم غير قسم هؤلاء كذلك الكلام هو مؤلف من الأسماء والأفعال وحروف المعانى ~~فهو مقسوم اليها وهذا التقسيم غير تقسيم الجنس إلى أنواعه كما يقال الاسم ~~ينقسم إلى معرب ومبنى # وجاء الجزولى وغيره فاعترضوا على النحاة فى هذا ولم يفهموا كلامهم فقالوا ~~كل جنس قسم إلى أنواعه أو أشخاص أنواعه ms0063 فاسم المقسوم صادق على الأنواع ~~والأشخاص والا فليست أقساما له وارادوا بذلك الاعتراض على قول الزجاج ~~الكلام اسم وفعل وحرف والذى ذكره الزجاج هو الذى ذكره سيبويه وسائر أئمة ~~النحاة وأرادوا بذلك القسمة الأولى المعروفة وهى قسمة الأمور الموجودة إلى ~~أجزائها كما يقسم العقار والمال ولم يريدوا بذلك قسمة الكليات التى لا توجد ~~كليات PageV12P108 إلا فى الذهن كقسمة الحيوان إلى ناطق وبهيم وقسمة الاسم ~~إلى المعرب والمبنى فان المقسم هنا هو معنى عقلى كلى لا يكون كليا إلا فى ~~الذهن $ فصل # ولفظ الحرف يراد به حروف المعانى التى هي قسيمة الأسماء والأفعال مثل ~~حروف الجر والجزم وحرفى التنفيس والحروف المشبهة للأفعال مثل إن وأخواتها ~~وهذه الحروف لها أقسام معروفة فى كتب العربية كما يقسمونها بحسب الاعراب ~~إلى ما يختص بالأسماء وإلى ما يختص بالافعال ويقولون ما اختص باحد النوعين ~~ولم يكن كالجزء منه كان عاملا كما تعمل حروف الجر وإن وأخواتها فى الأسماء ~~وكما تعمل النواصب والجوازم فى الأفعال بخلاف حرف التعريف وحرفى التنفيس ~~كالسين وسوف فانهما لا يعملان لأنهما كالجزء من الكلمة ويقولون كان القياس ~~فى ما انها لا تعمل لأنها تدخل على الجمل الاسمية والفعلية ولكن أهل الحجاز ~~أعملوها لمشابهتها لليس وبلغتهم جاء القرآن فى قوله ( ما هذا بشرا ) ( ما ~~هن أمهاتهم ) PageV12P109 ويقسمون الحروف باعتبار معانيها إلى حروف استفهام ~~وحروف نفى وحروف تحضيض وغير ذلك ويقسمونها باعتبار بنيتها كما تقسم الأفعال ~~والأسماء إلى مفرد وثنائى وثلاثى ورباعى وخماسى فاسم الحرف هنامنقول عن ~~اللغة إلى عرف النحاة بالتخصيص والا فلفظ الحرف فى اللغة يتناول الأسماء ~~والحروف والأفعال وحروف الهجاء تسمى حروفا وهى أسماء كالحروف المذكورة فى ~~أوائل السور لأن مسماها هو الحرف الذى هو حرف الكلمة # وتقسم تقسيما آخر إلى حروف حلقية وشفهية والمذكورة فى أوائل السور فى ~~القرآن هي نصف الحروف واشتملت من كل صنف على أشراف نصفيه على نصف الحلقية ~~والشفهية والمطبقة والمصمتة وغير ذلك من أجناس الحروف # فان لفظ الحرف أصله فى اللغة هو الحد والطرف ms0064 كما يقال حروف الرغيف وحرف ~~الجبل قال الجوهرى حرف كل شىء طرفه وشفيره وحده ومنه حرف الجبل وهو أعلاه ~~المحدد ومنه قوله تعالى ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) إلى قوله ( ~~والآخرة ) فان طرف الشىء إذا كان الانسان عليه لم يكن مستقرا فلهذا كان من ~~عبد الله على السراء دون الضراء عابدا له على حرف تارة يظهره وتارة ينقلب ~~PageV12P110 على وجهه كالواقف على حرف الجبل فسميت حروف الكلام حروفا لأنها ~~طرف الكلام وحده ومنتهاه إذا كان مبدأ الكلام من نفس المتكلم ومنتهاه حده ~~وحرفه القائم بشفتيه ولسانه ولهذا قال تعالى ( ألم نجعل له عينين ولسانا ~~وشفتين ) فلفظ الحرف يراد به هذا وهذا وهذا # ثم إذا كتب الكلام فى المصحف سموا ذلك حروفا فيراد بالحرف الشكل المخصوص ~~ولكل أمة شكل مخصوص هى خطوطهم التى يكتبون بها كلامهم ويراد به المادة ~~ويراد به مجموعهما وهذه الحروف المكتوبة تطابق الحروف المنطوقة وتبينها ~~وتدل عليها فسميت باسمائها إذ كان الانسان يكتب اللفظ بقلمه ولهذا كان أول ~~ما أنزل الله على نبيه ( اقرأ باسم ربك الذى خلق ) إلى قوله ( ما لم يعلم ) ~~فبين سبحانه فى أول ما أنزله انه سبحانه هو الخالق الهادى الذى خلق فسوى ~~والذى قدر فهدى كما قال موسى ( ربنا الذى اعطى كل شىء خلقه ثم هدى ) فالخلق ~~يتناول كل ما سواه من المخلوقات ثم خص الانسان فقال ( خلق الانسان من علق ) ~~ثم ذكر انه علم فان الهدى والتعليم هو كمال المخلوقات # والعلم له ثلاث مراتب علم بالجنان وعبارة باللسان وخط PageV12P111 ~~بالبنان ولهذا قيل ان لكل شىء أربع وجودات وجود عينى وعلمى ولفظى ورسمى ~~وجود فى الأعيان ووجود فى الأذهان واللسان والبنان لكن الوجود العينى هو ~~وجود الموجودات فى أنفسها والله خالق كل شىء وأما الذهنى الجنانى فهو العلم ~~بها الذى فى القلوب والعبارة عن ذلك هو اللسانى وكتابة ذلك هو الرسمى ~~البنانى وتعليم الخط يستلزم تعليم العبارة واللفظ وذلك يستلزم تعليم العلم ~~فقال ( علم بالقلم ) لأن التعليم بالقلم يستلزم المراتب ms0065 الثلاث وأطلق ~~التعليم ثم خص فقال ( علم الانسان مالم يعلم ) # وقد تنازع الناس فى وجود كل شىء هل هو عين ماهيته أم لا وقد بسط الكلام ~~على ذلك فى غير هذا الموضع وبين أن الصواب من ذلك انه قد يراد بالوجود ما ~~هو ثابت فى الأعيان وبالماهية ما يتصور فى الأذهان فعلى هذا فوجود ~~الموجودات الثابت فى الأعيان ليس هو ماهيتها المتصورة فى الأذهان لكن الله ~~خلق الموجود الثابت فى الأعيان وعلم الماهيات المتصورة فى الأذهان كما أنزل ~~بيان ذلك فى أول سورة أنزلها من القرآن وقد يراد بالوجود والماهية كلاهما ~~ما هو متحقق فى الأعيان وما هو متحقق فى الأذهان فاذا أريد بهذا وهذا ما هو ~~متحقق فى الأعيان أو ما هو متصور فى الأذهان فليس هما فى الأعيان اثنان بل ~~هذا هو هذا وكذلك الذهن إذا تصور شيئا فتلك الصورة PageV12P112 هى المثال ~~الذى تصورها وذلك هو وجودها الذهنى الذى تتصوره الأذهان فهذا فصل الخطاب فى ~~هذا الباب # ومن تدبر هذه المسائل وأمثالها تبين له أن أكثر اختلاف العقلاء من جهة ~~اشتراك الأسماء ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # وقد بسط الكلام على أصول هذه المسائل وتفاصيلها فى مواضع أخرى فان الناس ~~كثر نزاعهم فيها حتى قيل مسألة الكلام حيرت عقول الانام ولكن سؤال هذين لا ~~يحتمل البسط الكثير فانهما سألا بحسب ما سمعاه واعتقداه وتصوراه فاذا عرف ~~السائل أصل مسألته ولوازمها وما فيها من الألفاظ المجملة والمعانى المشتبهة ~~تبين له أن من الخلق من تكلم فى مثل هذه الأسماء بالنفى والاثبات من غير ~~تفصيل فلا بد له أن يقابله آخر بمثل اطلاقه # ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان نوع جاء به الكتاب والسنة ~~فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفى ما ~~نفاه الله ورسوله فاللفظ الذى أثبته الله أو نفاه حق فان الله يقول الحق ~~وهو يهدى السبيل والألفاظ PageV12P113 الشرعية لها حرمة ومن تمام العلم ms0066 أن ~~يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته وينفى ما نفاه من المعانى فانه يجب ~~علينا أن نصدقه فى كل ما أخبر ونطيعه فى كل ما أوجب وأمر ثم إذا عرفنا ~~تفصيل ذلك كان ذلك من زيارة العلم والايمان وقد قال تعالى ( يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) # وأما الألفاظ التى ليست فى الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو ~~إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده ~~فان أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وان أراد بها معنى يخالف خبر ~~الرسول أنكره # ثم التعبير عن تلك المعانى ان كان فى ألفاظه اشتباه أو اجمال عبر بغيرها ~~أو بين مراده بها بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرع فان كثيرا من نزاع ~~الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة حتى تجد الرجلين يتخاصمان ~~ويتعاديان على اطلاق ألفاظ ونفيها ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم ~~يتصوره فضلا عن أن يعرف دليله ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون ~~مخطئا بل يكون فى قوله نوع من الصواب وقد يكون هذا مصيبا من وجه وهذا مصيبا ~~من وجه وقد يكون الصواب فى قول ثالث PageV12P114 وكثيرا من الكتب المصنفة ~~فى أصول علوم الدين وغيرها تجد الرجل المصنف فيها فى المسألة العظيمة ~~كمسألة القرآن والرؤية والصفات والمعاد وحدوث العالم وغير ذلك يذكر أقوالا ~~متعددة والقول الذى جاء به الرسول وكان عليه سلف الأمة ليس فى تلك الكتب بل ~~ولا عرفه مصنفوها ولا شعروا به وهذا من أسباب توكيد التفريق والاختلاف بين ~~الأمة وهو مما نهيت الأمة عنه كما فى قوله تعالى ( ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه ) قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه ~~أهل البدعة والفرقة # وقد قال تعالى ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء إنما ms0067 ~~أمرهم إلى الله ) وقال تعالى ( وان الذين اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد ~~) وقد خرج النبى على أصحابه وهم يتنازعون فى القدر وهذا يقول ألم يقل الله ~~كذا وهذا يقول ألم يقل الله كذا فقال ( أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم إنما ~~هلك من كان قبلكم بهذا أن ضربوا كتاب الله بعضه ببعض انظروا ما أمرتم به ~~فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه ( ومما أمر الناس به أن يعملوا بمحكم ~~القرآن ويؤمنوا بمتشابهه PageV12P115 قال شيخ الإسلام إبن تيمية وقد كتب فى ~~أصول هذه المسائل قواعد متعددة وأصول كثيرة ولكن هذا الجواب كتب وصاحبه ~~مستوفز فى قعدة واحدة والله تعالى يهدينا وسائر اخواننا لما يحبه ويرضاه ~~والحمد لله رب العالمين PageV12P116 وقال رحمه الله $ فصل فى بيان أن ~~القرآن العظيم كلام الله العزيز العليم ليس شىء منه كلاما لغيره لا جبريل ~~ولا محمد ولا غيرهما قال الله تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) # فأمره أن يقول ( نزله روح القدس من ربك الحق ) فان الضمير فى قوله ( قل ~~نزله ) عائد على ما فى قوله ( بما ينزل ) والمراد به القرآن كما يدل عليه ~~سياق الكلام وقوله ( والله أعلم PageV12P117 بما ينزل ) فيه إخبار الله ~~بأنه انزله لكن ليس فى هذه اللفظة بيان ان روح القدس نزل به ولا انه منزل ~~منه # ولفظ الانزال فى القرآن قد يرد مقيدا بالانزال منه كنزول القرآن وقد يرد ~~مقيدا بالانزال من السماء ويراد به العلو فيتناول نزول المطر من السحاب ~~ونزول الملائكة من عند الله وغير ذلك وقد يرد مطلقا فلا يختص ms0068 بنوع من ~~الانزال بل ربما يتناول الانزال من رؤوس الجبال كقوله ( وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد ) والانزال من ظهور الحيوان كانزال الفحل الماء وغيرذلك فقوله ( ~~نزله روح القدس من ربك بالحق ) بيان لنزول جبريل به من الله فإن روح القدس ~~هنا هو جبريل بدليل قوله ( من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك بإذن ~~الله ) وهو الروح الأمين كما فى قوله ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به ~~الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ) وفى قوله ( ~~الأمين ) دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص منه فان ~~الرسول الخائن قد يغير الرسالة كما قال فى صفته فى الآية الأخرى ( إنه لقول ~~رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) # وفى قوله ( منزل من ربك ) دلالة على أمور # منها بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه فى جسم PageV12P118 من ~~الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهمية الذين يقولون بخلق القرآن من المعتزلة ~~والنجارية والضرارية وغيرهم فان السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال ~~ان القرآن مخلوق وان الله لا يرى فى الآخرة جهميا فان جهما أول من ظهرت عنه ~~بدعة نفى الأسماء والصفات وبالغ فى نفى ذلك فله فى هذه البدعة مزية ~~المبالغة فى النفى والابتداء بكثرة اظهار ذلك والدعوة إليه وان كان الجعد ~~بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك # فان الجعد بن درهم أول من أحدث ذلك فى الإس فضحى به خالد بن عبد الله ~~القسري بواسط يوم النحر وقال يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى ~~مضح بالجعد بن درهم انه زعم ان الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى ~~تكليما تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا ثم نزل فذبحه ولكن ~~المعتزلة وان وافقوا جهما فى بعض ذلك فهم يخالفونه فى مسائل غير ذلك كمسائل ~~القدر والايمان وبعض مسائل الصفات أيضا ولا يبالغون فى النفى مبالغته # وجهم يقول ان الله تعالى ms0069 لا يتكلم أو يقول انه يتكلم بطريق المجاز وأما ~~المعتزلة فيقولون انه يتكلم حقيقة لكن قولهم فى المعنى هو قول جهم وجهم ~~ينفى الأسماء أيضا كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة وأما جمهور ~~المعتزلة فلا ينفون الأسماء PageV12P119 # و ( المقصود ) ان قوله ( منزل من ربك ) فيه بيان انه منزل من الله لا من ~~مخلوق من المخلوقات ولهذا قال السلف منه بدأ أي هو الذى تكلم به لم يبتدأ ~~من غيره كما قالت الخلقية و منها ان قوله ( منزل من ربك ) فيه بطلان قول من ~~يجعله فاض على نفس النبى من العقل الفعال أو غيره كما يقول ذلك طوائف من ~~الفلاسفة والصابئة وهذا القول أعظم كفرا وضلالا من الذى قبله # و منها أن هذه الآية أيضا تبطل قول من يقول أن القرآن العربى ليس منزلا ~~من الله بل مخلوق أما فى جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما كما يقول ذلك ~~الكلابية والأشعرية الذين يقولون أن القرآن العربى ليس هو كلام الله وإنما ~~كلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربى خلق ليدل على ذلك المعنى ثم اما ~~ان يكون خلق فى بعض الأجسام الهواء أو غيره أو الهمه جبريل فعبر عنه ~~بالقرآن العربى أو ألهمه محمد فعبر عنه بالقرآن العربى أو يكون اخذه جبريل ~~من اللوح المحفوظ أو غيره فهذه الأقوال التى تقدمت هي تفريع على هذا القول ~~فان هذا القرآن العربى لا بد له من متكلم تكلم به أولا قبل أن يصل إلينا ~~PageV12P120 # وهذا القول يوافق قول المعتزلة ونحوهم فى اثبات خلق القرآن العربى وكذلك ~~التوراة العبرية ويفارقه من وجهين # أحدهما أن أولئك يقولون ان المخلوق كلام الله وهؤلاء يقولون أنه ليس كلام ~~الله لكن يسمى كلام الله مجازا وهذا قول أئمتهم وجمهورهم وقالت طائفة من ~~متأخريهم بل لفظ الكلام يقال على هذا وهذا بالاشتراك اللفظى لكن هذا ينقض ~~أصلهم فى ابطال قيام الكلام بغير المتكلم به وهم مع هذا لا يقولون ان ~~المخلوق كلام الله حقيقة كما تقوله المعتزلة مع ms0070 قولهم انه كلامه حقيقة بل ~~يجعلون القرآن العربى كلاما لغير الله وهو كلام حقيقة وهذا شر من قول ~~المعتزلة وهذا حقيقة قول الجهمية ومن هذا الوجه فقول المعتزلة أقرب وقول ~~الآخرين هو قول الجهمية المحضة لكن المعتزلة فى المعنى موافقون لهؤلاء ~~وانما ينازعونهم فى اللفظ # الثانى ان هؤلاء يقولون لله كلام هو معنى قديم قائم بذاته والخلقية ~~يقولون لا يقوم بذاته كلام ومن هذا الوجه فالكلابية خير من الخلقية فى ~~الظاهر لكن جمهور الناس يقولون أن أصحاب هذا القول عند التحقيق لم يثبتوا ~~له كلاما حقيقة غير المخلوق فانهم يقولون انه معنى واحد هو الأمر والنهى ~~والخبر فان عبر عنه بالعربية PageV12P121 كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرية ~~كان توراة وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا ومنهم من قال هو خمس معان # وجمهور العقلاء يقولون ان فساد هذا معلوم يالضرورة بعد التصور التام ~~والعقلاء الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد بالضرورات من غير تواطؤ واتفاق ~~كما فى الأخبار المتواترة واما مع التواطؤ فقد يتفقون على الكذب عمدا وقد ~~يتفقون على جحد الضرورات وان لم يعلم كل منهم انه جاحد للضرورة ولو لم يفهم ~~حقيقة القول الذى يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ولمحبته لنصر ذلك القول ~~كما اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم فسادها ~~بالضرورة # وقال جمهور العقلاء نحن إذا عربنا التوراة والانجيل لم يكن معنى ذلك معنى ~~القرآن بل معانى هذا ليست معانى هذا ومعانى هذا ليست معانى هذا وكذلك معنى ~~( قل هو الله أحد ) ليس هو معنى ( تبت يدا أبى لهب ) ولا معنى آية الكرسى ~~هو معنى آية الدين وقالوا إذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا ~~فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة فاعترف أئمة ~~هذا القول بان هذا الالزام ليس لهم عنه جواب عقلى PageV12P122 # ثم منهم من قال الناس فى الصفات إما مثبت لها وقائل بالتعدد وإما ناف لها ~~واما اثباتها واتحادها فخلاف الاجماع وهذه طريقة القاضى أبى بكر وأبى ms0071 ~~المعالى وغيرهما ومنهم من اعترف بأنه ليس له عنه جواب كأبى الحسن الآمدى ~~وغيره # والمقصود هنا أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول كما تبين بطلان غيره فان ~~قوله ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ) يقتضى نزول القرآن من ربه والقرآن ~~اسم للقرآن العربى لفظه ومعناه بدليل قوله ( فاذا قرأت القرآن ) وإنما يقرأ ~~القرآن العربى لا يقرأ معانيه المجردة وأيضا فضمير المفعول فى قوله نزله ~~عائد على ما فى قوله ( والله أعلم بما ينزل ) فالذى أنزله الله هو الذى ~~نزله روح القدس فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربى لزم أن يكون نزله من ~~الله فلا يكون شىء منه نزله من عين من الأعيان المخلوقة ولا نزله من نفسه # وأيضا فانه قال عقيب هذه الآية ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) وهم كانوا يقولون إنما ~~يعلمه هذا القرآن العربى بشر لم يكونوا يقولون انما يعلمه بشر معانيه فقط ~~بدليل قوله ( لسان الذى يلحدون اليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) فانه ~~تعالى أبطل قول الكفار بأن PageV12P123 لسان الذى ألحدوا إليه بأن اضافوا ~~اليه هذا القرآن فجعلوه هو الذى يعلم محمدا القرآن لسان أعجمى والقرآن لسان ~~عربى مبين وعبر عن هذا المعنى بلفظ ( يلحدون ) لما تضمن من معنى ميلهم عن ~~الحق وميلهم إلى هذا الذى أضافوا إليه هذا القرآن فان لفظ الالحاد يقتضى ~~ميلا عن شىء إلى شىء بباطل فلو كان الكفار قالوا يعلمه معانيه فقط لم يكن ~~هذا ردا لقولهم فان الانسان قد يتعلم من الأعجمى شيئا بلغة ذلك الأعجمى ~~ويعبر عنه هو بعبارته # وقد اشتهر فى التفسير ان بعض الكفار كانوا يقولون هو تعلمه من شخص كان ~~بمكة أعجمى قيل انه كان مولى لابن الحضرمي واذا كان الكفار جعلوا الذى ~~يعلمه ما نزل به روح القدس بشرا والله أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمى وهذا ~~لسان عربى مبين علم ان روح القدس نزل باللسان العربى المبين وان محمدا لم ms0072 ~~يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس وإذا كان روح القدس نزل به من الله ~~علم انه سمعه منه ولم يؤلفه هو وهذا بيان من الله ان القرآن الذى هو اللسان ~~العربى المبين سمعه روح القدس من الله ونزل به منه # ونظير هذه الآية قوله تعالى ( وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس ~~والجن ) إلى قوله ( فذرهم وما يفترون ) وكذلك قوله ( وهو الذى أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا والذين آتيناهم PageV12P124 الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق فلا تكونن من الممترين ) والكتاب اسم للقرآن العربى بالضرورة ~~والاتفاق فان الكلابية أو بعضهم يفرق بين الكلام وكتاب الله فيقول كلامه هو ~~المعنى القائم بالذات وهو غير مخلوق وكتابه هو المنظوم المؤلف العربى وهو ~~مخلوق # والقرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة والله تعالى قد سمى نفس مجموع اللفظ ~~والمعنى قرآنا وكتابا وكلاما فقال تعالى ( الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ~~) وقال ( طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين ) وقال ( وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن ) إلى قوله تعالى ( قالوا يا قومنا انا سمعنا كتابا ~~انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ) فبين ان الذى سمعوه هو القرآن وهو ~~الكتاب وقال ( بل هو قرآن مجيد فى لوح محفوظ ) وقال ( انه لقرآن كريم فى ~~كتاب مكنون ) وقال ( يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ) وقال ( والطور وكتاب ~~مسطور فى رق منشور ) وقال ( ولو نزلنا عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم ~~) ولكن لفظ الكتاب قد يراد به المكتوب فيكون هو الكلام وقد يراد به ما يكتب ~~فيه كما قال تعالى ( إنه لقرآن كريم فى كتاب مكنون ) وقال ( ونخرج له يوم ~~القيامة كتاب يلقاه منشورا ) PageV12P125 # و المقصود هنا ان قوله ( وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا ) يتناول نزول ~~القرآن العربى على كل قول وقد اخبر ان الذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه ~~منزل من ربك بالحق ) اخبار مستشهد بهم لا مكذب لهم وقال انهم يعلمون ذلك ~~ولم يقل انهم يظنونه أو يقولونه والعلم لا يكون إلا ms0073 حقا مطابقا للمعلوم ~~بخلاف القول والظن الذى ينقسم إلى حق وباطل فعلم ان القرآن العربى منزل من ~~الله لا من الهواء ولا من اللوح ولا من جسم آخر ولا من جبريل ولا من محمد ~~ولا غيرهما واذا كان أهل الكتاب يعلمون ذلك فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة ~~كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه # وهذا لا ينافى ما جاء عن إبن عباس وغيره من السلف فى تفسير قوله ( إنا ~~أنزلناه فى ليلة القدر ) انه انزله إلى بيت العزة فى السماء الدنيا ثم ~~أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث ولا ينافى انه مكتوب فى اللوح ~~المحفوظ قبل نزوله كما قال تعالى ( بل هو قرآن مجيد فى لوح محفوظ ) وقال ~~تعالى ( إنه لقرآن كريم فى كتاب مكنون لايمسه إلا المطهرون ) وقال تعالى ( ~~كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره فى صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدى سفرة كرام ~~بررة ) وقال تعالى ( وإنه فى أم الكتاب لدنيا لعلي حكيم ) PageV12P126 # فان كونه مكتوبا فى اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدى الملائكة لا ينافى ~~أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ~~ذلك واذا كان قد انزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة فى ليلة القدر فقد ~~كتبه كله قبل ان ينزله # والله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون ~~وهو سبحانه قد قدر مقادير الخلائق وكتب أعمال العباد قبل ان يعملوها كما ~~ثبت ذلك فى صريح الكتاب والسنة وآثار السلف ثم انه يأمر الملائكة بكتابتها ~~بعد ما يعملونها فيقابل بين الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة ~~عنه فلا يكون بينهما تفاوت هكذا قال إبن عباس وغيره من السلف وهو حق فإذا ~~كان مايخلقه بائنا عنه قد كتبه قبل أن يخلقه فكيف يستبعد ان يكتب كلامه ~~الذى يرسل به ملائكته قبل ان يرسلهم به # ومن قال أن جبريل اخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه ms0074 من الله كان هذا باطلا ~~من وجوه منها ان يقال إن الله سبحانه وتعالى قد كتب التوراة لموسى بيده ~~فبنوا اسرائيل اخذوا كلام الله من الكتاب الذى كتبه هو سبحانه وتعالى فيه ~~فان كان محمد أخذه عن جبريل وجبريل عن الكتاب PageV12P127 كان بنو إسرائيل ~~أعلا من محمد بدرجة # وكذلك من قال انه القى إلى جبريل المعانى وان جبريل عبر عنها بالكلام ~~العربى فقوله يستلزم ان يكون جبريل الهمه الهاما وهذا الالهام يكون لآحاد ~~المؤمنين كما قال تعالى ( وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى ) ~~وقال ( وأوحينا إلى موسى أن أرضعيه ) وقد أوحى إلى سائرالنبيين فيكون هذا ~~الوحى الذى يكون لآحاد الانبياء والمؤمنين أعلى من أخذ محمد القرآن عن ~~جبريل لأن جبريل الذى علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء ولهذا زعم ابن ~~عربى ان خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء وقال لأنه يأخذ من المعدن ~~الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى به إلى الرسول فجعل اخذه واخذ الملك الذي ~~جاء إلى الرسول من معدن واحد وادعى ان اخذه عن الله أعلى من اخذ الرسول ~~للقرآن ومعلوم ان هذا من أعظم الكفر وان هذا القول من جنسه # وايضا فالله تعالى يقول ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) إلى قوله ( ~~وكلم الله موسى تكليما ) ففضل موسى بالتكليم على غيره ممن اوحى اليهم وهذا ~~يدل على أمور على ان الله يكلم عبده تكليما زائدا عن الوحى الذى هو قسيم ~~التكليم الخاص فان PageV12P128 لفظ التكليم والوحى كل منهما ينقسم إلى عام ~~وخاص فالتكليم هو المقسوم فى قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ) والتكليم المطلق هو قسيم الوحى الخاص ليس ~~هو قسما منه وكذلك لفظ الوحى قد يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص كما فى ~~قوله لموسى ( فاستمع لما يوحى ) وقد يكون قسيم التكليم الخاص كما فى سورة ~~الشورى وهذا يبطل قول من ms0075 يقول الكلام معنى واحد قائم بالذات فانه حنيئذ لا ~~فرق بين التكليم الذى خص به موسى والوحى العام الذى يكون لآحاد العباد # ومثل هذا قوله فى الآية الآخرى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه مايشاء ) فانه فرق بين الايحاء ~~وبين التكليم من وراءالحجاب وبين ارسال رسول يوحى بإذنه ما يشاء فدل على ان ~~التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى أمر غير الايحاء # وأيضا فقوله ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وقوله ( حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم ) وقوله ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) ~~وأمثال ذلك يدل على انه منزل من الله لا من غيره وكذلك قوله ( بلغ ما أنزل ~~اليك من ربك ) فانه يدل على اثبات أن ما أنزل اليه من ربه وانه مبلغ مأمور ~~بتبليغ ذلك PageV12P129 وأيضا فهم يقولون انه معنى واحد فان كان موسى سمع ~~جميع المعنى فقد سمع جميع كلام الله وان سمع بعضه فقد تبعض وكلاهما ينقض ~~قولهم فانهم يقولون انه معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض فان كان ما يسمعه ~~موسى والملائكة هو ذلك المعنى كله كان كل منهم علم جميع كلام الله وكلامه ~~متضمن لجميع خبره وجميع أمره فيلزم أن يكون كل واحد ممن كلمه الله أو أنزل ~~عليه شيئا من كلامه عالما بجميع أخبار الله وأوامره وهذا معلوم الفساد ~~بالضرورة وان كان الواحد من هؤلاء انما يسمع بعضه فقد تبعض كلامه وذلك ~~يناقض قولهم # وايضا فقوله ( وكلم الله موسى تكليما ) وقوله ( ولما جاء موسى لميقاتنا ~~وكلمه ربه ) وقوله ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) وقوله ( ~~فلما أتاها نودى يا موسى انى أنا ربك فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى ~~وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ) الآيات دليل على تكليم سمعه موسى والمعنى ~~المجرد لا يسمع بالضرورة ومن قال انه يسمع فهو مكابر ودليل على انه ناداه ~~والنداء لا يكون الا صوتا مسموعا ولا يعقل فى لغة العرب لفظ النداء بغير ms0076 ~~صوت مسموع لا حقيقة ولا مجازا # وأيضا فقد قال تعالى ( فلما جاءها نودى أن بورك من فى النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين وقوله ( فلما أتاها نودى من PageV12P130 شاطىء ~~الوادى الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى انى أنا الله رب ~~العالمين ) وقال ( وهل أتاك حديث موسى اذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) ~~وقال ( فلما أتاها نودى ياموسى انى أنا ربك ) وفى هذا دليل على انه حينئذ ~~نودى ولم يناد قبل ذلك ولما فيها من معنى الظرف كما فى قوله ( وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) ومثل هذا قوله ( ويوم يناديهم ~~فيقول ماذا أجبتم المرسلين ) ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم ~~تزعمون ) فانه وقت النداء بظرف محدود فدل على أن النداء يقع فى ذلك الحين ~~دون غيره من الظروف وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه # ومثل هذا قوله تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة ) ~~وقوله ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال ~~الرب بوقت معين فان الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون ~~انه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة ~~لذاته # ثم من هؤلاء من قال انه معنى واحد لأن الحروف والأصوات متعاقبة يمتنع أن ~~تكون قديمة ومنهم من قال بل الحروف والأصوات قديمة الأعيان وأنها مترتبة فى ~~ذاتها متقاربة فى وجودها لم تزل ولا PageV12P131 تزال قائمة بذاته والنداء ~~الذى سمعه موسى قديم أزلى لم يزل ولا يزال ومنهم من قال بل الحروف قديمة ~~الأعيان بخلاف الأصوات وكل هؤلاء يقولون أن التكليم والنداء ليس الا مجرد ~~خلق ادراك المخلوق بحيث يسمع ما لم يزل ولا يزال لا أنه يكون هناك كلام ~~يتكلم الله به بمشيئته وقدرته ولا تكليم بل تكليمه عندهم جعل العبد سامعا ~~لما كان موجودا قبل سمعه بمنزلة جعل الأعمى بصيرا لما كان موجودا قبل رؤيته ~~من غير احداث شىء منفصل عن الأعمى ms0077 فعندهم لما جاء موسى لميقات ربه سمع ~~النداء القديم لا انه حينئذ نودى # ولهذا يقولون انه يسمع كلامه لخلقه يدل عن قول الناس إنه يكلم خلقه ~~وهؤلاء يردون على الخلقية الذين يقولون القرآن مخلوق ويقولون عن أنفسهم ~~إنهم أهل السنة الموافقون للسلف الذين قالوا ان القرآن كلام الله غير مخلوق ~~وليس قولهم قول السلف لكن قولهم أقرب إلى قول السلف من وجه وقول الخلقية ~~أقرب إلى قول السلف من وجه # أما كون قولهم أقرب فلأنهم يثبتون لله كلاما قائما بنفس الله وهذا قول ~~السلف بخلاف الخلقية الذين يقولون ليس كلامه إلا ما خلقه فى غيره فان قول ~~هؤلاء مخالف لقول السلف واما كون قول PageV12P132 الخلقية أقرب فلأنهم ~~يقولون ان الله يتكلم بمشيئته وقدرته وهذا قول السلف وهؤلاء عندهم لا يقدر ~~الله على شيء من كلامه وليس كلامه بمشيئته واختياره بل كلامه عندهم كحياته ~~وهم يقولون الكلام عندنا صفة ذات لا صفة فعل والخلقية يقولون صفة فعل لا ~~صفة ذات ومذهب السلف انه صفة ذات وصفة فعل معا فكل منهما موافق للسلف من ~~وجه دون وجه # واختلافهم فى كلام الله تعالى شبيه اختلافهم فى أفعاله تعالى ورضاه وغضبه ~~وارادته وكراهته وحبه وبغضه وفرحه وسخطه ونحو ذلك فان هؤلاء يقولون هذه ~~كلها أمور مخلوقة بائنة عنه ترجع إلى الثواب والعقاب والآخرون يقولون بل ~~هذه كلها أمور قديمة الأعيان قائمة بذاته ثم منهم من يجعلها كلها تعود إلى ~~ارادة واحدة بالعين متعلقة بجميع المخلوقات ومنهم من يقول بل هى صفات ~~متعددة الأعيان لكن يقول كل واحدة واحدة العين قديمة قبل وجود مقتضياتها ~~كما قالوا مثل ذلك فى الكلام والله تعالى يقول ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه ) فأخبر أن أفعالهم أسخطته قال تعالى ( فلما آسفونا ~~انتقمنا منهم ) أى أغضبونا وقال تعالى ( ادعونى أستجب لكم ) إلى أمثال ذلك ~~مما يبين أنه سخط على الكفار لما كفروا ورضي عن المؤمنين لما آمنوا ~~PageV12P133 # ونظير هذا اختلافهم فى أفعاله تعالى ومسائل القدر فان المعتزلة يقولون ms0078 ~~انه يفعل لحكمة مقصودة وارادة الاحسان إلى العباد لكن لا يثبتون لفعله حكمة ~~تعود اليه وأولئك يقولون لا يفعل لحكمة ولا لمقصود أصلا فأولئك أثبتوا حكمة ~~لكن لا تقوم به وهؤلاء لا يثبتون له حكمة ولا قصدا يتصف به والفريقان لا ~~يثبتون له حكمة ولا مقصودا يعود اليه # وكذلك فى الكلام أولئك أثبتوا كلاما هو فعله لا يقوم به وهؤلاء يقولون ~~مالا يقوم به لا يعود حكمه اليه والفريقان يمنعون ان يقوم به حكمة مرادة له ~~كما يمنع الفريقان ان يقوم به كلام وفعل يريده وقول أولئك أقرب إلى قول ~~السلف والفقهاء اذ أثبتوا الحكمة والمصلحة فى احكامه وأفعاله واثبتوا كلاما ~~يتكلم به بقدرته ومشيئته وقول هؤلاء أقرب إلى قول السلف اذ اثبتوا الصفات ~~وقالوا لا يوصف بمجرد المخلوق المنفصل عنه الذى لم يقم به اصلا ولا يعود ~~اليه حكم من شىء لم يقم به فلا يكون متكلما بكلام لم يقم به ولا يكون حكيما ~~كريما ورحيما بحكمة ورحمة لم تقم به كما لا يكون عليما بعلم لم يقم به ~~وقديرا بقدرة لم تقم به ولا يكون محبا راضيا غضبانا بحب ورضى وغضب لم يقم ~~به # فكل من المعتزلة والأشعرية فى مسائل كلام الله وأفعال الله بل ~~PageV12P134 وسائر صفاته وافقوا السلف والأئمة من وجه وخالفوهم من وجه وليس ~~قول أحدهما هو قول السلف دون الآخر لكن الأشعرية فى جنس مسائل الصفات بل ~~وسائر الصفات والقدر أقرب إلى قول السلف والأئمة من المعتزلة # فان قيل فقد قال تعالى ( إنه لقول رسول كريم ) وهذا يدل على أن الرسول ~~أحدث الكلام العربي قيل هذا باطل وذلك لأن الله ذكر هذا فى القرآن فى ~~موضعين والرسول فى أحد الموضعين محمد والرسول فى الآية الأخرى جبريل قال ~~تعالى فى سورة الحاقة ( إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ) فالرسول هنا ~~محمد وقال فى سورة التكوير ( إنه لقول رسول كريم ذى قوة ms0079 عند ذى العرش مكين ~~مطاع ثم أمين ) فالرسول هنا جبريل فلو كان أضافه إلى الرسول لكونه أحدث ~~حروفه أو أحدث منه شيئا لكان الخبران متناقضين فانه إن كان أحدهما هو الذى ~~أحدثها امتنع أن يكون الآخر هو الذى أحدثها # وأيضا فانه قال ( لقول رسول كريم ) ولم يقل لقول ملك ولا نبى ولفظ الرسول ~~يستلزم مرسلا له فدل ذلك على أن PageV12P135 الرسول مبلغ له عن مرسله لا ~~أنه أنشأ منه شيئا من جهة نفسه وهذا يدل على أنه أضافة إلى الرسول لأنه ~~بلغه وأداه لا لأنه أنشأ منه شيئا وابتداه # وأيضا فان الله قد كفر من جعله قول البشر بقوله ( انه فكر وقدر فقتل كيف ~~قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال ان هذا الا ~~سحر يؤثر ان هذا الا قول البشر ) ومحمد بشر فمن قال انه قول محمد فقد كفر ~~ولا فرق بين أن يقول هو قول بشر أو جنى أو ملك فمن جعله قولا لأحد من هؤلاء ~~فقد كفر ومع هذا فقد قال تعالى ( انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر ) ~~فجعله قول الرسول البشرى مع تكفيره من يقول انه قول البشر فعلم ان المراد ~~بذلك ان الرسول بلغه عن مرسله لا انه قول له من تلقاء نفسه وهو كلام الله ~~الذى أرسله كما قال تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ) فالذى بلغه الرسول هو كلام الله لا كلام الرسول # ولهذا كان النبى يعرض نفسه على الناس بالمواسم ويقول ( الا رجل يحملنى ~~إلى قومه لأبلغ كلام ربى فان قريشا قد منعونى ان ابلغ كلام ربى ( رواه أبو ~~داود وغيره والكلام كلام من PageV12P136 قاله مبتدئا لا كلام من قاله مبلغا ~~مؤديا وموسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض ~~فسماع موسى سماع مطلق بلا واسطة وسماع الناس سماع مقيد بواسطة كما قال ~~تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ms0080 من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحى باذنه مايشاء ) # ففرق بين التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى وبين التكليم بواسطة الرسول ~~كما كلم الأنبياء بارسال رسول اليهم والناس يعلمون أن النبى إذا تكلم بكلام ~~تكلم به بحروفه ومعانيه بصوته ثم المبلغون عنه يبلغون كلامه بحركاتهم ~~وأصواتهم كما قال ( نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه ( فالمستمع ~~منه يبلغ حديثه كما سمعه لكن بصوت نفسه لا بصوت الرسول فالكلام هو كلام ~~الرسول تكلم به بصوته والمبلغ بلغ كلام الرسول لكن بصوت نفسه واذا كان هذا ~~معلوما فيمن يبلغ كلام المخلوق فكلام الخالق أولى بذلك # ولهذا قال تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~وقال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ( فجعل الكلام كلام الباري وجعل الصوت ~~الذى يقرأ به العبد صوت القارىء وأصوات العباد ليست هى عين الصوت الذى ~~ينادى PageV12P137 الله به ويتكلم به كما نطقت النصوص بذلك بل ولا مثله فان ~~الله ليس كمثله شىء لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله فليس علمه مثل ~~علم المخلوقين ولا قدرته مثل قدرتهم ولا كلامه مثل كلامهم ولا نداؤه مثل ~~ندائهم ولا صوته مثل أصواتهم # فمن قال عن القرآن الذى يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله أو هو كلام غيره ~~فهو ملحد مبتدع ضال ومن قال ان أصوات العباد أو المداد الذى يكتب به القرآن ~~قديم أزلى فهو ملحد مبتدع ضال بل هذا القرآن هو كلام الله وهو مثبت فى ~~المصاحف وهو كلام الله مبلغا عنه مسموعا من القراء ليس هو مسموعا منه ~~والانسان يرى الشمس والقمر والكواكب بطريق المباشرة ويراها فى ماء أو مرآة ~~فهذه رؤية مقيدة بالواسطة وتلك رؤية مطلقة بطريق المباشرة وكذلك الكلام ~~يسمع من المتكلم به بطريق المباشرة ويسمع من المبلغ عنه بواسطة والمقصود ~~بالسماع هو كلامه فى الموضعين كما ان المقصود بالرؤية هو المرئى فى ~~الموضعين # فمن عرف ما بين الحالين من الاجتماع والافتراق والاختلاف والاتفاق زالت ~~عنه الشبهة التى ms0081 تصيب كثيرا من الناس فى هذا الباب فان طائفة قالت هذا ~~المسموع كلام الله والمسموع صوت العبد وصوته مخلوق فكلام الله مخلوق وهذا ~~جهل فانه مسموع من PageV12P138 المبلغ ولا يلزم إذا كان صوت المبلغ مخلوقا ~~ان يكون نفس الكلام مخلوقا # وقالت طائفة هذا المسموع صوت العبد وهو مخلوق والقرآن ليس مخلوق فلا يكون ~~هذا المسموع كلام الله وهذا جهل فان المخلوق هو الصوت لا نفس الكلام الذى ~~يسمع من المتكلم به ومن المبلغ عنه # وطائفة قالت هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فيكون هذا الصوت غير ~~مخلوق وهذا جهل فانه إذا قيل هذا كلام الله فالمشار إليه هو الكلام من حيث ~~هو هو وهو الثابت إذا سمع من الله وإذا سمع من المبلغ عنه وإذا قيل للمسموع ~~انه كلام الله فهو كلام الله مسموعا من المبلغ عنه لا مسموعا منه فهو مسموع ~~بواسطة صوت العبد وصوت العبد مخلوق وأما كلام الله نفسه فهو غير مخلوق حيث ~~ما تصرف وهذه نكت قد بسط الكلام فيها فى غير هذا الموضع PageV12P139 # فصل فان قيل ما منشأ هذا النزاع والاشتباه والتفرق والاختلاف قيل منشأه ~~هو الكلام الذى ذمه السلف وعابوه وهو الكلام المشتبه المشتمل على حق وباطل ~~فيه ما يوافق العقل والسمع وفيه ما يخالف العقل والسمع فيأخذ هؤلاء جانب ~~النفى المشتمل على نفى الحق والباطل وهؤلاء جانب الاثبات المشتمل على إثبات ~~حق وباطل وجماعه هو الكلام المخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف فكل كلام ~~خالف ذلك فهو باطل ولا يخالف ذلك الا كلام مخالف للعقل والسمع وذلك أنه لما ~~تناظروا فى مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع استدلت الجهمية والمعتزلة ومن ~~وافقهم من طوائف أهل الكلام على ذلك بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # ثم أن المستدلين بذلك على حدوث الأجسام قالوا ان الأجسام لا تخلو عن ~~الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ثم تنوعت طرقهم فى المقدمة الأولى ~~فتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان ms0082 وتارة ~~يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن PageV12P140 الاجتماع والافتراق وهما ~~حادثان وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الا كوان الأربعة الاجتماع ~~والافتراق والحركة والسكون وهى حادثة وهذه طرق المعتزلة ومن وافقهم على أن ~~الأجسام لا تخلو عن بعض أنواع الأعراض # وتارة يثبتونها بأن الجسم لا يخلو من كل جنس من الاعراض عن عرض منه ~~ويقولون القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده ويقولون ان الاعراض يمتنع بقاؤها ~~لان العرض لا يبقى زمانين وهذه الطريقة هى التى اختارها الآمدى وزيف ما ~~سواها وذكر ان جمهور اصحابه اعتمدوا عليها وقد وافقهم عليها طائفة من ~~الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضى أبى يعلى وأبى المعالى الجوينى ~~وأبى الوليد الباجى وأمثالهم # وأما الهشامية والكرامية وغيرهم من الطوائف الذين يقولون بحدوث كل جسم ~~ويقولون ان القديم تقوم به الحوادث فهؤلاء إذا قالوا بأن ما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث كما هو قول الكرامية وغيرهم موافقة للمعتزلة فى هذا الاصل ~~فانهم يقولون إن الجسم القديم يخلو عن الحوادث بخلاف الأجسام المحدثة فانها ~~لا تخلوا عن الحوادث # والناس متنازعون فى السكون هل هو أمر وجودى أو عدمى PageV12P141 فمن قال ~~انه وجودى قال إن الجسم الذى لا يخلو عن الحركة والسكون إذا انتفت عنه ~~الحركة قام به السكون الوجودى وهذا قول من يحتج بتعاقب الحركة والسكون على ~~حدوث المتصف بذلك ومن قال انه عدمى لم يلزم من عدم الحركة عن المحل ثبوت ~~سكون وجودى فمن قال انه تقوم به الحركة أو الحوادث بعد ان لم تكن مع قوله ~~بامتناع تعاقب الحوادث كما هو قول الكرامية وغيرهم يقولون إذا قامت به ~~الحركة لم يعدم بقيامها سكون وجودى بل ذلك عندهم بمنزلة قولهم مع المعتزلة ~~والاشعرية وغيرهم انه يفعل بعد ان لم يكن فاعلا ولا يقولون ان عدم الفعل ~~أمر وجودى كذلك الحركة عند هؤلاء كان كثير من أهل الكلام يقولون ما لا يخلو ~~عن الحوادث فهو حادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث بناء على أن ms0083 هذه مقدمة ~~ظاهرة فان ما لا يسبق الحادث فلا بد أن يقارنه أو يكون بعده وما قارن ~~الحادث فهو حادث وما كان بعده فهو حادث # وهذا الكلام مجمل فانه إذا أريد به ما لا يخلو عن الحادث المعين أو مالا ~~يسبق الحادث المعين فهو حق بلا ريب ولا نزاع فيه وكذلك إذا أريد بالحادث ~~جملة ما له أول أو ما كان بعد العدم ونحو ذلك وأما إذا أريد بالحوادث ~~الامور التى تكون شيئا بعد شىء لا إلى أول وقيل انه ما لا يخلو عنها وما لم ~~يخل عنها فهو حادث لم يكن ذلك ظاهرا ولا بينا PageV12P142 بل هذا المقام ~~حار فيه كثير من الافهام وكثر فيه النزاع والخصام ولهذا صار المستدلون ~~بقولهم ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث يعلمون ان هذا الدليل لا يتم إلا ~~إذا اثبتوا امتناع حوادث لا أول لها فذكروا فى ذلك طرقا قد تكلمنا عليها فى ~~غير هذا الموضع # وهذا الاصل تنازع الناس فيه على ثلاثة أقوال # فقيل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وبامتناع حوادث لا أول لها مطلقا ~~وهذا قول المعتزلة ومن اتبعهم من الكرامية والاشعرية ومن دخل معهم من ~~الفقهاء وغيرهم # وقيل بل يجوز دوام الحوادث مطلقا وليس كل ما قارن حادثا بعد حادث لا إلى ~~اول يجب ان يكون حادثا بل يجوز ان يكون قديما سواء كان واجبا بنفسه أو ~~بغيره وربما عبر عنه بالعلة والمعلول والفاعل والمفعول ونحو ذلك وهذا قول ~~الفلاسفة القائلين بقدم العالم والأفلاك كارسطو واتباعه مثل ثامسطيوس ~~والاسكندر الافريدوسى وبرقلس والفارابى وابن سينا وأمثالهم # واما جمهور الفلاسفة المتقدمين على ارسطو فلم يكونوا يقولون PageV12P143 ~~بقدم الافلاك ثم الفلاسفة من هؤلاء وهؤلاء متنازعون فى قيام الصفات ~~والحوادث بواجب الوجود على قولين معروفين لهم واثبات ذلك قول كثير من ~~الأساطين القدماء وبعض المتأخرين كابى البركات صاحب المعتبر وغيره كما بسطت ~~اقوالهم فى غير هذا الموضع # وقيل بل ان كان المستلزم للحوادث ممكنا بنفسه وانه هو الذى يسمى مفعولا ~~ومعلولا ms0084 ومربوبا ونحو ذلك من العبارات وجب ان يكون حادثا وان كان واجبا ~~بنفسه لم يجز ان يكون حادثا وهذا قول أئمة أهل الملل واساطين الفلاسفة وهو ~~قول جماهير أهل الحديث وصاحب هذا القول يقول مالا يخلو عن الحوادث وهو ممكن ~~بنفسه فهو حادث أو مالا يخلو عن الحوادث وهو معلول أو مفعول أو مبتدع أو ~~مصنوع فهو حادث لأنه إذا كان مفعولا مستلزما للحوادث امتنع ان يكون قديما ~~فان القديم المعلول لا يكون قديما إلا إذا كان له موجب قديم بذاته يستلزم ~~معلوله بحيث يكون معه أزليا لا يتأخر عنه وهذا ممتنع # فان كونه مفعولا ينافى كونه قديما بل قدمه ينافى كونه ممكنا فلا يكون ~~ممكنا إلا ما كان محدثا عند جماهير العقلاء من الأولين والآخرين وهذا قول ~~الفلاسفة القدماء قاطبة كارسطو وأتباعه وإنما أثبت ممكنا قديما بعض ~~متأخريهم كابن سينا وأتباعه خالفوا فى PageV12P144 ذلك الفلاسفة القدماء ~~قاطبة كما خالفوا فى ذلك جماهير العقلاء من سائر الطوائف ولهذا تناقضوا فى ~~أحكام الممكن وورد عليهم فيه من الأسئلة ( مالا جواب لهم عنه كما ذكرت ذلك ~~) فى ( الرد على ) الأربعين وغير ذلك من المواضع # وما يدعى من أن المعلول قد يقارن علته إنما يعقل فيما كان شرطا لا فاعلا ~~كقولهم حركت يدى فتحرك الخاتم فان حركة اليد شرط فى تحريك الخاتم والشرط ~~والمشروط قد يتلازمان ( و ) ليست فاعلة مبدعة لها وكذلك الشعاع مع النار ~~والشمس ونحو ذلك وأما ما يكون فاعلا فلا يتصور ان يقارنه مفعوله فى الزمان ~~سواء كان فاعلا بالارادة أو قدر أنه فاعل بغير إرادة وسواء سمي فاعلا ~~بالذات أو بالطبع أو ما قدر لا يتصور أن يكون المفعول مقارنا لفاعله فى ~~الزمان كما اعترف بذلك جماهير العقلاء من الأولين والآخرين # وأرسطو وأتباعه لم يقولوا إن الفلك مفعول للرب ولا أنه معلول لعلة فاعلية ~~أبدعت ذاته بل زعموا أنه قديم واجب بنفسه وأن له علة غائية يتشبه بها نحو ~~حركة المعشوق يجب أن يقتدى به والفلك عندهم يتحرك للتشبه ms0085 بتلك العلة ولهذا ~~قالوا الفلسفة هى التشبه بالاله بحسب الطاقة وقولهم وإن كان فيه من الكفر ~~والجهل بالله أعظم مما فى قول ابن سينا وأتباعه وفيهم من التناقض فى ~~الالهيات PageV12P145 ما ليس هذا موضع بسطه فلم يتناقضوا فى إثبات ممكن ~~قديم كتناقض متأخريهم # ولهذا لما كانت هذه القضية مستقرة فى فطر العقلاءوكان مجرد العلم والخبر ~~بأن السموات مخلوقة أو مصنوعة أو مفعولة موجبا للعلم بأنها حادثة لا يخطر ~~بالفطر السليمة امكان كونها مفعولة لفاعل فعلها مع كونها قديمة لم تزل معه ~~ولهذا لم يدع هذا إلا هذه الشرذمة القليلة من المتفلسفة # وأيضا ( فان ما استلزم الحوادث يمتنع أن يكون فاعله موجبا بذاته يستلزم ~~معلوله فى الأزل فان الحوادث المتعاقبة شيئا بعد شىءلا يكون مجموعها فى ~~الأزل ولا يكون شىء منها أزليا بل الأزلى هو دوامها واحدا بعد واحد والموجب ~~بذاته المستلزم لمعلوله فى الأزل لا يكون معلوله شيئا بعد شىء سواء كان ~~صادرا عنه بواسطة أو بغير واسطة فان ما كان واحدا بعد واحد يكون متعاقبا ~~حادثا شيئا بعد شىء فيمتنع أن يكون معلولا مقارنا لعلته فى الأزل بخلاف ما ~~اذا قيل ان المقارن لذلك هو الموجب بذاته الذى يفعل شيئا بعد شىء فانه على ~~هذا التقدير لا يكون فى الازل موجبا بذاته ولا علة سابقة تامة لشىء من ~~العالم فلايكون معه فى الأزل من المخلوقات شىء لكن فاعليته للمفعولات تكون ~~شيئا بعد شىء وكل مفعول يوجد عنده وجود كمال فاعليته PageV12P146 إذا ~~المؤثر التام المستلزم لجميع شروط التأثير لا يتخلف عنه اثره إذ لو تخلف لم ~~يكن موثرا تاما فوجود الاثر يستلزم وجود المؤثر التام ووجود المؤثر التام ~~يستلزم وجود الأثر فليس فى الأزل مؤثر تام فليس مع الله شىء من مخلوقاته ~~قديم بقدمه والأزل ليس هو حدا محدودا ولا وقتا معينا بل كل ما يقدره العقل ~~من الغاية التى ينتهى اليها فالأزل قبل ذلك كما هو قبل ما قدره فالأزل لا ~~أول له كما ان الأبد لا آخر له ms0086 # وفى الحديث الصحيح عن النبى انه كان يقول ( انت الأول فليس قبلك شىءوأنت ~~الآخر فليس بعدك شىء ( فلو قيل انه مؤثر تام فى الأزل لشىء من الأشياء لزم ~~أن يكون مقارنا له دائما وذلك ينافى كونه مفعولا له وانما يصح مثل هذا فى ~~الصفة اللازمة للموصوف فانه اذا قيل الذات مقتض تام للصفة كان المعنى أن ~~الذات مستلزمة للصفة ليس المراد بذلك ان الذات مبدعة للصفة فانه إذا تصور ~~معنى المبدع امتنع فى المقارن بصريح المعقول سواء سمى علة فاعلة أو خالقا ~~أو غير ذلك وامتنع ان يقوم بالأثر شىء من الحوادث لأن كل حادث يحدث لا يحدث ~~إلا إذا وجد مؤثره التام عند حدوثه وان كانت ذات المؤثر موجودة قبل ذلك ~~لكان لابد من كمال وجود شروط التأثير عند وجود الأثر PageV12P147 وإلا لزم ~~الترجيح بلا مرجح وتخلف المعلول عن العلة التامة ووجود الممكن بدون المرجح ~~التام وكل هذا ممتنع فامتنع ان يكون مؤثرا لشىء من الحوادث فى الأزل وامتنع ~~ان يكون مؤثرا فى الأزل فيما يستلزم الحوادث لأن وجود الملزوم بدون اللازم ~~محال فامتنع ان يكون المفعول المستلزم للحوادث قديما # وإذا قيل ذاته مقتضية للحادث الثانى بشرط انقضاء الأول قيل فليس هو ~~مقتضيا لشىء واحد دائما فلا يكون معه قديم من مفعولاته وقيل أيضا هذا انما ~~يكون إذا كانت لذاته احوال متعاقبة تختلف المفعولات لأجلها فاما إذا قدر ان ~~لا يقوم بها شىء من الأحوال المتعاقبة بل حالها عند وجود الحادث كحالها ~~قبله كان امتناع فعله للحوادث المتعاقبة البائنة أعظم من امتناع فعله لحادث ~~معين فإذا كان الثانى ممتنعا عندهم فالأول أولى بالامتناع ومتى كان للذات ~~أحوال متعاقبة تقوم بها بطلت كل حجة لهم على قدم شىء من العالم وامتنع أيضا ~~قدم شىء من العالم إذا كان المفعول لا بد له من فاعل والفعل الحادث لا يكون ~~مفعوله الا حادثا وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع PageV12P148 $ فصل # وإذا عرف الأصل الذى منه تفرع نزاع الناس فى مسألة كلام الله ms0087 فالذين ~~قالوا ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقا تنازعوا فى كلام الله تعالى فقال ~~كثير من هؤلاء الكلام لا يكون إلا بمشيئة المتكلم وقدرته فيكون حادثا كغيره ~~من الحوادث ثم قالت طائفة والرب لا تقوم به الحوادث فيكون الكلام مخلوقا فى ~~غيره فجعلوا كلامه مخلوقا من المخلوقات ولم يفرقوا بين قال وفعل وقد علم أن ~~المخلوقات لا يتصف بها الخالق فلا يتصف بما يخلقه فى غيره من الألوان ~~والأصوات والروائح والحركة والعلم والقدرة والسمع والبصر فكيف يتصف بما ~~يخلقه فى غيره من الكلام ولو جاز ذلك لكان ما يخلقه من انطاق الجمادات ~~كلامه ومن علم انه خالق كلام العباد وأفعالهم يلزمه ان يقوم كل كلام فى ~~الوجود فهو كلامه كما قال بعض الاتحادية % وكل كلام فى الوجود كلامه % سواء ~~علينا نثره ونظامه % $ # وهذا قول الجهمية والنجارية والضرارية وغيرهم فان هؤلاء PageV12P149 ~~يقولون انه خالق أفعال العباد وكلامهم مع قولهم ان كلامه مخلوق فيلزمهم هذا # وأما المعتزلة فلا يقولون ان الله خالق افعال العباد لكن الحجة توجب ~~القول بذلك # وقالت طائفة بل الكلام لابد ان يقوم بالمتكلم ويمتنع أن يكون كلامه ~~مخلوقا فى غيره وهو متكلم بمشيئته وقدرته فيكون كلامه حادثا بعد ان لم يكن ~~لامتناع حوادث لا أول لها وهذا قول الكرامية وغيرهم ثم من هؤلاء من يقول ~~كلامه كله حادث لا محدث ومنهم من يقول هو حادث ومحدث وقال كثير من هؤلاء ~~الذين يقولون بامتناع حوادث لا أول لها مطلقا الكلام لازم لذات الرب كلزوم ~~الحياة ليس هو متعلقا بمشيئته وقدرته بل هو قديم كقدم الحياة إذا لو قلنا ~~انه بقدرته ومشيئته لزم ان يكون حادثا وحينئذ فيلزم أن يكون مخلوقا أو ~~قائما بذات الرب فيلزم قيام الحوادث به وذلك يستلزم تسلسل الحوادث لأن ~~القابل للشىء لا يخلو عنه أو عن ضده قالوا وتسلسل الحوادث ممتنع إذ التفريع ~~على هذا الأصل # ثم أن هؤلاء لما قالوا بقدم عين الكلام تنازعوا فيه فقالت طائفة ~~PageV12P150 القديم لا يكون حروفا ولا أصواتا ms0088 لأن الصوت يستحيل بقاؤه كما ~~يستحيل بقاء الحركة وما إمتنع بقاؤه امتنع قدم عينه بطريق الأولى والأخرى ~~فيمتنع قدم شىء من الأصوات المعينة كما يمتنع قدم شىء من الحركات المعينة ~~لأن تلك لا تكون كلاما إلا إذا كانت متعاقبة والقديم لا يكون مسبوقا بغيره ~~فلو كانت الميم من ( بسم الله ) قديمة مع كونها مسبوقة بالسين والباء لكان ~~القديم مسبوقا بغيره وهذا ممتنع فيلزم أن يكون القديم هو المعنى فقط ولا ~~يجوز تعدده لأنه لو تعدد لكان اختصاصه بقدر دون قدر ترجيحا بلا مرجح وان ~~كان لا يتناهى لزم وجود اعداد لا نهاية لها فى آن واحد قالوا وهذا ممتنع ~~فيلزم ان يكون معنى واحدا هو الأمر والخبر وهو معنى التوراة والانجيل ~~والزبور والقرآن وهذا أصل قول الكلابية والأشعرية # وقالت طائفة من أهل الكلام والحديث والفقهاء وغيرهم بل هو حروف قديمة ~~الأعيان لم تزل ولا تزال وهى مترتبة فى ذاتها لا فى وجودها كالحروف ~~الموجودة فى المصحف وليس بأصوات قديمة # ومنهم من قال بل هو أيضا أصوات قديمة ولم يفرق هؤلاء بين الحروف المنطوقة ~~التى لا توجد إلا متعاقبة وبين الحروف المكتوبة التى توجد فى آن واحد كما ~~يفرق بين الأصوات والمداد فإن الأصوات لا تبقى بخلاف المداد فإنه جسم يبقى ~~وإذا كان الصوت لايبقى امتنع PageV12P151 ان يكون الصوت المعين قديما لأن ~~ما وجب قدمه لزم بقاؤه وامتنع عدمه والحروف المكتوبة قد يراد بها نفس الشكل ~~القائم بالمداد أو ما يقدر بقدر المداد كالشكل المصنوع فى حجر وورق فازالة ~~بعض اجزائه تدل على حدوثه وقد يراد بالحروف نفس المداد # وأما الحروف المنطوقة فقد يراد بها أيضا الأصوات المقطعة المؤلفة وقد ~~يراد بها حدود الأصوات وأطرافها كما يراد بالحرف فى الجسم حده ومنتهاه ~~فيقال حرف الرغيف وحرف الجبل ونحو ذلك ومنه قوله تعالى ( ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف ) وقد يراد بالحروف الحروف الخيالية الباطنة وهى ما يتشكل فى ~~باطن الانسان من الكلام المؤلف المنظوم قبل أن يتكلم به # وقد تنازع ms0089 الناس هل يمكن وجود حروف بدون أصوات فى الحى الناطق على قولين ~~لهم وعلى هذا تنازعت هذه الطائفة القائلة بقدم أعيان الحروف هل تكون قديمة ~~بدون أصوات قديمة أم لابد من أصوات قديمة لم تزل ولا تزال # ثم القائلون بقدم الأصوات المعينة تنازعوا فى المسموع من القارىء هل يسمع ~~منه الصوت القديم فقيل المسموع هو الصوت القديم وقيل بل المسموع هو صوتان ~~أحدهما القديم والآخر المحدث فما لا بد منه فى وجود القرآن فهو القديم وما ~~زاد على ذلك فهو المحدث PageV12P152 وقيل بل الصوت القديم غير المسموع من ~~العبد # وتنازعوا فى القرآن هل يقال انه حال فى المصحف والصدور أم لا يقال ذلك ~~على قولين فقيل هو ظاهر فى المحدث ليس بحال فيه وقيل بل القرآن حال فى ~~الصدور والمصاحف فهؤلاء الخلقية والحادثية والاتحادية والاقترانية أصل ~~قولهم ان ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقا ومن قال بهذا الأصل فانه يلزمه ~~بعض هذه الأقوال أو ما يشبه ذلك فان من الناس من يجعله حادثا يريد انه كائن ~~بعد ان لم يكن ويجعل الحادثات ارادات وتصورات لا حروف وأصوات والداربى ~~وغيره يميلون إلى هذا القول فانه اما أن يجعل كلام الله حادثا أو قديما ~~وإذا كان حادثا فاما أن يكون حادثا فى غيره وأما أن يكون حادثا فى ذاته ~~وإذا كان قديما فاما أن يكون القديم المعنى فقط أو اللفظ فقط أو كلاهما ~~فإذا كان القديم هو المعنى فقط لزم أن لا يكون الكلام المقروء كلام الله ~~تعالى ثم الكلام فى ذلك المعنى قد عرف # وأما قدم اللفظ فقط فهذا لم يقل به أحد لكن من الناس من يقول ان الكلام ~~القديم هو اللفظ وأما معناه فليس هو داخلا فى مسمى الكلام بل هو العلم ~~والإرادة وهما قديمان لكن ليس ذلك داخلا فى مسمى الكلام فهذا يقول الكلام ~~القديم هو اللفظ PageV12P153 فقط إما الحروف المؤلفة وإما الحروف والأصوات ~~لكنه يقول إن معناه قديم # وأما الفريق الثانى الذين قالوا بجواز حوادث لا ms0090 أول لها مطلقا وان القديم ~~الواجب بنفسه يجوز أن تتعقب عليه الحوادث مطلقا وإن كان ممكنا لا واجبا ~~بنفسه فهؤلاء القائلون بقدم العالم كما يقولون بقدم الأفلاك وانها لم تزل ~~ولا تزال معلولة لعلة قديمة أزلية لكن المنتسبون إلى الملل كابن سينا ونحوه ~~منهم قالوا انها صادرة عن الواجب بنفسه الموجب لها بذاته وأما أرسطو ~~وأتباعه فانهم قالوا ان لها علة غائية تتحرك للتشبه بها فى تحركها كما يحرك ~~المعشوق عاشقه ولم يثبتوا لها مبدعا موجبا ولا موجبا قائما بذاته ولا قالوا ~~ان الفلك ممكن بنفسه واجب بغيره بل الفلك عندهم واجب بنفسه لكن قالوا مع ~~ذلك إن له علة غائية يتحرك للتشبه بها لاقوام له إلا بها فجعلوا الواجب ~~بنفسه الذى لا فاعل له مفتقرا إلى علة غائية منفصلة عنه هذه حقيقة قول ~~أرسطو وأتباعه ولهذا لم يثبتوا الاول عالما بغيره إذا لم يكن الأول عندهم ~~مبدعا للفلك فانه إذا كان مبدعا يجب أن يكون عالما بمفعوله كما قال ( ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) # ولهذا كانت أقوالهم فى الالهيات من أعظم الأقوال فسادا بخلاف اقوالهم فى ~~الطبيعيات ولهذا كان قولهم اشد فسادا فى العقل والدين PageV12P154 من قول ~~ابن سينا وأتباعه ولم يثبت أرسطو وأتباعه العلة الأولى بطريقة الوجود ولا ~~قسموا الوجود القديم إلى واجب وممكن بل الممكن عندهم لا يكون إلا حادثا ولا ~~اثبتوا للموجود الواجب الخصائص المميزة للرب عن الأفلاك بل هذا من تصرف ~~متأخريهم الذين خلطوا فلسفتهم بكلام المعتزلة ونحوهم وانما أثبت واجب ~~الوجود بطريقة الوجود ابن سينا وأتباعه # وحقيقة قول هؤلاء وجود الحوادث بلا محدث أصلا أما على قول من جعل الأول ~~علة غائية للحركة فظاهر فانه لا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعلا لها فقولهم ~~فى حركات الأفلاك نظير قول القدرية فى حركة الحيوان وكل من الطائفتين قد ~~تناقض قولهم فان هؤلاء يقولون بأن فعل الحيوان صادر عن غيره لكون القدرة ~~والدعى مستلزمين وجود الفعل والقدرة والداعي كلاهما من غير العبد # فيقال ms0091 لهم فقولوا هكذا فى حركة الفلك بقدرته وداعيه فانه يجب أن يكونا ~~صادرين عن غيره وحينئذ فيكون الواجب بنفسه هو المحدث لتلك الحوادث شيئا بعد ~~شىء وان كان ذلك بواسطة العقل وهذا القول هو الذى يقوله ابن سينا وأتباعه ~~وهو باطل أيضا لأن الموجب بذاته القديم الذى يقارنه موجبه ومقتضاه يمتنع ان ~~يصدر عنه PageV12P155 حادث بواسطة أو بلا واسطة فان صدور الحوادث عن العلة ~~التامة الأزلية ممتنع لذاته # وإذا قالوا الحركة بتوسطه أى ( بتوسط ) حركة الفلك قيل لهم فالكلام إنما ~~هو فى حدوث الحركة الفلكية فإن الحركة الحادثة شيئا بعد شىء يمتنع أن يكون ~~المقتضى لها علة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها فإن ذلك جمع بين النقيضين إذ ~~القول بمقارنة المعلول لعلته فى الأزل ووجوده معها يناقض أن يتخلف المعلول ~~أو شىء من المعلول عن الأزل بل يمتنع أن يكون المقتضى لها ذاتا بسيطة لا ~~يقوم بها شىء من الصفات والأحوال المقتضية لحدوث الحوادث المتعاقبة ~~المختلفة بل يمتنع أن يكون المقتضى لها ذاتا موصوفة لا يقوم بها شىء من ~~الأحوال الموجبة لحدوث الحوادث المذكورة فإن التجدد والتعدد الموجود فى ~~المعلولات يمتنع صدوره عن علة واحدة بسيطة من كل وجه فصار حقيقة قولهم ان ~~الحوادث العلوية والسفلية لا محدث لها # وهؤلاء يقولون كلام الله ما يفيض على النفوس الصافية كما أن ملائكة الله ~~عندهم ما يتشكل فيها من الصور النورانية فلا يثبتون له كلاما خارجا عما فى ~~نفوس البشر ولا ملائكة خارجة عما فى نفوسهم غير العقول العشرة و النفوس ~~الفلكية التسعة مع أن أكثرهم يقولون انها أعراض وقد بين فى غير هذا الموضع ~~أن ما يثبتونه من المجردات PageV12P156 العقلية التى هى العقول والنفوس ~~والمواد والصور انما وجودها فى الأذهان لا فى الأعيان # وأما الصنف الثالث الذين فرقوا بين الواجب والممكن والخالق والمخلوق ~~والغنى الذى لا يفتقر إلى غيره والفقير الذى لا قوام له إلا بالغنى فقالوا ~~كل ما قارن الحوادث من الممكنات فهو محدث كائن بعد ان لم يكن وهو مخلوق ms0092 ~~مصنوع مربوب وانه يمتنع أن يكون فيما هو فقير ممكن مربوب شىء قديم فضلا عن ~~ان تقارنه حوادث لا أول لها ولهذا كانت حركات الفلك دليلا على حدوثه كما ~~تقدم التنبيه على ذلك # وأما الرب تعالى إذا قيل لم يزل متكلما إذا شاءأو لم يزل فاعلا لما يشاء ~~لم يكن دوام كونه متكلما بمشيئته وقدرته ودوام كونه فاعلا بمشيئته وقدرته ~~ممتنعا بل هذا هو الواجب لأن الكلام صفة كمال لا نقص فيه فالرب أحق أن يتصف ~~بالكلام من كل موصوف بالكلام إذا كل كمال لا نقص فيه ثبت للمخلوق فالخالق ~~أولى به لأن القديم الواجب الخالق أحق بالكمال المطلق من المحدث الممكن ~~المخلوق ولأن كل كمال ثبت للمخلوق فانما هو من الخالق وما جاز اتصافه به من ~~الكمال وجب له فانه لو لم يجب له لكان اما ممتنعا وهو محال بخلاف الفرض ~~وإما ممكنا فيتوقف ثبوته له على غيره والرب PageV12P157 لا يحتاج فى ثبوت ~~كماله إلى غيره فان معطى الكمال أحق بالكمال فليزم أن يكون غيره أكمل منه ~~لو كان غيره معطيا له الكمال وهذا ممتنع بل هو بنفسه المقدسة مستحق لصفات ~~الكمال فلا يتوقف ثبوت كونه متكلما على غيره فيجب ثبوت كونه متكلما وان ذلك ~~لم يزل ولا يزال والمتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام لازما له ~~بدون قدرته ومشيئته والذى لم يزل متكلما إذا شاء أكمل ممن صار الكلام يمكنه ~~بعد أن لم يكن الكلام ممكنا له # وحينئذ فكلامه قديم مع انه يتكلم بمشيئته وقدرته وان قيل انه ينادى ~~ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين وإذا كان قد تكلم بالتوراة ~~والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع ان يتكلم بالباء قبل السين وان ~~كان نوع الباء والسين قديما لم يستلزم ان تكون الباء المعينة والسين ~~المعينة قديمة لما علم من الفرق بين النوع والعين وهذا الفرق ثابت فى ~~الارادة والكلام والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات وبه تنحل الاشكالات ~~الواردة على وحدة هذه الصفات وتعددها ms0093 وقدمها وحدوثها وكذلك تزول به ~~الاشكالات الواردة فى أفعال الرب وقدمها وحدوثها حدوث العالم # وإذا قيل ان حروف المعجم قديمة بمعنى النوع كان ذلك ممكنا بخلاف ما اذا ~~قيل ان عين اللفظ الذى نطق به زيد وعمرو قديم PageV12P158 فإن هذا مكابرة ~~للحس والمتكلم يعلم ان حروف المعجم كانت موجوده قبل وجوده بنوعها وأما نفس ~~الصوت المعين الذي قام به التقطيع أو التأليف المعين لذلك الصوت فيعلم ان ~~عينه لم تكن موجودة قبله والمنقول عن الامام أحمد وغيره من أئمة السنة ~~مطابق لهذا القول ولهذا انكروا على من زعم ان حرفا من حروف المعجم مخلوق ~~وانكروا على من قال ( لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا اسجد ~~حتى أومر ( مع ان هذه الحكاية نقلت لأحمد عن سري السقطى وهو نقلها عن بكر ~~بن خنيس العابد ولم يكن قصد أولئك الشيوخ بها إلا بيان ان العبد الذى يتوقف ~~فعله على الأمر والشرع هو أكمل من العبد الذى يعبد الله بغير شرع فان كثيرا ~~من العباد يعبدون الله بما تحبه قلوبهم وان لم يكونوا مأمورين به فقصد ~~أولئك الشيوخ ان من عبد الله بالأمر ولم يفعل شيئا حتى يؤمر به فهو أفضل ~~ممن عبده بما لم يؤمر به وذكروا هذه الحكاية الاسرائيلية شاهدا لذلك مع ان ~~هذه لا اسناد لها ولا يثبت بها حكم ولكن الاسرائيليات إذا ذكرت على طريق ~~الاستشهاد بها لما عرف صحته لم يكن بذكرها بأس وقصدوا بذلك الحروف المكتوبة ~~لأن الألف منتصبة وغيرها ليس كذلك مع ان هذا أمر اصطلاحى وخط غير العربى لا ~~يماثل خط العربى ولم يكن قصد أولئك الأشياخ أن نفس الحروف المنطوقة التى هى ~~مبانى أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة بائنة عن الله PageV12P159 ~~بل هذا شىء لعله لم يخطر بقلوبهم والحروف المنطوقة لا يقال فيها انها ~~منتصبة ولا ساجدة فمن احتج بهذا من قولهم على انهم يقولون ان الله لم يتكلم ~~بالقرآن العربى ولا بالتوراة العبرية فقد قال عنهم ما لم ms0094 يقولوه # وأما الامام أحمد فانه أنكر اطلاق هذا القول وما يفهم منه عند الاطلاق ~~وهو ان نفس حروف المعجم مخلوقة كما نقل عنه انه قال ومن زعم ان حرفا من ~~حروف المعجم مخلوق فهذا جهمى يسلك طريقا إلى البدعة فإنه إذا قال ان ذلك ~~مخلوق فقد قال أن القرآن مخلوق أو كما قال ولا ريب ان من جعل نوع الحروف ~~مخلوقا بائنا عن الله كائنا بعد أن لم يكن لزم عنده أن يكون كلام الله ~~العربى والعبرى ونحوهما مخلوقا وامتنع ان يكون الله متكلما بكلامه الذى ~~أنزله على عبده محمد فلا يكون شىء من ذلك كلامه فطريقة الامام أحمد وغيره ~~من السلف مطابقة للقول الثالث الموافق لصريح المعقول وصحيح المنقول # وقال الشيخ الامام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخى الشافعى فى كتابه ~~الذى سماه الفصول فى الاصول سمعت الامام أبا منصور محمد بن أحمد يقول سمعت ~~الامام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد الاسفرائينى ~~يقول مذهبى ومذهب الشافعى PageV12P160 وفقهاء الامصار ان القرآن كلام الله ~~غير مخلوق ومن قال انه مخلوق فهو كافر والقرآن حمله جبريل عليه السلام ~~مسموعا من الله والنبى سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله وهو الذى ~~نتلوه نحن مقروء بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما فى صدورنا مسموعا ومكتوبا ~~ومحفوظا ومقروءا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ومن ~~قال إنه مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس اجمعين # والكلام على هذه الأمور مبسوط فى غير هذا الموضع وذكر ما يتعلق بهذا ~~الباب من الكلام فى سائر الصفات كالعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر ~~والكلام فى تعدد الصفة واتحادها وقدمها وحدوثها أو قدم النوع دون الأعيان ~~أو اثبات صفة كلية عمومية متناولة الأعيان مع تجدد كل معين من الأعيان أو ~~غير ذلك مما قيل فى هذا الباب فإن هذه مواضع مشكلة وهي من محارات العقول ~~ولهذا اضطرب فيها طوائف من أذكياء الناس ونظارهم والله يهدى من يشاء ms0095 إلى ~~صراط مستقيم PageV12P161 # وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # عمن قال اختلاف المسلمين فى كلام الله تعالى على ( ثلاثة أنحاء ( فقوم ~~إلى أنه قديم الحرف والصوت وهم الحشوية وقوم إلى أنه حادث بالصوت والحرف ~~وهم الجهمية ومن تابعهم وقوم إلى أنه قديم لا بصوت ولا حرف إلا معنى قائم ~~بذات الله وهم الأشعرية # فأجاب رضى الله عنه وأرضاه # الحمد لله رب العالمين قول القائل إن اختلاف المسلمين فى كلام الله على ( ~~ثلاثة أنحاء ( الخ هو كلام بحسب ما بلغه من ذلك واكثر من تكلم فى هذه ~~المسألة من المتأخرين إنما يذكر فيها بعض اختلاف الناس فقوم يحكون أربعة ~~أقوال كأبى المعالي ونحوه وقوم يحكون خمسة أو ستة كالشهرستانى ونحوه # PageV12P162 # والأقوال التى قالها المنتسبون إلى القبلة فى هذه المسألة تبلغ سبعة أو ~~أكثر # الأول ) ( قول المتفلسفة ( ومن وافقهم من متصوف ومتكلم كابن سينا وإبن ~~عربى الطائى وابن سبعين وأمثالهم ممن يقول ( بقول ) الصابئة الذين يقولون ~~إن كلام الله ليس له وجود خارج عن نفوس العباد بل هو ما يفيض على النفوس من ~~المعانى أعلاما وطلبا إما من العقل الفعال كما يقوله كثير من المتفلسفة ~~وأما مطلقا كما يقوله بعض متصوفة الفلاسفة وهذا قول الصابئة ونحوهم وهؤلاء ~~يقولون الكلام الذى سمعه موسى لم يكن موجودا إلا فى نفسه وصاحب ( مشكات ~~الأنوار ( وأمثاله فى كلامه ما يضاهي كلام هؤلاء أحيانا وان كان أحيانا ~~يكفرهم وهذا القول أبعد عن الاسلام ممن يقول القرآن مخلوق # و ( القول الثانى ) قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون كلام ~~الله مخلوق يخلقه فى بعض الأجسام فمن ذلك الجسم ابتدأ لا من الله ولا يقوم ~~عندهم بالله كلام ولا إرادة وأول هؤلاء ( الجعد بن درهم ( الذى ضحى به خالد ~~بن عبد الله القسرى لما خطب الناس يوم عيد النحر وقال ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإنى مضح بالجعد بن درهم انه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم PageV12P163 يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم ms0096 ~~نزل فذبحه # وهؤلاء هم الذين دعوا من دعوه من الخلفاء إلى مقالتهم حتى امتحن الناس فى ~~القرآن بالمحنة المشهورة فى إمارة المأمون والمعتصم والواثق حتى رفع الله ~~شأن من ثبت فيها من أئمة السنة كالامام أحمد رحمه الله وموافقيه وكشفها ~~الله عن الناس فى إمارة المتوكل وظهر فى الأمة ( مقالة السلف ( ان القرآن ~~كلام الله غير مخلوق منه بدأ واليه يعود أى هو المتكلم به لم يبتدأ من بعض ~~المخلوقات كما قالت الجهمية بل هو منه نزل كما قال تعالى تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم ) وقال ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق ) وقال ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) وقوله ( قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق ) # ثم لما شاعت المحنة كثر اضطراب الناس وتنازعهم فى ذلك حتى صار أهل السنة ~~والجماعة المتفقون على أن كلام الله منزل غير مخلوق يقول كل منهم قولا ~~يخالف به صاحبه وقد لا يشعر أحدهم بخلاف الأدلة وصار اتباع الأئمة الأربعة ~~كأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد مع كون الظاهر المشهور عندهم أن القرآن ~~كلام الله غير مخلوق بين كل طائفة منهم تنازع فى تحقيق ذلك كما سننبه على ~~ذلك # PageV12P164 # و ( القول الثالث ) قول أبى محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري ومن ~~اتبعه كالقلانسى وأبى الحسن الأشعرى وغيرهم ان كلام الله معنى قائم بذات ~~الله هو الأمر بكل مأمور أمر الله 2 به والخبر عن كل مخبر أخبر الله عنه أن ~~عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرية كان توراة وان عبر عنه ~~بالسريانية كان انجيلا والأمر والنهى والخبر ليست أنواعا له ينقسم الكلام ~~اليها وإنما كلها صفات له إضافية كما يوصف الشخص الواحد بانه ابن لزيد وعم ~~لعمرو وخال لبكر # والقائلون بهذا القول منهم من يقول إنه معنى واحد فى الأزل وانه فى الأزل ~~أمر ونهى وخبر كما يقوله الأشعري # ومنهم من قال بل يصير أمرا ونهيا عند وجود المأمور والمنهى # ومنهم من يقول هو عدة معان ms0097 الأمر والنهى والخبر والاستخبار # وقد ألزم الناس أصحاب هذا القول أن يجعلوا العلم والقدرة والارادة ~~والحياة شيئا واحدا فاعترف محققوهم بصحة الالزام PageV12P165 # وجمهور العقلاء من أهل السنة وأهل البدعة يقولون ان فساد هذا القول معلوم ~~بالضرورة كما يقولون أن فساد قول من يقول أن الاصوات المسموعة من العباد ~~قديمة معلوم بالضرورة كما يقولون أن فساد قول من يقول ان المتكلم يكون ~~متكلما بكلام يقوم بغيره وان العالم يكون عالما بعلم يقوم بغيره والقادر ~~يكون قادرا بقدرة تقوم بغيره معلوم بالضرورة # وكما يقول جمهور العقلاء أن فساد قول من يقول ان العلم هو القدرة والقدرة ~~هي الارادة وان العلم هو العالم والقدرة هى القادر معلوم بالضرورة # القول الرابع ) قول طوائف من أهل الكلام والحديث من السالمية وغيرهم ~~يقولون أن كلام الله حروف وأصوات قديمة أزلية ولها مع ذلك معان تقوم بذات ~~المتكلم وهؤلاء يوافقون الأشعرية والكلابية فى ان تكليم الله لعباده ليس ~~الا مجرد خلق إدراك للمتكلم ليس هو أمرا منفصلا عن المستمع # ثم أن جمهور هؤلاء لا يقولون إن تلك الأصوات ( هي ) المسموعة من القارئين ~~( بل ) يفرقون بين هذا وهذا ومنهم طائفة وهم أهل PageV12P166 يقولون أن ~~الصوت القديم يسمع من القارىء ثم قد يقولون تارة أن القديم نفس الصوت ~~المسموع من القارىء وتارة يقولون أنه يسمع من القارىء صوتان قديما محدثا ~~وكثير منهم أو أكثرهم لا يقولون بحلول القديم فى المحدث بل يقولون ظهر فيه ~~كما يظهر الوجه فى المرآة # ومنهم من يقول بحلول القديم فى المحدث وليس هذا القول ولاالأقوال قبله ~~قول أحد من سلف الأمة ولاأئمتها ولم يقل ذلك لا الامام أحمد ولا أئمة ~~أصحابه ولاغيره من الأئمة بل هم متفقون على الأنكار على من قال أن لفظى ~~بالقرآن غير مخلوق فكيف بمن قال صوتى غير مخلوق فكيف بمن قال صوتى قديم # وأما القول بأن المداد الذى فى المصحف قديم فهذا ما رأيناه في كتاب أحد ~~من طوائف الإسلام ولا نقله أحد عن رجل معروف من العلماء أنه ms0098 سمعه منه ولكن ~~طائفة يسكتون عن التكلم فى المداد بنفى أو اثبات ويقولون لا نقول إنه قديم ~~ولكن نسكت سدا للذريعة وقد حكاه طائفة عمن سموهم الحشوية القول بقدم المداد ~~وقالوا أنهم يقولون أن المداد الذى فى المصحف قديم وأنه لما كان فى المحبرة ~~كان محدثا فلما صار فى الورق صار قديما PageV12P167 # ورأينا طوائف يكذبون هؤلاء فى النقل وكأن حقيقة الأمر أن أولئك يقولون ~~قول غيرهم بمجرد ما بلغهم من اطلاق قولهم أو لما ظنوه لازما لهم أو ~~لماسمعوه ممن يجازف فى النقل ولا يحرره وربما سمعوه من بعض عوامهم ان كان ~~ذلك قد وقع # وهذا الباب وقع فيه غلط بهذا السبب حتى غلط الناس على من يعظمونه وبهذا ~~السبب غلط أبا طالب ( الامام أحمد ( فيما نقله عنه فانه قرأ عليه ( قل هو ~~الله أحد ) وسأله هذا مخلوق فقال له أحمد هذا ليس بمخلوق فبلغه أن أبا طالب ~~حكى عنه أنه قال لفظى بالقرآن غير مخلوق فغضب عليه أحمد وقال أنا قلت لك ~~لفظى بالقرآن غير مخلوق فقال لا ولكن قرأت عليك ( قل هو الله أحد ) فقلت لك ~~هذا غير مخلوق فقلت نعم فقال فلم حكيت عنى أنى قلت لك لفظى بالقرآن غير ~~مخلوق فقال لم احكه عنك وانما حكيته عن نفسى قال فلا تقل هذا فانى لم أسمع ~~عالما يقول هذا ولكن قل القرآن حيث تصرف كلام الله غير مخلوق # ولهذا قال البخارى فى ( كتاب خلق الأفعال ( إن ( اللفظية ( هؤلاء يذكرون ~~قولهم عن أحمد وهم لا يفهمون دقة قوله وموضع الشبهة أنه إذا قال هذا ~~فالإشارة تكون إلى الكلام من حيث هو كلام مع قطع النظر عما بلغ به من حركات ~~العبد وصوته كما أن PageV12P168 الرجل إذا كتب إسم الله تبارك وتعالى وسمع ~~قائلا يذكر الله فقال هذا ربى كان صادقا ولو قيل له أتعبد هذا لقال نعم لأن ~~المشار اليه هو المسمى بذلك الا تعلم المكتوب والاسم يرا به من الكلام ~~المؤلف المسمى فإذا قال ( محمد رسول الله ms0099 والذين معه ) فالمراد ان المسمى ~~الذى اسمه محمد هو رسول الله ليس المراد ان نفس اللفظ والخط هو رسول الله # ومن هنا تنازع الناس فى ( الاسم ( هل هو المسمى أو غيره وكان الصواب ان ~~يمنع من كلا الاطلاقين ويقال كما قال الله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى ) ~~وكما قال ( أن لله تسعة وتسعين اسما من احصاها دخل الجنة ( والذين أطلقوا ~~أنه المسمى كان أصل مقصودهم أن المراد به هو المسمى وأنه إذا ذكر الاسم ~~فالاشارة به إلى مسماه وإذا قال العبد حمدت الله ودعوت الله وعبدت الله فهو ~~لا يريد إلا أنه عبد المسمى بهذا الاسم # والذين نفوا ذلك رأوا أن نفس اللفظ أو الخط ليس هو لأعيان المسماة بذلك ~~وآخرون فرقوا بين التسمية والاسم فجعلوا الألفاظ هى التسمية وجعلوا الاسم ~~هو الأعيان المسماة بالألفاظ فخرجوا عن موجب اللغة المعروفة التى بها ~~الكتاب والسنة PageV12P169 # وأصل مقصود الطوائف كلها صحيح الا من توسل منهم بقوله إلى قول باطل مثل ~~قول الجهمية إن الاسم غير المسمى فإنهم توسلوا بذلك إلى أن يقولوا أسماء ~~الله غيره ثم قالوا وما كان غير الله فهو مخلوق بائن عنه فلا يكون الله ~~تعالى سمى نفسه باسم ولا تكلم بإسم من أسمائه ولا يكون له كلام تكلم به بل ~~لا يكون كلامه إلا ما كان مخلوقا بائنا عنه # فهؤلاء لما علم السلف أن مقصودهم باطل انكروا اطلاقهم القول بأن كلام ~~الله غير الله وان علم الله غير الله وأمثال ذلك لأن لفظ ( الغير ( مجمل ~~يحتمل الشىء البائن عن غيره ويحتمل الشىء الذى ليس هو إياه ولا هو بائن عنه ~~فمن قال إنه غيره ليجعله بائنا عنه كان كلا المعنيين صحيحا وإن كان فى ~~العبارة تقصير # وهكذا أنكر الأئمة قول من قال لفظى بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق وقالوا من ~~قال هو مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع وكذلك قالوا فى ( ~~التلاوة والقراءة ( لأن اللفظ والتلاوة والقراءة يراد بهما المصدر الذى هو ~~فعل العبد وأفعال العباد ms0100 مخلوقة فمن جعل شيئا من أفعالهم وأصواتهم وغير ذلك ~~من صفاتهم غير مخلوق فهو مبتدع ويراد ب ( اللفظ ( نفس الملفوظ كما يراد ~~بالتلاوة والقراءة نفس الكلام وهو القرآن نفسه ومن قال كلام PageV12P170 ~~الله الذى أنزله على نبيه وقرأه المسلمون مخلوق فهو جهمى # ومن المعلوم أنه إذا سمع الناس كلام محدث يحدث بحديث النبى كقوله ( إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى ( قالوا هذا كلام النبى أو هذا ~~كلامه بعينه لأنهم قد علموا أن النبى تكلم بذلك الكلام لفظه ومعناه وتكلم ~~بصوته ثم المبلغ له عنه بلغه بصوت نفسه فالكلام كلام النبى هو الذى تكلم ~~بمعانيه وألف حروفه بصوته والمبلغ له بلغه بفعل نفسه وصوت نفسه # فاذا قالوا هذا كلام النبى كانت اشارتهم إلى نفس الكلام الذي هو الكلام ~~حروفه ونظمه ومعانيه لا إلى ما اختص به المبلغ من حركاته واصواته بل يضيفون ~~الصوت إلى المبلغ فيقولون صوت حسن وما كان فى الكلام من فصاحه حروفه ونظمه ~~وبلاغة معانيه فانما يضاف إلى المتكلم به ابتداء لا إلى المبلغ له ولكن ~~يضاف إلى المبلغ حسن الأداء كتجويد الحروف وتحسين الصوت ولهذا قال تعالى ( ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) PageV12P171 # وكان النبى يعرض نفسه على الناس فيقول ( ألا رجل يحملني إلى قومه لابلغ ~~كلام ربى ) وقال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ( وقال ( الله أشد أذنا إلى ~~الرجل يحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ( # فبين الله رسوله أن القرآن المسموع كلام الله لاكلام أحد من المخلوقين ~~والناس يقرؤنه بأصواتهم فمن قال إن هذا القرآن المسموع ليس هو كلام الله أو ~~هو كلام القارئين كان فساد قوله معلوما بالضرورة شرعا وعقلا كما أن من قال ~~إن هذا 4 الصوت المسموع ليس هو صوت العبد أو هو صوت الله كان فساد قوله ~~معلوما بالضرورة شرعا وعقلا بل هذا هو كلام الله لا كلام غيره سمعه جبريل ~~من الله وسمعه النبى من جبريل وسمعه المسلمون من نبيهم ثم بلغه بعضهم إلى ms0101 ~~بعض وليس لأحد من الوسائط فيه إلاالتبليغ بأفعاله وصوته لم يحدث منهم أحد ~~شيئا من حروفه ولا نظمه ولا معانيه بل جميع ذلك كلام الله تعالى # ( القول الخامس ) قول الهشامية والكرامية ومن وافقهم أن كلام الله حادث ~~قائم بذات الله بعد أن لم يكن متكلما بكلام بل ما زال عندهم قادرا على ~~الكلام وهو عندهم لم يزل متكلما بمعنى أنه لم يزل قادرا على الكلام و الا ~~فوجود الكلام عندهم فى الأزل ممتنع كوجود PageV12P172 الأفعال عندهم وعند ~~من وافقهم من أهل الكلام كالمعتزلة واتباعهم وهم يقولون أنه حروف وأصوات ~~حادثة بذات الرب بقدرته ومشيئته ولا يقولون إن الأصوت المسموعة والمداد ~~الذي فى المصحف قديم بل يقولون إن ذلك محدث # القول السادس قول الجمهور وأهل الحديث وأئمتهم ان الله تعالى لم يزل ~~متكلماإذا شاء وأنه يتكلم بصوت كما جاءت به الأثار والقرآن وغيره من الكتب ~~الالهية كلام الله تكلم الله به بمشيئته وقدرته ليس ببائن عنه مخلوقا ولا ~~يقولون إنه صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما ولا أن كلام الله تعالى من حيث ~~هو هو حادث بل مازال متكلما إذا شاء وإن كان كلم موسى وناداه بمشيئته ~~وقدرته فكلامه لا ينفد كما قال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا # ويقولون ما جاءت به النصوص النبوية الصحيحة ودلت عليه العقول الزكية ~~الصريحة فلا ينفون عن الله تعالى صفات الكمال سبحانه وتعالى فيجعلونه ~~كالجمادات التى لا تتكلم ولا تسمع ولا تبصر فلا تكلم عابديها ولا تهديهم ~~سبيلا ولا ترجع إليهم قولا ولا تملك لهم ضرا ولا نفعا PageV12P173 # ومن جعل كلام الله لايقوم إلا بغير الله كان المتصف به هو ذلك الغير ~~فتكون الشجرة هى القائلة لموسى ( اننى انا الله ( ولهذا اشتد نكير السلف ~~على من قال ذلك وقالوا هذا نظير قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) أى هذا كلام ~~قائم بغير الله ولهذا صرح بحقيقة ذلك الاتحادية كابن عربى ونحوه ms0102 الذين ~~يقولون % وكل كلام فى الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % $ # وأهل هذا القول الموافقون للسلف والأئمة لا يقولون ان الرب كان مسلوبا ~~صفات الكمال فى الأزل وانه كان عاجزا عن الكلام حتى حدث له قدرة عليه ~~كالطفل والذين يقولون أن القرآن مخلوق يجعلون الكلام لغيره فيسلبونه صفات ~~الكمال ويقولون أنه لا يقدر على الكلام فى الأزل لا على كلام مخلوق ولا ~~غيره وهم ان لم يصرحوا بالعجز عن الكلام فى الأزل فهو لازم لقولهم ~~والكرامية فروا من الأول وجعلوه متكلما بكلام يقوم به لكن لم يجعلوه متكلما ~~فى الأزل بل ولا قادرا على الكلام فى الحقيقة فى الأزل # والكلابية ومن وافقهم من السالمية ونحوهم وصفوه بالكلام فى الأزل قالوا ~~إنه موصوف به أزلا وأبدا لكن لم يجعلوه قادرا على الكلام ولا متكلما ~~بمشيئته واختياره ولا يقدر ان يحدث شيئا PageV12P174 يكون به مكلما لغيره ~~لكن يخلق لغيره ادراكا بما لم يزل كما يزيل العمى عن الأعمى الذى لا يرى ~~الشمس التى كانت ظاهرة متجلية لا أن الشمس فى نفسها تجلت وظهرت وهذا يقول ~~كثير من هؤلاء فى رؤيته إنها ليست إلا مجرد خلق الادراك ليس هناك حجب ~~منفصلة عن الرأى فلا يكشف حجابا ولا يرفع حجابا # والقرآن مع الحديث ومع العقل يرد على هؤلاء كقوله تعالى ( وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ) ولو كان الحجاب هو ~~عدم الرؤية لكان الوحى وارسال الرسل من وراء حجاب وقال تعالى ( فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ) وفى الصحيح ( اذا دخل أهل الجنة الجنة ~~ناد مناد يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما ~~هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار قال ~~فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما اعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر ( والآثار ~~فى ذلك كثيرة # و أيضا فقول الكلابية أن الحقائق المتنوعة شىء واحد وقول الآخرين إن ~~الأصوات المتضادة تجتمع فى ms0103 آن واحد مما يقول أكثر العلماء العقلاء انه ~~معلوم الفساد بالضرورة وقد بسط الكلام على هذه الأقوال فى غير هذا الموضع ~~PageV12P175 # و ( المقصود هنا ( الجواب عن قول هذا القائل فقوم إلى أنه قديم الصوت ~~والحرف وهم الحشوية إن أراد بذلك قول من يقول إن نفس الأصوات مجتمعة فى ~~الأزل فهذا قول من تقدم من السالمية وغيرهم من أهل الكلام والحديث # وأما قول القائل ( حشوية ( فهذا اللفظ ليس له مسمى معروف لا فى الشرع ولا ~~فى اللغة ولا فى العرف العام ولكن يذكر أن أول من تكلم بهذا اللفظ عمرو بن ~~عبيد وقال كان عبد الله بن عمر حشويا وأصل ذلك أن كل طائفة قالت قولا تخالف ~~به الجمهور والعامة ( ينسب ) إلى أنه قول الحشوية أى الذين هم حشو فى الناس ~~ليسوا من المتأهلين عندهم فالمعتزلة تسمى من أثبت القدر حشويا والجهمية ~~يسمون مثبتة الصفات حشوية والقرامطة كاتباع الحاكم يسمون من أوجب الصلاة ~~والزكاة والصيام والحج حشويا # وهذا كما أن الرافضة يسمون قول أهل السنة والجماعة قول الجمهور وكذلك ~~الفلاسفة تسمى ذلك قول الجمهور فقول الجمهور وقول العامة من جنس واحد # فان كان قائل ذلك يعتقد أن الخاصة لا تقوله وإنما تقوله لعامة والجمهور ~~فاضافه إليهم وسماهم حشوية # والطائفة تضاف تارة إلى الرجل الذى هو رأس مقالتها كما يقال الجهمية ~~والاباضية والأزارقة والكلابية والأشعرية والكرامية PageV12P176 ويقال فى ~~أئمة المذاهب مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية وتارة تضاف إلى قولها وعملها ~~كما يقال الروافض والخوارج والقدرية والمعتزلة ونحو ذلك ولفظة الحشوية لا ~~ينبنى لا عن هذا ولا عن هذا # وأما قوله وقوم ذهبوا إلى أنه حادث بالصوت والحرف وهم الجهمية فهو كلام ~~من لا يعرف مقالات الناس فان الجهمية يقولون إن الله لا يتكلم وليس له كلام ~~وإنما خلق شيئا فعبر عنه ومنهم قال إنه يتكلم بكلام يخلقه فى غيره وهو قول ~~المعتزلة # وأما الكرامية فتقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق وهو متكلم به بحرف ~~وصوت ويقولون مع ذلك أنه حادث قائم به ms0104 وهم ليسوا من الجهمية بل يردون عليهم ~~أعظم الرد وهم اعظم مباينة لهم من الأشعرية ويقولون مع ذلك أن القرآن حادث ~~فى ذات الله # ثم من هؤلاء من يقول إن كلام الله كله حادث ومنهم من لا يقول ذلك وهذا ~~القول معروف عن أبى معاذ التومنى وزهير البابى وداود بن على الأصبهانى بل ~~والبخارى صاحب الصحيح وغيره وطوائف كثيرة يذكر عنهم هذا فليس كل من قال إنه ~~حادث كان من الجهمية ولا يقول انه مخلوق PageV12P177 # وأما قوله وقوم نحوا إلى أنه قديم لا بصوت ولا حرف إلا معنى قائم بذات ~~الله وهم الأشعرية فهذا صحيح ولكن هذا القول أول من قاله فى الإسلام ~~عبدالله بن كلاب فان السلف والأئمة كانوا يثبتون لله تعالى ما يقوم به من ~~الصفات والأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته والجهمية تنكر هذا وهذا فوافق إبن ~~كلاب السلف على القول بقيام الصفات القديمة وانكر أن يقوم به شىء يتعلق ~~بمشيئته وقدرته # وجاء أبو الحسن الأشعرى بعده وكان تلميذا لأبى على الجبائى المعتزلى ثم ~~إنه رجع عن مقالة المعتزلة وبين تناقضهم فى مواضع كثيرة وبالغ فى مخالفتهم ~~فى مسائل القدر والايمان والوعد والوعيد حتى نسبوه بذلك إلى قول المرجئة ~~والجبرية والواقفة وسلك فى الصفات طريقة ابن كلاب وهذا القول فى القرآن هو ~~قول إبن كلاب فى الأصل وهو قول من اتبعه كالأشعرى وغيره # وقوله فمن قال ان الحرف والصوت الملفوظ بهم عين الكلام القديم فلأهل الحق ~~فيه رأيان رأى بتكفيره ورأى بتبديعه إلى قوله وليعلم أن الحرف اللسانى ~~والحرف البنانى كلاهما مقيد بزمام تصرفه # ) # PageV12P178 # فيقال أما القول بان المداد المكتوب قديم فما علمنا قائلا معروفا قال به ~~وما رأينا ذلك فى كتاب أحد من المصنفين لامن أصحاب أبى حنيفة ولا مالك ولا ~~الشافعى ولا أحمد بل رأينا فى كتب طائفة من المصنفين من أصحاب مالك ~~والشافعى وأحمد انكار القول بأن المداد قديم وتكذيب من نقل ذلك وفى كلام ~~بعضهم ما يدل على أن فى المصحف حرفا قديما ليس هو ms0105 المداد # ثم منهم من يقول هو ظاهر فيه ليس بحال ومنهم من يقول هو حال وفى كلام ~~بعضهم ما يقضى أن يكون ذلك هو الشكل شكل الحرف وصورته لا مادته التى هي ~~مداده وهذا القول ايضا باطل كما ان القول بأن شيئا من أصوات الآدميين قديم ~~هو قول باطل وهو قول قاله طائفة من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وجمهور هؤلاء ~~ينكرون هذا القول وكلام الامام أحمد وجمهور أصحابه فى انكار هذا القول كثير ~~مشهور # ولا ريب ان من قال أن أصوات العباد قديمة فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله ~~كما ان من قال أن هذا القرآن ليس هو كلام الله فهو مفتر مبتدع له حكم ~~أمثاله # ومن قال إن القرآن العربى ليس هو كلام الله بل بعضه كلام PageV12P179 ~~الله وبعضه ليس كلام الله مفتر مبتدع له حكم أمثاله ومن قال إن معنى آية ~~الكرسي وآية الدين و ( قل هو الله أحد ) و ( تبت يدا أبى لهب ) معنى واحد ~~فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله # واما ( التكفير ( فالصواب انه من اجتهد من أمة محمد وقصد الحق فاخطأ لم ~~يكفر بل يغفر له خطأه ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر ومن اتبع هواه وقصر فى طلب ~~الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب ثم قد يكون فاسقا وقد تكون له حسنات ترجح ~~على سيئاته # فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مخطىء ولا مبتدع ولا جاهل ~~ولا ضال يكون كافرا بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا لا سيما فى مثل ( مسألة ~~القرآن ( وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس بالعلم ~~والدين وغالبهم يقصد وجها من الحق فيتبعه ويعزب عنه وجه آخر لا يحققه فيبقى ~~عارفا ببعض الحق جاهلا بعضه بل منكرا له # ومن ههنا نشأ نزاعهم فالذين قالوا انه مخلوق رأوا أن PageV12P180 الكلام ~~لا يكون إلا بقدرة المتكلم ومشيئته وإن كلاما لازما لذات ms0106 المتكلم لا يعقل ~~فانه ان جعل معنى واحدا كان مكابرة للعقل وكذلك أن جعل أصواتا أزلية ثم ~~ظنوا أن ما كان بقدرة الرب ومشيئته لا يكون إلا منفصلا عنه وما انفصل عنه ~~فهو مخلوق ولهذا أنكروا أن يجىء أو يأتى أو ينزل وغير ذلك مما جاء به ~~الكتاب والسنة # وآخرون وافقوهم على هذا الأصل الذى أحدثه أولئك وهو أنه لا يقوم به ما ~~يتعلق بمشيئته وقدرته لكن رأوا كلاما لا يقوم بالمتكلم لا يكون كلاما له ~~فقالوا أن كلامه قائم به # ثم رأى ( فريق ( أن قدم الأصوات ممتنع فجعلوا القديم هو المعنى ثم رأوا ~~أن تعدد المعانى القديمة ممتنع وأنه يفضى إلى وجود معانى لا نهاية لها ~~فقالوا هو معنى واحد # ورأى ( فريق آخر ( أن كون المعانى المتنوعة معنى واحدا ممتنع وكون الرب ~~لم يتكلم بحروف القرآن بل خلقها فى غيره موافقة لمن جعل الكلام لا يقوم ~~بالمتكلم فإن تلك الحروف المنظومة كالقرآن العربى أن قالوا هو كلام الله ~~لزم أن لا يكون كلامه قائما به بل بغيره وان قالوا ليس كلاما لله لزم أن ~~يكون كلاما لمن خلقت فيه فلا يكون الكلام العربى كلاما لله بل كلاما لمن ~~خلق فيه وهذا PageV12P181 هو الذي انكروه على من قال القرآن مخلوق والذى ~~قال انه مخلوق لم يقل إلا هذا فلزمهم أن يوافقوا فى الحقيقة قول من يقول ~~القرآن مخلوق وان ضموا إلى ذلك قولا لاحقيقة له يخالف العقل والنقل وهو ~~اثبات معنى واحد يكون هو جميع معانى التوارة والانجيل والقرآن لكنهم إنما ~~قالوا ذلك فرارا من أقوال ظنوها باطلة فلم يقصدوا إلا الفرار عما رأوه ~~باطلا فوقعوا فى أقوال لها لوازم تقضي بطلانها أيضا # فلما رأى هذا ( الفريق الثانى ( ما أجاب به هؤلاء قالوا انه حروف وأصوات ~~قديمة أزلية فرد عليهم غيرهم وقالوا أن الأصوات متضادة فى نفسها والضدان لا ~~يجتمعان وأقل ما فى الأمور القديمة أن تكون مجتمعة وقالوا لهم الأصوات ~~مستلزمة للحركات المستلزمة للقدرة والارادة فلا تكون الأصوات إلا ms0107 بقدرة ~~وإرادة وما كان كذلك لم يكن قديم العين لكن النزاع فى كونه قديم النوع ~~وقالوا الأصوات هى فى نفسها يمتنع بقاؤها وما امتنع بقاؤه امتنع قدمه ~~فامتنع قدم الأصوات # وقال ( آخرون ( إذا كان الأمر كذلك كان متكلما بحروف وأصوات حادثة ~~بمشيئته وقدرته قائمة بذاته لكن يمتنع قدم شىء من ذلك لأن الحوادث لا تكون ~~ازلية ورأوا أن هذا القول ينجيهم من PageV12P182 سائر ما وقع فيه غيرهم ~~وليس فيه ما ينكر اولئك عليهم الا ان يقوم بذات الرب ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته # فإن المعتزلة نفت أن يقوم به شىء من المعانى وعبروا عن ذلك بأنه لا يقوم ~~به شىء من الأعراض والحوادث فسموا ما يقوم به من العلم والقدرة والحياة ~~اعراضا وما يقوم به من الخلق والاحسان والاتيان والمجىء والنزول حوادث ~~وقالوا لسلف الأمة وأئمتها وجمهورها ان قلتم الكلام المعين لازم له فقد ~~قلتم انه تقوم به الأعراض وان قلتم يتكلم باختياره وقدرته فقد قلتم تقوم به ~~الحوادث # فقال هؤلاء كلام المعتزلة وقولهم لا تقوم به هذه الأمور كلام باطل مخالف ~~للكتاب والسنة ولاجماع سلف الأمة وهو أيضا مخالف لصريح العقل فان اثبات ~~عالم بلا علم وقادر بلا قدرة وحى بلا حياة ممتنع فى صريح العقل وكذلك اثبات ~~خالق وعادل بلا خلق ولا عدل واثبات فاعل لا يقوم به فعل واثبات رب لا يقدر ~~على التصرف بنفسه بل يكون بمنزلة الجماد سلب لصفات الكمال عنه كما أن إثبات ~~رب لايعلم ولا يقدر سلب لصفات الكمال عنه PageV12P183 # قال هؤلاء فإذا قلنا إنه تكلم بالكلام حروفه ومعانيه بمشيئته وقدرته ~~سلمنا من هذه المحاذير ولم يكن من محذور شرعى ولا عقلى # فقال لهم الفريق السابع ولكن جعلتموه عاجزا عن الكلام فى الأزل مسلوبا ~~للكمال ولزمكم أن يقال إذا كان من الأزل إلى الأبد لم يتكلم ثم تكلم كان ~~ذلك أمرا حادثا فيحتاج إلى سبب حادث والقول فى ذلك الحادث كالقول فى الأول ~~فيلزم تسلسل الحوادث فان كان ذلك ممتنعا بطل قولكم وان كان ms0108 جائزا فقولوا لم ~~يزل متكلما إذا شاء كما قاله أئمة السنة وجماهير أهل الحديث فانكم حينئذ ~~تكونون قد وصفتم ربكم بصفات الكمال أزلا وأبدا # قالوا وهذا القول خير من سائر الأقوال مع موافقته المعقول وصحيح المنقول ~~فقال لهم أولئك هذا يستلزم حوادث لا أول لها وذلك ممتنع فقال لهم هؤلاء هذا ~~كلام مبتدع وإنما أخذتموه عن المعتزلة لم يأت به كتاب ولا سنة ولا قاله أحد ~~من سلف الأمة وأئمتها ولا دل عليه العقل بل العقل يدل على نقيضه # والذين قالوا هذا القول من المعتزلة ومن تبعهم من الكرامية والأشعرية ~~ظنوا أنهم بهذا القول يثبتون حدوث العالم بناء على أن الأجسام لا تخلوا من ~~الأعراض المحدثة وما لا يخلوا من الحوادث فهو PageV12P184 محدث وهذا القول ~~هو الذى سلط عليهم ( الفلاسفة الدهرية ( القائلين بقدم العالم فان هذاالقول ~~الذى قالوه وجعلوه مستلزما لحدوث العالم هو مناقض لحدوث العالم بل هو مناقض ~~لإثبات الصانع فهم قصدوا نصر الاسلام بما ينافى دين الاسلام # ولهذا كثر ذم السلف لمثل هذا الكلام وهذا هو أصل ( الكلام المذموم ( عند ~~سلف الأمة وأئمتها وذلك لأن الشىء إذا كان يمكن وجوده ويمكن عدمه فلا يوجد ~~إلا بمقتض يستلزم وجوده وان جاز وجوده بدون ذلك أمكن ان تكون المخلوقات ~~التى يمكن وجودها وعدمها وجدت بلا فاعل فلا بد للممكنات من وجود واجب يحصل ~~به وجودها ولا تكون مع وجود المقتضى التام محتملة للوجود والعدم بل يكون ~~وجودها لازما حتما فإن ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وإذا شاء الرب ~~شيئا لم يمكن ان لا يكون بل يجب كونه بمشيئة الرب تعالى المستلزمة لقدرته ~~قالوا # وإذا كان كذلك فالحادث الذى يمكن وجوده ويمكن عدمه اذا حدث بدون سبب حادث ~~مع استواء نسبته إلى جميع الاوقات واستواء نسبة جميع الحوادث والأوقات إلى ~~مشيئة الرب وقدرته لزم من ذلك أن يكون قد تخصص بعض الحوادث بالحدوث وبعض ~~PageV12P185 الازمنة بالحدوث من غير مخصص يقتضى ذلك ومن غير سبب حادث يقتضى ~~الحدوث # وهذا ms0109 مع أنه فاسد فى صريح العقول فهو يبطل ما استدلوا به على اثبات ~~الصانع فلابد حينئذ أن يكون لحدوث الحوادث سبب حادث وحينئذ فما من حادث إلا ~~وهو مسبوق بحادث وحينئذ فهذا يقتضى ان الله إذا كان متكلما بمشيئته وقدرته ~~أمكن أنه لا يزال متكلما بمشيئته وقدرته ولم يجز أن يصير متكلما بعد أن لم ~~يكن متكلما بحال لأن ذلك يقتضى حدوث الحادث بلا سبب حادث وهو ممتنع ويقتضى ~~انه تجدد له من صفات الكمال ما أمكن ثبوته فى الأزل وذلك ممتنع وذلك لأن ~~صفات الكمال التى يمكن اتصاف الرب بها لا يجوز ان يتوقف ثبوتها له على غيره ~~لأنه يلزم ان يكون ذلك الغير هو المعطى له صفات الكمال ومعطى غيره صفات ~~الكمال أولى بان يكون هو الرب تعالى ورب العالين الخالق ما سواه الذى يعطيه ~~صفات الكمال لا يكون غيره ربا له بوجه من الوجوه سبحانه وتعالى عن ذلك # وحينئذ فيجب اتصافه بالكلام إذا شاء أزلا وابدا # قال هؤلاء وهذا الأصل يبطل حجة الفلاسفة الدهرية التى PageV12P186 احتجوا ~~بها على قدم العالم وعجزتم أنتم معاشر المعتزلة وأتباعكم من المتكلمين ~~القائلين بامتناع دوام الحوادث عنها فانهم الزموكم على أصولكم إذ قدرتم ~~ثبوت موجود لايتكلم بمشيئته وقدرته ولا يفعل شيئا بل يمتنع منه فى الأزل كل ~~شىء يكون منه من كلام أو فعل فقالوا إذا قدرنا وجود هذا وأنه يبقى دائما ~~ابدا لا يتكلم ولا يفعل شيئا ثم تكلم وفعل فلابد من سبب اوجب حدوث هذا ~~الكلام والفعل اما حدوث قدرة أو إرادة أو علم أو غير ذلك من الأسباب فاما ~~إذا قدر حاله فيما لا يزال كحاله فيما لم يزل امتنع ان يتجدد له كلام أو ~~فعل أو غير فعل # فهذه حجة الفلاسفة عليكم وأنتم لم تجيبوهم إلا بالمكابرة أو بالالزام ( ~~فالمكابرة ( دعواكم حدوث الحوادث بلا حدوث سبب بل جعلتم نفس القدرة أو ~~الارادة القديمة تخصص أحد المتماثلين عن المثل الآخر بلا سبب أصلا مع أن ~~نسبتها إلى جميع المتماثلات ms0110 نسبة واحدة وهذا مع أنه معلوم البطلان بالضرورة ~~فهو يسد عليكم طريق ( اثبات الصانع ( فانه مبنى على ان الحوادث لابد لها من ~~محدث والمخصص لا بد له من مخصص والترجيح لا بد له من مرجح إذا كان المخصص ~~أو المرجح من الممكنات أو المحدثات # وأما ( الالزام ( فقولكم إن هذا الأشكال لازم للفلاسفة كما هو ~~PageV12P187 لازم لنا فان الحوادث إذا امتنع حدوثها عن علة تامة أزلية وليس ~~عندكم إلا العلة التامة الأزلية لزم ألا يكون للحوادث محدث واما نحن إذا ~~سلكنا طريق سلف الأمة وأئمتها فنقول لهؤلاء الفلاسفة بل خلق الله السموات ~~والأرض فى ستة أيام كما أخبرت به الرسل فحدثت باسباب حدثت قبل ذلك وإذا ~~قلنا انه لم يزل متكلما إذا شاء و ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون ) كان ما يحدث حادثا بما شاء ان يتكلم به من كلامه لا سيما إذا قيل ~~بنظير ذلك فى إرادته سبحانه وتعالى وامكننا أن نجيب الفلاسفة بجواب آخر ~~مركب عنا وعنكم # فنقول لهم وجود حوادث لا أول لها ممكن أو ممتنع # فإن قلتم ممتنع لزمكم القول بحدوث العالم وامكن حينئذ صحة قول الكرامية ~~ونحوهم # وان قلتم هو ممكن قيل فممكن حينئذ أن يكون هذا العالم حدث بسبب حادث قبله ~~وكذلك السبب الآخر لا إلى غاية والكلام على هذه الأمور مبسوط فى غير هذا ~~الموضع # و ( المقصود هنا ) التنبيه على أن هذه مقامات دقيقة مشكلة PageV12P188 ~~بسببها افترقت الأمة واختلفت فإذا اجتهد الرجل فى متابعة الرسول والتصديق ~~بما جاء به واخطأ فى المواضع الدقيقة التى تشتبه على أذكياء المؤمنين غفر ~~الله له خطاياه تحقيقا لقوله ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو اخطأنا ) وقد ~~ثبت فى الصحيح ان الله قال ( قد فعلت ( # وأما قول القائل ومن قال كلام الله منزه عن سمات الحدوث إذ الصوت والحرف ~~لازمهما الحدوث فكما لذاته التنزيه عن سمات الخلق كذلك لقوله الحق # فيقال له لا نزاع بين المسلمين بل وسائر أهل الملل وغيرهم من العقلاء أن ms0111 ~~الخالق منزه عن سمات الحدوث فان قدمه ضرورى فيمتنع أن يقوم دليل على حدوثه ~~و ( السمة ( هي العلامة والدليل ولكن منازعوك فى الصوت والحرف جمهور ~~الخلائق # إذ لم يوافق الكلابية على قولهم أحد من الطوائف لا الجهمية ولا المعتزلة ~~ولا الضرارية ولا النجارية ولا الكرامية ولا السالمية ولا جمهور المرجئة ~~والشيعة ولا جمهور أهل الحديث والفقه والتصوف ولا الفلاسفة لا الالهيون ولا ~~الطبائعيون على اختلاف أصنامهم # وخصومهم منهم من يقول الحروف محدثة مخلوقة فى محل منفصل عن الله كما ~~يقولون هم ذلك لكن يقولون هذا كلام الله ليس لله PageV12P189 كلام غيره كما ~~أجمع المسلمون على أن هذا كلام الله بل أجمعت الأمم على أن الكلام لا يعقل ~~إلا كذلك # فان قلتم هذا هو كلام الله لزمكم أن يكون كلامه مخلوقا وان قلتم ليس ذلك ~~كلام الله خالفتم المعلوم بالاضطرار من الشرع واللغة وان قلتم نسمى هذا ~~كلام الله وهذا كلام الله كلاهما حقيقة بطريق الاشتراك اللفظى قيل لكم فإذا ~~ثبت أن الكلام المخلوق فى غيره هو كلام له حقيقة بطل أصل حجتكم التى ~~إحتججتم بها حيث قلتم الكلام لا يكون كلاما الا لمن قام به ولا يكون ~~المتكلم متكلما بكلام يحل فى غيره # وقالوا لكم أيضا إثبات المعنى الذى أثبتموه غير هذه الحروف والأصوات ~~يحتاج إلى اثبات وجوده ثم اثبات قدمه ثم اثبات حدوثه وكل من هذه المقامات ~~أنتم فيها منقطعون كما هو مبسوط فى موضعه وكما اعترف بذلك فضلاء هذه ~~المقالة # و ( الفريق الثانى ( يقول لكم انا نسلم لكم أن الحروف والأصوات محدثة لكن ~~نقول هى كلام الله القائم بذاته فان قلتم هذا يستلزم كونه محلا للحوادث ~~قالوا لكم ونفس هذا من كلام المعتزلة الذى تلقيتموه عنهم وليس لكم على ذلك ~~حجة لا عقلية ولا شرعية PageV12P190 وقد اعترف فضلاؤكم بأن هذا القول يلزم ~~جمهور الطوائف وقال لكم منازعوكم قد دل على هذا الأصل الأدلة الشرعية # والعقلية و ( الفريق الثالث ( يقول لكم هب أنها محدثة أهي محدثة الأعيان ~~أم نوعها ms0112 محدث فان قلتم ان كل فرد من أفرادها محدث لم ينفعكم وان قلتم بل ~~النوع محدث لا متناع حوادث لا تتناهى قيل لكم هذا مما ينازعكم فيه جمهور ~~أهل الحديث مع جمهور الفلاسفة وينازعكم فيه أئمة الملل وأئمة النحل ~~وينازعكم فيه الأئمة من أهل التوراة والانجيل والقرآن والأئمة من الصابئة ~~والفلاسفة والمجوس وغيرهم وانما ابتدع هذا القول فى الاسلام طائفة من أهل ~~الكلام الذين ذمهم أئمة الدين وأعلام المسلمين وهذا القول ليس معلوما ~~بالكتاب والسنة والاجماع ولا قاله أحد من السلف والأئمة وإنما هو قول مبتدع ~~ومبتدعه يزعم ان العقل دل عليه ويثبت به حدوث العالم والعلم باثبات الصانع # وهؤلاء يقولون له العقل يدل على نقيضه وانه مناف مضاد لحدوث العالم ~~ولاثبات الصانع وهذا مبسوط فى موضعه وانما المقصود التنبيه على ما فى هذا ~~الكلام من موارد النزاع ومواقع الاجماع # PageV12P191 # وقول القائل كما لذاته التنزيه عن سمات الخلق فكذلك لقوله الحق فهذا من ~~جنس سجع الكهان الذى لا يقيم حقا ولا يبطل باطلا فهل تقول أن كل ما وصف به ~~الرب من الصفات يتصف به كل ماله من الكلمات أو غيرها من الصفات واذا قيل ان ~~الرب تعالى إله قادر خالق معبود فهل يجب أن يكون شىء من كلماته وصفاته الها ~~قادرا خالقا معبودا وهذا القول يضاهى قول النصارى الذين قالوا كما ان أقنوم ~~الوجود اله فكذلك اقنوم الكلمة والروح فيثبتون للصفات الالهية التى اثبتوها ~~للذات # والرب تعالى له كلام قائم بمحل لا يوجد بغيره إذ لابد للكلام من محل لا ~~يوجد الكلام بدونه فهل يجب أن يفتقر الرب إلى محل يقوم به كما يفتقر الكلام ~~إلى ذلك ولكن يجب تنزيه كلامه عن كل نقص وعيب إذ هو المستحق للكمال فى ذاته ~~وصفاته وأفعاله ويمتنع ان يخلو عن صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة ~~والكلام وغير ذلك من صفات الكمال مع أنه يتصف بها بعض مخلوقاته فالموصوف ~~الواجب الوجود القديم الأزلى أحق بصفات الكمال من المخلوقات وكل كمال ثبت ~~لمخلوق ms0113 فمن الخالق استفاده والخالق أوهبه إياه وأعطاه فواهب الكمال ومعطيه ~~أحق به وأولى PageV12P192 # وهذا مما يعبر عنه كل قوم باصطلاحهم حتى تقول المتفلسفة كل كمال ثبت ~~للمعلول فو ( من ) كمال العلة ومعلوم أن المخلوق الذى خلق من قبل ولم يك ~~شيئا ليس له من نفسه شىء أصلا بل كل ماله فمن خالقه سبحانه وتعالى # وأما قوله ولتعلم ان الحرف اللسانى والحرف البنانى كلاهما مقيد بزمان ~~يصرفه المولى متكلم قبل الزمان فتعالى كلامه عن ان تكتنفه الحدثان فقد عرف ~~منازعة المنازعين له فى هذا ولم يذكر الا مجرد الدعوى وقد علم أن تصور ~~الدعوى معلوم الفساد بالضرورة عند اكثر العقلاء وان الدليل عليها مقدمات ~~ينازعه فيها جمهور العقلاء وآخرها ينتهى إلى مقدمات تلقوها عن شيوخهم ~~المعتزلة فان الكلابية والأشعرية إنما أخذوا مقدمات هذا الكلام ومادته منهم ~~وقد عرف حالهم فى ذلك # وقوله المولى متكلم قبل الزمان إن أراد أنه سبحانه وتعالى قبل السموات ~~والأرض والليل والنهار وقبل جميع المخلوقات فهذا حق لكن من أين له أن كل ما ~~كلم به عباده ويكلمهم به يوم القيامة يجب أن يكون قبل جميع المخلوقات ومن ~~أين له أنه قبل خلق العالم كان مناديا لموسى قائلا له ( اننى أنا الله لا ~~إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى ) PageV12P193 # وان أراد أنه سبحانه وتعالى قبل ما يوصف بالقبل فهذا ممتنع فانه سبحانه ~~موصوف بانه الأول قبل كل شىء وان أراد بذلك ان الزمان مقدار الفعل والحركة ~~وان ذلك ممتنع فى الأزل فقد عرف أن أئمة الملل والنحل ينازعونه فى هذا مع ~~اتفاق أهل الملل على أن الله خالق السموات والأرض فى ستة أيام وقوله أن ~~الحرف والصوت اداتان يعبر بهما عن المعنى القائم بذات الله كما يعبر ~~الانسان عما قام به من الطلب تارة بالبنان وتارة باللسان وتارة بالرأس عند ~~طلب الرواح وعند طلب الاتيان فهذا مذهب الحق ومركب الصدق # فيقال له هذا عليه اعتراضات # أحدهما ان يقال ما ذلك المعنى القائم بالذات أهو واحد كما ms0114 يقوله الأشعرى ~~وهو عنده مدلول التوراة والانجيل والقرآن ومدلول آية الكرسى والدين ومدلول ~~سورة الاخلاص وسورة الكوثر أم هو معان متعددة فان قال بالأول كان فساده ~~معلوما بالاضطرار ثم يقال التصديق فرع التصور ونحن لا نتصور هذا فبين لنا ~~معناه ثم تكلم على اثباته فان قال هو نظير المعانى الموجودة فينا كان هذا ~~الكلام بعد النزول عما يحتمله من التشبيه والتمثيل باطلا لأن الذى فينا ~~معان متعددة متنوعة وإما معنى واحد هو أمر بكل مأمور وخبر عن كل مخبر عنه ~~فهذا غير متصور PageV12P194 # الثانى أن يقال هب أنه متصور فما الدليل على ثبوته وما الدليل على قدمه # الثالث أن يقال قولك الصوت والحرف عبارة عنه أتعنى به الأصوات المسموعة ~~من القراء أو الحروف الموجودة فى التلاوة والمصاحف وإما حروفا وأصواتا غير ~~هذه فان قلت بالأول كان باطلا من وجوه # أحدهما أنه كل من أجاد القراءة عبر عما فى نفس الله من غير ان يكون الله ~~عبر عما فى نفسه فيكون المخلوق أقدر من الخالق # الثانى ان كثيرا من القراء أو اكثرهم لا يفقهون اكثر معانى القرآن ~~والتعبير عما فى نفس المعبر فرع على معرفته فمن لم يفهم جميع معانى القرآن ~~كلام الله فكيف يعبر عن تلك المعانى # الثالث أن الناس لا يفهمون معانى القرآن إلا بدلالة ألفاظ القرآن على ~~معانيه فإذا سمعوا ألفاظه وتدبروه كان اللفظ لهم دليلا على المعانى ~~والمستدل باللفظ على المعنى الذى أراده المتكلم يمتنع أن يكون هو المعبر ~~باللفظ عن المعنى فان المعبر باللفظ عن المعنى يعرف المعنى اولا ~~PageV12P195 ثم يدل غيره عليه بالعبارة والناس فى القرآن على ضد هذه الحال ~~فيمتنع أن يكونوا هم المعبرين به # الرابع أن كل واحد منهم يعلم أنه تعلم القرآن العربى من غيره وأنه ليس له ~~فيه إلا الحفظ والتبليغ والأداء بل يعلم أنه إذا حفظ خطب الخطبآء وشعر ~~الشعراء لم يكن هو المعبر عما فى أنفسهم بذلك الكلام بل يكون الكلام كلامهم ~~وهو قد حفظه واداه وبلغه فكيف بكلام ms0115 رب العالمين # الخامس ) أن كل واحد يعلم بالاضطرار أن نفس القرآن العربى كان موجودا قبل ~~وجود كل القراء وأن الناس إنما تلقوه عن محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما # و ( بالجملة ( فالدلالة على فساد هذا القول اكثر من أن تحصر # وان قلت بل الحروف والاصوات المعبر بها عن المعانى التى أرادها الله من ~~حروف وأصوات كانت موجودة قبل وجود القراء ولكن كل من القراء حفظ ذلك النظم ~~العربى الذى كان موجودا قبله قيل لك فحينئذ قد كان ثم حروف وأصوات غير هذه ~~الأصوات المسموعة من القراء وغير المداد المكتوب فى المصاحف وهذا هو ~~PageV12P196 الحق الذي اتفق عليه جميع الخلق # فقول القائل إنه ما ثم إلا المعنى القائم بالذات أو هذه الحروف والأصوات ~~ليس بحق ويقال له حينئذ فتلك الحروف والأصوات أهي من كلام الله الذى تكلم ~~به أم هي مخلوقة خلقها فى غيره فان قلت هي من كلام الله تعالى لزمك ما فررت ~~منه حيث أقررت أن لله كلاما هو حروف وأصوات كما يقوله جمهور المسلمين وان ~~قلت ليست كلاما لله فهذه أولى من أن تكون كلاما لله وحينئذ فلا يكون هذا ~~القرآن كلام الله وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الاسلام # وأما قوله من قال لفظى عين كلام الله فقد انسلخ عن ربقة العقل وغرق فى ~~بحر العماية والجهل فيقال قول القائل ( لفظي عين كلام الله ( كلام مجمل فان ~~( اللفظ ( فى الاصل مصدر لفظ يلفظ لفظا كما أن ( التلاوة والقراءة ( فى ~~الأصل مصدر تلا يتلو وقرأ يقرأ ويعبر باللفظ والتلاوة والقراءة عن نفس ~~الكلام الملفوظ به المتلو المقروء # فان الناس إذا قالوا اللفظ يدل على المعنى لم يريدوا باللفظ المصدر بل ~~يريدون به الملفوظ به وإذا قالوا لمن سمعوه يتكلم هذه ألفاظ حسنة أرادوا به ~~ما يلفظه كما قال تعالى ( ما يلفظ من PageV12P197 قول إلا لديه رقيب عتيد ) ~~يراد باللفظ نفس الفعل وقد يراد به نفس القول الذى لفظه اللافظ وهذا ك ( ~~القرآن ( قد يراد به المصدر وقد ms0116 يراد به الكلام المقروء وقال تعالى ( ان ~~علينا جمعه وقرآنه فإذا قراناه فاتبع قرآنه ) والقرآن هنا مصدر كما فى ~~الآية عن ابن عباس قال علينا أن نجمعه فى صدرك ثم أن تقرأه بلسانك فإذا ~~قرأه جبريل فاستمع لقراءته ثم ان علينا أن نبينه # وقد يراد ب ( القرآن ( نفس الكلام المقروء كما قال ( واذا قرىء القرآن ~~فاستمعوا له وانصتوا ) وقوله ( إن هذا القرآن يهدى للتى هي أقوم ) وقال ~~تعالى ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) ~~وقال تعالى ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ) ونظائره كثيرة # وإذا كان كذلك فقول القائل لفظى هو عين كلام الله إن أراد به المصدر فقد ~~اخطأ فان نفس حركاته ليست هي كلام الله وهذا لا يقوله أحد يفهم ما يقول # وأن أراد ( الثانى ( كان المعنى أن هذا القرآن الذى أتلوه هو عين كلام ~~الله وهذا هو الذى يقصده الناس إذا قالوا الذى يقرأ PageV12P198 القرآء عين ~~كلام الله وهذا الذى نسمعه من القراء عين كلام الله وهذا الذى يقرأ فى ~~الصلاة عين كلام الله لا يقصد أحد أن يجعل حركات العباد نفس كلامه # ثم إذا قال القائل هذا فقد وافق قول الله تعالى ( وان أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) بل قد علم بالاضطرار من دين الاسلام ان ~~هذا الذى يقرأه المسلمون ويكتبونه فى مصاحفهم هو كلام الله لا كلام غيره ~~تارة يسمع منه كما سمعه موسى ابن عمران وتارة يسمع من المتلقين عنه كما ~~سمعه الصحابة من الرسول فهذا الذى نسمعه هو كلام الله متلقى عنه مسموعا من ~~المبلغ عنه قال تعالى ( وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) وقال ~~تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت ~~رسالته ) وقال تعالى ( ليعلم أن قد ابلغوا رسالات ربهم ) والناس يعلمون أن ~~الكلام كلام من قاله آمرا بامره مخبرا بخبره مبتدئا به لا ms0117 كلام من بلغه عن ~~غيره وأداه # فالناس يقرؤون القرآن وليس هو كلامهم ولكنه كلام يقرؤونه بافعالهم ~~وأصواتهم وإذا كان كلام النبى وكلام غيره إذا رواه الناس عنه وبلغوه وقرؤوه ~~فهو كلام النبى وغيره من المتكلمين بذلك الكلام والنبى صلى PageV12P199 ~~الله عليه وسلم تكلم بلفظه ونظمه ومعناه وتكلم به بحروف وأصوات مع أن أصوات ~~الرواة ليست صوت النبى # فالقرآن إذا قرأه الناس وبلغوه باصواتهم وأفعالهم كان أولى بان يكون كلام ~~الله وان كانوا لم يسمعوه من الله بل من الخلق # ومما ينبغى أن يعلم ان قول الله ورسوله والمؤمنين أن هذا كلام الله بل ~~قول الناس لما بلغ من كلام المخلوقين أن هذا كلام فلان حق كما اتفق على ذلك ~~الناس لكن عرضت شبهة لكثير من المتنطعين فلم يفرقوا بين ما إذا سمع كلام ~~المتكلم به وبين ما إذا سمع من غيره فظنوا أنه إذا قال ( فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ) كان بمنزلة سماع موسى كلام الله # فقالت ( طائفة ( المسموع أصوات العباد وكلام الله ليس هو أصوات العباد ~~فلا يكون المسموع كلام الله # وقالت ( طائفة ( بل هذا كلام الله وهذا مخلوق فكلام الله مخلوق # وقالت ( طائفة ( بل هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فهذا غير مخلوق ~~PageV12P200 # وهذا إذا أطلقوه ( مجملا ( فهو حق لكن قال بعضهم هذا لفظي أو تلاوتى أو ~~صوتى فلفظى أو تلاوتى أو صوتى غير مخلوق فضلوا كما ضل غيرهم ولو اهتدوا ~~لعلموا أنا إذا قلنا هذا كلام الله فلم نشر إليه بما امتاز قارىء عن قارىء ~~إذا كان من المعلوم انه ما يسمع من كل قارىء فهو كلام الله مع العلم بأن ~~صوت هذا القارىء ليس هو صوت هذا القارىء فقد اتحد من جهة كونه كلام الله ~~واختلف من جهة أصوات القراء وهو كلام الله بإعتبار الحقيقة المتحدة لا ~~بإعتبار ما اختلف فيه أحوال القراء # وهذا لأن الكلام إنما يقصد به لفظه ومعناه ولفظه هو الحروف المقروءة ~~المنظومة وان كانت الحروف أصواتا مقطعة أو هي أطراف الأصوات ms0118 المقطعة فهي من ~~الكلام باعتبار صورتها الخاصة من التقطيع والتأليف لا باعتبار المادة ~~الصوتية التى يشترك فيها جميع الصائتين ولهذا ما كان فى الكلام من بلاغة ~~وبيان وحسن تأليف ونظم وكمال معان وغير ذلك فهو للمتكلم بلفظه ومعناه ليس ~~هو لمجرد صفات الذي بلغه وأداه # وأما قول القائل من قال أن مذهب جهم بن صفوان هو مذهب الأشعري أو قريب أو ~~سواء معه فهو جاهل بمذهب الفريقين إذا الجهمية PageV12P201 قائلون بخلق ~~القرآن وبخلق جميع # والاشعرى يقول بقدم القرآن وإن كلام الانسان مخلوق للرحمن فوضح للبيت كل ~~من المذاهب الثلاثة # فيقال لا ريب أن قول ابن كلاب والأشعرى ونحوهما من المثبتة للصفات ليس هو ~~قول الجهمية بل ولا المعتزلة بل هؤلاء لهم مصنفات فى الرد على الجهمية ~~والمعتزلة وبيان تضليل من نفاها بل هم تارة يكفرون الجهمية والمعتزلة وتارة ~~يضللونهم لا سيما والجهم هو اعظم الناس نفيا للصفات بل وللأسماء الحسنى ~~قوله من جنس قول الباطنية القرامطة حتى ذكروا عنه أنه لا يسمى الله شيئا ~~ولا غير ذلك من الأسماء التى يسمى بها المخلوق لأن ذلك بزعمه من التشبيه ~~الممتنع وهذا قول القرامطة الباطنية وحكى عنه أنه لا يسميه إلا ( قادرا ~~فاعلا ( لأن العبد عنده ليس بقادر ولا فاعل إذ كان هو رأس المجبرة وقوله فى ~~الايمان شر من قول المرجئة فانه لا يجعل الايمان إلا مجرد تصديق القلب و ( ~~ابن كلاب إمام الاشعرية أكثر مخالفة لجهم وأقرب إلى السلف PageV12P202 من ~~الأشعرى نفسه والأشعرى أقرب إلى السلف من القاضى أبي بكر الباقلاني والقاضي ~~أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبى المعالى واتباعه فان هؤلاء نفوا ~~الصفات كالاستواء والوجه واليدين # ثم اختلفوا هل تتأول أو تفوض على قولين أو طريقين فأول قولى أبى المعالى ~~هو تأويلها كما ذكر ذلك فى ( الارشاد ( وآخر قوليه تحريم التأويل ذكر ذلك ~~فى ( الرسالة النظامية ( واستدل باجماع السلف على أن التأويل ليس بسائغ ولا ~~واجب # وأما ( الأشعرى ( نفسه وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم فى إثبات الصفات ms0119 ~~الخبرية وفى الرد على من يتأولها كمن يقول استوى بمعنى استولى وهذا مذكور ~~فى كتبه كلها كا ( لموجز الكبير ( و ( المقالات الصغيرة والكبيرة ( و ( ~~الابانة ( وغير ذلك وهكذا نقل سائر الناس عنه حتى المتأخرون كالرازى ~~والآمدي ينقلون عنه إثبات الصفات الخبرية ولا يحكون عنه فى ذلك قولين # فمن قال أن ( الأشعري ( كان ينفيها وان له فى تأويلها قولين فقد افترى ~~عليه ولكن هذا فعل طائفة من متأخري أصحابه كأبى المعالى ونحوه فان هؤلاء ~~ادخلوا فى مذهبه أشياء من أصول المعتزلة # PageV12P203 # و ( الأشعري ( ابتلى بطائفتين طائفة تبغضه وطائفة تحبه كل منهما يكذب ~~عليه ويقول إنما صنف هذه الكتب تقية واظهارا لموافقة أهل الحديث والسنة من ~~الحنبلية وغيرهم وهذا كذب على الرجل فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف ~~الأقوال التى أظهرها ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض ~~هذه الأقوال الموجودة فى مصنفاته فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر ~~دعوى مردودة شرعا وعقلا بل من تدبر كلامه فى هذا الباب فى مواضع تبين له ~~قطعا أنه كان ينصر ما أظهره ولكن الذين يحبونه ويخالفونه فى اثبات الصفات ~~الخبرية يقصدون نفى ذلك عنه لئلا يقال إنهم خالفوه مع كون ما ذهبوا إليه من ~~السنة قد اقتدوا فيه بحجته التى على ذكرها يعولون وعليها يعتمدون # و ( الفريق الآخر ( دفعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يظهرون إلا ~~خلاف هذا القول ولكونهم اتهموه بالتقية وليس كذلك بل هو انتصر للمسائل ~~المشهورة عند أهل السنة التى خالفهم فيها المعتزلة كمسألة ( الرؤية ( و ( ~~الكلام ( واثبات ( الصفات ( ونحو ذلك لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة ~~وخبرته بالسنة خبرة مجملة فلذلك وافق المعتزلة فى بعض أصولهم التى التزموا ~~لأجلها خلاف السنة واعتقد انه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار ~~PageV12P204 للسنة كما فعل فى مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغير ~~ذلك والمخالفون له من أهل السنة والحديث ومن المعتزلة والفلاسفة يقولون إنه ~~متناقض وإن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه ms0120 أهل السنة كما أن ~~المعتزلة يتناقضون فيما نصروا فيه دين الاسلام فانهم بنوا كثيرا من الحجج ~~على اصول تناقض كثيرا من دين الاسلام بل جمهور المخالفين للأشعرى من ~~المثبتة والنفاة يقولون إنما قاله فى مسألة الرؤية والكلام معلوم الفساد ~~بضرورة العقل # ولهذا يقول أتباعه إنه لم يوافقنا أحد من الطوائف على قولنا فى ( مسألة ~~الرؤية والكلام ( فلما كان فى كلامه شوب من هذا وشوب من هذا صار يقول من ~~يقول ان فيه نوعا من التجهم وأما من قال إن قوله قول جهم فقد قال الباطل ~~ومن قال إنه ليس فيه شىء من قول جهم فقد قال الباطل والله يحب الكلام بعلم ~~وعدل واعطاء كل ذي حق حقه وتنزيل الناس منازلهم # وقول جهم وهو النفى المحض لصفات الله تعالى وهو حقيقة قول القرامطة ~~الباطنية ومنحرفى المتفلسفة كالفارابي وابن سينا وأما مقتصدة الفلاسفة كأبى ~~البركات صاحب المعتبر وابن رشد الحفيد ففى قولهم من الاثبات ما هو خير من ~~قول جهم فان المشهور عنهم إثبات الأسماء PageV12P205 الحسنى واثبات أحكام ~~الصفات ففي الجملة قولهم خير من قول جهم وقول ضرار بن عمرو الكوفى خير من ~~قولهم # وأما ابن كلاب والقلانسي والأشعري فليسوا من هذا الباب بل هؤلاء معرفون ~~بالصفاتية مشهورون بمذهب الإثبات لكن فى أقوالهم شىء من أصول الجهمية وما ~~يقول الناس إنه يلزمهم بسببه التناقض وأنهم جمعوا بين الضدين وإنهم قالوا ~~ما لا يعقل ويجعلونهم مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فهذا وجه من يجعل ~~فى قولهم شيئا من أقوال الجهمية كما أن الأئمة كاحمد وغيره كانوا يقولون ~~افترقت الجهمية على ( ثلاث فرق ( فرقة يقولون القرآن مخلوق وفرقة تقف ولا ~~تقول مخلوق ولا غير مخلوق وفرقة تقول الفاظنا بالقرآن مخلوقة # ومن المعلوم أنهم إنما أرادوا بذلك افتراقهم فى ( مسألة القرآن ) خاصة ~~وإلا فكثير من هؤلاء يثبت الصفات والرؤية والاستواء على العرش وجعلوه من ~~الجهمية فى بعض المسائل أي أنه وافق الجهمية فيها ليتبين ضعف قوله لا أنه ~~مثل الجهمية ولا أن حكمه ms0121 حكمهم فان هذا لا يقوله من يعرف ما يقول # ولهذا عامة كلام أحمد إنما هو يجهم اللفظية لا يكاد يطلق القول بتكفيرهم ~~كما يطلقه بتفكير المخلوقية وقد نسب إلى هذا القول غير واحد من المعروفين ~~بالسنة والحديث كالحسين الكرابيسى ونعيم PageV12P206 ابن حماد الخزاعى ~~والبويطي والحارث المحاسبى ومن الناس من نسب إليه البخارى # والقول بأن ( اللفظ غير مخلوق ( نسب إلى محمد بن يحيى الذهلى وأبى حاتم ~~الرازى بل وبعض الناس ينسبه إلى أبى زرعة أيضا ويقول إنه هو وأبو حاتم هجرا ~~البخاري لما هجره محمد بن يحيى الذهلى والقصة فى ذلك مشهورة # وبعد موت ( أحمد ( وقع بين بعض أصحابه وبعضهم وبين طوائف من غيرهم بهذا ~~السبب وكان أهل الثغر مع محمد بن داود والمصيصى شيخ أبي داود يقولون بهذا ~~فلما ولى صالح بن أحمد قضاء الثغر طلب منه أبو بكر المروذى ان يظهر لأهل ~~الثغر ( مسألة أبى طالب ( فانه قد شهدها صالح وعبد الله ابنا أحمد والمروذى ~~وفوران وغيرهم وصنف المروذى كتابا فى الأنكار على من قال إن لفظى بالقرآن ~~غير مخلوق وأرسل فى ذلك إلى العلماء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة وخراسان ~~وغيرهم فوافقوه وقد ذكر ذلك أبو بكر الخلال فى ( كتاب السنة ( وبسط القول ~~فى ذلك # ومع هذا فطوائف من المنتسبين إلى السنة وإلى أتباع أحمد كأبى عبد الله بن ~~منده وأبى نصر السجزى وأبى إسماعيل الأنصاري PageV12P207 وأبى العلاء ~~الهمدانى وغيرهم يقولون لفظنا بالقرآن غير مخلوق ويقولون إن هذا قول أحمد ~~ويكذبون أو منهم من يكذب برواية أبي طالب ويقولون أنها مفتعلة عليه أو ~~يقولون رجع عن ذلك كما ذكر ذلك أبو نصر السجزى فى كتابه ( الابانة ( ~~المشهور # وليس الأمر كما قاله هؤلاء فان اعلم الناس باحمد وأخص الناس وأصدق الناس ~~فى النقل عنه هم الذين رووا ذلك عنه ولكن أهل خراسان لم يكن لهم من العلم ~~بأقوال أحمد ما لأهل العراق الذين هم اخص به وأعظم ما وقعت فتنة ( اللفظ ( ~~بخراسان وتعصب فيها على البخارى مع جلالته وامامته وان ms0122 كان الذين قاموا ~~عليه أيضا أئمة اجلاء فالبخارى رضي الله عنه من أجل الناس # وإذا حسن قصدهم واجتهد هو وهم اثابه الله وإياهم على حسن القصد والاجتهاد ~~وان كان قد وقع منه أو منهم بعض الغلط والخطأ فالله يغفر لهم كلهم لكن من ~~الجهال من لا يدرى كيف وقعت الأمور حتى رأيت بخط بعض الشيوخ الذين لهم علم ~~ودين يقول مات البخارى بقرية خرتنك فارسل أحمد إلى أهل القرية يأمرهم أن ( ~~لا ) يصلوا عليه لأجل قوله فى ( مسألة اللفظ ( وهذا من أبين الكذب على أحمد ~~والبخارى وكاذبه جاهل بحالهما فان البخارى رضي الله عنه توفى سنة ست وخمسين ~~بعد موت أحمد بخمسة عشر PageV12P208 سنة فان أحمد توفى سنة احدى وأربعين ~~وكان أحمد مكرما للبخارى معظما وأما تعظيم البخارى وأمثاله لأحمد فهذا أظهر ~~من أن يذكر والبخارى ذكر فى كتابه فى ( خلق الأفعال ( ان كلتا الطائفتين لا ~~تفهم كلام أحمد ومن الطائفة الأخرى المنتسبة إلى السنة واتباع أحمد أبو ~~نعيم الاصبهانى وأبو بكر البيهقى وغيرهما ممن يقول إنهم متبعون لأحمد وان ~~قولهم فى ( مسألة اللفظ ( موافق لقول أحمد ووقع بين ابن منده وأبى نعيم ~~بسبب ذلك مشاجرة حتى صنف أبو نعيم كتابه فى ( الرد على الحروفية الحلولية ( ~~وصنف أبو عبد الله كتابه فى الرد على ( اللفظية ( # والمنتصرون للسنة من أهل الكلام والفقه كالأشعرى والقاضى أبى بكر بن ~~الطيب والقاضى أبى يعلى وغيرهم يوافقون أحمد على الانكار على الطائفتين على ~~من يقول لفظى بالقرآن مخلوق وعلى من يقول لفظى بالقرآن غير مخلوق ولكن ~~يجعلون سبب الكراهة كون القرآن لا يلفظ لأن اللفظ الطرح والرمى # ثم هؤلاء منهم من ينكر تكلم الله بالصوت ومنهم من يقر بذلك بل منهم من ~~يقول ان الصوت المسموع هو الصوت القديم وينكرون مع ذلك على من يقول لفظى ~~بالقرآن غير مخلوق لظنهم أن الكراهة PageV12P209 فى ذلك لما فيه من الطرح ~~والرمي وليس الأمر على ما ظنوه فان الامام أحمد وغيره من الأئمة لم ينكروا ~~قول القائل لفظى ms0123 بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق لكون اللفظ الطرح فانه لو كان ~~كذلك لما انكروا إلا مجرد ما يتصرف من حروف لفظ يلفظ وليس كذلك بل أنكروا ~~على من قال التلاوة والقراءة مخلوقة وعلى من قال تلاوتى وقراءتى غير مخلوقة ~~مع جواز قول المسلمين قرأت القرآن وتلوته # و ( أيضا ( فانه يجوز أن يقال لفظت الكلام وتلفظت به كما قال تعالى ( ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ولكن الامام أحمد وغيره من أئمة السنة ~~قالوا من قال لفظى بالقرآن وتلاوتى أو قراءتى مخلوقة فهو جهمي ومن قال إنه ~~غير مخلوق فهو مبتدع لأن ( اللفظ ( و ( التلاوة ( و ( القراءة ( يراد به ~~مصدر لفظ يلفظ لفظا ومصدر قرأ يقرأ قراءة وتلا يتلو تلاوة ومسمى المصدر هو ~~فعل العبد وحركاته ليس هو بقديم باتفاق سلف الأمة وأئمتها حتى القدرية ~~القائلون بأن أفعال العباد غير مخلوقة يقولون أن ذلك ليس بقديم ويقولون أنه ~~مخلوق لله # والسلف والأئمة كحماد بن زيد والمعتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان ~~وأحمد بن حنبل وغيرهم انكروا على من قال إن PageV12P210 أقوال العباد ~~وأفعالهم غير مخلوقة وقال يحيى بن سعيد مازلت اسمع اصحابنا يقولون أن أفعال ~~العباد مخلوقة وقال بعض هؤلاء من قال إن هذا غير مخلوق فهو بمنزلة من قال ~~إن سماء الله وارضه غير مخلوقة # وقد يراد بالتلاوة والقراءة واللفظ نفس القرآن الذى أنزله الله على نبيه ~~محمد الذى هو كلام الله ومن قال أن كلام الله الذى أنزله على نبيه مخلوق ~~فهو جهمى ولهذا قال أحمد وغيره من السلف القرآن كلام الله حيث تصرف غير ~~مخلوق ولم يقل أحد من السلف والأئمة أن أصوات العباد بالقرآن غير مخلوقة أو ~~قديمة ولا قال أيضا أحد منهم أن المداد الذى يكتب به القرآن قديم أو غير ~~مخلوق فمن قال أن شيئا من أصوات العباد أو أفعالهم أو حركاتهم أو مدادهم ~~قديم أو غير مخلوق فهو مبتدع ضال مخالف لأجماع السلف والأئمة # وقد بدع أحمد بن حنبل من هو ms0124 أحسن حالا من هؤلاء وأمر بهجرهم أن لم يرجعوا ~~عن بدعتهم # و ( مسألة القرآن ( قد كثر فيها اضطراب الناس حتى قال بعضهم مسألة الكلام ~~حيرت عقول الأنام وغالبهم يقصدون وجها من PageV12P211 الحق ويعزب عنهم وجه ~~آخر وكلام الأئمة من أشد الكلام كأحمد بن حنبل ومن قبله من أئمة المسلمين ~~من الصحابة والتابعين لهم باحسان وسائر الأئمة الذين لهم فى الأمة لسان صدق ~~مثل سعيد بن المسيب وعلى بن الحسين وعلقمة والأسود والحسن البصرى وابن ~~سيرين وغيرهم من التابعين ومثل مالك والثورى والأوزاعى والليث بن سعد وحماد ~~بن زيد وحماد بن سلمة وأبى حنيفة وإبن أبى ليلى وشريك وأمثالهم من تابعى ~~التابعين ومثل الشافعى وأحمد بن حنبل واسحاق بن إبراهيم وأبى عبيد وأمثالهم ~~من اتباع تابعي التابعين # وهم أئمة أهل القرون الثلاثة الذين دخلوا فى ثناء النبى حيث قال ( خير ~~القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( # ومن تدبر كلام أئمة المسلمين فى هذا الباب وغيرهم وجده اشد الكلام ~~المطابق لصريح المعقول وصحيح المنقول وهذه الجملة لا تحتمل البسط هنا فقد ~~بسطت فى غير هذا الموضع وبين أن ( الكلام المذموم ( الذى ذمه السلف هو ~~الكلام الباطل المخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول وان ماثبت بالأدلة ~~القطعية لا يتعارض ولا يتناقض أصلا فلا يتعارض دليلان يقينيان أصلا سواء ~~كانا عقليين PageV12P212 أو سمعيين أو كان أحدهما عقليا والآخر سمعيا ومن ~~ظن أنهما يتعارضان كان ذلك خطأ منه لاعتقاده فى أحدهما أنه يقينيا ولا يكون ~~كذلك ولا سيما إذا كانا جميعا غير يقينيين # واختلاف الناس فى هذا الباب وغيره كثير منه يكون ( اختلاف تنوع ( مثل ان ~~يقصد هذا حقا فيما يثبته والآخر يقصد حقا فيما نقضه وكلاهما صادق لكن يظنان ~~أن بينهما نزاعا معنويا ولا يكون الأمر كذلك وكثير من النزاع يعود إلى ~~اطلاقات لفظية لا إلى معان عقلية وأحسن الناس طريقة من كان إطلاقه موافقا ~~للاطلاقات الشرعية والمعانى التى يقصدها معان صحيحة تطابق الشرع والعقل # وأصل منشأ نزاع المسلمين فى ms0125 هذا الباب أن المتكلمين من الجهمية والمعتزلة ~~ومن اتبعهم سلكوا فى إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع طريقا مبتدعة فى ~~الشرع مضطربة فى العقل وأوجبوها وزعموا أنه لا يمكن معرفة الصانع إلا بها ~~وتلك الطريق فيها مقدمات مجملة لها نتائج مجملة فغلط كثير من سالكيها فى ~~مقصود الشارع ومقتضى العقل فلم يفهموا ما جاءت به النصوص النبوية ولم ~~يحرروا ما اقتضته الدلائل العقلية وذلك أنهم قالوا لا يمكن معرفة ~~PageV12P213 الصانع إلا بإثبات حدوث العالم ولا يمكن إثبات حدوث العالم إلا ~~بإثبات حدوث الأجسام # قالوا والطريق إلى ذلك هو الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث ما قامت به ~~الأعراض فمنهم من استدل بالحركة والسكون فقط ومنهم من احتج بالاكوان التى ~~هي عندهم الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ومنهم من احتج بالأعراض مطلقا ~~ومبنى الدليل على أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول ~~لها # فيقول لهم المعارضون من أهل الملل وغيرهم القائلون بأن السموات والأرض ~~محدثة عن عدم والقائلون بأن الأفلاك قديمة أزلية حدوث الحوادث بعد أن لم ~~تكن أمر حادث فلا بد له من سبب حادث والالزم ترجيح أحد طرفى الممكن بلا ~~مرجح # وقال لهم القائلون بحدوث الأفلاك من أهل الملل وغيرهم أنتم أثبتم حدوث ~~العالم بطريق وحدوث العالم لا يتم إلا مع نقيض ما اثبتموه فما جعلتموه ~~دليلا على حدوث العالم لا يدل على حدوثه بل ولا يستلزم حدوثه والدليل لابد ~~أن يكون مستلزما المدلول بحيث يلزم من تحقق الدليل تحقق المدلول بل هو مناف ~~لحدوث العالم مناقض له وهو يقتضى امتناع حدوث العالم بل امتناع حدوث ~~PageV12P214 شىء من الأشياء وهذا يقتضى بطلانه فى نفسه وانه لو صح لم يدل ~~إلا على نقيض المطلوب ونقيض ما يقوله كل عاقل # فإن كل عاقل يعلم حدوث الحوادث فى الجملة سواء قيل بقدم الأفلاك أم لم ~~يقل بذلك وذلك أن مبنى دليلكم على أن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر ~~بلا مرجح وان الارادة الأزلية التى نسبتها إلى جميع المرادات على ms0126 السواء ~~رجحت مرادا على مراد بلا مرجح غير المرجح الذى نسبته إلى جميع المرجحات ~~نسبة واحدة لا يتفاضل # ومن المعلوم أن القول بترجيح وجود الممكن على عدمه بلا مرجح أو ترجيح أحد ~~المتماثلين على الآخر بلا سبب يقتضى ذلك باطل فى بديهة العقل ولو قيل إن ~~ذلك صحيح لبطل الدليل الذى يستدل به على ثبوت الصانع وحدوث العالم فان مبنى ~~الدليل على أن المحدث لابد له من محدث وذلك يستلزم أن ترجيح الحدوث على ~~العدم لابد له من مرجح ولا بد أن يكون المحدث المرجح قد حدث منه ما يستلزم ~~وجود المحدث الذى جعله موجودا وإذا لم يلزم وجوده كان وجوده جائزا ممكنا ~~فكان محتملا للوجود والعدم # فترجيح الوجود على العدم لابد له من مرجح محدث له فكل PageV12P215 ما ~~أمكن حدوثه لم يحصل له ما يستلزم حدوثه لم يحصل فما شاء الله كان لا محالة ~~ووجب وجوده بمشيئة الله وما لم يشأ لم يكن بل يمتنع وجوده مع عدم مشيئة ~~الله تعالى له فما شاء الله حدوثه كان لازم الحدوث واجب الحدوث بمشيئة الله ~~لا بنفسه وما لم يشأ حدوثه كان ممتنع الحدوث لازم العدم واجب العدم لأنه لم ~~توجد مشيئة الله المستلزمة لحدوثه # ثم أن الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم قالوا ما ذكرتموه من الدليل ~~لا يدل على الحدوث بل يقتضى عدم الحدوث لأن حدوث الحوادث بعد ان لم تكن عن ~~ذات لم تزل معطلة من الفعل باطل فيكون العالم قديما وعبروا عن ذلك بان جميع ~~الأمور المعتبرة فى كونه فاعلا ان وجدت فى الأزل لزم وجود الفعل فى الأزل ~~والا لزم تخلف المقتضى عن المقتضى التام # وحينئذ فإذا وجدت بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح وان لم توجد فى الأزل ~~فوجودها بعد ذلك امر حادث فيقتضى أمرا حادثا والا لزم الحدوث بلا محدث ~~وحينئذ فيلزم تسلسل الحوادث فان القول فى هذا الحادث كالقول فى غيره وهذا ~~مما تنكره المعتزلة وموافقوهم المتكلمون قالوا فأنتم بين امرين اما اثبات ~~التسلسل ms0127 فى الحوادث وأما اثبات الترجيح بلا مرجح وكلاهما ممتنع عندكم ~~PageV12P216 ثم زعم هؤلاء الفلاسفة ان العالم قديم بناء على هذه الحجة ومن ~~سلك سبيل السلف والأئمة اثبت ما أثبتته الرسل من حدوث العالم بالدليل ~~العقلى الذى لا يحتمل النقيض وبين خطأ المتكلمين من المعتزلة ونحوهم الذين ~~خالفوا السلف والأئمة بابتداع بدعة مخالفة للشرع والعقل وبين أن ضلال ~~الفلاسفة القائلين بقدم العالم ومخالفتهم العقل والشرع أعظم من ضلال أولئك ~~وبين أن الاستدلال على حدوث العالم لا يحتاج إلى الطريق التى سلكها أولئك ~~المتكلمون بل يمكن اثبات حدوثه بطرق اخرى عقلية صحيحة لا يعارضها عقل صريح ~~ولا نقل صحيح وثبت بذلك ان ما سوى الله فانه محدث كأئن بعد ان لم يكن سواء ~~سمى جسما أو عقلا أو نفسا أو غير ذلك # فإن أولئك المتكلمين من المعتزلة واتباعهم لما لم يكن فى حجتهم الا اثبات ~~حدوث اجسام العالم قالت الفلاسفة ومن وافقهم من المتأخرين كالشهر ستانى ~~والرازى والآمدى وغيرهم انكم لم تقيموا دليلا على نفى ما سوى الأجسام ~~وحينئذ فإثبات حدوث أجسام العالم لا يقتضى حدوث ما سوى الله ان لم تثبتوا ~~ان كل ما سواه جسم وأنتم لم تثبتوا ذلك ولهذا صار بعض المتأخرين كالأرموى ~~ومن وافقه من أهل مصر كأبى عبد الله القشيرى إلى ان أجسام العالم محدثة ~~واما العقول والنفوس فتوقفوا عن حدوثها وقالوا بقدمها PageV12P217 وان كان ~~حقيقة قولهم أنه موجب بالذات لها وأنه محدث للأجسام بسبب حدوث بعض التصورات ~~والارادات التى تحدث للنفوس فيصير ذلك سببا لحدوث الأجسام وهذا القول كما ~~أنه معلوم البطلان في الشرع فهو أيضا معلوم البطلان فى العقل كما سنبينه إن ~~شاء الله تعالى # فنقول الدليل الدال على أن كل ما سوى الله محدث يتناول هذا وهذا # و ( أيضا ( فإذا كان موجبا بالذات كان اختصاص حدوث أجسام العالم بذلك ~~الوقت دون ما قبله وما بعده يفتقر إلى مخصص والموجب بذاته لا يصدر عنه ما ~~يختص بوقت دون وقت إذ لو جاز ذلك لم يكن ms0128 موجبا بذاته ولجاز حدوث العالم عنه ~~ولأن النفوس التى تثبتها الفلاسفة هى عند جمهورهم عرض قائم بجسم الفلك ~~فيمتنع وجودها به بدون الفلك وعند بن سينا وطائفة انها جوهر قائم بنفسه ~~لكنها متعلقة بالجسم تعلق التدبير والتصريف وحينئذ فلو وجدت ولا تعلق لها ~~بالجسم لم تكن نفسا بل كانت عقلا فعلم أن وجود النفس مستلزم لوجود الجسم ~~فإذا قال هؤلاء أن النفس أزلية دون الأجسام كان هذا القول PageV12P218 ~~باطلا بصريح العقل مع أنه لم يعرف به قائل من العقلاء قبل هؤلاء وإنما الجأ ~~هؤلاء إلى هذا ظنهم صحة دليل المتكلمين على حدوث الأجسام وصحة قول الفلاسفة ~~بوجود موجود وممكن غير الأجسام وإثبات الموجب بالذات فلما بنوا قولهم على ~~الأصل الفاسد لهؤلاء ولهؤلاء لزم هذا مع أنهم متناقضون فى الجمع بين هذين ~~فإن عمدة المتكلمين على ابطال حوادث لا أول لها # وعمدة الفلاسفة على أن المؤثرية من لوازم الواجب بنفسه فإذا قالوا بقدم ~~نفس لها تصورات وارادات لاتتناهى لزم جواز حوادث لا تتناهي فبطل أصل قول ~~المتكلمين الذى بنوا عليه حدوث الأجسام فكان حينئذ موافقتهم المتكلمين بلا ~~حجة عقلية فعلم أنهم جمعوا بين المتناقضين # وأبو عبد الله بن الخطيب وأمثاله كانوا أفضل من هؤلاء وعرفوا أنه لا يمكن ~~الجمع بين هذا وهذا فلم يقولوا هذا القول المتناقض ولم يهتدوا إلى مذهب ~~السلف والأئمة وان كانوا يذكرون أصوله فى مواضع أخر ويثبتون أن جمهور ~~العقلاء يلتزمونها فلو تفطنوا لما يقوم بذات الله من كلامه وأفعاله ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته ودوام اتصافه بصفة الكمال خلصوا من هذه المحارات # PageV12P219 ونحن ننبه على بعض الطرق العقلية التى يعلم بها حدوث كل ما ~~سوى الله تعالى فنقول # من ( الطرق ( التى يعلم بها حدوث كل ما سوى الله هى أن يقال لو كان فيما ~~سوى الله شىء قديم لكان صادرا عن علة تامة موجبة بذاتها مستلزمة لمعلولها ~~سواء ثبت له مشيئة أو اختيار أو لم يثبت فإن القديم الأزلى الممكن الذى لا ~~يوجد بنفسه لا يتصور وجوده أن ms0129 لم يكن له فى الأزل مقتض تام يستلزم ثبوته # وهذا كما أنه معلوم بضرورة العقل فلا نزاع فيه بين العقلاء فلا يقول أحد ~~أن القديم الأزلى صادر عن مؤثر لا يلزمه أثره فلا يقول إنه صادر عن علة غير ~~تامة مستلزمة لغير معلولها ولا يقول إنه صادر عن موجب بذاته لا يقارنه ~~موجبه ومقتضاه ولا يقول إنه صادر عن فاعل بالاختيار يمكن أن يتأخر مفعوله ~~فإنه إذا أمكن تأخر مفعوله أمكن أن يكون ذلك القديم الأزلى قديما أزليا ~~فيكون ثبوته فى الأزل ممكنا وليس فى الأزل ما يستلزم ثبوته فى الأزل فيمتنع ~~ثبوته فى الأزل فان ثبوت الممكن الأزلى بدون مقتض تام مستلزم له ممتنع ~~بضرورة العقل إذ قد علم بصريح العقل ان شيئا من الممكنات لا يكون حتى يحصل ~~المقتضى التام المستلزم لثبوته PageV12P220 ومن نازع فى هذا من المعتزلة ~~وغيرهم وقال أنه لا ينتهى إلى حد الوجوب بل يكون العقل بالوجود أولى منه ~~بالعدم فإنه لم ينازع فى أن القادر المختار يمتنع أن يكون مقدوره المعين ~~أزليا مقارنا له بل هذا مما لم ينازع فيه لا هؤلاء ولا غيرهم # فتبين أنه لو كان شىء مما سوى الله أزليا للزم أن يكون له مؤثر تام ~~مستلزم له فى الأزل سواء سمى علة تامة أو موجبا بالذات أو قدر أنه فاعل ~~بالارادة وإن مراده المعين يكون أزليا مقارنا له وإذا كان كذلك فنقول ثبوت ~~علة تامة أزلية ممتنع فإن العلة التامة الأزلية تستلزم معلولها لا يتخلف ~~عنها شىء من معلولها فإنه إن تخلف عنها لم تكن علة تامة لمعلولها فيمتنع فى ~~الشىء الواحد أن يكون موجبا بذاته وان يتخلف عنه موجبه أو شىء من موجبه فإن ~~الموجب بالذات لشىء لابد أن يكون ذلك الموجب جميعه مقارنا لذاته والعلة ~~التامة هى التى يقارنها معلولها ولا يتأخر عنها شىء من معلولها فلو تأخر ~~عنها شىء من معلولها لم تكن علة تامة لذلك المستأخر والفلاسفة يسلمون أن ~~ليس علة تامة فى الأزل لجميع الحوادث ms0130 التى تحدث شيئا بعد شىء فإن ذلك جمع ~~بين النقيضين إذ يمتنع أن يكون علة تامة أزلية لأمر حادث عنه غير أزلى ~~PageV12P221 وإن شئت قلت يمتنع أن يكون موجبا بذاته فى الأزل لأمر حادث ليس ~~بأزلى سواء كان إيجابه بواسطة أو بغير واسطة فإن تلك الواسطة إن كانت أزلية ~~كان اللازم لها أزليا وإن كانت حادثة كان القول فيها كالقول فى الحادث ~~بتوسطها وهذا الذى سلموه معلوم أيضا بصريح العقل فالمقدمة برهانية مسلمة ~~لكن يقولون إنه علة تامة لما هو قديم كالأفلاك عندهم وليس علة تامة للحوادث ~~وهذا أيضا باطل # وذلك أن كل ما يقال أنه قديم كالأفلاك إما أن يجب أن يكون مقارنا للحوادث ~~كما يقولون فى الفلك إنه يجب له لزوم الحركة وأنه لم يزل متحركا وأما أنه ~~لا يجب أن يكون مقارنا لشىء من الحوادث فإن كان الأول لزم أن يكون علة تامة ~~للحوادث وكونه علة تامة للحوادث محال لأن ما قارنته الحوادث ولم يخل منها ~~بل هي لازمة له امتنع صدوره عن الموجب بدونها ووجود الملزوم بدون اللازم ~~محال وإذا كانت الحركة لازمة للفلك كما يقولون فوجود الفلك بدون الحركة ~~محال فالموجب بذاته الذى هو علة تامة للفلك يجب أن يكون علة تامة موجبة ~~للوازمه وعلة تامة فى الأزل بحركته لكن العلة التامة الأزلية لا يجوز أن ~~تكون علة تامة أزلية للحوادث لا الحركة ولا غيرها لأنه يجب وجود معلولها ~~الذى هو موجبها ومقتضاها PageV12P222 فى الأزل وأن لا يتأخر عنها شىء من ~~موجبها ومقتضاها ومعلولها # والحركة التى توجد شيئا فشيئا هى وغيرها من الحوادث التى تحدث شيئا بعد ~~شىء ليس واحد منها قديما بل كل منها حادث مسبوق بآخر فيمتنع أن يكون شىء ~~منها معلولا للعلة التامة الأزلية لامتناع أن يكون حادث من الحوادث قديما ~~ويمتنع وجود مجموع الحوادث فى الأزل ويمتنع وجود المستلزم للحوادث إلا مع ~~حادث من الحوادث أو مع مجموع الحوادث وإذا كان كلاهما يمتنع أن يكون قديما ~~امتنع أن يكون شىء مما ms0131 يستلزم الحوادث قديما فامتنع أن يكون لشىء من ~~الحوادث أو ما يستلزم الحوادث علة تامة قديمة فامتنع صدور الحوادث أو شىء ~~منها أو من ملزوماتها عن علة تامة قديمة فامتنع أن يكون شىء لا يخلو عن ~~الحوادث صادرا عن علة تامة أزلية فامتنع أن يكون الفلك المقارن للحوادث علة ~~تامة أزلية قديمة ولو كان قديما لصدر عن علة تامة قديمة فإذا لم يكن قديما ~~إلا إذا كان المقتضى التام ثابتا فى الأزل وثبوت المقتضى التام له ممتنع ~~كما أن قدمه ممتنع # وأما أن قيل أن القديم شىء غير مقارن للحوادث ولا مستلزم لها مثل أن يقال ~~القديم أعيان ساكنة هي المعلول الأول فيقال ذلك المعلول أما أن يجوز حدوث ~~حال من الأحوال إما فيه أو عنه أو غير ذلك وإما أن لا يجوز PageV12P223 # فإن جاز حدوث حال من الأحوال له امتنع حدوث ذلك الحادث عن علة تامة أزلية ~~وهو الموجب بالذات كما تقدم وكما هو معلوم ومتفق عليه بين العقلاء ولابد من ~~محدث والمحدث ان كان سوى الله فالقول فى حدوثه ان كان محدثا أو فى حدوث ذلك ~~الاحداث له بعد أن لم يكن كالقول فى حدوث ذلك الحادث وان كان هو الله تعالى ~~امتنع أن يكون موجبا بالذات له إذ القديم لا يكون موجبا بالذات لحادث كما ~~بين فامتنع ثبوت العلة القديمة وإذا لم يكن الصانع موجبا بالذات فلا يكون ~~علة تامة امتنع قدم شىء من العالم لأنه لا يكون قديم إلا عن علة تامة وإن ~~قيل إنه لا يجوز حدوث لما فرض قديما معلولا للأول فهذا مع أنه يقل به أحد ~~من العقلاء فهو باطل لوجوه # ( أحدها ( أن واجب الوجود تحدث له النسب والاضافات باتفاق العقلاء فحدوث ~~ذلك لغيره أولى # ( الثانى ( أن الحوادث مشهودة فى العالم العلوي والسفلى وهذه الحوادث ~~صادرة عن الله إما بوسط أو غير وسط فإذا كانت بوسط فتلك الوسائط حدثت عنها ~~أمور بعد أن لم تكن فلزم حدوث الاحوال للقديم سواء كان هو الصانع ms0132 أو كان هو ~~الوسائط للصانع PageV12P224 # وإن قيل القديم هو شىء ليس بواسطة فى شىء آخر قيل لا بد أن يكون ذلك ~~قابلا لحدوث الأحوال فإنه يمكن حدوث النسب والاضافات لله عز وجل بالضرورة ~~واتفاق العقلاء فامكان ذلك لغيره أولى وإذا كان قابلا لها أمكن أن تحدث له ~~الأحوال كما تحدث لغيره من الممكنات فان الله لا يمتنع حدوث الحوادث عنه ~~إما بوسط وإما بغير وسط فإذا كان ذلك قابلا وصدور مثل ذلك عن الصانع ممكن ~~أمكن حدوث الحوادث عنه أو فيه بعد أن لم يكن وحينئذ فالقول فى حدوثها ~~كالقول فى حدوث سائر ما يحدث عنه وذلك محال من العلة التامة المستلزمة ~~لمعلومها فقد بين هذا البرهان الباهر أن كون الأول علة تامة لشىء من العالم ~~محال لا فرق فى ذلك بين الفلك وغيره سواء ذلك الغير جسما أو غير جسم وسواء ~~قدر مستلزما للحوادث فيه أو عنه كما يقوله الفلاسفة الدهرية كالفارابى وإبن ~~سينا وأمثالهما وسلفهما من اليونان فانهم يقولون الفلك مستلزم للحوادث ~~القديمة والعقول والنفوس مستلزمة للحوادث التى تحدث عنها فكل منها مقارن ~~للحوادث ولا يجوز تقدمه عليها مع كون ذلك جميعه معلولا للموجب بذاته فإذا ~~تبين أن الموجب بذاته يمتنع أن يصدر عنه فى الأزل حادث أو مستلزم لحادث بطل ~~كون صانع العالم علة تامة فى الأزل ومتى بطل كونه علة تامة فى الأزل امتنع ~~أن يكون فيما سواه شىء قديم بعينه فهذا بيان أن كل ما سوى الله محدث كائن ~~بعد أن لم يكن سواء قيل PageV12P225 بجواز دوام الحوادث أو قيل بامتناع ذلك # فإنه أن قيل بإمتناع دوام الحوادث لزم حدوث كل ما لا يخلو عن الحوادث وان ~~قيل بجواز دوام الحوادث فكل منها حادث بعد ان لم يكن مسبوقا بالعدم وكل من ~~العالم مستلزم لحادث بعد ان لم يكن مسبوقا بالعدم وكل من العالم وكل ما كان ~~مصنوعا وهو مستلزم للحوادث امتنع ان يكون صانعه علة تامة قديمة موجبة له ~~فإذا امتنع ذلك امتنع ان ms0133 يكون قديما فامتنع ان يكون من العالم ما هو قديم ~~بعينه وأما كون الرب لم يزل متكلما إذا شاء أو لم يزل فاعلا تقوم به ~~الأفعال بمشيئته ونحو ذلك فهذا هو الذى قاله السلف والأئمة فتبين ان الذى ~~قاله السلف والأئمة هو الحق المطابق للمنقول والمعقول # وأما كون قول الفلاسفة أبطل من قول المعتزلة فانه يقال لهم أولئك جوزوا ~~حدوث الحوادث عن ذات لم تزل غير فاعلة ولا يقوم بها حادث ولا يصدر عنها ~~حادث وأنتم قلتم الحوادث الدائمة المختلفة تصدر عن هذه الذات وزدتم فى نفى ~~الصفات عنها فجعلتموها وجودا مطلقا بشرط الاطلاق أو ما يشبه ذلك فقولكم فى ~~نفي الصفات عنها أعظم من قول المعتزلة PageV12P226 # وقلتم هو موجب بذاته علة تامة أزلية يقارنها المعلول الأزلى فلا يتأخر ~~عنها ومعلوم أن صدور الحوادث المختلفة عن العلة التامة البسيطة الأزلية ~~التى لا يتخلف عنها مقتضاها ومعلولها اشد امتناعا من صدور الحوادث عن قادر ~~مختار بعد ان لم تكن صادرة عنه فان كان حدوث الحوادث عن القديم الذى لم يقم ~~به حادث ممتنعا فقولكم أشد امتناعا وان كان ممكنا فقول المعتزلة أقرب فان ~~قولهم أن اقتضى أن لا يكون للحوادث سبب حادث فقولكم يقتضى أن لا يكون ~~للحوادث محدث أصلا والحوادث مشهودة والمحدث لابد ان يكون موجودا عند وجودها ~~ولابد أن يكون كلما يعتبر فى الاحداث موجودا عند الاحداث وذلك يمتنع صدوره ~~عن علة تامة # فتبين أن المقدمات التى احتج بها الفلاسفة على المعتزلة واتباعهم على قدم ~~العالم يحتج بها بعينها على حدوث العالم فان مبنى دليلهم على ان العلة ~~التامة الأزلية تستلزم معلولها وان البارى أن لم يكن علة تامة أزلية لزم ~~الحدوث بلا سبب وإن كان علة تامة أزلية لزم مقارنة معلوله فيلزم قدم العالم # أما كونه علة تامة فممتنع لأن العلة التامة الأزلية يقارنها معلولها كله ~~لا يتأخر عنها شىء من معلولها والعالم لا ينفك من حوادث مقارنة له بالضرورة ~~واتفاق جماهير العقلاء وما كان مستلزما للحوادث امتنع ms0134 كونه معلول العلة ~~التامة الأزلية لامتناع كون الحوادث حادثة PageV12P227 عن علة تامة أزلية ~~فإنه ما من حادث الا وهو مسبوق بالعدم فليس هو علة تامة لشىء منها وما من ~~زمن يقدر إلا وفيه حادث فليس هو فى شىء من الأوقات علة تامة لا فى الماضى ~~ولا المستقبل فامتنع ان يكون علة تامة وهو المطلوب فيلزم من ذلك كون كل ما ~~سواه محدثا سواء قيل بتسلسل الحادثة أو لم يقل # وأما قولهم إن لم يكن علة تامة أزلية لزم الحدوث بلا سبب فيقال لهم هذا ~~إنما يلزم إذا لم يكن متكلما إذا شاء تقوم به الأفعال الاختيارية بقدرته ~~تعالى والا فعلى هذا التقدير لم يزل ولا يزال قادرا على الفعل متكلما إذا ~~شاء وحينئذ فما حصل بمشيئته وقدرته من أقواله وأفعاله يكون هو السبب لما ~~بعده # وإن قالوا هذا يستلزم قيام الحوادث به قيل لهم اولا قيام الحوادث بالقديم ~~جائز عندكم ومن انكر ذلك من أهل الكلام فإنما انكره لاعتقاده أن ما قامت به ~~الحوادث فهو حادث فإن كان هذا الإعتقاد صحيحا بطل قولكم بقدم الافلاك وان ~~كان باطلا بطلت حجة من قال ان القديم لا تقوم به الحوادث فلا يمكنكم على ~~التقديرين أن تقولوا انه لا تقوم به الحوادث لكن أنتم نفيتم ذلك بناء على ~~نفى الصفات وقولكم فى نفى الصفات فى غاية الفساد ودليكم عليه قد بين فساده ~~فى غير هذا الموضع وبين بطلان ما ذكرتموه PageV12P228 # و ( بالجملة ( فإذا كان القول بحدوث العالم مستلزما لاثبات الصفات وقيام ~~الافعال بالله كان ماذكرناه من دليل حدوثه دليلا على أن العالم محدث وأن ~~محدثه موصوف بالصفات القائمة به فاعل الافعال الاختيارية القائمة به كما ~~دلت على ذلك النصوص الالهية المتواترة عن الأنبياء من القرآن والتوراة ~~والإنجيل وذلك مابين موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح والقضايا العقلية ~~التى هى أصول فطر العقلاء ومنتهى عقلهم توافق ذلك # واعتبر ذلك بما ذكره أبو عبد الله بن الخطيب الرازى فى كتابه ( الأربعين ~~( فى ضبط المقدمات التى يمكن ms0135 الرجوع إليها فى إثبات المطالب العقلية # قال وأعلم أن ههنا ( مقدمتين ( يفرع المتكلمون والفلاسفة أكثر مباحثهم ~~عليهما # ( المقدمة الاولى ) مقدمة الكمال والنقصان كقولهم هذه الصفة من صفات ~~الكمال فيجب اثباتها لله وهذه الصفة من صفات النقصان فيجب نفيها عن الله ~~واكثر مذاهب المتكلمين مفرعة على هذه المقدمة إلى ان قال ( اما المقدمة ~~الثانية ) وهى مقدمة الوجوب والامكان وهذه PageV12P229 المقدمة فى غاية ~~الشرف والعلو وهى غاية عقول العقلاء قالوا الوجود اما واجب واما ممكن ~~والممكن لا بد له من واجب وكذلك الواجب لابد ان يكون واجبا فى ذاته وصفاته ~~اذ لو كان ممكنا لا فتقر إلى مؤثر آخر # ( أما المقدمة الاولى ) وهى انه واجب لذاته فهذا له لازمان والاول ان ~~يكون منزها عن الكثرة فى حقيقته ثم يلزم فى ذاته امور # ( احدها ) ان لا يكون متحيزا لان كل متحيز منقسم والمنقسم لا يكون فردا ~~واذا لم يكن متحيزا لم يكن فى جهة # و ( ثانيها ) ان لا يكون واجب الوجود اكثر من واحد ولو كان اكثر من واحد ~~لاشتركا فى الوجوب وتباينا فى التعيين وما به الاشتراك غير ما به الامتياز ~~فيلزم كون كل واحد منهما مركبا فى نفسه وقد فرضناه فردا هذا خالف اللازم ~~الثانى لكونه واجب الوجود لذاته ان لا يكون حالا ولا محلا والافعال ~~الافتقار هى # قلت ولقائل ان يقول هذا هو اصل الفلاسفة فى التوحيد الذى نفوا به صفاته ~~تعالى وهو ضعيف جدا PageV12P230 # والأصل الذى بنو عليه ذلك ضعيف جدا وان كان اشتبه على كثير من المتأخرين ~~وقولهم ان الواجب لا يكون إلا واحدا قصدوا به أنه ليس له علم ولا قدرة ولا ~~حياة ولا كلام يقوم به ولا شىء من الصفات القائمة به لأنه لو كان كذلك لكان ~~الواجب أكثر من واحد كما يقوله المعتزلة انه ليس له صفات قديمة قائمة بذاته ~~لأنه لو كان كذلك لكان القديم أكثر من واحد # ولفظ ( الواجب والقديم ( يراد به الإله الخالق سبحانه الواجب الوجود ~~القديم فهذا ليس إلا واحدا ويراد ms0136 به صفاته الأزلية وهى قديمة واجبة بتقديم ~~الموصوف ووجوبه لم يجب أن تكون مماثلة له ولا تكون الها كما أن صفة النبى ~~ليست بنبى وصفة الانسان والحيوان ليست بانسان ولا حيوان وكما ان صفة المحدث ~~ان كانت محدثة فموافقتها له فى الحدوث لا يقتضى مماثلتها له وما ذكروا من ~~الحجة على ذلك ضعيفة # فإذا قالوا لو كان له علم واجب بوجوب العالم لكان الواجب أكثر من واحد ~~قيل له ولم قلتم بامتناع كون الواجب أكثر من واحد إذ كانت الذات الواجبة ~~إلها واحدا موضوفا بصفات الكمال PageV12P231 # قولهم لو كان أكثر من واحد لاشتركا فى الوجوب وتباينا فى التعيين وما به ~~الاشتراك غير مابه الامتياز فيلزم أن يكون كل منهما مركبا فى نفسه وقد ~~فرضناه فرد هذا خلق # يقال له فى جوابه قول القائل اشتركا فى الوجوب وتباينا فى التعيين تريد ~~به أن الوجوب الذى يختص كلا منهما شاركه الاخر فيه أم تريد أنهما اشتركا فى ~~الوجوب المطلق الكلى # والاول باطل ولا يريده عاقل وأما الثانى فيقال اشتركهما فى المطلق الكلى ~~كاشتراكهما فى التعيين المطلق الكلى فإن هذا له تعيين يخصه والتعيينان ~~يشتركان فى مطلق التعيين وكذلك هذا له حقيقة تخصه وهذا له حقيقة تخصه وهما ~~يشتركان فى مطلق الحقيقة وكذلك لهذا ذات تخصه ولهذا ذات تخصه وهما يشتركان ~~فى مطلق الذات وكذلك سائر الأسماء التى تعم بالاطلاق وتخص بالتقييد كاسم ~~الموجود والنفس والماهية وغير ذلك # وإذا كان كذلك فمعلوم أنهما اشتركا فى الوجوب المطلق وامتاز كل منهما ~~بوجوبه بتعيين يخصه وحينئذ فلا فرق بين الوجوب والتعيين فقول القائل اشتركا ~~فى الوجوب المطلق وتباينا بالتعيين الخاص PageV12P232 كقول القائل اشتركا ~~فى التعيين المطلق وتباينا بالوجوب الخاص ومعلوم ان مثل هذا لا مندوحة عنه ~~سواء سمى تركيبا أو لم يسم فلا يمكن موجود يخلو عن مثل هذه المشاركة ~~والمباينة لا واجب ولا غيره وما كان من لوازم الوجود كان نفيه عن الوجود ~~الواجب ممتنعا # و ( أيضا ( فالمشترك المطلق الكلى لا يكون كليا مشتركا ms0137 الا فى الأذهان لا ~~فى الأعيان وإذا كان كذلك فليس فى أحدهما شىء يشاركه الأخر فيه فى الخارج ~~بل كل ما اتصف به أحدهما لم يتصف الآخر بعينه ولم يشاركه فيه بل لا يشابهه ~~فيه أو يماثله فيه وإذا كان الاشتراك ليس إلا فى ما فى الأذهان لم يكن ~~أحدهما مركبا فى مشترك ومميز بل يكون كل منهما موصوفا بصفة تخصه لا يشابهه ~~الاخر فيها وبصفة يشابهه الاخر فيها وهذا لا محذور فيه # وأيضا فيقال هذا منقوض بالوجود فان الوجود الواجب والممكن يشتركان فى ~~مسمى الوجود ويباين أحدهما الاخر بخصوصه فيلزم تركيب الوجود الواجب مما به ~~الاشتراك ومما به الامتياز فما كان الجواب عن هذا كان الجواب عن ذلك # و ( أيضا ( فيقال هب انكم سميتم هذا تركيبا فلم قلتم ان PageV12P233 هذا ~~ممتنع على موجود من الموجودات واجبا كان أو ممكنا مع ان المنازع يقول هذا ~~المعنى الذى نفيتموه وسميتموه تركيبا هو لازم لكل موجود # قولهم وقد فرضناه فردا قيل هب انكم فرضتموه كذلك لكن مجرد فرضكم لا يقتضى ~~أن يكون فردا بالمعنى الذى ادعيتموه ان لم يقم على ذلك ( دليل ) # PageV12P234 ( وسئل قدس الله روحه ( # عن بيان ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلما بأوضح عبارة ~~وأبينها من أن ما فى المصاحف هل هو كلام الله القديم أم هو عبارة عنه لا ~~نفسه وأنه حادث أو قديم وأن كلام الله حرف وصوت أم كلامه صفة قائمة به لا ~~تفارقه وأن قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) حقيقة أم لا وأن الانسان ~~إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول شيئا منه ويقول أو من به كما ~~أنزل هل يكفيه ذلك فى الإعتقاد أم يجب عليه التأويل # فأجاب الذى يجب على الانسان اعتقاده فى ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله ~~وسنة رسوله واتفق عليه سلف المؤمنين الذين أثنى الله تعالى عليهم وعلى من ~~اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم وهو أن القرآن الذى أنزله الله على عبده ~~ورسوله ms0138 كلام الله تعالى وأنه منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه ( ~~قرآن كريم فى كتاب مكنون لايمسه إلا المطهرون ) وأنه PageV12P235 ( قرآن ~~مجيد فى لوح محفوظ ) وأنه كما قال تعالى ( وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى ~~حكيم ) وأنه فى الصدور كما قال النبى ( استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من ~~صدورالرجال من النعم فى عقلها ( وقال النبى ( الجوف الذى ليس فيه شىء من ~~القرآن كالبيت الخرب ( وأن ما بين لوحى المصحف الذى كتبته الصحابة رضى الله ~~عنهم كلام الله كما قال النبى ( لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخالفة ~~أن تناله أيديهم ( # فهذه ( الجملة ( تكفى المسلم فى هذا الباب # وأما تفصيل ما وقع فى ذلك من النزاع فكثير منه يكون كلا الاطلاقين خطأ ~~ويكون الحق فى التفصيل ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون ~~كل منهما ينكر حق صاحبه # وهذا من التفرق والاختلاف الذى ذمه الله تعالى ونهى عنه فقال ( وإن الذين ~~اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد ) وقال ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) وقال ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا ) وقال ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ~~بغيا بينهم ) PageV12P236 فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله وسنة ~~خلفائه الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~باحسان وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم ~~والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والاجماع وأعرض عن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا فان مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن ~~وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى # وقد بسطت القول فى جنس هذه المسائل ببيان ما كان عليه سلف الأمة الذى ~~اتفق عليه العقل والسمع وبيان ما يدخل فى هذا الباب من الاشتراك والاشتباه ~~والغلط فى مواضع متعددة ولكن نذكر منها جملة مختصرة بحسب حال السائل # والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والاجماع ومنعهم من الخوض فى ~~التفصيل الذى يوقع بينهم الفرقة ms0139 والاختلاف فان الفرقة والاختلاف من أعظم ما ~~نهى الله عنه ورسوله # والتفصيل المختصر أن نقول من اعتقد أن المداد الذى فى المصحف وأصوات ~~العباد قديمة أزلية فهو ضال مخطىء مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين ~~الأولين وسائر علماء الإسلام ولم يقل أحد قط من PageV12P237 علماء المسلمين ~~إن ذلك قديم لا من أصحاب الامام أحمد ولا من غيرهم ومن نقل قدم ذلك عن أحد ~~من علماء أصحاب الامام أحمد ونحوهم فهو مخطىء فى هذا النقل أو متعمد للكذب # بل المنصوص عن الامام أحمد وعامة أصحابه تبديع من قال لفظى بالقرآن غير ~~مخلوق كما جهموا من قال اللفظ بالقرآن مخلوق # وقد صنف أبو بكر المروذى أخص أصحاب الامام أحمد به فى ذلك رسالة كبيرة ~~مبسوطة ونقلها عنه أبو بكر الخلال فى ( كتاب السنة ( الذى جمع فيه كلام ~~الامام أحمد وغيره من أئمة السنة فى أبواب الإعتقاد وكان بعض أهل الحديث إذ ~~ذاك أطلق القول بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق معارضة لمن قال لفظي بالقرآن ~~مخلوق فبلغ ذلك الامام أحمد فأنكر ذلك إنكارا شديدا وبدع من قال ذلك وأخبر ~~أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك فكيف بمن يزعم أن صوت العبد قديم وأقبح من ~~ذلك أن يحكى عن بعض العلماء أن المداد الذى فى المصحف قديم وجميع أئمة ~~أصحاب الامام أحمد وغيرهم أنكروا ذلك وما علمت أن عالما يقول ذلك إلا ما ~~يبلغنا عن بعض الجهال من الاكراد ونحوهم ( # وقد ميز الله فى كتابه بين الكلام والمداد فقال تعالى ( قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو PageV12P238 جئنا ~~بمثله مددا ) فهذا خطأ من هذا الجانب وكذلك من زعم أن القرآن محفوظ فى ~~الصدور كما أن الله معلوم بالقلوب وأنه متلو بالألسن كما أن الله مذكور ~~بالألسن وأنه مكتوب فى المصحف كما أن الله مكتوب # وجعل ثبوت القرآن فى الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات الله تعالى ~~فى هذه المواضع فهذا أيضا مخطىء فى ذلك # فإن الفرق ms0140 بين ثبوت الأعيان فى المصحف وبين ثبوت الكلام فيها بين واضح ~~فان الموجودات لها أربع مراتب مرتبة فى الأعيان ومرتبة فى الأذهان ومرتبة ~~فى اللسان ومرتبة فى البنان فالعلم يطابق العين واللفظ يطابق العلم والخط ~~يطابق اللفظ # فإذا قيل إن العين فى كتاب الله كما فى قوله ( وكل شىء فعلوه فى الزبر ) ~~فقد علم أن الذى فى الزبر إنما هو الخط المطابق للفظ المطابق للعلم فبين ~~الأعيان وبين المصحف مرتبتان وهى اللفظ والخط وأما الكلام نفسه فليس بينه ~~وبين المصحف مرتبة بل نفس الكلام يجعل فى الكتاب وان كان بين الحرف الملفوظ ~~والحرف المكتوب فرق من وجه آخر إلا إذا أريد أن الذى فى المصحف هو ذكره ~~والخبر عنه مثل قوله تعالى ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين ~~PageV12P239 على قلبك ) إلى قوله وإنه لفى زبر الأولين أو لم يكن لهم آية ~~ان يعلمه علماء بنى إسرائيل ) # فالذى فى زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد فان هذا القرآن ~~لم ينزل على أحد قبله ولكن فى زبر الأولين ذكر القرآن وخبره كما فيها ذكر ~~محمد وخبره كما أن أفعال العباد فى الزبر كما قال تعالى ( وكل شىء فعلوه فى ~~الزبر ) فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء فى الزبر وبين كون الكلام نفسه فى ~~الزبر كما قال تعالى ( أنه لقرآن كريم فى كتاب مكنون ) وقال تعالى ( يتلو ~~صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ) # فمن قال إن المداد قديم فقد اخطأ ومن قال ليس فى المصحف كلام الله وإنما ~~فيه المداد الذى هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ بل القرآن فى المصحف كما ~~ان سائر الكلام فى الورق كما أن الأمة مجمعة عليه وكما هو فى فطر المسلمين ~~فإن كل مرتبة لها حكم يخصها وليس وجود الكلام فى الكتاب كوجود الصفة فى ~~الموصوف مثل وجود العلم والحياة فى محلهما حتى يقال إن صفة الله حلت بغيره ~~أو فارقته ولاالوجود فيه كالدليل المحض مثل وجود العالم الدال على البارى ~~تعالى ms0141 حتى يقال ليس فيه إلا ما هو علامة على كلام الله عز وجل PageV12P240 ~~بل هو قسم آخر # ومن لم يعط كل مرتبة مما يستعمل فيها أداة الظرف حقها فيفرق بين وجود ~~الجسم فى الحيز وفى المكان ووجود العرض بالجسم ووجود الصورة بالمرآة ويفرق ~~بين رؤية الشىء بالعين يقظة وبين رؤيته بالقلب يقظة ومناما ونحو ذلك والا ~~اضطربت عليه الامور # وكذلك سؤال السائل عما فى المصحف هل هو حادث أو قديم سؤال مجمل فان لفظ ~~القديم اولا ليس مأثورا عن السلف وإنما الذى اتفقوا عليه أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وهو كلام الله حيث تلى وحيث كتب وهو قرآن واحد وكلام واحد ~~وإن تنوعت الصور التى يتلى فيها ويكتب من أصوات العباد ومدادهم فإن الكلام ~~كلام من قاله مبتدئا لا كلام من بلغه مؤديا فإذا سمعنا محدثا يحدث بقول ~~النبى ( إنما الأعمال بالنيات ( قلنا هذا كلام رسول الله لفظه ومعناه مع ~~علمنا أن الصوت صوت المبلغ لا صوت رسول الله وهكذا كل من بلغ كلام غيره من ~~نظم ونثر # ونحن إذا قلنا هذا كلام الله لما نسمعه من القارىء ونرى فى المصحف ~~فالاشارة إلى الكلام من حيث هو هو مع قطع النظر عما اقترن به البلاغ من صوت ~~المبلغ ومداد الكاتب # PageV12P241 فمن قال صوت القارىء ومداد الكاتب كلام الله الذى ليس بمخلوق ~~فقد أخطأ وهذا الفرق الذى بينه الامام أحمد لمن سأله وقد قرأ ( قل هو الله ~~أحد ) فقال هذا كلام الله غير مخلوق فقال نعم فنقل السائل عنه أنه قال لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق فدعا به وزبره زبرا شديدا وطلب عقوبته وتعزيره وقال أنا ~~قلت لك لفظى بالقرآن غير مخلوق فقال لا ولكن قلت لى لما قرأت ( قل هو الله ~~أحد ) هذا كلام الله غير مخلوق قال فلم تنقل عنى مالم أقله # فبين الامام أحمد أن القائل إذا قال لما سمعه من المبلغين المؤدين هذا ~~كلام الله فالاشارة إلى حقيقته التى تكلم الله بها وإن كنا إنما سمعناها ~~ببلاغ ms0142 المبلغ وحركته وصوته فإذا أشار إلى شىء من صفات المخلوق لفظه أو صوته ~~أو فعله وقال هذا غير مخلوق فقد ضل وأخطأ فالواجب أن يقال القرآن كلام الله ~~غير مخلوق فالقرآن فى المصاحف كما أن سائر الكلام فى الصحف ولا يقال إن ~~شيئا من المداد والورق غير مخلوق بل كل ورق ومداد فى العالم فهو مخلوق ~~ويقال أيضا القرآن الذى فى المصحف كلام الله غير مخلوق والقرآن الذى يقرؤه ~~المسلمون كلام الله غير مخلوق # ويتبين هذا الجواب بالكلام على ( المسألة الثانية ( وهي قوله PageV12P242 ~~إن كلام الله هل هو حرف وصوت أم لا فإن اطلاق الجواب فى هذه المسألة نفيا ~~وإثباتا خطأ وهي من البدع المولدة الحادثة بعد المائة الثالثة لما قال قوم ~~من متكلمة الصفاتية إن كلام الله الذى أنزل على أنبيائه كالتوراة والإنجيل ~~والقرآن والذى لم ينزله والكلمات التى كون بها الكائنات والكلمات المشتملة ~~على أمره ونهيه وخبره ليست الا مجرد معنى واحد هو صفة واحدة قامت بالله إن ~~عبر عنها بالعبرانية كانت التوراة وان عبر عنها بالعربية كانت القرآن وان ~~الامر والنهي والخبر صفات لها لا أقسام لها وان حروف القرآن مخلوقة خلقها ~~الله ولم يتكلم بها وليست من كلامه إذ كلامه لا يكون بحروف وصوت # عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا بل القرآن هو الحروف والاصوات وتوهم قوم ~~أنهم يعنون بالحروف المداد وبالأصوات أصوات العباد وهذا لم يقله عالم ~~والصواب الذى عليه سلف الأمة كالامام أحمد والبخارى صاحب الصحيح فى ( كتاب ~~خلق أفعال العباد ( وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابته ~~وإجماع سلف الأمة # وهو PageV12P243 أن القرآن جميعه كلام الله وحروفه ومعانيه ليس شيء من ~~ذلك كلاما لغيره ولكن أنزله على رسوله وليس القرآن اسما لمجرد المعنى ولا ~~لمجرد الحرف بل لمجموعهما وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط ولا المعانى ~~فقط كما أن الانسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح ولا مجرد الجسد بل ~~مجموعهما وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح وليس ms0143 ذلك ~~كأصوات العباد لا صوت القارىء ولا غيره وان الله ليس كمثله شيء لا فى ذاته ~~ولا فى صفاته ولا فى أفعاله فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق ~~وقدرته وحياته فكذلك لا تشبه كلامه كلام المخلوق ولا معانيه تشبه معانيه ~~ولا حروفه يشبه حروفه ولا صوت الرب يشبه صوت العبد فمن شبه الله بخلقه فقد ~~ألحد فى أسمائه وآياته ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد فى أسمائه وآياته # وقد كتبت فى الجواب المبسوط المستوفى مراتب مذاهب أهل الأرض فى ذلك وان ~~المتفلسفة تزعم أن كلام الله ليس له وجود إلا فى نفوس الأنبياء تفيض عليهم ~~المعانى من العقل الفعال فيصير فى نفوسهم حروفا كما أن ملائكة الله عندهم ~~ما يحدث فى نفوس الأنبياء من الصور النورانية وهذا من جنس قول فيلسوف قريش ~~الوليد إبن المغيرة ( ان هذا إلا قول البشر ) فحقيقة قولهم إن القرآن تصنيف ~~PageV12P244 الرسول الكريم لكنه كلام شريف صادر عن نفس صافية وهؤلاء هم ~~الصائبة فتقربت منهم الجهمية فقالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قام به ~~كلام وإنما كلامه ما يخلقه فى الهواء أو غيره فأخذ ببعض ذلك قوم من متكلمة ~~الصفاتية فقالوا بل نصفه وهو المعنى كلام الله ونصفه وهو الحروف ليس هو ~~كلام الله بل هو خلق من خلقه # وقد تنازع الصفاتية القائلون بأن القرآن غير مخلوق هل يقال إنه قديم لم ~~يزل ولا يتعلق بمشيئته أم يقال يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء على قولين ~~مشهورين فى ذلك وفى السمع والبصر ونحوهما ذكرهما الحارث المحاسبى عن أهل ~~السنة وذكرهما أبو بكر عبد العزيز عن أهل السنة من أصحاب الامام أحمد ~~وغيرهم # وكذلك النزاع بين أهل الحديث والصوفية وفرق الفقهاء من المالكية ~~والشافعية والحنفية والحنبلية بل وبين فرق المتكلمين والفلاسفة فى جنس هذا ~~الباب وليس هذا موضعا لبسط ذلك ( هذا لفظ الجواب فى الفتيا المصرية ) # PageV12P245 # وقال الامام العلامة المحقق أبو العباس أحمد بن تميمة رحمه الله تعالى ~~ورضى عنه # الحمد ms0144 لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين # أما بعد فهذا ( فصل فى نزول القرآن ( ولفظ ( النزول ( حيث ذكر فى كتاب ~~الله تعالى فان كثيرا من الناس فسروا النزول فى مواضع من القرآن بغير ما هو ~~معناه المعروف لاشتباه المعنى فى تلك المواضع وصار ذلك حجة لمن فسر نزول ~~القرآن بتفسير أهل البدع # فمن الجهمية من يقول أنزل بمعنى خلق كقوله تعالى ( وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد ) أو يقول خلقه فى مكان عال ثم أنزله من ذلك المكان PageV12P246 ~~ومن الكلابية من يقول نزوله بمعنى الاعلام به وافهامه للملك أو نزول الملك ~~بما فهمه # وهذا الذى قالوه باطل فى اللغة والشرع والعقل # و ( المقصود هنا ( ذكر النزول # فنقول وبالله التوفيق النزول فى كتاب الله عز وجل ( ثلاثة أنواع ( نزول ~~مقيد بأنه منه ونزول مقيد بأنه من السماء ونزول غير مقيد لا بهذا ولابهذا # فالأول لم يرد إلا فى القرآن كما قال تعالى ( والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) وقال تعالى ( نزله روح القدس من ربك بالحق ~~) وقال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وفيها قولان # ( أحدهما ( لا حذف فى الكلام بل قوله ( تنزيل الكتاب ) مبتدأ وخبره ( من ~~الله العزيز الحكيم ) # و ( الثانى ( أنه خبر مبتدأ محذوف أى هذا ( تنزيل الكتاب ) وعلى كلا ~~القولين فقد ثبت أنه منزل منه وكذلك قوله ( PageV12P247 حم تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم ) وكذلك ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) ( حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم ) والتنزيل بمعنى المنزل تسمية للمفعول باسم ~~المصدر وهو كثير ولهذا قال السلف القرآن كلام الله ليس بمخلوق منه بدأ قال ~~أحمد وغيره واليه يعود أى هو المتكلم به وقال كلام الله من الله ليس ببائن ~~منه أى لم يخلقه فى غيره فيكون مبتدأ منزلا من ذلك المخلوق بل هو منزل من ~~الله كما أخبر به ومن الله بدأ لا من مخلوق فهو الذى تكلم به لخلقه # وأما النزول ( المقيد ( بالسماء فقوله ( وأنزلنا من السماء ms0145 ) والسماء اسم ~~جنس لكل ماعلا فاذا قيد بشىء معين ( تقيد به ) فقوله فى غير موضع من السماء ~~مطلق أى فى العلو ثم قد بينه فى موضع آخر بقوله ( أأنتم أنزلتموه من المزن ~~) وقوله ( فترى الودق يخرج من خلاله ) أى انه منزل من السحاب ومما يشبه ~~نزول القرآن قوله ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ) ~~فنزول الملائكة هو نزولهم بالوحى من أمره الذى هو كلامه وكذلك قوله ( تنزل ~~الملائكة والروح فيها ) يناسب قوله ( فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا ~~أنا كنا مرسلين ) فهذا شبيه بقوله ( قل نزله روح القدس ) PageV12P248 وأما ~~( المطلق ) ففى مواضع منها ما ذكره من انزال السكينة بقوله ( فانزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) وقوله ( هو الذى أنزله السكينة فى قلوب ~~المؤمنين ) إلى غير ذلك # ومن ذلك ( انزال الميزان ( ذكره مع الكتاب فى موضعين وجمهور المفسرين على ~~أن المراد به العدل وعن مجاهد رحمه الله هو ما يوزن به ولا منافاة بين ~~القولين وكذلك العدل وما يعرف به العدل منزل فى القلوب والملائكة قد تنزل ~~على قلوب المؤمنين كقوله ( إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا ) فذلك الثبات نزل فى القلوب بواسطة الملائكة وهو السكينة قال النبى ~~( من طلب القضاء واستعان عليه وكل اليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه ~~أنزل الله عليه ملكا يسدده ) فالله ينزل عليه ملكا وذلك الملك يلهمه السداد ~~وهو ينزل فى قلبه # ومنه حديث حذيفة رضى الله عنه الذى فى الصحيحين عن النبى قال ( أن الله ~~أنزل الامانة فى جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ( # والأمانة هى الايمان أنزلها فى أصل قلوب الرجال وهو كانزال الميزان ~~والسكينة وفى الصحيح عن النبى أنه قال ( ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله ~~يتلون كتاب الله ( الحديث إلى آخره فذكر أربعة غشيان PageV12P249 الرحمة ~~وهى أن تغشاهم كما يغشى اللباس لابسه كما يغشى الرجل المرأة والليل النهار ~~ثم قال ( ونزلت عليهم السكينة ( وهو ms0146 انزالها فى قلوبهم ( وحفتهم الملائكة ( ~~أى جلست حولهم ( وذكرهم الله فيمن عنده ( من الملائكة # وذكر الله الغشيان فى مواضع مثل قوله تعالى ( يغشى الليل النهار ) وقوله ~~( فلما تغشاها حملت حملا خفيفا ) وقوله ( والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى ) ~~وقوله ( ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ) هذا كله فيه ~~احاطة من كل وجه # وذكر تعالى انزال النعاس فى قوله ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ~~يغشى طائفة منكم ) هذا يوم أحد وقال فى يوم بدر ( إذ يغشيكم النعاس أمنة ~~منه ) والنعاس ينزل فى الرأس بسبب نزول الابخرة التى تدخل فى الدماغ فتنعقد ~~فيحصل منها النعاس # وطائفة من أهل الكلام منهم أبو الحسن الاشعرى ومن اتبعه من أصحاب مالك ~~والشافعى وأحمد جعلوا النزول والاتيان والمجىء حدثا يحدثه منفصلا عنه فذاك ~~هو اتيانه واستواؤه على العرش فقالوا استواؤه فعل يفعله فى العرش يصير به ~~مستويا عليه من غير فعل PageV12P250 يقوم بالرب لكن أكثر الناس خالفوهم ~~وقالوا المعروف أنه لا يجىء شىء من الصفات والأعراض إلا بمجىء شىء فإذا ~~قالوا جاء البرد أو جاء الحر فقد جاء الهواء الذى يحمل الحر والبرد وهو عين ~~قائمة بنفسها وإذا قالوا جاءت الحمى فالحمى حر أو برد تقوم بعين قائمة بسبب ~~أخلاط تتحرك وتتحول من حال إلى حال فيحدث الحر والبرد بذلك وهذا بخلاف ~~العرض الذى يحدث بلا تحول من حامل مثل لون الفاكهة فإنه لا يقال فى هذا ~~جاءت الحمرة والصفرة والخضرة بل يقال أحمر وأصفر وأخضر وإذا كان كذلك ~~فانزاله تعالى العدل والسكينة والنعاس والامانة وهذه صفات تقوم بالعباد ~~إنما تكون إذا افضى بها اليهم فالأعيان القائمة توصف بالنزول كما توصف ~~الملائكة بالنزول بالوحي والقرآن فإذا نزل بها الملائكة قيل انها نزلت # وكذلك لو نزل غير الملائكة كالهواء الذى نزل بالأسباب فيحدث الله منه ~~البخار الذى يكون منه النعاس فكان قد انزل النعاس سبحانه بانزال ما يحمله # وقد ذكر سبحانه انزال الحديد والحديد يخلق فى المعادن # وما يذكر عن إبن عباس ms0147 رضى الله عنهما أن آدم عليه السلام PageV12P251 نزل ~~من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان والكلبتان والمنقعة والمطرقة ~~والابرة فهو كذب لا يثبت مثله # وكذلك الحديث الذى رواه الثعلبى عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى ( أن ~~الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض فأنزل الحديد والماء والنار ~~والملح ( حديث موضوع مكذوب فى اسناده سيف بن محمد بن أخت سفيان الثورى رحمه ~~الله وهو من الكذابين المعروفين بالكذب # قال بن الجوزى هو سيف بن محمد إبن أخت سفيان الثورى يروى عن الثورى وعاصم ~~الأحوال والاعمش قال أحمد رحمه الله هو كذاب يضع الحديث وقال مرة ليس بشىء ~~وقال يحى كان كذابا خبيثا وقال مرة ليس بثقة وقال أبو داود كذاب وقال ذكريا ~~الساجى يضع الحديث وقال النسائى ليس بثقة ولا مأمون وقال الدار قطنى ضعيف ~~متروك والناس يشهدون ان هذه الآلات تصنع من حديد المعادن فان قيل أن آدم ~~عليه السلام نزل معه جميع الآلات فهذه مكابرة للعيان وأن قيل بل نزل معه ~~آلة واحدة وتلك لا تعرف فأى فائدة فى هذا لسائر الناس ثم ما يصنع بهذه ~~الآلات إذا لم يكن ثم حديد موجود يطرق بهذه الآلات وإذا خلق الله الحديد ~~صنعت منه هذه الآلات مع أن PageV12P252 المأثور ( أن أول من خط وخاط ادريس ~~عليه السلام ( وآدم عليه السلام لم يخط ثوبا فما يصنع بالابرة # ثم أخبر أنه أنزل الحديد فكان المقصود الاكبر بذكر الحديد هو اتخاذ آلات ~~الجهاد منه كالسيف والسنان والنصل وما اشبه ذلك الذى به ينصر الله ورسوله ~~وهذه لم تنزل من السماء فان قيل نزلت الآلة التى يطبع بها قيل فالله أخبر ~~أنه أنزل الحديد لهذه المعانى المتقدمة والآلة وحدها لا تكفى بل لابد من ~~مادة يصنع بها آلات الجهاد # لكن لفظ النزول أشكل على كثير من الناس حتى قال قطرب رحمه الله معناه ~~جعله نزلا كما يقال أنزل الأمر على فلان نزلا حسنا أى جعله نزلا قال ومثله ~~قوله تعالى ( وأنزل ms0148 لكم من الانعام ثمانية أزواج ) وهذا ضعيف # فإن النزل إنما يطلق على ما يؤكل لا على ما يقاتل به قال الله تعالى ( ~~فنزل من حميم ) والضيافة سميت نزلا لأن العادة ان الضيف يكون راكبا فينزل ~~فى مكان يؤتى إليه بضيافته فيه فسميت نزلا لاجل نزوله ونزل ببنى فلان ضيف ~~ولهذا قال نوح عليه السلام ( رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ) ~~لأنه كان راكبا فى السفينة وسميت المواضع التى ينزل بها المسافرون منازل ~~لأنهم يكونون ركبانا فينزلون والمشاة تبع للركبان وتسمى المساكن منازل ~~PageV12P253 # وجعل بعضهم نزول الحديد بمعنى الخلق لأنه أخرجه من المعادن وعلمهم صنعته ~~فان الحديد انما يخلق فى المعادن والمعادن إنما تكون فى الجبال فالحديد ~~ينزله الله من معادنه التى فى الجبال لينتفع به بنو آدم وقال تعالى ( وأنزل ~~لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) # وهذا مما اشكل أيضا فمنهم من قال جعل ومنهم من قال خلق لكونها تخلق من ~~الماء فان به يكون النبات الذى ينزل أصله من السماء وهو الماء وقال قطرب ~~جعلناه نزلا ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة فان الأنعام ~~تنزل من بطون أمهاتها ومن أصلاب آبائها تأتى بطون أمهاتها ويقال للرجل قد ~~أنزل الماء وإذا أنزل وجب عليه الغسل مع أن الرجل غالب انزاله وهو على جنب ~~أما وقت الجماع واما بالاحتلام فكيف بالأنعام التى غالب انزالها مع قيامها ~~على رجليها وارتفاعها على ظهور الاناث # ومما يبين هذا أنه لم يستعمل النزول فيما خلق من السفليات فلم يقل أنزل ~~النبات ولا أنزل المرعى وإنما استعمل فيما يخلق فى محل عال وأنزله الله من ~~ذلك المحل كالحديد والأنعام # وقال تعالى ( يابنى آدم قد أنزنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا ) الآية ~~وفيها قراءتان أحدهما بالنصب فيكون لباس التقوى أيضا PageV12P254 منزلا ~~وأما على قراءة الرفع فلا وكلاهما حق وقد قيل فيه خلقناه وقيل أنزلنا ~~أسبابه وقيل ألهمناهم كيفية صنعته وهذه الأقوال ضعيفة فإن النبات الذى ~~ذكروا لم يجىء فيه لفظ أنزلنا ولم يستعمل فى ms0149 كل مايصنع أنزلنا فلم يقل ~~أنزلنا الدور وأنزلنا الطبخ ونحو ذلك وهو لم يقل أنا أنزلنا كل لباس ورياش ~~وقد قيل أن الريش والرياش المراد به اللباس الفاخر كلاهما بمعنى واحد مثل ~~اللبس واللباس وقد قيل هما المال والخصب والمعاش وارتاش فلان حسنت حالته # والصحيح أن ( الريش ( هو الاثاث والمتاع قال أبو عمر والعرب تقول أعطانى ~~فلان ريشه أى كسوته وجهازه وقال غيره الرياش فى كلام العرب الاثاث وما ظهر ~~من المتاع والثياب والفرش ونحوها وبعض المفسرين أطلق عليه لفظ المال ~~والمراد به مال مخصوص قال بن زيد جمالا وهذا لأنه مأخوذ من ريش الطائر وهو ~~مايروش به ويدفع عنه الحر والبرد وجمال الطائر ريشه وكذلك ما يبيت فيه ~~الانسان من الفرش وما يبسطه تحته ونحو ذلك والقرآن مقصوده جنس اللباس الذى ~~يلبس على البدن وفى البيوت كما قال تعالى ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ) ~~الآية فامتن سبحانه عليهم بما ينتفعون به من الانعام فى اللباس والاثاث ~~وهذا والله أعلم معنى انزاله فانه ينزله PageV12P255 من ظهور الانعام وهو ~~كسوة الأنعام من الأصواف والأوبار والأشعار وينتفع به بنو آدم من اللباس ~~والرياش فقد أنزلها عليهم وأكثر أهل الأرض كسوتهم من جلود الدواب فهى لدفع ~~الحر والبرد وأعظم مما يصنع من القطن والكتان والله تعالى ذكر فى سورة ~~النحل انعامه على عباده فذكر فى أول السورة أصول النعم التى لا يعيش بنو ~~آدم إلا بها وذكر فى أثنائها تمام النعم التى لا يطيب عيشهم إلا بها فذكر ~~فى أولها الرزق الذى لابد لهم منه وذكر ما يدفع البرد من الكسوة بقوله ( ~~والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ) ثم فى أثناء السورة ذكر ~~لهم المساكن والمنافع التى يسكنونها مساكن الحاضرة والبادية ومساكن ~~المسافرين فقال تعالى ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ) الآية ثم ذكر ~~أنعامه بالظلال التى تقيهم الحر والبأس فقال ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ~~وجعل لكم من الجبال اكنانا ) إلى قوله ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ms0150 ~~) # ولم يذكر هنا ما يقي من البرد لأنه قد ذكره فى أول السورة وذلك فى أصول ~~النعم لأن البرد يقتل فلا يقدر أحد ان يعيش فى البلاد الباردة بلا دفء ~~بخلاف الحر فانه أذى لكنه لا يقتل كما يقتل البرد فان الحر قد يتقى بالظلال ~~واللباس وغيرهما وأهله أيضا لا يحتاجون إلى وقاية كما يحتاج إليه البرد بل ~~أدنى وقاية تكفيهم وهم فى الليل وطرفى النهار PageV12P256 لا يتأذون به ~~تأذيا كثيرا بل لا يحتاجون إليه احيانا حاجة قوية فجمع بينهما فى قوله ( ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ) ولا حذف فى اللفظ ولا قصور فى ~~المعنى كما يظنه من لم يحسن حقائق معانى القرآن بل لفظه أتم لفظ ومعناه ~~أكمل المعانى فإذا كان اللباس والرياش ينزل من ظهور الأنعام وكسوة الأنعام ~~منزلة من الاصلاب والبطون كما تقدم فهو منزل من الجهتين فانه على ظهور ~~الأنعام لا ينتفع به بنوا آدم حتى ينزل # فقد تبين أنه ليس فى القرآن ولا فى السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول ~~المعروف وهذا هو اللائق بالقرآن فانه نزل بلغة العرب ولاتعرف العرب نزولا ~~إلا بهذاالمعنى ولو أريد غير هذاالمعنى لكان خطابا بغير لغتها ثم هو ~~استعمال اللفظ المعروف له معنى فى معنى آخر بلا بيان وهذا لا يجوز بما ~~ذكرنا وبهذا يحصل مقصود القرآن واللغة الذى أخبر الله تعالى أنه بينه وجعله ~~هدى للناس وليكن هذا آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا # PageV12P257 # ( وسئل شيخ الإسلام رحمه الله ( # عن قوله تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) ~~فسماه هنا كلام الله وقال فى مكان آخر ( أنه لقول رسول كريم ) فما معنى ذلك ~~فان طائفة ممن يقول بالعبارة يدعون ان هذا حجة لهم ثم يقولون أنتم تعتقدون ~~أن موسى صلوات الله عليه سمع كلام الله عز وجل حقيقة من الله من غير واسطة ~~وتقولون أن الذى تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من ms0151 وسائط باصوات مختلفة ~~فما الفرق بين هذا وهذا وتقولون إن القرآن صفة لله تعالى وان صفات الله ~~تعالى قديمة فان قلتم ان هذا نفس كلام الله تعالى فقد قلتم بالحلول وأنتم ~~تكفرون الحلولية والاتحادية وان قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا ونحن نطلب منكم ~~فى ذلك جوابا نعتمد عليه ان شاء الله تعالى # فأجاب الحمد لله رب العالمين هذه الآية حق كما ذكر الله وليست ~~PageV12P258 احدى الآيتين معارضة للأخرى بوجه من الوجوه ولا فى واحدة منهما ~~حجة لقول باطل وان كان كل من الآيتين قد يحتج بها بعض الناس على قول باطل ~~وذلك أن قوله ( وان أحد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ) ~~فيه دلالة على أنه يسمع كلام الله من التالى المبلغ وان ما يقرؤه المسلمون ~~هو كلام الله كما فى حديث جابر فى السنن ( أن النبى كان يعرض نفسه على ~~الناس فى الموقف ويقول الا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ربى فان قريشا ~~منعونى أن ابلغ كلام ربى ( وفى حديث أبى بكر الصديق رضى الله عنه انه لما ~~خرج على المشركين فقرأ عليهم ( ألم غلبت الروم فى ادنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون ) قالوا له هذا كلامك أم كلام صاحبك فقال ليس بكلامى ولا ~~بكلام صاحبى ولكنه كلام الله # وقد قال تعالى ( ذرنى ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ~~ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا أنه كان لآياتنا عنيدا سارهقه صعودا ~~أنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ادبر ~~واستكبر فقال أن هذا الاسحر يؤثر ان هذا الاقول البشر ( فمن قال أن هذا ~~القرآن قول البشر كان قوله مضاهيا لقول الوحيد الذى أصلاه الله سقر ومن ~~المعلوم لعامة العقلاء أن من بلغ كلام غيره كالمبلغ لقول PageV12P259 النبى ~~( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى ( إذا سمعه الناس من المبلغ ~~قالوا هذا حديث رسول الله وهذا كلام رسول الله ولو قال ms0152 المبلغ هذا كلامي ~~وقولى لكذبه الناس لعلمهم بأن الكلام كلام لمن قاله مبتدئا منشئا لا لمن ~~أداه راويا مبلغا فاذا كان مثل هذا معلوما فى تبليغ كلام المخلوق فكيف لا ~~يعقل فى تبليغ كلام الخالق الذى هو أولى أن لا يجعل كلاما لغير الخالق جل ~~وعلا # وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه فقال ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق ) وقال ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) ( حم تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز الحكيم ) فجبريل رسول الله من الملائكة جاء به إلى رسول ~~الله من البشر والله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس وكلاهما مبلغ له كما ~~قال ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) وقال ( إلا من أرتضى من ~~رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ~~) وهو مع هذا كلام الله ليس لجبريل ولا لمحمد فيه إلا التبليغ والأداء كما ~~أن المعلمين له فى هذا الزمان والتالين له فى الصلاة أو خارج الصلاة ليس ~~لهم فيه إلا ذلك لم يحدثوا شيئا من حروفه ولا معانيه قال الله تعالى ( فاذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من PageV12P260 الشيطان الرجيم ) # لى قوله ( واذا بدلنا آية مكان أية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ~~آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى ~~يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) # كان بعض المشركين يزعم أن النبى تعلمه من بعض الأعاجم الذين بمكة أما عبد ~~بن الحضرمى واما غيره كما ذكر ذلك المفسرون فقال تعالى ( لسان الذى يلحدون ~~إليه أى يضيفون إليه التعليم لسان أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) فكيف يتصور ~~أن يعلمه أعجمى وهذا الكلام عربي وقد أخبر انه نزله روح القدس من ربك بالحق ~~فهذا بيان أن هذا القرآن العربي الذى تعلمه من غيره لم يكن هو المحدث ~~لحروفه ونظمه إذ يمكن لو ms0153 كان كذلك ان يكون تلقى من الأعجمى معانيه وألف هو ~~حروفه وبيان أن هذا الذى تعلمه من غيره نزل به روح القدس من ربك بالحق يدل ~~على ان القرآن جميعه منزل من الرب سبحانه وتعالى لم ينزل معناه دون حروفه # ومن المعلوم أن من بلغ كلام غيره كمن بلغ كلام النبى أو غيره من الناس أو ~~أنشد شعر غيره كما لو أنشد منشد قول لبيد PageV12P261 % ألا كل شىء ما خلا ~~الله باطل % أو قول عبد الله بن رواحة حيث قال % شهدت بأن وعد الله حق % ~~وإن النار مثوى الكافرينا % وإن العرش فوق الماء طاف % وفوق العرش رب ~~العالمينا % $ # أو قوله % وفينا رسول الله يتلو كتابه % إذا انشق معروف من الفجر ساطع % ~~يبيت يجافى جنبه عن فراشه % إذا استثقلت بالمشركين المضاجع % أرانا الهدى ~~بعد العمى فقلوبنا % به موقنات أن ما قال واقع % $ # وهذا الشعر قاله منشئه لفظه ومعناه وهو كلامه لا كلام غيره بحركته وصوته ~~ومعناه القائم بنفسه ثم إذا أنشده المنشد وبلغه عنه علم أنه شعر ذلك ~~المنشىء وكلامه ونظمه وقوله مع أن هذا الثانى أنشده بحركة نفسه وصوت نفسه ~~وقام بقلبه من المعنى نظير ما قام بقلب الأول وليس الصوت المسموع من المنشد ~~هو الصوت المسموع من المنشىء والشعر شعر المنشىء لا شعر المنشد والمحدث عن ~~النبى صلى PageV12P262 الله عليه وسلم إذا روى قوله ( إنما الأعمال بالنيات ~~( بلغه بحركته وصوته مع أن النبى تكلم به بحركته وصوته وليس صوت المبلغ صوت ~~النبى ولا حركته كحركته والكلام كلام رسول الله لا كلام المبلغ له عنه # فإذا كان هذا معلوما معقولا فكيف لا يعقل أن يكون ما يقرأ القارىء إذا ~~قرأ ( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) أن يقال هذا ~~الكلام كلام البارىء وان كان الصوت صوت القارىء فمن ظن ان الأصوات المسموعة ~~من القراء صوت الله فهو ضال مفتر مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول قائل ~~قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل قد أنكر الامام أحمد ms0154 وغيره على من ~~قال لفظى بالقرآن غير مخلوق وبدعوه كما جهموا من قال لفظي بالقرآن مخلوق ~~وقالوا القرآن كلام الله غير مخلوق كيف تصرف فكيف من قال لفظى به قديم أو ~~صوتى به قديم فابتداع هذا وضلاله أوضح فمن قال أن لفظه بالقرآن غير مخلوق ~~أو صوته أو فعله أو شيأ من ذلك فهو ضال مبتدع # وهؤلاء قد يحتجون بقوله ( حتى يسمع كلام الله ) ويقولون هذا كلام الله ~~وكلام الله غير مخلوق فهذا غير مخلوق ونحن لا نسمع PageV12P263 إلا صوت ~~القارىء # وهذا جهل منهم فان سماع كلام الله بل وسماع كل كلام يكون تارة من المتكلم ~~به بلا واسطة ويكون بواسطة الرسول المبلغ له قال تعالى ( وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ) # ومن قال أن الله كلمنا بالقرآن كما كلم موسى بن عمران أو أنا نسمع كلامه ~~كما سمعه موسى بن عمران فهو من أعظم الناس جهلا وضلالا ولو قال قائل أنا ~~نسمع كلام النبى كما سمعه الصحابة منه لكان ضلاله واضحا فكيف من يقول انا ~~أسمع كلام الله منه كما سمعه موسى وان كان الله كلم موسى تكليما بصوت سمعه ~~موسى فليس صوت المخلوقين صوتا للخالق وكذلك مناداته لعباده بصوت يسمعه من ~~بعد كما يسمعه من قرب وتكلمه بالوحي حتى يسمع أهل السموات والأرض صوته كجر ~~السلسلة على الصفا # وأمثال ذلك مما جاءت به النصوص والآثار كلها ليس فيها ان صفة المخلوق هى ~~صفة الخالق بل ولا مثلها بل فيها الدلالة على الفرق بين صفة الخالق وبين ~~صفة المخلوق فليس كلامه مثل كلامه ولامعناه مثل معناه ولا حرفه مثل حرفه ~~ولا صوته مثل صوته كما انه ليس علمه مثل علمه ولا قدرته مثل قدرته ولا سمعه ~~مثل سمعه ولا بصره مثل بصره فإن الله ليس كمثله شىء لا فى ذاته ولا في ~~صفاته ولا فى أفعاله PageV12P264 # ولما استقر فى فطر الخلق كلهم الفرق بين سماع الكلام ms0155 من المتكلم به ~~ابتداء وبين سماعه من المبلغ عنه كان ظهور هذا الفرق فى سماع كلام الله من ~~المبلغين عنه أوضح من ان يحتاج إلى الاطناب وقد بين أئمة السنة والعلم ~~كالامام أحمد والبخارى صاحب الصحيح فى كتابه فى خلق الأفعال وغيرهما من ~~أئمة السنة من الفرق بين صوت الله المسموع منه وصوت العباد بالقرآن وغيره ~~مالا يخالفهم فيه أحد من العلماء أهل العقل والدين # ( فصل ( # وأما قوله تعالى ( أنه لقول رسول كريم ) فهذا قد ذكره فى موضعين فقال فى ~~الحاقة ( أنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون ) فالرسول هنا محمد وقال فى التكوير ( انه لقول رسول ~~كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه ~~بالافق المبين ) فالرسول هنا جبريل فأضافه إلى الرسول من البشر تارة والى ~~الرسول من الملائكة تارة باسم الرسول ولم يقل أنه لقول ملك ولا نبى # لان لفظ الرسول يبين أنه مبلغ PageV12P265 عن غيره لا منشىء له من عنده ( ~~وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) فكان قول ( أنه لقول رسول كريم ) ~~بمنزلة قوله لتبليغ رسول أو مبلغ من رسول كريم أو جاء به رسول كريم أو ~~مسموع عن رسول كريم وليس معناه أنه انشأه أو أحدثه أو أنشأ شيئا منه أو ~~أحدثه رسول كريم إذ لو كان منشئا لم يكن رسولا فيما أنشأه وابتدأه وإنما ~~يكون رسولا فيما بلغه وأداه ومعلوم أن الضمير عائد إلى القرآن مطلقا # و ( أيضا ) فلو كان أحد الرسولين أنشأ حروفه ونظمه امتنع أن يكون الرسول ~~الآخر هو المنشىء المؤلف لها فبطل أن تكون اضافته إلى الرسول لاجل احداث ~~لفظه ونظمه ولو جاز أن تكون الإضافة هنا لاجل احداث الرسول له أو لشىء منه ~~لجاز أن نقول أنه قول البشر وهذا قول الوحيد الذى أصلاه الله سقر # فإن قال قائل فالوحيد جعل الجميع قول البشر ونحن نقول إن الكلام العربى ~~قول البشر وأما معناه فهو ms0156 كلام الله # فيقال لهم هذا نصف قول الوحيد ثم هذا باطل من وجوه أخرى # وهو أن معانى هذا النظم معان متعددة متنوعة وأنتم تجعلو PageV12P266 ذلك ~~المعنى معنى واحدا هو الامر والنهى والخبر والاستخبار وتجعلون ذلك المعنى ~~إذا عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإذا عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإذا ~~عبر عنه بالسريانية كان انجيلا وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من العقل ~~والدين فان التوراة إذا عربناها لم يكن معناها معنى القرآن والقرآن إذا ~~ترجمناه بالعبرانية لم يكن معناه معنى التوراة # و ( أيضا ) فإن معنى آية الكرسي ليس هو معنى آية الدين وإنما يشتركان فى ~~مسمى الكلام ومسمى كلام الله كما تشترك الاعيان فى مسمى النوع فهذاالكلام ~~وهذا الكلام وهذاالكلام كله يشترك فى أنه كلام الله اشتراك الاشخاص فى ~~أنواعها كماأن الإنسان وهذا الإنسان وهذا الإنسان يشتركون فى مسمى الانسان ~~وليس فى الخارج شخص بعينه هو هذا وهذا وهذا وكذلك ليس فى الخارج كلام واحد ~~هو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وهو معنى آية الدين وآية الكرسى # ومن خالف هذا كان فى مخالفته لصريح المعقول من جنس من قال إن أصوات ~~العباد وأفعالهم قديمة أزلية فاضرب بكلام البدعتين رأس قائلهما والزم ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين PageV12P267 # وبسبب هاتين البدعتين الحمقاوين ثارت الفتن وعظمت الاحن وإن كان كل من ~~أصحاب القولين قد يفسرونهما بما قد يلتبس على كثير من الناس كما فسر من قال ~~إن الصوت المسموع من العبد أو بعضه قديم أن القديم ظهر فى المحدث من غير ~~حلول فيه # وأما ( أفعال العباد ( فرأيت بعض المتأخرين يزعم أنها قديمة خيرها وشرها ~~وفسر ذلك بأن الشرع قديم والقدر قديم وهى مشروعة مقدرة ولم يفرق بين الشرع ~~الذى هو كلام الله والمشروع الذى هو المأمور به والمنهى عنه ولم يفرق بين ~~القدر الذى هو علم الله وكلامه وبين المقدور الذى هو مخلوقاته والعقلاء ~~كلهم يعلمون بالاضطرار أن الأمر والخبر نوعان للكلام لفظه ومعناه ليس الأمر ~~والخبر صفات ms0157 لموصوف واحد فمن جعل الأمر والنهى والخبر صفات للكلام لا ~~أنواعا له فقد خالف ضرورة العقل وهؤلاء فى هذا بمنزلة من زعم أن الوجود ~~واحد إذ لم يفرق بين الواحد بالنوع والواحد بالعين فان انقسام ( الوجود ( ~~إلى القديم والمحدث والواجب والممكن والخالق والمخلوق والقائم بنفسه ~~والقائم بغيره كانقسام ( الكلام ) إلى الأمر والخبر أو إلى الانشاء ~~والاخبار أو إلى الأمر والنهى والخبر فمن قال الكلام معنى واحد هو الأمر ~~والخبر فهو كمن قال الوجود واحد هو الخالق والمخلوق أو الواجب والممكن وكما ~~أن حقيقة هذا تؤل إلى تعطيل الخالق فحقيقة PageV12P268 هذا تؤل إلى تعطيل ~~كلام وتكليمه # وهذا حقيقة قول فرعون الذى انكر الخالق وتكليمه لموسى ولهذا آل الامر ~~بمحقق هؤلاء إلى تعظيم فرعون وتوليه وتصديقه فى قوله ( أنا ربكم الأعلى ) ~~بل إلى تعظيمه على موسى وإلى الاستحقار بتكليم الله لموسى كما قد بسط فى ~~غير هذا الموضع ( # وأيضا ) فيقال ما تقول فى كلام كل متكلم إذا نقله عنه غيره كما قد ينقل ~~كلام النبى والصحابة والعلماء والشعراء وغيرهم ويسمع من الرواة أو المبلغين ~~إن ذلك المسموع من المبلغ بصوت المبلغ هو كلام المبلغ أو كلام المبلغ عنه ~~فان قال كلام المبلغ لزم أن يكون القرآن كلاما لكل من سمع منه فيكون القرآن ~~المسموع كلام ألف ألف قارىء لا كلام الله تعالى وان يكون قول ( إنما ~~الاعمال بالنيات ( ونظائره كلام كل من رواه لا كلام الرسول وحينئذ فلا ~~فضيلة للقرآن فى ( إنه لقول رسول كريم ) فانه على قول هؤلاء قول كل منافق ~~قرأه والقرآن يقرؤه المؤمن والمنافق كما فى الصحيحين عنه أنه قال ( مثل ~~المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن ~~الذى لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذى ~~يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذى لا يقرأ ~~القرآن PageV12P269 مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ( وعلى هذا التقدير ~~فلا يكون القرآن قول بشر واحد بل قول ms0158 ألف ألف بشر وأكثر من ذلك وفساد هذا ~~فى العقل والدين واضح # وأن قال كلام المبلغ عنه علم أن الرسول المبلغ للقرآن ليس القرآن كلامه ~~ولكنه كلام الله ولكن لما كان الرسول الملك قد يقال إنه شيطان بين الله إنه ~~تبليغ ملك كريم لا تبليغ شيطان رجيم ولهذا قال ( أنه لقول رسول كريم ذى قوة ~~عند ذى العرش مكين ) إلى قوله ( وما هو بقول شيطان رجيم ) بين فى هذه الآية ~~أن الرسول البشرى الذى صحبناه وسمعناه منه ليس بمجنون وما هو على الغيب ~~بمتهم وذكره باسم ( الصاحب ( لما فى ذلك من النعمة به علينا اذ كنا لا نطيق ~~أن نتلقى إلا عمن صحبناه وكان من جنسنا كما قال تعالى ( لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم ) وقال ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ) ~~كما قال فى الآية الأخرى ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ) وبين أن ~~الرسول الذى من أنفسنا والرسول الملكي أنهما مبلغان فكان فى هذا تحقيق أنه ~~كلام الله # فلما كان الرسول البشرى يقال أنه مجنون أو مفتر نزهه عن هذا وهذا وكذلك ~~فى السورة الأخرى قال ( أنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا PageV12P270 ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ) ~~وهذا مما يبين أنه أضافه إليه لأنه بلغه وأداه لا لأنه أحدثه وأنشأه فانه ~~قال ( وانه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين ) فجمع بين قوله ( أنه ~~لقول رسول كريم ) وبين قوله ( وانه لتنزيل رب العالمين ) والضميران عائدان ~~إلى واحد فلو كان الرسول أحدثه وأنشأه لم يكن تنزيلا من رب العالمين بل كان ~~يكون تنزيلا من الرسول ومن جعل الضمير فى هذا عائدا إلى غير ما يعود إليه ~~الضمير الآخر مع أنه ليس فى الكلام ما يقتضى اختلاف الضميرين # ومن قال أن هذا عبارة عن كلام الله فقل له هذا الذى تقرؤه أهو عبارة عن ~~العبارة التى أحدثها الرسول الملك أو البشر على زعمك أم هو نفس ms0159 تلك العبارة ~~فان جعلت هذا عبارة عن تلك العبارة جاز أن تكون عبارة جبريل أو الرسول ~~عبارة عن عبارة الله وحينئذ فيبقى النزاع لفظيا فانه متى قال أن محمدا سمعه ~~من جبريل جميعه وجبريل سمعه من الله جميعه والمسلمون سمعوه من الرسول جميعه ~~فقد قال الحق وبعد هذا فقوله عبارة لأجل التفريق بين التبليغ والمبلغ عنه ~~كما سنبينه # وإن قلت ليس هذا عبارة عن تلك العبارة بل هو نفس تلك العبارة فقد جعلت ما ~~يسمع من المبلغ هو بعينه ما يسمع من المبلغ PageV12P271 عنه إذ جعلت هذه ~~العبارة هي بعينها عبارة جبريل فحينئذ هذا يبطل أصل قولك # وأعلم أن أصل القول بالعبارة ( أن أبا محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ( ~~هو أول من قال فى الاسلام أن معنى القرآن كلام الله وحروفه ليست كلام الله ~~فأخذ بنصف قول المعتزلة ونصف قول أهل السنة والجماعة وكان قد ذهب إلى اثبات ~~الصفات لله تعالى وخالف المعتزلة فى ذلك وأثبت العلو لله على العرش ~~ومباينته المخلوقات وقرر ذلك تقريرا هو أكمل من تقرير أتباعه بعده وكان ~~الناس قد تكلموا فيمن بلغ كلام غيره هل يقال له حكاية عنه أم لا وأكثر ~~المعتزلة قالوا هو حكاية عنه فقال إبن كلاب القرآن العربي حكاية عن كلام ~~الله ليس بكلام الله # فجاء بعده ( أبو الحسن الأشعرى ( فسلك مسلكه فى اثبات أكثر الصفات وفى ~~مسألة القرآن أيضا واستدرك عليه قوله ان هذا حكاية وقال الحكاية إنما تكون ~~مثل المحكى فهذا يناسب قول المعتزلة وإنما يناسب قولناأن نقول هو عبارة عن ~~كلام الله لأن الكلام ليس من جنس العبارة فانكر أهل السنة والجماعة عليهم ~~عدة أمور PageV12P272 # ( أحدها ) قولهم أن المعنى كلام الله وإن القرآن العربي ليس كلام الله ~~وكانت المعتزلة تقول هو كلام الله وهو مخلوق فقال هؤلاء هو مخلوق وليس ~~بكلام الله لأن من أصول أهل السنة أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ~~ذلك المحل فإذا قام الكلام بمحل كان هو المتكلم به كما ms0160 أن العلم والقدرة ~~إذا قاما بمحل كان هو العالم القادر وكذلك ( الحركة ( وهذا مما احتجوا به ~~على المعتزلة وغيرهم من الجهمية فى قولهم إن كلام الله مخلوق خلقه فى بعض ~~الأجسام قالوا لهم لو كان كذلك لكان الكلام كلام ذلك الجسم الذى خلقه فيه ~~فكانت الشجرة هى القائلة ( إنى أنا الله رب العالمين ) فقال أئمة الكلابية ~~إذا كان القرآن العربي مخلوقا لم يكن كلام الله فقال طائفة من متأخريهم بل ~~نقول الكلام مقول بالاشتراك بين المعنى المجرد وبين الحروف المنظومة فقال ~~لهم المحققون فهذا يبطل أصل حجتكم على المعتزلة فانكم إذا سلمتم أن ما هو ~~كلام الله حقيقة لا يمكن قيامه به بل بغيره أمكن المعتزلة أن يقولوا ليس ~~كلامه الا ما خلقه فى غيره # ( الثانى ) قولهم أن ذلك المعنى هو الأمر والنهي والخبر وهو معنى التوراة ~~والإنجيل والقرآن وقال أكثر العقلاء هذا الذى قالوه معلوم الفساد بضرورة ~~العقل PageV12P273 # ( الثالث ) أن ما نزل به جبريل من المعنى واللفظ وما بلغه محمد لأمته من ~~المعنى واللفظ ليس هو كلام الله # و ( مسألة القرآن ( لها طرفان ( أحدهما ) تكلم الله به وهوأعظم الطرفين ( ~~والثانى ) تنزيله إلى خلقه والكلام فى هذا سهل بعد تحقيق الأول وقد بسطنا ~~الكلام فى ذلك فى عدة مواضع وبينا مقالات أهل الأرض كلهم فى هذه المسائل ~~وما دخل فى ذلك من الاشتباه ومأخذ كل طائفة ومعنى قول السلف القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وأنهم قصدوا به أبطال قول من يقول أن الله لم يقم بذاته ~~كلام ولهذا قال الأئمة كلام الله من الله ليس ببائن عنه وذكرنا اختلاف ~~المنتسبين إلى السنة هل يتعلق الكلام بمشيئته وقدرته أم لا وقول من قال من ~~أئمة السنة لم يزل الله متكلما إذا شاء وأن قول السلف منه بدأ لم يريدوا به ~~أنه فارق ذاته وحل فى غيره فان كلام المخلوق بل وسائر صفاته لا تفارقه ~~وتنتقل إلى غيره فكيف يجوز أن يفارق ذات الله كلامه أو غيره من صفاته بل ~~قالوا منه ms0161 بدأ أي هو المتكلم به ردا على المعتزلة والجهمية وغيرهم الذين ~~قالوا بدأ من المخلوق الذى خلق فيه وقولهم إليه يعود أى يسرى عليه فلا يبقى ~~فى المصاحف منه حرف ولا فى الصدور منه آية PageV12P274 والمقصود هنا الجواب ~~عن مسائل السائل # ( فصل ( # وأما قول القائل أنتم تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه حقيقة من غير ~~واسطة وتقولون أن الذى تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من وسائط بأصوات ~~مختلفة فما الفرق بين ذلك # فيقال له بين هذا وهذا من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق فإن كل عاقل ~~يفرق بين سماع كلام النبى منه بغير واسطة كسماع الصحابة منه وبين سماعه منه ~~بواسطة المبلغين عنه كأبى هريرة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس وكل من ~~السامعين سمع كلام النبى حقيقة وكذلك من سمع شعر حسان بن ثابت أو عبد الله ~~بن رواحة أو غيرهما من الشعراء منه بلا واسطة ومن سمعه من الرواة عنه يعلم ~~الفرق بين هذا وهذا وهو فى الموضعين شعر حسان لا شعر غيره والانسان إذا ~~تعلم شعر غيره فهو يعلم ان ذلك الشاعر انشأ معانيه ونظم حروفه بأصواته ~~المقطعة وان كان المبلغ يرويه حركة نفسه وأصوات نفسه PageV12P275 # فإذا كان هذا الفرق معقولا فى كلام المخلوقين بين سماع الكلام من المتكلم ~~به ابتداء وسماعه بواسطة الراوى عنه أو المبلغ عنه فكيف لا يعقل ذلك فى ~~سماع كلام الله وقد تقدم أن من ظن أن المسموع من القراء هو صوت الرب فهو ~~إلى تأديب المجانين أقرب منه إلى خطاب العقلاء وكذلك من توهم أن الصوت قديم ~~أو أن المداد قديم فهذا لا يقوله ذو حس سليم بل ما بين لوحي المصحف كلام ~~الله وكلام الله ثابت فى مصاحف المسلمين لا كلام غيره فمن قال ان الذى فى ~~المصحف ليس كلام الله بل كلام غيره فهو ملحد مارق # ومن زعم أن كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره كما كتب فى المصاحف أو ~~أن المداد قديم أزلى فهو أيضا ms0162 ملحد مارق بل كلام المخلوقين يكتب فى الأوراق ~~وهو لم يفارق ذواتهم فكيف لايعقل مثل هذا فى كلام الله تعالى # و ( الشبهة ( تنشأ فى مثل هذا من جهة أن بعض الناس لا يفرق بين المطلق من ~~الكلام والمقيد مثال ذلك أن الانسان يقول رأيت الشمس والقمر والهلال اذا ~~رآه بغير واسطة ( وهذه الرؤية المطلقة ( وقد يراه فى ماء أو مرآة فهذه ( ~~رؤية مقيدة ( فإذا أطلق قوله رأيته أو ما رأيته حمل على مفهوم اللفظ المطلق ~~وإذا قال لقد رأيت الشمس فى الماء والمرآة فهو كلام صحيح مع التقييد واللفظ ~~يختلف معناه PageV12P276 بالاطلاق والتقييد فإذا وصل بالكلام ما يغير معناه ~~كالشرط والاستثناء ونحوهما من التخصيصات المتصلة كقوله ( ألف سنة الا خمسين ~~عاما ) كان هذا المجموع دالا على تسعمائة وخمسين سنة بطريق الحقيقة عند ~~جماهير الناس # ومن قال أن هذا مجاز فقد غلط فان هذا المجموع لم يستعمل فى غير موضعه وما ~~يقترن باللفظ من القرائن اللفظية الموضوعة هي من تمام الكلام ولهذا لا ~~يحتمل الكلام معها معنيين ولا يجوز نفى مفهومهما بخلاف استعمال لفظ الأسد ~~فى الرجل الشجاع مع ان قول القائل هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز نزاع لفظى وهو ~~مستند من انكر المجاز فى اللغة أو فى القرآن ولم ينطق بهذا أحد من السلف ~~والأئمة ولم يعرف لفظ المجاز فى كلام أحد من الأئمة إلا فى كلام الامام ~~أحمد فانه قال فيما كتبه من ( الرد على الزنادقة والجهمية ) هذا من مجاز ~~القرآن وأول من قال ذلك مطلقا أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتابه الذي صنفه ~~فى ( مجاز القرآن ( ثم أن هذا كان معناه عند الأولين مما يجوز فى اللغة ~~ويسوغ فهو مشتق عندهم من الجواز كما يقول الفقهاء عقد لازم وجائز وكثير من ~~المتأخرين جعله من الجواز الذى هو العبور من معنى الحقيقة إلى معنى المجاز ~~ثم أنه لا ريب أن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة PageV12P277 # والمقصود أن القائل إذا قال رأيت الشمس أو القمر أو الهلال ms0163 أو غير ذلك فى ~~الماء والمرآة فالعقلاء متفقون على الفرق بين هذه الرؤية وبين رؤية ذلك بلا ~~واسطة وإذا قال قائل ما رأى ذلك بل رأى مثاله أو خياله أو رأى الشعاع ~~المنعكس أو نحو ذلك لم يكن هذا ما نعا لما يعلمه الناس ويقولونه من انه رآه ~~فى الماء أو المرآة وهذه الرؤية فى الماء أو المرآة حقيقة مقيدة وكذلك قول ~~النبى ( من رآنى فى المنام فقد رآنى حقا فإن الشيطان لا يتمثل فى صورتى ( ~~هو كما قال رآه فى المنام حقا فمن قال ما رآه فى المنام حقا فقد أخطأ ومن ~~قال أن رؤيته فى اليقظة بلا واسطة كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد ~~أخطأ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون تلك # وكذلك ما سمعه منه من الكلام فى المنام هو سماع منه فى المنام وليس هذا ~~كالسماع منه فى اليقظة وقد يرى الرائى فى المنام أشخاصا ويخاطبونه ~~والمرئيون لا شعور لهم بذلك وإنما رأى مثالهم ولكن يقال رآهم فى المنام ~~حقيقة فيحترز بذلك عن الرؤيا التى هي حديث النفس # فإن ( الرؤيا ثلاثة أقسام ( رؤيا بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ~~ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه فى اليقظة فيراه فى المنام وقد ثبت هذا ~~التقسم فى الصحيح عن النبى PageV12P278 ولكن الرؤيا يظهر لكل أحد من الفرق ~~بينها وبين اليقظة مالا يظهر فى غيرها فكما أن الرؤية تكون مطلقة وتكون ~~مقيدة بواسطة المرآة والماء أو غير ذلك حتى ان المرئي يختلف باختلاف المرآة ~~فإذا كانت كبيرة مستديرة رأى كذلك وان كانت صغيرة أو مستطيلة رأى كذلك ~~فكذلك فى ( السماع ) يفرق بين من سمع كلام غيره منه ومن سمعه بواسطة المبلغ ~~ففي الموضعين المقصود سماع كلامه كما أن هناك فى الموضعين يقصد رؤية نفس ~~النبى لكن إذا كان بواسطة اختلف باختلاف الواسطة فيختلف باختلاف أصوات ~~المبلغين كما يختلف المرئى باختلاف المرايا قال تعالى ( وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى ms0164 بإذنه ما يشاء ) # فجعل ( التكليم ثلاثة أنواع ( الوحي المجرد والتكليم من وراء حجاب كما ~~كلم موسى عليه السلام والتكليم بواسطة ارسال الرسول كما كلم الرسل بإرسال ~~الملائكة وكما نبأنا الله من أخبار المنافقين بإرسال محمد والمسلمون متفقون ~~على أن الله أمرهم بما أمرهم به فى القرآن ونهاهم عما نهاهم عنه فى القرآن ~~وأخبرهم بما أخبرهم به فى القرآن فامره ونهيه واخباره بواسطة الرسول فهذا ~~تكليم مقيد بالارسال وسماعنا لكلامه سماع مقيد بسماعه من المبلغ لا منه ~~وهذا القرآن كلام الله مبلغا عنه مؤدا عنه وموسى سمع كلامه مسموعا منه لا ~~مبلغا PageV12P279 عنه ولا مؤدا عنه وإذا عرف هذا المعنى زاحت الشبهة # والنبى يروى عن ربه ويخبر عن ربه ويحكى عن ربه فهذا يذكر ما يذكره عن ربه ~~من كلامه الذى قاله راويا حاكيا عنه فلو قال من قال إن القرآن ( حكاية ( أن ~~محمدا حكاه عن الله كما يقال بلغه عن الله واداه عن الله لكان قد قصد معنى ~~صحيحا لكن يقصدون ما يقصده القائل بقوله فلانا يحكى فلانا أي يفعل مثل فعله ~~وهو أنه يتكلم بمثل كلام الله فهذا باطل قال الله تعالى ( قل لئن اجتمعت ~~الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا ) # ونكتة الامر ان العبرة بالحقيقة المقصودة لا بالوسائل المطلوبة لغيرها ~~فلما كان مقصود الرائى ان يرى الوجه مثلا فرآه فى المرآة حصل مقصوده وقال ~~رأيت الوجه وان كان ذلك بواسطة انعكاس الشعاع فى المرآة وكذلك من كان ~~مقصوده ان يسمع القول الذى قاله غيره الذى ألف الفاظه وقصد معانيه فاذا ~~سمعه منه أو من غيره حصل هذا المقصود وان كان سماعه من غيره هو بواسطة صوت ~~ذلك الغير الذى يختلف باختلاف الصآبئين والقلوب انما تشير إلى المقصود لا ~~إلى ما ظهر به المقصود # كما فى ( الاسم والمسمى ) فان القائل اذا قال جاء زيد وذهب عمرلم يكن ~~مقصوده الا الاخبار بالمجىء عن ( المسمى ) PageV12P280 ولكن بذكر الاسم ~~أظهر ذلك # فمن ms0165 ظن أن الموصوف بالمجىء والاتيان هو لفظ زيد أو لفظ عمرو كان مبطلا ~~فكذلك إذا قال القائل هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فالمقصود هنا ~~الكلام نفسه من حيث هو هو وإن كان إنما ظهر وسمع بواسطة حركة التالى وصوته ~~فمن ظن أن المشار إليه هو صوت القارىء وحركته كان مبطلا # ولهذا لما قرأ أبو طالب المكي على الامام أحمد رضى الله عنه ( قل هو الله ~~أحد ) وسأله هل هذا كلام الله وهل هو مخلوق فأجابه بأنه كلام الله وأنه غير ~~مخلوق فنقل عنه أبو طالب خطأ منه أنه قال لفظى بالقرآن غير مخلوق فاستدعاه ~~وغضب عليه وقال أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق قال لا ولكن قرأت عليك ( ~~قل هو الله أحد ) وقلت لك هذا غير مخلوق فقلت نعم قال فلم تحك عنى مالم أقل ~~لا تقل هذا فإن هذا لم يقله عالم وقصته مشهورة حكاها عبد الله وصالح وحنبل ~~والمروذى وفوران وبسطها الخلال فى ( كتاب السنة ( وصنف المروذى فى ( مسألة ~~اللفظ ( مصنفا ذكر فيه أقوال الأئمة # وهذا الذى ذكره أحمد من أحسن الكلام وأدقه فان الاشارة إذا أطلقت انصرفت ~~إلى المقصود وهو كلام الله الذى تكلم به لا إلى PageV12P281 ما وصل به ~~إلينا من أفعال العباد وأصواتهم فإذا قيل لفظى جعل نفس الوسائط غير مخلوقة ~~وهذا باطل كما أن من رأى وجها فى مرآة فقال أكرم الله هذا الوجه وحياه أو ~~قبحه كان دعاؤه على الوجه الموجود فى الحقيقة الذى رأى بواسطة المرآة لا ~~على شعاع المنعكس فيها وكذلك إذا رأى القمر الذى فى الماء فقال قد أبدر أو ~~لم يبدر فإنما مقصوده القمر الذى فى السماء لا خياله وكذلك من سمعه يذكر ~~رجلا فقال هذا رجل صالح أو رجل فاسق علم أن المشار إليه هو الشخص المسمى ~~بالاسم لا نفس الصوت المسموع من الناطق فلو قال هذا الصوت أو صوتى بفلان ~~صالح أو فاسق فسد المعنى وكان بعضهم يقول لفظى بالقرآن مخلوق فرأى فى منامه ms0166 ~~وضارب يضربه وعليه فروة فأوجعه بالضرب فقال له لاتضربنى فقال أنا ماأضربك ~~وانما اضرب الفروة فقال إنما يقع الضرب على فقال هكذا إذا قلت لفظى بالقرآن ~~مخلوق فالخلق إنما يقع على القرآن يقول كما أن المقصود بالضرب بدنك واللباس ~~واسطة فهكذا المقصود بالتلاوة كلام الله وصوتك واسطة فإذا قلت مخلوق وقع ~~ذلك على المقصود كما إذا سمعت قائلا يذكر رجلا فقلت أنا أحب هذا وأنا أبغض ~~هذا انصرف الكلام إلى المسمى المقصود بالاسم لا إلى صوت الذاكر ولهذا قال ~~الأئمة القرآن كلام الله غير مخلوق كيفما PageV12P282 تصرف بخلاف افعال ~~العباد وأصواتهم فإنه من نفى عنها الخلق كان مبتدعا ضالا # ( فصل ( # وأما قول القائل تقولون أن القرآن صفة الله وان صفات الله غير مخلوقة فان ~~قلتم أن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون الحلولية ~~والاتحادية وان قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا # فمن تبين له ما نبهنا عليه سهل عليه الجواب عن هذا وأمثاله فإن منشأ ~~الشبهة أن قول القائل هذا كلام الله يجعل أحكامه واحدة سواء كان كلامه ~~مسموعا منه أو كلامه مبلغا عنه # ومن هنا تختلف طوائف من الناس # ( طائفة ( قالت هذا كلام الله وهذا حروف واصوات مخلوقة فكلام الله مخلوق # و ( طائفة ( قالت هذا مخلوق وكلام الله ليس بمخلوق فهذا ليس كلام الله # و ( طائفة ( قالت هذا كلام الله وكلام الله ليس بمخلوق وهذا الفاظنا ~~وتلاوتنا فألفاظنا وتلاوتنا غير مخلوقة # PageV12P283 # ومنشأ ضلال الجميع من عدم الفرق فى المشار إليه فى هذا فأنت تقول هذا ~~الكلام الذى تسمعه من قائله صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم وكذلك إذا سمعته ~~من ناقله تقول هذا الكلام صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم فالمشار إليه فى ~~الموضعين واحد وتقول أيضا أن هذا صوت حسن وهذا كلام من وسط القلب ثم إذا ~~سمعته من الناقل تقول هذا صوت حسن أو كلام من وسط القلب فالمشار إليه هنا ~~ليس هو المشار إليه هناك بل اشار إلى ما يختص به هذا من صوته ms0167 وقلبه وإلى ما ~~يختص به هذا من صوته وقلبه وإذا كتب الكلام فى صفحتين كالمصحفين تقول فى كل ~~منهما هذا قرآن كريم وهذا كتاب مجيد وهذا كلام الله فالمشار إليه واحد ثم ~~تقول هذا خط حسن وهذا قلم النسخ أو الثلث وهذا الخط أحمر أو أصفر والمشار ~~إليه هنا ما يختص به كل من المصحفين عن الآخر # فإذا ميز الانسان فى المشار إليه بهذا وهذا تبين المتفق والمفترق وعلم أن ~~من قال هذا القرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق أن المشار إليه الكلام ~~من حيث هو مع قطع النظر عما به وصل الينا من حركات العباد وأصواتهم ومن قال ~~هذا مخلوق واشار به إلى مجرد صوت العبد وحركته لم يكن له فى هذا حجة على أن ~~القرآن نفسه حروفه ومعانيه الذى تعلم هذا القارىء من غيره وبلغه بحركته ~~وصوته مخلوق من اعتقد ذلك فقد اخطأ وضل PageV12P284 # ويقال لهذا هذا الكلام الذى اشرت إليه كان موجودا قبل ان يخلق هذا ~~القارىء فهب أن القارىء لم تخلق نفسه ولا وجدت لا أفعاله ولا أصواته فمن ~~أين يلزم أن يكون الكلام نفسه الذى كان موجودا قبله يعدم بعدمه ويحدث ~~بحدوثه فاشارته بالخلق أن كانت إلى ما يختص به هذا القارىء من أفعاله ~~وأصواته فالقرآن غنى عن هذا القارىء وموجود قبله فلا يلزم من عدم هذا عدمه ~~وان كانت إلى الكلام الذى يتعلمه الناس بعضهم من بعض فهذا هو الكلام المنزل ~~من الله الذى جاء به جبريل إلى محمد وبلغه محمد لأمته وهو كلام الله الذى ~~تكلم به فذاك يمتنع أن يكون مخلوقا فانه لو كان مخلوقا لكان كلاما لمحله ~~الذى خلق فيه ولم يكن كلاما لله ولأنه لو كان سبحانه إذا خلق كلاما كان ~~كلامه كان ما أنطق به كل ناطق كلامه مثل تسبيح الجبال والحصى وشهادة الجلود ~~بل كل كلام فى الوجود وهذا قول الحلولية الذين يقولون % وكل كلام فى الوجود ~~كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % $ # ومن قال القرآن مخلوق فهو ms0168 بين أمرين أما أن يجعل كل كلام فى الوجود كلامه ~~وبين أن يجعله غير متكلم بشىء أصلا فيجعل العباد المتكلمين أكمل منه وشبهه ~~بالأصنام والجمادات والموات كالعجل الذى لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا فيكون ~~قد فرعن اثبات PageV12P285 صفات الكمال له حذرا فى زعمه من التشبيه فوصفه ~~بالنقص وشبهه بالجامد والموات # وكذلك قول القائل هذا نفس كلام الله وعين كلام الله وهذا الذى فى المصحف ~~هو عين كلام الله ونفس كلام الله وأمثال هذه العبارات هذه مفهومها عند ~~الاطلاق فى فطر المسلمين أنه كلامه لا كلام غيره وأنه لا زيادة فيه ولا ~~نقصان فإن من ينقل كلام غيره ويكتبه فى كتاب قد يزيد فيه وينقص كما جرت ~~عادة الناس فى كثير من مكاتبات الملوك وغيرها فإذا جاء كتاب السلطان فقيل ~~هذا الذى فيه كلام السلطان بعينه بلا زيادة ولا نقص يعنى لم يزد فيه الكاتب ~~ولا نقص وكذلك من نقل كلام بعض الأئمة فى مسألة من تصنيفه قيل هذا الكلام ~~كلام فلان بعينه يعنى لم يزد فيه ولم ينقص كما قال النبى ( نضر الله امرأ ~~سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه ) # فقوله فبلغه كما سمعه لم يرد به أنه يبلغه بحركاته وأصواته التى سمعه بها ~~ولكن أراد أنه يأتى بالحديث على وجهه لا يزيد فيه ولا ينقص فيكون قد بلغه ~~كما سمعه فالمستمع له من المبلغ يسمعه كما قاله ويكون قد سمع كلام رسول ~~الله كما قاله وذلك معنى قولهم هذا كلامه بعينه وهذا نفس كلامه PageV12P286 ~~لا يريدون أن هذا هو صوته وحركاته وهذا لا يقوله عاقل ولا يخطر ببال عاقل ~~ابتداء ولكن اتباع الظن وما تهوى الأنفس يلجىء أصحابه إلى ( القرمطة ( فى ~~السمعيات و ( السفسطة ( فى العقليات # ولو ترك الناس على فطرتهم لكانت صحيحة سليمة فإذا رأى الناس كلاما صحيحا ~~فان من تكلم بكلام وسمع منه ونقل عنه أو كتبه فى كتاب لا يقول عاقل ان نفس ~~ما قام بالمتكلم من المعانى التى فى قلبه والألفاظ القائمة بلسانه فارقته ~~وانتقلت ms0169 عنه إلى المستمع والمبلغ عنه ولا فارقته وحلت فى الورق بل ولا يقول ~~ان نفس ما قام به من المعانى والألفاظ هو نفس المداد الذى فى الورق بل ولا ~~يقول ان نفس ألفاظه التى هى أصواته هى أصوات المبلغ عنه فهذه الأمور كلها ~~ظاهرة لا يقولها عاقل فى كلام المخلوق إذا سمع وبلغ أو كتب فى كتاب فكيف ~~يقال ذلك فى كلام الله الذى سمع منه وبلغ عنه أو كتبه سبحانه كما كتب ~~التوراة لموسى وكما كتب القرآن فى اللوح المحفوظ وكما كتبه المسلمون فى ~~مصاحفهم # وإذا كان من سمع كلام مخلوق فبلغه عنه بلفظه ومعناه بل شعر مخلوق كما ~~يبلغ شعر حسان وابن رواحة ولبيد وأمثالهم من الشعراء ويقول الناس هذا شعر ~~حسان بعينه وهذا هو نفس شعر حسان وهذا شعر لبيد بعينه كقوله PageV12P287 % ~~ألا كل شيء ما خلا الله باطل % $ ( # ومع هذا فيعلم كل عاقل ان رواة الشعر ومنشديه لم يسلبوا الشعراء نفس ~~صفاتهم حتى حلت بهم بل ولا نفس ما قام بأولئك من صفاتهم وأفعالهم كأصواتهم ~~وحركاتهم حلت بالرواة والمنشدين فكيف يتوهم متوهم أن صفات البارى كلامه أو ~~غير كلامه فارق ذاته وحل فى مخلوقاته وان ما قام بالمخلوق من صفاته وأفعاله ~~كحركاته وأصواته هي صفات البارى حلت فيه وهم لا يقولون مثل ذلك فى المخلوق ~~بل يمثلون العلم بنور السراج يقتبس منه المتعلم ولا ينقص ما عند العالم كما ~~يقتبس المقتبس ضوء السراج فيحدث الله له ضوأ كما يقال أن الهوى ينقلب نارا ~~بمجاورة الفتيلة للمصباح من غير أن تتغير تلك النار التى فى المصباح ~~والمقرىء والمعلم يقرىء القرآن ويعلم العلم ولم ينقص مما عنده شىء بل يصير ~~عند المتعلم مثل ما عنده # ولهذا يقال فلان ينقل علم فلان وينقل كلامه ويقال العلم الذى كان عند ~~فلان صار إلى فلان وأمثال ذلك كما يقال نقلت ما في الكتاب ونسخت ما فى ~~الكتاب أو نقلت الكتاب أو نسخته وهم لا يريدون أن نفس الحروف التى فى ~~الكتاب ms0170 الاول عدمت منه وحلت فى الثانى بل لما كان المقصود من نسخ الكتاب من ~~الكتب ونقلها من جنس نقل العلم والكلام وذلك يحصل بان يجعل فى الثانى ~~PageV12P288 مثل ما فى الأول فيبقى المقصود بالأول منقولا منسوخا وأن كان ~~لم يتغير الأول بخلاف نقل الأجسام وتوابعها فان ذلك اذا نقل من موضع إلى ~~موضع زال عن الأول # وذلك لأن الأشياء لها وجود فى أنفسها وهو وجودها العينى ولها ثبوتها فى ~~العلم ثم فى اللفظ المطابق للعلم ثم فى الخط وهذا الذى يقال وجود فى ~~الأعيان ووجود فى الأذهان ووجود فى اللسان ووجود فى البنان وجود عيني ووجود ~~علمى ولفظى ورسمى ولهذا افتتح الله كتابه بقوله تعالى ( إقرأ بسم ربك الذى ~~خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما ~~لم يعلم ) فذكر الخلق عموما وخصوصا ثم ذكر التعليم عموما وخصوصا فالخط ~~يطابق اللفظ واللفظ يطابق العلم والعلم هو المطابق للمعلوم # ومن هنا غلط من غلط فظن أن القرآن فى المصحف كالاعيان فى الورق فظن أن ~~قوله ( أنه لقرآن كريم فى كتاب مكنون ) كقوله ( الذى يجدونه مكتوبا عندهم ~~فى التوراة والإنجيل ) فجعل اثبات القرآن الذى هو كلام الله فى المصاحف ~~كاثبات الرسول فى المصاحف وهذا غلط إثبات القرآن كاثبات إسم الرسول هذا ~~كلام وهذا كلام وأما إثبات إسم الرسول فهذا كاثبات الأعمال أو كإثبات ~~القرآن في PageV12P289 زبر الأولين قال تعالى ( وكل شىء فعلوه فى الزبر ) ~~وقال تعالى ( وأنه لفى زبر الأولين ) فثبوت الأعمال فى الزبر وثبوت القرآن ~~فى زبر الأولين هو مثل كون الرسول مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل ولهذا ~~قيد سبحانه هذا بلفظ ( الزبر ( و ( الكتب ( زبر يقال زبرت الكتاب إذا كتبته ~~والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب فالقرآن نفسه ليس عند بنى إسرائيل ولكن ~~ذكره كما أن محمدا نفسه ليس عندهم ولكن ذكره فثبوت الرسول فى كتبهم كثبوت ~~القرآن فى كتبهم بخلاف ثبوت القرآن فى اللوح المحفوظ وفي المصاحف فان نفس ~~القرآن اثبت فيها فمن جعل ms0171 هذا مثل هذا كان ضلاله بينا وهذا مبسوط فى موضعه # و ( المقصود هنا ( أن نفس الموجودات وصفاتها إذا انتقلت من محل إلى محل ~~حلت فى ذلك المحل الثانى واما العلم بها والخبر عنها فيأخذه الثانى عن ~~الأول مع بقائه فى الأول وان كان الذى عند الثانى هو نظير ذلك ومثله لكن ~~لما كان المقصود بالعلمين واحدا فى نفسه صارت وحدة المقصود توجب وحدة ~~التابع له والدليل عليه ولم يكن للناس غرض فى تعدد التابع كما فى الإسم مع ~~المسمى فان اسم الشخص وان ذكره اناس متعددون ودعا به اناس متعددون فالناس ~~يقولون انه إسم واحد لمسمى واحد فإذا قال المؤذن اشهد أن لا إله إلا الله ~~PageV12P290 أشهد أن محمدا رسول الله وقال ذلك هذا المؤذن وهذا المؤذن ~~وقاله غير المؤذن فالناس يقولون أن هذا المكتوب هو اسم الله واسم رسوله كما ~~أن المسمى هو الله ورسوله # وإذا قال ( اقرأ بإسم ربك ) وقال ( اركبوا فيها بسم الله ) وقال ( سبح ~~إسم ربك الأعلى ) وقال ( بسم الله ) ففي الجميع المذكور هو اسم الله وان ~~تعدد الذكر والذاكر فالخبر الواحد من المخبر الواحد من مخبره والأمر الواحد ~~بالمأمور به من الآمر الواحد بمنزلة الإسم الواحد لمسماه هذا فى المركب ~~نظير هذا فى المفرد وهذا هو واحد باعتبار الحقيقة وبإعتبار اتحاد المقصود ~~وان تعدد من يذكر ذلك الاسم والخبر وتعددت حركاتهم وأصواتهم وسائر صفاتهم # وأما قول القائل إن قلتم أن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم ~~تكفرون الحلولية والاتحادية فهذا قياس فاسد مثاله مثال رجل أدعى أن النبى ~~يحل بذاته فى بدن الذى يقرأ حديثه فانكر الناس ذلك عليه وقالوا أن النبى لا ~~يحل فى بدن غيره فقال أنتم تقولون أن المحدث يقرأ كلامه وأن ما يقروه هو ~~كلام النبى فإذا قلتم ذلك فقد قلتم بالحلول ومعلوم أن هذا فى غاية الفساد ~~PageV12P291 # والناس متفقون على اطلاق القول بإن كلام زيد فى هذا الكتاب وهذا الذى ~~سمعناه كلام زيد ولا يستجيز العاقل اطلاق القول ms0172 بانه هو نفسه فى هذا ~~المتكلم أو فى هذا الورق # وقد نطقت النصوص بإن القرآن فى الصدور كقوله النبى ( استذكروا القرآن ~~فلهو اشد تفلتا من صدور الرجال من النعم فى عقلها ( وقوله ( الجوف الذى ليس ~~فيه شىء من القرآن كالبيت الخرب ( وأمثال ذلك وليس هذا عند عاقل مثل ان ~~يقال الله فى صدورنا وأجوافنا ولهذا لما ابتدع شخص يقال له الصورى بان من ~~قال القرآن فى صدورنا فقد قال بقول النصارى فقيل لأحمد قد جاءت جهمية رابعة ~~أى جهمية الخلقية والفظية والواقفية وهذه الرابعة اشتد نكيره لذلك وقال هذا ~~أعظم من الجهمية وهو كما قال # فإن ( الجهمية ( ليس فيهم من ينكر أن يقال القرآن فى الصدور ولا يشبه هذا ~~بقول النصارى بالحلول الا من هو فى غاية الضلالة والجهالة # فان النصارى يقولون الأب والإبن وروح القدس اله واحد وان الكلمة التى هي ~~اللاهوت تدرعت الناسوت وهو عندهم إله يخلق ويرزق ولهذا كانوا يقولون أن ~~الله هو المسيح بن مريم ويقولون المسيح بن الله ولهذا كانوا متناقضين فإن ~~الذى تدرع المسيح إن كان هو الاله الجامع للأقانيم فهو الأب نفسه وأن كان ~~هو صفة من PageV12P292 صفاته فالصفة لا تخلق ولا ترزق وليست إلها والمسيح ~~عندهم إله ولو قال النصارى أن كلام الله فى صدر المسيح كما هو فى صدور سائر ~~الأنبياء والمؤمنين لم يكن فى قولهم ما ينكر # فالحلولية المشهورون بهذا الإسم من يقول بحلول الله فى البشر كما قالت ~~النصارى والغالية من الرافضة وغلاة اتباع المشايخ أو يقولون بحلوله فى كل ~~شىء كما قالت الجهمية أنه بذاته فى كل مكان وهو سبحانه ليس في مخلوقاته شىء ~~من ذاته ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته وكذلك من قال باتحاده بالمسيح أو غيره ~~أو قال باتحاده بالمخلوقات كلها أو قال وجوده وجود المخلوقات أو نحو ذلك # فأما قول القائل أن كلام الله فى قلوب أنبيائه وعباده المؤمنين وأن الرسل ~~بلغت كلام الله والذى بلغته هو كلام الله وأن الكلام فى الصحيفة ونحو ms0173 ذلك ~~فهذا لا يسمى حلولا ومن سماه حلولا لم يكن بتسميته لذلك مبطلا للحقائق وقد ~~تقدم أن ذلك لا يقتضى مفارقة صفة المخلوق له وانتقالها إلى غيره فكيف صفة ~~الخالق تبارك وتعالى ولكن لما كان فيه شبهة الحلول تنازع الناس فى اثبات ~~لفظ الحلول ونفيه عنه هل يقال إن كلام الله حال فى المصحف أو حال فى الصدور ~~وهل يقال كلام الناس المكتوب حال فى المصحف أو حال فى قلوب حافظيه ونحو ذلك ~~فمنهم طائفة نفت الحلول كالقاضي PageV12P293 أبي يعلى وأمثاله وقالوا ظهر ~~كلام الله فى ذلك ولا نقول حل لأن حلول صفة الخالق فى المخلوق أو حلول ~~القديم فى المحدث ممتنع وطائفة أطلقت القول بأن كلام الله حال فى المصحف ~~كأبى إسماعيل الأنصارى الهروى الملقب بشيخ الاسلام وغيره وقالوا ليس هذا هو ~~الحلو المحذور الذى نفيناه بل نطلق القول بأن الكلام فى الصحيفة ولا يقال ~~بأن الله فى الصحيفة أو فى صدر الإنسان كذلك نطلق القول بأن كلامه حال فى ~~ذلك دون حلول ذاته وطائفة ثالثة كأبى على بن أبى موسى وغيره قالوا لا نطلق ~~الحلول نفيا ولا اثباتا لأن اثبات ذلك يوهم انتقال صفة الرب إلى المخلوقات ~~ونفي ذلك يوهم نفي نزول القرآن إلى الخلق فنطلق ما أطلقته النصوص ونمسك عما ~~فى اطلاقه محذور لما في ذلك من الاجمال # وأما قول القائل أن قلتم ( ان هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأن ~~قلتم غير ذلك ) قلتم بمقالتنا فجواب ذلك ان المقالة المنكرة هنا تتضمن ~~ثلاثة أمور فإذا زالت لم يبق منكرا ( أحدها ( من يقول أن القرآن العربى لم ~~يتكلم الله به وإنما أحدثه غير الله كجبريل ومحمد والله خلقه فى غيره # ( الثانى ) قول من يقول أن كلام الله ليس الا معنى واحدا هو PageV12P294 ~~الأمر والنهى والخبر وان الكتب الالهية تختلف بإختلاف العبارات لا بإختلاف ~~المعانى فيجعل معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحدا وكذلك معنى آية الدين ~~وآية الكرسى كمن يقول أن معانى أسماء الله الحسنى بمعنى واحد فمعنى ms0174 العليم ~~والقدير والرحيم والحكيم معنى واحد فهذا إلحاد فى أسمائه وصفاته وآياته # ( الثالث ) قول من يقول أن ما بلغته الرسل عن الله من المعنى والألفاظ ~~ليس هو كلام الله وأن القرآن كلام التالين لا كلام رب العالمين فهذه ~~الأقوال الثلاثة باطلة بأى عبارة عبر عنها # وأما قول من قال أن القرآن العربى كلام الله بلغه عنه رسول الله وأنه ~~تارة يسمع من الله وتارة من رسله مبلغين عنه وهو كلام الله حيث تصرف وكلام ~~الله تكلم به لم يخلقه فى غيره ولا يكون كلام الله مخلوقا ولو قرأه الناس ~~وكتبوه وسمعوه وقال مع ذلك أن أفعال العباد وأصواتهم وسائر صفاتهم مخلوقة ~~فهذا لا ينكر عليه وإذا نفي الحلول وأراد به أن صفة الموصوف لا تفارقه ~~وتنتقل إلى غيره فقد أصاب فى هذا المعنى لكن عليه مع ذلك أن يؤمن أن القرآن ~~العربى كلام الله تعالى وليس هو ولا شىء منه كلاما لغيره ولكن بلغته عنه ~~رسله وإذا كان كلام المخلوق يبلغ عنه مع العلم بأنه كلامه حروفه ومعانيه ~~ومع العلم بأن شيئا من صفاته لم تفارق ذاته فالعلم بمثل هذا فى كلام الخالق ~~أولى واظهر والله أعلم # PageV12P295 ( وقال أيضا شيخ الإسلام قدس الله روحه ( فصل ( # قال تعالى ( وأن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) وهو ~~منزل من الله كما قال تعالى ( أفغير الله أبتغي حكما وهو الذى أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) فأخبر ~~سبحانه أنهم يعلمون ذلك والعلم لا يكون إلا حقا # وقال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) ( حم تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم ) ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) وقال تعالى ( ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) وقال تعالى ( ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ) ونحو ذلك وقال تعالى ( قل نزله روح ~~القدس PageV12P296 من ربك بالحق ) فأخبر سبحانه أنه منزل من الله ولم يخبر ~~عن شىء أنه منزل من ms0175 الله إلا كلامه بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد ~~وغير ذلك # ولهذا كان القول المشهور عن السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ ~~وإليه يعود فإن من قال أنه مخلوق يقول أنه خلق فى بعض المخلوقات القائمة ~~بنفسها فمن ذلك المخلوق نزل وبدأ لم ينزل من الله فاخبار الله تعالى أنه ~~منزل من الله يناقض أن يكون قد نزل من غير الله ولهذا فسر الامام أحمد قوله ~~( منه بدأ ( أي هو المتكلم به وقال أحمد كلام الله من الله ليس ببائن عنه و ~~( أيضا ( فلو كان مخلوقا فى غيره لم يكن كلامه بل كان يكون كلاما لذلك ~~المخلوق فيه وكذلك سائر ما وصف به نفسه من الارادة والمحبة والمشيئة والرضى ~~والغضب والمقت وغير ذلك من الأمور لو كان مخلوقا فى غيره لم يكن الرب تعالى ~~متصفا به بل كان يكون صفة لذلك المحل فان المعنى إذا قام بمحل كان صفة لذلك ~~المحل ولم يكن صفة لغيره فيمتنع أن يكون المخلوق أو الخالق موصوفا بصفة ~~موجوة قائمة بغيره لأن ذلك فطرى فما وصف به نفسه من الأفعال اللازمة يمتنع ~~أن يوصف الموصوف بأمر لم يقم به وهذا مبسوط فى مواضع أخر PageV12P297 # ولم يقل السلف أن النبى سمعه من الله تعالى كما يقول ذلك بعض المتأخرين ~~قال الله تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ) وفى الصحيحين عن إبن مسعود قال قال لي النبى ( اقرأ على ~~القرآن ( قلت أقرأ عليك وعليك أنزل قال ( انى أحب أن أسمعه من غيرى ( فقرأت ~~عليه سورة النساء حتى بلغت إلى هذه الآية ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال ( حسبك ( فنظرت فإذا عيناه تذرفان من ~~البكاء # والنبى سمعه من جبريل وهو الذى نزل عليه به وجبريل سمعه من الله تعالى ~~كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة قال تعالى ( قل من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك بإذن الله ms0176 ) وقال تعالى ( نزل به الروح الأمين على قلبك ~~لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ) وقال تعالى ( وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق ) فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس وهو الروح الأمين ~~وهو جبريل من الله بالحق ولم يقل أحد من السلف أن النبى سمعه من الله وإنما ~~قال ذلك بعض المتأخرين # PageV12P298 # وقوله تعالى ( أن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم أن علينا ~~بيانه ) هو كقوله تعالى ( نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ) وقوله ( ~~نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) ونحو ذلك مما يكون ~~الرب فعله بملائكته فان لفظ ( نحن ) هو للواحد المطاع الذى له أعوان ~~يطيعونه فالرب تعالى خلق الملائكة وغيرها تطيعه الملائكة أعظم مما يطيع ~~المخلوق أعوانه فهو سبحانه أحق باسم ( نحن ( و ( فعلنا ( ونحو ذلك من كل ما ~~يستعمل # وفي الصحيحين عن إبن عباس قال ( كان النبى يعالج من التنزيل شدة وكان ~~يحرك شفتيه فقال بن عباس أنا أحركهما لك كما كان رسول الله يحركهما وقال ~~سعيد بن جبير أنا أحركهما كما رأيت بن عباس يحركهما فحرك شفتيه فانزل الله ~~( لا تحرك به لسانك لتعجل به أن علينا جمعه وقرآنه ) قال جمعه لك فى صدرك ~~وتقرأه ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) فإذا قرأه رسولنا وفى لفظ فإذا قرأه ~~جبريل فاستمع له وأنصت ( ثم أن علينا بيانه ) أي نقرؤه فكان رسول الله بعد ~~ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبى كما قرأه # PageV12P299 # وقد بين الله تعالى أنواع تكليمه لعباده فى قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) فبين ~~سبحانه أن التكليم تارة يكون وحيا وتارة من وراء حجاب كما كلم موسى وتارة ~~يرسل رسولا فيوحى الرسول بإذن الله ما يشاء وقال تعالى ( الله يصطفى من ~~الملائكة رسلا ومن الناس ms0177 ) فإذا أرسل الله تعالى رسولا كان ذلك مما يكلم به ~~عباده فيتلوه عليهم وينبئهم به كما قال تعالى ( قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ~~قد نبأنا الله من أخباركم ) وإنما نبأهم بواسطة الرسول والرسول مبلغ به كما ~~قال تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) وقال تعالى ( ليعلم ~~أن قد أبغوا رسالات ربهم ) وقال تعالى ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ~~) # والرسول أمر أمته بالتبليغ عنه ففى صحيح البخارى عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبى أنه قال ( بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب ~~علي معتمدا فليتبوأ مقعده من النار ( وقال لما خطب المسلمين ( ليبلغ الشاهد ~~الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع ( وقال ( نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه ~~إلى من لم يسمعه فرب حامل غيره فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ( ~~PageV12P300 وفى السنن عن جابر قال كان النبى يعرض نفسه على الناس بالموسم ~~فيقول ( ألا رجل يحملنى إلى قومه لابلغ كلام ربى فان قريشا منعونى أن أبلغ ~~كلام ربى ( # وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد منهم إنه قديم لم يقل ~~واحدا من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم باحسان ولا من بعدهم من ~~( الأئمة الأربعة ( ولا غيرهم بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون ~~القرآن كلام الله ولما ظهر من قال أنه مخلوق قالوا ردا لكلامه أنه غير ~~مخلوق ولم يريدو بذلك أنه مفترى كما ظنه بعض الناس فإن أحدا من المسلمين لم ~~يقل أنه مفترى بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم وإنما قالوا أنه مخلوق خلقه ~~الله فى غيره فرد السلف هذا القول كما تواترت الآثار عنهم بذلك وصنف فى ذلك ~~مصنفات متعددة وقالوا منه بدا وإليه يعود # وأول من عرف أنه قال مخلوق الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان وأول من ~~عرف أنه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب # ثم افترق الذين شاركوه ms0178 فى هذا القول # فمنهم من قال الكلام معنى واحد قائم بذات الرب ومعنى القرآن كله والتوراة ~~والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذى لا يتعدد ولا ~~يتبعض والقرآن العربي لم يتكلم الله به PageV12P301 بل هو مخلوق خلقه فى ~~غيره وقال جمهور العقلاء هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار فإنه من المعلوم ~~بصريح العقل أن معنى ( آية الكرسي ( ليس معنى ( آية الدين ( ولا معنى ( قل ~~هو الله أحد ( معنى ( تبت يد أبي لهب ) فكيف بمعانى كلام الله كله فى الكتب ~~المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه # ومنهم من قال هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يزل ولا ~~يزال موصوفا بها # وكلا الحزبين يقول أن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأنه لم يزل ~~ولا يزال يقول يانوح ياإبراهيم يا أيها المزمل يا أيها المدثر كما قد بسطت ~~أقوالهم فى غير هذا الموضع ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين ولم يقل ~~أحد من السلف أن هذا القرآن عبارة عن كلام الله ولا حكاية له ولا قال أحد ~~منهم إن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق فضلا عن أن يقول إن صوتى به قديم ~~أو غير مخلوق بل كانوا يقولون بما دل عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن ~~كلام الله والناس يقرءونه بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم ومابين اللوحين كلام ~~الله وكلام الله غير مخلوق وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( لا تسافروا ~~PageV12P302 بالقرآن إلى أرض العدو ( وقال تعالى ( بل هو قرآن مجيد فى لوح ~~محفوظ ( والمداد الذى يكتب به القرآن مخلوق والصوت الذى يقرأ به هو صوت ~~العبد والعبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوقة فالقرآن الذى يقرؤه ~~المسلمون كلام البارى والصوت الذى يقرأ به العبد صوت القارىء كما قال تعالى ~~( وان أحد من المشركين استأجرك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) ~~وقال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ( فبين أن الاصوات التى يقرأ بها ~~القرآن أصواتنا والقرآن كلام الله ولهذا ms0179 قال أحمد بن حنبل وغيره من أئمة ~~السنة يحسنه الانسان بصوته كما قال أبو موسى الأشعرى للنبى ( لو علمت أنك ~~تسمع لحبرته لك تحبيرا ( # فكان ما قاله أحمد وغيره من أئمة السنة من أن الصوت صوت العبد موافقا ~~للكتاب والسنة وقد قال تعالى ( واقصد فى مشيك واغضض من صوتك ) وقال تعالى ( ~~يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ) وقال تعالى ( أن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) ~~وقال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا ) ففرق سبحانه بين المداد الذى تكتب به ~~كلماته وبين كلماته فالبحر وغيره من المداد الذى يكتب به الكلمات ~~PageV12P303 مخلوق وكلمات الله غير مخلوقة وقال تعالى ( ولو أن ما فى الأرض ~~من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) فالابحر ~~إذا قدرت مدادا تنفد وكلمات الله لا تنفد ولهذا قال أئمة السنة لم يزل الله ~~متكلما كيف شاء وبما شاء كما ذكرت الآثار بهذه المعاني عن بن المبارك وأحمد ~~بن حنبل وغيرهما # هذا وقد أخبر سبحانه عن نفسه بالنداء فى أكثر من عشرة مواضع فقال تعالى ( ~~فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وناداهما ربهما الم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما أن الشيطان لكما عدو ~~مبين ) وقال تعالى ( ويوم يناديهم أين شركائى الذين كنتم تزعمون ) ( ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا اجبتم المرسلين ) وذكر سبحانه نداءه لموسى عليه السلام ~~فى سورة ( طه ( و ( مريم ( و ( الطس الثلاث ( وفى سورة و ( النازعات ( ~~وأخبر أنه ناداه في وقت بعينه فقال تعالى ( فلما أتاها نودى من شاطىء ~~الوادى الايمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى أنى أنا الله رب ~~العالمين ) وقال تعالى ( هل أتاك حديث موسى اذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ~~) وقال تعالى ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) # واستفاضت الآثار عن النبى والصحابة والتابعين ومن بعدهم ms0180 من أئمة السنة ~~أنه سبحانه ينادى بصوت نادى موسى PageV12P304 وينادى عباده يوم القيامة ~~بصوت ويتكلم بالوحى بصوت ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال إن الله يتكلم ~~بلا صوت أو بلا حرف ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف كما لم يقل ~~أحد منهم أن الصوت الذى سمعه موسى قديم ولا أن ذلك النداء قديم ولا قال أحد ~~منهم أن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذى تكلم الله به بل ~~الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذى يتكلم الله به وبين أصوات ~~العباد # وكان أئمة السنة يعدون من أنكر تكلمه بصوت من الجهمية كما قال الامام ~~أحمد لما سئل عمن قال أن الله لا يتكلم بصوت فقال هؤلاء جهمية إنما يدورون ~~على التعطيل وذكر بعض الآثار المروية فى أنه سبحانه يتكلم بصوت وقد ذكر من ~~صنف فى السنة من ذلك قطعة وعلى ذلك ترجم عليه البخارى فى صحيحه بقوله تعالى ~~( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) وقد ذكر البخارى فى ( كتاب خلق الأفعال ( مما ~~يبين به الفرق بين الصوتين آثارا متعددة وكانت محنة البخارى مع أصحابه محمد ~~بن يحيى الذهلي وغيره بعد موت أحمد بسنين ولم يتكلم أحمد فى البخارى إلا ~~بالثناء عليه ومن نقل عن أحمد أنه تكلم فى البخارى بسوء فقد افترى عليه # PageV12P305 # وقد ذكر الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخى فى كتابه الذى سماه ( ~~الفصول فى الأصوال ) قال سمعت الامام أبا منصور محمد بن أحمد يقول سمعت أبا ~~حامد الأسفرائينى يقول مذهبى ومذهب الشافعى وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله ~~والنبى سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله وهو الذى نتلوه نحن ~~بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما فى صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا وكل حرف ~~منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه ~~لعائن الله والناس أجمعين # وقد كان طائفة من أهل ms0181 الحديث والمنتسبين إلى السنة تنازعوا فى اللفظ ~~بالقرآن هل يقال أنه مخلوق ولما حدث الكلام فى ذلك أنكرت أئمة السنة كأحمد ~~بن حنبل وغيره أن يقال لفظى بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق وقالوا من قال أنه ~~مخلوق فهو جهمى ومن قال أنه غير مخلوق فهو مبتدع وأما صوت العبد فلم ~~يتنازعوا أنه مخلوق فان المبلغ لكلام غيره بلفظ صاحب الكلام إنما بلغ غيره ~~كما يقال روى الحديث بلفظه وإنما يبلغه بصوت نفسه لا بصوت صاحب الكلام # و ( اللفظ ) فى الأصل مصدر لفظ يلفظ لفظا وكذلك ( التلاوة ( PageV12P306 ~~والقراءة ( مصدران لكن شاع استعمال ذلك فى نفس الكلام الملفوظ المقروء ~~المتلو وهو المراد باللفظ فى اطلاقهم فإذا قيل لفظى أو اللفظ بالقرآن مخلوق ~~أشعر أن هذا القرآن الذى يقرؤه ويلفظ به مخلوق واذا قيل لفظى غير مخلوق ~~أشعر أن شيئا مما يضاف إليه غير مخلوق وصوته وحركته مخلوقان لكن كلام الله ~~الذى يقرؤه غير مخلوق ( والتلاوة ( قد يراد بها نفس الكلام الذى يتلى وقد ~~يراد بها نفس حركة العبد وقد يراد بها مجموعهما فإذا أريد بها الكلام نفسه ~~الذى يتلى فالتلاوة هى المتلو وإذا أريد بها حركة العبد فالتلاوة ليست هى ~~المتلو وإذا أريد بها المجموع فهى متناولة للفعل والكلام فلا يطلق عليها ~~أنها المتلو ولا أنها غيره # ولم يكن أحد من السلف يريد بالتلاوة مجرد قراءة العباد وبالمتلو مجرد ~~معنى واحد يقوم بذات البارى تعالى بل الذى كانوا عليه أن القرآن كلام الله ~~تكلم الله به بحروفه ومعانيه وليس شىء منه كلاما لغيره لا لجبريل ولا لمحمد ~~ولا لغيرهما بل قد كفر الله من جعله قول البشر مع أنه سبحانه أضافه تارة ~~إلى رسول من البشر وتارة إلى رسول من الملائكة فقال تعالى ( أنه لقول رسول ~~كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ~~تنزيل من رب العالمين ) فالرسول هنا محمد وقال تعالى PageV12P307 ( انه ~~لقول رسول كريم ذي قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين ms0182 وما صاحبكم بمجنون ~~ولقد رآه بالافق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم ~~فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين ) فالرسول هنا جبريل # وأضافه سبحانه إلى كل منهما بإسم رسول لأن ذلك يدل على أنه مبلغ له عن ~~غيره وأنه رسول فيه لم يحدث هو شيئا منه إذ لو كان قد أحدث منه شيئا لم يكن ~~رسولا فيما أحدثه بل كان منشئا له من تلقاء نفسه وهو سبحانه يضيفه إلى رسول ~~من الملائكة تارة ومن البشر تارة فلو كانت الاضافة لكونه أنشأ حروفه لتناقض ~~الخبران فان انشاء أحدهما له يناقض انشاء الآخر له وقد كفر الله تعالى من ~~قال أنه قول البشر فمن قال أن القرآن أو شيئا منه قول بشر أو ملك فقد كذب ~~ومن قال أنه قول رسول من البشر ومن الملائكة بلغه عن مرسله ليس قولا انشأه ~~فقد صدق ولم يقل أحد من السلف أن جبريل أحدث الفاظه ولا محمدا ولا أن الله ~~تعالى خلقها فى الهواء أو غيره من المخلوقات ولا أن جبريل أخذها من اللوح ~~المحفوظ بل هذه الاقوال هى من أقوال بعض المتأخرين # وقد بسط الكلام فى غير هذا الموضع على تنازع المبتدعين الذين اختلفوا فى ~~الكتاب وبين فساد أقوالهم وان القول السديد هو قول PageV12P308 السلف وهو ~~الذى يدل عليه النقل الصحيح والعقل الصريح وإن كان عامة هؤلاء المختلفين فى ~~الكتاب لم يعرفوا القول السديد قو السلف بل ولا سمعوه ولا وجدوه فى كتاب من ~~الكتب التى يتداولونها لأنهم لا يتداولون الآثار السلفية ولا معانى الكتاب ~~والسنة إلا بتحريف بعض المحرفين لها ولهذا إنما يذكر أحدهم أقوال مبتدعة ~~إما قولين وإما ثلاثة وإما أربعة وإما خمسة والقول الذى كان عليه السلف ودل ~~عليه الكتاب والسنة لا يذكره لانه لايعرفه ولهذا تجد الفاضل من هؤلاء حائرا ~~مقرا بالحيرة على نفسه وعلى من سبقه من هؤلاء المختلفين لأنه لم يجد فيما ~~قالوه قولا صحيحا # وكان أول من ابتدع الاقوال ( الجهمية المحضة النفاة ms0183 ( الذين لا يثبتون ~~الأسماء والصفات فكانوا يقولون أولا أن الله تعالى لا يتكلم بل خلق كلاما ~~فى غيره وجعل غيره يعبر عنه وان قوله تعالى ( وإذ نادى ربك موسى ) وقول ~~النبى ( أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة إذا بقى ثلث الليل فيقول ~~من يدعونى فاستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له ( معناه أن ~~ملكا يقول ذلك عنه كما يقال نادى السلطان أى أمر مناديا ينادى عنه فإذا تلى ~~عليهم ما أخبر الله تعالى به عن نفسه من أنه يقول ويتكلم قالوا هذا مجاز ~~كقوله العربي PageV12P309 # امتلأ الحوض وقال قطنى وقالت اتساع بطنه ونحو ذلك # فلما عرف السلف حقيقته وأنه مضاه لقول المتفلسفة المعطلة الذين يقولون أن ~~الله تعالى لم يتكلم وإنما أضافت الرسل إليه الكلام بلسان الحال كفروهم ~~وبينوا ضلالهم ومما قالوا لهم أن المنادى عن غيره كمنادي السلطان يقول أمر ~~السلطان بكذا خرج مرسومه بكذا لا يقول أنى آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا والله ~~تعالى يقول فى تكليمه لموسى ( اننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم ~~الصلاة لذكرى ) ويقول تعالى إذا نزل ثلث الليل الغابر ( من يدعونى فأستجيب ~~له من يسألنى فأعطيه من يستغفرني فاغفر له ) وإذا كان القائل ملكا قال كما ~~فى الحديث الذى فى الصحيحين ( إذا أحب الله العبد نادى فى السماء يا جبريل ~~أنى أحب فلانا فاحبه فيحبه جبريل وينادى فى السماء أن الله يحب فلانا ~~فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول فى الأرض ( فقال جبريل فى ندائه ~~عن الله تعالى ( أن الله يحب فلانا فأحبوه ( وفي نداء الرب يقول ( من ~~يدعونى فأستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له ( PageV12P310 # فإن قيل فقد روى أنه يأمر مناديا فينادى قيل هذا ليس فى الصحيح فان صح ~~أمكن الجمع بين الخبرين بان ينادى هو ويأمر مناديا ينادى أما أن يعارض بهذا ~~النقل النقل الصحيح المستفيض الذى اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه ~~بالقبول مع أنه صريح فى أن الله ms0184 تعالى هو الذى يقول ( من يدعونى فأستجيب له ~~من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فاغفر له ( فلا يجوز # وكذلك جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئا ولا حيا ولا غير ذلك ~~إلا على سبيل المجاز قال لأنه إذا سمى بإسم تسمى به المخلوق كان تشبيها ~~وكان جهم ( مجبرا ( يقول أن العبد لا يفعل شيئا فلهذا نقل عنه أنه سمى الله ~~قادرا لأن العبد عنده ليس بقادر # ثم أن المعتزلة الذين اتبعوا عمرو بن عبيد على قوله فى القدر والوعيد ~~دخلوا فى مذهب جهم فأثبتوا أسماء الله تعالى ولم يثبتوا صفاته وقالوا نقول ~~أن الله متكلم حقيقة وقد يذكرون إجماع المسلمين على أن الله متكلم حقيقة ~~لئلا يضاف إليهم أنهم يقولون أنه غير متكلم لكن معنى كونه سبحانه متكلما ~~عندهم أنه خلق الكلام فى غيره فمذهبهم ومذهب الجهمية فى المعنى سواء ولكن ~~هؤلاء يقولون هو متكلم حقيقة وأولئك ينفون أن يكون متكلما حقيقة وحقيقة قول ~~الطائفتين أنه غير PageV12P311 متكلم فانه لا يعقل متكلم إلا من قام به ~~الكلام ولا مريد إلا من قامت به الارادة ولا محب ولا راض ولا مبغض ولا رحيم ~~إلا من قامت به الارادة والمحبة والرضى والبغض والرحمة وقد وافقهم على ذلك ~~كثير ممن انتسب فى الفقه إلى أبى حنيفة من المعتزلة وغيرهم من أئمة ~~المسلمين ليس فيهم من يقول بقول المعتزلة لا فى نفى الصفات ولا فى القدر ~~ولا المنزلة بين المنزلتين ولا انفاذ الوعيد # ثم تنازع المعتزلة والكلابية فى حقيقة ( المتكلم ( فقالت المعتزلة ~~المتكلم من فعل الكلام ولو أنه أحدثه فى غيره ليقولوا أن الله يخلق الكلام ~~فى غيره وهو متكلم به وقالت الكلابية المتكلم من قام به الكلام وان لم يكن ~~متكلما بمشيئته وقدرته ولا فعل فعلا أصلا بل جعلوا المتكلم بمنزلة الحى ~~الذى قامت به الحياة وان لم تكن حياته بمشيئته و لا قدرته ولا حاصلة بفعل ~~من أفعاله # وأما السلف واتباعهم وجمهور العقلاء فالمتكلم المعروف عندهم من قام به ~~الكلام وتكلم ms0185 بمشيئته وقدرته لا يعقل متكلم لم يقم به الكلام ولا يعقل ~~متكلم بغير مشيئته وقدرته فكان كل من تينك الطائفتين المبتدعتين أخذت بعض ~~وصف المتكلم المعتزلة أخذوا أنه فاعل والكلابية أخذوا أنه محل الكلام ثم ~~زعمت المعتزلة أنه يكون فاعلا للكلام فى غيره وزعموا هم ومن وافقهم من ~~اتباع الكلابية كابى الحسن PageV12P312 وغيره أن الفاعل لا يقوم به الفعل ~~وكان هذا مما انكره السلف وجمهور العقلاء وقالوا لا يكون الفاعل إلا من قام ~~به الفعل وأنه يفرق بين الفاعل والفعل والمفعول وذكر البخارى فى ( كتاب خلق ~~أفعال العباد ( اجماع العلماء على ذلك # والذين قالوا ان الفاعل لا يقوم به الفعل وقالوا مع ذلك ان الله فاعل ~~أفعال العباد كأبى الحسن وغيره وان العبد لم يفعل شيئا وأن جميع ما يخلقه ~~العبد فعل له وهم يصفونه بالصفات الفعلية المنفصلة عنه ويقسمون صفاته إلى ~~صفات ذات وصفات افعال مع أن الأفعال عندهم هى المفعولات المنفصلة عنه ~~فلزمهم أن يوصف بما خلقه من الظلم والقبائح مع قولهم أنه لا يوصف بما خلقه ~~من الكلام وغيره فكان هذا تناقضا منهم تسلطت به عليهم المعتزلة ولما قرروا ~~ماهو من أصول أهل السنة وهو أن المعنى إذا قام بمحل اشتق له منه اسم ولم ~~يشتق لغيره منه اسم كاسم المتكلم نقض عليهم المعتزلة ذلك باسم الخالق ~~والعادل فلم يجيبوا عن النقض بجواب سديد # وأما السلف والأئمة فاصلهم مطرد ومما احتجوا به على ان القرآن غير مخلوق ~~ما احتج به الامام أحمد وغيره من قول النبى ( اعوذ بكلمات الله التامات ( ~~قالوا والمخلوق لا يستعاذ به فعورضوا بقوله ( اعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك ~~من عقوبتك وبك PageV12P313 منك ( فطرد السلف والأئمة أصلهم وقالوا معافاته ~~فعله القائم به وأما العافية الموجودة فى الناس فهى مفعوله # وكذلك قالوا أن الله خالق أفعال العباد فأفعال العباد القائمة بهم مفعولة ~~له لانفس فعله وهى نفس فعل العبد وكان حقيقة قول أولئك نفي فعل الرب ونفى ~~فعل العبد فتسلطت عليهم المعتزلة فى ( مسألة الكلام ms0186 والقدر ( تسلطا بينوا ~~به تناقضهم كما بينوا هم تناقض المعتزلة # وهذا أعظم ما يستفاد من أقوال المختلفين الذين أقوالهم باطلة فانه يستفاد ~~من قول كل طائفة بيان فساد قول الطائفة الأخرى فيعرف الطالب فساد تلك ~~الأقوال ويكون ذلك داعيا له إلى طلب الحق ولا تجد الحق إلا موافقا لما جاء ~~به الرسول ولا تجد ما جاء به الرسول إلا موافقا لصريح المعقول فيكون ممن له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وممن له قلب يعقل به وأذن يسمع بها بخلاف الذين ~~قالوا ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير ) # وقد وافق الكلابية على قولهم كثير من أهل الحديث والتصوف ومن أهل الفقه ~~المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وليس من الأئمة الأربعة PageV12P314 وأمثالهم ~~من أئمة المسلمين من يقول بقولهم # وحدث مع الكلابية ونحوهم طوائف أخرى من الكرامية وغير الكرامية من أهل ~~الفقه والحديث والكلام فقالوا إنه سبحانه متكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما ~~بذاته وهو يتكلم بحروف وأصوات بمشيئته وقدرته ليتخلصوا بذلك من بدعتى ~~المعتزلة والكلابية لكن قالوا أنه لم يكن يمكنه فى الأزل أن يتكلم بل صار ~~الكلام ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه من غير حدوث سبب أوجب إمكان الكلام ~~وقدرته عليه # وهذا القول مما وافق الكرامية عليه كثير من أهل الكلام والفقه والحديث ~~لكن ليس من الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة المسلمين من نقل عنه مثل قولهم ~~وهذا مما شاركوا فيه الجهمية والمعتزلة فإن هؤلاء كلهم يقولون أنه لم يكن ~~الكلام ممكنا له فى الأزل ثم صار ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه من غير ~~حدوث سبب أوجب إمكانه لكن الجهمية والمعتزلة يقولون أنه خلق كلاما فى غيره ~~من غير أن يقوم به كلام لأنه لو قام به كلام بمشيئته وقدرته لقامت به ~~الحوادث قالوا ولا تقوم به الحوادث قالت الجهمية والمعتزلة لأن الحوادث هي ~~من جملة الصفات التى يسمونها الأعراض وعندهم لا يقوم به شىء من الصفات ~~قالوا لأن الصفات أعراض والعرض لا يقوم ms0187 إلا بجسم وليس هو بجسم لأن الجسم لا ~~يخلو من الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث PageV12P315 وقالت ~~الكلابية بل تقوم به الصفات ولا تقوم به الحوادث ونحن لا نسمى الصفات ~~أعراضا لأن العرض عندنا لا يبقى زمانين وصفات الله تعالى باقية وقالوا وأما ~~الحوادث فلو قامت به لم يخل منها لأن القابل للشىء لا يخلو منه ومن ضده وما ~~لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # فقال الجمهور المنازعون للطائفتين أما قول أولئك أنه لا تقوم به الصفات ~~لأنها اعراض والعرض لا يقوم إلا بجسم وليس بجسم فتسمية ما يقوم بغيره عرضا ~~اصطلاح حادث وكذلك تسمية ما يشار إليه جسما اصطلاح حادث أيضا و ( الجسم ( ~~فى لغة العرب هو البدن وهو الجسد كما قال غير واحد من أهل اللغة منهم ~~الأصمعى وأبو عمرو فلفظ الجسم يشبه لفظ الجسد وهو الغليظ الكثيف والعرب ~~تقول هذا جسيم وهذا أجسم من هذا أي أغلظ منه قال تعالى ( وزاده بسطة فى ~~العلم والجسم ) وقال تعالى ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع ~~لقولهم ) ثم قد يراد بالجسم نفس الغلظ والكثافة ويراد به الغليظ الكثيف # وكذلك النظار يريدون بلفظ ( الجسم ( تارة المقدار وقد يسمونه الجسم ~~التعليمى وتارة يريدون به الشىء المقدر وهو الجسمي الطبيعى والمقدار المجرد ~~عن المقدر كالعدد المجرد عن المعدود وذلك لا يوجد إلا PageV12P316 فى ~~الأذهان دون الأعيان وكذلك السطح والخط والنقطة المجردة عن المحل الذى تقوم ~~به لا يوجد إلا فى الذهن قالوا وإذا كان هذا معنى الجسم بلغة العرب فهو أخص ~~من المشار إليه فان الروح القائمة بنفسها لا يسمونها جسما بل يقولون خرجت ~~روحه من جسمه ويقولون أنه جسم وروح ولا يسمون الروح جسما ولا النفس الخارح ~~من الانسان جسما لكن أهل الكلام اصطلحوا على أن كل ما يشار إليه يسمى جسما ~~كما اصطلحوا على أن كل ما يقوم بنفسه يسمى جوهرا ثم تنازعوا فى ان كل ما ~~يشار إليه هل هو مركب من الجواهر الفردة أو من المادة ms0188 والصورة أو ليس مركبا ~~لا من هذا ولا من هذا على اقوال ثلاثة قد بسطت فى غير هذا الموضع ولهذا كان ~~كثير منهم يقولون الجسم عندنا هو القائم بنفسه أو هو الموجود لا المركب # قال أهل العلم والسنة فإذا قالت الجهمية وغيرهم من نفاة الصفات ان الصفات ~~لا تقوم الا بجسم والله تعالى ليس بجسم قيل لهم أن اردتم بالجسم ما هو مركب ~~من جواهر فردة أو ما هو مركب من المادة والصورة لم نسلم لكم ( المقدمة ~~الأولى ( وهي قولكم إن الصفات لا تقوم إلا بما هو كذلك قيل لكم أن الرب ~~تعالى قائم بنفسه والعباد يرفعون أيديهم إليه فى الدعاء ويقصدونه بقلوبهم ~~وهو العلى الأعلى سبحانه ويراه المؤمنون بأبصارهم يوم القيامة عيانا كما ~~يرون القمر ليلة PageV12P317 البدر فان قلتم إن ما هو كذلك فهو جسم وهو ~~محدث كان هذا بدعة مخالفة للغة والشرع والعقل وإن قلتم نحن نسمي ما هو كذلك ~~جسما ونقول أنه مركب قيل تسميتكم التى ابتدعتموها هى من الاسماء التى ما ~~أنزل الله بها من سلطان ومن عمد إلى المعانى المعلومة بالشرع والعقل وسماها ~~باسماء منكرة لينفر الناس عنها قيل له النزاع فى المعانى لا فى الألفاظ ولو ~~كانت الألفاظ موافقة للغة فكيف اذا كانت من ابتداعهم ومعلوم أن المعانى ~~التى يعلم ثبوتها بالشرع والعقل لا تدفع بمثل هذا النزاع اللفظى الباطل ~~وأما قولهم ان كل ما كان تقوم به الصفات وترفع الأيدى إليه ويمكن أن يراه ~~الناس بأبصارهم فانه لابد أن يكون مركبا من الجواهر المفردة أو من المادة ~~والصورة فهذا ممنوع بل هو باطل عند جمهور العقلاء من النظار والفقهاء ~~وغيرهم كما قد بسط فى موضعه # قال الجمهور وأما تفريق الكلابية بين المعانى التى لا تتعلق بمشيئته ~~وقدرته والمعانى التى تتعلق بمشيئته وقدرته التى تسمى الحوادث ومنهم من ~~يسمى الصفات أعراضا لأن العرض لا يبقي زمانين فيقال قول القائل أن العرض ~~الذى هو السواد والبياض والطول والقصر ونحو ذلك لا يبقى زمانين قول محدث ms0189 فى ~~الإسلام لم يقله أحد من السلف والأئمة وهو قول مخالف لما عليه جماهير ~~العقلاء من جميع PageV12P318 الطوائف بل من الناس من يقول أنه معلوم الفساد ~~بالاضطرار كما قد بسط فى موضع آخر # وأما تسمية المسمي للصفات أعراضا فهذا امر اصطلاحى لمن قاله من أهل ~~الكلام ليس هو عرف أهل اللغة ولا عرف سائر أهل العلم والحقائق المعلومة ~~بالسمع والعقل لا يؤثر فيها اختلاف الاصطلاحات بل يعد هذا من النزاعات ~~اللفظية والنزاعات اللفظية أصوبها ما وافق لغة القرآن والرسول والسلف فما ~~نطق به الرسول والصحابة جاز النطق به باتفاق المسلمين وما لم ينطقوا به ~~ففيه نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه وأماقول ( الكلابية ( ما يقبل الحوادث لا ~~يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث فقد نازعهم جمهور العقلاء فى كلا ~~المقدمتين حتى أصحابهم المتأخرون نازعوهم فى ذلك واعترفوا ببطلان الادلة ~~العقلية التى ذكرها سلفهم على نفي حلول الحوادث به واعترف بذلك المتأخرون ~~من أئمة الأشعرية والشيعة والمعتزلة وغيرهم كما قد بسط فى غير هذا ~~الموضعوحدثت طائفة اخرى من السالمية وغيرهم ممن هو من أهل الكلام والفقه ~~والحديث والتصوف ومنهم كثير ممن هو ينتسب إلى PageV12P319 مالك والشافعى ~~وأحمد بن حنبل وكثر هذا فى بعض المتأخرين المنتسبين إلى أحمد بن حنبل ~~فقالوا بقول المعتزلة وبقول الكلابية وافقوا هؤلاء فى قولهم أنه قديم ~~ووافقوا أولئك فى قولهم أنه حروف وأصوات وأحدثوا قولا مبتدعا كما أحدث ~~غيرهم فقالوا القرآن قديم وهو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لنفس الله ~~تعالى أزلا وأبدا # واحتجوا على أنه قديم بحجج الكلابية وعلى أنه حروف وأصوات بحجج المعتزلة ~~فلما قيل لهم الحروف مسبوقة بعضها ببعض فالباء قبل السين والسين قبل الميم ~~والقديم لا يسبق بغيره والصوت لا يتصور بقاؤه فضلا عن قدمه قالوا الكلام له ~~وجود وماهية كقول من فرق بين الوجود والماهية من المعتزلة وغيرهم قالوا ~~والكلام له ترتيب فى وجوده وترتيب ماهية الباء للسين بالزمان هي فى وجوده ~~وهى مقارنة لها فى ماهيتها لم تتقدم عليها ms0190 بالزمان وان كانت متقدمة ~~بالمرتبة كتقدم بعض الحروف المكتوبة على بعض فان الكاتب قد يكتب آخر المصحف ~~قبل أوله ومع هذا فإذا كتبه كان أوله متقدما بالمرتبة على آخره # فقال لهم جمهور العقلاء هذا مما يعلم فساده بالاضطرار فإن الصوت لا يتصور ~~بقاؤه ودعوى وجود ماهية غير الموجود فى الخارج دعوى PageV12P320 فاسدة كما ~~قد بسط فى موضع آخر والترتيب الذى فى المصحف هو ترتيب للحروف المدادية ~~والمداد أجسام فهو كترتيب الدار والإنسان وهذا أمر يوجد الجزء الأول منه مع ~~الثانى بخلاف الصوت فانه لا يوجد الجزء الثانى منه حتى يعدم الأول كالحركة ~~فقياس هذا بهذا قياس باطل ومن هؤلاء من يطلق لفظ القديم ولا يتصور معناه ~~ومنهم من يقول يعنى القديم أنه بدأ من الله وأنه غير مخلوق وهذا المعنى ~~صحيح لكن الذين نازعوا هل هو قديم أو ( ليس بقديم ) لم يعنوا هذا المعنى ~~فمن قال لهم أنه قديم وأراد هذا المعنى قد أراد معنى صحيحا لكنه جاهل ~~بمقاصد الناس مضل لمن خاطبه بهذا الكلام مبتدع فى الشرع واللغة ثم كثير من ~~هؤلاء يقولون أن الحروف القديمة والأصوات ليست هى الأصوات المسموعة من ~~القراء ولا المداد الذى فى المصحف ومنهم من يقول بل الأصوات المسموعة من ~~القراء هو الصوت القديم ومنهم من يقول بل يسمع من القارىء شيئان الصوت ~~القديم وهو ما لابد منه فى وجود الكلام والصوت المحدث وهو ما زاد على ذلك ~~وهؤلاء يقولون المداد الذى فى المصحف مخلوق لكن الحروف القديمة ليست هي ~~المداد بل الأشكال والمقادير التى تظهر بالمداد وقد تنقش فى حجر وقد تخرق ~~فى ورق ومنهم من يمنع أن يقال فى المداد أنه قديم أو PageV12P321 مخلوق وقد ~~يقول لا أمنع عن ذلك بل أعلم أنه مخلوق لكن أسد باب الخوض فى هذا وهو مع ~~هذا يهجر من يتكلم بالحق ومن يبين الصواب الموافق للكتاب والسنة واجماع سلف ~~الأمة مع موافقته لصريح المعقول ومع دفعه للشناعات التى يشنع بها بعضهم على ~~بعض # وخوض الناس وتنازعهم ms0191 فى هذا الباب كثير قد بسطناه فى مواضع وإنما المقصود ~~هنا ذكر قول مختصر جامع يبين الأقوال السديدة التى دل عليها الكتاب والسنة ~~وكان عليها سلف الأمة فى مسألة الكلام التى حيرت عقول الأنام والله تعالى ~~أعلم PageV12P322 # ( سئل شيخ الاسلام مفتى الانام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ( # عن قوم يقولون كلام الناس وغيرهم قديم سواء كان صدق أو كذبا فحشا أو غير ~~فحش نظما أو نثرا ولا فرق بين كلام الله وكلامهم فى القدم إلا من جهة ~~الثواب وقال قوم منهم بل أكثرهم أصوات الحمير والكلاب كذلك ولما قرىء عليهم ~~ما نقل عن الامام أحمد ردا على قولهم تأولوا ذلك وقالوا بأن أحمد إنما قال ~~ذلك خوفا من الناس فهل هؤلاء مصيبون أو مخطئون وهل على ولى الأمر وفقه الله ~~تعالى زجرهم عن ذلك أم لا وهل يكفرون بالاصرار على ذلك أم لا وهل الذى نقل ~~عن أحمد حق كما زعموا أم لا ( # فأجاب رضى الله عنه ( # الحمد لله بل هؤلاء مخطئون فى ذلك خطأ محرما باجماع المسلمين وقد قالوا ~~منكرا من القول وزورا بل كفرا ومحالا يجب نهيهم عنه ويجب على ولاة الأمور ~~عقوبة من لم ينته منهم عن ذلك جزاء بما PageV12P323 كسبوا نكالا من الله ~~فان هذا القول مخالف للعقل والدين مناقض للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين وهى ~~( بدعة شنيعة ( لم يقلها أحد قط من علماء المسلمين لا علماء السنة ولا ~~علماء البدعة ولا يقولها عاقل يفهم ما يقول ولكن عرض لمن قالها شبهة ونحن ~~نبينها إن شاء الله تعالى # ولا يحتاج فى مثل هذا الكلام الذى فساده معلوم ببداية العقول أن يحتج له ~~بنقل عن إمام من الأئمة الا من جهة بيان أن رده وإنكاره منقول عن الأئمة ~~وأن قائله مخالف للأمة مبتدع فى الدين ولتزول بذلك شبهة من يتوهم أن قولهم ~~من لوازم قول أحد من السلف ويعلم أنهم مخالفون لمذاهب الأئمة المقتدى بهم ~~المعظمين وليتبين أن نقيض قولهم منصوص عن الأئمة المتبعين فى السنة ms0192 وليس ~~ذلك مما سكتوا عنه نفيا وإثباتا # وأنه لا ريب أن الامام ( أحمد بن حنبل ( ومن قبله وبعده من الأئمة نصوا ~~على أن كلام الآدميين مخلوق نصا مطلقا بل نص أحمد وكثير من الأئمة على ( ~~أفعال العباد ( عموما وعلى ( كلام الآدميين ( خصوصا ولم يمتنعوا عن هذا ~~الاطلاق لأجل الشبهة التى عرضت لهؤلاء المبتدعة المخالفين حتى لا يقول قائل ~~منهم أو من غيرهم إنه لا يقال مخلوق ولا غير مخلوق لأجل شبهتهم أو لكون ~~الكلام فى PageV12P324 ذلك بدعة بل القول بأن كلام الآدميين مخلوق غير قديم ~~منصوص عن الأئمة المتفق على إمامتهم فى الدين والسنة # فمنم من نص عليه لما تكلم فى ( مسألة القدر ( و ( خلق أفعال العباد ( ~~ومنهم من نص عليه لما تكلم فى ( مسألة تلاوة العباد للقرآن واللفظ به ( # ومنهم من نص عليه محتجا به على الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق فروى ~~أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال وهو الذى جمع نصوص أحمد فى أصول ~~الدين وأصول الفقه وفى أبواب الفقه كلها وفى الآداب والأخلاق والزهد ~~والرقائق وفى علل الحديث وفى التاريخ وغير ذلك من علوم الاسلام # روى فى ( كتاب السنة ( فى الكلام على اللفظية عن أبى بكر إبن زنجويه قال ~~سمعت أحمد بن حنبل يقول من قال لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير ~~مخلوق فهو مبتدع لايكلم قال الخلال وأخبرنا أبو داود السجستاني قال سمعت ~~أبا عبد الله يتكلم فى ( اللفظية ( وينكر عليهم كلامهم وسمعت إسحاق بن ~~راهويه ذكر ( اللفظية ( وبدعهم وقال الخلال سمعت إبن صدقة قال سمعت يحيي ~~إبن حبيب بن عربى قال سمعت رجلا سأل معتمر بن سليمان أن لنا PageV12P325 ~~إماما قدريا أصلى خلفه قال من زعم أن لفظه غير مخلوق بمنزلة من زعم أن سماء ~~الله غير مخلوقة قال الخلال وأخبرنى أبو بكر المروذى حدثنا محمد بن يحيى ~~الأزدي حدثنى مسدد قال كنت عند يحيى القطان وجاء يحي بن إسحاق بن توبة ~~العنبرى فقال له يحى حدث هذا يعنى مسددا ms0193 كيف قال حماد بن زيد فيها أى ( ~~مسألتنا ( فقال سألت حماد بن زيد عمن قال كلام الناس ليس بمخلوق فقال هذا ~~كلام أهل الكفر وقال يحيى بن إسحاق سألت معتمر بن سليمان عمن قال كلام ~~الناس ليس بمخلوق فقال هذا كفر # فهذه الآثار ونحوها مما اعتمد عليها المشهورون بالسنة كالمروذى والخلال ~~وغيرهما وكذلك الامام أبو عبد الله بن بطة يعتمد فى كتابه ( الابانة الكبير ~~( على هذه الآثار ونحوهما # قلت ( حماد بن زيد ( أحد الأئمة الاعلام فى السنة فى طبقة مالك والثورى ~~والأوزاعى وحماد بن سلمة والليث بن سعد فى الزمان والامامة بل هو عند علماء ~~السنة أقعد بالسنة من الثورى وان كان الثورى أكثر علما منه وزهدا وعند ~~علماء الحديث أحفظ للحديث من حماد بن سلمة # وان كان حماد أشهر بالزهد وأكثر دعاء إلى السنة وهو إمام البصرة فى ذلك ~~الزمان الذى كانت البصرة فيه مجمع علم الإسلام وكان علماء الأمة وورثة ~~الأنبياء وخلفاء الرسل فى ذلك العصر PageV12P326 الذى هو عصر تابعى ~~التابعين هؤلاء المسلمين ونحوهم وهم من القرن الثالث الممدوح # و ( المعتمر بن سليمان ( أحد الأئمة الأعلام أيضا وهو دون حماد إبن زيد ~~وقد أدركه الأمام أحمد واسحق بن راهويه وغيرهما وهو أحد شيوخ الامام أحمد ~~وأما ( حماد بن زيد ( ففات الأمام أحمد فقال فاتنى حماد بن زيد فعوضنى الله ~~بإسماعيل بن علية وفاتنى مالك بن أنس فعوضنى الله سفيان بن عيينة # وأما ( يحي بن سعيد القطان ( فهو أحد علماء السنة وهو إمام أهل الحديث فى ~~معرفة صحته وعلله ورجاله وضبطه حتى قال أحمد ما رأيت بعينى مثله يعنى فى ~~ذلك الفن وعنه أخذ ذلك على بن المدينى وعن على أخذ ذلك البخارى صاحب الصحيح ~~وقد ذكر الترمذى أنه لم ير فى معرفة علل الحديث مثل محمد بن إسماعيل ~~البخارى # وهؤلاء العلماء الأئمة أنكروا على من قال كلام الآدميين ولفظهم غير مخلوق ~~لما نبغت ( القدرية ( المبتدعة وزعموا أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لا ~~أقوالهم ولا سائر أعمالهم لا ms0194 خيرها ولا شرها بل يقولون هي محدثة أحدثها ~~العبد وليست مخلوقة لأحد أو يقولون العبد خلقها كما أنه أحدثها فانهم قد ~~يتنازعون فى إثبات PageV12P327 خلق لغير الله ومع هذا فلم يكن بين الأمة ~~نزاع فى أنها محدثة كائنة بعد أن لم تكن ولم يقل أحد إنها قديمة ولكن ( ~~القدرية ( من المعتزلة وغيرهم إعتقدوا أن الأفعال الاختيارية وما يتولد ~~عنها من أفعال الملائكة والجن والانس الطاعات والمعاصى لم يخلقها الله ~~قالوا لأنه لو خلقها للزم أن يكون العبد مجبورا وأن يرتفع التكليف والوعد ~~والوعيد والثواب والعقاب ولان العبد يعلم أنه هو الذى يحدث أفعاله علما ~~ضروريا وعللوا ذلك بأدلة نظرية # فلما ابتدعوا هذه ( المقالة ( أنكرها أئمة السنة كما أنكر الصحابة رضوان ~~الله عليهم أول هذه البدعة لما نبغت القدرية فى أواخر عصر الصحابة فرد ~~عليهم إبن عمر وإبن عباس وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة # وبين الأئمة أن من جعل شيئا من المحدثات كأفعال العباد وغيرهما ليس ~~مخلوقا لله فهو مثل من أنكر خلق الله لغير ذلك من المحدثات كالسماء والأرض ~~فان الله رب العالمين ومالك الملك وخالق كل شىء فليس شىء من العالمين خارجا ~~عن ربوبيته ولاشىء من الملك خارجا عن ملكه ولا شىء من المحدثات خارجا عن ~~خلقه قال تعالى ( الله خالق كل شىء وهو على كل شىء وكيل له مقاليد السموات ~~والأرض ) وقال تعالى ( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه PageV12P328 ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شىء ) وقال تعالى ( بديع السموات والأرض أنى ~~يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شىء وهو بكل شىء عليم ذلكم الله ربكم ~~لا إله إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه وهو على كل شىء وكيل لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار ) وقال تعالى ( ذلكم الله ربكم خالق كل شىء لا إله إلا هو ~~فأنى تؤفكون ) وقال تعالى ( الذى له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم ~~يكن له شريك فى الملك وخلق كل شىء فقدره تقديرا ) وقال تعالى ( إنا ms0195 كل شىء ~~خلقناه بقدر ) وقال تعالى ( أفمن يخلق كم لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ~~والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما ~~يشعرون أيان يبعثون ) # ولهذا كان أهل السنة والجماعة والحديث هم المتبعين لكتاب الله المعتقدين ~~لموجب هذه النصوص حيث جعلوا كل محدث من الأعيان والصفات والأفعال المباشرة ~~والمتولدة وكل حركة طبيعة أو إرادية أو قسرية فان الله خالق كل ذلك جميعه ~~وربه ومالكه ومليكه ووكيل عليه وانه سبحانه على كل شىء قدير وبكل شىء عليم ~~فآمنوا بعلمه المحيط وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وربوبيته التامة ولهذا ~~PageV12P329 قال إبن عباس الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن ~~بالقدر تم توحيده ومن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده # وأما صفة الله تعالى فهى داخلة فى مسمى أسمائه الظاهرة والمضمرة فإذا قلت ~~عبدت الله ودعوت الله و ( إياك نعبد ) فهذا الاسم لا يخرج عنه شىء من صفاته ~~من علمه ورحمته وكلامه وسائر صفاته ولهذا قال النبى ( من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت ( وقال ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( وقد ثبت عنه ( الحلف ~~بعزة الله ( والحلف بقوله ( لعمر الله ( فعلم أن ذلك ليس حلفا بغير الله ~~فأعطوا هذه الآيات المنصوصة حقها فى اتباع عمومها الذى قد صرحت به فى أن ~~الله خالق كل شىء إذ قد علم أن الله ليس هو داخلا فى المخلوق وعلم أن صفاته ~~ليست خارجة عن مسمى اسمه # وأما ( المعتزلة ( الذين جمعوا التجهم والقدر فأخرجوا عنها ما يتناوله ~~الاسم يقينا من أفعال الملائكة والجن والانس والبهائم طاعاتها وغير طاعاتها ~~وذلك قسط كبير من ملك الله وآياته بل هي من محاسن ملكه وأعظم آياته ~~ومخلوقاته وأدخلوا فى ذلك كلامه لكونه يسمى ( شيئا ( فى مثل قوله ( إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى ) ~~ولم ينظروا فى أن ms0196 ذلك مثل تسمية علمه ( شيئا ( فى قوله ( ولا يحيطون ~~PageV12P330 بشىء من علمه إلا بما شاء ) وتسمية نفسه شيئا فى قوله ( قل أى ~~شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم ) وأن قوله ( كل شىء ) يعم بحسب ~~ما اتصل به من الكلام # فان الاسم تتنوع دلالته بحسب قيوده ففي قوله ( وهو بكل شىء عليم ) دخل فى ~~ذلك نفسه لأنها تصلح أن تعلم وفى قوله ( وهو على كل شىء قدير ) دخل فى ذلك ~~ما يصلح أن يكون مقدورا وذلك يتناول كل ما كانت ذاته ممكنة الوجود وقد يقال ~~دخل فى ذلك كل ما يسمى شيئا بمعنى ( مشيئا ( فان ( الشىء ( فى الأصل مصدر ~~وهو بمعنى المشىء فكل ما يصلح أن يشاء فهو عليه قدير وإن شئت قلت قدير على ~~كل ما يصلح أن يقدر عليه والممتنع لذاته ليس شيئا باتفاق العقلاء وفى قوله ~~( الله خالق كل شىء ) قد علم أن الخالق ليس هو المخلوق وانه لا يتناوله ~~الاسم وإنما دخل فيه كل شىء مخلوق وهي الحادثات جميعها # هذا مع أن أهل السنة يقولون أن العبد له مشيئة وقدرة وإرادة وهو فاعل ~~لفعله حقيقة وينهون عن إطلاق ( الجبر ( فان لفظ ( الجبر ( يشعر أن الله ~~أجبر العبد على خلاف مراد العبد كما تجبر المرأة على النكاح وليس كذلك بل ~~العبد مختار يفعل باختياره ومشيئته ورضاه ومحبته ليس مجبورا عديم الارادة ~~والله خالق هذا PageV12P331 كله فإن هذه الأمور من المحدثات الممكنات ~~فالدلالة على أن الله خالقها كالدلالة على أنه خالق غيرها من المحدثات وليس ~~هذا موضع الكلام على هذا فان ذلك له موضع آخر # وإنما الغرض هنا أن الأئمة ردوا على من جعل أقوال العباد وأفعالهم خارجة ~~عن خلق الله وجعلوا ذلك بمنزلة من جعل السماء والأرض ليس مخلوقة لله هذا مع ~~أن أولئك المبتدعين كانوا يقولون إنها محدثة ليست قديمة فكيف إذا قيل إنها ~~قديمة فان ذلك يصير ضلالين بل ثلاث ضلالات # ( أحدها ) جعل المحدث المصنوع صفة لله قديمة مضاهاة للنصارى ونحوهم # و ( الثانى ) اخراج ms0197 مخلوق الله ومقدوره عن خلقه وقدرته كما قالته القدرية ~~مضاهاة للمجوس ونحوهم و ( الثالث ) إخراج فعل العبد ومقدوره وكسبه عن أن ~~يكون مقدورا له وكسبا وفعلا مضاهاة للجبرية القدرية المشركية فهذا كان وجه ~~كلام أولئك الأئمة فى هذا # ثم لما حدثت بدعة ( اللفظية ( احتج أئمة ذلك العصر فى جملة PageV12P332 ~~ما احتجوا به بكلام أولئك السلف مثل البخارى الامام صاحب ( الصحيح ( ومثل ~~أبى بكر المروذى الامام صاحب الامام أحمد بن حنبل وخلق كثير فى زمنه ومثل ~~أبي بكر الخلال ونحوه فاستدل هؤلاء الأئمة وغيرهم على بطلان قول من يقول أن ~~فعل العبد أو صفاته المتعلقة بصفات الله غير مخلوقة بما دل على أن أفعال ~~العباد وصفاتهم مخلوقة فروى البخارى عن أبي قدامة عن يحيى بن سعيد القطان ~~قال ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة وروى المروذى صاحب ~~الامام أحمد والخلال ما تقدم ذكره من كلام الأئمة من النص على خلق كلام ~~الآدميين وأفعالهم # وسيأتى إن شاء الله نصوص الامام أحمد فى ذلك فان القصد هنا التنبيه على ~~الأصل الذى تشعب منه تفرق الأمة فى هذا الموضع وهو ( مسألة اللفظ ( # ( فصل ( # و ( مسألة اللفظ بالقرآن ( قد اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل ~~وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة حتى قال إبن قتيبة ~~كلاما معناه لم يختلف أهل الحديث فى شىء من PageV12P333 مذاهبهم إلا فى ( ~~مسألة اللفظ ( وبين أن سبب ذلك لما وقع فيها من الغموظ والنزاع بينهم فى ~~كثير من المواضع لفظى ولم يكن بين الناس نزاع فى أن كلام العباد الذى لم ~~ينزله الله تعالى أنه محدث مخلوق وإن كان الكلام فى ( حروف الهجاء ( وفى ( ~~أسماء المحدثات ( فيه نزاع هو الذى أوقع هؤلاء الجهال فى ما ارتكبوه من ~~المحال كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى # ولا يتسع هذا الجواب لشرح ( مسألة اللفظ ( مبسوطا ولكن ننبه عليه مختصرا ~~فنقول أن الله تعالى أرسل رسله وأنزل عليهم كتبه وأمرهم أن يبلغوا إلى ~~الناس ما أنزل الله ms0198 عليهم من وحيه وكلامه # فمن الناس من آمن بالله ورسله وصدقهم فيما جاءوا به من عند الله وأطاعهم ~~فيما أمروا به وهؤلاء هم المؤمنون فى كل وقت وزمان وهم أهل الجنة والسعادة ~~كما قال تعالى ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ) وقال تعالى ( ان الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) # ومن الناس من كفر بهم وكذب مثل الأمم الذين قص الله علينا أخبارهم من قوم ~~نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وفرعون PageV12P334 ومشركى العرب ~~وكل من لم يؤمن بأصل الرسالة من الهند والبراهمة وغيرهم والترك والسودان ~~وغيرهم من الأمم الأميين الذين لا كتاب لهم سواء كانوا مكذبين للرسل أو ~~معرضين عن اتباعهم فان الكفر عدم الايمان بالله ورسله سواء كان معه تكذيب ~~أو لم يكن معه تكذيب بل شك وريب أو إعراض عن هذا كله حسدا أو كبرا أو ~~اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة وإن كان الكافر المكذب أعظم ~~كفرا وكذلك الجاحد المكذب حسدا مع استيقان صدق الرسل والسور المكية كلها ~~خطاب مع هؤلاء # ولهذا يقول سبحانه ( كذبت قوم نوح المرسلين ) لأنهم كذبوا جميع الرسل ولم ~~يؤمنوا بأصل الرسالة وقد قال تعالى لما أهبط أباهم آدم ( قال اهبطا منها ~~جميعا بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لما ~~حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ~~وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) # فأخبر أنه إذا أتاهم هدى منه وهو ما أنزله على رسله من الذكر فمن اتبعه ~~اهتدى وسعد فى الدنيا والآخرة ومن أعرض عنه شقى وعمى PageV12P335 ولهذا قال ~~فى أوائل البقرة فى نعت المؤمنين ( أولئك على هدى من ms0199 ربهم وأولئك هم ~~المفلحون ) كما قال هنا ( فلا يضل ولايشقى ) فان الهدى ضد الضلال والفلاح ~~ضد الشقاء وقال تعالى ( يا بنى آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى ~~فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) # ) # ومن الناس من آمن ببعض ما جاءت به الرسل وكفر ببعض كمن آمن ببعض المرسلين ~~دون بعض واليهود والنصارى حيث آمنوا بموسى أو موسى والمسيح معه دون محمد ~~ولهذا يخاطب الله فى القرآن الأميين الذين لم يتبعوا رسولا وأهل الكتاب ~~المصدقين ببعض الرسل كما فى قوله ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم ) وفى قوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ) # وكمن آمن ببعض صفات الرسالة وكفر ببعض من الصابئين الفلاسفة ونحوهم الذين ~~قد يقرون بأصل الرسالة لكن يجعلون الرسول بمنزلة الملك العادل الذى قد وضع ~~قانونا لقومه أو يقولون أن الرسالة للعامة دون الخاصة أو فى الامور العملية ~~دون العلمية أو فى الامور التى يشترك فيها الناس دون الخصائص التى يمتاز ~~بها الكمل PageV12P336 ويقرون برسالة محمد من حيث الجملة ويعظمونه ويقولون ~~اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يرد إلى الأرض ناموس أعظم من ناموسه لكنهم ~~مع هذا يكفرون ببعض ما جاء به مثل أن يسوغوا اتباع غير دينه من اليهودية ~~والنصرانية وقد يسوغون الشرك أيضا للعامة أو للخاصة مثل أن يسوغوا دعوة ~~الكواكب وعبادتها والسجود لها وقد يكذبون في الباطن باشياء مما أخبر بها ~~ويزعمون أن ما أخبر به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هي أمثال ~~مضروبة لتفهيم العامة مالا يجوز إظهاره وإبانة حقيقته وذلك أنهم بزعمهم # وقد يزعمون أن حقيقة العلم بالله تؤخذ من غير ما جاء به الرسول وان من ~~الناس من يكون أعلم بالله منه أو أفضل منه ونحو ذلك من المقالات وهذا الضرب ~~ما زال موجودا لا سيما مع القرامطة الباطنية من الاسماعيلية والنصيرية ~~والملوك العبيدية الذين كانوا يدعون الخلافة ومع الخرمية ms0200 والمزدكية ~~وأمثالهم من الطوائف وهؤلاء خواصهم أكفر من اليهود والنصارى ومن الغالية ~~الذين يقولون بالهية على ونحوه من البشر أو نبوته وهم منافقون زنادقة لكن ~~فى كثير من اتباعهم PageV12P337 من يظن أنه مؤمن بالكتب والرسل لما لبسوا ~~عليه أصل قولهم أو وافقهم فى قول بعضهم دون بعض وأكثر هؤلاء يميلون إلى ~~الرافضة ومنهم من ينتسب إلى التصوف ومنهم من ينتسب إلى الكلام ومنهم من ~~يدخل مع الفقهاء فى مذاهبهم وهذا الضرب يكثر فى الدول الجاهلية البعيدين عن ~~معرفة الاسلام والتزامه كما كانوا كثيرين فى دولة الديلم والعبيديين ونحوهم ~~وكما يكثرون فى دولة الجهال من الترك ونحوهم من الجهال الذين آمنوا ~~بالرسالة من حيث الجملة من غير علم بتفاصيل ما جاء به الرسول لأن الجهال من ~~الترك وغيرهم بهذا الضرب أشبه منهم بغيرهم فان هؤلاء لا يوجبون اتباع ~~الرسول على جميع أهل الأرض لكنهم قديرون اتباعه أحسن من اتباع غيره ~~فيتبعونه على سبيل الاستحباب أو يتبعون بعض ما جاء به أو لا يتبعونه بحال ~~وهم فى ذلك مقرون له ولأتباعه # والمؤمن ببعض الرسالة دون بعض كافر أيضا كما قال تعالى ( ان الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ~~أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ) وقال تعالى يخاطب أهل ~~الكتاب ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ~~تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم PageV12P338 وهو ~~محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ~~ذلك منكم الاخزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما ~~الله بغافل عما تعملون ) وقال تعالى ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ms0201 بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) وقال تعالى ( ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن ~~يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) # فذم الذين أوتوا قسطا من الكتاب لما آمنوا بما خرج عن الرسالة وفضلوا ~~الخارجين عن الرسالة على المؤمنين بها كما يفضل ذلك بعض من يفضل الصابئة من ~~الفلاسفة والدول الجاهلية جاهلية الترك والديلم والعرب والفرس وغيرهم على ~~المؤمنين بالله وكتابه ورسوله وكما ذم المدعين الايمان بالكتب كلها وهم ~~يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من ~~دون الله كما يصيب ذلك كثيرا ممن يدعى الاسلام وينتحله فى تحاكمهم إلى ~~مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن ~~شريعة PageV12P339 الاسلام من ملوك الترك وغيرهم وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضا وإذا أصابتهم مصيبة فى عقولهم ~~ودينهم ودنياهم بالشبهات والشهوات أو فى نفوسهم وأموالهم عقوبة على نفاقهم ~~قالوا إنما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق ونوفق بين ( الدلائل الشرعية ~~( و ( القواطع العقلية ( التى هي فى الحقيقة ظنون وشبهات أو ( الذوقية ( ~~التى هى فى الحقيقة أوهام وخيالات ( أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم ~~فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا ) إلى قوله ( فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما ) وقال تعالى ( ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم ~~يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ) إلى قوله ( إنما كان قول المؤمنين إذا ~~دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) الآية وقال ~~تعالى ( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا ms0202 لما معهم ) وقد ذم الله سبحانه أهل ~~التفرق والاختلاف فى الكتاب الذين يؤمن كل منهم ببعضه دون بعض كما قال ~~تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم PageV12P340 بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~الا الذين أتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ) وقال ~~تعالى ( ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء ) وقال تعالى ( ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) وقال تعالى ( ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه ) قال إبن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه ~~أهل البدعة والفرقة وقال تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين اليه واتقوه واقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) وقال تعالى ( شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا والذى أوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى ~~اليه من يشاء ويهدى اليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم وان الذين ~~أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا ~~تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب PageV12P341 وأمرت لأعدل ~~بينكم الله ربنا وربكم ) # فأمر الله نبيه أن يؤمن بجميع الكتب المنزلة وان يعدل بين الناس كلهم ~~فيعطى كل ذى حق حقه ويمنع كل مبطل عن باطله فان القسط والعدل فى جميع أمور ~~الدين والدنيا فيما جاء به وهو المقصود بارسال الرسل وإنزال الكتب كما ms0203 قال ~~تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط ) وقال تعالى ( آمن الرسول بما أنزال إليه من ربه والمؤمنون ~~كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) الخ السورة # وهاتان الآيتان قد ثبت فى الصحيح ( أن النبى أعطيهما من كنز تحت العرش ~~وأنه لم يقرأ بشىء منهما إلا أعطيه ( وقد ثبت فى الصحيح ( أنه من قرأهما فى ~~ليلة كفتاه ( وقال تعالى ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما ~~آمنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم فى شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم ) # PageV12P342 ( فصل ( # فلما كان فى الأمم كفار ومنافقون يكفرون ببعض الرسالة دون بعض إما فى ~~القدر وإما فى الوصف كما أن فيهم كفار ومنافقون يكفرون بأصل الرسالة وكان ~~فى الكفار بأصل الرسالة من قال أن الرسول شاعر وساحر وكاهن ومعلم ومجنون ~~ومفترى كما كان رئيس قريش وفيلسوفها وحكيمها الوليد بن المغيرة الوحيد ~~المذكور فى قوله تعالى ( ذرنى ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين ~~شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه ~~صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ~~أدبر واستكبر فقال أن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ) # فإنه صنع صنع الفيلسوف المخالف للرسل فى تفكيره أولا الذى هو طلب ~~الانتقال من تصور طرفى القضية إلى المبادىء الموجبة للتصديق ليظفر بالحد ~~الأوسط ثم قدر ثانيا والتقدير هو ( القياس ( وهو الانتقال من المبادىء إلى ~~المطلوب بالقياس المنطقى الشمولى ولعمرى PageV12P343 إنه لصواب إذا صحت ~~مقدماته وإن كانت النتيجة فى الأغلب أمورا كلية ذهنية ثبوتها فى الأذهان لا ~~فى الأعيان كالعلوم الرياضية من الأعداد والمقادير فان العدد ms0204 المجرد عن ~~المعدود والمقدار المجرد عن الأجسام إنما يوجد فى الذهن لكن أنى وأكثر ~~مقدماته فى الالهيات دعاوى يدعى فيها بعموم وأن القضية من المسلمات بلا حجة ~~ومتى لم يكن فى القياس قضية كلية معلومة لم تفد المطلوب وهو يلبسون ~~المهملات التى هى فى معنى الجزئيات بالكليات العامة المسلمات أو يدعى فيها ~~العموم بنوع من قياس التمثيل # ومعلوم أنه لا بد فى كل قياس من ( قضية كلية ( وعامة ( القضايا الكلية ( ~~التى لهم فيها المطالب الالهية لا يعلم كونها كلية عامة إذ عمومها لا يعلم ~~إلا بمجرد قياس التمثيل الذى قد يكون من أفسد القياس المقتضى لتشبيه الله ~~بخلقه # كما يقولون الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وليس معهم إلا تشبيه خالق ~~السموات والأرض ورب العالمين بالطبائع كطبيعة الماء والنار مع أن الواحد ~~الذى يثبتونه فى الالهيات وفى المنطق أيضا الذين يجعلون قضية الأنواع مركبة ~~منه وهو ( الجنس ( و ( الفصل ( لا حقيقة لها ولا توجد إلا فى الأذهان لا فى ~~الأعيان وقد بسطنا الكلام على ذلك فى مواضع # وبينا أن ما يثبتونه من العقليات التى هي ( الجواهر العقلية ( المجردة ~~PageV12P344 عن المادة وهى العقل والنفس والمادة والصورة التى ليست بجسم ~~ولا عرض لا حقيقة لها فى الخارج وإنما تقدر فى الأذهان لا فى الأعيان وكذلك ~~ما يثبتونه من الواحد الذى يصفون به واجب الوجود ومن الواحد الذى يجعلون ~~الأنواع نتركب منه إنما يوجد فى الأذهان لا فى الأعيان ( والقياس العقلى ( ~~الذى يحتجون به لا بد فيه من قضية كلية # والقياس نوعان ( قياس الشمول ( و ( قياس التمثيل ( # والناس متنازعون فى مسمى ( القياس ( فقيل هو حقيقة فى التمثيل مجاز فى ~~الشمول كما ذكر ذلك أبو حامد وأبو محمد المقدسى وغيرهما وقيل هو حقيقة فى ~~عكس ذلك كما قاله إبن حزم وغيره من نفاة قياس التمثيل وقيل بل اسم القياس ~~يتناولهما وهذا قول جمهور الناس # واسم ( القياس العقلى ( يدخل فيه هذا وهذا لكن من الناس من ظن أن ( قياس ~~التمثيل ( لا يفيد اليقين ولا يستعمل ms0205 فى العقليات كما ذهب إليه أبو المعالى ~~وأبو حامد والرازي وأبو محمد والآمدى وآخرون من أهل المنطق وأما الجمهور ~~فعندهم كلا القياسين سواء وهذا هو الصواب # فان مآل القياسين إلى شىء واحد وإنما يختلف بترتيب PageV12P345 الدليل ~~فإن القائل إذا قال النبيذ المتنازع فيه حرام لأنه مسكر فكان حراما قياسا ~~على خمر العنب فلا بد له أن يثبت أن السكر هو مناط التحريم وهو الذى يسمى ~~فى قياس التمثيل ( مناطا ( و ( علة ( و ( أمارة ( و ( مشتركا ( و ( وضعا ( ~~ونحو ذلك ولا بد فى القياس الصحيح من أن يقيم دليلا على أن السكر مناط ~~التحريم بحيث إذا وجد السكر وجد التحريم فإذا صاغ الدليل بقياس الشمول فان ~~النبيذ مسكر وكل مسكر حرام فالسكر فى هذا النظم هو الحد الأوسط المكرر وهو ~~العلة فى قياس التمثيل ولا بد له فى هذا القياس من أن يثبت هذه القضية ~~الكلية الكبرى وهى قوله كل مسكر حرام فما به ثبتت هذه القضية فى هذا النظم ~~يثبت به أنه مناط التحريم فى ذلك النظم لا فرق بينهما # وإذا قال القائل إثبات تأثير الوصف وكونه مناط الحكم هو عمدة القياس وهو ~~جواب ( سؤال المطالبة ( وبيان كون الوصف بالشمول هو مناط الحكم وهذا لا ~~يثبت إلا بأدلة ظنية قيل له وإثبات عموم القضية الكبرى فى قياس الشمول هو ~~عمدة القياس فان الصغرى فى الغالب تكون معلومة كما يكون ثبوت الوصف فى ~~الفرع معلوما وإذا كان ثبوت الوصف فى الفرع قد يحتاج إلى دليل كما قيل ~~تحتاج PageV12P346 المقدمة الصغرى إلى دليل وإثبات المقدمة الكبرى لا يتأتى ~~إلا بأدلة ظنية ونفس ما به يثبت عموم القضية يثبت تأثير الوصف المشترك لا ~~فرق بينهما أصلا # واستعمال كلا القياسين فى الأمور الالهية لا يكون إلا على وجه الأولى ~~والأحرى # وبهذه ( الطريقة ( جاء القرآن وهى طريقة سلف الأمة وأئمتها فان الله ~~سبحانه لا يماثله شىء من الموجودات فى ( قياس التمثيل ( ولا أن يدخل فى ( ~~قياس شمول ( تتماثل أفراده بل ماثبت لغيره من الكمال الذى ms0206 لا نقص فيه بوجه ~~من الوجوه فهو أحق به وما نزه عنه غيره من النقائص فهو أحق بالتنزيه منه ~~كما قال تعالى ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ) ~~وقال تعالى ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت إيمانكم من شركاء ~~فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) # وقد بسطنا الكلام على هذا فى غير هذا الموضع وبينا أن ما يستفاد ب ( ~~القياس الشمولى ( فى عامة الأمور قد يستفاد بدون ذلك فتعلم أحكام الجزئيات ~~الداخلة فى القياس بدون معرفة حكم القضية الكلية كما إذا قيل الكل أعظم من ~~الجزء والضدان لا يجتمعان فما من كل معين وضدين معنيين إلا وإذا علم أن هذا ~~جزء هذا وان هذا ضد هذا علم أن هذا أعظم من هذا وان هذا لا يجامع هذا ~~PageV12P347 بدون أن يخطر بالبال قضية كلية ان كل ضدين لا يجتمعان وان كل ~~كل فهو أعظم من جزء وكذلك إذا قيل النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فما من ~~نقيضين يعرف أنهما نقيضان إلا ويعرف أنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان بدون أن ~~يستحظر أن كل نقيضين لا يجتمعان ( ولا يرتفعان ) # فعامة المطالب يستغنى فيها عن القياس المنطقى المتضمن للكبرى الذى لا بد ~~فيه من قضية كلية ( و ) الأمور المعينات لا تعلم بمجرد القياس العقلى وإنما ~~يعلم بالقياس القدر المشترك بينها وبين غيرها وهم يسلمون ذلك وبينا أن ~~الأدلة الدالة على الصانع هي آيات تدل بنفسها على نفسه المقدسة وبينا الفرق ~~بين دلالة الآيات ودلالة القياس وان الأدلة أكمل وأنفع وطريقة القياس تابعة ~~لها ودونها فى المنفعة والكمال والقرآن جاء بهذه وهذه ومعرفة الالهيات ~~والنبوات وغيرها فتلك الطريقة أكمل وأتم # وهؤلاء يزعمون أنه لا ينال مطلوب فطرى إلا بطريقة القياس الذى لابد فيه ~~من قضية كلية والقضية الكلية لا تفيد إلا أمرا كليا عقليا لا تفيد معرفة ~~شىء معين وكل موجود فهو معين فكيف يقول عاقل مع هذا أنه لا ينال علم إلا ~~بهذه الطريق # ثم أنهم ms0207 فى ضلالهم يظنون أن علم الأنبياء بل وعلم الرب سبحانه إنما حصل ~~PageV12P348 بواسطة القياس المنطقى وان النبى له قوة حدسية يظفر بالحد ~~الأوسط فى القياس المنطقى بدون معلم فيكون أكمل من غيره فيجعلون علمه ~~بالغيب من هذا الباب ولم يدرك بمثل هذا القياس علوم طبيعية أو حسابية ونحو ~~ذلك فمن أين أنه لا ينال علم إلا به ومن أين أنه لا مواد يقينية إلا ما ~~يدعيه المدعى مما عنده من الحدسيات المعتادة الظاهرة والباطنة والبديهيات ~~المعتادة والمتواترات والمجربات المعتادة والحدسيات المعتادة والحس الباطن ~~والظاهر والتجربة ونحو ذلك لا يعلم بمجرده إلا أمر معين جزئى وذلك لا يصلح ~~أن يكون مقدمة فى القياس ولكن يعلم فى العموم إما بواسطة قياس تمثيل وإما ~~بعلم ضرورى يحدثه الله فى القلب ابتداء وإذا أحدث علما ضروريا عاما لأفراد ~~فاحداث العلم ببعض تلك الأفراد سهل فقل أن يستفاد بطريقهم علم بنتيجة إلا ~~والعلم بالنتيجة فيه ممكن بالطريق الذى به عرفت المقدمات أو أسهل فلا يكون ~~فى قياسهم الا زيادة تطويل وتهويل وتضليل # وقد بسطنا الكلام على ( المنطق اليونانى ( بما فيه من حق وباطل ونافع ~~وضار فى غير هذا الموضع ونفي العلم إلا بهذا القياس ونفي كون القياس يقينيا ~~إلا بهذه المقدمات قول بلا علم وتكذيب بما لم يحط المكذب بعلمه ولهذا كانت ~~الطريقة النبوية السلفية أن يستعمل فى العلوم الالهية ( قياس الأولى ( كما ~~قال الله تعالى ( ولله PageV12P349 المثل الأعلى ) إذ لا يدخل الخالق ~~والمخلوق تحت قضية كلية تستوى أفرادها ولا يتماثلان فى شىء من الأشياء بل ~~يعلم أن كل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت للمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص وجب ~~نفيه عن المخلوق فالخالق أولى بنفيه عنه وأمثال هذه ( الأقيسة العقلية ( ~~التى من نوع الأمثال المضروبة فى القرآن ولله المثل الأعلى وقد بسطنا هذا ~~فى غير هذا الموضع # فلما كان الكفار بالرسالة على ما ذكر جاء فى الكفار ببعضها من شاركهم فى ~~بعض ذلك فأنكرت الجهمية أن الكون الله يتكلم أو يقول أو ms0208 يحب أو يبغض ~~وأنكروا سائر صفاته التى جاءت بها الرسل فأنكروا بعض حقيقة الرسالة التى هي ~~كلام الله وأنكروا بعض ما فى الرسالة من صفات الله # وأول من أظهر ذلك فى الاسلام وإن كان ذلك موجودا قبل الاسلام فى أمم أخرى ~~الجعد بن درهم شيخ الجهم بن صفوان وكان على ما قيل من أهل حران وكان فيهم ~~أئمة الفلاسفة ومنهم تعلم أبو نصر الفارابى كثيرا مما تعلم من الفلسفة على ~~ما ذكره عبد اللطيف بن يوسف البغدادى فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسرى ~~بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين وهم بقايا التابعين ~~فى وقته مثل الحسن البصرى وغيره الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك فقال ~~أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد PageV12P350 بن درهم ~~أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله ~~عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه # وبنوا ذلك على قاعدة مبتدعة الصابئين المكذبين ببعض ما جاءت به الرسل ~~الذين لا يصفون الرب إلا بالصفات السلبية أو الاضافية أو المركبة منهما وهم ~~فى هذا التعطيل موافقون فى الحقيقة لفرعون رئيس الكفار الذى جحد الصانع ~~بالكلية فان جحود صفاته مستلزم لجحود ذاته ولهذا وافقوا فرعون فى تكذيبه ~~لموسى بأن ربه فوق السموات حيث قال ( يا هامان بن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الاسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه كاذبا ) بخلاف محمد ~~الذى صدق موسى لما عرج به إلى ربه وأخبر أنه وجد موسى هناك وأنه جعل يختلف ~~بين ربه وبين موسى فمحمد صدق موسى فى أن ربه فوق السموات وفرعون كذبه فى ~~ذلك والناس إما محمدى موسوى واما فرعونى إذ فرعون كذب موسى فى أن الله فوق ~~وكذبه فى أن الله كلمه كما أنكر وجود الصانع ومحمد صدق موسى فى هذا كله # وهؤلاء الصابئة المحضة من المتفلسفة يقولون أن الله ليس له كلام فى ~~الحقيقة لكن كلامه عند من أظهر الاقرار بالرسل منهم ms0209 ما يفيض على نفوس ~~الأنبياء وهو أنه محدث فى نفوسهم من غير أن PageV12P351 يكون فى الخارج عن ~~نفوسهم لله عندهم كلام # وهكذا كان الجهم يقول أولا أن الله لا كلام له ثم احتاج أن يطلق أن له ~~كلاما لأجل المسلمين فيقول هو مجاز ولهذا كان الامام أحمد وغيره من الأئمة ~~يعلمون مقصودهم وأن غرضهم التعطيل وأنهم زنادقة و ( الزنديق ( المنافق # ولهذا تجد مصنفات الأئمة يصفونهم فيها بالزندقة كما صنف الامام أحمد ( ~~الرد على الزندقة والجهمية ( وكما ترجم البخارى آخر كتاب الصحيح ب ( كتاب ~~التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية ( وكان عبد الله إبن المبارك يقول أنا ~~لنحكى كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية # وتقول الصابئة المحضة الذين آمنوا فى الظاهر وآمنوا فى الباطن ببعض ~~الكتاب كلام الله اسم لما يفيض على قلب النبى من ( العقل الفعال ( أو غيره ~~و ( ملائكة الله ( اسم لما يتشكل فى نفسه من الصور النورانية وقد يقولون إن ~~جبريل هو ( العقل الفعال ( أو هو ما يتمثل فى نفسه من الصور الخيالية كما ~~يراه النائم ولهذا يقول هؤلاء أن خاصة النبى التخييل وأن الأنبياء أظهروا ~~خلاف ما أبطنوه لمصلحة العامة ولم يفيدوا بكلامهم علما لكن تخييلا ينتفع به ~~العامة ويجعلون هذا من أفضل الأمور ويمدحون الأنبياء بذلك ويعظمونهم ~~PageV12P352 وقد بسطنا الكلام على هذا فى مواضع أخر # وعندهم ليس خارجا عن نفس النبى كلام ولا ملك كما يزعمه من يزعمه من ~~المتفلسفة والصائبة المشركين وزعموا أنهم مؤمنون وقالوا أنهم يجمعون بين ~~النبوة والفلسفة كما يفعل الفارابى وإبن سينا وغيرهما من المتفلسفة ~~والقرامطة الباطنية من الإسماعيلية ونحوهم الذين اخذوا معانى المتفلسفة ~~الروم والفرس فأخرجوها فى قالب التشيع والرفض والامامية والزيدية وغيرهم من ~~الشيعة يعلمون أنهم كفار # ومثل ابن سبعين وأمثاله ممن أظهر التصوف على طريقة هؤلاء فهو يأخذ ~~معانيهم يكسوها عبارات الصوفية والصوفية العارفون يعلمون أنهم كفار وان ~~شيوخ الصوفية الكبار كالفضيل بن عياض وابراهيم ابن أدهم وأبى سليمان ~~الدارانى وعمرو بن عثمان الشبلى والجنيد ابن محمد ms0210 وسهل بن عبدالله التسترى ~~وأبى عبدالله محمد بن خفيف الشيرازى ونحوهم رضى الله عنهم كانوا من أعظم ~~الناس تكفيرا لهؤلاء فان قول هؤلاء الزنادقة وإن كان فيه إيمان من وجه آخر ~~فهؤلاء موافقون فى الحقيقة لمقدمهم الوحيد الذى قال ( إن هذا إلا قول البشر ~~) لكن ذاك كفر به كله ظاهرا وباطنا وهؤلاء قد يؤمنون به ظاهرا وقد يؤمنون ~~باطنا ببعض صفاته من أنه مطاع عظيم وانه رئيس النوع الانسانى وأن هذا ~~الكلام الذى PageV12P353 جاء به كلام عظيم القدر صادر عن نفس صافية كاملة ~~العلم والعمل لها ثلاث خصائص تتفرد بها عن غيرها # خصيصة قوة الحدس والعلم وخصيصة قوة التأثير فى العالم السفلى بنفسه ~~وخصيصة قوة التخيل المطابق للحقائق بحيث يسمع فى نفسه الأصوات ويرى من ~~الصور ما يكون خيالا للحقائق وانه يجوز إضافة كلامه إلى الله وتسميته كلام ~~الله حيث هو أمر به أمرا خياليا وفى الحقيقة عندهم ما يفيض على سائر النفوس ~~الصافية من العلوم والتكلمات هى أيضا كلام الله مثل ما أنه كلام الله لكن ~~هو أشرف وخطابه دل على أنه رسول الخلق تجب عليهم طاعته التى أخبرت بها ~~الرسل لكن يطلقون عليه انه متكلم ولهذا يقولون ان ( النبوة ) مكتسبة فطمع ~~غير واحد منهم أن يصير نبيا كما طمع السهروردي وابن سبعين وغيرهما من ~~الملحدين # وقد بينا أصول أقوالهم وفسادهم فى غير هذا الموضع مثل كلامنا على إبطال ~~قولهم أن معجزات الأنبياء قوى نفسانية # وأما ( المعتزلة ( ونحوهم فيوافقونهم فى أن الله لا يتكلم فى الحقيقة ~~التى يعلم الناس أن صاحبها يتكلم ( بل كلامه ) منفصل عنه ويزعمون أن ذلك ~~حقيقة وليس كلامه عندهم إلا أنه خلق فى الهواء أو غيره PageV12P354 أصواتا ~~يسمعها من يشاء من ملائكته وأنبيائه من غير أن يقوم بنفسه كلام لا معنى ولا ~~حروف وهم يتنازعون فى ذلك المخلوق هل هو جسم أو عرض أو لا يوصف بواحد منهما # ولما ظهر هؤلاء تكلم السلف من التابعين وتابعيهم فى تكفيرهم والرد عليهم ~~بما هو مشهور عند السلف ms0211 واطلع الأئمة الحذاق من العلماء على أن حقيقة قول ~~هؤلاء هو التعطيل والزندقة وان كان عوامهم لا يفهمون ذلك كما اطلعوا على أن ~~حقيقة قول القرامطة والاسماعيلية هو التعطيل والزندقة وإن كان عوامهم إنما ~~يدينون بالرفض وجرت فتنة الجهمية كما امتحنت الأئمة وأقام ( الامام أحمد ( ~~إمام السنة وصديق الأمة فى وقته وخليفة المرسلين ووارث النبيين فثبت الله ~~به الاسلام والقرآن وحفظ به على الأمة العلم والايمان ودفع به أهل الكفر ~~والنفاق والطغيان الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض # فاستقر أهل السنة وجماهير الأمة وأهل الجماعة واعلام الملة فى شرقها ~~وغربها على الايمان الذى جاءت به الرسل عن الله وجاء به خاتم النبيين مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وهو أن القرآن والتوراة والانجيل كلام ~~الله وان كلام الله لا يكون مخلوقا منفصلا عنه كما لا يكون كلام المتكلم ~~منفصلا عنه فان هذا جحود لكلامه الذى PageV12P355 هو رسالته ودفع لحقيقة ما ~~أنبأت به الرسل وعلمته أممهم والحاد فى أسماء الله وآياته وتمثيل له ~~بالمعدوم والموات فان الحياة والعلم والقدرة والكلام ونحو ذلك صفات كمال ~~والرب تعالى أحق بكل كمال فيمتنع أن يثبت للمخلوق كمال إلا والخالق أحق به ~~كما يمتنع أن يتنزه المخلوق عن نقص إلا والخالق أحق بتنزهه منه كيف وهو ~~خالق الكمال للكاملين # و ( أيضا ( فمن لم يتصف بصفات الكمال من الحياة والعلم والسمع والبصر ~~والقدرة والكلام وغير ذلك فاما أن يكون قابلا للاتصاف بذلك ولم يتصف به أو ~~غير قابل للاتصاف فان قبله ولم يتصف به كان موصوفا بصفات النقص كالموت ~~والجهل والعمى والصمم والعجز والبكم باتفاق العقلاء فانهم متفقون على ان ~~القابل لهذا ولهذا متى لم يتصف بأحدهما اتصف بالآخر وان قيل إنه لا يقبل ~~الاتصاف بهذه الصفات كان أنقص من القابل الذى لم يتصف بها فالحيوان الذى ~~يكون تارة سمعيا وتارة أصم وتارة بصيرا وتارة أعمى وتارة متكلما وتارة أخرس ~~أكمل من الجماد الذى لايقبل أن يكون لا هذا ولا هذا # فمن لم يصفه ms0212 بصفات الكمال لزمه إما أن يصفه بهذه النقائص أو يكون أنقص ~~ممن وصف بهذه النقائص # وذلك أن ( المتفلسفة ( PageV12P356 اصطلحوا على تقسيم ( المتقابلين ~~بالنفى والاثبات ( إلى النقيضين وإلى ما يسمونه ( العدم والملكة ( في ( ~~العدم ( عندهم سلب الشىء عما من شأنه أن يكون متصفا به كالعمى والخرس فإنه ~~عدم البصر والكلام عما من شأنه أن يكون بصيرا متكلما فأما الجماد فلا ~~يسمونه لا بهذا ولا بهذا # ( وشبهتهم ( لبست على طائفة من أهل النظر فظنوا أنه إذا لم يوصف بصفات ~~الكمال من الحياة والعلم والسمع والبصر والكلام لم يلزم أن يتصف بصفات ~~النقص لأنهما متقابلان تقابل ( العدم والملكة ( لا تقابل النقيضين # فيقال لهم هذا أولا اصطلاح لكم وإلا فغيركم يسمى الجماد ميتا ومواتا ونحو ~~ذلك كما فى مثل قوله ( والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~أموات غير أحياء ) # ويقال لهم ( ثانيا ( النظر فى المعانى العقلية ومعلوم أن عدم هذه الصفات ~~يستلزم النقص الثابت بعدمها # ويقال لهم ( ثالثا ) إذا قلتم لا يتصف بواحد منهما لكونه لا يقبل ذلك ~~فهذا النقص أعظم من نقص العمى والصمم والبكم فانما لا يقبل PageV12P357 الا ~~تصاف بصفات الكمال أنقص ممن هو قابل لها يمكن اتصافه بها فانه منه بدأ لا ~~كما يقوله الصابئة ومن وافقهم من الجهمية أنه ابتدأ من نفس النبى أو من ( ~~العقل الفعال ( أو من ( الهواء ( بل هو تنزيل من حكيم حميد وأنه إليه يعود ~~إذا أسرى به من المصاحف والصدور وصار ( الامام أحمد ( علما لأهل السنة ~~الجائين بعده من جميع الطوائف كلهم يوافقه فى جمل أقواله وأصول مذاهبه لأنه ~~حفظ على الأمة الايمان الموروث والأصول النبوية ممن أراد أن يحرفها ويبدلها ~~ولم يشرع دينا لم يأذن الله به والذى قاله هو الذى يقوله سائر الأئمة ~~الأعيان حتى إن أعيان أقواله منصوصة عن أعيانهم لكن جمع متفرقها وجاهد ~~مخالفها وأظهر دلالة الكتاب والسنة عليها ومقالاته ومقالات الأئمة قبله ~~وبعده فى الجهمية كثيرة مشهورة # و ( الجهمية ( هم نفاة صفات الله المتبعون للصائبة الضالة ms0213 وصارت فروع ~~التجهم تجول فى نفوس كثير من الناس فقال بعض من كان معروفا بالسنة والحديث ~~ولا نقول مخلوق ولا غير مخلوق بل نقف وباطن أكثرهم موافق للمخلوقية ولكن ~~كان المؤمنون أشد رهبة فى صدورهم من الله # PageV12P358 # و ( طائفة أخرى ( قالت نقول كلام الله الذى لم ينزله غير مخلوق وأما ~~القرآن الذى أنزله على رسوله وتلاه جبريل ومحمد والمؤمنون فهو مخلوق وهؤلاء ~~هم ( اللفظية ) فصارت الأمة تفزع إلى إمامها إذ ذاك فيقول لهم أحمد افترقت ~~الجهمية على ( ثلاث فرق ( فرقة تقول القرآن مخلوق وفرقة تقول كلام الله ~~وتسكت وفرقة تقول ألفاظنا وتلاوتنا للقرآن مخلوقة فان حقيقة قول هؤلاء أن ~~القرآن الذى نزل به جبريل على قلب رسول الله هو قرآن مخلوق لم يتكلم الله ~~به وكان لهؤلاء شبهة كون أفعالنا وأصواتنا مخلوقة ونحن إنما نقرأه بحركاتنا ~~وأصواتنا وربما قال بعضهم ما عندنا إلا ألفاظنا وتلاوتنا وما فى الأرض قرآن ~~إلا هذا وهذا مخلوق فقابلهم قوم أرادوا تقويم السنة فوقعوا فى البدعة وردوا ~~باطلا بباطل وقابلوا الفاسد بالفاسد فقالوا تلاوتنا للقرآن غير مخلوقة ~~وألفاظنا به غير مخلوقة لأن هذا هو القرآن والقرآن غير مخلوق ولم يفرقوا ~~بين الاسم المطلق والاسم المقيد فى الدلالة وبين حال المسمى إذا كان مجردا ~~وحاله إذا كان مقرونا مقيدا فأنكر الامام أحمد أيضا على من قال أن تلاوة ~~العباد وقراءتهم وألفاظهم وأصواتهم غير مخلوقة وأمر بهجران هؤلاء كما جهم ~~الأولين وبدعهم والنقل عنه PageV12P359 بذلك من رواية ابنه عبد الله وصالح ~~والمروذي وفوران وأبي طالب وأبى بكر بن صدقة وخلق كثير من أصحابه وأتباعه # وقد قام أخص أتباعه ( أبو بكر المروذي ( بعد مماته فى ذلك وجمع كلامه ~~الأئمة من أصحابه وغيرهم مثل عبد الوهاب الوراق والأثرم وأبى دواد ~~السجستانى والفضل بن زياد ومثنى بن جامع الأنباري ومحمد بن اسحاق الصنعانى ~~ومحمد بن سهل بن عسكر وغير هؤلاء من علماء الاسلام وبين بدعة هؤلاء الذين ~~يقولون إن تلاوة العباد وألفاظهم بالقرآن غير مخلوقة # وقد ذكر ذلك الخلال فى ms0214 ( كتاب السنة ( وبسط القول فى ذلك قال الخلال ~~أخبرنى أبو بكر المروذي قال بلغ أبا عبد الله عن أبى طالب أنه كتب إلى أهل ~~نصيبين أن لفظى بالقرآن غير مخلوق قال أبو بكر فجاءنا صالح بن أحمد فقال ~~قوموا إلى أبى فجئنا فدخلنا على أبى عبد الله فإذا هو غضبان شديد الغضب قد ~~تبين الغضب فى وجهه فقال اذهب فجئنى بأبى طالب فجئت به فقعد بين يدى أبى ~~عبد الله وهو يرعد فقال كتبت إلى أهل نصيبين تخبرهم عنى أنى قلت لفظى ~~بالقرآن غير مخلوق فقال إنما حكيت عن نفسي قال فلا يحل هذا عنك ولا عن نفسى ~~فما سمعت عالما قال هذا قال أبو عبد الله القرآن كلام الله غير مخلوق كيف ~~تصرف فقيل لأبى طالب اخرج وأخبر PageV12P360 أن أبا عبد الله قد نهى أن ~~يقال لفظى بالقرآن غير مخلوق فخرج أبو طالب فلقي جماعة من المحدثين فأخبرهم ~~أن أبا عبد الله نهاه أن يقول لفظى بالقرآن غير مخلوق # ومع هذا فكل واحدة من ( الطائفتين ( الذين يقولون لفظنا بالقرآن غير ~~مخلوق والذين يقولون لفظنا وتلاوتنا مخلوقة ينتحل أبا عبد الله وتحكى قولها ~~عنه وتزعم أنه كان مقالتها لأنه إمام مقبول عند الجميع ولأن الحق الذى مع ~~كل طائفة يقوله أحمد والباطل الذى تنكره كل طائفة على الأخرى يرده أحمد ~~فمحمد بن داود المصيصى أحد علماء الحديث وأحد شيوخ أبي داود وجماعة فى ~~زمانه كأبى حاتم الرازى وغيره يقولون لفظنا بالقرآن غير مخلوق وتبعهم طائفة ~~على ذلك كأبى عبد الله بن حامد وأبى نصر السجزى وأبى عبد الله بن منده وشيخ ~~الاسلام أبى إسماعيل الأنصارى وأبى العلاء الهمدانى وأبي الفرج المقدسى ~~وغير هؤلاء يقولون أن ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة ويروون ذلك عن أحمد وأنه ~~رجع إلى ذلك كما ذكره أبو نصر فى كتابه ( الابانة ( وهى روايات ضعيفة ~~بأسانيد مجهولة لا تعارض ما تواتر عنه عند خواص أصحابه وأهل بيته والعلماء ~~الثقات لا سيما وقد علم أنه فى حياته خطأ أبا ms0215 طالب فى النقل عنه حتى رده ~~أحمد عن ذلك وغضب عليه غضبا شديدا PageV12P361 # وقد رأيت بعض هؤلاء طعن فى تلك النقول الثابتة عنه ومنهم من حرفها لفظا ~~وأما تحريف معانيها فذهب إليه طوائف فأما الذين ثبتوا النقل عنه ووافقوه ~~على إنكاره الأمرين وهم جمهور أهل السنة ومن انتسب إليهم من أهل الكلام ~~كأبى الحسن الأشعرى وأمثاله فانه ذكر فى ( مقالات أهل السنة والحديث ( انهم ~~ينكرون على من قال لفظى بالقرآن مخلوق ومن قال لفظي به غير مخلوق وأنه يقول ~~بذلك # لكن من هؤلاء من تأول كلام أحمد وغيره فى ذلك بأنه منع أن يقال أن القرآن ~~يلفظ به وهذا قاله الأشعرى وإبن الباقلانى والقاضى أبو يعلى وأتباعه كأبى ~~الحسن بن الزاغونى وأمثاله # ثم هؤلاء الذين تأولوا كلامه على ذلك منهم من قال المعنى الذى أنكره أحمد ~~على من قال لفظى بالقرآن مخلوق كما فعل ذلك الاشعرى وأتباعه ومنهم من قال ~~بل المعنى الذى أنكره أحمد على من قال لفظي به غير مخلوق كما فعل ذلك ~~القاضى وإبن الزاغونى وأمثالهما فإن أحمد وسائر الأئمة ينكرون أن يكون شىء ~~من كلام الله مخلوقا حروفه أو معانيه أو أن يكون معنى التوارة هو معنى ~~القرآن وأن كلام الله إذا عبر عنه بالعربية يكون قرآنا وإذا عبر عنه ~~بالعبرانية يكون هو التوراة وينكرون أن يكون القرآن المنزل ليس هو كلام ~~الله أو أن يطلق PageV12P362 القول على ما هو كلام الله بأنه مخلوق وأحمد ~~والأئمة ينكرون على من يجعل شيئا من أفعال العباد أو أصواتهم غير مخلوق ~~فضلا عن أن يكون قديما وكلام أحمد فى ( مسألة التلاوة والايمان والقرآن ( ~~من نمط واحد منع إطلاق القول بأن ذلك مخلوق لأنه يتضمن القول بأن من صفات ~~الله ما هو مخلوق ولما فيه من الذريعة ومنع أيضا إطلاق القول بأنه غير ~~مخلوق لما فى ذلك من البدعة والضلال # ولما كان أحمد قد صار هو إمام السنة كان من جاء بعده ممن ينتسب إلى السنة ~~ينتحله إماما كما ذكر ms0216 ذلك الأشعرى فى ( كتاب الابانة ( وغيره فقال إن قال ~~قائل قد انكرتم قول ( الجهمية ( و ( المعتزلة ( و ( الخوارج ( و ( الروافض ~~( و ( المرجئة ( فعرفونا قولكم الذى به تقولون وديانتكم التى بها تدينون # قيل له قولنا الذى نقول به وديانتنا التى ندين بها التمسك بكتاب ربنا ~~وسنة نبينا وما روى عن الصحابة والتابعين وبما كان يقول به أبو عبد الله ( ~~أحمد بن حنبل ( قائلون ولما خالفه مجانبون فانه الامام الكامل والرئيس ~~الفاضل الذى أبان الله به الحق وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين ~~وزيغ الزائغين وشك الشاكين وذكر جملا من المقالات PageV12P363 فلهذا صار من ~~بعده متنازعين فى هذا الباب ( فالطائفة ( الذين يقولون لفظنا وتلاوتنا غير ~~مخلوقة ينتسبون إليه ويزعمون أن هذا آخر قوليه أو يطعنون فيما يناقض ذلك ~~عنه أو يتأولون كلامه بما لم يرده # و ( الطائفة ( الذين يقولون أن التلاوة مخلوقة والقرآن المنزل الذى نزل ~~به جبريل مخلوق وان الله لم يتكلم بحروف القرآن يقولون أن هذا قول أحمد ~~وأنهم موافقوه كما فعل ذلك أبو الحسن الأشعرى فيما ذكره عن أحمد وفسر به ~~كلامه وذكر أنه موافقه وكما ذكر القاضى أبو بكر الباقلانى فى تنزيه أصحابه ~~من مخالفة السنة وأئمتها كالامام أحمد وكما فعله أبو نعيم الاصبهانى فى ~~كتابه المعروف فى ذلك وكما فعله أبو ذر الهروى والقاضى عبد الوهاب المالكى ~~وكما فعله أبو بكر البيهقى فى الإعتقاد فى مناقب الامام أحمد وروى عنه أنه ~~قال لفظى بالقرآن مخلوق وتأول ما استفاض عنه من الانكار على من قال لفظى ~~بالقرآن ( غير ) مخلوق على أنه أراد الجهمى المحض الذى يزعم أن القرآن الذى ~~لم ينزل مخلوق # وكذلك أيضا افترى بعض الناس على البخارى الامام صاحب ( الصحيح ( أنه كان ~~يقول لفظى بالقرآن مخلوق وجعلوه من ( اللفظية ( حتى وقع بينه وبين أصحابه ~~مثل محمد بن يحيى الذهلى PageV12P364 وأبى زرعة وأبى حاتم وغيرهم بسبب ذلك ~~وكان فى القضية أهواء وظنون حتى صنف ( كتاب خلق الأفعال ) وذكر فيه ما رواه ~~عن أبي قدامة عن يحيى ms0217 بن سعيد القطان أنه قال ما زلت أسمع أصحابنا يقولون ~~أفعال العباد مخلوقة وذكر فيه ما يوافق ما ذكره فى آخر كتابه ( الصحيح ( من ~~أن القرآن كلام الله غير مخلوق وان الله يتكلم بصوت وينادى بصوت وساق فى ~~ذلك من الأحاديث الصحيحة والآثار ما ليس هذا موضع بسطه وبين الفرق بين ~~الصوت الذى ينادى الله به وبين الصوت الذى يسمع من العباد وان الصوت الذى ~~تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من القارىء وبين دلائل ذلك وأن أفعال ~~العباد وأصواتهم مخلوقة والله تعالى بفعله وكلامه غير مخلوق # وقال فى قوله ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) إن حدثه ليس كحدث ~~المخلوقين وذكر قول النبى ( أن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن ~~لا تكلموا فى الصلاة ( وذكر عن علماء السلف أن خلق الرب للعالم ليس هو ~~المخلوق بل فعله القائم به غير مخلوق وذكر عن نعيم بن حماد الخزاعى أن ~~الفعل من لوازم الحياة وان الحى لا يكون إلا فعالا إلى غير ذلك من المعانى ~~التى تدل على علمه وعلم السلف بالحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول ~~PageV12P365 # وذكر أن كل واحدة من طائفتى ( اللفظية المثبتة والنافية ( تنتحل أبا عبد ~~الله وأن أحمد بن حنبل كثير مما ينقل عنه كذب وأنهم لم يفهموا بعض كلامه ~~لدقته وغموضه وأن الذى قاله وقاله الامام أحمد هو قول الأئمة والعلماء وهو ~~الذى دل عليه الكتاب والسنة ورأيت بخط القاضى أبى يعلى رحمه الله على ظهر ( ~~كتاب العدة ( بخطه قال نقلت من آخر ( كتاب الرسالة ( للبخارى فى أن القراءة ~~غيرالمقروء وقال وقع عندى عن أحمد بن حنبل على اثنين وعشرين وجها كلها ~~يخالف بعضها بعضا والصحيح عندى أنه قال ما سمعت عالما يقول لفظى بالقرآن ~~غير مخلوق قال وافترق أصحاب أحمد إبن حنبل على نحو من خمسين قال أبو عبد ~~الله البخارى قال ابن حنبل ( اللفظى ( الذى يقول القرآن بألفاظنا مخلوق # وكان ( أيضا ( قد نبغ فى أواخر عصر أبى عبد ms0218 الله من الكلابية ونحوهم ~~أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصرى الذى صنف مصنفات رد فيها ~~على الجهمية والمعتزلة وغيرهم وهو من متكلمة الصفاتية وطريقته يميل فيها ~~إلى مذهب أهل الحديث والسنة لكن فيها نوع من البدعة لكونه أثبت قيام الصفات ~~بذات الله ولم يثبت قيام الامور الاختيارية بذاته ولكن له فى الرد على ~~الجهمية نفاة الصفات والعلو من الدلائل والحجج وبسط القول ما بين به فضله ~~PageV12P366 فى هذا الباب وافساده لمذاهب نفاة الصفات بأنواع من الأدلة ~~والخطاب وصار ما ذكره معونة ونصيرا وتخليصا من شبههم لكثير من أولى الألباب ~~حتى صار قدوة وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات ~~وناقضوا نفاتها وإن كانوا قد شركوهم فى بعض أصولهم الفاسدة التى أوجبت فساد ~~بعض ماقالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول # وكان ممن اتبعه الحارث المحاسبى وأبو العباس القلانسى ثم أبو الحسن ~~الأشعرى وأبو الحسن بن مهدى الطبرى وأبو العباس الضبعى وأبو سليمان الدمشقى ~~وأبو حاتم البستى وغير هؤلاء المثبتين للصفات المنتسبين إلى السنة والحديث ~~المتلقبين بنظار أهل الحديث # وسلك طريقة إبن كلاب فى الفرق بين ( الصفات اللازمة ( كالحياة و ( الصفات ~~الاختيارية ( وان الرب يقوم به الأول دون الثانى كثير من المتأخرين من ~~أصحاب مالك والشافعى وأحمد كالتميميين أبى الحسن التميمى وإبنه أبى الفضل ~~التميمى وإبن إبنه رزق الله التميمى وعلى عقيدة الفضل التى ذكر أنها عقيدة ~~أحمد أعتمد أبو بكر البيهقى فيما ذكره من مناقب أحمد من الإعتقاد # وكذلك سلك طريقة إبن كلاب هذه أبو الحسن بن سالم واتباعه PageV12P367 ( ~~السالمية ( والقاضى أبو يعلى وأتباعه كابن عقيل وأبى الحسن بن الزاغونى وهى ~~طريقة أبى المعالى الجوينى وأبى الوليد الباجي والقاضى أبى بكر بن العربى ~~وغيرهم لكنهم افترقوا فى القرآن وفى بعض المسائل على قولين بعد اشتراكهم فى ~~الفرق الذى قرره إبن كلاب كما قد بسط كلام هؤلاء فى مواضع أخر # والامام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون عن هذا الأصل ~~الذى ms0219 أحدثه إبن كلاب ويحذرون عن أصحابه وهذا هو سبب تحذير الامام أحمد عن ~~الحارث المحاسبى ونحوه من الكلابية # ولما ظهر هؤلاء ظهر حينئذ من المنتسبين إلى إثبات الصفات من يقول إن الله ~~لم يتكلم بصوت فانكر أحمد ذلك وجهم من يقوله وقال هؤلاء الزنادقة إنما ~~يدورون على التعطيل وروى الآثار فى أن الله يتكلم بصوت وكذلك أنكر على من ~~يقول إن الحروف مخلوقة قال عبد الله ابن أحمد بن حنبل فى ( كتاب السنة ( ~~قلت لأبى إن ههنا من يقول إن الله لا يتكلم بصوت فقال يا بنى هؤلاء جهمية ~~زنادقة إنما يدورون على التعطيل وذكر الآثار فى خلاف قولهم PageV12P368 # وكذلك البخارى صاحب ( الصحيح ( وسائر الأئمة أنكروا ذلك أيضا وروى ~~البخارى فى آخر ( الصحيح ( وفى ( كتاب خلق الأفعال ( ما جاء فى ذلك من ~~الآثار وبين الفرق بين صوت الله الذى يتكلم به وبين أصوات العباد بالقرآن ~~موافقة منه للإمام أحمد وغيره من الأئمة حيث بين ان الله يتكلم بصوت كما ~~جاءت به الآثار وان ذلك ليس صوت العبد بالقراءة بل ذلك هو صوت العبد كما قد ~~نص على ذلك كله فى مواضع وعامة أئمة السنة والحديث على هذا الاثبات ~~والتفريق لا يوافقون قول من يزعم أن الكلام ليس فيه حرف ولا صوت ولا ~~يوافقون قول من يزعم أن الصوت المسموع من القراء وألفاظهم قديمة ولايقولون ~~أن القرآن ليس إلا الحروف والأصوات # وقد كتبت كلام ( الامام أحمد ( ونصوصه وكلام الأئمة قبله وبعده فى غير ~~هذا الموضع فإن جواب هذه ( المسألة ( لايحتمل البسط الكثير ولم يكن فى كلام ~~الامام أحمد ولا الأئمة أن الصوت الذى تكلم الله به قديم بل يقولون لم يزل ~~الله متكلما وقد يقولون لم يزل الله متكلما إذا شاء بما شاء كما يقول ذلك ~~الامام أحمد وإبن المبارك وغيرهما # وكذلك قد تنازع الناس فى زمنهم وبعده من أصحابهم وغيرهم فى معنى كون ~~القرآن غير مخلوق هل المراد به أن نفس الكلام قديم PageV12P369 أزلى كالعلم ~~أو أن الله لم يزل ms0220 موصوفا بانه متكلم يتكلم إذا شاء على قولين ذكرهما ~~الحارث المحاسبى عن أهل السنة وأبو بكر عبد العزيز فى ( كتاب الشافى ( عن ~~أصحاب الامام أحمد وذكرهما أبو عبد الله إبن حامد فى كتابه ( أصول الدين ( ~~والنزاع فى ذلك بين سائر طوائف السنة والحديث وهذا مبنى على أصل ( الصفات ~~الفعلية الاختيارية ( والنزاع فيه بين جميع الطوائف من أهل الحديث والسنة ~~والفقه والتصوف ومن دخل معهم من أهل المذاهب الأربعة وبين سائر الفرق حتى ~~بين الفلاسفة أيضا وقد حققت ذلك فى غير هذا الموضع # وهذا منشأ نزاع الذين وافقوا السلف على ان القرآن كلام الله غير مخلوق ~~فإن هؤلاء تنازعوا فى أن الرب هل يتكلم بمشيئته وقدرته على قولين فالذين ~~وافقوا بن كلاب قالوا أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل كلامه لازم لذاته ~~كحياته ثم من هؤلاء من عرف أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة العين فلم ~~يمكنه ان يقول القديم هو الحروف والاصوات لانها لا تكون الا متعاقبة والصوت ~~لا يبقى زمانين فضلا عن ان يكون قديما فقال القديم هو معنى واحد لامتناع ~~معانى لا نهاية لها وامتناع التخصيص بعدد دون عدد فقالوا هو معنى واحد ~~وقالوا ان الله لا يتكلم بالكلام العربى والعبرى وقالوا ان معنى التوراة ~~والانجيل والقرآن وسائر كلام الله معنى واحد PageV12P370 ومعنى آية الكرسى ~~واية الدين معنى واحد إلى غير ذلك من اللوازم التى يقول جمهور العقلاء انها ~~معلومة الفساد بضرورة العقل ومن هؤلاء من عرف ان الله تكلم بالقرآن العربى ~~والتوراة العبرية وانه نادى موسى بصوت وينادى عباده بصوت وان القرآن كلام ~~الله حروفه ومعانيه لكن اعتقدوا مع ذلك انه قديم العين وان الله لم يتكلم ~~بمشيئته وقدرته فالتزموا انه حروف واصوات قديمة الاعيان لم تزل ولا تزال ~~وقالوا ان الباء لم تسبق السين والسين لم تسبق الميم وان جميع الحروف ~~مقترنة بعضها ببعض اقترانا قديما ازليا لم يزل ولا يزال وقالوا هى مترتبة ~~فى حقيقتها وماهيتها غير مترتبة فى وجودها وقال كثير منهم أنها مع ms0221 ذلك شىء ~~واحد إلى غير ذلك من ( اللوازم ) التى يقول جمهور العقلاء انها معلومة ~~الفساد بضرورة العقل # ومن هؤلاء من يقول هو قديم ولا يفهم معنى القديم فاذا سئل عن ذلك قال هى ~~قديمة فى العلم ولا يعلم ان المخلوقات كالسماء والأرض بهذه المثابة مع انها ~~مخلوقة ومنهم من يقول قديم بمعنى انه متقدم على غيره ولا يعرف ان الذين ~~قالوا انه مخلوق لا ينازعون فى انه قديم بهذا المعنى ومنهم من يقول ان ~~مرادنا بانه قديم انه غير مخلوق ولا يفهم انه مع ذلك يكون ازليا لم يزل ~~وهؤلاء سمعوا PageV12P371 ممن يوافقهم على انه غير مخلوق قالوا هو قديم ~~فوافقوا على انه قديم ولم يتصوروا ما يقولونه # كما ان من الناس من قال هو غير مخلوق واراد بذلك انه غير مكذوب وهذا مما ~~لم يتنازع فيه الناس كما لم يتنازعوا فى انه قديم بمعنى انه متقدم على غيره # و ( القول الثانى ( قول من يقول ان الله يتكلم بمشيئته وقدرته مع ان ~~كلامه غير مخلوق وهذا قول جماهير اهل السنة والنظر وائمة السنة والحديث لكن ~~من هؤلاء من اعتقد ان الله لم يكن يمكنه ان يتكلم فى الازل بمشيئته كما لم ~~يكن يمكنه عندهم ان يفعل فى الازل شيئا فالتزموا انه تكلم بمشيئته بعد ان ~~لم يكن متكلما كما انه فعل بعد ان لم يكن فاعلا وهذا قول كثير من اهل ~~الكلام والحديث والسنة # ) # وأما السلف والائمة فقالوا ان الله يتكلم بمشيئته وقدرته وان كان مع ذلك ~~قديم النوع بمعنى انه لم يزل متكلما اذا شاء فان الكلام صفة كمال ومن يتكلم ~~اكمل ممن لا يتكلم ومن يتكلم بمشيئته وقدرته اكمل ممن لا يكون متكلما ~~بمشيئته وقدرته ومن لا يزال متكلما بمشيئته وقدرته اكمل ممن يكون الكلام ~~ممكنا له بعد ان يكون ممتنعا منه أو قدر أن ذلك ممكن فكيف اذا PageV12P372 ~~كان ممتنعا لامتناع ان يصير الرب قادرا بعد ان لم يكن وان يكون التكلم ~~والفعل ممكنا بعد ان كان ms0222 غير ممكن كما قد بسط هذا فى مواضع آخر # وكانت ( اللفظية الخلقية ( من أهل الحديث يقولون نقول أن ألفاظنا بالقرآن ~~مخلوقة وان التلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء و ( اللفظية المثبتة ( ~~يقولون نقول أن الفاظنا بالقرآن غير مخلوقة والتلاوة هى المتلو والقراءة هى ~~المقروء # وأما المنصوص الصريح عن الامام أحمد وأعيان أصحابه وسائر أئمة السنة ~~والحديث فلا يقولون مخلوقة ولا غير مخلوقة ولا يقولون التلاوة هى المتلو ~~مطلقا ولا غير المتلو مطلقا كما لا يقولون الاسم هو المسمى ولا غير المسمى # وذلك أن ( التلاوة والقراءة ( كاللفظ قد يراد به مصدر تلى يتلو تلاوة ~~وقرأ يقرأ قراءة ولفظ يلفظ لفظا ومسمى المصدر هو فعل العبد وحركاته وهذا ~~المراد باسم التلاوة والقراءة واللفظ مخلوق وليس ذلك هو القول المسموع الذى ~~هو المتلو وقد يراد باللفظ الملفوظ وبالتلاوة المتلو وبالقراءة المقروء وهو ~~القول المسموع وذلك هو المتلو ومعلوم أن القرآن المتلو الذى يتلوه العبد ~~ويلفظ PageV12P373 به غير مخلوق وقد يراد بذلك مجموع الأمرين فلا يجوز ~~إطلاق الخلق على الجميع ولا نفى الخلق عن الجميع # وصار ( إبن كلاب ( يريد بالتلاوة القرآن العربى وبالمتلو المعنى القائم ~~بالذات وهؤلاء إذا قالوا التلاوة غير المتلو وهى مخلوقة كان مرادهم أن الله ~~لم يتكلم بالقرآن العربى بل عندهم أن القرآن العربى مخلوق وهذا لم يقله أحد ~~من أئمة السنة والحديث ويظن هؤلاء أنهم يوافقون البخارى أو غيره ممن قد ~~يفرق بين التلاوة والمتلو وليس الأمر كذلك # ومن الآخرين من يقول ( التلاوة ( هى المتلو ويريد بذلك أن نفس ما تكلم ~~الله به من الحروف والأصوات هو الأصوات المسموعة من القراء حتى يجعل الصوت ~~المسموع من العبد هو صوت الرب وهؤلاء يقولون نفس صوت المخلوق وصفته هى عين ~~صفة الخالق وهؤلاء ( اتحادية حلولية فى الصفات ( يشبهون النصارى من بعض ~~الوجوه وهذا لم يقله أحد من أئمة السنة # ويظن هؤلاء أنهم يوافقون أحمد واسحق وغيرهما ممن ينكر على اللفظية وليس ~~الأمر كذلك فلهذا كان المنصوص عن الامام أحمد وأئمة السنة والحديث ms0223 أنه لا ~~يقال ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ولا غير PageV12P374 مخلوقة ولا أن التلاوة هى ~~المتلو مطلقا ولا غير المتلو مطلقا فان اسم القول والكلام قد يتناول هذا ~~وهذا ولهذا يجعل الكلام قسيما للعمل ليس قسما منه فى مثل قوله تعالى ( إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وقد يجعل قسما منه كما فى قوله ( ~~فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) قال طائفة من السلف عن قول لا ~~إله إلا الله ومنه قول النبى فى الحديث الصحيح ( لا حسد إلا فى اثنتين رجل ~~آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار فقال رجل لو أن لى مثل ما ~~لفلان لعملت فيه مثل مايعمل ( ولهذا تنازع أصحاب أحمد فيمن حلف لايعمل ~~اليوم عملا هل يحنث بالكلام على قولين ذكرهما القاضى أبو يعلى وغيره # ولم تكن ( اللفظية الخلقية ( ينكرون كون القرآن كلام الله حروفه ومعانيه ~~وأن الله يتكلم بصوت بل قد يقولون القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه فإن ~~الله يتكلم بصوت كما نص عليه أحمد والبخارى وغيرهما من الأئمة وكما جاءت به ~~الآثار ولكن يقولون المنزل إلى الأرض من الحروف والمعانى ليس هو نفس كلام ~~الله الذى ليس بمخلوق بل ربما سموها حكاية عن كلام الله كما يقوله ابن كلاب ~~أو عبارة عن كلام الله كما يقوله الأشعرى وربما سموها كلام الله لأن المعنى ~~مفهوم عندهم # PageV12P375 # ولكن لما حدث أبو محمد بن كلاب وناظر المعتزلة بطريق قياسية سلم لهم فيها ~~أصولا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف وامتناع قيام ( الصفات ~~الاختيارية ( بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك ~~لأن ذلك يستلزم أنه لم يخل من الحوادث وما لم يخل من الحوادث فهو حادث ~~اضطره ذلك إلى أن يقول ليس كلام الله إلا مجرد المعنى وان الحروف ليست من ~~كلام الله وتابعه على ذلك أبو الحسن الأشعرى وإن تنازعا فى ان الرب كان فى ~~فى الأزل آمرا ناهيا أو صار أمرا ناهيا بعد أن لم يكن وفى أن ( الكلام ( هل ms0224 ~~هو صفة واحدة كما يقوله الأشعرى أو خمس صفات كما يقوله إبن كلاب # وصار هؤلاء مخالفين لأئمة السنة والحديث فى شيئين # ( أحدهما ) أن نصف القرآن من كلام الله والنصف الآخر ليس كلام الله عندهم ~~بل خلقه الله فى الهواء أو فى اللوح المحفوظ أو أحدثه جبريل أو محمد وهؤلاء ~~فى كونهم جعلوا نصف القرآن مخلوقا موافقين لمن قال بخلقه لكن هؤلاء يقولون ~~ان هذا النصف المخلوق كلام الله وأولئك يقولون هو مخلوق منفصل عن الله وهو ~~كلامه لكن أولئك لا يجعلون لله كلاما متصلا به قائما بنفسه لا و معانى ولا ~~حروفا وهؤلاء يقولون لله كلام قائم به PageV12P376 متصل به هو معنى فصار ~~أولئك أشد بدعة فى نفيهم حقيقة الكلام عن الله وفى جعلهم كلام الله مخلوقا ~~وهؤلاء أشد بدعة فى إخراجهم ما هو من كلام الله عن أن يكون من كلام الله ~~وصاروا فى هذا موافقين الوحيد فى بعض قوله لا فى كله وهو قولهم أن نصف ~~القرآن ليس قول الله بل قول البشر # وربما استدل بعضهم بأنه مضاف إلى الرسول فيكون هو أحدث حروفه ولم يتأمل ~~هذا القائل فيرى أنه أضافه تارة إلى رسول هو جبريل وتارة إلى رسول هو محمد ~~بقوله فى الآية الأولى ( أنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ~~ثم أمين ) فهذا جبريل ( وقال فى الآية الأخرى ) ( أنه لقول رسول كريم وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) وهذا محمد ~~فلو كانت إضافته إليه لأنه ابتدأ حروفه وأحدثها لم يصلح أن يضاف إلى كل ~~منهما لا متناع أن يكون كل منهما هو أحدث حروفه و لأنه قال ( انه لقول رسول ~~) وهذا إخبار عن القرآن الذى هو بالمعنى أحق عندهم وعند أهل السنة أيضا فلو ~~كان الرسول ابتدأه لكان القرآن من عنده لا من عند الله وإنما أضافه الله ~~إلى الرسول لأنه بلغه وأداه وجاء به من عند الله ولهذا قال ( لقول رسول ) ~~ولم يقل لقول ms0225 ملك ولا نبى بل جاء باسم الرسول ليتبين PageV12P377 أنه واسطة ~~فيه وسفير والكلام كلام لمن اتصف به مبتدئا منشئا لا لمن تكلم به مبلغا ~~مؤديا كما يقال مثل ذلك فى جميع كلام الناس فكيف بكلام الله وهذا على القول ~~المشهور فى التفسير المطابق لظاهر القرآن أن الرسول فى أحد الموضعين محمد ~~وفى الآخر جبريل عليه السلام # وأما على قول طائفة جعلته فى الموضعين جبريل فيكون الجواب هو الثانى ~~والاثبات فى الحقيقة حجة لمن يقول إنما يتكلم بكلام الله ويقول قوله لأنه ~~جعل الرسول يقول قول الله الذى أرسله به والمعنى يراد من هذا قطعا كما أريد ~~منه اللفظ أيضا # وأيضا فان هؤلاء جعلوا الكلام الذى يتصف الله به معنى واحد وهو الأمر ~~والنهى والخبر والاستخبار وأنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن وأن عبر ~~عنه بالعبرية كان هو التوراة وإن عبر عنه بالسريانية كان هو الانجيل وهذا ~~مما أجمع جمهور العقلاء على أن فساده معلوم بالضرورة # و ( المعنى الثانى ( الذى خالفوا فيه أهل السنة والجماعة قولهم إن القرآن ~~المنزل إلى الأرض ليس هو كلام الله لا حروفه ولا معانيه بل هو مخلوق عندهم ~~ويقولون هو عبارة عن المعنى القائم بالنفس لأن PageV12P378 العبارة لا تشبه ~~المعبر عنه بخلاف الحكاية والمحكى وهذا فيه من زيادة البدع ما لم يكن فى ~~قول ( اللفظية ( من أهل الحديث الذين أنكر عليهم أئمة السنة وقالوا هم ( ~~جهمية ( إذ جعلوا الحروف من إحداث الرسول وليست مما تكلم الله به بحال ~~وقالوا أنه ليس لله فى الأرض كلام ولم يكن أيضا فى ( اللفظية ( القدماء ~~الذين يقولون لفظنا بالقرآن غير مخلوق من يقول إن صوت العبد غير مخلوق أو ~~أن الصوت القديم يسمع من العبد أو أن هذا الصوت صوت الله أو يسمع معه صوت ~~الله وإنما أحدث هذا أيضا المتطرفون منهم كما أحدث المتطرفون من أولئك أن ~~حروف القرآن ليست كلام الله فإن هاتين ( البدعتين ( الشنيعتين لم تكونا بعد ~~ظهرتا فى أولئك المنحرفين الذين أنكر الامام أحمد ms0226 وغيره قولهم من الطائفتين ~~وأن القرآن ليس إلا مجرد معنى قائم بالنفس وذلك المعنى إليه يعود كلام الله ~~من التوراة والانجيل والقرآن # و ( الأخرى ( قد رأت حروف القرآن من كلام الله وان القرآن كلام الله ~~حروفه ومعانيه وان المعنى الواحد يمتنع أن يكون هو الأمر والنهى والخبر ~~والاستخبار وأنه يمتنع أن يكون مدلول التوراة والانجيل والقرآن واحدا ~~وعلموا أنا إذا ترجمنا التوراة بالعربية لم يصر معناها معنى القرآن وأن هذه ~~الأقوال معلومة الفساد PageV12P379 بالضرورة عارضها بعضها لأن القرآن حرف ~~وصوت واعتقد بعضهم أنه ليس القرآن والكلام إلا مجرد الحروف والأصوات وأولئك ~~يقولون ليس الكلام إلا مجرد المعنى القائم بالنفس # وكلا هذين السلبين الجحودين الحادثين خلاف ما كان عليه الأئمة كالامام ~~أحمد وغيره من الأئمة وأعيان العلماء من سائر الطوائف فان الكلام عندهم إسم ~~للحروف والمعانى جميعا كما أن ( الانسان ( الناطق المتكلم اسم للجسد والروح ~~جميعا ومن قال أن الانسان ليس إلا هذه الجملة المشاهدة فهو بمنزلة من قال ~~ليس الكلام إلا الأصوات المقطعة ومن قال أن الانسان ليس إلا لطيفة وراء هذا ~~الجسد فهو بمنزلة من قال أن الكلام ليس إلا معنى وراء هذه الحروف والأصوات ~~وكلاهما جحد لبعض حقائق مسميات الاسماء وإنكار لحدود ماأنزل الله على رسوله # ( فصل ( # ثم إن فروخ ( اللفظية النافية ( الذين يقولون بأن حروف القرآن ليست من ~~كلام الله تروى عن منازعيها أنهم يقولون القرآن ليس هو إلا الأصوات ~~المسموعة من العبد وإلا المداد المكتوب فى الورق PageV12P380 وإن هذه ~~الاصوات وهذا المداد قديمان وهذا القول ما قاله أحد ممن يقول أن القرآن ليس ~~إلا الحروف والأصوات بل أنكروا ذلك وردوه وكذبوا من نقل عنهم أن المداد ~~قديم ولكن هذا القول قد يقوله الجهال المتطرفون كما يحكى عن أعيانهم مثل ~~سكان بعض الجبال أن الورق والجلد والوتد وما أحاط به من الحائط كلام الله ~~أو ما يشبه هذا اللغو من القول الذى لا يقوله مسلم ولا عاقل # وفروخ ( اللفظية المثبتة ( الذين يقولون أن القرآن ليس إلا الحروف ms0227 والصوت ~~تحكى عن منازعيها ان القرآن ليس محفوظا فى القلوب ولا متلو بالألسن ولا ~~مكتوبا فى المصاحف وهذا أيضا ليس قولا لأولئك بل هم متفقون على أن القرآن ~~محفوظ فى القلوب متلو بالألسنة مكتوب فى المصاحف لكن جهالهم وغاليتهم إذا ~~تدبروا حقيقة قول مقتصديهم أن القرآن العربى لم يتكلم الله به وأنه ليس إلا ~~معنى واحد قائم بالذات وأصوات العباد ومداد المصحف يدل على ذلك المعنى وأنه ~~ليس لله فى الأرض كلام فى الحقيقة وليس فى الأرض إلا ما هو دال على كلام ~~الله ولم يقل إلا ما هو دال على كلام الله وكلام الله إن عبر عنه بالعربية ~~كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان ~~إنجيلا وهو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتكلم الرب بمشيئته وقدرته ~~إلى PageV12P381 أمثال من حقائق قول المقتصدين أسقطوا حرمة المصحف وربما ~~داسوه ووطؤه وربما كتبوه بالعذرة أو غيرها # وهؤلاء أشد كفروا ونفاقا ممن يقول الجلد والورق كلام الله فان أولئك ~~آمنوا بالحق وبزيادة من الباطل وهؤلاء كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به ~~رسله فسوف يعلمون إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون فى الحميم ثم فى ~~النار يسجرون # وأما أهل العلم بالمقالة وأهل الايمان بالشريعة فيعظمون المصحف ويعرفون ~~حرمته ويوجبون له ما أوجبته الشريعة من الأحكام فانه كان فى قولهم نوع من ~~الخطأ والبدعة وفى مذهبهم من التجهم والضلال ما أنكروا به بعض صفات الله ~~وبعض صفات كلامه ورسله وجحدوا بعض ما أنزل الله على رسله وصاروا مخانيثا ~~للجهمية الذكور المنكرين لجميع الصفات لكنهم مع ذلك متأولون قاصدون الحق # وهم مع تجهمهم هذا يقولون أن القرآن مكتوب فى المصحف مثل ما أن الله ~~مكتوب فى المصحف وأنه متلو بالألسن مثل ما أن الله مذكور بالألسن ومحفوظ فى ~~القلوب مثل ما أن الله معلوم بالقلوب وهذا القول فيه نوع من الضلال والنفاق ~~والجهل بحدود ما أنزل الله على رسوله ( ما فيه ) وهو الذى أوقع الجهال فى ~~الاستخفاف بحرمة ms0228 PageV12P382 آيات الله وأسمائه حتى ألحدوا فى أسمائه ~~وآياته كما أن اطلاق الأولين أنه ليس للقرآن حقيقة إلا الحروف والأصوات ولا ~~يفرق بين صوت الله المسموع منه وصوت القارىء وإن القرآن قديم أوقع الجهال ~~منهم والكاذبين عليهم فى نقلهم عنهم أن أصوات العباد والمداد الذى فى ~~المصحف قديم وان الحروف التى هى كلام هى المداد وان كانوا لم يقولوا ذلك بل ~~أنكروه كما فرق الله بين الكلمات والمداد فى قوله ( قل لو كان البحر مدادا ~~لكمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربى ) فان هؤلاء غلطوا ( غلطين ( ~~غلطا فى مذهبهم وغلطا فى الشريعة # أما الغلط فى ( تصوير مذهبهم ( فكان الواجب أن يقولوا أن القرآن فى ~~المصحف مثل ما ان العلم والمعانى فى الورق فكما يقال العلم فى هذا الكتاب ~~يقال الكلام فى هذا الكتاب لأن الكلام عندهم هو المعنى القائم بالذات فيصور ~~له المثل بالعلم القائم بالذات لا بالذات نفسها # وأما الغلط فى ( الشريعة ) فيقال لهم أن القرآن فى المصاحف مثل ما أن اسم ~~الله فى المصحف فان القرآن كلام فهو محفوظ بالقلوب كما يحفظ الكلام بالقلوب ~~وهو مذكور بالألسنة كما يذكر PageV12P383 الكلام بالألسنة وهو مكتوب فى ~~المصاحف والأوراق كما أن الكلام يكتب فى المصاحف والأوراق والكلام الذى هو ~~اللفظ يطابق المعنى ويدل عليه والمعنى يطابق الموجودة فمن قال أن القرآن ~~محفوظ كما ان الله معلوم هو متلو كما ان الله مذكور ومكتوب كما ان الرسول ~~مكتوب فقد أخطأ القياس والتمثيل بدرجتين # فإنه جعل وجود الموجودات القائمة بأنفسها بمنزلة وجود العبارة الدالة على ~~المعنى المطابق لها والمسلمون يعلمون الفرق بين قوله تعالى ( أنه لقرآن ~~كريم فى كتاب مكنون ) وبين قوله تعالى ( وانه لفى زبر الأولين ) فان القرآن ~~لم ينزل على أحد قبل محمد لا لفظه ولا جميع معانيه ولكن أنزل الله ذكره ~~والخبر عنه كما أنزل ذكر محمد والخبر عنه فذكر القرآن فى زبر الأولين كما ~~أن ذكر محمد فى زبر الأولين وهو مكتوب عندهم فى التوراة والانجيل فالله ~~ورسوله ms0229 معلوم بالقلوب مذكور بالألسن مكتوب فى المصحف كما أن القرآن معلوم ~~لمن قبلنا مذكور لهم مكتوب عندهم وإنما ذاك ذكره والخبر عنه وأما نحن فنفس ~~القرآن أنزل الينا ونفس القرآن مكتوب فى مصاحفنا كما أن نفس القرآن فى ~~الكتاب المكنون وهو فى الصحف المطهرة # ولهذا يجب الفرق بين قوله تعالى ( وكل شىء فعلوه فى الزبر ) PageV12P384 ~~وبين قوله تعالى ( وكتاب مسطور فى رق منشور ) فان الأعمال فى الزبر كالرسول ~~وكالقرآن فى زبر الأولين وأما ( الكتاب المسطور فى الرق المنشور ( فهو كما ~~يكتب الكلام نفسه والصحيفة فأين هذا من هذا # وذلك أن كل شىء فله ( أربع مراتب ( فى الوجود وجود فى الأعيان ووجود فى ~~الأذهان ووجود فى اللسان ووجود فى البنان وجود عيني وعلمى ولفظى ورسمى ~~ولهذا كان أول ما أنزل الله من القرآن ( إقرأ باسم ربك الذى خلق ) وذكر ~~فيها أنه سبحانه معطى الوجودين فقال ( إقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان ~~من علق ) فهذا الوجود العينى ثم قال ( إقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم ~~علم الانسان مالم يعلم ) فذكر أنه أعطى الوجود العلمي الذهنى وذكر التعليم ~~بالقلم لأنه مستلزم لتعليم اللفظ والعبارة وتعليم اللفظ والعبارة مستلزم ~~لتعليم المعنى فدل بذكره آخر المراتب على أولها ( لأنه ) لو ذكر أولها أو ~~أطلق التعليم لم يدل ذلك على العموم والاستغراق # وإذا كان كذلك فالقرآن كلام والكلام له ( المرتبة الثالثة ( ليس بينه ~~وبين الورق مرتبة أخرى متوسطة بل نفس الكلام يثبت فى الكتاب كما قال الله ~~تعالى ( أنه لقرآن كريم فى كتاب PageV12P385 مكنون ) وقال تعالى ( بل هو ~~قرآن مجيد فى لوح محفوظ ) وقال ( يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ) وقال ( ~~كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره فى صحف مكرمة مرفوعة مطهرة ) وقال ( ولو نزلنا ~~عليك كتابا فى قرطاس ) # وقد يقال إنه مكتوب فيها كما يطلق القول أنه فيها كما قال تعالى ( والطور ~~وكتاب مسطور فى رق منشور ) وأما الرب سبحانه أو رسوله أو غير ذلك من ~~الأعيان فإنما فى الصحف اسمه وهو من الكلام ms0230 ولهذا قال ( الذين يتبعون ~~الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والانجيل ) وإنما ~~فى التوراة كتابته وذكره وصفته واسمه وهى ( المرتبة الرابعة ( منه فكيف ~~يجوز تشبيه كون القرآن أو الكلام فى الصحف أو الورق بكون الله أو رسوله أو ~~السماء أو الأرض فى الصحف أو الورق # ولو قال قائل الله أو رسوله فى الصحف أو الورق لأنكر ذلك إلا مع قرائن ~~تبين المراد كما فى قوله ( وكل شىء فعلوه فى الزبر ) وفى قوله ( وانه لفي ~~زبر الأولين ) فان المراد بذلك ذكره وكتابته و ( الزبر ( جمع زبور والزبور ~~فعول بمعنى مفعول أى مزبور أى مكتوب فلفظ الزبور يدل على الكتابة وهذا مثل ~~ما فى الحديث المعروف عن ميسرة الفجر ( قال قلت يا رسول الله PageV12P386 ~~متى كنت نبيا وفى رواية متى كتبت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد ( رواه ~~أحمد فهذا الكون هو كتابته وتقديره وهو ( المرتبة الرابعة ) كما تقدم # فإن هذه المرتبة تتقدم وجود المخلوقات عند الله وعند من شاء من خلقه وإن ~~كانت قد تتأخر أيضا في ( إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات ~~والأرض بخمسين ألف سنة ( رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن عمرو عن النبى ~~ولهذا قال إبن عباس فى قوله ( أنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) ان الله ~~يأمر الملائكة بأن تنسخ من اللوح المحفوظ ما كتبه من القدر ويأمر الحفظة أن ~~تكتب أعمال بنى آدم فتقابل بين النسختين فتكونان سواء ثم يقول بن عباس ~~الستم قوما عربا وهل تكون النسخة إلا من أصل # والتقدير والكتابة تكون تفصيلا بعد جملة فالله تعالى لما قدر مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة لم يظهر ذلك التقدير ~~للملائكة ولما خلق آدم قبل أن ينفخ فيه الروح أظهر لهم ما قدره كما يظهر ~~لهم ذلك من كل مولود كما فى الصحيح عن إبن مسعود عن النبى أنه قال ( يجمع ~~خلق أحدكم فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ms0231 ذلك ثم ~~PageV12P387 يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ~~ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد ( وفى طريق آخر وفى ~~رواية ( ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال اكتب رزقه وعمله وأجله ~~وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ( # فأخبر فى هذا الحديث الصحيح أن الملك يؤمر بكتابة رزقه وأجله وعمله وشقي ~~أو سعيد بعد خلق جسد بن آدم وقبل نفخ الروح فيه فكان ما كتبه الله من نبوة ~~محمد الذى هو سيد ولد آدم بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه من هذا الجنس ~~كما فى الحديث الآخر الذى فى المسند وغيره من العرباض بن سارية عن النبى ~~قال ( اني عند الله مكتوب خاتم النبيين وان آدم لمنجدل فى طينته ( وهذا ~~وأمثاله من وجود والأعيان فى الصحف # وأما وجود الكلام فى الصحف فنوع آخر ولهذا حكى إبن قتيبة من مذهب أهل ~~الحديث والسنة أن القرآن فى المصحف حقيقة لا مجازا كما يقوله بعض المتكلمة ~~وإحدى ( الجهميات ( التى أنكرها أحمد وأعظمها قول من زعم أن القرآن ليس فى ~~الصدور ولا فى المصاحف وان من قال ذلك فقد قال بقول النصارى كما حكى له ذلك ~~عن موسى PageV12P388 بن عقبة الصورى أحد كتبة الحديث إذ ذاك ليس هو صاحب ~~المغازى فان ذلك قديم من أصحاب التابعين فأعظم ذلك أحمد وذكر النصوص ~~والآثار الواردة وذلك مثل قوله ( استذكروا القرآن فلهو اشد تفصيا من صدور ~~الرجال من النعم من عقلها ( ومثل قوله ( الجوف الذى ليس فيه شىء من القرآن ~~كالبيت الخرب ( وغير ذلك # وليس الغرض هنا الا التنبيه اللطيف # ومن قال أن هذا شبه قول النصارى فلم يعرف قول النصارى ولا قول المسلمين ~~أو علم وجحد وذلك أن النصارى تقول أن الكلمة وهى جوهر إله عندهم ورب معبود ~~تدرع الناسوت واتحد به كاتحاد الماء واللبن أو حل فيه حلول الماء فى الظرف ~~أو اختلط به اختلاط النار والحديد والمسلمون لا يقولون أن القرآن جوهر ms0232 قائم ~~بنفسه معبود وإنما هو كلام الله الذى تكلم به ولا يقولون اتحد بالبشر # وأما اطلاق حلوله فى المصاحف والصدور فكثير من المنتسبين إلى السنة ~~الخراسانيين وغيرهم يطلق ذلك ومنهم من العراقيين وغيرهم من ينفى ذلك ويقول ~~هو فيه على وجه الظهور لا على وجه الحلول PageV12P389 ومنهم من لا يثبته ~~ولا ينفيه بل يقول القرآن فى القلوب والمصاحف لا يقال هو حال ولا غير حال ~~لما فى النفى والاثبات من إيهام معنى فاسد وكما يقول ذلك طوائف من الشاميين ~~وغيرهم ولا نزاع بينهم ان كلام الله لا يفارق ذات الله وانه لا يباينه ~~كلامه ولا شىء من صفاته بل ليس شىء من صفة موصوف تباين موصوفها وتنتقل إلى ~~غيره فكيف يتوهم عاقل ان كلام الله يباينه وينتقل إلى غيره # ولهذا قال الامام أحمد كلام الله من الله ليس بيائن منه وقد جاء فى ~~الأحاديث والآثار ( انه منه بدأ ومنه خرج ) ومعنى ذلك انه هو المتكلم به لم ~~يخرج من غيره ولا يقتضى ذلك انه باينه وانتقل عنه فقد قال سبحانه فى حق ~~المخلوقين ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون إلا كذبا ) ومعلوم ان ~~كلام المخلوق لا يباين محله وقد علم الناس جميعهم أن نقل الكلام وتحويله هو ~~معنى تبليغه كما قال ( بلغ ما أنزل إليك من ربك ) وقال تعالى ( الذين ~~يبلغون رسالات الله ويخشونه ) وقال تعالى ( ليعلم ان قد ابلغوا رسالات ربهم ~~) وقال النبى ( نضر الله امراءا سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب ~~حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه ) وقال ( بلغوا عنى ولو ~~آية ) # والكلام فى الورق ليس هو فيه كما تكون الصفة بالموصوف PageV12P390 والعرض ~~بالجوهر بحيث تصير صفة له ولا هو فيه كما يكون الجسم فى الحيز الذى انتقل ~~اليه من حيز آخر ولا هو فيه كمجرد الدليل المحض بمنزلة العالم الذى هو دليل ~~على الصانع بل هو قسم آخر معقول بنفسه ولا يجب ان يكون لكل موجود نظير ms0233 ~~يطابقه من كل وجه بل الناس بفطرهم يفهمون معنى كلام المتكلم فى الصحيفة ~~ويعلمون ان كلامه الذى قام به لم يفارق ذاته ويحل فى غيره ويعلمون أن ما فى ~~الصحيفة ليس مجرد دليل على معنى فى نفسه ابتداء بل ما فى الصيحفة مطابق ~~للفظه ولفظه مطابق لمعناه ومعناه مطابق للخارج وقد يعلم ما فى نفسه بأدلة ~~طبعية وبحركات ارادية لم يقصد بها الدلالة ولا يقول أحد ان ذلك الكلام ~~للمتكلم مثل كلامه المسموع منه فلو كان الكلام إنما سمى بذلك لمجرد الدلالة ~~لشاركه كل دليل وسنتكلم ان شاء الله تعالى على ذلك # ولو كان ما فى المصحف وجب احترامه لمجرد الدلالة وجب احترام كل دليل بل ~~الدال على الصانع وصفاته أعظم من الدال على كلامه وليست له حرمة كحرمة ~~المصحف والدال على المعنى القائم بنفس والانسان قد يعلم تارة بغير اختياره ~~وقد يعلم بأصوات طبعية كالبكاء وقد يعلم بحركات لم يقصد بها الدلالة وقد ~~يعلم بحركات يقصد بها الدلالة كالاشارة وقد يعلم باللفظ الذى تقصد به ~~الدلالة # PageV12P391 # ( فصل ( وصار هؤلاء الذين غلطوا مذهب ( اللفظية ( وزادوا فيه شرا كثيرا ~~إذ قالوا ( القراءة ( غير المقروء و ( التلاوة ( غير المتلو و ( الكتابة ( ~~غير المكتوب إنما يعنون بالقراءة أصوات القارئين و ب ( الكتابة ( مداد ~~الكاتبين ويعنون أن هذا غير المعنى القائم بالذات الذى هو كلام الله وإنما ~~هو دلالة عليه وعبارة عنه وليس عندهم الا قراءة ومقروء فلم يبق إلا صوت ~~ومداد ومعنى قائم بالذات ليس ثم قرآن غير ذلك # وأسقطوا حروف كلام الله التى تكلم بها وحقيقة معانى القرآن التى فى نفس ~~الله تعالى وأسقطوا أيضا معانى القرآن التى فى نفوس القارئين والمستمعين ~~فانه لا ريب أن القرآن الذى نقرأه فيه حروف ومعانى حروف منطوقة ومسطورة ~~فإذا لم يكن عندهم إلا صوت العبد وحبر المصحف فأين المعانى وأين حروف ~~القرآن التى أنزلها الله وإن كانت عندهم مخلوقة وكيف يتصور أن لا يكون ~~لجميع ما أنزل الله تعالى من الكتب إلا معنى واحد يكون ms0234 أمرا ونهيا ووعدا ~~ووعيدا PageV12P392 وتكون هذه أوصافه لا أقسامه فان هؤلاء يقولون أن معانى ~~جميع كلام الله معنى واحد فمعنى ( تبت يدا أبى لهب ) هو معنى ( قل هو الله ~~أحد ) ومعنى التوراة هو معنى القرآن والانجيل ثم قد يجعلون معانى الكلام ~~كلها الخبر وقد يجعلون معنى الخبر العلم ويجعلون العلم بهذا غير العلم بهذا # ولهذا كان أكثر العقلاء يقولون فساد هذا معلوم بالاضطرار ويقولون الامر ~~والنهى والخبر صفات اضافية للكلام وليست هي أنواع الكلام وأقسامه وكلام ~~الله شأنه أعظم من شأن كلام المخلوقين والكلام الذى فى المصحف هو من هذا ~~القسم الاخير دون الأقسام المتقدمة فكيف إذا كان لذلك اللفظ من الخصائص ما ~~قيل فيه ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) # لكن من الاشياء ما يدل على غيره بقصد منه ( ومنها ما يدل على ) غيره ( ~~بغيره قصد منه ) للدلالة كالجامدات فان فيها مقاصد غير دلالتها على ( ~~الخالق ) ومن الأشياء مالا يقصد به إلا الدلالة بحيث إذا ذكر ما يقصد بذكره ~~ذكر مدلوله كالاسم مع مسماه فالمقصود من الاسم هو المسمى فلهذا إذا ذكر ~~الاسم كان المقصود به المسمى وكذلك ( اللفظ ( مع المعنى الذى هو مدلوله ~~وكذلك ( الخط ( مع اللفظ فالمقصود من الخط PageV12P393 إنما هو اللفظ ~~والمقصود من الحروف المرسومة هو الحروف المنطوقة ولهذا كان لفظ الحرف مقولا ~~عليهما جميعا فإذا قيل الكلام من الكتاب عرف ان المقصود مما فى الكتاب هو ~~الكلام دون غيره ولهذا كان هذا من الاختصاص بالحرمة ما ليس لما يقصد منه ~~الدلالة وغير الدلالة والله أعلم # ( فصل ( وصار أولئك الذين غلطوا مذهب ( اللفظية المثبتة ( الذى يقولون ~~لفظنا بالقرآن غير مخلوق ويقولون ( التلاوة ( هي المتلو و ( الكتابة ( هي ~~المكتوب وما عندهم من القرآن إلا ما توهموا من الحروف والأصوات يلتزم أحدهم ~~أن الصوت القديم يسمع من القارىء ويوهمون المخالف لهم أن عين الصوت المسموع ~~من العبد هو عين الصوت الذى تكلم الله به وينكرون ms0235 معانى حقائق القرآن أن ~~تكون من كلام الله ولا يجعلون المعنى من كلام الله وكان السلف يقولون ~~القرآن كلام الله غير مخلوق والقرآن حيث تصرف فهو كلام الله غير مخلوق # و ( اللفظية المبتدعة المثبتة ( الذين انكر عليهم الامام أحمد وغيره ~~PageV12P394 إنما قالوا لفظنا به غير مخلوق ولم يقولوا قديم فجاءت المغلطة ~~لمذهبهم فقالوا لفظنا به قديم ولفظنا به أصواتنا فأصواتنا به قديمه والامام ~~أحمد وسائر الأئمة من أصحابه الذين صحبوه وغيرهم ومن بعدهم من الأئمة ~~ينكرون هذه ( المراتب الأربع ( فانهم ينكرون أن يقال لفظى به غير مخلوق ~~فكيف لفظى به قديم فكيف صوتى به غير مخلوق فكيف صوتى به قديم أو بعض الصوت ~~المسموع قديم ونحو ذلك # ( فصل ( # ومن تأمل نصوص ( الامام أحمد ( فى هذا الباب وجدها من أسد الكلام وأتم ~~البيان ووجد كل طائفة منتسبة إلى السنة قد تمسكت منها بما تمسكت ثم قد يخفى ~~عليها من السنة فى مواضع آخر ما ظهر لبعضها فتنكره # ومنشأ النزاع بين أهل الأرض والاضطراب العظيم الذى لا يكاد ينضبط فى هذا ~~الباب يعود إلى ( أصلين ( # ( مسألة ( تكلم الله بالقرآن وسائر كلامه # و ( مسألة ( تكلم العباد بكلام الله # PageV12P395 وسبب ذلك أن التكلم والتكليم له مراتب ودرجات وكذلك تبليغ ~~المبلغ لكلام غيره له وجوه وصفات من الناس من يدرك من هذه الدرجات والصفات ~~بعضها وربما لم يدرك إلا أدناها ثم يكذب بأعلاها فيصيرون مؤمنين ببعض ~~الرسالة كافرين ببعضها ويصير كل من الطائفتين مصدقة بما أدركته مكذبة بما ~~مع الآخرين من الحق وقد بين الله فى كتابه وسنة رسوله ذلك فقال تعالى ( وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى ~~بإذنه ما يشاء ) وقال تعالى ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ~~ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ( وقال ( تلك الرسل ms0236 فضلنا ~~بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس ) # ففى هذه الآية خص بالتكليم بعضهم وقد صرح فى الآية الأخرى بأنه كلم موسى ~~تكليما واستفاضت الآثار بتخصيص موسى بالتكليم فهذا التكليم الذى خص به موسى ~~على نوح وعيسى ونحوهما ليس هو PageV12P396 التكليم العام الذى قال فيه ( ~~وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء ) فإن هذه الآية قد جمع فيها جميع درجات التكليم كما ذكر ذلك ~~السلف # فروينا فى كتاب ( الابانة ( لأبى نصر السجزى وكتاب البيهقى وغيرهما عن ~~عقبة قال سئل إبن شهاب عن هذه الآية ( وما كان البشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء إنه على حكيم ) ~~قال بن شهاب نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من البشر فكلام الله ~~الذى كلم به موسى من وراء حجاب والوحى ما يوحى الله إلى النبى من أنبيائه ~~عليهم السلام ليثبت الله عز وجل ما أراد من وحيه فى قلب النبى ويكتبه وهو ~~كلام الله ووحيه ومنه ما يكون بين الله وبين رسله ومنه ما يتكلم به ~~الأنبياء ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابته ولكنهم يحدثون به الناس ~~حديثا ويبينونه لهم لأن الله أمرهم أن يبينوه للناس ويبلغوهم إياه ومن ~~الوحى ما يرسل الله به من يشاء ممن اصطفاه من ملائكته فيكلمون به انبياءه ~~من الناس ومن الوحى ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحيه وحيا فى ~~قلب من يشاء من رسله # قلت فالأول الوحى وهو الاعلام السريع الخفى إما فى اليقظة PageV12P397 ~~وإما فى المنام فان رؤيا الأنبياء وحى ورؤيا المؤمنين جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة كما ثبت ذلك عن النبى فى الصحاح وقال عبادة بن الصامت ويروى ~~مرفوعا رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده فى المنام ( وكذلك فى ( اليقظة ~~( فقد ثبت فى الصحيح ms0237 عن النبى أنه قال ( قد كان فى الأمم قبلكم محدثون فان ~~يكن فى أمتى فعمر ( وفى رواية فى الصحيح ( مكلمون ( وقد قال تعالى ( وإذ ~~أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى ( وقال تعالى ( وأوحينا إلى أم ~~موسى أن أرضعيه ) بل قد قال تعالى ( وأوحى فى كل سماء أمرها ) وقال تعالى ( ~~وأوحى ربك إلى النحل ) # فهذا الوحى يكون لغيرالأنبياء ويكون يقظة ومناما وقد يكون بصوت هاتف يكون ~~الصوت فى نفس الانسان ليس خارجا عن نفسه يقظة ومناما كما قد يكون النور ~~الذى يراه أيضا فى نفسه فهذه ( الدرجة ( من الوحى التى تكون فى نفسه من غير ~~ان يسمع صوت ملك فى أدنى المراتب وآخرها وهى أولها باعتبار السالك وهى التى ~~أدركتها عقول الالهيين من فلاسفة الاسلام الذين فيهم اسلام وصبوء فآمنوا ~~ببعض صفات الأنبياء والرسل وهو قدر مشترك بينهم وبين غيرهم ولكن كفروا ~~بالبعض فتجد بعض PageV12P398 هؤلاء يزعم أن النبوة مكتسبة أو أنه قد استغنى ~~عن الرسول أو ان غير الرسول قد يكون أفضل منه وقد يزعمون أن كلام الله ~~لموسى كان من هذا النمط وأنه إنما كلمه من سماء عقله وان الصوت الذى سمعه ~~كان فى نفسه أو أنه سمع المعنى فائضا من العقل الفعال أو أن أحدهم قد يصل ~~إلى مقام موسى # ومنهم من يزعم أنه يرتفع فوق موسى ويقولون إن موسى سمع الكلام بواسطة ما ~~فى نفسه من الأصوات ونحن نسمعه مجردا عن ذلك ومن هؤلاء من يزعم أن جبريل ~~الذى نزل على محمد هو الخيال النورانى الذى يتمثل فى نفسه كما يتمثل فى نفس ~~النائم ويزعمون أن القرآن أخذه محمد عن هذا الخيال المسمى بجبريل عندهم ~~ولهذا قال ابن عربى صاحب ( الفصوص ( و ( الفتوحات المكية ( أنه يأخذ من ~~المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى به إلى الرسول وزعم أن مقام ( النبوة ~~( دون الولاية وفوق ( الرسالة ( فان محمدا بزعمهم الكاذب يأخذ عن هذا ~~الخيال النفسانى الذى سماه ملكا وهو يأخذ عن العقل المجرد الذى أخذ منه هذا ms0238 ~~الخيال # ثم هؤلاء لا يثبتون لله كلاما اتصف به فى الحقيقة ولا يثبتون أنه قصد ~~إفهام أحد بعينه بل قد يقولون لا يعلم أحدا بعينه إذ علمه PageV12P399 ~~وقصده عندهم إذا اثبتوه لم يثبتوه إلا كليا لا يعين أحدا بناء على أنه يعلم ~~الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلى وقد يقرب أو يقرب من مذهبهم من ~~قال باسترسال علمه على أعيان الأعراض وهذا الكلام مع أنه كفر باتفاق ~~المسلمين فقد وقع فى كثير منه من له فضل فى الكلام والتصوف ونحو ذلك ولولا ~~أنى أكره التعيين فى هذا الجواب لعينت أكابر من المتأخرين # وقد يكون الصوت الذى يسمعه خارجا عن نفسه من جهة الحق تعالى على لسان ملك ~~من ملائكته أو غير ملك وهو الذى أدركته الجهمية من المعتزلة ونحوهم ~~واعتقدوا أنه ليس لله تكليم إلا ذلك وهو لا يخرج عن قسم الوحى الذى هو أحد ~~أقسام التكليم أو قسيم التكليم بالرسول وهو ( القسم الثانى ( حيث قال تعالى ~~( أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ) فهذا إيحاء الرسول وهو غيرالوحى ~~الأول من الله الذى هو أحد أقسام التكليم العام # وإيحاء الرسول أيضا ( أنواع ( ففى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ( أن ~~الحارث بن هاشم سأل النبى كيف يأتيك الوحى قال أحيانا يأتينى مثل صلصلة ~~الجرس وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا ~~فيكلمنى فاعى ما يقول ( قالت عائشة رضى الله عنها ولقد رأيته PageV12P400 ~~ينزل عليه فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا # فأخبر أن نزول الملك عليه تارة يكون فى الباطن بصوت مثل صلصلة الجرس ~~وتارة يكون متمثلا بصورة رجل يكلمه كما كان جبريل يأتى فى صورة دحية الكلبى ~~وكما تمثل لمريم بشرا سويا وكما جاءت الملائكة لابراهيم وللوط فى صورة ~~الآدميين كما أخبر الله بذلك فى غير موضع وقد سمى الله كلا النوعين إلقاء ~~الملك وخطابه وحيا لما فى ذلك من الخفاء فانه إذا رآه يحتاج أن يعلم ms0239 أنه ~~ملك وإذا جاء فى مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما فى الصوت # و ( القسم الثالث ( التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى عليه السلام ولهذا ~~سمى الله هذا ( نداء ( و ( نجاء ( فقال تعالى ( وناديناه من جانب الطور ~~الأيمن وقربناه نجيا ) وقال تعالى ( فلما أتاها نودى ياموسى إنى أنا ربك ~~فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ) وهذا ~~التكليم مختص ببعض الرسل كما قال تعالى ( تلك الرسل فضلنابعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ) وقال تعالى ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) وقال ~~بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء ( وكلم الله موسى تكليما ) فمن جعل هذا من جنس ~~الوحى الأول كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة PageV12P401 ومن تكلم فى ~~التصوف على طريقهم كما فى ( مشكاة الأنوار ( وكما فى ( كتاب خلع النعلين ( ~~وكما فى كلام الاتحادية كصاحب ( الفصوص ( وأمثاله فضلاله ومخالفته للكتاب ~~والسنة والاجماع بل وصريح المعقول من أبين الأمور # وكذلك من زعم أن تكليم الله لموسى إنما هو من جنس الالهام والوحى وان ~~الواحد منا قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى كما يوجد مثل ذلك فى كلام ~~طائفة من فروخ الجهمية الكلابية ونحوهم فهذا أيضا من أعظم الناس ضلالا # وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحى والكلام فى كتاب الله فيهما عموم ~~وخصوص فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر كما اندرج الوحى فى التكليم ~~العام فى هذه الآية واندرج التكليم فى الوحى العام حيث قال تعالى ( فاستمع ~~لما يوحى ) واما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحى الخاص الخفى الذى ~~يشترك فيه الأنبياء وغيرهم كما أن الوحى المشترك الخاص لا يدخل فيه التكليم ~~الخاص الكامل كما قال تعالى لزكريا ( آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ~~) ثم قال تعالى ( فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم ) ( فالايحاء ( ليس ~~بتكليم ولا يناقض الكلام وقوله تعالى فى الآية الأخرى ( أن لا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا ) أن جعل PageV12P402 معنى الاستثناء منقطعا اتفق ms0240 معنى ~~التكليم فى الآيتين وان جعل متصلا كان التكليم مثل التكليم فى سورة الشورى ~~وهو التكليم العام وقد تبين أنه إنما كلم موسى تكليما خاصا كاملا بقوله ( ~~منهم من كلم الله ) مع العلم بأن الجميع أوحى إليهم وكلمهم التكليم العام ~~وبأنه فرق بين تكليمه وبين الايحاء إلى النبيين وكذا التكليم بالمصدر وبأنه ~~جعل التكليم من وراء حجاب قسما غير إيحائه وبما تواتر عن النبى وأصحابه من ~~تكليمه الخاص لموسى منه إليه وقد ثبت أنه كلمه بصوت سمعه موسى كما جاءت ~~الآثار بذلك عن سلف الأمة وأئمتها موافقة لما دل عليه الكتاب والسنة # وغلطت هنا ( الطائفة الثالثة ( الكلابية فاعتقدت أنه إنما أوحى إلى موسى ~~عليه السلام معنى مجردا عن صوت # واختلف هل يسمع ذلك فقال بعضهم يسمع ذلك المعنى بلطيفة خلقها فيه قالوا ~~أن السمع والبصر والشم والذوق واللمس معان تتعلق بكل موجود كما قال ذلك ~~الأشعرى وطائفة وقال بعضهم لم يسمع موسى كلام الله فانه عنده معنى والمعنى ~~لا يسمع كما قال ذلك القاضى أبو بكر وطائفة # وهذا الذى أثبتوه فى جنس الوحى العام الذى فرق الله عز وجل PageV12P403 ~~بينه وبين تكليمه لموسى عليه السلام حيث قال ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده ) إلى قوله ( وكلم الله موسى تكليما وفرق بين ~~إيحائه وبين تكليمه من وراء حجاب حيث قال ( إلا وحيا أو من وراء حجاب ) ~~وحيث فرق بين الرسول المكلم وغيره بقوله تعالى ( منهم من كلم الله ) # لكن هؤلاء يثبتون أن لله كلاما هو معنى قائم بنفسه هو متكلم به وبهذا ~~صاروا خيرا ممن لا يثبت له كلاما إلا ما أوحى فى نفس النبى من المعنى أو ما ~~سمعه من الصوت المحدث ولكن لفرط ردهم على هؤلاء زعموا أنه لا يكون كلاما ~~لله بحال إلا ما قام به فانه لا يقوم به إلا المعنى فانكروا أن تكون الحروف ~~كلام الله وأن يكون القرآن العربى كلام الله # وجاءت ( الطائفة الرابعة ( فردوا على هؤلاء دعواهم أن يكون الكلام ms0241 مجرد ~~المعنى فزعمم بعضهم أن الكلام ليس إلا الحرف أو الصوت فقط وإن المعانى ~~المجردة لا تسمى كلاما أصلا وليس كذلك بل الكلام المطلق اسم للمعانى ~~والحروف جميعا وقد يسمى أحدهما كلاما مع التقييد كما يقول النحاة ( الكلام ~~( اسم وفعل وحرف فالمقسوم هنا اللفظ وكما قال الحسن البصرى ما زال أهل ~~العلم يعودون بالتكلم على التفكر وبالتفكر على التدبر ويناطقون القلوب حتى ~~نطقت وكما قال PageV12P404 الجنيد ( التوحيد ( قول القلب ( والتوكل ( عمل ~~القلب فجعلوا للقلب نطقا وقوة كما جعل النبى للنفس حديثا فى قوله ( إن الله ~~تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ثم قال ما لم تتكلم به أو تعمل به ( # فعلم أن ( الكلام المطلق ( هو ما كان بالحروف المطابقة للمعنى وإن كان مع ~~التقييد قد يقع بغير ذلك حتى إنهم قد يسمون كل إفهام ودلالة يقصدها الدال ~~قولا سواء كانت باللفظ أو الاشارة أو العقد عقد الاصابع وقد يسمون أيضا ~~الدلالة قولا وإن لم تكن بقصد من الدال مثل دلالة الجامدات كما يقولون قالت ~~( اتساع بطنه ( % وامتلأ الحوض وقال قطني % قطنى رويدا قد ملأت بطنى % ~~وقالت له العينان سمعا وطاعة % $ # ويسمى هذا لسان الحال ودلالة الحال ومنه قولهم سل الأرض من فجر أنهارك ~~وسقى ثمارك وغرس أشجارك فان لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا ومنه قولهم % ~~تخبرنى العينان مالقلب كاتم % ولا خير فى الحيا والنظر الشرز % $ # ومنه قولهم PageV12P405 % سألت الدار تخبرنى % عن الأحباب ما فعلوا % فقا ~~لي أناخ القوم % أياما وقد رحلوا % $ ) # وقد يسمى شهادة وقد زعم طائفة ان ما ذكر فى القرآن من تسبيح المخلوقات هو ~~من هذا الباب وهو دلالتها على الخالق تعالى ولكن الصواب ان ثم تسبيحا آخر ~~زائدا على ما فيها من الدلالة كما قد سبق فى موضع آخر لكن هذا كله يكون مع ~~التقيد والقرينة ولهذا يصح سلب الكلام والقول عن هذه الأشياء كما قال تعالى ~~( الم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ) وقال تعالى ( أفلا يرون ألا ~~يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ms0242 ولا نفعا ) وقال الخليل عليه السلام ( ~~فاسألوهم أن كانوا ينطقون ) وقال تعالى ( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون ) وقال تعالى ( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) ~~وقال تعالى ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) وهذا معلوم بالضرورة ~~والتواتر وهو سلب القول والكلام عن الحى الساكت والعاجز فكيف عن الموات # وقد علم ان الله تعالى موصوف بغاية صفات الكمال وان الرسل قد أثبتوا أنه ~~متكلم بالكلام الكامل التام فى غاية الكمال فمن لم يجعل كلامه إلا مجرد ~~معنى أو مجرد حروف أو مجرد حروف وأصوات فما قدر الله حق قدره ومن لم يجعل ~~كلامه إلا ما يقوم PageV12P406 بغيره فقد سلبه الكمال وشبهه بالموت وكذلك ~~من لم يجعله يتكلم بمشيئته أو جعله يتكلم بمشيئته وقدرته ولكن جعل الكلام ~~من جملة المخلوقات وجعله يوصف بمخلوقاته أو جعله يتكلم بعد أن لم يكن ~~متكلما فكل من هذه الأقوال وإن كان فيه إثبات بعض الحق ففيه رد لبعض الحق ~~ونقص لما يستحقه الله من الكمال # ( فصل ( # وكل من هؤلاء أدرك من درجات الكلام وأنواعه بعض الحق # وكذلك ( الأصل الثانى ( وهو تكلمنا بكلام الله # فان الكتاب والسنة والاجماع دل على أن هذا الذى يقرأه المسلمون هو كلام ~~الله لا كلام غيره ولو قال أحد إن حرفا منه أو معنى ليس هو من كلام الله أو ~~أنه كلام غير الله وسمع ذلك منه النبى أو أحد من أصحابه لعلم بالاضطرار ~~انهم كانوا يقابلونه بما يقابلون أهل الجحود والضلال بل قد أجمع الخلائق ~~على نحو ذلك فى كل كلام فجميع الخلق الذين يعلمون أن قوله % ألا كل شىء ما ~~خلا الله باطل % PageV12P407 من شعر لبيد يعلمون أن هذا كلام لبيد وأن قوله ~~% قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل % $ # هو من كلام امرىء القيس مع علمهم أنهم إنما سمعوها من غيره بصوت ذلك ~~الغير فجاء المؤمنون ببعض الحق دون بعض فقالوا ليس هذا أو لا نسمع إلا صوت ~~العبد ولفظه ثم قال ( النفاة ( ولفظ العبد ms0243 محدث وليس هو كلام الله فهذا ~~المسموع محدث وليس هو كلام الله وقالت ( المثبتة ( بل هذا كلام الله وليس ~~إلا لفظه أو صوته فيكون لفظه أو ( صوته ) كلام الله وكلام الله غير مخلوق ~~أو قديم فيكون لفظه أو صوته غير مخلوق أو قديم وكل من الفريقين قد علم ~~الناس بالضرورة من دين الأمة بل وبالعقل انه مخطىء فى بعض ما قاله مبتدع ~~فيه ولهذا أنكر الأئمة ذلك وإذا رجع أحدهم إلى فطرته وجد الفرق بين أن يشير ~~إلى الكلام المسموع فيقال هذا كلام زيد وبين أن يقول هذا صوت زيد ويجد ~~فطرته تصدق بالأول وتكذب بالثانى قال الله تعالى ( وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) وقال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ( # وكل أحد يعلم بفطرته ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الكلام PageV12P408 ~~كلام الباري والصوت صوت القارى ولهذا قال ( الامام أحمد ( لأبى طالب لما ~~قرأ عليه ( قل هو الله أحد ) وقال له هذا غير مخلوق فحكى عنه أنه قال لفظى ~~بالقرآن غير مخلوق قال له أنا قلت لك لفظي غير مخلوق قال لا ولكن قرأت عليك ~~( قل هو الله أحد ) فقلت هذا غير مخلوق # فبين أحمد الفرق بين أن يقول هذا الكلام غير مخلوق أو يقول لفظ هذا ~~المتكلم غير مخلوق لأن قوله لفظى ( مجمل ( يدخل فيه فعله ويدخل فيه صوته ~~فإذا قيل لفظى أو تلاوتى أو قراءتى غير مخلوقة أو هى المتلو اشعر ذلك أن ~~فعل العبد وصوته قديم وان ما قام به من المعنى والصوت هو عين ما قام بالله ~~من المعنى والصوت وإذا قال لفظى بالقرآن أو تلاوتى للقرآن أو لفظ القرآن أو ~~تلاوته مخلوقة أو التلاوة غير المتلو أو القراءة غير المقروء أفهم ذلك أن ~~حروف القرآن ليست من كلام الله بحال وان نصف القرآن كلام الله ونصفه كلام ~~غيره وأفهم ذلك أن قراءة الله للقرآن مباينة لمقروئه وتلاوته للقرآن مباينة ~~لمتلوه وان قراءة العبد للقرآن مباينة لمقروء العبد وتلاوته له مباينة ms0244 ~~لمتلوه وأفهم ذلك أنما نزل إلينا ليس هو كلام الله لأن المقروء والمتلو هو ~~كلام الله والمغايرة عند هؤلاء تقتضى المباينة فما باين كلامه لم يكن كلاما ~~له فلا يكون هذا الذى أنزله كلامه PageV12P409 ولما كان الكلام إنما يكون ~~بحركة وفعل تنشأ عنه حروف ومعان صار الكلام يدخل فى اسم الفعل والعمل تارة ~~باعتبار الحركة والفعل ويخرج عنه تارة باعتبار الحروف والمعانى ولهذا يجىء ~~فى الكتاب والسنة قسما منه تارة كما فى قوله تعالى ( ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ) وقسيما له أخرى كما فى ~~قوله تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) # ولهذا تنازع العلماء فيما إذا حلف لا يعمل عملا فى هذا المكان ولم يكن له ~~نية ولا سبب يفيد هل يحنث بالكلام على قولين فى مذهب الامام أحمد وغيره ~~وذكروهما روايتين عن أحمد ولهذا قال أبو محمد إبن قتيبة فى كتابه الذى ألفه ~~فى بيان ( اللفظ ( أن القراءة قرآن وعمل لا يتميز أحدهما عن الآخر فمن قال ~~أنها قرآن فهو صادق ومن حلف أنها عمل فهو بار وخطأ من أطلق أن القراءة ~~مخلوقة وخطأ من زعم أنها غير مخلوقة ونسبهما جميعا إلى قلة العلم وقصور ~~الفهم فان هذه المسألة خفيت على الطائفتين لغموضها فان احدى الطائفتين وجدت ~~القراءة تسمى قرآنا فنفت الخلق عنها والآخرى وجدت القراءة فعلا يثاب صاحبه ~~عليه فأثبتت حدثه PageV12P410 # قلت والخطأ فى هذا الأصل فى طرفين كما أنه فى الأصل الأول فى طرفين ففى ~~الأصل الأول من قال إنه ليس له كلام قائم به ومن قال ليس كلامه إلا معنى ~~مجرد أو صوت مجرد وفى هذ الأصل من قال كلامه لا يقوله غيره أو لا يسمع من ~~غيره ومن قال كلامه إذا أبلغه غيره وأداه فحاله كحاله إذا سمعه منه وتلاه ~~بل كلامه يقوله رسله وعباده ويتكلمون به ويتلونه ms0245 ويقرأونه فهو كلامه حيث ~~تصرف وحيث تلى وحيث كتب وكلامه ليس بمخلوق حيث تصرف وهو مع هذا فليس حاله ~~إذا قرأه العباد وكتبوه كحاله إذا قرأه الله وسمعوه منه ولا من يسمعه من ~~القارىء بمنزلة موسى بن عمران الذى سمع كلام رب العالمين منه كما جاء فى ~~الحديث ( إذا سمع الخلائق القرآن يوم القيامة من الله فكأنهم لم يسمعوه قبل ~~ذلك ( بل ولا تلاوة الرسول وسمعه منه كتلاوة غيره وسمعه منه بل ولا تلاوة ~~بعض الناس والسماع منه كتلاوة بعض الناس والسماع منه وهو كلام الله تعالى ~~الذى ليس بمخلوق فى جميع أحواله وان اختلفت أحواله # ومما يجب أن يعرف أن قول الله ورسوله والمؤمنين لما أنزله الله هذا كلام ~~الله بل وقول الناس لما يسمعونه من كلام الناس هذا كلام فلان كقولهم لمثل ~~قوله ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل PageV12P411 امرىء ما نوى ( هذا ~~كلام رسول الله ولمثل قوله % ألا كل شىء ما خلا الله باطل % $ # هذا شعر لبيد # فليس قولهم هذا هو هذا لأنه مساو له فى النوع كما يقال هذا السواد هو هذا ~~السواد فإن هذا يقولونه لمااتفق من الكلامين والعلمين والقدرتين والشخصين ~~ويقولون فى مثل ذلك وقع الخاطر على الخاطر كوقع الحافر على الحافر وفى ~~الحقيقة فهو إنما هو مثله كما قال تعالى ( كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم ) وهم يقولون هذا هو هذا مع اتفاقهما فى الصفات وقد يكون مع ~~اختلافهما اختلافا غير مقصود # كما أنهم يقولون للعين الواحدة إذا اختلفت صفتها هذه ( عين ) هذه ولا هو ~~أيضا بمنزلة من تمثل بكلام لغيره سواء كان نظما أو نثرا مثل أن يتمثل الرجل ~~بقول لغيره فيصير متكلما به متشبها بالمتكلم به أولا وهذا مثل أن نقول قولا ~~قاله غيرنا موافقين لذلك القائل فى صحة القول # ولهذا قال الفقهاء إن من قال ما يوافق لفظ القرآن على وجه PageV12P412 ~~الذكر والدعاء مثل أن يقول عند ابتداء الفعل بسم الله وعند الأكل الحمد لله ~~ونحو ذلك لم يكن قارئا ms0246 وجاز له ذلك مع الجنابة ولهذا قال النبى ( أفضل ~~الكلام بعد القرآن ( أربع ( وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ( رواه مسلم فجعلها أفضل الكلام بعد القرآن وأخبر أنها ~~من القرآن فهى من القرآن وإذا قالها على وجه الذكر لم يكن قارئا لكن هذا ~~الوجه قد يضاف فيه الكلام إلى الأول وإن لم يقصد الثانى تبليغ كلامه لأنه ~~هو الذى أنشأ الحقيقة ابتداء والثانى قالها احتذاء فإذا تمثل الرجل بقول ~~الشاعر وإن لم يقصد تبليغ شعره % ألا كل شىء ما خلا الله باطل % $ # قيل له هذا كلام لبيد لكن الثانى قد لا يقصد الا أن يتكلم به ابتداء ~~لاعتقاده صحة معناه # من هنا تنازع أهل العلم في ( حروف الهجاء ) وفي ( الاسماء ) المنزلة في ~~الق وفي ( كلمات ) في القرآن إذا تمثل الرجل بها ولم يقصد بها القراءة هل ~~يقال ليست مخلوقة لأنها من القرآن أو يقال إذا لم يقصد بها القرآن وكلام ~~الله فليست من كلام الله فتكون PageV12P413 مخلوقة على قولين لأهل السنة # وأما الانسان إذا قال ما هو كلام لغيره يقصد تبليغه وتأديته أو التكلم به ~~معتقدا أنه إنما قصد التكلم بكلام غيره الذى هو الآمر بأمره المخبر بخبره ~~المتكلم ابتداء بحروفه ومعانيه فهنا الكلام كلام الاول قطعا ليس كلاما ~~للثاني بوجه من الوجوه وإنما وصل إلى الناس بواسطة الثانى # وليس للكلام نظير من كل وجه فيشتبه به وانما هو أمر معقول بنفسه فان كان ~~كلام زيد المخلوق وإن كان قد عدم مثلا وعدم ايضا ما قام به من الصفة فاذا ~~رواه عنه راو آخر وقلنا هذا كلام زيد فانما نشير إلى الحقيقة التى ابتدأ ~~بها زيد واتصف بها وهذه هي تلك بعينها أعنى الحقيقة الصورية لا المادة فان ~~الصوت المطلق بالنسبة إلى الحروف الصوتيه المقطعة بمنزلة المادة والصورة ~~وهو لم يكن كلاما للمتكلم الأول لأجل الصوت المطلق الذي يشترك فيه صوت ~~الآدميين والبهائم العجم والجمادات وإنما هو لأجل الصورة التى ألفها زيد مع ms0247 ~~تأليفه لمعانيها # ووجود هذه الصورة في المادتين ليس بمنزلة وجود الأنواع والأشخاص في ~~الأعيان و لا بمنزلة وجود الأعراض في الجواهر ولا PageV12P414 هو بمنزلة ~~سائر الصور في موادها الجوهرية بل هو حقيقة قائمة بنفسها ! وليس لكل حقيقة ~~نظير مطابق من كل وجه # وإذا قالوا هذا شعر لبيد فانما يشيرون إلى اللفظ والمعنى جميعا ثم مع هذا ~~لو قال القائل أنا أنشأت لفظ هذا الشعر أو هذا اللفظ من انشائي أو لفظي ~~بهذا الشعر من إنشائي لكذبة الناس كلهم وقالوا له بل أنت رويته وأنشدته أما ~~أن تكون أحدثت لفظه أو هو محدث البارحة بلفظك أو لفظك به محدث البارحة كذب ~~لأن لفظ هذا الشعر موجود من دهر طويل وان كنت أنت أديته بحركتك وصوتك ~~فالحركة والصوت أمر طبيعي يشركك فيه الحيوان ناطقه وأعجمه فليس لك فيه حظ ~~من حيث هو الكلام ولا من حيث هو كلام ذلك الشاعر إذ كونه كلاما أو كلاما ~~لمتكلم هو مما يختص به المتكلم إنما أديته بآله يشركك فيها العجماوات ~~والجمادات لكن الحمد لله الذى جعل لك من العقل والتمييز ما تهتدى به ويسير ~~به لسانك ولم يجعل ذلك للعجماوات فجعل فعلك وصفتك تعينك على عقل الكلام ~~والتكلم به ولم يجعل فعل العجم وصفتها كذلك # فاذا كان هذا في مخلوق بلغ كلام مخلوق مثله فكيف الظن بكلام الخالق جل ~~جلاله الذي فضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه PageV12P415 فان له ~~شأن آخر يختص به لا يشبه بتبليغ سائر الكلام كما أنه في نفسه لا يشبه سائر ~~الكلام وليس له مثل يقدر عليه أحد من الخلق بخلاف سائر ما يبلغ من كلام ~~البشر فان مثله مقدور فلا يجوز اضافة هذا كلام مسموع الذي هو القرآن إلى ~~غير الله بوجه من الوجوه إلا على سبيل التبليغ كقوله تعالى @QB@ إنه لقول ~~رسول كريم @QE@ والله سبحانه قد خاطبنا به بواسطة الرسول كما تقدم # وقد بسطت الكلام في هذه المواضع التى هى محارات العقول التى اضطربت فيها ~~الخلائق في ms0248 الموضع الذي يليق به فان هذا جواب فتيا لا يليق به إلا التنبيه ~~على جمل الأمور واثبات وجوب نسبة الكلام إلى من بدأ من لفظه ومعناه دون من ~~بلغه عنه وأداه وانه كلام المتصف به مبتدئا حقيقة ! سواء سمع منه أو سمع ~~ممن بلغه وأداه بفعله وصوته مع العلم بأن أفعال العباد وصفاتهم مخلوقة وان ~~قول الله ورسوله والمؤمنين هذا كلام الله وما بين اللوحين كلام الله حقيقة ~~لا ريب فيه وان ( القرآن ) الذي يقرأه المسلمون ويكتبونه ويحفظونه هو كلام ~~الله تعالى وكلام الله حيث تصرف غير مخلوق وأما ما اقترن بتبليغه وقراءته ~~من أفعال العباد وصفاتهم فانه مخلوق # لكن هذا الموضع فيه اشتباه واشكال لا تحتمل تحريره وبسطه هذه الفتوى لأن ~~صاحبها مستوفز عجلان يريد أخذها ولأن في PageV12P416 ذلك من الدقة والغموض ~~ما يحتاج إلى ذكر النصوص وبيان معانيها وضرب الأمثال التى توضح حقيقة الأمر ~~وليس هذا موضعه # بل الذي يعلم من حيث ( الجملة ) أن الإمام أحمد والأئمة الكبار الذين لهم ~~في الأمة لسان صدق عام لم يتنازعوا في شيء من هذا الباب بل كان بعظهم أعظم ~~علما به وقياما بواجبه من بعض وقد غلط في بعض ذلك من أكابر الناس جماعات ~~وقد رد الإمام أحمد عامة البدع في هذا الباب هو الأئمة # فأول ما ابتدع الجهمية القول ( بخلق القرآن ) و ( نفي الصفات ) فأنكرها ~~من كان في ذلك الوقت من التابعين ثم تابعي التابعين ومن بعدهم من الأئمة ~~وكفروا قائلها ثم ابتدع بعض أهل الحديث والكلام الذين نظروا الجهيمة القول ~~بأن القرآن المنزل مخلوق أو انه ليس بكلام الله أو أنه ليس في المصاحف ولا ~~في الصدور وانكر بعضهم أن تكون حروف القرآن كلام الله أو ان يكون الله تكلم ~~بالصوت وانكر الإمام أحمد وأئمة وقته ذلك # وقابلهم قوم من اهل الكلام والحديث فزعموا أن ألفاظ العباد وأصوات العباد ~~غير مخلوقة أو ادعوا ان بعض أفعال العباد أو صفاتهم غير مخلوقة أو ان ما ~~يسمع من الناس من القرآن ms0249 هو مثل ما يسمع PageV12P417 من الله تعالى من كل ~~وجه ونحو ذلك فأنكر الامام أحمد وعامة أئمة وقته وأصحابه وغيرهم من العلماء ~~ذلك # وانكار جميع هذه البدع وردها موجود عن الامام أحمد وغيره من الأئمة في ~~الكتب الثابتة مثل ( كتاب السنة ) للخلال و ( الابانة ) لابن بطة و ( كتب ~~المحنة ) التى رواها حنبل وصالح و ( كتاب السنة ) لعبد الله بن أحمد و ( ~~السنة ) للالكائي و ( السنة ) لابن أبي حاتم وما شاء الله من الكتب # فأما الرد على ( الجهيمة ) القائلين بنفي الصفات وخلق القرآن ففي كلام ~~التابعين وتابعيهم والأئمة المشاهير من ذلك شيء كثير وفي ( مسألة القرآن ) ~~من ذلك آثار كثيرة جدا مثل ما روى ابن أبي حاتم وابن شاهين واللالكائي ~~وغيرهم من غير وجه عم على بن أبي طالب رضي الله عنه انه قيل له يوم صفين ~~حكمت رجلين فقال ما حكمت مخلوقا ما حكمت الا القرآن وعن عكرمة قال كان ابن ~~عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال اللهم رب القرآن اغفر ~~له فوثب إليه ابن عباس فقال له مه القرآن منه وفي رواية القرآن كلام الله ~~وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود وعن عبد الله بن مسعود قال من حلف بالقرآن ~~فعليه بكل آية كفارة فمن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع PageV12P418 # ومن المستفيض عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وربما وقفه بعضهم على ~~سفيان والأول هو المشهور قال ادركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون ~~القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ومشايخ عمرو من لقى عمرو من ~~الصحابة والتابعين وعن علي بن الحسين زين العابدين وابنه جعفر ابن محمد ليس ~~القرآن بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله # ومثل هذا مأثور عن الحسن البصري وأيوب السختياني وحماد ابن أبي سليمان ~~وابن ابى ليلى وابي حنيفة وابن أبي ذئب وابن الماجشون والأوزاعي والشافعي ~~وابي بكر بن عياش وهشيم وعلي بن عاصم وعبد الله بن مبارك وابي إسحاق ~~الفزاري ووكيع ابن ms0250 الجراح والوليد بن مسلم وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن ~~سعيد القطان ومعاذ بن معاذ وابى يوسف ومحمد والامام أحمد ابن حنبل واسحق بن ~~راهوية وبشر بن الحارث ومعروف الكرخي وابي عبيد القاسم بن سلام وأبي ثور ~~والبخارى ومسلم وأبي زرعة وابى حاتم ومن لا يحصى كثرة # قال أبو القاسم اللالكائى وقد سمى علماء القرون الفاضلة ومن يليهم الذين ~~بقل عنهم في كتابه أن القرآن كلام الله غير مخلوق فهؤلاء خمسمائة وخمسون ~~نفسا من التابعين وأتباع التابعين والأئمة PageV12P419 المرضيين سوى ~~الصحابة على اختلاف الاعصار ومضي السنين والأعوام وفيهم نحو من مائة إمام ~~ممن أخذ الناس بقولهم وتمذهبوا بمذاهبهم ولو اشتغلت بنقل قول المحدثين ~~لبلغت أسماؤهم ألوفا كثيرة فنقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر لا ينكر عليهم ~~المنكر ومن انكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه قال ولا ~~خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق ( الجعد بن درهم ) ثم ( الجهم ~~بن صفوان ) وكلاهما قتلهم المسلمون وممن أفتى بقتل هؤلاء مالك بن أنس ومحمد ~~بن عبد الرحمن بن أبى ليلى وسفيان ابن عيينة وأبو جعفر المنصور الخليفة ~~معتمر بن سليمان ويحيى ابن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن معاذ ~~ووكيع بن الجراح وأبوه وعبد الله بن داود الخريبى وبشر بن الوليد صاحب ابى ~~يوسف وابو مصعب الزهري وأبو عبيد الله القاسم بن سلام وأبو ثور وأحمد بن ~~حنبل وغير هؤلاء من الأئمة # وكذلك ذم ( الواقفة ) وتضليلهم الذين لا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق ~~مأثور عن جمهور هؤلاء الأئمة مثل ابن الماجشون وأبى مصعب ووكيع بن الجراح ~~وابى الوليد وابي ( الوليد ) الجارودي صاحب الشافعي والإمام أحمد بن حنبل ~~وابى ثور واسحق بن راهويه PageV12P420 ومن لا يحصى عدده إلا عند الله # وأما البدعة الثانية المتعلقة بالقرآن المنزل تلاوة العباد له وهي ( ~~مسألة اللفظية ) فقد أنكر بدعة ( اللفظية ) الذين يقولون إن تلاوة القرآن ~~وقراءته واللفظ به مخلوق أئمة زمانهم جعلوهم من الجهمية وبينوا ان قولهم ~~يقتضى القول بخلق ms0251 القرآن وفي كثير من كلامهم تكفيرهم # وكذلك من يقول ان هذا القرآن ليس هو كلام الله وإنما هو حكاية عنه أو ~~عبارة عنه أو انه ليس في المصحف والصدور إلا كما ان الله ورسوله في المصاحف ~~والصدور ونحو ذلك وهذا محفوظ عن الإمام أحمد واسحق وابى عبيد وابى مصعب ~~الزهري وابى ثور وأبى الوليد الجارودي ومحمد بن بشار ويعقوب بن إبراهيم ~~الدورقي ومحمد بن يحيى بن أبي عمرو العدنى ومحمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن ~~أسلم الطوسي وعدد كثير لا يحصيهم إلا الله من أئمة الأسلام وهداته # وكذلك أنكر بدعة ( اللفظية المثبتة ( الذين يقولون أن لفظ العباد أو صوت ~~العباد به غير مخلوق أو يقولون أن التلاوة التى هى فعل العبد وصوته غير ~~مخلوقة الأئمة الذين بلغتهم هذه PageV12P421 البدعة مثل الامام أحمد بن ~~حنبل وأبى عبد الله البخارى صاحب الصحيح وأبى بكر المروذى أخص أصحاب الامام ~~أحمد بن حنبل به وأخذ فى ذلك أجوبة علماء الاسلام إذ ذاك ببغداد والبصرة ~~والكوفة والحرمين والشام وخراسان وغيرهم مثل عبد الوهاب الوراق وأبى بكر ~~الأثرم ومحمد بن بشار بندار وأبى الحسين على بن مسلم الطوسى ويعقوب الدورقى ~~ومحمد بن سهل بن عسكر ومحمد بن عبد الله المخرمى الحافظ ومحمد بن إسحاق ~~الصاغانى والعباس بن محمد الدورى وعلى بن داود القنطرى ومثنى بن جامع ~~الأنبارى واسحق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ومحمد بن يحى الأزدى والحسن ~~بن عبد العزيز الجروى وعبد الكريم بن الهيثم العاقولى وأبى موسى بن أبي ~~علقمة النفرونى وغيره من علماء المدينة ومحمد بن عبد الرحمن المقرى وأبى ~~الوليد بن أبى الجارود وأحمد إبن محمد بن القاسم بن أبى مرة وغيرهم من أهل ~~مكة وأحمد بن سنان الواسطى وعلى بن حرب الموصلى ومن شاء الله تعالى من أئمة ~~أهل السنة وأهل الحديث من أصحاب الامام أحمد بن حنبل وغيرهم ينكرون على من ~~يجعل لفظ العبد بالقرآن أو وصوته به أو غير ذلك من صفات العباد المتعلقة ~~بالقرآن غير مخلوقة ويأمرون ms0252 بعقوبته بالهجر وغيره وقد جمع بعض كلامهم فى ~~ذلك أو بكر الخلال فى ( كتاب السنة ( PageV12P422 ومن المشهور فى ( كتاب ~~ريح السنة ( لمحمد بن جرير الطبرى وهو متواتر عنه لما ذكر الكلام فى أبواب ~~السنة قال وأما القول فى ( ألفاظ العباد بالقرآن ( فلا أثر فيه نعلمه عن ~~صحابى مضى ولا عن تابعى قفا إلا عمن فى قوله الشفاء والعفاء وفى اتباعه ~~الرشد والهدى ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى أبي عبد الله أحمد بن محمد ~~بن حنبل فان أبا اسماعيل الترمذى حدثنى قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد ~~بن حنبل يقول ( اللفظية ( جهمية يقول الله ( حتى يسمع كلام الله ) ممن يسمع ~~قال إبن جرير وسمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ اسماءهم كانوا يحكون عنه انه ~~كان يقول من قال لفضي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ~~قال إبن جرير ولا قول فى ذلك عندنا يجوز ان نقوله غير قوله إذ لم يكن لنا ~~إمام نأتم به سواه وفيه الكفاية والمقنع وهو الامام المتبع # وقال أبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل فى ( كتاب المحنة ( تناهى إلى أن ~~أبا طالب حكى عن أبى أنه يقول لفظ بالقرآن غير مخلوق فأخبرت أبى بذلك فقال ~~من اخبرك فقلت فلان فقال ابعث إلى أبى طالب فوجهت إليه فجاء وجاء فوران ~~فقال له أبى أنا قلت لك لفظى بالقرآن غير مخلوق وغضب PageV12P423 وجعل ~~يرتعد فقال له قرأت عليك ( قل هو الله أحد ) فقلت لى هذا ليس بمخلوق قال له ~~فلم حكيت عنى أنى قلت لفظى بالقرآن غير مخلوق وبلغنى أنك وضعت ذلك فى كتابك ~~وكتبت به إلى قوم فان كان فى كتابك فامحه اشد المحو واكتب إلى القوم الذين ~~كتبت إليهم أنى لم أقل هذا وغضب وأقبل عليه قال تحكى عنى مالم أقل لك فجعل ~~فوران يعتذر له وانصرف من عنده وهو مرعوب فعاد أبو طالب فذكر أنه حك ذلك من ~~كتابه وأنه كتب إلى القوم يخبرهم أنه وهم على ms0253 أبى عبد الله فى الحكاية قال ~~الفضل بن زياد كنت أنا والبستى عند أبى طالب قال فاخرج إلينا كتابه وقد ضرب ~~على المسألة وقال كان الخطأ من قبلى وأنا استغفر الله وإنما قرأت على أبى ~~عبد الله القرآن فقال هذا غير مخلوق كان الوهم من قبلى يا أبا العباس # وقال الخلال فى ( السنة ( حدثنا المروذى قال لي أبو عبدالله قد غيض قلبى ~~على إبن شداد قلت أى شىء حكى عنك قال حكى عنى فى اللفظ فبلغ بن شداد أن أبا ~~عبد الله قد أنكر عليه فجاءنا حمدون بن شداد بالرقعة فيها مسائل فأدخلتها ~~على أبى عبد الله فنظر فرأى فيها أن لفظى بالقرآن غير مخلوق مع مسائل فيها ~~فقال أبو عبد الله فيها كلام ما تكلمت به فقام من الدهليز فدخل PageV12P424 ~~فأخرج المحبرة والقلم وضرب أبو عبد الله على موضع لفظى بالقرآن غير مخلوق ~~وكتب أبو عبد الله بخطه بين السطرين القرآن حيث تصرف غير مخلوق وقال ما ~~سمعت أحدا تكلم فى هذا بشىء وأنكر على من قال لفظى بالقرآن غير مخلوق # وقال الخلال فى ( كتاب السنة ( أخبرنى زكريا بن الفرج الوراق قال حدثنا ~~أبو محمد فوران قال جاءنى صالح وأبو بكر المروذى عندى فدعانى إلى أبى عبد ~~الله وقال أنه قد بلغ أبى أن أبا طالب قد حكى عنه أنه يقول لفظى بالقرآن ~~غير مخلوق فقمت إليه فتبعنى صالح فدرا صالح من بابه فدخلنا على أبى عبد ~~الله فاذا أبو عبد الله غضبان شديد الغضب بين الغضب فى وجهه فقال لأبى بكر ~~اذهب فجئنى بأبى طالب فجاء أبو طالب وجعلت أسكن أبا عبد الله قبل مجىء أبى ~~طالب وأقول له حرمة فقعد بين يديه وهو متغير اللون فقال له أبو عبد الله ~~حكيت عنى أنى قلت لفظى بالقرآن غير مخلوق فقال إنما حكيت عن نفسى فقال لا ~~تحك هذا عنك ولا عنى فما سمعت عالما يقول هذا أو العلماء شك فوران وقال له ~~القرآن كلام الله غير مخلوق حيث ms0254 تصرف فقلت لأبى طالب وأبو عبد الله يسمع إن ~~كنت حكيت هذا لأحد فاذهب حتى تخبره أن أبا عبد الله نهى عن PageV12P425 هذا ~~فخرج أبو طالب فأخبر غير واحد بنهى أبى عبد الله منهم أبو بكر بن زنجوية ~~والفضل بن زياد القطان وحمدان بن على الوراق وأبو عبيد وأبو عامر وكتب أبو ~~طالب بخطه إلى أهل نصيبين بعد موت أبى عبد الله يخبرهم أن أبا عبد الله نهى ~~أن يقال لفظى بالقرآن غير مخلوق وجاءنى أبو طالب بكتابه وقد ضرب على ~~المسألة من كتابه قال زكريا بن الفرج فمضيت إلى عبد الوهاب الوراق فأخذ ~~الرقعة فقرأها فقال لى من أخبرك بهذا عن أحمد فقلت له فوران بن محمد فقال ~~الثقة المأمون على أحمد قال زكريا وكان قبل ذلك قد أخبر أبو بكر المروذى ~~لعبد الوهاب فصار عند عبد الوهاب شاهدان قال زكريا وسمعت عبد الوهاب قال من ~~قال لفظى بالقرآن غير مخلوق يهجر ولا يكلم ويحذر عنه وكان قبل ذلك قال هو ~~مبتدع # وروى الخلال عن أبى الحارث قال سمعت رجلا يقول لأبى عبد الله يا أبا عبد ~~الله أليس نقول القرآن كلام الله ليس بمخلوق بمعنى من المعانى وعلى كل حال ~~وجهة فقال أبو عبد الله نعم # واستيعاب هذ يطول # وكذلك فى كلام الامام أحمد وأئمة أصحابه وغيرهم من اضافة صوت PageV12P426 ~~العبد بالقرآن إليه ما يطول كما جاء الحديث النبوى بذلك مثل قول النبى ( ~~زينوا القرآن بأصواتكم ( وقوله ( لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت ~~بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ( فذكر الخلال فى ( كتاب القرآن ) عن ~~اسحاق بن إبراهيم قال قال لى أبو عبد الله يوما وكنت سألته عنه تدرى ما ~~معنى من لم يتغن بالقرآن قلت لا قال هو الرجل يرفع صوته فهذا معناه إذا رفع ~~صوته فقد تغنى به وعن منصور بن صالح أنه قال لأبيه يرفع صوته بالقرآن ~~بالليل قال نعم إن شاء رفعه ( ثم ذكر حديث أم هانىء ( كنت أسمع قراءة النبى ~~وأنا على ms0255 عريش من الليل ( وعن صالح بن أحمد أنه قال لأبيه ( زينوا القرآن ~~بأصواتكم ( فقال ( التزيين ( أن تحسنه وعن الفضل بن زياد قال سمعت أبا عبد ~~الله يسئل عن القرءاة فقال يحسنه بصوته من غير تكلف وقال أبو بكر الأثرم ~~سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان فقال كل شىء محدث فإنه لا يعجبنى ~~الا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه قال القاضى أبو يعلى فيما علقه بخطه على ( ~~جامع الخلال ( هذا يدل من كلامه على أن صوت القارىء ليس هو الصوت القائم ~~لأنه أضافه إلى القارى الذى هو طبعه من غير أن يتعلم الألحان PageV12P427 # وأما ما فى كلام أحمد والأئمة من إنكارهم على من يقول أن هذا القرآن ~~مخلوق وان القراءة مخلوقة وتعظيمهم لقول من يقول أنه ليس فى الصدور قرآن ~~ولا فى المصاحف قرآن وزعم من زعم أن من قال ذلك فقد قال بقول النصارى ~~والحلولية فانكار أحمد وغيره هذه المقالات كثير شائع موجود فى كتب كثيرة ~~ولم تكن هذه الفتيا محتاجة إلى تقرير هذا الأصل فلم يحتج إلى تفصيل الكلام ~~فيه بخلاف الأصل الآخر وقد ذكرنا من ذلك ما يسره الله فى غير هذا الموضع ~~ولو ذكرت ما فى كلام أحمد وأئمة أصحابه وغيرهم من الرد على من يقول لفظ ~~العبد أو صوته غير مخلوق أو يقول أن الصوت المسموع من القارىء قديم لطال # وهذا أبو نصر السجزى قد صنف ( الابانة ( المشهورة وهو من أعظم القائلين ~~بأن التلاوة هى المتلو واللفظ بالقرآن هو القرآن وهو غير مخلوق وأنكر ما ~~سوى ذلك عن أحمد ومع هذا فقد قال فان اعترض خصومنا فقالوا أنتم وإن قلتم ~~القراءة قرآن وكلام الله فلا تطلقون ان الصوت المسموع من القارى صوت الله ~~بل تنسبونه إلى القاري وإذا لم يمكنكم إطلاق ذلك دل على أنه غير القرآن # قال أبو النصر فالجواب أن اعتصامنا فى هذا الباب بظاهر الشرع PageV12P428 ~~وقولنا فى القراءة والصوت غير مختلف وإذا قرأ القارىء القرآن لا يقول أن ~~هذه قراءة الله ms0256 ولا يجيز ذلك بوجه بل ينسب القرءة إلى القارىء توسعا لوجود ~~التحويل منه وإنما يقول أن قراءة القارى قرآن وقد ثبت ذلك فى الشرع باتفاق ~~الكل فان الأشعرى مع مخالفته لنا يقول المسموع من القارىء قرآن وقد بينا أن ~~التمييز بين القراءة القرآنفى هذا الموضع الذى اختلفنا فيه غير ممكن وكذلك ~~يقول إن الصوت المسموع من قارىء القرآن قراءة وقرآن والشرع يوجب ما قلناه ~~لا أعلم خلافا بين المسلمين فى ذلك # ( فصل ( # وأما نصوص الامام أحمد على ( خلق كلام الآدميين ( و ( خلق أفعال العباد ( ~~فموجودة فى مواضع كثيرة كما نص على ذلك سائر الأئمة وليس بين أهل السنة فى ~~ذلك اختلاف ولهذا قال يحيى بن سعيد القطان شيخ الامام أحمد ما زلت أسمع ~~أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة وقد سئل الامام أحمد عن أفاعيل العباد ~~مخلوقة هى فقال نعم ونص على كلام الآدميين فى رواية أحمد بن الحسن الترمذى ~~كما سيأتى وفيما خرجه على ( الزنادقة والجهمية ( وهو PageV12P429 مروى من ~~طريق إبنه عبد الله ( وحاده ) وقد ذكره الخلال أيضا فى ( كتاب السنة ( ونقل ~~منه القاضى أبو يعلى وغيره وقد حكى إجماع الخلق على ذلك غير واحد منهم أبو ~~نصر السجزي فى ( الابانة ( وهو من أشد الناس إنكارا على من يقول أن الفاظ ~~العباد بالقرآن مخلوقة أو يقول أن المسموع من القارىء ليس هو القرآن قال ~~أبو نصر وأما نسبة الأصوات إلى القراء فيما ذكرنا فى هذ الباب وفى غيره من ~~كتابنا هذا ونسبة القراءة إليهم وان فرح بها الزائغون فلا حجة لهم فيها ~~وذلك أنا لم نختلف فى اضافة الصوت إلى الانسان وأنه إذا صاح أو تكلم بكلام ~~الناس أو نادى إنسانا فصوته مخلوق قال وهذا لا يشتبه وإنما وقع الاختلاف فى ~~ان المستمع من قارىء القرآن ماذا يستمع وساق الكلام إلى آخره وذكر فى موضع ~~آخر ( الاجماع ( أيضا على ذلك # ( فصل ( # وإنما نبهت على أصل مقالة الامام أحمد وسائر أئمة السنة وأهل الحديث فى ( ~~مسألة تلاوتنا للقرآن ( لأنها أصل ما ms0257 وقع من الاضطراب PageV12P430 والتنازع ~~فى هذا الباب مثل ( مسألة الايمان ( هل هو مخلوق أو غير مخلوق و ( مسألة ~~نور الايمان ( و ( الهدى ( ونحو ذلك من المسائل التى يكثر تنازع أهل الحديث ~~والسنة فيها ويتمسك كل فريق ببعض من الحق فيصيرون بمنزل الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب مختلفين فى الكتاب كل منهم بمنزلة الذى يؤمن ببعض ويكفر ببعض وهم ~~عامتهم فى جهل وظلم جهل بحقيقة الايمان والحق وظلم الخلق ويقع بسببها بين ~~الأمة من التكفير والتلاعن ما يفرح به الشيطان ويغضب له الرحمن ويدخل به من ~~فعل ذلك فيما نهى الله عنه من التفرق والاختلاف ويخرج عما أمر الله به من ~~الاجتماع والائتلاف وأصل ذلك القرب والاتصال الحاصل بين ما أنزله الله ~~تعالى من القرآن والايمان الذى هو من صفاته وبين أفعال العباد وصفاتهم ~~فلعسر الفرق والتمييز يميل قوم إلى زيادة فى الاثبات وآخرون إلى زيادة فى ~~النفى ولهذا كان مذهب الامام أحمد والأئمة الكبار النهى عن الاثبات العام ~~والنفى العام بل إما الامساك عنهما وهو الأصلح للعموم وهو جمل الإعتقاد ~~واما التفصيل المحقق فهو لذى العلم من أهل الايمان كما أن الأول لعموم أهل ~~الايمان # وهذه المسألة لها أصلان PageV12P431 # ( أحدهما ) أن ( أفعال العباد مخلوقة ( وقد نص عليها الأئمة أحمد وغيره ~~وسائر أئمة أهل السنة والجماعة المخالفين للقدرية واتفقت الأمة على أن ~~أفعال العباد محدثة # و ( الأصل الثانى ) مسألة ( تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به ( هل يقال ~~أنه مخلوق أو غير مخلوق والامام أحمد قد نص على رد المقالتين هو وسائر أئمة ~~السنة من المستقدمين والمستأخرين لكن كان رده على ( اللفظية النافية ( أكثر ~~وأشهر وأغلظ لوجهين # ( أحدهما ) أن قولهم يفضى إلى زيادة التعطيل والنفى وجانب النفى أبدا شر ~~من جانب الاثبات فان الرسل جاءوا بالاثبات المفصل فى صفات الله وبالنفى ~~المجمل فوصفوه بالعلم والرحمة والقدرة والحكمة والكلام والعلو وغير ذلك من ~~الصفات وفى النفى ( ليس كمثله شىء ) ( ولم يكن له كفوا أحد ) وأما الخارجون ~~عن حقيقة الرسالة من الصائبة والفلاسفة والمشركين وغيرهم ms0258 ومن تجهم من اتباع ~~الأنبياء فطريقتهم ( النفي المفصل ( ليس كذا ليس كذا وفى الاثبات أمر مجمل ~~ولهذا يقال المعطل أعمى والمشبه أعشى فأهل التشبيه مع ضلالهم خير من أهل ~~التعطيل # ( الوجه الثانى ) أن أحمد إنما ابتلى بالجهمية المعطلة فهم خصومه ~~PageV12P432 فكان همه منصرفا إلى رد مقالاتهم دون أهل الاثبات فانه لم يكن ~~فى ذلك الوقت والمكان من هو داع إلى زيادة فى الاثبات كما ظهر من كان يدعو ~~إلى زيادة فى النفى والأنكار يقع بحسب الحاجة والبخارى لما ابتلى ( ~~باللفظية المثبتة ( ظهر انكاره عليهم كما فى تراجم آخر ( كتاب الصحيح ( ~~وكما فى ( كتاب خلق الافعال ( مع أنه كذب من نقل عنه أنه قال لفظى بالقرآن ~~مخلوق من جميع أهل الأمصار وأظنه حلف على ذلك وهو الصادق البار ) # ( فصل ( # وقد نص أحمد على نفس هذه ( المسألة ( فى غير موضع فروى أبو القاسم ~~اللالكائى فى ( أصول السنة ( قال أخبرنا الحسن بن عثمان قال حدثنا عمرو بن ~~جعفر قال حدثنا أحمد بن الحسن الترمذى قال قلت لأحمد بن حنبل ان الناس قد ~~وقعوا فى القرآن فكيف أقول فقال أليس أنت مخلوقا قلت نعم قال فكلامك منك ~~مخلوق قلت نعم قال أفليس القرآن من كلام الله قلت نعم قال وكلام الله من ~~الله قلت نعم قال فيكون من الله شىء مخلوق PageV12P433 بين أحمد للسائل ان ~~الكلام من المتكلم وقائم به لا يجوز ان يكون الكلام غير متصل بالمتكلم ولا ~~قائم به بدليل ان كلامك أيها المخلوق منك لا من غيرك فاذا كنت انت مخلوقا ~~وجب ان يكون كلامك ايضا مخلوقا وإذا كان الله تعالى غير مخلوق امتنع ان ~~يكون ما هو منه وبه مخلوقا # وقصده بذلك الرد على ( الجهمية ( الذين يزعمون ان كلام الله ليس من الله ~~ولا متصل به فبين أن هذا الكلام ليس هو معنى كون المتكلم متكلما ولا هو ~~حقيقة ذلك ولا هو مراد الرسل والمؤمنين من الاخبار عن ان الله قال ويقول ~~وتكلم بالقرآن ونادى وناجى ودعا ونحو ذلك مما ms0259 اخبرت به عن الله رسله واتفق ~~عليه المؤمنون به من جميع الأمم ولهذا قال تعالى ( ولكن حق القول منى ) ~~وقال ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وقال تعالى ( وانك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم ) وقال تعالى ( الركتاب أحكمت آياته ثم فصلت من ~~لدن حكيم خبير ) # وليس القرآن عينا من الأعيان القائمة بنفسها حتى يقال هذا مثل قوله ( ~~وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه ) وإنما هو صفة كالعلم ~~والقدرة والرحمة والغضب والارادة والنظر والسمع ونحو ذلك وذلك لا يقوم الا ~~بموصوف وكل معنى له اسم PageV12P434 وهو قائم بمحل وجب أن يشتق لمحله منه ~~اسم وان لا يشتق لغير محله منه اسم # فكما ان الحياة والعلم والقدرة اذا قام بموصوف وجب أن يشتق له منه اسم ~~الحى والعالم والقادر ولا يشتق الحى والعالم والقادر لغير من قام به العلم ~~والقدرة فكذلك القول والكلام والحب والبغض والرضا والرحمة والغضب والارادة ~~والمشيئة إذا قام بمحل وجب أن يشتق لذلك الموصوف منه الاسم والفعل فيقال هو ~~الصادق والشهيد والحكيم والودود والرحيم والآمر ولا يشتق لغيره منه اسم # فلو لم يكن الله سبحانه وتعالى هو القائل بنفسه ( أنا الله لا إله إلا ~~انا ) بل أحدث ذلك فى غيره لم يكن هو الآمر بهذه الأمور ولا المخبر بهذا ~~الخبر ولكان ذلك المحل هو الآمر بهذا الأمر المخبر بهذا الخبر وذلك المحل ~~اما الهواء وإما غيره فيكون ذلك المحل المخلوق هو القائل لموسى ( إننى أنا ~~الله لا إله إلا أنا فاعبدنى ) ولهذا كان السلف يقولون فى هذه الآية ~~وأمثالها من قال إنه مخلوق فقد كفر ويستعظمون القول بخلق هذه الآية ~~وأمثالها أكثر من غيرها يعظم عليهم أن تقوم دعوى الالهية والربوبية لغير ~~الله تعالى # ولهذا كان مذهب جماهير ( أهل السنة والمعرفة ) وهو المشهور عند أصحاب ~~الامام أحمد وأبى حنيفة وغيرهم من المالكية والشافعية PageV12P435 والصوفية ~~وأهل الحديث وطوائف من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم # ان كون الله سبحانه وتعالى خالقا ورازقا ومحييا ومميتا وباعثا ms0260 ووارثا ~~وغير ذلك من صفات فعله وهو من صفات ذاته ليس من يخلق كمن لا يخلق # ومذهب الجمهور ان الخالق غير المخلوق فالخلق فعل الله القائم به والمخلوق ~~هو المخلوقات المنفصلة عنه # وذهب طوائف من ( أهل الكلام ( من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم من ~~الفقهاء الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم إلى أنه ليس لله صفة ذاتية من ~~أفعاله وإنما الخلق هو المخلوق أو مجرد نسبة وإضافة وهذا اختيار ابن عقيل ~~وأول قولي القاضى أبي يعلى وهؤلاء عندهم حال الذات التى تخلق وترزق أو لا ~~تخلق ولا ترزق سواء ) # وبهذا نقضت المعتزلة على من ناظرها من الصفاتية الأشعرية ونحوهم لما ~~استدلت الصفاتية بما تقدم من ( القاعدة الشريفة ( فقالوا ينتقض عليكم ~~بالخالق والرازق وغير ذلك من أسماء الأفعال فان الخلق والرزق قائم بغيره ~~وقد اشتق له منه إسم الخالق والرازق ولم يقم به صفة فعل أصلا فكذلك الصادق ~~والحكيم والمتكلم والرحيم والودود وهذا النقض لا يلزم جماهير الأمة وعامة ~~أهل السنة والجماعة فان الباب عندهم واحد وليس هذا قولا بقدم مخلوقاته أو ~~مفعولاته سواء قيل ان نفس فعله القائم به قديم فقط كما يقوله كثير من هؤلاء ~~PageV12P436 # الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث والكلام والصوفية أو ~~يقولون له عند احداث المخلوقات أحوال ونسب كما يقوله كثير من هؤلاء الفقهاء ~~وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام من الطوائف كلها # وذلك لأن القول في ذلك كالقول في مشيئته وإرادته فان إن كان مذهب أهل ~~السنة وسائر الصفاتية انها قديمة فليست مراداته قديمة وكذلك صفة الخلق ~~والتكوين وذلك لأن الشرع والعقل يدل على ان حال الخالق والرازق والفاطر ~~المحي المميت الهادي النصير ليس حاله في نفسه كحاله لو لم يبدع هذه الأمور ~~ولهذا قال سبحانه وتعالى @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق @QE@ فالفرق بين ~~الخالق وغير الخالق كالفرق بين القادر وغير القادر # والمخالف يقول إنما هو موصوف بالقدرة التى تتناول ما يخلقه وما لا يخلقه ~~سواء في نفسه كان خالقا أو لم يكن خالقا ليس له من كونه خالقا ms0261 ( صفة ثبوتية ~~) لا صفة كمال ولا صفة وجود مطلق كما له بكونه قادرا ونصوص الكتاب والسنة ~~توجب أن تكون أسمائه أفعاله من أسمائه الحسنى التى تقتضي أن يكون بها ~~محمودا مثنى عليه ممجدا وذلك يقتضي أنها من صفات الكمال # وليس الغرض هنا ذكر هذه ( المسألة ) وإنما هي طرد حجة PageV12P437 الإمام ~~أحمد وغيره من أئمة السلف الثقات وسائر الصفاتية ولهذا قال الإمام أحمد في ~~رواية حنبل في ( كتاب المحنة ) لم يزل الله عالما متكلما غفورا فبين اتصافه ~~بالعلم وهو صفة ذاتية محضة و ( بالمغفرة ) وهي من ( الصفات الفعلية ) ~~والكلام الذى يشبه هذا وهذا وذكر انه لم يزل متصفا بهذه الصفات والاسماء ~~وقال الإمام أحمد فيما خرجه في ( الرد على الزنادقة والجهمية ) لما ذكر قول ~~جهم انه يتكلم ولكن كلامه مخلوق قال أحمد قلنا له وكذلك بنوا آدم كلامهم ~~مخلوق ففي مذهبكم كان الله في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام ~~وكذلك بنوا آدم لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتشبيه ~~وكذلك ذكروا في ( المحنة ) فيما استدل به الإمام أحمد في المناظرة واستدل ~~بقوله ( ولكن حق القول منى ) قال فإن يكن القول من غير الله فهو مخلوق $ ~~فصل # وأما قول القائل إن أحمد إنما قال ذلك خوفا من الناس فبطلان هذا يعلمه كل ~~عاقل بلغه شىء من اخبار أحمد وقائل هذا إلى العقوبة البليغة التى يفترى بها ~~على الأئمة أحوج منه إلى جوابه فان PageV12P438 الإمام أحمد صار مثلا سائرا ~~يضرب به المثل في المحنة والصبر على الحق وانه لم تكن تأخذه في الله لومة ~~لائم حتى صار اسم الإمام مقرونا باسمه في لسان كل أحد فيقال قال الإمام ~~أحمد هذا مذهب الإمام أحمد لقوله تعالى ^ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ^ فإنه أعطى من الصبر واليقين ما يستحق به ~~الامامة في الدين # وقد تداوله ( ثلاثة خلفاء ) مسلطون من شرق الأرض إلى غربها ومعهم من ~~العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والسعاة والأمراء والولاة من لا ms0262 يحصيهم ~~إلا الله فبعضهم بالحبس وبعضهم بالتهديد الشديد بالقتل وبغيره وبالترغيب في ~~الرياسة والمال ما شاء الله وبالضرب وبعضهم بالتشريد والنفي وقد خذله في ~~ذلك عامة أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون والأبرار وهو مع ذلك لم ~~يعطهم كلمة واحدة مما طلبوه منه وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة ولا كتم ~~العلم ولا استعمل التقية بل قد أظهر من سنة رسول الله وآثاره ودفع من البدع ~~المخالفة لذلك ما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه وإخوانه المتقدمين ~~والمتأخرين ولهذا قال بعض شيوخ الشام لم يظهر أحد ما جاء به الرسول كما ~~أظهره أحمد بن حنبل فكيف يظن به انه كان يخاف في هذه الكلمة التى لا قدر ~~لها PageV12P439 و ( أيضا ) فمن أصوله انه لا يقول في الدين قولا مبتدعا ~~وقد جعلوا يطالبونه بما ابتدعوه فيقول لهم كيف أقول ما لم يقل فكيف يكتم ~~كلمة ما قالها أحد قبله من خلق الله # و ( أيضا ) فان أحمد بن الحسن الترمذي من خواص أصحابه وأعيانهم فما ~~الموجب لأن يستعمل التقية معه # و ( أيضا ) فلم يكن به حاجة إلى ان يقول كلام الآدمي مخلوق وإنما هو ذكر ~~ذلك مستدلا به ضاربا المثل فكيف يبتدي بكلام هو عنده باطل لم يسأله عنه أحد # و ( أيضا ) فقد كان يسعه أن يسكت عن هذا فان الأنسان إذا خاف من إظهار ~~قول كتمه اما اظهاره لقول لم يطلب منه وهو باطل عنده فهذا لا يفعله أقل ~~الناس عقلا وعلما ودينا # فمن يسب ( الإمام أحمد ) الذي موقفه من الاسلام وأهله فوق ما يصفه الواصف ~~ويعرفه العارف فقد استوجب من غليظ العقوبة ما يكون نكالا لكل مفتر كاذب ~~راجم بالظن قاذف قائل على الله ورسوله والمؤمنين وأئمتهم ما لا يقوله العدو ~~المنافق # و ( أيضا ) فقد ذكر ذلك فيما صنفه من ( الرد على الزنادقة PageV12P440 ~~والجهمية ) وهو في الحبس وكتبه بخطه ولم يكن ذلك مما أظهره لأعدائه الذين ~~يحتاج غيره إلى أن يستعمل معهم التقية # وهذا القول أقبح من قول الروافض ms0263 فيما ثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله ~~عنه انه قاله وفعله على وجه التقية فان الإمام أحمد صنف الرد عليهم وبين ~~أنهم زنادقة فأى تقية تكون لهم مع هذا وهو يجاهدهم ببيانه وبنانه وقلمه ~~ولسانه $ فصل # شبه هؤلاء انهم وجدوا الناس قد تكلموا في ( حروف المعجم ) و ( أسماء ~~المخلوقات ) فإن المنتسبين إلى السنة تكلموا في حروف المعجم في غير القرآن ~~والكتب الالهية وقال طوائف منهم كابن حامد وابي نصر السجزي والقاضي في أشهر ~~قوليه وابن عقيل وغيرهم إنها مخلوقة وقالوا الحروف حرفان وقال طوائف وهم ~~كثير من أهل الشام والعراق وخراسان كالقاضي يعقوب البرزيني والشريف ابى ~~الفضائل الزيدى الحرانى ويروى ذلك عن الشيخ أبى الحسين بن سمعون وهو قول ~~القاضي ابى الحسين وحكاه عن أبيه في آخر قوليه وهو قول القاضي ابى الحسين ~~وحكاه عن أبيه في آخر قوليه وهو قول الشيخ أبى الفرج الأنصاري والشيخ عبد ~~PageV12P441 القادر وابن الزاغونى وغيرهم الحرف حرف واحد وحروف المعجم غير ~~مخلوقة حيث تصرفت لأنها من كلام الله وحقيقة الحرف واحدة لا تختلف # وقد نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه الانكار على من قال بخلق الحروف ~~وانه لما حكى له ان بعض الناس قال لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف ~~فقال الإمام أحمد هذا كفر وروى انكار ذلك عن غيره من الأئمة # والأولون لا ينازعون في هذا فانهم ينكرون على من يقول ان الحروف مخلوقة ~~فإنه إذا قال ذلك دخل فيه حروف كلام الله تعالى من القرآن وغيره وهم يخصون ~~الكلام في الحرف الموجود في كلام المخلوق دون الحروف الموجودة في كلام الله ~~ويقولون حقيقة الحروف والاسم وان كانت واحدة فذلك بمنزلة كلمات موجودة في ~~القرآن وقد تكلم بها بعض المخلوقين فالمتكلم تارة يقصد ان يتكلم بكلام غيره ~~وان وافقه في لفظه بالنسبة الينا وهذا لا يتأتى إلا في الشيء اليسير وهو ما ~~دون السورة القصيرة فان الله قد تحدى الخلق أن يأتوا بسورة مثله وأخبر انهم ~~لن يفعلوا # قال ms0264 الأولون فموافقه لفظ الكلام للفظ الكلام لا يوجب ان PageV12P442 يكون ~~لأحدهما حكم الآخر في النسبة إلى المتكلم المخلوق بحيث ينسب أحدهما إلى ما ~~ينسب اليه الآخر فكيف بالنسبة إلى الخالق بل لما كتب مسيلمة إلى النبى من ~~مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله رد عليه النبى ( من محمد رسول الله ~~إلى مسيلمة الكذاب كان اللفظ برسول الله من المتكلمين سواء من أحدهما صدق ~~ومن أعظم الصدق ومن الآخر كذب ومن أقبح الكذب # وقد ذكر الله عن الكفار مقالات سوء في كتابه مثل قولهم ( اتخذ الله ولدا ~~ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون إلا ~~كذبا وقولهم ( عزيز بن الله ) ( والمسيح بن الله ) وغير ذلك من الأقوال ~~الباطلة وقد حكاها الله عنهم فإذا تكلمنا بما حكاه الله عنهم كنا متكلمين ~~بكلام الله ولو حكيناها عنهم ابتداء لكنا قد حكينا كلامهم الكذب المذموم # ولهذا قال الفقهاء من ذكر الله أو دعاه جاز له ذلك مع الجنابة وإن وافق ~~لفظ القرآن إذا لم يقصد القراءة وقالوا لو تكلم بلفظ القرآن في الصلاة يقصد ~~مجرد خطاب الآدمي بطلت صلاته لأن ذلك من كلام الآدميين والصلاة لا يصلح ~~فيها شيء من كلام الآدميين وإن قصد مع تنبيه الغير القراءة صحت صلاته عند ~~الجمهور كما لو لم PageV12P443 يقصد إلا القراءة وعند بعضهم تبطل كقول أبى ~~حنيفة ومن هذا الباب مسألة الفتح على الإمام وتنبيه الداخل بآية من القرآن ~~وغير ذلك # وسبب ذلك ان معنى الكلام داخل في مسماه ليس هو اسما لمجرد اللفظ والمعنى ~~هو إنشاء وإخبار والانشاء فيه الأمر والنهي ومعلوم ان أمر زيد ليس هو أمر ~~عمرو ولا حكمه حكمه وإن اتفق اللفظ فالآمر المطاع الحكيم إذا أمر بأمر كان ~~له حكم خلاف ما إذا أمر به الجاهل العاجز وإن اتفق لفظهما وكذلك الشاهد ~~العالم الصادق إذا أخبر بخبر كان حكمه خلاف ما إذا أخبر به الجاهل الكاذب ~~وإن اتفق لفظهما # وإذا كان كذلك فمن أدخل ms0265 في كلام له بعض لفظ أدخله غيره في كلامه لم يوجب ~~ذلك ان يكون هذا اللفظ من كلام ذلك المتكلم وإن كان أحد اللفظين شبيها ~~بالآخر وهو بمنزلة من كتب حروفا تشبه حروف المصحف كتبها كلاما آخر لم يكن ~~ذلك مما يوجب أن يكون من حروف المصحف # وقال الآخرون مجرد الموافقة في اللفظ لا يوجب أن يجعل حكم PageV12P444 ~~أحد اللفظين حكم الآخر لكن إذا كان أحدهما أصلا سابقا إلى ذلك الكلام ~~والآخر إنما احتذى فيه حذوه ومثاله كان اللفظ والكلام منسوبا إلى الأول ~~بمنزلة من تمثل بقوله لبيد % الا كل شيء ما خلا الله باطل % # | أو بقوله % ويأتيك بالأخبار من لم تزود % # أو بمثل من الأمثال السائرة كقوله ( عسى الغويرى بؤسا ) و ( يداك أوكتا ~~وفوك نفخ ) و ( كل الصيد في الجوف الفراء ) ونحو ذلك فهذا الكلام هو تكلم ~~به في المعنى الذي أراده لا على سبيل التبليغ عن غيره ومع هذا فهو منسوب ~~إلى قائله الأول فهكذا الحروف الموجودة في كلام الله وإن أدخلها الناس في ~~كلامهم الذي هو كلامهم فأصلها مأخوذ من كلام الله تعالى # قال الأولون هنا مقامان # ( أحدهما ) ان كل من انطقه الله بهذه الحروف فانما كان ذلك بطريق ~~الاستفادة من كلام الله أو من استفاده من كلام الله وهذه الدعوى العامة ~~تحتاج إلى دليل فان تعليم الله لآدم الأسماء أو إنزاله كتبه بهذه الحروف لا ~~يوجب أن يكون لم ينطق غير آدم ممن لم يسمع PageV12P445 الكتب المنزلة بهذه ~~الحروف كما كانت العرب تنطق بهذه الحروف والأسماء قبل نزول القرآن والله ~~تعالى أنزله بلسانهم الذي كانوا يتكلمون به قبل نزول القرآن # ( المقام الثاني ) انه لو لم يكن أحد نطق بها إلا مستفيدا لها من كلام ~~الله لكن إذا أنشأ بها كلاما لنفسه ولم يقصد بها قراءة كلام الله لم تكن في ~~هذه الحال من كلام الله كما لو فعل ذلك في بعض الجمل المركبة وأولى ويدل ~~على ذلك الأحكام الشرعية # قال الآخرون القائلون بأن حروف المعجم غير ms0266 مخلوقة مطلقا لنا في الأسماء ~~الموجودة في غير القرآن قولان منهم من يقول بأن جميع الأسماء غير مخلوقة ~~كما يقول ذلك في الحروف ومنهم من لا يقول ذلك وقد حكى القولين ابن حامد ~~وغيره عمن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد وغيره من القائلين بأن حروف المعجم ~~غير مخلوقة فمن عمم ذلك استدل بقوله تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ ~~وهذه الحجة مبنية على مقدمتين # ( إحداهما ) أن مبدأ اللغات توقيفية وان المراد بالتوقيف خطاب الله بها ~~لا تعريفه بعلم ضروري وهذا الموضع قد تنازع فيه الناس من أصحاب الإمام أحمد ~~وسائر الفقهاء وأهل الحديث والأصول PageV12P446 فقال قوم أنها توقيفية وهو ~~قول أبو بكر عبد العزيز والشيخ أبى محمد المقدسى وطوائف من أصحاب الإمام ~~أحمد وهو قول الأشعري وابن فورك وغيرهما وقال قوم بعضهما توفيقي وبعضها ~~اصطلاحي وهذا قول طوائف منهم ابن عقيل وغيره وقال قوم يجوز فيها هذا وهذا ~~ولا تجزم بشيء وهذا قول القاضي أبي يعلى والقاضي أبى بكر بن الباقلانى ~~وغيرهما ولم يقل إنها كلها اصطلاحية إلا طوائف من المعتزلة ومن اتبعهم ورأس ~~هذه المقالة أبو هاشم ابن الجبائى # والذين قالوا انها توقيفية تنازعوا هل التوقيف بالخطاب أو بتعريف ضروري ~~أو كليهما فمن قال انها توقيفية وان التوقيف بالخطاب فإنه ينبني على ذلك أن ~~يقال انها غير مخلوقة لأنها كلها من كلام الله تعالى لكن نحن نعلم قطعا ان ~~في اسماء الأعلام ما هو مرتجل وضعه الناس ابتداء فيكون التردد في اسماء ~~الأجناس # و ( أيضا ) فان تعليم الله لآدم بالخطاب لا يوجب بقاء تلك الأسماء ~~بألفاظها ذريته بل المأثور أن أهل سفينة نوح لما خرجوا من السفينة أعطي كل ~~قوم لغة وتبلبلت ألسنتهم وهذه المسألة فيها تجاذب والنزاع فيها بين أصحابنا ~~وسائر أهل السنة يعود إلى نزاع PageV12P447 لفظى فيما يتحقق فيه النزاع ~~وليس بينهم والحمد لله خلاف محقق معنوى # وذلك أن الذى قال الحرف حرف واحد وان حروف المعجم ليست مخلوقة إنما ~~مقصوده بذلك أنها داخلة فى كلام الله وانها ms0267 منتزعة من كلام الله وانها مادة ~~لفظ كلام الله وذلك غير مخلوق وهذا لا نزاع فيه فأما حرف مجرد فلا يوجد لا ~~فى القرآن ولا فى غيره ولا ينطق بالحرف إلا فى ضمن ما يأتلف من الأسماء ~~والأفعال وحروف المعانى وأما الحروف التى ينطق بها مفردة مثل الف لام ميم ~~ونحو ذلك فهذه فى الحقيقة أسماء الحروف وإنما سميت حروفا باسم مسماها كما ~~يسمى ضرب فعل ماضى باعتبار مسماه ولهذا لما سأل الخليل أصحابه كيف تنطقون ~~بالزاء من زيد قالوا نقول ( زا ( قال جئتم بالاسم وإنما يقال ( زه ( # وليس فى القرآن من حروف الهجاء التى هي أسماء الحروف إلا نصفها وهى أربعة ~~عشر حرفا وهى نصف أجناس الحروف نصف المجهورة والمهموسة والمستعلية والمطبقة ~~والشديدة والرخوة وغير ذلك من أجناس الحروف وهو أشرف النصفين والنصف الآخر ~~لا يوجد فى القرآن إلا فى ضمن الأسماء أو الأفعال أو حروف المعانى التى ~~ليست باسم ولا فعل فلا يجوز أن نعتقد أن حروف المعجم بأسمائها جميعها ~~موجودة فى القرآن لكن نفس حروف المعجم التى PageV12P448 هي أبعاض الكلام ~~موجودة فى القرآن بل قد اجتمعت فى آيتين ( إحدهما ( فى آل عمران و ( ~~الثانية ( فى سورة الفتح ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم ) الآية و ( محمد ~~رسول الله ) الآية # وإذا كان كذلك فمن تكلم بكلام آخر مؤلف من حروف الهجاء فل ينطق بنفس ~~الحروف التى فى لفظ القرآن وإنما نطق بمثلها وذلك الذى نطق به قد يكون هو ~~أخذه وإذا ابتدأ من لفظ كلام الله تعالى وقد لا يكون حقيقة # قيل الحرف من حيث هو هو شىء واحد له الحقيقة المطلقة التى لا تأليف فيها ~~لا توجد لا فى كلام الله تعالى ولا فى كلام عباده وإنما الموجود الحرف الذى ~~هو جزء من اللفظ أو اسمه إذا لم يوجد إلا لحرف ولكن هذا المطلق بل الأعيان ~~الموجودة فى الخارج قائمة بأنفسها كالانسان لا يوجد مجردا عن الأعيان فى ~~الأعيان لا يوجد مجردا عن الأعيان إلا فى الذهن ms0268 لا فى الخارج فكيف بالحرف ~~الذى لا يوجد فى الخارج إلا مؤلفا فلو قدر أنه يوجد فى الخارج غير مؤلف ~~متعدد الأعيان كما يوجد الانسان لم تكن حقيقته المطلقة من حيث هى هي موجودة ~~إلا فى الأذهان لا فى الأعيان # فتبين أن الحروف تختلف أحكامها باختلاف معانيها واختلاف المتكلم ~~PageV12P449 بها وهذا أوجب تعظيم حروف القرآن المنطوقة والمسطورة وكان لها ~~من الأحكام الشرعية ما امتازت به عما سواها واختلاف الأحكام إنما كان ~~لاختلاف صفاتها واحوالها # فتبين ان الواجب أن يقال ما قاله الأئمة كاحمد وغيره ان كلام الانسان كله ~~مخلوق حروفه ومعانيه والقرآن غير مخلوق حروفه ومعانيه وقد ثبت فى الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( يقول الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى فمن ~~وصلها وصلته ومن قطعها بتته ( وروى الربيع بن أنس عن المسيح أنه قال ( عجبا ~~لهم كيف يكفرون به وهم يتقلبون فى نعمائه ويتكلمون باسمائه # ( وذكر فى معظم حروف المعجم أنها مبانى اسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة ~~من السماء وهذا مما يحتج به من قال ليست مخلوقة وليس بحجة فان أسماء الله ~~من كلامه وكلامه غير مخلوق وما اشتقه هو من أسمائه فتكلم به كلامه به غير ~~مخلوق وأما إذا اشتقوا اسما أحدثوه فذلك الاسم هم أحدثوه ولا يلزم إذا كان ~~المشتق منه غير مخلوق ان يكون المشتق كذلك وما يروى عن المسيح فلا يعرف ~~ثبوته عنه وبتقدير ثبوته فإذا كان قد ألهم عباده أن يتكلموا بالحروف ~~PageV12P450 التى هى مبانى أسمائه التى تكلم بها لم يلزم أن يكون ما أحدثوه ~~هم غير مخلوق # ( وبالجملة ( فمن نظر إلى أن حقيقة الحرف التى لاتختلف موجوة فى كلام ~~الله وكلام الله غير مخلوق قال انها مخلوقة إشارة إلى نفس حقيقة الحرف لا ~~إلى عين جزء اللفظ الذى به ينطق الكفار والمشركون فان ذلك الحرف الذى هو ~~صوت لمقدر أو تقدير صوت قائم بالكافر والمشرك لا يقول عاقل أنه غير مخلوق ~~مع أنه ليس مضافا إلى الله بوجه من الوجوه ms0269 وإنما يضاف إلى الله ما شاركه فى ~~اسمه مما كان متعلقا بالمعنى المضاف إلى الله # وهذا بخلاف الحروف التى فى كلام الله فان تلك كلام الله كيف ما تصرفت ~~ونحن لما يسر الله كلامه بألسنتناأمكننا أن نتكلم بكلامه لكن بأدواتنا ~~وأصواتنا وليس تكلمنا به وسمعه منا كتكلم الله به وسمعه منه كما تقدمت ~~الاشارة إلى هذا كما أن الله ليس كمثله شىء فكذلك سائر ما يضاف إليه ولكن ~~لما انطقنا الله بأدواتنا وحركاتنا وأصواتنا صار بين بعض لفظنا به ولفظنا ~~بغيره نوع من الشبه فإذا تكلمنا بكلام آخر فهو يشبه من بعض الوجوه لفظنا ~~وصوتنا بالقرآن لا يشبه تكلم الله به وقراءته إياه فإذا كان وجود هذه ~~الحروف فى كلام الآدميين ليس بمنزلة تكلم الله بالقرآن وإنما يشبه من بعض ~~الوجوه تكلمنا به PageV12P451 من جهة ما يضاف إلينا لا من جهة ما يضاف إلى ~~الله امتنع حينئذ أن يقال عين الحرف الذى هو جزء لفظة من الاسم الذى ينطق ~~به الناس هو عين الحرف الذى هو جزء لفظ من كلام الله تعالى وإنما يشبهه ~~ويقاربه فهو هو باعتبار النوع وليس هو إياه باعتبار العين والشخص خلاف حروف ~~كلام الله القرآن فانها كلام الله حيث تصرفت وفيها دقة وشبهة أشرنا إليها ~~فى هذا الجواب وشرحناها فى موضعها # فمن قال أن الحروف حرفان أراد به أنهما عينان وشخصان وهذا حق ومن قال ~~الحرف حرف واحد أراد به أن الحقيقة النوعية واحدة فى الموضعين وهذا حق ومن ~~قال ان حروف الهجاء من من كلام الآدميين غير مخلوقة فقد صدق باعتبار ~~الحقيقة النوعية ومن قال أنها مخلوقة باعتبار العين الشخصية فقد صدق # ونظير هذا كثير يوجد فى كلام أهل العلم وأهل السنة من النفى والاثبات ~~ويكون النزاع فى معنيين متنوعين نزاعا لفظيا اعتباريا وقد قال بعض الفضلاء ~~أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الاسماء لكن وقوع الاشتراك والاجمال يضل ~~به كثير من الخلق كما يهتدى به كثير من الخلق وهو سبب ضلال هؤلاء الجهال ms0270 ~~المسؤول عنهم فان حجتهم أن الله علم آدم الاسماء كلها وعلمه البيان وهو ~~مبنى على PageV12P452 أن ( اللغات توقيفية ( كقول كثير من الفقهاء من ~~أصحابنا وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز وأبى محمد المقدسى وهو قول الأشعرى ~~وإبن فورك وغيرهما # لكن ( التوقيف ( هل المراد به التكليم أو التعريف أو كلاهما هذا فيه نزاع ~~أيضا كما تقدم فالذين قالوا إنها غير مخلوقة يقولون إنها ( توقيفية ( وان ~~التعليم هو بالخطاب فيكون الله قد تكلم بالأسماء كلها وكلام الله غير مخلوق ~~قال هؤلاء الجهال الضالون وكلام الآدميين ليس إلا ما يأتلف من الحروف ~~والاسماء وتلك غير مخلوقة فهذا أيضا غير مخلوق # فبنوا قولهم على ان حروف المعجم غير مخلوقة وان الأسماء المؤلفة من ~~الحروف غير مخلوقة واعتقدوا مع ذلك أن كلام الأدميين ليس إلا ما يأتلف من ~~الاسماء والحروف وتلك غير مخلوقة فقالوا كلام الآدميين غير مخلوق لأن ~~مفرداته غير مخلوقة وإذا ضويقوا فقد يقولون النظم والتأليف مخلوق وأما نفس ~~المنظوم المؤلف فهو قديم ثم يحسبون أن المواد المنظومة المؤلفة هى أدخل فى ~~الكلام من نفس التأليف والنظم كماأن اجزاء البيت هى أدخل فى مسماه من ~~تأليفه وإن كان البيت إسما للأجزاء ولتأليفها # PageV12P453 # وربما طرد بعضهم هذه ( المقالة ( فى سائر أصوات الآدميين ولما ألزمهم من ~~خاطبهم بأصوات العباد التى ليست بكلام طرد بعضهم ذلك فى الأصوات ثم طرد ذلك ~~فى أصوات البهائم من الحمير وغيرها ويلزمهم طرد ذلك فى جميع الأصوات حتى ~~أصوات العيدان والمزامير إذا لا فرق بينها وبين أصوات البهائم # وأعلم أن الجهالة إذا انتهت إلى هذا الحد صارت بمنزلة من يقول ان الوتد ~~والحائط والعجل الذى يعمل منه الجلد كلام الله أو يقول ان يزيد بن معاوية ~~كان من الأنبياء الكبار أو يقول أن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يعانق ~~المشاة ويصافح الركبان أو يقول إن أبا بكر وعمر ليسا مدفونين بالحجرة أو ~~أنهما فرعون وهامان وإنهما كانا كافرين عدوين للنبى مثل أبى جهل وأبى لهب ~~أو يقول أن على ms0271 بن أبى طالب هو العلي الأعلى رب السموات والأرض أو يقول أن ~~الذى صفعته اليهود وصلبته ووضعت الشوك على رأسه هو الذى خلق السموات والأرض ~~وان اليدين المسمرتين هما اللتان خلقتا السموات والأرض أو يقول أن الله قعد ~~فى بيت المقدس يبكى وينوح حتى جاء بعض مشايخ اليهود فبرك عليه أو أنه بكى ~~حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة وأنه ندم على الطوفان وعض يديه من الندم ~~حتى جرى الدم أو يقول أن PageV12P454 الشيخ فلان والشيخ فلان يخلق ويرزق ~~وكل رزق لا يرزقنيه ما أريده أو يقول ان عليا هو الذى كان يعلم القرآن ~~للنبى أو يقول ان صانع العالم لما صنعه غلبت عليه الطبيعة حتى أهلك نفسه أو ~~يقول أن وجوده ووجود هذا وهذا هو عين وجود الحق وان الله هو عين السموات ~~والأرض والنبات والحيوان وان كل صوت ونطق فى العالم فهو صوته وكلامه وكل ~~حركة فى العالم وسكون فهو حركته وسكونه وان الحق المنزه هو الخلق المشبه ~~وأنه لو زالت السموات والأرض لزالت حقيقة الله وأنه من حيث ذاته لا اسم له ~~ولا صفة وأنه لا وجود له إلا فى الأعيان الممكنات وأنه الوجود المطلق ~~السارى فى المخلوقات الذى لا يتميز و ينفصل عن المخلوقات إلى أمثال هذه ~~المقالات التى يقولها الغلاة من المشركين والكتابيين ومن أشبههم من غالية ~~هذه الأمة # فإن المنتسبين إلى السنة والحديث وان كانوا أصلح من غيرهم من أشباههم ~~فالسنة فى الاسلام كالاسلام فى الملل كما انه يوجد فى المنتسبين إلى ~~الإسلام ما يوجد فى غيرهم وأن كان كل خير فى غير المسلمين فهو فى المسلمين ~~أكثر وكل شر فى المسلمين فهو فى غيرهم أكثر فكذلك المنتسبة إلى السنة قد ~~يوجد فيهم ما يوجد فى غيرهم وان كان كل خير فى غير أهل السنة فهو فيهم أكثر ~~وكل PageV12P455 شر فيهم فهو فى غيرهم أكثر إذ قد صح عن النبى أنه قال ( ~~لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب ms0272 لدخلتموه ~~قالوا اليهود والنصارى قال فمن ( وقال ( لتأخذن مآخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع قالوا فارس والروم قال ومن الناس إلا هؤلاء ( # وإزالة شبهة هؤلاء تحتاج إلى الكلام فى ( الحروف والأسماء ( هل هى مخلوقة ~~أم غير مخلوقة وان كنا قد أشرنا إلى ذلك بل نتكلم على تقدير أنها غير ~~مخلوقة ونقول مع هذا يجب القطع بأن كلام الآدميين مخلوق ويطلق القول بذلك ~~إطلاقا لا يحتاج إلى تفصيل بأن يقال نظمه وتأليفه مخلوق وحروفه وأسماؤه غير ~~مخلوقة أو تركيبه مخلوق ومفرداته غير مخلوقة فان هذا التفصيل لا يحتاج إليه # وذلك لأن كلام المتكلم هو عبارة عن الفاظه ومعانيه كما قدمناه ليس الكلام ~~اسم لمجرد الالفاظ ولا لمجرد المعانى # وعامة ما يوجد فى الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة بل وسائر الأمم ~~عربهم وعجمهم من لفظ الكلام والقول وهذا كلام فلان أو كلام فلان فانه عند ~~إطلاقه يتناول اللفظ والمعنى جميعا PageV12P456 لشموله لهما ليس حقيقة فى ~~اللفظ فقط كما يقوله قوم ولا فى المعنى فقط كما يقوله قوم ولا مشترك بينهما ~~كما يقوله قوم ولا مشترك فى كلام الآدميين وحقيقة فى المعنى فى كلام الله ~~كما يقوله قوم # ومنه قول النبى ( ان الله تجاوز لأمتى عما حدثت به انفسها ما لم تتكلم به ~~أو تعمل به ( وقول معاذ له ( وأنا لمؤاخذون بما نتكلم فقال ثكلتك أمك ~~يامعاذ وهل يكب الناس فى النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ( وقوله ( ~~كلمتان ثقيلتان فى الميزان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن سبحان ~~الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقوله ( أن اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة ~~لبيد ألا كل شىء ما خلا الله باطل % $ ( وقوله ( إنى لأعلم كلمة لا يقولها ~~أحد عند الموت إلا وجد روحه لها روحا ( فمن كان آخر كلامه لا إله إلا الله ~~دخل الجنة ( وما فى القرآن مثل قوله ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه ) وقوله ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) ونحو ذلك من أسماء ~~القول والكلام جميعا ونحوهما فانه ms0273 يدخل فيه اللفظ المعنى جميعا عند الاطلاق # PageV12P457 وإذا كان كذلك فالمتكلم بكلام المبتدىء له سواء كان نظما أو ~~نثرا لا ريب أنه هو الذي ألف معاينه وألف ألفاظه وأما مفردات ( الأسماء ~~والحروف ) فلا ريب أنه تعلمها من غيره سواء كانت مخلوقة أو غير مخلوقة فإن ~~( اللغات ) سابقة لكلام عامة المتكلمين ونطق الناطقين من البشر وهم تلقوا ~~الأسماء وحروف الأسماء الموجودة في لغاتهم عمن قبلهم إلى أن ينتهي الأمر ~~إلى أول متكلم بتلك الأسماء المفردة # ثم انه مما علم بالاضطرار واتفق عليه اهل الأرض جميعهم ان الكلام هو كلام ~~من ألف معاينه وألفاظه وان كان جميع ما فيه من الاسماء والحروف إنما تعلمها ~~من غيره فالناس مطبقون على أن هذه القصائد كلام منشئيها مثل شعر امرىء ~~القيس والنابغة الذبيانى كقوله % قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % $ # فجميع الأمم يعملون ويقولون ان هذا شعر امرىء القيس وكلامه وإن كانت ~~الأسماء المفردة فيه إنما تعلمها من غيره فإن العرب نطقت قبله بلفظ ( قفا ) ~~وبلفظ ( من ذكرى ) ( حبيب ) ( ومنزل ) # وجميع المسلمين إذا سمعوا قوله ( إنما PageV12P458 الأعمال بالنيات وإنما ~~لكل امرىء ما نوى ) أو ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله ومن كان ~~يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ انقذه الله منه كما يكره ان يلقى في النار ) ~~وقوله ( من كذب علي متعمدا فليتبوا مقعده من النار ) قالوا هذا كلام رسول ~~الله وهذا حديثه وهذا قوله مع علمهم أن جميع مفردات هذا الكلام قد كانت ~~موجودة في كلام العرب قبله مثل لفظ ( إنما ) ولفظ ( الاعمال ) ولفظ ( النية ~~) و ( النيات ) ولفظ ( كل امرىء ولفظ ( ما نوى ) وغير ذلك # وهكذا كلام الصحابة والتابعين وكلام مصنفى الكتب والرسائل والخطب كلهم ~~يقول هذه الرسالة كلام فلان وهذه الخطبة كلام فلان وهذه المسألة من كلام ~~فلان مع علمهم بأنه مسبوق بمفردات الكلام اسمائه وحروف هجائه وذلك لان كلام ~~لم يكن كلاما باعتبار الالفاظ ms0274 المفردة ولا باعتبار أجزائها وهي حروف الهجاء ~~ولا كان المقصود بوضع اللفظ للمعنى الدلالة على المعانى المفردة فإن ~~المعانى المفردة لا يعلم وضع اللفظ لها إلا بعد العلم بها فلو كان العلم ~~بها لا يستفاد إلا من اللفظ لزم الدور # ولهذا يقول اهل العربية وهم اخبر بمشبهات الالفاظ من PageV12P459 غيرهم ~~ان اسم الكلام لا يقال إلا على الجملة المفيدة كالمركبة من اسمين أو اسم ~~وفعل وقد ذكر ذلك ( سيبوبة ) حكيم لسان العرب في ( باب الحكاية بالقول ) ~~حيث ذكر ان القول يحكى به ما كان كلاما ولا يحكى به ما كان كلاما ولا يحكى ~~به ما كان قولا والقول إنما تحكى به الجمل المفيدة فعلم انها هي الكلام في ~~لغة العرب # وحيث اطلق الفقهاء اسم ( الكلام ( على حرفين فصاعدا فى ( باب الصلاة ( ~~فانما غرضهم ما يبطل الصلاة سواء كان مفيدا أو غير مفيد وموضوعا أو مهملا ~~حتى لو صوت تصويتا طويلا ولحن لحون الغناء أبطل الصلاة وان لم يكن ذلك فى ~~اللغة كلاما وهم فيما اذا حلف لا يتكلم أو ليتكلمن لا يعلقون البر والحنث ~~الا بما هو فى عرف الحالف كلام وإن كان اخص من الكلام الذى يبطل الصلاة ~~ولهذا لو حلف لا يتكلم واطلق يمينه حنث بكلام المخلوقين وهل يحنث بتكلمه ~~بالقرآن من العلماء من قال لا يحنث بحال ومنهم من قال لا يحنث بتلاوته فى ~~الصلاة ومنهم من توقف لأن اليمين مرجعها إلى عرف الخالف فعموم اسم الكلام ~~وخصوصه عندهم بحسب الاحكام المتعلقة به # والسلف إذا ذموا أهل الكلام وقالوا علماء زنادقة وما ارتدى أحد بالكلام ~~فافلح فلم يريدوا به مطلق الكلام PageV12P460 وإنما هو حقيقة عرفية فيمن ~~يتكلم في الدين بغير طريقة المرسلين والخائضون في ( اصول الفقه ) وإن قالوا ~~ان الكلام ما تألف من حرفين فصاعدا أو ما انتظم من ( الحروف ) وهي الاصوات ~~المقطعة المتواضع عليه وتنازعوا في الحرف الواحد المؤلف مع غيره هل يسمى ~~كلاما على قولين كما قال اكثر متكلمين ان الجسم هو المؤلف واقل التركيب ms0275 من ~~جوهرين وتنازعوا في الجواهر الواحد المؤلف هل يسمى جسما على قولين فهذا ~~اصطلاح خاص لهم # كما اصطلح ( النحاة ) على ان ( المفرد ) مثل الاسم وحرف المعنى يسمى كلمة ~~وان كانت الكلمة في لغة العرب العرباء لا توجد الا اسما للجملة التامة إلا ~~ان يكون شيئا لا يحضرنى الآن # وإذا كان الناس متفقين على ان الكلام هو الكلام من ألف ألفاظه ومعانيه ~~وإن كان قد تعلم اسماءه من غيره زالت كل شبهة في المسألة ووجب اطلاق القول ~~بأن كلام الآدميين مخلوق كما يطلق القول بأن هذا الشعر من كلام فلان وهذا ~~الكلام كلام فلان لا كلام الذين تكلموا قبلهم بتلك الأسماء وحروفها فإن ~~كلام الآدميين هو كلام الذين انشؤه وابتدأوه فألفوا ألفاظه ومعانيه وإن كان ~~بعضهم قد تعلم اسماءه وحروفه من بعض ولو كانت اسماؤه قد سمعونا من الله ~~تعالى PageV12P461 # واعلم ان هنا امرا عجيبا وهو ان هؤلاء القوم ضد الذين يجعلون القرآن الذي ~~يقرؤونه كلام الآدميين لا كلام الله فإن اولئك عمدوا إلى كلام الله الذي ~~يتلونه ويبلغونه ويؤدونه فجعلوه كلام انفسهم وهؤلاء عمدوا إلى كلامهم ~~المتضمن الكفر والفسوق والعصيان والكذب والبطلان فجعلوه كلام الله الذي ليس ~~بمخلوق فأولئك لم ينظروا إلا إلى من سمع منه الكلام وهؤلاء لم ينظروا إلا ~~إلى من اعتقدوا انه تكلم أولا بمفردات الكلام # وأما ( الأمة الوسط ) الباقون على الفطرة وجميع بني آدم فيقولون لما بلغه ~~المبلغ عن غيره وأداه ولما قرأه من كلام غيره وتلاه هذا كلام ذاك وإنما ~~بلغته بقواك كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما خرج على قريش فقرأ ~~عليهم @QB@ الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون @QE@ ~~فقالوا هذا كلامك أم كلام صاحبك فقال ليس بكلامى ولا كلام صاحبى ولكن كلام ~~الله # وهذا كما قال تعالى @QB@ فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ وفي سنن أبي داود ~~عن جابر عن النبى انه كان يعرض نفسه على الناس في الموقف فيقول ألا رجل ~~يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ms0276 ربى فإن قريشا منعونى أن أبلغ كلام ربي فبين ~~صلى PageV12P462 الله عليه وسلم أنما يبلغه ويتلوه هو كلام الله لا كلامه ~~وإن كان يبلغه بأفعاله وصوته كما قال زينوا القرآن بأصواتكم وقال لله أشد ~~أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينة # والأمم متفقون على هذا إذا سمعوا من يروي قصيدة من شعر مثل ( قفا نبك ) ~~والا ( وهل غادر الشعراء ) أو ( خطبة ) مثل خطب علي وزياد أو ( رسالة ) ~~كرسالة عبد الحميد ونحوه أو سجعا من سجع الكهان أو قرآنا مفترى كقرآن ~~مسيلمة الكذاب قالوا هذا شعر امرىء القيس وكلام علي وكلام عبد الحميد وقرآن ~~مسيلمة وهو كلامه ولم يجعلوه كلاما للمبلغ المؤدي بالواسطة وإن كان بلغه ~~بفعله وصوته وإذا انشأ رجل قصيدة أو خطبة أو رسالة أو سجعا أو تكلم بكلام ~~منثور آمرا أو مخبرا قالوا هذا كلام فلان وقوله وإن كان قد تعلم مفرداته من ~~غيره وتلقنها من أحد # فمن قال ان الكلام هو كلام لمن تعلم منه المفردات فهو ابعد عن العقل ~~والدين ممن قال ان الكلام لمن بلغه وأداه وانما الكلام كلام من اتصل به ~~واتصف به وألفه وانشأه وكان مخبرا بخبره وآمرا بأمره وناهيا عن نهيه ~~PageV12P463 $ فصل # وأما سؤال السائل هل يجب على ولي الأمر زجرهم وردعهم فنعم يجب ذلك في ~~هؤلاء وفي كل من أظهر مقالة تخالف الكتاب والسنة فإن ذلك من ( المنكر ) ~~الذي أمر الله بالنهي عنه كما قال تعالى ^ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) وهو من ( الأثم ) الذي قال الله فيه ( ~~لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت ) # وكل من أثبت لله ما نفاه عن نفسه أو نفى عن الله ما أثبته لنفسه من ~~العطلة والممثلة فإنه قال على الله غير الحق وذلك مما زجر الله عنه بقوله ~~للنصارى ^ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ^ ~~وبقوله ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ms0277 غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوء السبيل ^ وقال عن الشيطان ^ ~~إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا على الله ما لا تعملون ^ وقال ^ قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق ~~PageV12P464 وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون # فإن من قال غير الحق فقد قال الله ما لا يعلم فإن الباطل لا يعلم إلا إذا ~~علم بطلانه فأما اعتقاد أنه الحق فهو جهل لا علم فمن قاله فقد قال ما لا ~~يعلم وكذلك من تبع في هذه الأبواب وغيرها من أبواب الدين آباءه وأسلافه من ~~غير اعتصام منه بالكتاب والسنة والاجماع فإنه ممن ذمه الله في كتابه مقل ~~قوله ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما ~~وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعملون شيئا ولا يهتدون ) وقوله ( ~~يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ~~وقالوا ربنا انا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من ~~العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) # وكذلك من اتبع الظنون والأهواء معتقدا أنها ( عقليات ( و ( ذوقيات ( فهو ~~ممن قال الله فيه ( ان يتبعون الا الظن و تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى ( وإنما يفصل بين الناس فيما تنازعوا فيه الكتاب المنزل من السماء ~~والرسول المؤيد بالأنباء كما قال تعالى ^ ايتوني بكتاب من قبل هذا أو اثارة ~~من علم ان كنتم صادقين ^ وقال تعالى ^ كان الناس أمة واحدة فبعث الله ~~النبيين PageV12P465 مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه ^ وقال تعالى ^ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ^ وقال ~~تعالى ^ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ^ بل على الناس أن يلتزموا ~~الأصول الجامعة الكلية التي اتفق عليها سلف الأمة وأئمتها فيؤمنون بما وصف ~~الله ms0278 به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل # وليس لأحد ان يكفر أحدا من المسلمون وان أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ~~وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول الا ~~بعد إقامة الحجة وازالة الشبهة $ فصل # وأما تكفير قائل هذا القول فهو مبنى على أصل لا بد من التنبيه عليه فإنه ~~بسبب عدم ضبطه اضطربت الأمة اضطرابا كثيرا في تكفير أهل البدع والأهواء كما ~~اضطربوا قديما وحدثنا في سلب الايمان عن أهل الفجور والكبائر وصار كثير من ~~أهل البدع مثل الخوارج والروافض والقدرية والجهمية والممثلة يعتقدون ~~اعتقادا هو ضلال PageV12P466 يرونه هو الحق ويرون كفر من خالفهم في ذلك ~~فيصير فيهم شوب قوي من أهل الكتاب في كفرهم بالحق وظلمهم للخلق ولعل اكثر ~~هؤلاء المكفرين يكفر ( المقالة ( التي لا تفهم حقيقتها ولا تعرف حجتها # وبازاء هؤلاء المكفرين بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة ~~والجماعة كما يجب أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه وما عرفوه منه قد لا يبينونه ~~للناس بل يكتمونه ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة ولا يذمون أهل ~~البدع ويعاقبوهم بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذما مطلقا لا ~~يفرقون فيه بين ما دل عليه الكتاب والسنة والاجماع وما يقوله أهل البدعة ~~والفرقة أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة كما يقر العلماء في مواضع ~~الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المرجئة ~~وبعض المتفقهة والمتصوفة والمتفلسفة كما تغلب الأولى على كثير من أهل ~~الأهواء والكلام وكلا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة # وإنما الواجب بيان ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وتبليغ ما جاءت به ~~الرسل عن الله والوفاء بميثاق الله الذي أخذه على العلماء فيجب أن يعلم ما ~~جاءت به الرسل ويؤمن به ويبلغه ويدعو إليه PageV12P467 ويجاهد عليه ويزن ~~جميع ما خاض الناس فيه من أقوال وأعمال في الأصول والفروع الباطنة ms0279 والظاهرة ~~بكتاب الله وسنة رسوله غير متبعين لهوى من عادة أو مذهب أو طريقة أو رئاسة ~~أو سلف ولا متبعين لظن من حديث ضعيف أو قياس فاسد سواء كان قياس شمول أو ~~قياس تمثيل أو تقليد لمن لا يجب اتباع قوله وعمله فإن الله ذم في كتابه ~~الذين يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ويتركون اتباع ما جاءهم من ربهم من ~~الهدى $ فصل # إذا تبين ذلك فأعلم ان ( مسائل التكفير والتفسيق ( هي من مسائل ( الأسماء ~~والأحكام ( التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة وتتعلق بها ~~الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا # فان الله سبحانه اوجب الجنة للمؤمنين وحرم الجنة على الكافرين وهذا من ~~الاحكام الكلية فى كل وقت ومكان قال الله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ وقال تعالى لما ذكر قول اليهود ~~والنصارى PageV12P468 ( لن ندخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى تلك ~~امانيهم قل @QB@ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ # فأمر أن يطالبهم بالبرهان على هذا النفي العام وما فيه من الاثبات الباطل ~~ثم قال @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون @QE@ # فأخبر سبحانه عمن مضى ممن كان متمسكا بدين حق من اليهود والنصارى ~~والصابئين وعن المؤمنين بعد مبعث محمد أنه من جمع ( الخصال الثلاث ( التي ~~هي جماع الصلاح وهي الايمان بالخلق والبعث بالمبدأ والمعاد الايمان بالله ~~واليوم الآخر والعمل الصالح وهو أداء المأمور به وترك المنهي عنه # فإن له حصول الثواب وهو أجره عند ربه واندفاع العقاب # فلا خوف عليه مما أمامه ولا يحزن على ما وراءه ولذلك قال @QB@ بلى من ~~أسلم وجهه لله وهو محسن @QE@ اخلاص الدين لله وهو عبادته وحده لا شريك له ~~وهو حقيقة قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وهو محسن # ف ( الأول ( وهو إسلام الوجه هو النية وهذا ( الثاني ( وهو الاحسان هو ms0280 ~~العمل # وهذا الذي ذكره في هاتين الآيتين هو الايمان العام والاسلام العام الذي ~~أوجبه الله على جميع عباده من الأولين والآخرين PageV12P469 وهو ( دين الله ~~العام ( الذي لا يقبل من أحد سواه وبه بعث جميع الرسل كما قال تعالى @QB@ ~~ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه @QE@ وقال تعالى لبني آدم جميعا @QB@ فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى @QE@ وقال في الآية الأخرى @QB@ فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون @QE@ # فكان من أول البدع والتفرق الذي وقع في هذه الأمة ( بدعة الخوارج ( ~~المكفرة بالذنب فإنهم تكلموا في الفاسق الملي فزعمت الخوارج والمعتزلة أن ~~الذنوب الكبيرة ومنهم من قال والصغيرة لا تجامع الايمان أبدا بل تنافيه ~~وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام قالوا لأن الايمان هو فعل المأمور ~~وترك المحظور فمتى بطل بعضه بطل كله كسائر المركبات PageV12P470 # ثم قالت ( الخوارج ( فيكون العاصي كافرا لأنه ليس إلا مؤمن وكافر ثم ~~اعتقدوا ان عثمان وعليا وغيرهما عصوا ومن عصى فقد كفر فكفروا هذين ~~الخليفتين وجمهور الأمة وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين إنه يخرج من ~~الايمان ولا يدخل في الكفر # وقابلتهم ( المرجئة ( و ( الجهمية ( ومن اتبعهم من الأشعرية والكرامية ~~فقالوا ليس من الايمان فعل الأعمال الواجبة ولا ترك المحظورات البدنية ~~والايمان لا يقبل الزيادة والنقصان بل هو شيء واحد يستوي فيه جميع المؤمنين ~~من الملائكة والنبيين والمقربين والمقتصدين والظالمين # ثم قال فقهاء المرجئة هو التصديق بالقلب واللسان ms0281 وقال أكثر متكلميهم هو ~~التصديق بالقلب وقال بعضهم التصديق باللسان قولوا لأنه لو دخلت فيه ~~الواجبات العملية لخرج منه من لم يأت بها كما قالت الخوارج ونكتة هؤلاء ~~جميعهم توهمهم أن من توك بعض الايمان فقد تركه كله # وأما ( أهل السنة والجماعة ( من الصحابة جميعهم والتابعين وأئمة أهل ~~السنة وأهل الحديث وجماهير الفقهاء والصوفية مثل مالك والثوري والأوزاعي ~~وحماد بن زيد والشافعي وأحمد بن حنبل PageV12P471 وغيرهم # ومحققي أهل الكلام فاتفقوا على أن الايمان والدين قول وعمل # هذا لفظ السلف من الصحابة وغيرهم وإن كان قد يعنى بالايمان في بعض الواضع ~~ما يغاير العمل لكن الأعمال الصالحة كلها تدخل أيضا في مسمى الدين والايمان ~~ويدخل في القول قول القلب واللسان وفي العمل عمل القلب والجوارح # وقال المفسرون لمذهبهم ان له أصولا وفروعا وهو مشتمل على أركان وواجبات ~~ليست بأركان ومستحبات بمنزلة اسم الحج والصلاة وغيرهما من العبادات فإن اسم ~~الحج يتناول كل ما يشرع فيه من فعل وترك مثل الاحرام وترك محظوراته والوقوف ~~بعرفة ومزدلفة ومنى والطواف ببيت الله الحرام وبين الجبلين المكتنفين به ~~وهما الصفا والمروة # ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان متى تركت لم يصح الحج كالوقوف بعرفة # وعلى ترك محظور متى فعله فسد الحج وهو الوطء ومشتمل على واجبات من فعل ~~وترك يأثم بتركها عمدا ويجب مع تركها لعذر أو غيره الجبران بدم كالاحرام من ~~المواقيت المكانية والجمع بين الليل والنهار بعرفة وكرمي الجمار ونحو ذلك ~~وكترك اللباس المعتاد والتطيب والصيد وغير ذلك # ومشتمل على مستحبات من فعل وترك بكمل الحج بها فلا يأثم بتركها ولا يجب ~~دم مثل رفع الصوت بالاهلال والاكثار منه وسوق الهدي وذكر الله PageV12P472 ~~ودعائه في الطواف والوقوف وغيرهما # وقلة الكلام إلا في أمر بمعروف ونهي المنكر أو ذكر الله تعالى فمن فعل ~~الواجب وترك المحظور فقد أتم الحج والعمرة لله وهو مقتصد من اصحاب اليمين ~~في هذا العمل # لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل منه وأتم منه حجا وهو سابق مقرب ومن ms0282 ترك ~~المأمور وفعل المحظور لكنه أتى بركنه وترك مفسده فهو حاج حجا ناقصا يثاب ~~على ما فعله من الحج ويعاقب على ما تركه وقد سقط عنه أصل الفرض بذلك مع ~~عقوبته على ما تركه ومن أخل بركن الحج أو فعل مفسده فحجته فاسد لا يسقط به ~~فرض بل عليه اعادته مع أنه قد يتنازع في إثابته على ما فعله وإن لم يسقط به ~~الفرض والأشبه أنه يثاب عليه # فصار ( الحج ثلاثة أقسام ( كاملا بالمستحاب وتاما بالواجبات فقط وناقصا ~~الواجب # والفقهاء يقسمون الوضوء والغسل إلى كامل ومجزىء لكن يريدون بالكامل ما ~~أتى بمفروضه ومسنونه وبالمجزىء ما اقتصر على واجبه فهذا في ( الأعمال ~~المشروعة ( وكذلك في ( الأعيان المشهودة ( فإن الشجرة مثلا اسم لمجموع ~~الجذع والورق والاغصان وهي بعد ذهاب الورق PageV12P473 شجرة وبعد ذهاب ~~الأغصان شجرة لكن كاملة وناقصة فليفعل مثل ذلك في مسمى الايمان والدين ان ( ~~الايمان ثلاث درجات ( إيمان السابقين المقربين وهو ما أتى فيه بالواجبات ~~والمستحبات من فعل وترك وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين وهو ما أتى فيه ~~بالوجبات من فعل وترك وإيمان الظالمين وهو ما يترك فيه بعض الواجبات أو ~~يفعل فيه بعض المحظورات # ولهذا قال علماء السنة في وصفهم ( اعتقاد أهل السنة والجماعة ( أنهم لا ~~يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب اشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق ~~الذنوب فأما أصل الايمان الذي هو الأقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقا ~~به وانقيادا له فهذا أصل الايمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن ولهذا تواتر ~~في الأحاديث ( أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ايمان ( مثقال ~~حبة من ايمان ( وفي رواية الصحيح أيضا ( مثقال حبة من خير ( مثقال ذرة من خ ~~وقال في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ( الايمان بضع وستون أو بضعة ~~وستون أو بضع وسبعون شعبة اعلاها قول لا إله الا الله وأدناها إماطة الأذي ~~عن الطريق والحياء شعبة من الايمان ( فعلم ان الايمان يقبل التبعيض ~~والتجزئة وان قليله يخرج الله به ms0283 من النار من دخلها ليس هو كما يقوله ~~الخارجون عن مقالة أهل PageV12P474 السنة انه لا يقبل التبعيض والتجزئة بل ~~هو شيء واحد اما ان يحصل كله أو لا يحصل منه شيء # ومما يتصل به أن يعرف ان الايمان هو من الأسماء الكتابية القرآنية ~~النبوية الدينية الشرعية فيتنوع مسماها قدرا ووصفا بتنوع الكتب الالهية ~~فمنه ما هو متفق عليه بين جميع المؤمنين من الأولين والآخرين وجميع الكتب ~~الالهية مثل الاقرار بالله واليوم الآخر وعبادة الله وحده لا شريك له ~~والصدق والعدل وأعلم ان عامة السور المكية التي أنزلها الله بمكة هي في هذا ~~الايمان العام المشترك بين الأنبياء جميعهم والمؤمنين جميعهم وهذا القدر ~~المشترك هو في بعض الملل أعظم قدرا ووصفا فإن ما جاء به محمد من أسماء الله ~~وصفاته ووصف اليوم الآخر اكمل مما جاء به سائر الأنبياء # ومنه ما تختلف فيه الشرائع والمناهج كالقبلة والمنسك ومقادير العبادات ~~وأوقاتها وصفاتها والسنن والأحكام وغير ذلك فمسمى الايمان والدين في أول ~~الاسلام ليس هو مسماه في آخر زمان النبوة بل مسماه في الآخر اكمل كما قال ~~تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ وقال في السورة @QB@ ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله @QE@ ولهذا قال الامام أحمد كان بدء الايمان في أول ~~الاسلام ناقصا فجعل يتم وهكذا PageV12P475 مسمى الايمان والدين قد شرع في ~~حق الأشخاص بحسب ما أمر الله به كلا منهم وبحسب ما فعله مما أمر الله به # ولهذا كان المؤمنون من الأولين والآخرين من الذين هادوا والنصارى ~~والصابئين والمؤمنين من أمة محمد مشتركين في الايمان بالله واليوم الآخر ~~والعمل الصالح كما دل عليه القرآن # مع أن اليهود كان يجب عليهم الاقرار بما لا يجب علينا الاقرار به مثل ~~إقرارهم بواجبات التوراة وبمحرماتها مثل السبت وشحم الثرب والكليتين ولا ~~يجب عليهم التصديق المفصل بما لم ينزل عليهم من أسماء الله وصفاته وصفات ~~اليوم الآخر ونحن يجب علينا من الايمان بذلك ما لم يجب عليهم ويجب علينا ~~الاقرار بالصلوات الخمس والزكاة المفروضة وحج البيت وغير ms0284 ذلك مما هو داخل ~~في إيماننا وليس داخلا في إيمانهم فإن الاقرار بهذه الاشياء داخل في ~~الايمان باتفاق الأمة وكذلك الاقرار بأعيان الأنبياء كان الاقرار بأعيانهم ~~داخلا في إيمان من قبلنا ونحن إنما يدخل في إيماننا الاقرار بهم من حيث ~~الجملة # والمنازعون لأهل السنة منهم من يقول الايمان في الشرع مبقى على ما كان ~~عليه في اللغة وهو التصديق ومنهم من يقول هو PageV12P476 منقول إلى المعنى ~~آخر وهو أداء الواجبات # وأما أهل السنة فقد يقول بعضهم هو منقول كالأسماء الشرعية من الصلاة ~~والزكاة وقد يقول بعضهم بل هو متروك على ما كان وزادت عليه الشريعة أشياء ~~ومنهم من يقول بل هو باق على أصله من التصديق مع دخول الأعمال فيه فإن ~~الأعمال داخلة في التصديق فالمؤمن يصدق قوله بعمله كما قال الحسن البصري ~~ليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ومنه ~~قول النبي ( والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ( ومنهم من يقول ليس الايمان في ~~اللغة هو التصديق بل هو الاقرار وهو في الشرع الاقرار أيضا والاقرار يتناول ~~القول العمل # وليس هذا موضع بسط ذلك فقد بسطته في غير هذا الموضع # وإذا عرف مسمى الايمان فعند ذكر استحقاق الجنة والنجاة من النار وذم من ~~ترك بعضه ونحو ذلك يراد به الايمان الواجب كقوله ^ إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله وروسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون ^ وقوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ الآية وقوله ^ إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله PageV12P477 ورسوله وإذا كانوا معه على أمر ~~جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ^ وقوله في الجنة ^ أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله ^ # وقوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق وهو مؤمن ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( فنفي عنه الايمان الواجب الذي يستحق به الجنة ~~ولا يستلزم ذلك نفي أصل الايمان وسائر اجزائه وشعبه وهذا معنى قولهم نفي ~~كمال الايمان لا حقيقته ms0285 أي الكمال الواجب ليس هو الكمال المستحب المذكور في ~~قول الفقهاء الغسل كامل ومجزىء # ومن هذا الباب قوله ( من غشنا فليس منا ( ليس المراد به أنه كافر كما ~~تأولته الخوارج ولا أنه ليس من خيارنا كما تأولته المرجئة ولكن المضمر ~~يطابق المظهر والمظهر هو المؤمنون المستحقون للثواب السالمون من العذاب ~~والغاش ليس منا لأنه متعرض لسخط الله وعذابه # وإذا تبين هذا فمن ترك بعض الايمان الواجب لعجزه عنه إما لعدم تمكنه من ~~العلم مثل أن لا تبلغه الرسالة أو لعدم تمكنه من العمل لم يكن مأمورا بما ~~يعجز عنه ولم يكن ذلك من الايمان PageV12P478 والدين الواجب في حقه وإن كان ~~من الدين والايمان الواجب في الأصل بمنزلة صلاة المريض والخائف والمستحاضة ~~وسائر أهل الاعذار الذين يعجزون عن إتمام الصلاة فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما ~~قدروا عليه وبه أمروا إذ ذاك وإن كانت صلاة القادر على الاتمام أكمل وأفضل ~~كما قال النبي ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف في كل ~~خير ( رواه مسلم عن أبي هريرة في حديث حسن السياق وقوله ( صلاة القاعد على ~~النصف من صلاة القائم وصلاة النائم على النضف من صلاة القاعد ( ولو أمكنه ~~العلم به دون العمل لوجب الايمان به علما واعتقادا دون العمل # ( فصل ( # فهذا أصل مختصر فى ( مسألة الاسماء ( وأما ( مسألة الاحكام ( وحكمه فى ~~الدار الآخرة فالذى عليه الصحابة ومن اتبعهم باحسان وسائر أهل السنة ~~والجماعة أنه لا يخلد فى النار من معه شىء من الايمان بل يخرج منها من معه ~~مثقال حبة أو مثقال ذرة من إيمان # وأما ( الخوارج ( ومن وافقهم من المعتزلة فيوجبون خلود PageV12P479 من ~~دخل النار وعندهم من دخلها خلد فيها ولا يجتمع فى حق الشخص الواحد العذاب ~~والثواب وأهل السنة والجماعة وسائر من اتبعهم متفقون على اجتماع الأمرين فى ~~حق خلق كثير كما جاءت به السنن المتواترة عن النبى # و ( أيضا ( فأهل السنة والجماعة لا يوجبون العذاب في حق كل من أتى كبيرة ~~ولا يشهدون لمسلم بعينه بالنار ms0286 لأجل كبيرة واحدة عملها بل يجوز عندهم ان ~~صاحب الكبيرة يدخله الله الجنة بلا عذاب اما لحسنات تمحوا كبيرته منه أو من ~~غيره واما لمصائب كفرتها عنه واما لدعاء مستجاب منه أو من غيره فيه وإما ~~لغير ذلك # و ( الوعيدية ( من الخوارج والمعتزلة يوجبون العذاب في حق أهل الكبائر ~~لشمول نصوص الوعيد لهم مقل قوله @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا @QE@ وتجعل المعتزلة إنفاذ ~~الوعيد أحد ( الأصول الخمسة ( التي يكفرون من خالفها ويخالفون أهل السنة ~~والجماعة في وجوب نفوذ الوعيد فيهم وفي تخليدهم ولهذا منعت الخوارج ~~والمعتزلة أن يكون لنبينا شفاعة في أهل الكبائر في اخراج أهل الكبائر من ~~النار وهذا مردود بما تواتر عنه من السنن في ذلك كقوله PageV12P480 ( ~~شفاعتي لأهل الكبائر من امتى ( وأحادتثه ! في إخراجه من النار من قد دخل ~~وليس الغرض هنا تحرير هذه الأصول وإنما الغرض التنبيه عليها وكان ما أوقعهم ~~في ذلك أنهم سمعوا نصوص الوعيد فرأوها عامة فقالوا يجب أن يدخل فيها كل من ~~شملته وهو خبر وخبر الله صدق فلو أخلف وعيده كان كاخلاف وعده والكذب على ~~الله محال فعارضهم غالية المرجئة بنصوص الوعد فانها قد تتناول كثيرا من أهل ~~الكبائر فعاد كل فريق إلى أصله الفاسد # فقال الأولون نصوص الوعد لا تتناول الا مؤمنا وهؤلاء ليسوا مؤمنين وقال ~~الآخرون نصوص الوعيد لا تتناول الا كافرا وكل من القولين خطأ فان النصوص ~~مثل قوله @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما @QE@ لم يشترط فيها ~~الكفر بل هي في حق المتدين بالاسلام وقوله ( م كان آخر كلامه لا إله إلا ~~الله دخل الجنة ( لم يشترط فيه فعل الواجبات بل قد ثبت في الصحاح ( وان زنى ~~وان سرق وان شرب الخمر ( # فهنا اضطرب الناس فأنك قوم من المرجئة العموم وقالوا ليس في اللغة عموم ~~وهم الواقفية في العموم من المرجئة وبعض PageV12P481 الأشعرية والشيعية ~~وانما التزموا ذلك لئلا يدخل جميع المؤمنين في نصوص الوعيد # وقالت المقتصدة بل العموم صحيح ms0287 والصيغ صيغ عموم لكن العام يقبل التخصيص ~~وهذا مذهب جميع الخلائق من الأولين والآخرين الا هذه الشرذمة قالوا فمن عفى ~~عنه كان مستثنى من العموم وقال قوم آخرون بل اخلاف الوعيد ليس بكذب وان ~~العرب لا تعد عارا أو شنارا أن يوعد الرجل شرا ثم لا ينجزه كما تعد عارا أو ~~شنارا ان يعد خيرا ثم لا ينجزه وهذا قول طوائف من المتقدمين والمتأخرين وقد ~~احتجوا بقول كعب بن زهير يخاطب النبي % نبئت أن رسول الله أوعدني % والعفو ~~عند رسول الله مأمول % $ # قالوا فهذا وعيد خاص وقد رجا فيه العفو مخاطبا للنبي صل الله عليه وسلم ~~فعلم ان العفو عن المتوعد جائز وان لم يكن من باب تخصيص العام # والتحقيق أن يقال الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد PageV12P482 ~~والوعيد كما ذلك مشتمل على نصوص الأمر والنهي وكل من النصوص يفسر الآخر ~~ويبينه فكما ان نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروطة بعدم الكفر المحبط ~~لأن القرآن قد دل على أن من ارتد فقد حبط عمله فكذلك نصوص االوعيد للكفار ~~والفساق مشروطه بعدم التوبة لأن القرآن قد دل على أن الله يغفر الذنوب ~~جميعا لمن تاب وهذا متفق عليه بين المسلمين فكذلك في موارد النزاع # فإن الله قد بين بنصوص معروفة ان الحسنات يذهبن السيئات وان من يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وانه يجيب دعوة الداعي إذا ~~دعاه وان مصائب الدنيا تكفر الذنوب وانه يقبل الشفاعة النبي في أهل الكبائر ~~وانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء كما بين ان الصدقة ~~يبطلها المن والأذى وان الربا يبطل العمل وانه إنما يتقبل الله من المتقين ~~أي في ذلك العمل ونحو ذلك # فجعل السيئات ما يوجب رفع عقابها كما جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها لكن ~~ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة كما انه ليس شيء يبطل جميع الحسنات ~~الا الردة # وبهذا تبين انا نشهد بأن ^ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما PageV12P483 ~~إنما ms0288 يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ^ على الاطلاق والعموم ولا نشهد ~~لمعين أنه في النار لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه لأن لحوق الوعيد ~~بالمعين مشروط بشروط وانتفاء موانع ونحن لا نعلم ثبوت الشروط وانتفاء ~~الموانع في حقه فائدة الوعيد بيان أن هذا الذنب سبب مقتض لهذا العذاب ~~والسبب قد يقف تأثيره على وجود شرطه وانتفاء مانعه # يبين هذا أنه قد ثبت ( أن النبي لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها ~~والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها ( وثبت عنه في ~~صحيح البخاري عن عمر أن رجلا كان يكثر شرب الخمر فلعنه رجل فقال النبي ( لا ~~تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ( فنهى عن لعن هذا المعين وهو مدمن خمر لأنه ~~يحب الله ورسوله وقد لعن شارب الخمر على العموم $ فصل # إذا ظهرت هذه المقدمات في اسم المؤمن والكافر والفاسق الملي وفي حكم ~~الوعد والوعيد والفرق بين المطلق والمعين وما وقع في PageV12P484 ذلك من ~~الاضطراب ف ( مسألة تكفير أهل البدع والأهواء ( متفرعة على هذا الأصل # ونحن نبدأ بمذهب أئمة السنة فيها قبل التنبيه على الحجة فنقول المشهور من ~~مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن ~~فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب وحقيقة قولهم جحود ~~الصانع ففيه جحود الرب وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسله ولهذا قال ~~عبدالله بن المبارك انا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع ان نحكي ~~كلام الجهمية وقال غير واحد من الأئمة انهم اكفر من اليهود والنصارى يعنون ~~من هذه الجهة ولهذا كفروا من يقول ان القرآن مخلوق وان الله لا يرى في ~~الآخرة وان الله ليس على العرش وان الله ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا ~~غضب ونحو ذلك من صفاته # واما ( المرجئة ( فلا تختلف نصوصه انه لا يكفرهم فإن بدعتهم من جنس ~~اختلاف الفقهاء في الفروع وكثير من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في ~~الألفاظ والأسماء ولهذا يسمى الكلام في ms0289 مسائلهم ( باب الأسماء ( وهذا من ~~نزاع الفقهاء لكن يتعلق بأصل PageV12P485 الدين فكان المنازع فيه مبتدعا # وكذلك ( الشيعة ( المفضلون لعلي على أبي بكر لا يختلف قوله انهم لا ~~يكفرون فإن ذلك قول طائفة من الفقهاء أيضا وإن كانوا يبدعون # وأما ( القدرية ( المقرون بالعلم و ( الروافض ( الذين ليسوا من الغالية ~~والجهمية والخوارج فيذكر عنه في تكفيرهم روايتان هذا حقيقة قوله المطلق مع ~~أن الغالب عليه التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم والخوارج مع قوله ~~ما أعلم قوما شرا من الخوارج # ثم طائفة من أصحابه يحكون عنه في تكفير أهل البدع مطلقا روايتين حتى ~~يجعلوا المرجئة داخلين في ذلك وليس الأمر كذلك وعنه في تكفير من لا يكفر ~~روايتان أصحهما لا يكفر وربما جعل بعضهم الخلاف في تكفير من لا يكفر مطلقا ~~وهو خطأ محض والجهمية عند كثير من السلف مثل عبدالله بن المبارك ويوسف ابن ~~أسباط وطائفة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة ~~التي افترقت عليها هذه الأمة بل أصول هذه عند هؤلاء هم الخوارج والشيعة ~~والمرجئة والقدرية وهذا المأثور PageV12P486 عن أحمد وهو المأثور عم عامة ~~أئمة السنة والحديث انهم كانوا يقولون من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن ~~قال ان الله لا يرى في الآخرة فهو كافر ونحو ذلك # ثم حكى أبو نصر السجزي عنهم في هذا قولين ( أحدهما ( انه كفر ينقل عن ~~الملة قال وهو قول الاكثرين و ( الثاني ( انه كفر لا ينقل ولذلك قال ~~الخطابي ان هذا قالوه على سبيل التغليظ وكذلك تنازع المتأخرون من أصحابنا ~~في تخليد المكفر من هؤلاء فأطلق أكثرهم عليه التخليد كما نقل ذلك عن طائفة ~~من متقدمي علماء الحديث كأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم وامتنع بعضهم من القول ~~بالتخليد # وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة فانهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر ~~بهم ثم انهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من ~~الايمان ما يمتنع ان يكون كافرا فيتعارض عندهم الدليلان وحقيقة الأمر انهم ~~أصابهم في ألفاظ ms0290 العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في الفاظ العموم في ~~نصوص الشارع كلما رأوهم قالوا من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع ان هذا ~~اللفظ شامل لكل من قاله ولم يتدبروا ان التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في ~~حق المعين وان تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين PageV12P487 إلا إذا ~~وجدت الشروط وانتفت الموانع يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين ~~اطلقوا هذه العمومات لم يكفروا اكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه # فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر ( الجهمية ( الذين دعوه إلى خلق القرآن ~~ونفى الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم ~~يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ~~ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو بحيث كان كثير من أولى الأمر إذ ~~ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا ~~لهم على نفي الصفات مثل القول بخلق القرآن ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر ~~فلا يولونه ولاية ولا يفتكونه من عدو ولا يعطونه شيئا من بيت المال ولا ~~يقبلون له شهادة ولا فتيا ولا رواية ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة ~~والافتكاك من الأسر وغير ذلك فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالايمان ومن لم ~~يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الايمان ومن كان داعيا إلى غير التجهم قتلوه ~~أو ضربوه وحبسوه # ومعلوم ان هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من ~~PageV12P488 قولها وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها ~~والعقوبة بالقتل لقائلها اعظم من العقوبة بالضرب # ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم ~~مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن ~~الاسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة ~~والاجماع وهذه الاقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم ~~يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق وان الله ms0291 لا ~~يرى في الآخرة وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوما معينين فأما أن ~~يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر أو يحمل الأمر على التفصيل فيقال من ~~كفر بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه ومن ~~لم يكفره بعينه فلنتفاء ذلك في حقه هذا مع اطلاق قوله بالتكفير على سبيل ~~العموم # والدليل على هذا الأصل الكتاب والسنة والاجماع والاعتبار # اما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى ^ ولا جناح عليكم فيما اخطأتم به ^ وقوله ~~@QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ PageV12P489 # وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ( ان الله تعالى قال قد فعلت ~~( لما دعا النبي والمؤمنون بهذا الدعاء وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ~~ان النبي قال ( أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ( ~~و ( أنه لم يقرأ بحرف منها الا أعطيه ( # وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة ان الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ ~~والنسيان فهذا عام عموما محفوظا وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب ان الله ~~يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه وان عذب المخطيء من غير هذه الأمة # و ( أيضا ) قد ثبت فى الصحيح من حديث أبى هريرة ان رسول الله قال ( إن ~~رجلا لم يعمل خيرا قط فقال لأهله إذا مات فأحرقوه ثم اذروا نصفه فى البر ~~ونصفه فى البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه احدا من ~~العالمين فلما مات الرجل فعلوا به كما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه ~~وأمر البحر فجمع ما فيه فاذا هو قائم بين يديه ثم قال لم فعلت هذا قال من ~~خشيتك يارب وأنت أعلم فغفر الله له ) PageV12P490 # وهذا الحديث متواتر عن النبى رواه أصحاب الحديث والأسانيد من حديث أبى ~~سعيد وحذيفة وعقبة بن عمرو وغيرهم عن النبى من وجوه متعددة يعلم أهل الحديث ~~انها تفيدهم العلم اليقينى وإن لم يحصل ذلك لغيرهم ممن لم يشركهم فى أسباب ~~العلم فهذا ms0292 الرجل كان قد وقع له الشك والجهل فى قدرة الله تعالى على إعادة ~~إبن آدم بعد ما أحرق وذرى وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك وهذان ~~أصلان عظيمان # ( أحدهما ) متعلق بالله تعالى وهو الايمان بأنه على كل شىء قدير # و ( الثانى ) متعلق باليوم الآخر وهو الايمان بأن الله يعيد هذا الميت ~~ويجزيه على أعماله ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله فى الجملة ومؤمنا باليوم ~~الآخر فى الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا وهو ~~خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الايمان ~~بالله واليوم الآخر والعمل الصالح # وأيضا فقد ثبت فى الصحيح عن النبى ( ان الله يخرج من النار من كان فى ~~قلبه مثقال دينار من إيمان ( PageV12P491 وفى رواية ( مثقال دينار من خير ~~ثم يخرج من النار من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ) وفى رواية ( ~~من خير ) ويخرج من النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من إيمان أو خير ) وهذا ~~وأمثاله من النصوص المستفيضة عن النبى يدل انه لا يخلد فى النار من معه شىء ~~من الايمان والخير وان كان قليلا وان الايمان مما يتبعض ويتجزأ ومعلوم قطعا ~~ان كثيرا من هؤلاء المخطئين معهم مقدار ما من الايمان بالله ورسوله اذ ~~الكلام فيمن يكون كذلك # وأيضا فان السلف اخطأ كثير منهم فى كثير من هذه المسائل واتفقوا على عدم ~~التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحى وأنكر ~~بعضهم ان يكون المعراج يقظة وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه ولبعضهم فى الخلافة ~~والتفضيل كلام معروف وكذلك لبعضهم فى قتال بعض ولعن بعض واطلاق تكفير بعض ~~أقوال معروفة # وكان القاضى شريح ينكر قراءة من قرأ ( بل عجبت ) ويقول إن الله لا يعجب ~~فبلغ ذلك إبراهيم النخعى فقال إنما شريح شاعر يعجبه علمه كان عبدالله أفقه ~~منه فكان يقول ( بل عجبت ) فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة ms0293 دل عليها ~~الكتاب والسنة واتفقت الأمة على انه إمام من الأئمة وكذلك بعض السلف أنكر ~~PageV12P492 بعضهم حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قوله ( أفلم ييأس الذين ~~آمنوا ) وقال انما هى أو لم يتبين الذين آمنوا وإنكار الآخر قراءة قوله ( ~~وقضى ربك الا تعبدوا إلا إياه ) وقال انما هى ووصى ربك وبعضهم كان حذف ~~المعوذتين وآخر يكتب سورة القنوت وهذا خطأ معلوم بالاجماع والنقل المتواتر ~~ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا وان كان يكفر ~~بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر # وأيضا فإن الكتاب والسنة قد دل على ان الله لا يعذب أحدا إلا بعد إبلاغ ~~الرسالة فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسا ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل ~~لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية # وذلك مثل قوله تعالى ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) وقوله ( ~~يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم أياتى ) الآية وقوله ( ~~أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ) وقولهم ) ( وقال لهم ~~خزنتها ( ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ) الآية وقوله ( وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وقوله ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى ~~أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ) وقوله ( كلما ألقى فيها فوج سألهم ~~PageV12P493 خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ~~ما نزل الله من شىء ) وقوله ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) وقوله ( ولولا ~~أن تصيبهم مصيبة بما قدت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع ~~آياتك ونكون من المؤمنين ) ونحو هذا فى القرآن فى مواضع متعددة # فمن كان قدم آمن بالله ورسوله ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول فلم يؤمن به ~~تفصيلا اما أنه لم يسمعه أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها أو اعتقد معنى ~~آخر لنوع من التأويل الذى يعذر ms0294 به فهذا قد جعل فيه من الايمان بالله ~~وبرسوله ما يوجب أن يثيبه الله عليه وما لم يؤمن به فلم تقم عليه به الحجة ~~التى يكفر مخالفها # وأيضا فقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع ان من الخطأ في الدين ما لا يكفر ~~مخالفه بل ولا يفسق بل ولا يأثم مثل الخطأ في الفروع العملية وإن كان بعض ~~المتكلمة والمتفقهة يعتقد ان المخطىء فيها آثم وبعض المتكلمة والمتفقهة ~~يعتقد ان كل مجتهد فيها مصيب فهذان القولان شاذان ومع ذلك فلم يقل أحد ~~بتكفير المجتهدين المتنازعين فيها ومع ذلك فبعض هذه المسائل قد ثبت خطأ ~~المنازع PageV12P494 فيها بالنصوص والاجماع القديم مثل استحلال بعض السلف ~~الخلف لبعض أنواع الربا واستحلال آخرين لبعض أنواع الخمر واستحلال آخرين ~~للقتال في الفتنة # وأهل السنة والجماعة متفقون على أن المعروفين بالخير كالصحابة المعروفين ~~وغيرهم منأهل الجمل وصفين من الجانبين لا يفسق أحد منهم فضلا عن أن يكفر ~~حتى عدى ذلك من عداه من الفقهاء إلى سائر أهل البغي فأنهم مع إيجابهم ~~لقتالهم منعوا أن يحكم بفسقهم لأجل التأويل كما يقول هؤلاء الأئمة إن شارب ~~النبيذ المتنازع فيه متأولا لا يجلد ولا يفسق وقد قال تعالى @QB@ وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ وقال تعالى @QB@ ما قطعتم من ~~لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله @QE@ # وثبت في الصحاح من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة عن النبي أنه قال ( إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران وإذا اجتهد فأخطا فله أجر ( وثبت في الصحيح ~~عن بريدة ابن الحصيب ان النبي قال ( إذا حاصرت اهل حصن فسألوك أن تنزلهم ~~على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ~~فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ( PageV12P495 وأدلة هذا الاصل كثيرة لها ~~موضع آخر # وقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع أن من بلغته رسالة النبي فلم يؤمن به ~~فهو كافر لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد ms0295 لظهور أدلة الرسالة واعلام النبوة ~~ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي فكما أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر ~~والواجبات تنقسم إلى اركان وواجبات ليست أركانا فكذلك الخطأ ينقسم إلى ~~مغفور وغير مغفور والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة وإذا ~~كان كذلك فالمخطىء في بعض هذه المسائل اما ان يلحق بالكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة اصول الايمان وإما ان يلحق بالمخطئين ~~في مسائل الايجاب والتحريم مع انها أيضا من اصول الايمان # فإن الايمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وتحريم المحرمات الظاهرة ~~المتواترة هو من أعظم اصول الايمان وقواعد الدين والجاحد لها كافرا ~~بالاتفاق مع ان المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتفاق مع خطئه # وإذا كان لا بد من الحاقه بأحد الصنفين فمعلوم ان المخطئين من المؤمنين ~~بالله تعالى أشد شبها منه بالمشركين وأهل الكتاب PageV12P496 فوجب ان يلحق ~~بهم وعلى هذا مضى عمل الأمة قديما وحديثا في أن عامة المخطئين من هؤلاء ~~تجري عليهم احكام الاسلام التي تجري على غيرهم هذا مع العلم بأن كثير من ~~المبتدعة منافقون النفاق الاكبر وأولئك كفار في الدرك الأسفل من النار فما ~~اكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون بل اصل هذه البدع ~~هو من المنافقون الزنادقة ممن يكون اصل زندقته عن الصابئين والمشركين ~~فهؤلاء كفار في الباطن ومن علم حاله فهو كافر في الظاهر أيضا # وأصل ضلال هؤلاء الاعراض عما جاء به الرسول من الكتاب والحكمة وابتغاء ~~الهدى في خلاف ذلك فمن كان هذا أصله فهو بعد بلاغ الرسالة كافر لا ريب فيه ~~مثل من يرى ان الرسالة للعامة دون الخاصة كما يقوله قوم من المتفلسفة ~~وغالية المتكلمة والمتصوفة أو يرى أنه رسول إلى بعض الناس دون بعض كما ~~يقوله كثير من اليهود والنصارى # فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين # ( إحدهما ( أن العلم والايمان والهدى فيما جاء به الرسول وان خلاف ذلك ~~كفر على الاطلاق فنفي الصفات كفر والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة أو أنه ~~على العرش أو ms0296 أن القرآن كلامه أو PageV12P497 أنه كلم موسى أو أنه اتخذ ~~إبراهيم خليلا كفر وكذلك ما كان في معنى ذلك وهذا معنى كلام أئمة السنة ~~وأهل الحديث # و ( الأصل الثاني ( ان التكفير العام كالوعيد العام يجب القول باطلاقه ~~وعمومه # واما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل ~~المعين فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه # ومما ينبغي ان يعلم في هذا الموضع ان الشريعة قد تأمرنا بإقامة الحد على ~~شخص في الدنيا إما بقتل أو جلد أو غير ذلك ويكون في الآخرة غير معذب مثل ~~قتال البغاة والمتأولين مع بقائهم على العدالة ومثل اقامة الحد على من تاب ~~بعد القدرة عليه توبة صحيحة فانا نقيم الحد عليه مع ذلك كما أقامه النبي ~~على ماعز ابن مالك وعلى الغامدية مع قوله ( لقد تابت توبة لو تابها صاحب ~~مكس لغفر له ( ومثل اقامة الحد على من شرب النبيذ المتنازع فيه متأولا مع ~~العلم بأنه باق على العدالة # بخلاف من لا تأويل له فإنه لما شرب الخمر بعض الصحابة PageV12P498 ~~واعتقدوا انها تحل للخاصة تأول قوله @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا @QE@ اتفق الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي ~~طالب وغيرهما على انهم ان أقروا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على استحلال ~~قتلوا # وكذلك نعلم ان خلقا لا يعاقبون في الدنيا مع انهم كفار في الآخرة مثل اهل ~~الذمة المقين بالجزية على كفرهم ومثل المنافقين المظهرين الاسلام فأنهم ~~تجري عليهم أحكام الاسلام وهم في الآخرة كافرون كما دل عليه القرآن في آيات ~~متعددة كقوله @QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصير ~~@QE@ الآية وقوله ^ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرنا ~~نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب ~~باطنه فيه الرحمة وظاهرة من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ~~ولكنكم فتنتم ms0297 انفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين من كفروا ^ ~~الآية # وهذا لأن الجزاء في الحقيقة أنما هو في الدار الاخرة التي هي دار الثواب ~~والعقاب وأما الدنيا فإنما يشرع فيها من العقاب ما يدفع PageV12P499 به ~~الظلم والعدوان كما قال تعالى ^ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله فإن انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين ^ وقال تعالى @QB@ إنما السبيل ~~على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق @QE@ وهذا لأن المقصود ~~بارسال الرسل وإنزال الكتب هو إقامة القسط كما قال تعالى @QB@ لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن ~~الله قوي عزيز @QE@ # وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة ولا بالعكس ~~ولهذا اكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة الذي يضل الناس لأجل ~~افساده في الدين سواء قالوا هو كافر أو ليس بكافر # وإذا عرف هذا فتكفير ( المعين ( من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه ~~بأنه من الكفار لا يجوز الاقدام عليه الا بعد ان تقوم على أحدكم الحجة ~~الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل وان كانت هذه المقالة لا ريب ~~انها كفر # وهكذا الكلام في تكفير جميع ( المعينين ( مع ان بعض هذه PageV12P500 ~~البدعة أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الايمان ما ليس في بعض فليس ~~لأحد أن يكفر احدا من المسلمين وان اخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له ~~المحبة # ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة ~~الحجة وإزالة الشبهة # وهذا الجواب لا يحتمل اكثر من هذا والله المسؤول أن يوفقنا وسائر اخواننا ~~لما يحبه ويرضاه والله سبحانه أعلم PageV12P501 # | وسئل شيخ الاسلام # رحمه الله # في رجل قال ان الله لم يكلم موسى تكليما وانما خلق الكلام والصوت في ~~الشجرة وموسى عليه السلام سمع ms0298 من الشجرة لا من الله وان الله عز وجل لم ~~يكلم جبريل بالقرآن وإنما أخذه من اللوح المحفوظ فهل هو على الصواب أم لا # فأجاب أحمد لله ليس هذا على الصواب بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف ~~الامة وأئمتها بل هو كافر يجب ان يستتاب فإن تاب والا قتل واذا قال لا أكذب ~~بلفظ القرآن وهو قوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ بل أقر بأن هذا ~~اللفظ الحق لكن أنفي معناه وحقيقته فان هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف ~~والأئمة على أنهم من شراهل الأهواء والبدع حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن ~~الثنتين والسبعين فرقة # وأول من قال هذه المقالة فى الإسلام كان يقال له الجعد بن درهم ~~PageV12P502 فضحى به خالد بن عبد الله القسرى يوم اضحى فانه خطب الناس فقال ~~فى خطبته ضحوا أيها الناس تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد بن درهم أنه ~~زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما ~~يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه وكان ذلك فى زمن التابعين فشكروا ذلك ~~وأخذ هذه المقالة عنه جهم إبن صفوان وقتله بخراسان سلمة بن أجوز وإليه نسبت ~~هذه المقالة التى تسمى ( مقالة الجهمية ( وهى نفى صفات الله تعالى فانهم ~~يقولون ان الله لا يرى فى الآخرة ولا يكلم عباده وانه ليس له علم ولا حياة ~~ولا قدرة ونحو ذلك من الصفات ويقولون القرآن مخلوق ووافق الجهم على ذلك ( ~~المعتزلة ( أصحاب عمرو بن عبيد وضموا اليها بدعا أخرى فى القدر وغيره # لكن المعتزلة يقولون ان الله كلم موسى حقيقة وتكلم حقيقة لكن حقيقة ذلك ~~عندهم انه خلق كلاما في غيره إما في شجرة وإما في هواء وأما في غير ذلك من ~~غير أن يقوم ذلت الله عندهم كلام ولا علم ولا قدرة ولا رحمة ولا مشيئة ولا ~~حياة ولا شيء من الصفات # والجهمية تارة يبوحون بحقيقة القول فيقولون ان الله لم يكلم موسى تكليما ~~ولا يتكلم وتارة لا يظهرون هذا اللفظ ms0299 لما فيه من الشناعة المخالفة لدين ~~الاسلام واليهود والنصارى فيقرون باللفظ PageV12P503 ولكن يقرنونه بأنه خلق ~~في غيره كلاما وأئمة الدين كلهم متفقون على جاء به الكتاب والسنة واتفق ~~عليه سلف الأمة من ان الله كلم موسى تكليما وان القرآن كلام الله غير مخلوق ~~وان المؤمنين يرون ربهم في الآخرة كما تواترت به الاحاديث عن النبي وأن ~~الله علما وقدرة ونحو ذلك # ونصوص الأئمة في ذلك مشهورة متواترة حتى أن أبا القاسم الطبري الحافظ لما ~~ذكر في كتابه في ( شرح أصول السنة ( مقالات السلف والأئمة في الاصول ذكر من ~~قال القرآن كلام الله غير مخلوق وقال فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسا أو اكثر ~~من التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة على اختلاف الاعصار ومضي السنين ~~والاعوام وفيهم نحو من مائة امام ممن اخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم ~~ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم ألوفا لكني اختصرت فنقلت عن ~~هؤلاء عصرا بعد عصر لا ينكر عليهم منكر ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا ~~بقتله أو نفيه أو صلبه قال ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق ~~جعد بن درهم في سني نيف وعشرين ومائة ثم جهم بن صفوان فأما جعد فقتله خالد ~~بن عبدالله القسري وأما جهم فقتل بمرو في خلافة هشام بن عبدالملك ~~PageV12P504 # وروى باسناده عن علي بن أبي طالب رصي الله عنه من وجهين أنهم قولوا له ~~يوم صفين حكمت رجلين فقال ما حكمت مخلوقا ما حكمت إلا القرآن وعن عكرمة قال ~~كان ابن عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قال رجل وقال اللهم رب ~~القرآن اغفر له فوثب اليه ابن عباس فقال مه القرآن منه وعن عبدالله بن ~~مسعود قال من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين وهذا ثابت عن ابن مسعود وعن ~~سفيان بن عيينة قال سمعت عمرو بن دينار يقول أدركت مشايخنا والناس منذ ~~سبعبن سنة يقولون القرآن كلام الله مخلوق منه بدا واليه يعود وفي لفظ ~~يقولون القرآن كلام الله غير ms0300 مخلوق وقال حرب الكرماني ثنا إسحاق بن إبراهيم ~~يعنى ابن راهويه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال ادركت الناس منذ ~~سبعين سنة ادركت اصحاب النبي فمن دونهم يقولون الله الخالق وما سواه مخلوق ~~إلا القرآن فإنه كلام الله منه خرج واليه يعود # وهذا قد رواه عن ابن عيينة إسحاق واسحق اما أن يكون سمعه منه أو من بعض ~~اصحابه عنه وعن جعفر بن محمد الصادق وهو مشهور عنه أنهم سألوه عن القرآن ~~أخالق هو أم مخلوق فقال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله # وهكذا روى عن الحسن البصري وأيوب السختياني وسليمان PageV12P505 التيمي ~~وخلق من التابعين وعن مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري وابن أبي ~~ليلى وأبي حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل واسحق بن راهويه وأمثال هؤلاء من ~~الأئمة وكلام هؤلاء الأئمة واتباعهم في ذلك كثير مشهور بل اشتهر عن أئمة ~~السلف تكفير من قال القرآن مخلوق وانه يستتاب فإن تاب والا قتل كما ذكروا ~~ذلك عن مالك بن أنس وغيره ولذلك قال الشافعي لحفص الفرد وكان من اصحاب ضرار ~~بن عمرو ممن يقول القرآن مخلوق فلما ناظر الشافعي وقال له القرآن مخلوق قال ~~له الشافعي كفرت بالله العظيم ذكره ابن أبي حاتم في الرد على الجهمية قال ~~كان في كتابي عن الربيع بن سليمان قال حضرت الشافعي أو حدثني أبو شعيب الا ~~أني أعلم أنه حضر عبدالله بن عبدالحكم ويوسف بن عمرو بد يزيد فسأل حفص ~~عبدالله قال ما تقول في القرآن فأبى أن يجيبه فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه ~~وكلاهما أشار إلى الشافعي فسأل الشافعي فاحتج عليه وطالت فيه المناظرة فقام ~~الشافعي بالحجة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وكفر حفصا الفرد قال الربيع ~~فلقيت حفصا في المسجد بعد هذا فقال أراد الشافعي قتلي # وأما مالك بن أنس فنقل عنه من غير وجه الرد على من يقول القرآن مخلوق ~~واستتابته وهذا المشهور عنه متفق عليه بين أصحابه PageV12P506 # وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد ms0301 ذكر أبو جعفر الطحاوي في الإعتقاد الذي قال ~~في اوله ( ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة ( أبي ~~حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي ~~عبدالله محمد بن الحسن الشيباني قال فيه ( وان القرآن كلام الله منه بدأ ~~بلا كيفية قولا وأنزله على نبيه وحيا وصدقه المؤمنون على ذلك حقا وأثبتوا ~~أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية فمن سمعه فزعم انه ~~كلام البشر فقد كفر وقد ذمه الله وعابه وأوعده عذابه وتوعده حيث قال @QB@ ~~سأصليه سقر @QE@ فلما أوعد الله سقر لمن قال @QB@ إن هذا إلا قول البشر ~~@QE@ علمنا انه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر ( # وأما أحمد بن حنبل فكلامه في مثل هذا مشهور متواتر وهو الذي اشتهر بمحنة ~~هؤلاء الجهمية فانهم أظهروا القول بانكار صفات الله تعالى وحقائق اسمائه ~~وان القرآن مخلوق حتى صار حقيقة قولهم تعطيل الخالق سبحانه وتعالى ودعوا ~~الناس إلى ذلك وعاقبوا من لم يجبهم إما القتل وإما بقطع الرزق وإما بالعزل ~~عن الولاية وإما بالحبس أو بالضرب وكفروا من خالفهم فثبت الله تعالى الإمام ~~أحمد حتى أخمد الله به باطلهم ونصر اهل الايمان والسنة عليهم وأذلهم بعد ~~العز وأخملهم بعد الشهرة واشتهر عند خواص الأمة وعوامها ان القرآن كلام ~~PageV12P507 الله غير مخلوق واطلاق القول ان من قال انه مخلوق فقد كفر # وأما الاطلاق القول بان الله لم يكلم موسى فهذه مناقضة لنص القرآن فهو ~~أعظم من القول بإن القرآن مخلوق وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإنه ~~أنكر نص القرآن وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله والذي يقول القرآن مخلوق ~~هو في المعنى موافق له فلذلك كفره السلف # قال البخاري في كتاب ( خلق الأفعال ( قال سفيان الثوري من قال القرآن ~~مخلوق فهو كافر قال وقال عبدالله بن المبارك من قال ( إني أنا الله لا إله ~~إلا أنا ) مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك قال وقال ابن ~~المبارك لا ms0302 نقول كما قالت الجهمية انه في الأرض ههنا بل على العرش استوى ~~وقيل له كيف نعرف ربنا قال فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه # وقال من قال ( لا إله إلا الله ) مخلوق فهو كافر وانا نحكي كلام اليهود ~~والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية قال وقال علي بن عاصم ما الذين ~~قالوا ان لله ولدا اكفر من الذين قالوا ان الله لا يتكلم # قال البخاري وكان اسماعيل بن أبي ادريس بسميهم زنادقة العراق PageV12P508 ~~وقيل له سمعت احدا يقول القرآن مخلوق فقال هؤلاء الزنادقة قال وقال أبو ~~الوليد سمعت يحيى بن سعيد وذكر له أن قوما يقولون القرآن مخلوق فقال كيف ~~يصنعون ب @QB@ قل هو الله أحد @QE@ كيف يصنعون بقوله ^ انى انا الله لا إله ~~الا انا ^ قال وقال أبو عبيد القاسم بن سلام نظرت في كلام اليهود والمجوس ~~فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم وانى لأستجهل من لا يكفرهم الا من لا يعرف ~~كفرهم قال وقال سليمان بن داود الهاشمي من قال القرآن مخلوق فهو كافر وان ~~كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون اولى بإن يخلد في النار إذ قال ~~( أنا ربكم الأعلى ) وزعموا ان هذا مخلوق والذي قال ( انني أنا الله لا إله ~~إلا انا فاعبدونى ) هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون فلم صار فرعون اولى أن ~~يخلد في النار من هذا وكلاهما عنده مخلوق فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه ~~وأعجبه # ومعنى كلام هؤلاء السلف رضى الله عنهم ان من قال ان كلام الله مخلوق خلقه ~~فى الشجرة أو غيرها كما قال هذا الجهمى المعتزلى المسؤول عنه كان حقيقة ~~قوله ان الشجرة هى التى قالت لموسى ( اننى أنا الله لا إله إلا انا فاعبدنى ~~( ومن قال هذا مخلوق قال ذلك فهذا المخلوق عنده كفرعون الذى قال ( أنا ربكم ~~الأعلى ) كلاهما مخلوق وكلاما قال ذلك فان كان قول فرعون كفرا فقول هؤلاء ~~أيضا كفر PageV12P509 ولا ريب أن قول هؤلاء يؤول إلى قول فرعون وان ms0303 كانوا ~~لا يفهمون ذلك فان فرعون كذب موسى فيما أخبر به من أن ربه هو الأعلى وانه ~~كلمه كما قال تعالى ( وقال فرعون يا هامان إبن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب ~~أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وأنى لأظنه كاذبا ( وهو قد كذب موسى فى ~~ان الله كلمه # ولكن هؤلاء يقولون إذا خلق كلاما فى غيره صار هو المتكلم به وذلك باطل ~~وضلال من وجوه كثيرة # ( أحدها ) ان الله سبحانه انطق الأشياء كلها نطقا معتادا ونطقا خارجا عن ~~المعتاد قال تعالى ( اليوم نختم على أفواهم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ~~بما كانوا يكسبون ) وقال تعالى ( حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذى انطق كل شىء ( وقال تعالى ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ( وقد قال تعالى ( إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشى والاشراق ) وقد ثبت ان الحصى كان يسبح فى يد النبى وان الحجر ~~كان يسلم عليه وأمثال ذلك من انطاق الجمادات فلو كان إذا خلق كلاما فى غيره ~~كان هو المتكلم به كان هذا كله كلام الله تعالى ويكون قد كلم من سمع هذا ~~الكلام كما كلم موسى بن عمران بل قد ثبت ان الله خالق PageV12P510 أفعال ~~العباد فكل ناطق فالله خالق وكلامه فلو كان متكلما بما خلقه من الكلام لكان ~~كل كلام فى الوجود كلامه حتى كلام إبليس والكفار وغيرهم وهذا تقوله غلاة ~~الجهمية كابن عربى وأمثاله يقولون % وكل كلام فى الوجود كلامه % سواء علينا ~~نثره ونظامه % $ # وهكذا أشباه هؤلاء من غلاة المشبهة الذين يقولون ان كلام الآدميين غير ~~مخلوق فان كل واحدة من الطائفتين يجعلون كلام المخلوق بمنزلة كلام الخالق ~~فاولئك يجعلون الجميع مخلوقا وان الجميع كلام الله وهؤلاء يجعلون الجميع ~~كلام الله وهو غير مخلوق ولهذا كان قد حصل اتصال بين شيخ الجهمية الحلولية ~~وشيخ المشبهة الحلولية # وبسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة الدين الاسلام سلط الله ~~أعداء الدين ms0304 فان الله يقول ( ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز ~~الذين أن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) وأي معروف أعظم من الايمان بالله ~~وأسمائه وآياته وأى منكر أعظم من الالحاد فى أسماء الله وآياته ( الوجه ~~الثانى ) أن يقال لهؤلاء الضالين ما خلقه الله فى غيره PageV12P511 من ~~الكلام وسائر الصفات فانما يعود حكمه على ذلك المحل لا على غيره فإذا خلق ~~الله فى بعض الأجسام حركة أو طعما أو لونا أو ريحا كان ذلك الجسم هو ~~المتحرك المتلون المتروح المطعوم وإذا خلق بمحل حياة أو علما أو قدرة أو ~~إرادة أو كلاما كان ذلك المحل هو الحى العالم القادر المريد المتكلم فإذا ~~خلق كلاما فى الشجرة أو فى غيرها من الأجسام كان ذلك الجسم هو المتكلم بذلك ~~الكلام كما لو خلق فيه إرادة أو حياة أو علما ولا يكون الله هو المتكلم به ~~كما إذا خلق فيه حياة أو قدرة أو سمعا أو بصرا كان ذلك المحل هو الحى به ~~والقادر به والسميع به والبصير به فكما أنه سبحانه لا يجوز أن يكون متصفا ~~بما خلقه من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بالحياة فلا يكون هو ~~المتحرك بما خلقه فى غيره من الحركات ولا المصوت بما خلقه فى غيره من ~~الأصوات ولا سمعه ولا بصره وقدرته ما خلقه فى غيره من السمع والبصر والقدرة ~~فكذلك لا يكون كلامه ما خلقه فى غيره من الكلام ولا يكون متكلما بذلك ~~الكلام # ( الوجه الثالث ( ان الاسم المشتق من معنى لا يتحقق بدون ذلك المعنى فاسم ~~الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعال التفضيل يمتنع ثبوت معناها دون ~~معنى المصدر التى هى مشتقة منه والناس PageV12P512 متفقون على أنه لا يكون ~~متحرك ولا متكلم إلا بحركة وكلام فلا يكون مريد إلا بارادة وكذلك لا يكون ~~عالم إلا بعلم ولا قادر إلا بقدرة ونحو ذلك # ثم هذه الأسماء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به ms0305 مسمى المصدر ~~فانما يسمى بالحى من قامت به الحياة وبالمتحرك من قامت به الحركة وبالعالم ~~من قام به العلم وبالقادر من قامت به القدرة فأما من لم يقم به مسمى المصدر ~~فيمتنع أن يسمى بإسم الفاعل ونحوه من الصفات وهذا معلوم بالاعتبار فى جميع ~~النظائر # وذلك لأن إسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب يدل على الذات وعلى الصفة ~~والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته وهذا كما أنه ثابت فى الأسماء ~~المشتقة فكذلك فى الأفعال مثل تكلم وكلم ويتكلم ويكلم وعلم ويعلم وسمع ~~ويسمع ورأى ويرى ونحو ذلك سواء قيل ان الفعل المشتق من المصدر أو المصدر ~~مشتق من الفعل لا نزاع بين الناس ان فاعل الفعل هو فاعل المصدر فإذا قيل ~~كلم أو علم أو تكلم أو تعلم ففاعل التكليم والتعليم هو المكلم والمعلم ~~وكذلك التعلم والتكلم والفاعل هو الذى قام به المصدر الذى هو التكليم ~~والتعليم والتكلم والتعلم فإذا قيل تكلم فلان أو كلم فلان فلانا ففلان هو ~~المتكلم والمكلم قوله تعالى ( وكلم الله موسى PageV12P513 تكليما وقوله ( ~~تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ) وقوله ~~( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) يقتضى ان الله هو المكلم فكما يمتنع ~~ان يقال هو متكلم بكلام قائم بغيره يمتنع أن يقال كلم بكلام قائم بغيره # فهذه خمسة أوجه # ( أحدها ) انه يلزم الجهمية على قولهم ان يكون كل كلام خلقه الله كلاما ~~له إذا لا معنى لكون القرآن كلام الله إلا كونه خلقه وكل من فعل كلاما ولو ~~فى غيره كان متكلما به عندهم وليس للكلام عندهم مدلول يقوم بذات الرب تعالى ~~لو كان مدلول ( قائما ) يدل لكونه خلق صوتا فى محل والدليل يجب طرده فيجب ~~ان يكون كل صوت يخلقه له كذلك وهم يجوزون أن يكون الصوت المخلوق على جميع ~~الصفات فلا يبقى فرق بين الصوت الذى هو كلام الله تعالى على قولهم والصوت ~~الذى هو ليس بكلام # ( الثانى ) ان الصفة إذا قامت بمحل كالعلم ms0306 والقدرة والكلام والحركة عاد ~~حكمها إلى ذلك المحل ولا يعود حكمها إلى غيره # ( الثالث ( ان يشتق منه المصدر وإسم الفاعل والصفة المشبهة به ~~PageV12P514 ونحو ذلك ولا يشتق ذلك لغيره وهذا كله بين ظاهر وهو ما يبين ~~قول السلف والأئمة ان من قال ان الله خلق كلاما فى غيره لزمه أن يكون حكم ~~التكلم عائدا إلى ذلك المحل لا إلى الله # ( الرابع ( ان الله أكد تكليم موسى بالمصدر فقال ( تكليما ( قال غير واحد ~~من العلماء التوكيد بالمصدر ينفي المجاز لئلا يظن ان أرسل إليه رسولا أو ~~كتب إليه كتابا بل كلمه منه إليه # ( والخامس ) ان الله فضل موسى بتكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه وقال ( ~~وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ( ~~الآية فكان تكليم موسى من وراء الحجاب وقال ( يا موسى انى اصطفيتك على ~~الناس برسالاتى وبكلامى ( وقال ( انا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده إلى قوله وكلم الله موسى تكليما ( والوحى هو ما نزله الله ~~على قلوب الأنبياء بلا واسطة فلو كان تكليمه لموسى إنما هو صوت خلقه فى ~~الهواء لكان وحى الأنبياء أفضل منه لأن أولئك عرفوا المعنى المقصود بلا ~~واسطة وموسى إنما عرفه بواسطة ولهذا كان غلاة الجهمية من الاتحادية ونحوهم ~~يدعون أن ما يحصل لهم من الالهام أفضل مما حصل لموسى ابن عمران وهذا من ~~أعظم الكفر باتفاق المسلمين PageV12P515 # ولما فهم السلف حقيقة مذهب هؤلاء وانه يقتضى تعطيل الرسالة فان الرسل ~~إنما بعثوا ليبلغوا كلام الله بل يقتضى تعطيل التوحيد فان من لا يتكلم ولا ~~يقوم به علم ولا حياة هو كالموات بل من لا تقوم به الصفات فهو عدم محض إذ ~~ذات لا صفة لها إنما يمكن تقديرها فى الذهن لا فى الخارج كتقدير وجود مطلق ~~لا يتعين ولا يتخصص # فكان قول هؤلاء مضاهيا لقول ( المتفلسفة الدهرية ( الذين يجعلون وجود ~~الرب وجودا مطلقا بشرط الاطلاق لا صفة له وقد علم أن المطلق بشرط ms0307 الاطلاق ~~لا يوجد إلا فى الذهن وهؤلاء الدهرية ينكرون أيضا حقيقة تكليمه لموسى ~~ويقولون إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال وهكذا يقولون فى الوحى إلى ~~جميع الأنبياء وحقيقة قولهم ان القرآن قول البشر لكنه صدر عن نفس صافية ~~شريفة وإذا كانت المعتزلة خيرا من هؤلاء وقد كفر السلف من يقول بقولهم فكيف ~~هؤلاء # وكلام السلف والأئمة فى مثل هؤلاء لا يحصى قال حرب بن اسماعيل الكرمانى ~~سمعت اسحاق بن راهويه يقول ليس بين أهل العلم إختلاف أن القرآن كلام الله ~~وليس بمخلوق وكيف يكون شىء من الرب عز ذكره مخلوقا ولو كان كما قالوا لزمهم ~~أن يقولوا علم الله وقدرته ومشيئته مخلوقة فان قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا ~~كان الله PageV12P516 تبارك اسمه ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة وهو الكفر ~~المحض الواضح لم يزل الله عالما متكلما له المشيئة والقدرة فى خلقه والقرآن ~~كلام الله وليس بمخلوق فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر # وقال وكيع بن الجراح من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله ~~مخلوق فقيل له من أين قلت هذا قال لان الله يقول ( ولكن حق القول منى ) ولا ~~يكون من الله شىء مخلوق وهذا القول قاله غير واحد من السلف # وقال أحمد بن حنبل كلام الله من الله ليس ببائن منه وهذا معنى قول السلف ~~القرآن كلام الله منه بدا ومنه خرج وإليه يعود كما فى الحديث الذى رواه ~~أحمد وغيره عن جبير بن نفير قال قال رسول الله ( انكم لن ترجعوا إلى الله ~~بشىء أفضل مما خرج منه ( يعنى القرآن وقد روى أيضا عن أبى أمامة مرفوعا ~~وقال أبو بكر الصديق لأصحاب مسيلمة الكذاب لما سمع قرآن مسيلمة ( ويحكم أين ~~يذهب بعقولكم إن هذا كلاما لم يخرج من ( أى من رب # وليس معنى قول السلف والأئمة إنه منه خرج ومنه بدا أنه فارق ذاته وحل ~~بغيره فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته PageV12P517 ويحل بغيره ~~فكيف يكون كلام الله ms0308 قال تعالى @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون ~~إلا كذبا @QE@ فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم ومع هذا فلم تفارق ذاتهم # و ( أيضا ( فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره لا صفة الخالق ولا صفة ~~المخلوق والناس إذا سمعوا كلام النبي ثم بلغوه عنه كان كلام الذي بلغوه ~~كلام رسول الله وقد بلغوه بحركاتهم وأصواتهم فالقرآن أولى بذلك فالكلام ~~كلام الباري والصوت صوت القارىء قال تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ وقال ( زينوا القرآن بأصواتكم ( # ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية فانهم زعموا ان القرآن خلقه ~~الله فى غيره فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذى خلق فيه لا من الله ~~كما يقولون كلامه لموسى خرج من الشجرة فبين السلف والأئمة ان القرآن من ~~الله بدأ وخرج وذكروا قوله ( ولكن حق القول منى ) فأخبر ان القول منه لا من ~~غيره من المخلوقات # و ( من ) هى لابتداء الغاية فان كان المجرور بها عينا يقوم بنفسه لم ~~PageV12P518 يكن صفة لله كقوله ( وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض ~~جميعا منه ) وقوله فى المسيح ( وروح منه ) وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله ( ~~وما بكم من نعمة فمن الله ) # وأما إذا كان المجرور بها صفة ولم يذكر لها محل كان صفة لله كقوله ( ولكن ~~حق القول منى ) وكذلك قد أخبر فى غير موضع من القرآن ان القرآن نزل منه ~~وأنه نزل به جبريل منه ردا على هذا المبتدع المفترى وأمثاله ممن يقول أنه ~~لم ينزل منه قال تعالى ( أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل اليكم الكتاب ~~مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق ) وقال تعالى ( ~~قل نزله روح القدس من ربك بالحق ) وروح القدس هو جبريل كما قال فى الآية ~~الأخرى ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) وقال ( من كان عدوا لجبريل فانه ~~نزله على قلبك باذن الله ) وقال هنا ( نزله روح القدس من ربك ) فبين ان ~~جبريل نزله من الله لا ms0309 من هواء ولا من لوح ولا غير ذلك وكذلك سائر آيات ~~القرآن كقوله ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وقوله ( حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم ) وقوله ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) وقوله ~~( ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) وقوله ( يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل اليك من ربك ) PageV12P519 فقد بين فى غير موضع أنه منزل من ~~الله فمن قال انه منزل من بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفتر على الله ~~مكذب لكتاب الله متبع لغير سبيل المؤمنين ألا ترى ان الله فرق بين ما نزل ~~منه وما نزله من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال ( أنزل من السماء ماء ) فذكر ~~المطر فى غير موضع وأخبر أنه نزله من السماء والقرآن أخبر أنه منزل منه ~~وأخبر بتنزيل مطلق فى مثل قوله ( وأنزلنا الحديد ) لأن الحديد ينزل من رؤوس ~~الجبال لا ينزل من السماء وكذلك الحيوان فان الذكر ينزل الماء فى الاناث ~~فلم يقل فيه من السماء # ولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من ~~أمة محمد لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح ان الله كتب لموسى التوراة بيده ~~وأنزلها مكتوبة فيكون بنو اسرائيل قد قرأوا الألواح التى كتبها الله وأما ~~المسلمون فأخذوه عن محمد ومحمد أخذه عن جبريل وجبريل عن اللوح فيكون بنو ~~اسرائيل بمنزلة جبريل وتكون منزلة بنى اسرائيل أرفع من منزلة محمد على قول ~~هؤلاء الجهمية والله سبحانه جعل من فضائل أمة محمد أنه أنزل عليهم كتابا لا ~~يغسله الماء وانه أنزله عليهم تلاوة لا كتابة وفرقه عليهم لأجل ذلك فقال ( ~~وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) وقال تعالى ( ~~وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا ) PageV12P520 # ثم أن كان جبريل لم يسمعه من الله وانما وجده مكتوبا كانت العبارة عبارة ~~جبريل وكان القرآن كلام جبريل ترجم به عن الله كما يترجم عن الأخرس الذى ~~كتب كلاما ولم يقدر ان يتكلم به ms0310 وهذا خلاف دين المسلمين # وإن احتج محتج بقوله ( انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذى العرش مكين ) ~~قيل له فقد قال فى الآية الأخرى ( أنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر ~~قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) فالرسول فى هذه الآية ~~محمد والرسول فى الأخرى جبريل فلو اريد به ان الرسول احدث عبارته لتناقض ~~الخبران فعلم أنه أضاف إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث ولهذا قال ( لقول ~~رسول ( ولم يقل ملك ولا نبى ولا ريب ان الرسول بلغه كما قال تعالى ( يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) فكان النبى يعرض نفسه على الناس فى ~~الموسم ويقول ( ألا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ربى فان قريشا قد ~~منعونى أن أبلغ كلام ربى ( ولما أنزل الله ( ألم غلبت الروم ) خرج أبو ~~بكرالصديق فقرأها على الناس فقالوا هذا كلامك أم كلام صاحبك فقال ليس ~~بكلامى ولا كلام صاحبى ولكنه كلام الله # وان احتج بقوله ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) قيل له PageV12P521 ~~هذه الآية حجة عليك فانه لما قال ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ( علم ان ~~الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث لأن النكرة اذا وصفت ميز بها بين الموصوف ~~وغيره كما لو قال ما يأتينى من رجل مسلم إلا اكرمته وما آكل إلا طعاما ~~حلالا ونحو ذلك ويعلم ان المحدث فى الآية ليس هو المخلوق الذى يقوله الجهمى ~~ولكنه الذى أنزل جديدا فان الله كان ينزل القرآن شيئا بعد شىء فالمنزل أولا ~~هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرا وكل ما تقدم على غيره فهو قديم فى لغة ~~العرب كما قال ( كالعرجون القديم ) وقال ( تالله انك لفى ضلالك القديم ) ~~وقال ( واذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) وقال ( أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ( وكذلك قوله ( جعلناه قرآنا عربيا ( لم يقل ~~جعلناه فقط حتى يظن أنه بمعنى خلقناه ولكن قال ( جعلناه قرآنا عربيا ) أى ~~صيرناه عربيا لانه قد ms0311 كان قادرا على ان ينزله عجميا فلما أنزله عربيا كان ~~قد جعله عربيا دون عجمى وهذه المسئلة من أصول أهل الإيمان والسنة التى ~~فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم والكلام عليها مبسوط فى ~~غير هذا الموضع والله أعلم # PageV12P522 # ( وسئل شيخ الإسلام رحمه الله ( # عمن قال ان الله لم يكلم موسى تكليما فقال له آخر بل كلمه تكليما فقال ان ~~قلت كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت والحرف والصوت محدث ومن قال ان ~~الله كلم موسى بحرف وصوت فهو كافر فهل هو كما قال أو لا # فأجاب الحمد لله اما من قال ان الله لم يكلم موسى تكليما فهذا ان كان لم ~~يسمع القرآن فانه يعرف ان هذا نص القرآن فان أنكره بعد ذلك استتيب فان تاب ~~والا قتل ولا يقبل منه ان كان كلامه بعد ان يجحد نص القرآن بل لو قال ان ~~معنى كلامي انه خلق صوتا فى الهواء فأسمعه موسى كان كلامه أيضا كفرا وهو ~~قول الجهمية الذين كفرهم السلف وقالوا يستتابون فان تابوا والا قتلوا لكن ~~من كان مؤمنا بالله ورسوله مطلقا ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب ~~فانه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التى من خالفها كفر إذ كثير من ~~الناس PageV12P523 يخطىء فيما يتأوله من القرآن ويجهل كثيرا مما يرد من ~~معانى الكتاب والسنة والخطأ والنسيان مرفوعان عن هذه الأمة والكفر لا يكون ~~إلا بعد البيان # والأئمة الذين امروا بقتل مثل هؤلاء الذين ينكرون رؤية الله فى الآخرة ~~ويقولون القرآن مخلوق ونحو ذلك قيل انهم امروا بقتلهم لكفرهم وقيل لأنهم ~~إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس فقتلوا لاجل الفساد فى الأرض وحفظا ~~لدين الناس ان يضلوهم # وبالجملة فقد اتفق سلف الامة وأئمتها على ان الجهمية من شر طوائف أهل ~~البدع حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة # ومن الجهمية المتفلسفة والمعتزلة الذين يقولون ان كلام الله مخلوق وان ~~الله إنما كلم موسى بكلام مخلوق خلقه فى الهواء وانه لا ms0312 يرى فى الآخرة وانه ~~ليس مباينا لخلقه وأمثال هذه المقالات التى تستلزم تعطيل الخالق وتكذيب ~~رسله وإبطال دينه # وأما قول الجهمى ان قلت كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت والحرف ~~والصوت محدث ومن قال ان الله كلم موسى بحرف وصوت فهو كافر فيقال لهذا ~~الملحد أنت تقول انه كلمه بحرف وصوت PageV12P524 لكن تقول بحرف وصوت خلقه ~~فى الهواء وتقول أنه لا يجوز أن تقوم به الحروف والاصوات لانها لا تقوم الا ~~بمتحيز والبارى ليس بمتحيز ومن قال انه متحيز فقد كفر ومن المعلوم ان من ~~جحد ما نطق به الكتاب والسنة كان أولى بالكفر ممن أقر بما جاء به الكتاب ~~والسنة # وإن قال الجاحد لنص الكتاب والسنة ان العقل معه قال له الموافق للنصوص بل ~~العقل معى هو موافق للكتاب والسنة فهذا يقول انه معه السمع والعقل وذاك ~~انما يحتج لقوله بما يدعيه من العقل الذى يبين منازعه فساده ولو قدر أن ~~العقل معه # ( والكفر ( هو من الأحكام الشرعية وليس كل من خالف شيئا علم بنظر العقل ~~يكون كافرا ولو قدر انه جحد بعض صرائح العقول لم يحكم بكفره حتى يكون قوله ~~كفرا فى الشريعة # وأما من خالف ما علم أن الرسول جاء به فهو كافر بلا نزاع وذلك أنه ليس في ~~الكتاب والسنة ولا في قول أحد من سلف الأمة وأئمتها الاخبار عن الله بإنه ~~متحيز أو أنه ليس بمتحيز ولا في الكتاب والسنة ان من قال هذا وهذا يكفر ~~وهذا اللفظ مبتدع والكفر لا يتعلق بمجرد اسماء مبتدعة لا أصل لها في الكتاب ~~والسنة بل يستفسر هذا القائل إذا قال غن الله متحيزا أو ليس بمتحيز فإن قال ~~أعني بقولي إنه متحيز PageV12P525 انه دخل في المخلوقات وإن المخلوقات قد ~~حازته وأحاطت به فهذا باطل وان قال اعني به انه منحاز عن المخلوقات مباين ~~لها فهذا حق # وكذلك قوله ليس بمتحيز ان أراد به ان المخلوق لا يجوز الخالق فقد أصاب ~~وان قال الخالق لا يباين المخلوق وينفصل ms0313 عنه فقد أخطأ # وإذا عرف ذلك فالناس فى الجواب عن حجته الداحضة وهى قوله ( لو قلت انه ~~كلمه فالكلام لا يكون الا بحرف وصوت والحرف والصوت محدث ) ثلاثة أصناف صنف ~~منعوه المقدمة الأولى وصنف منعوه المقدمة الثانية وصنف لم يمنعوه المقدمتين ~~بل استفسروه وبينوا ان ذلك لا يمنع ان يكون الله كلم موسى تكليما ف ( الصنف ~~الأول ( أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وابو الحسن على بن إسماعيل ~~الأشعرى ومن اتبعهما قالوا لا نسلم ان الكلام لا يكون إلا بحرف وصوت بل ~~الكلام معنى قائم بذات المتكلم والحروف والاصوات عبارة عنه وذلك المعنى ~~القائم بذات الله تعالى يتضمن الامر بكل ما أمر به والخبر عن كل ما أخبر ~~عنه ان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا وقالوا انه اسم الكلام حقيقة فيكون ~~اسم الكلام مشتركا أو مجازا فى كلام الخالق وحقيقة فى كلام المخلوق ~~PageV12P526 # و ( الصنف الثانى ( سلموا لهم ان الكلام لا يكون الا بحرف وصوت ومنعوهم ~~المقدمة الثانية وهو ان الحرف والصوت لا يكون إلا محدثا # وصنف قالوا إن المحدث كالحادث سواء كان قائما بنفسه أو بغيره وهو يتكلم ~~بكلام لا يكون قديما وهو بحرف وصوت وهذا قول من يقول القرآن قديم وهو بحرف ~~وصوت كأبى الحسن بن سالم وأتباعه السالمية وطوائف ممن اتبعه وقال هؤلاء فى ~~الحرف والصوت نظير ما قاله الذين قبلهم فى المعانى # وقالوا كلام لا بحرف ولا صوت لا يعقل ومعنى يكون أمرا ونهيا وخبرا ممتنع ~~فى صريح العقل ومن ادعى ان معنى التوراة والانجيل والقرآن واحد وإنما ~~اختلفت العبارات الدالة عليه فقوله معلوم الفساد بالاضطرار عقلا وشرعا ~~وإخراج الحروف عن مسمى الكلام مما يعلم فساده بالاضطرار من جميع اللغات وإن ~~جاز أن يقال ان الحروف والأصوات المخلوقة فى غير كلام الله حقيقة أمكن ~~حينئذ أن يكون كلم موسى بكلام مخلوق فى غيره # وقالوا لاخوانهم الأولين إذا قلتم ان الكلام هو مجرد المعنى PageV12P527 ~~وقد خلق عبارة بيان فان قلتم ان تلك العبارة كلامه حقيقة ms0314 بطلت حجتكم على ~~المعتزلة فان أعظم حجتكم عليهم قولكم انه يمتنع أن يكون متكلما بكلام يخلقه ~~فى غيره كما يمتنع أن يعلم بعلم قائم بغيره وأن يقدر بقدرة قائمة بغيره وأن ~~يريد بارادة قائمة بغيره وإن قلتم هى كلام مجازا لزم أن يكون الكلام حقيقة ~~فى المعنى مجازا فى اللفظ وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من جميع اللغات # و ( الصنف الثالث ) الذين لم يمنعوا المقدمتين ولكن استفسروهم وبينوا أن ~~هذا لا يستلزم صحة قولكم بل قالوا إن قلتم إن الحرف والصوت محدث بمعنى انه ~~يجب أن يكون مخلوقا منه منفصلا عنه فهذا دليل على فساد قولكم وتناقضه وهذا ~~قول ممنوع وإن قلتم بمعنى انه لا يكون قديما فهو مسلم لكن هذه التسمية ~~محدثة # وهؤلاء ( صنفان ) صنف قالوا ان المحدث هو المخلوق المنفصل عنه فاذا قلنا ~~الحرف والصوت لا يكون إلا محدثا كان بمنزلة قولنا لا يكون إلا مخلوقا ~~وحينئذ فيكون هذا المعتزلى أبطل قوله PageV12P528 بقوله حيث زعم أنه يتكلم ~~بحرف وصوت مخلوق ثم استدل على ذلك بما يقتضى انه يتكلم لا يتكلم بكلام ~~مخلوق فيه تلبيس ونحن لا نقول كلم موسى بكلام قديم ولا بكلام مخلوق بل هو ~~سبحانه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء كما انه سبحانه وتعالى خلق السموات ~~والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه سبحانه استوى إلى السماء وهى ~~دخان وأنه سبحانه يأتى فى ظلل من الغمام والملائكة كما قال ( وجاء ربك ~~والملك صفا صفا ( وقال ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو ~~يأتى بعض آيات ربك ) وقال تعالى ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون ) وقال تعالى ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) ~~وأمثال ذلك فى القرآن والحديث كثير # يبين الله سبحانه أنه إذا شاء فعل ما أخبر عنه من تكليمه وأفعاله القائمة ~~بنفسه وما كان قائما بنفسه هو كلامه لا كلام غيره والمخلوق لا يكون قائما ~~بالخالق ولا يكون الرب محلا للمخلوقات بل هو سبحانه ms0315 يقوم به ما شاء من ~~كلماته وأفعاله وليس من ذلك شىء مخلوقا وإنما المخلوق ما كان بائنا عنه ~~وكلام الله من الله ليس ببائن منه ولهذا قال السلف القرآن كلام الله غير ~~مخلوق منه بدأ PageV12P529 وإليه يعود فقالوا منه بدأ أى هو المتكلم به لا ~~أنه خلقه فى بعض الأجسام المخلوقة # وهذا ( الجواب ( هو جواب أئمة أهل الحديث والتصوف والفقه وطوائف من أهل ~~الكلام من أئمتهم من الهشامية والكرامية وغيرهم وأتباع الأئمة الأربعة ~~أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد منهم من يختار جواب الصنف الأول وهم ~~الذين يرتضون قول بن كلاب فى القرآن وهم طوائف من متأخري أصحاب مالك ~~والشافعى وأحمد وأبى حنيفة ومنهم من يختار جواب الصنف الثانى وهم الطوائف ~~الذين ينكرون قول ابن كلاب ويقولون ان القرآن قديم كلسالمية وطوائف من ~~أصحاب مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة ومنهم من يختار جواب الطائفة الثالثة ~~وهم الذين ينكرون قول الطائفتين المتقدمتين الكلابية والسالمية # ثم من هؤلاء من يقول بقول الكرامية والكرامية ينتسبون إلى أبى حنيفة ~~ومنهم من لا يختار قول الكرامية أيضا لما فيه من تناقض آخر بل يقول بقول ~~أئمة الحديث كالبخارى وعثمان بن سعيد الدرامى ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومن ~~قبلهم من السلف PageV12P530 كأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~ومحمد بن كعب القرظي والزهرى عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن ~~راهويه وما نقل من ذلك عن الصحابة والتابعين وفى ذلك آثار كثيرة معروفة فى ~~كتب السنن والآثار تضيق عنها هذه الورقة # وبين الأصناف الثلاثة منازعات ودقائق تضيق عنها هذه الورقة وقد بسطنا ~~الكلام عليها فى مواضع وبينا حقيقة كل قول وما هو القول الصواب فى صريح ~~المعقول وصحيح المنقول لكن هؤلاء الطوائف كلهم متفقون على تضليل من يقول أن ~~كلام الله مخلوق والأمة متفقة على أن من قال ان كلام الله مخلوق لم يكلم ~~موسى تكليما يستتاب فان تاب والا يقتل # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله ms0316 وسلم تسليما كثيرا # PageV12P531 # ( وسئل أيضا رحمه الله ( # عمن قال كلم الله موسى تكليما وسمعته أذناه ووعاه قلبه وإن الله كتب ~~التوراة بيده وناوله إياه من يده إلى يده وقال آخر لم يكلمه إلا بواسطة # فأجاب القائل الذى قال إن الله كلم موسى تكليما كما أخبر فى كتابه مصيب ~~وأما الذى قال كلم الله موسى بواسطة فهذا ضال مخطىء بل قد نص الأئمة على ان ~~من قال ذلك فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل فان هذا الكلام إنكار لما قد علم ~~بالاضطرار من دين الاسلام ولما ثبت بالكتاب والسنة والاجماع قال الله تعالى ~~( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ) الآية ففرق بين ~~تكليمه من وراء حجاب كما كلم موسى وبين تكليمه بواسطة رسول كما أوحى إلى ~~غير موسى قال الله تعالى ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده ) إلى قوله ( وكلم الله موسى تكليما ) PageV12P532 والأحاديث بذلك ~~كثيرة فى الصحيحين والسنن وفى الحديث المحفوظ عن النبى حديث ( التقى آدم ~~وموسى قال آدم أنت موسى الذى كلمك الله تكليما لم يجعل بينك وبينه رسولا من ~~خلقه ( # وسلف الأمة وأئمتها كفروا الجهمية الذين قالوا إن الله خلق كلاما فى بعض ~~الأجسام سمعه موسى وفسر التكليم بذلك وأما قوله ( إن الله كتب التوارة بيده ~~( فهذا قد روى فى الصحيحين فمن أنكر ذلك فهو مخطىء ضال وإذا أنكره بعد ~~معرفة الحديث الصحيح يستحق العقوبة وأما قوله ( ناولها بيده إلى يده ( فهذا ~~مأثور عن طائفة من التابعين وهو هكذا عند أهل الكتاب لكن لا أعلم غير هذا ~~اللفظ مأثورا عن النبى فالمتكلم به إن أراد ما يخالف ذلك فقد أخطأ والله ~~أعلم # PageV12P533 # ( ما تقول السادة الاعلام ( # أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين هل هذا القرآن الذى نتلوه القائم بنا ~~حين التلاوة هو كلام الله الذى قام به حين تكلم به وكان صفة له أم لا وإذا ~~كان كلامه فهل إذا تلوناه وقام بنا يطلق عليه كلام الله وصفته ms0317 أم يطلق عليه ~~كلام الله دون صفته أم فى ذلك تفصيل يجب بيانه وهل إذا قام بنا كان منتقلا ~~عن الله بعد أن قام به أم يكون قائما بنا وبه معا أم الذى قام بنا يكون ~~عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه ويكون إطلاق كلام الله عليه مجازا وهل ~~يكون صفة لنا محدثة قامت بمحدث إذ القديم لا يقوم بمحدث والمحدث لا يكون ~~قديما وهل ( التلاوة ( هى نفس المتلو أم لا أفتونا مأجورين # فأجاب سيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس إبن تيمية قدس الله روحه الحمد ~~لله رب العالمين # هذه ( المسألة ( جوابها يحتمل البسط ويمكن فيه الإختصار ثم بسط الجواب ~~بعض البسط فأما الجواب المختصر فإنه يقال جواب PageV12P534 هذه المسألة ~~مبنى على ( مقدمة ( وهى أن يعرف الإنسان معنى قول القائل لما بلغه عن غيره ~~هذا كلام ذلك الغير فإن المحدث إذا حدث عن النبى بقوله ( إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى ( أو قوله ( الحلال بين والحرام بين وبين ~~ذلك أمور مشتبهة لا يعلمها كثير من الناس ( أو قوله ( من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد ( ونحو ذلك # فإنه من المعلوم أن هذا كلام النبى تكلم به بلفظه ومعناه فهو الذى أخبر ~~بمعناه وهو الذى ألف حروفه وتكلم بها بصوته ثم المبلغ بذلك عنه بلغ كلامه ~~كما قال النبى ( نضر الله أمرءا سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب حامل فقه ~~غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ( فدعى بالنضرة لمن سمع منه ~~حديثا فبلغه كما سمعه فبين أن الحديث المسموع منه هو الحديث المبلغ عنه مع ~~العلم بأن المبلغ عنه بلغه بأفعاله وأصواته وإن الصوت المسموع منه هو صوته ~~لا صوت النبى وإن كان النبى تكلم بذلك الحديث بصوته المختص به فالمبلغ عنه ~~هو حديثه الذى سمع منه وليس الصوت المسموع صوته # فإذا قال القائل هل هذا الحديث الذى قرأه المحدث القائم به PageV12P535 ~~حين القراءة هو كلام النبى الذى قام به حين تكلم ms0318 به وكان صفة له أم لا قيل ~~له إن كنت تريد ان نفس الحديث من حيث هو هو كلام النبى الذى قام به حين ~~تكلم به كان صفة له فنعم هذا الحديث من حيث هو هو كلام النبى وإن كنت تريد ~~أن ما إختص بالقارىء من حركاته وأصواته هو القائم بالرسول فليس وكذلك # وكذلك إن أردت ان نفس ما إختص به الرسول من حركاته وأصواته والصفات ~~القائمة بنفسه هى بعينها إنتقلت عن الرسول وقامت بالقارىء فليس كذلك # وقول القائل هذا هو هذا وليس هو إياه وهذا هو عين هذا وليس هو عينه لفظ ~~فيه إجمال فإن من نقل لفظ غيره كما سمعه وكتبه فى كتاب فإنه يقول هذا كلام ~~فلان بعينه وهذا نفس كلامه وهذا عين كلامه ومراده أن نفس ما قاله هو الذى ~~بلغه عنه وهو المكتوب فى الكتاب لم يزد فيه ولم ينقص منه # فإذا قال القائل لما سمع من القارىء هذا عين كلام الله أو هذا كلام الله ~~بعينه أو هذا نفس كلام الله أو قال لما بين لوحى المصحف هذا كلام الله ~~بعينه وهذا عين كلام الله كان صادقا PageV12P536 ومن أنكر ذلك بهذا ~~الإعتبار كان مقتضى قوله أن القرآن زيد فيه ونقص ولهذا كان الناس مطبقين ~~على أن ما بين اللوحين كلام الله والإنكار على من نفى ذلك # وقد يقال لكلام المتكلم المسموع منه هذا كلام زيد بعينه وهذا عين كلام ~~زيد وهذا نفس كلام زيد بمعنى أنه مسموع منه بلا واسطة بحيث يسمع صفة ~~المتكلم المختص به بذلك كما قال أيوب السختيانى كان الحسن يتكلم بكلام ~~فيأتى مثل الدر فتكلم به بعده قوم فجاء مثل البعر والمتكلم بالكلام من ~~البشر له صوت يخصه ونغمة تخصه كما له سجية تخصه كما قال تعالى ( وإبعينه ~~وهذا عين كلامه فإنما المراد PageV12P537 به المعنى الأول وهو كونه مسموعا ~~من المبلغ عنه لا أنه مسموع منه ولا أن تكلمه الذى يختص بالكلام وجد # وإذا كان هذا فى كلام النبى فكلام ms0319 الله سبحانه أولى بذلك فإن الناس ~~يعلمون ان احدا منهم لم يسمعه من الله كما سمع موسى كلام الله من الله بل ~~يعلمون أن كلام الله إنما سمع من المبلغين له كما قال تعالى ( يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ( وقال تعالى ~~( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ( وقال نوح ( ولكنى رسول من رب العالمين ~~أبلغكم رسالات ربى ) # وفى سنن أبى داود عن جابر ان النبى كان يقول بالموقف ( ألا رجل يحملنى ~~إلى قومه لأبلغ كلام ربى فإن قريشا منعونى أن أبلغ كلام ربى ( # فلما كان هذا مستقرا فى قلوب المستمعين علموا أن قوله تعالى ( وإن أحد من ~~المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( إنما هو سماعه من المبلغين له ~~لا سماعه منه وإن هذا السماع ليس كسماع موسى كلام الله من الله فإن موسى ~~سمعه منه بلا واسطة ونحن إذا سمعنا كلام النبى من الصحابة لم يكن كسمع ~~الصحابة PageV12P538 من النبى مع أنهم يبلغون حديثه كما سمعوه مع العلم ~~بأنهم لم يحكوا صوت النبى فلا هى أصواتهم صوته ولا مثل صوته مع أنهم بلغوا ~~حديثه كما سمعوه فالقرآن أولى أن يكون جبريل بلغه كما سمعه والرسول بلغه ~~كما سمعه والأمة بلغته كما سمعته وأن يكون ما بلغته هو ما سمعته وهو كلام ~~الله عز وجل فى الحالين مع أن الرسول بشر من جنس البشر والله تعالى ( ليس ~~كمثله شىء ( # والتفاوت الذى بين صفات الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت بين أدنى ~~المخلوقات وأعلاها فإذا كان سمع التابعين لكلام النبى من الصحابة ليس كسمع ~~الصحابة من النبى فسماع كلام الله من الله أبعد من مماثلة سماع شىء لشىء من ~~المخلوقات # والقائل إذا قال لما سمعه من المبلغ عن الرسول هذا كلام الرسول أو هذا ~~كلام صواب أو حق أو صحيح أو هذا حديث رسول الله أداه كما سمعه أو هذا نفس ~~كلام الرسول أو عينه فإنما قصد إلى مجرد الكلام وهو ms0320 ما يوجد حال سماعه من ~~المبلغ والمبلغ عنه لم يشر إلى ما يختص بأحدهما فلم يشر إلى مجرد صوت ~~المبلغ ولا مجرد صوت المبلغ عنه ولا إلى حركة أحد منهما بل هناك أمر يتحد ~~فى الحالين PageV12P539 وهذا أمر يتعدد يختص كل منهما منه بما يخصه # فإذا قيل هذا هو كلامه كانت الاشارة إلى المتحد المتفق عليه بينهما وإذا ~~قيل هذا صوته كانت الاشارة إلى المختص المتعدد فيقال هذا صوت غليظ أو رقيق ~~أو حسن أو ليس حسنا كما فى الحديث الذى فى سنن ابن ماجه عن النبى انه قال ( ~~لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ( ~~وفى الحديث المشهور ( زينوا القرآن بأصواتكم ( قال أحمد يحسنه بصوته ما ~~استطاع فبين الإمام أحمد أن الصوت صوت القارىء مع أن الكلام كلام البارى ~~وهذا كما انه معلوم من تبليغ كلام الله ورسوله فكذلك فى تبليغ كلام كل أحد ~~فإذا سمع الناس منشدا ينشد % ألا كل شىء ما خلا الله باطل % $ # قالوا هذا شعر لبيد لفظه ومعناه وهذا كلام لبيد كما قال النبى ( اصدق ~~كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شىء ما خلا الله باطل ( # ولو قال المنشد هذا شعرى أو كلامى لكذبه الناس كما يكذبونه لو قال هذا ~~صوت لبيد وإذا قال هذا لفظ لبيد بالمعنى المعروف وهو أن هذا الكلام الملفوظ ~~هو كلامه بنظمه وتأليفه لصدقه الناس PageV12P540 وإن قال هذا لفظه بمعنى أن ~~هذا بلفظه كذبه الناس فان ( اللفظ ( يراد به المصدر ويراد به الملفوظ وكذلك ~~( التلاوة ( و ( القراءة ( يراد بذلك المصدر ويراد به الكلام نفسه الذى ~~يقرأ ويتلى # وأصل هذا أن تعلم الجامع والفارق بين سماع الكلام من المتكلم به ومن ~~المبلغ له عن المتكلم به وانه كلامه فى الحالين لكن هو فى أحدهما مسموع منه ~~سماعا مطلقا بغير واسطة وفى الأخرى مسموع منه سماعا مقيدا بواسطة التبليغ ~~كما انك تارة ترى الشمس والقمر والكواكب بطريق المباشرة فلا تحتاج فى ذلك ~~إلى واسطة وتارة ms0321 تراها فى ماء أو مرآة ونحو ذلك تراها بواسطة ذلك الجسم ~~الشفاف فهى المقصودة بالرؤية فى الموضعين لكن فى احدى الحالتين رأيتها ~~نفسها بالمباشرة رؤية مطلقة وفى الاخرى رايتها رؤية مقيدة بواسطة # وإذا قلت المرئى مثالها أو خيالها أو نحو ذلك قيل أنت تجد الفرق بين ~~رؤيتك خيال الشىء الذى هو ظله وتمثاله الذى هو صورته المصورة وبين رؤيته فى ~~الماء والمرآة إذا كان المرئى هنا وإن كان لابد فيه من توسط خيال فالمقصود ~~بالرؤية هو الحقيقة ولكن تختلف باختلاف المرآة فيرى كبيرا ان كانت المرآة ~~كبيرة وصغيرا PageV12P541 إن كانت المرآة صغيرة ومستطيلا ان كانت المرآة ~~مستطيلة وهذا الكلام المروى عن الغير المقصود منه هو نفس كلام ذلك الغير ~~وان كان لابد من توسط صوت هذا المبلغ ولهذا يختلف باختلاف صوت المبلغ فتارة ~~يكون رقيقا وتارة غليظا وتارة مجهورا به وتارة مخافتا به # فهذا المسموع مثل كلام المروى عنه أو حكاية كلام المروى عنه كما أطلق ذلك ~~طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم كان اطلاق هذا خطأ كما أنك إذا قلت ~~لما تراه فى الماء والمرآة هذا مثل الشمس أو هذا يحكى الشمس كان إطلاق ذلك ~~خطأ قال تعالى ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ) الآية فقد بين عجز الخلائق عن الاتيان بمثله مع أنهم ~~قادرون على تبليغه وتلاوته فعلم ان هذا المسموع لا يقال انه مثل كلام الله ~~كما سماه كلامه لكنه كلامه بواسطة المبلغ لا بطريق المباشرة # والله سبحانه قد فرق بين التكليمين فقال تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه ~~اله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ( ففرق ~~بين تكليمه من وراء الحجاب كما كلمه موسى وبين تكليمه بارساله رسولا يوحى ~~بإذنه ذاك تكليم بلا PageV12P542 واسطة وهذا تكليمه بواسطة # وإن قلت لما يبلغه المبلغ عن غيره هذا حكاية كلام ذلك كان الاطلاق خطأ ~~فان لفظ ( الحكاية ( إذا أطلق يراد به أنه أتى ms0322 بكلام يشبه كلامه كما يقال ~~هذا يحاكى هذا وهذا قد حكى هذا لكن قد يقال فلان قد حكى هذا الكلام عن فلان ~~كما يقال رواه عنه وبلغه عنه ونقله عنه وحدث به عنه ولهذا يجىء فى الحديث ~~عن النبى فيما يروى عن ربه فكلما بلغه النبى عن الله فقد حكاه عنه ورواه ~~عنه # فالقائل إذا قال للقارىء هذا يحكى كلام الله أو يحكى القرآن فقد يفهم من ~~أنه يأتى بكلام يحاكى به كلام الله وهذا كفر وإن أراد أنه بلغه وتلاه ~~فالمعنى صحيح لكن ينبغى تعبيره بما لا يدل على معنى باطل فيقول قرأه وتلاه ~~وبلغه وأداه ولهذا اذا قيل يحكى القراءات السبع ويرويها وينقلها لم ينكر ~~ذلك لأنه لا يفهم منه إلا تبليغها لا أنه يأتى بمثلها # PageV12P543 ( فصل ( # إذا تبين ذلك فيقال هذا القرآن الذى نقرأه ونبلغه ونسمعه هو كلام الله ~~الذى تكلم به ونزل به منه روح القدس كما قال تعالى ( فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وإذا ~~بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى ~~للمسلمين ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه ~~أعجمى وهذا لسان عربى مبين ) فهذا الكلام فى القرآن الذى قالوا إنما يعلمه ~~إياه بشر وقد أبطل الله ذلك بقوله ( لسان لذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان ~~عربى مبين ) فدل على ان المراد به نفس القرآن العربى الذى يمتنع ان يعلمه ~~إياه ذلك الأعجمى الذى ألحدوا إليه وقد قيل أنه رجل بمكة مولى لابن الحضرمى ~~والمعانى المجردة لا يمتنع تعلمها من الأعجمى بخلاف هذا القرآن العربى فدل ~~ان هذا القرآن نزله روح القدس من الله تبارك وتعالى PageV12P544 ومثله قوله ~~تعالى فى الآية الأخرى ( والذين أتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل ms0323 من ربك ~~بالحق ) وهذ الكلام صفة الله تعالى # وأما ما اختص قيامه بنا من حركاتنا وأصواتنا وفهمنا وغير ذلك من صفاتنا ~~فلم يقم منه شىء بذات الله سبحانه كما ان ما اختص الرب تعالى بقيامه به لم ~~ينتقل عنه ولم يقم بغيره لا هو ولا مثله فان المخلوق إذا سمع من المخلوق ~~كلامه وبلغه عنه كان ما بلغه هو كلامه كما تقدم قول النبى ( نضر الله امرءا ~~سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه ( مع ان ما قام بالنبى بباطنه من العلم ~~والارادة وغيرهما وبظاهره من الحركة والصوت وغيرهما لم ينتقل عنه ولم يقم ~~بغيره بل جميع صفات المخلوقين لا تفارق ذواتهم وتنتقل عنهم فكيف يجوز أن ~~يقال ان صفة الخالق فارقت ذاته فانتقلت عنه والمتعلم إذا أخذ علم المعلم ~~ونقله عنه لم يفارق ذات الأول وينتقل عنها إلى الثانى بل نفس الحقيقة ~~العلمية حصلت له مثل ما حصلت لمعلمه أو ليس مثله بل يشبهه ولهذا يشبه العلم ~~بضوء السراج كل أحد يقتبس منه وهو لم ينقص ومن المعلوم أن من أوقد من مصباح ~~غيره فانه لم ينتقل إلى سراجه شىء من جرم تلك النار ولا شىء من صفاتها ~~القائمة بها بل جعل الله بسبب ملاصقة النار ذلك نارا مثل تلك PageV12P545 ~~فالحقيقة النارية موجودة وإن كانت هذه العين ليست تلك لكن النار والعلم ليس ~~هو مثل الكلام الذى يبلغ عن الغير بل هو مثل ان يسمع بعض الناس كلام غيره ~~وشعر غيره فيقول من جنس ما قال ويقول كما قال غيره مثله كما يقال وقع ~~الخاطر على الخاطر كوقع الحافر على الحافر وليس هذا من التبليغ والرواية فى ~~شىء فان قول القائل % ألا كل شىء ما خلا الله باطل % $ # هو كلام لبيد كيف ما أنشده الناس وكتبوه فهذا الشعر الذى ينشده هو شعر ~~لبيد بعينه فإذا قيل الشعر الذى قام بنا هو الذى قام بلبيد قيل ان أريد ~~بذلك ان الشعر من حيث هو هو إن أريد أن نفس ما قام ms0324 بذاته فارق ذاته وانتقل ~~إلينا فليس كذك وكذلك أن أريد ان عين الصفة المختصة بذلك الشخص كحركته ~~وصوته هى عين الصفة المختصة بنا كحركتنا وصوتنا فليس كذلك # فقولك هذا هو هذا لفظ فيه إجمال يبينه السياق فاذا قلت هذا الكلام هو ذاك ~~أو هذا الشعر هو ذاك كنت صادقا وإذا قلت هذا الصوت هو ذاك كان كاذبا # والناس لا يقصدون إذا قالوا هذا شعر لبيد إلا القدر المتحد PageV12P546 ~~وهى الحقيقة من حيث هى مع قصر النظر عما اختص به أحدهما # فإن قيل القدر المتحد كلى مطلق والكليات إنما توجد فى الأذهان لا فى ~~الأعيان قيل ذكر هذا هنا غلط فان هذا إنما يقال لو كان رجل قد قال شعر لبيد ~~من غير أن يعلم بشعره فنقول هذان شيئان اشتركا فى النوع الكلى وامتاز ~~أحدهما عن الآخر بما يخصه والكلى إنما يوجد كليا فى الذهن لا فى الخارج ~~وأما هنا فنفس شعره كان له وجود فى الخارج والمقصود من الحقيقة الكلامية مع ~~قطع النظر عن صوت زيد وصوت عمرو موجود لما تكلم به لبيد وموجود اذا أنشده ~~غير لبيد وتلك الحقيقة المتحدة موجودة هنا وهنا ليست مثل وجود الانسانية فى ~~زيد وعمرو وخالد فان إنسانية زيد ليست بإنسانية عمرو بل مثلها والمشترك ~~بينهما لا يوجد فى الخارج وهنا نفس الكلام الذى تكلم به لبيد تكلم به ~~المنشد عنه ولا يقال أنه أنشأ مثله ولا أنشد مثله بل يقال أنشد شعره بعينه # لكن الشعر عرض والعرض لا يقوم إلا بغيره فلا بد أن يقوم اما بلبيد وإما ~~بغيره والقائم به وإن كان ( ليس ) مثل القائم بغيره لكن المقصود بهما واحد ~~فالتماثل والتغاير فى الوسيلة والاتحاد فى الحقيقة المقصودة وتلك الحقيقة ~~هى انشاء لبيد لا انشاء غيره والعقلاء PageV12P547 يعلمون انه ليس نفس ~~الصوت المسموع من لبيد هو نفس الصوت المسموع من المنشد لكن نفس المقصود ~~بالصوت هو الكلام فان الصوت واسطة فى تبليغه ولهذا ما كان فى الصوت من مدح ~~وذم كان للمبلغ ms0325 وما كان فى الكلام من مدح وذم كان للمتكلم المبلغ عنه فى ~~لفظه ونظمه ومعناه # وإذا عرف هذا فقول القائل هذا القرآن الذى نتلوه القائم بنا حين التلاوة ~~هو كلام الله الذى قام به حين تكلم به وكان صفة له أم لا قيل له أما الكلام ~~فهو كلام الله لا كلامنا ولا غيرنا وهو مسموع من المبلغ لا من الله كما ~~تقدم وهو مسموع بواسطة سماعا مقيدا لا سماعا من الله مطلقا كما تقدم وليس ~~شىء مما قام بذاته فارقه وانتقل إلينا ولا شىء مما يختص بذواتنا كحركاتنا ~~وأصواتنا فهو منا قائما به # وأما قوله هذا القرآن الذى نتلوه القائم بنا حين التلاوة هو كلام الله ~~الذى قام به حين تكلم به فلفظ القيام فيه إجمال فان أراد أن نفس صفة الرب ~~تكون صفة لغيره أو صفة العبد تكون صفة للرب فليس كذلك وإن أراد ان نفس ما ~~ليس بمخلوق صار مخلوقا أو ما هو مخلوق صار غير مخلوق فليس الأمر كذلك وإن ~~أراد أن ما أختص الرب بقيامه به شاركه فيه غيره فليس الأمر كذلك وإن ~~PageV12P548 أراد أن نفس الكلام كلامه لا كلام غيره فى الحالين كما تقدم ~~تقريره فالأمر كذلك # وقد علم ان الحال إذا سمع من الله ليس كالحال إذا سمع من خلقه وذلك فرق ~~بين الحالين وإن كان الكلام واحدا فاذا كان هذا الفرق ثابتا فى كلام ~~المخلوق مسموعا ومبلغا عنه فثبوته فى كلام الله أولى وأحرى فان الله ليس ~~كمثله شىء لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ولا يمكن أن يكون تكلمه ~~به وسماعه مما يعرف له نظير ولا مثال ولا يقاس ذلك بتكلم النبى وسماع ~~الكلام منه فان النبى بشر يمكننا أن نعرف صفاته والرب تعالى لا مثال له وهو ~~أبعد عن مماثلة المخلوقات أعظم من بعد مماثلة أعظم المخلوقات عن مماثلة ~~أدناها # وقول السائل إذا تلوناه وقام بنا يطلق عليه كلام الله وصفته أم يطلق عليه ~~كلام الله دون صفته ms0326 أم فى ذلك تفصيل يجب بيانه # فيقال هو كلام الله وصفته مسموعا من المبلغ عنه لا منه فالنفى والاثبات ~~بدون هذا التفصيل يوهم اما أنه كلام الله مسموعا منه أو أنه ليس كلام الله ~~بل كلام المبلغ عنه وكلاالقولين خطأ وقع فى كلام طائفتين من الناس طائفة ~~جعلت هذا كلام المبلغ عنه لا كلام PageV12P549 الله وطائفة قالت هذا كلام ~~الله مسموعا من الله ولم تفرق بين الحالين حتى ادعى بعضها أن الصوت المسموع ~~قديم وتلك لم تجعله كلام الله بل كلام الناس فهؤلاء يقولون ليس هذا كلام ~~الله وأولئك يقولون هذا الصوت المسموع قديم وكلا القولين خطأ وضلال لكن هو ~~كلامه مقيدا بواسطة المبلغ القارىء ليس هو كلامه وصفته مطلقا عن التقييد ~~مسموعا منه وكلام المتكلم يضاف إليه مطلقا إذا سمع منه ومقيدا إذا سمع من ~~المبلغ عنه كما أن رؤيته تقال مطلقة إذا رؤى مباشرة وتقال مقيدة إذا رؤى فى ~~ماء أو مرآة # وأما قوله إذا قام بنا هل كان منتقلا عن الله بعد أن قام به أم يكون ~~قائما بنا وبه معا أم الذى قام بنا يكون عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه ~~ويكون إطلاق كلام الله عليه مجازا # فيقال أن صفة المخلوق لا تفارق ذاته وتنتقل عنه وتقوم بغيره فكيف يجوز أن ~~يقال أن صفة الرب سبحانه فارقت ذاته وانتقلت عنه وقامت بغيره وقد بينا أن ~~المتكلم منا إذا أرسل غيره بكلام فانه ما قام به بل لم يفارق ذاته وينتقل ~~إلى غيره فكلام الله أولى وأحرى بل كلامه سبحانه قائم به كما يقوم به لو ~~تكلم به ولم يرسل به رسولا فارساله رسولا به يفيد إبلاغه إلى الخلق وانزاله ~~إليهم PageV12P550 لا يوجب نقصا فى حق الرب ولا زوال اتصافه به ولا خروجه ~~عن أن يكون كلامه بل نعلم أن الرب كما أنه قد تكلم به ولا يرسل به رسولا قد ~~يتكلم به ويرسل به رسولا فهو سبحانه فى الحالين كلامه بل إرسال الرسول به ~~نفع ms0327 الخلق وهداهم ولم يجب به نقصان صفة مولاهم # وقوله أم يكون قائما بنا وبه فيقال معنى القائم لفظ مجمل فان أريد أن نفس ~~الكلام من حيث هو هو تكلم هو به وتكلمنا به مبلغين له عنه فكذلك هو وان ~~أريد أن ما أختص به يقوم بنا أو ما اختص بنا يقوم به فهذا ممتنع وإن أريد ~~بالقيام انا بلغنا كلامه أو قرأنا كلامه أو تلونا كلامه فهذا صحيح فكذلك إن ~~أريد أن هذا الكلام كلامه مسموعا من المبلغ لا منه وإن أريد بالقيام أن ~~الشىء الذى اختص به هو بعينه قام بغيره مختصا به فهذا ممتنع وإن قيل الصفة ~~الواحدة تقوم بموضعين قيل هذا أيضا مجمل فان أريد أن الشىء المختص بمحل ~~يقوم بمحل آخر فهذا ممتنع وأن أريد أن الكلام الذى يسمى صفة واحدة يقوم ~~بالمتكلم به ويبلغه عنه غيره كان هذا صحيحا # فهذه المواضع يجب أن تفسر الألفاظ المجملة بالألفاظ المفسرة المبينة وكل ~~لفظ يحتمل حقا وباطلا فلا يطلق إلا مبينا به المراد الحق دون PageV12P551 ~~الباطل فقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من وجهة اشتراك الأسماء وكثير من نزاع ~~الناس فى هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة التى يفهم منها هذا معنى ~~يثبته ويفهم منها ( الآخر ) معنى ينفيه ثم النفاة يجمعون بين حق وباطل ~~والمثبتة يجمعون بين حق وباطل # وأما قوله أم الذى يقوم بنا يكون عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه ويكون ~~إطلاق كلام الله عليه مجازا فيقال العبارة عن كلام الغيب يقال لمن فى نفسه ~~معنى ثم يعبر عنه غيره كما يعبر عما فى نفس الأخرس من فهم مراده والذين ~~قالوا ( القرآن عبارة عن كلام الله ( قصدوا هذا وهذا باطل القرآن العربى ~~تكلم الله به وجبريل بلغه عنه # وأما ( الحكاية ( فيراد بها ما يماثل الشىء كما يقال هذا يحاكى فلانا إذا ~~كان يأتى بمثل قوله أو عمله وهذا ممتنع فى القرآن فان الله تعالى يقول ( قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ms0328 القرآن لا يأتون بمثله ) ~~الآية وقد يقال فلان حكى فلان عنه أى بلغه عنه ونقله عنه ويجىء فى الحديث ~~أن النبى قال فيما يحكى عن ربه ويقال أن النبى روى عن ربه وحكى عن ربه فإذا ~~قيل أنه حكى عن الله بمعنى أنه بلغ عن الله فهذا صحيح PageV12P552 # وأما قول القائل هل يكون كلام الله مجازا فيقال علامة المجاز صحة نفيه ~~ونحن نعلم بالاضطرار ان فلانا لو قال بحضرة الرسول ليس هذا كلام الله لكان ~~عنده لم يكن متكلما بالحقيقة اللغوية # وأيضا فهذا موجود فى كل من بلغ كلام غيره أنه يقال هذا كلام المبلغ عنه ~~لا كلام المبلغ والله أعلم ) # PageV12P553 # ( ما تقول السادة أئمة الدين ( فى رجلين قال أحدهما القرآن المسموع كلام ~~الله وقال الآخر هو كلام جبرئيل كما قال تعالى ( إنه لقول رسول كريم ) فهل ~~أصاب أم أخطأ وما الجواب عما احتج به وهل هذا القول قاله أحد من الشيوخ ~~والأئمة أم لا أفتونا مأجورين # فأجاب شيخ الاسلام إبن تيمية قدس الله روحه الحمد لله رب العالمين بل ~~القرآن كلام الله تعالى وليس كلام جبرئيل ولا كلام محمد وهذا متفق عليه بين ~~الصحابة والتابعين لهم باحسان وأئمة المسلمين وأصحابهم الذين يفتى بقولهم ~~فى الاسلام كأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وغيرهم # وجبريل سمعه من الله وسمعه محمد من جبريل كما قال تعالى ( قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق ) وروح القدس هو جبريل وقال تعالى ( والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) وقال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم ) وقال تعالى ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ) فهو ~~منزل من الله كما قال PageV12P554 تعالى ( نزل به الروح الأمين على قلبك ~~لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ) # وأما قوله تعالى ( إنه لقول رسول كريم ) فانه أضافه إليه لأنه بلغه وأداه ~~لا لكونه احدث منه شيئا وابتداه فانه سبحانه قال فى إحدى الآيتين ( إنه ~~لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن ms0329 قليلا ما ~~تذكرون تنزيل من رب العالمين ) فالرسول هنا محمد وقال فى الآية الأخرى ( ~~إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين ) فالرسول هنا ~~جبريل والله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس فلو كانت إضافته إلى أحدهما ~~لكونه الف النظم العربى وأحدث منه شيئا غير ذلك تناقض الكلام فانه ان كان ~~نظم احدهما لم يكن نظم الآخر # وأيضا فانه قال ( لقول رسول ( ولم يقل لقول ملك ولا نبى ولفظ الرسول يشعر ~~بأنه مبلغ له عن مرسله لا أنه أنشأ من عنده شيئا # وأيضا فقوله ( إنه لقول رسول كريم ) ضمير يعود إلى القرآن PageV12P555 ~~والقرآن يتناول معانيه ولفظه ومجموع هذا ليس قولا لغير الله باجماع ~~المسلمين واطلاق القول بان القرآن كلام جبريل أو محمد أو غيرهما من ~~المخلوقين كفر لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل عظم الله الانكار على من ~~يقول إنه قول البشر فقال تعالى ( ذرنى ومن خلقت وحيدا ( إلى قوله ( انه فكر ~~وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر وإستكبر فقال ~~إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما سقر ) ~~فمن قال أن القرآن قول البشر فقد كفر وكذلك من قال انه قول ملك وإنما يقول ~~إنه قول جبريل أحد رجلين # أما رجل من الملاحدة والفلاسفة الذن يقولون إنه فيض فاض على نفس النبى من ~~العقل الفعال ويقولون أنه جبريل ويقولون إن جبريل هو الخيال الذى يتمثل فى ~~نفس النبى يقولون أنه تلقاه معان مجردة ثم انه تشكل فى نفسه حروفا كما ~~يتشكل فى نفس النائم كما يقول ذلك إبن عربى صاحب ( الفصوص ( وغيره من ~~الملاحدة ولهذا يدعى أنه يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى به ~~إلى الرسول فان ( المعدن ( عنده هو العقل و ( الملك ( هو الخيال الذى فى ~~نفسه والنبى عندهم يأخذ من هذا الخيال PageV12P556 وهذا الكلام من أظهر ~~الكفر باجماع المسلمين واليهود والنصارى وهو ms0330 مما يعلم فساده بالاضطرار من ~~دين المسلمين # أو رجل ينتسب إلى مذهب الأشعرى ويظن ان هذا قول الأشعرى بناء على ان ~~الكلام العربى لم يتكلم الله به عنده وإنما كلامه معنى واحد قائم بذات الرب ~~هو الأمر والخبر ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرانية كان ~~توراة وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا وهذا القول وان كان قول ابن كلاب ~~والقلانسى والأشعرى ونحوهم فلم يقولوا إن الكلام العربى كلام جبريل ومن حكى ~~هذا عن الأشعري نفسه فهو مجازف وإنما قال طائفة من المنتسبين إليه كما قالت ~~طائفة أخري أنه نظم محمد ولكن المشهور عنه أن الكلام العربي مخلوق ولا يطلق ~~عليه القول بأنه كلام الله لكن إذا كان مخلوقا فقد يكون خلقه في الهواء أو ~~في جسم لكن القول إذا كان ضعيفا ظهر الفساد في لوازمه # وهذا القول أيضا لم يقله أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ~~واصحابهم الذين يفتى بقولهم بل كان الشيخ أبو حامد الاسفرائيني يقول مذهبي ~~ومذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وسائر علماء الأمصار فى القرآن مخالف لهذا ~~القول وكذلك أبو محمد الجوينى والدأبى PageV12P557 المعالى قال مذهب ~~الشافعى وأصحابه فى الكلام ليس هو الأشعرى وعامة العقلاء يقولون إن فساد ~~هذا القول معلوم بالاضطرار فانا نعلم أن التوراة إذا عربت لم تكن هى القرآن ~~ونعلم أن آية الكرسى ليست هى معنى آية الدين # والله تعالى قد فرق فى كتابه ين تكليمه لموسى وإيحائه إلى غيره بقوله ~~تعالى ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) إلى قوله ( ~~وكلم الله موسى تكليما ) وقال تعالى ( وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء ) ففرق بين التكليم ~~الذى حصل لموسى وبين الايحاء المشترك وموسى سمع كلام الله من الله بلا ~~واسطة كما قال تعالى ( فاستمع لما يوحى إننى أنا الله لا إله إلا أنا ) # والرسول إذا بلغه إلى الناس وبلغه الناس عنه كان مسموعا سماعا ms0331 مقيدا ~~بواسطة المبلغ كما قال تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ) فهو مسموع مبلغ عنه بواسطة المخلوق بخلاف سماع موسى عليه ~~السلام وان كان العبد يسمع كلام الرسول من المبلغين عنه فليس ذلك كالسماع ~~منه فأمر الله تعالى أعظم PageV12P558 ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها على ان ~~القرآن الذى يقرأه المسلمون كلام الله تعالى ولم يقل أحد منهم أن اصوات ~~العباد ولا مداد المصاحف قديم مع اتفاقهم على ان المثبت بين لوحى المصحف ~~كلام الله وقد قال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ) فالكلام الذى يقرؤه ~~المسلمون كلام الله والأصوات التى يقرؤون بها أصواتهم والله أعلم # PageV12P559 # ( وسئل رحمه الله ( # ما تقول السادة العلماء الجهابذة أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين فيمن ~~يقول الكلام غير المتكلم والقول غير القائل والقرآن والمقروء والقارىء كل ~~واحد منها له معنى بينوا لنا ذلك بيانا شافيا ليصل إلى ذهن الحاذق والبليد ~~أثابكم الله بمنه # فأجاب رضي الله عنه # الحمد لله من قال أن الكلام غير المتكلم والقول غير القائل وأراد انه ~~مباين ومنفصل عنه فهذا خطأ وضلال وهو قول من يقول أن القرآن مخلوق فانهم ~~يزعمون ان الله لا يقوم به صفة من الصفات لا القرآن ولا غيره ويوهمون الناس ~~بقولهم العلم غير العالم والقدرة غير القادر والكلام غير المتكلم ثم يقولون ~~وما كان غير الله فهو مخلوق وهذا تلبيس منهم # فإن لفظ ( الغير ( يراد به ما يجوز مباينته للآخر ومفارقته له وعلى هذا ~~فلا يجوز أن يقال علم الله غيره ولا يقال ان الواحد PageV12P560 من العشرة ~~غيرها وأمثال ذلك وقد يراد بلفظ ( الغير ( ما ليس هو الآخر وعلى هذا فتكون ~~الصفة غير الموصوف لكن على هذا المعنى لا يكون ما هو غير ذات الله الموصوفة ~~بصفاته مخلوقا لأن صفاته ليست هى الذات لكن قائمة بالذات والله سبحانه ~~وتعالى هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله وليس الاسم اسما لذات لا ~~صفات لها بل يمتنع وجود ذات لا صفات لها # والصواب فى مثل هذا ms0332 أن يقال الكلام صفة المتكلم والقول صفة القائل وكلام ~~الله ليس باينا منه بل أسمعه لجبريل ونزل به على محمد كما قال تعالى ( ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) ولا يجوز أن يقال ان ~~كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره بل يقال كما قال السلف انه كلام الله ~~غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود فقولهم ( منه بدأ ( رد على من قال أنه مخلوق ~~فى بعض الأجسام ومن ذلك المخلوق ابتدأ فبينوا ان الله هو المتكلم به ( منه ~~بدأ ( لا من بعض المخلوقات ( وإليه يعود ( أى فلا يبقى فى الصدور منه آية ~~ولا فى المصاحف حرف وأما القرآن فهو كلام الله # فمن قال ان القرآن الذى هو كلام الله غير الله فخطؤه وتلبيسه كخطأ من قال ~~ان الكلام غير المتكلم وكذلك من قال ان كلام PageV12P561 الله له مقروء غير ~~القرآن الذى تكلم به فخطؤه ظاهر وكذلك من قال ان القرآن الذى يقرؤه ~~المسلمون غير المقروء الذى يقرؤه المسلمون فقد اخطأ # وإن أراد ب ( القرآن ( مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا وقال أردات أن القراءة ~~غير المقروء فلفظ القراءة مجمل قد يراد بالقراءة القرآن وقد يراد بالقراءة ~~المصدر فمن جعل ( القراءة ( التى هى المصدر غير المقروء كما يجعل التكلم ~~الذى هو فعله غير الكلام الذى هو يقوله وأراد بالغير أنه ليس هو إياه فقد ~~صدق فان الكلام الذى يتكلم به الانسان يتضمن فعلا كالحركة ويتضمن ما يقترن ~~بالفعل من الحروف والمعانى ولهذا يجعل القول قسيما للفعل تارة وقسما منه ~~أخرى # فالأول كما يقول الايمان قول وعمل ومنه قوله ( ان الله تجاوز لامتى ما ~~حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به ( ومنه قوله تعالى ( إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ومنه قوله تعالى ( وما تكون فى شأن وما ~~تتلو منه من قرآن ولا تعلمون من عمل ) وأمثال ذلك مما يفرق بين القول ~~والعمل وأما دخول القول فى العمل ففى مثل قوله تعالى ( فوربك لنسألنهم ~~أجمعين عما كانوا ms0333 يعملون ( وقد فسروه بقول لا إله إلا الله ولما ~~PageV12P562 سئل أى الأعمال أفضل قال ( الايمان بالله ( مع قوله ( الايمان ~~بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ~~( ونظائر ذلك متعددة # وقد تنوزع فيمن حلف لا يعمل عملا إذا قال قولا كالقراءة ونحوها هل يحنث ~~على قولين فى مذهب أحمد وغيره بناء على هذا # فهذه الألفاظ التى فيها اجمال واشتباه إذا فصلت معانيها والا وقع فيها ~~نزاع واضطراب والله سبحانه وتعالى أعلم # PageV12P563 # ( وسئل ( # هل نفس المصحف هو نفس القرآن أم كتابته وما فى الصدور القراء هل هو نفس ~~القرآن أو حفظه # فأجاب الواجب ان يطلق ما أطلقه الكتاب والسنة كقوله تعالى ( بل هو قرآن ~~مجيد فى لوح محفوظ ) وقوله ( أنه لقرآن كريم فى كتاب مكنون لا يسمه إلا ~~المطهرون ) وقوله ( والطور وكتاب مسطور فى رق منشور ) وقوله ( يتلو صحفا ~~مطهرة فيها كتب قيمة ) وقوله تعالى ( كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره فى صحف ~~مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدى سفرة كرام بررة ) وكذلك قول النبى ( لا يسافر ~~بالقرآن إلى أرض العدو ( وقوله ( استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور ~~الرجال من النعم فى عقلها ( وكلاهما فى الصحيحين وقوله ( الجوف الذى ليس ~~فيه شىء من القرآن كالبيت الخرب ( قال الترمذى حديث صحيح PageV12P564 فمن ~~قال القرآن فى المصاحف والصدور فقد صدق ومن قال فيها حفظه وكتابته فقد صدق ~~ومن قال القرآن مكتوب فى المصاحف محفوظ فى الصدور فقد صدق ومن قال ان ~~المداد أو الورق أو صفة العبد أو فعله أو حفظه وصوته قديم أو غير مخلوق فهو ~~مخطىء ضال ومن قال إنما فى المصحف ليس هو كلام الله أو ما فى صدور القراء ~~ليس هو كلام الله أو قال إن القرآن العزيز لم يتكلم به الله ولكن هو مخلوق ~~أو صنفه جبريل أو محمد وقال إن القرآن فى المصاحف كما أن محمدا فى التوراة ~~والانجيل فهو أيضا مخطىء ضال فان القرآن كلام والكلام نفسه يكتب فى المصحف # بخلاف ms0334 الأعيان فانه إنما يكتب اسمها وذكرها فالرسول مكتوب فى التوراة ~~والإنجيل ذكره ونعته كما أن القرآن فى زبر الأولين وكما أن أعمالنا فى ~~الزبر قال تعالى ( وانه لفى زبر الأولين ) وقال تعالى ( وكل شىء فعلوه فى ~~الزبر ) ومحمد مكتوب فى التوراة والإنجيل كما أن القرآن فى تلك الكتب وكما ~~ان أعمالنا فى الكتب وأما القرآن فهو نفسه مكتوب فى المصاحف ليس المكتوب ~~ذكره والخبر عنه كما يكتب إسم الله فى الورق ومن لم يفرق بين كتابة الأسماء ~~والكلام وكتابة المسميات والأعيان كما جرى لطائفة من الناس فقد غلط غلطا ~~سوى فيه بين الحقائق المختلفة كما قد PageV12P565 يجعل مثل هؤلاء الحقائق ~~المختلفة شيئا واحدا كما قد جعلوا جميع أنواع الكلام معنى واحدا # وكلام المتكلم يسمع تارة منه وتارة من المبلغ فالنبى لما قال ( إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه ( فهذا الكلام قاله رسول الله بلفظه ومعناه فلفظه ~~لفظ الرسول ومعناه معنى الرسول فإذا بلغه المبلغ عنه بلغ كلام الرسول بلفظه ~~ومعناه ولكن صوت الصحابي المبلغ ليس هو صوت رسول الله PageV12P566 فالقرآن ~~كلام الله لفظه ومعناه سمعه منه جبريل وبلغه عن الله إلى محمد ومحمد سمعه ~~من جبريل وبلغه إلى أمته فهو كلام الله حيث سمع وكتب وقرىء كما قال تعالى ( ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) ~~وكلام الله تكلم الله به بنفسه تكلم به باختياره وقدرته ليس مخلوقا بائنا ~~عنه بل هو قائم بذاته مع أنه تكلم به بقدرته ومشيئته ليس قائما بدون قدرته ~~ومشيئته والسلف قالوا لم يزل الله تعالى متكلما إذا شاء فإذا قيل كلام الله ~~قديم بمعنى أنه لم يصر متكلما بعد أن لم يكن متكلما ولا كلامه مخلوق ولا ~~معنى واحد قديم قائم بذاته بل لم يزل متكلما إذا شاء فهذا كلام صحيح # ولم ms0335 يقل أحد من السلف إن نفس الكلام المعين قديما وكانوا يقولون القرآن ~~كلام الله منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود ولم يقل أحد منهم إن القرآن ~~قديم ولا قالوا أن كلامه معنى واحد قائم بذاته ولا قالوا ان حروف القرآن أو ~~حروفه وأصواته قديمة أزلية قائمة بذات الله وإن كان جنس الحروف لم يزل الله ~~متكلما بها إذا شاء بل قالوا ان حروف القرآن غير مخلوقة وأنكروا على من قال ~~ان الله خلق الحروف # وكان أحمد وغيره من السلف ينكرون على من يقول لفظى بالقرآن مخلوق أو غير ~~مخلوق يقولون من قال هو مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع فان ( ~~اللفظ ( يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا ويراد باللفظ الملفوظ به وهو نفس ~~الحروف المنطوقة وأما أصوات العباد ومداد المصاحف فلم يتوقف أحد من السلف ~~فى ان ذلك مخلوق وقد نص أحمد وغيره على ان صوت القارىء صوت العبد وكذلك غير ~~أحمد من الأئمة وقال أحمد PageV12P567 من قال لفظى بالقرآن مخلوق يريد به ~~القرآن فهو جهمى فالانسان وجميع صفاته مخلوق حركاته وأفعاله وأصواته مخلوقة ~~وجميع صفاته مخلوقة فمن قال عن شىء من صفات العبد انها غير مخلوقة أو قديمة ~~فهو مخطىء ضال ومن قال عن شىء من كلام الله أو صفاته إنه مخلوق فهو مخطىء ~~ضال # وأما أصوات العباد بالقرآن والمداد الذى فى المصحف فلم يكن أحد من السلف ~~يتوقف فى ذلك بل كلهم متفقون ان أصوات العباد مخلوقة والمداد كله مخلوق ~~وكلام الله الذى يكتب بالمداد غير مخلوق قال الله تعالى ( قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) # وهذه المسائل قد بسط الكلام عليها وذكر أقوال الناس واضطرابهم فيها فى ~~مواضع أخر # PageV12P568 # ( وقال قدس الله روحه ( فصل ( # والقرآن الذى بين لوحى المصحف متواتر فان هذه المصاحف المكتوبة اتفق ~~عليها الصحابة ونقلوها قرآنا عن النبى وهى متواترة من عهد الصحابة نعلم ~~علما ضروريا انها ما ms0336 غيرت والقراءة المعروفة عن السلف الموافقة للمصحف تجوز ~~القراءة بها بلا نزاع بين الأئمة ولا فرق عند الأئمة بين قراءة أبي جعفر ~~ويعقوب وخلف وبين قراءة حمزة والكسائى وأبى عمرو ونعيم ولم يقل أحد من سلف ~~الأمة وأئمتها ان القراءة مختصة بالقراء السبعة # فإن هؤلاء إنما جمع قراءاتهم أبو بكر ابن مجاهد بعد ثلاثمائة سن من ~~الهجرة واتبعه الناس على ذلك وقصد ان ينتخب قراءة سبعة من قراء الأمصار لم ~~يقل هو ولا أحد من الأئمة انما خرج عن هذه السبعة فهو باطل ولا أن قول ~~النبى ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ( أريد به قراءة هؤلاء السبعة ولكن ~~PageV12P569 هذه السبعة اشتهرت فى أمصار لا يعرفون غيرها كأرض المغرب ~~فأولئك لا يقرؤون بغيرها لعدم معرفتهم باشتهار غيرها # فأما من اشتهرت عندهم هذه كما اشتهر غيرها مثل أرض العراق وغيرها فلهم أن ~~يقرأوا بهذا وهذا والقراءة الشاذة مثل ما خرج عن مصحف عثمان كقراءة من قرأ ~~( الحى القيام ) و ( صراط من انعمت عليهم ) و ( إن كانت إلا زقية واحدة ) ( ~~والليل إذا يغشى والنهار إذ تجلى والذكر ولانثى ) وأمثال ذلك # فهذه إذا قرىء بها فى الصلاة ففيها قولان مشهوران للعلماء هما روايتان عن ~~الامام أحمد # ( أحدهما ( تصح الصلاة بها لأن الصحابة الذين قرأوا بها كانوا يقرؤونها ~~فى الصلاة ولا ينكر عليهم ( والثانى ( لا لأنها لم تتواتر إلينا وعلى هذا ~~القول فهل يقال انها كانت قرآنا فنسخ ولم يعرف من قرأ ( الابا ) لناسخ أو ~~لم تنسخ ولكن كانت القراءة بها جائزة لمن ثبتت عنده دون من لم تثبت أو لغير ~~ذلك هذا فيه نزاع مبسوط فى غير هذا الموضع # وأما من قرأ بقراءة أبى جعفر ويعقوب ونحوهما فلا تبطل الصلاة بها باتفاق ~~الأئمة ولكن بعض المتأخرين من المغاربة ذكر فى ذلك كلاما وافقه عليه بعض من ~~لم يعرف أصل هذه المسألة # PageV12P570 # ( وقال شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه ( # وأما ( الحروف ( هل هى مخلوقة أو غير مخلوقة فالخلاف فى ذلك بين الخلف ~~مشهور فاما ms0337 السلف فلم ينقل عن أحد منهم ان حروف القرآن وألفاظه وتلاوته ~~مخلوقة ولا ما يدل على ذلك بل قد ثبت عن غير واحد منهم الرد على من قال إن ~~ألفاظنا بالقرآن مخلوقة قالوا هو جهمى ومنهم من كفره وفى لفظ بعضهم تلاوة ~~القرآن ولفظ بعضهم الحروف # وممن ثبت ذلك عنه أحمد بن حنبل وأبو الوليد الجارودى صاحب الشافعى وإسحاق ~~بن راهويه والحميدى ومحمد بن اسلم الطوسى وهشام بن عمار واحمد بن صالح ~~المصرى ومن أراد الوقوف على نصوص كلامهم فليطالع الكتب المصنفة فى السنة ~~مثل ( الرد على الجهمية ( للامام عبد الرحمن بن ابى حاتم وكتاب ( الشريعة ( ~~للآجرى و ( الابانة ( لابن بطة و ( السنة ( للالكائى و ( السنة ( للطبرانى ~~PageV12P571 وغير ذلك من الكتب الكثيرة ولم ينسب أحد منهم إلى خلاف ذلك إلا ~~بعض أهل الغرض نسب البخارى إلى أنه قال ذلك وقد ثبت عنه بالاسناد المرضى ~~أنه قال من قال عنى أنى قلت لفظى بالقرآن مخلوق فقد كذب وتراجمه فى آخر ~~صحيحه تبين ذلك # وهنا ثلاثة أشياء # ( أحدها ( حروف القرآن التى هى لفظه قبل أن ينزل بها جبريل وبعد ما نزل ~~بها فمن قال إن هذه مخلوقة فقد خالف إجماع السلف فانه لم يكن فى زمانهم من ~~يقول هذا الا الذين قالوا ان القرآن مخلوق فان أولئك قالوا بالخلق للالفاظ ~~الفاظ القرآن وأما ما سوى ذلك فهم لا يقرون بثبوته لا مخلوقا ولا غير مخلوق ~~وقد اعترف غير واحد من فحول أهل الكلام بهذا منهم عبد الكريم الشهرستانى مع ~~خبرته بالملل والنحل فانه ذكر أن السلف مطلقا ذهبوا إلى أن حروف القرآن غير ~~مخلوقة وقال ظهور القول بحدوث القرآن محدث وقرر مذهب السلف فى كتابه المسمى ~~ب ( نهاية الكلام ( # ( الثانى ( أفعال العباد وهى حركاتهم التى تظهر عليها التلاوة فلا خلاف ~~بين السلف ان أفعال العباد مخلوقة ولهذا قيل إنه بدع PageV12P572 اكثرهم من ~~قال لفظى بالقرآن مخلوق لأن ذلك قد يدخل فيه فعله # ( الثالث ( التلاوة الظاهرة من العبد عقيب حركة الآية فهذه منهم ms0338 من يصفها ~~بالخلق وأول من قال ذلك فيما بلغنا حسين الكرابيسى وتلميذه داود الاصبهانى ~~وطائفة فأنكر ذلك عليهم علماء السنة فى ذلك الوقت وقالوا فيهم كلاما غليظا ~~وجمهورهم وهم اللفظية عند السلف الذين يقولون لفظنا بالقرآن مخلوق أو ~~القرآن بالفاظنا مخلوق ونحو ذلك # وعارضهم طائفة من أهل الحديث والسنة كثيرون فقالوا لفظنا بالقرآن غير ~~مخلوق والذى استقرت عليه نصوص الامام أحمد وطبقته من أهل العلم أن من قال ~~لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع هذا هو الصواب ~~عند جماهير أهل السنة أن لا يطلق واحد منهما كما عليه الامام أحمد وجمهور ~~السلف لأن كل واحد من الاطلاقين يقتضى ايهاما لخطأ فان أصوات العباد محدثة ~~بلا شك وان كان بعض من نصر السنة ينفى الخلق عن الصوت المسموع من العبد ~~بالقرآن وهو مقدار ما يكون من القرآن المبلغ # فإن جمهور أهل السنة انكروا ذلك وعابوه جريا على منهاج أحمد PageV12P573 ~~وغيره من أئمة الهدى وقال النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ) # وأما التلاوة فى نفسها التى هى حروف القرآن والفاظه فهى غير مخلوقة ~~والعبد انما يقرأ كلام الله بصوته كما أنه اذا قال قال النبى ( انما ~~الاعمال بالنيات ) فهذا الكلام لفظه ومعناه انما هو كلام رسول الله وهو قد ~~بلغه بحركته وصوته كذلك القرآن لفظه ومعناه كلام الله تعالى ليس للمخلوق ~~فيه الا تبليغه وتأديته وصوته وما يخفى على لبيب الفرق بين التلاوة فى ~~نفسها قبل أن يتكلم بها الخلق وبعد أن يتكلموا بها وبين ما للعبد فى تلاوة ~~القرآن من عمل وكسب وانما غلط بعض الموافقين والمخالفين فجعلوا البابين ~~بابا واحدا وأرادوا أن يستدلوا على نفس حدوث حروف القرآن بما دل على حدوث ~~أفعال العباد وما تولد عنها وهذا من أقبح الغلط وليس فى الحجج العقلية ولا ~~السمعية ما يدل على حدوث نفس حروف القرآن الا من جنس ما يحتج به على حدوث ~~معانيه والجواب عن الحجج مثل الجواب عن هذه لمن استهدى الله فهداه # وأما ما ذكره ms0339 من آيات الصفات وأحاديثها فمذهب سلف الأمة من الصحابة ~~والتابعين وسائر الائمة المتبوعين الاقرار والامرار قال PageV12P574 ابو ~~سليمان الخطابى وابو بكر الخطيب مذهب السلف فى آيات الصفات وأحاديث الصفات ~~اجراؤها على ظاهرها مع نفى الكيفية والنشبيه عنها وقالا فى ذلك ان الكلام ~~فى الصفات فرع على الكلام فى الذات يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله فاذا ~~كان اثبات ذاته اثبات وجود لا اثبات كيفية فكذلك اثبات صفاته اثبات وجود لا ~~اثبات كيفية فلا نقول ان معنى اليد القدرة ولا ان معنى السمع العلم هذا ~~كلامها # وقال بعضهم اذا قال لك الجهمى كيف ينزل إلى سماء الدنيا فقل له كيف هو فى ~~نفسه فان قال نحن لا نعلم كيفية ذاته فقل ونحن لا نعلم كيفية صفاته وكيف ~~نعلم كيفية صفة ولا نعلم كيفية موصوفها # ومن فهم من صفات الله تعالى ما هو مستلزم للحدوث مجانس لصفات المخلوقين ~~ثم أراد أن ينفى ذلك عن الله فقد شبه وعطل بل الواجب أن لا يوصف الله الا ~~بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا نتجاوز القرآن والحديث وان نعلم مع ~~ذلك ان الله تعالى ليس كمثله شىء لا فى نفسه ولا فى أوصافه ولا فى أفعاله ~~وان الخلق لا تطيق عقولهم كنه معرفته ولا تقدر ألسنتهم على بلوغ صفته ( ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ) ~~وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم # PageV12P575 ( وسئل رحمه الله ( # عمن يقول إن الشكل والنقط من كلام الله تبارك وتعالى وهل ذلك حق أم باطل ~~وما الحكم فى الأحرف هل هى كلام الله أم لا بينوا لنا ذلك مثابين مأجورين # فأجاب الحمد لله رب العالمين المصاحف التى كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفا ~~ولم ينقطوها فانهم كانوا عربا لا يلحنون ثم بعد ذلك فى أواخر عصر الصحابة ~~لما نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف ويشكلونها وذلك جائز عند أكثر العلماء ~~وهو إحدى الروايتين عن أحمد وكرهه بعضهم والصحيح انه لا يكره ms0340 لأن الحاجة ~~داعية إلى ذلك ولا نزاع بين العلماء أن ( حكم ( الشكل والنقط حكم الحروف ~~المكتوبة فان النقط تميز بين الحروف والشكل يبين الاعراب لأنه كلام من تمام ~~الكلام ويروى عن أبى بكر وعمر أنهما قالا ( إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ ~~بعض حروفه ( فإذا قرأ القارىء ( الحمد لله رب العالمين ( كانت الضمة ~~والفتحة والكسرة من تمام لفظ القرآن # وإذا كان كذلك فالمداد الذى يكتب به الشكل والنقط كالمداد الذى ~~PageV12P576 يكتب به الحروف والمداد كله مخلوق ليس منه شىءغير مخلوق والصوت ~~الذى يقرأ به الناس القرآن هو صوت العباد لكن الكلام كلام الله تعالى قال ~~تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( وقال ~~النبى ( زينوا القرآن بأصواتكم ( فالكلام كلام البارى والصوت صوت القارىء ~~وهذا ليس هو الصوت الذى ينادى الله به عباده ويسمعه موسى وغيره كما دل على ~~ذلك الكتاب والسنة # وكلام الله غير مخلوق عند سلف الأمة وأئمتها وهو أيضا يتكلم بمشيئته ~~وقدرته عندهم لم يزل متكلما إذا شاء فهو قديم النوع وأما نفس ( النداء ( ~~الذى نادى به موسى ونحو ذلك فحينئذ ناداه به كما قال تعالى ( فلما أتاها ~~نودى يا موسى ( وكذلك نظائره فكان السلف يفرقون بين نوع الكلام وبين الكلمة ~~المعينة قال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل ان ~~تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا ) وكلام الله وما يدخل فى كلامه من ~~ندائه وغير ذلك ليس بمخلوق بائن منه بل هو منه والقرآن سمعه جبرئيل من الله ~~ونزل به إلى محمد قال تعالى ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ) وقال تعالى ~~( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ( وقال تعالى ( ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ونحو ذلك PageV12P577 والنبى بلغه إلى ~~الأمة والمسلمون يسمعه بعضهم من بعض وليس ذلك كسماع موسى كلام الله فانه ~~سمعه بلا واسطة والذى يقرؤه المسلمون ويكتبونه فى مصاحفهم هو كلام الله لا ~~كلام غيره وهم يقرؤونه بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم ms0341 فى ورقهم وأفعالهم ~~وأصواتهم ومدادهم مخلوق # والقرآن الذى يقرؤونه ويكتبونه هو كلام الله تعالى غير مخلوق سواء قرؤوه ~~قراءة يثابون عليها أو لا يثابون عليها وسواء كتبوه مشكولا منقوطا أو كتبوه ~~غير مشكول ولا منقوط فان ذلك لا يخرجه عن أن يكون المكتوب هو القرآن وهو ~~كلام الله الذى أنزله على محمد وما بين اللوحين كلام الله سواء كان مشكولا ~~منقوطا أو كان غير مشكول ولا منقوط وكلام الله منزل غير مخلوق وأصوات ~~العباد والمداد مخلوقان والقرآن العربى كلام الله تكلم به ليس بضعه كلام ~~الله وبعضه ليس كلام الله وليس لجبريل ولا لمحمد منه إلا التبليغ لم يحدث ~~واحد منهما شيئا من حروفه بل الجميع كلام الله تبارك وتعالى # وهذه ( المسائل ( مبسوطة فى غير هذا الجواب ولكن هذا قدر ما وسعته هذه ~~الورقة والله أعلم # PageV12P578 # ( وقال شيخ الاسلام رحمه الله ( فصل ( الكلام فى ( القرآن ( و ( الكلام ( ~~هل هو حرف وصوت أم ليس بحرف وصوت محدث حدث فى حدود المائة الثالثة وانتشر ~~فى المائة الرابعة فان أبا سعيد بن كلاب ثم أبا الحسن الاشعرى ونحوهما لما ~~ناظروا المعتزلة فى إثبات الصفات وأن القرآن ليس بمخلوق ورأوا أن ذلك لا ~~يتم إلا إذا كان القرآن قديما وأنه لا يمكن أن يكون قديما إلا ان يكون معنى ~~قائما بنفس الله كعلمه وزادوا أن الله لا يتكلم بصوت ولا لغة لا قديم ولا ~~غير قديم لما رأوه من امتناع قيام أمر حادث به وخالفوا فى ذلك جمهور ~~المسلمين من أهل الحديث والفقه والكلام والتصوف وإن تنوعت مآخذهم فان ~~الآثار شاهدة بأن الله يتكلم بصوت # ولهذا جهم الامام أحمد وغيره من أنكر ذلك قال عبد الله بن أحمد قلت لأبى ~~ان أقواما يقولون إن الله لا يتكلم بصوت PageV12P579 فقال هؤلاء جهمية إنما ~~يدورون على التعطيل وذكر حديث ابن مسعود وكذلك رواه غير واحد عن أحمد وكذلك ~~البخارى ترجم فى صحيحه بابا فى قوله ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) بين فيه ~~الحجة على أن الله ms0342 يتكلم بصوت وكذلك المصنفون فى السنة من أئمة الحديث وهم ~~كثير وكذلك أئمة الصوفية كالحارث المحاسبى وأبى الحسن بن سالم وغيرهما ~~وكذلك الفقهاء من جميع الطوائف المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية ~~المصنفون فى أصول الفقه يقررون أن الأمر والنهى والخبر والعموم له صيغ ~~موضوعة فى اللغة تدل بمجردها على أنها أمر ونهى وخبر وعموم ويذكرون خلاف ~~الأشعرية فى أن الأمر لا صيغة له # ثم المثبتون للصوت منهم المعتزلة الذين يقولون القرآن مخلوق يقولون كلامه ~~صوت قائم بغيره ومنهم الكرامية وطوائف من أهل الحديث من الحنبلية وغيرهم ~~يقولون يتكلم بصوت قائم به لكن ليس الصوت بقديم # ومنهم طائفة من متكلمة أهل السنة من الحنبلية وغيرهم يقولون يتكلم بصوت ~~قديم قائم به # ومنهم طائفة من الفقهاء من الحنفية وغيرهم يقولون يخاطب PageV12P580 بصوت ~~قائم بغيره والمعنى قديم قائم به # فلما أظهرت الأشعرية كالقاضى أبى بكر بن الباقلانى وغيره فى أواخر المائة ~~الرابعة ان الكلام ليس بحرف ولا صوت ولا لغة وقد تبعهم قوم من الفقهاء من ~~أصحاب مالك والشافعى وأبى حنيفة وقليل من أصحاب أحمد رأى أهل الحديث وجمهور ~~أهل السنة من الفقهاء وأهل الحديث ما فى ذلك من البدعة فأظهروا خلاف ذلك ~~وأطلق من أطلق منهم أن كلام الله حرف وصوت # PageV12P581 ( سئل رحمه الله ( عن رجلين تباحثا فقال أحدهما القرآن حرف ~~وصوت وقال الآخر ليس هو بحرف و لا صوت وقال أحدهما النقط التى فى المصحف ~~والشكل من القرآن وقال الآخر ليس ذلك من القرآن فما الصواب فى ذلك # فأجاب رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين هذه ( المسألة ( يتنازع فيها ~~كثير من الناس ويخلطون فيها الحق بالباطل فالذى قال ان القرآن حرف وصوت إن ~~أراد بذلك ان هذا القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله الذى نزل به ~~الروح الأمين على محمد خاتم النبيين والمرسلين وان جبريل سمعه من الله ~~والنبى سمعه من جبريل والمسلمون سمعوه من النبى كما قال تعالى ( قل نزله ~~روح القدس من ربك بالحق ) وقال ( والذين آتيناهم الكتاب ms0343 يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق ) فقد أصاب فى ذلك فان هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها والدلائل على ~~ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والاجماع PageV12P582 ومن قال إن القرآن العربى ~~لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبريل أو غيره عبر به عن المعنى القائم ~~بذات الله كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعرى ومن وافقهما فهو قول باطل من ~~وجوه كثيرة # فإن هؤلاء يقولون أنه معنى واحد قائم بالذات وان معنى التوراة والإنجيل ~~والقرآن واحد وانه لا يتعدد ولا يتبعض وأنه ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا ~~وبالعبرانية كان توراة وبالسريانية كان انجيلا فيجعلون معنى آية الكرسى ~~وآية الدين و ( قل هو الله أحد ) و ( تبت يدا أبى لهب ) والتوراة والانجيل ~~وغيرهما معنى واحدا وهذا قول فاسد بالعقل والشرع وهو قول أحدثه ابن كلاب لم ~~يسبقه إليه غيره من السلف # وإن أراد القائل بالحرف والصوت أن الاصوات المسموعة من القراء والمداد ~~الذى فى المصاحف قديم أزلى أخطأ وابتدع وقال ما يخالف العقل والشرع فان ~~النبى قال ( زينوا القرآن بأصواتكم ( فبين أن الصوت صوت القارىء والكلام ~~كلام البارىء كما قال تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ) فالقرآن الذى يقرؤه المسلمون كلام الله لا كلام غيره كما ذكر ~~الله ذلك وفى السنن عن جابر بن عبد الله أن النبى كان يعرض نفسه على الناس ~~بالموسم فيقول PageV12P583 ( ألا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ربى فان ~~قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى ( وقالوا لأبى بكرالصديق لما قرأ عليهم ( ~~الم غلبت الروم ) أهذا كلامك أم كلام صاحبك فقال ليس بكلامى ولا كلام صاحبى ~~ولكنه كلام الله تعالى # والناس إذا بلغوا كلام النبى كقوله ( إنما الأعمال بالنيات ( فان الحديث ~~الذى يسمعونه حديث النبى تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه والمحدث بلغه عنه ~~بصوت نفسه لا بصوت النبى فالقرآن أولى أن يكون كلام الله إذا بلغته الرسل ~~عنه وقرأته الناس باصواتهم # والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفس ونادى موسى بصوت نفسه ms0344 كما ~~ثبت بالكتاب والسنة و إجماع السلف وصوت العبد ليس هو صوت الرب ولا مثل صوته ~~فان الله ليس كمثله شىء لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله # وقد نص أئمة الاسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب ~~والسنة من ان الله ينادى بصوت وان القرآن كلامه تكلم به بحرف وصوت ليس منه ~~شىء كلاما لغيره لا جبريل ولا غيره وان العباد يقرؤونه بأصوات أنفسهم ~~وأفعالهم فالصوت المسموع من العبد PageV12P584 صوت القارى والكلام كلام ~~البارىء # وكثير من الخائضين فى هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب بل ~~يجعل هذا هو هذا فينفيهما جميعا أو يثبتهما جميعا فإذا نفى الحرف والصوت ~~نفى أن يكون القرآن العربى كلام الله وأن يكون مناديا لعباده بصوته وأن ~~يكون القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله كما نفى أن يكون صوت العبد ~~صفة لله عز وجل ثم جعل كلام الله المتنوع شيئا واحدا لا فرق بين القديم ~~والحادث هو مصيب فى هذا الفرق دون ذاك الثانى الذى فيه نوع من الالحاد ~~والتعطيل حيث جعل الكلام المتنوع شيئا واحدا لا حقيقة له عند التحقيق # وإذا ثبت جعل صوت الرب هو صوت العبد أو سكت عن التمييز بينهما مع قوله ان ~~الحروف متعاقبة فى الوجود مقترنة فى الذات قديمة أزلية الأعيان فجعل عين ~~صفة الرب تحل فى العبد أو تتحد بصفته فقال بنوع من الحلول والاتحاد يفضى ~~إلى نوع من التعطيل # وقد علم أن عدم الفرق والمباينة بين الخالق وصفاته والمخلوق وصفاته خطأ ~~وضلال لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هم متفقون على التمييز بين ~~صوت الرب وصوت العبد ومتفقون أن الله تكلم بالقرآن الذى أنزله على نبيه ~~حروفه ومعانيه PageV12P585 وأنه ينادى عباده بصوته ومتفقون على ان الأصوات ~~المسموعة من القراء أصوات العباد وعلى أنه ليس شىء من أصوات العباد ولامداد ~~المصاحف قديما بل القرآن مكتوب فى مصاحف المسلمين مقروء بألسنتهم محفوظ ~~بقلوبهم وهو كله كلام ms0345 الله والصحابة كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا ~~نقط لأنهم كانوا عربا لا يلحنون ثم لما حدث اللحن نقط الناس المصاحف ~~وشكلوها فان كتبت بلا شكل ولا نقط جاز وإن كتبت بنقط وشكل جاز ولم يكره فى ~~أظهر قولى العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد # وحكم ( النقط الشكل ( حكم الحروف فان الشكل يبين إعراب القرآن كما يبين ~~النقط الحروف والمداد الذى يكتب به الحروف ويكتب به الشكل والنقط مخلوق ~~وكلام الله العربى الذى أنزله وكتب فى المصاحف بالشكل والنقط وبغير شكل ~~ونقط ليس بمخلوق وحكم الاعراب حكم الحروف لكن الأعراب لا يستقل بنفسه بل هو ~~تابع للحروف المرسومة فلهذا لا يحتاج لتجريدهما وإفرادهما بالكلام بل ~~القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله معانيه وحروفه وإعرابه والله تكلم ~~بالقرآن العربى الذى أنزله على محمد والناس يقرءونه بأفعالهم وأصواتهم ~~والمكتوب فى مصاحف المسلمين هو كلام الله وهو القرآن العربى الذى أنزل على ~~نبيه سواء كتب PageV12P586 بشكل ونقط أو بغير شكل ونقط والمداد الذى كتب به ~~القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق والقرآن الذى كتب فى المصحف بالمداد هو كلام ~~الله منزل غير مخلوق والمصاحف يجب احترامها باتفاق المسلمين لأن كلام الله ~~مكتوب فيها واحترام النقط والشكل إذا كتب المصحف مشكلا منقوطا كاحترام ~~الحروف باتفاق علماء المسلمين كما ان حرمة إعراب القرآن كحرمة حروفه ~~المنقوطة باتفاق المسلمين ولهذا قال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما حفظ إعراب ~~القرآن أحب الينا من حفظ بعض حروفه # والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه فجميعه كلام الله فلا يقال بعضه كلام ~~الله وبعضه ليس كلام الله وهو سبحانه نادى موسى بصوت سمعه موسى فانه قد ~~أخبر انه نادى موسى فى غير موضع من القرآن كما قال تعالى ( هل أتاك حديث ~~موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ) والنداء لا يكون إلا صوتا باتفاق ~~أهل اللغة وقد قال تعالى ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ms0346 ~~ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ( فقد فرق الله بين إيحائه إلى ~~النبيين وبين تكليمه لموسى PageV12P587 فمن قال ان موسى لم يسمع صوتا بل ~~ألهم معناه لم يفرف بين موسى وغيره وقد قال تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم ~~على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ) وقال تعالى ( وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء ) ~~فقد فرق بين الايحاء والتكلم من وراء حجاب كما كلم الله موسى فمن سوى بين ~~هذا وهذا كان ضالا # وقد قال الامام أحمد رضى اله عنه وغيره من الأئمة لم يزل الله متكلما إذا ~~شاء وهو يتكلم بمشيئته وقدرته يتكلم بشىء بعد شىء كما قال تعالى ( فلما ~~أتاها نودى ياموسى ) فناداه حين أتاها ولم يناده قبل ذلك وقال تعالى ( ~~فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ~~ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين ) ~~فهو سبحانه ناداهما حين أكلا منها ولم ينادهما قبل ذلك وكذلك قال تعالى ( ~~ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) بعد أن خلق آدم ~~وصوره ولم يأمرهم قبل ذلك وكذا قوله ( ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكون ) فأخبر انه قال له كن فيكون بعد أن خلقه من ~~تراب ومثل هذا الخبر فى القرآن كثير يخبر انه تكلم فى وقت معين ونادى فى ~~وقت معين وقد PageV12P588 ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه لما خرج إلى الصفا ~~قرأ قوله تعالى ( ان الصفا والمروة من شعائر الله ) وقال ( نبدأ بما بدأ ~~الله به ( فأخبر ان الله بدأ بالصفا قبل المروة # والسلف اتفقوا على ان كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود فظن ~~بعض الناس ان مرادهم انه قديم العين ثم قالت طائفة هو معنى ms0347 واحد هو الأمر ~~بكل مأمور والنهى عن كل منهى والخبر بكل مخبر إن عبر عنه بالعربية كان ~~قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان انجيلا ~~وهذا القول مخالف للشرع والعقل # وقالت طائفة هو حروف وأصوات قديمة الاعيان لازمة لذات الله لم تزل لازمة ~~لذاته وإن الباء والسين والميم موجودة مقترنة بعضها ببعض معا أزلا وأبدا لم ~~تزل ولا تزال لم يسبق منها شىء شيئا وهذا أيضا مخالف للشرع والعقل # وقالت طائفة ان الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وانه فى الأزل كان متكلما ~~بالنداء الذى سمعه موسى وإنما تجدد استماع موسى لا أنه ناداه حين أتى ~~الوادى المقدس بل ناداه قبل ذلك بما لا يتناهى ولكن تلك الساعة سمع النداء ~~وهؤلاء وافقوا الذين قالوا ان القرآن PageV12P589 مخلوق فى أصل قولهم فان ~~أصل قولهم ان الرب لا تقوم به الامور الاختيارية فلا يقوم به كلام ولا فعل ~~باختياره ومشيئته وقالوا هذه حوادث والرب لا تقوم به الحوادث فخالفوا صحيح ~~المنقول وصريح المعقول واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث ~~العالم وأخطأوا فى ذلك فلا للاسلام نصروا ولاللفلاسفة كسروا وادعوا ان الرب ~~لم يكن قادرا فى الازل على كلام يتكلم به ولا فعل يفعله وانه صار قادرا بعد ~~ان لم يكن قادرا بغير أمر حدث أو يغيرون العبارة فيقولون لم يزل قادرا لكن ~~يقولون ان المقدور كان ممتنعا وإن الفعل صار ممكنا له بعد أن صار ممتنعا ~~عليه من غير تجدد شىء # وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا كان قادرا فى الأزل على ما يمكن فيما لا ~~يزال لا على مالا يمكن فى الأزل فيجمعون بين النقيضين حيث يثبتونه قادرا فى ~~حال كون المقدور عليه ممتنعا عندهم ولم يفرقوا بين نوع الكلام والفعل وبين ~~عينه كما لم يفرق الفلاسفة بين هذا وهذا بل الفلاسفة ادعوا ان مفعوله ~~المعين قديم بقدمه فضلوا فى ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول فإن ~~الادلة لا تدل على قدم شىء بعينه من ms0348 العالم بل تدل على ان ما سوى الله ~~مخلوق حادث بعد ان لم يكن إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته كما تدل على ذلك ~~الدلائل PageV12P590 القطعية والفاعل بمشيئته لا يكون شىء من مفعوله لازما ~~لذاته بصريح العقل وإتفاق عامة العقلاء بل وكل فاعل لا يكون شىء من مفعوله ~~لازما لذاته ولا يتصور مقارنة مفعوله المعين له ولو قدر أنه فاعل بغير ~~ارادة فكيف بالفاعل بالارادة # وما يذكر بأن المعلول يقارن علته انما يصح فيما كان من العلل يجرى مجرى ~~الشروط فان الشرط لا يجب ان يتقدم على المشروط بل قد يقارنه كما تقارن ~~الحياة العلم وأما ما كان فاعلا سواء سمى علة أو لم يسم علة فلا بد ان ~~يتقدم على الفعل المعين والفعل المعين لا يجوز ان يقارنه شىء من مفعولاته ~~ولا يعرف العقلاء فاعلا قط يلزمه مفعول معين وقول القائل حركت يدى فتحرك ~~الخاتم هو من باب الشرط لا من باب الفاعل ولأنه لو كان العالم قديما لكان ~~فاعله موجبا بذاته فى الأزل ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه ولو كان كذلك لم ~~يحدث شىء من الحوادث وهذا خلاف المشاهدة # وإن كان هو سبحانه لم يزل قادرا على الكلام والفعل بل لم يزل متكلما إذ ~~شاء فاعلا لما يشاء ولم يزل موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال ~~ولاكرام والعالم فيه من الاحكام والاتقان ما دل على علم الرب وفيه من ~~الاختصاص مادل على مشيئته وفيه من الإحسان ما دل عل رحمته وفيه من العواقب ~~الحميدة ما دل على حكمته وفيه PageV12P591 من الحوادث ما دل على قدرة الرب ~~تعالى مع ان الرب مستحق لصفات الكمال لذات فإنه مستحق لكل كمال ممكن الوجود ~~لا نقص فيه منزه عن كل نقص وهو سبحانه ليس له كفؤ فى شىء من أموره فهو ~~موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل منزه فيها عن التشبيه والتمثيل ومنزه ~~عن النقائص مطلقا فان وصفه بها من أعظم الاباطيل وكماله من لوازم ذاته ~~المقدسة لا يستفيده من غيره بل هو ms0349 المنعم عل خلقه بالخلق والإنشاء وما جعله ~~فيهم من صفات الأحياء وخالق صفات الكمال أحق بها ولا كفؤ له فيها # وأصل اضطراب الناس فى ( مسألة كلام الله ( ان الجهمية والمعتزلة لما ~~ناظرت الفلاسفة فى ( مسألة حدوث العالم ( اعتقدوا أن ما يقوم به من الصفات ~~والأفعال المتعاقبة لا يكون إلا حادثا بناء على أن مالا يتناهى لا يمكن ~~وجوده والتزموا ان الرب كان فى الأزل غير قادر على الفعل والكلام بل كان ~~ذلك ممتنعا عليه وكان معطلا عن ذلك وقد يعبرون عن ذلك بانه كان قادرا فى ~~الأزل على الفعل فيما لا يزال مع إمتناع الفعل عليه فى الأزل فيجمعون بين ~~النقيضين حيث يصفونه بالقدرة فى حال امتناع المقدور لذاته إذ كان الفعل ~~يستلزم أن يكون له أول والأزل لا أول له والجمع بين اثبات الأولية ونفيها ~~جمع بين النقيضين PageV12P592 # ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية والحدوث وهو الفعل المعين ~~والمفعول المعين وبين ما لا يستلزم ذلك وهو نوع الفعل والكلام بل هذا يكون ~~دائما وإن كان كل من آحاده حادثا كما يكون دائما فى المستقبل وإن كان كل من ~~آحاده فانيا بخلاف خالق يلزمه مخلوقة المعين دائما فان هذا هو الباطل فى ~~صريح العقل وصحيح النقل ولهذا اتفقت فطر العقلاء على إنكار ذلك لم ينازع في ~~إلا شرذمة من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين زعموا أن الممكن المفعول ~~قد يكون قديما واجب الوجود بغيره فخالفوا فى ذلك جماهير العقلاء مع ~~مخالفتهم لسلفهم أرسطو وأتباعه فانهم لم يكونوا يقولون ذلك وإن قالوا بقدم ~~الأفلاك وأرسطو أول من قال بقدمها من الفلاسفة المشائين بناء على إثبات علة ~~غائية لحركة الفلك يتحرك الفلك للتشبه بها لم يثبتوا له فاعلا مبدعا ولم ~~يثبتوا ممكنا قديما واجبا بغيره وهم وإن كانوا أجهل بالله واكفر من ~~متأخريهم فهم يسلمون لجمهور العقلاء ان ما كان ممكنا بذاته فلا يكون إلا ~~محدثا مسبوقا بالعدم فاحتاجوا أن يقولوا كلامه مخلوق منفصل عنه # وطائفة وافقتهم على إمتناع وجود ms0350 ما لا نهاية له لكن قالوا تقوم به الأمور ~~الإختيارية فقالوا انه فى الأزل لم يكن متكلما بل ولا كان الكلام مقدورا له ~~ثم صار متكلما بلا حدوث حادث بكلام يقوم به وهو قول الهاشمية والكرامية ~~وغيرهم PageV12P593 وطائفة قالت إذا كان القرآن غير مخلوق فلا يكون الا ~~قديم العين لازما لذات الرب فلا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم منهم من قال هو ~~معنى واحد قديم فجعل آية الكرسى وآية الدين وسائر آيات القرآن والتوراة ~~والإنجيل وكل كلام يتكلم الله به معنى واحدا لا يتعدد ولا يتبعض ومنهم من ~~قال انه حروف وأصوات مقترنة لازمة للذات # وهؤلاء أيضا وافقوا الجهمية والمعتزلة فى أصل قولهم انه متكلم بكلام لا ~~يقوم بنفسه ومشيئته وقدرته وأنه لا تقوم به الأمور الإختيارية وأنه لم يستو ~~على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض ولا يأتى يوم القيامة ولم يناد موسى ~~حين ناداه ولا تغضه المعاصى ولا ترضيه الطاعات ولا تفرحه توبة التائبين ~~وقالوا فى قوله ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( ونحو ذلك ~~إنه لا يراها إذا وجدت بل إما أنه لم يزل رائيا لها وإما أنه لم يتجدد شىء ~~موجود بل تعلق معدوم إلى أمثال هذه المقالات التى خالفوا فيها نصوص الكتاب ~~والسنة مع مخالفة صريح العقل # والذى الجأهم لذلك موافقتهم للجهمية على أصل قولهم فى أنه سبحانه لا يقدر ~~فى الأزل على الفعل والكلام وخالفوا السلف والأئمة فى قولم لم يزل الله ~~متكلما إذا شاء ثم افترقوا أحزابا أربعة كما تقدم الخلقية والحدوثية ~~والإتحادية والاقترانية PageV12P594 # وشر من هؤلاء الصائبة والفلاسفة الذين يقولون إن الله لم يتكلم لا بكلام ~~قائم بذاته ولا بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته ولا قديم النوع ولا قديم ~~العين ولا حادث ولا مخلوق بل كلامه عندهم ما يفيض على نفوس الأنبياء ~~ويقولون إنه كلم موسى من سماء عقله وقد يقولون أنه تعالى يعلم الكليات دون ~~الجزئيات فانه إنما يعلمها عى وجه كلي ويقولون مع ذلك انه يعلم نفسه ويعلم ~~ما يفعله ms0351 # وقولهم يعلم نفسه ومفعولاته حق كما قال تعالى ( ألا يعلم من خلق وهو ~~اللطيف الخبير ) ولكن قولهم مع ذلك انه لا يعلم الأعيان المعينة جهل وتناقض ~~فان نفسه المقدسة معينة والافلاك معينة وكل موجود معين فان لم يعلم ~~المعينات لم يعلم شيئا من الموجودات إذ الكليات إنما تكون كليات فى الأذهان ~~لا فى الأعيان فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات تعالى ~~الله عما يقول الظالمون علوا كثيرا # وهم إنما ألجأهم إلى هذا الالحاد فرارهم من تجدد الأحوال للبارى تعالى مع ~~ان هؤلاء يقولون ان الحوادث تقوم بالقديم وان الحوادث لا أول لها لكن نفوا ~~ذلك عن الباري لاعتقادهم انه لا صفة له بل هو وجود مطلق وقالوا ان العلم ~~نفس عين العالم والقدرة نفس عين القادر والعلم والعالم شىء واحد والمريد ~~والارادة PageV12P595 شىء واحد فجعلوا هذه لصفة هى الأخرى وجعلوا الصفات هى ~~الموصوف ومنهم من يقول بل العلم كل المعلوم كما يقوله الطوسي صاحب ( شرح ~~الإشارات ( فانه أنكر على ابن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما يصدر عن نفسه ~~وإبن سينا أقرب إلى الصواب لكنه تناقض مع ذلك حيث نفى قيام الصفات به وجعل ~~الصفة عين الموصوف وكل صفة هي الاخرى # ولهذا كان هؤلاء هم أوغل فى الاتحاد ولالحاد ممن يقول معانى الكلام شىء ~~واحد لكنهم ألزموا قولهم لأولئك فقالوا إذا جاز أن تكون المعانى المتعددة ~~شيئا واحدا جاز أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هى الارادة فاعترف حذاق ~~أولئك بأن هذا الالزام لا جواب عنه # ثم قالوا وإذا جاز أن تكون هذه الصفة هى الأخرى جاز ان تكون الصفة هى ~~الموصوف فجاء ابن عربى وابن سبعين والقونوى ونحوهم من الملاحدة فقلوا إذا ~~جاز أن تكون هذه الصفة هى الأخرى والصفة هى الموصوف جاز أن يكون الموجود ~~الواجب القديم الخالق هو الموجود الممكن المحدث المخلوق فقالوا إن وجود كل ~~مخلوق هو عين وجود الخالق وقالوا الوجود واحد ولم يفرقوا بين الواحد بالنوع ~~والواحد PageV12P596 بالعين كما لم يفرق ms0352 أولئك بين الكلام الواحد بالعين ~~والكلام الواحد بالنوع # وكان منتهى أمر أهل الالحاد فى الكلام إلى هذا التعطيل والكفر والاتحاد ~~الذى قاله أهل الوحدة والحلول والاتحاد فى الخالق والمخلوقات كما ان الذين ~~لم يفرقوا بين نوع الكلام وعينه وقالوا هو يتكلم بحرف وصوت قديم قالوا أولا ~~أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا تسبق الباء السين بل لما نادى موسى فقال ( ~~اننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى ) ( إنى أنا الله رب العالمين ) كانت ~~الهمزة والنون وما بينهما موجودات فى الأزل يقارن بعضها بعضا لم تزل ولا ~~تزال لازمة لذات الله تعالى # ثم قال فريق منهم ان ذلك القديم هو نفس الأصوات المسموعة من القراء وقال ~~بعضهم بل المسموع صوتان قديم ومحدث وقال بعضهم أشكال المداد قديمة أزلية ~~وقال بعضهم محل المداد قديم أزلى وحكى عن بعضهم أنه قال المداد قديم أزلى ~~وأكثرهم يتكلمون بلفظ القديم ولايفهمون معناه بل منهم من يظن ان معناه انه ~~قديم فى علمه ومنهم من يظن ان معناه متقدم على غيره ومنهم من يظن ان معنى ~~اللفظ انه غير مخلوق ومنهم من لا يميز بين ما يقول فصار هؤلاء حلولية ~~اتحادية فى الصفات ومنهم من يقول بالحلول والاتحاد فى PageV12P597 الذات ~~والصفات وكان منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى التعطيل # والصواب فى هذا الباب وغيره مذهب سلف الأمة وأئمتها انه سبحانه لم يزل ~~متكلما إذا شاء وانه يتكلم بمشيئته وقدرته وان كلماته لا نهاية لها وانه ~~نادى موسى بصوت سمعه موسى وإنما ناداه حين أتى لم يناده قبل ذلك وان صوت ~~الرب لا يماثل أصوات العباد كما ان علمه لا يماثل علمهم وقدرته لا تماثل ~~قدرتهم وانه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته ليس فى مخلوقاته شىء من ~~ذاته وصفاته القائمة بذاته ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته وان أقوال أهل ~~التعطيل والاتحاد الذين عطلوا الذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال باطلة ~~وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول فى الذات أو الصفات باطلة وهذه ~~الأمور مبسوطة ms0353 فى غير هذا الموضع وقد بسطناها فى الواجب الكبير والله أعلم ~~بالصواب # PageV12P598 # ( وسئل رحمه الله ( # عن المصحف العتيق إذا تمزق ما يصنع به ومن كتب شيئا من القرآن ثم محاه ~~بماء أو حرقه فهل له حرمة أم لا # فأجاب الحمد لله أما المصحف العتيق والذى تخرق وصار بحيث لا ينتفع به ~~بالقراءة فيه فانه يدفن فى مكان يصان فيه كما أن كرامة بدن المؤمن دفنه فى ~~موضع يصان فيه وإذا كتب شىء من القرآن أو الذكر فى إناء أو لوح ومحى بالماء ~~وغيره وشرب ذلك فلا بأس به نص عليه أحمد وغيره ونقلوا عن بن عباس رضي الله ~~عنهما انه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر ويأمر بأن تسقى لمن به داء وهذا ~~يقتضى أن لذلك بركة # والماء الذى توضأ به النبى هو أيضا ماء مبارك صب منه على جابر وهو مريض ~~وكان الصحابة يتبركون به ومع هذا فكان يتوضأ على التراب وغيره فما بلغنى أن ~~مثل هذا الماء ينهى عن صبه فى التراب ونحوه ولا أعلم فى ذلك نهيا فان أثر ~~الكتابة لم يبق بعد المحو كتابة ولا يحرم على الجنب مسه ومعلوم أنه ليس ~~PageV12P599 له حرمة كحرمته ما دام القرآن والذكر مكتوبان كما أنه لو صيغ ~~فضة أو ذهب أو نحاس على صورة كتابة القرآن والذكر أو نقش حجر على ذلك على ~~تلك الصورة ثم غيرت تلك الصياغة وتغير الحجر لم يجب لتلك المادة من الحرمة ~~ما كان لها حين الكتابة # وقد كان العباس بن عبد المطلب يقول فى ماء زمزم لا أحله لمغتسل ولكن ~~لشارب حل وبل وروى عنه أنه قال لشارب ومتوضىء ولهذا اختلف العلماء هل يكره ~~الغسل والوضوء من ماء زمزم وذكروا في روايتين عن أحمد والشافعى احتج بحديث ~~العباس والمرخص احتج بحديث فيه أن النبى توضأ من ماء زمزم والصحابة توضأوا ~~من الماء الذى نبع من بين أصابعه مع بركته لكن هذا وقت حاجة # والصحيح أن النهى من العباس إنما جاء عن الغسل فقط ms0354 لا عن الوضوء والتفريق ~~بين الغسل والوضوء هو لهذا الوجه فان الغسل يشبه إزالة النجاسة ولهذا يجب ~~أن يغسل فى الجنابة ما يجب أن يغسل من النجاسة وحينئذ فصون هذه المياه ~~المباركة من النجاسات متوجه بخلاف صونها من التراب ونحوه من الطاهرات والله ~~أعلم # PageV12P600 # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه فيما صنفه بقلعة دمشق أخيرا ~~بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ( صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم تسليما ( PageV13P005 ( فصل ( فى الفرقان بين الحق والباطل ( # وان الله بين ذلك بكتابه ونبيه فمن كان أعظم اتباعا لكتابه الذى أنزله ~~ونبيه الذى أرسله كان أعظم فرقانا ومن كان أبعد عن اتباع الكتاب والرسول ~~كان أبعد عن الفرقان واشتبه عليه الحق بالباطل كالذين اشتبه عليهم عبادة ~~الرحمن بعبادة الشيطان والنبى الصادق بالمتنبىء الكاذب وآيات النبيين ~~بشبهات الكذابين حتى إشتبه عليهم الخالق بالمخلوق # فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور ففرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي ~~والصدق والكذب والعلم والجهل والمعروف والمنكر وطريق أولياء الله السعداء ~~وأعداء الله الأشقياء PageV13P006 وبين ما عليه الناس من الاختلاف وكذلك ~~النبيون قبله قال الله تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى ~~الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ وقال ~~سبحانه ms0355 وتعالى @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان @QE@ # قال جماهير المفسرين هو القرآن روى ابن أبى حاتم باسناده عن الربيع بن ~~أنس قال هو الفرقان فرق بين الحق والباطل قال وروى عن عطاء ومجاهد ومقسم ~~وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك وروى باسناده عن شيبان عن قتادة فى قوله ~~@QB@ وأنزل الفرقان @QE@ قال هو القرآن الذي أنزله الله على محمد ففرق به ~~بين الحق والباطل وبين فيه دينه وشرع فيه شرائعه وأحل حلاله وحرم حرامه وحد ~~PageV13P007 حدوده وأمر بطاعته ونهى عن معصيته وعن عباد بن منصور سألت ~~الحسن عن قوله تعالى @QB@ وأنزل الفرقان @QE@ قال هو كتاب بحق # و @QB@ الفرقان @QE@ مصدر فرق فرقانا مثل الرجحان والكفران والخسران ~~وكذلك ( القرآن ( هو فى الأصل مصدر قرأ قرآنا ومنه قوله @QB@ إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ ويسمى الكلام ~~المقروء نفسه ( قرآنا ( وهو كثير كما فى قوله @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم @QE@ كما أن الكلام هو اسم مصدر كلم تكليما وتكلم ~~تكلما ويراد به الكلام نفسه وذلك لأن الانسان اذا تكلم كان كلامه بفعل منه ~~وحركة هى مسمى المصدر وحصل عن الحركة صوت يقطع حروفا هو نفس التكلم فالكلام ~~والقول ونحو ذلك يتناول هذا وهذا ولهذا كان الكلام تارة يجعل نوعا من العمل ~~اذا أريد به المصدر وتارة يجعل قسيما له اذا أريد ما يتكلم به وهو يتناول ~~هذا وهذا وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن لفظ ( الفرقان ( اذا أريد به المصدر كان المراد أنه أنزل ~~الفصل والفرق بين الحق والباطل وهذا منزل فى الكتاب فإن فى الكتاب الفصل ~~وأنزال الفرق هو انزال الفارق وأن أريد بالفرقان ما يفرق فهو الفارق أيضا ~~فهما فى المعنى سواء وأن أريد PageV13P008 بالفرقان نفس المصدر فيكون ~~انزاله كانزال الايمان ms0356 وانزال العدل فإنه جعل فى القلوب التفريق بين الحق ~~والباطل بالقرآن كما جعل فيها الإيمان والعدل وهو سبحانه وتعالى أنزل ~~الكتاب والميزان والميزان قد فسر بالعدل وفسر بأنه ما يوزن به ليعرف العدل ~~وهو كالفرقان يفسر بالفرق ويفسر بما يحصل به الفرق وهما متلازمان فاذا أريد ~~الفرق نفسه فهو نتيجة الكتاب وثمرته ومقتضاه وإذا أريد الفارق فالكتاب نفسه ~~هو الفارق ويكون له اسمان كل اسم يدل على صفة ليست هى الصفة الاخرى سمى ~~كتابا باعتبار أنه مجموع مكتوب تحفظ حروفه ويقرأ ويكتب وسمى فرقانا باعتبار ~~أنه يفرق بين الحق والباطل كما تقدم كما سمى هدى بإعتبار أنه يهدى إلى الحق ~~وشفاء باعتبار أنه يشفى القلوب من مرض الشبهات والشهوات ونحو ذلك من اسمائه # وكذلك أسماء ( الرسول ( كالمقفى والماحى والحاشر وكذلك ( أسماء الله ~~الحسنى ( كالرحمن والرحيم والملك والحكيم ونحو ذلك # والعطف يكون لتغاير الاسماء والصفات وان كان المسمى واحدا كقوله @QB@ سبح ~~اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ وقوله @QB@ هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن @QE@ ونحو ذلك PageV13P009 وهنا ذكر أنه نزل الكتاب ~~فإنه نزله متفرقا وأنه أنزل التوراة والانجيل وذكر أنه أنزل الفرقان وقد ~~أنزل سبحانه وتعالى الايمان فى القلوب وأنزل الميزان والايمان و ( الميزان ~~( مما يحصل به الفرقان ايضا كما يحصل بالقرآن واذا أنزل القرآن حصل به ~~الايمان والفرقان ونظير هذا قوله ^ ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء ~~وذكرا ^ قيل الفرقان هو التوراة وقيل هو الحكم بنصره على فرعون كما فى قوله ~~@QB@ إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان @QE@ # وكذلك قوله @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين @QE@ قيل ( النور ( هو ~~محمد عليه الصلاة والسلام وقيل هو الإسلام # ( # وقوله @QB@ قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا @QE@ قيل ( ~~البرهان ( هو محمد وقيل هو الحجة والدليل وقيل القرآن والحجة والدليل ~~تتناول الآيات التى بعث بها محمد ( ( لكنه هناك جاء بلفظ آتينا وجاءكم وهنا ~~قال @QB@ وأنزل الفرقان @QE@ جاء بلفظ الانزال فلهذا شاع بينهم أن القرآن ~~والبرهان يحصل ms0357 بالعلم والبيان كما حصل بالقرآن ويحصل بالنظر والتمييز بين ~~أهل الحق والباطل بأن ينجى هؤلاء وينصرهم ويعذب هؤلاء فيكون قد فرق بين ~~الطائفتين كما يفرق المفرق بين أولياء الله وأعدائه بالاحسان إلى هؤلاء ~~وعقوبة هؤلاء # PageV13P010 # وهذا كقوله فى القرآن فى قوله ^ إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على ~~عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شىء قدير ^ قال الوالبى ~~عن ابن عباس ( يوم الفرقان ( يوم بدر فرق الله فيه بين الحق والباطل # قال ابن أبى حاتم وروى عن مجاهد ومقسم وعبيدالله بن عبدالله والضحاك ~~وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك وبذلك فسر أكثرهم @QB@ إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا @QE@ كما فى قوله @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا @QE@ أى من ~~كل ما ضاق على الناس قال الوالبى عن ابن عباس فى قوله @QB@ إن تتقوا الله ~~يجعل لكم فرقانا @QE@ أى مخرجا قال ابن أبى حاتم وروى عن مجاهد وعكرمة ~~والضحاك وقتادة والسدى ومقاتل ابن حيان كذلك غير أن مجاهدا قال مخرجا فى ~~الدنيا والآخرة وروى عن الضحاك عن ابن عباس قال نصرا قال وفى آخر قول ابن ~~عباس والسدى نجاة # وعن عروة بن الزبير @QB@ يجعل لكم فرقانا @QE@ أى فصلا بين الحق والباطل ~~يظهر الله به حقكم ويطفىء به باطل من خالفكم وذكر البغوى عن مقاتل بن حيان ~~قال مخرجا فى الدنيا من الشبهات لكن قد يكون هذا تفسيرا لمراد مقاتل بن ~~حيان كما ذكر أبو الفرج بن الجوزى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن ~~PageV13P011 قتيبة أنهم قالوا هو المخرج ثم قال والمعنى يجعل لكم مخرجا فى ~~الدنيا من الضلال وليس مرادهم وانما مرادهم المخرج المذكور فى قوله @QB@ ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا @QE@ والفرقان المذكور فى قوله @QB@ وما أنزلنا ~~على عبدنا يوم الفرقان @QE@ # وقد ذكر عن ابن زيد أنه قال هدى فى قلوبهم يعرفون به الحق من الباطل ~~ونوعا الفرقان فرقان الهدى والبيان والنصر والنجاة هما نوعا ( الظهور ( فى ~~قوله تعالى @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ms0358 ليظهره على الدين كله ~~@QE@ يظهره بالبيان والحجة والبرهان ويظهر باليد والعز والسنان # وكذلك ( السلطان ( فى قوله @QB@ واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا @QE@ فهذا ~~النوع وهو الحجة والعلم كما فى قوله ^ أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم ~~بما كانوا يشركون ^ وقوله @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم إن في صدورهم إلا كبر @QE@ وقوله @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان @QE@ # وقد فسر ( السلطان ( بسلطان القدرة واليد وفسر بالحجة والبيان فمن ~~الفرقان ما نعته الله به فى قوله ^ ورحمتى وسعت كل شىء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى ~~الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة PageV13P012 والانجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم أصرهم والاغلال التى كانت عليهم ^ ففرق بين المعروف والمنكر أمر بهذا ~~ونهى عن هذا وبين الطيب والخبيث أحل هذا وحرم هذا # ومن ( الفرقان ( أنه فرق بين أهل الحق المهتدين المؤمنين المصلحين أهل ~~الحسنات وبين أهل الباطل الكفار الضالين المفسدين أهل السيئات قال تعالى ^ ~~أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ^ وقال تعالى ^ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ^ وقال تعالى ^ ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ^ وقال تعالى ^ مثل الفريقين ~~كالاعمى والاصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون ^ وقال تعالى ~~^ أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل ~~يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولوا الالباب ^ وقال ~~تعالى ^ وما يستوى الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا ~~الحرور وما يستوى الاحياء ولا الأموات ان الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع ~~من فى القبور ان أنت الا نذير انا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ^ وقال ~~PageV13P013 تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله ms0359 في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ وقال تعالى @QB@ أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون @QE@ فهو سبحانه بين الفرق بين اشخاص أهل ~~الطاعة لله والرسول والمعصية لله والرسول كما بين الفرق بين ما أمر به وبين ~~ما نهى عنه # وأعظم من ذلك أنه بين الفرق بين الخالق والمخلوق وان المخلوق لا يجوز أن ~~يسوى بين الخالق والمخلوق فى شىء فيجعل المخلوق ندا للخالق قال تعالى @QB@ ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله @QE@ وقال تعالى ^ هل تعلم له سمعيا ^ @QB@ ولم يكن له كفوا أحد ~~@QE@ ^ ليس كمثله شىء ^ وضرب الأمثال فى القرآن على من لم يفرق بل عدل بربه ~~وسوى بينه وبين خلقه كما قالوا وهم فى النار يصطرخون فيها @QB@ تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ~~والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون @QE@ # فهو سبحانه الخالق العليم الحق الحى الذى لا يموت ومن سواه لا يخلق شيئا ~~كما قال ^ ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا PageV13P014 ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما ~~قدروا الله حق قدره ^ # وهذا مثل ضربه الله فإن الذباب من اصغر الموجودات وكل من يدعى من دون ~~الله لا يخلقون ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه فاذا تبين أنهم لا يخلقون ذبابا ولا يقدرون على انتزاع ما يسلبهم فهم ~~عن خلق غيره وعن مغالبته أعجز وأعجز # و ( المثل ( هو الأصل والنظير المشبه به كما قال ^ ولما ضرب ابن مريم ~~مثلا اذا قومك منه يصدون ^ أى لما جعلوه نظيرا قاسوا عليه آلهتهم وقالوا ~~اذا كان قد عبد وهو لا يعذب فكذلك آلهتنا فضربوه مثلا لآلهتهم وجعلوا يصدون ms0360 ~~أى يضجون ويعجبون منه احتجاجا به على الرسول والفرق بينه وبين آلهتهم ظاهر ~~كما بينه فى قوله تعالى ^ ان الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ~~^ وقال فى فرعون ^ وجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ^ أى مثلا يعتبر به ويقاس ~~عليه غيره فمن عمل بمثل عمله جوزى بجزائه ليتعظ الناس به فلا يعمل بمثل ~~عمله # وقال تعالى ^ ولقد أنزلنا اليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم ^ وهو ما ذكره من أحوال الامم الماضية التى يعتبر PageV13P015 بها ~~ويقاس عليها أحوال الامم المستقبلة كما قال @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب @QE@ فمن كان من أهل الايمان قيس بهم وعلم أن الله يسعده فى ~~الدنيا والآخرة ومن كان من أهل الكفر قيس بهم وعلم أن الله يشقيه فى الدنيا ~~والآخرة كما قال فى حق هؤلاء @QB@ أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في ~~الزبر @QE@ وقد قال @QB@ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين @QE@ وقال فى حق المؤمنين @QB@ وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم @QE@ ~~وقال @QB@ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين @QE@ وقال فى قصة أيوب @QB@ رحمة من عندنا وذكرى ~~للعابدين @QE@ @QB@ رحمة منا وذكرى لأولي الألباب @QE@ وقال @QB@ أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ وقال @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى ~~يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب @QE@ وقال ~~^ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ^ # فلفظ ( المثل ( يراد به النظير الذى يقاس عليه ويعتبر به ويراد ~~PageV13P016 به مجموع القياس قال سبحانه @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال ~~من يحيي العظام وهي رميم @QE@ أى لا أحد يحييها وهى رميم فمثل الخالق ~~بالمخلوق فى هذا ms0361 النفى فجعل هذا مثل هذا لا يقدر على احيائها سواء نظمه فى ~~قياس تمثيل أو قياس شمول كما قد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع وبين ~~أن معنى القياسين قياس الشمول وقياس التمثيل ( واحدا ( والمثل المضروب ~~المذكور فى القرآن فاذا قلت النبيذ مسكر وكل مسكر حرام وأقمت الدليل على ~~المقدمة الكبرى بقوله ( ( كل مسكر حرام ( فهو كقوله ( ( قياسا على الخمر ~~لأن الخمر انما حرمت لأجل الاسكار وهو موجود فى النبيذ فقوله @QB@ ضرب مثل ~~فاستمعوا له @QE@ جعل ما هو من اصغر المخلوقات مثلا ونظيرا يعتبر به فاذا ~~كان أدون خلق الله لا يقدرون على خلقه ولا منازعته فلا يقدرون على خلق ما ~~سواه فيعلم بها من عظمة الخالق وان كلما يعبدون من دون الله فى السماء ~~والأرض لا يقدرون على ما هو أصغر مخلوقاته وقد قيل انهم جعلوا آلهتهم مثلا ~~لله فاستمعوا لذكرها وهذا لأنهم لم يفقهوا المثل الذى ضربه الله جعلوا ~~المشركين هم الذين ضربوا هذا المثل # ومثل هذا فى القرآن قد ضربه الله ليبين أنه لا يقاس المخلوق بالخالق ~~ويجعل له ندا ومثلا كقوله ^ قل من يرزقكم من السماء PageV13P017 والأرض أم ~~من يملك السمع والابصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن ~~يدبر الامر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد ~~الحق الا الضلال فإنى تصرفون كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا ~~يؤمنون قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده فإنى تؤفكون قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق ~~أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدى الا أن يهدى فما لكم كيف ~~تحكمون وما يتبع أكثرهم الا ظنا ان الظن لا يغنى من الحق شيئا ان الله عليم ~~بما يفعلون ^ # ولما قرر الوحدانية قرر النبوة كذلك فقال ^ وما كان هذا القرآن أن يفترى ~~من دون الله ولكن تصديق الذى بين ms0362 يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون ~~الله ان كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ^ ~~وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق وهذا من تكذيبهم اياه ولم يكن المشركون يسوون ~~بين آلهتهم وبين الله فى كل شىء بل كانوا يؤمنون بان الله هو الخالق المالك ~~لهم وهم مخلوقون مملوكون له ولكن كانوا يسوون بينه وبينها فى المحبة ~~والتعظيم والدعاء والعبادة والنذر لها ونحو ذلك مما يخص به الرب ~~PageV13P018 فمن عدل بالله غيره فى شىء من خصائصه سبحانه وتعالى فهو مشرك ~~بخلاف من لا يعدل به ولكن يذنب مع اعترافه بان الله ربه وحده وخضوعه له ~~خوفا من عقوبة الذنب فهذا يفرق بينه وبين من لا يعترف بتحريم ذلك # ( فصل ( # وهو سبحانه وتعالى كما يفرق بين الأمور المختلفة فإنه يجمع ويسوى بين ~~الأمور المتماثلة فيحكم فى الشىء خلقا وأمرا بحكم مثله لا يفرق بين ~~متماثلين ولا يسوى بين شيئين غير متماثلين بل ان كانا مختلفين متضادين لم ~~يسو بينهما ولفظ ( الاختلاف ( فى القرآن يراد به التضاد والتعارض لا يراد ~~به مجرد عدم التماثل كما هو اصطلاح كثير من النظار ومنه قوله @QB@ ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ وقوله @QB@ إنكم لفي قول ~~مختلف يؤفك عنه من أفك @QE@ وقوله @QB@ ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من ~~كفر @QE@ # وقد بين سبحانه وتعالى أن السنة لا تتبدل ولا تتحول فى غير PageV13P019 ~~موضع و ( السنة ( هى العادة التى تتضمن أن يفعل فى الثانى مثل ما فعل ~~بنظيره الاول ولهذا أمر سبحانه وتعالى بالاعتبار وقال @QB@ لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ والاعتبار أن يقرن الشىء بمثله فيعلم أن ~~حكمه مثل حكمه كما قال # ابن عباس هلا اعتبرتم الاصابع بالاسنان فاذا قال @QB@ فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار @QE@ وقال @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ أفاد أن ~~من عمل مثل أعمالهم جوزى مثل جزائهم ليحذر أن يعمل مثل ms0363 أعمال الكفار وليرغب ~~فى أن يعمل مثل أعمال المؤمنين اتباع الانبياء قال تعالى @QB@ قد خلت من ~~قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا @QE@ وهذه الآية أنزلها الله قبل الأحزاب وظهور الاسلام وذل ~~المنافقين فلم يستطيعوا أن يظهروا بعد هذا ما كانوا يظهرونه قبل ذلك قبل ~~بدر وبعدها وقبل أحد وبعدها فاخفوا النفاق وكتموه فلهذا لم PageV13P020 ~~يقتلهم النبى ( # وبهذا يجيب من لم يقتل الزنادقة ويقول اذا أخفوا زندقتهم لم يمكن قتلهم ~~ولكن إذا أظهروها قتلوا بهذه الآية بقوله @QB@ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ~~@QE@ قال قتادة ذكر لنا ان المنافقين كانوا يظهرون ما فى أنفسهم من النفاق ~~فاوعدهم الله بهذه الآية فلما أوعدهم بهذه الآية أسروا ذلك وكتموه @QB@ سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل @QE@ يقول هكذا سنة الله فيهم اذا أظهروا النفاق ~~قال مقاتل بن حيان قوله @QB@ سنة الله في الذين خلوا من قبل @QE@ يعنى كما ~~قتل أهل بدر وأسروا فذلك قوله ( سنة الله فى الذين خلوا من قبل ( # قال السدى كان النفاق على ( ثلاثة أوجه ( # ( نفاق ( مثل نفاق عبدالله بن أبى وعبدالله بن نفيل ومالك بن داعس فكان ~~هؤلاء وجوها من وجوه الأنصار فكانوا يستحيون أن يأتوا الزنا يصونون بذلك ~~أنفسهم @QB@ والذين في قلوبهم مرض @QE@ قال الزناة ان وجدوه عملوا به وان ~~لم يجدوه لم يتبعوه # و ( نفاق ( يكابرون النساء مكابرة وهم هؤلاء الذين يجلسون PageV13P021 ~~على الطريق ثم قال ( ملعونين ( ثم فصلت الآية @QB@ أينما ثقفوا @QE@ يعملون ~~هذا العمل مكابرة ms0364 النساء قال السدى هذا حكم فى القرآن ليس يعمل به لو أن ~~رجلا أو أكثر من ذلك اقتصوا أثر امرأة فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان ~~الحكم فيهم غير الجلد والرجم أن يؤخذوا فتضرب أعناقهم قال السدى قوله ( سنة ~~( كذلك كان يفعل بمن مضى من الأمم قال فمن كابر امرأة على نفسها فقتل فليس ~~على قاتله دية لأنه مكابر # قلت هذا على وجهين ( أحدهما ( أن يقتل دفعا لصوله عنها مثل أن يقهرها ~~فهذا دخل فى قوله ^ من قتل دون حرمته فهو شهيد ^ وهذه لها أن تدفعه بالقتل ~~لكن اذا طاوعت ففيه نزاع وتفصيل وفيه قضيتان عن عمر وعلى معروفتان وأما اذا ~~فجر بها مستكرها ولم تجد من يعينها عليه فهؤلاء نوعان ( أحدهما ( أن يكون ~~له شوكة كالمحاربين لأخذ المال وهؤلاء محاربون للفاحشة فيقتلوا قال السدى ~~قد قاله غيره وذكر أبو اللوبى ان هذه جرت عنده ورأى أن هؤلاء أحق بأن ~~يكونوا محاربين # ( والثانى ( أن لا يكونوا ذوى شوكة بل يفعلون ذلك غيلة PageV13P022 ~~واحتيالا حتى اذا صارت عندهم المرأة أكرهوها فهذا المحارب غيلة كما قال ~~السدى يقتل أيضا وان كانوا جماعة فى المصر فهم كالمحاربين فى المصر وهذه ~~المسائل لها مواضع أخر # و ( المقصود ( ان الله أخبر أن سنته لن تبدل ولن تتحول وسنته عادته التى ~~يسوى فيها بين الشىء وبين نظيره الماضى وهذا يقتضى أنه سبحانه يحكم فى ~~الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة ولهذا قال @QB@ أكفاركم خير من أولئكم ~~@QE@ وقال @QB@ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم @QE@ أى أشباههم ونظراءهم وقال ~~@QB@ وإذا النفوس زوجت @QE@ قرن النظير بنظيره وقال تعالى @QB@ أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم @QE@ وقال @QB@ قد كانت ~~لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ~~@QE@ وقال @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك ms0365 الفوز العظيم @QE@ # فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة وقد ~~قال تعالى @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم @QE@ ~~وقال تعالى ^ والذين جاءوا من بعدهم يقولون PageV13P023 ربنا اغفر لنا ~~ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~انك رؤوف رحيم ^ وقال تعالى ^ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز ~~الحكيم ^ فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم وهم خير الناس بعد الانبياء ~~فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس وأولئك خير أمة محمد كما ثبت فى الصحاح ~~من غير وجه ان النبى ( ( قال ( خير القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم ( ( # ولهذا كان معرفة أقوالهم فى العلم والدين وأعمالهم خيرا وأنفع من معرفة ~~أقوال المتأخرين وأعمالهم فى جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين ~~وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك فإنهم أفضل ممن بعدهم ~~كما دل عليه الكتاب والسنة فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم ومعرفة ~~اجماعهم ونزاعهم فى العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من اجماع ~~غيرهم ونزاعهم وذلك أن اجماعهم لا يكون الا معصوما واذا تنازعوا فالحق لا ~~يخرج عنهم فيمكن طلب الحق فى بعض أقاويلهم ولا يحكم بخطأ قول من اقوالهم ~~حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه قال تعالى ^ أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم PageV13P024 فى شىء فردوه إلى الله ~~والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ^ # وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم ولا لهم خبرة ~~بأقوالهم وأفعالهم بل هم فى كثير مما يتكلمون به فى العلم ويعملون به لا ~~يعرفون طريق الصحابة والتابعين فى ذلك من اهل الكلام والرأى والزهد والتصوف ~~فهؤلاء تجد عمدتهم فى كثير من الأمور المهمة فى الدين انما هو عما يظنونه ~~من الاجماع وهم لا يعرفون فى ذلك أقوال السلف ألبتة أو عرفوا بعضها ولم ~~يعرفوا سائرها فتارة يحلون الاجماع ولا يعلمون الا قولهم وقول ms0366 من ينازعهم ~~من الطوائف المتأخرين طائفة أو طائفتين أو ثلاث وتارة عرفوا أقوال بعض ~~السلف والأول كثير فى ( مسائل أصول الدين وفروعه ( كما تجد كتب أهل الكلام ~~مشحونة بذلك يحكون اجماعا ونزاعا ولا يعرفون ما قال السلف فى ذلك ألبتة بل ~~قد يكون قول السلف خارجا عن أقوالهم كما تجد ذلك فى مسائل أقوال الله ~~وأفعاله وصفاته مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك # وهم اذا ذكروا اجماع المسلمين لم يكن لهم علم بهذا الاجماع فإنه لو أمكن ~~العلم باجماع المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به لعدم علمهم بأقوال ~~السلف فكيف اذا كان المسلمون يتعذر القطع PageV13P025 باجماعهم فى مسائل ~~النزاع بخلاف السلف فإنه يمكن العلم باجماعهم كثيرا # وإذا ذكروا نزاع المتأخرن لم يكن بمجرد ذلك أن يجعل هذه من مسائل ~~الاجتهاد التى يكون كل قول من تلك الأقوال سائغا لم يخالف اجماعا لأن كثيرا ~~من اصول المتأخرين محدث مبتدع فى الإسلام مسبوق باجماع السلف على خلافه ~~والنزاع الحادث بعد اجماع السلف خطأ قطعا كخلاف الخوارج والرافضة والقدرية ~~والمرجئة ممن قد اشتهرت لهم اقوال خالفوا فيها النصوص المستفيضة المعلومة ~~واجماع الصحابة # بخلاف ما يعرف من نزاع السلف فإنه لا يمكن أن يقال أنه خلاف الاجماع ~~وانما يرد بالنص واذا قيل قد أجمع التابعون على أحد قوليهم فارتفع النزاع ~~فمثل هذا مبنى على مقدمتين # ( إحداهما ( العلم بأنه لم يبق فى الأمة من يقول بقول الاخر وهذا متعذر # ( الثانية ( أن مثل هذا هل يرفع النزاع مشهور فنزاع السلف PageV13P026 ~~يمكن القول به اذا كان معه حجة اذ على خلافه ونزاع المتأخرين لا يمكن لأن ~~كثيرا منه قد تقدم الاجماع على خلافه كما دلت النصوص على خلافه ومخالفة ~~اجماع السلف خطأ قطعا # و ( ايضا ( فلم يبق مسألة فى الدين الا وقد تكلم فيها السلف فلابد أن ~~يكون لهم قول يخالف ذلك القول أو يوافقه وقد بسطنا فى غير هذا الموضع أن ~~الصواب فى أقوالهم أكثر وأحسن وان خطأهم أخف من خطأ المتأخرين وان ms0367 ~~المتأخرين أكثر خطأ وأفحش وهذا فى جميع علوم الدين ولهذا أمثلة كثيرة يضيق ~~هذا الموضع عن استقصائها والله سبحانه أعلم # ( فصل ( # ومما ينبغى أن يعلم أن القرآن والحديث اذا عرف تفسيره من جهة النبى ( ( ~~لم يحتج فى ذلك إلى أقوال أهل اللغة فإنه قد عرف تفسيره وما اريد بذلك من ~~جهة النبى ( ( لم يحتج فى ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم ~~ولهذا PageV13P027 قال الفقهاء ( الأسماء ثلاثة انواع ( نوع يعرف حده ~~بالشرع كالصلاة والزكاة ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر ونوع يعرف حده ~~بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف فى قوله @QB@ وعاشروهن بالمعروف @QE@ # وكان من اعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة فكان من ~~الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم باحسان أنه لا يقبل من أحد ~~قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده فإنهم ~~ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين ~~الحق وان القرآن يهدى للتى هى أقوم فيه نبأ من قبلهم وخبر ما بعدهم وحكم ~~بينهم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى فى ~~غيره أضله الله هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ~~وهو الذى لا تزيغ به الاهواء ولا تلتبس به الألسن فلا يستطيع أن يزيغه إلى ~~هواه ولا يحرف به لسانه ولا يخلق عن كثرة الترداد فاذا ردد مرة بعد مرة لم ~~يخلق ولم يمل كغيره من الكلام ولا تنقضى عجائبه ولا تشبع منه العلماء من ~~قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعى اليه هدى إلى صراط ~~مستقيم # فكان القرآن هو الامام الذى يقتدى به ولهذا لا يوجد فى كلام PageV13P028 ~~أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأى وقياس ولا بذوق ووجد ومكاشفة ولا ~~قال قط قد تعارض فى هذا العقل والنقل فضلا عن أن يقول فيجب تقديم العقل ~~والنقل يعنى القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين اما ms0368 أن يفوض واما أن ~~يؤول ولا فيهم من يقول ان له ذوقا أو وجدا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف ~~القرآن والحديث فضلا عن أن يدعى أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذى ~~يأتى الرسول وأنه يأخذ من ذلك المعدن علم التوحيد والانبياء كلهم يأخذون عن ~~مشكاته أو يقول الولى أفضل من النبى ونحو ذلك من مقالات أهل الالحاد فإن ~~هذه الأقوال لم تكن حدثت بعد فى المسلمين وانما يعرف مثل هذه أما عن ملاحدة ~~اليهود والنصارى فإن فيهم من يجوز أن غير النبى أفضل من النبى كما قد يقوله ~~فى الحواريين فإنهم عندهم رسل وهم يقولون أفضل من داود وسليمان بل ومن ~~إبراهيم وموسى وان سموهم أنبياء إلى أمثال هذه الأمور ( # ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية الا بآية أخرى تفسرها وتنسخها أو بسنة ~~الرسول ( ( تفسرها فإن سنة رسول الله ( ( تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه ~~وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخا لها فالنسخ عندهم اسم عام لكل ما يرفع ~~دلالة الآية على معنى باطل وان كان ذلك المعنى لم PageV13P029 يرد بها وان ~~كان لا يدل عليه ظاهر الآية بل قد لا يفهم منها وقد فهمه منها قوم فيسمون ~~ما رفع ذلك الابهام والافهام نسخا ( و ( هذه التسمية لا تؤخذ عن كل واحد ~~منهم # واصل ذلك ( من القاء ( الشيطان ثم يحكم الله آياته فما القاه الشيطان فى ~~الأذهان من ظن دلالة الآية على معنى لم يدل عليه سمى هؤلاء ما يرفع ذلك ~~الظن نسخا كما سموا قوله @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ ناسخا لقوله ^ ~~فاتقوا الله حق تقاته ^ وقوله ^ لا يكلف الله نفسا الا وسعها ناسخا لقوله ^ ~~ان تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء ^ وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه # اذ المقصود أنهم كانوا متفقين على أن القرآن لا يعارضه الا قرآن لا رأى ~~ومعقول وقياس ولا ذوق ووجد والهام ومكاشفة # وكانت البدع الاولى مثل ( بدعة الخوارج ( انما هى من ms0369 سوء فهمهم للقرآن لم ~~يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب ~~الذنوب اذ كان المؤمن هو البر التقى قالوا فمن لم يكن برا تقيا فهو كافر ~~وهو مخلد فى النار ثم قالوا وعثمان PageV13P030 # وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله فكانت ~~بدعتهم لها مقدمتان # ( الواحدة ( أن من خالف القرآن بعمل أو برأى أخطأ فيه فهو كافر # ( والثانية ( أن عثمان وعليا ومن والاهما كانوا كذلك ولهذا يجب الاحتراز ~~من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا فإنه اول بدعة ظهرت فى الاسلام فكفر ~~أهلها المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم وقد ثبت عن النبى ( ( أحاديث ~~صحيحة فى ذمهم والأمر بقتالهم قال الامام أحمد بن حنبل رضى الله عنه صح ~~فيهم الحديث من عشرة أوجه ولهذا قد أخرجها مسلم فى صحيحه وأفرد البخارى ~~قطعة منها وهم مع هذا الذم انما قصدوا اتباع القرآن # فكيف بمن تكون بدعته معارضة القرآن والاعراض عنه وهو مع ذلك يكفر ~~المسلمين كالجهمية # ثم ( الشيعة ( لما حدثوا لم يكن الذى ابتدع التشيع قصده الدين بل كان ~~غرضه فاسدا وقد قيل أنه كان منافقا زنديقا فاصل بدعتهم مبنية على الكذب على ~~رسول الله ( ( وتكذيب الأحاديث الصحيحة ولهذا لا يوجد فى فرق الأمة من ~~الكذب أكثر مما يوجد فيهم بخلاف الخوارج فإنه لا يعرف فيهم من يكذب ( ~~PageV13P031 والشيعة ( لا يكاد يوثق برواية أحد منهم من شيوخهم لكثرة الكذب ~~فيهم ولهذا أعرض عنهم أهل الصحيح فلا يروى البخارى ومسلم أحاديث على الا عن ~~أهل بيته كاولاده مثل الحسن والحسين ومثل محمد بن الحنفية وكاتبه عبيدالله ~~بن أبى رافع أو أصحاب ابن مسعود وغيرهم مثل عبيدة السلمانى والحارث التيمى ~~وقيس بن عباد وأمثالهم اذ هؤلاء صادقون فيما يروونه عن على فلهذا أخرج ~~أصحاب الصحيح حديثهم # وهاتان الطائفتان ( الخوارج والشيعة ( حدثوا بعد مقتل عثمان وكان ~~المسلمون فى خلافة أبى بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان فى السنة الأولى من ~~ولايته متفقين لا تنازع بينهم ثم حدث فى ms0370 أواخر خلافة عثمان أمور أوجبت نوعا ~~من التفرق وقام قوم من أهل الفتنة والظلم فقتلوا عثمان فتفرق المسلمون بعد ~~مقتل عثمان ولما اقتتل المسلمون بصفين واتفقوا على تحكيم حكمين خرجت ~~الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبى طالب وفارقوه وفارقوا جماعة المسلمين ~~إلى مكان يقال له حروراء فكف عنهم أمير المؤمنين وقال لكم علينا أن لا ~~نمنعكم حقكم من الفىء ولا نمنعكم المساجد إلى أن استحلوا دماء المسلمين ~~وأموالهم فقتلوا عبدالله بن خباب وأغاروا على سرح المسلمين فعلم على أنهم ~~الطائفة التى ذكرها رسول الله ( صلى الله عليه PageV13P032 وسلم ( حيث قال ~~( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية آيتهم ~~فيهم رجل مخدج اليد عليها بضعة عليها شعرات ( وفى رواية ( يقتلون أهل ~~الاسلام ويدعون أهل الأوثان ( فخطب الناس وأخبرهم بما سمع من رسول الله ( ( ~~وقال هم هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا على سرح الناس فقاتلهم ~~ووجد العلامة بعد ان كاد لا يوجد فسجد لله شكرا # وحدث فى أيامه الشيعة لكن كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلى وشيعته بل ~~كانوا ثلاث طوائف ( طائفة ( تقول انه إله وهؤلاء لما ظهر عليهم احرقهم ~~بالنار وخدلهم أخاديد عند باب مسجد بنى كندة وقيل أنه أنشد % لما رأيت ~~الأمر أمرا منكرا % أججت نارى ودعوت قنبرا % $ # وقد روى البخارى فى صحيحه عن ابن عباس قال أتى علي بزنادقة فحرقهم بالنار ~~ولو كنت أنا لم أحرقهم لنهى النبى ( ( أن يعذب بعذاب الله ولضربت أعناقهم ~~لقوله ^ من بدل دينه فاقتلوه ^ PageV13P033 وهذا الذى قاله ابن عباس هو ~~مذهب أكثر الفقهاء وقد روى أنه أجلهم ثلاثا # والثانية ( السابة ( وكان قد بلغه عن أبى السوداء أنه كان يسب أبا بكر ~~وعمر فطلبه قيل أنه طلبه ليقتله فهرب منه # والثالثة ( المفضلة ( الذين يفضلونه على أبى بكر وعمر فتواتر عنه أنه قال ~~خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وروى ذلك البخارى فى ms0371 صحيحه عن محمد ~~بن الحنفية أنه سأل أباه من خير الناس بعد رسول الله ( ( فقال أبو بكر قال ~~ثم من قال عمر وكانت الشيعة الأولى لا يتنازعون فى تفضيل أبى بكر وعمر ~~وانما كان النزاع فى علي وعثمان ولهذا قال شريك بن عبدالله أن أفضل الناس ~~بعد رسول الله ( ( أبو بكر وعمر فقيل له تقول هذا وأنت من الشيعة فقال كل ~~الشيعة كانوا على هذا وهو الذى قال هذا على أعواد منبره أفنكذبه فيما قال ~~ولهذا قال سفيان الثورى من فضل عليا على أبى بكر وعمر فقد أزرى بالمهاجرين ~~والأنصار وما أرى يصعد له إلى الله عز وجل عمل وهو كذلك رواه أبو داود فى ~~سننه وكأنه يعرض بالحسن بن صالح بن حى فإن الزيدية الصالحة وهم أصلح طوائف ~~الزيدية ينسبون اليه PageV13P034 ولكن الشيعة لم يكن لهم فى ذلك الزمان ~~جماعة ولا امام ولا دار ولا سيف يقاتلون به المسلمين وانما كان هذا للخوارج ~~تميزوا بالامام والجماعة والدار وسموا دارهم دار الهجرة وجعلوا دار ~~المسلمين دار كفر وحرب # وكلا الطائفتين تطعن بل تكفر ولاة المسلمين وجمهور الخوارج يكفرون عثمان ~~وعليا ومن تولاهما والرافضة يلعنون أبا بكر وعمر وعثمان ومن تولاهما ولكن ~~الفساد الظاهر كان فى الخوارج من سفك الدماء وأخذ الأموال والخروج بالسيف ~~فلهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بقتالهم والأحاديث فى ذمهم والأمر بقتالهم ~~كثيرة جدا وهى متواترة عند أهل الحديث مثل أحاديث الرؤية وعذاب القبر ~~وفتنته وأحاديث الشفاعة والحوض # وقد رويت أحاديث فى ذم القدرية والمرجئة روى بعضها اهل السنن كأبى داود ~~وابن ماجه وبعض الناس يثبتها ويقويها ومن العلماء من طعن فيها وضعفها ولكن ~~الذى ثبت فى ذم القدرية ونحوهم هو عن الصحابة كابن عمر وابن عباس # وأما لفظ ( الرافضة ( فهذا اللفظ أول ما ظهر فى الاسلام لما خرج زيد بن ~~علي بن الحسين فى أوائل المائة الثانية فى خلافة هشام بن PageV13P035 ~~عبدالملك واتبعه الشيعة فسئل عن أبى بكر وعمر فتولاهما وترحم عليهما فرفضه ~~قوم فقال رفضتمونى رفضتمونى فسموا ms0372 الرافضة فالرافضة تتولى أخاه أبا جعفر ~~محمد بن على والزيدية يتولون زيدا وينسبون اليه ومن حينئذ انقسمت الشيعة ~~إلى زيدية ورافضة امامية # ( # ثم فى آخر عصر الصحابة حدثت ( القدرية ( وأصل بدعتهم كانت من عجز عقولهم ~~عن الايمان بقدر الله والايمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده وظنوا أن ذلك ~~ممتنع وكانوا قد آمنوا بدين الله وأمره ونهيه ووعده ووعيده وظنوا أنه اذا ~~كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصى لأنهم ظنوا أن من علم ~~ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصية ولا يطيعه وظنوا ~~أيضا أنه اذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يعلم أنه يفسد فلما بلغ ~~قولهم بانكار القدر السابق الصحابة انكروا انكارا عظيما وتبرؤوا منهم حتى ~~قال عبدالله بن عمر أخبر أولئك أنى برىء منهم وأنهم منى برآء والذى يحلف به ~~عبدالله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فانفقه ما قبله الله منه حتى ~~يؤمن بالقدر وذكر عن أبيه حديث جبريل وهذا أول حديث فى صحيح مسلم وقد أخرجه ~~البخارى ومسلم من طريق أبى هريرة أيضا مختصرا # ثم كثر الخوض فى ( القدر ( وكان أكثر الخوض فيه بالبصرة والشام ~~PageV13P036 وبعضه فى المدينة فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق ~~وبالكتاب المتقدم وصار نزاع الناس فى ( الإرادة ( و ( خلق أفعال العباد ( ~~فصاروا فى ذلك حزبين ( النفاة ( يقولون لا ارادة الا بمعنى المشيئة وهو لم ~~يرد الا ما أمر به ولم يخلق شيئا من أفعال العباد # وقابلهم الخائضون فى القدر من ( المجبرة ( مثل الجهم بن صفوان وأمثاله ~~فقالوا ليست الارادة الا بمعنى المشيئة والامر والنهى لا يستلزم ارادة ~~وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة بل الله هو الفاعل القادر فقط وكان ~~جهم مع ذلك ينفى الاسماء والصفات يذكر عنه أنه قال لا يسمى الله شيئا ولا ~~غير ذلك من الأسماء التى تسمى بها العباد الا القادر فقط لأن العبد ليس ~~بقادر ( # وكانت ( الخوارج ( قد تكلموا فى تكفير ms0373 أهل الذنوب من اهل القبلة وقالوا ~~أنهم كفار مخلدون فى النار فخاض الناس فى ذلك وخاض فى ذلك القدرية بعد موت ~~الحسن البصرى فقال عمرو بن عبيد وأصحابه لا هم مسلمون ولا كفار بل لهم ~~منزلة بين المنزلتين وهم مخلدون فى النار فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون ~~وعلى انه ليس معهم من الإسلام والايمان شىء ولكن لم يسموهم كفارا واعتزلوا ~~PageV13P037 حلقة أصحاب الحسن البصرى مثل قتادة وأيوب السختيانى وأمثالهما ~~فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن وقيل ان قتادة كان يقول أولئك ~~المعتزلة # وتنازع الناس فى ( الأسماء والأحكام ( أى فى أسماء الدين مثل مسلم ومؤمن ~~وكافر وفاسق وفى أحكام هؤلاء فى الدنيا والآخرة فالمعتزلة وافقوا الخوارج ~~على حكمهم فى الآخرة دون الدنيا فلم يستحلوا من دمائهم وأموالهم ما استحلته ~~الخوارج وفى الأسماء أحدثوا المنزلة بين المنزلتين وهذه خاصة المعتزلة التى ~~انفردوا بها وسائر أقوالهم قد شاركهم فيها غيرهم ( # وحدثت ( المرجئة ( وكان أكثرهم من أهل الكوفة ولم يكن أصحاب عبدالله من ~~المرجئة ولا إبراهيم النخعى وامثاله فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا ~~ان الأعمال ليست من الايمان وكانت هذه البدعة أخف البدع فان كثيرا من ~~النزاع فيها نزاع فى الاسم واللفظ دون الحكم اذ كان الفقهاء الذين يضاف ~~اليهم هذا القول مثل حماد بن أبى سليمان وأبى حنيفة وغيرهما هم مع سائر أهل ~~السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار ثم يخرجهم ~~بالشفاعة كما جاءت الاحاديث الصحيحة بذلك وعلى انه لابد فى الايمان ~~PageV13P038 أن يتكلم بلسانه وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق ~~للذم والعقاب فكان فى الأعمال هل هى من الايمان وفى الاستثناء ونحو ذلك ~~عامته نزاع لفظى فان الايمان اذا أطلق دخلت فيه الأعمال لقول النبى ( ( ~~الايمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا اله الا الله ~~وأدناها اماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الايمان ( واذا عطف عليه ~~العمل كقوله @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ فقد ذكر مقيدا ~~بالعطف فهنا ms0374 قد يقال الأعمال دخلت فيه وعطفت عطف الخاص على العام وقد يقال ~~لم تدخل فيه ولكن مع العطف كما فى اسم الفقير والمسكين اذا أفرد أحدهما ~~تناول الآخر واذا عطف أحدهما على الآخر فهما صنفان كما فى آية الصدقات ~~كقوله @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ وكما فى آية الكفارة كقوله ~~@QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين @QE@ وفى قوله @QB@ وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم @QE@ فالفقير والمسكين شيء واحد # وهذا التفصيل فى الايمان هو كذلك فى لفظ البر والتقوى والمعروف وفى الاثم ~~والعدوان والمنكر تختلف دلالتها فى الافراد والاقتران لمن تدبر القرآن وقد ~~بسط هذا بسطا كبيرا فى الكلام على الايمان وشرح حديث جبريل الذى فيه بيان ~~أن الايمان أصله فى القلب وهو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله كما فى ~~PageV13P039 المسند عن النبى ( ( أنه قال ( الاسلام علانية والايمان فى ~~القلب ( وقد قال ( ( فى الحديث الصحيح ( ألا ان فى الجسد مضغة اذا صلحت صلح ~~لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهى القلب ( فاذا كان ~~الايمان فى القلب فقد صلح القلب فيجب أن يصلح سائر الجسد فلذلك هو ثمرة ما ~~فى القلب فلهذا قال بعضهم الأعمال ثمرة الايمان وصحته لما كانت لازمة لصلاح ~~القلب دخلت فى الاسم كما نطق بذلك الكتاب والسنة فى غير موضع # وفى ( الجملة ( الذين رموا بالارجاء من الأكابر مثل طلق بن حبيب وابراهيم ~~التيمى ونحوهما كان ارجاؤهم من هذا النوع وكانوا أيضا لا يستثنون فى ~~الايمان وكانوا يقولون الايمان هو الايمان الموجود فينا ونحن نقطع بانا ~~مصدقون ويرون الاستثناء شكا وكان عبدالله بن مسعود وأصحابه يستثنون وقد روى ~~فى حديث أنه رجع عن ذلك لما قال له بعض أصحاب معاذ ما قال لكن أحمد أنكر ~~هذا وضعف هذا الحديث # وصار الناس فى الاستثناء على ثلاثة أقوال # قول أنه يجب الاستثناء ومن لم يستثن كان مبتدعا # وقول ان الاستثناء محظور فانه يقتضى الشك فى الايمان PageV13P040 والقول ~~الثالث أوسطها وأعدلها أنه يجوز الاستثناء باعتبار وتركه باعتبار فاذا كان ~~مقصوده ms0375 انى لا أعلم انى قائم بكل ما أوجب الله على وأنه يقبل أعمالى ليس ~~مقصوده الشك فيما فى قلبه فهذا استثناؤه حسن وقصده أن لا يزكى نفسه وأن لا ~~يقطع بأنه عمل عملا كما أمر فقبل منه والذنوب كثيرة والنفاق مخوف على عامة ~~الناس # قال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من اصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه ~~لا يقول واحد منهم ان ايمانه كايمان جبريل وميكائيل والبخارى فى أول صحيحه ~~بوب أبوابا فى ( الايمان والرد على المرجئة ( وقد ذكر بعض من صنف فى هذا ~~الباب من أصحاب أبى حنيفة قال وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد كرهوا أن يقول ~~الرجل ايمانى كايمان جبريل وميكائيل قال محمد لأنهم افضل يقينا أو ايمانى ~~كايمان جبريل أو ايمانى كايمان أبى بكر أو كايمان هذا ولكن يقول آمنت بما ~~آمن به جبريل وأبو بكر # وأبو حنيفة وأصحابه لا يجوزون الاستثناء فى الايمان بكون الأعمال منه ~~ويذمون المرجئة والمرجئة عندهم الذين لا يوجبون الفرائض ولا اجتناب المحارم ~~بل يكتفون بالايمان وقد علل تحريم الاستثناء فيه بأنه لا يصح تعليقه على ~~الشرط لأن المعلق على الشرط لا يوجد الا عند وجوده كما قالوا فى قوله أنت ~~طالق ان شاء الله فاذا علق الايمان PageV13P041 بالشرط كسائر المعلقات ~~بالشرط لا يحصل الا عند حصول الشرط قالوا وشرط المشيئة الذى يترجاه القائل ~~لا يتحقق حصوله إلى يوم القيامة فاذا علق العزم بالفعل على التصديق ~~والاقرار فقد ظهرت المشيئة وصح العقد فلا معنى للاستثناء ولأن الاستثناء ~~عقيب الكلام يرفع الكلام فلا يبقى الاقرار بالايمان والعقد مؤمنا وربما ~~يتوهم هذا القائل القارن بالاستثناء على الايمان بقاء التصديق وذلك يزيله ( # ( قلت ( فتعليلهم فى المسألة انما يتوجه فيمن يعلق انشاء الايمان على ~~المشيئة كالذى يريد الدخول فى الاسلام فيقال له آمن فيقول أنا أو من ان شاء ~~الله أو آمنت إن شاء الله أو اسلمت ان شاء الله أو أشهد ان شاء الله أن لا ~~اله الا الله وأشهد ان شاء الله أن ms0376 محمدا رسول الله والذين استثنوا من ~~السلف والخلف لم يقصدوا فى الانشاء وانما كان استثناؤهم فى اخباره عما قد ~~حصل له من الايمان فاستثنوا اما أن الايمان المطلق يقتضى دخول الجنة وهم لا ~~يعلمون الخاتمة كأنه اذا قيل للرجل أنت مؤمن قيل له أنت عند الله مؤمن من ~~أهل الجنة فيقول أنا كذلك ان شاء الله أو لأنهم لا يعرفون أنهم أتوا بكمال ~~الايمان الواجب # ولهذا كان من جواب بعضهم اذا قيل له أنت مؤمن آمنت بالله وملائكته وكتبه ~~فيجزم بهذا ولا يعلقه أو يقول ان كنت تريد PageV13P042 الايمان الذى يعصم ~~دمى ومالى فأنا مؤمن وان كنت تريد قوله @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ~~الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ وقوله ~~@QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ فأنا مؤمن ان شاء ~~الله # وأما الانشاء فلم يستثن فيه أحد ولا شرع الاستثناء فيه بل كل من آمن ~~وأسلم آمن وأسلم جزما بلا تعليق # فتبين أن النزاع فى المسألة قد يكون لفظيا فان الذى حرمه هؤلاء غير الذى ~~استحسنه وأمر به أولئك ومن جزم جزم بما فى قلبه من الحال وهذا حق لا ينافى ~~تعليق الكمال والعاقبة ولكن هؤلاء عندهم الاعمال ليست من الايمان فصار ~~الايمان هو الإسلام عند أولئك # والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى فى الإسلام وهو المشهور عن أحمد ~~رضى الله عنه وقد روى عنه فيه الاستثناء كما قد بسط هذا فى شرح حديث جبريل ~~وغيره من نصوص الايمان التى فى الكتاب والسنة PageV13P043 ولو قال لامرأته ~~أنت طالق ان شاء الله ففيه نزاع مشهور وقد رجحنا التفصيل وهو أن الكلام ~~يراد به شيئآن يراد به ايقاع الطلاق تارة ويراد به منع ايقاعه تارة فان كان ~~مراده أنت طالق بهذا اللفظ فقوله ان شاء الله مثل قوله بمشيئة الله وقد شاء ms0377 ~~الله الطلاق حين أتى بالتطليق فيقع وان كان قد علق لئلا يقع أو علقه على ~~مشيئة توجد بعد هذا لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا فانه حينئذ شاء الله ~~أن تطلق # وقول من قال المشيئة تنجزه ليس كما قال بل نحن نعلم قطعا أن الطلاق لا ~~يقع الا اذا طلقت المرأة بان يطلقها الزوج أو من يقوم مقامه من ولى أو وكيل ~~فاذا لم يوجد تطليق لم يقع طلاق قط فاذا قال أنت طالق ان شاء الله وقصد ~~حقيقة التعليق لم يقع الا بتطليق بعد ذلك وكذلك اذا قصد تعليقه لئلا يقع ~~الآن واما ان قصد ايقاعه الآن وعلقه بالمشيئة توكيدا وتحقيقا فهذا يقع به ~~الطلاق # وما أعرف أحدا أنشأ الايمان فعلقه على المشيئة فاذا علقه فان كان مقصوده ~~أنا مؤمن ان شاء الله أنا أومن بعد ذلك فهذا لم يصر مؤمنا مثل الذى يقال له ~~هل تصير من أهل دين الاسلام فقال أصير ان شاء الله فهذا لم يسلم بل هو باق ~~على الكفر وان كان قصده انى قد آمنت وايمانى بمشيئة الله صار مؤمنا لكن ~~اطلاق اللفظ يحتمل PageV13P044 هذا وهذا فلا يجوز اطلاق مثل هذا اللفظ فى ~~الانشاء وأيضا فان الأصل أنه انما يعلق بالمشيئة ما كان مستقبلا فأما ~~الماضى والحاضر فلا يعلق بالمشيئة والذين استثنوا لم يستثنوا فى الانشاء ~~كما تقدم كيف وقد أمروا ان يقولوا @QB@ آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط @QE@ وقال تعالى @QB@ آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~@QE@ فأخبر أنهم آمنوا فوقع الايمان منهم قطعا بلا استثناء # وعلى كل أحد أن يقول آمنا بالله وما أنزل الينا كما أمر الله بلا استثناء ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين ما استثنى أحد من السلف قط فى مثل هذا وانما ~~الكلام اذا أخبر عن نفسه بأنه مؤمن كما يخبر عن نفسه بأنه بر تقى فقول ~~القائل له أنت مؤمن هو عندهم ms0378 كقوله هل أنت بر تقى فاذا قال أنا بر تقى فقد ~~زكى نفسه فيقول ان شاء الله وأرجو أن أكون كذلك وذلك ان الايمان التام ~~يتعقبه قبول الله له وجزاؤه عليه وكتابه الملك له فالاستثناء يعود إلى ذلك ~~لا إلى ما علمه هو من نفسه وحصل واستقر فان هذا لا يصح تعليقه بالمشيئة بل ~~يقال هذا حاصل بمشيئة الله وفضله واحسانه وقوله فيه ان شاء الله بمعنى اذ ~~شاء الله وذلك تحقيق لا تعليق PageV13P045 والرجل قد يقول والله ليكونن كذا ~~ان شاء الله وهو جازم بأنه يكون فالمعلق هو الفعل كقوله @QB@ لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله @QE@ والله عالم بأنهم سيدخلونه وقد يقول الآدمى لأفعلن ~~كذا ان شاء الله وهو لا يجزم بأنه يقع لكن يرجوه فيقول يكون ان شاء الله ثم ~~عزمه عليه قد يكون جازما ولكن لا يجزم بوقوع المعزوم عليه وقد يكون العزم ~~مترددا معلقا بالمشيئة أيضا ولكن متى كان المعزوم عليه معلقا لزم تعليق ~~بقاء العزم فانه بتقدير أن تعليق العزم ابتداء أو دواما فى مثل ذلك ولهذا ~~لم يحنث المطلق المعلق وحرف ( إن ( لا يبقى العزم فلابد اذا دخل على الماضى ~~صار مستقبلا تقول ان جاء زيد كان كذلك @QB@ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد ~~اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق @QE@ واذا أريد الماضى دخل حرف ( إن ( ~~كقوله @QB@ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني @QE@ فيفرق بين قوله أنا مؤمن ان ~~شاء الله وبين قوله ان كان الله شاء ايماني # وكذلك اذا كان مقصوده اني لا أعلم بماذا يختم لي كما قيل لابن مسعود ان ~~فلانا يشهد أنه مؤمن قال فليشهد أنه من أهل الجنة فهذا مراده اذا شهد أنه ~~مؤمن عند الله يموت على الايمان وكذلك ان كان مقصوده ان ايماني حاصل بمشيئة ~~الله # ومن لم يستثن قال أنا لا أشك فى ايمان قلبى فلا جناح عليه اذا ~~PageV13P046 لم يزك نفسه ويقطع بأنه عامل كما أمر وقد تقبل الله عمله وان ~~لم يقل ان ms0379 ايمانه كايمان جبريل وأبى بكر وعمر ونحو ذلك من أقوال المرجئة ~~كما كان مسعر بن كدام يقول أنا لا أشك فى ايمانى قال أحمد ولم يكن من ~~المرجئة فان المرجئة الذين يقولون الأعمال ليست من الايمان وهو كان يقول هي ~~من الايمان لكن أنا لا أشك فى ايماني # وكان الثورى يقول لسفيان بن عيينة ألا تنهاه عن هذا فإنهم من قبيلة واحدة ~~وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن النزاع فى هذا كان بين أهل العلم والدين من جنس المنازعة ~~فى كثير من الأحكام وكلهم من أهل الايمان والقرآن # # ( وأما جهم ( فكان يقول ان الايمان مجرد تصديق القلب وان لم يتكلم به ~~وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الامة وأئمتها بل أحمد ووكيع وغيرهما ~~كفروا من قال بهذا القول ولكن هو الذي نصره الاشعرى وأكثر أصحابه ولكن ~~قالوا مع ذلك أن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا بتكفير ~~الشارع له على خلو قلبه من المعرفة وقد بسط الكلام على أقوالهم وأقوال ~~غيرهم فى ( الإيمان ( # PageV13P047 والأصل الذى منه نشأ النزاع اعتقاد من اعتقد أن من كان مؤمنا ~~لم يكن معه شىء من الكفر والنفاق وظن بعضهم أن هذا اجماع كما ذكر الأشعري ~~ان هذا اجماع فهذا كان أصل الارجاء كما كان ( أصل القدر ( عجزهم عن الايمان ~~بالشرع والقدر جميعا فلما كان هذا أصلهم صاروا حزبين قالت الخوارج ~~والمعتزلة قد علمنا يقينا أن الأعمال من الايمان فمن تركها فقد ترك بعض ~~الايمان واذا زال بعضه زال جميعه لأن الايمان لا يتبعض ولا يكون فى العبد ~~ايمان ونفاق فيكون أصحاب الذنوب مخلدين فى النار اذا كان ليس معهم من ~~الايمان # شيء وقالت ( المرجئة ( مقتصدهم وغلاتهم كالجهمية قد علمنا أن أهل الذنوب ~~من أهل القبلة لا يخلدون فى النار بل يخرجون منها كما تواترت بذلك الاحاديث ~~وعلمنا بالكتاب والسنة واجماع الأئمة أنهم ليسوا كفارا مرتدين فان الكتاب ~~قد أمر بقطع السارق لا بقتله وجاءت السنة ms0380 بجلد الشارب لا بقتله فلو كان ~~هؤلاء كفارا مرتدين لوجب قتلهم وبهذا ظهر للمعتزلة ضعف قول الخوارج ~~فخالفوهم فى أحكامهم فى الدنيا و # ( الخوارج ( لا يتمسكون من السنة الا بما فسر مجملها دون ما خالف ظاهر ~~القرآن عندهم فلا يرجمون الزانى ولا يرون للسرقة PageV13P048 # نصابا وحينئذ فقد يقولون ليس فى القرآن قتل المرتد فقد يكون المرتد عندهم ~~نوعين ( # و ( أقوال الخوارج ( انما عرفناها من نقل الناس عنهم لم نقف لهم على كتاب ~~مصنف كما وقفنا على كتب المعتزلة والرافضة والزيدية والكرامية والاشعرية ~~والسالمية وأهل المذاهب الأربعة والظاهرية ومذاهب أهل الحديث والفلاسفة ~~والصوفية ونحو هؤلاء # وقد بسط الكلام على تفصيل القول فى أقوال هؤلاء فى غير هذا الموضع # وان الناس فى ترتيب أهل الاهواء على ( أقسام ( # منهم من يرتبهم على زمان حدوثهم فيبدأ بالخوارج # ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغلظه فيبدأ بالمرجئة ويختم بالجهمية كما ~~فعله كثير من اصحاب أحمد رضى الله عنه كعبدالله ابنه ونحوه وكالخلال وأبى ~~عبدالله بن بطة وأمثالهما وكأبي الفرج المقدسى وكلا الطائفتين تختم ~~بالجهمية لأنهم أغلظ البدع وكالبخارى فى صحيحة فانه بدأ ب ( كتاب الايمان ~~والرد على المرجئة ( وختمه ( بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية ( ~~PageV13P049 ولما صنف الكتاب فى الكلام صاروا يقدمون التوحيد والصفات فيكون ~~الكلام اولا مع الجهمية وكذلك رتب أبو القاسم الطبري كتاب فى أصول السنة ~~والبيهقى أفرد لكل صنف مصنفا فله مصنف فى الصفات ومصنف فى القدر ومصنف فى ~~شعب الايمان ومصنف فى دلائل النبوة ومصنف فى البعث والنشور وبسط هذه الأمور ~~له موضع آخر # والمقصود هنا أن منشأ النزاع فى ( الأسماء والأحكام ( فى الايمان ~~والاسلام انهم لما ظنوا أنه لا يتبعض قال أولئك فاذا فعل ذنبا زال بعضه ~~فيزول كله فيخلد فى النار فقالت الجهمية والمرجئة قد علمنا أنه ليس يخلد فى ~~النار وأنه ليس كافرا مرتدا بل هو من المسلمين واذا كان من المسلمين وجب أن ~~يكون مؤمنا تام الايمان ( ليس ( معه بعض الايمان لأن الايمان عندهم لا ~~يتبعض فاحتاجوا ms0381 أن يجعلوا الايمان شيئا واحدا يشترك فيه جميع أهل القبلة ~~فقال فقهاء المرجئة هو التصديق بالقلب والقول باللسان فقالت الجهمية بعد ~~تصديق اللسان قد لا يجب اذا كان الرجل أخرس أو كان مكرها فالذى لابد منه ~~تصديق القلب وقالت المرجئة الرجل اذا أسلم كان مؤمنا قبل أن يجب عليه شىء ~~من الأفعال # وأنكر كل هذه الطوائف أنه ( ينقص ( والصحابة قد ثبت عنهم PageV13P050 أن ~~الايمان يزيد وينقص وهو قول أئمة السنة وكان ابن المبارك يقول هو يتفاضل ~~ويتزايد ويمسك عن لفظ ينقص وعن مالك فى كونه لا ينقص روايتان والقرآن قد ~~نطق بالزيادة فى غير موضع ودلت النصوص على نقصه كقوله ( لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن ( ونحو ذلك لكن لم يعرف هذا اللفظ الا فى قوله فى النساء ( ~~ناقصات عقل ودين ( وجعل من نقصان دينها انها اذا حاضت لا تصوم ولا تصلى ~~وبهذا استدل غير واحد على أنه ينقص وذلك أن أصل أهل السنة أن الايمان ~~يتفاضل من وجهين من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العبد # أما ( الأول ( فانه ليس الايمان الذي أمر به شخص من المؤمنين هو الايمان ~~الذي أمر به كل شخص فان المسلمين فى أول الامر كانوا مأمورين بمقدار من ~~الايمان ثم بعد ذلك امروا بغير ذلك وأمروا بترك ما كانوا مأمورين به ~~كالقبلة فكان من الايمان فى أول الأمر الايمان بوجوب استقبال بيت المقدس ثم ~~صار من الايمان تحريم استقباله ووجوب استقبال الكعبة فقد تنوع الايمان فى ~~الشريعة الواحدة # و ( ايضا ( فمن وجب عليه الحج والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الايمان أن ~~يعلم ما أمر به ويؤمن بان الله أوجب عليه ما لا يجب PageV13P051 على غيره ~~الا مجملا وهذا يجب عليه فيه الايمان المفصل وكذلك الرجل أول ما يسلم انما ~~يجب عليه الاقرار المجمل ثم اذا جاء وقت الصلاة كان عليه ان يؤمن بوجوبها ~~ويؤديها فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الايمان وهذا من أصول غلط ~~المرجئة فانهم ظنوا أنه شيء واحد ms0382 وأنه يستوى فيه جميع المكلفين فقالوا ~~ايمان الملائكة والانبياء وأفسق الناس سواء كما أنه اذا تلفظ الفاسق ~~بالشهادتين أو قرأ فاتحة الكتاب كان لفظه كلفظ غيره من الناس # فيقال لهم قد تبين أن الايمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل ~~ويتباينون فيه تباينا عظيما فيجب على الملائكة من الايمان ما لا يجب على ~~البشر ويجب على الانبياء من الايمان ما لا يجب على غيرهم ويجب على العلماء ~~ما لا يجب على غيرهم ويجب على الامراء ما لا يجب على غيرهم وليس المراد أنه ~~يجب عليهم من العمل فقط بل ومن التصديق والاقرار # فإن الناس وان كان يجب عليهم الاقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول ~~فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما أخبر به وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالاقرار ~~به مفصلا وما لم يؤمر به العبد من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر ~~به فمن أمر بحج وجب عليه معرفة ما أمر به من أعمال الحج والايمان بها فيجب ~~عليه من الايمان PageV13P052 والعمل ما لا يجب على غيره وكذلك من أمر ~~بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر الله به من الزكاة ومن الايمان بذلك والعمل ~~به ما لا يجب على غيره فيجب عليه من العلم والايمان والعمل ما لا يجب على ~~غيره اذا جعل العلم والعمل ليسا من الايمان وان جعل جميع ذلك داخلا فى مسمى ~~الايمان كان أبلغ فبكل حال قد وجب عليه من الايمان ما لا يجب على غيره # ولهذا كان من الناس من قد يؤمن بالرسول مجملا فاذا جاءت امور أخرى لم ~~يؤمن بها فيصير منافقا مثل طائفة نافقت لما حولت القبلة إلى الكعبة وطائفة ~~نافقت لما انهزم المسلمون يوم أحد ونحو ذلك # ولهذا وصف الله المنافقين فى القرآن بأنهم آمنوا ثم كفروا كما ذكر ذلك فى ~~سورة المنافقين وذكر مثل ذلك فى سورة البقرة فقال ( مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمات لا يبصرون صم بكم ms0383 ~~عمي فهم لا يرجعون ( وقال طائفة من السلف عرفوا ثم أنكروا وأبصروا ثم عموا # فمن هؤلاء من كان يؤمن أولا ايمانا مجملا ثم يأتي أمور لا يؤمن ~~PageV13P053 بها فينافق في الباطن وما يمكنه اظهار الردة بل يتكلم بالنفاق ~~مع خاصته وهذا كما ذكر الله عنهم في الجهاد فقال ( فاذا أنزلت سورة محكمة ~~وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشى عليه من ~~الموت فأولي # لهم طاعة وقول معروف فاذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ( و ( ~~بالجملة ( فلا يمكن المنازعة أن الايمان الذي أوجبه الله يتباين فيه أحوال ~~الناس ويتفاضلون فى ايمانهم ودينهم بحسب ذلك ولهذا قال النبى ( ( فى النساء ~~( ناقصات عقل ودين ( وقال فى نقصان دينهن ( انها اذا حاضت لا تصوم ولا تصلى ~~( وهذا مما أمر الله به فليس هذا النقص دينا لها تعاقب عليه لكن هو نقص حيث ~~لم تؤمر بالعبادة فى هذا الحال والرجل كامل حيث أمر بالعبادة فى كل حال فدل ~~ذلك على أن من أمر بطاعة يفعلها كان افضل ممن لم يؤمر بها وان لم يكن عاصيا ~~فهذا أفضل دينا وايمانا وهذا المفضول ليس بمعاقب ومذموم فهذه زيادة كزيادة ~~الايمان بالتطوعات لكن هذه زيادة بواجب فى حق شخص وليس بواجب فى حق شخص ~~غيره فهذه الزيادة لو تركها بهذا لا يستحق العقاب بتركها وذاك لا يستحق ~~العقاب بتركها ولكن ايمان ذلك أكمل قال النبى ( ( ( أكمل المؤمنين ايمانا ~~أحسنهم خلقا ( PageV13P054 فهذا يبين تفاضل الايمان فى نفس الأمر به وفى ~~نفس الاخبار التى يجب التصديق بها # و ( النوع الثانى ( هو تفاضل الناس فى الاتيان به مع استوائهم فى الواجب ~~وهذا هو الذي يظن أنه محل النزاع وكلاهما محل النزاع وهذا أيضا يتفاضلون ~~فيه فليس ايمان السارق والزاني والشارب كايمان غيرهم ولا ايمان من أدى ~~الواجبات كايمان من أخل ببعضها كما أنه ليس دين هذا وبره وتقواه مثل دين ~~هذا وبره وتقواه بل هذا أفضل دينا وبرا وتقوى فهو كذلك أفضل ايمانا ms0384 كما قال ~~النبى ( ( ( أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا ( وقد يجتمع فى العبد ايمان ~~ونفاق كما فى الصحيحين عن النبى ( ( قال ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ~~ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها اذا حدث كذب ~~واذا أؤتمن خان واذا عاهد غدر واذا خاصم فجر ( # وأصل هؤلاء ان الايمان لا يتبعض ولا يتفاضل بل هو شيء واحد يستوى فيه فيه ~~جميع العباد فيما أوجبه الرب من الايمان وفيما يفعله العبد من الأعمال ~~فغلطوا في هذا وهذا ثم تفرقوا كما تقدم ( # وصارت المرجئة على ( ثلاثة أقوال ( فعلماؤهم وأئمتهم أحسنهم PageV13P055 ~~قولا وهو ان قالوا الايمان تصديق القلب وقول اللسان # وقالت الجهمية هو تصديق القلب فقط # ( وقالت الكرامية هو القول فقط ( فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الايمان لكن ~~ان كان مقرا بقلبه كان من أهل الجنة وان كان مكذبا بقلبه كان منافقا مؤمنا ~~من أهل النار وهذا القول هو الذي اختصت به الكرامية وابتدعته ولم يسبقها ~~أحد إلى هذا القول وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الايمان وبعض الناس يحكى ~~عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة وهو غلط عليهم بل ~~يقولون انه مؤمن كامل الايمان وأنه من أهل النار فيلزمهم أن يكون المؤمن ~~الكامل الايمان معذبا فى النار بل يكون مخلدا فيها وقد تواتر عن النبى ( ( ~~أنه ( يخرج منها من كان فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ( # وإن قالوا لا يخلد وهو منافق لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار ~~والمنافقون قد قال الله فيهم ( ان المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ولن ~~تجد لهم نصيرا ( وقد نهى الله نبيه عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وقال له ~~( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~( وقال ( ولا PageV13P056 تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره انهم ~~كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ( وقد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله # فإن قالوا ms0385 هؤلاء قد كانوا يتكلمون بألسنتهم سرا فكفروا بذلك وانما يكون ~~مؤمنا اذا تكلم بلسانه ولم يتكلم بما ينقضه فإن ذلك ردة عن الايمان قيل لهم ~~ولو اضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين قال تعالى ^ يحذر ~~المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا ان الله ~~مخرج ما تحذرون ^ # وأيضا قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم وأنهم ~~كاذبون فقال تعالى @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ وقد قال ~~النبى ( ( الاسلام علانية والايمان فى القلب ( وقد قال الله تعالى @QB@ ~~قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم @QE@ وفى الصحيحين عن سعد أن النبى ( ( أعطى رجالا ولم يعط رجلا ~~فقلت يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال ( أو مسلم ~~( مرتين أو ثلاثا وبسط الكلام PageV13P057 فى هذا له مواضع أخر وقد صنفت فى ~~ذلك مجلدا غير ما صنفت فيه غير ذلك # وكلام الناس في هذا الاسم ومسماه كثير لأنه قطب الدين الذي يدور عليه ~~وليس فى القول اسم علق به السعادة والشقاء والمدح والذم والثواب والعقاب ~~أعظم من اسم الايمان والكفر ولهذا سمى هذا الأصل ( مسائل الأسماء والأحكام ~~( وقد رأيت لابن الهيصم فيه مصنفا فى أنه قول اللسان فقط ورأيت لابن ~~الباقلانى فيه مصنفا أنه تصديق القلب فقط وكلاهما فى عصر واحد وكلاهما يرد ~~على المعتزلة والرافضة # و ( المقصود هنا ( أن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والايمان # فلما حدث فى الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف صار أهل التفرق والاختلاف ~~شيعا صار هؤلاء عمدتهم فى الباطن ليست على القرآن والايمان ولكن على أصول ~~ابتدعها شيوخهم عليها يعتمدون فى التوحيد والصفات والقدر والايمان بالرسول ~~وغير ذلك ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به وما خالفها تأولوه ~~فلهذا تجدهم اذا احتجوا بالقرآن ms0386 والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما ولم ~~يستقصوا ما فى القرآن من ذلك المعنى اذ كان اعتمادهم فى نفس الأمر على غير ~~ذلك والآيات التى تخالفهم يشرعون فى تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن ~~PageV13P058 ليس مقصوده ان يفهم مراد الرسول بل ان يدفع منازعه عن الاحتجاج ~~بها # ولهذا قال كثير منهم كأبى الحسين البصري ومن تبعه كالرازي والآمدي وابن ~~الحاجب أن الأمة اذا اختلفت فى تأويل الآية على قولين جاز لمن بعدهم احداث ~~قول ثالث بخلاف ما اذا اختلفوا فى الاحكام على قولين فجوزوا أن تكون الامة ~~مجتمعة على الضلال فى تفسير القرآن والحديث وان يكون الله أنزل الآية وأراد ~~بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون ولكن قالوا ان الله أراد معنى آخر وهم ~~لو تصوروا هذه ( المقالة ( لم يقولوا هذا فان أصلهم أن الأمة لا تجتمع على ~~ضلالة ولا يقولون قولين كلاهما خطأ والصواب قول ثالث لم يقولوه لكن قد ~~اعتادوا أن يتأولوا ما خالفهم والتأويل عندهم مقصوده بيان احتمال فى لفظ ~~الآية بجواز أن يراد ذلك المعنى بذلك اللفظ ولم يستشعروا أن المتأول هو ~~مبين لمراد الآية مخبر عن الله تعالى أنه أراد هذا المعنى اذا حملها على ~~معنى # وكذلك اذا قالوا يجوز أن يراد بها هذا المعنى والأمة قبلهم لم يقولوا ~~أريد بها الا هذا أو هذا فقد جوزوا أن يكون ما أراده الله لم يخبر به الأمة ~~وأخبرت أن مراده غير ما أراده لكن الذى قاله هؤلاء يتمشى اذا كان التأويل ~~أنه يجوز أن يراد هذا المعنى من غير PageV13P059 حكم بأنه مراد وتكون الامة ~~قبلهم كلها كانت جاهلة بمراد الله ضالة عن معرفته وانقرض عصر الصحابة ~~والتابعين وهم لم يعلموا معنى الآية ولكن طائفة قالت يجوز أن يريد هذا ~~المعنى وطائفة قالت يجوز أن يريد هذا المعنى وليس فيهم من علم المراد فجاء ~~الثالث وقال ههنا معنى يجوز أن يكون هو المراد فاذا كانت الأمة من الجهل ~~بمعانى القرآن والضلال عن مراد الرب بهذه الحال توجه ms0387 ما قالوه وبسط هذا له ~~موضع آخر 3 و ( المقصود ( أن كثيرا من المتأخرين لم يصيروا يعتمدون فى ~~دينهم لا على القرآن ولا على الايمان الذى جاء به الرسول بخلاف السلف فلهذا ~~كان السلف أكمل علما وايمانا وخطؤهم أخف وصوابهم أكثر كما قدمناه # وكان الأصل الذى أسسوه هو ما أمرهم الله به فى قوله @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم @QE@ ~~فان هذا أمر للمؤمنين بما وصف به الملائكة كما قال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ~~@QE@ فوصفهم سبحانه بأنهم PageV13P060 لا يسبقونه بالقول وأنهم بأمره ~~يعملون فلا يخبرون عن شيء من صفاته ولا غير صفاته الا بعد أن يخبر سبحانه ~~بما يخبر به فيكون خبرهم وقولهم تبعا لخبره وقوله كما قال @QB@ لا يسبقونه ~~بالقول @QE@ وأعمالهم تابعة لأمره فلا يعملون الا ما أمرهم هو ان يعملوا به ~~فهم مطيعون لأمره سبحانه # وقد وصف سبحانه بذلك ملائكة النار فقال @QB@ قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون @QE@ وقد ظن بعضهم أن هذا توكيد وقال بعضهم بل لا يعصونه ~~فى الماضي ويفعلون ما أمروا به فى المستقبل وأحسن من هذا وهذا أن العاصي هو ~~الممتنع من طاعة الامر مع قدرته على الامتثال فلو لم يفعل ما أمر به لعجزه ~~لم يكن عاصيا فاذا قال @QB@ لا يعصون الله ما أمرهم @QE@ لم يكن فى هذا ~~بيان أنهم يفعلون ما يؤمرون فان العاجز ليس بعاص ولا فاعل لما أمر به وقال ~~( ويفعلون ما يؤمرون ( ليبين أنهم قادرون على فعل ما أمروا به فهم لا ~~يتركونه لا عجزا ولا معصية والمأمور انما يترك ما أمر به لأحد هذين اما أن ms0388 ~~لا يكون قادرا وإما أن يكون عاصيا لا يريد الطاعة فاذا كان مطيعا يريد طاعة ~~الآمر وهو قادر وجب وجود فعل ما أمر به فكذلك الملائكة المذكورون لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون PageV13P061 # وقد وصف الملائكة بأنهم ( عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون ومن يقل منهم انى اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى ~~الظالمين ( # فالملائكة مصدقون بخبر ربهم مطيعون لأمره ولا يخبرون حتى يخبر ولا يعملون ~~حتى يأمر كما قال تعالى ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ( وقد أمر ~~الله المؤمنين أن يكونوا مع الله ورسوله كذلك فان البشر لم يسمعوا كلام ~~الله منه بل بينهم وبينه رسول من البشر فعليهم أن لا يقولوا حتى يقول ~~الرسول ما بلغهم عن الله ولا يعملون الا بما امرهم به كما قال تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم @QE@ # قال مجاهد لا تفتاتوا عليه بشىء حتى يقضيه الله على لسانه ( تقدموا ( ~~معناه تتقدموا وهو فعل لازم وقد قرىء ( يقدموا ( يقال قدم وتقدم كما يقال ~~بين وتبين وقد يستعمل قدم متعديا أى قدم غيره لكن هنا هو فعل لازم فلا ~~تقدموا معناه لا تتقدموا بين يدى الله ورسوله # فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم فى شىء من الدين الا تبعا لما جاء به ~~PageV13P062 الرسول ولا يتقدم بين يديه بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعا ~~لقوله وعلمه تبعا لأمره فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم ~~باحسان وأئمة المسلمين فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله ولا ~~يؤسس دينا غير ما جاء به الرسول وإذا أراد معرفة شىء من الدين والكلام فيه ~~نظر فيما قاله الله والرسول فمنه يتعلم وبه يتكلم وفيه ينظر ويتفكر وبه ~~يستدل فهذا أصل أهل السنة وأهل البدع لا يجعلون اعتمادهم فى الباطن ونفس ~~الأمر على ms0389 ما تلقوه عن الرسول بل على ما رأوه أو ذاقوه ثم ان وجدوا السنة ~~توافقه والا لم يبالوا بذلك فاذا وجدوها تخالفه أعرضوا عنها تفويضا أو ~~حرفوها تاويلا # فهذا هو الفرقان بين أهل الايمان والسنة وأهل النفاق والبدعة وان كان ~~هؤلاء لهم من الايمان نصيب وافر من اتباع السنة لكن فيهم من النفاق والبدعة ~~بحسب ما تقدموا فيه بين يدى الله ورسوله وخالفوا الله ورسوله ثم ان لم ~~يعلموا ان ذلك يخالف الرسول ولو علموا لما قالوه لم يكونوا منافقين بل ~~ناقصى الايمان مبتدعين وخطؤهم مغفور لهم لا يعاقبون عليه وان نقصوا به # PageV13P063 # ( فصل # وكل من خالف ما جاء به الرسول لم يكن عنده علم بذلك ولا عدل بل لا يكون ~~عنده الا جهل وظلم وظن ( وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ( وذلك ~~لأن ما أخبر به الرسول فهو حق باطنا وظاهرا فلا يمكن ان يتصور أن يكون الحق ~~فى نقيضه وحينئذ فمن اعتقد نقيضه كان اعتقاده باطلا والاعتقاد الباطل لا ~~يكون علما وما أمر به الرسول فهو عدل لا ظلم فيه فمن نهى عنه فقد نهى عن ~~العدل ومن أمر بضده فقد أمر بالظلم فان ضد العدل الظلم فلا يكون ما يخالفه ~~الا جهلا وظلما ظنا وما تهوى الانفس وهو لا يخرج عن قسمين أحسنهما أن يكون ~~كان شرعا لبعض الانبياء ثم نسخ وادناهما أن يكون ما شرع قط بل يكون من ~~المبدل فكل ما خالف حكم الله ورسوله فاما شرع منسوخ واما شرع مبدل ما شرعه ~~الله بل شرعه شارع بغير اذن من الله كما قال ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم ياذن به الله ( لكن هذا وهذا قد يقعان فى خفى الامور ودقيقها ~~باجتهاد من أصحابها استفرغوا فيه PageV13P064 وسعهم فى طلب الحق # ويكون لهم من الصواب والاتباع ما يغمر ذلك كما وقع مثل ذلك من بعض ~~الصحابة فى مسائل الطلاق والفرائض ونحو ذلك ولم يكن منهم مثل هذا فى جلى ~~الامور وجليلها ms0390 لأن بيان هذا من الرسول كان ظاهرا بينهم فلا يخالفه الا من ~~يخالف الرسول وهم معتصمون بحبل الله يحكمون الرسول فيما شجر بينهم لا ~~يتقدمون بين يدى الله ورسوله فضلا عن تعمد مخالفة الله ورسوله # فلما طال الزمان خفى على كثير من الناس ما كان ظاهرا لهم ودق على كثير من ~~الناس ما كان جليا لهم فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن ~~مثل هذا فى السلف # وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم ويثبتهم على ~~اجتهادهم # وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلا يعملها فى ~~ذلك الزمان لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا ~~من يعينهم على ذلك لكن تضعيف الاجر لهم فى أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن ~~يكونوا أفضل من الصحابة ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة فان الذى سبق اليه ~~الصحابة من الايمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض فى موالاة الرسول وتصديقه ~~PageV13P065 وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته ~~وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته بل مع قلة المؤمنين وكثرة ~~الكافرين والمنافقين وانفاق المؤمنين أموالهم فى سبيل الله ابتغاء وجهه فى ~~مثل تلك الحال أمر ما بقى يحصل مثله لأحد كما فى الصحيحين عنه ( ( لا تسبوا ~~أصحابى فوالذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه ( وقد استفاضت النصوص الصحيحة عنه أنه قال ( ( خير القرون قرنى الذين ~~بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( فجملة القرن الأول أفضل من ~~القرن الثانى والثانى افضل من الثالث والثالث أفضل من الرابع لكن قد يكون ~~فى الرابع من هو أفضل من بعض الثالث وكذلك فى الثالث مع الثانى وهل يكون ~~فيمن بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة المفضولين لا الفاضلين هذا فيه ~~نزاع وفيه قولان حكاهما القاضى عياض وغيره ومن الناس من يفرضها فى مثل ~~معاوية وعمر بن عبدالعزيز فان معاوية له مزية ms0391 الصحبة والجهاد مع النبى ( ( ~~وعمر له مزية فضيلته من العدل والزهد والخوف من الله تعالى وبسط هذا له ~~موضع آخر # و ( المقصود هنا ( أن من خالف الرسول فلابد أن يتبع الظن PageV13P066 وما ~~تهوى الانفس كما قال تعالى فى المشركين الذين يعبدون اللات والعزى @QB@ إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ # وقال فى الذين يخبرون عن الملائكة أنهم اناث ^ ان الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى وما لهم به من علم ان يتبعون الا ~~الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا فاعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد الا ~~الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بمن اهتدى ^ وهم جعلوهم اناثا كما قال @QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن إناثا @QE@ وفى القراءة الاخرى ^ عند الرحمن اناثا اشهدوا ~~خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون ^ وهؤلاء قال عنهم ( ان يتبعون الا الظن ( ~~لأنه خبر محض ليس فيه عمل وهناك ( وما تهوى الأنفس ( لأنهم كانوا يعبدونها ~~ويدعونها فهناك عبادة وعمل بهوى أنفسهم فقال ( ان يتبعون الا الظن وما تهوى ~~الانفس ( والذى جاء به الرسول كما قال @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم ~~وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى @QE@ وكل من ~~خالف الرسول لا يخرج عن الظن وما تهوى الانفس فان كان ممن يعتقد ما قاله ~~وله فيه حجة يستدل بها كان غايته الظن الذى لا يغنى من الحق شيئا ~~PageV13P067 كاحتجاجهم بقياس فاسد أو نقل كاذب أو خطاب القى اليهم اعتقدوا ~~أنه من الله وكان من القاء الشيطان # وهذه الثلاثة هى عمدة من يخالف السنة بما يراه حجة ودليلا اما أن يحتج ~~بأدلة عقلية ويظنها برهانا وأدلة قطعية وتكون شبهات فاسدة مركبة من ألفاظ ~~مجملة ومعان متشابهة لم يميز بين حقها وباطلها كما يوجد مثل ذلك فى جميع ما ~~يحتج به من خالف الكتاب والسنة انما يركب حججه من ألفاظ متشابهة فإذا ms0392 وقع ~~الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل وهذه هى الحجج العقلية وان تمسك ~~المبطل بحجج سمعية فاما أن تكون كذبا على الرسول أو تكون غير دالة على ما ~~احتج بها أهل البطول فالمنع اما فى الاسناد واما فى المتن ودلالته على ما ~~ذكر وهذه الحجة السمعية هذه حجة أهل العلم الظاهر # وأما حجة اهل الذوق والوجد والمكاشفة والمخاطبة فان أهل الحق من هؤلاء ~~لهم الهامات صحيحة مطابقة كما فى الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( قد كان ~~فى الأمم قبلكم محدثون فان يكن فى أمتى أحد فعمر ( وكان عمر يقول اقتربوا ~~من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فانها تجلى لهم أمور صادقة وفى ~~الترمذى عن أبى سعيد عن النبى ( ( أنه PageV13P068 قال ( اتقوا فراسة ~~المؤمن فانه ينظر بنور الله ثم قرأ قوله @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ~~@QE@ وقال بعض الصحابة أظنه والله للحق يقذفه الله على قلوبهم وأسماعهم وفى ~~صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى ( ( أنه قال ( ولا يزال عبدى يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ~~ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ( وفى رواية ( فبى يسمع وبى يبصر ~~وبى يبطش وبى يمشى ( فقد أخبر أنه يسمع بالحق ويبصر به # وكانوا يقولون ان السكينة تنطق على لسان عمر رضى الله عنه وقال ( ( من ~~سأل القضاء واستعان عليه وكل اليه ومن لم يسأله ولم يستعن عليه أنزل الله ~~عليه ملكا يسدده ( وقال الله تعالى @QB@ نور على نور @QE@ نور الايمان مع ~~نور القرآن وقال تعالى @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه @QE@ ~~وهو المؤمن على بينة من ربه ويتبعه شاهد من الله وهو القرآن شهد الله فى ~~القرآن بمثل ما عليه المؤمن من بينة الايمان وهذا القدر مما أقر به حذاق ~~النظار لما تكلموا فى وجوب النظر وتحصيله للعلم فقيل لهم أهل التصفية ~~والرياضة والعبادة والتأله تحصل لهم المعارف والعلوم اليقينية بدون النظر ~~كما قال الشيخ الملقب بالكبيرى للرازى ms0393 ورفيقه وقد قالا له يا شيخ بلغنا أنك ~~تعلم علم اليقين فقال نعم فقالا كيف تعلم ونحن نتناظر PageV13P069 فى زمان ~~طويل كلما ذكر شيئا أفسدته وكلما ذكرت شيئا افسده فقال هو واردات ترد على ~~النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يعجبان من ذلك ويكرران الكلام وطلب ~~أحدهما أن تحصل له هذه الواردات فعلمه الشيخ وأدبه حتى حصلت له وكان من ~~المعتزلة النفاة # فتبين له أن الحق مع أهل الاثبات وان الله سبحانه فوق سمواته وعلم ذلك ~~بالضرورة رأيت هذه الحكاية بخط القاضى نجم الدين أحمد بن محمد بن خلف ~~المقدسى وذكر أن الشيخ الكبيرى حكاها له وكان قد حدثنى بها عنه غير واحد ~~حتى رأيتها بخطه وكلام المشايخ فى مثل هذا كثير وهذا الوصف الذى ذكره الشيخ ~~جواب لهم بحسب ما يعرفون فانهم قد قسموا العلم إلى ضرورى ونظرى والنظرى ~~مستند إلى الضرورى والضرورى هو العلم الذى يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه ~~معه الانفكاك عنه هذا حد القاضى أبى بكر بن الطيب وغيره فخاصته أنه يلزم ~~النفس لزوما لا يمكن مع ذلك دفعه فقال لهم علم اليقين عندنا هو من هذا ~~الجنس وهو علم يلزم النفس لزوما لا يمكنه مع ذلك الانفكاك عنه وقال واردات ~~لأنه يحصل مع العلم طمأنينة وسكينة توجب العمل به فالواردات تحصل بهذا وهذا ~~وهذا قد اقر به كثير من حذاق النظار متقدميهم كالكيا الهراسى والغزالى ~~PageV13P070 وغيرهما ومتأخريهم كالرازى والآمدى وقالوا نحن لا ننكر ان يحصل ~~لناس علم ضرورى بما يحصل لنا بالنظر هذا لا ندفعه لكن ان لم يكن علما ~~ضروريا فلابد له من دليل والدليل يكون مستلزما للمدلول عليه بحيث يلزم من ~~انتفاء الدليل انتفاء المدلول عليه قالوا فان كان لو دفع ذلك الإعتقاد الذى ~~حصل له لزم دفع شىء مما يعلم بالضرورة فهذا هو الدليل وان لم يكن كذلك فهذا ~~هوس لا يلتفت اليه وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود أن هذا الجنس واقع لكن يقع أيضا ما يظن أنه منه كثير ms0394 أو لا يميز ~~كثير منهم الحق من الباطل كما يقع فى الادلة العقلية والسمعية فمن هؤلاء من ~~يسمع خطابا أو يرى من يأمر بقضية ويكون ذلك الخطاب من الشيطان ويكون ذلك ~~الذى يخاطبه الشيطان وهو يحسب أنه من أولياء الله من رجال الغيب # ورجال الغيب هم الجن وهو يحسب أنه أنسى وقد يقول له أنا الخضر أو الياس ~~بل أنا محمد أو إبراهيم الخليل أو المسيح أو أبو بكر أو عمر أو أنا الشيخ ~~فلان أو الشيخ فلان ممن يحسن بهم الظن وقد يطير به فى الهواء أو يأتيه ~~بطعام أو شراب أو نفقة فيظن هذا كرامة بل آية ومعجزة تدل على أن هذا من ~~رجال الغيب أو من الملائكة ويكون ذلك شيطانا لبس عليه فهذا PageV13P071 ~~ومثله واقع كثيرا أعرف منه وقائع كثيرة كما أعرف من الغلط فى السمعيات ~~والعقليات # فهؤلاء يتبعون ظنا لا يغنى من الحق شيئا ولو لم يتقدموا بين يدى الله ~~ورسوله بل اعتصموا بالكتاب والسنة لتبين لهم أن هذا من الشيطان وكثير من ~~هؤلاء يتبع ذوقه ووجده وما يجده محبوبا اليه بغير علم ولا هدى ولا بصيرة ~~فيكون متبعا لهواه بلا ظن وخيارهم من يتبع الظن وما تهوى الأنفس وهؤلاء اذا ~~طلب من أحدهم حجة ذكر تقليده لمن يحبه من آبائه وأسلافه كقول المشركين ( ~~انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون ( وان عكسوا احتجوا ~~بالقدر وهو أن الله أراد هذا وسلطنا عليه فهم يعملون بهواهم واردة نفوسهم ~~بحسب قدرتهم كالملوك المسلطين وكان الواجب عليهم أن يعملوا بما امر الله ~~فيتبعون أمر الله وما يحبه ويرضاه لا يتبعون ارادتهم وما يحبونه وهم يرضونه ~~وأن يستعينوا بالله فيقولون ( اياك نعبد وإياك نستعين ( لا حول ولا قوة الا ~~بالله لا يعتمدون على ما أوتوه من القوة والتصرف والحال فان هذا من الجد ~~وقد كان النبى ( ( يقول عقب الصلاة وفى الاعتدال بعد الركوع ( اللهم لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ms0395 ( PageV13P072 # فالذوق والوجد هو يرجع إلى حب الانسان ووجده بحلاوته وذوقه وطعمه وكل ~~صاحب محبة فله فى محبوبه ذوق ووجد فان لم يكن ذلك بسلطان من الله وهو ما ~~أنزله على رسوله ( ( كان صاحبه متبعا لهواه بغير هدى وقد قال الله تعالى ~~@QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ وقال تعالى ^ وما لكم أن ~~لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم ~~اليه وان كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم أن ربك هو أعلم بالمعتدين ^ # وكذلك من اتبع ما يرد عليه من الخطاب أو ما يراه من الأنوار والاشخاص ~~الغيبية ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسنة فانما يتبع ظنا لا يغنى من الحق شيئا # فليس فى المحدثين الملهمين أفضل من عمر كما قال ( ( أنه قد كان فى الأمم ~~قبلكم محدثون فان يكن فى أمتى منهم أحد فعمر منهم ( وقد وافق عمر ربه فى ~~عدة أشياء ومع هذا فكان عليه أن يعتصم بما جاء به الرسول ولا يقبل ما يرد ~~عليه حتى يعرضه على الرسول ولا يتقدم بين يدى الله ورسوله بل يجعل ما ورد ~~عليه اذا تبين له من ذلك اشياء خلاف ما وقع له فيرجع إلى السنة وكان أبو ~~بكر يبين له اشياء خفيت عليه فيرجع إلى بيان PageV13P073 الصديق وارشاده ~~وتعليمه كما جرى يوم الحديبية ويوم مات الرسول ويوم ناظره فى مانعى الزكاة ~~وغير ذلك وكانت المرأة ترد عليه ما يقوله وتذكر الحجة من القرآن فيرجع ~~اليها كما جرى فى مهور النساء ومثل هذا كثير # فكل من كان من أهل الالهام والخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل من عمر فعليه ~~أن يسلك سبيله فى الاعتصام بالكتاب والسنة تبعا لما جاء به الرسول لا يجعل ~~ما جاء به الرسول تبعا لما ورد عليه وهؤلاء الذين أخطؤا وضلوا وتركوا ذلك ~~واستغنوا بما ورد عليهم وظنوا أن ذلك يغنيهم عن اتباع العلم المنقول # وصار أحدهم يقول أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحى الذى ms0396 لا ~~يموت فيقال له أما ما نقله الثقات عن المعصوم فهو حق ولولا النقل المعصوم ~~لكنت أنت وأمثالك اما من المشركين واما من اليهود والنصارى وأما ما وردعليك ~~فمن أين لك أنه وحى من الله ومن أين لك أنه ليس من وحى الشيطان # و ( الوحى ( وحيان وحى من الرحمن ووحى من الشيطان قال تعالى @QB@ وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم @QE@ وقال تعالى ^ وكذلك جعلنا لكل ~~نبى عدوا شياطين الانس والجن يوحى PageV13P074 بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ^ وقال تعالى ^ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ^ وقد كان المختار بن ~~أبى عبيد من هذا الضرب حتى قيل لابن عمر وابن عباس قيل لأحدهما انه يقول ~~أنه يوحى اليه فقال ^ وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ^ وقيل ~~للآخر أنه يقول أنه ينزل عليه فقال ^ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ^ # فهؤلاء يحتاجون إلى الفرقان الايمانى القرآنى النبوى الشرعى أعظم من حاجة ~~غيرهم وهؤلاء لهم حسيات يرونها ويسمعونها والحسيات يضطر اليها الانسان بغير ~~اختياره كما قد يرى الانسان أشياء ويسمع أشياء بغير اختياره كما أن النظار ~~لهم قياس ومعقول وأهل السمع لهم اخبار منقولات # وهذه الأنواع الثلاثة هى طرق العلم الحس والخبر والنظر وكل انسان ( يستدل ~~( من هذه الثلاثة فى بعض الأمور لكن يكون بعض الأنواع أغلب على بعض الناس ~~فى الدين وغير الدين كالطب فانه تجربات وقياسات وأهله منهم من تغلب عليه ~~التجربة ومنهم من يغلب عليه القياس والقياس أصله التجربة والتجربة لابد ~~فيها من قياس لكن مثل قياس العاديات لا تعرف فيه العلة والمناسبة وصاحب ~~القياس من يستخرج العلة المناسبة ويعلق الحكم بها والعقل خاصة القياس ~~والأعتبار والقضايا الكلية فلابد له من الحسيات التى PageV13P075 هى الأصل ~~ليعتبر بها والحس ان لم يكن مع صاحبه عقل والا فقد يغلط # والناس يقولون غلط الحس والغلط تارة من الحس وتارة من صاحبه فان الحس يرى ~~أمرا معينا فيظن صاحبه فيه شيئا آخر فيؤتى من ظنه فلابد له من العقل # ولهذا النائم يرى شيئا وتلك ms0397 الأمور لها وجود وتحقيق ولكن هى خيالات ~~وأمثلة فلما عزب ظنها الرائى نفس الحقائق كالذى يرى نفسه فى مكان آخر يكلم ~~أمواتا ويكلمونه ويفعل أمورا كثيرة وهو فى النوم يجزم بأنه نفسه الذى يقول ~~ويفعل لأن عقله عزب عنه وتلك الصورة التى رآها مثال صورته وخيالها لكن غاب ~~عقله عن نفسه حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه فلما ثاب اليه عقله علم أن ذلك ~~خيالات ومثالات ومن الناس من لا يغيب عقله بل يعلم فى المنام أن ذلك فى ~~المنام وهذا كالذى يرى صورته فى المرآة أو صورة غيره فاذا كان ضعيف العقل ~~ظن أن تلك الصورة هى الشخص حتى انه يفعل به ما يفعل بالشخص وهذا يقع ~~للصبيان والبله كما يخيل لأحدهم فى الضوء شخص يتحرك ويصعد وينزل فيظنونه ~~شخصا حقيقة ولا يعلمون أنه خيال فالحس اذا أحس ( حسا ( صحيحا لم يغلط لكن ~~معه عقل لم يميز بين هذا العين والمثال فان العقل قد عقل قبل PageV13P076 ~~هذا أن مثل هذا يكون مثالا وقد عقل لوازم الشخص بعينه وانه لا يكون فى ~~الهواء ولا فى المرآة ولا يكون بدنه فى غير مكانه وأن الجسم الواحد لا يكون ~~فى مكانين # وهؤلاء الذين لهم مكاشفات ومخاطبات يرون ويسمعون ما له وجود فى الخارج ~~وما لا يكون موجودا الا فى أنفسهم كحال النائم وهذا يعرفه كل أحد ولكن قد ~~يرون فى الخارج أشخاصا يرونها عيانا وما فى خيال الانسان لا يراه غيره ~~ويخاطبهم أولئك الاشخاص ويحملونهم ويذهبون بهم إلى عرفات فيقفون بها واما ~~إلى غير عرفات ويأتوهم بذهب وفضة وطعام ولباس وسلاح وغير ذلك ويخرجون إلى ~~الناس ويأتونهم أيضا بمن يطلبونه مثل من يكون له ارادة فى امرأة أو صبى ~~فيأتونه بذلك أما محمولا فى الهواء واما بسعى شديد ويخبر أنه وجد فى نفسه ~~من الباعث القوى ما لم يمكنه المقام معه أو يخبر أنه سمع خطابا وقد يقتلون ~~له من يريد قتله من أعدائه أو يمرضونه فهذا كله موجود كثيرا لكن ms0398 من الناس ~~من يعلم ان هذا من الشيطان وأنه من السحر وان ذلك حصل بما قاله وعمله من ~~السحر # ومنهم من يعلم أن ذلك من الجن ويقول هذا كرامة أكرمنا بتسخير الجن لنا ~~ومنهم من لا يظن أولئك الأشخاص الا آدميين أو PageV13P077 ملائكة فان كانوا ~~غير معروفين قال هؤلاء رجال الغيب وان تسموا فقالوا هذا هو الخضر وهذا هو ~~الياس وهذا هو أبو بكر وعمر وهذا هو الشيخ عبدالقادر أو الشيخ عدى أو الشيخ ~~أحمد الرفاعى أو غير ذلك ظن أن الأمر كذلك # فهنا لم يغلط لكن غلط عقله حيث لم يعرف أن هذه شياطين تمثلت على صور ~~هؤلاء وكثير من هؤلاء وكثير من هؤلاء يظن أن النبى ( ( نفسه أو غيره من ~~الانبياء أو الصالحين يأتيه فى اليقظة ومن يرى ذلك عند قبر النبى ( ( أو ~~الشيخ وهو صادق فى أنه اياه من قال أنه النبى أو الشيخ أو قيل له ذلك فيه ~~لكن غلط حيث ظن صدق أولئك # والذى له عقل وعلم يعلم أن هذا ليس هو النبى ( ( تارة لما يراه منهم من ~~مخالفة الشرع مثل أن يأمروه بما يخالف أمر الله ورسوله وتارة يعلم أن النبى ~~( ( ما كان يأتى أحدا من أصحابه بعد موته فى اليقظة ولا كان يخاطبهم من ~~قبره فكيف يكون هذا لى وتارة يعلم أن الميت لم يقم من قبره وأن روحه فى ~~الجنة لا تصير فى الدنيا هكذا # وهذا يقع كثيرا لكثير من هؤلاء ويسمون تلك الصورة رقيقة PageV13P078 فلان ~~وقد يقولون هو معناه تشكل وقد يقولون روحانيته ومن هؤلاء من يقول اذا مت ~~فلا تدعوا أحدا يغسلنى ولا فلانا يحضرنى فانى أنا أغسل نفسى فاذا مات رأوه ~~قد جاء وغسل ذلك البدن ويكون ذلك جنيا قد قال لهذا الميت انك تجىء بعد ~~الموت واعتقد ذلك حقا فانه كان فى حياته يقول له أمورا وغرض الشيطان أن يضل ~~أصحابه وأما بلاد المشركين كالهند فهذا كثيرا ما يرون الميت بعد موته جاء ~~وفتح حانوته ورد ودائع وقضى ms0399 ديونا ودخل إلى منزله ثم ذهب وهم لا يشكون أنه ~~الشخص نفسه وانما هو شيطان تصور فى صورته # ومن هؤلاء من يكون فى جنازة أبيه أو غيره والميت على سريره وهو يراه آخذا ~~يمشى مع الناس بيد ابنه وأبيه قد جعل شيخا بعد أبيه فلا يشك ابنه أن أباه ~~نفسه هو كان الماشى معه الذى رآه هو دون غيره وانما كان شيطانا ويكون مثل ~~هذا الشيطان قد سمى نفسه خالدا وغير خالد وقال لهم أنه من رجال الغيب وهم ~~يعتقدون أنه من الانس الصالحين ويسمونه خالدا الغيبى وينسبون الشيخ اليه ~~فيقولون محمد الخالدى ونحو ذلك # فان الجن مأمورون ومنهيون كالانس وقد بعث الله الرسل من الانس اليهم والى ~~الانس وأمر الجميع بطاعة الرسل كما قال PageV13P079 تعالى @QB@ يا معشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين @QE@ وهذا بعد قوله @QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا ~~أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله @QE@ # قال غير واحد من السلف أى كثير من أغويتم من الانس وأضللتموهم قال البغوى ~~قال بعضهم استمتاع الانس بالجن ما كانوا يلقون لهم من الأراجيف والسحر ~~والكهانة وتزينهم لهم الأمور التى يهيؤنها ويسهل سبيلها عليهم واستماع الجن ~~بالانس طاعة الانس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصى قال محمد بن ~~كعب هو طاعة بعضهم لبعض وموافقة بعضهم بعضا وذكر ابن أبى حاتم عن الحسن ~~البصرى قال ما كان استمتاع بعضهم ببعض الا أن الجن أمرت وعملت الانس وعن ~~محمد بن كعب قال هو الصحابة فى الدنيا وقال ابن السائب استمتاع الانس بالجن ~~استعاذتهم بهم واستمتاع الجن بالانس ان قالوا قد أسرنا الانس مع الجن حتى ~~عاذوا بنا فيزدادون شرفا فى أنفسهم وعظما فى نفوسهم وهذا كقوله @QB@ وأنه ~~كان رجال من الإنس ms0400 يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ PageV13P080 قلت ~~^ الاستمتاع بالشىء ^ هو أن يتمتع به فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه ~~ويدخل فى ذلك استمتاع الرجال بالنساء بعضهم ببعض كما قال @QB@ فما استمتعتم ~~به منهن فآتوهن أجورهن فريضة @QE@ ومن ذلك الفواحش كاستمتاع الذكور بالذكور ~~والاناث بالاناث ويدخل فى هذا الاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كما ~~يتمتع الملوك والسادة بجنودهم ومماليكهم ويدخل فى ذلك الاستمتاع بالاموال ~~كاللباس ومنه قوله @QB@ ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره @QE@ ~~وكان من السلف من يمتع المرأة بخادم فهى تستمتع بخدمته ومنهم من يمتع بكسوة ~~أو نفقة ولهذا قال الفقهاء أعلى المتعة خادم وأدناها كسوة تجزى فيها الصلاة # وفى ( الجملة ( استمتاع الانس بالجن والجن بالانس يشبه استمتاع الانس ~~بالانس قال تعالى @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين @QE@ وقال ~~تعالى ^ وتقطعت بهم الأسباب ( قال مجاهد هى المودات التى كانت لغير الله ~~وقال الخليل ( انما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى الحياة الدنيا ~~ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ( وقال تعالى ^ أفرأيت من ~~اتخذ الهه هواه ^ فالمشرك يعبد ما يهواه واتباع الهوى هو استمتاع من صاحبه ~~بما يهواه وقد وقع فى الانس والجن هذا كله PageV13P081 وتارة يخدم هؤلاء ~~لهؤلاء فى أغراضهم وهؤلاء لهؤلاء فى أغراضهم فالجن تأتيه بما يريد من صورة ~~أو مال أو قتل عدوه والانس تطيع الجن فتارة تسجد له وتارة تسجد لما يأمره ~~بالسجود له وتارة تمكنه من نفسه فيفعل به الفاحشة وكذلك الجنيات منهن من ~~يريد من الانس الذى يخدمنه ما يريد نساء الانس من الرجال وهذا كثير فى رجال ~~الجن ونسائهم فكثير من رجالهم ينال من نساء الانس ما يناله الانسى وقد يفعل ~~ذلك بالذكران # وصرع الجن للإنس هو لأسباب ثلاثة تارة يكون الجنى يحب المصروع فيصرعه ~~ليتمتع به وهذا الصرع يكون أرفق من غيره وأسهل وتارة يكون الانسى آذاهم اذا ~~بال عليهم أو صب عليهم ماء حارا أو يكون قتل بعضهم أو غير ذلك من أنواع ~~الأذى وهذا أشد ms0401 الصرع وكثيرا ما يقتلون المصروع وتارة يكون بطريق العبث به ~~كما يعبث سفهاء الانس بابناء السبيل # ومن استمتاع الانس بالجن استخدامهم فى الأخبار بالأمور الغائبة كما يخبر ~~الكهان فان فى الانس من له غرض فى هذا لما يحصل به من الرياسة والمال وغير ~~ذلك فان كان القوم كفارا كما كانت العرب لم تبال بأن يقال أنه كاهن كما كان ~~بعض العرب كهانا وقدم النبى ( ( المدينة وفيها كهان وكان المنافقون يطلبون ~~التحاكم الى PageV13P082 الكهان وكان أبو أبرق الأسلمى أحد الكهان قبل أن ~~يسلم وان كان القوم مسلمين لم يظهر أنه كاهن بل يجعل ذلك من باب الكرامات ~~وهو من جنس الكهان فانه لا يخدم الانسى بهذه الأخبار الا لما يستمتع به من ~~الانسى بان يطيعه الانسى فى بعض ما يريده اما فى شرك واما فى فاحشة واما فى ~~أكل حرام واما فى قتل نفس بغير حق # فالشياطين لهم غرض فيما نهى الله عنه من الكفر والفسوق والعصيان ولهم لذة ~~فى الشر والفتن يحبون ذلك وان لم يكن فيه منفعة لهم وهم يأمرون السارق أن ~~يسرق ويذهبون إلى أهل المال فيقولون فلان سرق متاعكم ولهذا يقال القوة ~~الملكية والبهيمة والسبعية والشيطانية فان الملكية فيها العلم النافع ~~والعمل الصالح والبهيمة فيها الشهوات كالأكل والشرب والسبعية فيها الغضب ~~وهو دفع المؤذى وأما الشيطانية فشر محض ليس فيها جلب منفعة ولا دفع مضرة # والفلاسفة ونحوهم ممن لا يعرف الجن والشياطين لا يعرفون هذه وانما يعرفون ~~الشهوة والغضب والشهوة والغضب خلقا لمصلحة ومنفعة لكن المذموم هو العدوان ~~فيهما وأما الشيطان فيأمر بالشر الذى لا منفعة فيه ويحب ذلك كما فعل ابليس ~~بآدم لما وسوس له وكما PageV13P083 امتنع من السجود له فالحسد يأمر به ~~الشيطان والحاسد لا ينتفع بزوال النعمة عن المحسود لكن يبغض ذلك وقد يكون ~~بغضه لفوات غرضه وقد لا يكون # ومن استمتاع الانس بالجن استخدامهم فى احضار بعض ما يطلبونه من مال وطعام ~~وثياب ونفقة فقد يأتون ببعض ذلك وقد يدلونه على كنز وغيره ms0402 واستمتاع الجن ~~بالانس استعمالهم فيما يريده الشيطان من كفر وفسوق ومعصية ومن استمتاع ~~الانس بالجن استخدامهم فيما يطلبه الانس من شرك وقتل وفواحش فتارة يتمثل ~~الجنى فى صورة الانسى فاذا استغاث به بعض أتباعه أتاه فظن أنه الشيخ نفسه ~~وتارة يكون التابع قد نادى شيخه وهتف به يا سيدى فلان فينقل الجنى ذلك ~~الكلام إلى الشيخ بمثل صوت الانسى حتى يظن الشيخ أنه صوت الانسى بعينه ثم ~~ان الشيخ يقول نعم ويشير اشارة يدفع بها ذلك المكروه فيأتى الجنى بمثل ذلك ~~الصوت والفعل فيظن ذلك الشخص أنه شيخه نفسه وهو الذى أجابه وهو الذى فعل ~~ذلك حتى أن تابع الشيخ قد يكون يده فى اناء يأكل فيضع الجنى يده فى صورة يد ~~الشيخ ويأخذ من الطعام فيظن ذلك التابع أنه شيخه حاضر معه والجنى يمثل ~~للشيخ نفسه مثل ذلك الاناء فيضع يده فيه حتى يظن الشيخ أن يده PageV13P084 ~~فى ذلك الاناء فاذا حضر المريد ذكر له الشيخ أن يدى كانت فى الاناء فيصدقه ~~ويكون بينهما مسافة شهر والشيخ موضعه ويده لم تطل ولكن الجنى مثل للشيخ ~~ومثل للمريد حتى ظن كل منهما أن أحدهما عند الآخر وانما كان عنده ما مثله ~~الجنى وخيله # وإذا سئل الشيخ المخدوم عن أمر غائب اما سرقة واما شخص مات وطلب منه أن ~~يخبر بحاله أو علة فى النساء أو غير ذلك فان الجنى قد يمثل ذلك فيريه صورة ~~المسروق فيقول الشيخ ذهب لكم كذا وكذا ثم ان كان صاحب المال معظما وأراد أن ~~يدله على سرقته مثل له الشيخ الذى أخذه أو المكان الذى فيه المال فيذهبون ~~اليه فيجدونه كما قال والاكثر منهم أنهم يظهرون صورة المال ولا يكون عليه ~~لأن الذى سرق المال معه ايضا جنى يخدمه والجن يخاف بعضهم من بعض كما أن ~~الانس يخاف بعضهم بعضا فاذا دل الجنى عليه جاء اليه اولياء السارق فآذوه ~~وأحيانا لا يدل لكون السارق وأعوانه يخدمونه ويرشونه كما يصيب من يعرف ~~اللصوص من الانس تارة ms0403 يعرف السارق ولا يعرف به اما لرغبة ينالها منه وإما ~~لرهبة وخوف منه واذا كان المال المسروق لكبير يخافه ويرجوه عرف سارقه فهذا ~~وأمثاله من استمتاع بعضهم ببعض # والجن مكلفون كتكليف الانس ومحمد ( ( مرسل PageV13P085 الى الثقلين الجن ~~والانس وكفار الجن يدخلون النار بالنصوص واجماع المسلمين # وأما مؤمنوهم ففيهم قولان وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون ~~الجنة وقد روى أنهم يكونون فى ربضها يراهم الانس من حيث لا يرون الانس عكس ~~الحال فى الدنيا وهو حديث رواه الطبرانى فى معجمه الصغير يحتاج إلى النظر ~~فى اسناده وقد # احتج ابن أبى ليلى وأبو يوسف على ذلك بقوله تعالى @QB@ ولكل درجات مما ~~عملوا @QE@ وقد ذكر الجن والانس الأبرار والفجار فى الأحقاف والانعام واحتج ~~الاوزاعى وغيره بقوله تعالى @QB@ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان @QE@ وقد قال ~~تعالى فى الأعراف @QB@ أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم ~~من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا @QE@ وقد تقدم قبل ~~هذا ذكر أهل الجنة وقوله @QB@ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة @QE@ ثم قال @QB@ ولكل درجات مما عملوا ~~وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون @QE@ قال عبدالرحمن بن زيد بن اسلم درجات ~~اهل الجنة تذهب علوا ودرجات أهل النار تذهب سفلا وقد قال تعالى عن قول الجن ~~@QB@ منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا @QE@ وقالوا ^ وأنا منا ~~المسلمون ومنا القاسطون فمن PageV13P086 اسلم فأولئك تحروا رشدا وأما ~~القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ^ ففيهم الكفار والفساق والعصاة وفيهم من فيه ~~عبادة ودين بنوع من قلة العلم كما فى الانس وكل نوع من الجن يميل إلى نظيره ~~من الانس فاليهود مع اليهود والنصارى مع النصارى والمسلمون مع المسلمين ~~والفساق مع الفساق وأهل الجهل والبدع مع أهل الجهل والبدع # واستخدام الانس لهم مثل استخدام الانس للانس بشىء منهم من يستخدمهم فى ~~المحرمات من الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم وقد يظنون ذلك ~~من كرامات الصالحين وانما هو من ms0404 أفعال الشياطين # ومنهم من يستخدمهم فى أمور مباحة اما احضار ماله أو دلالة على مكان فيه ~~مال ليس له مالك معصوم # أو دفع من يؤذيه ونحو ذلك فهذا كاستعانة الانس بعضهم ببعض فى ذلك و ( ~~النوع الثالث ( أن يستعملهم فى طاعة الله ورسوله كما يستعمل الانس فى مثل ~~ذلك فيأمرهم بما أمر الله به ورسوله وينهاهم عما نهاهم الله عنه ورسوله كما ~~يأمر الانس وينهاهم وهذه حال نبينا ( ( وحال من اتبعه واقتدى به من أمته ~~وهم أفضل الخلق فإنهم يأمرون الانس والجن بما أمرهم الله به ورسوله ~~PageV13P087 وينهون الانس والجن عما نهاهم الله عنه ورسوله اذ كان نبينا ~~محمد ( ( مبعوثا بذلك إلى الثقلين الانس والجن وقد قال الله له ( قل هذه ~~سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من ~~المشركين ( وقال ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم ( # وعمر رضى الله عنه لما نادى يا سارية الجبل قال ان لله جنودا يبلغون صوتى ~~وجنود الله هم من الملائكة ومن صالحى الجن فجنود الله بلغوا صوت عمر إلى ~~سارية وهو أنهم نادوه بمثل صوت عمر والا نفس صوت عمر لا يصل نفسه فى هذه ~~المسافة البعيدة وهذا كالرجل يدعو آخر وهو بعيد عنه فيقول يا فلان فيعان ~~على ذلك فيقول الواسطة بينهما يا فلان وقد يقول لمن هو بعيد عنه يا فلان ~~احبس الماء تعال الينا وهو لا يسمع صوته فيناديه الواسطة بمثل ذلك يا فلان ~~احبس الماء أرسل الماء اما بمثل صوت الأول ان كان لا يقبل الا صوته والا ~~فلا يضر بأى صوت كان اذا عرف ان صاحبه قد ناداه # وهذه حكاية كان عمر مرة قد أرسل جيشا فجاء شخص وأخبر أهل المدينة بانتصار ~~الجيش وشاع الخبر فقال عمر من أين لكم PageV13P088 هذا قالوا شخص صفته كيت ~~وكيت فأخبرنا فقال عمر ذاك أبو الهيثم بريد الجن وسيجىء بريد الانسان بعد ~~ذلك بأيام # وقد يأمر الملك بعض ms0405 الناس بأمر ويستكتمه اياه فيخرج فيرى الناس يتحدثون ~~به فإن الجن تسمعه وتخبر به الناس والذين يستخدمون الجن فى المباحات يشبه ~~استخدام سليمان لكن أعطى ملكا لا ينبغى لأحد بعده وسخرت له الانس والجن ~~وهذا لم يحصل لغيره والنبى ( ( لما تفلت عليه العفريت ليقطع عليه صلاته قال ~~( فأخذته فذعته حتى سال لعابه على يدى وأردت أن أربطه إلى سارية من سوارى ~~المسجد ثم ذكرت دعوة أخى سليمان فأرسلته ( فلم يستخدم الجن أصلا لكن دعاهم ~~إلى الايمان بالله وقرأ عليهم القرآن وبلغهم الرسالة وبايعهم كما فعل ~~بالانس # والذى أوتيه ( ( أعظم مما أوتيه سليمان فإنه استعمل الجن والانس فى عبادة ~~الله وحده وسعادتهم فى الدنيا والآخرة لا لغرض يرجع اليه الا ابتغاء وجه ~~الله وطلب مرضاته واختار أن يكون عبدا رسولا على أن يكون نبيا ملكا فداود ~~وسليمان ويوسف أنبياء ملوك وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد رسل عبيد فهو أفضل ~~كفضل السابقين المقربين على الأبرار أصحاب اليمين وكثير ممن يرى هذه ~~العجائب الخارقة يعتقد أنها من كرامات الاولياء وكثير من أهل PageV13P089 ~~الكلام والعلم لم يعرفوا الفرق بين الانبياء والصالحين فى الآيات الخارقة ~~وما لأولياء الشيطان من ذلك من السحرة والكهان والكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب وأهل البدع والضلال من الداخلين فى الاسلام فجعلوا الخوارق جنسا ~~واحدا وقالوا كلها يمكن أن تكون معجزة اذا اقترنت بدعوى النبوة والاستدلال ~~بها والتحدى بمثلها # وإذا ادعى النبوة من ليس بنبى من الكفار والسحرة فلابد أن يسلبه الله ما ~~كان معه من ذلك وأن يقيض له من يعارضه ولو عارض واحد من هؤلاء النبى لأعجزه ~~الله فخاصة المعجزات عندهم مجرد كون المرسل اليهم لا يأتون بمثل ما أتى به ~~النبى مما لم يكن معتادا للناس قالوا ان عجز الناس عن المعارضة خرق عادة ~~فهذه هى المعجزات عندهم وهم ضاهوا سلفهم من المعتزلة الذين قالوا المعجزات ~~هى خرق العادة لكن أنكروا كرامات الصالحين وأنكروا أن يكون السحر والكهانة ~~الا من جنس الشعبذة والحيل لم يعلموا أن الشياطين تعين على ms0406 ذلك وأولئك ~~أثبتوا الكرامات ثم زعموا أن المسلمين أجمعوا على أن هذه لا تكون الا لرجل ~~صالح أو نبى قالوا فاذا ظهرت على يد رجل كان صالحا بهذا الاجماع # وهؤلاء أنفسهم قد ذكروا أنها يكون للسحرة ما هو مثلها وتناقضوا فى ذلك ~~كما قد بسط فى غير هذا الموضع PageV13P090 فصار كثير من الناس لا يعلمون ما ~~للسحرة والكهان وما يفعله الشياطين من العجائب وظنوا أنها لا تكون الا لرجل ~~صالح فصار من ظهرت هذه له يظن أنها كرامة فيقوى قلبه بأن طريقته هى طريقة ~~الاولياء وكذلك غيرهم يظن فيه ذلك ثم يقولون الولى اذا تولى لا يعترض عليه ~~فمنهم من يراه مخالفا لما علم بالاضطرار من دين الرسول مثل ترك الصلاة ~~المفروضة وأكل الخبائث كالخمر والحشيشة والميتة وغير ذلك وفعل الفواحش ~~والفحش والتفحش فى المنطق وظلم الناس وقتل النفس بغير حق والشرك بالله وهو ~~مع ذلك يظن فيه أنه ولى من أولياء الله قد وهبه هذه الكرامات بلا عمل فضلا ~~من الله تعالى ولا يعلمون ان هذه من أعمال الشياطين وان هذه من أولياء ~~الشياطين تضل بها الناس وتغويهم # ودخلت الشياطين فى أنواع من ذلك فتارة يأتون الشخص فى النوم يقول أحدهم ~~أنا أبو بكر الصديق وأنا أتوبك لى وأصير شيخك وأنت تتوب الناس لى ويلبسه ~~فيصبح وعلى رأسه ما ألبسه فلا يشك ان الصديق هو الذى جاءه ولا يعلم انه ~~الشيطان وقد جرى مثل هذا لعدة من المشايخ بالعراق والجزيرة والشام وتارة ~~يقص شعره فى النوم فيصبح فيجد شعره مقصوصا وتارة يقول أنا الشيخ فلان فلا ~~يشك أن الشيخ نفسه جاءه وقص شعره PageV13P091 # وكثيرا ما يستغيث الرجل بشيخه الحى أو الميت فيأتونه فى صورة ذلك الشيخ ~~وقد يخلصونه مما يكره فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه أو أن ملكا تصور بصورته ~~وجاءه ولا يعلم ان ذلك الذى تمثل انما هو الشيطان لما أشرك بالله أضلته ~~الشياطين والملائكة لا تجيب مشركا # وتارة يأتون إلى من هو خال فى البرية وقد ms0407 يكون ملكا أو أميرا كبيرا ويكون ~~كافرا وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف الموت فيأتيه فى صورة انسى ويسقيه ~~ويدعوه إلى الاسلام ويتوبه فيسلم على يديه ويتوبه ويطعمه ويدله على الطريق ~~ويقول من أنت فيقول أنا فلان ويكون ( من مؤمنى الجن # ( كما جرى مثل هذا لى كنت فى مصر فى قلعتها وجرى مثل هذا إلى كثير من ~~الترك من ناحية المشرق وقال له ذلك الشخص أنا ابن تيمية فلم يشك ذلك الأمير ~~انى أنا هو وأخبر بذلك ملك ماردين وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولا ~~وكنت فى الحبس فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس ولكن كان هذا جنيا ~~يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاءوا إلى دمشق كنت ~~أدعوهم إلى الاسلام فاذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم PageV13P092 ما تيسر ~~فعمل معهم مثل ما كنت أعمل وأراد بذلك اكرامى ليظن ذاك انى أنا الذى فعلت ~~ذلك # قال لى طائفة من الناس فلم لا يجوز أن يكون ملكا قلت لا ان الملك لا يكذب ~~وهذا قد قال أنا ابن تيمية وهو يعلم أنه كاذب فى ذلك # وكثير من الناس رأى من قال انى أنا الخضر وانما كان جنيا # ثم صار من الناس من يكذب بهذه الحكايات انكارا لموت الخضر والذين قد ~~عرفوا صدقها يقطعون بحياة الخضر وكلا الطائفتين مخطىء فإن الذين رأوا من ~~قال انى أنا الخضر هم كثيرون صادقون والحكايات متواترات لكن أخطؤا فى ظنهم ~~أنه الخضر وانما كان جنيا ولهذا يجرى مثل هذا لليهود والنصارى فكثيرا ما ~~يأتيهم فى كنائسهم من يقول أنه الخضر وكذلك اليهود يأتيهم فى كنائسهم من ~~يقول أنه الخضر وفى ذلك من الحكايات الصادقة ما يضيق عنه هذا الموضع يبين ~~صدق من رأى شخصا وظن أنه الخضر وأنه غلط فى ظنه أنه الخضر وانما كان جنيا ~~وقد يقول أنا المسيح أو موسى أو محمد أو أبو بكر أو عمر أو الشيخ فلان فكل ~~هذا قد وقع والنبى ( ( قال ( من رآنى ms0408 فى المنام فقد رآنى حقا PageV13P093 ~~فإن الشيطان لا يتمثل فى صورتى ( قال ابن عباس فى صورته التى كان عليها فى ~~حياته وهذه رؤية فى المنام وأما فى اليقظة فمن ظن أنه أحدا من الموتى يجىء ~~بنفسه للناس عيانا قبل يوم القيامة فمن جهله أتى # ومن هنا ضلت النصارى حيث اعتقدوا ان المسيح بعد أن صلب كما يظنون أنه أتى ~~إلى الحواريين وكلمهم ووصاهم وهذا مذكور فى أناجيلهم وكلها تشهد بذلك وذاك ~~الذى جاء كان شيطانا قال أنا المسيح ولم يكن هو المسيح نفسه ويجوز أن يشتبه ~~مثل هذا على الحواريين كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين ولكن ما أخبرهم ~~المسيح قبل أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذى يجب عليهم تبليغه ولم يرفع حتى ~~بلغ رسالات ربه فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء ( # وأصحاب الحلاج لما قتل كان يأتيهم من يقول أنا الحلاج فيرونه فى صورته ~~عيانا وكذلك شيخ بمصر يقال له الدسوقى بعد ان مات كان يأتى أصحابه من جهته ~~رسائل وكتب مكتوبة وارانى صادق من أصحابه الكتاب الذى أرسله فرأيته بخط ~~الجن وقد رأيت خط الجن غير مرة وفيه كلام من كلام الجن وذاك المعتقد يعتقد ~~أن الشيخ حى وكان يقول انتقل ثم مات وكذلك شيخ آخر كان بالمشرق وكان له ~~خوارق من الجن وقيل كان بعد هذا يأتى خواص PageV13P094 أصحابه فى صورته ~~فيعتقدون أنه هو وهكذا الذين كانوا يعتقدون بقاء على أو بقاء محمد بن ~~الحنفية قد كان يأتى إلى بعض أصحابهم جنى فى صورته وكذا منتظر الرافضة قد ~~يراه أحدهم أحيانا ويكون المرئى جنيا # # فهذا باب واسع واقع كثيرا وكلما كان القوم أجهل كان عندهم أكثر ففى ~~المشركين أكثر مما فى النصارى وهو فى النصارى كما هو فى الداخلين فى ~~الاسلام وهذه الأمور يسلم بسببها ناس ويتوب بسببها ناس يكونون أضل من ~~أصحابها فينتقلون بسببها إلى ما هو خير مما كان عليه كالشيخ الذى فيه كذب ~~وفجور من الانس قد يأتيه قوم كفار ms0409 فيدعوهم إلى الاسلام فيسلمون ويصيرون ~~خيرا مما كانوا وان كان قصد ذلك الرجل فاسدا وقد قال النبى ( ( ان الله ~~يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لاخلاق لهم ( # وهذا كالحجج والادلة التى يذكرها كثير من أهل الكلام والرأى فإنه ينقطع ~~بها كثير من اهل الباطل ويقوى بها قلوب كثير من اهل الحق وان كانت فى نفسها ~~باطلة فغيرها أبطل منها والخير والشر درجات فينتفع بها اقوام ينتقلون مما ~~كانوا عليه إلى ما هو خير منه ( # PageV13P095 وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم ~~إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين ~~مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفارا وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوا يظلم ~~فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا ~~كفارا فصاروا مسلمين وذاك كان شرا بالنسبة إلى القائم بالواجب واما بالنسبة ~~إلى الكفار فهو خير # وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة فى الترغيب والترهيب والفضائل والاحكام ~~والقصص قد يسمعها أقوام فينتقلون بها إلى خير مما كانوا عليه وان كانت كذبا ~~وهذا كالرجل يسلم رغبة فى الدنيا ورهبة من السيف ثم اذا أسلم وطال مكثه بين ~~المسلمين دخل الايمان فى قلبه فنفس ذل الكفر الذى كان عليه وانقهاره ودخوله ~~فى حكم المسلمين خير من أن يبقى كافرا فانتقل إلى خير مما كان عليه وخف ~~الشر الذى كان فيه ثم اذا أراد الله هدايته أدخل الايمان فى قلبه # والله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ~~والنبى ( ( دعا الخلق بغاية الامكان PageV13P096 ونقل كل شخص إلى خير مما ~~كان عليه بحسب الامكان @QB@ ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون @QE@ وأكثر المتكلمين يردون باطلا بباطل وبدعة ببدعة لكن قد يردون ~~باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب بباطل المسلمين فيصير الكافر مسلما ~~مبتدعا واخص من هؤلاء من يرد البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها ~~وهى بدعة أهل السنة وقد ذكرنا فيما تقدم أصناف البدع ( # ولا ريب ms0410 أن المعتزلة خير من الرافضة ومن الخوارج فان المعتزلة تقر بخلافة ~~الخلفاء الاربعة وكلهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان وكذلك المعروف عنهم أنهم ~~يتولون عليا ومنهم من يفضله على أبى بكر وعمر ولكن حكى عن بعض متقدميهم أنه ~~قال فسق يوم الجمل احدى الطائفتين ولا أعلم عينها وقالوا أنه قال لو شهد ~~على والزبير لم أقبل شهادتهما لفسق أحدهما لا بعينه ولو شهد على مع آخر ففى ~~قبول شهادته قولان وهذا القول شاذ فيهم والذى عليه عامتهم تعظيم على # ( # ومن المشهور عندهم ذم معاوية وأبى موسى وعمرو بن العاص لأجل على ومنهم من ~~يكفر هؤلاء ويفسقهم بخلاف طلحة والزبير PageV13P097 وعائشة فانهم يقولون أن ~~هؤلاء تابوا من قتاله وكلهم يتولى عثمان ويعظمون أبا بكر وعمر ويعظمون ~~الذنوب فهم يتحرون الصدق كالخوارج لا يختلفون الكذب كالرافضة ولا يرون أيضا ~~اتخاذ دار غير دار الاسلام كالخوارج ولهم كتب فى تفسير القرآن ونصر الرسول ~~ولهم محاسن كثيرة يترجحون على الخوارج والروافض وهم قصدهم اثبات توحيد الله ~~ورحمته وحكمته وصدقه وطاعته واصولهم الخمس عن هذه الصفات الخمس لكنهم غلطوا ~~فى بعض ما قالوه فى كل واحد من أصولهم الخمس فجعلوا من ( التوحيد ( نفى ~~الصفات وانكار الرؤية والقول بأن القرآن مخلوق فوافقوا فى ذلك الجهمية ~~وجعلوا من ( العدل ( أنه لا يشاء ما يكون ويكون ما لا يشاء وأنه لم يخلق ~~أفعال العباد فنفوا قدرته ومشيئته وخلقه لاثبات العدل وجعلوا من الرحمة نفى ~~أمور خلقها لم يعرفوا ما فيها من الحكمة وكذلك هم والخوارج قالوا ب ( انفاذ ~~الوعيد ( ليثبتوا ان الرب صادق لا يكذب اذ كان عندهم قد أخبر بالوعيد العام ~~فمتى لم يقل بذلك لزم كذبه وغلطوا فى فهم الوعيد وكذلك ( الأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر بالسيف ( قصدوا به طاعة الله ورسوله كما يقصده الخوارج ~~والزيدية فغلطوا فى ذلك # وكذلك انكارهم للخوارق غير المعجزات قصدوا به اثبات النبوة PageV13P098 ~~ونصرها وغلطوا فيما سلكوه فان النصر لا يكون بتكذيب الحق وذلك لكونهم لم ~~يحققوا خاصة آيات الانبياء # والأشعرية ms0411 ما ردوه من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم وبينوا ما ~~بينوه من تناقضهم وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة فحصل بما قالوه من ~~بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير # فإن الأشعرى كان من المعتزلة وبقى على مذهبهم أربعين سنة يقرأ على أبى ~~على الجبائى فلما انتقل عن مذهبهم كان خبيرا بأصولهم وبالرد عليهم وبيان ~~تناقضهم وأما ما بقى عليه من السنة فليس هو من خصائص المعتزلة بل هو من ~~القدر المشترك بينهم وبين الجهمية وأما خصائص المعتزلة فلم يوالهم الاشعرى ~~فى شىء منها بل ناقضهم فى جميع أصولهم ومال فى ( مسائل العدل والاسماء ~~والاحكام ( إلى مذهب جهم ونحوه # وكثير من الطوائف ( كالنجارية ( أتباع حسين النجار و ( الضرارية ( أتباع ~~ضرار بن عمرو يخالفون المعتزلة فى القدر والاسماء والاحكام وانفاذ الوعيد ~~والمعتزلة من أبعد الناس عن طريق أهل الكشف والخوارق والصوفية يذمونها ~~ويعيبونها # PageV13P099 وكذلك يبالغون فى ذم النصارى أكثر مما يبالغون فى ذم اليهود ~~وهم إلى اليهود أقرب كما أن الصوفية ونحوهم إلى النصارى أقرب فان النصارى ~~عندهم عبادة وزهد وأخلاق بلا معرفة ولا بصيرة فهم ضالون واليهود عندهم علم ~~ونظر بلا قصد صالح ولا عبادة ولا زهد ولا أخلاق كريمة فهم مغضوب عليهم ~~والنصارى ضالون # قال أبو محمد عبدالرحمن بن أبى حاتم ولا أعلم فى هذا الحرف اختلافا بين ~~المفسرين وروى باسناده عن أبى روق عن ابن عباس وغير طريق الضالين وهم ~~النصارى الذين اضلهم الله بفريتهم عليه يقول فالهمنا دينك الحق وهو لا اله ~~الا الله وحده لا شريك له حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود ولا تضلنا ~~كما أضللت النصارى فتعذبنا كما تعذبهم يقول أمنعنا من ذلك برفقك ورحمتك ~~ورأفتك وقدرتك قال ابن أبى حاتم ولا أعلم فى هذا الحرف اختلافا بين ~~المفسرين وقد قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه ~~من اليهود ومن فسد عبادنا ففيه شبه من النصارى # فأهل الكلام أصل أمرهم هو النظر فى العلم ms0412 ودليله فيعظمون العلم وطريقه ~~وهو الدليل والسلوك فى طريقه وهو النظر # وأهل الزهد يعظمون الارادة والمريد وطريق أهل الارادة PageV13P100 فهؤلاء ~~يبنون أمرهم على الارادة وأولئك يبنون أمرهم على النظر وهذه هى القوة ~~العلمية ولابد لأهل الصراط المستقيم من هذا وهذا ولابد أن يكون هذا وهذا ~~موافقا لما جاء به الرسول # فالايمان قول وعمل وموافقة السنة وأولئك عظموا النظر وأعرضوا عن الارادة ~~وعظموا جنس النظر ولم يلتزموا النظر الشرعى فغلطوا من جهة كون جانب الارادة ~~لم يعظموه وان كانوا يوجبون الاعمال الظاهرة فهم لا يعرفون أعمال القلوب ~~وحقائقها ومن جهة أن النظر لم يميزوا فيه بين النظر الشرعى الحق الذى أمر ~~به الشارع وأخبر به وبين النظر البدعى الباطل المنهى عنه # وكذلك ( الصوفية ( عظموا جنس الارادة ارادة القلب وذموا الهوى وبالغوا فى ~~الباب ولم يميز كثير منهم بين الارادة الشرعية الموافقة لأمر الله ورسوله ~~وبين الارادة البدعية بل أقبلوا على طريق الارادة دون طريقة النظر وأعرض ~~كثير منهم فدخل عليهم الداخل من هاتين الجهتين ولهذا صار هؤلاء يميل اليهم ~~النصارى ويميلون اليهم وأولئك يميل اليهم اليهود ويميلون اليهم وبين اليهود ~~والنصارى غاية التنافر والتباغض # وكذلك بين أهل الكلام والرأى وبين أهل التصوف والزهد PageV13P101 تنافر ~~وتباغض وهذا وهذا من الخروج عن الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # نسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر اخواننا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين # ( فصل ( # فإن قيل فاذا كان فى كتب الاناجيل التى عندهم ان المسيح صلب وأنه بعد ~~الصلب بأيام أتى اليهم وقال لهم أنا المسيح ولا يقولون ان الشيطان تمثل على ~~صورته فالشيطان ليس هو لحم وعظم وهذه أثر المسامير أو نحو هذا الكلام فاين ~~الانجيل الذى قال الله عز وجل فيه @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه @QE@ وقال قبل هذا ^ وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين ~~يديه من التوراه وآتيناه الانجيل فيه هدى ms0413 ونور ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ^ وقد PageV13P102 قال قبل هذا @QB@ ~~وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك ~~بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه ~~شهداء @QE@ وقال أيضا @QB@ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم @QE@ وقال أيضا ^ قل يا أهل ~~الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل اليكم من ربكم ~~وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل اليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم ~~الكافرين ^ وهذا أمر للنبى ( ( بان يقول لأهل الكتاب الذين بعث اليهم وهم ~~من كان فى وقته ومن يأتى من بعدهم إلى يوم القيامة لم يؤمر أن يقول ذلك لمن ~~قد تاب منهم وكذلك قوله @QB@ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ~~@QE@ اخبار عن اليهود الموجودين وان عندهم التوراة فيها حكم الله وكذلك ~~قوله @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه @QE@ هو أمر من الله على ~~لسان محمد لأهل الانجيل ومن لا يؤمر على لسان محمد ( ( # قيل قبل هذا أنه قد قيل ليس فى العالم نسخة بنفس ما أنزل الله فى التوراة ~~والانجيل بل ذلك مبدل فان التوراة انقطع تواترها والانجيل PageV13P103 انما ~~أخذ عن أربعة ثم من هؤلاء من زعم أن كثيرا مما فى التوراة أو الانجيل باطل ~~ليس من كلام الله ومنهم من قال بل ذلك قليل وقيل لم يحرف أحد شيئا من حروف ~~الكتب وانما حرفوا معانيها بالتأويل وهذان القولان قال كلا منهما كثير من ~~المسلمين والصحيح القول الثالث وهو أن فى الأرض نسخا صحيحة وبقيت إلى عهد ~~النبى ( ( ونسخا كثيرة محرفة ومن قال أنه لم يحرف شىء من النسخ فقد قال ما ~~لا يمكنه نفيه ومن قال جميع النسخ بعد ms0414 النبى ( ( حرفت فقد قال ما يعلم أنه ~~خطأ والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله فى التوراة والانجيل ويخبر أن ~~فيهما حكمه وليس فى القرآن خبر أنهم غيروا جميع النسخ # واذا كان كذلك فنقول هو سبحانه قال @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل ~~الله فيه @QE@ وما أنزله الله هو ما تلقوه عن المسيح فاما حكايته لحاله بعد ~~أن رفع فهو مثلها فى التوراة ذكر وفاة موسى عليه السلام ومعلوم أن هذا الذى ~~فى التوراة والانجيل من الخبر عن موسى وعيسى بعد توفيهما ليس هو مما أنزله ~~الله ومما تلقوه عن موسى وعيسى بل هو مما كتبوه مع ذلك للتعريف بحال ~~توفيهما وهذا خبر محض من PageV13P104 الموجودين بعدهما عن حالهما ليس هو ~~مما أنزله الله عليهما ولا هو مما أمرا به فى حياتهما ولا مما أخبرا به ~~الناس # وكذلك ^ لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل اليكم من ~~ربكم ^ وقوله @QB@ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ~~ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم @QE@ فان اقامة الكتاب العمل بما أمر ~~الله به فى الكتاب من التصديق بما أخبر به على لسان الرسول وما كتبه الذين ~~نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ليس هو مما أنزله الله على ~~الرسول ولا مما أمر به ولا أخبر به وقد يقع مثل هذا فى الكتب المصنفة بصنف ~~الشخص كتابا فيذكر ناسخه فى آخره عمر المصنف ونسبه وسنه ونحو ذلك مما ليس ~~هو من كلام المصنف # ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن وان لا يكتب فى المصحف غير ~~القرآن فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس والتعشير ولا آمين ولا غير ذلك ~~والمصاحف القديمة كتبها أهل العلم على هذه الصفة وفى المصاحف من قد كتب ~~ناسخها أسماء السور والتخميس والتعشير والوقف والابتداء وكتب فى آخر المصحف ~~تصديقه ودعا وكتب اسمه ونحو ذلك وليس هذا من القرآن PageV13P105 فهكذا ما ~~فى الانجيل من الخبر عن صلب المسيح وتوفيه ومجيئه بعد رفعه إلى الحواريين ms0415 ~~ليس هو مما قاله المسيح وانما هو مما رآه من بعده والذى أنزله الله هو ما ~~سمع من المسيح المبلغ عن الله # فإن قيل فإذا كان الحواريون قد اعتقدوا ان المسيح صلب وأنه أتاهم بعد ~~ايام وهم الذين نقلوا عن المسيح الانجيل والدين فقد دخلت الشبهة قيل ~~الحواريون وكل من نقل عن الانبياء انما يجب أن يقبل منهم ما نقلوه عن ~~الانبياء فان الحجة فى كلام الانبياء وما سوى ذلك فموقوف على الحجة ان كان ~~حقا قبل والا رد ولهذا كان ما نقله الصحابة عن النبى ( ( من القرآن والحديث ~~يجب قبوله لا سيما المتواتر كالقرآن وكثير من السنن وأما ما قالوه فما ~~أجمعوا عليه فاجماعهم معصوم وما تنازعوا فيه رد إلى الله والرسول وعمر قد ~~كان أولا أنكر موت النبى ( ( حتى رد ذلك عليه أبو بكر وقد تنازعوا فى دفنه ~~حتى فصل أبو بكر بالحديث الذى رواه وتنازعوا فى تجهيز جيش أسامة وتنازعوا ~~فى قتال ما نعى الزكاة فلم يكن هذا قادحا فيما نقلوه عن النبى ( ( # والنصارى ليسوا متفقين على صلب المسيح ولم يشهد أحد منهم PageV13P106 ~~صلبه فان الذى صلب انما صلبه اليهود ولم يكن أحد من أصحاب المسيح حاضرا ~~وأولئك اليهود الذين صلبوه قد اشتبه عليهم المصلوب بالمسيح وقد قيل أنهم ~~عرفوا أنه ليس هوالمسيح ولكنهم كذبوا وشبهوا على الناس والأول هو المشهور ~~وعليه جمهور الناس # وحينئذ فليس عند النصارى خبر عمن يصدقونه بأنه صلب لكن عمدتهم على ذلك ~~الشخص الذى جاء بعد أيام وقال أنا المسيح وذاك شيطان وهم يعترفون بأن ~~الشياطين كثيرا ما تجىء ويدعى ( أحدهم ( أنه نبى أو صالح ويقول أنا فلان ~~النبى أو الصالح ويكون شيطانا وفى ذلك حكايات متعددة مثل حكاية الراهب الذى ~~جاءه جاء وقال أنا المسيح جئت لاهديك فعرف أنه الشيطان فقال أنت قد بلغت ~~الرسالة ونحن نعمل بها فان جئت اليوم بشىء يخالف ذلك لم نقبل منك # فليس عند النصارى واليهود علم بأن المسيح صلب كما قال تعالى @QB@ وإن ~~الذين اختلفوا ms0416 فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن @QE@ وأضاف ~~الخبر عن قتله إلى اليهود بقوله ^ وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى بن مريم ~~رسول الله ^ فانهم بهذا الكلام يستحقون العقوبة اذ كانوا يعتقدون جواز قتل ~~المسيح ومن جوز قتله فهو كمن قتله فهم فى هذا القول كاذبون وهم آثمون وإذا ~~قالوه فخرا لم يحصل لهم الفخر لأنهم لم يقتلوه وحصل الوزر لاستحلالهم ذلك ~~وسعيهم فيه وقد قال النبى PageV13P107 ( ( اذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~فالقاتل والمقتول فى النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ~~قال انه كان حريصا على قتل صاحبه ( # وقوله @QB@ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه @QE@ قيل هم اليهود وقيل ~~النصارى والآية تعم الطائفتين وقوله @QB@ لفي شك منه @QE@ قيل من قتله وقيل ~~منه أى فى شك منه هل صلب أم لا كما اختلفوا فيه فقالت اليهود هو ساحر وقالت ~~النصارى انه اله فاليهود والنصارى اختلفوا هل صلب أم لا وهم فى شك من ذلك ( ~~ما لهم به من علم ( فاذا كان هذا فى الصلب فكيف فى الذى جاء بعد الرفع وقال ~~أنه هو المسيح # ( # فإن قيل ( اذا ( كان الحواريون الذين أدركوه قد حصل هذا فى ايمانهم فأين ~~المؤمنون به الذين قال فيهم @QB@ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا @QE@ ~~وقوله @QB@ فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين @QE@ # قيل ظن من ظن منهم أنه صلب لا يقدح فى ايمانه اذا كان لم يحرف ما جاء به ~~المسيح بل هو مقر بأنه عبدالله ورسوله وكلمته القاها إلى مريم وروح منه ~~فاعتقاده بعد هذا أنه صلب لا يقدح فى PageV13P108 ايمانه فان هذا اعتقاده ~~موته على وجه معين وغاية الصلب أن يكون قتلا له وقتل النبى لا يقدح فى ~~نبوته وقد قتل بنو اسرائيل كثيرا من الانبياء وقال تعالى ^ وكأين من نبى ~~قتل معه ربيون كثير ^ الآية وقال تعالى @QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم @QE@ # وكذلك اعتقاد من ms0417 اعتقد منهم أنه جاء بعد الرفع وكلمهم هو مثل اعتقاد كثير ~~من مشايخ المسلمين أن النبى ( ( جاءهم فى اليقظة فانهم لا يكفرون بذلك بل ~~هذا كان يعتقده من هو من أكثر الناس اتباعا للسنة واتباعا له وكان فى الزهد ~~والعبادة أعظم من غيره وكان يأتيه من يظن أنه رسول الله فهذا غلط منه لا ~~يوجب كفره فكذلك ظن من ظن من الحواريين ان ذلك هو المسيح لا يوجب خروجهم عن ~~الايمان بالمسيح ولا يقدح فيما نقلوه عنه وعمر لما كان يعتقد أن النبى ( ( ~~لم يمت ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وأنه لا يموت حتى يموت أصحابه لم يكن ~~هذا قادحا فى ايمانه وإنما كان غلطا ورجع عنه PageV13P109 ( فصل ( # وقوله تعالى فى هذه @QB@ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن @QE@ هو ذم لهم ~~على اتباع الظن بلا علم وكذلك قوله @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ وكذلك قوله @QB@ وما لهم به من علم إن ~~يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وما ~~يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ~~@QE@ وقوله ^ أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا هدى الا ان يهدى ~~فمالكم كيف تحكمون وما يتبع أكثرهم الا ظنا ان الظن لا يغنى من الحق شيئا ~~ان الله عليم بما يفعلون ^ # فهذه عدة مواضع يذم الله فيها الذين لا يتبعون الا الظن وكذلك قوله @QB@ ~~قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل ~~فلله الحجة البالغة @QE@ مطالبة بالعلم وذم لمن يتبع الظن وما عنده علم ~~وكذلك قوله ^ نبؤنى بعلم ان PageV13P110 كنتم صادقين @QB@ وقوله @QE@ وان ~~كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم ^ وأمثال ذلك ذم لمن عمل بغير علم وعمل ~~بالظن # وقد ثبت فى السنة المتواترة واجماع الامة ان الحاكم ms0418 يحكم بشاهدين وان لم ~~يكن شهود حلف الخصم وفى الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( انكم تختصمون إلى ~~ولعل بعضكم ان يكون الحن بحجته من بعض وانما أقضى بنحو مما اسمع فمن قضيت ~~له من حق أخيه فلا يأخذه فإنما له أقطع قطعة من النار ( # والاجتهاد فى ( تحقيق المناط ( مما اتفق المسلمون عليه ولابد منه كحكم ~~ذوى عدل بالمثل فى جزاء الصيد وكالاستدلال على الكعبة عند الاشتباه ونحو ~~ذلك فلا يقطع به الانسان بل يجوز أن تكون القبلة فى غير جهة اجتهاده كما ~~يجوز اذا حكم أن يكون قد قضى لأحدهما بشىء من حق الآخر وأدلة الاحكام لابد ~~فيها من هذا فان دلالة العموم فى الظواهر قد تكون محتملة للنقيض وكذلك خبر ~~الواحد والقياس وان كان قوم نازعوا فى القياس فالفقهاء منهم لم ينازعوا فى ~~خبر الواحد كالظاهرية ومن نازع فى هذا وهذا لم ينازع فى العموم كالمعتزلة ~~البغداديين وان نازع فى العموم والقياس منازع كبعض الرافضة مثل الموسوى ~~ونحوه لم ينازع فى الاخبار فان الامامية عمدتهم على ما نقل عن الاثنى عشر ~~فلابد لهم من الرواية ولا يوجد من PageV13P111 يستغنى عن الظواهر والاخبار ~~والاقيسة بل لابد أن يعمل ببعض ذلك مع تجويز نقيضه وهذا عمل بالظن والقرآن ~~قد حرم اتباع الظن وقد تنوعت طرق الناس فى جواز هذا فطائفة قالت لا يتبع قط ~~الا العلم ولا يعمل بالظن أصلا وقالوا ان خبر الواحد يفيد العلم وكذلك ~~يقولون فى الظواهر بل يقولون نقطع بخطأ من خالفنا وننقض حكمه كما يقوله ~~داود وأصحابه وهؤلاء عمدتهم انما هو ما يظنونه ظاهرا وأما الاستصحاب ~~فالاستصحاب فى كثير من المواضع من اضعف الادلة وهم فى كثير مما يحتجون به ~~قد لا يكون ما احتجوا به ظاهر اللفظ بل الظاهر خلافه فطائفة قالت لما قام ~~الدليل على وجوب العمل بالظن الراجح كنا متبعين للعلم فنحن نعمل بالعلم عند ~~وجود العلم لا نعمل بالظن وهذه طريقة القاضى أبى بكر وأتباعه # ( # وهنا السؤال المشهور فى ( حد الفقه ( أنه ms0419 العلم بالأحكام الشرعية العملية ~~وقال الرازى العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على اعيانها بحيث لا ~~يعلم كونها من الدين ضرورة قال # فإن قلت الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علما # قلت المجتهد اذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة فى مناط PageV13P112 ~~الحكم قطع بوجوب العمل بما أدى اليه ظنه فالعلم حاصل قطعا والظن واقع فى ~~طريقه وحقيقة هذا الجواب ان هنا مقدمتين ( احداهما ( أنه قد حصل عندى ظن # و ( الثانية ( قد قام الدليل القطعى على وجوب اتباع هذا الظن في ( ~~المقدمة الأولى ( وجدانية و ( الثانية ( عملية استدلالية فليس الظن هنا ~~مقدمة فى الدليل كما توهمه بعضهم لكن يقال العمل بهذا الظن هو حكم اصول ~~الفقه ليس هو الفقه بل الفقه هو ذاك الظن الحاصل بالظاهر وخبر الواحد ~~والقياس والاصول تفيد أن العمل بهذا الظن واجب والا فالفقهاء لا يتعرضون ~~لهذا فهذا الحكم العملى الاصولى ليس هو الفقه وهذا الجواب جواب القاضى أبى ~~بكر وهو بناه على أصله فان عنده كل مجتهد مصيب وليس فى نفس الأمر أمر مطلوب ~~ولا على الظن دليل يوجب ترجيح ظن على ظن بل الظنون عنده بحسب الاتفاق # وقال الغزالى وغيره ممن نصر قوله قد يكون بحسب ميل النفس إلى أحد القولين ~~دون الآخر كميل ذى الشدة إلى قول وذى اللين إلى قول # وحينئذ فعندهم متى وجد المجتهد ظنا فى نفسه فحكم الله فى حقه PageV13P113 ~~اتباع هذا الظن وقد أنكر أبو المعالى وغيره عليه هذا القول انكارا بليغا ~~وهم معذورون فى انكاره فان هذا اولا مكابرة فان الظنون عليها أمارات ودلائل ~~يوجب وجودها ترجيح ظن على ظن وهذا أمر معلوم بالضرورة والشريعة جاءت به ~~ورجحت شيئا على شىء والكلام فى شيئين في اتباع الظن وفى الفقه هل هو من ~~الظنون # أما الأول فالجواب الصحيح هو الجواب الثالث وهو أن كل ما أمر الله تعالى ~~به فانما أمر بالعلم وذلك أنه فى المسائل الخفية عليه أن ينظر فى الادلة ~~ويعمل بالراجح وكون هذا هو الراجح أمر معلوم ms0420 عند أمر مقطوع به وان قدر أن ~~ترجيح هذا على هذا فيه شك عنده لم يعمل به وإذا ظن الرجحان فانما ظنه لقيام ~~دليل عنده على أن هذا راجح وفرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان الإعتقاد اما ~~اعتقاد الرجحان فقد يكون علما وقد لا يعمل حتى يعلم الرجحان واذا ظن ~~الرجحان أيضا فلابد أن يظنه بدليل يكون عنده ارجح من دليل الجانب الآخر ~~ورجحان هذا غير معلوم فلابد أن ينتهى الأمر إلى رجحان معلوم عنده فيكون ~~متبعا لما علم أنه أرجح وهذا اتباع للعلم لا للظن وهو اتباع الاحسن كما قال ~~( فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ( وقال ( الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه ( وقال ( اتبعوا أحسن ما انزل اليكم من ربكم ( فإذا كان ~~PageV13P114 أحد الدليلين هو الارجح فاتباعه هو الأحسن وهذا معلوم # فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره وهو العمل بأرجح ~~الدليلين المتعارضين وحينئذ فما عمل الا بالعلم وهذا جواب الحسن البصرى ~~وأبى وغيرهم والقرآن ذم من لا يتبع الا الظن فلم يستند ظنه إلى علم بأن هذا ~~أرجح من غيره كما قال ( ما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن ( وقال ( هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن ( وهكذا فى سائر المواضع يذم ~~الذين ان يتبعون الا الظن فعندهم ظن مجرد لا علم معه وهم يتبعونه والذي ~~جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس انهم لا يعلمون الا بعلم بان هذا أرجح ~~من هذا فيعتقدون الرجحان اعتقادا عمليا لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن لا ~~يكون المرجوح هو الثابت فى نفس الأمر # وهذا كما ذكر النبى حيث قال ( ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض ~~وانما أقضي بنحو مما أسمع ( فاذا أتى أحد الخصمين بحجة مثل بينة تشهد له ~~ولم يأت الآخر بشاهد معها كان الحاكم عالما بأن حجة هذا أرجح فما حكم إلا ~~بعلم لكن الآخرقد يكون له حجة لا يعلمها أولا يحسن أن يبينها مثل أن يكون ~~قد ms0421 قضاه أو ابرأه وله بينة تشهد بذلك وهو لا يعلمها أولا PageV13P115 ~~يذكرها أولا يجسر ان يتكلم بذلك فيكون هو المضيع لحقه حيث لم يبين حجته ~~والحاكم لم يحكم الا بعلم وعدل وضياع حق هذا كان من عجزه وتفريطه لا من ~~الحاكم # وهكذا أدلة الأحكام فاذا تعارض خبران أحدهما مسند ثابت والآخر مرسل كان ~~المسند الثابت أقوى من المرسل وهذا معلوم لأن المحدث بهذا قد علم عدله ~~وضبطه والآخر لم يعلم عدله ولا ضبطه كشاهدين زكى أحدهما ولم يزك الآخر فهذا ~~المزكى أرجح وان جاز أن يكون فى نفس الأمر قول الآخر هو الحق لكن المجتهد ~~انما عمل بعلم وهو علمه برجحان هذا على هذا ليس ممن لم يتبع الا الظن ولم ~~يكن تبين له إلا بعد الاجتهاد التام فيمن أرسل ذلك الحديث وفى تزكية هذا ~~الشاهد فإن المرسل قد يكون روايه عدلا حافظا كما قد يكون هذا الشاهد عدلا # ونحن ليس معنا علم بانتفاء عدالة الراوي لكن معنا عدم العلم بعدالتهما ~~وقد لا تعلم عدالتهما مع تقويتها ورجحانها فى نفس الأمر فمن هنا يقع الخطأ ~~فى الاجتهاد لكن هذا لا سبيل إلى أن يكلفه العالم أن يدع ما يعلمه إلى أمر ~~لا يعلمه لا مكان ثبوته في نفس الأمر فاذا كان لابد من ترجيح أحد القولين ~~وجب ترجيح هذا الذي علم ثبوته على مالا يعلم ثبوته وان لم يعلم انتفاؤه من ~~جهته فانهما إذا PageV13P116 تعارضا وكانا متناقضين فاثبات أحدهما هو نفي ~~الآخر فهذا الدليل المعلوم قد علم أنه يثبت هذا وينفى ذلك وذلك المجهول ~~بالعكس فاذا كان لابد من الترجيح وجب قطعا ترجيح المعلوم ثبوته على مالم ~~يعلم ثبوته # ولكن قد يقال انه لا يقطع بثبوته وقد قلنا فرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان ~~الإعتقاد أما اعتقاد الرجحان فهو علم والمجتهد ما عمل إلا بذلك العلم وهو ~~اعتقاد رجحان هذا على هذا وأما رجحان هذا الإعتقاد على هذا الإعتقاد فهو ~~الظن لكن لم يكن ممن قال الله فيه ( ان يتبعون إلا ms0422 الظن ) بل هنا ظن رجحان ~~هذا وظن رجحان ذاك وهذا الظن هو الراجح ورجحانه معلوم فحكم بما علمه من ~~الظن الراجح ودليله الراجح وهذا معلوم له لا مظنون عنده وهذا يوجد فى جميع ~~العلوم والصناعات كالطب والتجارة وغير ذلك # وأما الجواب عن قولهم الفقه من باب الظنون فقد أجاب طائفة منهم أبو ~~الخطاب بجواب آخر وهو ان العلم المراد به العلم الظاهر وان جوز أن يكون ~~الأمر بخلافه كقوله @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات @QE@ والتحقيق أن عنه جوابين ~~PageV13P117 # ( أحدهما ( أن يقال جمهور مسائل الفقه التى يحتاج اليها الناس ويفتون بها ~~هي ثابتة بالنص أو الاجماع وإنما يقع الظن والنزاع فى قليل مما يحتاج إليه ~~الناس وهذا موجود فى سائر العلوم وكثير مسائل الخلاف هي فى أمور قليلة ~~الوقوع ومقدرة وأما ما لابد للناس منه من العلم مما يجب عليهم ويحرم ويباح ~~فهو معلوم مقطوع به وما يعلم من الدين ضرورة جزء من الفقه واخراجه من الفقه ~~قول لم يعلم أحد من المتقدمين قاله ولا احترز بهذا القيد أحد الا الرازي ~~ونحوه وجميع الفقهاء يذكرون فى كتب الفقه وجوب الصلاة والزكاة والحج ~~واستقبال القبلة ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة وتحريم الخمر والفواحش ~~وغير ذلك مما يعلم من الدين ضرورة # و ( أيضا ( فكون الشىء معلوما من الدين ضرورة أمر اضافي فحديث العهد ~~بالاسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية فضلا عن كونه يعلمه ~~بالضرورة وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبى سجد للسهو وقضي بالدية ~~على العاقلة وقضى أن الولد للفراش وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة ~~وأكثر الناس لا يعلمه البتة # ( الجواب الثاني ( أن يقال الفقه لا يكون فقها الا من المجتهد المستدل ~~وهو قد علم أن هذا الدليل أرجح وهذا الظن أرجح PageV13P118 فالفقه هو علمه ~~برجحان هذا الدليل وهذا الظن ليس الفقه قطعه بوجوب العمل أي بما أدى اليه ~~اجتهاده بل هذا القطع من أصول الفقه والأصولي يتكلم فى جنس الأدلة ويتكلم ~~كلاما كليلا فيقول يجب اذا تعارض دليلان ms0423 أن يحكم بارجحهما ويقول أيضا اذا ~~تعارض العام والخاص فالخاص أرجح واذا تعارض المسند والمرسل فالمسند ارجح ~~ويقول أيضا العام المجرد عن قرائن التخصيص شموله الأفراد أرجح من عدم شموله ~~ويجب العمل بذلك # فأما الفقيه فيتكلم فى دليل معين فى حكم معين مثل أن يقول قوله @QB@ ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ خاص فى أهل الكتاب ومتأخر ~~عن قوله @QB@ ولا تنكحوا المشركات @QE@ وتلك الآية لا تتناول أهل الكتاب ~~وان تناولتهم فهذا خاص متأخر فيكون ناسخا ومخصصا فهو يعلم أن دلالة هذا ~~النص على الحل أرجح من دلالة ذلك النص على التحريم وهذا الرجحان معلوم عنده ~~قطعا وهذا الفقه الذي يختص به الفقيه هو علم قطعي لا ظني ومن لم يعلم كان ~~مقلدا للأئمة الأربعة والجمهور الذين جوزوا نكاح الكتابيات واعتقاد المقلد ~~ليس بفقه # ولهذا قال المستدل على أعيانها والفقيه قد استدل على عين PageV13P119 ~~الحكم المطلوب والمسؤل عنه وحيث لا يعلم الرجحان فهو متوقف لا قول له وإذا ~~قيل له فقد قال ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) قال هذا نزل عام الحديبية ~~والمراد به المشركات فان سبب النزول يدل على أنهن مرادات قطعا وسورة ~~المائدة بعد ذلك فهي خاص متأخر وذاك عام متقدم والخاص المتأخر أرجح من ~~العام المتقدم # ولهذا لما نزل قوله @QB@ ولا تمسكوا بعصم الكوافر @QE@ فارق عمر امرأة ~~مشركة وكذلك غيره فدل على انهم كانوا ينكحون المشركات إلى حين نزول هذه ~~الآية ولو كانت آية البقرة قد نزلت قبل هذه لم يكن كذلك فدل على أن آية ~~البقرة بعد آية الممتحنة وآية المائدة بعد آية البقرة فهذا النظر وأمثاله ~~هو نظر الفقيه العالم برجحان دليل وظن على دليل وهذا علم لا ظن # فقد تبين أن الظن له أدلة تقتضيه وان العالم إنما يعلم بما يوجب العلم ~~بالرجحان لا بنفس الظن إلا إذا علم رجحانه وأما الظن الذي لا يعلم رجحانه ~~فلا يجوز اتباعه وذلك هو الذي ذم ms0424 الله به من قال فيه ( ان يتبعون الا الظن ~~) فهم لا يتبعون الا الظن ليس عندهم علم ولو كانوا عالمين بأنه ظن راجح ~~لكانوا قد اتبعوا علما لم يكونوا ممن يتبع الا الظن والله أعلم PageV13P120 ~~( # ( فصل ( # فههنا ثلاثة أشياء ( أحدها ( الظن الراجح فى نفس المستدل المجتهد و ( ~~الثانى ( الأدلة التى يسميها بعض المتكلمين أمارات التى تعارضت وعلم ~~المستدل بأن التى أوجبت ذلك الظن أقوى من غيرها # ( الثالث ( انه قد يكون في نفس الأمر دليل آخر على القول الآخر لم يعلم ~~به المستدل وهذا هو الواقع في عامة موارد الاجتهاد فان الرجل قد يسمع نصا ~~عاما كما سمع ابن عمر وغيره أن النبى ( ( نهى عن قطع الخفين وانه أمر أن لا ~~يخرج أحد حتى يودع البيت أو ان ( النبى ( نهى عن لبس الحرير وظاهره العموم ~~وهذا راجح على الاستصحاب النافي للتحريم فعملوا بهذا الراجح وهم يعلمون ~~قطعا أن النهي أولى من الاستصحاب لكن يجوز أن يكون مع الاستصحاب دليل خاص ~~ولكن لما لم يعلموه لم يجز لهم أن يعدلوا عما علموه إلى ما لم يعلموه ~~فكانوا يفتون بأن الحائض عليها الوداع وعليها قطع الخفين وان قليل الحرير ~~وكثيره حرام PageV13P121 وابن الزبير كان يحرمه على الرجال والنساء لعموم ~~قوله ^ من لبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة ^ وكان فى نفس الأمر ~~نصوص خاصة بأن النبى ( ( رخص للحائض أن تنفر بلا وداع وانها تلبس الخفين ~~وغيرهما مما نهى عنه المحرم ولكن تجتنب النقاب والقفازين وانه رخص فى موضع ~~أصبعين أو ثلاث أو أربعة من الحرير كما بين ذلك فى الصحيح فى رواية عمر ولم ~~يعرف به ابنه عبد الله وكان له جبة مكفوفة بالحرير فلما سمع ابن عمر ونحوه ~~هذه النصوص الخاصة رجعوا وعلموا حينئذ انه كان فى نفس الأمر دليل أقوى من ~~الدليل الذي يستصحبوه ولم يعلموا به وهم فى الحالين إنما حكموا بعلم لم ~~يكونوا ممن لم يتبع الا الظن فانهم أولا رجحوا العموم على استصحاب البراءة ~~الأصلية وهذا ترجيح ms0425 بعلم فان هذا راجح بلا ريب والشرع طافح بهذا # فما أوجبه الله أو حرمه فى كتابه كالوضوء والصلاة والحج وغيرهما هي نصوص ~~عامة وما حرمه كالميتة والدم ولحم الخنزير حرمه بنصوص عامة وهي راجحة ~~ومقدمة على البراءة الاصلية النافية للوجوب والتحريم فمن رجح ذلك فقد حكم ~~بعلم وحكم بأرجح الدليلين المعلوم الرجحان ولم يكن ممن لم يتبع إلا الظن ~~لكن لتجويزه أن يكون النص مخصوصا صار عنده ظن راجح ولو علم انه لا تخصيص ~~هناك قطع بالعموم وكذلك PageV13P122 لو علم ارادة نوع قطع بانتفاء الخصوص ~~وهذا القول في سائر الادلة مثل أن يتمسك بنصوص وتكون منسوخة ولم يبلغة ~~الناسخ كالذين نهوا عن الانتباذ فى الأوعية وعن زيارة القبور ولم يبلغهم ~~النص الناسخ وكذلك الذين صلوا إلى بيت المقدس قبل أن يبلغهم النسخ مثل من ~~كان من المسلمين بالبوادي وبمكة والحبشة وغير ذلك وهؤلاء غير الذين كانوا ~~بالمدينة وصلى بعضهم صلاة إلى القبلتين بعضها إلى هذه القبلة وبعضها إلى ~~هذه القبلة لما بلغهم النسخ وهم فى أثناء الصلاة فاستداروا فى صلاتهم من ~~جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة من جهة الشام إلى جهة اليمن # فالقاضي أبو بكر ونحوه من الذين ينفون أن يكون فى الباطن حكم مطلوب ~~بالاجتهاد أو دليل عليه ويقولون ما ثم إلا الظن الذي فى نفس المجتهد ~~والامارات لا ضابط لها وليست أمارة أقوى من امارة فانهم إذا قالوا ذلك ~~لزمهم أن يكون الذى عمل بالمرجوح دون الراجح مخطئا وعندهم ليس فى نفس الأمر ~~خطأ # وأما السلف والأئمة الأربعة والجمهور فيقولون بل الامارات بعضها أقوى من ~~بعض فى نفس الأمر وعلى الانسان أن يجتهد ويطلب الاقوى فاذا رأى دليلا أقوى ~~من غيره ولم ير ما يعارضه عمل به ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وإذا كان فى ~~الباطن ما هو أرجح منه PageV13P123 كان مخطئا معذورا وله أجر على اجتهاده ~~وعمله بما بين له رجحانه وخطؤه مغفور له وذلك الباطن هو الحكم لكن بشرط ~~القدرة على معرفته فمن عجز ms0426 عن معرفته لم يؤاخذ بتركه ( # فإذا أريد بالخطأ الاثم فليس المجتهد بمخطىء بل كل مجتهد مصيب مطيع لله ~~فاعل ما أمره الله به واذا أريد به عدم العلم بالحق فى نفس الأمر فالمصيب ~~واحد وله أجران كما فى المجتهدين فى جهة الكعبة إذا صلوا إلى أربع جهات ~~فالذي أصاب الكعبة واحد وله أجران لاجتهاده وعمله كان أكمل من غيره والمؤمن ~~القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ومن زاده الله علما وعملا زاده أجرا ~~بما زاده من العلم والعمل قال تعالى @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على ~~قومه نرفع درجات من نشاء @QE@ قال مالك عن زيد بن أسلم بالعلم وكذلك قال في ~~قصة يوسف ( ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك الا أن يشاء الله نرفع درجات من ~~نشاء وفوق كل ذى علم عليم ( # وقد تبين ان جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم واتبعوا العلم وان ( الفقه ( ~~من أجل العلوم وانهم ليسوا من الذين لا يتبعون الا الظن لكن بعضهم قد يكون ~~عنده علم ليس عند الآخر اما بان سمع ما لم يسمع الآخر واما بأن فهم ما لم ~~يفهم الآخر كما قال تعالى ^ وداود وسليمان اذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه ~~غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين PageV13P124 ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما ^ # وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال فى الاصول والفروع ولم يفرق أحد ~~من السلف والأئمة بين أصول وفروع # بل جعل الدين ( قسمين ( أصولا وفروعا لم يكن معروفا فى الصحابة والتابعين ~~ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين ان المجتهد الذي استفرغ وسعه فى ~~طلب الحق يأثم لا فى الاصول ولا فى الفروع ولكن هذا التفريق ظهر من جهة ~~المعتزلة وأدخله فى أصول الفقه من نقل ذلك عنهم وحكوا عن عبيد الله بن ~~الحسن العنبرى انه قال كل مجتهد مصيب ومراده انه لا يأثم # وهذا قول عامة الأئمة كابى حنيفة والشافعي وغيرهما # ولهذا يقبلون شهادة أهل الأهواء ويصلون خلفهم ومن ردها كمالك وأحمد فليس ~~ذلك مستلزما لاثمهما لكن المقصود ms0427 انكار المنكر وهجر من أظهر البدعة فاذا ~~هجر ولم يصل خلفه ولم تقبل شهادته كان ذلك منعا له من إظهار البدعة ولهذا ~~فرق أحمد وغيره بين الداعية للبدعة المظهر لها وغيره وكذلك قال الخرقى ومن ~~صلى خلف من يجهر ببدعة أو منكر اعاد وبسط هذا له موضع آخر # PageV13P125 والذين فرقوا بين الأصول والفروع لم يذكروا ضابطا يميز بين ~~النوعين بل تارة يقولون هذا قطعى وهذا ظنى وكثير من مسائل الاحكام قطعى ~~وكثير من مسائل الاصول ظنى عند بعض الناس فان كون الشىء قطعيا وظنيا أمر ~~اضافى وتارة يقولون الأصول هى العلميات الخبريات والفروع العمليات وكثير من ~~العمليات من جحدها كفر كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتارة يقولون ~~هذه عقليات وهذه سمعيات وإذا كانت عقليات لم يلزم تكفير المخطىء فان الكفر ~~حكم شرعى يتعلق بالشرع وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع # # وإذا تدبر الانسان تنازع الناس وجد عند كل طائفة من العلم ما ليس عند ~~الأخرى كما فى مسائل الأحكام مثال ذلك ما تقدم فى الأصول الخمسة التوحيد ~~والعدل والمنزلة بين المنزلتين ومسائل الاسماء والأحكام وانفاذ الوعيد وهى ~~التى توالى المعتزلة من وافقهم عليها ويتبرؤن ممن خالفهم فيها وقد قدمنا ~~أنهم قصدوا توحيد الرب واثبات عدله وحكمته ورحمته وصدقه وطاعة أمره لكن ~~غلطوا فى كل واحدة من هذه الامور كما تقدم # وكذلك الذين ناقضوهم من الجهمية ومن سلك مسلكهم كأبى الحسن الاشعرى ~~وأصحابه فانهم ناقضوهم فى الأصول الخمسة وكان عندهم علم PageV13P126 ليس ~~عند أولئك وكان عند اولئك علم ليس عند هؤلاء وكل من الطائفتين لم تحط علما ~~بما فى الكتاب والسنة من بيان هذه الأمور بل علموا بعضا وجهلوا بعضا فان ~~هؤلاء المجبرة هم فى الحقيقة لا يثبتون لله عدلا ولا حكمة ولا رحمة ولا ~~صدقا # فأولئك قصدوا اثبات هذه الأمور أما العدل فعندهم كل ممكن فهو عدل والظلم ~~عندهم هو الممتنع فلا يكون ثم عدل يقصد فعله وظلم يقصد تركه ولهذا يجوزون ~~عليه فعل كل شىء وان كان قبيحا ms0428 ويقولون القبيح هو ما نهى عنه وهو لا ناهى ~~له ويجوزون الأمر بكل شىء وان كان منكرا وشركا والنهى عن كل شىء وان كان ~~توحيدا ومعروفا فلا ضابط عندهم للفعل فلهذا ألزموهم جواز اظهار المعجزات ~~على يد الكاذب ولم يكن لهم عن ذلك جواب صحيح ولم يذكروا فرقا بين المعجزات ~~وغيرها ولا ما به يعلم صدق النبى ( ( الا اذا نقضوا أصلهم وقد قال الله ~~تعالى ^ شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ^ ~~وعندهم هذا لا فائدة فيه فليس فى الممكن قسط وجور حتى يكون قائما بهذا دون ~~هذا وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع # وكذلك ( الحكمة ( عندهم لا يفعل لحكمة وقد فسروا ( الحكمة ( اما بالعلم ~~واما بالقدرة واما بالارادة ومعلوم أن القادر قد يكون PageV13P127 حكيما ~~ويكون غير حكيم كذلك المريد قد تكون ارادته حكمة وقد تكون سفها والعلم ~~يطابق المعلوم سواء كان حكمة أو سفها فليس عندهم فى نفس الأمر ان الله حكيم ~~وكذلك ( الرحمة ( ما عندهم فى نفس الأمر الا ارادة ترجيح أحد المثلين بلا ~~مرجح نسبتها إلى نفع العباد وضررهم سواء فليس عندهم فى نفس الأمر رحمة ولا ~~محبة أيضا # وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع وبين تناقضهم فى الصفات والافعال حيث ~~أثبتوا الارادة مع نفى المحبة والرضا ومع نفى الحكمة وبين تناقضهم وتناقض ~~كل من اثبت بعض الصفات دون بعض وان المتفلسفة نفاة الارادة أعظم تناقضا ~~منهم فان الرازى ذكر فى المطالب العالية ( مسألة الارادة ( ورجح فيها نفى ~~الارادة لأنه لم يمكنه أن يجيب عن حجة المتفلسفة على أصول أصحابه الجهمية ~~والمعتزلة ففر اليهم وكذلك فى غير هذا من المسائل فهو تارة يرجح قوله قول ~~المتفلسفة وتارة يرجح قول المتكلمة وتارة يحار ويقف واعترف فى آخر عمره بان ~~طريق هؤلاء وهؤلاء لا تشفى عليلا ولا تروى غليلا # وقال قد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ~~ولا تروى غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ فى الاثبات ( الرحمن ms0429 ~~على العرش استوى ( اليه يصعد الكلم PageV13P128 الطيب ( واقرأ فى النفى ( ~~ليس كمثله شىء ( ولا يحيطون به علما ( ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى # فقد تبين أنهم لا يثبتون عدل الرب ولا حكمته ولا رحمته وكذلك الصدق فانهم ~~لما أرادوا أن يقيموا الدليل على أن الله صادق تعذر ذلك عليهم فقالوا الصدق ~~فى الكلام النفسانى واجب لأنه يعلم الأمور ومن يعلم يمتنع أن يقوم فى نفسه ~~خبر بخلاف علمه وعلى هذا اعتمد الغزالى وغيره فقيل لهم هذا ضعيف لوجهين # ( أحدهما ( الصدق فى ذلك المعنى لا ينفع ان لم يثبت الصدق فى العبارات ~~الدالة عليه ويميز بين الأفعال عندهم # ( الثانى ( أنهم أثبتوا الخبر النفسانى فان الانسان يخبرك بالكذب فيقوم ~~فى نفسه معنى ليس هو العلم وهو معنى الخبر فهذا يقتضى انهم يقولون ان ~~العالم قد يقوم فى نفسه خبر بخلاف علمه والرازى لما ذكر مسألة أنه لا يجوز ~~أن يتكلم بكلام ولا يعنى به شيئا خلافا للحشوية قيل له هل قال أحد من طوائف ~~الامة أن الله لا يعنى بكلامه شيئا وانما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم ~~العباد معناه وقيل PageV13P129 له هب أن فى هذا نزاعا فهو لم يقم دليلا على ~~امتناع ذلك بل قال هذا عيب أو نقص والله منزه عنه فقيل له اما أن يريد ~~المعنى القائم بالذات أو العبارات المخلوقة اما الأول فلا يجوز ارادته هنا ~~لأن المسألة هى فيمن يتكلم بالحروف المنظومة ولا يعنى به شيئا وذلك القائم ~~بالذات هو نفس المعنى وان أردت الحروف وهو مراده فتلك عندك مخلوقة ويجوز ~~عندك أن يخلق كل شىء ليس منزها عن فعل من الأفعال والعيب عندك هو ما لا ~~تريده فهذا ممتنع # فتبين أنه ليس لهم حجة لا على صدقه ولا على تنزيهه عن العيب فى خطابه فإن ~~ذلك انما يكون ممن ينزهه عن بعض الافعال وتبين بذلك أنهم لا يثبتون عدله ~~ولا حكمته ولا رحمته ولا صدقه والمعتزلة قصدهم اثبات هذه الأمور ولهذا ~~يذكرونها فى خطبة الصفات ms0430 كما يذكرها أبو الحسين البصرى وغيره كما ذكر فى ~~أول صور الأدلة خطبة مضمونها أن الله واحد عدل ( لا يظلم الناس شيئا ولكن ~~الناس أنفسهم يظلمون ( و ( أنه بالناس لرؤوف رحيم ( وأظن فيها اثبات صدقه ~~ولهذا يكفرون من يجوره أو يكذبه أو يسفهه أو يشبهه ولكن قد غلطوا فى مواضع ~~كثيرة كما قد نبه على هذا فى غير موضع فكلا الطائفتين معها حق وباطل ولم ~~يستوعب الحق الا من اتبع المهاجرين والأنصار وآمن بما جاء به الرسول كله ~~على PageV13P130 وجهه لم يؤمن ببعض ويكفر ببعض وهؤلاء هم أهل الرحمة الذين ~~لا يختلفون بخلاف أولئك المختلفين قال تعالى ^ ولا يزالون مختلفين الا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم ^ # ( فصل ( # والجهمية والمعتزلة مشتركون فى نفى الصفات وابن كلاب ومن تبعه كالأشعرى ~~وأبى العباس القلانسى ومن تبعهم أثبتوا الصفات لكن لم يثبتوا الصفات ~~الاختيارية مثل كونه يتكلم بمشيئته ومثل كون فعله الاختيارى يقوم بذاته ~~ومثل كونه يحب ويرضى عن المؤمنين بعد ايمانهم ويغضب ويبغض الكافرين بعد ~~كفرهم ومثل كونه يرى أفعال العباد بعد أن يعملوها كما قال تعالى @QB@ وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ فاثبت رؤية مستقبلة وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون @QE@ ~~ومثل كونه نادى موسى حين أتى لم يناده قبل ذلك بنداء قام بذاته فان ~~المعتزلة والجهمية يقولون خلق نداء فى الهواء والكلابية والسالمية يقولون ~~النداء قام بذاته وهو قديم لكن سمعه موسى فاستجدوا سماع موسى والا فما زال ~~عندهم مناديا PageV13P131 والقرآن والأحاديث وأقوال السلف والأئمة كلها ~~تخالف هذا وهذا وتبين أنه ناداه حين جاء وأنه يتكلم بمشيئته فى وقت بكلام ~~معين كما قال @QB@ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون @QE@ # والقرآن فيه مئون من الآيات تدل على هذا الأصل واما الأحاديث فلا تحصى ~~وهذا قول أئمة السنة والسلف وجمهور العقلاء ولهذا قال عبدالله بن ms0431 المبارك ~~والامام أحمد بن حنبل وغيرهما لم يزل متكلما اذا شاء وكيف شاء وهذا قول ~~عامة أهل السنة فلهذا اتفقوا على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ولم ~~نعرف عن أحد من السلف أنه قال هو قديم لم يزل والذين قالوا من المتأخرين هو ~~قديم كثير منهم من لم يتصور المراد بل منهم من يقول هو قديم فى علمه ومنهم ~~من يقول قديم أى متقدم الوجود متقدم على ذات زمان المبعث لا أنه أزلى لم ~~يزل ومنهم من يقول بل مرادنا بقديم أنه غير مخلوق وقد بسط الكلام على هذا ~~فى غير هذا الموضع # و # ( المقصود هنا ( أنه على هذا الأصل اذا خلق المخلوقات رآها وسمع اصوات ~~عباده وكان ذلك بمشيئته وقدرته اذ كان خلقه لهم بمشيئته وقدرته وبذلك صاروا ~~يرون ويسمع كلامهم وقد جاء فى PageV13P132 القرآن والسنة فى غير موضع أنه ~~يخص بالنظر والاستماع بعض المخلوقات كقوله ^ ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر ~~اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ملك كذاب وشيخ زان وعائل ~~مستكبر ^ # وكذلك فى ( الاستماع ( قال تعالى @QB@ وأذنت لربها وحقت @QE@ أى استمعت ~~وقال النبى ( ( ما أذن الله لشىء كاذنه لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر ~~به ( وقال ( لله أشد أذنا إلى صاحب القرآن من صاحب القينة إلى قينته ( فهذا ~~تخصيص بالاذن وهو الاستماع لبعض الاصوات دون بعض # وكذلك ( سمع الاجابة ( كقوله ( سمع الله لمن حمده ( وقول الخليل ( انك ~~سميع الدعاء ( وقوله ( ان ربى سميع قريب ( يقتضى التخصيص بهذا السمع فهذا ~~التخصيص ثابت فى الكتاب والسنة وهو تخصيص بمعنى يقوم بذاته بمشيئته وقدرته ~~كما تقدم وعند النفاة هو تخصيص بأمر مخلوق منفصل لا بمعنى يقوم بذاته ~~وتخصيص من يحب بالنظر والاستماع المذكور يقتضى ان هذا النوع منتف عن غيرهم # ) # لكن مع ذلك هل يقال ان نفس الرؤية والسمع الذى هو مطلق الادراك هو من ~~لوازم ذاته فلا يمكن وجود مسموع ومرئى الا PageV13P133 وقد تعلق به كالعلم ~~أو يقال أنه أيضا بمشيئته وقدرته فيمكنه أن ms0432 لا ينظر إلى بعض المخلوقات هذا ~~فيه قولان والأول قول من لا يجعل ذلك متعلقا بمشيئته وقدرته وأما الذين ~~يجعلونه متعلقا بمشيئته وقدرته فقد يقولون متى وجد المرئى والمسموع وجب ~~تعلق الادراك به # والقول الثانى ان جنس السمع والرؤية يتعلق بمشيئته وقدرته فيمكن أن لا ~~ينظر إلى شىء من المخلوقات وهذا هو المأثور عن طائفة من السلف كما روى ابن ~~أبى حاتم عن أبى عمران الجونى قال ما نظر الله إلى شىء من خلقه الا رحمه ~~ولكنه قضى أن لا ينظر اليهم وقد يقال هذا مثل الذكر والنسيان فان الله ~~تعالى قال @QB@ اذكروني أذكركم @QE@ وفى الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( ~~يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه فان ذكرنى فى نفسه ذكرته فى ~~نفسى وان ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم وان تقرب إلى شبرا تقربت اليه ~~ذراعا وان تقرب إلى ذراعا تقربت اليه باعا وان اتانى يمشى أتيته هرولة ( ~~فهذا الذكر يختص بمن ذكره فمن لا يذكره لا يحصل له هذا الذكر ومن آمن به ~~وأطاعه ذكره برحمته ومن اعرض عن الذكر الذى أنزله أعرض عنه كما قال ^ ومن ~~اعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى ~~أعمى وقد كنت بصيرا قال PageV13P134 كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى ^ ومثله قوله ^ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر ~~وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم ^ # وقد فسروا هذا النسيان بأنه وهذا النسيان ضد ذلك الذكر وفى الصحيح فى ~~حديث الكافر يحاسبه قال ( أفظننت أنك ملاقى قال لا قال فاليوم أنساك كما ~~نسيتنى ( فهذا يقتضى أنه لا يذكره كما يذكر أهل طاعته هو متعلق بمشيئته ~~وقدرته ايضا وهو سبحانه قد خلق هذا العبد وعلم ما سيعمله قبل أن يعمله ولما ~~عمل علم ما عمل ورأى عمله فهذا النسيان لا يناقض ما علمه سبحانه من حال هذا # جماع ( الفرقان ( بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وطريق ~~السعادة ms0433 والنجاة وطريق الشقاوة والهلاك ان يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل ~~به كتبه هو الحق الذى يجب اتباعه وبه PageV13P135 يحصل الفرقان والهدى ~~والعلم والايمان فيصدق بأنه حق وصدق وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه ~~فإن وافقه فهو حق وان خالفه فهو باطل وان لم يعلم هل وافقه أو خالفه لكون ~~ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه أو قد عرف مراده ولكن لم يعرف هل جاء ~~الرسول بتصديقه أو تكذيبه فانه يمسك فلا يتكلم الا بعلم والعلم ما قام عليه ~~الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول وقد يكون علم من غير الرسول لكن فى ~~أمور ( دنيوية ( مثل الطب والحساب والفلاحة والتجارة # وأما الأمور ( الالهية والمعارف الدينية ( فهذه العلم فيها مأخذه عن ~~الرسول فالرسول أعلم الخلق بها وأرغبهم فى تعريف الخلق بها وأقدرهم على ~~بيانها وتعريفها فهو فوق كل أحد فى العلم والقدرة والارادة وهذه الثلاثة ~~بها يتم المقصود ومن سوى الرسول اما أن يكون فى علمه بها نقص أو فساد واما ~~أن لا يكون له ارادة فيما علمه من ذلك فلم يبينه اما لرغبة واما لرهبة واما ~~لغرض آخر واما أن يكون بيانه ناقصا ليس بيانه البيان عما عرفه الجنان # وبيان الرسول على وجهين PageV13P136 تارة يبين ( الأدلة العقلية ( الدالة ~~عليها والقرآن مملوء من الأدلة العقلية والبراهين اليقينية على المعارف ~~الالهية والمطالب الدينية وتارة يخبر بها خبرا مجردا لما قد أقامه من ~~الآيات البينات والدلائل اليقينيات على أنه رسول الله المبلغ عن الله وأنه ~~لا يقول عليه الا الحق وأن الله شهد له بذلك وأعلم عباده وأخبرهم أنه صادق ~~مصدوق فيما بلغه عنه والأدلة التى بها نعلم أنه رسول الله كثيرة متنوعة وهى ~~أدلة عقلية تعلم صحتها بالعقل وهى أيضا شرعية سمعية لكن الرسول بينها ودل ~~عليها وأرشد اليها وجميع طوائف النظار متفقون على أن القرآن اشتمل على ~~الأدلة العقلية فى المطالب الدينية وهم يذكرون ذلك فى كتبهم الاصولية وفى ~~كتب التفسير وعامة النظار أيضا يحتجون بالأدلة ms0434 السمعية الخبرية المجردة فى ~~المطالب الدينية فانه اذا ثبت صدق الرسول وجب تصديقه فيما يخبر به ( # و ( العلوم ثلاثة اقسام ( منها ما لا يعلم الا بالأدلة العقلية وأحسن ~~الأدلة العقلية التى بينها القرآن وأرشد اليها الرسول فينبغى أن يعرف أن ~~أجل الأدلة العقلية وأكملها وأفضلها مأخوذ عن الرسول فان من الناس من يذهل ~~عن هذا فمنهم من يقدح فى الدلائل العقلية مطلقا لأنه قد صار فى ذهنه أنها ~~هى الكلام المبتدع الذى أحدثه من أحدثه من المتكلمين ومنهم من يعرض عن تدبر ~~القرآن وطلب الدلائل اليقينية PageV13P137 العقلية منه لأنه قد صار فى ذهنه ~~أن القرآن انما يدل بطريق الخبر فقط فلابد أن يعلم بالعقل قبل ذلك ثبوت ~~النبوة وصدق الخبر حتى يستدل بعد ذلك بخبر من ثبت بالعقل صدقه ومنها ما لا ~~يعلمه غير الأنبياء الا بخبر الانبياء وخبرهم المجرد هو دليل سمعى مثل ~~تفاصيل ما أخبروا به من الأمور الالهية والملائكة والعرش والجنة والنار ~~وتفاصيل ما يؤمر به وينهى عنه # فأما نفس اثبات الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته ~~ونحو ذلك فهذا لا يعلم بالأدلة العقلية وان كانت الأدلة والآيات التى يأتى ~~بها الأنبياء هى أكمل الأدلة العقلية لكن معرفة هذه ليست مقصورة على الخبر ~~المجرد وان كانت أخبار الانبياء المجردة تفيد العلم اليقينى أيضا فيعلم ~~بالأدلة العقلية التى أرشدوا اليها ويعلم بمجرد خبرهم لما علم صدقهم ~~بالأدلة والآيات والبراهين التى دلت على صدقهم # وقد تنازع الناس فى ( العلم بالمعاد وبحسن الأفعال وقبحها ( فأكثر الناس ~~يقولون انه يعلم بالعقل مع السمع والقائلون بان العقل يعلم به الحسن والقبح ~~أكثر من القائلين بأن المعاد يعلم بالعقل قال أبو الخطاب هو قول أكثر ~~الفقهاء والمتكلمين ومنهم من يقول المعاد والحسن والقبح لا يعلم الا بمجرد ~~الخبر وهو قول الأشعرى PageV13P138 وأصحابه ومن وافقهم من أتباع الأئمة ~~كالقاضى أبى يعلى وأبى المعالى الجوينى وأبى الوليد الباجى وغيرهم وكلهم ~~متفقون على أن من العلوم ما يعلم بالعقل والسمع الذى هو مجرد الخبر مثل ms0435 كون ~~أفعال العباد مخلوقة لله أو غير مخلوقة وكون رؤيته ممكنة أو ممتنعة ونحو ~~ذلك # وكتب أصول الدين لجميع الطوائف مملوءة بالاحتجاج بالأدلة السمعية الخبرية ~~لكن الرازى طعن فى ذلك فى ( المطالب العالية ( قال لأن الاستدلال بالسمع ~~مشروط بان لا يعارضه قاطع عقلى فاذا عارضه العقلى وجب تقديمه عليه قال ~~والعلم بانتفاء المعارض العقلى متعذر وهو انما يثبت بالسمع ما علم باضطرار ~~أن الرسول أخبر به كالمعاد وقد يظن أن هذه طريقة أئمته الواقفة فى الوعيد ~~كالأشعرى والقاضى أبى بكر وغيرهما وليس كذلك فان هؤلاء انما وقفوا فى اخبار ~~الوعيد خاصة لأن العموم عندهم لا يفيد القطع أو لأنهم لا يقولون بصيغ ~~العموم وقد تعارضت عندهم الأدلة والا فهم يثبتون الصفات الخبرية لله كالوجه ~~واليد بمجرد السمع والخبر ولم يختلف قول الأشعرى فى ذلك وهو قول أئمة ~~أصحابه لكن أبو المعالى وأتباعه لا يثبتون الصفات الخبرية بل فيهم من ~~ينفيها ومنهم من يقف فيها كالرازى والآمدى فيمكن أن يقال قول الأشعرى ينتزع ~~من قول هؤلاء PageV13P139 بأن يقال لا يعرف أنهم اعتمدوا فى الأصول على ~~دليل سمعى لكن يقال المعاد يحتجون عليه بالقرآن والأحاديث ولكن الرازى هو ~~الذى سلك فيه طريق العلم الضرورى أن الرسول جاء به # وفى ( الحقيقة ( فجميع الأدلة اليقينية توجب علما ضروريا والأدلة السمعية ~~الخبرية توجب علما ضروريا بأخبار الرسول لكن منها ما تكثر أدلته كخبر ~~الأخبار المتواترة ويحصل به علم ضرورى من غير تعيين دليل وقد يعين الأدلة ~~ويستدل بها وبسط هذا له موضع آخر # و ( المقصود هنا ( أن يؤخذ من الرسول العلوم الالهية الدينية سمعيها ~~وعقليها ويجعل ما جاء به هو الأصول لدلالة الأدلة اليقينية البرهانية على ~~أن ما قاله حق جملة وتفصيلا فدلائل النبوة عامتها تدل على ذلك جملة وتفاصيل ~~الأدلة العقلية الموجودة فى القرآن والحديث تدل على ذلك تفصيلا # وأيضا فإن الانبياء والرسل انما بعثوا بتعريف هذا فهم أعلم الناس به ~~وأحقهم بقيامه وأولاهم بالحق فيه وأيضا فمن جرب ما يقولونه ويقوله غيرهم ~~وجد ms0436 الصواب معهم PageV13P140 والخطأ مع مخالفيهم كما قال الرازى مع أنه من ~~أعظم الناس طعنا فى الأدلة السمعية حتى ابتدع قولا ما عرف به قائل مشهور ~~غيره وهو أنها لا تفيد اليقين ومع هذا فانه يقول لقد تأملت الطرق الكلامية ~~والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا تروى غليلا ووجدت أقرب الطرق ~~طريقة القرآن أقرأ فى الاثبات @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ @QB@ الرحمن ~~على العرش استوى @QE@ واقرأ فى النفى ^ ليس كمثله شىء ^ @QB@ ولا يحيطون به ~~علما @QE@ قال ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى # وأيضا فمن اعتبر ما عند الطوائف الذين لم يعتصموا بتعليم الانبياء ~~وارشادهم واخبارهم وجدهم كلهم حائرين ضالين شاكين مرتابين أو جاهلين جهلا ~~مركبا فهم لا يخرجون عن المثلين اللذين فى القرآن @QB@ والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من ~~فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ PageV13P141 ( # ( فصل ( # وأهل الضلال الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم كما قال مجاهد أهل البدع ~~والشبهات يتمسكون بما هو بدعة فى الشرع ومشتبه فى العقل كما قال فيهم ~~الامام أحمد قال هم مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة ~~الكتاب يحتجون بالمتشابه من الكلام ويضلون الناس بما يشبهون عليهم # والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم ثم ~~يعرضون على ذلك القرآن والحديث فان وافقه احتجوا به اعتقادا لا اعتمادا وان ~~خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله وهذا فعل ~~أئمتهم وتارة يعرضون عنه ويقولون نفوض معناه إلى الله وهذا فعل عامتهم # وعمدة الطائفتين فى الباطن غير ما جاء به الرسول يجعلون أقوالهم البدعية ~~محكمة يجب اتباعها واعتقاد موجبها والمخالف اما كافر واما جاهل لا يعرف هذا ~~الباب وليس له علم بالمعقول ولا بالأصول PageV13P142 ويجعلون ms0437 كلام الله ~~ورسوله الذى يخالفها من المتشابه الذى لا يعرف معناه الا الله أو لا يعرف ~~معناه الا الراسخون فى العلم والراسخون عندهم من كان موافقا لهم على ذلك ~~القول وهؤلاء أضل ممن تمسك بما تشابه عليه من آيات الكتاب وترك المحكم ~~كالنصارى والخوارج وغيرهم اذ كان هؤلاء أخذوا بالمتشابه من كلام الله ~~وجعلوه محكما وجعلوا المحكم متشابها # وأما أولئك كنفاة الصفات من الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم ~~وكالفلاسفة فيجعلون ما ابتدعوه هم برأيهم هو المحكم الذى يجب اتباعه وان لم ~~يكن معهم من الأنبياء والكتاب والسنة ما يوافقه ويجعلون ما جاءت به ~~الانبياء وان كان صريحا قد يعلم معناه بالضرورة يجعلونه من المتشابه ولهذا ~~كان هؤلاء أعظم مخالفة للأنبياء من جميع أهل البدع حتى قال يوسف بن اسباط ~~وعبدالله بن المبارك وغيرهما كطائفة من أصحاب أحمد أن الجهمية نفاة الصفات ~~خارجون عن الثنتين وسبعين فرقة قالوا واصولها أربعة الشيعة والخوارج ~~والمرجئة والقدرية # وقد ذكرنا فى غير هذا الموضع أن فى قوله تعالى ^ منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات ( فى المتشابهات قولان PageV13P143 # ( أحدهما ( أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس # ( والثانى ( وهو الصحيح ان التشابه امر نسبى فقد يتشابه عند هذا ما لا ~~يتشابه عند غيره ولكن ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد وتلك ~~المتشابهات اذا عرف معناها صارت غير متشابهة بل القول كله محكم كما قال ~~@QB@ أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ وهذا كقوله ^ الحلال بين والحرام بين وبين ~~ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ^ وكذلك قولهم @QB@ إن البقر ~~تشابه علينا @QE@ # وقد صنف أحمد كتابا فى ( الرد على الزنادقة والجهمية ( فيما شكت فيه من ~~متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله وفسر تلك الآيات كلها وذمهم على أنهم ~~تأولوا ذلك المتشابه على غير تأويله وعامتها آيات معروفة قد تكلم العلماء ~~فى تفسيرها مثل الآيات التى سأل عنها نافع بن الازرق ابن عباس قال الحسن ~~البصرى ما أنزل الله آية الا وهو يحب أن يعلم فيم ms0438 أنزلت وماذا عنى بها # ومن قال من السلف ان المتشابه لا يعلم تأويله الا الله فقد أصاب أيضا ~~ومراده بالتأويل ما استأثر الله بعلمه مثل وقت الساعة ومجىء اشراطها ومثل ~~كيفية نفسه وما أعده فى الجنة لأوليائه PageV13P144 # وكان من اسباب نزول الآية احتجاج النصارى بما تشابه عليهم كقوله ( إنا ( ~~و ( نحن ( وهذا يعرف العلماء أن المراد به الواحد المعظم الذى له أعوان لم ~~يرد به أن الآلهة ثلاثة فتأويل هذا الذى هو تفسيره يعلمه الراسخون ويفرقون ~~بين ما قيل فيه ( إياى ( وما قيل فيه ( إنا ( لدخول الملائكة فيما يرسلهم ~~فيه اذ كانوا رسله وأما كونه هو المعبود الاله فهو له وحده ولهذا لا يقول ~~فايانا فاعبدوا ولا ايانا فارهبوا بل متى جاء الأمر بالعبادة والتقوى ~~والخشية والتوكل ذكر نفسه وحده باسمه الخاص واذا ذكر الافعال التى يرسل ~~فيها الملائكة قال ( انا فتحنا لك فتحا مبينا ( فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ( ~~نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ( ونحو ذلك مع أن تأويل هذا وهو حقيقة ~~ما دل عليه من الملائكة وصفاتهم وكيفية ارسال الرب لهم لا يعلمه الا الله ~~كما قد بسط فى غير هذا الموضع # # و ( المقصود هنا ( أن الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل ~~ويتدبر معناه ويعقل ويعرف برهانه ودليله اما العقلى واما الخبرى السمعى ~~ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا وتجعل أقوال الناس التى قد توافقه وتخالفه ~~متشابهة مجملة فيقال لأصحاب هذه الالفاظ يحتمل كذا وكذا ويحتمل كذا وكذا ~~فان أرادوا بها ما PageV13P145 يوافق خبر الرسول قبل وان أرادوا بها ما ~~يخالفه رد # وهذا مثل لفظ ( المركب ( و ( الجسم ( و ( المتحيز ( و ( الجوهر ( و ( ~~الجهة ( و ( العرض ( ونحو ذلك ولفظ ( الحيز ( ونحو ذلك فان هذه الالفاظ لا ~~توجد فى الكتاب والسنة بالمعنى الذى يريده أهل هذا الاصطلاح بل ولا فى ~~اللغة أيضا بل هم يختصمون بالتعبير بها على معان لم يعبر غيرهم عن تلك ~~المعانى بهذه الألفاظ فيفسر تلك المعانى بعبارات أخرى ويبطل ما دل ms0439 عليه ~~القرآن بالأدلة العقلية والسمعية وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من ~~الباطل وعرف وجه الكلام على أدلتهم فانها ملفقة من مقدمات مشتركة يأخذون ~~اللفظ المشترك فى احدى المقدمتين بمعنى وفى المقدمة الأخرى بمعنى آخر فهو ~~فى صورة اللفظ دليل وفى المعنى ليس بدليل كمن يقول سهيل بعيد من الثريا لا ~~يجوز أن يقترن بها ولا يتزوجها والذى قال % أيها المنكح الثريا سهيلا % $ # أراد امرأة اسمها الثريا ورجلا اسمه سهيل ثم قال % عمرك الله كيف يلتقيان ~~% PageV13P146 # هى شامية اذا ما استقلت % وسهيل اذا است يمان % $ وهذا لفظ مشترك فجعل ~~يعجبه وانكاره من الظاهر من جهة اللفظ المشترك وقد بسط الكلام على أدلتهم ~~المفصلة فى غير موضع # والأصل الذى بنى عليه نفاة الصفات وعطلوا ما عطلوه حتى صار منتهاهم إلى ~~قول فرعون الذى جحد الخالق وكذب رسوله موسى فى أن الله كلمه هو استدلالهم ~~على حدوث العالم بأن الأجسام محدثة واستدلالهم على ذلك بأنها لا تخلو من ~~الحوادث ولم تسبقها وما لم يخل من الحوادث ولم يسبقها فهو محدث وهذا أصل ~~قول الجهمية الذين أطبق السلف والأئمة على ذمهم وأصل قول المتكلمين الذين ~~أطبقوا على ذمهم وقد صنف الناس مصنفات متعددة فيها اقوال السلف والأئمة فى ~~ذم الجهمية وفى ذم هؤلاء المتكلمين # ( # والسلف لم يذموا جنس الكلام فان كل آدمى يتكلم ولا ذموا الاستدلال والنظر ~~والجدل الذى أمر الله به رسوله والاستدلال بما بينه الله ورسوله بل ولا ~~ذموا كلاما هو حق بل ذموا الكلام الباطل وهو المخالف للكتاب والسنة وهو ~~المخالف للعقل أيضا وهو الباطل فالكلام الذى ذمه السلف هو الكلام الباطل ~~وهو المخالف للشرع والعقل PageV13P147 ولكن كثير من الناس خفى عليه بطلان ~~هذا الكلام فمنهم من اعتقده موافقا للشرع والعقل حتى اعتقد أن إبراهيم ~~الخليل استدل به ومن هؤلاء من يجعله أصل الدين ولا يحصل الايمان أو لا يتم ~~الا به ولكن من عرف ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة علم بالاضطرار ~~أن الرسول والصحابة لم يكونوا ms0440 يسلكون هذا المسلك فصار من عرف ذلك يعرف أن ~~هذا بدعة وكثير منهم لا يعرف أنه فاسد بل يظن مع ذلك أنه صحيح من جهة العقل ~~لكنه طويل أو يبعد المعرفة أو هو طريق مخيفة مخطر يخاف على سالكه فصاروا ~~يعيبونه كما يعاب الطريق الطويل والطريق المخيف مع اعتقادهم أنه يوصل إلى ~~المعرفة وأنه صحيح فى نفسه وأما الحذاق العارفون تحقيقه فعلموا أنه باطل ~~عقلا وشرعا وأنه ليس بطريق موصل إلى المعرفة بل انما يوصل لمن اعتقد صحته ~~إلى الجهل والضلال ومن تبين له تناقضه أوصله إلى الحيرة والشك # ولهذا صار حذاق سالكيه ينتهون إلى الحيرة والشك اذ كان حقيقته أن كل ~~موجود فهو حادث مسبوق بالعدم وليس فى الوجود قديم وهذا مكابرة فان الوجود ~~مشهود وهو اما حادث واما قديم والحادث لابد له من قديم فثبت وجود القديم ~~على التقديرين PageV13P148 # وكذلك ما ابتدعه فى هذه الطريق ابن سينا وأتباعه من الاستدلال بالممكن ~~على الواجب أبطل من ذلك كما قد بسط ذلك فى غير هذا الموضع وحقيقته أن كل ~~موجود فهو ممكن ليس فى الوجود موجود بنفسه مع أنهم جعلوا هذا طريقا لاثبات ~~الواجب بنفسه كما يجعل أولئك هذا طريقا لاثبات القديم وكلاهما يناقض ثبوت ~~القديم والواجب فليس فى واحد منهما اثبات قديم ولا واجب بنفسه مع أن ثبوت ~~موجود قديم وواجب بنفسه معلوم بالضرورة # ولهذا صار حذاق هؤلاء إلى أن الموجود الواجب والقديم هو العالم بنفسه ~~وقالوا هو الله وأنكروا أن يكون للعالم رب مباين للعالم اذ كان ثبوت القديم ~~الواجب بنفسه لابد منه على كل قول وفرعون ونحوه ممن أنكر الصانع ما كان ~~ينكر هذا الوجود المشهود فلما كان حقيقة قول أولئك يستلزم أنه ليس موجود ~~قديم ولا واجب لكنهم لا يعرفون أن هذا يلزمهم بل يظنون أنهم أقاموا الدليل ~~على اثبات القديم الواجب بنفسه # ولكن وصفوه بصفات الممتنع فقالوا لا داخل العالم ولا خارجه ولا هو صفة ~~ولا موصوف ولا يشار اليه ونحو ذلك من الصفات السلبية ms0441 التى تستلزم عدمه وكان ~~هذا مما تنفر عنه العقول والفطر ويعرف أن هذا صفة المعدوم الممتنع لا صفة ~~الموجود فدليلهم فى نفس PageV13P149 الأمر يستلزم أنه ما ثم قديم ولا واجب ~~ولكن ظنوا أنهم أثبتوا القديم والواجب وهذا الذى أثبتوه هو ممتنع فما ~~أثبتوا قديما ولا واجبا # فجاء آخرون من جهميتهم فرأوا هذا مكابرة ولابد من اثبات القديم والواجب ~~فقالوا هو هذا العالم فكان قدماء الجهمية يقولون أنه بذاته فى كل مكان ~~وهؤلاء قالوا هو عين الموجودات والموجود القديم الواجب هو نفس الموجود ~~المحدث الممكن والحلول هو الذى أظهرته الجهمية للناس حتى عرفه السلف ~~والأئمة وردوه وأما حقيقة قولهم فهو النفى أنه لا داخل العالم ولا خارجه ~~ولكن هذا لم تسمعه الأئمة ولم يعرفوا أنه قولهم الا من باطنهم ولهذا كان ~~الأئمة يحكون عن الجهمية أنه فى كل مكان ويحكون عنهم وصفه بالصفات السلبية ~~وشاع عند الناس أن الجهمية يصفونه بالسلوب حتى قال أبو تمام % جهمية ~~الأوصاف الا أنها % قد حليت بمحاسن الأشياء % $ # وهم لم يقصدوا نفى القديم والواجب فان هذا لا يقصده أحد من العقلاء لا ~~مسلم ولا كافر اذ كان خلاف ما يعلمه كل أحد ببديهة عقله فانه اذا قدر أن ~~جميع الموجودات حادثة عن عدم لزم أن كل الموجودات حدثت بأنفسها ومن المعلوم ~~ببداهة العقول أن الحادث PageV13P150 لا يحدث بنفسه ولهذا قال تعالى ^ أم ~~خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون ( وقد قيل ( أم خلقوا من غير شىء ^ من غير ~~رب خلقهم وقيل من غير مادة وقيل من غير عاقبة وجزاء والأول مراد قطعا فان ~~كل ما خلق من مادة أو لغاية فلابد له من خالق # ومعرفة الفطر أن المحدث لابد له من محدث أظهر فيها من أن كل محدث لابد له ~~من مادة خلق منها وغاية خلق لها فان كثيرا من العقلاء نازع فى هذا وهذا ولم ~~ينازع فى الأول طائفة قالت ان هذا العالم حدث من غير محدث أحدثه بل من ~~الطوائف من قال أنه قديم ms0442 بنفسه واجب بنفسه ليس له صانع واما أن يقول أنه ~~محدث حدث بنفسه بلا صانع فهذا لا يعرف عن طائفة معروفة وانما يحكى عمن لا ~~يعرف # ومثل هذا القول وأمثاله يقوله من يقوله ممن حصل له فساد فى عقله صار به ~~إلى السفسطة والسفسطة تعرض لآحاد الناس وفى بعض الأمور ولكن أمة من الأمم ~~كلهم سوفسطائية فى كل شىء هذا لا يتصور فلهذا لا يعرف عن أمة من الأمم أنهم ~~قالوا بحدوث العالم من غير محدث # وهؤلاء لما اعتقدوا أن كل موصوف أو كل ما قامت به صفة أو PageV13P151 فعل ~~بمشيئته فهو محدث وممكن لزمهم القول بحدوث كل موجود اذ كان الخالق جل جلاله ~~متصفا بما يقوم به من الصفات والأمور الاختياريات مثل أنه متكلم بمشيئته ~~وقدرته ويخلق ما يخلقه بمشيئته وقدرته لكن هؤلاء اعتقدوا انتفاء هذه الصفات ~~عنه لاعتقادهم صحة القول بأن ما قامت به الصفات والحوادث فهو حادث لأن ذلك ~~لا يخلو من الحوادث وما لم يخل من الحوادث فهو حادث واذا كان حادثا كان له ~~محدث قديم واعتقدوا أنهم أثبتوا الرب وأنه ذات مجردة عن الصفات ووجوده مطلق ~~لا يشار اليه ولا يتعين ويقولون هو بلا اشارة ولا تعيين وهذا الذى أثبتوه ~~لا حقيقة له فى الخارج وإنما هو فى الذهن فكان ما اثبتوه واعتقدوا أنه ~~الصانع للعالم # انما يتحقق فى الأذهان لا فى الأعيان وكان حقيقة قولهم تعطيل الصانع فجاء ~~اخوانهم فى أصل المقالة وقالوا هذا الوجود المطلق المجرد عن الصفات هو ~~الوجود الساري فى الموجودات فقالوا بحلوله فى كل شىء # وقال آخرون منهم هو وجود كل شىء ومنهم من فرق بين الوجود والثبوت ومنهم ~~من فرق بين التعيين والاطلاق ومنهم من جعله فى العالم كالمادة فى الصورة ~~ومنهم من جعله فى العالم كالزبد فى PageV13P152 اللبن وكالزيت والشيرج فى ~~السمسم والزيتون وقد بسط الكلام على هؤلاء فى غير هذا الموضع # و ( المقصود هنا ( أن الأصل الذى أضلهم قولهم ما قامت به الصفات والأفعال ~~والأمور الاختيارية أو ms0443 الحوادث فهو حادث ثم قالوا والجسم لا يخلو من ~~الحوادث وأثبتوا ذلك بطرق منهم من قال لا يخلو عن الأكوان الأربعة الحركة ~~والسكون والاجتماع والافتراق ومنهم من قال لا يخلو عن الحركة والسكون فقط ~~ومنهم من قال لا يخلو عن الاعراض والاعراض كلها حادثة وهى لا تبقى زمانين ~~وهذه طريقة الآمدى وزعم أن أكثر أصحاب الاشعرية اعتمدوا عليها والرازى ~~اعتمد على طريقة الحركة والسكون # وقد بسط الكلام على هذه الطرق وجميع ما احتجوا به على حدوث الجسم وامكانه ~~وذكرنا فى ذلك كلامهم هم أنفسهم فى فساد جميع هذه الطرق وأنهم هم بينوا ~~فساد جميع ما استدل به على حدوث الجسم وامكانه وبينوا فسادها طريقا طريقا ~~بما ذكروه كما قد بسط هذا فى غير هذا الموضع # الهشامية والكرامية وغيرهم ممن يقول بأنه جسم قديم فقد شاركوهم فى أصل ~~هذه المقالة لكن لم يقولوا بحدوث كل جسم ولا PageV13P153 قالوا ان الجسم لا ~~ينفك عن الحوادث اذ كان القديم عندهم جسما قديما وهو خال من الحوادث وقد ~~قيل أول من قال فى الاسلام أن القديم جسم هو هشام بن الحكم كما أن أول من ~~أظهر فى الاسلام نفى الجسم هو الجهم بن صفوان # وكلام السلف والأئمة فى ذم الجهمية كثير مشهور فان مرض التعطيل شر من مرض ~~التجسيم وانما كان السلف يذمون المشبهة كما قال الامام أحمد بن حنبل رضى ~~الله عنه واسحاق بن راهويه وغيرهما قالوا المشبهة الذين يقولون بصر كبصرى ~~ويد كيدى وقدم كقدمى وابن كلاب ومن تبعه أثبتوا الصفات التى لا تتعلق ~~بمشيئته وقدرته ( فاما التى تتعلق بمشيئته وقدرته ( فينفونها قالوا لأنها ~~حادثة ولو قامت به الحوادث لكان حادثا لأن ما قبل الشىء لم يخل عنه وعن ضده ~~فلو قبل بعض هذه الحوادث لم يخل منه ومن ضده فلم يخل من الحوادث فيكون ~~حادثا # و ( محمد بن كرام ( كان بعد ابن كلاب فى عصر مسلم بن الحجاج أثبت أنه ~~يوصف بالصفات الاختياريات ويتكلم بمشيئته وقدرته ولكن عنده يمتنع أنه كان ms0444 ~~فى الأزل متكلما بمشيئته وقدرته لامتناع حوادث لا أول لها فلم يقل بقول ~~السلف أنه لم يزل متكلما اذا شاء بل قال أنه صار يتكلم بمشيئته وقدرته كما ~~صار يفعل بمشيئته وقدرته بعد ان لم يكن كذلك وقال هو وأصحابه فى المشهور ~~عنه PageV13P154 أن الحوادث التى تقوم به لا يخلو منها ولا يزول عنها لأنه ~~لو قامت به الحوادث ثم زالت عنه كان قابلا لحدوثها وزوالها واذا كان قابلا ~~لذلك لم يخل منه وما لم يخل من الحوادث فهو حادث وانما يقبل على أصلهم أنه ~~تقوم به الحوادث فقط كما يقبل أن يفعلها ويحدثها ولا يلزم من ذلك أنها لم ~~تخل منه كما لم يلزم أنه لم يزل فاعلا لها والحدوث عندهم غير الاحداث ~~والقرآن عندهم حادث لا محدث لأن المحدث يفتقر إلى احداث بخلاف الحدوث # وهم اذا قالوا كان خاليا منها فى الأزل وكان ساكنا لم يقولوا أنه قام به ~~حادث بل يقولون السكون أمر عدمى كما يقوله الفلاسفة ولكن الحركة أمر وجودى ~~بخلاف ما يقوله ( من يقوله ( من المعتزلة والأشعرية أن السكون أمر وجودى ~~كالحركة فاذا حصل به حادث لم يكن ثم عدم هذا الحادث فانما يعدم الحادث ~~باحداث يقوم به وهذا ممتنع وهم يقولون أنه يمتنع عدم الجسم وعندهم أن ~~البارى يقوم به احداث المخلوقات وافناؤها فالحوادث التى تقوم بهم تقوم به ~~لو أفناها لقام به الاحداث والافناء فكان قابلا لأن يحدث فيه حادث ويفنى ~~ذلك الحادث وما كان كذلك لم يخل من احداث وافناء فلم يخل من الحوادث وما لم ~~يخل منها فهو حادث وإنما كان كذلك لأن القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده ~~كما قالت الكلابية لكن المعتزلة يقولون PageV13P155 السكون ضد الحركة ~~فالقابل لأحدهما لا يخلو عنه وعن الاخر وهؤلاء يقولون السكون ليس بضد وجودى ~~بل هو عدمى وإنما الوجودى هو الاحداث والافناء فلو قبل قيام الاحداث ~~والافناء به لكان قابلا لقيام الاضداد الوجودية والقابل للشىء لا يخلو عنه ~~وعن # ضده وهؤلاء لما أراد ms0445 منازعوهم ابطال قولهم كان عمدتهم بيان تناقض أقوالهم ~~كما ذكر ذلك أبو المعالى وأتباعه وكما ذكر الآمدى تناقضهم من وجوه كثيرة قد ~~ذكرت فى غير هذا الموضع وغايتها أنها تدل على مناقضتهم لا على صحة مذهب ~~المنازع # وثم طائفة كثيرة تقول أنه تقوم به الحوادث وتزول وانه كلم موسى بصوت وذلك ~~الصوت عدم وهذا مذهب أئمة السنة والحديث من السلف وغيرهم وأظن الكرامية لهم ~~فى ذلك قولان والا فالقول بفناء الصوت الذى كلم به موسى من جنس القول بقدمه ~~كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام والحديث والفقه من السالمية وغيرهم ~~ومن الحنبلية والشافعية والمالكية يقول أنه كلم موسى بصوت سمعه موسى وذلك ~~الصوت قديم وهذا القول يعرف فساده ببديهة العقل وكذلك قول من يقول كلمه ~~بصوت حادث وان ذلك الصوت باق لا يزال هو وسائر ما يقوم به من الحوادث هى ~~أقوال يعرف فسادها بالبديهة PageV13P156 وإنما أوقع هذه الطوائف فى هذه ~~الأقوال ذلك الأصل الذى تلقوه عن الجهمية وهو أن ما لم يخل من الحوادث فهو ~~حادث وهو باطل عقلا وشرعا وهذا الأصل فاسد مخالف للعقل والشرع وبه استطالت ~~عليهم الفلاسفة الدهرية فلا للاسلام نصروا ولا لعدوه كسروا بل قد خالفوا ~~السلف والأئمة وخالفوا العقل والشرع وسلطوا عليهم وعلى المسلمين عدوهم من ~~الفلاسفة والدهرية والملاحدة بسبب غلطهم فى هذا الأصل الذى جعلوه أصل دينهم ~~ولو اعتصموا بما جاء به الرسول لوافقوا المنقول والمعقول وثبت لهم الأصل ~~ولكن ضيعوا الأصول فحرموا الوصول والأصول اتباع ما جاء به الرسول # وأحدثوا اصولا ظنوا أنها أصول ثابتة وكانت كما ضرب الله المثلين مثل ~~البناء والشجرة فقال فى المؤمنين والمنافقين ( افمن أسس بنيانه على تقوى من ~~الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به فى نار جهنم ~~والله لا يهدى القوم الظالمين ( وقال ( ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~اصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة ms0446 خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ~~الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة ~~الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ( والأصول مأخوذة ~~PageV13P157 من اصول الشجرة وأساس البناء ولهذا يقال فيه الأصل ما ابتنى ~~عليه غيره أو ما تفرع عنه غيره # فالأصول الثابتة هى أصول % الأنبياء كما قيل % أيها المغتدى لتطلب علما % ~~كل علم عبد لعلم الرسول % تطلب الفرع كى تصحح حكما % ثم أغفلت أصل أصل ~~الأصول % $ # والله يهدينا وسائر اخواننا المؤمنين إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # وهذه الأصول ينبنى عليها ما فى القلوب ويتفرع عليها وقد ضرب الله مثل ~~الكلمة الطيبة التى فى قلوب المؤمنين ومثل الكلمة الخبيثة التى فى قلوب ~~الكافرين و ( الكلمة ( هى قضية جازمة وعقيدة جامعة ونبينا ( ( أوتى فواتح ~~الكلام وخواتمه وجوامعه فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والاخرية على ~~أتم قضية فالكلمة الطيبة فى قلوب المؤمنين وهى العقيدة الايمانية التوحيدية ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء فاصل أصول الايمان ثابت فى قلب ~~المؤمن كثبات اصل الشجرة الطيبة وفرعها فى السماء ^ اليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح PageV13P158 يرفعه ^ والله سبحانه مثل الكلمة الطيبة أى كلمة ~~التوحيد بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء # فبين بذلك أن الكلمة الطيبة لها أصل ثابت فى قلب المؤمن ولها فرع عال وهى ~~ثابتة فى قلب ثابت كما قال يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة ~~الدنيا وفى الآخرة فالمؤمن عنده يقين وطمأنينة والايمان فى قلبه ثابت مستقر ~~وهو فى نفسه ثابت على الايمان مستقر لا يتحول عنه والكلمة الخبيثة ^ كشجرة ~~خبيثة اجتثت من فوق الأرض ^ استؤصلت واجتثت كما يقطع الشىء يجتث من فوق ~~الأرض ^ ما لها من قرار ^ لا مكان تستقر فيه ولا استقرار فى المكان فان ~~القرار يراد به مكان الاستقرار كما قال تعالى ^ بئس القرار ^ وقال ^ جعل ~~لكم الأرض قرارا ^ ويقال فلان ما له قرار أى ثبات وقد ms0447 فسر القرار فى الآية ~~بهذا وهذا فالمبطل ليس قوله ثابتا فى قلبه ولا هو ثابت فيه ولا يستقر كما ~~قال تعالى فى المثل الآخر ^ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث فى الأرض ^ فإنه وان اعتقده مدة فانه عند الحقيقة يخونه كالذى يشرك ~~بالله فعند الحقيقة يضل عنه ما كان يدعو من دون الله # وكذلك الأفعال الباطلة التى يعتقدها الانسان عند الحقيقة تخونه ولا تنفعه ~~بل هى كالشجرة الخبيثة التى اجتثت من فوق الأرض ما لها PageV13P159 من قرار ~~فمن كان معه كلمة طيبة أصلها ثابت كان له فرع فى السماء يوصله إلى الله ~~فانه سبحانه @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ ومن لم ~~يكن معه أصل ثابت فانه يحرم الوصول لأنه ضيع الأصول ولهذا تجد أهل البدع ~~والشبهات لا يصلون إلى غاية محمودة كما قال تعالى ( له دعوة الحق والذين ~~يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشىء الا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ~~وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين الا فى ضلال ( ( # والله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب بان يكون هو المعبود وحده لا شريك له ~~وانما يعبد بما أمر به على ألسن رسله # وأصل عبادته معرفته بما وصف به نفسه فى كتابه وما وصفه به رسله ولهذا كان ~~مذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسله من غير تحريف ~~ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل والذين ينكرون بعض ذلك ما قدروا الله حق ~~قدره وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته ولا عبدوه حق عبادته # والله سبحانه قد ذكر هذه الكلمة ^ ما قدروا الله حق قدره ^ فى ثلاث مواضع ~~ليثبت عظمته فى نفسه وما يستحقه من الصفات وليثبت وحدانيته وأنه لا يستحق ~~العبادة الا هو وليثبت ما أنزله على PageV13P160 رسله فقال فى الزمر @QB@ ~~وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة @QE@ الآية وقال فى ~~الحج @QB@ ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره @QE@ وقال فى الانعام ms0448 ~~^ وما قدروا الله حق قدره اذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء ^ وفى ~~المواضع الثلاثة ذم الذين ما قدروه حق قدره من الكفار فدل ذلك على أنه يجب ~~على المؤمن أن يقدر الله حق قدره كما يجب عليه أن يتقيه حق تقاته وأن يجاهد ~~فيه حق جهاده قال تعالى @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده @QE@ وقال @QB@ ~~اتقوا الله حق تقاته @QE@ والمصدر هنا مضاف إلى المفعول والفاعل مراد أى حق ~~جهاده الذى أمركم به وحق تقاته التى أمركم بها واقدروه قدره الذى بينه لكم ~~وأمركم به فصدقوا الرسول فيما أخبر وأطيعوه فيما أوجب وأمر وأما ما يخرج عن ~~طاقة البشر فذلك لا يذم أحد على تركه قالت عائشة فاقدروا قدر الجارية ~~الحديثة السن الحريصة على اللهو # ودلت الآية على أن له قدرا عظيما لا سيما قوله @QB@ وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ وفى ~~تفسير ابن أبى طلحة عن ابن عباس قال من آمن بأن الله على كل شىء قدير فقد ~~قدر الله حق قدره PageV13P161 وقد ثبت فى الصحيحين من حديث ابن مسعود أن ~~النبى ( ( قرأ هذه الآية لما ذكر له بعض اليهود أن الله يحمل السموات على ~~أصبع والارضين على اصبع والجبال على أصبع والشجر والثرى على أصبع وسائر ~~الخلق على أصبع فضحك رسول الله ( ( تعجبا وتصديقا لقول الحبر وقرأ هذه ~~الآية وعن ابن عباس قال مر يهودى بالنبى ( ( فقال يا أبا القاسم ما تقول ~~اذا وضع الله السماء على ذه والأرض على ذه والجبال والماء على ذه وسائر ~~الخلق على ذه فأنزل الله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ رواه الإمام أحمد والترمذى ~~من حديث أبى الضحى عن ابن عباس وقال غريب حسن صحيح # وهذا يقتضى أن عظمته أعظم مما وصف ذلك الحبر فان الذى فى الآية أبلغ كما ~~فى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى ( ( قال ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ~~ويطوى السماء ms0449 بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وفى الصحيحين عن ابن ~~عمر قال قال رسول الله ( ( يطوى الله السموات يوم القيامة يوم يأخذهن بيده ~~اليمنى ثم يقول اين الملوك أين الجبارون PageV13P162 اين المتكبرون ( ورواه ~~مسلم أبسط من هذا وذكر فيه أنه يأخذ الأرض بيده الأخرى # وقد روى ابن أبى حاتم حدثنا أبى ثنا عمرو بن رافع ثنا يعقوب بن عبدالله ~~عن جعفر عن سعيد بن جبير قال تكلمت اليهود فى صفة الرب تبارك وتعالى فقالوا ~~ما لم يعلموا ولم يروا فأنزل الله على نبيه @QB@ وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون @QE@ فجعل صفته التى وصفوه بها شركا # وقال حدثنا أبى ثنا أبو نعيم ثنا الحكم يعنى أبا معاذ عن الحسن قال عمدت ~~اليهود فنظروا فى خلق السموات والأرض والملائكة فلما فرغوا أخذوا يقدرونه ~~فأنزل الله تعالى على نبيه @QB@ وما قدروا الله حق قدره @QE@ وهذا يدل على ~~أنه أعظم مما وصفوه وأنهم لم يقدروه حق قدره # وقوله @QB@ عما يشركون @QE@ فكل من جعل مخلوقا مثلا للخالق فى شىء من ~~الأشياء فأحبه مثل ما يحب الخالق أو وصفة بمثل ما يوصف به الخالق فهو مشرك ~~سوى بين الله وبين المخلوق فى شىء من الأشياء فعدل بربه والرب تعالى لا كفؤ ~~له ولا سمى له ولا مثل له ومن PageV13P163 جعله مثل المعدوم والممتنع فهو ~~شر من هؤلاء فانه معطل ممثل والمعطل شر من المشرك # # والله ثنى قصة فرعون فى القرآن فى غير موضع لاحتياج الناس إلى الاعتبار ~~بها فانه حصل له من الملك ودعوى الربوبية والالهية والعلو ما لم يحصل مثله ~~لأحد من المعطلين وكانت عاقبته إلى ما ذكر الله تعالى وليس لله صفة يماثله ~~فيها غيره فلهذا لم يجز أن يستعمل فى حقه قياس التمثيل ولا قياس الشمول ~~الذى تستوى أفراده فان ذلك شرك اذ سوى فيه بالمخلوق بل قياس الأولى فانه ~~سبحانه @QB@ له المثل الأعلى في السماوات والأرض @QE@ فهو أحق من ms0450 غيره ~~بصفات الكمال وأحق من غيره بالتنزيه عن صفات النقص # وقد بسطت هذه الأمور فى غير هذا الموضع وبين أن من جعله الوجود المطلق ~~والمقيد بالسلب أو ذاتا مجردة فهؤلاء مثلوه بأنقص المعقولات الذهنية وجعلوه ~~دون الموجودات الخارجية والنفاة الذين قصدوا اثبات حدوث العالم باثبات حدوث ~~الجسم لم يثبتوا بذلك حدوث شىء كما قد بين في موضعه ( # ثم انهم جعلوا عمدتهم فى تنزيه الرب عن النقائص على نفى الجسم ومن سلك ~~هذا المسلك لم ينزه الله عن شىء من النقائص البتة فإنه PageV13P164 ما من ~~صفة ينفيها لأنها تستلزم التجسيم وتكون من صفات الاجسام الا يقال له فيما ~~أثبته نظير ما يقوله هو فى نفس تلك الصفة # فإن كان مثبتا لبعض الصفات قيل له القول فى هذه الصفة التى تنفيها كالقول ~~فيما أثبته فان كان هذا تجسيما وقولا باطلا فهذا كذلك وان قلت أنا أثبت هذا ~~على الوجه الذى يليق بالرب قيل له وكذلك هذا وان قلت أنا أثبته وأنفى ~~التجسيم قيل وهذا كذلك فليس لك أن تفرق بين المتماثلين # وإن كان ممن يثبت الأسماء وينفى الصفات كالمعتزلة قيل له فى الصفات ما ~~يقوله هو فى الأسماء فاذا كان يثبت حيا عالما قادرا وهو لا يعرف من هو متصف ~~بذلك الا جسما كان اثبات أن له علما وقدرة كما نطق به الكتاب والسنة كذلك # وإن كان ممن لا يثبت لا الاسماء ولا الصفات كالجهمية المحضة والملاحدة ~~قيل له فلابد أن تثبت موجودا قائما بنفسه وأنت لا تعرف ذلك الا جسما وان ~~قال لا اسميه باسم لا اثبات ولا نفى قيل له سكوتك لا ينفى الحقائق ولا ~~واسطة بين النفى والاثبات فاما أن يكون حقا ثابتا موجودا وإما أن يكون ~~باطلا معدوما PageV13P165 وأيضا فإن كنت لم تعرفه فأنت جاهل فلا تتكلم وان ~~عرفته فلابد أن تميز بينه وبين غيره بما يختص به مثل أن تقول رب العالمين ~~أو القديم الأزلى أو الموجود بنفسه ونحو ذلك وحينئذ فقد اثبت حيا موجودا ~~قائما بنفسه ms0451 وأثبته فاعلا وأنت لا تعرف ما هو كذلك الا الجسم # وأن قدر أنه جاحد له قيل له فهذا الوجود مشهود فان كان قديما أزليا ~~موجودا بنفسه فقد يثبت جسم قديم أزلى موجود بنفسه وهو ما فررت منه وان كان ~~مخلوقا مصنوعا فله خالق خلقه ولابد أن يكون قديما أزليا فقد ثبت الموجود ~~القائم بنفسه القديم الأزلى على كل تقدير وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع # وهنا قد نبهنا على ذلك هو أنه كل من بنى تنزيهه للرب عن النقائص والعيوب ~~على نفى الجسم فانه لا يمكنه أن ينزهه عن عيب أصلا بهذه الحجة وكذلك من جعل ~~عمدته نفى التركيب ومن تدبر ما ذكروه فى كتبهم تبين له أنهم لم يقيموا حجة ~~على وجوده فلا هم أثبتوه وأثبتوا له ما يستحقه ولا نزهوه ونفوا عنه ما لا ~~يجوز عليه اذ كان اثباته هو اثبات حدوث الجسم ولم يقيموا على ذلك دليلا ~~والنفى اعتمدوا فيه على ذلك وهم متناقضون فيه لو PageV13P166 كانوا أقاموا ~~دليلا على نفى كونه جسما فكيف اذا لم يقيموا على ذلك دليلا وتناقضوا # وهذا مما يتبين لك أن من خرج عن الكتاب والسنة فليس معه علم لا عقلى ولا ~~سمعى لا سيما فى هذا المطلوب الاعظم لكنهم قد يكونون معتقدين لعقائد صحيحة ~~عرفوها بالفطرة العقلية وبما سمعوه من القرآن ودين المسلمين فقلوبهم تثبت ~~ما تثبت وتنفى ما تنفى بناء على هذه الفطرة المكملة بالشرعة المنزلة لكنهم ~~سلكوا هذه الطرق البدعية وليس فيها علم أصلا ولكن يستفاد من كلامهم ابطال ~~بعضهم لقول المبطل الآخر وبيان تناقضه # ولهذا لما ذكروا المقالات الباطلة فى الرب جعلوا يردونها بان ذلك تجسيم ~~كما فعل القاضى أبو بكر فى هداية المسترشدين وغيره فلم يقيموا حجة على ~~أولئك المبطلين وردوا كثيرا مما يقول اليهود بأنه تجسيم وقد كان اليهود عند ~~النبى ( ( بالمدينة وكانوا أحيانا يذكرون له بعض الصفات كحديث الحبر وقد ذم ~~الله اليهود على أشياء كقولهم @QB@ إن الله فقير @QE@ وإن يده مغلولة وغير ~~ذلك ولم ms0452 يقل النبى ( ( قط أنهم يجسمون ولا ان فى التوراة تجسيما ولا عابهم ~~بذلك ولا رد هذه الأقوال الباطلة بأن هذا تجسيم كما فعل ذلك من فعله من ~~النفاة PageV13P167 فتبين أن هذه الطريقة مخالفة للشرع والعقل وانها مخالفة ~~لما بعث الله به رسوله ولما فطر عليه عباده وان أهلها من جنس الذين @QB@ ~~قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ # وقد بينا فى غير هذا الموضع فساد ما ذكره الرازى من أن طريقة الوجوب ~~والامكان من أعظم الطرق وبينا فسادها وأنها لا تفيد علما وأنهم لم يقيموا ~~دليلا على اثبات واجب الوجود وان طريقة الكمال أشرف منها وعليها اعتماد ~~العقلاء قديما وحديثا وهو قد اعترف فى آخر عمره بأنه قد تأمل الطرق ~~الكلامية والمناهج الفلسفية فما وجدها تشفى عليلا ولا ترى غليلا ووجد أقرب ~~الطرق طريقة القرآن # وطريقة الوجوب والامكان لم يسلكها أحد قبل ابن سينا وهو أخذها من كلام ~~المتكلمين الذين قسموا الوجود إلى محدث وقديم فقسمه هو إلى واجب وممكن ~~ليمكنه القول بأن الفلك ممكن مع قدمه وخالف بذلك عامة العقلاء من سلفه وغير ~~سلفه وخالف نفسه فانه قد ذكر فى المنطق ما ذكره سلفه من أن الممكن لا يكون ~~الا محدثا كما قد بسط الكلام عليه فى غير هذا الموضع # ثم ان هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة انتهت بهم إلى قول فرعون فإن ~~PageV13P168 فرعون جحد الخالق وكذلك موسى فى أن الله كلمه وهؤلاء ينتهى ~~قولهم إلى جحد الخالق وإن أثبتوه قالوا أنه لا يتكلم ولا نادى أحدا ولا ~~ناجاه # وعمدتهم فى نفى ذاته على نفى الجسم وفى نفى كلامه وتكليمه لموسى على أنه ~~لا تحله الحوادث فلا يبقى عندهم رب ولا مرسل فحقيقة قولهم يناقض شهادة أن ~~لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فان الرسول هو المبلغ لرسالة مرسله ~~والرسالة هى كلامه الذى بعثه به فاذا لم يكن متكلما لم تكن رسالة # ولهذا اتفق الانبياء على أن الله يتكلم ومن لم يقل أنه ms0453 يتكلم بمشيئته ~~وقدرته كلاما يقوم بذاته لم يقل أنه يتكلم والنفاة منهم من يقول الكلام صفة ~~فعل بمعنى أنه مخلوق بائن عنه ومنهم من يقول هو صفة ذات بمعنى أنه كالحياة ~~يقوم بذاته وهو لا يتكلم بمشيئته وقدرته وكل طائفة مصيبة فى ابطال باطل ~~الأخرى # والدليل يقوم على أنه صفة ذات وفعل تقوم بذات الرب والرب يتكلم بمشيئته ~~وقدرته فادلة من قال انه صفة فعل كلها انما تدل على أنه يتكلم بقدرته ~~ومشيئته وهذا حق وأدلة من قال انه صفة ذات انما تدل على أن كلامه يقوم ~~بذاته وهذا حق واما من أثبت أحدهما PageV13P169 كمن قال ان كلامه مخلوق أو ~~قال أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته فهؤلاء فى الحقيقة لم يثبتوا أنه يتكلم ~~ولا أثبتوا له كلاما ولهذا يقولون ما لا يعقل هذا يقول أنه معنى واحد قام ~~بالذات وهذا يقول حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته وهذا يقول ~~مخلوق بائن عنه # ولهذا لما ظهر لطائفة من اتباعهم ما فى قولهم من الفساد ولم يعرفوا عين ~~هذه الأقوال الثلاثة حاروا وتوقفوا وقالوا نحن نقر بما عليه عموم المسلمين ~~من أن القرآن كلام الله وأما كونه مخلوقا أو بحرف وصوت أو معنى قائم بالذات ~~فلا نقول شيئا من هذا # ومعلوم أن الهدى فى هذه الأصول ومعرفة الحق فيها هو معرفة ما جاء به ~~الرسول وهو الموافق لصريح المعقول أنفع وأعظم من كثير مما يتكلمون فيه من ~~العلم لا سيما والقلوب تطلب معرفة الحق فى هذه بالفطرة ولما قد رأوا من ~~اختلاف الناس فيها # وهؤلاء يذكرون هذا الوقف فى عقائدهم وفيما صنفوه فى أصول الدين كما قد ~~رأيت منهم من أكابر شيوخ العلم والدين بمصر والشام قد صنفوا فى أصول الدين ~~ما صنفوه ولما تكلموا فى ( مسألة القرآن ( وهل هو مخلوق أو قديم أو هو ~~الحروف والأصوات أو معنى قائم بالذات نهوا عن هذه الأقوال وقالوا الواجب أن ~~يقال ما قاله PageV13P170 المسلمون كلهم أن القرآن كلام الله ويمسك عن هذه ms0454 ~~الأقوال # وهؤلاء توقفوا عن حيرة وشك ولهم رغبة فى العلم والهدى والدين وهم من أحرص ~~الناس على معرفة الحق فى ذلك وغيره لكن لم يعلموا الا هذه الأقوال الثلاثة ~~قول المعتزلة والكلابية والسالمية وكل طائفة تبين فساد قول الأخرى وفى كل ~~قول من الفساد ما يوجب الامتناع من قبوله ولم يعلموا قولا غير هذه فرضوا ~~بالجهل البسيط وكان أحب اليهم من الجهل المركب وكان اسباب ذلك أنهم وافقوا ~~هؤلاء على أصل قولهم ودينهم وهو الاستدلال على حدوث الاجسام وحدوث العالم ~~بطريقة أهل الكلام المبتدع كما سلكها من ذكرته من أجلاء شيوخ أهل العلم ~~والدين والاستدلال على امكانها بكونها مركبة كما سلك الشيخ الآخر وهذا ينفى ~~عن الواجب أن يكون جسما بهذه الطريقة وذلك نفى عنه أنه جسم بتلك الطريقة ~~وحذاق النظار الذين كانوا أخبر بهذه الطرق وأعظم نظرا واستدلالا بها ~~وبغيرها قد عرفوا فسادها كما قد بسط فى غير هذا الموضع # والله سبحانه قد أخبر أنه @QB@ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله @QE@ وأخبر أنه ^ ينصر رسله والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ^ ~~والله سبحانه يجزى الانسان بجنس عمله فالجزاء من جنس العمل فمن خالف الرسل ~~عوقب بمثل ذنبه فان كان قد قدح فيهم PageV13P171 ونسب ما يقولونه إلى أنه ~~جهل وخروج عن العلم والعقل ابتلى فى عقله وعلمه وظهر من جهله ما عوقب به ~~ومن قال عنهم أنهم تعمدوا الكذب أظهر الله كذبه ومن قال أنهم جهال أظهر ~~الله جهله ففرعون وهامان وقارون لما قالوا عن موسى أنه ساحر كذاب أخبر الله ~~بذلك عنهم فى قوله ^ ولقد ارسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وهامان وقارون ~~فقالوا ساحر كذاب ^ وطلب فرعون أهلاكه بالقتل وصار يصفه بالعيوب كقوله @QB@ ~~وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~في الأرض الفساد @QE@ وقال @QB@ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين @QE@ أهلك الله فرعون وأظهر كذبه وافتراءه على الله وعلى رسله وأذله ~~غاية الاذلال وأعجزه ms0455 عن الكلام النافع فلم يبين حجة وفرعون هذه الأمة أبو ~~جهل كان يسمى أبا الحكم ولكن النبى ( ( سماه أبا جهل وهو كما سماه رسول ~~الله ( ( أبو جهل أهلك به نفسه وأتباعه فى الدنيا والآخرة # والذين قالوا عن الرسول أنه أبتر وقصدوا أنه يموت فينقطع ذكره عوقبوا ~~بانبتارهم كما قال تعالى @QB@ إن شانئك هو الأبتر @QE@ فلا يوجد من شنأ ~~الرسول الا بتره الله حتى أهل البدع المخالفون لسنته قيل لأبى بكر بن عياش ~~أن بالمسجد قوما يجلسون للناس ويتكلمون بالبدعة PageV13P172 فقال من جلس ~~للناس جلس الناس اليه لكن أهل السنة يبقون ويبقى ذكرهم وأهل البدعة يموتون ~~ويموت ذكرهم # وهؤلاء المشبهون لفرعون الجهمية نفاة الصفات الذين وافقوا فرعون فى جحده ~~وقالوا أنه ليس فوق السموات وان الله لم يكلم موسى تكليما كما قال فرعون ( ~~يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الاسباب اسباب السموات فاطلع إلى اله موسى ~~وانى لأظنه كاذبا ( # وكان فرعون جاحدا للرب فلولا أن موسى أخبره أن ربه فوق العالم لما قال ~~@QB@ أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا @QE@ قال تعالى @QB@ وكذلك زين ~~لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان ~~على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين ~~واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه ~~وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون ~~إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة هم من المقبوحين @QE@ ومحمد ( ( لما عرج به إلى ربه وفرض عليه ~~الصلوات PageV13P173 الخمس ذكر أنه رجع إلى موسى وان موسى قال له ارجع إلى ~~ربك فسله التخفيف إلى أمتك كما تواتر هذا فى أحاديث المعراج فموسى صدق ~~محمدا فى أن ربه فوق وفرعون كذب موسى فى أن ربه فوق فالمقرون بذلك متبعون ~~لموسى ومحمد والمكذبون ms0456 بذلك موافقون لفرعون وهذه الحجة مما اعتمد عليها غير ~~واحد من النظار وهى مما اعتمد عليها أبو الحسن الاشعرى فى كتابه ( الابانة ~~( وذكر عدة أدلة عقلية وسمعية على أن الله فوق العالم وقال فى أوله فإن قال ~~قائل قد أنكرتم قول الجهمية والقدرية والخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة ~~فعرفونا قولكم الذى به تقولون وديانتكم التى بها تدينون # قيل له قولنا الذى نقول به وديانتنا التى ندين بها التمسك بكتاب ربنا ~~وسنة نبينا وما جاء عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وبما كان يقول به ~~أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل قائلون ولما خالف قوله مجانبون فانه ~~الامام الكامل والرئيس الفاضل الذى أبان الله به الحق وأوضح به المناهج ~~وزقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمه الله من امام مقدم ~~PageV13P174 وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين وذكر جملة الإعتقاد ~~والكلام على علو الله على العرش وعلى الرؤية ومسألة القرآن ونحو ذلك وهذا ~~مبسوط فى غير هذا الموضع # و ( المقصود هنا ( أن المعطلة نفاة الصفات أو نفاة بعضها لا يعتمدون فى ~~ذلك على ما جاء به الرسول اذ كان ما جاء به الرسول انما يتضمن الاثبات لا ~~النفى لكن يعتمدون فى ذلك على ما يظنونه أدلة عقلية ويعارضون بذلك ما جاء ~~به الرسول # وحقيقة قولهم أن الرسول لم يذكر فى ذلك ما يرجع اليه لا من سمع ولا عقل ~~فلم يخبر بذلك خبرا بين به الحق على زعمهم ولا ذكر أدلة عقلية تبين الصواب ~~فى ذلك على زعمهم بخلاف غير هذا فانهم معترفون بان الرسول ذكر فى القرآن ~~ادلة عقلية على ثبوت الرب وعلى صدق الرسول # وقد يقولون أيضا أنه أخبر بالمعاد لكن نفوا الصفات لما رأوا ان ما ذكروه ~~من النفى لم يذكره الرسول فلم يخبر به ولا ذكر دليلا عقليا عليه بل انما ~~ذكر الاثبات وليس هو فى نفس الأمر حقا فاحوج الناس إلى التأويل أو التفويض ~~فلما نسبوا ما جاء به الرسول إلى أنه ليس فيه لا دليل ms0457 سمعى ولا عقلى لا خبر ~~يبين الحق ولا PageV13P175 دليل يدل عليه عاقبهم الله بجنس ذنوبهم فكان ما ~~يقولونه فى هذا الباب خارجا عن العقل والسمع مع دعواهم أنه من العقليات ~~البرهانية فاذا اختبره العارف وجده من الشبهات الشيطانية من جنس شبهات أهل ~~السفسطة والالحاد الذين يقدحون فى العقليات والسمعيات # وأما السمع فخلافهم له ظاهر لكل أحد وانما يظن من يعظمهم ويتبعهم أنهم ~~أحكموا العقليات فاذا حقق الأمر وجدهم كما قال أهل النار @QB@ لو كنا نسمع ~~أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ وكما قال تعالى ^ والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور ^ # فلما كان حقيقة قولهم أن القرآن والحديث ليس فيه فى هذا الباب دليل سمعى ~~ولا عقلى سلبهم فى هذا الباب معرفة الأدلة السمعية والعقلية حتى كانوا من ~~اضل البرية مع دعواهم أنهم أعلم من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين بل قد ~~يدعون أنهم أعلم من النبيين وهذا ميراث من فرعون وحزبه اللعين # PageV13P176 # وقد قيل ان أول من عرف أنه أظهر فى الاسلام التعطيل الذى تضمنه قول فرعون ~~هو الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبدالله القسرى وقال ايها الناس ضحوا ~~تقبل الله ضحاياكم انى مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل ~~فذبحه وشكر له علماء المسلمين ما فعله كالحسن البصرى وغيره # وهذا الجعد اليه ينسب مروان بن محمد الجعدى آخر خلفاء بنى أمية وكان شؤمه ~~عاد عليه حتى زالت الدولة فانه اذا ظهرت البدع التى تخالف دين الرسل انتقم ~~الله ممن خالف الرسل وانتصر لهم ولهذا لما ظهرت الملاحدة الباطنية وملكوا ~~الشام وغيرها ظهر فيها ms0458 النفاق والزندقة الذى هو باطن أمرهم وهو حقيقة قول ~~فرعون ( انكار الصانع وانكار عبادته ( وخيار ما كانوا يتظاهرون به الرفض ~~فكان خيارهم وأقربهم إلى الإسلام الرافضة وظهر بسببهم الرفض والالحاد حتى ~~كان من كان ينزل الشام مثل بنى حمدان الغالية ونحوهم متشيعين وكذلك من كان ~~من بنى بويه فى المشرق # وكان ابن سينا وأهل بيته من أهل دعوتهم قال وبسبب ذلك اشتغلت فى الفلسفة ~~وكان مبدأ ظهورهم من حين تولى المقتدر ولم يكن بلغ بعد وهو مبدأ انحلال ~~الدولة العباسية ولهذا سمى حينئذ بأمير المؤمنين الاموى الذى كان بالاندلس ~~وكان قبل ذلك لا يسمى PageV13P177 بهذا الاسم ويقول لا يكون للمسلمين ~~خليفتان فلما ولى المقتدر قال هذا صبى لا تصح ولايته فسمى بهذا الاسم # وكان بنوا عبيدالله القداح الملاحدة يسمون بهذا الاسم لكن هؤلاء كانوا فى ~~الباطن ملاحدة زنادقة منافقين وكان نسبهم باطلا كدينهم بخلاف الاموى ~~والعباسى فان كلاهما نسبه صحيح وهم مسلمون كأمثالهم من خلفاء المسلمين # فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء ~~فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة وأخذوا الثغور الشامية ~~شيئا بعد شىء إلى أن أخذوا بيت المقدس فى أواخر المائة الرابعة وبعد هذا ~~بمدة حاصروا دمشق وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين ~~الملاحدة إلى أن تولى نور الدين الشهيد وقام بما قام به من أمر الاسلام ~~واظهاره والجهاد لأعدائه ثم استنجد به ملوك مصر بنوا عبيد على النصارى ~~فانجدهم وجرت فصول كثيرة إلى أن أخذت مصر من بنى عبيد أخذها صلاح الدين ~~يوسف بن سادى وخطب بها لبنى العباس فمن حينئذ ظهر الاسلام بمصر بعد أن مكثت ~~بايدى المنافقين المرتدين عن دين الاسلام مائة سنة فكان PageV13P178 # الايمان بالرسول والجهاد عن دينه سببا لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع ~~والالحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة # فلما ظهر فى الشام ومصر والجزيرة الالحاد والبدع سلط عليهم الكفار ولما ~~اقاموا ما اقاموه من الاسلام وقهر الملحدين والمبتدعين نصرهم ms0459 الله على ~~الكفار تحقيقا لقوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من ~~الله وفتح قريب وبشر المؤمنين @QE@ # وكذلك لما كان أهل المشرق قائمين بالاسلام كانوا منصورين على الكفار ~~المشركين من الترك والهند والصين وغيرهم فلما ظهر منهم ما ظهر من البدع ~~والالحاد والفجور سلط عليهم الكفار قال تعالى ^ وقضينا إلى بنى اسرائيل فى ~~الكتاب لتفسدن فى الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فاذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ~~ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ان ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان اسأتم فلها فاذا جاء وعد الاخرة PageV13P179 ~~ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ~~عسى ربكم أن يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ^ # وكان بعض المشايخ يقول هولاكو ملك الترك التتار الذى قهر الخليفة بالعراق ~~وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جدا يقال قتل منهم ألف ألف وكذلك قتل بحلب دار ~~الملك حينئذ كان بعض الشيوخ يقول هو للمسلمين بمنزلة بخت نصر لبنى اسرائيل # وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الالحاد والنفاق والبدع حتى ~~أنه صنف الرازى كتابا فى عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر سماه ( السر ~~المكتوم فى السحر ومخاطبة النجوم ( ويقال أنه صنفه لام السلطان علاء الدين ~~محمد بن لكش بن جلال الدين خوارزم شاه وكان من أعظم ملوك الأرض وكان للرازى ~~به اتصال قوى حتى انه وصى اليه على أولاده وصنف له كتابا سماه ( الرسالة ~~العلائية فى الاختيارات السماوية ( # وهذه الاختيارات لأهل الضلال بدل الاستخارة التى علمها النبى ( ( ~~المسلمين كما قال جابر فى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى وغيره ( كان ~~رسول الله ( ( يعلمنا PageV13P180 الاستخارة فى الأمور كلها ms0460 كما يعلمنا ~~السورة من القرآن يقول اذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ~~ثم ليقل اللهم انى استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم ~~اللهم ان كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه باسمه خير لى فى دينى ومعاشى وعاقبة ~~أمرى فاقدره لى ويسره ثم بارك لى فيه وان كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى فى ~~دينى ومعاشى وعاقبة أمرى فاصرفه عنى واصرفنى عنه واقدر لى الخير حيث كان ثم ~~رضنى به ( # وأهل النجوم لهم اختيارات اذا أراد أحدهم أن يفعل فعلا أخذ طالعا سعيدا ~~فعمل فيه ذلك العمل لينجح بزعمهم وقد صنف الناس كتبا فى الرد عليهم وذكروا ~~كثرة ما يقع من خلاف مقصودهم فيما يخبرون به ويأمرون به وكم يخبرون من خبر ~~فيكون كذبا وكم يأمرون باختيار فيكون شرا والرازى صنف الاختيارات لهذا ~~الملك وذكر فيه الاختيار لشرب الخمر وغير ذلك كما ذكر فى ( السر المكتوم ( ~~فى عبادة الكواكب ودعوتها مع السجود لها والشرك بها ودعائها مثل ما يدعو ~~الموحدون ربهم بل أعظم والتقرب اليها بما يظن أنه مناسب لها من الكفر ~~والفسوق والعصيان فذكر أنه يتقرب إلى الزهرة بفعل الفواحش وشرب الخمر ~~والغناء ونحو ذلك مما حرمه الله ورسوله PageV13P181 # وهذا فى نفس الأمر يقرب إلى الشياطين الذين يأمرونهم بذلك ويقولون لهم ان ~~الكوكب نفسه يحب ذلك والا فالكواكب مسخرات بأمر الله مطيعة لله لا تأمر ~~بشرك ولا غيره من المعاصى ولكن الشياطين هى التى تأمر بذلك ويسمونها ~~روحانية الكواكب وقد يجعلونها ملائكة وانما هى شياطين فلما ظهر بأرض المشرق ~~بسبب مثل هذا الملك ونحوه ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من الالحاد والبدع ~~سلط الله عليهم الترك المشركين الكفار فأبادوا هذا الملك وجرت له أمور فيها ~~عبرة لمن يعتبر ويعلم تحقيق ما اخبر الله به فى كتابه حيث يقول ( سنريهم ~~آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ( أى أن القرآن حق ~~وقال ( سأريكم آياتى فلا تستعجلون ( وبسط هذا له موضع آخر ms0461 # و ( المقصود هنا ( أن دولة بنى أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل ~~وغيره من الأسباب التى أوجبت ادبارها وفى آخر دولتهم ظهر الجهم بن صفوان ~~بخراسان وقد قيل ان أصله من ترمذ وأظهر قول المعطلة النفاة الجهمية وقد قتل ~~فى بعض الحروب وكان أئمة المسلمين بالمشرق أعلم بحقيقة قوله من علماء ~~الحجاز والشام والعراق ولهذا يوجد لعبدالله بن المبارك وغيره من علماء ~~المسلمين بالمشرق من الكلام فى الجهمية أكثر مما يوجد لغيرهم مع أن عامة ~~PageV13P182 أئمة المسلمين تكلموا فيهم ولكن لم يكونوا ظاهرين الا بالمشرق ~~لكن قوى أمرهم لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق وتلقى عن ~~هؤلاء ما تلقاه # ثم لما ولى الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء ودعا إلى قولهم فى آخر عمره ~~وكتب إلى بغداد وهو بالثغر بطرسوس التى ببلدسيس وكانت اذ ذاك أعظم ثغور ~~بغداد ومن أعظم ثغور المسلمين يقصدها أهل الدين من كل ناحية ويرابطون بها ~~رابط بها الامام أحمد رضى الله عنه والسرى السقطى وغيرهما وتولى قضاءها أبو ~~عبيد وتولى قضاءها أيضا صالح بن أحمد بن حنبل ولهذا ذكرت فى كتب الفقه ~~كثيرا فانها كانت ثغرا عظيما فكتب من الثغر إلى نائبه ببغداد اسحاق بن ~~إبراهيم بن مصعب كتابا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا القرآن مخلوق فلم يجبه ~~أحد ثم كتب كتابا ثانيا يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وارساله اليه فأجاب ~~أكثرهم ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد القيد وبقى اثنان لم ~~يجيبا الامام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح فأرسلوهما اليه فمات قبل أن يصلا ~~اليه ثم أوصى إلى أخيه ابى اسحاق وكان هذا سنة ثمانى عشرة ومائتين وبقى ~~أحمد فى الحبس إلى سنة عشرين فجرى ما جرى من المناظرة حتى قطعهم بالحجة ثم ~~لما خافوا الفتنة ضربوه وأطلقوه وظهر مذهب PageV13P183 النفاة الجهمية ~~وامتحنوا 2 الناس فصار من أجابهم أعطوه والا منعوه العطاء وعزلوه من ~~الولايات ولم يقبلوا شهادته وكانوا اذا أفتكوا الاسرى يمتحنون الاسير فان 2 ms0462 ~~اجابهم افتدوه والا لم يفتدوه # وكتب قاضيهم أحمد بن أبى دؤاد على ستارة الكعبة ( ليس كمثله شىء وهو ~~العزيز الحكيم ( لم يكتب وهو ( السميع البصير ( # ثم ولى الواثق واشتد الأمر إلى أن ولى المتوكل فرفع المحنة وظهرت حينئذ ~~السنة وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود أن 8 أئمة المسلمين لما عرفوا حقيقة قول الجهمية بينوه حتى قال ~~عبدالله بن المبارك أنا لنحكى كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكى ~~كلام الجهمية وكان ينشد % عجبت لشيطان دعا الناس جهرة % إلى النار واشتق ~~اسمه من جهنم % $ # وقيل له بماذا يعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه قيل ~~له بحد قال بحد وكذلك قال أحمد بن حنبل واسحاق بن إبراهيم بن راهويه وعثمان ~~بن سعيد الدارمى وغيرهم من أئمة السنة PageV13P184 # وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون وهو جحد الخالق وتعطيل كلامه ~~ودينه كما كان فرعون يفعل فكان يجحد الخالق جل جلاله ويقول ( ما علمت لكم ~~من اله غيرى ( ويقول لموسى ( لئن اتخذت الها غيرى لأجعلنك من المسجونين ( ~~ويقول ( أنا ربكم الأعلى ( وكان ينكر أن يكون الله كلم موسى أو يكون لموسى ~~اله فوق السموات ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته ويكون هو المعبود المطاع # فلما كان قول الجهمية المعطلة النفاة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم ~~انكار رب العالمين وانكار عبادته وانكار كلامه حتى ظهروا بدعوى التحقيق ~~والتوحيد والعرفان فصاروا يقولون العالم هو الله والوجود واحد والموجود ~~القديم الازلى الخالق هو الموجود المحدث المخلوق والرب هو العبد ما ثم رب ~~وعبد وخالق ومخلوق بل هو عندهم فرقان ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء ~~وينقصونهم ويعيبون على نوح وعلى إبراهيم الخليل وغيرهما ويمدحون فرعون ~~ويجوزون عبادة جميع المخلوقات وجميع الأصنام ولا يرضون بأن تعبد الأصنام ~~حتى يقولوا ان عباد الاصنام لم يعبدوا الا الله وان الله نفسه هو العابد ~~وهو المعبود وهو الوجود كله فجحدوا الرب وأبطلوا دينه وامره ونهيه ~~PageV13P185 وما أرسل به رسله وتكليمه لموسى وغيره # وقد ضل ms0463 فى هذا جماعة لهم معرفة بالكلام والفلسفة والتصوف المناسب لذلك ~~كابن سبعين والصدر القونوى تلميذ ابن عربى والبليانى والتلمسانى وهو من ~~حذاقهم علما ومعرفة وكان يظهر المذهب بالفعل فيشرب الخمر ويأتى المحرمات # وحدثنى الثقة أنه قرأ عليه ( فصوص الحكم ( لابن عربى وكان يظنه من كلام ~~أولياء الله العارفين فلما قرأه رآه يخالف القرآن قال فقلت له هذا الكلام ~~يخالف القرآن فقال القرآن كله شرك وانما التوحيد فى كلامنا وكان يقول ثبت ~~عندنا فى الكشف ما يخالف صريح المعقول # وحدثنى من كان معه ومع آخر نظير له فمرا على كلب أجرب ميت بالطريق عند ~~دار الطعم فقال له رفيقه هذا أيضا هو ذات الله فقال وهل ثم شىء خارج عنها ~~نعم الجميع فى ذاته # وهؤلاء حقيقة قولهم هو قول فرعون لكن فرعون ما كان يخاف احدا فينافقه فلم ~~يثبت الخالق وان كان فى الباطن مقرا به وكان يعرف أنه ليس هو الا مخلوق لكن ~~حب العلو فى الأرض والظلم PageV13P186 دعاه إلى الجحود والانكار كما قال ~~@QB@ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين @QE@ # وأما هؤلاء فهم من وجه ينافقون المسلمين فلا يمكنهم اظهار جحود الصانع ~~ومن وجه هم ضلال يحسبون انهم على حق وان الخالق هو المخلوق فكان قولهم هو ~~قول فرعون لكن فرعون كان معاندا مظهرا للجحود والعناد وهؤلاء اما جهال ضلال ~~واما منافقون مبطنون الالحاد والجحود يوافقون المسلمين فى الظاهر # وحدثنى الشيخ عبد السيد الذى كان قاضى اليهود ثم أسلم وكان من أصدق الناس ~~ومن خيار المسلمين وأحسنهم اسلاما أنه كان يجتمع بشيخ منهم يقال له الشرف ~~البلاسى يطلب منه المعرفة والعلم قال فدعانى إلى هذا المذهب فقلت له قولكم ~~يشبه قول فرعون قال ونحن على قول فرعون فقلت لعبد السيد واعترف لك بهذا قال ~~نعم وكان عبد السيد اذ ذاك قد ذاكرنى بهذا المذهب فقلت له هذا مذهب فاسد ~~وهو يؤول إلى قول فرعون فحدثنى بهذا فقلت ms0464 له ما ظننت أنهم يعترفون بأنهم ~~على قول فرعون لكن مع اقرار الخصم ما يحتاج إلى بينة قال عبد السيد فقلت له ~~لا أدع موسى وأذهب PageV13P187 الى فرعون فقال ولم قلت لان موسى أغرق فرعون ~~فانقطع واحتج عليه بالظهور الكونى فقلت لعبد السيد وكان هذا قبل أن يسلم ~~نفعتك اليهودية يهودى خير من فرعونى # وفيهم جماعات لهم عبادة وزهد وصدق فيما هم فيه وهم يحسبون أنه حق وعامتهم ~~الذين يقرون ظاهرا وباطنا بأن محمدا رسول الله وأنه افضل الخلق أفضل من ~~جميع الأنبياء والاولياء لا يفهمون حقيقة قولهم بل يحسبون أنه تحقيق ما جاء ~~به الرسول وأنه من جنس كلام اهل المعرفة الذين يتكلمون فى حقائق الايمان ~~والدين وهم من خواص أولياء الله فيحسبون هؤلاء من جنس أولئك من جنس الفضيل ~~بن عياض وابراهيم بن أدهم وأبى سليمان الدارانى والسرى السقطى والجنيد بن ~~محمد وسهل بن عبدالله وأمثال هؤلاء # وأما عرافهم الذين يعلمون حقيقة قولهم فيعلمون أنه ليس الأمر كذلك ~~ويقولون ما يقول ابن عربى ونحوه ان الاولياء افضل من الانبياء وان خاتم ~~الاولياء أفضل من خاتم الأنبياء وان جميع الانبياء يستفيدون معرفة الله من ~~مشكاة خاتم الأولياء وأنه يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يأتى ~~خاتم الأنبياء فانهم متجهمة متفلسفة يخرجون أقوال المتفلسفة والجهمية فى ~~قالب الكشف ( # PageV13P188 # وعند المتفلسفة أن جبريل انما هو خيال فى نفس النبى ليس هو ملكا يأتى من ~~السماء والنبى عندهم يأخذ من هذا الخيال وأما خاتم الأولياء فى زعمهم فانه ~~يأخذ من العقل المجرد الذى يأخذ منه الخيال فهو يأخذ من المعدن الذى يأخذ ~~منه الملك الذى يوحى به إلى الرسول # وهم يعظمون فرعون ويقولون ما قاله صاحب ( الفصوص ( قال ولما كان فرعون فى ~~منصب التحكم صاحب الوقت وأنه جاز فى العرف الناموسى لذلك قال ( أنا ربكم ~~الأعلى ( أى وان كان الكل أربابا بنسبة ما فانا الاعلى منهم بما أعطيته فى ~~الظاهر من الحكم فيكم قال ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما ms0465 قاله لم ينكروه ~~وأقروا له بذلك وقالوا له ( اقض ما أنت قاض انما تقضى هذه الحياة الدنيا ( ~~قال فصح قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ( وان كان فرعون عين الحق # وحدثنى الثقة الذى كان منهم ثم رجع عنهم أن أبغض الناس اليهم محمد بن ~~عبدالله ( ( قال واذا نهق الحمار ونبح الكلب سجدوا له وقالوا هذا هو الله ~~فانه مظهر من المظاهر قال فقلت له محمد بن عبدالله أيضا مظهر من المظاهر ~~فاجعلوه كسائر المظاهر وأنتم تعظمون المظاهر كلها أو اسكتوا عنه قال فقال ~~لى محمد نبغضه فانه أظهر الفرق ودعا اليه وعاقب من لم يقل به قال ~~PageV13P189 فتناقضوا فى مذهبهم الباطل وجعلوا الكلب والحمار أفضل من أفضل ~~الخلق قال لى وهم يصرحون باللعنة له ولغيره من الأنبياء ولا ريب أنهم من ~~أعظم الناس عبادة للشيطان وكفرا بالرحمن # وقد ثبت فى الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( اذا سمعتم صياح الديكة فسلوا ~~الله من فضله فانها رأت ملكا واذا سمعتم نهيق الحمار ونباح الكلب فتعوذوا ~~بالله من الشيطان فانها رأت شيطانا ( فهم اذا سمعوا نهيق الحمار ونباح ~~الكلب تكون الشياطين قد حضرت فيكون سجودهم للشياطين # وكان فيهم شيخ جليل من أعظمهم تحقيقا لكن هذا لم يكن من هؤلاء الذين ~~يسبون الانبياء وقد صنف كتابا سماه ( فك الازرار عن أعناق الاسرار ( ذكر ~~فيه مخاطبة جرت له مع ابليس وأنه قال له معناه انكم قد غلبتمونى وقهرتمونى ~~ونحو هذا لكن جرت لى قصة تعجبت منها مع شيخ منكم فانى تجليت له فقلت أنا ~~الله لا اله الا أنا فسجد لى فتعجبت كيف سجد لى قال هذا الشيخ فقلت له ذاك ~~أفضلنا وأعلمنا وأنت لم تعرف قصده ما رأى فى الوجود اثنين وما رأى الا ~~واحدا فسجد لذلك الواحد لا يميز بين ابليس وغيره فجعل هذا الشيخ ذاك الذى ~~سجد لابليس لا يميز PageV13P190 بين الرب وغيره بل جعل ابليس هو الله هو ~~وغيره من الموجودات جعله أفضلهم وأعلمهم # ولهذا عاب ابن عربى نوحا أول رسول بعث ms0466 إلى أهل الأرض وهو الذى جعل الله ~~ذريته هم الباقين وأنجاه ومن معه فى السفينة وأهلك سائر أهل الأرض لما ~~كذبوه فلبث فى قومه ألف سنة الا خمسين عاما وعظم قومه الكفار الذين عبدوا ~~الأصنام وأنهم ما عبدوا الا الله وان خطاياهم خطت بهم فغرقوا فى بحار العلم ~~بالله وهذا عادته ينتقص الانبياء ويمدح الكفار كما ذكر مثل ذلك فى قصة نوح ~~وابراهيم وموسى وهارون وغيرهم # ومدح عباد العجل وتنقص هارون وافترى على موسى فقال وكان موسى أعلم بالأمر ~~من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد ~~الا اياه وما قضى الله بشىء الا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع ~~الأمر فى انكاره وعدم اتساعه فان العارف من يرى الحق فى كل شىء بل يراه عين ~~كل شىء فذكر عن موسى أنه عتب على هارون أنه أنكر عليهم عبادة العجل وأنه لم ~~يسع ذلك فانكره فان العارف من يرى الحق فى كل شىء بل يراه عين كل شىء ~~PageV13P191 # وهذا من أعظم الافتراء على موسى وهارون وعلى الله وعلى عباد العجل فان ~~الله أخبر عن موسى أنه أنكر العجل انكارا أعظم من انكار هارون وأنه أخذ ~~بلحية هارون لما لم يدعهم ويتبع موسى لمعرفته قال تعالى ^ وما أعجلك عن ~~قومك يا موسى قال هم أولاء على أثرى وعجلت اليك رب لترضى قال فانا قد فتنا ~~قومك من بعدك وأضلهم السامرى فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم ~~يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~فأخلفتم موعدى قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة ~~القوم فقذفناها فكذلك القى السامرى فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا ~~الهكم واله موسى فنسى أفلا يرون أن لا يرجع اليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ~~ولا نفعا ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ms0467 ~~فاتبعونى وأطيعوا أمرى قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى قال ~~ياهارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يا إبن أم لا ~~تأخذ بلحيتى ولا برأسي أني خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب ~~قولي ^ # قلت لبعض هؤلاء هذا الكلام الذى ذكره هذا عن موسى PageV13P192 وهارون ~~يوافق القرآن أو يخالقه فقال لا بل يخالفه قلت فأختر لنفسك أما القرآن وأما ~~كلام إبن عربي وكذلك قال عن نوح قال لو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين ~~لأجابوه أي ذكر لهم فدعاهم جهارا ثم دعاهم أسرارا إلى أن قال ولما علموا أن ~~الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية ( ~~أدعوا إلى الله ( فهذا عين المكر ( على بصيرة ( فنبه أن الأمر كله لله ~~فأجابوه مكرا كما دعاهم فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث ~~هويته وإنما هي من حيث أسمائه فقال @QB@ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ~~@QE@ فجاء بحرف الغاية وقرنها بالإسم فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة إسم ~~الهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين فقالوا فى مكرهم @QB@ لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ فإنهم إذا تركهم جهلوا من ~~الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق فى كل معبود وجها يعرفه من يعرفه ~~ويجهله من يجهله كما قال فى المحمديين ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا ( أي حكم فالعارف يعرف من عبد وفى أي صورة ظهر حتى عبد ~~وأن التفريق والكثرة كا لأعضاء فى الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية فى ~~الصورة الروحانية فما عبد غير الله فى كل معبود # PageV13P193 # وهو دائما يحرف القرآن عن مواضعه كما قال فى هذه القصة ( مما خطيئاته ( ~~فهى التى خطت بهم فغرقوا فى بحار العلم بالله وهى الحيرة ( فادخلوا نارا ( ~~فى عين الماء فى المحمديين @QB@ وإذا البحار سجرت @QE@ سجرت التنور أوقدته ~~@QB@ فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا @QE@ فكان الله عين ms0468 أنصارهم فهلكوا ~~فيه إلى الأبد وقوله ^ وقضى ربك أن لا تعبدوا الا إياه ^ بمعنى امر وأوجب ~~وفرض وفى القراءة الأخرى ^ ووصى ربك أن لا تعبدوا الا اياه ^ فجعل معناه ~~أنه قدر وشاء أن لا تعبدوا الا اياه وما قدره فهو كائن فجعل معناها كل ~~معبود هو الله وان أحدا ما عبد غير الله قط وهذا من أظهر الفرية على الله ~~وعلى كتابه وعلى دينه وعلى أهل الأرض # فإن الله فى غير موضع اخبر أن المشركين عبدوا غير الله بل يعبدون الشيطان ~~كما قال تعالى @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم ~~تكونوا تعقلون @QE@ وقال تعالى عن يوسف أنه قال ^ يا صاحبى السجن أرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه الا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ان الحكم الا لله أمر أن لا تعبدوا ~~الا اياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ^ وقال تعالى ~~PageV13P194 @QB@ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ~~إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها ~~وهو فضلكم على العالمين @QE@ وقال تعالى عن الخليل ^ اذ قال لأبيه يا أبت ~~لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا يا أبت انى قد جاءنى من ~~العلم ما لم يأتك فاتبعنى اهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان ان ~~الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت انى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون ~~للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك ~~واهجرنى مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربى انه كان بى حفيا وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله وأدعو ربى عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا فلما ms0469 اعتزلهم ~~وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبينا ووهبنا لهم ~~من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا ^ # فهو سبحانه يقول @QB@ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله @QE@ وهؤلاء ~~الملحدون يقولون ما عبدنا غير الله فى كل معبود # وقال تعالى ^ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا PageV13P195 له ~~خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ولما ~~سقط فى أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ~~لنكونن من الخاسرين ^ إلى قوله ^ ان الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ~~ربهم وذلة فى الحياة الدنيا وكذلك نجزى المفترين ^ # قال أبو قلابة هى لكل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله # والجهمية النفاة كلهم مفترون كما قال الامام أحمد بن حنبل انما يقودون ~~قولهم إلى فرية على الله وهؤلاء من اعظمهم افتراء على الله فان القائلين ~~بان وجود الخالق هو وجود المخلوق هم أعظم افتراء ممن يقول أنه يحل فيه ~~وهؤلاء يجهلون من يقول بالحلول أو يقول بالاتحاد وهو أن الخالق اتحد مع ~~المخلوق فان هذا انما يكون اذا كان شيئان متباينان ثم اتحد أحدهما بالآخر ~~كما يقوله النصارى من اتحاد اللاهوت مع الناسوت وهذا انما يقال فى شىء معين # وهؤلاء عندهم ما ثم وجود لغيره حتى يتحد مع وجوده وهم من أعظم الناس ~~تناقضا فانهم يقولون ما ثم غير ولا سوى وتقول السبعينية ليس الا الله بدل ~~قول المسلمين لا اله الا الله ثم يقولون PageV13P196 هؤلاء المحجوبون لا ~~يرون هذا فاذا كان ما ثم غير ولا سوى فمن المحجوب ومن الحاجب ومن الذى ليس ~~بمحجوب وعم حجب فقد أثبتوا أربعة أشياء قوم محجوبون وقوم ليسوا بمحجوبين ~~وأمرا انكشف لهؤلاء وحجب عن أولئك # فأين هذا من قولهم ما ثم اثنان ولا وجودان كما حدثنى الثقة أنه قال ~~للتلمسانى فعلى قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمه وابنته قال نعم الجميع ~~عندنا سواء لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا ms0470 حرام عليكم فقيل لهم فمن ~~المخاطب للمحجوبين أهو هم أم غيرهم فان كانوا هم فقد حرم على نفسه لما زعم ~~أنه حرام عليهم دونه وان كانوا غيره فقد أثبت غيرين وعندهم ما ثم غير # وهؤلاء اشتبه عليهم الواحد بالنوع بالواحد بالعين فانه يقال الوجود واحد ~~كما يقال الانسانية واحدة والحيوانية واحدة أى يعنى واحد كلى وهذا الكلى لا ~~يكون كليا الا فى الذهن لا فى الخارج فظنوا هذا الكلى ثابتا فى الخارج ثم ~~ظنوه هو الله وليس فى الخارج كلى مع كونه كليا وانما يكون كليا فى الذهن ~~واذا قدر فى الخارج كلى فهو جزء من المعينات وقائم بها ليس هو متميزا قائما ~~بنفسه فحيوانية الحيوان وانسانية الانسان سواء قدرت معينة أو مطلقة هى صفة ~~له ويمتنع أن تكون صفة الموصوف مبدعة له ولو PageV13P197 قدر وجودها مجردا ~~عن العيان على رأى من اثبت ( المثل الأفلاطونية ( فتثبت الماهيات الكلية ~~مجردة عن الموصوفات ويدعى أنها قديمة أزلية مثل انسانية مجردة وحيوانية ~~مجردة وهذا خيال باطل # وهذا الذى جعله مجردا هو مجرد فى الذهن وليس فى الخارج كلى مجرد واذا قدر ~~ثبوت كلى مجرد فى الخارج وهو مسمى الوجود فهذا يتناول وجود المحدثات كلها ~~كما يتناول وجود القديم وهذا لا يكون مبدعا لشىء ولا اختصاص له بصفات ~~الكمال فلا يوصف بأنه حى عليم قدير اذ ليس وصفه بذلك بأولى من وصفه بأنه ~~عاجز جاهل ميت والخالق لابد أن يكون حيا عليما قديرا سبحانه وتعالى عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا # ثم لو قدر أن هذا هو الخالق فهذا غير الأعيان الموجودة المخلوقة فقد ثبت ~~وجودان أحدهما غير الآخر وأحدهما محدث مخلوق فيكون الآخر الخالق غير ~~المخلوق ولا يمكن جحد وجود الأعيان المعينة ولكن الواحد من هؤلاء قد يغيب ~~عن شهود المغيبات كما يغيب عن شهود نفسه فيظن أن ما لم يشهده قد عدم فى ~~نفسه وفنى وليس كذلك فان ما عدم وفنى شهوده له وعلمه به ونظره اليه ~~فالمعدوم الفانى صفة هذا الشخص والا ms0471 فالموجودات فى نفسها باقية على حالها ~~لم تتغير وعدم العلم ليس علما بالمعدوم وعدم المشهود ليس شهودا للعدم ولكن ~~هذه الحال يعترى كثيرا من السالكين PageV13P198 يغيب أحدهم عن شهود نفسه ~~وغيره من المخلوقات وقد يسمون هذا فناء واصطلاما وهذا فناء عن شهود تلك ~~المخلوقات لا أنها فى نفسها فنيت ومن قال فنى ما لم يكن وبقى ما لم يزل ~~فالتحقيق اذا كان صادقا أنه فنى شهوده لما لم يكن وبقى شهوده لما لم يزل لا ~~أن ما لم يكن فنى فى نفسه فإنه باق موجود ولكن يتوهمون اذا لم يشهدوه انه ~~قد عدم فى نفسه # ومن هنا دخلت طائفة فى الاتحاد والحلول فأحدهم قد يذكر الله حتى يغلب على ~~قلبه ذكر الله ويستغرق فى ذلك فلا يبقى له مذكور مشهود لقلبه الا الله ~~ويفنى ذكره وشهوده لما سواه فيتوهم أن الأشياء قد فنيت وأن نفسه فنيت حتى ~~يتوهم أنه هو الله وان الوجود هو الله # ومن هذا الباب غلط أبى يزيد ونحوه حيث قال ما فى الجبة الا الله # وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع وبين أنه يعبر بالفناء عن ثلاثة أمور # ( أحدها ( أنه يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته وطاعته ~~PageV13P199 وخشيته ورجائه والتوكل عليه عن محبة ما سواه وطاعته وخشيته ~~ورجائه والتوكل عليه وهذا هو حقيقة التوحيد الذى بعث الله به الرسل وأنزل ~~به الكتب وهو تحقيق شهادة أن لا اله الا الله فقد فنى من قلبه التأله لغير ~~الله وبقى فى قلبه تأله الله وحده وفنى من قلبه حب غير الله وخشية غير الله ~~والتوكل على غير الله وبقى فى قلبه حب الله وخشية الله والتوكل على الله # وهذا الفناء يجامع البقاء فيتخلى القلب عن عبادة غير الله مع تحلى القلب ~~بعبادة الله وحده كما قال ( ( لرجل ( قل أسلمت لله وتخليت ( وهو تحقيق ~~شهادة أن لا اله الا الله بالنفى مع الاثبات نفى الهية غيره مع اثبات ~~الهيته وحده فانه ليس فى الوجود اله الا ms0472 الله ليس فيه معبود يستحق العبادة ~~الا الله فيجب أن يكون هذا ثابتا فى القلب فلا يكون فى القلب من يألهه ~~القلب ويعبده الا الله وحده ويخرج من القلب كل تأله لغير الله ويثبت فيه ~~تأله الله وحده اذ كان ليس ثم اله الا الله وحده # وهذه الولاية لله مقرونة بالبراءة والعداوة لكل معبود سواه ولمن عبدهم ~~قال تعالى عن الخليل عليه السلام @QB@ وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني ~~براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه ~~لعلهم يرجعون @QE@ وقال ^ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم PageV13P200 ~~الأقدمون فانهم عدو لى الا رب العالمين ^ وقال تعالى ^ قد كانت لكم أسوة ~~حسنة فى إبراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم انا براء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده ^ # قلت لبعض من خاطبته من شيوخ هؤلاء قول الخليل ^ اننى براء مما تعبدون ^ ~~ممن تبرأ الخليل اتبرأ من الله تعالى وعندكم ما عبد غير الله قط والخليل قد ~~تبرأ من كل ما كانوا يعبدون الا من رب العالمين وقد جعله الله لنا وفيمن ~~معه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر قال تعالى ^ قد كانت لكم ~~أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم انا براء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده ^ الا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من ~~الله من شىء ربنا عليك توكلنا واليك أنبنا واليك المصير ربنا لا تجعلنا ~~فتنة للذين كفروا واغفر لنا تقول ربك انك أنت العزيز الحكيم لقد كان لكم ~~فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فان الله هو الغنى ~~الحميد ^ وقد قال ( ( أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد PageV13P201 % ألا ~~كل شىء ما خلا الله باطل % $ # وهذا تصديق قوله تعالى @QB@ ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه ms0473 ~~هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير @QE@ وقال تعالى @QB@ فذلكم الله ربكم ~~الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون @QE@ وقال سبحانه ^ كل شىء ~~هالك الا وجهه ^ قال طائفة من السلف كل عمل باطل الا ما أريد به وجهه وقد ~~قال سبحانه @QB@ ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ~~ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله إلها آخر @QE@ # و ( الاله ( هو المألوه أى المستحق لأن يؤله أى يعبد ولا يستحق أن يؤله ~~ويعبد الا الله وحده وكل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل وفعال ~~بمعنى مفعول مثل لفظ الركاب والحمال بمعنى المركوب والمحمول وكان الصحابة ~~يرتجزون فى حفر الخندق يقولون % هذا الحمال لا حمال خيبر % هذا أبر ربنا ~~وأطهر % $ # واذا قيل هذا هو الامام فهو الذى يستحق أن يؤتم به كما قال تعالى ~~لابراهيم ^ انى جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتى PageV13P202 قال لا ينال ~~عهدى الظالمين ^ فعهده بالامامة لا ينال الظالم فالظالم لا يجوز أن يؤتم به ~~فى ظلمه ولا يركن اليه كما قال تعالى ^ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم ~~النار ^ فمن ائتم بمن لا يصلح للامامة فقد ظلم نفسه فكيف بمن جعل مع الله ~~الها آخر وعبد من لا يصلح للعبادة والله تعالى ^ لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء ^ # وقد غلط طائفة من أهل الكلام فظنوا أن ( الاله ( بمعنى الفاعل وجعلوا ~~الالهية هى القدرة والربوبية # فالاله هو القادر وهو الرب وجعلوا العباد مألوهين كما أنهم مربوبون ~~فالذين يقولون بوحدة الوجود متنازعون فى أمور لكن امامهم ابن عربى يقول ~~الأعيان ثابتة فى العدم ووجود الحق فاض عليها فلهذا قال فنحن جعلناه ~~بمألوهيتنا الها فزعم أن المخلوقات جعلت الرب الها لها حيث كانوا مألوهين ~~ومعني مالوهين عنده مربوبين قلوبهم مألوهين حيث كانت أعيانهم ثابتة فى ~~العدم وفى كلامهم من هذا وامثاله مما فيه تنقص بالربوبية ما لا يحصى فتعالى ~~الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا # و ms0474 ( التحقيق ( أن الله خالق كل شىء والمعدوم ليس بشىء فى الخارج ولكن ~~الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه وقد يذكره PageV13P203 ويخبر به ~~فيكون سببا فى العلم والذكر والكتاب لا فى الخارج كما قال @QB@ إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ والله سبحانه خالق الانسان ومعلمه ~~فهو الذى @QB@ خلق خلق الإنسان من علق @QE@ وهو @QB@ الأكرم الذي علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ ولو قدر أن الاله بمعنى الرب فهو الذى ~~جعل المربوب مربوبا فيكون على هذا هو الذى جعل المألوه مألوها والمربوب لم ~~يجعله ربا بل ربوبيته صفة وهو الذى خلق المربوب وجعله مربوبا وهو اذا آمن ~~بالرب واعتقد ربوبيته وأخبر بها كان قد اتخذ الله ربا ولم يبغ ربا سوى الله ~~ولم يتخذ ربا سواه كما قال تعالى ^ قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شىء ^ ~~وقال تعالى ^ افغير الله اتخذ وليا فاطر السموات والأرض ^ وقال @QB@ ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون @QE@ # # وهو أيضا فى نفسه هو الاله الحق لا اله غيره فاذا عبده الانسان فقد وحده ~~من لم يجعل معه الها آخر ولا اتخذ الها غيره قال تعالى ^ فلا تجعل مع الله ~~الها آخر فتكون من المعذبين ^ وقال تعالى ^ ولا تجعل مع الله الها آخر ~~فتقعد مذموما مخذولا ^ وقال إبراهيم لأبيه آزر @QB@ أتتخذ أصناما آلهة إني ~~أراك وقومك في ضلال مبين @QE@ فالمخلوق ليس باله فى نفسه لكن عابده اتخذه ~~الها وجعله الها وسماه PageV13P204 الها وذلك كله باطل لا ينفع صاحبه بل ~~يضره كما أن الجاهل اذا اتخذ اماما ومفتيا وقاضيا كان ذلك باطلا فانه لا ~~يصلح أن يؤم ولا يفتى ولا يقضى وغير الله لا يصلح ان يتخذ الها يعبد ويدعى ~~فانه لا يخلق ولا يرزق وهو سبحانه لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ولا ~~ينفع ذا الجد منه الجد # ومن دعا من لا يسمع دعاءه أو يسمع خولا يستجيب له فدعاؤه باطل ms0475 وضلال كل ~~من سوى الله اما أنه لا يسمع دعاء الداعى أو يسمع ولكن لا يستجيب له فإن ~~غير الله لا يستقل بفعل شىء ألبتة وقد قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما ~~من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ ~~فغير الله لا مالك لشىء ولا شريك فى شىء ولا هو معاون للرب فى شىء بل قد ~~يكون له شفاعة ان كان من الملائكة والانبياء والصالحين ولكن لا تنفع ~~الشفاعة عنده الا لمن أذن له فلابد أن يأذن للشافع أن يشفع وان يأذن ~~للمشفوع له أن يشفع له ومن دونه لا يملكون الشفاعة البتة فلا يصلح من سواه ~~لان يكون الها معبودا كما لا يصلح أن يكون خالقا رازقا لا اله الا هو وحده ~~لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير # PageV13P205 # ( فصل ( # وهؤلاء كان من أعظم أسباب ضلالهم مشاركتهم للفلاسفة وتلقيهم عنهم فان ~~أولئك القوم من أبعد الناس عن الاستدلال بما جاء به الرسول فان الرسول بعث ~~بالبينات والهدى يبين الأدلة العقلية ويخبر الناس بالغيب الذى لا يمكنهم ~~معرفته بعقولهم وهؤلاء المتفلسفة يقولون انه لم يفد الناس علما بخبره ولا ~~بدلالته وانما خاطب خطابا جمهوريا ليصلح به العامة فيعتقدوا فى الرب ~~والمعاد اعتقادا ينفعهم وان كان كذبا وباطلا وحقيقة كلامهم أن الأنبياء ~~تكذب فيما تخبر به لكن كذبا للمصلحة فامتنع أن يطلبوا من خبرهم علما واذا ~~لم تكن أخبارهم مطابقة للمخبر فكيف يثبتون أدلة عقلية على ثبوت ما أخبروا ~~به # والمتكلمون الذين يقولون أنهم لا يخبرون الا بصدق ولكن يسلكون فى ~~العقليات غير طريقهم مبتدعون مع اقرارهم بأن القرآن اشتمل على الأدلة ~~العقلية فكيف بهؤلاء الملاحدة المفترين ولهذا لا يعتنون بالقرآن ولا ~~بتفسيره ولا بالحديث وكلام السلف وان PageV13P206 تعلموا من ذلك شيئا فلأجل ~~تعلق الجمهور به ليعيشوا بينهم بذكره لا لاعتقادهم موجبه فى ms0476 الباطن وهذا ~~بخلاف طوائف المتكلمين فإنهم يعظمون القرآن فى الجملة وتفسيره مع ما فيهم ~~من البدع # ولهذا لما استولى التتار على بغداد وكان الطوسى منجما لهولاكو استولى على ~~كتب الناس الوقف والملك فكان كتب الاسلام مثل التفسير والحديث والفقه ~~والرقائق يعدمها وأخذ كتب الطب والنجوم والفلسفة والعربية فهذه عنده هى ~~الكتب المعظمة وكان بعض من أعرفه قارئا خطيبا لكن كان يعظم هؤلاء ويرتاض ~~رياضة فلسفية سحرية حتى يستخدم الجن وكان بعض الشياطين القى اليه أن هؤلاء ~~يستولون على دار الاسلام فكان يقول لبعض أصحابنا يا فلان عن قليل يرى هذا ~~الجامع جامع دمشق يقرأ فيه المنطق والطبيعى والرياضى والالهى ثم يرضيه ~~فيقول والعربية أيضا والعربية انما احتاج المسلمون اليها لأجل خطاب الرسول ~~بها فاذا أعرض عن الأصل كان أهل العربية بمنزلة شعراء الجاهلية أصحاب ~~المعلقات السبع ونحوهم من حطب النار # # PageV13P207 ( فصل ( # أول التفرق والابتداع فى الاسلام بعد مقتل ( عثمان ( وافتراق المسلمين ~~فلما اتفق علي ومعاوية على التحكيم أنكرت الخوارج وقالوا لا حكم إلا لله ~~وفارقوا جماعة المسلمين فارسل اليهم ابن عباس فناظرهم فرجع نصفهم والآخرون ~~أغاروا على ماشية الناس واستحلوا دماءهم فقتلوا ابن خباب وقالوا كلنا قتله ~~فقاتلهم علي وأصل مذهبهم تعظيم القرآن وطلب اتباعه لكن خرجوا عن السنة ~~والجماعة فهم لا يرون اتباع السنة التى يظنون أنها تخالف القرآن كالرجم ~~ونصاب السرقة وغير ذلك فضلوا فان الرسول أعلم بما أنزل الله عليه والله قد ~~أنزل عليه الكتاب والحكمة وجوزوا على النبى أن يكون ظالما فلم ينفذوا لحكم ~~النبى ولا لحكم الأئمة بعده بل قالوا ان عثمان وعليا ومن والاها قد حكموا ~~بغير ما أنزل الله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( ~~فكفروا المسلمين بهذا وبغيره # وتكفيرهم وتكفير سائر أهل البدع مبنى على مقدمتين باطلتين # ( احداهما ( أن هذا يخالف القرآن PageV13P208 و ( # الثانية ( أن من خالف القرآن يكفر ولو كان مخطئا أو مذنبا معتقدا للوجوب ~~والتحريم # وبازائهم ( الشيعة ( غلوا فى الأئمة وجعلوهم معصومين يعلمون كل شىء ~~وأوجبوا الرجوع ms0477 اليهم فى جميع ما جاءت به الرسل فلا يعرجون لا على القرآن ~~ولا على السنة بل على قول من ظنوه معصوما وانتهى الأمر إلى الائتمام بامام ~~معدوم لا حقيقة له فكانوا أضل من الخوارج فان أولئك يرجعون إلى القرآن وهو ~~حق وان غلطوا فيه وهؤلاء لا يرجعون إلى شىء بل إلى معدوم لا حقيقة له ثم ~~انما يتمسكون بما ينقل لهم عن بعض الموتى فيتمسكون بنقل غير مصدق عن قائل ~~غير معصوم ولهذا كانوا أكذب الطوائف والخوارج صادقون فحديثهم من أصح الحديث ~~وحديث الشيعة من أكذب الحديث # ولكن الخوارج دينهم المعظم مفارقة جماعة المسلمين واستحلال دمائهم ~~وأموالهم والشيعة تختار هذا لكنهم عاجزون والزيدية تفعل هذا والامامية تارة ~~تفعله وتارة يقولون لا نقتل الا تحت راية امام معصوم والشيعة استتبعوا ~~أعداء الملة من الملاحدة والباطنية وغيرهم ولهذا أوصت الملاحدة مثل ~~القرامطة الذين كانوا فى البحرين وهم من أكفر الخلق ومثل قرامطة المغرب ~~ومصر وهم كانوا يستترون بالتشيع أوصوا بان يدخل على المسلمين من باب التشيع ~~فإنهم PageV13P209 يفتحون الباب لكل عدو للاسلام من المشركين وأهل الكتاب ~~والمنافقين وهم من أبعد الناس عن القرآن والحديث كما قد بسط هذا فى مواضع # والمقصود أن النبى ( ( قال ( انى تارك فيكم ثقلين كتاب الله ( فحض على ~~كتاب الله ثم قال ( وعترتى أهل بيتى أذكركم الله فى أهل بيتى ثلاثا ( فوصى ~~المسلمين بهم لم يجعلهم أئمة يرجع المسلمون اليهم فانتحلت الخوارج كتاب ~~الله وانتحلت الشيعة أهل البيت وكلاهما غير متبع لما انتحله فان الخوارج ~~خالفوا السنة التى أمر القرآن باتباعها وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن ~~بموالاتهم ولهذا تأول سعد بن أبى وقاص فيهم هذه الآية ( وما يضل به الا ~~الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل ويفسدون فى الأرض ( وصاروا يتتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على ~~غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ فى العلم ولا اتباع للسنة ~~ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن # وأما مخالفة ms0478 الشيعة لأهل البيت فكثيرة جدا قد بسطت فى مواضع # ( فصل ( # PageV13P210 # ثم حدث فى آخر عصر الصحابة ( القدرية ( فكانت الخوارج تتكلم فى حكم الله ~~الشرعى أمره ونهيه وما يتبع ذلك من وعده ووعيده وحكم من وافق ذلك ومن خالفه ~~ومن يكون مؤمنا وكافرا وهى ( مسائل الأسماء والأحكام ( وسموا محكمه لخوضهم ~~فى التحكيم بالباطل وكان الرجل اذا قال لا حكم الا لله قالوا هو محكم أى ~~خائض فى حكم الله فخاض أولئك فى شرع الله بالباطل وأما ( القدرية ( فخاضوا ~~فى قدره بالباطل # وأصل ضلالهم ظنهم أن القدر يناقض الشرع فصاروا حزبين حزبا يعظمون الشرع ~~والأمر والنهى والوعد والوعيد واتباع ما يحبه الله ويرضاه وهجر ما يبغضه ~~وما يسخطه وظنوا أن هذا لا يمكن أن يجمع بينه وبين القدر فقطعوا ما أمر ~~الله به أن يوصل ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه كما قطعت الخوارج ما امر ~~الله به أن يوصل من اتفاق الكتاب والسنة وأهل الجماعة ففرقوا بين الكتاب ~~والسنة وفرقوا بين الكتاب وجماعة المسلمين وفرقوا بين المسلمين فقطعوا ~~PageV13P211 ما أمر الله به أن يوصل وكذلك ( القدرية ( فصاروا حزبين # ( حزبا ( يغلب الشرع فيكذب بالقدر وينفيه أو ينفى بعضه # و ( حزبا ( يغلب القدر فينفى الشرع فى الباطن أو بنفى حقيقته ويقول لا ~~فرق بين ما أمر الله به وما نهى عنه فى نفس الأمر الجميع سواء وكذلك ~~أولياؤه وأعداؤه وكذلك ما ذكر أنه يحبه وذكر أنه يبغضه لكنه فرق بين ~~المتماثلين بمحض المشيئة يأمر بهذا وينهى عن مثله فجحدوا الفرق والفصل الذى ~~بين التوحيد والشرك وبين الايمان والكفر وبين الطاعة والمعصية وبين الحلال ~~والحرام كما أن أولئك وان اقروا بالفرق فأنكروا الجمع وأنكروا أن يكون الله ~~على كل شى قدير ومنهم من أنكر أن يكون الله بكل شىء عليما وأنكروا أن يكون ~~خالقا لكل شىء وأن يكون ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنكروا أن يكون الله ~~فعالا لما يشاء وأثبتوا لغير الله الانفراد بالاحداث وشركاء خلقوا كخلقه ~~كما فعلت المجوس ms0479 واعتقدوا أنه لا يمكن الايمان بأمره ونهيه الا مع تعجيزه ~~أو تجهيله وأنه لا يمكن أن يوصف بالاحسان والكرم أن لم يجعل عاجزا والا لزم ~~أن يكون بخيلا # كما أن ( القدرية المجبرة ( قالوا لا يمكن أن يجعل عالما قادرا ~~PageV13P212 الا بتسفيهه وتجويره # فهؤلاء نفوا حكمته وعدله وأولئك نفوا قدرته ومشيئته أو قدرته ومشيئته ~~وعلمه وهؤلاء ضاهوا المجوس فى الاشراك بربوبيته حيث جعلوا غيره خالقا ~~وأولئك ضاهوا المشركين الذين لا يفرقون بين عبادته وعبادة غيره بل يجوزون ~~عبادة غيره كما يجوزون عبادته ويقولون ( لو شاء الله ما اشركنا ( الآية ~~وهؤلاء منتهى توحيدهم توحيد المشركين وهو توحيد الربوبية فاما توحيد ~~الالهية المتضمن للأمر والنهى ولكون الله يحب ما أمر به ويبغض ما نهى عنه ~~فهم ينكرونه ولهذا هم أكثر اتباعا لأهوائهم وأكثر شركا وتجويزا من المعتزلة ~~ومنتهى متكلميهم وعبادهم تجويز عبادة الاصنام وان العارف لا يستحسن حسنة ~~ولا يستقبح سيئة كما ذكر ذلك صاحب منازل السائرين وأما عبادة الاصنام فباح ~~بها متأخروهم كالرازى صنف فيها مصنفا وابن عربى وابن سبعين وأمثالهما ~~يصرحون بجواز عبادتها وبالانكار على من أنكر ذلك وهم متناقضون فى ذلك في ( ~~القدرية ( اصلهم أنه لا يمكن اثبات قدرته وحكمته اذ لو كان قادرا لفعل غير ~~ما فعل فلما لم يفعله دل على أنه غير قادر وقالوا تثبت حكمته كما يثبت حكمه ~~لأن نفى ذلك يوجب السفه والظلم وهو منزه عنه بخلاف ما لم يقدر عليه فإنه ~~معذور اذا لم يفعله PageV13P213 فلا يلام عليه وقالت ( المجبرة ( بل قدرته ~~ثابتة بلا حكمة ولا يجوز أن يفعل لحكمة لأن ذلك انما يكون لمن يحتاج إلى ~~الفعل وهو منزه عن الحاجة ولا عدل ولا ظلم بل كل ما أمكن فعله فهو عدل وليس ~~فى الأفعال ما هو حسن ينبغى الأمر به وقبيح ينبغى النهى عنه ولا معروف ~~ومنكر بل يجوز أن يأمر بكل شىء وينهى عن كل شىء # ثم من حقق منهم أنكر الشرع بالكلية وأنكر النبوات مع أنه مضطر إلى أن ~~يأمر ms0480 بشىء وينهى عن شىء فان هذا لازم لجميع الخلق لا يجدون عنه محيصا لكن ~~من اتبع الانبياء يأمر بما ينفعه وينفع غيره وينهى عما يضره ويضر غيره ومن ~~خالف الأنبياء فلابد أن يأمر بما يضر وينهى عما ينفع فيستحق عذاب الدنيا ~~والآخرة وأما من كان منهم مقرا بالنبوة فأنكر الشرع فى الباطن وقال العارف ~~لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة صار منافقا يظهر خلاف ما يبطن ويقول الشرع ~~لأجل المارستان ولهذا يسمون ( باطنية ( كما سموا الملاحدة ( باطنية ( فان ~~كلاهما يبطن خلاف ما يظهر يبطنون تعطيل ما جاء به الرسول من الأمر والنهى # فمنتهى الجهمية المجبرة اما مشركون ظاهرا وباطنا واما منافقون يبطنون ~~الشرك ولهذا يظنون بالله ظن السوء وأنه لا ينصر محمدا PageV13P214 وأتباعه ~~كما قال تعالى @QB@ ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم ~~جهنم وساءت مصيرا @QE@ وهم يتعلقون بقوله @QB@ لا يسأل عما يفعل @QE@ وبأنه ~~@QB@ يفعل ما يشاء @QE@ ولذلك لما ظهر المشركون التتار وأهل الكتاب كثر فى ~~عبادهم وعلمائهم من صار مع المشركين وأهل الكتاب وارتد عن الاسلام اما ~~باطنا وظاهرا واما باطنا وقال أنه مع الحقيقة ومع المشيئة الالهية وصاروا ~~يحتجون لمن هو معظم للرسل عما ( لا ( يوافق على تكذيبه بأن ما يفعله من ~~الشرك والخروج عن الشريعة وموالاة المشركين وأهل الكتاب والدخول فى دينهم ~~ومجاهدة المسلمين معهم هو بأمر الرسول فتارة تأتيهم شياطينهم بما يخيلون ~~لهم أنه مكتوب من نور وان الرسول أمر بقتال المسلمين مع الكفار لكون ~~المسلمين قد عصوا # ولما ظهر مع المشركين وأهل الكتاب خفراء لهم من الرجال المسلمين برجال ~~الغيب وان لهم خوارق تقتضى أنهم أولياء الله صار الناس من أهل العلم ثلاثة ~~أحزاب # حزب يكذبون بوجود هؤلاء ولكن عاينهم الناس وثبت ذلك عمن عاينهم أو حدثه ~~الثقاة بما رأوه ( و ( هؤلاء اذا رأوهم أو تيقنوا وجودهم خضعوا لهم ~~PageV13P215 # وحزب عرفوهم ورجعوا إلى القدر واعتقدوا أن ثم فى الباطن طريقا إلى الله ~~غير طريقة ms0481 الانبياء # وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا أولياء الله خارجين عن دائرة الرسول فقالوا ~~يكون الرسول هو ممدا للطائفتين لهؤلاء وهؤلاء فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون ~~بدينه وشرعه والذين قبلهم يجوزون اتباع دين غير دينه وطريق غير طريقه # وكانت هذه الأقوال الثلاثة بدمشق لما فتحت عكة ثم تبين بعد ذلك أن هؤلاء ~~من أتباع الشياطين وان رجال الغيب هم الجن وان الذين مع الكفار شياطين وإن ~~من وافقهم من الإنس فهو من جنسهم شيطان من شياطين الانس أعداء الانبياء كما ~~قال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ # وكان سبب الضلال عدم الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وأصله ~~قول الجهمية الذين يسوون بين المخلوقات فلا يفرقون بين المحبوب والمسخوط ثم ~~إنه بعد ذلك جرت أمور يطول وصفها # ولما جاء قازان وقد أسلم دمشق انكشفت أمور أخرى فظهر أن PageV13P216 ~~اليونسية كانوا قد ارتدوا وصاروا كفارا مع الكفار # وحضر عندى بعض شيوخهم واعترف بالردة عن الاسلام وحدثنى بفصول كثيرة فقلت ~~له لما ذكر لى احتجاجهم بما جاءهم من أمر الرسول فهب ان المسلمين كأهل ~~بغداد كانوا قد عصوا وكان فى بغداد بضعة عشر بغى فالجيش الكفار المشركون ~~الذين جاؤا كانوا شرا من هؤلاء فان هؤلاء كن يزنين اختيارا فأخذ أولئك ~~المشركون عشرات الألوف من حرائر المسلمين وسراريهم بغير اختيارهم وردوهم عن ~~الاسلام إلى الكفر وأظهروا الشرك وعبادة الأصنام ودين النصارى وتعظيم ~~الصليب حتى بقى المسلمون مقهورين مع المشركين وأهل الكتاب مع تضاعيف ما كان ~~يفعل من المعاصى فهل يأمر محمد ( ( بهذا ويرضى بهذا فتبين له وقال لا والله ~~وأخبرنى عن ردة من ارتد من الشيوخ عن الاسلام لما كانت شياطين المشركين ~~تكرههم على الردة فى الباطن وتعذبهم ان لم يرتدوا فقلت كان هذا لضعف ~~ايمانهم وتوحيدهم والمادة التى يشهدونها من جهة الرسول والا فالشياطين لا ~~سلطان لهم على قلوب الموحدين وهذا وأمثاله ما كانوا يعتقدون أنهم شياطين بل ~~أنهم رجال من رجال الغيب الانس ms0482 وكلهم الله بتصريف الأمر فبينت لهم أن رجال ~~الغيب هم الجن كما قال تعالى ^ وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم PageV13P217 رهقا ^ ومن ظن أنهم انس فمن جهله وغلطه فان الانس ~~يؤنسون أى يشهدون ويرون انما يحتجب الانسى أحيانا لا يكون دائما محتجبا عن ~~أبصار الانس بخلاف الجن فانهم كما قال الله ( انه يراكم هو وقبيله من حيث ~~لا ترونهم ( # وكان غير هذا من المشايخ من يذكر عن الشيخ محمد بن السكران ان ( هولاكو ( ~~ملك المشركين لما دخل بغداد رأى ابن السكران شيخا محلوق الرأس على صورة شيخ ~~من مشايخ الدين والطريق آخذا بفرس هولاكو قال فلما رأيته أنكرت هذا ~~واستعظمت أن يكون شيخ من شيوخ المسلمين يقود فرس ملك المشركين لقتل ~~المسلمين فقلت يا هذا أو كلمة نحو هذا فقال تأمر بأمر أو قال له هل يفعل ~~هذا بأمرأو فعلت هذا بأمر فقلت نعم بأمر فسكت ابن السكران وأقنعه هذا ~~الجواب وكان هذا لقلة علمه بالفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وظن ~~أن ما يؤمر به الشيوخ فى قلوبهم هو من الله وأن من قال حدثنى قلبى عن ربى ~~فان الله هو يناجيه ومن قال أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحى ~~الذى لا يموت هو كذلك وهذا أضل ممن ادعى الاستغناء عن الأنبياء وأنه لا ~~يحتاج إلى واسطتهم # وجواب هذا أن يقال له بأمر من تأمر فان قال بأمر الله PageV13P218 قيل ~~بأمر الله الذى بعث به رسوله وأنزل به القرآن أم بأمر وقع فى قلبك فان قال ~~بالأول ظهر كذبه فانه ليس فيما يأمر الله به رسوله أن يأتى بالكفار ~~المشركين واهل الكتاب لقتل المسلمين وسبيهم وأخذ أموالهم لأجل ذنوب فعلوها ~~ويجعل الدار تعبد بها الأوثان ويضرب فيها بالنواقيس ويقتل قراء القرآن وأهل ~~العلم بالشرع ويعظم النجسية علماء المشركين وقساقسة النصارى وأمثال ذلك فان ~~هؤلاء أعظم عداوة لمحمد ( ( وهم من جنس مشركى العرب الذين قاتلوه يوم أحد ~~وأولئك عصاة من عصاة أمته وان ms0483 كان فيهم منافقون كثيرون فالمنافقون يبطنون ~~نفاقهم # وإن قال بأمر وقع فى قلبى لم يكذب لكن يقال من اين لك أن هذا رحمانى ولم ~~لا يكون الشيطان هو الذى أمرك بهذا وقد علمت أن ما يقع فى قلوب المشركين ~~وأهل الكتاب هو من الشيطان فان رجع إلى توحيد الربوبية وان الجميع بمشيئته ~~قيل له فحينئذ يكون ما يفعله الشيطان والمشركون وأهل الكتاب هو بالأمر ولا ~~ريب أنه بالأمر الكونى القدرى فجميع الخلق داخلون تحته لكن من فعل بمجرد ~~هذا الأمر لا بأمر الرسول فانما يكون من جنس شياطين الانس والجن وهو مستوجب ~~لعذاب الله فى الدنيا والآخرة وهو عابد لغير الله متبع لهواه وهو ممن قال ~~الله فيه ^ لأملأن جهنم منك وممن PageV13P219 تبعك منهم أجمعين ^ وممن قال ~~فيهم الشيطان ^ فبعزتك لأغوينهم أجمعين الا عبادك منهم المخلصين @QB@ قال ~~الله @QE@ ان عبادى ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين ^ وقال ~~تعالى ^ انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون انما سلطانه ~~على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ^ وقال تعالى ^ انا جعلنا الشياطين ~~أولياء للذين لا يؤمنون واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها قل ان الله لا يؤمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ^ ~~فكيف تأمر بالشرك والكفر وتسلط الكفار من المشركين وأهل الكتاب على ~~المسلمين وقتل الكفار للمسلمين هذا لا يأمر الله به كما لا يأمر بالفحشاء ~~فان هذا من افحش الفواحش اذا جعلت الفاحشة اسما لكل ما يعظم قبحه فكانت ~~القبائح السيئة داخلة فى الفحشاء # وكان أيضا بالشام بعض أكابر الشيوخ ببعلبك الشيخ عثمان شيخ دير ناعس ~~يأتيه خفير الفرنج النصارى راكبا أسدا ويخلو به ويناجيه ويقول يا شيخ عثمان ~~وكلت بحفظ خنازيرهم فيعذره عثمان وأتباعه فى ذلك ويرون أن الله أمره بهذا ~~كما أمر الخضر أن يفعل ما فعل كما عذر ابن السكران وأمثاله خفراء المشركين ~~التتار # والجواب لهذا كالجواب لذلك يقال له وكلك الله تعالى بهذا PageV13P220 ( ~~الذى ( أنزل على ms0484 لسان نبيه الدين أمر أن يوالى المسلمين وأن لا يتخذ اليهود ~~والنصارى أولياء بل أمرك أن تبغضهم وتجاهدهم بما استطعت هو أمرك أن تتوكل ~~بحفظ خنازيرهم فان قال هذا ظهر كذبه وان قال بل هو أمر ألقى فى قلبى لم ~~يكذب وقيل له فهذا من أمر الشيطان لا من أمر الرحمن الذى أنزل به كتبه ~~وأرسل به رسله ولكنه من الأمر الذى كونه وقدره كشرك المشركين الذين قالوا ( ~~لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ( # ومن هؤلاء من يظن الرجال الذين يؤيد بهم الكفار من المشركين وأهل الكتاب ~~هم أولياء الله ولا يجب عليهم اتباع الرسول كالملائكة الموكلة ببنى آدم ~~المعقبات # فقلت لشيخ كان من شيوخهم محمد أرسل إلى الثقلين الانس والجن ولم يرسل إلى ~~الملائكة فكل انسى أو جنى خرج عن الايمان به فهو عدو لله لا ولى لله بخلاف ~~الملائكة ثم # يقال له الملائكة لا يعاونون الكفار على المعاصى ولا على قتال المسلمين ~~وانما يعاونهم على ذلك الشياطين ولكن الملائكة قد تكون موكلة بخلقهم ورزقهم ~~وكتابة أعمالهم فإن ذلك ليس بمعصية فهذا الجواب بالفرق بينهم وبين الملائكة ~~من هذين الوجهين PageV13P221 # وقد ظهر أنهم من جنس الشياطين لا من جنس الملائكة وكان هذا الشيخ هو ~~وأبوه من خفراء الكفار وكان والده يقال له ( محمد الخالدي ( نسبة إلى شيطان ~~كان يقربه يقال له الشيخ خالد وهم يقولون أنه من الأنس ومن رجال الغيب ~~وحدثنى الثقة عنه أنه كان يقول الأنبياء ضيعوا الطريق ولعمري لقد ضيعوا ~~طريق الشياطين الأنس والجن وهؤلاء المشايخ الذين يحبون المسلمين ولكن ~~يوالون الشيوخ الذين يوالون المشركين الذين هم خفراء الكفار ويظنون أنهم من ~~أولياء الله اشتركوا هم وهم فى أصل ضلالة وهو أنهم جعلوا الخوارق الشيطانية ~~من جنس الكرامات الرحمانية ولم يفراقوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ~~كما قال تعالى ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ( ~~فهؤلاء وهؤلاء عشوا عن ذكر الرحمن الذى أنزله وهو الكتاب والسنة وعن الروح ~~الذى أوحاه ms0485 الله إلى نبيه الذى جعله الله نورا يهدى به من يشاء من عباده ~~وبه يحصل الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ولم يفرقوا بين آيات ~~الأنبياء ومعجزاتهم وبين خوارق السحرة والكهان إذ هذا ( مذهب الجهمية ~~المجبرة ( # وهؤلاء كلهم يشتركون فى هذا المذهب فلا يجعلون الله يحب ما أمر به ويبغض ~~ما نهى عنه بل يجعلون كل ما قدره وقضاه فإنه يحبه PageV13P222 ويرضاه فبقى ~~جميع الأمور عندهم سواه وإنما يتميز بنوع من الخوارق فمن كان خارق جعلوه من ~~أولياء الله وخضعوا له اما إتباعا له وإما موافقة له ومحبة وإما أن يسلموا ~~له حاله فلا يحبوه ولا يبغضوه إذ كانت قلوبهم لم يبق فيها من الإيمان ما ~~يعرفون به المعروف وينكرون به المنكر فى هذا الموضع # وقد ثبت فى الصحيح عن النبى ( انه ( قال ( من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان ( وفى ~~رواية لمسلم ( من جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن ~~جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل ( وميت الاحياء ~~الذين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا ( وفى حديث حذيفة الذي فى صحيح ~~مسلم ( ان الفتنة تعرض على القلوب كالحصير عودا عودا فايما قلب أنكرها نكتت ~~فيه نكتة بيضاء وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء حتى تبقى القلوب على ~~قلبين قلب أبيض مثل الصفاء لا يضره فتنة ما دامت السماء والأرض وقلب أسود ~~مرباد لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا الا ما أشرب من هواه ( فهؤلاء العباد ~~الزهاد الذين عبدوا الله بآرائهم وذوقهم ووجدهم لا PageV13P223 بالأمر ~~والنهي منتهاهم اتباع أهوائهم ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ( ~~لا سيما اذا كانت حقيقتهم هي قول ( الجهمية المجبرة ( فرأوا أن جميع ~~الكائنات اشتركت فى المشيئة ولم يميزوا بعضها عن بعض بان الله يحب هذا ~~ويرضاه وهذا يبغضه ويسخطه فان الله يحب المعروف ويبغض المنكر فإذا لم ~~يفرقوا بين هذا وهذا نكت فى ms0486 قلوبهم نكت سود فسود قلوبهم فيكون المعروف ما ~~يهوونه ويحبونه ويجدونه ويذقونه ويكون المنكر ما يهوون بغضه وتنفر عنه ~~قلوبهم كالمشركين الذين كانوا ( عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت ~~من قسورة ( ولهذا يوجد فى هؤلاء وأتباعهم من ينفرون عن القرآن والشرع كما ~~تنفر الحمر المستنفرة التى تفر من الرماة ومن الاسد ولهذا يوصفون بانهم إذا ~~قيل لهم قال المصطفى نفروا # وكان الشيخ إبراهيم بن معضاد يقول لمن رآه من هؤلاء كاليونسية والأحمدية ~~ياخنازير يا أبناء الخنازير ما أرى لله ورسوله عندكم رائحة ( بل يريد كل ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة ( كل منهم يريد أن يحدثه قلبه عن ربه فيأخذ عن ~~الله بلا واسطة الرسول ( واذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~اوتى رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته ( وبسط هذا له موضع آخر ~~PageV13P224 # والمقصود هنا ان قول ( القدرية الجهمية المجبرة ( أعظم مناقضة لما جاءت ~~به الرسل من قول النفاة ولهذا لم يكن هؤلاء مظهرين لهذا فى زمن السلف بل ~~كلما ضعف نور النبوة أظهروا حقيقة قولهم فانه من جنس قول المشركين المكذبين ~~للرسل ومنتهاهم الشرك وتكذيب الرسل وهذا جماع الكفر كما أن التوحيد وتصديق ~~الرسل جماع الايمان ولهذا صاروا مع أهل الكفر المحض من المشركين وأهل ~~الكتاب وبسط هذه الأمور له موضع آخر # والمقصود هنا أن ( القدرية المجبرة ( من جنس المشركين كما ان ( النافية ( ~~من جنس المجوس وان المجبرة ما عندهم سوى القدرة والمشيئة فى نفس الأمر ~~والنافية تنفي القدرة العامة والمشيئة التامة وتزعم انها تثبت الحكمة ~~والعدل وفي الحقيقة كلاهما ناف للحكمة والعدل والمشيئة والقدرة كما قد بسط ~~فى مواضع # لامية ( # وأولئك يتعلقون بقوله @QB@ لا يسأل عما يفعل @QE@ ^ والله يفعل ما يشاء ^ ~~وهذا ذكره الله اثباتا لقدرته لا نفيا لحكمته وعدله بل بين سبحانه انه يفعل ~~ما يشاء فلا أحد يمكنه أن يعارضه إذا شاء شيئا بل هو قادر على فعل ما يشاء ~~بخلاف المخلوق الذي يشاء أشياء كثيرة ولا يمكنه أن يفعلها ولهذا ms0487 قال النبى ~~فى الحديث الصحيح ( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني ان ~~شئت فان الله لا مكره له ولكن ليعزم المسألة ( PageV13P225 وذلك انه إنما ~~يقال افعل كذا ان شئت لمن قد يفعله مكرها فيفعل ما لا يريد لدفع ضرر ~~الاكراه عنه والله تعالى لا مكره له فلا يفعل إلا ما يشاء فقوله تعالى @QB@ ~~إن الله يفعل ما يشاء @QE@ و @QB@ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ ونحو ~~ذلك هو لاثبات قدرته على ما يشاء وهذا رد لقول القدرية النفاة الذين يقولون ~~انه لم يشأ كل ما كان بل لا يشاء إلا الطاعة ومع هذا فقد شاءها ولم يكن ممن ~~عصاه وليس هو قادرا عندهم على أن يجعل العبد لا مطيعا ولا عاصيا # فهذه الآيات التى تحتج بها المجبرة تدل على فساد مذهب النفاة كما أن ~~الآيات التى يحتج بها النفاة التى تدل على أنه حكم عادل لا يظلم مثقال ذرة ~~وانه لم يخلق الخلق عبثا ونحو ذلك تدل على فساد قول المجبرة وليس فى هذه ~~الايات ولا هذه ما يدل على صحة قول واحدة من الطائفتين بل ما تحتج به كل ~~طائفة يدل على فساد مذهب الأخرى وكلا القولين باطل وهذا هو الذي نهى عنه ~~النبى فى الحديث الذي فى المسند وغيره وبعضه فى صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~عمروعن النبى ( انه خرج على أصحابه وهم يتمارون فى القدر هذا يقول ألم يقل ~~الله كذا وهذا يقول ألم يقل الله كذا فكأنما فقيء فى وجهه حب الرمان فقال ~~أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ( ولهذا قال ~~أحمد فى بعض مناظرته لمن صار يضرب الآيات PageV13P226 بعضها ببعض انا قد ~~نهينا عن هذا # فمن دفع نصوصا يحتج بها غيره لم يؤمن بها بل آمن بما يحتج صار ممن يؤمن ~~ببعض الكتاب ويكفر ببعض وهذا حال أهل الاهواء هم مختلفون فى الكتاب مخالفون ~~للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب وقد تركوا كلهم بعض النصوص ms0488 وهو ما يجمع ~~تلك الاقوال فصاروا كما قال عن أهل الكتاب ( ومن الذين قالوا انا نصارى ~~أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى ~~يوم القيامة # فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء إذ لم يبق ~~هنا حق جامع يشتركون فيه بل ( تقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون ) وهؤلاء كلهم ليس معهم من الحق الا ما وافقوا فيه الرسول وهو ما ~~تمسكوا به من شرعه مما أخبر به وما أمر به وأما ما ابتدعوه فكله ضلالة كما ~~قال ( واياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة ( وقد تكون تلك البدعة أعظم ~~عندهم مما أخذوا به من الشرعة يجعلون تلك هي ( الأصول العقلية ( كالقدرية ~~المجبرة والنفاة فكلاهما يجعل ما أحدثوه من الكلام فى الاصول وهو الذي ~~يسمونه العقليات أعظم عندهم مما تلقوه من الشرع فالمعتزلة يجعلون العقليات ~~هي الخبريات والامريات جميعا كالواجبات الشرعية PageV13P227 لكن يقولون ~~أيضا ان الشرع أوجبها ولكن لهم فيها تخليط ليس هذا موضعه وكذلك ما ابتدعوه ~~فى الخبريات كاثبات حدوث العالم بطريقة الاعراض واستلزامها للأجسام وهم ~~ينفون الصفات والقدر ويسمون ذلك ( التوحيد والعدل ( # وجهم بن صفوان وأتباعه هم أعظم نفيا منهم فانهم ينفون الأسماء مع الصفات ~~وهم رؤس المجبرة والأشعرية وافقتهم فى الجبر لكن نازعوهم نزاعا لفظيا فى ~~اثبات الكسب والقدرة عليه وهم يرون أن هذه الأصول العقلية وهي العلم بما ~~يجب للرب ويمتنع عليه وما يجوز عليه من الأفعال هي أعظم العلوم وأشرفها ~~وانهم برزوا بها على الصحابة وان النبى لم يعلمها الصحابة إما لكونه وكلها ~~إلى استنباط الأمة وإما لكون الصحابة كانوا مشغولين عنها بالجهاد وإما ~~لكونه قال لهم في ذلك ما لم يبلغوه ولم يشغلهم بالأدلة لاشتغالهم بالجهاد # وهذه هي ( الاصول العقلية ( التى يعتمدون عليها هم ومن يوافقهم كالقاضى ~~أبي يعلى وأبى المعالى وأبي الوليد الباجي تبعا للقاضي أبى بكر وأمثاله وهو ~~وأتباعه يناقضون عبد الجبار وأمثاله كما ناقض الأشعرى وأمثاله أبا علي وأبا ~~القاسم ms0489 PageV13P228 وكل الأصول العقلية التى إبتدعها هؤلاء وهؤلاء باطلة فى ~~العقل والشرع وإن كانت كل واحدة من الطائفتين تعتقد أنها من أعظم الدين ~~ويقدمونها على الأصول الشرعية فإنهم فى ذلك بمنزلة ما يعظمه العباد والزهاد ~~والفقراء والصوفية من الخواراق الشيطانية ويفضلونها على العبادات الشرعية ~~والعبادات الشرعية هى التى معهم من الأسلام وتلك كلها باطلة وإن كانت أعظم ~~عندهم من العبادات حتى يقولوا نهاية الصوفى إبتداء الفقية ونهاية الفقية ~~إبتداء الموله وكذلك صاحب ( منازل السائرين ( يذكر فى كل باب ثلاث درجات ~~فالأولى وهى أهونها عندهم توافق الشرع فى الظاهر والثانية قد توافق الشرع ~~وقد لا توافق والثالثة فى الأغلب تخالف لا سيما فى ( التوحيد ( و ( الفناء ~~( و ( الرجاء ( ونحو ذلك وهذا الذى إبتدعوه هو أعظم عندهم مما وافقوا فيه ~~الرسل وكثير من العباد يفضل نوافله على أداء الفرائض وهذا كثير والله أعلم ~~والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ~~والحمد لله رب العالمين # PageV13P229 # وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه # عن طائفة من المتفقرة يدعون أن للقرآن باطنا وان لذلك الباطن باطنا إلى ~~سبعة أبطن ويروون فى ذلك حديثا أن النبى ( ( قال ( للقرآن باطن وللباطن ~~باطن إلى سبعة أبطن ( ويفسرون القرآن بغير المعروف عن الصحابة والتابعين ~~والأئمة من الفقهاء ويزعمون أن عليا قال لو شئت لأوقرت من تفسير فاتحة ~~الكتاب كذا وكذا حمل جمل ويقولون انما هو من علمنا اذ هو اللدنى ويقولون ~~كلاما معناه أن رسول الله ( ( خص كل قوم بما يصلح لهم فانه أمر قوما ~~بالامساك وقوما بالانفاق وقوما بالكسب وقوما بترك الكسب ويقولون ان هذا ~~ذكرته اشياخنا فى ( العوارف ( وغيره من كتب المحققين وربما ذكروا أن ~~PageV13P230 حذيفة كان يعلم أسماء المنافقين خصه بذلك رسول الله ( ( وبحديث ~~أبى هريرة ( حفظت جرابين ( ويروون كلاما عن أبى سعيد الخراز أنه قال ~~للعارفين خزائن أودعوها علوما غريبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية يخبرون ~~عنها بلسان الأزلية ويقولون ان رسول الله ( ( قال ( إن من العلم كهيئة ~~المخزون لا يعلمه الا ms0490 العلماء بالله فاذا نطقوا به لم ينكره الا أهل الغرة ~~بالله ( فهل ما ادعوه صحيحا أم لا # فسيدى يبين لنا مقالاتهم فان المملوك وقف على كلام لبعض العلماء ذكر فيه ~~أن الواحدى قال ألف أبو عبدالرحمن السلمى كتابا سماه ( حقائق التفسير ( أن ~~صح عنه فقد كفر ووقفت على هذا الكتاب فوجدت كلام هذه الطائفة منه أو ما ~~شابهه فما رأى سيدى فى ذلك وهل صح عن النبى ( ( أنه قال ( للقرآن باطن ( ~~الحديث يفسرونه على ما يرونه من أذواقهم ومواجيدهم المردودة شرعا أفتونا ~~مأجورين # فأجاب الشيخ رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين # أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المختلفة التى لم يروها أحد PageV13P231 ~~من اهل العلم ولا يوجد فى شىء من كتب الحديث # ولكن يروى عن الحسن البصرى موقوفا أو مرسلا ( أن لكل آية ظهرا وبطنا وحدا ~~ومطلعا ( وقد شاع فى كلام كثير من الناس ( علم الظاهر وعلم الباطن ( و ( ~~أهل الظاهر واهل الباطن ( ودخل فى هذه العبارات حق وباطل # وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع لكن نذكر هنا جملا من ذلك فنقول # قول الرجل ( الباطن ( اما أن يريد علم الأمور الباطنة مثل العلم بما فى ~~القلوب من المعارف والأحوال والعلم بالغيوب التى أخبرت بها الرسل واما أن ~~يريد به العلم الباطن أى الذى يبطن عن فهم أكثر الناس أو عن فهم من وقف مع ~~الظاهر ونحو ذلك # فأما الأول فلا ريب أن العلم منه ما يتعلق بالظاهر كأعمال الجوارح ومنه ~~ما يتعلق بالباطن كأعمال القلوب ومنه ما هو علم بالشهادة وهو ما يشهده ~~الناس بحواسهم ومنه ما يتعلق بالغيب وهو ما غاب عن احساسهم # وأصل الايمان هو الايمان بالغيب كما قال تعالى ^ ألم ذلك PageV13P232 ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ^ والغيب الذى يؤمن به ~~ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة ويدخل فى ذلك الايمان بالله وأسمائه ~~وصفاته وملائكته والجنة والنار فالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر يتضمن ~~الايمان بالغيب فان وصف الرسالة هو من الغيب وتفصيل ms0491 ذلك هو الايمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما ذكر الله تعالى ذلك فى قوله ^ ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ^ وقال ^ ومن ~~يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ^ # والعلم بأحوال القلوب كالعلم بالاعتقادات الصحيحة والفاسدة والارادات ~~الصحيحة والفاسدة والعلم بمعرفة الله ومحبته والاخلاص له وخشيته والتوكل ~~عليه والرجاء له والحب فيه والبغض فيه والرضا بحكمه والانابة اليه والعلم ~~بما يحمد ويذم من أخلاق النفوس كالسخاء والحياء والتواضع والكبر والعجب ~~والفخر والخيلاء وأمثال ذلك من العلوم المتعلقة بأمور باطنة فى القلوب ~~ونحوه قد يقال له ( علم الباطن ( أى علم بالأمر الباطن فالمعلوم هو الباطن ~~واما العلم الظاهر فهو ظاهر يتكلم به ويكتب وقد دل على ذلك الكتاب والسنة ~~وكلام السلف وأتباعهم بل غالب آى القرآن هو من هذا PageV13P233 العلم فإن ~~الله أنزل القرآن ( شفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ( بل هذا العلم ~~هو العلم بأصول الدين فان اعتقاد القلب أصل لقول اللسان وعمل القلب أصل ~~لعمل الجوارح والقلب هو ملك البدن كما قال أبو هريرة رضى الله عنه القلب ~~ملك والأعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده واذا خبث الملك خبثت جنوده ~~وفى الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( ألا وإن فى الجسد مضغة اذا صلحت صلح ~~لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهى القلب ( # ومن لم يكن له علم بما يصلح باطنه ويفسده ولم يقصد صلاح قلبه بالايمان ~~ودفع النفاق كان منافقا ان أظهر الاسلام فان الاسلام يظهره المؤمن والمنافق ~~وهو علانية والايمان فى القلب كما فى المسند عن النبى ( ( أنه قال ( ~~الاسلام علانية والايمان فى القلب ( وكلام الصحابة والتابعين والأحاديث ~~والآثار فى هذا أكثر منها فى الاجارة والشفعة والحيض والطهارة بكثير كثير ~~ولكن هذا العلم ظاهر موجود مقول باللسان مكتوب فى الكتب ولكن من كان بأمور ~~القلب أعلم كان أعلم به وأعلم بمعانى القرآن والحديث # وعامة الناس يجدون هذه الأمور فى أنفسهم ذوقا ووجدا ms0492 فتكون PageV13P234 ~~محسوسة لهم بالحس الباطن لكن الناس فى حقائق الايمان متفاضلون تفاضلا عظيما ~~فأهل الطبقة العليا يعلمون حال أهل السفلى من غير عكس كما أن أهل الجنة فى ~~الجنة ينزل الأعلى إلى الأسفل ولا يصعد الأسفل إلى الأعلى والعالم يعرف ~~الجاهل لأنه كان جاهلا والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما فلهذا كان ~~فى حقائق الايمان الباطنة وحقائق أنباء الغيب التى أخبرت بها الرسل ما لا ~~يعرفه الا خواص الناس فيكون هذا العلم باطنا من جهتين من جهة كون المعلوم ~~باطنا ومن جهة كون العلم باطنا لا يعرفه أكثر الناس ثم ان هذا الكلام فى ~~هذا العلم يدخل فيه من الحق والباطل ما لا يدخل فى غيره فما وافق الكتاب ~~والسنة فهو حق وما خالف ذلك فهو باطل كالكلام فى الأمور الظاهرة # ) # ( فصل ( # وأما اذا أريد بالعلم الباطن العلم الذى يبطن عن اكثر الناس أو عن بعضهم ~~فهذا على نوعين # ( أحدهما ( باطن يخالف العلم الظاهر و ( الثانى ( لا يخالفه PageV13P235 ~~فأما الأول فباطل فمن ادعى علما باطنا أو علما بباطن وذلك يخالف العلم ~~الظاهر كان مخطئا اما ملحدا زنديقا واما جاهلا ضالا # وأما الثانى فهو بمنزلة الكلام فى العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون ~~باطلا فان الباطن اذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته ~~للظاهر المعلوم فان علم أنه حق قبل وان علم أنه باطل رد والا أمسك عنه وأما ~~الباطن المخالف للظاهر المعلوم فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من ~~الاسماعيلية والنصيرية وأمثالهم ممن وافقهم من الفلاسفة وغلاة المتصوفة ~~والمتكلمين # وشر هؤلاء القرامطة فانهم يدعون أن للقرآن والاسلام باطنا يخالف الظاهر ~~فيقولون ( الصلاة ( المأمور بها ليست هذه الصلاة أو هذه الصلاة انما يؤمر ~~بها العامة وأما الخاصة فالصلاة فى حقهم معرفة اسرارنا و ( الصيام ( كتمان ~~أسرارنا و ( الحج ( السفر إلى زيارة شيوخنا المقدسين ويقولون ان ( الجنة ( ~~للخاصة هى التمتع فى الدنيا باللذات و ( النار ( هى التزام الشرائع والدخول ~~تحت أثقالها ويقولون ان ( الدابة ( التى يخرجها الله ms0493 للناس هى العالم ~~الناطق بالعلم فى كل وقت وإن ( اسرافيل ( الذى ينفخ فى الصور هو العالم ~~الذى ينفخ بعلمه فى القلوب حتى تحيا و ( جبريل ( هو العقل الفعال الذى تفيض ~~عنه الموجودات و ( القلم ( هو العقل الأول PageV13P236 الذى تزعم الفلاسفة ~~أنه المبدع الأول وأن الكواكب والقمر والشمس التى رآها إبراهيم هى النفس ~~والعقل وواجب الوجود وأن الأنهار الأربعة التى رآها النبى ( ( ليلة المعراج ~~هى العناصر الأربعة وأن الأنبياء التى رآها فى السماء هى الكواكب فآدم هو ~~القمر ويوسف هو الزهرة وادريس هو الشمس وأمثال هذه الأمور # وقد دخل فى كثير من اقوال هؤلاء كثير من المتكلمين والمتصوفين لكن أولئك ~~القرامطة ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض وعامة الصوفية والمتكلمين ليسوا ~~رافضة يفسقون الصحابة ولا يكفرونهم لكن فيهم من هو كالزيدية الذين يفضلون ~~عليا على أبى بكر وفيهم من يفضل عليا فى العلم الباطن كطريقة الحربى ~~وأمثاله ويدعون أن عليا كان أعلم بالباطن وأن هذا العلم أفضل من جهته وأبو ~~بكر كان اعلم بالظاهر وهؤلاء عكس محققى الصوفية وأئمتهم فانهم متفقون على ~~أن أعلم الخلق بالعلم الباطن هو أبو بكر الصديق وقد اتفق أهل السنة ~~والجماعة على أن أبا بكر أعلم الأمة بالباطن والظاهر وحكى الإجماع على ذلك ~~غير واحد # وهؤلاء الباطنية قد يفسرون ( وكل شىء أحصيناه فى امام مبين ( أنه على ~~ويفسرون قوله تعالى @QB@ تبت يدا أبي لهب وتب @QE@ بأنهما أبو بكر وعمر ~~وقوله @QB@ فقاتلوا أئمة الكفر @QE@ أنهم طلحة والزبير PageV13P237 و @QB@ ~~الشجرة الملعونة في القرآن @QE@ بأنها بنوا أمية # وأما باطنية الصوفية فيقولون فى قوله تعالى @QB@ اذهب إلى فرعون @QE@ انه ~~القلب و @QB@ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ انها النفس ويقول أولئك ~~هى عائشة ويفسرون هم والفلاسفة تكليم موسى بما يفيض عليه من العقل الفعال ~~أو غيره ويجعلون ( خلع النعلين ( ترك الدنيا والآخرة ويفسرون ( الشجرة ( ~~التى كلم منها موسى و ( الوادى المقدس ( ونحو ذلك بأحوال تعرض للقلب عند ~~حصول المعارف له وممن سلك ذلك صاحب ( مشكاة الأنوار ( وأمثاله وهى مما أعظم ~~المسلمون ms0494 انكاره عليه وقالوا أمرضه ( الشفاء ( وقالوا دخل فى بطون الفلاسفة ~~ثم أراد أن يخرج فما قدر ومن الناس من يطعن فى هذه الكتب ويقول انها مكذوبة ~~عليه وآخرون يقولون بل رجع عنها وهذا اقرب الأقوال فانه قد صرح بكفر ~~الفلاسفة فى مسائل وتضليلهم فى مسائل أكثر منها وصرح بأن طريقتهم لا توصل ~~إلى المطلوب # وباطنية الفلاسفة يفسرون الملائكة والشياطين بقوى النفس وما وعد الناس به ~~فى الآخرة بأمثال مضروبة لتفهيم ما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم ~~لا باثبات حقائق منفصلة يتنعم بها ويتألم بها وقد وقع فى هذا الباب فى كلام ~~كثير من متأخرى الصوفية ما لم يوجد مثله من أئمتهم ومتقدميهم كما وقع فى ~~كلام كثير من متأخرى اهل PageV13P238 الكلام والنظر من ذلك ما لا يوجد عن ~~أئمتهم ومتقدميهم # وهؤلاء المتأخرون مع ضلالهم وجهلهم يدعون أنهم أعلم وأعرف من سلف الأمة ~~ومتقدميها حتى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا الوجود واحدا كما فعل ابن عربى ~~صاحب الفصوص وأمثاله فانهم دخلوا من هذا الباب حتى خرجوا من كل عقل ودين ~~وهم يدعون مع ذلك أن الشيوخ المتقدمين كالجنيد بن محمد وسهل بن عبدالله ~~التسترى وابراهيم الخواص وغيرهم ماتوا وما عرفوا التوحيد وينكرون على ~~الجنيد وأمثاله اذا ميزوا بين الرب والعبد كقوله ( التوحيد ( افراد الحدوث ~~عن القدم ولعمرى ان توحيدهم الذى جعلوا فيه وجود المخلوق وجود الخالق هو من ~~أعظم الالحاد الذى أنكره المشايخ المهتدون وهم عرفوا أنه باطل فأنكروه ~~وحذروا الناس منه وأمروهم بالتمييز بين الرب والعبد والخالق والمخلوق ~~والقديم والمحدث وأن التوحيد ان يعلم مباينة الرب لمخلوقاته وامتيازه عنها ~~وأنه ليس فى مخلوقاته شىء من ذاته ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته # ثم أنهم يدعون أنهم أعلم بالله من المرسلين وان الرسل انما تستفيد معرفة ~~الله من مشكاتهم ويفسرون القرآن بما يوافق باطنهم الباطل كقوله ( مما ~~خطيئاتهم ( فهى التى خطت بهم فغرقوا فى بحار العلم بالله وقولهم ان العذاب ~~مشتق من العذوبة ويقولون ان PageV13P239 كلام نوح فى ms0495 حق قومه ثناء عليهم ~~بلسان الذم ويفسرون قوله تعالى @QB@ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون @QE@ بعلم الظاهر بل @QB@ ختم الله على قلوبهم @QE@ ~~فلا يعلمون غيره @QB@ وعلى سمعهم وعلى أبصارهم @QE@ فلا يسمعون من غيره ولا ~~يرون غيره فانه لا غير له فلا يرون غيره ويقولون فى قوله @QB@ وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه @QE@ ان معناه قدر ذلك لأنه ليس ثم موجود سواه فلا يتصور ~~ان يعبد غيره فكل من عبد الأصنام والعجل ما عبد غيره لأنه ما ثم غير وأمثال ~~هذه التأويلات والتفسيرات التى يعلم كل مؤمن وكل يهودى ونصرانى علما ضروريا ~~أنها مخالفة لما جاءت به الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين ( # وجماع القول فى ذلك أن هذا الباب نوعان # ( أحدهما ( أن يكون المعنى المذكور باطلا لكونه مخالفا لما علم فهذا هو ~~فى نفسه باطل فلا يكون الدليل عليه الا باطلا لأن الباطل لا يكون عليه دليل ~~يقتضى أنه حق و ( الثانى ( ما كان فى نفسه حقا لكن يستدلون عليه من القرآن ~~والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك فهذا الذى يسمونه ( إشارات ( و ( حقائق ~~التفسير ( لأبى عبدالرحمن فيه من هذا الباب شىء كثير PageV13P240 # وأما ( النوع الأول ( فيوجد كثيرا فى كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين ~~للمسلمين فى أصول دينهم فان من علم أن السابقين الأولين قد رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه علم أن كل ما يذكرونه على خلاف ذلك فهو باطل ومن أقر بوجوب ~~الصلوات الخمس على كل أحد ما دام عقله حاضرا علم أن من تأول نصا على سقوط ~~ذلك عن بعضهم فقد افترى ومن علم أن الخمر والفواحش محرمة على كل أحد ما دام ~~عقله حاضرا علم أن من تأول نصا يقتضى تحليل ذلك لبعض الناس أنه مفتر # وأما ( النوع الثانى ( فهو الذى يشتبه كثيرا على بعض الناس فان المعنى ~~يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسنة عليه ولكن الشأن فى كون اللفظ الذى ~~يذكرونه دل عليه وهذان قسمان # ( أحدهما ( أن يقال ان ذلك المعنى ms0496 مراد باللفظ فهذا افتراء على الله فمن ~~قال المراد بقوله @QB@ تذبحوا بقرة @QE@ هى النفس وبقوله @QB@ اذهب إلى ~~فرعون @QE@ هو القلب @QB@ والذين معه @QE@ أبو بكر @QB@ أشداء على الكفار ~~@QE@ عمر @QB@ رحماء بينهم @QE@ عثمان @QB@ تراهم ركعا سجدا @QE@ على فقد ~~كذب على الله اما متعمدا واما مخطئا و # ( القسم الثانى ( أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس PageV13P241 لا من ~~باب دلالة اللفظ فهذا من نوع القياس فالذى تسميه الفقهاء قياسا هو الذى ~~تسميه الصوفية اشارة وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك فمن ~~سمع قول الله تعالى @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ وقال انه اللوح المحفوظ ~~أو المصحف فقال كما أن اللوح المحفوظ الذى كتب فيه حروف القرآن لا يمسه الا ~~بدن طاهر فمعانى القرآن لا يذوقها الا القلوب الطاهرة وهى قلوب المتقين كان ~~هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف قال تعالى ~~@QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين @QE@ وقال @QB@ هذا بيان للناس ~~وهدى وموعظة للمتقين @QE@ وقال @QB@ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام @QE@ وأمثال ذلك # وكذلك من قال ^ لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب ^ فاعتبر بذلك أن ~~القلب لا يدخله حقائق الايمان اذا كان فيه ما ينجسه من الكبر والحسد فقد ~~أصاب قال تعالى ^ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ( وقال تعالى ^ ~~سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق وان يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغى يتخذوه ~~سبيلا ^ وأمثال ذلك # و ( كتاب حقائق التفسير ( لأبى عبدالرحمن السلمى يتضمن ثلاثة أنواع ~~PageV13P242 # ( أحدها ( نقول ضعيفة عمن نقلت عنه مثل أكثر ما نقله عن جعفر الصادق فان ~~أكثره باطل عنه وعامتها فيه من موقوف أبى عبدالرحمن وقد تكلم أهل المعرفة ~~فى نفس رواية ابى عبدالرحمن حتى كان البيهقى اذا حدث عنه يقول حدثنا من أصل ~~سماعه # ( والثانى ( أن يكون المنقول صحيحا لكن الناقل أخطأ فيما قال # ( والثالث ( نقول صحيحة عن ms0497 قائل مصيب فكل معنى يخالف الكتاب والسنة فهو ~~باطل وحجته داحضة وكل ما وافق الكتاب والسنة والمراد بالخطاب غيره اذا فسر ~~به الخطاب فهو خطأ وان ذكر على سبيل الاشارة والاعتبار والقياس فقد يكون ~~حقا وقد يكون باطلا # وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير ~~المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد فى آيات الله محرف ~~للكلم عن مواضعه وهذا فتح لباب الزندقة والالحاد وهو معلوم البطلان ~~بالاضطرار من دين الإسلام # وأما ما يروى عن بعضهم من الكلام المجمل مثل قول بعضهم لو PageV13P243 ~~شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب الخ فهذا اذا صح عمن نقل عنه كعلى وغيره ~~لم يكن فيه دلالة على الباطن المخالف للظاهر بل يكون هذا من الباطن الصحيح ~~الموافق للظاهر الصحيح وقد تقدم أن الباطن اذا أريد به ما لا يخالف الظاهر ~~المعلوم فقد يكون حقا وقد يكون باطلا ولكن ينبغى أن يعرف أنه قد كذب على ~~على وأهل بيته لا سيما على جعفر الصادق ما لم يكذب على غيره من الصحابة حتى ~~أن الاسماعيلية والنصيرية يضيفون مذهبهم اليه وكذلك المعتزلة # وكذلك فرقة التصوف يقولون ان الحسن البصرى صحبه وأنه دخل المسجد فرأى ~~الحسن يقص مع القصاص فقال ما صلاح الدين قال الورع قال فما فساده قال الطمع ~~فأقره وأخرج غيره وقد اتفق أهل المعرفة بالمنقولات ان الحسن لم يصحب عليا ~~ولم يأخذ عنه شيئا وانما أخذ عن اصحابه كالأحنف بن قيس وقيس بن سعد ابن ~~عباد وأمثالهما ولم يقص الحسن فى زمن على بل ولا فى زمن معاوية وانما قص ~~بعد ذلك وقد كانوا فى زمن على يكذبون عليه حتى كان الناس يسألونه كما ثبت ~~فى الصحيحين ( أنه قيل له هل عندكم من رسول الله ( ( كتاب تقرؤونه فقال لا ~~والذى فلق الحبة وبرأ النسمة الا هذه الصحيفة وفيها أسنان الابل وفكاك ~~الأسير وألا يقتل مسلم بكافر ( وفى لفظ ( هل عهد اليكم PageV13P244 رسول ~~الله ( ( شيئا لم يعهده إلى ms0498 الناس فقال لا ( وفى لفظ ( الا فهما يؤتيه الله ~~عبدا فى كتابه # وأما ( العلم اللدنى ( فلا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين ~~وعباده الصالحين بسبب طهارة قلوبهم مما يكرهه واتباعهم ما يحبه ما لا يفتح ~~به على غيرهم وهذا كما قال على الا فهما يؤتيه الله عبدا فى كتابه وفى ~~الأثر ( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ( وقد دل القرآن على ذلك ~~فى غير موضع كقوله @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ فقد ~~أخبر أنه من فعل ما يؤمر به يهديه الله صراطا مستقيما وقال تعالى @QB@ يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وآتاهم تقواهم @QE@ وقال @QB@ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~@QE@ وقال تعالى ^ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( وقال تعالى ^ هذا ~~بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ^ وقال تعالى ^ هذا بصائر من ربكم وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون ^ # وأخبر أن اتباع ما يكرهه يصرف عن العلم والهدى كقوله ^ فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم @QB@ وقوله @QE@ وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها قل انما الآيات عند الله وما يشعركم PageV13P245 انها اذا جاءت ~~لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ونذرهم فى ~~طغيانهم يعمهون ^ أى وما يشعركم أنها اذا جاءت لا يؤمنون بها ونقلب أفئدتهم ~~أى يتركون الايمان ونحن نقلب أفئدتهم لكونهم لم يؤمنوا أول مرة أى ما ~~يدريكم أنه لا يكون هذا وهذا حينئذ # ومن فهم معنى الآية عرف خطأ من قال ( أن ( بمعنى لعل واستشكل قراءة الفتح ~~بل يعلم حينئذ أنها أحسن من قراءة الكسر وهذا باب واسع والناس فى هذا الباب ~~على ثلاثة أقسام طرفان ووسط # فقوم يزعمون أن مجرد الزهد وتصفية القلب ورياضة النفس توجب حصول العلم ~~بلا سبب آخر # وقوم يقولون لا أثر لذلك بل الموجب للعلم العلم بالأدلة الشرعية أو ~~العقلية ms0499 وأما الوسط فهو أن ذلك من أعظم الأسباب معاونة على نيل العلم بل هو ~~شرط فى حصول كثير من العلم وليس هو وحده كافيا بل لابد من أمر آخر اما ~~العلم بالدليل فيما لا يعلم الا به PageV13P246 وأما التصور الصحيح لطرفى ~~القضية فى العلوم الضرورية ( # وأما العلم النافع الذى تحصل به النجاة من النار ويسعد به العباد فلا ~~يحصل الا باتباع الكتب التى جاءت بها الرسل قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن ~~@QE@ الخ وقال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين @QE@ فمن ظن أن الهدى والايمان يحصل بمجرد طريق # العلم مع عدم العمل به أو بمجرد العمل والزهد بدون العلم فقد ضل وأضل ~~منهما من سلك فى العلم والمعرفة طريق أهل الفلسلفة والكلام بدون اعتبار ذلك ~~بالكتاب والسنة ولا العمل بموجب العلم أو سلك فى العمل والزهد طريق أهل ~~الفلسفة والتصوف بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة ولا اعتبار العمل بالعلم ~~فأعرض هؤلاء عن العلم والشرع وأعرض أولئك عن العمل والشرع فضل كل منهما من ~~هذين الوجهين وتباينوا تباينا عظيما حتى أشبه هؤلاء اليهود المغضوب عليهم ~~واشبه هؤلاء النصارى الضالين بل صار منهما من هو شر PageV13P247 من اليهود ~~والنصارى كالقرامطة والاتحادية وامثالهم من الملاحدة الفلاسفة ( # ( فصل ( # وأما قول القائل ان النبى ( ( خص كل قوم بما يصلح لهم الخ فهذا الكلام له ~~وجهان # ان أراد به ان الأعمال المشروعة يختلف الناس فيها بحسب اختلاف أحوالهم ~~فهذا لا ريب فيه فانه ليس ما يؤمر به الفقير كما يؤمر به الغنى ولا ما يؤمر ~~به المريض كما يؤمر به الصحيح ولا ما يؤمر به عند المصائب هو ما يؤمر به ~~عند النعم ولا ما تؤمر به الحائض كما ms0500 تؤمر به الطاهرة ولا ما تؤمر به ~~الأئمة كالذى تؤمر به الرعية فأمر الله لعباده قد يتنوع بتنوع أحوالهم كما ~~قد يشتركون فى اصل الايمان بالله وتوحيده والايمان بكتبه ورسله # وأن أراد أن الشريعة فى نفسها تختلف وان النبى ( ( خاطب زيدا بخطاب يناقض ~~ما خاطب به عمرا أو أظهر لهذا شيئا يناقض ما أظهره لهذا كما يرويه الكذابون ~~( أن عائشة سألته PageV13P248 هل رأيت ربك فقال لا وسأله أبو بكر فقال نعم ~~( وأنه أجاب عن مسألة واحدة بجوابين متناقضين لاختلاف حال السائلين ( فهذا ~~من كلام الكذابين المفترين بل هو من كلام الملاحدة المنافقين فان النبى ( ( ~~قال ( ما ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين ( والحديث فى سنن أبى داود ~~وغيره وكان عام الفتح قد أهدر دم جماعة منهم ابن أبى سرح فجاء به عثمان ~~ليبايع النبى ( ( فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا ثم بايعه ثم قال ( أما كان فيكم ~~رجل رشيد ينظر إلى وقد أعرضت عن هذا فيقتله ( فقال بعضهم هلا أومضت إلى يا ~~رسول الله فقال ( ما ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين ( وهذا مبالغة فى ~~استواء ظاهره وباطنه وسره وعلانيته وأنه لا يبطن خلاف ما يظهر على عادة ~~المكارين المنافقين # ولا ريب أن القرامطة وأمثالهم من الفلاسفة يقولون أنه أظهر خلاف ما أبطن ~~وأنه خاطب العامة بأمور أراد بها خلاف ما أفهمهم لأجل مصلحتهم اذ كان لا ~~يمكنه صلاحهم الا بهذا الطريق وقد زعم ذلك ابن سينا وأصحاب ( رسائل اخوان ~~الصفا ( وأمثالهم من الفلاسفة والقرامطة الباطنية فان ابن سينا كان هو وأهل ~~بيته من اتباع الحاكم القرمطى العبيدى الذى كان بمصر # وقول هؤلاء كما أنه من أكفر الأقوال فجهلهم من أعظم الجهل PageV13P249 ~~وذلك أنه اذا كان الأمر كذلك فلابد أن يعلمه أهل العقل والذكاء من الناس ~~واذا علموه امتنع فى العادة تواطؤهم على كتمانه كما يمتنع تواطؤهم على ~~الكذب فانه كما يمتنع فى العادة تواطؤ الجميع على الكذب يمتنع تواطؤهم على ~~كتمان ما تتوفر الهمم والدواعى على بيانه وذكره ms0501 لا سيما مثل معرفة هذه ~~الأمور العظيمة التى معرفتها والتكلم بها من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعى ~~عليه ألا ترى أن الباطنية ونحوهم أبطنوا خلاف ما أظهروه للناس وسعوا فى ذلك ~~بكل طريق وتواطؤا عليه ما شاء الله حتى التبس أمرهم على كثير من أتباعهم ثم ~~انهم مع ذلك اطلع على حقيقة أمرهم جميع اذكياء الناس من موافقيهم ومخالفيهم ~~وصنفوا الكتب فى كشف أسرارهم ورفع أستارهم ولم يكن لهم فى الباطن حرمة عند ~~من عرف باطنهم ولا ثقة بما يخبرون به ولا التزام طاعة لما يأمرون وكذلك من ~~فيه نوع من هذا الجنس # فمن سلك هذه السبيل لم يبق لمن علم أمره ثقة بما يخبر به وبما يأمر به ~~وحينئذ فينتقض عليه جميع ما خاطب به الناس فانه ما من خطاب يخاطبهم به الا ~~ويجوزون عليه أن يكون أراد به غير ما أظهره لهم فلا يثقون بأخباره وأوامره ~~فيختل عليه الأمر كله فيكون مقصوده صلاحهم فيعود ذلك بالفساد العظيم بل كل ~~من وافقه فلابد أن يظهر خلاف ما أبطن كاتباع من سلك هذه السبيل من القرامطة ~~PageV13P250 الباطنية وغيرهم لا تجد أحدا من موافقيهم الا ولابد أن يبين أن ~~ظاهره خلاف باطنه ويحصل لهم بذلك من كشف الأسرار وهتك الاستار ما يصيرون به ~~من شرار الكفار # وإذا كانت الرسل تبطن خلاف ما تظهر فاما أن يكون العلم بهذا الاختلاف ~~ممكنا لغيرهم واما أن لا يكون فان لم يكن ممكنا كان مدعى ذلك كذابا مفتريا ~~فبطل قول هؤلاء الملاحدة الفلاسفة والقرامطة وأمثالهم وان كان العلم بذلك ~~ممكنا علم بعض الناس مخالفة الباطن للظاهر وليس لمن يعلم ذلك حد محدود بل ~~اذا علمه هذا علمه هذا وعلمه هذا فيشيع هذا ويظهر ولهذا كان من اعتقد هذا ~~فى الانبياء كهؤلاء الباطنية من الفلاسفة والقرامطة ونحوهم معرضين عن حقيقة ~~خبره وأمره لا يعتقدون باطن ما أخبر به ولا ما أمر بل يظهر عليه من مخالفة ~~أمره والاعراض عن خبره ما يظهر لكل أحد ولا تجد ms0502 فى أهل الايمان من يحسن بهم ~~الظن بل يظهر فسقهم ونفاقهم لعوام المؤمنين فضلا عن خواصهم # وأيضا فمن كانت هذه حاله كان خواصه أعلم الناس بباطنه والعلم بذلك يوجب ~~الانحلال فى الباطن ومن علم حال خاصة النبى ( ( كأبى بكر وعمر وغيرهما من ~~السابقين الأولين علم أنهم كانوا أعظم الناس تصديقا لباطن أمر خبره وظاهره ~~وطاعتهم PageV13P251 له فى سرهم وعلانيتهم ولم يكن أحد يعتقد فى خبره وأمره ~~ما يناقض ظاهر ما بينه لهم ودلهم عليه وأرشدهم اليه ولهذا لم يكن فى ~~الصحابة من تأول شيئا من نصوصه على خلاف ما دل عليه لا فيما أخبر به الله ~~عن أسمائه وصفاته ولا فيما أخبر به عما بعد الموت وان ما ظهر من هذا ما ظهر ~~الا ممن هو عند الأمة من أهل النفاق والاتحاد كالقرامطة والفلاسفة والجهمية ~~نفاة حقائق الأسماء والصفات # ومن تمام هذا ان تعلم أن النبى ( ( لم يخص أحدا من اصحابه بخطاب فى علم ~~الدين قصد كتمانه عن غيره ولكن كان قد يسأل الرجل عن المسألة التى لا يمكن ~~جوابها فيجيبه بما ينفعه كالأعرابى الذى سأله عن الساعة والساعة لا يعلم ~~متى هى فقال ( ما أعددت لها فقال ما أعددت لها من كثير عمل ولكنى أحب الله ~~ورسوله فقال المرء مع من أحب ( فأجابه بالمقصود من علمه بالساعة ولم يكن ~~يخاطب أصحابه بخطاب لا يفهمونه بل كان بعضهم أكمل فهما لكلامه من بعض كما ~~فى الصحيحين عن أبى سعيد أن رسول الله ( ( قال ( ان عبدا خيره الله بين ~~الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد ما عند الله فبكى أبو بكر وقال بل نفديك ~~بأنفسنا وأموالنا يا رسول الله فجعل الناس يعجبون PageV13P252 أن ذكر رسول ~~الله ( ( عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة قال وكان رسول الله ( ( هو ~~المخير وكان أبو بكر أعلمنا به ( فالنبى ( ( ذكر عبدا مطلقا لم يعينه ولا ~~فى لفظه ما يدل عليه لكن أبو بكر لكمال معرفته بمقاصد الرسول ( ( علم أنه ~~هو ذلك العبد فلم يخص عنهم بباطن يخالف ms0503 الظاهر بل يوافقه ولا يخالف مفهوم ~~لفظه ومعناه # وأما ما يرويه بعض الكذابين عن عمر أنه قال ( كان النبى ( ( وأبو بكر ~~يتحدثان وكنت كالزنجى بينهما ( فهذا من أظهر الاكاذيب المختلفة لم يروه أحد ~~من علماء المسلمين فى شىء من كتب أهل العلم وهو من أظهر الكذب فان عمر أفضل ~~الأمة بعد أبى بكر وهو المحدث الملهم الذى ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ~~وهو أفضل المخاطبين المحدثين من هذه الأمة فاذا كان هو حاضرا يسمع الالفاظ ~~ولم يفهم الكلام كالزنجى فهل يتصور أن يكون غيره أفهم منه لذلك فكيف من لم ~~يسمع الفاظ الرسول بل يزعم أن ما يدعيه من المعانى هى تلك المعانى بمجرد ~~الدعوى التى لو كانت مجردة لم تقبل فكيف اذا قامت البينة على كذب مدعيها # # وأما حديث حذيفة فقد ثبت فى الصحيح ( أن حذيفة كان PageV13P253 يعلم السر ~~الذى لا يعلمه غيره ( وكان ذلك ما اسره اليه النبى ( ( عام تبوك من أعيان ~~المنافقين فانه روى أن جماعة من المنافقين أرادوا أن يحلوا حزام ناقة رسول ~~الله ( ( بالليل ليسقط عن بعيره فيموت وأنه أوحى اليه بذلك وكان حذيفة ~~قريبا منه فأسر اليه أسماءهم # ويقال ان عمر لم يكن يصلى على أحد حتى يصلى عليه حذيفة وهذا ليس فيه شىء ~~من حقائق الدين ولا من الباطن الذى يخالف الظاهر فان الله قد ذكر فى كتابه ~~من صفات المنافقين وأخبارهم ما ذكره حتى أن سورة ( براءة ( سميت الفاضحة ~~لكونها فضحت المنافقين وسميت المبعثرة وغير ذلك من الأسماء لكن القرآن لم ~~يذكر فلانا وفلانا فاذا عرف بعض الناس أن فلانا وفلانا من هؤلاء المنافقين ~~الموصوفين كان ذلك بمنزلة تعريفه ان فلانا وفلانا من المؤمنين الموعودين ~~بالجنة فاخباره ( ( أن أبا بكر وعمر وغيرهما فى الجنة كاخباره أن أولئك ~~منافقون وهذا اذا كان العلم الباطن فهو من الباطن الموافق للظاهر المحقق له ~~المطابق له # ونظيره فى ( الأمر ( ما يسمى ( تحقيق المناط ( وهو أن يكون الشارع قد علق ~~الحكم بوصف فنعلم ثبوته فى حق ms0504 المعين كأمره باستشهاد ذوى عدل ولم يعين ~~فلانا وفلانا فاذا علمنا أن هذا ذو PageV13P254 عدل كنا قد علمنا أن هذا ~~المعين موصوف بالعدل المذكور فى القرآن وكذلك لما حرم الله الخمر والميسر ~~فاذا علمنا أن هذا الشراب المصنوع من الذرة والعسل خمرا علمنا أنه داخل فى ~~هذا النص فعلمنا بأعيان المؤمنين وأعيان المنافقين هو من هذا الباب وهذا هو ~~من تأويل القرآن # وهذا على الاطلاق لا يعلمه الا الله فان الله يعلم كل مؤمن وكل منافق ~~ومقادير ايمانهم ونفاقهم وما يختم لهم وأما الرسول فقد قال تعالى @QB@ وممن ~~حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن ~~نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم @QE@ فالله يطلع رسوله ومن ~~شاء من عباده على ما يشاء من ذلك ( # وأما حديث أبى هريرة فهو حديث صحيح قال ( حفظت من رسول الله ( ( جرابين ~~فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم ( ولكن ~~ليس فى هذا من الباطن الذى يخالف الظاهر شىء بل ولا فيه من حقائق الدين ~~وانما كان فى ذلك الجراب الخبر عما سيكون من الملاحم والفتن فالملاحم ~~الحروب التى بين المسلمين والكفار والفتن ما يكون بين المسلمين PageV13P255 ~~ولهذا قال عبدالله بن عمر لو أخبركم أبو هريرة انكم تقتلون خليفتكم وتفعلون ~~كذا وكذا لقلتم كذب أبو هريرة واظهار مثل هذا # مما تكرهه الملوك وأعوانهم لما فيه من الاخبار بتغير دولهم ومما يبين هذا ~~أن أبا هريرة انما أسلم عام خيبر فليس هو من السابقين الأولين ولا من أهل ~~بيعة الرضوان وغيره من الصحابة أعلم بحقائق الدين منه وكان النبى ( ( يحدثه ~~وغيره بالحديث فيسمعونه كلهم ولكن كان أبو هريرة أحفظهم للحديث ببركة حصلت ~~له من جهة النبى ( ( لأن النبى ( ( حدثهم ذات يوم حديثا فقال ( أيكم يبسط ~~ثوبه فلا ينسى شيئا سمعه ففعل ذلك أبو هريرة ( وقد روى ( أنه كان يجزىء ~~الليل ثلاثة أجزاء ثلثا يصلى وثلثا ينام وثلثا يدرس الحديث ( ولم ينقل أحد ~~قط عن أبى ms0505 هريرة حديثا يوافق الباطنية ولا حديثا يخالف الظاهر المعلوم من ~~الدين # ومن المعلوم أنه لو كان عنده شىء من هذا لم يكن بد أن ينقل عنه أحد شيئا ~~منه بل النقول المتواترة عنه كلها تصدق ما ظهر من الدين وقد روى من أحاديث ~~صفات الله وصفات اليوم الآخر وتحقيق العبادات ما يوافق أصول أهل الايمان ~~ويخالف قول أهل البهتان # PageV13P256 # وأما ما يروى عن أبى سعيد الخراز وأمثاله فى هذا الباب وما يذكره أبو ~~طالب فى كتابه وغيره وكلام بعض المشايخ الذى يظن أنه يقول بباطن يخالف ~~الظاهر وما يوجد من ذلك فى كلام أبى حامد الغزالى أو غيره # فالجواب عن هذا كله أن يقال ما علم من جهة الرسول فهو نقل مصدق عن قائل ~~معصوم وما عارض ذلك فاما أن يكون نقلا عن غير مصدق أو قولا لغير معصوم فان ~~كثيرا مما ينقل عن هؤلاء كذب عليهم والصدق من ذلك فيه ما اصابوا فيه تارة ~~وأخطأوا فيه أخرى وأكثر عباراتهم الثابتة ألفاظ مجملة متشابهة لو كانت من ~~ألفاظ المعصوم لم تعارض الحكم المعلوم فكيف اذا كانت من قول غير المعصوم # قد جمع أبو الفضل الفلكى كتابا من كلام أبى يزيد البسطامى سماه ( النور ~~من كلام طيفور ( فيه شىء كثير لا ريب أنه كذب على أبى يزيد البسطامى وفيه ~~أشياء من غلط أبى يزيد رحمة الله عليه وفيه أشياء حسنة من كلام أبى يزيد ~~وكل أحد من الناس يؤخذ قوله ويترك الا رسول الله ( ( PageV13P257 # ومن قيل له عن أبى يزيد أو غيره من المشائخ أنه قال لمريديه ان تركتم ~~أحدا من أمة محمد يدخل النار فانا منكم برىء فعارضه الآخر وقال قلت لمريدى ~~ان تركتم أحدا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم برىء فصدق هذا النقل عنه ~~ثم جعل هذا المصدق لهذا عن أبى يزيد أو غيره يستحسنه ويستعظم حاله فقد دل ~~على عظيم جهله أو نفاقه فانه ان كان قد علم ما أخبر به الرسول من دخول من ~~يدخل ms0506 النار من أهل الكبائر وان النبى ( ( هو أول من يشفع فيهم بعد أن تطلب ~~الشفاعة من الرسل الكبار كنوح وابراهيم وموسى وعيسى فيمتنعون ويعتذرون ثم ~~صدق ان مريدى أبى يزيد أو غيره يمنعون أحدا من الأمة دخول النار أو يخرجون ~~هم كل من دخلها كان ذلك كفرا منه بما أخبر به الصادق المصدوق بحكاية منقولة ~~كذب ناقلها أو أخطأ قائلها ان لم يكن تعمد الكذب وان كان لا يعلم ما أخبر ~~به الرسول كان من أجهل الناس بأصول الايمان # فعلى المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة وان يجتهد فى أن يعرف ما أخبر به ~~الرسول وأمر به علما يقينيا وحينئذ فلا يدع المحكم المعلوم للمشتبه المجهول ~~فان مثال ذلك مثل من كان سائرا إلى مكة فى طريق معروفة لا شك انها توصله ~~إلى مكة اذا سلكها فعدل عنها إلى طريق مجهولة لا يعرفها ولا يعرف منتهاها ~~وهذا مثال من PageV13P258 عدل عن الكتاب والسنة إلى كلام من لا يدرى هل ~~يوافق الكتاب والسنة أو يخالف ذلك # وأما من عارض الكتاب والسنة بما يخالف ذلك فهو بمنزلة من كان يسير على ~~الطريق المعروفة إلى مكة فذهب إلى طريق قبرص يطلب الوصول منها إلى مكة فان ~~هذا حال من ترك المعلوم من الكتاب والسنة إلى ما يخالف ذلك من كلام زيد ~~وعمرو كائنا من كان فان كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله ~~( ( وقد رأيت فى هذا الباب من عجائب الأمور ما لا يحصيه الا العليم بذات ~~الصدور # وأما الحديث المأثور ( ان من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه الا أهل العلم ~~بالله فاذا ذكروه لم ينكره الا أهل الغرة بالله ( فهذا قد رواه أبو اسماعيل ~~الانصارى شيخ الاسلام فى كتابه الذى سماه ( الفاروق بين المثبتة والمعطلة ( ~~وذكر فيه أحاديث الصفات صحيحها وغريبها ومسندها ومرسلها وموقوفها وذكره ~~ايضا أبو حامد الغزالى فى كتبه ثم هذا يفسره بما يناسب أقواله التى يميل ~~فيها إلى ما يشبه اقوال نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم # وذكر ms0507 شيخ الإسلام عن شيخه يحيى بن عمار أنه كان يقول PageV13P259 المراد ~~بذلك أحاديث الصفات فكان يفسر ذلك بما يناقض قول أبى حامد من اقوال أهل ~~الاثبات والحديث ليس اسناده ثابتا باتفاق أهل المعرفة ولم يرو فى أمهات كتب ~~الحديث المعتمدة فلا يحتاج إلى الكلام فى تفسيره واذا قدر أن النبى ( ( ~~قاله فهو كلام مجمل ليس فيه تعيين لقول معين فحينئذ فما من مدع يدعى أن ~~المراد قوله الا كان لخصمه أن يقول نظير ذلك # ولا ريب أن قول يحيى بن عمار وأبى اسماعيل الأنصارى ونحوهما من أهل ~~الاثبات أقرب من قول النفاة أن هذا العلم هو من علم النبى ( ( بالاتفاق ~~وعلم الصحابة # ومن المعلوم أن قول النفاة لا ينقله أحد عن النبى ( ( ولا أصحابه لا ~~باسناد صحيح ولا ضعيف بخلاف مذهب المثبتة فان القرآن والحديث والآثار عن ~~الصحابة مملوءة به فكيف يحمل كلام النبى ( ( على علم لم ينقله عنه أحد ~~ويترك حمله على العلم المنقول عنه وعن اصحابه # وكذلك ما ذكره البخارى عن على رضى الله عنه أنه قال ( حدثوا الناس بما ~~يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ( قد حمله أبو الوليد ~~بن رشد الحفيد الفيلسوف وأمثاله على علوم الباطنية PageV13P260 الفلاسفة ~~نفاة الصفات وهذا تحريف ظاهر فان قول على أتحبون أن يكذب الله ورسوله دليل ~~على أن ذلك مما أخبر به النبى ( ( وأقوال النفاة من الفلاسفة والجهمية ~~والقرامطة والمعتزلة لم ينقل فيها مسلم عن النبى ( ( شيئا لا صحيحا ولا ~~ضعيفا فكيف يكذب الله ورسوله فى شىء لم ينقله أحد عن الله ورسوله بخلاف ما ~~رواه أهل الاثبات من أحاديث صفات الرب وملائكته وجنته وناره فان هذا كثير ~~مشهور قد لا تحتمله عقول بعض الناس فاذا حدث به خيف أن يكذب الله ورسوله # ومن هذا الباب قول عبدالله بن مسعود ( ما من رجل يحدث قوما حديثا لا ~~تبلغه عقولهم الا كان فتنة لبعضهم ( وابن مسعود فيما يقول ذاكرا أو آمرا من ~~أعظم الناس اثباتا للصفات وأرواهم لأحاديثها وأصحابه ms0508 من أجل التابعين ~~وأبلغهم فى هذا الباب وكذلك أصحاب ابن عباس فكل من كان من الصحابة أعلم كان ~~اثباته واثبات أصحابه أبلغ فعلم أن الصحابة لم يكونوا يبطنون خلاف ما ~~يظهرون ولا يظهرون الاثبات ويبطنون النفى ولا يظهرون الأمر ويبطنون امتناعه ~~بل هم اقوم الناس بتصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر # # وهذا باب واسع دخل فيه من الأمور ما لا يتسع هذا الموضع PageV13P261 ~~لتفصيله ولكن نعلم جماع الأمر أن كل قول وعمل فلابد له من ظاهر وباطن فظاهر ~~القول لفظ اللسان وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان وظاهر العمل ~~حركات الابدان وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الانسان # ) # فالمنافق لما أتى بظاهر الاسلام دون حقائق الايمان لم ينفعه ذلك وكان من ~~أهل الخسران بل كان فى الدرك الأسفل من النار قال تعالى @QB@ ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا ~~وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون @QE@ الآيات فان الله أنزل فى أول سورة ~~البقرة اربع آيات فى صفة المؤمنين وآيتين فى صفة الكافرين وبضع عشرة آية فى ~~صفة المنافقين وقال تعالى @QB@ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ السورة ~~وقال تعالى @QB@ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم @QE@ الآية # والملاحدة يظهرون موافقة المسلمين ويبطنون خلاف ذلك وهم شر من المنافقين ~~فان المنافقين نوعان نوع يظهر الايمان ويبطن الكفر ولا يدعى أن الباطن الذى ~~يبطنه من الكفر هو حقيقة الايمان والملاحدة تدعى أن ما تبطنه من الكفر هو ~~حقيقة الايمان PageV13P262 وإن الانبياء والأولياء هم من جنسهم يبطنون ما ~~يبطنونه مما هو كفر وتعطيل فهم يجمعون بين ابطان الكفر وبين دعواهم ان ذلك ~~الباطن هو الايمان عند أهل العرفان فلا يظهرون للمستجيب لهم ان باطنه طعن ~~فى الرسول والمؤمنين وتكذيب له بل يجعلون ذلك من كمال الرسول وتمام حاله ~~وان الذى فعله هو الغاية فى ms0509 الكمال وأنه لا يفعله الا أكمل الرجال من سياسة ~~الناس على السيرة العادلة وعمارة العالم على الطريقة الفاضلة وهذا قد يظنه ~~طوائف حقا باطنا وظاهرا فيؤول أمرهم إلى أن يكون النفاق عندهم هو حقيقة ~~الايمان وقد علم بالاضطرار أن النفاق ضد الايمان # ولهذا كان أعظم الأبواب التى يدخلون منها باب التشيع والرفض لأن الرافضة ~~هم أجهل الطوائف وأكذبها وأبعدها عن معرفة المنقول والمعقول وهم يجعلون ~~التقية من أصول دينهم ويكذبون على أهل البيت كذبا لا يحصيه الا الله حتى ~~يرووا عن جعفر الصادق أنه قال التقية دينى ودين آبائى و ( التقية ( هى شعار ~~النفاق فان حقيقتها عندهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم وهذا حقيقة ~~النفاق ثم اذا كان هذا من اصول دينهم صار كل ما ينقله الناقلون عن على أو ~~غيره من أهل البيت مما فيه موافقة أهل السنة والجماعة يقولون هذا قالوه على ~~سبيل التقية ثم فتحوا باب النفاق للقرامطة الباطنية PageV13P263 الفلاسفة ~~من الاسماعيلة والنصيرية ونحوهم فجعلوا ما يقوله الرسول هو من هذا الباب ~~أظهر به خلاف ما أبطن وأسر به خلاف ما اعلن فكان حقيقة قولهم أن الرسول هو ~~امام المنافقين # وهو ( ( الصادق المصدوق المبين للناس ما نزل اليهم المبلغ لرسالة ربه ~~المخاطب لهم بلسان عربى مبين قال تعالى ^ وما ارسلنا من رسول الا بلسان ~~قومه ليبين لهم ( وقال تعالى ( انا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ^ وقال ~~تعالى @QB@ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ~~علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ # وقالت الرسل @QB@ ربنا يعلم إنا إليكم ms0510 لمرسلون وما علينا إلا البلاغ ~~المبين @QE@ وقال ^ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان تولوا فانما عليه ما ~~حمل وعليكم ما حملتم وان تطيعوه تهتدوا وما على الرسول الا PageV13P264 ~~البلاغ المبين ^ وقال تعالى ^ واطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان توليتم ~~فانما على رسولنا البلاغ المبين ^ وقال تعالى ^ يا ايها الرسول بلغ ما أنزل ~~اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته ^ فهذا ونحوه مما يبين أن الرسل ~~عليهم أن يبلغوا البلاغ المبين يقال بان الشىء وأبان واستبان وتبين وبين ~~كلها أفعال لازمة وقد يقال أبان غيره وبينه وتبينه واستبانه # ومعلوم أن الرسل فعلوا ما عليهم بل قد أخذ الله على أهل العلم الميثاق ~~بأن يبينوا العلم ولا يكتموه وذم كاتميه فقال تعالى ^ واذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ^ وقال تعالى ^ ومن أظلم ممن ~~كتم شهادة عنده من الله ^ وقال تعالى ^ ان الذين يكتمون ما انزلنا من ~~البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون ^ فقد لعن كاتمه وأخبر أنه بينه للناس فى الكتاب فكيف يكون قد ~~بينه للناس وهو قد كتم الحق وأخفاه وأظهر خلاف ما أبطن فلو سكت عن بيان ~~الحق كان كاتما ومن نسب الانبياء إلى الكذب والكتمان مع كونه يقول انهم ~~انبياء فهو من أشر المنافقين وأخبثهم وأبينهم تناقضا # وكثير من أهل النسك والعبادة والعلم والنظر ممن سلك طريق PageV13P265 بعض ~~الصوفية والفقراء وبعض أهل الكلام والفلسفة يسلك مسلك الباطنية فى بعض ~~الأمور لا فى جميعها حتى يرى بعضهم سقوط الصلاة عن بعض الخواص أو حل الخمر ~~وغيرها من المحرمات لهم أو ان لبعضهم طريقا إلى الله عز وجل غير متابعة ~~الرسول # # وقد يحتج بعضهم بقصة موسى والخضر ويظنون أن الخضر خرج عن الشريعة فيجوز ~~لغيره من الأولياء ما يجوز له من الخروج عن الشريعة وهم فى هذا ضالون من ~~وجهين # ( أحدهما ( ان الخضر لم يخرج عن الشريعة بل الذي فعله كان جائزا فى شريعة ~~موسى ولهذا لما بين ms0511 له الأسباب أقره على ذلك ولو لم يكن جائزا لما أقره ~~ولكن لم يكن موسى يعلم الأسباب التى بها أبيحت تلك ( فظن ان الخضر ( كالملك ~~الظالم فذكر ذلك له الخضر # و ( الثانى ( ان الخضر لم يكن من امة موسى ولا كان يجب عليه متابعته بل ~~قال له انى على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم ~~الله علمكه الله لا اعلمه وذلك ان دعوة موسى لم تكن عامة فان النبى كان ~~يبعث إلى قومه خاصة ومحمد ( ( بعث إلى الناس كافة بل بعث إلى الانس والجن ~~باطنا وظاهرا فليس لأحد ان يخرج عن طاعته ومتابعته لا في الباطن ولا ~~PageV13P266 فى الظاهر لا من الخواص ولا من العوام # ومن هؤلاء من يفضل بعض الاولياء على الانبياء وقد يجعلون الخضر من هؤلاء ~~وهذا خلاف ما أجمع عليه مشائخ الطريق المقتدى بهم دع عنك سائر أئمة الدين ~~وعلماء المسلمين بل لما تكلم الحكيم الترمذي فى كتاب ( ختم الأولياء ( ~~بكلام وذكر انه يكون فى آخر الاولياء من هو أفضل من الصحابة وربما لوح بشيء ~~من ذكر الأنبياء قام عليه المسلمون وأنكروا ذلك عليه ونفوه من البلد بسبب ~~ذلك ولا ريب انه تكلم فى ذلك بكلام فاسد باطل لا ريب فيه # ومن هناك ضل من اتبعه فى ذلك حتى صار جماعات يدعي كل واحد انه خاتم ~~الأولياء كابن عربى صاحب ( الفصوص ( وسعد الدين بن حمويه وغيرهما وصار بعض ~~الناس يدعي ان فى المتأخرين من يكون أفضل فى العلم بالله من أبى بكر وعمر ~~والمهاجرين والأنصار إلى أمثال هذه المقالات التى يطول وصفها مما هو باطل ~~بالكتاب والسنة والاجماع بل طوائف كثيرون آل الأمر بهم إلى مشاهدة الحقيقة ~~الكونية القدرية وظنوا ان من شهدها سقط عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد ~~وهذا هو دين المشركين الذين قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آبؤنا ولا ~~حرمنا من دونه من شيء ( PageV13P267 # وهؤلاء شر من القدرية المعتزلة الذين يقرون بالأمر والنهي والوعد والوعيد ~~ويكذبون ms0512 بالقدر فان أولئك يشبهون المجوس وهؤلاء يشبهون المشركين المكذبين ~~بالأنبياء والشرائع فهم من شر الناس وقد بسط الكلام على هذه الأمور فى غير ~~هذا الموضع # و ( المقصود هنا ( ان الظاهر لابد له من باطن يحققه ويصدقه ويوافقه فمن ~~قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو ومنافق ومن ادعى باطنا يخالف ~~ظاهرا فهو كافر منافق بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه وظاهره ~~يوافق باطنه ويصدقه ويحققه فكما ان الانسان لابد له من روح وبدن وهما ~~متفقان فلابد لدين الانسان من ظاهر وباطن يتفقان فالباطن للباطن من الانسان ~~والظاهر للظاهر منه # والقرآن مملوء من ذكر أحكام الباطن والظاهر والباطن أصل الظاهر كما قال ~~أبو هريرة القلب ملك والأعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث ~~الملك خبثت جنوده وقد قال النبى ( ألا وان فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها ~~سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب ( وفى المسند عن ~~النبى انه قال ^ الاسلام علانية والايمان في القلب ^ وقد قال تعالى ^ أولئك ~~كتب في قلوبهم PageV13P268 الايمان وأيدهم بروح منه ^ وقال تعالى ^ هو الذي ~~أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم ^ وقال تعالى ^ ~~فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء ^ وقال تعالى ^ الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله ^ وقال تعالى ^ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون ^ وقال تعالى ^ ~~الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ^ وأمثال ~~هذا كثير فى القرآن # وقال فى حق الكفار ^ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ^ وقال ^ ~~ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ^ وأمثال ذلك # فنسأل الله العظيم أن يصلح بواطننا وظواهرنا ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من ~~جميع أمورنا بمنه وكرمه والحمد لله ms0513 رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV13P269 وقال شيخ الاسلام أبو العباس ~~أحمد بن تيمية الحراني الدمشقى الحمد له رب العالمين وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وسلم ( فصل ( # قوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته @QE@ إلى قوله @QB@ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا ~~العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين ~~آمنوا إلى صراط مستقيم @QE@ # جعل الله القلوب ثلاثة أقسام قاسية وذات مرض ومؤمنة مخبتة وذلك لأنها إما ~~أن تكون يابسة PageV13P270 جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا أو لا تكون ~~يابسة جامدة ف ( الأول ( هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ~~ينطبع ولا يكتب فيه الايمان ولا يرتسم فيه العلم لأن ذلك يستدعى محلالينا ~~قابلا # و ( الثاني ( لا يخلو إما أن يكون الحق ثابنا فيه لا يزول عنه لقوته مع ~~لينه أو يكون لينه مع ضعف وانحلال فالثانى هو الذي فيه مرض والأول هو القوى ~~اللين # وذلك أن القلب بمنزلة أعضاء الجسد كاليد مثلا فاما أن تكون جامدة يابسة ~~لا تلتوى ولا تبطش أو تبطش بعنف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون ضعيفة مريضة ~~عاجزة لضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة بقوة ولين فهو ~~مثل القلب العليم الرحيم فبالرحمة خرج عن القسوة وبالعلم خرج عن المرض فان ~~المرض من الشكوك والشبهات # ولهذا وصف من عدا هؤلاء بالعلم والايمان والاخبات وفى قوله @QB@ وليعلم ~~الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم @QE@ دليل ~~على أن العلم يدل على الايمان ليس أن أهل العلم PageV13P271 ارتفعوا عن ~~درجة الايمان كما يتوهمه طائفة من المتكلمة بل معهم العلم والايمان كما قال ~~تعالى @QB@ لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الذين أوتوا ms0514 العلم والإيمان لقد ~~لبثتم في كتاب الله @QE@ الآية # وعلى هذا فقوله @QB@ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ~~@QE@ نظير هذه الآية فانه أخبر هنا أن الذين أوتوا العلم يعلمون أنه الحق ~~من ربهم وأخبر هناك أنهم يقولون فى المتشابه @QB@ آمنا به كل من عند ربنا ~~@QE@ وكلا الموضعين موضع ريب وشبهة لغيرهم فان الكلام هناك فى المتشابه ~~وهنا فيما يلقى الشيطان مما ينسخه الله ثم يحكم الله آياته وجعل المحكم هنا ~~ضد الذي نسخه الله مما ألقاه الشيطان ولهذا قال طائفة من المفسرين ~~المتقدمين ان ( المحكم ( هو الناسخ و ( المتشابه ( المنسوخ أرادوا والله ~~أعلم قوله ( فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته ( والنسخ هنا ~~رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الله # وقد أشرت إلى وجه ذلك فيما بعد وهو أن الله جعل المحكم مقابل المتشابه ~~تارة ومقابل المنسوخ أخرى والمنسوخ يدخل فيه فى اصطلاح السلف العام كل ظاهر ~~ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق فان هذا متشابه لأنه ~~يحتمل معنيين PageV13P272 ويدخل فيه المجمل فانه متشابه وإحكامه رفع ما ~~يتوهم فيه من المعنى الذي ليس بمراد وكذلك ما رفع حكمه فإن في ذلك جميعه ~~نسخا لما يلقيه الشيطان فى معانى القرآن ولهذا كانوا يقولون هل عرفت الناسخ ~~من المنسوخ فاذا عرف الناسخ عرف المحكم وعلى هذا فيصح أن يقال المحكم ~~والمنسوخ كما يقال المحكم والمتشابه # وقوله بعد ذلك @QB@ ثم يحكم الله آياته @QE@ جعل جميع الآيات محكمة ~~محكمها ومتشابهها كما قال @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ وقال ~~@QB@ تلك آيات الكتاب الحكيم @QE@ على أحد القولين وهنالك جعل الآيات قسمين ~~محكما ومتشابها كما قال @QB@ منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~@QE@ وهذه المتشابهات مما أنزله الرحمن لا مما ألقاه الشيطان ونسخه الله ~~فصار المحكم فى القرآن تارة يقابل بالمتشابه والجميع من آيات الله وتارة ~~يقابل بما نسخه الله مما ألقاه الشيطان # ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه الله مطلقا حتى يقول هذه الآية ms0515 محكمة ~~ليست منسوخة ويجعل المنسوخ ليس محكما وإن كان الله أنزله أولا اتباعا لظاهر ~~قوله ( فينسخ الله ( ويحكم الله آياته ( # PageV13P273 # فهذه ثلاث معان تقابل المحكم ينبغى التفطن لها وجماع ذلك أن ( الأحكام ( ~~تارة يكون فى التنزيل فيكون فى مقابلته ما يلقيه الشيطان فالمحكم المنزل من ~~عند الله أحكمه الله أى فصله من الاشتباه بغيره وفصل منه ما ليس منه فان ~~الأحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذى به يتحقق الشىء ويحصل ~~اتقانه ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل فى الحد فالمنع جزء معناه لا جميع ~~معناه # وتارة يكون ( الأحكام ( فى ابقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذى هو ~~رفع ما شرع وهو اصطلاحى أو يقال وهو أشبه بقول السلف كانوا يسمون كل رفع ~~نسخا سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة وإلقاء الشيطان فى أمنيته قد ~~يكون فى نفس لفظ المبلغ وقد يكون فى سمع المبلغ وقد يكون فى فهمه كما قال ( ~~انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ( الآية ومعلوم أن من سمع النص الذى ~~قد رفع حكمه أو دلالة له فانه يلقى الشطان فى تلك التلاوة اتباع ذلك ~~المنسوخ فيحكم الله آياته بالناسخ الذى به يحصل رفع الحكم وبيان المراد ~~وعلى هذا التقدير فيصح أن يقال المتشابه المنسوخ بهذا الاعتبار والله أعلم # وتارة يكون ( الأحكام ( فى التأويل والمعنى وهو تمييز الحقيقة ~~PageV13P274 المقصودة من غيرها حتى لا تشتبه بغيرها وفى مقابلة المحكمات ~~الآيات المتشابهات التى تشبه هذا وتشبه هذا فتكون محتملة للمعنيين قال أحمد ~~بن حنبل ( المحكم ( الذى ليس فيه اختلاف والمتشابه الذى يكون فى موضع كذا ~~وفى موضع كذا # ولم يقل فى المتشابه لا يعلم تفسيره ومعناه الا الله وانما قال ( وما ~~يعلم تأويله الا الله ( وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين فى هذا الموضع ~~فان الله اخبر أنه لا يعلم تأويله الا هو والوقف هنا على ما دل عليه أدلة ~~كثيرة وعليه اصحاب رسول الله ( ( وجمهور التابعين وجماهير الأمة # ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره ms0516 بل قال ( كتاب أنزلناه اليك مبارك ~~ليدبروا آياته ( وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات وما لا يعقل ~~له معنى لا يتدبر وقال ( افلا يتدبرون القرآن ( ولم يستثن شيئا منه نهى عن ~~تدبره والله ورسوله انما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ~~فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم ~~يذمه الله بل أمر بذلك ومدح عليه # يبين ذلك أن التأويل قد روى أن من اليهود الذين كانوا بالمدينة على عهد ~~النبى ( ( كحيى بن أخطب وغيره من PageV13P275 طلب من حروف الهجاء التى فى ~~أوائل السور تأويل بقاء هذه الأمة كما سلك ذلك طائفة من المتأخرين موافقة ~~للصابئة المنجمين وزعموا أنه ستمائة وثلاثة وتسعون عاما لأن ذلك هو عدد ما ~~للحروف فى حساب الجمل بعد اسقاط المكرر وهذا من نوع تأويل الحوادث التى ~~أخبر بها القرآن فى اليوم الآخر # وروى أن من النصارى الذين وفدوا على النبى ( ( فى وفد نجران من تأول ( ~~إنا ( و ( نحن ( على أن الآلهة ثلاثة لأن هذا ضمير جمع وهذا تأويل فى ~~الايمان بالله فأولئك تأولوا فى اليوم الآخر وهؤلاء تأولوا فى الله ومعلوم ~~أن ( إنا ( و ( نحن ( من المتشابه فانه يراد بها الواحد الذى معه غيره من ~~جنسه ويراد بها الواحد الذى معه أعوانه وان لم يكونوا من جنسه ويراد بها ~~الواحد المعظم نفسه الذى يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التى كل اسم ~~منها يقوم مقام مسمى فصار هذا متشابها لأن اللفظ واحد والمعنى متنوع # و ( الأسماء المشتركة فى اللفظ ( هى من المتشابه وبعض ( المتواطئة ( أيضا ~~من المتشابه ويسميها أهل التفسير ( الوجوه والنظائر ( وصنفوا ( كتب الوجوه ~~والنظائر ( فالوجوه فى الأسماء المشتركة والنظائر فى الأسماء المتواطئة وقد ~~ظن بعض اصحابنا المصنفين فى ذلك أن الوجوه PageV13P276 والنظائر جميعا فى ~~الأسماء المشتركة فهى نظائر باعتبار اللفظ ووجوه باعتبار المعنى وليس الأمر ~~على ما قاله بل كلامهم صريح فيما قلناه لمن تأمله # والذين فى قلوبهم زيغ يدعون المحكم الذى لا اشتباه فيه ms0517 مثل @QB@ وإلهكم ~~إله واحد @QE@ @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ @QB@ ما ~~اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله @QE@ @QB@ ولم يتخذ ولدا ولم يكن له ~~شريك في الملك @QE@ @QB@ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ويتبعون ~~المتشابه ابتغاء الفتنة ليفتنوا به الناس اذا وضعوه على غير مواضعه وابتغاء ~~تأويله وهو الحقيقة التى أخبر عنها # وذلك أن ( الكلام نوعان ( إنشاء فيه الأمر واخبار فتأويل الأمر هو نفس ~~الفعل المأمور به كما قال من قال من السلف ان السنة هى تأويل الأمر قالت ~~عائشة رضى الله عنها كان رسول الله ( ( يقول فى ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ~~وبحمدك اللهم اغفر لى يتأول القرآن تعنى قوله @QB@ فسبح بحمد ربك واستغفره ~~إنه كان توابا @QE@ # وأما الاخبار فتأويله عين الأمر المخبر به اذا وقع ليس تأويله فهم معناه ~~PageV13P277 # وقد جاء اسم ( التأويل ( فى القرآن فى غير موضع هذا معناه قال الله تعالى ~~@QB@ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون ~~إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ~~@QE@ فقد أخبر أنه فصل الكتاب وتفصيله بيانه وتمييزه بحيث لا يشتبه ثم قال ~~@QB@ هل ينظرون @QE@ أى ينتظرون @QB@ إلا تأويله يوم يأتي تأويله @QE@ إلى ~~آخر الآية وانما ذلك مجىء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها ~~كالدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ومجىء ربك والملك صفا صفا وما ~~فى الآخرة من الصحف والموازين والجنة والنار وأنواع النعيم والعذاب وغير ~~ذلك فحينئذ يقولون ( قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ~~أو نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل ( # وهذا القدر الذى أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته وقدره وصفته ~~الا الله فان الله يقول ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ( ويقول ( ~~أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( ~~وقال ابن عباس ليس فى الدنيا مما فى ms0518 الجنة الا الأسماء فان الله قد أخبر أن ~~فى الجنة خمرا ولبنا وماء وحريرا وذهبا وفضة وغير ذلك ونحن نعلم قطعا أن ~~PageV13P278 تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه بل بينهما تباين عظيم مع التشابه ~~كما فى قوله @QB@ وأتوا به متشابها @QE@ على أحد القولين أنه يشبه ما فى ~~الدنيا وليس مثله فأشبه اسم تلك الحقائق اسماء هذه الحقائق كما أشبهت ~~الحقائق الحقائق من بعض الوجوه فنحن نعلمها اذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة ~~القدر المشترك بينهما ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها فى الدنيا ولا ~~سبيل إلى ادراكنا لها لعدم ادراك عينها أو نظيرها من كل وجه وتلك الحقائق ~~على ما هى عليه هى تأويل ما أخبر الله به # وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم فانهم ~~ينكرون أن يكون فى الجنة أكل وشرب ولباس ونكاح ويمنعون وجود ما اخبر به ~~القرآن ومن دخل فى الإسلام ونافق المؤمنين تأول ذلك على أن هذه أمثال ~~مضروبة لتفهيم النعيم الروحانى ان كان من المتفلسفة الصابئة المنكرة لحشر ~~الأجساد وان كان من منافقة الملتين المقرين بحشر الأجساد تأول ذلك على ~~تفهيم النعيم الذى فى الجنة من الروحانى والسماع الطيب والروائح العطرة فكل ~~ضال يحرف الكلم عن مواضعه إلى ما اعتقد ثبوته # وكان فى هذا أيضا متبعا للمتشابه اذ الأسماء تشبه الأسماء والمسميات تشبه ~~المسميات ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها فهؤلاء يتبعون هذا PageV13P279 ~~المتشابه ( ابتغاء الفتنة ( بما يوردونه من الشبهات على امتناع أن تكون فى ~~الجنة هذه الحقائق ( وابتغاء تأويله ( ليردوه إلى المعهود الذى يعلمونه فى ~~الدنيا قال الله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ فان تلك الحقائق ~~قال الله فيها @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ لا ملك مقرب ~~ولا نبى مرسل # وقوله وما يعلم تأويله ^ اما أن يكون الضمير عائدا على الكتاب أو على ~~المتشابه فان كان عائدا على الكتاب كقوله ( منه ( و ( منه ( فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهذا يصح فان جميع آيات الكتاب ms0519 ~~المحكمة والمتشابهة التى فيها اخبار عن الغيب الذى أمرنا أن نؤمن به لا ~~يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع الا الله وقد يستدل لهذا أن الله جعل ~~التأويل للكتاب كله مع اخباره أنه مفصل بقوله ^ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ~~على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون الا تأويله يوم يأتى تأويله ^ ~~فجعل التأويل الجائى للكتاب المفصل # وقد بينا أن ذلك التأويل لا يعلمه وقتا وقدرا ونوعا وحقيقة إلا الله ~~وانما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا وكذلك قوله ^ بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ^ PageV13P280 # وإذا كان التأويل للكتاب كله والمراد به ذلك ارتفعت الشبهة وصار هذا ~~بمنزلة قوله @QB@ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض @QE@ إلى قوله @QB@ إنما ~~علمها عند الله @QE@ وكذلك قوله @QB@ يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها ~~عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا @QE@ فأخبر أنه ليس علمها الا ~~عند الله وانما هو علم وقتها المعين وحقيقتها والا فنحن قد علمنا من صفاتها ~~ما اخبرنا به فعلم تأويله كعلم الساعة والساعة من تأويله وهذا واضح بين ولا ~~ينافى كون علم الساعة عند الله أن نعلم من صفاتها وأحوالها ما علمناه وأن ~~نفسر النصوص المبينة لأحوالها فهذا هذا # وإن كان الضمير عائدا إلى ما تشابه كما يقوله كثير من الناس فلأن المخبر ~~به من الوعد والوعيد متشابه بخلاف الأمر والنهى ولهذا فى الآثار ( العمل ~~بمحكمه والايمان بمتشابهه ( لأن المقصود فى الخبر الايمان وذلك لأن المخبر ~~به من الوعد والوعيد فيه من التشابه ما ذكرناه بخلاف الأمر والنهى ولهذا ~~قال بعض ( العلماء ( المتشابه ( الأمثال والوعد ( والوعيد ( و ( المحكم ( ~~الأمر والنهى فانه متميز غير مشتبه بغيره فانه أمور نفعلها قد علمناها ~~بالوقوع وأمور نتركها لابد أن نتصورها # PageV13P281 # ومما جاء من لفظ ^ التأويل ^ فى القرآن قوله تعالى @QB@ بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله @QE@ والكناية عائدة على القرآن أو ms0520 على ما ~~لم يحيطوا بعلمه وهو يعود إلى القرآن قال تعالى @QB@ وما كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من ~~رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ~~كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ومنهم من يؤمن به ~~ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين @QE@ # فأخبر سبحانه أن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله وهذه الصيغة تدل ~~على امتناع المنفى كقوله ^ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ^ وقوله @QB@ وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم @QE@ لأن الخلق عاجزون عن الاتيان بمثله كما ~~تحداهم وطالبهم لما قال @QB@ أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا ~~من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ فهذا تعجيز لجميع المخلوقين ~~قال تعالى @QB@ ولكن تصديق الذي بين يديه @QE@ أى مصدق الذى بين يديه @QB@ ~~وتفصيل الكتاب @QE@ أى مفصل الكتاب فأخبر أنه مصدق الذى بين يديه ومفصل ~~الكتاب والكتاب اسم جنس وتحدى القائلين ( افتراه ( ودل على أنهم هم ~~PageV13P282 المفترون قال ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله ( أى كذبوا بالقرآن الذى لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ففرق ~~بين الاحاطة بعلمه وبين اتيان تأويله فتبين أنه يمكن أن يحيط أهل العلم ~~والايمان بعلمه ولما يأتهم تأويله وأن الاحاطة بعلم القرآن ليست اتيان ~~تأويله فإن الاحاطة بعلمه معرفة معانى الكلام على التمام واتيان التأويل ~~نفس وقوع المخبر به وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به فمعرفة الخبر هى ~~معرفة تفسير القرآن ومعرفة المخبر به هى معرفة تأويله # و ( نكتة ذلك ( أن الخبر لمعناه صورة علمية وجودها فى نفس العالم كذهن ~~الانسان مثلا ولذلك المعنى حقيقة ثابتة فى الخارج عن العلم واللفظ انما يدل ~~ابتداء على المعنى الذهنى ثم تتوسط ذلك أو تدل على الحقيقة الخارجة ~~فالتأويل هو الحقيقة الخارجة وأما ms0521 معرفة تفسيره ومعناه فهو معرفة الصورة ~~العلمية وهذا هو الذى بيناه فما تقدم أن الله انما أنزل القرآن ليعلم ويفهم ~~ويفقه ويتدبر ويتفكر فيه محكمه ومتشابهه وان لم يعلم تأويله # ويبين ذلك أن الله يقول عن الكفار ( واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة ان يفقهوه ~~وفى آذانهم وقرا واذا ذكرت ربك فى PageV13P283 القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا ( فقد أخبر ذما للمشركين أنه اذا قرىء عليهم القرآن حجب بين ~~أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى ~~آذانهم وقرا فلو كان أهل العلم والايمان على قلوبهم أكنة أن يفقهوا بعضه ~~لشاركوهم فى ذلك وقوله @QB@ أن يفقهوه @QE@ يعود إلى القرآن كله فعلم أن ~~الله يحب أن يفقه ولهذا قال الحسن البصرى ما أنزل الله آية الا وهو يحب أن ~~يعلم فيما ذا أنزلت وماذا عنى بها وما استثنى من ذلك لا متشابها ولا غيره # وقال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات أقف عند كل ~~آية وأسأله عنها فهذا ابن عباس حبر الأمة وهو أحد من كان يقول لا يعلم ~~تأويله الا الله يجيب مجاهدا عن كل آية فى القرآن # وهذا هو الذى حمل مجاهدا ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عند ~~قوله @QB@ والراسخون في العلم @QE@ فجعلوا الراسخين يعلمون التأويل لأن ~~مجاهدا تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله وبيان معانيه فظن أن هذا هو ~~التأويل المنفى عن غير الله وأصل ذلك أن لفظ ( التأويل ( فيه اشتراك بين ما ~~عناه الله فى PageV13P284 القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف وبين ~~اصطلاح طوائف من المتأخرين فبسبب الاشتراك فى لفظ التأويل اعتقد كل من فهم ~~منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور فى القرآن ومجاهد امام التفسير قال ~~الثورى اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به وأما التأويل فشأن آخر ( # ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية ms0522 من كتاب ~~الله ولا قال هذه من المتشابه الذى لا يعلم معناه ولا قال قط أحد من سلف ~~الأمة ولا من الأئمة المتبوعين ان فى القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهما ~~رسول الله ( ( ولا أهل العلم والايمان جميعهم وانما قد ينفون علم بعض ذلك ~~عن بعض الناس وهذا لا ريب فيه # وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام فى آيات الصفات ~~وآيات القدر وغير ذلك فلقبوها ( هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم ~~معناه ( # وأما ( تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم ( فجوز ذلك طوائف متمسكين بظاهر من ~~هذه الآية وبأن الله يمتحن عباده بما شاء ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى ~~تاويلاتهم الفاسدة التى هى تحريف الكلم عن PageV13P285 مواضعه والغالب على ~~كلا الطائفتين الخطأ أولئك يقصرون فى فهم القرآن بمنزلة من قيل فيه ( ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى ( وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون ~~الكلم عن مواضعه # ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال ( لا يجوز أن يتكلم الله ~~بكلام ولا يعنى به شيئا خلافا للحشوية ( وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم ~~بما لا معنى له وانما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه وبين نفى المعنى ~~عند المتكلم ونفى الفهم عند المخاطب بون عظيم ثم احتج بما لا يجرى على أصله ~~فقال هذا عبث والعبث على الله محال وعنده أن الله لا يقبح منه شىء أصلا بل ~~يجوز أن يفعل كل شىء وليس له أن يقول العبث صفة نقص فهو منتف عنه لأن ~~النزاع فى الحروف وهى عنده مخلوقة من جملة الأفعال ويجوز أن يشتمل الفعل ~~عنده على كل صفة فلا نقل صحيح ولا عقل صريح # ومثار الفتنة بين الطائفتين ومحار عقولهم أن مدعى التأويل أخطأوا فى ~~زعمهم أن العلماء يعلمون التأويل وفى دعواهم أن التأويل هو تأويلهم الذى هو ~~تحريف الكلم عن مواضعه فان الأولين لعلمهم PageV13P286 بالقرآن والسنن وصحة ~~عقولهم وعلمهم بكلام السلف وكلام العرب علموا يقينا أن التأويل الذى يدعيه ~~هؤلاء ms0523 ليس هو معنى القرآن فانهم حرفوا الكلم عن مواضعه وصاروا مراتب ما بين ~~قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر وما بين صابئة فلاسفة يتأولون ~~عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر حتى عن أكثر احوال الانبياء وما بين ~~جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء فى اليوم الآخر وفى آيات القدر ويتأولون ~~آيات الصفات وقد وافقهم بعض متأخرى الأشعرية على ما جاء به فى بعض الصفات ~~وبعضهم فى بعض ما جاء فى اليوم الآخر وآخرون من اصناف الأمة وان كان تغلب ~~عليهم السنة فقد يتأولون أيضا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه # والذين ادعوا العلم بالتأويل مثل طائفة من السلف وأهل السنة وأكثر أهل ~~الكلام والبدع رأوا ايضا أن النصوص دلت على معرفة معانى القرآن ورأوا عجزا ~~وعيبا وقبيحا أن يخاطب الله عباده بكلام يقرأونه ويتلونه وهم لا يفهمونه ~~وهم مصيبون فيما استدلوا به من سمع وعقل لكن أخطأوا فى معنى التأويل الذى ~~نفاه الله وفى التاويل الذى أثبتوه وتسلق بذلك مبتدعتهم إلى تحريف الكلم عن ~~مواضعه وصار الأولون أقرب إلى السكوت والسلامة بنوع من الجهل وصار الآخرون ~~أكثر كلاما وجدالا ولكن بفرية على الله قول عليه ما لا PageV13P287 يعلمونه ~~والحاد فى اسمائه وآياته فهذا هذا # ومنشأ الشبهة الاشتراك فى لفظ التأويل # فإن ( التأويل ( فى عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة ~~والمتصوفة ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل ~~يقترن به وهذا هو التأويل الذى يتكلمون عليه فى أصول الفقه ومسائل الخلاف ~~فاذا قال أحدهم هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو محمول على كذا قال الآخر ~~هذا نوع تأويل والتأويل يحتاج إلى دليل والمتأول عليه وظيفتان بيان احتمال ~~اللفظ للمعنى الذى ادعاه وبيان الدليل الموجب للصرف اليه عن المعنى الظاهر ~~وهذا هو التأويل الذى يتنازعون فيه فى مسائل الصفات اذا صنف بعضهم فى ابطال ~~التأويل أو ذم التأويل أو قال بعضهم آيات الصفات لا تؤول وقال الآخر بل يجب ~~تأويلها وقال الثالث بل التأويل ms0524 جائز يفعل عند المصلحة ويترك عند المصلحة ~~أو يصلح للعلماء دون غيرهم إلى غير ذلك من المقالات والتنازع # وأما ( التأويل ( فى لفظ السلف فله معنيان # ( أحدهما ( تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون ~~التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا PageV13P288 وهذا والله ~~اعلم هو الذى عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله ومحمد بن جرير الطبرى ~~يقول فى تفسيره القول فى تأويل قوله كذا وكذا واختلف أهل التأويل فى هذه ~~الآية ونحو ذلك ومراده التفسير # و ( المعنى الثانى ( فى لفظ السلف وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقا هو ~~نفس المراد بالكلام فان الكلام ان كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب ~~وان كان خبرا كان تأويله نفس الشىء المخبر به # وبين هذا المعنى والذى قبله بون فان الذى قبله يكون التأويل فيه من باب ~~العلم والكلام كالتفسير والشرح والايضاح ويكون وجود التأويل فى القلب ~~واللسان له الوجود الذهنى واللفظى والرسمى وأما هذا فالتأويل فيه نفس ~~الأمور الموجودة فى الخارج سواء كانت ماضية أو مستقبلة فاذا قيل طلعت الشمس ~~فتأويل هذا نفس طلوعها ويكون ( التأويل ( من باب الوجود العينى الخارجى ~~فتأويل الكلام هو الحقائق الثابتة فى الخارج بما هى عليه من صفاتها وشؤونها ~~وأحوالها وتلك الحقائق لا تعرف على ما هى عليه بمجرد الكلام والاخبار الا ~~أن يكون المستمع قد تصورها أو تصور نظيرها بغير كلام واخبار لكن يعرف من ~~صفاتها وأحوالها قدر ما أفهمه المخاطب اما بضرب PageV13P289 المثل واما ~~بالتقريب وأما بالقدر المشترك بينها وبين غيرها واما بغير ذلك وهذا الوضع ~~والعرف الثالث هو لغة القرآن التى نزل بها وقد قدمنا التبيين فى ذلك ومن ~~ذلك قول يعقوب عليه السلام ليوسف @QB@ وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ويتم نعمته عليك @QE@ وقوله @QB@ ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما ~~إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير ~~منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا ~~نبأتكما بتأويله قبل ms0525 أن يأتيكما @QE@ وقول الملأ ( أضغاث أحلام وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلون ( وقول يوسف لما دخل عليه أهله مصر ^ وآوى اليه أبويه وقال ~~ادخلوا مصر ان شاء الله آمنين ورفع ابويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا ~~أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا ^ # فتأويل الأحاديث التى هى رؤيا المنام هى نفس مدلولها التى تؤول اليه كما ~~قال يوسف @QB@ هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ والعالم بتأويلها الذى يخبر به ~~كما قال يوسف @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه @QE@ أى فى المنام @QB@ إلا ~~نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما @QE@ أى قبل أن يأتيكما التأويل ~~PageV13P290 # وقال الله تعالى ^ فان تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ^ قالوا أحسن عاقبة ومصيرا ~~فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذى هو الرد إلى الكتاب والسنة والتأويل فى سورة ~~يوسف تأويل أحاديث الرؤيا والتأويل فى الأعراف ويونس تأويل القرآن وكذلك فى ~~سورة آل عمران # وقال تعالى فى قصة موسى والعالم @QB@ قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا @QE@ إلى قوله @QB@ وما فعلته عن أمري ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا @QE@ فالتأويل هنا تأويل الأفعال التى فعلها ~~العالم من خرق السفينة بغير اذن صاحبها ومن قتل الغلام ومن اقامة الجدار ~~فهو تأويل عمل لا تأويل قول وانما كان كذلك لأن التأويل مصدر أوله يؤوله ~~تأويلا مثل حول تحويلا وعول تعويلا واول يؤول تعديه آل يؤول أولا مثل حال ~~يحول حولا وقولهم آل يؤول أى عاد إلى كذا ورجع اليه ومنه ( المآل ( وهو ما ~~يؤول اليه الشىء ويشاركه فى الاشتقاق الأكبر ( الموئل ( فانه من وأل وهذا ~~من أول والموئل المرجع قال تعالى @QB@ لن يجدوا من دونه موئلا @QE@ # ومما يوافقه فى اشتقاقه الأصغر ( الآل ( فإن آل الشخص من PageV13P291 ~~يؤول اليه ولهذا لا يستعمل الا فى عظيم بحيث يكون المضاف اليه أعظم من ~~المضاف يصلح أن ms0526 يؤول اليه الآل كآل إبراهيم وآل لوط وآل فرعون بخلاف الأهل ~~والأول أفعل لأنهم قالوا فى تأنيثه أولى كما قالوا جمادى الأولى وفى القصص ~~( وله الحمد فى الأولى والآخرة ( # ومن الناس من يقول فوعل ويقول أولة الا أن هذا يحتاج إلى شاهد من كلام ~~العرب بل عدم صرفه يدل على أنه أفعل لا فوعل فان فوعل مثل كوثر وجوهر مصروف ~~سمى المتقدم أول والله اعلم لأن ما بعده يؤول اليه ويبنى عليه فهو أس لما ~~بعده وقاعدة له والصيغة صيغة تفضيل لا صيغة مثل أكبر وكبرى وأصغر وصغرى لا ~~من باب أحمر وحمراء ولهذا يقولون جئته من أول أمس وقال ( لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم ( وأنا أول المسلمين ( ولا تكونوا أول كافر به ( فاذا ~~قيل هذا أول هؤلاء فهو الذى فضل عليهم فى الأول لأن كل واحد يرجع إلى ما ~~قبله فيعتمد عليه وهذا السابق كلهم يؤول اليه فان من تقدم فى فعل فاستن به ~~من بعده كان السابق الذى يؤول الكل اليه فالأول له وصف السؤدد والاتباع # ولفظ ( الأول ( مشعر بالرجوع والعود و ( الأول ( مشعر بالابتداء والمبتدأ ~~خلاف العائد لأنه انما كان أولا لما بعده فغنه يقال PageV13P292 ( أول ~~المسلمين ( و ( أول يوم ( فما فيه من معنى الرجوع والعود هو للمضاف اليه لا ~~للمضاف # وإذا قلنا آل فلان فالعود إلى المضاف لأن ذلك صيغة تفضيل فى كونه مآلا ~~ومرجعا لغيره لأن كونه مفضلا دل على أنه مآل ومرجع لا آيل راجع اذ لا فضل ~~فى كون الشىء راجعا إلى غيره آيلا اليه وانما الفضل فى كونه هو الذى يرجع ~~اليه ويؤول اليه فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل فى كونه مآلا ~~ومرجعا والتفضيل المطلق فى ذلك يقتضى أن يكون هو السابق المبتدىء والله ~~أعلم # فتأويل الكلام ما أوله اليه المتكلم أو ما يؤول اليه الكلام أو ما تأوله ~~المتكلم فان التفعيل يجرى على غير فعل كقوله @QB@ وتبتل إليه تبتيلا @QE@ ~~فيجوز أن يقال تأول الكلام إلى هذا ms0527 المعنى تأويلا وتأولت الكلام تأويلا ~~وأولت الكلام تأويلا والمصدر واقع موقع الصفة اذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى ~~الفاعل كعدل وصوم وفطر وبمعنى المفعول كدرهم ضرب الأمير وهذا خلق الله # فالتأويل هو ما أول اليه الكلام أو يؤول اليه أو تأول هو اليه والكلام ~~انما يرجع ويعود ويستقر ويؤول ويؤول إلى حقيقته PageV13P293 التى هى عين ~~المقصود به كما قال بعض السلف فى قوله @QB@ لكل نبإ مستقر @QE@ قال حقيقة ~~فانه ان كان خبرا فالى الحقيقة المخبر بها يؤول ويرجع والا لم تكن له حقيقة ~~ولا مآل ولا مرجع بل كان كذبا وان كان طلبا فالى الحقيقة المطلوبة يؤول ~~ويرجع وان لم يكن مقصوده موجودا ولا حاصلا ومتى كان الخبر وعدا أو وعيدا ~~فالى الحقيقة المطلوبة المنتظرة يؤول كما روى عن النبى ( ( أنه تلا هذه ~~الآية ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ~~أو يلبسكم شيعا ( قال انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد وعن عبدالله قال خمس ~~قد مضين البطشة واللزام والدخان والقمر والروم # ( فصل ( # وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك فى المتشابه الذى لا يعلم ~~تأويله الا الله أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذى استأثر الله بعلم ~~تأويله كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم فانهم وان ~~أصابوا فى كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم فالكلام على هذا ~~من وجهين # ( الأول ( من قال ان هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه فنقول أما ~~الدليل على ( بطلان ( ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة ~~لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه PageV13P294 الداخل فى ~~هذه الآية ونفى أن يعلم أحد معناه وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام ~~الأعجمى الذى لا يفهم ولا قالوا ان الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه ~~وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة قالوا فى أحاديث الصفات تمر كما جاءت ~~ونهوا عن تأويلات الجهمية ms0528 وردوها وأبطلوها التى مضمونها تعطيل النصوص عما ~~دلت عليه # ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة فى أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ~~ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها ويفهمون منها بعض ما دلت عليه كما ~~يفهمون ذلك فى سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك وأحمد قد قال ~~فغير أحاديث الصفات تمر كما جاءت وفى أحاديث الوعيد مثل قوله ( من غشنا ~~فليس منا ( وأحاديث الفضائل ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه ~~كما يفعله من يحرفه ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر # فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل وكذلك نص أحمد فى كتاب ( ~~الرد على الزنادقة والجهمية ( أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن وتكلم أحمد على ~~ذلك المتشابه وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية وجرى فى ذلك على ~~سنن الأئمة قبله فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه ~~وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف ~~له عن مواضعه أو الحاد فى أسماء الله وآياته PageV13P295 # ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب أن أهل السنة متفقون على ابطال ~~تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين و ( التأويل المردود ( هو ~~صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره فلو قيل ان هذا هو التأويل المذكور ~~فى الاية وأنه لا يعلمه الا الله لكان فى هذا تسليم للجهمية أن للآية ~~تأويلا يخالف دلالتها لكن ذلك لا يعلمه الا الله وليس هذا مذهب السلف ~~والأئمة وانما مذهبهم نفى هذه التأويلات وردها لا التوقف فيها وعندهم قراءة ~~الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعانى لا تحرف ولا يلحد ~~فيها # والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه أن نقول لا ريب أن الله ~~سمى نفسه فى القرآن بأسماء مثل الرحمن والودود والعزيز والجبار والعليم ~~والقدير والرءوف ونحو ذلك ووصف نفسه بصفات مثل ( سورة الاخلاص ( و ( آية ~~الكرسى ( وأول ( الحديد ( وآخر ( الحشر ( وقوله ^ ان الله بكل شىء عليم ^ و ~~^ على كل شىء ms0529 قدير ^ وأنه ( يحب المتقين ( و ( المقسطين ( و ( المحسنين ( ~~وأنه يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QB@ فلما آسفونا انتقمنا منهم ~~@QE@ ^ ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله ولكن كره الله انبعاثهم ^ @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ ^ ثم استوى على العرش يعلم ما يلج فى الأرض ~~وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم ^ ^ ~~وهو الذى PageV13P296 فى السماء اله وفى الأرض اله وهو الحكيم العليم ^ ^ ~~اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ^ ^ إننى معكما أسمع وأرى ^ ^ ~~وهو الله فى السموات وفى الأرض ^ ^ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ^ ^ بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ^ ^ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ^ ^ ~~يريدون وجهه ^ ^ ولتصنع على عينى ^ إلى امثال ذلك # فيقال لمن ادعى فى هذا أنه متشابه لا يعلم معناه أتقول هذا فى جميع ما ~~سمى الله ووصف به نفسه أم فى البعض فان قلت هذا فى الجميع كان هذا عنادا ~~ظاهرا وجحدا لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام بل كفر صريح فانا نفهم من ~~قوله ^ إن الله بكل شىء عليم ^ معنى ونفهم من قوله ^ ان الله على كل شىء ~~قدير ^ معنى ليس هو الأول ونفهم من قوله ^ ورحمتى وسعت كل شىء ^ معنى ونفهم ~~من قوله ^ إن الله عزيز ذو انتقام ^ معنى وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم ~~هذا وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب مع انتسابه إلى الحديث لكن ~~أثرت فيه الفلسفة الفاسدة من يقول إنا نسمى الله الرحمن العليم القدير علما ~~محضا من غير أن نفهم منه معنى يدل على شىء قط وكذلك فى قوله ^ ولا يحيطون ~~بشىء من علمه ^ يطلق هذا اللفظ من غير أن نقول له علم وهذا PageV13P297 # الغلو فى الظاهر من جنس غلو القرامطة فى الباطن لكن هذا أيبس وذاك أكفر # ثم يقال لهذا المعاند فهل هذه الأسماء دالة على الاله المعبود وعل حق ~~موجود أم لا فان قال لا كان معطلا محضا وما اعلم مسلما يقول هذا وان قال ~~نعم ms0530 قيل له فلم فهمت منها دلالتها على نفس الرب ولم تفهم دلالتها على ما ~~فيها من المعانى من الرحمة والعلم وكلاهما فى الدلالة سواء فلابد أن يقول ~~نعم لأن ثبوت الصفات محال فى العقل لأنه يلزم منه التركيب أو الحدوث بخلاف ~~الذات فيخاطب حينئذ بما يخاطب به الفريق الثانى كما سنذكره وهو من أقر بفهم ~~بعض معنى هذه الأسماء والصفات دون بعض فيقال له ما الفرق بين ما أثبته وبين ~~ما نفيته أو سكت عن اثباته ونفيه فان الفرق اما أن يكون من جهة السمع لأن ~~أحد النصين دال دلالة قطعية أو ظاهرة بخلاف الآخر أو من جهة العقل بأن أحد ~~المعنيين يجوز أو يجب اثباته دون الآخر وكلا الوجهين باطل فى أكثر المواضع # أما ( الأول ( فدلالة القرآن على أنه رحمن رحيم ودود سميع بصير على عظيم ~~كدلالته على أنه عليم قدير ليس بينهما فرق من جهة النص وكذلك ذكره لرحمته ~~ومحبته وعلوه مثل ذكره لمشيئته وارادته PageV13P298 وأما ( الثانى ( فيقال ~~لمن أثبت شيئا ونفى آخر لم نفيت مثلا حقيقة رحمته ومحبته وأعدت ذلك إلى ~~ارادته فان قال لأن المعنى المفهوم من الرحمة فى حقنا هى رقة تمتنع على ~~الله قيل له والمعنى المفهوم من الإرادة فى حقنا هى ميل يمتنع على الله فإن ~~قال ارادته ليست من جنس ارادة خلقه قيل له ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه ~~وكذلك محبته وان قال وهو حقيقة قوله لم اثبت الارادة وغيرها بالسمع وانما ~~أثبت العلم والقدرة والارادة بالعقل وكذلك السمع والبصر والكلام على إحدى ~~الطريقتين لأن الفعل دل على القدرة والأحكام دل على العلم والتخصيص دل على ~~الارادة قيل له الجواب من ثلاثة أوجه # ( أحدها ( أن الأنعام والاحسان وكشف الضر دل أيضا على الرحمة كدلالة ~~التخصيص على الارادة والتقريب والادناء وأنواع التخصيص التى لا تكون الا من ~~المحب تدل على المحبة أو مطلق التخصيص يدل على الارادة وأما التخصيص ~~بالانعام فتخصيص خاص والتخصيص بالتقريب والاصطفاء تقريب خاص وما سلكه فى ~~مسلك الارادة ms0531 يسلك فى مثل هذا # ( الثانى ( يقال له هب أن العقل لا يدل على هذا فانه لا ينفيه الا بمثل ~~ما ينفى به الارادة والسمع دليل مستقل بنفسه بل PageV13P299 الطمأنينة اليه ~~فى هذه المضايق أعظم ودلالته أتم فلأى شىء نفيت مدلوله أو توقفت وأعدت هذه ~~الصفات كلها إلى الارادة مع أن النصوص ( لم ( تفرق فلا يذكر حجة الا عورض ~~بمثلها فى اثباته الارادة زيادة على الفعل # ( الثالث ( يقال له اذا قال لك الجهمى الارادة لا معنى لها الا عدم ~~الاكراه أو نفس الفعل والأمر به وزعم أن اثبات ارادة تقتضى محذورا ان قال ~~بقدمها ومحذورا ان قال بحدوثها # وهنا اضطربت المعتزلة فانهم لا يقولون بارادة قديمة لامتناع صفة قديمة ~~عندهم ولا يقولون بتجدد صفة له لامتناع حلول الحوادث عند أكثرهم مع تناقضهم # فصاروا حزبين البغداديون وهم أشد غلوا فى البدعة فى الصفات وفى القدر ~~نفوا حقيقة الارادة وقال الجاحظ لا معنى لها الا عدم الاكراه وقال الكعبى ~~لا معنى لها الا نفس الفعل اذا تعلقت بفعله ونفس الأمر اذا تعلقت بطاعة ~~عباده # والبصريون كأبى على وأبى هاشم قالوا تحدث ارادة لا فى محل فلا ارادة ~~فالتزموا حدوث حادث غيرمراد و قيام صفة بغير محل PageV13P300 وكلاهما عند ~~العقلاء معلوم الفساد بالبديهة # كان جوابه أن ما ادعى احالته من ثبوت الصفات ليس بمحال والنص قد دل عليها ~~والعقل ايضا فاذا أخذ الخصم ينازع فى دلالة النص أو العقل جعله مسفسطا أو ~~مقرمطا وهذا بعينه موجود فى الرحمة والمحبة فان خصومه ينازعونه فى دلالة ~~السمع والعقل عليها على الوجه القطعى # ثم يقال لخصومه بم اثبتم أنه عليم قدير فما اثبتوه به من سمع وعقل فبعينه ~~تثبت الارادة وما عارضوا به من الشبه عورضوا بمثله فى العليم والقدير واذا ~~انتهى الأمر إلى ثبوت المعانى وأنها تستلزم الحدوث أو التركيب والافتقار ~~كان الجواب ما قررناه فى غير هذا الموضع فان ذلك لا يستلزم حدوثا ولا ~~تركيبا مقتضيا حاجة إلى غيره # ويعارضون أيضا بما ينفى به أهل ms0532 التعطيل الذات من الشبه الفاسدة ويلزمون ~~بوجود الرب الخالق المعلوم بالفطرة الخلقية والضرورة العقلية والقواطع ~~العقلية واتفاق الأمم وغير ذلك من الدلائل ثم يطالبون بوجود من جنس ما ~~نعهده أو بوجود يعلمون كيفيته فلابد أن يفروا إلى اثبات ما لا تشبه حقيقته ~~الحقائق فالقول فى سائر ما سمى ووصف به نفسه كالقول فى نفسه سبحانه وتعالى ~~PageV13P301 # و ( نكتة هذا الكلام ( أن غالب من نفى وأثبت شيئا مما دل عليه الكتاب ~~والسنة لابد أن يثبت الشىء لقيام المقتضى وانتفاء المانع وينفى الشىء لوجود ~~المانع أو لعدم المقتضى أو يتوقف اذا لم يكن له عنده مقتض ولا مانع فيبين ~~له أن المقتضى فيما نفاه قائم كما أنه فيما أثبته قائم اما من كل وجه أو من ~~وجه يجب به الاثبات فان كان المقتضى هناك حقا فكذلك هنا والا فدرء ذاك ~~المقتضى من جنس درء هذا # وأما المانع فيبين أن المانع الذى تخيله فيما نفاه من جنس المانع الذى ~~تخيله فيما اثبته فاذا كان ذلك المانع المستحيل موجودا على التقديرين لم ~~ينج من محذوره باثبات أحدهما ونفى الآخر فانه ان كان حقا نفاهما وان كان ~~باطلا لم ينف واحدا منهما فعليه أن يسوى بين الأمرين فى الاثبات والنفى ولا ~~سبيل إلى النفى فتعين الاثبات # فهذه نكتة الالزام لمن أثبت شيئا وما من أحد الا ولابد أن يثبت شيئا أو ~~يجب عليه اثباته فهذا يعطيك من حيث الجملة أن اللوازم التى يدعى أنها موجبة ~~النفى خيالات غير صحيحة وان لم يعرف فسادها على التفصيل وأما من حيث ~~التفصيل فيبين فساد المانع وقيام المقتضى كما قرر هذا غير مرة PageV13P302 # فإن قال من أثبت هذه الصفات التى هى فينا أعراض كالحياة والعلم والقدرة ~~ولم يثبت ما هو فينا أبعاض كاليد والقدم هذه أجزاء وأبعاض تستلزم التركيب ~~والتجسيم # قيل له وتلك أعراض تستلزم التجسيم والتركيب العقلى كما استلزمت هذه عندك ~~التركيب الحسى فان أثبت تلك على وجه لا تكون أعراضا أو تسميتها أعراضا لا ~~يمنع ثبوتها قيل ms0533 له وأثبت هذه على وجه لا تكون تركيبا وأبعاضا أو تسميتها ~~تركيبا وأبعاضا لا يمنع ثبوتها # فإن قيل هذه لا يعقل منها الا الاجزاء # قيل له وتلك لا يعقل منها الا الاعراض # فإن قال العرض ما لا يبقى وصفات الرب باقية قيل والبعض ما جاز انفصاله عن ~~الجملة وذلك فى حق الله محال فمفارقة الصفات القديمة مستحيلة فى حق الله ~~تعالى مطلقا والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه فإن قال ذلك تجسيم ~~والتجسيم منتف قيل وهذا تجسيم والتجسيم منتف PageV13P303 # فإن قال أنا أعقل صفة ليست عرضا بغير متحيز وإن لم يكن له فى الشاهد نظير ~~قيل له فاعقل صفة هى لنا بعض لغير متحيز وإن لم يكن له فى الشاهد نظير فان ~~نفى عقل هذا نفى عقل ذاك وان كان بينهما نوع فرق لكنه فرق غير مؤثر فى موضع ~~النزاع ولهذا كانت المعطلة الجهمية تنفى الجميع لكن ذاك أيضا مستلزم لنفى ~~الذات ومن أثبت هذه الصفات الخبرية من نظير هؤلاء صرح بأنها صفة قائمة به ~~كالعلم والقدرة وهذا ايضا ليس هو معقول النص ولا مدلول العقل وانما الضرورة ~~ألجأتهم إلى هذه المضايق # وأصل ذلك أنهم أتوا بألفاظ ليست فى الكتاب ولا فى السنة وهى ألفاظ مجملة ~~مثل ( متحيز ( و ( محدود ( و ( جسم ( و ( مركب ( ونحو ذلك ونفوا مدلولها ~~وجعلوا ذلك مقدمة بينهم مسلمة ومدلولا عليها بنوع قياس وذلك القياس أوقعهم ~~فيه مسلك سلكوه فى اثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض أو اثبات امكان الجسم ~~بالتركيب من الأجزاء فوجب طرد الدليل بالحدوث والامكان لكل ما شمله هذا ~~الدليل اذ الدليل القطعى لا يقبل الترك لمعارض راجح فرأوا ذلك يعكر عليهم ~~من جهة النصوص ومن جهة العقل من ناحية أخرى فصاروا أحزابا تارة يغلبون ~~القياس الأول ويدفعون ما عارضه وهم المعتزلة وتارة يغلبون القياس الثانى ~~ويدفعون الأول PageV13P304 كهشام بن الحكم الرافضى فإنه قد قيل اول ما تكلم ~~فى الجسم نفيا واثباتا من زمن هشام بن الحكم وأبى الهذيل العلاف فان أبا ~~الهذيل ونحوه ms0534 من قدماء المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس فعارضهم ~~هشام وأثبت الجسم لما سلكوه من القياس واعتقد الأولون احالة ثبوته واعتقد ~~هذا احالة نفيه وتارة يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الاحالة ~~والتناقض # فما أعلم أحدا من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام ~~والفلسفة الا ولابد أن يتناقض فيحيل ما اوجب نظيره ويوجب ما أحال نظيره اذ ~~كلامهم من عند غير الله وقد قال الله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ # والصواب ما عليه أئمة الهدى وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به ~~رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث ويتبع فى ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم ~~والايمان والمعانى المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فتكون من باب ~~تحريف الكلم عن مواضعه ولا يعرض عنها فيكون من باب الذين اذا ذكروا بآيات ~~ربهم يخرون عليها صما وعميانا ولا يترك تدبر القرآن فيكون من باب الذين لا ~~يعلمون الكتاب الا أمانى فهذا أحد الوجهين وهو منع أن تكون هذه من المتشابه # PageV13P305 # ( الوجه الثانى ( أنه اذا قيل هذه من المتشابه أو كان فيها ما هو من ~~المتشابه كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابها ~~فيقال الذى فى القرآن أنه لا يعلم تأويله الا الله اما المتشابه واما ~~الكتاب كله كما تقدم ونفى علم تأويله ليس نفى علم معناه كما قدمناه فى ~~القيامة وأمور القيامة وهذا الوجه قوى ان ثبت حديث ابن اسحاق فى وفد نجران ~~أنهم احتجو على النبى ( ( بقوله ( إنا ( و ( نحن ( ونحو ذلك ويؤيده أيضا ~~أنه قد ثبت أن فى القرآن متشابها وهو ما يحتمل معنيين وفى مسائل الصفات ما ~~هو من هذا الباب كما أن ذلك فى مسائل المعاد وأولى فان نفى المشابهة بين ~~الله وبين خلقه أعظم من نفى المشابهة بين موعود الجنة وموجود الدنيا # وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن نفى علم التأويل ليس نفيا لعلم ms0535 ~~المعنى ونزيده تقريرا أن الله سبحانه يقول @QB@ ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~@QE@ فأخبر أنه أنزله ليعقلوه وأنه طلب تذكرهم # وقال أيضا @QB@ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون @QE@ ~~PageV13P306 فحض على تدبره وفقهه وعقله والتذكر به والتفكر فيه ولم يستثن ~~من ذلك شيئا بل نصوص متعددة تصرح بالعموم فيه مثل قوله @QB@ أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ وقوله @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ ومعلوم أن نفى الاختلاف عنه ~~لا يكون الا بتدبره كله والا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفى مخالفه ما لم ~~يتدبر لما تدبر # وقال على رضى الله عنه لما قيل له هل ترك عندكم رسول الله ( ( شيئا فقال ~~لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة الا فهما يؤتيه الله عبدا فى كتابه وما فى ~~هذه الصحيفة فأخبر أن الفهم فيه مختلف فى الأمة والفهم أخص من العلم والحكم ~~قال الله تعالى @QB@ ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ وقال ~~النبى ( ( رب مبلغ أوعى من سامع ( وقال ( بلغوا عنى ولو آية ( # وأيضا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا فى جميع نصوص ~~القرآن آيات الصفات وغيرها وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها ورووا عن ~~النبى ( ( احاديث كثيرة توافق القرآن وأئمة الصحابة فى هذا أعظم من غيرهم ~~مثل عبدالله بن مسعود الذى كان يقول لو أعلم أعلم بكتاب الله منى تبلغه ~~آباط الابل لأتيته وعبدالله بن عباس الذى دعا له النبى ( صلى الله عليه ~~PageV13P307 وسلم ( وهو حبر الأمة وترجمان القرآن كانا هما وأصحابهما من ~~أعظم الصحابة والتابعين اثباتا للصفات ورواية لها عن النبى ( ( ومن له خبرة ~~بالحديث والتفسير يعرف هذا وما فى التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين بل ~~وثالثهما فى علية التابعين من جنسهم أو قريب منهم ومثلهما فى جلالته جلالة ~~اصحاب زيد بن ثابت لكن أصحابه مع جلالتهم ms0536 ليسوا مختصين به بل أخذوا عن غيره ~~مثل عمر وابن عمر وابن عباس ولو كان معانى هذه الآيات منفيا أو مسكوتا عنه ~~لم يكن ربانيوا الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاما فيه # ثم إن الصحابة نقلوا عن النبى ( ( أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع ~~التلاوة ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع # من تفسير آية قال أبو عبدالرحمن السلمى حدثنا الذين كانوا يقرئوننا ~~القرآن عثمان بن عفان وعبدالله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا اذا تعلموا من ~~النبى ( ( عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا ~~فتعلمنا القرآن والعلم والعمل # وكذلك الأئمة كانوا اذا سئلوا عن شىء من ذلك لم ينفوا معناه بل يثبتون ~~المعنى وينفون الكيفية كقول مالك بن أنس لما سئل عن قوله PageV13P308 تعالى ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ كيف استوى فقال الاستواء معلوم والكيف ~~مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك ربيعة قبله وقد تلقى الناس ~~هذا الكلام بالقبول فليس فى أهل السنة من ينكره # وقد بين أن الاستواء معلوم كما أن سائر ما أخبر به معلوم ولكن الكيفية لا ~~تعلم ولا يجوز السؤال عنها لا يقال كيف استوى ولم يقل مالك الكيف معدوم ~~وإنما قال الكيف مجهول وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من اهل السنة غير ~~أن اكثرهم يقولون لا تخطر كيفيته ببال ولا تجرى ماهيته فى مقال ومنهم من ~~يقول ليس له كيفية ولا ماهية # فإن قيل معنى قوله ( الاستواء معلوم ( ان ورود هذا اللفظ فى القرآن معلوم ~~كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذى استأثر ~~الله بعلمه # قيل هذا ضعيف فان هذا من باب تحصيل الحاصل فإن السائل قد علم أن هذا ~~موجود فى القرآن وقد تلا الآية وأيضا فلم يقل ذكر الاستواء فى القرآن ولا ~~اخبار الله بالاستواء وانما قال PageV13P309 الاستواء معلوم فأخبر عن الاسم ~~المفرد أنه معلوم لم يخبر عن الجملة وأيضا فانه قال ( والكيف مجهول ( ولو ~~أراد ذلك لقال معنى الاستواء ms0537 مجهول أو تفسير الاستواء مجهول أو بيان ~~الاستواء غير معلوم فلم ينف الا العلم بكيفية الاستواء لا العلم بنفس ~~الاستواء وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه لو قال فى قوله ^ اننى معكما ~~أسمع وأرى كيف يسمع وكيف يرى لقلنا السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول ولو ~~قال كيف كلم موسى تكليما لقلنا التكليم معلوم والكيف غير معلوم # وأيضا فإن من قال هذا من اصحابنا وغيرهم من اهل السنة يقرون بأن الله فوق ~~العرش حقيقة وأن ذاته فوق ذات العرش لا ينكرون معنى الاستواء ولا يرون هذا ~~من المتشابه الذى لا يعلم معناه بالكلية # ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة قال بعضهم ارتفع على ~~العرش علا على العرش وقال بعضهم عبارات أخرى وهذه ثابتة عن السلف قد ذكر ~~البخارى فى صحيحه بعضها فى آخر كتاب ( الرد على الجهمية ( وأما التأويلات ~~المحرفة مثل استوى وغير ذلك فهى من التأويلات المبتدعة لما ظهرت الجهمية ~~PageV13P310 # وأيضا قد ثبت أن اتباع المتشابه ليس فى خصوص الصفات بل فى صحيح البخارى ~~أن النبى ( ( قال لعائشة ( يا عائشة اذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ~~فأولئك الذين سمى الله فاحذريهم ( وهذا عام وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن ~~الخطاب من أشهر القضايا فانه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر ~~فسأل عمر عن ( الذاريات ذروا ( فقال ما اسمك قال عبدالله صبيغ فقال وأنا ~~عبدالله عمر وضربه الضرب الشديد وكان ابن عباس اذا ألح عليه رجل فى مسألة ~~من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ # وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام ~~كما قال النبى عليه الصلاة والسلام ^ اذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ^ ~~وكما قال تعالى @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة @QE@ فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد كالذى يعارض بين آيات القرآن ~~وقد نهى النبى ( ( عن ذلك وقال ^ لا تضربوا كتاب الله بعضه ms0538 ببعض ^ فان ذلك ~~يوقع الشك فى قلوبهم ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذى لا يعلمه الا ~~الله فكان مقصودهم مذموما ومطلوبهم متعذرا مثل أغلوطات المسائل التى نهى ~~رسول الله ( ( عنها PageV13P311 # ومما يبين الفرق بين ( المعنى ( و ( التأويل ( أن صبيغا سأل عمر عن ( ~~الذاريات ( وليست من الصفات وقد تكلم الصحابة فى تفسيرها مثل على بن أبى ~~طالب مع ابن الكواء لما سأله عنها كره سؤاله لما رآه من قصده لكن على كانت ~~رعيته ملتوية عليه لم يكن مطاعا فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه و ( الذاريات ( و ~~( الحاملات ( و ( الجاريات ( و ( المقسمات ( فيها اشتباه لأن اللفظ يحتمل ~~الرياح والسحاب والنجوم والملائكة ويحتمل غير ذلك اذ ليس فى اللفظ ذكر ~~الموصوف والتأويل الذى لا يعلمه الا الله هو أعيان الرياح ومقاديرها ~~وصفاتها ومتى تهب وأعيان السحاب وما تحمله من الأمطار ومتى ينزل المطر ~~وكذلك فى ( الجاريات ( و ( المقسمات ( فهذا لا يعلمه الا الله # وكذلك فى قوله ( إنا ( و ( نحن ( ونحوهما من أسماء الله التى فيها معنى ~~الجمع كما اتبعه النصارى فان معناه معلوم وهو الله سبحانه لكن اسم الجمع ~~يدل على تعدد المعانى بمنزلة الأسماء المتعددة مثل العليم والقدير والسميع ~~والبصير فإن # المسمى واحد ومعانى الأسماء متعددة فهكذا الاسم الذى لفظه الجمع وأما ~~التأويل الذى اختص الله به فحقيقة ذاته وصفاته كما قال مالك والكيف مجهول ~~فاذا قالوا ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره قيل هذا هو التأويل الذى لا ~~يعلمه الا الله PageV13P312 # وما أحسن ما يعاد التأويل إلى القرآن كله فان قيل فقد قال النبى ( ( لابن ~~عباس ( اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل ( قيل أما تأويل الأمر والنهى ~~فذاك يعلمه واللام هنا للتأويل المعهود لم يقل تأويل كل القرآن فالتأويل ~~المنفى هو تأويل الاخبار التى لا يعلم حقيقة مخبرها الا الله والتأويل ~~المعلوم هو الأمر الذى يعلم العباد تأويله وهذا كقوله @QB@ هل ينظرون إلا ~~تأويله يوم يأتي تأويله @QE@ وقوله @QB@ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ~~يأتهم تأويله @QE@ فان المراد تأويل الخبر ms0539 الذى أخبر فيه عن المستقبل فانه ~~هو الذى ( ينتظر ( ويأتى ( و ( لما يأتهم ( وأما تأويل الأمر والنهى فذاك ~~فى الأمر وتأويل الخبر عن الله وعمن مضى ان أدخل فى التأويل لا ينتظر والله ~~سبحانه أعلم وبه التوفيق PageV13P313 # وقال الشيخ الإمام العلامة # لقدوة العارف الفقيه الحافظ الزاهد العابد السالك الناسك مفتى الفرق ركن ~~الشريعة عالم العصر فريد الدهر ترجمان القرآن وارث الانبياء آخر المجتهدين ~~تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحرانى ~~تغمده الله برحمته ( فصل ( # ( فى أقسام القرآن ( # وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور وانما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة ~~بصفاته أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته واقسامه ببعض المخلوقات دليل على ~~أنه من عظيم آياته PageV13P314 # فالقسم اما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله تعالى @QB@ فورب السماء ~~والأرض إنه لحق @QE@ # وإما على جملة طلبية كقوله تعالى @QB@ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا ~~يعملون @QE@ مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب ~~الخبر وقد يراد به محض القسم والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه ~~فلابد أن يكون مما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية اذا أقسم على ~~ثبوتها # فأما الأمور المشهودة الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء ~~والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها وما أقسم عليه الرب عز وجل فهو من ~~آياته فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس # وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما يحذف جواب ~~لو كثيرا كقوله تعالى @QB@ لو تعلمون علم اليقين @QE@ وقوله ^ ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال ^ @QB@ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة @QE@ @QB@ ~~ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت @QE@ @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على النار @QE@ @QB@ ~~ولو ترى إذ وقفوا على ربهم @QE@ # ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام لأن المراد أنك لو رأيته PageV13P315 لرئيت ~~هولا عظيما فليس فى ذكر الجواب زيادة على ما دل المحرم وهو أيضا تنبيه فاذا ~~أقسم به وفيه الحلال فاذا كان فيه الحرام كان أولى بالتعظيم وكذلك اذا أريد ~~الحلول ms0540 فانه هو السلبى فالمعنى واحد # ( # وقد أقسم ب @QB@ التين والزيتون @QE@ و @QB@ البلد الأمين @QE@ والجواب ~~مذكور فى قوله تعالى @QB@ لقد خلقنا الإنسان في كبد @QE@ وهو مكايدة أمر ~~الدنيا والآخرة وهذه المكابدة تقتضى قوة صاحبها وكثرة تصرفه واحتياله فقال ~~تعالى @QB@ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم ~~يره أحد @QE@ فهذا الانسان من جنس أولئك الأمم ومن جنس الذى قال @QB@ ما ~~أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه @QE@ له قوة يكابد بها الأمور وكل أهلكه ~~أفيظن مع هذا أنه لن يقدر عليه أحد فيجازيه بأعماله ويحسب أن ما أهلكه من ~~المال لم يره أحد فيعلم ما فعل # والقدرة والعلم بهما يحصل الجزاء بل بهما يحصل كل شىء واخباره تعالى بأنه ~~قادر وأنه عالم يتضمن الوعيد والتهديد فانه اذا كان قادرا أمكن الجزاء واذا ~~كان عالما أمكن الجزاء فبالعدل يقدر ما عمل ومن لم يكن قادرا عالما لم ~~يمكنه الجزاء فان العاجز عن الشخص لا يمكنه PageV13P316 جزاؤه والذى له ~~قدرة لكن لا يرى ما فعل ان جازاه بلا علم كان ظالما معتديا فلابد له من ~~العلم بما فعل # ولهذا كان الحاكم يحتاج إلى الشهود والملوك يحتاجون إلى أهل الديوان ~~يخبرونهم بمقادير الأموال وغيرها ليكون عملهم بعلم ذكر أنه خلق الانسان فى ~~كبد ايحسب أن لن يقدر عليه أحد ولن لنفى المستقبل يقول أيحسب أن لن يقدر ~~عليه فى المستقبل أحد ولهذا كان ذاك الخائف من ربه الذى أمر أهله باحراقه ~~وذرايته يعلم أن الجزاء متعلق بالقدرة فقال ( لئن قدر الله على ليعذبنى ~~عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ( # وهو سبحانه يهدد بالقدرة لكون المقدور يقترن بها كما يهدد بالعلم لكون ~~الجزا يقع معه كما فى قوله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم @QE@ فقال النبى ( ( لما نزلت ( أعوذ ~~بوجهك أعوذ بوجهك ( @QB@ أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ فقال ( ~~هاتان أهون ( وذلك لأنه تكلم فى ذكر القدرة ونوع المقدور كما يقول ms0541 القائل ~~أين تهرب منى أنا اقدر أن أمسكك # وكذلك فى العلم بالرؤية كقوله هنا @QB@ أيحسب أن لم يره أحد @QE@ ~~PageV13P317 وقوله تعالى فى الذى ينهى عبدا اذا صلى @QB@ ألم يعلم بأن الله ~~يرى @QE@ وقوله تعالى @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ~~@QE@ وقوله @QB@ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم ~~يكتبون @QE@ وقوله تعالى ^ وكل شىء فعلوه فى الزبر وكل صغير وكبير مستطر ^ ~~وأمثال ذلك فذكر رؤيته الأعمال وعلمه بها واحصائه لها يتضمن الوعيد بالجزاء ~~عليها كما يقول القائل قد علمت ما فعلت وقد جاءتنى أخبارك كلها وأمثال ذلك ~~فليس المراد الاخبار بقدرة مجردة وعلم مجرد لكن بقدرة وعلم يقترن بهما ~~الجزاء اذ كان مع حصول العلم والقدرة يمكن الجزاء ويبقى موقوفا على مشيئة ~~المجازى لا يحتاج معه إلى شىء حينئذ فيجب طلب النجاة بالاستغفار والتوبة ~~اليه وعمل الحسنات التى تمحو السيئات # ( فصل ( # وهو سبحانه وتعالى لما أقسم ب @QB@ الصافات @QE@ و @QB@ الذاريات @QE@ و ~~@QB@ المرسلات @QE@ ذكر المقسم عليه فقال تعالى @QB@ إن إلهكم لواحد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إنما توعدون @QE@ لواقع ^ ولم يذكره فى النازعات فان الصافات هى الملائكة ~~وهو لم يقسم على وجودها كما لم يقسم على وجود نفسه PageV13P318 اذ كانت ~~الأمم معترفة بالصافات وكانت معرفته ظاهرة عندهم لا يحتاج إلى أقسام بخلاف ~~التوحيد فانه كما قال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ~~@QE@ # وكذلك الملائكة يقر بها عامة الأمم كما ذكر الله عن قوم نوح وعاد وثمود ~~وفرعون مع شركهم وتكذيبهم بالرسل أنهم كانوا يعرفون الملائكة قال قوم نوح ^ ~~ما هذا الا رجل يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ^ وقال ^ ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود اذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن ~~خلفهم ان لا تعبدوا الا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ^ وقال فرعون ~~@QB@ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة ~~من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ms0542 @QE@ # وكذلك مشركوا العرب قال تعالى @QB@ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ~~ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون @QE@ وقال تعالى ^ وقالوا مال هذا الرسول ~~يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق لولا أنزل اليه ملك فيكون معه نذيرا ^ وقال ~~تعالى عن الأمم مطلقا @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن ~~قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا @QE@ PageV13P319 فكانت هذه الأمم ~~المكذبة للرسل المشركة بالرب مقرة بالله وبملائكته فكيف بمن سواهم فعلم أن ~~الاقرار بالرب وملائكته معروف عند عامة الأمم فلهذا لم يقسم عليه وانما ~~أقسم على التوحيد لأن اكثرهم مشركون # وكذلك @QB@ الذاريات @QE@ و @QB@ الحاملات @QE@ و @QB@ الجاريات @QE@ هى ~~أمور مشهودة للناس و @QB@ المقسمات أمرا @QE@ هم الملائكة فلم يكن فيما ~~اقسم به ما أقسم عليه فذكر المقسم عليه فقال تعالى @QB@ إنما توعدون لصادق ~~وإن الدين لواقع @QE@ # و @QB@ المرسلات @QE@ سواء كانت هى الملائكة النازلة بالوحى والمقسم عليه ~~الجزاء فى الآخرة أو الرياح أو هذا وهذا فهى معلومة ايضا # وأما @QB@ النازعات غرقا @QE@ فهى الملائكة القابضة للأرواح وهذا يتضمن ~~الجزاء وهو من أعظم المقسم عليه قال تعالى @QB@ قل يتوفاكم ملك الموت الذي ~~وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون @QE@ وقال تعالى @QB@ توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق @QE@ هو ولا يعين على عبادته الا هو ~~وهذا يقين يعطى الاستعانة والتوكل PageV13P320 وهو يقين بالقدر الذى لم يقع ~~فان الاستعانة والتوكل انما يتعلق بالمستقبل # فأما ما وقع فانما فيه الصبر والتسليم والرضى كما فى حديث عمار بن ياسر ~~رضى الله عنه مرفوعا إلى النبى ( ( أسألك الرضا بعد القضاء ( وقول ( لا حول ~~ولا قوة الا بالله ( يوجب الاعانة ولهذا سنها النبى ( ( اذا قال المؤذن ( ~~حى على الصلاة فيقول المجيب لا حول ولا قوة الا بالله فإذا قال حى على ~~الفلاح قال المجيب لا حول ولا قوة الا بالله ( # وقال المؤمن لصاحبه @QB@ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا ms0543 ~~بالله @QE@ ولهذا يؤمر بهذا من يخاف العين على شىء فقوله ما شاء الله ~~تقديره ما شاء الله كان فلا يأمن بل يؤمن بالقدر ويقول لا قوة الا بالله ~~وفى حديث أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه المتفق عليه أن النبى ( ( قال ^ هى ~~كنز من كنوز الجنة ^ و ( الكنز ( مال مجتمع لا يحتاج إلى جمع وذلك أنها ~~تتضمن التوكل والافتقار إلى الله تعالى ومعلوم أنه لا يكون شىء الا بمشيئة ~~الله وقدرته وأن الخلق ليس منهم شىء الا ما أحدثه الله فيهم فاذا انقطع طلب ~~القلب PageV13P321 للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذى ~~لا يأتى بها الا هو قال تعالى @QB@ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك ~~لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن يمسسك الله بضر ~~فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله @QE@ وقال تعالى ^ وان ~~يردك بخير فهو على كل شىء قدير ^ وقال تعالى ^ قل أرأيتم ما تدعون من دون ~~الله ان أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات ~~رحمته ^ # وقال صاحب يس ( أأتخذ من دونه آلهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عنى ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون انى اذا لفى ضلال مبين ^ ولهذا يأمر الله بالتوكل ~~عليه وحده فى غير موضع # # وفى الأثر من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن سره أن يكون ~~أغنى الناس فليكن بما فى يد الله أوثق منه بما فى يده قال تعالى ^ وتوكل ~~على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا ^ # والله تعالى أمر بعبادته والتوكل عليه قال تعالى ^ فاعبده وتوكل عليه ^ ~~وقال تعالى ^ قل هو ربى لا اله الا هو عليه توكلت واليه متاب @QB@ وقال ~~موسى @QE@ يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين ^ ~~PageV13P322 # وقال شعيب ^ وما توفيقى الا بالله عليه توكلت واليه أنيب ^ وقال المؤمنون ~~@QB@ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير @QE@ وقال ms0544 تعالى @QB@ ~~واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه ~~وكيلا @QE@ وقال تعالى ^ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء ~~قدرا ^ # فافترق الناس هنا أربعة أصناف # صنف لا يعبدونه ولا يتوكلون عليه وهم شرار الخلق # وصنف يقصدون عبادته بفعل ما أمر وترك ما حظر لكن لم يحققوا التوكل ~~والاستعانه فيعجزون عن كثير مما يطلبونه ويجزعون فى كثير من المصائب # ثم من هؤلاء من يكذب بالقدر ويجعل نفسه هو المبدع لأفعاله فهؤلاء فى ~~الحقيقة لا يستعينونه ولا يطلبون منه صلاح قلوبهم ولا تقويمها ولا هدايتها ~~وهؤلاء مخذولون كما هم عند الأمة كذلك وقوم يؤمنون بالقدر قولا واعتقادا ~~لكن لم تتصف به قلوبهم علما وعملا كما اتصفت بقصد الطهارة والصلاة فهم ايضا ~~ضعفاء عاجزون PageV13P323 # وصنف نظر إلى جانب القدرة والمشيئة وان الله تعالى هو المعطى والمانع ~~والخافض والرافع فغلب عليهم التوجه اليه من هذه الجهة والاستعانة به ~~والافتقار اليه لطلب ما يريدونه فهؤلاء يحصل لأحدهم نوع سلطان وقدرة ظاهرة ~~أو باطنة وقهر لعدوه بل قتل له ونيل لأغراضه لكن لا عاقبة لهم فان العاقبة ~~للتقوى بل آخرتهم آخرة ردية # وليس الكلام فى الكفار والظلمة المعرضين عن الله فان هؤلاء دخلوا فى ~~القسم الاول الذين لا عبادة لهم ولا استعانة ولكن الكلام فى قوم عندهم توجه ~~إلى الله وتأله ونوع من الخشية والذكر والزهد لكن يغلب عليهم التوجه بارادة ~~أحدهم وذوقه ووجده وما يستحليه ويستحبه لا بالأمر الشرعى وهم أصناف # منهم المعرض عن إلتزام العبادات الشرعيه مع مايحصل له من الشياطين من كشف ~~له أو تأثير وهؤلاء كثير منهم يموت على غير الإسلام # ومنهم من يقوم بالعبادات الشرعية الظاهرة كالصلاة والصيام والحج وترك ~~المحرمات لكن فى أعمال القلوب لايلتزم الامر الشرعى بل يسعى لما يحبه ~~ويريده والله تعالى قال ^ كلا نمد هؤلاء وهؤلاء PageV13P324 من عطاء ربك ^ ~~وهو سبحانه يعطى ms0545 السلطان والمال للبر والفاجر فقد يعطى أحد هؤلاء تصرفا إما ~~بقهر عدوه وإما بنصر وليه كما تعطى الملوك وقد يعطى نوعا من المكاشفة إما ~~بإخبار بعض الجن له وقد يعرف إنه من الجن وقد لايعرف وإما بغير ذلك # وقد يقول الواحد من هؤلاء أنا آخذ من الله وغيرى يأخذ من محمد فيرى بحاله ~~فى ذاك وتفرده أن ما أوتيه من التصرف والمكاشفة يحصل له بغير طريق محمد وهو ~~صادق فى ذلك لكن هذه فى الحقيقه وبال عليه فان من تصرف بغير أمر الرسول ~~وأخذ مالم يبحه له الرسول فولى وعزل وأعطى ومنع بغير امر الرسول وقتل وضرب ~~بغير امره واكرم وأهان بغير أمره وجاءة خطاب فى باطنه بالامر والنهى فاعتقد ~~أن الله أمره ونهاه من غير واسطة الرسول كانت حالته هذه كلها من الشيطان ~~وكان الشيطان هو الذي يأمره وينهاه فيأمره فيتصرف وهو يظن أنه يتصرف بأمر ~~الله ولعمري هو يتصرف بأمر الله الكونى القدري بواسطة أمر الشيطان كما قال ~~تعالى فى السحرة ^ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ^ كما أن المؤمن ~~يتصرف بأمر الله الكونى القدري لكن بواسطة أمر الرسول المبلغ له عن الله عز ~~وجل PageV13P325 # فالحلال عنده ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما ~~شرعه الله ورسوله بخلاف ذاك فإنه لا يأخذ عن الرسول الأمر والنهي الباطن ~~ولا ما يفعله ويأمر به وهذا الضرب كثير فى المشايخ أرباب القلوب والأحوال ~~الذين ضعف علمهم بالكتاب والسنة ومتابعة الرسول وغلب عليهم ما يجده أحدهم ~~فى قلبه وما يؤمر به فى باطنه سواء وافق الرسول أو خالقه # ثم تفاوتوا فى ذلك بحسب قربهم من الرسول وبعدهم منه فكثير منهم بعد عنه ~~حتى صار يرى أنه يعاون الكفار على قتال المسلمين ويرى أن الله سبحانه أمره ~~بذلك ويعتقد أن أهل الصفة فعلوا ذلك # ومنهم من يرى أن الرسول لم يرسل إليه وإلى أشكاله وإنما أرسل إلى العوام # ومنهم من يعتقد أن الرسول كان خاضعا لأهل ms0546 الصفة وكانوا مستغنين عنه إلى ~~أمثال هذه الأصناف التى كثرت في هذه الأزمنة PageV13P326 # وهؤلاء كلهم يدعون علم الحقيقة ويقولون الحقيقة لون والشريعة لون آخر ~~ويجمعهم شيئان أن لهم تصرفا وكشفا خارجا عن ما للعامة وأنهم معرضون عن وزن ~~ذلك بالكتاب والسنة وتحكيم الرسول فى ذلك فهم بمنزلة الملوك الذين لهم ملك ~~يسوسونة بغير أمر الله ورسوله لكن الملوك لا يقول أحدهم أن الله أمرنى بذلك ~~ولا أنى ولي الله ولا أن لي مادة من الله خارجة عن الرسول ولا أن الرسل لم ~~تبعث إلى مثلي وإنما الملوك يقصدون أغراضهم ولا يجعلونها دينا # وهؤلاء يجعلون أغراضهم التى هي من أعظم الظلم والفساد بل والكفر يجعلون ~~ذلك دينا يدين به أولياء الله عندهم لأن هذه الأمور إنما تحصل لهم بنوع من ~~الزهادة والعبادة ولكن ليس هو الزهد والعبادة التى بعث الله بها رسوله بل ~~يشبهه حال أهل الكتاب والمشركين من عباد الهند والنصارى وأمثالهم # ولهذا تظهر مشابهتهم لعباد المشركين وأهل الكتاب حتى إن من راى عباد ~~الهنود ثم رأى مولهي بيت الرفاعى أنكر وجود هؤلاء فى ديار الإسلام # وقال هؤلاء مثل عباد المشركين من الهند سواء وأرفع من PageV13P327 هؤلاء ~~من يشبه عباد النصارى ورهبانهم فى أمور كثيرة خارجة عن شريعة الإسلام فلما ~~كان فيهم دين مبتدع من جنس دين المشركين وأهل الكتاب ظنوا ما يظنه أولئك من ~~أن هذا دين صحيح وأنه دين يقرب إلى الله وأن أهله أولياء الله فإن جميع ~~طوائف العلماء والعباد من جميع أهل الملل يظنون # PageV13P328 # قال شيخ الإسلام # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وأعن برحمتك الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~تسليما # أما بعد فقد سألني بعض الأخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية تعين ~~على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه والتمييز فى ms0547 منقول ذلك ومعقوله بين ~~الحق وأنواع الأباطيل والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل فإن الكتب ~~المصنفة فى التفسير مشحونة بالغث والسمين والباطل الواضح والحق المبين # والعلم اما نقل مصدق عن معصوم واما قول عليه دليل معلوم PageV13P329 وما ~~سوى هذا فاما مزيف مردود واما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود وحاجة ~~الأمة ماسة إلى فهم القرآن الذى هو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط ~~المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق عن كثرة ~~الترديد ولا تنقضى عجائبه ولا يشبع منه العلماء من قال به صدق ومن عمل به ~~أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ومن تركه من جبار ~~قصمه الله ومن إبتغى الهدى فى غيره أضله الله # قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض @QE@ وقال تعالى ^ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من ~~PageV13P330 عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم صراط الله الذى له ما فى ~~السموات وما فى الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ^ # وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة بحسب تيسير الله تعالى من إملاء الفؤاد ~~والله الهادي إلى سبيل الرشاد ( فصل ( # يجب أن يعلم أن النبي ( ( بين لأصحابه معانى القرآن كما بين لهم ألفاظه ~~فقوله تعالى ^ لتبين للناس ما نزل إليهم ^ يتناول هذا وهذا وقد قال ms0548 أبو عبد ~~الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبدالله ~~بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى ~~يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا ~~ولهذا كانوا يبقون مدة فى حفظ السورة وقال أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة ~~وآل عمران جل فى أعيننا وأقام إبن عمر على حفظ البقرة عدة سنين قيل ثمان ~~سنين ذكره مالك # وذلك أن الله تعالى قال ^ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا PageV13P331 ~~آياته ^ وقال ^ أفلا يتدبرون القرآن ^ وقال ^ أفلم يدبروا القول ^ وتدبر ~~الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن وكذلك قال تعالى ^ إنا أنزلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون ^ وعقل الكلام متضمن لفهمه # ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد الفاظه فالقرآن ~~أولى بذلك وايضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا فى فن من العلم كالطب ~~والحساب ولا يستشرحوه فكيف بكلام الله الذى هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم ~~وقيام دينهم ودنياهم ولهذا كان النزاع بين الصحابة فى تفسير القرآن قليلا ~~جدا وهو وان كان فى التابعين أكثر منه فى الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من ~~بعدهم وكلما كان العصر اشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه ~~أكثر ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة كما قال مجاهد عرضت ~~المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها ولهذا قال الثورى ~~اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعى ~~والبخارى وغيرهما من أهل العلم وكذلك الامام أحمد وغيره ممن صنف فى التفسير ~~يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره # والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم ~~PageV13P332 السنة وان كانوا قد يتكلمون فى بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال ~~كما يتكلمون فى بعض السنن بالاستنباط والاستدلال # ( فصل ( # الخلاف بين السلف فى التفسير قليل وخلافهم فى الأحكام أكثر من خلافهم فى ~~التفسير وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا ms0549 اختلاف تضاد ~~وذلك صنفان # ( أحدهما ( أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل ~~على معنى فى المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى بمنزلة الأسماء ~~المتكافئة التى بين المترادفة والمتباينة كما قيل فى اسم السيف الصارم ~~والمهند وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله ( ( وأسماء القرآن فان ~~أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادا ~~لدعائه باسم آخر بل الامر كما قال تعالى @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى @QE@ # وكل اسم من اسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التى PageV13P333 ~~تضمنها الإسم كالعليم يدل على الذات والعلم والقدير يدل على الذات والقدرة ~~والرحيم يدل على الذات والرحمة ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعى ~~الظاهر فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون لا يقال هو ~~حى ولا ليس بحى بل ينفون عنه النقيضين فان أولئك القرامطة الباطنية لا ~~ينكرون اسما هو علم محض كالمضمرات وإنما ينكرون ما فى أسمائه الحسنى من ~~صفات الاثبات فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو فى الظاهر موافقا ~~لغلاة الباطنية فى ذلك وليس هذا موضع بسط ذلك # وإنما المقصود ان كل اسم من أسمائه يدل على ذاته وعلى ما فى الاسم من ~~صفاته ويدل أيضا على الصفة التى فى الاسم الآخر بطريق اللزوم وكذلك اسماء ~~النبى ( ( مثل محمد وأحمد والماحى والحاشر والعاقب وكذلك اسماء القرآن مثل ~~القرآن والفرقان والهدى والشفاء والبيان والكتاب وأمثال ذلك # فاذا كان مقصود السائل تعيين المسمى عبرنا عنه بأى اسم كان اذا عرف مسمى ~~هذا الاسم وقد يكون الاسم علما وقد يكون صفة كمن يسأل عن قوله @QB@ ومن ~~أعرض عن ذكري @QE@ ما ذكره فيقال له هو القرآن مثلا أو هو ما أنزله من ~~الكتب فان الذكر مصدر والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول ~~PageV13P334 فإذا قيل ذكر الله بالمعنى الثانى كان ما يذكر به مثل قول ~~العبد سبحان الله والحمد ms0550 لله ولا اله الا الله والله أكبر واذا قيل بالمعنى ~~الأول كان ما يذكره هو وهو كلامه وهذا هو المراد فى قوله @QB@ ومن أعرض عن ~~ذكري @QE@ لأنه قال قبل ذلك @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى @QE@ وهداه هو ما أنزله من الذكر وقال بعد ذلك ( قال رب لم ~~حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ( # والمقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه المنزل أو هو ذكر العبد له فسواء قيل ~~ذكرى كتابى أو كلامى أو هداى أو نحو ذلك كان المسمى واحدا # وإن كان مقصود السائل معرفة ما فى الاسم من الصفة المختصة به فلابد من ~~قدر زائد على تعيين المسمى مثل أن يسأل عن القدوس السلام المؤمن وقد علم ~~أنه الله لكن مراده ما معنى كونه قدوسا سلاما مؤمنا ونحو ذلك # اذا عرف هذا فالسلف كثيرا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وان ~~كان فيها من الصفة ما ليس فى الاسم الآخر كمن يقول أحمد هو الحاشر والماحى ~~والعاقب والقدوس هو الغفور PageV13P335 والرحيم أى أن المسمى واحد لا ان ~~هذه الصفة هى هذه الصفة ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس ~~مثال ذلك تفسيرهم ( للصراط المستقيم ( # فقال بعضهم هو ( القرآن ( أى اتباعه لقول النبى ( ( فى حديث على الذى ~~رواه الترمذى ورواه أبو نعيم من طرق متعددة هو حبل الله المتين وهو الذكر ~~الحكيم وهو الصراط المستقيم وقال بعضهم هو ( الإسلام ( لقوله ( ( فى حديث ~~النواس بن سمعان الذى رواه الترمذى وغيره ( ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ~~وعلى جنبتى الصراط سوران وفى السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة ~~وداع يدعو من فوق الصراط وداع يدعو على رأس الصراط قال فالصراط المستقيم هو ~~الاسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله والداعى على رأس ~~الصراط كتاب الله والداعى فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مؤمن ( فهذان ~~القولان متفقان لأن دين الاسلام هو اتباع القرآن ولكن كل منهما ms0551 نبه على وصف ~~غير الوصف الآخر كما أن لفظ ( صراط ( يشعر بوصف ثالث وكذلك قول من قال هو ( ~~السنة والجماعة ( وقول من قال ( هو طريق العبودية ( وقول من قال ( هو طاعة ~~الله ورسوله ( ( وامثال ذلك فهؤلاء كلهم اشاروا PageV13P336 الى ذات واحدة ~~لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها # ( الصنف الثانى ( أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل ~~التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود فى ~~عمومه وخصوصه مثل سائل أعجمى سأل عن مسمى ( لفظ الخبز ( فأرى رغيفا وقيل له ~~هذا فالاشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده مثال ذلك ما نقل فى قوله ~~@QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات @QE@ # فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات ~~والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات والسابق يدخل فيه من سبق ~~فتقرب بالحسنات مع الواجبات فالمقتصدون هم أصحاب اليمين @QB@ والسابقون ~~السابقون أولئك المقربون @QE@ # ثم ان كلا منهم يذكر هذا فى نوع من أنواع الطاعات كقول القائل السابق ~~الذى يصلى فى أول الوقت والمقتعد الذى يصلى فى أثنائه والظالم لنفسه الذى ~~يؤخر العصر إلى الاصفرار ويقول ( الآخر ( السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم ~~فى آخر سورة البقرة فانه ذكر المحسن بالصدقة والظالم يأكل الربا والعادل ~~بالبيع والناس فى الاموال اما محسن وإما عادل وإما ظالم فالسابق المحسن ~~باداء PageV13P337 المستحبات مع الوجبات والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة ~~والمقتصد الذى يؤدى الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا وأمثال هذه الأقاويل ~~فكل قول فيه ذكر نوع داخل فى الآية ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له ~~وتنبيهه به على نظيره فان التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد ~~المطلق والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن اذا أشير له إلى رغيف فقيل له ~~هذا هو الخبز # وقد يجىء كثيرا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت فى كذا لا سيما ان كان ~~المذكور شخصا كأسباب النزول المذكورة فى التفسير ms0552 كقولهم ان آية الظهار نزلت ~~فى امرأة أوس بن الصامت وان آية اللعان نزلت فى عويمر العجلانى أو هلال بن ~~أمية وأن آية الكلالة نزلت فى جابر بن عبدالله وأن قوله @QB@ وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله @QE@ نزلت فى بنى قريظة والنضير وان قوله @QB@ ومن ~~يولهم يومئذ دبره @QE@ نزلت فى بدر وان قوله @QB@ شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت @QE@ نزلت فى قضية تميم الدارى وعدى بن بداء وقول أبى ايوب ان ~~قوله @QB@ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة @QE@ نزلت فينا معشر الأنصار ~~الحديث ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل فى قوم من المشركين بمكة أو فى ~~قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو فى قوم من المؤمنين PageV13P338 # فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الاعيان دون غيرهم ~~فان هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الاطلاق والناس وان تنازعوا فى اللفظ ~~العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا فلم يقل أحد من علماء المسلمين ~~ان عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين وانما غاية ما يقال أنها تختص ~~بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ # والآية التى لها سبب معين ان كانت أمرا ونهيا فهى متناولة لذلك الشخص ~~ولغيره ممن كان بمنزلته وان كانت خبرا بمدح أو ذم فهى متناولة لذلك الشخص ~~وغيره ممن كان بمنزلته ( أيضا ( # ومعرفة ( سبب النزول ( يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم ~~بالمسبب ولهذا كان أصح قولى الفقهاء أنه اذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع ~~إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها # وقولهم نزلت هذه الآية فى كذا يراد به تارة أنه سبب النزول ويراد به تارة ~~أن ذلك داخل فى الآية وان لم يكن السبب كما تقول عنى بهذه الآية كذا ~~PageV13P339 # وقد تنازع العلماء فى قول الصاحب نزلت هذه الآية فى كذا هل يجرى مجرى ~~المسند كما يذكر السبب الذى أنزلت لأجله أو يجرى مجرى التفسير منه الذى ليس ~~بمسند فالبخارى يدخله فى ms0553 المسند وغيره لا يدخله فى المسند وأكثر المساند ~~على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره بخلاف ما اذا ذكر سببا نزلت عقبه فانهم ~~كلهم يدخلون مثل هذا فى المسند # وإذا عرف هذا فقول أحدهم نزلت فى كذا لا ينافى قول الآخر نزلت فى كذا اذا ~~كان اللفظ يتناولهما كما ذكرناه فى التفسير بالمثال واذا ذكر أحدهم لها ~~سببا نزلت لأجله وذكر الآخر سببا فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك ~~الاسباب أو تكون نزلت مرتين مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب # وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما فى تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء ~~والصفات وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه كالتمثيلات هما الغالب فى ~~تفسير سلف الأمة الذى يظن أنه مختلف # ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين اما لكونه ~~مشتركا فى اللفظ كلفظ ( قسورة ( الذى يراد به الرامى ويراد به الأسد ولفظ ( ~~عسعس ( الذى يراد به اقبال الليل وادباره PageV13P340 # وأما لكونه متواطئا فى الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين ~~كالضمائر فى قوله @QB@ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى @QE@ وكلفظ ^ ~~الفجر وليال عشر والشفع والوتر ( وما أشبه ذلك # فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعانى التى قالها السلف وقد لا يجوز ~~ذلك فالأول اما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة وإما ~~لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه اذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء ~~المالكية والشافعية والحنبلية وكثير من اهل الكلام وإما لكون اللفظ متواطئا ~~فيكون عاما اذا لم يكن لتخصيصه موجب فهذا النوع اذا صح فيه القولان كان من ~~الصنف الثانى # ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبروا عن ~~المعانى بألفاظ متقاربة لا مترادفة فان الترادف فى اللغة قليل وأما فى ~~ألفاظ القرآن فاما نادر واما معدوم وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدى ~~جميع معناه بل يكون فيه تقريب لمعناه وهذا من اسباب اعجاز القرآن فاذا قال ~~القائل ^ يوم تمور ms0554 السماء مورا ^ ان المور الحركة كان تقريبا اذ المور حركة ~~خفيفة سريعة PageV13P341 # وكذلك اذا قال ( الوحى ( الاعلام أو قيل @QB@ أوحينا إليك @QE@ أنزلنا ~~اليك أو قيل @QB@ وقضينا إلى بني إسرائيل @QE@ أى اعلمنا وأمثال ذلك فهذا ~~كله تقريب لا تحقيق فإن الوحى هو اعلام سريع خفى والقضاء اليهم أخص من ~~الاعلام فإن فيه انزالا إليهم وإيحاء إليهم والعرب تضمن الفعل معنى الفعل ~~وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض كما يقولون فى ~~قوله @QB@ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه @QE@ أى مع نعاجه و @QB@ من ~~أنصاري إلى الله @QE@ أى مع الله ونحو ذلك والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من ~~التضمين فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه وكذلك قوله @QB@ وإن ~~كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك @QE@ ضمن معنى يزيغونك ويصدونك وكذلك ~~قوله @QB@ ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا @QE@ ضمن معنى نجيناه ~~وخلصناه وكذلك قوله @QB@ يشرب بها عباد الله @QE@ ضمن يروى بها ونظائره ~~كثيرة # ومن قال @QB@ لا ريب @QE@ لا شك فهذا تقريب والا فالريب فيه اضطراب وحركة ~~كما قال ^ دع ما يريبك إلى ما لا يريك ^ وفى الحديث أنه مر بظبى حاقف فقال ~~^ لا يريبه أحد ^ فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة فالريب ضده ضمن ~~الاضطراب والحركة ولفظ ( الشك ( وان قيل أنه يستلزم هذا المعنى لكن لفظه لا ~~يدل عليه PageV13P342 # وكذلك اذا قيل ذلك الكتاب هذا القرآن فهذا تقريب لأن المشار اليه وان كان ~~واحدا فالاشارة بجهة الحضور غير الاشارة بجهة البعد والغيبة ولفظ ( الكتاب ~~( يتضمن من كونه مكتوبا مضموما ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءا ~~مظهرا باديا فهذه الفروق موجودة فى القرآن فاذا قال أحدهم ( ان تبسل ( أى ~~تحبس وقال الآخر ترتهن ونحو ذلك لم يكن من اختلاف التضاد وان كان المحبوس ~~قد يكون مرتهنا وقد لا يكون اذ هذا تقريب للمعنى كما تقدم وجمع عبارات ~~السلف فى مثل هذا نافع جدا فان مجموع عباراتهم ادل على المقصود من عبارة أو ~~عبارتين ومع هذا فلابد من ms0555 اختلاف محقق بينهم كما يوجد مثل ذلك فى الأحكام # ونحن نعلم أن عامة ما يضطر اليه عموم الناس من الاختلاف معلوم بل متواتر ~~عند العامة أو الخاصة كما فى عدد الصلوات ومقادير ركوعها ومواقيتها وفرائض ~~الزكاة ونصبها وتعيين شهر رمضان والطواف والوقوف ورمى الجمار والمواقيت ~~وغير ذلك # ( # ثم اختلاف الصحابة فى الجد والأخوة وفى المشركة ونحو ذلك لا يوجب ريبا فى ~~جمهور مسائل الفرائض بل ما يحتاج اليه عامة الناس هو عمود النسب من الآباء ~~والابناء والكلالة من الأخوة والأخوات ومن نسائهم كالأزواج فان الله أنزل ~~فى الفرائض ثلاث آيات مفصلة PageV13P343 ذكر فى الأولى الأصول والفروع وذكر ~~فى الثانية الحاشية التى ترث بالفرض كالزوجين وولد الأم وفى الثانية ~~الحاشية الوارثة بالتعصيب وهم الأخوة لأبوين أو لأب واجتماع الجد والأخوة ~~نادر ولهذا لم يقع فى الاسلام الا بعد موت النبى ( ( والاختلاف قد يكون ~~لخفاء الدليل أو لذهول عنه وقد يكون لعدم سماعه وقد يكون للغلط فى فهم النص ~~وقد يكون لاعتقاد معارض راجح فالمقصود هنا التعريف بجمل الأمر دون تفاصيله # ( فصل ( # الاختلاف فى التفسير على ( نوعين ( منه ما مستنده النقل فقط ومنه ما يعلم ~~بغير ذلك اذ العلم اما نقل مصدق واما استدلال محقق والمنقول اما عن المعصوم ~~واما عن غير المعصوم والمقصود بان جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير ~~المعصوم وهذا هو النوع الأول منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف ومنه ما ~~لا يمكن معرفة ذلك فيه وهذا ( القسم الثانى من المنقول ( وهو ما لا طريق ~~لنا إلى جزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه فالكلام فيه من فضول الكلام ~~PageV13P344 # وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فان الله نصب على الحق فيه دليلا ~~فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم فى لون كلب أصحاب الكهف ~~وفى البعض الذى ضرب به موسى من البقرة وفى مقدار سفينة نوح وما كان خشبها ~~وفى اسم الغلام الذى قتله الخضر ونحو ذلك فهذه الأمور طريق العلم بها ms0556 النقل ~~فما كان من هذا منقولا نقلا صحيحا عن النبى ( ( كاسم صاحب موسى أنه الخضر ~~فهذا معلوم وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب كالمنقول عن كعب ~~ووهب ومحمد بن إسحاق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب فهذا لا يجوز تصديقه ~~ولا تكذيبه الا بحجة كما ثبت فى الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( اذا حدثكم ~~أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فاما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه واما أن ~~يحدثوكم بباطل فتصدقوه ( ( # وكذلك ما نقل عن بعض التابعين وان لم يذكر أنه أخذه عن اهل الكتاب فمتى ~~اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض وما نقل فى ذلك عن بعض ~~الصحابة نقلا صحيحا فالنفس اليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين لأن احتمال ~~ان يكون سمعه من النبى ( ( أو من بعض من سمعه منه أقوى ولأن نقل الصحابة عن ~~أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ومع جزم PageV13P345 الصاحب فيما يقوله ~~فكيف يقال إنه أخذه عن اهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم والمقصود أن مثل هذا ~~الاختلاف الذى لا يعلم صحيحه ولا تفيد حكاية الأقوال فيه هو كالمعرفة لما ~~يروى من الحديث الذى لا دليل على صحته وأمثال ذلك # وأما ( القسم الأول ( الذى يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود فيما يحتاج ~~اليه ولله الحمد فكثيرا ما يوجد فى التفسير والحديث والمغازى أمور منقولة ~~عن نبينا ( ( وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه والنقل الصحيح ~~يدفع ذلك بل هذا موجود فيما مستنده النقل وفيما قد يعرف بأمور أخرى غير ~~النقل # فالمقصود أن المنقولات التى يحتاج اليها فى الدين قد نصب الله الأدلة على ~~بيان ما فيها من صحيح وغيره ومعلوم أن المنقول فى التفسير أكثره كالمنقول ~~فى المغازى والملاحم ولهذا قال الامام أحمد ثلاثة أمور ليس لها اسناد ~~التفسير والملاحم والمغازى ويروى ليس لها أصل أى اسناد لأن الغالب عليها ~~المراسيل مثل ما يذكره عروة بن الزبير والشعبى والزهرى وموسى بن عقبة وابن ~~اسحاق ومن بعدهم كيحيى ms0557 بن سعيد الأموى والوليد بن مسلم والواقدى ونحوهم فى ~~المغازى فان أعلم الناس بالمغازى أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق ~~فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت PageV13P346 عندهم وأهل الشام كانوا أهل ~~غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم ولهذا عظم الناس ~~كتاب أبى اسحاق الفزارى الذى صنفه فى ذلك وجعلوا الاوزاعى أعلم بهذا الباب ~~من غيره من علماء الأمصار # وأما ( التفسير ( فان أعلم الناس به أهل مكة لأنهم اصحاب ابن عباس كمجاهد ~~وعطاء بن أبى رباح وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من اصحاب ابن عباس كطاووس ~~وأبى الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم وكذلك أهل الكوفة من اصحاب ابن مسعود ~~ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم وعلماء أهل المدينة فى التفسير مثل زيد بن ~~أسلم الذى أخذ عنه مالك التفسير وأخذه عنه أيضا ابنه عبدالرحمن وأخذه عن ~~عبدالرحمن عبد الله بن وهب # و ( المراسيل ( اذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدا أو الاتفاق بغير ~~قصد كانت صحيحة قطعا فان النقل اما أن يكون صدقا مطابقا للخبر واما أن يكون ~~كذبا تعمد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان ~~صدقا بلا ريب # فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات وقد علم أن المخبرين لم يتواطئا ~~على اختلاقه وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا PageV13P347 بلا ~~قصد علم أنه صحيح مثل شخص يحدث عن واقعة جرت ويذكر تفاصيل ما فيها من ~~الأقوال والأفعال ويأتى شخص آخر قد علم أنه لم يواطىء الأول فيذكر مثل ما ~~ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال فيعلم قطعا ان تلك الواقعة حق فى ~~الجملة فانه لو كان كل منهما كذبها عمدا أو خطأ لم يتفق فى العادة أن يأتى ~~كل منهما بتلك التفاصيل التى تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة ~~من أحدهما لصاحبه فان الرجل قد يتفق أن ينظم بيتا وينظم الآخر مثله أو يكذب ~~كذبة ويكذب الآخر مثلها اما اذا أنشأ ms0558 قصيدة طويلة ذات فنون على قافية وروى ~~فلم تجر العادة بأن غيره ينشىء مثلها لفظا ومعنى مع الطول المفرط بل يعلم ~~بالعادة أنه أخذها منه وكذلك اذا حدث حديثا طويلا فيه فنون وحدث آخر بمثله ~~فانه اما أن يكون واطأه عليه أو اخذه منه أو يكون الحديث صدقا وبهذه الطريق ~~يعلم صدق عامة ما نتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات وان لم ~~يكن أحدها كافيا اما لارساله واما لضعف ناقله لكن مثل هذا لا تضبط به ~~الألفاظ والدقائق التى لا تعلم بهذه الطريق فلا يحتاج ذلك إلى طريق يثبت ~~بها مثل تلك الألفاظ والدقائق ولهذا ثبتت بالتواتر غزوة بدر وأنها قبل أحد ~~بل يعلم قطعا أن حمزة وعليا وعبيدة برزوا إلى عتبة وشيبة والوليد ~~PageV13P348 وأن عليا قتل الوليد وان حمزة قتل قرنه ثم يشك فى قرنه هل هو ~~عتبة أو شيبة # وهذا الأصل ينبغى أن يعرف فانه أصل نافع فى الجزم بكثير من المنقولات فى ~~الحديث والتفسير والمغازى وما ينقل من اقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك # ولهذا اذا روى الحديث الذى يتأتى فيه ذلك عن النبى ( ( من وجهين مع العلم ~~بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر جزم بأنه حق لا سيما اذا علم أن نقلته ليسوا ~~ممن يتعمد الكذب وانما يخاف على أحدهم النسيان والغلط فان من عرف الصحابة ~~كابن مسعود وأبى بن كعب وابن عمر وجابر وأبى سعيد وأبى هريرة وغيرهم علم ~~يقينا أن الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذب على رسول الله ( ( فضلا ~~عمن هو فوقهم كما يعلم الرجل من حال من جربه وخبره خبرة باطنة طويلة أنه ~~ليس ممن يسرق اموال الناس ويقطع الطريق ويشهد بالزور ونحو ذلك # وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة فان من عرف مثل أبى صالح ~~السمان والأعرج وسليمان بن يسار وزيد بن أسلم وأمثالهم علم قطعا أنهم لم ~~يكونوا ممن يتعمد الكذب فى الحديث PageV13P349 فضلا عمن هو فوقهم مثل محمد ~~بن سيرين والقاسم بن محمد أو سعيد بن ms0559 المسيب أو عبيدة السلمانى أو علقمة أو ~~الأسود أو نحوهم وانما يخاف على الواحد من الغلط فان الغلط والنسيان كثيرا ~~ما يعرض للانسان ومن الحفاظ من قد عرف الناس بعده عن ذلك جدا كما عرفوا حال ~~الشعبى والزهرى وعروة وقتادة والثورى وأمثالهم لا سيما الزهرى فى زمانه ~~والثورى فى زمانه فانه قد يقول القائل ان ابن شهاب الزهرى لا يعرف له غلط ~~مع كثرة حديثه وسعة حفظه # و ( المقصود ( أن الحديث الطويل اذا روى مثلا من وجهين مختلفين من غير ~~مواطأة امتنع عليه أن يكون غلطا كما امتنع أن يكون كذبا فان الغلط لا يكون ~~فى قصة طويلة متنوعة وانما يكون فى بعضها فاذا روى هذا قصة طويلة متنوعة ~~ورواها الآخر مثلما رواها الأول من غير مواطأة امتنع الغلط فى جميعها كما ~~امتنع الكذب فى جميعها من غير مواطأة # ولهذا انما يقع فى مثل ذلك غلط فى بعض ما جرى فى القصة مثل حديث اشتراء ~~النبى ( ( البعير من جابر فان من تأمل طرقه علم قطعا أن الحديث صحيح وان ~~كانوا قد اختلفوا فى مقدار الثمن وقد بين ذلك البخارى فى صحيحه فان جمهور ~~ما فى البخارى ومسلم مما يقطع بأن النبى ( ( قاله لأن غالبه من هذا النحو ~~ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق PageV13P350 والأمة لا تجتمع ~~على خطأ فلو كان الحديث كذبا فى نفس الأمر والأمة مصدقة له قابلة له لكانوا ~~قد أجمعوا على تصديق ما هو فى نفس الأمر كذب وهذا اجماع على الخطأ وذلك ~~ممتنع وان كنا نحن بدون الاجماع نجوز الخطأ أو الكذب على الخبر فهو ~~كتجويزنا قبل أن نعلم الاجماع على العلم الذى ثبت بظاهر أو قياس ظنى أن ~~يكون الحق فى الباطن بخلاف ما اعتقدناه فاذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن ~~الحكم ثابت باطنا وظاهرا # ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن ( خبر الواحد ( اذا ~~تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم وهذا هو الذى ~~ذكره المصنفون ms0560 فى أصول الفقه من اصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد الا ~~فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا فى ذلك طائفة من اهل الكلام انكروا ذلك ~~ولكن كثيرا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف ~~على ذلك وهو قول أكثر الاشعرية كابى إسحاق وابن فورك واما ابن الباقلانى ~~فهو الذى أنكر ذلك وتبعه مثل أبى المعالى وأبى حامد وابن عقيل وابن الجوزى ~~وابن الخطيب والآمدى ونحو هؤلاء والأول هو الذى ذكره الشيخ أبو حامد وابو ~~الطيب وابو إسحاق وأمثاله من أئمة الشافعية وهو الذى ذكره القاضى عبدالوهاب ~~وأمثاله من المالكية PageV13P351 وهو الذى ذكره أبو يعلى وابو الخطاب وابو ~~الحسن ابن الزاغونى وأمثالهم من الحنبلية وهو الذى ذكره شمس الدين السرخسى ~~وأمثاله من الحنفية واذا كان الاجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به ~~فالاعتبار فى ذلك باجماع اهل العلم بالحديث كما أن الاعتبار فى الإجماع على ~~الأحكام باجماع أهل العلم بالأمر والنهى والاباحة # والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الإتفاق فى العاده يوجب ~~العلم بمضمون المنقول لكن هذا ينتفع به كثيرا فى علم أحوال الناقلين وفى ~~مثل هذا ينتفع بروايه المجهول والسيىء الحفظ وبالحديث المرسل ونحو ذلك ~~ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الاحاديث ويقولون إنه يصلح للشواهد ~~والاعتبار مالايصلح لغيره قال أحمد قد أكتب حديث الرجل لاعتبره ومثل هذا ~~بعبد الله بن لهيعه قاضى مصر فانه كان من اكثر الناس حديثا ومن خيار الناس ~~لكن بسبب إحتراق كتبه وقع فى حديثه المتاخر غلط فصار يعتبر بذلك ويستشهد به ~~وكثيرا مايقترن هو والليث بن سعد والليث حجه ثبت إمام وكما # أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذى فيه سوء حفظ فانهم أيضا يضعفون من ~~حديث الثقة الصدق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون بها ~~ويسمون هذا ( علم علل الحديث ( PageV13P352 وهو من أشرف علومهم بحيث يكون ~~الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه وغلطه فيه عرف اما بسبب ظاهر كما عرفوا ( ~~أن النبى ( ( تزوج ميمونة وهو ms0561 حلال ( وأنه ( صلى فى البيت ركعتين ( وجعلوا ~~رواية ابن عباس لتزوجها حراما ولكونه لم يصل مما وقع فيه الغلط وكذلك أنه ( ~~اعتمر أربع عمر ( وعلموا أن قول ابن عمر ( أنه اعتمر فى رجب ( مما وقع فيه ~~الغلط وعلموا أنه تمتع وهو آمن فى حجة الوداع وان قول عثمان لعلى ( كنا ~~يومئذ خائفين ( مما وقع فيه الغلط وان ما وقع فى بعض طرق البخارى ( أن ~~النار لا تمتلىء حتى ينشىء الله لها خلقا آخر ( مما وقع فيه الغلط وهذا ~~كثير # والناس فى هذا الباب طرفان طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن ~~معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف فيشك فى صحة أحاديث أو فى ~~القطع بها مع كونها معلومة مقطوعا بها عند أهل العلم به وطرف ممن يدعى ~~اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا فى حديث قد رواه ثقة أو راى حديثا ~~باسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته حتى ~~اذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلا له ~~فى مسائل العلم مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون ان مثل هذا غلط ( # PageV13P353 # وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق وقد يقطع بذلك فعليه ادلة يعلم ~~بها أنه كذب ويقطع بذلك مثل ما يقطع بكذب ما يرويه الوضاعون من اهل البدع ~~والغلو فى الفضائل مثل حديث يوم عاشوراء وأمثاله مما فيه أن من صلى ركعتين ~~كان له كأجر كذا وكذا نبيا # وفى ( التفسير ( من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذى يرويه ~~الثعلبى والواحدى والزمخشرى فى فضائل سور القرآن سورة سورة فانه موضوع ~~باتفاق أهل العلم # و ( الثعلبى ( هو فى نفسه كان فيه خير ودين وكان حاطب ليل ينقل ما وجد فى ~~كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع و ( الواحدى ( صاحبه كان أبصر منه ~~بالعربية لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف والبغوى تفسيره مختصر من ~~الثعلبى لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء ms0562 المبتدعة # والموضوعات فى كتب التفسير كثيرة مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة فى الجهر ~~بالبسملة وحديث على الطويل فى تصدقه بخاتمه فى الصلاة فانه موضوع باتفاق ~~أهل العلم ومثل ما روى فى قوله @QB@ ولكل قوم هاد @QE@ أنه على ^ وتيعها ~~اذن واعية ^ اذنك يا على # PageV13P354 # ( فصل ( # وأما النوع الثانى من مستندى الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل ~~فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثنا بعد تفسير الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم باحسان فان التفاسير التى يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد ~~فيها شىء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبدالرزاق ووكيع وعبد بن حميد ~~وعبدالرحمن بن إبراهيم دحيم ومثل تفسير الامام أحمد واسحق بن راهويه وبقى ~~بن مخلد وأبى بكر بن المنذر وسفيان بن عيينة وسنيد وابن جرير وابن أبى حاتم ~~وأبى سعيد الأشج وأبى عبدالله بن ماجه وابن مردويه ( احداهما ( قوم اعتقدوا ~~معانى ثم أرادوا حمل الفاظ القرآن عليها و ( الثانية ( قوم فسروا القرآن ~~بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر ~~إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به في ( الأولون ( راعوا المعنى ~~الذى رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه الفاظ القرآن من الدلالة والبيان ~~PageV13P355 # و ( الآخرون ( راعوا مجرد اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربى من غير ~~نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون فى ~~احتمال اللفظ لذلك المعنى فى اللغة كما يغلط فى ذلك الذين قبلهم كما أن ~~الأولين كثيرا ما يغلطون فى صحة المعنى الذى فسروا به القرآن كما يغلط فى ~~ذلك الآخرون وان كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ونظر الأخرين إلى اللفظ ~~أسبق # والأولون ( صنفان ( تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به وتارة ~~يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به وفى كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا ~~نفيه أو اثباته من المعنى باطلا فيكون خطؤهم فى الدليل والمدلول وقد يكون ~~حقا فيكون خطؤهم فى الدليل لا فى ms0563 المدلول # ( # وهذا كما أنه وقع فى تفسير القرآن فانه وقع أيضا فى تفسير الحديث فالذين ~~أخطأوا فى الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبا يخالف ~~الحق الذى عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها ~~وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا ~~دلالة فيها وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن ~~PageV13P356 مواضعه ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة ~~والقدرية والمرجئة وغيرهم # وهذا كالمعتزلة مثلا فانهم من أعظم الناس كلاما وجدالا وقد صنفوا تفاسير ~~على أصول مذهبهم مثل تفسير عبدالرحمن بن كيسان الاصم شيخ إبراهيم بن ~~اسماعيل بن علية الذى كان يناظرالشافعى ومثل كتاب أبى على الجبائى والتفسير ~~الكبير للقاضى عبدالجبار بن أحمد الهمدانى ولعلى بن عيسى الرمانى والكشاف ~~لأبى القاسم الزمخشرى فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة # وأصول المعتزلة ( خمسة ( يسمونها هم التوحيد والعدل والمنزلة بين ~~المنزلتين وانفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر # و ( توحيدهم ( هو توحيد الجهمية الذى مضمونه نفى الصفات وغير ذلك قالوا ~~ان الله لا يرى وان القرآن مخلوق وأنه ليس فوق العالم وأنه لا يقوم به علم ~~ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا مشيئة ولا صفة من الصفات # وأما ( عدلهم ( فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها ~~ولا هو قادر عليها كلها بل عندهم أن أفعال العباد لم PageV13P357 يخلقها ~~الله لا خيرها ولا شرها ولم يرد الا ما أمر به شرعا وما سوى ذلك فانه يكون ~~بغير مشيئته وقد وافقهم على ذلك متأخرى الشيعة كالمفيد وأبى جعفر الطوسى ~~وامثالهما ولأبى جعفر هذا تفسير على هذه الطريقة لكن يضم إلى ذلك قول ~~الامامية ألاثنى عشرية فان المعتزلة ليس فيهم من يقول بذلك ولا من ينكر ~~خلافة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى # ومن أصول المعتزلة مع الخوارج ( انفاذ الوعيد فى الآخرة ( وأن الله لا ~~يقبل فى أهل الكبائر شفاعة ولا يخرج منهم أحدا من النار ms0564 ولا ريب أنه قد رد ~~عليهم طوائف من المرجئة والكرامية والكلابية وأتباعهم فأحسنوا تارة واساءوا ~~أخرى حتى صاروا فى طرفى نقيض كما قد بسط فى غير هذا الموضع والمقصود أن مثل ~~هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا الفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان ولا من أئمة المسلمين لا فى رأيهم ولا فى تفسيرهم وما ~~من تفسير من تفاسيرهم الباطلة الا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة وذلك من ~~جهتين تارة من العلم بفساد قولهم وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن ~~اما دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم ومن هؤلاء من يكون حسن ~~العبارة فصيحا ويدس البدع فى PageV13P358 كلامه وأكثر الناس لا يعلمون ~~كصاحب الكشاف ونحوه حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من ~~تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر ~~فى كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التى يعلم أو يعتقد فسادها ولا ~~يهتدى لذلك # ثم أنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الامامية ثم الفلاسفة ثم ~~القرامطة وغيرهم فيما هو ابلغ من ذلك وتفاقم الأمر فى الفلاسفة والقرامطة ~~والرافضة فانهم فسروا القرآن بانواع لا يقضى العالم منها عجبه فتفسير ~~الرافضة كقولهم @QB@ تبت يدا أبي لهب @QE@ هما أبو بكر وعمر و @QB@ لئن ~~أشركت ليحبطن عملك @QE@ أى بين أبى بكر وعلى فى الخلافة و @QB@ إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ هى عائشة و @QB@ قاتلوا أئمة الكفر @QE@ طلحة ~~والزبير و @QB@ مرج البحرين @QE@ على وفاطمة و @QB@ اللؤلؤ والمرجان @QE@ ~~الحسن والحسين ^ وكل شىء أحصيناه فى امام مبين ^ فى على بن أبى طالب و @QB@ ~~عم يتساءلون عن النبإ العظيم @QE@ على بن أبى طالب و @QB@ إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون @QE@ هو ~~على ويذكرون الحديث الموضوع باجماع أهل العلم وهو تصدقه بخاتمه فى الصلاة ~~وكذلك قوله @QB@ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة @QE@ نزلت فى على لما ~~اصيب بحمزة PageV13P359 # ومما يقارب هذا من ms0565 بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين فى مثل قوله ~~@QB@ الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار @QE@ ان ~~الصابرين رسول الله والصادقين أبو بكر والقانتين عمر والمنفقين عثمان ~~والمستغفرين على وفى مثل قوله @QB@ محمد رسول الله والذين معه @QE@ أبو بكر ~~@QB@ أشداء على الكفار @QE@ عمر @QB@ رحماء بينهم @QE@ عثمان @QB@ تراهم ~~ركعا سجدا @QE@ على # وأعجب من ذلك قول بعضهم @QB@ والتين @QE@ أبو بكر @QB@ والزيتون @QE@ عمر ~~@QB@ وطور سينين @QE@ عثمان @QB@ وهذا البلد الأمين @QE@ على وأمثال هذه ~~الخرافات التى تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال فان هذه ~~الالفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص وقوله تعالى @QB@ والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا @QE@ كل ذلك نعت للذين معه وهى التى ~~يسميها النحاة خبرا بعد خبر و ( المقصود هنا ( أنها كلها صفات لموصوف واحد ~~وهم الذين معه ولا يجوز أن يكون كل منها مرادا به شخص واحد وتتضمن تارة جعل ~~اللفظ المطلق العام منحصرا فى شخص واحد كقوله ان قوله @QB@ إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا @QE@ أريد بها على وحده وقول بعضهم ان قوله @QB@ والذي ~~جاء بالصدق وصدق به @QE@ اريد بها أبو بكر وحده وقوله @QB@ لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل @QE@ أريد بها أبو بكر PageV13P360 وحده ونحو ~~ذلك # و ( تفسير ابن عطية وأمثاله ( اتبع للسنة والجماعة واسلم من البدعة من ~~تفسير الزمخشرى ولو ذكر كلام السلف الموجود فى التفاسير المأثورة عنهم على ~~وجهه لكان أحسن وأجمل فانه كثيرا ما ينقل من ( تفسير محمد بن جرير الطبرى ( ~~وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا ثم أنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا ~~يحكيه بحال ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين وانما يعنى بهم طائفة من اهل ~~الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم وان ~~كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة لكن ينبغى أن يعطى كل ذى حق حقه ويعرف أن ~~هذا من جملة التفسير على المذهب # فإن الصحابة والتابعين والأئمة اذا كان لهم فى تفسير الآية ms0566 قول وجاء قوم ~~فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من اهل البدع فى مثل ~~هذا # و ( فى الجملة ( من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما ~~يخالف ذلك كان مخطئا فى ذلك بل مبتدعا وان كان مجتهدا مغفورا له خطؤه ~~فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب PageV13P361 ونحن نعلم أن ~~القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه ~~كما أنهم أعلم بالحق الذى بعث الله به رسوله ( ( فمن خالف قولهم وفسر ~~القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ فى الدليل والمدلول جميعا ومعلوم أن كل من ~~خالف قولهم له شبهة يذكرها اما عقلية واما سمعية كما هو مبسوط فى موضعه # و ( المقصود هنا ( التنبيه على مثار الاختلاف فى التفسير وان من أعظم ~~أسبابه البدع الباطلة التى دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه وفسروا ~~كلام الله ورسوله ( ( بغير ما أريد به وتأولوه على غير تأويله فمن اصول ~~العلم بذلك أن يعلم الانسان القول الذى خالفوه وأنه الحق وأن يعرف أن تفسير ~~السلف يخالف تفسيرهم وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع ثم أن يعرف بالطرق ~~المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق # وكذلك وقع من الذين صنفوا فى شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما ~~وقع فيما صنفوه من شرح القرآن وتفسيره # وأما الذين يخطئون فى الدليل لا فى المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ ~~والفقهاء وغيرهم يفسرون القرآن بمعان صحيحة لكن القرآن لا يدل عليها مثل ~~كثير مما ذكره أبو عبدالرحمن السلمى فى حقائق PageV13P362 التفسير وان كان ~~فيما ذكروه ما هو معان باطلة فان ذلك يدخل فى القسم الأول وهو الخطأ فى ~~الدليل والمدلول جميعا حيث يكون المعنى الذى قصدوه فاسدا # ) # ( فصل ( # فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير فالجواب ان اصح الطرق فى ذلك أن يفسر ~~القرآن بالقرآن فما أجمل فى مكان فانه قد فسر فى موضع آخر ms0567 وما اختصر من ~~مكان فقد بسط فى موضع آخر فان أعياك ذلك فعليك بالسنة فانها شارحة للقرآن ~~وموضحة له بل قد قال الامام أبو عبدالله محمد بن ادريس الشافعى كل ما حكم ~~به رسول الله ( ( فهو مما فهمه من القرآن قال الله تعالى @QB@ إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ ولهذا قال رسول الله ( ( الا انى ~~أوتيت القرآن ومثله معه ( يعنى السنة PageV13P363 # والسنة أيضا تنزل عليه بالوحى كما ينزل القرآن لا أنها تتلى كما يتلى وقد ~~استدل الامام الشافعى وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ~~ذلك # والغرض انك تطلب تفسير القرآن منه فان لم تجده فمن السنة كما قال رسول ~~الله ( ( لمعاذ حين بعثه إلى اليمن ( بم تحكم قال بكتاب الله قال فان لم ~~تجد قال بسنة رسول الله قال فان لم تجد قال أجتهد رأيى قال فضرب رسول الله ~~( ( فى صدره وقال الحمد لله الذى وفق رسول الله ( ( لما يرضى رسول الله ( ~~وهذا الحديث فى المساند والسنن باسناد جيد # وحينئذ اذا لم نجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة رجعنا فى ذلك إلى ~~أقوال الصحابة فانهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التى اختصوا ~~بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماؤهم ~~وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ( مثل عبدالله ~~بن مسعود ( قال الامام أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى حدثنا أبو كريب قال ~~انبأنا جابر بن نوح أنبأنا الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق قال قال عبدالله ~~يعنى ابن مسعود والذى لا اله غيره ما نزلت آية من كتاب الله الا وأنا اعلم ~~PageV13P364 فيمن نزلت واين نزلت ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منى ~~تناوله المطايا لاتيته وقال الأعمش ايضا ms0568 عن أبى وائل عن ابن مسعود قال كان ~~الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن # ومنهم الحبر البحر ( عبدالله بن عباس ( ابن عم رسول الله ( ( وترجمان ~~القرآن ببركة دعاء رسول الله ( ( له حيث قال ( اللهم فقهه فى الدين وعلمه ~~التأويل ( وقال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار أنبأنا وكيع أنبأنا سفيان عن ~~الأعمش عن مسلم عن مسروق قال قال عبدالله يعنى ابن مسعود نعم ترجمان القرآن ~~ابن عباس ثم رواه عن يحيى بن داود عن اسحاق الازرق عن سفيان عن الأعمش عن ~~مسلم بن صبيح أبى الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال نعم الترجمان للقرآن ~~ابن عباس ثم رواه عن بندار عن جعفر بن عون عن الأعمش به كذلك فهذا اسناد ~~صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة وقد مات ابن مسعود فى ~~سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين فما ظنك بما ~~كسبه من العلوم بعد ابن مسعود وقال الأعمش عن أبى وائل استخلف على عبدالله ~~بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ فى خطبته سورة البقرة وفى PageV13P365 ~~رواية سورة النور ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا # ولهذا غالب ما يرويه اسماعيل بن عبدالرحمن السدى الكبير فى تفسيره عن ~~هذين الرجلين ابن مسعود وابن عباس ولكن فى بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه ~~من أقاويل أهل الكتاب التى أباحها رسول الله ( ( حيث قال ( بلغوا عنى ولو ~~آية وحدثوا عن بنى اسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار ( رواه البخارى عن عبدالله بن عمرو ولهذا كان عبدالله بن عمرو قد ~~أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما بما فهمه من ~~هذا الحديث من الاذن فى ذلك ( # ولكن هذه الأحاديث الاسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد فانها على ~~ثلاثة أقسام # ( أحدها ( ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح # ( والثانى ( ما علمنا كذبه ms0569 بما عندنا مما يخالفه # ( والثالث ( ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل فلا ~~نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم PageV13P366 وغالب ذلك مما لا ~~فائدة فيه تعود إلى أمر دينى ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب فى مثل هذا ~~كثيرا ويأتى عن المفسرين خلاف بسبب ذلك كما يذكرون فى مثل هذا أسماء أصحاب ~~الكهف ولون كلبهم وعدتهم وعصا موسى من أى الشجر كانت وأسماء الطيور التى ~~أحياها الله لابراهيم وتعيين البعض الذى ضرب به القتيل من البقرة ونوع ~~الشجرة التى كلم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهمه الله فى القرآن مما ~~لا فائدة فى تعيينه تعود على المكلفين فى دنياهم ولا دينهم ولكن نقل الخلاف ~~عنهم فى ذلك جائز كما قال تعالى ^ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى اعلم بعدتهم ~~ما يعلمهم الا قليل فلا تمار فيهم الامراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ~~^ # فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب فى هذا المقام وتعليم ما ينبغى ~~فى مثل هذا فانه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعف القولين الأولين وسكت عن ~~الثالث فدل على صحته اذ لو كان باطلا لرده كما ردهما ثم ارشد إلى الاطلاع ~~على عدتهم لا طائل تحته فيقال فى مثل هذا @QB@ قل ربي أعلم بعدتهم @QE@ ~~فانه ما يعلم بذلك الا قليل من الناس ممن اطلعه الله عليه فلهذا قال ^ فلا ~~تمار فيهم الامراء ظاهرا ^ أى لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ولا تسألهم ~~عن ذلك فإنهم PageV13P367 لا يعلمون من ذلك الا رجم الغيب # فهذا أحسن ما يكون فى حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال فى ذلك المقام وان ~~ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول ~~النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الاهم فأما من حكى خلافا ~~فى مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص اذ قد يكون الصواب فى الذى ms0570 ~~تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا ~~فان صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب أو جاهلا فقد أخطأ كذلك من نصب ~~الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول ~~أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبى زور ~~والله الموفق للصواب ( فصل ( # اذا لم تجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع ~~كثير من الأئمة فى ذلك إلى أقوال التابعين # ( كمجاهد ابن جبر ( فانه كان آية فى التفسير كما قال محمد بن اسحاق حدثنا ~~PageV13P368 ابان بن صالح عن مجاهد قال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث ~~عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه واسأله عنها وبه إلى ~~الترمذى قال حدثنا الحسين بن مهدى البصرى حدثنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة ~~قال ما فى القرآن آية الا وقد سمعت فيها شيئا وبه اليه قال حدثنا ابن أبى ~~عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش قال قال مجاهد لو كنت قرأت قراءة ابن ~~مسعود لم احتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت وقال ابن جرير ~~حدثنا أبو كريب قال حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكى عن ابن أبى مليكة قال ~~رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه الواحه قال فيقول له ابن ~~عباس اكتب حتى سأله عن التفسير كله ولهذا كان سفيان الثورى يقول اذا جاءك ~~التفسير عن مجاهد فحسبك به # وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبى رباح والحسن البصرى ~~ومسروق بن الاجدع وسعيد بن المسيب وأبى العالية والربيع بن أنس وقتادة ~~والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم فتذكر أقوالهم فى ~~الآية فيقع فى عباراتهم تباين فى الالفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا ~~فيحكيها أقوالا وليس كذلك فان منهم من يعبر عن الشىء بلازمه أو نظيره ومنهم ~~من PageV13P369 ينص على ms0571 الشىء بعينه والكل بمعنى واحد فى كثير من الاماكن ~~فليتفطن اللبيب لذلك والله الهادى # وقال شعبة بن الحجاج وغيره أقوال التابعين فى الفروع ليست حجة فكيف تكون ~~حجة فى التفسير يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم مما خالفهم وهذا صحيح اما ~~اذا أجمعوا على الشىء فلا يرتاب فى كونه حجة فان اختلفوا فلا يكون قول ~~بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم ويرجع فى ذلك إلى لغة القرآن أو السنة ~~أو عموم لغة العرب أو اقوال الصحابة فى ذلك # فأما ( تفسير القرآن بمجرد الرأى ( فحرام حدثنا مؤمل حدثنا سفيان حدثنا ~~عبد الاعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ( ( من قال فى ~~القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ( حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن ~~عبدالاعلى الثعلبى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ( ( من ~~قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ( وبه إلى الترمذى قال ~~حدثنا عبد بن حميد حدثنى حسان بن هلال قال حدثنا سهيل أخو حزم القطعى قال ~~حدثنا أبو عمران الجونى عن جندب قال قال رسول الله ( ( من قال فى القرآن ~~برايه فاصاب فقد أخطأ ( قال الترمذى هذا حديث غريب وقد PageV13P370 تكلم ~~بعض أهل الحديث فى سهيل بن أبى حزم # وهكذا روى بعض أهل العلم من اصحاب النبى ( ( وغيرهم أنهم شددوا فى أن ~~يفسر القرآن بغير علم وأما الذى روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما من اهل العلم ~~أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا فى القرآن وفسروه بغير علم أو ~~من قبل أنفسهم وقد روى عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل ~~انفسهم بغير علم فمن قال فى القرآن برايه فقد تكلف ما لا علم له به وسلك ~~غير ما امر به فلو أنه اصاب المعنى فى نفس الأمر لكان قد أخطأ لأنه لم يأت ~~الامر من بابه كمن حكم بين الناس على جهل فهو فى النار وان وافق حكمه ms0572 ~~الصواب فى نفس الأمر لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ والله أعلم وهكذا سمى الله ~~تعالى القذفة كاذبين فقال @QB@ فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون @QE@ فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى فى نفس الأمر لأنه أخبر ~~بما لا يحل له الاخبار به وتكلف ما لا علم له به والله أعلم # ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به كما روى شعبة عن ~~سليمان عن عبدالله بن مرة عن أبى معمر قال قال أبو بكر الصديق أى أرض تقلنى ~~وأى سماء تظلنى اذا قلت فى كتاب الله ما لم أعلم وقال أبو عبيد القاسم بن ~~سلام حدثنا محمود بن يزيد PageV13P371 عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمى ~~ان أبا بكر الصديق سئل عن قوله @QB@ وفاكهة وأبا @QE@ فقال أى سماء تظلنى ~~وأى أرض تقلنى ان أنا قلت فى كتاب الله ما لا أعلم منقطع وقال أبو عبيد ~~أيضا حدثنا يزيد عن حميد عن انس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر @QB@ ~~وفاكهة وأبا @QE@ فقال هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب ثم رجع إلى نفسه ~~فقال ان هذا لهو التكلف يا عمر وقال عبد بن حميد حدثنا سليمان بن حرب قال ~~حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال كنا عند عمر بن الخطاب وفى ظهر قميصه ~~أربع رقاع فقرأ @QB@ وفاكهة وأبا @QE@ فقال ما الأب ثم قال ان هذا لهو ~~التكلف فما عليك أن لا تدريه # وهذا كله محمول على أنهما رضى الله عنهما انما أرادا استكشاف علم كيفية ~~الاب والا فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل لقوله تعالى @QB@ فأنبتنا فيها ~~حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا @QE@ # وقال ابن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن ~~أبى مليكة ان ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فابى أن ~~يقول فيها اسناده صحيح وقال أبو عبيد حدثنا اسماعيل بن إبراهيم عن ايوب ms0573 عن ~~ابن ابى مليكة قال سأل رجل ابن عباس عن ( يوم كان مقداره ألف سنة ( فقال له ~~PageV13P372 ابن عباس فما ( يوم كان مقداره خمسين الف سنة ( فقال الرجل ~~انما سألتك لتحدثنى فقال ابن عباس هما يومان ذكرهما الله فى كتابه الله ~~اعلم بهما فكره أن يقول فى كتاب الله ما لايعلم وقال ابن جرير حدثنى يعقوب ~~يعنى ابن إبراهيم حدثنا ابن علية عن مهدى بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال ~~جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبدالله فسأله عن آية من القرآن فقال احرج ~~عليك أن كنت مسلما لما قمت عنى أو قال ان تجالسنى وقال مالك عن يحيى بن ~~سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان اذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال انا لا ~~نقول فى القرآن شيئا # وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يتكلم الا فى ~~المعلوم من القرآن وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال سأل رجل سعيد بن المسيب عن ~~آية من القرآن فقال لا تسألنى عن القرآن وسل من يزعم أنه لا خفى عليه منه ~~شىء يعنى عكرمة وقال ابن شوذب حدثنى يزيد بن أبى يزيد قال كنا نسأل سعيد بن ~~المسيب عن الحلال والحرام وكان اعلم الناس فاذا سألناه عن تفسير آية من ~~القرآن سكت كأن لم يسمع # وقال ابن جرير حدثنى أحمد بن عبدة الضبى حدثنا حماد بن زيد حدثنا ~~عبيدالله بن عمر قال لقد أدركت فقهاء المدينة وأنهم PageV13P373 ليعظمون ~~القول فى التفسير منهم سالم بن عبدالله والقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب ~~ونافع وقال أبو عبيد حدثنا عبدالله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال ~~ما سمعت أبى تأول آية من كتاب الله قط وقال ايوب وابن عون وهشام الدستوائى ~~عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة السلمانى عن آية من القرآن فقال ذهب الذين ~~كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن فاتق الله وعليك بالسداد # وقال أبو عبيد حدثنا ms0574 معاذ عن ابن عون عن عبيدالله بن مسلم بن يسار عن ~~أبيه قال اذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده حدثنا هشيم عن ~~مغيرة عن إبراهيم قال كان اصحابنا يتقون التفسير ويهابونه وقال شعبة عن ~~عبدالله بن ابى السفر قال قال الشعبى والله ما من آية الا وقد سألت الله ~~عنها ولكنها الرواية عن الله وقال أبو عبيد حدثنا هشيم أنبأنا عمر بن أبى ~~زائدة عن الشعبى عن مسروق قال اتقوا التفسير فانما هو الرواية عن الله # فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن ~~الكلام فى التفسير بما لا علم لهم به فاما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة ~~وشرعا فلا حرج عليه ولهذا روى عن هؤلاء وغيرهم أقوال فى التفسير ولا منافاة ~~لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه وهذا هو الواجب على كل أحد فإنه ~~كما يجب السكوت عما PageV13P374 لا علم له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه ~~مما يعلمه لقوله تعالى @QB@ لتبيننه للناس ولا تكتمونه @QE@ ولما جاء فى ~~الحديث المروى من طرق ( من سئل عن علم فكتمه الجم يوم القيامة بلجام من نار ~~( # وقال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن ابى الزناد ~~قال قال ابن عباس التفسير على أربعة أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها وتفسير ~~لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه الا الله والله ~~سبحانه وتعالى أعلم # PageV13P375 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( فصل ( # لما بعث محمدا ( ( بكتابه الذى هو الهدى والشفاء والنور وجعله أحسن ~~الحديث وأحسن القصص وجعله الصراط المستقيم لأهل العقل والتدبر ولأهل ~~التلاوة والذكر ولأهل الاستماع والحال فالمعتصمون به علما وحالا وتلاوة ~~وسمعا باطنا وظاهرا هم المسلمون حقا خاصة أمة محمد ( ( ثم لما انحرف من ~~انحرف من أهل الكلام والحروف إلى كلام غيره ومن أهل السماع والصوت إلى سماع ~~غيره كان الانحراف فى أربع طوائف متجانسة # قوم تركوا التعلم منه والنظر فيه والتدبر له ms0575 إلى كلام غيره من كلام ~~الصابئة أو اليهود أو ما هو مولد من ذلك أو مجانس له أو نحو ذلك وهم منحرفة ~~المتكلمة # وبازائهم قوم أقاموا حروفه وحفظوه وتلوه من غير فقه فيه ولا PageV13P376 ~~فهم لمعانيه ولا معرفة للمقالات التى توافقه أو تخالفه ووجه بيانه لمسائلها ~~ودلائلها وهم ظاهرية القراء والمحدثين ونحوهم وهذان الصنفان نظير متفقه لا ~~يعرف الحديث أو صاحب حديث لا يتفقه فيه وكذلك متكلم لا يتدبر القرآن أو ~~قارىء لا يعرف من القرآن أنواع الكلام الحق والباطل فهاتان فرقتان علميتان # ( والثالثة ( قوم تركوا استماع القلوب له والتنعم به وتحرك القلب عن ~~محركاته وذوق حلاوته ووجود طعمه إلى سماع اصوات تغيره من شعر أو ملاهى من ~~اصوات الصابئة أو النصارى أو ما هو مولد عن ذلك ومجانس له أو نحو ذلك وهم ~~منحرفة المتصوفة والمتفقرة # وبازائهم قوم يصوتون به ويسمعون قراءته من غير تحرك عنه ولا وجد فيه ولا ~~ذوق لحقائقه ومعانيه وهم ظاهرية العباد والمتطوعة والمتقرئة فهذان الصنفان ~~صاحب حال تحرك الاصوات حاله وليست تلك الحركة والحال عن الصوت بالقرآن ~~وصاحب مقال يميز بين الاقوال وينظر فيها وليس ذلك النظر والمقال عن القرآن ~~وبازائهما صاحب عبادة ظاهرة معه استماع ظاهر القرآن وتلاوته وصاحب علم ظاهر ~~معه حفظ حروف القرآن أو تفسير حروفه من غريبه واعرابه وأسباب نزوله ونحو ~~ذلك فهذه الاقسام الاربعة الذين وقفوا مع ظاهر العلم والعمل المشروعين ~~والذين خاضوا فى باطن العلم PageV13P377 والعمل لكن غير المشروعين جاء ~~التفريط والاعتداء منهم # ولهذا وقع بينهم التعادى فالاولون يرمون الآخرين بالبدعة والضلالة وقد ~~صدقوا والآخرون ينسبون الاولين إلى الجهالة والعجز وقد صدقوا ثم قد يكون مع ~~بعض الاولين كثير من العلم والعمل المشروع كما قد يكون مع بعض الآخرين كثير ~~من العلم الباطن والحال الكامن كما قد روى الحسن البصرى فى مراسيله عن ~~النبى ( ( أنه قال ( العلم علمان علم فى القلب وعلم فى اللسان فعلم القلب ~~هو العلم النافع وعلم اللسان حجة الله على عباده ( وقال يحيى بن ms0576 سعيد ~~التيمى أبو حيان فيما رواه الخلال فى جامعه عن الثورى ( العلماء ثلاثة ~~فعالم بالله ليس عالما بأمر الله وعالم بأمر الله ليس عالما بالله وعالم ~~بالله وبأمر الله ( PageV13P378 # قال شيخ الاسلام قدس الله روحه ( فصل ( # وأما سؤاله عن ( اجراء القرآن على ظاهره ( فانه اذا آمن بما وصف الله به ~~نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تكييف فقد اتبع سبيل المؤمنين # ولفظ ( الظاهر ( فى عرف المتأخرين قد صار فيه اشتراك فان أراد باجرائه ~~على الظاهر الذى هو من خصائص المخلوقين حتى يشبه الله بخلقه فهذا ضال بل ~~يجب القطع بأن الله ليس كمثله شىء لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ~~فقد قال ابن عباس ليس فى الدنيا مما فى الجنة إلا الأسماء يعنى أن موعود ~~الله فى الجنة من الذهب والحرير والخمر واللبن تخالف حقائقه حقائق هذه ~~الأمور الموجودة فى الدنيا فالله تعالى أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا ~~يدركه العباد PageV13P379 ليست حقيقته كحقيقة شىء منها واما ان أراد ~~باجرائه على الظاهر الذى هو الظاهر فى عرف سلف الأمة لا يحرف الكلم عن ~~مواضعه ولا يلحد فى أسماء الله تعالى ولا يقرأ القرآن والحديث بما يخالف ~~تفسير سلف الأمة واهل السنة بل يجرى ذلك على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه ~~دلائل الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة فهذا مصيب فى ذلك وهو الحق # وهذه جملة لا يسع هذا الموضع تفصيلها والله أعلم # PageV13P380 وسئل رحمه الله # عن قوله ( ( من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ( فاختلاف ~~المفسرين فى آية واحدة ان كان بالرأى فكيف النجاة وان لم يكن بالرأى فكيف ~~وقع الاختلاف والحق لا يكون فى طرفى نقيض افتونا # فأجاب رحمه الله تعالى ينبغى أن يعلم ان الاختلاف الواقع من المفسرين ~~وغيرهم على وجهين # ( أحدهما ( ليس فيه تضاد وتناقض بل يمكن أن يكون كل منهما حقا وانما هو ~~اختلاف تنوع أو اختلاف فى الصفات أو العبادات وعامة الاختلاف الثابت عن ~~مفسرى السلف من الصحابة والتابعين ms0577 هو من هذا الباب فان الله سبحانه اذا ذكر ~~فى القرآن اسما مثل قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ فكل من المفسرين ~~يعبر عن الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته وكل ذلك حق بمنزلة ~~ما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء كل اسم منها يدل على صفة من صفاته فيقول ~~بعضهم ( الصراط المستقيم ( كتاب الله أو اتباع كتاب الله PageV13P381 ويقول ~~الآخر ( الصراط المستقيم ( هو الاسلام أو دين الاسلام ويقول الآخر ( الصراط ~~المستقيم ( هو السنة والجماعة ويقول الآخر ( الصراط المستقيم ( طريق ~~العبودية أو طريق الخوف والرجاء والحب وامتثال المأمور واجتناب المحظور أو ~~متابعة الكتاب والسنة أو العمل بطاعة الله أو نحو هذه الاسماء والعبارات # ومعلوم أن المسمى هو واحد وان تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته كما ~~اذا قيل محمد هو أحمد وهو الحاشر وهو الماحى وهو العاقب وهو خاتم المرسلين ~~وهو نبى الرحمة وهو نبى الملحمة # وكذلك اذا قيل القرآن هو الفرقان والنور والشفاء والذكر الحكيم والكتاب ~~الذى أحكمت آياته ثم فصلت # وكذلك أسماء الله الحسنى ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء ~~عليم ( وهو ( الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى والذى أخرج المرعى فجعله غثاء ~~أحوى ( هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ~~هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر ( هو الله الخالق البارىء المصور ( # PageV13P382 # فهو سبحانه واحد صمد وأسماؤه الحسنى تدل كلها على ذاته ويدل هذا من صفاته ~~على ما لا يدل عليه الآخر فهى متفقة فى الدلالة على الذات متنوعة فى ~~الدلالة على الصفات فالاسم يدل على الذات والصفة المعينة بالمطابقة ويدل ~~على أحدهما بطريق التضمن وكل اسم يدل على الصفة التى دل عليها بالالتزام ~~لأنه يدل على على الذات المتكنى به جميع الصفات فكثير من التفسير والترجمة ~~تكون من هذا الوجه # ومنه ( قسم آخر ( وهو أن يذكر المفسر والمترجم معنى اللفظ على سبيل ~~التعيين والتمثيل لا على سبيل الحد والحصر مثل أن يقول ms0578 قائل من العجم ما ~~معنى الخبز فيشار له إلى رغيف وليس المقصود عينه وانما الاشارة إلى تعيين ~~هذا الشخص # وهذا كما اذا سئلوا عن قوله @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات @QE@ أو عن قوله @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون @QE@ أو عن ( الصالحين ( أو ( الظالمين ( ونحو ذلك من الاسماء ~~العامة الجامعة التى قد يتعسر أو يتعذر على المستمع أو المتكلم ضبط مجموع ~~معناه اذ لا يكون محتاجا إلى ذلك فيذكر له من أنواعه واشخاصه ما يحصل به ~~غرضه وقد يستدل به على نظائره # فإن الظالم لنفسه هو تارك المأمور فاعل المحظور و ( المقتصد ( ~~PageV13P383 هو فاعل الواجب وتارك المحرم و ( السابق ( هو فاعل الواجب ~~والمستحب وتارك المحرم والمكروه # فيقول المجيب بحسب حاجة السائل ( الظالم ( الذى يفوت الصلاة والذى لا ~~يسبغ الوضوء أو الذى لا يتم الاركان ونحو ذلك و ( المقتصد ( الذى يصلى فى ~~الوقت كما أمر و ( السابق بالخيرات ( الذى يصلى الصلاة بواجباتها ~~ومستحباتها ويأتى بالنوافل المستحبة معها وكذلك يقول مثل هذا فى الزكاة ~~والصوم والحج وسائر الواجبات # وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال التفسير على أربعة أوجه ~~تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه ~~العلماء وتفسير لا يعلمه الا الله فمن ادعى علمه فهو كاذب # والصحابة اخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه كما أخذوا عنه السنة وان كان ~~من الناس من غير السنة فمن الناس من غير بعض معانى القرآن اذ لم يتمكن من ~~تغيير لفظه # و ( أيضا ( فقد يخفى على بعض العلماء معانى القرآن كما خفى عليه بعض ~~السنة فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب والله اعلم PageV13P384 $ سئل شيخ ~~الاسلام # عن جندى نسخ بيده صحيح مسلم والبخارى والقرآن وهو ناو كتابة الحديث ~~والقرآن العظيم وان سمع بورق أو اقلام اشترى بألف درهم وقال أنا إن شاء ~~الله أكتب فى جميع هذا الورق أحاديث الرسول والقرآن ويؤمل آمالا بعيدة فهل ~~يأثم أو لا وأى التفاسير أقرب إلى ms0579 الكتاب والسنة الزمخشرى أم القرطبى أم ~~البغوى أو غير هؤلاء # فأجاب الحمد لله ليس عليه اثم فيما ينويه ويفعله من كتابة العلوم الشرعية ~~فان كتابة القرآن والأحاديث الصحيحة والتفاسير الموجودة الثابتة من أعظم ~~القربات والطاعات # وأما ( التفاسير ( التى فى ايدى الناس فأصحها ( تفسير محمد بن جرير ~~الطبرى ( فانه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل ~~عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبى والتفاسير غير المأثورة بالأسانيد ~~كثيرة كتفسير عبدالرزاق وعبد بن حميد ووكيع وابن أبى قتيبة وأحمد بن حنبل ~~واسحاق بن راهويه PageV13P385 # وأما ( التفاسير الثلاثة ( المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والاحاديث ~~الضعيفة ( البغوى ( لكنه مختصر من ( تفسير الثعلى ( وحذف منه الأحاديث ~~الموضوعة والبدع التى فيه وحذف أشياء غير ذلك وأما ( الواحدى ( فانه تلميذ ~~الثعلبى وهو أخبر منه بالعربية لكن الثعلبى فيه سلامة من البدع وان ذكرها ~~تقليدا لغيره وتفسيره و ( تفسير الواحدى البسيط والوسيط والوجيز ( فيها ~~فوائد جليلة وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها # وأما ( الزمخشرى ( فتفسيره بالبدعة وعلى طريقة المعتزلة من انكار الصفات ~~والرؤية والقول بخلق القرآن وأنكر أن الله مريد للكائنات وخالق لأفعال ~~العباد وغير ذلك من اصول المعتزلة و # ( أصولهم خمسة ( يسمونها التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وانفاذ ~~الوعيد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر # لكن معنى ( التوحيد ( عندهم يتضمن نفى الصفات ولهذا سمى ابن التومرت ~~أصحابه الموحدين وهذا انما هو الحاد فى أسماء الله وآياته PageV13P386 ~~ومعنى ( العدل ( عندهم يتضمن التكذيب بالقدر وهو خلق أفعال العباد وارادة ~~الكائنات والقدرة على شىء ومنهم من ينكر تقدم العلم والكتاب لكن هذا قول ~~أئمتهم وهؤلاء منصب الزمخشرى فان مذهبه مذهب المغيرة بن على وابى هاشم ~~وأتباعهم ومذهب أبى الحسين والمعتزلة الذين على طريقته نوعان مسايخية ~~وخشبية # وأما ( المنزلة بين المنزلتين ( فهى عندهم أن الفاسق لا يسمى مؤمنا بوجه ~~من الوجوه كما لا يسمى كافرا فنزلوه بين منزلتين و ( انفاذ الوعيد ( عندهم ~~معناه أن فساق الملة مخلدون فى النار لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك ~~كما تقوله الخوارج ms0580 و ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ( يتضمن عندهم جواز ~~الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وهذه الأصول حشا ( بها ( كتابه بعبارة لا ~~يهتدى أكثر الناس اليها ولا لمقاصده فيها مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة ~~ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين # و ( تفسير القرطبى ( خير منه بكثير وأقرب إلى طريقة أهل الكتاب والسنة ~~وأبعد عن البدع وان كان كل من هذه الكتب لابد أن يشتمل على ما ينقد لكن يجب ~~العدل بينها PageV13P387 واعطاء كل ذى حق حقه # و ( تفسير ابن عطية ( خير من تفسير الزمخشرى وأصح نقلا وبحثا وأبعد عن ~~البدع وان اشتمل على بعضها بل هو خير منه بكثير بل لعله أرجح هذه التفاسير ~~لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها # وثم تفاسير أخر كثيرة جدا كتفسير ابن الجوزى والماوردى # PageV13P388 # وسئل عن قول النبى ( ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ( ما المراد بهذه ~~السبعة وهل هذه القراءات المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما هى الأحرف السبعة ~~أو واحد منها وما السبب الذى أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط ~~المصحف وهل تجوز القراءة برواية الاعمش وابن محيض وغيرهما من القراءات ~~الشاذة أم لا واذا جازت القراءة بها فهل تجوز الصلاة بها أم لا أفتونا ~~مأجورين # فأجاب الحمد لله رب العالمين هذه ( مسألة كبيرة ( قد تكلم فيها اصناف ~~العلماء من الفقهاء والقراء وأهل الحديث والتفسير والكلام وشرح الغريب ~~وغيرهم حتى صنف فيها التصنيف المفرد ومن آخر ما أفرد فى ذلك ما صنفه الشيخ ~~أبو محمد عبدالرحمن بن اسماعيل بن إبراهيم الشافعى المعروف بابن أبى شامة ~~صاحب ( شرح الشاطبية ( PageV13P389 # فأما ذكر اقاويل الناس وأدلتهم وتقرير الحق فيها مبسوطا فيحتاج من ذكر ~~الأحاديث الواردة فى ذلك وذكر الفاظها وسائر الأدلة إلى ما لا يتسع له هذا ~~المكان ولا يليق بمثل هذا الجواب ولكن نذكر النكت الجامعة التى تنبه على ~~المقصود بالجواب # فنقول لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن ( الأحرف السبعة ( التى ذكر ~~النبى ( ( ان القرآن أنزل عليها ليست هى ( قراءات القراء السبعة المشهورة ( ~~بل ms0581 اول من جمع قراءات هؤلاء هو الامام أبو بكر بن مجاهد وكان على رأس ~~المائة الثالثة ببغداد فانه احب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين ~~والعراقين والشام اذ هذه الامصار الخمسة هى التى خرج منها علم النبوة من ~~القرآن وتفسيره والحديث والفقه من الأعمال الباطنة والظاهرة وسائر العلوم ~~الدينية فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من ائمة قراء هذه الامصار ~~ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التى أنزل عليها القرآن لا لاعتقاده أو ~~اعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبعة هى الحروف السبعة أو أن هؤلاء ~~السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم # ولهذا قال من قال من ائمة القراء لولا ان ابن مجاهد سبقنى إلى حمزة لجعلت ~~مكانه يعقوب الحضرمى امام جامع البصرة وامام قراء البصرة فى زمانه فى رأس ~~المائتين PageV13P390 # ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التى أنزل القرآن عليها لا تتضمن ~~تناقض المعنى وتضاده بل قد يكون معناها متفقا أو متقاربا كما قال عبدالله ~~بن مسعود انما هو كقول أحدكم أقبل وهلم وتعال # وقد يكون معنى أحدهما ليس هو معنى الآخر لكن كلا المعنيين حق وهذا اختلاف ~~تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض وهذا كما جاء فى الحديث المرفوع عن ~~النبى ( ( فى هذا حديث ( أنزل القرآن على سبعة احرف ان قلت غفورا رحيما أو ~~قلت عزيزا حكيما فالله كذلك ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب ~~بآية رحمة ( وهذا كما فى القراءات المشهورة ( ربنا باعد وباعد ( إلا أن ~~يخافا ألا يقيما ( والا أن يخافا الا يقيما ( وان كان مكرهم لتزول وليزول ~~منه الجبال ( و ( بل عجبت وبل عجبت ( ونحو ذلك # ومن القراءات ما يكون المعنى فيها متفقا من وجه متباينا من وجه كقوله ( ~~يخدعون ويخادعون ( ويكذبون ويكذبون ( ولمستم ولامستم ( و ( حتى يطهرن ~~ويطهرن ( ونحو ذلك فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق وكل ~~قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الايمان بها كلها ~~واتباع ما تضمنته ms0582 من المعنى علما وعملا لا يجوز ترك موجب احداهما لأجل ~~الأخرى ظنا أن ذلك PageV13P391 تعارض بل كما قال عبدالله بن مسعود رضى الله ~~عنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله # وأما ما اتحد لفظه ومعناه وانما يتنوع صفة النطق به كالهمزات والمدات ~~والامالات ونقل الحركات والاظهار والادغام والاختلاس وترقيق اللامات ~~والراآت أو تغليظها ونحو ذلك مما يسمى القرآءات الاصول فهذا أظهر وأبين فى ~~أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى اذ هذه الصفات ~~المتنوعة فى أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا ولا يعد ذلك فيما ~~اختلف لفظه واتحد معناه أو اختلف معناه من المترادف ونحوه ولهذا كان دخول ~~هذا فى حرف واحد من الحروف السبعة التى أنزل القرآن عليها من اولى ما يتنوع ~~فيه اللفظ أو المعنى وان وافق رسم المصحف وهو ما يختلف فيه النقط أو الشكل # ولذلك لم يتنازع علماء الاسلام المتبوعين من السلف والأئمة فى أنه لا ~~يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة فى جميع امصار المسلمين بل من ثبت ~~عنده قراءة الاعمش شيخ حمزة أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمى ونحوهما كما ~~ثبت عنده قراءة حمزة والكسائى فله أن يقرأ PageV13P392 بها بلا نزاع بين ~~العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الاجماع والخلاف بل أكثر العلماء ~~الأئمة الذين ادركوا قراءة حمزة كسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وبشر بن ~~الحارث وغيرهم يختارون قراءة أبى جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح المدنيين ~~وقراءة البصريين كشيوخ يعقوب بن إسحاق وغيرهم على قراء حمزة والكسائى # وللعلماء الأئمة فى ذلك من الكلام ما هو معروف عند العلماء ولهذا كان ~~ائمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشرة أو الاحد عشر كثبوت هذه ~~السبعة يجمعون ذلك فى الكتب ويقرؤونه فى الصلاة وخارج الصلاة وذلك متفق ~~عليه بين العلماء لم ينكره أحد منهم # وأما الذى ذكره القاضى عياض ومن نقل من كلامه من الانكار على ابن شنبوذ ~~الذى كان يقرأ بالشواذ فى الصلاة فى ms0583 أثناء المائة الرابعة وجرت له قصة ~~مشهورة فإنما كان ذلك فى القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف كما سنبينه # ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة ولكن من يكن عالما بها أو لم تثبت ~~عنده كمن يكون فى بلد من بلاد الاسلام بالمغرب أو غيره ولم يتصل به بعض هذه ~~القراءات فليس له أن يقرأ بما لا يعلمه فان PageV13P393 القراءة كما قال ~~زيد بن ثابت سنة يأخذها الآخر عن الأول كما أن ما ثبت عن النبى ( ( من ~~أنواع الاستفتاحات فى الصلاة ومن أنواع صفة الاذان والاقامة وصفة صلاة ~~الخوف وغير ذلك كله حسن يشرع العمل به لمن علمه واما من علم نوعا ولم يعلم ~~غيره فليس له أن يعدل عما علمه إلى ما لم يعلمه وليس له أن ينكر على من علم ~~ما لم يعلمه من ذلك ولا أن يخالفه كما قال النبى ( ( لا تختلفوا فان من كان ~~قبلكم اختلفوا فهلكوا ( ( # وأما القراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثمانى مثل قراءة ابن مسعود ~~وأبى الدرداء رضى الله عنهما ( والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى والذكر ~~والانثى ( كما قد ثبت ذلك فى الصحيحين ومثل قراءة عبدالله ( فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات ( وكقراءته ( ان كانت الازقية واحدة ( ونحو ذلك فهذه اذا ~~ثبتت عن بعض الصحابة فهل يجوز أن يقرأ بها فى الصلاة على قولين للعلماء هما ~~روايتان مشهورتان عن الامام أحمد وروايتان عن مالك # ( إحداهما ( يجوز ذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرؤن بهذه الحروف فى ~~الصلاة # ( والثانية ( لا يجوز ذلك وهو قول أكثر العلماء لأن هذه PageV13P394 ~~القراءات لم تثبت متواترة عن النبى ( ( وان ثبتت فانها منسوخة بالعرضة ~~الآخرة فانه قد ثبت فى الصحاح عن عائشة وابن عباس رضى الله عنهم أن جبريل ~~عليه السلام كان يعارض النبى ( ( بالقرآن فى كل عام مرة فلما كان العام ~~الذى قبض فيه عارضه به مرتين والعرضة الآخرة هى قراءة زيد بن ثابت وغيره ~~وهى التى أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلى بكتابتها فى ~~المصاحف وكتبها أبو ms0584 بكر وعمر فى خلافة ابى بكر فى صحف أمر زيد بن ثابت ~~بكتابتها ثم أمر عثمان فى خلافته بكتابتها فى المصاحف وارسالها إلى الامصار ~~وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة على وغيره # وهذا النزاع لابد أن يبنى على الأصل الذى سأل عنه السائل وهو أن القراءات ~~السبعة هل هى حرف من الحروف السبعة أم لا فالذى عليه جمهور العلماء من ~~السلف والأئمة انها حرف من الحروف السبعة بل يقولون ان مصحف عثمان هو أحد ~~الحروف السبعة وهو متضمن للعرضة الآخرة التى عرضها النبى ( ( على جبريل ~~والاحاديث والآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول وذهب طوائف من ~~الفقهاء والقراء وأهل الكلام إلى أن هذا المصحف مشتمل على الأحرف السبعة ~~وقرر ذلك طوائف من أهل الكلام # PageV13P395 كالقاضى أبى بكر الباقلانى وغيره بناء على أنه لا يجوز على ~~الأمة أن تهمل نقل شىء من الاحرف السبعة وقد اتفقوا على نقل هذا المصحف ~~الامام العثمانى وترك ما سواه حيث أمر عثمان بنقل القرآن من الصحف التى كان ~~أبو بكر وعمر كتبا القرآن فيها ثم أرسل عثمان بمشاورة الصحابة إلى كل مصر ~~من أمصار المسلمين بمصحف وأمر بترك ما سوى ذلك # قال هؤلاء ولا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الاحرف السبعة ومن نصر قول ~~الاولين يجيب تارة بما ذكر محمد بن جرير وغيره من أن القراءة على الاحرف ~~السبعة لم يكن واجبا على الأمة وانما كان جائزا لهم مرخصا لهم فيه وقد جعل ~~اليهم الاختيار فى أى حرف اختاروه كما أن ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم ~~منصوصا بل مفوضا إلى اجتهادهم ولهذا كان ترتيب مصحف عبدالله على غير ترتيب ~~مصحف زيد وكذلك مصحف غيره # وأما ترتيب آيات السور فهو منزل منصوص عليه فلم يكن لهم ان يقدموا آية ~~على آية فى الرسم كما قدموا سورة على سورة لأن ترتيب الآيات مأمور به نصا ~~وأما ترتيب السور فمفوض إلى اجتهادهم قالوا فكذلك الاحرف السبعة فلما راى ~~الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل اذا لم ms0585 يجتمعوا على حرف واحد ~~اجتمعوا على ذلك PageV13P396 اجتماعا سائغا وهم معصومون أن يجتمعوا على ~~ضلالة ولم يكن فى ذلك ترك لواجب ولا فعل محظور # ومن هؤلاء من يقول بان الترخيص فى الاحرف السبعة كان فى أول الاسلام لما ~~فى المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا فلما تذللت ألسنتهم ~~بالقراءة وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرا عليهم وهو أرفق بهم أجمعوا على ~~الحرف الذى كان فى العرضة الآخرة ويقولون أنه نسخ ما سوى ذلك # وهؤلاء يوافق قولهم قول من يقول أن حروف أبى بن كعب وابن مسعود وغيرهما ~~مما يخالف رسم هذا المصحف منسوخة # ( # وأما من قال عن ابن مسعود أنه كان يجوز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه ~~وانما قال قد نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة # وإنما هو كقول أحدكم اقبل وهلم وتعال فاقرؤا كما علمتم أو كما قال ثم من ~~جوز القراءة بما يخرج عن المصحف مما ثبت عن الصحابة قال يجوز ذلك لأنه من ~~الحروف السبعة التى أنزل القرآن عليها ومن لم يجوزه فله ثلاثة مآخذ تارة ~~يقول ليس هو من الحروف PageV13P397 السبعة وتارة يقول هو من الحروف ~~المنسوخة وتارة يقول هو مما انعقد اجماع الصحابة على الاعراض عنه وتارة ~~يقول لم ينقل الينا نقلا يثبت بمثله القرآن وهذا هو الفرق بين المتقدمين ~~والمتأخرين # ولهذا كان فى المسألة ( قول ثالث ( وهو اختيار جدى أبى البركات أنه ان ~~قرأ بهذه القراءات فى القراءة الواجبة وهى الفاتحة عند القدرة عليها لم تصح ~~صلاته لأنه لم يتيقن أنه ادى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك وان ~~قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل صلاته لأنه لم يتيقن أنه أتى فى الصلاة بمبطل ~~لجواز أن يكون ذلك من الحروف السبعة التى أنزل عليها وهذا القول ينبنى على ~~( أصل ( وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة فهل يجب القطع بكونه ليس ~~منها فالذى عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك اذ ليس ذلك مما أوجب ~~علينا أن ms0586 يكون العلم به فى النفى والاثبات قطعيا # وذهب فريق من أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه حتى قطع بعض هؤلاء كالقاضى ~~ابى بكر بخطأ الشافعى وغيره ممن أثبت البسملة آية من القرآن فى غير سورة ~~النمل لزعمهم أن ما كان من موارد الاجتهاد فى القرآن فانه يجب القطع بنفيه ~~والصواب PageV13P398 القطع بخطأ هؤلاء وان البسملة آية من كتاب الله حيث ~~كتبها الصحابة فى المصحف اذ لم يكتبوا فيه الا القرآن وجردوه عما ليس منه ~~كالتخميس والتعشير وأسماء السور ولكن مع ذلك لا يقال هى من السورة التى ~~بعدها كما أنها ليست من السورة التى قبلها بل هى كما كتبت آية انزلها الله ~~فى أول كل سورة وان لم تكن من السورة وهذا اعدل الاقوال الثلاثة فى هذه ~~المسألة # وسواء قيل بالقطع فى النفى أو الاثبات فذلك لا يمنع كونها من موارد ~~الاجتهاد التى لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافى ولا للمثبت بل قد يقال ما ~~قاله طائفة من العلماء ان كل واحد من القولين حق وأنها آية من القرآن فى ~~بعض القراءات وهى قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين وليست آية فى بعض ~~القراءات وهى قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها بين السورتين # وأما قول السائل ما السبب الذى أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط ~~المصحف فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ الشارع لهم القراءة ~~بذلك كله اذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه بل القراءة سنة متبعة وهم ~~اذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب فى المصحف الامامى وقد قرأ بعضهم ~~بالياء وبعضهم بالتاء لم يكن واحد منهما خارجا عن المصحف ومما PageV13P399 # يوضح ذلك أنهم يتفقون فى بعض المواضع على ياء أو تاء ويتنوعون فى بعض كما ~~اتفقوا فى قوله تعالى @QB@ وما الله بغافل عما تعملون @QE@ فى موضع وتنوعوا ~~فى موضعين وقد بينا ان القراءتين كالآيتين فزيادة القراءات كزيادة الآيات ~~لكن اذا كان الخط واحدا واللفظ محتملا كان ذلك أحضر فى الرسم # والاعتماد فى نقل القرآن على ms0587 حفظ القلوب لا على المصاحف كما فى الحديث ~~الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( ان ربى قال لى أن قم فى قريش فأنذرهم فقلت ~~أى رب اذا يثلغوا رأسى أى يشدخوا فقال انى مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك ~~كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل ~~بمن أطاعك من عصاك وانفق أنفق عليك ( فأخبر أن كتابه لا يحتاج فى حفظه إلى ~~صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤه فى كل حال كما جاء فى نعت أمته ( أناجيلهم فى ~~صدروهم ( بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه الا فى الكتب ولا يقرأونه كله ~~الا نظرا لا عن ظهر قلب # وقد ثبت فى الصحيح أنه جمع القرآن كله على عهد النبى ( ( جماعة من ~~الصحابة كالاربعة الذين من الانصار وكعبدالله بن عمرو فتبين بما ذكرناه أن ~~القراءات المنسوبة الى PageV13P400 نافع وعاصم ليست هى الاحرف السبعة التى ~~أنزل القرآن عليها وذلك باتفاق علماء السلف والخلف # وكذلك ليست هذه القراءات السبعة هى مجموع حرف واحد من الاحرف السبعة التى ~~انزل القرآن عليها باتفاق العلماء المعتبرين بل القراءات الثابتة عن أئمة ~~القراء كالاعمش ويعقوب وخلف وأبى جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن نصاح ~~ونحوهم هى بمنزلة القراءات الثابتة عن هؤلاء السبعة عند من ثبت ذلك عنده ~~كما ثبت ذلك # وهذا أيضا مما لم يتنازع فيه الأئمة المتبوعون من أئمة الفقهاء والقراء ~~وغيرهم وانما تنازع الناس من الخلف فى المصحف العثمانى الامام الذى اجمع ~~عليه أصحاب رسول الله ( ( والتابعون لهم باحسان والامة بعدهم هل هو بما فيه ~~من القراءات السبعة وتمام العشرة وغير ذلك هل هو حرف من الأحرف السبعة التى ~~أنزل القرآن عليها أو هو مجموع الاحرف السبعة على قولين مشهورين والاول قول ~~أئمة السلف والعلماء والثانى قول طوائف من اهل الكلام والقراء وغيرهم وهم ~~متفقون على أن الأحرف السبعة لا يخالف بعضها بعضا خلافا يتضاد فيه المعنى ~~ويتناقض بل يصدق بعضها بعضا كما تصدق الآيات بعضها بعضا PageV13P401 # وسبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو ms0588 تجويز الشارع وتسويغه ذلك ~~لهم اذ مرجع ذلك إلى السنة والاتباع لا إلى الرأى والابتداع # أما اذا قيل ان ذلك هى الاحرف السبعة فظاهر وكذلك بطريق الاولى اذا قيل ~~ان ذلك حرف من الأحرف السبعة فانه اذا كان قد سوغ لهم أن يقرؤوه على سبعة ~~أحرف كلها شاف كاف مع تنوع الأحرف فى الرسم فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك فى ~~الرسم وتنوعه فى اللفظ أولى وأحرى وهذا من اسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت ~~غير مشكولة ولا منقوطة لكتون صورة الرسم محتملة للأمرين كالتاء والياء ~~والفتح والضم وهم يضبطون باللفظ كلا الامرين ويكون دلالة الخط الواحد على ~~كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيها بدلالة اللفظ الواحد على ~~كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين فان أصحاب رسول الله ( ( تلقوا ~~عنه ما أمره الله بتبليغه اليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعا كما قال أبو ~~عبدالرحمن السلمى وهو الذى روى عن عثمان رضى الله عنه عن النبى ( ( أنه قال ~~( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ( كما رواه البخارى فى صحيحه وكان يقرىء ~~القرآن اربعين سنة قال حدثنا الذين كانوا يقرؤننا عثمان بن عفان وعبدالله ~~بن مسعود وغيرهما انهم كانوا اذا تعلموا من النبى ( ( عشر آيات لم يجاوزوها ~~حتى PageV13P402 يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن ~~والعلم والعمل جميعا # ولهذا دخل فى معنى قوله ^ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ^ تعليم حروفه ~~ومعانيه جميعا بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه وذلك هو الذى ~~يزيد الايمان كما قال جندب بن عبدالله وعبدالله بن عمر وغيرهما تعلمنا ~~الايمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا ايمانا وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون ~~الايمان # وفى الصحيحين عن حذيفة قال حدثنا رسول الله ( ( حديثين رأيت احدهما وأنا ~~أنتظر الآخر حدثنا ( أن الامانة نزلت فى جذر قلوب الرجال ونزل القرآن ( ~~وذكر الحديث بطوله ولا تتسع هذه الورقة لذكر ذلك وانما المقصود التنبيه على ~~أن ذلك كله مما بلغه رسول الله ( ( إلى الناس # وبلغنا أصحابه عنه الايمان والقرآن حروفه ومعانيه وذلك مما ms0589 أوحاه الله ~~اليه كما قال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ وتجوز ~~القراءة فى الصلاة وخارجها بالقراءات الثابتة الموافقة لرسم المصحف كما ~~ثبتت هذه القراءات وليست شاذة حينئذ والله أعلم PageV13P403 وسئل أيضا عن # ( جمع القراءات السبع ( هل هو سنة أم بدعة وهل جمعت على عهد رسول الله ( ~~( أم لا وهل لجامعها مزية ثواب على من قرأ برواية أم لا # فأجاب الحمد لله أما نفس معرفة القراءة وحفظها فسنة متبعة يأخذها الآخر ~~عن الأول فمعرفة القرآن التى كان النبى ( ( يقرأ بها أو يقرهم على القراءة ~~بها أو يأذن لهم وقد أقروا بها سنة والعارف فى القراءات الحافظ لها له مزية ~~على من لم يعرف ذلك ولا يعرف الا قراءة واحدة # وأما جمعها فى الصلاة أو فى التلاوة فهو بدعة مكروهة وأما جمعها لأجل ~~الحفظ والدرس فهو من الاجتهاد الذى فعله طوائف فى القراءة وأما الصحابة # ( # PageV13P404 # وقال شيخ الإسلام ( فصل ( # فى ( تحزيب القرآن ( وفى ( كم يقرأ ( وفى ( مقدار الصيام والقيام المشروع ~~( عن عبدالله بن عمرو رضى الله عنهما قال ( أنكحنى أبى امرأة ذات حسب فكان ~~يتعاهد ابنته فيسألها عن بعلها فتقول نعم الرجل لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش ~~لنا كنفا منذ أتيناه فلما طال ذلك عليه ذكر ذلك للنبى ( ( فقال القن به ~~فلقيته بعد فقال كيف تصوم قلت كل يوم قال متى أو كيف تختم قلت كل ليلة قال ~~صم من كل شهر ثلاثة أيام واقرأ القرآن فى كل شهر قلت انى أطيق أكثر من ذلك ~~قال صم ثلاثة أيام من كل جمعة قلت انى أطيق أكثر من ذلك قال أفطر يومين وصم ~~يوما قال قلت انى أطيق أكثر من ذلك قال صم افضل الصوم صوم داود صيام يوم ~~وافطار يوم واقرأ القرآن فى كل سبع ليال مرة قال فليتنى قبلت رخصة رسول ~~الله ( ( وذلك أنى كبرت وضعفت ( فكان يقرأ على PageV13P405 بعض أهله السبع ms0590 ~~من القرآن بالنهار والذى يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل فاذا ~~أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئا فارق عليه ~~النبى ( ( # وقال بعضهم فى ثلاث وفى خمس وأكثرهم على سبع وفى لفظ ( اقرأ القرآن فى ~~شهر قلت انى أجد قوة قال فاقرأه فى سبع ولا تزد على ذلك ( رواه بكماله ~~البخارى وهذا لفظه وروى مسلم الحديث بنحوه واللفظ الآخر مثله وفى رواية ألم ~~أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة فقلت نعم يا نبى الله وفيه قال ( ~~اقرأ القرآن فى كل شهر قال قلت يا نبى الله انى أطيق أفضل من ذلك قال ~~فاقرأه فى كل عشر قال قلت يا نبى الله انى أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه فى ~~سبع ولا تزد على ذلك قال فشددت فشدد على ( وقال لى النبى ( ( إنك لا تدرى ~~لعلك يطول بك عمرك قال فصرت إلى الذى قال النبى ( ( وعن عبدالله بن عمرو عن ~~النبى ( ( قال ( اقرأ القرآن فى كل ثلاث ( رواه أحمد وأبو داود # قلت هذه الرواية نبه عليها البخارى وقال بعضهم فى ثلاث وهو معنى ما روى ~~عن سعد بن المنذر الانصارى أنه قال يا رسول الله أقرا القرآن فى ثلاث قال ( ~~نعم ( وكان يقرؤه حتى توفى PageV13P406 رواه أحمد من طريق ابن لهيعة وذكر ~~أن بعضهم قال فى خمس وأكثرهم على سبع فالصحيح عندهم فى حديث عبدالله بن ~~عمرو أنه انتهى به النبى ( ( إلى سبع كما أنه أمره ابتداء بقراءته فى الشهر ~~فجعل الحد ما بين الشهر إلى الاسبوع وقد روى أنه امره ابتداء أن يقرأه فى ~~اربعين وهذا فى طرف السعة يناظر التثليث فى طرف الاجتهاد # وأما رواية من روى ( من قرأ القرآن فى أقل من ثلاث لم يفقه ( فلا تنافى ~~رواية التسبيع فان هذا ليس أمرا لعبدالله بن عمرو ولا فيه أنه جعل قراءته ~~فى ثلاث دائما سنة مشروعة وانما فيه الاخبار بأن من قرأه فى أقل من ثلاث لم ~~يفقه ومفهومه ms0591 مفهوم العدد وهو مفهوم صحيح أن من قرأه فى ثلاث فصاعدا فحكمه ~~نقيض ذلك والتناقض يكون بالمخالفة ولو من بعض الوجوه # فإذا كان من يقرؤه فى ثلاث أحيانا قد يفقهه حصل مقصود الحديث ولا يلزم ~~اذا شرع فعل ذلك أحيانا لبعض الناس أن تكون المداومة على ذلك مستحبة ولهذا ~~لم يعلم فى الصحابة على عهده من دوام على ذلك أعنى على قراءته دائما فيما ~~دون السبع ولهذا كان الامام أحمد رحمه الله يقرؤه فى كل سبع # # PageV13P407 # والمقصود بهذا الفصل أنه اذا كان التحزيب المستحب ما بين أسبوع إلى شهر ~~وإن كان قد روى ما بين ثلاث إلى أربعين فالصحابة انما كانوا يحزبونه سورا ~~تامة لا يحزبون السورة الواحدة كما روى أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول ~~الله ( ( فى وفد ثقيف قال فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة ونزل رسول ~~الله ( ( بنى مالك فى قبة له قال وكان كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا ~~قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام وأكثر ما يحدثنا ما لقى ~~من قومه من قريش ثم يقول لا سواء كنا مستضعفين مستذلين بمكة فلما خرجنا إلى ~~المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا فلما كانت ~~ليلة أبطأ عن الوقت الذى كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت عنا الليلة قال ~~إنه طرأ على حزبى من القرآن فكرهت أن أجىء حتى أتمه # قال أوس سألت اصحاب رسول الله ( ( كيف تحزبون القرآن قالوا ثلاث وخمس ~~وسبع وتسع واحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل واحد رواه أبو داود وهذا لفظه ~~وأحمد وابن ماجه وفى رواية للامام أحمد قالوا نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع ~~سور وتسع سور واحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل من ( ق ( حتى يختم ورواه ~~الطبرانى PageV13P408 فى معجمه فسألنا أصحاب رسول الله ( ( كيف كان رسول ~~الله ( ( يحزب القرآن فقالوا كان رسول الله ( ( يحزبه ثلاثا وخمسا فذكره ~~وهذا الحديث يوافق معنى حديث عبدالله بن عمرو فى أن المسنون كان عندهم ~~قراءته ms0592 فى سبع ولهذا جعلوه سبعة أحزاب ولم يجعلوه ثلاثة ولا خمسة وفيه أنهم ~~حزبوه بالسور وهذا معلوم بالتواتر فانه قد علم أن أول ما جزىء القرآن ~~بالحروف تجزئة ثمانية وعشرين وثلاثين وستين هذه التى تكون رؤوس الأجزاء ~~والأحزاب فى أثناء السورة وأثناء القصة ونحو ذلك كان فى زمن الحجاج وما ~~بعده وروى أن الحجاج أمر بذلك ومن العراق فشا ذلك ولم يكن أهل المدينة ~~يعرفون ذلك # وإذا كانت التجزئة بالحروف محدثة من عهد الحجاج بالعراق فمعلوم أن ~~الصحابة قبل ذلك على عهد النبى ( ( وبعده كان لهم تحزيب آخر فانهم كانوا ~~يقدرون تارة بالآيات فيقولون خمسون آية ستون آية وتارة بالسور لكن تسبيعه ~~بالآيات لم يروه أحد ولا ذكره أحد فتعين التحزيب بالسور # فإن قيل فترتيب سور القرآن ليس هو أمرا واجبا منصوصا PageV13P409 عليه ~~وإنما هو موكول إلى الناس ولهذا اختلف ترتيب مصاحف الصحابة رضى الله عنهم ~~ولهذا فى كراهة تنكيس السور روايتان عن الامام أحمد ( إحداهما ( يكره لأنه ~~خلاف المصحف العثمانى المتفق عليه ( والثانية ( لا يكره كما يلقنه الصبيان ~~اذ قد ثبت عن النبى ( ( أنه قرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران قيل لا ريب ~~أن قراءة سورة بعد سورة لابد أن يكون مرتبا أكثر ما فى الباب أن الترتيب ~~يكون أنواعا كما أنزل القرآن على أحرف وعلى هذا فهذا التحزيب يكون تابعا ~~لهذا الترتيب ويجوز أيضا ان يكون هذا التحزيب مع كل ترتيب فانه ليس فى ~~الحديث تعيين السور # وهذا الذى كان عليه الصحابة هو الأحسن لوجوه # ( أحدها ( أن هذه التحزيبات المحدثة تتضمن دائما الوقوف على بعض الكلام ~~المتصل بما بعده حتى يتضمن الوقف على المعطوف دون المعطوف عليه فيحصل ~~القارىء فى اليوم الثانى مبتدئا بمعطوف كقوله تعالى @QB@ والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ وقوله @QB@ ومن يقنت منكن لله ورسوله @QE@ ~~وأمثال ذلك ويتضمن الوقف على بعض القصة دون بعض حتى كلام المتخاطبين حتى ~~يحصل الابتداء PageV13P410 فى اليوم الثانى بكلام المجيب كقوله تعالى @QB@ ~~قال ألم أقل لك إنك لن ms0593 تستطيع معي صبرا @QE@ # ومثل هذه الوقوف لا يسوغ فى المجلس الواحد اذا طال الفصل بينهما بأجنبى ~~ولهذا لو ألحق بالكلام عطف أو استثناء أو شرط ونحو ذلك بعد طول الفصل ~~بأجنبى لم يسغ باتفاق العلماء ولو تأخر القبول عن الايجاب بمثل ذلك بين ~~المتخاطبين لم يسغ ذلك بلا نزاع ومن حكى عن أحمد خلاف ذلك فقد أخطأ كما ~~أخطأ من نقل عن ابن عباس فى الأول خلاف ذلك وذلك أن المنقول عن أحمد أنه ~~فيما اذا كان المتعاقدان غائبين أو أحدهما غائب والآخر حاضرا فينقل الايجاب ~~أحدهما إلى الآخر فيقبل فى مجلس البلاغ وهذا جائز بخلاف ما اذا كانا حاضرين ~~والذى فى القرآن نقل كلام حاضرين متجاورين فكيف يسوغ أن يفرق هذا التفريق ~~لغير حاجة بخلاف ما اذا فرق فى التلقين لعدم حفظ المتلقن ونحو ذلك # ( الثانى ( أن النبى ( ( كانت عادته الغالبة وعادة أصحابه أن يقرأ فى ~~الصلاة بسورة ك ( ق ( ونحوها وكما كان عمر رضى الله عنه يقرأ ( بيونس ( و ( ~~يوسف ( و ( النحل ( ولما قرأ ( ( بسورة ( المؤمنين ( فى الفجر أدركته سعلة ~~فركع أثنائها وقال ( إنى لأدخل فى الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء ~~الصبى فأخفف لما أعلم من وجد أمه به ( PageV13P411 # وأما ( القراءة بأواخر السور وأوساطها ( فلم يكن غالبا عليهم ولهذا يتورع ~~فى كراهة ذلك وفيه النزاع المشهور فى مذهب أحمد وغيره ومن أعدل الاقوال قول ~~من قال يكره اعتياد ذلك دون فعله أحيانا لئلا يخرج عما مضت به السنة وعادة ~~السلف من الصحابة والتابعين # وإذا كان كذلك فمعلوم أن هذا التحزيب والتجزئة فيه مخالفة السنة أعظم مما ~~فى قراءة آخر السورة ووسطها فى الصلاة وبكل حال فلا ريب أن التجزئة ~~والتحزيب الموافق لما كان هو الغالب على تلاوتهم أحسن و # ( المقصود ( أن التحزيب بالسورة التامة أولى من التحزيب بالتجزئة # ( الثالث ( أن التجزئة المحدثة لا سبيل ( فيها ( إلى التسوية بين حروف ~~الأجزاء وذلك لأن الحروف فى النطق تخالف الحروف فى الخط فى الزيادة ~~والنقصان يزيد كل منهما على ms0594 الآخر من وجه دون وجه وتختلف الحروف من وجه ~~وبيان ذلك بأمور # ( أحدها ( أن ألفات الوصل ثابتة فى الخط وهى فى اللفظ تثبت فى القطع ~~وتحذف فى الوصل فالعاد ان حسبها انتقض عليه حال القارىء اذا وصل وهو الغالب ~~فيها وان اسقطها انتقض عليه بحال القارىء القاطع وبالخط PageV13P412 # ( الثانى ( أن الحرف المشدد حرفان فى اللفظ أولهما ساكن وهذا معروف بالحس ~~واتفاق الناس وهما متماثلان فى اللفظ وأما فى الخط فقد يكونان حرفا واحدا ~~مثل ( إياك ( و ( إياك ( وقد يكونان حرفين مختلفين مثل ( الرحمن الرحيم ( ~~اهدنا الصراط المستقيم صراد الذين أنعمت عليهم ( و ( حينئذ ( و ( قد سمع ( ~~فالعاد ان حسب اللفظ فالادغام انما يكون فى حال الوصل دون حال القطع ويلزمه ~~أن يجعل الأول من جنس الثانى وهذا مخالف لهذا الحرف المعاد بها وان حسب ~~الخط كان الأمر أعظم اضطرابا فانه يلزمه أن يجعل ذلك تارة حرفا وتارة حرفين ~~مختلفين وهذا وإن كان هو الذى يتهجى فالنطق بخلافه # ( الثالث ( أن تقطيع حروف النطق من جنس تقطيع العروضيين وأما حروف الخط ~~فيخالف هذا من وجوه كثيرة والناس فى العادة انما يتهجون الحروف مكتوبة لا ~~منطوقة وبينهما فرق عظيم # ( الرابع ( أن النطق بالحروف ينقسم إلى ترتيل وغير ترتيل ومقادير المدات ~~والاصوات من القراء غير منضبطة وقد يكون فى أحد الحزبين من حروف المد أكثر ~~مما فى الآخر فلا يمكن مراعاة التسوية فى النطق ومراعاة مجرد الخط لا فائدة ~~فيه فان ذلك لا يوجب تسوية زمان القراءة PageV13P413 # واذا كان تحزيبه بالحروف انما هو تقريب لا تحديد كان ذلك من جنس تجزئته ~~بالسور هو ايضا تقريب فان بعض الاسباع قد يكون أكثر من بعض فى الحروف وفى ~~ذلك من المصلحة العظيمة بقراءة الكلام المتصل بعضه ببعض والافتتاح بما فتح ~~الله به السورة والاختتام بما ختم به وتكميل المقصود من كل سورة ما ليس فى ~~ذلك التحزيب وفيه أيضا من زوال المفاسد الذى فى ذلك التحزيب ما تقدم ~~التنبيه على بعضها فصار راجحا بهذا الاعتبار # ومن ms0595 المعلوم أن طول العبادة وقصرها يتنوع بتنوع المصالح فتستحب إطالة ~~القيام تارة وتخفيفه أخرى فى الفرض والنفل بحسب الوجوه الشرعية من غير أن ~~يكون المشروع هو التسوية بين مقادير ذلك فى جميع الايام فعلم أن التسوية فى ~~مقادير العبادات البدنية فى الظاهر لا اعتبار به اذا قارنه مصلحة معتبرة ~~ولا يلزم من التساوى فى القدر التساوى فى الفضل بل قد ثبت فى الصحاح من غير ~~وجه عن النبى ( ( أن ( قل هو الله أحد ( تعدل ثلث القرآن وثبت فى الصحيح أن ~~فاتحة الكتاب لم ينزل فى التوراة ولا فى الانجيل ولا فى القرآن مثلها وثبت ~~فى الصحيح أن آية الكرسى أعظم آية فى القرآن وأمثال ذلك # فإذا قرأ القارىء فى اليوم الأول البقرة وآل عمران والنساء PageV13P414 ~~بكمالها وفى اليوم الثانى إلى آخر براءة وفى اليوم الثالث إلى آخر النمل ~~كان ذلك أفضل من أن يقرأ فى اليوم الأول إلى قوله ( بليغا ( وفى اليوم ~~الثانى إلى قوله ^ انا لا نضيع أجر المصلين ^ فعلى هذا اذا قرأه كل شهر كما ~~أمر به النبى ( ( عبدالله بن عمرو أولا عملا على قياس تحزيب الصحابة ~~فالسورة التى تكون نحو جزء أو أكثر بنحو نصف أو اقل بيسير يجعلها حزبا كآل ~~عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف # وأما البقرة فقد يقال يجعلها حزبا وان كانت بقدر حزبين وثلث لكن الأشبه ~~أنه يقسمها حزبين للحاجة لأن التحزيب لابد أن يكون متقاربا بحيث يكون الحزب ~~مثل الأجزاء ومثله مرة ودون النصف واما اذا كان مرتين وشيئا فهذا تضعيف ~~وزيادة # وعلى هذا فالى الاعراف سبعة أجزاء والانفال جزء وبراءة جزء فان هذا أولى ~~من جعلها جزءا لأن ذلك يفضى إلى أن يكون نحو الثلث فى ثمانية والذى رجحناه ~~يقتضى أن يكون نحو الثلث فى تسعة وهذا أقرب إلى العدل وتحزيب الصحابة أوجب ~~أن يكون الحزب الأول أكثر ويكون إلى آخر العنكبوت العشر الثانى سورتين ~~سورتين # وأما يونس وهود فجزءان أيضا أو جزء واحد لأنهما أول PageV13P415 ذوات ( ~~الر ( ويكون على هذا الثلث ms0596 الأول سورة سورة والثانى سورتين سورتين لكن ~~الأول أقرب إلى أن يكون قريب الثلث الأول فى العشر الأول فان الزيادة على ~~الثلث بسورة أقرب من الزيادة بسورتين وايضا فيكون عشرة أحزاب سورة سورة ~~وهذا أشبه بفعل الصحابة ويوسف والرعد جزء وكذلك إبراهيم والحجر وكذلك النحل ~~وسبحان وكذلك الكهف ومريم وكذلك طه والانبياء وكذلك الحج والمؤمنون وكذلك ~~النور والفرقان وكذلك ذات ( طس ( الشعراء والنمل والقصص وذات ( الم ( ~~العنكبوت والروم ولقمان والسجدة جزء والاحزاب وسبأ وفاطر جزء و ( يس ( و ( ~~الصافات ( و ( ص ( جزء والزمر وغافر و ( حم ( السجدة جزء والخمس البواقى من ~~آل ( حم ( جزء # والثلث الأول أشبه بتشابه أوائل السور والثانى أشبه بمقدار جزء من تجزئة ~~الحروف وهو المرجح ثم ( القتال ( و ( الفتح ( و ( الحجرات ( و ( ق ( و ( ~~الذاريات ( جزء ثم الأربعة الأجزاء المعروفة وهذا تحزيب مناسب مشابه لتحزيب ~~الصحابة رضى الله عنهم وهو مقارب لتحزيب الحروف واحدى عشرة سورة حزب حزب اذ ~~البقرة كسورتين فيكون احدى عشر سورة وهى نصيب احدى عشرة ليلة والله أعلم # PageV13P416 # وسئل رحمه الله # عن جماعة اجتمعوا فى ختمة وهم يقرؤون لعاصم وأبى عمرو فاذا وصلوا إلى ~~سورة الضحى لم يهللوا ولم يكبروا إلى آخر الختمة ففعلهم ذلك هو الأفضل أم ~~لا وهل الحديث الذى ورد فى التهليل والتكبير صحيح بالتواتر أم لا # فأجاب الحمد لله نعم اذا قرؤوا بغير حرف ابن كثير كان تركهم لذلك هو ~~الأفضل بل المشروع المسنون فان هؤلاء الأئمة من القراء لم يكونوا يكبرون لا ~~فى أوائل السور ولا فى أواخرها # فإن جاز لقائل أن يقول ان ابن كثير نقل التكبير عن رسول الله ( ( جاز ~~لغيره أن يقول ان هؤلاء نقلوا تركه عن رسول الله ( ( اذ من الممتنع أن تكون ~~قراءة الجمهور التى نقلها أكثر من قراءة ابن كثير قد اضاعوا فيها ما أمرهم ~~به رسول الله ( ( فان أهل التواتر لا يجوز عليهم كتمان ما تتوفر الهمم ~~والدواعى إلى نقله فمن جوز على جماهير القراء أن رسول الله ( ( اقرأهم ~~بتكبير ms0597 زائد فعصوا لأمر رسول الله ( ( PageV13P417 وتركوا ما أمرهم به ~~استحق العقوبة البليغة التى تردعه وأمثاله عن مثل ذلك # وأبلغ من ذلك البسملة فان من القراء من يفصل بها ومنهم من لا يفصل بها ~~وهى مكتوبة فى المصاحف ثم الذين يقرؤون بحرف من لا يبسمل لا يبسملون ولهذا ~~لا ينكر عليهم ترك البسملة اخوانهم من القراء الذين يبسملون فكيف ينكر ترك ~~التكبير على من يقرأ قراءة الجمهور وليس التكبير مكتوبا فى المصاحف وليس هو ~~فى القرآن باتفاق المسلمين ومن ظن أن التكبير من القرآن فانه يستتاب فان ~~تاب والا قتل # بخلاف البسملة فانها من القرآن حيث كتبت فى مذهب الشافعى وهو مذهب أحمد ~~المنصوص عنه فى غير موضع وهو مذهب ابى حنيفة عند المحققين من اصحابه وغيرهم ~~من الأئمة لكن مذهب أبى حنيفة وأحمد وغيرهما أنها من القرآن حيث كتبت ~~البسملة وليست من السورة ومذهب مالك ليست من القرآن الا فى سورة النمل وهو ~~قول فى مذهب أبى حنيفة وأحمد # ومع هذا فالنزاع فيها من مسائل الاجتهاد فمن قال هى من القرآن حيث كتبت ~~أو قال ليست هى من القرآن الا فى سورة PageV13P418 النمل كان قوله من ~~الأقوال التى ساغ فيها الاجتهاد # وأما التكبير فمن قال أنه من القرآن فانه ضال باتفاق الأئمة والواجب أن ~~يستتاب فان تاب والا قتل فكيف مع هذا ينكر على من تركه ومن جعل تارك ~~التكبير مبتدعا أو مخالفا للسنة أو عاصيا فانه إلى الكفر أقرب منه إلى ~~الإسلام والواجب عقوبته بل ان أصر على ذلك بعد وضوع الحجة وجب قتله ولو قدر ~~أن النبى ( ( امر بالتكبير لبعض من أقرأه كان غاية ذلك يدل على جوازه أو ~~استحبابه فانه لو كان واجبا لما أهمله جمهور القراء ولم يتفق أئمة المسلمين ~~على عدم وجوبه ولم ينقل أحد من أئمة الدين أن التكبير واجب وإنما غاية من ~~يقرأ بحرف ابن كثير أن يقول انه مستحب وهذا خلاف البسملة فان قراءتها واجبة ~~عند من يجعلها من القرآن ومع هذا ms0598 فالقراء يسوغون ترك قراءتها لمن لم ير ~~الفصل بها فكيف لا يسوغ ترك التكبير لمن ليس داخلا فى قراءته # وأما ما يدعيه بعض القراء من التواتر فى جزئيات الامور فليس هذا موضع ~~تفصيله # PageV13P419 وسئل عمن يقول # عن الامام مالك أنه قال من كتب مصحفا على غير رسم المصحف العثمانى فقد ~~أثم أو قال كفر فهل هذا صحيح وأكثر المصاحف اليوم على غير المصحف العثمانى ~~فهل يحل لأحد كتابته على غير المصحف العثمانى بشرط ألا يبدل لفظا ولا يغير ~~معنى أم لا # فأجاب أما هذا النقل عن مالك فى تكفير من فعل ذلك فهو كذب على مالك سواء ~~أريد به رسم الخط أو رسم اللفظ فان مالكا كان يقول عن أهل الشورى ان لكل ~~منهم مصحفا يخالف رسم مصحف عثمان وهم أجل من أن يقال فيهم مثل هذا الكلام ~~وهم علي بن أبى طالب والزبير وطلحة وسعد وعبدالرحمن بن عوف مع عثمان وأيضا ~~فلو قرأ رجل بحرف من حروفهم التى تخرج عن مصحف عثمانى ففيه روايتان عن مالك ~~وأحمد وأكثر العلماء يحتجون بما ثبت من ذلك عنهم فكيف يكفر فاعل ذلك ~~PageV13P420 # وأما اتباع رسم الخط بحيث يكتبه بالكوفى فلا يجب عند أحد من المسلمين ~~وكذلك اتباعه فيما كتبه بالواو والألف هو حسن لفظ رسم خط الصحابة # وأما تكفير من كتب ألفاظ المصحف بالخط الذى اعتاده فلا أعلم أحدا قال ~~بتكفير من فعل ذلك لكن متابعة خطهم أحسن هكذا نقل عن مالك وغيره والله أعلم ~~PageV13P421 # وسئل عن قوم يقرؤون القرآن ويلحنون فيه فأنكر عليهم منكر فقال قائل منهم ~~كل لحنة بعشر حسنات # فأجاب الحمد لله اذا قدروا على تصحيح صححوا وإن عجزوا عن ذلك فلا بأس ~~بذلك حسب استطاعتهم ( # PageV13P422 # وسئل عن رجل يتلو القرآن مخافة النسيان ورجاء الثواب فهل يؤجر على قراءته ~~للدراسة ومخافة النسيان أم لا وقد ذكر رجل ممن ينسب إلى العلم أن القارىء ~~اذا قرأ للدراسة مخافة النسيان أنه لا يؤجر فهل قوله صحيح أم لا # فأجاب بل اذا ms0599 قرأ القرآن لله تعالى فانه يثاب على ذلك بكل حال ولو قصد ~~بقراءته أنه يقرؤه لئلا ينساه فان نسيان القرآن من الذنوب فاذا قصد بالقرآن ~~أداء الواجب عليه من دوام حفظه للقرآن واجتناب ما نهى عنه من اهماله حتى ~~ينساه فقد قصد طاعة الله فكيف لا يثاب # وفى الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( استذكروا القرآن فلهو أشد تفلتا من ~~صدور الرجال من النعم من عقلها ( وقال ( ( عرضت على سيئات أمتى فرأيت من ~~مساوىء أعمالها الرجل يؤتيه الله آية من القرآن فينام عنها حتى ينساها ( ~~وفى PageV13P423 صحيح مسلم عن النبى ( ( أنه قال ( ما اجتمع قوم فى بيت من ~~بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه الا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم ~~السكينة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع ~~به نسبه ( والله أعلم # | 14 PageV13P424 @ بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده و الصلاة والسلام على من لانبى بعده # قال شيخ الإسلام # قدس الله روحه ونور ضريحه # أسماء القرآن # القرآن الفرقان الكتاب الهدى النور الشفاء البيان الموعظة الرحمة بصائر ~~البلاغ الكريم المجيد العزيز المبارك التنزيل المنزل الصراط المستقيم حبل ~~الله الذكر الذكرى تذكرة @QB@ وإنه لتذكرة للمتقين @QE@ @QB@ إنه تذكرة فمن ~~شاء ذكره @QE@ ^ مصدق لما بين يديه ^ و @QB@ تصديق الذي بين يديه @QE@ ~~المهيمن عليه ( تفصيل كل شيء ) ( تبيانا لكل شيء ) المتشابه المثاني الحكيم ~~( تلك آيات الكتاب PageV14P001 الحكيم محكم المفصل ( و هو الذي أنزل اليكم ~~الكتاب مفصلا ) البرهان ( قد جاءكم برهان من ربكم و أنزلنا إليكم نورا ~~مبينا ) على أحد القولين الحق ( قد جاءكم الحق من ربكم ) عربى مبين أحسن ~~الحديث أحسن القصص على قول كلام الله @QB@ فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ ~~العلم @QB@ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم @QE@ العلى الحكيم ^ و ~~أنه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم ^ القيم ( يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ~~^ ^ أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا قيما ^ و حي فى قوله ^ ان هو ~~إلا وحي يوحى ^ حكمة فى قوله ms0600 ^ و لقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة ~~بالغة ^ و حكما فى قوله ^ أنزلناه حكما عربيا ^ و نبأ على قول في قوله ^ عن ~~النبأ العظيم ^ و نذير على قول ^ هذا نذير من النذر الأولى ^ فى حديث أبى ~~موسى شافعا مشفعا و شاهدا مصدقا وسماه النبى صلى الله عليه و سلم ( حجة لك ~~أو عليك ( و فى حديث الحارث عن على ( عصمة لمن استمسك به ( # وأما وصفة بانه يقص و ينطق و يحكم و يفتى و يبشر و يهدي فقال ^ ان هذا ~~القرآن يقص على بني إسرائيل ^ ^ هذا كتابنا ينطق عليكم ^ ^ قل الله يفتيكم ~~فيهن و ما يتلى عليكم فى الكتاب ^ أي يفيتكم أيضا ^ ان هذا القرآن يهدي ~~للتى هي أقوم و يبشر المؤمنين الذين يعملون PageV14P002 # فى الآيات الدالة على اتباع القرآن قوله ^ اهدانا الصراط المستقيم ^ فإنه ~~فى التفسير المرفوع عن النبى صلى الله عليه و سلم كتاب الله PageV14P003 # وسئل رحمه الله # عن أحاديث هل هي صحيحة و هل رواها أحد من المعتبرين بإسناد صحيح الخ فقال ~~$ فصل # وأما حديث فاتحة الكتاب فقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم ~~انه قال ^ يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني و بين ع 4 بدي نصفين نصفها لي ~~و نصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد ( الحمد لله رب العالمين ) قال ~~الله حمدنى عبدي إذا قال ( الرحمن الرحيم ) قال الله أثنى علي عبدي و إذا ~~قال ( مالك يوم الدين ) قال الله مجدنى عبدي و إذا قال ^ إياك نعبد و إياك ~~نستعين ^ قال هذه الآية بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل فإذا قال ^ اهدانا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين ^ ~~قال هؤلاء لعبدي و لعبدي ما سأل ( PageV14P004 # و ثبت فى صحيح مسلم عن ابن عباس قال ( بينما جبريل قاعد عند النبى صلى ~~الله عليه و سلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح ~~اليوم و لم ms0601 يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض و ~~لم ينزل قط إلا اليوم فسلم و قال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبى قبلك ~~فاتحة الكتاب و خواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته ( وفى بعض ~~الأحاديث ( ان فاتحة الكتاب أعطيها من كنز تحت العرش $ فصل قال # الله تعالى في أم القرآن و السبع المثاني و القرآن العظيم @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ و هذه السورة هى أم القرآن و هي فاتحة الكتاب وهى السبع ~~المثانى و القرآن العظيم و هي الشافية و هي الواجبة فى الصلوات لا صلاة إلا ~~بها و هى الكافية تكفي من غيرها ولا يكفى غيرها عنها # والصلاة أفضل الأعمال و هي مؤلفة من كلم طيب و عمل صالح أفضل كلمها الطيب ~~وأوجبه القرآن و أفضل عملها الصالح وأوجبه السجود كما جمع بين الأمرين في ~~أول سورة أنزلها على رسوله حيث افتتحها PageV14P005 بقوله تعالى @QB@ اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق @QE@ و ختمها بقوله ^ و اسجد و اقترب ^ فوضعت الصلاة على ~~ذلك أولها القراءة و آخرها السجود # ولهذا قال سبحانه فى صلاة الخوف ^ فإذا سجدوا فليكونوا من و رائكم ^ و ~~المراد بالسجود الركعة التى يفعلونها و حدهم بعد مفارقتهم للامام و ما قبل ~~القراءة من تكبير و استفتاح و استعاذة هي تحريم للصلاة و مقدمة لما بعده ~~أول ما يبتدىء به كالتقدمة و ما يفعل بعد السجود من قعود و تشهد فيه التحية ~~لله و السلام على عباده الصالحين و الدعاء و السلام على الحاضرين فهو تحليل ~~للصلاة و معقبة لما قبله قال النبى صلى الله عليه و سلم ( مفتاح الصلاة ~~الطهور و تحريمها التكبير و تحليلها التسليم ( # ولهذا لما تنازع العلماء أيما أفضل كثرة الركوع و السجود أو طول القيام ~~أو هما سواء على ثلاثة أقوال عن أحمد و غيره كان الصحيح انهما سواء القيام ~~فيه أفضل الأذكار والسجود أفضل الأعمال فاعتدلا و لهذا كانت صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه ms0602 و سلم معتدلة يجعل الأركان قريبا من السواء اذا أطال القيام ~~طولا كثيرا كما كان يفعل فى قيام الليل و صلاة الكسوف أطال معه الركوع و ~~السجود و إذا أقتصد فيه اقتصد فى الركوع و السجود و أم الكتاب كما أنها ~~القراءة الواجبة فهي أفضل سورة فى القرآن قال النبى صلى الله عليه ~~PageV14P006 و سلم فى الحديث الصحيح ( لم ينزل فى التوراة و لا الانجيل ولا ~~الزبور ولا القرآن مثلها و هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ( ~~و فضائلها كثيرة جدا # وقد جاء مأثورا عن الحسن البصري رواه ابن ماجه و غيره أن الله أنزل مائة ~~كتاب و أربعة كتب جمع علمها فى الأربعة و جمع علم الأربعة فى القرآن وجمع ~~علم القرآن فى المفصل و جمع علم المفصل فى أم القرآن و جمع علم أم القرآن ~~فى هاتين الكلمتين الجامعتين ( إياك نعبد و إياك نستعين ) و إن علم الكتب ~~المنزلة من السماء اجتمع فى هاتين الكلمتين الجامعتين # ولهذا ثبت في الحديث الصحيح حديث ( إن الله تعالى يقول قسمت الصلاة بيني ~~و بين عبدي نصفين نصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل فإذا قال @QB@ ~~الحمد لله رب العالمين @QE@ قال الله حمدني عبدي و إذا قال ( الرحمن الرحيم ~~) قال الله أثنني علي عبدى و إذا قال @QB@ مالك يوم الدين @QE@ قال الله عز ~~وجل مجدنى عبدى و فى رواية فوض إلي عبدى و إذا قال ^ إياك نعبد و إياك ~~نستعين ^ قال فهذه الآية بينى و بين عبدى نصفين و لعبدى ما سأل فإذا قال ^ ~~اهدانا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا ~~الضالين ^ قال فهؤلاء لعبدي و لعبدى ما سأل ( PageV14P007 # فقد ثبت بهذا النص أن هذه السورة منقسمة بين الله و بين عبده و أن هاتين ~~الكلمتين مقتسم السورة ف @QB@ إياك نعبد @QE@ مع ما قبله لله و إياك نستعين ~~مع ما بعده للعبد و له ما سأل ولهذا قال من قال من السلف نصفها ثناء ms0603 و ~~نصفها مسألة و كل واحد من العبادة و الاستعانة دعاء # وإذا كان الله قد فرض علينا أن نناجيه و ندعوه بهاتين الكلمتين فى كل ~~صلاة فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده و أن نستعينه إذ إيجاب ~~القول الذي هو إقرار و اعتراف و دعاء و سؤال هو إيجاب لمعناه ليس إيجابا ~~لمجرد لفظ لامعنى له فإن هذا لا يجوز أن يقع بل إيجاب ذلك أبلغ من إيجاب ~~مجرد العبادة و الاستعانة فإن ذلك قد يحصل أصله بمجرد القلب أو القلب و ~~البدن بل أوجب دعاء الله عزوجل و مناجاته و تكليمه و مخاطبته بذلك ليكون ~~الواجب من ذلك كاملا صورة و معنى بالقلب و بسائر الجسد # وقد جمع بين هذين الأصلين الجامعين إيجابا و غير إيجاب فى مواضع كقوله فى ~~آخر سورة هود ^ فاعبده و توكل عليه ^ و قول العبد الصالح شعيب ( وما توفيقي ~~إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب ) و قول إبراهيم و الذين معه ( ربنا عليك ~~توكلنا وإليك أنبنا و إليك المصير ) و قوله سبحانه إذ أمر رسوله أن يقول ( ~~كذلك أرسلناك فى أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذى أوحينا إليك و ~~هم PageV14P008 يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت و اليه ~~متاب ) فأمر نبيه بأن يقول على الرحمن توكلت و اليه متاب كما أمره بهما فى ~~قوله ^ فاعبده و توكل عليه ^ والأمر له أمر لأمته و أمره بذلك فى أم القرآن ~~و فى غيرها لأمته ليكون فعلهم ذلك طاعة لله و أمتثالا لأمره و لا يتقدموا ~~بين يدى الله و رسوله و لهذا كان عامة ما يفعله نبينا صلى الله عليه و سلم ~~و الخالصون من أمته من الأدعية و العبادات و غيرها إنما هو بأمر من الله ~~بخلاف من يفعل مالم يؤمر به و إن كان حسنا أو عفوا و هذا أحد الأسباب ~~الموجبة لفضله و فضل أمته على من سواهم و فضل الخالصين ms0604 من أمته على ~~المشوبين الذين شابوا ماجاء به بغيره كالمنحرفين عن الصراط المستقيم # وإلى هذين الأصلين كان النبى صلى الله عليه و سلم يقصد فى عباداته و ~~أذكاره و مناجاته مثل قوله فى الأضحية ^ اللهم هذا منك و لك ^ فإن قوله ~~@QB@ منك @QE@ هو معنى التوكل و الاستعانة و قوله @QB@ لك @QE@ هو معنى ~~العبادة و مثل قوله في قيامه من الليل ^ لك أسلمت و بك آمنت و عليك توكلت ~~وإليك أنبت و بك خاصمت و إليك حاكمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني ~~أنت الحي الذى لا تموت و الجن و الانس يموتون ^ إلى أمثال ذلك PageV14P009 ~~إذا تقرر هذا الأصل فالإنسان فى هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي ~~القسمة الممكنة إما أن يأتي بهما و إما أن يأتى بالعبادة فقط و إما أن يأتى ~~بالاستعانة فقط واما أن يتركهما جميعا # ولهذا كان الناس في هذه الأقسام الأربعة بل أهل الديانات هم أهل هذه ~~الأقسام و هم المقصودون هنا بالكلام # قسم يغلب عليه قصد التأله لله ومتابعة الأمر و النهي والاخلاص لله تعالى ~~واتباع الشريعة في الخضوع لأوامره و زواجره و كلماته الكونيات لكن يكون ~~منقوصا من جانب الاستعانة و التوكل فيكون إما عاجزا و إما مفرطا و هو مغلوب ~~إما مع عدوه الباطن واما مع عدوه الظاهر و ربما يكثر منه الجزع مما يصيبه و ~~الحزن لما يفوته و هذا حال كثير ممن يعرف شريعة الله و أمره و يرى أنه متبع ~~للشريعة و للعبادة الشرعية و لا يعرف قضاءه و قدره و هو حسن القصد طالب ~~للحق لكنه غير عارف بالسبيل المو صلة و الطريق المفضية # وقسم يغلب عليه قصد الاستعانة بالله و التو كل عليه و إظهار الفقر و ~~الفاقة بين يديه و الخضو ع لقضائه و قدره و كلماته الكو نيات لكن يكو ن ~~منقو صا من جانب العبادة و اخلاص الدين لله فلا يكو ن مقصو PageV14P010 ان ~~يكو ن الدين كله لله و ms0605 إن كان مقصوده ذلك فلا يكو ن متبعا لشريعة الله عز و ~~جل و منهاجه بل قصده نو ع سلطان فى العالم إما سلطان قدرة و تأثير و إما ~~سلطان كشف و إخبار أو قصده طلب مايريده و دفع ما يكرهه بأي طريق كان أو ~~مقصوده نو ع عبادة و تأله بأي وجه كان همته فى الاستعانة و التو كل المعينة ~~له على مقصوده فيكون إما جاهلا و إما ظالما تاركا لبعض ما أمره الله به ~~راكبا لبعض ما نهى الله عنه و هذه حال كثير ممن يتأله و يتصوف و يتفقر و ~~يشهد قدر الله و قضاءه و لا يشهد أمر الله و نهيه و يشهد قيام الأكوان ~~بالله و فقرها إليه و إقامته لها و لا يشهد ما أمر به و ما نهى عنه و ما ~~الذي يحبه الله منه و يرضاه و ما الذي يكرهه منه و يسخطه # ولهذا يكثر فى هؤلاء من له كشف و تأثير و خرق عادة مع انحلال عن بعض ~~الشريعة و مخالفة لبعض الأمر و إذا أوغل الرجل منهم دخل فى الاباحية و ~~الانحلال و ربما صعد إلى فساد التوحيد فيخرج إلى الاتحاد و الحلول المقيد ~~كما قد وقع لكثير من الشيو خ و يوجد فى كلام صاحب ( منازل السائرين ( و ~~غيره ما يفضي إلى ذلك # وقد يدخل بعضهم فى ( الاتحاد المطلق و القول بوحدة الوجود ( فيعتقد أن ~~الله هو الوجود المطلق كما يقول صاحب ( الفتو حات المكية ( في أولها ~~PageV14P011 % الرب حق و العبد حق % ياليت شعري من المكلف % إن قلت عبد ~~فذاك ميت أو قلت رب أنى يكلف % و قسم ثالث معرضون عن عبادة الله و عن ~~الاستعانة به جمعيا # وهم فريقان أهل دنيا و أهل دين فأهل الدين منهم هم أهل الدين الفاسد ~~الذين يعبدون غير الله و يستعينون غير الله بظنهم و هو أهم ^ إن يتبعون إلا ~~الظن و ما تهوى الأنفس و لقد جاءهم من ربهم الهدى ^ و ms0606 أهل الدنيا منهم ~~الذين يطلبو ن ما يشتهونه من العاجلة بما يعتقدونه من الأسباب # واعلم أنه يجب التفريق بين من قد يعرض عن عبادة الله و الاستعانة به و ~~بين من يعبد غيره و يستعين بسواه $ فصل # قال الله عز وجل فى أول السورة ^ الحمد لله رب العالمين ) فبدأ بهذين ~~الاسمين الله والرب و ( الله ( هو الاله المعبود فهذا الأسم أحق بالعبادة و ~~لهذا يقال الله أكبر الحمد لله سبحان الله PageV14P012 لا إله إلا الله و ( ~~الرب ( هو المربى الخالق الرازق الناصر الهادى و هذا الاسم أحق باسم ~~الاستعانة والمسألة # ولهذا يقال ( رب اغفر لي و لوالدي ) ( ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) ( رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي ) ( ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا و اسرافنا في أمرنا ) ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا ) فعامة المسألة و الاستعانة المشروعة باسم الرب # فالاسم الأول يتضمن غاية العبد و مصيره و منتهاه و ما خلق له و ما فيه ~~صلاحه و كماله و هو عبادة الله والاسم الثاني يتضمن خلق العبد و مبتداه و ~~هو أنه يربه و يتولاه مع أن الثانى يدخل فى الأول دخول الربوبية في الالهية ~~و الربوبية تستلزم الألوهية أيضا والاسم ( الرحمن ( يتضمن كمال التعلقين و ~~بوصف الحالين فيه تتم سعادته في دنياه و أخراه # ولهذا قال تعالى ^ و هم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه ~~توكلت و اليه متاب ^ فذكر هنا الأسماء الثلاثة ) و ( ربى ) و ( الاله ) و ~~قال ( عليه توكلت و اليه متاب ) كما ذكر الأسماء الثلاثة فى أم القرآن لكن ~~بدأ هناك باسم الله و لهذا بدأ فى السورة ب ( اياك نعبد ) فقدم الاسم و ما ~~يتعلق به من العبادة لأن PageV14P013 تلك السورة فاتحة الكتاب و أم القرآن ~~فقدم فيها المقصود الذي هو العلة الغائية فانها علة فاعلية للعلة الغائية و ~~قد بسطت هذا المعنى فى مواضع فى أول ( التفسير ( و فى ( قاعدة المحبة ~~والارادة ms0607 ( و في غير ذلك $ فصل # ولما كان علم النفوس بحاجتهم و فقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم و فقرهم ~~إلى الاله المعبود و قصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة كان إقرارهم ~~بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته و كان الدعاء له و ~~الاستعانة به و التوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له و الانابة اليه # ولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله و حده لاشريك له الذي هو ~~المقصود المستلزم للاقرار بالربوبية و قد أخبر عنهم أنهم ( لئن سألتهم من ~~خلقهم ليقولن الله ) و انهم إذا مسهم الضر ضل من يدعون إلا إياه و قال ^ و ~~إذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ^ فأخبر أنهم مقرون ~~بربوبيته و أنهم مخلصون له الدين إذا مسهم PageV14P014 الضر في دعائهم و ~~استعانتهم ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم # وكثير من المتكلمين إنما يقررون الوحدانية من جهة الربوبية و أما الرسل ~~فهم دعوا اليها من جهة الألوهية و كذلك كثير من المتصوفة المتعبدة و أرباب ~~الأحوال إنما توجههم إلى الله من جهة ربوبيته لما يمدهم به فى الباطن من ~~الأحوال التى بها يتصرفون و هؤلاء من جنس الملوك و قد ذم الله عز و جل فى ~~القرآن هذا الصنف كثيرا فتدبر هذا فإنه تنكشف به أحوال قوم يتكلمون فى ~~الحقائق و يعملون عليها و هم لعمري فى نوع من الحقائق الكونية القدرية ~~الربوبية لا في الحقائق الدينية الشرعية الألهية و قد تكلمت على هذا المعنى ~~في مواضع متعددة و هو أصل عظيم يجب الأعتناء به و الله سبحانه أعلم $ فصل # وذلك أن الانسان بل و جميع المخلوقات عباد لله تعالى فقراء إليه مماليك ~~له و هو ربهم و مليكهم و إلههم لا إله إلا هو فالمخلوق ليس له من نفسه شيء ~~أصلا بل نفسه و صفاته و أفعاله و ما ينتفع به أو يستحقه و غير ذلك إنما هو ~~من خلق الله و الله ms0608 عزوجل رب PageV14P015 ذلك كله و مليكه و بارئه و خالقه ~~و مصوره # وإذا قلنا ليس له من نفسه إلا العدم فالعدم ليس هو شيئا يفتقر إلى فاعل ~~موجود بل العدم ليس بشيء و بقاؤه مشروط بعدم فعل الفاعل لا أن عدم الفاعل ~~يوجبه و يقتضيه كما يوجب الفاعل المفعول الموجود بل قد يضاف عدم المعلول ~~إلى عدم العلة و بينهما فرق و ذلك أن المفعول الموجود إنما خلقه و أبدعه ~~الفاعل و ليس المعدوم أبدعه عدم الفاعل فإنه بقضي إلى التسلسل و الدور ~~ولأنه ليس اقتضاء أحد العدمين للآخر بأولى من العكس فإنه ليس أحد العدمين ~~مميزا لحقيقة استوجب بها أن يكون فاعلا وان كان يعقل أن عدم المقتضى أولى ~~بعدم الأثر من العكس فهذا لأنه لما كان و جود المقتضى هو المفيد لوجود ~~المقتضى صار العقل يضيف عدمه إلى عدمه إضافة لزومية لأن عدم الشيء إما ان ~~يكون لعدم المقتضى أو لوجود المانع و بعد قيام المقتضى لايتصور أن يكون ~~العدم إلا لأجل هاتين الصورتين أو لحالتين فلما كان الشيء الذي انعقد سبب و ~~جوده يعوقه ( و يمنعه ) المانع المنافى و هو أمر موجود و تارة لا يكون سببه ~~قد انعقد صار عدمه تارة ينسب إلى عدم مقتضيه و تارة إلى و جود مانعه و ~~منافيه # و هذا معنى قول المسلمين ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن إذ ~~PageV14P016 مشيئته هي الموجبة وحدها لا غيرها فيلزم من انتفائها انتفاؤه ~~لا يكون شيء حتى تكو مشيئته لايكون شيء بدونها بحال فليس لنا سبب يقتضى ~~وجود شيء حتى تكون مشيئته مانعة من وجوده بل مشيئته هي السبب الكامل فمع ~~وجودها لامانع و مع عدمها لا مقتضى ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك ~~لها و ما يمسك فلا مرسل له من بعده ) ( و إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو و إن يردك بخير فلا راد لفضله ) ( قل أرأيتم ماتدعون من دون الله إن ~~أرادنى ms0609 الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ) # وإذا عرف أن العبد ليس له من نفسه خير أصلا بل ما بنا من نعمة فمن الله و ~~إذا مسناالضر فإليه نجأر والخبر كله بيديه كما قال ^ ما أصابك من حسنة فمن ~~الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك و قال ^ أو لما اصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) و قال النبى صلى الله عليه و ~~سلم فى سيد الاستغفار الذى فى صحيح البخارى ( اللهم أنت ربي لاإله إلا أنت ~~خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~أبوء لك بنعمتك على و أبوء بذنبى فاغفر لى فإنه لايغفر الذنوب إلا أنت ) ~~وقال فى دعاء الاستفتاح الذى فى صحيح مسلم PageV14P017 ( لبيك و سعديك ~~والخبر بيديك و الشر ليس إليك تباركت ربنا و تعاليت ( # وذلك أن الشر إما أن يكون موجودا أو معدوما فالمعدوم سواء كان ذات عدم أو ~~عدم صفة من صفات كمالها أو فعل من أفعالها مثل عدم الحياة أو العلم أو ~~السمع أو البصر أو الكلام أو العقل أو لعمل الصالح على تنوع أصنافه مثل ~~معرفة الله و محبته و عبادته و التوكل عليه و الإنابة إليه و رجائه و خشيته ~~وإمتثال أوامره وإجتناب نواهيه و غير ذلك من الأمور المحمودة الباطنة و ~~الظاهرة من الأقوال والأفعال فإن هذه الأمو كلها خيرات و حسنات و عدمها شر ~~و سيئات لكن هذا العدم ليس بشىء أصلا حتى يكون له بارىء و فاعل فيضاف إلى ~~الله و إنما هو من لوازم النفس التى هى حقيقة الإنسان قبل أن تخلق و بعد أن ~~خلقت فإنها قبل أن تخلق عدم مستلزم لهذا العدم و بعد أن خلقت وقد خلقت ~~ضعيفة ناقصة فيها النقص و الضعف و العجز فإن هذه الأمور عدمية فأضيف إلى ~~النفس من باب ms0610 إضافة عدم المعلول إلى عدم علته و عدم مقتضيه و قد تكون من ~~باب إضافته إلى وجود منافيه من و جه آخر سنبينه إن شاء الله تعالى # و ^ نكتة الأمر ^ أن هذا الشر و السيئات العدمية ليست موجودة حتى يكون ~~الله خالقها فإن الله خالق كل شىء PageV14P018 # والمعدومات تنسب تارة إلى عدم فاعلها و تارة إلى و جود مانعها فلا تنسب ~~إليه هذه الشرور العدمية على الوجهين # أما ( الأول ( فلأنه الحق المبين فلا يقال عدمت لعدم فاعلها و مقتضيها # وأما ( الثانى ( وهو وجود المانع فلأن المانع إنما يحتاج إليه إذا وجد ~~المقتضى و لو شاء فعلها لما منعه مانع وهو سبحانه لايمنع نفسه ما شاء فعله ~~بل هو فعال لما يشاء و لكن الله قد يخلق هذا سببا و مقتضيا و مانعا فإن جعل ~~السبب تاما لم يمنعه شيء و إن لم يجعله تاما منعه المانع لضعف السبب و عدم ~~إعانة الله له فلا يعدم أمر إلا لأنه لم يشأه كما لايوجد أمر إلا لأنه ~~يشاؤه و إنما تضاف هذه السيئات # العدمية إلى العبد لعدم السبب منه تارة و لوجود المانع منه أخرى أما عدم ~~السبب فظاهر فإنه ليس منه قوة و لا حول و لا خير و لا سبب خير أصالة و لو ~~كان منه شيء لكان سببا فأضيف إليه لعدم السبب و لأنه قد صدرت منه أفعال كان ~~سببا لها بإعانة الله له فما لم يصدر منه كان لعدم السبب PageV14P019 # وأما و جود المانع المضاد له المنافى فلأن نفسه قد تضيق و تضعيف و تعجز ~~أن تجمع بين أفعال ممكنة في نفسها متنافية فى حقه فإذا إشتغل بسمع شيء أو ~~بصره أو الكلام فى شيء أو النظر فيه أو إرادته أو اشتغلت جوارحه بعمل كثير ~~اشتغلت عن عمل آخر و إن كان ذلك خيرا لضيقه و عجزه فصار قيام احدى الصفات ~~والأفعال به مانعا و صادا عن آخر # والضيق و العجز يعود إلى عدم قدرته فعاد إلى العدم ms0611 الذي هو منه و العدم ~~المحض ليس بشيء حتى يضاف إلى الله تعالى و أما إن كان الشيء موجودا كالألم ~~و سبب الألم فينبغي أن يعرف أن الشر الموجود ليس شرا على الاطلاق و لا شرا ~~محضا و إنما هو شر فى حق من تألم به و قد تكون مصائب قوم عند قوم فوائد # ولهذا جاء فى الحديث الذي رويناه مسلسلا ( آمنت بالقدر خيره و شره و حلوه ~~و مره ( وفى الحديث الذي رواه أبو داود ( لو أنفقت ملء الأرض ذهبا لما قبله ~~منك حتى تؤمن بالقدر خيره و شره و تعلم أن ما اصابك لم يكن ليخطئك و ما ~~اخطأك لم يكن ليصيبك ( فالخير و الشر هما بحسب العبد المضاف اليه كالحلو و ~~المر سواء و ذلك ان من لم يتألم بالشيء ليس في حقه شرا و من تنعم به فهو في ~~حقه خير كما كان النبى صلى الله عليه و سلم يعلم من قص عليه أخوه رؤيا أن ~~PageV14P020 يقول ( خيرا تلقاه و شرا توقاه خيرا لنا و شرا لأعدائنا ( فإنه ~~إذا أصاب العبد شر سر قلب عدوه فهو خير لهذا و شر لهذا و من لم يكن له وليا ~~ولاعدوا فليس في حقه لا خيرا و لاشرا و ليس فى مخلوقات الله ما يؤلم الخلق ~~كلهم دائما و لا ما يؤلم جمهورهم دائما بل مخلوقاته إما منعمة لهم أو ~~لجمهورهم فى أغلب الأوقات كالشمس و العافية فلم يكن في الموجودات التى ~~خلقها الله ما هو شر مطلقا عاما # فعلم أن الشر المخلوق الموجود شر مقيد خاص و فيه وجه آخر هو به خير و حسن ~~و هو أغلب وجهيه كما قال تعالى ^ أحسن كل شيء خلقه ^ و قال تعالى ^ صنع ~~الله الذي أتقن كل شيء ^ و قال تعالى ^ و ما خلقنا السموات والأرض و ما ~~بينهما إلا بالحق ^ و قال ^ و يتفكرو ن في خلق السمو ات و الأرض ربنا ما ~~خلقت هذا باطلا ^ # وقد علم المسلمون أن ms0612 الله لم يخلق شيئا ما إلا لحكمة فتلك الحكمة وجه ~~حسنه و خيره و لا يكون فى المخلو قات شر محض لا خير فيه و لا فائدة فيه ~~بوجه من الوجو ه و بهذا يظهر معنى قو له ^ و الشر ليس إليك ^ و كون الشر لم ~~يضف إلى الله و حده بل إما بطريق العموم أو يضاف إلى السبب أو يحذف فاعله ~~PageV14P021 # فهذا الشر المو جو د الخاص المقيد سببه إما عدم و إما وجود فالعدم مثل ~~عدم شرط أو جزء سبب إذ لا يكون سببه عدما محضا فإن العدم المحض لايكون سببا ~~تاما لوجود و لكن يكون سبب الخير و اللذة قد انعقد و لا يحصل الشرط فيقع ~~الألم و ذلك مثل عدم فعل الواجبات الذي هو سبب الذم و العقاب و مثل عدم ~~العلم الذي هو سبب ألم الجهل و عدم السمع و البصر و النطق الذي هو سبب ~~الألم بالعمى و الصمم و البكم و عدم الصحة و القوة الذي هو سبب الألم و ~~المرض و الضعف # فهذه المواضع ونحوها يكون الشر ايضا مضافا إلى العدم المضاف إلى العبد ~~حتى يتحقق قول الخليل ^ و إذا مرضت فهو يشفين ^ فإن المرض و إن كان ألما ~~موجودا فسببه ضعف القوة و انتفاء الصحة الموجودة و ذلك عدم هو من الانسان ~~المعدوم بنفسه و لا يتحقق قول الحق ( و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ) و قوله ~~@QB@ قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ و نحو ذلك فيما كان سببه عدم ~~فعل الواجب و كذلك قول الصحابي و إن يكن خطأ فمني و من الشيطان # يبين ذلك أن المحرمات جميعها من الكفر و الفسوق و العصيان إنما يفعلها ~~العبد لجهله أو لحاجته فإنه إذا كان عالما بمضرتها و هو غني عنها امتنع أن ~~يفعلها و الجهل أصله عدم و الحاجة أصلها العدم PageV14P022 # فأصل وقوع السيئات منه عدم العلم و الغنى و لهذا يقول فى القرآن @QB@ ما ~~كانوا يستطيعون السمع ms0613 @QE@ @QB@ أفلم تكونوا تعقلون @QE@ @QB@ إنهم ألفوا ~~آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون @QE@ إلى نحو هذه المعاني # وأما الموجود الذي هو سبب الشر الموجود الذي هو خاص كالآلام مثل الأفعال ~~المحرمة من الكفر الذي هو تكذيب أو استكبار و الفسوق الذي هو فعل المحرمات ~~و نحو ذلك فإن ذلك سبب الذم و العقاب و كذلك تناول الأغذية الضارة و كذلك ~~الحركات الشديدة المورثة للألم فهذا الوجود لايكون و جودا تاما محضا إذ ~~الوجود التام المحض لا يورث إلا خيرا كما قلنا إن العدم المحض لايقتضي و ~~جودا بل يكون و جودا ناقصا إما فى السبب و إما في المحل كما يكون سبب ~~التكذيب عدم معرفة الحق و الاقرار به و سبب عدم هذا العلم والقول عدم ~~أسبابه من النظر التام و الاستماع التام لآيات الحق و أعلامه # وسبب عدم النظر و الاستماع إما عدم المقتضى فيكون عدما محضا و إما وجود ~~مانع من الكبر أو الحسد فى النفس ( و الله لا يجب كل مختال فخور ) و هو ~~تصور باطل و سببه عدم غنى النفس بالحق فتعتاض عنه بالخيال الباطل ~~PageV14P023 و ^ # الحسد ^ أيضا سببه عدم النعمة التى يصير بها مثل المحسود أو أفضل منه فإن ~~ذلك يوجب كراهة الحاسد لأن يكافئه المحسود أو يتفضل عليه # وكذلك الفسوق كالقتل والزنا و سائر القبائح إنما سببها حاجة النفس إلى ~~الاشتفاء بالقتل و الالتذاذ بالزنا و إلا فمن حصل غرضه بلا قتل أو نال ~~اللذة بلا زنا لا يفعل ذلك و الحاجة مصدرها العدم و هذا يبين إذا تدبره ~~الانسان ان الشر الموجود إذا أضيف إلى عدم أو وجود فلا بد أن يكون وجودا ~~ناقصا فتارة يضاف إلى عدم كمال السبب أو فوات الشرط و تارة يضاف إلى وجود و ~~يعبر عنه تارة بالسبب الناقص و المحل الناقص و سبب ذلك إما عدم شرط أو وجود ~~مانع و المانع لا يكون مانعا إلا لضعف المقتضى و كل ما ذكرته واضح بين إلا ~~هذا الموضع ففيه غموض ms0614 بتبين عند التأمل و له طرفان # ( أحدهما ( أن الموجود لا يكون سببه عدما محضا # و ( الثاني ( أن الموجود لايكون سببا للعدم المحض و هذا معلوم بالبديهة ~~أن الكائنات الموجودة لا تصدر إلا عن حق موجود PageV14P024 ولهذا كان ~~معلوما بالفطرة أنه لابد لكل مصنوع من صانع كما قال تعالى ( أم خلقوا من ~~غير شيء أم هم الخالقون ) يقول أخلقوا من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا ~~أنفسهم # ومن المتكلمين من استدل على هذا المطلوب بالقياس و ضرب المثال والاستدلال ~~عليه ممكن ودلائله كثيرة و الفطرة عند صحتها أشد إقرارا به و هو لها أبده و ~~هي إليه أشد اضطرارا من المثال الذي يقاس به # وقد اختلف أهل الأصول فى العلة الشرعية هل يجوز تعليل الحكم الوجودي ~~بالوصف العدمى فيها مع قولهم إن العدمي يعلل بالعدمي فمنهم من قال يعلل به ~~و منهم من أنكر ذلك و منهم من فصل بين مالا يجوز أن يكون علة للوجود فى ~~قياس العلة و يجوز أن تكون علته له في قياس الدلالة فلا يضاف إليه فى قياس ~~الدلالة و هذا فصل الخطاب و هو أن قياس الدلالة يجوز أن يكون العدم فيه علة ~~ى و جزءا من علة لأن عدم الوصف قد يكون دليلا على و صف و جودي يقتضي الحكم # وأما ( قياس العلة ( فلا يكون العدم فيه علة تامة لكن يكون جزءا من العلة ~~التامة و شرطا للعلة المقتضية التى ليست بتامة و قلنا جزء من العلة التامة ~~و هو معنى كونه شرطا في اقتضاء العلة الوجودية PageV14P025 وهذا نزاع لفظي ~~فإذا حققت المعاني ارتفع فهذا في بيان أحد الطرفين و هو أن الموجود لا يكون ~~سببه عدما محضا # وأما ( الطرف الثاني ( وهو أن الموجود لايكون سببا لوجود يستلزم عدما ~~فلأن العدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود بل يكفي فيه عدم السبب الموجود ~~ولأن السبب الموجود إذا أثر فلابد أن يؤثر شيئا و العدم المحض ليس بشيء ~~فالأثر الذي هو عدم محض بمنزلة عدم ms0615 الأثر بل إذا أثر الاعدام فالاعدام أمر ~~وجودي فيه عدم فإن جعل الموجود معدوما و المعدوم موجودا أمر معقول أما جعل ~~المعدوم معدوما فلا يعقل إلا بمعنى الابقاء على العدم و الابقاء على العدم ~~يكفي فيه عدم الفاعل و الفرق معلوم بين عدم الفاعل و عدم الموجب 2 فى عدم ~~العلة و بين فاعل العدم و موجب العدم و علة العدم و العدم لا يفتقر إلى ~~الثاني بل يكفى فيه الأول # فتبين بذلك الطرفان و هو أن العدم المحض الذي ليس فيه شوب وجود لا يكون ~~وجودا ما لاسببا و لا مسببا و لا فاعلا و لا مفعولا أصلا فالوجود المحض ~~التام الذي ليس فيه شوب عدم لا يكون سببا لعدم أصلا و لا مسببا عنه و لا ~~فاعلا له و لا مفعولا أما كونه ليس مسببا عنه و لا مفعولا له فظاهر و أما ~~كونه ليس سببا له فإن كان سببا لعدم محض فالعدم المحض لا يفتقر إلى سبب ~~موجود و إن كان لعدم PageV14P026 فيه وجود فذاك الوجود لابد له من سبب و لو ~~كان سببه تاما و هو قابل لما دخل فيه عدم فإنه إذا كان السبب تاما والمحل ~~قابلا وجب وجود المسبب فحيث كان فيه عدم فلعدم ما في السبب أو فى المحل فلا ~~يكون وجودا محضا فظهر أن السبب حيث تخلف حكمه إن كان لفوات شرط فهو عدم و ~~إن كان لوجود مانع فإنما صار مانعا لضعف السبب و هو أيضا عدم قوته و كماله ~~فظهر أن الوجود ليس سبب العدم المحض و ظهر بذلك القسمة الرباعية و هي أن ~~الوجود المحض لايكون إلا خيرا # يبين ذلك أن كل شرفى العالم لا يخرج عن قسمين إما ألم و إما سبب الألم ~~وسبب والألم مثل الأفعال السيئة المقتضية للعذاب والألم الموجود لايكون إلا ~~لنوع عدم فكما يكون سببه تفرق الاتصال و تفرق الاتصال هو عدم التأليف ~~والاتصال الذى بينهما و هو الشر و السفاد # وأما سبب الألم ms0616 فقد قررت فى ( قاعدة كبيرة ( أن أصل الذنوب هو عدم ~~الواجبات لافعل المحرمات و أن فعل المحرمات إنما و قع لعدم الواجبات فصار ~~أصل الذنوب عدم الواجبات و أصل الألم PageV14P027 عدم الصحة و لهذا كان ~~النبى صلى الله عليه و سلم يعلمهم فى خطبة الحاجة أن يقولوا ( و نعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ( فيستعيذ من شر النفس الذي نشأ عنها من ~~ذنوبها وخطاياها و يستعيذ من سيئات الأعمال التى هي عقوباتها و آلامها فإن ~~قوله ( و من سيئات أعمالنا ( قد يراد به السيئات فى الأعمال و قد يراد به ~~العقوبات فإن لفظ السيئات فى كتاب الله يراد به ما يسوء الإنسان من الشر و ~~قد يراد به الأعمال السيئة قال تعالى ^ إن تمسسكم حسنة تسؤهم و إن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها ^ وقال تعالى ^ و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن ~~الانسان كفور ^ # ومعلوم أن شر النفس هو الأعمال السيئة فتكون سيئات الأعمال هى الشر و ~~العقوبات الحاصلة بها فيكون مستعيذا من نوعى السيئات الأعمال السيئة و ~~عقوباتها كما فى الاستعاذة المأمور بها فى الصلاة ( أعوذ بك من عذاب جهنم و ~~من عذاب القبر و من فتنة المحيا و الممات و من فتنة المسيح الدجال ( فأمرنا ~~بالاستعاذة من العذاب عذاب الآخرة و عذاب البرزخ و من سبب العذاب و من فتنة ~~المحيا و الممات و فتنة المسيح الدجال و ذكر الفتنة الخاصة بعد الفتنة ~~العامة فتنة المسيح الدجال فإنها أعظم الفتن كما فى الحديث الصحيح ( مامن ~~خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من فتنة المسيح الدجال ( PageV14P028 $ ~~فصل # إذا ظهر أن العبد و كل مخلوق فقير إلى الله محتاج إليه ليس فقيرا إلى ~~سواه فليس هو مستغنيا بنفسه و لا بغير ربه فإن ذلك الغير فقير أيضا محتاج ~~إلى الله و من المأثور عن أبي يزيد رحمه الله أنه قال استغاثة المخلوق ~~بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق و عن الشيخ أبي عبد الله القرشي أنه قال ~~استغاثة ms0617 المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون و هذا تقريب و إلا فهو ~~كاستغاثة العدم بالعدم فإن المستغاث به إن لم يخلق الحق فيه قوة و حولا و ~~إلا فليس له من نفسه شيء قال سبحانه @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~@QE@ و قال تعالى ^ و لا يشفعون إلا لمن ارتضى ^ و قال تعالى ^ و ما هم ~~بضارين به من أحد إلا باذن الله ^ و اسم العبد يتناول معنيين # ( أحدهما ) بمعنى العابد كرها كما قال ( إن كل من في السموات و الأرض إلا ~~آتى الرحمن عبدا ) و قال ( و له أسلم من فى السموات و الأرض طوعا و كرها # و قال @QB@ بديع السماوات والأرض @QE@ ^ كل PageV14P029 له قانتون ^ و ~~قال ^ ولله يسجد من فى السموات و الأرض طوعا و كرها ) # و ( الثاني ( بمعنى العابد طوعا و هو الذي يعبده و يستعينه و هذا هو ~~المذكور في قوله ( و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) و قوله ( ~~عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ) و قوله ( إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان ) و قوله ( إلا عبادك منهم المخلصين ) و قوله ^ يا عباد لا خوف عليكم ~~اليوم و لاأنتم تحزنون ^ و قوله ^ و اذكر عبادنا إبراهيم و اسحاق و يعقوب ^ ~~و قوله @QB@ فأوحى إلى عبده ما أوحى @QE@ و قوله @QB@ نعم العبد إنه أواب ~~@QE@ و قوله @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ و قوله ^ و أنه لما قام ~~عبد الله يدعوه ^ # وهذه العبودية قد يخلو الإنسان منها تارة و أما الأولى فوصف لازم إذا ~~أريد بها جريان القدر عليه و تصريف الخالق له قال تعالى ( أفغير دين الله ~~يبغون و له أسلم من فى السموات والأرض طوعا و كرها و إليه يرجعون ) و عامة ~~السلف على أن المراد بالاستسلام إستسلامهم له بالخضوع و الذل لا مجرد تصريف ~~الرب لهم كما في قوله ^ و لله يسجد من فى السموات والأرض طوعا و كرها ^ و ~~هذا الخضوع و الذل هو أيضا لازم لكل عبد لابد له من ms0618 ذلك و إن PageV14P030 ~~كان قد يعرض له أحيانا الاعراض عن ربه و الاستكبار فلابد له عند التحقيق من ~~الخضوع و الذل له لكن المؤمن يسلم له طوعا فيحبه و يطيع أمره و الكافر إنما ~~يخضع له عند رغبة و رهبة فإذا زال عنه ذلك أعرض عن ربه كما قال ( وإذا مس ~~الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنا إلى ضر مسه ) و قال ( و إذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلاإياه ~~فلما نجاكم إلى البر أعرضتم و كان الانسان كفورا ) # وفقر المخلوق و عبوديته أمر ذاتي له لا وجود له بدون ذلك و الحاجة ضرورية ~~لكل المصنوعات المخلوقات و بذلك هي أنها لخالقها و فاطرها إذ لاقيام لها ~~بدونه و إنما يفترق الناس فى شهود هذا الفقر و الاضطرار و عزوبه عن قلوبهم # و ( أيضا ( فالعبد يفتقر إلى الله من جهة أنه معبوده الذي يحبه حب إجلال ~~و تعظيم فهو غاية مطلوبه و مراده و منتهى همته و لا صلاح له إلا بهذا و أصل ~~الحركات الحب و الذي يستحق المحبة لذاته هو الله فكل من أحب مع الله شيئا ~~فهو مشرك و حبه فساد و إنما الحب الصالح النافع حب الله و الحب لله و ~~الانسان فقير إلى الله من جهة عبادته له و من جهة استعانته به للاستسلام ~~والانقياد لمن أنت إليه فقير و هو ربك و إلهك PageV14P031 # وهذا العلم و العمل أمر فطري ضروري فإن النفوس تعلم فقرها إلى خالقها و ~~تذل لمن افتقرت إليه و غناه من الصمدية التى انفرد بها فإنه ( يسأله من فى ~~السموات والأرض ) و هو شهود الربوبية بالاستعانة و التوكل و الدعاء و ~~السؤال ثم هذا لا يكفيها حتى تعلم ما يصلحها من العلم و العمل و ذلك هو ~~عبادته والإنابة إليه فإن العبد إنما خلق لعبادة ربه فصلاحه و كماله و لذته ~~و فرحه و سروره فى أن يعبد ربه ms0619 و ينيب إليه و ذلك قدر زائد على مسألته ~~والافتقار إليه فإن جميع الكائنات حادثة بمشيئته قائمة بقدرته و كلمته ~~محتاجة إليه فقيرة إليه مسلمة له طوعا و كرها فإذا شهد العبد ذلك و أسلم له ~~و خضع فقد آمن بربوبيته أى حاجته و فقره إليه صار سائلا له متوكلا عليه ~~مستعينا به إما بحاله أو بقاله بخلاف المستكبر عنه المعرض عن مسألته # ثم هذا المستعين به السائل له إما أن يسأل ماهو مأمور به أو ما هو منهى ~~عنه أو ما هو مباح له ف ( الأول ( حال المؤمنين السعداء الذين حالهم ^ إياك ~~نعبد و إياك نستعين ^ و ( الثاني ( حال الكفار و الفساق و العصاة الذين ~~فيهم إيمان به و إن كانوا كفارا كما قال ^ و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم ~~مشركون ^ فهم مؤمنون بربوبيته مشركون فى عبادته كما قال النبى صلى الله ~~عليه و سلم لحصين الخزاعى PageV14P032 ( ياحصين كم تعبد قال سبعة آلهة ستة ~~فى الأرض و واحدا فى السماء قال فمن الذي تعد لرغبتك و رهبتك قال الذي فى ~~السماء قال أسلم حتى أعلمك كلمة ينفعك الله تعالى بها فأسلم فقال قل اللهم ~~ألهمني رشدي و قني شر نفسي ( رواه أحمد و غيره # ولهذا قال سبحانه و تعالى ( و إذا سألك عبادي عني فانى قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ) أخبر سبحانه أنه ~~قريب من عباده يجيب دعوة الداعى إذا دعاه فهذا إخبار عن ربوبيته لهم و ~~إعطائه سؤلهم و إجابة دعائهم فانهم إذا دعوه فقد آمنوا بربوبيته لهم و إن ~~كانوا مع ذلك كفارا من و جه آخر و فساقا أو عصاة قال تعالى ( و إذا مسكم ~~الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم و كان ~~الانسان كفورا ) و قال تعالى ( و إذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر ms0620 مسه كذلك زين للمسرفين ~~ما كانوا يعملون ) و نظائره في القرآن كثيرة ثم أمرهم بأمرين فقال ( ~~فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ) ف ( الأول ( أن يطيعوه فيما ~~أمرهم به من العبادة و الاستعانة و ( الثانى ( الإيمان بربوبيته و ألوهيته ~~و أنه ربهم و إلهم # ولهذا قيل إجابة الدعاء تكون عن صحة الإعتقاد و عن كمال الطاعة ~~PageV14P033 لأنه عقب آية الدعاء بقولة ^ فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بى ^ و ~~الطاعة و العبادة هي مصلحة العبد التى فيها سعادته و نجاته و أما إجابة ~~دعائه و إعطاء سؤاله فقد يكون منفعة و قد يكون مضرة قال تعالى ( و يدعو ~~الانسان بالشر دعاءه بالخير و كان الانسان عجولا ) و قال تعالى ( و لو يعجل ~~الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم ) و قال تعالى عن ~~المشركين ^ و إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ~~من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ^ و قال ^ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح و ان ~~تنتهوا فهو خير لكم ^ و قال ^ ادعوا ربكم تضرعا و خفية إنه لا يحب المعتدين ~~^ و قال ^ و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان ~~فكان من الغاوين و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه أخلد إلى الأرض و اتبع هواه ~~^ الآية و قال ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل ~~لعنة الله على الكاذبين ) و قال النبى صلى الله عليه و سلم لما دخل على أهل ~~جابر فقال ( لاتدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما ~~تقولون ( PageV14P034 $ فصل فا لعبد كما أنه فقير إلى الله دائما فى إعانته ~~و إجابة دعوته و إعطاء سؤاله و قضاء حوائجة فهو فقير إليه فى أن يعلم ما ~~يصلحه و ما هو الذي يقصده و يريده و هذا هو الأمر و النهي و الشريعة و إلا ms0621 ~~فإذا قضيت حاجته التى طلبها و أرادها و لم تكن مصلحة له كان ذلك ضررا عليه ~~و إن كان في الحال له فيه لذة و منفعة فالاعتبار بالمنفعة الخالصة أو ~~الراجحة و هذا قد عرفه الله عباده برسله و كتبه علموهم و زكوهم و أمروهم ~~بما ينفعهم و نهوهم عما يضرهم و بينوا لهم أن مطلوبهم و مقصودهم و معبودهم ~~يجب أن يكون هو الله و حده لا شريك له كما أنه هو ربهم و خالقهم و أنهم إن ~~تركوا عبادته أو أشركوا به غيره خسروا خسرانا مبينا و ضلوا ضلالا بعيدا و ~~كان ما أوتوه من قوة و معرفة و جاه و مال و غير ذلك و إن كانوا فيه فقراء ~~إلى الله مستعينين به عليه مقرين بربوبيته فإنه ضرر عليهم و لهم بئس المصير ~~و سوء الدار و هذا هو الذي تعلق به الأمر الدينى الشرعى و الارادة الدينية ~~PageV14P035 الشرعية كما تعلق بالأول الأمر الكونى القدري و الإرادة ~~الكونية القدرية # والله سبحانه قد أنعم على المؤمنين بالاعانة و الهداية فإنه بين لهم ~~هداهم بإرسال الرسل و إنزال الكتب و أعانهم على اتباع ذلك علما و عملا كما ~~من عليهم و على سائر الخلق بأن خلقهم و رزقهم و عافاهم و من على أكثر الخلق ~~بأن عرفهم ربوبيته لهم و حاجتهم إليه و أعطاهم سؤلهم و أجاب دعاءهم قال ~~تعالى ( يسأله من فى السموات والأرض كل يوم هو فى شأن ) فكل أهل السموات ~~والأرض يسألونه فصارت الدرجات أربعة # ( قوم ( لم يعبدوه و لم يستعينوه و قد خلقهم و رزقهم و عافاهم # و ( قوم ( استعانوه فأعانهم و لم يعبدوه # و ( قوم ( طلبوا عبادته و طاعته و لم يستعينوه و لم يتوكلوا عليه # و ( الصنف الرابع ( الذين عبدوه و استعانوه فأعانهم على عبادته و طاعته و ~~هؤلاء هم الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قد بين سبحانه ما خص به المؤمنين ~~فى قوله ( حبب إليكم الايمان و زينه فى قلوبكم و ms0622 كره إليكم الكفر و الفسوق ~~و العصيان أولئك هم الراشدون ) # والحمد لله رب العالمين و صلى الله على أفضل المرسلين محمد و آله و صحبه ~~أجمعين PageV14P036 # قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى $ فصل # والعبد مضطر دائما إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم فهو مضطر إلى مقصود ~~هذا الدعاء فإنه لانجاة من العذاب و لا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية ~~فمن فاته فهو إما من المغضوب عليهم و إما من الضالين و هذا الهدى لايحصل ~~إلا بهدى الله و هذه الآية مما يبين فساد مذهب القدرية # وأما سؤال من يقول فقد هداهم فلا حاجة بهم إلى السؤال و جواب من أجابه ~~بأن المطلوب دوامها كلام من لم يعرف حقيقة الأسباب و ما أمر الله به فإن ~~@QB@ الصراط المستقيم @QE@ أن يفعل العبد فى كل وقت ما أمر به فى ذلك الوقت ~~من علم و عمل و لا يفعل مانهي عنه و هذا يحتاج في كل و قت إلى أن يعلم و ~~يعمل ما أمر به فى ذلك الوقت PageV14P037 وما نهى عنه و إلى أن يحصل له ~~إرادة جازمة لفعل المأمور و كراهة جازمة لترك المحظور فهذا العلم المفصل و ~~الارادة المفصلة لا يتصور أن تحصل للعبد فى وقت واحد بل كل و قت يحتاج إلى ~~أن يجعل الله فى قلبه من العلوم و الارادات ما يهتدى به في ذلك الصراط ~~المستقيم # نعم حصل له هدى مجمل بأن القرآن حق و الرسول حق و دين الإسلام حق و ذلك ~~حق و لكن هذا المجمل لا يغنيه أن لم يحصل له هدى مفصل في كل ما يأتيه و ~~يذره من الجزئيات التى يحار فيها أكثر عقول الخلق و يغلب الهوى و الشهوات ~~أكثر عقولهم لغلبة الشهوات و الشبهات عليهم # والانسان خلق ظلوما جهولا فالأصل فيه عدم العلم و ميله إلى ما يهواه من ~~الشر فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله و عدل فى محبته و بغضه ms0623 و رضاه ~~و غضبه و فعله و تركه و اعطائه و منعه و أكله و شربه و نومه و يقظته فكل ما ~~يقوله و يعمله يحتاج فيه إلى علم ينافى جهله و عدل ينافى ظلمه فإن لم يمن ~~الله عليه بالعلم المفصل و العدل المفصل و إلا كان فيه من الجهل و الظلم ما ~~يخرج به عن الصراط المستقيم و قد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم بعد ~~صلح الحديبية و بيعة الرضوان ( انا فتحنا لك فتحا مبينا ) إلى قوله تعالى ^ ~~و يهديك صراطا PageV14P038 مستقيما ^ فإذا كان هذه حاله فى آخر حياته أو ~~قريبا منها فكيف حال غيره # و ^ الصراط المستقيم ^ قد فسر بالقرآن و بالاسلام و طريق العبودية و كل ~~هذا حق فهو موصوف بهذا و بغيره ف ( القرآن ( مشتمل على مهمات و أمور دقيقة ~~و نواهي و اخبار و قصص و غير ذلك ان لم يهد الله العبد إليها فهو جاهل بها ~~ضال عنها و كذلك ( الاسلام ( و ما اشتمل عليه من المكارم و الطاعات و ~~الخصال المحمودة و كذلك ( العبادة و ما اشتملت عليه ( # فحاجة العبد إلى سؤال هذه الهداية ضرورية في سعادته و نجاته و فلاه بخلاف ~~حاجته إلى الرزق و النصر فإن الله يرزقه فإذا انقطع رزقه مات و الموت لابد ~~منه فإذا كان من أهل الهدى به كان سعيدا قبل الموت و بعده و كان الموت ~~موصلا إلى السعادة الأبدية و كذلك النصر إذا قدر أنه غلب حتى قتل فإنه يموت ~~شهيدا و كان القتل من تمام النعمة فتبين أن الحاجة إلى الهدى أعظم من ~~الحاجة إلى النصر و الرزق بل لا نسبة بينهما لأنه إذا هدي كان من المتقين ( ~~و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب ) و كان ممن ينصر ~~الله و رسوله و من نصر الله نصره الله و كان من جند الله و هم الغالبون و ~~لهذا كان هذا الدعاء هو المفروض PageV14P039 # و ms0624 ( أيضا ( فإنه يتضمن الرزق و النصر لأنه إذا هدى ثم أمر و هدى غيره ~~بقوله و فعله و رؤيته فالهدى التام أعظم ما يحصل به الرزق و النصر فتبين أن ~~هذا الدعاء جامع لكل مطلوب و هذا مما يبين لك أن غير الفاتحة لايقوم مقامها ~~و أن فضلها على غيرها من الكلام أعظم من فضل الركوع و السجود على سائر ~~أفعال الخضوع فاذا تعينت الأفعال فهذا القول أولى و الله أعلم # وصلى الله على نبيه محمد وسلم تسليما كثيرا PageV14P040 # قال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل # وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه ( سورة البقرة ( من تقرير أصول العلم و ~~قواعد الدين أن الله تعالى افتتحها بذكر كتابه الهادي للمتقين فوصف حال أهل ~~الهدى ثم الكافرين ثم المنافقين فهذه ( جمل خبرية ( ثم ذكر ( الجمل الطلبية ~~( فدعا الناس إلى عبادته و حده ثم ذكر الدلائل على ذلك من فرش الأرض و بناء ~~السماء و إنزال الماء و اخراج الثمار رزقا للعباد ثم قرر ( الرسالة ( و ذكر ~~( الوعد و الوعيد ( ثم ذكر مبدأ ( النبوة و الهدى ( و ما بثه فى العالم من ~~الخلق و الأمر ثم ذكر تعليم آدم الاسماء و اسجاد الملائكة له لما شرفه من ~~العلم فإن هذا تقرير لجنس ما بعث به محمد صلى الله عليه و سلم من الهدى و ~~دين الحق فقص جنس دعوة الأنبياء # ثم انتقل إلى خطاب بنى اسرائيل و قصة موسى معهم و ضمن ذلك تقرير نبوته إذ ~~هو قرين محمد فذكر آدم الذي هو أول PageV14P041 و موسى الذي هو نظيره و هما ~~اللذان احتجا و موسى قتل نفسا فغفر له و آدم أكل من الشجرة فتاب عليه و كان ~~فى قصة موسى رد على الصابئة و نحوهم ممن يقر بجنس النبوات و لا يوجب اتباع ~~ماجاءوا به و قد يتأولون أخبار الأنبياء و فيها رد على أهل الكتاب بما ~~تضمنه ذلك من الأمر بالايمان بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم و ms0625 تقرير ~~نبوته وذكر حال من عدل عن النبوة إلى السحر و ذكر النسخ الذي ينكره بعضهم و ~~ذكر النصارى وأن الأمتين لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم كل هذا فى تقرير أصول ~~الدين من الوحدانية و الرسالة # ثم أخذ سبحانه فى بيان شرائع الاسلام التى على ملة إبراهيم فذكر إبراهيم ~~الذي هو امام و بناء البيت الذي بتعظيمه يتميز أهل الاسلام عما سواهم و ذكر ~~استقباله و قرر ذلك فإنه شعار الملة بين أهلها و غيرهم و لهذا يقال أهل ~~القبلة كما يقال ( من صلى صلاتنا و استقبل قبلتنا و أكل ذبيحتنا فهو المسلم ~~( # وذكر من ( المناسك ( ما يختص بالمكان و ذلك أن الحج له مكان و زمان و ( ~~العمرة ( لها مكان فقط و العكوف و الركوع و السجود شرع فيه و لا يتقيد به و ~~لا بمكان و لا بزمان لكن الصلاة تتقيد باستقباله فذكر سبحانه هذه الأنواع ~~الخمسة من العكوف PageV14P042 والصلاة و الطواف و العمرة و الحج و الطواف ~~يختص بالمكان فقط ثم اتبع ذلك ما يتعلق بالبيت من الطواف بالجبلين و انه لا ~~جناح فيه جوابا لما كان عليه الأنصار فى الجاهلية من كراهة الطواف بهما ~~لأجل اهلالهم لمناة و جوابا لقوم توقفوا عن الطواف بهما # وجاء ذكر الطواف بعد العبادات المتعلقة بالبيت بل و بالقلوب والابدان ~~والاموال بعد ما أمروا به من الاستعانه بالصبر و الصلاة اللذين لا يقوم ~~الدين إلا بهما و كان ذلك مفتاح الجهاد المؤسس على الصبر لأن ذلك من تمام ~~أمر البيت لأن أهل الملل لا يخالفون فيه فلا يقوم أمر البيت إلا بالجهاد ~~عنه و ذكر الصبر على المشروع و المقدور و بين ما أنعم به على هذه الأمة من ~~البشرى للصابرين فانها أعطيت مالم تعط الأمم قبلها فكان ذلك من خصائصها و ~~شعائرها كالعبادات المتعلقة بالبيت و لهذا يقرن بين الحج و الجهاد لدخول كل ~~منهما فى سبيل الله فأما الجهاد فهو أعظم سبيل الله بالنص و الاجماع و كذلك ms0626 ~~الحج فى الأصح كما قال الحج من سبيل الله ( # وبين أن هذا معروف عند أهل الكتاب بذمه لكاتم العلم ثم ذكر أنه لا يقبل ~~دينا غير ذلك ففي أولها ( فلا تجعلوا لله أندادا ) و فى أثنائها ( و من ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا ) ف ( الأول ( نهي عام و ( الثاني ( نهي ~~خاص و ذكرها بعد البيت لينتهى عن قصد PageV14P043 الأنداد المضاهية له و ~~لبيته من الأصنام و المقابر و نحو ذلك و وحد نفسه قبل ذلك و أنه ( لا إله ~~إلا هو الرحمن الرحيم ) ثم ذكر ما يتعلق بتوحيده من الآيات # ثم ذكر الحلال و الحرام و أطلق الأمر في المطاعم لأن الرسول بعث ~~بالحنيفية و شعارها و هو البيت و ذكر سماحتها في الأحوال المباحة و في ~~الدماء بما شرعه من القصاص و من أخذ الدية ثم ذكر العبادات المتعلقة ~~بالزمان فذكر الوصية المتعلقة بالموت ثم الصيام المتعلق برمضان و ما يتصل ~~به من الاعتكاف ذكره في عبادات المكان و عبادات الزمان فإنه يختص بالمسجد و ~~بالزمان استحبابا أو وجوبا بوقت الصيام و وسطه أولا بين الطواف و الصلاة ~~لأن الطواف يختص بالمسجد الحرام و الصلاة تشرع فى جميع الأرض و العكوف ~~بينهما # ثم أتبع ذلك بالنهي عن أكل الأموال بالباطل و أخبر أن المحرم ( نوعان ( ~~نوع لعينه كالميتة و نوع لكسبه كالربا و المغصوب فاتبع المعنى الثابت ~~بالمحرم الثابت تحريمه لعينه و ذكر فى أثناء عبادات الزمان المنتقل الحرام ~~المنتقل و لهذا أتبعه بقوله ( يسألونك عن الأهلة ) الآية و هي أعلام ~~العبادات الزمنية و أخبر أنه جعلها مواقيت للناس فى أمر دينهم و دنياهم و ~~للحج لأن البيت تحجه الملائكة و الجن فكان هذا أيضا PageV14P044 فى أن الحج ~~موقت بالزمان كأنه موقت بالبيت المكاني و لهذا ذكر بعد هذا من أحكام الحج ~~ما يختص بالزمان مع أن المكان من تمام الحج و العمرة # وذكر ( المحصر ( و ذكر تقديم الاحلال المتعلق بالمال و هو الهدي عن ~~الاحلال المتعلق ms0627 بالنفس و هو الحلق و أن المتحلل يخرج من إحرامه فيحل ~~بالأسهل فالأسهل و لهذا كان آخر ما يحل عين الوطئ فإنه أعظم المحظورات و لا ~~يفسد النسك بمحظور سواه # وذكر ( التمتع بالعمرة إلى الحج ( لتعلقه بالزمان مع المكان فإنه لايكون ~~متمتعا حتى يحرم بالعمرة فى أشهر الحج و حتى لا يكون أهله حاضري المسجد ~~الحرام و هو الأفقي فإنه الذي يظهر التمتع في حقه لترفهه بسقوط أحد السفرين ~~عنه أما الذي هو حاضر فسيان عنده تمتع أو اعتمر قبل أشهر الحج ثم ذكر وقت ~~الحج و أنه أشهر معلومات و ذكر الاحرام و الوقوف بعرفة و مزدلفة فإن هذا ~~مختص بزمان و مكان و لهذا قال ( فمن فرض فيهن الحج ) و لم يقل ( و العمرة ) ~~لأنها تفرض فى كل و قت و لاريب أن السنة فرض الحج في أشهر و من فرض قبله ~~خالف السنة فإما أن يلزمه ما التزمه كالنذر إذ ليس فيه نقض للمشروع و ليس ~~كمن صلى قبل الوقت و إما أن يلزم PageV14P045 الاحرام و يسقط الحج و يكون ~~معتمرا و هذان قولان مشهوران ثم أمر عند قضاء المناسك بذكره و قضائها و ~~الله أعلم قضاء التفث و الاحلال و لهذا قال بعد ذلك ( و اذكروا الله في ~~أيام معدودات ) و هذا أيضا من العبادات الزمانية المكانية و هو ذكر الله ~~تعالى مع رمي الجمار و مع الصلوات و دل على أنه مكاني قوله ( فمن تعجل فى ~~يومين ) الآية و إنما يكون التعجيل و التأخير فى الخروج من المكان و لهذا ~~تضاف هذه الأيام إلى مكانها فيقال أيام منى و إلى عملها فيقال أيام التشريق ~~كما يقال ليلة جمع و ليلة مزدلفة و يوم عرفة و يوم الحج الأكبر و يوم العيد ~~و يوم الجمعة فتضاف إلى الأعمال و أماكن الأعمال إذ الزمان تابع للحركة و ~~الحركة تابعة للمكان فتدبر تناسب القرآن و ارتباط بعضه ببعض و كيف ذكر ~~أحكام الحج فيها فى موضعين مع ذكر ms0628 بيته و ما يتعلق بمكانه و موضع ذكر فيه ~~الأهلة فذكر مايتعلق بزمانه و ذكر أيضا القتال في المسجد الحرام و المقاصة ~~في الشهر الحرام لأن ذلك مما يتعلق بالزمان المتعلق بالمكان و لهذا قرن ~~سبحانه ذكر كون الأهلة مواقيت للناس و الحج وذكر أن ( البر ( ليس أن يشقى ~~الرجل نفسه و يفعل مالا فائدة PageV14P046 فيه من كونه يبرز للسماء فلا ~~يستظل بسقف بيته حتى إذا أراد دخول بيته لا يأتيه إلا من ظهره فأخبر أن ~~الهلال الذي جعل ميقاتا للحج شرع مثل هذا و إنما تضمن شرع التقوى ثم ذكر ~~بعد ذلك مايتعلق بأحكام النكاح و الوالدات و ما يتعلق بالأموال و الصدقات و ~~الربا و الديون و غير ذلك ثم ختمها بالدعاء العظيم المتضمن و ضع الآصار و ~~الأغلال و العفو و المغفرة و الرحمة و طلب النصر على القوم الكافرين الذين ~~هم أعداء ما شرعه من الدين فى كتابه المبين # والحمد لله رب العالمين PageV14P047 @ قال شيخ الاسلام # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من ( كتب التفسير ( إلا ماهو ~~خطأ # منها قوله ( بلى من كسب سيئة و أحاطت به خطيئيه ) الآية ذكر أن المشهور ~~أن ( السيئة ) الشرك و قيل الكبيرة يموت عليها قاله عكرمة قال مجاهد هي ~~الذنوب تحيط بالقلب # قلت الصواب ذكر أقوال السلف و ان كان فيها ضعيف فالحجة تبين ضعفه فلا ~~يعدل عن ذكر أقوالهم لموافقتها قول طائفة من المبتدعة و هم ينقلون عن بعض ~~السلف أن هذه الآية أخطأ فيها الكاتب كما قيل فى غيرها و من أنكر شيئا من ~~القرآن بعد تواتره استتيب فإن تاب و إلا قتل و أما قبل تواتره عنده فلا ~~يستتاب لكن يبين له و كذلك الأقوال التى جاءت الأحاديث بخلافها فقها و ~~تصوفا و اعتقادا و غير ذلك # وقول مجاهد صحيح كما في الحديث الصحيح ( إذا أذنب العبد PageV14P048 نكت ~~فى قلبه نكتة سوداء ( الخ و الذي يغشى القلب يسمى ( رينا ( و ( طبعا ( و ( ~~ختما ( و ms0629 ( ففلا ( و نحو ذلك فهذ ما عليه و ( احاطة الخطيئة ( إحداقها به ~~فلا يمكنه الخروج و هذا هو البسل بما كسبت نفسه أي تحبس عما فيه نجاتها فى ~~الدارين فإن المعاصي قيد و حبس لصاحبها عن الجولان فى قضاء التوحيد و عن ~~جنى ثمار الاعمال الصالحة # ومن المنتسبين إلى السنة من يقول أن صاحب الكبيرة يعذب مطلقا و الاكثرون ~~على خلافه و أن الله سبحانه يزن الحسنات و السيئات و على هذا دل الكتاب و ~~السنة و هو معنى الوزن لكن تفسير السيئة بالشرك هو الأظهر لأنه سبحانه غاير ~~بين المكسوب و المحيط فلو كان واحدا لم يغاير و المشرك له خطايا غير الشرك ~~أحاطت به لأنه لم يتب منها # و ( أيضا ( قوله ( سيئة ) نكرة و ليس المراد جنس السيئات بالاتفاق # و ( أيضا ( لفظ ( السيئة ) قد جاء فى غير موضع مرادا به الشرك و قوله ( ~~سيئة ) أي حال سيئة أو مكان سيئة و نحو ذلك كما في قوله ( ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة ) أي حالا حسنة تعم الخير كله و هذا اللفظ يكون صفة و قد ينقل ~~من الوصفية إلى الاسمية و يستعمل لازما أو PageV14P049 متعديا يقال ساء هذا ~~الأمر أي قبح و يقال ساءنى هذا قال ابن عباس فى قوله ( و الذين كسبوا ~~السيئات جزاء سيئة بمثلها ) عملوا الشرك لأنه وصفهم بهذا فقط و لو آمنوا ~~لكان لهم حسنات و كذا لما قال ( كسب سيئة ) لم يذكر حسنة كقوله تعالى @QB@ ~~للذين أحسنوا الحسنى @QE@ أي فعلوا الحسنى و هو ما أمروا به كذلك ( السيئة ~~) تتناول المحظور فيدخل فيها الشرك PageV14P050 # وقال شيخ الاسلام # قدس الله روحه $ فصل # قال الله تعالى ( و لقد خلقنا فوقكم سبع طرائق و ما كنا عن الخلق غافلين ~~) و قال تعالى ( فلنسألن الذين أرسل اليهم و لنسألن المرسلين فلنقصن عليهم ~~بعلم و ما كنا غائبين ) و قد قال تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ) قال طائفة ~~من السلف ( الغيب ( هو الله أو من الايمان بالغيب الايمان بالله ففي موضع ms0630 ~~نفى عن نفسه أن يكون غائبا و فى موضع جعله نفسه غيبا # ولهذا اختلف الناس في هذه المسألة فطائفة من المتكلمين من أصحابنا و ~~غيرهم كالقاضي و ابن عقيل و ابن الزاغونى يقولون بقياس الغائب على الشاهد و ~~يريدون بالغائب الله و يقولون قياس الغائب على الشاهد ثابت بالحد و العلة و ~~الدليل و الشرط كما يقولون PageV14P051 فى مسائل الصفات في إثبات العلم و ~~الخبرة و الارادة و غير ذلك و أنكر ذلك عليهم طائفة منهم الشيخ أبو محمد فى ~~رسالته إلى أهل رأس العين و قال لايسمى الله غائبا و استدل بما ذكر $ وفصل ~~الخطاب بين الطائفتين أن اسم ( الغيب و الغائب ( من الأمور الاضافية يراد ~~به ماغاب عنا فلم ندركه و يراد به ما غاب عنا فلم يدركنا و ذلك لأن الواحد ~~منا إذا غاب عن الآخر مغيبا مطلقا لم يدرك هذا هذا و لا هذا هذا و الله ~~سبحانه شهيد على العباد رقيب عليهم مهيمن عليهم لا يعزب عنه مثقال ذرة فى ~~الأرض ولا في السماء فليس هو غائبا وإنما ( لما ) لم يره العباد كان غيبا و ~~لهذا يدخل فى الغيب الذي يؤمن به و ليس هو بغائب فإن ( الغائب ( اسم فاعل ~~من قولك غاب يغيب فهو غائب و الله شاهد غير غائب و أما ( الغيب ( فهو مصدر ~~غاب يغيب غيبا و كثيرا ما يوضع المصدر موضع الفاعل كالعدل و الصوم و الزور ~~و موضع المفعول كالخلق و الرزق و درهم ضرب الأمير # ولهذا يقرن الغيب بالشهادة و هي أيضا مصدر فالشهادة هي المشهود أو الشاهد ~~و الغيب هو إما المغيب عنه فهو الذي لا يشهد نقيض الشهادة و إما بمعنى ~~الغائب الذي غاب عنا فلم نشهده فتسميته باسم المصدر فيه تنبيه PageV14P052 ~~على النسبة إلى الغير أي ليس هو بنفسه غائبا وإنما غاب عن الغير أو غاب ~~الغير عنه و قد يقال اسم ( الشهادة و الغيب ( يجمع النسبتين فالشهادة ما ~~شهدنا و شهدناه و الغيب ما غاب ms0631 عنا و غبنا عنه فلم نشهده و على كل تقدير ~~فالمعنى فى كونه غيبا هو انتفاء شهود ناله و هذه تسمية قرآنية صحيحة فلو ~~قالوا قياس الغيب على الشهادة لكانت العبارة موافقة و اما قياس الغائب ففيه ~~مخالفة في ظاهر اللفظ و لكن موافقة في المعنى فلهذا حصل في اطلاقه التنازع ~~PageV14P053 # وقال شيخ الاسلام # قدس الله روحه $ فصل # المثل في الأصل هو الشبيه و هو نوعان لأن القضية المعينة إما أن تكون ~~شبها معينا أو عاما كليا فإن القضايا الكلية التى تعلم و تقال هي مطابقة ~~مماثلة لكل ما يندرج فيها وهذا يسمى قياسا فى لغة السلف و اصطلاح المنطقيين ~~و تمثيل الشيء المعين بشيء معين هو أيضا يسمى قياسا في لغة السلف و اصطلاح ~~الفقهاء و هو الذي يسمى قياس التمثيل # ثم من متأخري العلماء كالغزالى و غيره من ادعى أن حقيقة القياس إنما يقال ~~على هذا و ما يسميه تأليف القضايا الكلية قياسا فمجاز من جهة أنه لم يشبه ~~فيه شيء بشيء و انما يلزم من عموم الحكم تساوى افراده فيه و منهم من عكس ~~كابى محمد بن حزم فانه زعم PageV14P054 أن لفظ القياس إنما ينبغي أن يكون ~~فى تلك الامور العامة و هو القياس الصحيح # والصواب ما عليه السلف من اللغة الموافقة لما فى القرآن كما سأذكره أن ~~كلاهما قياس و تمثيل و اعتبار و هو فى قياس التمثيل ظاهر و أما قياس ~~التكليل و الشمول فلانه يقاس كل واحد من الافراد بذلك المقياس العام الثابت ~~فى العلم و القول و هو الأصل كما يقاس الواحد بالأصل الذي يشبهه فالأصل ~~فيهما هو المثل و القياس هو ضرب المثل واصله والله أعلم تقديره فضرب المثل ~~للشيء تقديره له كما أن القياس أصله تقدير الشيء بالشيء و منه ضرب الدرهم و ~~هو تقديره و ضرب الجزية و الخراج و هو تقديرهما و الضريبة المقدرة و الضرب ~~في الأرض لأنه يقدر أثر الماشي بقدره و كذلك الضرب بالعصى لأنه تقدير ms0632 الألم ~~بالآلة و هو جمعه و تأليفه و تقديره كما أن الضريبة هي المال المجموع و ~~الضريبة الخلق و ضرب الدرهم جمع فضة مؤلفة مقدرة و ضرب الجزية و الخراج إذا ~~فرضه و قدره على مر السنين و الضرب فى الأرض الحركات المقدرة المجموعة إلى ~~غاية محدودة و منه تضريب الثوب المحشو و هو تأليف خلله طرايق طرائق # ولهذا يسمون الصورة القياسية الضرب كما يقال للنوع الواحد ضرب لتألفه و ~~اتفاقه و ضرب المثل لما كان جمعا بين علمين يطلب منهما علم PageV14P055 ~~ثالث كان بمنزلة ضرب الفحل الذى يتولد عنه الولد و لهذا يقسمون الضرب إلى ~~ناتج و عقيم كما ينقسم ضرب الفحل للأنثى إلى ناتج و عقيم و كل واحد من نوعي ~~ضرب المثل و هو القياس تارة يراد به التصوير و تفهيم المعنى و تارة يراد به ~~الدلالة على ثبوته و التصديق به فقياس تصور و قياس تصديق فتدبر هذا # و كثيرا ما يقصد كلاهما فإن ضرب المثل يوضح صورة المقصود و حكمه و ضرب ~~الأمثال في المعانى نوعان هما نوعا القياس # ( أحدهما ( الأمثال المعينة التى يقاس فيها الفرع باصل معين موجود أو ~~مقدر و هي فى القرآن بضع و اربعون مثلا كقوله ( مثلهم كمثل الذى استوقدا ~~نارا ) إلى آخره و قوله ( مثل الذين ينفقون اموالهم فى سبيل الله كمثل حبة ~~انبتت سبع سنابل فى كل سنبله مائة حبة ) و قوله ( يا أيها الذين آمنوا ~~لاتبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس و لا يؤمن ~~بالله و اليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ) الآية ( و مثل الذين ~~ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله و تثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة ~~أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين ) # فان التمثيل بين الموصوفين الذين يذكرهم من المنافقين و المنفقين و ~~المخلصين منهم و المرائين و بين مايذكره سبحانه من تلك الأمثال PageV14P056 ~~هو من جنس قياس التمثيل الذي يقال فيه مثل الذي يقتل بكودين القصار كمثل ~~الذي يقتل بالسيف و ms0633 مثل الهرة تقع فى الزيت كمثل الفأرة تقع في السمن و نحو ~~ذلك و مبناه على الجمع بينهما و الفرق في الصفات المعتبرة في الحكم المقصود ~~اثباته أو نفيه و قوله مثله كمثل كذا تشبيه للمثل العلمي بالمثل العلمي ~~لأنه هو الذى بتوسطه يحصل القياس فان المعتبر ينظر فى احدهما فيتمثل في ~~علمه و ينظر فى الآخر فيتمثل فى علمه ثم يعتبر أحد المثلين بالآخر فيجدهما ~~سواء فيعلم أنهما سواء فى انفسهما لاستوائهما فى العلم و لا يمكن اعتبار ~~احدهما بالآخر فى نفسه حتى يتمثل كل منهما فى العلم فإن الحكم على الشيء ~~فرع على تصوره و لهذا و الله أعلم يقال مثل هذا كمثل # وبعض المواضع يذكر سبحانه الأصل المعتبر به ليستفاد حكم الفرع منه من غير ~~تصريح بذكر الفرع كقوله ( ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل و أعناب تجري ~~من تحتها الانهار له فيها من كل الثمرات و أصابه الكبر ) إلى قوله ( كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) فإن هذا يحتاج إلى تفكر و لهذا سأل ~~عمر عنها من حضره من الصحابة فأجابه ابن عباس بالجواب الذي ارضاه # ونظير ذلك ذكر القصص فإنها كلها أمثال هي أصول قياس PageV14P057 واعتبار ~~و لا يمكن هناك تعديد ما يعتبر بها لأن كل إنسان له فى حالة منها نصيب ~~فيقال فيها ( لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ) و يقال عقب حكايتها ( ~~فاعتبروا ياأولى الأبصار ) و يقال ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا ) إلى ~~قوله ( ان في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ) و الاعتبار هو القياس بعينه كما ~~قال ابن عباس لما سئل عن دية الأصابع فقال هي سواء و اعتبروا ذلك بالأسنان ~~أي قيسوها بها فإن الأسنان مستوية الدية مع اختلاف المنافع فكذلك الأصابع و ~~يقال اعتبرت الدراهم بالصنجة إذا قدرتها بها # ( النوع الثانى ( الأمثال الكلية و هذه التى أشكل تسميتها أمثالا كما ~~أشكل تسميتها قياسا حتى اعترض بعضهم قوله ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له ) فقال ms0634 اين المثل المضروب و كذلك إذا سمعوا قوله ( و لقد ضربنا للناس في ~~هذا القرآن من كل مثل ) يبقون حيارى لايدرون ما هذه الأمثال و قد رأوا عدد ~~ما فيه من تلك الأمثال المعينة بضعا و أربعين مثلا # وهذه ( الأمثال ( تارة تكون صفات وهذه ( الأمثال ( تارة تكون صفات وتارة ~~تكون أقيسة فإذا كانت أقيسة فلابد فيها من خبرين هما قضيتان و حكمان و انه ~~لابد أن يكون احدهما كليا لأن الأخبار التى هي القضايا لما انقسمت إلى ~~معينة و مطلقة و كليه و جزئية و كل من ذلك انقسم إلى خبر عن اثبات ~~PageV14P058 و خبر عن نفي فضرب المثل الذي هو القياس لابد أن يشتمل على خبر ~~عام و قضية كلية و ذلك هو المثل الثابت فى العقل الذي تقاس به الأعيان ~~المقصود حكمها فلولا عمومه لما أمكن الاعتبار لجواز أن يكون المقصود حكمه ~~خارجا عن العموم و لهذا يقال لا قياس عن قضيتين جزئيتين بل لابد أن تكون ~~احداهما كلية و لا قياس أيضا عن سالبتين بل لابد أن تكون احداهما موجبة و ~~الا السلبان لا يدخل احدهما فى الآخر لابد فيه من خبر يعم # وجملة ما يضرب من الأمثال ستة عشر لأن الأولى اما جزئية و اما كلية مثبتة ~~أو نافية فهذه أربعة إذا ضربتها فى أربعة صارت ستة عشر تحذف منهما ~~الجزئيتين سواء كانتا موجبتين أو سالبتين أو احداهما سالبة و الأخرى موجبة ~~فهذه ست من ستة عشر و السالبتين سواء كانتا جزئيتين أو كليتين أو احداهما ~~دون الأخرى لكن إذا كانتا جزئيتين سالبتين فقد دخلت في الأول يبقى ضربان ~~محذوفين من ستة عشر و يحذف منهما السالبة الكلية الصغرى مع الكبرى الموجبة ~~الجزئية لأن الكبرى إذا كانت جزئية لم يجب أن يلاقيها السلب بخلاف الايجاب ~~فان الايجابين الجزئيين يلتقيان و كذلك الايجاب الجزئي مع السلب الكلي ~~يلتقيان لاندراج ذلك الموجب تحت السلب العام PageV14P059 # يبقى من الستة عشر ستة أضرب فإذا كانت احداهما موجبة كلية جاز فى ms0635 الأخرى ~~الأقسام الأربعة و إذا كانت سالبة كلية جاز أن تقارنها الموجبتان لكن تقدم ~~مقارنة الكلية لها و لابد فى الجزئية أن تكون صغرى و إذا كانت موجبة جزئية ~~جاز أن تقارنها الكليتان و قد تقدمتا و إذا كانت سالبة جزئية لم يجز أن ~~يقارنها الا موجبة كلية و قد تقدمت فيقر الناتج ستة و الملغى عشرة و ~~بالاعتبارين تصير ثمانية # فهذه الضروب العشرة مدار ثمانية منها على الايجاب العام و لابد فى جميع ~~ضروبه من أحد أمرين إما إيجاب و عموم و إما سلب و خصوص فنقيضان لا يفيد ~~اجتماعهما فائدة بل إذا إجتمع النقيضان من نوعين كسالبة كلية و موجبة جزئية ~~فتفيد بشرط كون الكبرى هي العامة فظهر أنه لابد فى كل قياس من ثبوت و عموم ~~إما مجتمعين فى مقدمة و إما مفترقين فى المقدمتين و أيضا مما يجب أن يعلم ~~أن غالب الأمثال المضروبة و الأقيسة إنما يكون الخفي فيها احدى القضيتين و ~~اما الأخرى فجلية معلومة فضارب المثل و ناصب القياس إنما يحتاج أن يبين تلك ~~القضية الخفية فيعلم بذلك المقصود لما قاربها فى الفعل من القضية السلبية و ~~الجلية هي الكبرى التى هي أعم PageV14P060 # فإن الشيء كلما كان أعم كان أعرف في العقل لكثرة مرور مفرداته في العقل و ~~خير الكلام ما قل و دل فلهذا كانت الأمثال المضروبة فى القرآن تحذف منها ~~القضية الجلية لأن فى ذكرها تطويلا و عيا و كذلك ذكر النتيجة المقصودة بعد ~~ذكر المقدمتين يعد تطويلا # واعتبر ذلك بقوله ( لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ) ماأحسن هذا ~~البرهان فلو قيل بعده و ما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله لكان هذا من ~~الكلام الغث الذي لا يناسب بلاغة التنزيل و انما ذلك من تأليف المعاني في ~~العقل مثل تأليف الأسماء من الحروف فى الهجاء و الخط إذا علمنا الصبى الخط ~~نقول ( با ( سين ( ميم ( صارت ( بسم ) فإذا عقل لم يصلح له بعد ذلك أن ~~يقرأه تهجيا فيذهب ببهجة ms0636 الكلام بل قد صار التأليف مستقرا و كذلك النحوى ~~إذا عرف أن ( محمد رسول الله ( مبتدأ وخير لم يلف كلما رفع مثل ذلك أن يقول ~~لأنه مبتدأ و خبر فتأليف الأسماء من الحروف لفظا و معنى و تأليف الكلم من ~~الأسماء و تأليف الأمثال من الكلم جنس و أحد # ولهذا كان المؤلفون للأقيسة يتكلمون أولا فى مفردات الألفاظ و المعاني ~~التى هي الأسماء ثم يتكلمون فى تأليف الكلمات من الأسماء الذي هو الخبر و ~~القصة و الحكم ثم يتكلمون في تأليف الأمثال المضروبة الذي هو ( القياس ( و ~~( البرهان ( و ( الدليل ( و ( الآية ( PageV14P061 و ( العلامة ( فهذا مما ~~ينبغي أن يتفطن له فإن من أعظم كمال القرآن تركه في أمثاله المضروبة و ~~أقيسته المنصوبة لذكر المقدمة الجلية الواضحة المعلومة ثم اتباع ذلك ~~بالأخبار عن النتيجة التى قد علم من أول الكلام أنها هي المقصود بل إنما ~~يكون ضرب المثل بذكر ما يستفاد ذكره و ينتفع بمعرفته فذلك هو البيان هو ~~البرهان و أما ما لا حاجة إلى ذكره فذكره عي # وبهذا يظهر لك خطأ قوم من البيانيين الجهال و المنطقيين الضلال حيث قال ~~بعض أولئك الطريقة الكلامية البرهانية فى أساليب البيان ليست فى القرآن إلا ~~قليلا و قال الثاني انه ليس فى القرآن برهان تام فهؤلاء من أجهل الخلق ~~باللفظ و المعنى فإنه ليس فى القرآن إلا الطريقة البرهانية المستقيمة لمن ~~عقل و تدبر # و ( أيضا ( فينبغي أن يعرف أن مدار ضرب المثل و نصب القياس على العموم و ~~الخصوص و السلب و الايجاب فإنه ما من خبر الا و هو اما عام أو خاص سالب أو ~~موجب فالمعين خاص محصور و الجزئى أيضا خاص غير محصور و المطلق اما عام و ~~اما في معنى الخاص # فينبغي لمن أراد معرفة هذا الباب أن يعرف ( صيغ النفي و العموم ( فإن ذلك ~~يجيء فى القرآن على أبلغ نظام PageV14P062 # مثال ذلك أن ( صيغة الاستفهام ( يحسب من أخذ ببادىء الرأي أنها لا تدخل ~~في القياس المضروب ms0637 لأنه لا يدخل فيه إلا القضايا الخبرية و هذه طلبية فإذا ~~تأمل و علم أن اكثر استفهامات القرآن أو كثيرا منها انما هي استفهام انكار ~~معناه الذم و النهي إن كان انكارا شرعيا أو معناه النفي و السلب ان كان ~~انكار وجود و وقوع كما فى قوله ( و ضرب لنا مثلا و نسى خلقه قال من يحيي ~~العظام و هي رميم ) ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من ~~شركاء فيما رزقناكم ) الآية و كذلك قوله ( آلله خير أم ما يشركون ) و قوله ~~في تعديد الآيات ( أإله مع الله ) أي أفعل هذه إله مع الله و المعنى ما ~~فعلها إلا الله و قوله ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) و ما معها # وهذا الذي ذكرناه الذي جاء به القرآن هو ضرب الأمثال من جهة المعنى و قد ~~يعبر في اللغة بضرب المثل أو بالمثل المضروب عن نوع من الألفاظ فيستفاد منه ~~التعبير كما يستفاد من اللغة لك منه الدليل على الحكم كأمثال القرآن و هو ~~أن يكون الرجل قد قال كلمة منظومة أو منثورة لسبب اقتضاه فشاعت فى ~~الاستعمال حتى يصار يعبر بها عن كل ما أشبه ذلك المعنى الأول و ان كان ~~اللفظ فى الأصل غير موضوع لها فكأن تلك الجملة المثلية نقلت بالعرف من ~~المعنى الخاص الى PageV14P063 العام كما تنقل الألفاظ المفردة فهذا نقل فى ~~الجملة مثل قولهم ( يداك أو كتا و فوك نفخ ( هو مواز لقولهم ( انت جنيت هذا ~~( لأن هذا المثل قيل ابتداء لمن كانت جنايته بالايكاء و النفخ ثم صار مثلا ~~عاما و كذلك قولهم ( الصيف ضيعت اللبن ( مثل قولك ( فرطت و تركت الحزم و ~~تركت ما يحتاج اليه و قت القدرة عليه حتى فات ( و اصل الكلمة قيلت للمعنى ~~الخاص # وكذلك ( عسى العويدا بؤسا ( أي أتخاف أن يكون لهذا الظاهر الحسن باطن ~~ردىء فهذا نوع من البيان يدخل في اللغة و الخطاب فالمتكلم به حكمه حكم ~~المبين بالعبارة الدالة ms0638 سواء كان المعنى فى نفسه حقا أو باطلا إذ قد يتمثل ~~به في حق من ليس كذلك فهذا تطلبه فى القرآن من جنس تطلب الالفاظ العرفية ~~فهو نظر فى دلالة اللفظ على المعنى لا نظر فى صحة المعنى و دلالته على ~~الحكم و ليس هو المراد بقوله ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) ~~فتدبر هذا فانه يجلو عنك شبهة لفظية و معنوية # وهذه الأمثال اللغوية أنواع موجود فى القرآن منها أجناسها و هي معلنة ~~ببلاغة لفظه و نظمه و براعة بيانه اللفظي و الذين يتكلمون فى علم البيان و ~~إعجاز القرآن يتكلمون فى مثل هذا و من الناس من يكون أول ما يتكلم بالكلمة ~~صارت مثلا و منهم من لا تصير الكلمة مثلا PageV14P064 حتى يتمثل بها الضارب ~~فيكون هذا أول من تمثل بها كقوله صلى الله عليه و سلم ( الآن حمى الوطيس ( ~~و كقوله ( مسعر حرب ( و نحو ذلك لكن النفي بصيغة الاستفهام المضمن معنى ~~الانكار هو نفي مضمن دليل النفي فلا يمكن مقابلته بمنع و ذلك أنه لا ينفي ~~باستفهام الانكار الا ما ظهر بيانه أو ادعي ظهور بيانه فيكون ضاربه إما ~~كاملا في استدلاله و قياسه و إما جاهلا كالذي قال ( من يحيى العظام و هي ~~رميم ) # إذا تبين ذلك فالامثال المضروبة فى القرآن منها ما يصرح فيه بتسميته مثلا ~~و منها ما لا يسمى بذلك ( مثلهم كمثل الذي استوقد ) و الذي يليه ( إن الله ~~لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) ( و مثل الذين كفروا كمثل ~~الذي ينعق ) ( ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) ( مثل الذين ينفقون ~~أموالهم فى سبيل الله ) ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الاذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ) الآية ( و مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ) و ~~الذي بعده ليس فيه لفظ مثل ( كدأب آل فرعون ) في الثلاثة ( قد كان لكم آية ~~) ( مثل ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا ) و قوله ( أرأيتم إن أخذ الله ~~سمعكم ms0639 ) PageV14P065 # ومن هذا الباب قوله ( و لا أقول لكم ) الآية و يسمى جدالا ( فمثله كمثل ~~الكلب إلى قوله ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ) ( إنما مثل الحياة ~~الدنيا كماء أنزلناه من السماء ) الآية ( مثل الفريقين كالأعمى و الاصم ) ( ~~إلا كباسط كفيه إلى الماء ) و قول يوسف ( أأرباب متفرقون ) ( قل هل يستوي ~~الأعمى و البصير @QB@ الآية @QE@ أنزل من السماء ماء ^ إلى قوله ^ كذلك ~~يضرب الله الأمثال ^ ^ مثل الجنة التى و عد المتقون تجري من تحتها الانهار ~~^ ^ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ^ ^ ألم تر كيف ~~ضرب الله مثلا كلمه طيبة ^ إلى آخره ( و تبين لكم كيف فعلنا بهم و ضربنا ~~لكم الامثال ) ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء و لله المثل الأعلى ) ( ~~فلا تضربوا لله الأمثال ) ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ) و الذي بعده ( و ~~ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ) ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) فى موضعين ( ~~و لقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل فابى اكثر الناس الا كفورا ) ~~بعد أدلة التوحيد و النبوة و التحدي بالقرآن ( و اضرب لهم مثلا رجلين ) ~~القصة ( و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا ) ( و لقد صرفنا فى هذا القرآن للناس ~~من كل مثل و كان الانسان اكثر شيء جدلا ) ينبه على أنها براهين و حجج تفيد ~~تصورا أو تصديقا ( و من يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) ( ياأيها الناس ~~ضرب مثل فاستمعوا له ) ( و مثلا من الذين خلوا من قبلكم ) ( مثل نوره إلى ~~PageV14P066 قوله ^ و يضرب الله الامثال للناس ^ ^ و الذين كفروا اعمالهم ~~كسراب ^ المثلين مثل نور المؤمنين فى المساجد و أولئك فى الظلمات ( و لا ~~يأتونك بمثل الا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا ) ف ( التفسير ( يعم التصوير و ~~يعم التحقيق بالدليل كما فى تفسير الكلام المشروح ( مثل الذين اتخذوا من ~~دون الله أولياء ) الآية ( و تلك الامثال نضربها للناس ) ( و هو أهون عليه ~~و له المثل الاعلى في السموات و الأرض ) ( ضرب لكم مثلا من انفسكم ) ( و ~~لقد ms0640 ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل و لئن جئتهم بآية ) الآية ( و ~~اضرب لهم مثلا أصحاب القرية ) ( فاذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا و نسي خلق ~~6 ه ) و قوله ( ان هذا أخي له تسع و تسعون نعجة ) ( و لقد ضربنا للناس فى ~~هذا القرآن من كل مثل ) إلى قوله ( ضرب الله مثلا رجلا ) ( و لما ضرب ابن ~~مريم مثلا ) إلى آخره لما أوردوه نقضا على قوله ( انكم و ما تعبدون من دون ~~الله ) فهم الذين ضربوه جدلا ( الذين كفروا و صدوا ) إلى قوله ( كذلك يضرب ~~الله للناس امثالهم ) ( كمثل الذين من قبلهم قريبا ) ( كمثل الشيطان إذ قال ~~للانسان اكفر ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله و تلك الامثال ) ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ) الآية ( ~~ضرب الله مثلا للذين كفروا ^ ^ و للذين آمنوا ^ وليقول الذين فى قلوبهم مرض ~~و الكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ^ @QB@ كأنهم إلى نصب يوفضون @QE@ ( ~~كالفراش ) و ( كالعهن PageV14P067 # وقال شيخ الاسلام # رحمه الله تعالى # هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من ( كتب فى التفسير ( إلا ما ~~هو خطأ ( فيها ) # منها قوله ( ان الذين آمنوا و الذين هادوا ) الآيتين فهو سبحانه وصف أهل ~~السعادة من الأولين و الآخرين و هو الذي يدل عليه اللفظ و يعرف به معناه من ~~غير تناقض و مناسبة لما قلبها و لما بعدها و هو المعروف عند السلف و يدل ~~عليه ما ذكروه من سبب نزولها بالاسانيد الثابتة عن سفيان عن ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد قال سلمان ( سألت النبى صلى الله عليه و سلم عن أهل دين كنت معهم ~~فذكر من عبادتهم فنزلت الآية و لم يذكر فيه أنهم فيه من أهل النار كما روى ~~بأسانيد ضعيفة و هذا هو الصحيح كما في مسلم ( الا بقايا من أهل الكتاب ( # والنبى صلى الله عليه و سلم لم يكن يجيب بمالا علم عنده و قد PageV14P068 ~~ثبت أنه أثنى على ms0641 من مات فى الفترة كزيد بن عمرو و غيره و لم يذكر ابن أبى ~~حاتم خلافا عن السلف لكن ذكر عن بن عباس ثم أنزل الله ( و من يبتغ غير ~~الاسلام دينا ) الآية و مراده أن الله يبين أن لايقبل إلا الاسلام من ~~الأولين و الآخرين و كثير من السلف يريد بلفظ النسخ رفع ما يظن أن الآية ~~دالة عليه فان من المعلوم أن من كذب رسولا واحدا فهو كافر فلا يتناوله قوله ~~@QB@ من آمن بالله @QE@ الخ # وظن بعض الناس أن الآية فيمن بعث إليهم محمد صلى الله عليه و سلم خاصة ~~فغلطوا ثم افترقوا على أقوال متناقضة PageV14P069 # وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه $ فصل # قسم الله من ذمه من أهل الكتاب إلى محرفين و أميين حيث يقول ( افتطمعون ~~ان يؤمنوا لكم و قد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه و هم يعلمون و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلا بعضهم إلى ~~بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ~~اولا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون و ما يعلنون و منهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب الا أماني و ان هم الا يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم و ~~ويل لهم مما يكسبون ) # وفى هذا عبرة لمن ركب سنتهم من أمتتا فإن المنحرفين في PageV14P070 نصوص ~~الكتاب و السنة كالصفات و نحوها من الاخبار و الاوامر # ( قوم ( يحرفونه إما لفظا و اما معنى و هم النافون لما اثبته الرسول صلى ~~الله عليه و سلم جحودا و تعطيلا و يدعون أن هذا موجب العقل الصريح القاضي ~~على السمع # و ( قوم ( لايزيدون على تلاوة النصوص لا يفقهون معناها و يدعون أن هذا ~~موجب السمع الذي كان عليه السلف و أن الله لم يرد من عباده فهم هذه النصوص ~~فهم ( لا يعلمون الكتاب الا أماني ms0642 ) أي تلاوة ( و ان هم الا يظنون ) # ثم يصنف اقوام علوما يقولون إنها دينية و أن النصوص دلت عليها و العقل و ~~هي دين الله مع مخالفتها لكتاب الله فهؤلاء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هو من عند الله بوجه من الوجوه # فتدبر كيف اشتملت هذه الآيات على الأصناف الثلاثة و قوله فى صفة اولئك ( ~~اتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ) حال من يكتم النصوص ~~التى يحتج بها منازعه حتى أن منهم من يمنع من رواية الاحاديث المأثورة عن ~~الرسول صلى الله عليه و سلم و لو امكنهم كتمان القرآن لكتموه لكنهم يكتمون ~~منه و جوه دلالته من العلوم المستنبطة منه و يعوضون الناس عن ذلك بما ~~يكتبونه بايديهم و يضيفونه إلى انه من عند الله PageV14P071 # وسئل # عن معنى قوله ( ما ننسخ من آية أو ننساها ) و الله سبحانه لا يدخل عليه ~~النسيان # فأجاب # أما قوله ( ماننسخ من آية أو ننسها ) ففيها قرائتان أشهرهما ( أو ننسها ) ~~أي ننسيكم إياها أي نسخنا ما أنزلناه أو اخترنا تنزيل ما نريد أن ننزله ~~نأتكم بخير منه أو مثله و الثانية ( أو ننسأها ) بالهمز أي نؤخرها ولم يقرأ ~~أحد ننساها بمعنى ننساها فهو جاهل بالعربية و التفسير قال موسى عليه السلام ~~( علمها عند ربي فى كتاب لا يضل ربى و لا ينسى ) و ( النسيان ( مضاف إلى ~~العبد كما في قوله ( سنقرئك فلا تنسى إلا ماشاء الله ) و لهذا قرأها بعض ~~الصحابة ( أو تنساها ) أي تنساها يامحمد و هذا و اضح لا يخفى إلا على جاهل ~~لا يفرق بين ننسأها بالهمز و بين ننساها بلا همز و الله أعلم PageV14P072 # قال أبو العباس أحمد بن تيمية # رحمه الله تعالى # فى قوله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ الآية و فيها قولان # ( أحدهما ) أن القصاص هو القود و هو اخذ الدية ( بدل ) القتل كما جاء عن ~~ابن عباس أنه كان فى بني اسرائيل القصاص و لم يكن فيهم الدية فجعل الله فى ~~هذه ms0643 الأمة الدية فقال ( فمن عفي له من أخيه شيء ) و العفو هو أن يقبل الدية ~~فى العمد ( ذلك تخفيف من ربكم و رحمة ) مما كان على بنى اسرائيل و المراد ~~على هذا القول أن يقتل الحر بالحر و العبد بالعبد و الانثى بالانثى قال ~~قتادة ان اهل الجاهلية كان فيهم بغي و كان الحي إذا كان فيهم عدد و عدة ~~فقتل عبدهم عبد قوم آخرين لن يقتل به إلا حرا تعززا على غيرهم و ان قتلت ~~امرأة منهم امرأة من آخرين قالوا لن يقتل بها إلا رجلا فنزلت هذه الآية و ~~هذا قول اكثر الفقهاء و قد ذكر ذلك الشافعي و غيره PageV14P073 # ويحتج بها طائفة من أصحاب مالك و الشافعي و أحمد على أن الحر لا يقتل ~~بالعبد لقوله ( و العبد بالعبد ) فينقض ذلك عليه بالمرأة فإنه قال ( و ~~الانثى بالانثى ) و طائفة من المفسرين لم يذكروا إلا هذا القول # ( القو ل الثاني ( أن القصاص فى القتلى يكون بين الطائفتين المقتتلتين ~~قتال عصبية و جاهلية فيقتل من هؤلاء و من هؤلاء احرار و عبيد و نساء فامر ~~الله تعالى بالعدل بين الطائفتين بان يقاص دية حر بدية حر و دية امرأة بدية ~~امرأة و عبد بعبد فإن فضل لأحدى الطائفتين شيء بعد المقاصة فلتتبع الأخرى ~~بمعروف و لتؤد الأخرى اليها باحسان و هذا قول الشعبى و غيره و قد ذكره محمد ~~بن جرير الطبري و غيره و ( على ) هذا القول فإنه إذا جعل ظاهر الآية لزمته ~~اشكالات لكن المعنى ( الثاني ) هو مدلول الآية و مقتضاه و لا إشكال عليه ~~بخلاف القول الأول يستفاد من دلالة الآية كما سننبه عليه ان شاء الله تعالى ~~و ما ذكرناه يظهر من و جوه # ( احدها ) أنه قال ( كتب عليكم القصاص فى القتلى ) و ( القصاص ( مصدر ~~قاصه يقاصه مقاصة و قصاصا و منه مقاصة الدينين احدهما بالآخر و ( القصاص فى ~~القتلى ) انما يكون إذا كان الجميع قتلى كما ذكر الشعبى فيقاص هؤلاءالقتلى ~~بهؤلاء القتلى أما ms0644 إذا PageV14P074 قتل رجل رجلا فالمقتول ميت فهنا المقتول ~~لا مقاصة فيه و لكن القصاص ان يمكن من قتل القاتل لا غيره و في اعتبار ~~المكافآت فيه قولان للفقهاء قيل تعتبر المكافآت فلا يقتل مسلم بذمي و لاحر ~~بعبد و هو قول الأكثرين مالك و الشافعي و أحمد و قيل لا تعتبر المكافآت ~~كقول أبى حنيفة و المكافآت لاتسمى قصاصا # وأيضا فإنه قال ( كتب عليكم القصاص ) و ان أريد بالقصاص المكافآت فتلك لم ~~تكتب و ان اريد به استيفاء القود فذلك مباح للولي ان شاء اقتص و ان شاء لم ~~يقتص فلم يكتب عليه الاقتصاص و قد أورد هذا السؤال بعضهم و قال هو مكتوب ~~على القاتل ان يمكن من نفسه فيقال له هو تعالى قال ( كتب عليكم القصاص فى ~~القتلى ) و ليس هذا خطابا للقاتل و حده بل هو خطاب لأولياء المقتول بدليل ~~قوله تعالى ( فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف و اداء إليه باحسان ) ~~ثم لا يقال للقاتل كتب عليك القصاص في المقتول فإن المقتول لا قصاص فيه # و ( أيضا ( فنفس انقياد القاتل للولي ليس هو قصاصا بل الولي له أن يقتص و ~~له أن لا يقتص و انما سمي هذا قودا لأن الولي يقوده و هو بمنزلة تسليم ~~السلعة إلى المشتري ثم قال تعالى ( الحر بالحر ) فكيف يقال مثل هذا قصده ~~القاتل بل هذا خطاب للأمة PageV14P075 بالمقاصة و المعادلة فى القتل و ~~النبى صلى الله عليه و سلم إنما قال ( كتاب الله القصاص ( لما كسرت الربيع ~~سن جارية و امتنعوا من أخذ الأرش فقال أنس بن النضر لا و الذي بعثك بالحق ~~لا تكسر ثنية الربيع فقال النبى صلى الله عليه و سلم ( ياأنس كتاب الله ~~القصاس ( فرضي القوم بالأرش فقال النبى صلى الله عليه و سلم ( إن من عباد ~~الله من لو أقسم على الله لأبره ( كقوله تعالى ( و الجروج قصاص ) يعنى ( ~~كتاب الله ( أن يؤخذ العضو بنظيره فهذا قصاص لأنه مساواة و لهذا كانت ms0645 ~~المكافآت فى الاعضاء و الجروح معتبره باتفاق العلماء و ان قيل القصاص هو أن ~~يقتل قاتله لا غيره فهو خلاف الأعتدا قيل نعم و هذا قصاص فى الأحياء لا فى ~~القتلى # ( الثاني ) انه قال ( في القتلى الحر بالحر و العبد بالعبد و الانثى ~~بالانثى ) و معلوم باتفاق المسلمين ان العبد يقتل بالعبد و بالحر و الانثى ~~تقتل بالاثنى و بالذكر و الحر يقتل بالحر و بالأنثى أيضا عند عامة العلماء ~~و قيل يشترط ان تؤدى تمام ديته و إذا كان كذلك فقوله ( الحر بالحر و العبد ~~بالعبد و الانثى بالانثى ) انما يدل على مقاصة الحر بالحر و معادلته به و ~~مقابلته به و كذلك العبد بالعبد و الانثى بالانثى و هذا انما يكون إذا ~~كانوا مقتولين فيقابل كل واحد بالآخر و ينظر أيتعادلان أم يفضل لأحدهما على ~~الآخر فضل اما فى القتلى فلا يختص هذا بهذا باتفاق المسلمين # ( الثالث ) أنه قال ( فمن عفي له من أخيه شيء ) لفظ ( عفي ) PageV14P076 ~~هنا قد استعمل متعديا فانه قال ( عفي ) ( شيء ) و لم يقل ( عفا ) ( شيئا ) ~~و هذا انما يستعمل فى الفعل كما قال تعالى ( و يسئلونك ماذا ينفقون قل ~~العفو ) و أما العفو عن القتل فذاك يقال فيه عفوت عن القاتل فولي المقتول ~~بين خيرتين بين أن يعفو عن القتل و يأخذ الدية فلم يعف له شيء بل هو عفا عن ~~القتل و إذا عفا فاما ان يستحق الدية بنفسه أو بغير رضا القاتل على قولين # وقد قال بعضهم ( من أخيه ) أي من دم أخيه أي ترك له القتل و رضي بالدية و ~~المراد القاتل يعني إن القاتل عفي له من دم أخيه المقتول أي ترك له القتل ~~فيكون التقدير أن الولي عفى للقاتل من دم المقتول شيئا و هذا ك كلام لا ~~يعرف لا يقال عفوت لك شيئا ولا يقال عفوت من دم القاتل و انما الذي يقال ~~انه عفا عن القاتل فأرين هذا من هذا # وأما على القول الأول فالمتقاصان إذا ms0646 تعادى القتلى فمن عفى له أي فضل له ~~من مقاصة أخيه مقاصة أخرى أى هذا الذى فضل له فضل كما يقال أبقى له من جهة ~~اخيه بقية ( فاتباع بالمعروف ) فهذا المستحق للفضل يتبع المقاص الآخر ~~بالمعروف و ذلك يؤدى إلى هذا باحسان ( ذلك تخفيف من ربكم و رحمة ) أى من ان ~~كل طائفة تؤدي قتلى الآخرى فإن فى هذا تثقيلا عظيما له ( و لكم فى القصاص ~~حياة ) فانهم PageV14P077 إذا تعادوا القتلى و تقاصوا و تعادلوا لم يبق ~~واحدة تطلب الاخرى بشيء فحيي هؤلاء وحيي هؤلاء بخلاف ما إذا لم يتقاصوا ~~فانهم يتقاتلون و تقوم بينهم الفتن التى يموت فيها خلائق كما هو معروف فى ~~فتن الجاهلية و الاسلام انما تقع الفتن لعدم المعادلة و التناصف بين ~~الطائفتين و الا فمع التعادل و التناصف الذى يرضى به أولوا الألباب لاتبقى ~~فتنة # وقوله ( فمن اعتدى بعد ذلك ) فطلب من الطائفة الأخرى مالا أو قوما أو ~~أذاهم بسبب ما بينهم من الدم ( فله عذاب أليم ) و هذا كقوله ( و ان طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التى تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل و اقسطوا ~~ان الله يحب المقسطين انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم ) و ( الأخوة ~~( هنا كالاخوة هناك و هذا فى قتلى الفتن # واما إذا قتل رجل رجلا من غير فتنة فهم كانوا يعرفون ان القاتل يقتل لكن ~~كانت الطائفة القوية تطلب ان تقتل غير القاتل أو من هو اكثر من القاتل أو ~~اثنين بواحد و إذا كان القاتل منها لم تقتل به من هو دونه كما قيل إنه كان ~~بين قريظة و النضير لكن هذا لم تثر به الفتن بل فيه ظلم الطائفة القوية ~~للضعيفة و لم PageV14P078 يكن فى الأمم من يقول ان القاتل الظالم المتعدي ~~مطلقا لا يقتل فهذا لم يكن عليه أحد من بنى آدم بل كل بنى آدم مطبقون على ~~ان القاتل في الجملة يقتل لكن ms0647 الظلمة الاقوياء يفرقون بين قتيل و قتيل # وقول من قال ان قوله ( و لكم فى القصاص حياة ) معناه أن القاتل إذا عرف ~~أنه يقتل كف فكان في ذلك حياة له و للمقتول يقال له هذا معنى صحيح و لكن ~~هذا مما يعرفه جميع الناس و هو مغروز فى جبلتهم و ليس فى الآدميين من يبيح ~~قتل أحد من غير أن يقتل قاتله بل كلهم مع التساوي يجوزون قتل القاتل و لا ~~يتصور أن الناس إذا كان كل من قدر على غيره قتله و هو لا يقتل يرضى بمال و ~~إذا كان هذا المعنى من أوائل ما يعرفه الآدميون و يعلمون أنهم لايعيشون ~~بدونه صار هذا مثل حاجتهم إلى الطعام و الشراب و السكنى فالقرآن أجل من أن ~~يكون مقصوده التعريف بهذه الأمور البديهية بل هذا مما يدخل في معناه و هو ~~أنه إذا كتب عليهم القصاص في المقتولين أنه يسقط حر بحر و عبد بعبد و انثى ~~بأنثى فجعل دية هذا كدية هذا و دم هذا كدم هذا متضمن لمساواتهم فى الدماء و ~~الديات و كان بهذه المقاصة لهم حياة من الفتن التى توجب هلاكهم كما هو ~~معروف و هذا المعنى مما يستفاد من هذه الآية فعلم أن دم الحر و ديته كدم ~~الحر و ديته فيقتل به و إذا علم أن التقاص يقع للتساوي فى الديات علم أن ~~للمقتول دية PageV14P079 و لفظ القصاص يدل على المعادلة و المساوات فيدل ~~على أن الله أوجب العدل و الانصاف في أمر القتلى فمن قتل غير قاتله فهو ~~ظالم و المقتول و أولياؤه إذا امتنعوا من انصاف أولياء المقتول فهم ظالمون ~~هؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل و هؤلاء خارجون عما أوجبه الله من ~~العدل # وقد ذكر سبحانه هذا المعنى فى قوله ( و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل انه كان منصورا ) و إذا دلت على العدل في القود ~~بطريق اللزوم و التنبية ذهب الأشكال و لم ms0648 يقل فلم لا قال و العبد بالعبد و ~~الحر فإنه لم يكن المقصود أنه يقاص به في القتلى و معلوم أنه انما يقاص ~~الحر بالحر لا بالمرأة و المرأة بالمرأة لا بالحر و العبد بالعبد فظهرت ~~فائدة التخصيص به و المقابلة في الآية # ودلت الآية حينئذ على أن الحر يقتل بالحر و العبد بالعبد و الانثى ~~بالانثى إذا كانا متساويين فى الدم و بدله هو الدية ولم ينتف أن يقتل عبد ~~بحر و انثى بذكر و لا لها مفهوم ينفي ذلك بل كما دلت على ذلك بطريق التنبية ~~و الفحوى و الأولى كذلك تدل على هذا أيضا فانه إذا قتل العبد بالعبد فقتله ~~بالحر أولى و إذا قتلت المرأة بالمرأة فقتلها بالرجل أولى # PageV14P080 # وأما قتل الحر بالعبد و الذكر بالانثى فالآية لم تتعرض له لا بنفي و لا ~~اثبات و لا لها مفهوم يدل عليه لا مفهوم موافقة و لا مخالفة فانه إذا كان ~~فى المقاصة يقاس الحر بالحر و العبد بالعبد و الأنثى بالأنثى لتساوي الديات ~~دل ذلك على قتل النظير بالنظير والأدنى بالأعلى # يبقى قتل الأعلى الكثير الدية بالأدنى القليل الدية ليس فى الآية تعرض له ~~فانه لم يقصد بها ابتداء القود و إنما قصد المقاصة فى القتلى لتساوي دياتهم # فان قيل دية الحر كدية الحر و دية الأنثى كدية الأنثى و يبقى العبيد ~~قيمتهم متفاضلة قيل عبيدهم كانوا متقاربين القيمة و قوله ( العبد بالعبد ) ~~قد يراد به بالعبد المماثل به كما يقال ثوب بثوب و ان كان أحدهما أغلى قيمة ~~فذاك مما عفي له و قد يعفى إذا لم تعرف قيمتهم و هو الغالب فإن المقتولين ~~فى الفتن عبيدهم الذين يقاتلون معهم و هم يكونون تربيتهم عندهم لم يشتروهم ~~فهذا يكون مع العلم بتساوي القيمة و مع الجهل بتفاضلها فإن المجهول ~~كالمعدوم و لو أتلف كل من الرجلين ثوب الآخر و لا يعلم واحد منهما قيمة ~~واحد من الثوبين قيل ثوب بثوب و هذا لأن الزيادة محتملة ms0649 من الطرفين يحتمل ~~أن يكون ثوب هذا أغلى PageV14P081 ويحتمل أن يكون ثوب هذا أغلى و ليس ترجيح ~~أحدهما أولى من الآخر و الأصل براءة ذمة كل واحد من الزيادة فلا تشتغل ~~الذمة بأمر مشكوك فيه لو كان الشك فى احدهما فكيف إذا كان من الطرفين # فظهر حكمة قوله ^ و العبد بالعبد ^ و ظهر بهذا أن القرآن دل على ما يحتاج ~~الخلق إلى معرفته و العمل به و يحقن به دماؤهم و يحيون به و دخل في ذلك ما ~~ذكره الآخرون من العدل فى القود ودلت الآية على أن القتلى يؤخذ لهم ديات ~~فدل على ثبوت الدية على القاتل و انها مختلفة باختلاف المقتولين و هذا مما ~~من الله به على أمة محمد صلى الله عليه و سلم حيث أثبت القصاص و الدية # وأما كون العفو هو قبول الدية فى العمد و أنه يستحق العافى بمجرد عفوه ~~فالآية لم تتعرض لهذا # ودلت هذه الآية على أن الطوائف الممتنعة تضمن كل منهما ما اتلفته الأخرى ~~من دم و مال بطريق الظلم لقوله ( من اخيه ) بخلاف ما اتلفه المسلمون للكفار ~~و الكفار للمسلمين # وأما القتال بتأويل ( كقتال أهل الجمل و صفين ( فلا ضمان فيه ايضا بطريق ~~الأولى عند الجمهور فإنه إذا كان الكفار المتأولون PageV14P082 لا يضمنون ~~فالمسلمون المتأولون أولى ان لا يضمنوا # ودلت الآية على أن هذا الضمان على مجموع الطائفة يستوى فيه الردء و ~~المباشر و لايقال انظروا من قتل صاحبكم هذا فطالبوه بديته بل يقال ديته ~~عليكم كلكم فانكم جميعا قتلتموه لأن المباشر إنما تمكن بمعاونه الردء له و ~~على هذا دل قوله ^ و ان فاتكم شيء من ازواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا ~~الذين ذهبت ازواجهم مثل ما انفقوا ^ فان اولئك الكفار كان عليهم مثل صداق ~~هذه المرأة التى ذهبت إليهم فإذا لم يؤدوه أخذ من أموالهم التى يقدر ~~المسلمون عليها مثل امرأة جاءت منهم يستحقون صداقها فيعطي المسلم زوج تلك ~~المرتدة صداقها من صداق هذه المسلمة المهاجرة التى يستحقه الكفار ms0650 لكونها ~~اسلمت و هاجرت و فوتت زوجها بضعها كما فوتت المرتدة بضعها لزوجها و ان كان ~~زوج المهاجرة ليس هو الذي تزوج بالمرتدة لان الطائفة لما كانت ممتنعة يمنع ~~بعضها بعضا صارت كالشخص الواحد # ولهذا لما قتل خالد من قتل من بني جذيمة و داهم النبى صلى الله عليه و ~~سلم من عنده لأن خالدا نائبه و هو لا يمكنهم من مطالبته و حبسه لأنه متأول ~~و كذلك عمرو بن امية و عاقلته خالد بن الوليد لأنه قتل هذا على سبيل الجهاد ~~لالعداوة تخصه و قد تنازع الفقهاء فى خطأ ولي لي الأمر هل هو فى بيت المال ~~أو على ذمته على قولين PageV14P083 # ولهذا كان ماغنمته السرية يشاركها فيه الجيش و ما غنمه الجيش شاركته فيه ~~السرية لأنه انما يغنم بعضهم بظهر بعض فإذا اشتركوا فى المغرم اشتركوا فى ~~المغنم و كذلك فى العقوبة يقتل الردء و المباشر من المحاربين عند جماهير ~~الفقهاء كما قتل عمر رضي الله عنه ربيئة المحاربين و هو قول مالك و أبي ~~حنيفة و أحمد و هو مذهب مالك فى القتل قودا و في السراق ايضا # وبيان دلالة الآية على ذلك أن المقتولين إذا حبس حر بحر و عبد بعبد و ~~انثى بانثى فالحر من هؤلاء ليس قاتله هو ولي الحر من هؤلاء بل قد يكون غيره ~~و كذلك العبد من هؤلاء ليس قاتله هو سيد العبد من هؤلاء بل يكون غيره لكن ~~لما كانوا مجتمعين متناصرين على قتال أولئك و محاربتهم كان من قتله بعضهم ~~فكلهم قتله و كلهم يضمنونه و لهذا ما فضل لاحد الطائفتين يؤخذ من مال ~~الأخرى # فان قيل إذا كان مستقرا فى فطر بني آدم أن القاتل الظالم لنظيره يستحق أن ~~يقتل و ليس فى الآدميين من يقول إنه لا يقتل فما الفائدة فى قوله تعالى ^ و ~~كتبنا عليهم فيها أي فى التوارة أن النفس بالنفس و العين بالعين ^ الآية ~~إذا كان مثل هذا الشرع يعرفه العقلاء كلهم # قيل لهم ms0651 فائدته بيان تساوى دماء بني اسرائيل و أن دماءهم PageV14P084 ~~متكافئة ليس لشريفهم مزية على ضعيفهم و هذه الفائدة الجليلة التى جاءت بها ~~شرائع الأنبياء فاما الطوائف الخارجون عن شرائع الانبياء فلا يحكمون بذلك ~~مطلقا بل قد لا يقتلون الشريف و إذا كان الملك عادلا فقد يفعل بعض ذلك فهذا ~~الذي كتبه الله فى التوراة من تكافىء دمائهم و يسعى بذمتهم ادناهم و هم يد ~~على من سواهم فحكم ايضا فى المؤمنين به من جميع الأجناس بتكافىء دمائهم ~~فالمسلم الحر يقتل بالمسلم الحر من جميع الأجناس باتفاق العلماء # وبهذا ظهر الجواب عن احتجاج من احتج بآية التوراة على أن المسلم يقتل ~~بالذمي لقوله ^ و كتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس ^ و ( شرع من قبلنا شرع ~~لنا ( فإنه يقال الذي كتب عليهم ان النفس منهم بالنفس منهم و هم كلهم كانوا ~~مؤمنين لم يكن فيهم كافر و لم يكن في شريعتهم ابقاء كافر بينهم لا بجزية و ~~لا غيرها و هذا مثل شرع محمد صلى الله عليه و سلم أن المسلمين تتكافأ ~~دماؤهم و ليس فى الشريعتين أن دم الكافر يكافىء دم المسلم بل جعل الايمان ~~هو الواجب للمكافآت دليل على انتفاء ذلك في الكافر سواء كان ذميا أو ~~مستأمنا لانتفاء الايمان الواجب للمكافأة فيه نعم يحتج بعمومه على العبد # وليس فى العبد نصوص صريحة صحيحة كما في الذمي بل ما روي ( من قتل عبده ~~قتلناه به ( و هذا لأنه إذا قتله ظالما كان الامام ولي PageV14P085 دمه لأن ~~القاتل كما لا يرث المقتول إذا كان حرا فكذلك لا يكون ولي دمه إذا كان عبدا ~~بل هذا أولى كيف يكون و لي دمه و هو القاتل بل لايكون ولي دمه بل ورثة ~~القاتل السيد لأنهم و رثته و هو بالحياة و لم يثبت له ولاية حتى تنتقل ~~إليهم فيكون وليه الامام و حينئذ فللامام قتله فكل من قتل عبده كان للامام ~~أن يقتله # ( أيضا ( فقد ثبت بالسنة و الآثار أنه إذا مثل بعبده ms0652 عتق عليه و هذا مذهب ~~مالك و أحمد و غيرهما و قتله ( أشد ) أنواع المثل فلا يموت إلا حرا لكن ~~حريته لم تثبت فى حال الحياة حتى يرثه عصبته بل حريته ثبتت حكما و هو إذا ~~كان عتق كان ولاؤه للمسلمين فيكون الامام هو وليه فله قتل قاتل عبده # وقد يحتج بهذا من يقول ان قاتل عبد غيره لسيده قتله و إذا دل الحديث على ~~هذا كان هذا القول هو الراجح و القول الآخر ليس معه نص صريح و لا قياس صحيح ~~و قد قال الفقهاء من أصحاب أحمد و غيرهم من قتل و لا ولي له كان الامام ولي ~~دمه فله أن يقتل و له أن يعفو على الدية لا مجانا # يؤيد هذا أن من قال لا يقتل حر بعبد يقول إنه لا يقتل الذمي الحر بالعبد ~~المسلم قال الله تعالى في كتابه ( و لعبد مؤمن خير PageV14P086 من مشرك ) ~~فالعبد المؤمن خير من الذمي المشرك فكيف لا يقتل به و العبد المؤمن مثل ~~الحرائر المؤمنات كما دلت عليه هذه الآية و هو قول جماهير السلف و الخلف و ~~هذا قوي على قول أحمد فإنه يجوز شهادة العبد كالحر بخلاف الذمي فلماذا لا ~~يقتل الحر بالعبد و كلهم مؤمنون و قد قال النبى صلى الله عليه و سلم ( ~~المؤمنون تتكافأ دماؤهم ( PageV14P087 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه @QE@ من باب بدل ~~الاشتمال و السؤال إنما وقع عن القتال فيه فلم قدم الشهر و قد قلتم أنهم ~~يقدمون ما بيانه أهم و هم به أعنى # قيل السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في الشهر و تشنيع أعدائهم ~~عليهم انتهاكه و انتهاك حرمته و كان اهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال ~~فالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر فلذلك قدم فى الذكر و كان تقديمه ~~مطابقا لما ذكرنا من القاعدة # فإن قيل فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر و هلا اكتفى بضميره ~~فقال ms0653 هو كبير و أنت إذا قلت سألته عن زيد هو فى الدار كان أوجز من أن تقول ~~أزيد فى الدار # قيل فى إعادته بلفظ الظاهر بلاغة بديعة و هو تعليق الحكم الخبري باسم ~~القتال فيه عموما و لو أتى بالمضمر فقال هو كبير لتوهم اختصاص الحكم بذلك # المسؤل عنه و ليس الأمر كذلك PageV14P088 وإنما هو عام في كل قتال و قع ~~فى شهر حرام # ونظير هذه القاعدة قوله صلى الله عليه و سلم و قد سئل عن الوضوء بماء ~~البحر فقال ( هو الطهور ماؤه ( فأعاد لفظ الماء و لم يقتصر على قوله ^ نعم ~~توضؤا به ^ لئلا يتوهم اختصاص الحكم بالسائلين لضرب من ضروب الاختصاص فعدل ~~عن قوله ( نعم توضؤا ( إلى جواب عام يقتضي تعليق الحكم و الطهور به بنفس ~~مائه من حيث هو فأفاد استمرار الحكم على الدوام و تعلقه بعموم الأمة و بطل ~~توهم قصره على السبب فتأمله فإنه بديع # فكذلك فى الآية لما قال ( قتال فيه كبير ) فجعل الخبر ب ( كبير ) واقعا ~~عن ( قتال فيه ) فيتعلق الحكم به على العموم و لفظ ( المضمر ( لايقتضى ذلك # وقريب من هذا قوله تعالى ( و الذين يمسكون بالكتاب و أقاموا الصلاة أنا ~~لا نضع أجر المصلحين ) و لم يقل أجرهم تعليقا لهذا الحكم بالوصف و هو كونهم ~~مصلحين و ليس في الضمير ما يدل على الوصف المذكور # وقريب منه و هو ألطف معنى قوله تعالى ( يسألونك عن المحيض PageV14P089 قل ~~هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) و لم يقل فيه تعليقا بحكم الاعتزال ~~بنفس الحيض و أنه هو سبب الاعتزال و قال ( قل هو أذى ) و لم يقل ( المحيض ~~أذى ) لأنه جاء به على الأصل و لأنه لو كرره لثقل اللفظ به لتكرره ثلاث ~~مرات و كان ذكره بلفظ الظاهر في الأمر بالاعتزال أحسن من ذكره مضمرا ليفيد ~~تعليق الحكم بكونه حيضا بخلاف قوله ( قل هو أذى ) فإنه اخبار بالواقع و ~~المخاطبون يعلمون أن جهة كونه أذى هو نفس كونه حيضا بخلاف تعليق ms0654 الحكم به ~~فإنه إنما يعلم بالشرع فتأمله PageV14P090 # سئل شيخ الإسلام # عن قوله تعالى و لا تنكحوا المشركات و قد أباح العلماء التزويج ~~بالنصرانية و اليهودية فهل هما من المشركين أم لا افأجاب الحمد لله نكاح ~~الكتابية جائز بالآية التى فى المائدة قال تعالى ^ وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم ^ و هذا مذهب جماهير السلف و الخلف من الأئمة ~~الأربعة و غيرهم و قد روى عن بن عمر أنه كره نكاح النصرانية و قال لا أعلم ~~شركا أعظم ممن تقول أن ربها عيس بن مريم # وهو اليوم مذهب طائفة من أهل البدع و قد احتجوا بالآية التى فى سورة ~~البقرة و بقوله ( و لا تمسكوا بعصم الكوافر ) و الجواب عن آية البقرة من ~~ثلاثة أوجه # ( أحدها ) أن أهل الكتاب لم يدخلوا فى المشركين فجعل أهل الكتاب غير ~~المشركين بدليل قوله PageV14P091 ( ان الذين آمنوا و الذين هادوا و ~~الصابئين و النصارى و المجوس و الذين اشركوا ) # فإن قيل فقد و صفهم بالشرك بقوله ( اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من ~~دون الله و المسيح بن مريم و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا ~~هو سبحانه عما يشركون ) قيل أهل الكتاب ليس فى أصل دينهم شرك فإن الله إنما ~~بعث الرسل بالتوحيد فكل من آمن بالرسل و الكتب لم يكن فى أصل دينهم شرك و ~~لكن النصارى ابتدعوا الشرك كما قال ( سبحانه و تعالى عما يشركون ) فحيث ~~وصفهم بأنهم أشركوا فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به و حيث ~~ميزهم عن المشركين فلأن أصل دينهم اتباع الكتب المنزلة التى جاءت بالتوحيد ~~لا بالشرك # فإذا قيل أهل الكتاب لم يكونوا من هذه الجهة مشركين فإن الكتاب الذي ~~أضيفوا اليه لاشرك فيه كما إذا قيل المسلمون و أمة محمد لم يكن فيهم من هذه ~~الجهة لا اتحاد و لا رفض و لا تكذيب بالقدر ms0655 و لاغير ذلك من البدع و ان كان ~~بعض الداخلين فى الأمة قد ابتدع هذه البدع لكن أمة محمد صلى الله عليه و ~~سلم لا تجتمع على ضلالة فلا يزال فيها من هو متبع لشريعة التوحيد بخلاف أهل ~~الكتاب و لم يخبر الله عز وجل عن أهل الكتاب أنهم مشركون بالاسم بل قال ( ~~عما يشركون ) بالفعل و آية البقرة قال فيها PageV14P092 ( المشركين ) و ( ~~المشركات ) بالاسم و الاسم أوكد من الفعل # ( الوجه الثاني ) ان يقال ان شملهم لفظ ( المشركين ) فى سورة البقرة كما ~~وصفهم بالشرك فهذا متوجه بأن يفرق بين دلالة اللفظ مفردا و مقرونا فإذا ~~أفردوا دخل فيهم أهل الكتاب و إذا قرنوا بأهل الكتاب لم يدخلوا فيهم كما ~~قيل مثل هذا فى اسم الفقير و المسكين و نحو ذلك فعلى هذا يقال آية البقرة ~~عامة و تلك خاصة و الخاص يقدم على العام # ( الوجه الثالث ) أن يقال آية المائدة ناسخة لآية البقرة لأن المائدة ~~نزلت بعد البقرة باتفاق العلماء و قد جاء فى الحديث المائدة من PageV14P093 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل # لما ذكر سبحانه ما يبطل الصدقة من المن والأذى و من الرياء و مثله ~~بالتراب على الصفوان إذا أصابه المطر و لهذا قال ( و لا يؤمن بالله و اليوم ~~الآخر ) لأن الإيمان باحدهما لا ينفع هنا بخلاف قوله فى النساء ( ان الله ~~لا يحب من كان مختالا فخورا ) إلى قوله ^ و الذين ينفقون أموالهم رئاء ~~الناس و لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر ^ فإنه فى معرض الذم فذكر غايته ~~و ذكر ما يقابله و هم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله و تثبيتا من ~~أنفسهم # فالأول الاخلاص # و ( التثبيت ( هو التثبت كقوله ^ و لو انهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم و اشد تثبيتا ^ كقوله ^ و تبتل إليه تبتيلا ^ و يشبه والله أعلم أن ~~يكون هذا من باب قدم و تقدم كقوله ^ لاتقدموا PageV14P094 بين يدي الله و ~~رسوله ^ فتبتل و تثبت لازم بمعنى ثبت لأن ms0656 التثبت هو القوة و المكنة و ضده ~~الزلزلة والرجفة فإن الصدقة من جنس القتال فالجبان يرجف و الشجاع يثبت و ~~لهذا قال النبى صلى الله عليه و سلم ( و اما الخيلاء التى يحبها الله ~~فاختيال الرجل بنفسه عند الحرب و اختياله بنفسه عند الصدقة ( لأنه مقام ~~ثبات و قوة فالخيلاء تناسبه و انما الذي لايحبه الله المختال الفخور البخيل ~~الآمر بالبخل فاما المختال مع العطاء أو القتال فيحبه # وقوله ^ من انفسهم ^ أي ليس المقوى له من خارج كالذي يثبت و قت الحرب ~~لامساك اصحابه له و هذا كقوله ( و إذا ما غضبوا هم يغفرون ) بل تثبته و ~~مغفرته من جهة نفسه # وقد ذكر الله سبحانه في البقرة و النساء الأقسام الأربعة فى العطاء # إما أن لا يعطي فهو البخيل المذموم فى النساء أو يعطى مع الكراهة و المن ~~و الأذى فلا يكون بتثبيت و هو المذموم فى البقرة أو مع الرياء فهو المذموم ~~فى السورتين فبقي القسم الرابع ابتغاء رضوان الله و تثبيتا من أنفسهم ~~PageV14P095 # ونظيره ( الصلاة ( أما أن لايصلي أو يصلي رياء أو كسلان أو يصلي مخلصا و ~~الأقسام الثلاثة الآول مذمومة وكذلك ( الزكاة ( و نظير ذلك ( الهجرة و ~~الجهاد ( فإن الناس فيهما أربعة اقسام و كذلك ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا ) فى الثبات و الذكر و كذلك و تواصوا بالصبر و تواصوا ~~بالمرحمة ) # فى الصبر و المرحمة أربعة أقسام و كذلك ( استعينوا بالصبر و الصلاة ) فهم ~~في الصبر و الصلاة فعامة هذه الاشفاع التى في القرآن إما عملان و إما وصفان ~~فى عمل انقسم الناس فيها قسمة رباعية ثم ان كانا عملين منفصلين كالصلاة و ~~الصبر و الصلاة و الزكاة و نحو ذلك نفع احدهما و لو ترك الآخر و ان كانا ~~شرطين فى عمل كالاخلاص و التثبت لم ينفع احدهما فإن المن و الأذى محبط كما ~~أن الرياء محبط كما دل عليه القرآن و من هذا تقوى الله و حسن الخلق فإن ~~الله مع الذين ms0657 اتقوا و الذين هم محسنون و البر و التقوى و الحق و الصبر و ~~أفضل الإيمان السماحة و الصبر # بخلاف الاشفاع في الذم كالافك و الاثم والاختيال و الفخر و الشح و الجبن ~~و الاثم و العدوان فإن الذم ينال احدهما مفردا PageV14P096 ومقرونا لأن ~~الخير من باب المطلوب وجوده لمنفعته فقد لاتحصل المنفعة الا بتمامة و البشر ~~يطلب عدمه لمضرته و بعض المضار يضر فى الجملة غالبا و لهذا فرق في الأسماء ~~بين الأمر و النهي و الاثبات و النفي فإذا أمر بالشيء اقتضى كماله و إذا ~~نهى عنه اقتضى النهي عن جميع أجزائه و لهذا حيث أمر الله بالنكاح كما فى ~~المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره و كما فى الاحصان فلابد من الكمال بالعقد ~~و الدخول و حيث نهى عنه كما فى ذوات المحارم فالنهي عن كل منهما على ~~انفراده و هذا مذهب مالك و أحمد المنصوص عنه أنه إذا حلف ليتزوجن لم يبر ~~الا بالعقدة و الدخول بخلاف ما إذا حلف لا يتزوج فإنه يحنث بالعقدة و كذلك ~~إذا حلف لايفعل شيئا حنث بفعل بعضه بخلاف ما إذا حلف ليفعلنه فإن دلالة ~~الاسم على كل و بعض تختلف بإختلاف النفي و الاثبات # ولهذا لما أمر الله بالطهارة و الصلاة والزكاة و الحج كان الواجب الاتمام ~~كما قال تعالى ( بكلمات فاتمهن ) و قال ( و إبراهيم الذي و فى ) # ولما نهى عن القتل و الزنا و السرقة و الشرب كان ناهيا عن ابعاض ذلك بل و ~~عن مقدماته أيضا و أن كان الاسم لايتناوله فى الاثبات و لهذا فرق فى ~~الأسماء النكرات بين النفي و الاثبات و الأفعال كلها PageV14P097 نكرات و ~~فرق بين الأمر و النهي بين التكرار و غيره و قال صلى الله عليه و سلم ( إذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ستطعتم و إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ( # وإنما اختلف فى المعارف المنفية على روايتين كما فى قوله لا تأخذ الدراهم ~~و لا تكلم الناس PageV14P098 # وقال شيخ ms0658 # الاسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه و نور ضريحه $ فصل # فى قوله تعالى ( و ان تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر ~~لمن يشاء و يعذب من يشاء و الله على كل شيء قدير ) قد ثبت فى صحيح مسلم عن ~~العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال لما انزل الله ( ان تبدوا ~~مافي انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) اشتد ذلك على أصحاب النبى صلى الله ~~عليه و سلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم بركوا على الركب و ~~قالوا أى رسول الله كلفنا من العمل مانطيق الصلاة و الصيام و الجهاد و ~~الصدقة و قد نزلت عليك هذه الآية و لا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه ~~و سلم ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا و عصينا ~~قولوا سمعنا و اطعنا غفرانك ربنا و اليك المصير ( فلما قرأها القوم و ذلت ~~بها ألسنتهم انزل الله فى أثرها ( آمن الرسول PageV14P099 بما أنزل إليه من ~~ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا تفرق بين أحد من ~~رسله و قالوا سمعنا و اطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير ) فلما فعلوا ذلك ~~نسخها الله فانزل الله ( لايكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت و عليها ~~ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو اخطأنا ) قال نعم ( ربنا و لا تحمل ~~علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) قال نعم ( ربنا و لا تحملنا ~~مالا طاقة لنا به ) قال نعم ( و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا انت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين ) قال نعم # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس معناه و قال قد فعلت قد فعلت بدل نعم # ولهذا قال كثير من السلف و الخلف انها منسوخة بقوله @QB@ لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها @QE@ كما نقل ذلك عن ابن مسعود و أبي هريرة و ms0659 ابن عمر و ابن ~~عباس فى رواية عنه و الحسن و الشعبى و ابن سيرين و سعيد بن جبير و قتادة و ~~عطاء الخراساني و السدي و محمد بن كعب و مقاتل و الكلبى و ابن زيد و نقل عن ~~آخرين انها ليست منسوخة بل هي ثابتة فى المحاسبة على العموم فيأخذ من يشاء ~~و يغفر لمن يشاء كما نقل ذلك عن ابن عمر و الحسن PageV14P100 واختاره أبو ~~سليمان الدمشقي و القاضي أبو يعلى و قالوا هذا خبر و الأخبار لا تنسخ # و ( فصل الخطاب ( أن لفظ ( النسخ ( مجمل فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن ~~دلالة الآية عليه من عموم أو اطلاق أو غير ذلك كما قال من قال ان قوله ( ~~اتقوا الله حق تقاته ^ ^ و جاهدوا في الله حق جهاده ^ نسخ بقوله ^ فاتقوا ~~الله ما استطعتم ^ و ليس بين الآيتين تناقض لكن قد يفهم بعض الناس من قوله ~~( حق تقاته ) ( و حق جهاده ) الأمر بما لا يستطيعه العبد فينسخ ما فهمه هذا ~~كما ينسخ الله ما يلقى الشيطان و يحكم الله اياته و ان لم يكن نسخ ذلك نسخ ~~ما انزله بل نسخ ماالقاه الشيطان اما من الانفس أو من الاسماع أو من اللسان # وكذلك ينسخ الله ما يقع فى النفوس من فهم معنى و ان كانت الآية لم تدل ~~عليه لكنه محتمل و هذه الآية من هذا الباب فان قوله ^ و ان تبدوا ما فى ~~انفسكم ^ الآية انما تدل على أن الله يحاسب بما فى النفوس لا على أنه يعاقب ~~على كل مافى النفوس و قوله ^ لمن يشاء ^ يقتضى أن الامر إليه فى المغفرة و ~~العذاب لا إلى غيره # و لايقتضى أنه يغفر و يعذب بلا حكمة و لا عدل كما قد يظنه من يظنه من ~~PageV14P101 الناس حتى يجوزوا أنه يعذب على الأمر اليسير من السيئات مع ~~كثرة الحسنات و عظمها و أن الرجلين اللذين لهما حسنات و سيئات يغفر لأحدهما ~~مع كثرة سيئاته و قلة حسناته و يعاقب ms0660 الآخر على السيئة الواحدة مع كثرة ~~حسناته و يجعل درجة ذاك فى الجنة فوق درجة الثاني # هؤلاء يجوزون أن يعذب الله الناس بلا ذنب و أن يكلفهم مالا يطيقون و ~~يعذبهم على تركه و الصحابة إنما هربوا و خافوا أن يكون الأمر من هذا الجنس ~~فقالوا لا طاقة لنا بهذا فانه إن كلفنا مالانطيق عذبنا فنسخ الله هذا الظن ~~و بين أنه لا يكلف نفسا الا و سعها و بين بطلان قول هؤلاء الذين يقولون أنه ~~يكلف العبد مالا يطيقه و يعذبه عليه و هذا القول لم يعرف عن أحد من السلف و ~~الأئمة بل أقوالهم تناقض ذلك حتى أن سفيان بن عيينة سئل عن قوله ^ لايكلف ~~الله نفسا إلا وسعها ^ قال إلا يسرها و لم يكلفها طاقتها قال البغوى و هذا ~~قول حسن لأن الوسع ما دون الطاقة و إنما قاله طائفة من المتأخرين لما ~~ناظروا المعتزلة في ( مسائل القدر ( و سلك هؤلاء مسلك الجبر جهم و اتباعه ~~فقالوا هذا القول و صاروا فيه على مراتب و قد بسط هذا فى غير هذا الموضع # قال ابن الأنباري في قوله ^ و لا تحملنا ما لاطاقة لنا به ^ أي لا تحملنا ~~ما يثقل علينا أداؤه و ان كنا مطيقين له على تجشم PageV14P102 وتحمل مكروه ~~قال فخاطب العرب على حسب ما تعقل فإن الرجل منهم يقول للرجل ما أطيق النظر ~~اليك و هو مطيق لذلك لكنه ثقيل عليه النظر اليه قال و مثله قوله ^ ماكانوا ~~يستطيعون السمع ^ # قلت ليست هذه لغة العرب وحدهم بل هذا مما اتفق عليه العقلاء و ( ~~الاستطاعة فى الشرع ( هي مالا يحصل معه للمكلف ضرر راجح كاستطاعة الصيام و ~~القيام فمتى كان يزيد فى المرض أو يؤخر البرء لم يكن مستطيعا لأن في ذلك ~~مضرة راجحة بخلاف هؤلاء فإنهم كانوا لا يستطيعون السمع لبعض الحق و ثقله ~~عليهم اما حسدا لقاتله و اما اتباعا للهوى و رين الكفر و المعاصي على ~~القلوب و ليس هذا عذرا فلو لم ms0661 يأمر العباد الا بما يهوونه لفسدت السموات و ~~الأرض و من فيهن # والمقصود أن السلف لم يكن فيهم من يقول أن العبد لا يكون مستطيعا إلا في ~~حال فعله و أنه قبل الفعل لم يكن مستطيعا فهذا لم يأت الشرع به قط و لا ~~اللغة و لا دل عليه عقل بل العقل يدل على نقيضه كما قد بسط فى غير هذا ~~الموضع # والرب تعالى يعلم أن العبد لا يفعل الفعل مع أنه مستطيع له و المعلوم أنه ~~لا يفعله و لا يريده لا أنه لايقدر عليه و العلم يطابق PageV14P103 المعلوم ~~فالله يعلم ممن استطاع الحج و القيام و الصيام أنه مستطيع و يعلم أن هذا ~~مستطيع يفعل مستطاعه فالمعلوم هو عدم الفعل لعدم ارادة العبد لا لعدم ~~استطاعته كالمقدورات له التى يعلم أنه لايفعلها لعدم ارادته لها لا لعدم ~~قدرته عليها و العبد قادر على أن يفعل و قد علم الله أنه لايفعل مع القدرة ~~و لهذا يعذبه لأنه انما أمره بما استطاع لا بما لا يستطيع و من لم يستطع لم ~~يأمره و لا يعذبه على مالم يستطعه # وإذا قيل فيلزم أن يكون قادرا على تغيير علم الله لأن الله علم أنه لا ~~يفعل فاذا قدر على الفعل قدر على تغيير علم الله # قيل هذه مغلطة و ذلك أن مجرد قدرته على الفعل لايلزم فيها تغيير العلم و ~~إنما يظن من يظن تغيير العلم إذا وقع الفعل و لو وقع الفعل لكان المعلوم ~~وقوعه لا عدم وقوعه فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله بعدم وقوعه بل ~~ان وقع كان الله قد علم أنه يقع و ان لم يقع كان الله قد علم أنه لا يقع و ~~نحن لا نعرف علم الله الا بما يظهر و علم الله مطابق للواقع فيمتنع أن يقع ~~شيء يستلزم تغيير العلم بل أي شيء وقع كان هو المعلوم و العبد الذي لم يفعل ~~لم يأت بشيء بغير العلم بل هو قادر على ms0662 فعل ما لم يقع PageV14P104 و لو وقع ~~لكان الله قد علم أنه يقع لا أنه لا يقع # وإذا قيل فمع عدم و قوعه يعلم الله أنه لايقع فلو قدر العبد على وقوعه ~~قدر على تغيير العلم # قيل ليس الأمر كذلك بل العبد يقدر على وقوعه و هو لم يوقعه و لو اوقعه لم ~~يكن المعلوم الا و قوعه فمقدور العبد إذا وقع لم يكن المعلوم إلا وقوعه ~~فاذا وقع كان الله عالما أنه سيقع و اذا لم يقع كان الله عالما بأنه لايقع ~~البتة فاذا فرض وقوعه مع انتفاء لازم الوقوع صار محالا من جهة اثبات ~~الملزوم بدون لازمه و كل الأشياء بهذا الاعتبار هي محال # ومما يلزم هؤلاء أن لايبقى أحد قادرا على شيء الا الرب فان الأمور نوعان ~~( نوع ( علم الله أنه سيكون و ( نوع ( علم الله أنه لايكون # ف ( الأول ( لابد من وقوعه و ( الثاني ( لايقع البتة فما علم الله أنه ~~سيقع يعلم أنه يقع بمشيئته و قدرته و ما علم أنه لايقع يعلم أنه لا يشاؤه و ~~هو سبحانه ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن PageV14P105 وأما ( المعتزلة ( ~~فعندهم أنه يشاء ما لايكون و يكون مالا يشاء و أولئك ( المجبرة ( فى جانب و ~~هؤلاء فى جانب و أهل السنة و سط # وما يفعله العباد باختيارهم يعلم سبحانه أنهم فعلوه بقدرتهم و مشيئتهم و ~~ما لم يفعلوه مع قدرتهم عليه يعلم أنهم لم يفعلوه لعدم ارادتهم له لا لعدم ~~قدرتهم عليه و هو سبحانه الخالق للعباد و لقدرتهم و ارادتهم و أفعالهم و كل ~~ذلك مقدور للرب و ليس هذا مقدورا بين قادرين بل القادر المخلوق هو وقدرته و ~~مقدوره مقدور للخالق مخلوق له # و ( المقصود هنا ( أن قوله تعالى ^ و ان تبدوا ما فى انفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله ^ حق و النسخ فيها هو رفع فهم من فهم من الآية ما لم تدل ~~عليه فمن فهم ان الله يكلف نفسا ما لاتسعه فقد ms0663 نسخ الله فهمه و ظنه و من ~~فهم منها أن المغفرة و العذاب بلاحكمة و عدل فقد نسخ فهمه و ظنه فقوله ^ ~~لايكلف الله نفسا الا و سعها ^ رد للأول وقوله ^ لها ما كسبت و عليها ما ~~اكتسبت ^ رد للثاني و قوله ^ فيغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء ^ كقوله فى آل ~~عمران ( و لله ما فى السموات و ما فى الأرض يغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء و ~~الله غفور رحيم ) و قوله ^ ألم تعلم أن الله له ملك السموات و الأرض ~~PageV14P106 يعذب من يشاء و يغفر لمن يشاء و الله على كل شيء قدير ^ و نحو ~~ذلك # و قد علمنا أنه لا يغفر ان يشرك به و انه لايعذب المؤمنين و أنه يغفر لمن ~~تاب كذلك قوله ( و ان تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه # ودلت هذه الآية على أنه سبحانه يحاسب بما في النفوس و قد قال عمر زنوا ~~أنفسكم قبل أن توزنوا و حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و ( المحاسبة ( تقتضي ~~أن ذلك يحسب و يحصى # و أما ( المغفرة و العذاب ( فقد دل الكتاب و السنة على أن من فى قلبه ~~الكفر و بغض الرسول و بغض ما جاء به أنه كافر بالله و رسوله و قد عفى الله ~~لهذه الأمة و هم المؤمنون حقا الذين لم يرتابوا عما حدثت به أنفسها مالا ~~تتكلم به أو تعمل كما هو فى الصحيحين من حديث أبي هريرة و ابن عباس و روى ~~عن النبى صلى الله عليه و سلم ( ان الذي يهم بالحسنة تكتب له و الذي يهم ~~بالسيئة لا تكتب عليه حتى يعملها ( إذا كان مؤمنا من عادته عمل الحسنات و ~~ترك السيئات فإن ترك السيئة لله كتبت له حسنة فاذا أبدى العبد ما فى نفسه ~~من الشر بقول أو فعل صار من الأعمال التى يستحق عليها الذم و العقاب ~~PageV14P107 وان أخفى ذلك و كان ما أخفاه متضمنا لترك الايمان بالله و ~~الرسول مثل الشك فيما ms0664 جاء به الرسول أو بغضه كان معاقبا على ما أخفاه فى ~~نفسه من ذلك لأنه ترك الايمان الذي لانجاة و لا سعادة الا به و اما ان كان ~~و سواسا و العبد يكرهه فهذا صريح الايمان كما هو مصرح به فى الصحيح # و هذه ( الوسوسة ( هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الانسان فاذا كرهه ~~العبد و نفاه كانت كراهته صريح الايمان و قد خاف من خاف من الصحابة من ~~العقوبة على ذلك فقال تعالى ^ لايكلف الله نفسا الا و سعها ^ # و ( الوسع ( فعل بمعنى المفعول أي ما يسعه و لا يكلفها ما تضيق عنه فلا ~~تسعه و هو المقدور عليه المستطاع و قال بعض الناس ان ( الوسع ( اسم لما يسع ~~الانسان و لا يضيق عليه و ليس كذلك بل ما يسع الانسان هو مباح له و ما لم ~~يسعه ليس مأمورا به فما يسعه قد يؤمر به و اما ما لا يسعه فهو المباح يقال ~~يسعني أن افعل كذا و لا يسعني أن افعل كذا و المباح هو الواسع و منه باحة ~~الدار فالمباح لك أن تفعله هو يسعك و لا تخرج عنه و منه يقال رحم الله من و ~~سعته السنة فلم يتعدها إلى البدعة أي فيما أمر الله به و ما PageV14P108 ~~أباحه ما يكفي المؤمن المتبع فى دينه و دنياه لا يحتاج ان يخرج عنه إلى ~~مانهى عنه # وأما ما كلفت به فهو ما أمرت بفعله و ذلك يكون مما تسعه أنت لا مما يسعك ~~هو و قد يقال لايسعني تركه بل تركه محرم و قد قال تعالى @QB@ تلك حدود الله ~~فلا تقربوها @QE@ و هو أول الحرام و قال @QB@ تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~@QE@ و هي آخر الحلال و قال @QB@ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على ~~قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم @QE@ و هذا التغيير نوعان # ( أحدهما ) أن يبدوا ذلك فيبقى قولا و عملا يترتب عليه الذم و العقاب # و ( الثانى ) أن يغيروا الايمان الذي ms0665 فى قلوبهم بضده من الريب و الشك و ~~البغض و يعزموا على ترك فعل ما أمر الله به و رسوله فيستحقون العذاب هنا ~~على ترك المأمور و هناك على فعل المحظور # وكذلك ما فى النفس مما يناقض محبة الله و التوكل عليه و الاخلاص له و ~~الشكر له يعاقب عليه لأن هذه الأمور كلها واجبة فاذا خلي القلب عنها و اتصف ~~بأضدادها استحق العذاب على ترك هذه الواجبات PageV14P109 وبهذا التفصيل ~~تزول شبه كثيرة و يحصل الجمع بين النصوص فانها كلها متفقة على ذلك ~~فالمنافقون الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يعاقبون على أنهم لم تؤمن قلوبهم ~~بل أضمرت الكفر قال تعالى ( يقولون بألسنتهم ماليس فى قلوبهم ) و قال @QB@ ~~في قلوبهم مرض @QE@ و قال @QB@ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ~~@QE@ فالمنافق لابد أن يظهر فى قوله و فعله مايدل على نفاقه و ما أضمره كما ~~قال عثمان بن عفان ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه و ~~فلتات لسانه و قد قال تعالى عن المنافقين ( و لو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم ~~بسيماهم ) ثم قال ( و لتعرفنهم فى لحن القول ) و هو جواب قسم محذوف أي و ~~الله لتعرفهم فى لحن القول فمعرفة المنافق فى لحن القول لابد منها و أما ~~معرفته بالسيما فموقوفة على المشيئة # ولما كانت هذه الآية ( ان تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه ) خبرا من الله ~~ليس فيها اثبات ايمان للعبد بخلاف الآيتين بعدها كما قال النبى صلى الله ~~عليه و سلم ( الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما فى ليلة كفتاه ( متفق ~~عليه و هما قوله ^ آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه و المؤمنون ^ إلى آخرها ~~وكلام السلف يوافق ما ذكرناه قال ابن عباس هذه الآية لم تنسخ و لكن الله ~~إذا جمع الخلائق يقول اني اخبركم بما أخفيتم في أنفسكم PageV14P110 مما لم ~~تطلع عليه ملائكتى فاما المؤمنون فيخبرهم و يغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم و ~~هو قوله @QB@ يحاسبكم به الله @QE@ يقول ms0666 يخبركم به الله و أما أهل الشرك و ~~الريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب و هو قوله ^ يغفر لمن يشاء و يعذب من ~~يشاء ^ # وقد روى عن ابن عباس أنها نزلت في كتمان الشهادة و روى ذلك عن عكرمة و ~~الشعبى و كتمان الشهادة من باب ترك الواجب و ذلك ككتمان العيب الذي يجب ~~اظهاره و كتمان العلم الذي يجب اظهاره و عن مجاهد أنه الشك و اليقين و هذا ~~أيضا من باب ترك الواجب لأن اليقين واجب و روي عن عائشة ما اعلنت فإن الله ~~يحاسبك به و أما ما أخفيت فما عجلت لك به العقوبة فى الدنيا و هذا قد يكون ~~مما يعاقب فيه العبد بالغم كما سئل سفيان بن عيينة عن غم لايعرف سببه قال ~~هو ذنب هممت به فى سرك و لم تفعله فجزيت هما به # فالذنوب لها عقوبات السر بالسر و العلانية بالعلانية و روى عنها مرفوعا ~~قالت ( سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن هذه الآية ( ان تبدوا ما فى ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) فقال ياعائشة هذه مبايعة الله العبد مما ~~يصيبه من النكبة و الحمى حتى الشوكة و البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيروع ~~لها فيجدها فى جيبه حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الاحمر من ~~الكير ( PageV14P111 ق # لت هذا المرفوع هو و الله أعلم بيان ما يعاقب به المؤمن فى الدنيا و ليس ~~فيه أن كلما أخفاه يعاقب به بل فيه أنه إذا عوقب على ما اخفاه عوقب بمثل ~~ذلك و على هذا دلت الأحاديث الصحيحة # وقد روى الرويانى في مسنده من طريق الليث عن يزيد بن ابى حبيب عن سعيد بن ~~سنان عن أنس عن رسول صلى الله عليه و سلم أنه قال ( إذا أراد الله بعبده ~~الخير عجل له العقوبة فى الدنيا و اذا اراد بعبده الشر أمسك عنه العقوبة ~~بذنبه حتى يوافيه بها يوم القيامة و قد قال تعالى ( فأثابكم غما بغم ms0667 لكيلا ~~تحزنوا على مافاتكم و لا ما أصابكم و الله خبير بما تعملون ثم أنزل عليكم ~~من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم و طائفة قد اهمتهم أنفسهم يظنون ~~بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ان الأمر كله ~~لله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ماقتلنا ~~ههنا قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم و ~~ليبتلي الله ما فى صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم و الله عليم بذات الصدور ) # فهؤلاء كانوا فى ظنهم ظن الجاهلية ظنا ينافى اليقين بالقدر و ظنا ينافى ~~بأن الله ينصر رسوله فكان عقابهم على ترك اليقين و وجود الشك و ظن الجاهلية ~~و مثل هذا كثير PageV14P112 # ومما يدخل فى ذلك نيات الأعمال فانما الأعمال بالنيات و انما لكل امرىء ~~مانوى و ( النية ( هي مما يخفيه الانسان فى نفسه فإن كان قصده ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى استحق الثواب و ان كان قصده رياء الناس استحق العقاب كما قال ~~تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون @QE@ و ~~قال ^ و اذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ^ # وفى حديث أبى هريرة الصحيح فى الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار فى ~~الذي تعلم و علم ليقال عالم قاريء و الذي قاتل ليقال جريء و شجاع و الذي ~~تصدق ليقال جواد و كريم فهؤلاء انما كان قصدهم مدح الناس لهم و تعظيمهم لهم ~~و طلب الجاه عندهم لم يقصدوا بذلك وجه الله و ان كانت صور أعمالهم صورا ~~حسنة فهؤلاء إذا حوسبوا كانوا ممن يستحق العذاب كما فى الحديث ( من طلب ~~العلم ليباهي به العلماء أو ليماوى به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه ~~فله من عمله النار ( و فى الحديث الآخر ( من طلب علما مما يبتغى به وجه ~~الله لايطلبه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة و ms0668 ان ريحها ~~ليوجد من مسيرة خمسمائة عام ( # و في ( الجملة ( القلب هو الاصل كما قال أبو هريرة القلب ملك الأعضاء و ~~الاعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده و إذا PageV14P113 خبث خبثت جنوده ~~و هذا كما في حديث النعمان بن بشير المتفق عليه أن النبى صلى الله عليه و ~~سلم قال ( ان فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد و إذا فسدت فسد ~~لها سائر الجسد الا و هي القلب ( فصلاحه و فساده يستلزم صلاح الجسد و فساده ~~فيكون هذا مما أبداه لا مما أخفاه # وكلما أوجبه الله على العباد لابد أن يجب على القلب فانه الاصل و ان وجب ~~على غيره تبعا فالعبد المأمور المنهي انما يعلم بالأمر و النهي قلبه و انما ~~يقصد الطاعة و الامتثال القلب و العلم بالمأمور و الامتثال يكون قبل وجود ~~الفعل المأمور به كالصلاة و الزكاة و الصيام و إذا كان العبد قد أعرض عن ~~معرفة الأمر وقصد الامتثال كان أول المعصية منه بل كان هو العاصي و غيره ~~تبع له فى ذلك و لهذا قال فى حق الشقي ^ فلا صدق و لاصلى و لكن كذب و تولى ~~^ الآيات و قال فى حق السعداء ^ ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات ^ فى غير ~~موضع و المأمور نوعان # ( نوع ( هو عمل ظاهر على الجوارح و هذا لايكون الا بعلم القلب و ارادته ~~فالقلب هو الاصل فيه كالوضوء و الاغتسال و كافعال الصلاة من القيام و ~~الركوع و السجود و أفعال الحج من الوقوف و الطواف PageV14P114 وان كانت ~~أقوالا فالقلب أخص بها فلا بد أن يعلم القلب وجود ما يقوله أو بما يقول و ~~يقصده # ولهذا كانت الاقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول و يقصده ~~فاما المجنون و الطفل الذي لايميز فأقواله كلها لغو فى الشرع لا يصح منه ~~ايمان و لا كفر و لا عقد من العقود و لاشيء من الأقوال باتفاق المسلمين و ~~كذلك النائم إذا تكلم ms0669 فى منامه فأقواله كلها لغو سواء تكلم المجنون و ~~النائم بطلاق أو كفر أو غيره و هذا بخلاف الطفل فإن المجنون و النائم إذا ~~اتلف مالا ضمنه و لو قتل نفسا و جبت ديتها كما تجب دية الخطأ # وتنازع العلماء فى السكران مع اتفاقهم أنه لا تصح صلاته لقوله صلى الله ~~عليه و سلم ( مروهم بالصلاة لسبع و اضربوهم عليها لعشر و فرقوا بينهم فى ~~المضاجع ( و هو معروف فى السنن # و تنازعوا فى عقود السكران كطلاقه و في أفعاله المحرمة كالقتل و الزنا هل ~~يجري مجرى العاقل أو مجرى المجنون أو يفرق بين أقواله و أفعاله و بين بعض ~~ذلك و بعض على عدة أقوال معروفة و الذي تدل عليه النصوص و الأصول و أقوال ~~الصحابة أن أقواله هدر كالمجنون لا يقع بها طلاق ولاغيره فان الله تعالى قد ~~قال PageV14P115 @QB@ حتى تعلموا ما تقولون @QE@ فدل على أنه لايعلم ما ~~يقول و القلب هو الملك الذي تصدر الأقوال و الافعال عنه فاذا لم يعلم ما ~~يقول لم يكن ذلك صادرا عن القلب بل يجري مجرى اللغو والشارع لم يرتب ~~المؤاخذة إلا على ما يكسبه القلب من الأقوال و الأفعال الظاهرة كما قال ^ و ~~لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) و لم يؤاخذ على أقوال و أفعال لم يعلم بها ~~القلب و لم يتعمدها و كذلك ما يحدث به المرء نفسه لم يؤاخذ منه الا بما ~~قاله أو فعله و قال قوم إن الله قد أثبت للقلب كسبا فقال ^ بما كسبت قلوبكم ~~^ فليس لله عبد اسر عملا أو أعلنه من حركة في جوارحه أو هم في قلبه إلا ~~يخبره الله به و يحاسبه عليه ثم يغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء # واحتجوا بقوله تعالى ^ ان السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا ~~^ و هذا القول ضعيف شاذ فإن قوله ^ يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ^ إنما ذكره ~~لبيان أنه يؤاخذ فى الأعمال بما كسب القلب لايؤاخذ بلغو الايمان كما قال ms0670 ( ~~بما عقدتم الإيمان ) فالمؤاخذة لم تقع إلا بما اجتمع فيه كسب القلب مع عمل ~~الجوارح فاما ما وقع فى النفس فإن الله تجاوز عنه مالم يتكلم به أو يعمل و ~~ما وقع من لفظ أو حركة بغير قصد القلب و علمه فانه لايؤاخذ به # و ( أيضا ( فاذا كان السكران لايصح طلاقه و الصبى المميز تصح PageV14P116 ~~صلاته ثم الصبى لايقع طلاقه فالسكران أولى و قد قال النبى صلى الله عليه و ~~سلم ( لماعز ( لما اعترف بالحد ( أبك جنون قال لا ( ثم أمر باستنكاهه لئلا ~~يكون سكران فدل على أن إقرار السكران باطل و قضية ماعز متأخرة بعد تحريم ~~الخمر فان الخمر حرمت سنة ثلاث بعد أحد باتفاق الناس و قد ثبت عن عثمان و ~~غيره من الصحابة كعبد الله بن عباس أن طلاق السكران لا يقع و لم يثبت عن ~~صحابي خلافه و # الذين أوقعوا طلاقه لم يذكروا إلا مأخذا ضعيفا و عمدتهم أنه عاص بازالة ~~عقله و هذا صحيح يوجب عقوبته على المعصية التى هي الشرب فيحد على ذلك و أما ~~الطلاق فلا يعاقب به مسلم على المعصية و لو كان كذلك لكان كل من شرب الخمر ~~أو سكر طلقت امرأته و إنما قال من قال إذا تكلم به طلقت فهم اعتبروا كلامه ~~لا معصيته ثم إنه فى حال سكره قد يعتق و العتق قرية فإن صححوا عتقه بطل ~~الفرق و ان الغوه فالغاء الطلاق أولى فان الله يحب العتق و لا يحب الطلاق # ثم من علل ذلك بالمعصية لزمه طرد ذلك فيمن زال عقله بغير مسكر كالبنج و ~~هو قول من يسوى بين البنج و السكران من أصحاب الشافعي و موافقيه كأبي ~~الخطاب و الاكثرون على الفرق و هو منصوص PageV14P117 أحمد و أبى حنيفة ~~وغيرهما لأن الخمر تشتهيها النفس و فيها الحد بخلاف البنج فإنه لاحد فيه بل ~~فيه التعزير لأنه لايشتهى كالميتة و الدم و لحم الخنزير فيها التعزير و ~~عامة العلماء على أنه لاحد فيها إلا قولا ms0671 نقل عن الحسن فهذا فيمن زال عقله # وأما إذا كان يعلم ما يقول فان كان مختارا قاصدا لما يقوله فهذا هو الذي ~~يعتبر قوله و ان كان مكرها فان اكره على ذلك بغير حق فهذا عند جمهور ~~العلماء أقواله كلها لغو مثل كفره و ايمانه و طلاقه و غيره و هذا مذهب مالك ~~و الشافعي و أحمد و غيرهم # وأبو حنيفة و طائفة يفرقون بين ما يقبل الفسخ و ما لايقبله قالوا فما ~~يقبل الفسخ لا يلزم من المكره كالبيع بل يقف على إجازته له و ما لا يقبل ~~الفسخ كالنكاح و الطلاق و اليمين فإنه يلزم من المكره # والجمهور ينازعون فى هذا الفرق فى ثبوت الوصف و فى تعلق الحكم به فانهم ~~يقولون النكاح و نحوه يقبل الفسخ و كذلك العتق يقبل الفسح عند الشافعي و ~~أحد القولين في مذهب أحمد حتى أن المكاتب قد يحكمون بعتقه ثم يفسخون العتق ~~و يعيدونه عبدا و الايمان المنعقدة تقبل التحلة كما قال تعالى ^ قد فرض ~~الله لكم تحلة إيمانكم PageV14P118 ^ وبسط الكلام على هذا له موضع آخر # و ( المقصود هنا ( أن القلب هو الأصل فى جميع الأفعال و الأقوال فما أمر ~~الله به من الأفعال الظاهرة فلابد فيه من معرفة القلب و قصده و ما أمر به ~~من الأقوال و كل ماتقدم و المنهى عنه من الأقوال و الافعال إنما يعاقب عليه ~~إذا كان بقصد القلب و أما ثبوت بعض الاحكام كضمان النفوس و الأموال إذا ~~أتلفها مجنون أو نائم أو مخطىء أو ناس فهذا من باب العدل فى حقوق العباد ~~ليس هو من باب العقوبة # فالمأمور به كما ذكرنا ( نوعان ( نوع ظاهر على الجوارح و نوع باطن فى ~~القلب ( النوع الثاني ( ما يكون باطنا فى القلب كالاخلاص و حب الله و رسوله ~~و التوكل عليه و الخوف منه و كنفس إيمان القلب و تصديقه بما أخبر به الرسول ~~فهذا النوع تعلقه بالقلب ظاهر فإنه محله و هذا النوع هو أصل النوع ms0672 الأول و ~~هو أبلغ في الخير و الشر من الأول فنفس ايمان القلب وحبه و تعظيمه لله و ~~خوفه و رجائه و التوكل عليه و اخلاص الدين له لايتم شيء من المأمور به ~~ظاهرا إلا بها و إلا فلو عمل أعمالا ظاهرة بدون هذه كان منافقا و هي في ~~أنفسها توجب لصاحبها أعمالا ظاهرة توافقها و هي أشرف من فروعها كما قال ~~تعالى PageV14P119 ^ لن ينال الله لحومها و لا دماؤها و لكن يناله التقوى ~~منكم ^ # وكذلك تكذيب الرسول بالقلب و بغضه و حسده و الاستكبار عن متابعته أعظم ~~إثما من أعمال ظاهرة خالية عن هذا كالقتل و الزنا و الشرب و السرقة و ما ~~كان كفرا من الأعمال الظاهرة كالسجود للأوثان و سب الرسول و نحو ذلك فانما ~~ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن و إلا فلو قدر أنه سجد قدام وثن و لم يقصد ~~بقلبه السجود له بل قصد السجود لله بقلبه لم يكن ذلك كفرا و قد يباح ذلك ~~إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم فى الفعل الظاهر و يقصد بقلبه ~~السجود لله كما ذكر أن بعض علماء المسلمين و علماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك ~~مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الاسلام فأسلموا على يديه و لم يظهر ~~منافرتهم في أول الأمر وهنا ( أصول ( تنازع الناس فيها منها أن القلب هل ~~يقوم به تصديق أو تكذيب و لا يظهر قط منه شيء على اللسان و الجوارح و إنما ~~يظهر نقيضه من غير خوف فالذي عليه السلف و الأئمة و جمهور الناس أنه لابد ~~من ظهور موجب ذلك على الجوارح فمن قال أنه يصدق الرسول و يحبه و يعظمه ~~بقلبه و لم يتكلم قط بالاسلام و لا فعل شيئا من واجباته بلا خوف فهذا ~~لايكون مؤمنا فى الباطن و إنما هو كافر PageV14P120 وزعم جهم و من وافقه ~~أنه يكون مؤمنا فى الباطن و أن مجرد معرفة القلب و تصديقه يكون إيمانا يوجب ~~الثواب يوم القيامة بلا ms0673 قول و لا عمل ظاهر و هذا باطل شرعا و عقلا كما قد ~~بسط فى غير هذا الموضع و قد كفر السلف كوكيع و أحمد و غيرهما من يقول بهذا ~~القول و قد قال النبى صلى الله عليه و سلم ( إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح ~~الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله الا و هي القلب ( فبين أن صلاح القلب ~~مستلزم لصلاح الجسد فإذا كان الجسد غير صالح دل على أن القلب غير صالح و ~~القلب المؤمن صالح فعلم أن من يتكلم بالايمان و لا يعمل به لايكون قلبه ~~مؤمنا حتى أن المكره إذا كان فى اظهار الايمان فلابد أن يتكلم مع نفسه و فى ~~السر مع من يأمن إليه و لابد أن يظهر على صفحات وجهه و فلتات لسانه كما قال ~~عثمان و أما إذا لم يظهر أثر ذلك لا بقوله و لا بفعله قط فإنه يدل على أنه ~~ليس فى القلب ايمان # وذلك أن الجسد تابع للقلب فلا يستقر شيء فى القلب الا ظهر موجبه و مقتضاه ~~على البدن و لو بوجه من الوجوه و ان لم يظهر كل موجبه لمعارض فالمقتضي ~~لظهور موجبه قائم و المعارض لايكون لازما للانسان لزوم القلب له و إنما ~~يكون فى بعض الأحوال متعذرا اذا PageV14P121 كتم ما فى كمؤمن آل فرعون مع ~~أنه قد دعى إلى الايمان دعاء ظهر به من ايمان قلبه مالا يظهر من إيمان من ~~أعلن ايمانه بين موافقيه و هذا في معرفة القلب و تصديقه # ومنها قصد القلب و عزمه إذا قصد الفعل و عزم عليه مع قدرته على ما قصده ~~هل يمكن أن لايوجد شيء مما قصده و عزم عليه فيه قولان أصحهما أنه إذا حصل ~~القصد الجازم مع القدرة وجب وجود المقدور و حيث لم يفعل العبد مقدوره دل ~~على أنه ليس هناك قصد جازم و قد يحصل قصد جازم مع العجز عن المقدور لكن ~~يحصل معه مقدمات المقدور و قيل بل قد ms0674 يمكن حصول العزم التام بدون أمر ظاهر # وهذا نظير قول من قال ذلك في المعرفة و التصديق و هما من أقوال اتباع جهم ~~الذين نصروا قوله في الايمان كالقاضي أبى بكر و امثاله فانهم نصروا قوله و ~~خالفوا السلف و الأئمة و عامة طوائف المسلمين # وبهذا ينفصل النزاع في ( مؤاخذة العبد بالهمة ( فمن الناس من قال يؤاخذ ~~بها إذا كانت عزما و منهم من قال لا يؤاخذ بها و التحقيق ان الهمة اذا صارت ~~عزما فلابد أن يقترن بها قول أو PageV14P122 فعل فإن الارادة مع القدرة ~~تستلزم وجود المقدور # والذين قالوا يؤاخذ بها احتجوا بقوله ^ إذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~فالقاتل و المقتول فى النار ^ الحديث و هذا لا حجة فيه فإنه ذكر ذلك فى ~~رجلين اقتتلا كل منهما يريد قتل الآخر و هذا ليس عزما مجردا بل هو عزم مع ~~فعل المقدور لكنه عاجز عن اتمام مراده و هذا يؤاخذ باتفاق المسلمين فمن ~~اجتهد على شرب الخمر و سعى في ذلك بقوله و عمله ثم عجز فإنه آثم باتفاق ~~المسلمين و هو كالشارب و ان لم يقع منه شرب و كذلك من اجتهد على الزنا و ~~السرقة و نحو ذلك بقوله و عمله ثم عجز فهو آثم كالفاعل و مثل ذلك فى قتل ~~النفس و غيره كما جعل الداعي إلى الخير له مثل أجر المدعو و وزره لأنه أراد ~~فعل المدعو و فعل مايقدر عليه فالارادة الجازمة مع فعل المقدور من ذلك ~~فيحصل له مثل أجر الفاعل و وزره و قد قال تعالى ^ لايستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر و المجاهدون فى سبيل الله بأموالهم و انفسهم ^ ~~الآية # وفصل الخطاب فى الآية أن @QB@ أولي الضرر @QE@ نوعان نوع لهم عزم تام على ~~الجهاد و لو تمكنوا لما قعدوا و لا تخلفوا و إنما اقعدهم العذر فهم كما قال ~~النبى صلى الله عليه و سلم PageV14P123 ( ان بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ~~و لا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا و هم ms0675 بالمدينة قال و هم بالمدينة ~~حبسهم العذر ( و هم أيضا كما قال فى حديث أبى كبشة الأنماري ( هما فى الأجر ~~سواء ( و كما فى حديث أبى موسى ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما ~~كان يعمل صحيحا مقيما ( فأثبت له مثل ذلك العمل لأن عزمه تام و إنما منعه ~~العذر # و ( النوع الثاني ) من ( أولى الضرر ( الذين ليس لهم عزم على الخروج ~~فهؤلاء يفضل عليهم الخارجون المجاهدون و أولوا الضرر العازمون عزما جازما ~~على الخروج ) و قوله تعالى ( غير اولي الضرر ) سواء كان استثناء أو صفة دل ~~على أنهم لا يدخلون مع القاعدين فى نفي الاستواء فإذا فصل الأمر فيهم بين ~~العازم و غير العازم بقيت الآية على ظاهرها و لو جعل قوله ( فضل الله ~~المجاهدين على القاعدين درجة ) عاما فى أهل الضرر و غيرهم لكان ذلك مناقضا ~~لقوله @QB@ غير أولي الضرر @QE@ فإن قوله ^ لايستوي القاعدون ^ ^ و ~~المجاهدون ^ انما فيها نفي الاستواء فإن كان أهل الضرر كلهم كذلك لزم بطلان ~~قوله ( غير أولي الضرر ) و لزم أنه لايساوي المجاهدين قاعد و لو كان من ~~أولي الضرر و هذا خلاف مقصود الآية # و ( أيضا ( فالقاعدون إذا كانوا من غير أولي الضرر و الجهاد PageV14P124 ~~ليس بفرض عين فقد حصلت الكفاية بغيرهم فإنه لا حرج عليهم فى القعود بل هم ~~موعودون بالحسنى كاولي الضرر و هذا مثل قوله ^ لا يستوي منكم من انفق من ~~قبل الفتح و قاتل ^ الآية فالوعد بالحسنى شامل لأولي الضرر و غيرهم # فإن قيل قد قال فى الأولى فى فضلهم ( درجة ) ثم قال في فضلهم ^ درجات منه ~~و مغفرة و رحمة ^ كما قال ^ أجعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن ~~آمن بالله و اليوم الآخر و جاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله و الله ~~لايهدي القوم الظالمين الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا فى سبيل الله ~~بأموالهم و أنفسهم أعظم درجة عند الله و أولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم ~~برحمة منه و رضوان ms0676 و جنات لهم فيها نعيم مقيم ^ # فقوله @QB@ أعظم درجة @QE@ كما قال فى السابقين @QB@ أعظم درجة @QE@ و ~~هذا نصب على التمييز أى درجتهم أعظم درجة و هذا يقتضي تفضيلا مجملا يقال ~~منزلة هذا أعظم و اكبر كذلك قوله ( فضل الله المجاهدين على القاعدين اجرا ~~عظيما ) الآيات ليس المراد به أنهم لم يفضلوا عليهم الا بدرجة فإن فى ~~الحديث الصحيح الذي يرويه أبو سعيد و أبو هريرة ( ان في الجنة مائة درجة ~~أعدها الله للمجاهدين فى سبيله مابين كل درجتين كما بين السماء و الأرض ( ~~الحديث و فى PageV14P125 حديث أبى سعيد ( من رضى بالله ربا و بالاسلام دينا ~~وبمحمد نبيا وجبت له الجنة فعجب لها أبو سعيد فقال رسول الله صلى الله عليه ~~و سلم و اخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة فى الجنة ما بين كل درجتين كما ~~بين السماء و الأرض فقال و ماهي يارسول الله قال الجهاد فى سبيل الله ( ~~فهذا الحديث الصحيح بين أن المجاهد يفضل على القاعد الموعود بالحسنى من غير ~~اولي الضرر مائة درجة و هو يبطل قول من يقول أن الوعد بالحسنى و التفضيل ~~بالدرجة مختص باولى الضرر فهذا القول مخالف للكتاب و السنة # وقد يقال أن ( درجة ) منصوب على التمييز كما قال أعظم درجة أي فضل درجتهم ~~على درجتهم أفضل كما يقال فضل هذا على هذا منزلا و مقاما و قد يراد ( ~~بالدرجة ) جنس الدرج و هي المنزلة و المستقر لايراد به درجة واحدة من العدد ~~و قوله ( و فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات ) منصوب ( ~~بفضل ) لأن التفضيل زيادة للمفضل فالتقدير زادهم عليهم اجرا عظيما درجات ~~منه و مغفرة و رحمة فهذا النزاع في العازم الجازم إذا فعل مقدوره هل يكون ~~كالفاعل في الأجر و الوزر أم لا و أما فى استحقاق الأجر و الوزر فلا نزاع ~~فى ذلك و قوله ^ إذا التقى المسلمان بسيفيهما ^ فيه حرص كل واحد منهما على ~~قتل صاحبه و فعل مقدوره فكلاهما مستحق للنار PageV14P126 ويبقى ms0677 الكلام فى ~~تساوي القعودين بشيء آخر # وهكذا حال المقتتلين من المسلمين فى الفتن الواقعة بينهم فلا تكون ~~عاقبتهما إلا عاقبة سوء الغالب و المغلوب فإنه لم يحصل له دنيا و لا آخرة ~~كما قال الشعبى أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقيا و لا فجرة أشقياء و ~~أما الغالب فانه يحصل له حظ عاجل ثم ينتقم منه في الآخرة و قد يعجل الله له ~~الانتقام فى الدنيا كما جرى لعامة الغالبين فى الفتن فانهم اصيبوا في ~~الدنيا كالغالبين فى الحرة و فتنة أبي مسلم الخراسانى و نحو ذلك # وأما من قال إنه لا يؤاخذ بالعزم القلبى فاحتجوا بقوله صلى الله عليه و ~~سلم ( ان الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ( و هذا ليس فيه أنه عاف لهم ~~عن العزم بل فيه أنه عفى عن حديث النفس إلى أن يتكلم أو يعمل فدل على أنه ~~مالم يتكلم أو يعمل لا يؤاخذ و لكن ظن من ظن أن ذلك عزما و ليس كذلك بل ~~مالم يتكلم أو يعمل لا يكون عزما فان العزم لابد أن يقترن به المقدور و إن ~~لم يصل العازم إلى المقصود فالذى يعزم على القتل أو الزنا أو نحوه عزما ~~جازما لابد أن يتحرك و لو برأسه أو يمش أو يأخذ آلة أو يتكلم كلمة أو يقول ~~أو يفعل شيئا فهذا كله ما يؤاخذ به كزنا العين و اللسان و الرجل فان هذا ~~يؤاخذ به و هو من مقدمات الزنا التام PageV14P127 بالفرج و إنما و قع العفو ~~عما ما لم يبرز خارجا بقول أو فعل و لم يقترن به أمر ظاهر قط فهذا يعفى عنه ~~لمن قام بما يجب على القلب من فعل المأمور به سواء كان المأمور به في القلب ~~و موجبة فى الجسد أو كان المأمور به ظاهرا فى الجسد و في القلب معرفته و ~~قصده فهؤلاء إذا حدثوا أنفسهم بشيء كان عفوا مثل هم ثابت بلا فعل و مثل ~~الوسواس الذي يكرهونه و هم ms0678 يثابون على كراهته و على ترك ما هموا به و عزموا ~~عليه لله تعالى و خوفا منه PageV14P128 # وقال الشيخ رحمه الله # اعلم ان الله سبحانه و تعالى أعطى نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم و بارك ~~خواتيم ( سورة البقرة ) من كنز تحت العرش لم يؤت منه نبى قبله ومن تدبر هذه ~~الآيات و فهم ما تضمنته من حقائق الدين و قواعد الايمان الخمس و الرد على ~~كل مبطل و ما تضمنته من كمال نعم الله تعالى على هذا النبى صلى الله عليه و ~~سلم و أمته و محبة الله سبحانه لهم و تفضيله إياهم على من سواهم فاليهنه ~~العلم و لو ذهبنا نستوعب الكلام فيها لخرجنا عن مقصود الكتاب ولكن لابد من ~~كليمات يسيرة تشير إلى بعض ذلك فنقول # لما كانت ( سورة البقرة ) سنام القرآن و أكثر سورة أحكاما و أجمعها ~~لقواعد الدين أصوله و فروعه و هي مشتملة على ذكر ( أقسام الخلق ( المؤمنين ~~و الكفار و المنافقين و ذكر أوصافهم و أعمالهم # وذكر الأدلة على إثبات الخالق سبحانه و تعالى و على و حدانيته و ذكر نعمه ~~و إثبات نبوة رسوله صلى الله عليه و سلم PageV14P129 وتقرير المعاد و ذكر ~~الجنة و النار و ما فيهما من النعيم و العذاب # ثم ذكر تخليق العالم العلوي و السفلي # ثم ذكر خلق آدم عليه السلام و انعامه عليه بالتعليم و إسجاد ملائكته له ~~وإدخاله الجنة ثم ذكر محنته مع ابليس و ذكر حسن عاقبة آدم عليه السلام # ثم ذكر ( المناظرة ( مع أهل الكتاب من اليهود و توبيخهم على كفرهم و ~~عنادهم ثم ذكر النصارى و الرد عليهم و تقرير عبودية المسيح ثم تقرير النسخ ~~و الحكمة فى وقوعه # ثم بناء البيت الحرام و تقرير تعظيمه و ذكر بانيه و الثناء عليه ثم تقرير ~~الحنيفية ملة إبراهيم عليه الصلاة و السلام و تسفيه من رغب عنها و وصية ~~بنيه بها و هكذا شيئا فشيئا إلى آخر السورة فختمها الله تعالى بآيات ms0679 جوامع ~~مقررة لجميع مضمون السورة فقال تعالى ^ لله مافي السموات و ما فى الأرض و ~~إن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء و يعذب من ~~يشاء و الله على كل شيء قدير ^ # فأخبر تعالى أن مافى السموات و ما فى الأرض ملكه و حده لا PageV14P130 ~~يشاركه فيه مشارك و هذا يتضمن انفراده بالملك الحق و الملك العام لكل موجود ~~و ذلك يتضمن توحيد ربوبيته و توحيد إلهيته فتضمن نفي الولد و الصاحبة و ~~الشريك لأن مافي السموات و ما فى الأرض إذا كان ملكه و خلقه لم يكن له فيهم ~~و لد و لا صاحبة و لا شريك # وقد استدل سبحانه بعين هذا الدليل فى سورة الأنعام و سورة مريم فقال ~~تعالى ^ بديع السموات و الأرض انى يكون له و لد و لم تكن له صاحبة و خلق كل ~~شيء ^ و قال تعالى فى سورة مريم ^ و ما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من ~~في السموات و الأرض إلا آتى الرحمن عبدا ^ و يتضمن ذلك أن الرغبة و السؤال ~~و الطلب و الافتقار لايكون إلا اليه و حده إذ هو المالك لما فى السموات ~~والأرض # ولما كان تصرفه سبحانه فى خلقه لايخرج عن العدل و الاحسان و هو تصرف ~~بخلقه و أمره و أخبر أن مافى السموات و ما فى الأرض ملكه فما تصرف خلقا و ~~أمرا إلا في ملكه الحقيقي و كانت سورة البقرة مشتملة من الأمر و الخلق على ~~مالم يشتمل عليه سورة غيرها أخبرنا تعالى أن ذلك صدر منه في ملكه قال تعالى ~~^ و ان تبدوا مافى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ^ فهذا متضمن لكمال ~~علمه PageV14P131 سبحانه و تعالى بسرائر عباده و ظواهرهم و أنه لايخرج شيء ~~من ذلك عن علمه كما لم يخرج شيء ممن فى السموات و الأرض عن ملكه فعلمه عام ~~و ملكه عام # ثم أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك و هي تعريفهم ما ms0680 أبدوه أو أخفوه فتضمن ~~ذلك علمه بهم و تعريفهم إياه ثم قال ^ فيغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء ^ ~~فتضمن ذلك قيامه عليهم بالعدل و الفضل فيغفر لمن يشاء فضلا و يعذب من يشاء ~~عدلا و ذلك يتضمن الثواب و العقاب المستلزم للأمر و النهي المستلزم للرسالة ~~والبنوة ثم قال تعالى ^ والله على كل شيء قدير ^ فتضمن ذلك أنه لا يخرج شيء ~~عن قدرته البتة و ان كل مقدور واقع بقدره ففي ذلك رد على المجوس الثنوية و ~~الفلاسفة و القدرية المجوسية و على كل من أخرج شيئا من المقدورات عن خلقه و ~~قدرته و هم طوائف كثيرون # فتضمنت الآية اثبات التوحيد و إثبات العلم بالجزئيات و الكليات و إثبات ~~الشرائع و النبوات و إثبات المعاد و الثواب و العقاب و قيام الرب على خلقه ~~بالعدل و الفضل و إثبات كمال القدرة و عمومها و ذلك يتضمن حدوث العالم ~~بأسره لأن القديم لايكون مقدورا و لا مفعولا # ثم ان إثبات كمال علمه و قدرته يستلزم إثبات سائر صفاته PageV14P132 ~~العلى و له من كل صفة إسم حسن فيتضمن إثبات أسمائه الحسنى و كمال القدرة ~~يستلزم أن يكون فعالا لما يريد و ذلك يتضمن تنزيهه عن كل ما يضاد كماله ~~فيتضمن تنزيهه عن الظلم المنافي لكمال غناه و كمال علمه إذ الظلم إنما يصدر ~~عن محتاج أو جاهل و أما الغني عن كل شيء العالم بكل شيء سبحانه فإنه يستحيل ~~منه الظلم كما يستحيل عليه العجز المنافى لكمال قدرته و الجهل المنافي ~~لكمال علمه # فتضمنت الآية هذه المعارف كلها بأوجز عبارة و أفصح لفظ و أوضح معنى # وقد عرفت بهذا أن الآية لا يقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة بل ~~إنما تقتضى محاسبة الرب عبده بها و هي أعم من العقاب و الأعم لايستلزم ~~الأخص و بعد محاسبته بها يغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء و على هذا فالآية ~~محكمة لا نسخ فيها و من قال من السلف نسخها ما بعدها ms0681 فمراده بيان معناها و ~~المراد منها و ذلك يسمى نسخا في لسان السلف كما يسمون الاستثناء نسخا # ثم قال تعالى ^ آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله ~~و ملائكته و كتبه و رسله ^ فهذه شهادة الله تعالى لرسوله عليه الصلاة و ~~السلام بايمانه بما أنزل اليه من ربه و ذلك يتضمن إعطاءه PageV14P133 ثواب ~~أكمل أهل الايمان زيادة على ثواب الرسالة و النبوة لأنه شارك المؤمنين فى ~~الايمان و نال منه أعلى مراتبه و امتاز عنهم بالرسالة و النبوة و قوله ( ~~أنزل اليه من ربه ) يتضمن انه كلامه الذي تكلم به و منه نزل لا من غيره كما ~~قال تعالى @QB@ قل نزله روح القدس من ربك @QE@ و قال @QB@ تنزيل من رب ~~العالمين @QE@ # وهذا أحد ما احتج به أهل السنة على المعتزلة القائلين بأن الله لم يتكلم ~~بالقرآن قالوا فلو كان كلاما لغير الله لكان منزلا من ذلك المحل لامن الله ~~فإن القرآن صفة لا تقوم بنفسها بخلاف قوله ^ و سخر لكم مافى السموات و ما ~~فى الأرض جميعا منه ^ فإن تلك أعيان قائمة بنفسها فهي منه خلقا و أما ( ~~الكلام ( فوصف قائم بالمتكلم فلما كان منه فهو كلامه إذ يستحيل أن يكون منه ~~و لم يتكلم به # ثم شهد تعالى للؤمنين بأنهم آمنوا بما آمن به رسولهم ثم شهد لهم جميعا ~~بأنهم آمنوا بالله و ملائكته و كتبه و رسله فتضمنت هذه الشهادة إيمانهم ~~بقواعد الايمان الخمسة التى لايكون أحد مؤمنا إلا بها و هي الايمان بالله و ~~ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و قد ذكر تعالى هذه الأصول الخمسة فى ~~أول السورة و وسطها PageV14P134 وآخرها فقال فى أولها ^ و الذين يؤمنون بما ~~أنزل اليك و ما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون ^ فالايمان بما أنزل اليه ~~و ما أنزل من قبله يتضمن الايمان بالكتب و الرسل و الملائكة ثم قال ^ و ~~بالآخرة هم يوقنون ^ و الإيمان بالله يدخل فى الايمان بالغيب ms0682 وفى الايمان ~~بالكتب و الرسل فتضمنت الايمان بالقواعد الخمس # وقال فى وسطها ( و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و ~~الكتاب و النبيين ) ثم حكى عن أهل الايمان انهم قالوا @QB@ لا نفرق بين أحد ~~من رسله @QE@ فنؤمن ببعض و نكفر ببعض فلا ينفعا إيماننا بمن آمنا به منهم ~~كما لم ينفع أهل الكتاب ذلك بل نؤمن بجميعهم و نصدقهم و لا نفرق بينهم و قد ~~جمعتهم رسالة ربهم فنفرق بين من جمع الله بينهم و نعادي رسله و نكون معادين ~~له فباينوا بهذا الايمان جميع طوائف الكفار المكذبين لجنس الرسل و المصدقين ~~لبعضهم المكذبين لبعضهم # وتضمن إيمانهم بالله إيمانهم بربوبيته و صفات كماله و نعوت جلاله و ~~أسمائه الحسنى و عموم قدرته و مشيئته و كمال علمه و حكمته فباينوا بذلك ~~جميع طوائف أهل البدع و المنكرين لذلك أو لشيء منه فإن كمال الايمان بالله ~~يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه و تنزيهه عما نزه نفسه PageV14P135 عنه فباينوا ~~بهذين الأمرين جميع طوائف الكفر و فرق أهل الضلال الملحدين فى أسماء الله و ~~صفاته # ثم قالوا ^ سمعنا و أطعنا ^ فهذا اقرار منهم بركني الايمان الذي لايقوم ~~إلا بهما و هما السمع المتضمن للقبول لامجرد سمع الادراك المشترك بين ~~المؤمنين و الكفار بل سمع الفهم و القبول و ( الثانى ( الطاعة المتضمنة ~~لكمال الانقياد و امتثال الأمر و هذا عكس قول الأمة الغضبية ( سمعنا و ~~عصينا ) # فتضمنت هذه الكلمات كمال إيمانهم و كمال قبولهم و كمال انقيادهم ثم قالوا ~~^ غفرانك ربنا و إليك المصير ^ لما علموا أنهم لم يوفوا مقام الايمان حقه ~~مع الطاعة و الانقياد الذى يقتضيه منهم و أنهم لابد أن تميل بهم غلبات ~~الطباع و دواعى البشرية إلى بعض التقصير فى واجبات الايمان و أنه لايلم شعث ~~ذلك إلا مغفرة الله تعالى لهم سألوه غفرانه الذى هو غاية سعادتهم و نهاية ~~كمالهم فان غاية كل مؤمن المغفرة من الله تعالى فقالوا ( غفرانك ربنا ) ثم ~~اعترفوا أن مصيرهم ms0683 و مردهم إلى مولهم الحق لابد لهم من الرجوع إليه فقالوا ~~^ و إليك المصير ^ # فتضمنت هذه الكلمات إيمانهم به و دخولهم تحت طاعته و عبوديته PageV14P136 ~~واعترافهم بربوبيته و اضطرارهم إلى مغفرته و اعترافهم بالتقصير فى حقه و ~~إقرارهم برجوعهم إليه # ثم قال تعالى ^ لايكلف الله نفسا إلا وسعها ^ فنفى بذلك ما توهموه من أنه ~~يعذبهم بالخطرات التى لايملكون دفعها و أنها داخلة تحت تكليفه فأخبرهم أنه ~~لايكلفهم إلا وسعهم فهذا هو البيان الذى قال فيه ابن عباس و غيره فنسخها ~~الله عنهم بقوله ^ لايكلف الله نفسا إلا و سعها ^ و قد تضمن ذلك أن جميع ما ~~كلفهم به أمرا و نهيا فهم مطيقون له قادرون عليه و أنه لم يكلفهم مالا ~~يطيقون و فى ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك # والله تعالى أمرهم بعبادته و ضمن أرزاقهم فكلفهم من الأعمال مايسعونه و ~~أعطاهم من الرزق ما يسعهم فتكليفهم يسعونه و أرزاقهم تسعهم فهم فى الوسع في ~~رزقه و أمره و سعوا أمره و وسعهم رزقه ففرق بين ما يسع العبد و ما يسعه ~~العبد و هذا هو اللائق برحمته و بره و إحسانه و حكمته و غناه لاقول من يقول ~~أنه كلفهم مالا قدرة لهم عليه البتة و لا يطيقونه ثم يعذبهم على ما ~~لايعملونه # وتأمل قوله عز و جل ^ إلا و سعها ^ كيف تجد تحته أنهم فى سعة و منحة من ~~تكاليفه لا في ضيق و حرج و مشقة فإن الوسع PageV14P137 يقتضي ذلك فاقتضت ~~الآية انما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر لهم و لا ضيق و لا حرج بخلاف ~~مايقدر عليه الشخص فإنه قد يكون مقدورا له و لكن فيه ضيق و حرج عليه و أما ~~وسعه الذي هو منه فى سعة فهو دون مدى الطاقة و المجهود بل لنفسه فيه مجال و ~~متسع و ذلك مناف للضيق و الحرج ( و ما جعل عليكم فى الدين من حرج ) بل ^ ~~يريد بكم اليسر و لا يريد ms0684 بكم العسر ^ قال سفيان بن عيينة في قوله ^ إلا و ~~سعها ^ الا يسرها لا عسرها و لم يكلفها طاقتها و لو كلفها طاقتها لبلغ ~~المجهود # فهذا فهم أئمة الاسلام و أين هذا من قول من قال أنه كلفهم مالا يطيقونه ~~البتة لا قدرة لهم عليه ثم أخبر تعالى أن ثمرة هذا التكليف و غايته عائدة ~~عليهم و أنه تعالى يتعالى عن انتفاعه بكسبهم و تضرره باكتسابهم بل لهم ~~كسبهم و نفعه و عليهم اكتسابهم و ضرره فلم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه ~~إليهم بل رحمة و إحسانا و تكرما و لم ينههم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم ~~بل حمية و حفظا و صيانة و عافية # وفيه أيضا أن نفسا لا تعذب باكتساب غيرها و لاتثاب بكسبه ففيه معنى قوله ~~( وان ليس للانسان إلا ما سعى ) ( و لا تزر و ازرة و زر أخرى ) PageV14P138 # وفيه أيضا إثبات كسب النفس المنافي للجبر و فيه أيضا اجتماع الحكمة فيه ~~فاما كسب خيرا أو اكتسب شرا لم يبطل اكتسابه كسبه كما يقوله أهل الاحباط و ~~التخليد فانهم يقولون إن عليه ما اكتسب و ليس له ما كسب فالآية رد على جميع ~~هذه الطوائف فتأمل كيف أتى فيما لها بالكسب الحاصل و لو لأدنى ملابسة و ~~فيما عليها بالاكتساب الدال على الاهتمام و الحرص و العمل فإن اكتسب أبلغ ~~من كسب ففي ذلك تنبيه على غلبة الفضل للعدل و الرحمة للغضب # ثم لما كان ما كلفهم به عهودا منه و وصايا و أوامر تجب مراعاتها و ~~المحافظة عليها و أن لا يخل بشيء منها و لكن غلبات الطباع البشرية تأبى إلا ~~النسيان و الخطأ و الضعف و التقصير أرشدهم الله تعالى إلى أن يسألوه ~~مسامحته إياهم فى ذلك كله و رفع موجبه عنهم بقولهم ^ ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطانا ربنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ^ ~~أي لا تكلفنا من الآصار التى يثقل حملها ما كلفته ms0685 من قبلنا فانا أضعف ~~أجسادا و أقل احتمالا # ثم لما علموا انهم غير منفكين مما يقضيه و يقدره عليهم كما أنهم غير ~~منفكين عما يأمرهم به و ينهاهم عنه سألوه التخفيف فى قضائه وقدره ~~PageV14P139 كما سألوه التخفيف في أمره و نهيه فقالوا ^ ربنا و لا تحملنا ~~ما لاطاقة لنا به ^ فهذا في القضاء و القدر و المصائب و قولهم ^ ربنا و لا ~~تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ^ فى الأمر و النهي و ~~التكليف فسألوه التخفيف في النوعين # ثم سألوه العفو و المغفرة و الرحمة و النصر على الأعداء فإن بهذه الأربعة ~~تتم لهم النعمة المطلقة و لا يصفو عيش فى الدنيا و الآخرة إلا بها و عليها ~~مدار السعادة و الفلاح فالعفو متضمن لاسقاط حقه قبلهم و مسامحتهم به و ~~المغفرة متضمنة لوقايتهم ذنوبهم و إقباله عليهم و رضاه عنهم بخلاف العفو ~~المجرد فان العافى قد يعفو و لا يقبل على من عفا عنه و لا يرضى عنه فالعفو ~~ترك محض و المغفرة إحسان و فضل و جود و الرحمة متضمنة للأمرين مع زيادة ~~الاحسان و العطف و البر فالثلاثة تتضمن النجاة من الشر و الفوز بالخير و ~~النصرة تتضمن التمكين من اعلان عبادته و إظهار دينه و إعلاء كلمته وقهر ~~أعدائه و شفاء صدورهم منهم وإذهاب غيظ قلوبهم و حزازات نفوسهم و توسلوا فى ~~خلال هذا الدعاء إليه باعترافهم أنه مولاهم الحق الذي لا مولى لهم سواه فهو ~~ناصرهم و هاديهم و كافيهم و معينهم و مجيب دعواتهم و معبودهم # فلما تحققت قلوبهم بهذه المعارف و انقادت و ذلت لعزة ربها و مولاها و ~~إجابتها جوارحهم اعطوا كلما سألوه من ذلك فلم يسألوا PageV14P140 شيئا منه ~~إلا قال الله تعالى قد فعلت كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و ~~سلم ذلك # فهذه كلمات قصيرة مختصرة فى معرفة مقدار هذه الآيات العظيمة الشأن ~~الجليلة المقدار التى خص الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه ms0686 و سلم و أمته ~~من كنز تحت العرش # وبعد ففيها من المعارف و حقائق العلوم ما تعجز عقول البشر عن الاحاطة به ~~والله المرغوب إليه أن لا يحرمنا الفهم في كتابه أنه رحيم و دود # والحمد لله و حده و صلى الله و سلم على من لانبى بعده و آله و صحبه ~~أجمعين PageV14P141 # وقال رحمه الله $ فصل # فى الدعاء المذكور فى آخر ( سورة البقرة ) و هو قوله @QB@ ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ إلى آخرها قد ثبت فى صحيح مسلم ( أنه قال ~~قد فعلت ( و كذلك في صحيحه من حديث ابن عباس عن النبى صلى الله عليه و سلم ~~أنه قال ( اعطيت فاتحة الكتاب و خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم ~~تقرأ بحرف منها الا اعطيته ( و فى صحيحه أيضا عن ابن مسعود قال ( لما اسري ~~برسول الله صلى الله عليه و سلم انتهى به إلى سدرة المنتهى و هي فى السماء ~~السابعة اليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها و إليها ينتهى ما يهبط من ~~فوقها فيقبض منها قال @QB@ إذ يغشى السدرة ما يغشى @QE@ قال فراش من ذهب ~~قال فاعطي رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثا اعطى الصلوات الخمس و أعطي ~~خواتيم سورة البقرة و غفر لمن مات من أمته لايشرك بالله شيئا المقحمات ( ~~PageV14P142 قال بعض الناس إذا كان هذا الدعاء قد أجيب فطلب ما فيه من باب ~~تحصيل الحاصل و هذا لا فائدة فيه فيكون هذا الدعاء عبادة محضة ليس المقصود ~~به السؤال و هذا القول قد قاله طائفة فى جميع الدعاء أنه ان كان المطلوب ~~مقدرا فلا حاجة إلى سؤاله و طلبه و ان كان غير مقدر لم ينفع الدعاء دعوت أو ~~لم تدع فجعلوا الدعاء تعبدا محضا كما قال ذلك طائفة أخرى فى التوكل # وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع و ذكرنا قول من جعل ذلك ~~امارة أو علامة بناء على أنه ليس في الوجود سبب يفعل ms0687 به بل يقترن أحد ~~الحادثين بالآخر قاله طائفة من القدرية النظار و أول من عرف عنه ذلك الجهم ~~بن صفوان و من وافقه و ذكرنا أن ( القول الثالث ( هو الصواب و هو ان الدعاء ~~و التوكل و العمل الصالح سبب فى حصول المدعو به من خير الدنيا و الآخرة و ~~المعاصي سبب و أن الحكم المعلق بالسبب قد يحتاج إلى وجود الشرط و انتفاء ~~الموانع فإذا حصل ذلك حصل المسبب بلا ريب # و المقصود هنا الكلام فى الدعاء الذي قد علم أنه أجيب فقال بعض الناس هذا ~~تعبد محض لحصول المطلوب بدون دعائنا فلا يبقى سببا و لا علامة و هذا ضعيف ~~PageV14P143 # اما أولا فإن العمل الذي لا مصلحة للعبد فيه لايأمر الله به و هذا بناء ~~على قول السلف ان الله لم يخلق و لم يأمر إلا لحكمة كما لم يخلق و لم يأمر ~~الا لسبب و الذين ينكرون الأسباب و الحكم يقولون بل يأمر بما لا منفعة فيه ~~للعباد البتة وان اطاعوه و فعلوا ما أمرهم به كما بسط الكلام على ذلك في ~~غير هذا الموضع # والمقصود أن كلما أمر الله به أمر به لحكمة و ما نهى عنه نهى لحكمة و هذا ~~مذهب أئمة الفقهاء قاطبة و سلف الأمة و أئمتها و عامتها فالتعبد المحض بحيث ~~لا يكون فيه حكمة لم يقع نعم قد تكون الحكمة فى المأمور به و قد تكون فى ~~الأمر و قد تكون فى كليهما فمن المأمور به ما لو فعله العبد بدون الأمر حصل ~~له منفعة كالعدل و الاحسان إلى الخلق و صلة الرحم و غير ذلك فهذا إذ أمر به ~~صار فيه ( حكمتان ( حكمة في نفسه و حكمة فى الأمر فيبقى له حسن من جهة نفسه ~~و من جهة أمر الشارع و هذا هو الغالب على الشريعة و ما أمر الشرع به بعد ان ~~لم يكن انما كانت حكمته لما أمر به # وكذلك ما نسخ زالت حكمته و صارت فى بدله ms0688 كالقبلة # وإذا قدر أن الفعل ليست فيه حكمة أصلا فهل يصير بنفس الأمر فيه حكمة ~~الطاعة و هذا جائز عند من يقول بالتعبد المحض و ان لم يقل PageV14P144 ~~بجواز الأمر لكل شيء لكن يجعل من باب الابتلاء و الامتحان فإذا فعل صار ~~العبد به مطيعا كنهيهم عن الشرب إلا من اغترف غرفة بيده # والتحقيق أن الأمر الذي هو ابتلاء و امتحان يحض عليه من غير منفعة فى ~~الفعل متى اعتقده العبد و عزم على الامتثال حصل المقصود و ان لم يفعله ~~كابراهيم لما أمر بذبح ابنه و كحديث أقرع و ابرص و أعمى لما طلب منهم اعطاء ~~ابن السبيل فامتنع الأبرص و الأقرع فسلبا النعمة و اما الأعمى فبذل المطلوب ~~فقيل له امسك مالك فانما ابتليتم فقد رضي عنك و سخط على صاحبيك و هذا هو ~~الحكمة الناشئة من نفس الأمر و النهي لا من نفس الفعل فقد يؤمر العبد و ~~ينهى و تكون الحكمة طاعته للأمر و انقياده له و بذله للمطلوب كما كان ~~المطلوب من إبراهيم تقديم حب الله على حبه لابنه حتى تتم خلته به قبل ذبح ~~هذا المحبوب لله فلما أقدم عليه و قوى عزمه بارادته لذلك تحقق بان الله أحب ~~إليه من الولد و غيره و لم يبق فى قلبه محبوب يزاحم محبة الله # وكذلك أصحاب طالوت ابتلوا بالامتناع من الشرب ليحصل من ايمانهم و طاعتهم ~~ما تحصل به الموافقة و الابتلاء ههنا كان بنهي لابأمر و أما رمي الجمار و ~~السعي بين الصفا و المروة فالفعل فى نفسه مقصود لما تضمنه من ذكر الله ~~PageV14P145 وقد بين النبى صلى الله عليه و سلم هذا بقوله فى الحديث الذي ~~فى السنن ( انما جعل السعي بين الصفا و المروة و رمي الجمار لاقامة ذكر ~~الله ( رواه أبو داود و الترمذي و غيرهما فبين النبى صلى الله عليه و سلم ~~أن هذا له حكمة فكيف يقال لا حكمة بل هو تعبد و ابتلاء محض # واما فعل مأمور في ms0689 الشرع ليس فيه مصلحة و لا منفعة و لا حكمة الا مجرد ~~الطاعة و المؤمنون يفعلونه فهذا لا أعرفه بل ما كان من هذا القبيل نسخ بعد ~~العزم كما نسخ ايجاب الخمسين صلاة إلى خمس # و ( المعتزلة ( تنكر الحكمة الناشئة من نفس الأمر و لهذا لم يجوزوا النسخ ~~قبل التمكن و قد وافقهم على ذلك طائفة من اصحاب أحمد و غيرهم كابي الحسن ~~التميمي و بنوه على اصلهم و هو أن الأمر عندهم كاشف عن حسن الفعل الثابت فى ~~نفسه لا مثبت لحسن الفعل و أن الأمر لا يكون الا بحسن و غلطوا في المقدمتين ~~فان الأمر و ان كان كاشفا عن حسن الفعل فالفعل بالأمر يصير له حسن آخر غير ~~الحسن الأول و إذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة فقد يأمر بما ليس بحسن ~~فى نفسه و ينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور و عزمه و ~~انقياده و هذا موجود فى أمر الله و امر الناس بعضهم بعضا # والجهمية تنكر ان في الفعل حكمة اصلا في نفسه و لا في نفس PageV14P146 ~~الامر بناء على اصلهم أنه لا يأمر لحكمة و على أن الافعال بالنسبة اليه ~~سواء ليس بعضها حسنا و بعضها قبيحا و كلا الاصلين قد وافقتهم عليه الاشعرية ~~و من اتبعهم من الفقهاء كأصحاب الشافعي و مالك واحمد و غيرهم و هما أصلان ~~مبتدعان فإن مذهب السلف و الأئمة أن الله يخلف لحكمة و يأمر لحكمة و مذهب ~~السلف و الأئمة أن الله يحب الايمان و العمل الصالح و يرضى ذلك و لا يحب ~~الكفر و الفسوق و العصيان و ان كان قد شاء وجود ذلك و قد بسط هذا في موضع ~~آخر # وقد قال تعالى ^ ادخلوا الباب سجدا و قولوا حطة ^ فإن 2 نفس السجود خضوع ~~لله و لو فعله الانسان لله مع عدم علمه أنه أمر به انتفع كالسحرة الذين ~~سجدوا قبل الامر بالسجود # وكذلك قول العبد حط عنا خطايانا دعاء لله و ms0690 خضوع و قد قال تعالى ^ و إذا ~~سألك عبادي عني فانى قريب أجيب دعوة الداع إذ دعان ) و هذه الأفعال المدعو ~~بها فى آخر البقرة أمور مطلوبة للعباد # وقد أجيب بجواب آخر و هو أن الله تعالى إذا قدر أمرا فانه يقدر أسبابه و ~~الدعاء من جملة أسبابه كما أنه لما قدر النصر يوم بدر و أخبر النبى صلى ~~الله عليه و سلم قبل و وقوعه أصحابه بالنصر و بمصارع القوم كان من أسباب ~~ذلك استغاثة النبى صلى الله عليه و سلم و دعاؤه و كذلك PageV14P147 ما وعده ~~به ربه من الوسيلة و قد قضى بها له و قد أمر أمته بطلبها له و هو سبحانه ~~قدرها بأسباب منها ما سيكون من الدعاء # وعلى هذا فالداخل فى السبب هو ما و قع من الدعاء المأمور به و الله أعلم ~~بذلك فيثيب هذا الداعى على ما فعله من الدعاء بجعله تمام السبب و لايكون ~~على هذا الدعاء سببا فى اختصاصه بشيء من ذلك بل فى حصوله لمجموع الأمة لكن ~~هو يثاب على الدعاء لكونه من جملة الأسباب و هذا لأن النبى صلى الله عليه و ~~سلم قال ( ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها اثم و لا قطيعة رحم إلا ~~أعطاه الله بها احدى خصال ثلاث إما أن يعجل له دعوته و إما ان يدخر له من ~~الخير مثلها و إما أن يكفر عنه من الذنوب مثلها و اما أن يدفع عنه من ~~البلاء مثلها قالوا يارسول الله إذا نكثر قال الله اكثر ( فالداعى بهذا ~~كالداعى بالوسيلة يحصل له من الاجر ما يخصه كالداعي للأمة و لأخيه الغائب و ~~دعاؤه من أسباب الخير التى بها رحمة الأمة كما يثاب على سؤاله الوسيلة ~~للنبى صلى الله عليه و سلم بان تحل عليه الشفاعة يوم القيامة # وهنا ( جواب ثالث ( و هو أن كل من دعا بهذا الدعاء حصل له من المدعو ~~المطلوب مالا يحصل بدون المطلوب من الدعاء فيكون الدعاء به كدعائه ms0691 بسائر ~~مطالبه من المغفرة و الرحمة و ليس هو كدعاء PageV14P148 الغائب للغائب فان ~~الملك يقول هناك و لك بمثله فيدعو له الملك بمثل ما دعا به للغائب و هنا هو ~~داع لنفسه و للمؤمنين # وبيان هذا أن الشرع و ان كان قد استقر بموت النبى صلى الله عليه و سلم و ~~قد أخبر أن الله تجاوز لأمته عن الخطأ و النسيان و قد أخبر أن الرسول يضع ~~عن أمته اصرهم و الاغلال التى كانت عليهم و سأل ربه لأمته أن لا يسلط عليهم ~~عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطاه ذلك لكن ثبوت هذا الحكم فى حق آحاد الأمة قد ~~لا يحصل إلا بطاعة الله و رسوله فاذا عصى الله ذلك الشخص العاصي عوقب عن ~~ذلك بسلب هذه النعمة و ان كانت الشريعة لم تنسخ # يبين هذا أن فى هذا الدعاء سؤال الله بالعفو و المغفرة و الرحمة و النصر ~~على الكفار و معلوم أن هذا ليس حاصلا لكل واحد من أفراد الأمة بل منهم من ~~يدخل النار و منهم من ينصر عليه الكفار و منهم من يسلب الرزق لكونهم فرطوا ~~فى طاعة الله و رسوله فيسلبون ذلك بقدر ما فرطوا أو قصروا و قول الله ( قد ~~فعلت ( يقال فيه شيئان ( احدهما ) أنه قد فعل ذلك بالؤمنين المذكورين فى ~~الآية و الايمان المطلق يتضمن طاعة الله و رسوله فمن لم يكن كذلك نقص ~~PageV14P149 ايمانه الواجب فيستحق من سلب هذه النعم بقدر النقص و يعوق الله ~~عليه ملاذ ذلك و لم يستحق من الجزاء ما يستحقه من قام بالايمان الواجب # ( الثانى ) أن يقال هذا الدعاء استجيب له فى جملة الأمة و لا يلزم من ذلك ~~ثبوته لكل فرد و كلا الأمرين صحيح فان ثبوت هذا المطلوب لجملة الأمة حاصل و ~~لولا ذلك لاهلكوا بعذاب الاستئصال كما اهلكت الأمم قبلهم و قد قال النبى ~~صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح ( سألت ربي لأمتى ثلاثا فأعطانى ~~اثنتين و منعنى و احدة سألته ان ms0692 لا يهلك امتى بسنة عامة فاعطانيها و سألته ~~ان لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فاعطانيها و سألته أن لا يجعل ~~بأسهم بينهم فمنعنيها و قال يامحمد انى إذا قضيت قضاء لم يرد ( # وكذلك فى الصحيحين ( لما نزل قوله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم @QE@ قال النبى صلى الله عليه و سلم اعوذ بوجهك @QB@ ~~أو من تحت أرجلكم @QE@ قال اعوذ بوجهك ^ أو يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس ~~بعض ^ قال هاتان أهون و هذا لأنه لابد أن تقع الذنوب من هذه الأمة و لابد ~~أن يختلفوا فان هذا من لوازم الطبع البشري لايمكن أن يكون بنو آدم إلا كذلك ~~PageV14P150 ولهذا لم يكن ما وقع فيها من الاختلاف و القتال و الذنوب دليلا ~~على نقصها بل هي أفضل الأمم و هذا الواقع بينهم من لوازم البشرية و هو فى ~~غيرها اكثر و أعظم و خير غيرها أقل و الخير فيها اكثر و الشر فيها أقل فكل ~~خير فى غيرها فهو فيها أعظم و كل شر فيها فهو فى غيرها اعظم # وأما حصول المطلوب للآحاد منها فلا يلزم حصوله لكل عاص لأنه لم يقم ~~بالواجب و لكن قد يحصل للعاصي من ذلك بحسب ما معه من طاعة الله تعالى أما ~~حصول المغفرة و العفو و الرحمة بحسب الايمان و الطاعة فظاهر لأن هذا من ~~الأحكام القدرية الخلقية من جنس الوعد و الوعيد و هذا يتنوع بتنوع الايمان ~~و العمل الصالح # واما دفع المؤاخذة بالخطأ و النسيان و دفع الآصار فان هذا قد يشكل لأنه ~~من باب الاحكام الشرعية احكام الأمر و النهي # فيقال الخطأ و النسيان المرفوع عن الأمة مرفوع عن عصاة الامة فان العاصي ~~لا يأثم بالخطأ و النسيان فإنه إذا أكل ناسيا أتم صومه سواء كان مطيعا في ~~غير ذلك أو عاصيا فهذا هو الذى يشكل و عنه جوابان # ( احدهما ( أن الذنوب و المعاصي قد تكون سببا لعدم العلم بالحنيفية ~~PageV14P151 السمحة فان الانسان قد ms0693 يفعل شيئا ناسيا أو مخطئا و يكون ~~لتقصيره فى طاعة الله علما و عملا لا يعلم ان ذلك مرفوع عنه اما لجهله و ~~اما لكونه ليس هناك من يفتيه بالرخصة في الحنيفية السمحة # والعلماء قد تنازعوا فى كثير من مسائل الخطأ و النسيان و اعتقد كثير منهم ~~بطلان العبادات أو بعضها به كمن يبطل الصوم بالنسيان و آخرون بالخطأ و كذلك ~~الاحرام و كذلك الكلام في الصلاة و كذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسيا أو ~~مخطئا فاذا كان الله سبحانه قد نفى المؤاخذة بالخطأ و النسيان و خفي ذلك فى ~~مواضع كثيرة على كثير من علماء المسلمين كان هذا عقوبة لمن لم يجد فى نفسه ~~ثقة الا هؤلاء فيفتونه بما يقتضى مؤاخذته بالخطأ و النسيان فلا يكون مقتضى ~~هذا الدعاء حاصلا فى حقه لعدم العلم لا لنسخ الشريعة # والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى و العلم ~~النافع كقوله ^ و قالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم ^ و قال ^ و ~~قالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ^ و قال ^ و ما يشعركم أنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون و نقلب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ^ و قال ~~@QB@ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا @QE@ و قال @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم @QE@ PageV14P152 وهذا كما أنه حرم على بنى إسرائيل طيبات احلت لهم ~~لأجل ظلمهم و بغيهم فشريعة محمد لاتنسخ و لا تعاقب امته كلها بهذا و لكن قد ~~تعاقب ظلمتهم بهذا بان يحرموا الطيبات أو بتحريم الطيبات إما تحريما كونيا ~~بان لا يوجد غيثهم و تهلك ثمارهم و تقطع الميرة عنهم أو أنهم لا يجدون لذة ~~مأكل و لا مشرب و لا منكح و لا ملبس و نحوه كما كانوا يجدونها قبل ذلك و ~~تسلط عليهم الغصص و ما ينغص ذلك و يعوقه و يجرعون غصص المال و الولد و ~~الأهل و كما قال تعالى ^ و لا تعجبك أموالهم و لا أولادهم إنما يريد ms0694 الله ~~ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا ^ و قال ^ ايحسبون ان ما نمدهم به من مال و ~~بنين نسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون ^ و قال ^ إنما اموالكم و اولادكم ~~فتنة ) فيكون هذا كابتلا أهل السبت بالحيتان واما ان يعاقبوا باعتقاد تحريم ~~ما هو طيب حلال لخفاء تحليل الله و رسوله عندهم كما قد فعل ذلك كثير من ~~الأمة اعتقدوا تحريم اشياء فروج عليهم بما يقعون فيه من الايمان و الطلاق و ~~ان كان الله و رسوله لم يحرم ذلك لكن لما ظنوا انها محرمة عليهم عوقبوا ~~بحرمان العلم الذي يعلمون به الحل فصارت محرمة عليهم تحريما كونيا و تحريما ~~شرعيا فى ظاهر الأمر فان المجتهد عليه أن يقول ما أدى اليه اجتهاده فإذا لم ~~يؤد اجتهاده إلا إلى تحريم هذه الطيبات لعجزه عن معرفة PageV14P153 الأدلة ~~الدالة على الحل كان عجزة سببا للتحريم فى حق المقصرين فى طاعة الله # وكذلك اعتقدوا تحريم كثير من المعاملات التى يحتاجون اليها كضمان ~~البساتين والمشاركات و غيرها و ذلك لخفاء أدلة الشرع فثبت التحريم فى حقهم ~~بما ظنوه من الأدلة و هذا كما أن الإنسان يعاقب بإن يخفى عليه من الطعام ~~الطيب و الشراب الطيب ما هو موجود و هو مقدور عليه لو علمه لكن لا يعرف ~~بذلك عقوبة له و أن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه و قد قال تعالى ^ و من ~~يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب ^ فهو سبحانه إنما ضمن ~~الأشياء على وجهها و استقامتها للمتقين كما ضمن هذا للمتقين # فتبين أن المقصرين فى طاعته من الأمة قد يؤاخذون بالخطأ و النسيان و من ~~غير نسخ بعد الرسول لعدم علمهم بما جاء به الرسول من التيسير و لعدم علم من ~~عندهم من العلماء بذلك و لهذا يوجد كثير ممن لا يصلي ( فى السفر قصرا ) يرى ~~الفطر فى السفر حراما فيصوم في السفر مع المشقة العظيمة عليه و هذا عقوبة ~~له لتقصيره فى الطاعة لكنه مما يكفر ms0695 الله به من خطاياه ما يكفره كما يكفر ~~خطايا المؤمنين بسائر مصائب الدنيا PageV14P154 وكذلك منهم من يعتقد ~~التربيع في السفر و واجبا فيربع فيبتلى بذلك لتقصيره في الطاعة و منهم من ~~يعتقد تحريم أمور كثيرة من المباحات التى بعضها مباح بالاتفاق و بعضها ~~متنازع فيه لكن الرسول لم يحرمه فهؤلاء الذين اعتقدوا وجوب ما لم يوجبه ~~الله و رسوله وتحريم ما لم يحرمه حمل عليهم إصرا و لم توضع عنهم جميع ~~الآصار و الأغلال و ان كان الرسول قد وضعها لكنهم لم يعلموها # وقد يبتلون بمطاع يلزمهم ذلك فيكون آصارا و أغلالا من جهة مطاعهم مثل ~~حاكم و مفت و ناظر وقف و أمير ينسب ذلك إلى الشرع لاعتقاده الفاسد أن ذلك ~~من الشرع ويكون عدم علم مطاعيهم تيسير الله عليهم عقوبة فى حقهم لذنوبهم ~~كما لو قدر أنه سار بهم فى طريق يضرهم و عدل بهم عن طريق فيه الماء و ~~المرعى لجهله لا لتعمده مضرتهم أو أقام بهم في بلد غالي الأسعار مع امكان ~~المقام ببلد آخر # وهذا لأن الناس كما قد يبتلون بمطاع يظلمهم و يقصد ظلمهم يبتلون أيضا ~~بمطاع يجهل مصلحتهم الشرعية و الكونية فيكون جهل هذا من أسباب عقوبتهم كما ~~أن ظلم ذلك من أسباب مضرتهم فهؤلاء لم ترفع عنهم الآصار و الأغلال لذنوبهم ~~و معاصيهم و ان كان الرسول ليس فى شرعه آصار و أغلال فلهذا تسلط عليهم حكام ~~الجور و الظلم و تساق PageV14P155 اليهم الأعداء و تقاد بسلاسل القهر و ~~القدر و ذلك من الآصار و الأغلال التى لم ترفع عنهم مع عقوبات لا تحصى و ~~ذلك لضعف الطاعة فى قلوبهم و تمكن المعاصيي و حب الشهوات فيها فإذا قالوا ^ ~~ربنا و لا تحمل علينا أصرا كما حملته على الذين من قبلنا ^ دخل فيه هذا # وأما قوله ^ و لا تحملنا مالا طاقة لنا به ^ فعلى قولين # قيل هو من باب التحميل القدري لا من باب التكليف الشرعي أي لا تبتلينا ~~بمصائب لا نطيق ms0696 حملها كما يبتلى الانسان بفقر لا يطيقه أو مرض لا يطيقه أو ~~حدث أو خوف أو حب أو عشق لا يطيقه و يكون سبب ذلك ذنوبه # وهذا مما يبين أن الذنوب عواقبها مذمومة مطلقا # وقوله ( من يعمل سوءا يجز به ^ و ^ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره ^ قول حق و قال تعالى فى قصة قوم لوط ^ و تركنا فيها آية ~~للذين يخافون العذاب الأليم ^ # فما من أحد يبتلى بجنس عملهم إلا ناله شيء من العذاب الأليم حتى تعمد ~~النظر يورث القلب علاقة يتعذب بها الانسان و ان قويت حتى صارت غراما و عشقا ~~زاد العذاب الأليم سواء قدر أنه قادر على PageV14P156 المحبوب أو عاجز عنه ~~فإن كان عاجزا فهو فى عذاب أليم من الحزن و الهم و الغم و أن كان قادرا فهو ~~فى عذاب اليم من خوف فراقه و من السعي في تأليفه و أسباب رضاه فإن نزل به ~~الموت أو افتقر تضاعف عليه العذاب و ان صار إلى غيره استبدالا به أو مشاركة ~~قوى عذابه فإن هذا الجنس يحصل فيه من العذاب مالا يحصل فى عشق البغايا و ما ~~يحصل مثله فى الحلال و ان حصل فى الحلال نوع عذاب كان أخف من نظيره و كان ~~ذلك سبب ذنوب أخرى # فإذا دعى الإنسان بهذا الدعاء يخص نفسه و يعم المسلمين فله من ذلك أعظم ~~نصيب كيف لا و قد قال النبى صلى الله عليه و سلم ( الآيتان من آخر سورة ~~البقرة ما قرأ بهما أحد فى ليلة الا كفتاه ( و كيف لا تكفيانه و ما دعا به ~~من ذلك لم يحصل له إلا ما حصل لسائر المؤمنين الذين لم يقرؤوهما فإن الداعي ~~بهذا الدعاء له منه نصيب يخصه كسائر الأدعية # ومما يبين ذلك أن الصحابة إنما استجيب لهم هذا الدعاء لما التزموا الطاعة ~~لله مطلقا بقولهم ^ سمعنا و أطعنا ^ ثم أنزل هذا الدعاء فدعوا به فاستجيب ~~لهم # ولهذا كانوا في الحنيفية ms0697 السمحة على عهد رسول الله صلى الله PageV14P157 ~~عليه و سلم و كانوا فيها على عهد أبى بكر خيرا مما كانوا فيها على عهد عمر ~~فلما كانوا فى زمن عمر حدث من بعضهم ذنوب أوجبت جبت اجتهاد الإمام فى نوع ~~من التشديد عليهم كمنعهم من متعة الحج و كايقاع الثلاث إذا قالوها بكلمة و ~~كتغليظ العقوبة في الخمر و كان أطوعهم لله و أزهدهم مثل أبي عبيدة ينقاد له ~~عمر مالا ينقاد لغيره و خفي عليهم بعض مسائل الفرائض و غيرها حتى تنازعوا ~~فيها و هم مؤتلفون متحابون كل منهم يقر الآخر على اجتهاده # فلما كان فى آخر خلافة ( عثمان ( زاد التغير و التوسع فى الدنيا و حدثت ~~أنواع من الأعمال لم تكن على عهد عمر فحصل بين بعض القلوب تنافر حتى قتل ~~عثمان فصاروا في فتنة عظيمة قد قال تعالى ( و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة ) أي هذه الفتنة لا تصيب الظالم فقط بل تصيب الظالم و ~~الساكت عن نهيه عن الظلم كما قال النبى صلى الله عليه و سلم ( ان الناس إذا ~~رأوا المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه ( # وصار ذلك سببا لمنعهم كثيرا من الطيبات و صاروا يختصمون فى متعة الحج و ~~نحوها مما لم تكن فيه خصومة على عهد عمر فطائفة تمنع المتعة مطلقا كإبن ~~الزبير و طائفة تمنع الفسخ كبني أمية و أكثر الناس و صاروا يعاقبون من تمتع ~~و طائفة أخرى توجب المتعة و كل منهم لا PageV14P158 يقصد مخالفة الرسول بل ~~خفي عليهم العلم و كان ذلك سببه ما حدث من الذنوب كما قال صلى الله عليه و ~~سلم ( خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحا رجلان فرفعت و لعل ذلك أن يكون خيرا ~~لكم ( أي قد يكون اخفاؤها خيرا لكم لتجتهدوا فى ليالي العشر كلها فإنه قد ~~يكون اخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس # والنزاع فى الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم ms0698 و ~~لهذا صنف رجل كتابا سماه ( كتاب الاختلاف ( فقال أحمد سمه ( كتاب السعة ( و ~~ان الحق في نفس الأمر واحد و قد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ~~ظهوره من الشدة عليه و يكون من باب قوله تعالى ^ لا تسألواعن أشياء إن نبد ~~لكم تسؤكم ^ # و هكذا ما يوجد فى الأسواق من الطعام و الثياب قد يكون فى نفس الأمر ~~مغصوبا فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله له حلالا لا إثم عليه فيه بحال ~~بخلاف ما إذا علم فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة كما أن خفاء ~~العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة كما أن رفع الشك قد يكون رحمة و قد ~~يكون عقوبة و الرخصة رحمه و قد يكون مكروه النفس أنفع كما فى الجهاد ( و ~~عسى PageV14P159 ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عس أن تحبوا شيئا و هو شر ~~لكم ) # والمقصود هنا أن من الذنوب ما يكون سببا لخفاء العلم النافع أو بعضه بل ~~يكون سببا لنسيان ما علم و لاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن بسبب ذلك و الله ~~سبحانه كان أسكن آدم و زوجه الجنة و قال لهما ^ كلا من حيث شئتما و لا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فازلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما ~~كانا فيه و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ^ فكل عداوة كانت في ذريتهما و بلاء ~~و مكروه و تكون إلى قيام الساعة و فى النار يوم القيامة سببها الذنوب و ~~معصية الرب تعالى # فالإنسان إذا كان مقيما على طاعة الله باطنا و ظاهرا كان فى نعيم الإيمان ~~و العلم وارد عليه من جهاته و هو فى جنة الدنيا كما فى الحديث ( إذا مررتم ~~برياض الجنة فارتعوا قيل و ما رياض الجنة قال مجالس الذكر ( و قال ( ما بين ~~بيتى و منبري روضة من رياض الجنة ) فإنه كان يكون هنا فى رياض العلم و ~~الإيمان # و كلما كان قلبه في محبة الله و ذكره ms0699 و طاعته كان معلقا بالمحل الأعلى ~~PageV14P160 فلا يزال فى علو ما دام كذلك فإذا أذنب هبط قلبه إلى أسفل فلا ~~يزال فى هبوط مادام كذلك و وقعت بينه و بين أمثاله عداوة فإن أراد الله به ~~خيرا ثاب و عمل فى حال هبوط قلبه إلى أن يستقيم فيصعد قلبه قال تعالى ^ لن ~~ينال الله لحومها و لا دماؤها و لكن يناله التقوى منكم ^ فتقوى القلوب هي ~~التى تنال الله كما قال ( اليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه ) ~~فأما الأمور المنفصلة عنا من اللحوم و الدماء فإنها لا تنال الله # و ( الباطينة ( المنكرون لخلق العالم في ستة أيام و معاد الأبدان الذين ~~يجعلون للقرآن تأويلا يوافق قولهم عندهم ماثم ( جنة ( الا لذة ما تتصف بها ~~النفس من العلم و الأخلاق الحميدة وما ثم ( نار ) إلا ألم تتصف به النفس من ~~الجهل والاخلاق الذميمية السيئة فنار النفوس ألمها القائم بها كحسراتها ~~لفوات العلم أو لفوات الدنيا المحبوبة لها و حجبها إنما ذنوبها وهذا الكلام ~~مما يذكره أبو حامد في ( المظنون به على غير أهله ( لكن قد يقول هذا ليس هو ~~عذاب القبر المذكور فى الأجسام بل ذاك أمر آخر ما بينه أهل السنة و لا نعيم ~~عندهم إلا ما يقوم بالنفس من هذا و لهذا ليس عندهم نعيم منفصل عن النفس و ~~لا عذاب PageV14P161 # وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا و عقلا فإن الناس فى الدنيا يثابون و ~~يعاقبون بأمور منفصلة عنهم فكيف فى دار الجزاء و لكن الذي أثبتوه من هذا و ~~هذا ( منه ) ما هو حق و لكن الباطل جحدهم ما جحدوه مما أخبر الله به و ~~رسوله فهؤلاء عندهم أن آدم لم يكن إلا في جنة العلم و هبوطه انخفاض درجته ~~في العلم و هذا كذب و لكن ما أثبتوه من الحق حق و قصة آدم تدل عليه بطريق ~~الاعتبار الذي تسميه الصوفية الاشارة لا أنه هو المراد بالآية لكن قد دل ~~عليه آيات أخر تدل على ms0700 أن من كذب بالحق عوقب بإن يطبع على قلبه فلا يفهم ~~العلم أو لا يفهم المراد منه و أنه يسلط عليه عدوه و يجد ذلا كما قال تعالى ~~عن اليهود ( و ضربت عليهم الذلة و المسكنة ) ( ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون ~~) # ولا ريب أن لذة العلم أعظم اللذات و ( اللذة ( التى تبقى بعد الموت و ~~تنفع فى الآخرة هي لذة العلم بالله و العمل له و هو الإيمان به و هم يجعلون ~~ذلك الوجود المطلق # وأيضا فنفس العلم به إن لم يكن معه حب له و عبادة له بل كان مع حب لغيره ~~كائنا من كان فإن عذاب هذا قد يكون من أعظم العذاب في الدنيا و الآخرة و هم ~~لايجعلون كمال اللذة الا في نفس العلم PageV14P162 و ( أيضا ( فاقتصارهم ~~على اللذة العقلية خطأ و النصارى زادوا عليهم السمع و الشم فقالوا يتمتعون ~~بالأرواح المتعشقة و النغمات المطربة و لم يثبتوا هم و لا اليهود الأكل و ~~الشرب و لا النكاح و هي لذة اللمس و المسلمون أثبتووا جميع أنواع اللذات ~~سمعا و بصرا و شما و ذوقا و لمسا للروح و البدن جميعا و كان هذا هو الكمال ~~لا ما يثبته أهل الكتاب و من هو شر منهم من الفلاسفة الباطنية وأعظم لذات ~~الآخرة لذة النظر إلى الله سبحانه كما في الحديث الصحيح ( فما أعطاهم شيئا ~~أحب اليهم من النظر اليه ( و هو ثمرة معرفته و عبادته في الدنيا فأطيب ما ~~فى الدنيا معرفته و أطيب مافي الآخرة النظر اليه سبحانه ولهذا كان التجلي ~~يوم الجمعة في الآخرة على مقدار صلاة الجمعة في الدنيا # وأبو حامد يذكر فى كتبه هو وأمثاله ( الرؤية ( و أنها أفضل أنواع النعيم ~~و يذكر كشف الحجب و أنهم يرون و جه الله و لكن هذا كله يريد به ما تقوله ~~الجهمية و الفلاسفة فإن ( الرؤية ( عندهم ليست الا العلم لكن كما أن ~~الإنسان قد يرى الشيء بعينيه و قد يمثل له خياله اذا ms0701 غاب عنه فهكذا العلم ~~ففي الدنيا ليس عندهم من العلم إلا مثال كالخيال فى الحساب و فى الآخرة ~~يعلمونه بلا مثال و هو عندهم ( وجود لا داخل العالم و لا خارجه ( و ( كشف ~~الحجاب ( PageV14P163 عندهم رفع المانع الذي فى الإنسان من الرؤية و هو أمر ~~عدمي فحقيقته جعل العبد عالما و هذا كله مما تقول به الفلاسفة و الباطنية # وهؤلاء إنما يأمرون بالزهد فى الدنيا لينقطع تعلق النفس بها و قت ( فراق ~~) النفس فلا تبقى النفس مفارقة لشيء يحبه لكن أبو حامد لا يبيح محظورات ~~الشرع قط بل يقول قتل واحد من هؤلاء خير من قتل عدد كثير من الكفار # وأما هؤلاء فالواصل عندهم إلى العلم المطلوب قد يبيحون له محظورات ~~الشرائع حتى الفواحش و الخمر و غيرها إذا كانوا ممن يعتقد تحريم الخمر و ~~الا فغالب هؤلاء لا يوجبون شريعة الإسلام بل يجوزون التهود و التنصر و كل ~~من كان من هؤلاء و اصلا إلى علمهم فهو سعيد # وهكذا تقول الاتحادية منهم كابن سبعين وإبن هود و التلمساني ونحوهم و ~~يدخلون مع النصارى بيعهم و يصلون معهم إلى الشرق و يشربون معهم و مع اليهود ~~الخمر و يميلون إلى دين النصارى أكثر من دين المسلمين لما فيه من اباحة ~~المحظورات و لأنهم أقرب إلى الاتحاد و الحلول و لأنهم أجهل فيقبلون ما ~~يقولونه أعظم من قبولهم لقول المسلمين و علماء النصارى جهال إذا كان فيهم ~~متفلسف PageV14P164 عظموه و هؤلاء يتفلسفون # والواحد من هؤلاء يفرح إذا قيل له لست بمسلم ويحكي عن نفسه كما كان أحمد ~~المارديني و هو من أصحاب ابن عربى يحكى عن نفسه أنه دخل إلى بعض ديارات ~~النصارى ليأخذ منهم ما يأكله هو و رفيقه فأخذ بعضهم يتكلم فى المسلمين و ~~يقول يقولون كذا و كذا فقال له آخر لا تتكلم في المسلمين فهذا واحد منهم ~~فقال ذلك المتكلم هذا وجهه وجه مسلم أي ليس هذا بمسلم فصار يحكيها ~~المارديني أن النصراني قال عنه ليس هذا ms0702 بمسلم و يفرح بقول النصراني و يصدقه ~~فيما يقول أى ليس هو بمسلم # والمتفلسفة يصرحون بهذا يقولون قلنا كذا و كذا و قال المسلمون كذا و كذا ~~و ربما قالوا قلنا كذا و قال المليون أي أهل الملل من المسلمين و اليهود و ~~النصارى و كتبهم مشحونة بهذا و لابد لأحدهم عند أهل الملل أن يكون على ~~دينهم # لكن دخولهم في هذا كدخولهم في سياسة الملوك كما كانوا مع الترك الكفار و ~~كانوا مع ( هولاكو ( ملك المغل الكفار و مع ( القان ( الذي هو أكبر منه ~~خليفة ( جنكزخان ( ببلاد الخطا و انتساب الواحد منهم هناك إلى الإسلام ~~انتساب إلى إسلام يرضاه ذلك PageV14P165 الملك بحسب غرضه كما كان ( النصير ~~الطوسي ( و أمثاله مع ( هولاكو ( ملك الكفار و هو الذي أشار عليهم بقتل ~~الخليفة ببغداد لما استولى عليها و أخذ كتب الناس ملكلها و وقفها و أخذ ~~منها ما يتعلق بغرضه و أفسد الباقي و بنى الرصد و وضعها فيه و كان يعطى من ~~وقف المسلمين لعلماء المشركين البخشية و الطوينية ويعطى فى رصده الفيلسوف و ~~المنجم و الطبيب اضعاف ما يعطى الفقيه و يشرب هو و أصحابه الخمر فى شهر ~~رمضان و لا يصلون # وكذلك كان بالشام و مصر طائفة مع تصوفهم و تألههم و تزهدهم يشرب أحدهم ~~الخمر فى نهار رمضان و تارة يصلون و تارة لايصلون فإنهم لا يدينون بإيجاب ~~واجبات الإسلام و تحريم محرماته عليهم بل يقولون هذا للعامة و الأنبياء و ~~أما مثلنا فلا يحتاج إلى الأنبياء و يحكون عن بعض الفلاسفة أنه قيل له قد ~~بعث نبى فقال لو كان الناس كلهم مثلي ما احتاجوا إلى نبى و مثل هذه الحكاية ~~يحكيها من يكون رئيس الأطباء ولا يعرف الزندقة ولا يدري مضمون هذه الكلمة ~~ما لجهله و قيل لرئيسهم الا كبر فى زمن موسى عليه السلام الا تأتيه فتأخذ ~~عنه فقال نحن قوم مهديون فلا نحتاج إلى من يهدينا وأما ما ذكروه من حصول ~~اللذة في القلب ms0703 و النعيم بالإيمان بالله PageV14P166 والمعرفة به فهو حق و ~~هو سبب دخول الجنة وقد قال صلى الله عليه و سلم ( إذا دخل شهر رمضان فتحت ~~أبواب الجنة و غلقت أبواب النار و صفدت الشياطين ( و ما ذاك إلا لأنه في ~~شهر رمضان تنبعث القلوب إلى الخير و الأعمال الصالحة التى بها و يسببها ~~تفتح أبواب الجنة و يمتنع من الشرور التى بها تفتح أبواب النار و تصفد ~~الشياطين فلا يتمكنون أن يعملوا ما يعملونه فى الافطار فإن المصفد هو ~~المقيد لأنهم إنما يتمكنون من بنى آدم بسبب الشهوات فإذا كفوا عن الشهوات ~~صفدت الشياطين # والجنة و النار التى تفتح و تغلق غير ما فى القلوب و لكن ما فى القلوب ~~سبب له و دليل عليه و أثر من آثاره و قد قال تعالى @QB@ إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا @QE@ و قال صلى الله عليه و ~~سلم ( الذي يشرب فى آنية الذهب و الفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم ( فقيل ~~يأكلون و يشربون ما سيصير نارا وقيل هو سبب النار و الله سبحانه و تعالى ~~أعلم PageV14P167 # وقال شيخ الإسلام # أبو العباس تقي الدين إبن تيمية قدس الله روحه و نور ضريحه $ فصل # في قوله تعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولوا العلم ~~قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ان الدين عند الله الاسلام ) قد ~~تنوعت عبارات المفسرين فى لفظ ( شهد ) فقالت طائفة منهم مجاهد و الفراء و ~~أبو عبيدة أى حكم و قضى و قالت طائفة منهم ثعلب و الزجاج أي بين و قالت ~~طائفة أي أعلم و كذلك قالت طائفة معنى شهادة الله الاخبار و الاعلام و معنى ~~شهادة الملائكة و المؤمنين الاقرار و عن إبن عباس أنه شهد بنفسه لنفسه قبل ~~أن يخلق الخلق حين كان و لم يكن سماء و لا أرض و لا بر و لا بحر فقال ( شهد ~~الله أنه لا إله الا ms0704 هو ) # وكل هذه الأقوال PageV14P168 وما في معناها صحيحة و ذلك أن الشهادة تتضمن ~~كلام الشاهد و قوله و خبره عما شهد به و هذا قد يكون مع أن الشاهد نفسه ~~يتكلم بذلك و يقوله و يذكره و إن لم يكن معلما به لغيره و لا مخبرا به ~~لسواه فهذه أول مراتب الشهادة # ثم قد يخبره و يعلمه بذلك فتكون الشهادة إعلاما لغيره و إخبارا له و من ~~أخبر غيره بشيء فقد شهد به سواء كان بلفظ الشهادة أو لم يكن كما فى قوله ~~تعالى ^ و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم و يسألون ^ و قوله تعالى ( و ما شهدنا الا بما علمنا ) الآية ففي ~~كلا الموضعين إنما أخبروا خبرا مجردا و قد قال ( و اجتنبوا قول الزور حنفاء ~~لله غير مشركين به ) و فى الصحيحين عن النبى صلى اله عليه و سلم قال ( عدلت ~~شهادة الزور الاشراك بالله ( قالها مرتين أو ثلاثا ثم تلى هذه الآية و إنما ~~فى الآية ^ اجتنبوا قول الزور ) وهذا يعم كل قول زور بأي لفظ كان و على أبى ~~صفة و جد فلا يقوله العبد و لا يحضره و لا يسمعه من قول غيره و ( الزور ( ~~هو الباطل الذي قد ازور عن الحق و الاستقامة أي تحول و قد سماه النبى صلى ~~الله عليه و سلم شهادة الزور و قد قال فى المظاهرين من نسائهم ( و إنهم ~~ليقولون منكرا من القول و زورا ) PageV14P169 # وفى الصحيحين عن ابن عباس قال ( شهد عندي رجال مرضيون و أرضاهم عندى عمر ~~أن النبى صلى الله عليه و سلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس و ~~بعد العصر حتى تغرب الشمس ( و هؤلاء حدثوه أنه نهى عن ذلك و لم يقولوا نشهد ~~عندك فإن الصحابة لم يكونوا يلتزمون هذا اللفظ فى التحديث و ان كان أحدهم ~~قد ينطق به و منه قولهم في ماعز فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه النبى ~~صلى ms0705 الله عليه و سلم و لفظه كان إقرارا و لم يقل أشهد # ومنه قوله تعالى ^ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم ^ و ~~شهادة المرء على نفسه هي إقراره و هذه لا يشترط فيه لفظ الشهادة باتفاق ~~العلماء و إنما تنازعوا فى الشهادة عند الحكام هل يشترط فيها لفظ أشهد على ~~قولين في مذهب أحمد و كلام أحمد يقتضي أنه لا يعتبر ذلك و كذلك مذهب مالك و ~~( الثاني ) يشترط ذلك كما أيحكى عن مذهب أبى حنيفة و الشافعي # و ( المقصود هنا ( الآية فالشهادة تضمنت مرتبتين # ( إحداهما ( تكلم الشاهد و قوله و ذكره لما شهد فى نفسه به # و ( الثانى ( إخباره و اعلامه لغيره بما شهد به فمن قال PageV14P170 حكم ~~و قضى فهذا من باب اللازم فإن الحكم و القضاء هو الزام و أمر # ولا ريب أن الله ألزم الخلق التوحيد و أمرهم به و قضى به و حكم فقال ^ و ~~قضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ^ و قال ^ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون ^ و قال ^ و لقد بعثنا فى كل أمة رسولا ان اعبدوا الله و اجتنبوا ~~الطاغوت ^ الآية و قال تعالى ^ و قال الله لاتتخذوا إلهين اثنين إنما هو ~~إله و أحد فاياي فارهبون ^ و قال ^ و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها و احدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون ^ ^ و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفاء # ^ و هذا كثير في القرآن يوجب على العباد عبادته و توحيده و يحرم عليهم ~~عبادة ما سواه فقد حكم و قضى أنه لا إله الا هو # و لكن الكلام في دلالة لفظ الشهادة على ذلك و ذلك أنه إذا شهد أنه لا إله ~~إلا هو فقد أخبر و بين و أعلم أن ما سواه ليس باله فلا يعبد و أنه وحده ~~الاله الذى يستحق العبادة و هذا يتضمن الأمر بعبادته و النهي عن عبادة ما ~~سواه فإن النفي و الاثبات فى ms0706 مثل هذا يتضمن الأمر و النهي كما إذا استفتى ~~شخص شخصا فقال له قائل هذا ليس بمفت وهذا هو المفتى ففيه نهي عن استفتاء ~~الأول و أمر و إرشاد إلى استفتاء # الثانى PageV14P171 # وكذلك إذا تحاكم إلى غير حاكم أو طلب شيئا من غير ولي الأمر فقيل له ليس ~~هذا حاكما و لا هذا سلطانا هذا هو الحاكم و هذا هو السلطان فهذا النفي و ~~الإثبات يتضمن الأمر و النهي و ذلك أن الطالب إنما يطلب من عنده مراده و ~~مقصوده فإذا ظنه شخصا فقيل له ليس مرادك عنده و إنما مرادك عند هذا كان ~~أمرا له بطلب مراده عند هذا دون ذاك # والعابدون إنما مقصودهم أن يعبدوا من هو إله يستحق العبادة فإذا قيل لهم ~~كل ما سوى الله ليس باله إنما لاله هو الله وحده كان هذا نهيا لهم عن عبادة ~~ما سواه و أمرا بعبادته # و ( أيضا ( فلو لم يكن هناك طالب للعبادة فلفظ الاله يقتضي أنه يستحق ~~العبادة فإذا أخبر أنه هو المستحق للعبادة دون ما سواه كان ذلك أمرا بما ~~يستحقه # و ليس المراد هنا ( بالاله ( من عبده عابد بلا استحقاق فإن هذه الآلهة ~~كثيرة و لكن تسميتهم آلهة و الخبر عنهم بذلك و اتخاذهم معبودين أمر باطل ~~كما قال تعالى ^ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها ~~من سلطان ^ و قال ( ذلك الله هو الحق و انما يدعون من دونه هو الباطل ) ~~PageV14P172 # فالآلهة التى جعلها عابدوها آلهة يعبدونها كثيرة لكن هي لا تستحق العبادة ~~فليست بآلهة كمن جعل غيره شاهدا أو حاكما أو مفتيا أو أميرا و هو لايحسن ~~شيئا من ذلك # ولابد لكل إنسان من إله يألهه و يعبده ( تعس عبد الدينار و عبد الدرهم ( ~~فإن بعض الناس قد أله ذلك محبة و ذلا و تعظيما كما قد بسط فى غير هذا ~~الموضع فإذا شهد الله أنه لا إله إلا هو فقد حكم و قضى بأن لا يعبد إلا ms0707 ~~إياه # و ( أيضا ( فلفظ الحكم و القضاء يستعمل فى الجمل الخبرية فيقال للجمل ~~الخبرية قضية و يقال قد حكم فيها بثبوت هذا المعنى و انتفاء هذا المعنى و ~~كل شاهد و مخبر هو حاكم بهذا الاعتبار قد حكم بثبوت ما أثبته و نفي مانفاه ~~حكما خبريا قد يتضمن حكلما طلبيا $ فصل شهادة # الرب و بيانه و اعلامه يكون بقوله تارة و بفعله تارة # فالقول هو ما أرسل به رسله و أنزل به كتبه و أوحاه إلى عباده PageV14P173 ~~كما قال ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا ~~أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) إلى غير ذلك من الآيات # و قد علم بالتواتر و الاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد و ~~يشهد أن لا إله إلا هو بقوله و كلامه و هذا معلوم من جهة كل من بلغ عنه ~~كلامه و لهذا قال تعالى ^ أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر ~~من معي و ذكر من قبلي ^ و أما شهادته بفعله فهو ما نصبه من الأدلة الدالة ~~على وحدانيته التى تعلم دلالتها بالعقل و إن لم يكن هناك خبر عن الله و هذا ~~يستعمل فيه لفظ الشهادة و الدلالة و الارشاد فإن الدليل ( يبين ) المدلول ~~عليه و يظهره فهو بمنزلة المخبر به الشاهد به كما قيل سل الأرض من فجر ~~أنهارها و غرس أشجارها و أخرج ثمارها و أحيا نباتها و أغطش ليلها و أوضح ~~نهارها فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا # وهو سبحانه شهد بما جعلها دالة عليه فإن دلالتها إنما هي بخلقه لها فإذا ~~كانت المخلوقات دالة على أنه لا إله إلا هو و هو سبحانه الذي جعلها دالة ~~عليه فإن دلالتها إنما هي بخلقه و بين ذلك فهو الشاهد المبين بها أنه لا ~~إله إلا هو و هذه الشهادة الفعلية ذكرها طائفة قال ابن كيسان ( شهد الله ) ~~بتدبيره العجيب و أموره PageV14P174 المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا ms0708 هو $ ~~فصل # وقوله ( قائما بالقسط ) هو نصب على الحال وفيه و جهان # قيل هو حال من ( شهد ) أي شهد قائما بالقسط # وقيل من ( هو ) أي لا إله إلا هو قائما بالقسط كما يقال لا إله إلا هو ~~وحده و كلا المعنيين صحيح # و قوله ( قائما بالقسط ) يجوز أن يعمل فيه كلا العاملين على مذهب ~~الكوفيين فى أن المعمول الواحد يعمل فيه عاملان كما قالوا فى قوله ( هاؤم ~~اقرؤا كتابيه ) ( و آتوني افرغ عليه قطرا ) و ( عن اليمين و عن الشمال قعيد ~~) و نحو ذلك و سيبويه و أصحابه يجعلون لكل عامل معمولا و يقولون حذف معمول ~~أحدهما لدلالة الآخر عليه و قول الكوفيين أرجح كما قد بسطته فى غير هذا ~~الموضع # وعلى المذهبين فقوله ( بالقسط ) يخرج على هذا إما كونه يشهد قائما بالقسط ~~فإن القائم بالقسط هو القائم بالعدل كما فى قوله PageV14P175 كونوا قوامين ~~بالقسط ) فالقيام بالقسط يكون فى القول و هو القول العدل و يكون في الفعل ~~فإذا قيل شهد ( قائما بالقسط ) أي متكلما بالعدل مخبرا به آمرا به كان هذا ~~تحقيقا لكون الشهادة شهادة عدل و قسط وهى أعدل من كل شهادة كما أن الشرك ~~أظلم من كل ظلم و هذه الشهادة أعظم الشهادات # وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية ما يوافق ذلك فذكر إبن السائب أن حبرين ~~من أحبار الشام قدما على النبى صلى الله عليه و سلم فلما أبصرا المدينة قال ~~أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبى الذي يخرج فى آخر ~~الزمان فلما دخلا على النبى صلى الله عليه و سلم عرفاه بالصفة فقالا أنت ~~محمد قال نعم قالا و أحمد قال نعم قالا نسألك عن شهادة فإن اخبرتنا بها ~~آمنا بك فقال سلاني فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة فى كتاب الله فنزلت هذه ~~الآية # ولفظ ( القيام بالقسط ( كما يتناول القول ينتاول العمل فيكون التقدير ~~يشهد و هو قائل بالقسط عامل به لا بالظلم فإن هذه الشهادة تضمنت قولا و ~~عملا فانها ms0709 تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة و حده فيعبد و أن غيره لايستحق ~~العبادة و أن الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء و أن المشركين به في ~~النار فإذا شهد قائما بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة و جزاء ~~PageV14P176 المشركين بالنار كان هذا من تمام تحقيق موجب هذه الشهادة و كان ~~قوله ( قائما بالقسط ) تنبيها على جزاء المخلصين و المشركين كما فى قوله ( ~~أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) # قال طائفة من المفسرين منهم البغوي نظم الآية ^ شهد الله قائما بالقسط ^ ~~و معنى قوله @QB@ قائما بالقسط @QE@ أي بتدبير الخلق كما يقال فلان قائم ~~بأمر فلان أي يدبره و يتعاهد أسبابه و قائم بحق فلان أي مجاز له فالله ~~تعالى مدبر رزاق مجاز بالأعمال # و إذا اعتبر القسط في الالهية كان المعنى ( لا إله إلا هو قائما بالقسط ( ~~أي هو وحده الاله قائما بالقسط فيكون و وحده مستحقا للعبادة مع كونه قائما ~~بالقسط كما يقال أشهد أن لا إله إلا الله إلها واحدا أحدا صمدا و هذا الوجه ~~أرجح فإنه يتضمن أن الملائكة و أولي العلم يشهدون له مع أنه لا إله إلا هو ~~و أنه قائم بالقسط و ( الوجه الأول ( لايدل على هذا و لأن كونه قائما ~~بالقسط كما شهد به أبلغ من كونه حال الشاهد وقيامة بالقسط يتضمن أنه يقول ~~الصدق و يعمل بالعدل كما قال ( و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا ) و قال هود ~~@QB@ إن ربي على صراط مستقيم @QE@ فأخبر أن الله على صراط مستقيم و هو ~~العدل الذي لا عوج فيه PageV14P177 وقال ^ هل يستوى هو و من يأمر بالعدل و ~~هو على صراط مستقيم ^ و هو مثل ضربه الله لنفسه و لما يشرك به من الأوثان ~~كما ذكر ذلك في قوله @QB@ قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي ~~للحق @QE@ الآية و قال ^ أفمن يخلق كمن لا يخلق الآيات إلى قوله ^ و ما ~~يشعرون أيان يبعثون ^ فأخبر أنه خالق منعم عالم و ms0710 ما يدعون من دونه لا تخلق ~~شيئا و لا تنعم بشيء و لا تعلم شيئا و أخبر أنها ميتة فهل يستوى هذا وهذا ~~فكيف يعبدونها من دون الله مع هذا الفرق الذي لا فرق أعظم منه و لهذا كان ~~هذا أعظم الظلم و الافك # ومن هذا الباب قوله تعالى قل الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى ~~آلله خير أما يشركون فقوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء و من رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا و جهرا هل يستوون الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون و ضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لايقدر على شيء ~~و هو كل على مولاه أينما يوجهه لايأت بخير هل يستوي هو و من يأمر بالعدل و ~~هو على صراط مستقيم ) كلاهما مثل بين الله فيه أنه لا يستوي هو و ما يشركون ~~به كما ذكر نظير ذلك فى غير موضع و إن كان هذا الفرق معلوما بالضروورة لكل ~~أحد لكن المشركون مع اعترافهم بأن PageV14P178 آلهتهم مخلوقة مملوكة له ~~يسوون بينه و بينها فى المحبة و الدعاء و العبادة و نحوذلك # و ( المقصود هنا ( أن الرب سبحانه على صراط مستقيم وذلك بمنزلة قوله @QB@ ~~قائما بالقسط @QE@ فإن الاستقامة و الاعتدال متلازمان فمن كان قوله و عمله ~~بالقسط كان مستقيما و من كان قوله و عمله مستقيما كان قائما بالقسط # ولهذا أمرنا الله سبحانه أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم عليهم من النبيين و الصديقين والشهداء و الصالحين و صراطهم هوالعدل و ~~الميزان ليقوم الناس بالقسظ و الصراط المستقيم هوالعمل بطاعته و ترك معاصيه ~~فالمعاصي كلها ظلم مناقض للعدل مخالف للقيام بالقسط و العدل والله سبحانه ~~أعلم $ فصل # ثم قال تعالى @QB@ لا إله إلا هو العزيز الحكيم @QE@ ذكر عن جعفر بن محمد ~~انه قال الأولى وصف وتوحيد والثانية رسم وتعليم أى قوله ^ لا اله الا هو ~~العزيز الحكيم ) ومعنى هذا أن الأولى هو PageV14P179 ذكر أن الله ms0711 شهد بها ~~فقال ( شهد الله انه لا اله الا هو ) والتالى للقرآن انما يذكر أن الله شهد ~~بها هو والملائكة واولوا العلم وليس فى ذلك شهادة من التالى نفسه بها ~~فذكرها الله مجردة ليقولها التالى فيكون التالى قد شهد بها أنه لا اله الا ~~هو فلأولى خبر عن الله بالتوحيد لنفسه بشهادته لنفسه وهذه خبر عن الله ~~بالتوحيد # وختمها بقوله @QB@ العزيز الحكيم @QE@ والعزة تتضمن القدرة والشدة ~~والامتناع والغلبة تقول العرب عز يعز بفتح العين اذا صلب وعز يعز بكسرها ~~اذا امتنع وعز يعز بضمها اذا غلب فهو سبحانه فى نفسه قوى متين وهو منيع لا ~~ينال وهو غالب لا يغلب # والحكيم يتضمن حكمه وعلمه وحكمته فيما يقوله ويفعله فاذا امر بأمر كان ~~حسنا وإذا أخبر بخبر كان صدقا وإذا أراد خلق شىء كان صوابا فهو حكيم فى ~~ارادته وافعاله واقواله $ فصل # وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة اصول شهادة ان لا اله الا الله وانه قائم ~~بالقسط وانه العزيز الحكيم فتضمنت وحدانيته المنافية PageV14P180 للشرك ~~وتضمنت عدله المنافى للظلم وتضمنت عزته وحكمته المنافية للذل والسفه وتضمنت ~~تنزيهه عن الشرك والظلم والسفه ففيها اثبات التوحيد واثبات العدل واثبات ~~الحكمة واثبات القدرة # والمعتزلة قد تحتج بها على ما يدعونه من التوحيد والعدل والحكمة ولا حجة ~~فيها لهم لكن فيها حجة عليهم وعلى خصومهم الجبرة أتباع الجهم بن صفوان ~~الذين يقولون كل ما يمكن فعله فهو عدل وينفون الحكمة فيقولون يفعل لا لحكمة ~~فلا حجة فيها لهم فانه اخبر انه لا اله الا هو وليس فى ذلك نفى الصفات وهم ~~يسمون نفى الصفات توحيدا بل الاله هو المستحق للعبادة والعبادة لا تكون الا ~~مع محبة المعبود # والمشركون جعلوا لله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله ~~فدل ذلك على أن المؤمنين يحبون الله أعظم من محبة المشركين لأندادهم فعلم ~~أن الله محبوب لذاته ومن لم يقل بذلك يشهد فى الحقيقة ان لا إله إلا هو # والجهمية والمعتزلة يقولون ان ذاته لا تحب فهم ms0712 فى الحقيقة منكرون الهيته ~~وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع PageV14P181 # وقيامه بالقسط مقرون بأنه لا اله الا هو فذكر ذلك على أنه لا يماثله أحد ~~فى شىء من أموره والمعتزلة تجعل القسط منه مثل القسط من المخلوقين فما كان ~~عدلا من المخلوقين كان عدلا من الخالق وهذا تسوية منهم بين الخالق والمخلوق ~~وذلك قدح فى انه لا إله إلا هو # والجهمية عندهم أى شىء أمكن وقوعه كان قسطا فيكون قوله ( قائما بالقسط ) ~~كلاما لا فائدة فيه ولا مدح فانه اذا كان كل مقدور قسطا كان المعنى انه ~~قائم بما يفعله والمعنى أنه فاعل لما يفعله وليس فى هذا مدح ولا هو المفهوم ~~من كونه قائما بالقسط بل المفهوم منه أنه يقوم بالقسط لا بالظلم مع قدرته ~~عليه لكنه سبحانه مقدس منزه ان يظلم احدا كما قال @QB@ ولا يظلم ربك أحدا ~~@QE@ وقد أمر عباده ان يكونوا قوامين بالقسط وقال ^ افمن هو قائم على كل ~~نفس بما كسبت ^ فهو يقوم عليها بكسبها لا بكسب غيرها وهذا من قيامه بالقسط ~~وقال @QB@ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا @QE@ الاية # وايضا فمن قيامه بالقسط وقيامه على كل نفس بما كسبت انه لا يظلم مثقال ~~ذرة كما قال @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره @QE@ إلى اخرها PageV14P182 # والمعتزلة تحبط الحسنات العظيمة الكثيرة بكبيرة واحدة وتحبط ايمانه ~~وتوحيده بما هو دون ذلك من الذنوب وهذا مما تفردوا به من الظلم الذى نزه ~~الله نفسه عنه فهم ينسبون الله إلى الظلم لا إلى العدل والله أعلم $ فصل # وقوله @QB@ وهو العزيز الحكيم @QE@ اثبات لعزته وحكمته وفيها رد على ~~الطائفتين الجبرية والقدرية فان الجبرية اتباع جهم ليس له عندهم فى الحقيقة ~~حكمة ولهذا لما أرادت الأشعرية ان تفسر حكمته فسروها اما بالقدرة واما ~~بالعلم واما بالارادة ومعلوم أنه ليس فى شىء من ذلك اثبات لحكمته فان ~~القادر والعالم والمريد قد يكون حكيما وقد لا يكون والحكمة أمر زائد على ~~ذلك وهم يقولون ان الله لا يفعل لحكمة ويقولون ms0713 أيضا الفعل لغرض انما يكون ~~ممن ينتفع ويتضرر ويتألم ويلتذ وذلك ينفى عن الله # والمعتزلة اثبتوا انه يفعل لحكمة وسموا ذلك غرضا هم وطائفة PageV14P183 ~~من المثبتة لكن قالوا الحكمة امر منفصل عنه لا يقوم به كما قالوا فى كلامه ~~وارادته فاستطال عليهم المجبرة بذلك فقالوا الحكيم من يفعل لحكمة تعود إلى ~~نفسه فان لم تعد إلى نفسه لم يكن حكيما بل كان سفيها # فيقال للمجبرة ما نفيتم به الحكمة هو بعينه حجة من نفى الارادة من ~~المتفلسفة ونحوهم قالوا الارادة لا تكون الا لمن ينتفع ويتضرر ويتألم ويلتذ ~~واثبات ارادة بدون هذا لا يعقل وأنتم تقولون نحن موافقون للسلف وسائر اهل ~~السنة على اثبات الارادة فما كان جوابا لكم عن هذا السؤال فهو جواب سائر ~~أهل السنة لكم حيث اثبتم ارادة بلا حكمة يراد الفعل لها وقد بسط هذا فى غير ~~هذا الموضع وبين ما فى لفظ هذه الحجة من الكلمات المجملة والله أعلم $ فصل # وإثبات شهادة أولي العلم يتضمن أن الشهادة له بالوحدانية يشهد بها له ~~غيره من المخلوقين الملائكة و البشر و هذا متفق عليه يشهدون أن لا إله إلا ~~الله و يشهدون بما شهد به لنفسه PageV14P184 # وزعم طائفة من الاتحادية أنه لا يوحد أحد الله و أنشدوا % ما و حد الواحد ~~من و أحد % % إذ كل من وحده جاحد % $ وهؤلاء حقيقة قولهم من جنس قول ~~النصارى في المسيح يدعون أن حقيقة التوحيد أن يكون الموحد هوالموحد فيكون ~~الحق هوالناطق على لسان العبد و الله الموحد لنفسه لا العبد و هذا فى زعمهم ~~هوالسر الذي كان الحلاج يعتقده و هو بزعمهم قول خواص العارفين لكن لا ~~يصرحون به # وحقيقة قولهم انهم اعتقدوا فى عموم الصالحين ما اعتقدته النصارى فى ~~المسيح لكن لم يمكنهم إظهاره فإن دين الاسلام يناقض ذلك مناقضة ظاهرة ~~فصاروا يشيرون إليه و يقولون إنه من السر المكتوم و من علم الاسرار الغيبية ~~فلا يمكن ان يباح به و إنما هو قول ملحد و هو شر ms0714 من قول النصارى فإن ~~النصارى إنما قالوا ذلك في المسيح لم يقولوه فى جميع الصالحين # وقد بسط الكلام على ذلك فى غير موضع إذ المقصود التنبيه على ما فى هذه ~~الآية من أصول الايمان و التوحيد و إبطال قول المبتدعين PageV14P185 $ فصل # وإذا كانت شهادة الله تتضمن بيانه للعباد و دلالته لهم و تعريفهم بما شهد ~~به لنفسه فلا بد أن يعرفهم أنه شهد فان هذه الشهادة أعظم الشهادات و إلا ~~فلو شهد شهادة لم يتمكن من العلم بها لم ينتفع بذلك و لم تقم عليهم حجة ~~بتلك الشهادة كما أن المخلوق إذا كانت عنده شهادة لم يبينها بل كتمها لم ~~ينتفع أحد بها و لم تقم بها حجة # رولهذا ذم سبحانه من كتم العلم الذي أنزله و ما فيه من الشهادة كما قال ~~تعالى ( و من اظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ) أي عنده شهادة من الله و ~~كتمها و هوالعلم الذي بينه الله فإنه خبر من الله و شهادة منه بما فيه # وقد ذم من كتمه كما كتم بعض أهل الكتاب ماعندهم من الخبر و الشهادة ~~لابراهيم و أهل بيته و كتموا إسلامهم و ما عندهم من الأخبار بمثل ما أخبر ~~به محمد صلى الله عليه و سلم و بصفته و غير ذلك قال تعالى ( ان الذين ~~يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) و قال PageV14P186 تعالى ^ الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أنباءهم و إن فريقا منهم ليكتمون الحق و ~~هم يعلمون ^ و الشهادة لابد فيها من علم الشاهد و صدقه و بيانه لايحصل ~~مقصود الشهادة إلا بهذه الأمور و لهذا ذم من يكتم و يحرف فقال تعالى ^ ~~ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم أو ~~الوالدين و الأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا ~~الهوى أن تعدلوا و إن تلووا أوتعرضوا فإن الله كان بما ms0715 تعملون خبيرا ^ # وفى الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( ~~البيعان بالخيار مالم يتفرقا فأن صدقا و بينا بورك لهما فى بيعهما و ان ~~كذبا و كتما محقت بركة بيعهما $ فصل # وإذا كان لابد من بيان شهادته للعباد ليعلموا أنه قد شهد فهو قد بينها ~~بالطريقين بالسمع و البصر فالسميع يسمع آيات الله المتلوة المنزلة و البصير ~~يعاين آياته المخلوقة الفعلية و ذلك أن شهادته تتضمن PageV14P187 بيانه و ~~دلالته للعباد وتعريفهم ذلك و ذلك حاصل بآياته فان آياته هي دلالاته و ~~براهينه التى بها يعرف العباد خبره و شهادته كما عرفهم بها أمره و نهيه و ~~هو عليم حكيم فخبره يتضمن أمره و نهيه و فعله يبين حكمته # فالأنبياء إذا أخبروا عنه بكلامه عرف بذلك شهادته وآياته القولية و لابد ~~أن يعرف صدق الأنبياء فيما أخبروا عنه و ذلك قد عرفه بآياته التى أيد بها ~~الأنبياء و دل بها على صدقهم فإنه لم يبعث نبيا إلا بآية تبين صدقه إذ ~~تصديقه بمالا يدل على صدقه غير جائز كما قال @QB@ لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات @QE@ أي بالآيات البينات و قال ^ و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي اليهم فاسألو أهل الذكر ان كنتم تعلمون بالبينات و الزبر و أنزلنا ~~اليك الذكر تبين للناس ما نزل اليهم و لعلهم يتفكرون ^ و قال ( قل قد جاءكم ~~رسل من قبلي بالبينات و بالذي قلتم ) و قال ( فقد كذب رسل من قبلك جاءوا ~~بالبينات و الزبر و الكتاب المنير ) # وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه و سلم ~~أنه قال ( ما من نبى من الأنبياء إلا و قد اوتى من الآيات ما آمن على مثله ~~البشر و إنما كان الذي أوتيته و حيا أوحاه الله إلي PageV14P188 فأرجو أن ~~أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ( # فالآيات و البراهين التى أرسل بها الرسل دلالات الله على صدقهم دل بها ~~العباد و هي شهادة الله بصدقهم فيما ms0716 بلغوا عنه و الذي بلغوه فيه شهادته ~~لنفسه فيما أخبر به و لهذا قال بعض النظار أن المعجزة تصديق الرسول و هي ~~تجري مجرى المرسل صدقت فهي تصديق بالفعل تجري مجرى التصديق بالقول إذ كان ~~الناس لايسمعون كلام الله المرسل منه وتصديقه إخبار بصدقه و شهادة له ~~بالصدق و شهادة له بأنه أرسله و شهادة له بأن كلما يبلغه عنه كلامه # وهو سبحانه إسمه المؤمن و هو في أحد التفسيرين المصدق الذي يصدق أنبياءه ~~فيما أخبروا عنه بالدلائل التى دل بها على صدقه # وأما الطريق العياني فهو أن يرى العباد من الآيات الافقية و النفسية ما ~~يبين لهم أن الوحي الذي بلغته الرسل عن الله حق كما قال تعالى ( سنريهم ~~آياتنا فى الآفاق و فى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه ~~على كل شيء شهيد ) أي أولم يكف بشهادته المخبرة بما علمه و هوالوحي الذي ~~أخبر به الرسول فان الله على كل شيء شهيد و عليم به فاذا أخبر به و شهد كان ~~ذلك كافيا و ان لم يرى PageV14P189 المشهود به و شهادته قد علمت بالآيات ~~التى دل بها على صدق الرسول فالعالم بهذه الطريق لا يحتاج أن ينظر الآيات ~~المشاهدة التى تدل على أن القرآن حق بل قد يعلم ذلك بما علم به أن الرسول ~~صادق فيما أخبر به عن شهادة الله تعالى وكلامه # وكذلك ذكر الكتاب المنزل فقال ^ و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هي ~~أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) الآيات إلى قوله ( إلا الظالمون ) فبين أن ~~القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم فانه من أعظم الآيات البينة ~~الدالة على صدق من جاء به و قد اجتمع فيه من الآيات مالم يجتمع فى غيره ~~فانه هوالدعوة و الحجة و هوالدليل و المدلول عليه و الحكم و هوالدعوى ~~وهوالبينة على الدعوى و هو الشاهد و المشهود به # وقوله ^ فى صدور الذين أوتوا العلم ^ سواء أريد به أنه بين فى صدورهم ~~أوأنه محفوظ ms0717 في صدورهم أوأريد به الأمران و هوالصواب فانه محفوظ فى صدور ~~العلماء بين في صدورهم يعلمون أنه حق كما قال ( و يرى الذين أوتوا العلم ~~الذى أنزل اليك من ربك هوالحق ) و قال ( أفمن يعلم أنما أنزل اليك من ربك ~~هوالحق كمن هوأعمى ) ( و ليعلم الذين أوتوا العلم انه الحق من ربك ~~PageV14P190 فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم و ان الله لهاد الذين آمنوا إلى ~~صراط مستقيم ^ # وقال تعالى ^ و قالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله ~~و إنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ~~ذلك لرحمة و ذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بينى و بينكم شهيدا يعلم ما فى ~~السموات و الأرض و الذين آمنوا بالباطل و كفروا بالله أولئك هم الخاسرون ) ~~فيها بيان ما يوجب السعادة للمؤمنين و ينجيهم من العذاب # ثم قال ( قل كفى بالله بيني و بينكم شهيدا يعلم ما فى السموات و الأرض ) ~~فانه إذا كان عالما بالأشياء كانت شهادته بعلم و قد بين شهادته بالآيات ~~الدالة على صدق الرسول و منها القرآن و الله أعلم $ فصل # وأما كونه سبحانه صادقا فهذا معلوم بالفطرة الضرورية لكل أحد فان الكذب ~~من أبغض الصفات عند بني آدم فهو سبحانه منزه عن PageV14P191 ذلك و كل إنسان ~~محمود يتنزه عن ذلك فان كل أحد يذم الكذب فهو وصف ذم على الاطلاق # وأما عدم علم الانسان ببعض الاشياء فهذا من لوازم المخلوق و لا يحيط علما ~~بكل شيء إلا الله فلم يكن عدم العلم عند الناس نقصا كالكذب فلهذا يبين الرب ~~علمه بما يشهد به و أنه أصدق حديثا من كل أحد و أحسن حكما و أصدق قيلا لأنه ~~سبحانه أحق بصفات الكمال من كل أحد ( و له المثل الأعلى فى السموات و الأرض ~~) و هو يقول الحق و هو يهدي السبيل و هو سبحانه يتكلم بمشيئته و قدرته # و ( من عنده علم الكتاب ) و هم أهل ms0718 الكتاب فهم يشهدون بما جاءت به ~~الأنبياء قبل محمد فيشهدون أنهم أتوا بمثل ما أتى به كالأمر بعبادة الله و ~~حده و النهي عن الشرك و الاخبار بيوم القيامة و الشرائع الكلية ويشهدون ~~أيضا بما في كتبهم من ذكر صفاته ورسالته وكتابه و هذان الطريقان بهما تثبت ~~نبوة النبى و هي الآيات و البراهين الدالة على صدقه أو شهادة نبى آخر قد ~~علم صدقه له بالنبوة # فذكر هذين النوعين بقوله ^ قل كفى بالله شهيدا بيني و بينكم PageV14P192 ~~و من عنده علم الكتاب ^ فتلك يعلم بها صدقه بالنظر العقلى فى آياته و ~~براهينه و هذه يعلم بها صدقه بالخبر السمعي المنقول عن الأنبياء قبله # وكذلك قوله ^ قل أي شيء اكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم ^ فقوله ^ ~~قل الله ^ فيها وجهان # قيل هو جواب السائل و قوله ^ شهيد ^ خبر مبتدا أي هو شهيد # وقيل هو مبتدا و قوله ( شهيد ) خبره فأغنى ذلك عن جواب الاستفهام و ( ~~الأول ( على قراءة من يقف على قوله ( قل الله ) و ( الثانى ( على قراءة من ~~لايقف و كلاهما صحيح لكن الثانى أحسن و هو أتم وكل أحد يعلم أن الله أكبر ~~شهادة فلما قال ^ قل أي شيء أكبر شهادة ^ علم أن الله أكبر شهادة من كل شيء ~~فقيل له ( قل الله شهيد بينى و بينكم ) و لما قال ^ الله شهيد بينى بينكم ^ ~~كان فى هذا ما يغني عن قوله أن الله أكبر شهادة و ذلك أن كون الله اكبر ~~شهادة هو معلوم و لا يثبت بمجرد قوله ^ اكبر شهادة ^ PageV14P193 بخلاف ~~كونه شهيدا بينه و بينهم فان هذا مما يعلم بالنص و الاستدلال فينظر هل شهد ~~الله بصدقه و كذبهم فى تكذيبه أم شهد بكذبه و صدقهم في تكذيبه و إذا نظر فى ~~ذلك علم أن الله شهد بصدقه و كذبهم بالنوعين من الآيات بكلامه الذي أنزله و ~~بما بين أنه رسول صادق ولهذا أعقبه بقوله ( و أوحي إلى هذا القرآن لأنذركم ~~به و من بلغ ms0719 ) فإن هذا القرآن فيه الانذار و هو آية شهد بها أنه صادق و ~~بالآيات التى يظهرها فى الآفاق و فى الأنفس حتى يتبين لهم أن القرآن حق ~~روقوله فى هذه الآية ^ قل الله شهيد بيني و بينكم ^ و كذلك قوله ^ قل كفى ~~بالله شهيدا بيني و بينكم ^ و كذلك قوله ^ قل كفى بالله بيني و بينكم شهيدا ~~^ و كذلك قوله ^ هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بينى و بينكم ^ فذكر ~~سبحانه أنه شهيد بينه و بينهم و لم يقل شاهد علينا و لا شاهد لي لأنه ضمن ~~الشهادة الحكم فهو شهيد يحكم بشهادته بيني و بينكم و الحكم قدر زائد على ~~مجرد الشهادة فان الشاهد قد يؤدي الشهادة و أما الحاكم فإنه يحكم بالحق ~~للمحق على المبطل و يأخذ حقه منه و يعامل المحق بما يستحقه و المبطل بما ~~يستحقه PageV14P194 # وهكذا شهادة الله بين الرسول و متبعيه و بين مكذبيه فانها تتضمن حكم الله ~~للرسول و أتباعه يحكم بما يظهره من الآيات الدالة على صدق الرسول على أنها ~~الحق و تلك الآيات أنواع متعددة ويحكم له أيضا بالنجاة و النصر و التأييد و ~~سعادة الدنيا و الآخرة و لمكذبيه بالهلاك و العذاب و شقاء الدنيا و الآخرة ~~كما قال تعالى ^ هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين ~~كله ^ فيظهره بالدلائل و الآيات العلمية التى تبين أنه حق و يظهره أيضا ~~بنصره و تأييده على مخالفيه و يكون منصورا كما قال تعالى ^ لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط و ~~أنزلنا الحديد فيه بأس شديد ^ فهذه شهادة حكم كما قدمنا ذلك فى قوله ^ شهد ~~الله # قال مجاهد والفراء و أبو عبيدة ( شهد الله ) أي حكم و قضى لكن الحكم فى ~~قوله ( بيني و بينكم ) أظهر و قد يقول الانسان لآخر فلان شاهد بينى و بينك ~~أي يتحمل الشهادة بما بيننا فالله يشهد بما أنزله و يقوله و هذا مثل ms0720 ~~الشهادة على أعمال العباد و لكن المكذبون ما كانوا ينكرون التكذيب و لا ~~كانوا يتهمون الرسول بأنه ينكر دعوى الرسالة فيكون الشهيد بتضمن الحكم أثبت ~~و أشبه بالقرآن و الله أعلم PageV14P195 $ فصل وكذلك قوله ^ لكن الله يشهد ~~بما أنزل اليك أنزله بعلمه و الملائكة يشهدون و كفى بالله شهيدا ^ فان ~~شهادته بما أنزل اليه هي شهادته بأن الله أنزله منه و أنه أنزله بعلمه فما ~~فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ليس خبرا عمن دونه و هذا كقوله @QB@ فإن ~~لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله @QE@ و ليس معنى مجرد كونه ~~أنزله أنه هو معلوم له فان جميع الأشياء معلومه له و ليس فى ذلك مايدل على ~~أنها حق لكن المعنى أنزله فيه علمه كما يقال فلان يتكلم بعلم و يقول بعلم ~~فهو سبحانه أنزله بعلمه كما قال ( قل أنزله الذي يعلم السر في السموات و ~~الأرض ) و لم يقل تكلم به بعلمه لأن ذلك لا يتضمن نزوله إلى الأرض اذا قال ~~( أنزله بعلمه ) تضمن أن القرآن المنزل إلى الأرض فيه علم الله كما قال ( ~~فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) و ذلك يتضمن أنه كلام الله نفسه ~~منه نزل و لم ينزل من عند غيره لأن غير الله لا يعلم ما فى نفس الله من ~~العلم و نفسه هي ذاته PageV14P196 المقدسة إلا أن يعلمه الله بذلك كما قال ~~المسيح عليه السلام ( تعلم مافى نفسي و لا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام ~~الغيوب ) و قالت الملائكة ( لا علم لنا إلا ماعلمتنا ) و قال ( و لا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء ) و قال ( فلا يظهرر على غيبه أحد الا من ارتضى ~~من رسول ) فغيبه الذي اختص به لا يظهر عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول و ~~الملائكة لا يعلمون غيب الرب الذي اختص به و أما ما أظهره لعباده فانه ~~يعلمه من شاء و ما تتحدث به الملائكة فقد تسترق ms0721 الشياطين بعضه لكن هذا ليس ~~من غيبه و علم نفسه الذي يختص به بل هذا قد أظهر عليه من شاء من خلقه و هو ~~سبحانه قال ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ) فشهد أنه أنزله ~~بعلمه بالآيات و البراهين التى تدل على أنه كلامه و أن الرسول صادق # وكذلك قال فى هود ^ فائتوا بعشر سور مثله مفتريات و ادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين ^ لما تحداهم بالاتيان بمثله في قوله ^ فاليأتوا ~~بحديث مثله ^ ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا عن ذا و ذاك ثم ~~تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا فان الخلائق لا يمكنهم أن يأتوا بمثله و ~~لا بسورة مثله و إذا كان PageV14P197 الخلق كلهم عاجزين عن الاتيان بسورة ~~مثله و محمد منهم علم أنه منزل من الله نزله بعلمه لم ينزله بعلم مخلوق فما ~~فيه من الخبر فهو خبر عن علم الله # وقوله ^ قل أنزله الذي يعلم السر فى السموات و الأرض ^ لأن فيه ( من ) ~~الأسرار التى لايعلمها الا الله ما يدل على أن الله أنزله فذكره ذلك يستدل ~~به تارة على أنه حق منزل من الله لكن تضمن من الاخبار عن أسرار السموات و ~~الأرض و الدنيا و الأولين و الآخرين و سر الغيب مالا يعلمه الا الله فمن ~~هنا نستدل بعلمنا بصدق أخباره أنه من الله # و إذا ثبت أنه أنزله بعلمه تعالى استدللنا بذلك على أن خبره حق و إذا كان ~~خبرا بعلم الله فما فيه من الخبر يستدل به عن الأنبياء و أممهم و تارة عن ~~يوم القيامة و ما فيها و الخبر الذي يستدل به لابد أن نعلم صحته من غير ~~جهته و ذلك كاخباره بالمستقبلات فوقعت كما أخبر و كأخباره بالأمم الماضية ~~بما يوافق ماعند أهل الكتاب من غير تعلم منهم و إخباره بأمور هي سر عند ~~أصحابها كما قال @QB@ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا @QE@ إلى قوله ~~@QB@ نبأني العليم الخبير @QE@ فقوله ^ أنزله الذي ms0722 يعلم السر فى السموات و ~~الأرض ^ استدلال باخباره و لهذا ذكره تكذيبا لمن قال هو ^ إفك افتراه و ~~أعانه PageV14P198 عليه قوم آخرون ^ و قوله ^ أنزله ^ استدلال على أنه حق و ~~أن الخبر الذي فيه عن الله حق و لهذا ذكر ذلك بعد ثبوت التحدي و ظهور عجز ~~الخلق عن الاتيان بمثله $ فصل # ومن شهادته ما يجعله في القلوب من العلم و ما تنطق به الألسن من ذلك كما ~~في الصحيح أن النبى صلى الله عليه و سلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا ~~فقال ( وجبت وجبت ) و مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال ( و جبت و جبت ~~( قالوا يارسول الله ما قولك و جبت و جبت قال ( هذه الجنازة أثنيقم عليها ~~خيرا فقلت وجبت لها الجنة و هذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها ~~النار أنتم شهداء الله فى الأرض ^ فقوله ^ شهداء الله ^ أضافهم إلى الله ~~تعالى # و الشهادة تضاف تارة إلى من يشهد له و إلى من يشهد عنده فتقبل شهادته كما ~~يقال شهود القاضي و شهود السلطان و نحو ذلك من الذين تقبل شهادتهم و قد ~~يدخل فى ذلك من يشهد عليه بما تحمله PageV14P199 من الشهادة ليؤديها عند ~~غيره كالذين يشهد الناس عليهم بعقودهم أو أقاريرهم # فشهداء الله الذين يشهدون له بما جعله و فعله و يؤدون الشهادة عنه فانهم ~~إذا رأوا من جعله الله برا تقيا يشهدون أن الله جعله كذلك و يؤدون عنه ~~الشهادة فهم شهداء الله فى الأرض و هو سبحانه الذي أشهدهم بأن جعلهم يعلمون ~~ما يشهدون به و ينطقون به و إعلامه لهم بذلك هو شهادة منه بذلك فهذا أيضا ~~من شهادته # وقد قال تعالى ^ لهم البشرى فى الحياة الدنيا و في الآخرة ^ و فسر النبى ~~صلى الله عليه و سلم البشرى بالرؤيا الصالحة و فسرها بثناء الناس و حمدهم و ~~البشرى خبر بما يسر و الخبر شهادة بالبشرى من شهادة الله تعالى و الله ~~سبحانه أعلم PageV14P200 # و سئل رحمه الله ms0723 # عن قوله تعالى ^ و من دخله كان آمنا ^ # المراد به أمنه عند الموت من الكفر عند عرض الأديان أم المراد به إذا ~~أحدث حدثا لا يقتص منه ما دام فى الحرم # فأجاب التفسير المعروف فى أن الله جعل الحرم بلدا آمنا قدرا و شرعا ~~فكانوا فى الجاهلية يسفك بعضهم دماء بعض خارج الحرم فاذا دخلوا الحرم أو ~~لقي الرجل قاتل أبيه لم يهجروا حرمته ففي الاسلام كذلك و أشد # لكن لو أصاب الرجل حدا خارج الحرم ثم لجأ اليه فهل يكون آمنا لا يقام ~~عليه الحد فيه أم لا فيه نزاع و اكثر السلف على أنه يكون آمنا كما نقل عن ~~ابن عمر و ابن عباس و غيرهما و هو مذهب أبي حنيفة و الامام أحمد بن حنبل و ~~غيرهما # وقد استدلوا بهذه الآية و بقول النبى صلى الله عليه و سلم ( ان الله ~~PageV14P201 حرم مكة يوم خلق الله السموات و الأرض و انها لم تحل لأحد قبلي ~~و لا تحل لأحد بعدي و إنما أحلت لي ساعة من نهار و قد عادت حرمتها فان أحد ~~ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقولوا إنما أحلها الله لرسوله و ~~لم يحلها لك ( # ومعلوم أن الرسول إنما أبيح له فيها دم من كان مباحا فى الحل و قد بين ان ~~ذلك أبيح له دون غيره # والمراد بقوله ( و من دخله ) الحرم كله # وأما عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض و من لم يحج خيف ~~عليه الموت على غير الاسلام كما جاء في الحديث ( من ملك زادا و راحلة تبلغه ~~إلى بيت الله ثم لم يحج فليمت ان شاء يهوديا أو نصرانيا ( و الله أعلم ~~PageV14P202 # وللشيخ رحمه الله # في قوله تعالى ^ إنما ذلكم الشيطان يخو ف أولياءه فلا تخافوهم و خافون ان ~~كنتم مؤمنين ^ هذا هو الصواب الذي عليه جمهور المفسرين كابن عباس و سعيد بن ~~جبير و عكرمة و النخعي و أهل اللغة كالفراء و ms0724 ابن قتيبة و الزجاج وابن ~~الأنباري و عبارة الفراء يخوفكم بأوليائه كما قال @QB@ لينذر بأسا شديدا من ~~لدنه @QE@ ببأس شديد و قوله @QB@ لينذر يوم التلاق @QE@ و عبارة الزجاج ~~يخوفكم من أوليائه # قال ابن الأنباري و الذي نختاره فى الآية يخوفكم أولياءه تقول العرب ~~أعطيت الأموال أي أعطيت القوم الأموال فيحذفون المفعول الأول و يقتصرون على ~~ذكر الثاني و هذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفا مطلقا ليس له في ~~تخويف ناس بناس ضرورة فحذف الأول ليس مقصودا و هذا يسمى حذف اختصار كما ~~يقال فلان يعطى الأموال و الدراهم # وقد قال بعض المفسرين يخوف أولياءه المنافقين و نقل هذا PageV14P203 عن ~~الحسن و السدى و هذا له وجه سنذكره لكن الأول أظهر لأن الآية إنما نزلت ~~بسبب تخويفهم من الكفار كما قال قبلها @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا @QE@ الآيات ثم قال ^ فلا تخافوهم و ~~خافون إن كنتم مؤمنين ^ فهي انما نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس و قد قال ~~^ يخوف أولياء 6 ه ثم قال ^ فلا تخافوهم ^ و الضمير عائد إلى أولياء ~~الشيطان الذين قال فيهم ^ فاخشوهم ^ قبلها واما ذلك القول فالذي قاله فسرها ~~من جهة المعنى و هو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه بالمؤمنين لأن سلطانه على ~~أوليائه بخوف يدخل عليهم المخاوف دائما فالمخاوف منصبة اليهم محيطة بقولهم ~~و ان كانوا ذوي هيئات و عدد و عدد فلا تخافوهم # وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوفهم الكفار أو انهم أرادوا ~~المفعول الأول أي يخوف المنافقين أولياءه و الا فهو يخوف الكفار كما يخوف ~~المنافقين و لو أنه أريد أنه يخوف أولياء أي يجعلهم خائفين لم يكن للضمير ~~ما يعود عليه و هو قوله ^ فلا تخافوهم ^ # وأيضا فهذا فيه نظر فان الشيطان يعد أولياءه و يمنيهم كما قال ~~PageV14P204 تعالى و إذا زين لهم الشيطان أعمالهم و قال لا غالب لكم اليوم ~~من الناس و إنى جار لكم ^ و قال تعالى ^ يعدهم و يمنيهم ms0725 و ما يعدهم الشيطان ~~الا غرورا ^ # و لكن الكفار يلقي الله في فلوبهم الرعب من المؤمنين و الشيطان لا يختار ~~ذلك قال تعالى ^ لأنتم أشد رهبة فى صدورهم من الله ^ و قال ^ إذ يوحى ربك ~~إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب ~~^ و قال ^ سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ^ و في حديث ~~قرطبة أن جبريل قال ^ اني ذاهب اليهم فمزلزل بهم الحصن ^ فتخويف الكفار و ~~المنافقين و ارعابهم هو من الله نصرة للمؤمنين # ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا ~~الاسلام فهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين و إنما يخاف من الكفار ~~المنافقون بتخويف الشيطان لهم كما قال تعالى ( و يحلفون بالله انهم لمنكم و ~~ما هم منكم و لكنهم قوم يفرقون ) و قال تعالى ( فاذا جاء الخوف رأيتهم ~~ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ) الآيات إلى قوله ( ~~يودوا لو أنهم بادون فى الاعراب يسألون عن أنبائكم ) فكلا القولين صحيح من ~~حيث المعنى لكن لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين كما ~~دل عليه سياق PageV14P205 الآية و لفظها و الله أعلم # وإذا جعلهم الشيطان مخوفين فانما يخافهم من خوفه الشيطان منهم فجعله ~~خائفا # فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين و يجعل ناسا خائفين منهم ~~و دلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان و لا يخاف ~~الناس كما قال تعالى ^ فلا تخشوا الناس و اخشون ^ بل يجب عليه أن يخاف الله ~~فخوف الله أمر به و خوف الشيطان و أوليائه نهى عنه وقال تعالى ^ لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة و إلا الذين ظلموا منهم فلا يخشوهم و اخشون ^ فنهى عن خشية ~~الظالم و أمر بخشيته و الذين يبلغون رسالات الله يخشونه و لا يخشون أحدا ~~إلا الله و قال @QB@ فإياي فارهبون @QE@ و بعض الناس يقول يارب اني أخافك و ~~أخاف من لا يخافك و ms0726 هذا كلام ساقط لا يجوز بل على العبد أن يخاف الله و حده ~~و لا يخاف أحدا لا من يخاف الله و لا من لا يخاف الله فان من لا يخاف الله ~~أخس و أذل أن يخاف فانه ظالم و هو من أولياء الشيطان فالخوف منه قد نهى ~~الله عنه و الله أعلم PageV14P206 # وقال شيخ الاسلام # فى الكلام على قوله تعالى ^ و يريدوا الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما ) ^ فذكر ما يتعلق بشهوات الآدميين من سائر ما تشتهيه أنفسهم ~~حتى النساء و المردان و قال العبد يجب عليه إذا وقع فى شيء من ذلك أن يجاهد ~~نفسه و هواه و تكون مجاهدته لله تعالى وحده # ثم قال و ميل النفس إلى النساء عام فى طبع جميع بني آدم و قد يبتلي كثير ~~منهم بالميل إلى الذكران كالمردان و ان لم يكن يفعل الفاحشة الكبرى كان بما ~~هو دون ذلك من المباشرة و ان لم تكن كان بالنظر و يحصل للنفس بذلك ما هو ~~معروف عند الناس # وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه فإذا ابتلى المسلم ببعض ذلك ~~كان عليه أن يجاهد نفسه فى طاعة الله تعالى و هو مأمور بهذا الجهاد و ليس ~~هو أمرا حرمه على نفسه فيكون في طاعة نفسه و هواه بل هو أمر حرمة الله و ~~رسوله و لا حيلة فيه فتكون المجاهدة للنفس فى طاعة الله و رسوله ~~PageV14P207 # روفي حديث أبى يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا ( من عشق فعف و ~~كتم و صبر ثم مات فهو شهيد ( و أبو يحيى فى حديثه نظر لكن المعنى الذي ذكر ~~فيه دل عليه الكتاب و السنة فان الله أمره بالتقوى و الصبر فمن التقوى أن ~~يعف عن كل ما حرم الله من نظر بعين و من لفظ بلسان و من حركة بيد و رجل و ~~الصبر أن يصبر عن شكوى به إلى غير الله فان هذا هو الصبر الجميل # وأما الكتمان ms0727 فيراد به شيئان # ( أحدهما ( أن يكتم بثه و ألمه و لا يشكو إلى غير الله فمتى شكى إلى غير ~~الله نقص صبره و هذا أعلى الكتمانين لكن هذا لا يصبر عليه كل أحد بل كثير ~~من الناس يشكو ما به و هذا على و جهين فان شكى ذلك إلى طبيب يعرف طب النفوس ~~ليعالج نفسه بعلاج الايمان فهو بمنزلة المستفتى و هذا حسن و ان شكى إلى من ~~يعينه على المحرم فهذا حرام و ان شكا إلى غيره لما فى الشكوى من الراحة كما ~~أن المصاب يشكي مصيبته إلى الناس من غير ان يقصد تعلم ما ينفعه و لا ~~الاستعانة على معصية فهذا ينقص صبره لكن لا يأثم مطلقا الا إذا اقترن به ما ~~يحرم كالمصاب الذي يتسخط # و ( الثاني ( ان يكتم ذلك فلا يتحدث به مع الناس لما فى ذلك PageV14P208 ~~من إظهار السوء و الفاحشة فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت و تشهت و تمنت ~~و تتيمت و الانسان متى رأى أو سمع أو تخيل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعيا ~~له إلى الفعل و النساء متى رأين البهائم تنزوا الذكور منها على الاناث ملن ~~إلى الباءة و المجامعة و الرجل إذا سمع من يفعل مع المردان و النساء أو رأى ~~ذلك أو تخيله فى نفسه دعاه ذلك إلى الفعل و إذا ذكر الانسان طعاما اشتهاه و ~~مال اليه و ان وصف له ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو غير ذلك مالت ~~نفسه اليه و الغريب عن وطنه متى ذكر بالوطن حن اليه # فكلما كان فى نفس الانسان محبته إذا تصوره تحركت المحبة و الطلب إلى ذلك ~~المحبوب المطلوب و إما إلى وصفه و إما إلى مشاهدته وكلاهما يحصل به تخيل في ~~النفس و قد يحصل التخيل بالسماع و الرؤية أو التفكر فى بعض الأمور المتعلقة ~~به فاذا تخيلت النفس تلك الأمور المتعلقة انقلبت إلى تخيلة أخرى فتحركت ~~داعية المحبة سواء كانت المحبة محمودة ms0728 أو مذمومة # ولهذا تتحرك النفوس إلى الحج اذا ذكر الحجاز و تتحرك بذكر الأبرق و ~~الأجرع و العلى و نحو ذلك لأنه رأى تلك المنازل 2 لما كان ذاهبا إلى ~~المحبوب فصار ذكرها يذكر المحبوب و كذلك إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه و ~~سلم تذكر به و تحركت PageV14P209 # محبته فالمبتلى بالفاحشة و العشق إذا ذكر ما به لغيره تحركت النفوس إلى ~~جنس ذلك لأن النفوس مجبولة على حب الصور الجميلة فإذا تصورت جنس ذلك تحركت ~~إلى المحبوب و لهذا نهى الله عن إشاعة الفاحشة PageV14P210 # وسئل الشيخ رحمه الله عن قوله تعالى ^ و اللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن و ~~اهجروهن فى المضاجع و اضربوهن ^ و قوله تعالى ^ و إذا قيل انشزوا فانشزوا ^ ~~إلى قوله تعالى ^ و الله بما تعلمون خبير ^ يبين لنا شيخنا هذا النشوز من ~~ذاك # فأجاب الحمد لله رب العالمين ^ النشوز ^ فى قوله تعالى ^ تخافون نشوزهن ~~فعظوهن و اهجروهن فى المضاجع ^ هو أن تنشز عن زوجها فتنفر عنه بحيث لا ~~تطيعه إذا دعاها للفراش أو تخرج من منزله بغير اذنه و نحو ذلك مما فيه ~~امتناع عما يجب عليها من طاعته # و أما النشوز فى قوله @QB@ إذا قيل انشزوا فانشزوا @QE@ فهو النهوض و ~~القيام و الارتفاع و أصل هذه المادة هو الارتفاع و الغلظ و منه النشز من ~~الأرض و هو المكان المرتفع الغليظ و منه قوله تعالى ( و انظر إلى العظام ~~كيف ننشزها ) أي نرفع بعضها إلى بعض و من قرأ ( ننشرها ) أراد نحييها فسمى ~~المرأة العاصية ناشزا لما فيها من الغلظ و الارتفاع عن طاعة زوجها و سمى ~~النهوض نشوزا لأن القاعد يرتفع عن الأرض و الله أعلم PageV14P211 # قال $ فصل # قوله تعالى ^ إن الله لا يجب من كان مختالا فخورا الذين يبخلون و يأمرون ~~الناس بالبخل ^ فى النساء و فى الحديد أنه ^ لايحب كل مختال فخور الذين ~~يبخلون و يأمرون الناس بالبخل ^ قد تؤولت فى البخل بالمال و المنع و البخل ~~بالعلم و نحوه و هي ms0729 تعم البخل بكل ما ينفع فى الدين و الدنيا من علم و مال ~~و غير ذلك كما تأولوا قوله ^ و مما رزقناهم ينفقون ^ النفقة من المال و ~~النفقة من العلم و قال معاذ فى العلم تعلمه لمن لا يعلمه صدقه و قال أبو ~~الدرداء ماتصدق رجل بصدقه أفضل من موعظة يعظ بها جماعة فيتفرقون و قد نفعهم ~~الله بها أو كما قال و فى الأثر نعمة العطية و نعمت الهدية الكلمة من الخبر ~~يسمعها الرجل ثم يهديها إلى أخ له أو كما قال # وهذه صدقة الأنبياء و ورثتهم العلماء و لهذا كان الله و ملائكته و حيتان ~~البحر و طير الهواء يصلون على معلم الناس الخير كما أن PageV14P212 كاتم ~~العلم يلعنه الله و يلعنه اللاعنون و بسط هذا كثير فى فضل بيان العلم و ذم ~~ضده # والغرض هنا أن الله يبغض المختال الفخور البخيل به فالبخيل به الذي منعه ~~و المختال إما أن يختال فلا يطلبه و لا يقبله و اما ان يختال على بعض الناس ~~فلا يبذله و هذا كثيرا ما يقع عند بعض الناس أنه يبخل بما عنده من العلم و ~~يختال به و أنه يختال عن أن يتعدى من غيره و ضد ذلك التواضع فى طلبه و بذله ~~و التكرم بذلك PageV14P213 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله $ فصل # قد كتبنا في غير موضع الكلام على جمع الله تعالى بين الخيلاء و الفخر و ~~بين البخل كما فى قوله ^ إن الله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون و ~~يأمرون الناس بالبخل ^ في النساء و الحديد و ضد ذلك الاعطاء و التقوى ~~المتضمنة للتواضع كما قال ^ فأما من أعطى و اتقى ^ و قال ^ إن الله مع ~~الذين اتقوا و الذين هم محسنون ^ و هذان الأصلان هما جماع الدين العام كما ~~يقال التعظيم لأمر الله و الرحمة لعباد الله # فالتعظيم لأمر الله يكون بالخشوع و التواضع و ذلك اصل التقوى و الرحمة ~~لعباد الله بالاحسان إليهم و هذان هما حقيقة ms0730 الصلاة و الزكاة فان الصلاة ~~متضمنة للخشوع لله و العبودية له و التواضع له و الذل له و ذلك كله مضاد ~~للخيلاء و الفخر و الكبر و الزكاة متضمنه لنفع الخلق و الاحسان إليهم و ذلك ~~مضاد للبخل PageV14P214 # ولهذا و غيره كثر القرآن بين الصلاة و الزكاة في كتاب الله # وقد ذكرنا فيما تقدم أن الصلاة بالمعنى العام تتضمن كل ما كان ذكرا لله ~~أو دعاء له كما قال عبد الله بن مسعود ما دمت تذكر الله فأنت فى صلاة و لو ~~كنت فى السوق و هذا المعنى و هو دعاء الله أي قصده و التوجه إليه المتضمن ~~ذكره على وجه الخشوع والخضوع هو حقيقة الصلاة الموجودة في جميع موارد اسم ~~الصلاة كصلاة القائم و القاعد و المضطجع و القارىء و الأمي و الناطق و ~~الأخرس و ان تنوعت حركاتها و ألفاظها فإن اطلاق لفظ الصلاة على مواردها هو ~~بالتواطئ المنافى للاشتراك و المجاز و هذا مبسوط في غير هذا الموضع # إذ من الناس من ادعى فيها الاشتراك و منهم من ادعى المجاز بناء على كونها ~~منقولة من المعنى اللغوي أو مزيدة أو على غير ذلك و ليس الأمر كذلك بل اسم ~~الجنس العام المتواطئ المطلق إذا دل على نوع أو عين كقولك هذا الانسان و ~~هذا الحيوان أو قولك هات الحيوان الذي عندك و هى غنم فهنا اللفظ قد دل على ~~شيئين على المعنى المشترك الموجود في جميع الموارد و على ما يختص به هذا ~~النوع أو العين فاللفظ المشترك الموجود فى جميع التصاريف على القدر المشترك ~~و ما قرن باللفظ من لام التعريف مثلا أو غيرها دل على الخصوص و التعيين كما ~~أن المعنى الكلى المطلق لا و جود له فى PageV14P215 الخارج فكذلك لا يوجد ~~في الاستعمال لفظ مطلق مجرد عن جميع الأمور المعينة # فان الكلام انما يفيد بعد العقد و التركيب و ذلك تقييد و تخصيص كقولك ~~اكرم الانسان أو الانسان خير من الفرس و مثله قوله ms0731 ^ أقم الصلاة ^ و نحو ~~ذلك و من هنا غلط كثير من الناس فى المعانى الكلية حيث ظنوا و جودها في ~~الخارج مجردة عن القيود و في اللفظ المتواطىء حيث ظنوا تجرده فى الاستعمال ~~عن القيود و التحقيق أنه لايوجد المعنى الكلي المطلق فى الخارج إلا معينا ~~مقيدا و لا يوجد اللفظ الدال عليه فى الاستعمال إلا مقيدا مخصصا و إذا قدر ~~المعنى مجردا كان محله الذهن و حينئذ يقدر له لفظ مجرد غير موجود فى ~~الاستعمال مجردا # و ( المقصود هنا ( أن اسم الصلاة فيه عموم و اطلاق و لكن لا يستعمل الا ~~مقرونا بقيد إنما يختص ببعض موارده كصلواتنا و صلاة الملائكة و الصلاة من ~~الله سبحانه و تعالى و انما يغلط الناس في مثل هذا حيث يظنون أن صلاة هذا ~~الصنف مثل صلاة هذا مع علمهم بان هذا ليس مثل هذا فإذا لم يكن مثله لم يجب ~~أن تكون صلاته مثل صلاته و ان كان بينهما قدر متشابه كما قد حققنا هذا فى ~~الرد على الاتحادية و الجهمية و المتفلسفة و نحوهم PageV14P216 ومن هذا ~~الباب اسماء الله و صفاته التى يسمى و يوصف العباد بما يشبهها كالحى و ~~العليم و القدير و نحو ذلك # وكذلك اسم الزكاة هو بالمعنى العام كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه و سلم أنه قال كل معروف صدقة و لهذا ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى ~~الله عليه و سلم أنه قال ( على كل مسلم صدقة ( و أما الزكاة المالية ~~المفروضة فانما تجب على بعض المسلمين فى بعض الأوقات و الزكاة المقارنة ~~للصلاة تشاركها في أن كل مسلم عليه صدقة كما قال النبى صلى الله عليه و سلم ~~قالوا فان لم يجد قال ^ يعمل بيده فينفع نفسه و يتصدق ^ قالوا فان لم يستطع ~~قال ^ يعين صانعا أو يصنع لأخرق ^ قالوا فان لم يستطع قال ( يكف نفسه على ~~الشر ) # واما قوله في الحديث الصحيح حديث أبي ذر و غيره ( على كل سلامى من ms0732 احدكم ~~صدقة فكل تسبيحة صدقة و كل تكبيرة صدقة و كل تهليلة صدقة و امر بالمعروف ~~صدقة و نهى عن المنكر صدقة ( فهذا إن شاء الله كتضمن هذه الأعمال نفع ~~الخلائق فانه بمثل هذا العامل يحصل الرزق و النصر و الهدى فيكون ذلك من ~~الصدقة على الخلق # ثم إن هذه الأعمال هي من جنس الصلاة و جنس الصلاة الذي PageV14P217 ينتفع ~~به الغير يتضمن المعنيين الصلاة و الصدقة ألا ترى أن الصلاة على الميت صلاة ~~و صدقة و كذلك كل دعاء للغير و استغفار مع أن الدعاء للغير دعاء للنفس أيضا ~~كما قال النبى صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح ( ما من رجل يدعو ~~لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا و كل الله به ملكا كلما دعا له بدعوة قال الملك ~~الموكل به آمين و لك بمثل ( PageV14P218 وقال $ فصل # قول الناس الآدمى جبار ضعيف أو فلان جبار ضعيف فان ضعفه يعود إلى ضعف ~~قواه من قوة العلم والقدرة واما تجبره فانه يعود إلى اعتقاداته واراداته ~~اما اعتقاده فان يتوهم فى نفسه انه أمر عظيم فوق ما هو ولا يكون ذلك وهذا ~~هو الاختيال والخيلاء والمخيلة وهو ان يتخيل عن نفسه ما لا حقيقة له ومما ~~يوجب ذلك مدحه بالباطل نظما ونثرا وطلبه للمدح الباطل فانه يورث هذا ~~الاختيال # واما الارادة فارادة ان يتعظم ويعظم وهو ارادة العلو فى الأرض والفخر على ~~الناس وهو ان يريد من العلو ما لا يصلح له ان يريده وهو الرئاسة والسلطان ~~حتى يبلغ به الأمر إلى مزاحمة الربوبية كفرعون ومزاحمة النبوة وهذا موجود ~~فى جنس العلماء والعباد والامراء وغيرهم PageV14P219 # وكل واحد من الإعتقاد والارادة يستلزم جنس الآخر فان من تخيل انه عظيم ~~اراد ما يليق بذلك الاختيال ومن اراد العلو فى الأرض فلابد ان يتخيل عظمة ~~نفسه وتصغير غيره حتى يطلب ذلك ففى الارادة يتخيله مقصودا وفى الإعتقاد ~~يتخيله موجودا ويطلب توابعه من الارادات # وقد قال الله تعالى @QB@ إن الله لا يحب كل مختال فخور ms0733 @QE@ وقال النبى ( ~~الكبر بطر الحق وغمط الناس ) فالفخر يشبه غمط الناس فان كلاهما تكبر على ~~الناس واما بطر الحق وهو جحده ودفعه فيشبه الاختيال الباطل فانه تخيل ان ~~الحق باطل بجحده # ودفعه ثم هنا وجهان # ( أحدهما ) ان يجعل الاختيال وبطر الحق من باب الاعتقادات وهو ان يجعل ~~الحق باطلا والباطل حقا فيما يتعلق بتعظيم النفس وعلو قدرها فيجحد الحق ~~الذى يخالف هواها وعلوها ويتخيل الباطل الذى يوافق هواها وعلوها ويجعل ~~الفخر وغمط الناس من باب الارادات فان الفاخر يريد ان يرفع نفسه ويضع غيره ~~وكذلك غامط الناس # يؤيد هذا ما رواه مسلم فى صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعى PageV14P220 عن ~~النبى انه قال ( انه اوحى إلى أن تواضعواحتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى ~~أحد على أحد ) فبين ان التواضع المأمور به ضد البغى والفخر وقال فى الخيلاء ~~التى يبغضها الله ( الاختيال فى الفخر والبغى ( فكان فى ذلك ما دل على أن ~~الاستطالة على الناس ان كانت بغير حق فهى بغى اذ البغى مجاوزة الحد وان ~~كانت بحق فهى الفخر لكن يقال على هذا البغى يتعلق بالارادة فلا يجوز ان ~~يجعل هو من باب الإعتقاد وقسيمه من باب الارادة بل البغى كانه فى الأعمال ~~والفخر فى الأقوال أو يقال البغى بطر الحق والفخر غمط الناس # ( الوجه الثانى ( ان يكونا جميعا متعلقين بالاعتقاد والارادة لكن الخيلاء ~~غمط الحق يعود إلى الحق فى نفسه الذى هو حق الله وان لم يكن يتعلق به حق ~~آدمى والفخر وغمط الناس يعود إلى حق الآدميين فيكون التنويع لتمييز حق ~~الادميين مما هو حق لله لا يتعلق الادميين بخلاف الشهوة فى حال الزنا واكل ~~مال الغير فلما قال سبحانه ^ ان الله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل ^ والبخل منع النافع قيد هذا بهذا وقد كتبت فيما قبل ~~هذا من التعاليق الكلام فى التواضع والاحسان والكلام فى التكبر والبخل ~~PageV14P221 # وقال شيخ الاسلام # قوله ^ ما اصابك من حسنة فمن الله # الآية بعد قوله ms0734 ^ كل من عند الله ^ لو اقتصر عن الجمع اعرض العاصى عن ذم ~~نفسه والتوبة من الذنب والاستعاذة من شره وقام بقلبه حجة ابليس فلم تزده ~~الا طردا كما زادت المشركين ضلالا حين قالوا ^ لو شاء الله ما أشركنا ^ # ولو اقتصر على الفرق لغابوا عن التوحيد والايمان بالقدر واللجاء إلى الله ~~فى الهداية كما فى خطبته ( الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ( فيشكره ~~ويستعينه على طاعته ويستغفره من معصيته ويحمده على احسانه ثم قال ( ونعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا ( إلى آخره لما استغفر من المعاصى استعاذه من الذنوب ~~التى لم تقع ثم قال ^ ومن سيئات اعمالنا ^ اى ومن عقوباتها ثم قال ^ من يهد ~~الله فلا مضل له ^ الخ شهادة بأنه المتصرف فى خلقه ففيه اثبات القضاء الذى ~~هو نظام التوحيد هذا كله مقدمة بين يدى الشهادتين فانما يتحققان بحمد الله ~~واعانته واستغفاره واللجاء اليه PageV14P222 والايمان باقداره فهذه الخطبة ~~عقد نظام الاسلام والايمان # وقال كون الحسنات من الله والسيئات من النفس له # وجوه ( الاول ( أن النعم تقع بلا كسب # ( الثانى ( أن عمل الحسنات من احسان الله إلى عبده فخلق الحياة وارسل ~~الرسل وحبب اليهم الايمان واذا تدبرت هذا شكرت الله فزادك واذا علمت ان ~~الشر لا يحصل الا من نفسك تبت فزال # ( الثالث ( ان الحسنة تضاعف # ( الرابع ( ان الحسنة يحبها ويرضاها فيحب ان ينعم ويحب ان يطاع ولهذا ~~تأدب العارفون فأضافوا النعم اليه والشر إلى محله كما قال امام الحنفاء ( ~~الذى خلقنى فهو يهدين ) إلى قوله ( واذا مرضت فهو يشفين ) # ( الخامس ( ان الحسنة مضافة اليه لأنه أحسن بها بكل اعتبار واما السيئة ~~فما قدرها الا لحكمة # ( السادس ( ان الحسنات امور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة PageV14P223 ~~لانها اما فعل مامور أو ترك محظور والترك امر وجودى فتركه لما عرف انه ذنب ~~وكراهته له ومنع نفسه منه امور وجودية وانما يثاب على الترك على هذا الوجه # وقد جعل النبى البغض فى الله من اوثق عرى الايمان وهو أصل الترك وجعل ~~المنع لله من كمال الايمان وهو ms0735 اصل الترك وكذلك براءة الخليل من قومه ~~المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا بل صادرا عن بغض وعداوة واما السيئات ~~فمنشأها من الظلم والجهل وفى الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل والا فلو تم ~~العلم بها لم يفعلها فان هذا خاصة العقل وقد يغفل عن هذا كله بقوة وارد ~~الشهوة والغفلة والشهوة اصل الشر كما قال تعالى ( ولا تطع من اغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا واتبع هواه ) الآية # ( السابع ( أن ابتلاءه له بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له و فطر ~~عليه # ( الثامن ( أنما يصيبه من الخير و النعم لاتنحصر أسبابه من إنعام الله ~~عليه فيرجع فى ذلك إلى الله و لايرجو إلا هو فهو يستحق الشكر التام الذي لا ~~يستحقه غيره و انما يستحق من الشكر جزاء على مايسره الله على يديه و لكن لا ~~يبلغ أن يشكر بمعصية الله فانه المنعم بما لايقدر عليه مخلوق و نعم المخلوق ~~PageV14P224 منه أيضا و جزاؤه على الشكر و الكفر لايقدر أحد على مثله # فاذا عرف أن ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها و ما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده ) صار توكله و رجاؤه إلى الله و حده و إذا عرف ما يستحقه ~~من الشكر الذي يستحقه صار له و الشر انحصر سببه فى النفس فعلم من أين يؤتى ~~فتاب و استعان بالله كما قال بعض السلف لا يرجون عبد إلا ربه و لا يخاف إلا ~~ذنبه وقد تقدم قول السلف ابن عباس و غيره انما أصابهم يوم أحد مطلقا كان ~~بذنوبهم لم يستثن أحد و هذا من فوائد تخصيص الخطاب لئلا يظن أنه عام مخصوص # ( التاسع ( أن السيئة إذا كانت من النفس و السيئة خبيثة كما قال تعالى ~~@QB@ الخبيثات للخبيثين @QE@ الآية قال جمهور السلف الكلمات الخبيثات ~~للخبيثين و قال @QB@ ومثل كلمة خبيثة @QE@ و قال @QB@ إليه يصعد الكلم ~~الطيب @QE@ و الأقوال و الأفعال صفات للقائل الفاعل فإذا اتصفت النفس ~~بالخبث فمحلها ما يناسبها فمن أراد أن يجعل الحيات بعاشرن ms0736 الناس كالسنانير ~~لم يصلح بل إذا كان فى النفس خبث طهرت حتى PageV14P225 تصح للجنة كما فى ~~حديث أبي سعيد الذي فى الصحيح و فيه ( حتى إذا هذبوا و نقوا أذن لهم فى ~~دخول الجنة ( # فإذا علم الانسان أن السيئة من نفسه لم يطمع فى السعادة التامة مع ما فيه ~~من الشر بل علم تحقيق قوله @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ @QB@ فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره @QE@ الخ و علم أن الرب عليم حكيم رحيم عدل و أفعاله ~~على قانون العدل و الاحسان كما فى الصحيح ( يمين الله ملآى ( إلى قوله ( و ~~القسط بيده الأخرى ( و علم فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب و العقاب ~~بلا حكمة و لا عدل # إلى أن قال و من سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر و النهي أن يقول كما نقل ~~عن الشاذلي يكون الجمع فى قلبك مشهودا و الفرق على لسانك موجودا كما يوجد ~~في كلامه و كلام غيره أقوال و أدعية تستلزم تعطيل الأمر و النهي مما يوجب ~~أن يجوز عنده أن يجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض و ~~يدعون بأدعية فيها اعتداء كما فى حزب الشاذلي و آخرون من عوامهم يجوزون أن ~~يكرم الله بكرامات الأولياء لمن هو فاجر و كافر و يقولون هذه موهبة و ~~يظنونها من الكرامات و هي من الأحوال الشيطانية التى يكون مثلها للسحرة و ~~الكهان كما قال تعالى ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ) إلى ~~قوله ( هاروت و ماروت ) و صح قوله PageV14P226 ^ لتتبعن سنن من كان قبلكم ^ # فعدل كثير من المنتسبين إلى الاسلام إلى أن نبذ القرآن وراء ظهره و اتبع ~~ما تتلوا الشياطين فلا يعظم أمر القرآن و نهيه ولا يوالي من أمر القرآن ~~بموالاته و لايعادي من أمر القرآن بمعاداته بل يعظم من يأتي ببعض الخوارق # ثم منهم من يعرف أنه من الشياطين لكن يعظمه لهواه و يفضله على طريقة ~~القرآن و هؤلاء كفار قال الله تعالى فيهم ^ ألم ms0737 تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت ^ # قال و فى قوله تعالى @QB@ من نفسك @QE@ من الفوائد أن العبد لا يطمئن إلى ~~نفسه و لا يشتغل بملام الناس و ذمهم بل يسأل الله أن بعينه على طاعته و ~~لهذا كان أنفع الدعاء و أعظمه دعاء الفاتحة و هو محتاج إلى الهدى كل لحظة ~~ويدخل فيه من أنواع الحاجات مالا يمكن حصره و يبينه أن الله سبحانه لم يقص ~~علينا قصة فى القرآن إلا لنعتبر و إنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني ~~بالأول فلولا أن فى النفوس مافي نفوس المكذبين للرسل لم يكن بنا حاجة إلى ~~الاعتبار بمن لا نشبهه قط ولكن الأمر كما قال تعالى ^ مايقال لك إلا ماقد ~~قيل للرسل من قبلك ^ و قوله ^ أتوا صوابه ^ و قوله @QB@ تشابهت قلوبهم @QE@ ~~و لهذا PageV14P227 فى الحديث ( لتسلكن سنن من كان قبلكم # وقد بين القرآن أن السيئات من النفس وأعظم السيئات جحود الخالق و الشرك ~~به و طلب أن يكون شريكا له و كلا هذين # و قع و قال بعضهم ما من نفس إلاوفيها ما في نفس فرعون و ذلك أن الانسان ~~إذا اعتبر و تعرف أحوال الناس رأى ما يبغض نظيره وأتباعه حسدا كما فعلت ~~اليهود لما بعث الله من يدعو إلى مثل ما دعا اليه موسى و لهذا أخبر عنهم ~~بنظير ما أخبر به عن فرعون PageV14P228 # وقال الشيخ الامام العالم العلامة # شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن ~~تيمية الحرانى تغمده الله تعالى برحمته # الحمد لله نحمده و نستعينه و نستهديه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله ~~صلى الله عليه و سلم فصل فى قوله تعالى ^ ماأصابك من حسنة فمن الله و ما ~~أصابك من ms0738 سيئة فمن نفسك ^ و بعض ما تضمنته من الحكم العظيمة # هذه الآية ذكرها الله في سياق الأمر بالجهاد و ذم الناكثين عنه ~~PageV14P229 قال # تعالى ^ ياأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ~~الآيات ^ إلى أن ذكر صلاة الخوف و قد ذكر قبلها طاعة الله و طاعة الرسول و ~~التحاكم إلى الله و إلى الرسول و رد ما تنازع فيه الناس إلى الله و إلى ~~الرسول و ذم الذين يتحاكمون و يردون ما تنازعوا فيه إلى غير الله و الرسول # فكانت تلك الآيات تبيينا للايمان بالله و بالرسول و لهذا قال فيها ^ فلا ~~و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا لايجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت و يسلموا تسليما ^ # وهذا جهاد عما جاء به الرسول و قد قال تعالى ^ إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم فى سبيل الله ^ و ~~قال تعالى ^ قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و ~~أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب اليكم من الله ~~و رسوله و جهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم ~~الفاسقين ^ و قال ^ أجعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله و اليوم الآخر و جاهد فى سبيل الله لايستوون عند الله و الله لايهدي ~~القوم الظالمين الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم و ~~أنفسهم PageV14P230 أعظم درجة عند الله و أولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم ~~برحمة منه و رضوان و جنات الآية ^ وقال تعالى ^ ياأيها الذين آمنوا هل ~~أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون فى ~~سبيل الله بأموالكم و أنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ~~و يدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار و مساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز ~~العظيم و أخرى تحبونها نصر من ms0739 الله و فتح قريب و بشر المؤمنين ياأيها الذين ~~آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني اسرائيل و كفرت ~~طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ^ # وذكر بعد آيات الجهاد إنزال الكتاب على رسول الله ليحكم بين الناس بما ~~أراه الله و نهيه عن ضد ذلك و ذكره فضل الله عليه و رحمته فى حفظه و عصمته ~~من إضلال الناس له و تعليمه مالم يكن يعلم و ذم من شاق الرسول و اتبع غير ~~سبيل المؤمنين و تعظيم أمر الشرك و شديد خطره و أن الله لا يغفره و لكن ~~يغفر ما دونه لمن يشاء إلى أن بين ان أحسن الأديان دين من يعبد الله و حده ~~لايشرك به شيئا بشرط أن تكون عبادته بفعل الحسنات التى شرعها PageV14P231 ~~لا بالبدع و الأهواء و هم أهل ملة إبراهيم الذين اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ~~^ و اتخذ الله إبراهيم خليلا ^ # فكان في الأمر بطاعة الرسول و الجهاد عليها اتباع التوحيد ملة إبراهيم و ~~هو اخلاص الدين لله و ان يعبد الله بما أمر به على ألسن رسله من الحسنات و ~~قد ذكر تعالى فى ضمن آيات الجهاد ذم من يخاف العدو و يطلب الحياة و بين أن ~~ترك الجهاد لايدفع عنهم الموت بل أينما كانوا أدركهم الموت و لو كانوا فى ~~بروج مشيدة فلا ينالون بترك الجهاد منفعة بل لا ينالون إلا خسارة الدنيا و ~~الآخرة فقال تعالى ^ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم و أقيموا الصلاة ~~و آتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله ~~أو أشد خشية و قالوا ربنا لما كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ~~قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى و لا تظلمون فتيلا ^ # وهذا الفريق قد قيل إنهم منافقون و قيل نافقوا لما كتب عليهم القتال و ~~قيل بل ms0740 حصل منهم جبن و فشل فكان فى قلوبهم مرض كما قال تعالى ^ فاذا أنزلت ~~سورة محكمة وذكر فيها القتال PageV14P232 رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون ~~إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة و قول معروف الآية ^ و قال ~~تعالى ^ إذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما و عدنا الله و رسوله ~~إلا غرورا ^ والمعنى متناول لهؤلاء و لهؤلاء و لكل من كان بهذه الحال # ثم قال ^ أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم فى بروج مشيدة و ان تصبهم ~~حسنة يقولوا هذه من عند الله و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا ^ فالضمير فى قوله ^ وان ~~تصبهم ^ يعود إلى من ذكر و هم ^ الذين يخشون الناس ^ أو يعود إلى معلوم و ~~إن لم يذكر كما في مواضع كثيرة # وقد قيل إن هؤلاء كانوا كفارا من اليهود و قيل كانوا منافقين و قيل بل ~~كانوا من هؤلاء و هؤلاء و المعنى يعم كل من كان كذلك و لكن تناوله لمن أظهر ~~الاسلام و أمر بالجهاد أولى # ثم إذا تناول الذم هؤلاء فهو للكفار الذين لايظهرون الاسلام أولى ~~PageV14P233 وأحرى # والذي عليه عامة المفسرين أن ( الحسنة ( 2 و ( السيئة ( يراد بهما النعم ~~و المصائب ليس المراد مجرد ما يفعله الانسان باختياره باعتباره من الحسنات ~~أو السيئات $ فصل # ولفظ ( الحسنات ( و ( السيئات ( فى كتاب الله يتناول هذا و هذا قال الله ~~تعالى عن المنافقين ^ إن تمسسكم حسنة تسؤهم و إن تصبكم سيئة يفرحوا بها و ~~إن تصبروا و تتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ^ و قال تعالى ^ إن تصبك حسنة تسؤهم ~~و إن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل و يتولوا و هم فرحون ) و قال ~~تعالى ^ وبلوناهم بالحسنات و السيئات لعلهم يرجعون ^ و قال تعالى ^ و إذا ~~أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها و ان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فان ~~الانسان كفور ^ و قال تعالى ms0741 في حق الكفار المتطيرين بموسى و من معه ( فاذا ~~جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه و إن تصبهم سيئة يطيروا بموسى و من معه ) ذكر ~~هذا بعد قوله ^ و لقد أخذنا آل فرعون بالسنين و نقص من الثمرات لعلهم ~~يذكرون ^ # وأما الأعمال المأمور بها و المنهى عنها ففي مثل قوله تعالى ^ من ~~PageV14P234 جاء بالحسنة فله خير منها و من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ~~^ و قوله تعالى ^ إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ^ و قوله ~~تعالى ^ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات و كان الله غفورا رحيما # ^ وهنا قال ^ ماأصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ و ~~لم يقل وما فعلت و ما كسبت كما قال ^ و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ^ و قال تعالى ^ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم 2 ببعض ذنوبهم ^ و ~~قال تعالى ^ قل هل تربصون بنا إلاإحدى الحسنيين و نحن نتربص بكم أن يصيبكم ~~الله بعذاب من عنده أوبأيدينا ^ و قال تعالى ^ و لا يزال الذين كفروا ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قربيا من دارهم ^ و قال تعالى ^ فأصابتكم ~~مصيبة الموت ^ و قال تعالى ^ و بشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ~~إنا لله و إنا إليه راجعون # ^ فلهذا كان قول ^ ماأصابك من حسنة ^ و ^ من سيئة ^ متناول لما يصيب ~~الانسان و يأتيه من النعم التى تسره و من المصائب التى تسوءه # فالآية متناولة لهذا قطعا و كذلك قال عامة المفسرين # قال أبو العالية ( إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ) PageV14P235 ~~قال هذه في السراء ( وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) قال و هذه فى ~~الضراء # وقال السدى @QB@ إن تصبهم حسنة @QE@ قالوا و الحسنة الخصب ينتج خيولهم و ~~أنعامهم و مواشيهم و يحسن حالهم و تلد نساؤهم الغلمان ^ قالوا هذه من عند ~~الله وان تصبهم سيئة ^ قالوا و السيئة الضرر فى أموالهم تشائما بمحمد قالوا ~~( هذه من عندك ) يقولون بتركنا ديننا و اتباعنا محمدا أصابنا ms0742 هذا البلاء ~~فأنزل الله @QB@ قل كل من عند الله @QE@ الحسنة و السيئة ( فما لهؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا ^ قال القرآن وقال الوالبى عن ابن عباس ( ما ~~أصابك من حسنة فمن الله ) قال ما فتح الله عليك يوم بدر و كذلك قال الضحاك ~~وقال الوالبي أيضا عن ابن عباس ( من حسنة ( قال ما أصاب من الغنيمة و الفتح ~~فمن الله قال ( و السيئة ( ماأصابه يوم أحد إذ شج في و جهه و كسرت رباعيته ~~و قال أما ( الحسنة ( فأنعم الله بها عليك و أما ( السيئة ( فابتلاك الله ~~بها PageV14P236 و روى أيضا عن حجاج عن عطية عن ابن عباس ( ماأصابك من حسنة ~~فمن الله ( قال هذا يوم بدر ( و ما أصابك من سيئة فمن نفسك قال هذا يوم أحد ~~يقول ما كان من نكبة فمن ذنبك و أنا قدرت ذلك عليك # و كذلك روى ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبى صالح فمن ( نفسك ( ~~قال فبذنبك و أنا قدرتها عليك روى هذه الآثار ابن إبى حاتم و غيره # وروى أيضا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال ما تريدون من القدر أما ~~تكفيكم هذه الآية التى فى سورة النساء ^ إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ^ أي من نفسك و الله ما وكلوا إلى ~~القدر و قد أمروا به و اليه يصيرون # وكذلك فى تفسير أبى صالح عن ابن عباس ( ان تصبهم حسنة ( الخصب و المطر ( ~~و إن تصبهم سيئة ( الجدب و البلاء # وقال ابن قتيبة ( ماأصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~( قال الحسنة النعمة و السيئة البلية PageV14P237 وقد ذكر أبو الفرج فى ~~قوله ( ماأصابك من حسنة و من سيئة ( ثلاثة أقوال # أحدهما أن ( الحسنة ( مافتح الله عليهم يوم بدر و ( السيئة ( ما أصابهم ~~يوم أحد قال رواه بن أبى طلحة و هو الوالبى عن ابن عباس # قال والثاني ( الحسنة ( الطاعة و ( السيئة ms0743 ( المعصية قاله أبو العالية # والثالث ( الحسنة ( النعمة و ( السيئة ( البلية قاله ابن منبه قال و عن ~~أبى العالية نحوه و هو أصح # قلت هذا هو القول المعروف بالاسناد عن أبي العالية كما تقدم من تفسيره ~~المعروف الذي يروى عنه هو و غيره و من طريق أبى جعفر الدارى عن الربيع بن ~~أنس عنه و أمثاله # وأما الثانى فهو لم يذكر إسناده و لكن ينقل من كتب المفسرين الذين يذكرون ~~أقوال السلف بلا إسناد و كثير منها ضعيف بل كذب لايثبت عمن نقل عنه و عامة ~~المفسرين المتأخرين أيضا يفسرونه على مثل أقوال السلف و طائفة منهم تحملها ~~على الطاعة و المعصية PageV14P238 # فأما الصنف الأول فهي تتناوله قطعا كما يدل عليه لفظها و سياقها و معناها ~~و أقوال السلف # وأما المعنى الثانى فليس مرادا دون الأول قطعا و لكن قد يقال إنه مراد مع ~~الأول باعتبار أن ما يهديه الله اليه من الطاعة هو نعمة في حقه من الله ~~أصابته و ما يقع منه من المعصية هو سيئة أصابته و نفسه التى عملت السيئة و ~~إذا كان الجزاء من نفسه فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه # فلا منافاة أن تكون سيئة العمل و سيئة الجزاء من نفسه مع أن الجميع مقدر ~~كما تقدم و قد روى عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأ ( فمن نفسك و انا ~~قدرتها عليك $ فصل # والمعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى فتكون من سيئات الجزاء مع أنها من ~~سيئات العمل # قال النبى صلى الله عليه و سلم فى الحديث المتفق على صحته PageV14P239 عن ~~إبن مسعود رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه و سلم ( عليكم بالصدق فإن ~~الصدق يهدى إلى البر و البر يهدى إلى الجنة و لا يزال الرجل يصدق و يتحرى ~~الصدق حتى يكتب عند الله صديقا و إياكم و الكذب فان الكذب يهدى إلى الفجور ~~و الفجور يهدى إلى النار و لا يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب ms0744 حتى يكتب عند ~~الله كذابا ( # وقد ذكر فى غير موضع من القرآن ما يبين أن الحسنة الثانية قد تكون من ~~ثواب الأولى و كذلك السيئة الثانية قد تكون من عقوبة الأولى قال تعالى ^ و ~~لو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم و أشد تثبيتا و إذا لآتيناهم من ~~لدنا أجرا عظيما و لهديناهم صراطا مستقيما ^ و قال تعالى ^ و الذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا ^ و قال تعالى ^ و الذين قاتلوا فى سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم سيهديهم و يصلح بالهم و يدخلهم الجنة عرفها لهم ^ و قال تعالى ^ ثم ~~كان عاقبة الذين أساءوا السوأى ^ و قال تعالى @QB@ كتاب مبين يهدي به الله ~~من اتبع رضوانه سبل السلام @QE@ و قال تعالى ^ ياأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به و يغفر ~~لكم ^ و قال تعالى ^ وفى نسختها هدى و رحمة للذين هم لربهم يرهبون ^ و قال ~~تعالى ^ هذا بيان للناس و هدى و موعظة للمتقين ^ PageV14P240 و قال تعالى ^ ~~قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يؤمنون فى آذانهم و قر و هو عليهم ~~عمى ^ و قال تعالى ^ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا ~~هم مبصرون و إخوانهم يمدونهم فى الغي ثم لا يقصرون ^ و قال تعالى ^ كذلك ~~لنصرف عنه السوء و الفحشاء إنه من عبادنا المخلصين و قال تعالى ^ و لما بلغ ~~أشده آتيناه حكما و علما و كذلك نجزى المحسنين ^ و قال تعالى ^ و لما بلغ ~~أشده و استوى آتيناه حكما و علما و كذلك نجزى المحسنين ^ و قال تعالى الذين ~~كفروا و صدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا و عملوا الصالحات و ~~آمنوا بما نزل على محمد و هو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم و أصلح بالهم ~~ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل و أن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ^ و ms0745 قال تعالى ^ ياأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله و قولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم ^ و قال تعالى ~~^ قل أطيعوا الله و أطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل و عليكم ما ~~حملتم و إن تطيعوه تهتدوا و ما على الرسول إلا البلاغ المبين ^ # قال أبو عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولا و فعلا نطق بالحكمة ~~و من أمر الهوى على نفسه قولا و فعلا نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول ^ و ~~إن تطيعوه تهتدوا PageV14P241 # ^ قلت و قد قال فى آخر السورة ^ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ^ # وقال تعالى ^ و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون و نقلب أفئدتهم و ~~أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ^ و قال تعالى ^ إن الذين تولوا منكم يوم ~~التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا و لقد عفا الله عنهم ^ و ~~قال تعالى ^ و إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني و قد تعلمون أنى رسول ~~الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم و الله لا يهدي القوم الفاسقين إلى ~~قوله و من أظلم ممن افترى على الله الكذب و هو يدعى إلى الإسلام و الله ~~لايهدي القوم الظالمين ^ و قال تعالى ^ و قالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله ~~بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ^ و قال تعالى أيضا ^ و قولهم قلوبنا غلف بل طبع ~~الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ^ و قال تعالى ^ فبهت الذي كفر و ~~الله لا يهدي القوم الظالمين ^ و قال تعالى ^ و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا و ضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل ~~الله سكينته على رسوله و على المؤمنين و أنزل جنودا لم تروها و عذب الذين ~~كفروا ^ و قال تعالى فى النوعين ^ إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق ~~PageV14P242 وأضربوا ms0746 منهم كل بنات ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله ^ و قال ~~تعالى 0 ^ سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا و مأواهم النار و بئس مثوى الظالمين ^ و قال تعالى ( هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا و ظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا و قذف فى ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولى ~~الأبصار و لولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم فى الدنيا و لهم فى الآخرة ~~عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله و من يشاق الله فإن الله شديد ~~العقاب ) و قال تعالى ^ لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم ~~لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله و حبل من الناس و ~~باءوا بغضب من الله و ضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بأيات ~~الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ^ و قال تعالى ^ ~~ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم و فى العذاب هم خالدون و لو كانوا يؤمنون بالله و النبى و ما أنزل ~~اليه ما اتخذوهم أولياء و لكن كثيرا منهم فاسقون ^ و قال تعالى ^ و لتجدن ~~أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين و ~~رهبانا و أنهم لا يستكبرون ^ و قال تعالى ^ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا ~~PageV14P243 فى الأرض و تقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم و ~~أعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ان الذين أرتدوا على ~~أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم و أملى لهم ذلك بأنهم ~~قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم فى بعض الأمر و الله يعلم اسرارهم و ~~قال تعالى ^ و منهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ms0747 لنصدقن و لنكونن من ~~الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به و تولوا و هم معرضون فأعقبهم نفاقا ~~في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه و بما كانوا يكذبون ^ و ~~قال تعالى ^ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا ~~معي أبدا و لن تقاتلوا معي عدوا انكم رضيتم بالعقود أول مرة فاقعدوا مع ~~الخالفين ^ و قال تعالى فى ضد هذا ^ و عدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل ~~لكم هذه و كف أيدي الناس عنكم و لتكون آية للمؤمنين و يهديكم صراطا مستقيما ~~إلى قوله و لو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون و وليا و لا ~~نصيرا سنة الله التى قد خلت من قبل و لن تجد لسنة الله تبديلا # و توليتهم الأدبار ليس مما نهوا عنه و لكن هو من جزاء أعمالهم و هذا باب ~~واسع PageV14P244 $ فصل # واذا كانت السيئات التى يعملها الانسان قد تكون من جزاء سيئات تقدمت و هي ~~مضرة جاز أن يقال هي مما أصابه من السيئات و هي بذنوب تقدمت # وعلى كل تقدير فالذنوب التى يعملها هى من نفسه و ان كانت مقدرة عليه فانه ~~اذا كان الجزاء الذى هو مسبب عنها من نفسه فعمله الذى هو ذلك الجزاء من ~~نفسه بطريق الأولى و كان النبى صلى الله عليه و سلم يقول فى خطبته ( نعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ( # وقال له أبو بكر رضي الله عنه علمني دعاء فقال ( قل اللهم فاطر السموات و ~~الأرض عالم الغيب و الشهادة رب كل شىء و مليكه أشهد ان لا اله الا أنت أعوذ ~~بك من شر نفسي و شر الشيطان و شركه و أن أقترف على نفسى سوءا أو أجره إلى ~~مسلم قله اذا أصبحت و اذا أمسيت و اذا أخذت مضجعك ( PageV14P245 فقد بين ان ~~قوله ( فمن نفسك ) يتناول العقوبات على الأعمال و يتناول الأعمال مع أن ~~الكل بقدر الله $ فصل # وليس للقدرية أن ms0748 يحتجوا بالآية لوجوه # منها أنهم يقولون فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه لا من الله بل الله ~~قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات و السيئات لكن هذا عندهم ~~أحدث ارادة فعل بها الحسنات و هذا أحدث ارادة فعل بها السيئات و ليس واحد ~~منهما من احداث الرب عندهم # والقرآن قد فرق بين الحسنات و السيئات و هم لا يفرقون فى الأعمال بين ~~الحسنات و السيئات الا من جهة الأمر لا من جهة كون الله خلق فيه الحسنات ~~دون السيئات بل هو عندهم لم يخلق لا هذا و لا هذا # لكن منهم من يقول بانه يحدث من الأعمال الحسنة و السيئة ما يكون جزاءا ~~كما يقوله أهل السنة PageV14P246 لكن على هذا فليست عندهم كل الحسنات من ~~الله و لا كل السيئات بل بعض هذا و بعض هذا # الثانى أنه قال ( كل من عند الله ( فجعل الحسنات من عند الله كما جعل ~~السيئات من عند الله و هم لا يقولون بذلك فى الأعمال بل فى الجزاء و قوله ~~بعد هذا ( ما أصابك من حسنة ) و ( من سيئة ) مثل قوله ^ و ان تصبهم حسنة ^ ~~و قوله ^ و ان تصبهم سيئة ^ الثالث أن الآية أريد بها النعم و المصائب كما ~~تقدم و ليس للقدرية المجبرة أن تحتج بهذه الآية على نفي أعمالهم التى ~~استحقوا بها العقاب فان قوله @QB@ كل من عند الله @QE@ هو النعم و المصائب ~~و لأن قوله ^ ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ حجة ~~عليهم و بيان أن الانسان هو فاعل السيئات و انه يستحق عليها العقاب و الله ~~ينعم عليه بالحسنات عملها و جزائها فانه إذا كان ما أصابهم من حسنة فهو من ~~الله فالنعم من الله سواء اء كانت ابتداء أو كانت جزاء و إذا كانت جزاء و ~~هى من الله فالعمل الصالح الذى كان سببها هو أيضا من الله أنعم بهما الله ~~على العبد و إلا ms0749 فلو كان هو من نفسه كما كانت السيئات من نفسه لكان كل ذلك ~~من نفسه و الله تعالى قد فرق بين النوعين فى الكتاب و السنة كما فى الحديث ~~الصحيح الالهي عن الله ( يا عبادي إنما هي أعمالكم PageV14P247 أحصيها لكم ~~ثم أوفيكم إياها فمن و جد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه 9 و قال تعالى @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى ~~هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ و قال تعالى ^ و إن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم يقنطون ^ و قال تعالى ^ ظهر الفساد فى البر و البحر بما كسبت ~~أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ^ و قال تعالى ^ و ما ~~ظلمناهم و لكن ظلموا أنفسهم ^ و قال تعالى ^ و ما ظلمناهم و لكن كانوا هم ~~الظالمين ^ و قال تعالى ^ لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين ^ و قال ~~تعالى للمؤمنين ^ و لكن الله حبب إليكم الايمان و زينة فى قلوبكم و كره ~~إليكم الكفر و الفسوق و العصيان أولئك هم الراشدون ^ و قد أمروا أن يقولوا ~~فى الصلاة ^ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم و لا الضالين ^ $ فصل # وقد ظن طائفة أن فى الآية إشكالا أو تناقضا فى الظاهر حيث قال @QB@ كل من ~~عند الله @QE@ ثم فرق بين الحسنات و السيئات فقال ^ ما أصابك من حسنة فمن ~~الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ PageV14P248 # و هذا من قلة فهمهم و عدم تدبرهم الآية و ليس فى الآية تناقض لا فى ~~ظاهرها و لا فى باطنها لا فى لفظها و لا معناها فانه ذكر عن المنافقين و ~~الذين فى قلوبهم مرض الناكصين عن الجهاد ما ذكره بقوله ^ أينما تكونوا ~~يدرككم الموت و لو كنتم فى بروج مشيدة و إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ^ هذا يقولونه لرسول الله صلى ~~الله عليه ms0750 و سلم أى بسبب ما أمرتنا به من دينك و الرجوع عما كنا عليه ~~أصابتنا هذه السيئات لأنك أمرتنا بما أوجبها فالسيئات هى المصائب والأعمال ~~التى ظنوا أنها سبب المصائب هو أمرهم بها و قولهم @QB@ من عندك @QE@ تتناول ~~مصائب الجهاد التى توجب الهزيمة لأنه أمرهم بالجهاد و تتناول أيضا مصائب ~~الرزق على جهة التشاؤم و التطير أي هذا عقوبة لنا بسبب دينك كما كان قوم ~~فرعون يتطيرون بموسى و بمن معه و كما قال أهل القرية للمرسلين @QB@ إنا ~~تطيرنا بكم @QE@ و كما قال الكفار من ثمود لصالح و لقومه ^ اطيرنا بك و بمن ~~معك ^ فكانوا يقولون عما يصيبهم من الحرب و الزلزال و الجراح و القتل و غير ~~ذلك مما يحصل من العدو هو منك لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة لذلك و يقولون ~~عن هذا و عن المصائب السمائية إنها منك أي بسبب طاعتنا لك و اتباعنا لدينك ~~أصابتنا هذه PageV14P249 المصائب كما قال تعالى ^ و من الناس من يعبد الله ~~على حرف فان أصابه خير اطمأن به و إن أصابته فتنة انقلب على و جهه خسر ~~الدنيا و الآخرة # ^ فهذا يتناول كل من جعل طاعة الرسول و فعل ما بعث به مسببا لشر أصابه ~~إما من السماء و إما من آدمي و هؤلاء كثيرون # لم يقولوا @QB@ هذه من عندك @QE@ بمعنى أنك أنت الذى أحدثتها فانهم ~~يعلمون أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يحدث شيئا من ذلك و لم يكن قولهم ~~( من عندك ) خطابا من بعضهم لبعض بل هو خطاب للرسول صلى الله عليه و سلم و ~~من فهم هذا تبين له أن قوله ^ ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك ^ لا يناقض قوله ( كل من عند الله ) بل هو محقق له لأنهم هم ~~و من أشبههم إلى يوم القيامة يجعلون ما جاء به الرسول و العمل به سببا لما ~~قد يصيبهم من مصائب و كذلك من أطاعه إلى يوم القيامة # و كانوا تارة ms0751 يقدحون فيما جاء به و يقولون ليس هذا مما أمر الله به و لو ~~كان مما أمر الله به لما جرى على أهله هذا البلاء PageV14P250 # وتارة لا يقدحون فى الأصل لكن يقدحون فى القضية المعينة فيقولون هذا بسوء ~~تدبير الرسول كما قال عبدالله بن أبي بن سلول يوم أحد إذ كان رأيه مع رأي ~~النبى صلى الله عليه و سلم أن لا يخرجوا من المدينة فسأله صلى الله عليه و ~~سلم ناس ممن كان لهم رغبة فى الجهاد أن يخرج فوافقهم و دخل بيته و لبس ~~لأمته فلما لبس لأمته ندموا و قالوا للنبى صلى الله عليه و سلم أنت أعلم ~~فان شئت أن لانخرج فلا نخرج فقال ( ما ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن ينزعها ~~حتى يحكم الله بينه و بين عدوه ) يعنى أن الجهاد يلزم بالشروع كما يلزم ~~الحج لا يجوز ترك ما شرع فيه منه الا عند العجز بالاحصار فى الحج $ فصل # والمفسرون ذكروا فى قوله ^ و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ^ هذا و ~~هذا # فعن ابن عباس و السدى وغيرهما أنهم يقولون هذا تشاؤما بدينه # وعن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم قال بسوء تدبيرك يعني PageV14P251 كما قاله ~~عبدالله بن أبي و غيره يوم أحد و هم كالذين ^ قالوا لاخوانهم و قعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا ^ # فبكل حال قولهم ( من عندك ) هو طعن فيما أمر الله به و رسوله من الايمان ~~و الجهاد و جعل ذلك هو الموجب للمصائب التى تصيب المؤمنين المطيعين كما ~~أصابتهم يوم أحد و تارة تصيب عدوهم فيقول الكافرون هذا بشؤم هؤلاء كما قال ~~أصحاب القرية للمرسلين ( إنا تطيرنا بكم ) و كما قال تعالى عن آل فرعون ( ~~فاذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه و إن تصبهم سيئة يطيروا بموسى و من معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله و لكن أكثرهم لا يعلمون ) و قال تعالى عن قوم ~~صالح ^ قالوا اطيرنا بك و بمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ms0752 تفتنون ~~^ # ولما قال أهل القرية ^ إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم و ليمسنكم ~~منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون ( قال ~~الضحاك فى قوله ^ ألا إنما طائرهم عند الله ( يقول الأمر من قبل الله ما ~~أصابكم من أمر فمن الله بما كسبت أيديكم PageV14P252 و قال ابن أبى طلحة عن ~~ابن عباس ( معايبكم ^ وقال قتادة ^ عملكم عند الله ^ و فى رواية غير على ~~عملكم عند الله ^ و لكنكم قوم تفتنون ^ 8 أي تبتلون بطاعة الله و معصيته ~~رواهما ابن أبي حاتم و غيره # و عن ابن إسحاق قال قالت الرسل ( طائركم معكم ) أي أعمالكم # فقد فسروا ( الطائر ) بالأعمال و جزائها لأنهم كانوا يقولون إنما أصابنا ~~ما أصابنا من المصائب بذنوب الرسل و أتباعهم # فبين الله سبحانه أن طائرهم و هو الأعمال و جزاؤها هو عند الله و هو معهم ~~فهو معهم لأن أعمالهم و ما قدر من جزائها معهم كما قال تعالى ( و كل إنسان ~~ألزمناه طائره فى عنقه ) و هو من الله لأن الله تعالى قدر تلك المصائب ~~بأعمالهم فمن عنده تتنزل عليهم المصائب جزاء على أعمالهم لا بسبب الرسل و ~~أتباعهم # و فى هذا يقال إنهم إنما يجزون بأعمالهم لا بأعمال غيرهم و لذلك قال فى ~~هذه الآية لما كان المنافقون و الكفار و من فى قلبه مرض يقول هذا الذي ~~أصابنا هو بسبب ما جاء به محمد عقوبة PageV14P253 دينية وصل إلينا بين ~~سبحانه أن ما أصابهم من المصائب إنما هو بذنوبهم # ففى هذا رد على من أعرض عن طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم لئلا تصيبه ~~تلك المصائب و على من انتسب إلى الايمان بالرسول و نسبها إلى فعل ما جاء به ~~الرسول و على من أصابته مع كفره بالرسول و نسبها إلى ما جاء به الرسول $ ~~فصل # والمقصود أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم ليس سببا لشيء من ~~المصائب و لا تكون طاعة الله و رسوله ms0753 قط سببا لمصيبة بل طاعة الله و الرسول ~~لا تقتضى إلا جزاء أصحابها بخيري الدنيا و الآخرة و لكن قد تصيب المؤمنين ~~بالله و رسوله مصائب بسبب ذنوبهم لا بما اطاعوا فيه الله و الرسول كما ~~لحقهم يوم أحد بسبب ذنوبهم لا بسبب طاعتهم الله و رسوله صلى الله عليه و ~~سلم # و كذلك ما ابتلوا به فى السراء و الضراء و الزلزال ليس هو بسبب نفس ~~إيمانهم و طاعتهم لكن امتحنوا به ليتخلصوا مما فيهم من الشر PageV14P254 و ~~فتنوا به كما يفتن الذهب بالنار ليتميز طيبه من خبيثه و النفوس فيها شر و ~~الامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشر الذى فى نفسه قال تعالى ^ و تلك الأيام ~~نداولها بين الناس و ليعلم الله الذين آمنوا و يتخذ منكم شهداء و الله لا ~~يحب الظالمين و ليمحص الله الذين آمنوا و يمحق الكافرين ^ و قال تعالى ^ و ~~ليبتلى الله ما فى صدوركم و ليمحص ما فى قلوبكم ) و لهذ قال صالح عليه ~~السلام لقومه ^ طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون ^ # و لهذا كانت المصائب تكفر سيئات المؤمنين و بالصبر عليها ترتفع درجاتهم و ~~ما أصابهم فى الجهاد من مصائب بأيدي العدو فانه يعظم أجرهم بالصبر عليها # و فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ^ ما من غازبة يغزون فى ~~سبيل الله فيسلمون و يغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم و إن أصيبوا و أخفقوا تم ~~لهم أجرهم ^ # و أما ما يلحقهم من الجوع و العطش و التعب فذاك يكتب لهم به عمل صالح كما ~~قال تعالى ^ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لامخمصة فى سبيل الله و لا ~~يطؤون موطئا يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ~~إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) و شواهد هذا كثيرة PageV14P255 $ فصل # والمقصود أن قوله ^ إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله و إن تصبهم ~~سيئة يقولوا هذه من عندك ms0754 قل كل من عند الله ^ فانهم جعلوا ما يصيبهم من ~~المصائب بسبب ما جاءهم به الرسول و كانوا يقولون النعمة التى تصيبنا هى من ~~عند الله و المصيبة من عند محمد أي بسبب دينه و ما أمر به فقال تعالى قل ~~هذا و هذا من عند الله لامن عند محمد محمد لا يأتي لا بنعمة و لا بمصيبة ~~ولهذا قال بعد هذا ^ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا قال السدى و ~~غيره هو القرآن فان القرآن إذا هم فقهوا ما فيه تبين لهم أنه إنما أمرهم ~~بالخير و العدل و الصدق و التوحيد لم يأمرهم بما يكون سببا للمصائب فانهم ~~إذا فهموا ما فى القرآن علموا أنه لا يكون سببا للشر مطلقا # وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم بالأمر به حسنه و نفعه و أنه مصلحة ~~للعباد و ليس كما يقول من يقول قد يأمر الله العباد بما لا مصلحة لهم فيه ~~إذا فعلوه بل فيه مضرة لهم PageV14P256 # فانه لو كان كذلك لكان قد يصدقه المتطيرون بالرسل و أتباعهم # ومما يوضح ذلك أنه لما قال ^ ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك ^ قال بعدها ^ و أرسلناك للناس رسولا و كفى بالله شهيدا ^ ~~فانه شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات و المعجزات و إذا شهد ~~الله له كفى به شهيدا و لم يضره جحد هؤلاء لرسالته بما ذكروه من الشبه التى ~~هى عليهم لا لهم بما أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم و عقوباتهم حجة على إ بطال ~~رسالته و الله تعالى قد شهد له أنه أرسله للناس رسولا فكان ختم الكلام بهذا ~~إبطالا لقولهم إن المصائب من عند الرسول و لهذا قال بعد هذا ( من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله و من تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ( $ فصل # وكان فيما ذكره ابطال لقول الجهمية المجبرة و نحوهم ممن يقول ان الله قد ~~يعذب العباد بلا ذنب و أنه قد ms0755 يأمر العباد بما لا ينفعهم بل بما يضرهم فان ~~فعلوا ما أمرهم به حصل لهم الضرر و ان لم يفعلوه عاقبهم PageV14P257 # يقولون هذا و مثله و يزعمون أن هذا لأنه يفعل ما يشاء # والقرآن يرد على هؤلاء من و جوه كثيرة كما يرد على المكذبين بالقدر ~~فالآية ترد على هؤلاء و هؤلاء كما تقدم مع احتجاج الفريقين بها و هى حجة ~~على الفريقين # فان قال نفاة القدر انما قال فى الحسنة ^ هى من الله ^ و في السيئة ( هى ~~من نفسك ) لأنه يأمر بهذا و ينهى عن هذا باتفاق المسلمين # قالوا و نحن نقول المشيئة ملازمة للأمر فما أمر به فقد شاءه و ما لم يأمر ~~به لم يشأه فكانت مشيئته و أمره حاضة على الطاعة دون المعصية فلهذا كانت ~~هذه منه دون هذه # قيل أما الآية فقد تبين أن الذين قالوا ^ الحسنة من عند الله و السيئة من ~~عندك ^ أرادوا من عندك يامحمد أي بسبب دينك فجعلوا رسالة الرسول هي سبب ~~المصائب و هذا غير مسألة القدر # وإذا كان قد أريد ان الطاعة و المعصية مما قد قيل كان PageV14P258 قوله ~~@QB@ كل من عند الله @QE@ حجة عليكم كما تقدم # وقوله بعد هذا ^ ماأصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ ~~لا ينافي ذلك بل ( الحسنة ( أنعم الله بها و بثوابها و ( السيئة ( هي من ~~نفس الانسان ناشئة و ان كانت بقضائه و قدره كما قال تعالى @QB@ من شر ما ~~خلق @QE@ فمن المخلوقات ماله شر و ان كان بقضائه و قدره # وأنتم تقولون الطاعة و المعصية هما من احداث الانسان بدون أن يجعل الله ~~هذا فاعلا و هذا فاعلا و بدون أن يخص الله المؤمن بنعمة و رحمة أطاعه بها و ~~هذا مخالف للقرآن $ فصل # فان قيل إذا كانت الطاعات و المعاصي مقدرة و النعم و المصائب مقدرة فلم ~~الفرق بين الحسنات التى هي النعم و السيئات التى هي المصائب فجعل هذه من ~~الله و هذه من نفس ms0756 الانسان # قيل لفروق بينهما PageV14P259 # ( الفرق الأول ( ان نعم الله و احسانه إلى عباده يقع ابتداء بلا سبب منهم ~~أصلا فهو ينعم بالعافية و الرزق و النصر و غير ذلك على من لم يعمل خيرا قط ~~و ينشىء للجنة خلقا يسكنهم فضول الجنة و قد خلقهم في الآخرة لم يعملوا خيرا ~~و يدخل أطفال المؤمنين و مجانينهم الجنة برحمته بلا عمل و أما العقاب فلا ~~يعاقب أحدا إلا بعمله # ( الفرق الثانى ( أن الذي يعمل الحسنات إذا عملها فنفس عمله الحسنات هو ~~من إحسان الله و بفضله عليه بالهداية و الايمان كما قال أهل 2 الجنة ( ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ) # وفى الحديث الصحيح ( ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ~~فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( فنفس خلق ~~الله لهم أحياء و جعله لهم السمع و الأبصار و الأفئدة هو من نعمته و نفس ~~إرسال الرسول إليهم و تبليغه البلاغ المبين الذي اهتدوا به هو من نعمته # وإلهامهم الايمان و هدايتهم إليه و تخصيصهم بمزيد نعمة حصل PageV14P260 ~~لهم بها الايمان دون الكافرين هو من نعمته كما قال تعالى ^ و لكن الله حبب ~~إليكم الايمان و زينه فى قلوبكم و كره إليكم الكفر و الفسوق و العصيان ~~أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة ^ # فجميع ما يتقلب فيه العالم من خيرى الدنيا و الآخرة هو نعمة محضة منه بلا ~~سبب سابق يوجب لهم حقا و لا حول و لاقوة لهم من أنفسهم إلا به و هو خالق ~~نفوسهم وخالق أعمالها الصالحة و خالق الجزاء # فقوله ^ ماأصابك من حسنة فمن الله ^ حق من كل وجه ظاهرا و باطنا على مذهب ~~أهل السنة وأما ( السيئة ( فلا تكون إلا بذنب العبد و ذنبه من نفسه و هو لم ~~يقل إني لم أقدر ذلك و لم أخلقه بل ذكر للناس ما ينفعهم $ فصل # فاذا تدبر العبد علم أن ms0757 ما هوفيه من الحسنات من فضل الله فشكر الله فزاده ~~الله من فضله عملا صالحا و نعما يفيضها عليه PageV14P261 وإذا علم أن الشر ~~لا يحصل له إلا من نفسه بذنوبه استغفر و تاب فزال عنه سبب الشر فيكون العبد ~~دائما شاكرا مستغفرا فلا يزال الخير يتضاعف له و الشر يندفع عنه كما كان ~~النبى صلى الله عليه و سلم يقول في خطبته ( الحمد لله ( فيشكر الله ثم يقول ~~( نستعينه و نستغفره ( نستعينه على الطاعة و نستغفره من المعصية ثم يقول ^ ~~و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ^ فيستعيذ به من الشر الذي ~~في النفس و من عقوبة عمله فليس الشر إلا من نفسه و من عمل نفسه فيستعيذ ~~الله من شر النفس أن يعمل بسبب سيئاته الخطايا ثم إذا عمل استعاذ بالله من ~~سيئات عمله و من عقوبات عمله فاستعانه على الطاعة و أسبابها و استعاذ به من ~~المعصية و عقابها # فعلم العبد بأن ما أصابه من حسنة فمن الله و ما أصابه من سيئة فمن نفسه ~~يوجب له هذا و هذا فهو سبحانه فرق بينهما هنا بعد أن جمع بينهما في قوله ~~@QB@ قل كل من عند الله @QE@ # فبين أن الحسنات و السيئات النعم و المصائب و الطاعات و المعاصي على قول ~~من أدخلها فى ( من عند الله ( # ثم بين الفرق الذي ينتفعون به و هو أن هذا الخير من PageV14P262 نعمة ~~الله فاشكروه يزدكم و هذا الشر من ذنوبكم فاستغفروه يدفعه عنكم # قال الله تعالى ^ و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم ~~و هم يستغفرون ^ و قال تعالى ^ الركتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير أن لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير و بشير و أن استغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى و يؤت كل ذي فضل فضله ^ # والمذنب إذا استغفر ربه من ذنبه فقد تأسى بالسعداء من الأنبياء و ~~المؤمنين كآدم ms0758 و غيره و إذا أصر و احتج بالقدر فقد تأسى بالأشقياء كابليس و ~~من اتبعه من الغاوين # فكان من ذكره أن السيئة من نفس الانسان بذنوبه بعد أن ذكر أن الجميع من ~~عند الله تنبيها على الاستغفار و التوبة و الاستعاذة بالله من شر نفسه و ~~سيئات عمله و الدعاء بذلك فى الصباح و المساء و عند المنام كما أمر رسول ~~الله صلى الله عليه و سلم بذلك أبا بكر الصديق أفضل الأمة حيث علمه أن يقول ~~( اللهم فاطر السموات و الأرض عالم الغيب و الشهادة أعوذ بك من شر نفسي ~~PageV14P263 وشر الشيطان و شركه و أن أقترف على نفسي سوءا و أو أجره إلى ~~مسلم ( # فيستغفر مما مضى و يستعيذ مما يستقبل فيكون من حزب السعداء # وإذا علم أن الحسنة من الله الجزاء و العمل سأله أن يعينه على فعل ~~الحسنات بقوله ^ إياك نعبد و إياك نستعين ^ و بقوله @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم @QE@ و قوله @QB@ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا @QE@ و نحو ~~ذلك # وأما إذا أخبر أن الجميع من عند الله فقط و لم يذكر الفرق فانه يحصل من ~~هذا التسوية فأعرض العاصي و المذنب عن ذم نفسه و عن التوبة من ذنوبها و ~~الأستعاذة من شرها بل و قام فى نفسه أن يحتج على الله بالقدر و تلك حجة ~~داحضة لا تنفعه بل تزيده عذابا و شقاء كما زادت إبليس لما قال @QB@ فبما ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم @QE@ و قال ( رب بما أغويتني لأزينن لهم ~~فى الأرض و لأغوينهم أجمعين ) و كالذين يقولون يوم القيامة ( لو أن الله ~~هدانى لكنت من PageV14P264 المتقين ) وكالذين قالوا ^ لو شاء الله ما ~~أشركنا و لا آباؤنا و لا حرمنا من شيء ^ # فمن احتج بالقدر على ما فعله من ذنوبه و أعرض عما أمر الله به من التوبة ~~و الاستغفار و الاستعانة بالله و الاستعاذة به و استهدائه كان من أخسر ~~الناس فى الدنيا و الآخرة فهذا من فوائد ذكر الفرق بين ms0759 الجمع $ فصل # الفرق الثالث أن الحسنة يضاعفها الله و ينميها و يثيب على الهم بها و ~~السيئة لا يضاعفها و لا يؤاخذ على الهم بها فيعطى صاحب الحسنة من الحسنات ~~فوق ما عمل و صاحب السيئة لا يجزيه إلا بقدر عمله قال تعالى ^ من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها و من جاء بالسيئة فلا يجزى إلى مثلها و هم لا ~~يظلمون ^ # الفرق الرابع أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها من كل وجه كما تقدم فما ~~من و جه من و جوهها إلا و هو يقتضي الاضافة إليه PageV14P265 وأما السيئة ~~فهو إنما يخلقها بحكمة و هى باعتبار تلك الحكمة من احسانه فان الرب لا يفعل ~~سيئة قط بل فعله كله حسن و حسنات و فعله كله خير # ولهذا كان النبى صلى الله عليه و سلم يقول فى دعاء الاستفتاح ( و الخير ~~بيديك و الشر ليس اليك ) فإنه لا يخلق شرا محضا بل كل ما يخلقه ففيه حكمة ~~هو باعتبارها خير و لكن قد يكون فيه شر لبعض الناس و هو شر جزئي اضافي فإما ~~شر كلي أوشر مطلق فالرب منزه عنه و هذا هوالشر الذي ليس اليه وأما الشر ~~الجزئى الاضافى فهوخير باعتبار حكمته و لهذا لا يضاف الشر إليه مفردا قط بل ~~اما أن يدخل فى عموم المخلوقات كقوله ^ و خلق كل شيء ^ # واما أن يضاف إلى السبب كقوله ( من شر ما خلق ) # واما أن يحذف فاعله كقول الجن ( و انا لا ندري أشر أريد بمن فى الأرض أم ~~أراد بهم ربهم رشدا ) # وهذا الموضع ضل فيه فريقان من الناس الخائضين فى القدر بالباطل ~~PageV14P266 فرقة كذبت بهذا و قالت انه لا يخلق أفعال العباد و لا يشاء كل ~~ما يكون لأن الذنوب قبيحة و هولا يفعل القبيح و ارادتها قبيحة و هولا يريد ~~القبيح # وفرقة لما رأت أنه خالق هذا كله و لم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة بل قالت إذا ~~كان يخلق هذا فيجور أن يخلق كل شر ms0760 و لا يخلق شيئا لحكمة وما ثم فعل تنزه ~~عنه بل كل ما كان ممكنا جاز أن يفعله # وجوزوا أن يأمر بكل كفر و معصية و ينهى عن كل ايمان و طاعة و صدق و عدل و ~~أن يعذب الأنبياء و ينعم الفراعنة و المشركين و غير ذلك و لم يفرقوا بين ~~مفعول و مفعول # و هذا منكر من القول و زور كالأول قال تعالى ^ أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم ساء ~~ما يحكمون ^ و قال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ~~@QE@ و قال تعالى ^ أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين فى ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ^ و نحو ذلك مما يوجب أنه يفرق بين الحسنات ~~و السيئات و بين المحسن PageV14P267 و المسيء و أن من جوز عليه التسوية ~~بينهما فقد أتى بقول منكر و زور ينكر عليه # وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لايكون فيه حكمة بل فيه من الحكمة ~~و الرحمة ما يخفى على بعضهم مما لا يقدر قدره إلا الله # وليس إذا و قع فى المخلوقات ما هو شر جزئي بالاضافة يكون شرا كليا عاما ~~بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرا و مصلحة للعباد كالمطر العام و ~~كارسال رسول عام # وهذا مما يقتضى أنه لا يجوز أن يؤيد الله كذابا عليه بالمعجزات التى أيد ~~بها أنبياءه الصادقين فان هذا شر عام للناس يضلهم و يفسد عليهم دينهم و ~~ديناهم و آخرتهم # وليس هذا كالملك الظالم و العدو فإن الملك الظالم لابد أن يدفع الله به ~~من الشر أكثر من ظلمه # وقد قيل ستون سنة بامام ظالم خير من ليلة و احدة بلا إمام وإذا ~~PageV14P268 # قدر كثرة ظلمه فذاك ضرر في الدين كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم و يثابون ~~عليها و يرجعون فيها إلى الله و يستغفرونه و يتوبون اليه و كذلك ما يسلط ~~عليهم من العدو # و أما من يكذب ms0761 على الله و يقول أي يدعى أنه نبى فلوأيده الله تأييد ~~الصادق للزم أن يسوى بينه و بين الصادق فيستوى الهدى و الضلال و الخير و ~~الشر و طريق الجنة و طريق النار و يرتفع التمييز بين هذا و هذا و هذا مما ~~يوجب الفساد العام للناس فى دينهم و ديناهم و آخرتهم # ولهذا أمر النبى صلى الله عليه و سلم بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من ~~أهل البدع كالخوارج و أمر بالصبر على جور الأئمة و نهى عن قتالهم و الخروج ~~عليهم و لهذا قد يمكن الله كثيرا من الملوك الظالمين مدة # وأما المتنبؤن الكذابون فلا يطيل تمكينهم بل لابد أن يهلكهم لأن فسادهم ~~عام في الدين و الدينا و الآخرة قال تعالى ^ و لوتقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ^ و قال تعالى ^ أم يقولون افترى ~~على الله كذبا فان يشأ الله يختم على PageV14P269 قلبك ^ فأخبر أنه بتقدير ~~الافتراء لابد أن يعاقب من افترى عليه $ فصل # وهذا الموضع مما اضطرب فيه الناس فاستدلت القدرية النفاة و المجبرة على ~~أنه إذا جاز أن يضل شخصا جاز أن يضل كل الناس و إذا جاز أن يعذب حيوانا بلا ~~ذنب و لا عوض جاز أن يعذب كل حي بلا ذنب و لا عوض و إذا جاز عليه أن لا ~~يعين 2 و احدا ممن أمره على طاعة أمره جاز أن لا يعين كل الخلق فلم يفرق ~~الطائفتان بين الشر الخاص و العام و بين الشر الاضافي و الشر المطلق و لم ~~يجعلوا فى الشر الاضافى حكمة يصير بها من قسم الخير # ثم قال النفاة و قد علم أنه منزه عن تلك الأفعال فانا لو جوزنا عليه هذا ~~لجوزنا عليه تأييد الكذاب بالمعجزات و تعذيب الأنبياء و إكرام الكفار و غير ~~ذلك مما يستعظم العقلاء إضافته إلى الله تعالى PageV14P270 # فقالت المثبتة من الجهمية المجبرة بل كل الأفعال جائزة عليه كما جاز ذلك ~~الخاص و إنما يعلم أنه ms0762 لا يفعل بما لا يفعل أويفعل ما يفعل بالخبر خبر ~~الأنبياء عنه و إلا فمهما قدر جاز أن يفعله و جاز أن لا يفعله ليس فى نفس ~~الأمر سبب و لا حكمة و لا صفة تقتضي التخصيص ببعض الأفعال دون بعض بل ليس ~~إلا مشيئة نسبتها إلى جميع الحوداث سواء ترجح أحد المتماثلين بلا مرجح # فقيل لهم فيجوز تأييد الكذاب بالمعجز فلا يبقى المعجز دليلا على صدق ~~الأنبياء فلا يبقى خبر نبى يعلم به الفرق فيلزم مع الكفر بالأنبياء أن لا ~~يعلم الفرق لا بسمع و لا بعقل # فاحتالوا للفرق بين المعجزات و غيرها بأن تجويز إتيان الكذاب بالمعجزات ~~يستلزم تعجيز الباري تعالى عما به يفرق بين الصادق و الكاذب أولأن دلالتها ~~على الصدق معلوم بالاضطرار كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع و ~~بين خطأ الطائفتين و أن هؤلاء الذين اتبعوا جهما في الجبر و نفوا حكمة الله ~~و رحمته و الأسباب التى بها يفعل و ما خلقه من القوى و غيرها هم مبتدعة ~~مخالفون للكتاب و السنة و إجماع السلف مع مخالفتهم لصريح المعقول كما أن ~~القدرية النفاة مخالفون للكتاب و السنة و إجماع السلف مع مخالفتهم لصريح ~~المعقول PageV14P271 $ فصل # والمقصود هنا الكلام على قوله ^ ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك ^ و أن هذا يقتضي أن العبد لا يزال شاكرا مستغفرا # وقد ذكر أن الشر لا يضاف إلى الله إلا على أحد الوجوه الثلاثة و قد تضمنت ~~الفاتحة للأقسام الثلاثة هو سبحانه الرحمن الذي و سعت رحمته كل شيء و فى ~~الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم ( أنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها ~~( و قد سبقت و غلبت رحمته غضبه و هو الغفور الودود الحليم الرحيم # فارادته أصل كل خير و نعمة و كل خير و نعمة فمنه ^ و ما بكم من نعمة فمن ~~الله ^ # وقد قال سبحانه @QB@ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم @QE@ ثم قال ms0763 @QB@ ~~وأن عذابي هو العذاب الأليم @QE@ و قال تعالى ^ اعلموا ان الله شديد العقاب ~~و أن الله غفور رحيم ^ فالمغفرة و الرحمة من صفاته المذكورة PageV14P272 ~~بأسمائه فهي من موجب نفسه المقدسة و مقتضاها و لوازمها # وأما العذاب فمن مخلوقاته الذي خلقه بحكمة هو باعتبارها حكمة و رحمة ~~فالانسان لا يأتيه الخير إلا من ربه و إحسانه و جوده و لا يأتيه الشر إلا ~~ممن نفسه فما أصابه من حسنة فمن الله و م أصابه من سيئة فمن نفسه # وقوله ^ و ما أصابك ^ إما أن تكون كاف الخطاب له صلى الله عليه و سلم كما ~~قال ابن عباس و غيره و هو الأظهر لقوله بعد ذلك ^ و أرسلناك للناس رسولا ^ # وإما أن تكون لكل و أحد و أحد من الآدميين كقوله ^ ياأيها الانسان ماغرك ~~بربك الكريم # لكن هذا ضعيف فانه لم يتقدم هنا ذكر الانسان و لا مكانه و إنما تقدم ذكر ~~طائفة قالوا ماقالوه فلو أريد ذكرهم لقيل ^ ما أصابهم من حسنة فمن الله و ~~ما أصابهم من سيئة ^ # لكن خوطب الرسول بهذا لأنه سيد ولد آدم و إذا كان هذا حكمه كان هذا حكم ~~غيره بطريق الأولى و الأحرى كما فى مثل قوله ^ اتق الله و لا تطع الكافرين ~~و المنافقين ^ و قوله تعالى ^ لئن أشركت PageV14P273 ليحبطن عملك ^ و قوله ~~^ فان كنت في شك مما أنزلنا اليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ^ # ثم هذا الخطاب نوعان نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره بطريق الأولى ~~كقوله ^ ياأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك @QB@ ثم ~~قال @QE@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ^ # ونوع قد يكون خطابه خطابا به لجميع الناس كما يقول كثير من المفسرين ~~الخطاب له و المراد غيره # وليس المعنى أنه لم يخاطب بذلك بل هو المقدم فالخطاب له خطاب لجميع الجنس ~~البشري و إن كان هو لا يقع منه ما نهى عنه و لا يترك ما أمر به بل هذا يقع ~~من غيره ms0764 كما يقول ولي الأمر للأمير سافر غدا إلى المكان الفلاني أى أنت و ~~من معك من العسكر و كما ينهى أعز من عنده عن شيء فيكون نهيا لمن دونه و هذا ~~معروف من الخطاب # فقوله ( ماأصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ( الخطاب ~~له صلى الله عليه و سلم و جميع الخلق داخلون فى PageV14P274 هذا الخطاب ~~بالعموم و بطريق الأولى بخلاف قوله ^ و أرسلناك للناس رسولا ^ فان هذا له ~~خاصة و لكن من يبلغ عنه يدخل في معنى الخطاب كما قال صلى الله عليه و سلم ^ ~~بلغوا عني و لو آية ^ و قال ^ نضر الله امراء سمع منا حديثا فبغله إلى من ~~لم يسمعه ^ و قال ^ ليبلغ الشاهد الغائب ^ و قال ( إن العلماء ورثة ~~الأنبياء ( و قد قال تعالى فى القرآن ^ و أوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به و ~~من بلغ ^ # والمقصود هنا أن ( الحسنة ( مضافة اليه سبحانه من كل و جه و ( السيئة ( ~~مضافة اليه لأنه خلقها كما خلق ( الحسنة ( فاهذا قال @QB@ كل من عند الله ~~@QE@ ثم إنه إنما خلقها لحكمة و لا تضاف اليه من جهة أنها سيئة بل تضاف إلى ~~النفس التى تفعل الشر بها لا لحكمة فتستحق أن يضاف الشر و السيئة اليها ~~فانها لا تقصد بما تفعله من الذنوب خيرا يكون فعله لأجله أرجح بل ما كان ~~هكذا فهو من باب الحسنات و لهذا كان فعل الله حسنا لا يفعل قبيحا و لا سيئا ~~قط # وقد دخل فى هذا سيئات الجزاء و العمل لأن المراد بقوله ^ ما أصابك من ~~حسنة و من سيئة ^ النعم و المصائب كما تقدم لكن إذا كانت المصيبة من نفسه ~~لأنه أذنب فالذنب من نفسه بطريق الأولى فالسيئات من نفسه بلا ريب و إنما ~~جعلها منه مع الحسنة بقوله PageV14P275 @QB@ كل من عند الله @QE@ كما تقدم ~~لأنها لا تضاف إلى الله مفردة بل إما فى العموم كقوله @QB@ كل من عند الله ~~@QE@ # وكذلك الأسماء التى فيها ذكر الشر ms0765 لاتذكر إلا مقرونة كقولنا ^ الضار ~~النافع المعطي المانع المعز المذل ^ أو مقيدة كقوله ^ إنا من المجرمين ~~منتقمون # و كل ما خلقه مما فيه شر جزئي إضافى ففيه من الخير العام و الحكمة و ~~الرحمة أضعاف ذلك مثل إرسال موسى إلى فرعون فانه حصل به التكذيب و الهلاك ~~لفرعون و قومه و ذلك شر بالاضافة اليهم لكن حصل به من النفع العام للخلق ~~إلى يوم القيامة و الاعتبار بقصة فرعون ما هو خير عام فانتفع بذلك أضعاف ~~أضعاف من استضر به كما قال تعالى ^ فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم ~~أجمعين فجعلناهم سلفا و مثلا للآخرين ^ و قال تعالى بعد ذكر قصته ^ إن فى ~~ذلك لعبرة لمن يخشى ^ # وكذلك محمد صلى الله عليه و سلم شقي برسالته طائفة من مشركي العرب و كفار ~~أهل الكتاب و هم الذين كذبوه و أهلكهم الله تعالى بسببه و لكن سعد بها ~~أضعاف هؤلاء # ولذلك من شقى به من أهل الكتاب كانوا مبدلين محرفين قبل أن PageV14P276 ~~يبعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فأهلك الله بالجهاد طائفة و اهتدى به ~~من أهل الكتاب أضعاف أضعاف أولئك # و الذين أذلهم الله من أهل الكتاب بالقهر و الصغار أو من المشركين الذين ~~أحدث فيهم الصغار فهؤلاء كان قهرهم رحمة لهم لئلا يعظم كفرهم و يكثر شرهم # ثم بعدهم حصل من الهدى و الرحمة لغيرهم مالا يحصيهم إلا الله و هم دائما ~~يهتدى منهم ناس من بعد ناس ببركة ظهور دينه بالحجة و اليد # فالمصلحة بارساله و إعزازه و إظهار دينه فيها من الرحمة التى حصلت بذلك ~~مالانسبة لها إلى ماحصل بذلك لبعض الناس من شر جزئي إضافى لما فى ذلك من ~~الخير و الحكمة أيضا إذ ليس فيما خلقه الله سبحانه شر محض أصلا بل هو شر ~~بالاضافة $ فصل # الفرق الخامس أن ما يحصل للانسان من الحسنات التى يعملها كلها أمور ~~وجودية أنعم الله بها عليه و حصلت بمشيئة الله و رحمته و حكمته و قدرته و ms0766 ~~خلقه ليس فى الحسنات أمر عدمي غير مضاف إلى PageV14P277 الله بل كلها أمر ~~وجودي و كل موجود و حادث فالله هو الذي يحدثه # و ذلك أن الحسنات إما فعل مأمور به أو ترك منهى عنه و الترك أمر و جودي ~~فترك الانسان لما نهى عنه و معرفته بأنه ذنب قبيح و بأنه سبب للعذاب و بغضه ~~و كراهته له و منع نفسه منه إذا هويته و اشتهته و طلبته كل هذه أمور وجودية ~~كما أن معرفته بأن الحسنات كالعدل و الصدق حسنة و فعله لها أمور وجودية # ولهذا إنما يثاب الانسان على فعل الحسنات إذا فعلها محبا لها بنية و قصد ~~فعلها ابتغاء وجه ربه و طاعة لله و لرسوله و يثاب على ترك السيئات إذا ~~تركها بالكراهة لها و الامتناع منها قال تعالى ^ و لكن الله حبب إليكم ~~الايمان و زينه فى قلوبكم و كره إليكم الكفر و الفسوق و العصيان أولئك هم ~~الراشدون ^ و قال تعالى ^ و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فان ~~الجنة هي المأوى ^ و قال تعالى ^ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر ^ # وفى الصحيحين عن أنس عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( ثلاث من كن ~~فيه وجد حلاوة الايمان من كان الله و رسوله أحب إليه مما سواهما و من كان ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله و من كان يكره PageV14P278 أن يرجع فى الكفر بعد ~~إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ( # وفى السنن عن البراء بن عازب عن النبى صلى الله عليه و سلم ( أوثق عرى ~~الايمان الحب فى الله و البغض فى الله ( # وفيها عن أبي أمامة عن النبى صلى الله عليه و سلم ( من أحب لله و أبغض ~~لله و أعطى لله و منع لله فقد استكمل الايمان ( # وفى الصحيح عن أبى سعيد الخدري عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( من ~~رأي منكم منكرا فليغيره بيده فان ms0767 لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه و ~~ذلك أضعف الايمان ( # وفى الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه لما ذكر الخلوف قال ( من ~~جاهدهم بيده فهو مؤمن و من جاهدهم بلسانه فهو مؤمن و من جاهدهم بقلبه فهو ~~مؤمن ليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل ( و قد قال تعالى ( قد كانت لكم ~~أسوة حسنة فى إبراهيم و الذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم و مما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبدا ~~حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لا ستغفرن لك و ما أملك لك من ~~الله من شيء ) PageV14P279 # وقال على لسان الخليل ( إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرنى فانه سيهدين ~~) و قال ( أفرأتيم ما كنتم تعبدون أنتم و آباؤكم الأقدمون فانهم عدو لي إلا ~~رب العالمين ) و قال ( فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السموات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين ) وهذا البغض و ~~العداوة و البراءة مما يعبد من دون الله و من عابديه هي أمور موجودة فى ~~القلب و على اللسان و الجوارح كما أن حب الله و موالاته و موالاة أوليائه ~~أمور موجودة فى القلب و على اللسان و الجوارح و هى تحقيق قول ( لا إله إلا ~~الله ( و هو إثبات تأليه القلب لله حبا خالصا و ذلا صادقا و منع تأليهه ~~لغير الله وبغض ذلك وكراهته فلا يعبد الا الله ويحب أن يعبده ويبغض عبادة ~~غيره و يحب التوكل عليه و خشيته و دعاءه و يبغض التوكل على غيره و خشيته و ~~دعاءه # فهذه كلها أمور موجودة فى القلب وهى الحسنات التى يثيب الله عليها # وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة و لا يكرهها بل لا ~~يفعلها لكونها لم تخطر بباله أو تخطر كما تخطر PageV14P280 الجمادات التى ~~لا يحبها و لا يبغضها فهذا لا يثاب على عدم ms0768 ما يفعله من السيئات و لكن لا ~~يعاقب أيضا على فعلها فكأنه لم يفعلها فهذا تكون السيئات فى حقه بمنزلتها ~~فى حق الطفل و المجنون و البهيمة لا ثواب و لا عقاب # ولكن إذا قامت عليه الحجة بعلمه تحريمها فان لم يعتقد تحريمها و يكرهها و ~~الا عوقب على ترك الايمان بتحريمها $ فصل # وقد تنازع الناس في الترك هل هو أمر و جودي أو عدمي و الأكثرون على أنه ~~وجودي # و قالت طائفة كأبي هاشم بن الجبائي إنه عدمي و أن المأمور يعاقب على مجرد ~~عدم الفعل لا على ترك يقوم بنفسه و يسمون ( المذمية ( لأنهم رتبوا الذم على ~~العدم المحض # والأكثرون يقولون الترك أمر وجودي فلا يثاب من PageV14P281 ترك المحظور ~~إلا على ترك يقوم بنفسه و تارك المأمور إنما يعاقب على ترك يقوم بنفسه و هو ~~أن يأمره الرسول صلى الله عليه و سلم بالفعل فيمتنع فهذا الامتناع أمر ~~وجودي و لذلك فهو يشتغل عما أمر به بفعل ضده كما يشتغل عن عبادة الله و حده ~~بعبادة غيره فيعاقب على ذلك # ولهذا كان كل من لم يعبد الله وحده فلابد أن يكون عابدا لغيره يعبد غيره ~~فيكون مشركا و ليس في بني آدم قسم ثالث بل إما موحد أو مشرك أو من خلط هذا ~~بهذا كالمبدلين من أهل الملل النصارى و من أشبههم من الضلال المنتسبين إلى ~~الاسلام قال الله تعالى ^ فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ~~انه ليس له سلطان على الذين آمنوا و على ربهم يتوكلون إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه و الذين هم به مشركون ^ و قد قال تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ لما قال إبليس ^ لأزينن لهم فى ~~الأرض و لأغوينهم أجمعين الا عبادك منهم المخلصين ^ قال تعالى ^ ان عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين # فابليس لا يغوي المخلصين و لا سلطان له عليهم إنما سلطانه على الغاوين و ~~هم الذين يتولونه ms0769 و هم الذين به مشركون PageV14P282 # وقوله ^ الذين يتولونه و الذين هم به مشركون ^ صفتان لموصوف واحد فكل من ~~تولاه فهو به مشرك و كل من أشرك به فقد تولاه # قال تعالى ^ ألم أعهد إليكم يابنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو ~~مبين و أن اعبدونى و هذا صراط مستقيم ^ # وكل من عبد غير الله فانما يعبد الشيطان و ان كان يظن أنه يعبد الملائكة ~~و الأنبياء و قال تعالى ^ و يوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء ~~اياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون ^ # و لهذا تتمثل الشياطين لمن يعبد الملائكة و الأنبياء و الصالحين و ~~يخاطبونهم فيظنون أن الذى خاطبهم ملك أو نبى أو ولي و انما هو شيطان جعل ~~نفسه ملكا من الملائكة كما يصيب عباد الكواكب و أصحاب العزائم و الطلسمات ~~يسمون أسماء يقولون هي أسماء الملائكة مثل منططرون و غيره وانما هي أسماء ~~الجن # وذلك الذين يدعون المخلوقين من الأنبياء و الأولياء و الملائكة قد يتمثل ~~لأحدهم من يخاطبه فيظنه النبى أو الصالح الذي دعاه و انما PageV14P283 هو ~~شيطان تصور فى صورته أو قال أنا هو لمن لم يعرف صورة ذلك المدعو # وهذا كثير يجري لمن يدعو المخلوقين من النصارى و من المنتسبين إلى ~~الاسلام يدعونهم عند قبورهم أو مغيبهم و يستغيثون بهم فيأتيهم من يقول انه ~~ذلك المستغاث به فى صورة آدمي اما راكبا و اما غير راكب فيعتقد المستغيث ~~أنه ذلك النبى و الصالح أو انه سره أو روحانيته أو رقيقته أو المعنى تشكل ~~أو يقول انه ملك جاء على صورته و انما هو شيطان يغويه لكونه أشرك بالله و ~~دعا غيره الميت فمن دونه فصار للشيطان عليه سلطان بذلك الشرك فظن أنه يدعو ~~النبى أو الصالح أو الملك و أنه هو الذي شفع له أو هو الذي أجاب دعوته و ~~انما هو الشيطان ليزيده غلوا فى كفره و ضلاله # فكل من لم ms0770 يعبد الله مخلصا له الدين فلابد أن يكون مشركا عابدا لغير الله ~~و هو فى الحقيقة عابد للشيطان # فكل واحد من بني آدم اما عابد للرحمن واما عابد للشيطان قال تعالى ( و من ~~يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين و انهم ليصدونهم عن السبيل و ~~يحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال ياليت بينى و بينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين و لن PageV14P284 ينفعكم اليوم إذا ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ) ~~و قال تعالى ^ ان الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئين و النصارى و المجوس ~~و الذين أشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شهيد ^ # فبنو آدم منحصرون فى الأصناف الستة و بسط هذا له موضع آخر $ فصل # والمقصود هنا أن الثواب و العقاب إنما يكون على عمل وجودي بفعل الحسنات ~~كعبادة الله وحده و ترك السيئات كترك الشرك أمر وجودي و فعل السيئات مثل ~~ترك التوحيد و عبادة غير الله أمر و جودي قال تعالى ^ من جاء بالحسنة فله ~~خير منها و من جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات الا ما كانوا ~~يعملون ^ و قال تعالى ^ ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم و ان أسأتم فلها ^ و قال ~~تعالى ^ من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها ^ و قال تعالى ^ للذين ~~أحسنوا الحسنى و زيادة و لا يرهق وجوههم قتر و لا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون و الذين كسبوا السيات جزاء سيئة بمثلها و ترهقهم ذلة إلى قوله ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ^ و قال تعالى PageV14P285 ^ ثم كان ~~عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله و كانوا بها يستهزئون ^ # فأما عدم الحسنات و السيئات فجزاؤه عدم الثواب و العقاب وإذا فرض رجل آمن ~~بالرسول مجملا و بقي مدة لا يفعل كثيرا من المحرمات و لا سمع أنها محرمة ~~فلم يعتقد تحريمها مثل من آمن و لم يعلم أن الله حرم الميتة و الدم و لحم ~~الخنزير و ms0771 لا علم أنه حرم نكاح الأقارب سوى أربعة أصناف و لاحرم بالمصاهرة ~~أربعة أصناف حرم على كل من الزوجين أصول الآخر و فروعه فاذا آمن و لم يفعل ~~هذه المحرمات و لا اعتقد تحريمها لأنه لم يسمع ذلك فهذا لا يثاب و لا يعاقب # ولكن إذا علم التحريم فاعتقده أثيب على اعتقاده و إذا ترك ذلك مع دعاء ~~النفس إليه أثيب ثوابا آخر كالذي تدعوه نفسه إلى الشهوات فينهاها كالصائم ~~الذي تشتهي نفسه الأكل و الجماع فينهاها و الذي تشتهي نفسه شرب الخمر و ~~الفواحش فينهاها فهذا يثاب ثوابا آخر بحسب نهيه لنفسه و صبره على المحرمات ~~و اشتغاله بالطاعات التى هي ضدها فاذا فعل تلك الطاعات كانت مانعة له عن ~~المحرمات PageV14P286 # و إذا تبين هذا فالحسنات التى يثاب عليها كلها وجودية نعمة من الله تعالى ~~و ما أحبته النفس من ذلك و كرهته من السيئات فهو الذي حبب الايمان إلى ~~المؤمنين و زينه في قلوبهم و كره اليهم الكفر و الفسوق و العصيان $ فصل ~~وأما السيئات فمنشؤها الجهل و الظلم فان أحدا لا يفعل سيئة قبيحة إلا لعدم ~~علمه بكونها سيئة قبيحة أو لهواه و ميل نفسه إليها # ولا يترك حسنة و اجبة إلا لعدم علمه بوجوبها أو لبغض نفسه لها # وفى الحقيقة فالسيئات كلها ترجع الجهل و إلا فلو كان عالما علما نافعا ~~بأن فعل هذا يضره ضررا راجحا و لم يفعله فان هذا خاصية العاقل و لهذا إذا ~~كان من الحسنات ما يعلم أنه يضره ضرارا راجحا كالسقوط من مكان عال أو في ~~نهر يغرقه أو المرور بجنب حائط مائل أو دخول نار متأججة أو رمي ماله فى ~~البحر و نحو ذلك PageV14P287 لم يفعله لعلمه بأن هذا ضرر لا منفعة فيه و من ~~لم يعلم أن هذا يضره كالصبى و المجنون و الساهي و الغافل فقد يفعل ذلك # و من أقدم على مايضره مع علمه بما فيه من الضرر عليه فلظنه أن منفعته ~~راجحة # فاما أن يجزم ms0772 بضرر مرجوح أو يظن أن الخير راجح فلابد من رجحان الخير إما ~~فى الظن و إما فى المظنون كالذي يركب البحر و يسافر الأسفار البعيدة للربح ~~فإنه لو جزم بأنه يغرق أو يخسر لما سافر لكنه يترجح عنده السلامة و الربح و ~~إن كان مخطئا فى هذا الظن # وكذلك الذنوب إذا جزم السارق بأنه يؤخذ و يقطع لم يسرق و كذلك الزاني إذا ~~جزم بأنه يرجم لم يزن و الشارب يختلف حاله فقد يقدم على جلد أربعين و ~~ثمانين و يديم الشرب مع ذلك و لهذا كان الصحيح أن عقوبة الشارب غير محدودة ~~بل يجوز أن تنتهي إلى القتل إذا لم ينته إلا بذلك كما جاءت بذلك الأحاديث ~~كما هو مذكور فى غير هذا الموضع # وكذلك العقوبات متى جزم طالب الذنب بأنه يحصل له به PageV14P288 الضرر ~~الراجح لم يفعله بل إما أن لايكون جازما بتحريمه أو يكون غير جازم بعقوبته ~~بل يرجو العفو بحسنات أو توبة أو بعفو الله أو يغفل عن هذا كله و لا يستحضر ~~تحريما و لا وعيدا فيبقى غافلا غير مستحضر للتحريم و الغفلة من أضداد العلم ~~$ فصل # فالغفلة و الشهوة أصل الشر قال تعالى ^ و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~و اتبع هواه و كان أمره فرطا ^ و الهوى و حده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع ~~الجهل و إلا فصاحب الهوى إذا علم قطعا أن ذلك يضره ضررا راجحا انصرفت نفسه ~~عنه بالطبع فان الله تعالى جعل فى النفس حبا لما ينفعها و بغضا لما يضرها ~~فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضررا راجحا بل متى فعلته كان لضعف العقل # ولهذا يوصف هذا بأنه عاقل و ذو نهى و ذو حجى # ولهذا كان البلاء العظيم من الشيطان لامن مجرد النفس فان PageV14P289 ~~الشيطان يزين لها السيئات و يأمرها بها و يذكر لها ما فيها من المحاسن التى ~~هي منافع لامضار كما ابليس بآدم و حواء فقال ^ ياآدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد و ms0773 ملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ^ @QB@ وقال ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين @QE@ # ولهذا قال تعالى ^ و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين و ~~انهم ليصدونهم عن السبيل و يحسبون أنهم مهتدون ^ و قال تعالى @QB@ أفمن زين ~~له سوء عمله فرآه حسنا @QE@ و قال تعالى ^ و لا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم ~~مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ^ # وقوله @QB@ زينا لكل أمة عملهم @QE@ هو بتوسيط تزيين الملائكة و الأنبياء ~~و المؤمنين للخير و تزيين شياطين الجن و الانس للشر قال تعالى ^ و كذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ^ # فأصل ما يوقع الناس فى السيئات الجهل و عدم العلم بكونها تضرهم ضررا ~~راجحا أو ظن أنها تنفعهم نفعا راجحا و لهذا قال PageV14P290 الصحابة رضي ~~الله عنهم ^ كل من عصى الله فهو جاهل ^ و فسروا بذلك قوله تعالى @QB@ إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ كقوله ^ ~~و اذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده و اصلح فأنه غفور رحيم ^ و ~~لهذا يسمى حال فعل السيئات الجاهلية فانه يصاحبها حال من حال جاهلية # قال أبو العالية سألت اصحاب محمد صلى الله عليه و سلم عن هذه الآية @QB@ ~~إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ ~~فقالوا كل من عصى الله فهو جاهل و من تاب قبيل الموت فقد تاب من قريب # وعن قتادة قال ( اجمع اصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم على ان ~~كل من عصى ربه فهو فى جهالة عمدا كان أو لم يكن و كل من عصى الله فهو جاهل ~~( و كذلك قال التابعون و من بعدهم # قال مجاهد ms0774 من عمل ذنبا من شيخ أو شاب فهو بجهالة و قال من عصى ربه فهو ~~جاهل حتى ينزع عن معصيته و قال ايضا هو إعطاء الجهالة العمد و قال مجاهد ~~أيضا من عمل سوءا خطأ أو إثما عمدا فهو جاهل حتى ينزع منه رواهن ابن ~~PageV14P291 أبي حاتم ثم قال و روى عن قتادة و عمرو بن مرة و الثوري و نحو ~~ذلك ذلك ( خطأ أو عمدا ( # وروى عن مجاهد و الضحاك قالا ليس من جهالته أن لا يعلم حلالا و لا حراما ~~و لكن من جهالته حين دخل فيه و قال عكرمة الدنيا كلها جهالة # وعن الحسن البصري أنه سئل عنها فقال هم قوم لم يعلموا مالهم مما عليهم ~~قيل له أرأيت لو كانوا قد علموا قال فليخرجوا منها فانها جهالة # قلت و مما يبين ذلك قوله تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~@QE@ و كل من خشيه و أطاعه و ترك معصيته فهو عالم كما قال تعالى ^ أمن هو ~~قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة و يرجو رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ^ # و قال رجل للشعبى أيها العالم فقال إنما العالم من يخشى الله # و قوله تعالى ^ إنما يخشى الله من عبادة العلماء يقتضي أن كل من خشى الله ~~فهو عالم فإنه لا يخشاه إلا عالم PageV14P292 # و يقتضي أيضا أن العالم من يخشى الله كما قال السلف # قال ابن مسعود ^ كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا ^ ومثل هذا ~~الحصر يكون من الطرفين حصر الأول في الثانى و هو مطرد و حص الثانى فى الأول ~~نحو قوله ^ إنما تنذر من اتبع الذكر و خشي الرحمن بالغيب ^ و قوله @QB@ ~~إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ و قوله ^ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا ~~بها خروا سجدا و سبحوا بحمد ربهم و هم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع ^ # وذلك أنه أثبت الخشية للعلماء و نفاها عن غيرهم و هذا كالاستثناء فانه من ~~النفي ms0775 إثبات عند جمهور العلماء كقولنا لا إله إلا الله ^ و قوله تعالى ^ و ~~لا يشفعون إلا لمن ارتضى ^ و قوله ^ و لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~^ و قوله ^ و لا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا ^ # وقد ذهب طائفة إلى أن المستثنى مسكوت عنه لم يثبت له ما ذكر و لم ينف عنه ~~وهؤلاء يقولون ذلك فى صيغة الحصر بطريق الأولى فيقولون نفي الخشية عن غير ~~العلماء و لم يثبتها لهم PageV14P293 # و الصواب قول الجمهور أن هذا كقوله ^ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها و ما بطن والاثم و البغي بغير الحق ^ فانه ينفي التحريم عن غير هذه ~~الأصناف و يثبتها لها لكن أثبتها للجنس أو لكل و أحد و أحد من العلماء كما ~~يقال إنما يحج المسلمون و لايحج إلا مسلم و ذلك أن المستثنى هل هو مقتض أو ~~شرط # ففي هذه الآية و أمثالها هو مقتض فهو عام فان العلم بما أنذرت به الرسل ~~يوجب الخوف فاذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة على فعل الحسنات و ترك ~~السيئات و كل عاص فهو جاهل ليس بتام العلم يبين ما ذكرنا من أن أصل السيئات ~~الجهل و عدم العلم و إذا كان كذلك فعدم العلم ليس شيئا موجودا بل هو مثل ~~عدم القدرة و عدم السمع و البصر و سائر الاعدام # والعدم لا فاعل له و ليس هو شيئا و إنما الشيء الموجود و الله تعالى خالق ~~كل شيء فلا يجوز أن يضاف العدم المحض إلى الله لكن قد يقترن به ما هو موجود # فاذا لم يكن عالما بالله لا يدعوه إلى الحسنات و ترك السيئات # والنفس بطبعها متحولة فانها حية و الارادة و الحركة الارادية من ~~PageV14P294 لوازم الحياة و لهذا قال النبى صلى الله عليه و سلم فى الحديث ~~الصحيح ( أصدق الأسماء حارث و همام ( فكل آدمي حارث و همام أي عامل كاسب و ~~هو همام أي يهم و يريد فهو متحرك ms0776 بالارادة # وقد جاء فى الحديث ( مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة و للقلب أشد ~~تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا ( # فلما كانت الارادة و العمل من لوازم ذاتها فاذا هداها الله علمها ما ~~ينفعها و ما يضرها فأرادت ما ينفعها و تركت ما يضرها $ فصل # والله سبحانه قد تفضل على بنى آدم بأمرين هما أصل السعادة أحدهما أن كل ~~مولود يولد على الفطرة كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو نصرانه أو يمجسانه كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة اقرأوا ~~إن شئتم ( فطرة الله التى فطر الناس عليها ( قال تعالى ^ فأقم و جهك للدين ~~حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~^ PageV14P295 # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ^ يقول ~~الله تعالى خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين و حرمت عليهم ما أحللت لهم ~~و أمرتهم أن يشركوا بى مالم أنزل به سلطانا ^ # فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالالهية محبة له تعبده لا تشرك ~~به شيئا و لكن يفسدها ما يزين لها شياطين الانس و الجن بما يوحى بعضهم إلى ~~بعض من الباطل قال تعالى ^ و إذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم و ~~أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون ^ # وتفسير هذه الآية مبسوط فى غير هذا الموضع # الثاني أن الله تعالى قد هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم بالفطرة من ~~المعرفة و أسباب العلم و بما أنزل إليهم من الكتب و أرسل إليهم من الرسل ~~قال تعالى ^ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ و ربك الأكرم ~~الذي علم ms0777 بالقلم علم الانسان مالم يعلم ^ و قال تعالى ^ الرحمن علم القرآن ~~خلق الانسان علمه PageV14P296 البيان ^ وقال تعالى ^ سبح اسم ربك الأعلى ~~الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى ^ و قال تعالى ^ و هديناه النجدين ^ # ففي كل أحد ما يقتضي معرفته بالحق و محبنه له وقد هداه ربه إلى أنواع من ~~العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة الأولى و الآخرة وجعل فى فطرته محبه ~~لذلك لكن قد يعرض الانسان بجاهليته و غفلته عن طلب علم ما ينفعه # و كونه لا يطلب ذلك و لايريده أمر عدمي لا يضاف إلى الله تعالى فلا يضاف ~~إلى الله لاعدم علمه بالحق و لا عدم إرادته للخير # لكن النفس كما تقدم الارادة و الحركة من لوازمها فانها حية حياة طبيعية ~~لكن سعادتها و نجاتها إنما تتحقق بأن تحى الحياة النافعة الكاملة و كان ~~مالها من الحياة الطبيعية موجبا لعذابها فلا هي حية متنعمة بالحياة و لا هي ~~ميتة مستريحة من العذاب قال تعالى ^ فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى و ~~بتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها و لا يحيى ^ ~~فالجزاء من جنس العمل لما كان فى الدنيا ليس بحي الحياة النافعة التى خلق ~~لأجلها PageV14P297 بل كانت حياته من جنس حياة البهائم و لم يكن ميتا عديم ~~الاحساس كان في الآخرة كذلك فان مقصود الحياة هو حصول ما ينتفع به الحي و ~~يستلذ به و الحى لابد له من لذة أو ألم فاذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له ~~مقصود الحياة فان الألم ليس مقصودا # كمن هو حي فى الدنيا و به أمراض عظيمة لا تدعه يتنعم بشيء مما يتنعم به ~~الأحياء فهذا يبقى طول حياته يختار الموت و لا يحصل له # فلما كان من طبع النفس الملازم لها و جود الارادة و العمل إذ هو حارث ~~همام فان عرفت الحق و أرادته و أحبته و عبدته فذلك من تمام إنعام الله ~~عليها وإلا فهي بطبعها لابد لها من ms0778 مراد معبود غير الله و مرادات سيئة ~~تضرها فهذا الشر قد تركب من كونها لم تعرف الله و لم تعبده و هذا عدم لا ~~يضاف إلى فاعل و من كونها بطبعها لا بد لها من مراد معبود فعبدت غيره و هذا ~~هو الشر الذي تعذت عليه و هو من مقتضى طبعها مع عدم هداها # والقدرية يعترفون بهذا جميعه و بأن الله خلق الانسان مريدا لكن يجعلون ~~المخلوق كونه مريدا بالقوة و القبول أي قابلا لأن يريد هذا PageV14P298 # و هذا و أما كونه مريدا لهذا المعين و هذا المعين فهذا عندهم ليس مخلوقا ~~لله و غلطوا فى ذلك غلطا فاحشا فان الله خالق هذا كله # وإرادة النفس لما يريده من الذنوب و فعلها هو من جملة مخلوقات الله تعالى ~~فان الله خالق كل شيء و هو الذي ألهم النفس التى سواها فجورها و تقواها # وكان النبى صلى الله عليه و سلم يقول فى دعائه ( اللهم آت نفسي تقواها و ~~زكها أنت خير من زكاها أنت و ليها و مولاها ( وهو سبحانه جعل إبراهيم و آله ~~ائمة يهدون بأمره و جعل فرعون و آله أئمة يدعون إلى النار و يوم القيامة لا ~~ينصرون # لكن هذا لا يضاف مفردا إلى الله تعالى لوجهين من جهة علته الغائية و من ~~جهة سببه و علته الفاعلية # أما الغائية فان الله إنما خلقه لحكمة هو باعتبارها خير لاشر و إن كان ~~شرا إضافيا فاذا أضيف مفردا توهم المتوهم مذهب جهم أن الله يخلق الشر المحض ~~الذي لاخير فيه لأحد لا لحكمة و لا رحمة و الاخبار و السنة و الاعتبار تبطل ~~هذا المذهب PageV14P299 # كما أنه إذا قيل محمد و أمته يسفكون الدماء و يفسدون فى الأرض كان هذا ~~ذما لهم و كان باطلا و إذا قيل يجاهدون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي ~~العليا و يكون الدين كله لله و يقتلون من منعهم من ذلك كان هذا مدحا لهم و ~~كان حقا # فاذا قيل ان ms0779 الرب تبارك و تعالى حكيم رحيم أحسن كل شيء خلقه و أتقن ما ~~صنع و هو أرحم الراحمين أرحم بعباده من الوالدة بولدها والخير كله بيديه و ~~الشر ليس إليه بل لا يفعل الا خيرا و ما خلقه من ألم لبعض الحيوانات أو من ~~أعمالهم المذمومة فله فيها حكمة عظيمة و نعمة جسيمة كان هذا حقا و هو مدح ~~للرب و ثناء عليه # وأما إذا قيل إنه يخلق الشر الذي لا خير فيه و لا منفعة لأحد و لا له ~~فيها حكمة و لا رحمة و يعذب الناس بلاذنب لم يكن هذا مدحا للرب و لا ثناء ~~عليه بل كان بالعكس ومن هؤلاء # من يقول إن الله تعالى أضر على خلقه من إبليس # و بسط القول فى بيان فساد قول هؤلاء له موضع آخر # وقد بينا بعض ما فى خلق جهنم و إبليس و السيئات من الحكمة PageV14P300 و ~~الرحمة و ما لم نعلم أعظم مما علمناه # فتبارك الله أحسن الخالقين و أرحم الراحمين و خير الغافرين و مالك يوم ~~الدين الأحد الصمد الذى لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد الذي لا ~~يحصى العباد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه الذي له الحمد فى الأولى و ~~الآخرة و له الحكم و إليه ترجعون الذي يستحق الحمد و الحب و الرضا لذاته و ~~لا حسانه إلى عباده سبحانه و تعالى يستحق أن يحمد لما له فى نفسه من ~~المحامد و الاحسان إلى عباده هذا حمد شكر و ذاك حمد مطلقا # و قد ذكرنا فى غير هذا الموضع ماقيل من أن كل ما خلقه الله فهو نعمة على ~~عبادة المؤمنين يستحق أن يحمدوه و يشكروه عليه و هو من آلائه و لهذا قال فى ~~آخر سورة النجم ^ فبأي آلاه ربك تتمارى ^ و فى سورة الرحمن يذكر @QB@ كل من ~~عليها فان @QE@ و نحو ذلك ثم يقول عقب ذلك @QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~@QE@ # وقال آخرون منهم الزجاج و ms0780 أبو الفرج بن الجوزي @QB@ فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان @QE@ أي من هذه الأشياء المذكورة لأنها كلها ينعم بها عليكم فى ~~دلالتها إياكم على و حدانيته و في رزقه إياكم ما به قوامكم و هذا قالوه فى ~~سورة الرحمن PageV14P301 # وقالوا فى قوله @QB@ فبأي آلاء ربك تتمارى @QE@ فبأي نعم ربك التى تدل ~~على و حدانيته تتشكك و قيل تشك و تجادل قال ابن عباس تكذب # قلت قد ضمن ( تتمارى ( معنى تكذب و لهذا عداه بالتاء فان التماري تفاعل ~~من المرء يقال تمارينا فى الهلال و المراء فى القرآن كفر و هو يكون تكذيب و ~~تشكيك # وقد يقال لما كان الخطاب لهم قال ( تتمارى ( أي يتمارون و لم يقل تميرا ~~فان التفاعل يكون بين اثنين تماريا قالوا و الخطاب للانسان قيل للوليد بن ~~المغيرة فانه قال ^ أم لم ينبأ بما فى صحف موسى و إبراهيم الذي و فى أن لا ~~تزر و ازرة و زر أخرى ^ ثم التفت إليه فقال @QB@ فبأي آلاء ربك تتمارى @QE@ ~~تكذب كما قال ^ خلق الانسان من صلصال كالفخار و خلق الجان من مارج من نار ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان ^ # ففي كل ما خلقه الله إحسان إلى عباده يحمد عليه حمد شكر و له فيه حكمة ~~تعود اليه يستحق لأجلها أن يحمد عليه حمدا يستحقه لذاته فجميع المخلوقات ~~فيها إنعام على العباد كالثقلين المخاطبين بقوله PageV14P302 @QB@ فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان @QE@ من جهة أنها آيات للرب يحصل بها هدايتهم و إيمانهم ~~الذى يسعدون به فى الدنيا و الآخرة فيدلهم عليه و على و حدانيته و قدرته و ~~علمه و حكمته و رحمته # والآيات التى بعث بها الأنبياء و أيدهم بها و نصرهم و إهلاك عدوهم كما ~~ذكره في سورة النجم ^ و أنه أهلك عادا الأولى و ثمود فما أبقى و قوم نوح من ~~قبل إنهم كانوا هم أظلم و أطغى و المؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى ^ تدلهم على ~~صدق الأنبياء فيما أخبروا به من الأمر و النهي و الوعد و الوعيد ما بشروا ms0781 ~~به و أنذروا به # ولهذا قال عقيب ذلك @QB@ هذا نذير من النذر الأولى @QE@ قيل هو محمد و ~~قيل هو القرآن فان الله سمى كلا منهما بشيرا و نذيرا فقال فى رسول الله ^ ~~إن أنا إلا نذير و بشير لقوم يؤمنون ^ و قال تعالى ^ إنا أرسلناك شاهدا و ~~مبشرا و نذيرا ^ و قال تعالى فى القرآن ^ كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون بشيرا و نذيرا ^ و هما متلازمان # وكل من هذين المعنيين مراد يقال هذا نذير أنذر بما أنذرت به الرسل و ~~الكتب الأولى # و قوله ( من النذر ( أي من جنسها أي رسول من PageV14P303 الرسل المرسلين # ففي المخلوقات نعم من جهة حصول الهدى و الايمان و الاعتبار و الموعظة بها # و هذه أفضل النعم # فأفضل النعم نعمة الايمان و كل مخلوق من المخلوقات فهو الآيات التى يحصل ~~بها ما يحصل من هذه النعمة قال تعالى ( لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى ~~الألباب ) و قال تعالى ^ تبصرة و ذكرى لكل عبد منيب ^ # وما يصيب الانسان إن كان يسره فهو نعمة بينة و إن كان يسوءه فهو نعمة من ~~جهة أنه يكفر خطاياه و يثاب بالصبر عليه و من جهة أن فيه حكمة و رحمة لا ~~يعلمها ( و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر ~~لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون ) # وقد قال فى الحديث ( و الله لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان ~~PageV14P304 خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر ~~فكان خيرا له ( وإذا كان هذا و هذا فكلاهما من نعم الله عليه # وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر # أما نعمة الضراء فاحتياجها إلى الصبر ظاهر و أما نعمة السراء فتحتاج إلى ~~الصبر على الطاعة فيها فان فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء كما قال بعض ~~السلف ابتلينا بالضراء فصبرنا و ابتلينا بالسراء فلم نصبر # و فى الحديث ( أعوذ بك من فتنة الفقر ms0782 و شر فتنة الغنى ( # والفقر يصلح عليه خلق كثير و الغنا لايصلح عليه إلا أقل منهم # ولهذا قال عقيب ذلك @QB@ هذا نذير من النذر الأولى @QE@ قيل هو محمد و ~~قيل هو القرآن فان الله سمى كلا منهما بشيرا و نذيرا فقال فى رسول الله ^ ~~إن أنا إلا نذير و ب 4 شير لقوم يؤمنون ^ و قال تعالى ^ إنا أرسلناك شاهدا ~~و مبشرا و ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين لأنه فتنة الفقر أهون و ~~كلاهما يحتاج إلى الصبر و الشكر لكن لما كان في السراء اللذة و فى الضراء ~~الألم اشتهر ذكر الشكر فى السراء و الصبر في الضراء قال تعالى ^ و لئن ~~أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور و لئن أذقناه نعماء ~~بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني PageV14P305 إنه لفرج فخور إلا الذين ~~صبروا و عملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة و أجر كبير ^ و لأن صاحب السراء ~~أحوج إلى الشكر و صاحب الضراء أحوج إلى الصبر فان صبر هذا و شكر هذا و اجب ~~إذا تركه استحق العقاب # وأما صبر صاحب السراء فقد يكون مستحبا إذا كان عن فضول الشهوات و قد يكون ~~و اجبا و لكن لاتيانه بالشكر الذي هو حسنات يغفر له ما يغفر من سيئاته # وكذلك صاحب الضراء لايكون الشكر فى حقه مستحبا إذا كان شكرا يصير به من ~~السابقين المقربين و قد يكون تقصيره فى الشكر مما يغفر له لما يأتى به من ~~الصبر فان اجتماع الشكر و الصبر جميعا يكون مع تألم النفس و تلذذها يصبر ~~على الألم و يشكر على النعم و هذا حال يعسر على كثير من الناس و بسط هذا له ~~موضع آخر # والمقصود هنا أن الله تعالى منعم بهذا كله و إن كان لا يظهر الانعام به ~~فى الابتداء لأكثر الناس فان الله يعلم و أنتم لا تعلمون فكل مايفعله الله ~~فهو نعمة منه # وأما ذنوب الانسان فهي من نفسه و مع هذا فهي ms0783 مع PageV14P306 حسن العاقبة ~~نعمة و هي نعمة على غيرة بما يحصل له بها من الاعتبار و الهدى و الايمان و ~~لهذا كان من أحسن الدعاء قوله ( اللهم لا تجعلني عبرة لغيري و لاتجعل أحدا ~~أسعد بما علمتني منى ( # وفى دعاء القرآن @QB@ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين @QE@ ^ و لا ~~تجعلنا فتنة للذين كفروا ^ كما فيه ^ و اجعلنا للمتقين إماما ^ أي فاجعلنا ~~أئمة لمن يقتدي بنا و يأتم و لا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا و يشقى # و ( الآلاء ( فى اللغة هى النعم و هي تتضمن القدرة # قال ابن قتيبة لما عدد الله في هذه السورة سورة الرحمن نعماءه و ذكر ~~عبادة آلاءه و نبههم على قدرته جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين نعمتين ليفهم ~~النعم و يقررهم بها # وقد روى الحاكم فى صحيحه و الترمذي عن جابر عن النبى صلى الله عليه و سلم ~~قال ( قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم الرحمن حتى ختمها ثم قال ~~مالي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا و لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ( ~~PageV14P307 والله تعالى يذكر فى القرآن بآياته الدالة على قدرته و ربوبيته ~~و يذكر بآياته التى فيها نعمه و إحسانه إلى عباده و يذكر بآياته المبينة ~~لحكمته تعالى و هي كلها متلازمة # فكل ما خلق فهو نعمة و دليل على قدرته و على حكمته # لكن نعمة الرزق و الانتفاع بالمآكل و المشارب و المساكن و الملابس ظاهرة ~~لكل أحد فلهذا يستدل بها كما فى سورة النحل و تسمى سورة النعم كما قاله ~~قتادة و غيره # وعلى هذا فكثير من الناس يقول الحمد أعم من الشكر من جهة أسبابه فانه ~~يكون على نعمة و على غير نعمة و الشكر أعم من جهة أنواعه فانه يكون بالقلب ~~و اللسان و اليد # فاذا كان كل مخلوق فيه نعمة لم يكن الحمد إلا على نعمة ms0784 و الحمد لله على ~~كل حال لأنه ما من حال يقضيها إلا و هي نعمة على عبادة لكن هذا فهم من عرف ~~ما فى المخلوقات من النعم و الجهمية و الجبرية بمعزل عن هذا PageV14P308 # وكذلك كل ما يخلقه ففيه له حكمة فهو محمود عليه باعتبار تلك الحكمة و ~~الجهمية أيضا بمعزل عن هذا # وكذلك القدرية الذين يقولون لاتعود الحكمة اليه بل ماثم إلا نفع الخلق ~~فما عندهم إلا شكر كما ليس عند الجهمية إلا قدرة والقدرة المجردة عن نعمة و ~~حكمة لا يظهر فيها و صف حمد كالقادر الذي يفعل مالا ينتفع به و لا ينفع به ~~أحدا فهذا لايحمد # فحقيقة قول الجهمية أتباع جهم أنه لايستحق الحمد فله عندهم ملك بلا حمد ~~مع تقصيرهم فى معرفة ملكه # كما أن المعتزلة له عندهم نوع من الحمد بلا ملك تام إذ كان عندهم يشاء ~~مالا يكون و يكون مالا يشاء و تحدث حوادث بلا قدرته وعلى مذهب السلف له ~~الملك و له الحمد تامين و هو محمود # على حكمته كما هو محمود على قدرته و رحمته PageV14P309 وقد قال ^ شهد ~~الله أنه لا إله هو و الملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم ^ ) فله الوحدانية في إلهيته و له العدل و له العزة و الحكمة # وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف و أتباعهم فمن قصر عن معرفة السنة فقد ~~نقص الرب بعض حقه # والجهمي الجبري لا يثبت عدلا و لا حكمة و لا توحيد إلهية بل توحيد ~~ربوبيته # والمعتزلي أيضا لا يثبت فى الحقيقة توحيد إلهية و لا عدلا فى الحسنات و ~~السيئات و لا عزة و لا حكمة فى الحقيقة و إن قال إنه يثبت الحكمة بما ~~معناها يعود إلى غيره و تلك لا يصلح أن تكون حكمة من فعل لا لأمر يرجع اليه ~~بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم بل سفيه # وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت أنه رأس ms0785 الشكر فهو أول الشكر ~~و الحمد و إن كان على نعمته و على حكمته فالشكر بالأعمال PageV14P310 هو ~~على نعمته و هو عبادة له لالهيته التى تتضمن حكمته فقد صار مجموع الأمور ~~داخلا فى الشكر # ولهذا عظم القرآن أمر الشكر و لم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من ~~الشكر # وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد # ففي الفاتحة الشكر و التوحيد و الخطب الشرعية لابد فيها من الشكر و ~~التوحيد و الباقيات الصالحات نوعان فسبحان الله و بحمده فيها الشكر و ~~التنزيه و التعظيم و لا إله إلا الله و الله أكبر فيها التوحيد و التكبير # وقد قال تعالى @QB@ فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين @QE@ # و هل الحمد على كل ما يحمد به الممدوح و إن لم يكن باختياره أولا يكون ~~الحمد إلا على الأمور الاختيارية كما قيل فى الذم فيه نظر ليس هذا موضعه # وفى الصحيح ( أن النبى صلى الله عليه و سلم كان إذا رفع رأسه من الركوع ~~يقول ( ربنا و لك الحمد ملء السماء و ملء PageV14P311 الأرض و ملء ما شئت ~~من شيء بعد أهل الثناء و المجد أحق ما قال العبد و كلنا لك عبد لا مانع لما ~~أعطيت و لا معطي لما منعت و لا ينفع ذا الجد منك الجد ( هذا لفظ الحديث ( ~~أحق ( أفعل التفضيل # وقد غلط فيه طائفة من المصنفين فقالوا ( حق ما قال العبد ( # وهذا ليس لفظ الرسول و ليس هو بقول سعيد فان العبد يقول الحق و الباطل بل ~~حق ما يقوله الرب كما قال تعالى ^ فالحق و الحق أقول ^ # ولكن لفظه ^ أحق ما قال العبد ^ خبر مبتدا محذوف أي الحمد أحق ما قال ~~العبد أو هذا و هو الحمد أحق ما قال العبد # ففيه بيان أن الحمد لله أحق ما قاله العباد و لهذا أوجب قوله في كل صلاة ~~و أن تفتتح به الفاتحة و أوجب قوله في كل خطبة و فى كل ms0786 أمر ذي بال # والحمد ضد الذم و الحمد يكون على محاسن المحمود مع المحبة له كما أن الذم ~~يكون على مساويه مع البغض له # فاذا قيل إنه سبحانه يفعل الخير و الحسنات و هو حكيم رحيم PageV14P312 ~~بعباده أرحم بعباده من الوالدة بولدها أوجب ذلك أن يحبه عباده و يحمدوه # وأما إذا قيل بل يخلق ما هو شر محض لانفع فيه و لا رحمة و لا حكمة لأحد و ~~إنما يتصف بارادة ترجح مثلا على مثل لا فرق عنده بين أن يرحم أو يعذب و ~~ليست نفسه و لا إرادته مرجحة للاحسان إلى الخلق بل تعذيبهم وتنعيمهم سواء ~~عنده و هو مع هذا يخلق ما يخلق لمجرد العذاب و الشر و يفعل ما يفعل لا ~~لحكمة و نحو ذلك مما يقوله الجهمية لم يكن هذا موجبا لأن يحبه العباد و ~~يحمدوه بل هو موجب للعكس # ولهذا فان كثيرا من # هؤلاء ينطقون بالذم و الشتم و الطعن و يذكرون ذلك نظما و نثرا وكثير من ~~شيوخ هؤلاء و علمائهم من يذكر فى كلامه مايقتضي هذا و من لم يقله بلسانه ~~فقلبه ممتلىء به لكن يرى أن ليس فى ذكره منفعة أو يخاف من عموم المسلمين # وفي شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو هذا # و هؤلاء يقيمون حجج إبليس و أتباعه على الله و يجعلون الرب ظالما لهم ~~PageV14P313 # وهو خلاف ما وصف الله به نفسه في قوله تعالى ^ و ما ظلمناهم و لكن كانوا ~~هم الظالمين ^ و قوله ^ و ما ظلمناهم و لكن ظلموا أنفسهم ^ و قوله ^ و ما ~~ربك بظلام للعبيد ^ # كيف يكون ظالما و هم فيما بينهم لو أساء بعضهم إلى بعض أو قصر فى حقه ~~لكان يؤاخذه و يعاقبه و ينتقم منه و يكون ذلك عدلا إذا لم يعتد عليه # ولو قال إن الذي فعلته قدر علي فلا ذنب لي فيه لم يكن هذا عذرا له عندهم ~~باتفاق العقلاء # فاذا كان العقلاء متفقين على أن حق المخلوق لا يجوز إسقاطه ms0787 احتجاجا ~~بالقدر فكيف يجوز إسقاط حق الخالق احتجاجا بالقدر # وهو سبحانه الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة و إن تلك حسنة يضاعفها و ~~يؤت من لدنه أجرا عظيما و هذا مبسوط فى غير هذا الموضع # فقوله ^ أحق ما قال العبد ^ يقتضي أن حمد الله أحق ما قاله العبد فله ~~الحمد على كل حال لأنه لا يفعل إلا الخير PageV14P314 والاحسان الذي يستحق ~~الحمد عليه سبحانه و تعالى و إن كان العباد لا يعلمون # وهو سبحانه خلق الانسان و خلق نفسه متحركة بالطبع حركة لابد فيها من الشر ~~لحكمة بالغة و رحمة سابغة # فاذا قيل فلم لم يخلقها على غير هذا الوجه # قيل كان يكون ذلك خلقا غير الانسان و كانت الحكمة التى خلقها بخلق ~~الانسان لا تحصل و هذا سؤال الملائكة حيث قالوا ^ أتجعل فيها من يفسد فيها ~~و يسفك الدماء ^ و ما لم تعلمه الملائكة فكيف يعلمه آحاد الناس # ونفس الانسان خلقت كما قال الله تعالى ^ إن الانسان خلق هلوعا إذا مسه ~~الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا ^ و قال تعالى @QB@ خلق الإنسان من عجل ~~@QE@ # فقد خلقت خلقة تستلزم وجود ما وجد منها لحكمة عظيمة و رحمة عميمة فكان ~~ذلك خيرا و رحمة و إن كان فيه شر إضافي كما تقدم فهذا من جهة الغاية مع أنه ~~لا يضاف الشر إلى الله # و أما الوجة الثاني من جهة السبب فان هذا الشر إنما وجد لعدم PageV14P315 ~~العلم و الارادة التى تصلح النفس فانها خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله و ~~محبته و قد هديت إلى علوم و أعمال تعينها على ذلك و هذا كله من فضل الله و ~~احسانه لكن النفس المذنبة لما لم يحصل لها من يكملها بل حصل لها من زين لها ~~السيئات من شياطين الانس و الجن مالت إلى ذلك و فعلت السيئات فكان فعلها ~~للسيئات مركبا من عدم ما ينفع و هو الأفضل و وجود هؤلاء الذين حيروها و ~~العدم لايضاف إلى الله وهؤلاء القول فيهم ms0788 كالقول فيها خلقهم لحكمة # فلما كان عدم ما تعمل به و تصلح هو أحد السببين و كان الشر المحض الذي لا ~~خير فيه هو العدم المحض و العدم لا يضاف إلى الله فانه ليس شيئا و الله ~~خالق كل شيء كانت السئات منها باعتبار ( أن ) ذاتها فى نفسها مستلزمة ~~للحركة الارادية التى تحصل منها مع عدم ما يصلحها تلك السيئات # والعبد إذا اعترف و أقر بأن الله خالق أفعاله كلها فهو على وجهين إن ~~اعترف به اقرارا بخلق الله كل شيء بقدرته و نفوذ مشيئته و إقرارا بكلماته ~~التامات التى لا يجاوزهن بر و لا فاجر و اعترافا بفقره و حاجته إلى الله و ~~أنه إن لم يهده فهو ضال و ان لم يتب عليه فهو مصر و ان لم يغفر له فهو هالك ~~خضع لعزته و حكمته وفهذا حال المؤمنين PageV14P316 الذين يرحمهم الله و ~~يهديهم و يوفقهم لطاعته # و ان قال ذلك احتجاجا على الرب و دفعا للأمر و النهي عنه و اقامة لعذر ~~نفسه فهذا ذنب أعظم من الأول و هذا من أتباع الشيطان و لا يزيده ذلك الا ~~شرا و قد ذكرنا أن الرب سبحانه محمود لنفسه و لاحسانه إلى خلقه و لذلك هو ~~يستحق المحبة لنفسه و لاحسانه إلى عباده و يستحق أن يرضى العبد بقضائه لأن ~~حكمه عدل لا يفعل الا خيرا و عدلا و لأنه لايقضى للمؤمن قضاء الا كان خيرا ~~له ( ان اصابته سراء شكر فكان خيرا له و ان اصابته ضراء صبر فكان خيرا له ( # فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه من الحمد و الثناء و لأنه ~~محسن إلى المؤمن # وما تسأله طائفة من الناس و هو أنه صلى الله عليه و سلم قال ( لايقضي ~~الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له ( و قد قضى عليه بالسيئات الموجبة للعقاب ~~فكيف يكون ذلك خيرا # وعنه جوابان # أحدهما أن أعمال العباد لم تدخل فى الحديث انما دخل فيه PageV14P317 ما ~~يصيب الانسان من النعم ms0789 و المصائب كما فى قوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله ~~و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ) و لهذا قال ^ ان اصابته سراء شكر فكان خيرا ~~له و ان اصابته ضراء صبر فكان خيرا له ^ فجعل القضاء ما يصيبه من سراء و ~~ضراء هذا ظاهر لفظ الحديث فلا اشكال عليه # الوجه الثانى أنه اذا قدر أن الأعمال دخلت فى هذا فقد قال النبى صلى الله ~~عليه و سلم ( من سرته حسنته و ساءته سيئته فهو مؤمن ( # فاذا قضى له بأن يحسن فهذا مما يسره فيشكر الله عليه # و اذا قضى عليه بسيئة فهي إنما تكون سيئة يستحق العقوبة عليها إذا لم يتب ~~منها فان تاب أبدلت بحسنة فيشكر الله عليها و ان لم يتب ابتلى بمصائب ~~تكفرها فصبر عليها فيكون ذلك خيرا له و الرسول صلى الله عليه و سلم قال ( ~~لايقضي الله للمؤمن ( و المؤمن هو الذي لا يصر على ذنب بل يتوب منه فيكون ~~حسنة كما قد جاء في عدة آيات ان العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة بعمله لا ~~يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة # والذنب يوجب ذل العبد و خضوعه و دعاء الله و استغفاره اياه و شهوده بفقرة ~~و حاجته اليه و أنه لا يغفر الذنوب إلا هو PageV14P318 # فيحصل للمؤمن بسبب الذنب من الحسنات مالم يكن يحصل بدون ذلك فيكون هذا ~~القضاء خيرا له فهو فى ذنوبه بين أمرين إما أن يتوب قيتوب الله عليه فيكون ~~من التوابين الذين يحبهم الله # و إما أن يكفر عنه بمصائب تصيبه ضراء فيصبر عليها فيكفر عنه السيئات بتلك ~~المصائب و بالصبر عليها ترتفع درجاته # وقد جاء فى بعض الأحاديث يقول الله تعالى ^ أهل ذكرى أهل مجالستى و أهل ~~شكرى أهل زيادتى و أهل طاعتى أهل كرامتى و أهل معصيتى لا أؤيسهم من رحمتى ~~إن تابوا فأنا حبيبهم ^ أي محبهم فان الله يحب التوابين و يحب المتطهرين ^ ~~و ان لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب # وفى ms0790 قوله تعالى ^ من نفسك ^ من الفوائد أن العبد لا يركن إلى نفسه و ~~لايسكن إليها فان الشر لايجيء إلا منها و لا يشتغل بملام الناس و لا ذمهم ~~إذا أساءوا إليه فان ذلك من السيئات التى أصابته و هي إنما أصابته بذنوبه ~~فيرجع إلى الذنوب فيستغفر منها و يستعيذ PageV14P319 بالله من شر نفسه و ~~سيئات عمله و يسأل الله أن يعينه على طاعته فبذلك يحصل له كل خير و يندفع ~~عنه كل شر # ولهذا كان أنفع الدعاء و أعظمه و أحكمه دعاء الفاتحة ^ اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين ^ فانه ~~إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته و ترك معصيته فلم يصبه شر لا في ~~الدنيا و لا فى الآخرة لكن # الذنوب هي من لوازم نفس الانسان و هو محتاج إلى الهدى في كل لحظة و هو ~~إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل و الشرب # ليس كما يقوله طائفة من المفسرين إنه قد هداه فلماذا يسأل الهدى # وأن المراد بسؤال الهدى الثبات أو مزيد الهداية بل العبد محتاج إلى أن ~~يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله و إلى ما يتولد من تفاصيل الأمور فى ~~كل يوم و إلى أن يلهم أن يعمل ذلك # فانه لا يكفى مجرد علمه إن لم يجعله الله مريدا للعمل بعلمه و إلا ~~PageV14P320 كان العلم حجة عليه و لم يكن مهتديا و العبد محتاج إلى أن ~~يجعله الله قادرا على العمل بتلك الارادة الصالحة # فانه لايكون مهتديا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين إلا بهذه العلوم و الارادات و ~~القدرة على ذلك # ويدخل فى ذلك من أنواع الحاجات مالا يمكن إحصاؤه # ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفرط حاجتهم اليه # فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء # و إنما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه و نفوس الانس و الجن ~~و ms0791 المأمورين بهذا الدعاء و رأى ما فى النفوس من الجهل و الظلم الذي يقتضي ~~شقاءها فى الدنيا و الآخرة فيعلم أن الله بفضله و رحمته جعل هذا الدعاء من ~~أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر # و مما يبين ذلك أن الله تعالى لم يقص علينا فى القرآن قصة أحد ~~PageV14P321 إلا لنعتبر بها لما فى الاعتبار بها من حاجتنا اليه و مصلحتنا # و إنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثانى بالأول و كانا مشتركين في المقتضى ~~للحكم # فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان فى نفوس المكذبين للرسل فرعون و من ~~قبله لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لانشبهه قط و لكن الأمر كما قال ~~تعالى ^ ما يقال لك إلا قد قيل للرسل من قبلك ^ و كما قال تعالى @QB@ كذلك ~~ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون @QE@ و قال تعالى ~~@QB@ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم @QE@ و قال تعالى ~~@QB@ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل @QE@ # و لهذا قال النبى صلى الله عليه و سلم ( لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود و النصارى قال فمن ~~( # وقال ( لتأخذن أمتى مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر و ذراعا بذراع قيل يارسول ~~الله فارس و الروم قال فمن ( و كلا الحديثين فى الصحيحين PageV14P322 # و لما كان فى غزوة حنين كان للمشركين شجرة يقال لها ذات أنواط يعلقون ~~عليها أسلحتهم و ينوطونها بها و يستظلون بها متبركين فقال بعض الناس ( ~~يارسول الله أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال الله أكبر قلتم كما ~~قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنها السنن لتركبن سنن من ~~كان قبلكم ( # وقد بين القرآن أن السيئات من النفس و إن كانت بقدر الله # فأعظم السيئات جحود الخالق و الشرك به و طلب النفس أن تكون شريكه و ندا ~~له أو أن تكون إلها من دونه ms0792 و كلا هذين وقع فان فرعون طلب أن يكون إلها ~~معبودا دون الله تعالى و قال ^ ماعلمت لكم من إله غيرى ^ و قال @QB@ أنا ~~ربكم الأعلى @QE@ و قال لموسى @QB@ لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين @QE@ و @QB@ استخف قومه فأطاعوه @QE@ # و إبليس يطلب أن يعبد و يطاع من دون الله فيريد أن يعبد و يطاع هو و لا ~~يعبد الله و لا يطاع وهذا الذى فى فرعون و إبليس هو غاية الظلم و الجهل # وفى نفوس سائر الانسن و الجن شعبة من هذا و هذا إن لم يعن PageV14P323 ~~الله العبد و يهديه و إلا وقع فى بعض ما وقع فيه إبليس و فرعون بحسب ~~الامكان # قال بعض العارفين ما من نفس إلا و فيها ما فى نفس فرعون غير أن فرعون قدر ~~فأظهر و غيره عجز فأضمر # وذلك أن الانسان إذا اعتبر و تعرف نفسه و الناس و سمع أخبارهم رأى الواحد ~~منهم يريد لنفسه أن تطاع و تعلو بحسب قدرته فالنفس مشحونة بحب العلو و ~~الرياسة بحسب إمكانها فتجد أحدهم يوالى من يوافقه على هواه و يعادى من ~~يخالفه فى هواه و إنما معبوده ما يهواه و يريده قال تعالى ^ أرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه أفأنت تكون عليه و كيلا ^ و الناس عنده فى هذا الباب كما هم عند ~~ملوك الكفار من المشركين من الترك و غيرهم يقولون ( يارباعى ( أي صديق و ~~عدو فمن وافق هواهم كان وليا و إن كان كافرا مشركا و من لم يوافق هواهم كان ~~عدوا و إن كان من أولياء الله المتقين و هذه هى حال # فرعون و الواحد من هؤلاء يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه لكنه PageV14P324 ~~لا يتمكن مما تمكن منه فرعون من دعوى الالهية و جحود الصانع # و هؤلاء و إن كانوا يقرون بالصانع لكنهم إذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادته ~~و طاعته المتضمنة ترك طاعتهم فقد يعادونه كما عادى فرعون موسى # وكثير من الناس ممن عنده بعض عقل و إيمان ms0793 لايطلب هذا الحد بل يطلب لنفسه ~~ما هو عنده فان كان مطاعا مسلما طلب أن يطاع فى أغراضه و إن كان فيها ما هو ~~ذنب و معصية لله و يكون من أطاعه في هواه أحب اليه و أعز عنده ممن أطاع و ~~خالف هواه وهذه شعبة من حال فرعون و سائر المكذبين للرسل # وإن كان عالما أو شيخا أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره حتى لو كانا يقرآن ~~كتابا واحدا كالقرآن أو يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها كالصلوات الخمس ~~فانه يحب من يعظمه بقبول قوله و الاقتداء به اكثر من غيره و ربما أبغض ~~نظيره و أتباعه حسدا و بغيا كما فعلت اليهود لما بعث الله محمدا صلى الله ~~عليه و سلم يدعو إلى مثل ما دعا اليه موسى قال تعالى ^ و إذا قيل لهم آمنوا ~~بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا و يكفرون بما و راءه و هو الحق ~~مصدقا لما معهم ^ و قال تعالى ^ و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ~~ما PageV14P325 جاءتهم البينة ^ و قال تعالى ^ وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ^ # ولهذا أخبر الله تعالى عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون و سلط عليهم من ~~انتقم به منهم فقال تعالى عن فرعون ^ إن فرعون علا في الأرض و جعل أهلها ~~شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ~~^ و قال تعالى عنهم ( و قضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن فى الأرض ~~مرتين و لتعلن علوا كبيرا ^ و لهذا قال تعالى ^ تلك الدار الآخرة نجعلها ~~للذين لا يريدن علوا في الأرض و لا فسادا ^ # والله سبحانه و تعالى إنما خلق الخلق لعبادته ليذكروه و يشكروه و يعبدوه ~~و أرسل الرسل و أنزل الكتب ليعبدوا الله وحده و ليكون الدين كل 6 ه لله و ~~لتكون كلمة الله هي العليا كما أرسل كل رسول بمثل ذلك قال تعالى ^ و ما ~~أرسلنا من ms0794 قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ^ و قال ~~تعالى ^ و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعل من دون الرحمن آلهة يعبدون ~~^ # و قد أمر الله الرسل كلهم بهذا و أن لا يتفرقوا فيه فقال ( إن ~~PageV14P326 هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون ^ و قال تعالى ^ ~~ياأيها الرسل كلوا من الطيبات و اعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم و إن هذه ~~أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما ~~لديهم فرحون ^ # قال قتادة أى دينكم دين واحد و ربكم رب واحد و الشريعة مختلفة و كذلك قال ~~الضحاك عن ابن عباس ( إن هذه أمتكم أمة واحدة ( أي دينكم دين واحد قال ابن ~~أبي حاتم و روى عن سعيد ابن جبير و قتادة و عبد الرحمن بن زيد نحو ذلك و ~~قال الحسن بين لهم ما يتقون و ما يأتون ثم قال إن هذه سنتكم سنة واحدة # وهكذا قال جمهور المفسرين # و ( الأمة ( الملة و الطريقة كما قال تعالى ^ قالوا إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة و إنا على آثارهم مهتدون مقتدون ^ كما يسمى ( الطريق ( إماما لأن ~~السالك فيه يأتم به فكذلك السالك يؤمه و يقصده # و ( الأمة ( أيضا معلم الخير الذي يأتم به الناس كما أن ( الامام ( هو ~~الذي يأتم به الناس و إبراهيم عليه السلام جعله الله إماما و أخبر أنه ( ~~كان أمة ) PageV14P327 # وأمر الله الرسل أن تكون ملتهم و دينهم و احدا لا يتفرقون فيه كما فى ~~الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ^ انا معشر الأنبياء ديننا ~~واحد ^ و قد قال الله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا و الذي أوحينا ~~اليك و ما و صينا به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا ~~فيه ^ و لهذا كان جميع رسل الله و أنبيائه يصدق بعضهم بعضا لا يختلفون مع ~~تنوع شرائعهم # فمن كان من ms0795 المطاعين من العلماء و المشايخ و الأمراء و الملوك متبعا ~~للرسل أمر بما أمروا به و دعا إلى ما دعوا اليه و أحب من دعا إلى مثل ما ~~دعا اليه فان الله يحب ذلك فيحب ما يحبه الله تعالى و هذا قصده فى نفس ~~الأمر أن تكون العبادة لله تعالى وحده و أن يكون الدين كله لله # وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك فهذا يطلب أن يكون هو ~~المطاع المعبود فله نصيب من حال فرعون و أشباهه # فمن طلب أن يطاع دون الله فهذا حال فرعون و من طلب ان يطاع مع الله فهذا ~~يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا PageV14P328 يحبونهم كحب الله ~~و الله سبحانه و تعالى أمر أن لايعبد الا اياه و أن لا يكون الدين إلا له و ~~أن تكون الموالاة فيه و المعاداة فيه و أن لا يتوكل إلا عليه و لا يستعان ~~إلا به # فالمؤمن المتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ليكون الدين كله ~~لله لا له و إذا أمر أحد غيره بمثل ذلك أحبه و أعانه و سر بوجود مطلوبه # وإذا أحسن إلى الناس فانما يحسن اليهم ابتغاء و جه ربه الأعلى و يعلم أن ~~الله قد من عليه بأن جعله محسنا و لم يجعله مسيئا فيرى أن عمله لله و أنه ~~بالله # وهذا مذكور فى فاتحة الكتاب التى ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم ~~من حاجتهم إلى أي شيء # ولهذا فرضت عليهم قراءتها فى كل صلاة دون غيرها من السور و لم ينزل فى ~~التوارة و لا في الانجيل و لا فى الزبور و لا في القرآن مثلها فان فيها ^ ~~إياك نعبد و إياك نستعين ^ # فالمؤمن يرى أن عمله لله لأنه إياه يعبد و أنه بالله لأنه PageV14P329 ~~إياه يستعين فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء و لا شكورا لأنه إنما عمل له ما ~~عمل لله كما قال الأبرار ( إنما نطعمكم لوجه الله ms0796 لانريد منكم جزاء و لا ~~شكورا ) و لايمن عليه بذلك و لا يؤذيه فإنه قد علم أن الله هو المان عليه ~~إذ استعمله فى الأحسان و أن المنة لله عليه و على ذلك الشخص فعليه هو أن ~~يشكر الله إذ يسره لليسرى وعلى ذلك أن يشكر الله إذ يسر له من يقدم له ما ~~ينفعه من رزق أو علم أو نصر أو غير ذلك # ومن الناس من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يرد الأحسان له بطاعته إليه و ~~تعطيمة أو نفع آخر و قد يمن عليه فيقول أنا فعلت بك كذا فهذا لم يعبد الله ~~و لم يستعنه و لا عمل لله و لا عمل بالله فهو المرائى # وقد أبطل الله صدقة المنان و صدقة المرائي قال تعالى ^ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس و لا ~~يؤمن بالله و اليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه ~~صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا و الله لا يهدى القوم الكافرين و مثل ~~الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله و تثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة ~~أصابها و أبل فآتت أكلها ضعفين فان لم يصبها و ابل فطل و الله بما تعملون ~~بصير ^ PageV14P330 # قال قتادة @QB@ تثبيتا من أنفسهم @QE@ احتسابا من أنفسهم و قال الشعبى ~~يقينا وتصديقا من أنفسهم و كذلك قال الكلبي قيل يخرجون الصدقة طيبة بها ~~أنفسهم على يقين بالثواب و تصديق بوعد الله يعلمون أن ما أخرجوه خير لهم ~~مما تركوه # قلت إذا كان المعطى محتسبا للأجر عند الله مصدقا بوعد الله له طالب من ~~الله لا من الذي أعطاه فلا يمن عليه كما لو قال رجل لآخر أعط مماليكك هذا ~~الطعام و أنا أعطيك ثمنه لم يمن على المماليك لا سيما إذا كان يعلم أن الله ~~قد أنعم عليه بالاعطاء $ فصل # الفرق السادس أن يقال إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية و إن كانت ms0797 ~~خلقا لله فهو عقوبة له على عدم فعله ما خلقه الله له و فطره عليه فان الله ~~إنما خلقه لعبادته و حده لا شريك له و دله على الفطرة كما قال النبى صلى ~~الله عليه و سلم ( كل مولود يولد على الفطرة ( و قال تعالى ^ فأقم و جهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم و لكن أكثر الناس لايعلمون PageV14P331 # فهو لما لم يفعل ما خلق له و ما فطر عليه و ما أمر به من معرفة الله و ~~حده وعبادته و حده عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك و ~~المعاصي # قال تعالى للشيطان ^ اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا إلى ~~قوله ان عبادي ليس لك عليهم سلطان ^ و قال تعالى ^ إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا و على ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه و الذين هم ~~به مشركون ^ # و قال تعالى ^ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم ~~مبصرون و إخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ^ # فقد تبين أن إخلاص الدين لله يمنع من تسلط الشيطان و من ولاية الشيطان ~~التى توجب العذاب كما قال تعالى ^ كذلك لنصرف عنه السوء و الفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين ^ # فاذا أخلص العبد لربه الدين كان هذا مانعا له من فعل ضد ذلك و من إيقاع ~~الشيطان له فى ضد ذلك و إذا لم يخلص لربه الدين و لم يفعل ما خلق له و فطر ~~عليه عوقب على ذلك و كان من عقابه PageV14P332 تسلط الشيطان عليه حتى يزين ~~له فعل السيئات و كان إلهامه لفجوره عقوبة له على كونه لم يتق الله # وعدم فعله للحسنات ليس أمرا و جوديا حتى يقال إن الله خلقه بل هو أمر ~~عدمي لكن يعاقب عليه لكونه عدم ما خلق له و ما أمر به و هذا يتضمن العقوبة ~~على أمر عدمى لكن بفعل ms0798 السيئات لابالعقوبات التى يستحقها بعد إقامة الحجة ~~عليه بالنار و نحوها # وقد تقدم أن مجرد عدم المأمور هل يعاقب عليه فيه قولان # والأكثرون يقولون لايعاقب عليه لأنه عدم محض و يقولون إنما يعاقب على ~~الترك و هذا أمر وجودي # و طائفة منهم أبو هاشم قالوا بل يعاقب على هذا العدم بمعنى أنه يعاقب ~~عليه كما يعاقب على فعل الذنوب بالنار و نحوها # و ما ذكر فى هذا الوجه هو أمر و سط و هو أن يعاقبه على هذا العدم بفعل ~~السيئات لا بالعقوبة عليها و لا يعاقبه عليها حتى يرسل إليه رسوله فاذا عصى ~~الرسول استحق حينئذ العقوبة التامة و هو أولا إنما عوقب بما يمكن أن ينجو ~~من شره بأن يتوب منه PageV14P333 أو بأن لا تقوم عليه الحجة و هو كالصبى ~~الذي لا يشتغل بما ينفعه بل بما هو سبب لضرره و لكن لا يكتب عليه قلم الاثم ~~حتى يبلغ فاذا بلغ عوقب # ثم ما تعوده من فعل السيئات قد يكون سببا لمعصيته بعد البلوغ و هو لم ~~يعاقب إلا على ذنبه و لكن العقوبة المعروفة إنما يستحقها بعد قيام الحجة ~~عليه و أما اشتغاله بالسيئات فهو عقوبة عدم عمله للحسنات # وعلى هذا فالشر ليس إلى الله بوجه من الوجوه فانه و ان كان الله خالق ~~أفعال العباد فخلقه للطاعات نعمة و رحمة و خلقه للسيئات له فيه حكمة و رحمة ~~و هو مع هذا 0 عدل منه فما ظلم الناس شيئا و لكن الناس ظلموا أنفسهم # وظلمهم لأنفسهم نوعان عدم عملهم بالحسنات فهذا ليس مضافا إليه و عملهم ~~للسيئات خلقه عقوبة لهم على ترك فعل الحسنات التى خلقهم لها و أمرهم بها ~~فكل نعمة منه فضل و كل نقمة منه عدل PageV14P334 # ومن تدبر القرآن تبين له أن عامة ما يذكره الله في خلق الكفر و المعاصي ~~يجعله جزاء لذلك العمل كقوله تعالى ^ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للاسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ms0799 حرجا كأنما يصعد فى السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ^ و قال تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم @QE@ و قال تعالى ^ و أما من بخل و استغنى و كذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسرى ^ # وهذا و أمثاله بذلوا فيه أعمالا عاقبهم بها على فعل محظور و ترك مأمور # وتلك الأمور إنما كانت منهم و خلقت فيهم لكونهم لم يفعلوا ما خلقوا له و ~~لابد لهم من حركة و إرادة فلما لم يتحركوا بالحسنات حركوا بالسيئات عدلا من ~~الله حيث وضع ذلك موضعه فى محله القابل له و هو القلب الذي لا يكون الا ~~عاملا فاذا لم يعمل الحسنة استعمل فى عمل السيئة كما قيل نفسك إن لم تشغلها ~~شغلتك # وهذا الوجه إذا حقق يقطع مادة كلام القدرية المكذبة و المجبرة الذين ~~يقولون إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله و يجعلون خلقها و التعذيب عليها ~~ظلما و الذين يقولون إنه خلق كفر الكافرين و معصيتهم و عاقبهم على ذلك لا ~~لسبب و لا لحكمة PageV14P335 # فاذا قيل لأولئك إنه إنما أوقعهم فى تلك الذنوب و طبع على قلوبهم عقوبة ~~لهم على عدم فعلهم ما أمرهم به فما ظلمهم و لكن هم ظلموا أنفسهم # يقال ظلمته إذا نقصته حقه قال تعالى ^ كلتا الجنتين آتت أكلها و لم تظلم ~~منه شيئا ^ # وكثير من أولئك يسلمون أن الله خلق للعبد من الأعمال ما يكون جزاء له على ~~عمل منه متقدم و يقولون إنه خلق طاعة المطيع # فلا ينازعون فى نفس خلق أفعال العباد لكن يقولون ما خلق شيئا من الذنوب ~~ابتداء بل إنما خلقها جزاء لئلا يكون ظالما # فنقول أول ما يفعله العبد من الذنوب هو أحدثه لم يحدثه الله ثم ما يكون ~~جزاء على ذلك فالله محدثه و هم لا ينازعون في مسألة خلق الأفعال الا من هذه ~~الجهة # وهذا الذى ذكرناه يوافقون عليه لكن يقولون أول الذنوب لم يحدثه الله بل ~~يحدثه العبد لئلا يكون الجزاء عليه ظلما # وما ذكرناه يوجب أن ms0800 الله خالق كل شيء فما حدث شيء الا PageV14P336 ~~بمشيئته و قدرته لكن أول الذنوب الوجودية هو المخلوق و ذاك عقوبة على عدم ~~فعل العبد لما خلق له و لما كان ينبغي له أن يفعله # وهذا العدم لا يجوز إضافته إلى الله و ليس بشيء حتى يدخل فى قولنا ^ الله ~~خالق كل شيء ^ و ما أحدثه من الذنوب الوجودية فأولها عقوبة للعبد على هذا ~~العدم و سائرها قد يكون عقوبة للعبد على ما وجد و قد يكون عقوبة له على ~~استمراره على العدم # فما دام لا يخلص لله العمل فلا يزال مشركا و لا يزال الشيطان مسلطا عليه # ثم تخصيصه سبحانه لمن هداه بأن استعمله ابتداء فيما خلق له و هذا لم ~~يستعمله هو تخصيص منه بفضله و رحمته و لهذا يقول الله ^ و الله يختص برحمته ~~من يشاء و الله ذو الفضل العظيم ^ و لذلك حكمة و رحمة هو أعلم بها كما خص ~~بعض الأبدان بقوى لا توجد في غيرها و بسبب عدم القوة قد تحصل له أمراض ~~وجودية و غير ذلك من حكمته # وبتحقيق هذا يدفع شبهات هذا الباب و الله أعلم بالصواب PageV14P337 $ فصل # ومما ذكر فيه العقوبة على عدم الايمان قوله تعالى ^ و نقلب أفئدتهم و ~~أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة و نذرهم في طغيانهم يعمهون ^ وهذا من ~~تمام قوله ^ و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون و نقلب أفئدتهم و أبصارهم ~~^ الآية فذكر أن هذا التقليب إنما حصل لقلوبهم لما لم يؤمنوا به أول مرة و ~~هذا عدم الايمان # لكن يقال إنما كان هذا بعد دعوة الرسول لهم و هم قد تركوا الايمان و ~~كذبوا الرسول و هذه أمور وجودية لكن الموجب للعذاب هو عدم الايمان و ما ذكر ~~شرط فى التعذيب بمنزلة إرسال الرسول فإنه قد يشتغل عن الايمان بما جنسه ~~مباح من أكل و شرب و بيع و سفر و غير ذلك و هذا الجنس لايستحق عليه العقوبة ~~إلا لأنه شغله عن ms0801 الايمان الواجب عليه # ومن الناس من يقول ضد الايمان هو تركه ومو أمر وجودي لا ضد له إلا ذلك ~~PageV14P338 $ فصل # لفرق السابع من الحسنات و السيئات التى تتناول الأعمال و الجزاء في كون ~~هذه تضاف إلى النفس و تلك تضاف إلى الله أن السيئات التى تصيب الانسان و هي ~~مصائب الدنيا و الآخرة ليس لها سبب إلا ذنبه الذي هو من نفسه فانحصرت فى ~~نفسه # وأما ما يصيبه من الخير و النعم فانه لا تنحصر أسبابه لأن ذلك من فضل ~~الله و احسانه يحصل بعمله و بغير عمله و عمله نفسه من إنعام الله عليه و هو ~~سبحانه لا يجزي بقدر العمل بل يضاعفه له و لا يقدر العبد على ضبط أسبابها ~~لكن يعلم أنها من فضل الله و إنعامه فيرجع فيها إلى الله فلا يرجو إلا الله ~~و لا يتوكل إلا عليه و يعلم أن النعم كلها من الله و أن كل ماخلقه فهو نعمة ~~كما تقدم فهو يستحق الشكر المطلق العام التام الذي لايستحقه غيره # ومن الشكر مايكون جزاء على مايسره على يديه من الخير PageV14P339 كشكر ~~الوالدين و شكر من أحسن اليك من غيرهما فانه ( من لايشكر الناس لا يشكر ~~الله ( لكن لا يبلغ من حق أحد و إنعامه أن يشكر بمعصية الله أو أن يطاع ~~بمعصية الله فان الله هو المنعم بالنعم العظيمة التى لايقدر عليها مخلوق و ~~نعمة المخلوق إنما هي منه أيضا قال تعالى ^ و ما بكم من نعمة فمن الله ^ و ~~قال تعالى ^ و سخر لكم ما فى السموات و ما فى الأرض جميعا منه ^ و جزاوه ~~سبحانه على الطاعة و المعصية و الكفر لا يقدر أحد على مثله # فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في معصية الخالق كما قال تعالى ^ و وصينا ~~الانسان بوالديه حسنا و إن جاهداك لتشرك بى ماليس لك به علم فلا تطعهما ^ و ~~قال في الآية الأخرى ( وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا ms0802 ~~تطعهما و صاحبهما في الدنيا معروفا و اتبع سبيل من أناب الي ) و قال النبى ~~صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح ( على المرء المسلم السمع و الطاعة ~~فى عسره و يسره و منشطه مكرهه مالم يؤمر بمعصية فاذا أمر بمعصية فلا سمع و ~~لا طاعة ( و فى الصحيحين عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال ( إنما الطاعة فى ~~المعروف ( وقال ( من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه ( و قال ( لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق ( PageV14P340 # وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع والمقصود هنا أنه إذا عرف أن النعم كلها من ~~الله و أنه لا يقدر أن يأتى بها إلا الله فلا يأتى بالحسنات إلا هو و لا ~~يذهب السيئات إلا هو و أنه ( مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها و ما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده ) صار توكله و رجاؤه و دعاؤه للخالق و حده # وكذلك إذا علم مايستحقه الله من الشكر الذي لا يستحقه غيره صار علمه بأن ~~الحسنات من الله يوجب له الصدق في شكر الله و التوكل عليه # ولو قيل إنها من نفسه لكان غلطا لأن منها ما ليس لعمله فيه مدخل و ما كان ~~لعمله فيه مدخل فان الله هو المنعم به فانه لا حول و لا قوة إلا بالله و لا ~~ملجا و لامنجى منه إلا إليه # وعلم أن الشر قد انحصر سببه فى النفس فضبط ذلك و علم من أين يؤتى فاستغفر ~~ربه مما فعل و تاب و استعان الله و استعاذ به مما لم يعمل بعد كما قال من ~~قال من السلف ( لايرجون عبد إلا ربه و لا يخافن عبد إلا ذنبه ( PageV14P341 # وهذا يخالف قول الجهمية و من اتبعهم الذين يقولون إن الله يعذب بلا ذنب و ~~يعذب أطفال الكفار و غيرهم عذابا دائما أبدا بلا ذنب # فان هؤلاء يقولون يخاف الله خوفا مطلقا سواء كان له ذنب أو لم يكن له ذنب ~~و يشبهون خوفه بالخوف من ms0803 الأسد و من الملك القاهر الذي لا ينضبط فعله و لا ~~سطوته بل قد يقهر و يعذب من لاذنب له من رعيته # فاذا صدق العبد بقوله تعالى @QB@ وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ علم ~~بطلان هذا القول و أن الله لا يعذبه و يعاقبه إلا بذنوبه حتى المصائب التى ~~تصيب العبد كلها بذنوبه # و قد تقدم قوم السلف ابن عباس و غيره أن ما أصابهم يوم أحد من الغم و ~~الفشل إنما كان بذنوبهم لم يستثن من ذلك أحد # وهذا من فوائد تخصيص الخطاب لئلا يظن أنه عام مخصوص # وفى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ^ مايصيب المؤمن من ~~وصب و لا نصب و لا هم و لا حزن و لاغم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ~~من خطاياه ^ PageV14P342 $ فصل # الفرق الثامن أن السيئة إذا كانت من النفس و السيئة خبيثة مذمومة و صفها ~~بالخبث فى مثل قوله ^ الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات ^ # قال جمهور السلف الكلمات الخبيثة للخبيثين و من كلام بعضهم الأقوال و ~~الأفعال الخبيثة للخبيثين # وقد قال تعالى ^ ضرب الله مثلا كلمة طيبة و مثل كلمة خبيثة ^ و قال الله ~~^ اليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه ^ و الأقوال و الافعال صفات ~~القائل الفاعل # فاذا كانت النفس متصفة بالسوء و الخبث لم يكن محلها ينفعه إلا ما يناسبها # فمن أراد أن يجعل الحيات و العقارب يعاشرون الناس كالسنانير لم يصلح ~~PageV14P343 # ومن أراد أن يجعل الذى يكذب شاهدا على الناس لم يصلح # وكذلك من أراد أن يجعل الجاهل معلما للناس مفتيا لهم أو يجعل العاجز ~~الجبان مقاتلا عن الناس أو يجعل الأحمق الذي لا يعرف شيئا سائسا للناس أو ~~للدواب فمثل هذا يوجب الفساد في العالم و قد يكون غير ممكن مثل من أراد أن ~~يجعل الحجارة تسبح على وجه الماء كالسفن أو تصعد إلى السماء كالريح و نحو ~~ذلك # فالنفوس الخبيثة لاتصلح أن تكون في الجنة الطيبة التى ليس فيها من ms0804 الخبث ~~شيء فان ذلك موجب للفساد أو غير ممكن # بل إذا كان فى النفس خبث طهرت و هذبت حتى تصلح لسكنى الجنة # كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبى صلى الله ~~عليه و سلم ( إن المؤمنين إذا نجوا من النار أي عبروا الصراط و قفوا على ~~قنطرة بين الجنة و النار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ~~فاذا هذبوا و نقوا أذن لهم فى دخول الجنة ( PageV14P344 # وهذا مما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه و سلم ( يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة و النار ~~فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم فى الدنيا حتى إذا هذبوا و نقوا أذن ~~لهم فى دخول الجنة فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله فى الجنة منه ~~بمنزلة كان في الدنيا ( # والتهذيب التخليص كما يهذب الذهب فيخلص من الغش # فتبين أن الجنة إنما يدخلها المؤمنون بعد التهذيب و التنقية من بقايا ~~الذنوب فكيف بمن لم يكن له حسنات يعبر بها الصراط # و أيضا فاذا كان سببها ثابتا فالجزاء كذلك بخلاف الحسنة فانها من إنعام ~~الحي القيوم الباقى الأول الآخر فسببها دائم فيدوم بدوامه # وإذا علم الانسان أن السيئة من نفسه لم يطمع فى السعادة التامة مع ما فيه ~~من الشر بل علم تحقيق قوله تعالى @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ و قوله ^ ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره ^ PageV14P345 # وعلم أن الرب عليم حليم رحيم عدل و أن أفعاله جارية على قانون العدل و ~~الاحسان و كل نعمة منه فضل و كل نقمة منه عدل # وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ^ يمين الله ملأى لا ~~يغضيها نفقة سحاء الليل و النهار أرايتم ما أنفق منذ خلق السموات و الأرض ~~فانه لم يغض ما فى يمينه و القسط بيده الأخرى يخفض و يرفع ^ # وعلم ms0805 فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب و العقاب بلا حكمة و لا عدل و ~~لا وضع للأشياء مواضعها فيصفون الرب بما يوجب الظلم و السفه و هو سبحانه قد ~~شهد ^ أنه لاإله إلاهو و الملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط لاإله إلاهو ~~العزيز الحكيم ^ و لهذا يقولون لاندري ما يفعل بمن فعل السيئات بل يجوز ~~عندهم أن يعفو عن الجميع و يجوز عندهم أن يعذب الجميع و يجوز أن يعذب و ~~يغفر بلا موازنة بل يعفو عن شر الناس و يعذب خير الناس على سيئة صغيرة و لا ~~يغفرها له # وهم يقولون السيئة لا تمحى لا بتوبة و لا حسنات ماحية و لا غير ذلك و قد ~~لايفرقون بين الصغائر و الكبائر PageV14P346 # قالوا لأن هذا كله إنما يعلم بالسمع و الخبر خبر الله و رسوله قالوا و ~~ليس في الكتاب و السنة مايبين ما يفعل الله بمن كسب السيئات إلا الكفر و ~~تأولوا قوله تعالى ^ إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ^ بأن ~~المراد بالكبائر قد يكون هو الكفر وحده كما قال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به @QE@ # و قد ذكر هذه الأمور القاضي أبو بكر ابن الباقلاني و غيره ممن يقول بمثل ~~هذه الأقوال ممن سلك مسلك جهم بن صفوان في القدر و فى الوعيد و هؤلاء قصدوا ~~مناقضة المعتزلة فى القدر و الوعيد # فأولئك لما قالوا إن الله لم يخلق أفعال العباد و أنه يشاء مالا يكون و ~~يكون مالا يشاء و سلكوا مسلك نفاة القدر فى هذا و قالوا في الوعيد بنحو قول ~~الخوارج قالوا إن من دخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة و لا غيرها بل يكون ~~عذابه مؤبدا فصاحب الكبيرة أو من رجحت سيئاته عندهم لايرحمه الله أبدا بل ~~يخلده في النار فخالفوا السنة المتواترة و إجماع الصحابة فيما قالوه فى ~~القدر و ناقضهم جهم فى هذا و هذا # وسلك هؤلاء مسلك جهم مع انتسابهم إلى أهل السنة و الحديث PageV14P347 ~~واتباع ms0806 السلف و كذلك سلكوا فى الايمان و الوعيد مسلك المرجئة الغلاة كجهم و ~~أتباعه # وجهم اشتهر عنه نوعان من البدعة نوع فى الأسماء و الصفات فغلا فى نفي ~~الأسماء و الصفات ووافقه على ذلك ملاحدة الباطنة و الفلاسفة و نحوهم و ~~وافقه المعتزلة فى نفي الصفات دون الأسماء # والكلابية و من وافقهم من السالمية و من سلك مسلكهم من الفقهاء و أهل ~~الحديث و الصوفية وافقوه على نفي الصفات الاختيارية دون نفي أصل الصفات # والكرامية و نحوهم و افقوه على أصل ذلك و هو امتناع دوام مالا يتناهى و ~~أنه يمتنع أن يكون الله لم يزل متكلما إذا شاء و فعالا لما يشاء إذا شاء ~~لامتناع حوادث لا أول لها و هو عن هذا الأصل الذي هو نفى و جود مالا يتناهى ~~فى المستقبل قال بفناء الجنة # والنار وقد و افقه أبو الهذيل إمام المعتزلة على هذا لكن قال بتناهى ~~الحركات # فالمعتزلة فى الصفات مخانيث الجهمية PageV14P348 # و اما الكلابية فيثبتون الصفات في الجملة و كذلك الأشعريون و لكنهم كما ~~قال الشيخ أبو اسماعيل الانصاري الجهمية الاناث و هم مخانيث المعتزلة # ومن الناس من يقول المعتزلة مخانيث الفلاسفة # وقد ذكر الأشعري و غيره هذا لأن قائله لم يعلم أن جهما سبق هؤلاء إلى هذا ~~الأصل أو لأنها مخانيثهم من بعض الوجوه و إلا فان مخالفتهم للفلاسفة كبيرة ~~جدا # والشهر ستاني ستانى يذكر عن شيوخهم أنهم أخذوا ما أخذوا عن الفلاسفة لأن ~~الشهرستانى إنما يرى مناظرة أصحابه الأشعرية فى الصفات و نحوها مع المعتزلة ~~بخلاف أئمة السنة و الحديث فان مناظرتهم إنما كانت مع الجهمية و هم ~~المشهورون عند السلف و الأمة بنفى الصفات # وأهل النفي للصفات و التعطيل لها هم عند السلف يقال لهم الجهمية و بهذا ~~تميزوا عند السلف عن سائر الطوائف # وأما المعتزلة فامتازوا بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين لما أحدث ذلك عمرو ~~بن عبيد و كان هو و أصحابه يجلسون معتزلين للجماعة فيقول قتادة و غيره ~~أولئك المعتزلة و ms0807 كان ذلك بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية ~~PageV14P349 # وبعدهم حدثت الجهمية # و كان القدر قد حدث أهله قبل ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير بعد موت ~~معاوية و لهذا تكلم فيهم إبن عمر و ابن عباس رضي الله عنهم و غيرهما وابن ~~عباس مات قبل ابن الزبير و ابن عمر مات عقب موته و عقب ذلك تولى الحجاج ~~العراق سنة بضع و سبعين # فبقي الناس يخوضون فى القدر بالحجاز و الشام و العراق و أكثره كان بالشام ~~و العراق بالبصرة و أقله كان بالحجاز # ثم لما حدثت المعتزلة بعد موت الحسن و تكلم فى المنزلة بين المنزلتين و ~~قالوا بانفاذ الوعيد و خلود أهل التوحيد فى النار و أن النار لا يخرج منها ~~من دخلها و هذا تغليظ على أهل الذنوب ضموا إلى ذلك القدر فان به يتم ~~التغليظ على أهل الذنوب و لم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئا من نفي ~~الصفات # إلى أن ظهر الجعد بن درهم و هو أولهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري و ~~قال ^ أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإنى مضح بالجعد بن درهم إنه زعم ~~أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا PageV14P350 ولم يكلم موسى تكليما تعالى ~~الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ^ ثم نزل فذبحه و هذا كان بالعراق ثم ظهر ~~جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ و منها ظهر رأي جهم # ولهذا كان علماء السنة و الحديث بالمشرق أكثر كلاما فى رد مذهب جهم من ~~أهل الحجاز و الشام و العراق مثل إبراهيم بن طهمان و خارجة بن مصعب و مثل ~~عبد الله بن المبارك و أمثالهم و قد تكلم فى ذمهم و ابن الماجشون و غيرهما ~~و كذلك الأوزاعي و حماد بن زيد و غيرهم # وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الامام أحمد بن حنبل و غيره من علماء ~~السنة فانهم فى امارة المأمون قووا و كثروا فانه كان قد أقام بخراسان مدة ms0808 و ~~اجتمع بهم ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثماني عشرة و مائتين و فيها مات و ~~ردوا أحمد بن حنبل إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين و فيها كانت محنته مع ~~المعتصم و مناظرته لهم في الكلام فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه و بين أن ~~لا حجة لهم في شيء من ذلك و أن طلبهم من الناس أن يوافقوهم و إمتحانهم ~~اياهم جهل و ظلم و أراد المعتصم إطلاقه فأشار عليه من أشار بأن المصلحة ضر ~~PageV14P351 به حتى لاتنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة فلما ضربوه قامت ~~الشناعة عليهم فى العامة و خافوا الفتنة فأطلقوه # وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من ~~جميع الطوائف فجمع له مثل أبى عيسى محمد بن عيسى برغوث و من أكابر النجارية ~~أصحاب حسين النجار # وأئمة السنة كابن المبارك و أحمد بن اسحاق و البخاري و غيرهم يسمون جميع ~~هؤلاء جهمية # وصار كثير من المتأخرين من اصحاب أحمد و غيرهم يظنون أن خصومه كانوا ~~المعتزلة # ويظنون أن بشر بن غياث المريسي و إن كان قد مات قبل محنة أحمد و ابن ابى ~~دؤاد و نحوهما كانوا معتزلة و ليس كذلك # بل المعتزلة كانوا نوعا من جملة من يقول القرآن مخلوق و كانت الجهمية ~~أتباع جهم و النجارية أتباع حسين النجار و الضرارية أتباع ضرار بن عمرو و ~~المعتزلة هؤلاء يقولون القرآن مخلوق و بسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن جهما اشتهر عنه نوعان من البدعة أحدهما PageV14P352 نفي ~~الصفات و الثاني الغلو فى القدر و الارجاء فجعل الايمان مجرد معرفة القلب و ~~جعل العباد لافعل لهم و لا قدرة # وهذان مما غلت المعتزلة فى خلافه فيهما # وأما الأشعري فوافقه على أصل قوله و لكن قد ينازعه منازعات لفظية # وجهم لم يثبت شيئا من الصفات لا الارادة و لا غيرها فهو إذا قال إن الله ~~يحب الطاعات و يبغض المعاصي فمعنى ذلك عنده الثواب و ms0809 العقاب # وأما الأشعري فهو يثبت الصفات كالارادة فاحتاج حينئذ أن يتكلم في الارادة ~~هل هي المحبة أم لا و أن المعاصي هل يحبها الله أم لا فقال إن المعاصي ~~يحبها الله و 4 يرضاها كما يريدها # وذكر أبو المعالي الجويني أنه أول من قال ذلك و أن أهل السنة قبله كانوا ~~يقولون إن الله لا يحب المعاصي # وذكر الأشعري في الموجز أنه قد قال ذلك قبله طائفة سماهم أشك فى بعضهم ~~PageV14P353 # وشاع هذا القول فى كثير من الصوفية و مشايخ المعرفة و الحقيقة فصاروا ~~يوافقون جهما في مسائل الأفعال و القدر و إن كانوا مكفرين له فى مسائل ~~الصفات كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب ( ذم الكلام ( فانه من ~~المبالغين فى ذم الجهمية لنفيهم الصفات و له كتاب ( تكفير الجهمية ( و ~~يبالغ فى ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة و الحديث و ~~ربما كان يلعنهم # وقد قال له بعض الناس بحضرة نظام الملك أتلعن الأشعرية فقال ألعن من يقول ~~ليس فى السموات إله و لا فى المصحف قرآن و لا فى القبر نبى و قام من عنده ~~مغضبا # ومع هذا فهو فى مسألة إرادة الكائنات و خلق الأفعال أبلغ من الأشعرية ~~لايثبت سببا و لا حكمة بل يقول إن مشاهدة العارف الحكم لاتبقى له استحسان ~~حسنة و لا استقباح سيئة # والحكم عنده هي المشيئة لأن العارف المحقق عنده هو من يصل إلى مقام ~~الفناء فيفنى عن جميع مراداته بمراد الحق و جميع الكائنات مرادة له و هذا ~~هو الحكم عنده و ( الحسنة ( و ( السيئة ) يفترقان فى حظ العبد لكونه ينعم ~~بهذه و يعذب بهذه و الالتفات إلى هذا هو من حظوظ النفس و مقام الفناء ليس ~~فيه إلا مشاهدة مراد الحق PageV14P354 # وهذه المسألة و قعت في زمن الجنيد كما ذكر ذلك فى غير موضع و بين لهم ~~الجنيد الفرق الثانى و هم أنهم مع مشاهدة المشيئة العامة لابد لهم من ~~مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله ms0810 به و ما ينهى عنه و هو الفرق بين ما يحبه و ~~ما يبغضه و بين لهم الجنيد كما قال فى التوحيد هو إفراد الحدوث عن القدم # فمن سلك مسلك الجنيد من أهل التصوف و المعرفة كان قد اهتدى و نجا و سعد # ومن لم يسلك فى القدر مسلكه بل سوى بين الجميع لزمه أن لايفرق بين ~~الحسنات و السيئات و بين الأنبياء و الفساق فلا يقول إن الله يحب هؤلاء و ~~هذه الأعمال و لا يبغض هؤلاء و هذه الأعمال بل جميع الحوادث هو يحبها كما ~~يريدها كما قاله الأشعري و إنما الفرق أن هؤلاء ينعمون و هؤلاء يعذبون # والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا و هذا بالنسبة إلى المخلوق كان أعقل ~~منهم # فان هؤلاء يدعون أن العارف الواصل إلى مقام الفناء لايفرق بين هذا و هذا ~~PageV14P355 # وهم غلطوا فى حق العبد و حق الرب # أما في حق العبد فيلزمهم أن تستوى عنده جميع الحوداث و هذا محال قطعا و ~~هم قد تمر عليهم أحوال يفنون فيها عن أكثر الأشياء أما الفناء عن جميعها ~~فممتنع فانه لابد أن يفرق كل حي بين ما يؤلمه و بين ما يلذه فيفرق بين ~~الخبز و التراب و الماء و الشراب # فهؤلاء عزلوا الفرق الشرعي الايمانى الرحمانى الذي به فرق الله بين ~~أوليائه و أعدائه و ظنوا أنهم مع الجمع القدري # وعلى هذا فان تسوية العبد بين جميع الحوداث ممتنع لذاته بل لابد للعبد من ~~أن يفرق فان لم يفرق بالفرق الشرعي فيفرق بين محبوب الحق و مكروهه و بين ما ~~يرضاه و ما يسخطه و إلا فرق بالفرق الطبعي بهواه و شيطانه فيحب ما تهواه ~~نفسه و ما يأمر به شيطانه # ومن هنا وقع منهم خلق كثير فى المعاصي وآخرون فى الفسوق و آخرون فى الكفر ~~حتى جوزوا عبادة الأصنام # ثم كثير منهم من ينتقل إلى وحدة الوجود و هم الذين خالفوا PageV14P356 ~~الجنيد و أئمة الدين في التوحيد فلم يفرقوا بين القديم ms0811 و المحدث # وهؤلاء صرحوا بعبادة كل موجود كما قد بسط الكلام عليهم فى غير هذا الموضع ~~و هو قول أهل الوحدة كابن عربي الحاتمي و ابن سبعين و القونوي و التلمسانى ~~و البليانى و ابن الفارض و أمثالهم # المقصود هنا الكلام على من نفى الحكم و العدل و الأسباب فى القدر من أهل ~~الكلام و المتصوفة الذين وافقوا جهما فى هذا الأصل و هو بدعته الثانية التى ~~اشتهرت عنه بخلاف الارجاء فانه منسوب إلى طوائف غيرة # فهؤلاء يقولون إن الرب يجوز أن يفعل كل مايقدر عليه و يمكن فعله من غير ~~مراعاة حكمة و لا رحمة و لا عدل و يقولون إن مشيئته هي محبته # ولهذا تجد من اتبعهم غير معظم للأمر و النهي و الوعد و الوعيد بل هو منحل ~~عن الأمر الشرعي كله أو عن بعضه أو متكلف لما يعتقده أو يعلمه فانهم أرادوا ~~أن الجميع بالنسبة إلى الرب سواء و أن كل ماشاء فقد أحبه و أنه يحدث ما ~~يحدثه بدون أسباب يخلقه بها و لا حكمة يسوقه إليها بل غايته أنه يسوق ~~المقادير إلى المواقيت PageV14P357 # لم يبق عندهم فرق في نفس الأمر بين المأمور و المحظور بل وافقوا جهما و ~~من قال بقوله كالأشعري فى أنه فى نفس الأمر لاحسن و لاسىء و إنما الحسن و ~~القبح مجرد كونه مأمورا به و محظورا و ذلك فرق يعود إلى حظ العبد و هؤلاء ~~يدعون الفناء عن الحظوظ # فتارة يقولون فى امتثال الأمر و النهي أنه من مقام التلبيس أو ما يشبه ~~هذا كما يوجد فى كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين # وتارة يقولون يفعل هذا لأهل المارستان أي العامة كما يقوله الشيخ المغربى ~~إلى أنواع ليس هذا موضع بسطها # ومن يسلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر و النهي أن يقول كما نقل عن الشاذلي ~~يكون الجمع فى قلبك مشهودا و الفرق على لسانك موجودا # ولهذا يوجد فى كلامه و كلام غيره أقوال و أدعية و أحزاب ms0812 تستلزم تعطيل ~~الأمر و النهي مثل أن يدعو أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا ~~أطاعه و نحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل PageV14P358 الذين اجترحوا ~~السيئات كالذين آمنوا و عملوا الصالحات بل أفضل منهم و يدعون بأدعية فيها ~~اعتداء كما يوجد فى جواب الشاذلي و قد بسط الكلام على هذا فى غير هذا ~~الموضع # وآخرون من عوام هؤلاء يجوزون أن يكرم الله بكرامات أكابر الأولياء من ~~يكون فاجرا بل كافرا و يقولون هذه موهبة و عطية يعطيها الله من يشاء ماهي ~~متعلقة لا بصلاة و لا بصيام و يظنون أن تلك من كرامات الأولياء و تكون ~~كراماتهم من الأحوال الشيطانية التى يكون مثلها للسحرة و الكهان قال الله ~~تعالى ^ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله و راء ظهورهم كأنهم لايعلمون و اتبعوا ماتتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان و ما كفر سليمان و لكن الشياطين كفروا يعلمون ~~الناس السحر و ما أنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت ^ # وقد قال النبى صلى الله عليه و سلم ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ( والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله ~~القرآن عدل كثير منهم ممن أضله الشيطان من المنتسبين إلى الاسلام إلى أن ~~نبذ كتاب الله PageV14P359 و راء ظهره و اتبع ماتتلوه الشياطين فلا يعظم ~~أمر القرآن و لا نهيه و لا يوالى من أمر القرآن بموالاته ولايعادي من أمر ~~القرآن بمعاداته بل يعظم من رآه يأتى ببعض خوارقهم التى يأتى بمثلها السحرة ~~و الكهان باعانة الشياطين و هي تحصل بما تتلوه الشياطين # ثم منهم من يعرف أن هذا من الشيطان و لكن يعظم ذلك لهواه و يفضله على ~~طريق القرآن ليصل به إلى تقديس العامة و هؤلاء كفار كالذين قال الله تعالى ~~فيهم ^ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و ~~يقولون للذين كفروا ms0813 هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم ~~الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا ^ # وهؤلاء ضاهوا الكفار الذين قال الله تعالى فيهم ^ و لما جاءهم رسول الله ~~من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ~~ظهورهم كأنهم لا يعلمون و اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان و ما ~~كفر سليمان و لكن الشياطين كفروا ^ الآية # ومنهم من لايعرف أن هذا من الشياطين # وقد يقع فى مثل هذا طوائف من أهل الكلام و العلم وأهل PageV14P360 ~~العبادة و التصوف حتى جوزوا عبادة الكواكب و الأصنام و لما رأوه فيها من ~~الأحوال العجيبة التى تعينهم عليها الشياطين لما يحصل لهم بها من بعض ~~أغراضهم من الظلم و الفواحش فلا يبالون بشركهم بالله و لاكفرهم به و بكتابه ~~إذا نالوا ذلك و لم يبالوا بتعليم ذلك للناس و تعظيمهم لهم لرياسة ينالونها ~~أو مال ينالونه و إن كانوا قد علموا أنه الكفر و الشرك عملوه و دعوا إليه ~~بل حصل عندهم ريب و شك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم أو اعتقاد ~~أن الرسول خاطب الجمهور بما لا حقيقة له في الباطن لأجل مصلحة الجمهور كما ~~يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة و الملاحدة و الباطنية # وقد دخل فى رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء و هؤلاء و هذا مما ضاهوا به فارس و ~~الروم و غيرهم فان فارس كانت تعظم الأنوار و تسجد للشمس و للنار و الروم ~~كانوا قبل النصرانية مشركين يعبدون الكواكب و الأصنام فهؤلاء الذين أشبهوا ~~فارس و الروم شر من الذين أشبهوا اليهود و النصارى فان اولئك ضاهوا أهل ~~الكتاب فيما بدل أونسخ و هؤلاء ضاهوا من لا كتاب له من المجوس و المشركين ~~فارس و الروم و من دخل في ذلك من الهند و اليونان # ومذهب الملاحدة الباطنية مأخوذ من قول المجوس بالأصلين PageV14P361 و من ~~قول فلاسفة اليونان بالعقول و النفوس # وأصل قول المجوس ms0814 يرجع إلى أن تكون الظلمة المضاهية للنور هي إبليس و قول ~~الفلاسفة بالنفس # فأصل الشر عبادة النفس و الشيطان و جعلهما شريكان للرب و أن يعدلا به و ~~نفس الانسان تفعل الشر بأمر الشيطان و قد علم النبى صلى الله عليه و سلم ~~أبا بكر رضي الله عنه أن يقول إذا أصبح و إذا أمسى و إذا أخذ مضجعه ^ اللهم ~~رب جبريل و ميكائيل و إسرافيل فاطر السموات و الأرض عالم الغيب و الشهادة ~~أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق ~~باذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ^ # وهذا من تمام تحقيق قوله تعالى ^ ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك ^ مع قوله تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين @QE@ ) و قوله ^ لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين # وقد ظهرت دعوى النفس الالهية في فرعون و نحوه ممن ادعى أنه إله مع الله ~~أو من دونه و ظهرت فيمن ادعى إلهية بشر مع الله كالمسيح و غيره PageV14P362 # واصل الشرك فى بنى آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين فانهم لما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم # فهذا اول شرك كان فى بني آدم و كان فى قوم نوح فانه اول رسول بعث إلى اهل ~~الأرض يدعوهم إلى التوحيد و ينهاهم عن الشرك كما قال تعالى ^ و قالوا ~~لاتذرن آلهتكم ولا تذرن ودا و لا سواعا و لا يغوث و يعوق و نسرا و قد اضلوا ~~كثيرا ^ و هذه اسماء قوم صالحين كانوا فى قوم نوح فلما ماتوا جعلوا الأصنام ~~على صورهم ثم ذهبت هذه الأصنام لما اغرق الله اهل الأرض ثم صارت إلى العرب ~~كما ذكر ذلك ابن عباس و غيره ان لم تكن اعيانها و إلا فهي نظائرها # واما الشرك بالشيطان فهذا كثير # فمتى لم يؤمن الخلق بأنه ^ لاإله إلا الله ^ بمعنى أنه المعبود المستحق ms0815 ~~للعبادة دون ما سواه و انه يحب أن يعبد و انه امر ان يعبد و انه لايعبد إلا ~~بما أحبه مما شرع من و جب و مستحب فلابد أن يقعوا في الشرك و غيره # فالذين جعلوا الأقوال و الأفعال كلها بالنسبة إلى الله سواء لايحب ~~PageV14P363 شيئا دون شيء فلا فرق عنده بين من يعبده وحده لا يشرك به شيئا ~~و بين من يعبد معه آلهة اخرى و جعلوا الأمر معلقا بمشيئة ليس معها حكمة و ~~لا رحمة و لا عدل و لا فرق فيها بين الحسنات و السيئات طمعت النفس فى نيل ~~ما تريده بدون طاعة الله و رسوله # ثم إذا جوزوا الكرامات لكل من زعم الصلاح و لم يقيدوا الصلاح بالعلم ~~الصحيح و الايمان الصادق و التقوى بل جعلوا علامة الصلاح هذه الخوارق و ~~جوزوا الخوارق مطلقا و حكوا فى ذلك مكاشفات و قالوا اقوالا منكرة # فقال بعضهم إن الولي يعطى قول ( كن ( و قال بعضهم إنه لا يمتنع على الولي ~~فعل ممكن كما لا يمتنع على الله تعالى فعل محال # وهذا قاله ابن عربى و الذين اتبعوه قالوا إن الممتنع لذاته مقدور عليه ~~ليس عندهم ما يقال إنه غير مقدور عليه للولي حتى و لا الجمع بين الضدين و ~~لا غير ذلك و زاد ابن عربى أن الولي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات و ~~الذي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات هو الله و حده # فهذا تصريح منهم بأن الولي مثل الله إن لم يكن هو الله PageV14P364 # وصرح بعضهم بأنه يعلم كل ما يعلمه الله و يقدر على كل ما يقدر الله عليه # وادعوا أن هذا كان للنبى ثم انتقل إلى الحسن بن علي ثم من الحسن إلى ~~ذريته واحدا بعد واحد حتى انتهى ذلك إلى أبي الحسن الشاذلي ثم إلى ابنه ~~خاطبني بذلك من هو من أكابر أصحابهم # وحدثني الثقة من أعيانهم أنهم يقولون إن محمدا هو الله # وحدثني بعض الشيوخ الذين لهم سلوك ms0816 و خبرة أنه كان هو و ابن هود في مكة ~~فدخلا الكعبة فقال له ابن هود و أشار إلى وسط الكعبة هذا مهبط النور الأول ~~و قال له لو قال لك صاحب هذا البيت أريد أن أجعلك إلها ماذا كنت تقول له ~~قال فقف شعري من هذا الكلام و انخنست أو كما قال # ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد الله أنه لما دخل الزنج البصرة قيل له ~~فى ذلك فقال هاه إن ببلدكم هذا من لو سألوا الله أن يزيل الجبال عن أماكنها ~~لأزالها و لو سألوه PageV14P365 أن لا يقيم القيامة لما أقامها لكنهم ~~يعلمون مواضع رضاه فلا يسألونه إلا ما يحب # وهذه الحكاية إما كذب على سهل و هو الذي نختار أن يكون حقا أو تكون غلطا ~~منه فلا حول و لا قوة إلا بالله و ذلك أن ما أخبر الله أن يكون فلابد أن ~~يكون و لو سأله أهل السموات و الأرض أن لايكون لم يجبهم مثل إقامة القيامة ~~و أن لا يملا جهنم من الجنة و الناس أجمعين و غير ذلك بل كل ما علم الله ~~أنه يكون فلا يقبل الله دعاء أحد فى أن لا يكون # لكن الدعاء سبب يقضي الله به ما علم الله أنه سيكون بهذا السبب كما يقضي ~~بسائر الأسباب ماعلم أنه سيكون بها # وقد سأل الله تعالى من هو أفضل من كل من في البصرة بكثير ماهو دون هذا ~~فلم يجابوا لما سبق الحكم بخلاف ذلك كما سأله إبراهيم عليه الصلاة و السلام ~~أن يغفر لأبيه و كما سأله نوح عليه السلام سأله نجاة ابنه فقيل له ^ يانوح ~~إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ماليس لك به علم ^ # وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه و سلم قيل له فى شأن عمه أبي PageV14P366 ~~طالب ^ ما كان للنبى و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولى ~~قربى ^ و قيل له فى المنافقين @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم ms0817 أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم @QE@ و قد قال تعالى عموما @QB@ من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه @QE@ و قال ^ و لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ^ فمن هذا ~~الذي لو سأل الله مايشاؤه هو أعطاه إياه # وسيد الشفعاء محمد صلى الله عليه و سلم يوم القيامة أخبر أنه ^ يسجد تحت ~~العرش و يحمد ربه و يثنى عليه فيقال له أي محمد ارفع رأسك و قل يسمع و سل ~~تعط و اشفع تشفع قال فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ^ و قد قال تعالى ^ ادعوا ~~ربكم تضرعا و خفية إنه لا يحب المعتدين ^ # وأي اعتداء أعظم و أشنع من أن يسأل العبد ربه أن لايفعل ما قد أخبر أنه ~~لا بد أن يفعله أو أن يفعل ماقد أخبر أنه لايفعله و هو سبحانه كما أخبر عن ~~نفسه ^ وإذا سألك عبادي عنى فانى قريب أحيب دعوة الداعي إذا دعان ^ و قال ( ~~و قال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين ) # وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( مامن PageV14P367 ~~داع يدعو الله بدعوة ليس فيها ظلم و لا قطيعة رحم إلا أعطاه لله به احدى ~~خصال ثلاث اما أن يعجل له دعوته و اما أن يدخر له من الخير مثلها واما أن ~~يصرف عنه من الشر مثلها ( # فالدعوة التى ليس فيها اعتداء يحصل بها المطلوب أو مثله و هذا غاية ~~الاجابة فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعا أو مفسدا للداعى أو لغيره و ~~الداعى جاهل لايعلم ما فيه المفسدة عليه و الرب قريب مجيب و هو أرحم بعباده ~~من الوالدة بولدها و الكريم الرحيم إذا سئل شيئا بعينه و علم أنه لا يصلح ~~للعبد إعطاؤه أعطاه نظيره كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له ~~فانه يعطيه من ماله نظيره و لله المثل الأعلى # وكما فعل النبى صلى الله عليه و سلم لما طلبت منه طائفة من بني ms0818 عمه أن ~~يوليهم و لاية لا تصلح لهم فأعطاهم من الخمس ماأغناهم عن ذلك و زوجهم كما ~~فعل بالفضل بن عباس و ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب # وقد روى في الحديث ( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ( و هذا حق ~~PageV14P368 $ فصل # ولما كان الأمر كما أخبر الله به فى قوله ^ ماأصابك من حسنة فمن الله و ~~ما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ أوجب هذا أن لا يطلب العبد الحسنات و الحسنات ~~تدخل فيها كل نعمة إلا من الله و أن يعلم أنها من الله و حده فيستحق الله ~~عليها الشكر الذي لايستحقه غيره و يعلم أنه لا إله إلا هو كما قال تعالى ^ ~~و ما بكم من نعمة فمن الله ^ فهذا يوجب على العبد شكره و عبادته وحده حده ~~ثم قال @QB@ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون @QE@ و هذا إخبار عن حالهم و ~~الجؤار يتضمن رفع الصوت # والانسان إنما يجأر إذا أصابه الضر و أما في حال النعمة فهو ساكن إما ~~شاكرا و إما كفورا ( ثم اذا مسكم الضر فاليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم ~~إذا فريق منكم بربهم يشركون PageV14P369 # وهذا المعنى قد ذكره الله في غير موضع يذم من يشرك به بعد كشف البلاء عنه ~~و إسباغ النعماء عليه فيضيف العبد بعد ذلك الانعام إلى غيره و يعبد غيره ~~تعالى و يجعل المشكور غيره على النعم كما قال تعالى ^ و إذا مس الناس ضر ~~دعوا ربهم منيبين إليه ثم اذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ~~ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ^ و قال تعالى ( قل من ينجيكم من ~~ظلمات البر و البحر تدعونه تضرعا و خفية لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين قل الله ينجيكم منها و من كل كرب ثم أنتم تشركون ^ و قال تعالى ^ ~~و إذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان ~~يدعو إليه من قبل و جعل لله أندادا ليضل ms0819 عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ~~من أصحاب النار @QB@ وقوله @QE@ نسى ماكان يدعو إليه ^ أي نسى الضر الذي ~~كان يدعو الله لدفعه عنه كما قال في سورة الأنعام ^ قل أرايتكم إن أتاكم ~~عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون ~~فيكشف ماتدعون إليه إن شاء و تنسون ماتشركون ^ # فذم الله سبحانه حزبين حزبا لايدعونه فى الضراء و لا يتوبون إليه و حزبا ~~يدعونه و يتضرعون إليه و يتوبون اليه فاذا PageV14P370 كشف الضر عنهم ~~أعرضوا عنه و أشركوا به ما اتخذوهم من الأنداد من دونه # فهذا الحزب نوعان كالمعطلة و المشركة حزب إذا نزل بهم الضر لم يدعوالله و ~~لم يتضرعوا إليه و لم يتوبوا إليه كما قال ^ و لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فأخذناهم بالبأساء و الضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا و ~~لكن قست قلوبهم و زين لهم الشيطان ماكانوا يعملون ^ و قال تعالى ^ و لقد ~~أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم و ما يتضرعون ^ و قال تعالى ^ أو لا ~~يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون و لا هم يذكرون ^ و ~~قال تعالى ^ ولنذيقهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ^ و ~~حزب يتضرعون اليه فى حال الضراء و يتوبون اليه فاذا كشفها عنهم أعرضوا عنه ~~كما قال تعالى ^ واذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ماكانوا ~~يعملون ^ و قال تعالى ^ وإذا أنعمنا على الانسان أعرض و نأى بجانبه و اذا ~~مسه الشر فذو دعاء عريض ^ و قال تعالى ^ و اذا مسكم الضر فى البحر ضل من ~~تدعون الا اياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم و كان الانسان كفورا ^ و قال فى ~~المشركين ماتقدم ( ثم إذا مسكم الضر فاليه تجأرون ثم اذا كشف PageV14P371 ~~الضر عنكم اذا فريق منكم بربهم يشركون ( # والممدوح هو القسم الثالث و هم ms0820 الذين يدعونه و يتوبون اليه و يثبتون على ~~عبادته و التوبة اليه في حال السراء فيعبدونه و يطيعونه في السراء و الضراء ~~و هم أهل الصبر و الشكر كما ذكر ذلك عن أنبيائه عليهم السلام فقال تعالى ^ ~~و ذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى فى الظلمات أن لاإله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له و نجيناه من الغم و كذلك ~~ننجى المؤمنين ^ و قال تعالى ^ و لقد فتنا سليمان و ألقينا على كرسيه جسدا ~~ثم أناب قال رب اغفر لي و هب لي ملكا لاينبغى لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ~~^ و قال تعالى ^ و هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ~~ففزع منهم قالوا لاتخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق و لا ~~تشطط و اهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع و تسعون نعجة و له نعجة ~~واحدة فقال اكفلنيها و عزنى في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ~~و إن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا و عملوا ~~الصالحات و قيل ماهم و ظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه و خر راكعا و أناب ~~فغفرنا له ذلك و إ ن له عندنا لزلفى و حسن مآب ^ و قال تعالى عن آدم و حواء ~~( فدلاهما بغرور فلما ذاقا PageV14P372 الشجرة بدت لهما سوآتهما و طفقا ~~يخصفان عليهما من و رق الجنة و ناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة و ~~أقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر ~~لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين ) و قال @QB@ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب ~~عليه إنه هو التواب الرحيم @QE@ # وقال تعالى عن المؤمنين الذين قتل نبيهم ^ و كأين من نبى قتل معه ربيون ~~كثير فما و هنوا لما أصابهم فى سبيل الله و ما ضعفوا و ما استكانوا و الله ~~يحب الصابرين ms0821 و ما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا و اسرافنا ~~في أمرنا و ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب ~~الدنيا و حسن ثواب الآخرة و الله يحب المحسنين # وقوله ( قتل ( أي النبى قتل هذا أصح القولين و قوله ^ معه ربيون كثير ^ ~~جملة فى موضع الخبر صفة للنبى صفة بعد صفة أي كم من نبى معه ربيون كثير قتل ~~و لم يقتلوا معه فانه كان يكون المعنى أنه قتل و هم معه و المقصود أنه كان ~~معه ربيون كثير و قتل فى الجملة و أولئك الربيون ^ ماوهنوا لما أصابهم فى ~~سبيل الله و ما و ما ضعفوا و ما استكانوا ^ PageV14P373 و ( الربيون ( ~~الجموع الكثيرة و هم الألوف الكثيرة # وهذا المعنى هو الذي يناسب سبب النزول و هو ما أصابهم يوم أحد لما قيل ( ~~إن محمدا قد قتل ( و قد قال قبل ذلك ( و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين ( و هى التى تلاها أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه يوم مات النبى صلى الله عليه و سلم و قال ( من كان يعبد محمدا فان ~~محمدا قد مات و من كان يعبد الله فان الله حي لايموت ( # فانه عند قتل النبى و موته تحصل فتنة عظيمة للناس المؤمنين و الكافرين و ~~تحصل ردة و نفاق لضعف قلوب أتباعه لموته و لما يلقيه الشيطان فى قلوب ~~الكافرين إن هذا قد انقضى أمره و ما بقى يقول دينه و انه لو كان نبيا لما ~~قتل و غلب و نحو ذلك فأخبر الله تعالى أنه كم من نبى قتل # فان بنى اسرائيل كثيرا من الأنبياء و النبى معه ربيون كثير أتباع له و قد ~~يكون قتله فى غير حرب و لا قتال بل يقتل و قد اتبعه ربيون كثير فما و هن ~~المؤمنون لما أصابهم بقتله ms0822 و ما ضعفوا و ما استكانوا و الله يحب الصابرين و ~~لكن استغفروا لذنوبهم التى بها PageV14P374 تحصل المصائب فما أصابهم من ~~سيئة فمن أنفسهم و سألو الله أن يغفر لهم و أن يثبت أقدامهم فيثبتهم على ~~الايمان و الجهاد لئلا يرتابوا و لا ينكلوا عن الجهاد قال تعالى ^ إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و ~~أنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ^ و سألوه أن ينصرهم على القوم ~~الكافرين سألوا ربهم ما يفعل لهم فى أنفسهم من التثبيت و ما يعطيهم من عنده ~~من النصر فانه هو الناصر و حده و ما لنصر إلا من عند الله و كذا أنزل ~~الملائكة عونا لهم قال تعالى لما أنزل الملائكة ^ و ما جعله الله إلا بشرى ~~و لتطمئن به قلوبكم و ما النصر إلا من عند الله ان الله عزيز حكيم ^ و قال ~~تعالى ^ فآتاهم الله ثواب الدينا و حسن ثواب الآخرة و الله يحب المحسنين ^ ~~و هذا مبسوط في موضع آخر # المقصود هنا أنه لما كانت الحسنة من إحسانه تعالى والمصائب من نفس ~~الانسان و ان كانت بقضاء الله و قدره وجب على العبد أن يشكر ربه سبحانه و ~~أن يستغفره من ذنوبه و أن لا يتوكل إلا عليه وحده فلا يأتى بالحسنات إلا هو ~~فأوجب ذلك للعبد توحيده و التوكل عليه وحده و الشكر له وحده و الاستغفار من ~~الذنوب PageV14P375 # وهذه الأمور كان النبى صلى الله عليه و سلم يجمعها في الصلاة كما ثبت عنه ~~فى الصحيح ( أنه صلى الله عليه و سلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول ربنا ~~و لك الحمد ملء السماء و ملء الأرض و ملء ما بينهما و ملء ما شئت من شيء ~~بعد أهل الثناء و المجد أحق ما قال العبد و كلنا لك عبد ( فهذا حمد و هو ~~شكر لله تعالى و بيان أن حمده أحق ما قاله العبد ثم يقول بعد ذلك ( اللهم ~~لامانع ms0823 لما أعطيت و لا معطي لما منعت و لا ينفع ذا الجد منك الجد ( # وهذا تحقيق لوحدانيته لتوحيد الربوبية خلقا و قدرا و بداية و هداية هو ~~المعطي المانع لامانع لما أعطى و لا معطى لما منع و لتوحيد الالهية شرعا و ~~أمرا و نهيا و هو أن العباد و إن كانوا يعطون ملكا و عظمة و بختا و رياسة ~~في الظاهر أو في الباطن كأصحاب المكاشفات و التصرفات الخارقة ( فلا ينفع ذا ~~الجد منك الجد ( أي لاينجيه و لا يخلصه من سؤالك و حسابك حظه و عظمته و ~~غناه # ولهذا قال ( لاينفعه منك ( و لم يقل ( لاينفعه عندك ( فانه لو قيل ذلك ~~أوهم أنه لا يتقرب به اليك لكن قد لايضره فيقول صاحب الجد إذا سلمت من ~~العذاب فى الآخرة فما أبالي كالذين PageV14P376 أوتوا النبوة و الملك لهم ~~ملك فى الدنيا و هم من السعداء فقد يظن ذو الجد الذي لم يعمل بطاعة الله من ~~بعده أنه كذلك فقال ( ولا ينفع ذا الجد منك ( ضمن ( ينفع ( معنى ( ينجى و ~~يخلص ( فبين أن جده لا ينجيه من العذاب بل يستحق بذنوبه ما يستحقه أمثاله و ~~لا ينفعه جده منك فلا ينجيه و لا يخلصه فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد و ~~تحقيق قوله ^ إياك نعبد و إياك نستعين ^ و قوله ^ فاعبده و توكل عليه ^ و ~~قوله ^ عليه توكلت و إليه أنيب ^ و قوله ^ و اذكر اسم ربك و تبتل اليه ~~تبتيلا رب المشرق و المغرب لا إله إلا هو فاتخذه و كيلا ^ فقوله ^ لامانع ~~لما أعطيت و لا معطى لما منعت ^ توحيد الربوبية الذي يقتضى أنه سبحانه هو ~~الذي يسأل و يدعى و يتوكل عليه # وهو سبب لتوحيد الالهية و دليل عليه كما يحتج به فى القرآن على المشركين ~~فان المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد توحيد الربوبية و مع هذا يشركون ~~بالله فيجعلون له أندادا يحبونهم كحب الله و يقولون إنهم شفعاؤنا عنده و ~~إنهم يتقربون بهم اليه فيتخذونهم شفعاء و ms0824 قربانا كما قال تعالى ^ ويعبدون ~~من دون الله مالا PageV14P377 يضرهم و لا ينفعهم و يقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله ^ و قال تعالى ^ و الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى ^ و قال تعالى ^ و لقد أهلكنا ما حولكم من القرى و ~~صرفنا الآيات لعلهم يرجعون فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~آلهه بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم و ما كانوا يفترون ^ # وهذا التوحيد هو عبادة الله و حده لاشريك له و أن لانعبده إلا بما أحبه و ~~ما رضيه و هو ما أمر به و شرعه عى ل ألسن رسله صلوات الله عليهم فهو متضمن ~~لطاعته و طاعة رسوله و موالاة أوليائه و معاداة أعدائه و أن يكون الله و ~~رسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما # وهو يتضمن أن يحب الله حبا لا يماثله و لا يساويه فيه غيره بل يقتضى أن ~~يكون رسوله صلى الله عليه و سلم أحب اليه من نفسه # فاذا كان الرسول لأجل أنه رسول الله يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه ~~فكيف بربه سبحانه # و تعالى وفى صحيح البخاري أن عمر قال ( يارسول الله و الله إنك لأحب إلي ~~من كل شيء إلا من نفسي فقال لايا عمر حتى أكون PageV14P378 أحب اليك من ~~نفسك قال فو الذي بعثك بالحق إنك لأحب إلي من نفسي قال الآن ياعمر ( # وقد قال تعالى @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ و قال تعالى ^ ~~قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و اخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب اليكم من الله و ~~رسوله و جهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم ~~الفاسقين ^ # فان لم يكن الله و رسوله و الجهاد فى سبيله أحب إلى العبد من الأهل و ~~المال على اختلاف أنواعه فانه داخل تحت هذا الوعيد # فهذا التوحيد توحيد الالهية يتضمن فعل المأمور و ترك ms0825 المحظور # ومن ذلك الصبر على المقدور كما أن الأول يتضمن الاقرار بأنه لا خالق و لا ~~رازق معطي و لا مانع إلا الله و حده فيقتضى أن لا يسأل العبد غيره و لا ~~يتوكل إلا عليه و لا يستعين إلا به كما قال تعالى فى النوعين ^ إياك نعبد و ~~إياك نستعين ^ و قال ^ فاعبده و توكل عليه ^ PageV14P379 # وهذا التوحيد هو الفارق بين الموحدين و المشركين و عليه يقع الجزاء و ~~الثواب فى الأولى و الآخرة فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين فان ~~الله لايغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء # أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون و كانوا يعبدون مع الله غيره و ~~يحبونهم كما يحبونه فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم ~~فاذا كان الله هو رب كل شيء و مليكه و لا خالق و لا رازق إلا هو فلماذا ~~يعبدون غيره معه و ليس له عليهم خلق و لا رزق و لا بيده لهم منع و لا عطاء ~~بل هو عبد مثلهم لا يملك لنفسه ضرا و لانفعا و لا موتا و لا حياة و لا ~~نشورا # فان قالوا ( ليشفع ( فقد قال الله ( من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه ) ~~فلا يشفع من له شفاعة من الملائكة و النبيين إلا باذنه و أما قبورهم و ما ~~نصب عليها من قباب و أنصاب أو تماثيلهم التى مثلت على صورهم مجسدة أو ~~مرقومة فجعل الاستشفاع بها استشفاعا بهم فهذا باطل عقلا و شرعا فانها ~~لاشفاعة لها بحال و لا لسائر الأصنام التى عملت للكواكب و الجن و الصالحين ~~و غيرهم PageV14P380 وإذا كان الله لايشفع أحد عنده إلا باذنه و لايشفعون ~~إلا لمن ارتضى فما بقي الشفعاء شركاء كشفاعة المخلوق عند المخلوق فان ~~المخلوق يشفع عنده نظيره أو من هو أعلى منه أو دونه بدون إذن المشفوع اليه ~~و يقبل المشفوع إليه و لابد شفاعته إما لرغبته إليه أو فيما عنده من ms0826 قوة أو ~~سبب ينفعه به أو يدفع عنه ما يخشاه و إما لرهبته منه وإما لمحبته إياه و ~~إما للمعاوضة بينهما و المعاونة و إما لغير ذلك من الأسباب # وتكون شفاعة الشفيع هي التى حركت إرادة المشفوع إليه و جعلته مريدا ~~للشفاعة بعد أن لم يكن مريدا لها كأمر الآمر الذي يؤثر في المأمور فيفعل ما ~~أمره به بعد أن لم يكن مريدا لفعله # و كذلك سؤال المخلوق للمخلوق فانه قد يكون محركا له إلى فعل ما سأله # فالشفيع كما أنه شافع للطالب شفاعته فى الطلب فهو أيضا قد شفع المشفوع ~~إليه فبشفاعته صار المشفوع اليه فاعلا للمطلوب فقد شفع الطالب و المطلوب # والله تعالى وتر لايشفعه أحد فلا يشفع عنده أحد إلا باذنه PageV14P381 ~~فالأمر كله إليه و حده فلا شريك له بوجه و لهذا ذكر سبحانه نفى ذلك فى آية ~~الكرسي التى فيها تقرير التوحيد فقال ^ له ما فى السموات و ما فى الأرض من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه ^ # وسيد الشفعاء صلى الله عليه و سلم يوم القيامة إذ سجد و حمد ربه يقال له ~~( ارفع راسك و قل يسمع وسل تعطه و اشفع تشفع فيحد له حدا فيدخلهم الجنة ( ~~فالأمر كله لله كما قال @QB@ قل إن الأمر كله لله @QE@ و قال لرسوله ( ليس ~~لك من الأمر شيء ^ و قال ^ ألا له الخلق و الأمر ^ # فاذا كان لا يشفع عند الله أحد إلا باذنه فهو يأذن لمن يشاء و لكن يكرم ~~الشفيع بقبول الشفاعة كما قال النبى صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح ~~( اشفعوا تؤجروا و يقضى الله على لسان نبيه ما شاء ( # وإذا دعاه الداعى و شفع عنده الشفيع فسمع الدعاء و قبل الشفاعة لم يكن ~~هذا مؤثرا فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق فانه سبحانه هو الذي جعل هذا ~~يدعو و هذا يشفع و هو الخالق لأفعال العباد فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم ~~قبلها و هو الذي و فقه للعمل ثم أثابه ms0827 عليه و هو الذي و فقه للدعاء ثم ~~أجابه فما يؤثر فيه شيء PageV14P382 من المخلوقات بل هو سبحانه الذي جعل ما ~~يفعله سببا لما يفعله # و هذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر و أن الله خالق كل شيء ~~و أنه ما شاء كان و مالم يشأ لم يكن و لا يكون شيء إلا بمشيئته و هو خالق ~~أفعال العباد كما هو خالق سائر المخلوقات قال يحيى بن سعيد القطان مازلت ~~أسمع أصحابنا يقولون إن الله خالق أفعال العباد # ولكن هذا يناقض قول القدرية فانهم إذا جعلوا العبد هو الذي يحدث و يخلق ~~أفعاله بدون مشيئة الله و خلقه لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلا لما ~~لم يكن فاعلا له فبدعائه جعله مجيبا له و بتوبته جعله قابلا للتوبة و ~~بشفاعته جعله قابلا للشفاعة # وهذا يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه # فان ( الاذن ( نوعان إذن بمعنى المشيئة و الخلق و إذن بمعنى الاباحة و ~~الاجازة # فمن الأول قوله فى السحر ( و ما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله ) فان ~~ذلك بمشيئة الله و قدرته و إلا فهو لم يبح السحر PageV14P383 # والقدرية تنكر هذا ( الاذن ( و حقيقة قولهم إن السحر يضر بدون إذن الله # وكذلك قوله @QB@ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله @QE@ فان الذي ~~أصابهم من القتل و الجراح و التمثيل و الهزيمة إذا كان باذنه فهو خالق ~~لأفعال الكفار و لأفعال المؤمنين # والنوع الثاني قوله ^ إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا إلى ~~الله باذنه ^ و قوله @QB@ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله @QE@ فان هذا يتضمن اباحته لذلك و اجازته له و رفع الجناح و ~~الحرج عن فاعله مع كونه بمشيئته و قضائه # فقوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ هو هذا الاذن الكائن ~~بقدره و شرعه و لم يرد بمجرد المشيئة و القدر فان السحر و انتصار الكفار ~~على المؤمنين كان ms0828 بذلك الاذن # فمن جعل العباد يفعلون أفعالهم بدون أن يكون الله خالقا لها و قادرا ~~عليها و مشيئا لها فعنده كل شافع و داع قد فعل ما فعل بدون خلق الله و ~~قدرته و ان كان قد أباح الشفاعة # وأما الكفر و السحر و قتال الكفار فهو عندهم بغير اذنه PageV14P384 لاهذا ~~الاذن و لا هذا الاذن فانه لم يبح ذلك باتفاق المسلمين و عندهم أنه لم يشأه ~~و لم يخلقه بل كان بدون مشيئته و خلقه # والمشركون المقرون بالقدر يقولون ان الشفعاء يشفعون بالاذن القدري و ان ~~لم يأذن لهم أباحة و جوازا ومن كان مكذبا بالقدر مثل كثير من النصارى ~~يقولون ان شفاعة الشفعاء بغير اذن لا قدري و لا شرعى والقدرية من المسلمين ~~يقولون يشفعون بغير اذن قدري # و من سأل الله بغير اذنه الشرعى فقد شفع عنده بغير اذن قدري و لا شرعى # فالداعي المأذون له فى الدعاء مؤثر فى الله عندهم لكن باباحته # والداعي غير المأذون له إذا أجاب دعاءه فقد أثر فيه عندهم لا بهذا الاذن ~~و لا بهذا الاذن كدعاء بلعام بن باعوراء و غيره و الله تعالى يقول @QB@ من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ # فان قيل فمن الشفعاء من يشفع بدون اذن الله الشرعى و ان PageV14P385 كان ~~خالقا لفعله كشفاعة نوح لابنه و شفاعة إبراهيم لأبيه و شفاعة النبى صلى ~~الله عليه و سلم لعبد الله بن أبي بن سلول حين صلى عليه بعد موته و قوله ~~@QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ قد قلتم أنه يعم النوعين فانه لو ~~أراد الاذن القدري لكان كل شفاعة داخلة في ذلك كما يدخل فى ذلك كل كفر و ~~سحر و لم يكن فرق بين ما يكون باذنه و ما لا يكون باذنه و لو اراد الاذن ~~الشرعي فقط لزم قول القدرية و هؤلاء قد شفعوا بغير اذن شرعي # قيل المنفى من الشفاعة بلا اذن هي الشفاعة التامة و هي المقبولة كما فى ~~قول ms0829 المصلي ^ سمع الله لمن حمده ^ اي استجاب له و كما فى قوله تعالى @QB@ ~~هدى للمتقين @QE@ و قوله @QB@ إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ و قوله @QB@ ~~فذكر بالقرآن من يخاف وعيد @QE@ و نحو ذلك # فان الهدى و الانذار و التذكير و التعليم لابد فيه من قبول المتعلم فاذا ~~تعلم حصل له التعليم المقصود و الا قيل علمته فلم يتعلم كما قيل ^ و اما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ^ فكذلك الشفاعة # فالشفاعة مقصودها قبول المشفوع اليه و هي الشفاعة التامة فهذه هي التى لا ~~تكون الا باذنه و اما اذا شفع شفيع فلم تقبل PageV14P386 شفاعته كانت ~~كعدمها و كان على صاحبها التوبة و الاستغفار منها كما قال نوح ^ رب اني ~~اعوذ بك ان اسألك ماليس لي به علم و الا تغفر لي و ترحمني أكن من الخاسرين ~~^ و كما نهى الله النبى صلى الله عليه و سلم عن الصلاة على المنافقين و قال ~~له ^ و لا تصل على أحد منهم مات ابدا و لا تقم على قبره انهم كفروا بالله ~~رسوله و ماتوا و هم فاسقون ^ و قال له @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم @QE@ و لهذا قال على لسان المشركين ^ فما لنا ~~من شفافعين و لا صديق حميم ^ # فالشفاعة المطلوبة هي شفاعة المطاع الذي تقبل شفاعته و هذه ليست لأحد عند ~~الله إلا باذنه قدرا و شرعا فلابد أن يأذن فيها و لابد أن يجعل العبد شافعا ~~فهو الخالق لفعله و المبيح له كما في الداعي هو الذي أمره بالدعاء و هو ~~الذي يجعل الداعي داعيا فالأمر كله لله خلقا و أمرا كما قال ( ألا له الخلق ~~و الأمر ) # وقد روي فى حديث ذكره ابن أبى حاتم و غيره أنه قال ( فمن يثق به فليدعه ( ~~أي فلم يبق لغيره لا خلق و لا أمر # ولما كان المراد بالشفاعة المثبتة هي الشفاعة المطلقة و هي المقصود ~~بالشفاعة و هي المقبولة بخلاف المردودة فان أحدا لا يريدها ms0830 لا PageV14P387 ~~الشافع و لا المشفوع له و لا المشفوع إليه و لو علم الشافع و المشفوع له ~~أنها ترد لم يفعلوها و الشفاعة المقبولة هي النافعة بين ذلك في مثل قوله ^ ~~و لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ^ و قوله ^ يؤمئذ لاتنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن و رضى له قولا ^ فنفى الشفاعة المطلقة و بين أن ~~الشفاعة لا تنفع عنده إلا لمن أذن له و هو الاذن الشرعي بمعنى أباح له ذلك ~~و أجازه كما قال تعالى @QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا @QE@ و قوله ~~@QB@ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم @QE@ و قوله @QB@ ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم @QE@ و نحو ذلك # وقوله @QB@ إلا لمن أذن له @QE@ هو إذن للمشفوع له فلا يأذن فى شفاعة ~~مطلقة لأحد بل إنما يأذن فى أن يشفعوا لمن أذن لهم في الشفاعة فيه قال ~~تعالى ^ يؤمئذ يتبعون الداعي لا عوج له و خشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا ~~همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن و رضى له قولا ^ و فيه ~~قولان # قيل إلا شفاعة من أذن له الرحمن # وقيل لاتنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن فهو الذي تنفعه الشفاعة # وهذا هو الذى يذكره طائفة من المفسرين لايذكرون غيره PageV14P388 لأنه لم ~~يقل ^ لاتنفع إلا من أذن له ^ و لا قال ^ لاتنفع الشفاعة إلا فيمن أذن له ^ ~~بل قال @QB@ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له @QE@ فهي لا تنفع و لا ينتفع ~~بها و لا تكون نافعة إلا للمأذون لهم كما قال تعالى فى الآية الأخرى @QB@ ~~ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ # ولا يقال لا تنفع إلا لشفيع مأذون له بل لو أريد هذا لقيل لا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا من أذن له و إنما قال ( لمن أذن له ( و هو المشفوع له ~~الذي تنفعه الشفاعة # وقوله ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ( لم يعد إلى ( الشفعاء ( بل عاد إلى ~~المذكورين فى قوله ^ و ما لهم فيهما ms0831 من شرك و ما له منهم من ظهير ^ ثم قال ~~^ و لا تنفع الشفاعة عنده ^ ثم بين أن هذا منتف @QB@ حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق @QE@ فلا يعلمون ماذا قال حتى يفزع عن ~~قلوبهم فكيف يشفعون بلا إذنه # وهو سبحانه إذا أذن للمشفوع له فقد أذن للشافع # فهذا الاذن هو الاذن المطلق بخلاف ما إذا أذن للشافع فقط فانه لا يلزم أن ~~يكون قد أذن للمشفوع له إذ قد يأذن له إذنا خاصا PageV14P389 # وهكذا قال غير واحد من المفسرين قالوا و هذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع ~~إلا المؤمنين و كذلك قال السلف فى هذه الآية # قال قتادة فى قوله ^ إلا من أذن له الرحمن و رضي له قولا ^ قال كان أهل ~~العلم يقولون إن المقام المحمود الذي قال تعالى @QB@ عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا @QE@ هو شفاعته يوم القيامة و قوله ^ إلا من أذن له الرحمن و ~~رضى له قولا ^ إن الله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض # قال البغوي ( إلا من أذن له الرحمن ( أذن الله له أن يشفع له ( و رضى له ~~قولا ( أي و رضى قوله قال ابن عباس يعنى قال ( لا إله إلا الله ( قال ~~البغوي فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن # وقد ذكروا القولين في قوله تعالى ^ و لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له ^ و قدم طائفة هناك أن المستثنى هو الشافع دون المشفوع له بخلاف ما ~~قدموه هنا # منهم البغوي فانه لم يذكر هنا في الاستثناء إلا المشفوع له PageV14P390 و ~~قال هناك @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ فى الشفاعة قاله ~~تكذيبا لهم حيث قالوا @QB@ هؤلاء شفعاؤنا عند الله @QE@ قال و يجوز أن يكون ~~المعنى إلا لمن أذن له أن يشفع له # وكذلك ذكروا القولين فى قوله ^ و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ~~الا من شهد بالحق ^ و سنتكلم على هذه الآية إن شاء الله تعالى و نبين أن ~~الاستثناء ms0832 فيها يعم الطائفتين و أنه منقطع # و معنى هاتين الآيتين مثل معنى تلك الآية و هو يعم النوعين # و ذلك أنه سبحانه قال ^ يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من أذن له الرحمن و ~~رضى له قولا ^ و ( الشفاعة ( مصدر شفع شفاعة و المصدر يضاف إلى الفاعل تارة ~~و إلى محل الفعل تارة و يماثله الذي يسمى لفظه ( المفعول به ( تارة كما ~~يقال أعجبني دق الثوب و دق القصار و ذلك مثل لفظ ( العلم ( يضاف تارة إلى ~~العلم و تارة إلى المعلوم فالأول كقوله ^ و لا يحيطون بشيء من علمه ^ و ~~قوله @QB@ أنزله بعلمه @QE@ و قوله @QB@ أنما أنزل بعلم الله @QE@ و نحو ~~ذلك # والثاني كقوله @QB@ إن الله عنده علم الساعة @QE@ فالساعة هنا معلومة ~~لاعالمة و قوله حين قال فرعون ( فما بال القرون الأولى ) PageV14P391 قال ~~موسى ( علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربى و لا ينسى ) و مثل هذا كثير # فالشفاعة مصدر لابد لها من شافع و مشفوع له # و الشفاعة تعم شفاعة كل شافع و كل شفاعة لمشفوع له # فاذا قال ^ يؤمنذ لا تنفع الشفاعة ^ نفى النوعين شفاعة الشفعاء و الشفاعة ~~للمذنبين فقوله @QB@ إلا من أذن له الرحمن @QE@ يتناول النوعين من أذن له ~~الرحمن و رضى له قولا من الشفعاء و من أذن له الرحمن و رضى له قولا من ~~المشفوع له و هي تنفع المشفوع له متخلصه من العذاب و تنفع الشافع فتقبل منه ~~و يكرم بقبولها و يثاب عليه # والشفاعة يؤمئذ لا تنفع لا شافعا و لا مشفوعا له ( إلا من أذن له الرحمن ~~و قال صوابا ) فهذا الصنف المأذون لهم المرضى قولهم هم الذين يحصل لهم نفع ~~الشفاعة و هذا موافق لسائر الآيات # فانه تارة يشترط فى الشفاعة اذنه كقوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه @QE@ # و تارة يشترط فيها الشهادة بالحق كقوله ^ و لا يملك الذين PageV14P392 ~~يدعون من دونه الشفاعة @QB@ ثم قال @QE@ إلا من شهد بالحق و هم يعلمون ^ # وهنا اشترط الأمرين أن يأذن له ms0833 الرحمن و أن يقول صوابا و المستثنى يتناول ~~مصدر الفاعل و المفعول كما تقول لا ينفع الزرع إلا في وقته فهو يتناول زرع ~~الحارث و زرع الأرض لكن هنا قال ^ إلا من أذن له الرحمن ^ و الاستثناء مفرغ ~~فانه لم يتقدم قبل هذا من يستثنى منه هذا و إنما قال ^ لا تنفع الشفاعة الا ~~من أذن له الرحمن ^ فاذا لم يكن فى الكلام حذف كان المعنى لاتنفع الشفاعة ~~الا هذا النوع فانهم تنفعهم الشفاعة و يكون المعنى أنها تنفع الشافع و ~~المشفوع له # و ان جعل فيه حذف تقديره لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن كان ~~المصدر مضافا إلى النوعين كل واحد بحسبه يضاف إلى بعضهم لكونه شافعا و إلى ~~بعضهم لكونه مشفوعا له و يكون هذا كقوله ^ و لكن البر من آمن بالله ^ أي من ~~يؤمن و ^ مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ^ أى مثل داعي الذين كفروا كمثل ~~الناعق أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به أي الذي ينعق به و المعنى في ذلك ~~كله ظاهر معلوم # فلهذا كان من أفصح الكلام إيجازه دون الاطناب فيه PageV14P393 # و قوله ^ يؤمئذ لا تنفع الشفاعة ^ إذا كان من هذا الباب لم يحتج ان ~~الشافع تنفعه الشفاعة و ان لم يكرمه كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة # وفى الآية الآخرى ^ و لا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له ^ من هؤلاء و ~~هؤلاء # لكن قد يقال التقدير لا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له أن يشفع فيه ~~فيؤذن لغيره أن يشفع فيه فيكون الاذن للطائفتين و النفع للمشفوع له كأحد ~~الوجهين أو و لا تنفع الا لمن أذن له من هؤلاء و هؤلاء فكما أن الاذن ~~للطائفتين فالنفع أيضا للطائفتين فالشافع ينتفع بالشفاعة و قد يكون انتفاعه ~~بها أعظم من انتفاع المشفوع له و لهذ قال النبى صلى الله عليه و سلم في ~~الحديث الصحيح ( اشفعوا تؤجروا و يقضى الله على لسان نبيه ما شاء ( # ولهذا كان من أعظم ms0834 ما يكرم به الله عبده محمدا صلى الله عليه و سلم هو ~~الشفاعة التى يختص بها و هي المقام المحمود الذي يحمده به الأولون و ~~الآخرون # و على هذا لا تحتاج الآية إلى حذف بل يكون معناها PageV14P394 يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة لاشافعا و لا مشفوعا ( الا من أذن له الرحمن و قال صوابا ) # ولذلك جاء فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( يابني عبد مناف ~~لا أملك لكم من الله من شيء يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه و سلم لا ~~أملك لك من الله من شيء ياعباس عم رسول الله لا أملك لك من الله من شيء ( # وفى الصحيح أيضا ( لا ألفين أحدكم يأتى يوم القيامة على رقبته بعير له ~~رغاء أو شاة لها يعار أو رقاع تخفق فيقول أغثني أغثنى فأقول قد أبلغتك لا ~~أملك لك من الله من شيء ( # فيعلم من هذا أن قوله ^ و لا يملكون من دونه الشفاعة ^ و ( لا يملكون منه ~~خطأبا ( على مقتضاه و أن قوله فى الآية ^ لا يمكون منه ^ كقوله صلى الله ~~عليه و سلم ( لا أملك لكم من الله من شيء ( و هو كقول إبراهيم لأبيه ( و ما ~~أملك لك من الله من شيء ) # وهذه الآية تشبه قوله تعالى ^ رب السموات و الأرض و ما بينهما الرحمن لا ~~يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح و الملائكة صفا PageV14P395 لا يتكلمون ~~الا من أذن له الرحمن و قال صوابا ^ فان هذا مثل قوله ^ يؤمئذ لا تنفع ~~الشفاعة إلا من أذن له الرحمن و رضى له قولا ^ ففي الموضعين اشترط اذنه ~~فهناك ذكر ^ القول الصواب ^ و هنا ذكر ^ أن يرضى قوله ^ و من قال الصواب ~~رضي الله قوله فان الله إنما يرضى بالصواب # وقد ذكروا في تلك الآية قولين # أحدهما أنه الشفاعة أيضا كما قال ابن السائب لا يملكون شفاعة الا باذنه # والثانى لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا باذنه قال مقاتل كذلك قال ~~مجاهد ( لايملكون ms0835 منه خطابا ( قال كلاما هذا من تفسيره الثابت عنه و هو من ~~أعلم أو أعلم التابعين بالتفسير # قال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به و قال عرضت المصحف على ~~ابن عباس أقفه عند كل آية و اسأله عنها و عليه اعتمد الشافعي و أحمد و ~~البخاري في صحيحه # و هذا يتناول ( الشفاعة ( أيضا PageV14P396 # وفى قوله @QB@ لا يملكون منه خطابا @QE@ لم يذكر استثناء فان أحدا لايملك ~~من الله خطابا مطلقا إذ المخلوق لا يملك شيئا يشارك فيه الخالق كما قد ~~ذكرناه فى قوله @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة @QE@ أن هذا عام ~~مطلق فان أحدا ممن يدعى من دونه لايملك الشفاعة بحال و لكن الله اذا أذن ~~لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوك لهم و كذلك قوله @QB@ لا يملكون منه ~~خطابا @QE@ هذا قول السلف و جمهور المفسرين # و قال بعضهم هؤلاء هم الكفار لايملكون مخاطبة الله في ذلك اليوم قال ابن ~~عطية قوله ^ لايملكون ^ الضمير للكفار أي لايملكون من إفضاله و إكماله أن ~~يخاطبوه بمعذرة و لا غيرها و هذا مبتدع و هو خطأ محض # والصحيح قول الجمهور و السلف أن هذا عام كما قال في آية أخرى @QB@ وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا @QE@ و في حديث التجلي الذي فى الصحيح ~~لما ذكر مرورهم على الصراط قال صلى الله عليه و سلم ( و لا يتكلم أحد إلا ~~الرسل و دعوى الرسل اللهم سلم سلم ( فهذا في و قت المرور على الصراط و هو ~~بعد الحساب و الميزان فكيف بما قبل ذلك PageV14P397 # وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل و أولى العزم و كل يقول ( إن ربى قد غضب ~~اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله و لن يغضب بعده مثله و اني فعلت كذا و كذا ~~نفسي نفسي نفسي ( فاذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى ~~بالشفاعة فكيف بغيرهم # وأيضا فان هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين و أهل الجنة و بعد أن ذكر ~~الكافرين ms0836 # فقال ^ إن للمتقين مفازا حدائق و أعنابا و كواعب أترابا و كأسا دهاقا ~~لايسمعون فيها لغوا و لا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا رب السموات و الأرض ~~و ما بينهما الرحمن لا يملكون من خطابا ^ ثم قال ^ يوم يقوم الروح و ~~الملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ^ فقد أخبر أن ( ~~الروح و الملائكة ^ يقومون صفا لايتكلمون و هذا هو تحقيق قوله ^ لايملكون ~~منه خطابا ^ و العرب تقول ما أملك من أمر فلان أو من فلان شيئا أي لا أقدر ~~من أمره على شيء و غاية ما يقدر عليه الانسان من أمر غيره خطابه و لو ~~بالسؤال # فهم فى ذلك الموطن لايملكون من الله شيئا و لا الخطاب فانه لا يتكلم أحد ~~إلا باذنه و لايتكلم إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا قال تعالى ^ إلا قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك و ما أملك لك من PageV14P398 الله من شيء ^ فقد ~~أخبر الخليل أنه لا يملك لأبيه من الله من شيء فكيف غيره # وقال مجاهد أيضا ( إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا ( قال حقا في الدنيا ~~و عملا به رواه و الذي قبله عبد بن حميد و روى عن عكرمة ( وقال صوابا ( قال ~~الصواب قول لا إله إلا الله # فعلى قول مجاهد يكون المستثنى من أتى بالكلم الطيب و العمل الصالح # قوله فى سورة طه ^ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن و رضي له قولا ^ ~~فاذا جعلت هذه مثل تلك فتكون الشفاعة هي الشفاعة المطلقة و هي الشفاعة فى ~~الحسنات و فى دخول الجنة كما فى الصحيحين ( أن الناس يهتمون يوم القيامة ~~فيقولون لو استشفعنا على ربنا حتى يرحنا من مقامنا هذا فهذا طلب الشفاعة ~~للفصل بينهم # و فى حديث الشفاعة ^ أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن ^ ~~فهذه شفاعة في أهل الجنة و لهذا قيل إن PageV14P399 هاتين الشفاعتين ~~مختصتان بمحمد صلى الله عليه و سلم و يشفع ms0837 غيره فى العصاة # فقوله ( ^ يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن و رضي له قولا ^ ~~يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عموما و فى أهل الجنة و في المستحقين ~~للعذاب و هو سبحانه فى هذه و تلك لم يذكر العمل انما قال ( وقال صوابا ( ~~وقال ( ورضي له قولا ( لكن قد دل الدليل على أن ^ القول الصواب المرضي ^ ~~لايكون صاحبه محمودا إلا مع العمل الصالح لكن نفس القول مرضي فقد قال الله ~~@QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ # وقد ذكر البغوي و أبو الفرج ابن الجوزي و غيرهما في قوله ^ و لا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق و هو يعلمون ^ قولين أحدهما ~~أن المستثنى هو الشافع و 4 محل ( من ( الرفع والثاني هو المشفوع له # قال أبو الفرج في معنى الآية قولان أحدهما أنه أراد ب ^ الذين يدعون من ~~دونه ^ آلهتهم ثم استثنى عيسى و عزيرا و الملائكة فقال @QB@ إلا من شهد ~~بالحق @QE@ و هو شهادة أن لا إله إلا الله @QB@ وهم يعلمون @QE@ بقلوبهم ~~ماشهدوا به بألسنتهم قال و هذا مذهب الأكثرين منهم قتادة PageV14P400 # والثانى أن المراد ب @QB@ الذين يدعون @QE@ عيسى و عزيرا و الملائكة ~~الذين عبدهم المشركون لايملك هؤلاء الشفاعة لأحد @QB@ إلا من شهد بالحق ~~@QE@ و هي كلمة الاخلاص ^ و هم يعلمون ^ أن الله خلق عيسى و عزيرا و ~~الملائكة و هذا مذهب قوم منهم مجاهد # وقال البغوي ^ و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق ^ ~~هم عيسى و عزير و الملائكة فانهم عبدوا من دون الله و لهم الشفاعة و على ~~هذا تكون ( من ( فى محل رفع و قيل ( من ( فى محل خفض و أراد بالذين يدعون ~~عيسى و عزيرا و الملائكة يعنى أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد بالحق ~~قال و الأول أصح # قلت قد ذكر جماعة قول مجاهد و قتادة منهم ابن أبى حاتم روى باسناده ~~المعروف على شرط الصحيح عن مجاهد قوله ^ و لا يملك الذين ms0838 يدعون من دونه ~~الشفاعة ^ عيسى و عزير و الملائكة يقول لايشفع عيسى و عزير و الملائكة @QB@ ~~إلا من شهد بالحق @QE@ يعلم الحق هذا لفظه جعل ( شفع ( متعديا بنفسه و كذلك ~~لفظ # و على هذا فيكون منصوبا لا يكون مخفوضا كما قاله البغوي PageV14P401 فان ~~الحرف الخافض إذا حذف انتصب الاسم و يكون على هذا يقال شفعته و شفعت له كما ~~يقال نصحته و نصحت له و ( شفع ( أي صار شفيعا للطالب أى لايشفعون طالبا و ~~لا يعينون طالبا ^ إلا من شهد بالحق و هم يعلمون ^ أن الله ربهم # وروى باسناده عن قتادة ^ إلا من شهد بالحق و هم يعلمون ^ الملائكة و عيسى ~~و عزير أي انهم قد عبدوا من دون الله و لهم شفاعة عند الله و منزلة قلت كلا ~~القولين معناه صحيح لكن التحقيق في تفسير الآية أن الاستثناء منقطع و لا ~~يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقا لا يستثنى من ذلك أحد عند الله فانه لم ~~يقل و لا يشفع أحد و لا قال لايشفع لأحد بل قال ^ و لا يملك الذين يدعون من ~~دونه الشفاعة ^ و كل من دعى من دون الله لايملك الشفاعة ألبتة والشفاعة ~~باذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله # وسيد الشفعاء صلى الله عليه و سلم لم يعبد كما عبد المسيح و هو مع هذا له ~~شفاعة ليست لغيره فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دعى من دون الله دون من لم ~~يدع PageV14P402 # فمن جعل الاستثناء متصلا فان معنى كلامه أن من دعى من دون الله لا يملك ~~الشفاعة إلا أن يشهد بالحق و هو يعلم أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق و هو ~~يعلم و يبقى الذين لم يدعوا من دون الله لم تذكر شفاعتهم لأحد و هذا المعنى ~~لا يليق بالقرآن و لا يناسبه و سبب نزول الآية يبطله أيضا # وأيضا فقوله @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة @QE@ يتناول كل ~~معبود من دونه و يدخل فى ذلك الأصنام ms0839 فانهم كانوا يقولون هم يشفعون لنا # قال تعالى ^ و يعبدون ^ من دون الله مالا يضرهم و لا ينفعهم و يقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات و لا فى ~~الأرض ) # فاذا قيل إنه استثنى الملائكة و الأنبياء كان فى هذا اطماع لمن عندهم أن ~~معبوديهم من دون الله يشفعون لهم و هذا مما يبين فساد القول المذكور عن ~~قتادة # فانه إذا كان المعنى أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو ~~أنبياء كان فى هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم إذا كانوا PageV14P403 ~~صالحين و القرآن كله يبطل هذا المعنى و لهذا قال تعالى ^ و كم من ملك فى ~~السموات لاتغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء و يرضى ^ و ~~قال تعالى ^ و قالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لايسبقونه ~~بالقول و هم بأمره يعملون يعلم مابين أيديهم و ما خلفهم و لا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى و هم من خشيته مشفقون ^ فبين أنهم لايشفعون إلا لمن ارتضى الرب ~~فعلم أنه لابد أن يؤذن لهم فيمن يشفعون فيه و أنهم لايؤذن لهم إذن مطلق # وأيضا فان في القرآن إذا نفى الشفاعة من دونه نفاها مطلقا فان قوله @QB@ ~~من دونه @QE@ إما أن يكون متصلا بقوله ^ يملكون ^ أو بقوله @QB@ يدعون @QE@ ~~أو بهما فالتقدير لايملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه أولايملك الذين ~~يدعونهم من دونه أن يشفعوا و هذا أظهر لأنه قال @QB@ ولا يملك الذين يدعون ~~من دونه الشفاعة @QE@ فأخر @QB@ الشفاعة @QE@ و قدم ^ من دونه # ومثل هذا كثير فى القرآن ^ يدعون من دون الله ^ و ^ يعبدون من دون الله ^ ~~كقوله ^ ويعبدون من دون الله مالا يضرهم و لاينفعهم ^ و قوله ^ و لا تدع من ~~دون الله مالا ينفعك و لا يضرك ^ # بخلاف ما إذا قيل لايملك الذين يدعون الشفاعة من دونه PageV14P404 فان ~~هذا لا نظير له في القرآن و اللفظ المستعمل فى مثل هذا أن يقال لايملك ~~الذين يدعون الشفاعة إلا ms0840 باذنه أو لمن ارتضى و نحو ذلك لايقال فى هذا ~~المعنى ( من دونه ( فان الشفاعة هي من عنده فكيف تكون من دونه لكن قد تكون ~~باذنه و قد تكون بغير إذنه # وأيضا فاذا قيل @QB@ الذين يدعون @QE@ مطلقا دخل فيه الرب تعالى فانهم ~~كانوا يدعون الله و يدعون معه غيره و لهذا قال ^ و الذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ^ # والتقدير الثالث لايملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه و هذا أجود ~~من الذي قبله لكن يرد عليه ما يرد على الأول # ومما يضعفهما ( أن الشفاعة ^ لم تذكر بعدها صلة لها بل قال ^ لايملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة ^ فنفى ملكهم الشفاعة ^ مطلقا و هذا هو الصواب ~~و ان كل من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة فان المالك للشيء هو الذي ~~يتصرف فيه بمشيئته و قدرته و الرب تعالى لا يشفع أحد عنده إلا باذنه فلا ~~يملك أحد من المخلوقين الشفاعة بحال و لايقال فى هذا ( إلا باذنه ( إنما ~~يقال ذلك فى الفعل فيقال @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ ~~PageV14P405 # وأما فى الملك فلا يمكن أن يكون غيره مالكا لها فلا يملك مخلوق الشفاعة ~~بحال و لايتصور أن يكون نبى فمن دونه مالكا لها بل هذا ممتنع كما يمتنع أن ~~يكون خالقا و ربا و هذا كما قال ^ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة فى السموات و لا في الأرض و مالهم فيهما من شرك و ما له ~~منهم من ظهير ^ فنفى الملك مطلقا ثم قال ^ و لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~اذن له ^ فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه لم يثبت أن مخلوقا يملك الشفاعة ~~بل هو سبحانه له الملك و له الحمد و لاشريك له فى الملك قال تعالى ^ تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السموات و ~~الأرض و لم يتخذ ولدا و لم يكن له شريك فى الملك و خلق كل ms0841 شيء فقدره تقديرا ~~^ # ولهذا لما نفى الشفعاء من دونه نفاهم نفيا مطلقا بغير استثناء و إنما يقع ~~الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه كما قال تعالى ^ و أنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى و لا شفيع ^ و كما قال ~~تعالى ^ و ذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي و لاشفيع ^ ~~و كما قال تعالى ^ ما لكم من دونه من ولي و لا شفيع ^ فلما قال @QB@ من ~~دونه @QE@ نفى الشفاعة مطلقا و إذا ذكر @QB@ بإذنه @QE@ لم يقل @QB@ من ~~دونه @QE@ كقوله ^ من PageV14P406 ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه ^ و قوله ^ ~~ما من شفيع إلا من بعد إذنه ^ فمن تدبر القرآن تبين له أنه كما قال تعالى ^ ~~( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى ^ ) يشبه بعضه بعضا و يصدق ~~بعضه بعضا ليس بمختلف و لا بمتناقض ^ ( و لو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا ^ ) # وهو ( مثانى ( يثني الله فيه الأقسام و يستوفيها # والحقائق إما متماثلة و هى ( المتشابه ( و إما مماثلة و هي الأصناف و ~~الأقسام و الأنواع و هي ( المثانى ( # و ( التثني ( يراد بها جنس التعديد من غير اقتصار على اثنين فقط كما فى ~~قوله تعالى ^ ( ارجع البصر كرتين ) ^ يراد به مطلق العدد كما تقول قلت له ~~مرة بعده مرة تريد جنس العدد و تقول هو يقول كذا و يقول كذا و ان كان قد ~~قال مرات كقول حذيفة ابن اليمان رضي الله عنهما عن النبى صلى الله عليه و ~~سلم أنه ( جعل يقول بين السجدتين رب اغفر لي رب اغفر لي ( لم يرد أن هذا ~~قاله مرتين فقط كما يظنه بعض الناس الغالطين بل يريد أنه جعل يثنى هذا ~~القول و يردده و يكرره كما كان يثنى لفظ التسبيح PageV14P407 # و قد قال حذيفة رضي الله عنه فى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ( إنه ركع ~~نحوا من قيامه يقول فى ركوعه سبحان ربى العظيم سبحان ms0842 ربي العظيم ( و ذكر ~~أنه ( سجد نحوا من قيامه يقول فى سجوده رب اغفر لي رب اغفر لي ( # وقد صرح فى الحديث الصحيح ( أنه أطال الركوع و السجود بقدر البقرة و ~~النساء و آل عمران ( فإنه قام بهذه السور كلها و ذكر ( أنه كان يقول سبحان ~~ربى العظيم سبحان ربي العظيم سبحان ربي الأعلى و سبحان ربي الأعلى ( # فعلم أنه أراد بتثنية اللفظ جنس التعداد و التكرار لا الاقتصار على مرتين ~~فان ( الاثنين ( أول العدد الكثير فذكر أول الأعداد يعنى أنه عدد هذا اللفظ ~~لم يقتصر على مرة احدة فالتثنية التعديد و التعديد يكون للأقسام المختلفة # وليس في القرآن تكرار محض بل لابد من فوائد في كل خطاب ( المتشابه ( فى ~~النطائر المتماثلة و ( المثاني ( فى الأنواع و تكون التثنية فى المتشابه أي ~~هذا المعنى قد ثنى فى القرآن لفوائد أخر PageV14P408 # ( المثانى ) تعم هذا و هذا و فاتحة الكتاب هي ( السبع المثانى ( لتضمنها ~~هذا و هذا و بسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أن قوله ( ^ ( و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ( قد ~~تم الكلام هنا فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة ألبتة ثم ~~استثنى ( إلا من شهد بالحق و هم يعلمون ( فهذا استثناء منقطع و المنقطع ~~يكون فى المعنى الشسترك بين المذكورين فلما نفى ملكم الشفاعة بقيت الشفاعة ~~بلا مالك لها كأنه قد قيل فاذا لم يملكوها هل يشفعون في أحد فقال نعم # ( من شهد بالحق و هم يعلمون وهذا يتناول الشافع و المشفوع له فلا يشفع ~~إلا من شهد بالحق و هم يعلمون فالملائكة و الأنبياء و الصالحون و إن كانوا ~~لا يملكون الشفاعة لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا و هم لا يؤذن لهم إلا في ~~الشفاعة للمؤمنين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله فيشهدون بالحق و هم ~~يعلمون لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدا للآباء و الشيوخ كما جاء ~~الحديث الصحيح ( إن الرجل يسأل فى قبره ( ما تقول في هذا ms0843 الرجل فأما المؤمن ~~فيقول هو عبد الله و رسوله جاءنا بالبينات و الهدى و أما المرتاب فيقول هاه ~~هاه لا أدري سمعت PageV14P409 الناس يقولون شيئا فقلته ( ^ فلهذا قال ( إلا ~~من شهد بالحق و هم يعلمون ) ^ ) وقد تقدم قول ابن عباس يعنى من قال @QB@ لا ~~إله إلا الله @QE@ يعنى خالصا من قلبه # والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة كلها تبين أن الشفاعة إنما تكون فى ~~أهل @QB@ لا إله إلا الله @QE@ ) # وقد ثبت فى صحيح البخاري أن أبا هريرة قال لرسول الله صلى الله عليه و ~~سلم ( من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال با أبا هريرة لقد ظننت أن لا ~~يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس ~~بشفاعتى يوم القيامة من قال ( لا إله إلا الله ( خالصا من قبل نفسه ( # فبين أن المخلص لها من قبل نفسه هو أسعد بشفاعته صلى الله عليه و سلم من ~~غيره ممن يقولها بلسانه و تكذبها أقواله و أعماله # فهؤلاء هم الذين شهدوا بالحق شهدوا ( أن لا إله إلا الله ( كما شهد الله ~~لنفسه بذلك و ملائكته و أولوا العلم ( شهد الله إنه لا إله PageV14P410 ~~إلاهو و الملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ~~) # فاذا شهدوا و هم يعملون كانوا من أهل الشفاعة شافعين و مشفوعا لهم # فان المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم فى بعض كما ثبت ذلك فى الأحاديث ~~الصحيحة كما ثبت فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدري رضي الله عنه عن ~~النبى صلى الله عليه و سلم قال في الحديث الطويل حديث التجلي و الشفاعة ( ~~حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد ~~مناشدة لله فى استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لاخوانهم الذين فى ~~النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا و يصلون و يحجون فيقال لهم أخرجوا من ~~عرفتم فتحرم صورهم على النار و ذكر تمام الحديث ( # وسبب نزول الآية على ما ms0844 ذكروه مؤيد لما ذكره # قال أبو الفرج ابن الجوزى سبب نزولها أن النضر بن الحارث و نفرا معه ~~قالوا ( إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من ~~محمد فنزلت هذه الآية قاله مقاتل PageV14P411 # وعلى هذا فيقصد أن الملائكة و غيرهم لا يمكون الشفاعة فليس توليكم إياهم ~~و استشفاعكم بهم بالذي يوجب أن يشفعوا لكم فان أحدا ممن يدعى من دون الله ~~لا يملك الشفاعة و لكن ^ ( من شهد بالحق و هم يعلمون ( ^ فان الله يشفع فيه # فالذي تنال به الشفاعة هى الشهادة بالحق و هي شهادة أن لا إله إلا الله ~~لاتنال بتولى غير الله لا الملائكة و لا الأنبياء و لا الصالحين # فمن والى أحدا من هؤلاء و دعاه و حج إلى قبره أو موضعه و نذر له و حلف به ~~و قرب له القرابين ليشفع له لم يغن ذلك عنه من الله شيئا و كان من أبعد ~~الناس عن شفاعته و شفاعة غيره فان الشفاعة إنما تكون لأهل توحيد الله و ~~إخلاص القلب و الدين له و من تولى أحد من دون الله فهو مشرك # فهذا القول و العبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة يحرم عليهم الشفاعة ~~فالذين عبدوا الملائكة و الأنبياء و الأولياء و الصالحين ليشفعوا لهم كانت ~~عبادتهم إياهم و إشراكهم بربهم الذي به طلبوا شفاعتهم به حرموا شفاعتهم و ~~عوقبوا بنقيض قصدهم لأنهم أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا # وكثير من أهل الضلال يظن أن الشفاعة PageV14P412 تنال بهذه الأمور التى ~~فيها شرك أو هي شرك خالص كما ظن ذلك المشركون الأولون و كما يظنه النصارى و ~~من ضل من المنتسبين إلى الاسلام الذين يدعون غير الله و يحجون إلى قبره أو ~~مكانه و ينذرون له و يحلفون به و يظنون أنه بهذا يصير شفيعا لهم قال تعالى ~~^ ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم و لا تحويلا ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ms0845 و يرجون رحمته و ~~يخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ) ^ # قال طائفة من السلف كان أقوام يعبدون المسيح و العزير و الملائكة فبين ~~الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم و لا تحويله كما بين أنهم لا يملكون ~~الشفاعة و هذا لا استثناء فيه و إن كان الله يجيب دعاءهم ثم قال ( ^ أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب و يرجون رحمته و يخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ( ^ فبين أن هؤلاء المزعومين الذين يدعونهم ~~من دون الله كانوا يرجون رحمة الله و يخافون عذابه و يتقربون إليه بالأعمال ~~الصالحة كسائر عباده المؤمنين و قد قال تعالى ^ ( و لا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة و النبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) ^ # وللناس فى الشفاعة أنواع من الضلال قد بسطت في غير هذا الموضع ~~PageV14P413 # فكثير منهم يظن أن الشفاعة هي بسبب اتصال روح الشافع بروح المشفوع له كما ~~ذكر ذلك أبو حامد الغزالى و غيره و يقولون من كان أكثر صلاة على النبى صلى ~~الله عليه و سلم كان أحق بالشفاعة من غيره و كذلك من كان أحسن ظنا بشخص و ~~أكثر تعظيما له كان أحق بشفاعته # وهذا غلط بل هذا هو قول المشركين الذين قالوا نتولى الملائكة ليشفعوا لنا ~~يظنون أن من أحب أحدا من الملائكة و الأنبياء و الصالحين و تولاه كان ذلك ~~سببا لشفاعته له و ليس الأمر كذلك # بل الشفاعة سببها توحيد الله و إخلاص الدين و العبادة بجميع أنواعها له ~~فكل من كان أعظم اخلاصا كان أحق بالشفاعة كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة ~~فان الشفاعة من الله مبدؤها و على الله تمامها فلا يشفع أحد إلا باذنه و هو ~~الذي يأذن للشافع و هو الذي يقبل شفاعته فى المشفوع له # وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التى بها يرحم الله من يرحم من عباده و أحق ~~الناس برحمته هم أهل التوحيد و الاخلاص له فكل من كان أكمل فى تحقيق إخلاص ms0846 ~~( لاإله إلا الله ( علما و عقيدة و عملا و براءة و موالاة و معاداة كان أحق ~~بالرحمة PageV14P414 # والمذنبون الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخفت موازينهم فاستحقوا النار ~~من كان منهم من أهل ( لا إله إلا الله ( فإن النار تصيبه بذنوبه و يميته ~~الله فى النار إماتة فتحرقه النار إلا موضع السجود ثم يخرجه الله من النار ~~بالشفاعة و يدخله الجنة كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة # فبين أن مدار الأمر كله على تحقيق كلمة الاخلاص و هي ( لا إله إلا الله ( ~~لاعلى الشرك بالتعلق بالموتى و عبادتهم كما ظنه الجاهليون # وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن النبى صلى الله عليه و سلم كان يجمع بين ( الحمد ( الذي ~~هو رأس الشكر و بين ( التوحيد و الاستغفار ( إذا رفع رأسه من الركوع فيقول ~~( ربنا و لك الحمد ملء السموات و ملء الأرض و ملء مابينهما وملء ماشئت من ~~شيء بعد أهل الثناء و المجد أحق ما قال العبد و كلنا لك عبد لامانع لما ~~أعطيت و لا معطى لما منعت و لا ينفع ذا الجد منك الجد ( ثم يقول ( اللهم ~~طهرني بالثلج و البرد و الماء البارد اللهم طهرنى من الذنوب و الخطايا كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الدنس ( كما رواه مسلم في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا رفع رأسه ~~PageV14P415 من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات و ملء الأرض و ~~ملء ماشئت من شيء بعد أهل الثناء و المجد أحق ما قال العبد و كلنا لك عبد ~~لا مانع لما أعطيت و لا معطى لما منعت و لا ينفع ذا الجد منك الجد ( # وروى مسلم أيضا عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال ( كان رسول ~~الله صلى الله عليه و سلم إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده ~~اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات و ملء الأرض وملء ms0847 ماشئت من شيء بعد اللهم ~~طهرنى بالثلج و البرد و الماء البارد اللهم طهرني من الذنوب و الخطايا كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الوسخ ( # و قد روى مسلم فى صحيحه أيضا عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه كان يقول ~~( اللهم لك الحمد ( و قال ( و ملء الأرض و ملء ما بينهما ( # ولم يذكر فى بعض الروايات لأن ( السموات و الأرض ( قد يراد بهما العلو و ~~السفل مطلقا فيدخل فى ذلك الهواء و غيره فانه عال بالنسبة إلى ما تحته و ~~سافل بالنسبة إلى ما فوقه فقد يجعل من السماء كما يجعل السحاب سماء و السقف ~~سماء و كذا قال فى القرآن ( هو الذي خلق السموات و الأرض فى ستة أيام ثم ~~استوى على العرش ) PageV14P416 و لم يقل ( و ما بينهما ( كما يقول ( إن ~~ربكم الله الذي خلق السموات و الأرض و ما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على ~~العرش مالكم من دونه من ولي و لا شفيع ) # فتارة يذكر قوله ( و ما بينهما ( فيما خلقه فى ستة أيام و تارة لا يذكره ~~و هو مراد فإن ذكره كان إيضاحا و بيانا و إن لم يذكره دخل في لفظ ( السموات ~~و الأرض ) و لهذا كان النبى صلى الله عليه و سلم تارة يقول ( ملء السموات و ~~ملء الأرض ( و لا يقول ( و ما بينهما ( و تارة يقول ( و ما بينهما ( و فيها ~~كلها ( و ملء ما شئت من شيء بعد ( و فى رواية أبى سعيد ( أحق ما قال العبد ~~( إلى آخره و في رواية ابن أبي أوفى ( الدعاء بالطهارة من الذنوب ( # ففي هذا الحمد رأس الشكر و الاستغفار فان ربنا غفور شكور فالحمد بازاء ~~النعمة و الاستغفار بازاء الذنوب # وذلك تصديق قوله تعالى ( ^ ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك ) ^ # ففي سيد الاستغفار ( أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبى ( و فى حديث أبي ~~سعيد ( الحمد رأس الشكر و التوحيد ( كما جمع ms0848 بينهما في PageV14P417 أم ~~القرآن فأولها تحميد و أوسطها توحيد و آخرها دعاء و كما في قوله ( هو الحي ~~لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ) وفى حديث ~~الموطأ ( أفضل ما قلت أنا و النبيون من قبلى لاإله إلا الله وحده لاشريك له ~~له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير من قالها كتب الله له الف حسنة و ~~حط عنه ألف سيئة و كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك و لم يأت أحد بأفضل ~~مما جاء به إلا رجل قال مثلها أو زاد عليه و من قال فى يوم مائة مرة سبحان ~~الله و بحمده حطت خطاياه و لو كانت مثل زبد البحر ( # وفضائل هذه الكلمات فى أحاديث كثيره و فيها التوحيد و التحميد فقوله ( لا ~~إإله إلا الله وحده لا شريك له ( توحيد و قوله ( له الملك و له الحمد ( ~~تحميد و فيها معان أخرى شريفة # وقد جاء الجمع بين التوحيد و التحميد و الاستغفار فى مواضع مثل حديث ~~كفارة المجلس ( سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و ~~أتوب إليك ( فيه التسبيح و التحميد PageV14P418 والتوحيد و الاستغفار من ~~قالها فى مجلس إن كان مجلس لغط كانت كفارة له و إن كان مجلس ذكر كانت ~~كالطابع له و فى حديث أيضا ( إن هذا يقال عقب الوضوء ( # ففى الحديث الصحيح فى مسلم و غيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( ما منكم من أحد ~~يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له و أشهد ~~أن محمدا عبده و رسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ~~( و في حديث آخر أنه يقول ( سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت ~~أستغفرك و أتوب إليك ( # وقد روى عن طائفة من السلف فى الكلمات التى ms0849 تلقاها آدم من ربه نحو هذه ~~الكلمات # روى ابن جرير عن مجاهد أنه قال ( اللهم لا إله إلا أنت سبحانك و بحمدك رب ~~إني ظلمت نفسي فاغفر لي أنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك و ~~بحمدك رب إنى ظلمت نفسي فارحمني فأنت خير الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك و ~~بحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك انت التواب الرحيم PageV14P419 # فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء و خاتمة الوضوء فيها التسبيح و التحميد ~~و التوحيد و الاستغفار # فالتسبيح و التحميد و التوحيد لله فانه لا يأتي بالحسنات الا # هو الاستغفار من ذنوب النفس التى منها تأتى السيئات وقد قرن الله فى ~~كتابه بين التوحيد و الاستغفار فى غير موضع كقوله ( فاعلم انه لا إله إلا ~~الله و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات ) و فى قوله ( أن لا تعبدوا الا ~~الله اننى لكم منه نذير و بشير و أن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه و فى قوله ~~( ^ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله وا حد فاستقيموا إليه و ~~استغفروه ^ ) # وفى حديث رواه ابن أبى عاصم و غيره ( يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب و ~~أهلكونى بالاستغفار و بلا إله إلا الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء ~~فهم يذنبون لايستغفرون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( # و ( لاإله إلا الله ( تقتضي الاخلاص و التوكل و الاخلاص ( يقتضي ) الشكر ~~فهي أفضل الكلام و هي أعلى شعب الايمان كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى ~~الله عليه و سلم أنه قال ( الايمان بضع PageV14P420 # وستون أو بضع و سبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله و أدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق و الحياء شعبة من الايمان ( # ( لاإله إلاالله ( هي قطب رحى الايمان و إليها يرجع الأمر كله # والكتب المنزلة مجموعة في قوله تعالى ( ^ إياك نعبد و إياك نستعين ) ^ و ~~هي معنى ( لا إله إلا الله ( و ( لاحول و لا قوة إلا بالله ( هي من معنى ( ~~لاإله ms0850 إلا الله ( و ( الحمد لله ( فى معناها و ( سبحان الله و الله أكبر ( ~~من معناها لكن فيها تفصيل بعد إجمال $ فصل # وقد ظن بعض المتأخرين أن معنى قوله ( فمن نفسك ( أي أفمن نفسك و أنه ~~استفهام على سبيل الانكار و معنى كلامه إن الحسنات و السيئات كلها من الله ~~لا من نفسك # وهذا القول يباين معنى الآية فإن الآية بينت أن السيئات من نفس الانسان ~~أى بذنوبه و هؤلاء يقولون ليست السيئات من نفسه PageV14P421 # و ممن ذكر ذلك أبو بكر بن فورك فانه قال معناه أفمن نفسك يدل عليه قول ~~الشاعر % ثم قالوا تحبها قلت بهرا % % عدد الرمل و الحصى و التراب % $ # قلت و إضمار الاستفهام إذا دل عليه الكلام لا يقتضى جواز إضماره فى الخبر ~~المخصوص من غير دلالة فان هذا يناقض المقصود و يستلزم أن كل من اراد أن ~~ينفي ما أخبر الله به يقدر أن ينفيه بأن يقدر فى خبره استفهاما و يجعله ~~استفهام إنكار # و هذا من جهة العربية نظير ما زعمه بعضهم في قول إبراهيم عليه السلام ( ~~هذا ربي ( أهذا ربي قال ابن الانباري هذا القول شاذ لأن حرف الاستفهام لا ~~يضمر إذا كان فارقا بين الاخبار و الاستخبار # و هؤلاء استشهدوا بقوله ( أفان مت فهم الخالدون ) # و هذا لا حجة فيه لأنه قد تقدم الاستفهام فى أول الجملة فى الجملة ~~الشرطية ( و ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) فلم يحتج إلى ذكره ثانية بل ~~ذكره يفسد الكلام و مثله قوله ( أفان مات أو قتل PageV14P422 انقلبتم على ~~أعقابكم ) و قوله ( @QB@ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~@QE@ ) و قوله @QB@ أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم @QE@ ) و هذا من ~~فصيح الكلام و بليغه و استشهدوا بقوله % لعمرك لا أدري و إن كنت داريا % % ~~بسبع رمين الجمر أم بثمان % $ # وقوله % كذبتك عينك أم رأيت بواسط % % غلس الظلام من الرباب خيالا % $ # تقديره أكذبتك عينك # و هذا لا حجة فيه لأن قوله فيما بعد ( أم بثمان ( و ms0851 ( أم رأيت يدل على ~~الألف المحذوفة فى البيت الأول و أما الثانى فان كانت ( أم ( هي المتصلة ~~فكذلك وإن كانت هي المنفصلة فالخبر على بابه # و هؤلاء مقصودهم أن النفس لا تأثير لها فى و جود السيئات PageV14P423 و ~~ليست سببا فيها بل قد يقولون أن المعاصي علامة محضة على العقوبة لاقترانها ~~بها لا أنها سبب لها و هذا مخالف للكتاب و السنة و إجماع السلف و للعقل # و القرآن يبين فى غير موضع أن الله لم يهلك أحدا و لم يعذبه الا بذنب ~~فقال هنا ( و ما اصابك من سيئة فمن نفسك ) و قال لهم فى شأن أحد ( أو لما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) و قال ~~تعالى ( و ما أصابتكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير ) و قال ~~تعالى في سورة الشورى أيضا ^ ( و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فان ~~الانسان كفور ) ^ و قال تعالى @QB@ قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو ~~نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون @QE@ ) و قال تعالى ( ^ و ما أهلكنا من ~~قرية إلا لها منذرون ذكرى و ما كنا ظالمين ^ ) و قال تعالى ^ ( و ما كان ~~ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا و ما كنا مهكلى ~~القرى إلا و أهلها ظالمون ^ ) و قال تعالى ^ ( ظهر الفساد فى البر و البحر ~~بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ^ ) و قال تعالى ~~^ ( و لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ^ ) و قال ~~تعالى ^ ( أو يوبقهن بما كسبوا و يعف عن كثير ^ ) و قال تعالى في سورة ~~القلم عن أهل الجنة الذين ضرب بهم المثل لما أهلكها بذلك PageV14P424 ~~العذاب ( و لعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) و قال تعالى ^ ( مثل ما ~~ينفقون فى هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيه صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته و ما ظلمهم الله و لكن أنفسهم يظلمون ^ ) و قال تعالى ms0852 عن اهل سبأ ^ ~~( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم إلى قوله ذلك جزيناهم بما كفروا و هل ~~نجازي إلا الكفور ^ ) و قال تعالى ^ ( و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى و هي ~~ظالمة أن أخذه أليم شديد ^ ) و قال تعالى ^ ( و ما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا ) ^ # وفى الحديث الصحيح الالهي ( ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه ( # وفى سيد الاستغفار ) ( أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبي ( و قال تعالى ^ ~~( و إن للذين ظلموا عذابا دون ذلكو لكن أكثرهم لا يعلمون ) ^ # والحمد لله و حده و صلى الله على عبد الله و رسوله محمدا وصحبه وسلم ورضى ~~الله عن الصحابة أجمعين و آله التابعين لهم باحسان إلى يوم الدين ~~PageV14P425 # و قال شيخ الاسلام قدس الله روحه $ فصل # قال الله تعالى ^ ( و من احسن دينا ممن اسلم وجهه لله و هو محسن و اتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا و اتخذ الله إبراهيم خليلا ^ ) فنفى أن يكون دين احسن من ~~هذا الدين و انكر على من اثبت دينا احسن منه لأن هذا استفهام انكار و هو ~~انكار نهي و ذم لمن جعل ديناأحسن من هذا # قال قتادة و الضحاك و غيرهما ان المسلمين و اهل الكتاب افتخروا فقال أهل ~~الكتاب نبينا قبل نبيكم و كتابنا قبل كتابكم و نحن أولى بالله منكم و قال ~~المسلمون نحن أولى بالله تعالى منكم و نبينا خاتم النبيين و كتابنا يقضي ~~على الكتب التى كانت قبله فأنزل الله تعالى ( ^ ليس بامانيكم و لا أمانى ~~اهل الكتاب ^ ) الآية PageV14P426 # وروى سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال لما نزلت هذه الآية ( ~~ليس بأمانيكم و لاأمانى أهل الكتاب من يعمل سوء يجزبه ^ ) قال أهل الكتاب ~~نحن و أنتم سواء حتى نزلت ^ ( و من يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى و هو ~~مؤمن ) ^ الآية و نزلت فيهم أيضا ^ ( و من أحسن دينا ms0853 ) ^ الآية # وقد روى عن مجاهد قال قالت قريش لا نبعث أولا نحاسب و قال أهل الكتاب ^ ( ~~لن تمسنا النار الا أياما معدودة ^ ) فأنزل الله عز وجل ليس بأمانيكم و لا ~~أماني أهل الكتاب ^ ) و هذا يقتضي أنها خطاب للكفار من الأميين و أهل ~~الكتاب لاعتقادهم أنهم لا يعذبون العذاب الدائم و الأول أشهر في النقل و ~~اظهر فى الدليل لأن السورة مدنية بالاتفاق فالخطاب فيها مع المؤمنين كسائر ~~السور المدنية # وأيضا فانه قد استفاض من وجوه متعددة أنه لما نزل قوله تعالى ( من يعمل ~~سوء يجزيه ) شق ذلك على أصحاب النبى صلى الله عليه و سلم حتى بين لهم النبى ~~صلى الله عليه و سلم أن مصائب الدنيا من الجزاء و بها يجزي المؤمن فعلم ~~انهم مخاطبون بهذه الآية لا مجرد الكفار # وأيضا قوله بعد هذا ^ ( و من يعمل من الصالحات من ذكر أو PageV14P427 ~~انثى و هو مؤمن ^ ) الآية و قوله ( ^ و من أحسن دينا ) ^ يدل على أن هناك ~~تنازعا في تفضيل الأديان لا مجرد انكار عقوبة بعد الموت # و أيضا فما قبلها و ما بعدها خطاب مع المؤمنين و جواب لهم فكان المخاطب ~~فى هذه الآية هو المخاطب فى بقية الأيات فان قيل الآية نص فى نفي دين أحسن ~~من دين هذا المسلم لكن من أين أنه ليس دين مثله فان الاقسام ثلاثة إما أن ~~يكون ثم دين أحسن منه أو دونه أو مثله و قد ثبت أنه لاأحسن منه فمن أين فى ~~الآية أنه لا دين مثله و نظيرها قوله ( و من أحسن قولا ممن دعا إلى الله و ~~عمل صالحا و قال انني من المسلمين ) # قيل لو قلنا فى هذا المقام إن الآية لم تدل إلا على نفي الأحسن لم يضر ~~هذا فان الخطاب له مقامات قد يكون الخطاب تارة باثبات صلاح الدين إذا كان ~~المخاطب يدعى أو يظن فساده ثم في مقام بأن يقع النزاع فى التفاضل فيبين أن ~~غيره ليس أفضل منه ثم فى مقام ms0854 ثالث يبين أنه أفضل من غيره و هكذا إذا ~~تكلمنا فى أمر الرسول ففي مقام نبين صدقه و صحة رسالته و في مقام بأن نبين ~~أن غيره ليس أفضل منه و فى مقام ثالث نبين أنه سيد ولد PageV14P428 آدم و ~~ذلك أن الكلام يتنوع بحسب حال المخاطب # ثم نقول يدل على أن هذا الدين أحسن وجوه # ( أحدها ( أن هذه الصيغة و ان كانت فى أصل اللغة لنفي الأفضل لدخول النفي ~~على أفعل فانه كثيرا ما يضمر بعرف الخطاب يفضل المذكور المجرور بمن مفضلا ~~عليه في الاثبات فانك إذا قلت هذا الدين أحسن من هذا كان المجرور بمن مفضلا ~~عليه و الأول مفضلا فاذا قلت لاأحسن من هذا أو من أحسن من هذا أو ليس فيهم ~~أفضل من هذا أو ما عندي أعلم من زيد أو ما فى القوم أصدق من عمرو أو ما ~~فيهم خير منه فان هذا التأليف يدل على أنه أفضلهم و أعلمهم و خيرهم بل قد ~~صارت حقيقة عرفية فى نفي فضل الداخل في أفعل و تفضيل المجرور على الباقين و ~~أنها تقتضي نفي فضلهم و اثبات فضله عليهم و ضمنت معنى الاستثناء كأنك قلت ~~ما فيهم أفضل إلا هذا أو ما فيهم المفضل إلا هذا كما أن ( إن ) إذا كفت بما ~~النافية صارت متضمنة للنفي و الاثبات # وكذلك الاستثناء و ان كان فى الأصل للاخراج من الحكم فانه صار حقيقة ~~عرفية فى مناقضة المستثنى منه فالاستثناء من النفي اثبات PageV14P429 ومن ~~الاثبات نفي و اللفظ يصير بالاستعمال له معنى غير ما كان يقتضيه أصل الوضع # وكذلك يكون في الاسماء المفردة تارة و يكون في تركيب الكلام أخرى و يكون ~~فى الجمل المنقولة كالأمثال السائرة جملة فيتغير الاسم المفرد بعرف ~~الاستعمال عما كان عليه فى الأصل إما بالتعميم و اما بالتخصيص و اما ~~بالتحويل كلفظ الدابة و الغائط و الرأس و يتغير التركيب بالاستعمال عما كان ~~يقتضيه نظائره كما فى زيادة حرف النفي فى الجمل السلبية و زيادة ms0855 النفي فى ~~كاد و بنقل الجملة عن معناها الأصلي إلى غيره كالجمل المتمثل بها كما فى ~~قولهم ( يداك أو كتا و فوك نفخ ( و ( عسى الغوير بؤسا ( # ( الوجه الثاني ( أنه إذا كان لادين أحسن من هذا فالغير اما أن يكون مثله ~~أو دونه و لا يجوز أن يكون مثله لأن الدين إذا ماثل الدين و ساواه فى جميع ~~الوجوه كان هو # اياه و 2 ان تعدد الغير لكن النوع واحد فلا يجوز أن يقع التماثل و ~~التساوي بين الدينين المختلفين فان اختلافهما يمنع تماثلهما إذ الاختلاف ضد ~~التماثل فكيف يكونان مختلفين متماثلين و اختلافهما اختلاف تضاد لا تنوع فان ~~أحد الدينين يعتقد فيه أمور على أنها حق و اجب و الآخر يقول إنها باطل محرم ~~فمن المحال استواء هذين الاعتقادين PageV14P430 # وكذلك الاقتصادات فإن هذا يقصد المعبود بأنواع من المقاصد و الأعمال و ~~الآخرة يقصده بما يضاد ذلك و ينافيه و ليس كذلك تنوع طرق المسلمين و ~~مذاهبهم فان دينهم واحد كل منهم يعتقد ما يعتقده الآخر و يعبده بالدين الذي ~~يعبده و يسوغ أحدهما للآخر أن يعمل بما تنازع فيه من الفروع فلم يختلفا بل ~~نقول أبلغ من هذا أن القدر الذي يتنازع فيه المسلمون من الفروع لابد أن ~~يكون أحدهما أحسن عند الله فان هذا مذهب جمهور الفقهاء الموافقين لسلف ~~الأمة على أن المصيب عند الله و حد في جميع المسائل فذاك الصواب هو أحسن ~~عند الله و ان كان احدهما يقر الآخر فالاقرار عليه لا يمنع أن يكون مفضولا ~~مرجوحا و انما يمنع أن يكون محرما # و إذا كان هذا فى دق الفروع فما الظن بما تنازعوا فيه من الأصول فانه لا ~~خلاف بين المسلمين و لا بين العقلاء أن المصيب فى نفس الأمر واحد و إنما ~~تنازعوا فى المخطىء هل يغفر له أولا يغفر و هل يكون مصيبا بمعنى أداء ~~الواجب و سقوط اللوم لا بمعنى صحة الإعتقاد فان هذا لا يقوله عاقل أن ~~الاعتقادين المتناقضين من ms0856 كل وجه يكون كل منهما صوابا # فتلخيص الأمر أن هذا المقام انما فيه تفضيل قول و عمل على قول و عمل ~~فالأقوال و الأعمال المختلفة لابد فيها من تفضيل بعضها على بعض PageV14P431 ~~عند جمهور الأمة بل و من قال بأن كل مجتهد مصيب قد لا ينازع أن احدهما أحسن ~~و أصوب و لا يدعى تماثلهما و ان ادعاه فلم يدعه إلا فى دق الفروع مع أن ~~قوله ضعيف مخالف للكتاب و السنة و اجماع السلف # و اما الحل فلم يدع مدع تساوي الاقسام فيه و هذا بخلاف التنوع المحض مثل ~~قراءة سورة و قراءة سورة أخرى و صدقة بنوع و صدقة بنوع آخر فان هذا قد ~~يتماثل لأن الدين واحد في ذلك من كل وجه و انما كلامنا فى الأديان المختلفة ~~و ليس هنا خلاف بحال # وإذا ثبت أن الدينين المختلفين لايمكن تماثلهما لم يحتج إلى نفي هذا فى ~~اللفظ لانتفائه بالعقل و كذلك لما سمعوا قوله ^ ( و لا تكن كصاحب الحوت ^ ) ~~كان فى هذا ما يخاف انتقاصهم اياه # هذا مع أن نصوص الكتاب و السنة و اجماع الأمة شاهدة بتفضيل النبيين على ~~بعض و بعض الرسل على بعض قاضية لأولى العزم بالرجحان شاهدة بأن محمدا صلى ~~الله عليه و سلم سيد ولد آدم و أكرم الخلق على ربه لكن تفضيل الذين الحق ~~أمر لابد من اعتقاده و لهذا ذكره الله فى الآية PageV14P432 # واما تفضيل الاشخاص فقد لا يحتاج اليه فى كل و قت فالدين الواجب لابد من ~~تفضيله إذا الفضل يدخل فى الوجوب و إذا وجب الدين به دون خلافه فلأن يجب ~~اعتقاد فضله أولى # وأما الدين المستحب فقد لايشرع اعتقاد فعله الا فى حق من شرع له فعل ذلك ~~المستحب و الا فمن الناس من يضره إذا سلك سبيلا من سبل السلام الاسلامية أن ~~يرى غيره أفضل منها لأنه يتشوف 2 إلى الأفضل فلا يقدر عليه و المفضول يعرض ~~عنه # وكما أنه ليس من مصلحته أن يعرف أفضل ms0857 من طريقته إذا كان يترك طريقته و لا ~~يسلك تلك فليس أيضا من الحق أن يعتقد أن طريقته افضل من غيرها بل مصلحته أن ~~يسلك تلك الطريقة المفضية به إلى رحمة الله تعالى فان بعض المتفقهة يدعون ~~الرجل إلى ما هو أفضل من طريقته عندهم و قد يكونون مخطئين فلا سلك الأول و ~~لا الثاني و بعض المتصوفة المريد يعتقد أن شيخه أكمل شيخ على وجه الأرض و ~~طريقته أفضل الطرق و كلاهما انحراف بل يؤمر كل رجل أن يأتي من طاعة الله و ~~رسوله بما استطاعه و لا ينقل من طاعة الله و رسوله بطريقته و ان كان فيها ~~نوع نقص أو خطأ و لا يبين له نقصها إلا إذا نقل إلى ما هو أفضل منها و الا ~~فقد ينفر قلبه عن الأولى بالكلية حتى يترك الحق الذي لايجوز تركه و لا ~~يتمسك بشيء آخر PageV14P433 وهذا باب واسع ليس الغرض هنا استقصاؤه و هو ~~مبني على أربعة أصول # ( أحدها ( معرفة مراتب الحق و الباطل و الحسنات و السيئات و الخير و الشر ~~ليعرف خير الخيرين و شر الشرين # ( الثاني ( معرفة ما يجب من ذلك و مالا يجب و ما يستحب من ذلك و مالا ~~يستحب # ( الثالث ( معرفة شروط الوجوب و الاستحباب من الامكان و العجز و أن ~~الوجوب و الاستحباب قد يكون مشروطا بامكان العلم و القدرة # ( الرابع ( معرفة أصناف المخاطبين و أعيانهم ليؤمر كل شخص بما يصلحه أو ~~بما هو الاصلح له من طاعة الله و رسوله و ينهي عما ينفع نهيه عنه و لا يؤمر ~~بخير يوقعه فيما هو شر من المنهي عنه مع الاستغناء عنه # وهذا القدر الذي دلت عليه هذه الآية من أن دين من أسلم وجهه لله و هو ~~محسن و اتبع ملة إبراهيم هو أحسن الأديان أمر متفق عليه بين المسلمين معلوم ~~بالاضطرار من دين الاسلام PageV14P434 بل من يتبع غير الاسلام دينا فلن ~~يقبل منه و هو فى الآخرة من الخاسرين # ولكن كتاب ms0858 الله هو حاكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه و مبين وجه الحكم ~~فانه بين بهذه الآية وجه التفضيل بقوله @QB@ أسلم وجهه لله @QE@ و بقوله ~~@QB@ وهو محسن @QE@ ) فان الأول بيان نيته و قصده و معبوده و إلهه و قوله ( ~~وهو محسن ) فانتفى بالنص نفي ما هو أحسن منه و بالعقل ما هو مثله فثبت أنه ~~أحسن الأديان 4 # ( الوجه الثالث ( أن النزاع كان بين الأمتين أي الدينين أفضل فلم يقل ~~لهما أن الدينين سواء و لا نهوا عن تفضيل أحدهما لكن حسمت مادة الفخر و ~~الخيلاء و الغرور الذي يحصل من تفضيل أحد الدينين فان الانسان إذا استشعر ~~فضل نفسه أو فضل دينه يدعوه ذلك إلى الكبر و الخيلاء و الفخر فقيل للجميع ( ~~من يعمل سوء يجز به ) سواء كان دينه فاضلا أو مفضولا فان النهي عن السيئات ~~و الجزاء عليها و اقع لا محالة ( قال تعالى ) @QB@ والذاريات ذروا @QE@ إلى ~~قوله ( لواقع ) # فلما استشعر المؤمنون أنهم مجزيون على السيئات و لا يغنى عنهم فضل دينهم ~~و فسر لهم النبى صلى الله عليه و سلم أن الجزاء قد يكون PageV14P435 فى ~~الدنيا بالمصائب بين بعد ذلك فساد دين الكفار من المشركين و أهل الكتاب ~~بقوله @QB@ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى @QE@ الآية فبين أن العمل ~~الصالح إنما يقع الجزاء عليه في الآخرة مع الايمان و ان كان قد يجزى به ~~صاحبه في الدينا بلا ايمان فوقع الرد على الكفار من جهة جزائهم بالسيئات و ~~من جهة أن حسناتهم لا يدخلون بها الجنة الا مع الايمان ثم بين بعد هذا فضل ~~الدين الاسلامي الحنفي بقوله ^ ( و من أحسن دينا ) ^ فجاء الكلام فى غاية ~~الاحكام # ومما يشبه هذا من بعض الوجوه نهى النبى صلى الله عليه و سلم أن يفضل بين ~~الأنبياء التفضيل الذي فيه انتقاص المفضول و الغض منه كما قال صلى الله ~~عليه و سلم ( لاتفضلوا بين الأنبياء ( و قال ( لاتفضلوني على موسى ( بيان ~~لفضله و بهذين يتم الدين # فاذا ms0859 كان الله هو المعبود و صاحبه قد أخلص له و انقاد و عمله فعل الحسنات ~~فالعقل يعلم أنه لا يمكن أن يكون دين أحسن من هذا بخلاف دين من عند غير ~~الله و أسلم وجهه له أو زعم أنه يعبد الله لا باسلام وجهه جهه بل يتكبر ~~كاليهود و يشرك كالنصارى أولم يكن محسنا بل فاعلا للسيئات دون الحسنات و ~~هذا الحكم PageV14P436 عدل محض و قياس و قسط دل القرآن العقلاء على وجه ~~البرهان فيه # وهكذا غالب ما بينه القرآن فانه يبين الحق و الصدق و يذكر أدلته و ~~براهينه ليس يبينه بمجرد الاخبار عن الأمر كما قد يتوهمه كثير من المتكلمة ~~و المتفلسفة أن دلالته سمعية خبرية و أنها واجبة لصدق المخبر بل دلالته ~~أيضا عقلية برهانية و هو مشتمل من الأدلة و البراهين على أحسنها و أتمها ~~بأحسن بيان لمن كان له فهم و عقل بحيث إذا أخذ ما فى القرآن من ذلك و بين ~~لمن لم يعلم أنه كلام الله أو لم يعلم صدق الرسول أو يظن فيه ( ظنا ) مجردا ~~عن ما يجب من قبول قول المخبر كان فيه ما يبين صدقه و حقه و يبرهن عن صحته ~~PageV14P437 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى $ فصل # في قولة تعالى ( ^ و لا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ان الله لا يحب من ~~كان خوانا أثيما ) ^ فقولة @QB@ يختانون أنفسهم @QE@ مثل قوله فى سورة ~~البقرة @QB@ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم @QE@ ) قال ابن قتيبة و ~~طائفة من المفسرين معناه تخونون أنفسكم زاد بعضهم تظلمونها فجعلوا الأنفس ~~مفعول ( تختانون ) و جعلوا الانسان قد خان نفسه أي ظلمها بالسرقة كما فعل ~~ابن أبيرق أو بجماع امرأته ليلة الصيام كما فعل بعض الصحابة و هذا القول ~~فيه نظر فان كل ذنب يذنبه الانسان فقد ظلم فيه نفسه سواء فعله سرا أو ~~علانية # وإذا كان اختيان النفس هو ظلمها أو ارتكاب ما حرم عليها كان كل مذنب ~~مختانا لنفسه و ان جهر بالذنوب و كان ms0860 كفر الكافرين PageV14P438 وقتالهم ~~للأنبياء و للمؤمنين اختيانا لأنفسهم و كذلك قطع الطريق و المحاربة و كذلك ~~الظلم الظاهر و كان ما فعله قوم نوح و هود و صالح و شعيب اختيانا لأنفسهم # ومعلوم أن هذا اللفظ لم يستعمل فى هذه المعاني كلها و إنما استعمل فى خاص ~~من الذنوب مما يفعل سرا و حتى قال ابن عباس في قوله @QB@ تختانون أنفسكم ~~@QE@ ) عنى بذلك فعل عمر فانه روى أنه لما جاء الأنصاري فشكى أنه بات تلك ~~الليلة و لم يتعش لما نام قبل العشاء و كان من نام قبل الأكل حرم عليه ~~الأكل فيستمر صائما فأصبح يتقلب ظهرا لبطن فلما شكا حاله إلى النبى صلى ~~الله عليه و سلم قال عمر يارسول الله انى أردت أهلي الليلة فقالت انها قد ~~نامت فظننتها لم تنم فواقعتها فأخبرتنى أنها كانت قد نامت قالوا فأنزل الله ~~فى عمر ( @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم @QE@ ) # وقد قيل إن الجماع ليلة الصيام كانوا منهيين عنه مطلقا بخلاف الأكل فانه ~~كان مباحا قبل النوم و قد روى أن عمر جامع امرأته بعد العشاء قبل النوم و ~~أنه لما فعل أخذ يلوم نفسه فأتى النبى صلى الله عليه و سلم فقال يارسول ~~الله أعتذر إلى الله من نفسي هذه الخائنة إنى رجعت إلى أهلي بعد ما صليت ~~العشاء وجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فقال النبى صلى الله ~~عليه و سلم ( ماكنت PageV14P439 جديرا بذلك ياعمر ( و جاء طائفة # من الصحابة فذكروا مثل ذلك فأنزل الله هذه الآية فهذا فيه أن نفسه ~~الخاطئة سولت له ذلك و دعته إليه و أنه أخذ يلومها بعد الفعل فالنفس هنا هي ~~الخائنة الظالمة و الانسان تدعوه نفسه فى السر إذا لم يره أحد إلى أفعال لا ~~تدعو اليها علانية و عقله ينهاه عن تلك الأفعال و نفسه تغلبه عليها # ولفظ الخيانة حيث استعمل لا يستعمل إلا فيما خفي عن المخون كالذي يخون ~~أمانته فيخون من ائتمنه إذا كان لا ms0861 يشاهده و لو شاهده لما خانه قال تعالى ^ ~~( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله و الرسول و تخونوا أماناتكم و أنتم ~~تعلمون ^ ) و قال تعالى ^ ( و لا تزال تطلع على خائنة منهم الا قليلا منهم ~~^ ) و قالت امرأة العزيز ^ ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب و أن الله لا ~~يهدي كيد الخائنين ^ ) و قال تعالى ^ ( يعلم خائنة الأعين و ما تخفى الصدور ~~^ ) # وقال النبى صلى الله عليه و سلم لما قام ( أما فيكم رجل يقوم إلى هذا ~~فيضرب عنقه ( فقال له رجل هلا أو مضت إلي فقال ( ما ينبغي لنبى أن تكون له ~~خائنة الأعين ^ ( قال تعالى ^ ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله ~~لا يحب من كان خوانا أثيما PageV14P440 يستخفون من الناس و لا يستخفون من ~~الله و هو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول ) ^ و في الصحيحين عن النبى ~~صلى الله عليه و سلم أنه قال ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب و إذا وعد ~~أخلف و اذا اؤتمن خان ( و فى حديث آخر ( على كل خلق يطبع المؤمن إلا ~~الخيانة و الكذب ( و مثل هذا كثير # وإذا كان كذلك فالانسان كيف يخون نفسه و هو لا يكتمها ما يقوله و يفعله ~~سرا عنها كما يخون من لا يشهده من الناس كما يخون الله و الرسول إذا لم ~~يشاهده فلا يكون ممن يخاف الله بالغيب و لم خصت هذه الأفعال بأنها خيانة ~~للنفس دون غيرها فالأشبه و الله أعلم أن يكون قوله ^ ( تختانون أنفسكم ) ~~@QB@ مثل قوله @QE@ ( إلا من سفة نفسه ) ^ # والبصريون يقولون فى مثل هذا أنه منصوب على أنه مفعول له و يخرجون قوله ( ~~سفه ) عن معناه فى اللغة فانه فعل لازم فيحتاجون أن ينقلوه من اللزوم إلى ~~التعدية بلا حجة # وأما الكوفيون كالفراء و غيره و من تبعهم فعندهم أن هذا منصوب على ~~التمييز و عندهم أن المميز قد يكون معرفة كما يكون نكرة و ذكروا لذلك شواهد ~~كثيرة من كلام العرب مثل قولهم ms0862 ألم فلان PageV14P441 رأسه و وجع بطنه و رشد ~~أمره و كان الأصل سفهت نفسه و رشد أمره و منه قولهم غبن رأيه و بطرت نفسه ~~فقوله تعالى @QB@ بطرت معيشتها @QE@ ) من هذا الباب فالمعيشة نفسها بطرت ~~فلما كان الفعل نصبه على التمييز قال تعالى ( ^ و لا تكونوا كالذين خرجوا ~~من ديارهم بطرا و رئاء الناس ^ ) فقوله @QB@ سفه نفسه @QE@ ) معناه إلا من ~~سفهت نفسه أي كانت سفيهة فلما أضاف الفعل إليه نصبها على التمييز كما فى ~~قوله ^ ( و اشتعل الرأس شيبا ^ ) و نحو ذلك و هذا اختيار ابن قتيبة و غيره ~~لكن ذاك نكرة و هذا معرفة # وهذا الذي قاله الكوفيون أصح فى اللغة و المعنى فان الانسان هو السفيه ~~نفسه كما قال تعالى @QB@ سيقول السفهاء من الناس @QE@ @QB@ ولا تؤتوا ~~السفهاء @QE@ ) فكذلك قوله ( @QB@ تختانون أنفسكم @QE@ ) أي تختان أنفسكم ~~فالأنفس هي التى اختانت كما انها هي السفيهة و قال اختانت و لم يقل خانت ~~لأن الافتعال فيه زيادة فعل على ما فى مجرد الخيانة قال عكرمة و المراد ~~بالذين يختانون أنفسهم ابن أبيرق الذي سرق الطعام و القماش و جعل هو و قومه ~~يقولون إنما سرق فلان لرجل آخر PageV14P442 # فهؤلاء اجتهدوا فى كتمان سرقة السارق و رمي غيره بالسرقة كما قال تعالى ^ ~~( يستخفون من الناس و لا يستخفون من الله و هو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من ~~القول ^ ) فكانوا خائنين للصاحب و الرسول و قد اكتسبوا الخيانة # وكذلك الذين كانوا يجامعون بالليل و هم يجتهدون فى أن ذلك لا يظهر عنهم ~~حين يفعلونه و إن أظهروه فيما بعد عند التوبة أما عند الفعل فكانوا يحتاجون ~~من ستر ذلك و إخفائه ما لا يحتاج إليه الخائن وحده أو يكون قوله @QB@ ~~تختانون أنفسكم @QE@ ) اي يخون بعضكم بعضا كقوله @QB@ فاقتلوا أنفسكم @QE@ ~~) و قوله @QB@ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم @QE@ ) و قوله ^ ( ولو لا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيرا ^ ) فان السارق و أقواما ~~خانوا اخوانهم المؤمنين # والمجامع إن كان جامع امرأته و هي لا ms0863 تعلم أنه حرام فقد خانها والأول ~~أشبه و الصيام مبناه على الأمانه فإن الصائم يمكنه الفطر و لا يدري به أحد ~~فاذا أفطر سرا فقد خان أمانته و الفطر بالجماع المستور خيانة كما أن أخذ ~~المال سرار و اخبار الرسول و المظلوم ببراءة السقيم و سقيم البريء خيانة ~~فهذا كله خيانه و النفس هي التى خانت فانها تحب الشهوة و المال و الرئاسة و ~~خان و اختان مثل كسب و اكتسب فجعل الانسان مختانا PageV14P443 # ثم بين أن نفسه هي التى تختان كما أنها هي التى تضر لأن مبدأ ذلك من ~~شهوتها ليس هو مما يأمر به العقل و الرأي و مبدأ السفه منها لخفتها و طيشها ~~و الانسان تأمره نفسه فى السر بأمور ينهاها عنه العقل و الدين فتكون نفسه ~~اختانته و غلبته و هذا يوجد كثيرا فى أمر الجماع و المال و لهذا لا يؤتمن ~~على ذلك أكثر الناس و يقصد بالائتمان من لا تدعوه نفسه إلى الخيانة فى ذلك ~~قال سعيد بن المسيب لو ائتمنت على بيت مال لأديت الأمانة و لو ائتمنت على ~~امرأة سوداء لخفت أن لا أؤدي الأمانة فيها و كذلك المال لايؤتمن عليه أصحاب ~~الأنفس الحريصة على أخذه كيف اتفق # وهذا كله مما يبين أن النفس تخون أمانتها و إن كان الرجل ابتداء لا يقصد ~~الخيانة فتحمله على الخيانة بغير أمره و تغلبه على رأية و لهذا يلوم المرء ~~نفسه على ذلك و يذمها و يقول هذه النفس الفاعلة الصانعة فانها هي التى ~~اختانت $ فصل # ودل قوله ^ ( ولاتجادل عن الذين يختانون أنفسهم ^ ) أنه لا يجوز الجدال ~~عن الخائن و لا يجوز للانسان أن يجادل عن نفسه إذا كانت PageV14P444 خائنة ~~لها في السر أهواء و أفعال باطنة تخفى على الناس فلا يجوز المجادلة عنها ~~قال تعالى ^ ( يعلم خائنة الأعين و ما تخفى الصدور ^ ) و قال تعالى ^ ( ~~وذروا ظاهر الاثم و باطنه ^ ) وقال تعالى ^ ( قل إنما حرم ربى الفواحش ما ~~ظهر منها و ما بطن ^ ) و ms0864 قد قال تعالى ^ ( بل الانسان على نفسه بصيرة و لو ~~ألقى معاذيره ^ ) فإنه يعتذر عن نفسه بأعذار و يجادل عنها و هو يبصرها ~~بخلاف ذلك و قال تعالى ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ^ ) و قال تعالى ^ ( ~~ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا و يشهد الله على مافي قلبه و هو ~~ألد الخصام ^ ) # وقد قال النبى صلى الله عليه و سلم ( أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ( ~~فهو يجادل عن نفسه بالباطل و فيه لدد أي ميل و اعوجاج عن الحق و هذا على ~~نوعين أحدهما أن تكون مجادلته و ذبه عن نفسه مع الناس و ( الثاني ( فيما ~~بينه و بين ربه بحيث يقيم أعذار نفسه و يظنها محقة و قصدها حسنا و هي خائنة ~~ظالمة لها أهواء خفية قد كتمتها حتى لايعرف بها الرجل حتى يرى و ينظر قال ~~شداد بن أوس إن أخوف ما أخاف عليكم الشهوة الخفية قال أبو دواد هي حب ~~الرياسة # وهذا من شأن النفس حتى أنه يوم القيامة يريد أن يدفع عن نفسه و يجادل ~~الله بالباطل قال تعالى ^ ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون ~~لكم و يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون PageV14P445 استحوذ عليهم ~~الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون ^ ) و قال تعالى ^ ( و يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين اشركوا أين ~~شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا و الله ربنا ما ~~كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم و ضل عنهم ماكانوا يفترون ^ ) # وقد جاءت الأحاديث بأن الانسان يجحد أعماله يوم القيامة حتى يشهد عليه ~~سمعه و بصره و جوارحه و قال تعالى ^ ( و ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ~~سمعكم ولا أبصاركم و لا جلودكم و لكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعلمون ^ ) # ومن عادة المنافقين المجادلة عن أنفسهم بالكذب و الأيمان الفاجرة وصفهم ~~الله بذلك فى غير موضع و فى قصة ms0865 تبوك لما رجع النبى صلى الله عليه و سلم و ~~جاء المنافقون يعتذرون إليه فجعل يقبل علانيتهم و يكل سرائرهم إلى الله ~~فلما جاء كعب قال و الله يارسول الله لو قعدت بين يدي ملك من ملوك الأرض ~~لقدرت أن أخرج من سخطه إنى أوتيت جدلا و لكن أخاف إن حدثتك حديث كذب ترضى ~~به عنى ليوشكن الله أن يسخطك علي و لئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني ~~لأرجو فيه عفو الله لاوالله ما كان لي من عذر و الله ما كنت أقوى قط و لا ~~أيسر مني حين تخلفت عنك فقال النبى صلى الله عليه و سلم PageV14P446 أما ~~هذا فقد صدق يعنى و الباقي يكذبون ثم إنه هجره مدة ثم تاب الله عليه ببركة ~~صدقة # فالاعتذار عن النفس بالباطل و الجدال عنها لا يجوز بل إن أذنب سرا بينه و ~~بين الله اعترف لربه بذنبه و خضع له بقلبه و سأله مغفرته و تاب إليه فانه ~~غفور رحيم تواب و إن كانت السيئة ظاهرة تاب ظاهرا و إن أظهر جميلا و أبطن ~~قبيحا تاب فى الباطن من القبيح فمن أساء سرا أحسن سرا و من أساء علانية ~~أحسن علانية ^ ( فان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ^ ) ~~PageV14P447 # سورة المائدة # وقال شيح الاسلام قدس الله روحه $ فصل # سورة المائدة اجمع سورة فى القرآن لفروع الشرائع من التحليل و التحريم و ~~الأمر و النهي و لهذا روى عن النبى صلى الله عليه و سلم إنه قال هي آخر ~~القرآن نزولا فاحلوا حلالها و حرموا حرامها و لهذا افتتحت بقوله ( أوفوا ~~بالعقود ) و العقود هي العهود و ذكر فيها من التحليل و التحريم و الايجاب ~~ما لم يذكر فى غيرها و الآيات فيها متناسبة مثل قوله ^ ( ياأيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم و لا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين ~~) ^ # وقد اشتهر فى التفسير أن هذه الآية نزلت بسبب الذين أرادوا PageV14P448 ~~التبتل من الصحابة مثل عثمان بن مظعون ms0866 و الذين اجتمعوا معه و فى الصحيحين ~~حديث أنس فى الأربعة الذين قال أحدهم أما أنا فأصوم لا أفطر و قال الآخر ~~أما أنا فأقوم لا أنام و قال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء و قال الآخر ~~أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبى صلى الله عليه و سلم ( لكنى أصوم و أفطر ~~و أتزوج النساء و آكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس مني ( فيشبه و الله أعلم ~~أن يكون قوله @QB@ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم @QE@ ) فيمن حرم الحلال ~~على نفسه بقول أو عزم على تركه مثل الذي قال لاأتزوج النساء و لا آكل اللحم ~~و هي الرهبانية المبتدعة فان الراهب لا ينكح و لا يذبح # و قوله ^ ( لاتعتدوا ^ ) فيمن قال أقوم لا أنام و قال أصوم لا أفطر لأن ~~الاعتداء مجاوزة الحد فهذا مجاوز للحد في العبادة المشروعة كالعدوان في ~~الدعاء فى قوله ^ ( ادعوا ربكم تضرعا و خفية إنه لا يحب المعتدين ^ ) و قال ~~النبى صلى الله عليه و سلم ( سيكون قوم يعتدون فى الدعاء و الطهور ~~فالاعتداء فى ( العبادات و فى الورع ( كالذين تحرجوا من أشياء ترخص فيها ~~النبى صلى الله عليه و سلم و فى ( الزهد ( كالذين حرموا الطيبات و هذان ~~القسمان ترك فقوله ( ولا تعتدوا ) إما أن يكون مختصا بجانب الأفعال ~~العبادية و إما أن PageV14P449 يكون العدوان يشمل العدوان فى العبادة و ~~التحريم و هذان النوعان هما اللذان ذم الله المشركين بهما فى غير موضع حيث ~~عبدوا عبادة لم يأذن الله بها 2 و حرموا ما لم يأذن الله به فقوله ( ~~لاتحرموا ) ( ولاتعتدوا ) يتناول القسمين والعدوان هنا كالعدوان فى قوله ^ ~~( و لا تعاونوا على الاثم و العدوان ^ ) اما أن يكون اعم من الاثم و اما أن ~~يكون نوعا آخر و اما أن يكون العدوان فى مجاوزة حدود المأمورات واجبها و ~~مستحبها و مجاوزة حد المباح و إما أن يكون فى ذلك مجاوزة حد التحريم أيضا ~~فانها ثلاثة أمور مأمور به و منهى ms0867 عنه و مباح # ثم ذكر بعد هذا قوله ^ ( لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم و لكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ^ ) الآية ذكر هذا بعد النهي عن التحريم ~~ليبين المخرج من تحريم الحلال إذا عقد عليه يمينا بالله أو يمينا أخرى و ~~بهذا يستدل على أن تحريم الحلال يمين # ثم ذكر بعد ذلك ما حرمه من الخمر و الميسر و الأنصاب و الازلام فبين به ~~ما حرمه فان نفي التحريم الشرعى يقع فيه طائفة من الاباحية كما يقع فى ~~تحريم الحلال طائفة من هؤلاء يكونون فى حال اجتهادهم و رياضتهم تحريمية ثم ~~إذا و صلوا بزعمهم صاروا إباحية و هاتان PageV14P450 آفتان تقع فى المتعبدة ~~و المتصوفة كثيرا و قرن بينهما حكم الأيمان فان كلاهما يتعلق بالفم داخلا و ~~خارجا كما يقرن الفقهاء بين كتاب الأيمان و الاطعمة و فيه رخصة فى كفارة ~~الأيمان مطلقا خلافا لما شدد فيه طائفة من الفقهاء من جعل بعض الأيمان ~~لاكفارة فيها فإن هذا التشديد مضاه للتحريم فيكون الرجل ممنوعا من فعل ~~الواجب أو المباح بذلك التشديد و هذا كله رحمة من الله بنا دون غيرنا من ~~الأمم التى حرم عليهم أشياء عقوبة لهم و لا كفارة في أيمانهم و لم يطهرهم ~~من الرجس كما طهرنا فتدبر هذا فانه نافع PageV14P451 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله $ فصل # قوله @QB@ سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك @QE@ ) قيل اللام لام ~~كي اي يسمعون ليكذبوا و يسمعون لينقلوا إلى قوم آخرين لم يأتوك فيكونون ~~كذابين و نمامين جواسيس و الصواب انها لام التعدية مثل قوله ( سمع الله لمن ~~حمده ( فالسماع مضمن معنى القبول اي قابلون للكذب و يسمعون من قوم آخرين لم ~~يأتوك و يطيعونهم فيكون ذما لهم على قبول الخبر الكاذب و على طاعة غيره من ~~الكفار و المنافقين مثل قوله ^ ( و لأوضعوا خلالكم بيعونكم الفتنة و فيكم ~~سماعون لهم ^ ) اي هم يطلبون أن يفتنوكم و فيكم من يسمع منهم فيكون قد ذمهم ~~على اتباع الباطل فى نوعي ms0868 الكلام خبره و انشائه فإن باطل الخبر الكذب و بطل ~~الانشاء طاعة غير الرسل و هذا بعيد # ثم قال ( سماعون للكذب أكالون للسحت ( فذكر أنهم فى PageV14P452 غذائي ~~الجسد و القلب يغتذون الحرام بخلاف من يأكل الحلال و لا يقبل إلا الصدق و ~~فيه ذم لمن يروج عليه الكذب و يقبله أو يؤثره لموافقته هواه و يدخل فيه ~~قبول المذاهب الفاسدة لأنها كذب لاسيما إذا اقترن بذلك قبولها لاجل العوض ~~عليها سواء كان العوض من ذي سلطان أو وقف أو فتوح أو هدية أو أجرة أو غير ~~ذلك و هو شبيه بقوله ( إن كثير من الاحبار و الرهبان ليأكلون اموال الناس ~~بالباطل و يصدون عن سبيل الله ) أهل البدع و أهل الفجور الذين يصدقون بما ~~كذب به على الله و رسوله و أحكامه و الذين يطيعون الخلق فى معصية الخالق # ومثله ( هل أدلكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون ~~السمع و اكثرهم كاذبون ) فانما تنزلت بالسمع الذي يخلط فيه بكلمه الصدق الف ~~كلمة من الكذب على من هو كذاب فاجر فيكون سماعا للكذب من مسترقة السمع # ثم قال فى السورة ( لولا ينهاهم الربانيون و الأحبار عن قولهم الاثم و ~~اكلهم السحت ) فقول الاثم و سماع الكذب و اكل السحت اعمال متلازمة فى ~~العادة و للحكام منها خصوص فان الحاكم إذا PageV14P453 ارتشى سمع الشهادة ~~المزورة و الدعوى الفاجرة فصار سماعا للكذب اكالا للسحت قائلا للاثم # ولهذا خير نبيه صلى الله عليه و سلم بين الحكم بينهم و بين تركه لأنه ليس ~~قصدهم قبول الحق و سماعه مطلقا بل يسمعون ما وافق أهواءهم و إن كان كذبا و ~~كذلك العلماء الذين يتقولون الروايات المكذوبة PageV14P454 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى # هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ # منها قوله ( و عبد الطاغوت ) و الصواب عطفه على قوله ( من لعنه الله ) ~~فعل ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية لكن ms0869 المتقدمة الفاعل الله ~~مظهرا أو مضمرا و هذا الفعل اسم من عبد الطاغوت و هو الضمير فى عبد و لم ~~يعد حرف ( من ) لأن هذه الأفعال لصنف واحد و هم PageV14P455 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله $ فصل # قال تعالى ^ ( ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ماأحل الله لكم و لا ~~تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين و كلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ^ ) ~~الآية # ومن المشهور فى التفسير أنها نزلت بسبب جماعة من الصحابة كانوا قد عزموا ~~على الترهب و فى الصحيحين عن أنس ( أن رجالا سألوا ازواج النبى صلى الله ~~عليه و سلم عن عبادته فى السر فتقالوا ذلك ( و ذكر الحديث # وفى الصحيحين عن سعد قال ( رد النبى صلى الله عليه و سلم على عثمان بن ~~مظعون التبتل و لو أذن له لاختصينا ( و عن عكرمة أن علي بن أبى طالب و ابن ~~مسعود و عثمان بن مظعون و المقداد و سالما PageV14P456 مولى أبي حذيفة فى ~~اصحاب لهم تبتلوا فجلسوا فى البيوت و اعتزلوا النساء و لبسوا المسوح و ~~حرموا الطيبات من الطعام و اللباس إلا ما يأكل و يلبس أهل السياحة من بني ~~إسرائيل و هموا بالاختصاء و اجمعوا لقيام الليل و صيام النهار فنزلت هذه ~~الآية و كذلك ذكر سائر المفسرين مايشبه هذا المعنى # و قد ذم الله الذين اضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات و ذم الذين يتبعون ~~الشهوات و الذين يريدون أن تميلوا ميلا عظيما و يريدون ميل المؤمنين ميلا ~~عظيما و ذم الذين اتبعوا ما اترفوا فيه و الذين يتمتعون و يأكلون كما تأكل ~~الانعام # وأكثر الذين اضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات شربة الخمر كما قال تعالى ^ ~~( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء فى الخمر و الميسر و ~~يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة ) ^ ) فجمعوا فجمعوا بين الشهوة المحرمة و ~~ترك ذكر الله و إضاعة الصلاة و كذلك غيرهم من أهل الشهوات # ثم نهى سبحانه عن تحريم ما أحل من الطيبات ms0870 و عن الاعتداء فى تناولها و هو ~~مجاوزة الحد و قد فسر الاعتداء فى الزهد و العبادة بأن يحرموا الحلال و ~~يفعلوا من العبادة ما يضرهم فيكونوا قد تجاوزوا PageV14P457 الحد و أسرفوا ~~و قيل لا يحملنكم أكل الطيبات على الاسراف و تناول الحرام من أموال الناس ~~فان آكل الطيبات و الشهوات المعتدى فيها لابد أن يقع فى الحرام لأجل ~~الاسراف فى ذلك # والمقصود بالزهد ترك ما يضر العبد فى الآخرة و بالعبادة فعل ما ينفع فى ~~الآخرة فاذا ترك الانسان ما ينفعه فى دينه و ينفعه فى آخرته و فعل من ~~العبادة ما يضر فقد اعتدى و أسرف و إن ظن ذلك زهدا نافعا و عبادة نافعة # قال ابن عباس و مجاهد و قتادة و النخعي ( ولاتعتدوا ) أي لا تجبوا أنفسكم ~~و قال عكرمة لا تسيروا بغير سيرة المسلمين من ترك النساء و دوام الصيام و ~~القيام و قال مقاتل لا تحرموا الحلال و عن الحسن لا تأتوا مانهى الله عنه و ~~هذا ما أريد به لاتحرموا الحلال و لا تفعلوا الحرام فيكون قد نهى عن ~~النوعين لكن سبب نزول الآية و سياقها يدل على قول الجمهور و قد يقال هذا ~~مثل قوله ^ ( و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا ^ ) و قوله فى تمام الآية @QB@ ~~وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا @QE@ ) الآية # وكذلك الأحاديث الصحيحة كقول أحدهم لا أتزوج النساء PageV14P458 وقول ~~الآخر لا آكل اللحم كما في حديث أنس المتقدم و هذا مما يدل على أن صوم ~~الدهر مكروه و كذلك مداومة قيام الليل $ فصل # وهذا الذي جاءت به شريعة الاسلام هو الصراط المستقيم و هو الذي يصلح به ~~دين الانسان كما قال النبى صلى الله عليه و سلم ( أعدل الصيام صيام داود ~~كان يصوم يوما و يفطر يوما ) و فى رواية صحيحة ( أفضل ( والأفضل هو الأعدل ~~الأقوم و هذا القرآن يهدي للتى هي أقوم و هى وسط بين هذين الصنفين أصحاب ~~البدع و أصحاب الفجور أهل الاسراف و التقشف ms0871 الزائد # ولهذا كان السلف يحذرون من هذين الصنفين قال الحسن هو المبتدع في دينه و ~~الفاجر فى دنياه و كانوا يقولون أحذروا صاحب الدنيا أغوته دنياه و صاحب هوى ~~متبع لهواه و كانوا يأمرون بمجانبة أهل البدع و الفجور # ف ( القسم الأول ( أهل الفجور PageV14P459 # وهم المترفون المنعمون أوقعهم فى الفجور ماهم فيه و ( القسم الثاني ( ~~المترهبون أوقعهم فى البدع غلوهم و تشديدهم هؤلاء ( استمتعوا بخلاقهم ) و ~~هؤلاء خاضوا كما خاض الذين من قبلهم و ذلك أن الذين يتبعون الشهوات المنهي ~~عنها أو يسرفون في المباحات و يتركون الصلوات و العبادات المأمور بها ~~يستحوذ عليهم الشيطان و الهوى فينسيهم الله و الدار الآخرة و يفسد حالهم ~~كما هو مشاهد كثيرا منهم # والذين يحرمون ما أحل الله من الطيبات و إن كانوا يقولون إن الله لم يحرم ~~هذا بل يلتزمون أن لا يفعلوه إما بالنذر و إما باليمين كما حرم كثير من ~~العباد و الزهاد أشياء يقول أحدهم لله علي أن لا آكل طعاما بالنهار أبدا و ~~يعاهد أحدهم أن لا يأكل الشهوة الملائمة و يلتزم ذلك بقصد و عزمه و إن لم ~~يحلف و لم ينذر فهذا يلتزم أن لايشرب الماء و هذا يلتزم أن لا يأكل الخبز و ~~هذا يلتزم أن لايشرب الفقاع و هذا يلتزم أن لا يتكلم قط و هذا يجب نفسه و ~~هذا يلتزم أن لا ينكح و لا يذبح و أنواع هذه الأشياء من الرهبانية التى ~~ابتدعوها على سبيل مجاهدة النفس و قهر الهوى و الشهوة # ولاريب أن مجاهدة النفس مأمور بها و كذلك قهر الهوى والشهوة كما ثبت عن ~~النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله و ~~الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد PageV14P460 الموت و العاجز من اتبع نفسه ~~هواها و تمنى على الله ( لكن المسلم المتبع لشريعة الاسلام هو المحرم ما ~~حرمه الله و رسوله فلا يحرم الحلال و لا يسرف فى تناوله بل ms0872 يتناول ما يحتاج ~~إليه من طعام أو لباس أو نكاح و يقتصد في ذلك و يقتصد فى العبادة فلا يحمل ~~نفسه مالا تطيق # فهذا تجده يحصل له من مجاهدات النفس و قهر الهوى ما هو أنفع له من تلك ~~الطريق المبتدعة الوعرة القليلة المنفعة التى غالب من سلكها ارتد على حافره ~~و نقض عهده و لم يرعها حق رعايتها و هذا يثاب على ذلك مالا يثاب على سلوك ~~تلك الطريق و تزكو به نفسه و تسير به إلى ربه و يجد بذلك من المزيد فى ~~إيمانه مالا يجده أصحاب تلك الطريق فانهم لابد أن تدعوهم أنفسهم إلى ~~الشهوات المحرمة فانه ما من بنى آدم الا من أخطأ أو هم بخطيئة الا يحيى بن ~~زكريا و قد قال تعالى ^ ( و خلق الانسان ضعيفا ^ ) # قال طاووس فى أمر النساء و قلة صبره عنهن كما تقدم فميل النفس إلى النساء ~~عام فى طبع جميع بنى آدم و قد يبتلى كثير منهم بالميل إلى الذكران كما هو ~~المذكور عنهم فيبتلى بالميل إلى المردان و إن لم يفعل الفاحشة الكبرى ابتلي ~~بما هو دون ذلك من المباشرة و المشاهدة و لايكاد أن يسلم أحدهم من الفاحشة ~~إما في سره و إما PageV14P461 بينه و بين الأمرد و يحصل للنفس من ذلك ما هو ~~معروف عند الناس # وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه فإذا ابتلى المسلم ببعض ذلك ~~كان عليه أن يجاهد نفسه فى الله و هو مأمور بهذا الجهاد ليس أمرا أوجبه و ~~حرمه هو على نفسه فيكون في طاعة نفسه و هواه بل هو أمر حرمه الله و رسوله و ~~لا حيلة فيه فيصير بالمجاهدة في طاعة الله و رسوله # وفي حديث رواه أبو يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا ( من عشق فعف ~~و كتم و صبر ثم مات فهو شهيد ( و أبو يحيى في حديثه نظر لكن المعنى الذي ~~ذكره دل عليه الكتاب و السنة فإن الله أمر بالتقوى ms0873 و الصبر فمن التقوى أن ~~يعف عن كل ماحرمه الله من نظر بعين و من لفظ بلسان و من حركة بيد و رجل و ~~من الصبر أن يصبر عن شكوى ما به إلى غير الله عز و جل فان هذا هو الصبر ~~الجميل # و أما الكتمان فيراد به شيئان # ( أحدهما ( أن يكتم بثه و ألمه فلا يشكو إلى غير الله فمتى شكا إلى غير ~~الله نقص صبره و هذا أعلى الكتمانين لكن هذا لا يقدر عليه كل أحد بل كثير ~~من الناس يشكو ما به و هذا على PageV14P462 وجهين فان شكا ذلك إلى طبيب ~~يعرف طب الأديان و مضرات النفوس و منافعها ليعالج نفسه بعلاج الايمان فهذا ~~بمنزلة المستفتى و هذا حسن # وإن شكا إلى من يعينه على المحرم فهذا حرام و إن شكا إلى غيره لما في ~~الشكوى من الراحة كما يشكو المصاب مصيبته إلى الناس من غير أن يقصد تعلم ما ~~ينفعه و لا الاستعانة على مصيبته فهذا ينقص صبره و لكن لايأثم مطلقا الا ~~إذا اقترن به ما يحرم كالمصاب الذي يتسخط # و ( الثانى ( أن يكتم ذلك فلا يتحدث به مع الناس لما فى ذلك من إظهار ~~السوء و الفاحشة فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت و تشهت و تمنت و تتيمت ~~و الانسان متى رأى أو سمع أو تخيل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعيا له إلى ~~الفعل و التشبه به و النساء متى رأين البهائم تنزوا الذكور منها على الاناث ~~ملن إلى الباءة و المجامعة و الرجل إذا سمع من يفعل مع المردان و النساء و ~~رأى ذلك أو تخيله فى نفسه دعاه ذلك إلى الفعل و إذا ذكر للانسان طعام ~~اشتهاه و مال إليه و إن وصف ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو غيره ~~مالت نفسه إليه و الغريب عن وطنه متى ذكر بالوطن حن إليه و كل ما فى نفس ~~الانسان محبته اذا تصوره تحركت PageV14P463 المحبة و الطلب ms0874 إلى ذلك المحبوب ~~المطلوب إما إلى وصفه و إما إلى مشاهدته و كلاهما يحصل به تخيل في النفس و ~~قد يحصل التخيل بالسماع أو الرؤية أو الفكر في بعض الأمور المتعلقة به فاذا ~~تخيلت النفس تلك الأمور المتعلقة انقلبت إلى ما تخيلته فتحركت داعية المحبة ~~سواء كانت محبة محمودة أو مذمومة # ولهذا تتحرك النفوس إلى الحج إذا ذكر الحجاز أو كان أوان الحج أو رأى من ~~يذهب إلى الحج من أهله و أقاربه أو أصحابه أو غيرهم و لو لم يسمع ذلك و ~~يراه لما تحرك و لا حدث منه داعية قوته إلى ذلك فتتحرك بذكر الأبرق و ~~الأجرع و العلى و نحو ذلك لأنه رأى تلك المنازل لما كان ذاهبا إلى محبوبه ~~فصار ذكرها يذكره بالمحبوب # وكذلك أصحاب المتاجر و الأموال اذا سمع أحدهم بالمكاسب تحركت داعيته إلى ~~ذلك و كذلك أهل الفرج و التنزه إذا رأوا من يقصد ذلك تحركوا إليه و هذه ~~الدواعي كلها مركوزة في نفوس بنى آدم و الانسان ظلوم جهول # و كذلك ذكر أثار رسول الله صلى الله عليه و سلم تذكر به و تحرك محبته ~~فالمبتلى بالفاحشة و العشق إذا ذكر ما به لغيره تحركت نفس ذلك الغير إلى ~~جنس ذلك لأن النفوس مجبولة على حب الصور الجميلة PageV14P464 فاذا تصورت ~~جنسا تحرك اليها المحبوب # ولهذا نهى الله تعالى عن اشاعة الفاحشة و كذلك أمر بستر الفواحش كما قال ~~النبى صلى الله عليه و سلم ( من ابتلى من هذه القاذورات بشيء فاليسنتر بستر ~~الله فانه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله ( و قال كل أمتى معافى إلا ~~المجاهرين و ان من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله فيصبح ~~يتحدث به ( فما دام الذنب مستورا فعقوبته على صاحبه خاصة و إذا ظهر و لم ~~ينكر كان ضرره عاما فكيف إذا كان في ظهوره تحريك لغيره إليه # ولهذا كره الامام أحمد و غيره إنشاد الأشعار الغزل الرقيق لأنه يحرك ~~النفوس إلى الفواحش ms0875 فلهذا أمر من يبتلى بالعشق أن يعف و يكتم و يصبر فيكون ~~حينئذ ممن قال الله فيه ( إنه من يتق و يصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين ~~) # والمقصود أنه يثاب على هذه المجاهدة و المجاهد من جاهد نفسه في الله و ~~أما المبتدعون فى الزهد و العبادة السالكون طريق الرهبان فانهم قد يزهدون ~~فى النكاح و فضول الطعام و المال و نحو ذلك و هذا محمود لكن عامة هؤلاء ~~لابد أن يقعوا فى ذنوب من هذا الجنس كما نجد كثيرا منهم يبتلى بصحبة ~~الأحداث و ارفاق النساء فيبتلون بالميل PageV14P465 الى الصور المحرمة من ~~النساء و الصبيان ما لايبتلى به أهل السنة المتبعون للشريعة المحمدية # وحكاياتهم في هذا أكثر من أن يحكى بسطها فى كتاب و عندهم من الفواحش ~~الباطنة و الظاهرة ما لا يوجد عند غيرهم و خيار من فيهم يميل إلى الأحداث و ~~الغناء و السماع لما يجدون في ذلك من راحة النفوس و لو اتبعوا السنة ~~لاستراحوا من ذلك # قال أبو سعيد الخراز لما قال له الشيطان فى المنام لي فيكم لطيفتان ~~السماع و صحبة الأحداث قال أبو سعيد قل من ينجو منها من أصحابنا حتى لقوة ~~محبة نفوسهم صار ذلك ممتزجا بطريقهم إلى الله فان أحدهم يجد فى نفسه عند ~~مشاهدة ا لشاهد من الرغبة فيما اعتاده من العبادة و الزهادة مالا يجدها ~~بدون ذلك و عنده في نفسه عند سماع القصائد من الشوق و الرغبة و النشاط ما ~~لا يجده عند سماع القرآن فصاروا في شبهة و شهوة لم يكتف الشيطان منهم ~~بوقوعهم فى الأمور المحرمة التى تفتنهم حتى جعلهم يعتبرون ذلك عبادة كالذين ~~قال الله فيهم ^ ( و اذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و الله ~~أمرنا بها ^ ) الآية و هؤلاء هم الذين أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات # وإذا و قعوا فى السماع وقعوا فيه بشوق و رغبة قوية و محبة تامة ~~PageV14P466 وبذلوا فيه أنفسهم و أموالهم فقد يبذلون فيه نساءهم و أبناءهم ~~و ms0876 يدخلون في الدياثة لأغراضهم فيأتي أحدهم بولده فيهبه للشيخ يفعل ما أراد ~~هو و من يلوذ به و يسمونه حوارا وإن كان حسن الصورة استأثر به الشيخ دونهم ~~و يعد أهله ذلك بركة حصلت له من الشيخ و يرتفع الحياء بين أم الصبى و أبيه ~~و بين الفقراء # وإذا صلوا صلوا صلاة المنافقين يقومون إليها و هم كسالى يراؤون الناس و ~~لا يذكرون الله الا قليلا فقد أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات و مع هذا فهم ~~قد يزهدون فى بعض الطيبات التى أحلها الله لهم و يجتهدون فى عبادات و اذكار ~~لكن مع بدعة و أفعال لا تجوز مما تقدم ذكره فتلك البدعة هي التى أوقعتهم فى ~~اتباع الشهوات و إضاعة الصلوات لأن الشريعة مثالها مثال سفينة نوح من ركبها ~~نجا و من تخلف عنها غرق و هؤلاء تخلفوا عنها فغرقوا بحبهم و يتوب الله على ~~من تاب # والسالكون للشريعة المحمدية إذا ابتلوا بالذنوب لم تكن التوبة عليهم من ~~الآصار و الأغلال بل من الحنيفية السمحة و أما أهل البدع فقد تكون التوبة ~~عليهم آصارا و أغلالا كما كانت على من قبلنا من الرهبان فانهم إذا وقع ~~أحدهم في الذنب لم يخلص من شره إلا ببلاء شديد من أجل خروجه عن السنة ~~PageV14P467 # وهولاء قد يظن احدهم أنه لا يمكنه السلوك إلى الله تعالى الا ببدعة # وكذلك أهل الفجور المترفين قد يظن أحدهم أنه لا يمكنه فعل الواجبات الا ~~بما يفعله من الذنوب و لايمكنه ترك المحرمات الا بذلك و هذا يقع لبشر كثير ~~من الناس # منهم من يقول أنه لايمكن أداء الصلوات و اجتناب الكلام المحرم من الغيبة ~~و غيرها الا بأكل الحشيشة # ويقول الآخر إن أكلها يعينه على استنباط العلوم و تصفية الذهن حتى يسميها ~~بعضهم معدن الفكر و الذكر و محركة العزم الساكن و كل هذا من خدع النفس و ~~مكر الشيطان بهؤلاء و غيرهم و إنها لعمى الذهن و يصير آكلها أبكم مجنونا لا ~~يعي ما يقول ms0877 # وكذلك في هؤلاء من يقول إن محبته لله ورغبته فى العبادة وحركته ووجده ~~وشوقه وغير ذلك لا يتم إلا بسماع القصائد ومعاشرة الشاهد من الصبيان وغيرهم ~~وسماع الأصوات والنغمات ويزعمون أنهم بسماع هذه الأصوات ورؤية الصور ~~المحركات تتحرك عندهم من دواعي الزهد والعبادة مالاتتحرك بدون ذلك وأنهم ~~بدون ذلك قد يتركون PageV14P468 الصلوات ويفعلون المحرمات الكبار كقطع ~~الطريق وقتل النفوس ويظنون أنهم بهذا ترتاض نفوسهم وتلتذ بذلك لذة تصدها عن ~~ارتكاب المحارم والكبائر وتحملها على الصلاة والصوم والحج # وهذا مستند كثير من الشيوخ الذين يدعون الناس إلى طريقهم بالسماع المبتدع ~~على اختلاف ألوانه وأنواعه ومنهم من يدعو إليه بالدف والرقص ومنهم من يضيف ~~إلى ذلك الشبابات ومنهم من يعمله بالنساء والصبيان ومنهم من يعمله بالدف ~~والكف ومنهم من يعمله بأذكار واجتماع وتسبيحات وقيام وإنشاد أشعار وغير ذلك ~~من سائر أنواعه وألوانه # وربما ضموا إليه 2 من معاشرة النساء والمردان ونحو ذلك ويقولون هؤلاء ~~الذين توبناهم وقد كانوا لا يصلون ولا يحجون ولا يصومون بل كانوا يقطعون ~~الطريق ويقتلون النفس ويزنون فتوبناهم عن ذلك بهذا السماع وما أمكن أحد ~~استتابتهم بغير هذا # وقد يعترفون أن ما فعلوه بدعة منهي عنها أو محرمة ولكن يقولون ما أمكننا ~~الا هذا وإن لم نفعل هذا القليل من المحرم حصل الوقوع فيما هو أشد منه ~~تحريما وفى ترك الواجبات ما يزيد إثمه على إثم هذا المحرم القليل فى جنب ما ~~كانوا فيه من المحرم الكثير PageV14P469 # ويقولون إن الانسان يجد في نفسه نشاطا وقوة في كثير من الطاعات إذا حصل ~~له ما يحبه وإن كان مكروها حراما واما بدون ذلك فلا يجد شيئا ولا يفعله وهو ~~أيضا يمتنع عن المحرمات إذا عوض بما يحبه وان كان مكروها وإلا لم يمتنع ~~وهذه الشبهة واقعة لكثير من الناس وجوابها مبنى على ثلاث مقامات # ( أحدها ( أن المحرمات قسمان # ( أحدهما ( ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئا لا لضرورة ولا لغير ضرورة ~~كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم ms0878 المحض وهي الأربعة ~~المذكورة فى قوله تعالى ( قل إنما حرم ربى الفواحش ماظهر منها وما بطن ~~والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله مالا تعلمون ) # فهذه الأشياء محرمة فى جميع الشرائع وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ولم ~~يبح منها شيئا قط ولا فى حال من الأحوال ولهذا أنزلت في هذه السورة المكية ~~ونفي التحريم عما سواها فانما حرمه بعدها كالدم والميتة ولحم الخنزير حرمه ~~فى حال دون حال وليس تحريمه مطلقا PageV14P470 # وكذلك ( الخمر ( يباح لدفع الغصة بالاتفاق ويباح لدفع العطش في أحد قولي ~~العلماء ومن لم يبحها قال إنها لاتدفع العطش وهذا مأخذ أحمد فحينئذ فالأمر ~~موقوف على دفع العطش بها فان علم أنها تدفعه أبيحت بلا ريب كما يباح لحم ~~الخنزير لدفع المجاعة وضرورة العطش الذي يرى أنه يهلكه أعظم من ضرورة الجوع ~~ولهذا يباح شرب النجاسات عند العطش بلا نزاع فان اندفع العطش وإلا فلا ~~إباحة فى شيء من ذلك # وكذلك ( الميسر ( فإن الشارع أباح السبق فيه بمعنى الميسر للحاجة فى ~~مصلحة الجهاد وقد قيل إنه ليس منه وهو قول من لم يبح العوض من الجانبين ~~مطلقا إلا المحلل ولا ريب أن الميسر أخف من أمر الخمر وإذا أبيحت الخمر ~~للحاجة فالميسر أولى والميسر لم يحرم لذاته إلا لأنه يصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء فإذا كان فيه تعاون على الرمي الذي هو من ~~جنس الصلاة وعلى الجهاد الذي فيه تعاون وتتألف به القلوب على الجهاد زالت ~~هذه المفسدة # وكذلك بيع الغرر هو من جنس الميسر ويباح منه أنواع عند الحاجة ورجحان ~~المصلحة PageV14P471 # وكذلك ( الربا ( حرم لما فيه من الظلم وأوجب أن لايباع الشيء إلا بمثله ~~ثم أبيح بيعه بجنسه خرصا عند الحاجة بخلاف غيرها من المحرمات فانهم تحرم فى ~~حال دون حال ولهذا والله أعلم نفي التحريم عما سواها وهو التحريم المطلق ~~العام فان المنفي من جنس المثبت فلما أثبت فيها التحريم العام المطلق نفاه ms0879 ~~عما سواها # و ( المقام الثاني ( أن يفرق بين ما يفعل فى الانسان ويأمر به ويبيحه ~~وبين ما يسكت عن نهي غيره عنه وتحريمه عليه فاذا كان من المحرمات ما لو نهى ~~عنه حصل ما هو أشد تحريما لم ينه عنه ولم يبحه أيضا # ولهذا لايجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه ولهذا حرم الخروج على ولاة ~~الأمر بالسيف لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ما يحصل بذلك من ~~فعل المحرمات وترك واجب أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب واذا كان قوم ~~على بدعة أو فجور ولو نهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شر أعظم مما هم عليه من ذلك ~~ولم يمكن منعهم منه ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة لم ينهوا عنه # بخلاف ما أمر الله به الأنبياء وأتباعهم من دعوة الخلق فان دعوتهم يحصل ~~بها مصلحة على مفسدتها كدعوة موسى PageV14P472 لفرعون ونوح لقومه فانه حصل ~~لموسى من الجهاد وطاعة الله وحصل لقومه من الصبر والاستعانة بالله ما كانت ~~عاقبتهم به حميدة وحصل أيضا من تفريق فرعون وقومه ماكانت مصلحته عظيمة # وكذلك نوح حصل له ما أوجب أن يكون ذريته هم الباقين وأهلك الله قومه ~~أجمعين فكان هلاكهم مصلحة # فالمنهي عنه إذا زاد شره بالنهي وكان النهي مصلحة راجحة كان حسنا وأما ~~إذا زاد شره وعظم وليس فى مقابلته خير يفوته لم يشرع إلا أن يكون فى ~~مقابلته مصلحه زائدة فان أدى ذلك إلى شر أعظم منه لم يشرع مثل أن يكون ~~الآمر لا صبر له فيؤذى فيخزع جزعا شديدا يصير به مذنبا وينتقص به إيمانه ~~ودينه # فهذا لم يحصل به خير لاله ولا لأولئك بخلاف ما إذا صبر واتقى الله وجاهد ~~ولم يتعد حدود الله بل استعمل التقوى والصبر فان هذا تكون عاقبته حميدة # وأولئك قد يتوبون فيتوب الله عليهم ببركته وقد يهلكهم ببغيهم ويكون ذلك ~~مصلحة كما قال تعالى @QB@ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب ~~العالمين @QE@ ) PageV14P473 # وأماالانسان فى نفسه فلايحل له أن يفعل الذي يعلم أنه ms0880 محرم لظنه أنه ~~يعينه على طاعة الله فان هذا لايكون إلامفسدة أو مفسدته راجحة على مصلحته ~~وقد تنقلب تلك الطاعة مفسدة فان الشارع حكيم فلو علم أن فى ذلك مصلحة لم ~~يحرمه لكن قد يفعل الانسان المحرم ثم يتوب وتكون مصلحته أنه يتوب منه ويحصل ~~له بالتوبة خشوع ورقة وإنابة إلى الله تعالى فان الذنوب قد يكون فيها مصلحة ~~مع التوبة منها فان الانسان قد يحصل له ( بعدم ) الذنوب كبر وعجب وقسوة ~~فإذا وقع فى ذنب أذله ذلك وكسر قلبه ولين قلبه بما يحصل له من التوبة # ولهذا قال سعيد بن جبير إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار ويفعل ~~السيئة فيدخل بها الجنة وهذا هو الحكمة فى ابتلاء من ابتلى بالذنوب من ~~الأنبياء والصالحين وأما بدون التوبة فلا يكون المحرم إلا مفسدته راجحة ~~فليس للانسان أن يعتقد حل ما يعلم أن الله حرمه قطعا وليس له أن يفعله قطعا ~~فان غلبته نفسه وشيطانه فوقع فيه تاب منه فان تاب فصار بالتوبة خيرا مما ~~كان قبله فهذا من رحمة الله به حين تاب عليه وإلا فلو لم يتب لفسد حاله ~~بالذنب وليس له أن يقول أنا أفعل ثم اتوب ولا يبيح الشارع له ذلك لأنه ~~بمنزلة من يقول أنا أطعم نفسي ما يمرضني ثم أتداوى أو آكل السم ثم اشرب ~~الترياق PageV14P474 # والشارع حكيم فانه لايدرى هل يتمكن من التوبة أم لا وهل يحصل الدواء ~~بالترياق وغيره أم لا وهل يتمكن من الشرب أم لا لكن لو وقع هذا وكانت آخرته ~~إلى التوبة النصوح كان الله قد أحسن إليه بالتوبة وبالعفو عما سلف من ذنوبه ~~وقد يكون مثل هذا ليس صلاحه إلا فى أن يذنب ويتوب ولو لم يفعل ذلك كان شرا ~~منه لو لم يذنب ويتوب لكن هذا أمر يتعلق بخلق الله وقدره وحكمته لايمكن أحد ~~أن يأمر به الانسان لأنه لايدري أن ذلك خير له وليس ما يفعله خلقا لعلمه ~~وحكمته يجوز للرسل وللعباد أن يفعلوه ويأمروا به # وقصة ms0881 الخضر مع موسى لم تكن مخالفة لشرع الله وأمره ولا فعل الخضر ما فعله ~~لكونه مقدرا كما يظنه بعض الناس بل ما فعله الخضر هو مأمور به فى الشرع ~~بشرط أن يعلم من مصلحته ما علمه الخضر فانه لم يفعل محرما مطلقا ولكن خرق ~~السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار فان إتلاف بعض المال لصلاح اكثره هو أمر ~~مشروع دائما وكذلك قتل الانسان الصائل لخظ دين غيره أمر مشروع وصبر الانسان ~~على الجوع مع إحسانه إلى غيره أمر مشروع # فهذه القضية تدل على أنه يكون من الأمور ما ظاهره فساد فيحرمه من لم يعرف ~~الحكمة التى لأجلها فعل وهو مباح في الشرع PageV14P475 باطنا وظاهرا لمن ~~علم ما فيه من الحكمة التى توجب حسنه وإباحته # وهذا لايجيء في الأنواع الأربعة فان الشرك والقول على الله بلاعلم ~~والفواحش ما ظهر منها وما بطن والظلم لايكون فيها شيء من المصلحة وقتل ~~النفس أبيح فى حال دون حال فليس من الأربعة وكذلك إتلاف المال يباح فى حال ~~دون حال وكذلك الصبر على المجاعة ولذلك قال @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ # فاخلاص الدين له والعدل واجب مطلقا في كل حال وفي كل شرع فعلى العبد أن ~~يعبد الله مخلصا له الدين ويدعوه مخلصا له لايسقط هذا عنه بحال ولايدخل ~~الجنة إلا أهل التوحيد وهم أهل ( لا إله إلا الله ( # فهذا حق الله على كل عبد من عباده كما فى الصحيحين من حديث معاذ أن النبى ~~قال له ( يامعاذ أتدري ما حق الله على عبادة ) قلت الله ورسوله أعلم قال ( ~~حقه عليهم ان يعبدوه لايشركوا به شيئا ( الحديث # فلاينجون من عذاب الله إلا من اخلص لله دينه وعبادته ودعاه PageV14P476 ~~مخلصا له الدين ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره ~~كفرعون وأمثاله فهو أسوأ حالا من المشرك فلابد من عبادة الله وحده وهذا ~~واجب على كل أحد فلا يسقط عن أحد البتة وهو الاسلام العام ms0882 الذي لايقبل الله ~~دينا غيره # ولكن لا يعذب الله احدا حتى يبعث اليه رسولا وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل ~~الجنة الا نفس مسلمة مؤمنة ولايدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه فمن لم ~~تبلغه الدعوة فى الدنيا امتحن فى الآخرة ولا يدخل النار الا من اتبع ~~الشيطان فمن لاذنب له لا يدخل النار ولا يعذب الله بالنار أحدا إلا بعد أن ~~يبعث اليه رسولا فمن لم تبلغه دعوة رسول اليه كالصغير والمجنون والميت في ~~الفترة المحضة فهذا يمتحن فى الآخرة كما جاءت بذلك الآثار # فيجب الفرق فى الواجبات والمحرمات والتمييز بينهما هو اللازم لكل أحد على ~~كل حال وهو العدل فى حق الله وحق عباده بأن يعبدوا الله مخلصا له الدين ولا ~~يظلم الناس شيئا وما هو محرم على كل أحد فى كل حال لا يباح منه شيء وهو ~~الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم وبين ما سوى ذلك # قال تعالى ^ ( قل تعالوا أتل ماحرم ربكم عليكم أن لا تشركوا PageV14P477 ~~به شيئا ^ ) فهذا محرم مطلقا لا يجوز منه شيء ^ ( وبالوالدين إحسانا ^ ) ~~فهذا فيه تقييد فان الوالد إذا دعا الولد إلى الشرك ليس له أن يطيعه بل له ~~ان يأمره وينهاه وهذا الأمر والنهي للوالد هو من الاحسان اليه وإذا كان ~~مشركا جاز للولد قتله وفى كراهته نزاع بين العلماء # قوله ^ ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ^ ) فهذا تحريم خاص ^ ( ولا تقربوا ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن ^ ) هذا مطلق ^ ( ولا تقربوا مال اليتيم الا ~~بالتى هي أحسن حتى يبلغ أشده ^ ) هذا مقيد فان يتامى المشركين أهل الحرب ~~يجوز غنيمة أموالهم لكن قد يقال هذا أخذ وقربان بالتى هي أحسن إذا فسر ~~الأحسن بأمر الله ورسوله ( ^ ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ^ ) هذا مقيد ~~بمن يستحق ذلك ^ ( وإذا قلتم فاعدلوا ) هذا مطلق # @QB@ وبعهد الله أوفوا @QE@ ) فالوفاء واجب لكن يميز بين عهد الله وغيره ~~ويفرق بين ما يسكت عنه الانسان وبين ما يلفظ به ويفعله ويأمر به ويفرق ~~بينما قدره الله فحصل ms0883 بسببه خير وبين ما يؤمر به العبد فيحصل بسببه خير ~~PageV14P478 # قال شيخ الاسلام رحمه الله $ فصل # قوله تعالى علوا كبيرا @QB@ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~@QE@ ) لايقتضى ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لانهيا و لا إذنا كما ~~فى الحديث المشهور في السنن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه خطب على ~~منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ( أيها الناس إنكم تقرءون هذه ~~الآية و تضعونها في غير موضعها و إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ~~يقول ( ان الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ~~( # وكذلك في حديث أبى ثعلبة الخشني مرفوعا في تأويلها ( إذا رأيت شحا مطاعا ~~و هوى متبعا و إعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك ( و هذا يفسره حديث ~~أبى سعيد فى مسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه ~~فان لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الايمان ( فاذا قوي أهل الفجور حتى لا يبقى ~~لهم إصغاء إلى PageV14P479 البر بل يؤذون الناهي لغلبة الشح و الهوى و ~~العجب سقط التغيير باللسان في هذه الحال و بقي بالقلب و ( الشح ( هو شدة ~~الحرص التى توجب البخل و الظلم و هو منع الخير و كراهته و ( الهوى المتبع ( ~~فى إرادة الشر و محبته و ( الاعجاب بالرأي ( فى العقل و العلم فذكر فساد ~~القوى الثلاث التى هي العلم و الحب و البغض كما فى الحديث الآخر ( ثلاث ~~مهلكات شح مطاع وهوى متبع و اعجاب المرء بنفسه ( و بازائها الثلاث المنجيات ~~( خشية الله فى السر و العلانية و القصد في الفقر و الغنى و كلمة الحق فى ~~الغضب و الرضا ( و هي التى سألها فى الحديث الآخر ( اللهم اني اسألك خشيتك ~~فى السر و العلانية و أسألك كلمة الحق فى الغضب و الرضا و اسألك القصد فى ~~الفقر و الغنى ) # فخشية الله بازاء اتباع الهوى فان الخشية تمنع ذلك كما قال ms0884 ^ ( و أما من ~~خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى ^ ) و القصد في الفقر و الغنى بازاء ~~الشح المطاع و كلمة الحق فى الغضب و الرضا بازاء اعجاب المرء بنفسه و ما ~~ذكره الصديق ظاهر فان الله قال @QB@ عليكم أنفسكم @QE@ اي الزموها و اقبلوا ~~عليها و من مصالح النفس فعل ما أمرت به من الأمر و النهي و قال ^ ( لايضركم ~~من ضل إذا اهتديتم ^ ) و انما يتم الاهتداء إذا أطيع الله و ادى الواجب من ~~الأمر و النهي و غيرهما ولكن فى الآية فوائد عظيمة PageV14P480 # ( احدها ( أن لايخاف المؤمن من الكفار و المنافقين فانهم لن يضروه إذا ~~كان مهتديا # ( الثانى ( أن لا يحزن عليهم و لا يجزع عليهم فان معاصيهم لا تضره إذا ~~اهتدى و الحزن على مالا يضر عبث و هذان المعنيان مذكوران فى قوله ( واصبر و ~~ما صبرك إلا بالله و لاتحزن عليهم و لا تك في ضيق مما يمكرون ) # ( الثالث ( أن لايركن اليهم و لا يمد عينه إلى ما أوتوه من السلطان و ~~المال و الشهوات كقوله ^ ( لاتمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم و لا ~~تحزن عليهم ^ ) فنهاه عن الحزن عليهم و الرغبة فيما عندهم فى آية و نهاه عن ~~الحزن عليهم و الرهبة منهم فى آية فان الانسان قد يتألم عليهم و منهم اما ~~راغبا و اما # راهبا ( الرابع ( أن لايعتدى على أهل المعاصي بزيادة على المشروع فى ~~بغضهم أو ذمهم أو نهيهم أو هجرهم أوعقوبتهم بل يقال لمن اعتدى عليهم عليك ~~نفسك لايضرك من ضل إذا اهتديت كما قال ^ ( و لا يجرمنكم شنآن قوم ^ ) الآية ~~و قال ^ ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا ان الله لا ~~يجب المعتدين ^ ) وقال ^ ( فان انتهوا فلاعدوان الا على الظالمين ^ ) فان ~~كثيرا من الآمرين الناهين قد يعتدى PageV14P481 حدود الله اما بجهل و اما ~~بظلم و هذا باب يجب التثبت فيه و سواء في ذلك الانكار على الكفار و ~~المنافقين و الفاسقين و العاصين # ( الخامس ms0885 ( أن يقوم بالأمر و النهي على الوجه المشروع من العلم و الرفق و ~~الصبر و حسن القصد و سلوك السبيل القصد فان ذلك داخل في قوله ( عليكم ~~انفسكم ( و فى قوله ( إذا اهتديتم ) # فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف و النهي عن ~~المنكر و فيها المعنى الآخر و هو اقبال المرء على مصلحة نفسه علما و عملا و ~~اعراضه عما لايعنيه كما قال صاحب الشريعة ( من حسن اسلام المرء تركه مالا ~~يعنيه ( و لاسيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء اليه حاجة من أمر دين غيره و ~~دنياه لاسيما ان كان التكلم لحسد أو رئاسة # وكذلك العمل فصاحبه إما معتد ظالم و اما سفيه عابث و ما أكثر ما يصور ~~الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجهاد في سبيل الله ~~و يكون من باب الظلم و العدوان # فتأمل الآية فى هذه الأمور من أنفع الأشياء للمرء و أنت إذا تأملت ما يقع ~~من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها و عبادها و أمرائها PageV14P482 و ~~رؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل كما ~~بغت الجهمية على المستنة فى محنة الصفات و القرآن محنة أحمد و غيره و كما ~~بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة و كما بغت الناصبة على علي و أهل بيته ~~وكما قد تبغى المشبهة على المنزهة و كما قد يبغى بعض المستنة اما على بعضهم ~~و إما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به و هو الاسراف المذكور ~~فى قولهم ( ربنا اغفر لنا ذنوبنا و اسرافنا فى أمرنا ) # وبازاء هذا العدوان تقصير آخرين فيما أمروا به من الحق أو فيما أمروا به ~~من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فى هذه الأمور كلها فما أحسن ما قال ~~بعض السلف ما أمر الله بأمر الا اعترض الشيطان فيه بأمرين لايبالي بأيهما ~~ظفر غلوأ أو تقصير فالمعين على الاثم و العدوان بازائه تارك الاعانة ms0886 على ~~البر و التقوى و فاعل المأمور به و زيادة منهى عنها بازائه تارك المنهى عنه ~~و بعض المأمور به و الله يهدينا الصراط المستقيم و لا حول و لا قوة إلا ~~بالله PageV14P483 # قال شيخ الاسلام رحمه الله $ فصل # الذي يدل عليه القرآن فى سورة المائدة فى آية الشهادة فى قوله ^ ( ~~فيقسمان بالله إن ارتبتم لانشتري به ثمنا ^ ) أي بقولنا و لو كان ذا قربى ~~حذف ضمير كان لظهوره اي و لو كان المشهود له كما فى قوله ( ^ وإذا قلتم ~~فاعدلوا و لو كان ذا قربى ^ ) و كما في قوله @QB@ كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله @QE@ ) إلى قوله @QB@ إن يكن غنيا أو فقيرا @QE@ ) اي المشهود ~~عليه و نحو ذلك لأن العادة أن الشهادة المزورة يعتاض عليها و إلا فليس أحد ~~يشهد شهادة مزورة 2 بلا عوض و لو مدح أو اتخاذ يد و آفة الشهادة إما اللي و ~~اما الاعراض الكذب و الكتمان فيحلفان لانشتري بقولنا ثمنا أى لانكذب و لا ~~نكتم شهادة الله أو لا نشتري بعهد الله ثمنا لأنهما كانا مؤتمنين فعليهما ~~عهد بتسليم المال إلى مستحقه فان الوصية عهد من العهود # وقوله بعد ذلك @QB@ فإن عثر على أنهما استحقا إثما @QE@ ) أعم من أن يكون ~~PageV14P484 في الشهادة أو الأمانة و سبب نزول الآية يقتضي أنه كان في ~~الامانة فانهما استشهدا و ائتمنا لكن ائتمانهما ليس خارجا عن القياس بل ~~حكمه ظاهر فلم يحتج فيه إلى تنزيل بخلاف استشهادهما و المعثور على استحقاق ~~الاثم ظهور بعض الوصية عند من اشتراها منهما بعد أن وجد ذكرها في الوصية و ~~سئلا عنها فانكراها # وقوله ( من الذين استحق عليهم ) يحتمل أن يكون مضمنا معنى بغى عليهم و ~~عدى ( عليهم ) كما يقال في الغصب غصبت علي مالي و لهذا قيل ( لشهادتنا أحق ~~من شهادتهما و ما اعتدينا ) اي كما اعتدوا ثم قوله @QB@ ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم @QE@ ) # وحديث ابن عباس فى البخاري صريح فى أن ms0887 النبى صلى الله عليه و سلم حكم ~~بمعنى ما فى القرآن فرد اليمين على المدعيين بعد أن استحلف المدعى عليهم ~~لما عثر على أنهما استحقا إثما و هو إخبار المشرين انهم اشتروا ( الجام ( ~~منهما بعد قولهما ما رأيناه فحلف النبى صلى الله عليه و سلم اثنين من ~~المدعيين الأوليان و اخذ ( الجام ( من المشتري و سلم إلى المدعي و بطل ~~البيع و هذا لايكون مع إقرارهما بأنهما باعا الجام فانه لم يكن يحتاج إلى ~~يمين المدعيين لو اعترفا بانه جام الموصى و انهما PageV14P485 غصباه و ~~باعاه بل بقوا على إنكار قبضه مع بيعه أو ادعوا مع ذلك أنه أوصى لهما به و ~~هذا بعيد # فظاهر الآية أن المدعى عليه المتهم بخيانة و نحوها كما اتهم هؤلاء إذا ~~ظهر كذبه و خيانته كان ذلك لوثا يوجب رجحان جانب المدعي فيحلف و يأخذ كما ~~قلنا فى الدماء سواء و الحكمة فيهما واحدة و ذلك انه لما كانت العادة أن ~~القتل لا يفعل علانية بل سرا فيتعذر إقامة البينة و لا يمكن أن يؤخذ بقول ~~المدعي مطلقا اخذ بقول من يترجح جانبه فمع عدم اللوث جانب المنكر راجح أما ~~اذا كان قتل و لوث قوي جانب المدعي فيحلف # وكذلك الخيانة و السرقة يتعذر إقامة البينة عليهما فى العادة و من يستحل ~~أن يسرق فقد لا يتورع عن الكذب فاذا لم يكن لوث فالأصل براءة الذمة أما إذا ~~ظهر لوث بأن يوجد بعض المسروق عنده فيحلف المدعي و يأخذ و كذلك لو حلف ~~المدعى عليه ابتداء ثم ظهر بعض المسروق عند من اشتراه أو اتهبه أو أخذه منه ~~فان هذا اللوث في تغليب الظن أقوى لكن فى الدم قد يتيقن القتل و يشك فى عين ~~القاتل فالدعوى إنما هي بالتعيين # و أما فى الأموال فتارة يتيقن ذهاب المال و قدره مثل أن يكون PageV14P486 ~~معلوما في مكان معروف و تارة يتيقن ذهاب المال لا قدره بأن يعلم أنه كان ~~هناك مال و ذهب و تارة ms0888 يتيقن هتك الحرز و لا يدرى أذهب بشيء أم لا هذا فى ~~دعوى السرقة وأما فى دعوى الخيانة فلا تعلم الخيانة فاذا ظهر بعض المال ~~المتهم به عند المدعى عليه أو من قبضه منه ظهر اللوث بترجيح جانب المدعى ~~فان تحليف المدعى عليه حينئذ بعيد # وقول النبى صلى الله عليه و سلم ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء ~~قوم و أموالهم و لكن اليمين على المدعى عليه ( جمع فيه الدماء والأموال ~~فكما أن الدما ء إذا كان مع المدعى لوث حلف فكذلك الأموال كما حلفناه مع ~~شاهده فكلما يغلب على الظن صدقة فهو بمنزلة شاهده كما جعلنا فى الدماء ~~الشهادة المزورة لنقص نصايبها أو صفاتها لوثا و كذلك فى الأموال جعل الشاهد ~~مع اليمين فالشاهد المزور مع لوث و هو لكن ينبغي أن تعتبر فى هذا حال ~~المدعى و المدعى عليه فى الصدق و الكذب فان باب السرقة و الخيانة لا يفعله ~~إلا فاسق فان كان من أهل ذلك لم يكن إذا لم يكن إلا عدلا و كذلك المدعى قد ~~يكذب فاعتبار العدالة و الفسق فى هذا يدل عليه قول الأنصاري كيف نرضى ~~بأيمان قوم كفار فعلم أن المتهم إذا كان فاجرا فللمدعى أن لايرضى بيمينه ~~لأنه من يستحل أن يسرق يستحل أن يحلف PageV14P487 سورة الانعام سئل رضي ~~الله عنه # عن قوله تعالى ^ ( ثم قضى أجلا و أجل مسمى عنده ^ ) و قوله تعالى ( ^ و ~~ما يعمر من معمر و لا ينقص من عمره إلا فى كتاب ^ ) و قوله تعالى ^ ( يمحو ~~الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب ^ ) هل المحو و الاثبات فى اللوح ~~المحفوظ و الكتاب الذي جاء فى الصحيح ( إن الله تعالى كتب كتابا فهو عنده ~~على عرشه ( الحديث و قد جاء ^ ( جف القلم ) ^ ) فما معنى ذلك فى المحو و ~~الاثبات # هل وشرع في الدعاء أن يقول ( اللهم ان كنت كتبتني كذا فامحني و اكتبني ~~كذا فانك قلت ^ ( يمحو الله ما يشاء و يثبت ^ ) و هل ms0889 صح أن عمر كان يدعو ~~بمثل هذا و هل الصحيح عندكم أن العمر يزيد بصلة الرحم كما جاء في الحديث ~~افتونا مأجورين # فأجاب رضي الله عنه الحمد لله رب العالمين PageV14P488 أما قوله سبحانه ~~ثم قضى اجلا و أجل مسمى عنده ) فالأجل الأول هو أجل كل عبد الذي ينقضي به ~~عمره و الأجل المسمى عنده هو أجل القيامة العامة # ولهذا قال ( مسمى عنده ) فان وقت الساعة لايعلمه ملك مقرب و لا نبى مرسل ~~كما قال @QB@ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو @QE@ ) بخلاف ما إذا قال ( مسمى ) كقوله ( إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى ) إذ لم يقيد بأنه مسمى عنده فقد يعرفه العباد # وأما أجل الموت فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد و أجله و ~~عمله و شقى أو سعيد كما قال فى الصحيحين عن ابن مسعود قال ( حدثنا رسول ~~الله صلى الله عليه و سلم و هو الصادق المصدوق ان أحدكم يجمع خلقه فى بطن ~~أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث ~~اليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال أكتب رزقه و أجله و عمله و شقى أو سعيد ~~ثم ينفخ فيه الروح ( فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يعلمه الله لمن شاء ~~من عباده # وأما أجل القيامة المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو PageV14P489 # و أما قوله ( وما يعمر من معمر و لا ينقص من عمره ) فقد قيل أن المراد ~~الجنس أي ما يعمر من عمر انسان و لا ينقص من عمر انسان التعمير و التقصير ~~يراد به شيئان # ( أحدهما ( أن هذا يطول عمره و هذا يقصر عمره فيكون تقصيره نقصا له ~~بالنسبة إلى غيره كما أن المعمر يطول عمره و هذا يقصر عمره فيكون تقصيره ~~نقصا له بالنسبة إلى غيره كما أن التعمير زيادة بالنسبة إلى # آخر وقد يراد بالنقص النقص من العمر المكتوب كما يراد بالزيادة الزيادة ~~في العمر المكتوب ms0890 و فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ^ ( ~~من سره أن يبسط له فى رزقه ينسأله فى أثره فليصل رحمه ) ^ و قد قال بعض ~~الناس إن المراد به البركة فى العمر بأن يعمل فى الزمن القصير مالا يعمله ~~غيره إلا فى الكثير قالوا لأن الرزق و الأجل مقدران مكتوبان # فيقال لهؤلاء تلك البركة و هي الزيادة فى العمل و النفع هي أيضا مقدرة ~~مكتوبة و تتناول لجميع الأشياء # والجواب المحقق أن الله يكتب للعبد أجلا فى صحف الملائكة PageV14P490 ~~فاذا و صل رحمه زاد فى ذلك المكتوب و ان عمل مايوجب النقص نقص من ذلك ~~المكتوب # ونظير هذا ما فى الترمذي وغيره عن النبى ( ان آدم لما طلب من الله أن ~~يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه اياهم فرأى فيهم رجلا له بصيص فقال من ~~هذا يارب فقال ابنك داود قال فكم عمره قال أربعون سنة قال وكم عمري قال الف ~~سنة قال فقد وهبت له من عمرى ستين سنة فكتب عليه كتاب وشهدت عليه الملائكة ~~فلما حضرته الوفاة قال قد بقي من عمري ستون سنة قالوا وهبتها لابنك داود ~~فأنكر ذلك فأخرجوا الكتاب قال النبى فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ~~ذريته ( وروى أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره # فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين وهذا معنى ما روى عن ~~عمر أنه قال اللهم ان كنت كتبتني شقيا فامحنى واكتبنى سعيدا فانك تمحو ما ~~تشاء وتثبت # والله سبحانه عالم بما كان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف كان يكون فهو ~~يعلم ما كتبه له وما يزيده اياه بعد ذلك والملائكة لا علم لهم الا ما علمهم ~~الله والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها PageV14P491 فلهذا قال ~~العلماء ان المحو والاثبات فى صحف الملائكة وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ~~ولا يبدو له مالم يكن عالما به فلا محو فيه ولا إثبات # واما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات على قولين ms0891 والله سبحانه وتعالى ~~أعلم PageV14P492 # وقال أيضا $ فصل # ذكر الله أنه يرفع درجات من يشاء فى قصة مناظرة إبراهيم و فى قصة احتيال ~~يوسف و لهذا قال السلف بالعلم فان سياق الآيات يدل عليه فقصة إبراهيم فى ~~العلم بالحجة و المناظرة لدفع ضرر الخصم عن الدين و قصة يوسف فى العلم ~~بالسياسة و التدبير لتحصل منفعة المطلوب فالأول علم بما يدفع المضار فى ~~الدين و الثاني علم بما يجلب المنافع أو يقال الأول هو العلم الذي يدفع ~~المضرة عن الدين و يجلب منفعته و الثاني علم بما يدفع المضرة عن الدنيا و ~~يجلب منفعتها أو يقال قصة إبراهيم فى علم الأقوال النافعة عند الحاجة إليها ~~و قصة يوسف فى علم الأفعال النافعة عند الحاجة اليها فالحاجة جلب المنفعة و ~~دفع المضرة قد تكون إلى القول و قد تكون # ولهذا كان المقصرون عن علم الحجج و الدلالات و علم السياسة PageV14P493 ~~والامارات مقهورين مع هذين الصنفين تارة بالاحتياج إليهم إذا هجم عدو يفسد ~~الدين بالجدل أو الدنيا بالظلم و تارة بالاحتياج إليهم اذا هجم على أنفسهم ~~من أنفسهم ذلك و تارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم من شر بعض فى الدين و ~~الدنيا و تارة يعيشون فى ظلهم فى مكان ليس فيه مبتدع يستطيل عليهم و لا و ~~ال يظلمهم و ما ذاك إلا لوجود علماء الحجج الدامغة لأهل البدع و السياسة ~~الدافعة للظلم # و لهذل قيل صنفان إذا صلحوا صلح الناس العلماء و الأمراء و كما أن ~~المنفعة فيهما فالمضرة منهما فان البدع و الظلم لا تكون إلا فيهما أهل ~~الرياسة العلمية و أهل الرياسة القدرية و لهذا قال طائفة من السلف كالثورى ~~و ابن عيينة و غيرهما ما معناه أن من نجا من فتنة البدع و فتنة السلطان فقد ~~نجا من الشر كله و قد بسطت القول فى هذا فى الصراط المستقيم عند قوله ^ ( ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم و ~~خضتم كالذى خاضوا ) ^ PageV14P494 # قال شيخ الاسلام رحمه ms0892 الله # هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير إلا هو خطأ # منها قوله ^ ( و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ^ ) و الآية بعدها ~~أشكلت قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها جملة مبتدأة و ~~ليس كذلك لكنها داخلة فى خبر أن و المعنى إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون و أنا أفعل بهم هذا لم يكن قسمهم صدقا بل قد يكون كذبا و هو ظاهر ~~الكلام المعروف أنها ( أن ( المصدرية و لو كان ( و نقلب ) الخ كلاما مبتدءا ~~لزم ان كل من جاءته آية قلب فؤاده و ليس كذلك بل قد يؤمن كثير منهم ~~PageV14P495 # قال شيخ الاسلام رحمه الله $ فصل # قال تعالى ^ ( و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته و هو السميع ~~العليم ^ ) ذكر هذا بعد قوله ^ ( و كذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس و ~~الجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ~~ما يفترون و لتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ~~ما هم مقترفون أفغير الله ابتغى حكما و هو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا و ~~الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ~~^ ) ثم قال ^ ( و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته و هو السميع ~~العليم ^ ) و قال تعالى ^ ( و اتل ما أوحى اليك من كتاب ربك لامبدل لكلماته ~~و لن تجد من دونه ملتحدا ^ ) # فأخبر فى هاتين الآيتين أنه لا مبدل لكلمات الله و أخبر في الأولى انها ~~تمت صدقا و عدلا و قد تواتر عن النبى صلى الله عليه و سلم PageV14P496 أنه ~~كان يستعيذ و يأمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات و فى بعض الأحاديث ( ~~التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ( # وقال تعالى ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون الذين ~~آمنوا و كانوا يتقون لهم ms0893 البشرى فى الحياة الدنيا و في الآخرة لا تبديل ~~لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) و قال تعالى ( ولقد كذبت رسل من قبلك ~~فصبروا على ما كذبوا و أوذوا حتى أتاهم نصرنا و لامبدل لكلمات الله و لقد ~~جاءك من نباء المرسلين ) فأخبر في هذه الآية أيضا أنه لامبدل لكلمات الله ~~عقب قوله ( ^ فصبروا على ما كذبوا و أوذوا حتى أتاهم نصرنا ^ ) و ذلك بيان ~~أن و عد الله الذي وعده رسله من كلماته التى لامبدل لها لما قال فى أؤليائه ~~^ ( لهم البشرى فى الحياة الدنيا و في الآخرة لا تبديل لكلمات الله ^ ) ~~فانه ذكر أنه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون و أن لهم البشرى فى الحياة ~~الدنيا و فى الآخرة فوعدهم بنفي المخافة و الحزن و بالبشرى في الدارين # وقال بعد ذلك # ^ لامبدل لكلمات الله ) ^ فكان فى هذا تحقيق كلام الله الذي هو وعده كما ~~قال ^ ( و لاتحسبن الله مخلف وعده رسله ^ ) و قال ^ ( وعد الله لا يخلف ~~الله وعده و لكن أكثر الناس لايعلمون ) ^ و قال المؤمنون ^ ( ربنا و آتنا ~~ما وعدتنا على رسلك و لا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ^ ) فاخلاف ~~ميعاده تبديل PageV14P497 لكلماته و هو سبحانه لامبدل لكلماته # يبين ذلك قوله تعالى ^ ( لاتختصموا لدي و قد قدمت اليكم بالوعيد ما يبدل ~~القول لدي و ما أنا بظلام للعبيد ^ ) فأخبر سبحانه أنه قدم إليهم بالوعيد ~~وقال ^ ( مايبدل القول لدي ^ ) و هذا يقتضي أنه صادق في وعيده أيضا و ان ~~وعيده لا يبدل # وهذا مما احتج به القائلون بأن فساق الملة لايخرجون من النار و قد تكلمنا ~~عليهم فى غير هذا الموضع لكن هذه الآية تضعف جواب من يقول إن اخلاف الوعيد ~~جائز فان قوله @QB@ ما يبدل القول لدي @QE@ بعد قوله ( @QB@ وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد @QE@ ) دليل على أن وعيده لايبدل كما لا يبدل وعده # لكن التحقيق الجمع بين نصوص الوعد و الوعيد و تفسير بعضها ببعض من غير ~~تبديل شيء منها كما يجمع بين ms0894 نصوص الأمر و النهي من غير تبديل شيء منها و ~~قد قال تعالى @QB@ سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا ~~نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله @QE@ ) و الله أعلم PageV14P498 بسم ~~الله الرحمن الرحيم # سورة الأعراف قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى $ فصل # حجة إبليس فى قوله @QB@ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ هى ~~باطلة لأنه عارض النص بالقياس ولهذا قال بعض السلف أول من قاس إبليس وما ~~عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ويظهر فسادها بالعقل من وجوه خمسة # ( أحدهما ( أنه ادعى أن النار خير من الطين وهذا قد يمنع فإن الطين فيه ~~السكينة والوقار والإستقرار والثبات والإمساك ونحو ذلك وفى النار الخفه ~~والحدة والطيش والطين فيه الماء والتراب # ( الثانى ( أنه وإن كانت النار خيرا من الطين فلا يجب أن يكون ~~PageV15P005 المخلوق من الأفضل أفضل فإن الفرع قد يختص بما لا يكون فى أصله ~~وهذا التراب يخلق منه من الحيوان والمعادن والنبات ما هو خير منه والإحتجاج ~~على فضل الإنسان على غيره بفضل أصله على اصله حجة فاسدة احتج بها إبليس وهي ~~حجة الذين يفخرون بأنسابهم وقد قال النبى ( من قصر به عمله لم يبلغ به نسبه ~~( # ( الثالث ( أنه وإن كان مخلوقا من طين فقد حصل له بنفخ الروح المقدسة فيه ~~ما شرف به فلهذا قال @QB@ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ~~@QE@ فعلق السجود بأن ينفخ فيه من روحه فالموجب للتفضيل هذا المعنى الشريف ~~الذى ليس لا بليس مثله # ( الرابع ( أنه مخلوق بيدى الله تعالى كما قال تعالى @QB@ ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي @QE@ وهو كالأثر المروى عن النبى مرسلا وعن عبد الله بن ~~عمرو فى تفضيله على الملائكة حيث قالت الملائكة ( يارب قد خلقت لنبي آدم ~~الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون وينكحون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم ~~الدنيا فقال لا أفعل ثم أعادوا فقال لا أفعل ثم أعادوا فقال وعزتى لا أجعل ~~صالح من خلقت بيدى كمن قلت له كن فكان ms0895 ) # ( الخامس ( أنه لو فرض أنه أفضل فقد يقال إكرام الأفضل للمفضول ليس ~~بمستنكر PageV15P006 سئل الشيخ رحمه الله عن قوله تعالى @QB@ إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم @QE@ الآية الكريمة هل ذلك عام لا يراهم أحد أم ~~يراهم بعض الناس دون بعض وهل الجن والشياطين جنس واحد ولد إبليس أم جنسين ~~ولد إبليس وغير ولده # فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله ورضى عنه آمين ~~فقال # الحمد الله الذى فى القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس وهذا ~~حق يقتضى أنهم يرون الإنس فى حال لا يراهم الإنس وهذا حق يقتضى أنهم يرون ~~الانس فى حال لايراهم الإنس فيها وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال ~~بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضا لكن لا يرونهم فى كل حال ~~والشياطين هم مردة الإنس والجن وجميع الجن ولد إبليس والله أعلم ~~PageV15P007 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه قوله ^ واإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على ~~الله مالا تعلمون ^ والفاحشة أريد بها كشف السوءات فيستدل به على أن فى ~~الأفعال السيئة من الصفات ما يمنع أمر الشرع بها فإنه اخبر عن نفسه فى سياق ~~الإنكار عليهم أنه لايأمر بالفحشاء فدل ذلك على أنه منزه عنه فلو كان جائزا ~~عليه لم يتنزه عنه # فعلم أنه لا يجوز عليه الأمر بالفحشاء وذلك لا يكون إلا إذا كان الفعل فى ~~نفسه سيئا فعلم أن كلما كان فى نفسه فاحشة فإن الله لا يجوز عليه الأمر به ~~وهذا قول من يثبت للأفعل فى نفسها صفات الحسن والسوء كما يقوله أكثر ~~العلماء كالتميمين وأبي الخطاب خلاف قول من يقول إن ذلك لا يثبت قط إلا ~~بخطاب # وكذلك قوله ^ و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ^ علل النهي ~~عنه بما إشتمل عليه من أنه فاحشة وأنه ساء سبيلا فلو PageV15P008 كان إنما ~~صار فاحشة وساء سبيلا بالنهي لما صح ms0896 ذلك لأن العلة تسبق المعلول لا تتبعه ~~ومثل ذلك كثير فى القرآن # وأما فى الأمر فقوله ^ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرها شيئا ~~وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ^ ~~دليل على أنه أمر به لأنه خير لنا ولأن الله علم فيه ما لم نعلمه ومثله ~~قوله فى آية الطهور @QB@ ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ~~@QE@ دليل على أنه أمر بالطهور لما فيه من الصلاح لنا وهذا أيضا فى القرآن ~~كثير # وقال الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية PageV15P009 # على قول الله عز وجل ^ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا ~~تفسدوا فى الأرض بعد إصلا حها وإدعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين ^ هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء دعاء العبادة دعاء ~~المسألة فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة ويراد به ~~مجموعهما وهما متلازمان فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعى وطلب كشف ~~ما يضره ودفعه وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود لا بد أن يكون ~~مالكا للنفع والضر ولهذا أنكر تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرا ولا ~~نفعا وذلك كثير فى القرآن كقوله تعالى ^ ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ~~ولا يضرك ^ وقال @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم @QE@ ~~فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدى فلا يمكلون ~~لأنفسهم ولا لعابديهم # وهذا كثير فى القرآن يبين تعالى أن المعبود لابد أن يكون مالكا ~~PageV15P010 للنفع والضر فهو يدعو للنفع والضر دعاء المسألة ويدعو خوفا ~~ورجاء دعاء العبادة فعلم أن النوعين متلازمان فكل دعاء عباد ة مستلزم لدعاء ~~المسألة وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة وعلى هذا فقوله @QB@ وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ يتناول نوعي الدعاء ~~وبكل منها فسرت الآية قيل أعطيه إذا سألني وقيل أثيبه إذا عبدني والقولان ~~متلازمان ms0897 وليس هذا من إستعمال اللفظ المشترك فى معينه كليهما أو استعمال ~~اللفظ في حقيقته ومجازه بل هذا استعماله فى حقيقته المتضمنة للأمرين جميعا ~~فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع وقل ما يفطن له وأكثر آيات القرآن دالة على ~~معنيين فصاعدا فهي من هذا القبيل مثال ذلك قوله تعالى @QB@ أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل @QE@ فسر ( الدلوك ( بالزوال وفسر بالغروب وليس ~~بقولين بل اللفظ يتناولهما معا فإن الدلوك هو الميل ودلوك الشمس ميلها # ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى فمبتداه الزوال ومنتهاه الغروب واللفظ متناول ~~لهما بهذا الإعتبار # ومثاله أيضا تفسيره ( الغاسق ( بالليل وتفسيره بالقمر فإن ذلك ~~PageV15P011 ليس باختلاف بل يتناولهما لتلازمهما فإن القمر آية الليل ~~ونظائرة كثيرة # ومن ذل قوله تعالى @QB@ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم @QE@ أي دعاؤكم ~~إياه وقيل دعاؤه إياكم إلى عبادته فيكون المصدر مضافا إلى المفعول ومحل ~~الأول مضافا إلى الفاعل وهو الأرجح من القولين # وعلى هذا فالمراد به نوعي الدعاء وهو فى دعاء العبادة أظهر أى ما يعبأ ~~بكم لولا أنكم ترجونه وعبادته تستلزم مسألته فالنوعان داخلان فيه # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ فالدعاء يتضمن ~~النوعين وهو في دعاء العبادة أظهر ولهذا أعقبه @QB@ إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي @QE@ الآية ويفسر الدعاء فى الآية بهذا وهذا # وروى الترمذى عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله يقول على المنبر إن ~~الدعاء هو العبادة ثم قرأ قوله تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ ~~الآية قال الترمذى حديث حسن صحيح PageV15P012 وأما قوله تعالى @QB@ إن ~~الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له @QE@ الآية وقوله ~~@QB@ إن يدعون من دونه إلا إناثا @QE@ الآية وقوله @QB@ وضل عنهم ما كانوا ~~يدعون من قبل @QE@ الآية وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد ~~به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة فهو فى دعاء العبادة أظهر لوجوه ~~ثلاثة ( أحدهما ( أنهم قالوا @QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~@QE@ فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم # ( الثانى ( إن الله تعالى فسر ms0898 هذا الدعاء فى موضع آخر كقوله تعالى ^ وقيل ~~لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون ^ وقوله تعالى ~~@QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ لا أعبد ما تعبدون @QE@ فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم # ( الثالث ( أنهم كانوا يعبدونها فى الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله ~~وحده وتركوها ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان ~~دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة # وقوله تعالى @QB@ فادعوا الله مخلصين له الدين @QE@ هو دعاء العبادة ~~والمعنى اعبدوا وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدون معه غيره PageV15P013 # وأما قول إبراهيم عليه السلام @QB@ إن ربي لسميع الدعاء @QE@ فالمراد ~~بالسمع ههنا السمع الخاص وهو سمع الإجابة والقبول لا السمع العام لأنه سميع ~~لكل مسموع وإذا كان كذلك فالدعاء دعاء العبادة ودعاء الطلب وسمع الرب تعالى ~~له إثابته على الثناء وإجابته للطلب فهو سميع هذا وهذا # وأما قول زكريا عليه السلام @QB@ ولم أكن بدعائك رب شقيا @QE@ فقد قيل ~~أنه دعاء المسألة والمعنى أنك عودتنى إجابتك ولم تشقنى بالرد والحرمان فهو ~~توسل إليه سبحانه وتعالى بما سلف من إجابته وإحسانه وهذا ظاهر ههنا # وأما قوله تعالى # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ^ الآية فهذا الدعاء المشهور أنه دعاء ~~المسألة وهو سبب النزول قالوا كان النبى يدعو ربه فيقول مرة ( يا الله ( ~~ومرة ( يا رحمن ( فظن المشركون أنه يدعو إلهين فأنزل الله هذه # الآية وأما قوله ^ إنا كنا من قبل ندعوه أنه هو البر الرحيم ^ فهذا دعاء ~~العبادة المتضمن للسلوك رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا نخلص له العبادة وبهذا ~~استحقوا أن وقاهم الله عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي ~~وغيره فإنه سبحانه يسأله من فى السموات PageV15P014 والأرض ^ لن ندعو من ~~دونه إلها ^ أي لن نعبد غيره وكذا قوله @QB@ أتدعون بعلا @QE@ الآية وأما ~~قوله ^ وقيل إدعوا شركاء كم فدعوهم ^ فهذا دعاء المسالة يكبتهم الله ~~ويخزيهم يوم القيامة بارائهم إن شركاءكم لا يستجيبون لهم دعوتهم وليس ~~المراد اعبدوهم وهو نظير قوله تعالى ^ ويوم ms0899 يقول نادوا شركائي الذ ين زعمتم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ^ إذا عرف هذا فقوله تعالى ^ ادعو ربكم تضرعا ~~وخفية ^ يتناول نوعي الدعاء لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن دعاء العبادة ~~ولهذا أمر باخفائه وإسراره قال الحسن بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ~~ضعفا ولقد كان المسلمون يجتهدون فى الدعاء وما يسمع لهم صوت أى ما كانت إلا ~~همسا بينهم وبين ربهم عز وجل وذلك أن الله عز وجل يقول @QB@ ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية @QE@ وأنه ذكر عبدا صالحا ورضي بفعله فقال @QB@ إذ نادى ربه ~~نداء خفيا @QE@ وفى إخفاء الدعاء فوائد عديدة # ( أحدهما ( أنه أعظم إيمانا لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي # ( ثانيا ( أنه أعظم فى الأدب والتعظيم لأن الملوك لا ترفع PageV15P015 ~~الأصوات ( عندهم ( ومن رفع صوته لديهم مقتوه ولله المثل الأعلى فإذا كان ~~يسمع الدعاء الخفى فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به # ( ثالثها ( أنه أبلغ فى التضرع والخشوع الذين هو روح الدعاء ولبه ومقصوده ~~فإن الخاشع الذليل إنما يسأله مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه وذلت جوارحه ~~وخشع صوته حتى أنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا ~~يطاوعه بالنطق وقلبه يسأل طالبا مبتهلا ولسانه لشدة ذلته ساكتا وهذه الحال ~~لا تأتى مع رفع الصوت بالدعاء أصلا # ( رابعها ( أنه أبلغ فى الإخلاص # ( خامسها ( أنه أبلغ فى جميعة القلب على الذلة فى الدعاء فإن رفع الصوت ~~يفرقه فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه # ( سادسها ( وهو من النكت البديعة جدا أنه دال على قرب صاحبه للقريب لا ~~مسألة نداء البعيد للبعيد ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله عز وجل ^ ~~إذا نادى ربه نداء خفيا ^ PageV15P016 فلما استحضر القلب قرب الله عز وجل ~~وأنه أقرب إليه من كل قريب اخفى دعاءه ما أمكنه # وقد أشار النبى إلى المعنى بعينه بقوله فى الحديث الصحيح لما رفع الصحابة ~~أصواتهم بالتكبير وهم معه فى السفر فقال ( اربعوا على أنفسكم فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا ms0900 غائبا أنكم تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ~~( وقد قال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان @QE@ وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص ليس قربا عاما من كل أحد فهو ~~قريب من داعيه وقريب من عابديه وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد # وقوله تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ فيه الإرشاد والإعلام بهذا ~~القرب # ( سابعها ( أنه ادعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح ~~لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يمل اللسان وتضعف قواه وهذا نظير من ~~يقرأ ويكرر فإذا رفع صوته فإنه لايطول له بخلاف من خفض صوته # ( ثامنها ( أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات PageV15P017 ~~فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل على هذا تشويش ولا غيره ~~وإذا جهر به فرطت له الأرواح البشرية ولا بد ومانعته وعارضتهه ولو لم يكن ~~إلا أن تعلقها به يفزع عليه همته فيضعف أثر الدعاء ومن له تجربة يعرف هذا ~~فإذا أسر الدعاء أمن هذه المفسدة # ( تاسعها ( أن أعظم النعمة الإقبال والتعبد ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت ~~أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها وليس ~~للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام ~~^ لا تقصص رؤياك على إخواتك فكيدوا لك كيدا ^ الآية وكم من صاحب قلب وجميعة ~~وحال مع الله تعالى قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار ولهذا يوصى ~~العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى ولا يطلع عليه أحدا والقول أعظم ~~شيئا كتمانا لأحوالهم مع الله عز وجل وما وهب الله من محبته والإنس به ~~وجمعية القلب ولا سيما فعله للمهتدى السالك فإذا تمكن أحدهم وقوى وثبت أصول ~~تلك الشجرة الطيبة التى أصلها ثابت وفروعها فى السماء فى قلبه بحيث لا يخشى ~~عليه من العواصف فإنه إذا أبدى حاله مع الله تعالى ليقتدى به ويؤتم به لم ms0901 ~~يبال وهذا باب عظيم النفع إنما يعرفه PageV15P018 أهله وإذا كان الدعاء ~~المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبال على الله تعالى ~~فهو من عظيم الكنوز التى هى أحق بالإخفاء عن أعين الحاسدين وهذه فائدة ~~شريفة نافعة # و ( عاشرها ( أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه وتعالى متضمن للطلب والثناء ~~عليه بأوصافه وأسمائه فهو ذكر وزيادة كما أن الذكر سمى دعاء لتضمنه للطلب ~~كما قال النبى ( أفضل الدعاء الحمد الله ( فسمى الحمد الله دعاء وهو ثناء ~~محض لأن الحمد متضمن الحب والثناء والحب أعلى أنواع الطلب فالحامد طالب ~~للمحبوب فهو أحق أن يسمى داعيا من السائل الطالب فنفس الحمد والثناء متضمن ~~لأعظم الطلب فهو دعاء حقيقة بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب ~~الذي هو دونه # ( المقصود ( إن كان واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه وقد قال ~~تعالى ^ وإذكر ربك فى نفسك تضرعا وخفية ^ فأمر تعالى نبيه أن يذكره فى نفسه ~~قال مجاهد وابن جريج أمروا ان يذكروه فى الصدور بالتضرع والإستكانة دون رفع ~~الصوت والصياح وتأمل كيف قال فى آية الذكرر @QB@ واذكر ربك @QE@ الآية وفي ~~آية الدعاء @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ فذكر التضرع فيها معا وهو ~~التذلل والتمسكن والإنكسار PageV15P019 وهو روح الذكر والدعاء # وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها وخص الذكر بالخفية لحاجة ~~الذاكر إلى الخوف فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ولا بد لمن أكثر من ذكر ~~الله أن يثمر له ذلك محبته والمحبة مالم تقترب بالخوف فإنها لا تنفع صاحبها ~~بل تضره لأنها توجب التواني والإنبساط وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين ~~إلى أن إستنغنوا بها عن الواجبات وقالوا المقصود من العبادات إنما هو عبادة ~~القلب وإقباله على الله ومحبته له فإذا حصل المقصود فالإشتغال بالوسيلة ~~باطل # ولقد حدثني رجل أنه أنكر على بعض هؤلاء خلوة له ترك فيها الجمعة فقال له ~~الشيخ أليس الفقهاء يقولون إذا خاف على شىء من ماله فإن الجمعة تسقط فقال ~~له بلى فقال له فقلب المريد ms0902 أعز عليه من عشرة دراهم أو كما قال وهو إذا خرج ~~ضاع قلبه فحفظه لقلبه عذر مسقط للجمعة فى حقه فقال له هذا غرور بك الواجب ~~الخروج إلى أمر الله عز وجل فتأمل هذا الغرور العظيم كيف أدى إلى الإنسلاخ ~~عن الإسلام جملة فإن من سلك هذا المسلك انسلخ عن الإسلام العام كإنسلاخ ~~الحية من قشرها وهو يظن أنه من خاصة الخاصة PageV15P020 # وسبب هذا عدم اقتران الخوف من الله بحبه وإرادته ولهذا قال بعض السلف من ~~عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده ~~بالرجاء وحده فهو مرجىء ومن عبده بالحب والخوف والرجاءفهو مؤمن # والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع فى هذه المعاطب فإذا إقترن ~~الخوف جمعه على الطريق ورده إليها كلما كلها شىء كالخائف الذى معه سوط يضرب ~~به مطيته لئلا تخرج عن الطريق والرجا حاد يحدوها يطلب لها السير والحب ~~قائدها وزمامها الذى يشوقها فإذا لم يكن للمطية سوط ولا عصى يردها إذا حادت ~~عن الطريق خرجت عن الطريق وظلت عنها # فما حفظت حدود الله ومحارمه ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته ~~فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا ومتى ضعف فيه ~~شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه فتأمل أسرارالقرآن وحكمته فى اقتران الخفية ~~بالذكر والخفية بالدعاء مع دلالته على إقتران الخفية بالدعاء والخفية ~~بالذكر أيضا وذكر الطمع الذى هو الرجاء فى آية الدعاء لأن الدعاء مبنى عليه ~~فإن الداعي ما لم يطمع فى سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه إذا طلب ما لا ~~طمع له فيه ممتنع وذكر الخوف فى آية الذكر لشدة حاجة الخائف PageV15P021 ~~إليه فذكر فى كل آية ما هو اللأئق بها من الخوف والطمع فتبارك من أنزل ~~كلامه شفاء لما فى الصدور وقوله تعالى @QB@ إنه لا يحب المعتدين @QE@ قيل ~~المراد أنه لا يحب المعتدين فى الدعاء كالذى يسأل ما لا يليق به من منازل ~~الأنبياء وغير ذلك وقد روى أبو ms0903 دواد فى سننه عن عبد الله بن معقل أنه سمع ~~إبنه يقول ( اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها ( فقال ~~يا بنى سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله يقول ( سيكون ~~فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الطهور والدعاء ( # وعلى هذا فالإعتداء فى الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من ~~المعونة على المحرمات وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى ~~يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام ~~والشراب ويسأله بأن يطلعه على غيبه أو أن يجعله من المعصومين أو يهب له ~~ولدا من غير زوجة ونحو ذلك مما سؤاله إعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله # وفسر الإعتداء برفع الصوت أيضا فى الدعاء # وبعد فالآية أعم من ذلك كله وإن كان الإعتداء بالدعاء مرادا PageV15P022 ~~^ والله لا يحب المعتدين ^ في كل شيء دعاء كان أو غيره كما قال تعالى @QB@ ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ # وعلى هذا فيكون أمر بدعائه وعبادته وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان وهو ~~يدعون معه غيره فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانا فإن أعظم العدوان الشرك وهو ~~وضع العبادة فى غير موضعها فهذا العدوان لابد أن يكون داخلا فى قوله تعالى ~~^ إنه لايحب المعتدين ^ ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع بل دعاء هذا ~~كالمستغنى المدلى على ربه وهذا من أعظم الإعتداء لمنافاته لدعاء الذليل فمن ~~لم يسأل مسأ لة مسكين متضرع خائف فهو معتد # ومن الإعتداء أن يعبده بما لم يشرع ويثنى عليه بما لم يثن به على نفسه ~~ولا أذن فيه فإن هذا اعتداء في دعائه الثناء والعبادة وهو نظير الإعتداء فى ~~دعاء المسألة والطلب وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين ( أحدهما ( محبوب ~~للرب سبحانه وهو الدعاء تضرعا وخفية ( الثانى ( مكروه له مسخوط وهو ~~الإعتداء فأمر بما يحبه وندب إليه وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق ~~الزجر والتحذير PageV15P023 وهو لا يحب فاعله ms0904 ومن لا يحبه الله فأي خير ~~يناله وقوله تعالى @QB@ إنه لا يحب المعتدين @QE@ عقيب قوله @QB@ ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية @QE@ دليل عل أن من لم يدعه تضرعا وخفية فهو من المعتدين ~~الذين لا يحبهم فقسمت الآية الناس إلى قسمين داع لله تضرعا وخفية ومعتد ~~بترك ذلك وقوله تعالى @QB@ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها @QE@ قال أكثر ~~المفسرين لا تفسدوا فيها بالمعاصى والداعي إلى غير طاعة الله بعد إصلاح ~~الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله ( مفسد ) فإن ~~عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم الفساد فى الأرض بل ~~فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك بالله ومخالفة أمرة قال الله تعالى ^ ~~ظهر الفساد فى البر والبحر بم كسبت أيدي الناس ^ قال عطية في الآية ولا ~~تعصوا فى الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم وقال غير واحد من ~~السلف إذا قحط المطر فالدواب تلعن عصاة بنى آدم فتقول اللهم العنهم فبسبهم ~~أجدبت الأرض وقحط المطر ( وبالجملة ( فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة ~~معبود غيره أو مطاع متبع غير الرسول هو أعظم الفساد PageV15P024 في الأرض ~~ولا صلاح لها ولأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة له هو لا ~~لغيره والطاعة والإتباع لرسول الله وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة ~~الرسول فإن أمر بمعصيته فلا سمع ولا طاعة فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه ~~وبالأمر بالتوحيد ونهى عن فسادها بالشرك به ومخالفة رسول الله عليه وسلم # ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته ~~وطاعة رسوله وكل شر في العالم وفتنة وبلاءوقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه ~~مخالفة الرسول والدعوة إلى غير الله ومن تدبر هذا حق التدبير وجد هذا الأمر ~~كذلك في خاصة نفسه وفي غيره عموما وخصوصا ولا حول ولا قوة إلا بالله وقوله ~~تعالى @QB@ وادعوه خوفا وطمعا @QE@ إنما ذكر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من ~~الخوف والطمع فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية ثم أمر أيضا أن ms0905 يكون الدعاء ~~خوفا وطمعا # وفصل الجملتين بجملتين # ( إحداهما ( خبرية ومتضمنة للنهي وهى قوله ^ إنه لايحب المعتدين ~~PageV15P025 ( والثانية ( طلبية وهى قوله تعالى @QB@ ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها @QE@ والجملتان مقررتان للجملة الأولى مؤكدتان لمضمونها # ثم لما تم تقريرها وبيان ما يضاده أمر بدعائه خوفا وطمعا لتعلق قوله @QB@ ~~إنه لا يحب المعتدين @QE@ بقوله تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ # ولما كان قوله @QB@ وادعوه خوفا وطمعا @QE@ مشتملا على جميع مقامات ~~الإيمان وهي الحب والخوف والرجاء عقبها بقوله @QB@ إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين @QE@ أي إنما تنال من دعاه خوفا وطمعا فهو المحسن والرحمة قريب ~~منه لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة # ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابل الإعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ~~ذلك بقوله تعالى @QB@ إنه لا يحب المعتدين @QE@ وانتصاب قوله ^ تضرعا ~~وخففية ^ ^ وخوفا وطمع ^ على الحال أى ادعوه متضرعين إليه مختفين خائفين ~~مطيعين # وقوله @QB@ إن رحمة الله قريب من المحسنين @QE@ فيه تنبيه ظاهر على أن ~~فعل هذا المأمور هو الإحسان المطلوب منكم ومطلوبكم أنتم من PageV15P026 ~~الله رحمته ورحمته قريب من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه ~~تضرعا وخفية وخوفا وطمعا فقرر مطلوبكم منه وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه ~~وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم # وقوله تعالى @QB@ إن رحمة الله قريب من المحسنين @QE@ له دلالة بمنطوقه ~~ودلالة بإيمائه وتعليله بمفهومه فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل ~~الإحسان ودلالته بإيمانه وتعليله على أن هذا القرب مستحق بالإحسان هو السبب ~~في قرب الرحمة منهم ودلالته بمفهومه على بعده من غير المحسنين # فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة لأنها ~~إحسان من الله عز وجل أرحم الراحمين وإحسانه تبارك وتعالى وإنما يكون لأهل ~~الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل وكلما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته ~~وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة ~~بعد ببعد وقرب بقرب فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن ~~تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته # والله ms0906 سبحانه يحب المحسنين ويبغض من ليس من المحسنين ومن أحبه الله ~~فرحمته أقرب شىء منه ومن أبغضه الله فرحمته أبعد PageV15P027 شيء منه ~~والإحسان ههنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه ~~فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله تعالى والإقبال إليه ~~والتوكل عليه وأن يبعد الله كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية # فهذا هو مقام ( الإحسان ( كما قال النبى وقد سأله جبريل عليه السلام عن ~~الإحسان فقال ^ أن تبعد الله كأنك تراه ^ فإذا كان هذا هو الإحسان فرحمته ~~قريب من صاحبه وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان يعني هل جزاء من أحسن عبادة ~~ربه إلا أن يحسن ربه إليه قال ابن عباس رضي الله عنها هل جزاء من قال لا ~~إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد إلا الجنة # وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ( ~~ثم قال هل تدورن ما قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال هل جزاء من أنعمت ~~عليه بالتوحيد إلا الجنة ( آخر الكلام على الآيتين والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم PageV15P028 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # قوله سبحانه ^ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا قال أو لو كنا كارهين قد افترينا ~~على الله كذبا إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ^ ظاهره دليل على أن شعيبا والذين آمنوا ~~معه كانوا على ملة قومهم لقولهم @QB@ أو لتعودن في ملتنا @QE@ ولقول شعيب ( ~~أ ) نعود فيها @QB@ ولو كنا كارهين @QE@ ولقوله @QB@ قد افترينا على الله ~~كذبا إن عدنا في ملتكم @QE@ فدل على أنهم كانوا فيها ولقوله ^ بعد إذنجانا ~~الله منها ^ # فدل على أن الله أنجاهم منها بعد التلوث بها ولقوله ms0907 @QB@ وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا @QE@ ولا يجوز أن يكون الضمير عائدا على ~~قومه لأنه صرح فيه بقوله @QB@ لنخرجنك يا شعيب @QE@ ولأنه هو المحاور له ~~بقوله ^ أو لو كنا ^ إلى آخرها وهذا يحب أن يدخل فيه المتكلم ومثل هذا فى ~~سورة إبراهيم @QB@ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين @QE@ الآية PageV15P029 # وقال شيخ الإسلام # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~( فيها ) ومنها قوله @QB@ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا @QE@ ~~الآية وما في معناها # التحقيق أن الله سبحانه إنما يصطفى لرسالته من كان خيار قومه حتى فى ~~النسب كما في حديث هرقل ومن نشأ بين قوم مشركين جهال لم يكن عليه نقص إذا ~~كان على مثل دينهم إذا كان معروفا بالصدق والأمانة وفعل ما يعرفون وجوبه ~~وترك ما يعرفون قبحه # قال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ فلم يكن هؤلاء ~~مستوجبين العذاب وليس في هذا ما ينفر عن القبول منهم ولهذا لم يذكره أحد من ~~المشركين قادحا # وقد إتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوة ~~والشرائع وإن من لم يقر بذلك بعد الرسالة فهو كافر PageV15P030 والرسل قبل ~~الوحي لا تعلمه فضلا عن أن تقربه قال تعالى @QB@ ينزل الملائكة بالروح من ~~أمره @QE@ الآية وقال @QB@ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر ~~يوم التلاق @QE@ فجعل إنذارهم بالتوحيد كالإنذار بيوم التلاق وكلاهما عرفوه ~~بالوحي # وما ذكر أنه بغضت إليه الأوثان لا يحب أن يكون لكل نبى فإنه سيد ولد آدم ~~والرسول الذى ينشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم يكون أكمل من غيره من ~~جهة تأبيد الله له بالعلم والهدى وبالنصر والقهر كما كان نوح وإبراهيم # ولهذا يضيف الله الأمر إليها في مثل قوله @QB@ ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ~~@QE@ الآية @QB@ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم @QE@ الآية ms0908 وذلك ان ~~نوحا أول رسول بعث إلى المشركين وكان مبدأ شركهم من تعظيم الموتى الصالحين ~~وقوم إبراهيم مبدأه من عبادة الكواكب ذاك الشرك الأرضي وهذا السماوي ولهذا ~~سد ذريعة هذا وهذا PageV15P031 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # قد أخبر الله بأنه بارك فى أرض الشام فى آيات منها قوله ^ وأورثنا القوم ~~الذين كانوا يستضعوفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها ^ # ومنها قوله @QB@ ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين @QE@ ~~ومنها قوله ^ تجرى بأمره إلى الأرض التى باركنا فيها وكنا بكل شىء عالمين ^ ~~ومنها قوله @QB@ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة @QE@ ~~وهى قرى الشام وتلك قرى اليمن والتى بينهما قرى الحجاز ونحوها وبادت ومنها ~~قوله @QB@ إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله @QE@ PageV15P032 # قال شيخ الإسلام رحمه الله $ ( فصل ( # قال الله تعالى ^ واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول ~~بالغدو والآصال ^ فأمر بذكر الله فى نفسه فقد يقال هو ذكر في قلبه بلا ~~لسانه لقوله بعد ذلك @QB@ ودون الجهر من القول @QE@ وقد يقال وهو أصح بل ~~ذكر الله فى نفسه باللسان مع القلب وقوله @QB@ ودون الجهر من القول @QE@ ~~كقوله ^ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ( # وفى الصحيح عن عائشة قالت نزلت في الدعاء وفى الصحيح عن ابن عباس قال كان ~~النبى يجهر بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن أنزل ~~عليه فقال الله لا تجهر بالقرآن فيسمعه المشركين فيسبوا القرآن ولا تخافت ~~به عن أصحابك فلا يسمعوه فنهاه عن الجهر والمخافتة فالمخافتة هي ذكره فى ~~نفسه والجهر المنهى عنه هو الجهر المذكرو فى قوله ^ ودون الجهر ^ ~~PageV15P033 فإن الجهر هو الأظهار الشديد يقال رجل جهوري الصوت ورجل جهير # وكذلك قول عائشة فى الدعاء فإن الدعاء كما قال تعالى @QB@ ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية @QE@ وقال @QB@ إذ نادى ربه نداء خفيا @QE@ فالإخفاء قد يكون ~~بصوت يسمعه القريب وهو المناجاة والجهر مثل المناداة المطلقة وهذا كقوله ~~لما رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير فقال ( أيها الناس اربعوا على ms0909 أنفسكم ~~فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب ~~إلى أحدكم من عنق راحلته # ونظير قوله @QB@ واذكر ربك في نفسك @QE@ قوله فيما روى عن ربه ^ من ذكرني ~~فى نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه ^ وهذا يدخل ~~فيه ذكره باللسان في نفسه فإنه جعله قسيم الذكر فى الملأ وهو نظير قوله ~~@QB@ ودون الجهر من القول @QE@ والدليل على ذلك أنه قال @QB@ بالغدو ~~والآصال @QE@ ومعلوم أن ذكر الله المشروع بالغدو والآصال في الصلاة وخارج ~~الصلاة هو باللسان مع القلب مثل صلاتي الفجر والعصر والذكر المشروع عقب ~~الصلاتين وما أمر به النبى وعلمه وفعله من الأذكار والأدعية المأثورة من ~~عمل اليوم والليلة المشروعة PageV15P034 طرفي النهار بالغدو والآصال # وقد يدخل فى ذلك أيضا ذكر الله بالقلب فقط لكن يكون الذكر فى النفس كاملا ~~وغير كامل فالكامل باللسان مع القلب وغير الكامل بالقلب فقط ويشبه ذلك قوله ~~تعالى ^ ويقولون في أنفسهم لو لولا يعذبنا الله بما نقول ^ فإن القائلين ~~بأن الكلام المطلق كلام النفس استدلوا بهذه الآية وأجاب عنها أصحابنا ~~وغيرهم بجوابين # ( أحدهما ( أنهم قالوا بألسنتهم قولا خفيا # ( والثاني ( أنه قيده بالنفس وإذا قيد القول بالنفس فإن دلالة المقيد ~~خلاف دلالة المطلق وهذا كقوله ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ~~مالم تتكلم به أو تعمل به ( فقوله حدثت به أنفسها مالم تتكلم به دليل على ~~أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق وأنه ليس باللسان # وقد إحتج بعض هؤلاء بقوله @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور @QE@ وجعلوا القول المسر في القلب دون اللسان لقوله @QB@ إنه عليم ~~بذات الصدور @QE@ وهذه حجة ضعيفة جدا لأن PageV15P035 قوله @QB@ وأسروا ~~قولكم أو اجهروا به @QE@ يبين أن القول يسر به تارة ويجهر به أخرى وهذ إنما ~~هو فيما يكون فى القول الذي هو بحروف مسموعة # وقوله بعد ذلك @QB@ إنه عليم بذات الصدور @QE@ من باب التنبيه بالأدنى ~~على الأعلى فانه إذا كان عليما بذات الصدور ms0910 فعلمه بالقول المسر والمجهور به ~~أولى ونظيره قوله @QB@ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف ~~بالليل وسارب بالنهار @QE@ PageV15P036 $ سورة الأنفال # وقال شيخ الإسلام $ ( فصل ( # قال سبحانه في قصة بدر @QB@ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف ~~من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم @QE@ فوعدهم ~~بالإمداد بألف وعدا مطلقا وأخبر أنه جعل إمداد الألف بشرى ولم يقيده وقال ~~فى قصة أحد @QB@ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين @QE@ فإن هذا أظن فيه قولين # ( أحدهما ( أنه متعلق بأحد لقوله بعد ذلك @QB@ ليقطع طرفا من الذين كفروا ~~@QE@ الآية ولأنه وعد مقيد وقوله فيه ^ وما PageV15P037 جعله الله إلا بشرى ~~لكم ولتطمئن قلوبكم به ^ يقتضى خصوص البشرى بهم # وأما قصة بدر فإن البشرى بها عامة فيكون هذا كالدليل على ما روى من أن ~~ألف بدر باقية فى الأمة فإنه أطلق الأمداد والبشرى وقدم ( به ) على ( لكم ) ~~عناية بالألف وفى أحد كانت العناية بهم لو صبروا فلم يوجد الشرط ~~PageV15P038 # وقال رحمه الله $ ( فصل ( # فى قوله ^ فلم تقتلوهم الآية ^ # ثلاثة أقوال # ( أحدهما ( أنه مبني على أن الفعل المتولد ليس من فعل الآدمي بل من فعل ~~الله والقتل هو الإزهاق وذاك متولد وهذا قد يقوله من ينفى التولد وهو ضعيف ~~لأنه نفى الرمى أيضا وهو فعل مباشر ولأنه قال @QB@ اقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم @QE@ وقال @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا @QE@ فأثبت القتل ولأن ~~القتل هو الفعل الصالح للإزهاق ليس هو الزهوق بخلاف الإماتة # ( الثانى ) أنه مبنى على خلق الأفعال وهذا قد يقوله كثير من الصوفية ~~وأظنه مأثورا عن الجنيد سلب العبد الفعل نظرا إلى الحقيقة لأن الله هو خالق ~~كل صانع وصنعته وهذا ضعيف لوجهين # ( أحدهما ( أنا وإن قلنا بخلق الفعل فالعبد لا يسلبه بل يضاف PageV15P039 ~~الفعل إليه أيضا فلا يقال ما آمنت ولا صليت ولا صمت ولا صدقت ولا ms0911 علمت فإن ~~هذا مكابرة إذ أقل أحواله الاتصاف وهو ثابت # وأيضا فإن هذا لم يأت في شيء من الأفعال المأمور بها إلا في القتل والرمي ~~ببدر ولوكان هذا لعموم خلق الله الأفعال العباد لم يختص ببدر # ( الثالث ( أن الله سبحانه خرق العادة فى ذلك فصارت رؤوس المشركين تطير ~~قبل وصول السلاح إليها بالإشارة وصارت الجريدة تصير سيفا يقتل به # وكذلك رمية رسول الله أصابت من لم يكن فى قدرته أن يصيبه فكان ما وجد من ~~القتل وإصابة الرمية خارجا عن قدرته المعهودة فسلبوه لانتفاء قدرتهم عليه ~~وهذا أصح وبه يصح الجمع بين النفي والإثبات @QB@ وما رميت @QE@ أى ما أصبت ~~@QB@ إذ رميت @QE@ إذا طرحت @QB@ ولكن الله رمى @QE@ أصاب # وهكذا كل ما فعله الله من الأفعال الخارجة عن القدرة المعتادة بسبب ضعيف ~~كإنباع الماء وغيره من خوارق العادات أو الأمور الخارجة عن قدرة الفاعل ~~وهذا ظاهر فلا حجة فية لا على الجبر ولا على نفي التولد PageV15P040 # وقال شيخ الإسلام ( فصل ( في قوله تعالى @QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون @QE@ والكلام عليها من وجهين # ( أحدهما ( فى الاستغفار الدافع للعذاب # ( والثانى ( فى العذاب المدفوع بالإستغفار # أما ( الأول ( فإن العذاب إنما يكون على الذنوب والإستغفار يوجب مغفرة ~~الذنوب التى هي سبب العذاب فيندفع العذاب كما قال تعالى @QB@ الر كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه ~~نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل ~~مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله @QE@ فبين سبحانه أنهم إذا فعلوا ذلك متعوا متاعا ~~حسنا إلى أجل مسمى ويؤتي كل ذي فضل فضله فبين سبحانه أنهم إذا فعلوا ذلك ~~متعوا متاعا حسنا إلى أجل مسمى ثم إن كان لهم فضل اوتوا الفضل PageV15P041 ~~وقال تعالى عن نوح ^ يا قوم إني لكم نذير مبين أن أعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤحركم إلى أجل مسمى ^ إلى قوله @QB@ استغفروا ~~ربكم إنه كان غفارا ms0912 يرسل السماء عليكم مدرارا @QE@ الآية وقال تعالى ^ وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم ^ وذلك أنه قد قال تعالى ^ وما أصابكم من مصيبة فبما أيدكم ويعفو عن ~~كثير ^ وقال تعالى @QB@ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا @QE@ وقال تعالى @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة ~~قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ وقال تعالى ^ وإن ~~تصيبهم سيئة بما قدمت أيديهم ^ وقال تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ # وأما العذاب المدفوع فهو يعم العذاب السماوي ويعم ما يكون من العباد وذلك ~~أن الجميع قد سماه الله عذابا كما قال تعالى في النوع الثانى ^ وإذ نجينا ~~كم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ^ وقال ~~تعالى @QB@ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم @QE@ وكذلك ~~@QB@ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله ~~بعذاب من عنده أو بأيدينا @QE@ إذ التقدير بعذاب من عنده أو بعذاب بأيدينا ~~كما قال تعالى @QB@ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم @QE@ PageV15P042 وعلى هذا ~~فيكون العذاب بفعل العباد وقد يقال التقدير @QB@ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم ~~الله بعذاب من عنده @QE@ أو يصيبكم بأيدينا لكن الأول هو الأوجه لأن ~~الإصابة بأيدي المؤمنين لا تدل على أنها اصابة بسوء إذ قد يقال أصابه بخير ~~وأصابه بشر قال تعالى @QB@ وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من ~~عباده @QE@ وقال تعالى @QB@ فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء ~~من عباده إذا هم يستبشرون @QE@ وقال تعالى ^ وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض ~~يتبوء منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ^ ولأنه لو كان لفظ الإصابة يدل ~~على الإصابة بالشر لا كتفى بذلك فى قوله @QB@ أن يصيبكم الله @QE@ وقد قال ~~تعالى أيضا @QB@ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما ms0913 لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ ومن ذلك ~~قوله تعالى ^ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة ^ إلى قوله ~~@QB@ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين @QE@ وقوله تعالى @QB@ فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب @QE@ PageV15P043 # ومن ذلك أنه يقال فى بلال ونحوه كانوا من المعذبين فى الأرض ويقال إن أبا ~~بكر اشترى سبعة من المعذبين فى الله وقال ( السفر قطعة من العذاب ( وإذا ~~كان كذلك فقوله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ~~أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ مع ما قد ثبت فى ~~الصحيحين عن جابر عن النبى ( أنه لما نزل قوله ^ قل هو القادر على أن يبعث ~~عليمكم عذابا من فوقكم ^ قال أعوذ بوجهك @QB@ أو من تحت أرجلكم @QE@ قال ~~أعوذ بوجهك @QB@ أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض @QE@ قال هاتان أهون ~~يقتضى أن لبسنا شيعا وإذاقة بعضنا بأس بعض هو من العذاب الذي يندفع ~~الإستغفار كما قال ^ واتقوا فتنة لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصة ^ وإنما ~~تنفى الفتنة بالإستغفار من الذنوب والعمل الصالح # وقوله تعالى ^ إن لا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ^ قد ~~يكون العذاب من عنده وقد يكون بأيدى العباد فإذا ترك الناس الجهاد فى سبيل ~~الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو ~~الواقع فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد فى سبيل الله جمع الله قلوبهم وألف ~~بينهم وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم PageV15P044 وإذا لم ينفروا فى سبيل ~~الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض # وكذلك قوله ^ ولنذيقهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ~~^ يدخل فى العذاب الأدنى ما يكون بأيدي العباد كما قد فسر بوقعة بدر بعض ما ~~وعد الله به المشركين من العذاب PageV15P045 $ سورة التوبة # وقال # قد يستدل بقوله @QB@ لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان ms0914 @QE@ على أن الولد يكون مؤمنا بإيمان والده لأنه لم يذكر الولد ~~في استحبابه الكفر على الإيمان مع أنه أولى بالذكر وما ذاك إلا أن حكمه ~~مخالف لحكم الأب والأخ وهو الفرق بين المحجور عليه لصغره وجنونه وبين ~~المستقل كما استدل سفيان بن عيينة وغيره بقوله ^ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ~~من بيوتكم أو بيوت آباءكم ^ أن بيت الولد مندرج فى بيوتكم لأنه وماله لأبيه # ويستبدل بقوله ^ مالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ^ ~~على إسلام الوليد صحيح لأنه جعله من جملة القائلين قول من يطلب الهجرة وطلب ~~الهجرة لا يصح إلا بعد الإيمان وإذا كان له قول فى ذلك معتبر كان أصلا في ~~ذلك ولم يكن تابعا بخلاف الطفل الذي لا تميبز له فإنه تابع لاقول له ~~PageV15P046 # سئل رحمه الله # عن قوله تعالى ^ وقالت اليهود عزير بن الله ^ كلهم قالوا ذلك أم بعضهم ~~وقول النبى يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم ^ ما كنتم تعبدون فيقولون ~~العزيز ^ الحديث هل الخطاب عام أم لا # فأجاب الحمد لله المراد باليهود جنس اليهود كقوله تعالى @QB@ الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم @QE@ لم يقل جميع ولا قال ان جميع الناس ~~قد جمعوا لكم بل المراد به الجنس # وهذا كما يقال الطائفة الفلانية تفعل كذا وأهل الفلانى يفعلوا كذا وإذا ~~قال بعضهم فسكت الباقون ولم ينكروا ذلك فيشتركون فى إثم القول والله أعلم ~~PageV15P047 # وقال # في الكلام على قوله ^ قل أبالله وآياته ورسوله كنت تستهزئون ^ تدل على أن ~~الإستهزاء بالله كفر وبالرسول كفر من جهة الإستهزاء بالله وحده كفر ~~بالضرورة فلم يكن ذكر الآيات والرسول شرطا فعلم أن الإستهزاء بالرسول كفر ~~وإلا لم يكن لذكره فائدة وكذلك الآيات # و ( أيضا ( فالإستهزاء بهذه الأمور متلازم والضالون مستخفون بتوحيد الله ~~تعالى دعاء غيره من الأموات وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به ~~كما قال تعالى @QB@ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا @QE@ الآية ms0915 فاستهزأوا ~~بالرسول لما نهاهم عن الشرك وما زال المشركون يسبون الأنبياء ويصفونهم ~~بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد لما فى أنفسهم من عظيم ~~الشرك # وهكذا تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعواإلى التوحيد استهزأبذلك لما ~~عنده من الشرك قال الله تعالى ^ ومن الناس PageV15P048 من يتخذ من دون الله ~~اندادا يحبونهم كحب الله ^ فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب الله فهو مشرك ويجب ~~الفرق بين الحب فى الله والحب مع الله # فهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثانا تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد الله ~~وعبادته ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء ويحلف أحدهم اليمين الغموس ~~كاذبا ولا يجترىء أن يحلف بشيخه كاذبا # وكثير من طوائف متعددة ترى أحدهم يرى أن استغاثته بالشيخ إما عند قبره أو ~~غير قبره أنفع له من أن يدعو الله فى المسجد عند السحر ويستهزىء بمن يعدل ~~عن طريقته إلى التوحيد وكثير منهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد فهل هذا ~~إلا من استخفافهم بالله وبأياته ورسوله وتعظيمهم للشرك # وإذا كان لهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم مضاهات لمشركى العرب الذين ~~ذكرهم الله فى قوله ^ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ^ الآية ~~فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله ويقولون الله غني وآلهتنا فقيرة # وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكى عنده ويخشع PageV15P049 ~~ويتضرع ما لا يحصل له مثله فى الجمعة والصلوات الخمس وقيام الليل فهل هذا ~~الإ من حال المشركين لاالموحدين ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات ~~حصل له من الخشوع والحضور ما لا يحصل له عند الآيات بل يستثقلونها ~~ويستهزئون بها وبمن يقرؤها مما حصل لهم به أعظم نصيب من قوله ^ قل أبا لله ~~آياته ورسوله كنتم تستهزئون ^ والذين يجعلون دعاء الموتى أفضل من دعاء الله ~~منهم من يحكي أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه واستغاث بشيخه فأغاثه ~~وأن بعض المأسورين دعا الله فلم يخرجه فدعا بعض الموتى فجاءه فأخرجه إلى ~~بلاد الإسلام وآخر قال ms0916 قبر فلان الترياق المجرب # ومنهم من إذا نزل به شدة لا يدعو الإ شيخه قد لهج به كما يلهج الصبى بذكر ~~أمه وقد قال تعالى للموحدين @QB@ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ~~آباءكم أو أشد ذكرا @QE@ وقد قال شعيب ^ يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ^ ~~وقال تعالى @QB@ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله @QE@ PageV15P050 # سئل شيخ الإسلام # عن معنى قوله تعالى @QB@ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~@QE@ الآية والتوبة إنما تكون عن شىء يصدر من العبد والنبى ( معصوم من ~~الكبائر والصغائر # فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية الحمد للله الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم معصومون من الإقرار على الذنوب كبارها وصغارها وهم بما أخبر الله به ~~عنهم من التوبة يرفع درجاتهم ويعظم حسناتهم فإن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين وليست التوبة نقصا بل هي من أفضل الكمالات وهي واجبة على جميع ~~الخلق كما قال تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ فغاية كل مؤمن هي التوبة ثم التوبة تتنوع كما يقال حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين # والله تعالى قد أخبر عن عامة الأنبياء بالتوبة والإستغفار عن آدم ونوح ~~وإبراهيم وموسى وغيرهم فقال آدم PageV15P051 @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ وقال نوح @QB@ رب إني أعوذ بك أن ~~أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ وقال ~~الخليل ^ ربنا اعفر لي وكوالدي لدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ^ وقال هو ~~وإسماعيل @QB@ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم @QE@ وقال موسى @QB@ أنت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة إنا هدنا إليك @QE@ وقال تعالى @QB@ فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك ~~وأنا أول المؤمنين @QE@ # وقد ذكر الله سبحانه توبة داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء والله تعالى ~~@QB@ يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ وفى أواخر ما أنزل الله على ms0917 نبيه ^ ~~إذا جاء نصر اللله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا فسبح بحمد ~~ربك واستغفره إنه كان توابا ^ وفي الصحيحين عن النبى أنه كان يقول فى ~~افتتاح الصلاة ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ~~اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من ~~خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد ( وفي الصحيح أنه كان يقول فى دعاء ~~الإستفتاح ( اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين ( وقال نوح @QB@ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به ~~علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ وقال الخليل ^ ربنا اعفر لي ~~ولوالدي وللمؤمين يوم يقوم الحساب ^ وقال هو وإسماعيل @QB@ ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب ~~الرحيم @QE@ وقال موسى ^ أنت ولينا فاغفر غفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة وفي الأخرة انا هدنا إليك ^ وقال ~~تعالى @QB@ فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين @QE@ وقد ذكر ~~الله سبحانه توبة داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء والله تعالى @QB@ يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين @QE@ وفى أواخر ما أنزل الله على نبيه ^ إذا جاء ~~نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توبا ^ وفى الصحيحين عن النبى أنه كان يقول فى افتتاح ~~الصلاة ( اللهم باعدبيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم ~~نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي ~~بالثلج والبرد والماء البارد وفى الصحيح أنه كان يقول فى دعاء الإستفتاح ( ~~اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت PageV15P052 أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسي ~~اعترفت بدنى فاغفر لي ذنبوني جميعا إنه لا يغفر الذنب إلا أنت ( وفي الصحيح ~~أيضا عن النبى أنهه كان يقول ( اللهم اغفر لي ذنبى كله دقه وجله علانيته ~~وسره أوله وآخره ( وفى الصحيحين عنه أنه كان ms0918 يقول ( اللهم اغفر لي خطيئتى ~~وجهلي وإسرافى فى أمري وما أنت أعلم به منى اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي ~~وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفرلي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما ~~أسرفت وما أنت أعلم به منى أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ( ومثل ~~هذا كثير فى الكتاب والسنة # وقد قال الله تعالى @QB@ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ فتوبة ~~المؤمنين واسغفارهم هو من أعظم حسناتهم وأكبر طاعاتهم وأجل عباداتهم التى ~~ينالوا بها أجل الثواب ويندفع بها عنهم ما يدفعه من العقاب # فإذا قال القائل أي حاجة بالأنبياء إلى العبادات والطاعات كان جاهلا ~~لأنهم إنما نالوا ما نالوه بعبادتهم وطاعتهم فكيف يقال إنهم لا يحتاجون ~~إليها فهى أفضل عبادتهم وطاعتهم # وإذا قال القائل فالتوبة لا تكون إلا عن ذنب والإستغفار كذلك PageV15P053 ~~قيل له الذنب الذي يضر صاحبه هو مالم يحصل منه توبة فأما ما حصل منه توبة ~~فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة كما قال بعض السلف كان ~~داود بعد التوبة أحسن منه حالا قبل الخطيئة ولوكانت التوبة من الكفر ~~والكبائر فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم خيار الخليقة بعد ~~الأنبياء وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب ولم ~~يكن ما تقدم قبل التوبة نقصا ولا عيبا بل لما تابوا من ذلك وعملوا الصالحات ~~كانوا أعظم إيمانا أقوى عبادة وطاعه ممن جاء بعدهم فلم يعرف الجاهلية كما ~~عرفوها # ولهذا قال عمر بن الخطاب إنما تنقص عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ فى ~~الإسلام مع لم يعرف الجاهلية وقد قال الله تعالى ^ والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخرولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ^ # وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه سلم ( أن الله يحاسب ms0919 عبده يوم ~~القيامة فيعرض عليه صغار الذنوب ويخبأ عنه كبارها فيقول فعلت يوم كذا كذا ~~وكذا فيقول نعم يارب وهو مشفق PageV15P054 من كبارها أن تظهر فيقول إني قد ~~غفرتها لك وأبدلتك مكان كل سيئة حسنة فهنالك يقول رب إن لي سيئات ما أراها ~~بعد # فالعبد المؤمن إذا تاب وبدل الله سيئاته حسنات انقلب ما كان يضره من ~~السيئات بسبب توبته حسنات ينفعه الله بها فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة ~~له بل كانت توبته منها من أنفع الأمور له والإعتبار بكمال النهاية لا بنقص ~~البداية فمن نسي القرآن ثم حفظه خير من حفظه الأول لم يضره النسيان من مرض ~~ثم صح وقوي لم يضره المرض العارض # والله تعالى يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه ليحصل له بذلك من تكميل ~~العبودية والتضرع والخشوع لله والإنابة إليه وكمال الحذر فى المستقبل ~~والإجتهاد فى العبادة ما لم يحصل بدون التوبة كمن ذاق الجوع والعطش والمرض ~~والفقر والخوف ثم ذاق الشبع والري والعافية والغنى والأمن فإنه يحصل له من ~~المحبة لذلك وحلاوته ولذته والرغبة فيه وشكر نعمة الله عليه والحذر أن يقع ~~فيما حصل أولا ما لم يحصل بدون ذلك وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا ~~الموضع # وينبغى أن يعرف أن التوبة لا بد منها لكل مؤمن ولا يكمل أحد ويحصل له ~~كمال القرب من الله ويزول عنه كل ما يكر إلا بها PageV15P055 ومحمد أكمل ~~الخلق وأكرمم على الله وهو المقدم على جميع الخلق فى أنواع الطاعات فهو ~~أفضل المحبين لله وأفضل المتوكلين على الله وأفضل العابدين له وأفضل ~~العارفين به وأفضل التائبين إليه وتوبته أكمل من توبة غيره ولهذا غفر الله ~~له ماتقدم من ذنبه وماتأخر # وبهذه المغفرة نال الشفاعة بيوم القيامة كما ثبت في الصحيح ( ان الناس ~~يوم القيامة يطلبون الشفاعة من آدم فيقول إني نهيت عن الأكل من الشجرة ~~فأكلت منها نفسي نفسي نفسي ويطلبونها من نوح فيقول إني دعوت على أهل الأرض ~~دعوة لم أومر بها نفسي نفسي ms0920 نفسي ويطلبونها من الخليل ثم من موسى ثم من ~~المسيح فيقول إذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنب وما تأخر قال ~~فيأتونى فأنطلق فإذا رأيت ربى خرت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا ~~أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول أى ~~رب أمتى فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ( # فالمسيح صلوات الله عليه وسلامه دلهم على محمد وأخبر بكمال عبودته لله ~~وكمال مغفرة الله له إذ ليس بين المخلوقين والخالق نسب إلا محض العبودية ~~والإفتقار من العبد PageV15P056 ومحض الجود والإحسان من الرب عز وجل # وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ( ~~قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه ~~وفضل ( # وثبت عنه فى الصحيح أنه كان يقول ( يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فو الذي ~~نفسي بيده إنى لأستغفرالله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة ( وثبت ~~عنه في الصحيح أنه قال ( أنه ليغان على قلبى وإنى لأستغفر الله فى اليوم ~~مائة مرة ( فهو لكمال عبوديته لله وكمال محبته له افتقاره إليه وكمال توبته ~~واستغفاره صار أفضل الخلق عند الله فإن الخير كله من الله وليس للمخلوق من ~~نفسه شيء بل هو فقير وجه فكما إزداد العبد تواضعا وعبودية إزداد إلى الله ~~قربا ورفعة ومن ذلك توبته واستغفاره # وفي الحديث عن النبى أنه قال ( كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابين ( ~~رواه ابن ماجه والترمذي PageV15P057 $ سورة يونس # وقال شيخ الإسلام رحمه الله $ ( فصل ( # قوله @QB@ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب @QE@ وقوله @QB@ وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا @QE@ ~~وقوله @QB@ الشمس والقمر بحسبان @QE@ وقوله @QB@ والقمر قدرناه منازل حتى ~~عاد كالعرجون القديم @QE@ وقوله @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج @QE@ دليل على توقيت ما فيها من التوقيت من التوقيت للسنين والحساب ~~فقوله ^ لتعلموا عدد السنين الحساب ^ أن علق ms0921 بقوله @QB@ وقدره منازل @QE@ ~~كان الحكم مختصا بالقمر وإن اعيد إلى أول الكلام تعلق بهما ويشهد للأول ~~قوله فى الأهلة فإنه موافق لذلك ولأن كون الشمس ضياء والقمر نورا لا يوجب ~~علم عدد السنين والحساب بخلاف تقدير القمر منازل فإنه هو الذي PageV15P058 ~~يقتضى علم عدد السنين والحساب ولم يذكر إنتقال الشمس فى البروج # ويؤيد ذلك قوله @QB@ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ~~@QE@ الآية فإنه نص على أن السنة هلالية وقوله @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ ~~يؤيد ذلك لكن يدل على الآخر قوله @QB@ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا ~~آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب @QE@ # وهذا والله أعلم لمعنى تظهر به حكمة ما فى الكتاب وما جاءت به الشريعة من ~~اعتبار الشهر والعام الهلالي دون الشمسي ان كل ماحد من الشهر والعام ينقسم ~~في إصطلاح الأمم إلى عددي وطبيعي فأما الشهر الهلالي فهو طبيعي وسنته عددية # وأما الشهر الشمسي فعددي وسنته طبيعة فأما جعل شهرنا هلاليا فحكمته ظاهرة ~~لأنه طبيعي وإنما علق بالهلال دون الإجتماع لأنه أمر مضبوط بالحس لا يدخله ~~خلل ولا يفتقر إلى حساب بخلاف الإجتماع فإنه أمر خفي يفتقر إلى حساب وبخلاف ~~الشهر الشمسي لو ضبط # وأما السنة الشمسية فإنها وإن كانت طبيعية فهي من جنس PageV15P059 ~~الإجتماع ليس أمرا ظاهرا للحس بل يفتقر إلى حساب سير الشمس فى المنازل ~~وإنما الذي يدركه الحس تقريب ذلك فإن انقضاء الشتاء ودخول الفصل الذي تسميه ~~العرب الصيف ويسميه غيرها الربيع أمر ظاهر بخلاف محاذاة الشمس لجزء من ~~أجزاء الفلك يسمى برج كذا أو محاذاتها لاحدى نقطتى الرأس أو الذنب فإنه ~~يفتقر إلى حساب # ولما كانت الروج اثنى عشر فمتى تكرر الهلالي اثنى عشر فقد انتقل فيها ~~كلها فصار ذلك سنة كاملة تعلقت به أحكام ديننا من المؤقتات شرعا أو شرطا ~~إما بأصل الشرع كالصيام والحج وإما بسبب من العبد كالعدة ومدة الإيلاء وصوم ~~الكفارة والنذر وإما بالشرط كالأجل في الدين والخيار والإيمان ms0922 وغير ذلك ~~PageV15P060 # وقال # هذة تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~( فيها ( # منها قوله @QB@ وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء @QE@ ظن طائفة أن ~~( ما ( نافية وهو خطأ بل هى استفهام فإنهم يدعون معه شركاء كما أخبر عنهم ~~فى غير موضع فالشركاء يوصفون القرآن بأنهم يدعن لأنهم يتبعون وإنما يتبع ~~الأئمة # ولهذا قال ^ إن يتبعن إلا الظن ^ ولو أراد النفي لقال ان يتبعون إلا من ~~ليسوا شركاء بل بين أن المشرك لاعلم معه إن هو إلا الظن والخرص كقوله @QB@ ~~قتل الخراصون @QE@ PageV15P061 # | سورة هود وقال # ( فصل ( # وقوله تعالى @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه @QE@ وهذا ~~يعم جميع من هو على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه فالبينة العلم النافع ~~والشاهد الذي يتلوه العمل الصالح وذلك يتناول الرسول ومن اتبعه إلى يوم ~~القيامة فإن الرسول على بينة من ربه ومتبعيه على بينة من ربه # وقال فى حق الرسول @QB@ قل إني على بينة من ربي @QE@ وقال فى حق المؤمنين ~~@QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم @QE@ ~~فذكر هذا بعد أن ذكر الصنفين في أول السورة فقال ^ الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما أنزل على ~~محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذي كفروا ~~اتبعوا الباطل وان الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ^ الآيات إلى قوله @QB@ ~~أفمن كان على بينة من ربه @QE@ PageV15P062 وقال أبو الدرداء لا تهلك أمة ~~حتى يتبعوا أهواءهم ويتركوا ما جاءتهم به أنبياؤهم من البينات والهدى وقال ~~تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني @QE@ فمن ~~اتبعه يدعو إلى الله على بصيرة والبصيرة هي بينة وقال @QB@ أو من كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس @QE@ الآية فالنور الذي يمشي به ~~فى الناس هو البينة والبصيرة وقال @QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ ~~الآية # قال أبى ms0923 بن كعب وغيره هو مثل نور المؤمن وهو نوره الذى فى قلبه عبده ~~المؤمن الناشي عن العلم النافع والعمل الصالح وذلك بينة من ربه وقال @QB@ ~~أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ فهذا النور الذي هو ~~عليه وشرح الصدر للإسلام هو البينة من ربه وهو الهدى المذكور في قوله @QB@ ~~أولئك على هدى من ربهم @QE@ واستعمل في هذا حرف الإستعلا لأن القلب لا ~~يستقر ولا يثبت إلا إذا كان عالما موقنا بالحق فيكون العلم والإيمان صبغة ~~له ينصبغ بها كما قال @QB@ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة @QE@ ويصير ~~مكانة له كما قال @QB@ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون ~~@QE@ والمكان والمكانة قد يراد به ما يستقر الشيء عليه وإن لم يكن محيطا به ~~كالسقف مثلا قد يراد به مايحيط به # فالمهتدون لما كانوا على هدى من ربهم ونور وبينة وبصيرة صار PageV15P063 ~~مكانة لهم استقروا عليها وقد تحيط بهم بخلاف الذين قال فيهم ^ ومن الناس من ~~يعبد الله على حرف فإن أصاب خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ^ ~~فإن هذا ليس ثابتا مستقرا مطمئنا بل هو كالواقف على حرف الوادي وهو جانبه ~~فقد يطمئن إذا أصابه خير وقد ينقلب على وجهه ساقطا فى الوادي # وكذلك فرق بين من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ( وبين @QB@ من أسس ~~بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم @QE@ وكذلك الذين كانوا على ~~شفا حفرة من النار فأنقذهم منها وشواهد هذا كثير # فقد تبين أن الرسول ومن اتبعه على بينة من ربهم وبصيرة وهدى ونور وهو ~~الإيمان الذي فى قلوبهم والعلم والعمل الصالح ثم قال @QB@ ويتلوه شاهد منه ~~@QE@ والضمير فى ( منه ) عائد إلى الله تعالى أي ويتلو هذا الذي هو على ~~بينة من ربه شاهد من الله والشاهد من الله كما أن البينة التى هو عليها ~~المذكور من الله أيضا # وأما قول من قال ( الشاهد ( من نفس المذكور وفسره بلسانه أو بعلي بن ms0924 أبى ~~طالب فهذا ضعيف لأن كون شاهد الإنسان منه لا يقتضى أن يكون الشاهد صادقا ~~فإنه مثل شهادة PageV15P064 الإنسان لنفسه بخلاف ما إذا كان الشاهد من الله ~~فإن الله يكون هو الشاهد وهذا كما قيل فى قوله ^ قل كفى بالله شهيدا بينى ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب ^ أنه علي فهذا ضعيف لأن شهاده قريب له قد ~~اتبعه على دينه ولم يهتد إلا به لا تكون برهانا للصدق ولا حجة على الكفر ~~بخلاف شهادة من عنده علم الكتاب الأول فإن هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة كما ~~قال في هذه السورة @QB@ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة @QE@ وقال @QB@ ~~وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله @QE@ وقال ^ وإن كنت فى شك مما أنزلنا ~~إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ^ الآية وقال @QB@ والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق @QE@ وهذا الشاهد من الله هو القرآن # ومن قال أنه جبريل فجبريل لم يقل شيئا من تلقاء نفسه بل هو الذي بلغ ~~القرآن عن الله وجبريل يشهد أن القرآن منزل من الله وأنه حق كما قال @QB@ ~~لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا @QE@ والذي قال هو جبريل قال يتلوه أي يقرأه كما قال @QB@ فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه @QE@ أي إذا قرأه جبريل فاتبع ما قرأه وقال @QB@ علمه ~~شديد القوى @QE@ # ومن قال الشاهد لسانه وجعل الضمير المذكور عائدا على القرآن ولم يذكر ~~لأنه جعل البينة هى القرآن ولو كانت البية هي القرآن PageV15P065 لما احتاج ~~إلى ذلك وقد قال على بينة من ربه فقد ذكر ان القرأن من الله وقد علم أنه ~~نزل به جبريل على محمد وكلا ( هما ( بلغه وقرأه فقوله ( ويتلوه ( جبريل أو ~~محمد تكرير لا فائدة فيه ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرأن وأيضا فكونه على ~~القرأن لم نجد لذلك نظيرا في القرآن فإن القرأن كلام الله واحد لا يكون ~~عليه وإذا ( كان ( المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به فهذا الذي ذكرناه ~~ان البينة هي الإيمان بما ms0925 جاء به الرسول وهو اخباره أنه رسول الله وأن الله ~~أنزل القرآن عليه ولما أنزلت هذه السورة وهي مكية لم يكن قد نزل من القرأن ~~قبلها إلا بعضه وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه فمن آمن ~~حينئذ بذلك ومات على ذلك كان من أهل الجنة وأيضا فتسمية جبريل شاهدا لا ~~نظير له فى القرآن وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدا وتسمية علي شاهدا لا يوجد ~~مثل ذلك في الكتاب والسنة بخلاف شهادة الله فإن الله أخبر بشهادته لرسوله ~~فى غير موضع وسمى ما أنزله شهادة منه فى قوله @QB@ ومن أظلم ممن كتم شهادة ~~عنده من الله @QE@ فدل على أن كلام الله الذي أنزله وأخبر فيه بما أخبر ~~شهادة منه PageV15P066 وهو سبحانه يحكم ويشهد ويفتى ويقص ويبشر ويهدى ~~بكلامه ويصف كلامه بأنه يحكم ويفتى ويقص ويهدى ويبشر وينذر كما قال @QB@ قل ~~الله يفتيكم فيهن @QE@ @QB@ قل الله يفتيكم في الكلالة @QE@ وقال ^ ان هذا ~~القرآن يقص على نبي إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ^ وقال @QB@ نحن نقص ~~عليك أحسن القصص @QE@ وقال @QB@ قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ~~ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين @QE@ وقال @QB@ ~~إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم @QE@ # وكذلك سمى الرسول هاديا فقال @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ كما ~~سماه بشيرا ونذيرا وسمى القرآن بشيرا ونذيرا فكذلك لما كان هو يشهد للرسول ~~وكان والمؤمنين بكلامه الذي أنزله وكان كلامه شهادة منه كان كلامه شاهدا ~~منه كما كان يحك ويفتى ويقص ويبشر وينذر # ولا قيل لعلي بن أبي طالب حكمت مخلوقا قال ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت ~~القرآن فإن الذي يحكم به القرآن هو حكم الله والذي يشهد به القرآن هو شهادة ~~الله عز وجل قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم وقد كان إماما وأخذ التفسير عن ~~أبيه زيد وكان زيد إماما فيه ومالك وغيره أخذوا عنه التفسير وأخذه عنه عبد ~~الله PageV15P067 ابن وهب صاحب مالك واصبغ بن الفرج ms0926 الفقيه قال فى قوله ~~تعالى @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه @QE@ قال رسول الله ~~@QB@ كان على بينة من ربه @QE@ والقرآن يتلوه شاهد أيضا لأنه من الله # وقد ذكر الزجاج فيما ذكره من الأقوال ويتلو رسول الله القرآن وهو شاهد من ~~الله وقال أبو العالية @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ هو محمد @QB@ ~~ويتلوه شاهد منه @QE@ القرآن قال ابن أبى حاتم وروى عن ابن عباس ومحمد بن ~~الحنفية ومجاهد وأبى صالح وإبراهيم وعكرة والضحاك وقتادة والسدي وخصيف وابن ~~عيينة نحو ذلك وهذا الذي قالوه صحيح ولكن لا يقتضى ذلك أن المتبعين له ~~ليسوا على بينة من ربهم بل هم على بينة من ربهم ( # وقد قال الحسن البصري @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ قال المؤمن على ~~بينة من ربه ورواه ابن أبي حاتم وروى عن الحسين بن علي @QB@ ويتلوه شاهد ~~منه @QE@ يعنى محمدا شاهد من الله وهي تقتضي أن يكون الذي على البينة من ~~شهد له # وقول القائل من قال هو محمد كقوله من قال هو جبريل فإن كلاهما بلغ القرآن ~~والله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس PageV15P068 فاصطفى جبريل من ~~الملائكة واصطفى محمدا من الناس وقال فى جبريل @QB@ إنه لقول رسول كريم ~~@QE@ وقال في محمد @QB@ إنه لقول رسول كريم @QE@ وكلاهما رسول من الله كما ~~قال @QB@ حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ~~@QE@ فكلاهما رسول من الله بلغ ما أرسل به وهو يشهد أن ما جاء به هو كلام ~~الله وأما شهادتهم بما شهد به القرأن فهذا قدر مشترك بين كل من آمن بالقرآن ~~فإنه يشهد بكل ما شهد به القرأن لكونه آمن به سواء كان قد بلغه أو لم يبلغه # ولهذا كان إيمان الرسول بما جاء به غير تبليغه له وهو مأمور بهذا وبهذا ~~وله أجر على هذا وهذا كما قال @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون @QE@ ولهذا كان يقول أشهد إنى عبد الله ورسوله فشهاده جبريل ~~ومحمد بما شهد ms0927 به القرآن من جهة ايمانهما به لا من جهة كونهما مرسلين به ~~فإن الإرسال به يتضمن شهادتهما أن الله قاله وقد يرسل غير رسول بشيء فيشهد ~~الرسول أن هذا كلام المرسل وإن لم يكن المرسل صادقا ولا حكيما ولكن علم ان ~~جبريل ومحمدا يعلمان ( أن ( الله صادق حكيم فهما يشهدان بما شهد الله به # وكذلك الملائكة والمؤمنون يشهدون بأن ما قاله الله فهو حق PageV15P069 ~~وإن الله صادق حكيم لا يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بعدل @QB@ وتمت كلمة ربك ~~صدقا وعدلا @QE@ # فقد تبين ان شهادة جبريل ومحمد هي شهادة القرآن وشهادة القرآن هي شهادة ~~الله تعالى والقرآن شاهد من الله وهذا الشاهد يوافق ويتبع ذلك الذي على ~~بينة من ربه فإن البينة والبصيرة والنور والهدى الذي عليه النبى والمؤمنون ~~قد شهد القرآن المنزل من الله بأن ذلك حق ( # ويتلوه ( معناه يتبعه كما قال @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته @QE@ أي يتبعونه حق اتباعه وقال @QB@ والقمر إذا تلاها @QE@ أي ~~تبعها وهذا قفاه إذا تبعه وقد قال ^ ولا تقف ماليس لك به علم فهذا الشاهد ~~يتبع الذي على بينة من ربه فيصدقه ويزكيه ويؤيده ويثبته كما قال ^ قل نزله ~~روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا ^ وقال ^ وكلا نقص عليك من أنباء ~~الرسل ما نثبت به فؤادك ^ وقال ^ أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه # وقد سمى الله القرآن سلطانا في غير موضع فإذا كان السلطان المنزل من الله ~~يتبع هذا المؤمن كان ذلك مما يوجب قوته وتسلطه علما وعملا وقال @QB@ وننزل ~~من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين @QE@ PageV15P070 ^ وإذا ما أنزلت ~~سورة هم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ^ الآية وقال جندب بن عبدالله ~~وعبدالله بن عمر تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا فهم كانوا ~~يتعلمون الإيمان ثم يتعلمون القرآن وقال بعضهم فى قوله @QB@ نور على نور ~~@QE@ قال نور القرآن على نور الإيمان كما قال @QB@ ولكن جعلناه نورا نهدي ~~به من نشاء من عبادنا @QE@ وقال السدي فى قوله ms0928 @QB@ نور على نور @QE@ نور ~~القرآن ونور الإيمان حين إجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه # فتبين أن قوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ يعنى هدى الإيمان @QB@ ~~ويتلوه شاهد منه @QE@ أي من الله يعنى القرآن شاهد من الله يوافق الإيمان ~~ويتبعه وقال ( يتلوه ( لأن الإيمان هو المقصود لأنه إنما يراد بإنزال ~~القرآن الإيمان وزيادته # ولهذا كان الإيمان بدون قراءة القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة والقرآن ~~بلا إيمان لا ينفع في الآخرة بل صاحبه منافق كما فى الصحيحين عن أبى موسى ~~عن النبى أنه قال ^ مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب ~~وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح ~~لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانه ريحها طيب وطعمها مر ~~PageV15P071 ومثل المنافق الذي لا يقرأ كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ~~^ # ولهذا جعل الإيمان ( بينة ( وجعل القرآن شاهدا لأن البينة من البيان و ( ~~البينة ( هي السبيل البينة وهي الطريق البينة الواضحة وهي أيضا ما تبين بها ~~الحق فهي بينه فى نفسها مبينة لغيرها وقد تفسر بالبيان وهى الدلالة ~~والإرشاد فتكون كالهدى كما يقال فلان على هدى وعلى علم فيفسر بمعنى المصدر ~~والصفة والفاعل ومنه قوله ^ أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ^ أي بيان ~~ما فيها أو يبين ما فيها أو الأمر البين فيها وقد سمى الرسول بينة كما قال ~~^ حتى تأتيهم البينة رسول من الله ^ فإنه يبين الحق والمؤمن على سبيل بينة ~~ونور من ربه والشاهد المقصود به شهادته للمشهود له فهو يشهد للمؤمن بما ~~أنزل الإيمان فى جذر قلوب الرجال كما فى الصحيحين عن حذيفة عن النبى قال ( ~~ان الله أنزل الإيمان فى جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ~~( # وأيضا فالإيمان ما قد أمر الله به # وأيضا فالإيمان إنما هو ما أخبر به الرسول وهذا أخبر به الرسول لكن ~~الرسول له وحيان وحي تكلم الله به يتلى ووحي لا يتلى فقال PageV15P072 @QB@ ~~وكذلك أوحينا ms0929 إليك روحا من أمرنا @QE@ الآية وهو يتناول القرآن والإيمان ~~وقيل الضمير فى قوله @QB@ جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ يعود ~~إلى الإيمان ذكر ذلك عن ابن عباس وقيل لإلى القرأن وهوو قول السدي وهو ~~يتناولهما وهو في اللفظ يعود إلى الروح الذي أوحاه وهو الوحي جاء بالإيمان ~~والقرآن فقد تبين ان كلاهما من الله نور وهدى منه هذا يعقل بالقلب لما قد ~~يشاهد من دلائل الإيمان مثل دلائل الربوبية والنبوة وهذا يسمع بالآذان ~~والإيمان الذي جعل للمؤمن هو مثل ما وعد الله به فى قوله @QB@ سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ أي أن القرآن حق ~~فهذه الآيات متأخرة عن نزول القرآن وهو مثل ما فعل من نصر رسوله والمؤمنين ~~يوم بدر وغير يوم بدر فإنه آيات مشاهدة صدقت ما أخبر به القرآن ولكن ~~المؤمنون كانوا قد آمنوا قبل هذا وقيل نزول أكثر القرآن الذي ثبت الله به ~~لنبيه وللمؤمنين ولهذا قال ^ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ^ فهو ~~يشهد لرسوله بأنه صادق بالآيات الدالة على نبوته وتلك آمن بها المؤمنون ثم ~~أنزل من القرآن شاهدا له ثم أظهر آيات معانية تبين لهم أن القرآن حق ~~PageV15P073 # فالقرآن وافق الايمان والآيات المستقبلة وافقت القرآن والايمان ولهذا قال ~~@QB@ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة @QE@ فقوله @QB@ ومن قبله @QE@ يعود ~~الضمير إلى الشاهد الذي هو القرآن كما قال تعالى @QB@ قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله @QE@ الآية ثم قال ~~@QB@ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة @QE@ الآية فقوله @QB@ ومن قبله @QE@ ~~الضمير يعود إلى القرآن أي من قبل القرآن كما قاله ابن زيد وقيل يعود إلى ~~الرسول كما قاله مجاهد وهما متلازمان # وقوله @QB@ ومن قبله كتاب موسى @QE@ فيه وجهان قيل هو عطف مفرد وقيل عطف ~~جملة قيل المعنى @QB@ ويتلوه شاهد منه @QE@ ويتلوه أيضا من قبله كتاب موسى ~~فإنه شاهد بمثل ما شهد به القرآن وهو شاهد من الله ms0930 وقيل @QB@ ومن قبله كتاب ~~موسى @QE@ جملة ولكن مضمون الجملة فيها تصديق القرآن كما قال فى الأحقاق ~~وقوله تعالى @QB@ أولئك يؤمنون به @QE@ يدل على أن قوله @QB@ أفمن كان على ~~بينة من ربه @QE@ تتناول المؤمنين فإنهم آمنوا بالكتاب الأول والآخر كما ~~تتناول النبى وأولئك يعود إليه الضمير فإنهم مؤمنون به بالشاهد من الله ~~فالإيمان به ايمان بالرسول والكتاب والسنة الذي قبله PageV15P074 # ثم قال @QB@ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده @QE@ وروى الإمام أحمد ~~وابن أبى حاتم وغيرها عن أيوب عن سعيد بن حبير قال ما بلغنى حديث عن رسول ~~الله صلى اله عليه وسلم على وجه إلا وجدت تصديقه فى كتاب الله حتى بلغنى ~~أنه قال ^ لا يسمع بى أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بما ~~أرسلت به إلا دخل النار ^ قال سعيد فقلت أين هذا فى كتاب الله حتى أتيت على ~~هذه الآية @QB@ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده @QE@ قال الأحزاب هي ~~الملل كلها # وقوله تعالى @QB@ أولئك يؤمنون به @QE@ أي كل من كان على بينة من ربه ~~فإنه يؤمن بالشاهد من الله والإيمان به إيمان بما جاء به موسى قال @QB@ ~~أولئك يؤمنون به @QE@ وهم المتبعون لمحمد من أصحابه وغيرهم إلى قيام الساعة ~~ثم قال @QB@ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده @QE@ والأحزاب هم أصناف ~~الأمم الذين تحزبوا وصاروا أحزابا كما قال تعالى @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح ~~والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه @QE@ # وقد ذكر الله طوائف الأحزاب فى مثل هذه السورة وغيرها وقد قال تعالى عن ~~مكذبى محمد @QB@ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب @QE@ وهم الذين قال فيهم ^ ~~فاقم وجهك للدين حنيفا PageV15P075 فطرة الله التى فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ^ وقال عن أحزاب النصارى ^ فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين كفروا من مشهد ms0931 يوم عظيم ^ الآيات # وأما من قال الضمير في قوله ^ أولئك يؤمنون به ^ يعود على أهل الحق قال ~~أنه موسى وعيسى ومحمد فإنه إن أراد بهم من كان مؤمنا بالكتابين قبل نزول ~~القرآن فلم يتقدم لهم ذكر والضمير فى قوله ( به ( مفرد ولو آمن مؤمن بكتاب ~~موسى دون الإنجيل بعد نزوله وقيام الحجة عليه به لم يكن مؤمنا # وهذان القولان حكاهما أبو الفرج لم يسم قائلهما البغوي وغيره لم يذكروا ~~نزاعا فى أنهم من آمن بمحمد ولكن ذكروا قولا أنهم من آمن به من أهل الكتاب ~~وهذا قريب ولعل الذي حكى قولهم أبو الفرج أرادوا هذا وإلا فلا وجه لقولهم # ومن العجب ان أبا الفرج بعد هذا في الأحزاب أربعة أقوال # ( أحدها ( أنهم جميع المل قاله سعيد بن حبير PageV15P076 # ( والثاني ( اليهود والنصارى قاله قتادة # ( والثالث ( قريش قاله ال # والرابع ( بنوا أمية وبنوا المغيرة قال ( أي ) أبى طلحة بن عبد العزى ~~قاله مقاتل # وهذه الآية تقضتى أن الضمير يعود إلى القرآن فى قوله @QB@ ومن يكفر به ~~@QE@ وكذلك @QB@ أولئك يؤمنون به @QE@ أنه القرآن ودليله قوله تعالى @QB@ ~~فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك @QE@ وهذا هو القرآن بلا ريب وقد قيل ~~هو الخبر المذكور وهو أنه من يكفر به من الأحزاب وهذا أيضا هو القرآن فعلم ~~ان المراد هو الإيمان بالقرآن والكفر به باتفاقهم وأنه من قال في أولئك ~~أنهم غير من آمن بمحمد لم يتصور ما قال # وقد تقدم في قوله @QB@ ومن قبله كتاب موسى @QE@ وجهان هل هو عطف جملة أو ~~مفرد لكن الأكثرون على أنه مفرد وقال الزجاج المعنى وكان من قبل هذا كتاب ~~موسى دليل على أمر محمد فيتلون كتاب موسى عطفا على قوله @QB@ ويتلوه شاهد ~~منه @QE@ أي ويتلو كتاب موسى لأن موسى وعيسى بشرا بمحمد في التوراة ~~والإنجيل ونصب إما ما على الحال PageV15P077 # قلت قد تقدم أن الشاهد يتلو على من كان على بينة من ربه أي يتبعه شاهدا ~~له بما هو عليه من البينة وقوله @QB@ أفمن كان ms0932 على بينة من ربه @QE@ كمن لم ~~يكن قال الزجاج وترك المعادلة لأن فيما بعده دليلا عليه وهو قوله @QB@ مثل ~~الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع @QE@ قال ابن قتيبة لما ذكر قبل ~~هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا وأرادوها جاء بهذه الآية وتقدير الكلام ~~أفمن كانت ( هذه ( حاله كمن يريد الدنيا فاكتفى من الجواب بما تقدم إذ كان ~~دليلا عليه وقال ابن الأنباري إنما حذف لإنكشاف المعنى وهذا كثير فى القرآن # قلت نظير هذه الآية من المحذوف @QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا @QE@ ~~كمن ليس كذلك وقد قال بعد هذا @QB@ ومن يكفر به من الأحزاب @QE@ وهذا هو ~~القسم الآخر المعادل لهذا الذي هو على بينة من ربه وعلى هذا يكون معناها ~~@QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم @QE@ ~~ويكون أيضا معناها @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ أي بصيرة فى دينه ~~كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وهذا كقوله ^ أومن كان ميتا فأحييناه ^ ~~الآية وكقوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله @QE@ ~~وقوله ^ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى ^ الآية والمحذوف فى ~~مثل هذا النظم قد يكون غير ذلك كقوله ^ أو من PageV15P078 ينشأ فى الحلية ^ ~~أي تجعلون له من ينشأ فى الحلية ولا بد من دليل على المحذوف وقد يكون ~~الحذوف مثل أن يقال أفمن هذه حاله يذم أو يطعن عليه أو يعرض عن متابعته أو ~~يفتن أو يعذب كما قال ^ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من ~~يشاء ويهدى من يشاء ^ وقد قيل فى هذه الآية أن المحذوف ^ أفمن زين له سوء ~~عمله ^ فرأى الباطل حقا والقبيح حسنا كمن هداه الله فرأى الحق حقا والباطل ~~باطلا والقيبح قبيحا والحسن حسنا وقيل جوابه تحت قوله ^ فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات ^ لكن يرد عليه أن يقال الإستفهام ما معناه إلا أن تقدر أي هذا ~~تقدر أن تهديه أو ربك أو تقدر أن تجزيه كما قال ms0933 ^ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~أفأنت تكون عليه وكيلا ^ ولهذا قال ^ فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء ^ ~~وكما قال ^ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ^ الآية وعلى هذا ~~يكون معناها كمعنى قوله ^ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ^ # وعلى هذا فالمعنى هنا ^ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن ~~قبله كتاب موسى ^ يذم ويخالف ويكذب ونحو ذلك كقوله ^ قل أرأيتم إن كان على ~~بينة من ربي وكذبتم به ^ وحذف جواب PageV15P079 الشرط وكقوله @QB@ أرأيت إن ~~كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى @QE@ # فقد تبين ان معنى الآية من أشرف المعانى وهذا هو الذى ينتفع به كل أحد ~~وإن الآية ذكرت من كان على بينة من ربه من الإيمان الذي شهد له القرآن فصار ~~على نور من ربه وبرهان من ربه على مادلت عليه البراهين العقلية والسمعية ~~كما قال @QB@ وأنزلنا إليكم نورا مبينا @QE@ فالنور المبين المنزل يتناول ~~القرآن قال قتادة بينة من ربكم وقال الثورى هو النبى وقال البغوي هذا قول ~~المفسرين ولم أجده منقولا عن غير الثانى ولا ذكره إبن الجوزي عن غيره # وذكر فى البرهان ثلاثة أقوال أحدهما أنه الحجة والثانى أنه الرسول وذكر ~~أنه القرآن عن قتادة والذي رواه إبن أبى حاتم عن قتادة بالإسناد الثابت أنه ~~بينة من الله والبينة والحجة تتناول آيات الأنبياء التى بعثوا بها فكل ما ~~دل على نبوة محمد فهو برهان قال تعالى @QB@ فذانك برهانان من ربك @QE@ وقال ~~لمن قال لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى قل هاتوا برهانكم # ومحمد هو الصادق المصدوق قد أقام الله على صدقه براهين كثيرة PageV15P080 ~~وصار محمد نفسه برهانا فأقام من البراهين على صدقه فدليل الدليل دليل ~~وبرهان البرهان برهان وكل آية له برهان والبرهان إسم جنس لا يراد واحد كما ~~في قوله @QB@ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ ولو جاءوا بعده ببراهين ~~كانوا ممتثلين # و ( المقصود ( أن ذلك البرهان ms0934 يعلم بالعقل أنه دال على صدقه وهو بينة من ~~الله كما قال قتادة وحجة من الله كما قال مجاهد والسدى المؤمن على تلك ~~البينة ويتلوه شاهد من الله وهو النور الذي أنزله مع البرهان والله أعلم $ ~~فصل وأما من قال @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ إنه محمد كما قاله ~~طائفة من السلف فقد يريدون بذلك التمثيل لا التخصيص فإن المفسرين كثيرا ما ~~يريدون ذلك ومحمد هو أول من كان بينة من ربة وتلاه شاهد منه وكذلك الأنبياء ~~وهو أفضلهم وإمامهم والمؤمنين تبع له وبه صاروا على بينة من ربهم # والخطاب قد يكون لفظه له ومعناه عام كقوله ^ فإن كنت في شك مما ~~PageV15P081 شك مما أنزلنا إليك ^ ^ لئن أشركت ليحبطن عملك ^ ^ فإذا فرغت ~~فانصب @QB@ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي @QE@ ونحو ذلك وذلك أن الأصل ~~فيما خوطب به النبى فى كل ما أمر به ونهى عنه وأبيح له سار في حق أمته ~~كمشاركة أمته له فى الأحكام وغيرها حتى يقوم دليل التخصيص فما ثبت في حقه ~~من الأحكام ثبت في حق الأمة إذا لم يخصص هذا مذهب السلف والفقهاء ودلائل ~~ذلك كثيرة كقوله ^ فلما قضى زيد منها وطرا زوجنا كها ^ الآية ولما أباح له ~~الموهوبة قال @QB@ خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ الآية # فإذا كان هذا مع كون الصيغة خاصة فكيف تجعل الصيغة العامة له وللمؤمنين ~~مختصة به ولفظ من أبلغ صيغ العموم لا سيما إذا كانت شرطا أو إستفهاما كقوله ~~@QB@ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ وقوله ^ ~~أفمن زين له سوء عملهم فرأه حسنا ^ وقوله ^ أفمن كان ميتا فأحييناه ^ وقوله ~~@QB@ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله @QE@ و ( أيضا ( فقد ~~ذكر بعد ذلك قولاه @QB@ أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده @QE@ وذكر بعد هذا @QB@ مثل الفريقين @QE@ وقد تقدم قبل هذا ذكر ~~الفرقين وقوله ^ أولئك PageV15P082 يؤمنون به ^ إشارة إلى جماعة ولم يقدم ~~قبل هذا ما يصلح أن ms0935 يكون مشارا إليه إلا من والضمير يعود تارة إلى لفظ ( من ~~) وتارة لى معناها كقوله ^ ومنهم من يستمع إليك ^ ^ ومنهم من يستمعون إليك ~~^ ^ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى ^ ^ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ^ الآية # وأما الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير فقوله ^ أولئك يؤمنون به ^ ~~دليل على أن الذي على بينة من ربه كثيرون لا واحد قال ابن أبى حاتم ثنا ~~عامر بن صالح عن أبيه عن الحسن البصري ^ أفمن كان على بينة من ربه ^ قال ~~المؤمن على بينة من ربه وهذا الذي قاله الحسن البصري هو الصواب والرسول هو ~~أول المؤمنين كما قال ^ وأمرت أن أكون أول المؤمنين ^ # ومن قال ان الشاهد من الله هو محمد كما رواه ابن أبي حاتم ثنا الأشج ثنا ~~أبو أسامة عن عوف عن سليمان الفلانى عن الحسين ابن علي ^ ويتلوه شاهد منه ^ ~~يعنى محمدا شاهدا من الله فهنا معنى كونه شاهدا من الله هو معنى كونه رسول ~~الله وهو يشهد للمؤمنين بأنهم على حق وإن كان يشهد لنفسه بأنه رسول الله ~~فشهادته لنفسه معلومة قد علم أنه صادق فيها بالبراهين الداله على نبوته ~~وأما شهادته للمؤمنين فهو أنها إنما تعلم من جهته بما بلغه من القرآن ويخبر ~~به عن PageV15P083 ربه فهو إذا شهد كان شاهدا من الله # وأما شهادته عليهم بالايمان والتصديق وغير ذلك فكما في قوله @QB@ فكيف ~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا @QE@ @QB@ ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا @QE@ لكن من قال هذا فقد يريد بالبينة القرآن فإن المؤمن متبع ~~للقرآن ومحمد شاهد من الله يتلوه كما تلاه جبريل # ومن قال ان الشاهد محمد فهو إنما أراد بهذا القول التلاوة أي أن لسان ~~محمد يقرأ القرآن وهو شاهد منه أي من نفسه فإن لسانه جزء منه وهذا القول ~~ونحوه ضعيف والله أعلم هذا إن ثبت ذلك عمن نقل عنه فإن هذا وضده ينقلان عن ~~علي بن أبي طالب ms0936 # وذلك أن طائفة من جهال الشيعة ظنوا أن عليا هو الشاهد منه أي من النبى ~~كما قال له ( أنت مني وأنا منك ( # وهذا قاله لغيره أيضا فقد ثبت فى الصحيحين أنه قال ( الأشعريون هم منى ~~وأنا منهم ( وقال عن جليبيب ( هذا منى وأنا منه ( PageV15P084 وكل مؤمن هو ~~من النبى كما قال الخليل @QB@ فمن تبعني فإنه مني @QE@ وقال @QB@ من لم ~~يطعمه فإنه مني @QE@ ورووا هذا القول عن علي نفسه وروى عنه بإسناد أجود منه ~~أنه قال كذب من قال هذا قال ابن أبى حاتم ذكر عن حسين بن زيد الطحان ثنا ~~إسحاق بن منصور ثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبدالله قال قال ~~علي ما من قريش أحد إلا نزلت فيه آية قيل فما أنزل فيك قال @QB@ ويتلوه ~~شاهد منه @QE@ وهذا كذب على علي قطعا وإن ثبت النقل عن عباد هذا فإنه له ~~منكرات عنه كقوله أنا الصديق الأكبر أسلمت قبل الناس بسبع سنين # وقد رووا عن علي ما يعارض ذلك قال إبن أبى حاتم ثنا أبى ثنا عمرو بن علي ~~الباهلي ثنا محمد بن شواص ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عروة عن محمد ~~بن علي يعنى إبن الحنفية قال قلت لأبى يا أبة @QB@ ويتلوه شاهد منه @QE@ أن ~~الناس يقولون أنك أنت هو قال وددت لو أني أنا هو ولكنه لسانه قال إبن أبي ~~حاتم وروى عن الحسن وقتادة نحو ذلك # قلت وقد تقدم عن الحسين ابنه أن ( الشاهد منه ( هو محمد وإنما تكلم علماء ~~أهل البيت فى أنه محمد ردا على من قال من الجهلة أنه علي فإن هذه السورة ~~نزلت بمكة وعلي كان PageV15P085 إذ ذاك صغيرا لم يبلغ وكان ممن اتبع الرسول ~~ولو كان إبن رسول الله ليس إبن عمه لم تكن شهادته تنفع لا عند المسلمين ولا ~~عند الكفار بل مثل هذه الشهادة فيها تهمة القرابة # ولهذا كان أكثر العلماء على أن شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده لا تقبل ~~فكيف يجعل مثل ms0937 هذا حجة لنبوة محمد مؤكدا لها ولذلك قالوا فى قوله تعالى ^ ~~من عنده علم الكتاب ^ أنه علي وهم مع كذبهم هم أجهل الناس فإنهم نسبوا الله ~~والرسول إلى الإحتجاج بمالا يحتج به إلا جاهل فأرادوا تعظيم على فنسبوا ~~الله والرسول إلى الجهل وعلي إنما فضيلته باتباعه للرسول فإذا قدح فى الأصل ~~بطل الفرع وأما قول من قال من المفسرين أن ( الشاهد ( جبريل عليه السلام ~~فقد روى ذلك عكرمة عن ابن عباس ذكره ابن أبي حاتم عنه وعن أبى العالية وأبى ~~صالح ومجاهد فى إحدى الروايات عنه وإبراهيم وعكرمة والضحاك وعطاء الخراسانى ~~نحو ذلك وهؤلاء جعلوا ( يتلوه ( بمعنى يقرأه أي ويتلو القرآن الذي هو ~~البينة شاهد من الله هو وقيل بل معنى قولهم إن القرآن يتلوه جبريل هو ~~الشاهد محمد أي الذي يتلوه جاء من عند الله # وقد تقدم بيان ضعف هذا القول فإن كل من فسر يتلوه PageV15P086 بمعنى ~~يقرأه جعل الضمير فيه عائدا إلى القرآن وجعل الشاهد غير القرآن # والقرآن لم يتقدم له ذكر إنما قال ^ أفمن كان على بينة من ربه والبينة لا ~~يجوز أن يكون تفسيرها بحفظ القرآن فإن المؤمنين كلهم على بينة من ربهم وإن ~~لم يحفظوا القرآن بخلاف البصيرة في الدين فإنه من لم يكن على بصيرة من ربه ~~لم يكن مؤمنا حقا بل من القائلين لمنكر ونكير آه آه لا أدرى سمعت الناس ~~يقولون شيئا فقلته # والقرآن إنما مدح من كان على بينة من ربه فهو على هدى ونور وبصيرة سواء ~~حفظ القرآن أو لم يحفظه وإن أريد إتباع القرآن فهو الايمان وأكثر القرآن لم ~~يكن نزل حين نزول هذه الآية وقد تقدم إنما يختص به جبريل ومحمد فهو تبلغ ~~رسالة عن الله وصدقهما في ذلك # وأما كون رسالة الله حقا فهذا هو المشهود به ( من ) كل رسول وهما لا ~~يختصان بذلك بل يؤمنان به كما يؤمن بذلك كل ملك وكل مؤمن وشهادته بأن النبى ~~والمؤمنين على حق من هذا الوجه الثانى المشترك ولو قال ms0938 ويبلغه وينزل به ~~رسول من الله لكان ما قالوه متوجها كما قال PageV15P087 @QB@ قل نزله روح ~~القدس @QE@ @QB@ نزل به الروح الأمين @QE@ @QB@ فإنه نزله على قلبك بإذن ~~الله @QE@ أما كونه شاهدا يقرأه فهذا لا نظير له فى القرآن # و ( أيضا ( فالشاهد الذي هو من الله هو الكلام فإن الكلام نزل منه كما ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ويقال فى الرسول أنه منه كما قال رسول من ~~الله ويقال فى الشخص الشاهد فيقال فيه هو من شهداء الله وأما كونه يقال فيه ~~شاهد من الله أنها برهان من الله وآيات من الله فى الآيات التى يخلقها الله ~~تصديقا لرسوله فهذا يحتاج إستعماله إلى شاهد # والقرآن نزل بلغة قريش الموجودة فى القرآن فإنها تفسر بلغته المعروفة فيه ~~إذا وجدت لا يعدل عن لغته المعروفه مع وجودها وإنما يحتاج إلى غير لغته فى ~~لفظ لم يوجد له نظير فى القرآن كقوله ( وي كأن الله ( @QB@ ولات حين مناص ~~@QE@ @QB@ وكأسا دهاقا @QE@ @QB@ وفاكهة وأبا @QE@ ^ وقسمة ضيزى ^ ونحو ذلك ~~من الألفاظ الغريبة فى القرآن والذين قالوا هذه الأقوال إنما أتوا من جهة ~~قوله ( ويتلوه ( فظنوا أن تلاوته هي قراءته ولم يتقدم للقرآن ذكر ثم جعل ~~هذا يقول جبريل تلاه وهذا يقول محمد وهذا يقول لسانه والتلاوه قد وجدت فى ~~القرآن واللغة المشهورة بمعنى الإتباع وكثير من المفسرين لا يذكر فى هذه ~~الآية القول الصحيح فيبقى الناظر الفطن حائرا PageV15P088 ولم يذكر فى الذي ~~على بينة من ربه إلا أنه الرسول ويذكر فى الشاهد عدة أقوال # ثم من العجب أنه يقول @QB@ أولئك يؤمنون @QE@ أولئك أصحاب محمد # وقيل المراد الذين أسلموا من أهل الكتاب وهو على ما فسر لم يتقدم لهم ذكر ~~فكيف يشار إليهم بقوله @QB@ يؤمنون به @QE@ وأبو الفرج ذكر قولا أنهم ~~المسلمون ولم يذكر أن الآية نعم النبى والمؤمنين ولما ذكر قول من قال أنهم ~~المسلمون قال وهذا يخرج على قول الضحاك في البينة أنها رسول الله # وقد ذكر في ( البينة ( أربعة أقوال أنها الدين ذكره أبو صالح عن ms0939 ابن عباس ~~وأنها رسول الله قاله الضحاك وأنها القرآن قاله إبن زيد وأنها البيان قاله ~~مقاتل # ثم قال فإن قلنا المراد من كان بينة من ربه المسلمون فالمعنى أنهم يتبعون ~~الرسول وهو البينة ويتبع هذا النبى شاهد منه يصدقه والمسلمون إذا كانوا على ~~بينة فهي الإيمان بالرسول ليست البينة ذات الرسول والرسول ليس هو مذكورا في ~~كلامه فقوله ( يتلوه ( لابد أن يعود إلى من لكن إعادته إلى البينة أولى ~~PageV15P089 وفسر البينة بالرسول وجعل الشاهد يشهد له بصدقه ثم الشاهد ~~جبريل أو غيره فلو قال هو القرآن يشهد للمؤمنين فإنه يتبعهم كما يتبعونه ~~كان قد ذكر الصواب # وهو قد ذكر أقوالا كثيرة لك يذكرها غيره وذكر في يتلوه قولين ( أحدهما ( ~~يتبعه و ( الثانى ( يقرأه وهما قولان مشهور أن # وذكر فى ( 5 ) يتلوه قولين أنها ترجع إلى النبى و ( الثانى ( أنها ترجع ~~إلى القرآن # والتحقيق أنها ترجه إلى ( من ( أو ترجع إلى البينة والبينة يراد بها ~~القرآن فيكون المعنى أن الشاهد من القرآن وإذا رجع الضمير إلى ( من ( فإن ~~جعل مختصا بالنبى وهو القول الذي تقدم بيان فساده عاد الضمير إلى البينة ~~وإن كان ( من ( تتناول كل من كان على بينة من ربه من المؤمنين ورسول الله ~~أولى المؤمنين تناول الجميع # ومما يوضح ذلك أن رسول الله جاء بالرسالة من الله وهذا يختص به وتصديق ~~هذه الرسالة والإيمان بها واجب على الثقلين والرسول هو أول من يحب عليه ~~الإيمان بهذه الرسالة التى أرسله الله PageV15P090 بها ولهذا قال فى سورة ~~يونس ^ قل يا أيها الناس إن كنتم فى شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفا كم وأمرت أن أكون من المؤمنين ^ وقال ~~@QB@ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم @QE@ إلى غير ذلك من الآيات # فهو يتعلق به أمران عظيمان # ( أحدهما ( إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله وهذا مختص به # ( وال ( تصديقه فيما جاء به وأن ما جاء به من عند الله حق يجب ms0940 اتباعه ~~وهذا يجب عليه وعلى كل أحد فإنه قد يوجد فيمن يرسله المخلوق من يصدق فى ~~رسالته لكنه لا يتبعها إما لطعنه فى المرسل وإما لكونه يعصيه وإن كان قد ~~أرسل بحق فالملوك كثيرا ما يرسلون رسولا بكتب وغيرها ببلغ الرسل رسالتهم ~~فيصدقون بها ثم قد يكون الرسول أكثر مخالفة لمرسله من غيره من المرسل إليهم ~~ولهذا ظن طائفة منهم القاضى أبو بكر أن مجرد كونه رسولا لله لا يستلزم ~~المدح ثم قال إن هذا قد يقال فيمن قبل الرسالة وبلغها وفيمن لم يقبل لكن ~~هذا غلط فإن الله لا يرسل رسولا إلا وقد إصطفاه فيبلغ رسالات ربه ورسل الله ~~PageV15P091 هم أطوع الخلق لله وأعظم إيمانا بما بعثوا به بخلاف المخلوق ~~فإنه يرسل من يكذب عليه ومن يعصيه ومن لا يعتقد وجوب طاعته والخالق منزه عن ~~ذلك # لكن هولاء الذين قالوا هذا يجوزون على الرب أن الرسل كل أحد بكل شىء ليس ~~في العقل عندهم اا ينع ذلك وإنا ينزهون الرسل عا أجمع المسلمون على تنزيههم ~~عنه عندهم ( ما ( ثبت بالسع لا من جهة كونه رسولا كا قد بسط هذا فى غير هذا ~~الموضع وبين أن هذا الأصل خطأ # ولما كان هو يتعلق به الأمران فى ( الأول ( يقال آمنت له كما قال تعالى ~~@QB@ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه @QE@ وقوله @QB@ يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين @QE@ @QB@ وما أنت بمؤمن لنا @QE@ # وفي ( الثانى ( يقال آمنت بالله فعلينا أن نؤمن له ونؤمن بما جاء به ~~والله تعالى ذكر هذين فذكر ( أولا ( ما يثبت نبوته وصدقه بقوله ^ أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا إنما أنزل بعلم الله وإن لا إلا ~~إلا هو ^ كما تقدم التنبيه على ذلك PageV15P092 # ولما كان الذي يمنع الإنسان من اتباع الرسول شيئان أما الجهل وأما فساد ~~القصد ذكر ما يزيل الجهل وهو الآيات الدالة على صدقه ثم ذكر أهل فساد القصد ~~بقوله ^ من ms0941 كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم ~~فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعلمون ^ فهولاء أهل الفساد القصد فهذان الأمران هما ~~المانعان للخلق من اتباع هذا ( الرسول ) كما أنه فى البقرة ذكر ما يوجب ~~العلم وحسن القصد فقال @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ ثم قال @QB@ ~~فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين @QE@ فلما أثبت هذين الأصلين أخذ بعد هذا فى بيان الإيمان به وحال ~~من آمن ومن كفر فقال @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ الآية ثم قال @QB@ ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم @QE@ وهذا يتناول كل كافر من كذب على الله ~~بادعاء الرسالة كاذبا ويتناول كل من كذب رسولا صادقا فقال إن الله لم يرسل ~~هذا ولم يأمر بهذا فكذب على الله وهذا إنما يقع ممن فسد PageV15P093 قصده ~~بحب الدنيا وإرادتها وممن أحب الرئاسة وأراد العلو فى الأرض من أهل الجهل # وفى الصحيحين عن ابن عمر عن النبى أنه قال ^ إن الله يدني المؤمن منه يوم ~~القيامة حتى يلقى عليه كنفه ويقول فعلت يوم كذا كذا وكذا ويوم كذا كذا وكذا ~~فيقول نعم فيقول إني قد سترتها عليك فى الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم ~~يعطى كتاب حسناته بيمينه # وأما الكفار والمنافقون ^ يقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالين ^ ثم ذكر تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم ذكر ~~مثل الفرقين فمن تدبر القرآن وتدبر ما قبل الآية وما بعدها وعرف مقصود ~~القرآن تبين له المراد وعرف الهدى والرسالة وعرف السداد من الإنحراف ~~والإعوجاج # وأما تفسير بمجرد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه فهذا ~~منشأ الغلط من الغالطين لاسيا كثير ممن يتكلم فيه بالإحتمالات ms0942 اللغوية فإن ~~هؤلاء أكثر غلطا من المفسرين المشهورين فإنهم لا يقصدون معرفة معناه كما ~~يقصد ذلك المفسرين # وأعظم غلطا من هؤلاء وهؤلاء من لا يكون قصده معرفة مراد الله PageV15P094 ~~بل قصده تأويل الآية بما يدفع حصمه عن الإجتجاج بها وهؤلاء يقعون فى أنواع ~~من التحريف ولهذا جوز من جوز منهم أن تتأول الآية بخلاف تأويل السلف وقالوا ~~إذا اختلف الناس فى تأويل الآية على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث ~~بخلاف ماإذا إختلفوا فى الأحكام على قولين وهذا خطأ فإنهم إذا أجمعوا على ~~أن المراد بالآية إما هذا كان القول بأن المراد غير هذين القولين خلافا ~~لاجماعهم ولكن هذه طريق من يقصد الدفع لا يقصد معرفة المراد وإلا كيف يجوز ~~أن تضل الأمة عن فهم القرآن ويفهمون منه كلهم غير المراد متأخرون يفهمون ~~المراد فهذا هذا والله أعلم $ ( فصل ( # وقوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه @QE@ كما تقدم هو كقوله @QB@ قل إني ~~على بينة من ربي @QE@ وقوله ( ^ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء ~~عمله واتبعوا أهواءهم ( وقوله ^ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه @QB@ وقوله @QE@ أولئك على هدى من ربهم ^ PageV15P095 # فإن هذا النوع يبين أن المؤمن على أمر من الله فاجتمع فى هذا اللفظ حرف ~~الاستعلاء وحرف ( من ) لإبتداء الغاية وما يستعمل فيه حرف ابتداء الغاية ~~فيقال هو من الله على نوعين فإنه أما أن يكون من الصفات التى لا تقوم ~~بنفسها ولا بمخلوق فهذا يكون صفة له وما كان عينا قائمة بنفسها أو بمخلوق ~~فهي مخلوقة # فالأول كقوله @QB@ ولكن حق القول مني @QE@ وقوله @QB@ يعلمون أنه منزل من ~~ربك @QE@ كما قال السلف القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدا وإليه يعود ( ~~والنوع الثانى ( كقوله @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه @QE@ وقوله @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ و @QB@ ما أصابك من ~~حسنة فمن الله @QE@ وكما يقال إلهام الخير وإيحاؤه من الله وإلهام الشر ~~وإيحاؤه من الشيطان والوسوسة من ms0943 الشيطان فهذا نوعان # تارة باعتبار السبب وتارة باعتبار العاقبة والغاية فالحسنات هي النعم ~~والسيئات هي المصائب كلها من عند الله لكن تلك الحسنات أنعم الله بها على ~~العبد فهي منه إحسانا وتفضلا وهذه عقوبة ذنب من نفس العبد فهي من نفسه ~~بإعتبار أن عمله السيء كان PageV15P096 سببها وهي عقوبة له لأن النفس أرادت ~~تلك الذنوب ووسوست بها # وتارة يقال بإعتبار حسنات العمل وسيئاته وما يلقى في القلب من التصورات ~~والإرادات فيقال للحق هو من الله ألهمه العبد ويقال للباطل أنه من الشيطان ~~وسوس به ومن النفس أيضا لأنها أرادته كما قال عمر وابن عمر وابن مسعود فيما ~~قالوه بإجتهادهم إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمنا ومن الشيطان والله ~~ورسوله بريئان # منه وهذا لفظ ابن مسعود في حديث بروع بنت واشق قال إن يكن صوابا فمن الله ~~وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان لأنه حكم بحكم فإن كان موفقا لحكم الله فهو ~~من الله لأنه موافق لعلمه وحكمه فهو منه بإعتبار أنه سبحانه ألهمه عبده لم ~~يحصل بتوسيط الشيطان والنفس وإن كان خطأ فالشيطان وسوس به والنفس أرادته ~~ووسوست به وأن كان ذلك مخلوقا فيه والله خلقه فيه لكن الله لم يحكم به وأن ~~لم يكن ما وقع لي من إلهام الملك كما قال ابن مسعود أن للملك بقلب إبن آدم ~~لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان ايعاد ~~بالشر وتكذيب بالحق فالتصديق من باب الخبر والايعاد بالخير والشر من باب ~~الطلب والارادة قال تعالى ^ الشيطان يعدك الفقر ويأمركم بالفحشاء والله ~~يعدكم مغفرة PageV15P097 منه وفضلا والله واسع عليم ^ فهذه حسنات العمل من ~~الله عز وجل بهذين الاعتبارين # ( أحدهما ( أنه يأمر بها ويحبها إذا كانت خيرا فهو يصدقها ويخبر بها فهي ~~من علمه وحكمه وهي أيضا من إلهامه لعبده وإنعامه عليه لم تكن بواسطة النفس ~~والشيطان فاختصت باضافتها إلى الله من جهة أنها من علمه وحكمه وإن النازل ~~بها إلى العبد ملك كما إختص القرآن ms0944 بأنه منه كلام وقرآن مسيلمة بأنه من ~~الشيطان فإن ما يلقيه الله فى قلوب المؤمنين من الالهامات الصادقة العادلة ~~هي من وحي الله وكذلك ما يريهم إياه فى المنام قال عبادة بن الصامت رؤيا ~~المؤمن كلام يكلم به الرب عبده فى منامه وقال عمر اقتربوا من أفواه ~~المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم يتجلى لهم أمور صادقه وقد قال تعالى ~~^ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ^ ^ وأوحينا إلى أم موسى ^ ~~^ وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ^ وقال ^ فألهمها فجورها وتقواها ^ على ~~قول الأكثرين وهو أن المراد أنه ألهم الفاجرة فجورها والتقية تقواها ~~فالالهام عنده هو البيان بالادلة السمعية والعقلية # وأهل السنة يقولون كلا النوعين من الله هذا الهدى المشترك PageV15P098 ~~وذلك الهدى المختص وإن كان قد سماه إلهاما كما سماه هدى كما فى قوله @QB@ ~~وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى @QE@ وكذلك قد قيل فى قوله ~~@QB@ وهديناه النجدين @QE@ أي بيناه له طريق الخير والشر وهو هدى البيان ~~العام المشترك وقيل هدينا المؤمن لطريق الخير والكافر لطريق الشر فعلى هذا ~~يكون قد جعل الفجور هدى كما جعل أولئك البيان إلهاما # وكذلك قوله @QB@ إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا @QE@ قيل هو ~~الهدى المشترك وهو أنه بين له الطريق التى يجب سلوكها والطريق التى لا يجب ~~سلوكها وقيل بل هدى كلا من الطائفتين إلى ما سلكه من السبيل @QB@ إما شاكرا ~~وإما كفورا @QE@ لكن تسمية هذا هدى قد يعتذر عنه بأنه هدى مقيد لا مطلق كما ~~قال @QB@ فبشرهم بعذاب أليم @QE@ وكما قال @QB@ يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~@QE@ وأنه @QB@ يقول الحق @QE@ و @QB@ يأمر بالعدل @QE@ فهو موافق لقوله ~~وأمره لعلمه وحكمه كما أن القرأن وسائر كلامه كذلك وبإعتبار أنه أنعم على ~~العبد بواسطة جنده بالملائكة # ويقال لضد هذا وهو الخطأ هذا من الشيطان والنفس لأن الله لا يقوله ولا ~~يأمر به ولأنه إنما ينكته في قلب الإنسان PageV15P099 الشيطان ونفسه تقبله ~~من الشيطان فإنه يزين لها الشيء فتطيعه فيه وليس كل ما كان من الشيطان ~~يعاقب عليه العبد ms0945 ولكن يفوته به نوع من الحسنات كالنسيان فإنه من الشيطان ~~والاحتلام من الشيطان والنعاس عند الذكر والصلاة من الشيطان والصعق عند ~~الذكر من الشيطان ولا إثم على العبد فيما غلب عليه إذا لم يكن ذلك بقصد منه ~~أو بذنب # فقوله @QB@ إني على بينة من ربي @QE@ وشبهها مما تقدم ذكره من هذا الباب ~~وكذلك قوله @QB@ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم @QE@ فإن المؤمنين على تصديق ماأخبر الله به وفعل ما أمر الله ~~إبتداء وتبليغا كالقرآن وقد قال ^ أن الله أنزل الأمانة فى جذر قلوب الرجال ~~^ فهي تنزل في قلوب المؤمنين من نوره وهداه وهذه حسنات دينية وعلوم دينية ~~حق نافعة فى الدنيا والآخرة وهو الإيمان الذي هو أفضل المنعم وهو أفضل ~~النعم # وأما قوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله @QE@ فقد دخل فى ذلك نعم ~~الدنيا كلها كالعافية والرزق والنصر وتلك حسنات يبتلى الله العبد بها كما ~~يبتليه بالمصائب هل شكر أم لا وهل يصبر أم لا كما قال تعالى @QB@ وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات @QE@ وقال @QB@ ونبلوكم بالشر والخير فتنة @QE@ @QB@ ~~فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه @QE@ الآيات PageV15P100 وقد يقال في الشيء ~~من الله وإن كان مخلوقا إذا كان مختصا بالله كأيات الأنبياء كما قال لموسى ~~@QB@ فذانك برهانان من ربك @QE@ وقلب العصا حية وإخراج اليد بيضاء من غير ~~سوء مخلوق لله لكنه منه لأنه دل به وارشد إلى صدق نبيه موسى وهو تصديق منه ~~وشهادة منه له بالرسالة والصدق فصار ذلك من الله بمنزلة البينة من الله ~~والشهادة من الله وليست هذه الآيات مما تفعله الشياطين والكهان كما يقال ~~هذه علامة من فلان وهذا دليل من فلان وإن ( لم ) يكن ذلك كلاما منه # قد سمى موسى ذلك بينة من الله فقال ^ قد جئتكم بينة من ربكم ^ فقوله بينة ~~من ربكم كقوله ^ فذلك برهانان من ربك ^ # وهذه البينة هنا حجة وآية وددلالة مخلوقة تجرى مجرى شهادة الله وأخباره ~~بكلامه كالعلامة التى يرسل بها الرجل إلى أهله وكليه قال ms0946 سعيد بن جبير في ~~الآية هي كالخاتم تبعث به فيكون هذا بمنزلة قوله صدقوه فيما قال أو أعطوه ~~ما طلب # فالقرآن والهدى منه وهو من كلامه وعلمه وحكمه الذي هو قائم به غير مخلوق ~~وهذه الآيات دليل على ذلك كما يكتب كلامه في PageV15P101 المصاحف فيكون ~~المراد المكتوب به كلام يعرف به الكلام قال تعالى ^ قل لو كان البحر مداد ~~الكلامات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربى بمثله مددا ^ # ولهذا يكون لهذه الآيات المعجزات حرمة كالناقة وكالماء النابع بين أصابع ~~النبى ونحو ذلك والله سبحانه أعلم PageV15P102 $ فصل # في قوله تعالى @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه @QE@ الآية ~~وما بعدها إلى قوله @QB@ أفلا تذكرون @QE@ ذكر سبحانه الفرق بين أهل الحق ~~والباطل وما بينهما من التباين والإختلاف مرة بعد مرة ترغيبا فى السعادة ~~وترهيبا من الشقاوة # وقد إفتتح السورة بذلك فقال @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير @QE@ فذكر أنه نذير ~~وبشير نذير ينذر بالعذاب لأهل النار وبشير يبشر بالسعادة لأهل الحق # ثم ذكر حال الفرقين فى السراء والضراء فقال ^ ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه أنه ليؤوس كفور ولئن أذقنا نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ~~ذهب السيئات عنى أنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم ~~مغفرة وأجر كبير ^ # ثم ذكر بعد هذا قصص الأنبياء وحال من اتبعهم ومن كذبهم PageV15P103 كيف ~~سعد هؤلاء في الدنيا والآخرة وشقي هؤلاء فى الدنيا والآخرة فذكر ما جرى لهم ~~إلى قوله ^ ذلك من أنباء القرى نقصه عليك ^ إلى قوله ^ وذلك يوم مشهود ^ ثم ~~ذكر حال الذين سعدوا والذين شقوا ثم قال ^ إن فى ذلك لآية لمن خاف عذاب ~~الآخرة ^ فإنه قد يقال غاية ما أصاب هؤلاء أنهم ماتوا والناس كله يموتون ~~وأما كونهم أهلكوا كله وصارت بيوتهم خاوية وصاروا عبرة يذكرون بالشر ~~ويلعنون إنما يخاف ذلك من آمن بالآخرة فإن لعنة المؤمنين ( لهم ) بالآخرة ~~وبعضهم لهم ms0947 كما جرى لآل فرعون هو مما يزيدهم عذابا كما أن لسان الصدق وثناء ~~الناس ودعاءهم للأنبياء وإتباعهم لهم هو ما يزيده ثوابا # فن استدل بما أصاب هؤلاء على صدق الأنبياء فآمن بالأخرة خاف عذاب الآخرة ~~وكان ذلك له آية وأما من لم يؤمن بالآخرة ويظن أن من مات لم يبعث فقد لا ~~يبالي بمثل هذا وإن كان يخاف هذا من لا يخاف الآخرة لكن كل من خاف الآخرة ~~كان هذا حاله وذلك له آية # وقد ختم السورة بقوله ^ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم انا ~~عاملون ^ إلى آخرها كما افتتحها بقوله @QB@ أن لا تعبدوا إلا الله @QE@ ~~فذكر التوحيد والإيمان بالرسل فهذا دين الله في الأولين PageV15P104 ~~والآخرين قال أبو العالية كلمتان يسأل عنها الأولون والآخرون ماذا كنتم ~~تعبدون وماذا أجبتم المرسلين # ولهذا قال @QB@ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين @QE@ و @QB@ أين ~~شركائي الذين كنتم تزعمون @QE@ هو الشرك فى العبادة وهذان هما الإيمان ~~والإسلام وكان النبى يقرأ تارة فى ركعتى الفجر سورتى الإخلاص وتارة بآيتى ~~الإيمان والإسلام فيقرأ قوله @QB@ آمنا بالله وما أنزل إلينا @QE@ الآية ~~فأولها الإيمان وآخرها الإسلام ويقرأفى الثانية ^ قل يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ^ فأولها إخلاص العباد لله ~~وآخرها الإسلام له وقال @QB@ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا ~~الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم ~~واحد ونحن له مسلمون @QE@ ففيها الإيمان والإسلام فى آخرها وقال @QB@ الذين ~~آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون @QE@ ~~PageV15P105 $ فصل # وقوله تعالى @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ فقد فصله بعد أحكامه ~~بخلاف من تكلم بكلام لم يحكمه وقد يكون فى الكلام المحكم مالم يبينه لغيره ~~فهوسبحانه أحكم كتابه ثم فصله وبينه لعباده كما قال @QB@ وكذلك نفصل الآيات ~~ولتستبين سبيل المجرمين @QE@ وقال ^ ولقد جئنا بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون ^ فهو سبحانه بينه وأنزله على عباده بعلم ليس كمن يتكلم ~~بلا علم # وقد ذكر ms0948 براهين التوحيد والنبوه قبل ذكر الفرق بين أهل الحق و الباطل ~~فقال @QB@ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ إلى قوله ~~@QB@ فهل أنتم مسلمون @QE@ فلما تحداهم بالاتيان بعشر سور مثله مفتريات هم ~~و جميع من يستطيعون من دونه كان فى مضمون تحديه ان هذا لا يقدر أحد على ~~الاتيان بمثله من دون الله كما قال ^ قل لو اجتمعت الانس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا ^ و حينئذ ~~فعلم ان ( ذلك ) من خصائص من أرسله الله و ما كان PageV15P106 مختصا بنوع ~~فهو دليل عليه فانه مستلزم له وكل ملزوم دليل على لازمه كايات الأنبياء ~~كلها فانها مختصة بجنسهم # وهذا القرآن مختص بجنسهم ومن بين الجنس خاتمهم لا يمكن أن يأتى به غيره و ~~كان ذلك برهانا بينا على أن الله أنزله و أنه نزل بعلم الله هو الذى أخبر ~~بخبره و أمر بما أمر به كما قال @QB@ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه @QE@ الآية و ثبوت الرسالة ملزوم لثبوت التوحيد و أنه لا إله إلا ~~الله من جهة أن الرسول أخبر بذلك و من جهة أنه لا يقدر أحد على الأتيان ~~بهذا القرآن إلا الله فإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله إلى غير ذلك من ~~وجوه البيان فيه كما قد بسط ونبه عليه فى غير هذا الموضوع ولا سيما هذه ~~السورة فإن فيها من اليبان والتعجيز والترهيب مالا يقدر قدرة إلا الله # و ( المقصود هنا ( هو الكلام على قوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ~~ويتلوه شاهد منه @QE@ حيث سأله السائل عن تفسيرها وذكر مافى التفاسير من ~~كثرة الإختلاف فيها وإن ذلك الإختلاف يزيد الطالب عمى عن معرفة المراد الذي ~~يحصل به الهدى والرشاد فإن الله تعال إنما نزل القرآن ليهتدى به لا ليختلف ~~فيه والهدى إنما يكون إذا عرفت معانيه فإذا خصل الإختلاف المضاد لتلك ~~المعانى التى لا يمكن الجمع بينه PageV15P107 وبينها لم يعرف ms0949 الحق ولم تفهم ~~الآية ومعناها ولم يحصل به الهدى والعلم الذي هو المراد بإنزال الكتاب # قال أبو عبدالرحمن السلمى حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن ~~عفان وعبدالله بن مسعود وغيرها أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى عشر آيات لم ~~يتجاوزوها حتى يعلموا حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا ~~القرآن والعلم والعمل جميعا # وقال الحسن البصري ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيها ذا نزلت ~~وماذا عني بها وقد قال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن @QE@ وتدبر الكلام ~~إنما ينتفع به إذا فهم وقال ^ إنا جعلنا ه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ^ # فالرسل تبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم وعليهم أن يبلغوا الناس البلاغ ~~المبين والمطلوب من الناس ان يعقلوا ما بلغه الرسل والعقل يتضمن العلم ~~والعمل فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقلا ولهذا ~~لا يعد عاقلا إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره فالمجنون الذي لا يفرق ~~بين هذا وهذا قد يلقى نفسه فى المهالك وقد يفر مما ينفعه PageV15P108 # وسئل رحمة الله # عن قوله تعالى ^ وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السموات ~~والأرض ^ وقوله تعالى @QB@ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب @QE@ # فأجاب الحمد لله قال طوائف من العلماء ان قوله ( ما دامت السموات والأرض ~~( أراد بها سماء الجنة وأرض الجنة كما ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال ( ~~إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفه ~~عرش الرحمن ( وقال بعض العلماء فى قوله تعالى @QB@ ولقد كتبنا في الزبور من ~~بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون @QE@ هي أرض الجنة # وعلى هذا فلا منافاة بين انطواء هذه السماء وبقاء السماء التى هي سقف ~~الجنة إذا كلما علا فإنه يسمى فى اللغة سماء كما يسمى السحاب سماء والسقف ~~سماء PageV15P109 ( وأيضا ( فإن السموات وأن طويت وكانت كالمهل وإستحالت عن ~~صورتها فإن ذلك لا يوجب عدمها وفسادها بل أصلها باق بتحويلها من حال إلى ~~حال كما ms0950 قال تعالى @QB@ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات @QE@ وإذا بدلت ~~فإنه لا يزال سماء دائمة وأرض دائمة والله أعلم PageV15P110 # سورة يوسف قال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل قول يوسف لما قالت له إمرأة ~~العزيز @QB@ هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ~~@QE@ المراد بربه فى أصح القولين هنا سيده وهو زوجها الذي إشتراه من مصر ~~الذى قال لأمرأته @QB@ أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا @QE@ قال ~~الله تعالى @QB@ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ~~والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ # فلما وصى به إمرأته فقال لها @QB@ كرمي مثواه @QE@ قال يوسف @QB@ إنه ربي ~~أحسن مثواي @QE@ ولهذا قال @QB@ إنه لا يفلح الظالمون @QE@ والضمير فى ( ~~انه ) معلوم بينهما وهو سيدها PageV15P111 # وأما قوله تعالى @QB@ لولا أن رأى برهان ربه @QE@ فهذا خبر من الله تعالى ~~أنه رأى برهان ربه وربه هو الله كما قال لصاحبى السجن @QB@ ذلكما مما علمني ~~ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله @QE@ وقوله ( ربى ( مثل قوله لصاحب ~~الرؤيا @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ قال تعالى @QB@ فأنساه الشيطان ذكر ربه ~~@QE@ قيل أنسى يوسف ذكر ربه لما قال @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ # وقيل بل الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه وهذا هو الصواب فأنه مطابق ~~لقوله @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ قال تعالى @QB@ فأنساه الشيطان ذكر ربه ~~@QE@ والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك ولأن يوسف ~~لم ينس ذكر ربه بل كان ذاكرا لربه # وقد دعاهما قبل الرؤيا إلى الإيمان بربه وقال لهما ^ يا صاحبى السجن ~~أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان أن الحكم إلا لله أمر أن ~~لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ^ # وقال لهما قبل ذلك @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه @QE@ أى في الرؤيا ^ إلا ~~ذلكما PageV15P112 نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ^ يعني التأويل ^ ذلكما ~~مما علمني ms0951 ربي إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ~~وتبعت ملة آبائى إبراهيم واسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك ~~من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ^ فبهذا يذكر ربه ~~عز وجل فإن هذا مما علمه ربه لأنه ترك ملة قوم مشركين لا يؤمنون بالله وإن ~~كانوا مقرين بالصانع ولا يؤمنون بالأخرة واتبع ملة آبائه أئمة المؤمنين ~~الذين جعلهم الله أئمة يدعون بأمره إبراهيم واسحق ويعقوب فذكر ربه ثم ~~دعاهما إلى الإيمان بربه # ثم بعد هذا عبر الرؤيا فقال ^ يا صاحبى السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا ~~^ الآية ثم قضى تأويل الرؤيا ^ قال للذي نجا منهما اذكرنى عند ربك ^ فكيف ~~يكون قد أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه وإنما أنسى الشيطان الناجي ذكر ربه أي ~~الذكر المضاف إلى ربه قالوا كان الأولى ان يتوكل على الله ولا يقول اذكرني ~~عند ربك فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه فى السجن بضع سنين # فيقال ليس فى قوله ^ اذكرنى عند ربك ^ ما يناقض التوكل بل قد قال يوسف ^ ~~إن الحكم إلا لله ^ كما أن قول أبيه ^ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ~~أبواب متفرقة ^ لم يناقض توكله بل قال PageV15P113 ^ وما أغنى عنكم من شىء ~~إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوك المتوكلون ^ # و ( أيضا ( فيوسف قد شهد الله له أنه من عباده المخلصين والمخلص لا يكون ~~مخلصا مع توكله على غير الله فإن ذلك شرك ويوسف لم يكن مشركا لا فى عبادته ~~ولا توكله بل قد توكل على ربه في فعل نفسه بقوله @QB@ وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن وأكن من الجاهلين @QE@ فكيف لا يتوكل عليه فى أفعال عباده # وقوله # ^ اذكرنى عند ربك مثل قوله لربه ^ إجعلني على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم ~~^ فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضا للتوكل ولا هو من ~~سؤال الامارة المنهي عنه فكيف يكون قوله للفتى ^ اذكرنى عند ربك ^ مناقضا ~~للتوكل ms0952 وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به ليعلم حاله ليتبين الحق ويوسف كان ~~من اثبت الناس # ولهذا بعد أن طلب ^ وقال الملك أئتونى به ^ قال ^ ارجع إلى ربك فاسأله ما ~~بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم ^ فيوسف يذكر ربه فى هذه ~~الحال كما ذكره فى تلك ويقول ^ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة ^ فلم ~~يكن في قوله له ^ اذكرنى PageV15P114 عند ربك ^ ترك الواجب ولا فعل لمحرم ~~حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه فى السجن بضع سنين وكان القوم قد عزموا على ~~حبسه إلى حين قبل هذا ظلما له مع علمهم ببراءته من الذنب # قال الله تعالى ^ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ^ ~~ولبثه فى السجن كان كرامة من الله في حقه ليتم بذلك صبره وتقواه فإنه ~~بالصبر والتقوى نال ما نال و لهذا قال ^ أنا يوسف وهذا أخي قد من الله ~~علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ^ ولو لم يصبر ويتق ~~بل أطاعهم فيما طلبوا منه جزعا من السجن لم يحصل له هذا الصبر والتقوى ~~وفاته الأفضل باتفاق الناس # لكن تنازع العلماء هل يمكن الإكراه على الفاحشة على قولين # قيل لا يمكن كقوله أحمد بن حنبل وأبى حنيفة وغيرها قالوا لأن الإكراه ~~يمنع الإنتشار # والثانى يمكن وهو قول مالك والشافعى وابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد لأن ~~الاكراه لا ينافى الانتشار فإن الاكراه ينافى كون الفعل إختيارا بل المكره ~~يختار دفع أعظم الشرين بالتزام PageV15P115 ادناهما وأيضا فالاتنشار بلا ~~فعل منه بل قد يقيد ويضجع فتباشره المرأة فتنشر شهوته فتستدخل ذكره # فعلى قول الأولين لم يكن يحل له ما طلبت منه بحال وعلى القول الثانى فقد ~~يقال الحبس ليس باكراه يبيح الزنا بخلاف ما لو غلب على ظنه أنهم يقتلونه أو ~~يتلفون بعض أعضائه فالنزاع إنما هو في هذا هم لم يبلغوا به إلى هذا الحد ~~وإن قيل كان يجوز له ذلك لأجل الإكراه لكن يفوته الأفضل ms0953 # وأيضا فالاكراه إنما يحصل أول مرة ثم يباشر وتبقى له شهوة وارادة في ~~الفاحشة # ومن قال الزنا لا يتصور فيه الإكراه يقول فرق بين ما لا فعل له كالمقيد ~~وبين من له فعل كما أن المرأة إذا أضجعت وقيدت حتى فعل بها الفاحشة لم تأثم ~~بالاتفاق وإن أكرهت حتى زنت ففيه قولان هما روايتان عن أحمد لكن الجمهور ~~يقولون لا تأثم وقد دل على ذلك قوله تعالى @QB@ ومن يكرههن فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم @QE@ وهؤلاء فعل المرأة لا يحتاج إلى إنتشار فإنما هو ~~كالاكراه على شرب الخمر بخلاف فعل الرجل وبسط هذا له موضع آخر PageV15P116 # و ( المقصود ( أن يوسف لم يفعل ذنبا ذكره الله عنه وهو سبحانه لا يذكر عن ~~أحد من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه ولم يذكر عن يوسف إستغفارا من ~~هذه الكلمة كما لم يذكر عنه استغفارا من مقدمات الفاحشة فعلم أنه لم يفعل ~~ذنبا فى هذا ولا هذا بل هم هما تركه لله فأثيب عليه حسنة كما قد بسط هذا فى ~~موضعه # وأما ما يكفره الابتلاء من السيئات فذلك جوزي به صاحبه بالمصائب المكفرة ~~كما فى قوله ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا ~~أذى إلا كفر الله به خطاياه ( ولما أنزل الله تعالى هذه الآية @QB@ من يعمل ~~سوءا يجز به @QE@ قال أبو بكر يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل ~~سوءا فقال ( ألست تحزن ألست تنصب ألست تصيبك اللأوى فذلك مما تجزون به ( # فتبين أن قوله @QB@ فأنساه الشيطان ذكر ربه @QE@ أي نسي الفتى ذكر ربه أن ~~يذكر هذا لربه ونسي ذكر يوسف ربه والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول ويوسف ~~قد ذكر ربه ونسي الفتى ذكر يوسف ربه وأنساه الشيطان أن يذكر ربه هذا الذكر ~~الخاص فإنه وإن كان يسقي ربه خمرا فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه وأنساه ~~PageV15P117 الشيطان تذكير ربه وإذا كار ربه لما قال ( اذكرني ( أمره ~~باذكار ربه فأنساه الشيطان إذكار ms0954 ربه فاذكار ربه أن يجعله ذاكرا فأنساه ~~الشيطان أن يجعل ربه ذاكرا ليوسف والذكر هو مصدر وهو إسم فقد يضاف من جهة ~~كونه إسما فيعم هذا كله أي أنساه الذكر المتعلق بربه والمضاف إليه # ومما يبين أن الذي نسي ربه هو الفتى لا يوسف قوله بعد ذلك @QB@ وقال الذي ~~نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون @QE@ وقوله @QB@ وادكر ~~بعد أمة @QE@ دليل على أنه كان قد نسي فادكر # فإن قيل لا ريب أن يوسف سمى السيد ربا فى قوله @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ ~~و @QB@ ارجع إلى ربك @QE@ ونحو ذلك وهذا كان جائزا فى شرعه كما جاز فى شرعه ~~أن يسجد له أبواه وإخواته وكما جاز فى شرعه أن يؤخذ السارق عبدا وإن كان ~~هذا منسوخا فى شرعه محمد # وقوله @QB@ إنه ربي أحسن مثواي @QE@ إن أراد به السيد فلا جناح عليه لكن ~~معلوم أن ترك الفاحشة خوفا للله واجب ولو رضي سيدها ويوسف عليه السلام ~~تركها خوفا من لله ^ ولقد همت به وهم بها PageV15P118 لولا أن رأى برهان ~~ربه ^ قال تعالى ^ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء أنه من عبادنا المخلصين ^ ~~وقال يوسف أيضا ^ رب السجن أحب إلي مما يدعوننى إليه وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن أنه هو السميع ~~العليم ^ فدل على أنه معه من خوف الله ما يزعه عن الفاحشة ولو رضي بها ~~الناس وقد دعا ربه عز وجل أن يصرف عنه كيدهن وقوله ^ السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه ^ بصيغة جمع التذكير وقوله ( كيدهن ( بصيغة جمع التأنيث ولم ~~يقل مما يدعينني إليه دليل على الفرق بين هذا وهذا وأنه كان من الذكور من ~~يدعوه مع النساء إلى الفاحشة بالمرأة وليس هناك إلا زوجها وذلك أن زوجها ~~كان قليل الغيرة أو عديمها وكان يحب امرأته ويطيعها ولهذا لما أطلع على ~~مراودتها قال ^ يوسف اعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين ^ فلم ~~يعاقبها ولم يفرق بينها وبين يوسف حتى لا ms0955 تتمكن من مراودته وأمر يوسف أن لا ~~يذكر ما جرى لأحد محبة منه لإمرأته ولو كان فيه غيرة لعاقب المرأة # ومع هذا فشاعت القصة واطلع عليها الناس من غير جهة يوسف حتى تحدثت بها ~~النسوة في المدينة وذكروا أنها تراود فتاها عن نفسه ومع هذا ^ فأرسلت إليهن ~~واعتدت لهن متكئا آتت PageV15P119 كل واحدة منهن سكينا ^ وأمرت يوسف أن ~~يخرج عليهن ليقمن عذرها على مراودته وهي تقول لهن ^ فذلكن الذي لمتنني فيه ~~ولقد روادته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ولكونن من ~~الصاغرين ^ # وهذا يدل على أنها لم تزل متمكنة من مراودته والخلوة به مع علم الزوج بما ~~جرى وهذا من أعظم الدياثة ثم أنه لما حبس فأنما حبس بامرها والمرأة لا ~~تتمكن من حبسه إلا بأمر الزوج فالزوج هو الذي حبسه وقد روي أنها قالت هذا ~~القبطي هتك عرضي فحبسه وحبسه لأجل المرأة معاونة لها على مطلبها لدياثته ~~وقلة غيرته فدخل هو فى من دعا يوسف إلى الفاحشة # فعلم أن يوسف لم يترك الفاحشة لأجله ولا لخوفه منه بل قد علم يقينا أنه ~~لم يكن يخاف منه وأن يوسف لو أعطاها ما طلبت لم يكن الزوج يدري ولو درى ~~فلعله لم يكن ينكر فإنه قد درى بالمراودة والخلوة التى هي مقتضية لذلك فى ~~الغالب فلم ينكر ولو قدر أنه هم بعقوبة يوسف فكانت هي الحاكمة على الزوج ~~القاهرة له وقد قال ( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من ~~إحداكن ( ولما راجعنه فى إمامة الصديق قال ( إنكن لأنتن صواحب يوسف ( ولما ~~أنشده الأعشى PageV15P120 % وهن شر غالب لمن غلب % $ # استعاد ذلك منه وقال وهن شرغالب لمن غلب فكيف لا تغلب مثل هذا الزوج ~~وتمنعه من عقوبة يوسف وقد عهد الناس خلقا من الناس تغلبهم نساؤهم من نساء ~~التتر وغيرهم يكون لامرأته غرض فاسد فى فتاه أو فتاها وتفعل معه ما تريد ~~وإن أراد الزوج أن يكشف أو يعاقب منعته ودفعته بل وأهانته وفتحت عليه ~~أبوابا ms0956 من الشر بنفسها وأهلها وحشمها والمطالبة بصداقها وغير ذلك حتى يتمنى ~~الرجل الخلاص منها رأسا برأس مع كون الرجل فيه غيرة فكيف مع ضعف الغيرة # فهذا كله يبين أن الداعى ليوسف إلى ترك الفاحشة كان خوف الله لا خوفا من ~~السيد فلهذا قال @QB@ إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون @QE@ قيل ~~هذا مما يبين محاسن يوسف ورعايته لحق الله وحق المخلوقين ودفعه الشر بالتى ~~هي أحسن فإن الزنا بإمرأة الغير فيه حقان مانعان كل منهما مستقل بالتحريم # فالفاحشة حرام لحق الله ولو رضي الزوج وظلم الزوج فى إمراته حرام لحقه ~~بحيث لو سقط حق الله بالتوبة منه فحق هذا فى إمرأته لا يسقط كما لو ظلمه ~~وأخذ ماله وتاب من حق الله لم يسقط PageV15P121 حق المظلوم بذلك ولهذا جاز ~~للرجل إذا زنت امرأته ان يقذفها ويلاعنها ويسعى فى عقوبتها بالرجم بخلاف ~~الأجنبى فإنه لا يجوز له قذفها ولا يلاعن بل يحد إذا لم يأت باربعة شهداء ~~فافساد المرأة على زوجها من أعظم الظلم لزوجها وهو عنده أعظم من أخذ ماله # ولهذا يجوز له قتله دفعا عنها باتفاق العلماء إذا لم يندفع إلا بالقتل ~~بالاتفاق ويجوز فى أظهر القولين قتله وإن اندفع بدونه كما في قصة عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه لما أتاه رجل بيده سيف فيه دم وذكرأنه وجد رجلا تفخذ ~~إمراته فضربه بالسيف فأقره عمر على ذلك وشكره وقبل قوله أنه قتله لذلك إذ ~~ظهرت دلائل ذلك # وهذا كما لو أطلع رجل فى بيته فإنه يجوز له أن يفقأ عينه إبتداء وليس ~~عليه أن ينذره هذا أصح القولين كما ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال ( لو ~~اطلع رجل فى بيتك ففقأ عينه ما كان عليك شيء ( وكذلك قال في الذي عض يد ~~غيره فنزع يده فأنقلعت أسنان العاض # وهذا مذهب فقهاء الحديث وأكثر السلف وفي المسألتين نزاع ليس هذا موضعه إذ ~~المقصود أن الزاني بامراة غيره ظالم للزوج وللزوج حق عنده ولهذا ذكر النبى ~~أن من ms0957 PageV15P122 زنى بإمراة المجاهد فإنه يمكن يوم القيامة من حسناته ~~يأخذ منها ما شاء وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال قلت يا رسول الله أى الذنب ~~أعظم قال ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ( قلت ثم أي قال ( أن تقتل ولدك خشية ~~أن يطعم معك ( قلت ثم أي قال ( أن تزاني بخليلة جارك ( فذكر الزنا بحليلة ~~الجار فعلم أن للزوج حقا فى ذلك وكان ظلم الجار أعظم للحاجة إلى المجاورة # وإن قيل هذا قد لا يمكن زوج المرأة أن يحترز منه والجار عليه حق زائد على ~~حق الأجنبى فكيف إذا ظلم فى أهله والجيران يأمن بعضهم بعضا ففي هذا من ~~الظلم أكثر مما فى غيره وجاره يحب عليه أن يحفظ إمرأته من غيره فكيف يفسدها ~~هو # فلما كان الزنا بالمرأة المزوجة له علتان كل منهما تستقل بالتحريم مثل ~~لحم الخنزير الميت علل يوسف ذلك بحق الزوج وإن كان كل من الأمرين ما نعا له ~~وكان في تعليله بحق الزوج فوائد # ( منها ( أن هذا مانع تعرفه المرأة وتعذره به بخلاف حق الله تعالى فإنها ~~لا تعرف عقوبة الله فى ذلك # و ( منها ( أن المرأة قد ترتدع بذلك فترعى حق زوجها إما PageV15P123 خوفا ~~وإما رعاية لحقه فإنه إذا كان المملوك يمتنع عن هذا رعاية لحق سيده فالمرأة ~~أولى بذلك لأنها خائنة فى نفس المقصود منها بخلاف المملوك فإن المطلوب منه ~~الخدمة وفاحشته بمنزلة سرقة المرأة من ماله # و ( منها ( أن هذا مانع مؤيس لها فلا تطمع فيه لا بنكاح ولا بسفاح بخلاف ~~الخلية من الزوج فإنها تطمع فيه بنكاح حلال و ( منها ( ( أنه لو علل بالزنا ~~فقد تسعى هي في فراق الزوج والتزوج به فإن هذا إنما يحرم لحق الزوج خاصة ~~ولهذا إذا طلقت إمرأته باختياره جاز لغيره أن يتزوجها ولو طلقها ليتزوج بها ~~كما قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف إن لي إمرأتين فاختر أيتهما شئت ~~حتى أطلقها وتتزوجها لكنه بدون رضاه لا يحل كما فى المسند عن النبى أنه ms0958 قال ~~( ليس منا من خبب إمرأة على زوجها ولا عبدا على مواليه ( وقد حرم النبى أن ~~يخطب الرجل على خطبة أخيه ويستام على سوم أخيه فإذا كان بعد الخطبة وقبل ~~العقد لا يحل له أن يطلب التزوج بإمرأته فكيف بعد العقد والدخول والصحبة # فلو علل بأن هذا زنا محرم ربما طمعت في أن تفارق الزوج وتتزوجه فإن كيدهن ~~عظيم وقد جرى مثل هذا فلما علل بحق PageV15P124 سيده وقال @QB@ إنه ربي ~~أحسن مثواي @QE@ يئست من ذلك وعلمت أنه يراعي حق الزوج فلا يزاحمه فى ~~إمراته البتة ثم لو قدر مع هذا أن الزوج رضي بالفاحشة وأباح إمراته لم يكن ~~هذا مما يبيحها لحق الله ولحقه أيضا فإنه ليس كل حق للانسان له أن يسقطه ~~ولا يسقط باسقاطه وإنما ذاك فيما يباح له بذله وهو مالا ضرر عليه فى بذله ~~مثل ما يعطيه من فضل مال ونفع # وأما ما ليس له بذله فلا يباح باباحته كما لو قال له علمني السحر والكفر ~~والكهانة وأنت فى حل من إضلالي أو قال له بعني رقيقا وخذ ثمني وأنت في حل ~~من ذلك # وكذلك إذا قال افعل بى أو بابنى أو بإمراتى أو بامائي الفاحشة لم يكن هذا ~~مما يسقط حقه فيه باباحته فإنه ليس له بذل ذلك ومعلوم أن الله يعاقبها على ~~الفاحشة وإن تراضيا بها لكن المقصود أن فى ذلك أيضا ظلما لهذا الشحص لا ~~يرتفع باباحته كظلمه إذا جعله كافرا أو رقيقا فإن كونه يفعل به الفاحشة أو ~~بأهله فيه ضرر عليه لا يملك إباحته كالضررعليه فى كونه كافرا وهو كما لو ~~قال له أزل عقلي وأنت فى حل من ذلك فإن الإنسان لا يملك بذل ذلك بل هو ~~ممنوع من ذلك كما يمنع السفيه من التصرف فى ماله أو اسقاط حقوقه وكذلك ~~المجنون والصغير فإن هؤلاء محجور عليهم لحقهم PageV15P125 ولهذا لو أذن له ~~الصبى أو السفيه فى أخذ ماله لم يكن له ذلك ومن أذن لغيره فى تكفيره أو ~~تجنينه أو ms0959 تخنيثه والافحاش به وبأهله فهو من أسفه السفهاء وهذا مثل الربا ~~فإنه وإن رضي به المرابى وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك لما فيه من ظلمه ولهذا ~~له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا رأس ماله وإن كان قد ~~بذله باختيار ولو كان التحريم لمجرد حق الله تعالى لسقط برضاه ولو كان حقه ~~إذا أسقطه سقط لما كان له الرجوع في الزيادة والانسان يحرم عليه قتل نفسه ~~أعظم مما يحرم عليه قتل غيره فلو قال لغيره اقتلني لم يملك منه أعظم مما ~~يملك هو من نفسه # ولهذا يوم القيامة يتظلم من الأكابر وهم لم يكرهوهم على الكفر بل ~~باختيارهم كفروا قال تعالى ^ يوم تقلب وجوههم فى النار يقولون ياليتنا ~~أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ^ وقال @QB@ حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون @QE@ وقال تعالى ^ وقال الذين ~~كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والانس نجعلها تحت أقدامنا ليكون من ~~الأسفلين ^ # وكذلك الناس يلعنون الشيطان وإن كان لم يكرههم على الذنوب PageV15P126 بل ~~هم باختيارهم أذنبوا # فإن قيل هؤلاء يقولون لشياطين الأنس والجن نحن لم نكن نعلم أن في هذا ~~علينا ضررا ولكن أنتم زينتم لنا هذا وحسنتموه حتى فعلناه ونحن كنا جاهلين ~~بالأمر قيل كما نعلم أن الجاهل بما عليه فى الفعل من الضرر لا عبرة برضاه ~~وإذنه وإنما يصح الرضاء والإذن ممن يعلم ما يأذن فيه ويرضى به وما كان على ~~الإنسان فيه ضرر راجح لا يرضى به إلا لعدم علمه وإلا فالنفس تمتنع بذاتها ~~من الضرر الراجح # ولهذا كان من إشترى المعيب والمدلس والمجهول السعر ولم يعلم بحاله غير ~~راض به بل له الفسخ بعد ذلك كذلك الكفر والجنون والفاحشة بالأهل لا يرضى ~~بها إلا من لم يعلم بما فيها من الضرر عليه فإذا أذن ms0960 فيها لم يسقط حقه بل ~~يكون مظلوما ولو قال أنا أعلم ما فيها من العقاب وأرضى به كان كذبا بل هو ~~من أجهل الناس بما يقوله # ولهذا لو تكلم بكلام لا يفهم معناه وقال نويت موجبه عندالله لم يصح ذلك ~~فى أظهر القولين مثل أن يقول ( بهشم ( ولا يعرف معناها أو يقول أنت طالق إن ~~دخلت الدار وينوي موجبها PageV15P127 من العربية وهو لا يعرف ذلك فإن النية ~~والقصد والرضا مشروطا بالعلم فما لم يعلمه لا يرضى به إلا إذا كان راضيا به ~~مع العلم ومن كان يرضى بأن يكفر ويجن وتفعل الفاحشة به وبأهله فهو لا يعلم ~~ما عليه في ذلك من الضرر بل هو سفيه فلا عبرة برضاه وإذنه بل له حق عند من ~~ظلمه وفعل به ذلك غير ما لله من الحق وإن كان حق هذا دون حق المنكر المانع # ولهذا قال يوسف عليه السلام @QB@ إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح ~~الظالمون @QE@ يقول متى أفسدت إمرأته كنت ظالما بكل حال وليس هذا جزاء ~~إحسانه إلي # والناس إذا تعاونوا على الاثم والعدوان أبغض بعضهم بعضا وإن كانوا فعلوه ~~بتراضيهم قال طاووس ما رجلان على غير ذات الله الا تفرقا عن تقال وقال ~~الخليل عليه السلام ^ إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى الحياة ~~الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما ~~لكم من ناصرين ^ وهؤلاء لا يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا لمجرد كونه ~~عصى الله بل لما حصل له بمشاركته ومعاونته من الضرر وقال تعالى عن أهل ~~الجنة التى أصبحت كالصريم @QB@ فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون @QE@ أي يلوم ~~بعضهم بعضا وقال ^ الأخلاء يومئذ PageV15P128 بعضهم لبعض عدوا لا المتقين ^ # فالمخالة إذا كانت على غير مصلحة الإثنين كانت عاقبتها عداواة وإنما تكون ~~على مصلحتها إذا كانت فى ذات الله فكل منهما وإن بذل للآخر إعانة على ما ~~يطلبه واستعان به بإذنه فيما يطلبه فهذا التراضي لا إعتبار به بل يعود ~~تباغضا وتعاديا ms0961 وتلاعنا وكل منهما يقول للآخر لولا أنت ما فعلت أنا وحدي ~~هذا فهلاكي كان مني ومنك # والرب لا يمنعها من التباغض والتعادي والترعن فلو كان أحدهما ظالما للآخر ~~فيه لنهى عن ذلك ويقول كل منهما للآخر أنت لأجل غرضك أوقعتني فى هذا ~~كالزانيين كل منهما يقول للآخر لأجل غرضك فعلت معى هذا ولو إمتنعت لم أفعل ~~أنا هذا لكن كل منهما له على الآخر مثل ما للآخر عليه فتعادلا # ولهذا إذا كان الطلب والمراودة من أحدهما أكثر كان الآخر بتظلمه ويلعنه ~~أكثر وإن تساويا فى الطلب تقاوما فإذا رضي الزوج بالدياثة فإنما هو لا رضاء ~~الرجل أو المرأة لغرض له آخر مثل أن يكون محبالها ولا تقيم معه إلا على هذا ~~الوجه فهو يقول للزاني بها أنت لغرضك أفسدت علي إمرأتي وأنا إنما رضيت لأجل ~~غرضها فأنت لما أفسدت علي إمرأتي وظلمتنى PageV15P129 فعلت معي ما فعلت ومن ~~ومن ذلك أنه لو قال إنى أخاف الله أن يعاقبنى ونحو ذلك لقالت أنت إنما تترك ~~غرضي لغرضك في النجاة وأنا سيدتك فينبغي أن تقدم غرضي على غرضك فلما قال ~~@QB@ إنه ربي أحسن مثواي @QE@ علل بحق سيده الذى يجب عليه وعليها رعاية حقه ~~$ فصل وفى قول يوسف @QB@ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين @QE@ عبرتان # ( أحدهما ( إختيار السجن والبلاء على الذنوب والمعاصي # و ( ال ( طلب سؤال الله ودعائه أن يثبت القلب على دينه ويصرفه إلى طاعته ~~وإلا فإذا لم يثبت القلب وإلا صبا إلى الآمرين بالذنوب وصار من الجاهلين # ففي هذا توكل على الله وإستعانة به أن يثبت القلب على الإيمان والطاعة ~~وفيه صبر على المحنة والبلاء والأذى الحاصل إذا ثبت على الإيمان والطاعة ~~PageV15P130 وهذا كقوله موسى عليه السلام لقومه @QB@ استعينوا بالله ~~واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين @QE@ لما ~~قال فرعون ^ سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وأنا فوقهم فاهرون قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من ms0962 يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين ^ وكذلك قوله ^ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئهم فى ~~الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون االذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون ^ ومنه قول يوسف عليه السلام ^ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ^ ~~وهو نظير قوله @QB@ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ وقوله ~~@QB@ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين @QE@ # فلا بد من التقوى بفعل المأمور والصبر على المقدور كما فعل يوسف عليه ~~السلام إتقى الله بالعفة عن الفاحشة وصبر على أذاهم له بالمراودة والحبس ~~واستعان الله ودعاه حتى يثبته على العفة فتوكل عليه أن يصرف عنه كيدهن وصبر ~~على الحبس PageV15P131 وهذا كما قال تعالى ^ ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~فإذا أوذي فى الله فتنة الناس كعذاب الله ^ وكما قال تعالى ^ ومن الناس من ~~يعبد الله على حرف فإن أصابه خير إطمأن وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر ~~الدنيا والآحرة ذلك هو الخسران المبين يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ~~ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس ~~العشير ^ فإنه لابد من أذى لكل من كان فى الدنيا فإن لم يصبر على الأذى فى ~~طاعة الله بل إختار المعصية كان ما يحصل له من الشر أعظم مما فر منه بكثير ~~@QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا @QE@ ومن احتمل ~~الهوان والأذى فى طاعة الله على الكرامة والعز فى معصية الله كما فعل يوسف ~~عليه السلام وغيره من الأنبياء والصالحين كانت العاقبة له فى الدنيا ~~والآخرة وكان ما حصل له من الأذى قد انقلب نعيما وسرورا كما أن ما يحصل ~~لأرباب الذنوب من التنعم بالذنوب ينقلب حزنا وثبورا # فيوسف خاف الله من الذنوب ولم يخف من أذى الخلق وحبسهم إذ أطاع الله بل ~~آثر الحبس والأذى مع الطاعة على الكرامة والعز وقضاء الشهوات ونيل الرياسة ~~والمال مع المعصية ms0963 فإنه لو وافق إمراة العزيز نال الشهوة وأكرمته المرأة ~~بالمال والرياسة PageV15P132 وزوجها فى طاعتها فإختيار يوسف الذل والحبس ~~وترك الشهوة والخروج عن المال والرياسة مع الطاعة على العز والرياسة والمال ~~وقضاء الشهوة مع المعصية # بل قدم الخوف من الخالق على الخوف من المخلوق وإن آذاه بالحبس والكذب ~~فإنها كذبت عليه فزعمت أنه راودها ثم حبسته بعد ذلك وقد قيل إنها قالت ~~لزوجها إنه هتك عرضي لم يمكنها أن تقول له راودنى فإن زوجها قد عرف القصة ~~بل كذبت عليه كذبة تروج على زوجها وهو أنه قد هتك عرضها باشاعة فعلها وكانت ~~كاذبة على يوسف لم يذكر عنها شيئا بل كذبت أولا وآخرا كذبت عليه بأنه طلب ~~الفاحشة وكذبت عليه بأنه أشاعها وهي التى طالبت وأشاعت فإنها قالت للنسوة ~~فذلكن الذي لمتننى فيه ولقد روادته عن نفسه فاستعصم فهذا غاية الاشاعة ~~لفاحشتها لم تستر نفسها # والنساء أعظم الناس إخبارا بمثل ذلك وهن قبل أن يسمعن قولها قد قلن فى ~~المدينة @QB@ امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه @QE@ فكيف إذا إعترفت بذلك ~~وطلبت رفع الملام عنها PageV15P133 # وقد قيل انهن أعنها فى المراودة وعذلنه على الإمتناع ويدل على ذلك قوله ~~@QB@ وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن @QE@ وقوله ^ إرجع إلى ربك فاسأله ما ~~بال النسوة الاتى قطعن أيدههن إن ربى بكيدهن عليم ^ فدل على أن هناك كيدا ~~منهن وقد قال لهن الملك ^ ما خطبكن إذ روادتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما ~~علمنا عليه من سوء قالت إمرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا روادته عن نفسه ~~وإنه لمن الصادقين ^ فهن لم يروادنه لأنفسهن إذ كان ذلك غير ممكن وهو عند ~~المرأة فى بيتها وتحت حجرها لكن قد يكن أعلن المرأة على مطلوبها # وإذا كان هذا فى فعل الفاحشة فغيرها من الذنوب أعظم مثل الظلم العظيم ~~للخلق كقتل النفس المعصومة ومثل الاشراك بالله ومثل القول على الله بلا علم ~~قال تعالى ^ قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق ms0964 وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا ~~تعلمون ^ فهذه أجناس المحرمات التى لا تباح بحال ولا في شريعة وما سواها ~~وإن حرم فى حال فقد يباح في حال PageV15P134 $ فصل # وإختيار النبى له ولأهله الإحتباس فى شعب بنى هاشم بضع سنين لا يبايعون ~~ولا يشارون وصبيانهم يتضاغون من الجوع قد هجرهم وقلاهم قومهم وغير قومهم ~~هذا أكمل من حال يوسف عليه السلام # فإن هؤلاء كانوا يدعون الرسول إلى الشرك وأن يقول على الله غير الحق يقول ~~ما أرسلنى ولا نهى عن الشرك وقد قال تعالى ^ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي ~~أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لا أتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد ~~كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد ~~لك علينا نصيرا وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثوا ~~خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ^ # وكان كذب هؤلاء على النبى أعظم من الكذب على يوسف فإنهم قالوا أنه ساحر ~~وأنه كاهن وأنه مجنون وأنه PageV15P135 مفتر وكل واحدة من هؤلاء أعظم من ~~الزنا والقذف لا سيما الزنا المستور الذي لا يدري به أحد فإن يوسف كذب عليه ~~فى أنه زنى وأنه قذفها وأشاع عنها الفاحشة فكان الكذب على النبى أعظم من ~~الكذب على يوسف # وكذلك الكذب على أولى العزم مثل نوح وموسى حيث يقال عن الواحد منهم أنه ~~مجنون وأنه كذاب يكذب على الله وما لقي النبى وأصحابه من أذى المشركين أعظم ~~من مجرد الحبس فإن يوسف حبس وسكت عنه والنبى وأصحابه كانوا يؤذون بالأقوال ~~والأفعال مع منعهم من تصرفاتهم المعتادة # وهذا معنى الحبس فإنه ليس المقصود بالحبس سكناه فى السجن بل المراد منعه ~~من التصرف المعتاد والنبى لم يكن له حبس ولا لأبي بكر بل أول من إتخذ السجن ~~عمر وكان النبى يسلم الغريم إلى غريمه ويقول ( ما فعل أسيرك ( فيجعله أسيرا ~~معه حتى يقضيه حقه ms0965 وهذا هو المطلوب من الحبس # والصحابة رضي الله عنهم منعوهم من التصرف بمكة أذى لهم حتى خرج كثير منهم ~~إلى أرض الحبشة فاختاروا السكنى بين أولئك النصارى عند ملك عادل على السكنى ~~بين قومهم والباقون PageV15P136 أخرجوا من ديارهم وأموالهم أيضا مع ما ~~آذوهم به حتى قتلوا بعضهم وكانوا يضربون بعضهم ويمنعون بعضهم ما يحتاج إليه ~~ويضعون الصخرة على بطن أحدهم فى رمضاء مكة إلى غير ذلك من أنواع الأذى # وكذلك المؤمن من أمة محمد يختار الأذى في طاعة الله على الأكرام مع ~~معصيته كأحمد بن حنبل إختار القيد والحبس والضرب على موافقة السلطان وجنده ~~على أن يقول على الله غير الحق فى كلامه وعلى أن يقول مالا يعلم أيضا فإنهم ~~كانوا يأتون بكلام يعرف أنه مخالف للكتاب والسنة فهو باطل وبكلام مجمل ~~يحتاج إلى تفسير فيقول لهم الإمام أحمد ما أدري ما هذا فلم يوافقهم على أن ~~يقول على الله غير الحق ولا على أن يقول على الله مالا يعلم PageV15P137 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله بعد كلام بالذنب فيذكر مقامه بين فيدعه فكان ~~يوسف ممن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ثم أن يوسف عليه الصلاة والسلام ~~كان شابا عزبا اسيرا فى بلاد العدو حيث لم يكن هناك أقارب أو أصدقاء فيستحي ~~منهم إذا فعل فاحشة فإن كثيرا من الناس يمنعه من مواقعة القبائح حياؤه ممن ~~يعرفه فإذا تغرب فعل ما يشتيه وكان أيضا خليا لا يخاف مخلوقا فحكم النفس ~~الأمارة لو كانت نفسه كذلك أن يكون هو المتعرض لها بل يكون هو المتحيل ~~عليها كما جرت به عادة كثير ممن له غرض فى نساء الأكابر إن لم يتمكن من ~~الدعوة إبتداء فأما إذا دعي ولو كانت الداعية خدامة لكان أسرع مجيب فكيف ~~إذا كانت الداعية سيدته الحاكمة عليه التى يخاف الضرر بمخالفتها # ثم أن زوجها الذي عادته أن يزجز المرأة لم يعاقبها بل أمر PageV15P138 ~~يوسف بالأعراض كما ينعر الديوث ثم إنها استعانت بالنساء وحبسته وهو يقول ^ ~~رب السحن ms0966 أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين ^ # فاليتدبرا للبيب هذه الدواعي التى دعت يوسف إلى مادعته وأنه مع توفرها ~~وقوتها ليس له عن ذلك صارف إذا فعل ذلك ولا من ينجيه من المخلوقين ليتبين ~~له أن الذي ابتلى به يوسف كان من أعظم الأمور وإن تقواه وصبره عن المعصية ~~حتى لا يفعلها ( مع ( ظلم الظالمين له حتى لا يجيبهم كان من أعظم الحسنات ~~وأكبر الطاعات وإن نفس يوسف عليه الصلاة والسلام كانت من أزكى الأنفس فكيف ~~أن يقول @QB@ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ والله يعلم أن ~~نفسه بريئة ليست أمارة بالسوء بل نفس زكية من أعظم النفوس زكاء والهم الذي ~~وقع كان زيادة فى زكاء نفسه وتقواها وبحصوله مع تركه لله لتثبت له به حسنة ~~من أعظم الحسنات التى تزكى نفسه # ( الوجه السادس أن قوله @QB@ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب @QE@ إذا كان ~~معناه على مازعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أني لم أخنه فى إمرأته على ~~قوله أكثرهم أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه فإنه لم ~~يتقدم من يوسف كلام يشير به إليه ولا تقدم PageV15P139 أيضا ذكر عفافه ~~وإعتصامه فإن الذي ذكره النسوة قولين @QB@ ما علمنا عليه من سوء @QE@ وقول ~~إمرأة العزيز ^ أنا روادته عن نفسه ^ وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته أولا ~~ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو فقول القائل إن قوله ( ذلك ) من قول يوسف مع ~~أنه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل لا يصلح بحال ( الوجه السابع ( أن المعنى ~~على هذا التقرير لو كان هنا ما يشار إليه من قول يوسف أو عمله إن عفتى عن ~~الفاحشة كان ليعلم العزيز أني لم أخنه ويوسف عليه الصلاة والسلام إنما ~~تركها خوفا من الله ورجاء لثوابه ولعلمه بأن الله يراه لا لأجل مجرد علم ~~مخلوق قال الله تعالى @QB@ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك ~~لنصرف ms0967 عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ فأخبر أنه رأى برهان ~~ربه وأنه من عباده المخلصين # ومن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه ولم ~~يكن بذلك مخلصا فهذا الذي أضافوه إلى يوسف إذا فعله آحاد الناس لم يكن له ~~ثواب من الله بل يكون ثوابه على من عمل لأجله PageV15P140 فإن قيل فقد قال ~~يوسف أولا @QB@ إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون @QE@ # قيل إن كان مراده بذلك سيده فالمعنى أنه أحسن إلي وأكرمني فلا يحل لي أن ~~أخونه فى أهله فانى أكون ظالما ولا يفلح الظالم فترك خيانته فى أهله خوفا ~~من الله لا ليعلم هو بذلك # فإن قيل مراده تأتى إظهار برائتى ليعلم العزيز أنى لم أخنه بالغيب ~~فالمعلل إظهار براءته لا نفس # عفافه قيل لم يكن مراده بظهار براءته مجرد علم واحد بل مراده علم الملك ~~وغيره ولهذا قال للرسول @QB@ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن @QE@ ولو كان هذا من قول يوسف لقال ذلك ليعلموا أنى برىء وإنى ~~مظلوم # ثم هذا لا يليق أن يذكر عن يوسف لأنه قد ظهرت براءته وحصل مطلوبه فلا ~~يحتاج أن يقول ذلك لتحصل ذلك وهم قد علموا أنه إنما تأخر لتظهر براءته فلا ~~يحتاج مثل هذا ان ينطق به PageV15P141 ( الوجه الثامن ( أن الناس عادتهم فى ~~مثل هذا يعرفون بما عملوه من لذلك عنده قدر وهذا يناسب لو كان العزيز غيورا ~~وللعفة عنده جزاء كثير والعزيز قد ظهر عنه من قلة الغيرة وتمكين إمرأته من ~~حبسه مع الظالمين مع ظهور براءته ما يقتضى أن مثل هذا ينبغي فى عادة الطباع ~~أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله فإن النفس الأمارة تقول فى مثل هذا هذا لم ~~يعرف قدر إحسانى إليه وصونى لأهله وكف نفسي عن ذلك بل سلطها ومكنها # فكثير من النفوس لو لم يكن فى نفسها الفاحشة إذا رأت من حاله هذا تفعل ~~الفاحشة أما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه وإما ms0968 اهمالا له لعدم غيرته ~~وظهور دياثته ولا يصبر فى مثل هذا المقام عن الفاحشة إلامن يعمل لله خائفا ~~منه وراجيا لثوابه لا من يريد تعريف الخلق بعمله ( الوجه التاسع ( أن ~~الخيانة ضد الأمانة وهما من جنس الصدق والكذب ولهذا يقال الصادق الأمين ~~ويقال الكاذب الخائن وهذا حال إمراة العزيز فإنها لو كذبت على يوسف فى ~~مغيبه وقالت روادنى لكانت كاذبة وخائنة فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت ~~صادقة فى هذا الخبر أمينة فيه ولهذا قالت @QB@ وإنه لمن الصادقين @QE@ ~~فأخبرت بأنه صادق فى تبرئته دونها PageV15P142 # فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة ولكن هو باب الظلم والسوء ~~والفحشاء كما وصفها الله بذلك فى قوله تعالى عن يوسف @QB@ معاذ الله إنه ~~ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون @QE@ ولم يقل هنا الخائنين ثم قال ~~تعالى ^ كذلك انصرف عنه السوء والفحشاء أنه من عبادنا المخلصين ^ ولم يقل ~~لنصرف عنه الخيانة فليتدبر اللبيب هذه الدقائق فى متاب الله تعالى # ( الوجه العاشر ( أن فى الكلام المحكى الذي أقره الله تعالى ^ إن النفس ~~الأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى ^ وهذا يدل على أنه ليس كل نفس أمارة بالسوء ~~بل ما رحم ربى ليس فيه النفس الأمارة بالسوء # وقد ذكر طائفة من الناس ان النفس لها ثلاثة أحوال تكون أمارة بالسوء ثم ~~تكون لوامة أي تفعل الذنب ثم تلوم عليه أو تتلوم فتتردد بين الذنب والتوبة ~~ثم تصير مطمئنة # و ( المقصود هنا ( أن ما رحم ربى من النفوس ليست بأمارة وإذا كانت النفوس ~~منقسمة إلى مرحومة وأمارة فقد علمنا قطعا ان نفس امرأة العزيز من النفوس ~~الأمارة بالسوء لأنها أمرت بذلك مرة بعد مرة وراودت وافترت وإستعانت ~~بالنسوة وسجنت وهذا من PageV15P143 أعظم ما يكون من الأمر بالسوء # وأما يوسف عليه الصلاة والسلام فإن لم تكن نفسه من النفوس المرحومة عن أن ~~تكون أمارة فما فى الأنفس مرحوم فإن من تدبر قصة يوسف علم أن الذي رحم به ~~وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون ms0969 ولولا ذلك لما ذكره الله في ~~القرآن وجعله عبرة وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ~~إبتليت بمثل هذه الدواعى أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف وعلى هذا ~~التقدير فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة فما فى النفوس مرحومة فإذا كل النفوس ~~أمارة بالسوء وهو خلاف ما فى القرآن ولا يلتفت إلى الحكاية المذكورة عن سلم ~~بن يسار أن اعرابية دعته إلى نفسها وهما فى البادية فامتنع وبكى وجاء أخوه ~~وهو يبكى فبكى وبكت المرأة وذهبت فنام فرأى يوسف في منامه وقال أنا يوسف ~~الذى هممت وانت مسلم الذي لم تهم فقد يظن من يسمع هذه الحكاية أن حال مسلم ~~كان أكمل وهذا جهل لوجهين # ( أحدهما ( أن مسلما لم يكن تحت حكم المرأة ولا لها عليه حكم ولا لها ~~عليه قدرة أن تكذب عليه وتستعين بالنسوة وتحبسه PageV15P144 وزوجها لا ~~يعينه ولاأحد غير زوجها يعينه على العصمة بل مسلم لما بكى ذهبت تلك المرأة ~~ولو إستعصمت لكان صراخه منها أو خوفا من الناس يصرفها عنه وأين هذا مما ~~إبتلى به يوسف عليه الصلاة والسلام # ( الثاني ( أن الهم من يوسف لما تركه لله كان له به حسنة ولا نقص عليه ~~وثبت فى الصحيحين من حديث السبعة الذين ( يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ( وهذا ~~لمجرد الدعوة فيكف بالمراودة والإستعانة والحبس # ومعلوم أنها كانت ذات منصب وقد ذكر أنها كانت ذات جمال وهذا هو الظاهر ~~فإن امرأة عزيز مصر يشبه أن تكون جميلة وأما البدوية الداعية لمسلم فلا ريب ~~أنها دون ذلك ورؤياه فى المنام وقوله أنا يوسف الذي هممت وأنت مسلم الذي لم ~~تهم غايته أن يكون بمنزلة أن يقول ذلك له يوسف في اليقظة وإذا قال هذا كان ~~هذا خيرا له ومدحا وثناء وتواضعا من يوسف وإذا تواضع الكبير مع من دونه لم ~~تسقط منزلته # ( الوجه الحادي عشر ( أن هذا الكلام ms0970 فيه مع الإعتراف PageV15P145 بالذنب ~~الإعتذار بذكر سببه فإن قولها ^ أنا روادته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ^ ~~فيه إعتراف بالذنب وقولها @QB@ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ ~~إشارة تطابق لقولها ^ أنا روادته ^ أي أنا مقرة بالذنب ما أنا مبرئة لنفسي ~~ثم بينت السبب فقالت @QB@ إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ فنفسي من هذا الباب ~~فلا ينكر صدور هذا مني ثم ذكرت ما يقضى طلب المغفرة والرحمة فقالت إن ربي ~~غفور رحيم # فإن قيل فهذا كلام من يقر بأن الزنا ذنب وأن الله قد يغفر لصاحبه # قلت نعم والقرآن قد دل على ذلك حيث قال زوجها @QB@ يوسف أعرض عن هذا ~~واستغفري لذنبك @QE@ فأمره لها بالاستغفار لذنبها دليل أنه كانوا يرون ذلك ~~ذنبا ويستغفرون منه وإن كانوا مع ذلك مشركين فقد كانت العرب مشركين وهم ~~يحرمون الفواحش ويستغفرون الله منها حتى إن النبى لما بايع هند بنت عتبة بن ~~ربيعة بيعة النساء على أن لا تشرك بالله شيئا ولا تسرق ولا تزنى قالت أو ~~تزني الحرة وكان الزنا معروفا عندهم في الأماء # ولهذا غلب على لغتهم أن يجعلوا الحرية فى مقابلة الرق وأصل PageV15P146 ~~اللفظ هو العفة ولكن العفة عادة من ليست أمة بل قد ذكر البخاري فى صحيحه عن ~~أبى رجاء العطاردي أنه رأى في الجاهليه قردا يزنى بقردة فإجتمعت القرود ~~عليه حتى رجمته # وقد حدثني بعض الشيوخ الصادقين أنه رأى فى جامع نوعا من الطير قد باض ~~فأخذ الناس بيضة وجاء ببيض جنس آخر من الطير فلما انفقس البيض خرجت الفراخ ~~من غير جنس فجعل الذكر يطلب جنسه حتى إجتمع منهن عدد فما زالوا بالأنثى حتى ~~قتلوها ومثل هذا معروف فى عادة البهائم # والفواحش مما اتفق أهل الأرض على استقباحها وكراهتها وأولئك القوم كانوا ~~يقرون بالصانع مع شركهم ولهذا قال لهم يوسف ^ يا صاحبى السجن أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن ms0971 لا تعبدوا ~~إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ^ # ( الوجه الثاني عشر ( أن يقال إن الله سبحانه وتعالى لم يذكر عن نبي من ~~الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على ~~قولين أما أن يقولوا بالعصمة من فعلها وأما PageV15P147 أن يقولوا بالعصمة ~~من الإقرار عليها لا سيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة فإن الأمة متفقة على ~~أن ذلك معصوم أن يقر فيه على خطأ فإن ذلك يناقض مقصد الرسالة ومدلول ~~المعجزة # وليس هذا موضع بسط الكلام فى ذلك ولكن المقصود هنا أن الله لم يذكر في ~~كتابه عن نبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه كما ذكر فى قصة آدم وموسى ~~وداود وغيرهم من الأنبياء وبهذا يجيب من ينصر قول الجمهور يقولون بالعصمة ~~من الإقرار على من ينفي الذنوب مطلقا فإن هؤلاء من أعظم حججهم ما اعتمده ~~القاضي عياض وغيره حيث قالوا نحن مأمورون بالتأسي بهم فى الأفعال وتجويز ~~ذلك يقدح في التأسي فأجيبوا بأن التأسي إنما هو فيما اقروا عليه كما ان ~~النسخ جائز فيما يبلغونه من الأمر والنهي وليس تجويز ذلك مانعا من وجوب ~~الطاعة لأن الطاعة تجب فيما لم ينسخ فعدم النسخ يقرر الحكم وعدم الإنكار ~~يقررالفعل والأصل عدم كل منهما # ويوسف عليه الصلاة والسلام لم يذكر الله تعالى عنه فى القرآن أنه فعل مع ~~المرأة ما يتوب منه أو يستغفر منه أصلا وقد اتفق الناس على أنه لم تقع منه ~~الفاحشة ولكن بعض الناس يذكر أنه وقع PageV15P148 منه بعض مقدماتها مثل ما ~~يذكرون أنه حل السراويل وقعد منها قعد الخاتن ونحو هذا وما ينقلون فى ذلك ~~ليس هو عن النبى ولا مستند له فيه إلا النقل عن بعض أهل الكتاب وقد عرف ~~كلام اليهود فى الأنبياء وغضهم منه كما قالوا فى سليمان ما قالوا وفي داود ~~ما قالوا فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه ~~فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن ms0972 على خلافه # والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر فى هذه القضية ما ~~لم يذكر عن أحد نظيره فلو كان يوسف قد أذنب لكان إما مصرا وإما تائبا ~~والإصرار منتع فتعين أن يكون تائبا والله لم يذكر عنه توبة فى هذا ولا ~~إستغفار كما ذكر عن غيره من الأنبياء فدل ذلك على أن ما فعله يوسف كان من ~~الحسنات المبرورة والمساعي المشكورة كما أخبر الله عنه بقوله تعالى @QB@ ~~إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ # وإذا كان الأمر فى يوسف كذلك كان ما ذكرمن قوله @QB@ إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي @QE@ إنما يناسب حال إمرأة العزيز لا يناسب حال يوسف ~~فاضافة الذنوب إلى يوسف في هذه القضية فرية على الكتاب والرسول وفيه تحريف ~~للكلم عن مواضعه وفيه PageV15P149 الإغتياب لنبي كريم وقول الباطل فيه بلا ~~دليل ونسبته إلى ما نزهه الله منه وغير مستبد أن يكون أصل هذا من اليهود ~~أهل البهت الذين كانوا يرمون موسى بما برأه الله منه فكيف بغيره من ~~الأنبياء وقد تلقى نقلهم من أحسن به الظن وجعل تفسير القرآن تابعا لهذا ~~الإعتقاد # وأعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض كلامها خالف لكتاب ~~الله من بعض الوجوه قوم افرطوا في دعوى إمتناع الذنوب حتى حرفوا نصوص ~~القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب ومغفرة الله لهم ورفع ~~درجاتهم بذلك وقوم افرطوا في أن ذكروا عنهم مادل القرآن على براءتهم ~~وأضافوا إليهم للقرآن ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف كان من ~~الأمة الوسط مهتديا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصدقين والشهداء والصالحين # قال النبى ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( وقد ثبت في الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا ~~حجر ضب لدخلتموه ( قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى PageV15P150 قال ( ~~فمن ( وفى الحديث الآخر الذي في الصحيح ( لتأخذن أمتى مأخذ ms0973 الأمم قبلها ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع ( قالوا يا رسول الله فرس والروم قال ومن الناس إلا ~~هؤلاء ( # ولا ريب أنه صار عند كثير من الناس من علم أهل الكتاب ومن فارس والروم ما ~~أدخلوه فى علم المسلمين ودينهم وهم لا يشعرون كما دخل كثير من أقوال ~~المشركين من أهل الهند واليونان وغيرهم والمجوس والفرس والصابئين من ~~اليونان وغيرهم في كثير من المتأخرين لا سيما في جنس المتفلسفة والمتكلمة # ودخل كثير من أقوال أهل الكتاب اليهود والنصارى في طائفة هم أمثل من ~~هؤلاء إذ أهل الكتاب كانوا خيرا من غيرهم # ولما فتح المسلمون البلاد كانت الشام ومصر ونحوها مملوءة من أهل الكتاب ~~النصارى واليهود فكانوا يحدثونهم عن أهل الكتاب بما بعضه حق وبعضه باطل ~~فكان من أكثرهم حديثا عن أهل الكتاب كعب الأحبار وقد قال معاوية رضي الله ~~عنه ما رأينا فى هؤلاء الذين يحدثونا عن أهل الكتاب أصدق من كعب وإن كنا ~~لنبلوا عليه الكذب أحيانا # ومعلوم أن عامة ما عند كعب ان ينقل ما وجده فى كتبهم ولو PageV15P151 نقل ~~ناقل ما وجده فى الكتب عن نبينا لكان فيه كذب كثير فكيف بما كتب أهل الكتاب ~~مع طول المدة وتبديل الدين ونفرق أهله وكثرة أهل الباطل فيه # وهذا باب ينبغى للمسلم أن يعتني به وينظر ما كان عليه أصحاب رسول الله ~~الذين هم أعلم الناس بما جاء به وأعلم الناس بما يخالف ذلك من دين أهل ~~الكتاب والمشركين والمجوس والصابئين فإن هذا أصل عظيم # ولهذا قال الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره أصول السنة هي التمسك بما كان عليه ~~أصحاب رسول الله # ومن تأمل هذا الباب وجد كثيرا من البدع أحدثت بآثار أصلها عنهم مثل ما ~~يروى في فضائل بقاع فى الشام من الجبال والغيران ومقامات الأنبياء ونحو ذلك ~~مثل ما يذكر فى جبل قاسيون ومقامات الأنبياء التى فيه وما في إتيان ذلك من ~~الفضيلة حتى إن بعض المفترين من الشيوخ جعل زيادة مغارة فيه ثلاث مرات تعدل ~~حجة ويسمونها مقامات ms0974 الأنبياء والآثار التى تروى فى ذلك لا تصل إلى الصحابة ~~وإنما هي عمن PageV15P152 دونهم ممن أخذها عن أهل الكتاب والا فلو كان لهذا ~~اصل لكان هذا عند أكابر الصحابة الذين قدموا الشام مثل بلال بن رباح ومعاذ ~~بن جبل وعبادة بن الصامت بل ومثل أبي عبيدة بن الجرح أمين الأمة وأمثالهم ~~فقد دخل الشام من أكابر الصحابة أفضل ممن دخل بقية الأمصار غير الحجاز فلم ~~ينقل عن أحد منهم اتباع شىء من آثار الأنبياء لا مقابرهم ولا مقاماتهم فلم ~~يتخذوها مساجد ولا كانوا يتحرون الصلاة فيها والدعاء عندها بل قد ثبت عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان فى سفر فرأى قوما ينتابون مكانا يصلون ~~فيه فقال ما هذا قالوا صلى فيه رسول الله أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم ~~مساجد إنما هلك من كان قبلكم بهذا من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليمض # ولما دخل البيت المقدس وأراد أن يبنى مصلى المسلمين قال لكعب أين أبنيه ~~قال أبنه خلف الصخرة قال خالطتك يهودية يا ابن اليهودية بل أبنيه أمامها ~~ولهذا كان عبدالله بن عمر إذا دخل بيت المقدس صلى فى قبليه ولم يذهب إلى ~~الصخرة وكانوا يكذبون ما ينقله كعب إن الله قال لها أنت عرشى الأدنى ~~ويقولون من وسع كرسيه السموات والأرض كيف تكون PageV15P153 الصخرة عرشه ~~الأدنى ولم تكن الصحابة يعظمونها وقالوا إنما بنى القبة عليها عبدالملك بن ~~مروان لما كان محاربا لابن الزبير وكان الناس يذهبون إلى الحج فيجتمعون به ~~عظم الصخرة ليشتغلوا بزيارتها عن جهة ابن الزبير وإلا فلا موجب فى شريعتنا ~~لتعظيم الصخرة وبناء القبة عليها وسترها بالانطاع والجوخ ولو كان هذا من ~~شريعتنا لكان عمر وعثمان ومعاوية رضي الله عنهم أحق بذلك ممن بعدهم فإن ~~هؤلاء أصحاب رسول الله وأعلم بسنته واتبع لها ممن بعدهم # وكذلك الصحابة لم يكونوا ينتابون قبر الخليل بل ولا فتحوه بل ولا بنوا ~~على قبر أحد من الأنبياء مسجدا فإنهم كانوا يعلمون أن النبى قال ( أن من ~~كان ms0975 قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني ~~أنهاكم عن ذلك ( ولما ظهر قبر دانيال بتستر كتب فيه أبو موسى إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فكتب إليه عمر إذا كان بالنهار فاحفر ثلاثة عشر قبرا ~~ثم أدفنه بالليل فى واحد منها وعفر قبره لئلا يفتتن به الناس وقد تأملت ~~الآثار التى تروى فى قصد هذه المقامات والدعاء PageV15P154 عندها أو الصلاة ~~فلم أجد لها عن الصحابة أصلا بل أصلها عمن أخذ عن أهل الكتاب # فمن أصول الإسلام أن تميز ما بعث الله به محمدا من الكتاب والحكمة ولا ~~تخلطه بغيره ولا تلبس الحق بالباطل كفعل أهل الكتاب فإن الله سبحانه أكمل ~~لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا # وقد قال ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ~~( وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ( خط لنا رسول الله خطا وخط خطوطا عن ~~يمينه وشماله ثم قال هذا سبيل الله وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو ~~إليه ثم قرأ قوله تعالى @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ # وجماع ذلك بحفظ أصلين # ( أحدهما ( تحقيق ما جاء به الرسول فلا يخلط بما ليس منه من المنقولات ~~الضعيفة والتفسيرات الباطلة بل يعطى حقه من معرفة نقله ودلالته PageV15P155 ~~( والثانى ( أن لا يعارض ذلك بالشبهات لا رأيا ولا رواية قال الله تعالى ~~فيما يأمر به بنى إسرائيل وهو لنا @QB@ آمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا ~~تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون @QE@ فلا يكتم الحق الذي جاء به ~~الرسول ولا يلبس بغيره من البطل ولا يعارض بغيره # قال الله تعالى ^ إتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولاتتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون ^ وقال تعالى ^ ومن أظلم ممن إفترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل ms0976 الله ^ # وهؤلاء الأقسام الثلاثة هم أعداء الرسل فإن أحدهم إذا أتى بما يخالفه إما ~~ان يقول إن الله أنزله علي فيكون قد افترى على الله أو يقول أوحي إليه ولم ~~يسم من أوحاه أو يقول أنا انشأته وأنا أنزل مثل ما أنزل الله فأما ان يضيفه ~~إلى الله أو إلى نفسه أو لا يضيفه إلى أحد # وهذه الأقسام هم من شياطين الإنس والجن الذين يوحى بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا قال الله تعالى @QB@ وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا @QE@ والله أعلم والحمد لله PageV15P156 # سئل رضي الله عنه # عن قوله تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~@QE@ وهل الدعوة عامة تتعين في حق كل مسلم ومسلمة أم لا وهل الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر داخل فى هذه الدعوة أم لا وإذا كانا داخلين أو لم يكونا ~~فهل هما من الواجبات على كل فرد من أفراد المسلمين كما تقدم أم لا وإذا ~~كانا واجبين فهل يحبان مطلقا مع وجود المشقة بسببها أم لا وهل للآمر ~~بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقتص من الجاني عليه إذا آذاه فى ذلك لئلا ~~يؤدي إلى طمع منه فى جانب الحق أم لا وإذا كان له ذلك فهل تركه أولى مطلقا ~~أم # لا فأجاب رضي الله عنه وأرضاه الحمد لله رب العالمين # الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله بتصديقهم ~~فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والدعوة إلى الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله PageV15P157 والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره ~~وشره والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه # فإن هذه الدرجات الثلاث التى هي ( الإسلام ( و ( الإيمان ( و ( ال ( ~~داخلة في الدين كما قال فى الحديث الصحيح ( هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ( ~~بعد أن أجابه عن هذه الثلاث ms0977 فبين أنها كلها من ديننا و ( الدين ( مصدر ~~والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول يقال دان فلان فلانا إذا عبده وأطاعه كما ~~يقال دانه إذا أذله فالعبد يدين الله أي يعبده ويطيعه فإذا أضيف الدين إلى ~~العبد فلأنه العابد المطيع وإذا أضيف إلى الله فلأنه المعبود المطاع كما ~~قال تعالى ^ وقاتلوا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ^ # فالدعوة إلى الله تكون بدعوة العبد إلى دينه وأصل عبادته وحده لا شريك له ~~كما بعث الله بذلك رسله وأنزل به كتبه قال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى ^ ولقد بعثنا ~~PageV15P158 فى كل أمة رسولا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى ~~الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ^ وقال تعالى ^ وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ^ # وقد ثبت فى الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه قال ~~( أنا معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء إخوة لعلات وان أولى الناس بابن ~~مريم لأنا أنه ليس بينى وبينه نبى ( فالدين واحد وإنما تنوعت شرائعهم ~~ومناهجهم كما قال تعالى ^ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ^ # فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعلمية فالاعتقادية ~~كالإيمان باله وبرسوله وباليوم الآخر والعملية كالاعمال العامة المذكورة فى ~~الانعام والاعراف وسورة بنى إسرائيل كقوله تعالى ^ قل تعالوا اتل ما حرم ~~ربكم عليكم ^ إلى آخر الآيات الثلاث وقوله ^ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا ~~إياه ^ إلى آخر الوصايا وقوله ^ قل أمر حرم ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند ~~كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QB@ وقوله @QE@ قل إنما ربي الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وإن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ms0978 ^ PageV15P159 # فهذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع كعامة ما فى السور ~~المكية فإن السور المكية تضمنت الأصول التى اتفقت عليها رسل الله إذ كان ~~الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة وأما السور المدنية ~~ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ~~ببعض وكالمؤمنين الذين آمنوا بكتب الله ورسله ولهذا قرر فيها الشرائع التى ~~أكمل الله بها الدين كالقبلة والحج والصيام والاعتكاف والجهاد وأحكام ~~المناكح ونخوها وأحكام الأموال بالعدل كالبيع والإحسان كالصدقة والظلم ~~كالربا وغير ذلك مما هو من تمام الدين # ولهذا كان الخطاب فى السور المكية @QB@ يا أيها الناس @QE@ لعموم الدعوة ~~إلى الأصول إذلا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل فلما هاجر النبى إلى ~~المدينة وعزبها أهل الإيمان وكان بها أهل الكتاب خوطب هؤلاء وهؤلاء @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا @QE@ وهؤلاء @QB@ يا أهل الكتاب @QE@ أو @QB@ يا بني ~~إسرائيل @QE@ ولم ينزل بمكة شيء من هذا ولكن في السور المدينة خطاب @QB@ يا ~~أيها الناس @QE@ كما في سورة النساء وسورة الحج وهما مدنيتان وكذا فى ~~البقرة # وهذا يعكر على قول ابن عباس لأن الحكم المذكور يشمل جنس الناس والدعوة ~~بالإسم الخاص لا PageV15P160 فالمؤمنون داخلون فى الخطاب @QB@ يا أيها ~~الناس @QE@ وفى الخطاب @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ فالدعوة إلى الله ~~تتضمن الأمر بكل ما أمر الله به والنهي عن كل ما نهى الله عنه وهذا هو ~~الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر والرسول صلى اله عليه وسلم قام بهذه ~~الدعوة فإنه أمر الخلق بكل ما أمر الله به ونهاهم عن كل ما نهى الله عنه ~~أمر بكل معروف ونهى عن كل منكر قال تعالى ^ ورحمتى وسعت كل شىء فسأكتبها ~~للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف ينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ^ # ودعوته إلى الله هي بإذنه لم يشرع دينا لم يأذن به الله كما قال تعالى ~~@QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ms0979 ~~@QE@ خلاف الذين ذمهم في قوله @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله @QE@ وقد قال تعالى @QB@ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون @QE@ ~~PageV15P161 ومما يبين ما ذكرناه أنه سبحانه يذكر أنه أمره بالدعوة إلى ~~الله تارة وتارة بالدعوة إلى سبيله كما قال تعالى @QB@ ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة @QE@ وذلك أنه قد علم أن الداعي الذى يدعو غيره ~~إلى أمر لا بد فيما يدعو إليه من أمرين # ( أحدهما ( المقصود المراد # و ( الثانى ( الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود فلهذا يذكر الدعوة تارة ~~إلى الله وتارة إلى سبيله سبحانه هو المعبود المراد المقصود بالدعوة # والعبادة إسم يجمع غاية الحب له وغاية الذل له فمن ذل لغيره مع بغضه لم ~~يكن عابدا ومن أحبه من غير ذل له لم يكن عابدا والله سبحانه يستحق أن يحب ~~غاية المحبة بل يكون هو المحبوب المطلق الذي لا يحب شيء إلا له وان يعظم ~~ويذل له غاية الذل بل لا يذل لشيء إلا من أجله ومن أشرك غيره فى هذا وهذا ~~لم يحصل له حقيقة الحب والتعظيم فإن الشرك يوجب نقص المحبة # قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ أي أشد حبا لله من هؤلاء PageV15P162 ~~لأندادهم وقال تعالى @QB@ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا ~~سلما لرجل هل يستويان مثلا @QE@ وكذلك الإستكبار يمنع حقيقة الذل لله بل ~~يمنع حقيقة المحبة لله فإن الحب التام يوجب الذل والطاعة فإن المحب لمن يحب ~~مطيع # ولهذا الحب درجات أعلاها ( التتيم ( وهو التعبد وتيم الله أي عبدالله ~~فالقالب المتيم هو المعبد لمحبوبه وهذا لا يستحقه إلا الله وحده # والإسلام أن يستسلم العبد لله لا لغيره كما ينبىء عنه قول ( لا إله إلا ~~الله ( فمن إستسلم له ولغيره فهو مشرك ومن لم يستسلم له فهو مستكبر وكلاهما ~~ضد الإسلام والشرك غالب ms0980 على النصارى ومن ضاهاهم من الضلال والمنتسبين إلى ~~الأمة # وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذا الموضع في مواضع متعددة # وذلك يتعلق بتحقيق الألوهية لله وتوحيده وإمتناع الشرك وفساد السموات ~~والأرض بتقدير إله غيره والفرق بين الشرك فى الربوبية والشرك فى الألوهية ~~وبيان أن العباد فطروا على الإقرار به ومحبته وتعظيمه وأن القلوب لا تصلح ~~إلا بأن تعبد الله وحده ولا PageV15P163 كمال لها ولا صلاح ولا لذة ولا ~~سرور ولا فرح ولا سعادة بدون ذلك وتحقيق الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبين والصدقين والشهداء والصالحين وغير ذلك مما يتعلق بهذا ~~الموضع الذي فى تحقيق مقصود الدعوة النبوية والرسالة الإلهية وهو لب القرآن ~~وزبدته وبيان التوحيد العلمي القولي المذكور فى قوله @QB@ قل هو الله أحد ~~الله الصمد @QE@ والتوحيد القصدي العلمي المذكور فى قوله تعالى @QB@ قل يا ~~أيها الكافرون @QE@ وما يتصل بذلك فإن هذا بيان لأصل الدعوة إلى الله ~~وحقيقتها ومقصودها # لكن المقصود فى الجواب ذكر ذلك على طريق الاجمال إذ لا يتسع الجواب ~~لتفصيل ذلك وكلما أحبه الله ورسوله من واجب ومستحب من باطن وظاهر فمن ~~الدعوة إلى الله الأمر به وكلما أبغضه الله ورسوله من باطن وظاهر فمن ~~الدعوة إلى الله النهى عنه لا تتم الدعوة إلى الله إلا بالدعوة إلى أن يفعل ~~ما أحبه الله ويترك ما أبغضه الله سواء كان من الأقوال أو الأعمال الباطنة ~~أو الظاهرة كالتصديق بما أخبر به الرسول من أسماء الله وصفاته والمعاد ~~وتفصيل ذلك وما أخبر به عن سائر المخلوقات كالعرش والكرسي والملائكة ~~والأنبياء وأممهم وأعدائهم وكاخلاص الدين لله وأن يكون الله ورسوله أحب ~~إلينا مما سواهها وكالتوكيل عليه والرجاء لرحته PageV15P164 وخشيتة عذابه ~~والصبر لحكمه وأمثال ذلك وكصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وصلة ~~الأرحام وحسن الجوار وكالجهاد في سبيله بالقلب واليد واللسان # إذا تبين ذلك فالدعوة إلى الله واجبة على من اتبعه وهم أمته يدعون إلى ~~الله كما دعا إلى الله # وكذلك يتضن أمرهم به ونهيهم عما ينهى عنه ms0981 وأخبارهم بما أخبر به إذ الدعوة ~~تتضمن الأمر وذلك يتناول الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر # وقد وصف أمته بذلك في غير موضع كما وصفه بذلك فقال تعال @QB@ كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~@QE@ الآية كفاية إذا قام به طائفة منهم سقط عن الباقين فالأمة كلها مخاطبة ~~بفعل ذلك ولكن إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين قال تعالى @QB@ ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~@QE@ # فمجموع أمته تقوم مقامه فى الدعوة إلى الله ولهذا كان إجماعهم ~~PageV15P165 حجة قاطعة فأمته لا تجتمع على ضلالة وإذا تنازعوا في شيء ردوا ~~ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى رسوله وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من ~~الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره فما قام به غيره سقط عنه وما عجز ~~لم يطلب به وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به ولهذا ~~يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على هذا وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ~~ذلك تارة وبحسب غيره أخرى فقد يدعو هذا إلى إعتقاد الواجب وهذا إلى عمل ~~ظاهر واجب وهذا إلى عمل باطن واجب فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة وفي ~~الوقوع أخرى # وقد تبين بهذا أن الدعوة إلى الله تجب على كل مسلم لكنها فرض على الكفاية ~~وإنما يجب على الرجل المعين من ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقيم به غيره وهذا ~~شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ ما جاء به الرسول والجهاد فى ~~سبيل الله وتعليم الإيمان والقرآن # وقد تبين بذلك أن الدعوة نفسها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر فإن الداعى ~~طالب مستدع مقتض لما دعى إليه وذلك هو الأمر به إذ الأمر طلب الفعل المأمور ~~به واستدعاء له ودعاء إليه فالدعاء PageV15P166 إلى الله الدعاء إلى سبيله ~~فهو أمر بسبيله ms0982 وسبيله تصديقه فيا أخبر وطاعته فيا أمر # وقد تبين أنهما واجبان على كل فرد من أفراد المسلمين وجوب فرض الكفاية لا ~~وجوب فرض الأعيان كالصلوات الخمس بل كوجوب الجهاد # والقيام بالوجبات من الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط يقام بها كما ~~جاء فى الحديث ( ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون فقيها فيما ~~يأمر به فقيها فيما ينهى عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه حليما ~~فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه ( فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر ~~المنكر والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود والحلم بعد ~~الأمر ليصير على أذى المأمور المنهى فإنه كثيرا ما يحصل له الأذى بذلك # ولهذا قال تعالى @QB@ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ~~@QE@ وقد أمر نبينا بالصبر في مواضع كثيرة كما قال تعالى فى أول المدثر ~~@QB@ قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك ~~فاصبر @QE@ وقال تعالى @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ وقال @QB@ ~~واصبر على ما يقولون @QE@ وقال تعالى PageV15P167 ^ ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ^ وقال ^ واصبر لحكم ربك ~~ولا تكن كصاحب الحوت ^ # وقد جمع سبحانه بين التقوى والصبر فى مثل قوله @QB@ لتبلون في أموالكم ~~وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ والمؤمنون كانوا يدعون ~~إلى اإيمان بالله وما أمر به من المعروف وينهون عما نهى الله عنه من المنكر ~~فيؤذيهم المشركون وأهل الكتاب وقد أخبرهم بذلك قبل وقوعه وقال لهم @QB@ وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ وقد قال يوسف عليه السلام ^ أنا ~~يوسف وهذا أخي قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين # فالتقوى تتضمن طاعة الله ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر ~~يتناول الصبر على المصائب التى منها أذى المأمور المنهي للآمر الناهي # لكن للآمر الناهي أن ms0983 يدفع عن نفسه ما يضره كما يدفع الإنسان عن نفسه ~~الصائل فإذا أراد المأمور المنهي ضربه أو أخذ ماله ونحو ذلك وهو قادر على ~~دفعه فله دفعه عنه PageV15P168 بخلاف ما إذا وقع الأذى وتاب منه فإن هذا ~~مقام الصبر والحلم والكمال فى هذا الباب حال نبينا كما فى الصحيحين عن ~~عائشة أنها قالت ( ما ضرب رسول الله بيده خادما له ولا إمرأة ولا دابة ولا ~~شيئا قط إلا أن يجاهد فى سبيل الله ولا نيل منه فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك ~~محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء ختى ينتقم لله ) فقد ~~تضمن خلقه العظيم أنه لا ينتقم لنفسه إذا نيل منه وإذا انتهكت محارم الله ~~لم يقم لغضبه شيء ختى ينتقم لله ومعلوم أن أذى الرسول من أعظم المحرمات فإن ~~من آذاه فقد آذى الله وقتل سابه واجب باتفاق الأمة سواء قيل إنه قتل لكونه ~~ردة أو لكونه ردة مغلظة أوجبت أن صار قتل الساب حدا من الحدود # والمنقول عن النبى في إحتماله وعفوه عمن كان يؤذيه كثير كما قال تعالى ~~@QB@ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ ~~فالآمر الناهي إذا أوذى وكان أذاه تعديا لحدود الله وفيه حق لله يجب على كل ~~أحد النهي عنه وصاحبه مستحق للعقوبة لكن لما دخل فيه حق الآدمي كان له ~~العفو عنه كما له أن يعفو عن القاذف والقاتل وغير ذلك وعفوه عنه لا ~~PageV15P169 يسقط عن ذلك العقوبة التى وجبت لحق الله لكن يكمل لهذا الآمر ~~الناهي مقام الصبر والعفو الذي شرع الله لمثله حتى يدخل في قوله تعالى @QB@ ~~وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ وفى قوله @QB@ فاعفوا ~~واصفحوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ # ثم هنا فرق لطيف أما الصبر فإنه مأمور به مطلقا فلا ينسخ وأما العفو ~~والصفح فانه جعل إلى غاية وهو ^ أن يأتى الله بأمره ms0984 ^ فلما أتى بأمره ~~بتمكين الرسول ونصره صار قادر على الجهاد لأولئك والزامهم بالمعروف ومنعهم ~~عن المنكر صار يجب عليه العمل باليد فى ذلك ما كان عاجزا عنه وهو مأمور ~~بالصبر فى ذلك كما كان مأمور بالصبر أولا # والجهاد مقصوده أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله ~~فمقصوده إقامة دين الله لا إستيفاء الرجل حظه ولهذا كان ما يصاب به المجاهد ~~فى نفسه وماله أجره فيه على الله فإن الله إشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة حتى إن الكفار إذا أسلموا أو عاهدوا لم يضمنوا ما ~~اتلفوه للمسلمين من الدماء والأموال بل لو أسلموا وبأيديهم ما غنموه من ~~أموال المسلمين كان ملكا لهم عند جمهور العلماء كما كمالك وأبى حنيفة وأحمد ~~وهو الذي مضت به سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين PageV15P170 # فالآمر الناهي إذا نيل منه وأوذى ثم إن ذلك المأمور المنهى تاب وقبل الحق ~~منه فلا ينبغي له أن يقتص منه ويعاقبه على أاذاه فإنه قد سقط عنه بالتوبة ~~حق الله كما يسقط عن الكافر إذا أسلم حقوق الله تعالى كما ثبت فى الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها ( ~~والكافر إذا أسلم هدم الإسلام ما كان قبله دخل في ذلك ما اعتدى به على ~~المسلمين في نفوسهم وأموالهم لأنه ما كان يعتقد ذلك حراما بل كان يستحله ~~فلما تاب من ذلك غفر له هذا الاسحلال وغفرت له توابعه # فالمأمور المنهى ان كل مستحلا لأذى الآمر الناهي كأهل البدع والأهواء ~~الذين يعتقدون أنهم على حق وأن الآمر الناهي لهم معتد عليهم فإذا تابوا لم ~~يعاقبوا بما اعتدوا به على الآمر الناهي من أهل السنة كالرافضي الذي يعتقد ~~كفر الصحابة أو فسقهم وسبهم على ذلك فإن تاب من هذا الإعتقاد وصار يحبهم ~~ويتولاهم لم يبق لهم عليه حق بل دخل حقهم في حق الله ثبوتا وسقوطا لأنه ~~تابع لاعتقاده # ولهذا كان جمهور العلماء كأبى حنيفة ومالك وأحمد ms0985 فى أصح الروايتين ~~والشافعي في أحد القولين على أن أهل البغي المتأولين لا يضمنون ما أتلفوه ~~على أهل العدل بالتأويل كما لا يضمن أهل العدل أتلفوه على أهل البغي ~~بالتأويل باتفاق العلماء PageV15P171 # وكذلك أصح قولي العلماء فى المرتدين فإن المرتد والباغي المتأول والمبتدع ~~كل هؤلاء يعتقد أحدهم أنه على حق فيفعل ما يفعله متأولا فإذا تاب من ذلك ~~كان كتوبة الكافر من كفره فيغفر له ما سلف مما فعله متأولا وهذا بخلاف من ~~يعتقد أن ما يفعله بغي وعدوان كالمسلم إذا ظلم المسلم والذمي إذا ظلم ~~المسلم والمرتد الذي أتلف مال غيره وليس بمحارب بل هو فى الظاهر مسلم أو ~~معاهد فإن هؤلاء يضمنون ما أتلفوه بالاتفاق # فالمأمور المنهي إن كان يعتقد أن أذى الآمر الناهي جائز له فهو من ~~المتأولين وحق الآمر الناهي داخل فى حق الله تعالى فإذا تاب سقط الحقان وإن ~~لم يتب كان مطلوبا بحق الله المتضمن حق الآدمي فأما ان يكون كافرا وأما أن ~~يكون فاسقا وإما أن يكون عاصبا فهؤلاء كل يستحق العقوبة الشرعية بحسبه وإن ~~كان مجتهدا مخطئا فهذا قد عفى الله عنه خطأه فإذا كان قد حصل بسبب إجتهاده ~~الخطأ أذى للآمر الناهي بغير حق فهو كالحاكم إذا إجتهد فأخطأ وكان فى ذلك ~~ما هو أذى للمسلم أو كالشاهد أو كالفتى # فإذا كان الخطأ لم يتبين لذلك المجتهد المخطىء كان هذا مما ابتلى الله به ~~هذا الآمر الناهي قال تعالى ^ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبروا وكان ربك ~~بصيرا ^ فهذا مما يرتفع عنه الإثم فى نفس الأمر وكذلك PageV15P172 الجزاء ~~على وجه العقوبة ولكن قد يقال قد يسقط الجزاء على وجه القصاص الذي يجب فى ~~العمد ويثبت الضمان الذى يجب فى الخطأ كما تجب الدية في الخطأ وكما يجب ~~ضمان الأموال التى يتلفها الصبى والمجنون فى ماله وان وجبت الدية على عاقلة ~~القاتل خطأ معاونة له فلا بد إستيفاء حق المظلوم خطأ فكذلك هذا الذي ظلم ~~خطأ لكن يقال يفرق بين ما كان الحق ms0986 فيه لله وحق الآدمي تبع له وما كان حقا ~~لآدمى محضا أو غالبا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد من هذا ~~الباب موافق لقول الجمهور الذين لا يوجبون على أهل البغي ضمان ما اتلفوه ~~لأهل العدل بالتأويل وإن كان ذلك خطأ منهم ليس كفرا ولا فسقا # وإذا قدر عليهم أهل العدل لم يتبعوا مدبرهم ولم يجهزوا على جريحهم ولم ~~يسبوا حريمهم ولم يغنوا أموالهم فلا يقاتلونهم على ما أتلفوه من النفوس ~~والأموال إذا أتلفوه مثل ذلك أو تملكوا عليهم # فتبين أن القصاص ساقط فى هذا الموضع لأن هذا من باب الجهاد الذي يجب فيه ~~الأجر على الله وهذا مما يتعلق بحق العبد الآمر الناهي # وأما قول السائل هل يقتص منه لئلا يؤدي إلى طمع منه فى PageV15P173 جانب ~~الحق فيقال متى كان فيما فعله إفساد لجانب الحق كان الحق فى ذلك لله ورسوله ~~فيفعل فيه ما يفعل في نظيره وأن لم يكن فيه أذى للآمر الناهي # والمصلحة فى ذلك تتنوع فتاره تكون المصلحة الشرعية القتال وتارة تكون ~~المصلحة المهادنة وتارة تكون المصلحة الإمساك والإستعداد بلا مهادنة وهذا ~~يشبه ذلك لكن الإنسان تزين له نفسه ان عفوه عن ظالمه يجريه عليه وليس كذلك ~~بل قد ثبت عن النبى فى الصحيح أنه قال ( ثلاث ان كنت لحالفا عليهن ما زاد ~~الله عبدا بعفو إلا عزا وما نقصت صدقة من مال وما تواضع أحد لله إلا رفعه ~~الله # فالذي ينبغي فى هذا الباب أن يعفو الإنسان عن حقه ويستوفى حقوق الله بحسب ~~الامكان قال تعالى @QB@ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون @QE@ قال ~~إبراهيم النخعي كانوا يكرهون أن يستدلوا فإذا قدروا عفوا قال تعالى @QB@ هم ~~ينتصرون @QE@ يمدحهم بأن فيهم همة الإنتصار للحق والحمية له ليسوا بمنزلة ~~الذين يعفون عجزاوذلا بل هذا مما يذم به الرجل والممدوح العفو مع القدرة ~~والقيام لما يجب من نصر الحق لا مع إهمال حق الله وحق العباد والله تعالى ~~أعلم PageV15P174 # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه $ فصل # في قوله تعالى ms0987 @QB@ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم ~~نصرنا @QE@ الآية قرانتان فى هذه الآية بالتخفيف والتثقيل وكانت عائشة رضي ~~الله عنها تقرأ بالتثقيل وتنكر التخفيف كما فى الصحيح عن الزهري قال أخبربى ~~عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قوله @QB@ وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ ~~مخففة قالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها قلت فما هذا النصر @QB@ ~~حتى إذا استيأس الرسل @QE@ بمن كذبهم من قومهم وظنت الرسل ان اتباعهم قد ~~كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك لعمري لقد إستيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو ~~بالظن # وفى الصحيح أيضا عن ابن جريج سمعت ابن أبى مليكة يقول قال ابن عباس @QB@ ~~حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ خفيفة ذهب بها هنالك وتلا ^ ~~حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه حتى PageV15P175 نصر الله إلا إن نصر ~~الله قريب ^ فلقيت عروة فذكرت ذلك له فقال قالت عائشة معاذ الله واله ما ~~وعد الله وسوله من شىء قط إلا علم أنه كأن قبل أن يكون ولكن لم يزل البلاء ~~بالرسل حتى ظنوا خافوا أن يكون من معهم يكذبهم فكانت تقرؤها ^ وظنوا أنهم ~~قد كذبوا ^ مثقلة # فعائشة جعلت إستيأس الرسل من الكفار للمكذبين وظنهم التكذيب من المؤمنين ~~بهم ولكن القراءة الأخرة ثابتة لا يمكن إنكارها وقد تأولها ابن عباس وظاهر ~~الكلام معه والآية التى تليها إنما فيها إستبطاء النصر وهو قولهم ^ متى نصر ~~الله ^ فإن هذه كلمة تبطىء لطلب التعجيل وقوله ^ ظنوا أنهم قد كذبوا ^ قد ~~يكون مثل قوله ^ إذا تمنى القى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى ~~الشيطان ^ والظن لا يراد به في الكتاب والسنة الإعتقاد الراجح كما هو في ~~إصلاح طائفة من أهل الكلام فى العلم وبسمون الإعتقاد المرجوح وهما بل قد ~~قال النبى ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ( وقد قال تعالى ^ إن الظن ~~لا يغني من الحق شيئا ^ PageV15P176 فالاعتقاد المرجوح هو الظن وهو وهم ~~وهذا الباب قد يكون من حديث النفس المعفو عنه كما قال النبى ( إن ms0988 الله ~~تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل ( وقد يكون من باب ~~الوسوسة التى هي صريح الإيمان كما ثبت فى الصحيح أن الصحابة قالوا يا رسول ~~الله ( ان أحدنا ليجد فى نفسه ما لأن يحرق حتى يصير حممة أو يجز من السماء ~~إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به قال أو قد وجدتموه قالوا نعم قال ذلك ~~صريح الإيمان ( وفى حديث آخر ( أن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم به قال ~~الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ( # فهذه الأمور التى هي تعرض ثلاثة أقسام منها ما هو ذنب يضعف به الإيمان ~~وإن كان لا يزيله واليقين فى القلب له مراتب ومنه ما هو عفو يعفى عن صاحبه ~~ومنه ما يكون يقترن به صريح الإيمان # ونظير هذا ما فى الصحيح عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن ~~عبدالرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( يرحم الله لوطا لقد كان يأوي ~~إلى ركن شديد ولو لثبت في السجن ما لبث يوسف لا جبت الداعي ونحن أحق بالشك ~~من إبراهيم إذ قال له ربه ^ أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن PageV15P177 ~~قلبى ^ وقد ترك البخاري ذكر قوله ( بالشك ( لما خاف فيها من توهم بعض الناس ~~( # ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنا كما أخبر الله عنه بقوله ^ أو لم تؤمن قال ~~بلى ^ ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال ^ ولكن ليطمئن قلبى ^ فالتفاوت بين ~~الإيمان والإطمئنان سماه النبى شكا لذلك باحياء الموتى كذلك الوعد بالنصر ~~فى الدنيا يكون الشخص مؤمنا بذلك ولكن قد يضطرب قلبه فلا يطمئن فيكون فوات ~~الإطمئنان ظنا أنه قد كذب فالشك مظنة أنه يكون من باب واحد وهذه الأمور لا ~~تقدح فى الإيمان الواجب وإن كان فيها ما هو ذنب فالأنبياء عليهم السلام ~~معصومون من الإقرار على ذلك كما فى أفعالهم على ما عرف من أصول السنة ~~والحديث # وفى قصص هذه الأمور عبرة للمؤمنين بهم فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو ms0989 أكثر ~~من ذلك ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك ويعلمون أنه قد ابتلى به من هو خير منهم ~~وكانت العاقبة إلى خير فليتيقن المرتاب ويتوب المذنب ويقوى إيمان المؤمنين ~~فيها يصح الاتساء بالأنبياء كما فى قوله ^ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة ~~حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ^ PageV15P178 # وفي القرآن من قصص المرسلين التى فيها تسلية وتثبيت ليتأسى بهم في الصبر ~~على ما كذبوا وأوذوا كما قال تعالى @QB@ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ~~ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا @QE@ ولنا لأنه أسوة فى ذلك ما هو كثير فى ~~القرآن ولهذا قال @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ وقال @QB@ ~~ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك @QE@ وقال @QB@ فاصبر كما صبر ~~أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم @QE@ ^ كذلك نقص عليك من أنباء الرسل ~~ما نثبت به فؤادك ^ وإذا كان الاتساء بهم مشروعا فى هذا وفى هذا فمن ~~المشروع التوبة من الذنب والثقة بوعد الله وإن وقع فى القلب ظن من الظنون ~~وطلب مزيد الآيات لطمأنينة القلوب كما هو المناسب للاتساء والاقتداء دون ما ~~كان المتبوع معصوما مطلقا فيقول التابع أنا لست من جنسه فإنه لا يذكر بذنب ~~فإذا أذنب إستيأس من المتابعة والاقتداء لما أتى به من الذنب الذي يفسد ~~المتابعة على القول بالعصمة بخلاف ما إذا قيل إن ذلك مجبور بالتوبة فإنه ~~تصح معه المتابعة كما قيل أول من أذنب وأجرم ثم تاب وندم آدم أبو البشر ومن ~~أشبه أباه ما ظلم PageV15P179 والله تعالى قص علينا قصص توبة الأنبياء ~~لنقتدي بهم فى المتاب وأما ما ذكره سبحانه أن الاقتداء بهم فى الأفعال التى ~~أقروا عليها فلم ينهوا عنها ولم يتوبوا منها فهذا هو المشروع فأما ما نهوا ~~عنه وتابوا منه فليس بدون المنسوخ من أفعالهم وإن كان ما أمروا به أبيح لهم ~~ثم نسخ تنقطع فيه المتابعة فما لم يؤمروا به أحرى وأولى # وأيضا فقوله @QB@ وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ قد يكونون ظنوا فى ms0990 الموعود به ~~ما ليس هو فيه بطريق الاجتهاد منهم فتبين الأمر بخلاف فهذا جائز عليهم كما ~~سنبينه فإذا ظن بالموعود به ما ليس هو فيه ثم تبين الأمر بخلاف ظن أن ذلك ~~كذب وكان كذبا من جهة ظن في الخبر ما لا يجب أن يكون فيه فأما الشك فيما ~~يعلم أنه أخبر به فهذا لا يكون وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى # ومما ينبغي أن يعلم أنه سبحانه ذكر هنا شيئان ( أحدهما ( إستيئاس الرسل ( ~~والثانى ( ظن أنه كذبوا وقد ذكرنا لفظ ( الظن ( فأما لفظ ^ إستيأسوا فإنه ~~قال سبحانه ^ حتى إذا إستيأس الرسل ^ ولم يقل يئس الرسل ولا ذكر ما ~~إستيأسوا منه وهذا اللفظ قد ذكره فى هذه السورة ^ فلما إستيأسوا منه خلصوا ~~نجيا قال كبيرهم PageV15P180 ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم وثقا من ~~الله ومن قبل ما فرطتم فى يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم ~~الله لي وهو خير الحاكمين ^ # وقد يقال الاستيئاس ليس هو الاياس لوجوه # ( أحدها ( ان أخوة يوسف لم ييأسوا منه بالكلية فإن قول كبيرهم ^ فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبى أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ^ دليل على أنه ~~يرجو أن يحكم الله له وحكمه هنا لا بد أن يتضمن تخليصنا ليوسف منهم وإلا ~~فحكمه له بغير ذلك لا يناسب قعوده في مصر لأجل ذلك # وأيضا في ( اليأس ( يكون الشىء الذى لا يكون ولم يجىء ما يقتضية ذلك ~~فإنهم قالوا ^ يا أيها العزيز أن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه أنا ~~نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا ~~لظالمون ^ فامنتع من تسليمه إليهم ومن المعلوم أن هذا لا يوجب القطع بأنه ~~لا يسلم إليهم فإنه يتغير عزمه ونيته وما أكثر تقليب القلوب وقد يتبدل ~~الأمر بغيره حتى يصير الحكم إلى غيره وقد يتخلص بغير إختياره والعادات قد ~~جرت بهذا على مثل من عنده من قال لا يعطيه فقد PageV15P181 يعطيه وقد ms0991 يخرج ~~من يده بغير إختياره وقد يموت عنه فيخرج والعالم مملوء من هذا # ( الوجه الثانى ( قال لهم يعقوب ^ يا بني اذهبوا فتحسسوا يوسف وأخيه ولا ~~تيأسوا من روح الله أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين ^ فنهاهم ~~عن اليأس من روح الله ولم ينههم عن الاستيئاس وهو الذي كان منهم وأخبر أنه ~~لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون # ومن المعلوم أنهم لم يكونوا كافرين فهذا هو ( الوجه الثالث ( أيضا # وهو أنه أخبر أنه @QB@ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون @QE@ ~~فيمتنع أن يكون للأنبياء يأس من روح الله وإن يقعوا فى الاستيأس بل ~~المؤمنون ما داموا مؤمنين لا ييأسون من روح الله وهذه السورة تضمنت ذكر ~~المستيئسين وإن الفرح جاءهم بعد ذلك لئلا ييأس المؤمن ولهذا فيها @QB@ لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ فذكر إستيئاس الأخوة من أخي يوسف ~~وذكر عائشة جميعا # ( الوجه الرابع ( أن الاستيئاس إستفعال من اليأس والاستفعال PageV15P182 ~~يقع على وجوه يكون لطلب الفعل من الغير فالاستخراج والاستفهام والاستعلام ~~يكون في الأفعال المتعدية يقال إستخرجت المال من غيري وكذلك إستفهمت ولا ~~يصلح هذا أن يكون معنى الاستيئاس فإن أحدا لا يطلب اليأس ويستدعيه ولأن ~~إستيأس فعل لازم لا متعدي # ويكون للاستفعال لصيرورة المستقبل على صفة غيرة وهذا يكون فى الأفعال ~~اللازمة كقولهم إستحجر الطين أي صار كالحجر وإستنوق الفحل أي صار كالناقة ~~وأما النظر فيما إستيأسوا منه فإن الله تعالى ذكر ذلك في قصة أخوة يوسف حيث ~~قال @QB@ فلما استيأسوا منه @QE@ # وأما الرسل فلم يذكر ما إستيأسوا منه بل أطلق وصفهم بالاستيأس فليس لأحد ~~أن يقيده بأنهم إستيأسوا مما وعدوا به وأخبروا بكونه ولا ذكر ابن عباس ذلك # وثبت أن قوله @QB@ وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ لا يدل على ظاهره فضلا عن ~~باطنه أنه حصل فى قلوبهم مثل تساوى الطرفين فيما أخبروابه فإن لفظ الظن في ~~اللغة لا يقتضى ذلك بل يسمى ظنا ما هو من أكذب الحديث عن الظان لكونه أمرا ~~مرجوحا ms0992 في نفسه واسم PageV15P183 اليقين والريب والشك ونخوها يتناول علم ~~القلب وعمله وتصديقه وعدم تصديقه وسكينته وعدم سكينته ليست هذه الأمور ~~بمجرد العلم فقط كما يحسب ذلك بعض الناس كما نبهنا ( عليه ( في غير هذا ~~الموضع # إذ المقصود هنا الكلام على قوله @QB@ حتى إذا استيأس الرسل @QE@ فإذا كان ~~الخبر عن إستيأسهم مطلقا فمن المعلوم ان الله إذا وعد الرسل والمؤمنين بنصر ~~مطلق كما هو غالب إخباراته لم يقيد زمانه ولا مكانه ولا سنته ولا صفته ~~فكثيرا ما يعتقد الناس فى الموعود به صفات أخرى لم ينزل عليها خطاب الحق بل ~~اعتقدوها بأسباب أخرى كما اعتقد طائفة من الصحابة أخبار النبى لهم أنهم ~~يدخلون المسجد الحرام ويطوفون به إن ذلك يكون عام الحديبية لأن النبى خرج ~~متعمرا ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ويطوف ويسعى فلما إستيأسوا من دخوله مكة ~~ذلك العام لما صدهم المشركون حتى قاضاهم النبى على الصلح المشهور بقي في ~~قلب بعضهم شيء حتى قال عمر للنبي ألم تخبرنا أنا ندخل البيت ونطوف قال ( ~~بلى فأخبرتك أنك تدخله هذا العام قال لا قال فإنك داخله ومطوف ( وكذلك قال ~~له أبو بكر # وكان أبو بكر رضي الله عنه أكثر علما وإيمانا من عمر حتى تاب PageV15P184 ~~عمر مما صدر منه وإن كان عمر رضي الله عنه محدثا كما جاء فى الحديث الصحيح ~~أنه قال ( قد كان فى الأمم قبلكم محدثون فإن يكن فى أمتي أحد فعمر ( فهو ~~رضي الله عنه المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولكن مزية ~~التصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول وعلما وإيمانا بما جاء به درجته فوق ~~درجته فلهذا كان الصديق أفضل الأمة صاحب المتابعة للآثار النبوبة فهو معلم ~~لعمر ومؤدب للمحدث منهم الذي يكون له من ربه إلهام وخطاب كما كان أبو بكر ~~معلما لعمر ومؤدبا له حيث قال له # فأخبرك أنك تدخله هذا العام قال لا قال إنك آتيه ومطوف # فبين له الصديق أن وعد النبى مطلق غير مقيد بوقت وكونه سعى ms0993 فى ذلك العام ~~وقصده لا يوجب أن يعنى ما أخبر به فإنه قد يقصد الشىء ولايكون غيره إذ ليس ~~من شرط النبى أن يكون كما قصده بل من تمام نعمة ربه عليه أن يقيده عما ~~يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده كما كان صلح الحديبية أنفع للمؤمين من ~~دخولهم ذلك العام بخلاف خبر النبى فإنه صادق لا بد أن يقع ما أخبر به ~~ويتحقق PageV15P185 # وكذلك ظن النبى كما قال فى تأبير النخل ( إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذونى ~~بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فإنى لن أكذب على الله ( فإستيئاس عمر وغيره ~~من دخول ذلك هو إستيئاس مما ظنوه موعودا به ولم يكن موعودا به # ومثل هذا لا يمتنع على الأنبياء أن يظنوا شيئا فيكون الأمر بخلاف ما [ ~~ظنوه ] فقد يظنون فيما وعدوه تعيينا وصفات ولا يكون كما ظنوه فييأسون مما ~~ظنوه فى الوعد لا من تعيين الوعد كما قال النبى رأيت أن أبا جهل قد أسلم ~~فلما اسلم خالد ظنوه فلما أسلم عكرمة علم أنه هو ( وروى مسلم فى صحيحه أن ~~النبى مر بقوم يلقحون ( فقال لو لم تفعلوا هذا لصلح ( قال فخرج سبتا فمر ~~بهم فقال ( ما لفحلكم ( قالوا قلت كذا وكذا قال أنتم اعلم بأمر دنياكم ( ~~وروى أيضا عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة ابن عبيد الله قال مررت مع رسول ~~الله بقوم على رؤوس النخل فقال ( ما يصنع هؤلاء ( فقال يلحقونه يجعلون ~~الذكر فى الأنثى فتلقح فقال رسول الله ( ما أظن يغنى ذلك شيئا ( فأخبروا ~~بذلك فتركوه فأخبر رسول الله صلى عليه وسلم بذلك فقال ( إن كان ينفعهم ذلك ~~فليصنعوه PageV15P186 فإننى ظننت ظنا فلا تؤاخذونى بالظن ولكن إذا حدثتكم ~~عن الله شيئا فخذوا به فإنى لنا أكذب على الله ( # فإذا كان النبى يأمرنا إذا حدثنا بشىء عن الله أن نأخذ به فإنه لن يكذب ~~على الله فهو أتقانا لله وأعلمنا بما يتقى وهو أحق أن يكون آخذا بما يحدثنا ~~عن الله فإذا أخبره الله ms0994 بوعد كان علينا أن نصدق به وتصديقه هو به أعظم من ~~تصديقنا ولم يكن لنا أن نشك فيه وهو بأبى أولى وأحرى أن لا يشك فيه لكن قد ~~يظن ظنا كقوله ( إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذونى بالظن ( وإن كان أخبره به ~~مطلقا فمستنده ظنون كقوله فى حديث ذى اليدين ( ما قصرت الصلاة ولا نسيت ( # وقد يظن الشىء ثم يبين الله الأمر على جليته كما وقع مثل ذلك فى أمور ~~كقوله تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ نزلت فى الوليد ابن عقبة ~~لما إستعمله النبى [ وهم أن ] يغزوهم لما ظن صدقه حتى أنزل الله هذه الآية # وكذلك فى قصة بنى أبيرق التى أنزل الله فيها @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما @QE@ ~~PageV15P187 وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذى كان يسرق وأخرجوا البرىء ~~فظن النبى صدقهم حتى تبين الأمر بعد ذلك وقال فى حديث قصر الصلاة ( لم أنس ~~ولم تقصر ( فقالوا بلى قد نسيت وكان قد نسى فأخبر عن موجب ظنه وإعتقاده حتى ~~تبين الأمر بعد ذلك وروى عنه أنه قال ( إنى لا أنسى لأسن ( وأيضا فقوله فى ~~القرآن @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ شامل للنبى وأمته حيث ~~قال فى صدر الآيات @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله @QE@ الآيات # وفى صحيح مسلم عن عبدالله بن عيسى الأنصارى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال ( بينا جبريل قاعد عند النبى سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا من ~~السماء فتح اليوم لم يفتح إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى ~~الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال ابشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبى ~~قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته ( # وفى صحيح مسلم عن آدم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ( لما نزلت هذه ~~الآية @QB@ إن تبدوا ما في أنفسكم أو ms0995 تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ دخل فى ~~قلوبهم منها شىء لم يدخل مثله فقال النبى PageV15P188 ( قولوا سمعنا وأطعنا ~~وسلمنا ( قال فألقى الله الإيمان فى قلوبهم فأنزل الله تعالى ^ لايكلف الله ~~نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما إكتسبت ^ الآيات إلى قوله ^ وأخطأنا ~~^ قال قد فعلت إلى آخر السورة قال قد فعلت ) # وفى صحيح مسلم عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبى هريرة قال لما نزلت ~~على رسول الله الله @QB@ لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ إشتد ذلك على أصحاب رسول الله ثم ~~بركوا على الركب فقالوا أى رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة ~~والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول ~~الله ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ( فلما اقتراها القوم وذلت بها ألسنتهم ~~أنزل الله عزوجل فى أثرها @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه @QE@ إلى ~~قوله @QB@ وإليك المصير @QE@ فلما فعلوا ذلك نسخها سبحانه فأنزل الله @QB@ ~~لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ إلى قوله @QB@ قبلنا @QE@ قال نعم @QB@ ~~ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به @QE@ قال نعم إلى آخر السورة قال نعم # والذى عليه جمهور أهل الحديث والفقه أنه يجوز عليهم الخطأ فى PageV15P189 ~~الإجتهاد لكن لا يقرون عليه وإذا كان فى الأمر والنهى فكيف فى الخبر وفى ~~الصحيحين عن النبى أنه قال ( إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض وإنما أقضى بنحو مما اسمع فأحسب أنه صادق فمن قضيت له من حق ~~أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ( فنفس ما يعد الله به ~~الأنبياء والمؤمنين حقا لا يمترون فيه كما قال تعالى فى قصة نوح @QB@ ونادى ~~نوح ربه @QE@ إلى آخر الآية ومثل هذا الظن قد يكون من إلقاء الشيطان ~~المذكور فى قوله @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي @QE@ إلى قوله ^ ~~صراط ms0996 مسقيم ^ وقد تكلمنا على هذه الآية فى غير هذا الموضع # وللناس فيها قولان مشهوران بعد إتفاقهم على أن التمنى هو التلاوة والقرآن ~~كما عليه المفسرون من السلف كما فى قوله @QB@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ~~إلا أماني وإن هم إلا يظنون @QE@ وأما من أول النهى على تمنى القلب فذاك ~~فيه كلام آخر وإن قيل إن الآية تعم النوعين لكن الأول هو المعروف المشهور ~~فى التفسير وهو ظاهر القرآن ومراد الآية قطعا لقوله بعد ذلك @QB@ فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي ~~الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض @QE@ وهذا كله لا يكون فى مجرد القلب إذا ~~PageV15P190 لم يتكلم به النبى لكن قد يكون فى ظنه الذى يتكلم به بعضه ~~النخل ونحوها وهو يوافق ما ذكرناه # وإذا كان التمنى لا بد أن يدخل فيه القول ففيه قولان # ( الأول ( أن الإلقاء هو فى سمع المستمعين ولم يتكلم به الرسول وهذا قول ~~من تأول الآية بمنع جواز الإلقاء فى كلامه # و ( الثانى ( وهو الذى عليه عامة السلف ومن إتبعهم أن الإلقاء فى نفس ~~التلاوة كما دلت عليه الآية وسياقها من غير وجه كما وردت به الآثار ~~المتعددة ولا محذور فى ذلك إلا إذا أقرعليه فأما إذا نسخ الله ما ألقى ~~الشيطان وأحكم آياته فلا محذور فى ذلك وليس هو خطأ وغلط فى تبليغ الرسالة ~~إلا إذا أقر عليه # ولا ريب أنه معصوم فى تبليغ الرسالة أن يقر على خطأ كما قال ( فإذا ~~حدثتكم عن الله بشىء فخذوا به فإنى لن أكذب على الله ( ولولا ذلك لما قدمت ~~الحجة به فإن كونه رسول الله يقتضى أنه صادق فيما يخبر به عن الله والصدق ~~يتضمن نفى الكذب ونفى الخطأ فيه فلو جاز عليه الخطأ فيما يخبر به عن الله ~~وأقر عليه لم يكن كلما يخبر به عن الله # والذين منعوا أن يقع الإلقاء فى تبليغه فروا من هذا وقصدوا PageV15P191 ~~خير وأحسنوا فى ذلك لكن يقال لهم ألقى ثم ms0997 أحكم فلا محذور فى ذلك فإن هذا ~~يشبه النسخ لمن بلغه الأمر والنهى من بعض الوجوه فإنه إذا موقن مصدق برفع ~~قول سبق لسانه به ليس أعظم من أخباره برفعه # ولهذا قال فى النسخ @QB@ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله @QE@ ~~فظنهم أنهم قد كذبوا هو يتبع ما يظنونه من معنى الوعد وهذا جائز لا محذور ~~فيه إذا لم يقروا عليه وهذا وجه حسن وهو موافق لظاهر الآية ولسائر الأصول ~~من الآيات والأحاديث والذى يحقق [ ذلك ] أن باب الوعد والوعيد ليس بأعظم من ~~باب الأمر والنهى # فإذا كان من الجائز من باب الأمر والنهى أن يظنوا شيئا ثم يتبين لهم ~~بخلافه فلأن يجوز ذلك فى باب الوعد والوعيد بطريق الأولى والأحرى حتى أن ~~باب الأمر والنهى إذا تمسكوا فيه بالإستصحاب لم يقع فى ذلك ظن خلاف ما هو ~~عليه الأمر فى نفسه فإن الوجوب والتحريم الذى لا يثبت إلا بخطاب إذا نفوه ~~قبل الخطاب كان ذلك إعتقادا مطابقا للأمر فى نفسه وباب الوعد إذا لم يخبروا ~~به قد يظنون إنتفاءه كما ظن الخليل جواز المغفرة لأبيه حتى إستغفر له ~~ونهينا عن الإقتداء كما قال النبى لأبى طالب ( ) ( لأستغفرن لك مالم أنه ~~عنك ( وحتى استاذن ربه فى الإستغفار لأمه فلم يؤذن له فى PageV15P192 ذلك ~~وحتى صلى على المنافقين قبل أن ينهى عن ذلك وكان يرجو لهم المغفرة حتى أنزل ~~الله عز وجل @QB@ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين @QE@ إلى ~~قوله @QB@ لأواه حليم @QE@ وقال عن المنافقين @QB@ ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا @QE@ الآية وقال @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم @QE@ فإذا كان صلى على المنافقين وإستغفر لهم راجيا ان يغفر ~~لهم قبل ان يعلم ذلك # ولهذا سوغ العلماء أن يروى فى باب الوعد والوعيد من الأحاديث مالم يعلم ~~انه كذب وإن كان ضعيف الإسناد بخلاف باب الأمر والنهى فإنه لا يؤخذ فيه إلا ~~بما يثبت أنه صدق لأن باب الوعد والوعيد إذا ms0998 أمكن أن يكون الخبر صدقا وأمكن ~~أن يجز الجزم بثبوته بلا علم إذ لا محذور فيه منابت الناس اللفظ تعيين ~~الوعد والوعيد فلا يجوز منع ذلك بمنع الحديث إذا أمكن أن يكون صدقا لأن فى ~~ذلك إبطال لما هو حق ذلك لا يجوز # ولهذا قال النبى ^ حدثوا عن بنى إسرائيل PageV15P193 ولا حرج ^ وهذا ~~الباب وهو & باب الوعد والوعيد هو فى الكتاب بأسماء مطلقة للمؤمنين ~~والصابرين والمجاهدين والمحسنين فما أكثر من يظن من الناس أنه من أهل الوعد ~~ويكون اللفظ فى ظنه أنه متصف بما يدخل فى الوعد لا فى إعتقاد صدق الوعد فى ~~نفسه # وهذا كقوله ^ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الإشهاد @QB@ وقوله @QE@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ^ الآيتين فقد ~~يظن الإنسان فى نفسه أو غيره كمال الإيمان المستحق للنصر وأن جند الله ~~الغالبون ويكون الأمر بخلاف ذلك وقد يقع من النصر الموعود به مالا يظن أنه ~~من الموعود به فالظن المخطىء فهم ذلك كثيرا جدا أكثر من باب الأمر والنهى ~~مع كثرة ما وقع من الغلط فى ذلك وهذا مما يحصر الغلط فيه إلا الله تعالى ~~وهذا عام لجميع الآدميين لكن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يقرون بل ~~يتبين لهم وغير الأنبياء قد لا يتبين له ذلك فى الدنيا # ولهذا كثر فى القرآن ما يأمر نبيه بتصديق الوعد PageV15P194 والإيمان وما ~~يحتاج الآية ذلك من الصبر إلى أن يجىء الوقت ومن الإستغفار لزوال الذنوب ~~التى بها تحقيق إتصافه بصفة الوعد كما قال تعالى @QB@ فاصبر إن وعد الله حق ~~ولا يستخفنك الذين لا يوقنون @QE@ وقال تعالى @QB@ فاصبر إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك @QE@ الآية والآيات فى هذا الباب ~~كثيرة معلومة والله تعالى أعلم PageV15P195 # سورة الرعد # قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى $ فصل # فى قوله تعالى ^ وجعلوا لله شركاء قل سموهم ^ قيل المراد سموهم بأسماء ~~حقيقية لها معان تستحق بها الشرك له والعبادة فإن لم تقدروا بطل ما تدعونه # وقيل إذا ms0999 سميتموها آلهة فسموها بإسم الاله كالخالق والرازق فإذا كانت هذه ~~كاذبة عليها فكذلك إسم الآلهة وقد حام حول معناها كثير من المفسرين فما ~~شفوا عليلا ولا أرووا غليلا وإن كان ما قالوه صحيحا # فتأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعنى فإنه سبحانه يقول ^ ~~أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ^ وهذا إستفهام PageV15P196 تقرير يتضمن ~~إقامة الحجة عليهم ونفى كل معبود مع الله الذى هو قائم على كل نفس بما كسبت ~~بعلمه وقدرته وجزائه فى الدنيا والآخرة فهو رقيب عليها حافظ لأعمالها مجاز ~~لها بما كسبت من خير وشر # فإذا جعلتم أولئك شركاء فسموهم إذا بالأسماء التى يسمى بها القائم على كل ~~نفس بما كسبت فإنه سبحانه يسمى بالحي القيوم المحيي المميت السميع البصير ~~الغنى عما سواه وكل شىء فقير إليه ووجود كل شىء به فهل تستحق آلهتكم إسما ~~من تلك الأسماء فإذا كانت آلهة حقا فسموها بإسم من هذه الأسماء وذلك بهت ~~بين فإذا إنتفى عنها ذلك علم بطلانها كما علم بطلان مسماها # وأما إن سموها بأسمائها الصادقة عليها كالحجارة وغيرها من مسمى الجمادات ~~واسماء الحيوان التى عبدوها من دون الله كالبقر وغيرها وبأسماء الشياطين ~~الذين أشركوهم مع الله جل وعلا وبأسماء الكواكب المسخرات تحت أوامر الرب ~~والأسماء الشاملة لجميعها أسماء المخلوقات المحتاجات المدبرات المقهورات # وكذلك بنو آدم عبادة بعضهم بعضا فهذه اسماؤها الحق وهى تبطل إلهيتها لأن ~~الأسماء التى من لوازم الإلهية مستحيلة عليها فظهر ان تسميتها آلهة من أكبر ~~الأدلة على بطلان إلهيتها وإمتناع كونها شركاء لله عز وجل PageV15P197 # سورة الحجر وقال شيخ الإسلام # أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحرانى قدس الله روحه ونور ~~ضريحه ورحمه $ فصل # فى آيات ثلاثة متناسبة متشابهة اللفظ والمعنى يخفى معناها على أكثر الناس # قوله تعالى @QB@ قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ وقوله تعالى @QB@ وعلى الله قصد السبيل ومنها ~~جائر @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن علينا للهدى وإن لنا ms1000 للآخرة والأولى @QE@ ~~PageV15P198 فلفظ هذه الآيات فيه أن السبيل الهادى هو على الله # وقد ذكر أبوالفرج بن الجوزي فى الآية الأولى ثلاثة أقوال بخلاف الآيتين ~~الأخرتين فإنه لم يذكر فيها إلا قولا واحدا فقال فى تلك الآية إختلفوا فى ~~معنى هذا الكلام على ثلاثة أقوال # ( أحدها ( أنه يعنى بقوله هذا الإخلاص فالمعنى أن الإخلاص طريق إلى ~~مستقيم و ( على ( بمعنى ( إلى ( # و ( الثانى ( هذا طريق على جوازه لأنى بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم وهو ~~خارج مخرج الوعيد كما تقول للرجل تخاصمه ( طريقك على ) فهو كقوله @QB@ إن ~~ربك لبالمرصاد @QE@ و ( الثالث ( هذا صراط على إستقامته أى أنا ضامن ~~لإستقامته بالبيان والبرهان قال وقرأ قتادة ويعقوب @QB@ هذا صراط علي @QE@ ~~أى رفيع # قلت هذه الأقوال الثلاثة قد ذكرها من قبله كالثعلبي والواحدي والبغوي ~~وذكروا قولا رابعا فقالوا واللفظ للبغوى وهو مختصر الثعلبي PageV15P199 # قال الحسن معناه صراط مستقيم وقال مجاهد الحق يرجع إلى وعليه طريقه لا ~~يعرج على شىء وقال الأخفش يعنى على الدلالة على الصراط المستقيم وقال ~~الكسائى هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه ( طريقك على ( ~~أى لا تفلت منى كما قال تعالى @QB@ إن ربك لبالمرصاد @QE@ وقيل معناه على ~~إستقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية # فذكروا الأقوال الثلاثة وذكروا قول الأخفش ( على الدلالة على الصراط ~~المستقيم ( وهو يشبه القول الأخير لكن بينهما فرق فإن ذاك يقول على ~~إستقامته الأدلة فمن سلكه كان على صراط مستقيم والآخر يقول على أن أدل ~~الخلق عليه بإقامة الحجج ففى كلا القولين أنه بين الصراط المستقيم بنصب ~~الأدلة لكن هذا جعل الدلالة عليه وهذا جعل عليه إستقامته أى بيان إستقامته ~~وهما متلازمان ولهذا والله أعلم لم يجعله أبوالفرج قولا رابعا # وذكروا القراءة الأخرى عن يعقوب وغيره أى رفيع قال البغوي وعبر بعضهم عنه ~~( رفيع أن ينال مستقيم أن يمال ( PageV15P200 # ( قلت ( القول الصواب هو قول أئمة السلف قول مجاهد ونحوه فإنهم أعلم ~~بمعانى القرآن لا سيما مجاهد فإنه قال عرضت المصحف على ابن عباس من فاته ~~إلى خاتمته أقفه عند ms1001 كل آية وأسأله عنها ( وقال الثورى إذا جاءك التفسير عن ~~مجاهد فحسبك به والأئمة كالشافعى واحمد والبخارى ونحوهم يعتمدون على تفسيره ~~والبخارى فى صحيحه أكثر ما ينقله من التفسير ينقله عنه والحسن البصرى أعلم ~~التابعين بالصرة وما ذكروه عن مجاهد ثابت عنه رواه الناس كابن أبى حاتم ~~وغيره من تفسير ورقاء عن ابن أبى نجيح عن مجاهد فى قوله @QB@ هذا صراط علي ~~مستقيم @QE@ الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على شىء وذكر عن قتادة ~~أنه فسرها على قراءته وهو يقرأ ( على ( فقال ( فقال أى رفيع مستقيم ( وكذلك ~~ذكر ابن أبى حاتم عن السلف أنهم فسروا آية النحل فروى من طريق ورقاء عن ابن ~~أبى نجيح عن مجاهد قوله @QB@ قصد السبيل @QE@ قال طريق الحق على الله وروى ~~عن السدى انه قال الإسلام وعطاء قال هى طريق الجنة # فهذه الأقوال قول مجاهد والسدى وعطاء فى هذه الآية هى مثل مجاهد والحسن ~~فى تلك الآية # وذكر ابن أبى حاتم من تفسير العوفى عن ابن عباس فى قوله PageV15P201 @QB@ ~~وعلى الله قصد السبيل @QE@ يقول على الله البيان أن يبين الهدى والضلالة ~~وذكر ابن ابى حاتم فى هذه الآية ولم يذكر فى أية الحجر إلا قول مجاهد فقط # وابن الجوزى لم يذكر فى آية النحل إلا هذا القول الثانى وذكره عن الزجاج ~~فقال @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ القصد إستقامة الطريق يقال طريق قصد ~~وقاصد إذا قصد بك إلى ما تريد قال الزجاج المعنى وعلى الله تبين الطريق ~~المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين # وكذلك الثعلبى والبغوى ونحوهما لم يذكروا إلا هذا القول لكن ذكروه ~~باللفظين قال البغوى يعنى بيان طريق الهدى من الضلالة وقيل بيان الحق ~~بالآيات والبراهين # قال والقصد الصراط المستقيم ( ومنها جائر ( يعنى ومن السبيل ماهو جائر عن ~~الإستقامة معوج فالقصد من السبيل دين الإسلام والجائر منها اليهودية ~~والنصرانية وسائر ملل الكفر PageV15P202 قال جابر بن عبدالله قصد السبيل ~~بيان الشرائع والفرائض وقال عبدالله بن المبارك وسهل بن عبدالله قصد السبيل ~~السنة ( ومنها جائر ms1002 ( الأهواء والبدع دليله قوله تعالى @QB@ وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ # ولكن البغوي ذكر فيها القول الآخر ذكره فى تفسير قوله تعالى @QB@ إن ~~علينا للهدى @QE@ عن الفراء كما سيأتى فقد ذكر القولين فى الآيات الثلاث ~~تبعا لما قبله كالثعلبى وغيره والمهدى ذكر فى الآية الأولى قولين من ~~الثلاثة وذكر فى الثانية ما رواه العوفى وقولا آخر فقال قوله ^ هذا صراط ~~على المستقيم ^ أى على أمرى وإرادتى وقيل هو على التهديد كما يقال ^ على ~~طريقك وإلى مصيرك ^ # وقال فى قوله @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ قال ابن عباس أى بيان الهدى ~~من الضلال وقيل السبيل الإسلام ( ومنها جائر ( أى ومن السبيل جائر أى عادل ~~عن الحق وقيل المعنى ( وعنها جائر ( أى عن السبيل ف ( من ( بمعنى ( عن ( # وقيل معنى قصد السبيل سيركم ورجوعكم والسبيل واحدة بمعنى الجمع ~~PageV15P203 # قلت هذا قول بعض المتأخرين جعل ( القصد ( بمعنى ( الإرادة ( أي عليه ~~قصدكم للسبيل فى ذهابكم ورجوعكم وهو كلام من لم يفهم الآية فإن ( السبيل ~~القصد ( هى السبيل العادلة أى عليه السبيل القصد و ( السبيل ( إسم جنس ~~ولهذا قال ( ومنها جائر ( أى عليه القصد من السبيل ومن السبيل جائر فأضافه ~~إلى إسم الجنس إضافة النوع إلى الجنس أى ( القصد من السبيل ( كما تقول ( ~~ثوب خز ) ولهذا قال ( ومنها جائر ( وأما من ظن أن التقدير ( قصدكم السبيل ( ~~فهذا لا يطابق لفظ الآية ونظمها من وجوه متعددة وابن عطية لم يذكر فى آية ~~الحجر إلا قول الكسائى وهو أضعف الأقوال وذكر المعنى الصحيح تفسيرا للقراءة ~~الأخرى فذكر أن جماعة من السلف قرأوا @QB@ علي مستقيم @QE@ من العلو ~~والرفعة قال والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى الإخلاص لما إستثنى إبليس ~~من أخلص قال الله له هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت بأغوائك ~~أهله # قال وقرأ جمهور الناس ( على مستقيم ( والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى ~~إنقسام الناس إلى غاو ومخلص لما قسم إبليس هذين PageV15P204 القسمين قال ~~الله ( هذا طريق على ( أى هذا ms1003 أمر إلى مصيره والعرب تقول ( طريقك فى هذا ~~الأمر على فلان ( أى إليه يصير النظر فى أمرك وهذا نحو قوله @QB@ إن ربك ~~لبالمرصاد @QE@ قال والآية على هذه القراءة خبر يتضمن وعيدا # ( قلت ( هذا قول لم ينقل عن أحد من علماء التفسير لا فى هذه الآية ولا فى ~~نظيرها وإنما قاله الكسائى لما اشكل لما أشكل عليه معنى الآية الذى فهمه ~~السلف ودل عليه السياق والنظائر # وكلام العرب لا يدل على هذا القول فإن الرجل وإن كان يقول لمن يتهدده ~~ويتوعده ( على طريقك ( فإنه لا يقول إن طريقك مستقيم # وأيضا فالوعيد إنما يكون للمسيء لا يكون للمخلصين فكيف يكون قوله هذا ( ~~إشارة إلى إنقسام الناس إلى غاو ومخلص # ) وطريق هؤلاء غير طريق هؤلاء هؤلاء سلكوا الطريق المستقيم التى تدل على ~~الله وهؤلاء سلكوا السبيل الجائرة وأيضا فإنما يقول لغيره فى التهديد ( ~~طريقك على ( من لا يقدر عليه فى الحال لكن ذاك يمر بنفسه عليه وهو متمكن ~~منه كما كان أهل PageV15P205 المدينة يتوعدون أهل مكة بأن ( طريقكم علينا ( ~~لما تهددوهم بأنكم آويتم محمدا وأصحابه كما قال أبوجهل لسعد بن معاذ لما ~~ذهب سعد إلى مكة ( لا أراك تطوف بالبيت آمنا وقد آويتم الصباة وزعمتم أنكم ~~تنصرونهم ( فقال ( لئن منعتنى هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على ~~المدينة ( أو نحو هذا فذكر أن طريقهم فى متجرهم إلى الشام عليهم فيتمكنون ~~حينئذ من جزائهم # ومثل هذا المعنى لا يقال فى حق الله تعالى ( فإن الله قادر على العباد ~~حيث كانوا كما قالت الجن @QB@ وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن ~~نعجزه هربا @QE@ وقال ^ وما أنتم بمعجزين فى الأرض ^ # واذا كانت العرب تقول ما ذكره يقولون طريقك فى هذا ألأمر على فلان أى ~~إليه يصير أمرك فهذا يطابق تفسير مجاهد وغيره من السلف كما قال مجاهد الحق ~~يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على شىء فطريق الحق على الله وهو الصراط ~~المستقيم الذى قال الله فيه @QB@ هذا صراط علي مستقيم ms1004 @QE@ كما فسرت به ~~القراءة الأخرى # فالصراط فى القرائتين هذا الصراط المستقيم الذى أمر الله المؤمنين ~~PageV15P206 أن يسألوه إياه فى صلاتهم فيقولوا @QB@ اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وهو الذى وصى ~~به فى قوله @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون @QE@ وقوله هذا إشارة إلى ما تقدم ذكره ~~وقوله @QB@ إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ فتعبد العباد له بإخلاص الدين له ~~طريق يدل عليه وهو طريق مستقيم ولهذا قال بعده @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان @QE@ وابن عطية ذكر أن هذا معنى الآية فى تفسير الآية الأخرى مستشهدا ~~به مع أنه لم يذكره فى تفسيرها فهو بفطرته عرف أن هذا معنى الآية ولكنه لما ~~فسرها ذكر ذلك القول كأنه هو الذى إتفق أن رأى غيره قد قاله هناك فقال رحمه ~~الله # وقوله @QB@ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر @QE@ وهذه أيضا من أجل نعم ~~الله تعالى أى على الله تقويم طريق الهدى وتنبيه وذلك بنصب الأدلة وبعث ~~الرسل وإلى هذا ذهب المتأولون # قال ويحتمل أن يكون المعنى أن من سلك السبيل القاصد فعلى الله طريقه وإلى ~~ذلك مصيره فيكون هذا مثل قوله ^ هذا صراط علي PageV15P207 مستقيم ^ وضد قول ~~النبى ( والشر ليس إليك ( أى لا يفضى إلى رحمتك وطريق إلى رحمتك وطريق قاصد ~~معناه بين مستقيم قريب ومنه قول الراجز % بعيد عن نهج الطريق القاصد % $ # قال والألف واللام فى ( السبيل ( للعهد وهى سبيل الشرع وليست للجنس ولو ~~كانت للجنس لم يكن منها جائر وقوله ( ومنها جائر ( يريد طريق اليهود ~~والنصارى وغيرهم كعباد الأصنام والضمير فى ( منها ( يعود على ( السبيل ( ~~التى يتضمنها معنى الآية كأنه قال ( ومن السبيل جائر ( فأعاد عليها وإن كان ~~لم يجز لها ذكر لتضمن لفظه ( السبيل ( بالمعنى لها # قال ويحتمل أن يكون الضمير فى ( منها ( على ( سبيل الشرع ( المذكورة ~~ويكون ( من ( للتبعيض ويكون المراد فرق الضلالة من امة محمد كأنه قال ( ومن ~~بنيات الطريق من هذه ms1005 السبيل ومن شعبها جائر ( قلت ( سبيل أهل البدع جائرة ~~خارجة عن الصراط المستقيم فيما إبتدعوا فيه ولا يقال إن ذلك من السبيل ~~المشروعة PageV15P208 # وأما قوله إن قوله @QB@ قصد السبيل @QE@ هى سبيل الشرع وهى سبيل الهدى ~~والصراط المستقيم وأنها لو كانت للجنس لم يكن منها جائر فهذا أحد الوجهين ~~فى دلالة الآية وهو مرجوح والصحيح الوجه الآخر أن ( السبيل ( إسم جنس ولكن ~~الذى على الله هو القصد منها وهى سبيل واحد ولما كان جنسا قال ( ومنها جائر ~~( والضمير يعود على ما ذكر بلا تكلف # وقوله ( لو كان للجنس لم يكن منها جائر ( ليس كذلك فإنها ليست كلها عليه ~~بل إنما عليه القصد عليها وهى سبيل الهدى والجائر ليس من القصد وكأنه ظن ~~أنه إذا كانت للجنس يكون عليه قصد كل سبيل وليس كذلك بل إنما عليه سبيل ~~واحدة وهى الصراط المستقيم هى التى تدل عليه وسائرها سبل الشيطان كما قال ~~@QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~@QE@ # وقد أحسن رحمه الله فى هذا الإحتمال وفى تمثيله ذلك بقوله @QB@ هذا صراط ~~علي مستقيم @QE@ # وأما آية الليل قوله @QB@ إن علينا للهدى @QE@ فابن عطية مثلها بهذة ~~الآية لكنه فسرها بالوجه الأول فقال PageV15P209 # ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا أى تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم ~~الإدراك ومنهم الإدراك كما قال @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ ثم كل أحد ~~يتكسب ما قدر له وليست هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان ولو كان كذلك لم ~~يوجد كافر # ( قلت ( وهذا هو الذى ذكره ابن الجوزى وذكره عن الزجاج قال الزجاج إن ~~علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال # وهذا التفسير ثابت عن قتادة رواه بن عبدالحميد قال حدثنا يونس عن شيبان ~~عن قتادة @QB@ إن علينا للهدى @QE@ علينا بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ~~وكذلك رواه إبن أبى حاتم فى تفسير سعيد عن قتادة فى قوله @QB@ إن علينا ~~للهدى @QE@ يقول على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته # لكن قتادة ذكر أنه البيان الذى أرسل ms1006 الله به رسله وأنزل به كتبه فتبين به ~~حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته وأما الثعلبى والواحدى والبغوى وغيرهم فذكروا ~~القولين وزادوا أقوالا أخر فقالوا واللفظ للبغوى PageV15P210 @QB@ إن علينا ~~للهدى @QE@ يعنى البيان قال الزجاج علينا أن نبين طريق الهدى من طريق ~~الضلالة وهو قوله قتادة قال على الله بين حلاله وحرامه # وقال الفراء يعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله تعالى @QB@ وعلى ~~الله قصد السبيل @QE@ يقول من أراد الله فهو على السبيل القاصد قال ( وقيل ~~معناه إن علينا للهدى والإضلال كقوله @QB@ بيدك الخير @QE@ قلت هذا القول ~~هو من الأقوال المحدثة التى لم تعرف عن السلف وكذلك ما أشبه فإنهم قالوا ~~معناه بيدك الخير والشر والنبى فى الحديث الصحيح يقول والخير بيدك والشر ~~ليس إليك # والله تعالى خالق كل شيء لا يكون فى ملكه إلا ما يشاء والقدر حق لكن فهم ~~القرآن ووضع كل شىء موضعه وبيان حكمة الرب وعدله مع الإيمان بالقدر هو طريق ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان # وقد ذكر المهدوى الأقوال الثلاثة فقال إن علينا لله للهدى PageV15P211 ~~والضلال فحذف قتادة المعنى إن علينا بيان الحلال والحرام وقيل المعنى إن ~~علينا أن نهدى من سلك سبيل الهدى قلت هذا هو قول الفراء لكن عبارة الفراء ~~أبين فى معرفة هذا القول # فقد تبين أن جمهور المتقدمين فسروا الآيات الثلاث بأن الطريق المستقيم ~~لايدل إلا على الله ومنهم من فسرها بأن عليه بيان الطريق المستقيم والمعنى ~~الأول متفق عليه بين المسلمين # وأما الثانى فقد يقول طائفة ليس على الله شىء لا بيان هذا ولا هذا فإنهم ~~متنازعون هل أوجب على نفسه كما قال @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ ~~وقوله @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ وقوله @QB@ ما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها @QE@ # وإذا كان عليه بيان الهدى من الضلال وبيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ~~فهذا يوافق قول من يقول إن عليه إرسال الرسل وإن ذلك واجب عليه فإن البيان ~~لا يحصل إلا بهذا # وهذا يتعلق بأصل آخر وهو أن كل ما ms1007 فعله فهو واجب منه PageV15P212 أوجبته ~~مشيئته وأنه ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن فما شاءه وجب وجوده ومالم يشأه ~~إمتنع وجوده وبسط هذا موضع آخر # ودلالة الآيات على هذا فيها نظر وأما المعنى المتفق عليه فهو مراد من ~~الآيات الثلاث قطعا وأنه أرشد بها إلى [ الطريق المستقيم ] وهى الطريق ~~القصد وهى الهدى إنما تدل عليه وهو الحق طريقه على الله لا يعرج عنه # لكن نشأت الشبهة من كونه قال ( علينا ( بحرف الإستعلاء ولم يقل ( إلينا ( ~~والمعروف أن يقال لمن يشار إليه أن يقال ( هذه الطريق إلى فلان ( ولمن يمر ~~به ويجتاز عليه أن يقول ( طريقنا على فلان ( # وذكر هذا المعنى بحرف الإستعلاء وهو من محاسن القرآن الذى لا تنقضى ~~عجائبه ولا يشبع منه العلماء # فإن الخلق كلهم مصيرهم ومرجعهم إلى الله على أى طريق سلكوا كما قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه @QE@ وقال @QB@ وإلى ~~الله المصير @QE@ @QB@ إن إلينا إيابهم @QE@ أي إلينا مرجعهم وقال ~~PageV15P213 ^ وهو الذى يتوفكم بالليل ويعلم وما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم ~~فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر ~~فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ^ وقال @QB@ أم لم ينبأ بما في صحف ~~موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى @QE@ وقال ~~@QB@ وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ~~ما يفعلون @QE@ # فأي سبيل سلكها العبد فإلى الله مرجعه ومنتهاه لابد له من لقاء الله ^ ~~ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين احسنوا بالحسنى ^ # وتلك الآيات قصد بها أن سبيل الحق والهدى وهو الصراط المستقيم هو الذى ~~يسعد أصحابه وينالون به ولاية الله ورحمته وكرامته فيكون الله وليهم دون ~~الشيطان وهذه سبيل من عبدالله وحده وأطاع رسله فلهذا ms1008 قال @QB@ إن علينا ~~للهدى @QE@ @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ قال هذا صراط على مستقيم ( ~~فالهدى وقصد السبيل والصراط المستقيم إنما يدل على عبادته وطاعته لا يدل ~~على معصيته وطاعة الشيطان PageV15P214 فالكلام تضمن معنى ( الدلالة ( إذ ~~ليس المراد ذكر الجزاء فى الآخرة فإن الجزاء يعم الخلق كلهم بل المقصود ~~بيان ما أمر الله به من عبادته وطاعته وطاعة رسله ما الذى يدل على ذلك ~~فكأنه قيل الصراط المستقيم يدل على الله على عبادته وطاعته # وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون ( هذه الطريق على فلان ( إذا كانت ~~تدل عليه وكان هو الغاية المقصود بها وهذا غير كونها ( عليه ( بمعنى أن ~~صاحبها يمر عليه وقد قيل % فهن المنايا أى واد سلكته % عليها طريقى أو على ~~طريقها % $ # وهو كما قال الفراء من سلك الهدى فعلى الله سبيله # فالمقصود بالسبيل هو الذي يدل ويوقع عليه كما يقال إن سلكت هذه السبيل ~~وقعت على المقصود ونحو ذلك وكما يقال ( على الخبير سقطت ) فإن الغاية ~~المطلوبة إذا كانت عظيمة فالسالك يقع عليها ويرمى نفسه عليها # وأيضا فسالك طريق الله متوكل عليه فلابد له من عبادته ومن التوكل عليه # فإذا قيل ^ عليه الطريق المستقيم ^ تضمن أن سالكه عليه يتوكل PageV15P215 ~~وعليه تدل الطريق وعلى عبادته وطاعته يقع ويسقط لا يعدل عن ذلك إلى نحو ذلك ~~من المعانى التى يدل عليها حرف الإستعلاء دون حرف الغاية وهو سبحانه قد ~~أخبر أنه على صراط مستقيم فعليه الصراط المستقيم وهو على صراط مستقيم ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا والله أعلم PageV15P216 # سورة النحل # قال شيخ الإسلام رحمه الله فصل # اللباس له منفعتان إحداهما الزينة بستر السوءة # والثانية الوقاية لما يضر من حر أو برد أو عدو # فذكر اللباس فى ( سورة ألأعراف ( لفائدة الزينة وهى المعتبرة فى الصلاة ~~والطواف كما دل عليه قوله @QB@ خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ وقال ^ يا بنى ~~آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم ^ وقال @QB@ قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق @QE@ ردا ms1009 على ما كانوا عليه فى ~~الجاهلية من تحريم الطواف فى الثياب الذى قدم بها غير الخمس ومن أكل من ~~سلوه من الأدهان PageV15P217 وذكره فى النحل لفائدة الوقاية فى قوله @QB@ ~~وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون @QE@ ولما كانت هذه الفائدة حيوانية طبيعية لاقوام للإنسان ~~إلا بها جعلها من النعم ولما كانت تلك فائدة كمالية قرنها بالأمر الشرعى ~~وتلك الفائدة من باب جلب المنفعة بالتزين وهذه من باب دفع المضرة فالناس ~~إلى هذه احوج فأما قوله @QB@ سرابيل تقيكم الحر @QE@ ولم يذكر ( البرد ( ~~فقد قيل لأن التنزيل كان بالأرض الحارة فهم يتخوفونه وقيل حذف الآخر للعلم ~~به ويقال هذا من باب التنبية فإنه إذا إمتن عليهم بما يقى الحر فالإمتنان ~~بما يقى البرد أعظم لأن الحر أذى والبرد بؤس والبرد الشديد يقتل والحر قل ~~إن يقع فيه هكذا فإن باب التنبيه والقياس كما يكون فى خطاب الأحكام يكون فى ~~خطاب الآلاء وخطاب الوعد والوعيد كما قتلته فى قوله @QB@ لا تنفروا في الحر ~~قل نار جهنم أشد حرا @QE@ مثله من يقول لا تنفروا فى البرد فإن جهنم أشد ~~زمهريرا ( ومن أغبرت قدماه فى سبيل الله حرمهما الله على النار ( فالوحل ~~والثلج أعظم ونحو ذلك وفى الآية شرع لباس جنن الحرب ولهذا قرن من قرن باب ~~اللباس والتحلى بالصلاة لأن للحرب لباسا مختصا مع اللباس المشترك وطابق ~~وقولهم اللباس والتحلى قوله ^ يحلون فيها من أساور من ذهب PageV15P218 ~~ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ^ وأحسن من هذا أنه قد تقدم ذكر وقاية البرد فى ~~اول السورة بقوله ^ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ^ ~~فيقال لم فرق هذا فيقال والله اعلم المذكور فى أول السورة النعم الضرورية ~~التى لا يقومون بدونها من الأكل وشرب الماء القراح ودفع البرد والركوب الذى ~~لابد منه فى النقلة وفى آخرها ذكر كمال النعم من الأشربة الطبية والسكون فى ~~البيوت وبيوت الأدم والإستظلال بالظلال ودفع الحر والبأس بالسرابيل فإن ~~هذايستغنى عنه فى الجملة ففى ms1010 الأول الأصول وفى الآخر الكمال ولهذا قال كذلك ~~يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون # و ( أيضا ( فالمساكن لها منفعتان إحداهما السكون فيها لأجل الإستتار فهى ~~كلباس الزينة من هذا الوجه والثانى وقاية الأذى من الشمس والمطر والريح ~~ونحو ذلك فجمع الله الإمتنان بهذين فقال ^ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ^ ~~هذه بيوت المدر ^ وجعل لكم من جلود ألأنعام بيوتا تسخفونها يوم ظعنكم ويوم ~~إقامتكم ^ هذه بيوت العمود ^ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا ~~إلى حين ^ يدخل فيه أهبة البيت من البسط والأعية والأغطية ونحوها وقال ^ من ~~بيوتكم سكنا ^ ولم يقل من المدر بيوتا كما قال ^ من جلود الأنعام بيوتا ^ ~~لأن السكن بيان منفعة البيت فيه تظهر النعمة وإتخاذ PageV15P219 البيوت من ~~المدر معتاد فالنعمة بظهور أثرها بخلاف الأنعام فإن الهداية إلى إتخاذ ~~البيوت من جلودها أظهر من الهداية إلى نفس إتخاذ البيوت # وأما فائدة الوقاية فقال @QB@ والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من ~~الجبال أكنانا @QE@ فالظلال يعم جميع ما يظل من العرش والفساطيط والسقوف ~~مما يصطنعه الآدميون وقوله ^ ومن الجبال أكنانا ^ لأن الجبل يكن الإنسان من ~~فوقه ويمينه ويساره واسفل منه ليس مقصوده الإستظلال بخلاف الظلال فإن ~~مقصودها الإستظلال ولهذا قرن بهذه ما فى السرابيل من منفعة الوقاية فجمع فى ~~هذه الآية بين وقاية اللباس المنتقل مع البدن ووقاية الظلال الثابتة على ~~الأرض ولهذا كانوا فى الجاهلية يسوون بينهما فى حق المحرم فكما نهى عن ~~تغطية الرأس نهوه عن الدخول تحت سقف حتى أنزل الله @QB@ وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها @QE@ وجاز للمحرم أن يستظل بالثابت من الخيام ~~والشجر وأما لاشىء المنتقل معه المتصل كالمحمل ففيه ما فيه لتردده بين ~~السرابيل وبين المستقر من الظلال والأكنة # كما أنه قبل هذه الآيات ذكر أصناف الأشربة من اللبن والخمر والعسل وذكر ~~فى اول السورة المراكب والأطعمة وهذه مجامع المطاعم والمشارب والملابس ~~والمساكن والمراكب PageV15P220 # ( وقال شيخ الإسلام ( # قوله عز وجل ^ قل نزله روح القدس من ربك الحق ^ الآيتين لفظ ( الأنزال ( ~~فى القرآن ms1011 يرد ( مقيدا ( بأنه منه كالقرآن وبالإنزال من السماء ويراد به ~~العلو كالمطر و ( مطلقا ( فلا يختص بنوع بل يتناول إنزال الحديد من الجبال ~~والإنزال من ظهور الحيوان وغير ذلك فقوله @QB@ نزله روح القدس من ربك @QE@ ~~بيان لنزول جبريل به من الله كقوله @QB@ نزل به الروح الأمين @QE@ أى أنه ~~مؤتمن لا يزيد ولا ينقص فإن الخائن قد يغير الرسالة # وفيها دلالة على أمور # منها بطلان قول من زعم خلقه فى جسم كالجهمية من المعتزلة وغيرهم فإن ~~السلف يسمون من قال بخلقه ونفى الصفات والرؤية جهميا فإن جهما أول من ظهرت ~~عنه بدعة نفى الأسماء والصفات وبالغ فى ذلك فله مزية المبالغة والإبتداء ~~بكثرة إظهاره وإن كان جعد سبقه إلى بعض ذلك لكن المعتزلة وإن وافقوه فى ~~البعض فهم يخالفونه فى مثل مسائل الإيمان والقدر وبعض الصفات وجهم يقول إن ~~الله لا PageV15P221 يتكلم أو يتكلم مجازا وهم يقولون يتكلم حقيقة ولكن ~~قولهم فى المعنى قوله وهو ينفى الأسماء كالباطنية والفلاسفة # ومنها بطلان قول من زعم أنه فاض من العقل الفعال أو غيره وهذا أعظم كفرا ~~وضلالا من الذى قبله ومنها إبطال قول الأشعرية إن كلام الله معنى وهذا ~~العربى خلق ليدل عليه سواء قالوا خلق فى بعض الأجسام أو ألهمه جبريل أو ~~أخذه من اللوح فإن هذا لابد له من متكلم تكلم به أولا وهذا يوافق قول من ~~قال إنه مخلوق لكن يفارقه من وجهين # أحدهما أن أولئك يقولون المخلوق كلام الله وهؤلاء يقولون إنه كلام مجازا ~~وهذا أشر من قول المعتزلة بل هو قول الجهمية المحضة لكن المعتزلة يوافقوهم ~~فى المعنى الثانى انهم يقولون لله كلام قائم بذاته والخلقية يقولون لا يقوم ~~بذاته فإن الكلابية خير منهم فى الظاهر لكن فى الحقيقة لم يثبتوا كلاما له ~~غير المخلوق # والمقصود أن الآية تبطل هذا و ( القرآن ( إسم للعربى لقوله @QB@ فإذا ~~قرأت القرآن @QE@ وأيضا فقول ( نزله ( عائد إلى قوله ^ والله PageV15P222 ~~روح القدس وأيضا قال @QB@ ولقد نعلم أنهم يقولون @QE@ الآية وهم يقولون ~~إنما يعلم ms1012 هذا القرآن العربى بشر لقوله @QB@ لسان الذي يلحدون إليه @QE@ ~~إلخ فعلم أن محمدا لم يؤلف نظما بل سمعه من روح القدس وروح القدس الذى نزل ~~به من الله فعلم أنه سمعه منه لم يؤلفه هو # ونظيرها قوله ^ هو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا ^ و ( الكتاب ( إسم ~~للقرآن بالضرورة والإنفاق فإنهم أو بعضهم يفرقون بين كتاب الله وكلامه ولفظ ~~( الكتاب ( يراد به المكتوب فيه فيكون هو الكلام ويراد به ما يكتب فيه ~~كقوله @QB@ في كتاب مكنون @QE@ وقوله @QB@ ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا @QE@ وقوله ^ يعلمون أنه منزل من ربك الحق ^ إخبار مستشهد بهم ~~فمن لم يقر به منا فهم خير منه هذا الوجه # وهذا لا ينافى ما جاء عن ابن عباس وغيره أنه أنزل فى ليلة القدر إلى بيت ~~العزة فى السماء الدنيا ولا ينافى أنه مكتوب فى اللوح قبل نزوله سواء كتبه ~~الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعده فإذا أنزل جملة إلى بيت العزة فقد كتبه ~~كله قبل أن ينزله والله يعلم ما كان وما يكون ومالا يكون لو كان كيف يكون ~~وهو قد كتب المقادير وأعمال العباد قبل أن يعملوها ثم يأمر بكتابتها بعد أن ~~يعملوها فيقابل بين PageV15P223 الكتابة المتقدمة والمتأخرة فلا يكون ~~بينهما تفاوت هكذا قال ابن عباس وغيره فإذا كان ما يخلقه بائنا عنه قد كتبه ~~قبل أن يخلقه فكيف لا يكتب كلامه الذى يرسل به ملائكته قبل ان يرسلهم # ومن قال إن جبرائيل أخذه عن الكتاب لم يسمعه من الله فهو باطل من وجوه # منها انه سبحانه كتب التوراة لموسى بيده فبنوا إسرائيل أخذوا كلامه من ~~الكتاب الذى كتبه ومحمد عن جبريل عن الكتاب فهم إلى بدرجة ومن قال أنه ألقى ~~إلى جبريل معانى وعبر بالعربى فمعناه أنه ألهمه إلهاما وهذا يكون لآحاد ~~المؤمنين كقوله @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي @QE@ ~~@QB@ وأوحينا إلى أم موسى @QE@ فيكون هذا أعلى من أخذ محمد وأيضا فإنه ~~سبحانه قال ^ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ms1013 نوح والنبيين من بعده إلى ~~قوله وكلم الله موسى تكليما ^ وهذا يدل على أمور على أنه يكلم العبد تكليما ~~زائدا على الوحى الذى هو قسيم التكلم الخاص # فإن لفظ التكليم والوحى كل منهما ينقسم إلى عام وخاص فالتكليم ~~PageV15P224 العام هو المقسوم فى قوله ^ وما كان البشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب ^ الآية فالتكليم المطلق قسيم الوحى الخاص لا قسما ~~منه وكذلك الوحى يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص كقوله @QB@ فاستمع لما ~~يوحى @QE@ ويكون قسيما له كما فى الشورى وهذا يبطل قول من قال إنه معنى ~~واحد قائم بالذات فإنه لا فرق بين العام وما لموسى وفرق سبحانه فى ( الشورى ~~( بين الإيحاء وبين التكلم من وراء حجاب وبين إرسال رسول فيوحى بإذنه ما ~~يشاء PageV15P225 # ( سورة الإسراء # ( وقال شيخ الإسلام رحمه الله ( فى الكلام على قوله تعالى @QB@ قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه @QE@ الآيتين لما ذكر أن من السلف من ذكر أنهم من ~~الملائكة ومنهم من ذكر أنهم من الإنس ومنهم من ذكر أنهم من الجن # لفظ السلف يذكرون جنس المراد من الآية على التمثيل كما يقول الترجمان لمن ~~سأله عن الخبز فيريه رغيفا والآية هنا قصد بها التعميم لكل ما يدعى من دون ~~الله فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ ~~الإستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة ~~والجن ومعلوم أن هؤلاء يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم ومع هذا فقد ~~نهى عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله لا ~~يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع أو من حال إلى حال كتغيير ~~صفته أو قدره ولهذا قال ( ولا تحويلا ( فذكر نكرة تعم أنواع التحويل ~~PageV15P226 # وقال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ~~رهقا @QE@ كان أحدهم إذا نزل بواد يقول أعوذ بعظيم هذا الوادى من سفهائه ~~فقالت الجن الإنس تستعيذ بنا فزادوهم رهقا وقد نص الأئمة كأحمد ms1014 وغيره على ~~أنه لا تجوز الإستعاذة بمخلوق وهذا مما إستدلوا به على أن كلام الله غير ~~مخلوق لما ثبت عنه أنه إستعاذ بكلمات الله وأمر بذلك فإذا كان لا يجوز ذلك ~~فلأن لا يجوز أن يقول أنت خير مستعان يستعاذ به اولى فالإستعاذة والإستجارة ~~والإستغاثة كلها من نوع الدعاء أو الطلب وهى ألفاظ متقاربة # ولما كانت الكعبة بيت الله الذى يدعى ويذكر عنده فإنه سبحانه يستجار به ~~هناك وقد يستمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من يستجير به كما ~~قال عمرو بن سعيد إن الحرام لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة وفى ~~الصحيح ( يعوذ عائذ بهذا البيت ( # والمقصود أن كثيرا من الضالين يستغيثون بمن يحسنون به الظن ولا يتصور أن ~~يقضى لهم أكثر مطالبهم كما ان ما تخبر به الشياطين من ألأمور الغائبة [ ~~يكذبون ] في الكثيره بل يصدقون فى واحدة ويكذبون فى اضعافها ويقضون لهم ~~حاجة واحدة ويمنعونهم أضعافها PageV15P227 يكذبون فيما أخبروا به وأعانوا ~~عليه لا فساد حال الرجال فى الدين والدنيا ويكون فيه شبهة للمشركين كما ~~يخبر الكاهن ونحوه # والله سبحانه جعل الرسول مبلغا لأمره ونهيه ووعده ووعيده وهؤلاء الرسل ~~والمشائخ يدبرون العالم بقضاء الحاجات وكشف الكربات وليس هذا من دين ~~المسلمين بل النصارى تقول هذا فى المسيح وحده بشبهة الإتحاد والحلول ولهذا ~~لم يقولوه فى إبراهيم وموسى وغيرهم مع أنهم فى غاية الجهل فى ذلك فإن ~~الآيات التى بعث بها موسى أعظم ولو كان كان هذا ممكنا لم يكن للمسيح خاصية ~~به بل موسى أحق # ولهذا كنت اتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح ~~وغيره من جهة الإلهية فلا يجدون فرقا بل أبين لهم أن ما جاء به موسى من ~~الآيات أعظم فإن كان حجة فى دعوى الإلهية فموسى أحق وأما ولادته من غير أب ~~فهو يدل على قدرة الخالق لا على أن المخلوق أفضل من غيره PageV15P228 # ( سورة الكهف ( $ ( فصل ( # حديث على رضى الله عنه المخرج فى الصحيحين لما طرقه رسول ms1015 الله وفاطمة ~~وهما نائمان فقال ( ألا تصليان ( فقال على يا رسول الله إنما أنفسنا بيد ~~الله إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يرسلها فولى النبى وهو يضرب بيده على ~~فخذه ويعيد القول ويقول ^ وكان الإنسان أكثر شىء جدلا ^ # هذا الحديث نص فى ذم من عارض الأمر بالقدر فإن قوله ( إنما أنفسنا بيد ~~الله ( إلى آخره إستناد إلى القدر فى ترك إمتثال الأمر وهى فى نفسها كلمة ~~حق لكن لا تصلح المعارضة الأمر بل معارضة الأم بها من باب الجدل المذموم ~~الذى قال الله فيه ( وكان الإنسان أكثر شىء جدلا ( وهؤلاء أحد أقسام ~~القدرية وقد صنفتهم فى غير هذا الموضع فالمجادلة الباطلة PageV15P229 # سورة مريم # قال شيخ الإسلام رحمه الله ( فصل ( سورة مريم مضمونها تحقيق عبادة الله ~~وحده وأن خواص الخلق هم عباده فكل كرامة ودرجة رفيعة فى هذه الإضافة وتضمنت ~~الرد على الغالين الذين زادوا فى النسبة إلى الله حتى نسبوا إليه عيسى ~~بطريق الولادة والرد على المفرطين فى تحقيق العبادة وما فيها من الكرامة ~~وجحدوا نعم الله التى أنعم بها على عباده المصطفين # افتتحها بقوله @QB@ ذكر رحمة ربك عبده زكريا @QE@ وندائه ربه نداء خفيا ~~وموهبته له يحيى ثم قصة مريم وإبنها وقوله ^ إنى عبدالله ^ إلخ فيها الرد ~~على الغلاة فى المسيح وعلى الجفاة النافين عنه ما أنعم الله به عليه ثم امر ~~نبيه بذكر إبراهيم وما دعا إليه من عبادة الله وحده ونهيه إياه عن عبادة ~~الشيطان وموهبته PageV15P230 له إسحاق ويعقوب وأنه جعل له لسان صدق عليا ~~وهو الثناء الحسن وأخبر عن يحيى وعيسى وإبراهيم ببر الوالدين مع التوحيد ~~وذكر موسى ومن هبته له اخاه هارون نبيا كما وهب يحيى لزكريا وعيسى لمريم ~~وإسحاق لإبراهيم # فهذه السورة ( سورة المواهب ( وهى ما وهبه الله لأنبيائه من الذرية ~~الطيبة والعمل الصالح والعلم النافع ثم ذكر ذرية آدم لأجل إدريس @QB@ وممن ~~حملنا مع نوح @QE@ وهو إبراهيم ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل إلى آخر القصة ثم ~~قال @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ms1016 الشهوات @QE@ الآية فهذه ~~حال المفرطين فى عبادة الله ثم إستثنى التائبين وبين أن الجنة لمن تاب وإن ~~جنات عدن وعدها الرحمن عباده بالغيب وهم أهل تحقيق العبادة ثم قال @QB@ تلك ~~الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا @QE@ ثم قال @QB@ فاعبده واصطبر ~~لعبادته @QE@ # ثم ذكر حال منكري المعاد وحال من جعل له الأولاد وقرن بينهما فيما رواه ~~البخارى من حديث أبى هريرة ) ( كذبنى إبن آدم وما ينبغى له ذلك وشتمنى إبن ~~آدم وما ينبغى له ذلك ( الحديث ( ويقول الإنسان أإذا مامت لسوف أخرج حيا ( ~~ثم ذكر أقسامه على PageV15P231 حشدهم والشياطين وإحضارهم حول جهنم جثيا ~~وفيها دلالة على أن المخبر عن خبر يحصل فى المستقبل لا يكون إلا بطريقين ~~إما إطلاعه على الغيب وهو العلم بما سيكون وإما أن يكون قد إتخذ عند الرحمن ~~عهدا والله موف بعهده فالأول علم بالخبر والثانى علم بالأمر الأول علم ~~بالكلمات الكونية والثانى علم بالكلمات الدينية وهذا الذى أقسم أنه يأتى ~~يوم المعاد ما ذكر كاذب فى قسمه فإنه ليس له إطلاع على الغيب ولا إتخذ عند ~~الرحمن عهدا # وهذا كما قيل فى إجابة الدعاء أنه تارة يكون لصحة الإعتقاد وهو مطابقة ~~الخبر وتارة لكمال الطاعة وهو موافقة الأمر كقوله @QB@ فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي @QE@ فذكر حال من تمنى على الله الباطل بلا علم ولا إتخاذ عهد ~~بالمشروع # ثم ذكر حال الذين قالوا إتخذ الرحمن ولدا فنفى الولادة عن نفسه ورد على ~~من أثبتها وأثبت المودة ردا على من أنكرها فقال @QB@ سيجعل لهم الرحمن ودا ~~@QE@ أى يحبهم ويحببهم إلى عبادة وقد وافق ذلك ما فى الصحيحين ( إذا أحب ~~الله العبد نادى جبريل إنى أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادى فى السماء ~~إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول فى الأرض ~~PageV15P232 وقال فى البغض عكس ذلك وفى قول إبراهيم @QB@ إنه كان بي حفيا ~~@QE@ وقوله فى موسى @QB@ وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا @QE@ ~~وما ذكره المؤمنين من المودة إثبات لما ينكره الجاحدون ms1017 من محبة الله ~~وتكليمه كما فى الأول نفى لما يثبته المفترون من إتخاذ الولد PageV15P233 # سئل رضى الله عنه # عن قوله عز وجل @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا @QE@ هل ذلك فيمن اضاع وقتها فصلاها فى غير وقتها أم فيمن ~~أضاعها فلم يصلها وقوله @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ ~~هل هو عن فعل الصلاة أو السهو فيها كما جرت العادة من صلاة الغفلة الذين لا ~~يعقلون من صلاتهم شيئا أفتونا مأجورين # فأجاب ( # رضي الله عنه الحمد لله رب العالمين بل المراد بهاتين الآيتين من أضاع ~~الواجب فى الصلاة لا مجرد تركها فهكذا فسرها الصحابة والتابعون وهو ظاهر ~~الكلام فإنه قال @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ فأثبت ~~لهم صلاة وجعلهم ساهين عنها فعلم أنهم كانوا يصلون مع السهو عنها وقد قال ~~طائفة من السلف بل هو السهو عما يجب فيها مثل ترك الطمأنينة وكلا المعنيين ~~حق والآية تتناول هذا وهذا كما فى صحيح مسلم عن انس عن النبى أنه قال تلك ~~صلاة المنافق تلك صلاة المنافق PageV15P234 تلك صلاة المنافق يرقب الشمس ~~حتى إذا كانت بين قرنى شيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ~~( # فبين النبى فى هذا الحديث أن صلاة المنافق تشتمل على التأخير عن الوقت ~~الذى يؤمر بفعلها فيه وعلى النقر الذى لا يذكر الله فيه إلا قليلا وهكذا ~~فسروا قوله @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات @QE@ بأن ~~إضاعتها تأخيرها عن وقتها وإضاعة حقوقها وجاء فى الحديث ( إن العبد إذا قام ~~إلى الصلاة بطهورها وقرائتها وسجودها أو كما قال صعدت ولها برهان كبرهان ~~الشمس تقول له حفظك الله كما حفظتنى وإذا لم يتم طهورها وقراءتها وسجودها ~~أو كما قال تلف كما يلف الثوب وتقول له ضيعك الله كما ضيعتنى ( قال سلمان ~~الفارسى الصلاة مكيال من وفى وفى له ومن طفف فقد علمتم ما قال فى المطففين ~~وفى سنن أبى داود عن عمار عن النبى أنه قال ( إن ms1018 العبد لينصرف من صلاته ولم ~~يكتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها إلا سبعها إلا ~~ثمنها إلا تسعها إلا عشرها ( # وقد تنازع العلماء فيمن غلب عليه الوسواس فى صلاته هل عليه الإعادة على ~~قولين لكن الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا إعادة عليه وإحتجوا بما فى ~~PageV15P235 الصحيح عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( إذا أذن المؤذن أدبر ~~الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل فإذا ثوب ~~بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه فيقول إذكر ~~كذا إذكر كذا لما يكن يذكر حتى يضل الرجل لن يدرى كم صلى فإذا وجد أحدكم ~~ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ( فقد عم بهذا الكلام ولم يأمر أحدا ~~بالإعادة # و ( الثانى ( عليه الإعادة وهو قول طائفة من العلماء من الفقهاء والصوفية ~~من أصحاب أحمد وغيره كأبى عبدالله بن حامد وغيره لما تقدم من قوله ولم يكتب ~~له منها إلا عشرها # والتحقيق أنه لا أجر له إلا بقدر الحضور لكن إرتفعت عنه العقوبة التى لا ~~يستحقها تارك الصلاة وهذا معنى قولهم تبرأ ذمته بها أى لا يعاقب على الترك ~~لكن الثواب على قدر الحضور كما قال ابن عباس ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت ~~منها فلهذا شرعت السنن الرواتب لما يحصل من النقص فى الفرائض والله أعلم ~~PageV15P236 # سورة طه # وقال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل # سورة طه مضمونها تخفيف أمر القرآن وما أنزل الله تعالى من كتبه فهى ( ~~سورة كتبه ( كما أن مريم ( سورة عباده ورسله ( إفتتحها بقوله @QB@ ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى @QE@ إلى قوله ^ تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات ~~العلا ^ ثم ذكر قصة موسى ونداء الله له ومناجاته إياه وتكليمه له وقصته من ~~أبلغ أمر الرسل فلهذا ثنيت فى القرآن لأنه حصل له الخطاب والكتاب وأرسل إلى ~~فرعون الجاحد المرتاب المكذب للربوبية والرسالة وهذا أعظم الكافرين عنادا ~~وإستوفى القصة فى هذه السورة إلى قوله @QB@ رب زدني علما @QE@ ثم ذكر ms1019 قصة ~~آدم لأنها أول النبوات # وتضمنت السورة ذكر موسى وآدم لما بينهما من المناسبة مما يقتضي ~~PageV15P237 ذكرهما ولما بينهما من المناظرة فإن موسى نظير آدم فى الأمر ~~الذى [ صار ] لكل منهما كما أن المسيح نظير آدم فى الخلق وقوله ( فأما ~~يأتينكم منى هدى ( الآيات وهذا يشابه مافى القرآن فى غير موضع من ذكر نبوة ~~آدم ثم نبوة موسى بعده وأمر بنى إسرائيل ثم أمر نبيه بالصلاة التى فى ~~القرآن كما جمع بين الأمرين بالقراءة والسجود فى أول سورة أنزلت وختمها ~~بالرسول المبلغ لكل ما أمر به كما إفتتحها بذكر التنزيل عليه PageV15P238 ~~وقال $ فصل # فى طريقتى العلم والعمل ( # قال الله تعالى لموسى وهارون ^ فقوله له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ^ ~~وقال فى السورة بعينها @QB@ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك ~~من لدنا ذكرا @QE@ إلى قوله @QB@ وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من ~~الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا @QE@ # فذكر فى كل واحدة من الرسالتين العظيمتين رسالة موسى ورسالة محمد أن ذلك ~~لأجل التذكر أو الخشية ولم يقل ليتذكر ويخشى ولا قال ليتقون ويحدث لهم ذكرا ~~بل جعل المطلوب أحد الأمرين وهذا مطابق لقوله @QB@ ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة @QE@ ونحو ذلك PageV15P239 وقد قال عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنه نعم العبد صهيب لولم يخف الله لم يعصه وذلك يرجع إلى تحقيق ~~قوله @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ ~~وقوله @QB@ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ وقوله @QB@ أولي الأيدي ~~والأبصار @QE@ وقوله @QB@ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ ~~وقوله @QB@ إن المجرمين في ضلال وسعر @QE@ وقوله @QB@ فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ~~@QE@ الآية ونحو ذلك وسبب ذلك أن العمل إما بمعرفة الحق وإتباعه فى العلم ~~والعمل جميعا صلاح القول والعمل العلم والإرادة والعلم أصل العمل ( و ) أصل ~~الإرادة والمحبة وغير ذلك وهو مستلزم له مالم يحصل معارض مانع فالعلم بالحق ~~يوجب ms1020 إتباعه إلا لمعارض راجح مثل إتباع الهوى بالإستكبار ونحوه كحال الذين ~~قال الله فيهم @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا @QE@ وقال @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا @QE@ وقال @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ~~@QE@ ولهذا قال ^ يا داود PageV15P240 إنا جعلناك خليفة فى الأرض فإحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ^ ونحو ذلك # فإن أصل الفطرة التى فطر الناس عليها إذا سلمت من الفساد ( إذا ) رأت ~~الحق إتبعته وأحبته إذ الحق نوعان # حق موجود فالواجب معرفته والصدق فى الإخبار عنه وضد ذلك الجهل والكذب وحق ~~مقصود وهو النافع للإنسان فالواجب إرادته والعمل به وضد ذلك إرادة الباطل ~~وإتباعه # ومن المعلوم أن الله خلق فى النفوس محبة العلم دون الجهل ومحبة الصدق دون ~~الكذب ومحبة النافع دون الضار وحيث دخل ضد ذلك فلمعارض من هوى وكبر وحسد ~~ونحو ذلك كما انه فى صالح الجسد خلق الله فيه محبة الطعام والشراب الملائم ~~له دون الضار فإذا إشتهى ما يضره أن كره ما ينفعه فلمرض فى الجسد وكذلك ~~أيضا إذا إندفع عن النفس المعارض من الهوى والكبر والحسد وغير ذلك أحب ~~القلب ما ينفعه من العلم النافع والعمل الصالح كما أن PageV15P241 الجسد ~~إذا إندفع عنه المرض أحب ما ينفعه من الطعام والشراب فكل واحد من وجود ~~المقتضى وعدم الدافع سبب للآخر وذلك سبب لصلاح حال الإنسان وضدهما سبب لضد ~~ذلك فإذا ضعف العلم غلبه الهوى الإنسان وإن وجد العلم والهوى وهما المقتضى ~~والدافع فالحكم للغالب # وإذا كان كذلك فصلاح بنى آدم الإيمان والعمل الصالح ولا يخرجهم عن ذلك ~~إلا شيئان # ( أحدهما ( الجهل المضاد للعلم فيكونون ضلالا والثانى إتباع الهوى ~~والشهوة اللذين فى النفس فيكونون غواة مغضوبا عليهم ولهذا قال @QB@ والنجم ~~إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى @QE@ وقال ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من ms1021 بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ( فوصفهم ~~بالرشد الذى هو خلاف الغى وبالهدى الذى هو خلاف الضلال وبهما يصلح العلم ~~والعمل جميعا ويصير الإنسان عالما عادلا لا جاهلا ولا ظالما PageV15P242 ~~وهم فى الصلاح على ضربين تارة يكون العبد إذا عرف الحق وتبين له إتبعه وعمل ~~به فهذا هو الذى يدعى الحكمة وهو الذى يتذكر وهو الذى يحدث له القرآن ذكرا # والثانى ان يكون له من الهوى والمعارض ما يحتاج معه إلى الخوف الذى ينهى ~~النفس عن الهوى فهذا يدعى بالموعظة الحسنة وهذا هو القسم الثانى المذكور فى ~~قوله ( أو يخشى ( وفى قوله @QB@ لعلهم يتقون @QE@ وقد قال فى السورة فى قصة ~~فرعون @QB@ اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك ~~فتخشى @QE@ فجمع بين التزكى والهدى والخشية كما جمع بين العلم والخشية فى ~~قوله @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ وفى قوله @QB@ وفي نسختها ~~هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون @QE@ وفى قوله @QB@ ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ~~ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ # وذلك لما ذكرنا من أن كل واحد من العلم بالحق الذى يتضمنه التذكر والذكر ~~الذى يحدثه القرآن ومن الخشية المانعة من إتباع الهوى سبب لصلاح حال ~~الإنسان وهو مستلزم للآخر إذا قوى على PageV15P243 ضده فإذا قوى العلم ~~والتذكر دفع الهوى وإذا إندفع الهوى بالخشية أبصر القلب وعلم وهاتان هما ~~الطريقة العلمية والعملية كل منهما إذا صحت تستلزم ما تحتاج إليه من الأخرى ~~وصلاح العبد ما يحتاج إليه ويجب عليه منهما جميعا ولهذا كان فساده بإنتفاء ~~كل منهما فإذا إنتفى العلم الحق كان ضالا غير مهتد وإذا إنتفى إتباعهه كان ~~غاويا مغضوبا عليه # ولهذا قال @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ وقال @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى @QE@ وقال فى ضد ذلك @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس @QE@ وقال @QB@ ومن ms1022 أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ وقال ~~@QB@ وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم @QE@ وقال @QB@ فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى @QE@ وقال فى ضده @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ وقال @QB@ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون @QE@ وقال فى ضده @QB@ إن المجرمين في ضلال وسعر @QE@ قال ابن ~~عباس ^ تكفل الله لمن قرأ القرآن وإتبع ما فيه أن يضل فى الدنيا ولا يشقى ~~فى الآخرة ^ # فهو سبحانه يجمع بين الهدى والسعادة وبين الضلال والشقاوة PageV15P244 ~~بين حسنة الدنيا والآخرة وسيئة الدنيا والآخرة ويقرن بين النافع والعمل ~~الصالح بين العلم الطيب والعمل الصالح كما يقرن بين ضديهما وهو ( الضلال ( ~~و ( الغى ( إتباع الظن وما تهوى الأنفس والقرينان متلازمان عند الصحة ~~والسلامة من المعارض وقد يتخلف أحدهما عن الآخر عند المعارض الراجح # فلهذا إذا كان فى مقام الذم والنهى والإستعاذة كان الذم والنهى لكل منهما ~~من الضلال والغى من الجهل والظلم من الضلال والغضب ولأن كلا منهما صار ~~مكروها مطلوب العدم لا سيما وهو مستلزم للآخر وأما فى مقام الحمد والطلب ~~ومنة الله فقد يطلب أحدهما وقد يطلب كل منهما وقد يحمد أحدهما وقد يحمد كل ~~منهما لأن كل منهما خير مطلوب محمود وهو سبب لحصول الآخر لكن كمال الصلاح ~~يكون بوجودهما جميعا وهذا قد يحصل له إذا حصل أحدهما ولم يعارضه معارض ~~والداعى للخلق الآمر لهم يسلك بذلك طريق الرفق واللين فيطلب احدهما لأنه ~~مطلوب فى نفسه وهو سبب للآخر فإن ذلك أرفق من أن يأمر العبد بهما جميعا فقد ~~يثقل ذلك عليه والأمر بناء والنهى هدم والأمر هو يحصل العافية بتناول ~~الأدوية والنهى من باب الحمية والبناء والعافية تأتى شيئا بعد شىء وأما ~~الهدم فهو أعجل والحمية أعم وإن كان قد يحصل فيهما PageV15P245 ترتيب أيضا ~~فكيف إذا كان كل واحد من الأمرين سببا وطريقا إلى حصول المقصود مع حصول ~~الآخر # فقوله سبحانه ( @QB@ لعله يتذكر أو يخشى @QE@ ( وقوله ( @QB@ لعلهم يتقون ~~أو يحدث لهم ms1023 ذكرا @QE@ ( طلب وجود أحد الأمرين بتبليغ الرسالة وجاء بصيغة ( ~~لعل ( تسهيلا للأمر ورفقا وبيانا لأن حصول احدهما طريق إلى حصول المقصود ~~فلا يطلبان جميعا فى الإبتداء ولهذا جاء فى الأثر ( إن من ثواب الحسنة ~~الحسنة بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها ( لا سيما اصول الحسنات ~~التى تستلزم سائرها مثل الصدق فإنه أصل الخير كما فى الصحيحين عن ابن مسعود ~~عن النبى أنه قال ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى ~~إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ~~وإياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار ولا ~~يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ( # ولهذا قال سبحانه @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم @QE@ وقال ( @QB@ ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها @QE@ ( ولهذا يذكر أن PageV15P246 بعض المشائخ أراد ~~أن يؤدب بعض أصحابه الذين لهم ذنوب كثيرة فقال يا بنى أنا آمرك بخصلة واحدة ~~فإحفظها لى ولا آمرك الساعة بغيرها التزم الصدق وإياك الكذب وتوعده على ~~الكذب بوعيد شديد فلما إلتزم ذلك الصدق دعاه إلى بقية الخير ونهاه عما كان ~~عليه فإن الفاجر لاحد له فى الكذب PageV15P247 # قال شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن تيمية ( رحمه الله تعالى $ فصل # فى قوله تعالى ( @QB@ إن هذان لساحران @QE@ ( فإن هذا مما اشكل على كثير ~~من الناس فإن الذى فى مصاحف المسلمين ( @QB@ إن هذان @QE@ ( بالألف وبهذا ~~قرأ جماهير القراء وأكثرهم يقرأ ( إن ( مشددة وقرأ إبن كثير وحفص عن عاصم ( ~~إن ( مخففة لكن إبن كثير يشدد نون ( هذان ( دون حفص والإشكال من جهة ~~العربية على القراءة المشهورة وهى قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائى ~~وأبى بكر عن عاصم وجمهور القراء عليها وهى أصح القراءت لفظا ومعنى # وهذا يتبين بالكلام على ما قيل فيها # فإن منشأ الإشكال أن الأسم المثنى يعرب فى حال النصب والخفض بالياء وفى ~~حال الرفع ms1024 بالألف وهذا متواتر من لغة العرب PageV15P248 لغة القرآن وغيرها ~~من الأسماء المبنية كقوله ( @QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ~~@QE@ ( ثم قال ( @QB@ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث @QE@ ( ~~وقال ( @QB@ ورفع أبويه على العرش @QE@ ( وقال ( @QB@ وامسحوا برؤوسكم ~~وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ ( ولم يقل إثنان الكعبان وقال ( @QB@ واضرب لهم ~~مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما ~~فعززنا بثالث @QE@ ولم يقل إثنان وقال @QB@ قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين @QE@ وقال ^ ثمانية أزواج من الضأن إثنين ومن المعز إثنين قل آلذكرين ~~حرم أم الإنثيين أم ما إشتملت عليه أرحام الأنثيين ^ ولم يقل إثنان ولا ~~الذكران وإلا إنثييان وقال ^ ومن كل شىء خلقنا زوجين ^ ولم يقل زوجان وقال ~~^ وإن كن نساءا فوق إثنتين ^ ولم يقل إثنتان ومثل هذا كثير مشهور فى القرآن ~~وغيره # فظن النحاة أن الأسماء المبهمة المبنية مثل هذين واللذين تجرى هذا المجرى ~~وأن المبنى فى حال الرفع يكون بالألف ومن هنا نشأ الإشكال # وكان أبوعمرو إماما فى العربية فقرأ بما يعرف من العربية ^ إن هذين ~~لساحران ^ وقد ذكر أن له سلفا فى هذه القراءة وهو الظن PageV15P249 به أنه ~~لا يقرأ إلا بما يرويه لا بمجرد ما يراه وقد روى عنه أنه قال إنى لأستحيي ~~من الله أن أقرأ ( إن هذان ( وذلك لأنه لم ير لها وجها من جهة العربية ومن ~~الناس من خطأ أبا عمرو فى هذه القراءة ومنهم الزجاج قال لا أجيز قراءة أبى ~~عمرو خلاف المصحف # وأما القراءة المشهورة الموافقة لرسم المصحف فإحتج لها كثير من النحاة ~~بأن هذه لغة بنى الحارث بن كعب وقد حكى ذلك غير واحد من أئمة العربية قال ~~المهدوي بنو الحارث بن كعب يقولون ضربت الزيدان ومررت بالزيدان كما تقول ~~جاءنى الزيدان قال المهدوى حكى ذلك أبوزيد والأخفش والكسائى والفراء وحكى ~~أبوالخطاب أنها لغة بنى كنانة وحكى غيره أنها لغة لخثغم ومثله قول الشاعر % ~~تزود منا بين أذناه ضربة % دعته إلى هاوي والتراب عقيم % # | وقال ابن الإنبارى هى ms1025 لغة لبنى الحارث بن كعب وقريش قال الزجاج وحكى ~~أبوعبيدة عن أبى الخطاب وهو رأس من رؤوس الرواة أنها لغة لكنانة يجعلون ألف ~~الإثنين فى الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد وأنشدوا % فإطرق إطراق الشجاع ~~ولو يجد % مساغا لناباه الشجاع لصمما % # PageV15P250 وقال ويقول هؤلاء ضربته بين أذناه قلت بنو الحارث بن كعب هم ~~أهل نجران ولا ريب أن القرآن لم ينزل بهذه اللغة بل المثنى من الأسماء ~~المبنية فى جميع القرآن هو بالياء فى النصب والجر كما تقدمت شواهده وقد ثبت ~~فى الصحيح عن عثمان أنه قال ( إن القرآن نزل بلغة قريش وقال للرهط القرشيين ~~الذين كتبوا المصحف هم وزيد إذا إختلفتم إلا فى حرف وهو ( التابوت ( فرفعوه ~~إلى عثمان فأمر أن يكتب بلغة قريش رواه البخارى فى صحيحه # وعن انس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام فى فتح ~~أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة إختلافهم فى القراءة فقال ~~حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب ~~إختلاف اليهود والنصارى فأرسل إلى حفصة ان أرسلى إلينا بالصحف ننسخها فى ~~المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت ~~وعبدالله ابن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها ~~فى المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا إختلفتم وزيد بن ثابت فى ~~شىء من القرآن فإكتبوه بلسان قريش PageV15P251 فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ~~حتى [ إذا ] نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كل ~~أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ~~وهذه الصحيفة التى أخذها من عند حفصة هى التى أمر أبوبكر وعمر بجمع القرآن ~~فيها لزيد بن ثابت وحديثه معروف فى الصحيحين وغيرهما وكانت بخطه فلهذا أمر ~~عثمان أن يكون هو أحد من ينسخ المصاحف من تلك الصحف ولكن جعل معه ثلاثة من ~~قريش ليكتب بلسانهم فلم يختلف لسان قريش والأنصار إلا ms1026 فى لفظ ( التابوه ( و ~~( التابوت ( فكتبوه ( التابوت ( بلغة قريش # وهذا يبين أن المصاحف التى نسخت كانت مصاحف متعددة وهذا معروف مشهور وهذا ~~مما يبين غلط من قال فى بعض الألفاظ إنه غلط من الكاتب أو نقل ذلك عن عثمان ~~فإن هذا ممتنع لوجوه # منها تعدد المصاحف وإجتماع جماعة على كل مصحف ثم وصول كل مصحف إلى بلد ~~كبير فيه كثير من الصحابة والتابعين يقرؤون القرآن ويعتبرون ذلك بحفظهم ~~والإنسان إذا نسخ مصحفا غلط فى بعضه عرف غلطه بمخالفة حفظه القرآن وسائر ~~المصاحف فلو قدر أنه PageV15P252 كتب كاتب مصحفا ثم نسخ سائر الناس منه من ~~غير إعتبار للأول والثانى أمكن وقوع الغلط فى هذا وهنا كل مصحف إنما كتبه ~~جماعة ووقف عليه خلق عظيم ممن يحصل التواتر بأقل منهم ولو قدر أن الصحيفة ~~كان فيها لحن فقد كتب منها جماعة لا يكتبون إلا بلسان قريش ولم يكن لحنا ~~فامتنعوا ان يكتبوه إلا بلسان قريش فكيف يتفقون كلهم على أن يكتبوا ( أن ~~هذان ( وهم يعلمون أن ذلك لحن لا يجوز فى شيء من لغاتهم أو @QB@ المقيمين ~~الصلاة @QE@ وهم يعلمون أن ذلك لحن كما زعم بعضهم قال الزجاج فى قوله ( ~~المقيمين الصلاة ( قول من قال إنه خطأ بعيد جدا لأن الذين جمعوا القرآن هم ~~أهل اللغة والقدوة فكيف يتركون شيئا يصلحه غيرهم فلا ينبغى أن ينسب هذا ~~إليهم وقال ابن الأنبارى حديث عثمان لا يصح لأنه غير متصل ومحال أن يؤخر ~~عثمان ليصلحه من بعده # قلت ومما يبين كذب ذلك أن عثمان لو قدر ذلك فيه فإنما رأى ذلك فى نسخة ~~واحدة فأما أن تكون جميع المصاحف إتفقت على الغلط وعثمان قد رآه فى جميعا ~~وسكت فهذا ممتنع عادة وشرعا من الذين كتبوا ومن عثمان ثم من المسلمين الذين ~~وصلت إليهم المصاحف رأوا ما فيها وهم يحفظون القرآن ويعلمون أن فيه لحنا ~~PageV15P253 لا يجوز فى اللغة فضلا عن التلاوة وكلهم يقر هذا المنكر لا ~~يغيره أحد فهذا مما يعلم بطلانه عادة ويعلم من ms1027 دين القوم الذين لا يجتمعون ~~على ضلالة بل يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر أن يدعوا فى كتاب الله ~~منكرا لا يغيره أحد منهم مع أنهم لا غرض لأحد منهم فى ذلك ولو قيل لعثمان ~~مر الكاتب أن يغيره لكان تغييره من أسهل الأشياء عليه # فهذا ونحوه مما يوجب القطع بخطأ من زعم أن فى المصحف لحنا أو غلطا وإن ~~نقل ذلك عن بعض الناس ممن ليس قوله حجة فالخطأ جائز عليه فيما قاله بخلاف ~~الذين نقلوا ما فى المصحف وكتبوه وقرأوه فإن الغلط ممتنع عليهم فى ذلك وكما ~~قال عثمان إذا إختلفتم فى شىء فاكتبوه بلغة قريش وكذلك قال عمر لابن مسعود ~~أقرىء الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل فإن القرآن لم ينزل بلغة هذيل # وقوله تعالى فى القرآن @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ يدل ~~على ذلك فإن قومه هم قريش كما قال وكذب به قومك وهو الحق وأما كنانة فهم ~~جيران قريش والناقل عنهم ثقة ولكن الذى ينقل ينقل ما سمع وقد يكون سمع ذلك ~~فى الأسماء المبهمة المبنية فظن أنهم يقولون [ ذلك ] فى سائر الأسماء بخلاف ~~من سمع ( بين أذناه ( و ( لناباه ( فإن هذا صريح فى الأسماء التى ليست ~~مبهمة PageV15P254 وحينئذ فالذى يجب أن يقال إنه لم يثبت لأنه لغة قريش بل ~~ولا لغة سائر العرب أنهم ينطقون فى الأسماء المبهمة إذا ثبت بالياء وإنما ~~قال ذلك من قاله من النحاة قياسا جعلوا باب التثنية فى الأسماء المبهمة كما ~~هو فى سائر الأسماء وإلا فليس فى القرآن شاهد يدل على ما قالوه وليس فى ~~القرآن إسم مبهم مبنى فى موضع نصب أو خفض إلا هذا ولفظه ( هذان ( فهذا نقل ~~ثابت متواتر لفظا ورسما # ومن زعم أن الكاتب غلط فهو الغالط غلطا منكرا كما قد بسط فى غير هذا ~~الموضع فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف ~~فكيف يتصور فى هذا غلط وأيضا فإن القراء إنما قرأوا بما سمعوه من ms1028 غيرهم ~~والمسلمون كانوا بقرأون ( سورة طه ( على عهد رسول الله وأبى بكر وعمر ~~وعثمان وعلى وهى من أول ما نزل من القرآن قال إبن مسعود بنو إسرائيل والكهف ~~ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول وهن من تلادى رواه البخارى عنه وهى ~~مكية بإتفاق الناس قال أبوالفرج وغيره هى مكية بإجماعهم بل هى من أول ما ~~نزل وقد روى أنها كانت مكتوبة عند أخت عمر وأن سبب إسلام عمر كان لما بلغه ~~إسلام وكانت السورة تقرأ عندها PageV15P255 # فالصحابة لابد أن قد قرأوا هذا الحرف ومن الممتنع أن يكونوا كلهم قرأوه ~~بالياء كأبى عمرو فإنه لو كان كذلك لم يقرأها أحد إلا بالياء ولم تكتب إلا ~~بالياء فعلم أنهم أو غالبهم كانوا يقرؤونها بالألف كما قرأها الجمهور وكان ~~الصحابة بمكة والمدينة والشام والكوفة والبصرة يقرؤون هذه السورة فى الصلاة ~~وخارج الصلاة ومنهم سمعها التابعون ومن التابعين سمعها تابعوهم فيمتنع أن ~~يكون الصحابة كلهم قرؤوها بالياء مع أن جمهور القراء لم يقرأوها إلا بالألف ~~وهم أخذوا قراءتهم عن الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة فهذا مما يعلم به ~~قطعا أن عامة الصحابة إنما قرؤوها بالألف كما قرأ الجمهور وكما هو مكتوب # وحينئذ فقد علم أن الصحابة إنما قرأوا كما علمهم الرسول وكما هو لغة ~~للعرب ثم لغة قريش فعلم أن هذه اللغة الفصيحة المعروفة عندهم فى الأسماء ~~المبهمة تقول أن هذان ومررت بهذان تقولها فى الرفع والنصب والخفض بالألف ~~ومن قال إن لغتهم أنها تكون فى الرفع بالألف طولب بالشاهد على ذلك والنقل ~~عن لغتهم المسموعة منهم نثرا ونظما وليس فى القرآن ما يشهد له ولكن عمدته ~~القياس # وحينئذ فنقول PageV15P256 قياس هذا بغيرها من الأسماء غلط فإن الفرق ~~بينهما ثابت عقلا وسماعا أما النقل والسماع فكما ذكرناه وأما العقل والقياس ~~فقد تفطن للفرق غير واحد من حذاق النحاة فحكى إبن الأنبارى وغيره عن الفراء ~~قال ألف التثنية فى ( هذان ( هى ألف هذا والنون فرقت بين الواحد والإثنين ~~كما فرقت بين الواحد والجمع نون ms1029 الذين وحكاه المهدوى وغيره عن الفراء ولفظه ~~قال إنه ذكر أن الألف ليست علامة التثنية بل هى ألف هذا فزدت عليها نونا ~~ولم أغيرها كما زدت على الياء من الذى فقلت الذين فى كل حال # قال وقال بعض الكوفيين الألف فى هذا مشبهة يفعلان فلم تغير كما [ لم ] ~~تغير قال وقال الجرجانى لما كان إسما على حرفين أحدهما حرف مد ولين وهو ~~كالحركة ووجب حذف إحدى الألفين فى التثنية لم يحسن حذف الأولى لئلا يبقى ~~الإسم على حرف واحد فحذف علم التثنية وكان النون يدل على التثنية ولم يكن ~~لتغيير النون الأصلية الألف وجه فثبت فى كل حال كما يثبت فى الواحد قال ~~المهدوى وسأل إسماعيل القاضى ابن كيسان عن هذه المسألة فقال لما لم يظهر فى ~~المبهم إعراب فى الواحد ولا فى الجمع جرت التثنية على ذلك مجرى الواحد إذ ~~التثنية يجب أن لا تغير فقال إسماعيل ما أحسن ما قلت لو تقدمك أحد بالقول ~~فيه حتى يؤنس به فقال له إبن كيسان فليقل القاضى PageV15P257 حتى يؤنس به ~~فتبسم قلت بل تقدمه الفراء وغيره والفراء فى الكوفيين مثل سيبويه فى ~~البصريين لكن إسماعيل كان إعتماده على نحو البصريين والمبرد كان خصيصا به # وبيان هذا القول أن المفرد ( ذا ( فلو جعلوه كسائر الأسماء لقالوا فى ~~التثنية ( ذوان ( ولم يقولوا ( ذان ( كما قالوا عصوان ورجوان ونحوهما من ~~الأسماء الثلاثية ( وها ( حرف تنبيه وقد قالوا فيما حذفوا لامه أبوان فردته ~~التثنية إلى أصله وقالوا فى غير هذا ويدان وأما ( ذا ( فلم يقولوا ( ذوان ( ~~بل قالوا كما فعلوه فى ( ذو ( و ( ذات ( التى بمعنى صاحب فقالوا هو ذو علم ~~وهما ذوا علم كما قال @QB@ ذواتا أفنان @QE@ وفى إسم الإشارة قالوا ( ذان و ~~( تان كما قال @QB@ فذانك برهانان من ربك @QE@ فإن ( ذا ( بمعنى صاحب هو ~~إسم معرب فتغير إعرابه فى الرفع والنصب والجر فقيل ذو وذا وذى # وأما المستعمل فى الإشارة والأسماء الموصولة والمضمرات هى مبنية ~~PageV15P258 لكن اسماء الإشارة لم تفرق لا فى واحد ms1030 ولا فى جمعه بين حال ~~الرفع والنصب والخفض فكذلك فى تثنيته بل قالوا قام هذا وأكرمت هذا ومررت ~~بهذا وكذلك هؤلاء فى الجمع فكذلك المثنى قال هذان وأكرمت هذان ومررت بهذان ~~فهذا هو القياس فيه ان يلحق مثناه بمفرد وبمجموعه لا يلحق بمثنى غيره الذى ~~هو أيضا معتبر بمفرده ومجموعة # فالأسماء المعربة ألحق مثناها بمفردها ومجموعها تقول رجل ورجلان ورجال ~~فهو معرب فى الأحوال الثلاثة يظهر الإعراب فى مثناه كما ظهر فى مفرده ~~ومجموعه # فتبين أن الذين قالوا إن مقتضى العربية أن يقال ( إن هذين ( ليس معهم ~~بذلك نقل عن اللغة المعروفة فى القرآن التى نزل بها القرآن ( بل ( هى أن ~~يكون المثنى من اسماء مبنيا فى الأحوال الثلاثة على لفظ واحد كمفرد أسماء ~~الإشارة ومجموعها # وحينئذ فإن قيل إن الألف هى ألف المفرد زيد عليها النون أو قيل هى علم ~~التثنية وتلك حذفت أو قيل بل هذه الألف تجمع هذا وهذا معنى جواب ابن كيسان ~~وقول الفراء مثله فالمعنى وكذلك قول الجرجانى وكذلك قول من قال إن الألف ~~فيه تشبه ألف يفعلان PageV15P259 ثم يقال قد يكون الموصول كذلك كقوله @QB@ ~~واللذان يأتيانها منكم @QE@ فإن ثبت أن لغة قريش أنهم يقولون رأيت الذين ~~فعلا ومررت باللذين فعلا وإلا فقد يقال هو بالألف فى الأحوال الثلاثة لانه ~~إسم مبنى والأف فيه بدل الياء فى الذين شبه هذا بالذين وتشبيه اللذان به ~~اولى وإبن كيسان علل بأن المبهم مبنى لا يظهر فيه الإعراب فجعل مثناه ~~كمفرده ومجموعه وهذا العلم يأتى فى الموصول # يؤيد ذلك أن المضمرات من هذا الجنس والمرفوع والمنصوب لهما ضمير متصل ~~ومنفصل بخلاف المجرور فإنه ليبس له إلا متصل لأن المجرور لا يكون إلا بحرف ~~أو مضاف لا يقدم على عامله فلا ينفصل عنه فالضمير المتصل فى الواحد الكاف ~~من أكرمتك ومررت بل وفى الجمع أكرمتكم ومررت بكم وفى التثنية زيدت الألف فى ~~النصب والجر فيقال أكرمتكما ومررت بكما كما نقول فى الرفع ففى الواحد ~~والجمع فعلت وفعلتم وفى التثنية ms1031 فعلتما بالألف وحدها زيدت علما على التثنية ~~فى حال الرفع والنصب والجر كما زيدت فى المنفصل فى قوله ( إياكما ( و ( ~~أنتما ( # فهذا كله مما يبين أن لفظ المثنى فى الألسماء المبنية فى الأحوال الثلاثة ~~نوع واحد لم يفرقوا بين مرفوعه وبين منصوبه ومجروره PageV15P260 كما فعلوا ~~ذلك فى الأسماء المعربة وان ذلك فى المثنى أبلغ منه فى لفظ الواحد والجمع ~~إذ كانوا فى الضمائر يفرقون بين ضمير المنصوب والمجرور وبين ضمير المرفوع ~~فى الواحد والمثنى ولا يفرقون فى المثنى وفى لفظ الإشارة والموصول ولا ~~يفرقون بين الواحد والجمع وبين المرفوع وغيره ففى المثنى بطريق الأولى ~~والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا # ذكر شيخنا شيخ الأسلام ابن تيمية هذه المسألة فى موضع آخر وذكر فيها هذا ~~الإعتراض $ فصل # وقد يعترض على ما كتبناه أولا بأنه جاء أيضا فى غير الرفع بالياء كسائر ~~الأسماء قال تعالى ( ^ وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن ~~والإنس ^ ( ولم يقل ( اللذان أضلانا ( كما قيل في الذين إنه بالياء فى ~~الأحوال الثلاثة وقال تعالى فى قصة موسى ( إنى لاريد أن أنكحك إحدى إبنتى ~~هاتين ( ولم يقل ( هاتان ( و ( هاتان ( تبع لإبتني وقد يسمى عطف بيان وهو ~~يشبه الصفة كقوله ( @QB@ وإلى ثمود أخاهم صالحا @QE@ ( لكن الصفة تكون ~~مشتقة أو فى معنى المشتق وعطف PageV15P261 البيان يكون بغير ذلك كأسماء ~~الأعلام وأسماء الإشارة وهذه الآية نظير قوله ( @QB@ إن هذان لساحران @QE@ # وأما قوله ( ^ أرنا اللذين أضلانا ^ ( فقد يفرق بين إسم الإشارة والموصول ~~بأن إسم الإشارة على حرفين بخلاف الموصول فإن الإسم هو ( اللذا ( عدة حروف ~~وبعده يزاد علم الجمع فتكسر الذال وتفتح النون وعلم التثنية ففتح الذال ~~وتكسر النون والألف فقلت فى النصب والجر لأن الإسم الصحيح إذا جمع جمع ~~التصحيح كسر آخره فى النصب وفى الجر وفتحت نونه وإذا ثنى فتح آخره وكسرت ~~نونه فى الأحوال الثلاثة # وهذا يبين أن الأصل فى التثنية هى الألف وعلى هذا فيكون فى إعرابه لغتان ~~جاء ms1032 بهما القرآن تارة يجعل كاللذان وتارة يجعل كاللذين ولكن فى قوله ( @QB@ ~~إحدى ابنتي هاتين @QE@ كان هذا أحسن من قوله ( هاتان ( لما فيه من إتباع ~~لفظ المثنى بالياء فيهما ولو قيل هاتان لأشبه كما لو قيل ( إن إبنتى هاتان ~~( فإذا جعل بالياء علم تابع مبين عطف بيان لتمام معنى الإسم لا خبر تتم به ~~الجملة وأما قوله @QB@ إن هذان لساحران @QE@ فجاء إسما مبتدأ اسم إن ~~PageV15P262 وكان مجيئة بالألف أحسن فى اللفظ من قولنا ( ^ إن هذا لساحران ~~^ لأن الألف أخف من الياء ولأن الخبر بالألف فإذا كان كل من الإسم والخبر ~~بالألف كان أتم مناسبة وهذا معنى صحيح وليس فى القرآن ما يشبه هذا من كل ~~وجه وهو بالياء # فتبين أن هذا المسموع والمتؤاتر ليس فى القياس الصحيح ما يناقضه لكن ~~بينهما فروق دقيقة والذين إستشكلوا هذا إنما إستشكلوه من جهة القياس لا من ~~جهة السماع ومع ظهور الفرق يعرف ضعف القياس # وقد يجيب من يعتبر كون الألف فى هذا هو المعروف فى اللغة بأن يفرق بين ~~قوله ( إن هذان ( وقوله ( @QB@ إحدى ابنتي هاتين @QE@ ( أن هذا تثنية مؤنث ~~وذاك تثنية مذكر والمذكر المفرد منه ( ذا بالألف فزيدت فوق نون للتثنية ~~واما المؤنث فمفرده ( ذى ( أو ( ذه ( أو ( ته ( وقوله ( @QB@ إحدى ابنتي ~~هاتين @QE@ تثنية ( تى ( بالياء فكان جعلها بالياء فى النصب والجر اشبه ~~بالمفرد بخلاف تثنية المذكر وهو ( ذا ( فإنه بالألف فإقراره بالألف أنسب ~~وهذا فرق بين تثنية المؤنث وتثنية المذكر والفرق بينه وبين اللذين قد تقدم # وحينئذ فهذه القراءة هى الموافقة للسماع والقياس ولم يشتهر PageV15P263 ~~ما يعارضها من اللغة التى نزل بها القرآن والله أعلم # وقوله @QB@ إحدى ابنتي هاتين @QE@ هو كقول النبى صلى الله عليه سولم ( من ~~اكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما ~~يتأذى منه الآدميون ( ومثله فى الموصول قول إبن عباس لعمر أخبرنى عن ~~المرأتين اللتين قال الله فيهما @QB@ وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~@QE@ الآية # آخره والحمد لله وحده PageV15P264 # سورة الأنبياء # وقال رحمه ms1033 الله $ فصل ( سورة الأنبياء ( سورة الذكر وسورة الأنبياء الذين ~~عليهم نزل الذكر إفتتحها بقوله @QB@ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث @QE@ ~~الآية وقوله @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ وقوله @QB@ لقد ~~أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم @QE@ وقوله @QB@ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ~~@QE@ وقوله ^ وذكرى للمتقين ^ وقوله @QB@ وهذا ذكر مبارك @QE@ وقوله @QB@ ~~ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر @QE@ وقوله @QB@ قال رب احكم بالحق @QE@ ~~يعنى والله أعلم انصر أهل الحق أو انصر الحق وقيل افصل الحق بيننا وبين ~~قومنا وكان الأنبياء يقولون @QB@ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق @QE@ ~~وأمر محمدا أن يقول @QB@ رب احكم بالحق @QE@ وروى مالك عن زيد بن أسلم قال ~~( كان رسول الله صلى الله عليه سولم إذا شهد قتالا قال رب إحكم بالحق ( ~~PageV15P265 # سورة الحج ( وقال رحمه الله ( $ فصل # سورة الحج فيها مكى ومدنى وليلى ونهارى وسفرى وحضرى وشتائى وصيفى وتضمنت ~~منازل المسير إلى الله بحيث لا يكون منزلة ولا قاطع يقطع عنها ويوجد فيها ~~ذكر القلوب الأربعة الأعمى والمريض والقاسى والمخبت الحى المطمئن إلى الله # وفيها من التوحيد والحكم والمواعظ على إختصارها ما هو بين لمن تدبره ~~وفيها ذكر الواجبات والمستحبات كلها توحيدا وصلاة وزكاة وحجا وصياما قد ~~تضمن ذلك كله قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ~~ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون @QE@ فيدخل فى قوله @QB@ وافعلوا الخير ~~@QE@ كل واجب ومستحب فخصص فى هذه الآية وعمم ثم قال @QB@ وجاهدوا في الله ~~حق جهاده @QE@ فهذه الآية وما بعدها لم تترك خيرا إلا جمعته ولا شرا إلا ~~نفته PageV15P266 # قال شيخ الإسلام # قوله @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب ~~عليه أنه من تولاه @QE@ فى أثناء آيات المعاد وعقبها بآية المعاد ثم إتبعه ~~بقوله @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله @QE@ إلى قوله @QB@ ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف @QE@ فيه بيان حال المتكلمين وحال المتعبدين المجادلين بلا ms1034 علم ~~والعابدين بلا علم بل مع الشك لأن هذه السورة سورة الملة الإبراهمية الذى ~~جادل بعلم وعبدالله بعلم ولهذا ضمنت ذكر الحج وذكر الملل الست # فقوله يجادل فى الله بلا علم ذم لكل من جادل فى الله بغير علم وهو دليل ~~على أنه جائز بالعلم كما فعل إبراهيم بقومه وفى الأولى ذم المجادل بغير علم ~~وفى الثانية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير # وهذا والله أعلم من باب عطف الخاص على العام أو الإنتقال من الأدنى إلى ~~الأعلى ليبين أن الذي يجادل بالكتاب أعلاهم ثم بالهدى فالعلم إسم جامع ثم ~~منه ما يعلم بالدليل القياسى فهو أدنى أقسامه فيخص PageV15P267 بإسم العلم ~~ويفرد ما عداه بإسمه الخاص فاما معلوم بالدليل القياسى وهم علم النظر وإما ~~ما علم بالهداية الكشفية كما للمحدثين وللمتفرسين ولسائر المؤمنين وهو ~~الهدى وإما نزل من عندالله من الكتب وهو أعلاها فأعلاها العلم المأثور عن ~~الكتب ثم كشوف الأولياء ثم قياس المتكلمين وغيرهم من العلماء PageV15P268 # وقال # فى قوله تعالى ^ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ~~وإن أصابته إنقلب فتنة إنقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين يدعو من دون الله ما لا يضره وما لاينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو ~~لمن أضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ^ فإن آخر هذه الآية قد ~~أشكل على كثير من الناس كما قال طائفة من المفسرين كالثعلبى والبغوى واللفظ ~~للبغوى قال هذه الآية من مشكلات القرآن وفيها أسؤلة أولها قالوا قد قال ~~الله تعالى فى الآية الأولى ^ يدعو من دون الله مالا يضره ^ أى لا يضره ترك ~~عبادته وقوله @QB@ لمن ضره @QE@ أى ضر عبادته قلت هذا جواب # وذكر صاحب الكشاف جوابا غير هذا فقال فإن قلت الضر والنفع منتفيان عن ~~الأصنام مثبتان لهما فى الآيتين وهذا تناقض قلت إذا حصل المعنى ذهب هذا ~~الوهم وذلك أن الله سفه الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا وهو ~~يعتقد فيه ms1035 لجهله وضلاله PageV15P269 أنه يستشفع به حين يستشفع به ثم قام ~~يوم القيامة هذا الكافر بدعاء وصراخ حين رأى إسضراره بالأصنام ودخوله النار ~~بعبادتها ولا يرى أثر الشفاعة التى إدعاها لها @QB@ لمن ضره أقرب من نفعه ~~لبئس المولى ولبئس العشير @QE@ أو كرر يدعو كأنه قال ^ يدعو من دون الله ~~مالا يضره ومالا ينفعه ^ ثم قال @QB@ لمن ضره @QE@ بكونه معبودا @QB@ أقرب ~~من نفعه @QE@ بكونه شفيعا @QB@ لبئس المولى @QE@ # قلت فقد جعل ضره بكونه معبودا وذكر تضرره بذلك وفى الآخرة # وقد قال السدى ما يتضمن الجوابين فى تفسيره المعروف قال ^ مالا يضره ^ ~~قال لا يضره أن عصلاه ^ ما لاينفعه ^ قال لا ينفعه الصنم أن أطاعه @QB@ ~~يدعو لمن ضره @QE@ قال ضره فى ألاخرة من أجل عبادته إياه فى الدنيا # قلت وهذا الذى ذكر من الجواب كلام صحيح لكن لم يبين فيه وجه نفى التناقض ~~فنقول قوله ^ مالا يضره ومالا ينفعه ^ هو نفى لكونه المدعو المعبود من دون ~~الله يملك نفعا أو ضرا وهذا يتناول كل ما سوى PageV15P270 الله من الملائكة ~~والبشر والجن والكواكب والأوثان كلها فإنما سوى الله لا يملك لا لنفسه ولا ~~لغيره ضرا ولا نفعا كما قال تعالى فى سياق نهيه عن عبادة المسيح ^ لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بنى إسرائيل إعبدوا ~~الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ~~وما للظالمين من انصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله ~~إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ~~أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح إبن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كانا يأكلان الطعام إنظر كيف نبين ~~لهم الآيات ثم إنظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرا ~~ولا نفعا والله هو السميع العليم ^ وقد قال لخاتم الرسل @QB@ قل لا أملك ~~لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ms1036 ما شاء الله @QE@ وقال @QB@ قل إني لا أملك لكم ضرا ~~ولا رشدا @QE@ وقال على العموم ^ ما يفتح الله الناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده ^ وقال ^ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يردك فلا راد لفضله ^ وقال ^ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ^ وقال صاحب يس ^ ومالى لا أعبد الذى فطرنى ~~وإليه ترجعون PageV15P271 أتخذ من دونه آلهة أن يرد الرحمن بضر لا تغن عنى ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إنى إذا لفى ضلال مبين إنى آمنت بربكم فاسمعون ~~@QB@ وقوله @QE@ يدعو من دون الله مالا يضره ولا ينفعه ^ ( نفى عام كما فى ~~قوله ( ^ لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ^ فهو لا يقدر أن يضر أحدا سواء عبده أو ~~لم يعبده ولا ينفع أحدا سواء عبده أو لم يعبده وقول من قال لا ينفع أن عبد ~~ولا يضر إن لم يعبد بيان لإنتفاء الرغبة والرهبة من جهته بخلاف الرب الذى ~~يكرم عابديه ويرحمهم ويهين من لم يعبده ويعاقبه # التحقيق انه لا ينفع ولا يضر مطلقا فإن الله سبحانه وسعت رحمته كل شىء ~~وهو ينعم على كثير من خلقه وإن لم يعبده فنفعه للعباد لا يختص بعابديه وإن ~~كان فى هذا تفصيل ليس هذا موضعه وما دونه لا ينفع لا من عبده ولا من لم ~~يعبده وهو سبحانه الضار النافع قادر على أن يضر من يشاء وإن كان ما ينزله ~~من الضر بعابديه هو رحمة فى حقهم كما قال أيوب ^ مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين ^ وقال تعالى ^ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ^ وقال ~~أيضا لرسوله محمد صلى الله عليه سلم ^ قل لا املك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ~~ما شاء الله ^ وقال تعالى ^ والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس ^ وهو ~~سبحانه يحدث ما يحدثه من الضرر بمن لا ms1037 يوصف بمعصية من الأطفال والمجانين ~~والبهائم لما فى ذلك منة الحكمة والنعمة PageV15P272 والرحمة كما هو مبسوط ~~فى غير هذا الموضع # فإن المقصود هنا أن نفى الضر والنفع عمن سواه عام لا يجب أن يخص هذا بمن ~~عبده وهذا بمن لم يعبده وإن كان هذا التخصيص حقا بإعتبار صحيح وجواب من ~~اجاب بأن معناه لا يضر ترك عبادته وضره بعبادته أقرب من نفعه مبنى على هذا ~~التخصيص # وإذا كان كذلك فنقول المنفى قدرة من سواه على الضر والنفع وأما قوله ^ ~~هذه ضره أقرب من نفعه ^ فنقول أولا المنفى هو فعلهم بقوله ^ مالا يضره ~~ومالا ينفعه ^ والمثبت إسم مضاف إليه فإنه لم يقل يضر أعظم مما ينفع بل قال ~~@QB@ لمن ضره أقرب من نفعه @QE@ والشىء يضاف إلى الشىء بأدنى ملابسة فلا ~~يجب أن يكون الضر والنفع المضافين من باب إضافة المصدر إلى الفاعل بل قد ~~يضاف المصدر من جهة كونه إسما كما تصاف سائر الأسماء وقد يضاف إلى محله ~~وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وأن لم يكن فاعلا كقوله @QB@ بل مكر الليل ~~والنهار @QE@ ولا ريب أن بين المعبود من دون الله وبين ضرر عابديه تعلق ~~يقتضى الإضافة كأنه قيل ^ لمن شره أقرب من خيره وخسارته أقرب من ربحه فتدبر ~~هذا # ولو جعل هو فاعل الضر بهذا لأنه سبب فيه لا لأنه هو الذى PageV15P273 فعل ~~الضرر # وهذا كقول الخليل عن الأصنام @QB@ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس @QE@ ~~فنسب الإضلال إليهن والإضلال هو ضرر لمن أضللنه وكذلك قوله ^ وما زادوهم ~~غير تتبيت ^ وهذا كما يقال أهلك الناس الدرهم والدينار وأهلك النساء ~~الأحمران الذهب والحرير كما يقال للمحبوب المعشوق الذى تضر محبته وعشقه إنه ~~عذب هذا وأهلكه وأفسده وقتله وعثره وإن كان ذاك المحبوب قد لا يكون شاعرا ~~بحال هذا البتة وكذلك يقال فى المحسود إنه يعذب حاسديه وإن كان لا شعور له ~~بهم # وفى الصحيحين عن عمرو بن عوف عن النبى أنه قال ( والله ما الفقر أخشى ~~عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما ms1038 بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا ~~فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم كما أهلكتم ) فجعل الدنيا المبسوطة هى ~~المهلكة لهم وذلك بسبب حبها والحرص عليها والمنافسة فيها وإن كانت مفعولا ~~بها لا إختيار لها فهكذا المدعو المعبود من دون الله الذى لم يأمر بعبادة ~~نفسه إما لكونه جمادا وإما لكونه عبدا مطيعا لله من الملائكة والأنبياء ~~والصالحين من الإنس والجن فما يدعى من دون الله هو لا ينفع ولا يضر لكن هو ~~السبب فى دعاء الداعى له وعبادته إياه وعبادة ذاك ودعاؤه هو الذى ضره فهذا ~~الضر المضاف إليه غير الضر المنفى عنه PageV15P274 فضرر العابد له بعبادته ~~يحصل فى الدنيا والآخرة # وإن كان عذاب الآخرة أشد فالمشركون الذين عبدوا غير الله حصل لهم بسبب ~~شركهم بهؤلاء من عذاب الله فى الدنيا ما جعله الله عبرة لأولى الأبصار قال ~~الله تعالى ^ ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ~~ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما ~~جاء أمر ربك وما زادهم غير تتبيب ^ فبين أنهم لم تنفعهم بل ما زادتهم إلا ~~شرا # وقد قيل فى هذا كما قيل فى الضر قيل ما زادتهم عبادتها وقيل أنها فى ~~القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرا وهذا كقوله @QB@ واتخذوا من دون الله ~~آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا @QE@ ~~والتتبيب عبر عنه الأكثرون بأنه التخسير كقوله تعالى @QB@ تبت يدا أبي لهب ~~وتب @QE@ وقيل التثبير والإهلاك وقيل ما زادوهم إلا شرا ووقوله ^ فما أغنت ~~عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير ~~تتبيب ^ فعل ماض يدل على أن هذا كان فى الدنيا وقد يقال فالشر كله من جهتهم ~~فلم قيل فما زادوهم فيقال بل عذبوا على كفرهم بالله ولو لم يعبدوهم فلما ~~عبدوهم مع ذلك إزدادوا بذلك كفرا وعذابا فما زادوهم إلا خسارة وشرا ~~مازادوهم ربحا وخيرا PageV15P275 # سورة المؤمنون ( # قال شيخ ألإسلام رحمه الله ms1039 ( # فى قوله تعالى @QB@ أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ~~@QE@ طال الفصل بين أن وإسمها وخبرها فأعاد ( أن ( لتقع على الخبر لتأكيده ~~بها ونظير هذا قوله تعالى ^ ألم يعلموا أنه من يحاد الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم ^ لما طال الكلام أعاد ( أن ( هذا قول الزجاج وطائفة وأحسن من هذا أن ~~يقال كل واحدة من هاتين الجملتين شرطية مركبة من جملتين جزائيتين فأكذت ~~الجملة الشرطية ( بأن ( على حد تأكيدها فى قول الشاعر % إن من يدخل الكنيسة ~~يوما % يلق فيها جآذرا وظباء % $ # ثم أكدت الجملة الجزائية ب ( أن ( إذ هى المقصودة على حد تأكيدها فى قوله ~~تعالى ^ والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المحسنين ^ # ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء ~~PageV15P276 وتأكيد جملة الجزاء قوله تعالى @QB@ إنه من يتق ويصبر فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين @QE@ فلا يقال فى هذا ( إن ( أعيدت لطول الكلام ~~ونظيره قوله تعالى @QB@ إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا ~~يحيى @QE@ ونظيره ^ أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه ~~غفور رحيم فهما تأكيدان مقصودان لمعنيين مختلفين ألا ترى تأكيد قوله ^ غفور ~~رحيم ^ ب ( إن ( غير تأكيد ^ من عمل سوءا بجهالة فإنه غفور رحيم ^ له ب ( ~~أن ( وهذا ظاهر لإخفاء به وهو كثير فى القرآن وكلام العرب # وأما قوله تعالى ^ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا إغفر لنا ذنوبنا ^ ~~فهذا ليس من التكرار فى شىء فإن قولهم خبر ( كان ( قدم على إسمها و ( أن ( ~~قالوا فى تأويل المصدر وهو الإسم فهما إسم كان وخبرها والمعنى وما كان لهم ~~قول إلا قول ^ ربنا إغفر لنا ذنوبنا ^ ونظير هذا قوله تعالى ^ وما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا ^ والجواب قول وتقول ما لفلان قول إلا قول ( لا حول ولا ~~قوة إلا بالله ( فلا تكرار أصلا واما قوله تعالى ^ وإن كانوا من قبل أن ~~ينزل عليهم من قبله PageV15P277 لمبلسين فهى من أشكل ms1040 ما أورد ومما أعضل على ~~الناس فهمها فقال كثير من أهل الأعراب والتفسير أنه على التكرير المحض ~~والتأكيد قال الزمخشرى ( من قبله ( من باب التوكيد كقوله تعالى @QB@ فكان ~~عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها @QE@ ومعنى التوكيد فيه الدلالة على ~~أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد فإستحكم يأسهم وتمادى وتمادى إبلاسهم فكان ~~الإستبشار بذلك على قدر إهتمامهم بذلك هذا كلامه وقد إشتمل على دعويين ~~باطلتين # إحداهما قوله إنه من باب التكرير # والثانية تمثيله ذلك بقوله تعالى @QB@ فكان عاقبتهما أنهما في النار ~~خالدين فيها @QE@ فإن ( فى ( الأولى على حد قولك زيد فى الدار أى حاصل أو ~~كائن وأما الثانية فعمولة للخلود وهو معنى آخر غير معنى مجرد الكون فلما ~~إختلف العاملان ذكر الحرفين فلو إقتصر على إحداهما كان من باب الحذف لدلالة ~~الآخر عليه ومثل هذا لا يقال له تكرار ونظير هذا أن تقول زيد فى الدار فيها ~~أو ساكن فيها ونحوه مما هو جملتان مقيدتان بمعنيين # وأما قوله @QB@ من قبل أن ينزل عليهم من قبله @QE@ فليس من التكرار بل ~~تحته معنى دقيق والمعنى فيه وإن كانوا من قبل أن ينزل PageV15P278 عليهم ~~الودق من قبل هذا النزول لمبلسين فهنا قبليتان قبيلة لنزوله مطلقا وقبيلة ~~لذلك النزول المعين أن لا يكون متقدما على ذلك الوقت فيئسوا قبل نزوله يأسا ~~لعدمه مرئيا ويأسا لتأخره عن وقته فقبل الأولى ظرف لليأس وقبل الثانية ظرف ~~المجىء والإنزال # ففى الآية ظرفان معمولان وفعلان مختلفان عاملان فيهما وهما الإنزال ~~والابلاس فأحد الظرفين متعلق بالابلاس والثانى متعلق بالنزول وتمثيل هذا أن ~~تقول ( إذا كنت معتادا للعطاء من شخص فتأخر عن ذلك الوقت ثم أتاك به قد كنت ~~آيسا PageV15P279 # ( سورة النور ( # قال الشيخ الربانى والصديق الثانى إمام الأئمة ومفتى الأمة وبحر العلوم ~~وبدر النجوم وسند الحفاظ وفارس المعانى والألفاظ وفريد العصر وأوحد الدهر ~~وشيخ الإسلام وإمام الأئمة الأعلام وعلامة الزمان وترجمان القرآن وعلم ~~الزهاد واوحد العباد وقامع المبتدعين وآخر المجتهدين البحر الزاخر والصارم ~~الباتر أبوالعباس تقى الدين أحمد بن شهاب ms1041 الدين أبى المحاسن عبدالحليم بن ~~شيخ الإسلام مجد الدين أبى البركات عبدالسلام بن أبى محمد عبدالله بن أبى ~~القاسم الخضر بن محمد بن الخضر على بن عبدالله بن تيمية الحرانى قدس الله ~~روحه ونور ضريحه ورحمه ورضى عنه وأرضاه PageV15P280 $ فصل # فى معانى مستنبطة من سورة النور # قال تعالى @QB@ سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم ~~تذكرون @QE@ ففرضها بالبينات والتقدير لحدود الله التى من يتعد حلالها إلى ~~الحرام فقد ظلم نفسه ومن قرب من حرامها فقد اعتدى وتعدى الحدود وبين فيها ~~فرض العقوبة للزانيين مائة جلدة وبين فيها فريضة الشهادة على الزنا وأنها ~~اربع شهادات وكذلك فريضة شهادة المتلاعنين كل منهما يشهد أربع شهادات بالله ~~ونهى فيها عن تعدى حدوده فى الفروج والأعراض والعورات وطاعة ذى السلطان ~~سواء كان فى منزله أوفى ولايته ولا يخرج ولا يدخل إلاباذنه اذ الحقوق نوعان ~~نوع لله فلا يتعدى حدوده ونوع فيه أمر فلا يفعل إلا باذن المالك وليس لاحد ~~أن يفعل شيئا فى حق غيره إلا باذن الله وإن لم يأذن المالك فاذن الله هو ~~الاصل وإذن المالك حيث أذن الله وجعل له الاذن فيه ولهذا ضمنها الاستئذان ~~فى المساكن والمطاعم والاستئذان فى PageV15P281 الأمور الجامعة كالصلاة ~~والجهاد ونحوهما ووسطها بذكر النور الذى هو مادة كل خير وصلاح كل شىء وهو ~~ينشأ عن امتثال أمر الله واجتناب نهيه وعن الصبر على ذلك فانه ضياء فان حفظ ~~الحدود بتقوى الله يجعل الله لصاحبه نورا كما قال تعالى @QB@ اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ~~@QE@ # فضد النور الظلمة ولهذا عقب ذكر النور وأعمال المؤمنين فيها بأعمال ~~الكفار وأهل البدع والضلال فقال @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ~~@QE@ إلى قوله @QB@ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ وكذلك الظلم ظلمات يوم القيامة وظلم ~~العبد نفسه من الظلم فان للسيئة ظلمة فى القلب وسوادا فى الوجه ووهنا فى ms1042 ~~البدن ونقصا فى الرزق وبغضا فى قلوب الخلق كما روى ذلك عن ابن عباس # يوضح ذلك أن الله ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور ومثل أعمال الكفار ~~بالظلمة # و ( الإيمان ( اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه و ( الكفر ( PageV15P282 ~~اسم جامع لكل ما يبغضه الله وينهى عنه وإن كان لا يكفر العبد إذا كان معه ~~اصل الايمان وبعض فروع الكفر من المعاصى كما لا يكون مؤمنا إذا كان معه اصل ~~الكفر وبعض فروع الإيمان ولغض البصر اختصاص بالنور كما سنذكر ذلك إن شاء ~~الله تعالى وقد روى أبو هريرة عن النبى أنه قال إن العبد اذا أذنب نكتت فى ~~قلبه نكتة سوداء فان تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى يعلو ~~قلبه فذلك ( الران الذى ذكر الله @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون @QE@ رواه الترمذى وصححه وفى الصحيح انه قال ( انه ليغان على قلبى ~~وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة ( والغين حجاب رقيق أرق من الغيم ~~فأخبر أنه يستغفر الله استغفارا يزيل الغين عن القلب فلا يصير نكتة سوداء ~~كما أن النكتة السوداء إذا أزيلت لاتصير رينا # وقال حذيفة إن الإيمان يبدو فى القلب لمظة بيضاء فكلما إزداد العبد ~~إيمانا إزداد قلبه بياضا فلو كشفتم عن قلب المؤمن لرأيتموه أبيض مشرقا وإن ~~النفاق يبدو منه لمظة سوداء فكلما إزداد العبد نفاقا إزداد قلبه سوادا فلو ~~كشفتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود مربدا وقال ( إن النور إذا دخل القلب ~~إنشرح وإنفسح قيل فهل لذلك من علامة يا رسول الله قال نعم PageV15P283 ~~التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإستعداد للموت قبل نزوله ~~( # وفى خطبة الإمام أحمد التى كتبها فى كتابه فى الرد على الجهمية والزنادقة ~~قال ( الحمد لله الذى جعل فى كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ~~يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحبون بكتاب الله الموتى ~~ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لأبليس قد أحيوه وكم ms1043 من ضال تائه ~~حيران قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن ~~كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ~~ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب ~~مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفى الله وفى كتاب الله بغير علم ~~يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم نعوذ ~~بالله من شبه المضلين # قلت وقد قرن الله سبحانه فى كتابه فى غير موضع بين أهل الهدى والضلال ~~وبين أهل الطاعة والمعصية بما يشبه هذا كقوله تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى ~~والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا ~~الأموات @QE@ وقال @QB@ مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع @QE@ ~~الآية وقال فى المنافقين PageV15P284 @QB@ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~@QE@ الآيات ( وقال @QB@ الله ولي الذين آمنوا @QE@ الآية وقال @QB@ كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور @QE@ والآيات فى ذلك كثيرة # وهذا النور الذى يكون للمؤمن فى الدنيا على حسن عمله وإعتقاده يظهر فى ~~الآخرة كما قال تعالى @QB@ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم @QE@ الآية ~~فذكر النور هنا عقيب أمره بالتوبة كما ذكره فى سورة النور عقيب أمره بغض ~~البصر وامره بالتوبة فى قوله @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون @QE@ وذكر ذلك بعد أمره بحقوق الأهلين والأزواج وما يتعلق ~~بالنساء وقال فى سورة الحديد @QB@ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ~~بين أيديهم وبأيمانهم @QE@ الآيات إلى قوله فى المنافقين @QB@ مأواكم النار ~~هي مولاكم وبئس المصير @QE@ # فأخبر سبحانه أن المنافقين يفقدون النور الذى كان المؤمنون يمشون به ~~ويطلبون الإقتباس من نورهم فيحجبون عن ذلك بحجاب يضرب بينهم وبين المؤمنين ~~كما أن المنافقين لما فقدوا النور فى الدنيا كان مثلهم كمثل الذي إستوقد ~~نارا فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمات فقوله تعالى @QB@ ~~الزانية والزاني @QE@ الآية فأمر بعقوبتهما وعذابهما بحضور طائفة من ~~المؤمنين وذلك بشهادته على نفسه أو بشهادة المؤمنين عليه لأن المعصية إذا ~~كانت ظاهرة ms1044 كانت عقوبتها PageV15P285 ظاهرة كما فى الأثر ( من اذنب سرا ~~فليتب سرا ومن أذنب علانية فليتب علانية ( وليس من الستر الذى يحبه الله ~~تعالى كما فى الحديث ( من ستر مسلما ستره الله ( بل ذلك إذا ستر كان ذلك ~~إقرارا لمنكر ظاهر وفى الحديث ( إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ~~وإذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة ( فإذا أعلنت أعلنت عقوبتها بحسب العدل ~~الممكن # ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة كما روى ذلك عن الحسن البصرى ~~وغيره لأنه لما أعلن ذلك إستحق عقوبة المسلمين له وأدنى ذلك أن يذم عليه ~~لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته ولو لم يذم ويذكر بما فيه من الفجور ~~والمعصية أو البدعة لإغتر به الناس وربما حمل بعضهم على أن يرتكب ما هو ~~عليه ويزداد أيضا هو جرأة وفجور ومعاصى فإذا ذكر بما فيه إنكف وإنكف غيره ~~عن ذلك وعن صحبته ومخالطته قال الحسن البصرى اترغبون عن ذكر الفاجر أذكروه ~~بما فيه كى يحذره الناس وقد روى مرفوعا و ( الفجور ( إسم جامع لكل متجاهر ~~بمعصية أو كلام قبيح يدل السامع له على فجور قلب قائله # ولهذا كان كان مستحقا للهجر إذا أعلن بدعة أو معصية أو فجورا أو تهتكا أو ~~مخالطة لمن هذا حاله بحيث لا يبالى بطعن الناس عليه فإن PageV15P286 هجره ~~نوع تعزير له فإذا أعلن السيئات هجره وإذا أسر أسر هجره إذ الهجرة هى ~~الهجرة على السيئات وهجرة السيئات هجرة ما نهى الله عنه كما قال تعالى @QB@ ~~والرجز فاهجر @QE@ وقال تعالى @QB@ واهجرهم هجرا جميلا @QE@ وقال @QB@ وقد ~~نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم @QE@ # وقد روى عن عمر بن الخطاب أن ابنه عبدالرحمن لما شرب الخمر بمصر وذهب ~~اخوه إلى أمير مصر عمرو بن العاص ليجلده الحد جلده الحد سرا وكان الناس ~~يجلدون علانية فبعث عمر بن الخطاب إلى عمرو ينكر عليه ذلك ولم يعتد عمر ~~بذلك ms1045 الجلد حتى أرسل إلى ابنه فأقدمه المدينة فجلده الحد علانية ولم ير ~~الوجوب سقط بالحد الأول وعاش ابنه بعد ذلك مدة ثم مرض ومات ولم يمت من ذلك ~~الجلد ولا ضربة بعد الموت كما يزعمه الكذابون # قوله تعالى @QB@ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله @QE@ الآية نهى تعالى ~~عما يأمر به الشيطان فى العقوبة عموما وفى أمر الفواحش خصوصا فإن هذا الباب ~~مبناه على المحبة والشهوة والرأفة التى يزينها الشيطان بإنعطاف القلوب على ~~أهل الفواحش والرأفة بهم حتى يدخل كثير من الناس بسبب هذه الآفة فى الدياثة ~~وقلة الغيرة إذا PageV15P287 رأى من يهوى بعض المتصلين به أو يعاشره عشرة ~~منكرة أو رأى له محبة أو ميلا وصبابة وعشقا ولو كان ولده رأف به وظن أن هذا ~~من رحمة الخلق ولين الجانب بهم وكارم الأخلاق وإنما ذلك دياثة ومهانة وعدم ~~دين وضعف إيمان وإعانة على الإثم والعدوان وترك للتناهى أن الفحشاء والمنكر # وتدخل النفس به فى القيادة التى هى أعظم الدياثة كما دخلت عجوز السوء مع ~~قومها فى إستحسان ما كانوا يتعاطونه مع إتيان الذكران والمعاونة لهم على ~~ذلك وكانت فى الظاهر مسلمة على دين زوجها لوط وفى الباطن منافقة على دين ~~قومها لا تقلى عملهم كما قلاه لوط فإنه أنكره ونهاهم عنه وأبغضه وكما فعل ~~النسوة اللواتى بمصر مع يوسف فإنهن أعن امرأة العزيز على ما دعته إليه من ~~فعل الفاحشة معها ولهذا قال @QB@ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه @QE@ ~~وذلك بعد قولهن @QB@ إنا لنراها في ضلال مبين @QE@ # ولا ريب أن محبة الفواحش مرض فى القلب فإن الشهوة توجب السكر كما قال ~~تعالى عن قوم لوط @QB@ إنهم لفي سكرتهم يعمهون @QE@ وفى الصحيحين واللفظ ~~لمسلم من حديث أبى هريرة عن النبى قال ( العينان تزنيان وزناهما النظر ( ~~الحديث فى آخره فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه PageV15P288 الأنواع ~~المذكورة فى هذا الحديث كالنظر والإستمتاع والمخاطبة ومنهم من يرتقى إلى ~~اللمس والمباشرة ومنهم من يقبل وينظر وكل ذلك حرام وقد نهانا الله ms1046 عز وجل ~~أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم عليهم الحد فكيف بما هو دون ذلك من هجر ~~وأدب باطن ونهى وتوبيخ وغير ذلك بل ينبغى شنآن الفاسقين وقليهم على ما ~~يتمتع به الإنسان من أنواع الزنا المذكورة فى الحديث المتقدم وغيره # وذلك ان المحب العاشق وإن كان إنما يحب النظر والإستماع بصورة ذلك ~~المحبوب وكلامه فليس دواؤه فى ان يعطى نفسه محبوبها وشهوتها من ذلك لأنه ~~مريض والمريض إذا إشتهى ما يضره أو جزع من تناول الدواء الكرية فأخذتنا ~~رأفة عليه حتى نمنعه شربه فقد أعناه على ما يضره أو يهلكه وعلى ترك ما ~~ينفعه فيزداد سقمه فيهلك وهكذا المذنب العاشق ونحوه هو مريض فليس الرأفة به ~~والرحمة أن يمكن مما يهواه من المحرمات ولا يعان على ذلك ولا أن يمكن من ~~ترك ما ينفعه من الطاعات التى تزيل مرضه قال تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر @QE@ أى فيها الشفاء وأكبر من ذلك # بل الرأفة به أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريها مثل الصلاة وما فيها ~~من الأذكار والدعوات وأن يحمى عما يقوى داءه ويزيد علته وإن إشتهاه ولا يظن ~~الظان أنه إذا حصل له إستمتاع PageV15P289 بمحرم يسكن بلاؤه بل ذلك يوجب له ~~إنزعاجا عظيما وزيادة فى البلاء والمرض فى المآل فإنه وإن سكن بلاؤه وهدأ ~~ما به عقيب إستمتاعه أعقبه ذلك مرضا عظيما عسيرا لا يتخلص منه بل الواجب ~~دفع أعظم الضررين بإحتمال أدناهما قبل إستحكام الداء الذى ترامى به إلى ~~الهلاك والعطب ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع ايسر وأخف من الم المرض ~~الباقى # وبهذا يتبين أن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض ~~القلوب وهى من رحمة الله بعباده ورأفته بهم الداخلة فى قوله تعالى @QB@ وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها ~~بالمريض فهو الذى اعان على عذابه وهلاكه وإن كان لا يريد إلا الخير إذ هو ~~فى ذلك جاهل أحمق كما يفعله بعض النساء والرجال الجهال ms1047 بمرضاهم وبمن يربونه ~~من أولادهم وغلمانهم وغيرهم فى ترك تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر ~~ويتركونه من الخير رأفة بهم فيكون ذلك بسبب فسادهم وعداوتهم وهلاكهم # ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم فى ذلك المرض وذوقه ما ذاقوه ~~من قوة الشهوة وبرودة القلب والدياثة فيترك ما أمر الله به من العقوبة وهو ~~فى ذلك من أظلم الناس وأديثهم فى حق نفسه ونظرائه وهو بمنزلة جماعة من ~~المرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم PageV15P290 فوجد كبيرهم مرارته فترك ~~شربه ونهى عن سقيه للباقين # ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانين محبوبا له إما أن يكون محبا ~~لصورته وجماله بعشق أو غيره أو لقرابة بينهما أو لمودة أو لإحسانه إليه أو ~~لما يرجو منه من الدنيا أو غير ذلك أو لما فى العذاب من الألم الذى يوجب ~~رقة القلب ويتأول ^ إنما يرحم الله من عباده الرحماء ويقول الأحمق ( ~~الراحمون يرحمهم الرحمن إرحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء ( وغير ذلك ~~وليس كما قال بل ذلك وضع الشىء فى غير موضعه بل قد ورد فى الحديث ( لا يدخل ~~الجنة ديوث ( فمن لم يكن مبغضا للفواحش كارها ولأهلها ولا يغضب عند رؤيتها ~~وسماعها لم يكن مريدا للعقوبة عليها فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه قال ~~تعالى ^ ولا تأخذ كم بهما رأفة فى دين الله ^ الآية # فإن دين الله طاعته وطاعة رسوله المبنى على محبته ومحبة رسوله وإن يكون ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فإن الرأفة والرحمة يحبهما الله مالم تكن ~~مضيعة لدين الله # وفى الصحيح عن النبى أنه قال ( إنما يرحم الله من عباده الرحماء ( وقال ( ~~لا يرحم الله من لا يرحم الناس ( وقال PageV15P291 ( من لا يرحم الله من لا ~~يرحم الناس ( وقال ( من لا يرحم لا يرحم ( وفى السنن ( الراحمون يرحمهم ~~الرحمن إرحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء ( فهذه الرحمة حسنة مأمور ~~بها أمر إيجاب أو إستحباب بخلاف الرأفة فى دين الله فإنها منهى عنها # والشيطان ms1048 يريد من الإنسان الإسراف فى أموره كلها فإنه أن رآه مائلا إلى ~~الرحمة زين له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله ولا يغار لما يغار الله ~~منه وأن رآه مائلا إلى الشدة زين له له الشدة فى غير ذات الله حتى يترك من ~~الإحسان والبر واللين والصلة والرحمة ما يأمر به الله ورسوله ويتعدى فى ~~الشدة فيزيد فى الذم والبغض والعقاب على ما يحبه الله ورسوله فهذا يترك ما ~~أمر الله به من الرحمة والإحسان وهو مذموم مذنب فى ذلك ويسرف فيما أمر الله ~~به ورسوله من الشدة حتى يتعدى الحدود وهو من إسرافه فى أمره فالأول مذنب ~~والثانى مسرف ^ والله لا يحب المسرفين ^ فليقولا جميعا @QB@ ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين @QE@ # وقوله تعالى @QB@ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ فالمؤمن بالله ~~واليوم الآخر يفعل ما يحبه الله ورسوله وينهى عما يبغضه الله ورسوله ومن لم ~~يؤمن الله واليوم الآخر فإنه يتبع هواه فتارة تغلب عليه الرأفة PageV15P292 ~~هوى وتارة تغلب عليه الشدة هوى فيتبع هواه فى الجانبين بغير هدى من الله ~~@QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ فإن الزنا من الكبائر ~~وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور بإجتناب الكبائر فإن أصر على النظر ~~أو على المباشرة صار كبيرة وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش ~~فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة قد يكون ~~اعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه ولهذا قال الفقهاء فى الشاهد العدل ~~أن لا يأتى كبيرة ولا يصر على صغيرة وفى الحديث المرفوع ( لا صغيرة مع ~~إصرار ولا كبيرة مع إستغفار ( # بل قد ينتهى النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك كما قال تعالى ^ ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله أنداد يحبونهم كحب الله ^ ولهذا لا يكون عشق الصور إلا ~~من ضعف محبة الله وضعف الإيمان والله تعالى إنما ذكره فى القرآن عن إمرأة ~~العزيز المشركة وعن قوم ms1049 لوط المشركين والعاشق المتيم يصير عبدا لمعشوقه ~~منفادا له أسير القلب له # وقد جمع النبى ذكر الحدود إن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد ~~الله فيما رواه أبوداود عن ابن عمر قال قال رسول الله ( من حالت شفاعته دون ~~حد PageV15P293 من حدود الله فقد ضاد الله فى أمره ومن خاصم فى باطل وهو ~~يعلم لم يزل فى سخط الله حتى ينزع ومن قال فى مسلم ماليس فيه حبس فى ردغة ~~الخبال حتى يخرج مما قال ( فالشافع فى تعطيل الحدود فلا يجوز أن تأخذ ~~المؤمن رأفة بأهل البدع والفجور والمعاصى والظلمة # وجماع ذلك كله فيما وصف الله به المؤمنين حيث قال @QB@ أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين @QE@ وقال @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ فإن ~~هذه الكبائر كلها من شعب الكفر ولم يكن المسلم كافرا بمجرد إرتكاب كبيرة ~~ولكنه يزول عنه إسم الإيمان الواجب كما فى الصحاح عنه ( لا يزنى الزانى حين ~~يزنى وهو مؤمن ( الحديث إلى آخره ففيهم من نقص الإيمان ما يوجب زوال الرأفة ~~والرحمة بهم وإستحقوا بتلك الشعبة من الشدة بقدر ما فيها ولا منافاة بين أن ~~يكون الشخص الواحد يرحم ويحب من وجه ويعذب ويبغض من وجه آخر ويثاب من وجه ~~فإن مذهب أهل السنة والجمعة أن الشخص الواحد فيه الأمران خلافا لما يزعمه ~~الخوارج ونحوهم من المعتزلة فإن عندهم أن من إستحق العذاب من أهل القبلة لا ~~يخرج من النار فأوجبوا خلود أهل التوحيد وقال من إستحق العذاب لا يستحق ~~الثواب PageV15P294 ولهذا جاء فى السنة أن من أقيم عليه الحد والعقوبات ولم ~~يأخذ المؤمنين به رأفة أن يرحم من وجه آخر فيحسن إليه ويدعى له وهذا الجانب ~~أغلب فى الشريعة كما أنه الغالب فى صفة الرب سبحانه كما فى الصحيحين ( إن ~~الله كتب كتابا فهو موضع عنده فوق العرش ( إن رحمتى تغلب غضبى ( وفى رواية ~~( سبقت غضبى ( وقال ( نبىء عبادى إنى أنا الغفور الرحيم وإن عذابى هو ~~العذاب الأليم ( وقال @QB@ اعلموا أن الله شديد ms1050 العقاب وأن الله غفور رحيم ~~@QE@ فجعل الرحمة صفة له مذكورة فى اسمائه الحسنى وأما العذاب والعقاب ~~فجعلهما من مفعولاته غير مذكورين فى اسمائه # ومن هذا الباب ما امر الله به من الغلطة على الكفار والمنافقين فقال ~~تعالى @QB@ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم @QE@ وقال ~~@QB@ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة @QE@ الآيات إلى ~~قوله فى قصة إبراهيم @QB@ حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ وكذلك آخر المجادلة ~~وقد ثبت فى صحيح مسلم عن حطان بن عبدالله عن عبادة بن الصامت ( أن النبى ~~قال ( خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ~~والثيب بالثيب جلد مائة والرجم # وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة وزيد بن خالد أنه صلى الله PageV15P295 ~~عليه وسلم ( إختصم إليه رجلان فقال أحدهما يا رسول الله إقض بيننا بكتاب ~~الله وقال الآخر وهو أفقه منه يا رسول الله إقض بيننا بكتاب الله وائذن لى ~~أن ابني كان عسيفا على هذا وأنه زنى بامرأته فإفتديت منه بمائة شاة ووليدة ~~وإنى سالت أهل العلم فقالوا على ابنك جلد مائة وتغريب عام فقال النبى ~~لأقضين بينكما بكتاب الله أما المائة شاة والوليدة فرد عليك وعلى ابنك جلد ~~مائة وتغريب عام وإغد يا انيس على امرأة هذا فإن إعترفت فإرجمها فإعترفت ~~فرجمها ( # فهذه المرأة أحد من رجمه النبى ورجم أيضا اليهوديين على باب مسجده ورجم ~~ماعز بن مالك ورجم الغامدية ورجم غير هؤلاء وهذا الحديث يوافق ما فى الآية ~~من بيان السبيل الذى جعله الله لهن وهو جلد مائة وتغريب عام فى البكر وفى ~~الثيب الرجم لكن الذى فى هذا الحديث هو الجلد والنفى للكبر من الرجال وأما ~~الاية ففيها ذكر الإمساك فى البيوت للنساء خاصة ومن فقهاء العراق من لا ~~يوجب مع الحد تغريبا ومنهم من يفرق بين الرجل والمرأة كما ان أكثرهم لا ~~يوجبون مع رجم جلد مائة ومنهم من يوجبهما جميعا كما فعل على بسراحة ~~الهمدانية حيث جلدها ثم رجمها وقال ( جلدتها بكتاب الله ms1051 ( ورجمتها بسنة ~~نبيه PageV15P296 رواه البخارى وعن أحمد فى ذلك روايتان وهو سبحانه ذكر فى ~~سورة النساء ما يختص بالنساء من العقوبة بالإمساك فى البيوت إلى الممات أو ~~إلى جعل السبيل ثم ذكر ما يعم الصنفين فقال @QB@ واللذان يأتيانها منكم ~~فآذوهما @QE@ آ فإن الأذى يتناول الصنفين واما الإمساك فيختص بالنساء ~~فالنساء يؤذين ويحبسن بخلاف الرجال فإنه لم يأمر فيهم بالحبس لأن المرأة ~~يجب ان تصان وتحفظ بما لا يجب مثله فى الرجل لهذا خصت بالإحتجاب وترك إبداء ~~الزينة وترك التبرج فيجب فى حقها الإستتار باللباس والبيوت مالا يجب فى حق ~~الرجل لأن ظهور النساء سبب الفتنة والرجال قوامون عليهن # وقوله ^ فإستشهدوا عليهن بأربعة منكم ^ دل على شيئين على أن نصاب الشهادة ~~على الفاحشة أربعة وعلى أن الشهداء بها على نسائنا يجب أن يكونوا منا فلا ~~تقبل شهادة الكفار على المسلمين وهذا لا نزاع فيه وإنما النزاع فى قبول ~~شهادة الكفار بعضهم على بعض وفيه قولان عند أحمد أشهرهما عنده وعند أصحابه ~~أنها لا تقبل كمذهب مالك والشافعى والثانية أنها تقبل إختارها أبوالخطاب ~~مكن اصحاب أحمد وهو قول أبى حنيفة وهو أشبه بالكتاب والسنة وقد قال النبى ( ~~لا تجوز شهادة أهل ملة على أهل ملة إلا PageV15P297 أمتى فإن شهادتهما تجوز ~~على من سواهم ( فإنه لم ينف شهادة أهل الملة الواحدة بعضها على بعض بل ~~مفهوم ذلك جواز شهادة أهل الملة الواحدة بعضها على بعض ولكن فيه بيان أن ~~المؤمنين تقبل شهادتهم على من سواهم لقوله تعالى ( وكذلك جعلناكم امة وسطا ~~لتكونا شهداء على الناس ( وفى آخر الحج مثلها # وقد ثبت فى صحيح البخارى عن ابى سعيد الخدرى عن النبى قال ( يدعى نوح يوم ~~القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيدعى قومه فيقال هل بلغكم فيقولون ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فيقال لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيؤتى بكم ~~فتشهدون أنه بلغ ( وكذلك فى الصحيحين من حديث انس فى شهادتهم على تلك ~~الجنازتين وأنهم أثنوا على احدهما خيرا وعلى ms1052 الأخرى شرا فقال ( أنتم شهداء ~~الله فى أرضه ( الحديث ولهذا لما كان أهل السنة والجماعة الذين محضوا ~~الإسلام ولم يشوبوه بغيره كانت شهادتهم مقبولة على سائر فرق الأمة بخلاف ~~أهل البدع والأهواء كالخوارج والروافض فإن بينهم من العداوة والظلم ما ~~يخرجهم عن كمال هذه الحقيقة التى جعلها الله لأهل السنة قال النبى فيهم ( ~~يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وإنتحال المبطلين ~~وتأويل الجاهلين ( PageV15P298 # وقد إستدل من جوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض بهذه الآية التى فى ~~المائدة وهى قوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم ~~الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم @QE@ الآية ثم قال ~~من أخذ بظاهر هذه الآية من أهل الكوفة دلت هذه الآية على قبول شهادة أهل ~~الذمة على المسلمين فيكون فى ذلك تنبيه ودلالة على قبول شهادة بعضهم على ~~بعض بطريق الأولى ثم نسخ الظاهر لا يوجب نسخ الفحوى والتنبيه وهذه الآية ~~الدالة على نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث الموافقين للسلف فى ~~العمل بهذه الآية وما يوافقها من الحديث أوجه وأقوى فإن مذهبه قبول شهادة ~~أهل الذمة على المسلمين فى الوصية فى السفر لأنه موضع ضرورة فإذا جازت ~~شهادتهم لغيرهم فعلى بعضهم أجوز وأجوز # ولهذا يجوز فى الشهادة للضرورة مالا يجوز فى غيرها كما تقبل شهادة النساء ~~فيما لا يطلع عليه الرجال حتى نص أحمد على قبول شهادتين فى الحدود التى ~~تكون فى مجامعهن الخاصة مثل الحمامات والعرسات ونحو ذلك فالكفار الذين لا ~~يختلط بهم المسلمون أولى أن تقبل شهادة بعضهم على بعض إذا حكمنا بينهم ~~والله أمرنا أن نحكم بينهم والنبى رجم الزانيين من اليهود من غير سماع ~~إقرار منهما ولا شهادة مسلم عليهما ولولا قبول شهادة بعضهم على بعض لم يجز ~~ذلك والله أعلم PageV15P299 # ثم إن فى تولى مال بعضهم بعضا نزاع فهل يتولى الكافر العدل فى دينه مال ~~ولده الكافر على قولين فى مذهب أحمد وغيره والصواب المقطوع ms1053 به أن بعضهم ~~أولى ببعض وقد مضت سنة النبى بذلك وسنة خلفائه وقوله تعالى ( فآذوهما ( أمر ~~بالأذى مطلقا ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره بل ذكر أنه يجب إيذاؤهما ولفظ ~~( الأذى ( يستعمل فى الأقوال كثيرا كقوله @QB@ لن يضروكم إلا أذى @QE@ ~~وقوله ^ إن الذين يؤذون الله ورسوله والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ~~ما إكتسبوا ^ ومنهم الذين يؤذون النبى ( وقول النبى ( لا أحد أصبر على أذى ~~سمعه من الله ( ونظائر ذلك كثيرة ذكرناها فى كتاب الصارم المسلول ( وهذا ~~كما قال النبى فى شارب الخمر ( عاقبوه وآذوه ( وقال @QB@ فإن تابا وأصلحا ~~فأعرضوا عنهما @QE@ ( والإعراض هو الإمساك عن الإيذاء # فالمذنب لا يزال يؤذى وينهى ويوعظ ويوبخ ويغلظ له فى الكلام إلى أن يتوب ~~ويطيع الله وادنى ذلك هجره فلا يكلم بالكلام الطيب كما هجر النبى والمؤمنون ~~الثلاثة الذين خلفوا حتى ظهرت توبتهم وصلاحهم وهذه آية محكمة لا نسخ فيها ~~فمن أتى الفاحشة من الرجال والنساء فإنه يجب إيذاؤه بالكلام الزاجر له عن ~~المعصية إلى PageV15P300 أن يتوب وليس ذلك محدودا بقدر ولا صفة إلا ما يكون ~~زاجرا له داعيا إلى حصول المقصود وهو توبته وصلاحه وقد علقه تعالى على هذين ~~الأمرين التوبة والإصلاح فإذا لم يوجدا فلا يجوز أن يكون الأمر بالإعراض ~~موجودا فيؤذى والآية دلت على وجوب الإعراض عن الأذى فى حق من تاب وأصلح ~~فأما من تاب بترك فعل الفاحشة ولم يصلح فقد تنازع الفقهاء هل يشترط فى قبول ~~التوبة صلاح العمل على قولين فى مذهب أحمد وغيره # وهذه تشبه قوله تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم @QE@ فأمر بقتالهم ثم علق تخلية سبيلهم على التوبة والعمل ~~الصالح وهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنهم إذا تكلموا بالشهادتين وجب ~~الكف عنهم ثم إن صلوا وزكوا وإلا عوقبوا بعد ذلك على ترك الفعل لأن الشارع ~~فى التوبة شرع الكف عن أذاه ويكون الأمر فيه موقوفا على التمام وكذلك ~~التائب من الفاحشة ms1054 يشرع الكف عن أذاه إلى أن يصلح فإن اصلح وجب الإعراض عن ~~أذاه وإن لم يصلح لم يجب الكف عن اذاه بل يجوز أو يجب أذاه # وهذه الآية مما يستدل بها على التعزير بالأذى والأذى وإن كان PageV15P301 ~~يستعمل كثيرا فى الكلام فى مرتكب الفاحشة فليس هو مختصا به كما قال النبى ~~لمن بصق فى القبلة ( إنك قد آذيت الله ورسوله ( وكذلك قال فى حق فاطمة ~~إبنته ( يريبنى ما رابها ويؤذينى ما آذاها ( وكذلك قال لمن اكل الثوم ~~والبصل ( إن الملائكة تتاذى مما يتاذى منه بنو آدم ( وقال لصاحب السهام ( ~~خذ بنصالها لئلا تؤذى أحدا من المسلمين ( وقد قال تعالى @QB@ فإذا طعمتم ~~فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي @QE@ # وقوله تعالى ^ فإن تابا و أصلحا ^ هل يكون من توبته إعترافه بالذنب فإذا ~~ثبت الذنب بإقراره فجحد إقراره وكذب الشهود على إقراره أو ثبت بشهادة شهود ~~هل يعد بذلك تائبا فيه نزاع فذكر الإمام أحمد أنه لا توبة لمن جحد وإنما ~~التوبة لمن أقر وتاب وإستدل بقصة على بن أبى طالب أنه أتى بجماعة ممن شهد ~~عليهم بالزندقة فإعترف منهم ناس فتابوا فقبل توبتهم وجحد منهم جماعة فقتلهم ~~وقد قال النبى صلى الله لعائشة ( إن كنت ألممت بذنب فإستغفرى الله وتوبى ~~إليه فإن العبد إذا إعتراف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ( رواه البخارى # فمن أذنب سرا فليتب سرا وليس عليه أن يظهر ذنبه كما فى الحديث ( من إبتلى ~~بشىء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله PageV15P302 فإنه من يبد لنا ~~صفحته نقم عليه كتاب الله ( وفى الصحيح ( كل أمتى معافى إلا المجاهدين وإن ~~من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله عليه فيكشف ستر الله عنه ~~( فإذا ظهر من العبد الذنب فلابد من ظهور التوبة ومع الجحود لا تظهر التوبة ~~فإن الجاحد يزعم أنه غير مذنب ولهذا كان السلف يستعملون ذلك فيمن أظهر يدعة ~~أو فجورا فإن هذا أظهر حال الضالين وهذا أظهر حال المغضوب عليهم ومن أذاه ms1055 ~~منعه مع القدرة من الإمامة والحكم والفتيا الرواية والشهادة وأما بدون ~~القدرة فليفعل المقدور عليه # وقوله @QB@ واللذان يأتيانها منكم @QE@ فآذوهما ( فأمر بإيذائهما ولم ~~يعلق ذلك على إستشهاد أربعة كما علق ذلك فى حق النساء وإمساكهن فى البيوت ~~ولم يأمر به هنا كما أمر به هناك وليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد ~~لأن ذلك لابد أن يكون الحكم واحدا مثل الإعتاق فإذا كان الحكم متفقا فى ~~الجنس دون النوع كإطلاق الأيدى فى التيمم وتقييدها فى الوضوء إلى المرافق ~~وإطلاق ستين مسكينا فى الإطعام وتقييد الإعتاق بالإيمان مع أن كلاهما عبادة ~~مالية يراد بها نفع الخلق وفى ذلك نزاع بين العلماء # ولم يحمل المسلمون من الصحابة والتابعين المطلق على المقيد فى قوله ^ ~~وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم PageV15P303 اللاتى ~~دخلتم بهن ^ وقوله تعالى ^ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف ^ قال الصحابة والتابعون وسائر أئمة الدين الشرط فى الربائب خاصة ~~وقالوا أبهموا ما أبهم الله والمبهم هو المطلق والمشروط فيه هو المؤقت ~~المقيد فامهات النساء وحلائل الآباء والأبناء يحرمن بالعقد والربائب لا ~~يحرمن إلا إذا دخل بأمهاتهن لكن تنازعوا هل الموت كالدخول على قولين فى ~~مذهب أحمد وذلك لأن الحكم مختلف والقيد ليس متساويا فى الأعيان فإن تحريم ~~جنس ليس مثل تحريم جنس آخر يخالفه كما أن تحريم الدم والميتة ولحم الخنزير ~~لما كان أجناسا فليس تقييد الدم بكونه مسفوحا يوجب تقييد الميتة والخنزير ~~أن يكون مسفوحا وهنا القيد كون الربيبة مدخولا بامها والدخول بالأم لا يوجد ~~مثله فى الحليلتين وأم المرأة إذ الدخول فى الحليلة بها نفسها وفى أم ~~المرأة ببنتها # وكذلك المسلمون لم يحملوا المطلق على المقيد فى نصب الشهادة بل لما ذكر ~~الله فى آية الدين ^ رجلين أو رجلا وامرأتين ^ وفى الرجعة ( رجلين ( اقروا ~~كلا منهما على حاله لأن سبب الحكم مختلف وهو المال والبضع وإختلاف السبب ~~يؤثر فى نصاب الشهادة وكما فى إقامة الحد فى الفاحشة وفى القذف بها إعتبر ms1056 ~~فيه أربعة شهداء فلا يقاس بذلك عقود الإيمان والإبضاع وذكر فى حد القذف ~~ثلاثة أحكام PageV15P304 جلد ثمانين وترك قبول شهادتهم أبدا وأنهم فاسقون ~~@QB@ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم @QE@ وإن ~~التوبة لا ترفع الجلد إذا طلبه المقذوف وترفع الفسق بلا تردد وهل ترفع ~~المنع من قبول الشهادة فأكثر العلماء قالوا ترفعه # وإذا إشتهر عن شخص الفاحشة بين الناس لم يرجم لما ثبت فى الصحيح عن ابن ~~عباس أنه لما ذكر حديث الملاعنة وقول النبى ( إن جاءت به يشبه الزوج فقد ~~كذب عليها وإن جاءت به يشبه الرجل الذى رماها به فقد صدق عليها ( فجاءت به ~~على النعت المكروه فقال النبى ( لولا الإيمان لكان لى ولها شأن ( فقيل لابن ~~عباس أهذه التى قال فيها رسول الله ( لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها ~~( فقال لا تلك امرأة كانت تعلن السوء فى الإسلام فقد أخبر أنه لا يرجم أحدا ~~إلا ببينة ولو ظهر عن الشخص السوء # ودل هذا الحديث على أن الشبه له تأثير فى ذلك وإن لم يكن بينة وكذلك ثبت ~~عنه أنه لما مر عليه بتلك الجنازة فأثنوا عليها خيرا إلى آخره قال ( أنتم ~~شهداء الله فى أرضه ( وفى المسند عنه أنه قال ( يوشك أن تعلموا أهل الجنة ~~من أهل النار قيل يارسول الله وبم ذلك قال ( بالثناء الحسن والثناء االسىء ~~( فقد جعل الإستفاضة PageV15P305 حجة وبينة فى هذه الأحكام ولم يجعلها حجة ~~فى الرجم وكذلك تقبل شهادة اهل الكتاب على المسلمين فى الوصية فى السفر عند ~~أحمد وكذلك شهادة الصبيان فى الجراح إذا أدوها قبل التفرق فى إحدى ~~الروايتين وإذا شهد شاهد أنه رأى الرجل والمرأة والصبى فى لحاف أو فى بيت ~~مرحاض أو رآهما مجردين أو محلولى السراويل ويوجد مع ذلك ما يدل على ذلك من ~~وجود اللحاف قد خرج عن العادة إلى مكانهما أو يكون مع أحدهما أو معهما ضوء ~~قد أظهره فرآه فأطفأه فإن إطفاءه دليل على إستخفائه بما يفعل فإذا لم ms1057 يكن ~~ما يستخفى به إلا ما شهد به الشاهد كان ذلك من أعظم البيان على ما شهد به # فهذا الباب باب عظيم النفع فى الدين وهو مما جاءت به الشريعة التى اهملها ~~كثير من القضاة والمتفقهة زاعمين أنه لا يعاقب أحد إلا بشهود عاينوا أو ~~إقرار مسموع وهذا خلاف ما تواترت به السنة وسنة الخلفاء الراشدين وخلاف ما ~~فطرت عليه القلوب التى تعرف المعروف وتنكر المنكر ويعلم العقلاء أن مثل هذا ~~لا تأباه سياسة عادلة فضلا عن الشريعة الكاملة ويدل عليه قوله تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~@QE@ ففى الآية دلالات PageV15P306 # أحدها قوله @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ فأمر بالتبين عند مجيء ~~كل فاسق نبأ بل من الأنباء ما ينهى فيه عن التبين ومنها ما يباح فيه ترك ~~التبين ومن الأنباء ما يتضمن العقوبة لبعض الناس لأنه علل الأمر بأنه إذا ~~جاءنا فاسق بنبأ خشية أن نصيب قوما بجهالة فلو كان كل من أصيب بنبأ كذلك لم ~~يحصل الفرق بين العدل والفاسق بل هذه الأدلة واضحة على أن الإصابة بنبأ ~~العدل الواحد لا ينهى عنها مطلقا وذلك يدل على قبول شهادة العدل الواحد فى ~~جنس العقوبات فإن سبب نزول الاية يدل على ذلك فإنها نزلت فى إخبار واحد بأن ~~قوما قد حابوا بالردة أو نقض العهد # وفيه ايضا أنه متى إقترن بخبر الفاسق دليل آخر يدل على صدقه فقد إستبان ~~الأمر وزوال الأمر بالتثبيت فتجوز إصابة القوم وعقوبتهم بخبر الفاسق مع ~~قرينة إذا تبين بهما الأمور فكيف خبر الواحد العدل مع دلالة أخرى ولهذا كان ~~أصح القولين أن مثل هذا لوث فى باب القسامة فغذا إنضاف إيمان المقسمين صار ~~ذلك بينة تبيح دم المقسم عليه وقوله @QB@ أن تصيبوا قوما بجهالة @QE@ فجعل ~~المحذور هو الإصابة لقوم بلا علم فمتى أصيبوا بعلم زال المحذور وهذا هو ~~المناط الذى دل عليه القرآن كما قال @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ ~~وقال @QB@ ولا تقف ما ليس ms1058 لك به علم @QE@ PageV15P307 # وأيضا فإنه علل ذلك بخوف الندم إنما يحصل على عقوبة البرىء من الذنب كما ~~فى سنن أبى داود ( ادرؤا الحدود بالشبهات فإن الإمام أن يخطىء فى العفو خير ~~من أن يخطىء فى العقوبة ( فإذا دار الأمر بين ان يخطىء فيعاقب برئيا أو ~~يخطىء فيعفو عن مذنب كان هذا الخطأ خير الخطأين أما إذا حصل عنده علم أنه ~~لم يعاقب إلا مذنبا فإنه يندم ولا يكون فيه خطأ والله أعلم # وقد ذكر الشافعى وأحمد أن التغريب جاء فى السنة فى موضعين ( أحدهما ( أن ~~النبى قال فى الزانى إذا لم يحصن ( جلد مائة جلدة و تغريب عام ( والثانى ~~نفى المخنثين فيما روته أم سلمة ( أن النبى دخل عليها وعندها مخنث وهو يقول ~~لعبد الله أخيها ( إن فتح الله لك الطائف غدا أدلك على إبنة غيلان فإنها ~~تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال النبى أخرجوهم من بيوتكم ( رواه الجماعة إلا ~~الترمذى وفى رواية فى الصحيح ( لا يدخلن هؤلاء عليكم ( وفى رواية هذا يعرف ~~مثل هذا لا يدخلن عليكم بعد اليوم ( # قال ابن جريج المخنث هو هيت وهكذا ذكره غيره وقد قيل فيه إنه هنب وزعم ~~بعضهم أنه ماتع وقيل هوان وروى الجماعة إلا مسلما ( أن النبى ( لعن ~~المخنثين من الرجا PageV15P308 والمترجلات من النساء وقال أخرجوهم من ~~بيوتكم وأخرجوا فلانا وفلانا يعنى المخنثين ( وقد ذكر بعضهم أنهم كانوا ~~ثلاثة ( بهم وهيت وماتع على عهد رسول الله ولم يكونوا يرمون بالفاحشة ~~الكبرى إنما كان تخنيثهم وتأنيثهم لينا فى القول وخضابا فى الأيدى والأرجل ~~كخضاب النساء ولعبا كلعبهن # وفى سنن أبى داود عن أبى يسار القرشى عن أبى هاشم بن أبى هريرة ( أن ~~النبى ( أتى بمخنث وقد خضب رجليه ويديه بالحناء فقال ما بال هذا فقيل يا ~~رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفى إلى النقيع فقيل يا رسول الله ألا ~~نقتله فقال إنى نهيت عن قتل المصلين ( قال أبوأسامة حماد بن اسامة والنقيع ~~ناحية عن المدينة وليس بالبقيع وقيل أنه الذى حماه النبى ms1059 لا بل الصدقة ثم ~~حماه عمر وهو على عشرين فرسخا من المدينة وقيل عشرين ميلا ونقيع الخضمات ~~موضع آخر قرب المدينة وقيل هو الذى حماه عمر والنقيع موضع يستنقع فيه الماء ~~كما فى الحديث ( أول جمعة جمعت بالمدينة فى نقيع الخضمات # فإذا النبى قد أمر بإخراج مثل هؤلاء من البيوت فمعلوم أن الذى يمكن ~~الرجال من نفسه والإستمتاع به وبما يشاهدونه من محاسنه وفعل الفاحشة الكبرى ~~به شر من هؤلاء وهو PageV15P309 أحق بالنفى من بين أظهر المسلمين وإخراجه ~~عنهم فإن المخنث فيه إفساد للرجال والنساء لأنه إذا تشبه بالنساء فقد ~~تعاشره النساء ويتعلمن منه وهو رجل فيفسدهن ولأن الرجال إذا مالوا إليه فقد ~~يعرضون عن النساء ولأن المرأة إذا رأت الرجل يتخنث فقد تترجل هى وتتشبه ~~بالرجال فتعاشر الصنفين وقد تختار هى مجامعة النساء كما يختار هو مجامعة ~~الرجال # وأما إفساده للرجال فهو أن يمكنهم من الفعل به كما يفعل بالنساء بمشاهدته ~~ومباشرته وعشقه فإذا أخرج من بين الناس وسافر إلى بلد آخر ساكن فيه الناس ~~ووجد هناك من يفعل به الفاحشة فهنا يكون نفيه بحبسه فى مكان واحد ليس معه ~~فيه غيره وإن خيف خروجه فإنه يقيد إذ هذا هو معنى نفيه وإخراجه من بين ~~الناس # ولهذا تنازع العلماء فى نفى المحارب من الأرض هل هو طرده بحيث لا يأوى فى ~~بلد أو حبسه أو بحسب ما يراه الإمام من هذا وهذا ففى مذهب أحمد ثلاث روايات ~~الثالثة اعدل وأحسن فإن نفيه بحيث لا يأوى فى بلد لا يمكن لتفرق الرعية ~~وإختلاف هممهم بل قد يكون بطرده يقع الطريق وحبسه قد لا يمكن لأنه يحتاج ~~إلى مؤنة إلى طعام وشراب وحارس ولا ريب أن النفى أسهل إن أمكن PageV15P310 # وقد روى ( إن هيتا لما إشتكى الجوع أمره النبى أن يدخل المدينة من الجمعة ~~إلى الجمعة يسأل ما يقيته إلى الجمعة الأخرى ( ومعلوم أن قوله @QB@ أو ~~ينفوا من الأرض @QE@ لا يتضمن نفيه من جميع الأرض وإنما هو نفيه من بين ~~الناس ms1060 وهذا حاصل بطرده وحبسه # وهذا الذى جاءت به الشريعة من النفى هو نوع من الهجرة أى هجره وليس هذا ~~كنفى الثلاثة الذين خلفوا ولا هجره كهجرهم فإنه منع الناس من مخالطتهم ~~ومخاطبتهم حتى أزواجهم ولم يمنعهم من مشاهدة الناس وحضور مجامعهم فى الصلاة ~~وغيرها وهذا دون النفى المشروع فإن النفى المشروع مجموع من الأمرين وذلك أن ~~الله خلق الآدميين محتاجين إلى معاونة بعضهم بعضا على مصلحة دينهم ودنياهم ~~فمن كان بمخالطته للناس لا يحصل منه عون على الدين بل يفسدهم ويضرهم فى ~~دينهم ودنياهم إستحق الإخراج من بينهم وذلك أنه مضرة بلا مصلحة فإن مخالطته ~~لهم فيها فسادهم وفساد أولادهم فإن الصبى إذا رأى صبيا مثله يفعل شيئا تشبه ~~به وسار بسيرته مع الفساق فإن الإجتماع بالزناة واللوطيين فيه أعظم الفساد ~~والضرر على النساء والصبيان والرجال فيجب أن يعاقب اللوطى والزانى بما فيه ~~تفريقه وإبعاده # وجماع الهجرة هى هجرة السيئات وأهلها وكذلك هجران الدعاة الى PageV15P311 ~~البدع وهجران الفساق وهجران من يخالط هؤلاء كلهم أو يعاونهم وكذلك من يترك ~~الجهاد الذى لا مصلحة لهم بدونه فإنه يعاقب بهجرهم له لما لم يعاونهم على ~~البر والتقوى فالزناة واللوطية وتارك الجهاد واهل البدع وشربة الخمر هؤلاء ~~كلهم ومخالطتهم مضرة على دين الإسلام وليس فيهم معاونة لا على بر ولا على ~~تقوى فمن لم يهجرهم كان تاركا للمأمور فاعلا للمحظور فهذا ترك المأمور من ~~الإجتماع وذلك فعل المحظور منه فعوقب كل منهما بما يناسب جرمه فإن العقوبة ~~إنما تكون على ترك مأمور أو فعل محظور كما قال الفقهاء إنما يشرع التعزير ~~فى معصية ليس فيها حد فإن كان فيها كفارة فعلى فعلين فى مذهب أحمد وغيره # قال وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات وغير ذلك فإنه ~~يفعل منه بحسب الإستطاعة فإذا لم يقدر المسلم على جهاد المشركين فإنه يجاهد ~~من يقدر على جهاده وكذلك إذا لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين فإنه يعاقب ~~من يقدر على عقوبته فإذا لم يمكن النفى والحبس ms1061 عن جميع الناس كان النفى ~~والحبس عن جميع الناس كان النفى والحبس حسب القدرة مثل أن يحبس بدار لا ~~يباشر إلا أهلها لا يخرج منها أو أن لا يباشر إلا شخصا أو شخصين فهذا هو ~~الممكن فيكون هو المامور به وأن أمكن أن يجعل فى مكان قد قل فيه القبيح ولا ~~يعدم بالكلية كان ذلك هو المأمور به فإن الشريعة جاءت بتحصيل PageV15P312 ~~المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فالقليل من الخير خير من تركه ~~ودفع بعض الشر خير من تركه كله وكذلك المرأة المتشبهة بالرجال تحبس شبيها ~~بحالها إذا زنت سواء كانت بكرا أو ثيبا فإن جنس الحبس مما شرع فى جنس ~~الفاحشة ومما يدخل فى هذا أن عمر بن الخطاب نفى نصر بن حجاج من المدينة ومن ~~وطنه إلى البصرة لما سمع تشبيب النساء به وتشبهه بهن وكان أولا قد أمر بأخذ ~~شعره ليزيل جماله الذى كان يفتن به النساء فلما رآه بعد ذلك من أحسن الناس ~~وجنتين غمه ذلك فنفاه إلى البصرة فهذا لم يصدر منه ذنب ولا فاحشة يعاقب ~~عليها لكن كان فى النساء من يفتن به فأمر بإزالة جماله الفاتن فإن إنتقاله ~~عن وطنه مما يضعف همته وبدنه ويعلم أنه معاقب وهذا من باب التفريق بين ~~الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه وليس من باب المعاقبة وقد كان ~~عمر ينفى فى الخمر إلى خيبر زيادة فى عقوبة شاربها # ومن اقوى ما يهيج الفاحشة إنشاد أشعار الذين فى قلوبهم مرض من العشق ~~ومحبة الفواحش ومقدماتها بالأصوات المطربة فإن المغنى إذا غنى بذلك حرك ~~القلوب المريضة إلى محبة الفواحش فعندها يهيج مرضه ويقوى بلاؤه وإن كان ~~القلب فى عافية من ذلك جعل فيه مرضا كما قال بعض السلف الغناء رقية الزنا ~~PageV15P313 # ورقية الحية هى ما تستخرج بها الحية من جحرها ورقية العين والحمة هى ما ~~تستخرج به العافية ورقية الزنا هو ما يدعو إلى الزنا ويخرج من الرجل هذا ~~الأمر القبيح والفعل الخبيث كما أن الخمر أم الخبائث ms1062 قال ابن مسعود ( ~~الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء البقل ( وقال تعالى لإبليس ~~@QB@ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد @QE@ وإستفزازه إياهم بصوته يكون بالغناء كما قال من قال ~~من السلف وبغيره من الأصوات كالنياحة وغير ذلك فإن هذه الأصوات كلها توجب ~~إنزعاج القلب والنفس الخبيثة إلى ذلك وتوجب حركتها السريعة وإضطرابها حتى ~~يبقى الشيطان يلعب بهؤلاء أعظم من لعب الصبيان بالكرة والنفس متحركة فإن ~~سكنت فباذن الله وإلا فهي لا تزال متحرك # وشبهها بعضهم بكرة على مستوى أملس لا تزال تتحرك عليه وفى الحديث المرفوع ~~( القلب اشد تقلبا من القدر إذا إستجمعت غليانا ( وفى الحديث الآخر ( مثل ~~القلب مثل ريشه بفلاة من الأرض تحركها الريح ( وفى صحيح البخارى عن سالم عن ~~إبن عمر قال ( كانت يمين رسول الله لا ومقلب القلوب ( وفى صحيح مسلم عن ~~عبدالله بن عمرو أنه سمع النبى يقول ( اللهم مصرف القلوب إصرف قلوبنا إلى ~~طاعتك ( وفى الترمذى PageV15P314 عن أبى سفيان قال كان رسول الله يكثر أن ~~يقول ( يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك قال فقلت يا رسول الله آمنا بك ~~وبما جئت به فهل تخاف علينا قال نعم القلوب بين أصبعين من اصابع الله ~~يقلبها كيف يشاء ( # وقوله تعالى ^ الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزينة لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمين ^ لما أمر الله تعالى بعقوبة الزانيين ~~حرم مناكحتها على المؤمنين هجرا لهما ولما معهما من الذنوب والسيئات كما ~~قال تعالى @QB@ والرجز فاهجر @QE@ وجعل مجالس فاعل ذلك المنكر مثله قوله ~~تعالى @QB@ إنكم إذا مثلهم @QE@ وهو زوج له وقد قال تعالى @QB@ احشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم @QE@ أى عشراءهم وقرناءهم وأشباههم ونظراءهم ولهذا ~~يقال المستمع شريك المغتاب # ورفع إلى عمر بن عبدالعزيز قوم يشربون الخمر وكان فيهم جليس لهم صائم ~~فقال إبدؤا به فى الجلد ألم تسمع الله يقول @QB@ فلا تقعدوا معهم @QE@ فإذا ~~كان هذا فى المجالسة والعشرة العارضة حين فعلهم للمنكر يكون ms1063 مجالسهم مثلا ~~لهم فكيف بالعشرة الدائمة # والزوج يقال له العشيرة كما فى الحديث من حديث ابن عباس عن النبى قال ( ~~رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء PageV15P315 يكفرن قيل يكفرن بالله قال ~~يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ( فأخبر أنه لا يفعل ذلك إلا زان أو مشرك # أما المشرك فلا إيمان له يزجره عن الفواحش ومجامعة أهلها وأما الزانى ~~ففجوره يدعوه إلى ذلك وإن لم يكن مشركا # وفي الاية دليل على أن الزانى ليس بمؤمن مطلق الإيمان وإن لم يكن كافرا ~~مشركا كما فى الصحيح ( لا يزنى الزانى حين يزنى هو مؤمن ( وذلك أنه أخبر ~~أنه لا ينكح إلا زانية أو مشركة ثم قال تعالى @QB@ وحرم ذلك على المؤمنين ~~@QE@ فعلم أن الإيمان يمنع من ذلك ويزجر وأن فاعله إما مشرك وإما زان ليس ~~من المؤمنين الذين يمنعهم إيمانهم من ذلك وذلك أن الزانية فيها إفساد فراش ~~الرجل وفى مناكحتها معاشرة الفاجرة دائما ومصاحبتها والله قد أمر بهجر ~~السوء وأهله ما داموا عليه وهذا المعنى موجود فى الزانى فإن الزانى إن لم ~~يفسد فراش امرأته كان قرين سوء لها كما قال الشعبى من زوج كريمته من فاسق ~~فقد قطع رحمها # وهذا مما يدخل به على المرأة ضرر فى دينها ودنياها فنكاح الزانية من جهة ~~الفراش ونكاح الزانى أشد من جهة أنه السيد المالك الحاكم على المرأة فتبقى ~~المرأة الحرة العفيفة فى اسر الفاجر الزانى PageV15P316 الذي يقصر فى ~~حقوقها ويتعدى عليها # ولهذا إتفق الفقهاء على إعتبار الكفاءة فى الدين وعلى ثبوت الفسخ بفوات ~~هذه الكفاءة وإختلفوا فى صحة النكاح بدون ذلك وهما قولان مشهوران فى مذهب ~~أحمد وغيره فإن من نكح زانية مع أنها تزنى فقد رضى بأن يشترك هو وغيره فيها ~~ورضى لنفسه بالقيادة والدياثة ومن نكحت زان وهو يزنى بغيرها فهو لا يصون ~~ماءه حتى يضعه فيها بل يرميه فيها وفى غيرها من البغايا فهى بمنزلة الزانية ~~المتخذة خدنا فإن مقصود النكاح حفظ الماء فى المرأة وهذا الرجل لا يحفظ ~~ماءه والله سبحانه ms1064 شرط فى الرجال أن يكونوا محصنين غير مسافحين ( فقال @QB@ ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين @QE@ وهذا ~~المعنى مما لا ينبغى إغفاله فإن القرآن قد نصه وبينه بيانا مفروضا كما قال ~~تعالى @QB@ سورة أنزلناها وفرضناها @QE@ # فأما تحريم نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من اصحاب أحمد وغيرهم وفيه ~~آثار عن السلف وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه وليس مع من أباحه ما يعتمد ~~عليه # وقد إدعى بعضهم أن هذه الآية منسوخة بقوله ( والمحصنات ( PageV15P317 ~~وزعموا أن البغى من المحصنات وتلك الآيات حجة عليهم فان أقل ما فى الاحصان ~~العفة وإذا اشترط فيه الحرية فذاك تكميل للعفة والاحصان ومن حرم نكاح الامة ~~لئلا يرق ولده كيف يبيح البغى التى تلحق به من ليس بولده وأين فساد فراشه ~~من رق ولده وكذلك من زعم ان النكاح هنا هو الوطء والمعنى أن الزانى لايطأ ~~الازانية أو مشركة والزانية لايطأها إلا زان أو مشرك فهو زان وهذا أبلغ فى ~~الحجة عليهم فمن وطىء زانية أو مشركة بنكاح فهو زان وكذلك من وطئها زان فان ~~ذم الزانى بفعله الذى هو الزنا حتى لو استكرهها أو استدخلت ذكره وهو نائم ~~كانت العقوبة للزانى دون قرينه وهذه المسألة مبسوطة فى كتب الفقه والمقصود ~~قوله ^ الزانى لاينكح الا زانية أو مشركة ^ فإن هذا يدل على ان الزانى ~~لايتزوج إلا زانية أو مشركة وان ذلك حرام على المؤمنين وليس هذا لمجرد كونه ~~فاجرا بل لخصوص كونه زانيا وكذلك فى المرأة ليس لمجرد فجورها بل لخصوص ~~زناها بدليل أنه جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانيا كما جعل الزوج زانيا إذا ~~تزوج زانية هذا اذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنا واذا كانا مشركين ~~فبنبغى أن يعلم ذلك ومضمونه ان الرجل الزانى لايجوز نكاحه حتى يتوب وذلك ~~بأن يوافق اشتراطه الاحصان والمرأة اذا كانت PageV15P318 زانية لاتحصن ~~فرجها عن غير زواجها بل يأتيها هو وغيره كان الزوج زانيا هو وغيره يشتركون ~~فى وطئها كما تشترك الزناة فى وطىء المرأة الواحدة ms1065 ولهذا يجب عليه نفى ~~الولد الذى ليس منه # فمن نكح زانية فهو زان أى تزوجها ومن نكحت زانيا فهى زانية أى تزوجته فان ~~كثيرا من الزناة قصروا أنفسهم على الزوانى فتكون المرأة خدنا وخليلا له ~~لايأتى غيرها فان الرجل إذا كان زانيا لايعف امراته وإذا لم يعفها تشوقت هى ~~إلى غيره فزنت به كما هو الغالب على نساء الزوانى أو من يلوط بالصبيان فان ~~نساءه يزنين ليقضين إربهن ووطرهن ويراغمن أزواجهن بذلك حيث لم يعفوا أنفسهم ~~عن غير أزواجهن فهن أيضا لم يعففن أنفسهن عن غير أزواجهن ولهذا يقال ( عفوا ~~تعف نساؤكم وأبناؤكم وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم ( فإن الجزاء من جنس العمل ~~وكما تدين تدان ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها فإن الرجل إذا رضى أن ينكح ~~زانية رضى بأن تزنى امرأته والله تعالى قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة ~~فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للآخر فإذا رضيت المرأة أن تنكح زانيا فقد رضيت ~~عمله وكذلك إن رضى الرجل أن ينكح زانية فقد رضى عملها ومن رضى الزنا بمنزلة ~~الزانى فإن أصل الفعل هو الإرادة ولهذا جاء فى الأثر ( من غاب عن معصية ~~فرضيها PageV15P319 كان كمن شهدها أو فعلها ( وفى الحديث ( المرء على دين ~~خليله ( وأعظم الخلة خلة الزوجين # وأيضا فإن الله قد جعل فى نفوس بنى آدم من الغيرة ما هو معروف فيستعظم ~~الرجل أن يطأ الرجل امرأته أعظم من غيرته على نفسه أن يزنى فإذا لم يكره أن ~~تكون زوجته بغيا وهو دويث كيف يكره ان يكون هو زان ولهذا لم يوجد من هو ~~ديوث أو قواد يعف عن الزنا فإن الزانى له شهوة فى نفسه والديوث ليس له شهوة ~~فى زنا غيره فإذا لم يكن معه إيمان يكره به زنا غيره بزوجته كيف يكون معه ~~إيمان يمنعه من الزنا فمن إستحل أن يترك امرأته تزنى إستحل أعظم الزنا ومن ~~أعان على ذلك فهو كالزانى ومن أقر على ذلك مع إمكان تغييره فقد رضيه ومن ~~تزوج غير تائبة فقد ms1066 رضى أن تزنى إذ لا يمكنه منعها من ذلك فإن كيد النساء ~~عظيم # ولهذا جاز للرجل إذا أتت امرأته بفاحشة مبينة أن يعضلها لفتدي نفسها منه ~~وهو نص أحمد وغيره لأنها بزناها طلبت الإختلاع منه وتعرضت لافساد نكاحه ~~فإنه لا يمكنه المقام معها حتى تتوب ولا يسقط المهر بمجرد زناها كما دل ~~عليه قول النبى للملاعن لما قال مالى قال ( لا مال لك عندها إن كنت صادقا ~~عليها فهو بما إستحللت من فرجها وإن كنت كاذبا عليها PageV15P320 فهو أبعد ~~ذلك ( لأنها إذا زنت قد تتوب لكن زناها يبيح له أعضالها حتى تفتدى منه ~~نفسها إن إختارت فراقه أو تتوب # وفي الغالب أن الرجل لا يزنى بغير امرأته إلا إذا أعجبه ذلك الغير فلا ~~يزال يزنى بما يعجبه فتبقى امرأته بمنزلة المعلقة التى لا هى أيم ولا ذات ~~زوج فيدعوها ذلك إلى الزنا ويكون الباعث لها على ذلك مقابلة زوجها على وجه ~~القصاص مكايدة له ومغايظة فإنه مالم يحفظ غيبها لم تحفظ غيبه ولها فى بعضه ~~حق كماله فى بضعها حق فإذا كان من العادين لخروجه عما أباح الله له لم يكن ~~قد احصن نفسه وأيضا فإن داعية الزانى تشتغل بما يختاره من البغايا فلا تبقى ~~داعيته إلى الحلال تامة ولا غيرته كافية فى إحصانه المرأة فتكون عنده ~~كالزانية المتخذة خدنا وهذه معان شريفة لا ينبغى إهمالها # وعلى هذا فالمرأة المساحقة زانية كما جاء فى الحديث ( زنا النساء سحاقهن ~~( والرجل الذى يعمل عمل قوم لوط بمملوك أو غيره هو زان والمرأة الناكحة له ~~زانية فلا تنكحه إلا زانية أو مشركة ولهذا يكثر فى نساء اللوطية من تزنى ~~بغير زوجها وربما زنت بمن يتلوط هو به مراغمة له وقضاء لوطرها وكذلك المرأة ~~المزوجة بمخنث ينكح كما تنكح هى متزوجة بزان بل هو أسوأ الشخصين حالا فإنه ~~مع الزنا صار مخنثا ملعونا على نفسه للتخنيث غير اللعنة التى تصيبه بعمل ~~قوم لوط PageV15P321 فإن النبى لعن من يعمل عمل قوم لوط وثبت عنه فى ms1067 الصحيح ~~أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال ( أخرجوهم من بيوتكم ~~( # وكيف يجوز للمرأة أن تتزوج بمخنث قد إنتقلت شهوته إلى دبره فهو يؤتى كما ~~تؤتى المرأة وتضعف داعيته من أمامه كما تضعف داعية الزانى بغير امرأته عنها ~~فإذا لم تكن له غيرة على نفسه ضعفت غيرته على إمرأته وغيرها ولهذا يوجد من ~~كان مخنثا ليس له كبير غيرة على ولده ومملوكه ومن يكفله والمرأة إذا رضيت ~~بالمخنث واللوطى كانت على دينه فتكون زانية وأبلغ فإن تمكين المرأة من ~~نفسها أسهل من تمكين الرجل من نفسه فإذا رضيت ذلك من زوجها رضيته من نفسها # ولفظ هذه الآية وهو قوله تعالى @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية @QE@ الآية ~~يتناول هذا كله إما بطريق عموم اللفظ أو بطريق التنبيه وفحوى الخطاب الذى ~~هو أقوى من مدلول اللفظ وأدنى ذلك أن يكون بطريق القياس كما قد بيناه فى حد ~~اللوطي ونحوه والله أعلم # وقوله تعالى @QB@ الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات @QE@ فأخبر تعالى إن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين فلا ~~تكون خبيثة لطيب فإن ذلك خلاف الحصر PageV15P322 فلا تنكح الخبيثة إلا ~~زانيا خبيثا واخبر أن الطيبين للطيبات فلا يكون الطيب لامرأة خبيثة فإن ذلك ~~خلاف الحصر إذ قد ذكر إن جميع الخبيثات للخبيثين فلا تبقى خبيثة لطيب ولا ~~طيب لخبيثة وأخبر أن جميع الطيبات للطيبين فلا تبقى طيبة لخبيث فجاء الحصر ~~من الجانبين موافقا لقوله @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية ~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ ولهذا قال من قال من ~~السلف ما بغت إمرأة نبى قط فإن هذه السورة نزل صدرها بسبب أهل الإفك وما ~~قالوه فى عائشة ولهذا لما قيل فيها ما قيل وصارت شبهة إستشار النبى من ~~إستشاره فى طلاقها قبل أن تنزل براءتها إذ لا يصلح له أن تكون امرأته غير ~~طيبة وقد روى ( أنه لا يدخل الجنة ديوث # ) والديوث الذى يقر السوء فى أهله # ولهذا كانت الغيرة على الزنا ms1068 مما يحبها الله وامر بها حتى قال النبى ( ~~أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منى من أجل ذلك حرم الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن ( ولهذا أذن الله للقاذف إذا كان زوجها أن يلاعن فيشهد ~~أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين وجعل ذلك يدفع عنه حد القذف كما لو ~~أقام على ذلك اربعة شهود لأنه محتاج إلى قذفها لأجل ما امر الله به من ~~PageV15P323 الغيرة ولأنها ظلمته بإفساد فراشه وإن كانت قد حبلت من الزنا ~~فعليه اللعان لينفى عنه النسب الباطل لئلا يلحق به ما ليس منه # وقد مضت سنة النبى بالتفريق بين المتلاعنين سواء حصلت الفرقة بتلاعنهما ~~أو إحتاجت إلى تفريق الحاكم أو حصلت عند إنقضاء لعان الزوج لأن أحدهما ~~ملعون أو خبيث فإقترانهما بعد ذلك يقتضى مقارنة الخبيث الملعون للطيب وفى ~~صحيح مسلم عن عمران ابن حصين ( حديث المرأة التى لعنت ناقة لها فأمر النبى ~~فأخذ ما عليها وأرسلت وقال لا تصحبنا ناقة ملعونة ( وفى الصحيحين عنه أنه ~~لما إجتاز بديار ثمود قال ( لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا ~~باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لئلا يصيبكم ما اصابهم ( فنهى ~~عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب # وهكذا السنة فى مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر ~~المعاصى لا ينبغى لأحد أن يقارنهم ولا يخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب ~~الله عز وجل ( وأقل ذلك أن يكون منكرا لظلمهم ما قتا لهم شانئا ما هم فيه ~~بحسب الإمكان كما فى الحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع PageV15P324 فبقلبه وذلك اضعف الإيمان ( وقال تعالى ~~@QB@ وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون @QE@ الآية وكذلك ما ذكره عن ~~يوسف الصديق وعمله على خزائن الأرض لصاحب مصر لقوم كفار # وذلك ان مقارنة الفجار إنما يفعلها المؤمن فى موضعين أحدهما أن يكون ~~مكرها عليها والثانى أن يكون ذلك فى مصلحة دينية راجحة على مفسدة ms1069 المقارنة ~~أو أن يكون فى تركها مفسدة راجحة فى دينه فيدفع أعظم المفسدتين بإحتمال ~~أدناهما وتحصل المصلحة الراجحة بإحتمال لمفسدة المرجوحة وفى الحقيقة ~~فالمكره هو من يدفع الفساد الحاصل بإحتمال أدناهما وهو الأمر الذى أكره ~~عليه قال تعالى @QB@ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء @QE@ ثم قال @QB@ ومن يكرههن فإن الله ~~من بعد إكراههن غفور رحيم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ~~أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ~~فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا @QE@ وقال ^ ومالكم لا ~~تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ^ الآية ~~PageV15P325 # فقد دلت هذه الآية على النهى عن مناكحة الزانى والمناكحة نوع خاص من ~~المعاشرة والمزاوجة والمقارنة والمصاحبة ولهذا سمى كل منهما زوجا وصاحبا ~~وقرينا وعشيرا للآخر والمناكحة فى اصل اللغة المجامعة والمضامة فقلوبهما ~~تجتمع إذا عقد بينهما ويصير بينهما من التعاطف والتراحم مالم يكن قبل ذلك ~~حتى تثبت بذلك حرمة المصاهرة فى غير الربيبة لمجرد ذلك والتوارث وعدة ~~الوفاة وغير ذلك وأوسط ذلك إجتماعهما خاليين فى مكان واحد وهو المعاشرة ~~المقررة للصداق كما قضى به الخلفاء وآخر ذلك إجتماع المباضعة وهذا وإن ~~إجتمع بدون عقد نكاح فهو إجتماع ضعيف بل إجتماع القلوب اعظم من مجرد إجتماع ~~البدنين بالسفاح # ودل قوله @QB@ الطيبات للطيبين @QE@ على ذلك من جهة المعنى ومن جهة اللفظ ~~ودل أيضا على النهى عن مقارنة الفجار ومزاوجتهم كما دل على هذا غير ذلك من ~~النصوص مثل قوله @QB@ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم @QE@ أى وأشباههم ~~ونظراءهم والزواج أعم من النكاح المعروف قال تعالى ^ يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرنا وإناثا ^ وقال @QB@ وإذا النفوس زوجت ~~@QE@ وقال ( @QB@ من كل زوج بهيج @QE@ و ( كريم ( وقال ^ ومن كل شىء خلقنا ~~زوجين ^ وقال @QB@ جعل فيها ms1070 زوجين اثنين @QE@ وقال @QB@ وخلقناكم أزواجا ~~@QE@ وقال ^ فإحمل فيها من كل زوجين PageV15P326 إثنين ^ وقال ^ إن من ~~أزواجكم وأولادكم ^ # وإن كان فى الآية نص فى الزوجة التى هى الصاحبة وفى الولد منها فمعنى ذلك ~~فى كل مشابه ومقارن ومشارك وفى كل فرع وتابع ف ^ الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل ^ و ^ تبارك الذى ~~نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذى له ملك السموات والأرض ولم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك وخلق كل شىء فقدره تقديرا ^ # فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على ~~مراد الله ويدل على ذلك الحديث الذى فى السنن ( لا تصاحب إلا مؤمنا ولا ~~يأكل طعامك إلا تقى ( وفيها ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ( ~~وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة عن النبى أنه قال ( إذا زنت أمة احدكم ~~فليجلدها الحد ثم إن زنت فليجلدها الحد ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير ( و ( ~~والضفير ( الحبل وشك الراوى هل أمر بيعها فى الثالثة أو الرابعة وهذا أمر ~~من النبى ببيع الأمة بعد إقامة الحد عليها مرتين أو ثلاثا ولو بأدنى مال ~~قال الإمام أحمد إن لم يبعها كان تاركا لأمر النبى PageV15P327 والإماء ~~اللاتى يفعلن هذا تكون عامتهن للخدمة لا للتمتع فكيف بامة التمتع وإذا وجب ~~إخراج الأمة الزانية عن ملكه فكيف بالزوجة الزانية والعبد والمملوك نظير ~~الأمة ويدل على ذلك كله ما رواه مسلم فى صحيحه عن على بن أبى طالب عن النبى ~~( أنه لعن من أحدث حدثا أو آوى محدثا ( فهذا يوجب لعنة كل من آوى محدثا ~~سواء كان إحداثه بالزنا أو السرقة أو غير ذلك وسواء كان الإيواء بملك يمين ~~أو نكاح أو غير ذلك لأن اقل مافى ذلك تركه إنكار المنكر $ فصل # والمؤمن محتاج إلى إمتحان من يريد أن يصاحبه ويقارنه بنكاح وغيره قال ~~تعالى @QB@ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن @QE@ ~~الآية وكذلك ms1071 المرأة التى زنا بها الرجل فإنه لا يتزوج بها إلا بعد التوبة ~~فى اصح القولين كما دل عليه الكتاب والسنة والآثار لكن إذا أراد أن يمتحنها ~~هل هى صحيحة التوبة أم لا فقال عبدالله ابن عمر وهو المنصوص عن أحمد أنه ~~يراودها عن نفسها فإن أجابته لم تصح توبتها وإن لم تجبه فقد تابت وقالت ~~طائفة هذا الإمتحان PageV15P328 فيه طلب الفاحشة منها وقد تنقض التوبة وقد ~~تأمره نفسه بتحقيق فعل الفاحشة ويزين لهما الشيطان ذلك ولا سيما إن كان ~~يحبها وتحبه وقد تقدم له معها فعل الفاحشة مرات وذاقته وذاقها فقد تنقض ~~التوبة ولا تخالفه فيما أراده منها ومن قال بالأول قال الأمر الذى يقصد به ~~إمتحانها لا يقصد به نفس الفعل فلا يكون أمرا بما نهى الله عنه ويمكنه أن ~~لايطلب الفاحشة بل يعرض بها وينوى شيئا آخر والتعريض للحاجة جائز بل واجب ~~فى مواضع كثيرة وأما نقضها توبتها فإذا جاز أن تنقض التوبة معه جاز أن ~~تنقضها مع غيره والمقصود ان تكون ممتنعة ممن يراودها فإذا لم تكن ممتنعة ~~منه لم تكن ممتنعة من غيره # وأما تزيين الشيطان له الفعل فهذا داخل فى كل أمر يفعله الإنسان من الخير ~~يجد فيه محبته فإذا أراد الإنسان أن يصاحب المؤمن أو اراد المؤمن أن يصاحب ~~أحدا وقد ذكر عنه الفجور وقيل إنه تاب منه أو كان ذلك مقولا عنه سواء كان ~~ذلك القول صدقا أو كذبا فإنه يمتحنه بما يظهر به بره أو فجوره وصدقه أو ~~كذبه وكذلك إذا أراد أن يولى أحدا ولاية إمتحنه كما أمر عمر بن عبد العزيز ~~غلامه أن يمتحن إبن موسى لما اعجبه سمته فقال له قد عملت مكانى عند أمير ~~المؤمنين فكم تعطينى إذا أشرت عليه بولايتك PageV15P329 فبذل له مالا عظيما ~~فعلم عمر أنه ليس ممن يصلح للولاية وكذلك فى المعاملات وكذلك الصبيان ~~والمماليك الذين عرفوا أو قيل عنهم الفجور واراد الرجل أن يشتريه بأنه ~~يمتحنه فإن المخنث كالبغى وتوبته كتوبتها ومعرفة أحوال الناس ms1072 تارة تكون ~~بشهادات الناس وتارة تكون بالجرح والتعديل وتارة تكون بالإختبار والإمتحان ~~$ فصل كما عظم الله الفاحشة عظم ذكرها بالباطل وهو القذف فقال بعد ذلك @QB@ ~~والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ ~~ثم ذكر رمي الرجل امرأته وما أمر فيه من التلاعن ثم ذكر قصة أهل الإفك وبين ~~ما فى ذلك من الخير للمقذوف المكذوب عليه وما فيه من الإثم للقاذف وما يجب ~~على المؤمنين إذا سمعوا ذلك ان يظنوا بإخوانهم من المؤمنين الخير ويقولون ~~فقال ^ لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون ^ ثم أخبر أنه لو لا فضله عليهم ورحمته لعذبهم بما تكلموا ~~به PageV15P330 # وقوله ^ إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ماليس لكم به علم ^ فهذا ~~بيان لسبب العذاب وهو تلقى الباطل بالألسنة والقول بالأفواه وهما نوعان ~~محرمان القول بالباطل والقول بلا علم ثم قال سبحانه @QB@ لولا إذ سمعتموه ~~قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم @QE@ فالأول تحضيض ~~على الظن الحسن وهذا نهى لهم عن التكلم بالقذف ففى الأول قوله @QB@ اجتنبوا ~~كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم @QE@ ويقول النبى ( إياكم والظن فإن الظن ~~أكذب الحديث ( وكذا قوله ^ ظن المؤمنين والمؤمنات بأنفسهم خيرا ^ دليل على ~~حسن مثل هذا الظن الذى أمر الله به وقد ثبت فى الصحيح أن النبى قال لعائشة ~~( ما أظن فلانا وفلانا يدريان من أمرنا هذا شيئا ( فهذا يقتضى جواز بعض ~~الظن كما إحتج البخارى بذلك لكن مع العلم بما عليه المرء المسلم من الإيمان ~~الوازع له عن فعل الفاحشة يجب ان يظن به الخير دون الشر وفى الآية نهى عن ~~تلقى مثل هذا باللسان ونهى عن ان يقول الإنسان ماليس له به علم لقوله تعالى ~~^ ولا تقف ماليس لك به علم ^ والله تعالى جعل فى فعل الفاحشة والقذف من ~~العقوبة مالم يجعله فى شىء من المعاصى لأنه جعل فيها الرجم وقد رجم هم ~~تعالى قوم PageV15P331 لوط إذ كانوا هم أول من ms1073 فعل فاحشة اللواط وجعل ~~العقوبة على القذف بها ثمانين جلدة والرمى بغيرها فيه الإجتهاد ويجوز عند ~~بعض العلماء أن يبلغ الثمانين عند كثير منهم كما قال على ( لا أوتى بأحد ~~يفضلنى على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى ( وكما قال عبدالرحمن بن عوف ~~إذا شرب هذى وإذا هذى إفترى وحد الشرب ثمانون وحد المفترى ثمانون وقوله ~~تعالى @QB@ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ~~في الدنيا والآخرة @QE@ الآية وهذا ذم لمن يحب ذلك وذلك يكون بالقلب فقط ~~ويكون مع ذلك باللسان والجوارح وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة أو يخبر بها محبة ~~لوقوعها فى المؤمنين إما حسد أو بغضا وإما محبة للفاحشة وارادة لها وكلاهما ~~محبة للفاحشة وبغضا للذين آمنوا فكل من من أحب فعلها ذكرها # وكره العلماء الغزل من الشعر الذى يرغب فيها وكذلك ذكرها غيبة محرمة سواء ~~كان بنظم أو نثر وكذلك التشبه بمن يفعلها منهى عنه مثل الأمر بها فإن الفعل ~~يطلب بالأمر تارة وبالأخبار تارة فهذان الأمران للفجرة الزناة اللوطية مثل ~~ذكر قصص الأنبياء والصالحين للمؤمنين أولئك يعتبرون من الغيرة بهم وهؤلاء ~~يعتبرون من الإغترار فإن أهل الكفر والفسوق والعصيان يذكرون من قصص ~~PageV15P332 أشبهاهم ما يكون به لهم فيهم قدوة وأسوة ومن ذلك قوله تعالى ~~@QB@ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها ~~هزوا @QE@ قيل أراد الغناء وقيل أراد قصص الملوك من الكفار من الفرس # وبالجملة كل ما رغب النفوس فى طاعة الله ونهاها عن معصيته من خبر أو أمر ~~فهو من طاعته وكل ما رغبها فى عصيته ونهى عن طاعته فهو من معصيته فاما ذكر ~~الفاحشة واهلها بما يجب أو يستحب فى الشريعة مثل النهى عنها وعنهم والذم ~~لها ولهم وذكر ما يبغضها وينفر عنها وذكر اهلها مطلقا حيث يسوغ ذلك وما ~~يشرع لهم من الذم فى وجوههم ومغيبهم فهذا كله حسن يجب تارة ويستحب أخرى ~~وكذلك ما يدخل فيه من وصفها ووصف أهلها من ms1074 العشق على الوجه المشروع الذى ~~يوجب الإنتهاء عما نهى الله عنه والبغض لما يبغضه # وهذا كما أن الله قص علينا فى القرآن قصص الأنبياء والمؤمنين والمتقين ~~وقصص الفجار والكفار لنعتبر بالأمر فنحب الأولين وسبيلهم ونقتدى بهم ونبغض ~~الآخرين وسبيلهم ونجتنب فعالهم # وقد ذكر الله عن أنبيائه وعباده الصالحين من ذكر الفاحشة PageV15P333 ~~وعلائقها على وجه الذم ما فيه غيره قال تعالى @QB@ ولوطا إذ قال لقومه ~~أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين @QE@ إلى آخر القصة فى ~~مواضع من كتابه فهذا لوط خاطب أهل الفاحشة وهو رسول الله بتقريعهم بها ~~بقوله @QB@ أتأتون الفاحشة @QE@ وهذا إستفهام إنكار ونهى إنكار ذم ونهى ~~كالرجل يقول للرجل أتفعل كذا وكذا أما تتقى الله ثم قال @QB@ أئنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء @QE@ وهذا إستفهام ثان فيه من الذم والتوبيخ ما ~~فيه وليس هذا من باب القذف واللمز # وكذلك قوله @QB@ كذبت قوم لوط المرسلين @QE@ إلى آخر القصة فقد واجههم ~~بذمهم وتوبيخهم على فعل الفاحشة ثم إن أهل الفاحشة توعدوهم وتهددوهم ~~بإخراجهم من القرية وهذا حال أهل الفجور إذا كان بينهم من ينهاهم طلبوا ~~نفيه وإخراجه وقد عاقب الله أهل الفاحشة اللوطية بما ارادوا أن يقصدوا به ~~اهل التقوى حيث أمر بنفى الزانى ونفى المخنث فمضت سنة رسول الله بنفى هذا ~~وهذا وهو سبحانه أخرج المتقين من بينهم عند نزول العذاب # وكذلك ما ذكره تعالى فى قصة يوسف ^ وروادته التى هو فى بيتها عن نفسه ^ ~~إلى قوله @QB@ فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم @QE@ وما ذكره بعد ذلك ~~فمن كلام يوسف من قوله ^ ما بال PageV15P334 النسوة اللاتى قطعن أيديهن ^ ~~وهذا من باب الإعتبار الذى يوجب إنتهار النفوس عن معصية الله والتمسك ~~بالتقوى وكذلك ما بينه فى آخر السورة ( بقوله ^ لقد كان فى قصصهم عبرة ~~لأولى الألباب ^ # ومع هذا فمن الناس والنساء من يحب سماع هذه السورة لما فيها من ذكر العشق ~~وما يتعلق به لمحبته لذلك ورغبته فى الفاحشة حتى أن من الناس من يقصد ~~إسماعها ms1075 للنساء وغيرهن لمحبتهم للسوء ويعطفون على ذلك ولا يختارون أن ~~يسمعوا ما فى سورة النور من العقوبة والنهى عن ذلك حتى قال بعض السلف كلما ~~حصلته فى سورة يوسف أنفقته فى سورة النور وقد قال تعالى ^ وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء للمؤمنين @QB@ ثم قال @QE@ ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ^ وقال ~~^ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فاما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ^ فكل أحد يحب سماع ذلك لتحريك المحبة ~~المذمومة ويبغض سماع ذلك إعراضا عن دفع هذه المحبة وإزلتها فهو مذموم # ومن هذا الباب ذكر أحوال الكفار والفجار وغير ذلك مما فيه ترغيب فى معصية ~~الله وصد عن سبيل الله PageV15P335 ومن هذا الباب سماع كلام أهل البدع ~~والنظر فى كتبهم لمن يضره ذلك ويدعوه إلى سبيلهم وإلى معصية الله فهذا ~~الباب تجتمع فيه الشبهات والشهوات والله تعالى ذم هؤلاء فى مثل قوله @QB@ ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ وفى مثل قوله @QB@ والشعراء ~~يتبعهم الغاوون @QE@ ومثل قوله @QB@ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن ~~سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا @QE@ وقوله @QB@ مستكبرين به سامرا تهجرون ~~@QE@ ومثل قوله @QB@ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~الغي يتخذوه سبيلا @QE@ ومثل قوله @QB@ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ~~سبيل الله @QE@ الآية # ومثل هذا كثير فى القرآن فأهل المعاصى كثيرون فى العالم بل هم أكثر كما ~~قال تعالى ^ وإتطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله ^ الآية وفى النفوس ~~من الشبهات المذمومة والهوات قولا وعملا ما لا يعلمه إلا الله وأهلها يدعون ~~الناس إليها ويقهرون من يعصيهم ويزينونها لمن يطيعهم فهم أعداء الرسل ~~وأندادهم فرسل الله يدعون الناس إلى طاعة الله ويأمرونهم بها بالرغبة ~~والرهبة ويجاهدون عليها وينهونهم عن معاصى الله ويحذرونهم منها بالرغبة ~~والرهبة ويجاهدون من يفعلها وهؤلاء يدعون الناس إلى معصية لله ويأمرونهم ~~PageV15P336 بها بالرغبة والرهبة ms1076 قولا وفعلا ويجاهدون على ذلك قال تعالى ^ ~~المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ^ ثم قال @QB@ ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في ~~سبيل الطاغوت @QE@ # ومثل هذا فى القرآن كثير والله سبحانه قد أمرنا بالأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر والأمر بالشىء مسبوق بمعرفته فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه النهى ~~عنه وقد أوجب الله علينا فعل المعروف وترك المنكر فإن حب الشىء وفعله وبغض ~~ذلك وتركه لا يكون إلا بعد العلم بهما حتى يصح القصد إلى فعل المعروف وترك ~~المنكر فإن ذلك مسبوق بعلمه فمن لم يعلم الشىء لم يتصور منه حب له ولا بغض ~~ولا فعل ولا ترك لكن فعل الشىء و الأمر به يقتضى أن يعلم علما مفصلا يمكن ~~معه فعله والأمر به إذا أمر به مفصلا # ولهذا أوجب الله على الإنسان معرفة ما أمر به من الواجبات مثل صفة الصلاة ~~والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف PageV15P337 والنهى عن المنكر إذا ~~أمر بأوصاف فلا بد من العلم بثبوتها فكما أنا لا تكون مطيعين إذا علمنا عدم ~~الطاعة فلا نكون مطيعين إلا إذا لم نعلم وجودها بل الجهل بوجودها كالعلم ~~بعدمها وكون كل منهما معصية فإن الجهل بالتساوى كالعلم بالتفاضل فى بيع ~~الأموال الربوية بعضها بجنسه فإن لم نعلم المماثلة كان كما لو علمنا ~~المفاضلة وأما معرفة ما يتركه وينهى عنه فقد يكتفى بمعرفته فى بعض المواضع ~~مجملا فالإنسان يحتاج إلى معرفة المنكر وإنكاره وقد يحتاج إلى الحجج ~~المبنية لذلك وإلى الجواب عما يعارض به اصحابها من الحجج وإلى دفع أهوائهم ~~وإرادتهم وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك وذلك لا يكون إلا ~~بالصبر كما قال تعالى @QB@ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ # وأول ms1077 ذلك أن تذكر الأقوال والأفعال على وجه الذم لها والنهى عنها وبيان ~~ما فيها من الفساد فإن الإنكار بالقلب واللسان قبل الإنكار باليد وهذه ~~طريقة القرآن فيما يذكره تعالى عن الكفار والفساق والعصاة من اقوالهم ~~وأفعالهم يذكر ذلك على وجه الذم والبغض لها ولأهلها وبيان فسادها وضدها ~~والتحذير منها كما أن فيما يذكره عن أهل العلم والإيمان ومن فيهم من ~~أنبيائه وأوليائه على وجه المدح والحب وبيان صلاحه ومنفعته والترغيب فيه ~~وذلك نحو قوله تعالى ^ وقالوا إتخذ PageV15P338 الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون @QB@ وقالوا @QE@ إتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إذا تكاد السموات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغى ~~للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من فى السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ^ وقالت اليهود عزيز إبن ~~الله ( الآيات # وهذا كثير جدا فالذى يحب أقوالهم وأفعالهم هو منهم إما كافر وإما فاجر ~~بحسب قوله وفعله وليس منهم من هو بعكسه وليس عليه عذاب فى تركه لكنه لا ~~يثاب على مجرد عدم ذلك وإنما يثاب على قصده لترك ذلك وإرادته وذلك مسبوق ~~بالعلم بقبح ذلك وبغضه لله وهذا العلم والقصد والبغض هو من الإيمان الذى ~~يثاب عليه وهو ادنى الإيمان كما قال النبى ( من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده ( إلى آخره وتغيير القلب يكون بالبغض لذلك وكراهته وذلك لا يكون إلآ ~~بعد العلم به وبقبحه ثم بعد ذلك يكون الإنكار باللسان ثم يكون باليد والنبى ~~قال ( وذلك أضعف الإيمان ( فيمن رأى المنكر فأما إذا رآه فلم يعلم أنه منكر ~~ولم يكرهه ولم يكن هذا الإيمان موجودا فى القلب فى حال وجوده ورؤيته بحيث ~~يجب بغضه PageV15P339 وكراهته والعلم بقبحه يوجب جهاد الكفار والمنافقين ~~إذا وجدوا وإذا لم يكن المنكر موجودا لم يجب ذلك ويثاب من أنكره عند وجوده ~~ولا يثاب من لم يوجد عنده حتى ينكره وكذلك ما يدخل فى ذلك من الأقوال ~~والأفعال المنكرات قد ms1078 يعرض عنها كثير من الناس إعراضهم عن جهاد الكفار ~~والمنافقين وعن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فهؤلاء وإن كانوا من ~~المهاجرين الذين هجروا السيئات فليسوا من المجاهدين الذين يجاهدون فى ~~إزالتها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله # فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يجتمع فى كثير من الناس هذان الأمران بغض الكفر ~~وأهله وبغض الفجور وأهله وبغض نهيهم وجهادهم كما يحب المعروف وأهله ولا يحب ~~أن يأمر به ولا يجاهد عليه بالنفس والمال وقد قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ وقوله ^ لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يودون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~PageV15P340 أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم ~~بروح منه ^ الآية # وكثير من الناس بل أكثرهم كراهتهم للجهاد على المنكرات اعظم من كراهتهم ~~للمنكرات لا سيما إذا كثرت المنكرات وقويت فيها الشبهات والشهوات فربما ~~مالوا إليها تارة وعنها أخرى فتكون نفس أحدهم لوامة بعد أن كانت أمارة ثم ~~إذا إرتقى إلى الحال الأعلى فى هجر السيئات وصارت نفسه مطمئنة تاركة ~~للمنكرات والمكروهات لا تحب الجهاد ومصابرة العدو على ذلك وإحتمال ما يؤذيه ~~من الأقوال والأفعال فإن هذا شىء آخر داخل فى قوله ^ ألم تر إلى الذين قيل ~~لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا ~~فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ^ الآيات إلى قوله ^ وكان ~~الله على كل شىء مقيتا ^ والشفاعة الإعانة إذ المعين قد صار شفيعا للمعان ~~فكل من أعان على بر أو تقوى كان له نصيب منه ومن أعان على الإثم والعدوان ~~كان له كفل منه وهذا حال الناس فيما يفعلونه ms1079 بقلوبهم وألسنتهم وأيديهم من ~~الإعانة على البر والتقوى والإعانة على الإثم والعدوان ومن ذلك الجهاد ~~بالنفس والمال على ذلك من الجانبين كما قال تعالى قبل ذلك ^ يا أيها الذين ~~آمنوا خذوا حذركم فإنفروا ثبات أو إنفروا جميعا ^ إلى قوله ^ إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا ^ PageV15P341 ومن هنا يظهر الفرق فى السمع والبصر من ~~الإيمان وآثاره والكفر وآثاره والفرق بين المؤمن البر وبين الكافر والفاجر ~~فإن المؤمنين يسمعون اخبار أهل الإيمان فيشهدون رؤيتهم على وجه العلم ~~والمعرفة والمحبة والتعظيم لهم ولاخبارهم وآثارهم كرؤية الصحابة النبى ~~وسمعهم لما بلغه عن الله والكافر والمنافق يسمع ويرى على وجه البغض والجهل ~~كما قال تعالى @QB@ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر @QE@ وقال @QB@ فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين ~~في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت @QE@ ^ وقال ما كانوا ~~يستطيعون السمع وماكانوا يبصرون ^ وقال @QB@ فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ~~ثم عموا وصموا كثير منهم @QE@ وقال تعالى فى حق المؤمنين @QB@ الذين إذا ~~ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا @QE@ وقال فى حق الكفار ^ ~~فمالهم عن التذكرة معرضين ^ والآيات فى هذا كثيرة جدا # وكذلك النظر إلى زينة الحياة فتنة فقال تعالى @QB@ ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ~~@QE@ وفى التوبة ^ ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ^ الآية وقال @QB@ قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم @QE@ الآية وقال ^ ولا تعد عيناك تريد زينة ~~الحياة الدنيا ^ وقال ^ أفلا ينظرون PageV15P342 إلى الإبل كيف خلقت الآيات ~~وقال @QB@ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض @QE@ وقال @QB@ أفلم يروا إلى ~~ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض @QE@ الآية وكذلك قال الشيطان ^ ~~إنى أرى مالا ترون ^ وقال @QB@ فلما تراءى الجمعان @QE@ الآيات وقال ^ إذ ~~يريكهم الله فى منامكم قليلا ^ الاية # فالنظر إلى متاع الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولأهلها منهى عنه ~~والنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التكفر والإعتبار مأمور به ~~مندوب إليه وأما رؤية ذلك ms1080 عند الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ~~لدفع شر أولئك وإزالته فمأمور به وكذلك رؤية الإعتبار شرعا فى الجملة ~~فالعين الواحدة ينظر إليها نظرا مأمورا به إما للإعتبار وإما لبعض ذلك ~~والنظر إليه لبغض الجهاد منهى عنه وكذلك الموالاة والمعاداة وقد تحصل للعبد ~~فتنة بنظر منهى عنه وهو يظن أنه نظر عبرة وقد يؤمر بالجهاد فيظن أن ذلك نظر ~~فتنة كالذين قال الله تعالى فيهم @QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ~~@QE@ الآية فإنها نزلت فى الجد بن قيس لما أمره النبى أن يتجهز لغزو الروم ~~فقال إنى مغرم بالنساء وأخاف الفتنة بنساء الروم فإئذن لى فى القعود قال ~~تعالى @QB@ ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين @QE@ ~~PageV15P343 فهذا ونحوه مما يكون باللسان من القول وأما ما يكون من الفعل ~~بالجوارح فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا داخل فى هذا ~~بل يكون عذابه أشد فإن الله قد توعد بالعذاب على مجرد محبة أن تشيع الفاحشة ~~بالعذاب الأليم فى الدنيا والآخرة وهذه المحبة قد لا يقترن بها قول ولا فعل ~~فكيف إذا إقترن بها قول أو فعل بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله من ~~فعل الفاحشة والقذف بها وإشاعتها فى الذين آمنوا ومن رضى عمل قوم حشر معهم ~~كما حشرت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط فإن ذلك لا يقع من ~~المرأة لكنها لما رضيت فعلهم عمها العذاب معهم # فمن هذا الباب قيل من أعان على الفاحشة وإشاعتها مثل القواد الذى يقود ~~النساء والصبيان إلى الفاحشة لأجل ما يحصل له من رياسة أو سحت يأكله وكذلك ~~أهل الصناعات التى تنفق بذلك مثل المغنين وشربة الخمر وضمان الجهات ~~السلطانية وغيرها فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة ليتمكنوا من دفع من ينكرها ~~من المؤمنين ما إذا كانت قليلة خفيفة خفية ولا خلاف بين المسلمين أن ما ~~يدعو إلى معصية الله وينهى عن طاعته منهى عنه محرم بخلاف عكسه فإنه واجب ~~كما قال تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى ms1081 عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ~~@QE@ أى إن ما فيها من طاعة الله وذكره وإمتثال أمره أكبر من ذلك ~~PageV15P344 # وقال في الخمر والميسر ( @QB@ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة @QE@ ( أى ~~يوقعهم ذلك فى معصيته التى هى العداوة والبغضاء وهذا من أعظم المنكرات التى ~~تنهى عنه الصلاة والخمر تدعو إلى الفحشاء والمنكر كما هو الواقع فإن شارب ~~الخمر تدعوه نفسه إلى الجماع حلالا كان أو حراما فالله تعالى لم يذكر ~~الجماع لأن الخمر لا تدعو إلى الحرام بعينه من الجماع فيأتى شارب الخمر ما ~~يمنكه من الجماع سواء كان حلالا أو حراما والسكر يزيل العقل الذى كان يميز ~~السكران به من الحلال والحرام والعقل الصحيح ينهى عن مواقعة الحرام ولهذا ~~يكثر شارب الخمر من مواقعة الفواحش مالا يكثر من غيرها حتى ربما يقع على ~~إبنته وإبنه ومحارمه وقد يستغنى بالحلال إذا أمكنه ويدعو شرب الخمر إلى أكل ~~أموال الناس بالباطل من سرقة ومحاربة وغير ذلك لأنه يحتاج إلى الخمر وما ~~يستتبعه من مأكول وغيره من فواحش وغناء # وشرب الخمر يظهر اسرار الرجال حتى يتكلم شاربه بما فى باطنه وكثير من ~~الناس إذا ارادوا إستفهام مافى قلوب الرجال من الأسرار يسقونهم الخمر وربما ~~يشربون معهم مالا يسكرون به # وأيضا فالخمر تصد الإنسان عن علمه وتدبيره ومصلحته فى معاشه ومعاده وجميع ~~أموره التى يدبرها برأية وعقله فجميع الأمور التى تصد PageV15P345 عنها ~~الخمر من المصالح وتوقعها من المفاسد داخلة فى قوله تعالى @QB@ ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة @QE@ # وكذلك إيقاع العداوة والبغضاء هى منتهى قصد الشيطان ولهذا قال النبى ( ~~ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن إفساد ذات البين ~~هى الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ( # وقد ذكرنا فى غير هذا الموضع أن الفواحش والظلم وغير ذلك من الذنوب توقع ~~العداوة والبغضاء وإن كل عداوة أو بغضاء فأصلها من معصية الله والشيطان ~~يأمر بالمعصية ليوقع فيما ms1082 هو اعظم منها ولا يرضى بغاية ما قدر على ذلك # وأيضا فالعداوة والبغضاء شر محض لا يحبها عاقل بخلاف المعاصى فإن فيها ~~لذة كالخمر والفواحش فإن النفوس تريد ذلك والشيطان يدعو إليها النفوس حتى ~~يوقعها فى شر لا تهواه ولا يريده الإنسان ثم قال فى سورة النور @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه ~~يأمر بالفحشاء والمنكر @QE@ PageV15P346 وقال فى سورة البقرة ^ لا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا ~~على الله مالا تعلمون ^ فنهى عن إتباع خطواته وهو إتباع امره بالإقتداء ~~والإتباع وأخبر أنه يأمر بالفحشاء والمنكر والسوء والقول على الله بلا علم ~~وقال فيها @QB@ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة ~~منه وفضلا @QE@ فالشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر والسوء والله ~~يعد المغفرة والفضل ويأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربة وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغى وقال عن نبيه @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم @QE@ وقال عن أمته @QB@ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~@QE@ # وذكر مثل ذلك فى مواضع كثيرة فتارة يخص إسم المنكر بالنهى وتارة يقرنه ~~بالفحشاء وتارة يقرن معهما البغى وكذلك المعروف تارة يخصه بالأمر وتارة ~~يقرن به غيره كما فى قوله تعالى @QB@ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس @QE@ وذلك لأن الأسماء قد يكون عمومها ~~وخصوصها بحسب الإفراد والتركيب كلفظ الفقير والمسكين فإن أحدهما إذا أفرد ~~كان عاما لما يدلان عليه عند الإقتران بخلاف إقترانهما فإنه يكون معنى كل ~~PageV15P347 منهما هو معنى الآخر بل أخصه من معناه عند الإفراد وأيضا فقد ~~يعطف على الإسم العام بعض أنواعه على سبيل التخصيص ثم قد قيل إن ذلك المخصص ~~يكون مذكورا بالمعنى العام والخاص فإذا عرف هذا فإسم ( المنكر ( يعم كل ما ~~كرهه الله ونهى عنه وهو المبغض ( وإسم المعروف ( يعم كل ما يحبه الله ~~ويرضاه ويأمر ms1083 به فحيث أفراد بالذكر فإنهما يعمان كل محبوب فى الدين ومكروه ~~وإذا قرن المنكر بالفحشاء فإن الفحشاء مبناها على المحبة والشهوة و ( ~~المنكر ( هو الذى تنكره القلوب فقد يظن أن ما فى الفاحشة من المحبة يخرجها ~~عن الدخول فى المنكر وإن كانت مما تنكرها القلوب فإنها تشتهيها النفوس ( و ~~المنكر ( قد يقال أنه يعم معنى الفحشاء وقد يقال خصت لقوة المقتضى لما فيها ~~من الشهوة وقد يقال قصد بالمنكر ما ينكر مطلقا والفحشاء لكونها تشتهى وتحب ~~وكذلك ( البغى ( قرن بها لأنه أبعد عن محبة النفوس # ولهذا كان جنس عذاب صاحبه أعظم من جنس عذاب صاحب الفحشاء ومنشؤها من قوة ~~الغضب كما أن الفحشاء منشؤها عن قوة الشهوة ولكل من النفوس لذة بحصول ~~مطلوبها فالفواحش والبغى مقرونان بالمكنر وأما الإشراك والقول على الله بلا ~~علم فإنه منكر PageV15P348 محض ليس فى النفوس ميل إليهما بل إنما يكونان عن ~~عناد وظلم فهما منكر وظلم محض بالفطرة # فهذه الخصال فساد فى القوة العلمية والعملية فالصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر سواء كان ~~الضمير عائدا إلى الشيطان أو إلى من يتبع خطوات الشيطان فإن من أتى الفحشاء ~~والمنكر سواء فإن كان الشيطان امره فهو متبعه مطيعه عابد له وإن كان الآتى ~~هو الآمر فالأمر بالفعل أبلغ من فعله فمن أمر بها غيره رضيها لنفسه # ومن الفحشاء والمنكر إستماع العبد مزامير الشيطان والمغنى هو موذنه الذى ~~يدعو إلى طاعته فإن الغناء رقية الزنا وكذلك من إتباع خطوات الشيطان القول ~~على الله بلا علم ^ قل إن الله لا يأمر بالفشحاء أتقولون على الله مالا ~~تعلمون ^ وهذه حال أهل البدع والفجور وكثير ممن يستحل مؤاخاة النساء ~~والمردان واحضارهم في سماع الغناء ودعوى محبة صورهم لله وغير ذلك مما فتن ~~به كثير من الناس فصاروا ضالين مضلين ثم أنه سبحانه نهى المظلوم بالقذف أن ~~يمنع ما ينبغى له فعله من الإحسان إلى ذوى قرابته والمساكين وأهل التوبة ~~وأمره بالعفو PageV15P349 والصفح فإنهم كما ms1084 يحبون أن يغفر الله لهم فليعفوا ~~وليصفحوا وليغفروا ولا ريب أن صلة الأرحام واجبة وإيتاء المساكين واجب ~~وإعانة المهاجرين واجب فلا يجوز ترك ما يجب من الإحسان للإنسان بمجرد ظلمه ~~وإساءته فى عرضه كما لا يمنع الرجل ميراثه وحقه من الصدقات والفىء بمجرد ~~ذنب من الذنوب وقد يمنع من ذلك لبعض الذنوب وفى الآية دلالة على وجوب الصلة ~~والنفقة وغيرها لذوى الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب فإنه قد ثبت فى ~~الصحيح عن عائشة فى قصة الإفك أن أبا بكر الصديق حلف أن لا ينفق على مسطح ~~بن اثاثة وكان أحد الخائضين فى أفك فى شأن عائشة وكانت أم مسطح بنت خالة ~~أبى بكر وقد جعله الله من ذوى القربى الذين نهى عن ترك إيتائهم والنهى ~~يقتضى التحريم فإذا لم يجز الحلف على ترك الفعل كان الفعل واجبا لأن الحلف ~~على ترك الجائز جائز $ فصل # قال الله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ وقال فيها ^ والذين يرمون ازواجهم PageV15P350 ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ^ فإجلدوهم ثمانين جلدة وقال فيها ^ لولا جاءوا ~~عليه بأربعة شهداء ^ فذكر عدد الشهداء وأطلق صفتهم ولم يقيدهم بكونهم منا ~~ولا ممن نرضى ولا من ذوى العدل كما قيد صفة الشهداء فى غير هذا الموضع # ولهذا تنازع العلماء هل شهادة الأربعة التى يجب بها الحد على الزانى مثل ~~شهادة أهل الفسوق والعصيان وغيرهم هل تدرأ الحد عن القاذف على قولين فى ~~مذهب أحمد # ( أحدهما أنها تدرأ الحد عن القاذف وإن لم توجب حد الزنا على المقذوف ~~كشهادة الزوج على امرأته أربع شهادات بالله فإن ذلك يدرأ حد القذف ولا يجب ~~الحد على امرأته لمجرد ذلك لأنها تدفع العذاب عنها بشهادتها أربع شهادات ~~ولو لم تشهد فهل تحد أو تحبس حتى تقر أو تلاعن أو يخلى سبيلها فيه نزاع ~~مشهور بين العلماء فلا يلزم من درء الحد عن القاذف وجوب حد الزنا على ~~المقذوف فإن كلاهما حد والحدود تدرأ بالشبهات والأربع شهادات ms1085 للقاذف شبهة ~~قوية ولو إعترف المقذوف مرة أو مرتين أو ثلاثا درىء الحد عن القاذف ولم يجب ~~الحد عنها عند أكثر العلماء ولو كان المقذوف غير محصن مثل ان يكون مشهورا ~~بالفاحشة لم يحد قاذفه حد القذف ولم يحد هو حد الزنا لمجرد الإستفاضة ~~PageV15P351 وأن يعاقب كل منهما دون الحد وقد إعتبر نصاب حد الزنا باربعة ~~شهداء # وكذلك تعتبر صفاتهم فلا يقام حد الزنا على مسلم إلا بشهادة مسلمين لكن ~~يقال لم يقيدها بأن يكونوا عدولا مرضيين كما قيدهم فى آية الدين بقوله @QB@ ~~ممن ترضون من الشهداء @QE@ وقال فى آية الوصية @QB@ اثنان ذوا عدل منكم ~~@QE@ وقال فى آية الرجعة @QB@ وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ~~@QE@ فقد أمرنا الله سبحانه بأن نحمل الشهادة المحتاج إليها لأهل العدل ~~والرضا وهؤلاء هم الممتثلون ما أمرهم الله به بقوله @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ~~إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا @QE@ ~~الآية وفى قوله تعالى @QB@ ولا تكتموا الشهادة @QE@ وقوله ^ ولا يأب ~~الشهداء إذا مادعوا ^ وقوله @QB@ والذين هم بشهاداتهم قائمون @QE@ فهم ~~يقومون بالشهادة بالقسط لله فيحصل مقصود الذى إستشهده ( الوجه الثانى ( أن ~~كون شهادتهم مقبولة مسموعة لأنهم أهل العدل والرضى فدل على وجوب ذلك فى ~~القبول والأداء وقد نهى سبحانه عن قبول شهادة الفاسق بقوله @QB@ إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ الآية لكن هذا نص فى أن الفاسق الواحد يجب التبين ~~فى خبره PageV15P352 وأما الفاسقان فصاعدا فالدلالة عليه يحتاج إلى مقدمة ~~أخرى وما ذكروه من عدد الشهود لا يعتبر فى الحكم بإتفاق العلماء فى مواضع ~~وعند جمهورهم قد يحكم بلا شهود فى مواضع عند النكول والرد ونحو ذلك ويحكم ~~بشاهد ويمين رواه أبوداود وغيره من حديث أبى هريرة ورواه مسلم من حديث ابن ~~عباس ( أن رسول الله قضى بشاهد ويمين ( ورواه غيرهما ويدل على هذا أن الله ~~لم يعتبر عند الأداء هذا القيد لا فى آية الزنا ولا فى ms1086 آية القذف بل قال ~~@QB@ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم @QE@ وقال @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء @QE@ وإنما أمر بالتثبيت عند خبر الفاسق الواحد ولم ~~بأمر به عند خبر الفاسقين فإن خبر الإثنين يوجب من الإعتقاد مالا يوجبه خبر ~~الواحد ولهذا قال العلماء إذا إستراب الحاكم فى الشهود فرقهم وسألهم عن ~~مكان الشهادة وزمانها وصفتها وتحملها وغير ذلك مما يتبين به إتفاقهم ~~وإختلافهم # وقوله تعالى @QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا @QE@ فهذا نص فى ان هؤلاء ~~القذفة لا تقبل لهم شهادة أبدا واحدا كانوا أو عددا بل لفظ الآية ينتظم ~~العدد على سبيل الجمع والبدل لأن الآية نزلت فى أهل الإفك بإتفاق أهل العلم ~~والحديث والفقه والتفسير وكان الذين قذفوا PageV15P353 عائشة عداد ولم ~~يكونوا واحدا لما رأوها قد قدمت صحبة صفوان بن المعطل السلمى بعد قفول ~~العسكر وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها عدمت فرفع أصحاب الهودج هودجها ~~معتقدين أنها فيه لخفتها ولم تكن فيه فلما رجعت لم تجد أحدا من الجيش فمكثت ~~خلوته بها للضرورة كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر الهجرة ~~مثل ما قدمت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط مهاجرة وقصة عائشة # وقد دلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم مجتمعين ولا متفرقين ودلت ~~أيضا على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة كما هو مذهب الجمهور فانه كان من ~~جملتهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت كما فى الصحيح عن عائشة وكان منهم حمنة ~~بنت جحش وغيرها ومعلوم أنه لم يرد النبى ولا المسلمون بعده شهادة أحد منهم ~~لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها ومن لم يتب حينئذ فإنه كافر مكذب ~~بالقرآن وهؤلاء مازالوا مسلمين وقد نهى الله عن قطع صلتهم ولو ردت شهادتهم ~~بعد التوبة لاستفاض ذلك كما استفاض رد عمر شهادة أبى بكرة وقصة عائشة كانت ~~أعظم من قصة المغيرة لكن من PageV15P354 رد شهادة القاذف بعد التوبة قد ~~يقول أرد شهادة من حد فى القذف وهؤلاء لم يحدوا والأولون يجيبون بأجوبة ms1087 # ( أحدها ( انه قد روى فى السنن أن النبى حد أولئك # و ( الثانى ( ان هذا الشرط غير معتبر فى ظاهر القرآن وهم لا يقولون به ~~كما هو مقرر فى موضعه # و ( الثالث ( ان الذين اعتبروا الحد اعتبروه وقالوا قد يكون القاذف صادقا ~~وقد يكون كاذبا فاعراض المقذوف عن طلب حد القذف قد يكون لصدق القذف فاذا ~~طلب الحد ولم يات القذف بأربعة شهداء ظهر كذبه ومعلوم ان الذين قذفوا عائشة ~~ظهر كذبهم أعظم من ظهور كذب كل أحد فإن الله هو الذى برأها بكلامه الذى ~~أنزله من فوق سبع سموات يتلى فاذا كانت شهادتهم بعد توبتهم مقبولة فشهادة ~~غيرهم ممن شهد على غيرها بالقذف أولى بالقبول وقصة عمر بن الخطاب التى حكم ~~فيها بين المهاجرين والأنصار فى شأن المغيرة لما شهد عليه ثلاثة بالزنا ~~وتوقف الرابع عن الشهادة فجلد أولئك الثلاثة ورد شهادتهم دليل على الفصلين ~~جميعا كما دلت قصة عائشة على قبول شهادتهم بعد التوبة والجلد لأن اثنين من ~~الثلاثة تابا فقبل عمر PageV15P355 والمسلمون شهادتهما والثالث وهو أبو ~~بكرة مع كونه من أفضلهم لم يتب فلما لم يتب لم يقبل المسلمون شهادته وكان ~~من صالحى المسلمين وقد قال عمر تب أقبل شهادتك لكن اذا كان القرآن قد بين ~~ان القذفة ان لم يأتوا بأربعة شهداء لم تقبل شهادتهم أبدا ثم قال بعد ذلك ~~@QB@ وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا @QE@ فمعلوم ان قوله @QB@ وأولئك ~~هم الفاسقون @QE@ وصف ذم لهم زائد على ما ذكره من رد شهادتهم # وأما تفسير ( العدالة ( المشروطة فى هؤلاء الشهداء فانها الصلاح فى الدين ~~والمروءة والصلاح فى أداء الواجبات وتلك الكبيرة والاصرار على الصغيرة و ( ~~الصلاح فى المروءة ( استعمال ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه فاذا ~~وجد هذا فى شخص كان عدلا فى شهادته وكان من الصالحين الأبرار وأما انه لا ~~يستشهد أحد فى وصية أو رجعة فى جميع الأمكنة والأزمنة حتى يكون بهذه الصفة ~~فليس فى كتاب الله وسنة رسوله ما يدل على ذلك بل هذا ms1088 صفة المؤمن الذى اكمل ~~ايمانه بأداء الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها ومن كان كذلك كان من ~~أولياء الله المتقين ثم ان القائلين بهذا قد يقسرون الواجبات بالصلوات ~~الخمس ونحوها بل قد يجب على الانسان من حقوق الله وحقوق عباده ما لا يحصيه ~~PageV15P356 الا الله تعالى مما يكون تركه أعظم إثما من شرب الخمر والزنا ~~ومع ذلك لم يجعلوه قادحا فى عدالته إما لعدم استشعار كثرة الواجبات وإما ~~لإلتفاتهم إلى ترك السيئات دون فعل الواجبات وليس الأمر كذلك فى الشريعة ~~وبالجملة هذا معتبر فى بانى الثواب و العقاب والمدح والذم والموالاة ~~والمعاداة وهذا أمر عظيم # وأما قول من يقول الأصل فى المسلمين العدالة فهو باطل بل الاصل فى بنى ~~آدم الظلم والجهل كما قال تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ~~@QE@ ومجرد التكلم بالشهادتين لايوجب انتقال الانسان عن الظلم والجهل إلى ~~العدل # و ( باب الشهادة ( مداره على ان يكون الشهيد مرضيا أو يكون ذا عدل يتحرى ~~القسط والعدل فى أقواله وأفعاله والصدق فى شهادته وخبره وكثيرا ما يوجد هذا ~~مع الاخلال بكثير من تلك الصفات كما أن الصفات التى اعتبروها كثيرا ما توجد ~~بدون هذا كما قد رأينا كل واحد من الصنفين كثيرا لكن يقال أن ذلك مظنة ~~الصدق والعدل والمقصود من الشهادة ودليل عليها وعلامة لها فان النبى قال فى ~~الحديث المتفق على صحته ( عليكم بالصدق فان الصدق يهدى إلى البر والبر يهدى ~~إلى الجنة ( الحديث إلى آخره PageV15P357 # فالصدق مستلزم للبر كما أن الكذب مستلزم للفجور فاذا وجد الملزوم وهو ~~تحرى الصدق وجد اللازم وهو البر واذا انتقى اللازم وهو البر انتقى الملزوم ~~وهو الصدق واذا وجد الكذب وهو الملزوم وجد الفجور وهو اللازم وإذا انتقى ~~اللازم وهو الفجور انتفى الملزوم وهو الكذب فلهذا استدل بعدم بر الرجل على ~~كذبه وبعدم فجوره على صدقه فالعدل الذى ذكره الفقهاء من انتفى فجوره وهو ~~إتيان الكبيرة والاصرار على الصغيرة واذا انتفى ذلك فيه انتفى كذبه الذى ~~يدعوه إلى هذا الفجور والفاسق ms1089 هو من عدم بره واذا عدم بره عدم صدقه ودلالة ~~هذا الحديث مبنية على أن الداعى إلى البر يستلزم البر والداعى إلى الفجور ~~يستلزم الفجور فالخطأ كالنسيان والعمد كالكذب والله أعلم PageV15P358 # وقال شيخ الاسلام رحمه الله # فى قوله تعالى @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في ~~الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم @QE@ فى طرده الكلام على ما يتعلق بهذه ~~الآية وغيرها فقال و أما الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه # ( أحدها ( ان هذه الآية فى أزواج النبى خاصة فى قول كثير من أهل العلم ~~فروى هشيم عن العوام بن حوشب ثنا شيخ من بنى كاهل قال فسر ابن عباس ( سورة ~~النور ( فلما أتى على هذه الآية @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات @QE@ إلى آخر الآية قال هذه فى شأن عائشة وأزواج النبى خاصة وهى ~~مبهمة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ @QB@ ~~والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء @QE@ إلى قوله @QB@ إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا @QE@ فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك ~~توبة قال فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسره PageV15P359 # وقال أبو سعبد الاشج حديثا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات @QE@ نزلت فى عائشة ~~خاصة واللعنة فى المنافقين عامة فقد بين ابن عباس ان هذه الآية انما نزلت ~~فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما فى قذفهن من الطعن على رسول الله عليه ~~وسلم وعيبه فان قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه نسبة له إلى ~~الدياثة واظهار لفساد فراشه فان زنا امراته يؤذيه أذى عظيما ولهذا جوز له ~~الشارع أن يقذفها إذا زنت ودرأ الحد عنه باللعان ولم يبح لغيره أن يقذف ~~امرأة بحال ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزى يقذف أهله أعظم مما ~~يلحقه لو كان هو المقذوف # ولهذا ذهب الامام أحمد فى احدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى ان من ms1090 قذف ~~امرأة محصنة كالأمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن حد لقذفها لما الحقه من ~~العار بولدها وزوجها المحصنين والرواية الأخرى عنه وهى قول الاكثرين انه ~~لاحد عليه لانه اذى لهما لاقذف لهما والحد التام انما يجب بالقذف وفى جانب ~~النبى أذى كقذفه ومن يقصد عيب النبي بعيب ازواجه فهو منافق وهذا معنى قول ~~ابن عباس اللعنة فى المنافقين عامة # وقد وافق ابن عباس جماعة فروى الامام أحمد والاشج عن خصيف PageV15P360 ~~قال سالت سعيد بن جبير فقلت الزنا اشد أو قذف المحصنة قال لا بل الزنا قال ~~قلت فان الله تعالى يقول @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لعنوا في الدنيا والآخرة @QE@ فقال إنما كان هذا فى عائشة خاصة وروى أحمد ~~بإسناده عن أبى الجوزاء فى هذه الآية @QB@ إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة @QE@ فقال هذه الآية لأمهات ~~المؤمنين خاصة وروى الأشج باسناده عن الضحاك فى هذه الآية قال هن نساء ~~النبى وقال معمر عن الكلبي انما عنى بهذه الاية ازواج النبى فاما من رمى ~~إمرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال الله تعالى أو يتوب # ووجه هذا ان لعنة الله فى الدنيا والاخرة لا تستوجب بمجرد القذف فتكون ~~اللام فى قوله @QB@ المحصنات الغافلات المؤمنات @QE@ لتعريف المعهود ~~والمعهود هنا ازواج النبى لان الكلام فى قصة الافك ووقوع من وقع فى أم ~~المؤمنين عائشة أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذى يوجب ذلك # ويؤيد هذا القول ان الله سبحانه رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات ~~مؤمنات وقال فى اول السورة @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ الاية فرتب الحد ورد الشهادة والفسق على ~~مجرد قذف المحصنات فلا بد ان يكون PageV15P361 المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لهن مزية على مجرد المحصنات وذلك والله اعلم # لان ازواج النبى مشهود لهن بالايمان لانهن امهات المؤمنين وهن ازواج نبيه ~~فى الدنيا والاخرة وعوام المسلمات انما يعلم منهن فى الغلب ظاهر الايمان ~~ولان الله سبحانه قال فى ms1091 قصة عائشة @QB@ والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ~~@QE@ فتخصيصه متولى كبره دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم وقال ~~@QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم @QE@ فعلم ان العذاب العظيم لايمس كل من قذف وانما يمس متولى ~~كبره فقط وقال هنا @QB@ ولهم عذاب عظيم @QE@ فعلم ان الذى رمى أمهات ~~المؤمنين يعيب بذلك رسوله وتولى كبر الافك وهذه صفة المنافق ابن ابى والله ~~اعلم انه على هذا القول تكون هذه الاية حجة ايضا موافقة لتلك الاية لانه ~~لما كان رمى أمهات المؤمنين أذى للنبى لعن صاحبه فى الدنيا والاخرة ولهذا ~~قال ابن عباس ليس فيها توبة لان مؤذي النبي لاتقبل توبته أو يريد اذا تاب ~~من القذف حتى يسلم اسلاما جديدا وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم اذا قصد به ~~اذى النبى أو بعد العلم بانهن ازواجه فى الاخرة فانه ما بغت امراة نبى قط ~~PageV15P362 # ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبى ما خرجاه فى الصحيحين فى حديث الإفك عن ~~عائشة قالت ( فقام رسول الله فإستعذر من عبدالله بن أبى إبن سلول قالت فقال ~~رسول الله وهو على المنبر ( يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى ~~أذاه فى أهل بيتى فوالله ما علمت على أهلى إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما ~~علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلى إلا معى فقام سعد بن معاذ ~~الأنصارى فقال أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن ~~كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد ~~الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن إحتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ لعمر الله ~~لا تقتله ولا تقدر علي قتله فقام أسيد بن حضير وهو إبن عم سعد بن معاذ فقال ~~لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين قالت ~~فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر ms1092 ~~فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت ( وفى رواية أخرى صحيحة أن هذه ~~الآية فى أزواج رسول الله خاصة ويقول آخرون يعنى أزواج المؤمنين عامة وقال ~~أبوسلمة قذف PageV15P363 المحصنات من الموجبات ثم قرأ @QB@ إن الذين يرمون ~~المحصنات @QE@ الآية وعن عمر بن قيس قال قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة ~~رواهما الأشج وهذا قول كثير من الناس # ووجهه ظاهر الخطاب فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه إذ لا موجب لخصوصه ~~وليس هو مختصا بنفس السبب بالإتفاق لأن حكم غير عائشة من ازواج النبى داخل ~~فى العموم وليس هو من السبب ولأنه لفظ جمع والسبب فى واحدة هنا ولأن قصر ~~عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الأيات نزلت بأسباب إقتضت ~~ذلك وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه والفرق بين الايتين أنه فى أول ~~السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدى المكلفين من الجلد ورد الشهادة ~~والتفسيق وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه وهى اللعنة فى الدارين ~~والعذاب العظيم وقد روى عن النبى من غير وجه وعن أصحابه ( إن قذف المحصنات ~~من الكبائر ( وفى لفظ فى الصحيح ( قذف المحصنات الغافلات المؤمنات ( # ثم إختلف هؤلاء فقال أبوحمزة الثمالى بلغنا أنها نزلت فى مشركى أهل مكة ~~إذ كان بينهم وبين رسول الله عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله إلى ~~المدينة PageV15P364 مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا إنما خرجت ~~تفجر فعلى هذا يكون فيمن قذف المؤمنات قذفا يصدهن به عن الإيمان ويقصد بذلك ~~ذم المؤمنين لينفر الناس عن الإسلام كما فعل كعب بن الأشرف وعلى هذا فمن ~~فعل ذلك فهو كافر وهو بمنزلة من سب النبى # وقوله إنها نزلت زمن العهد يعنى والله أعلم أنه عنى بها مثل أولئك ~~المشركين المعاهدين وإلا فهذه الآية نزلت ليالى الإفك وكان الإفك فى غزوة ~~بنى المصطلق قبل الخندق والهدنة كانت بعد ذلك بسنين ومنهم من أجراها على ~~ظاهرها وعمومها لأن سبب نزولها قذف عائشة وكان فيمن قذفها مؤمن ومنافق وسبب ms1093 ~~النزول لابد أن يندرج فى العموم ولأنه موجب لتخصيصها # والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا @QB@ لعنوا في الدنيا ~~والآخرة @QE@ على بناء الفعل للمفعول ولم يسم اللاعن وقال فى الآية الاخرى ~~@QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة @QE@ وإذا ~~لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس وجاز أن يلعنهم ~~الله فى وقت ويلعنهم بعض خلقه فى وقت وجاز أن الله يتولى لعنة بعضهم وهو من ~~كان قذفه طعنا فى الدين ويتولى خلقه لعنة الآخرين وإذا كان اللاعن مخلوقا ~~فلعنه قد يكون بمعنى PageV15P365 الدعاء وقد يكون بمعنى أنهم يبعدونهم عن ~~رحمة الله # ويؤيد هذا أن الرجل إذا قذف امرأته تلاعنا وقال الزوج فى الخامسة لعنة ~~الله عليه إن كان من الكاذبين فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبا فى القذف أن ~~يلعنه الله كما أمر الله ورسوله أن يباهل من حاجه فى المسيح بعد ما جاءه من ~~العلم بأن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين فهذا مما يلعن به القاذف ~~ومما يلعن به أن يجلد وأن ترد شهادته ويفسق فإنه عقوبة له و إقصاء له عن ~~مواطن الأمن والقبول وهى من رحمة الله له توجب زوال النصر عنه من كل وجه ~~وبعده عن اسباب الرحمة فى الدارين ومما يؤيد الفرق أنه قال @QB@ إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا @QE@ ~~ولم يجىء إعداد العذاب المهين فى القرآن إلا فى حق الكفار كقوله ^ الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم من فضله وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا ^ وقوله @QB@ وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ~~@QE@ وقوله ^ فباؤا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ^ إنما نملى لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين @QB@ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم ~~عذاب مهين @QE@ ^ وإذا علم من آياتنا PageV15P366 شيئا إتخذها هزوأ أولئك ~~لهم عذاب مهين @QB@ وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين @QE@ إتخذوا ~~أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين ms1094 وأما قوله تعالى @QB@ ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين @QE@ فهى ~~والله أعلم فيمن جحد الفرائض وإستخف بها على أنه لم يذكر ان العذاب أعد له # وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيدا للمؤمنين فى قوله @QB@ لولا كتاب من ~~الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم @QE@ وقوله ^ ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته لمسكم فيما أأفضتم فيه عذاب عظيم ^ وفى المحارب @QB@ ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم @QE@ وفي القاتل @QB@ وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما @QE@ وقوله ^ لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ~~فتنزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ~~^ وقد قال سبحانه @QB@ ومن يهن الله فما له من مكرم @QE@ وذلك لأن الإهانة ~~اذلال وتحقير وخزى وذلك قدر زائد على ألم العذاب فقد يعذب الرجل الكريم ولا ~~يهان فلما قال فى هذه الآية @QB@ وأعد لهم عذابا مهينا @QE@ علم أنه من جنس ~~العذاب الذى توعد به الكفار والمنافقين ولما قال هناك ^ ولهم عذاب ~~PageV15P367 عظيم جاز أن يكون من جنس العذاب فى قوله @QB@ لمسكم فيما أفضتم ~~فيه عذاب عظيم @QE@ # ومما يبين الفرق أيضا أنه سبحانه قال هناك @QB@ وأعد لهم عذابا مهينا ~~@QE@ والعذاب إنما أعد للكافرين فإن جهنم لهم خلقت لأنهم لابد أن يدخلوها ~~وما هم منها بمخرجين وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن يدخلوها إذا غفر ~~الله لهم وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين قال سبحانه @QB@ ~~واتقوا النار التي أعدت للكافرين @QE@ فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا ~~الربا وأن يتقوا الله وأن يتقوا النار التى أعدت للكافرين فعلم أنهم يخاف ~~عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصى مع أنها معدة للكافرين ~~لا لهم # ولذلك جاء فى الحديث ( أما أهل النار هم اهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا ~~يحيون وأما أقوام لهم ذنوب فيصيبهم سفع من النار ثم يخرجهم الله منها ( # وهذا كما أن الجنة أعدت للمتقين الذين ينفقون فى السراء والضراء وإن كان ms1095 ~~لا يدخلها الأبناء بعمل آبائهم ويدخلها قوم بالشفاعة وقوم بالرحمة وينشىء ~~الله لما فضل منها خلقا آخر فى الدار الآخرة فيدخلهم إياها وذلك لأن الشىء ~~إنما يعد لمن يستوجبه ويستحقه ولمن هو أولى الناس به ثم قد يدخل معه غيره ~~بطريق التبع أو لسبب آخر والله أعلم PageV15P368 # وقال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها @QE@ إلى ~~قوله @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم @QE@ وقد ثبت عن النبى أنه قال ^ ~~إنما جعل الإستئذان من اجل النظر ^ والنظر المنهى عنه هو نظر العورات ونظر ~~الشهوات وإن لم تكن من العورات # والله سبحانه وتعالى ذكر الإستئذان على نوعين ذكر فى هذه الآية أحدهما ~~وفى الآيتين فى آخر السورة النوع الثانى وهو إستئذان الصغار والمماليك كما ~~قال تعالى ^ يا أيها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهن جناح ~~بعدهن ^ فأمر بإستئذان الصغار والمماليك حين الإستيقاظ من النوم وحين إرادة ~~النوم PageV15P369 وحين القائلة فإن فى هذه الأوقات تبدو العورات كما قال ~~تعالى ( ثلاث عورات لكم ( # وفى ذلك ما يدل على أن المملوك المميز من الصبيان ليس له أن ينظر إلى ~~عورة الرجل كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الصبى والمملوك وغيرهما وأما ~~دخول هؤلاء فى غير هذه الأوقات بغير إستئذان فهو مأخوذ من قوله تعالى @QB@ ~~ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض @QE@ وفى ذلك ~~دلالة على أن الطوافين يرخص فيهم ما لا يرخص فى غير الطوافين عليكم ~~والطوافات والطواف من يدخل بغيرإذن كما تدخل الهرة وكما يدخل الصبى ~~والمملوك وإذا كان هذا فى الصبى المميز فغير المميز أولى # ويرخص فى طهارته كما قال ذلك طائفة من الفقهاء من اصحاب أحمد وغيرهم فى ~~الصبيان والهرة وغيرهم أنهم إن اصابتهم نجاسة ms1096 أنها تطهر بمرور الريق عليها ~~ولا تحتاج إلى غسل لأنهم من الطوافين كما اخبر به الرسول فى الهرة مع علمه ~~أنها تأكل الفأرة ولم تكن بالمدينة مياه تردها السنانير ليقال طهر فمها ~~بورودها الماء فعلم أن طهارة هذه الأفواه لا تحتاج إلى غسل فالإستئذان فى ~~اول السورة قبل دخول PageV15P370 البيت مطلقا والتفريق فى آخرها لأجل ~~الحاجة لأن المملوك والصغير طواف يحتاج إلى دخول البيت فى كل ساعة فشق ~~إستئذانه بخلاف المحتلم # وقال تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى ~~لهم @QE@ الآية إلى قوله @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون @QE@ فأمر الله سبحانه الرجال والنساء بالغض من البصر وحفظ الفرج ~~كما امرهم جميعا بالتوبة وامر النساء خصوصا بالإستتار وأن لا يبدين زينتهن ~~إلا لبعولتهن ومن إستثناه الله تعالى فى الآية فما ظهر من الزينة هو الثياب ~~الظاهرة فهذا لا جناح عليها فى إبدائها إذا لم يكن فى ذلك محذور آخر فإن ~~هذه لابد من إبدائها وهذا قول ابن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد وقال ~~ابن عباس الوجه واليدين من الزينة الظاهرة الزينة الظاهرة وهى الرواية ~~الثانية عن أحمد وهو قول طائفة من العلماء كالشافعى وغيره # وأمر سبحانه النساء بإرخاء الجلابيب لئلا يعرفن ولا يؤذين وهذا دليل على ~~القول الأول وقد ذكر عبيدة السلمانى وغيره أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن ~~الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق وثبت فى ~~الصحيح ( أن المرأة المحرمة تنهى عن الإنتفاب والقفازين ( وهذا مما يدل على ~~أن النقاب PageV15P371 والقفازين كانا معروفين فى النساء اللاتى لم يحرمن ~~وذلك يقتضى ستر وجوهن وايديهن وقد نهى الله تعالى عما يوجب العلم بالزينة ~~الخفية بالسمع أو غيره فقال @QB@ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن @QE@ وقال @QB@ وليضربن بخمرهن على جيوبهن @QE@ فلما نزل ذلك عمد ~~نساء المؤمين إلى خمرهن فشققهن وأرخينها على أعناقهن ( والجيب ( هو شق فى ~~طول القميص فإذا ضربت المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها وأمرت بعد ms1097 ذلك ~~أن ترخى من جلبابها والإرخاء أنما يكون إذا خرجت من البيت فاما إذا كانت فى ~~البيت فلا تؤمر بذلك وقد ثبت فى الصحيح ( ان النبى لما دخل بصفية قال ~~أصحابه إن أرخى عليها الحجاب فهى من امهات المؤمنين وإن لم يضرب عليها ~~الحجاب فهى مما ملكت يمينه فضرب عليها الحجاب ( وإنما ضرب الحجاب على ~~النساء لئلا ترى وجوهن وأيديهن # والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين فى زمن النبى ~~وخلفائه إن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر رضى الله عنه إذا رأى أمة ~~مختمرة ضربها وقال أتتشبهين بالحرائر أى لكاع فيظهر من الأمة رأسها ويداها ~~ووجهها PageV15P372 وقال تعالى ^ والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا ~~فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يتسعففن خير لهن ^ ~~فرخص للعجوز التى لا تطمع فى النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقى عليها جلبابها ~~ولا تحتجب وإن كانت مستثناة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة فى غيرها ~~كما إستثنى التابعين غير أولى الأربة من الرجال فى إظهار الزينة لهم لعدم ~~الشهوة التى تتولد منها الفتنة وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان ~~عليها أن ترخى من جلبابها وتحتجب ووجب غض البصر عنها ومنها # وليس فى الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء والا ترك إحتجابهن ~~وإبداء زينتهن ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر والسنة فرقت بالفعل ~~بينهن وبين الحرائر ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام بل كانت عادة ~~المؤمنين ان تحتجب منهم الحرائر دون الإماء وإستثنى القرآن من النساء ~~الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن إحتجابا وإستثنى بعض الرجال وهم غير أولى ~~الأربة فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة فى هؤلاء وهؤلاء ~~فإن إستثنى بعض الإماء أولى وأحرى وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك ~~إحتجابها وإبداء # زينتها وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز ~~PageV15P373 إبداء الزينة الخفية له فالخطاب خرج عاما على العادة فما خرج ~~عن العدة خرج به ms1098 عن نظائره فإذا كان فى ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب ~~المنع من ذلك كما لو كانت فى غير ذلك وهكذا الرجل مع الرجال والمرأة مع ~~النساء لو كان فى المرأة فتنة للنساء وفى الرجل فتنة للرجال لكان الأمر ~~بالغض للناظر من بصره متوجها كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه فالإماء ~~والصبيان إذا كن حسانا تختشى الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك كما ذكر ~~ذلك العلماء # قال المروذى قلت لأبى عبدالله يعنى أحمد بن حنبل الرجل ينظر إلى المملوك ~~قال ( إذا خاف الفتنة لم ينظر إليه كم نظرة القت فى قلب صاحبها البلاء وقال ~~المروذى قلت لأبى عبدالله رجل تاب وقال لو ضرب ظهرى بالسياط ما دخلت فى ~~معصية إلا أنه لا يدع النظر فقال أى توبة هذه قال جرير سألت رسول الله عن ~~نظرة الفجأة فقال ( إصرف بصرك ( وقال ابن ابى الدنيا حدثنى أبى سويد قالا ~~حدثنى إبراهيم بن هراسة عن عثمان بن صالح عن الحسن بن ذكوان قال لا تجالسوا ~~أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم اشد فتنة من العذارى # وهذا الإستدلال والقياس والتنبيه بالأدنى على الأعلى وكان يقال ~~PageV15P374 لا يبيت الرجل فى بيت مع الغلام الأمرد وقال ابن أبى الدنيا ~~بإسناده عن ابى سهل الصعلوكى قال سيكون فى هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون ~~على ثلاث أصناف صنف ينظرون وصنف يصافحون وصنف يعملون ذلك العمل وقال ~~إبراهيم النخعى كانوا يكرهون مجالسة الأغنياء وأبناء الملوك وقال مجالستهم ~~فتنة إنما هم بمنزلة النساء ووقفت جارية لم ير أحسن وجها منها على بشر ~~الحافى فسألته عن باب حرب فدلها ثم وقف عليه غلام حسن الوجه فسأله عن باب ~~حرب فأطرق رأسه فرد عليه الغلام السؤال فغمض عينيه فقيل له يا أبا نصر ~~جاءتك جارية فسألتك فأجبتها وجاءك هذا الغلام فسألك فلم تكلمه فقال نعم ~~يروى عن سفيان الثورى أنه قال مع الجارية شيطان ومع الغلام شيطانان فخشيت ~~على نفسى شيطانية # وروى أبوالشيخ القزوينى بإسناده عن بشر أنه قال ms1099 ( إحذروا هؤلاء الأحداث ~~وقال فتح الموصلى صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال كلهم أوصانى عند ~~مفارقتى له إتق صحبة الأحداث إتق معاشرة الأحداث وكان سفيان الثورى لا يدع ~~امرد يجالسه وكان مالك بن أنس يمنع دخول المرد مجلسه للسماع فاختال هشام ~~فدخل فى غمار الناس مستترا بهم وهو أمرد فسمع منه ستة عشر حدثنا فأخبر بذلك ~~مالك فضربه ستة عشر سوطا فقال هشام ليتنى سمعت PageV15P375 مائة حديث ~~وضربنى مائة سوط وكان يقول هذا علم إنما أخذناه عن ذوى اللحى والشيوخ فلا ~~يحمله عنا إلا أمثالهم وقال يحيى بن معين ما طمع أمرد أن يصحبنى ولا أحمد ~~بن حنبل فى طريق # وقال أبو على الروذارى قال لى أبوالعباس أحمد بن المؤدب يا أبا على من ~~اين أخذ صوفية عصرنا هذا الإنس بالأحداث وقد تصحبهم السلامة فى كثير من ~~الأمور فقال هيهات قد رأينا من هو أقوى منهم إيمانا إذا رأى الحدث قد أقبل ~~نفر منه كفراره من الأسد وإنما ذاك على حسب الأوقات التى تغلب الأحوال على ~~أهلها فيأخذها تصرف الطباع ما أكثر الخطأ ما اكثر الغلط قال الجنيد بن محمد ~~جاء رجل إلى أحمد بن حنبل معه غلام أمرد حسن الوجه فقال له من هذا الفتى ~~فقال الرجل إبنى فقال لا تجىء به معك مرة أخرى فلامه بعض أصحابه فى ذلك ~~فقال أحمد على هذا رأينا اشياخنا وبه أخبرونا عن اسلافهم # وجاء حسن بن الرازى إلى أحمد ومعه غلام حسن الوجه فتحدث معه ساعة فلما ~~اراد أن ينصرف قال له أحمد يا أبا على لا تمش مع هذا الغلام فى طريق فقال ~~يا أبا عبدالله أنه إبن أختى قال وإن كان لا يأثم الناس فيك وروى إبن ~~الجوزى بإسناده عن PageV15P376 سعيد بن المسيب قال إذا رأيتم الرجل يلح ~~بالنظر إلى الغلام الأمرد فإتهموه وقد روى فى ذلك أحاديث مسندة ضعيفة وحديث ~~مرسل أجود منها وهو ما رواه أبومحمد الخلال ثنا عمر بن شاهين ثنا محمد بن ~~أبى سعيد المقرى ms1100 ثنا أحمد بن حماد المصيصى ثنا عباس بن مجوز ثنا أبوأسامة ~~عن مجالد عن سعيد عن الشعبى قال قدم وفد عبدالقيس على رسول الله وفيهم غلام ~~أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبى ورواء ظهره وقال كانت خطيئة داود فى النظر ~~( هذا حديث منكر وأما المسند فمنها ما رواه إبن الجوزى بإسناده عن أبى ~~هريرة عن النبى أنه قال ( من نظر إلى غلام أمرد بريبة حبسه الله فى النار ~~أربعين عاما ( وروى الخطيب البغدادى بإسناده عن أنس عن رسول الله أنه قال ( ~~لا تجالسوا أبناء الملوك فإن الأنفس تشتاق إليهم مالا تشتاق إلى الجوارى ~~العواتق ( إلى غير ذلك من الأحاديث الضعيفة # وكذلك المرأة مع المرأة وكذلك محارم المرأة مثل ابن زوجها وابنه وابن ~~أخيها وإبن أختها ومملوكها عند من يجعله محرما متى كان يخاف عليه الفتنة أو ~~عليها توجه الإحتجاب بل وجب وهذه المواضع التى أمر الله تعالى بالإحتجاب ~~فيها مظنة الفتنة ولهذا قال تعالى PageV15P377 @QB@ ذلك أزكى لهم @QE@ فقد ~~تحصل الزكاة والطهارة بدون ذلك لكن هذا أزكى وإذا كان النظر والبروز قد ~~إنتفى فيه الزكاة والطهارة لما يوجد فى ذلك من شهوة القلب واللذة بالنظر ~~كان ترك النظر والإحتجاب أولى بالوجوب ولا زكاة بدون حفظ الفرج من الفاحشة ~~لأن حفظه يتضمن حفظه عن الوطء به في الفروج والأدبار ودون ذلك وعن المباشرة ~~ومس الغير له وكشفه للغير ونظر الغير إليه فعليه أن يحفظ فرجه عن نظر الغير ~~ومسه # ولهذا قال فى حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال له يا رسول الله ~~عوراتنا ما نأتى منها وما نذر فقال ( إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت ~~يمينك قال فإذا كان القوم بعضهم فى بعض قال إن إستطعت أن لا يرينها أحد فلا ~~يرينها قال فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله أحق أن يستحيى منه من الناس ( ~~وقد نهى النبى ( أن تباشر المرأة المرأة فى شعار واحد وأن يباشر الرجل ~~الرجل فى شعار واحد ( ونهى عن المشى عراة ( ونهى ms1101 عن أن ينظر الرجل إلى عورة ~~الرجل وان تنظر المرأة إلى عورة المرأة ( وقال ( من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ( # وفى رواية ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتى فلا تدخل ~~الحمام إلا بمئزر ( PageV15P378 # وقال العلماء رخص للنساء فى الحمام عند الحاجة كما يرخص للرجال مع غض ~~البصر وحفظ الفرج وذلك مثل أن تكون مريضة أو نفساء أو عليها غسل لا يمكنها ~~إلا فى الحمام وأما إذا إعتادت الحمام وشق عليها تركه فهل يباح لها على ~~قولين فى مذهب أحمد وغيره أحدهما لا يباح والثانى يباح وهو مذهب أبى حنيفة ~~وإختاره ابن الجوزى # وكما يتناول غض البصر عن عورة الغير وما اشبهها من النظر إلى المحرمات ~~فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس فبيت الرجل يستن بدنه كما تستره ثيابه وقد ~~ذكر سبحانه غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الإستئذان وذلك أن البيوت سترة ~~كالثياب التى على البدن كما جمع بين اللباسين فى قوله تعالى @QB@ والله جعل ~~لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ~~وسرابيل تقيكم بأسكم @QE@ فكل منهما وقاية من الأذى الذى يكون سموما مؤذيا ~~كالحر والشمس والبرد وما يكون من بنى آدم من النظر بالعين واليد وغير ذلك # وقد ذكر فى أول سورة النحل أصول النعم وذكر هنا ما يدفع البرد فإنه من ~~المهلكات وذكر فى أثنائها تمام النعم وما يدفع الحر فإنه من المؤذيات ثم ~~قال ^ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم PageV15P379 ^ تسلمون وفى الصحيحين عن ~~أبى هريرة ( أنه سمع رسول الله يقول ( إذا طلع فى بيتك أحد ولن تأذن له ~~فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ( وهذا الخاص يفسر العام الذى ~~فى الصحيح عن عبدالله بن مغفل ( أنه رأى رجلا يخذف قال لا تخذف فإن رسول ~~الله نهى عن الخذف وقال إنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ به عدو ولكنها تكسر ~~السن وتفقأ العين ( وفى الصحيحين عن سهل بن سعد ms1102 ( أن رجلا أطلع فى فى حجرة ~~فى باب النبى ومع النبى مدرى يحك بها رأسه فقال لو أعلم أنك تنظر إلى لطعنت ~~به فى عينك إنما يجعل الإستئذان من أجل البصر ( # وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا من باب دفع الصائل لأن الناظر متعد بنظره ~~فيدفع كما يدفع سائر البغاة ولوكان الأمر كما قالوا لدفع بالأسهل فالأسهل ~~ولم يجز قلع عينه إبتداء إذا لم يذهب إلا بذلك والنصوص تخالف ذلك فإنه أباح ~~أن تخذفه حتى تفقأ عينه قبل أمره بالإنصراف وكذلك قوله ( لو أعلم أنك ~~تنظرنى لطعنت به فى عينك ( فجعل نفس النظر مبيحا للطعن فى العين ولم يذكر ~~الأمر له بالإنصراف وهذا يدل على أنه من باب المعاقبة له على ذلك حيث جنى ~~هذه الجنابة على حرمة صاحب البيت فله أن يفقأ عينه بالحصا والمدرى ~~PageV15P380 # والنظر إلى العورات حرام داخل فى قوله تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي ~~الفواحش @QE@ وفى قوله @QB@ ولا تقربوا الفواحش @QE@ فإن الفواحش وإن كانت ~~ظاهرة فى المباشرة بالفرج أو الدبر وما يتبع ذلك من الملامسة والنظر وغير ~~ذلك وكما فى قصة لوط @QB@ أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ~~@QE@ @QB@ أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون @QE@ وقوله ^ ولا تقربوا الزنا أنه ~~كان فاحشة ^ فالفاحشة أيضا تتناول كشف العورة وإن لم يكن فى ذلك مباشرة ( # كما قال تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا @QE@ وهذه ~~الفاحشة هى طوافهم بالبيت عراة وكانوا يقولون لا نطوف بثياب عصينا الله ~~فيها إلا الحمس فإنهم كانوا يطوفون فى ثيابهم وغيرهم إن حصل له ثياب من ~~الحمس طاف فيها وإلا طاف عريانا وإن طاف بثيابه حرمت عليه فألقاها فكانت ~~تسمى لقاء وكذلك المرأة إذا لم يحصل لها ثياب جعلت يدها على فرجها ويدها ~~الأخرى على دبرها وطافت تقول % اليوم يبدو بعضه أو كله % وما بدأ منه فلا ~~أحله % $ # وقد سمى الله ذلك فاحشة وقوله فى سياق ذلك @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن @QE@ يتناول كشف العورة أيضا ms1103 وإبداءها ويؤكد ذلك أن ~~إبداء فعل النكاح باللفظ الصريح يسمى فحشاء وتفحشا فكشف الأعضاء والفعل ~~للبصر ككشف ذلك للسمع PageV15P381 وكل واحد من الكشفين يسمى وصفا كما قال ~~عليه السلام ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ( ويقال ( ~~فلان يصف فلانا وثوب يصف البشرة ثم إن كل واحد من إظهار ذلك للسمع والبصر ~~يباح للحاجة بل يستحب إذا لم يحصل المستحب أو الواجب إلا بذلك كقول النبى ~~لما عز ( أنكتها ( وكقوله ( من تعزى الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا ( # والمقصود أن الفاحشة تتناول الفعل القبيح وتناول إظهار الفعل واعضاءه ~~وهذا كما أن ذلك يتناول ما فحش وإن كان بعقد نكاح كقوله تعالى @QB@ ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء ~~سبيلا @QE@ فأخبر أن هذا النكاح فاحشة وقد قيل أن هذا من الفواحش الباطنة ~~فظهر أن الفاحشة تتناول العقود الفاحشة كما تتناول المباشرة بالفاحشة فإن ~~قوله @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ يتناول العقد والوطء ~~وفى قوله @QB@ ما ظهر منها وما بطن @QE@ عموم لأنواع كثيرة من الأقوال ~~والأفعال وأمر تعالى بحفظ الفرج مطلقا بقوله @QB@ ويحفظوا فروجهم @QE@ ~~وبقوله ^ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ملكت أيمانهم ^ ~~الآيات وقال @QB@ والحافظين فروجهم والحافظات @QE@ فحفظ الفرج مثل قوله ~~@QB@ والحافظون لحدود الله @QE@ وحفظها هو صرفها عما لا يحل PageV15P382 ~~وأما الأبصار فلابد من فتحها والنظر بها وقد يفجأ الإنسان ما ينظر إليه ~~بغير قصد فلا يمكن غضها مطلقا ولهذا أمر تعالى عباده بالغض منها كما امر ~~لقمان إبنه بالغض من صوته واما قوله تعالى @QB@ إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله @QE@ الآية فإنه مدحهم على غض الصوت عند رسوله مطلقا فهم مأمورون ~~بذلك فى مثل ذلك ينهون عن رفع الصوت عنده وأما غض الصوت مطلقا عند رسول ~~الله فهو غض خاص ممدوح ويمكن العبد أن يغض صوته مطلقا فى كل حال ولم يؤمر ~~العبد به بل يؤمر برفع الصوت فى مواضع إما أمر إيجاب أو ms1104 إستحباب فلهذا قال ~~@QB@ واغضض من صوتك @QE@ فإن الغض فى الصوت والبصر جماع ما يدخل إلى القلب ~~ويخرج منه فبالسمع يدخل القلب وبالصوت يخرج منه كما العضوين فى قوله ^ ألم ~~نجعل له عينين ولسانا وشفين ^ فبالعين والنظر يعرف القلب الأمور واللسان ~~والصوت يخرجان من عند القلب الأمور هذا رائد القلب وصاحب خبره وجاسوسه وهذا ~~ترجمانه ثم قال تعالى ^ ذلك أزكى لكم وأطهر ^ وقال @QB@ خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها @QE@ وقال @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ وقال فى آية الإستئذان PageV15P383 @QB@ وإن قيل ~~لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم @QE@ وقال @QB@ فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم ~~أطهر لقلوبكم وقلوبهن @QE@ وقال @QB@ فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير ~~لكم وأطهر @QE@ وقال النبى ( اللهم طهر قلبى من خطاياى بالماء والثلج ~~والبرد ( وقال فى دعاء الجنازة ( وإغسله بماء وثلج وبرد ونقه من خطاياه كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الدنس ( # فالطهارة والله أعلم هى من الذنوب التى هى رجس والزكاة تتضمن معنى ~~الطهارة التى هى عدم الذنوب ومعنى النماء بالأعمال الصالحة مثل المغفرة ~~والرحمة ومثل النجاة من العذاب والفوز بالثواب ومثل عدم الشر وحصول الخير ~~فإن الطهارة تكون من الأرجاس والأنجاس وقد قال تعالى @QB@ إنما المشركون ~~نجس @QE@ وقال @QB@ فاجتنبوا الرجس من الأوثان @QE@ وقال @QB@ إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان @QE@ وقال عن المنافقين @QB@ ~~فأعرضوا عنهم إنهم رجس @QE@ # وقال عن قوم لوط ^ ونجيناه وأهله من القرية التى كانت تعمل الخبائث ^ ~~وقال اللوطية عن لوط وأهله @QB@ أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون @QE@ ~~قال مجاهد عن ادبار الرجال ويقال فى دخول الغائط ^ أعوذ بك من الخبث ~~والخبائث ^ ومن الرجس النجس الخبيث PageV15P384 المخبث وهذه النجاسة تكون ~~من الشرك والنفاق والفواحش والظلم ونحوها وهى لا تزول إلا بالتوبة عن ترك ~~الفاحشة وغيرها فمن تاب منها فقد تطهر وإلا فهو متنجس وإن إغتسل بالماء من ~~الجنابة فذاك الغسل يرفع حدث الجنابة ولا يرفع عنه نجاسة الفاحشة التى قد ~~تنجس بها قلبه وباطنه فإن تلك نجاسة لا ms1105 يرفعها الإغتسال بالماء وإنما ~~يرفعها الإغتسال بماء التوبة النصوح المستمرة إلى الممات # وهذا معنى ما رواه ابن أبى الدنيا وغيره ثنا سويد بن سعيد ثنا مسلم بن ~~خالد عن إسماعيل بن كثير عن مجاهد قال لو أن الذى يعمل يعنى عمل قوم لوط ~~إغتسل بكل قطرة فى السماء وكل قطرة فى الأرض لم يزل نجسا ورواه ابن الجوزى ~~وروى القاسم بن خلف فى ( كتاب ذم اللواط ( بإسناده عن الفضيل بن عياض أنه ~~قال ( لو أن لوطيا إغتسل بكل قطرة نزلت من السماء للقى الله غير طاهر وقد ~~روى أبومحمد الخلال عن العباس الهاشمى ذلك مرفوعا وحديث إبراهيم عن علقمة ~~عن ابن مسعود اللوطيان لو إغتسلا بماء البحر لم يجزهما إلا أن يتوبا ورفع ~~مثل هذا الكلام منكر وإنما هو معروف من كلام السلف # وكذلك روى عن أبى هريرة وابن عباس قالا خطبنا رسول الله فقال فى خطبته ( ~~من نكح امرأة فى دبرها PageV15P385 أو غلاما أو رجلا حشر يوم القيامة أنتن ~~من الجيفة يتأذى به الناس حتى يدخله الله نار جهنم ويحبط الله عمله ولا ~~يقبل منه صرفا ولا عدلا ويجعل فى تابوت من نار ويسمر عليه بمسامير من حديد ~~فتشك تلك المسامير فى وجهه وجسده ( قال أبو هريرة هذا لمن لم يتب وذلك أن ~~تارك اللواط متطهر كما دل عليه القرآن ففاعله غير متطهر من ذلك فيكون ~~متنجسا فإن ضد الطهارة النجاسة لكن النجاسة أنواع مختلفة تختلف أحكامها # ومن هنا غلط بعض الناس من الفقهاء فإنهم لما رأوا ما دل عليه القرآن من ~~طلب طهارة الجنب بقوله ( @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ قالوا فيكون ~~الجنب نجسا وقد ثبت فى الصحيح من حديث أبى هريرة أن النبى قال إن المؤمن لا ~~ينجس ( لما إنخنس منه وهو جنب وكره أن يجالسه فهذه النجاسة التى نفاها ~~النبى هى نجاسة الطهارة بالماء التى ظنها أبوهريرة والجنابة تمنع الملائكة ~~أن تدخل بيتا فيه جنب وقال أحمد إذا وضع الجنب يده فى ماء قليل انجس الماء ~~فظن ms1106 بعض أصحابه أنه أراد النجاسة الحسية وإنما اراد الحكمية فإن الفرع لا ~~يكون أقوى من الأصل ولا يكون الماء أعظم من البدن بل غايته أن يقوم به ~~المانع الذى قام بالبدن والجنب ظاهره ممنوع من الصلاة فيكون الماء كذلك ~~طاهرا لا يتوضأ به للصلاة PageV15P386 # وأما الزكاة فهى متضمنة النماء والزيادة كالزرع وإن كانت الطهارة قد تدخل ~~فى معناها فإن الشىء إذا تنظف مما يفسده زكى ونما وصلح وزاد فى نفسه كالزرع ~~ينفى من الدغل قال الله تعالى ^ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء ^ @QB@ قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس ~~@QE@ وقال @QB@ قد أفلح من زكاها @QE@ وقال @QB@ فارجعوا هو أزكى لكم @QE@ ~~فإن الرجوع عمل صالح يزيد المؤمن زكاة وطهارة وقال @QB@ ذلكم أطهر لقلوبكم ~~وقلوبهن @QE@ فإن ذلك مجانية لأسباب الريبة وذلك من نوع مجانية الذنوب ~~والبعد عنها ومباعدتها فأخبر أن ذلك أطهر لقلوب الطائفتين # وأما الآية التى نحن فيها وهى قوله ^ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظون فروجهم ذلك أزكى لهم ^ فالغض من البصر وحفظ الفرج يتضمن البعد عن ~~نجاسة الذنوب ويتضمن الأعمال الصالحة التى يزكو بها الإنسان وهو أزكى ~~والزكاة تتضمن الطهارة فإن فيها معنى ترك السيئات ومعنى فعل الحسنات ولهذا ~~تفسر تارة بالطهارة وتارة بالزيادة والنماء ومعناها يتضمن ا لأمرين وإن قرن ~~الطهارة معها فى الذكر مثل قوله @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها @QE@ فالصدقة توجب الطهارة من الذنوب وتوجب الزكاة التى هى العمل ~~الصالح كما ان الغض من البصر وحفظ الفرج هو أزكى لهم PageV15P387 وهما ~~يكونان بإجتناب الذنوب وحفظ الجوارح ويكونان بالتوبة والصدقة التى هى ~~الإحسان وهذان هما التقوى والإحسان و @QB@ إن الله مع الذين اتقوا والذين ~~هم محسنون @QE@ # وقد روى الترمذى وصححه ( ان النبى سئل ما اكثر ما يدخل الناس النار فقال ~~الأجوفان الفم والفرج وسئل عن اكثر ما يدخل الناس الجنة فقال تقوى الله ~~وحسن الخلق ( فيدخل فى تقوى الله حفظ الفرج وغض البصر ويدخل فى حسن ms1107 الخلق ~~الإحسان إلى الخلق يكون عن الرحمة والله تعالى يقول @QB@ وتواصوا بالصبر ~~وتواصوا بالمرحمة @QE@ # وهو سبحانه ذكر الزكاة هنا كما قدمها فى قوله ^ ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ^ فإن إجتناب الذنوب يوجب الزكاة التى هى ~~زوال الشر وحصول الخير والمفلحون هم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات ~~كما وصفهم فى أول سورة البقرة فقال @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين @QE@ الآيات وقال @QB@ قد أفلح من زكاها @QE@ فإذا كان قد أخبر أن ~~هؤلاء مفلحون وأخبر أن المفلحين هم المتقون @QB@ الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون @QE@ واخبر أن من زكى نفسه فهو مفلح دل ~~ذلك على PageV15P388 أن الزكاة تنتظم الأمور المذكورة فى اول سورة البقرة # وقوله @QB@ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم @QE@ وقوله @QB@ فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى @QE@ فالتزكية من العباد لأنفسهم هى إخبارهم عن ~~أنفسهم بكونها زاكية وإعتقاد ذلك لأنفس جعلها زاكية وقال تعالى عن إبراهيم ~~@QB@ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم @QE@ وقال @QB@ لقد من الله على المؤمنين @QE@ الآية وقال @QB@ هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ الآية فإمتن سبحانه على العباد ~~بإرساله فى عدة مواضع فهذه أربعة أمور أرسله بها تلاوة آياته عليهم ~~وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة # وقد أفرد تعليمه الكتاب والحكمة بالذكر مثل قوله @QB@ وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة يعظكم به @QE@ وقوله @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله والحكمة @QE@ وذلك أن التلاوة عليهم وتزكيتهم أمر عام لجميع المؤمنين ~~فإن التلاوة هى تبليغ كلامه تعالى إليهم وهذا لابد منه لكل مؤمن وتزكيتهم ~~هو جعل أنفسهم زكية بالعمل الصالح الناشىء عن الآيات التى سمعوها وتليت ~~عليهم فالأول سمعهم والثانى طاعتهم والمؤمنون يقولون سمعنا وأطعنا الأول ~~علمهم والثانى عملهم والإيمان قول وعمل فإذا آيات الله وعوها بقلوبهم ~~وأحبوها وعملوا بها ولم يكونوا كمن قال فيهم ^ ومثل الذين كفروا كمثل ~~PageV15P389 الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا ms1108 ~~يعقلون ^ وإذا عملوا بها زكوا بذلك وكانوا من المفلحين المؤمنين # والله قال ^ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات وقال ~~فى ضدهم ^ الأعراب اشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله ^ فأخبر أنهم أعظم كفرا ونفاقا وجهلا وذلك ضد الإيمان والعلم ~~فإستماع آيات الله والتزكى بها أمر واجب على كل أحد فإنه لابد لكل عبد من ~~سماع رسالة سيدة التى أرسل بها رسوله إليه وهذا هو السماع الواجب الذى هو ~~أصل الإيمان ولابد من التزكى بفعل المأمور وترك المحظور فهذا لابد منهما # وأما العلم بالكتاب والحكمة فهو فرض على الكفاية لا يجب على كل أحد بعينه ~~أن يكون عالما بالكتاب لفظه ومعناه عالما بالحكمة جميعا بل المؤمنون كلهم ~~مخاطبون بذلك وهو واجب عليهم كما هم مخاطبون بالجهاد بل وجوب ذلك أسبق ~~وأوكد من وجوب الجهاد فإنه أصل الجهاد ولولاه لم يعرفوا علام يقاتلون ولهذا ~~كان قيام الرسول والمؤمنين بذلك قبل قيامهم بالجهاد فالجهاد سنام الدين ~~وفرعه وتمامه وهذا اصله واساسه وعموده ورأسه ومقصود الرسالة فعل الواجبات ~~والمستحبات جميعا ولا ريب أن إستماع كتاب الله والإيمان به وتحريم حرامه ~~وتحليل حلاله والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه واجب PageV15P390 على واحد ~~وهذا هو التلاوة المذكورة فى @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به @QE@ فأخبر عن الذين يتلونه حق تلاوته أنهم يؤمنون به وبه ~~قال سلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم وقوله @QB@ حق تلاوته @QE@ ~~كقوله ^ وجاهدوا فى الله حق جهاده واتقوا الله حق تقاته ^ # وأما حفظ جميع القرآن وفهم جميع معانيه ومعرفة جميع السنة فلا يجب على كل ~~أحد لكن يجب على العبد أن يحفظ من القرآن ويعلم معانيه ويعرف من السنة ما ~~يحتاج إليه وهل يجب عليه أن يسمع جميع القرآن فيه خلاف ولكن هذه المعرفة ~~الحكمية التى تجب على كل عبد ليس هو علم الكتاب والحكمة التى علمها النبى ~~اصحابه وامته بل ذلك لا يكون إلا بمعرفة حدود ما انزل الله على رسوله من ms1109 ~~الألفاظ والمعانى والأفعال والمقاصد ولا يجب هذا على كل أحد # وقوله تعالى @QB@ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى @QE@ دليل على أن ~~الزكاة هى التقوى والتقوى تنتظم الأمرين جميعا بل ترك السيئات مستلزم لفعل ~~الحسنات إذ الإنسان حارث همام ولا يدع إرادة السيئات وفعلها إلا بإرادة ~~الحسنات وفعلها إذ النفس لا تخلو عن الإرادتين جميعا بل الإنسان بالطبع ~~مريد فعال وهذا دليل على أن يكون سببه PageV15P391 الزكاة والتقوى التى بها ~~يستحق الإنسان الجنة كما فى صحيح البخارى عن النبى أنه قال ( من تكفل لى ~~بحفظ ما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة ( ومن تزكى فقد أفلح فيدخل الجنة ~~والزكاة متضمنة حصول الخير وزوال الشر فإذا حصل الخير زال الشر من العلم ~~والعمل حصل له نور وهدى ومعرفة غير ذلك والعمل يحصل له محبة وإنابة وخشية ~~وغير ذلك هذا لمن ترك هذه المحظورات وأتى بالمأمورات ويحصل له ذلك أيضا ~~قدرة وسلطانا وهذه صفات الكمال العلم والعمل والقدرة وحسن الإرادة وقد جاءت ~~الآثار بذلك وأنه يحصل لمن غض بصره نور فى قلبه ومحبة كما جرب ذلك العالمون ~~العاملون وفي مسند أحمد حدثنا عتاب عن عبدالله وهو ابن المبارك أنا يحيى بن ~~أيوب عن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة عن النبى ~~( قال ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة ~~يجد حلاوتها ( # ورواه أبوبكر بن الأنبارى فى أماليه من حديث ابن أبى مريم عن يحيى بن ~~أيوب به ولفظه ( من نظر إلى امرأة فغض بصره عند أول دفعة رزقه الله عبادة ~~يجد حلاوتها وقد رواه أبونعيم فى الحلية PageV15P392 حدثنا أبى حدثنا ~~إبراهيم بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن يعقوب قال ( حدثنا أبو اليمان ~~حدثنا أبومهدى سعيد بن سنان عن أبى الزاهرية عن كثير بن مرة عن ابن عمر قال ~~قال رسول الله ( النظرة الأولى خطأ والثانية عمد والثالثة تدبر نظر المؤمن ~~إلى محاسن المرأة سهم مسموم من ms1110 سهام إبليس من تركه خشية الله ورجاء ما عنده ~~أثابه الله تعالى بذلك عبادة تبلغه لذتها ( رواه أبو جعفر الخرائطى فى ( ~~كتاب إعتلال القلوب ( ثنا على بن حرب ثنا إسحاق بن عبدالواحد ثنا هشيم ثنا ~~عبدالرحمن ابن إسحق عن محارب بن دثار عن جبلة عن حذيفة ابن اليمان قال قال ~~رسول الله ( النظر إلى المرأة سهم مسمومه من سهام إبليس من تركه خوفا من ~~الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته فى قلبه ( # وقد رواه أبو محمد الخلال من حديث عبدالرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد ~~عن علي وفيه ذكر السهم ورواه أبونعيم ثنا عبدالله بن محمد هو أبوالشيخ ثنا ~~ابن عفير قال ثنا شعيب بن سلمة ثنا عصمة بن محمد عن موسى يعنى ابن عقبة عن ~~القاسم بن محمد عن عائشة قالت قال رسول الله ( ما من عبد يكف بصره عن محاسن ~~إمرأة ولو شاء أن ينظر إليها لنظر إلا أدخل الله قلبه عبادة يجد حلاوتها ~~ابن أبى الفوارس من طريق PageV15P393 ابن الجوزى عن محمد بن المسيب ثنا ~~عبدالله قال حدثنى الحسن عن مجاهد قال ( غض البصر عن محارم الله يورث حب ~~الله ( وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد إن أبى ~~زرعة بن عمرو بن جرير عن جده جرير بن عبدالله البجلى ( قال سألت رسول الله ~~عن نظر الفجأة فأمرنى أن أصرف بصرى ( ورواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس به ~~ورواه أبوداود والترمذى والنسائى من حديثه أيضا وقال الترمذى حسن صحيح وفى ~~رواية قال ( أطرق بصرك ( أى أنظر إلى الأرض والصرف أعم فإنه قد يكون إلى ~~الأرض أو إلى جهة أخرى # وقال أبو داود حدثنا إسماعيل بن موسى الفارى حدثنا شريك عن ربيعة الأيادى ~~عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال ( قال رسول الله لعلى يا على لا تتبع ~~النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الأخرى ( ورواه الترمذى من حديث شريك ~~وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث وفى ms1111 الصحيح عن أبى سعيد قال قال رسول الله ~~( إياكم والجلوس على الطرقات قال يا رسول الله مالنا بد من مجالسنا نقعد ~~فيها فقال رسول الله إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حق الطريق ~~PageV15P394 يا رسول الله قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر ( وروى أبوالقاسم البغوى عن أبى أمامة ( قال ~~سمعت رسول الله يقول أكفلوا لى ستا أكفل لكم الجنة إذا حدث أحدكم فلا يكذب ~~وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم وإحفظوا ~~فروجكم # فالنظر داعية إلى فساد القلب قال بعض السلف النظر سهم سم إلى القلب فلهذا ~~أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بغض الأبصار التى هى بواعث إلى ذلك وفى ~~الطبرانى من طريق عبيدالله بن يزيد عن القاسم عن ابى أمامة مرفوعا ( لتغضن ~~أبصاركم ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو لتكسفن وجوهكم ( وقال الطبرانى ~~حدثنا أحمد بن زهير التستري قال قرأنا على حمد بن حفص بن عمر الضرير المقرى ~~حدثنا يحيى بن أبى كثير حدثنا هزيم بن سفيان عن عبدالرحمن بن إسحاق عن ~~القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن ابن مسعود قال ( قال رسول الله إن النظر ~~سهم من سهام إبليس مسموم فمن تركه مخافة الله ابدله إيمانا يجد حلاوته فى ~~قلبه ( وفى حديث أبى هريرة الصحيح عن النبى ( زنا العين النظر ( وذكر ~~الحديث رواه البخارى تعليقا ومسلم مسندا وقد كانوا ينهون PageV15P395 أن ~~يحد الرجل بصره إلى المردان وكانوا يتهمون من فعل ذلك فى دينه # وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من ~~الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلا # قال شيخ الإسلام وأما النور والعلم والحكمة فقد دل عليه قوله تعالى فى ~~قصة يوسف @QB@ ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين @QE@ ~~فهى لكل محسن وفى هذه السورة ذكر آية النور بعد غض البصر وحفظ الفرج وأمره ~~بالتوبة مما لابد منه أن يدرك ابن آدم من ذلك وقال أبوعبد الرحمن ms1112 السلمى ~~سمعت أبا الحسين الوراق يقول من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على ~~لسانه يهتدى بها ويهدى بها إلى طريق مرضاته وهذا لان الجزاء من جنس العمل ~~فإذا كان النظر إلى محبوب فتركه لله عوضه الله ما هو أحب إليه منه وإذا كان ~~النظر بنور العين مكروها أو إلى مكروه فتركه لله أعطاه الله نورا فى قلبه ~~وبصرا يبصر به الحق قال شاه الكرمانى من غض بصره عن المحارم وعمر باطنه ~~بدوام المراقبة وظاهره بإتبع السنة وعود نفسه أكل الحلال وكف نفسه عن ~~الشهوات لم تخطىء له فراسة وإذا صلح علم الرجل فعرف الحق وعمله وإتبع الحق ~~صار زكيا تقيا مستوجبا للجنة PageV15P396 # ويؤيد ذلك حديث أبى أمامة المشهور من رواية البغوى حدثنا طالوت بن عباد ~~حدثنا فضالة بن جبير سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله يقول ( إكفلوا لى ~~بست اكفل لكم الجنة اذا حدث احدكم فلا يكذب وإذا إئتمن فلا يخن وإذا وعد ~~فلا يخلف غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم وإحفظوا فروجكم ( فقد كفل بالجنة لمن ~~أتى بهذه الست خصال فالثلاثة الأولى تبرئه من النفاق والثلاثة الأخرى تبرئة ~~من الفسوق والمخاطبون مسلمون فإذا لم يكن منافقا كان مؤمنا وإذ لم يكن ~~فاسقا كان تقيا فيستحق الجنة ويوافق ذلك ما رواه إبن أبى الدنيا حدثنا أبو ~~سعيد المدنى حدثنى عمر بن سهل المازنى قال حدثنى عمر بن محمد بن صهبان ~~حدثنى صفوان بن سليم عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( كل عين باكية يوم ~~القيامة إلا عين غضت عن محارم الله وعين سهرت فى سبيل الله وعين يخرج منها ~~رأس الذباب من خشية الله ( # وقوله سبحانه @QB@ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه @QE@ يتناول النظر إلى الأموال واللباس والصور ~~وغير ذلك من متاع الدنيا أما اللباس والصور فهما اللذان لا ينظر الله ~~إليهما كما فى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى قال ( PageV15P397 إن الله ~~لا ينظر إلى صوركم ولا ms1113 إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ( وقد ~~قال تعالى ^ وكم أهلكنا قبلهم من قرن أحسن أثاثا ورئيا ^ وذلك أن الله يمتع ~~الصور كما يمتع بالأموال وكلاهما من زهرة الحياة الدنيا وكلاهما يفتن أهله ~~واصحابه وربما أفضى به إلى الهلاك دنيا وأخرى # والهلكى رجلان فمستطيع وعاجز فالعاجز مفتون بالنظر ومد العين إليه ~~والمستطيع مفتون فيما اوتى منه غارق قد أحاط به مالا يستطيع إنقاذ نفسه منه ~~وهذا المنظور قد يعجب المؤمن وإن كان المنظور منافقا أو فاسقا كما يعجبه ~~المسموع منهم قال تعالى @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله ~~@QE@ فهذا تحذير من الله تعالى من النظر إليهم وإستماع قولهم فلا ينظر ~~إليهم ولا يسمع قولهم فإن الله سبحانه قد أخبر أن رؤياهم تعجب الناظرين ~~إليهم وأن قولهم يعجب السامعين # ثم أخبر عن فساد قلوبهم وأعمالهم بقوله @QB@ كأنهم خشب مسندة @QE@ فهذا ~~مثل قلوبهم وأعمالهم وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا @QE@ الآية وقد قال تعالى فى قصة قوم لوط @QB@ إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين @QE@ والتوسم من السمة وهى العلامة فأخبر PageV15P398 سبحانه أنه ~~جعل عقوبات المعتدين آيات للمتوسمين وفى الترمذى عن النبى قال ( إتقوا ~~فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ( ثم قرأ @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ~~@QE@ فدل ذلك على أن من إعتبر بما عاقب الله به غيره من أهل الفواحش كان من ~~المتوسمين # واخبر تعالى عن اللوطية أنه طمس أبصارهم فكانت عقوبة أهل الفواحش طمس ~~الأبصار كما قد عرف ذلك فيهم وشوهد منهم وكان ثواب المعتبرين بهم التاركين ~~لأفعالهم إعطاء الأنوار وهذا مناسب لذكر آية النور عقيب غض الأبصار وأما ~~القدرة والقوة التى يعطيها الله لمن اتقاه وخالف هواه فذلك حاصل معروف كما ~~جاء ( إن الذى يترك هواه يفرق الشيطان من ظله ( وفى الصحيح أن النبى قال ( ~~ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب ) وفى رواية ( ~~أنه مر بقوم يخذفون حجرا ms1114 فقال ليس الشدة فى هذا وإنما الشدة فى أن يمتلىء ~~أحدكم غيظا ثم يكظمه لله ( أو كما قال # وهذا ذكره فى الغضب لأنه معتاد لبنى آدم كثيرا ويظهر للناس وسلطان الشهوة ~~يكون فى الغالب مستورا عن أعين الناس وشيطانها خاف ويمكن فى كثير من ~~الأوقات الإعتياض بالحلال عن PageV15P399 الحرام وإلا فالشهوة إذا إشتغلت ~~وإستولت قد تكون أقوى من الغضب وقد قال تعالى @QB@ وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ ~~أى ضعيفا عن النساء لا يصبر عنهن وفى قوله ^ ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا ~~به ^ ذكروا منه العشق والعشق يفضى بأهله إلى الأمراض والإهلاك وإن كان ~~الغضب قد يبلغ ذلك أيضا وقد دل القرآن على أن القوة والعزة لأهل الطاعة ~~التائبين إلى الله فى مواضع كثيرة كقوله فى سورة هود ^ وأن إستغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ^ وقوله @QB@ ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين @QE@ @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ # وإذا كان الذى قد يهجر السيئات يغض بصره ويحفظ فرجه وغير ذلك مما نهى ~~الله عنه يجعل الله له من النور والعلم والقوة والعزة ومحبة الله ورسوله ~~فما ظنك بالذى لم يحلم حول السيئات ولم يعرها طرفه قط ولم تحدثه نفسه بها ~~بل هو يجاهد فى سبيل الله أهلها ليتركوا السيئات فهل هذا وذاك سواء بل هذا ~~له النور والايمان والعزة والقوة والمحبة والسلطان والنجاة فى الدنيا ~~والآخرة أضعاف أضعاف ذاك وحاله أعظم و أعلى ونوره اتم واقوى فان السيئات ~~تهواها النفوس ويزنها الشيطان فتجتمع فيها الشبهات والشهوات # فإذا كان المؤمن قد حبب الله اليه الايمان وزينه فى قلبه وكره ~~PageV15P400 إليه الكفر والفسوق والعصيان حتى يعوض عن شهوات الغى بحب الله ~~ورسوله وما يتبع ذلك وعن الشهوات والشبهات بالنور والهدى وأعطاه الله من ~~القوة والقدرة ما أيده به حيث دفع بالعلم الجهل وبارادة الحسنات ارادة ~~السيئات وبالقوة على الخير القوة على الشر فى نفسه فقط والمجاهد فى سبيل ~~الله يطلب فعل ذلك فى نفسه وغيره أيضا ms1115 حتى يدفع جهله بالظلم وارادته ~~السيئات بارادة الحسنات ونحوذلك # والجهاد تمام الايمان وسنام العمل كما قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون @QE@ وقال @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ ~~الآية وقال @QB@ أجعلتم سقاية الحاج @QE@ الآية فكذلك يكون هذا الجزاء فى ~~حق المجاهدين كما قال تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ ~~فهذا فى العلم والنور وقال @QB@ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم @QE@ ~~إلى قوله ( صراطا مستقيما ( فقتل النفوس هو قتل بعضهم بعضا وهو من الجهاد ~~والخروج من ديارهم هو الهجرة ثم اخبر أنهم اذا فعلوا ما يوعظون به من ~~الهجرة والجهاد كان خيرا لهم واشد تثبيتا ففى الآية أربعة امور الخير ~~المطلق والتثبيت المتضمن للقوة والمكنة والاجر العظيم وهداية الصراط ~~المستقيم وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم @QE@ وقال ^ ولينصرن الله PageV15P401 من ينصره ^ إلى قوله ^ عاقبة ~~الأمور ^ وقال ^ يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لأئم ^ # وأما أهل الفواحش الذين لا يغضون أبصارهم ولا يحفظون فروجهم فقد وصفهم ~~الله بضد ذلك من السكرة والعمه والجهالة وعدم العقل وعدم الرشد والبغض وطمس ~~الأبصار هذا مع ما وصفهم به من الخبث والفسوق والعدوان والإسراف والسوء ~~والفحش والفساد والإجرام فقال عن قوم لوط ^ بل أنتم قوم تجهلون ^ فوصفهم ~~بالجهل وقال ^ لعمرك أنهم لفى سكرتهم يعمهون ^ وقال ^ أليس منكم رجل رشيد ^ ~~وقال ^ فطمسنا أعينهم ^ وقال ^ بل أنتم قوم مسرفون ^ وقال ^ فانظروا كيف ~~كان عاقبة المجرمين ^ وقال ^ إنهم كانوا قوم سوء فاسقين ^ وقال ^ ائنكم ~~لتأتون الرجل وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر ^ إلى قوله ^ إنصرنى ~~على القوم المفسدين ^ إلى قوله ^ بما كانوا يفسقون @QB@ وقوله @QE@ مسومة ~~عند ربك للمسرفين ^ PageV15P402 $ فصل # فى قوله فى آخر الآية @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون @QE@ فوائد جليلة منها ان امره لجميع المؤمنين بالتوبة فى هذا ~~السياق تنبيه على أنه لا يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التى هى ترك غض البصر ms1116 ~~وحفظ الفرج وترك إبداء الزينة وما يتبع ذلك فمستقبل ومستكثر كما فى الحديث ~~( ما من أحد من بنى آدم إلا أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا ( وذلك لا ~~يكون إلا عن نظر وفى السنن عن النبى ( أنه قال كل بنى آدم خطاء وخير ~~الخطائين التوابون ( وفى الصحيح عن ابى ذر عن النبى ( يقول الله تعالى ^ يا ~~عبادى إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالى ~~فاستغفروني أغفر لكم ^ وفي الصحيحين عن ابن عباس قال ( ما رأيت شيئا أشبه ~~باللمم مما قال أبو هريرة ( إن النبى قال ( إن الله كتب على إبن آدم حظه من ~~الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق ( الحديث ~~إلى آخره وفيه ( والنفس PageV15P403 تتمنى ذلك وتشتهى والفرج يصدق ذلك أو ~~يكذبه ( أخرجه البخارى تعليقا من حديث طاووس عن أبى هريرة ورواه مسلم من ~~حديث سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى قال ( كتب على إبن ~~آدم نصيبه من الزنا يدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر والآذنان ~~زناهما الإستماع واللسان زناه الكلام واليدان زناهما البطش والرجلان زناهما ~~الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ( وقد روى الترمذى ~~حديثا واستغربه عن ابن عباس فى قوله ( إلا اللمم ( قال رسول الله إن تغفر ~~اللهم تغفر جما وأى عبدلك لا ألما # ومنها أن أهل الفواحش الذين لم يغضوا أبصارهم ولم يحفظوا فروجهم مأمورون ~~بالتوبة وإنما أمروا بها لتقبل منهم فالتوبة مقبولة منهم ومن سائر المذنبين ~~كما قال تعالى @QB@ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات @QE@ وقال تعالى ^ وهو الذى يقبل التوبة عن عبده ويعفو عن السيئات ~~ويعلم ما تفعلون ^ وسواء كانت الفواحش مغلظة لشدتها وكثرتها كاتيان ذوات ~~المحارم وعمل قوم لوط أو غير ذلك وسواء تاب الفاعل أو المفعول به فمن تاب ~~تاب الله عليه بخلاف ما عليه طائفة من الناس فانهم اذا رأوا من عمل من هذه ~~الفواحش شيئا أيسوه من ms1117 رحمة الله PageV15P404 حتى يقول أحدهم من عمل من ذلك ~~شيئا لا يفلح أبدا ولا يرجون له قبول توبة ويروى عن علي أنه قال منا كذا ~~ومنا كذا والمعفوج ليس منا ويقولون إن هذا لا يعود صالحا ولو تاب مع كونه ~~مسلما مقرا بتحريم ما فعل # ويدخلون فى ذلك من استكره على فعل شىء من هذه الفواحش ويقولون لو كان ~~لهذا عند الله خير ما سلط عليه من فعل به مثل هذا واستكرهه كما يفعل بكثير ~~من المماليك طوعا وكرها وكما يفعل بأجراء أهل الصناعات طوعا وكرها وكذلك من ~~فى معناهم من صبيان الكتاكيب وغيرهم ونسوا قوله تعالى ^ ولا تكرهوا فتياتكم ~~على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن بكرههن فان الله ~~من بعد إكراههن غفور رحيم ^ وهؤلاء قد لا يعلمون صورة التوبة وقد يكون هذا ~~حالا وعملا لأحدهم وقد يكون اعتقادا فهذا من أعظم الضلال والغي فان القنوط ~~من رحمة الله بمنزلة الأمن من مكر الله تعالى وحالهم مقابل لحال مستحلى ~~الفواحش فان هذا أمن مكر الله بأهلها وذاك قنط أهلها من رحمة الله والفقيه ~~كل الفقيه هو الذى لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصي الله # وهذا فى أصل الذنوب الارادية نظير ما عليه أهل الأهواء والبدع ~~PageV15P405 فإن أحدهم يعتقد تلك السيئات حسنات فيأمن مكر الله وكثير من ~~الناس يعتقد أن توبة المبتدع لا تقبل وقد قال تعالى @QB@ إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم @QE@ وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى ~~قال ( كان رسول الله يسمى لنا نفسه أسماء فقال أنا محمد وأنا أحمد والمقفي ~~والحاشر ونبى الملحمة ( ونبى الرحمة ( وفى حديث آخر ( أنا نبى الرحمة وأنا ~~نبى الملحمة ( وذلك أنه بعث بالملحمة وهى المقتلة لمن عصاه وبالتوبة لمن ~~أطاعه وبالرحمة لمن صدقه واتبعه وهو رحمة للعالمين وكان من قبله من ~~الأنبياء لا يؤمر بقتال # وكان الواحد من أممهم إذا أصاب بعض الذنوب يحتاج مع التوبة إلى عقوبات ~~شديدة كما قال تعالى ms1118 ^ وإذا قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ~~فتاب عليكم ^ وقد روى عن أبى العالية وغيره أن أحدهم كان إذا أصاب ذنبا ~~اصبحت الخطيئة والكفارة مكتوبة على بابه فأنزل الله فى حق هذه الأمة @QB@ ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم @QE@ ~~إلى قوله @QB@ نعم أجر العاملين @QE@ فخص الفاحشة بالذكر مع قوله @QB@ ~~ظلموا أنفسهم @QE@ والظلم يتناول الفاحشة وغيرها تحقيقا لما ذكرناه ~~PageV15P406 من قبول التوبة من الفواحش مطلقا من اللذين يأتيانها من الرجال ~~والنساء جميعا # وفي الصحيح عن النبى قال ( أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار ~~ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ( وفى الصحيح ~~عنه انه قال ( من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه ( وفى السنن ~~عنه أيضا أنه قال ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى ~~تطلع الشمس من مغربها ( وعنه قال ( قال حتى تطلع الشمس من مغربها ( وعنه ~~قال ( قال الشيطان وعزتك يا رب لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم فى ~~أجسادهم فقال الرب تعالى وعزتى وجلالي وارتفاع مكانى لا أزل أغفر لهم ما ~~استغفرونى ( وعن أبى ذر قال قال رسول الله ( يقول الله يا إبن آدم إنك ما ~~دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا ابالى ابن ادم لو بلغت ذنوبك ~~عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ولا ابالى ابن ادم لو لقيتنى بقراب الأرض ~~خطيئة ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئا لا تيتك بقرابها مغفرة ( # والذى يمنع توبة أحد هؤلاء أما بحاله واما بقاله ولا يخلو من أحد امرين ~~أن يقول إذا تاب أحدهم لم تقبل توبته واما أن PageV15P407 يقول أحدهم لا ~~يتوب الله على أبدا اما الاول فباطل بكتاب الله وسنة نبيه واجماع المسلمين ~~وإن كان قد تكلم بعض العلماء فى توبة القاتل وتوبة الداعى إلى البدع وفي ~~نزاع فى مذهب أحمد وفى ms1119 مذهب مالك أيضا نزاع ذكره صاحب التمثيل والبيان فى ( ~~الجامع ) وغيره وتكلموا ايضا فى توبة الزنديق ونحو ذلك # فهم قد يتنازعون فى كون التوبة فى الظاهر تدفع العقوبة إما لعدم العلم ~~بصحتها وإما لكونها لا تمنع ما وجب من الحد ولم يقل أحد من الفقهاء إن ~~الزنديق ونحوه اذا تاب فيما بينه وبين الله توبة صحيحة لم يتقبلها الله منه ~~واما القاتل والمكضل فذاك لاجل تعلق حق الغير به والتوبة من حقوق العباد ~~لها حال آخر وليس هذا موضع الكلام فيها وفى تفصيلها وإنما الغرض إن الله ~~يقبل التوبة من كل ذنب كما دل عليه الكتاب والسنة والفواحش خصوصا ما علمت ~~أحدا نازع فى التوبة منها والزانى والمزنى به مشستركان فى ذلك أن تابا تاب ~~الله عليهما ويبين التوبة خصوصا من عمل قوم لوط من الجانبين ما ذكره الله ~~فى قصة قوم لوط فإنهم كانوا يفعلون الفاحشة بعضهم ببعض ومع هذا فقد دعاهم ~~جميعهم إلى تقوى الله والتوبة منها فلو كانت توبة المفعول به أو غيره لا ~~تقبل لم يأمرهم بما لا يقبل قال تعالى ^ كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم ~~أخوهم لوط ألا تتقون PageV15P408 إنى لكم رسول أمين فإتقوا الله وأطيعون ^ ~~فأمرهم بتقوى الله المتضمنة لتوبتهم من هذه الفاحشة والخطاب وإن كان للفاعل ~~فإنه إنما يخص به لأنه صاحب الشهوة والطلب فى العادة بخلاف المفعول به فإنه ~~لم تخلق فيه شهوة لذلك فى الأصل وإن كانت قد تعرض له لمرض طارىء أو أجر ~~يأخذه من الفاعل أو لغرض آخر والله سبحانه وتعالى اعلم PageV15P409 # سئل شيخ الإسلام # عن قوله تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ~~أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها @QE@ الآية والحديث عن النبى فى ~~ذكر ( زنا الأعضاء كلها ( وماذا على الرجل إذا مس يد الصبى الأمرد فهل هو ~~من جنس النساء ينقض الوضوء أم لا وما على الرجل إذا ms1120 جاءت إلى عنده المردان ~~ومد يده إلى هذا وهذا ويتلذذ بذلك وما جاء فى التحريم من النظر إلى وجه ~~الأمرد الحسن وهل هذا الحديث المروى ( أن النظر إلى الوجه المليح عبادة ~~صحيح أم لا وإذا قال أحد أنا ما أنظر إلى المليح الأمرد لأجل شىء ولكني إذا ~~رأيته قلت سبحان الله تبارك الله أحسن الخالقين فهل هذا القول صواب أم لا ~~أفتونا ماجورين # فأجاب قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه رضى الله عنه ونفع بعلومه وحشرنا ~~فى زمرته PageV15P410 # الحمد لله إذا مس الأمرد لشهوة ففية قولان فى مذهب أحمد وغيره # أحدهما أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء وهو المشهور فى مذهب مالك وذكره ~~القاضى أبويعلى فى شرح المذهب وهو أحد الوجهين فى مذهب الشافعى # ( والثانى ( انه لا ينقض وهو المشهور من مذهب الشافعى والقول الأول أظهر ~~فإن الوطء فى الدبر يفسد العبادات التى تفسد بالوطىء فى القبل كالصيام ~~والإحرام والإعتكاف ويوجب الغسل كما يوجبه هذا فتكون مقدمات هذا فى باب ~~العبادات كمقدمات هذا فلو مس الأمرد لشهوة وهو محرم فعليه دم كما عليه لو ~~مس أجنبية لشهوة وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة وجب ان يكون كما مس المرأة ~~لشهوة فى نقض الوضوء # والذى لا ينقض الوضوء بمسه يقول أنه لم يخلق محلا لذلك # فيقال لا ريب أنه لم يخلق لذلك وأن الفاحشة اللوطية من أعظم المحرمات لكن ~~هذا القدر لم يعتبر فى بعض الوطء فلو وطىء فى الدبر تعلق به ماذكر من ~~الأحكام وإن كان الدبر لم يخلق محلا PageV15P411 للوطىء مع أن نفرة الطباع ~~عن الوطىء فى الدبر أعظم من نفرتها عن الملامسة ونقض الوضوء باللمس يراعى ~~فيه حقيقة الحكمة وهو أن يكون المس لشهوة عند الأكثرين كمالك وأحمد وغيرهما ~~يراعى كما يراعى مثل ذلك فى الإحرام والإعتكاف وغير ذلك # وعلى هذا القول فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم حتى لومس بنته وأخته ~~وأمة لشهوة إنتقض وضوءه فكذلك من الأمرد # وأما الشافعى وأحمد فى رواية فيعتبر المظنة وهو ان ms1121 النساء مظنة الشهوة ~~فينقض الوضوء سواء كان بشهوة أو بغير شهوة ولهذا لا ينقض مس المحارم لكن لو ~~مس ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت حقيقة الحكمة وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة ~~والتلذذ بمس الأمرد كمصافحته ونحو ذلك حرام بإجماع المسلمين كما يحرم ~~التلذذ بمس ذوات المحارم والمرأة الأجنبية كما أن الجمهور على أن عقوبة ~~اللوطى أعظم من عقوبة الزنا بالأجنبية فيجب قتل الفاعل والمفعول به سواء ~~كان أحدهما محصنا أو لم يكن وسواء كان احدهما مملوكا للآخر أو لم يكن كما ~~جاء ذلك فى السنن عن النبى وعمل به أصحابه من غير نزاع يعرف بينهم وقتله ~~بالرجم كما قتل الله قوم لوط وبذلك جاءت الشريعة فى قتل الزانى أنه بالرجم ~~فرجم النبى ماعز بن مالك والغامدية واليهوديين PageV15P412 # والمرأة التى أرسل إليها أنيسا وقال ( إذهب إلى امرأة هذا فإن إعترفت ~~فارجمها ( فرجمها والنظر إلى وجه الأمرد بشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم ~~والمرأة الأجنبية بالشهوة سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو كانت شهوة التلذذ ~~بالنظر كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية كان معلوما لكل أحد أن ~~هذا حرام فكذلك النظر إلى وجه الأمرد بإتفاق الأئمة # وقول القائل ان النظر إلى وجه الأمرد عبادة كقوله إن النظر إلى وجوه ~~النساء [ الأجانب ] والنظر إلى محارم الرجل كبنت الرجل وأمه وأخته عبادة ~~ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة فهو بمنزلة من جعل الفواحش عبادة ~~قال الله تعالى ^ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون ^ # ومعلوم أنه قد يكون فى صور النساء الأجنبيات وذوات المحارم من الإعتبار ~~والدلالة على الخالق من جنس ما فى صور المردان فهل يقول مسلم أن للإنسان أن ~~ينظر على هذا الوجه إلى صور النساء نساء العالمين وصور محارمه ويقول أن ذلك ~~عبادة بل من جعل مثل هذا PageV15P413 النظر عبادة فإنه مرتد يجب أن يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل وهو بمنزلة من جعل إعانة ms1122 طالب الفاحشة عبادة أو جعل تناول ~~يسير الخمر عبادة أو جعل السكر من الحشيشة عبادة فمن جعل المعاونة بقيادة ~~أو غيرها عبادة أو جعل شيئا من المحرمات التى يعلم تحريمها فى دين الإسلام ~~عبادة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهو مضاه به للمشركين ^ الذين إذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون ^ وفاحشة اولئك إنما كانت طوافهم ~~بالبيت عراة وكانوا يقولون لا نطوف فى الثياب التى عصينا الله فيها فهؤلاء ~~إنما كانوا يطوفون عراة على وجه إجتناب ثياب المعصية وقد ذكر الله عنهم ما ~~ذكره فكيف بمن جعل جنس الفاحشة المتعلقة بالشهوة عبادة والله سبحانه قد أمر ~~فى كتابه بغض البصر وهو نوعان غض البصر عن العورة وغضه عن محل الشهوة ~~فالأول كغض الرجل بصره عن عورة غيره كما قال النبى ( لا ينظر الرجل إلى ~~عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ( ويجب على الإنسان أن يستر عورته ~~كما قال لمعاوية بن حيدة ( إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ( ~~PageV15P414 قلت فإذاكان أحدنا مع قومه قال ( إن إستطعت أن لا تريها أحدا ~~فلا يرينها ( قلت فإذا كان أحدنا خاليا قال فالله أحق أن يستحى منه من ~~الناس ( # ويجوز كشفهها بقدر الحاجة كما تكشف عند التخلى وكذلك إذا إغتسل الرجل ~~وحده بحيث يجد ما يستره فله أن يغتسل عريانا كما إغتسل موسى عريانا وأيوب ~~وكما فى إغتسال النبى يوم الفتح وإغتساله فى حديث ميمونة وأما النوع الثانى ~~من النظر كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية فهذا أشد من الأول ~~كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير وعلى صاحبها الحد وتلك ~~المحرمات إذا تناولها مستحلا لها كان عليه التعزير لأن هذه المحرمات لا ~~تشتهيها النفوس كما تشتهى الخمر وكذلك النظر إلى عورة الرجل ] لا يشتهى كما ~~يشتهى النظر إلى النساء ونحوهن وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا ~~الباب وقد إتفق العلماء ms1123 على تحريم ذلك كما اتفقوا على تحريم النظر إلى ~~الأجنبية وذوات المحارم بشهوة # والخالق سبحانه يسبح عند رؤية مخلوقاته كلها وليس خلق الأمرد بأعجب فى ~~قدرته من خلق ذى اللحية ولا خلق النساء بأعجب فى PageV15P415 قدرته من خلق ~~الرجال فتخصيص الإنسان بالتسبيح بحال نظره إلى الأمرد دون غيره كتخصيصه ~~بالتسبيح بالنظر إلى المرأة دون الرجل وما ذاك لأنه أدل على عظمة الخالق ~~عنده ولكن لأن الجمال يغير قلبه وعقله وقد يذهله ما رآه فيكون تسبيحه لما ~~حصل فى نفسه من الهوى كما أن النسوة لما رأين يوسف ( أكبرنه وقطعن أيديهن ~~وقلن حاش لله ما ذها بشرا إن هذا إلا ملك كريم ( وقد ثبت فى الصحيح عن ~~النبى أنه قال ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم ( فإذا كان الله لا ينظر إلى الصور والأموال وإنما ينظر إلى ~~القلوب والأعمال فكيف يفضل الشخص بما لم يفضله الله به وقد قال تعالى ^ ولا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتهم فيه ^ ~~وقال فى المنافقين @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ~~كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله @QE@ # فإذا كان هؤلاء المنافقين الذين تعجب الناظر أجسامهم لما فيهم من البهاء ~~والرواء والزينة الظاهرة وليسوا ممن ينظر إليه لشهوة قد ذكر الله عنهم ما ~~ذكر فكيف بمن ينظر إليه لشهوة PageV15P416 # وذلك أن الإنسان قد ينظر إليه لما فيه من الإيمان والتقوى وهنا الإعتبار ~~بقلبه وعمله لا بصورته وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة الدالة على المصور ~~فهذا حسن وقد ينظر إليه من جهة إستحسان خلقه كما ينظر إلى الخيل والبهائم ~~وكما ينظر إلى الأشجار والأنهار والأزهار فهذا أيضا إذا كان على وجه ~~إستحسان الدنيا والرئاسة والمال فهو مذموم بقوله ^ ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتهم فيه ^ # وأما إن كان على وجه لا ينقص الدين وإنما فيه راحة النفس فقط ms1124 كالنظر إلى ~~الأزهار فهذا من الباطل الذى لا يستعان به على الحق # وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه شهوة كان حراما بلا ريب سواء كانت ~~شهوة تمتع بالنظر أو كان نظرا بشهوة الوطء وفرق بين ما يجده الإنسان عند ~~نظره إلى الأشجار والأزهار وما يجده عند نظره إلى النسوان والمردان # فلهذا الفرقان إفترق الحكم الشرعى فصار النظر إلى المردان ثلاثة أقسام # ( أحدها ( ما تقترن به الشهوة فهو محرم بالإتفاق PageV15P417 # و ( الثانى ( ما يحزم أنه لا شهوة معه كنظر الرجل الورع إلى إبنه الحسن ~~وإبنته الحسنة وأمه الحسنة فهذا لا يقترن به شهوة إلا أن يكون الرجل من ~~أفجر الناس ومتى إقترنت به الشهوة حرم وعلى هذا نظر من لا يميل قلبه إلى ~~المردان كما كان الصحابة وكالأمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة فإن الواحد ~~من هؤلاء لا يفرق من هذا الوجه بين نظره إلى إبنه وإبن جاره وصبى اجنبى لا ~~يخطر بقلبه شى من الشهوة لأنه لم يعتد ذلك وهو سليم القلب من قبل ذلك وقد ~~كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين فى الطرقات مكشفات الرؤوس ويخدمن الرجال ~~مع سلامه القلوب فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين ~~الناس فى مثل هذه البلاد والأوقات كما كان أولئك يمشين كان هذا من باب ~~الفساد وكذلك المردان الحسان لا يصلح ان يخرجوا فى الأمكنة والأزقة التى ~~يخاف فيها الفتنة إلا بقدر الحاجة فلا يمكن الأمرد الحسن من التبرج ولا من ~~الجلوس فى الحمام بين الأجانب ولا من رقصه بين الرجال ونحو ذلك مما فيه ~~فتنة للناس والنظر إليه كذلك # وإنما وقع النزاع بين العلماء فى ( القسم الثالث ( من النظر وهو النظر ~~إليه بغير شهوة لكن مع خوف ثورانها ففيه وجهان فى PageV15P418 مذهب أحمد ~~أصحهما وهو المحكى عن نص الشافعى وغيره انه لا يجوز # والثانى ( يجوز لأن الأصل عدم ثورانها فلا يحرم بالشك بل قد يكره والأول ~~هو الراجح كما ان الراجح فى مذهب الشافعى واحمد أن النظر ms1125 إلى وجه الأجنبية ~~من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية لكن لأنه يخاف ثورانها ولهذا ~~حرم الخلوة بالأجنبية لأنه مظنة الفتنة والأصل أن كلما كان سببا للفتنة ~~فإنه لايجوز فإن الذريعة إلى الفساد سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة # ولهذا كان النظر الذى قد يفضى إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لحاجة راجحة ~~مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة مع عدم الشهوة وأما ~~النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه ~~وأدامه وقال إنى لا أنظر لشهوة كذب فى ذلك فإنه إذا لم يكن له داع يحتاج ~~معه إلى النظر لم يكن النظر إلا لما يحصل فى القلب من اللذة بذلك # وأما نظر الفجأة فهو عفو إذا صرف بصره كما ثبت فى الصحاح عن جرير قال ~~سألت رسول الله عن نظر الفجاة قال ( إصرف بصرك ( وفى السنن أنه قال لعلى ~~رضى الله عنه PageV15P419 ( يا على لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى ~~وليست لك الثانية ( وفى الحديث الذى فى المسند وغيره ( النظر سهم مسموم من ~~سهام إبليس ( وفيه ( من نظر إلى محاسن إمرأة ثم غض بصره عنها أورث الله ~~قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة ( أو كما قال ولهذا يقال إن غض ~~البصر عن الصورة التى ينهى عن النظر إليها كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ~~ثلاث فوائد جليلة القدر # ( أحدها ( حلاوة الإيمان ولذته التى هى أحلى وأطيب مما تركه لله فإن من ~~ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه والنفس تحب النظر إلى هذه الصورلا سيما ~~نفوس أهل الرياضة والصفا فإنه لا يبقى فيها رقة تنجذب بسببها إلى الصور حتى ~~تبقى الصورة تخطف أحدهم وتصرعه كما يصرعه السبع # ولهذا قال بعض التابعين ما انا على الشاب التائب من سبع يجلس إليه بأخوف ~~عليه من حدث جميل يجلس إليه وقال بعضهم إتقوا النظر إلى اولاد الملوك فإن ~~فتنتهم كفتنة العذارى وما زال أئمة العلم والدين كأئمة الهدى وشيوخ الطريق ms1126 ~~يوصون بترك صحبة الأحداث حتى يروى عن فتح الموصلى أنه قال صحبت ثلاثين من ~~PageV15P420 الأبدال كلهم يوصينى عند فراقه بترك صحبة الأحداث وقال بعضهم ~~ما سقط عبد من عين الله إلا إبتلاه بصحبة هؤلاء الأنتان # ثم النظر يولد المحبة فيكون علاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم صبابة لإنصباب ~~القلب إليه ثم غراما للزومه للقلب كالغريم الملازم لغريمه ثم عشقا إلى أن ~~يصير تتيما والمتيم المعبد وتيم الله عبد الله فيبقى قلبه لمن لا يصلح أن ~~يكون أخا ولا خادما وهذا إنما يبتلى به اهل الإعراض عن الإخلاص لله الذين ~~فيهم نوع من الشرك وإلا فأهل الإخلاص كما قال تعالى فى حق يوسف عليه السلام ~~^ كذلك لنصرف عنه لاسوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ^ فامرأة العزيز ~~كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء ويوسف عليه السلام مع ~~عزوبته ومراودتها له وإستعانتها عليه بالنسوة وعقوبتها له بالحبس على العفة ~~عصمه الله بإخلاصه لله تحقيقا لقوله @QB@ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين @QE@ قال تعالى ^ إن عبادك ليس لك عليهم سلطان إلا من إتبعك من ~~الغاوين ^ و ( الغى ( هو إتبع الهوى # وهذا الباب من أعظم إتباع الهوى ومن امر بعشق الصور من المتفلسفة كإبن ~~سينا وذويه أو من الفرس كما يذكر PageV15P421 عن بعضهم من جهال المتصوفة ~~فإنهم أهل ضلال فهم مع مشاركة اليهود فى الغى والنصارى فى الضلال زادوا على ~~الأمتين فى ذلك فإن هذا وإن ظن أن فيه منفعة للعاشق كتلطيف نفسه وتهذيب ~~أخلاقه أو للمعشوق من السعى فى مصالحه وتعليمه وتأديبه وغير ذلك فمضرة ذلك ~~أضعاف منفعته وأين إثم ذلك من نفعه # وإنما هذا يقال إن فى الزنا لكل منهما بما يحصل له من اللذة والسرور ~~ويحصل لها من الجعل وغير ذلك وكما يقال إن فى شرب الخمر منافع بدنية ونفسية ~~وقال تعالى فى الخمر والميسر @QB@ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما ~~أكبر من نفعهما @QE@ وهذا قبل التحريم دع ما قاله عند التحريم وبعده فإن ~~التعبد بهذه الصور هو ms1127 من جنس الفواحش وباطنه من باطن الفواحش وهو من باطن ~~الإثم قال الله تعالى @QB@ وذروا ظاهر الإثم وباطنه @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ وقال تعالى ^ وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله مالا تعلمون ^ وليس بين أئمة الدين نزاع فى ان هذا ليس ~~بمستحب كما انه ليس بواجب فمن جعله ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج عن إجماع ~~المسلمين واليهود والنصارى بل وعما عليه عقلاء بنى آدم من جميع الأمم وهو ~~PageV15P422 ممن إتبع هواه بغير هدى من الله @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله ~~لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب @QE@ # وأما من نظر إلى المردان ظانا أنه ينظر إلى مظاهر الجمال الإلهى وجعل هذا ~~طريقا له إلى الله كما يفعله طوائف من المدعين للمعرفى فقوله هذا أعظم كفرا ~~من قول عباد الأصنام ومن كفر قوم لوط فهؤلاء من شر الزنادقة المرتدين الذين ~~يجب قتلهم بإجماع كل أمة فإن عباد الأصنام قالوا @QB@ ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ وهؤلاء يجعلون الله سبحانه موجودا فى نفس ~~الأصنام وحالا فيها فإنهم لا يريدون بظهوره وتجليه فى المخلوقات أنها ادلة ~~عليه وآيات له بل يريدون أنه سبحانه ظهر فيها وتجلى فيها ويشبهون ذلك بظهور ~~الماء فى الصوفة والزبد فى اللبن والزيت فى الزيتون والدهن فى السمسم ونحو ~~ذلك مما يقتضى حلول نفس ذاته فى مخلوقاته أو إتحاده بها فيقولون فى جميع ~~المخلوقات نظير ما قاله النصارى فى المسيح خاصة ثم يجعلون المردان مظاهر ~~الجمال فيقرون هذا الشرك الأعظم طريقا إلى إستحلال الفواحش بل إلى إستحلال ~~كل محرم كما قيل لأفضل PageV15P423 مشايخهم التلمسانى إذا كان قولكم بأن ms1128 ~~الوجود واحد هو الحق فما الفرق بين امى وأختى وبنتى حتى يكون هذا حلال وهذا ~~حرام قال الجميع عندنا سواء لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام ~~عليكم # ومن هؤلاء الحلولية والإتحادية من يخص الحلول وأفتحاد ببعض الأشخاص إما ~~ببعض الأنبياء أو ببعض الصحابة كقول الغالية فى علي أو ببعض الشيوخ ~~كالحلابية ونحوهم أو ببعض الملوك أو ببعض الصور كصور المردان ويقول احدهم ~~إنما أنظر إلى صفات خالقى واشهدها فى هذه الصورة والكفر فى هذا القول أبين ~~من أن يخفى على من يؤمن بالله ورسوله ولو قال مثل هذا الكلام فى نبى كريم ~~لكان كافرا فكيف إذا قاله فى صبى أمرد فقبح الله طائفة يكون معبودها من جنس ~~موطوئها # وقد قال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ فإذا كان من إتخذ الملائكة ~~والنبيين أربابا مع إعترافهم بأنهم مخلوقون لله كفارا فكيف بمن إتخذ بعض ~~المخلوقات أربابا مع ان الله فيها أو متحديها فوجوده وجودها ونحو ذلك من ~~المقالات PageV15P424 # وأما ( الفائدة الثانية ( فى غض البصر فهو نور القلب والفراسة قال تعالى ~~عن قوم لوط @QB@ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون @QE@ فالتعلق بالصور يوجب ~~فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه كما قيل % سكران سكر هوى وسكر ~~مدامة % فمتى يفيق من به سكران % # | وقيل أيضا % قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم % % العشق أعظم مما ~~بالمجانين % العشق لا يستفيق الدهر صاحبه % وإنما يصرع المجنون فى الحين % # وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال @QB@ الله نور ~~السماوات والأرض @QE@ وكان شجاع بن شاه الكرمانى لا تخطى له فراسة وكان ~~يقول من عمر ظاهره بإتباع السنة وباطنه بدوام PageV15P425 المراقبة وغض ~~بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة سادسة أظنه هو اكل الحلال ~~لم تخطىء له فراسة والله تعالى يجزى العبد على عمله بما هو من جنس عمله ~~فيطلق نور بصيرته ويفتح باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال ~~لبصيرة القلب # الفائدة الثالثة ms1129 ( قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل الله له سلطان البصيرة ~~مع سلطان الحجة فإن فى الأثر الذى يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا ~~يوجد فى المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه ~~فإن الله جعل العزة لمن اطاعه والذلة لمن عصاة قال تعالى @QB@ يقولون لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~@QE@ قال تعالى @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ~~@QE@ # ولهذا كان فى كلام الشيوخ الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه ~~إلا فى طاعة الله وكان الحسن البصرى يقول وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت ~~بهم ذلل البغال فإن ذل المعصية فى رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه ومن ~~اطاع الله فقد والاه فيما اطاعه فيه ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه ~~بمعاصيه وفى دعاء القنوت ( أنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ~~PageV15P426 ( ثم الصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم لسان صدق فى الأمة ~~لم يكونوا يستحسنون مثل هذا بل ينهون عنه ولهم فى الكلام فى ذم صحبة ~~الأحداث وفى الرد على أهل الحلول وبيان مباينة الخالق مالا يتسع هذا الموضع ~~لذكره وإنما يستحسنه من تشبه بهم ممن هو عاص أو فاسق أو كافر فيتظاهر بدعوى ~~الولاية لله وتحقيق الإيمان والعرفان وهو من شر أهل العداوة لله وأهل ~~النفاق والبهتان والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين خير الدنيا والآخرة ~~ويجعل لأعدائه الصفقة الخسرة والله سبحانه وتعالى أعلم PageV15P427 & سورة ~~الفرقان # قال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل # أكبر الكبائر ثلاث الكفر ثم قتل النفس بغير الحق ثم الزنا كما رتبها الله ~~فى قوله ^ والذين يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون ^ وفى الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود قال ك ( قلت ~~يا رسول الله أى الذنب اعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أى قال أن ~~تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم ms1130 أى قال أن تزانى بحلية جارك ( # ولهذا الترتيب وجه معقول وهو أن قوى الإنسان ثلاث قوة العقل وقوة الغضب ~~وقوة الشهوة فأعلاها القوة العقلية التى يختص بها الإنسان دون سائر الدواب ~~وتشركه فيها الملائكة كما قال أبوبكر عبدالعزيز من اصحابنا وغيره خلق ~~الملائكة عقول بلا شهوة PageV15P428 وخلق للبهائم شهوة بلا عقل وخلق ~~الإنسان عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ومن غلبت شهوته ~~عقله فالبهائم خير منه ثم القوة الغضبية التى فيها جلب المنفعة # ومن الطبائعيين من يقول القوة الغضبية هى الحيوانية لإختصاص الحيوان بها ~~دون النبات والقوة الشهوية هى النباتية لإشتراك الحيوان والنبات فيها ~~وإختصاص النبات بها دون الجماد # لكن يقال إن أراد أن نفس الشهوة مشتركة بين النبات والحيوان فليس كذلك ~~فإن النبات ليس فيه حنين ولا حركة إرادية ولا شهوة ولا غضب وإن أراد نفس ~~النمو والإغتذاء فهذا تابع للشهوة وموجبها # وله نظير فى الغضب وهو أن موجب الغضب وتابعه هو الدفع والمنع وهذا معنى ~~موجود فى سائر الأجسام الصلبة القوية فذات الشهوة والغضب مختص بالحى و أما ~~موجبها من الإعتداء والدفع فمشترك بينهما وبين النبات القوى فقوة الدفع ~~والمنع موجود فى النبات الصلب القوي دون اللين الرطب فتكون قوة الدفع مختصة ~~ببعض النبات لكنه موجود فى سائر الأجسام الصلبة فبين الشهوة والغشب عموم ~~وخصوص PageV15P429 وسبب ذلك أن قوى الأفعال فى النفس إما جذب وإما دفع ~~فالقوة الجاذبة الجالبة للملائم هى الشهوة وجنسها من المحبة والإرادة ونحو ~~ذلك والقوة الدافعة المانعة للمنافى هى الغضب وجنسها من البغض والكراهة ~~وهذه القوة بإعتبار القدر المشترك بين الإنسان والبهائم هى مطلق الشهوة ~~والغضب بإعتبار ما يختص به الإنسان العقل والإيمان والقوى الروحانية ~~المعترضة # فالكفر متعلق بالقوة العقلية الإيمانية ولهذا لا يوصف به من لا تمييز له ~~والقتل ناشىء عن القوة الغضبية وعدوان فيها والزنا عن القوة الشهوانية ~~فالكفر إعتداء وفساد فى القوة العقلية الإنسانية وقتل النفس إعتداء وفساد ~~فى القوة الغضبية والزنا إعتداء وفساد فى القوة الشهوانية ms1131 # ومن وجه آخر ظاهر أن الخلق خلقهم الله لعبادته وقوام الشخص بجسده وقوام ~~النوع بالنكاح والنسل فالكفر فساد المقصود الذى خلقوا وقتل النفس فساد ~~النفوس الموجودة والزنا فساد فى المنتظر من النوع فذاك إفساد الموجود وذاك ~~إفساد لما لم يوجد بمنزلة من أفسد مالا موجودا أو منع المنعقد أن يوجد ~~وإعدام الموجود أعظم فسادا فلهذا كان الترتيب كذلك ومن PageV15P430 وجه ~~ثالث أن الكفر فساد القلب والروح الذى هو ملك الجسد والقتل إفساد للجسد ~~الحامل له وإتلاف الموجود وأما الزنا فهو فساد فى صفة الوجود لا فى أصله ~~لكن هذا يختص بالزنا ومن هنا يتبين أن اللواط أعظم فسادا من الزنا $ فصل # وبإعتبار القوى الثلاث إنقسمت الأمم التى هى أفضل الجنس الإنسانى وهم ~~العرب والروم والفرس فإن هذه الأمم هى التى ظهرت فيها الفضائل الإنسانية ~~وهم سكان وسط الأرض طولا وعرضا فأما من سواهم كالسودان والترك ونحوهم فتبع # فغلب على العرب القوة العقلية النطقية وإشتق إسمها من وصفها فقيل لهم عرب ~~من الأعراب وهو البيان والإظهار وذلك خاصة القوة المنطقية PageV15P431 # وغلب على الروم القوة الشهوية من الطعام والنكاح ونحوهما وإشتق إسمها ~~فقيل لهم الروم فإنه يقال ( رمت هذا أرومه إذا طلبته وإشتهيته وغلب على ~~الفرس القوة الغضبية من الدفع والمنع والإستعلاء والرياسة وإشتق إسمها من ~~ذلك فقيل الفرس كما يقال فرسه يفرسه إذا قهره وغلبه # ولهذا توجد هذه الصفات الثلاث على الأمم الثلاث حاضرتها وباديتها ولهذا ~~كانت العرب أفضل الأمم وتليها الفرس لأن القوة الدفعية أرفع وتليها الروم $ ~~فصل # وبإعتبار هذه القوى كانت الفضائل ثلاثا فضيلة العقل والعلم والإيمان التى ~~هي كمال القوة المنطقية وفضيلة الشجاعة التى هى كمال القوة الغضبية وكمال ~~الشجاعة هو الحلم كما قال النبى ( ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذى ~~يملك نفسه عند الغضب ( والحكم والكرم ملزوزان فى قرن كما أن كمال القوة ~~الشهوية العفة فإذا كان الكريم عفيفا والسخى حليما إعتدل الأمر # وفضيلة السخاء والجواد التى هى كمال القوة الطلبية الحبية فإن السخاء ~~يصدر عن اللين ms1132 والسهولة ورطوبة الخلق كما تصدر الشجاعة عن PageV15P432 ~~القوة والصعوبة ويبس الخلق فالقوة الغضبية هى قوة النصر والقوة الشهوية قوة ~~الرزق وهما المذكوران فى قوله @QB@ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف @QE@ ~~والرزق والنصر مقترنان فى الكتاب والسنة وكلام الناس كثيرا واما الفضيلة ~~الرابعة التى يقال لها العدالة فهى صفة منتظمة للثلاث وهو الإعتدال فيها ~~وهذه الثلاث الأخيرات هى الأخلاق العلمية كما جاء من حديث سعد لما قال فيه ~~العبسى إنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل فى القضية ولا يخرج فى السرية $ فصل # بإعتبار الثلاث كانت الأمم الثلاث المسلمون واليهود والنصارى فإن ~~المسلمين فيهم العقل والعلم والإعتدال فى الأمور فإن معجزة نبيهم هى علم ~~الله وكلامه وهم الأمة الوسط # وأما اليهود فاضعفت القوة الشهوية فيهم حتى حرم عليهم من المطاعم ~~والملابس مالم يحرم على غيرهم وامروا من الشدة والقوة بما أمروا به ~~ومعاصيهم غالبها من باب القسوة والشدة لا من باب الشهوة PageV15P433 ~~والنصارى اضعفت فيهم القوة الغضبية فنهوا عن الإنتقام والإنتصار ولم تضعف ~~فيهم القوة الشهوية فلم يحرم عليهم من المطاعم ما حرم على من قبلهم بل أحل ~~لهم بضع الذى حرم عليهم وظهر فيهم من الأكل والشرب والشهوات مالم يظهر فى ~~اليهود وفيهم من الرقة والرأفة والرحمة ماليس فى اليهود فغالب معاصيهم من ~~باب الشهوات لا من باب الغضب وغالب طاعاتهم من باب النصر لا من باب الرزق ~~ولما كان في الصوفية والفقهاء عيسوية مشروعة أو منحرفة كان فيهم من الشهوات ~~ووقع فيهم الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المطربة ما يذمون به ولما ~~كان في الفقهاء موسوية مشروعة أو منحرفة كان فيهم من الغضب ووقع فيهم من ~~القسوة والكبر ونحو ذلك ما يذمون به $ فصل # جنس القوة الشهوية الحب وجنس القوة الغضبية البعض والغضب والبغض متفقان ~~فى الإشتقاق الأكبر ولهذا قال النبى ( أوثق عرى الإيمان الحب فى الله ~~والبغض فى الله ( فإن هاتين القوتين هما الأصل ( وقال ( من أحب لله وأبغض ~~لله PageV15P434 وأعطى لله ومنع لله فقد إستكمل الإيمان ( فالحب ms1133 و البغض ~~هما الأصل والعطاء عن الحب وهو السخاء والمنع عن البغض وهو الشحاحة فأما ~~الغضب فقد يقال هو خصوص فى البغض وهو الشدة التى تقوم فى النفس التى يقترن ~~بها غليان دم القلب لطلب الإنتقام وهذا هو الغضب الخاص ولهذا تعدل طائفة من ~~المتكلمين عن مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة ومن قابل الشهوة ~~بالغضب فيجب أن لا يريد الغضب الخاص فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة الطمع ~~إلى أن الشهوة فأما الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة للقوة ~~الجاذبة الحبية $ فصل # فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية الحبية الشهوية وترك المنهى عنه ~~عن القوة الكراهية البغضية النفرية والأمر بالمعروف صادر عن المحبة ~~والإرادة والنهى عن المنكر صادر عن البغض والكراهة وكذلك الترغيب فى ~~المعروف والترهيب عن المنكر والحض على هذا والزجر عن هذا ولهذا لا تكف ~~النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية وبذلك يقوم العدل والقسط فى ~~الحكم والقسم PageV15P435 وغير ذلك كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية ~~الشهوية فإن إندفاع المكروه بدون حصول المحبوب عدم إذ لا محبوب ولا مكروه ~~وحصول المحبوب والمكروه وجود فاسد إذ قد حصلا معا وهما متقابلان فى الترجيح ~~فربما يختار بعض النفوس هذا ويختار بعضها هذا وهذا عند التكافؤ وأما ~~المكروه اليسير مع المحبوب الكثير فيترجح فيه الوجود كما ان المكروه الكثير ~~مع المحبوب اليسير يترجح فيه العدم # لكن لما كان المقتضى لكل واحد من المحبوب والمكروه الذى هو الخير والشر ~~موجودا وبتقدير وجودهما يحصل النصر كالرزق مع الخوف صار يعظم فى الشرع ~~والطبع دفع المكروه أما فى الشرع فبالتقوى فإن إسمها فى الكتاب والسنة ~~والإجماع عظيم والعاقبة لأهلها والثواب لهم واما فى الطبع فتعظيم النفوس ~~لمن نصرهم بدفع الضرر عنهم من عدو أو غيره فإن أهل الرزق معظمون لأهل النصر ~~أكثر من تعظيم أهل النصر لأهل الرزق وذاك والله أعلم لأن النصر بلا رزق ~~ينفع فإن الأسباب الجالبة للرزق موجودة تعمل عملها وأما الرزق بلا نصر فلا ~~ينفع فإن ms1134 الأسباب الناصرة تابعة وفى هذا نظر فقد يقال هما متقابلان فإن أهل ~~النصر يحبون أهل الرزق اكثر مما يحب أهل الرزق لأهل النصر فإن الرزق محبوب ~~والنصر معظم PageV15P436 # وقد يقال بل النصر أعظم ما تقدم فإن إندفاع المكروه محبوب أيضا وهو لا ~~يحصل إلا بقوة الدفع التى هى اقوى من قوة الجذب فإختص الناصر بالتعظيم ~~لدفعه المعارض واما الرازق فلا معارض له بل هو موافق فالناصر محبوب معظم ~~وقد يقابل هذا بأن يقال وفوات المحبوب مكروه ايضا والمحبوب لا يحصل إلا ~~بقوة الجذب ولا نسلم أن قوة الدفع أقوى بل قد يكون الجذب أقوى بل الجذب فى ~~الأصل أقوى لأنه المقصود بالقصد الأول والدفع خادم تابع له وكما أن الدافع ~~دفع المعارض فالجاذب حصل المقتضى وترجيح المانع على المقتضى غير حق بل ~~المقتضى اقوى بالقول المطلق فإنه لابد منه فى الوجود # وأما المانع فإنما يحتاج إليه عند ثبوت المعارض وقد لا يكون معارض ~~فالمقتضى والمحبة هو الأصل والعمدة فى الحق الموجود والحق المقصود واما ~~المانع والبغضة فهو الفرع والتابع # ولهذا كتب الله فى الكتاب الموضوع عنده فوق العرش ( إن رحمتى تغلب غضبى ( ~~ولهذا كان الخير فى اسماء الله وصفاته وأما الشر ففى الأفعال كقوله @QB@ ~~نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم @QE@ وقوله ^ ~~إعملوا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ^ PageV15P437 # يبقى أن يقال فلم عظمت التقوى فيقال إنها هى تحفظ الفطرة وتمنع فسادها ~~واحتاج العبد إلى رعايتها لأن المحبة الفطرية لاتحتاج إلى محرك ولهذا كان ~~أعظم مادعت اليه الرسل الاخلاص والنهى عن الاشراك لان الاقرار الفطرى حاصل ~~لوجود مقتضيه وانما يحتاج إلى إخلاصه ودفع الشرك عنه ولهذا كانت حاجة ~~الإنسان كما أوجب الله الزكاة النافعة وحرم الربا الضار وأصل الدين هو ~~عبادة الله الذى أصله الحب والإنابة والإعراض عما سواه وهو الفطرة التى فطر ~~عليها الناس # وهذه المحبة التى هى أصل الدين إنحرف فيها فريق من منحرفة الموسوية من ~~الفقهاء والمتكلمين حتى أنكروها وزعموا أن ms1135 محبة الله ليست إلا إرادة عبادته ~~ثم كثير منهم تاركون للعمل بما أمروا به فيأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ~~وهذا فاش فيهم وهو عدم المحبة والعمل وفريق من منحرفة العيسوية من الصوفية ~~والمتعبدين خلطوها بمحبة ما يكرهه وأنكروا البغض والكراهية فلم ينكروا شيئا ~~ولم يكرهوه أو قصروا فى الكراهة والإنكار وأدخلوا فيها الصور والأصوات ~~ومحبة الأنداد # ولهذا كان لغواة الأولين وصف الغضب واللعنة الناشىء عن PageV15P438 البغض ~~لأن فيهم البغض دون الحب وكان لضلال الآخرين وصف الضلال والغلو لأن فيهم ~~محبة لغير معبود صحيح ففيهم طلب وإرادة ومحبة ولكن لا إلى مطلوب صحيح ولا ~~مراد صحيح ولا محبوب صحيح بل قد خلطوا وغلوا وأشركوه ففيهم محبة الحق ~~والباطل وهو وجود المحبوب والمكروه كما فى الآخرين بغض الحق والباطل وهو ~~دفع المحبوب والمكروه والله سبحانه يهدينا صراطه المستقيم فيحمد من هؤلاء ~~محبة الحق والإعتراف به ومن هؤلاء بغض الباطل وإنكاره PageV15P439 # سورة النمل # قال شيخ الإسلام # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~[ فيها ] # منها قوله تعالى @QB@ من جاء بالحسنة فله خير منها @QE@ الآية المشهور عن ~~السلف أن الحسنة لا إله إلا الله وأن السيئة الشرك وعن السدى قال ذلك عند ~~الحساب ألغى بدل كل حسنة عشر سيئات فإن بقيت سيئة واحدة فجزاؤه النار إلا ~~أن يغفر الله له # قلت تضعف الحسنة إلى عشر وإلى سبعمائة ثابت فى الصحاح وأن السيئة مثلها ~~وأن الهم بالحسنة حسنة والهم بالسيئة لا يكتب # فأهل القول الأول قالوه لأن اعمال البر داخلة فى التوحيد فإن عبادة الله ~~بما أمر به كما قال @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن @QE@ الآية وقال ~~تعالى @QB@ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة @QE@ الآية PageV15P440 # فالكلمة الطيبة التوحيد وهى كالشجرة والأعمال ثمارها فى كل وقت وكذلك ~~السيئة هى العمل لغير الله وهذا هو الشرك فإن الإنسان حارث همام لابد له من ~~عمل ولا بد له من مقصود يعمل لأجله وأن عمل لله ms1136 ولغيره فهو شرك # والذنوب من الشرك فإنها طاعة للشيطان قال @QB@ إني كفرت بما أشركتمون من ~~قبل @QE@ الآية وقال @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ~~@QE@ الآية وفى الحديث ( وشر الشيطان وشركه ( لكن إذا كان موحدا وفعل بعض ~~الذنوب نقص توحيده كما قال ( لا يزنى الزانى ( إلخ ومن ليس بمؤمن فليس ~~بمخلص وفى الحديث ( تعس عبدالدينار ( إلخ وحديث أبى بكر ( قل اللهم إنى ~~أعوذ بك أن اشرك بك شيئا وأنا أعلم ( إلخ لكن إذا لم يعدل بالله غيره فيحبه ~~مثل حب الله بل الله أحب إليه وأخوف عنده وأرجى من كل مخلوق فقد أخلص من ~~الشرك الأكبر PageV15P441 # سورة الأحزاب # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # قوله تعالى ^ النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وألوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله من المؤمنين والمهاجرون إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك فى الكتاب مسطورا ^ دليل على مثل معنى ~~الحديث الصحيح ( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك مالا فلورثته ومن ترك ~~كلا أو صياغا فعلى ( حيث جعله الله أولى بهم من أنفسهم # ثم جعل الأقارب بعضهم أولى ببعض لأن كونه أولى بهم من أنفسهم يقتضى أن ~~يكون أولى بهم من أولى أرحامهم وذلك لا يقتضى ملك مالهم أحياء فكذلك وإنما ~~يقتضى حمل الكل والضياع من ماله وهو الخمس أو خمسه أو مال الفىء كله على ~~الخلاف المعروف وفيه دليل على أن الأولوية المقتضية للميراث المذكورة قوله ~~( فلأولى رجل ذكر ( مشروطة بالإيمان PageV15P442 وهذه الآية المقيدة تفضى ~~على تلك المطلقة فى الأنفال لثلاثة أوجه # ( احدها ( أن هذه فى سورة الأحزاب بعد الخندق وتلك فى الأنفال عقب بدر # ( الثانى ( أن هذا مطلق ومقيد فى حكم واحد وسبب واحد والحكم هنا متضمن ~~للإباحة والإستحقاق والتحريم على الغير وإيجاب الإعطاء # ( الثالث ( أن آية الأنفال ذكر فيها الأولوية بعد أن قطع الموالات بين ~~المؤمنين والكافرين أيضا فهى دليل ثان وهاتان الآيتان تفسر المطلق فى آية ~~المواريث ويكون هذا تفسير القرآن بالقرآن وإن ms1137 كان قوله ( لا يرث الكافر ~~المسلم ( موافقا له فأما ميراث المسلم من الكافر ففيه الخلاف الشاذ فنستفيد ~~من الآيتين أيضا مع الحديث ويدخل فى الآيتين سائر الولايات من المناكح ~~والأموال والعقل والموت وفى قوله @QB@ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ~~@QE@ دليل على الوصية كآيات النساء # قوله ^ فلما قضى زيد منها وطرا زوجنا كها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى ~~أزواج أدعيائهم ^ الآية دليل على أن ما أبيح له كان مباحا لأمته لأنه أخبر ~~أن التزويج كان لمنع الحرج عن الأمة فى مثل ذلك التزويج فلولا أن فعله ~~المباح له يقتضى الإباحة لأمته لم يحسن التعليل وهذا ظاهر PageV15P443 # وأيضا فإنه إذا كان ذلك فى تزويجه امرأة الدعى الذى كان يعتقد أن تزوجها ~~حرام ففى مالا شبهة فيه أولى وأيضا إذا كان هذا فى النكاح الذى خص فيه من ~~المباحات بمالم تشركه أمته كالنكاح بلا عدد وتزوج الموهوبة بلا مهر وقد بين ~~أن إباحة عقده النكاح دليل على إباحة ذلك لأمته ففيما لم يظهر خصوصية فيه ~~كالنكاح أولى وهذا يدل على أن سائر ما أبيح له مباح لأمته إلا ما خصه ~~الدليل من المعاملات والأطعمة واللباس ونحو ذلك # وأيضا فيدل على هذا الأصل قوله فى سياق ما أحله له @QB@ وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد ~~علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج ~~@QE@ من وجهين ( أحدهما ( أنه لما أحل له الواهبة قال @QB@ خالصة لك من دون ~~المؤمنين @QE@ ليبين إختصاصه بذلك فعلم أنه حيث سكت عن الإختصاص كان ~~الإشتراك ثابتا وإلا فلا فعنى لتخصيص هذا الموضع ببيان الإختصاص # ( الثانى ( أنه ما أحله من الأزواج ومن المملوكات ومن الأقارب ~~PageV15P444 أطلق وفى الموهوبة قيدها بالخلوص له فعلم أن سكوته عن التقييد ~~فى أولئك دليل الإشتراك # فإن قيل السكوت لا يدل على واحد منهما والتقييد بالخلوص ينفى الإشتراك ~~فتكون فائدته أن لا يظن الإشتراك بدليل منفصل فإن التحليل له لا ms1138 يدل على ~~الإختصاص قطعا لكن هل يدل على الإشتراك أم لا يدل على واحد منهما ( وهذا ~~موضع التردد فإذا قيد بالخلوص فى حق الأمة لإنتفاء دليله كما أن ما سكت عنه ~~من المحرمات لم يثبت الحكم لإنتفاء دليله # وهنا إما أن يقال كانوا يستحلونه على الأصل وليس كذلك لأن الفروج محظورة ~~إلا بالتحليل الشرعى فكان يكون محظورا عليهم فلا يحتاج إلى إخلاصه له لو لم ~~يكن الخطاب المطلق يقتضى الإشتراك والعموم وأنه من باب الخاص فى اللفظ ~~العام فى الحكم # وأصل هذا أن اللفظ فى اللغة قد يصير بحسب العرف الشرعى أوغيره أخص أو أعم ~~فالخطاب له وإن كان خاصا فى اللفظ لغة فهو عام عرفا وهو مما نقل بالعرف ~~الشرعى من الخصوص إلى العموم كما ينقل مثل ذلك فى مخاطبات الملوك ونحو ذلك ~~وهو كثير كما أن PageV15P445 العام قد يصير بالعرف خاصا # وأيضا فإنه يبنى ذلك على أصل دليل الخطاب وأن التخصيص بالذكر مع العام ~~المقتضى للتعميم يدل على التخصيص بالحكم فلما خص خطاب الموهوبة بذكر الخلوص ~~دل على إنتفاء الخلوص عن الباقى وإنما إنتفاء الخلوص عن الباقى بعدم ذكر ~~الخلوص مع إثبات التحليل للرسول فعلم أن إثبات التحليل له مع عدم تخصيصه به ~~يقتضى العموم # وعلى هذا فالخطاب الذى مخرجه فى اللغة خاص ثلاثة اقسام # إما أن يدل على العموم كما فى العام عرفا مثل خطاب الرسول والواحد من ~~الأمة ومثل تنبيه الخطاب كقوله لا اشرب لك الماء من عطش ومثقال حبة وقنطار ~~ودينار # وإما أن يدل على إختصاص المذكور بالحكم ونفيه عما سواه كما فى مفهوم ~~المخالفة إذا كان المقتضى للتعميم قائما وخص أحد الأقسام بالذكر # وإما أن لايدل على واحد منهما لفظا ثم يوجد العموم من جهة المعنى إما من ~~جهة قياس الأولى وإما من جهة سائر أنواع القياس PageV15P446 ويجب الفرق بين ~~تنبيه الخطاب وبين قياس الأولى فإن الحكم فى ذاك مستفاد من اللفظ عمهما ~~عرفا [ و ] خطا [ با ] وهنا مستفاد من الحكم بحيث لو دل ms1139 على الحكم فعل أو ~~إقرار أو خطاب يقطع منه بأن المتكلم لم يرد إلا الصورة لكان ثبوت الحكم ~~لنوع يقتضى ثبوته لما هو أحق به منه فالعموم هنا معنوى مخص وهناك لفظى ~~ومعنوى فتدبر هذا فإنه فصل بين المتنازعين من أصحابنا وغيرهم فى التنبيه هل ~~هو مستفاد من اللفظ أو هو قياس جلى لتعلم أنه قسمان # والفرق أن المستفاد من اللفظ يريد المتكلم به العموم ويمثل بواحد تنبيها ~~كقول النحوى ضرب زيد عمرا بخلاف المستفاد من المعنى # والآية المتقدمة وهى قوله ^ زوجناكها لكيلا ^ تدل على أن أفعاله تقتضى ~~الإباحة لأمته مع القطع بأن الفعل فى نفسه لا يعم لفظا ووضعات وإنما يعم ~~بما ثبت من أن الأصل الإشتراك والإيتساء ويدل على ذلك أيضا قوله فى السورة ~~@QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ الآية فإن فيها التأسى فيما ~~أصابه ومتى ثبت الحكم فى الإيتساء به فى حكمه عندما أصابه كان كذلك فيما ~~فعله إذ المصاب عليه فيه واجبات ومحرمات فدلت هذه PageV15P447 الآية على أن ~~الأصل مشاركته فى الإيجاب والخطر كما دلت تلك على أن الأصل مشاركته فى ~~الإحلال # قوله @QB@ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~@QE@ الآية دليل على أن الحجاب إنما أمر به الحرائر دون الإماء لأنه خص ~~أزواجه وبناته ولم يقل وما ملكت يمينك وإمائك وإماء أزواجك وبناتك ثم قال ~~@QB@ ونساء المؤمنين @QE@ والإماء لم يدخلن فى نساء المؤمنين كما لم يدخل ~~فى قوله @QB@ نسائهن @QE@ ما ملكت أيمانهن حتى عطف عليه فى آيتى النور ~~والأحزاب وهذا قد يقال إنما ينبنى على قول من يخص ما ملكت اليمين بالإناث ~~وإلا فمن قال هى فيهما أو فى الذكور ففيه نظر # وأيضا فقوله @QB@ للذين يؤلون من نسائهم @QE@ وقوله @QB@ الذين يظاهرون ~~منكم من نسائهم @QE@ إنما أريد به الممهورات دون المملوكات فكذلك هذا فآية ~~الجلابيب فى الأردية عند البروز من المساكن وآية الحجاب عند المخاطبة فى ~~المساكن فهذا مع ما فى الصحيح من انه لما إصطفى صفية بنت حيى وقالوا إن ms1140 ~~حجبها فهى من أمهات المؤمنين وإلا فهى مما ملكت يمينه دل على أن الحجاب كان ~~مختصا بالحرائر # وفي الحديث دليل على أن أموة المؤمنين لأزواجه دون سراريه PageV15P448 ~~والقرآن ما يدل على ذلك لأنه قال @QB@ وأزواجه أمهاتهم @QE@ وقال ^ ولا ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ^ وهذا أيضا دليل ثالث من الآية لن الضمير فى ~~قوله @QB@ وإذا سألتموهن @QE@ عائد إلى أزواجه فليس للملوكات ذكر فى الخطاب ~~لكن إباحة سرارية من بعده فيه نظر $ فصل # من قال من أن السراح والفراق صريح فى الطلاق لأن القرآن ورد بذلك وجعل ~~الصريح ما إستعمله القرآن كما يقوله الشافعى والقاضى وغيرهما من الأصحاب ~~فقوله ضعيف لوجهين # أحدهما أن هذا الأصل لا دليل عليه بل هو فاسد فإن الواقع ان الناس ينطقون ~~بلغاتهم التى توافق لغة العرب أو تخالفها من عربية أخرى عربا مقررة أو ~~مغيرة لفظا أو معنى أو من عربية مولدة أو عربية معربة تلقيت عن العجم أو من ~~عجمية فإن الطلاق ونحوه يثبت بجميع هذه الأنواع من اللغات إذ المدار على ~~المعنى ولم يحرم وذلك عليهم أو حرم عليهم فلم يلتزموه فإن ذلك لا يوجب وقوع ~~مالم يوقعوه وايضا فإستعمال القرآن لفظا فى معنى PageV15P449 لا يقتضى أن ~~ذلك اللفظ لا يحتمل غير ذلك المعنى # ( الوجه الثانى ( وهو القاصم أن هذه الألفاظ أكثر ما جاءت فى القرآن فى ~~غير الطلاق مثل قوله ^ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن ^ فهذا بعد التطليق البائن ~~الذى لا عدة فيه أمر بتسريحهن من التمتع ولم يرد به إيقاع طلاق ثان فإنه لا ~~يقع ولا يؤمر به وفاقا وإنما أراد التخلية بالفعل وهو رفع الحبس عنها حيث ~~كان النكاح فيه الجمع ملكا وحكما والجمع حسا وفعلا بالحبس وكلاهما موجبه ~~وهما متلازمان فإذا زال الملك بإزالة اليد كما يقال فى الأموال الملك ~~والحيازة فالقبض فى الموضعين تابع للعقد فإذا رفع العقد إما بإزالة اليد ~~التى هى القبض # وقوله @QB@ فتعالين أمتعكن وأسرحكن @QE@ لا ms1141 يستدل به على أن التسريح هو ~~التطليق فإنه قد يريد به التخلية الفعلية حيث قرنه بالمتاع لكن التخلية ~~الفعلية مستلزمة للتطليق أو يريد بالأمرين ولم يرد به الطلاق وحده لأن ذلك ~~لا يفيدهن بل يضرهن وكذلك قوله ^ فإذا بلغن اجلهن فإمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف ^ وقوله @QB@ أو فارقوهن بمعروف @QE@ كذلك فإن الرجعة إذا ~~قاربت إنقضاء العدة لا يؤمر فيها بتطليق ثان إذا لم يرتجعها وإنما يؤمر ~~PageV15P450 بتخلية سبيلها وهو التسريح والفراق بالأبدان بحيث لا يحبسهن ~~ولا يستولى عليهن كرفع اليد عن الأموال # قوله @QB@ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم @QE@ نص فى أنه لا حرج فيما اخطأ به من دعاء الرجل إلى غير أبيه أو ~~إلى غير مولاه ثم قد يستدل به على رفع الجناح فى جميع ما أخطأ به الإنسان ~~من قول أو عمل إما بالعموم لفظا ويقال ورد اللفظ العام على سبب مقارن له فى ~~الخطاب لا يوجب قصره عليه و إما بالعموم المعنوى بالجامع المشترك من أن ~~الأخطاء لا تاثير له فى القلب فيكون عمل جارحة بلا عمد القلب ( والقلب هو ~~الأصل ( كما قال ( إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد سائر الجسد ( وإذا ~~كان الأصل لم يعمل شيئا لم يضر عمل الفروع دونه لأنه صالح لا فساد فيه ~~فيكون الجسد كله صالحا فلا يكون فاسدا فلا يكون في ذلك إثم إذ الإثم لا ~~يكون إلا عن فساد فى الجسد وتكون هذه الآية ردفا لقوله @QB@ لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا @QE@ قال قد فعلت # ويؤيده قوله فى الإيمان @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم @QE@ @QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ ~~فإنه PageV15P451 إذا كان اليمين بالله وفيها ما فيها لا يؤاخذ فيها إلا ~~بما كسب القلب فغيرها من الأقوال كذلك وأولى وإذا كان ما حلف عليه من ~~اليمين يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه هو من ms1142 الخطأ الذى هو اللغو لأن قلبه ~~لم يكسب مخالفة كما لو أنه اخبر بذلك من غير يمين لم يكن عليه إثم الكاذب ~~كما لو دعا الرجل لغير أبية ومولاه خطأ وإذا لم يكن بلا يمين عليه إثم ~~الكاذب لم يكن مع اليمين عليه حكم الحالف المخالف إذ اليمين على الماضي حين ~~يؤكد بالقسم فكذلك ما حلف عليه من المستقبل وفعل المحلوف عليه ناسيا ليمينه ~~أو مخطئا جاهلا بأنه المحلوف عليه لم يكسب قلبه مخالفة ولا حنثا كما أنه لو ~~وعد بذلك من غير يمين لم يكن مخالفا ولو أمر به فتركه كذلك لم يكن عاصيا # وهذا دليل يتناول الطلاق وغيره إما من جهة العموم المعنوي أو المعنوي ~~واللفظي وأي فرق بين ان يقارن اللغو عقد اليمين أو يقارن الحنث فيها وقوله ~~@QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ أى هذا سبب المؤاخذة لا أنه موجب ~~لها بالإتفاق فيوجد الخطأ فى سببها وشرطها ومن قال لا لغو فى الطلاق فلا ~~حجة معه بل عليه لأنه لو سبق لسانه بذكر الطلاق من غير عمد القلب لم يقع به ~~وفاقا وأما إذا قصد اللفظ به هاز لا فقد عمد قلبه ذكره كما لو عمد ذكر ~~اليمين به PageV15P452 الحمد لله و حده و الصلاة و السلام على من النبى ~~بعده سو رة الزمر قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه $ فصل # قد قال تعالى ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ( و المراد بالقول ~~القرآن كما فسره بذلك سلف الأمة و أئمتها كما قال تعالى ( أفلم يدبروا ~~القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ( و اللام لتعريف القول المعهود ~~فإن السورة كلها إنما تضمنت مدح القرآن و إستماعه و قد بسطنا هذا فى غير ~~هذا الموضع و بينا فساد قول من إستدل بهذه على سماع الغنا و غيره و جعلها ~~عامة و بينا أن تعميمها فى كل قول باطل بإجماع المسلمين # و هنا سؤال مشهور و هو أنه قال ( يستمعون القول فيتبعون PageV16P005 ~~أحسنه ( فقد قسم ms1143 القول إلى حسن و أحسن و القرآن كله متبع و هذا حجتهم # فيقال الجواب من ثلاثة أوجه إلزام و حل # ( الأو ل ( أن هذا مثل قوله ( و اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ( و ~~مثل قوله ( و كتبنا له فى الألواح من كل شيء مو عظة و تفصيلا لكل شيء فخذها ~~بقوة و أمر قومك يأخذوا بأحسنها ( فقد أمرالمؤمنين باتباع أحسن ما أنزل ~~إليهم من ربهم و أمر بنى إسرائيل أن يأخذوا بأحسن التوراة و هذا أبلغ من ~~تلك الآية فإن تلك إنما فيها مدح باتباع الأحسن و لا ريب أن القرآن فيه ~~الخبر و الأمر بالحسن و الأحسن و إتباع القو ل إنما هو العمل بمقتضاه و ~~مقتضاه فيه حسن و أحسن ليس كله أحسن و إن كان القرآن فى نفسه أحسن الحديث ~~ففرق بين حسن الكلام بالنسبة إلى غيره من الكلام و بين حسنه بالنسبة إلى ~~مقتضاه المأمور و المخبر عنه # ( الوجه الثانى ( أن يقال إنه قال ( فبشر عبادى الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله و أولئك هم أولوا الألباب ( و القرآن ~~تضمن خبرا و أمرا فالخبر عن الأبرار و المقربين و عن الكفار و الفجار فلا ~~ريب أن إتباع الصنفين حسن PageV16P006 و إتباع المقربين أحسن و الأمر يتضمن ~~الأمر بالو اجبات و المستحبات و لا ريب أن الإقتصار على فعل الواجبات حسن و ~~فعل المستحبات معها أحسن و من اتبع الأحسن فاقتدى بالمقربين و تقرب إلى ~~الله بالنوافل بعد الفرائض كان أحق بالبشرى # و على هذا فقوله ( و اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ( و أمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها ( هو أيضا أمر بذلك لكن الأمر يعم أمر الإيجاب و الاستحباب ~~فهم مأمورون بما فى ذلك من و اجب أمر إيجاب و بما فيه من مستحب أمر إستحباب ~~كما هم مأمورون مثل ذلك فى قو له ( إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ~~ذى القربى ( و قو له ( يأمرهم بالمعروف ( و المعروف ms1144 يتناول القسمين و قوله ~~( و افعلوا الخير لعلكم تفلحون ( و هو يعم القسمين و قوله ( إركعوا و ~~اسجدوا ( و أمثال ذلك PageV16P007 و قال رحمه الله $ فصل فى السماع # أصل السماع الذى أمر الله به هو سماع ما جاء به الرسول ( صلى الله عليه و ~~سلم ) سماع فقه و قبول و لهذا إنقسم الناس فيه أربعة أصناف صنف معرض ممتنع ~~عن سماعه و صنف سمع الصوت و لم يفقه المعنى و صنف فقهه و لكنه لم يقبله و ~~الرابع الذى سمعه سماع فقه و قبول # ( الأو ل ( كالذين قال فيهم ( و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و ~~ألغوا فيه لعلكم تغلبون ( # و ( الصنف الثانى ( من سمع الصوت بذلك لكن لم يفقه المعنى قال تعالى ( و ~~مثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء و نداء صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون ( و قال تعالى ( و منهم من يستمع PageV16P008 إليك و جعلنا ~~على قلو بهم أكنة أن يفقهوه و فى آذانهم و قرا و إن يروا كل آية لا يؤمنوا ~~بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ( ~~و قال تعالى ( و منهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم و لو كانوا لا ~~يعقلون و منهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمى و لو كانوا لا يبصرون إن الله ~~لا يظلم الناس شيئا و لكن الناس أنفسهم يظلمون ( و قال تعالى ( و إذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك و بين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا و جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه و فى آذانهم و قرا و إذا ذكرت ربك فى القرآن و حده و ~~لوا على أدبارهم نفورا نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك و إذ هم ~~نجوى إذ يقول الظالمون أن تتبعون إلا رجلا مسحورا ( و قال تعالى ( و من ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها و نسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة ms1145 أن يفقهوه و فى آذانهم و قرا و إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا ~~إذا أبدا ( # و قو له ( أن يفقهوه ( يتناول من لم يفهم منه تفسير اللفظ كما يفهم بمجرد ~~العربية و من فهم ذلك لكن لم يعلم نفس المراد فى الخارج و هو ( الأعيان ( و ~~( الأفعال ( و ( الصفات ( المقصودة بالأمر و الخبر بحيث يراها و لا يعلم ~~أنها مدلول الخطاب مثل من يعلم و صفا مذموما و يكون هو متصفا به أو بعضا من ~~جنسه و لا يعلم أنه داخل فيه و قال تعالى PageV16P009 ( إن شر الدواب عند ~~الله الصم البكم الذين لا يعقلون و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم و لو ~~أسمعهم لتولوا و هم معرضون ( قال ذلك بعد قوله ( يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله و رسوله و لا تولوا عنه و أنتم تسمعون و لا تكونوا كالذين ~~قالوا سمعنا و هم لا يسمعون ( فقو له ( و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ( ~~لم يرد به مجرد إسماع الصوت لو جهين # ( أحدهما ( أن هذا السماع لابد منه و لا تقوم الحجة على المدعوين إلا به ~~كما قال ( و إن أحد من المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه ~~مأمنه ( و قال ( لأنذركم به و من بلغ ( و قال ( و ما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا ( # و ( الثانى ( أنه و حده لا ينفع فإنه قد حصل لجميع الكفار الذين استمعوا ~~القرآن و كفروا به كما تقدم بخلاف إسماع الفقه فإن ذلك هو الذي يعطيه الله ~~لمن فيه خير و هذا نظير ما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين ( و هذه الآية و الحديث يدلان ~~على أن من لم يحصل له السماع الذى يفقه معه القول فإن الله لم يعلم فيه ~~خيرا و لم يرد به خيرا و أن من علم الله فيه خيرا أو أراد به خيرا فلا بد ~~أن يسمعه ms1146 و يفقهه إذ الحديث قد بين أن كل من يرد الله به خيرا يفقهه فالأول ~~مستلزم للثانى و الصيغة عامة فمن لم يفقهه لم يكن داخلا فى العمو م فلا ~~يكون الله PageV16P010 أراد به خيرا و قد انتفى فى حقه اللازم فينتفي ~~الملزوم # و كذلك قوله ( و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ( بين أن الأو ل شرط ~~للثانى شرطا نحويا و هو ملزوم و سبب فيقتضى أن كل من علم الله فيه خيرا ~~أسمعه هذا الإسماع فمن لم يسمعه إياه لم يكن قد علم فيه خيرا فتدبر كيف و ~~جب هذا السماع و هذا الفقه و هذا حال المؤمنين بخلاف الذين يقولون بسماع لا ~~فقه معه أو فقه لا سماع معه أعنى هذا السماع # و أما قوله ( و لو أسمعهم لتولوا و هم معرضون ( فقد يشكل على كثير من ~~الناس لظنهم أن هذا السماع المشروط هو السماع المنفي في الجملة الأولى الذى ~~كان يكون لو علم فيهم خيرا و ليس فى الآية ما يقتضى ذلك بل ظاهرها و باطنها ~~ينافي ذلك فإن الضمير فى قوله ( و لو أسمعهم ( عائد إلى الضميرين فى قوله ( ~~و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ( و هؤلاء قد دل الكلام على أن الله لم ~~يعلم فيهم خيرا فلم يسمعهم إذ ( لو ( يدل على عدم الشرط دائما و إذا كان ~~الله ما علم فيهم خيرا فلو أسمعهم لتولوا و هم معرضون بمنزلة اليهود الذين ~~قالوا سمعنا و عصينا و هم ( الصنف الثالث ( # و دلت الآية على أنه ليس لكل من سمع و فقه يكون فيه خير PageV16P011 بل ~~قد يفقه و لا يعمل بعلمه فلا ينتفع به فلا يكون فيه خيرا و دلت أيضا على أن ~~إسماع التفهيم إنما يطلب لمن فيه خير فإنه هو الذى ينتفع به فأما من ليس ~~ينتفع به فلا يطلب تفهيمه # و ( الصنف الثالث ( من سمع الكلام و فقهه لكنه لم يقبله و لم يطع أمره ~~كاليهود الذين قال الله فيهم ms1147 ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه و ~~يقولون سمعنا و عصينا و أسمع غير مسمع و راعنا ليا بألسنتهم و طعنا فى ~~الدين و لو أنهم قالوا سمعنا و أطعنا و أسمع و أنظرنا لكان خيرا لهم و أقوم ~~و لكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ( و قال تعالى ( أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم و قد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه و هم يعلمون ( إلى قوله ( و منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى ( ~~أى تلاوة # فهؤلاء من ( الصنف الأو ل ( الذين يسمعون و يقرءون و لا يفقهون و يعقلون ~~إلى قوله و إذ أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله و بالوالدين ~~إحسانا ( إلى قوله ( و لقد آتينا موسى الكتاب و قفينا من بعده بالرسل و ~~آتينا عيسى بن مريم البينات و أيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا ~~تهوى أنفسكم إستكبرتم ففريقا كذبتم و فريقا تقتلون و قالوا قلوبنا غلف بل ~~لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ( كما PageV16P012 قال فى تلك الآية ( ~~و لكن لعنهم الله بكفرهم لا يؤمنون إلا قليلا ( و قال فى النساء ( فبما ~~نقضهم ميثاقهم و كفرهم بآيات الله و قتلهم الأنبياء بغير حق و قولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا و بكفرهم و قولهم على ~~مريم بهتانا عظيما ( إلى آخر القصة فأخبر بذنو بهم التى استحقوا بها ما ~~استحقوه و منها قولهم ( قلوبنا غلف ( # فعلم أنهم كاذبون فى هذا القول قاصدون به الإمتناع من الواجب و لهذا قال ~~( بل لعنهم الله ( و ( طبع عليها بكفرهم ( فهى و إن سمعت الخطاب و فقهته لا ~~تقبله و لا تؤمن به لا تصديقا له و لا طاعة و إن عرفوه كما قال ( الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ( ف ( غلف ( جمع أغلف و أما ( ~~غلف ( بالتحريك فجمع غلاف و القلب الأغلف بمنزلة الأقلف فهم ادعوا ذلك و هم ms1148 ~~كاذبون فى ذلك و اللعنة الأبعاد عن الرحمة فلو عملوا به لرحموا و لكن لم ~~يعملوا به فكانوا مغضوبا عليهم ملعونين و هذا جزاء من عرف الحق و لم يتبعه ~~و فقه كلام الرسل و لم يكن موافقا له بالإقرار تصديقا و عملا # و ( الصنف الرابع ( الذين سمعوا سماع فقه و قبول فهذا هو السماع المأمور ~~به كما قال تعالى ( و إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع مما عرفوا من الحق ( و قال تعالى ( قل PageV16P013 أوحى إلى أنه ~~استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به و ~~لن نشرك بربنا أحدا ( و قال تعالى ( و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا ~~قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق ~~و إلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله و آمنوا به ( الآيات و قال ~~تعالى ( إن الذين أو توا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~و يقولون سبحان ربنا إن كان و عد ربنا لمفعولا ( الآية و قال تعالى ( إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم و إذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا ( و قال تعالى ( و إذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا و هم يستبشرون و أما الذين فى ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم و ماتوا و هم كافرون ( و قال تعالى ( و ~~ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لا يزيد الظالمين إلا خسارا ( ~~و كذلك قوله ( قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يؤمنون فى آذانهم و ~~قر و هو عليهم عمى ( و مثله قوله ( هذا بيان للناس و هدى و موعظة للمتقين ( ~~فالبيان يعم كل من فقهه و الهدى و الموعظة للمتقين و ms1149 قوله ( هذا بصائر ~~للناس و هدى و رحمة PageV16P014 لقوم يوقنون ( و قوله ( ألم ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه هدى للمتقين ( # و هنا لطيفة تزيل إشكالا يفهم هنا و هو أنه ليس من شرط هذا المتقى المؤمن ~~أن يكون كان من المتقين المؤمنين قبل سماع القرآن فإن هذا أولا ممتنع إذ لا ~~يكون مؤمنا متقيا من لم يسمع شيئا من القرآن و ثانيا أن الشرط إنما يجب أن ~~يقارن المشروط لا يجب أن يتقدمه تقدما زمانيا كإستقبال القبلة فى الصلاة و ~~ثالثا أن المقصود أن يبين شيئان # ( أحدهما ( أن الإنتفاع به بالإهتداء و الإتعاظ و الرحمة هو و إن كان ~~موجبا له لكن لابد مع الفاعل من القابل إذ الكلام لا يؤثر فيمن لا يكون ~~قابلا له و إن كان من شأنه أن يهدى و يعظ و يرحم و هذا حال كل كلام # ( الثانى ( أن يبين أن المهتدين بهذا هم المؤمنون المتقون و يستدل بعدم ~~الإهتداء به على عدم الإيمان و التقوى كما يقال المتعلمون لكتاب بقراط هم ~~الأطباء و إن لم يكونوا أطباء قبل تعلمه بل بتعلمه و كما يقال كتاب سيبويه ~~كتاب عظيم المنفعة للنحاة و إن كانوا إنما صاروا نحاة بتعلمه و كما يقال ~~هذا مكان موافق للرماة و الركاب PageV16P015 $ فصل # قال الله تعالى ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى ~~الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألو انه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ~~إن فى ذلك لذكرى لأولي الألباب ( # فأخبر سبحانه أنه يسلك الماء النازل من السماء ينابيع و الينابيع جمع ~~ينبوع و هو منبع الماء كالعين و البئر فدل القرآن على أن ماء السماء تنبع ~~منه الأرض و الإعتبار يدل على ذلك فإنه إذا كثر ماء السماء كثرت الينابيع و ~~إذا قل قلت # و ماء السماء ينزل من السحاب و الله ينشئه من الهواء الذى في الجو و ما ~~يتصاعد من الأبخرة # و ليس فى القرآن أن جميع ما ينبع ms1150 يكون من ماء السماء و لا هذا أيضا ~~معلوما بالإعتبار فإن الماء قد ينبع من بطون الجبال PageV16P016 و يكون ~~فيها أبخرة يخلق منها الماء و الأبخرة و غيرها من الأهوية قد تستحيل كما ~~إذا أخذ إناء فو ضع فيه ثلج فإنه يبقى ما أحاط به ماء و هو هواء إستحال ماء ~~و ليس ذلك من ماء السماء فعلم أنه ممكن أن يكون فى الأرض ماء ليس من السماء ~~فلا يجزم بأن جميع المياه من ماء السماء وإن كان غالبها من ماء السماء ~~والله أعلم PageV16P017 و قال شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن ~~عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحرانى قدس الله روحه $ فصل # فى قوله تعالى ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم و أنيبوا إلى ربكم و ~~أسلموا له ( و قد ذكرنا فى غير موضع أن هذه الآية فى حق التائبين و أما ~~آيتا النساء قوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~( فلا يجوز أن تكون فى حق التائبين كما يقوله من يقوله من المعتزلة فإن ~~التائب من الشرك يغفر له الشرك أيضا بنصو ص القرآن و إتفاق المسلمين و هذه ~~الآية فيها تخصيص و تقييد و تلك الآية فيها تعميم و إطلاق هذه خص فيها ~~الشرك بأنه لا يغفره و ما عداه لم يجزم بمغفرته بل علقه بالمشيئة فقال ( و ~~يغفر ما دون ذلك لمن يشاء PageV16P018 و قد ذكرنا فى غير موضع أن هذه كما ~~ترد على الوعيدية من الخوارج و المعتزلة فهي ترد أيضا على المرجئة الواقفية ~~الذين يقولون يجوز أن يعذب كل فاسق فلا يغفر لأحد و يجوز أن يغفر للجميع ~~فإنه قد قال ( و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( فأثبت أن ما دون ذلك هو مغفور ~~لكن لمن يشاء فلو كان لا يغفره لأحد بطل قوله ( و يغفر ما ms1151 دون ذلك ( و لو ~~كان يغفره لكل أحد بطل قوله ( لمن يشاء ( فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك و ~~أن المغفرة هى لمن يشاء دل ذلك على و قوع المغفرة العامة مما دون الشرك ~~لكنها لبعض الناس # و حينئذ فمن غفر له لم يعذب و من لم يغفر له عذب و هذا مذهب الصحابة و ~~السلف و الأئمة و هو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار و بعضهم يغفر له ~~لكن هل ذلك على وجه الموازنة و الحكمة أو لا إعتبار بالموازنة فيه قولان ~~للمنتسبين إلى السنة من أصحابنا و غيرهم بناء على أصل الأفعال الإلهية هل ~~يعتبر فيها الحكمة و العدل و أيضا فمسألة الجزاء فيها نصوص كثيرة دلت على ~~الموازنة كما قد بسط فى غير هذا الموضع # و المقصود هنا أن قوله ( يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ( فيه نهي عن القنوط من رحمة الله ~~تعالى و إن عظمت الذنوب و كثرت فلا يحل لأحد أن يقنط من PageV16P019 رحمة ~~الله و إن عظمت ذنوبه و لا أن يقنط الناس من رحمة الله قال بعض السلف أن ~~الفقيه كل الفقيه الذى لا يؤيس الناس من رحمة الله و لا يجريهم على معاصى ~~الله # و القنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له إما لكونه إذا تاب لا يقبل ~~الله توبته و يغفر ذنوبه وإما بان يقول نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو ~~مغلوب معها و الشيطان قد إستحوذ عليه فهو ييأس من توبة نفسه و إن كان يعلم ~~أنه إذا تاب غفر الله له و هذا يعترى كثيرا من الناس و القنوط يحصل بهذا ~~تارة و بهذا تارة فالأول كالراهب الذي أفتى قاتل تسعة و تسعين أن الله لا ~~يغفر له فقتله و كمل به مائة ثم دل على عالم فأتاه فسأله فأفتاه بأن الله ~~يقبل توبته و الحديث فى الصحيحين و الثاني كالذى يرى ms1152 للتوبة شروطا كثيرة و ~~يقال له لها شروط كثيرة يتعذر عليه فعلها فييأس من أن يتوب # و قد تنازع الناس فى العبد هل يصير فى حال تمتنع منه التوبة إذا أرادها و ~~الصواب الذى عليه أهل السنة و الجمهور أن التوبة ممكنة من كل ذنب و ممكن أن ~~الله يغفره و قد فرضوا فى ذلك من توسط أرضا مغصوبة و من توسط جرحى فكيف ما ~~تحرك قتل بعضهم فقيل هذا لا طريق له إلى التوبة و الصحيح أن هذا إذا تاب ~~قبل الله توبته PageV16P020 أما من توسط الأرض المغصوبة فهذا خروجه بنية ~~تخلية المكان و تسليمه إلى مستحقه ليس منهيا عنه و لامحرما بل الفقهاء ~~متفقون على أن من غصب دارا و ترك فيها قماشه و ماله إذا أمر بتسليمها إلى ~~مستحقها فإنه يؤمر بالخروج منها و بإخراج أهله و ماله منها و إن كان ذلك ~~نوع تصرف فيها لكنه لأجل إخلائها # و المشرك إذا دخل الحرم أمر بالخروج منه و إن كان فيه مرور فيه و مثل هذا ~~حديث الأعرابى المتفق على صحته لما بال فى المسجد فقام الناس إليه فقال ~~النبى صلى الله عليه و سلم ( لا تزرموه ( أي لا تقطعو ا عليه بوله و أمرهم ~~أن يصبوا على بو له دلوا من ماء فهو لما بدأ بالبول كان إتمامه خيرا من أن ~~يقطعوه فيلوث ثيابه و بدنه و لو زنا رجل بإمرأة ثم تاب لنزع و لم يكن مذنبا ~~بالنزع و هل هو و طء فيه قولان هما روايتان عن أحمد فلو حلف أن لا يطأ ~~إمرأته بالطلاق الثلاث فالذين يقولون إنه يقع به الطلاق الثلاث إذا و طئها ~~تنازعوا هل يجوز له وطؤها على قولين هما روايتان عن أحمد ( أحدهما ( يجوز ~~كقول الشافعى و ( الثانى ( لا يجوز كقول مالك فإنه يقول إذا أجزت الوطء لزم ~~أن يباشرها فى حال النزع و هي محرمة و هذا إنما يجوز للضرورة لا يجوزه ~~إبتداء و ذلك يقول النزع ليس ms1153 بمحرم PageV16P021 و كذلك الذين يقولون إذا ~~طلع عليه الفجر و هو مولج فقد جامع لهم فى النزع قولان فى مذهب أحمد و غيره ~~و أما على ما نصرناه فلا يحتاج إلى شيء من هذه المسائل فإن الحالف إذا حنث ~~يكفر يمينه و لا يلزمه الطلاق الثلاث و ما فعله الناس حال التبين من أكل و ~~جماع فلا بأس به لقوله ( حتى ( # و المقصود أنه لا يجوز أن يقنط أحدا و لا يقنط أحد من رحمة الله فإن الله ~~نهى عن ذلك و أخبر أنه يغفر الذنوب جميعا # فإن قيل قوله ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ( معه عموم على وجه الإخبار ~~فدل أن الله يغفر كل ذنب و معلوم أنه لم يرد أن من أذنب من كافر و غيره ~~فإنه يغفر له و لا يعذبه لا في الدنيا و لا في الآخرة فإن هذا خلاف المعلوم ~~بالضرورة و التواتر و القرآن و الإجماع إذ كان الله أهلك أمما كثيرة ~~بذنوبها و من هذه الأمة من عذب بذنوبه إما قدرا و إما شرعا فى الدنيا قبل ~~الآخرة # و قد قال تعالى ( من يعمل سوءا يجز به ( و قال ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره ( فهذا يقتضى أن هذه الآية ليست على ~~ظاهرها بل المراد أن الله قد يغفر الذنوب جميعا أي ذلك مما قد يفعله أو أنه ~~يغفره لكل تائب لكن يقال فلم أتى بصيغة الجزم و الإطلاق فى مو ضع التردد و ~~التقييد قيل بل PageV16P022 الآية على مقتضاها فإن الله أخبر أنه يغفر جميع ~~الذنوب و لم يذكر أنه يغفر لكل مذنب بل قد ذكر فى غير مو ضع أنه لا يغفر ~~لمن مات كافرا فقال ( إن الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله ثم ماتوا و هم ~~كفار فلن يغفر الله لهم ( و قال فى حق المنافقين ( سواء عليهم إستغفرت لهم ~~أم لم تسغفر لهم لن يغفر الله لهم ( لكن هذا اللفظ العام ms1154 فى الذنوب هو مطلق ~~فى المذنبين فالمذنب لم يتعرض له بنفي و لا إثبات لكن يجوز أن يكون مغفورا ~~له و يجوز أن لا يكون مغفورا له إن أتى بما يوجب المغفرة غفر له و إن أصر ~~على ما يناقضها لم يغفر له # و أما جنس الذنب فإن الله يغفره فى الجملة الكفر و الشرك و غيرهما يغفرها ~~لمن تاب منها ليس فى الو جو د ذنب لا يغفره الرب تعالى بل ما من ذنب إلا و ~~الله تعالى يغفره فى الجملة # و هذه آية عظيمة جامعة من أعظم الآيات نفعا و فيها رد على طوائف رد على ~~من يقول إن الداعى إلى البدعة لا تقبل توبته و يحتجون بحديث إسرائيلى فيه ( ~~أنه قيل لذلك الداعية فكيف بمن أضللت ( و هذا يقوله طائفة ممن ينتسب إلى ~~السنة و الحديث و ليسوا من العلماء بذلك كأبى علي الأهوازي و أمثاله ممن لا ~~يميزون بين PageV16P023 الأحاديث الصحيحة و الموضوعة و ما يحتج به و ما لا ~~يحتج به بل يروون كلما فى الباب محتجين # و قد حكى هذا طائفة قولا في مذهب أحمد أو رواية عنه و ظاهر مذهبه مع ~~مذاهب سائر أئمة المسلمين أنه تقبل توبته كما تقبل توبة الداعى إلى الكفر و ~~توبة من فتن الناس عن دينهم # و قد تاب قادة الأحزاب مثل أبى سفيان بن حرب و الحارث ابن هشام و سهيل بن ~~عمرو و صفوان بن أمية و عكرمة بن أبى جهل و غيرهم بعد أن قتل على الكفر ~~بدعائهم من قتل و كانوا من أحسن الناس إسلاما و غفر الله لهم قال تعالى ( ~~قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ( و عمرو بن العاص كان من ~~أعظم الدعاة إلى الكفر و الإيذاء للمسلمين و قد قال له النبى صلى الله عليه ~~و سلم لما أسلم ( يا عمرو أما علمت أن الإسلام يجب ما كان قبله ( # و فى صحيح البخارى عن ابن مسعود فى ms1155 قوله ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ( قال كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم ~~أو لئك الجن و الإنس يعبدونهم ففي هذا أنه لم يضر الذين أسلموا عبادة غيرهم ~~بعد الإسلام لهم و إن كانوا هم أضلوهم أو لا PageV16P024 و أيضا فالداعي ~~إلى الكفر و البدعة و إن كان أضل غيره فذلك الغير يعاقب على ذنبه لكونه قبل ~~من هذا و أتبعه و هذا عليه و زره ووزر من إتبعه إلى يوم القيامة مع بقاء ~~أوزار أولئك عليهم فإذا تاب من ذنبه لم يبق عليه وزره و لا ما حمله هو لأجل ~~إضلالهم و أما هم فسواء تاب أو لم يتب حالهم واحد و لكن توبته قبل هذا ~~تحتاج إلى ضد ما كان عليه من الدعاء إلى الهدى كما تاب كثير من الكفار و ~~أهل البدع و صاروا دعاة إلى الإسلام و السنة و سحرة فرعون كانوا أئمة فى ~~الكفر ثم أسلموا و ختم الله لهم بخير # و من ذلك توبة قاتل النفس و الجمهور على أنها مقبولة و قال إبن عباس لا ~~تقبل و عن أحمد روايتان و حديث قاتل التسعة و التسعين في الصحيحين دليل على ~~قبول توبته و هذه الآية تدل على ذلك و آية النساء إنما فيها و عيد فى ~~القرآن كقوله ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم ~~نارا و سيصلون سعيرا ( و مع هذا فهذا إذا لم يتب و كل و عيد فى القرآن فهو ~~مشروط بعدم التوبة بإتفاق الناس فبأي و جه يكون وعيد القاتل لاحقا به و إن ~~تاب هذا فى غاية الضعف و لكن قد يقال لا تقبل تو بته بمعنى أنه لا يسقط حق ~~المظلوم بالقتل بل التوبة تسقط حق الله و المقتول مطالبه بحقه و هذا صحيح ~~فى جميع حقوق الآدميين حتى الدين فإن فى الصحيحين عن النبى صلى PageV16P025 ~~الله عليه سلم أنه قال ( الشهيد يغفر له كل شيء إلا ms1156 الدين ( لكن حق الآدمى ~~يعطاه من حسنات القاتل # فمن تمام التوبة أن يستكثر من الحسنات حتى يكون له ما يقابل حق المقتول و ~~لعل ابن عباس رأى أن القتل أعظم الذنوب بعد الكفر فلا يكون لصاحبه حسنات ~~تقابل حق المقتول فلا بد أن يبقى له سيئات يعذب بها و هذا الذى قاله قد يقع ~~من بعض الناس فيبقى الكلام فيمن تاب و أخلص و عجز عن حسنات تعادل حق ~~المظلوم هل يجعل عليه من سيئات المقتول ما يعذب به و هذا مو ضع دقيق على ~~مثله يحمل حديث إبن عباس لكن هذا كله لا ينافى مو جب الآية و هو أن الله ~~تعالى يغفر كل ذنب الشرك و القتل و الزنا و غير ذلك من حيث الجملة فهى عامة ~~فى الأفعال مطلقة فى الأشخاص # و مثل هذا قوله ( أقتلوا المشركين حيث و جدتموهم ( عام في الأشخاص مطلق ~~في أحوال الأرجل إذ قد تكون مستورة بالخف و اللفظ لم يتعرض إلى الأحوال # و كذلك قوله تعالى ( يو صيكم الله فى أولادكم ( عام فى الأولاد عام فى ~~الأحوال إذ قد يكون الولد موافقا فى الدين و مخالفا و حرا و عبدا و اللفظ ~~لم يتعرض إلى الأحوال PageV16P026 و كذلك قوله ( يغفر الذنوب ( عام فى ~~الذنوب مطلق في أحوالها فإن الذنب قد يكون صاحبه تائبا منه و قد يكون مصرا ~~و اللفظ لم يتعرض لذلك بل الكلام يبين أن الذنب يغفر في حال دون حال فإن ~~الله أمر بفعل ما تغفر به الذنوب و نهى عما به يحصل العذاب يوم القيامة بلا ~~مغفرة فقال ( و أنيبوا إلى ربكم و أسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~و أنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت فى جنب الله و إن كنت ~~لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من المتقين أو تقول حين ترى ~~العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلي قد جاءتك آياتى فكذبت ms1157 بها و ~~استكبرت و كنت من الكافرين ( فهذا إخبار أنه يوم القيامة يعذب نفوسا لم ~~يغفر لها كالتى كذبت بآياته و إستكبرت و كانت من الكافرين و مثل هذه الذنوب ~~غفرها الله لآخرين لأنهم تابوا منها # فإن قيل فقد قال تعالى ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم إزدادوا كفرا لن ~~تقبل توبتهم و أولئك هم الضالون ( و قال تعالى ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ~~ثم آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم و لا ليهديهم ~~سبيلا ( قيل إن القرآن قد بين توبة الكافر و إن كان قد إرتد ثم عاد إلى ~~الإسلام فى غير موضع كقوله تعالى ( كيف يهدى الله قو ما كفروا بعد إيمانهم ~~و شهدوا أن الرسول حق PageV16P027 و جاءهم البينات و الله لا يهدى القوم ~~الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين ~~خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم ( و قوله ( كيف يهدى الله ( أى أنه لا ~~يهديهم مع كونهم مرتدين ظالمين و لهذا قال ( و الله لا يهدى القوم الظالمين ~~( فمن إرتد عن دين الإسلام لم يكن إلا ضالا لا يحصل له الهدى إلى أى دين ~~إرتد ( و المقصود ( أن هؤلاء لا يهديهم الله و لا يغفر لهم إلا أن يتوبوا # و كذلك قال فى قوله ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ( و من كفر ~~بالله من بعد إيمانه من غير إكراه فهو مرتد قال ( ثم أن ربك للذين هاجروا ~~من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا و صبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ( # و هو سبحانه فى آل عمران ذكر المرتدين ثم ذكر التائبين منهم ثم ذكر من لا ~~تقبل توبته و من مات كافرا فقال ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم إزدادوا ~~كفرا لن تقبل توبتهم و أولئك هم الضالون إن الذين كفروا و ماتوا و هم ms1158 كفار ~~فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو إفتدى به أو لئك لهم عذاب أليم و ما ~~لهم من ناصرين ( و هؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالا قيل ~~لنفاقهم و قيل PageV16P028 لأنهم تابوا مما دون الشرك و لم يتوبوا منه و ~~قيل لن تقبل توبتهم بعد الموت و قال الأكثرون كالحسن و قتادة و عطاء ~~الخراساني و السدى لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت فيكون هذا كقوله ( و ~~ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت ~~الآن و لا الذين يموتون و هم كفار ( # و كذلك قوله ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا ~~كفرا لم يكن الله ليغفر لهم و لا ليهديهم سبيلا ( قال مجاهد و غيره من ~~المفسرين إزدادوا كفرا ثبتوا عليه حتى ماتوا # قلت و ذلك لأن التائب راجع عن الكفر و من لم يتب فإنه مستمر يزداد كفرا ~~بعد كفر فقوله ( ثم إزدادوا ( بمنزلة قول القائل ثم أصروا على الكفر و ~~إستمروا على الكفر و داموا على الكفر فهم كفروا بعد إسلامهم ثم زاد كفرهم ~~ما نقص فهؤلاء لا تقبل توبتهم و هي التوبة عند حضور الموت لأن من تاب قبل ~~حضور الموت فقد تاب من قريب و رجع عن كفره فلم يزدد بل نقص بخلاف المصر إلى ~~حين المعاينة فما بقي له زمان يقع لنقص كفره فضلا عن هدمه # و فى الآية الأخرى قال ( لم يكن الله ليغفر لهم ( و ذكر أنهم PageV16P029 ~~آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفرا و قيل لأن المرتد إذا ~~تاب غفر له كفره فإذا كفر بعد ذلك و مات كافرا حبط إيمانه فعوقب بالكفر ~~الأول و الثانى كما فى الصحيحين عن إبن مسعود قال قيل يا رسول الله أنؤاخذ ~~بما عملنا فى الجاهلية فقال ( من أحسن فى الإسلام لم يؤاخذ بما عمل فى ~~الجاهلية و من أساء فى الإسلام أخذ بالأول و الآخر ms1159 ( فلو قال إن الذين ~~آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم كان هؤلاء الذين ~~ذكرهم فى آل عمران فقال ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم إزدادوا كفرا لن ~~تقبل توبتهم ( بل ذكر أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا بعد ذلك و هو المرتد ~~التائب فهذا إذا كفر و إزداد كفرا لم يغفر له كفره السابق أيضا فلو آمنوا ~~ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا لم يكونوا قد إزدادوا كفرا فلا يدخلون ~~فى الآية # و الفقهاء إذا تنازعوا فى قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق ~~فذاك إنما هو فى الحكم الظاهر لأنه لا يوثق بتوبته أما إذا قدر أنه أخلص ~~التوبة لله فى الباطن فإنه يدخل فى قوله ( يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم ( # و نحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا فى الدنيا و لا فى الآخرة ~~PageV16P030 لا شرعا و لا قدرا و العقو بات التى تقام من حد أو تعزير إما ~~أن يثبت سببها بالبينة مثل قيام البينة بأنه زنا أو سرق أو شرب فهذا إذا ~~أظهر التوبة لم يوثق بها و لو درىء الحد بإظهار هذا لم يقم حد فإنه كل من ~~تقام عليه البينة يقول قد تبت و إن كان تائبا فى الباطن كان الحد مكفرا و ~~كان مأجورا على صبره و أما إذا جاء هو بنفسه فإعترف و جاء تائبا فهذا لا ~~يجب أن يقام عليه الحد فى ظاهر مذهب أحمد نص عليه فى غير موضع و هي من ~~مسائل التعليق و احتج عليها القاضي بعدة أحاديث و حديث الذى قال ( أصبت حدا ~~فأقمه على فأقيمت الصلاة ( يدخل فى هذا لأنه جاء تائبا و إن شهد على نفسه ~~كما شهد به ماعز و الغامدية و اختار إقامة الحد أقيم عليه و إلا فلا كما فى ~~حديث ماعز ( فهلا تركتموه ( و الغامدية ردها ms1160 مرة بعد مرة # فالإمام و الناس ليس عليهم إقامة الحد على مثل هذا و لكن هو إذا طلب ذلك ~~أقيم عليه كالذى يذنب سرا و ليس على أحد أن يقيم عليه حدا لكن إذا إختار هو ~~أن يعترف و يقام عليه الحد أقيم و إن لم يكن تائبا و هذا كقتل الذى ينغمس ~~فى العدو هو مما يرفع الله به درجته كما قال النبى صلى الله عليه و سلم ( ~~لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له و هل و جدت أفضل من أن جادت ~~بنفسها لله ( # و قد قيل فى ماعز إنه رجع عن الإقرار و هذا هو أحد القولين PageV16P031 ~~فيه في مذهب أحمد و غيره و هو ضعيف و الأول أجود و هؤلاء يقولون سقط الحد ~~لكونه رجع عن الإقرار و يقولون رجوعه عن الإقرار مقبول و هو ضعيف بل فرق ~~بين من أقر تائبا و من أقر غير تائب فإسقاط العقوبة بالتوبة كما دلت عليه ~~النصوص أولى من إسقاطها بالرجوع عن الإقرار و الإقرار شهادة منه على نفسه و ~~لو قبل الرجوع لما قام حد بإقرار فإذا لم تقبل التوبة بعد الإقرار مع أنه ~~قد يكون صادقا فالرجوع الذى هو فيه كاذب أولى # آخره و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و آله و سلم ~~تسليما كثيرا إلى يوم الدين PageV16P032 و سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن قوله تعالى ( و نفخ فى الصور فصعق من في السموات و من فى الأرض إلا من ~~شاء الله ( قال المفسرون مات من الفزع و شدة الصوت ( من فى السموات و من فى ~~الأرض إلا من شاء ( أخبرنا أبو الفتح أحمد بن علي الكوفي الصوفي أنا أبو ~~الحسن على بن الحسن التميمي ثنا محمد بن إسحاق الرملي ثنا هشام بن عمار ثنا ~~إسماعيل ابن عياش عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله ms1161 عليه و سلم أنه سأل جبريل عن هذه الآية ( و ~~نفخ فى الصور فصعق من فى السموات و من فى الأرض إلا من شاء الله ( من الذي ~~لم يشأ الله أن يصعقهم قال هم الشهداء متقلدين سيوفهم حول العرش و هذا قول ~~سعيد بن جبير و عطاء ( و ( ابن عباس و قال مقاتل و السدي و الكلبى هو جبريل ~~و ميكائيل و إسرافيل و ملك الموت ( ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ( يعني ~~الخلق كلهم قيام على أرجلهم ( ينظرون ( ما يقال لهم و ما يؤمرون به هذا ~~كلام الواحدي فى ( كتاب الوسيط ( بينوا لنا PageV16P033 حقيقة الصعوق هل ~~يطلق على الموت فى حق المذكورين و حقيقة الاستثناء # فأجاب الحمد لله الذى عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة ~~و حتى عزرائيل ملك الموت و روي فى ذلك حديث مرفوع إلى النبى صلى الله عليه ~~و سلم و المسلمون و اليهود و النصارى متفقون على إمكان ذلك و قدرة الله ~~عليه و إنما يخالف فى ذلك طوائف من المتفلسفة أتباع أرسطو و أمثالهم ممن ~~زعم أن الملائكة هي العقول و النفوس و أنه لا يمكن موتها بحال بل هي عندهم ~~آلهة و أرباب هذا العالم # و القرآن و سائر الكتب تنطق بأن الملائكة عبيد مدبرون كما قال سبحانه ( ~~لن يستنكف المسيح أن يكون عبدالله و لا الملائكة المقربون و من يستنكف عن ~~عبادته و يستكبر فسيحشرهم إليه جميعا و قال تعالى ( و قالوا إتخذ الرحمن و ~~لدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون يعلم ما ~~بين أيديهم و ما خلفهم و لا يشفعون إلا لمن إرتضى ( و قال تعالى ( و كم من ~~ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء و ~~يرضى ( PageV16P034 و الله سبحانه و تعالى قادر على أن يميتهم ثم يحييهم ~~كما هو قادر على إماتة البشر و الجن ثم إحيائهم و قد قال سبحانه ms1162 ( و هو ~~الذى يبدأ الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه ( و قد ثبت الحديث الصحيح عن ~~النبى صلى الله عليه و سلم من غير وجه و عن غير واحد من أصحابه أنه قال ( ~~إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة غشى ( و فى رواية ( إذا سمعت ~~الملائكة كلامه صعقوا ( و فى رواية ( سمعت الملائكة كجر السلسلة على صفوان ~~فيصعقون فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ( فينادون الحق ~~الحق ( # فقد أخبر فى هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعوق الغشي فإذا جاز عليهم ~~صعوق الغشي جاز عليهم صعوق الموت و هؤلاء المتفلسفة لا يجوزون لا هذا و لا ~~هذا و صعوق الغشي هو مثل صعوق موسى عليه السلام قال تعالى ( فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا و خر موسى صعقا ( # و القرآن قد أخبر بثلاث نفخات # نفخة الفزع ذكرها في سورة النمل فى قوله ( و نفخ فى الصور ففزع من فى ~~السموات و من في الأرض إلا من شاء الله ( و نفخة الصعق و القيام ذكرهما فى ~~قوله ( و نفخ فى الصور فصعق من PageV16P035 فى السموات و من فى الأرض إلا ~~من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ( # و أما الإستثناء فهو متناول لمن فى الجنة من الحور العين فإن الجنة ليس ~~فيها موت و متناول لغيرهم و لا يمكن الجزم بكل من إستثناه الله فإن الله ~~أطلق فى كتابه # و قد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( إن الناس يصعقون ~~يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى آخذا بساق العرش فلا أدري هل أفاق ~~قبلي أم كان ممن إستثناه الله ( و هذه الصعقة قد قيل إنها رابعة و قيل إنها ~~من المذكورات فى القرآن و بكل حال النبى صلى الله عليه و سلم قد توقف فى ~~موسى هل هو داخل فى الإستثناء فيمن استثناه الله أم لا # فإذا كان النبى صلى الله عليه و سلم لم ms1163 يجزم بكل من إستثناه الله لم ~~يمكنا أن نجزم بذلك و صار هذا مثل العلم بقرب الساعة و أعيان الأنبياء و ~~أمثال ذلك مما لم يخبر به و هذا العلم لا ينال إلا بالخبر و الله أعلم و ~~صلى الله على محمد و آله و صحبه و سلم تسليما + + + + + + + + + + + ~~PageV16P036 سورة الشورى وقال الشيخ رحمه الله # قد كتبت بعض ما يتعلق بقوله تعالى ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون ( إلى قوله ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ( ~~فمدحهم على الإنتصار تارة وعلى الصبر أخرى # و ( المقصود هنا ( أن الله لما حمدهم على هذه الصفات من الإيمان والتوكل ~~ومجانبة الكبائر والإستجابة لربهم وإقام الصلاة والإشتوار فى أمرهم ~~وإنتصارهم إذا أصابهم البغي والعفو والصبر ونحو ذلك كان هذا دليلا على أن ~~ضد هذه الصفات ليس محمودا بل مذموما فإن هذه الصفات مستلزمة لعدم ضدها فلو ~~كان ضدها محمودا لكان عدم المحمود محمودا وعدم المحمود لا يكون محمودا إلا ~~أن يخلفه ما هو محمود ولأن حمدها والثناء عليها طلب لها وأمر بها ولو أنه ~~أمر إستحباب والأمر بالشيء نهى عن ضده قصدا أو لزوما وضد الإنتصار العجز ~~وضد الصبر الجزع فلا خير فى العجز ولا فى الجزع كما نجده فى حال كثير من ~~الناس حتى بعض المتدينين إذا ظلموا أو PageV16P037 أرادوا منكرا فلا هم ~~ينتصرون ولا يصبرون بل يعجزون ويجزعون # وفى سنن أبى داود من رواية عوف بن مالك إن رجلين تحاكما إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقال المقضي عليه حسبى الله ونعم الوكيل فقال النبى ( إن ~~الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبى الله ونعم ~~الوكيل ( وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( المؤمن القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير إحرص على ما ينفعك وإستعن بالله ~~ولا تعجز وإن غلبك أمر فلا تقل لوأني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله ~~وما ms1164 شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ( لا تعجز عن مأمور ولا تجزع من مقدور # ومن الناس من يجمع كلا الشرين فأمر النبى بالحرص على النافع والإستعانة ~~بالله والأمر يقتضي الوجوب وإلا فالإستحباب ونهى عن العجز وقال ( إن الله ~~يلوم على العجز ( والعاجز ضد الذين هم ينتصرون والأمر بالصبر والنهي عن ~~الجزع معلوم فى مواضع كثيرة # وذلك لأن الإنسان بين أمرين أمر أمر بفعله فعليه أن يفعله PageV16P038 ~~ويحرص عليه ويستعين الله ولا يعجز وأمر أصيب به من غير فعله فعليه أن يصبر ~~عليه ولا يجزع منه ولهذا قال بعض العقلاء إبن المقفع أو غيره الأمر أمران ~~أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه وهذا فى جميع ~~الأمور لكن عند المؤمن الذى فيه حيلة هو ما أمر الله به وأحبه له فإن الله ~~لم يأمره إلا بما فيه حيلة له إذ لا يكلف نفسا إلا وسعها وقد أمره بكل خير ~~فيه له حيلة وما لا حيلة فيه هو ما أصيب به من غير فعله # وإسم الحسنات والسيئات يتناول القسمين فالأفعال مثل قوله تعالى ( من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ( ومثل قوله ~~تعالى ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ( ومثل قوله ( وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها ( ومثل قوله تعالى ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ( ~~والمصائب المقدرة خيرها وشرها مثل قوله ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون ( إلى آيات كثيرة من هذا الجنس والله أعلم PageV16P039 سورة الزخرف ~~وقال $ فصل # قوله ( وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( ~~يشبه قوله ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا ءآلهتنا خير ~~أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ( فيشبه والله أعلم أن يكون ~~ضرب المثل أنهم جعلوا المسيح إبنه والملائكة بناته والولد يشبه أباه فجعلوه ~~لله شبيها ونظيرا أو يكون المعنى فى المسيح أنه مثل لآلهتهم لأنه عبد من ~~دون ms1165 الله # فعلى الأول يكون ضاربه كضارب المثل للرحمن وهم النصارى والمشركون وعلى ~~الثاني يكون ضاربه هو الذي عارض به قوله ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم ( فلما قال ابن الزبعرى لأخصمن محمدا فعارضه بالمسيح وناقضه به كان قد ~~ضربه مثلا قاس الآلهة عليه ويترجح هذا بقوله ( ما ضربوه لك إلا جدلا ( فعلم ~~أنهم هم الذين PageV16P040 ضربوه لا النصارى # فإن المثل يقال على الأصل وعلى الفرع والمثل يقال على المفرد ويقال على ~~الجملة التى هى القياس كما قد ذكرت فيما تقدم أن ضرب المثل هو القياس إما ~~قياس التمثيل فيكون المثل هو المفرد وإما قياس الشمول فيكون تسميته ضرب مثل ~~كتسميته قياسا كما بينته فى غير هذا الموضع من جهة مطابقة المعاني الذهنية ~~للأعيان الخارجية ومماثلتها لها ومن جهة مطابقة ذلك المفرد المعين للمعنى ~~العام الشامل للأفراد ولسائر الأفراد فإن الذهن يرتسم فيه معنى عام يماثل ~~الفرد المعين وكل فرد يماثل الآخر فصار هذا المعنى يماثل هذا وكل منهما ~~يماثل المعنى العام الشامل لهما # وبهذا والله أعلم سمى ضرب مثل وسمى قياسا فإن الضرب الجمع والجمع فى ~~القلب واللسان وهو العموم والشمول فالجمع والضرب والعموم والشمول فى النفس ~~معنى ولفظا فإذا ضرب مثلا فقد صيغ عموما مطابقا أو صيغ مفردا مشابها فتدبر ~~هذا فإنه حسن إن شاء الله # ولك أن تقول كل إخبار بمثل صوره المخبر فى النفس فهو ضرب PageV16P041 مثل ~~لأن المتكلم جمع مثلا فى نفسه ونفس المستمع بالخبر المطابق للمخبر فيكون ~~المثل هو الخبر وهو الوصف كقوله ( مثل الجنة التى وعد المتقون ( وقوله ( ~~ضرب مثل فاستمعوا له ( # وبسط هذا اللفظ واشتماله على محاسن الأحكام والأدلة قد ذكرته فى غير هذا ~~الموضع PageV16P042 # سورة الأحقاف # سأل رجل آخر # عن قوله تعالى ( ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ( فقال ما سمعنا بنص ~~القرآن والحديث أن ما قبل كتابنا إلا الإنجيل فقال الآخر عيسى إنما كان ~~تبعا لموسى والإنجيل إنما فيه توسع فى الأحكام تيسير مما فى التوراة فأنكر ~~عليه رجل ms1166 وقال كان لعيسى شرع غير شرع موسى واحتج بقوله ( لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا ( قال فما الحكم فى قوله ( وإذ قال عيسى بن مريم يا بني ~~إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ( فقال ليست هذه ~~حجة # فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله # قد أخبر الله فى القرآن أن عيسى قال لهم ( ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم ~~( فعلم أنه أحل البعض دون الجميع وأخبر عن المسيح أنه علمه التوراة ~~والإنجيل بقوله ( ويعلمه التوراة والإنجيل ( # ومن المعلوم أنه لولا أنه متبع لبعض ما فى التوراة لم يكن تعلمها ~~PageV16P043 له منة ألا ترى أنا نحن لم نؤمر بحفظ التوراة والإنجيل وإن كان ~~كثير من شرائع الكتابين يوافق شريعة القرآن فهذا وغيره يبين ما ذكره علماء ~~المسلمين من أن الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة وأكثر الأحكام يتبع فيها ~~ما فى التوراة وبهذا يحصل التغاير بين الشرعتين # ولهذا كان النصارى متفقين على حفظ التوراة وتلاوتها كما يحفظون الإنجيل ~~ولهذا لما سمع النجاشي القرآن قال إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة ~~واحدة وكذلك ورقة بن نوفل قال للنبى لما ذكر له النبى ما يأتيه قال هذا هو ~~الناموس الذي كان يأتى موسى # وكذلك قالت الجن ( إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ( وقال تعالى ( فلما ~~جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى أو لم يكفروا بما ~~أوتى موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا ( أى موسى ومحمد وفى القراءة الأخرى ~~( سحران تظاهرا ( أي التوراة والقرآن # وكذلك قال ( وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به PageV16P044 موسى نورا وهدى للناس ( إلى ~~قوله ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه ( فهذا وما أشبهه مما ~~فيه إقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر يبين ما ذكروه من أن التوراة ~~هى الأصل والإنجيل تبع لها فى كثير من الأحكام وإن كان مغايرا لبعضها # فلهذا يذكر الإنجيل ms1167 مع التوراة والقرآن فى مثل قوله ( نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان ( وقال ( وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ) فيذكر ~~الثلاثة تارة ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة لسر ( وهو ( أن الإنجيل ~~من وجه أصل ومن وجه تبع بخلاف القرآن مع التوراة فإنه أصل من كل وجه بل هو ~~مهيمن على ما بين يديه من الكتاب وإن كان موافقا للتوراة فى أصول الدين ~~وكتبه من الشرائع والله أعلم PageV16P045 # سورة # سئل رحمه الله # عن قوله ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ( ما المزيد # فأجاب قد قيل أنها تقول ( هل من مزيد ( أي ليس في محتمل للزيادة والصحيح ~~أنها تقول ( هل من مزيد ( على سبيل الطلب أي هل من زيادة تزاد فى والمزيد ~~ما يزيده الله فيها من الجن والإنس كما فى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى ~~أنه قال ( لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها ~~قدمه ( ويروى ( عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط ( # فإذا قالت حسبى حسبى كانت قد اكتفت بما ألقى فيها ولم تقل بعد ذلك هل من ~~مزيد بل تمتلىء بما فيها لإنزواء بعضها إلى بعض فإن الله يضيقها على من ~~فيها لسعتها فإنه قد وعدها ليملأنها PageV16P046 من الجنة والناس أجمعين ~~وهي واسعة فلا تمتلىء حتى يضيقها على من فيها # قال ( وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقا فيدخلهم الجنة فبين ان الجنة ~~لا يضيقها سبحانه بل ينشيء لها خلقا فيدخلهم الجنة لأن الله يدخل الجنة من ~~لم يعمل خيرا لأن ذلك من باب الإحسان وأما العذاب بالنار فلا يكون إلا لمن ~~عصى فلا يعذب أحدا بغير ذنب والله أعلم PageV16P047 $ فصل # سورة المجادلة وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل وقوله تعالى ( يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ( خص سبحانه رفعه بالأقدار ~~والدرجات الذين أوتوا العلم والإيمان وهم الذين إستشهد بهم ms1168 فى قوله تعالى ( ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ( # وأخبر أنهم هم الذين يرون ما أنزل إلى الرسول هو الحق بقوله تعالى ( ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ( فدل على أن تعلم الحجة ~~والقيام بها يرفع درجات من يرفعها كما قال تعالى ( نرفع درجات من نشاء ( # قال زيد بن أسلم بالعلم فرفع الدرجات والأقدار على قدر معاملة القلوب ~~بالعلم والإيمان فكم ممن يختم القرآن فى اليوم مرة أو مرتين وآخر لا ينام ~~الليل وآخر لا يفطر وغيرهم أقل عبادة PageV16P048 منهم وأرفع قدرا فى قلوب ~~الأمة فهذا كرز بن وبرة وكهمس وإبن طارق يختمون القرآن فى الشهر تسعين مرة ~~وحال ابن المسيب وابن سيرين والحسن وغيرهم فى القلوب أرفع # وكذلك ترى كثيرا ممن لبس الصوف ويهجر الشهوات ويتقشف وغيره ممن لا يدانيه ~~فى ذلك من أهل العلم والإيمان أعظم فى القلوب وأحلى عند النفوس وما ذاك إلا ~~لقوة المعاملة الباطنة وصفائها وخلوصها من شهوات النفوس وأكدار البشرية ~~وطهارتها من القلوب التى تكدر معاملة أولئك وإنما نالوا ذلك بقوة يقينهم ~~بما جاء به الرسول وكمال تصديقه فى قلوبهم ووده ومحبته وأن يكون الدين كله ~~لله فإن أرفع درجات القلوب فرحها التام بما جاء به الرسول وإبتهاجها ~~وسرورها كما قال تعالى ( والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ( ~~وقال تعالى ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ( الآية ففضل الله ~~ورحمته القرآن والإيمان من فرح به فقد فرح بأعظم مفروح به ومن فرح بغيره ~~فقد ظلم نفسه ووضع الفرح فى غير موضعه # فإذا استقر فى القلب وتمكن فيه العلم بكفايته لعبده ورحمته له وحلمه عنده ~~وبره به وإحسانه إليه على الدوام أوجب له الفرح والسرور أعظم من فرح كل محب ~~بكل محبوب سواه فلا يزال مترقيا PageV16P049 فى درجات العلو والإرتفاع بحسب ~~رقيه فى هذه المعارف # هذا فى ( باب معرفة الأسماء والصفات ( وأما فى ( باب فهم القرآن ( فهو ~~دائم التفكر فى معانيه والتدبر لألفاظه ms1169 وإستغنائه بمعانى القرآن وحكمه عن ~~غيره من كلام الناس وإذا سمع شيئا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن ~~فإن شهد له بالتزكية قبله وإلا رده وإن لم يشهد له بقبول ولا رد وقفه وهمته ~~عاكفة على مراد ربه من كلامه # ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن إما ~~بالوسوسة فى خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل ~~والقصير والمتوسط وغير ذلك فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب ~~من كلامه وكذلك شغل النطق ب ( أأنذرتهم ( وضم الميم من ( عليهم ( ووصلها ~~بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت # وكذلك تتبع وجوه الإعراب واستخراج التأويلات المستكرهة التى هي بالألغاز ~~والأحاجي أشبه منها بالبيان PageV16P050 # وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس ونتائج أفكارهم # وكذلك تأويل القرآن على قول من قلد دينه أو مذهبه فهو يتعسف بكل طريق حتى ~~يجعل القرآن تبعا لمذهبه وتقوية لقول إمامه كل محجوبون بما لديهم عن فهم ~~مراد الله من كلامه فى كثير من ذلك أو أكثره # وكذلك يظن من لم يقدر القرآن حق قدره أنه غير كاف فى معرفة التوحيد ~~والأسماء والصفات وما يجب لله وينزه عنه بل الكافى فى ذلك عقول الحيارى ~~والمتهوكين الذين كل منهم قد خالف صريح القرآن مخالفة ظاهرة وهؤلاء أغلظ ~~الناس حجابا عن فهم كتاب الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم PageV16P051 # سورة الطلاق وقال $ فصل # وأما قوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ( فقد ~~بين فيها أن المتقي يدفع الله عنه المضرة بما يجعله له من المخرج ويجلب له ~~من المنفعة بما ييسره له من الرزق والرزق إسم لكل ما يغتذى به الإنسان وذلك ~~يعم رزق الدنيا ورزق الآخرة وقد قال بعضهم ما افتقر تقى قط قالوا ولم قال ~~لأن الله يقول ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ( # وقول القائل قد نرى من يتقي وهو محروم ومن ms1170 هو بخلاف ذلك وهو مرزوق # فجوابه أن الآية إقتضت أن المتقي يرزق من حيث لا يحتسب ولم تدل على أن ~~غير المتقي لا يرزق بل لابد لكل مخلوق من الرزق قال الله تعالى ( وما من ~~دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ( حتى PageV16P052 إن ما يتناوله العبد ~~من الحرام هو داخل في هذا الرزق فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة ويرزقون ~~رزقا حسنا وقد لا يرزقون إلا بتكلف وأهل التقوى يرزقهم الله من حيث لا ~~يحتسبون ولا يكون رزقهم بأسباب محرمة ولا يكون خبيثا والتقى لا يحرم ما ~~يحتاج إليه من الرزق وإنما يحمى من فضول الدنيا رحمة به وإحسانا إليه فإن ~~توسيع الرزق قد يكون مضرة على صاحبه وتقديره يكون رحمة لصاحبه # قال تعالى ( فأما الإنسان إذا ما إبتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن وأما إذا ما إبتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا ( أي ليس ~~الأمر كذلك فليس كل من وسع عليه رزقه يكون مكرما ولا ( كل ) من قدر عليه ~~رزقه يكون مهانا بل قد يوسع عليه رزقه إملاء وإستدراجا وقد يقدر عليه رزقه ~~حماية وصيانة له وضيق الرزق على عبد من أهل الدين قد يكون لماله من ذنوب ~~وخطايا كما قال بعض السلف إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفى الحديث عن ~~النبى ( من أكثر الإستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ~~ورزقه من حيث لا يحتسب ( # وقد أخبر الله تعالى أن الحسنات يذهبن السيئات والإستغفار سبب للرزق ~~والنعمة وأن المعاصي سبب للمصائب والشدة فقال تعالى PageV16P053 ( الر كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ( إلى قوله ( ويؤت كل ذي فضل فضله ( ~~وقال تعالى ( إستغفروا ربكم إنه كان غفارا ( إلى قوله ( ويجعل لكم جنات ~~ويجعل لكم أنهارا ( وقال تعالى ( وأن لو إستقاموا على الطريقة لأسقيناهم ~~ماء غدقا لنفتنهم فيه ( وقال تعالى ( ولو أن أهل القرى آمنوا وإتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ( وقال ms1171 ~~تعالى ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم ( وقال تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفو عن كثير ( وقال تعالى ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ( وقال تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك ( وقال تعالى ( فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم ~~يتضرعون فلولا إذ جاءهم باسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون ( # وقد أخبر الله تعالى فى كتابه أنه يبتلي عباده بالحسنات والسيئات ~~فالحسنات هي النعم والسيئات هى المصائب ليكون العبد صبارا شكورا وفى الصحيح ~~عن النبى أنه قال والذي نفسى بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا ~~له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ~~ضراء صبر فكان خيرا له ( PageV16P054 # وقال أيضا $ فصل # قال الله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ( قد ~~روى عن أبى ذر عن النبى أنه قال ( لو أخذ الناس كلهم بهذه الاية لكفتهم ( ~~وقوله ( مخرجا ( عن بعض السلف أي من كل ما ضاق على الناس وهذه الاية مطابقة ~~لقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ( الجامعة لعلم الكتب الإلهية كلها وذلك أن ~~التقوى هي العبادة المأمور بها فإن تقوى الله وعبادته وطاعته أسماء متقاربة ~~متكافئة متلازمة والتوكل عليه هو الإستعانة به فمن يتقى الله مثال ( إياك ~~نعبد ( ومن يتوكل على الله مثال ( إياك نستعين ( كما قال ( فاعبده وتوكل ~~عليه ( وقال ( عليك توكلنا وإليك أنبنا ( وقال ( عليه توكلت وإليه أنيب ( # ثم جعل للتقوى فائدتين أن يجعل له مخرجا وأن يرزقه من PageV16P055 حيث لا ~~يحتسب والمخرج هو موضع الخروج وهو الخروج وإنما يطلب الخروج من الضيق ~~والشدة وهذا هو الفرج والنصر والرزق فبين أن فيها النصر والرزق كما قال ( ~~أطعمهم من جوع وآمنهم ms1172 من خوف ( ولهذا قال النبى ( وهل تنصرون وترزقون إلا ~~بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإستغفارهم ( هذا لجلب المنفعة وهذا لدفع المضرة # وأما التوكل فبين أن الله حسبه أي كافيه وفى هذا بيان التوكل على الله من ~~حيث أن الله يكفي المتوكل عليه كما قال ( أليس الله بكاف عبده ( خلافا لمن ~~قال ليس فى التوكل إلا التفويض والرضا ثم إن الله بالغ أمره ليس هو كالعاجز ~~( قد جعل الله لكل شيء قدرا ( وقد فسروا الآية بالمخرج من ضيق الشبهات ~~بالشاهد الصحيح والعلم الصريح والذوق كما قالوا يعلمه من غير تعليم بشر ~~ويفطنه من غير تجربة ذكره أبو طالب المكي كما قالوا فى قوله ( إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا ( أنه نور يفرق به بين الحق والباطل كما قالوا بصرا ~~والآية تعم المخرج من الضيق الظاهر والضيق الباطن قال تعالى ( فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما ~~يصعد فى السماء ( وتعم ذوق الأجساد وذوق القلوب من العلم والإيمان كما قيل ~~مثل ذلك فى قوله ( ومما رزقناهم ينفقون ( وكما قال ( أنزل من السماء ماء ( ~~وهو القرآن والإيمان # سورة التحريم وسئل رحمه الله PageV16P056 # عن قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ( هل هذا ~~إسم رجل كان على عهد النبى أم لا وإيش معنى قوله ( نصوحا ( # فأجاب الحمد لله قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الصحابة ~~والتابعين رضي الله عنهم التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه و ~~( نصوح ( هي صفة للتوبة وهي مشتقة من النصح والنصيحة # وأصل ذلك هو الخلوص يقال فلان ينصح لفلان إذا كان يريد له الخير إرادة ~~خالصة لا غش فيها وفلان يغشه إذا كان باطنه يريد السوء وهو يظهر إرادة ~~الخير كالدرهم المغشوش ومنه قوله تعالى ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ~~ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ( أي أخلصوا ~~لله ورسوله قصدهم وحبهم ومنه قوله ms1173 فى الحديث الصحيح PageV16P057 ( الدين ~~النصيحة ثلاثا ( قالوا لمن يا رسول الله قال ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم # ( فإن أصل الدين هو حسن النية وإخلاص القصد ولهذا قال ( ثلاث لا يغل ~~عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين ~~فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ( أي هذه الخصال الثلاث لا يحقد عليها قلب مسلم ~~بل يحبها ويرضاها # فالتوبة النصوح هي الخالصة من كل غش وإذا كانت كذلك كائنة فإن العبد إنما ~~يعود إلى الذنب لبقايا فى نفسه فمن خرج من قلبه الشبهة والشهوة لم يعد إلى ~~الذنب فهذه التوبة النصوح وهي واجبة بما أمر الله تعالى ولو تاب العبد ثم ~~عاد إلى الذنب قبل الله توبته الأولى ثم إذا عاد إستحق العقوبة فإن تاب تاب ~~الله عليه أيضا ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يصر بل يتوب ولو عاد في ~~اليوم مائة مرة فقد روى الإمام أحمد فى مسنده عن علي عن النبى أنه قال ( إن ~~الله يحب العبد المفتن التواب ( وفى حديث آخر ( لا صغيرة مع إصرار ولا ~~كبيرة مع إستغفار ( وفى حديث آخر ( ما أصر من إستغفر ولو عاد في اليوم مائة ~~مرة ( PageV16P058 ومن قال من الجهال إن ( نصوح ( إسم رجل كان على عهد ~~النبى أمر الناس أن يتوبوا كتوبته فهذا رجل مفتر كذاب جاهل بالحديث ~~والتفسير جاهل باللغة ومعانى القرآن فإن هذا إمرؤ لم يخلقه الله تعالى ولا ~~كان فى المتقدمين أحد إسمه نصوح ولا ذكر هذه القصة أحد من أهل العلم ولو ~~كان كما زعم الجاهل لقيل توبوا إلى الله توبة نصوح وإنما قال ( توبة نصوحا ~~( والنصوح هو التائب ومن قال أن المراد بهذه الآية رجل أو إمرأة إسمه نصوح ~~وإن كان على عهد عيسى أو غيره فإنه كاذب يجب أن يتوب من هذه فإن لم يتب ~~وجبت عقوبته بإجماع المسلمين والله أعلم PageV16P059 # سورة الملك # وقال رحمه الله تعالى قوله تعالى ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ( ~~دلت على علمه ms1174 بالأشياء من وجوه تضمنت البراهين المذكورة لأهل النظر العقلي # ( أحدها ( أنه خالق لها والخلق هو الإبداع بتقدير فتضمن تقديرها فى العلم ~~قبل تكوينها # ( الثاني ( أنه مستلزم للإرادة والمشيئة فيلزم تصور المراد وهذه الطريقة ~~المشهورة عند أكثر أهل الكلام # ( الثالث ( أنها صادرة عنه وهو سببها التام والعلم بالأصل يوجب العلم ~~بالفرع فعلمه بنفسه يستلزم علم كل ما يصدر عنه # ( الرابع ( أنه لطيف يدرك الدقيق خبير يدرك الخفي وهذا هو المقتضى للعلم ~~بالأشياء فيجب وجود المقتضي لوجود السبب التام PageV16P060 # سورة القلم # و قال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل # سورة ( ن ( هي سورة ( الخلق ( الذي هو جماع الدين الذي بعث الله به محمدا ~~صلى الله عليه و سلم قال الله تعالى فيها ( و إنك لعلى خلق عظيم ( قال ابن ~~عباس على دين عظيم و قاله ابن عيينة و أخذه أحمد عن ابن عيينة فإن الدين و ~~العادة و الخلق ألفاظ متقاربة المعنى فى الذات و إن تنوعت فى الصفات كما ~~قيل فى لفظ الدين # فهذا دينه ابدا و دينى # و جمع بعض الزنادقة بينهما فى قوله % ما الأمر إلا نسق و أحد % % ما فيه ~~من مدح و لا ذم % % و إنما العادة قد خصصت % و الطبع و الشارع بالحكم % $ ~~PageV16P061 ( ن ( أقسم سبحانه بالقلم و ما يسطرو ن فإن القلم به يكو ن ~~الكتاب الساطر للكلام المتضمن للأمر و النهي و الإرادة و العلم المحيط بكل ~~شيء فالإقسام و قع بقلم التقدير و مسطو ره فتضمن أمرين عظيمين تناسب المقسم ~~عليه ( أحدهما ( الإحاطة بالحو ادث قبل كو نها و أن من علم بالشيء قبل كو ~~نه أبلغ ممن علمه بعد كو نه فإخباره عنه أحكم و أصدق ( الثاني ( أن حصو له ~~فى الكتابة و التقدير يتضمن حصو له فى الكلام و القو ل و العلم من غير عكس ~~فإقسامه بآخر المراتب العلمية يتضن أو لها من غير عكس و ذلك غاية المعرفة و ~~إستقرار العلم إذا صار مكتو با فليس كل معلو م مقو ms1175 لا و لا كل مقو ل مكتو ~~با و هذا يبين لك حكمة الإخبار عن القدر السابق بالكتاب دو ن الكلام فقط أو ~~دو ن العلم فقط و المقسم عليه ثلاث جمل ( ما أنت بنعمة ربك بمجنو ن ( و إن ~~لك لأجرا غير ممنو ن ( و إنك لعلى خلق عظيم ( سلب عنه النقص الذى يقدح فيه ~~و أثبت له الكمال المطلو ب فى الدنيا و الآخرة و ذلك أن الذي أتى به إما أن ~~يكو ن حقا أو باطلا و إذا كان باطلا فإما أن يكو ن مع العقل أو عدمه فهذه ~~الأقسام الممكنة فى نظائر هذا PageV16P062 ( الأو ل ( أن يكو ن باطلا و لا ~~عقل له فهذا مجنو ن لا ذم عليه و لا يتبع ( الثاني ( أن يكو ن باطلا و له ~~عقل فهذا يستحق الذم و العقاب ( الثالث ( أن يكو ن حقا مع العقل فنفى عنه ~~الجنو ن أو لا ثم أثبت له الأجر الدائم الذي هو ضد العقاب ثم بين أنه على ~~خلق عظيم و ذلك يبين عظم الحق الذي هو عليه بعد أن نفى عنه البطلان و أيضا ~~فالناس نو عان إما معذب و إما سليم منه و السليم ثلاثة أقسام إما غير مكلف ~~و إما مكلف قد عمل صالحا مقتصدا و إما سابق بالخيرات فجعل القسم مرتبا على ~~الأحو ال الثلاثة ليبين أنه أفضل قسم السعداء و هذا غاية كمال السابقين ~~بالخيرات و هذا تركيب بديع فى غاية الأحكام ثم قال ( فلا تطع المكذبين ( ~~الآيات فتضمن أصلين ( أحدهما ( أنه نهاه عن طاعة هذين الضربين فكان فيه فو ~~ائد منها أن النهي عن طاعة المرء نهي عن التشبه به بالأو لى فلا ~~PageV16P063 يطاع المكذب و الحلاف و لا يعمل بمثل عملهما كقو له ( و لا تطع ~~الكافرين و المنافقين ( و أمثاله فإن النهي عن قبو ل قو ل من يأمر بالخلق ~~الناقص أبلغ فى الزجر من النهي عن التخلق به ( و منها ( أن ذلك أبلغ فى ms1176 ~~الإكرام و الإحترام فإن قو له ( لا تكذب و لا تحلف و لا تشتم و لا تهمز ليس ~~هو مثل قو له لا تطع من يكو ن متلبسا بهذه الأخلاق لما فيه من تشريفه و ~~براءته ( و منها ( أن الأخلاق مكتسبة بالمعاشرة ففيه تحذير عن إكتساب شيءمن ~~أخلاقهم بالمخالطة لهم فليأخذ حذره فإنه محتاج إلى مخالطتهم لأجل دعو تهم ~~إلى الله تعالى ( و منها ( أنهم يبدو ن مصالح فيما يأمرو ن به فلا تطع من ~~كان هكذا و لو أبداها فإن الباعث لهم على ما يأمرو ن به هو ما فى نفو سهم ~~من الجهل و الظلم و إذا كان الأصل المقتضي للأمر فاسدا لم يقبل من الآمر ~~فإن الأمر مداره على العلم بالمصلحة و إرادتها فإذا كان جاهلا لم يعلم ~~المصلحة و إذا كان الخلق فاسدا لم يردها و هذا معنى بليغ PageV16P064 ( ~~الأصل الثانى ( أنه ذكر قسمين المكذبين و ذو ي الأخلاق الفاسدة و ذلك لو جو ~~ه ( أحدها ( أن المأمو ر به هو الإيمان و العمل الصالح فضده التكذيب و ~~العمل الفاسد و ( الثانى ( أن المؤمنين مأمو رو ن بالتو اصي بالحق و التو ~~اصي بالصبر فكما أنا مأمو رو ن بقبو ل هذه الو صية و الإيصاء بها فقد نهينا ~~عن قبو ل ضدها و هو التكذيب بالحق و الترك للصبر فإن هذه الأخلاق إنما تحصل ~~لعدم الصبر و الصبر ضابط الأخلاق المأمو ر بها و لهذا ختم السو رة به و قال ~~( و ما يلقاها إلا الذين صبرو ا ( فكان فى سو رة العصر ما بين هنا فنهاه عن ~~طاعة الذي فى خسر ضد الذي للمؤمنين الآمرين بالحق و الصبر و الذي فى خسر هو ~~الكذاب المهين فهو تارك للحق و الصبر ( الأصل الثالث ( أن صلاح الإنسان فى ~~العلم النافع و العمل الصالح و هو الكلم الطيب الذي يصعد إلى الله و العمل ~~الصالح جماع العدل و جماع ما نهى الله عنه الناس هو الظلم كما ms1177 قرر فى غير ~~هذا قال تعالى ( و حملها الإنسان إنه كان ظلو ما جهو لا ( و التكذيب بالحق ~~صادر إما عن جهل و إما عن ظلم و هو الجاحد PageV16P065 المعاند و صاحب ~~الأخلاق الفاسدة إنما يو قعه فيها أحد أمرين إما الجهل بما فيها و ما فى ~~ضدها فهذا جاهل و إما الميل و العدو ان و هو الظلم فلا يفعل السيئات إلا ~~جاهل بها أو محتاج إليها متلذذ بها و هو الظالم فنهاه عن طاعة الجاهلين و ~~الظالمين و قو له ( و ذو ا لو تدهن ( الآية أخبر أنهم يحبو ن إدهان ليدهنو ~~ا فهم لا يأمرو نه نصحا بل يريدو ن منه الإدهان و يتو سلو ن بإدهانه إلى ~~إدهانهم و يستعملو نه لأغراضهم فى صو رة الناصح و ذلك لما نشأ من تكذيبهم ~~بالحق فإنه لم يبق فى قلو بهم غاية ينتهو ن إليها من الحق لا فى الحق ~~المقصو د و لا الحق المو جو د لا خبرا عنه و لا أمرا به و لا إعتقادا و لا ~~إقتصادا ثم قال ( و لا تطع كل حلاف مهين ( إلخ ذكر أربع آيات كل آيتين جمعت ~~نو عا من الأخلاق الفاسدة المذمو مة و جمع فى كل آية بين النو ع المتشابه ~~خبرا و طلبا فالحلاف مقرو ن بالمهين لأن الحلاف هو كثير الحلف و إنما يكو ن ~~على الخبر أو الطلب فهو إما تصديق أو تكذيب أو حض أو منع و إنما يكثر الرجل ~~ذلك فى خبره إذا إحتاج أن يصدق و يو ثق بخبره و من كان كثير الحلف كان كثير ~~الكذب فى العهد محتاجا إلى الناس فهو من أذل الناس ( حلاف مهين ( حلاف فى ~~أقو اله مهين فى أفعاله PageV16P066 و أما الهماز المشاء بنميم فالهمز أقو ~~ى من اللمز و أشد سو اء كان همز الصو ت أو همز حركة و منه الهمزة و هى نبرة ~~من الحلق مثل التهو ع و منه الهمز بالعقب ms1178 كما فى حديث زمزم ( أنه همز جبريل ~~بعقبه ( و الفعال مبالغة فى الفاعل فالهماز المبالغ فى العيب نو عا و قدرا ~~القدرة من صو رة اللفظ و هو الفعال و النو ع من مادة اللفظ و هو الهمزة و ~~المشاء بنميم هو من العيب و لكنه عيب فى القفا فهو عيب الضعيف العاجز فذكر ~~العياب بالقو ة و العياب بالضعف و العياب فى مشهد و العياب فى مغيب و أما ( ~~مناع للخير معتد أثيم ( فإن الظلم نو عان ترك الو اجب و هو منع الخير و تعد ~~على الغير و هو المعتدي و أما الأثيم مع المعتدي فكقو له ( و لا تعاو نو ا ~~على الإثم و العدو ان ( و أما العتل الزنيم فهو الجبار الفظ الغليظ الذي قد ~~صار من شدة تجبره و غلظه معرو فا بالشر مشهو را به له زنمة كزنمة الشاة و ~~يشبه و الله أعلم أن يكو ن الحلاف المهين الهماز المشاء بنميم من جنس و أحد ~~و هو فى الأقو ال و ما يتبعها من الأفعال و المناع المعتدي الأثيم العتل ~~الزنيم من جنس و هو فى الأفعال و ما يتبعها من الأقو ال فالأو ل الغالب على ~~جانب الأعراض و الثانى الغالب على جانب PageV16P067 الحقوق فى الأحوال و ~~المنافع و نحو ذلك و و صفه بالظلم و البخل و الكبر كما فى قو له ( إن الله ~~لا يحب من كان مختالا فخو را الذين يبخلو ن ( الآية و قو له ( سنسمه على ~~الخرطو م ( فيه إطلاق يتضمن الو سم فى الآخرة و في الدنيا أيضا فإن الله ~~جعل للصالحين سيما و جعل للفاجرين سيما قال تعالى ( سيماهم فى و جو ههم من ~~أثر السجو د ( و قال يظهر ( و لو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم ( الآية ~~فجعل الإرادة و التعريف بالسيما الذي يدرك بالبصر معلقا على المشيئة و أقسم ~~على التعريف فى لحن القو ل و هو الصو ت الذي يدرك بالسمع فدل على ms1179 أم ~~المنافقين لابد أن يعرفو ا فى أصو اتهم و كلامهم الذي يظهر فيه لحن قو لهم ~~و هذا ظاهر بين لمن تأمله في الناس من أهل الفراسة فى الأقو ال و غيرها مما ~~يظهر فيها النو اقض و الفحش و غير ذلك و أما ظهو ر ما فى قلو بهم على و جو ~~ههم فقد يكو ن و قد لا يكو ن و دل على أن ظهو ر ما فى باطن الإنسان على ~~فلتات لسانه أقو ى من ظهو ره على صفحات و جهه لأن اللسان ترجمان القلب ~~فإظهاره لما أكنه أو كد و لأن دلالة اللسان قالية و دلالة الو جه حالية و ~~القو ل أجمع و أو سع للمعانى التى فى القلب من الحال و لهذا فضل من فضل ~~كإبن قتيبة و غيره السمع على البصر PageV16P068 و التحقيق أن السمع أوسع و ~~البصر أخص و أرفع و إن كان إدراك السمع أكثر فإدراك البصر أكمل و لهذا أقسم ~~أنه لابد أن يدركهم بسمعه و أما إدراكه إياهم بالبصر بسيماهم فقد يكو ن و ~~قد لا يكو ن فأخبر سبحانه أنه لابد أن يسم صاحب هذه الأخلاق الخبيثة على ~~خرطو مه و هو أنفه الذي هو عضو ه البارز الذي يسبق البصر إليه عند مشاهدته ~~لتكو ن السيما ظاهرة من أو ل ما يرى و هذا ظاهر فى الفجرة الظلمة الذين و ~~دعهم الناس إتقاء شرهم و فحشهم فإن لهم سيما من شر يعرفو ن بها و كذلك ~~الفسقة و أهل الريب و قو له ( إنا بلو ناهم ( إلخ فيه بيان حال البخلاء و ~~ما يعاقبو ن به فى الدنيا قبل الآخرة من تلف الأمو ال إما إغراقا و إما ~~إحراقا و إما نهبا و إما مصادرة و إما فى شهو ات الغي و إما فى غير ذلك مما ~~يعاقب به البخلاء الذين يمنعو ن الحق و ليس إقدام فى صنايع المعرو ف و هو ~~قو له ( مناع ms1180 للخير ( و هو أحد نو عي الظلم كما أخبرو ا به عن نفو سهم فى ~~قو لهم ( يا و يلنا إنا كنا طاغين ( و كما قال صلى الله عليه و سلم ( مطل ~~الغنى ظلم ( و تضمن عقو بة الظالم المانع للحق أو متعدي الحق كما يعاقب ~~الله مانع الزكاة و هو مناع الخير و آكل الربا و الميسر الذي هو أكل المال ~~بالباطل و كل منهما أخبر الله فى كتابه أنه يعاقبه بنقيض PageV16P069 قصده ~~فهنا أخبر بعقوبة تارك الحقوق و فى البقرة بعقو بة المرابى و هذه العقو بة ~~تتناو ل من يترك هذا الو اجب و فعل هذا المحرم من المحتالين كما أخبر فى ~~هذه السو رة و كما هو المشاهد في أهل منع الحقو ق المالية و الحيل الربو ية ~~من العقو بات و المثلات فإنه سبحانه إذا أنعم على عبد بباب من الخير و أمره ~~بالإنفاق فيه فبخل عاقبه بباب من الشر يذهب فيه أضعاف ما بخل به و عقو بته ~~فى الآخرة مدخرة ثم إتبع ذلك بعقو بة المتكبر الذي هو من نو ع العتل الزنيم ~~الذي يدعى إلى السجو د و الطاعة فيأبى ففيها عقو بة تارك الصلاة و تارك ~~الزكاة فتارك الصلاة هو المعتدي الأثيم العتل الزنيم تارك الزكاة الظالم ~~البخيل و ختمها بالأمر بالصبر الذي هو جماع الخلق العظيم فى قو له ( فاصبر ~~لحكم ربك ( و ذلك نص فى الصبر على ما يناله من أذى الخلق و على المصائب ~~السماو ية و الصبر على الأو ل أشد و صاحب الحو ت ذهب مغاضبا لربه لأجل ~~الأمر السماو ي و لهذا قال ( و إن يكاد الذين كفرو ا ليزلقو نك بأبصارهم ( ~~إلخ فآخرها منعطف على أو ل ما في قو له ( ما أنت بنعمة ربك بمجنو ن ( و قو ~~له ( و يقو لو ن إنه لمجنون ( و الأزلاق بالبصر هو الغاية فى البغض و الغضب ~~و الأذى فالصبر PageV16P070 على ذلك نوع من الحلم و ms1181 هو إحتمال أذى الخلق و ~~فى ذلك ما يدفع كيدهم و شرهم و ما ذكره فى قصة أهل الجنة من أمر السخاء و ~~الجو د و ما ذكره هنا من الحلم و الصبر هو جماع الخلق الحسن كما جمع بينهما ~~فى قو له ( الذين ينفقو ن فى السراء و الضراء ( الآية كما قيل بحلم و بذل ~~فى قو مه الفتى # و كو نك إياه عليك يسير فالإحسان إلى الناس بالمال و المنفعة و إحتمال ~~أذاهم كالسخاء المحمو د كما جمع بينهما فى قو له ( خذ العفو و أمر بالعرف و ~~أعرض عن الجاهلين ( ففي أخذه العفو من أخلاقهم إحتمال أذاهم و هو نو عان ~~ترك مالك من الحق عليهم فأخذ العفو أن لا تطلب ما تركو ه من حقك و أن لا ~~تنهاهم فيما تعدو ا فيه الحد فيك و إذا لم تأمرهم و لم تنههم فيما يتعلق ~~PageV16P071 و قال هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يو جد فى طائفة من كتب ~~التفسير إلا ما هو خطأ [ فيها ] منها قو له ( بأيكم المفتو ن ( حار فيها ~~كثير و الصو اب المأثو ر عن السلف قال مجاهد الشيطان و قال الحسن هم أو لى ~~بالشيطان من نبى الله فبين المراد فإنه يتكلم على اللفظ كعادة السلف في ~~الإختصار مع البلاغة و فهم المعنى و قال الضحاك المجنو ن فإن من كان به ~~الشيطان ففيه الجنو ن و عن الحسن الضال و ذلك أنهم لم يريدو ا بالمجنو ن ~~الذي يخرق ثيابه و يهذي بل لأن النبى صلى الله عليه و سلم خالف أهل العقل ~~فى نظرهم كما يقال ما لفلان عقل و مثل هذا رمو ا به أتباع الأنبياء كقو له ~~( و إذا رأو هم قالو ا إن هؤلاء لضالو ن ( و مثله فى هذه الأمة كثير يسخرو ~~ن من المؤمنين و يرمو نهم بالجنو ن و العظائم التى هم أو لى بها منهم قال ~~الحسن لقد رايت رجالا لو رأيتمو ms1182 هم لقلتم مجانين و لو رأو كم لقالو ا هؤلاء ~~شياطين و لو رأو ا خياركم لقالو ا هؤلاء لاخلاق لهم و لو رأو ا شراركم ~~لقالوا هؤلاء قوم لا يؤمنون PageV16P072 بيوم الحساب و هذا كثير فى كلام ~~السلف يصفو ن أهل زمانهم و ما هم عليه من مخالفة من تقدم فما الظن بأهل ~~زماننا و الذين لم يفهمو ا هذا قالو ا الباء زائدة قاله إبن قتيبة و غيره و ~~هذا كثير كقو له ( سيعلمو ن غدا من الكذاب الأشر ( هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين ( الآيات ( إن تسخرو ا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرو ن فسو ف ~~تعلمو ن من يأتيه عذاب ( الآية PageV16P073 و قال فصل و لجماعة من الفضلاء ~~كلام فى قو له تعالى ( يو م يفر المرء من أخيه و أمه و أبيه ( لم إبتدأ ~~بالأخ و من عادة العرب أن يبدأ بالأهم فلما سئلت عن هذا قلت أن الإبتداء ~~يكو ن فى كل مقام بما يناسبه فتارة يقتضي الإبتداء بالأعلى و تارة بالأدنى ~~و هنا المناسبة تقتضي الإبتداء بالأدنى لأن المقصو د بيان فراره عن أقاربه ~~مفصلا شيئا بعد شيء فلو ذكر القرب أو لا لم يكن فى ذكر الأبعد فائدة طائلة ~~فإنه يعلم أنه إذا فر من الأقرب فر من الأبعد و لما حصل للمستمع إستشعار ~~الشدة مفصلة فإبتدئ بنفي الأبعد منتقلا منه إلى الأقرب فقيل أو لا ( يفر ~~المرء من أخيه ( فعلم أن ثم شدة تو جب ذلك و قد يجو ز أن يفر من غيره و يجو ~~ز أن لا يفر فقيل ( و أمه و أبيه ( فعلم أن الشدة أكبر من ذلك بحيث تو جب ~~الفرار من الأبو ين ثم قيل ( و صاحبته و بنيه ( فعلم أنها طامة بحيث تو جب ~~الفرار PageV16P074 مما لا يفر منهم إلا فى غاية الشدة و هي الزو جة و ~~البنو ن و لفظ صاحبته أحسن من زو جته قلت فهذا فى الخبر و نظيره في ms1183 الأمر ~~قو له ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ( و قو له ( فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أو سط ما تطعمو ن أهليكم أو كسو تهم ( فإن الو اجبات نو عان على ~~الترتيب فيقدم فيه الأعلى فالأعلى كما فى كفارة الظهار و القتل و اليمين و ~~على التخيير فإبتدأ فيها بأخفها ليبين أنه مجزيا لا نقص فيه و إن ذكر ~~الأعلى بعده للترغيب فيه لا للإيجاب فإنتقال القلب من العمل الأدنى إلى ~~الأعلى أو لى من أن يؤمر بالأعلى ثم يذكر له الأدنى فيزدريه القلب و لهذا ~~لما ذكر فى جزاء الصيد الأعلى إبتداء كان لنا فى ترتيبه رو ايتان و إذا ~~نصرنا المشهو ر قلنا قدم فيه الأعلى لأن الأدنى بقدرته فى قو له ( أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ( و لهذا لما إبتدأ بالأثقل فى حدو د ~~المحاربين لم يكن عندنا على التخيير و لا على الترتيب بل بحسب الجرائم و ~~ليس فى لفظ الآية ما يقتضى التخيير كما يتو همه طائفة من الناس فإنه لم يقل ~~الو اجب أو الجزاء هذا PageV16P075 أو هذا أو هذا كما قال فكفارته هذا أو ~~هذا أو هذا و كما قال ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ( و إنما قال إنما ~~جزاءهم هذا أو هذا أو هذا فالكلام فيه نفي و إثبات تقديره ما جزاؤهم إلا ~~أحد الثلاثة كما قال فقى آية الصدقات ( إنما الصدقات للفقراء و المساكين ( ~~أي ما هي إلا لهؤلاء و قد تقرر أن مثل هذا الخطاب يثبت للمذكو ر ما نفاه عن ~~غيره فلما نفى الجو از لغير الأصناف اثبت الجو از لا الو جو ب و لا ~~الإستحقاق كما فهمه من إعتقد و جو ب الإستيعاب من ظاهر الخطاب و هنا نفى أن ~~يكو ن ما سو ى أحد هذه جزاء فأثبت أن يكو ن جزاء المحارب أحد هذه العقو بات ~~و المحاربو ن جملة ليسو ا و احدا فظهر الفرق بين هذه ms1184 الآية و بين الآيتين ~~من و جو ه ( أحدها ( أن المحاربين ذكرو ا بإسم الجمع و مقابلة الجمع بالجمع ~~تقتضي تو زيع الأفراد على الأفراد فلو قيل جزاء المعتدين إما القتل و إما ~~القطع و إما الجلد و إما الصلب و إما الحبس لم يقتض هذا التخيير فى كل معتد ~~بين هذه العقو بات بل تو زيع العقو بات على أنو اعهم كذلك إذا قيل جزاء ~~المحاربين كذا أو كذا أو كذا أو كذا بخلاف قو له ( فكفارته ( و قو له ( فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ( PageV16P076 ( الثاني ( أن المقصو د نفي ~~جو از ما سو ى و إثبات ضده و هي جو از المذكو ر فى الجملة و ذلك أعم من أن ~~يكو ن مخيرا أو معينا بخلاف ما إذا لم يكن المقصود إلا مجرد الإثبات فإن ~~إثباته بصيغة التخيير يدل عليه و هذا معرو ف في مو اد الإثبات المحض أو مو ~~اد الحصر كما قال صلى الله عليه و سلم للخصم المدعي ( شاهداك أو يمينه ( و ~~فى لفظ ( ليس لك منه إلا ذلك ( فحصر طريق الحق و ليس الغرض التخيير و كذلك ~~يقال الو اجب فى القتل القصاص أو الدية و لا تصح الصلاة إلا بو ضو ء أو ~~تيمم و لابد يو م الجمعة من الظهر أو الجمعة و لا يترك فى دار الإسلام إلا ~~مسلم أو معاهد و سبب ذلك أنه إذا كان بعض المقصو د الذي دل عليه اللفظ نفس ~~ما سو ى الأمو ر المذكو رة كان مدلو له إثباتا يقتضى النفي و هو الو جو د ~~المشترك من هذه الأمو ر و القدر المشترك بينها أعم من أن يكو ن معينا أو ~~مخيرا و أما إذا أثبتت إبتداء فلو لم تكن مخيرة بل معينة و لم يدل اللفظ ~~عليه كان تلبيسا ( الو جه الثالث ( و هو لطيف أن يقال مفهو م أو إثبات ~~التقسيم المطلق كما قلنا إن الو أو ms1185 مفهو مها التشريك المطلق بين المعطو ف و ~~المعطو ف عليه فأما الترتيب فلا ينفيه و لا يثبته إذ الدال PageV16P077 على ~~مجرد المشترك لا يدل على المميز فكذلك أو هي للتقسيم المطلق و هو ثبو ت أحد ~~الأمرين مطلقا و ذلك أعم من أن يثببت على سبيل التخيير بينه و بين الآخر أو ~~على سبيل الترتيب أو على سبيل التو زيع و هو ثبو ت هذا في حال و هذا في حال ~~كما أنهم قالو ا هي فى الطلب يراد بها الإباحة تارة كقو لهم تعلم النحو أو ~~الفقه و التخيير أخرى كقو لهم كل السمك أو اللبن و أرادو ا بالإباحة جو از ~~الجمع و هي فى نفسها تثبت القدر المشترك و هو أحد الإثنين إما مع إباحة ~~الآخر أو حظره فلا تدل عليه بنفسها بل من جهة المادة الخاصة و لهذا جمعنا ~~بين القتل و الصلب و بينه و بين القطع على رو آية فإن أو لا تنفى ذلك فإذا ~~كان حرف أو يدل على مجرد إثبات أحد المذكو رات فهنا مسلكان ( أحدهما ( أن ~~يقال إذا كانت فى مادة الإيجاب أفادت التخيير و إذا كانت فى مادة الجو از ~~أفادت القدر المشترك كما هو مشهو ر عن النحاة المتكلمين فى معاني الحرو ف ~~أنهم يقو لو ن يراد بها تارة الأذن فى أحد الشيئين مع حظر الآخر و تارة ~~الأذن في أحدهما و إن ضم إليه الآخر كما ذكرو ه من الأمثلة و حينئذ فهذه ~~الآية فى مادة الجو از لأن المنفي هو الجو از فيكون PageV16P078 المثبت هو ~~الجو از كما ذكرناه فى آية الصدقات بخلاف آية الكفارة فإنها فى مادة الو جو ~~ب ( المسلك الثانى ( أن يقال لا فرق بين المادتين الجو از و الو جو ب بل و ~~فى الو جو ب قد يباح الجمع كما لو كفر بالجميع مع الغنى لكن يقال دلالتها ~~فى الجميع على التفريق المطلق ضد دلالة ( الو أو ( ثم إن لم ms1186 يدل دليل على ~~ترتيب و لا تعيين جاز فعل كل و أحد من الخصال لعدم ما يدل على التعيين و ~~الترتيب لا للدليل المنافى لذلك كما فى قو له ( فتحرير رقبة ( فإن الرقبة ~~المعينة يجزي عتقها كثبو ت القدر المشترك فيها و عدم ما يو جب المعين لا ~~لدليل دل على نفس المعين و ليس تقييد المطلق رفعا لظاهر اللفظ بل ضم حكم ~~آخر إليه و هذا مسلك حسن في هذا المو ضع و نظائره فإنه يجب الفرق بين ما ~~يثبته اللفظ و بين ما ينفيه فإذا قلنا في المحاربين بالتعيين لدليل خبري أو ~~قياسي كان كالقو ل بالترتيب فى الو ضو ء الإيمان فى الرقبة و نحو هما ~~PageV16P079 سورة التكوير و قال شيخ الإسلام فصل قو له ( و إذا المو ءو دة ~~سئلت بأي ذنب قتلت ( دليل على أنه لا يجو ز قتل النفس إلا بذنب منها فلا ~~يجو ز قتل الصبى و المجنو ن لأن القلم مرفو ع عنهما فلا ذنب لهما و هذه ~~العلة لا ينبغي أن يشك فيها فى النهي عن قتل صبيان أهل الحرب و أما العلة ~~المشتركة بينهم و بين النساء فكو نهم ليسو ا من أهل القتال على الصحيح الذي ~~هو قو ل الجمهو ر أو كو نهم يصيرو ن للمسلمين فأما التعليل بهذا و حده فى ~~الصبى فلا و الآية تقتضي ذم قتل كل من لا ذنب له من صغير و كبير و سؤالها ~~تو بيخ قاتلها و قو له في السو رة ( إنه لقو ل رسو ل كريم ( إلى قو له ( و ~~ما هو بقو ل شيطان رجيم ( هو جبريل و هو نظير ما فى سو رة الشعراء أنه ~~تنزلت به الملائكة لا الشياطين بخلاف الإفك و نحو ه فإنه تنزل به الشياطين ~~فو قع الفرق بين النبى صلى الله عليه و سلم و الأفاك و الشاعر و الكاهن و ~~بين الملك و الشيطان و العلماء و رثة الأنبياء PageV16P080 و قال ms1187 شيخ ~~الإسلام فى قو له تعالى ( و ما تشاؤو ن إلا أن يشاء الله رب العالمين ( ~~أخبر أن مشيئتهم مو قو فة على مشيئته و مع هذا فلا يو جب ذلك و جو د الفعل ~~منهم إذ أكثر ما فيه أنه جعلهم شائين و لا يقع الفعل منهم حتى يشاؤه منهم ~~كما فى قو له تعالى ( فمن شاء ذكره و ما يذكرو ن إلا أن يشاء الله ( و مع ~~هذا فلابد من إرادة الفعل منهم حتى يريد من نفسه إعانتهم و تو فيقهم فهنا ~~أربع إرادات إرادة البيان و إرادة المشيئة و إرادة الفعل و إرادة الإعانة و ~~الله أعلم PageV16P081 سو رة الأعلى قال الشيخ رحمه الله فصل قال إبن فو رك ~~فى كتابه الذي كتبه إلى أبى إسحاق الإسفرائينى يحكى ما جرى له قال و جرى فى ~~كلام السلطان أليس تقو ل إنه يرى لا فى جهة فقلت ( نعم يرى لا فى جهة كما ~~أنه لم يزل يرى نفسه لا فى جهة و لا من جهة و يراه غيره على ما يرى و رأى ~~نفسه و الجهة ليست بشرط فى الرؤية و قلت أيضا ( المرئيات المعقو لة فيما ~~بيننا هكذا نراها فى جهة و محل و القضاء بمجرد المعهو د لا يمكن دو ن السير ~~و البحث لأنا كما لا نرى إلا فى جهة و محل كذلك لم نر إلا متلو نا ذا قدر و ~~حجم يحتمل المساحة و الثقل و لا يخلو من PageV16P082 حرارة ورطوبة أو يبوسة ~~إذا لم يكن عرضا لا يقبل التثنية و التأليف و غير ذلك و مع هذا فلا عبرة ~~بشيء من هذا ( قال ثم بلغني أن السلطان ذلك اليو م و الليلة و ثاني يو م ~~يكرر على نفسه فى مجلسه ( كيف يعقل شيء لا فى جهة ( و ما شغل القلب فى أو ل ~~الأمر و تربى عليه فإن قلعه صعب و الله المعين غير أنه فرحت الكرامية بما ~~كان منه فى ذلك ms1188 فلما رجعت إلى البيت فإذا أنا برقعة فيها مكتو ب ( الأستاذ ~~أدام الله سلامته على مذهبه أن الباري ليس فى جهة فكيف يرى لا في جهة ( ~~فكتبت ( خبر الرؤية صحيح و هي و اجبة كما بشرهم النبى صلى الله عليه و سلم ~~و فيه دلالة على أن الله يرى لا فى جهة لأنه صلى الله عليه و سلم قال ( لا ~~تضامو ن فى رؤيته ( و معناه لا تضمكم جهة و احدة فى رؤيته فإنه لا فى جهة ( ~~و كلاما طو يلا من كل و جه ملأت ظهر الرقعة و بطنها منه فلما ردت إليه ~~أنفذها إلى حاكم البلد و هو أبو محمد الناصحي و إستفتاه فيما قلته فجمع قو ~~ما من الحنفية و الكرامية فكتب هو أعزك الله بأن من قال بأن الله لا يرى فى ~~جهة مبتدع ضال و كتب أبو حامد المعتزلي مثله و كتب إنسان بسطامى مؤدب فى ~~دار PageV16P083 صاحب الجيش مثله فردو ا عليه فأنفذ غلي ما فى ذلك المحضر ~~الذي فيه خطو طهم و كتب إلي رقعة و قال فيها ( إنهم كتبوا هكذا فما تقول فى ~~هذه الفتاوى ( فقلت إن هؤلاء القو م يجب أن يسألوا عن مسائل الفقه التى ~~يقال فيها بتقليد العامي للعالم فأما معرفة الأصو ل و الفتاو ى فيها فليس ~~من شأنهم و هم يقو لو ن إنا لا نحسن ذلك ( قلت ( قو ل هؤلاء ( إن الله يرى ~~من غير معاينة و مو اجهة ( قو ل إنفردو ا به دو ن سائر طو ائف الأمة و جمهو ~~ر العقلاء على أن فساد هذا معلو م بالضرو رة و الأخبار المتو اترة عن النبى ~~صلى الله عليه و سلم ترد عليهم كقو له فى الأحاديث الصحيحة ( إنكم سترو ن ~~ربكم كما ترو ن الشمس و القمر لا تضارو ن فى رؤيته ( و قو له لما ساله ~~الناس هل نرى ربنا يو م القيامة قال ( هل ترو ن الشمس صحو ا ليس دو ms1189 نها ~~سحاب ( قالو ا نعم ( و هل ترو ن القمر صحو ا ليس دو نه سحاب ( قالو ا نعم ~~قال ( فإنكم ترو ن ربكم كما ترو ن الشمس و القمر ( فشبه الرؤية بالرؤية و ~~لم يشبه المرئى بالمرئي فإن الكاف حرف PageV16P084 التشبيه دخل على الرؤية ~~و فى لفظ للبخاري ( يرونه عيانا ( و معلوم أنا نرى الشمس والقمر عيانا مو ~~اجهة فيجب أن نراه كذلك و أما رؤية ما لا نعاين و لا نو اجهه فهذه غير متصو ~~رة فى العقل فضلا عن أن تكو ن كرؤية الشمس و القمر ولهذا صار حذاقهم إلى ~~إنكار الرؤية و قالوا قولنا هو قول المعتزلة فى الباطن فإنهم فسرو الرؤية ~~بزيادة إنكشاف و نحو ذلك مما لا تنازع فيه المعتزلة و أما قوله إن الخبر ~~يدل على أنهم يرونه لا فى جهة و قوله ( لا تضامون ( معناه لا تضمكم جهة و ~~احدة فى رؤيته فإنه لا فى جهة فهذا تفسير للحديث بما لا يدل عليه و لا قاله ~~أحد من أئمة العلم بل هو تفسير منكر عقلا و شرعا و لغة فإن قوله ( لا ~~تضامون ( يروى بالتخفيف أي لا يلحقكم ضيم فى رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية ~~الشيء الحسن كالهلال فإنه قد يلحقهم ضيم فى طلب رؤيته حين يرى و هو سبحانه ~~يتجلى تجليا ظاهرا فيرونه كما ترى الشمس و القمر بلا ضيم يلحقكم فى رؤيته و ~~هذه الرواية المشهورة و قيل ( لا تضامون ( بالتشديد أي لا ينضم بعضكم إلى ~~بعض PageV16P085 كما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلال و كذلك ~~تضارون و تضارون فإما أن يروى بالتشديد و يقال ( لا تضامون ( أي لا تضمكم ~~جهة و احدة فهذا باطل لأن التضام إنضمام بعضهم إلى بعض فهو ( تفاعل ( ~~كإلتماس و التراد و نحو ذلك و قد يروى ( لا تضامون ( بالضم و التشديد أي لا ~~يضام بعضكم بعضا و بكل حال فهو من ( التضام ( الذى هو مضامة بعضهم بعضا ليس ~~هو أن شيئا آخر ms1190 لا يضمكم فإن هذا المعنى لا يقال فيه ( لا تضامون ( فإنه لم ~~يقل ( لا يضمكم شيء ( ثم يقال الراءون كلهم فى جهة و احدة على الأرض و إن ~~قدر أن المرئى ليس فى جهة فكيف يجوز أن يقال ( لا تضمكم جهة و احدة ( و هم ~~كلهم على الأرض أرض القيامة أو فى الجنة و كل ذلك جهة و وجودهم نفسهم لا في ~~جهة و مكان ممتنع حسا و عقلا و أما قوله ( هو يرى لا فى جهة فكذلك يراه ~~غيره فهذا تمثيل باطل فإن الإنسان يمكن أن يرى بدنه و لا يمكن أن يرى غيره ~~إلا أن يكون بجهة منه و هو أن يكون أمامه سواء كان عاليا أو سافلا ~~PageV16P086 وقد تخرق له العادة فيرى من خلفه كما قال النبى صلى الله عليه ~~و سلم ( إني لأراكم من بعدي ( و فى رواية ( من بعد ظهري ( و فى لفظ للبخاري ~~( إنى لأراكم من و رائى ( و فى لفظ فى الصحيحين ( إنى و الله لأبصر من و ~~رائى كما أبصر من بين يدي ( لكن هم بجهة منه و هم خلفه فكيف تقاس رؤية ~~الرائى لغيره على رؤيته لنفسه ثم تشبيه رؤيته هو برؤيتنا نحن تشبيه باطل ~~فإن بصره يحيط بما رآه بخلاف أبصارنا و هؤلاء القوم أثبتوا ما لا يمكن ~~رؤيته و أحبوا نصر مذهب اهل السنة و الجماعة و الحديث فجمعوا بين أمرين ~~متناقضين فإن ما لا يكون داخل العالم و لا خارجه و لا يشار إليه يمتنع أن ~~يرى بالعين لو كان و جوده في الخارج ممكنا فكيف و هو ممتنع و إنما يقدر في ~~الأذهان من غيرأن يكون له و جود فى الأعيان فهومن باب الوهم و الخيال ~~الباطل و لهذا فسروا ( الإدراك ( بالرؤية فى قوله ( لا تدركه الأبصار ( كما ~~فسرتها المعتزلة لكن عند المعتزلة هذا خرج مخرج المدح فلا يرى بحال و هؤلاء ~~قالوا لا يرى فى الدنيا دون الآخرة و الآية تنفي الإدراك مطلقا [ دون ~~الرؤية كما ms1191 قال ] إبن كلاب PageV16P087 وهذا أصح و حينئذ فتكون الآية دالة ~~على إثبات الرؤية و هو أنه يرى و لا يدرك فيرى من غير إحاطة و لا حصر و ~~بهذا يحصل المدح فإنه و صف لعظمته أنه لا تدركه أبصار العباد و إن رأته و ~~هو يدرك أبصارهم قال إبن عباس و عكرمة بحضرته لمن عارض بهذه الآية ( ألست ~~ترى السماء ( قال ( بلى ( قال ( أفكلها ترى ( و كذلك قال ( و لا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء ( و هؤلاء يقولون علمه شيء و أحد لا يمكن أن يحاط ~~بشيء منه دون شيء فقالوا و لا يحيطون بشىء من معلومه و ليس الأمر كذلك بل ~~نفس العلم جنس يحيطون منه بما شاء و سائره لا يحيطون به و قال ( يعلم ما ~~بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون به علما ( و الراجح من القولين أن ~~الضمير عائد إلى ( ما بين أيديهم و ما خلفهم ( و إذا لم يحيطوا بهذا علما و ~~هو بعض مخلوقات الرب فأن لا يحيطوا علما بالخالق أولى و أحرى قال تعالى ( و ~~ما يعلم جنود ربك إلا هو ( و قال ( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح و ~~عاد و ثمود و الذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فردوا أيديهم فى أفواههم ( الآية فإذا قيل ( لا تدركه الأبصار ( أى لا تحيط ~~به دل على أنه PageV16P088 يوصف بنفي الإحاطة به مع إثبات الرؤية و هذا ~~ممتنع على قول هؤلاء فإن هذا إنما يكون بزعمهم فيما ينقسم فيرى بعضه من بعض ~~فتكون هناك رؤية بلا إدراك و إحاطة و عندهم لا يتصور أن يرى إلا رؤية و ~~احدة متماثلة كما يقولونه فى كلامه إنه شيء و أحد لا يتبعض و لا يتعدد و فى ~~الإيمان به أنه شيء و أحد لا يقبل الزيادة و النقصان و أما الإدراك و ~~الإحاطة الزائد على مطلق الرؤية فليس إنتفاؤه لعظمة الرب عندهم بل لأن ذاته ~~لا ms1192 تقبل ذاك كما قالت المعتزلة إنها لا تقبل الرؤية و أيضا فهم و المعتزلة ~~لا يريدون أن يجعلوا للأبصار إدراكا غير الرؤية سواء أثبتت الرؤية أو نفيت ~~فإن هذا يبطل قول المعتزلة بنفى الرؤية و يبطل قول هؤلاء بإثبات رؤية بلا ~~معاينة و مواجهة فصل هذا مع أن إبن فورك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه ~~و اليدين و كذلك المجيء و الإتيان موافقة لأبى الحسن فإن هذا قوله و قول ~~متقدمي أصحابه PageV16P089 فقال إبن فورك فيما صنف فى أصول الدين فإن سألت ~~الجهمية عن الدلالة على أن القديم سميع بصير قيل لهم قد إتفقنا على أنه حي ~~تستحيل عليه الآفات و الحي إذا لم يكن مأووفا بآفات تمنعه من إدراك ~~المسموعات و المبصرات كان سميعا بصيرا و إن سالت فقلت ( أين هو ( فجوابنا ( ~~أنه فى السماء ( كما أخبر في التنزيل عن نفسه بذلك فقال عز من قائل ( ~~أأمنتم من فى السماء ( و إشارة المسلمين بأيديهم عند الدعاء فى رفعها غليه ~~و أنك لو سالت صغيرهم و كبيرهم فقلت ( أين الله ( لقالوا ( أنه فى السماء ( ~~و لم ينكروا لفظ السؤال ب ( أين ( لأن النبى صلى الله عليه و سلم سأل ~~الجارية التى عرضت للعتق فقال ( أين الله ( فقالت ( فى السماء ( مشيرة بها ~~فقال النبى صلى الله عليه و سلم ( أعتقها فإنها مؤمنة ( و لو كان ذلك قولا ~~منكرا لم يحكم بإيمانها و لأنكره عليها و معنى ذلك أنه فوق السماء لأن ( فى ~~( بمعنى فوق قال الله تعالى ( فسيحوا فى الأرض ( أى فوقها قال ( و إن سألت ~~( كيف هو ( قلنا له ( كيف ( سؤال عن صفته و هو ذو الصفات العلى هو العالم ~~الذي له العلم و القادر PageV16P090 الذي له القدرة و الحي الذي له الحياة ~~الذي لم يزل منفردا بهذه الصفات لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء ( قلت ( فهذا ~~الكلام هو موافق لما ذكره الأشعرى فى كتاب ( الإبانة ( و لما ذكره إبن كلاب ~~كما حكاه عنه إبن فورك لكن إبن ms1193 كلاب يقول إن العلو و المباينة من الصفات ~~العقلية و أما هؤلاء فيقولون كونه في السماء صفة خبرية كالمجيء و الإتيان و ~~يطلقون القول بانه بذاته فوق العرش و ذلك صفة ذاتية عندهم و الأشعري يبطل ~~تأويل من تأول الإستواء بمعنى الإستيلاء و القهر بأنه لم يزل مستوليا على ~~العرش و على كل شيء و الإستواء مختص بالعرش فلو كان بمعنى الإستيلاء لجاز ~~أن يقال ( هو مستو على كل شيء و على الأرض و غيرها ( كما يقال ( إنه مستول ~~عليها ( و لما إتفق المسلمون على أن الإستواء مختص بالعرش فهذا الإستواء ~~الخاص ليس بمعنى الإستيلاء العام و أين للسلطان جعل الإستواء بمعنى القهر و ~~الغلبة و هو الإستيلاء فيشبه و الله أعلم أن يكون إجتهاده مختلفا في هذه ~~المسائل كما إختلف إجتهاد غيره فأبو المعالي كان يقول بالتأويل ثم حرمه و ~~حكى إجماع السلف على تحريمه و إبن عقيل له أقوال مختلفة و كذلك PageV16P091 ~~لأبي حامد و الرازي و غيرهم و مما يبين إختلاف كلام إبن فورك أنه فى مصنف ~~آخر قال فإن قال قائل ( أين هو ) قيل ليس بذي كيفية فنخبر عنها إلا أن يقول ~~( كيف صنعه ) فمن صنعه أنه يعز من يشاء و يذل من يشاء و هو الصانع للأشياء ~~كلها فهنا أبطل السؤال عن الكيفية و هناك جوزه و قال الكيفية هى الصفة و هو ~~ذو الصفات و كذلك السؤال عن الماهية قال في ذلك المصنف و إن سالت الجهمية ~~فقالت ( ما هو ( يقال لهم ( ما ) يكون إستفهاما العلم و القدرة و الكلام و ~~العزة و العظمة و قال فى الآخر فإن [ قال ] قائل ( حدثونا عن الواحد الذي ~~تعبدونه ما هو ) قيل إن أردت بقولك ( ما جنسه ) فليس بذي جنس و إن أردت ~~بقولك ( ما هو ) أي أشيروا إليه حتى أدركه بحواسي فليس بحاضر للحواس و إن ~~أردت بقولك ( ما هو ( أي دلونى عليه بعجائب صنعته و آثار حكمته فالدلالة ~~عليه قائمة و إن أردت بقولك ( ما ms1194 إسمه ) فنقول هو الله الرحمن الرحيم ~~القادر السميع البصير PageV16P092 [ و هو ] فى هذا المصنف أثبت أنه على ~~العرش بخلاف ما كان عليه قبل العرش فقال فإن قال ( فحدثونا عنه أين كان قبل ~~أن يخلق ( قيل ( أين ( تقتضي مكانا و الأمكنة مخلوقات و هو سبحانه لم يزل ~~قبل الخلق و الأماكن لا في مكان و لا يجري عليه و قت و لا زمان # فإن قال ( فعلى ما هو اليوم ( قيل له مستو على العرش كما قال سبحانه ( ~~الرحمن على العرش إستوى ( # و قال فإن قال قائل ( لم يزل الباري قادرا عالما حيا سميعا بصيرا ( قيل ~~نعم فإن قال ( فلم أنكرتم أن يكون لم يزل خالقا ( قيل له إن أردت بقولك ( ~~لم يزل خالقا أي لم يزل الخلق معه في قدمه فهذا خطأ لأن معنى الخلق أنه لم ~~يكن ثم كان فكيف يكون ما لم يكن ثم كان لم يزل موجودا و إن أردت بقولك أن ~~الخالق لم يزل و كان قادرا على أن يخلق الخلق فكذلك نقول لأن الخالق لم يزل ~~و الخلق لم يكن ثم كان و قد كان لم يزل قادرا على أن يخلق الخلق فهذا ~~الجواب # قال فإن قيل ( إذا قلتم إنه الآن خالق فما أنكرتم أن يكون لم يزل خالقا ( ~~قيل له لا يلزم ذلك و ذلك أنه الآن مستو على PageV16P093 عرشه فلا يجب أن ~~يكون لم يزل مستويا على عرشه فكذلك ما قلناه يناسبه فإن قيل ( الإستواء منه ~~فعل و يستحيل أن يكون الفعل لم يزل ( قال قيل و الخلق منه فعل و يستحيل أن ~~يكون الخلق لم يزل فهذا الكلام [ ليس ] إلا ببيان الذين يقولون أنه إستوى ~~على العرش بعد أن لم يكن و يقولون إنه استوى على العرش بعد أن لم يكن ~~ويقولون بقدم صفة التكوين و الخلق و أنه لم يزل خالقا فألزمهم ( أنا نقول ~~فى الخلق ما نقوله نحن و أنتم فى الإستواء ( و هذا جواب ضعيف من و جوه # ( أحدها ( أنه ms1195 فى الحقيقة ليس عنده أنه إستوى بعد أن لم يكن كما قد بحثه ~~مع السلطان بل هو الآن كما كان فلا يصح القياس عليه # ( الثاني ( أنه قد سلم أنه لم يزل قادرا على أن يخلق الخلق و هذا يقتضى ~~إن إمكان وجود المقدور فى الأزل فإنه إذا كان المقدور ممتنعا لم تكن هناك ~~قدرة فكيف يجعله لم يزل قادرا مع إمتناع أن يكون المقدور لم يزل ممكنا بل ~~المقدور عنده كان ممتنعا ثم صار ممكنا بلا سبب حادث إقتضى ذلك # PageV16P094 ( الثالث ( أن قوله ( لأن معنى الخلق أنه لم يكن ثم كان فكيف ~~يكون ما لم يكن ثم كان لم يزل موجودا ( فيقال بل كل مخلوق فهو محدث مسبوق ~~بعدم نفسه و ما ثم قديم أزلى إلا الله و حده و إذا قيل ( لم يزل خالقا ( ~~فإنما يقتضى قدم نوع الخلق و ( دوام خالقيته ( لا يقتضى قدم شيء من ~~المخلوقات فيجب الفرق بين أعيان المخلوقات الحادثة بعد أن لم تكن فإن هذه ~~لا يقول عاقل إن منها شيئا أزليا و من قال بقدم شيء من العالم كالفلك أو ~~مادته فإنه يجعله مخلوقا بمعنى أنه كان بعد أن لم يكن و لكن إذا أوجده ~~القديم # و لكن لم يزل فعالا خالقا [ و دوام خالقيته ] من لوازم وجوده فهذا ليس ~~قولا بقدم شيء من المخلوقات بل هذا متضمن لحدوث كل ما سواه و هذا مقتضى ~~سؤال السائل له # ( الوجه الرابع ( أن يقال العرش حادث كائن بعد أن لم يكن لم يزل مستويا ~~عليه بعد و جوده و أما الخلق فالكلام فى نوعه و دليله على إمتناع حوادث لا ~~أول لها قد عرف ضعفه و الله أعلم # و كان إبن فورك فى مخاطبة السلطان قصد إظهار مخالفة الكرامية كما قصد ~~بنيسابور و القيام على المعتزلة فى إستتابتهم و كما كفرهم عند PageV16P095 ~~السلطان و من لم يعدل فى خصومة و منازعيه و يعذرهم بالخطأ فى الإجتهاد بل ~~إبتدع بدعة و عادى من خالفه فيها أو ms1196 كفره فإنه هو ظلم نفسه # وأهل السنة و العلم و الإيمان يعلمون الحق و يرحمون الخلق يتبعون الرسول ~~فلا يبتدعون و من إجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه و أهل البدع مثل ~~الخوارج يبتدعون بدعة و يكفرون من خالفهم و يستحلون دمه و هؤلاء كل منهم ~~يرد بدعة الآخرين و لكن هو أيضا مبتدع فيرد بدعة ببدعة و باطلا بباطل # و كذلك ما حكاه من مناظراتهم لهم عند الوزير مجلسا بعد مجلس هو من هذا ~~الباب فإن المعتزلة و الكرامية يقولون حقا و باطلا و سنة و بدعة [ كما أنه ~~هو ] أيضا كذلك يقول حقا و باطلا [ موافقة ] لأبى الحسن و أبو الحسن سلك فى ~~مسألة الأسماء و الأحكام و القدر مسلك الجهم بن صفوان مسلك المجبرة و مسلك ~~غلاة المرجئة فهؤلاء قدرية مجبرة و المعتزلة قدرية نافية فوقع بينهم غاية ~~التضاد فى مسائل التعديل و التجويز و نحوها # و الله يحب الكلام بعلم و عدل و يكره الكلام بجهل و ظلم كما قال النبى ~~صلى الله عليه و سلم ( القضاة ثلاثة قاضيان فى النار و قاض PageV16P096 فى ~~الجنة رجل قضى للناس على جهل فهو فى النار و رجل علم الحق و قضى بخلافه فهو ~~فى النار و رجل علم الحق و قضى به فهو فى الجنة ( # و قد حرم سبحانه الكلام بلا علم مطلقا و خص القول عليه بلا علم بالنهي ~~فقال تعالى ( و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و الفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا ( و قال تعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ~~و ما بطن و الإثم و البغي بغير الحق و أن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا و أن تقولوا على الله ما لاتعلمون ( # و أمر بالعدل على أعداء المسلمين فقال ( كونوا قوامين لله شهداء بالقسط و ~~لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى ( $ فصل # وهو سبحانه و صف نفسه ms1197 بالعلو و هو من صفات المدح له بذلك و التعظيم لأنه ~~من صفات الكمال كما مدح نفسه بأنه العظيم و العليم و القدير و العزيز و ~~الحليم و نحو ذلك و أنه الحي PageV16P097 القيوم و نحو ذلك من معاني أسمائه ~~الحسنى فلا يجوز أن يتصف بأضداد هذه فلا يجوز أن يوصف بضد الحياة و ~~القيومية و العلم و القدرة مثل الموت و النوم و الجهل و العجز و اللغوب و ~~لا بضد العزة و هو الذل و لا بضد الحكمة و هو السفه # فكذلك لا يوصف بضد العلو و هو السفول و لا بضد العظيم و هو الحقير بل هو ~~سبحانه منزه عن هذه النقائص المنافية لصفات الكمال الثابتة له فثبوت صفات ~~الكمال له ينفى إتصافه بأضدادها و هي النقائص # و هو سبحانه ليس كمثله شيء فيما يوصف به من صفات الكمال # فهو منزه عن النقص المضاد لكماله و منزه عن أن يكون له مثل فى شيء من ~~صفاته و معانى التنزيه ترجع إلى هذين الأصلين و قد دل عليهما سورة الإخلاص ~~التى تعدل ثلث القرآن بقوله ( قل هو الله أحد الله الصمد ( فإسمه ( الصمد ( ~~يجمع معاني صفات الكمال كما قد بسط ذلك فى تفسير هذه السورة و فى غير موضع ~~و هو كما فى تفسير إبن أبى طلحة عن إبن عباس أنه المستوجب لصفات السؤدد ~~العليم PageV16P098 الذي قد كمل فى علمه الحكيم الذي قد كمل فى حكمته إلى ~~غير ذلك مما قد بين # و قوله ( الأحد ( يقتضي أنه لا مثل له و لا نظير ( و لم يكن له كفوا أحد ~~( # وقد ذكرنا في غير موضع أن ما وصف الله تعالى به نفسه من الصفات السلبية ~~فلا بد أن يتضمن معنى ثبوتيا فالكمال هو في الوجود والثبوت والنفي مقصودة ~~نفي ما يناقض ذلك فاذا نفي النقيض الذي هو العدم والسلب لزم ثبوت النقيض ~~الآخر الذي هو الوجود والثبوت وبينا هذا في آية الكرسى وغيرها مما في ~~القرآن كقوله ^ لا تأخذه ms1198 سنة و لا نوم ^ فانه يتضمن كمال الحياة والقيومية ~~وقوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ يتضمن كمال الملك وقوله ^ ~~و لا يحيطون بشيء من علمه ^ يقتضي اختصاصه بالتعليم دون ما سواه # والوحدانية تقتضي الكمال والشركة نقتضي الكمال والشركة نقتضي النقص وكذلك ~~قوله ^ و لا يؤده حفظهما ^ @QB@ وما مسنا من لغوب @QE@ ^ و لا تدركه ~~الأبصار و لا يغرب عنه مثقال ذرة ^ وأمثال ذلك مما هو مبسوط في غير هذا ~~الموضع PageV16P099 # والمقصود هنا أن علوه من صفات المدح اللازمة له فلا يجوز اتصافه بضد ~~العلو ألبتة ولهذا قال النبى في الحديث الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء ~~وأنت الآخر فليس بعك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك ~~شيء ولم يقل ( تحتك ) وقد تكلمنا على هذا الحديث في غير هذا الموضع # وإذا كان كذلك فالمخالفون للكتاب والسنة وما كان عليه السلف لا يجعلونه ~~كتصفا بالعلو دون السفول بل إما أن يصفوه بالعلو والسفول أو بما يستلزم ذلك ~~وإما أن ينفوا عنه العلو والسفول وهم نوعان # فالجهمية القائلون بأنه بذاته في كل مكان أو بأنه لا داخل العالم و لا ~~خارجه لا يصفونه بالعلو دون السفول فانه إذا كان في مكان فالأمكنة منها عال ~~وسافل فهو في العالي عال وفي السافل سافل بل إذا قالوا إنه في كل مكان ~~فجعلوا الأمكنة كلها محال له ظروفا وأوعية جعلوها في الحقيقة أعلى منه فان ~~المحل يحوى الحال والظرف والوعاء يحوي المظروف الذي فيه والحاوى فوق المحوى # والسلف والأئمة وسائر علماء السنة إذا قالوا إنه فوق العرش PageV16P100 ~~وإنه في السماء فوق كل شيء لا يقولون إن هناك شيئا يحويه أو يحصره أو يكون ~~محلا له أو ظرفا ووعاء سبحانه وتعالى عن ذلك بل هو فوق كل شيء وهو مستغن عن ~~كل شيء وكل شيء مفتقر إليه وهو عال على كل شيء وهو الحامل للعرش ولحملة ~~العرش بقوته وقدرته وكل مخلوق مفتقر إليه وهو غنى عن العرش وعن كل مخلوق # وما في ms1199 الكتاب والسنة من قوله @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ ونحو ذلك قد ~~يفهم منه بعضهم أن ( السماء ) هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه ~~فيقولون قوله @QB@ في السماء @QE@ بمعنى ( على السماء ) كما قال @QB@ ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل @QE@ أي ( على جذوع النخل ) وكما قال @QB@ سيروا ~~في الأرض @QE@ أي ( على الأرض ) ولا حاجة إلى هذا بل ( السماء ) اسم جنس ~~للعالي لا يخص شيئا فقوله @QB@ في السماء @QE@ أي في العلو دون السفل وهو ~~العلي الأعلى فله اعلى العلو وهو ما فوق العرش وليس هناك غيره العلى الأعلى ~~سبحانه وتعالى # والقائلون بأنه في كل مكان هو عندهم في المخلوقات السفلية القذرة الخبيثة ~~كما هو في المخلوقات العالية وغلاة هؤلاء الأتحادية الذين يقولون ( الوجود ~~واحد ) كابن عربى الطائى صاحب ( فصوص PageV16P101 الحكم و ( الفتوحات ~~الملكية ) يقولون ( الموجود الواجب القديم هو الموجود المحدث الممكن ) # ولهذا قال ابن عربى في ( فصوص الحكم ) # ومن أسمائه الحسنى ( العلى ) على من ثم إلا هو وعن ماذا وما هو إلا هو ~~فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى ( محدثات ) هي العلية ~~لذاتها وليس إلا هو # إلى أن قال ( فالعلى لنفسه هو الذي يكون له جميع الأوصاف الوجودية والنسب ~~العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا ~~وليس ذلك إلا المسمى الله فهو عنده الموصوف بكل ذم كما هو الموصوف بكل مدح # وهؤلاء يفضلون عليه بعض المخلوقات فان في المخلوقات ما يوصف بالعلو دون ~~السفول كالسماوات وما كان موصوفا بالعلو دون السفول كان أفضل ممن لا يوصف ~~بالعلو أو يوصف بالعلو و السفول # وقد قال فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) قال ابن عربى PageV16P102 ( ولما كان ~~فرعون في منصب التحكم والخليفة بالسيف جاز في العرف الناموسي أن قال ( أنا ~~ربكم الأعلى ) أي وإن كان أن الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما ~~أعطيته من الحكم فيكم ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه بل أقروا ~~له بذلك وقالوا له ( اقض ما انت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ms1200 ) فالدولة ~~لك فصح قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) # فبهذا وأمثاله يصححون قول فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) وينكرون أن يكون ~~الله عاليا فضلا على أن يكون هو الأعلى ويقولون على من يكون اعلى أو عما ذا ~~يكون اعلى # وهكذا سائر الجهمية يصفون بالعلو على وجه المدح ما هو عال من المخلوقات ~~كالسماء والجنة والكواكب ونحو ذلك ويعملون أن العالي أفضل من السافل وهم لا ~~يصفون ربهم بأنه الأعلى ولا العلي بل يجعلونه في السافلات كما هو في ~~العاليات # والجهمية الذين يقولون ( ليس هو داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ~~ألبته هم أقرب إلى التعطيل والعدم كما أن أولئك أقرب إلى الحلول والاتحاد ~~بالمخلوقات فهؤلاء يثبتون موجودا لكنه في الحقيقة المخلوق لا الخالق وأولئك ~~ينفون فلا يثبتون وجودا ألبته لكنهم PageV16P103 يثبتون وجود المخلوقات ~~ويقولون إنهم يثبتون وجود الخالق # وإذا قالوا نحن نقول ( هو عال بالقدرة أو بالقدر ) قيل هذا فرع ثبوت ذاته ~~وأنتم لم تثبتوا موجودا يعرف وجوده فضلا عن أن يكون قادرا أو عظيم القدر # وإذا قالوا كان الله قبل خلق الأمكنة والمخلوقات موجودا وهو الآن على ما ~~عليه كان لم يتغير ولم يكن هناك فوق شيء ولا عاليا على شيء فكذلك هو الآن ~~قيل هذا غلط ويظهر فساده بالمعارضة ثم بالحل وبيان فساده # أما ( الأول ) فيلزمهم أن لا يكون الآن عاليا بالقدرة ولا بالقدر كما كان ~~في الأزل فانه إذا قدر وجوده وحده فليس هناك موجود يكون قادرا عليه و لا ~~قاهرا له ولا مستوليا عليه و لا موجودا يكون هو أعظم قدرا منه # فان كان مع وجود المخلوقات لم يتجدد له علو عليها كما زعموا فيجب أن يكون ~~بعدها ليس قاهرا لشيء ولا مستوليا عليه ولا قاهرا لعباده و لا قدره أعظم من ~~قدرها وإذا كانوا يقولون هم جميع العقلاء إنه مع وجود العقلاء إنه مع وجود ~~المخلوق يوصف بأمور إضافية لا يوصف PageV16P104 بها إذا قدر موجودا وحده ~~علم أن التسوية بين الحالين خطأ منهم # وقد اتفق العقلاء ms1201 على جواز تجدد النسب والاضافات مثل المعية وإنما النزاع ~~في تجدد ما يقوم بذاته من الأمور الأختيارية وقد بين في غير هذا الموضع أن ~~النسب والاضافات مستلزمة لأمور ثبوتية وأن وجودها بدون الأمور الثبوتيه ~~ممتنع # والانسان إذا كان جالسا فتحول المتحول عن يمينه بعد أن كان عن شماله قيل ~~( إنه عن شماله ) فقد تجدد من هذا فعل به تغيرت النسبة والاضافة وكذلك من ~~كان تحت السطح فصار فوقه فان النسبة بالتحتية والفوقية تجدد لما تجدد فعل ~~هذا # وإذا قيل ( نفس السقف لم يتغير ) قيل قد يمنع هذا ويقال ليس حكمه إذا لم ~~يكن فوقه شىء كحكمه إذا كان فوقه شيء وإذا قيل عن الجالس ( إنه لم يتغير ) ~~قيل قد يمنع هذا ويقال ليس حكمه إذا كان الشخص عن يساره كحكمة أن كان عن ~~يمينه فانه يحجب هذا الجانب ويوجب من التفات الشخص وغير ذلك مالم يكن قبل ~~ذلك # وكذلك من تجدد له أخ أو ابن أخ بايلاد ! أبيه أو أخيه قد وجد هنا أمور ~~ثبوتية وهذا الشخص بصير فيه من العطف والحنو على هذا الولد المتجدد مالم ~~يكن قبل ذلك وهى الرحم والقرابة PageV16P105 وبهذا يظهر الجواب الثانى وهو ~~أن يقال # العلو والسفول ونحو ذلك من الصفات المستلزمة للاضافة وكذلك الاستواء ~~والربوبية والخالقية ونحو ذلك فذا كان غيره موجودا فاما أن يكون عاليا عليه ~~وإما أن لا يكون كما يقولون هم إما أن يكون عاليا عليه وإما أن لا يكون كما ~~يقولون هم إما أن يكون عاليا عليه بالقهر أو بالقدر أو لا يكون خلاف ما إذا ~~قدر وحده فانهم لا يقولون إنه حينئذ قاهر ( أو قادر ) أو مستول عليه فلا ~~يقال عال عليه وإن قالوا ( إنه قادر وقاهر ) كان ذلك مشروطا بالغير وكذلك ~~علو القدر قيل وكذلك علو ذاته ما زال عاليا بذاته لكن ظهور ذلك مشروط بوجود ~~الغير والالزامات مفحمة لهم # وحقيقة قولهم إنه لم يكن قادرا في الأزل ثم صار قادرا يقولون لم يزل ~~قادرا مع امتناع المقدور ms1202 وإنه لم يكن الفعل ممكنا فصار ممكنا فيجمعون بين ~~النقيضين $ فصل # وأما الذين يصفونه بالعلو والسفول فالذين يقولون هو فوق العرش وهو أيضا ~~في كل مكان والذين يقولون إذا نزل كل ليلة فانه PageV16P106 يخلو منه العرش ~~أو غيره من المخلوقات أكبر منه ويقولون لا يمتنع أن يكون الخالق أصغر من ~~المخلوق كما يقول شيخوخهم إنه لا يمتنع أن يكون الخالق أسفل من المخلوق ~~فهؤلاء لا يصفونه بأنه أكبر من كل شىء بل ولا هو على قولهم الكبير المتعال ~~و لا هو العلى العظيم # وقد بسط الرد على هؤلاء في ( مسألة النزول ) لما ذكر قول أئمة السنة مثل ~~حماد بن زيد واسحق بن راهويه وغيرهما ( إنه ينزل و لا يخلو منه العرش ) ذكر ~~قول من انكر ذلك من المتأخرين المنتسبين إلى الحديث والسنة وبين فساد قولهم ~~شرعا وعقلا # وهؤلاء في مقابلة الذين ينفون النزول # وإذا قيل حديث النزول ونحوه ظاهره ليس ( يحتمل التأويل ) فهذا صحيح إذا ~~أريد بالظاهر ما يظهر لهؤلاء ونحوهم ( من أنه ينزل إلى أسفل ) فيصير تحت ~~العرش كما ينزل الانسان من سطح داره إلى أسفل وعلى قول هؤلاء و لا يبقى ~~حينئذ العلي ولا الأعلى بل يكون تارة أعلى وتارة أسفل تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا # وكذلك ما ورد من نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام ومن نزوله ~~PageV16P107 إلى الأرض لما خلقها ومن نزوله لتكليم موسى وغير ذلك كله من ~~باب واحد كقوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~@QE@ وقوله @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وقوله @QB@ هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ والنفاة المعطلة ~~ينفون المجيء والاتيان بالكلية ويقولون ما ثم ألا ما يحدث في المخلوقات ~~والحلولية يقولون إنه يأتى ويجيء بحيث يخلو منه مكان ويشغل آخر فيخلو منه ~~ما فوق العرش ويصير بعض المخلوقات فوقه فاذا اتى وجاء لم يصر على قولهم ~~العلى الأعلى ولكن هو العلى العظيم لا سيما إذا ms1203 قالوا إنه يحويه بعض ~~المخلوقات فتكون أكبر منه سبحانه وتعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوا عظيما # وكذلك قوله @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ إن كان قد قال أحد إنه في جوف ~~السماء فهو شر قولا من هؤلاء ولكن هذا ما عملت به قائلا معينا منسوبا إلى ~~علم حتى أحكيه قولا # ومن قال ( إنه في السماء ) فمراده أنه في العلو ليس مراده أنه في جوف ~~الأفلاك إلا ( أن بعض ) الجهال يتوهم ذلك وقد ظن طائفة أن هذا ظاهر اللفظ ~~PageV16P108 # ( الظاهر ) ولا ريب أنه محمول على خلاف هذا بالاتفاق لكن هذا هو الذي ~~يظهر لعامة المسلمين الذين يطلقون هذا القول ويسمعونه أو هو مدلول اللفظ في ~~اللغة هو مما لا يسلم لهم كما قد يبسط في مواضع # وقد قال تعالى @QB@ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ~~@QE@ فاستثنى نفسه والعالم ( من في السموات والأرض ) و لا يجوز أن يقال هذا ~~استثناء منقطع لأن المستثنى مرفوع ولو كان منقطعا لكان منصوبا والمرفوع على ~~البدل والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو بمنزلة المفرغ كأنه قال ( ~~لا يعلم الغيب إلا الله ) فيلزم أنه داخل في ( من في السموات والأرض ) # وقد قدمنا أن لفظ ( السماء ) يتناول كل ما سما ويدخل فيه السموات والكرسي ~~والعرش وما فوق ذلك لأن هذا في جانب النفى وهو لم يقل هنا ( السموات السبع ~~بل عم بلفظ ( السموات ) وإذا كان لفظ ( السماء ) قد يراد به السحاب ويراد ~~به الفلك ويراد به ما فوق العالم ويراد به العلو مطلقا ف ( السموات ) جمع ( ~~سماء ) وكل من فيما يسمى ( سماء ) وكل من فيما يسمى ( أرضا ) لا يعلم الغيب ~~إلا الله PageV16P109 # وهو سبحانه قال ( قال لا يعلم من ) ولم يقل ( ما ) فانه لما اجتمع ما ~~يعقل وما لا يعقل غلب ما يعقل وعبر عنه ب ( من ) لتكون أبلغ فانهم مع كونهم ~~من أهل العلم والمعرفة لا يعلم أحد منهم الغيب إلا الله # وهذا هو الغيب المطلق عن ( جميع المخلوقين ) الذي قال فيه ms1204 ( فلا يظهر على ~~غيبة أحدا ) ( والغيب المقيد ما عمله ) بعض المخلوقات من الملائكة أو الجن ~~أو الانس وشهدوه فانما هو غيب عمن غاب عنه ليس هو غيبا عمن شهده والناس ~~كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا فيكون غيبا مقيدا أي غيبا عمن غاب عنه من ~~المخلوقين لا عما شهده ليس غيبا مطلقا غاب عن المخلوقين قاطبة # وقوله ( عالم الغيب والشهادة ) أي عالم ما غاب عن العباد مطلقا ومعينا ~~وما شهدوه فهو سبحانه يعلم ذلك كله # والنفاة للعلو ونحوه من الصفات معترفون بأنه ليس مستندهم خبر الأنبياء لا ~~الكتاب ولا السنة ولا أقوال السلف ولا مستندهم فطرة العقل وضرورته ولكن ~~يقولون معنا النظر العقلي وأما أهل السنة المثبتون للعلو فيقولون إن ذلك ~~ثابت بالكتاب والسنة والاجماع مع فطرة الله التى فطر العباد عليها وضرورة ~~العقل ومع نظر العقل واستدلاله PageV16P110 # لكن الذين يقولون بأنه ينزل ولا يبقى فوق العرش وأنه يكون في جوف ~~المخلوقات ونحو هؤلاء قد يقولون إن مستندهم في ذلك السمع وهو ما فهموه من ~~القرآن أو من الأحاديث الصحيحة أو غير الصحيحة أو من أقوال السلف وهم ~~أخطأوا من حيث نظروا اقتصروا على فهمه من نص واحد كفهمهم من حديث النزول ~~ولم يتدبروا ما في الكتاب والسنة مما يصفه بالعلو والعظمة ونحو ذلك مما ~~ينافى أن يكون شيء أعلى منه أو أكبر منه # ويتدبروا أيضا دلالة النص مثل نزوله إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الآخر بأن الليل يختلف فيكون ليل أهل المشرق ونصفه وثلثه الآخر قبل ذلك في ~~المغرب بقريب من يوم فيلزم على قولهم أنه لايزال تحت العرش وهو قد أخبر أنه ~~استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض وما ذكروه ينافى استواءه على العرش ~~وأنه ليس فوق العرش كما قد بسط في مواضع $ فصل ( الأعلى ) على وزن أفعل ~~التفضيل مثل الأكرم والأكبر والأجمل ولهذا قال النبى لما قال أبو سفيان ~~PageV16P111 ( أعل ! هبل أعل ! هبل ) فقال النبى ( ألا تجيبونه ) قالوا وما ~~نقول قال ق ms1205 الله أعلى وأجل وهو مذكور بأداة التعريف ( الأعلى ) مثل @QB@ ~~وربك الأكرم @QE@ بخلاف ما إذا قيل ( الله أكبر ) فانه منكر # ولهذا معنى يخصه بتميز به ولهذا معنى يخصه يتميز به كما بين العلو ~~والكبرياء والعظمة فان هذه الصفات وإن كانت متقاربة بل متلازمة فبينها فروق ~~لطيفة ولهذا قال النبى فيما يروى عن ربه تعالى ( العظمة إزاري والكبرياء ~~ردائى فمن نازعنى واحدا منهما عذبته ) فجعل الكبرياء بمنزلة الرداء وهو ~~أعلى من الازار # ولهذا كان شعائر الصلاة والأذان والأعياد والأماكن العالية هو التكبير ~~وهو أحد الكلمات التى هي أفضل الكلام بعد القرآن سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبى # ولم يجيء في شيء من الأثر بدل قول ( الله أكبر ) ( الله أعظم ) ولهذا كان ~~جمهور الفقهاء على أن الصلاة لا تنعقد إلا بلفظ التكبير فلو قال ( الله ~~أعظم ) لم تنعقد به الصلاة لقول النبى ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها ~~الكبير وتحليلها التسليم ) وهذا PageV16P112 قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ~~يوسف وداود وغيرهم ولو أتى بغير ذلك من الأذكار مثل سبحان الله والحمد لله ~~لم تنعقد به الصلاة # ولأن التكبير مختص بالذكر في حال الارتفاع كما ان التسبيح مختص بحال ~~الانخفاض كما في السنن عن جابر بن عبد الله قال كنا مع رسول الله إذا علونا ~~كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك # ولما نزل قوله @QB@ فسبح باسم ربك العظيم @QE@ قال اجعلوها فى ركوعكم ) ~~ولما نزل ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال ( اجعلوها في سجودكم ) وثبت عنه أنه ~~كان يقول في ركوعه ( سبحان ربي العظيم ) وفي سجوده ( سبحان ربى الأعلى ) ~~ولم يكن يكبر في الركوع والسجود # لكن قد كان يقرن بالتسبيح التحميد والتهليل كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ~~أنه كان يقول في ركوعه وسجوده ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) ~~بتأول القرآن أي يتأول قوله ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) فكان ~~يجمع بين التسبيح والتحميد PageV16P113 وكذلك قد كان يقرن بالتسبيح في ~~الركوع والسجود ms1206 والتهليل كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت افتقدت النبى ذات ~~ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه فتحسست ثم رجعت فاذا هو راكع أو ساجد ~~يقول ( سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت ) فقلت بأبي أنت وأمي إنى لفى شأن ~~وإنك لفى شأن # ففى هذه الأحاديث كلها أنه كان يسبح في الركوع والسجود لكن قد يقرن ~~بالتسبيح التحميد والتهليل وقد يقرن به الدعاء ولم ينقل انه كبر في الركوع ~~والسجود # وأما قراءة القرآن فيهما فقد ثبت عنه انه قال ( إنى نهيت أن أقرأ القرآن ~~راكعا وساجدا ) رواه مسلم من حديث علي ومن حديث ابن عباس وذلك ان القرآن ~~كلام الله فلا يتلى الا في حال الارتفاع والتكبير ايضا محلة الارتفاع # وجمهور العلماء على انه يشرع التسبيح في الركوع والسجود وروى عن مالك انه ~~كره المداومة على ذلك لئلا يظن وجوبه ثم اختلفوا في وجوبه فالمشهور عن أحمد ~~وإسحق وداود وغيرهم وجوبه وعن أبي حنيفة والشافعي استحبابه # والقائلون بالوجوب منهم من يقول يتعين ( سبحان ربى العظيم ) PageV16P114 ~~و ( سبحان ربى الأعلى ) للأمر بهما وهو قول كثير من اصحاب أحمد ومنهم من ~~يقول بل يذكر بعض الأذكار المأثورة # والأقوى انه يتعين التسبيح إما بلفظ ( سبحان ) وإما بلفظ ( سبحانك ) ونحو ~~ذلك وذلك أن القرآن سماها ( تسبيحا ) فدل على وجوب التسبيح فيها وقد بينت ~~السنة أن محل ذلك القيام وسماها ( قياما ) و ( سجودا ) و ( ركوعا ) وبينت ~~السنة علة ذلك ومحله # وكذلك التسبيح يسبح في الركوع والسجود وقد نقل عن النبى أنه كان يقول ( ~~سبحان ربى العظيم ) و ( سبحان ربى الأعلى ) وانه كان يقول ( سبحانك اللهم ~~وب اللهم اغفر لي ) و ( سبحانك وبحمدك لا اله الا انت ) وفي بعض روايات أبو ~~داود ( سبحان ربي العظيم وبحمده ) وفي استحباب هذه الزيادة عن أحمد روايتان ~~وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله كان يقول في ركوعه وسجوده ( سبوح قدوس ~~رب الملائكة والروح ) وفي السنن أنه كان يقول ( سبحان ذي الجبروت والملكوت ~~والكبرياء والعظمة ) فهذه كلها تسبيحات PageV16P115 والمنقول ms1207 عن مالك انه ( ~~كان يكره المداومة على ذلك فان ) كان كراهة المداومة على 0 سبحان ربي ~~الأعلى والعظيم فله وجه وان كان كراهة المداومة على جنس التسبيح فلا وجه له ~~وأظنه الأول وكذلك المنقول عنه إنما هو كراهة المداومة على ( سبحان ربى ~~العظيم ) لئلا يظن انها فرض وهذا يقتضي ان مالكا انكر أن تكون فرضا واجبا # وهذا قوى ظاهر بخلاف جنس التسبيح فان أدلة وجوبه في الكتاب والسنة كثيرة ~~جدا وقد علم انه كان يداوم على التسبيح بألفاظه متنوعة # وقوله ( اجعلوها في ركوعكم وفي سجودكم ) يقتضى أن هذا محل لامتثال هذا ~~الأمر لا يقتضى انه لا يقال إلا هي مع ما قد ثبت انه كان يقول غيرها # والجمع بين صيغتى تسبيح بعيد بخلاف الجمع بين التسبيح والتحميد والتهليل ~~والدعاء فان هذه أنواع والتسبيح نوع واحد فلا يجمع فيه بين صيغتين # وأيضا قد ثبت في الصحيح أنه قال ( أفضل الكلام بعد القرآن PageV16P116 ~~أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر ) ~~فهذا يقتضي أن هذه الكلمات أفضل من غيرها فان جعل التسبيح نوعا واحدا ف ( ~~سبحان الله ) أفضل بهذا الحديث # وأيضا فقوله @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ و @QB@ فسبح باسم ربك العظيم ~~@QE@ أمر بتسبيح ربه ليس أمرا بصيغة معينة فاذا قال ( سبحان الله وبحمده ) ~~( سبحانك اللهم وبحمدك فقد سبح ربه الأعلى والعظيم واسمه ( الله ) يتناول ~~معاني سائر الأسماء بطريق التضمن وإن كان التصريح بالعلو والعظمة ليس هو ~~فيه ففى اسمه ( الله ) التصريح بالالهية واسمه ( الله ) أعظم من اسمه ( ~~الرب ) وفي مسلم عن أبي ذر أن رسول الله سئل أي الكلام أفضل فقال ما اصطفى ~~الله لملائكته أو لعباده ( سبحان الله وبحمده ) # فالقيام فيه التحميد ( و ) في الاعتدال من الركوع وفي الركوع والسجود ~~التسبيح وفي الانتقال التكبير وفي القعود التشهد وفيه التوحيد فصارت ~~الأنواع الأربعة في الصلاة PageV16P117 والفاتحة أيضا فيها التحميد ~~والتوحيد فالتحميد والتوحيد ركن يجب في القراءة والتكبير ركن في الافتتاح ~~والتشهد الآخر ركن في ( القعود كما ms1208 هو ) المشهور عن أحمد وهو مذهب الشافعي ~~وفيه التشهد المتضمن للتوحيد # يبقي التسبيح وأحمد يوجبه في الركوع والسجود وروي عنه أنه ركن وهو قوي ~~لثبوت الأمر به في القرآن والسنة فكيف يوجب الصلاة على النبى ولم يجىء أمر ~~بها في الصلاة خصوصا و لا يوجب التسبيح مع الأمر به في الصلاة ومع كون ~~الصلاة تسمى ( تسبيحا ) وكل ما سميت به الصلاة من أبعاضها فهو ركن فيها كما ~~سميت ( قياما ) و ( ركوعا ) و ( سجودا ) ( وقراءة ) وسميت أيضا ( تسبيحا ) # ولم يأت عن النبى ما ينفي وجوبه في حال السهو كما ورد في التشهد الأول ~~أنه لما تركه سجد للسهو لكن قد يقال لما لم يأمر به المسيء في صلاته دل على ~~أنه واجب ليس بركن وبسط هذه المسائل له موضع آخر # والمقصود هنا أن التسبيح قد خص به حال الانخفاض كما خص حال الارتفاع ~~بالتكبير فذكر العبد في حال انخفاضه وذله ما يتصف به PageV16P118 الرب ( ~~مقابل ) ذلك فيقول في السجود ( سبحان ربي الأعلى ) وفي الركوع ( سبحان ربي ~~العظيم ) # و ( الأعلى ( يجمع معاني العلو جميعا و أنه الأعلى بجميع معانى العلو و ~~قد إتفق الناس على أنه علي على كل شيء بمعنى أنه قاهر له قادر عليه متصرف ~~فيه كما قال ( إذا لذهب كل إله بما خلق و لعلا بعضهم على بعض ( # و على أنه عال عن كل عيب و نقص فهو عال عن ذلك منزه عنه كما قال تعالى ( ~~و لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى فى جهنم ملوما مدحورا أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين و إتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما و لقد صرفنا فى ~~هذا القرآن ليذكروا و ما يزيدهم إلا نفورا قل لو كان معه آلهة كما يقولون ~~إذا لإبتغوا إلى ذى العرش سبيلا سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا ( ~~فقرن تعاليه عن ذلك بالتسبيح # و قال تعالى ( ما إتخذ الله من و لد و ما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق و ms1209 لعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب و الشهادة ~~فتعالى عما يشركون ( و قالت الجن ( و أنه تعالى جد ربنا ما إتخذ صاحبة و لا ~~و لدا ( PageV16P119 # و فى دعاء الإستفتاح ( سبحانك اللهم و بحمدك و تبارك إسمك و تعالى جدك ( ~~و في الصحيحين أنه كان يقول فى آخر إستفتاحه ( تباركت و تعاليت أستغفرك و ~~أتوب إليك ( # فقد بين سبحانه أنه تعالى عما يقول المبطلون و عما يشركون فهو متعال عن ~~الشركاء و الأولاد كما أنه مسبح عن ذلك # و تعاليه سبحانه عن الشريك هو تعاليه عن السمي و الند و المثل فلا يكون ~~شيء مثله # و قد ذكروا من معاني العلو الفضيلة كما يقال الذهب أعلى من الفضة و نفى ~~المثل عنه يقتضى أنه أعلى من كل شيء فلا شيء مثله و هو يتضمن أنه أفضل و ~~خير من كل شيء كما أنه أكبر من كل شيء و فى القرآن ( قل الحمد لله و سلام ~~على عباده الذين إصطفى آلله خير أما يشركون ( و يقول ( أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون ( و يقول ( أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي ~~إلا أن يهدى ( و قالت السحرة ( و الله خير و أبقى ( # و هو سبحانه يبين أن المعبودين دونه ليسوا مثله فى مواضع كقوله ( قل من ~~يرزقكم من السماء و الأرض أمن يملك السمع PageV16P120 و الأبصار و من يخرج ~~الحي من الميت و يخرج الميت من الحي و من يدبر الأمر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ~~كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون قل هل من شركائكم من ~~يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون قل هل من ~~شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن ~~يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ms1210 و ما يتبع أكثرهم إلا ظنا ~~إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ( # وقال تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون و إن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها إن الله لغفور رحيم و الله يعلم ما تسرون و ما تعلنون و الذين يدعون ~~من دون الله لا يخلقون شيئا و هم يخلقون أموات غير أحياء و ما يشعرون أيان ~~يبعثون ( و كذلك قوله في أثناء السورة ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر ~~على شيء و من رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا و جهرا هل يستوون ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون و ضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر ~~على شيء و هو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو و من يأمر ~~بالعدل و هو على صراط مستقيم ( # فهو سبحانه يبين أنه هو المستحق للعبادة دون ما يعبد من دونه PageV16P121 ~~و أنه لا مثل له و يبين ما إختص به من صفات الكمال و إنتفائها عما يعبد من ~~دونه و يبين أنه يتعالى عما يشركون و عما يقولون من إثبات الأولاد و ~~الشركاء له # و قال ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لإبتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( ~~و هم كانوا يقولون إنهم يشفعون لهم و يتقربون بهم # لكن كانوا يثبتون الشفاعة بدون إذنه فيجعلون المخلوق يملك الشفاعة و هذا ~~نوع من الشرك فلهذا قال تعالى ( و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ( ~~فالشفاعة لا يملكها أحد غير الله # كما روى إبن أبى حاتم عن السدي فى قوله ( إذا لإبتغوا إلى ذي العرش سبيلا ~~( يقول لإبتغت الحوائج من الله و عن معمر عن قتادة ( لإبتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا ( لإبتغوا التقرب إليه مع أنه ليس كما يقولون و عن سعيد عن قتادة ( ~~لو كان معه آلهة كما يقولون ( يقول لو كان معه آلهة إذا لعرفوا له فضله و ~~مزيته عليهم و لإبتغوا ms1211 إليه ما يقربهم إليه و روي عن سفيان الثوري لتعاطوا ~~سلطانه # و عن أبى بكر الهذلي عن سعيد بن جبير سبيلا إلى أن يزيلوا ملكه و الهذلي ~~ضعيف PageV16P122 # فقد تضمن العلو الذي ينعت به نفسه فى كتابه أنه متعال عما لا يليق به من ~~الشركاء و الأولاد فليس كمثله شيء و هذا يقتضى ثبوت صفات الكمال له دون ما ~~سواه # و أنه لا يماثله غيره فى شيء من صفات الكمال بل هو متعال عن أن يماثله ~~شيء و تضمن أنه عال على كل ما سواه قاهر له قادر عليه نافذة مشيئته فيه و ~~أنه عال على الجميع فوق عرشه فهذه ثلاثة أمور في إسمه ( العلى ( # و إثبات علوه علوه على ما سواه و قدرته عليه و قهره يقتضي ربوبيته له و ~~خلقه له و ذلك يستلزم ثبوت الكمال و علوه عن الأمثال يقتضي أنه لا مثل له ~~فى صفات الكمال # و هذا و هذا يقتضي جميع ما يوصف به في الإثبات و النفي ففي الإثبات يوصف ~~بصفات الكمال و فى النفي ينزه عن النقص المناقض للكمال و ينزه عن أن يكون ~~له مثل فى صفات الكمال كما قد دلت على هذا و هذا سورة الإخلاص ( قل هو الله ~~أحد الله الصمد ( # وتعاليه عن الشركاء يقتضي إختصاصه بالإلهية و أنه لا يستحق PageV16P123 ~~العبادة إلا هو و حده كما قال ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لإبتغوا ~~إلي ذي العرش سبيلا ( أي و إن كانوا كما يقولون يشفعون عنده بغير إذنه و ~~يقربونكم إليه بغير إذنه فهو الرب و الإله دونهم و كانوا يبتغون إليه سبيلا ~~بالعبادة له و التقرب إليه هذا أصح القولين كما قال ( إن هذه تذكرة فمن شاء ~~إتخذ إلى ربه سبيلا و ما تشاءون إلا أن يشاء الله ( و قال ( إنه تذكرة فمن ~~شاء ذكره ( و قال ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ( # ثم قال ( سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا ( فتعالى ms1212 عن أن يكون معه ~~إله غيره أو أحد يشفع عنده إلا بإذنه أو يتقرب إليه أحد إلا بإذنه فهذا هو ~~الذي كانوا يقولون # و لم يكونوا يقولون أن آلهتهم تقدر أن تمانعه أو تغالبه بل هذا يلزم من ~~فرض إله آخر يخلق كما يخلق و إن كانوا هم لم يقولوا ذلك كما قال ( ما إتخذ ~~الله من و لد و ما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق و لعلا بعضهم ~~على بعض ( # فقد تبين أن إسمه ( الأعلى ( يتضمن إتصافه بجميع صفات الكمال و تنزيهه ~~عما ينافيها من صفات النقص و عن أن يكون له مثل و أنه لا إله إلا هو و لا ~~رب سواه PageV16P124 $ فصل # والأمر بتسبيحه يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب و سوء و إثبات صفات الكمال ~~له فإن [ التسبيح ] يقتضي التنزيه و التعظيم و التعظيم يستلزم إثبات ~~المحامد التى يحمد عليها فيقتضي ذلك تنزيهه و تحميده و تكبيره و توحيده # قال إبن أبي حاتم حدثنا أبى ثنا إبن نفيل الحرانى ثنا النضر إبن عربي قال ~~سأل رجل ميمون بن مهران عن ( سبحان الله ( فقال ( إسم يعظم الله به و يحاشي ~~به من السوء ( # و قال حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا حفص بن غياث عن حجاج عن إبن أبي مليكة عن ~~إبن عباس قال ( سبحان ( قال تنزيه الله نفسه من السوء و عن الضحاك عن إبن ~~عباس فى قوله ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ( قال عجب و عن أبى الأشهب عن ~~الحسن قال ( سبحان ( إسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه # و قد جاء عن غير و أحد من السلف مثل قول إبن عباس أنه PageV16P125 تنزيه ~~نفسه من السوء ( و روي فى ذلك حديث مرسل و هو يقتضي تنزيه نفسه من فعل ~~السيئات كما يقتضي تنزيهه عن الصفات المذمومة # و نفي النقائص يقتضي ثبوت صفات الكمال و فيها التعظيم كما قال ميمون بن ~~مهران ( إسم يعظم الله به و يحاشى به من السوء ( و ms1213 روى عبد بن حميد حدثنا ~~أبو نعيم ثنا سفيان عن عثمان بن عبدالله بن موهب عن موسى بن طلحة قال سئل ~~النبى صلى الله عليه و سلم عن التسبيح فقال ( إنزاهه عن السوء ( و قال ~~حدثنا الضحاك إبن مخلد عن شبيب عن عكرمة عن إبن عباس ( سبحان الله ( قال ~~تنزيهه # حدثنا كثير بن هشام ثنا جعفر بن برقان ثنا يزيد بن الأصم قال جاء رجل إلى ~~إبن عباس فقال ( لا إله إلا الله ( نعرفها أنه لا إله غيره و ( الحمد لله ( ~~نعرفها أن النعم كلها منه و هو المحمود عليها و ( الله أكبر ( نعرفها أنه ~~لا شيء أكبر منه فما ( سبحان الله ( فقال إبن عباس و ما ينكر منها هي كلمة ~~رضيها الله لنفسه و أمر بها ملائكته و فزع إليها الأخيار من خلقه ~~PageV16P126 $ فصل # قوله ( الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى ( العطف يقتضي إشتراك المعطوف و ~~المعطوف عليه فيما ذكر و أن بينهما مغايرة إما فى الذات و إما فى الصفات # و هو في الذات كثير كقوله ( إن الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئين و ~~النصارى و المجوس و الذين أشركوا ( # و أما فى الصفات فمثل هذه الآية فإن الذي خلق فسوى هو الذي قدر فهدى لكن ~~هذا الإسم و الصفة ليس هو ذاك الإسم و الصفة و مثله قوله ( هو الأول و ~~الآخر و الظاهر و الباطن ( و مثله قوله ( الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله و ~~الذين يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك ( و قوله ( لكن الراسخون فى ~~العلم منهم و المؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و المقيمين ~~الصلاة و المؤتون الزكاة و المؤمنون بالله و اليوم الآخر ( و قوله ( قد ~~أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون و الذين هم عن اللغو معرضون ( و ~~قوله ( إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون PageV16P127 و الذين في ~~أموالهم حق معلوم الآيات ( # و قوله ( إن المسلمين و المسلمات و المؤمنين ms1214 و المؤمنات الآيات ( فإنه [ ~~من صدق و ] صبر و لم يسلم و لم يؤمن لم يكن ممن أعد الله لهم مغفرة و أجرا ~~عظيما # و كثيرا ما تأتي الصفات بلا عطف كقوله ( هو الله الذي لا إله إلا هو ~~الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ( و قوله ( قل أعوذ برب الناس ملك ~~الناس إله الناس ( # و قد تجيء خبرا بعد خبر كقوله ( و هو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال ~~لما يريد ( و لو كان ( فعال ( صفة لكان معرفا بل هو خبر بعد خبر و قوله ( ~~هو الأول و الآخر ( خبر بعد خبر لكن بالعطف بكل من الصفات # و أخبار المبتدأ قد تجيء بعطف و بغير عطف و إذا ذكر بالعطف كان كل إسم ~~مستقلا بالذكر و بلا عطف يكون الثاني من تمام الأول بمعنى و مع العطف لا ~~تكون الصفات إلا للمدح و الثناء أو للمدح و أما بلا عطف فهو فى النكرات ~~للتمييز و فى المعارف قد يكون للتوضيح PageV16P128 و ( الذي خلق فسوى و ~~الذي قدر فهدى و الذي أخرج المرعى ( و صف بكل صفة من هذه الصفات و مدح بها ~~و أثني عليه بها و كانت كل صفة من هذه الصفات مستوجبة لذلك $ فصل # قال تعالى ( الذي خلق فسوى ( فأطلق الخلق و التسوية و لم يخص بذلك ~~الإنسان كما أطلق قوله بعد ( و الذي قدر فهدى ( لم يقيده فكان هذا المطلق ~~لا يمنع شموله لشيء من المخلوقات و قد بين موسى عليه السلام شموله فى قوله ~~( ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ( # و قد ذكر المقيد بالإنسان فى قوله ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ~~الذي خلقك فسواك فعدلك ( # و قد ذكر المطلق و المقيد فى أول ما نزل من القرآن و هو قوله ( إقرأ بإسم ~~ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم ( # و فى جميع هذه الآيات مطلقها و مقيدها و الجامع ms1215 بين المطلق و المقيد قد ~~ذكر خلقه و ذكر هدايته و تعليمه بعد الخلق كما قال فى هذه السورة ( الذي ~~خلق فسوى و الذي قدر فهدى ( PageV16P129 لأن جميع المخلوقات خلقت لغاية ~~مقصودة بها فلابد أن تهدى إلى تلك الغاية التى خلقت لها فلا تتم مصلحتها و ~~ما أريدت له إلا بهدايتها لغاياتها # و هذا مما يبين أن الله خلق الأشياء لحكمة و غاية تصل إليها كما قال ذلك ~~السلف و جمهور المسلمين و جمهور العقلاء وقالت طائفة كجهم و أتباعه إنه لم ~~يخلق شيئا لشيء و وافقه أبو الحسن الأشعري و من اتبعه من الفقهاء أتباع ~~الأئمة و هم يثبتون أنه مريد و ينكرون أن تكون له حكمة يريدها و طائفة من ~~المتفلسفة يثبتون عنايته و حكمته و ينكرون إرادته و كلاهما تناقض و قد بسط ~~الكلام على فساد قول هؤلاء فى غير هذا الموضع و أن منتهاهم جحد الحقائق # فإن هذا يقول ( لو كان له حكمة يفعل لأجلها لكان يجب [ أن يريد ] الحكمة ~~و ينتفع بها و هو منزه عن ذلك ( و ذاك يقول ( لو كان له إرادة لكان يفعل ~~لجر منفعة فإن الإرادة لا تعقل إلا كذلك ( و أرسطو و أتباعه يقولون ( لو ~~فعل شيئا لكان الفعل لغرض و هو منزه عن ذلك ( PageV16P130 فيقال لهؤلاء هذه ~~الحوادث مشهودة ألها محدث أم لا فإن قالوا ( لا ( فهو غاية المكابرة و إذا ~~جوزوا حدوث الحوادث بلا محدث فتجويزها بمحدث لا إرادة له أولى # و إن قالو ( لها محدث ( ثبت الفاعل و إذا ثبت الخالق المحدث فأما أن يفعل ~~بإرادة أو بغير إرادة فإن قالوا ( يفعل بغير إرادة ( كان ذلك أيضا مكابرة ~~فإن كل حركة فى العالم إنما صدرت عن إرادة # فإن الحركات إما طبعية و إما قسرية و إما إرادية لأن مبدأ الحركة إما أن ~~يكون من المتحرك أو من سبب خارج و ما كان منها فإما أن يكون مع الشعور أو ~~بدون الشعور فما كان سببه من خارج فهو ms1216 القسري و ما كان سببه منها بلا شعور ~~فهو الطبعي و ما كان مع الشعور فهو الإرادي فالقسرى تابع للقاسر و الذي ~~يتحرك بطبعه كالماء و الهواء و الأرض هو ساكن فى مركزه لكن إذا خرج عن ~~مركزه قسرا طلب العود إلى مركزه فأصل حركته القسر و لم تبق حركة أصلية إلا ~~الإرادية فكل حركة فى العالم فهي عن إرادة # فكيف تكون جميع الحوادث و الحركات بلا إرادة # و أيضا فإذا جوزوا أن تحدث الحوادث العظيمة عن فاعل غير مريد فجواز ذلك ~~عن فاعل مريد أولى PageV16P131 وإذا ثبت أنه مريد قيل إما أن يكون أرادها ~~لحكمة و إما أن يكون أرادها لغير حكمة [ فإن قالوا ( لغير حكمة ( كان ] ~~مكابرة فإن الإرادة لا تعقل إلا إذا كان المريد قد فعل لحكمة يقصدها بالفعل # و أيضا فإذا جوزوا أن يكون فاعلا مريدا بلا حكمة فكونه فاعلا مريدا لحكمة ~~أولى بالجواز # و أما قولهم ( هذا لا يعقل إلا فى حق من ينتفع و ذلك يوجب الحاجة و الله ~~منزه عن ذلك ( # فإن أرادوا أنه يوجب إحتياجه إلى غيره أو شيء من مخلوقاته فهو ممنوع و ~~باطل فإن كل ما سواه محتاج إليه من كل و جه و هو الصمد الغني عن كل ما سواه ~~و كل ما سواه محتاج إليه و هو القيوم القائم بنفسه المقيم لكل ما سواه فكيف ~~يكون محتاجا إلى غيره # و إن أرادوا أنه تحصل له بالخلق حكمة هي أيضا حاصلة بمشيئته فهذا لا ~~محذور فيه بل هو الحق # و إذا قالوا ( الحكمة هي اللذة ( قيل لفظ ( اللذة ( لم يرد به الشرع و هو ~~موهم و مجمل لكن جاء الشرع بأنه ( يحب ( و ( يرضى ( PageV16P132 و ( يفرح ~~بتوبة التائبين ( و نحو ذلك فإذا أريد ما دل عليه الشرع و العقل فهو حق # و إن قالوا ( الحكمة إما أن تراد لنفسها أو لحكمة ( قيل المرادات نوعان ~~ما يراد لنفسه و ما يراد لغيره و قد يكون الشيء غاية و حكمة بالنسبة ms1217 إلى ~~مخلوق و هو مخلوق لحكمة أخرى فلابد أن ينتهي الأمر إلى حكمة يريدها الفاعل ~~لذاتها # و المعتزلة و من و افقهم كإبن عقيل و غيره تثبت حكمة لا تعود إلى ذاته و ~~أما السلف فإنهم يثبتون حكمة تعود إليه كما قد بين في غير هذا الموضع # و المقصود هنا ذكر قوله تعالى ( الذي خلق فسوى و الذي قدر فهدى ( و ~~التسوية جعل الشيئين سواء كما قال ( و ما يستوى الأعمى و البصير ( و قوله ~~تعالى ( تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ( و ( سواء ( و سط لأنه معتدل ~~بين الجوانب # و ذلك أنه لابد فى الخلق و الأمر من العدل فلابد من التسوية بين ~~المتماثلين فإذا فضل أحدهما فسد المصنوع كما فى مصنوعات العباد إذا بنوا ~~بنيانا فلابد من التسوية بين الحيطان إذ لو رفع PageV16P133 حائط على حائط ~~رفعا كثيرا فسد و لابد من التسوية بين جذوع السقف فلو كان بعض الجذوع قصيرا ~~عن الغاية و بعضها فوق الغاية فسد و كذلك إذا بنى صف فوق صف لابد من ~~التسوية بين الصفوف و كذلك الدرج المبنية و كذلك إذا صنع لسقى الماء جداول ~~و مساكب فلابد من العدل و التسوية فيها و كذلك إذا صنعت ملابس للآدميين ~~فلابد من أن تكون مقدرة على أبدانهم لا تزيد و لا تنقص و كذلك ما يصنع من ~~الطعام لابد أن تكون أخلاطه على وجه الإعتدال و النار التى تطبخه كذلك و ~~كذلك السفن المصنوعة # ولهذا قال الله لداود ( و قدر فى السرد ( أي لا تدق المسمار فيقلق و لا ~~تغلظه فيفصم و إجعله بقدر # فإذا كان هذا في مصنوعات العباد و هي جزء من مصنوعات الرب فكيف بمخلوقاته ~~العظيمة التى لا صنع فيها للعباد كخلق الإنسان و سائر البهائم و خلق النبات ~~و خلق السموات و الأرض و الملائكة # فالفلك الذي خلقه و جعله مستديرا ما له من فروج كما قال تعالى ( الذي خلق ~~سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن ms1218 من تفاوت فإرجع البصر هل ترى من فطور ~~ثم إرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير ( و قال تعالى ( و ~~السماء ذات الحبك ) وقال PageV16P134 ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها و زيناها و ما لها من فروج ( # فهو سبحانه سواها كما سوى الشمس و القمر و غير ذلك من المخلوقات فعدل بين ~~أجزائها و لو كان أحد جانبى السماء داخلا أو خارجا لكان فيها فروج و هي ~~الفتوق و الشقوق و لم يكن سواها كمن بنى قبة و لم يسوها و كذلك لو جعل أحد ~~جانبيها أطول أو أنقص و نحو ذلك # فالعدل و التسوية لازم لجميع المخلوقات و المصنوعات فمتى لم تصنع بالعدل ~~و التسوية بين المتماثلين و قع فيها الفساد # و هو سبحانه ( الذي خلق فسوى ( قال أبو العالية فى قوله ( خلق فسوى ( قال ~~سوى خلقهن و هذا كما قال تعالى ( فسواهن سبع سموات فى يومين $ فصل # ثم إذا خلق المخلوق فسوى فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التى خلق لها فسد ~~فلابد أن يهدى بعد ذلك إلى ما خلق له PageV16P135 و تلك الغاية لابد أن ~~تكون معلومة للخالق فإن العلة الغائية هي أول فى العلم و الإرادة و هي آخر ~~فى الوجود و الحصول # و لهذا كان الخالق لابد أن يعلم ما خلق فإنه قد أراده و أراد الغاية التى ~~خلقه لها و الإرادة مستلزمة للعلم فيمتنع أن يريد الحي ما لا شعور له به # و الصانع إذا أراد أن يصنع شيئا فقد علمه و أراده و قدر فى نفسه ما يصنعه ~~و الغاية التى ينتهي إليها و ما الذي يوصله إلى تلك الغاية # و الله سبحانه قدر و كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم كما ثبت فى صحيح ~~مسلم عن عبدالله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( قدر الله ~~مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات و الأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على ~~الماء ( # و فى البخاري ms1219 عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( كان ~~الله و لم يكن شيء قبله و كان عرشه على الماء و كتب فى الذكر كل شيء و خلق ~~السموات و الأرض ( و فى رواية ( ثم خلق السموات و الأرض ( PageV16P136 فقد ~~قدر سبحانه ما يريد أن يخلقه من هذا العالم حين كان عرشه على الماء إلى يوم ~~القيامة كما فى السنن عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( أول ما خلق ~~الله القلم فقال أكتب فقال ما أكتب فقال أكتب ما يكون إلى يوم القيامة ( # و أحاديث تقديره سبحانه و كتابته لما يريد أن يخلقه كثيرة جدا # روى إبن [ أبي ] حاتم عن الضحاك أنه سئل عن قوله ( إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر ( فقال قال إبن عباس إن الله قدر المقادير بقدرته و دبر الأمور بحكمته ~~و علم ما العباد صائرون إليه و ما هو خالق و كائن من خلقه فخلق الله لذلك ~~جنة و نارا فجعل الجنة لأوليائه و عرفهم و أحبهم و تولاهم و وفقهم و عصمهم ~~و ترك أهل النار إستحوذ عليهم إبليس و أضلهم و أزلهم # فخلق لكل شيء ما يشاكله في خلقه ما يصلحه من رزقه في بر أو فى بحر فجعل ~~للبعير خلقا لا يصلح شيء من خلقه على غيره من الدواب و كذلك كل دابة خلق ~~الله له منها ما يشاكلها فى خلقها فخلقه مؤتلف لما خلقه له غير مختلف # قال إبن أبي حاتم ثنا أبى ثنا يحيى بن زكريا بن مهران القزاز PageV16P137 ~~نا حبان بن عبيدالله قال سألت الضحاك عن هذه الآية ( إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر ( قال الضحاك قال ابن عباس فذكره # و قال حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا طلحة بن سنان عن عاصم عن الحسن قال من ~~كذب بالقدر فقد كذب بالحق خلق الله خلقا و أجل أجلا و قدر رزقا و قدر مصيبة ~~و قدر بلاء و قدر عافية فمن كفر بالقدر فقد كفر بالقرآن ms1220 # و قال حدثنا الحسن بن عرفة ثنا مروان بن شجاع الجزري عن عبد الملك بن ~~جريح عن عطاء بن أبى رباح قال أتيت إبن عباس و هو ينزع من زمزم و قد إبتلت ~~أسافل ثيابه فقلت له قد تكلم فى القدر فقال أو [ قد ] فعلوها قلت نعم قال ~~فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ( ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ~~( أولئك شرار هذه الأمة فلا تعودوا مرضاهم و لا تصلوا على موتاهم إن رأيت ~~أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين # و قال أيضا حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا سهل الخياط ثنا أبو صالح ~~الحداني نا حبان بن عبيدالله قال سألت PageV16P138 الضحاك عن قوله ( ما ~~أصاب من مصيبة فى الأرض و لا فى أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ( قال ~~قال ابن عباس إن الله خلق العرش فإستوى عليه ثم خلق القلم فأمره ليجري ~~بإذنه و عظم القلم كقدر ما بين السماء و الأرض فقال القلم بما يا رب أجرى ~~فقال ( بما أنا خالق و كائن فى خلقى من قطر أو نبات أو نفس أو أثر يعنى به ~~العمل أو رزق أو أجل ( فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة فأثبته الله ~~في الكتاب المكنون عنده تحت العرش $ فصل فقوله سبحانه ( و الذي قدر فهدى ( ~~يتضمن أنه قدر ما سيكون للمخلوقات و هداها إليه علم ما يحتاج إليه الناس و ~~الدواب من الرزق فخلق ذلك الرزق و سواه و خلق الحيوان و سواه و هداه إلى ~~ذلك الرزق و هدى غيره من الأحياء أن يسوق إليه ذلك الرزق # و خلق الأرض و قدر حاجتها إلى المطر و قدر السحاب و ما يحمله من المطر ~~وخلق ملائكة هداهم ليسوقوا ذلك السحاب إلى تلك الأرض PageV16P139 فيمطر ~~المطر الذي قدره و قدر ما نبت بها من الرزق و قدر حاجة العباد إلى ذلك ~~الرزق و هداهم إلى ذلك الرزق و هدى من يسوق ذلك الرزق إليهم ms1221 # و قد ذكر المفسرون أنواعا من تقديره و هدايته فروى ابن جرير و ابن أبي ~~حاتم و غيرهما بالإسناد الثابت عن مجاهد فى قوله ( قدر فهدى ( قال الإنسان ~~للشقاوة و السعادة و هدى الأنعام لمراتعها و كذلك رواه عبد بن حميد فى ~~تفسيره قال هدى الإنسان للسعادة و الشقاوة و هدى الأنعام لمراتعها # و قال حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة ( الذي قدر فهدى ( قال ( لا و الله ~~ما أكره الله عبدا على معصية قط و لا على ضلالة و لا رضيها له و لا أمره و ~~لكن رضي لكم الطاعة فأمركم بها و نهاكم عن معصيته ( # ( قلت ( قتادة ذكر هذا عند هذه الآية ليبين أن الله قدر ما قدره من ~~السعادة و الشقاوة كما قال الحسن و قتادة و غيرهما من أئمة المسلمين فإنهم ~~لم يكونوا متنازعين فما سبق من سبق تقدير الله و إنما كان نزاع بعضهم في ~~الإرادة و خلق الأفعال PageV16P140 # و إنما نازع فى التقدير السابق و الكتاب أولئك الذين تبرأ منهم الصحابة ~~كإبن عمر و إبن عباس و غيرهما # و ذكر قتادة أن الله لم يكره أحدا على معصية و هذا صحيح فإن أهل السنة ~~المثبتين للقدر متفقون على أن الله لا يكره أحدا على معصية كما يكره الوالي ~~و القاضي و غيرهما للمخلوق على خلاف مراده يكرهونه بالعقوبة و الوعيد بل هو ~~سبحانه يخلق إرادة العبد للعمل و قدرته و عمله و هو خالق كل شيء # و هذا الذي قاله قتادة قد يظن فيه أنه من قول القدرية و أنه لسبب مثل هذا ~~إتهم قتادة بالقدر حتى قيل إن مالكا كره لمعمر أن يروى عنه التفسير لكونه ~~إتهم بالقدر # وهذا القول حق و لم يعرف أحد من السلف قال ( إن الله أكره أحدا على معصية ~~( # بل أبلغ من ذلك أن لفظ ( الجبر ( منعوا من إطلاقه كالأوزاعى و الثوري و ~~الزبيدي و عبدالرحمن بن مهدي و أحمد بن حنبل و غيرهم نهوا عن أن يقال ms1222 ( إن ~~الله جبر العباد ( و قالوا إن هذا بدعة فى الشرع و هو مفهم للمعنى الفاسد ~~PageV16P141 # قال الأوزاعي و غيره أن السنة جاءت ب ( جبل ( و لم تأت ب ( جبر ( فإن ~~النبى صلى الله عليه و سلم قال لأشج عبد القيس ( إن فيك لخلقين يحبهما الله ~~الحلم و الأناة ( فقال أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما فقال ( بل ~~خلقين جبلت عليهما ( قال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله # و قال الزبيدي و غيره إنما يجبر العاجز يعنى الجبر الذي هو بمعنى الإكراه ~~كما تجبر المرأة على النكاح و الله أجل و أعظم من أن يجبر أحدا يعنى أنه ~~يخلق إرادة العبد فلا يحتاج إلى إجباره # فالزبيدي و طائفة نفوا ( الجبر ( و كان مفهومه عندهم هذا # و أما الأوزاعى و أحمد بن حنبل و غيرهما فكرهوا أن يقال ( جبر ( و أن ~~يقال ( لم يجبر ( لأن ( الجبر ( قد يراد به الإكراه و الله لا يكره أحدا # و قد يراد به أنه خالق الإرادة كما قال محمد بن كعب ( الجبار هو الذي جبر ~~العباد على ما اراد ( و ( الجبر ( بهذا المعنى صحيح # و قول مجاهد فى قوله ( قدر فهدى ( هدى الإنسان للسعادة و الشقاوة ( يبين ~~أن هذا عنده مما دخل فى قوله ( قدر فهدي ( PageV16P142 أي هدى السعداء إلى ~~السعادة التى قدرها و هدى الأشقياء إلى الشقاء الذي قدره # وهكذا قال مجاهد فى قوله ( إنا هديناه السبيل ( قال السعادة و الشقاوة # و قال عكرمة سبيل الهدى رواهما عبد بن حميد # و كذلك روى إبن أبي حاتم عن مجاهد فى قوله ( و هديناه النجدين ( قال ~~الشقاوة و السعادة # و قد قال هو و جماهير السلف ( و هديناه النجدين ( أي الخير والشر رواه ~~إبن أبي حاتم عن إبن مسعود ثم قال و روي عن علي إبن أبى طالب و إبن عباس فى ~~إحدى و شقيق بن سلمة و أبي صالح و مجاهد و الحسن و محمد بن كعب و عكرمة و ~~شرحبيل بن ms1223 سعيد و ابن سنان الرازي و الضحاك و عطاء الخراسانى و عمرو بن قيس ~~الملائى نحو ذلك # و روي عن محمد بن كعب القرظى قال الحق و الباطل PageV16P143 و هذا كلام ~~مجمل فيه ما هو متفق عليه و هو أنه يبين للناس ما أرسله من الرسل و نصبه من ~~الدلائل و الآيات و أعطاهم من العقول طريق الخير و الشر كما في قوله ( و ~~أما ثمود فهديناهم ( # و أما إدخال الهدى الذى هو الإلهام في ذلك بمعنى أنه هدى المؤمن إلى أن ~~يؤمن و يعمل صالحا إلى أن يسعد بذلك و هدى الكافر إلى ما يعمله إلى أن يشقى ~~بذلك فهذا منهم من يدخله فى الآية كمجاهد و غيره و يدخله فى قوله ( إنا ~~هديناه السبيل ( و عكرمة و غيره يخرجون ذلك عن معنى هذه الآية و إن كانوا ~~مقرين بالقدر # و من قال ( هدى ( بمعنى بين فقط فقد هدى كل عبد إلى نجد الخير و الشر ~~جميعا أي بين له طريق الخير و الشر # و من أدخل فى ذلك السعادة و الشقاوة يقول في هذا تقسيم أي هذه الهداية ~~عامة مشتركة و خص المؤمن بهداية إلى نجد الخير و خص الكافر بهداية إلى نجد ~~الشر # و من لم يدخل ذلك فى الآية قد يحتجون بحديث من مراسيل الحسن قال ذكر لنا ~~أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول ( يا أيها الناس إنما هما ~~النجدان نجد الخير و نجد الشر فما يجعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير ( ~~PageV16P144 ويحتجون بأن إلهام الفاجر طريق الفجور لم يسمه هدى بل سماه ~~ضلالا و الله إمتن بأنه هدى # و قد يجيب الآخر بأن يقول هو لا يدخل فى الهدى المطلق لكن يدخل فى الهدى ~~المقيد كقوله ( فاهدوهم إلى صراط الجحيم ( و كما في لفظ البشارة قال ( ~~فبشرهم بعذاب أليم ( و لفظ الإيمان فقال ( يؤمنون بالجبت و الطاغوت ( # و هذان القولان فى قوله ( فألهمها فجورها و تقواها ( قيل هو البيان ms1224 العام ~~و قيل بل ألهم الفاجر الفجور و التقي التقوى # و هذا فى تلك الآية أظهر لأن الإلهام إستعماله مشهور فى إلهام القلوب لا ~~في التبيين الظاهر الذي تقوم به الحجة # و قد علم النبى صلى الله عليه و سلم حصينا الخزاعى لما أسلم أن يقول ( ~~اللهم ألهني رشدي و قني شر نفسي ( و لو كان الإلهام بمعنى البيان الظاهر ~~لكان هذا حاصلا للمسلم و الكافر قال إبن عطية و ( سوى ( معناه عدل و أتقن ~~حتى صارت الأمور مستوية دالة على قدرته و وحدانيته # و قرأ جمهور القراء ( قدر ( بتشديد الدال فيحتمل أن يكون PageV16P145 من ~~القدر و القضاء و يحتمل أن يكون من التقدير و الموازنة بين الأشياء # قلت هما متلازمان لأن التقدير الأول يسمى تقديرا لأن ما يجري بعد ذلك ~~يجري على قدره فهو موازن له و معادل له # قال و قرأ الكسائي و حده بتخفيف الدال فيحتمل أن يكون بمعنى القدرة و ~~يحتمل أن يكون من التقدير و الموازنة # ( قلت و هذا قول الأكثرين أنهما بمعنى و أحد # قال إبن عطية و قوله ( فهدى ( عام لوجوه الهدايات فى الإنسان و الحيوان و ~~قد خصص بعض المفسرين أشياء من الهدايات فقال الفراء معناه هدى و أضل و ~~إكتفى بالواحد لدلالتها على الأخرى قال و قال مقاتل و الكلبى هدى إلى و طىء ~~الذكور للإناث و قيل هدى المولود عند و ضعه إلى مص الثدي و قال مجاهد هدى ~~الناس للخير و الشر و البهائم للمراتع # قال إبن عطية ( و هذه الأقوال مثالات و العموم فى الآية أصوب فى كل تقدير ~~و فى كل هداية ( # و قد ذكر أبو الفرج بن الجوزى هذه الأقوال و غيرها فذكر PageV16P146 سبعة ~~أقوال قدر السعادة و الشقاوة و هدى للرشد و الضلالة قاله مجاهد و قيل جعل ~~لكل دابة ما يصلحها و هداها إليه قاله عطاء و قيل قدر مدة الجنين فى الرحم ~~ثم هداه للخروج قاله السدى و قيل قدرهم ذكرانا و إناثا ms1225 و هدى الذكور لإتيان ~~الإناث قاله مقاتل وقيل قدر فهدى و أضل فحذف ( و أضل ( لأن فى الكلام ما ~~يدل عليه حكاه الزجاج و قيل قدر الأرزاق و هدى إلى طلبها و قيل قدر الذنوب ~~فهدى إلى التوبة حكاهما الثعلبى قلت القول الذي حكاه الزجاج هو قول الفراء ~~و هو من جنس قوله ( إن نفعت و إن لم تنفع ( و من جنس قوله ( سرابيل تقيكم ~~الحر و البرد ( و قد تقدم ضعف مثل هذا و لهذا لم يقله أحد من المفسرين # و الأقوال الصحيحة هي من باب المثالات كما قال إبن عطية # و هكذا كثير من تفسير السلف يذكرون من النوع مثالا لينبهوا به على غيره ~~أو لحاجة المستمع إلى معرفته أو لكونه هو الذي يعرفه كما يذكرون مثل ذلك في ~~مواضع كثيرة كقوله ( ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ( و قوله ( و آخرين منهم ~~( و قوله ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم و يحبونه ( و قوله ( فمنهم ظالم ~~لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات ( PageV16P147 # وكذلك تفسير ( الشفع و الوتر ( و ( شاهد و مشهود ( و غير ذلك و قوله ( و ~~فى أنفسكم أفلا تبصرون ( و أمثال ذلك كثير من تفسيرهم هو من باب المثال # و من ذلك قولهم إن ( هذه الآية نزلت فى فلان و فلان ( فبهذا يمثل بمن ~~نزلت فيه نزلت فيه أولا و كان سبب نزولها لا يريدون به أنها آية مختصة به ~~كآية اللعان و آية القذف و آية المحاربة و نحو ذلك لا يقول مسلم إنها مختصة ~~بمن كان نزولها بسببه # واللفظ العام و إن قال طائفة إنه يقصر على سببه فمرادهم على النوع الذي ~~هو سببه لم يريدوا بذلك أنه يقتصر على شخص و أحد من ذلك النوع # فلا يقول مسلم إن آية الظهار لم يدخل فيها إلا أوس بن الصامت و آية ~~اللعان لم يدخل فيها إلا عاصم بن عدي أو هلال بن أمية و أن ذم الكفار لم ~~يدخل فيه إلا كفار ms1226 قريش و نحو ذلك مما لا يقوله مسلم و لا عاقل # فإن محمدا صلى الله عليه و سلم قد عرف بالإضطرار من دينه أنه مبعوث إلى ~~جميع الإنس و الجن و الله تعالى خاطب بالقرآن جميع PageV16P148 الثقلين كما ~~قال ( لأنذركم به و من بلغ ( فكل من بلغه القرآن من إنسي و جني فقد أنذره ~~الرسول به و الإنذار هو الإعلام بالمخوف و المخوف هو العذاب ينزل بمن عصى ~~أمره و نهيه # فقد أعلم كل من و صل إليه القرآن أنه إن لم يطعه و إلا عذبه الله تعالى و ~~أنه إن أطاعه أكرمه الله تعالى # و هو قد مات فإنما طاعته بإتباع ما في القرآن مما أوجبه الله و حرمه و ~~كذلك ما أوجبه الرسول و حرمه بسنته فإن القرآن قد بين وجوب طاعته و بين أن ~~الله أنزل عليه الكتاب و الحكمة و قال لأزواج نبيه ( و اذكرن ما يتلى فى ~~بيوتكن من آيات الله و الحكمة ) $ فصل # ثم قال ( و الذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى ( # هو سبحانه لما ذكر قوله ( قدر فهدى ( دخل فى ذلك ما قدره من أرزاق العباد ~~[ و البهائم ] و هداهم إليها فهدى من يأتي بها إليهم و ذلك من تمام إنعامه ~~على عباده كما جاء فى الأثر إن الله يقول PageV16P149 إنى و الجن و الإنس ~~لفي نبأ عظيم أخلق و يعبدون غيري و أرزق و يشكرون سواي ( وهذا المعنى قد ~~روى فى قوله ( و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون ( أي تجعلون شكركم و شكر ربكم ~~التكذيب بإنعام الله و إضافة الرزق إلى غيره كالأنواء كما ثبت فى الصحيح عن ~~إبن عباس قال مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال النبى ~~صلى الله عليه و سلم ( أصبح من الناس شاكر و منهم كافر قالوا هذه رحمة الله ~~و قال بعضهم لقد صدق نوء كذا و كذا ( قال فنزلت هذه الآية ( فلا أقسم ~~بمواقع النجوم حتى بلغ و تجعلون رزقكم أنكم ms1227 تكذبون ( # و في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( ما ~~أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الله ~~الغيث فيقولون الكوكب كذا و كذا و في رواية ( بكوكب كذا و كذا ( # و روى ابن المنذر فى تفسيره ثنا محمد بن علي يعني الصائغ ثنا سعيد هو ابن ~~منصور ثنا هشيم عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ ( [ و ~~تجعلون ] شكركم أنكم تكذبون ( PageV16P150 يعنى الأنواء و ما مطر قوم إلا ~~أصبح بعضهم كافرا و كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا و كذا فأنزل الله ( و ~~تجعلون رزقكم أنكم تكذبون ( # و روى إبن أبى حاتم عن عطاء الخراسانى عن عكرمة فى قول الله ( و تجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون ( قال تجعلون رزقكم من عند غير الله تكذيبا و شكرا [ ~~لغيره ] # لكن قوله ( و الذي أخرج المرعى ( خص به إخراج المرعى و هو ما ترعاه ~~الدواب و ذكر أنه جعله غثاء أحوى و هذا فيه ذكر أقوات البهائم لكن أقوات ~~الآدميين اجل من ذلك وقد دخلت هى واقوات البهائم فى قوله ( قدر فهدى ) # وايضا فالذى يصير غثاء احوى لم تقتت به البهائم وانما تقتات به قبل ذلك # فهو والله اعلم خص هذا بالذكر لانه مثل الحياة الدنيا # اذ كانت هذه السورة تضمنت اصول الايمان الايمان بالله واليوم الاخر ~~والايمان بالرسل والكتب التى جاؤا بها وذلك يتضمن الايمان بالملائكة وفيها ~~العمل الصالح الذى ينفع فى الآخرة والفاسد الذى يضر فيها PageV16P151 # فذكر سبحانه المرعى عقب ما ذكره من الخلق و الهدى ليبين مآل بعض ~~المخلوقات و أن الدنيا هذا مثلها # و قد ذكر الله ذلك فى الكهف و يونس و الحديد قال تعالى ( و اضرب لهم مثل ~~الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فإختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح و كان الله على كل شيء مقتدرا ( # و قال تعالى ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء ms1228 أنزلناه من السماء فإختلط به ~~نبات الأرض مما يأكل الناس و الأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها و إزينت و ~~ظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن ~~لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون و الله يدعو إلى دار السلام و ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ( # و قال تعالى ( إعلموا أنما الحياة الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم ~~و تكاثر فى الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من الله و رضوان و ما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ( # و قد جعل إهلاك المهلكين حصادا لهم فقال ( ذلك من أنباء PageV16P152 ~~القرى نقصه عليك منها قائم و حصيد # ( و قال ( لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا ~~الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( # فقوله ( و الذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى ( هو مثل للحياة الدنيا و ~~عاقبة الكفار و من إغتر بالدنيا فإنهم يكونون فى نعيم و زينة و سعادة ثم ~~يصيرون إلى شقاء فى الدنيا و الآخرة كالمرعى الذي جعله غثاء أحوى $ فصل ~~قوله ( فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى و يتجنبها الأشقى الذي يصلى ~~النار الكبرى ( # فقوله ( إن نفعت الذكرى ( كقوله ( إن الذكرى تنفع المؤمنين ( # و قوله ( إن نفعت الذكرى ( و ( إن ( هي الشرطية PageV16P153 و حكى ~~الماوردي أنها بمعنى ( ما ( و هذه تكون ( ما ( المصدرية و هي بمعنى الظرف ~~أي ذكر ما نفعت ما دامت تنفع و معناها قريب من معنى الشرطية # و أما إن ظن ظان أنها نافية فهذا غلط بين فإن الله لا ينفى نفع الذكرى ~~مطلقا و هو القائل ( فتول عنهم فما أنت بملوم و ذكر فإن الذكرى تنفع ( ثم ~~قال ( المؤمنين ( # و عن ( فذكر إن نفعت الذكرى ( إن قبلت الذكرى و عن مقاتل فذكر و قد نفعت ~~الذكرى # و قيل ذكر ms1229 إن نفعت الذكرى و إن لم تنفع قاله طائفة أولهم الفراء و اتبعه ~~جماعة منهم النحاس و الزهراوي و الواحدي و البغوي و لم يذكر غيره قالوا و ~~إنما لم يذكر الحال الثانية كقوله ( سرابيل تقيكم الحر ( و أراد الحر و ~~البرد # وإنما قالوا هذا لأنهم قد علموا أنه يجب عليه تبليغ جميع الخلق و تذكيرهم ~~سواء آمنوا أو كفروا فلم يكن وجوب التذكير مختصا بمن PageV16P154 تنفعه ~~الذكرى كما قال فى الآية الآخرى ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ( و ~~قال ( و إنه لذكر لك و لقومك و سوف تسألون ( و قال ( و يقولون إنه لمجنون و ~~ما هو إلا ذكر للعالمين ( و قال ( ليكون للعالمين نذيرا ( # و هذا الذي قالوه [ له ] معنى صحيح و هو قول الفراء و أمثاله [ لكن ] لم ~~يقله أحد من مفسري السلف و لهذا كان أحمد بن حنبل ينكر على الفراء و أمثاله ~~ما ينكره و يقول كنت أحسب الفراء رجلا صالحا حتى رأيت كتابه فى معاني ~~القرآن # و هذا المعنى الذي قالوه مدلول عليه بآيات أخر و هو معلوم بالإضطرار من ~~أمر الرسول فإن الله بعثه مبلغا و مذكرا لجميع الثقلين الإنس و الجن لكن ~~ليس هو معنى هذه الآية # بل معنى هذه يشبه قوله ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ( و قوله ( إنما أنت ~~منذر من يخشاها ( و قوله ( إنما تنذر من إتبع الذكر و خشي الرحمن بالغيب ( ~~و قوله ( إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم ( # فالقرآن جاء بالعام و الخاص و هذا كقوله ( هدى للمتقين ( و نحو ذلك ~~PageV16P155 وسبب ذلك أن التعليم والتذكير والإنذار والهدى ونحو ذلك له ~~فاعل وله قابل فالمعلم المذكر يعلم غيره ثم ذلك الغير قد يتعلم ويتذكر وقد ~~لا يتعلم ولا يتذكر فإن تعلم وتذكر فقد تم التعليم والتذكير وإن لم يتعلم ~~ولم يتذكر فقد وجد أحد طرفيه وهو الفاعل دون المحل القابل فيقال في مثل هذا ~~علمته فما تعلم وذكرته فما تذكر وأمرته ms1230 فما أطاع # وقد يقال ( ما علمته وما ذكرته ( لأنه لم يحصل تاما ولم يحصل مقصوده ~~فينفى لإنتفاء كماله وتمامه وإنتفاء فائدته بالنسبة إلى المخاطب السامع وإن ~~كانت الفائدة حاصلة للمتكلم القائل المخاطب # فحيث خص بالتذكير والإنذار ونحوه المؤمنون فهم مخصوصون بالتام النافع ~~الذي سعدوا به وحيث عمم فالجميع مشتركون في الإنذار الذي قامت به الحجة على ~~الخلق سواء قبلوا أو لم يقبلوا # وهذا هو الهدى المذكور في قوله ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى ( فالهدى هنا هو البيان والدلالة والإرشاد العام المشترك وهو ~~كالإنذار العام والتذكير العام وهنا قد هدى المتقين وغيرهم كما قال ( ولكل ~~قوم هاد ( # وأما قوله ( إهدنا الصراط المستقيم ( فالمطلوب الهدى الخاص PageV16P156 ~~التام الذي يحصل معه الإهتداء كقوله ( هدى للمتقين ( وقوله ( فريقا هدى ~~وفريقا حق عليهم الضلالة ( وقوله ( فإن الله لا يهدى من يضل ( وقوله ( يهدي ~~به الله من إتبع رضوانه سبل السلام ( وهذا كثير فى القرآن # وكذلك الإنذار قد قال ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به ~~قوما لدا ( وقال تعالى ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر ~~الناس وبشر الذين آمنوا ( # وقال في الخاص ( إنما أنت منذر من يخشاها ( إنما تنذر من إتبع الذكر وخشي ~~الرحمن بالغيب ( فهذا الإنذار الخاص وهو التام النافع الذى إنتفع به المنذر ~~والإنذار هو الإعلام بالمخوف فعلم المخوف فخاف فآمن وأطاع # وكذلك التذكير عام وخاص فالعام هو تبليغ الرسالة إلى كل أحد وهذا يحصل ~~بإبلاغهم ما أرسل به من الرسالة قال تعالى ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما ~~أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين ( وقال تعالى ( وما هي إلا ذكرى ~~للبشر ( وقال تعالى ( إن هو إلا ذكر للعالمين ( ثم قال ( لمن شاء منكم أن ~~يستقيم ( فذكر العام والخاص PageV16P157 والتذكر هو الذكر التام الذي يذكره ~~المذكر به وينتفع به # وغير هؤلاء قال تعالى فيهم ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا إستمعوه ~~وهم يلعبون لاهية قلوبهم ( وقال تعالى ( وما يأتيهم من ذكر ms1231 من الرحمن محدث ~~إلا كانوا عنه معرضين ( فقد أتاهم وقامت به الحجة ولكن لم يصغوا إليه ~~بقلوبهم فلم يفهموه أو فهموه فلم يعملوا به كما قال ( ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ( # والخاص هو التام النافع وهو الذي حصل معه تذكر لمدكر فإن هذا ذكرى كما ~~قال ( فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى ( أي يجنب الذكرى ~~وهو إنما جنب الذكرى الخاصة # وأما المشترك الذي تقوم به الحجة فقد ذكر هو وغيره بذلك وقامت الحجة ~~عليهم وقد قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( وقال ( لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل ( وقال عن أهل النار ( كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شيء ( وقال تعالى ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ~~PageV16P158 يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على ~~أنفسنا ( # وأما تمثيلهم ذلك بقوله ( سرابيل تقيكم الحر ( أي و تقيكم البرد # فعنه جوابان # ( أحدهما ( أنه ليس هناك حرف شرط علق به الحكم بخلاف هذا الموضع فإنه إذا ~~علق الأمر بشرط و كان مأمورا به فى حال وجود الشرط كما هو مأمور به فى حال ~~عدمه كان ذكر الشرط تطويلا للكلام تقليلا للفائدة و إضلالا للسامع # و جمهور الناس على أن مفهوم الشرط حجة و من نازع فيه يقول سكت عن غير ~~المعلق لا يقول إن اللفظ دل على المسكوت كما دل على المنطوق فهذا لا يقوله ~~أحد # ( الثاني ( أن قوله ( تقيكم الحر ( على بابه و ليس فى الآية ذكر البرد و ~~إنما يقول ( إن المعطوف محذوف ( هو الفراء و أمثاله ممن أنكر عليهم الأئمة ~~حيث يفسرون القرآن بمجرد ظنهم و فهمهم لنوع من علم العربية عندهم و كثيرا ~~لا يكون ما فسروا به مطابقا # و ليس في الكلام ما يدل على ذكر البرد و لكن الله ذكر فى PageV16P159 هذه ~~السورة إنعامه على عباده ms1232 و تسمى ( سورة النعم ( فذكر فى أولها أصول النعم ~~التى لابد منها و لا تقوم الحياة إلا بها و ذكر في أثنائها تمام النعم # و كان ما يقي البرد من أصول النعم فذكر فى أول السورة في قوله ( و ~~الأنعام خلقها لكم فيها دفء و منافع ( فالدفء ما يدفىء و يدفع البرد # و البرد الشديد يوجب الموت بخلاف الحر فقد مات خلق من البرد بخلاف الحر ~~فإن الموت منه غير معتاد و لهذا قال بعض العرب البرد بؤس و الحر أذى # فلما ذكر فى أثنائها تمام النعم ذكر الظلال و ما يقي الحر و ذكر الأسلحة ~~و ما يقي القتل فقال ( و الله جعل لكم مما خلق ظلالا و جعل لكم من الجبال ~~أكنانا و جعل لكم سرابيل تقيكم الحر و سرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون ( فذكر أنه يتم نعمته كما بين ذلك فى هذه الآيات فقال ( ~~كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ( # و فرق بين الظلال و الأكنان فإن الظلال يكون بالشجر PageV16P160 و نحوه ~~مما يظل و لا يكن بخلاف ما فى الجبال من الغيران فإنه يظل # و يكن فهذا فى الأمكنة ثم قال فى اللباس ( و جعل لكم سرابيل تقيكم الحر و ~~سرابيل تقيكم بأسكم ( فهذا فى اللباس و اللباس و المساكن كلاهما تقي الناس ~~ما يؤذيهم من حر و برد و عدو و كلاهما تسترهم عن أعين الناظرين # و في البيوت خاصة يسكنون كما قال ( و الله جعل لكم من بيوتكم سكنا و جعل ~~لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم و يوم إقامتكم ( فلما ذكر ~~البيوت المسكونة إمتن بكونه جعلها سكنا يسكنون فيها من تعب الحركات و ذكر ~~أنه جعل لهم بيوتا أخرى يحملونها معهم و يستخفونها يوم ظعنهم و يوم إقامتهم ~~فذكر البيوت الثقيلة التى لا تحمل و الخفيفة التى تحمل # فتبين أن ما مثلوا به حجة عليهم # فقوله ( إن نفعت الذكرى ( كما قال مفسروا السلف و الجمهور على بابها ms1233 قال ~~الحسن البصري تذكرة للمؤمن و حجة على الكافر PageV16P161 # وعلى هذا فقوله تعالى ( إن نفعت الذكرى ( لا يمنع كون الكافر يبلغ القرآن ~~لوجوه # ( أحدها ( أنه لم يخص قوما دون قوم لكن قال ( فذكر ( و هذا مطلق بتذكير ~~كل أحد و قوله ( إن نفعت الذكرى ( لم يقل ( إن نفعت كل أحد ( بل أطلق النفع ~~فقد أمر بالتذكير إن كان ينفع # و التذكير المطلق العام ينفع فإن من الناس من يتذكر فينتفع به و الآخر ~~تقوم عليه الحجة و يستحق العذاب على ذلك فيكون عبرة لغيره فيحصل بتذكيره ~~نفع أيضا و لأنه بتذكيره تقوم عليه الحجة فتجوز عقوبته بعد هذا بالجهاد و ~~غيره فتحصل بالذكرى منفعة # فكل تذكير ذكر به النبى صلى الله عليه و سلم للمشركين حصل به نفع فى ~~الجملة و إن كان النفع للمؤمنين الذين قبلوه و إعتبروا به و جاهدوا ~~المشركين الذين قامت عليهم الحجة # فإن قيل فعلى هذا كل تذكير قد حصل به نفع فأي فائدة فى التقييد ~~PageV16P162 # قيل بل منه ما لم ينفع أصلا و هو ما لم يؤمر به و ذلك كمن أخبر الله أنه ~~لا يؤمن كأبى لهب فإنه بعد أن أنزل الله قوله ( سيصلى نارا ذات لهب ( فإنه ~~لا يخص بتذكير بل يعرض عنه # و كذلك كل من لم يصغ إليه و لم يستمع لقوله فإنه يعرض عنه كما قال ( فتول ~~عنهم فما أنت بملوم ( ثم قال ( و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ( فهو إذا ~~بلغ قوما الرسالة فقامت الحجة عليهم ثم إمتنعوا من سماع كلامه أعرض عنهم ~~فإن الذكرى حينئذ لا تنفع أحدا # و كذلك من أظهر أن الحجة قامت عليه و أنه لا يهتدى فإنه لا يكرر التبليغ ~~عليه # ( الوجه الثانى ( أن الأمر بالتذكير أمر بالتذكير التام النافع كما هو ~~أمر بالتذكير المشترك # و هذا التام النافع يخص به المؤمنين المنتفعين فهم إذا آمنوا ذكرهم بما ~~أنزل و كلما أنزل شيء من القرآن ذكرهم به و يذكرهم بمعانيه و يذكرهم [ بما ms1234 ~~] نزل قبل ذلك # بخلاف الذين قال فيهم ( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم PageV16P163 حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة ( فإن هؤلاء لا يذكرهم كما يذكر المؤمنين إذا كانت ~~الحجة قد قامت عليهم و هم معرضون عن التذكرة لا يسمعون # و لهذا قال ( عبس و تولى ان جاءه الأعمى و ما يدريك لعله يزكى أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى اما من إستغنى فأنت له تصدى و ما عليك ألا يزكى و أما من ~~جاءك يسعى و هو يخشى فأنت عنه تلهى ( فأمره أن يقبل على من جاءه يطلب أن ~~يتزكى و أن يتذكر و قال ( سيذكر من يخشى إلى قوله قد أفلح من تزكى ( فذكر ~~التذكر و اللتزكي كما ذكرهما هناك و أمره أن يقبل على من أقبل عليه دون من ~~أعرض عنه فإن هذا ينتفع بالذكرى دون ذاك # فيكون مأمورا أن يذكر المنتفعين بالذكرى تذكيرا يخصهم به غير التبليغ ~~العام الذي تقوم به الحجة كما قال ( فتول عنهم فما أنت بملوم و ذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين ( # وقال ( و لا تجهر بصلاتك و لا تخافت بها و ابتغ بين ذلك سبيلا ( و فى ~~الصحيحين عن ابن عباس قال ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قرأ ~~القرآن سمعه المشركون فسبوا القرآن و من أنزل عليه و من جاء به فقال الله ~~له و لا تجهر به فيسمعه المشركون و لا تخافت PageV16P164 به عن أصحابك ( ~~فنهى عن أن يسمعهم إسماعا يكون ضرره أعظم من نفعه # وهكذا كل ما يأمر الله به لابد أن تكون مصلحته راجحة على مفسدته و ~~المصلحة هي المنفعة و المفسدة هي المضرة فهو إنما يؤمر بالتذكير إذا كانت ~~المصلحة راجحة و هو أن تحصل به منفعة راجحة على المضرة و هذا يدل على الوجه ~~الأول و الثانى فحيث كان الضرر راجحا فهو منهى عما يجلب ضررا راجحا # و النفع أعم فى قبول جميعهم فقبول بعضهم نفع و قيام الحجة على من لم يقبل ~~نفع و ظهور كلامه ms1235 حتى يبلغ البعيد نفع و بقاؤه عند من سمعه حتى بلغه إلى من ~~لم يسمعه نفع فهو صلى الله عليه و سلم ما ذكر قط إلا ذكرى نافعة لم يذكر ~~ذكرى قط يكون ضررها راجحا # و هذا مذهب جمهور المسلمين من السلف و الخلف أن ما أمر الله به لابد أن ~~تكون مصلحته راجحة و منفعته راجحة و أما ما كانت مضرته راجحة فإن الله لا ~~يأمر به # و أما جهم و من و افقه من الجبرية فيقولون إن الله قد يأمر بما ليس فيه ~~منفعة و لا مصلحة ألبتة بل يكون ضررا محضا إذا فعله PageV16P165 المأمور به ~~و قد وافقهم على ذلك طائفة من متأخري أتباع الأئمة ممن سلك مسلك المتكلمين ~~أبى الحسن [ الأشعري و غيره في ] مسائل القدر فنصر مذهب جهم و الجبرية ( # الوجه الثالث ( أن قوله ( الذكرى ( يتناول التذكر و التذكير فإنه قال ( ~~فذكر إن نفعت الذكرى ( فلابد أن يتناول ذلك تذكيره # ثم قال ( سيذكر من يخشي و يتجنبها الأشقى ( و الذي يتجنبه الأشقى هو الذي ~~فعله من يخشى و هو التذكر فضمير الذكرى هنا يتناول التذكر و إلا فمجرد ~~التذكير الذي قامت به الحجة لم يتجنبه أحد # لكن قد يراد بتجنبها أنه لم يستمع إليها و لم يصغ كما قال ( لا تسمعوا ~~لهذا القرآن و ألغوا فيه ( و الحجة قامت بوجود الرسول المبلغ و تمكنهم من ~~الإستماع و التدبر لا بنفس الإستماع ففي الكفار من تجنب سماع القرآن و ~~إختار غيره كما يتجنب كثير من المسلمين سماع أقوال أهل الكتاب و غيرهم و ~~إنما ينتفعون إذا ذكروا فتذكروا كما قال ( سيذكر من يخشي ( # فلما قال ( فذكر إن نفعت الذكرى ( فقد يراد بالذكرى نفس PageV16P166 ~~تذكيره تذكر أو لم يتذكر و تذكيره نافع لا محالة كما تقدم و هذا يناسب ~~الوجه الأول # و قد ذكر بعضهم أن هذا يراد به توبيخ من لم يتذكر من قريش قال إبن عطية ~~إختلف الناس فى معنى قوله ( فذكر إن نفعت الذكرى ms1236 ( فقال الفراء و النحاس و ~~الزهراوي معناه ( و إن لم تنفع ( فاقتصر على الإسم الواحد لدلالته على ~~الثانى # قال و قال بعض الحذاق قوله ( إن نفعت الذكرى ( إعتراض بين الكلامين على ~~جهة التوبيخ لقريش أي إن نفعت الذكرى فى هؤلاء الطغاة العتاة و هذا كنحو ~~قول الشاعر % لقد أسمعت لو ناديت حيا % و لكن لا حياة لمن تنادى % $ # وهذا كله كما تقول لرجل ( قل لفلان و إعذله إن سمعك ( إنما هو توبيخ ~~للمشار إليه # ( قلت ( هذا القائل هو الزمخشرى و هذا القول فيه بعض الحق لكنه أضعف من ~~ذاك القول من وجه آخر فإن مضمون هذا القول أنه مأمور بتذكير من لا يقبل و ~~لا ينتفع بالذكرى دون من يقبل كما قال ( إن نفعت الذكرى فى هؤلاء الطغاة ~~العتاة ( و كما أنشده فى البيت PageV16P167 ثم البيت الذى أنشده خبر عن شخص ~~خاطب آخر فيقول لقد أسمعت لو كان من تناديه حيا و هذا كقوله ( إن الذين ~~كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( و قوله ( إنك لا تسمع ~~الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا و لوا مدبرين ( و قوله ( قل إنما أنذركم ~~بالوحي و لا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ( فهذا يناسب معنى البيت و هو ~~خبر خاص # وأما الأمر بالإنذار فهو مطلق عام و إن كان مخصوصا فالمؤمنون أحق ~~بالتخصيص كما قال ( فذكر بالقرآن من يخاف و عيد ( و قال ( و ذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين ( ليس الأمر مختصا بمن لا يسمع # كيف و قد قال بعد ذلك ( سيذكر من يخشي و يتجنبها الأشقى ( فهذا الذي يخشي ~~هو ممن أمره بتذكيره و هو ينتفع بالذكرى فكيف لا يكون لهذا الشرط فائدة إلا ~~ذم من لم يسمع # و أما قول القائل ( قل لفلان و أعذله إن سمعك ( فهذا و أمثاله يقوله ~~الناس لمن يظنون أنه لا يقبل و لكن يرجون قبوله فهم يقصدون توبيخه على ~~تقدير الرد لا على تقدير القبول فيقولون ( قل له إن كان ms1237 يسمع منك ( و ( قل ~~له إن كان يقبل ( و ( إنصحه إن PageV16P168 كان يقبل النصيحة ( و هو كله من ~~هذا الباب فهو أمر بالنصيحة التامة المقبولة إن كان يقبلها و أمر بأصل ~~النصح و إن رده و ذم له على هذا التقدير # و كذلك قوله ( فذكر إن نفعت الذكرى ( أمر بتذكير كل أحد فإن إنتفع كان ~~تذكره تاما نافعا و إلا حصل أصل التذكير الذي قامت به الحجة و دل ذلك على ~~ذمه و إستحقاقه التوبيخ # مع أنه سبحانه إنما قال ( إن نفعت الذكرى ( و لم يقل ( ذكر من تنفعه ~~الذكرى فقط ( كما فى قوله ( فذكر بالقرآن من يخاف و عيد ( فهناك الأمر ~~بالتذكير خاص # و قد جاء عاما و خاصا كخطاب القرآن ب ( يا أيها الناس ( و هو عام و ب ( ~~يا أيها الذين آمنوا ( خاص لمن آمن بالقرآن # فهناك قال ( فإن الذكرى تنفع المؤمنين ( و هنا قال ( سيذكر من يخشي و ~~يتجنبها الأشقى ( و لم يقل ( سينتفع من يخشي ( فإن النفع الحاصل بالتذكير ~~أعم من تذكر من يخشى # فإنه إذا ذكر قامت الحجة على الجميع و الأشقى الذي تجنبها حصل بتذكيره ~~قيام الحجة عليه و إستحقاقه لعذاب الدنيا و الآخرة PageV16P169 و في ذلك ~~لله حكم و منافع هي نعم على عباده فكل ما يقضيه الله تعالى هو من نعمته على ~~عباده و لهذا يقول عقب تعديد ما يذكره ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ( # و لما ذكر ما ذكره فى سورة النجم و ذكر إهلاك مكذبى الرسل قال ( فبأي ~~آلاء ربك تتمارى ( فإهلاكهم من آلاء ربنا و آلاؤه نعمه التى تدل على رحمته ~~و على حكمته و على مشيئته و قدرته و ربوبيته سبحانه و تعالى # و من نفع تذكير الذي يتجنبها أنه لما قامت عليه الحجة و استحق العذاب خف ~~بذلك شر عن المؤمنين فإن الله يهلكهم بعذاب من عنده أو بأيديهم و بهلاكه ~~ينتصر الإيمان و ينتشر و يعتبر به غيره و ذلك نفع عظيم # و هو أيضا يتعجل ms1238 موته فيكون أقل لكفره فإن الله أرسل محمدا رحمة للعالمين ~~فبه تصل الرحمة إلى كل أحد بحسب الإمكان # و أيضا فإن الذي يتجنبها بتجنبه إستحق هذا الوعيد المذكور فصار ذلك ~~تحذيرا لغيره من أن يفعل مثل فعله قال تعالى ( فجعلناها نكالا لما بين ~~يديها و ما خلفها ( و قال تعالى عن فرعون ( فجعلناهم PageV16P170 سلفا و ~~مثلا للآخرين ( و قال تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ( $ فصل # وقوله ( سيذكر من يخشي ( يقتضى أن كل من يخشي يتذكر و الخشية قد تحصل عقب ~~الذكر و قد تحصل قبل الذكر و قوله ( من يخشى ( مطلق # و من الناس من يظن أن ذلك يقتضى أنه لابد أن يكون قد خشي أولا حتى يذكر و ~~ليس كذلك بل هذا كقوله ( هدى للمتقين ( و قوله ( إنما أنت منذر من يخشاها ( ~~و قوله ( فذكر بالقرآن من يخاف و عيد ( و قوله ( إنما تنذر من إتبع الذكر و ~~خشى الرحمن بالغيب ( # و هو إنما خاف الوعيد بعد أن سمعه لم يكن وعيد قبل سماع القرآن و كذلك ~~قوله ( إنما تنذر من إتبع الذكر و خشى الرحمن بالغيب ( و هو إنما إتبع ~~الذكر و خشى الرحمن بعد أن أنذره الرسول # و قد لا يكونون خافوها قبل الإنذار و لا كانوا متقين قبل سماع ~~PageV16P171 القرآن بل به صاروا متقين # و هذا كما يقول القائل ما يسمع هذا إلا سعيد و إلا مفلح و إلا من رضي ~~الله عنه و ما يدخل في الإسلام إلا من هداه الله و نحو ذلك و إن كانت هذه ~~الحسنات و النعم تحصل بعد الإسلام و سماع القرآن # و مثل هذا قوله ( هذا بصائر للناس و هدى و رحمة لقوم يوقنون ( # و قد قال في نظيره ( و يتجنبها الأشقى ( و إنما يشقى بتجنيها # و هذا كما يقال إنما يحذر من يقبل و إنما ينتفع بالعلم من عمل به # فمن إستمع القرآن فآمن به و عمل به صار من المتقين الذين هو هدى لهم ms1239 و من ~~لم يؤمن به و لم يعمل به لم يكن من المتقين و لم يكن ممن إهتدى به بل هو ~~كما قال الله تعالى ( قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر و هو عليهم عمى ( و لم يرد أنهم كانوا مؤمنين فلما سمعوه صار ~~هدى و شفاء بل إذا سمعه الكافر فآمن به صار فى حقه هدى و شفاء و كان من ~~المؤمنين به بعد سماعه PageV16P172 # و هذا كقوله فى النوع المذموم ( يضل به كثيرا و يهدى به كثيرا و ما يضل ~~به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه و يقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل ( و لا يجب أن يكونوا فاسقين قبل ضلالهم بل من سمعه فكذب به صار ~~فاسقا و ضل # و سعد بن أبى و قاص و غيره أدخلوا فى هذه الآية أهل الأهواء كالخوارج و ~~كان سعد يقول هم من ( الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه و ~~يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ( و لم يكن علي و سعد و غيرهما من الصحابة ~~يكفرونهم وسعد أدخلهم فى هذه الآية لقوله ( و ما يضل به إلا الفاسقين و هم ~~ضلوا به بسبب تحريفهم الكلم عن مواضعه و تأويله على غير ما أراد الله ~~فتمسكوا بمتشابهه و أعرضوا عن محكمه و عن السنة الثابتة التى تبين مراد ~~الله بكتابه فخالفوا السنة و إجماع الصحابة مع ما خالفوه من محكم كتاب الله ~~تعالى # و لهذا أدخلهم كثير من السلف فى الذين ( يتبعون ما تشابه منه إبتغاء ~~الفتنة و إبتغاء تأويله ( الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا ( و بسط هذا له ~~موضع آخر # و المقصود الآية و قد دلت على أن كل من يخشي فلابد أن PageV16P173 يتذكر ~~فقد يتذكر فتحصل له بالتذكر خشية و قد يخشى فتدعوه الخشية إلى التذكر # و هذا المعنى ذكره قتادة فقال و الله ما خشي الله عبد قط إلا ذكره ms1240 # ( و يتجنبها الأشقى ( قال قتادة فلا و الله لا يتنكب عبد هذا الذكر زهدا ~~فيه و بغضا له و لأهله إلا شقيا بين الشقاء # و الخشية فى القرآن مطلقة تتناول خشية الله و خشية عذابه فى الدنيا و ~~الآخرة # قال الله تعالى ( يسئلونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ~~ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها ( # و قال تعالى ( فذكر بالقرآن من يخاف و عيد ( # و قال تعالى ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق و الميزان و ما يدريك لعل ~~الساعة قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها و الذين آمنوا مشفقون منها و ~~يعلمون أنها الحق ( # و قال ( قالوا إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين فمن الله علينا و وقانا عذاب ~~السموم ( PageV16P174 $ فصل الكلام على قوله ( من خشي الرحمن بالغيب و جاء ~~بقلب منيب ( # وفى هذه الآية قال ( سيذكر من يخشى ( # و قال فى قصة فرعون ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشي ( فعطف ~~الخشية على التذكر # و قال ( لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ( # و فى قصة الرجل الصالح المؤمن الأعمى قال ( و ما يدريك لعله يزكى أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى ( # و قال فى ( حم ( المؤمن ( ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم و إن يشرك ~~به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير هو الذي يريكم آياته و ينزل لكم من ~~السماء رزقا و ما يتذكر إلا من ينيب ( فقال ( و ما يتذكر إلا من ينيب ( ~~PageV16P175 و الإنابة جعلها مع الخشية في قوله ( هذا ما توعدون لك أواب ~~حفيظ من خشي الرحمن بالغيب و جاء بقلب منيب إدخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ( ~~و ذلك لأن الذي يخشي الله لابد أن يرجوه و يطمع فى رحمته فينيب إليه و يحبه ~~و يحب عبادته و طاعته فإن ذلك هو الذي ينجيه مما يخشاه و يحصل به ما يحبه # و الخشية لا تكون ممن قطع بأنه معذب فإن هذا قطع بالعذاب يكون معه القنوط ~~و اليأس و الإبلاس ms1241 ليس هذا خشية و خوفا # و إنما يكون الخشية و الخوف مع رجاء السلامة و لهذا قال ( ترى الظالمين ~~مشفقين مما كسبوا و هو واقع بهم ( # فصاحب الخشية لله ينيب إلى الله كما قال ( و أزلفت الجنة للمتقين غير ~~بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب و جاء بقلب منيب ~~إدخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ( و هذا يكون مع تمام الخشية و الخوف # فأما فى مباديها فقد يحصل للإنسان خوف من العذاب و الذنب PageV16P176 ~~الذي يقتضيه فيشتغل بطلب النجاة و السلام و يعرض عن طلب الرحمة و الجنة و ~~قد يفعل مع سيئاته حسنات توازيها و تقابلها فينجو بذلك من النار و لا يستحق ~~الجنة بل يكون من أصحاب الأعراف و إن كان مآلهم إلى الجنة فليسوا ممن أزلفت ~~لهم الجنة أى قربت لهم إذ كانوا لم يأتوا بخشية الله و الإنابة إليه و ~~استجمل بعد ذلك $ فصل # وأما قوله فى قصة فرعون ( لعله يتذكر أو يخشى ( و قوله ( و ما يدريك لعله ~~يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى ( فلا يناقض هذه الآية لأنه لم يقل فى هذه ~~الآية ( سيخشى من يذكر ( # بل ذكر أن كل من خشى فإنه يتذكر إما أن يتذكر فيخشى و إن كان غيره يتذكر ~~فلا يخشى و إما أن تدعوه الخشية إلى التذكر فالخشية مستلزمة للتذكر فكل خاش ~~متذكر # كما قال تعالى ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ( فلا يخشاه إلا ~~PageV16P177 عالم فكل خاش لله فهو عالم هذا منطوق الآية # و قال السلف و أكثر العلماء إنها تدل على أن كل عالم فإنه يخشى الله كما ~~دل غيرها على أن كل من عصى الله فهو جاهل # كما قال أبو العالية سألت أصحاب محمد عن قوله ( إنما التوبة على الله ~~للذين يعملون السوء بجهالة ( فقالوا لي ( كل من عصى الله فهو جاهل ( و كذلك ~~قال مجاهد و الحسن البصرى و غيرهم من العلماء التابعين و من بعدهم # و ذلك أن الحصر فى معنى ms1242 الإستثناء و الإستثناء من النفي إثبات عند جمهور ~~العلماء فنفي الخشية عمن ليس من العلماء و هم العلماء به الذين يؤمنون بما ~~جاءت به الرسل يخافونه # قال تعالى ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة و يرجو ~~رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون و الذين لا يعلمون # و أثبتها للعلماء فكل عالم يخشاه فمن لم يخش الله فليس من العلماء بل من ~~الجهال كما قال عبدالله بن مسعود ( كفى بخشية الله علما و كفى PageV16P178 ~~بالإغترار بالله جهلا ( و قال رجل للشعبى ( أيها العالم ( فقال ( إنما ~~العالم من يخشى الله ( # فكذلك قوله ( سيذكر من يخشى ( يقتضى أن كل من يخشاه فلابد أن يكون ممن ~~تذكر # و قد ذكر أن الأشقى يتجنب الذكرى فصار الذي يخشى ضد الأشقى فلذلك يقال ( ~~كل من تذكر خشى ( و التحقيق أن التذكر سبب الخشية فإن كان تاما أوجب الخشية ~~كما أن العلم سبب الخشية فإن كان تاما أوجب الخشية # و على هذا فقوله فى قصة فرعون ( لعله يتذكر أو يخشى ( جعل ذلك نوعين لما ~~فى ذلك من الفوائد # ( أحدها ( أنه إذا تذكر أنه مخلوق و أن الله خالقه و ليس هو إلها و ربا ~~كما ذكر و ذكر إحسان الله إليه فهذا التذكر يدعوه إلى إعترافه بربوبية الله ~~و توحيده و إنعامه عليه فيقتضى الإيمان و الشكر و إن قدر أن الله لا يعذبه # فإن مجرد كون الشيء حقا و نافعا يقتضي طلبه و إن لم يخف ضررا PageV16P179 ~~بعدمه كما يسارع المؤمنون إلى فعل التطوعات و النوافل لما فيها من النفع و ~~إن كان لا عقوبة فى تركها كما يحب الإنسان علوما نافعة و إن لم يتضرر ~~بتركها و كما قد يحب محاسن الأخلاق و معالي الأمور لما فيها من المنفعة و ~~اللذة في الدنيا و الآخرة و إن لم يخف ضررا بتركها # فهو إذا تذكر آلاء الله و تذكر إحسانه إليه فهذا قد يوجب إعترافه بحق ~~الله و توحيده و إحسانه ms1243 إليه و يقتضي شكره لله و تسليم قوم موسى إليه و أن ~~لم يخف عذابا فهذا قد حصل بمجرد التذكر # قال ( أو يخشى ( و نفس الخشية إذا ذكر له موسى ما توعده الله به من عذاب ~~الدنيا و الآخرة فإن هذا الخوف قد يحمله على الطاعة و الإنقياد و لو لم ~~يتذكر # و قد يحصل تذكر بلا خشية و قد يحصل خشية بلا تذكر و قد يحصلان جميعا و هو ~~الأغلب قال تعالى ( لعله يتذكر أو يخشى ( # و أيضا فذكر الإنسان يحصل بما عرفه من العلوم قبل هذا فيحصل بمجرد عقله و ~~خشيته تكون بما سمعه من الوعيد فبالأول يكون ممن له قلب يعقل به و الثانى ~~يكون ممن له أذن يسمع بها PageV16P180 و قد تحصل الذكرى الموجبة للخير بهذا ~~و بهذا كما قال تعالى ( و كم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا ~~فى البلاد هل من محيص إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو ~~شهيد ( # الفائدة الثانية أن التذكر سبب الخشية و الخشية حاصلة عن التذكر فذكر ~~التذكر الذي هو السبب و ذكر الخشية التى هي النتيجة و إن كان أحدهما ~~مستلزما للآخر كما قال ( إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و ~~هو شهيد ( و كما قال أهل النار ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب ~~السعير ( و قال ( أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التى فى الصدور ( فكل ~~من النوعين يحصل به النجاة لأنه مستلزم للآخر # فالذي يسمع ما جاءت به الرسل سمعا يعقل به ما قالوه ينجو و إلا فالسمع ~~بلا عقل لا ينفعه كما قال ( و منهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك ~~قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ( ~~و قال ( و منهم من يستمعون إليك ms1244 أفأنت تسمع الصم و لو كانوا لا يعقلون ( و ~~قال ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ( PageV16P181 # و كذلك العقل بلا سمع لما جاءت به الرسل لا ينفع و قد إعترف أهل النار ~~بمجيء الرسل فقالوا ( بلى قد جاءنا نذير فكذبنا و قلنا ما نزل الله من شيء ~~( # و كذلك المعتبرين بآثار المعذبين الذين قال فيهم ( أفلم يسيروا فى الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ( إنما ينتفعون إذا سمعوا ~~أخبار المعذبين المكذبين للرسل و الناجين الذين صدقوهم فسمعوا قول الرسل و ~~صدقوهم # الفائدة الثالثة أن الخشية أيضا سبب للتذكر كما تقدم فكل منهما قد يكون ~~سببا للآخر فقد يخاف الإنسان فيتذكر و قد يتذكر الأمور المخوفة فيطلب ~~النجاة منها و يتذكر ما يرجو به النجاة منها فيفعله # فإن قيل مجرد ظن المخوف قد يوجب الخوف فكيف قال ( إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء ( # قيل النفس لها هوى غالب قاهر لا يصرفه مجرد الظن و إنما يصرفه العلم بأن ~~العذاب واقع لا محالة و أما من كان يظن أن العذاب يقع و لا يوقن بذلك فلا ~~يترك هواه و لهذا قال ( و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى ( ~~PageV16P182 و قال تعالى فى ذم الكفار ( و إذا قيل إن و عد الله حق و ~~الساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا و ما نحن ~~بمستيقنين ( و وصف المتقين بأنهم بالآخرة يوقنون # و لهذا أقسم الرب على وقوع العذاب و الساعة # و أمر نبيه أن يقسم على وقوع الساعة و على أن القرآن حق فقال ( زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا قل بلى و ربي لتبعثن ( و قال ( و قال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة قل بلى و ربي لتأتينكم ( و قال ( و يستنبؤنك أحق هو قل إي و ~~ربي إنه لحق ( $ فصل # وأما قوله تعالى ( و ما يتذكر إلا من ينيب ( فهو حق كما قال فإن المتذكر ~~إما أن ms1245 يتذكر ما يدعوا إلى الرحمة و النعمة و الثواب كما يتذكر الإنسان ما ~~يدعوه إلى السؤال فينيب و إما أن يتذكر ما يقتضي الخوف و الخشية فلابد له ~~من الإنابة حينئذ لينجو مما يخاف و لهذا قيل فى فرعون ( لعله يتذكر ( فينيب ~~( أو يخشى ( PageV16P183 و كذلك قال له موسى ( هل لك إلى أن تزكى و أهديك ~~إلى ربك فتخشى ( فجمع موسى بين الأمرين لتلازمهما # و قال فى حق الأعمى ( و ما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى ( فذكر ~~الإنتفاع بالذكرى كما قال ( و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # و النفع نوعان حصول النعمة و إندفاع النقمة و نفس إندفاع النقمة نفع و إن ~~لم يحصل معه نفع آخر و نفس المنافع التى يخاف معها عذاب نفع و كلاهما نفع ~~فالنفع تدخل فيه الثلاثة و الثلاثة تحصل بالذكرى كما قال تعالى ( و ذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين ( و قال ( و ما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه ~~الذكرى ( # و أما ذكر التزكي مع التذكر فهو كما ذكر فى قصة فرعون الخشية مع التذكر # و ذلك أن التزكي هو الإيمان و العمل الصالح الذي تصير به نفس الإنسان ~~زكية كما قال في هذه السورة ( قد أفلح من تزكى و ذكر إسم ربه فصلى ( و قال ~~( قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها ( PageV16P184 و قال ( هو الذي بعث ~~فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم ( و قال ( و ويل للمشركين ~~الذين لا يؤتون الزكاة ( و قال موسى لفرعون ( هل لك إلى أن تزكى و أهديك ~~إلى ربك فتخشى ( # وعطف عليه ( أو يذكر فتنفعه الذكرى ( لوجوه # ( أحدها ( أن التزكي يحصل بإمتثال أمر الرسول و إن كان صاحبه لا يتذكر ~~علوما عنه كما قال ( يتلو عليهم آياته و يزكيهم ( ثم قال ( و يعلمهم الكتاب ~~و الحكمة ( فالتلاوة عليهم و التزكية عام لجميع المؤمنين و تعليم الكتاب و ~~الحكمة خاص ببعضهم و كذلك التزكي عام لكل من آمن بالرسول و أما ms1246 التذكر فهو ~~مختص لمن له علوم يذكرها فعرف بتذكره ما لم يعلمه غيره من تلقاء نفسه # ( الوجه الثاني ( أن قوله ( أو يذكر فتنفعه الذكرى ( يدخل فيه النفع ~~قليله و كثيره و التزكي أخص من ذلك # ( الثالث ( أن التذكر سببب التزكي فإنه إذا تذكر خاف و رجا فتزكي فذكر ~~الحكم و ذكر سببه ذكر العمل و ذكر العلم و كل منهما مستلزم للآخر ~~PageV16P185 فإنه لا يتزكى حتى يتذكر ما يسمعه من الرسول كما قال ( سيذكر ~~من يخشى ( فلابد لكل مؤمن من خشية و تذكر و هو إذا تذكر فإنه ينتفع و قد ~~تتم المنفعة فيتزكى # و قوله ( لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ( فيه أيضا نحو هذه الوجوه # فإن الشاكر قد يشكر الله على نعمه و إن لم يخف و التذكر قد يقتضى الخشية # و أيضا فإن التذكر يقتضي الخوف من العقاب و طلب الثواب فيعمل للمستقبل و ~~الشكر على النعم الماضية # و أيضا فالتذكر تذكر علوم سابقة و منها تذكر نعم الله عليه فهو سبب للشكر ~~تذكر السبب و المسبب # و أيضا فإن الشكر يقتضي المزيد من النعم و التذكر قد يكون لهذا و قد يكون ~~خوفا من العذاب # و قد يكون الأمر بالعكس فالشاكر قد يشكر الشكر الواجب لئلا يكون كفورا ~~فيعاقب على ترك الشكر بسلب النعمة و عقوبات أخر PageV16P186 و المتذكر قد ~~يتذكر ما أعده الله لمن أطاعه فيطيعه طلبا لرحمته # و أيضا فالتذكر قد يكون لفعل الواجبات التى يدفع بها العقاب و الشكور ~~يكون للمزيد من فضله كما في الصحيحين أن النبى صلى الله عليه و سلم قام حتى ~~تورمت قدماه فقيل له أتفعل هذا و قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر ~~فقال ( أفلا أكون عبدا شكورا ( # و قال صلى الله عليه و سلم ( لا يتمنين أحدكم الموت إما محسن فيزداد ~~إحسنا و إما مسيئا فلعله أن يستعتب ( فالمؤمن دائما فى نعمة من ربه تقتضي ~~شكرا و فى ذنب يحتاج إلى ms1247 إستغفار # و هو في سيد الإستغفار يقول ( أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبى فإغفر لي ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ( # و قد علم تحقيق قوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك ( فما أصابه من الحسنات هي نعم الله فتقتضي شكرا و ما أصابه من ~~المصائب فبذنوبه تقتضى تذكرا لذنوبه يوجب توبة و إستغفارا # و قد جعل الله ( الليل و النهار خلفة لمن أراد أن يذكر ( فيتوب ~~PageV16P187 و يستغفر من ذنوبه ( أو أراد شكورا ( لربه على نعمه و كل ما ~~يفعله الله بالعبد من نعمة و كل ما يخلفه الله فهو نعمة الله عليه فكلما ~~نظر إلى ما فعله ربه شكر و إذا نظر إلى نفسه إستغفر # و التذكر قد يكون تذكر ذنوبه و عقاب ربه و قد يدخل فيه تذكر آلائه و نعمه ~~فإن ذلك يدعو إلى الشكر قال تعالى ( إذكروا نعمة الله عليكم ( فى غير موضع ~~فقد أمر بذكر نعمه فالمتذكر يتذكر نعم ربه و يتذكر ذنوبه # و أيضا فهو ذكر الشكور لأنه مقصود لنفسه فإن الشكر ثابت في الدنيا و ~~الآخرة و ذكر التذكر لأنه أصل للإستغفار و الشكر و غير ذلك فذكر المبدأ و ~~ذكر النهاية و هذا المعنى يجمع ما قيل و الله سبحانه أعلم $ فصل # والتذكر إسم جامع لكل ما أمر الله بتذكره كما قال ( أولم تعمركم ما يتذكر ~~فيه من تذكر و جاءكم النذير ( أي قامت الحجة عليكم بالنذير الذي جاءكم و ~~بتعميركم عمرا يتسع للتذكر PageV16P188 و قد أمر سبحانه بذكر نعمه فى غير ~~موضع كقوله ( و أذكروا نعمة الله عليكم و ما أنزل عليكم من الكتاب و الحكمة # و المطلوب بذكرها شكرها كما قال ( و من حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا ~~الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم و إخشونى و لأتم نعمتى عليكم و لعلكم تهتدون ~~كما أرسلنا فيكم رسولا ms1248 منكم يتلو عليكم آياتنا و يزكيكم و يعلمكم الكتاب و ~~الحكمة و يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فإذكرونى أذكركم و أشكروا لى و لا ~~تكفرون ( # و قوله ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ( يتناول كل من خوطب بالقرآن و كذلك ~~قوله ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين ~~رؤوف رحيم ( فالرسول من أنفس من خوطب بهذا الكلام إذ هي كاف الخطاب # و لما خوطب به أولا قريش ثم العرب ثم سائر الأمم صار يخص و يعم بحسب ذلك # و فيه ما يخص قريشا كقوله ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء PageV16P189 ~~و الصيف ( و قوله ( و إنه لذكر لك و لقومك ( # و فيه ما يعم العرب و يخصهم كقوله ( هو الذي بعث فى الأميين رسولا منهم ~~يتلو عليهم آياته ( و الأميون يتناول العرب قاطبة دون أهل الكتاب # ثم قال ( و آخرين منهم لما يلحقوا بهم ( فهذا يتناول كل من دخل في ~~الإسلام بعد دخول العرب فيه إلى يوم القيامة كما قال ذلك مقاتل بن حيان و ~~عبد الرحمن بن زيد و غيرهما # فإن قوله ( و آخرين منهم ( أي فى الدين دون النسب إذ لو كانوا فى النسب ~~لكانوا من الأميين # و هذا كقوله تعالى ( و الذين آمنوا من بعد و هاجروا و جاهدوا معكم فأولئك ~~منكم ( # و قد ثبت فى الصحيح أن هذه الآية لما نزلت سئل النبى صلى الله عليه و سلم ~~عنهم فقال ( لو كان الإيمان معلقا بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس ( ~~فهذا يدل على دخول هؤلاء لا يمنع دخول غيرهم من الأمم # و إذا كانوا هم منهم فقد دخلوا فى قوله ( لقد من الله على PageV16P190 ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ( فالمنة على جميع المؤمنين عربهم و ~~عجمهم سابقهم و لاحقهم و الرسول منهم لأنه إنسى مؤمن و هو من العرب أخص ~~لكونه عربيا جاء بلسانهم و هو من قريش أخص # والخصوص يوجب قيام الحجة لا يوجب الفضل إلا بالإيمان و التقوى لقوله ms1249 ( إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ( # و لهذا كان الأنصار أفضل من الطلقاء من قريش و هم ليسوا من ربيعة و لا ~~مضر بل من قحطان # و أكثر الناس على أنهم من ولد هود ليسوا من ولد إبراهيم # و قيل إنهم من ولد إسماعيل لحديث أسلم لما قال ( إرموا فإن أباكم كان ~~راميا ( و أسلم من خزاعة و خزاعة من و لد إبراهيم # و في هذا كلام ليس هذا موضعه إذ المقصود أن الأنصار أبعد نسبا من كل ~~ربيعة و مضر مع كثرة هذه القبائل و [ مع هذا هم أفضل ] من جمهور قريش إلا ~~من السابقين الأولين من المهاجرين و فيهم قرشي و غير قرشي و مجموع السابقين ~~ألف و أربعمائة غير مهاجري الحبشة PageV16P191 # فقوله ( لقد جاءكم ( يخص قريشا و العرب ثم يعم سائر البشر لأن القرآن ~~خطاب لهم و الرسول من أنفسهم و المعنى ليس بملك لا يطيقون الأخذ منه و لا ~~جنى # ثم يعم الجن لأن الرسول أرسل إلى الإنس و الجن و القرآن خطاب للثقلين و ~~الرسول منهم جميعا كما قال ( يا معشر الجن و الإنس ألم يأتكم رسل منكم ( ~~فجعل الرسل التى أرسلها من النوعين مع أنهم من الإنس # فإن الإنس و الجن مشتركون مع كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين فإنهم ~~يأكلون و يشربون و ينكحون و ينسلون و يغتذون و ينمون بالأكل و الشرب و هذه ~~الأمور مشتركة بينهم و هم يتميزون بها عن الملائكة فإن الملائكة لا تأكل و ~~لا تشرب و لا تنكح و لا تنسل # فصار الرسول من أنفس الثقلين بإعتبار القدر المشترك بينهم الذي تميزوا به ~~عن الملائكة حتى كان الرسول مبعوثا إلى الثقلين دون الملائكة # و كذلك قوله ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~PageV16P192 أنفسهم ( هو كقوله ( و اذكروا نعمة الله عليكم و ما أنزل عليكم ~~من الكتاب و الحكمة ( و قوله ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم ~~آياتنا و يزكيكم و يعلمكم الكتاب و الحكمة ms1250 و يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ( # ثم قال ( فإذكرونى أذكركم و اشكروا لي و لا تكفرون ( و المقصود أنه أمر ~~بذكر النعم و شكرها # وقال ( يا بني إسرائيل أذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم ( فى غير موضع و ~~قال للمؤمنين ( و أذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ( فذكر النعم من الذكر الذي ~~أمروا به # و مما أمروا به تذكرة قصص الأنبياء المتقدمين كما قال ( و اذكر فى الكتاب ~~إبراهيم ( و اذكر فى الكتاب موسى ( ( و اذكر في الكتاب إسماعيل ( و اذكر فى ~~الكتاب إدريس ( و قال ( و اذكر عبدنا داود ذا الأيد ( و اذكر عبادنا ~~إبراهيم و إسحاق و يعقوب ( و اذكر إسماعيل و اليسع ( # و مما أمروا به تذكرة ما و عدوا به من الثواب و العقاب قال تعالى ( إنا ~~أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ( PageV16P193 # ومما أمروا بتذكره آيات الله التى يستدلون بها على قدرته و على المعاد ~~كقوله ( و يقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل و لم يك شيئا ( # و قد قال لموسى ( و ذكرهم بأيام الله ( و هي تتناول أيام نعمه و أيام ~~نقمه ليشكروا و يعتبروا # و لهذا قال ( إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور ( فإن ذكر النعم يدعو إلى ~~الشكر و ذكر النقم يقتضي الصبر على فعل المأمور و إن كرهته النفس و عن ~~المحظور و إن أحبته النفس لئلا يصيبه ما أصاب غيره من النقمة $ فصل # وقوله ( و يتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها و لا ~~يحيى ( و قد ذكر فى سورة الليل قوله ( فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا ~~الأشقى الذي كذب و تولى ( # و هذا الصلي قد فسره النبى صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح ~~PageV16P194 الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه و سلم ( أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها و لا ~~يحيون و لكن ناس أصابتهم النار ms1251 بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم إماتة حتى ~~إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ~~ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون فى حميل السيل ( ~~فقال رجل من القوم كأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد كان بالبادية # و فى رواية ذكرها إبن أبي حاتم فقال ذكر عن عبدالصمد بن عبدالوارث ثنا ~~أبى ثنا سليمان التيمي عن أبى نضرة عن أبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه ~~و سلم خطب فأتى على هذه ( لا يموت فيها و لا يحيى ( فقال النبى صلى الله ~~عليه و سلم ( أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها و لا يحيون و أما ~~الذين ليسوا من أهل النار فإن النار تميتهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون فيهم ~~فيشفعون فيؤتى بهم إلى نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت ~~الغثاء فى حميل السيل ( # فقد بين النبى صلى الله عليه و سلم [ أن ] هذا الصلي لأهل النار الذين هم ~~أهلها و أن الذين ليسوا من أهلها فإنها تصيبهم بذنوبهم و أن الله يميتهم ~~فيها حتى يصيروا فحما ثم يشفع فيهم فيخرجون و يؤتى PageV16P195 بهم إلى نهر ~~الحياة فينبتون كما تنبت الحبة فى حميل السيل # و هذا المعني مستفيض عن النبى صلى الله عليه و سلم بل متواتر فى أحاديث ~~كثيرة في الصحيحين و غيرهما من حديث أبى سعيد و أبى هريرة و غيرهما و فيها ~~الرد على طائفتين على الخوارج و المعتزلة الذين يقولون ( إن أهل التوحيد ~~يخلدون فيها ( و هذه الآية حجة عليهم و على من حكي عنه من غلاة المرجئة ( ~~أنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد ( # فإن إخباره بأن أهل التوحيد يخرجون منها بعد دخولها تكذيب لهؤلاء و أولئك ~~و فيه رد على من يقول ( يجوز أن لا يدخل الله من أهل التوحيد أحدا النار ( ~~كما يقوله طائفة من المرجئة الشيعة و مرجئة أهل الكلام المنتسبين إلى السنة ~~و ms1252 هم الواقفة من أصحاب أبى الحسن و غيرهم كالقاضي أبى بكر و غيره فإن ~~النصوص المتواترة تقتضي دخول بعض أهل التوحيد و خروجهم # و القول ب ( أن أحدا لا يدخلها من أهل التوحيد ( ما أعلمه ثابتا عن شخص ~~معين فأحكيه عنه لكن حكي عن مقاتل بن سليمان PageV16P196 و قال إحتج من قال ~~ذلك بهذه الآية و قد أجيبوا بجوابين ( أحدهما ( جواب طائفة منهم الزجاج ~~قالوا هذه نار مخصوصة لكن قوله بعدها ( و سيجنبها الأتقى ( لا يبقى فيه ~~كبير و عد فإنه إذا جنب تلك النار جاز أن يدخل غيرها وجواب آخرين قالوا لا ~~يصلونها صلي خلود و هذا أقرب # و تحقيقه أن الصلي هنا هو الصلي المطلق و هو المكث فيها و الخلود على وجه ~~يصل العذاب إليهم دائما # فأما من دخل و خرج فإنه نوع من الصلي ليس هو الصلي المطلق لا سيما إذا ~~كان قد مات فيها و النار لم تأكله كله فإنه قد ثبت أنها لا تأكل مواضع ~~السجود و الله أعلم $ فصل # جمع الله سبحانه بين إبراهيم و موسى صلى الله عليهما و على سائر المرسلين ~~فى أمور مثل قوله ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم و موسى ( ~~PageV16P197 و فى حديث أبى ذر الطويل قلت يا رسول الله كم كتابا أنزل الله ~~قال ( مائة كتاب و أربعة كتب ثلاثين صحيفة على شيث و خمسين على إدريس و عشر ~~على إبراهيم و عشر على موسى قبل التوراة و أنزل التوراة و الإنجيل و الزبور ~~و الفرقان ( و قال فى الحديث فهل عندنا شيء مما فى صحف إبراهيم فقال ( نعم ~~( و قرأ قوله ( قد أفلح من تزكى و ذكر إسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة ~~الدنيا و الآخرة خير و أبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم و موسى ( # فإن التزكي هو التطهر و التبرك بترك السيئات الموجب زكاة النفس كما قال ( ~~قد أفلح من زكاها ( و لهذا تفسر الزكاة تارة بالنماء و الزيادة و تارة ms1253 ~~بالنظافة و الإماطة و التحقيق أن الزكاة تجمع بين الأمرين إزالة الشر و ~~زيادة الخير و هذا هو العمل الصالح و هو الإحسان # و ذلك لا ينفع إلا بالإخلاص لله و عبادته و حده لا شريك له الذي هو أصل ~~الإيمان و هو قول ( و ذكر إسم ربه فصلى ( # فهذه الثلاث قد يقال تشبه الثلاث التى يجمع الله بينها في القرآن فى ~~مواضع مثل قوله في أول البقرة ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون ~~الصلاة و مما رزقناهم ينفقون ( و مثل قوله PageV16P198 ( فإن تابوا و ~~أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ( فإن تابوا و أقاموا الصلاة و ~~آتوا الزكاة فإخوانكم فى الدين ( # و قد يقال تشبه الثنتين المذكورتين في قوله ( من آمن بالله و اليوم الآخر ~~و عمل صالحا الآية ( و قوله ( و من أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله و هو محسن ~~( # لكن هنا التزكي فى الآية أعم من الإنفاق فإنه ترك السيئات الذي أصله بترك ~~الشرك # فأول التزكي التزكي من الشرك كما قال ( و ويل للمشركين الذين لا يؤتون ~~الزكاة ( و قال ( يتلو عليهم آياته و يزكيهم ( # و التزكي من الكبائر الذي هو تمام التقوى كما قال ( فلا تزكوا أنفسكم هو ~~أعلم بمن اتقى ( و قال ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من ~~يشاء و لا يظلمون فتيلا ( فعلم أن التزكية هو الإخبار بالتقوى # و منه التزكي بالطهارة و بالصدقة و الإحسان كما قال ( خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم و تزكيهم بها ( # و ( ذكر إسم ربه ( قد يعنى به الإيمان بالله و ( الصلاة ( PageV16P199 ~~العمل فقد يذكر إسم ربه من لا يصلي # و من الفقهاء من يقول هو ذكر في أول الصلاة و لهذا و الله أعلم قدم ~~التزكي فى هذه الآية # و كان طائفة من السلف إذا أدوا صدقة الفطر قبل صلاة العيد يتأولون بهذه ~~الآية و كان بعض السلف أظنه يزيد بن أبى حبيب يستحب أن يتصدق أمام كل صلاة ~~لهذا المعنى ms1254 # و لما قدم الله الصلاة على النحر فى قوله ( فصل لربك و إنحر ( و قدم ~~التزكي على الصلاة فى قوله ( قد أفلح من تزكى و ذكر إسم ربه فصلى ( كانت ~~السنة أن الصدقة قبل الصلاة فى عيد الفطر و أن الذبح بعد الصلاة فى عيد ~~النحر # و يشبه و الله أعلم أن يكون الصوم من التزكى المذكور في الآية فإن الله ~~يقول ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ( فمقصود ~~الصوم التقوى و هو من معنى التزكى # و فى حديث إبن عباس ( فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم صدقة الفطر طهرة ~~للصائم من اللغو و الرفث و طعمة للمساكين PageV16P200 ( فالصدقة من تمام ~~طهرة الصوم و كلاهما تزك متقدم على صلاة العيد فجمعت هاتان الكلمتان ~~الترغيب فيما أمر الله به من الإيمان و العمل الصالح و فى قوله ( بل تؤثرون ~~الحياة الدنيا و الآخرة خير و أبقى ( الإيمان باليوم الآخر # و هذه الأصول المذكورة فى قوله ( إن الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى ~~و الصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم و ~~لا خوف عليهم و لا هم يحزنون ( # و قال ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم و موسى ( و قال أيضا ( ~~أفرأيت الذي تولى و أعطى قليلا و أكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ ~~بما فى صحف موسى و إبراهيم الذي و فى ألا تزر وازرة وزر أخرى و أن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى و أن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ( # و أيضا فإن إبراهيم صاحب الملة و إمام الأمة قال الله تعالى ( ثم أوحينا ~~إليك أن إتبع ملة إبراهيم حنيفا و ما كان من المشركين ( و قال ( و من يرغب ~~عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ( و قال ( و من أحسن دينا ممن أسلم وجهه ~~لله و هو محسن و إتبع ملة إبراهيم PageV16P201 حنيفا ( و قال ( إن ms1255 إبراهيم ~~كان أمة قانتا لله حنيفا ( و قال ( إنى جاعلك للناس إماما ( # و موسى صاحب الكتاب و الكلام و الشريعة الذي لم ينزل من السماء كتاب أهدى ~~منه و من القرآن # و لهذا قرن بينهما في مواضع كقوله ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ~~نورا إلى قوله و هذا كتاب أنزلناه مبارك ( و قوله ( قالوا سحران إلى قوله ~~قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ( و قول الجن ( إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ( و قوله ( قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله و كفرتم به و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ( و قول النجاشي ( ~~إن هذا و الذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة و # قيل في موسى ( و كلم الله موسى تكليما ( و في إبراهيم ( و اتخذ الله ~~إبراهيم خليلا ( و أصل الخلة عبادة الله و حده و العبادة غاية الحب و الذل ~~و موسى صاحب الكتاب و الكلام # و لهذا كان الكفار بالرسل ينكرون حقيقة خلة إبراهيم و تكليم موسى و لما ~~نبغت البدع الشركية في هذه الأمة أنكر ذلك الجعد بن درهم PageV16P202 فقتله ~~المسلمون لما ضحى به أمير العراق خالد بن عبدالله و قال ( ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإنى مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا و ~~لم يكلم موسى تكليما ( ثم نزل فذبحه # و لما بعث الله نبيه صلى الله عليه و سلم بعثه إلى أهل الأرض و هم فى ~~الأصل صنفان أميون و كتابيون و الأميون كانوا ينتسبون إلى إبراهيم فإنهم ~~ذريته و خزان بيته و على بقايا من شعائره و الكتابيون أصلهم كتاب موسى و ~~كلا الطائفتين قد بدلت و غيرت # فأقام ملة إبراهيم بعد اعوجاجها و جاء بالكتاب المهيمن المصدق لما بين ~~يديه المبين لما اختلف فيه و ما حرف و كتم من الكتاب الأول $ فصل # وإبراهيم و موسى قاما بأصل الدين الذي هو ms1256 الإقرار بالله و عبادته وحده لا ~~شريك له و مخاصمة من كفر بالله # فأما إبراهيم فقال الله فيه ( ألم تر إلى االذي حاج إبراهيم فى ربه ~~PageV16P203 أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي و يميت قال ~~أنا أحيي و أميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر و الله لا يهدى القوم الظالمين ( # و ذكر الله عنه أنه طلب منه أرادة إحياء الموتى فأمره الله بأخذ أربعة من ~~الطير # فقرر أمر الخلق و البعث المبدأ و المعاد الإيمان بالله و اليوم الآخر # و هما اللذان يكفر بهما أو بأحدهما كفار الصابئة و المشركين من الفلاسفة ~~و نحوهم الذين بعث الخليل إلى نوعهم # فإن منهم من ينكر وجود الصانع و فيهم من ينكر صفاته و فيهم من ينكر خلقه ~~و يقول إنه علة و أكثرهم ينكرون إحياء الموتى و هم مشركون يعبدون الكواكب ~~العلوية و الأصنام السفلية # و الخليل صلوات الله عليه رد هذا جميعه فقرر ربوبية ربه كما فى هذه الآية ~~و قرر الإخلاص له و نفى الشرك كما في سورة الأنعام و غيرها و قرر البعث بعد ~~الموت # و استقر فى ملته محبته لله و محبة الله له بإتخاذ الله له خليلا ~~PageV16P204 ثم إنه ناظر المشركين بعبادة من لا يوصف بصفات الكمال فقال ~~لأبيه ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنك شيئا ( و قال ~~لأبيه و قومه ( ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون إلى قوله فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين الذي خلقنى فهو يهدين و الذي هو يطعمني و يسقين و إذا مرضت فهو ~~يشفين و الذي يميتنى ثم يحيين ( إلى آخر الكلام # و قال ( إني وجهت وجهي للذى فطر السموات و الأرض حنيفا و ما أنا من ~~المشركين ( و قال ( إنني براء مما تعبدون إلا الذى فطرني فإنه ms1257 سيهدين و ~~جعلها كلمة باقية فى عقبه لعلهم يرجعون # ( فإبراهيم دعا إلى الفطرة و هو عبادة الله و حده لا شريك له و هو ~~الإسلام العام و الإقرار بصفات الكمال لله و الرد على من عبد من سلبها # فلما عابهم بعبادة من لا علم له و لا يسمع و لا يبصر قال ( ربنا إنك تعلم ~~ما نخفي و ما نعلن و ما يخفى على الله من شيء فى الأرض و لا فى السماء ~~الحمد لله الذى وهب لي على الكبر إسماعيل و إسحق إن ربي لسميع الدعاء ( ~~PageV16P205 و لما عابهم بعبادة من لا يغنى شيئا فلا ينفع و لا يضر قال ( ~~الذى خلقني فهو يهدين و الذى هو يطعمنى و يسقين و إذا مرضت فهو يشفين و ~~الذى يميتنى ثم يحيين و الذى أطمع أن يغفر لي خطيئتى يوم الدين ( فإن ~~الإنسان يحتاج إلى جلب المنفعة لقلبه و جسمه و دفع المضرة عن ذلك و هو أمر ~~الدين و الدنيا # فمنفعة الدين الهدى و مضرته الذنوب و دفع المضرة المغفرة و لهذا جمع بين ~~التوحيد و الإستغفار في مواضع متعددة # و منفعة الجسد الطعام و الشراب و مضرته المرض و دفع المضرة الشفاء # و أخبر أن ربه يحيي و يميت و أنه فطر السموات و الأرض و إحياؤه فوق كماله ~~بأنه حي # و أنه فطر السموات و الأرض يقتضي إمساكها و قيامها الذى هو فوق كماله ~~بأنه قائم بنفسه حيث قال عن النجوم ( لا أحب الآفلين ( # فإن الآفل هو الذى يغيب تارة و يظهر تارة فليس هو قائما على PageV16P206 ~~عبده فى كل وقت و الذين يعبدون ما سوى الله من الكواكب و نحوها و يتخذونها ~~أوثانا يكونون فى و قت البزوغ طالبين سائلين و في وقت الأفول لا يحصل ~~مقصودهم و لا مرادهم فلا يجتلبون منفعة و لا يدفعون مضرة و لا ينتفعون إذ ~~ذاك بعبادة فبين ما في الآلهة التى تعبد من دون الله من النقص و بين ما ms1258 ~~لربه فاطر السموات و الأرض من الكمال بأنه الخالق الفاطر العليم السميع ~~البصير الهادى الرازق المحيي المميت و سمى ربه بالأسماء الحسنى الدالة على ~~نعوت كماله فقال ( يتلو عليهم آياتك و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم إنك ~~أنت العزيز الحكيم ( و قال ( فمن تبعنى فإنه مني و من عصاني فإنك غفور رحيم ~~( و قال ( سأستغفر لك ربي إنه كان بى حفيا ( فوصف ربه بالحكمة و الرحمة ~~المناسب لمعنى الخلة كما قال ( إنه كان بى حفيا ( # و موسى عليه السلام خاصم فرعون الذى جحد الربوبية و الرسالة و قال ( أنا ~~ربكم الأعلى ( و ( ما علمت لكم من إله غيرى ( و قصته فى القرآن مثناة ~~مبسوطة لا يحتاج هذا الموضع إلى بسطها # و قرر أيضا أمر الربوبية و صفات الكمال لله و نفى الشرك PageV16P207 # و لما إتخذ قومه العجل بين الله لهم صفات النقص التى تنافى الألوهية فقال ~~( و إتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم و لا يهديهم سبيلا إتخذوه و كانوا ظالمين ( و قال ( فقالوا هذا ~~إلهكم و إله موسى فنسى أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا و لا يملك لهم ضرا و ~~لا نفعا و لقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به و إن ربكم الرحمن ~~( # فوصفه بأنه و إن كان قد صوت صوتا هو خوار فإنه لا يكلمهم و لا يرجع إليهم ~~قولا و أنه لا يهديهم سبيلا و لا يملك لهم ضرا و لا نفعا # و كذلك ذكر الله سبحانه على لسان محمد فى الشرك عموما و خصوصا فقال ( ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا و هم يخلقون و لا يستطيعون لهم نصرا و لا أنفسهم ~~ينصرون و إن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صامتون إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن ~~كنتم صادقين ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم ms1259 لهم أعين يبصرون ~~بها أم لهم آذان يسمعون بها قل إدعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ( ~~PageV16P208 و استفهم إستفهام إنكار و جحود لطرق الإدراك التام و هو السمع ~~و البصر و العمل التام و هو اليد و الرجل كما أنه سبحانه لما أخبر فيما روى ~~عنه رسوله عن أحبابه المتقربين إليه بالنوافل فقال ( و لا يزال عبدى يتقرب ~~إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به و بصره الذى يبصر ~~به و يده التى يبطش بها و رجله التى يمشي بها ( $ فصل # وأهل السنة و الجماعة المتبعون لإبراهيم و موسى و محمد صلوات الله و ~~سلامه عليهم أجمعين يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله و محبته و رحمته و سائر ~~ما له من الأسماء و المثل الأعلى # و ينزهونه عن مشابهة الأجساد التى لا حياة فيها فإن الله قال ( و ألقينا ~~على كرسيه جسدا ثم أناب ( و قال ( و ما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ( و ~~قال ( عجلا جسدا له خوار ( فوصف الجسد بعدم الحياة فإن الموتان لا يسمع و ~~لا يبصر و لا ينطق و لا يغنى شيئا # و أما أهل البدع و الضلالة من الجهمية و نحوهم فإنهم سلكوا PageV16P209 ~~سبيل أعداء إبراهيم و موسى و محمد الذين أنكروا أن يكون الله كلم موسى ~~تكليما و اتخذ إبراهيم خليلا و قد كلم الله محمدا و اتخذه خليلا كما اتخذ ~~إبراهيم خليلا و رفعه فوق ذلك درجات # و تابعوا فرعون الذى قال ( يا هامان ابن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب ~~السموات فأطلع إلى إله موسى و إنى لأظنه كاذبا ( و تابعوا المشركين الذين ( ~~إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن أنسجد لما تأمرنا ( و اتبعوا ~~الذين ألحدوا فى أسماء الله # فهم يجحدون حقيقة كونه الرحمن أو أنه يرحم أو يكلم أو يود عباده أو ~~يودونه أو أنه فوق السموات و يزعمون أن من أثبت له هذه الصفات فقد شبهه ~~بالأجسام الحسية و هي الحيوان ms1260 كالإنسان و أن هذا تشبيه لله بخلقه # فهم قد شبهوه بالأجساد الميتة فيما هو نقص و عيب و تشبيه دلت الكتب ~~الإلهية و الفطرة العقلية أنه عيب و نقص بل يقتضي عدمه # و أما أهل الإثبات فلو فرض أن فيما قالوه تشبيها ما فليس هو تشبيها ~~بمنقوص معيب و لا هو فى صفة نقص أو عيب بل فى غاية ما يعلم أنه الكمال و أن ~~لصاحبه الجلال و الإكرام PageV16P210 فصار أهل السنة يصفونه بالوجود و كمال ~~الوجود و أولئك يصفونه بعدم كمال الوجود أو بعدم الوجود بالكلية فهم ممثلة ~~معطلة ممثلة فى العقل و الشرع معطلة في العقل و الشرع # أما فى العقل فلأنهم مثلوه بالعدم و الأجساد الموتان # و أما فى الشرع فإنهم مثلوا ما جاءت به الرسل من صفاته بنفس صفات ~~المخلوقات و إن كان هذا التمثيل الذي إدعوا أنه معنى النصوص أقل تمثيلا من ~~تمثيلهم الذى إدعوه # و أما تعطيلهم فى العقل فإنه تعطيل للصفات تعطيل مستلزم لعدم الذات و ~~لهذا ألجىء كثير منهم إلى نفى الذات بالكلية و صاروا على طريقة فرعون لا ~~يقرون إلا بوجود المخلوقات و إن كانوا قد ينافقون فيقرون بألفاظ لا معنى ~~لها أو بعبادات لا معبود لها # و أما تعطيلهم للشرع فإنهم جحدوا ما في كتب الله من المعانى و حرفوا ~~الكلم عن مواضعه أو قالوا نحن كالأميين لا نعلم الكتاب إلا أماني أو قلوبنا ~~غلف و قالوا لما جاء به الرسول من الكتاب و السنة نظير ما قالته الكفار ~~PageV16P211 ( قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه و فى آذاننا و قر و من بيننا ~~و بينك حجاب ( و ( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ( # وهكذا قال هؤلاء لانفقه كثيرا مما يقول الرسول و قالوا كما قال الذين ~~يستمعون للرسول فإذا خرجوا من عنده ( قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ~~آنفا ( # و صاروا كالذين قيل فيهم ( و إذا قرأت القرآن جعلنا بينك و بين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ms1261 و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و فى ~~آذانهم و قرا و إذا ذكرت ربك فى القرآن و حده و لوا على أدبارهم نفورا ( # فتدبر ما ذكره الله عن أعداء الرسل من نفي فقههم و تكذيبهم تجد بعض ذلك ~~فيمن أعرض عن ذكر الله و عن تدبر كتابه و إتبع ما تتلوه الشياطين و ما ~~توحيه إلى أوليائها و الله يهدينا صراطا مستقيما # و لهذا كانت هذه الجهمية المعطلة المشابهون للكفار و المشركين من الصابئة ~~و غيرهم الجاحدة لوجود الصانع أو صفاته ترمي أهل العلم و الإيمان و الكتاب ~~و السنة تارة بأنهم يشبهون اليهود لما فى التوراة PageV16P212 و كتب ~~الأنبياء من الصفات و لما إبتدعه بعض اليهود من التشبيه المنفى عن الله و ~~تارة بأنهم يشبهون النصارى لما أثبتته النصارى من صفة الحياة و العلم و لما ~~إبتدعته من أن الأقانيم جواهر و أن أقنوم الكلمة إتحد بالناسوت # و هذا الرمي موجود فى كلامهم قبل الإمام أحمد بن حنبل و فى زمنه و هو ~~موجود فى كلامه و كلام أصحابه حكاية ذلك ذكره فى كتاب ( الرد على الجهمية و ~~الزنادقة ( و أنهم قالوا ( إذا أثبتم الصفات فقد قلتم بقول النصارى ( و رد ~~ذلك و فى ( مسائله ( أن طائفة قالوا له من قال ( القرآن غير مخلوق أو هو فى ~~الصدور ( فقد قال بقول النصارى # و هكذا الجهمية ترمى الصفاتية بأنهم يهود هذه الأمة و هذا موجود فى كلام ~~متقدمي الجهمية و متأخريهم مثل ما ذكره أبو عبدالله محمد بن عمر الرازي ~~الجهمي الجبري و إن كان قد يخرج إلى حقيقة الشرك و عبادة الكواكب و الأوثان ~~في بعض الأوقات و صنف فى ذلك كتابه المعروف فى السحر وعبادة الكواكب و ~~الأوثان مع أنه كثيرا ما يحرم ذلك و ينهى عنه متبعا للمسلمين و أهل الكتب و ~~الرسالة # و ينصر الإسلام و أهله في مواضع كثيرة كما يشكك أهله و يشكك غير ~~PageV16P213 أهله فى أكثر المواضع و قد ينصر غير ms1262 أهله فى بعض المواضع فإن ~~الغالب عليه التشكيك و الحيرة أكثر من الجزم و البيان # و هؤلاء لهم أجوبة # ( أحدها ( أن مشابهة اليهود و النصارى ليست محذورا إلا فيما خالف دين ~~الإسلام و نصوص الكتاب و السنة و الإجماع و إلا فمعلوم أن دين المرسلين ~~واحد و أن التوراة و القرآن خرجا من مشكاة واحدة # و قد إستشهد الله بأهل الكتاب فى غير موضع حتى قال ( قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله و كفرتم به و شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن و استكبرتم ( # فإذا أشهد أهل الكتاب على مثل قول المسلمين كان هذا حجة و دليلا و هو من ~~حكمة إقرارهم بالجزية فيفرح بموافقة المقالة المأخوذة من الكتاب والسنة لما ~~يأثره أهل الكتاب عن المرسلين قبلهم و يكون هذا من أعلام النبوة و من حجج ~~الرسالة و من الدليل على إتفاق الرسل # ( الثاني ( أن المشابهة التى يدعونها ليست صحيحة فإن أهل السنة ~~PageV16P214 لا يوافقون اليهود و النصارى فيما إبتدعوه من الدين و الإعتقاد ~~و لهذا قلت في بيان فساد قول ابن الخطيب إنه لم يفهم مقالة أهل الحديث و ~~السنة من الحنبلية و غيرهم و لم يفهم مقالة النصارى و أوضحت ذلك في موضعه ~~كما بين الإمام أحمد الفرق بين مقالة أهل السنة و بين مقالة النصارى ~~المبتدعة كما يبين الفرق بين مقالة أهل السنة و مقالة اليهود المبتدعة # ( الثالث ( أنه إذا فرض مشابهة أهل الإثبات لليهود أو النصارى فأهل النفى ~~و التعطيل مشابهون للكفار و المشركين من النصارى و غيرهم و معلوم قطعا أن ~~مشابهة أهل الكتابين خير من مشابهة من ليس من أهل الكتاب من الكفار ~~بالربوبية و النبوات و نحوهم و لهذا قيل المشبه أعشى و المعطل أعمى # و لهذا فرح المؤمنون على عهد النبى صلى الله عليه و سلم بإنتصار النصارى ~~على المجوس كما فرح المشركون بانتصار المجوس على النصارى فتدبر هذا فإنه ~~نافع فى مواضع و الله أعلم # و لهذا كان ms1263 المعتزلة و نحوهم من القدرية مجوس هذه الأمة # و هم يجعلون الصفاتية نصارى الأمة و يميلون إلى اليهود لموافقتهم ~~PageV16P215 لهم فى أمور كثيرة أكثر من النصارى كما يميل طائفة من المتصوفة ~~و المتفقرة إلى النصارى أكثر من اليهود # فإذا كان الصفاتية إلى النصارى أقرب و ضدهم إلى المجوس و المشركين أقرب ~~تبين أن الصفاتية أتباع النبى صلى الله عليه و سلم و أصحابه الذين فرحوا ~~بانتصار الروم النصارى على فارس المجوس و أن المعطلة هم إلى المشركين أقرب ~~الذين فرحوا بانتصار المجوس على النصارى PageV16P216 سورة الغاشية و قال ~~شيخ الإسلام $ فصل # قوله ( هل أتاك حديث الغاشية و جوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا ~~حامية تسقى من عين آنية ( فيها قولان # ( أحدهما ( أن المعنى و جوه في الدنيا خاشعة عاملة ناصبة تصلى يوم ~~القيامة نارا حامية و يعنى بها عباد الكفار كالرهبان و عباد البدود و ربما ~~تؤولت في أهل البدع كالخوارج ( القول الثاني ( أن المعنى أنها يوم القيامة ~~تخشع أي تذل و تعمل و تنصب قلت هذا هو الحق لوجوه ( أحدها ( أنه على هذا ~~التقدير يتعلق الظرف بما يليه أي و جوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة ~~صالية و على الأول لا يتعلق إلا PageV16P217 بقوله ( تصلى ( و يكون قوله ( ~~خاشعة ( صفة للوجوه قد فصل بين الصفة و الموصوف بأجنبى متعلق بصفة أخرى ~~متأخرة و التقدير و جوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى نارا حامية و التقديم ~~و التأخير على خلاف الأصل فالأصل إقرار الكلام على نظمه و ترتيبه لا تغيير ~~ترتيبه # ثم إنما يجوز فيه التقديم و التأخير مع القرينة أما مع اللبس فلا يجوز ~~لأنه يلتبس على المخاطب و معلوم أنه ليس هنا قرينة تدل على التقديم و ~~التأخير بل القرينة تدل على خلاف ذلك فإرادة التقديم و التأخير بمثل هذا ~~الخطاب خلاف البيان و أمر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق # ( الوجه الثاني ( أن الله قد ذكر و جوه الأشقياء و وجوه السعداء فى ~~السورة فقال بعد ms1264 ذلك ( و جوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية ( و ~~معلوم أنه إنما و صفها بالنعمة يوم القيامة لا فى الدنيا إذ هذا ليس بمدح ~~فالواجب تشابه الكلام و تناظر القسمين لا إختلافهما و حينئذ فيكون الأشقياء ~~و صفت و جوههم بحالها فى الآخرة # ( الثالث ( أن نظير هذا التقسيم قوله ( و جوه يومئذ ناضرة PageV16P218 ~~إلى ربها ناظرة و وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ( و قوله ( و جوه ~~يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة و وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم ~~الكفرة الفجرة ( و هذا كله و صف للوجوه لحالها فى الآخرة لا فى الدنيا # ( الرابع ( أن و صف الوجوه بالأعمال ليس فى القرآن و إنما فى القرآن ذكر ~~العلامة كقوله ( سيماهم فى و جوههم ( و قوله ( و لو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ( و قوله ( تعرف في و جوه الذين كفروا المنكر يكادون ~~يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ( و ذلك لأن العمل و النصب ليس قائما ~~بالوجوه فقط بخلاف السيما و العلامة # ( الخامس ( أن قوله ( خاشعة عاملة ناصبة ( لو جعل صفة لهم فى الدنيا لم ~~يكن فى هذا اللفظ ذم فإن هذا إلى المدح أقرب و غايته أنه و صف مشترك بين ~~عباد المؤمنين و عباد الكفار و الذم لا يكون بالوصف المشترك و لو أريد ~~المختص لقيل خاشعة للأوثان مثلا عاملة لغير الله ناصبة فى طاعة الشيطان و ~~ليس فى الكلام ما يقتضي كون هذا الوصف مختصا بالكفار و لا كونه مذموما و ~~ليس فى القرآن ذم لهذا الوصف مطلقا و لا و عيد عليه فحمله على هذا المعنى ~~خروج عن الخطاب المعروف فى القرآن ( PageV16P219 # السادس ( أن هذا الوصف مختص ببعض الكفار و لا موجب للتخصيص فإن الذين لا ~~يتعبدون من الكفار أكثر و عقوبة فساقهم فى دينهم أشد فى الدنيا و الآخرة ~~فإن من كف منهم عن المحرمات المتفق عليها و أدى الواجبات المتفق عليها لم ~~تكن عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع الله إلها آخر ms1265 و يقتلون النفس التى حرم ~~الله [ إلا ] بالحق و يزنون فإذا كان الكفر و العذاب على هذا التقدير فى ~~القسم المتروك أكثر و أكبر كان هذا التخصيص عكس الواجب # ( السابع ( أن هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة و النسك إبتداء ثم إذا ~~قيد ذلك بعبادة الكفار و المبتدعة و ليس فى الخطاب تقييد كان هذا سعيا فى ~~إصلاح الخطاب بما لم يذكر فيه PageV16P220 سورة البلد قال شيخ الاسلام # قوله تعالى ( ألم نجعل له عينين و لسانا و شفتين و هديناه النجدين ( ~~الهداية محلها القلب و هذه الأعضاء الثلاثة التى هي دائمة الحركة و الكسب ~~إما للإنسان و إما عليه بخلاف ما يتحرك من داخل فإنه لا يتعلق به ثواب و لا ~~عقاب و بخلاف بقية الأعضاء الظاهرة فإن السكون أغلب و حركتها قليلة بالنسبة ~~إلى هذه و هذه الثلاثة التى يروى عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال من ~~كان صمته فكرا و نطقه ذكرا و نظره عبرة و فى حديث عند ابن أبي حاتم فى صفة ~~النبى صلى الله عليه و سلم أنه كان كثير الصمت دائم الفكر متواصل الأحزان ~~فالصمت و الفكر للسان و القلب و أما الحزن فليس المراد به الحزن الذي هو ~~الألم على فوت مطلوب أو حصول مكروه فإن ذلك منهى عنه و لم يكن من حاله و ~~إنما أراد به الإهتمام و التيقظ لما يستقبله من الأمور و هذا مشترك بين ~~القلب و العين PageV16P221 و فيه أيضا في الصحيحين حديث إبن عباس أنه كان ~~إذا قام من الليل يصلى ينظر إلى السماء و يقرأ الآيات العشر من أواخر سورة ~~آل عمران فيجمع بين الذكر و النظر و الفكر فالنظر أي نظر القلب و نظر العين ~~و الذكر أيضا لابد مع ذكر اللسان من ذكر القلب و لما كان النظر مبدأ و ~~الذكر منتهى لأن النظر يتقدم الإدراك و العلم و الذكر يتأخر عن الإدراك و ~~العلم و لهذا كان المتكلمة فى النظر المقتضي ms1266 للعلم و كان المتصوفة في الذكر ~~المقرر للعلم قدم آلة النظر على آلة الذكر و ختم بهداية الملك الجامع الذي ~~هو الناظر الذاكر # و ذكر سبحانه اللسان و الشفتين لأنهما العضوان الناطقان فأما الهواء و ~~الحلق و النطع و اللهوات و الأسنان فمتصلة حركة بعضها مرتبطة بحركة البعض ~~بمنزلة غيرها من أجزاء الحنك فأما اللسان و الشفتان فمنفصلة ثم الشفتان لما ~~كانا النهاية حملا الحروف الجوامع الباء و الفاء و الميم و الواو # فأما الباء و الفاء فهما الحرفان السببيان فإن الباء أبدا تفيد الالصاق و ~~السبب و كذلك الفاء تفيد التعقيب و السبب و بالأسباب تجتمع الأمور بعضها ~~ببعض PageV16P222 # و أما الميم و الواو فلهما الجمع و الإحاطة ألا ترى أن الميم ضمير لجمع ~~المخاطبين فى الأنواع الخمسة ضميري الرفع و النصب المتصلين و المنفصلين و ~~ضمير الخفض فى مثل قوله ( أنتم ( و ( علمتم ( و ( إياكم ( و ( علمكم ( و ( ~~بكم ( و ضمير لجمع الغائبين فى الأنواع الخمسة أيضا و المضمر أيا كان إما ~~متكلم أو مخاطب أو غائب واحد أو إثنان أو جمع مرفوع أو منصوب أو مجرور فقد ~~أحاطت بالجميع مطلقا أما الجمع المطلق فبنفسها و أما الجمع المقدر بإثنين ~~فبزيادة علم التثنية و هو الألف في مثل أنتما و علمتما و كذلك الباقي # و لهذا زيدت الواو في الجمع المطلق فقيل عليهموا و إنتموا كما زيدت الألف ~~في التثنية و من حذفها حذفها تخفيفا و لأن ترك العلامة علامة فصارت الميم ~~مشتركة ثم الفارق الألف أو عدمها مع الواو # و أما الواو فلها جموع الضمائر الغائبة في مثل قالوا و نحوها و أما ~~المتصلة مثل إياكم و هم فعلى اللغتين فلما صارت الواو تمام المضمر المرفوع ~~المنفصل و الياء تمام المؤنث صارت للمؤنث مطلقا في جميع أحواله لأنه تلو ~~المذكر و المفرد مذكره و مؤنثه قبل المثنى و المجموع فإن المفرد قبل المركب ~~ثم الألف صارت علم التثنية مطلقا فى المظهر و المضمر كما أن الواو علم ms1267 لجمع ~~المذكر و جعل الياء علمي النصب و الجر PageV16P223 فى المظهر من المثنى و ~~المجموع لأن المظهر قبل المضمر و أقوى منه فكانت أحق أن تكون فيه من الألف ~~فحين ما كان أقوى كانت الواو و حين ما كان أوسط كان الياء # وأما الجموع الظاهرة فالواو هي علم الجمع المذكر الصحيح كما أن الألف علم ~~التثنية و لهذا ينطق بها حيث لا إعراب لكن فى حال النصب و الخفض قلبتا ~~يائين لأجل الفرق و ذلك لأن الأسماء الظاهرة لها الغيبة دون الخطاب فى جميع ~~العربية و ذلك لأن الواو أقوى حروف العلة و الضمة بعضها و هي أقوى الحركات ~~لما فيها من الجمع و كونها آخرا فجعلت للجمع و الألف أخف حروف العلة فجعلت ~~للإثنين لأن الياء كانت قد صارت للمؤنث فى المفرد المرفوع الذي هو الأصل في ~~قولك و جاءت الميم في مثل اللهم إشعار بجميع الأسماء و ذلك لأن حرف الشفة ~~لما كان جامعا للقوة من مبدأ مخارج الحروف إلى منتهاها بمنزلة الخاتم الآخر ~~الذي حوى ما فى المتقدم و زيادة كان جامعا لقوى الحروف فجعل جامعا للأسماء ~~مظهرها و مضمرها و جامعا بين المفردات و الجمل فالواو و الفاء عاطفان و ~~الفاء رابطة جملة بجملة # و لما كانت النون قريبة من الفيهة فهي أنفية جعلت لجمع المؤنث ~~PageV16P224 لأنه دون جمع المذكر و ثنى العينين و الشفتين لأن العينين هما ~~ربيئة القلب و ليس من الأعضاء أشد إرتباطا بالقلب من العينين و لهذا جمع ~~بينهما فى قوله ( و نقلب أفئدتهم و أبصارهم ( تتقلب فيه القلوب و الأبصار ( ~~و إذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر ( قلوب يومئذ و اجفة أبصارها ~~خاشعة ( و لأن كليهما له النظر فنظر القلب الظاهر بالعينين و الباطن به و ~~حده و كذلك اللسان هو الذكر و الشفتان أنثاه PageV16P225 $ فصل # فى قوله تعالى ( و الشمس و ضحاها و القمر إذا تلاها و النهار إذا جلاها و ~~الليل إذا يغشاها ( و ضمير التأنيث فى ( جلاها ms1268 ( و ( يغشاها ( لم يتقدم ما ~~يعود عليه إلا الشمس فيقتضي أن النهار يجلى الشمس و أن الليل يغشاها و ( ~~التجلية ( الكشف و الإظهار و ( الغشيان ( التغطية و اللبس معلوم أن الليل و ~~النهار ظرفا الزمان و الفعل إذا أضيف إلى الزمان فقيل هذا الزمان أو هذا ~~اليوم يبرد أو يبرد أو ينبت الأرض و نحو ذلك فالمقصود أن ذلك يكون فيه كما ~~يوصف الزمان بأنه عصيب و شديد و نحس و بارد و حار و طيب و مكروه و المراد و ~~صف ما فيه فكون الشيء فاعلا و موصوفا هو بحسب ما يليق به كل شيء بحسبه ~~PageV16P226 فالنهار يجلى الشمس و الليل يغشاها و إن كان ظهور الشمس هو سبب ~~النهار و مغيبها سبب الليل و قد ذكر ذلك بقوله ( و الشمس و ضحاها ( فأضاف ~~الضحى إليها و الضحى يعم النهار كله كما قال ( أم السماء بناها رفع سمكها ~~فسواها و أغطش ليلها و أخرج ضحاها ( و قال ( و الضحى و الليل إذا سجى ( # و قوله ( و السماء و ما بناها و الأرض و ما طحاها و نفس و ما سواها ~~فألهمها فجورها و تقواها ( # فقد قيل إن ( ما ( مصدرية و التقدير و السماء و بناء الله إياها و الأرض ~~و طحو الله إياها و نفس و تسوية الله إياها لابد من ذكر الفاعل فى [ الجملة ~~] لا يصلح أن يقدر المصدر هنا مضافا إلى الفعل فقط فيقال ( و بنائها ( لأن ~~الفاعل مذكور في الجملة فى قوله ( و ما بناها ( و ما طحاها ( فإن الفعل ~~لابد له من فاعل في الجملة و مفعول أيضا فلابد أن يكون في التقدير الفاعل و ~~المفعول لكن إذا كانت مصدرية كانت ( ما ( حرفا ليس فيها ضمير فيكون ضمير ~~الفاعل فى ( بناها ( عائدا على غير مذكور بل إلى معلوم و التقدير و السماء ~~و ما بناها الله و هذا خلاف الأصل و خلاف الظاهر PageV16P227 # والقول الثاني أنها موصولة و التقدير الذي بناها و الذي طحاها و ms1269 ( ما ( ~~فيها عموم و إجمال يصلح لما لا يعلم و لصفات من يعلم كقوله تعالى ( لا أعبد ~~ما تعبدون و لا أنتم عابدون ما أعبد ( و قوله ( فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء ( # و هذا المعنى يجيء فى قوله ( و ما خلق الذكر و الأنثى ) # و هذا المعني كما أنه ظاهر الكلام و أصله هو أكمل فى المعنى أيضا فإن ~~القسم بالفاعل يتضمن الإقسام بفعله بخلاف الإقسام بمجرد الفعل # و أيضا فالاقسام التى فى القرآن عامتها بالذوات الفاعلة و غير الفاعلة ~~يقسم بنفس الفعل كقوله ( و الصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ( و ~~كقوله ( و النازعات ( و المرسلات ( و نحو ذلك # و هو سبحانه تارة يقسم بنفس المخلوقات و تارة بربها و خالقها كقوله ( فو ~~رب السماء و الأرض ( و كقوله ( و ما خلق الذكر و الأنثى ( و تارة يقسم بها ~~و بربها # وفى هذه السورة أقسم بمخلوق و بفعله و أقسم بمخلوق دون فعله فاقسم بفاعله ~~PageV16P228 # فإنه قال ( و الشمس و ضحاها و القمر إذا تلاها و النهار إذا جلاها و ~~الليل إذا يغشاها ( فأقسم بالشمس و القمر و الليل و النهار و آثارها و ~~أفعالها كما فرق بينهما في قوله ( و من آياته الليل و النهار و الشمس و ~~القمر ( و قال ( كل فى فلك يسبحون ( فإنه بأفعال هذه الأمور و آثارها تقوم ~~مصالح بني آدم و سائر الحيوان # و قال و الشمس و ضحاها ( و لم يقل ( و نهارها ( و لا ( ضيائها ( لأن ( ~~الضحى ( يدل على النور و الحرارة جميعا و بالأنوار و الحرارة تقوم مصالح ~~العباد # ثم أقسم بالسماء و الأرض و بالنفس و لم يذكر معها فعلا فذكر فاعلها فقال ~~( و ما بناها ( و ما طحاها ( و نفس و ما سواها ( # فلم يصلح أن يقسم بفعل النفس لأنها تفعل البر و الفجور و هو سبحانه لا ~~يقسم إلا بما هو معظم من مخلوقاته لكن ذكر في ضمير القسم أنه خالق أفعالها ~~بقوله ( و ما سواها ms1270 فألهمها فجورها و تقواها ( فإذا كان قد بين أنه خالق ~~فعل العبد الذي [ هو ] أظهر الأشياء فعلا و إختيارا و قدرة فلأن يكون خالق ~~فعل الشمس و القمر و الليل و النهار بطريق الأولى و الأحرى PageV16P229 و ~~أما السماء و الأرض فليس لهما فعل ظاهر يعظم في النفوس حتى يقسم بها إلا ما ~~يظهر من الشمس و القمر و الليل و النهار # و السماء و الأرض أعظم من الشمس و القمر و الليل و النهار و النفس أشرف ~~الحيوان المخلوق فكان القسم بصانع هذه الأمور العظيمة مناسبا و كان إقسامه ~~بصانعها تنبيها على أنه صانع ما فيها من الشمس و القمر و الليل و النهار # فتضمن الكلام الأقسام بصانع هذه المخلوقات و بأعيانها و ما فيها من ~~الآثار و المنافع لبني آدم # و ختم القسم بالنفس التى هي آخر المخلوقات فإن الله خلق آدم يوم الجمعة ~~آخر المخلوقات و بين أنه خالق جميع أفعالها و دل على أنه خالق جميع أفعال ~~ما سواها # و هو سبحانه مع ما ذكر من عموم خلقه لجميع الموجودات على مراتبها حتى ~~أفعال العبد المنقسمة إلى التقوى و الفجور [ و ] بين إنقسام الأفعال إلى ~~الخير و الشر و إنقسام الفاعلين إلى مفلح و خائب سعيد و شقي و هذا يتضمن ~~الأمر و النهي و الوعد و الوعيد فكان فى ذلك رد على القدرية المجوسية الذين ~~يخرجون أفعال العباد عن خلقه و إلهامه و على القدرية المشركية الذين يبطلون ~~أمره و نهيه و وعده و وعيده إحتجاجا بقضائه و قدره PageV16P230 # و قد قيل فى قوله ( قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها ( إن الضمير عائد ~~إلى ( الله ( أي ( قد أفلح من زكاها الله و قد خاب من دساها الله ( و هذا ~~مخالف للظاهر بعيد عن نهج البيان الذي ألف عليه القرآن إذا كان الأحسن ( قد ~~أفلحت من زكاها الله و قد خابت من دساها و هذا ضعيف # و أيضا فقوله ( فألهمها فجورها و تقواها ms1271 ( بيان للقدر فلا حاجة إلى ذكره ~~مرة ثانية عقب ذلك فى مثل هذه السورة القصيرة # و لهذا لم يذكر عن النى صلى الله عليه و سلم فى إثبات القدر إلا هذه ~~الآية دون الثانية كما فى صحيح مسلم عن أبى الأسود الدئلي قال قال لي عمران ~~بن حصين أرأيت ما يعمل الناس اليوم و يكدحون فيه أشيء قضي عليهم و مضى ~~عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم و ثبتت الحجة ~~عليهم فقلت بل شيء قضى عليهم و مضى عليهم قال فقال [ أ ] فلايكون ذلك ظلما ~~قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا و قلت [ كل شيء ] خلق الله و ملك يده فلا يسأل ~~عما يفعل و هم يسألون فقال لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحرز ~~عقلك فإن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالا يا رسول ~~الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم و يكدحون فيه أشيء قضى عليهم و مضى فيهم [ ~~من قدر PageV16P231 قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم و ثبتت ~~الحجة عليهم فقال ( لا بل شيء قضى عليهم و مضى فيهم ] و تصديق ذلك فى كتاب ~~الله [ عز و جل ] ( و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها ( فبين النبى ~~صلى الله عليه و سلم أن تصديق ما أخبر به من القضاء قوله ( فألهمها فجورها ~~و تقواها ( # والذى فى الحديث هو القدر السابق من علم الله و كتابه و كلامه و هذا إنما ~~تنكره غالية القدرية و أما [ الذي ] في القرآن فهو خلق الله أفعال العباد و ~~هذا أبلغ فإن القدرية المجوسية تنكره # فالذي فى القرآن يدل على ما في الحديث و زيادة و لهذا جعله النبى صلى ~~الله عليه و سلم مصدقا له و ذلك من و جوه # أحدها أنه إذا علم أن الله هو الملهم للفجور و التقوى و لم يكن في ذلك ~~ظلم كما تقوله القدرية ms1272 الإبليسية و لا مخالفة للأمر و النهي و الوعد و ~~الوعيد كما تقوله القدرية المشركية [ ف ] الإقرار بأن الله كتب ذلك و قدره ~~قبل وجوده مما لا نزاع فيه عند الإنسان من جهة القدر و لهذا قد أقر بالقدر ~~السابق جمهور القدرية الذين ينكرون خلق الأفعال و لم يثبت أحد من القدرية ~~أن الله خالق أفعال العباد و ينكره من جهة القدر أن الله خالق ذلك ~~PageV16P232 # الوجه الثاني أنه إذا ثبت أن الله خالق فعل العبد و أنه الملهم الفجور و ~~التقوى كان ذلك من جملة مصنوعاته و الشبهة التى عرضت للقدرية التى سأل ~~المزنيان للنبى صلى الله عليه و سلم إنما هي فى أعمال العباد التى عليها ~~الثواب و العقاب خاصة و لم ينكروا من جهة القدر أن الله قدر ما يخلقه هو ~~قبل و جوده و إنما أنكر من أنكر منهم إذا إشتبه أمر أفعال العباد # و هؤلاء يقولون إن الله يقدر الأمور قبل و جودها إلا أفعال العباد و ~~السعادة و الشقاوة فإن ذلك لا ينبغي أن يعلمه حتى يكون لأن أمر الأمير بما ~~يعلم أن المكلف لا يطيعه فيه بل يكون ضررا عليه مستقبح عندهم و قد حكى ~~طوائف من المصنفين فى أصول الفقه و غيرهم الخلاف فى ذلك عن المعتزلة و ~~قالوا يجوز أن الله يأمر العبد بما يعلم أنه لا يفعله خلافا للمعتزلة لأن ~~فى جنس المعتزلة من يخالف فى ذلك و أكثرهم لا يخالف فى ذلك و إنما يخالف ~~فيه طائفة منهم # فإذا كان القرآن قد أثبت أنه الملهم للنفس فجورها و تقواها كان ذلك من ~~جملة مفعولاته فلا تبقى شبهة القدرية أنه قدر ذلك قبل و جوده كما لا شبهة ~~عندهم فى تقديره لما يخلقه من الأعيان و الصفات # و أما من أنكر تقديره العلم من منكرة الصفات أو بعضها فأولئك PageV16P233 ~~لهم مأخذ آخر ليس مأخذهم أمر الصفات # الوجه الثالث أنه قد كان ألهم الفجور و التقوى و هو خالق فعل العبد ms1273 فلابد ~~أن يعلم ما خلقه قبل أن يخلقه كما قال ( ألا يعلم من خلق ( لأن الفاعل ~~المختار يريد ما يفعله و الإرادة مستلزمة لتصور المراد و ذلك هو العلم ~~بالمراد المفعول # و إذا كان خلقه للشيء مستلزما لعلمه به فذلك أصل القدر السابق و ما علمه ~~الله سبحانه بقوله و بكتبه فلا نزاع فيه و هذا بين في جميع الأشياء في هذا ~~و غيره # فإنه سبحانه إذا ألهم الفجور و التقوى فالملهم أن [ لم ] يميز بين الفجور ~~و التقوى و يعلم أن هذا الفعل الذي يريد أن يفعله هذا فجور و الذي يريد أن ~~يفعله هذا تقوى لم يصح منه إلهام الفجور و التقوى # فظهر بهذا حسن ما ذكره النبى صلى الله عليه و سلم من تصديق الآية لما ~~أخبر به النبى صلى الله عليه و سلم من القدر السابق # و قوله سبحانه ( فألهمها فجورها و تقواها ( كما يدل على القدر فيدل على ~~الشرع فإنه لو قال ( فألهمها أفعالها ( كما يقول الناس PageV16P234 ( خالق ~~أفعال العباد ( لم يكن في ذلك تمييز بين الخير و الشر و المحبوب و المكروه ~~و المأمور به و المنهي عنه بل كان فيه حجة للمشركين من المباحية و الجبرية ~~الذين يدفعون الأمر و النهي و الحسن و القبح فإنه خلق أفعال العباد فلما ~~قال ( فألهمها فجورها و تقواها ( كان الكلام تفريقا بين الحسن المأمور به و ~~القبيح المنهي عنه و أن الأفعال منقسمة إلى حسن و سيء مع كونه تعالى خالق ~~الصنفين # وهذه طريقة القرآن فى غير موضع يذكر المؤمن و الكافر و أفعالهما الحسنة و ~~السيئة [ و ] و عده و وعيده و يذكر أنه خالق الصنفين كقوله ( يضل من يشاء و ~~يهدي من يشاء ( و نحو ذلك # و هذا الأصل ضلت فيه الجبرية و القدرية فإن القدرية المجوسية قالوا إن ~~الأفعال تنقسم إلى حسن و قبيح لصفات قائمة بها و العبد هو المحدث لها بدون ~~قدرة الله و بدون خلقه # فقالت الجبرية بل العبد مجبور ms1274 على فعله و الجبر حق يوجب و جود أفعاله عند ~~و جود الأسباب التى يخلقها الله و إمتناع و جودها عند عدم شيء من الأسباب و ~~إذا كان مجبورا يمتنع أن يكون الفعل حسنا أو قبيحا لمعنى يقوم به ~~PageV16P235 # و هذه طريقة أبي عبدالله الرازي و نحوه من الجبرية النافين لإنقسام الفعل ~~فى نفسه إلى حسن و قبيح و الأولى طريقة أبى الحسين البصري و نحوه من ~~القدرية القائلين بأن فعل العبد لم يحدثه إلا هو و العلم بذلك ضروري أو ~~نظري و أن الفعل ينقسم فى نفسه إلى حسن و قبيح و العلم بذلك ضروري و أبو ~~الحسين إمام المتأخرين من المعتزلة و له من العقل و الفضل ما ليس لأكثر ~~نظرائه لكن هو قليل المعرفة بالسنن و معانى القرآن و طريقة السلف # و هو و أبو عبدالله الرازي في هذا الباب فى طرفي نقيض و مع كل منهما من ~~الحق ما ليس مع الآخر فأبو الحسين يدعى أن العلم بأن العبد يحدث فعله ضرورى ~~و الرازى يدعى [ أن العلم ] بأن إفتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب و ~~جوده عنده و يمتنع عند عدمه ضرورى كذلك بل كلاهما صادق فيما ذكره من العلم ~~الضرورى # ثم يعتقد كل فريق أن هذا العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة و ~~ليس الأمر كذلك بل كلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضرورى و مصيب فى ذلك و ~~إنما و قع غلطه في إنكاره ما مع الآخر من الحق فإنه لا منافاة بين كون ~~العبد محدثا لفعله و كون PageV16P236 هذا الإحداث ممكن الوجود بمشيئة الله ~~تعالى # و لهذا كان مذهب أهل السنة المحضة أن العبد فاعل لفعله حقيقة كما ادعاه ~~أبو الحسين من الضرورة لا يقولون ليس بفاعل حقيقة أو ليس بفاعل كما يقوله ~~المائلون إلى الجبر مثل طائفة أبى عبدالله الرازى يقولون مع ذلك إن الله هو ~~الخالق لهذا الفاعل و لفعله و هو الذى جعله فاعلا حقيقة و هو ms1275 خالق أفعال ~~العباد كما يقوله أهل الإثبات من الأشعرية طائفة الرازى و غيرهم لا كما ~~يقوله القدرية مثل أبى الحسين و طائفته إن الله لم يخلق أفعال العباد # و لهذا نص الأئمة كالإمام أحمد و من قبله من الأئمة كالأوزاعى و غيره على ~~إنكار إطلاق القول بالجبر نفيا و إثباتا فلا يقال ( ان الله جبر العباد ( و ~~لا يقال ( لم يجبرهم ( فإن لفظ ( الجبر ( فيه إشتراك و إجمال فإذا قيل ( ~~جبرهم ( [ أشعر بأن الله يجبرهم على فعل الخير و الشر بغير إختيارهم و إذا ~~قيل ( لم يجبرهم ( ] أشعر بأنهم يفعلون ما يشاؤون بغير إختياره و كلاهما ~~خطأ و قد بسطنا القول فى هذا فى غير هذا الموضع # و المقصود هنا أن هذين الفريقين إعتقدوا تنافى القدر و الشرع كما إعتقد ~~ذلك المجوس و المشركون فقالوا إذا كان خالقا للفعل إمتنع PageV16P237 أن ~~يكون الفعل فى نفسه حسنا له ثواب أو قبيحا عليه عقاب ثم قالت القدرية لكن ~~الفعل منقسم فليس خالقا للفعل و قالت الجبرية لكنه خالق فليس الفعل منقسما # ولكن الجبرية المقرون بالرسل يقرون بالإنقسام من جهة أمر الشارع و نهيه ~~فقط و يقولون له أن يأمر بما شاء لا لمعنى فيه و ينهي عما يشاء لا لأجل ~~معنى فيه و يقولون فى خلقه و في أمره جميعا يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد # و أما من غلب عليه رأي أو هوى فإنه ينحل عن ربقة الشارع إذا عاين الجبر و ~~يقولون ما يقوله المشركون ( لو شاء الله ما أشركنا و لا آباؤنا و لا حرمنا ~~من شيء ( # و من أقر بالشرع و الأمر و النهي و الحسن و القبح دون القدر و خلق ~~الأفعال كما عليه المعتزلة فهو من القدرية المجوسية الذين شابهوا المجوس و ~~للمعتزلة من مشابهة المجوس و اليهود نصيب وافر و من أقر بالقضاء و القدر و ~~خلق الأفعال و عموم الربوبية و أنكر المعروف و المنكر و الهدى و الضلال و ~~الحسنات و السيئات ms1276 ففيه شبه من المشركين و الصابئة PageV16P238 و كان الجهم ~~بن صفوان و من إتبعه كذلك لما ناظر أهل الهند كما كان المعتزلة كذلك لما ~~ناظروا المجوس الفرس و المجوس أرجح من المشركين # فإن من أنكر الأمر و النهي أو لم يقر بذلك فهو مشرك صريح كافر أكفر من ~~اليهود و النصارى و المجوس كما يوجد ذلك فى كثير من المتكلمة و المتصوفة ~~أهل الاباحة و نحوهم # و لهذا لم يظهر هؤلاء و نحوهم فى عصر الصحابة و التابعين لقرب عهدهم ~~بالنبوة و إنما ظهر أولئك القدرية المجوسية لأن مذهبهم فيه تعظيم للأمر و ~~النهي و الثواب و العقاب فهم أقرب إلى الكتاب و السنة و الرسول و الدين من ~~هؤلاء المعطلة للأمر و النهي فإن هؤلاء من شر الخلق # و أما القدرية الإبليسية فهم الذين يقرون بوجود الأمر و النهي من الله و ~~يقرون مع ذلك بوجود القضاء و القدر منه لكن يقولون هذا فيه جهل و ظلم فإنه ~~بتناقضه يكون جهلا و سفها و بما فيه من عقوبة العبد بما خلق فيه يكون ظلما ~~وهذا حال إبليس فإنه قال ( بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض PageV16P239 و ~~لأغوينهم أجمعين ( فأقر بأن الله أغواه ثم جعل ذلك عنده داعيا يقتضي أن ~~يغوى هو ذرية آدم # و إبليس هو أول من عادى الله و طغى فى خلقه و أمره و عارض النص بالقياس و ~~لهذا يقول بعض السلف أول من قاس إبليس فإن الله أمره بالسجود لآدم فاعترض ~~على هذا الأمر بأنى خير منه و إمتنع من السجود فهو أول من عادى الله و هو ~~الجاهل الظالم الجاهل بما فى أمر الله من الحكمة الظالم بإستكباره الذي جمع ~~فيه بين بطر الحق و غمط الناس # ثم قوله لربه ( فبما أغويتني لأفعلن ( جعل فعل الله الذي هو إغواؤه له ~~حجة له و داعيا إلى أن يغوى إبن آدم و هذا طعن منه في فعل الله و أمره و ~~زعم منه أنه قبيح فأنا ms1277 أفعل القبيح أيضا فقاس نفسه على ربه و مثل نفسه بربه # و لهذا كان مضاهيا للربوبية كما ثبت فى صحيح مسلم عن جابر عن النبى صلى ~~الله عليه و سلم ( إن إبليس ينصب عرشه على البحر ثم يبعث سراياه فأعظمهم ~~فتنة أقربهم إليه منزلة فيجيء الرجل فيقول ما زلت به حتى فعل كذا ثم يجيء ~~لآخر فيقول ما زلت به حتى فرقت بينه و بين زوجته فيلتزمه و يدنيه منه و ~~يقول أنت أنت ( PageV16P240 والقدرية قصدوا تنزيه الله عن السفه و أحسنوا ~~فى هذا القصد فإنه سبحانه مقدس عما يقول الظالمون من إبليس و جنوده علوا ~~كبيرا حكم عدل لكن ضاق ذرعهم و حصل عندهم نوع جهل إعتقدوا معه أن هذا ~~التنزيه لا يتم إلا بأن يسلبوه قدرته على أفعال العباد و خلقه لها و شمول ~~إرادته لكل شيء فناظروا إبليس و حزبه فى شيء و استحوذ عليهم إبليس من ناحية ~~أخرى # و هذا من أعظم آفات الجدال في الدين بغير علم أو بغير الحق و هو الكلام ~~الذي ذمه السلف فإن صاحبه يرد باطلا بباطل و بدعة ببدعة # فجاء طوائف ممن ناظرهم من أهل الإثبات ليقرروا أن الله خالق كل شيء ما ~~شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن و أنه على كل شيء قدير فضاق ذرعهم و علمهم ~~و اعتقدوا أن هذا لا يتم إن لم تنكر محبة الله و رضاه و ما خص به بعض ~~الأفعال دون بعض من الصفات الحسنة و السيئة و تنكر حكمته و رحمته فيجوز ~~عليه كل فعل لا ينزه عن ظلم و لا غيره من الأفعال # و زاد قوم في ذلك حتى عطلوا الأمر و النهي و الوعد و الوعيد رأسا و مال ~~هؤلاء إلى الارجاء كما مال الأولون إلى الوعيد فقالت الوعيدية PageV16P241 ~~كل فاسق خالد فى النار لا يخرج منها أبدا و قالت الخوارج هو كافر و غالية ~~المرجئة أنكرت عقاب أحد من أهل القبلة و من صرح بالكفر ms1278 أنكر الوعيد فى ~~الآخرة رأسا كما يفعله طوائف من الإتحادية و المتفلسفة و القرامطة و ~~الباطنية و كان هؤلاء الجبرية أكفر بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد من ~~المعتزلة الوعيدية القدرية # و أما مقتصدة المرجئة الجبرية الذين يقرون بالأمر و النهي و الوعد و ~~الوعيد و أن من أهل القبلة من يدخل النار فهؤلاء أقرب الناس إلى أهل السنة # و قد روى الترمذى عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( لعنت القدرية و ~~المرجئة على لسان سبعين نبيا أنا آخرهم ( # لكن المعتزلة من القدرية أصلح من الجبرية و المرجئة و نحوهم فى الشريعة ~~علمها و عملها فكلامهم في أصول الفقه و في إتباع الأمر و النهي خير من كلام ~~المرجئة من الأشعرية و غيرهم فإن كلام هؤلاء فى أصول الفقه قاصر جدا و كذلك ~~هم مقصرون فى تعظيم الطاعات و المعاصي و لكن هم في أصول الدين أصلح من ~~أولئك فإنهم يؤمنون من صفات الله و قدرته و خلقه بما لايؤمن به أولئك و هذا ~~الصنف أعلى PageV16P242 فلهذا كانت المرجئة فى الجملة خيرا من القدرية حتى ~~إن الارجاء دخل فيه الفقهاء من أهل الكوفة و غيرهم بخلاف الإعتزال فإنه ليس ~~فيه أحد من فقهاء السلف و أئمتهم $ فصل # فإذا كان الضلال فى القدر حصل تارة بالتكذيب بالقدر و الخلق و تارة ~~بالتكذيب بالشرع و الوعيد و تارة بتظليم الرب كان فى هذه السورة ردا على ~~هذه الطوائف كلها # فقوله تعالى ( فألهمها فجورها و تقواها ( إثبات للقدر بقوله ( ألهمها ( و ~~إثبات لفعل العبد بإضافة الفجور و التقوى إلى نفسه ليعلم أنها هي الفاجرة و ~~المتقية و إثبات للتفريق بين الحسن و القبيح و الأمر و النهي بقوله ( ~~فجورها و تقواها ( # و قوله بعد ذلك ( قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها ( إثبات لفعل العبد ~~و الوعد و الوعيد بفلاح من زكى نفسه و خيبة من دساها و هذا صريح فى الرد ~~على القدرية المجوسية و على ms1279 الجبرية للشرع أو لفعل العبد و هم المكذبون ~~بالحق PageV16P243 # و أما المظلمون للخالق فإنه قد دل على عدله بقوله ( و نفس و ما سواها ( و ~~التسوية التعديل فبين أنه عادل فى تسوية النفس التى ألهمها فجورها و تقواها # و ذكر بعد ذلك عقوبة من كذب رسله و طغى و أنه لا يخاف عاقبة إنتقامه ممن ~~خالف رسله ليبين أن من كذب بهذا أو بهذا فإن الله ينتقم منه و لا يخاف ~~عاقبة إنتقامه كما إنتقم من إبليس و جنوده و أن تظلمه من ربه و تسفيهه له ~~إنما يهلك به نفسه و لن يضر الله شيئا # ( فان العباد لن يبلغوا ضر الله فيضروه و لن يبلغوا نفعه فينفعوه و لو أن ~~أولهم و آخرهم و إنسهم و جنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك فى ~~ملكه شيئا و لو أن أولهم و آخرهم و إنسهم و جنهم كانوا على أفجر قلب رجل ~~منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئا ( # و لهذا لما سأل عمران بن حصين أبا الأسود الدئلي عن ذلك ليحرز عقله ( هل ~~يكون ذلك ظلما ( فذكر أن ذلك ليس منه ظلما و خاف من قوله ( سبحانه و تعالى ~~عما يقولون علوا كبيرا ( و ذكر حديث النبى صلى الله عليه و سلم و إستشهاده ~~بهذه الآية # و قد تبين أن القدرية الخائضين بالباطل إما أن يكونوا مكذبين لما ~~PageV16P244 أخبر به الرب من خلقه أو أمره و إما أن يكونوا مظلمين له فى ~~حكمه و هو سبحانه الصادق العدل كما قال تعالى ( و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا ~~لا مبدل لكلماته و هو السميع العليم ( فإن الكلام إما إنشاء و إما إخبار ~~فالإخبار صدق لا كذب و الإنشاء أمر التكوين و أمر التشريع عدل لا ظلم و ~~القدرية المجوسية كذبوا بما أخبر به عن خلقه و شرعه من أمر الدين و ~~الإبليسية جعلوه ظالما فى مجموعهما أو فى كل منهما # و قد ظهر بذلك أن المفترقين ms1280 المختلفين من الأمة إنما ذلك بتركهم بعض الحق ~~الذي بعث الله به نبيه و أخذهم باطلا يخالفه و إشتراكهم فى باطل يخالف ما ~~جاء به الرسول و هو من جنس مخالفة الكفار للمؤمنين كما قال تعالى ( تلك ~~الرسل فضلنا بعضهم على بعض إلى قوله و لو شاء الله ما اقتتلوا و لكن الله ~~يفعل ما يريد ( # فإذا إشتركوا في باطل خالفوا به المؤمنين المتبعين للرسل نسوا حظا مما ~~ذكروا به فألقى بينهم العداوة و البغضاء و إختلفوا فيما بينهم فى حق آخر ~~جاء به الرسول فآمن هؤلاء ببعضه و كفروا ببعضه و الآخرون يؤمنون بما كفر به ~~هؤلاء و يكفرون بما يؤمن به هؤلاء # و هنا كلا الطائفتين المختلفتين المفترقتين مذمومة و هذا شأن عامة ~~PageV16P245 الإفتراق و الإختلاف فى هذه الأمة و غيرها و هذا من ذلك فإنهم ~~إشتركوا [ فى ] أن كون الرب خالقا لفعل العبد ينافى كون فعله منقسما إلى ~~حسن و قبيح و هذه المقدمة إشتركوا فيها جدلا من غير أن تكون حقا فى نفسها ~~أو عليها حجة مستقيمة # وهي إحدى المقدمتين التى يعتمدها الرازي فى مسألة التحسين و التقبيح فإنه ~~إعتقد فى ( محصوله ( و غيره على أن العبد مجبور على فعله و المجبور لا يكون ~~فعله قبيحا فلا يكون شيء من أفعال العباد قبيحا # و هذه الحجة بنفى ذلك أصلها حجة المشركين المكذبين للرسل الذين قالوا ( ~~لو شاء الله ما أشركنا و لا آباؤنا و لا حرمنا من شيء ( فإنهم نفوا قبح ~~الشرك و تحريم ما لم يحرمه الله من الطيبات بإثبات القدر # لكن هؤلاء الذين يحتجون بالجبر على نفي الأحكام إذا أقروا بالشرع لم ~~يكونوا مثل المشركين من كل و جه و لهذا لم يكن المتكلمون المقرون بالشريعة ~~كالمشركين و إن كان فيهم جزء من باطل المشركين # لكن يوجد فى المتكلمين و المتصوفة طوائف يغلب عليهم الجبر حتى ~~PageV16P246 يكفروا حينئذ بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد و الثواب و ~~العقاب إما قولا و إما حالا ms1281 و عملا و أكثر ما يقع ذلك فى الأفعال التى ~~توافق أهواءهم يطلبون بذلك إسقاط اللوم و العقاب عنهم و لا يزيدهم ذلك إلا ~~ذما و عقابا كالمستجير من الرمضاء بالنار # فإن هذا القول لا يطرد العمل به لأحد إذ لا غنى لبني آدم بعضهم من بعض من ~~إرادة شيء و الأمر به و بغض شيء و النهي عنه فمن طلب أن يسوى بين المحبوب و ~~المكروه و المرضى و المسخوط و العدل و الظلم و العلم و الجهل و الضلال و ~~الهدى و الرشد و الغي فإنه لا يستمر على ذلك أبدا بل إذا حصل له ما يكرهه و ~~يؤذيه فر إلى دفع ذلك و عقوبة فاعله بما قدر عليه حتى يعتدي فى ذلك # فهم من أظلم الخلق فى تفريقهم بين القبيح من الظلم و الفواحش منهم و من ~~غيرهم و ممن يهوونه و من لا يهوونه و إحتجاجهم بالقدر لأنفسهم دون خصومهم # و تجد أحدهم عند فعل ما يحمد عليه يغلب على قلبه حال أهل القدر فيجعل ~~نفسه هو المحدث لذلك دون الله و ينسى نعمة الله عليه PageV16P247 فى إلهامه ~~إياه تقواه و هذا من أظلم الخلق كما قال أبو الفرج ابن الجوزي أنت عند ~~الطاعة قدرى و عند المعصية جبرى أي مذهب وافق هواك تمذهبت به وأهل العدل ضد ~~ذلك إذا فعلوا حسنة شكروا الله عليها لعلمهم بأن الله هو الذي حبب إليهم ~~الإيمان و زينه فى قلوبهم و أنه هو الذي كره إليهم الكفر و الفسوق و ~~العصيان ( و إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~و من يغفر الذنوب إلا الله و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون ( # فاتبعوا أباهم حيث أذنب ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو ~~التواب الرحيم ( و قال ( ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين ( # و يقول أحدهم ( أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبى ( كما قال ms1282 النبى صلى ~~الله عليه و سلم ( سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا ~~أنت خلقتنى و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما إستطعت أعوذ بك من شر ما ~~صنعت أبوء لك بنعمتك على و أبوء بذنبى فإغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب [ إلا ~~أنت ] ( و كما فى الحديث الصحيح أيضا ( إن الله تعالى يقول يا عبادي إنما ~~هي أعمالكم ترد PageV16P248 عليكم فمن و جد خيرا فليحمد الله و من و جد شرا ~~فلا يلومن إلا نفسه ( و يقولون بموجب قوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن ~~الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ) # قال إبن القيم رحمه الله # ذكر سبحانه في هذه السورة ثمود دون غيرهم من الأمم المكذبة فقال شيخ ~~الإسلام أبو العباس تقى الدين ابن تيمية # هذا و الله أعلم من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه لم يكن فى الأمم ~~المكذبة أخف ذنبا و عذابا منهم إذ لم يذكر عنهم من الذنوب ما ذكر عن عاد و ~~مدين و قوم لوط و غيرهم # و لهذا لما ذكرهم و عادا قال ( فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق و ~~قالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة و ~~كانوا بآياتنا يجحدون ( و أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ( # و كذلك إذا ذكرهم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنهم ما يذكر عن أولئك من ~~التجبر و التكبر و الأعمال السيئة كاللواط و بخس المكيال و الميزان و ~~الفساد فى الأرض كما فى سورة هود و الشعراء و غيرهما فكان فى قوم لوط مع ~~الشرك إتيان الفواحش التى PageV16P249 لم يسبقوا إليها و فى عاد مع الشرك ~~التجبر و التكبر و التوسع فى الدنيا و شدة البطش و قولهم ( من أشد منا قوة ~~( و فى أصحاب مدين مع الشرك الظلم في الأموال و فى قوم فرعون الفساد فى ~~الأرض و العلو # و كان عذاب ms1283 كل أمة بحسب ذنوبهم و جرائمهم فعذب قوم عاد بالريح الشديدة ~~العاتية التى لا يقوم لها شيء و عذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها ~~أمة غيرهم فجمع لهم بين الهلاك و الرجم بالحجارة من السماء و طمس الأبصار و ~~قلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها و الخسف بهم إلى أسفل سافلين و عذب ~~قوم شعيب بالنار التى أحرقتهم و أحرقت تلك الأموال التى إكتسبوها بالظلم و ~~العدوان # و أما ثمود فأهلكهم بالصيحة فماتوا فى الحال فإذا كان هذا عذابه لهؤلاء و ~~ذنبهم مع الشرك عقر الناقة التى جعلها الله آية لهم فمن انتهك محارم الله و ~~استخف بأوامره و نواهيه و عقر عباده و سفك دماءهم كان أشد عذابا # و من اعتبر أحوال العالم قديما و حديثا و ما يعاقب به من يسعى في الأرض ~~بالفساد و سفك الدماء بغير حق و أقام الفتن و إستهان بحرمات الله علم أن ~~النجاة فى الدنيا و الآخرة للذين آمنوا و كانوا يتقون PageV16P250 $ فصل # فى بيان أن الرسول صلى الله عليه و سلم أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين ~~و هي الأدلة العقلية الدالة على ثبوت الصانع و توحيده و صدق رسوله صلى الله ~~عليه و سلم و على المعاد إمكانا و وقوعا # و قد ذكرنا فيما تقدم هذا الأصل غير مرة و أن الرسول صلى الله عليه و سلم ~~بين الأدلة العقلية و السمعية التى يهتدى بها الناس إلى دينهم و ما فيه ~~نجاتهم و سعادتهم فى الدنيا و الآخرة و أن الذين إبتدعوا أصولا تخالف بعض ~~ما جاء به هي أصول دينهم لا أصول دينه و هي باطلة عقلا و سمعا كما قد بسط ~~في غير موضع وبين أن كثيرا من المنتسبين إلى العلم و الدين قاصرون أو ~~مقصرون في معرفة ما جاء به من PageV16P251 الدلائل السمعية و العقلية # فطائفة قد إبتدعت أصولا تخالف ما جاء به من هذا و هذا و طائفة رأت أن ذلك ms1284 ~~بدعة فأعرضت عنه و صاروا ينتسبون إلى السنة لسلامتهم من بدعة أولئك و لكن ~~هم مع ذلك لم يتبعوا السنة على وجهها و لا قاموا بما جاء به من الدلائل ~~السمعية و العقلية بل الذي يخبر به من السمعيات مما يخبر به عن ربه و عن ~~اليوم الآخر غايتهم أن يؤمنوا بلفظه من غير تصور لما أخبر به بل قد يقولون ~~مع هذا إنه نفسه لم يكن يعلم معنى ما أخبر به لأن ذلك عندهم هو تأويل ~~المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله # و أما الأدلة العقلية فقد لا يتصورون أنه أتى بالأصول العقلية الدالة على ~~ما يخبر به كالأدلة الدالة على التوحيد و الصفات و منهم من يقر بأنه جاء ~~بهذا مجملا و لا يعرف أدلته بل قد يظن أن ما يستدل به كالإستدلال بخلق ~~الإنسان على حدوث جواهره هو دليل الرسول # و كثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل كالمعاد و ~~حسن التوحيد و العدل و الصدق و قبح الشرك و الظلم PageV16P252 و الكذب و ~~القرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك و ينكر على من لم يستدل بها و ~~يبين أنه بالعقل يعرف المعاد و حسن عبادته و حده و حسن شكره و قبح الشرك و ~~كفر نعمه كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع # و كثير من الناس يكون هذا في فطرته و هو ينكر تحسين العقل و تقبيحه إذا ~~صنف فى أصول الدين على طريقة النفاة الجبرية أتباع جهم و هذا موجود فى عامة ~~ما يقوله المبطلون يقولون بفطرتهم ما يناقض ما يقولونه في إعتقادهم البدعى # وقد ذكر أبو عبدالله ابن الجد الأعلى أنه سمع أبا الفرج ابن الجوزى ينشد ~~فى مجلس وعظه البيتين المعروفين % هب البعث لم تأتنا رسله % و جاحمة النار ~~لم تضرم % أليس من الواجب المستحق % حياء العباد من المنعم % $ فقد صرح فى ~~هذا بأنه من الواجب المستحق حياء الخلق من الخالق المنعم # و هذا ms1285 تصريح بأن شكره واجب مستحق و لو لم يكن و عيد و لا PageV16P253 ~~رسالة أخبرت بجزاء و هو يبين ثبوت الوجوب و الإستحقاق و ان قدر أنه لا عذاب # وهذا فيه نزاع قد ذكرناه فى غير هذا الموضع و بينا أن هذا هو الصحيح و ~~نتيجة فعل المنهى إنخفاض المنزلة و سلب كثير من النعم التى كان فيها و إن ~~كان لا يعاقب بالضرر # و يبين أن الوجوب و الإستحقاق يعلم بالبديهة فتارك الواجب و فاعل القبيح ~~و إن لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم و أسبابه ما يكون جزاءه و هذا ~~جزاء من لم يشكر النعمة بل كفرها أن يسلبها فالشكر قيد النعم و هو موجب ~~للمزيد و الكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب و قبل ذلك ينقص النعمة و لا ~~يزيد # مع أنه لابد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب فإنه ما ثم دار ~~إلا الجنة أو النار قال تعالى ( لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه ~~أسفل سافلين إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( و هذا ~~مبسوط في مواضع # والمقصود هنا أن بيان هذه الأصول وقع فى أول ما أنزل من القرآن فإن أول ~~ما أنزل من القرآن ( إقرأ باسم ربك ( عند جماهير PageV16P254 العلماء و قد ~~قيل ( يا أيها المدثر ( روى ذلك عن جابر و الأول أصح فإن [ ما ] فى حديث ~~عائشة الذي فى الصحيحين يبين أن أول ما نزل ( اقرأ باسم ربك ( نزلت عليه و ~~هو في غار حراء و أن ( المدثر ( نزلت بعد # و هذا هو الذي ينبغي فإن قوله ( اقرأ ( أمر بالقراءة لا بتبليغ الرسالة و ~~بذلك صار نبيا و قوله ( قم فأنذر ( أمر بالإنذار و بذلك صار رسولا منذرا # ففي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت أول ما بدىء به رسول ~~الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة فى النوم فكان لا يرى ~~رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ms1286 ثم حبب اليه الخلاء فكان يأتى غار حراء فيتحنث ~~فيه و هو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله و يتزود لذلك ثم ~~يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق و هو في غار حراء # فجاءه الملك فقال ( اقرأ ( # قال ( ما أنا بقارئ ( # قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلنى فقال ( اقرأ ( PageV16P255 # فقلت ( ما أنا بقارئ ( # فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال ( اقرأ ( فقلت ( ~~ما أنا بقارئ ( # فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال ( اقرأ باسم ربك ~~الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ و ربك الاكرم الذي علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم ( # فرجع بها رسول الله صلى الله عليه و سلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت ~~خويلد فقال ( زملوني ( زملوني [ فزملوه ] حتى ذهب عنه الروع # فقال لخديجة و أخبرها الخبر ( لقد خشيت على نفسي ( فقالت له خديجة ( كلا ~~و الله لا يخزيك الله أبدا انك لتصل الرحم و تحمل الكل و تقري الضيف و تكسب ~~المعدوم و تعين على نوائب الحق ( فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ~~بن أسد بن عبد PageV16P256 العزى إبن عم خديجة و كان أمرا تنصر فى الجاهلية ~~و كان يكتب الكتاب العبري فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب و ~~كان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة ( يا إبن عم إسمع من إبن أخيك ( فقال ~~له و رقة ( يا إبن أخي ماذا ترى ( # فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم خبر ما رأى # فقال له ورقة هذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتنى فيها جذعا ليتنى ~~أكون حيا إذ يخرجك قومك ( # فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أو مخرجي هم ( قال ( نعم لم يأت ~~أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي و إن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا ( # ثم لم ينشب ورقة أن توفى و فتر الوحي # قال إبن ms1287 شهاب الزهري سمعت أبا سلمة بن عبدالرحمن قال أخبرنى جابر بن ~~عبدالله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يحدث PageV16P257 عن فترة ~~الوحى ( فبينما أنا أمشى سمعت صوتا فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي ~~جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء و الأرض فجئثت حتى هويت إلى الأرض ~~فجئت أهلى فقلت زملونى زملوني فزملوني فأنزل الله تعالى ( يا أيها المدثر ~~قم فأنذر إلى قوله و الرجز فاهجر ) # فهذا يبين أن ( المدثر ( نزلت بعد تلك الفترة و أن ذلك كان بعد أن عاين ~~الملك الذي جاءه بحراء أولا فكان قد رأى الملك مرتين # و هذا يفسر حديث جابر الذي روى من طريق آخر كما أخرجاه من حديث يحيى بن ~~أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبدالرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال ( يا ~~أيها المدثر ( قلت يقولون ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ( فقال أبو سلمة سألت ~~جابر بن عبدالله عن ذلك [ و ] قلت له مثل ما قلت فقال جابر لا أحدثك إلا ما ~~حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( جاورت بحراء فلما قضيت جواري ~~هبطت فنوديت فنظرت عن يمينى فلم أر شيئا و نظرت عن شمالي فلم أر شيئا و ~~نظرت أمامي فلم أر شيئا و نظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا ~~فأتيت خديجة فقلت دثروني و صبوا علي ماء باردا فدثروني و صبوا علي ماء ~~باردا ( PageV16P258 قال ( فنزلت ( يا ايها المدثر قم فأنذر و ربك فكبر ) # فهذا الحديث يوافق المتقدم و أن ( المدثر ( نزلت بعد أن هبط من الجبل و ~~هو يمشي و بعد أن ناداه الملك حينئذ و قد بين فى الرواية الأخرى أن هذا ~~الملك هو الذي جاءه بحراء و قد بينت عائشة أن ( اقرأ ( نزلت حينئذ في غار ~~حراء لكن كأنه لم يكن علم أن ( اقرأ ( نزلت حينئذ بل علم أنه رأى الملك قبل ~~ذلك و قد يراه و لا يسمع منه لكن فى حديث عائشة ms1288 زيادة علم و هو أمره بقراءة ~~( اقرأ ( و فى حديث الزهري أنه سمي هذا ( فترة الوحى ( و كذلك فى حديث ~~عائشة ( فترة الوحى ( فقد يكون الزهري روى حديث جابر بالمعنى و سمى ما بين ~~الرؤيتين ( فترة الوحى ( كما بينته عائشة و إلا فإن كان جابر سماه ( فترة ~~الوحى ( فكيف يقول أن الوحى لم يكن نزل و بكل حال فالزهري عنده حديث عروة ~~عن عائشة و حديث أبى سلمة عن جابر و هو أوسع علما و أحفظ من يحيى بن أبي ~~كثير لو إختلفا لكن يحيى ذكر أنه سأل أبا سلمة عن الأولى فأخبر جابر بعلمه ~~و لم يكن علم ما نزل قبل ذلك و عائشة أثبتت و بينت PageV16P259 والآيات ~~آيات ( اقرأ ( و ( المدثر ( تبين ذلك و الحديثان متصادقان مع القرآن و مع ~~دلالة العقل على أن هذا الترتيب هو المناسب # و إذا كان أول ما أنزل ( اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ ~~و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ( ففي الآية الأولى ~~إثبات الخالق تعالى و كذلك فى الثانية # و فيها و فى الثانية الدلالة على إمكان النبوة و على نبوة محمد صلى الله ~~عليه و سلم # أما الأولى فإنه قال ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ( ثم قال ( خلق الإنسان من ~~علق ( فذكر الخلق مطلقا ثم خص خلق الإنسان أنه خلقه من علق و هذا أمر معلوم ~~لجميع الناس كلهم يعلمون أن الإنسان يحدث في بطن أمه و أنه يكون من علق و ~~هؤلاء بنو آدم # و قوله ( الإنسان ( هو اسم جنس يتناول جميع الناس و لم يدخل فيه آدم الذي ~~خلق من طين فإن المقصود بهذه الآية بيان الدليل على الخالق تعالى و ~~الإستدلال إنما يكون بمقدمات PageV16P260 يعلمها المستدل و المقصود بيان ~~دلالة الناس و هدايتهم و هم كلهم يعلمون أن الناس يخلقون من العلق # فأما خلق آدم من طين فذاك إنما علم بخبر الأنبياء أو بدلائل أخر و لهذا ~~ينكره ms1289 طائفة من الكفار الدهرية و غيرهم الذين لا يقرون بالنبوات # و هذا بخلاف ذكر خلقه فى غير هذه السورة فإن ذاك ذكره لما يثبت النبوة و ~~هذه السورة أول ما نزل و بها تثبت النبوة فلم يذكر فيها ما علم بالخبر بل ~~ذكر فيها الدليل المعلوم بالعقل و المشاهدة و الأخبار المتواترة لمن لم ير ~~العلق # و ذكر سبحانه خلق الإنسان من العلق و هو جمع ( علقة ( و هي القطعة ~~الصغيرة من الدم لأن ما قبل ذلك كان نطفة و النطفة قد تسقط في غير الرحم ~~كما يحتلم الإنسان و قد تسقط في الرحم ثم يرميها الرحم قبل أن تصير علقة ~~فقد صار مبدأ لخلق الإنسان و علم أنها صارت علقة ليخلق منها الإنسان # و قد قال فى سورة القيامة ( ألم يك نطفة من منى يمنى ثم كان علقة فخلق ~~فسوى فجعل منه الزوجين الذكر و الأنثى أليس ذلك بقادر PageV16P261 على أن ~~يحيى الموتى ( فهنا ذكر هذا على إمكان النشأة الثانية التى تكون من التراب ~~و لهذا قال في موضع آخر ( يا أيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ( ففي القيامة إستدل بخلقه من نطفة فإنه معلوم ~~لجميع الخلق و في الحج ذكر خلقه من تراب فإنه قد علم بالأدلة القطعية و ذكر ~~أول الخلق أدل على إمكان الإعادة # و أما هنا فالمقصود ذكر ما يدل على الخالق تعالى إبتداء فذكر أنه خلق ~~الإنسان من علق و هو من العلقة الدم يصير مضغة و هو قطعة لحم كاللحم الذي ~~يمضغ بالفم ثم تخلق فتصور كما قال تعالى ( ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة ~~لنبين لكم ( فإن الرحم قد يقذفها غير مخلقة فبين للناس مبدأ خلقهم و يرون ~~ذلك بأعينهم # و هذا الدليل و هو خلق الإنسان من علق يشترك فيه جميع الناس فإن الناس هم ~~المستدلون و هم أنفسهم الدليل و البرهان و الآية فالإنسان هو الدليل و هو ~~المستدل كما ms1290 قال تعالى ( و فى أنفسكم أفلا تبصرون ( و قال ( سنريهم آياتنا ~~فى الآفاق و فى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ( و هذا كما قال فى آية أخرى ~~( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ( PageV16P262 وهو دليل يعلمه ~~الإنسان من نفسه و يذكره كلما تذكر فى نفسه و فيمن يراه من بني جنسه فيستدل ~~به على المبدأ و المعاد كما قال تعالى ( و يقول الانسان أإذا ما مت لسوف ~~أخرج حيا أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل و لم يك شيئا ( و قال تعالى ~~( و ضرب لنا مثلا و نسي خلقه قال من يحيى العظام و هي رميم قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة و هو بكل خلق عليم ( # و كذلك قال زكريا لما تعجب من حصول و لد على الكبر فقال ( أنى يكون لي ~~غلام و كانت امرأتى عاقرا و قد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي ~~هين و قد خلقتك من قبل و لم تك شيئا ( و لم يقل ( إنه أهون عليه ( كما قال ~~في المبدأ و المعاد ( و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه ( # و قال سبحانه ( خلق الانسان من علق ( بعد أن قال ( الذي خلق ( فأطلق ~~الخلق الذي يتناول كل مخلوق ثم عين خلق الإنسان فكان كلما يعلم حدوثه داخلا ~~فى قوله ( الذي خلق ( # و ذكر بعد الخلق التعليم الذي هو التعليم بالقلم و تعليم الإنسان ما لم ~~يعلم فخص هذا التعليم الذي يستدل به على إمكان النبوة # و لم يقل هنا ( هدى ( فيذكر الهدى العام المتناول للإنسان PageV16P263 و ~~سائر الحيوان كما قال في موضع آخر ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى و ~~الذي قدر فهدى ( و كما قال موسى ( ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ( لأن ~~هذا التعليم الخاص يستلزم الهدى العام و لا ينعكس و هذا أقرب إلى إثبات ~~النبوة فإن النبوة نوع من التعليم # و ليس جعل الإنسان نبيا ms1291 بأعظم من جعله العلقة إنسانا حيا عالما ناطقا ~~سميعا بصيرا متكلما قد علم أنواع المعارف كما أنه ليس أول الخلق بأهون عليه ~~من إعادته و القادر على المبدأ كيف لا يقدر على المعاد و القادر على هذا ~~التعليم كيف لا يقدر على ذاك التعليم و هو بكل شيء عليم و لا يحيط أحد من ~~علمه إلا بما شاء # و قال سبحانه أولا ( علم بالقلم ( فأطلق التعليم و المعلم فلم يخص نوعا ~~من المعلمين فيتناول تعليم الملائكة و غيرهم من الإنس و الجن كما تناول ~~الخلق لهم كلهم # و ذكر التعليم بالقلم لأنه يقتضي تعليم الخط و الخط يطابق اللفظ و هو ~~البيان و الكلام ثم اللفظ يدل على المعانى المعقولة التى فى القلب فيدخل ~~فيه كل علم فى القلوب # و كل شيء له حقيقة في نفسه ثابتة فى الخارج عن الذهن ثم PageV16P264 ~~يتصوره الذهن و القلب ثم يعبر عنه اللسان ثم يخطه القلم فله وجود عيني و ~~ذهني و لفظي و رسمي وجود في الأعيان و الأذهان و اللسان و البنان لكن الأول ~~هو هو و أما الثلاث فإنها مثال مطابق له فالأول هو المخلوق و الثلاثة معلمة ~~فذكر الخلق و التعليم ليتناول المراتب الأربع فقال ( إقرأ باسم ربك الذي ~~خلق خلق الإنسان من علق إقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما ~~لم يعلم ( # و قد تنازع الناس في الماهيات هل هي مجعولة أم لا و هل ماهية كل شيء ~~زائدة على وجوده كما قد بسط هذا فى غير هذا الموضع و بين الصواب فى ذلك و ~~أنه ليس إلا ما يتصور فى الذهن و يوجد في الخارج # فإن أريد الماهية ما يتصور فى الذهن و بالوجود ما في الخارج أو بالعكس ~~فالماهية غير الوجود إذا كان ما فى الأعيان مغايرا لما فى الأذهان # و إن أريد بالماهية ما فى الذهن أو الخارج أو كلاهما و كذلك بالوجود ~~فالذي فى الخارج من الوجود هو الماهية الموجودة فى ms1292 الخارج و كذلك ما في ~~الذهن من هذا هو هذا ليس في الخارج شيئان PageV16P265 # وهو سبحانه علم ما فى الأذهان و خلق ما فى الأعيان و كلاهما مجعول له لكن ~~الذي فى الخارج جعله جعلا خلقيا و الذي فى الذهن جعله جعلا تعليميا فهو ~~الذى ( خلق خلق الإنسان من علق ( و هو ( الاكرم الذى علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم ( # و قوله ( علم بالقلم ( يدخل فيه تعليم الملائكة الكاتبين و يدخل فيه ~~تعليم كتب الكتب المنزلة فعلم بالقلم أن يكتب كلامه الذى أنزله كالتوراة و ~~القرآن بل هو كتب التوراة لموسى # و كون محمد كان نبيا أميا هو من تمام كون ما أتى به معجزا خارقا للعادة و ~~من تمام بيان أن تعليمه أعظم من كل تعليم كما قال تعالى ( و ما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب و لا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ( فغيره يعلم ما كتبه ~~غيره و هو علم الناس ما يكتبونه و علمه الله ذلك بما أوحاه إليه # و هذا الكلام الذى أنزل عليه هو آية و برهان على نبوته فإنه لا يقدر عليه ~~الإنس و الجن ( قل لئن اجتمعت الانس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله و ادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ( و في الآية ~~الأخرى ( فأتوا بعشر سور PageV16P266 مثله مفتريات و ادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ~~و أن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ( $ فصل # وقد بسطنا في غير هذا الموضع طرق الناس فى إثبات الصانع و النبوة [ و ] ~~أن كل طريق تتضمن ما يخالف السنة فإنها باطلة فى العقل كما هي مخالفة للشرع # و الطريق المشهورة عند المتكلمين هو الإستدلال بحدوث الأعراض على حدوث ~~الأجسام # و قد بينا الكلام على هذه في غير موضع و ms1293 أنها مخالفة للشرع و العقل و ~~كثير من الناس يعلم أنها بدعة فى الشرع لكن لا يعلم فسادها فى العقل و ~~بعضهم يظن أنها صحيحة فى العقل و الشرع و أنها طريقة إبراهيم الخليل عليه ~~السلام و قد بين فساد هذا فى غير موضع # و المقصود هنا أن طائفة من النظار مثبتة الصفات أرادوا PageV16P267 سلوك ~~سبيل السنة و لم يكن عندهم إلا هذه الطريق # فاستدلوا بخلق الإنسان لكن لم يجعلوا خلقه دليلا كما في الآية بل جعلوه ~~مستدلا عليه و ظنوا أنه يعرف بالبديهة و الحسن حدوث أعراض النطفة و أما ~~جواهرها فاعتقدوا أن الأجسام كلها مركبة من الجواهر المنفردة و أن خلق ~~الإنسان و غيره إنما هو إحداث أعراض فى تلك الجواهر بجمعها و تفريقها ليس ~~هو إحداث عين # فصاروا يريدون أن يستدلوا على أن الإنسان مخلوق ثم إذا ثبت أنه مخلوق ~~قالوا إن له خالقا # و استدلوا على أنه مخلوق بدليل الأعراض و أن النطفة و العلقة و المضغة لا ~~تنفك من اعراض حادثة إذ كان عندهم جواهر تجمع تارة و تفرق أخرى فلا تخلو عن ~~إجتماع و إفتراق و هما حادثان فلم يخل الإنسان عن الحوادث و ما لم يخل من ~~الحوادث فهو حادث لإمتناع حوادث لا أول لها # و هذه هي الطريقة التى سلكها الأشعري فى ( اللمع فى الرد على أهل البدع ( ~~و شرحه أصحابه شروحا كثيرة و كذلك فى ( رسالته إلى اهل الثغر ( و ذكر قوله ~~تعالى ( أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم PageV16P268 نحن الخالقون ( ~~فاستدل على أن الإنسان مخلوق بأنه مركب من الجواهر التى لا تخلو من إجتماع ~~و إفتراق فلم تخل من الحوادث فهى حادثة # و هذه الطريقة هي مقتضية من كون الأجسام كلها كذلك # و تلك هي الطريقة المشهورة التى يسلكها الجهمية و المعتزلة و من إتبعهم ~~من المتأخرين المنتسبين إلى المذاهب الأربعة و غيرهم من أصحاب أبى حنيفة و ~~مالك و الشافعى و أحمد كما ذكرها القاضي و ابن عقيل و ms1294 غيرهما و ذكرها أبو ~~المعالي الجوينى و صاحب ( التتمة ( و غيرهما و ذكرها أبو الوليد الباجى و ~~أبو بكر بن العربى و غيرهما و ذكرها أبو منصور الماتريدي و الصابونى و ~~غيرهما # لكن هؤلاء الذين إستدلوا بخلق الإنسان فرضوا ذلك فى الإنسان ظنا أن هذه ~~طريقة القرآن و طولوا في ذلك و دققوا حتى إستدلوا على كون عين الإنسان و ~~جواهره مخلوقة لظنهم أن المعلوم بالحس و بديهة العقل إنما هو حدوث أعراض لا ~~حدوث جواهر و زعموا أن كل ما يحدثه الله من السحاب و المطر و الزرع و الثمر ~~و الإنسان و الحيوان فإنما يحدث فيه أعراضا و هي جمع الجواهر التى كانت ~~موجودة و تفريقها PageV16P269 # وزعموا أن أحدا لا يعلم حدوث غيره من الأعيان بالمشاهدة و لا بضرورة ~~العقل و إنما يعلم ذلك إذا إستدل كما استدلوا فقالوا هذه أعراض حادثة في ~~جواهر وتلك الجواهر لم تخل من الأعراض لامتناع خلو الجواهر من الأعراض # ثم قالوا و ما لم يخل من الحوادث فهو حادث # و هذا بنوه على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة التى لا تقبل ~~القسمة و قالوا إن الأجسام لا يستحيل بعضها إلى بعض # و جمهور العقلاء من السلف و أنواع العلماء و أكثر النظار يخالفون هؤلاء ~~فيما يثبتون من الجوهر الفرد و يثبتون إستحالة الأجسام بعضها إلى بعض و ~~يقولون بأن الرب لا يزال يحدث الأعيان كما دل على ذلك القرآن # و لهذا كانت هذه الطريق باطلة عقلا و شرعا و هي مكابرة للعقل فإن كون ~~الإنسان مخلوقا محدثا كائنا بعد أن لم يكن أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس ~~و كل أحد يعلم أنه حدث فى بطن أمه بعد أن لم يكن و أن عينه حدثت كما قال ~~تعالى ( و قد خلقتك من قبل و لم تك شيئا ( و قال تعالى ( أو لا يذكر ~~الانسان أنا خلقناه من قبل و لم يك شيئا ( PageV16P270 ليس هذا مما يستدل ~~عليه فإنه أبين و أوضح مما ms1295 يستدل به عليه لو كان صحيحا فكيف إذا كان باطلا # و قولهم إن الحادث أعراض فقط و إنه مركب من الجواهر الفردة قولان باطلان ~~لا يعلم صحتهما بل يعلم بطلانهما # و يعلم حدوث جوهر الإنسان و غيره من المادة التى خلق منها و هي العلق كما ~~قال ( خلق الانسان من علق ( # و كونه مركبا من جواهر فردة ليس صحيحا و لو كان صحيحا لم يكن معلوما إلا ~~بأدلة دقيقة لا تكون هي أصل الدين الذي هو مقدمات أولية فإن تلك المقدمات ~~يجب أن تكون بينة أولية معلومة بالبديهة # فطريقهم تضمن جحد المعلوم و هو حدوث الأعيان الحادثة و هذا معلوم للخلق و ~~إثبات ما ليس بمعلوم بل هو باطل و أن الأحداث لها إنما [ هو ] جمع و تفريق ~~للجواهر و أنه إحداث أعراض فقط # و لهذا كان إستدلالهم بطريقة الجواهر و الأعراض على هذا الوجه مما أنكره ~~عليهم أئمة الدين و بينوا أنهم مبتدعون فى ذلك بل PageV16P271 بينوا ضلالهم ~~شرعا و عقلا كما بسط كلام السلف و الأئمة عليهم في غير هذا الموضع إذ هو ~~كثير # فالقرآن إستدل بما هو معلوم للخلق من أنه ( خلق الإنسان من علق ( و هؤلاء ~~جاءوا إلى هذا المعلوم فزعموا أنه غير معلوم بل هو مشكوك فيه ثم زعموا أنهم ~~يذكرون الدليل الذي به يصير معلوما فذكروا دليلا باطلا لا يدل على حدوثه بل ~~يظن أنه دليل و هو شبهة و لها لوازم فاسدة # فأنكروا المعلوم بالعقل ثم الشرع و ادعوا طريقا معلومة بالعقل و هي باطلة ~~فى العقل و الشرع فضاهوا الذين قال الله فيهم ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~فى أصحاب السعير ( # و كذلك في إثبات النبوات و إمكانها و في إثبات المعاد و إمكانه عدلوا عن ~~الطريق الهادية التى توجب العلم اليقيني التى هدى الله بها عباده إلى طريق ~~تورث الشك و الشبهة و الحيرة و لهذا قيل غاية المتكلمين المبتدعين الشك و ~~غاية الصوفية المبتدعين الشطح # ثم لها لوازم ms1296 باطلة مخالفة للعقل و الشرع فألزموا لوازمها التى أوجبت لهم ~~السفسطة فى العقليات و القرمطة فى السمعيات و تكلموا PageV16P272 فى دلآئل ~~النبوة و المعاد و دلائل الربوبية بأمور و زعموا أنها أدلة و هي عند ~~التحقيق ليست بأدلة و لهذا يطعن بعضهم فى أدلة بعض # وإذا استدلوا بدليل صحيح فهو مطابق لما جاء به الرسول و إن تنوعت ~~العبارات # و لهذا قد يستدل بعضهم بدليل إما غير صحيح فيطعن فيه آخر و يزعم أنه يذكر ~~ما هو خير منه و يكون الذي يذكره دون ما ذكره ذاك و هذا يصيبهم كثيرا فى ~~الحدود يطعن هؤلاء فى حد هؤلاء و يذكرون حدا مثله أو دونه # و تكون الحدود كلها من جنس و أحد و هي صحيحة إذا أريد بها التمييز بين ~~المحدود و غيره و أما من قال إن الحدود تفيد تصوير ماهية المحدود كما يقوله ~~أهل المنطق فهؤلاء غالطون ضالون كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع و إنما ~~الحد معرف للمحدود و دليل عليه بمنزلة الإسم لكنه يفصل ما دل عليه الإسم ~~بالإجمال فهو نوع من الأدلة كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع # إذ المقصود هنا التنبيه على الفرق بين الطريق المفيد للعلم و اليقين ~~كالتى بينها القرآن و بين ما ليس كذلك من طرق أهل البدع الباطلة شرعا و ~~عقلا PageV16P273 $ فصل # وهؤلاء الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض و الإستدلال بها على حدوث ~~الأجسام إضطربوا كثيرا كما قد بسط في مواضع و لابد لكل منهم مع مخالفته ~~للشرع المنزل من السماء إلى أن يخالف أيضا صريح العقل و يكابر فيكون ممن لا ~~يسمع و لا يعقل # فإن القول له لوازم فإذا كان باطلا فقد يستلزم أمورا باطلة ظاهرة البطلان ~~و صاحبه يريد إثبات تلك اللوازم فيظهر مخالفته للحس و العقل # كالذين أثبتوا الجواهر المنفردة و قالوا إن الحركات في نفسها لا تنقسم ~~إلى سريع و بطيء إذ كانت الحركة عندهم منقسمة كانقسام المتحرك و ms1297 كذلك ~~الزمان و أجزاء الزمان و الحركة و المتحرك عندهم واحد لا ينقسم فإذا كان ~~المتحركان سواء و حركة أحدهما أسرع قالوا إنما ذاك لتخلل السكنات و إدعوا ~~أن الرحا و الدولاب و كل مستدير إذا تحرك فإن زمان حركة المحيط و الطوق ~~الصغير و أحد مع كثرة أجزاء المحيط فيجب أن تكون حركتها أكثر فيكون زمانها ~~أكثر و ليس هو بأكثر PageV16P274 فادعوا أنها تنفك ثم تتصل و هذه مكابرة من ~~جنس ( طفرة النظام ( # و كذلك الذين قالوا بأن العرض لا يبقى زمانين خالفوا الحس و ما يعلمه ~~العقلاء بضرورة عقولهم فإن كل أحد يعلم أن لون جسده الذي كان لحظة هو هذا ~~اللون و كذلك لون السماء و الجبال و الخشب و الورق و غير ذلك # و مما ألجأهم إلى هذا ظنهم أنهما لو كانا باقيين لم يمكن إعدامهما فإنهم ~~حاروا فى إفناء الله الأشياء إذا أراد أن يفنيها كما حاروا فى إحداثها و ~~حيرتهم فى الإفناء أظهر هذا يقول يخلق فناء لا في محل فيكون ضدا لها فتفنى ~~بضدها و هذا يقول يقطع عنها الأعراض مطلقا أو البقاء الذي لا تبقى إلا به ~~فيكون فناؤها لفوات شرطها # ومن أسباب ذلك ظنهم أو ظن من ظن منهم أن الحوادث لا تحتاج إلى الله إلا ~~حال إحداثها لا حال بقائها و قد قالوا إنه قادر على إفنائها فتكلفوا هذه ~~الأقوال الباطلة # و هؤلاء لا يحتجون على بقاء الرب بافتقار العالم إليه بل بأنه قديم و ما ~~و جب قدمه إمتنع عدمه و إلا فالباقي حال بقائه لا يحتاج إلى الرب عندهم ~~PageV16P275 و هؤلاء شر من الذين سألوا موسى هل ينام ربك فضرب الله لهم ~~المثل بالقارورتين لما أرق موسى ليالي ثم أمره بإمساك القارورتين فلما ~~أمسكهما غلبه النوم فتكسرتا فبين الله له لو أخذته سنة أونوم لتدكدك العالم # و على رأي هؤلاء لو أخذته سنة أو نوم لم يعدم الباقى لكن منهم من يقول هو ~~محتاج إلى إحداث الأعراض متوالية ms1298 لأن العرض عنده لا يبقى زمانين فمن هذا ~~الوجه يقول إذ لو أخذته سنة أو نوم لم تحدث الأعراض التى تبقى بها الأجسام ~~لا لأن الأجسام في نفسها مفتقرة إليه فى حال بقائها عنده # و كذلك يقولون إن الإرادة لا تتعلق بالقديم و لا بالباقي و كذلك القدرة ~~عندهم لا تتعلق بالباقي و لا العجز يصح أن يكون عجزا عن الباقى و القديم ~~عندهم لأن العجز عندهم إنما يكون عجزا عما تصح القدرة عليه # و هؤلاء يقولون علة الإفتقار إلى الخالق مجرد الحدوث و آخرون من ~~المتفلسفة يقولون هو مجرد الإمكان و يدعون أن القديم الأزلي الذي لم يزل و ~~لا يزال هو مفتقر إلى الصانع فهذا يدعى أن الباقي المحدث لا يفتقر و هذا ~~يدعي أن الباقي القديم يفتقر و كلا القولين PageV16P276 فاسد كما قد بسط في ~~مواضع # والحق أن كل ما سوى الله حادث و هو مفتقر إليه دائما و هو يبقيه و يعدمه ~~كما ينشئه و يحدثه كما يحدث الحوادث من التراب و غيره ثم يفنيها و يحيلها ~~إلى التراب و غيره # و هؤلاء إدعى كثير منهم أن كل ما سوى الله يعدم ثم يعاد و بعضهم قال هذا ~~ممكن لكنه موقوف على الخبر و الخبر لم يتعرض لذلك بنفي و لا إثبات و هذا هو ~~المعاد عندهم # و هذا لم يأت به كتاب و لا سنة و لا دل عليه عقل بل الكتاب و السنة يبين ~~أن الله يحيل العالم من حال إلى حال كما يشق السماء و يجعل الجبال كالعهن و ~~يكور الشمس إلى غير ذلك مما أخبر الله في كتابه لم يخبر أن جميع الأشياء ~~تعدم ثم تعاد # ثم منهم من يقول إنها تعدم بعد ذلك لإمتناع و جود حوادث لا آخر لها كما ~~تقوله الجهمية و هذا مما أنكره عليهم السلف و الأئمة كما قد ذكر في غير هذا ~~الموضع # و هؤلاء إنما قالوا هذا طردا لقولهم بامتناع دوام جنس الحوادث و قالوا ms1299 ما ~~وجب أن يكون له إبتداء وجب أن يكون له إنتهاء كما قد بسط هذا و بين فساد ~~هذا الأصل PageV16P277 $ فصل # وهو سبحانه تارة يذكر خلق الإنسان مجملا و تارة يذكره مفصلا كقوله ( و ~~لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ( ثم ذكر المعادين الأصغر و ~~الأكبر فقال ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ( # و من الناس من يقول لم دخلت لام التوكيد فى الموت و هو مشاهد و لم تدخل ~~فى البعث و هو غيب فيحتاج إلى التوكيد و ذلك و الله أعلم أن المقصود بذكر ~~الموت و البعث هو الإخبار بالجزاء و المعاد و أول ذلك هو الموت فنبه على ~~الإيمان بالمعاد و الإستعداد لما بعد الموت # و هو إنما قال ( تبعثون ( فقط و لم يقل ( تجازون ( لكن قد علم أن البعث ~~للجزاء # و أيضا ففيه تنبيه على قهر الإنسان و إذلاله يقول بعد هذا PageV16P278 ~~كله إنك تموت فترد إلى أسفل سافلين إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات كما ~~قال ( لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ~~آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( # و هذا الرد هو بالموت فإنه يصير فى أسفل سافلين إلا الذين آمنوا و عملوا ~~الصالحات كما قال ( كلا إن كتاب الفجار لفى سجين ( و قال ( إن كتاب الأبرار ~~لفي عليين ( # و فى قوله ( أسفل سافلين ( قولان قيل الهرم و قيل العذاب بعد الموت و هذا ~~هو الذي دلت عليه الآية قطعا فإنه جعله فى أسفل سافلين إلا المؤمنين و ~~الناس نوعان فالكافر بعد الموت يعذب في أسفل سافلين و المؤمن فى عليين # و أما القول الأول ففيه نظر فإنه ليس كل من سوى المؤمنين يهرم فيرد إلى ~~أسفل سافلين بل كثير من الكفار يموت قبل الهرم ms1300 و كثير من المؤمنين يهرم و ~~إن كان حال المؤمن فى الهرم أحسن حالا من الكافر فكذلك فى الشباب حال ~~المؤمن أحسن من حال الكافر فجعل الرد إلى أسفل سافلين في آخر العمر و ~~تخصيصه بالكفار ضعيف # و لهذا قال بعضهم أن الإستثناء منقطع على هذا القول و هو أيضا ~~PageV16P279 ضعيف فإن المنقطع لا يكون فى الموجب و لو جاز هذا لجاز لكل أحد ~~أن يدعى فى أي إستثناء شاء أنه منقطع و أيضا فالمنقطع لا يكون الثاني منه ~~بعض الأول و المؤمنون بعض نوع الإنسان # و قد فسر ذلك بعضهم على القول الأول بأن المؤمن يكتب له ما كان يعمله إذا ~~عجز قال إبراهيم النخعي إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب الله ~~له ما كان يعمل و هو قوله ( فلهم أجر غير ممنون ( و قال ابن قتيبة المعنى ( ~~إلا الذين آمنوا ( في و قت القوة و القدرة فإنهم فى حال الكبر غير منقوصين ~~و إن عجزوا عن الطاعات فإن الله يعلم لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن ~~أفعال الخير فهو يجري لهم أجر ذلك # فيقال و هذا أيضا ثابت فى حال الشباب إذا عجز الشاب لمرض أو سفر كما فى ~~الصحيحين عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( إذا مرض العبد أو ~~سافر كتب الله له من العمل ما كان يعمل و هو صحيح مقيم ( # و فسره بعضهم بما روى عن ابن عباس أنه قال من قرأ القرآن فإنه لا يرد إلى ~~أرذل العمر فيقال هذا مخصوص بقارئ القرآن و الآية إستثنت الذين آمنوا و ~~عملوا الصالحات سواء قرأوا القرآن أم لم PageV16P280 يقرأوه و قد قال النبى ~~صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل ~~الأترجة طعمها طيب و ريحها طيب و مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل ~~التمرة طعمها طيب و لا ريح لها ( # وأيضا فيقال هرم الحيوان ليس مخصوصا بالإنسان بل ms1301 غيره من الحيوان إذا كبر ~~هرم # و أيضا فالشيخ و إن ضعف بدنه فعقله أقوى من عقل الشاب و لو قدر أنه ينقص ~~بعض قواه فليس هذا ردا إلى أسفل سافلين فإنه سبحانه إنما يصف الهرم بالضعف ~~كقوله ( ثم جعل من بعد قوة ضعفا و شيبة ( و قوله ( و من نعمره ننكسه فى ~~الخلق ( فهو يعيده إلى حال الضعف و معلوم أن الطفل ليس هو فى أسفل سافلين ~~فالشيخ كذلك و أولى # و إنما فى أسفل سافلين من يكون فى سجين لا فى عليين كما قال تعالى ( إن ~~المنافقين فى الدرك الأسفل من النار # ومما يبين ذلك قوله ( فما يكذبك بعد بالدين ( فإنه يقتضي إرتباط هذا بما ~~قبله لذكره بحرف الفاء و لو كان المذكور إنما هو رده إلى الهرم دون ما بعد ~~الموت لم يكن هناك تعرض للدين و الجزاء بخلاف PageV16P281 ما إذا كان ~~المذكور أنه بعد الموت يرد إلى أسفل سافلين غير المؤمن المصلح فإن هذا ~~يتضمن الخبر بأن الله يدين العباد بعد الموت فيكرم المؤمنين و يهين ~~الكافرين # و أيضا فإنه سبحانه أقسم على ذلك بأقسام عظيمة بالتين و الزيتون و طور ~~سينين و هذا البلد الأمين و هي المواضع التى جاء منها محمد و المسيح و موسى ~~و أرسل الله بها هؤلاء الرسل مببشرين و منذرين # و هذا الإقسام لا يكون على مجرد الهرم الذي يعرفه كل أحد بل على الأمور ~~الغائبة التى تؤكد بالأقسام فإن إقسام الله هو على أنباء الغيب # و في نفس المقسم به و هو إرسال هؤلاء الرسل تحقيق للمقسم عليه و هو ~~الثواب و العقاب بعد الموت لأن الرسل أخبروا به # و هو يتضمن أيضا الجزاء في الدنيا كإهلاك من أهلكهم من الكفار فإنه ردهم ~~إلى أسفل سافلين بهلاكهم في الدنيا و هو تنبيه على زوال النعم إذا حصلت ~~المعاصي كمن رد فى الدنيا إلى أسفل جزاء على ذنوبه PageV16P282 # و قوله ( فما يكذبك بعد بالدين ( أي بالجزاء يتناول جزاءه على الأعمال ms1302 فى ~~الدنيا و البرزخ و الآخرة إذ كان قد أقسم بأماكن هؤلاء المرسلين الذين ~~أرسلوا بالآيات البينات الدالة على أمر الله و نهيه و وعده و وعيده مبشرين ~~لأهل الإيمان منذرين لأهل الكفر و قد أقسم بذلك على أن الإنسان بعد أن جعل ~~في أحسن تقويم إن آمن و عمل صالحا كان له أجر غير ممنون و إلا كان فى أسفل ~~سافلين # فتضمنت السورة بيان ما بعث به هؤلاء الرسل الذين أقسم بأماكنهم و الإقسام ~~بمواضع محنهم تعظيم لهم فإن موضع الإنسان إذا عظم لآجله كان هوأحق بالتعظيم ~~و لهذا يقال فى المكاتبات ( إلى المجلس و المقر و نحو ذلك السامي و العالي ~~( و يذكر بخضوع له و تعظيم و المراد صاحبه # فلما قال ( فما يكذبك بعد بالدين ( دل على أن ما تقدم قد بين فيه ما يمنع ~~التكذيب بالدين # و في قوله ( يكذبك ( قولان قيل هو خطاب للإنسان كما قال مجاهد و عكرمة و ~~مقاتل و لم يذكر البغوي غيره قال عكرمة يقول فما يكذبك بعد بهذه الأشياء ~~التى فعلت بك و عن مقاتل PageV16P283 فما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء و زعم ~~أنها نزلت فى عياش بن أبى ربيعة والثاني أنه خطاب للرسول و هذا أظهر فإن ~~الإنسان إنما ذكر مخبرا عنه لم يخاطب و الرسول هو الذي أنزل عليه القرآن و ~~الخطاب فى هذه السور له كقوله ( ما و دعك ربك و ما قلى ( و قوله ( ألم نشرح ~~لك صدرك ( و قوله ( إقرأ باسم ربك ( # والإنسان إذا خوطب قيل له ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ( يا ~~أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ( # و أيضا فبتقدير أن يكون خطابا للإنسان يجب أن يكون خطابا للجنس كقوله ( ~~يا أيها الإنسان إنك كادح ( و على قول هؤلاء إنما هو خطاب للكافر خاصة ~~المكذب بالدين # و أيضا فإن قوله ( يكذبك بعد بالدين ( أي يجعلك كاذبا هذا هو المعروف من ~~لغة العرب فإن إستعمال ( كذب غيره أي نسبه إلى الكذب و ms1303 جعله كاذبا ( مشهور ~~و القرآن مملوء من هذا و حيث ذكر الله تكذيب المكذبين للرسل أو التكذيب ~~بالحق و نحو ذلك فهذا مراده PageV16P284 # لكن هذه الآية فيها غموض من جهة كونه قال ( يكذبك بعد بالدين ( فذكر ~~المكذب بالدين فذكر المكذب و المكذب به جميعا و هذا قليل جاء نظيره فى قوله ~~( فقد كذبوكم بما تقولون ( فأما أكثر المواضع فإنما يذكر أحدهما إما المكذب ~~كقوله ( كذبت قوم نوح المرسلين ( و إما المكذب به كقوله ( بل كذبوا بالساعة ~~( و أما الجمع بين ذكر المكذب و المكذب به فقليل # و من هنا اشتبهت هذه الآية على من جعل الخطاب فيها للإنسان و فسر معنى ~~قوله ( فما يكذبك ( فما يجعلك مكذبا # وعبارة آخرين فما يجعلك كذابا قال ابن عطية و قال جمهور من المفسرين ~~المخاطب الإنسان الكافر أي ما الذي يجعلك كذابا بالدين تجعل لله أندادا و ~~تزعم أن لا بعث بعد هذه الدلائل # ( قلت ( و كلا القولين غير معروف فى لغة العرب أن يقول ( كذبك أي جعلك ~~مكذبا ( بل ( كذبك جعلك كذابا # ( و إذا قيل ( جعلك كذابا ( أي كاذبا فيما يخبر به كما جعل الكفار الرسل ~~كاذبين فيما أخبروا به فكذبوهم و هذا يقول PageV16P285 جعلك كاذبا بالدين ~~فجعل كذبه أنه أشرك و أنه أنكر المعاد و هذا ضد الذي ينكر ذاك جعله مكذبا ~~بالدين و هذا جعله كاذبا بالدين و الأول فاسد من جهة العربية و الثاني فاسد ~~من جهة المعنى فإن الدين هو الجزاء الذي كذب به الكافر و الكافر كذب به لم ~~يكذب هو به # و أيضا فلا يعرف في المخبرأن يقال ( كذبت به ( بل يقال ( كذبته ( # و أيضا فالمعروف فى ( كذبه ( أى نسبه إلى الكذب لا أنه جعل الكذب فيه ~~فهذا كله تكلف لا يعرف في اللغة بل المعروف خلافه و هو لم يقل ( فما يكذبك ~~( و لا قال ( فما كذبك ( # و لهذا كان علماء العربية على القول الأول قال ابن عطية و اختلف فى ~~المخاطب بقوله ( فما يكذبك ( فقال ms1304 قتادة و الفراء و الأخفش هو محمد صلى ~~الله عليه و سلم قال الله له ( فما الذي يكذبك فيما تخبربه من الجزاء و ~~البعث و هو الدين بعد هذه العبرة التى يوجب النظر فيها صحة ما قلت ( # قال و يحتمل أن يكون الدين على هذا التأويل جميع شرعه و دينه PageV16P286 # ( قلت ) و على أن المخاطب محمد صلى الله عليه و سلم فى المعنى قولان ~~أحدهما قول قتادة قال ( فما يكذبك بعد بالدين ( أي إستيقن فقد جاءك البيان ~~من الله و هكذا رواه عنه ابن أبي حاتم بإسناد ثابت # و كذلك ذكره المهدوي ( فما يكذبك بعد بالدين ( أي إستيقن مع ما جاءك من ~~الله أنه أحكم الحاكمين فالخطاب للنبى صلى الله عليه و سلم و قال معناه عن ~~قتادة قال و قيل المعنى فما يكذبك أيها الشاك يعنى الكفار فى قدرة الله أي ~~شيء يحملك على ذلك بعد ما تبين لك من قدرته قال و قال الفراء فمن يكذبك ~~بالثواب و العقاب و هو إختيار الطبري # ( قلت ( هذا القول المنقول عن قتادة هو الذي أوجب نفور مجاهد عن أن يكون ~~الخطاب للنبى صلى الله عليه و سلم كما روى الناس و منهم إبن أبي حاتم عن ~~الثوري عن منصور قال قلت لمجاهد ( فما يكذبك بعد بالدين ( عنى به النبى صلى ~~الله عليه و سلم قال معاذ الله عنى به الإنسان # و قد أحسن مجاهد فى تنزيه النبى صلى الله عليه و سلم أن يقال له ( فما ~~يكذبك ( أي إستيقن و لا تكذب فإنه لو قيل له ( لا تكذب ( PageV16P287 لكان ~~هذا من جنس أمره بالإيمان و التقوى و نهيه عما نهي الله عنه و أما إذا قيل ~~( فما يكذبك بعد بالدين ( فهو لم يكذب بالدين بل هو الذي أخبر بالدين و صدق ~~به فهو ( الذي جاء بالصدق و صدق به ( فكيف يقال له ( ما يكذبك بعد بالدين ( ~~فهذا القول فاسد لفظا و معنى # و اللفظ الذي رأيته منقولا بالإسناد عن قتادة ليس ms1305 صريحا فيه بل يحتمل أن ~~يكون أراد به خطاب الإنسان فإنه قال ( فما يكذبك بعد بالدين ( قال ( إستيقن ~~فقد جاءك البيان ( و كل إنسان مخاطب بهذا فإن كان قتادة أراد هذا فالمعنى ~~صحيح لكن هم حكوا عنه أن هذا خطاب للرسول صلى الله عليه و سلم و على هذا ~~فهذا المعنى باطل فلا يقال للرسول ( فأي شيء يجعلك مكذبا بالدين ( و إن ~~ارتأت به النفس لأن هذا فيه دلائل تدل على فساده و لهذا إستعاذ منه مجاهد # و الصواب ما قاله الفراء و الأخفش و غيرهما و هو الذي اختاره أبو جعفر ~~محمد بن جرير الطبرى و غيره من العلماء كما تقدم # و كذلك ذكره أبو الفرج ابن الجوزي عن الفراء فقال إنه خطاب PageV16P288 ~~للنبى صلى الله عليه و سلم و المعنى فمن يقدر على تكذيبك بالثواب و العقاب ~~بعد ما تبين له أنا خلقنا الإنسان على ما و صفنا قاله الفراء # قال و أما ( الدين ( فهو الجزاء ( قلت ( و كذلك قال غير واحد كما روى ابن ~~أبى حاتم عن النضر بن عربي ( فما يكذبك بعد بالدين ( أي بالحساب و من تفسير ~~العوفى عن ابن عباس أي بحكم الله قلت قال ( بحكم الله ( لقوله ( أليس الله ~~بأحكم الحاكمين ( و هو سبحانه يحكم بين المصدق بالدين و المكذب به # و على هذا قوله ( فما ( و صف للأشخاص و لم يقل ( فمن ( لأن ( ما ( يراد ~~به الصفات دون الأعيان و هو المقصود كقوله ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~( و قوله ( لا أعبد ما تعبدون ( و قوله ( و نفس و ما سواها ( كأنه قيل فما ~~المكذب بالدين بعد هذا أي من هذه صفته و نعته هو جاهل ظالم بنفسه و الله ~~يحكم بين عباده فيما يختلفون فيه من هذا النبأ العظيم # و قوله ( بعد ( قد قيل إنه ( بعد ما ذكر من دلائل الدين ( PageV16P289 # وقد يقال لم يذكر إلا الإخبار به و أن الناس نوعان فى أسفل سافلين و نوع ~~لهم أجر غير ms1306 ممنون # فقد ذكر البشارة و النذارة و الرسل بعثوا مبشرين و منذرين # فمن كذبك بعد هذا فحكمه إلى الله أحكم الحاكمين و أنت قد بلغت ما و جب ~~عليك تبليغه و قوله ( فما يكذبك ( ليس نفيا للتكذيب فقد و قع بل قد يقال ~~إنه تعجب منه كما قال ( و إن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق ~~جديد ( # و قد يقال أن هذا تحقير لشأنه و تصغير لقدره لجهله و ظلمه كما يقال ( من ~~فلان ( و ( من يقول هذا إلا جاهل ( لكنه ذكره بصيغة ( ما ( فإنها تدل على ~~صفته و هي المقصودة إذ لا غرض في عينه كأنه قيل ( فأي صنف و أي جاهل يكذبك ~~بعد بالدين فإنه من الذين يردون إلى أسفل سافلين ( # و قوله ( أليس الله بأحكم الحاكمين ( يدل على أنه الحاكم بين المكذب ~~بالدين و المؤمن به و الأمر في ذلك له سبحانه و تعالى PageV16P290 و القرآن ~~لا تنقضي عجائبه و الله سبحانه بين مراده بيانا أحكمه لكن الإشتباه يقع على ~~من لم يرسخ فى علم الدلائل الدالة فإن هذه السورة و غيرها فيها عجائب لا ~~تنقضي # منها أن قوله ( فما يكذبك بعد بالدين ( ذكرفيه الرسول المكذب و الدين ~~المكذب به جميعا فإن السورة تضمنت الأمرين تضمنت الإقسام بأماكن الرسل ~~المبينة لعظمتهم و ما أتوا به من الآيات الدالة على صدقهم الموجبة للإيمان ~~و هم قد أخبروا بالمعاد المذكور فى هذه السورة # و قد أقسم الله عليه كما يقسم عليه فى غير موضع و كما أمر نبيه أن يقسم ~~عليه في مثل قوله ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى و ربى لتبعثن ( و ~~قوله ( و قال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى و ربى لتأتينكم ( # فلما تضمنت هذا و هذا ذكر نوعي التكذيب فقال ( فما يكذبك بعد بالدين ( و ~~الله سبحانه أعلم # وأيضا فإنه لا ذنب له فى ذلك و القرآن مراده أن يبين أن هذا الرد جزاء ~~على ذنوبه و لهذا ms1307 قال ( إلا الذين آمنوا و عملوا PageV16P291 الصالحات ( ~~كما قال ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا ~~بالحق و تواصوا بالصبر ( # لكن هنا ذكر الخسر فقط فوصف المستثنين بأنهم تواصوا بالحق و تواصوا ~~بالصبر مع الإيمان و الصلاح و هناك ذكر أسفل سافلين و هو العذاب و المؤمن ~~المصلح لا يعذب و إن كان قد ضيع أمورا خسرها لو حفظها لكان رابحا غير خاسر ~~و بسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا أنه سبحانه يذكر خلق الإنسان مجملا و مفصلا # و تارة يذكر إحياءه كقوله تعالى ( كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ( و هو كقول الخليل عليه ~~السلام ( ربي الذي يحيى و يميت ( # فإن خلق الحياة و لوازمها و ملزوماتها أعظم و أدل على القدرة و النعمة و ~~الحكمة PageV16P292 $ فصل # قوله ( إقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ( سمى ~~و و صف نفسه بالكرم و بأنه الأكرم بعد إخباره أنه خلق ليتبين أنه ينعم على ~~المخلوقين و يوصلهم إلى الغايات المحمودة كما قال فى موضع آخر ( الذي خلق ~~فسوى و الذي قدر فهدي ( و كما قال موسى عليه السلام ( ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى ( و كما قال الخليل عليه السلام ( الذي خلقني فهو يهدين ( # فالخلق يتضمن الإبتداء و الكرم تضمن الإنتهاء كما قال فى أم القرآن ( رب ~~العالمين ( ثم قال ( الرحمن الرحيم # و لفظ الكرم لفظ جامع للمحاسن و المحامد لا يراد به مجرد الإعطاء بل ~~الإعطاء من تمام معناه فإن الإحسان إلى الغير تمام المحاسن و الكرم كثرة ~~الخير و يسرته # و لهذا قال النبى صلى الله عليه و سلم ( لا تسموا العنب الكرم فإنما ~~الكرم قلب المؤمن ( PageV16P293 # و هم سموا العنب ( الكرم ( لأنه أنفع الفواكه يؤكل رطبا و يابسا و يعصر ~~فيتخذ منه أنواع # و هو أعم و جودا من النخل يوجد في عامة البلاد و النخل لا ms1308 يكون إلا فى ~~البلاد الحارة و لهذا قال فى رزق الإنسان ( فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا ~~صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا و عنبا و قضبا و ~~زيتونا و نخلا و حدائق غلبا و فاكهة و أبا متاعا لكم و لأنعامكم ( فقدم ~~العنب و قال فى صفة الجنة ( إن للمتقين مفازا حدائق و أعنابا ( # و مع هذا نهى النبى صلى الله عليه و سلم عن تسميته بالكرم و قال ( الكرم ~~قلب المؤمن ( فإنه ليس في الدنيا أكثر و لا أعظم خيرا من قلب المؤمن # والشيء الحسن المحمود يوصف بالكرم قال تعالى ( أولم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم ( قال ابن قتيبة من كل جنس حسن و قال الزجاج ~~الزوج النوع و الكريم المحمود و قال غيرهما ( من كل زوج ( صنف و ضرب ( كريم ~~( حسن من النبات مما يأكل الناس و الأنعام يقال ( نخلة كريمة ( إذا طاب ~~حملها و ( ناقة كريمة ( إذا كثر لبنها PageV16P294 # وعن الشعبى الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم و من دخل النار ~~فهو لئيم # والقرآن قد دل على أن الناس فيهم كريم على الله يكرمه و فيهم من يهينه ~~قال تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( و قال تعالى ( و من يهن الله فما ~~له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ( # و قال النبى صلى الله عليه و سلم لمعاذ بن جبل ( و إياك و كرائم أموالهم ~~و اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب ( و كرائم الأموال التى ~~تكرم على أصحابها لحاجتهم إليها و انتفاعهم بها من الأنعام و غيرها # و هو سبحانه أخبرأنه الأكرم بصيغة التفضيل و التعريف لها فدل على أنه ~~الأكرم وحده بخلاف ما لو قال ( و ربك أكرم ( فإنه لا يدل على الحصر و قوله ~~( الأكرم ( يدل على الحصر # ولم يقل ( الأكرم من كذا ( بل أطلق الإسم ليبين أنه الأكرم مطلقا غير ~~مقيد فدل على أنه متصف ms1309 بغاية الكرم الذي لا شيء فوقه و لا نقص فيه # قال إبن عطية ثم قال له تعالى ( إقرأ و ربك الأكرم ( على PageV16P295 جهة ~~التأنيس كأنه يقول إمض لما أمرت به و ربك ليس كهذه الأرباب بل هو الأكرم ~~الذي لا يلحقه نقص فهو ينصرك و يظهرك # ( قلت ) و قد قال بعض السلف ( لا يهدين أحدكم لله ما يستحيى أن يهديه ~~لكريمه فإن الله أكرم الكرماء ( أي هو أحق من كل شيء بالإكرام إذ كان أكرم ~~من كل شيء # و هو سبحانه ذو الجلال و الإكرام فهو المستحق لأن يجل و لأن يكرم و ~~الإجلال يتضمن التعظيم و الإكرام يتضمن الحمد و المحبة # و هذا كما قيل فى صفة المؤمن إنه رزق حلاوة و مهابة و فى حديث هند بنت ~~أبي هالة فى صفة النبى صلى الله عليه و سلم ( من رآه بديهة هابه و من خالطه ~~معرفة أحبه ( # و هذا لأنه سبحانه له الملك و له الحمد # و قد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع و بين أن أهل السنة يصفونه ~~بالقدرة الإلهية و الحكمة و الرحمة و هم الذين يعبدونه و يحمدونه و أنه يجب ~~أن يكون هو المستحق لأن يعبد دون ما سواه و العبادة تتضمن غاية الذل و غاية ~~الحب PageV16P296 # و أن المنكرين لكونه يحب من الجهمية و من و افقهم حقيقة قولهم أنه لا ~~يستحق أن يعبد كما أن قولهم إنه يفعل بلا حكمة و لا رحمة يقتضي أنه لا يحمد # فهم إنما يصفونه بالقدرة و القهر و هذا إنما يقتضى الإجلال فقط لا يقتضى ~~الإكرام و المحبة و الحمد و هو سبحانه الأكرم قال تعالى ( إن بطش ربك لشديد ~~إنه هو يبدئ و يعيد ( ثم قال ( و هو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال ~~لما يريد ( و قال شعيب ( و استغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود ( # و فى أول ما نزل وصف نفسه بأنه الذي خلق و بأنه الأكرم و ms1310 الجهمية ليس ~~عندهم إلا كونه خالقا مع تقصيرهم في إثبات كونه خالقا لا يصفونه بالكرم و ~~لا الرحمة و لا الحكمة # و إن أطلقوا ألفاظها فلا يعنون بها معناها بل يطلقونها لأجل مجيئها فى ~~القرآن ثم يلحدون فى أسمائه و يحرفون الكلم عن مواضعه فتارة يقولون الحكمة ~~هي القدرة و تارة يقولون هي المشيئة و تارة يقولون هي العلم # وأن الحكمة و إن تضمنت ذلك و استلزمته فهي أمر زائد PageV16P297 على ذلك ~~فليس كل من كان قادر أو مريدا كان حكيما و لا كل من كان له علم يكون حكيما ~~حتى يكون عاملا بعلمه # قال ابن قتيبة و غيره الحكمة هي العلم و العمل به و هي أيضا القول الصواب ~~فتتناول القول السديد و العمل المستقيم الصالح # و الرب تعالى أحكم الحاكمين و أحكم الحكماء # و الأحكام الذي فى مخلوقاته دليل على علمه و هم مع سائر الطوائف يستدلون ~~بالأحكام على العلم و إنما يدل إذا كان الفاعل حكيما يفعل لحكمة # و هم يقولون إنه لا يفعل لحكمة و إنما يفعل بمشيئة تخص أحد المتماثلين ~~بلا سبب يوجب التخصيص و هذا مناقض للحكمة بل هذا سفه # وهو قد نزه نفسه عنه فى قوله ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ~~إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق و لكم الويل ~~مما تصفون ( وقد أخبر أنه إنما خلق السموات و الأرض و ما بينهما بالحق و ~~أنه PageV16P298 لم يخلقها باطلا و أن ذلك ظن الذين كفروا و قال ( أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا ( و قال ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ( أي مهملا لا يؤمر ~~و لا ينهى و هذا إستفهام إنكار على من جوز ذلك على الرب # والجهمية المجبرة تجوز ذلك عليه و لا تنزهه عن فعل و إن كان من منكرات ~~الأفعال و لا تنعته بلوازم كرمه و رحمته و حكمته و عدله فيعلم أنه يفعل ما ~~هو اللائق بذلك و لا يفعل ما يضاد ms1311 ذلك # بل تجوز كل مقدور أن يكون و أن لا يكون و إنما يجزم بأحدهما لأجل خبر ~~سمعى أو عادة مطردة مع تناقضهم فى الإستدلال بالخبر أخبار الرسل و عادات ~~الرب كما بسط هذا في مواضع مثل الكلام على معجزات الأنبياء و على إرسال ~~الرسل و الأمر و النهى و على المعاد و نحو ذلك مما يتعلق بأفعاله و أحكامه ~~الصادرة عن مشيئته فإنها صادرة عن حكمته و عن رحمته و مشيئته مستلزمة لهذا ~~و هذا لا يشاء إلا مشيئة متضمنة للحكمة و هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها ~~كما ثبت ذلك فى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال لله ~~أرحم بعباده من الوالدة بولدها ( PageV16P299 فهم فى الحقيقة لا يقرون بأنه ~~الأكرم # و الإرادة التى يثبتونها لم يدل عليها سمع و لا عقل فإنه لا تعرف إرادة ~~ترجح مرادا على مراد بلا سبب يقتضي الترجيح و من قال من الجهمية و المعتزلة ~~( إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ( فهو مكابر # و تمثيلهم ذلك بالجائع إذا أخذ أحد الرغيفين و الهارب إذا سلك أحد ~~الطريقين حجة عليهم فإن ذلك لا يقع إلا مع رجحان أحدهما إما لكونه أيسر فى ~~القدرة و إما لأنه الذي خطر بباله و تصوره أو ظن أنه أنفع فلابد من رجحان ~~أحدهما بنوع ما إما من جهة القدرة و إما من جهة التصور و الشعور و حينئذ ~~يرجح إرادته و الآخر لم يرده فكيف يقال أن إرادته رجحت أحدهما بلا مرجح أو ~~أنه رجح إرادة هذا على إرادة ذاك بلا مرجح و هذا ممتنع يعرف إمتناعه من ~~تصوره حق التصور # و لكن لما تكلموا في مبدأ الخلق بكلام إبتدعوه خالفوا به الشرع و العقل ~~إحتاجوا إلى هذه المكابرة كما قد بسط فى غير هذا الموضع و بذلك تسلط عليهم ~~الفلاسفة من جهة أخرى فلا للإسلام نصروا و لا للفلاسفة كسروا PageV16P300 # و معلوم بصريح العقل أن القادر إذا لم يكن ms1312 مريدا للفعل و لا فاعلا ثم صار ~~مريدا فاعلا فلا بد من حدوث أمر إقتضي ذلك # و الكلام هنا فى مقامين أحدهما فى جنس الفعل و القول هل صار فاعلا متكلما ~~بمشيئته بعد أن لم يكن أو ما زال فاعلا متكلما بمشيئته و هذا مبسوط فى ~~مسائل الكلام و الأفعال فى مسألة القرآن و حدوث العالم # و الثاني إرادة الشيء المعين و فعله كقوله تعالى ( إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون ( و قوله ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما و يستخرجا ~~كنزهما ( و قوله ( و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا ( و قوله ( و إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد ~~له ( و قوله ( و إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو و إن يردك بخير فلا ~~راد لفضله ( و قوله ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله أن أرادني الله بضر ~~هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته ( # وهو سبحانه إذا أراد شيئا من ذلك فللناس فيها أقوال # قيل الإرادة قديمة أزلية و احدة و إنما يتجدد تعلقها بالمراد PageV16P301 ~~ونسبتها إلى الجميع واحدة و لكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص فهذا ~~قول ابن كلاب و الأشعرى و من تابعهما # و كثير من العقلاء يقول إن هذا فساده معلوم بالإضطرار حتى قال أبو ~~البركات ليس فى العقلاء من قال بهذا # و ما علم أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر و الكلام و بطلانه من جهات من ~~جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك و من جهة أنه جعل الإرادة تخصص لذاتها و ~~من جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيئا حدث حتى تخصص أو لا تخصص بل ~~تجددت نسبة عدمية ليست و جودا و هذا ليس بشيء فلم يتجدد شيء فصارت الحوادث ~~تحدث و تتخصص بلا سبب حادث و لا مخصص # ( و القول الثاني ( قول من يقول بإرادة واحدة ms1313 قديمة مثل هؤلاء لكن يقول ~~تحدث عند تجدد الأفعال إرادات فى ذاته بتلك المشيئة القديمة كما تقوله ~~الكرامية و غيرهم # و هؤلاء أقرب من حيث أثبتوا إرادات الأفعال و لكن يلزمهم ما لزم أولئك من ~~حيث أثبتوا حوادث بلا سبب حادث و تخصيصات بلا مخصص و جعلوا تلك الإرادة ~~واحدة تتعلق بجميع الإرادات الحادثة PageV16P302 و جعلوها أيضا تخصص لذاتها ~~و لم يجعلوا عند وجود الإردات الحادثة شيئا حدث حتى تخصص تلك الإرادات ~~الحدوث # ( و القول الثالث ( قول الجهمية و المعتزلة الذين ينفون قيام الإرادة به ~~ثم إما أن يقولوا بنفي الإرادة أو يفسرونها بنفس الأمر و الفعل أو يقولوا ~~بحدوث إرادة لا فى محل كقول البصريين # و كل هذه الأقول قد علم أيضا فسادها ( # و القول الرابع ( أنه لم يزل مريدا بإرادات متعاقبة فنوع الإرادة قديم و ~~أما إرادة الشيء المعين فإنما يريده فى و قته # و هو سبحانه يقدر الأشياء و يكتبها ثم بعد ذلك يخلقها فهو إذا قدرها علم ~~ما سيفعله و أراد فعله في الوقت المستقبل لكن لم يرد فعله فى تلك الحال ~~فإذا جاء و قته أراد فعله فالأول عزم و الثاني قصد # وهل يجوز و صفه بالعزم فيه قولان ( أحدهما ( المنع كقول القاضي أبى بكر و ~~القاضي أبى يعلى ( و الثاني ( الجواز و هو أصح فقد قرأ جماعة من السلف ( ~~فإذا عزمت فتوكل على الله ( بالضم و فى الحديث PageV16P303 الصحيح من حديث ~~أم سلمة ثم عزم الله لي و كذلك فى خطبة مسلم فعزم لي # و سواء سمي ( عزما ( أو لم يسم فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها فى ~~وقتها و أراد أن يفعلها فى وقتها فإذا جاء الوقت فلا بد من إرادة الفعل ~~المعين و نفس الفعل و لابد من علمه بما يفعله # ثم الكلام في علمه بما يفعله هل هو العلم المتقدم بما سيفعله و علمه بأن ~~قد فعله هل هو الأول فيه قولان معروفان و العقل و القرآن يدل على أنه ms1314 قدر ~~زائد كما قال ( لنعلم ( فى بضعة عشر موضعا و قال ابن عباس إلا لنرى # و حينئذ فإرادة المعين تترجح لعلمه بما في المعين من المعنى المرجح ~~لإرادته فالإرادة تتبع العلم # و كون ذلك المعين متصفا بتلك الصفات المرجحة إنما هو فى العلم و التصور ~~ليس فى الخارج شيء # و من هنا غلط من قال ( المعدوم شيء ( حيث أثبتوا ذلك المراد فى الخارج و ~~من لم يثبته شيئا في العلم أو كان ليس عنده إلا إرادة PageV16P304 واحدة و ~~علم واحد ليس للمعلومات و المرادات صورة علمية عند هؤلاء فهؤلاء نفوا كونه ~~شيئا فى العلم و الإرادة و أولئك أثبتوا كونه شيئا فى الخارج # وتلك الصورة العلمية الإرادية حدثت بعد أن لم تكن و هي حادثة بمشيئته و ~~قدرته كما يحدث [ الحوادث ] المنفصلة بمشيئته و قدرته فيقدر ما يفعله ثم ~~يفعله # فتخصيصها بصفة دون صفة و قدر دون قدر هو للأمور المقتضية لذلك فى نفسه ~~فلا يريد إلا ما تقتضي نفسه إرادته بمعنى يقتضي ذلك و لا يرجح مرادا على ~~مراد إلا لذلك # و لا يجوز أن يرجح شيئا لمجرد كونه قادر فإنه كان قادرا قبل إرادته و هو ~~قادر على غيره فتخصيص هذا بالإرادة لا يكون بالقدرة المشتركة بينه و بين ~~غيره # و لايجوز أيضا أن تكون الإرادة تخصص مثلا على مثل بلا مخصص بل إنما يريد ~~المريد حد الشيئين دون الآخر لمعنى فى المريد و المراد لابد أن يكون المريد ~~إلى ذلك أميل و أن يكون فى المراد ما أوجب رجحان ذلك الميل PageV16P305 # و القرآن و السنة تثبت القدر و تقدير الأمور قبل أن يخلقها و أن ذلك في ~~كتاب و هذا أصل عظيم يثبت العلم و الإرادة لكل ما سيكون و يزيل إشكالات ~~كثيرة ضل بسببها طوائف فى هذا المكان فى مسائل العلم و الإرادة # فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان كما ذكره النبى صلى الله عليه و سلم فى ~~حديث جبريل قال ( الإيمان أن تؤمن بالله و ملائكته ms1315 و كتبه و رسله و بالبعث ~~بعد الموت و تؤمن بالقدر خيره و شره ( و قد تبرأ ابن عمر و غيره من الصحابة ~~من المكذبين بالقدر # و مع هذا فطائفة من أهل الكلام و غيرهم لا تثبت القدر إلا علما أزليا و ~~إرادة أزلية فقط و إذا أثبتوا الكتابة قالوا إنها كتابة لبعض ذاك # و أما من يقول إنه قدرها حينئذ كما فى صحيح مسلم عن عبدالله ابن عمرو عن ~~النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات و الأرض بخمسين ألف سنة و كان عرشه على الماء ( فقد بسط الكلام على ~~ذلك فى غير هذا الموضع PageV16P306 # و هو كقوله ( و إذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب ( و قوله ( لأملأن جهنم منك و ممن اتبعك منهم أجمعين ( و قوله ( و ~~لولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما و أجل مسمى ( و قوله ( و لقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون و إن جندنا لهم الغالبون ( و قوله ( ~~لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( # و الكتاب في نفسه لا يكون أزليا و في حديث رواه حماد بن سلمة عن الأشعث ~~بن عبدالرحمن الجرمي [ عن أبي قلابة ] عن أبى الأشعث الصنعاني عن شداد بن ~~أوس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق ~~السموات و الأرض بالفى سنة أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ( رواه ~~الترمذي و قال غريب # و هو سبحانه أنزل القرآن ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ~~السماء الدنيا # و كثير من الكتب المصنفة فى أصول الدين و الكلام يوجد فيها الأقوال ~~المبتدعة دون القول الذي جاء به الكتاب و السنة # فالشهر ستاني مع تصنيفه في الملل و النحل يذكر فى مسألة الكلام ~~PageV16P307 و الإرادة و غيرهما أقوالا ليس فيها القول الذي دل عليه الكتاب ~~و السنة و ms1316 إن كان بعضها أقرب وقبله أبو الحسن كتابه فى إختلاف المصلين من ~~أجمع الكتب و قد أستقصى فيه أقاويل أهل البدع و لما ذكر قول أهل السنة و ~~الحديث ذكره مجملا غير مفصل و تصرف فى بعضه فذكره بما اعتقده هو أنه قولهم ~~من غير أن يكون ذلك منقولا عن أحد منهم # و أقرب الأقوال إليه قول ابن كلاب # فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية و هو مركب من قول أهل السنة و قول ~~الجهمية و كذلك مذهب الأشعري فى الصفات و أما في القدر و الإيمان فقوله قول ~~جهم # و أما ما حكاه عن أهل السنة و الحديث و قال ( و بكل ما ذكرنا من قولهم ~~نقول و إليه نذهب ( فهو أقرب ما ذكره # و بعضه ذكره عنهم على و جهه و بعضه تصرف فيه و خلطه بما هو من أقوال جهم ~~في الصفات و القدر إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول # و هو يحب الإنتصار لأهل السنة و الحديث و موافقتهم فأراد أن PageV16P308 ~~يجمع بين مارآه من رأى أولئك و بين ما نقله عن هؤلاء و لهذا يقول فيه طائفة ~~إنه خرج من التصريح إلى التمويه كما يقوله طائفة إنهم الجهمية الإناث و ~~أولئك الجهمية الذكور # و أتباعه الذين عرفوا رأيه فى تلك الأصول و وافقوه أظهروا من مخالفة أهل ~~السنة و الحديث ما هو لازم لقولهم و لم يهابوا أهل السنة و الحديث و يعظموا ~~و يعتقدوا صحة مذاهبهم كما كان هو يرى ذلك # و الطائفتان أهل السنة و الجهمية يقولون إنه تناقض لكن السني يحمد ~~موافقته لأهل لحديث و يذم موافقته للجهمية و الجهمي يذم موافقته لأهل ~~الحديث و يحمد موافقته للجهمية # و لهذا كان متأخروا أصحابه كأبي المعالي و نحوه أظهر تجهما و تعطيلا من ~~متقدميهم و هي مواضع دقيقة يغفر الله لمن أخطأ فيها بعد اجتهاده # لكن الصواب ما أخبر به الرسول فلا يكون الحق فى خلاف ذلك قط و الله ms1317 أعلم # و من أعظم الأصول التى دل عليها القرآن في مواضع كثيرة جدا و كذلك ~~الأحاديث و سائر كتب الله و كلام السلف و عليها تدل PageV16P309 المعقولات ~~الصريحة هو إثبات الصفات الإختيارية مثل أنه يتكلم بمشيئته و قدرته كلاما ~~يقوم بذاته و كذلك يقوم بذاته فعله الذي يفعله بمشيئته فإثبات هذا الأصل ~~يمنع ضلال الطوائف الذين كذبوا به و القرآن و الحديث مملوء و كلام السلف و ~~الأئمة مملوء من إثباته # فالحق المحض ما أخبر به الرسول صلى الله عليه و سلم فلا يكون الحق في ~~خلاف ذلك لكن الهدى التام يحصل بمعرفة ذلك و تصوره فإن الإختلاف تارة ينشأ ~~من سوء الفهم و نقص العلم و تارة من سوء القصد # و الناس يختلفون فى العلم و الإرادة فى تعدد ذلك و إيجاده # و معلوم أن ما يقوم بالنفس من إرادة الأمور لا يمكن أن يقال فيه العلم ~~بهذا هو العلم بهذا و لا إرادة هذا هو إرادة هذا فإن هذا مكابرة و عناد # و ليس تمييز العلم عن العلم و الإرادة عن الإرادة تمييزا مع إنفصال ~~أحدهما عن الآخر بل نفس الصفات المتنوعة كالعلم PageV16P310 و القدرة و ~~الإرادة إذا قامت بمحل واحد لم ينفصل بعضها عن بعض بل محل هذا هو محل هذا ~~كالطعم و اللون و الرائحة القائمة بالأترجة الواحدة و أمثالها من الفاكهة و ~~غيرها # فإذا قيل ( هي علوم وإرادات ( لم ينفصل هذا عن هذا بفصل حسي بل هو نوع ~~واحد قائم بالنفس و إذا علم هذا بعد علمه بذلك فقد زاد هذا النوع و كثر و ~~إن شئت قلت عظم فلا يزيد فيه زيادة الكمية عن زيادة الكيفية # بل يقال ( علم كثير و علم عظيم ( بأن تكون العظمة ترجع إلى قوته و شرف ~~معلومه و نحو ذلك كما قال النبى صلى الله عليه و سلم لأبي بن كعب ( أتدري ~~أي آية من كتاب الله معك أعظم ( قال ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( ~~فقال ( ليهنك ms1318 العلم أبا المنذر ( # و كتب سلمان إلى أبي الدرداء ليس الخير أن يكثر مالك و ولدك و لكن الخير ~~أن يكثر علمك و يعظم حلمك # و انضمام العلم إلى العلم و الإرادة إلى الإرادة و القدرة إلى القدرة هو ~~شبيه بإنضمام الأجسام المتصلة كالماء إذا زيد فيه ماء فإنه يكثر قدره لكن ~~هو كم متصل لا منفصل بخلاف الدراهم PageV16P311 # فإذا قيل ( تعددت العلوم و الإرادات ( فهو إخبار عن كثرة قدرها و أنها ~~أكثر و أعظم مما كانت لا أن هناك معدودات منفصلة كما قد يفهم بعض الناس # و لهذا كان العلم اسم جنس فلا يكاد يجمع فى القرآن بل يقال ( فمن حاجك ~~فيه من بعد ما جاءك من العلم ( فيذكر الجنس و كذلك الماء ليس فى القرآن ذكر ~~مياه بل إنما يذكر جنس الماء ( و أنزلنا من السماء ماء طهورا ( و نحو ذلك # و العلم يشبه بالماء كقوله صلى الله عليه و سلم ( إن مثل ما بعثني الله ~~به من الهدى و العلم كمثل غيث أصاب أرضا الحديث ( و قد قال ( أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها إلى قوله كذلك يضرب الله الأمثال ( # وما خلقه الرب تعالى فإنه يراه و يسمع أصوات عباده و المعدوم لا يرى ~~بإتفاق العقلاء # و السالمية كأبي طالب المكي و غيره لم يقولوا إنه يرى قائما بنفسه و إنما ~~قالوا يراه الرب فى نفسه و إن كان هو معدوما في ذات الشيء المعدوم فهم ~~يجعلون الرؤية لما يقوم بنفس العالم من صورته العلمية PageV16P312 ما هوعدم ~~محض و هم و إن كانوا غلطوا فى بعض ما قالوه فلم يقولوا إن العدم المحض الذي ~~ليس بشيء يرى فإن هذا لا يقوله عاقل و فى الحقيقة إذا رؤى شيء فإنما رؤى ~~مثاله العلمي لا عينه # و أبو الشيخ الأصبهاني لما ذكرت هذه المسألة أمر بالإمساك عنها # فقبل أن يوجد لم يكن يرى و بعد أن يعدم لا يرى و إنما يرى حال وجوده و ~~هذا هو الكمال ms1319 فى الرؤية # و كذلك سمع أصوات العباد هو عند و جودها لا بعد فنائها و لا قبل حدوثها ~~قال تعالى ( و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون ( و قال ( ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ( $ فصل # الرسول صلى الله عليه و سلم بعثه الله تعالى هدى و رحمة للعالمين فإنه ~~كما أرسله بالعلم و الهدى و البراهين العقلية و السمعية فإنه أرسله ~~بالإحسان إلى الناس و الرحمة لهم بلا عوض و بالصبر على أذاهم PageV16P313 و ~~إحتماله فبعثه بالعلم و الكرم و الحلم عليم هاد كريم محسن حليم صفوح # قال تعالى ( و إنك لتهدى إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ~~السموات و ما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ( و قال تعالى ( كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز ~~الحميد ( و قال تعالى ( و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب و لا الإيمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ( و ~~نظائره كثيرة # و قال ( قل ما أسألكم عليه من أجر ( و قال ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ~~إن أجري إلا على الله ( و قال ( قل لا أسألكم عليه أجرا ( فهو يعلم و يهدي ~~و يصلح القلوب و يدلها على صلاحها فى الدنيا و الآخرة بلا عوض # و هذا نعت الرسل كلهم كل يقول ( و ما أسألكم عليه من أجر ( و لهذا قال ~~صاحب يس ( يا قوم اتبعوا المرسلين إتبعوا من لا يسألكم أجرا و هم مهتدون ( # و هذه سبيل من اتبعه كما قال ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ~~و من اتبعني ( PageV16P314 # و أما المخالفون لهم فقد قال عن المنتسبين إليهم مع بدعة ( إن كثيرا من ~~الأحبار و الرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل و يصدون عن سبيل الله ( ~~فهؤلاء أخذوا أموالهم و منعوهم سبيل الله ضد الرسل فكيف بمن ms1320 هو شر من هؤلاء ~~من علماء المشركين و السحرة و الكهان فهم أوكل لأموالهم بالباطل و أصد عن ~~سبيل الله من الأحبار و الرهبان # و هو سبحانه قال ( إن كثيرا من الأحبار و الرهبان ( فليس كلهم كذلك بل ~~قال فى موضع آخر ( و لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~ذلك بأن منهم قسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون ( # و قد قال فى و صف الرسول ( و ما هو على الغيب بضنين ( و فيها قراءتان فمن ~~قرأ ( بظنين ( أي ما هو بمتهم على الغيب بل هو صادق أمين فيما يخبر به و من ~~قرأ ( بضنين ( أي ما هو ببخيل لا يبذله إلا بعوض كالذين يطلبون العوض على ~~ما يعلمونه # فوصفه بأنه يقول الحق فلا يكذب و لا يكتم و قد و صف أهل الكتاب بأنهم ~~يجعلونه قراطيس يبدونها و يخفون كثيرا و أنهم يشترون به ثمنا قليلا ~~PageV16P315 ومع هذا و هذا قد أمده بالصبر على أذاهم و جعله كذلك يعطيهم ما ~~هم محتاجون إليه غاية الحاجة بلا عوض و هم يكرهونه و يؤذونه عليه # و هذا أعظم من الذي يبذل الدواء النافع للمرضى و يسقيهم إياه بلا عوض و ~~هم يؤذونه كما يصنع الأب الشفيق و هو أب المؤمنين # و كذلك نعت أمته بقوله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ( قال أبو هريرة كنتم ~~خير الناس للناس تأتون بهم فى السلاسل حتى تدخلوهم الجنة فيجاهدون يبذلون ~~أنفسهم و أموالهم لمنفعة الخلق و صلاحهم و هم يكرهون ذلك لجهلهم كما قال ~~أحمد فى خطبته # ( الحمد لله الذي جعل فى كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون ~~من ضل إلى الهدى و يصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى و يبصرون ~~بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه و كم من ضال تائه قد هدوه ~~فما أحسن أثرهم على الناس و أقبح أثر الناس عليهم ( إلى آخر كلامه # فهذا هذا و الحمد لله ms1321 حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه و هو سبحانه يجزي الناس ~~بأعمالهم و الله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه PageV16P316 فهو ~~ينعم على الرسول بإنعامه جزاء على إحسانهم و الجميع منه فهو الرحمن الرحيم ~~الجواد الكريم الحنان المنان له النعمة و له الفضل و له الثناء الحسن و له ~~الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه # و هو سبحانه يحب معالي الأخلاق و يكره سفسافها و هو يحب البصر النافذ عند ~~ورود الشبهات و يحب العقل الكامل عند حلول الشهوات و قد قيل أيضا و قد يحب ~~الشجاعة و لو على قتل الحيات و يحب السماحة و لو بكف من تمرات # و القرآن أخبر أنه يحب المحسنين و يحب الصابرين و هذا هو الكرم و الشجاعة ~~$ فصل # وقوله ( الأكرم ( يقتضي إتصافه بالكرم في نفسه و أنه الأكرم و أنه محسن ~~إلى عباده فهو مستحق للحمد لمحاسنه و إحسانه # و قوله ( ذو الجلال و الإكرام ( فيه ثلاثة أقوال قيل أهل أن يجل و أن ~~يكرم كما يقال إنه ( أهل التقوى ( أي المستحق لأن PageV16P317 يتقى و قيل ~~أهل أن يجل فى نفسه [ و ] أن يكرم أهل ولايته و طاعته و قيل أهل أن يجل فى ~~نفسه و أهل أن يكرم # ذكر الخطابي الإحتمالات الثلاثة و نقل ابن الجوزي كلامه فقال قال أبو ~~سليمان الخطابي الجلال مصدر الجليل يقال جليل بين الجلالة و الجلال و ~~الإكرام مصدر أكرم يكرم إكراما و المعنى أنه يكرم أهل و لايته و طاعته و أن ~~الله يستحق أن يجل و يكرم و لا يجحد و لا يكفر به قال و يحتمل أن يكون ~~المعنى يكرم أهل ولايته و يرفع درجاتهم # ( قلت ( و هذا الذي ذكره البغوي فقال ( ذو الجلال ( العظمة و الكبرياء ( ~~و الإكرام ( يكرم أنبياءه و أولياءه بلطفه مع جلاله و عظمته # قال الخطابي و قد يحتمل أن يكون أحد الأمرين و هو الجلال مضافا إلى الله ~~بمعنى الصفة له و الآخر مضافا إلى العبد ms1322 بمعنى الفعل كقوله تعالى ( هو أهل ~~التقوى و أهل المغفرة ( فانصرف أحد الأمرين إلى الله و هو المغفرة و الآخر ~~إلى العباد و هي التقوي # قلت القول الأول هو أقربها إلى المراد مع أن الجلال هنا PageV16P318 ليس ~~مصدر جل جلالا بل هو إسم مصدر أجل إجلالا كقول النبى صلى الله عليه و سلم ( ~~إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم و حامل القرآن غير الغالي فيه و ~~لا الجافى عنه و [ إكرام ] ذي السلطان المقسط ( فجعل إكرام هؤلاء من جلال ~~الله أي من إجلال الله كما قال ( و الله أنبتكم من الأرض نباتا ( و كما ~~يقال كلمه كلاما و أعطاه عطاء و الكلام و العطاء إسم مصدر التكليم و ~~الإعطاء # و الجلال قرن بالإكرام و هو مصدر المتعدي فكذلك الإكرام # و من كلام السلف ( أجلوا الله أن تقولوا كذا ( و في حديث موسى يارب إني ~~أكون على الحال التى أجلك أن أذكرك عليها قال ( أذكرنى على كل حال ( # و إذا كان مستحقا للإجلال و الإكرام لزم أن يكون متصفا فى نفسه بما يوجب ~~ذلك كما إذا قال الاله هو المستحق لأن يؤله أي يعبد كان هو في نفسه مستحقا ~~لما يوجب ذلك و إذا قيل ( هو أهل التقوى ( كان هو فى نفسه متصفا بما يوجب ~~أن يكون هو المتقي # و منه قول النبى صلى الله عليه و سلم إذا رفع رأسه من الركوع بعد ~~PageV16P319 ما يقول ( ربنا و لك الحمد ( ملء السموات و ملء الأرض و ملء ما ~~بينهما و ملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء و المجد أحق ما قال العبد و ~~كلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت و لا معطى لما منعت و لا ينفع ذا الجد ~~منك الجد ( أي هو مستحق لأن يثنى عليه و تمجد نفسه # والعباد لا يحصون ثناء عليه و هو كما أثنى على نفسه كذلك هو أهل أن يجل و ~~أن يكرم و هو سبحانه يجل نفسه و ms1323 يكرم نفسه و العباد لا يحصون إجلاله و ~~إكرامه # و الإجلال من جنس التعظيم و الإكرام من جنس الحب و الحمد و هذا كقوله ( ~~له الملك و له الحمد ( فله الإجلال و الملك و له الإكرام و الحمد # و الصلاة مبناها على التسبيح فى الركوع و السجود و التحميد و التوحيد فى ~~القيام و القعود و التكبير فى الإنتقالات كما قال جابر ( كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه و سلم فكنا إذا علونا كبرنا و إذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة ~~على ذلك ( رواه أبو داود # و فى الركوع يقول ( سبحان ربى العظيم ( و قال النبى صلى الله PageV16P320 ~~عليه و سلم ( إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا أما الركوع فعظموا ~~فيه الرب و أما السجود فاجتهدوا فيه فى الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ( # و إذا رفع رأسه حمد فقال ( سمع الله لمن حمده ربنا و لك الحمد ( فيحمده ~~في هذا القيام كما يحمده فى القيام الأول إذا قرأ أم القرآن # فالتحميد و التوحيد مقدم على مجرد التعظيم و لهذا إشتملت الفاتحة على هذا ~~أولها تحميد و أوسطها تمجيد ثم فى الركوع تعظيم الرب و فى القيام يحمده و ~~يثنى عليه و يمجده # فدل على أن التعظيم المجرد تابع لكونه محمودا و كونه معبودا فإنه يحب أن ~~يحمد و يعبد و لابد مع ذلك من التعظيم فإن التعظيم لازم لذلك # و أما التعظيم فقد يتجرد عن الحمد و العبادة على أصل الجهمية فليس ذلك ~~بمأمور به و لا يصير العبد به لا مؤمنا و لا عابدا و لا مطيعا # و أبو عبدالله ابن الخطيب الرازي يجعل الجلال للصفات السلبية و الإكرام ~~للصفات الثبوتية فيسمى هذه ( صفات الجلال ( و هذه ( صفات الإكرام ( و هذا ~~إصطلاح له و ليس المراد هذا في قوله PageV16P321 ( و يبقي و جه ربك ذو ~~الجلال و الإكرام ( و قوله ( تبارك اسم ربك ذي الجلال الإكرام # و هو فى مصحف أهل الشام ( تبارك إسم ربك ذو الجلال ms1324 و الإكرام ( وهي قراءة ~~ابن عامر فالإسم نفسه يذوى بالجلال و الإكرام و فى سائر المصاحف و فى قراءة ~~الجمهور ( ذي الجلال ( فيكون المسمى نفسه # و فى الأولى ( و يبقى و جه ربك ذو الجلال و الإكرام ( فالمذوى وجهه ~~سبحانه و ذلك يستلزم أنه هو ذو الجلال و الإكرام فإنه إذا كان وجهه ذا ~~الجلال و الإكرام كان هذا تنبيها كما أن اسمه إذا كان ذا الجلال و الإكرام ~~كان تنبيها على المسمى # و هذا يبين أن المراد أنه يستحق أن يجل و يكرم # فإن الإسم نفسه يسبح و يذكر و يراد بذلك المسمى و الإسم نفسه لا يفعل ~~شيئا لا إكراما و لا غيره و لهذا ليس فى القرآن إضافة شيء من الأفعال و ~~النعم إلى الإسم # و لكن يقال ( سبح اسم ربك الأعلى ( تبارك اسم ربك ( و نحو ذلك فإن اسم ~~الله مبارك تنال معه البركة و العبد يسبح إسم ربه الأعلى فيقول ( سبحان ربى ~~الأعلى ( و لما نزل قوله ( سبح اسم PageV16P322 ربك الأعلى ( قال ( إجعلوها ~~في سجودكم ( فقالوا ( سبحان ربي الأعلى ( # فكذلك كان النبى صلى الله عليه و سلم لا يقول ( سبحان إسم ربى الأعلى ( ~~لكن قوله ( سبحان ربي الأعلى ( هو تسبيح لإسمه يراد به تسبيح المسمى لا ~~يراد به تسبيح مجرد الإسم كقوله ( قل إدعوا الله أو إدعوا الرحمن أياما ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى ( فالداعى يقول ( يا الله ( يا رحمن ( و مراده ~~المسمى و قوله ( أيا ما ( أي الإسمين تدعوا و دعاء الإسم هو دعاء مسماه # وهذا هو الذى أراده من قال من أهل السنة أن الإسم هو المسمى أرادوا به أن ~~الإسم إذا دعى و ذكر يراد به المسمى فإذا قال المصلي ( الله أكبر ( فقد ذكر ~~اسم ربه و مراده المسمى # لم يريدوا به أن نفس اللفظ هو الذات الموجودة فى الخارج فإن فساد هذا لا ~~يخفى على من تصوره ولو كان كذلك كان من قال ( نارا ( إحترق لسانه و بسط هذا ~~له موضع آخر ms1325 # و المقصود أن الجلال و الإكرام مثل الملك و الحمد كالمحبة و التعظيم و ~~هذا يكون في الصفات الثبوتية و السلبية فإن كل سلب فهو متضمن PageV16P323 ~~للثبوت و أما السلب المحض فلا مدح فيه # و هذا مما يظهر به فساد قول من جعل أحدهما للسلب و الآخر للإثبات لا سيما ~~إذا كان من الجهمية الذين ينكرون محبته و لا يثبتون له صفات توجب المحبة و ~~الحمد بل إنما يثبتون ما يوجب القهر كالقدرة فهؤلاء آمنوا ببعض و كفروا ~~ببعض و ألحدوا في أسمائه و آياته بقدر ما كذبوا به من الحق كما بسط هذا في ~~غير هذا الموضع $ فصل # قوله تعالى في أول ما أنزل ( إقرأ بإسم ربك الذي خلق ( و قوله ( إقرأ و ~~ربك الأكرم ( # ذكر فى الموضعين بالإضافة التى توجب التعريف و أنه معروف عند المخاطبين ~~إذ الرب تعالى معروف عند العبد بدون الإستدلال بكونه خلق و أن المخلوق مع ~~أنه دليل و أنه يدل على الخالق لكن هو معروف فى الفطرة قبل هذا الإستدلال و ~~معرفته فطرية مغروزة في الفطرة ضرورية بديهية أولية # و قوله ( إقرأ ( و إن كان خطابا للنبى صلى الله عليه و سلم أو لا فهو ~~PageV16P324 خطاب لكل أحد سواء كان قوله ( إقرأ و ربك الأكرم ( هو خطاب ~~للإنسان مطلقا و النبى صلى الله عليه و سلم أول من سمع هذا الخطاب أو من ~~النوع أو هو خطاب النبى صلى الله عليه و سلم خصوصا كما قد قيل فى نظائر ذلك # مثل قوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ( قيل ~~خطاب له و قيل خطاب للجنس و أمثال ذلك فإنه و إن قيل أنه خطاب له فقد تقرر ~~أن ما خوطب به من أمر و نهي فالأمة مخاطبة به ما لم يقم دليل التخصيص # وبهذا يبين أن قوله تعالى ( فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك ( يتناول غيره حتى قال كثير ms1326 من المفسرين الخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه و سلم و المراد به غيره أي هم الذين أريد منهم أن ~~يسألوا لما عندهم من الشك و هو لم يرد منه السؤال إذ لم يكن عنده شك # و لا شك أن هذا لا يمنع أن يكون هو مخاطبا و مرادا بالخطاب بل هذا صريح ~~اللفظ فلا يجوز أن يقال إن الخطاب لم يتناوله و لأن ليس فى الخطاب أنه أمر ~~بالسؤال مطلقا بل أمر به إن كان عنده شك و هذا لا يوجب أن يكون عنده شك و ~~لا أنه أمر به PageV16P325 مطلقا بل أمر به إن كان هذا موجودا و الحكم ~~المعلق بشرط عدم عند عدمه # وكذلك كثير من المفسرين يقول فى قوله ( الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين ( و في قوله ( و لا تطع الكافرين و المنافقين ( و نحو ذلك إن ~~الخطاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم و المراد به غيره أي غيره قد يكون ~~ممتريا و مطيعا لأولئك فنهي و هو لا يكون ممتريا و لا مطيعا لهم # و لكن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فهو أيضا مخاطب بهذا و هو منهى عن هذا ~~فالله سبحانه قد نهاه عما حرمه من الشرك و القول عليه بلا علم و الظلم و ~~الفواحش و بنهى الله له عن ذلك و طاعته لله فى هذا استحق عظيم الثواب و ~~لولا النهي و الطاعة لما استحق ذلك # و لا يجب أن يكون المأمور المنهى ممن يشك [ فى ] طاعته و يجوز عليه أن ~~يعصى الرب أو يعصيه مطلقا و لا يطيعه بل الله أمر الملائكة مع علمه أنهم ~~يطيعونه و يأمر الأنبياء مع علمه أنهم يطيعونه و كذلك المؤمنون كل ما ~~أطاعوه فيه قد أمرهم به مع علمه أنهم يطيعونه PageV16P326 # و لا يقال لا يحتاج إلى الأمر بل بالأمر صار مطيعا مستحقا لعظيم الثواب # ولكن النهي يقتضي قدرته على المنهى عنه و أنه لو شاء لفعله ليثاب على ذلك ~~إذا ms1327 تركه و قد يقتضى قيام السبب الداعى إلى فعله فينهى عنه فإنه بالنهي و ~~إعانة الله له على الإمتثال يمتنع مما نهى عنه إذا قام السبب الداعى له ~~إليه # و كذلك قد قيل في قوله ( سل بنى إسرائيل ( إنه أمر للرسول و المراد به هو ~~و المؤمنون و قيل هو أمر لكل مكلف # فقوله فى هذه السورة ( إقرأ ( كقوله فى آخرها ( و اسجد و اقترب ( و قوله ~~( فأما اليتيم فلا تقهر و أما السائل فلا تنهر و أما بنعمة ربك فحدث ( هذا ~~متناول لجميع الأمة و قوله ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ( فإنه كان ~~خطابا للمؤمنين كلهم # و كذلك قوله ( يا أيها المدثر قم فأنذر ( لما أمر بتبليغ ما أنزل إليه من ~~الإنذار و هذا فرض على الكفاية فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إليه و ~~ينذروا كما أنذر قال تعالى ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى ~~الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم PageV16P327 يحذرون ( و الجن ~~لما سمعوا القرآن ( و لوا إلى قومهم منذرين ( # و إذا كان كذلك فكل إنسان في قلبه معرفة بربه فإذا قيل له ( إقرأ باسم ~~ربك ( عرف ربه الذي هو مأمور أن يقرأ باسمه كما يعرف أنه مخلوق و المخلوق ~~يستلزم لخالق و يدل عليه # و قد بسط هذا في غير هذا الموضع و بين أن الإقرار و الإعتراف بالخالق ~~فطري ضروري فى نفوس الناس و إن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى ~~يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة و هذا قول جمهور الناس و عليه حذاق ~~النظار أن المعرفة تارة تحصل بالضرورة و تارة بالنظر كما اعترف بذلك غير ~~واحد من أئمة المتكلمين # و هذه الآية أيضا تدل على أنه ليس النظر أول واجب بل أول ما أوجب الله ~~على نبيه صلى الله عليه و سلم ( إقرأ بإسم ربك ( لم يقل ( أنظر و إستدل حتى ~~تعرف الخالق ( # و كذلك هو أول ما ms1328 بلغ هذه السورة فكان المبلغون مخاطبين بهذه الآية قبل ~~كل شيء و لم يؤمروا فيها بالنظر و الإستدلال # و قد ذهب كثير من أهل الكلام إلى أن إعتراف النفس بالخالق و إثباتها له ~~لا يحصل إلا بالنظر PageV16P328 # ثم كثير منهم جعلوا ذلك نظر مخصوصا و هو النظر فى الأعراض و أنها لازمة ~~للأجسام فيمتنع وجود الأجسام بدونها # قالوا و ما لا يخلو عن الحوادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث # ثم منهم من إعتقد أن هذه المقدمة بينة بنفسها بل ضرورية و لم يميز بين ~~الحادث المعين و المحدود و بين الجنس المتصل شيئا بعد شيء إما لظنه أن هذا ~~ممتنع أو لعدم خطوره بقلبه لكن و إن قيل هو ممتنع فليس العلم بذلك بديهيا # و إنما العلم البديهي أن الحادث الذي له مبدأ محدود كالحادث و الحوادث ~~المقدرة من حين محدود فتلك ما لا يسبقها فهو حادث و ما لا يخلو منها لم ~~يسبقها فهو حادث فإنه إذا لم يسبقها كان معها أو متأخرا عنها و على ~~التقديرين فهو حادث # و أما إذا قدر حوادث دائمة شيئا بعد شيء فهذا إما أن يقال هو ممكن و إما ~~أن يقال هو ممتنع لكن العلم بإمتناعه يحتاج إلى دليل و لم تعلم طائفة ~~معروفة من العقلاء قالوا إن العلم بإمتناع هذا بديهي ضروري و لا يفتقر إلى ~~دليل PageV16P329 بل كثير من الناس لا يتصور هذا تصورا تاما بل متى تصور ~~الحادث قدر [ في ] ذهنه مبدأ ثم يتقدم فى ذهنه شيء قبل ذلك ثم شيء قبل ذلك ~~لكن إلى غايات محدودة بحسب تقدير ذهنه كما يقدر الذهن عددا بعد عدد و لكن ~~كل ما يقدره الذهن فهو منته # و من الناس من إذا قيل له ( الأزل ( أو ( كان هذا موجودا فى الأزل ( تصور ~~ذلك و هذا غلط بل ( الأزل ( ما ليس له أول كما أن ( الأبد ( ليس له آخر و ~~كل ما يومئ إليه الذهن من غاية ف ( الأزل ( و راءها ms1329 و هذا لبسطه موضع آخر # و المقصود هنا أن هؤلاء الذين قالوا معرفة الرب لا تحصل إلا بالنظر ثم ~~قالوا لا تحصل إلا بهذا النظر هم من أهل الكلام الجهمية القدرية و من تبعهم ~~و قد إتفق سلف الأمة و أئمتها و جمهور العلماء من المتكلمين و غيرهم على ~~خطأ هؤلاء فى إيجابهم هذا النظر المعين و فى دعواهم أن المعرفة موقوفة عليه ~~إذ قد علم بالإضطرار من دين الرسول صلى الله عليه و سلم أنه لم يوجب هذا ~~على الأمة و لا أمرهم به بل و لا سلكه هو و لا أحد من سلف الأمة فى تحصيل ~~هذه المعرفة # ثم هذا النظر هذا الدليل للناس فيه ثلاثة أقوال PageV16P330 # قيل إنه واجب و أن المعرفة موقوفة عليه كما يقوله هؤلاء # و قيل بل يمكن حصول المعرفة بدونه لكنه طريق آخر إلى المعرفة و هذا يقوله ~~كثير من هؤلاء ممن يقول بصحة هذه الطريقة لكن لا يوجبها كالخطابى و القاضي ~~أبى يعلى و أبى جعفر السمنانى قاضي الموصل شيخ أبى الوليد الباجي و كان ~~يقول إيجاب النظر بقية بقيت على الشيخ أبى الحسن الأشعرى من الإعتزال و ~~هؤلاء الذين لا يوجبون هذا النظر # و منهم من لا يوجب النظر مطلقا كالسمنانى و ابن حزم و غيرهما # و منهم من يوجبه في الجملة كالخطابى و أبى الفرج المقدسي # و القاضي أبو يعلى يقول بهذا تارة و بهذا تارة بل و يقول تارة بإيجاب ~~النظر المعين كما يقوله أبو المعالي و غيره # ثم من الموجبين للنظر من يقول هو أول الواجبات و منهم من يقول بل المعرفة ~~الواجبة به و هو نزاع لفظي كما أن بعضهم قال أول الواجبات القصد إلى النظر ~~كعبارة أبى المعالي و من هؤلاء من قال بل الشك المتقدم كما قاله أبو هاشم # و قد بسط الكلام على هذه الأقوال و غيرها فى موضع آخر PageV16P331 و بين ~~أنها كلها غلط مخالف للكتاب و السنة و إجماع السلف و الأئمة ms1330 بل و باطلة فى ~~العقل أيضا # وهذه الآية مما يستدل به على ذلك فإن أول ما أوجب الله على رسوله و على ~~المؤمنين هو ما أمر به فى قوله ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ( # و الذين قالوا المعرفة لا تحصل إلا بالنظر قالوا لو حصلت بغيره لسقط ~~التكليف بها كما ذكر ذلك القاضي أبو بكر و غيره # فيقال لهم و ليس فيما قص الله علينا من أخبار الرسل أن منهم أحدا أوجبها ~~بل هي حاصلة عند الأمم جميعهم و لكن أكثر الرسل إفتتحوا دعوتهم بالأمر ~~بعبادة الله و حده دون ما سواه كما أخبر الله عن نوح و هود و صالح و شعيب و ~~قومهم كانوا مقرين بالخالق لكن كانوا مشركين يعبدون غيره كما كانت العرب ~~الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه و سلم # ومن الكفار من أظهر جحود الخالق كفرعون حيث قال ( يا أيها الملأ ما علمت ~~لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلى أطلع إلى ~~إله موسى و إنى لأظنه من PageV16P332 الكاذبين ( و قال ( أنا ربكم الأعلى ( ~~و قال لموسى ( لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ( و قال ( يا ~~هامان إبن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى و ~~إنى لأظنه كاذبا ( # ومع هذا فموسى أمره الله أن يقول ما ذكره الله فى القرآن قال ( و إذ نادى ~~ربك موسى أن إئت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إنى أخاف أن ~~يكذبون و يضيق صدري و لا ينطلق لسانى فأرسل إلى هارون و لهم علي ذنب فأخاف ~~أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين أن أرسل معنا بنى إسرائيل قال ألم نربك فينا و ليدا و ~~لبثت فينا من عمرك سنين و فعلت فعلتك التى فعلت و أنت من الكافرين قال ~~فعلتها إذا و أنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى ms1331 حكما و ~~جعلنى من المرسلين ( # قال فرعون إنكارا و جحدا ( و ما رب العالمين ( قال موسى ( رب السموات و ~~الأرض و ما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم و رب ~~آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق و ~~المغرب و ما بينهما الآيات ( PageV16P333 # وقد ظن بعض الناس أن سؤال فرعون ( و ما رب العالمين ( هو سؤال عن ماهية ~~الرب كالذي يسأل عن حدود الأشياء فيقول ( ما الإنسان ما الملك ما الجنى ( و ~~نحو ذلك قالوا و لما لم يكن للمسئول عنه ماهية عدل موسى عن الجواب إلى بيان ~~ما يعرف به و هو قوله ( رب السموات و الأرض ( و هذا قول قاله بعض المتأخرين ~~و هو باطل # فإن فرعون إنما استفهم إستفهام إنكار و جحد لم يسأل عن ماهية رب أقر ~~بثبوته بل كان منكرا له جاحدا و لهذا قال في تمام الكلام ( لئن إتخذت إلها ~~غيري لأجعلنك من المسجونين ( و قال ( و إني لأظنه كاذبا ( فإستفهامه كان ~~إنكارا و جحدا يقول ليس للعالمين رب يرسلك فمن هو هذا إنكارا له # فبين موسى أنه معروف عنده و عند الحاضرين و أن آياته ظاهرة بينة لا يمكن ~~معها جحده و أنكم إنما تجحدون بألسنتكم ما تعرفونه بقلوبكم كما قال موسى فى ~~موضع آخر لفرعون ( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات و الأرض بصائر ( ~~و قال الله تعالى ( و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوا فأنظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين ( PageV16P334 # و لم يقل فرعون ( و من رب العالمين ( فإن ( من ( سؤال عن عينه يسأل بها ~~من عرف جنس المسؤل عنه أنه من أهل العلم و قد شك فى عينه كما يقال لرسول ~~عرف انه جاء من عند إنسان ( من أرسلك ( # و أما ( ما ( فهى سؤال عن الوصف يقول أي شيء هو هذا و ما هو هذا الذي ~~سميته ( رب العالمين ( قال ذلك منكرا له جاحدا # فلما سأل جحدا ms1332 أجابه موسى بأنه أعرف من أن ينكر و أظهر من أن يشك فيه و ~~يرتاب فقال ( رب السموات و الأرض و ما بينهما إن كنتم موقنين ( # و لم يقل ( موقنين بكذا و كذا ( بل أطلق فأي يقين كان لكم بشيء من ~~الأشياء فأول اليقين اليقين بهذا الرب كما قالت الرسل لقومهم ( أفى الله شك ~~( # و إن قلتم لا يقين لنا بشيء من الأشياء بل سلبنا كل علم فهذه دعوى ~~السفسطة العامة و مدعيها كاذب ظاهر الكذب فإن العلوم من لوازم كل إنسان فكل ~~إنسان عاقل لابد له من علم و لهذا PageV16P335 قيل فى حد ( العقل ( إنه ~~علوم ضرورية و هي التى لا يخلو منها عاقل # فلما قال فرعون ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ( و هذا من إفتراء ~~المكذبين على الرسول لما خرجوا عن عاداتهم التى هي محمودة عندهم نسبوهم إلى ~~الجنون و لما كانوا مظهرين للجحد بالخالق أو للإسترابة و الشك فيه هذه حال ~~عامتهم و دينهم و هذا عندهم دين حسن و إنما إلههم الذي يطيعونه فرعون قال ( ~~إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ( # فبين له موسى أنكم الذين سلبتم العقل النافع و أنتم أحق بهذا الوصف فقال ~~( رب المشرق و المغرب و ما بينهما إن كنتم تعقلون ( # فإن العقل مستلزم لعلوم ضرورية يقينية و أعظمها في الفطرة الإقرار ~~بالخالق فلما ذكر أولا أن من أيقن بشيء فهو موقن به و اليقين بشيء هو من ~~لوازم العقل بين ثانيا أن الإقرار به من لوازم العقل # و لكن المحمود هو العلم النافع الذي يعمل به صاحبه فإن لم يعمل به صاحبه ~~قيل إنه ليس له عقل و يقال أيضا لمن لم يتبع ما أيقن به PageV16P336 إنه ~~ليس له يقين فإن اليقين أيضا يراد به العلم المستقر فى القلب و يراد به ~~العمل بهذا العلم فلا يطلق ( الموقن ( إلا على من استقر في قلبه العلم و ~~العمل # و قوم فرعون لم يكن عندهم إتباع لما عرفوه فلم يكن لهم عقل ms1333 و لا يقين و ~~كلام موسى يقتضى الأمرين إن كان لك يقين فقد عرفته و إن كان لك عقل فقد ~~عرفته و إن ادعيت أنه لا يقين لك و لا عقل لك فكذلك قومك فهذا إقرار منكم ~~بسلبكم خاصية الإنسان # و من يكون هكذا لا يصلح له ما أنتم عليه من دعوى الإلهية مع أن هذا باطل ~~منكم فإنكم موقنون به كما قال تعالى ( و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما ~~و علوا ( # و لكم عقل تعرفونه به و لكن هواكم يصدكم عن إتباع موجب العقل و هو إرادة ~~العلو في الأرض و الفساد فأنتم لا عقل لكم بهذا الإعتبار كما قال أصحاب ~~النار ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير ( و قال تعالى عن ~~الكفار ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا ( # قال تعالى عن فرعون و قومه ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~PageV16P337 فاسقين ( و الخفيف هو السفيه الذي لا يعمل بعلمه بل يتبع هواه ~~و بسط هذا له موضع آخر # و المقصود هنا أنه ليس في الرسل من قال أول ما دعا قومه إنكم مأمورون ~~بطلب معرفة الخالق فانظروا و استدلوا حتى تعرفوه فلم يكلفوا أولا بنفس ~~المعرفة و لا بالأدلة الموصلة إلى المعرفة إذ كانت قلوبهم تعرفه و تقر به و ~~كل مولود يولد على الفطرة لكن عرض للفطرة ما غيرها و الإنسان إذا ذكر ذكر ~~ما فى فطرته # و لهذا قال الله فى خطابه لموسى ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر ( ما في ~~فطرته من العلم الذي به يعرف ربه و يعرف إنعامه عليه و إحسانه إليه و ~~إفتقاره إليه فذلك يدعوه إلى الإيمان ( أو يخشى ( ما ينذره به من العذاب ~~فذلك أيضا يدعوه إلى الإيمان # كما قال تعالى ( إدع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة ( فالحكمة ~~تعريف الحق فيقبلها من قبل الحق بلا منازعة و من نازعه هواه و عظ بالترغيب ~~و ms1334 الترهيب # فالعلم بالحق يدعو صاحبه إلى إتباعه فإن الحق محبوب فى الفطرة و هو أحب ~~إليها و أجل فيها و ألذ عندها من الباطل الذي لا حقيقة له فإن الفطرة لا ~~تحب ذاك PageV16P338 # فإن لم يدعه الحق و العلم به خوف عاقبة الجحود و العصيان و ما فى ذلك من ~~العذاب فالنفس تخاف العذاب بالضرورة فكل حى يهرب مما يؤذيه بخلاف النافع # فمن الناس من يتبع هواه فيتبع الأدنى دون الأعلى كما أن منهم من يكذب بما ~~خوف به أو يتغافل عنه حتى يفعل ما يهواه فإنه إذا صدق به و استحضره لم يبعث ~~نفسه إلى هواها بل لابد من نوع من الغفلة و الجهل حتى يتبعه و لهذا كان كل ~~عاص لله جاهلا كما قد بسط هذا فى مواضع # إذ المقصود هنا التنبيه على أن قوله ( إقرأ باسم ربك ( فيه تنبيه على أن ~~الرب معروف عند المخاطبين و أن الفطر مقرة به # و على ذلك دل قوله ( و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم ~~على أنفسهم الآية ( كما قد بسط الكلام عليها فى غير هذا الموضع # و كذلك قول الرسل ( أفي الله شك ( هو نفي أي ليس فى الله شك و هو إستفهام ~~تقرير يتضمن تقرير الأمم على ما هم مقرون به من أنه ليس فى الله شك فهذا ~~إستفهام تقرير PageV16P339 # فإن حرف الإستفهام إذا دخل على حرف النفي كان تقريرا كقوله ( ألم نشرح لك ~~صدرك ( ألم نجعل له عينين ( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ( و مثله كثير ~~بخلاف إستفهام فرعون فإنه إستفهام إنكار لا تقرير إذ ليس هناك إلا أداة ~~الإستفهام فقط و دل سياق الكلام على أنه إنكار # فإن قيل إذا كانت معرفته و الإقرار به ثابتا فى كل فطرة فكيف ينكر ذلك ~~كثير من النظار نظار المسلمين و غيرهم و هم يدعون أنهم الذين يقيمون الأدلة ~~العقلية على المطالب الإلهية # فيقال أولا أول من عرف فى الإسلام بإنكار هذه المعرفة ms1335 هم أهل الكلام الذي ~~إتفق السلف على ذمه من الجهمية و القدرية و هم عند سلف الأمة من أضل ~~الطوائف و أجهلهم و لكن إنتشر كثير من اصولهم فى المتأخرين الذين يوافقون ~~السلف على كثير مما خالفهم فيه سلفهم الجهمية فصار بعض الناس يظن أن هذا ~~قول صدر فى الأصل عن علماء المسلمين و ليس كذلك إنما صدر أولا عمن ذمه ائمة ~~الدين و علماء المسلمين # الثاني أن الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم و الإرادات و غيرها من الصفات ~~ما لا يعلم أنه قائم بنفسه فإن قيام الصفة بالنفس غير PageV16P340 شعور ~~صاحبها بانها قامت به فوجود الشيء في الإنسان و غيره غير علم الإنسان به # و هذا كصفات بدنه فإن منها ما لا يراه كوجهه و قفاه و منها ما يراه إذا ~~تعمد النظر إليه كبطنه و فخذه و عضديه و قد يكون بهما آثار من خيلان و غير ~~خيلان و غير ذلك من الأحوال و هو لم يره و لم يعرفه لكن لو تعمد رؤيته لرآه ~~و من الناس من لا يستطيع رؤية ذلك لعارض عرض لبصره من العشى أو العمى أو ~~غير ذلك # كذلك صفات نفسه قد يعرف بعضها و بعضها لا يعرفه لكن لو تعمد تأمل حال ~~نفسه لعرفه و منها ما لا يعرفه و لو تأمل لفساد بصيرته و ما عرض لها # و الذي يبين ذلك أن الأفعال الإختيارية لا تتصور إلا بإرادة تقوم بنفس ~~الإنسان و كل من فعل فعلا إختياريا و هو يعرفه فلابد أن يريده كالذي يأكل و ~~يشرب و يلبس و هو يعرف أنه يفعل ذلك فلابد أن يريده فالفعل الإختيارى يمتنع ~~أن يكون بغير إرادة و إذا تصور الفعل الذي يفعله و قد فعله لزم أن يكون ~~مريدا له و قد تصوره و إذا كان مريدا له و قد تصوره إمتنع أن لا يريد ما ~~تصوره و فعله PageV16P341 فالإنسان إذا قام إلى صلاة يعلم أنها الظهر فمن ~~الممتنع أن يصلي ms1336 الظهر و هو يعلم هذا لم ينسه و لا يريد صلاة الظهر # و كذلك الصيام إذا تصور أن غدا من رمضان و هو مريد لصوم رمضان إمتنع أن ~~لا ينوى صومه # و كذلك إذا أهل بالحج و هو يعلم أنه مهل إمتنع أن لا يكون مريدا للحج و ~~كذلك الوضوء إذا علم أنه يتوضأ للصلاة و هو يتوضأ إمتنع أن لايكون مريدا ~~للوضوء و مثل هذا كثير نجد خلقا كثيرا من العلماء دع العامية يستدعون النية ~~بألفاظ يقولونها و يتكلفون ألفاظا و يشكون فى و جودها مرة بعد مرة و يخرجون ~~إلى ضرب من الوسوسة التى يشبه أصحابها المجانين # و النية هي الإرادة و هي القصد و هي موجودة فى نفوسهم لوجودها فى نفس كل ~~من يصلي فى ذلك المسجد و الجامع و من توضأ فى تلك المطهرة أولئك يعلمون هذا ~~من نفوسهم و لم يحصل لهم و سواس و هؤلاء ظنوا أن النية لم تكن في قلوبهم ~~يطلبون حصولها من قلوبهم PageV16P342 # و هم يعلمون أن التلفظ بها ليس بواجب وإنما الفرض و جود الإرادة فى القلب ~~و هي موجودة و مع هذا يعتقدون أنها ليست موجودة و إذا قيل لأحدهم ( النية ~~حاصلة فى قلبك ( لم يقبل لما قام به من الإعتقاد الفاسد المناقض لفطرته # و كذلك حب الله و رسوله موجود في قلب كل مؤمن لا يمكنه دفع ذلك من قلبه ~~إذا كان مؤمنا و تظهر علامات حبه لله و لرسوله إذا أخذ أحد يسب الرسول و ~~يطعن عليه أو يسب الله و يذكره بما لا يليق به فالمؤمن يغضب لذلك أعظم مما ~~يغضب لو سب أبوه و أمه # و مع هذا فكثير من أهل الكلام و الرأي أنكروا محبة الله و قالوا يمتنع أن ~~يكون محبا أو محبوبا و جعلوا هذا من أصول الدين و قالوا خلافا للحلولية ~~كأنه لم يقل بأن الله يحب إلا الحلولية و معلوم أن هذا دين الأنبياء و ~~المرسلين و الصحابة و التابعين ms1337 و أهل الإيمان أجمعين و قد دل على ذلك ~~الكتاب و السنة كما قد بسطناه فى مواضع # فهذه المحبة لله و رسوله موجودة فى قلوب أكثر المنكرين لها بل في قلب كل ~~مؤمن و إن أنكرها لشبهة عرضت له PageV16P343 و هكذا المعرفة موجودة في قلوب ~~هؤلاء فإن هؤلاء الذين أنكروا محبته هم الذين قالوا معرفته لا تحصل إلا ~~بالنظر فأنكروا ما في فطرهم و قلوبهم من معرفته و محبته # ثم قد يكون ذلك الإنكار سببا إلى إمتناع معرفة ذلك في نفوسهم و قد يزول ~~عن قلب أحدهم ما كان فيه من المعرفة و المحبة فإن الفطرة قد تفسد فقد تزول ~~و قد تكون موجودة و لا ترى ( فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التى ~~في الصدور # و قد قال تعالى ( فأقم و جهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين ~~إليه و اتقوه و أقيموا الصلاة و لا تكونوا من المشركين ( # و فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ~~هل تحسون فيها من جدعاء ( ثم يقول أبو هريرة إقرءوا إن شئتم ( فطرة الله ~~التى فطر الناس عليها ( # و الفطرة تستلزم معرفة الله و محبته و تخصيصه بأنه أحب الأشياء ~~PageV16P344 إلى العبد و هو التوحيد و هذا معنى قول ( لا إله إلا الله ( ~~كما جاء مفسرا ( كل مولود يولد على هذه الملة ( و روى ( على ملة الإسلام ( # وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن النبى صلى الله عليه و سلم قال يقول ~~الله تعالى ( إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين و حرمت عليهم ما ~~أحللت لهم و أمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ( # فأخبر أنه خلقهم حنفاء و ذلك يتضمن معرفة الرب و محبته و توحيده فهذه ~~الثلاثة تضمنتها الحنيفية ms1338 و هي معنى قول ( لا إله إلا الله ( # فإن فى هذه الكلمة الطيبة التى هي ( كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها فى ~~السماء ( فيها إثبات معرفته و الإقرار به و فيها إثبات محبته فإن الإله هو ~~المألوه الذي يستحق أن يكون مألوها و هذا أعظم ما يكون من المحبة و فيها ~~أنه لا إله إلا هو ففيها المعرفة و المحبة و التوحيد # و كل مولود يولد على الفطرة و هي الحنيفية التى خلقهم عليها و لكن أبواه ~~يفسدان ذلك فيهودانه و ينصرانه و يمجسانه و يشركانه PageV16P345 # كذلك يجهمانه فيجعلانه منكرا لما في قلبه من معرفة الرب و محبته و توحيده ~~ثم المعرفة يطلبها بالدليل و المحبة ينكرها بالكلية و التوحيد المتضمن ~~للمحبة ينكره من لا يعرفه و إنما ثبت توحيد الخلق و المشركون كانوا يقرون ~~بهذا التوحيد و هذا الشرك # فهما يشركانه [ و ] يهودانه و ينصرانه و يمجسانه و قد بسط الكلام على هذا ~~الحديث و أقوال الناس فيه فى غير هذا الموضع و أيضا مما يبين أن الإنسان قد ~~يخفى عليه كثير من أحوال نفسه فلا يشعر بها أن كثيرا من الناس يكون فى نفسه ~~حب الرياسة كمن لا يشعر به بل إنه مخلص فى عبادته و قد خفيت عليه عيوبه و ~~كلام الناس فى هذا كثير مشهور و لهذا سميت هذه ( الشهوة الخفية ( # قال شداد بن أوس يا بقايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء و الشهوة ~~الخفية قيل لأبي داود السجستاني ما الشهوة الخفية قال حب الرياسة فهي خفية ~~تخفى على الناس و كثيرا ما تخفى على صاحبها # بل كذلك حب المال و الصورة فإن الإنسان قد يحب ذلك و لا يدري بل نفسه ~~سكنة ما دام ذلك موجودا فإذا فقده ظهر من PageV16P346 جزع نفسه و تلفها ما ~~دل على المحبة المتقدمة و الحب مستلزم للشعور فهذا شعور من النفس بأمور وجب ~~لها و الإنسان قد يخفى ذلك عليه من نفسه لا سيما و الشيطان يغطي ms1339 على ~~الإنسان أمورا # و ذنوبه أيضا تبقى رينا على قلبه قال تعالى ( كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( و في الترمذي و غيره عن ~~القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه و سلم ~~أنه قال ( إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب و نزع و استغفر ~~صقل قلبه و إن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله ( كلا ~~بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ( قال الترمذى حديث حسن صحيح # و منه قوله تعالى ( و قالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما ~~يؤمنون ( # و قال ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~~( فالمتقون إذا أصابهم هذا الطيف الذي يطيف بقلوبهم يتذكرون ما علموه قبل ~~ذلك فيزول الطيف و يبصرون الحق الذي كان معلوما و لكن الطيف يمنعهم عن ~~رؤيته # قال تعالى ( و إخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ( فإخوان ~~PageV16P347 الشياطين تمدهم الشياطين فى غيهم ( ثم لا يقصرون ( لا تقصر ~~الشياطين عن المدد و الإمداد و لا الإنس عن الغي فلا يبصرون مع ذلك الغي ما ~~هو معلوم لهم مستقر في فطرهم لكنهم ينسونه # و لهذا كانت الرسل إنما تأتي بتذكير الفطرة ما هو معلوم لها و تقويته و ~~إمداده و نفي المغير للفطرة فالرسل بعثوا بتقرير الفطرة و تكميلها لا ~~بتغيير الفطرة و تحويلها و الكمال يحصل بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة $ ~~فصل # وهذا النسيان نسيان الإنسان لنفسه و لما فى نفسه حصل بنسيانه لربه و لما ~~أنزله قال تعالى ( و لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون ( و قال تعالى فى حق المنافقين ( نسوا الله فنسيهم ( و قل ( كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسى ( # و قوله ( و لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ( يقتضي أن نسيان ~~الله كان سببا لنسيانهم أنفسهم و أنهم لما ms1340 نسوا الله عاقبهم بأن أنساهم ~~أنفسهم PageV16P348 و نسيانهم أنفسهم يتضمن إعراضهم و غفلتهم و عدم معرفتهم ~~بما كانوا عارفين به قبل ذلك من حال أنفسهم كما أنه يقتضي تركهم لمصالح ~~أنفسهم فهو يقتضي أنهم لا يذكرون أنفسهم ذكرا ينفعها و يصلحها و أنهم لو ~~ذكروا الله لذكروا أنفسهم # و هذا عكس ما يقال ( من عرف نفسه عرف ربه ( و بعض الناس يروي هذا عن ~~النبى صلى الله عليه و سلم و ليس هذا من كلام النبى صلى الله عليه و سلم و ~~لا هو فى شيء من كتب الحديث و لا يعرف له إسناد # و لكن يروى فى بعض الكتب المتقدمة إن صح ( يا إنسان إعرف نفسك تعرف ربك ( ~~و هذا الكلام سواء كان معناه صحيحا أو فاسدا لا يمكن الإحتجاج بلفظه فإنه ~~لم يثبت عن قائل معصوم لكن إن فسر بمعنى صحيح عرف صحة ذلك المعنى سواء دل ~~عليه هذا اللفظ أو لم يدل # و إنما القول الثابت ما فى القرآن و هو قوله ( و لا تكونوا كالذين نسوا ~~الله فأنساهم أنفسهم ( فهو يدل على أن نسيان الرب موجب لنسيان النفس # و حينئذ فمن ذكر الله و لم ينسه يكون ذاكرا لنفسه فإنه لو PageV16P349 ~~كان ناسيا لها سواء ذكر الله أو نسيه لم يكن نسيانها مسبببا عن نسيان الرب ~~فلما دلت الآية على أن نسيان الإنسان نفسه مسبب عن نسيانه لربه دل على أن ~~الذاكر لربه لا يحصل له هذا النسيان لنفسه # و الذكر يتضمن ذكر ما قد علمه فمن ذكر ما يعلمه من ربه ذكر ما يعلمه من ~~نفسه و هو قد ولد على الفطرة التى تقتضي أنه يعرف ربه و يحبه و يوحده فإذا ~~لم ينس ربه الذي عرفه بل ذكره على الوجه الذي يقتضي محبته و معرفته و ~~توحيده ذكر نفسه فأبصر ما كان فيها قبل من معرفة الله و محبته و توحيده # و أهل البدع الجهمية و نحوهم لما أعرضوا عن ذكر الله الذكر المشروع ms1341 الذي ~~كان فى الفطرة و جاءت به الشرعة الذي يتضمن معرفته و محبته و توحيده نسوا ~~الله من هذا الوجه فأنساهم أنفسهم من هذا الوجه فنسوا ما كان في أنفسهم من ~~العلم الفطري و المحبة الفطرية و التوحيد الفطري # و قد قال طائفة من المفسرين ( نسوا الله ( أي تركوا أمر الله ( فأنساهم ~~أنفسهم ( أي حظوظ أنفسهم حيث لم يقدموا لها خيرا هذا لفظ طائفة منهم البغوي ~~و لفظ آخرين منهم ابن الجوزي حين لم يعملوا بطاعته و كلاهما قال ( نسوا ~~الله ( أي تركوا أمر الله PageV16P350 # ومثل هذا التفسير يقع كثيرا في كلام من يأتي بمجمل من القول يبين معنى ~~دلت عليه الآية و لا يفسرها بما يستحقه من التفسير فإن قولهم ( تركوا أمر ~~الله ( هو تركهم للعمل بطاعته فصار الأول هو الثاني و الله سبحانه قال ( و ~~لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ( فهنا شيئان نسيانهم لله ثم ~~نسيانهم لأنفسهم الذي عوقبوا به # فإن قيل هذا الثاني هو الأول لكنه تفصيل مجمل كقوله ( و كم من قرية ~~أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ( و هذا هو هذا قيل هو لم يقل ( ~~نسوا الله فنسوا حظ أنفسهم ( حتى يقال هذا هو هذا بل قال ( نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم ( فثم إنساء منه لهم أنفسهم و لو كان هذا هو الأول لكان قد ~~ذكر ما يعذرهم به لا ما يعاقبهم به # فلو كان الثاني هو الأول لكان ( نسوا الله ( أي تركوا العمل بطاعته فهو ~~الذي أنساهم ذلك و معلوم فساد هذا الكلام لفظا و معنى # و لو قيل ( نسوا الله ( أي نسوا أمره ( فأنساهم ( العمل بطاعته أي تذكرها ~~لكان أقرب و يكون النسيان الأول على بابه فإن من نسى نفس أمر الله لم يطعه ~~PageV16P351 و لكن هم فسروا نسيان الله بترك أمره و أمره الذي هو كلامه ليس ~~مقدورا لهم حتى يتركوه إنما يتركون العمل به فالأمر بمعنى المأمور به # إلا أن يقال مرادهم بترك أمره هو ترك الإيمان به فلما ms1342 تركوا الإيمان ~~أعقبهم بترك العمل و هذا أيضا ضعيف فإن الإيمان الذي تركوه إن كان هو ترك ~~التصديق فقط فكفى بهذا كفرا و ذنبا فلا تجعل العقوبة ترك العمل به بل هذا ~~أشد و إن كان المراد بترك الإيمان ترك الإيمان تصديقا و عملا فهذا هو ترك ~~الطاعة كما تقدم # و هؤلاء أتوا من حيث أرادوا أن يفسروا نسيان العبد بما قيل في نسيان الرب ~~و ذاك قد فسر بالترك ففسروا هذا بالترك و هذا ليس بجيد فإن النسيان المناقض ~~للذكر جائز على العبد بلا ريب و الإنسان يعرض عما أمر به حتى ينساه فلا ~~يذكره فلا يحتاج أن يجعل نسيانه تركا مع إستحضار و علم # و أما الرب تعالى فلايجوز عليه ما يناقض صفات كماله سبحانه و تعالى و فى ~~تفسير نسيانه الكفار بمجرد الترك نظر # ثم هذا قيل فى قوله تعالى ( كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ( PageV16P352 أي ~~تركت العمل بها و هنا قال ( نسوا الله ( و لا يقال فى حق الله ( تركوه ( $ ~~فصل # قوله ( الذي خلق خلق الإنسان من علق ( بيان لتعريفه بما قد عرف من الخلق ~~عموما و خلق الإنسان خصوصا و إن هذا مما تعرف به الفطرة كما تقدم # ثم إذا عرف أنه الخالق فمن المعلوم بالضرورة أن الخالق لا يكون إلا قادرا ~~بل كل فعل يفعله فاعل لا يكون إلا بقوة و قدرة حتى أفعال الجمادات كهبوط ~~الحجر و الماء و حركة النار هو بقوة فيها و كذلك حركة النبات هي بقوة فيه و ~~كذلك فعل كل حي من الدواب و غيرها هو بقوة فيها و كذلك الإنسان و غيره # و الخلق أعظم الأفعال فإنه لا يقدر عليه إلا الله فالقدرة عليه أعظم من ~~كل قدرة و ليس لها نظير من قدر المخلوقين # و أيضا فالتعليم بالقلم يستلزم القدرة فكل من الخلق و التعليم يستلزم ~~القدرة PageV16P353 # وكذلك كل منهما يستلزم العلم فإن المعلم لغيره يجب أن يكون هو عالما بما ~~علمه إياه و إلا فمن الممتنع ms1343 أن يعلم غيره ما لا يعلمه هو فمن علم كل شيء ~~الإنسان و غيره ما لم يعلم أول أن يكون عالما بما علمه و الخلق أيضا يستلزم ~~العلم كما قال تعالى ( ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير ( و ذلك من جهة ~~أن الخلق يستلزم الإرادة فإن فعل الشيء على صفة مخصوصة و مقدار مخصوص دون ~~ما هو خلاف ذلك لا يكون إلا بإرادة تخصص هذا عن ذاك و الإرادة تستلزم العلم ~~فلا يريد المريد إلا ما شعر به و تصور في نفسه و الإرادة بدون الشعور ~~ممتنعة # و أيضا فنفس الخلق خلق الإنسان هو فعل لهذا الإنسان الذي هو من عجائب ~~المخلوقات و فيه من الإحكام و الإتقان ما قد بهر العقول و الفعل المحكم ~~المتقن لا يكون إلا من عالم بما فعل و هذا معلوم بالضرورة # فالخلق يدل على العلم من هذا الوجه و من هذا الوجه # و قد قال في سورة الملك ( و هو اللطيف الخبير ( و هو بيان ما فى ~~المخلوقات من لطف الحكمة التى تتضمن إيصال الأمور إلى غاياتها بألطف الوجوه ~~كما قال يوسف عليه السلام ( إن ربى لطيف لما PageV16P354 يشاء ( و هذا ~~يستلزم العلم بالغاية المقصودة و العلم بالطريق الموصل و كذلك الخبرة # و بسط هذا يطول إذ المقصود هنا التنبيه على ما فى الآيات التى هي أول ما ~~أنزل # ثم إذا ثبت أنه قادر عالم فذلك يستلزم كونه حيا و كذلك الإرادة تستلزم ~~الحياة # و الحي إذا لم يكن سميعا بصيرا متكلما كان متصفا بضد ذلك من العمى و ~~الصمم و الخرس و هذا ممتنع في حق الرب تعالى فيجب أن يتصف بكونه سميعا ~~بصيرا متكلما # و الإرادة إما أن تكون لغاية حكيمة أو لا فإن لم تكن لغاية حكيمة كانت ~~سفها و هو منزه عن ذلك فيجب أن يكون حكيما # و هو إما أن يقصد نفع الخلق و الإحسان إليهم أو يقصد مجرد ضررهم و ~~تعذيبهم أو لا يقصد و احدا ms1344 منهما بل يريد ما يريد سواء كان كذا أو كذا و ~~الثاني شرير ظالم يتنزه الرب عنه و الثالث سفيه عابث فتعين أنه تعالى رحيم ~~كما أنه حكيم كما قد بسط في مواضع PageV16P355 $ فصل # إثبات صفات الكمال له طرق ( أحدها ( ما نبهنا عليه من أن الفعل مستلزم ~~للقدرة و لغيرها فمن النظار من يثبت أولا القدرة و منهم من يثبت أولا العلم ~~و منهم من يثبت أولا الإرادة و هذه طرق كثير من أهل الكلام # و هذه يستدل عليها بجنس الفعل و هي طريقة من لا يميز بين مفعول و مفعول ~~كجهم بن صفوان و من إتبعه # و هؤلاء لا يثبتون حكمة و لا رحمة إذ كان جنس الفعل لا يستلزم ذلك لكن هم ~~أثبتوا بالفعل المحكم المتقن العلم و كذلك تثبت بالفعل النافع الرحمة و ~~بالغايات المحمودة الحكمة # و لكن هم متناقضون في الإستدلال بالإحكام و الإتقان على العلم إذ كان ذلك ~~إنما يدل إذا كان فاعلا لغاية يقصدها و هم يقولون إنه يفعل لا لحكمة ثم ~~يستدلون بالأحكام على العلم و هو تناقض # كما تناقضوا فى المعجزات حيث جعلوها دالة على صدق النبى إما PageV16P356 ~~للعلم الضروري بذلك و إما لكونه لو لم تدل لزم العجز و هي إنما تدل إذا كان ~~الفاعل يقصد إظهارها ليدل بها على صدق الأنبياء فإذا قالوا إنه لا يفعل شيئ ~~لشيء تناقضوا # وأما الطريق الأخرى فى إثبات الصفات [ و ] هي الإستدلال بالأثر على ~~المؤثر و أن من فعل الكامل فهو أحق بالكمال # والثالثة طريقة قياس الأولى و هي الترجيح و التفضيل و هو أن الكمال إذا ~~ثبت للمحدث الممكن المخلوق فهو للواجب القديم الخالق أولى # و القرآن يستدل بهذه و هذه و هذه # فالإستدلال بالأثر على المؤثر أكمل كقوله تعالى ( و قالوا من أشد منا قوة ~~( قال الله تعالى ( أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ( # و هكذا كل ما فى المخلوقات من قوة و شدة تدل على أن ms1345 الله أقوى و أشد و ما ~~فيها من علم يدل على أن الله أعلم و ما فيها من علم و حياة يدل على أن الله ~~أولى بالعلم و الحياة PageV16P357 # و هذه طريقة يقر بها عامة العقلاء حتى الفلاسفة يقولون كل كمال في ~~المعلوم فهو من العلة # و أما الإستدلال بطريق الأولى فكقوله ( و لله المثل الأعلى ( و مثل قوله ~~( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء فى ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ( و أمثال ذلك مما يدل على ~~أن كل كمال لا نقص فيه يثبت للمحدث المخلوق الممكن فهو للقديم الواجب ~~الخالق أولى من جهة أنه أحق بالكمال لأنه أفضل # و ذاك من جهة أنه هو جعله كاملا و أعطاه تلك الصفات # وإسمه ( العلى ( يفسر بهذين المعنيين يفسر بأنه أعلى من غيره قدرا فهو ~~أحق بصفات الكمال و يفسر بأنه العالي عليهم بالقهر و الغلبة فيعود إلى أنه ~~القادر عليهم و هم المقدورون و هذا يتضمن كونه خالقا لهم و ربا لهم # و كلاهما يتضمن أنه نفسه فوق كل شيء فلا شيء فوقه كما قال النبى صلى الله ~~عليه و سلم ( أنت الأول فليس قبلك شيء و أنت الآخر فليس بعدك شيء و أنت ~~الظاهر فليس فوقك شيء و أنت الباطن فليس دونك شيء ( PageV16P358 فلا يكون ~~شيء قبله و لا بعده و لا فوقه و لا دونه كما أخبر النبى صلى الله عليه و ~~سلم و أثنى به على ربه و إلا فلو قدر أنه تحت بعض المخلوقات كان ذلك نقصا و ~~كان ذلك أعلى منه # وإن قيل إنه لا داخل العالم و لا خارجه كان ذلك تعطيلا له فهو منزه عن ~~هذا # و هذا هو العلي الأعلى مع أن لفظ ( العلي ( و ( العلو ( لم يستعمل فى ~~القرآن عند الإطلاق إلا فى هذا و هو مستلزم لذينك لم يستعمل فى مجرد القدرة ~~و لا فى مجرد الفضيلة # و لفظ ( العلو ( يتضمن ms1346 الإستعلاء و غير ذلك من الأفعال إذا عدى بحرف ~~الإستعلاء دل على العلو كقوله ( ثم استوى على العرش ( فهو يدل على علوه على ~~العرش # و السلف فسروا ( الإستواء ( بما يتضمن الإرتفاع فوق العرش كما ذكره ~~البخاري فى صحيحه عن أبي العالية فى قوله ( ثم استوى ( قال إرتفع و كذلك ~~رواه ابن أبي حاتم و غيره بأسانيدهم رواه من حديث آدم بن أبى إياس عن أبى ~~جعفر عن أبى الربيع عن أبى العالية ( ثم استوى ( قال إرتفع PageV16P359 و ~~قال البخاري و قال مجاهد في قوله ( ثم إستوى على العرش ( علا على العرش و ~~لكن يقال ( علا على كذا ( و ( علا عن كذا ( و هذا الثاني جاء فى القرآن فى ~~مواضع لكن بلفظ ( تعالى ( كقوله ( سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا ( ~~عالم الغيب و الشهادة فتعالى عما يشركون ( و بسط هذا له موضع آخر # و المقصود هنا أن كل واحد من ذكر أنه خلق و أنه الأكرم الذي علم بالقلم ~~يدل على هاتين الطريقتين من إثبات الصفات كما دلنا على الطريقة الأولى ~~طريقة الإستدلال بالفعل # فإن قوله ( الأكرم ( يقتضي أنه أفضل من غيره فى الكرم و الكرم إسم جامع ~~لجميع المحاسن فيقتضي أنه أحق بجميع المحامد و المحامد هي صفات الكمال ~~فيقتضي أنه أحق بالإحسان إلى الخلق و الرحمة و أحق بالحكمة و أحق بالقدرة و ~~العلم و الحياة و غير ذلك # و كذلك قوله ( خلق ( فإن الخالق قديم أزلي مستغن بنفسه واجب الوجود بنفسه ~~قيوم و معلوم أنه أحق بصفات الكمال من المخلوق المحدث الممكن # فهذا من جهة قياس الأولى و من جهة الأثر فإن الخالق لغيره PageV16P360 ~~الذي جعله حيا عالما قادرا سميعا بصيرا هو أولى بأن يكون حيا عالما قديرا ~~سميعا بصيرا # و ( الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ( فجعله عليما و ~~العليم لا يكون إلا حيا و كرمه أيضا أن يكون قديرا سميعا بصيرا و الأكرم ~~الذي جعل غيره عليما هو أولى أن يكون عليما ms1347 و كذلك فى سائر صفات الكمال و ~~المحامد # فهذا استدلال بالمخلوق الخاص و الأول استدلال بجنس الخلق و لهذا دل هذا ~~على ثبوت الصفات بالضرورة من غير تكلف و كذلك طريقة التفضيل و الأولى و أن ~~يكون الرب أولى بالكمال من المخلوق # و هذه الطرق لظهورها يسلكها غير المسلمين من أهل الملل و غيرهم كالنصارى ~~فإنهم أثبتوا أن الله قائم بنفسه حتى يتكلم بهذه الطريق لكن سموه ( جوهرا ( ~~و ضلوا في جعل الصفات ثلاثة و هي الأقانيم # فقالوا و جدنا الأشياء تنقسم إلى جوهر و غير جوهر و الجوهر أعلى النوعين ~~فقلنا هو جوهر ثم و جدنا الجوهر ينقسم إلى حي و غير حي و وجدنا الحي أكمل ~~فقلنا هو حي و وجدنا الحي ينقسم إلى ناطق و غير ناطق فقلنا هو ناطق ~~PageV16P361 # وكذلك يقال لهم في سائر صفات الكمال إن الأشياء تنقسم إلى قادر و غير ~~قادر و القادر أكمل و قد بسط ما فى كلامهم من صواب و خطأ فى الكتاب الذي ~~سميناه ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح # ( و المقصود هنا التنبيه على دلالة هذه الآية و هذه الآيات التى هي أول ~~ما نزل على أصول الدين # وقوله ( علم الإنسان ما لم يعلم ( يدل على قدرته على تعليم الإنسان ما قد ~~علمه مع كون جنس الإنسان فيه أنواع من النقص فإذا كان قادرا على ذلك ~~التعليم فقدرته على تعليم الأنبياء ما علمهم أولى و أحرى و ذلك يدخل فى ~~قوله ( علم الإنسان ما لم يعلم ( فإن الأنبياء من الناس # فقد دلت هذه الآيات على جميع الأصول العقلية فإن إمكان النبوات هو آخرما ~~يعلم بالعقل # و أما وجود الأنبياء و آياتهم فيعلم بالسمع المتواتر مع أن قوله ( علم ~~الإنسان ما لم يعلم ( يدخل فيه إثبات تعليمه للأنبياء ما علمهم فهي تدل على ~~الإمكان و الوقوع PageV16P362 # و قد ذكرنا فى مواضع أن تنزيهه يرجع إلى أصلين # تنزيهه عن النقص المناقض لكماله فما دل على ثبوت الكمال له فهو يدل ms1348 على ~~تنزهه عن النقص المناقض لكماله # و هذا مما يبين أن تنزهه عن النقص معلوم بالعقل بخلاف ما قال طائفة من ~~المتكلمين إن ذلك لا يعلم إلا بالسمع # و قد بينا في غيرهذا الموضع أن الطرق العقلية التى سلكوها من الإستدلال ~~بالأعراض على حدوث الأجسام لا تدل على إثباته و لا على إثبات شيء من صفات ~~الكمال و لا على تنزهه عن شيء من النقائص فليس عند القوم ما يحيلون به عنه ~~شيئا من النقائص و هم معترفون بأن الأفعال يجوز عليه منها كل شيء بخلاف ~~الصفات لكن طريقهم فى الصفات فاسد متناقض كما قد بسط فى غير هذا الموضع # الثاني أنه ليس كمثله شيء فى صفات الكمال # و القرآن مملوء بإثبات هذين الأصلين بإثبات صفات الكمال على و جه التفصيل ~~و تنزيهه عن التمثيل سبحانه و تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ~~PageV16P363 $ فصل # وقوله ( باسم ربك الذي خلق ( و قوله ( علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ~~( يدل على إثبات أفعاله و أقواله فالخلق فعله و التعليم يتناول تعليم ما ~~أنزله كما قال ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ( و قوله ( ~~بالقلم ( يتناول تعليم كلامه الذي يكتب بالقلم و نزوله فى أول السورة التى ~~أنزل فيها كلامه و علم نبيه كلامه الذي يكتب بالقلم دليل على شمول الآية ~~لذلك فإن سبب اللفظ المطلق و العام لابد أن يكون مندرجا فيه و إذا دل على ~~أنه خلق و تكلم # و قد قال ( خلق الإنسان ( و معلوم بالعقل و بالخطاب أن الإنسان المخلوق ~~غير خلق الرب له و كذلك خلقه لغيره # و الذين نازعوا فى ذلك إنما نازعوا لشبهة عرضت لهم كما قد ذكر بعد هذا و ~~فى مواضع و إلا فهم لا يتنازعون أن ( خلق ( فعل له مصدر يقال خلق يخلق خلقا ~~و الإنسان مفعول المصدر ( المخلوق ( ليس هو المصدر PageV16P364 # و لكن قد يطلق لفظ المصدر على المفعول كما يقال ( درهم ضرب الأمير ( و ~~منه قوله ( هذا خلق الله ms1349 ( و المراد هناك هذا مخلوق الله و ليس الكلام فى ~~لفظ ( خلق ( المراد به ( المخلوق ( بل في لفظ ( الخلق ( المراد به ( الفعل ~~( الذي يسمى المصدر كما يقال خلق يخلق خلقا و كقوله ( ما خلقكم و لا بعثكم ~~إلا كنفس و احدة ( و قوله ( يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ( و ~~قوله ( ما أشهدتهم خلق السموات و الأرض و لا خلق أنفسهم ( # و إذا كان الخلق فعله فهو بمشيئته إذ يمتنع أن يكون فعله بغير مشيئة و ما ~~كان بالمشيئة إمتنع قدم عينه بل يجوز قدم نوعه # و إذا كان الخلق للحادث لابد له من مؤثر تام أوجب حدوثه لزم أنه لم يزل ~~متصفا بما يقوم به من الأمور الإختيارية لكن إن يثبت أنه كان قبل هذا ~~المخلوق مخلوق آخر ثبت أنه متصف بخلق بعد خلق # و كذلك الكلام هو متكلم بمشيئته و يمتنع أن لا يكون متكلما ثم يصير ~~متكلما لوجهين # ( أحدهما ( أنه سلب لكماله و الكلام صفة كمال # ( و الثاني ( أنه يمتنع حدوث ذلك فإن من لا يكون متكلما يمتنع ~~PageV16P365 أن يجعل نفسه متكلما و من لا يكون عالما يمتنع أن يجعل نفسه ~~عالما و من لا يكون حيا يمتنع أن يجعل نفسه حيا فهذه الصفات من لوازم ذاته # و كذلك من لا يكون خالقا يمتنع أن يجعل نفسه خالقا فإنه إذا لم يكن قادرا ~~على أن يخلق فجعله خالقة أعظم فيكون هذا ممتنعا بطريق الأولى فإن جعل نفسه ~~خالقة يستلزم و جود المخلوق # و لهذا لما كان قادرا على جعل الإنسان فاعلا كان هو الخالق لما يفعله ~~الإنسان فلو جعل نفسه خالقة كان هو الخالق لما جعلها تخلقه # فإذا فرض أنه يمتنع أن يكون خالقا فى الأزل إمتنع أن يجعل نفسه خالقة ~~بوجه من الوجوه و يلزم من القول بإمتناع الفعل عليه في الأزل إمتناعه دائما ~~و قد دلت الآية على أنه خلق فعلم أنه ما زال قادرا على الخلق ما زال يمكنه ~~أن يخلق و ms1350 ما زال الخلق ممكنا مقدورا و هذا يبطل أصل الجهمية # بل و إذا كان قادرا عليه فالموجب له ليس شيئا بائنا من خارج بل هو من ~~نفسه فيمتنع أن يجعل نفسه مريدة بعد أن لم تكن فيلزم أنه ما زال مريدا ~~قادرا و إذا حصلت القدرة و الإرادة و جب و جود المقدور PageV16P366 # وأهل الكلام الذين ينازعون فى هذا يقولون لم يزل قادرا على ما سيكون # فيقال لهم القدرة لا تكون إلا مع إمكان المقدور إذا كانت القدرة دائمة ~~فهل كان يمكنه أن يفعل المقدور دائما و هم يقولون لا بل الإمكان إمكان ~~الفعل حادث و هذا يناقض إثبات القدرة و إن قالوا بل الإمكان حاصل تبين أنه ~~لم يزل الفعل ممكنا فثبت إمكان و جود ما لا يتناهي من مقدور الرب # و حينئذ فإذا كان لم يزل قادرا و الفعل ممكنا و هذا الممكن قد وجد فما لا ~~يزال فالموجب لوجود جنس المقدور كالإرادة مثلا إما أن يكون وجودها فى الأزل ~~ممتنعا فيلزم إمتناع الفعل و قد بينا أنه ممكن # و أيضا إذا كان وجودها ممتنعا لم يزل ممتنعا لأنه لا شيء هناك يجعلها ~~ممكنة فضلا عن أن تكون موجودة و معلوم أن وجودها بعد أن لم تكن لابد له من ~~موجب و إذا كان وجودها فى الأزل ممكنا فوجود هذا الممكن لا يتوقف على غير ~~ذاته و ذاته كافية فى حصوله فيلزم أنه لم يزل مريدا # و هكذا فى جميع صفات الكمال متى ثبت إمكانها فى الأزل لزم PageV16P367 ~~وجودها فى الأزل فإنها لو لم توجد لكانت ممتنعة إذ ليس فى الأزل شيء سوى ~~نفسه يوجب و جودها فإذا كانت ممكنة و المقتضي التام لها نفسه لزم وجوبها فى ~~الأزل # و هذا مما يدل على أنه لم يزل حيا عليما قديرا مريدا متكلما فاعلا إذ لا ~~مقتضى لهذه الأشياء إلا ذاته و ذاته و حدها كافية في ذلك فيلزم قدم النوع و ~~أنه لم يزل متكلما إذا شاء لكن ms1351 أفراد النوع تحصل شيئا بعد شيء بحسب الإمكان ~~و الحكمة # و لهذا قد بين فى مواضع أنه ليس فى نفس الأمر ممكن يستوي طرفا وجوده و ~~عدمه بل إما أن يحصل المقتضى لوجوده فيجب أو لا يحصل فيمتنع [ فما ] إتصف ~~به الرب فإتصافه به واجب و ما لم يتصف به فإتصافه به ممتنع و ما شاء كان و ~~وجب وجوده و ما لم يشأ لم يكن و إمتنع وجوده فالممكن مع مرجحه التام واجب و ~~بدونه ممتنع # ففى قوله تعالى ( إقرأ بإسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ( و فى قوله ~~( إقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم ( دلالة على ثبوت صفات الكمال له و ~~أنه لم يزل متصفا بها # و أقوال السلف فى ذلك كثيرة و بهذا فسروا قوله ( و كان الله PageV16P368 ~~عزيزا حكيما ( و نحوه كما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس و رواه ابن ~~أبى حاتم من عدة طرق لما قيل له قوله ( و كان الله ( كأنه كان شيء ثم مضى ~~فقال إبن عباس هو سمى نفسه بذلك و لم يزل كذلك # هذا لفظ ابن أبى حاتم من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس فقال ابن عباس كذلك كان و لم يزل # و من رواية عمرو بن أبي قيس عن مطرف عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال أتاه رجل فقال سمعت الله يقول ( و كان الله ( كأنه شيء كان فقال ~~ابن عباس أما قوله ( كان ( فإنه لم يزل و لا يزال و ( هو الأول و الآخر و ~~الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم ( # و من رواية عبدالرحمن بن مغرا عن مجمع بن يحيى عن عمه عن ابن عباس قال ~~قال يهودي إنكم تزعمون أن الله كان عزيزا حكيما فكيف هو اليوم فقال ابن ~~عباس إنه كان فى نفسه عزيزا حكيما # و هذه أقوال ابن عباس تبين أنه لم يزل متصفا بخبر ms1352 ( كان ( و لا ~~PageV16P369 يزال كذلك و أن ذلك حصل له من نفسه فلم يزل متصفا فى نفسه إذا ~~كان من لوازم نفسه و لهذا لا يزال لأنه من نفسه # و قال أحمد بن حنبل لم يزل الله عالما متكلما غفورا و قال أيضا لم يزل ~~الله متكلما إذا شاء $ فصل # وكما أنه أول آية نزلت من القرآن تدل على ذلك فأعظم آية فى القرآن تدل ~~على ذلك لكن مبسوطا دلالة أتم من هذا # و هي آية الكرسي كما ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه و سلم قال ~~لأبي بن كعب يا أبا المنذر أتدري أي آية فى كتاب الله معك أعظم ( فقال ( ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( فقال ( ليهنك العلم أبا المنذر ( # و هنا إفتتحها بقوله ( الله ( و هو أعظم من قوله ( و ربك ( و لهذا إفتتح ~~به أعظم سورة فى القرآن فقال ( الحمد لله رب العالمين ( PageV16P370 # و قال ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( إذا كان المشركون قد اتخذوا ~~إلها غيره و إن قالوا بأنه الخالق ففى قوله ( خلق ( لم يذكر نفي خالق آخر ~~إذ كان ذلك معلوما فلم يثبت أحد من الناس خالقا آخر مطلقا خلق كل شيء و خلق ~~الإنسان و غيره بخلاف الإلهية # قال تعالى ( قالوا حرقوه و انصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ( و قال تعالى ( ~~و انطلق الملأ منهم أن امشوا و اصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ( و قال ~~تعالى ( أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله و ~~أحد ( و قال تعالى ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا ( # فابتغوا معه آلهة أخرى و لم يثبتوا معه خالقا آخر # فقال فى أعظم الآيات ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( ذكره فى ثلاثة ~~مواضع من القرآن كل موضع فيه أحد أصول الدين الثلاثة و هى التوحيد و الرسل ~~و الآخرة # هذه التى بعث بها جميع ms1353 المرسلين و أخبر عن المشركين أنهم يكفرون بها في ~~مثل قوله ( و لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا و الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~و هم بربهم يعدلون ( PageV16P371 # فقال هنا ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( قرنها بأنه لا إله إلا هو # و زاد فى آل عمران ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا بما بين يديه و أنزل ~~التوراة و الإنجيل من قبل هدى للناس و أنزل الفرقان ( و هذا إيمان بالكتب و ~~الرسل # و قال فى طه ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن و رضى له قولا ~~يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون به علما و عنت الوجوه للحى ~~القيوم و قد خاب من حمل ظلما ( $ فصل # ومن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه من الصفات الفعلية ~~كقوله فى هذه السورة ( الذي خلق خلق الإنسان من علق ( و ( الخلق ( مذكور في ~~مواضع كثيرة و كذلك غيره من الأفعال و هو نوعان # فعل متعد إلى مفعول به مثل ( خلق ( فإنه يقتضى مخلوقا و كذلك ( رزق ( ~~كقوله ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم PageV16P372 هل من ~~شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ( و كذلك الهدى و الإضلال و التعليم و ~~البعث و الإرسال و التكليم # و كذلك ما أخبر به من قوله ( فقضاهن سبع سموات فى يومين ( فسواهن سبع ~~سموات ( و قوله ( و السماء بنيناها بأيد ( و قوله ( الذي جعل لكم الأرض ~~فراشا و السماء بناء و أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ( ~~و قوله فى الآية الأخرى ( الذي جعل لكم الأرض قرارا و السماء بناء و صوركم ~~فأحسن صوركم و رزقكم من الطيبات ( و هذا فى القرآن [ كثير ] جدا # و الأفعال اللازمة كقوله ( ثم استوى إلى السماء ( ثم استوى على العرش ( ~~هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتى ربك أو يأتي بعض آيات ms1354 ربك ( و قوله ( و جاء ربك و الملك ~~صفا صفا ( # فأما النوع الأول فالمسلمون متفقون على إضافته إلى الله و أنه هو الذي ~~يخلق و يرزق ليس ذلك صفة لشيء من مخلوقاته # لكن هل قام به فعل هو الخلق أو الفعل هو المفعول و الخلق هو المخلوق و ~~هذا فيه قولان لمن يثبت إتصافه بالصفات فأما PageV16P373 من ينفى الصفات من ~~الجهمية و المعتزلة فهم ينفون قيام الفعل به بطريق الأولى # لكن منهم من يجعل الخلق غير المخلوق و يجعل الخلق إما معنى قام بالمخلوق ~~أو المعانى المتسلسلة كما يقوله معمر بن عباد أو يجعل الخلق قائما لا فى ~~محل كقول بعضهم أنه قول ( كن ( لا في محل و قول البصريين إنه إرادة لا في ~~محل و هذا فرار منهم عن قيام الحوادث يه مع أن منهم من يلتزم ذلك كما ~~إلتزمه أبو الحسين و غيره # و الجمهور المثبتون للصفات هم في الأفعل على قولين # منهم من يقول لا يقوم به فعل و إنما الفعل هو المفعول و هذا قول طائفة ~~منهم الأشعرى و من وافقه من أصحابه و غير أصحابه كابن عقيل و غيره و هو أول ~~قولى القاضي أبى يعلى # و هؤلاء يقسمون الصفات إلى ذاتية و معنوية و فعلية و هذا تقسيم لا حقيقة ~~له فإن الأفعال عندهم لا تقوم به فلا يتصف بها لكن يخبر عنه بها # و هذا التقسيم يناسب قول من قال الصفات هي الأخبار التى PageV16P374 يخبر ~~بها عنه لا معانى تقوم به كما تقول ذلك الجهمية و المعتزلة فهؤلاء إذا ~~قالوا الصفات تنقسم إلى ذاتية و فعلية أرادوا بذلك ما يخبر به عنه من ~~الكلام تارة يكون خبرا عن ذاته و تارة عن المخلوقات ليس عندهم صفات تقوم به ~~فمن فسر الصفات بهذا أمكنه أن يجعلها ثلاثة أقسام ذاتية و معنوية و فعلية # وأما من كان مراده بالصفات ما يقوم به فهذا التقسيم لا يصلح على أصلهم و ~~لكن أخذوا التقسيم عن أولئك و ms1355 هم مخالفون لهم فى المراد بالصفات # و هذا التقسيم موجود فى كلام أبى الحسن و من و افقه كالقاضى أبى يعلى و ~~أبي المعالي و الباجي و غيرهم # والقول الثانى إنه تقوم به الأفعال و هذا قول السلف و جمهور مثبتة الصفات # ذكر البخاري فى كتاب ( خلق أفعال العباد ( أن هذا إجماع العلماء خالق و ~~خلق و مخلوق و ذكره البغوى قول أهل السنة و ذكره أبو نصر محمد بن إسحاق ~~الكلاباذي فى كتاب ( التعرف بمذاهب التصوف ( أنه قول الصوفية و هو قول ~~الحنفية مشهور عندهم يسمونه PageV16P375 ( التكوين ( و هو قول الكرامية و ~~الهشامية و نحوهما و هو قول القدماء من أصحاب مالك و الشافعي و أحمد و هو ~~آخر قولي القاضي أبى [ يعلى ] # ثم إذا قيل الخلق غير المخلوق و إنه قائم بالرب فهل هو خلق قديم لازم ~~لذات الرب مع حدوث المخلوقات كما يقوله أصحاب أبى حنيفة و غيرهم أو هو خلق ~~حادث بذاته حدث لما حدث جنس المخلوقات أم خلق بعد خلق على ثلاثة أقوال # و هذا أو هذا هو الذي عليه أئمة السنة و الحديث و جمهورهم و هو قول طوائف ~~من أهل الكلام من الكرامية و الهشامية و غيرهم # فمن قال ( إنه يتكلم بمشيئته و إختياره كلاما يقوم بذاته يمكنه أن يقول ~~إنه يفعل بإختياره و مشيئته فعلا يقوم بذاته ( # والذين يقولون بقيام الأمور الإختيارية بذاته منهم من يصحح دليل الأعراض ~~و الإستدلال به على حدوث الأجسام كالكرامية و متأخرى الحنفية و المالكية و ~~الحنبلية و الشافعية و منهم من لا يصححه كأئمة السلف و أئمة السنة و الحديث ~~و أحمد بن حنبل و البخاري و غيرهم PageV16P376 و هذه المسألة يعبر عنها ب ( ~~مسألة التأثير ( هل هوأمر وجودي أم لا و هل التأثير زائد على المؤثر و ~~الأثر أم [ لا ] و كلام الرازي فى ذلك مختلف كما قد بسط الكلام على ذلك فى ~~مواضع # و عمدة الذين قالوا إن الخلق هو المخلوق و التأثير هو ms1356 و جود الأثر لم ~~يثبتوا زائدا أن قالوا لو كان الخلق و التأثير زائدا على ذات المخلوق و ~~الأثر لكان إما أن يقوم بمحل أولا و الثانى باطل فإن المعاني لا تقوم ~~بأنفسها و هذا رد على طائفة من المعتزلة قالوا يقوم بنفسه # قالوا و إذا قام بمحل فإما أن يقوم بالخالق أو بغيره و الثاني باطل لأنه ~~لو قام بغيره لكان ذلك الغير هو الخالق لا هو و هذا رد على طائفة ثانية ~~يقولون إنه يقوم بالمخلوق # و إذا قام بالخالق فإما أن يكون قديما أو محدثا و لو كان قديما للزم قدم ~~المخلوق فإن الخلق و المخلوق متلازمان فوجود خلق بلا مخلوق ممتنع و كذلك و ~~جود تأثير بلا أثر # و إن كان محدثا فهو باطل لوجهين ( أحدهما ( أنه يلزم قيام الحوادث به ( و ~~الثاني ( أن ذلك الخلق الحادث يفتقر إلى خلق آخر و يلزم التسلسل و معمر بن ~~عباد إلتزم التسلسل و جعل للخلق خلقا و للخلق خلقا PageV16P377 لكن لا فى ~~ذات الله و جعل ذلك فى و قت و أحد # فهذه عمدة هؤلاء و كل طائفة تخالفهم منعت مقدمة من مقدمات دليلهم # فمن جوز أن يقوم بنفسه أو بالمخلوق منع تينك المقدمتين و أما الجمهور فكل ~~أجاب بحسب قوله # منهم من قال بل الخلق و التكوين قديم كما أن الإرادة عندكم قديمة و مع ~~القول بقدمها لم يلزم تقدم المراد كذلك الخلق و التكوين قديم و لا يلزم ~~تقدم المخلوق و هذا لازم للكلابية من الأشعرية و غيرهم لا جواب لهم عنه # لكن لا يلزم من نفى قدم إرادة معينة بل نفى قدم الإرادة كما يقوله ~~الجهمية و المعتزلة أو يقول بقدم نوع الإرادة كما يقوله أئمة أهل الحديث و ~~من وافقهم من الفلاسفة و المتكلمين و غيرهم # لكن صاحب هذا القول يقال له التكوين القديم إما أن يكون بمشيئته و إما أن ~~لا يكون بمشيئته فإن كان بغير مشيئته لزم أن يكون قد خلق الخلق ms1357 بلا مشيئته ~~و إن كان بمشيئته لزم أن يكون القديم مرادا و هذا باطل و لو صح لأمكن كون ~~العالم قديما مع كونه مخلوقا PageV16P378 بخلق قديم بإرادة قديمة و معلوم ~~أن هذا باطل و لهذا كان كل من قال ( القرآن قديم ( يقولون تكلم بغير مشيئته ~~و قدرته # فالمفعول المراد لا يكون إلا حادثا و كذلك الفعل المراد لا يكون إلا ~~حادثا # و أيضا فهؤلاء المنازعون لهم يقولون الإرادة مستلزمة للمراد و الخلق ~~مستلزم للمخلوق و ما ذكر حجة على هؤلاء و هؤلاء فإن الإرادة و الخلق من ~~الأمور الإضافية و ثبوت إرادة بلا مراد و خلق بلا مخلوق ممتنع لكن المنازع ~~يقول توجد الإرادة و الخلق و يتأخر المراد المخلوق # فيقال لهؤلاء تقولون توجد الإرادة أو الخلق مع الإرادة و لا يوجد لا ~~المراد و لا المخلوق ثم بعد ذلك بما لا يتناهى من تقدير الأوقات يوجد ~~المراد المخلوق من غير سبب و هذا معلوم البطلان فى بداية العقول فإن ~~الإرادة أو الخلق كان موجودا مع القدرة فإن كان هذا مؤثرا تاما إستلزم وجود ~~الأثر و لزم وجود الأثر عند و جود المؤثر التام # فإن الأثر ( ممكن ( و الممكن يجب وجوده عند و جود المرجح PageV16P379 ~~التام إذ لو لم يكن كذلك كان جائزا بعد وجود المرجح يقبل الوجود و العدم و ~~حينئذ فيفتقر إلى مرجح و هذا يستلزم التسلسل و لا ينقطع التسلسل إلا إذا ~~وجد المرجح التام الموجب # و هنا تنازع الناس فقالت طائفة مثل محمد بن الهيصم الكرامي و محمود ~~الخوارزمي يكون الممكن أولى بالوقوع لكن لا ينتهي إلى حد الوجوب # و قال أكثر المعتزلة و الأشعرية بل لا يصير أولى و لكن القادر أو القادر ~~المريد يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح # و آخرون عرفوا أن هذا لازم فاعترفوا بأنه عند وجود المرجح التام يجب وجود ~~الأثر و عند الداعى التام مع القدرة يجب وجود الفعل كما اعترف بذلك أبو ~~الحسين البصرى و الرازي و الطوسى و غيرهم ms1358 و كثير من قدماء المتكلمين يقولون ~~بالإرادة الموجبة و أن الإرادة تستلزم وجود المراد # و المتفلسفة أوردوا هذا على المتكلمين لكن بأن الأثر يقارن وجود التأثير ~~فيكون معه بالزمن # و كثير من الناس لا يعرف إلا هذا القول و ذاك القول PageV16P380 كالرازي ~~و غيره فيبقون حيارى في هذا الأصل العظيم الذي هو من أعظم أصول العلم و ~~الدين و الكلام # وقد بسطنا الكلام على هذا فى غير موضع و بينا أن قولا ثالثا هو الصواب ~~الذي عليه أئمة العلم و هو أن التأثير التام يستلزم وجود الأثر عقبه لا معه ~~فى الزمان و لا متراخيا عنه # فمن قال بالتراخي من أهل الكلام فقد غلط و من قال بالإقتران كالمتفلسفة ~~فهم أعظم غلطا و يلزم قولهم من المحالات ما قد بيناه فى مواضع # و أما هذا القول فعليه يدل السمع و العقل قال الله تعالى ( إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( و العقلاء يقولون ( قطعته فإنقطع و كسرته ~~فانكسر ( و ( طلق المرأة فطلقت و أعتق العبد فعتق ( فالعتق و الطلاق يقعان ~~عقب الإعتاق و التطليق لا يتراخى الأثر و لا يقارن و كذلك الإنكسار و ~~الإنقطاع مع القطع و الكسر # و هذا مما يبين أنه إذا وجد الخلق لزم وجود المخلوق عقبه كما يقال كون ~~الله الشيء فتكون فتكونه عقب تكوين الله لا مع التكوين و لا متراخيا ~~PageV16P381 # و كذلك الإرادة التامة مع القدرة تستلزم وجود المراد والمقدور # فهو يريد أن يخلق فيوجد الخلق بإرادته و قدرته ثم الخلق يستلزم وجود ~~المخلوق و إن كان ذلك الخلق حادثا بسبب آخر يكون هذا عقبه فإنما فى ذلك و ~~جود الأثر عقب المؤثر التام و التسلسل في الآثار و كلاهما حق و الله أعلم # و أما المخلوق فلا يكون إلا بائنا عنه لا يقوم به مخلوق بل نفس الإرادة ~~مع القدرة تقتضي وجود الخلق كما تقتضي وجود الكلام # و لا يفتقر الخلق إلى خلق آخر بل يفتقر إلى ما ms1359 به يحصل و هو الإرادة ~~المتقدمة و إذا خلق شيئا أراد خلق شيء آخر و ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن # و من قال إن الخلق حادث كالهشامية و الكرامية قال نحن نقول بقيام الحوادث # و لا دليل على بطلان ذلك بل العقل و النقل و الكتاب و السنة و إجماع ~~السلف يدل على تحقيق ذلك كما قد بسط فى موضعه PageV16P382 # و لا يمكن القول بأن الله يدبر هذا العالم إلا بذلك كما اعترف بذلك أقرب ~~الفلاسفة إلى الحق كأبي البركات صاحب ( المعتبر ( و غيره # و أما قولهم يلزم أن للخلق خلقا آخر فقد أجابهم من يلتزم ذلك كالكرامية و ~~غيرهم بأنكم تقولون إن المخلوقات المنفصلة تحدث بلا حدوث سبب أصلا و حينئذ ~~فالقول بحدوث الخلق الذي تحصل به المخلوقات بلا حدوث سبب أقرب إلى العقل و ~~النقل # و هذا جواب لازم على هذا التقدير تقدير قيام الأمور الإختيارية # و الكرامية يسمون ما قام به ( حادثا ( و لا يسمونه ( محدثا ( كالكلام ~~الذي يتكلم به القرآن أو غيره يقولون هو حادث و يمنعون أن يقال هو محدث لأن ~~( الحادث ( يحدث بقدرته و مشيئته ك ( الفعل ( و أما ( المحدث ( فيفتقر إلى ~~إحداث فيلزم أن يقوم بذاته إحداث غير المحدث و ذلك الإحداث يفتقر إلى إحداث ~~فيلزم التسلسل # و أما غير الكرامية من أئمة الحديث و السنة و الكلام فيسمون ذلك ( محدثا ~~( كما قال ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ( PageV16P383 وفى الصحيحين عن ~~ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( إن الله يحدث من أمره ما ~~يشاء و إن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة ( و الذي أحدثه هو النهي عن ~~تكلمهم في الصلاة # و قولهم ( إن المحدث يفتقر إلى إحداث و هلم جرا ( هذا يستلزم التسلسل فى ~~الآثار مثل كونه متكلما بكلام بعد كلام و كلمات الله لا نهاية لها و أن ~~الله لم يزل متكلما إذا شاء و هذا قول أئمة السنة و ms1360 هو الحق الذي يدل عليه ~~النقل و العقل # و كذلك أفعاله فإن الفعل و الكلام صفة كمال فإن من يتكلم أكمل ممن لا ~~يتكلم و من يخلق أكمل ممن لا يخلق قال تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ~~تذكرون ( # و حينئذ فهو ما زال متصفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الإكرام و الجلال # و بهذا تزول أنواع الإشكال و يعلم أن ما أخبرت به الرسل عن الله من أصدق ~~الأقوال و أن دلائل العقول لا تدل إلا على ما يوافق أخبار الرسول # و لكن نشأ الغلط من جهل كثير من الناس بما أخبر به الرسول PageV16P384 و ~~سلوكهم أدلة برأيهم ظنوها عقلية و هى جهلية فغلطوا فى الدلائل السمعية و ~~العقلية فاختلفوا ( و إن الذين إختلفوا فى الكتاب لفي شقاق بعيد ( # و قد بسط الكلام على هذا فى مواضع فى مسألة الكلام و الأفعال و ذكر ما ~~تيسر من كلام السلف و الأئمة في هذا الأصل و المقصود هنا التنبيه على مآخذ ~~الأقوال # و هذا الموضع مما بينه أئمة السنة كالإمام أحمد و غيره فتكلم فى ( الرد ~~على الجهمية ( على قوله ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ( و بين أن ( الجعل ( من ~~الله قد يكون ( خلقا ( كقوله ( و جعل الظلمات و النور ( و قد يكون ( فعلا ~~ليس بخلق ( و قوله ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ( من هذا الباب # و ذلك أن الخلق و نحوه من الأفعال التى ليست خلقا مثل تكلمه بالقرآن و ~~غيره و تكلمه لموسى و غيره و مثل النزول و الإتيان و المجيء و نحو ذلك فهذه ~~إنما تكون بقدرته و مشيئته و بأفعال أخر تقوم بذاته ليست خلقا # و بهذا يجيب البخاري و غيره من أئمة السنة للكرامية إذا قالوا ( المحدث ~~لابد له من إحداث ( فيقول ( نعم و ذلك الإحداث PageV16P385 فعل ليس بخلق ( ~~و ( التسلسل ( نلتزمه # فإن التسلسل الممتنع هو وجود المتسلسلات فى آن واحد كوجود خالق للخالق و ~~خالق للخالق أو للخلق خلق و للخلق خلق في آن واحد ms1361 و هذا ممتنع من وجوه منها ~~وجود ما لا يتناهى فى آن واحد و هذا ممتنع مطلقا و منها أن كل ما ذكر يكون ~~( محدثا ( لا ( ممكنا ( و ليس فيها موجود بنفسه ينقطع به التسلسل إذا كان ~~أولى بالإمتناع # بخلاف ما إذا قيل ( كان قبل هذا الكلام كلام و قبل هذا الفعل فعل ( جائز ~~عند أكثر العقلاء أئمة السنة و أئمة الفلاسفة و غيرهم فإذا قيل ( هذا ~~الكلام المحدث أحدثه فى نفسه ( كان هذا معقولا و هو مثل قولنا ( تكلم به ( ~~و هو معنى قوله ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ( أي تكلمنا به عربيا و أنزلناه ~~عربيا # و كذلك فسره السلف كإسحاق بن راهويه و ذكره عن مجاهد قال ( جعلناه قرآنا ~~عربيا ( قلناه عربيا ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره عن إسحاق بن راهويه قال ~~ذكر لنا عن مجاهد و غيره من التابعين ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ( إنا قلناه ~~و وصفناه و ذكره PageV16P386 عن أحمد بن حنبل عن الأشجعي عن سفيان الثوري ~~فى قوله ( جعلناه قرآنا عربيا ( بيناه قرآنا عربيا # والإنسان يفرق بين تكلمه و تحركه فى نفسه و بين تحريكه لغيره و قد إحتج ~~سفيان بن عيينة و غيره من السلف على أنه غير مخلوق بأن الله خلق الأشياء ب ~~( كن ( فلو كانت ( كن ( مخلوقة لزم أن يكون خلق مخلوقا بمخلوق فيلزم ~~التسلسل الباطل # و ذلك أنه إذا لم يخلق ب ( كن ( فلو كانت ( كن ( مخلوقة لزم أن لا يخلق ~~شيئا و هو الدور الممتنع فإنه لا يخلق شيئا حتى يقول ( كن ( و لا يقول ( كن ~~( حتى يخلقها فلا يخلق شيئا و هذا تسلسل فى أصل التأثير و الفعل مثل أن ~~يقال لا يفعل حتى يفعل فيلزم أن لا يفعل و لا يخلق حتى يخلق فيلزم أن لا ~~يخلق # و أما إذا قيل قال ( كن ( و قبل ( كن ( كن ( و قبل ( كن ( كن ( فهذا ليس ~~بممتنع فإن هذا تسلسل في آحاد التأثير لا في جنسه كما أنه فى المستقبل يقول ms1362 ~~( كن ( بعد ( كن ( و يخلق شيئا بعد شيء إلى غير نهاية # فالمخلوقات التامة يخلقها بخلقه و خلقه فعله القائم به و ذلك إنما يكون ~~بقدرته و مشيئته PageV16P387 # و إذا قيل هذا الفعل قائم به يفتقر إلى فعل آخر يكون هو المؤثر في وجوده ~~غير القدرة و الإرادة فإنه لو كان مجرد ذلك كافيا كفى فى وجود المخلوق فلما ~~كان لابد له من خلق فهذا الخلق أمر حادث بعد أن لم يكن و هو فعل قائم به ~~فالمؤثر التام فيه يكون مستلزما له مستعقبا له كالمؤثر التام فى وجود ~~الكلام الحادث بذاته # و المتكلم من الناس إذا تكلم فوجود الكلام لفظه و معناه مسبوق بفعل آخر ~~فلابد من حركة تستعقب و جود الحروف التى هي الكلام فتلك الحركة هي التى ~~تجعل الكلام عربيا أو عجميا و هو فعل يقوم بالفاعل وذلك الجعل الحادث حدث ~~بمؤثر تام قبله أيضا # و ذات الرب هي المقتضية لذلك كله فهى تقتضي الثاني بشرط إنقضاء الأول لا ~~معه و إقتضاؤها للثاني فعل يقوم بها بعد الأول و هي مقتضية لهذا التأثير و ~~هذا التأثير # ثم هذا التأثير و كل تأثير هو مسبب عما قبله و شرط لما بعده و ليس فى ذلك ~~شيء مخلوق و إن كانت ( حادثة ( # و إن قال قائل أنا اسمى هذا ( خلقا ( كان نزاعه لفظيا و قيل له الذين ~~قالوا ( القرآن مخلوق ( لم يكن مرادهم هذا و لا رد السلف و الأئمة هذا إنما ~~ردوا قول من جعله مخلوقا بائنا عن الله كما قال PageV16P388 الإمام أحمد ~~كلام الله من الله ليس بائنا عنه # و قالوا القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ # قال أحمد منه بدأ المتكلم به لم يبدأ من مخلوق كما قال من قال إنه مخلوق ~~قال تعالى ( و الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ( # و لهذا لا يقول أحد إنه خلق نزوله و استواءه و مجيئه و كذلك تكليمه لموسى ~~و نداؤه له ناداه و كلمه ms1363 بمشيئته و قدرته و التكليم فعل قام بذاته و ليس ~~وهو الخلق كما أن الإنسان إذا تكلم فقد فعل كلاما و أحدث كلاما و لكن فى ~~نفسه لا مباينا له # و لهذا كان الكلام صفة فعل و هو صفة ذات أيضا على مذهب السلف و الأئمة # و من قال إنه مخلوق يقول إنه صفة فعل و يجعل الفعل بائنا عنه و الكلام ~~بائنا عنه و من قال صفة ذات يقول إنه يتكلم بلا مشيئته و قدرته # و مذهب السلف أنه يتكلم بمشيئته و قدرته و كلامه قائم به فهو صفة ~~PageV16P389 ذات و صفة فعل و لكن الفعل هنا ليس هو الخلق بل كما قال الإمام ~~أحمد الجعل جعلان جعل هو خلق و جعل ليس بخلق وهذا كله يستلزم قيام الأفعال ~~بذاته و أنها تنقسم إلى قسمين أفعال متعدية كالخلق و أفعال لازمة كالتكلم و ~~النزول و السلف يثبتون النوعين هذا و غيره # و أما جعل القرآن عربيا و إن كان متعديا في صناعة العربية بمعنى أنه نصب ~~مفعولا ففي ( الكلام ( الفعل الذي هو ( التكلم ( متصلا بالمفعول الذي هو ( ~~الكلام ( كلاهما قائم بالمتكلم # و لهذا قد يراد بالمفعول المصدر إذا قلت ( قال قولا حسنا ( فقد يراد ب ( ~~القول ( المصدر فقط و قد يراد به ( الكلام ( فقط فيكون المفعول و قد يراد ~~به المجموع فيكون مفعولا به و مصدرا # و كذلك ( القرآن ( هو في الأصل ( قرأ قرآنا ( و هو الفعل و الحركة ثم سمى ~~الكلام المقروء ( قرآنا ( قال تعالى في الأول ( إن علينا جمعه و قرآنه فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه ( و قال في الثاني ( إن هذا القرآن ( # و قد بسط هذا فى غير هذا الموضع و بين أن التلاوة و القراءة فى ~~PageV16P390 الأصل مصدر ( تلا تلاوة و قرأ قراءة كالقرآن ( لكن يسمى به ~~الكلام كما يسمى بالقرآن و حينئذ فتكون القراءة هي المقروء و التلاوة هي ~~المتلو # و قد يراد بالتلاوة و القراءة المصدر الذي هو الفعل فلا تكون القراءة و ~~التلاوة ms1364 هي المقروء المتلو بل تكون مستلزمة له # و قد يراد بالتلاوة و القراءة مجموع الأمرين فلا تكون هي المتلو لأن فيها ~~الفعل و لا تكون مباينة مغايرة للمتلو لأن المتلو جزؤها # هذا إذا أريد بالقراءة و المقروء شيء و أحد معين مثل قراءة الرب و مقروءه ~~أو قراءة العبد و مقروءه و أما إذا أريد بالقراءة قراءة العبد و هي حركته و ~~بالمقروء صفة الرب فلا ريب أن حركة العبد ليست صفة الرب # و لكن هذا تكلف بل قراءة العبد مقروءه كمقروئه و قراءته للقرآن إذا عنى ~~بها نفس القرآن فهي مقروءه و إن عنى بها حركته فليست مقروءه و إن عنى بها ~~الأمران فلا يطلق أحدهما # و لهذا كان من المنتسبين إلى السنة من يقول القراءة هي المقروء و منهم من ~~يقول القراءة غير المقروء و منهم من لا يطلق واحدا PageV16P391 منهما و لكل ~~قول وجه من الصواب عند التصور التام و الإنصاف و ليس فيها قول يحيط بالصواب ~~بل كل قول فيه صواب من وجه و قد يكون خطأ من وجه آخر # و البخارى إنما يثبت خلق أفعال العباد حركاتهم و أصواتهم و هذه القراءة ~~هي فعل العبد يؤمر به و ينهى عنه و أما الكلام نفسه فهو كلام الله و لم يقل ~~البخاري إن لفظ العبد مخلوق و لا غير مخلوق كما نهى أحمد عن هذا و هذا # و الذى قال البخارى إنه مخلوق من أفعال العباد و صفاتهم لم يقل أحمد و لا ~~غيره من السلف إنه غير مخلوق و إن سكتوا عنه لظهور أمره و لكونهم كانوا ~~يقصدون الرد على الجهمية # و الذى قال أحمد إنه غير مخلوق هو كلام الله لا صفة العباد لم يقل ~~البخارى إنه مخلوق # و لكن أحمد كان مقصوده الرد على من يجعل كلام الله مخلوقا إذا بلغ عن ~~الله و البخاري كان مقصوده الرد على من يقول أفعال العباد و أصواتهم غير ~~مخلوقة و كلا القصدين صحيح لا منافاة ms1365 بينهما و قد بين ذلك إبن قتيبة في ~~PageV16P392 مسألة اللفظ و لكن المنحرفون إلى أحد الطرفين ينكرون على الآخر ~~و الله سبحانه أعلم $ فصل # وأما الأفعال اللازمة كالإستواء و المجيء فالناس متنازعون فى نفس إثباتها ~~لأن هذه ليس فيها مفعول موجود يعلمونه حتى يستدلوا بثبوت المخلوق على الخلق ~~و إنما عرفت بالخبر فالأصل فيها الخبر لا العقل # و لهذا كان الذين ينفون الصفات الخبرية ينفونها ممن يقول ( الخلق غير ~~المخلوق ( و ممن يقول ( الخلق هو المخلوق ( و من يثبت الصفات الخبرية من ~~الطائفتين يثبتها # و الذين أثبتوا الصفات الخبرية لهم في هذه قولان # منهم من يجعلها من جنس الفعل المتعدى بجعلها أمورا حادثة في غيرها و هذا ~~قول الأشعري و أئمة أصحابه و من وافقهم كالقاضى أبي يعلى و ابن الزاغوني و ~~ابن عقيل في كثير من أقواله # فالأشعري يقول الإستواء فعل فعله في العرش فصار به PageV16P393 مستويا ~~على العرش و كذلك يقول فى الإتيان و النزول و يقول هذه الأفعال ليست من ~~خصائص الأجسام بل توصف بها الأجسام و الأعراض فيقال ( جاءت الحمى و جاء ~~البرد و جاء الحر ( و نحو ذلك # و هذا أيضا قول القاضي أبي بكر و القاضي أبي يعلى و غيرهما # و حملوا ما روى عن السلف كالأوزاعى و غيره أنهم قالوا في النزول يفعل ~~الله فوق العرش بذاته كما حكاه القاضي عبدالوهاب عن القاضي أبى بكر و كما ~~حكوه عن الأشعري و غيره و كما ذكر فى غير موضع من كتبه # و لكن عندهم هذا من الصفات الخبرية و هذا قول البيهقي و طائفة و هو أول ~~قولي القاضي أبي يعلى # و كل من قال إن الرب لا تقوم به الصفات الإختيارية فإنه ينفي أن يقوم به ~~فعل شاءه سواء كان لازما أو متعديا لكن من أثبت من هؤلاء فعلا قديما كمن ~~يقول بالتكوين و بهذا فإنه يقول ذلك القديم قام به بغير مشيئته كما يقولون ~~في إرادته القديمة # و القول الثاني أنها كما ms1366 دلت عليه أفعال تقوم بذاته بمشيئته PageV16P394 ~~و إختياره كما قالوا مثل ذلك في الأفعال المتعدية و هذا قول أئمة السنة و ~~الحديث و الفقه و التصوف و كثير من أصناف أهل الكلام كما تقدم # و على هذا ينبني نزاعهم فى تفسير قوله ( ثم إستوى إلى السماء ( # و قوله ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام ( # و قوله ( ثم استوى على العرش ( و نحو ذلك فمن نفى هذه الأفعال يتأول ~~إتيانه بإتيان أمره أو بأسه و الإستواء على العرش بجعله القدرة و الإستيلاء ~~أو بجعله علو القدر # فإن الإستواء للناس فيه قولان هل هو من صفات الفعل أو الذات على قولين # و القائلون بأنه صفة ذات يتأولونه بأنه قدر على العرش و هو ما زال قادرا ~~و ما زال عالي القدر فلهذا ظهر ضعف هذا القول من و جوه # منها قوله ( ثم استوى على العرش ( فأخبر أنه استوى بحرف ( ثم ( ~~PageV16P395 ومنها أنه عطف فعلا على فعل فقال خلق ثم استوى # و منها أن ما ذكروه لا فرق فيه بين العرش و غيره و إذا قيل إن العرش أعظم ~~المخلوقات فهذا لا ينفي ثبوت ذلك لغيره كما فى قوله ( رب العرش العظيم ( ~~لما ذكر ربوبيته للعرش لعظمته و الربوبية عامة جاز أن يقال ( رب السموات و ~~الأرض و ما بينهما و رب العرش العظيم ( و يقال ( رب العالمين رب موسى و ~~هارون ( # و الإستواء مختص بالعرش باتفاق المسلمين مع أنه مستول مقتدر على كل شيء ~~من السماء و الأرض و ما بينهما فلو كان إستواؤه على العرش هو قدرته عليه ~~جاز أن يقال على السماء و الأرض و ما بينهما و هذا مما احتج به طوائف منهم ~~الأشعري قال فى إجماع المسلمين على أن الإستواء مختص بالعرش دليل على فساد ~~هذا القول # و أيضا فإنه ما زال مقتدرا عليه من حين خلقه # و منها كون لفظ ( الإستواء ( فى لغة العرب يقال على القدرة أو علو القدر ~~ممنوع عندهم و ms1367 الإستعمال الموجود فى الكتاب و السنة و كلام العرب يمنع هذا ~~كما قد بسط فى موضعه # و تكلم على البيت الذي يحتجون به PageV16P396 % ثم إستوى بشر على العراق ~~% من غير سيف و دم مهراق % $ # وأنه لو كان صحيحا لم يكن فيه حجة فإنهم لم يقولوا إستوى عمر على العراق ~~لما فتحها و لا إستوى عثمان على خراسان و لا إستوى رسول الله صلى الله عليه ~~و سلم على اليمن # و إنما قيل هذا البيت إن صح فى بشر بن مروان لما دخل العراق و إستوى على ~~كرسي ملكها فقيل هذا كما يقال جلس على سرير الملك أو تحت الملك و يقال قعد ~~على الملك و المراد هذا # و أيضا فالآيات الكثيرة و الأحاديث الكثيرة و إجماع السلف يدل على أن ~~الله فوق العرش كما قد بسط فى مواضع # و أما الذين قالوا الإستواء صفة فعل فهؤلاء لهم قولان هنا على ما تقدم هل ~~هو فعل بائن عنه لأن الفعل بمعنى المفعول أم فعل قائم به يحصل بمشيئته و ~~قدرته # الأول قول إبن كلاب و من اتبعه كالأشعري و غيره و هو قول القاضي و ابن ~~عقيل و ابن الزاغونى و غيرهم PageV16P397 # و الثانى قول أئمة أهل الحديث و السنة و كثير من طوائف الكلام كما تقدم # و لهذا صار للناس فيما ذكر الله فى القرآن من الإستواء و المجيء و نحو ~~ذلك ستة أقوال # طائفة يقولون تجرى على ظاهرها و يجعلون إتيانه من جنس إتيان المخلوق و ~~نزوله من جنس نزولهم و هؤلاء المشبهة الممثلة [ و ] من هؤلاء من يقول إذا ~~نزل خلا منه العرش فلم يبق فوق العرش # و طائفة يقولون بل النصوص على ظاهرها اللائق به كما فى سائر ما و صف به ~~فى نفسه و هو ( ليس كمثله شيء ( لا فى ذاته و لا في صفاته و لا في أفعاله و ~~يقولون نزل نزولا يليق بجلاله و كذلك يأتى إتيانا يليق بجلاله و هو عندهم ~~ينزل و ms1368 يأتى و لم يزل عاليا و هو فوق العرش كما قال حماد بن زيد هو فوق ~~العرش يقرب من خلقه كيف شاء و قال إسحاق بن راهويه ينزل و لا يخلو منه ~~العرش و نقل ذلك عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد # و تفسير النزول بفعل يقوم بذاته هو قول علماء أهل الحديث و هو الذي حكاه ~~أبو عمر بن عبد البر عنهم و هو قول عامة القدماء من أصحاب أحمد و قد صرح به ~~ابن حامد و غيره PageV16P398 # والأول نفي قيام الأمور الإختيارية هو قول التميمي موافقة منه لإبن كلاب ~~و هو قول القاضي أبى يعلى و أتباعه # و طائفتان يقولان بل لا ينزل و لا يأتى كما تقدم ثم منهم من يتأول ذلك و ~~منهم من يفوض معناه # و طائفتان واقفتان منهم من يقول ما ندري ما أراد الله بهذا و منهم من لا ~~يزيد على تلاوة القرآن # و عامة المنتسبين إلى السنة و أتباع السلف يبطلون تأويل من تأول ذلك بما ~~ينفي أن يكون هو المستوى الآتى لكن كثير منهم يرد التأويل الباطل و يقول ما ~~أعرف مراد الله بهذا # و منهم من يقول هذا مما نهى عن تفسيره أو مما يكتم تفسيره # و منهم من يقرره كما جاءت به الأحاديث الصحيحة و الآثار الكثيرة عن السلف ~~من الصحابة و التابعين # قال أبو محمد البغوي الحسين بن مسعود الفراء الملقب ب ( محيي السنة ( فى ~~تفسيره ( ثم استوى إلى السماء ( قال ابن عباس و أكثر مفسري السلف أي إرتفع ~~إلى السماء و قال الفراء و ابن كيسان PageV16P399 و جماعة من النحويين أي ~~أقبل على خلق السماء و قيل قصد # و هذا هو الذي ذكره ابن الجوزي فى تفسيره قال ( ثم استوى إلى السماء ( أي ~~عمد إلى خلقها # و كذلك هو يرجح قول من يفسر الإتيان بإتيان أمره و قول من يتأول الإستواء ~~و قد ذكر ذلك فى كتب أخرى و وافق بعض أقوال إبن عقيل قال ms1369 إبن عقيل له فى ~~هذا الباب أقوال مختلفة و تصانيف يختلف فيها رأيه و إجتهاده # و قال البغوي فى تفسير قوله ( ثم إستوى على العرش ( قال الكلبى و مقاتل ~~إستقر و قال أبو عبيدة صعد و أولت المعتزلة الإستواء بالإستيلاء # و أما أهل السنة فيقولون الإستواء على العرش صفة لله بلا كيف يجب على ~~الرجل الإيمان به و يكل العلم فيه إلى الله و سأل رجل مالك بن أنس عن قوله ~~( الرحمن على العرش استوى ( كيف استوى فأطرق مالك رأسه مليا و علاه الرحضاء ~~ثم قال الإستواء غير مجهول و الكيف غير معقول و الإيمان به واجب و السؤال ~~عنه بدعة و ما أراك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج PageV16P400 قال روى عن سفيان ~~الثوري و الأوزاعى و الليث بن سعد و سفيان بن عيينة و عبدالله بن المبارك و ~~غيرهم من علماء السنة فى هذه الآيات التى جاءت فى الصفات المتشابهة أمروها ~~كما جاءت بلا كيف # و قال فى قوله ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام ( الأولى ~~فى هذه الآية و فيما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها و يكل علمها إلى الله ~~و يعتقد أن الله منزه عن سمات الحدث على ذلك مضت أئمة السلف و علماء السنة # قال الكلبي هذا من المكتوم الذي لا يفسر ( # قلت ( و قد حكى عنه أنه قال في تفسير قوله ( ثم استوى ( إستقر ففسر ذاك و ~~جعل هذا من المكتوم الذي لا يفسر لأن ذاك فيه و صفه بأنه فوق العرش و هذا ~~فيه إتيانه فى ظلل من الغمام # قال البغوي و كان مكحول و الزهري و الأوزاعى و مالك و عبدالله بن المبارك ~~و سفيان الثوري و الليث بن سعد و أحمد و إسحاق يقولون فيه و فى أمثاله ~~أمروها كما جاءت بلا كيف قال سفيان بن عيينة كلما و صف الله به نفسه فى ~~كتابه فتفسيره قراءته و السكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله و ms1370 رسوله ~~PageV16P401 # وهذه الآية أغمض من آية الإستواء و لهذا كان أبو الفرج يميل إلى تأويل ~~هذا و ينكر قول من تأول الإستواء بالإستيلاء # قال فى تفسيره قال الخليل بن أحمد ( العرش ( السرير و كل سرير للملك يسمى ~~( عرشا ( و قلما يجمع العرش إلا فى الإضطرار # ( قلت ( و قد روى إبن أبى حاتم عن أبي روق عن الضحاك عن إبن عباس قال ~~يسمى ( عرشا ( لارتفاعه ( قلت ( و الإشتقاق يشهد لهذا كقوله ( و ما كانوا ~~يعرشون ( و قوله ( معروشات و غير معروشات ( و قول سعد و هذا كافر بالعرش و ~~مقعد الملك يكون أعلى من غيره فهذا بالنسبة إلى غيره عال عليه و بالنسبة ~~إلى ما فوقه هو دونه و فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( ~~إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة و أوسط الجنة و سقفه عرش ~~الرحمن ( فدل على أن العرش أعلى المخلوقات كما بسط فى مواضع أخر # قال أبو الفرج و اعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب فى الجاهلية و ~~الإسلام قال أمية بن أبى الصلت % مجدوا الله فهو للمجد أهل % ربنا في ~~السماء أمسى كبيرا % PageV16P402 بالبناء الأعلى الذي سبق النا % س و سوى ~~فوق السماء سريرا % شرجعا لا يناله بصر العي % ن ترى دونه الملائك صورا % $ ~~قلت يريد أنه ذكره من العرب من لم يكن مسلما أخذه عن أهل الكتاب فإن أمية و ~~نحوه إنما أخذ هذا عن أهل الكتاب و إلا فالمشركون لم يكونوا يعرفون هذا # قال أبو الفرج ابن الجوزي و قال كعب إن السموات في العرش كقنديل معلق بين ~~السماء و الأرض # قال و إجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية و قد شذ قوم ~~فقالوا العرش بمعنى الملك و هو عدول عن الحقيقة إلى التجوز مع مخالفة الأثر ~~ألم يسمعوا قوله ( و كان عرشه على الماء ( أفتراه كان الملك على الماء # قال و بعضهم يقول إستوى بمعنى إستولى و يستدل بقول الشاعر % حتى ms1371 إستوى ~~بشر على العراق % من غير سيف و دم مهراق % # | وقال الشاعر أيضا PageV16P403 % قد قلما إستويا بفضلهما جميعا % على ~~عرش الملوك بغير زور % # قال و هو منكر عند اللغويين قال ابن الأعرابى إن العرب لا تعلم إستوى ~~بمعنى إستولى و من قال ذلك فقد أعظم # قال و إنما يقال ( إستولى فلان على كذا ( إذا كان بعيدا عنه غير متمكن ثم ~~تمكن منه و الله سبحانه و تعالى لم يزل مستوليا على الأشياء و البيتان لا ~~يعرف قائلهما كذا قال ابن فارس اللغوي و لو صحا لم [ يكن ] حجة فيهما لما ~~بينا من إستيلاء من لم يكن مستوليا نعوذ بالله من تعطيل الملحدة و تشبيه ~~المجسمة # قلت فقد تأول قوله ( ثم استوى إلى السماء ( و أنكر تأويل ( ثم استوى على ~~العرش ( وهو في لفظ ( الإتيان ( قد ذكر القولين فقال قوله ( أن يأتيهم الله ~~فى ظلل ( كان جماعة من السلف يمسكون عن مثل هذا و قد ذكر القاضى أبو يعلى ~~عن أحمد أنه قال المراد به قدرته و أمره قال و قد بينه فى قوله ( أو يأتى ~~أمر ربك ( # ( قلت ( هذا الذي ذكره القاضى و غيره أن حنبلا نقله عن PageV16P404 أحمد ~~فى كتاب ( المحنة ( أنه قال ذلك فى المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا ~~عليه بقوله ( تجيء البقرة و أل عمران ( قالوا و المجيء لا يكون إلا لمخلوق ~~فعارضهم أحمد بقوله ( و جاء ربك ( أو يأتى ربك ( و قال المراد بقوله ( تجيء ~~البقرة و آل عمران ( ثوابهما كما فى قوله ( و جاء ربك ( أمره و قدرته # وقد اختلف أصحاب أحمد فيما نقله حنبل فإنه لا ريب أنه خلاف النصوص ~~المتواترة عن أحمد فى منعه من تأويل هذا و تأويل النزول و الإستواء و نحو ~~ذلك من الأفعال # و لهم ثلاثة أقوال قيل هذا غلط من حنبل إنفرد به دون الذين ذكروا عنه ~~المناظرة مثل صالح و عبدالله و المروذي و غيرهم فإنهم لم يذكروا هذا و حنبل ~~ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة ms1372 كالخلال و صاحبه قال أبو إسحاق ابن شاقلا ~~هذا غلط من حنبل لا شك فيه # و كذلك نقل عن مالك رواية أنه تأول ( ينزل إلى السماء الدنيا ( أنه ينزل ~~أمره لكن هذا من رواية حبيب كاتبه و هو كذاب بإتفاقهم و قد رويت من و جه ~~آخر لكن الإسناد مجهول # والقول الثاني قال طائفة من أصحاب أحمد هذا قاله إلزاما للخصم ~~PageV16P405 على مذهبه لأنهم فى يوم المحنة لما إحتجوا عليه بقوله ( تأتى ~~البقرة و آل عمران ( أجابهم بأن معناه يأتى ثواب البقرة و آل عمران كقوله ( ~~أن يأتيهم الله ( أى أمره و قدرته على تأويلهم لا أنه يقول بذلك فإن مذهبه ~~ترك التأويل # والقول الثالث أنهم جعلوا هذا رواية عن أحمد و قد يختلف كلام الأئمة فى ~~مسائل مثل هذه لكن الصحيح المشهورعنه رد التأويل و قد ذكر الروايتين ابن ~~الزاغونى و غيره و ذكر أن ترك التأويل هي الرواية المشهورة المعمول عليها ~~عند عامة المشايخ من أصحابنا # و رواية التأويل فسر ذلك بالعمد و القصد لم يفسره بالأمر و القدرة كما ~~فسروا ( ثم استوى إلى السماء ( # فعلى هذا فى تأويل ذلك إذا قيل به و جهان # و ابن الزاغونى و القاضي أبو يعلى و نحوهما و إن كانوا يقولون بإمرار ~~المجيء و الإتيان على ظاهره فقولهم فى ذلك من جنس قول ابن كلاب و الأشعرى ~~فإنه أيضا يمنع تأويل النزول و الإتيان و المجيء و يجعله من الصفات الخبرية ~~و يقول إن هذه الأفعال لا تستلزم الأجسام بل يوصف بها غير الأجسام و كلام ~~ابن الزاغونى فى هذا PageV16P406 النوع و في إستواء الرب على العرش هو ~~موافق لقول أبى الحسن نفسه # هذا قولهم فى الصفات الخبرية الواردة فى هذه الأفعال # و أما علو الرب نفسه فوق العالم فعند ابن كلاب أنه معلوم بالعقل كقول ~~أكثر المثبتة كما ذكر ذلك الخطابى و إبن عبدالبر و غيرهما و هو قول ابن ~~الزاغونى و هو آخر قولي القاضي أبي يعلى و كان ms1373 القاضي أولا يقول بقول ~~الأشعرى أنه من الصفات الخبرية و هذا قول القاضي أبى بكر و البيهقى و ~~نحوهما # وأما أبو المعالي الجوينى و أتباعه فهؤلاء خالفوا الأشعرى و قدماء أصحابه ~~في الصفات الخبرية فلم يثبتوها لكن منهم من نفاها فتأول الإستواء ~~بالإستيلاء و هذا أول قولي أبى المعالي و منهم من توقف فى إثباتها و نفيها ~~كالرازي و الآمدى و آخر قولي أبى المعالي المنع من تأويل الصفات الخبرية و ~~ذكر أن هذا إجماع السلف و أن التأويل لو كان مسوغا أو محتوما لكان إهتمامهم ~~به أعظم من إهتمامهم بغيره # فإستدل بإجماعهم على أنه لا يجوز التأويل و جعل الوقف التام على ~~PageV16P407 قوله ( و ما يعلم تأويله إلا الله ( ذكر ذلك فى ( النظامية فى ~~الأركان الإسلامية ( # وهذه طريقة عامة المنتسبين إلى السنة يرون التأويل مخالفا لطريقة السلف و ~~قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع و ذكر لفظ ( التأويل ( و ما فيه ~~من الإجمال و الكلام على قوله ( و ما يعلم تأويله إلا الله ( و أن كلا ~~القولين حق # فمن قال لا يعلم تأويله إلا الله فأراد به ما يؤول إليه الكلام من ~~الحقائق التى لا يعلمها إلا الله و من قال إن الراسخين فى العلم يعلمون ~~التأويل فالمراد به تفسير القرآن الذي بينه الرسول و الصحابة # و إنما الخلاف فى لفظ ( التأويل ( على المعنى المرجوح و أنه حمل اللفظ ~~على الإحتمال المرجوح دون الراجح لدليل يقترن به فهذا إصطلاح متأخر و هو ~~التأويل الذي أنكره السلف و الأئمة تأويلات أهل البدع # و كذلك يقول أحمد فى ( رده على الجهمية ( الذين تأولوا القرآن على غير ~~تأويله و قد تكلم أحمد على متشابه القرآن و فسره كله PageV16P408 # و منه تفسير متفق عليه عند السلف و منه تفسير مختلف فيه # و قد ذكر الجد أبو عبدالله فى تفسيره من جنس ما ذكره البغوي لا من جنس ما ~~ذكره ابن الجوزي فقال أما الإتيان المنسوب إلى الله فلا يختلف قول ms1374 أئمة ~~السلف كمكحول و الزهري و الأوزاعى و ابن المبارك و سفيان الثوري و الليث بن ~~سعد و مالك بن أنس و الشافعى و أحمد و أتباعهم أنه يمر كما جاء و كذلك ما ~~شاكل ذلك مما جاء فى القرآن أو وردت به السنة كأحاديث النزول و نحوها و هي ~~طريقة السلامة و منهج أهل السنة و الجماعة يؤمنون بظاهرها و يكلون علمها ~~إلى الله و يعتقدون أن الله منزه عن سمات الحدث على ذلك مضت الأئمة خلفا ~~بعد سلف كما قال تعالى ( و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون فى العلم ~~يقولون آمنا به ( # و قال ابن السائب في قوله ( أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام ( هذا من ~~المكتوم الذي لا يفسر و ذكر ما يشبه كلام الخطابى فى هذا # فإن قيل ( كيف يقع الإيمان بما لا يحيط من يدعى الإيمان به علما بحقيقته ~~( فالجواب كما يصح الإيمان بالله PageV16P409 و ملائكته و كتبه و رسله و ~~اليوم الآخر و النار و الجنة و معلوم أنا لا نحيط علما بكل شيء من ذلك على ~~جهة التفصيل و إنما كلفنا الإيمان بذلك فى الجملة ألا ترى أنا لا نعرف عدة ~~من الأنبياء و كثيرا من الملائكة و لا نحيط بصفاتهم ثم لا يقدح ذلك فى ~~إيماننا بهم و قد قال النبى صلى الله عليه و سلم فى صفة الجنة يقول الله ~~تعالى ( أعددت لعبادي الصالحين ما لاعين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على ~~قلب بشر ( # ( قلت ( لا ريب أنه يجب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول و تصديقه فيما ~~أخبر به و إن كان الشخص لم يفقه بالعربية ما قال و لا فهم من الكلام شيئا ~~فضلا عن العرب فلا يشترط فى الإيمان المجمل العلم بمعنى كل ما أخبر به هذا ~~لا ريب فيه # فكل من اشتبه عليه آية من القرآن و لم يعرف معناها و جب عليه الإيمان بها ~~و أن يكل علمها إلى الله ms1375 فيقول ( الله أعلم ( و هذا متفق عليه بين السلف و ~~الخلف فما زال كثير من الصحابة يمر بآية و لفظ لا يفهمه فيؤمن به و إن لم ~~يفهم معناه # لكن هل يكون فى القرآن ما لا يفهمه أحد من الناس بل و لا الرسول عند من ~~يجعل التأويل هو ( معنى الآية ( و يقول إنه لا PageV16P410 يعلمه إلا الله ~~فيلزم أن يكون في القرآن كلام لا يفهمه لا الرسول و لا أحد من الأمة بل و ~~لا جبريل هذا هو الذي يلزم على قول من يجعل معانى هذه الآيات لا يفهمه أحد ~~من الناس # وليس هذا بمنزلة ما ذكر فى الملائكة و النبيين و الجنة فإنا قد فهمنا ~~الكلام الذي خوطبنا به و أنه يدل على أن هناك نعيما لا نعلمه و هذا خطاب ~~مفهوم و فيه إخبارنا أن من المخلوقات ما لا نعلمه و هذا حق كقوله ( و ما ~~يعلم جنود ربك إلا هو ( و قوله لما سألوه عن الروح ( و ما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا ( فهذا فيه إخبارنا بأن لله مخلوقات لا نعلمها أو نعلم جنسهم و ~~لا نعلم قدرهم أو نعلم بعض صفاتهم دون بعض # و كل هذا حق لكن ليس فيه أن الخطاب المنزل الذي أمرنا بتدبره لا يفقه و ~~لا يفهم معناه لا الرسول و لا المؤمنون فهذا هو المنكر الذي أنكره العلماء ~~فإن الله قال ( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ( و قال ( أفلا ~~يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ( و قال ( أفلم يدبروا القول ( و قال ( ~~حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم ( # و فرق بين ما لم يخبر به أو أخبرنا ببعض صفاته دون بعض فما PageV16P411 ~~لم يخبر به لا يضرنا أن لا نعلمه و بين ما أخبرنا به و هو الكلام العربي ~~الذي جعل هدى و شفاء للناس و قال الحسن ما أنزل الله آية إلا و هو يحب أن ms1376 ~~يعلم فيما أنزلت و ما عنى بها فكيف يكون فى مثل هذ الكلام ما لا يفهمه أحد ~~قط # و فرق بين أن يقال ( الرب هو الذي يأتي إتيانا يليق بجلاله ( أو يقال ( ~~ما ندري هل هو الذي يأتي أو أمره ( فكثير من لا يجزم بأحدهما بل يقول إسكت ~~فالسكوت أسلم و لا ريب أنه من لم يعلم فالسكوت له أسلم كما قال النبى صلى ~~الله عليه و سلم ( من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ( ~~لكن هو يقول إن الرسول و جميع الأمة كانوا كذلك لا يدرون هل المراد به هذا ~~أو هذا و لا الرسول كان يعرف ذلك فقائل هذا مبطل متكلم بما لا علم له به و ~~كان يسعه أن يسكت عن هذا لا يجزم بأن الرسول و الأئمة كلهم جهال يجب عليهم ~~السكوت كما يجب عليه ثم إن هذا خلاف الواقع فأحاديث النبى صلى الله عليه و ~~سلم و كلام السلف فى معنى هذه الآية و نظائرها كثير مشهور لكن قال علي رضي ~~الله عنه ( حدثوا الناس بما يعرفون و دعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله و ~~رسوله ( و قال ابن مسعود ( ما من PageV16P412 رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه ~~عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ( # و إذا قال بل كان [ من ] السلف من يجزم بأن المراد هو إتيانه نفسه فهذا ~~جزم بأنهم عرفوا معناها و بطلان القول الآخر لم يكونوا ساكتين حيارى و لا ~~ريب أن مقدوره و مأموره مما يأتي أيضا و لكن هو يأتي كما أخبر عن نفسه ~~إتيانا يليق بجلاله # فإذا قيل لا نعلم كيفية الإستواء كان هذا صحيحا و إذا كان الخطاب و ~~الكلام مما لا يفهم أحد معناه لا الرسول و لا جبريل و لا المؤمنون لم يكن ~~مما يتدبر و يعقل بل مثل هذا عبث و الله منزه عن العبث # ثم هذا يلزمهم فى الأحاديث مثل قوله ( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء ( ~~أفكان الرسول يقول ms1377 هذا الحديث و نحوه و هو لا يفقه ما يقول و لا يفهم له ~~معنى سبحان الله هذا بهتان عظيم و قدح فى الرسول و تسليط للملحدين إذا قيل ~~إن نفس الكلام الذي جاء به قد كان لا يفهم معناه قالوا فغيره من العلوم ~~العقلية أولى أن لا يفهم معناه و الكلام إنما هو في صفات الرب فإذا قيل إن ~~ما أنزل عليه من PageV16P413 صفات الرب لم يكن هو و لا غيره يفهمه و هو ~~كلام أمي عربي ينزل عليه قيل فالمعاني المعقولة في الأمور الإلهية أولى أن ~~لا يكون يفهمها و حينئذ فهذا الباب لم يكن موجودا في رسالته و لا يؤخذ من ~~جهته لا من جهة السمع و لا من جهة العقل قالت الملاحدة فيؤخذ من طريق غيره # فإذا قال لهم هؤلاء هذا غير ممكن لأحد منعوا ذلك و قالوا إنما في القرآن ~~أن ذلك الخطاب لا يعلم معناه إلا الله لكن من أين لكم أن الأمور الإلهية لا ~~تعلم بالأدلة العقلية التى يقصر عنها البيان بمجرد الخطاب و الخبر # و الملاحدة يقولون إن الرسل خاطبت بالتخييل و أهل الكلام يقولون بالتأويل ~~و هؤلاء الظاهرية يقولون بالتجهيل و قد بسط الكلام على خطأ الطوائف الثلاث ~~و بين أن الرسول قد أتي بغاية العلم و البيان الذي لا يمكن أحدا من البشر ~~أن يأتي بأكمل مما جاء به صلى الله عليه و سلم تسليما فأكمل ما جاء به ~~القرآن و الناس متفاوتون فى فهم القرآن تفاوتا عظيما # و قول ابن السائب إن هذا من المكتوم الذي لا يفسر يقتضي أن له تفسيرا ~~يعلمه العلماء و يكتمونه PageV16P414 و هذا على و جهين إما أن يريد أنه ~~يكتم شيء مما بينه الرسول صلى الله عليه و سلم عن جميع الناس فهذا من ~~الكتمان المجرد الذي ذم الله عليه و هذه حال أهل الكتاب و عاب الذين يكتمون ~~ما بينه للناس من البينات و الهدى من بعد ما بينه للناس فى الكتاب ms1378 و قال ( ~~و من أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ( # و هذه حال أهل الكتاب فى كتمان ما فى كتابهم من الألفاظ يتأولها بعضهم و ~~يجعلها بعضهم متشابها و هي دلائل على نبوة محمد صلى الله عليه و سلم و غير ~~ذلك فإن ألفاظ التوراة و الإنجيل و سائر كتب الأنبياء و هي بضع و عشرون ~~كتابا عند أهل الكتاب لا يمكنهم جحد ألفاظها لكن يحرفونها بالتأويل الباطل ~~و يكتمون معانيها الصحيحة عن عامتهم كما قال تعالى ( و منهم أميون لا ~~يعلمون الكتاب إلا أمانى ( # فمن جعل أهل القرآن كذلك و أمرهم أن يكونوا فيه أميين لا يعلمون الكتاب ~~إلا تلاوة فقد أمرهم بنظير ما ذم الله عليه أهل الكتاب # وصبيغ بن عسل التميمي إنما ضربه عمر لأنه قصد باتباع المتشابه إبتغاء ~~الفتنة و إبتغاء تأويله و هؤلاء الذين عابهم الله فى كتابه لأنهم ~~PageV16P415 جمعوا شيئين سوء القصد و الجهل فهم لا يفهمون معناه و يريدون ~~أن يضربوا كتاب الله بعضه ببعض ليوقعوا بذلك الشبهة و الشك و في الصحيح عن ~~عائشة أن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه ~~منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم ( # فهذا فعل من يعارض النصوص بعضها ببعض ليوقع الفتنة و هي الشك و الريب في ~~القلوب كما روى أنه خرج على القوم و هم يتجادلون في القدر هؤلاء يقولون ألم ~~يقل الله كذا و هؤلاء يقولون ألم يقل الله كذا فكأنما فقىء فى و جهه حب ~~الرمان ثم قال ( أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض أنظروا ما ~~أمرتم به فافعلوه ( # فكل من إتبع المتشابه على هذا الوجه فهو مذموم و هو حال من يريد أن يشكك ~~الناس فيما علموه لكونه و إياهم لم يفهموا ماتوهموا أنه يعارضه هذا أصل ~~الفتنة أن يترك المعلوم لغير معلوم كالسفسطة التى تورث شبها يقدح بها فيما ~~علم و تيقن فهذه حال من يفسد قلوب الناس و عقولهم بإفساد ما ms1379 فيها من العلم ~~و العمل أصل الهدى فإذا شككهم فيما علموه بقوا حيارى # و الرسول صلى الله عليه و سلم قد أتى بالآيات البينات الدالة على ~~PageV16P416 صدقه و القرآن فيه الآيات المحكمات اللاتى هي أم الكتاب قد علم ~~معناها و علم أنها حق و بذلك يهتدي الخلق و ينتفعون # فمن اتبع المتشابه ابتغى الفتنة و ابتغى تأويله و الأول قصدهم فيه فاسد و ~~الثانى ليسوا من أهله بل يتكلمون فى تأويله بما يفسد معناه إذ كانوا ليسوا ~~من الراسخين فى العلم # و إنما الراسخ فى العلم الذي رسخ في العلم بمعنى المحكم و صار ثابتا فيه ~~لا يشك و لا يرتاب فيه بما يعارضه من المتشابه بل هو مؤمن به قد يعلمون ~~تأويل المتشابه # و أما من لم يرسخ فى ذلك بل إذا عارضه المتشابه شك فيه فهذا يجوز أن يراد ~~بالمتشابه ما يناقض المحكم فلا يعلم معنى المتشابه إذ لم يرسخ في العلم ~~بالمحكم و هو يبتغي الفتنة فى هذا و هذا فهذا يعاقب عقوبة تردعه كما فعل ~~عمر بصبيغ # و أما من قصده الهدى و الحق فليس من هؤلاء و قد كان عمر يسأل و يسأل عن ~~معاني الآيات الدقيقة و قد سأل أصحابه عن قوله ( إذا جاء نصر الله و الفتح ~~( فذكروا ظاهر لفظها و لما فسرها ابن عباس بأنها إعلام النبى صلى الله عليه ~~و سلم بقرب و فاته قال ما أعلم منها إلا ما تعلم PageV16P417 # و هذا باطن الآية الموافق لظاهرها فإنه لما أمر بالإستغفار عند ظهور ~~الدين و الإستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال و بظهور الدين حصل مقصود ~~الرسالة علموا أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أخر و فوق كل ذي علم عليم # و الإستدلال على الشيء بملزوماته و الشيء قد يكون له لازم و للازمه لازم ~~و هلم جرا فمن الناس من يكون أفطن بمعرفة اللوازم من غيره يستدل بالملزوم ~~على اللازم و من الناس من لا يتصور اللازم و لو تصوره ms1380 لم يعرف الملزوم بل ~~يقول يجوز أن يلزم و يجوز أن لا يلزم و يحتمل و يحتمل و تردد الإحتمل هو من ~~عدم العلم و إلا فالواقع هو أحد أمرين فحيث كان إحتمال بلا ترجيح كان لعدم ~~العلم بالواقع و خفاء دليله و غيره قد يعلم ذلك و يعلم دليله # و من ظن أن ما لا يعلمه هو لا يعلمه غيره كان من جهله فلا ينفي عن الناس ~~إلاما علم إنتفاؤه عنهم و فوق كل ذي علم عليم أعلم منه حتى ينتهي الأمر إلى ~~الله تعالى و هذا قد بسط فى مواضع # ثم أنهم يقولون المأثور عن السلف هو السكوت عن الخوض فى PageV16P418 ~~تأويل ذلك و المصير إلى الإيمان بظاهره و الوقوف عن تفسيره لأنا قد نهينا ~~أن نقول فى كتاب الله برأينا و لم ينبهنا الله و رسوله على حقيقة معنى ذلك # فيقال أما كون الرجل يسكت عما لا يعلم فهذا مما يؤمر به كل أحد لكن هذا ~~الكلام يقتضى أنهم لم يعلموا معنى الآية و تفسيرها و تأويلها و إذا كان لم ~~يتبين لهم فمضمونه عدم علمهم بذلك و هو كلام شاك لا يعلم ما أريد بالآية # ثم إذا ذكر لهم بعض التأويلات كتأويل من يفسره بإتيان أمره و قدرته ~~أبطلوا ذلك بأن هذا يسقط فائدة التخصيص و هذا نفي للتأويل و إبطال له # فإذا قالوا مع ذلك ( و لا يعلم تأويله إلا الله ( أثبتوا تأويلا لا يعلمه ~~إلا الله و هم ينفون جنس التأويل # و نقول ما الحامل على هذا التأويل البعيد و قد أمكن بدونه أن نثبت إتيانا ~~و مجيئا لا يعقل كما يليق به كما أثبتنا ذاتا لها حقيقة لا تعقل و صفات من ~~سمع و بصر و غير ذلك لا تعقل ولأنه إذا جاز تأويل هذا و أن نقدر مضمرا ~~محذوفا من قدرة أو عذاب و نحو ذلك فما منعكم من تأويل قوله ( ترون ربكم ( ~~كذلك PageV16P419 وهذا كلام فى إبطال التأويل و حمل للفظ ms1381 على ما دل عليه ~~ظاهره على ما يليق بجلال الله # فإذا قيل مع هذا إن له تأويلا لا يعلمه إلا الله و أريد بالتأويل هذا ~~الجنس كان تناقضا كيف ينفي جنس التأويل و يثبت له تأويل لا يعلمه إلا الله # فعلم أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله لا يناقض حمله على ما دل عليه ~~اللفظ بل هو أمر آخر يحقق هذا و يوافقه لا يناقضه و يخالفه كما قال مالك ~~الإستواء معلوم و الكيف مجهول # و إذا كان كذلك أمكن أن من العلماء من يعلم من معنى الآية ما يوافق ~~القرآن لم يعلمه غيره و يكون ذلك من تفسيرها و هو من التأويل الذي يعلمه ~~الراسخون في العلم كمن يعلم أن المراد بالآية مجيء الله قطعا لا شك فى ذلك ~~لكثرة ما دل عنده على ذلك و يعلم مع ذلك أنه العلى الأعلى يأتى إتيانا تكون ~~المخلوقات محيطة به و هو تحتها فإن هذا مناقض لكونه العلي الأعلى و الجد ~~الأعلى أبو عبد الله رحمه الله قد جرى فى تفسيره على ما ذكر من الطريقة و ~~هذه عادته و عادات غيره PageV16P420 # و ذكر كلام إبن الزاغونى فقال قال الشيخ علي بن عبيد الله الزاغوني # و قد اختلف كلام إمامنا أحمد فى هذا المجيء هل يحمل على ظاهره و هل يدخل ~~التأويل على روايتين ( إحداهما ( أنه يحمل على ظاهره من مجيء ذاته فعلى هذا ~~يقول لا يدخل التأويل إلا أنه لا يجب أن يحمل مجيئه بذاته إلا على ما يليق ~~به و قد ثبت أنه لا يحمل إثبات مجيء هو زوال و انتقال يوجب فراغ مكان و شغل ~~آخر من جهة أن هذا يعرف بالجنس فى حق المحدث الذي يقصر عن إستيعاب المواضع ~~و المواطن لأنها أكبر منه و أعظم يفتقر مجيئه إليها إلى الإنتقال عما قرب ~~إلى ما بعد # و ذلك ممتنع في حق الباري تعالى لأنه لا شيء أعظم منه و لا يحتاج في ~~مجيئه إلى إنتقال و ms1382 زوال لأن داعى ذلك و موجبه لا يوجد فى حقه فأثبتنا ~~المجئ صفة له و منعنا ما يتوهم في حقه ما يلزم فى حق المخلوقين لإختلافهما ~~فى الحاجة إلى ذلك و مثله قوله ( و جاء ربك و الملك صفا صفا ( # و مثله الحديث المشهور الذي رواه عامة الصحابة أن النبى صلى الله عليه و ~~سلم قال ( ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث PageV16P421 ~~الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرنى ~~فأغفر له ( فنحن نثبت و صفه بالنزول إلى سماء الدنيا بالحديث و لا نتأول ما ~~ذكروه و لا نلحقه بنزول الآدميين الذي هو زوال و انتقال من علو إلى أسفل بل ~~نسلم للنقل كما ورد و ندفع التشبيه لعدم موجبه و نمنع من التأويل لارتفاع ~~نسبته # قال و هذه الرواية هي المشهورة و المعمول عليها عند عامة المشائخ من ~~أصحابنا # ( قلت ( أما كون إتيانه و مجيئه و نزوله ليس مثل إتيان المخلوق و مجيئه و ~~نزوله فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة و من له عقل فإن الصفات و ~~الأفعال تتبع الذات المتصفة الفاعلة فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات ~~ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها و نسبة ~~صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته و لا ريب أنه العلي الأعلى ~~العظيم فهو أعلى من كل شيء و أعظم من كل شيء فلا يكون نزوله و إتيانه بحيث ~~تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه و أكبر هذا ممتنع # و أما لفظ ( الزوال ( و ( الإنتقال ( فهذا اللفظ مجمل و لهذا كان ~~PageV16P422 أهل الحديث و السنة فيه على أقوال # فعثمان بن سعيد الدارمي و غيره أنكروا على الجهمية قولهم إنه لا يتحرك و ~~ذكروا أثرا أنه لا يزول و فسروا الزوال بالحركة فبين عثمان بن سعيد أن ذلك ~~الأثر إن كان صحيحا لم يكن حجة لهم لأنه في تفسير قوله ( الحي القيوم ms1383 ( ~~ذكروا عن ثابت دائم باق لا يزول عما يستحقه كما قال ابن إسحق لا يزول عن ~~مكانته # ( قلت ( و الكلبى بنفسه الذي روى هذا الحديث هو يقول ( إستوى على العرش ( ~~إستقر و يقول ( ثم استوى إلى السماء ( صعد إلى السماء # و أما ( الإنتقال ( فابن حامد و طائفة يقولون ينزل بحركة و إنتقال و ~~آخرون من أهل السنة كالتميمي من أصحاب أحمد أنكروا هذا و قالوا بل ينزل بلا ~~حركة و إنتقال و طائفة ثالثة كابن بطة و غيره يقفون في هذا # و قد ذكر الأقوال الثلاثة القاضي أبو يعلى فى كتاب ( إختلاف الروايتين و ~~الوجهين و نفي اللفظ بمجمله ( # و الأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص فيثبت ما PageV16P423 أثبت ~~الله و رسوله باللفظ الذي أثبته و ينفي ما نفاه الله و رسوله كما نفاه و هو ~~أن يثبت النزول و الإتيان و المجيء و ينفى المثل و السمى و الكفؤ و الند # وبهذا يحتج البخاري و غيره على نفي المثل يقال ينزل نزولا ليس كمثله شيء ~~نزل نزولا لا يماثل نزول المخلوقين نزولا يختص به كما أنه فى ذلك و فى سائر ~~ما و صف به نفسه ليس كمثله شيء فى ذلك و هو منزه أن يكون نزوله كنزول ~~المخلوقين و حركتهم و إنتقالهم و زوالهم مطلقا لا نزول الآدميين و لا غيرهم # فالمخلوق إذا نزل من علو إلى سفل زال و صفه بالعلو و تبدل إلى و صفه ~~بالسفول و صار غيره أعلى منه # و الرب تعالى لا يكون شيء أعلى منه قط بل هو العلي الأعلى و لا يزال هو ~~العلي الأعلى مع أنه يقرب إلى عباده و يدنو منهم و ينزل إلى حيث شاء و يأتى ~~كما شاء و هو فى ذلك العلي الأعلى الكبير المتعالى علي فى دنوه قريب فى ~~علوه # فهذا و إن لم يتصف به غيره فلعجز المخلوق أن يجمع بين هذا و هذا كما يعجز ~~أن يكون هو الأول و الآخر و ms1384 الظاهر و الباطن PageV16P424 # و لهذا قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله قال ( بالجمع بين النقيضين ( و ~~أراد أنه يجتمع له ما يتناقض في حق الخلق كما إجتمع له أنه خالق كل شيء من ~~أفعال العباد و غيرها من الأعيان و الأفعال مع ما فيها من الخبث و أنه عدل ~~حكيم رحيم و أنه يمكن من مكنه من عباده من المعاصى مع قدرته على منعهم و هو ~~في ذلك حكيم عادل فإنه أعلم الأعلمين و أحكم الحاكمين و خير الفاتحين يعلم ~~ما بين أيديهم و ما خلفهم # فأن لا يحيطوا علما بما هو أعظم فى ذلك أولى و أحرى و قد سألوا عن الروح ~~فقيل لهم ( الروح من أمر ربى و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( و فى ~~الصحيحين أن الخضر قال لموسى لما نقر عصفور فى البحر ما نقص علمي و علمك من ~~علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر # فالذي ينفى عنه و ينزه عنه إما أن يكون مناقضا لما علم من صفاته الكاملة ~~فهذا ينفى عنه جنسه كما قال ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ~~و لا نوم ( و قال ( و توكل على الحي الذي لا يموت ( فجنس السنة و النوم و ~~الموت ممتنع عليه لا يجوز أن يقال فى شيء من هذا ( إنه يجوز عليه كما يليق ~~بشأنه ( لأن هذا الجنس يوجب نقصا [ فى ] كماله PageV16P425 # وكذلك لا يجوز أن يقال هو يكون فى السفل لا في العلو و هو سفول يليق ~~بجلاله فإنه سبحانه العلي الأعلى لا يكون قط إلا عاليا و السفول نقص هو ~~منزه عنه # و قوله ( و أنت الباطن فليس دونك شيء ( لا يقتضي السفول إلا عند جاهل لا ~~يعلم حقيقة العلو و السفول فيظن أن السموات و ما فيها قد تكون تحت الأرض ~~إما بالليل و إما بالنهار و هذا غلط كمن يظن أن ما فى السماء من المشرق ~~يكون تحت ما فيها مما ms1385 فى المغرب فهذا أيضا غلط بل السماء لا تكون قط إلا ~~عالية على الأرض و إن كان الفلك مستديرا محيطا بالأرض فهو العالي على الأرض ~~علوا حقيقيا من كل جهة و هذا مبسوط في مواضع # والنوع الثانى أنه منزه عن أن يماثله شيء من المخلوقات فى شيء من صفاته ~~فالألفاظ التى جاء بها الكتاب و السنة فى الإثبات تثبت و التى جاءت بالنفي ~~تنفى و الألفاظ المجملة كلفظ ( الحركة ( و ( النزول ( و ( الإنتقال ( يجب ~~أن يقال فيها إنه منزه عن مماثلة المخلوقين من كل و جه لا يماثل المخلوق لا ~~فى نزول و لا فى حركة و لا إنتقال و لا زوال و لا غير ذلك # و أما إثبات هذا الجنس كلفظ ( النزول ( أو نفيه PageV16P426 مطلقا كلفظ ( ~~النوم ( و ( الموت ( فقد يسلك كلاهما طائفة تنتسب إلى السنة # و المثبتة يقولون نثبت حركة أو حركة و إنتقالا أو حركة و زوالا تليق به ~~كالنزول و الإتيان اللائق به # و النفاة يقولون بل هذا الجنس يجب نفيه # ثم منهم من ينفي جنس ذلك فى حقه بكل إعتبار و لا يجوز عليه أن يقوم به ~~شيء من الأحوال المتجددة و هذه طريقة الكلابية و من اتبعهم ممن ينتسب إلى ~~السنة و الحديث # و منهم من لا ينفي فى ذلك ما دل عليه النص و لا ينفى هذا الجنس مطلقا بما ~~ذكروه من أنه لا تقوم به الحوادث لما قد علم بالآيات و السنة و العقل أنه ~~يتكلم بمشيئته و قدرته و أنه يحب عبده المؤمن إذا إتبع رسوله إلى غير ذلك ~~من المعانى التى دل عليها الكتاب و السنة بل ينفي ما ناقض صفات كماله و ~~ينفي مماثلة مخلوق له فهذان هما اللذان يجب نفيهما و الله أعلم # و كذلك إذا قال القائل الله يجب تنزيهه عن سمات الحدث أو PageV16P427 ~~علامات الحدث أو كل ما أوجب نقصا و حدوثا فالرب منزه عنه فهذا كلام حق ~~معلوم متفق عليه # لكن الشأن فيما تقول النافية ms1386 إنه من سمات الحدث و آخرون ينازعونهم لا ~~سيما و الكتاب و السنة تناقض قولهم قالت الجهمية إن قيام الصفات به أو قيام ~~الصفات الإختيارية هو من سمات الحدث و هذا باطل عند السلف و أئمة السنة بل ~~و جمهور العقلاء بل ما ذكروه يقتضى حدوث كل شيء فإنه ما من موجود إلا و له ~~صفات تقوم به و تقوم به أحوال تحصل بالمشيئة و القدرة فإن كان هذا مستلزما ~~للحدوث لزم حدوث كل شيء و أن لا يكون فى العالم شيء قديم و هذا قد بسط فى ~~مواضع أيضا # و سمات الحدث التى تستلزم الحدوث مثل إفتقار إلى الغير فكل ما إفتقر إلى ~~غيره فإنه محدث كائن بعد أن لم يكن و الرب منزه عن الحاجة إلى ما سواه بكل ~~و جه و من ظن أنه محتاج إلى العرش أو حملة العرش فهو جاهل ضال بل هو الغني ~~بنفسه و كل ما سواه فقير إليه من كل و جه و هو الصمد الغنى عن كل شيء و كل ~~ما سواه يصمد إليه محتاجا إليه ( يسأله من في السموات و الأرض كل يوم هو فى ~~شأن ( PageV16P428 ومن سمات الحدث النقائص كالجهل و العمى و الصمم و البكم ~~فإن كل ما كان كذلك لم يكن إلا محدثا لأن القديم الأزلى منزه عن ذلك لأن ~~القديم الأزلي متصف بنقيض هذه الصفات و صفات الكمال لازمة له و اللازم ~~يمتنع زواله إلا بزوال الملزوم و الذات قديمة أزلية و اجبة بنفسها غنية عما ~~سواها يستحيل عليها العدم و الفناء بوجه من الوجوه فيستحيل عدم لوازمها ~~فيستحيل إتصافها بنقيض تلك اللوازم فلا يوصف بنقيضها إلا المحدث فهى من ~~سمات الحدث المستلزمة لحدوث ما إتصف بها # و هذا يدخل فى قول القائل ( كل ما إستلزم حدوثا أو نقصا فالرب منزه عنه ( ~~و النقص المناقض لصفات كماله مستلزم لحدوث المتصف به و الحدوث مستلزم للنقص ~~اللازم للمخلوق فإن كل مخلوق فهو يفتقر إلى غيره كائن بعد ms1387 أن لم يكن لا ~~يعلم إلا ما علم و لا يقدر إلا ما أقدر و هو محاط به مقدور عليه # فهذه النقائص اللازمة لكل مخلوق هي ملزومة للحدوث حيث كان حدوث كانت و ~~الحدوث أيضا ملزوم لها فحيث كان محدث كانت هذه النقائص # فقولنا ( ما استلزم نقصا أو حدوثا فالرب منزه عنه ( حق PageV16P429 و ~~الحدوث و النقص اللازم للمخلوق متلازمان و الرب منزه عن كل منهما من جهتين ~~من جهة إمتناعه فى نفسه و من جهة أنه مستلزم للآخر و هو ممتنع فى نفسه فكل ~~منهما دليل و مدلول عليه بإعتبارين على أن الرب منزه عنه وعن مدلوله الذي ~~هو لازمه # و الحاجة إلى الغير و الفقر إليه مما يستلزم الحدوث و النقص اللازم ~~للمخلوق و قولي ( اللازم ( ليعم جميع المخلوقين و إلا فمن النقائص ما يتصف ~~بها بعض المخلوقين دون بعض فتلك ليست لازمة لكل مخلوق # و الرب منزه عنها أيضا لكن إذا نزه عن النقص اللازم لكل مخلوق فعن ما ~~يختص به بعض المخلوقين أولى و أحرى فإنه إذا كان مخلوق ينزه عن نقص فالخالق ~~أولى بتنزيهه عنه و هذه طريقة ( الأولى ( كما دل عليها القرآن في غير موضع ~~وقد ذكرنا فى جواب ( المسائل التدمرية ( الملقب ب ( تحقيق الإثبات للأسماء ~~و الصفات و بيان حقيقة الجمع بين القدر و الشرع ( أنه لا يجوز الإكتفاء ~~فيما ينزه الرب عنه على عدم و رود السمع و الخبر به فيقال كل ما ورد به ~~الخبر أثبتناه و ما لم يرد به لم نثبته بل ننفيه و تكون عمدتنا فى النفي ~~على عدم الخبر PageV16P430 بل هذا غلط لوجهين # ( أحدهما ( أن عدم الخبر هو عدم دليل معين و الدليل لا ينعكس فلا يلزم ~~إذا لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفيا فى نفس الأمر و لله أسماء سمى بها ~~نفسه و استأثر بها فى علم الغيب عنده فكما لا يجوز الإثبات إلا بدليل لا ~~يجوز النفي إلا بدليل و لكن إذا لم يرد ms1388 به الخبر و لم يعلم ثبوته يسكت عنه ~~فلا يتكلم فى الله بلا علم # ( الثانى ( أن أشياء لم يرد الخبر بتنزيهه عنها و لا بأنه منزه عنها لكن ~~دل الخبر على إتصافه بنقائضها فعلم إنتفاؤها فالأصل أنه منزه عن كل ما ~~يناقض صفات كماله و هذا مما دل عليه السمع و العقل # و ما لم يرد به الخبر إن علم إنتفاؤه نفيناه و إلا سكتنا عنه فلا نثبت ~~إلا بعلم و لا ننفي إلا بعلم # و نفي الشيء من الصفات و غيرها كنفي دليله طريقة طائفة من أهل النظر و ~~الخبر و هي غلط إلا إذا كان الدليل لازما له فإذا عدم اللازم عدم الملزوم # و أما جنس الدليل فيجب فيه الطرد لا العكس فيلزم من و جود الدليل و جود ~~المدلول عليه و لا ينعكس PageV16P431 # فالأقسام ثلاثة ما علم ثبوته أثبت و ما علم إنتفاؤه نفي و ما لم يعلم ~~نفيه و لا إثباته سكت عنه هذا هو الواجب و السكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه ~~أو ثبوته # و من لم يثبت ما أثبته إلا بالألفاظ الشرعية التى أثبتها و إذا تكلم ~~بغيرها إستفسر و إستفصل فإن و افق المعنى الذي أثبته الشرع أثبته باللفظ ~~الشرعي فقد إعتصم بالشرع لفظا و معنى و هذه سبيل من إعتصم بالعروة الوثقى # لكن ينبغي أن تعرف الأدلة الشرعية إسنادا و متنا فالقرآن معلوم ثبوت ~~ألفاظه فينبغي أن يعرف و جوه دلالته و السنة ينبغي معرفة ما ثبت منها و ما ~~علم أنه كذب # فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة و عظم السنة و الشرع و ظنوا أنهم إعتصموا ~~في هذا الباب بالكتاب و السنة جمعوا أحاديث و ردت في الصفات منها ما هو كذب ~~معلوم أنه كذب و منها ما هو إلى الكذب أقرب و منها ما هو إلى الصحة أقرب و ~~منها متردد و جعلوا تلك الأحاديث عقائد و صنفوا مصنفات و منهم من يكفر من ~~يخالف ما دلت عليه تلك ms1389 الأحاديث # و بإزاء هؤلاء المكذبين بجنس الحديث و من يقول عن أخبار PageV16P432 ~~الصحيحين و غيرها هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم # و أبلغ من هؤلاء من يقول دلالة القرآن لفظية سمعية و الدلالة السمعية ~~اللفظية لا تفيد اليقين و يجعلون العمدة على ما يدعونه من العقليات و هى ~~باطلة فاسدة منها ما يعلم بطلانه و كذبه # و هؤلاء أيضا قد يكفرون من خالف ذلك كما فعل أولئك و كلا الطريقين باطل و ~~لو لم يكفر مخالفه فإذا كفر مخالفه صار من أهل البدع الذين يبتدعون بدعة و ~~يكفرون من خالفهم فيها كما فعلت الخوارج و غيرهم # و قد بسط فى غير هذا الموضع أن الأدلة التى توجب العلم لا تناقض قط و لا ~~يناقض الدليل العقلي الذي يفيد العلم للدليل السمعي الذي يفيد العلم قط كما ~~قد بينا ذلك في كتاب ( درء تعارض العقل و النقل ( # و هذه الأحاديث قد ذكر بعضها القاضي أيو يعلى فى كتاب ( إبطال التأويل ( ~~مثل ما ذكر فى حديث المعراج حديثا طويلا عن أبى عبيدة ( أن محمدا رأى ربه # ( و طائفة ممن يقول بأن رأى ربه بعينه يكفرون من خالفهم لما PageV16P433 ~~ظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة كما فعل أبو الحسن علي ابن شكر فإنه ~~سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه من السنة و قد يكون مخطئا فيه إما ~~لإحتجاجه بأحاديث ضعيفة أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده و ما أصاب ~~فيه من السنة لا يجوز تكفير كل من خالف فيه فليس كل مخطئ كافرا لا سيما في ~~المسائل الدقيقة التى كثر فيها نزاع الأمة كما قد بسط هذا فى مواضع # و كذلك أبو علي الأهوازي له مصنف فى الصفات قد جمع فيه الغث و السمين # و كذلك ما يجمعه عبدالرحمن بن منده مع أنه من أكثر الناس حديثا لكن يروى ~~شيئا كثيرا من الأحاديث الضعيفة و لا يميز بين الصحيح و الضعيف و ربما جمع ~~بابا و كل أحاديثه ms1390 ضعيفة كأحاديث أكل الطين و غيرها و هو يروى عن أبى علي ~~الأهوازي و قد و قع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي فبنى على ~~ذلك عقائد باطلة و ادعى أن الله يرى في الدنيا عيانا ثم الذين يقولون بهذا ~~من أتباعه يكفرون من خالفهم و هذا كما تقدم من فعل أهل البدع كما فعلت ~~الخوارج # و من ذلك حديث عبدالله بن خليفة المشهور الذي يروى عن PageV16P434 عمر عن ~~النبى صلى الله عليه و سلم و قد رواه أبو عبدالله محمد بن عبد الواحد ~~المقدسى فى ( مختاره ( # وطائفة من أهل الحديث ترده لإضطرابه كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي و ~~ابن الجوزي و غيرهم لكن أكثر أهل السنة قبلوه # و فيه قال ( إن عرشه أو كرسيه و سع السموات و الأرض و إنه يجلس عليه فما ~~يفضل منه قدر أربعة أصابع أو فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع و إنه ليئط ~~به أطيط الرحل الجديد براكبه ( # و لفظ ( الأطيط ( قد جاء في حديث جبير بن مطعم الذي رواه أبو داود فى ~~السنن و ابن عساكر عمل فيه جزءا و جعل عمدة الطعن فى ابن إسحاق و الحديث قد ~~رواه علماء السنة كأحمد و أبى داود و غيرهما و ليس فيه إلا ما له شاهد من ~~رواية أخرى و لفظ ( الأطيط ( قد جاء فى غيره # و حديث إبن خليفة رواه الإمام أحمد و غيره مختصرا و ذكر أنه حدث به و كيع # لكن كثير ممن رواه بقوله ( أنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع فجعل العرش ~~يفضل منه أربع أصابع و اعتقد القاضي و ابن PageV16P435 الزاغونى و نحوهما ~~صحة هذا اللفظ فأمروه و تكلموا على معناه بأن ذلك القدر لا يحصل عليه ~~الإستواء و ذكر عن ابن العايذ أنه قال هو موضع جلوس محمد صلى الله عليه و ~~سلم # و الحديث قد رواه ابن جرير الطبري فى تفسيره و غيره و لفظه ( و إنه ليجلس ~~عليه فما ms1391 يفضل منه قدر أربع أصابع ( بالنفي # فلو لم يكن في الحديث إلا إختلاف الروايتين هذه تنفى ما أثبتت هذه و لا ~~يمكن مع ذلك الجزم بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم أراد الإثبات و أنه ~~يفضل من العرش أربع أصابع لا يستوى عليها الرب و هذا معنى غريب ليس له قط ~~شاهد في شيء من الروايات بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب و أكبر و ~~هذا باطل مخالف للكتاب و السنة و للعقل # و يقتضي أيضا أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق و قد جعل ~~العرش أعظم منه فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق و هو أعظم من الرب و هذا ~~معنى فاسد مخالف لما علم من الكتاب و السنة و العقل # فإن طريقة القرآن فى ذلك أن يبين عظمة الرب فإنه أعظم من كل ما يعلم ~~عظمته فيذكر عظمة المخلوقات و يبين أن الرب أعظم منها PageV16P436 كما فى ~~الحديث الآخر الذي فى سنن أبي داود و الترمذي و غيرهما حديث الأطيط لما قال ~~الأعرابي إنا نستشفع بالله عليك و نستشفع بك على الله تعالى فسبح رسول الله ~~صلى الله عليه و سلم حتى عرف ذلك في و جوه أصحابه ثم قال ( و يحك أتدري ما ~~تقول أتدري ما الله شان الله أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته هكذا ( و قال ~~بيده مثل القبة ( و إنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه ( # فبين عظمة العرش و أنه فوق السموات مثل القبة ثم بين تصاغره لعظمة الله و ~~أنه يئط به أطيط الرحل الجديد براكبه فهذا فيه تعظيم العرش و فيه أن الرب ~~أعظم من ذلك كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( أتعجبون ~~من غيرة سعد لأنا أغير منه و الله أغير مني ( و قال ( لا أحد أغير من الله ~~من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن ( و مثل هذا كثير # و هذا و ms1392 غيره يدل على أن الصواب فى روايته النفي و أنه ذكر عظمة العرش و ~~أنه مع هذه العظمة فالرب مستو عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع و هذه ~~غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء الإنسان كما يقدر فى الميزان قدره ~~فيقال ما فى السماء قدر كف سحابا فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع و الذراع ~~و أصغر ما عندهم PageV16P437 الكف فإذا أرادوا نفي القليل و الكثير قدروا ~~به فقالوا ما في السماء قدر كف سحابا كما يقولون فى النفي العام ( إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة ( و ( لا يملكون من قطمير ( و نحو ذلك # فبين الرسول أنه لا يفضل من العرش شيء و لا هذا القدر اليسير الذي هو ~~أيسر ما يقدر به و هو أربع أصابع و هذا معنى صحيح موافق للغة العرب و موافق ~~لما دل عليه الكتاب و السنة موافق لطريقة بيان الرسول له شواهد فهو الذي ~~يجزم بأنه في الحديث # و من قال ( ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع ( فما فهموا هذا المعنى فظنوا ~~أنه إستثنى فاستثنوا فغلطوا و إنما هو توكيد للنفي و تحقيق للنفي العام و ~~إلا فأي حكمة فى كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية و تلك الأصابع ~~أصابع من الناس و المفهوم من هذا أصابع الإنسان فما بال هذا القدر اليسير ~~لم يستو الرب عليه # و العرش صغير فى عظمة الله تعالى و قد جاء حديث رواه ابن أبي حاتم فى ~~قوله ( لا تدركه الأبصار ( لمعناه شواهد تدل على هذا فينبغي أنا نعتبر ~~الحديث فنطابق بين الكتاب و السنة فهذا هذا و الله أعلم PageV16P438 # قال حدثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث أنبأ بشر بن عمارة عن أبي روق عن ~~عطية العوفى عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فى قوله ~~تعالى ( لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار ( قال ( لو أن الجن و الإنس و ~~الشياطين و الملائكة منذ خلقوا إلى ms1393 أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله ~~أبدا ( # و هذا له شواهد مثل ما في الصحاح فى تفسير قوله تعالى ( و الأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة و السموات مطويات بيمينه ( قال ابن عباس ما السموات ~~السبع و الأرضون السبع و من فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة فى يد أحدكم # و معلوم أن العرش لا يبلغ هذا فإن له حملة و له حول قال تعالى ( الذين ~~يحملون العرش و من حوله ( # و هذا قد بسط فى موضع آخر فى ( مسألة الإحاطة ( و غيرها و الله أعلم $ ~~فصل # فالرسول صلى الله عليه و سلم بين الأصول الموصلة إلى الحق PageV16P439 ~~أحسن بيان و بين الآيات الدالة على الخالق سبحانه و أسمائه الحسنى و صفاته ~~العليا و وحدانيته على أحسن و جه كما قد بسط فى مواضع # وأما أهل البدع من أهل الكلام و الفلسفة و نحوهم فهم لم يثبتوا الحق بل ~~أصلوا أصولا تناقض الحق فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا و لم يدلوا على الحق حتى ~~أصلوا أصولا تناقض الحق و رأوا أنها تناقض ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~و سلم فقدموها على ما جاء به الرسول # ثم تارة يقولون الرسول جاء بالتخييل و تارة يقولون جاء بالتأويل و تارة ~~يقولون جاء بالتجهيل # فالفلاسفة و من و افقهم أحيانا يقولون خاطب الجمهور بالتخييل لم يقصد ~~إخبارهم بالأمر على ما هو عليه بل أخبرهم بخلاف ما الأمر عليه ليتخيلوا ما ~~ينفعهم و هذا قول من يعرف بأنه كان يعرف الحق كابن سينا و أمثاله و يقولون ~~الذي فعله من التخييل غاية ما يمكن # و منهم من يقول لم يعرف الحق بل تخيل و خيل كما يقوله الفارابى و أمثاله ~~و يجعلون الفيلسوف أفضل من النبى و يجعلون النبوة من جنس المنامات ~~PageV16P440 # و أما أكثر المتكلمين فيقولون بل لم يقصد أن يخبر إلا بالحق لكن بعبارات ~~لا تدل و حدها عليه بل تحتاج إلى التأويل ليبعث الهمم على معرفته بالنظر و ms1394 ~~العقل و يبعثها على تأويل كلامه ليعظم أجرها # و الملاحدة يسلكون مسلك التأويل و يفتحون باب القرمطة و هؤلاء يجوزون ~~التأويل مع الخاصة # و أما أهل التخييل فيقولون الخاصة قد عرفوا أن مراده التخييل للعامة ~~فالتأويل ممتنع # و الفريقان يسلكون مسلك إلجام العوام عن التأويل لكن أولئك يقولون لها ~~تأويل يفهمه الخاصة # و هي طريقة الغزالي فى ( الإلجام ( إستقبح أن يقال كذبوا للمصلحة و هو ~~أيضا لا يرى تأويل الأعمال كالقرامطة بل تأويل الخبر عن الملائكة و عن ~~اليوم الآخر و كذلك طائفة من الفلاسفة ترى التأويل فى ذلك و هذا مخالف ~~لطريقة أهل التخييل و قد ذكر الغزالي هذا عنهم فى ( الإحياء ( لما ذكر ~~إسرافهم فى التأويل و ذكره فى مواضع كما حكى كلامه فى ( السبعينية ( و ~~غيرها PageV16P441 و القسم الثالث الذين يقولون هذا لا يعلم معناه إلا الله ~~أو له تأويل يخالف ظاهره لا يعلمه إلا الله فهؤلاء يجعلون الرسول و غيره ~~غير عالمين بما أنزل الله فلا يسوغون التأويل لأن العلم بالمراد عندهم ~~ممتنع و لا يستجيزون القول بطريقة التخييل لما فيها من التصريح بكذب الرسول ~~بل يقولون خوطبوا بما لا يفهمونه ليثابوا على تلاوته و الإيمان بألفاظه و ~~إن لم يفهموا معناه يجعلون ذلك تعبدا محضا على رأي المجبرة الذين يجوزون ~~التعبد بما لا نفع فيه للعامل بل يؤجر عليه # والكلام على هؤلاء و فساد قولهم مذكور فى مواضع و المقصود هنا أن الذي ~~دعاهم إلى ذلك ظنهم أن المعقول يناقض ما أخبر به الرسول صلى الله عليه و ~~سلم أو ظاهر ما أخبر به الرسول و قد بسط الكلام على رد هذا فى مواضع و بين ~~أن العقل لا يناقض السمع و أن ما ناقضه فهو فاسد و بين بعد هذا أن العقل ~~موافق لما جاء به الرسول شاهد له و مصدق له # لا يقال إنه غير معارض فقط بل هو موافق مصدق فأولئك كانوا يقولون هو مكذب ~~مناقض بين أولا أنه لا يكذب و ms1395 لا يناقض ثم بين ثانيا أنه مصدق موافق ~~PageV16P442 # وأما هؤلاء فيبين أن كلامهم الذي يعارضون به الرسول باطل لا تعارض فيه و ~~لا يكفى كونه باطلا لا يعارض بل هو أيضا مخالف لصريح العقل فهم كانوا يدعون ~~العقل يناقض النقل # فيبين أربع مقامات أن العقل لار يناقضه ثم يبين أن العقل يوافقه و يبين ~~أن عقلياتهم التى عارضوا بها النقل باطلة و يبين أيضا أن العقل الصريح ~~بخالفهم # ثم لا يكفى أن العقل يبطل ما عارضوا به الرسول بل يبين أن ما جعلوه دليلا ~~على إثبات الصانع إنما يدل على نفيه فهم أقاموا حجة تستلزم نفي الصانع و إن ~~كانوا يظنون أنهم يثبتون بها الصانع # و المقصود هنا أن كلامهم الذي زعموا أنهم أثبتوا به الصانع إنما يدل على ~~نفي الصانع و تعطيله فلا يكفي فيه أنه باطل لم يدل على الحق بل دل على ~~الباطل الذي يعلمون هم و سائر العقلاء أنه باطل # و لهذا كان يقال في أصولهم ( ترتيب الأصول فى تكذيب الرسول ( و يقال أيضا ~~هي ( ترتيب الأصول فى مخالفة الرسول و المعقول ( جعلوها أصولا للعلم ~~بالخالق و هي أصول تناقض العلم به فلا يتم العلم بالخالق إلا مع إعتقاد ~~نقيضها و فرق بين الأصل و الدليل المستلزم للعلم بالرب و بين المناقض ~~المعارض للعلم بالرب PageV16P443 فالمتفلسفة يقولون إنهم أثبتوا و اجب ~~الوجود و هم لم يثبتوه بل كلامهم يقتضي أنه ممتنع الوجود و الجهمية و ~~المعتزلة و نحوهم يقولون إنهم أثبتوا القديم المحدث للحوادث و هم لم يثبتوه ~~بل كلامهم يقتضي أنه ما ثم قديم أصلا و كذلك الأشعرية و الكرامية و غيرهم ~~ممن يقول إنه أثبت العلم بالخالق فهم لم يثبتوه لكن كلامهم يقتضي أنه ما ثم ~~خالق # و هذه الأسماء الثلاثة هى التى يظهرها هؤلاء واجب الوجود و القديم و ~~الصانع أو الخالق و نحو ذلك # ثم إنه من المعلوم بضرورة العقل أنه لابد فى الوجود من موجود واجب بنفسه ~~قديم أزلي محدث للحوادث ms1396 فإذا كان هذا معلوما بالفطرة و الضرورة و البراهين ~~اليقينية و كانت أصولهم التى عارضوا بها الرسول تناقض هذا دل على فسادها ~~جملة و تفصيلا و قد ذكرنا في مواضع أن الإقرار بالصانع فطري ضروري مع كثرة ~~دلائله و براهينه # و نقول هنا لا ريب أنا نشهد الحوادث كحدوث السحاب و المطر و الزرع و ~~الشجر و الشمس و حدوث الإنسان و غيره من الحيوان PageV16P444 و حدوث الليل ~~و النهار و غير ذلك و معلوم بضرورة العقل أن المحدث لابد له من محدث و أنه ~~يمتنع تسلسل المحدثات بأن يكون للمحدث محدث و للمحدث محدث إلى غير غاية و ~~هذا يسمى تسلسل المؤثرات و العلل و الفاعلية و هو ممتنع بإتفاق العقلاء كما ~~قد بسط فى مواضع و ذكر ما أورد عليه من الإشكالات حتى ذكر كلام الآمدى و ~~الأبهري مع كلام الرازي و غيرهم # مع أن هذا بديهي ضروري في العقول و تلك الخواطر من و سوسة الشيطان و لهذا ~~أمر النبى صلى الله عليه و سلم العبد إذا خطر له ذلك أن يستعيذ بالله منه و ~~ينتهى عنه فقال ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا فيقول ~~الله فيقول فمن خلق الله فإذا و جد ذلك أحدكم فليستعذ بالله و لينته ( # و معلوم أن المحدث الواحد لا يحدث إلا بمحدث فإذا كثرت الحوادث و تسلسلت ~~كان إحتياجها إلى المحدث أولى و كلها محدثات فكلها محتاجة إلى محدث و ذلك ~~لا يزول إلا بمحدث لا يحتاج إلى غيره بل هو قديم أزلي بنفسه سبحانه و تعالى # و إذا قيل إن الموجود إما قديم و إما محدث و المحدث لابد له من قديم ~~فيلزم و جود القديم على التقديرين كان برهانا صحيحا PageV16P445 وكذلك إذا ~~قيل إما ممكن و إما و اجب و بين الممكن بأنه المحدث كان من هذا الجنس # و أما إذا فسر الممكن بما يتناول القديم كما فعل ابن سينا و أتباعه ~~كالرازي كان هذا ms1397 باطلا فإنه على هذا التقدير لا يمكن إثبات الممكن المفتقر ~~إلى الواجب إبتداء و الدليل لا يتم إلا بإثبات هذا إبتداء و إنما يمكن ذلك ~~في أن المحدث لابد له من محدث فإن هذا تشهد أفراده و تعلم بالعقل كلياته # و أما إثبات قديم أزلي ممكن فهذا مما إتفق العقلاء على إمتناعه و ابن ~~سينا و أتباعه و افقوا على امتناعه كما ذكروه فى المنطق تبعا لسلفهم لكن ~~تناقضوا أولا فسلفهم و هم يقولون الممكن العامي و الخاصي الذي يمكن و جوده ~~و عدمه لا يكون إلا حادثا لا يكون ضروريا و كل ما كان قديما أزليا فهو ~~ضروري عندهم # و كذلك إذا قيل الموجود إما أن يكون مخلوقا و إما أن لا يكون مخلوقا و ~~المخلوق لابد له من موجود غير مخلوق فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على ~~التقديرين # و كذلك إذا قيل الموجود إما غني عن غيره و إما فقير إلى غيره و الفقير ~~المحتاج إلى غيره لا تزول حاجته و فقره إلا بغنى عن غيره PageV16P446 فيلزم ~~و جود الغنى عن غيره على التقديرين # وكذلك إذا قيل الحي إما حي بنفسه و إما حي حياته من غيره و ما كانت حياته ~~من غيره فذلك الغير أولى بالحياة فيكون حيا بنفسه فثبت و جود الحي بنفسه ~~على التقديرين # و كذلك إذا قيل العالم إما عالم بنفسه و إما عالم علمه غيره و من علم ~~غيره فهو أولى أن يكون عالما و إذا لم يتعلم من غيره كان عالما بنفسه فثبت ~~و جود العالم بنفسه على التقديرين الحاصرين فإنه لا يمكن سوى هذين ~~التقديرين و القسمين # فإذا كان لا يمكن إلا أحدهما و على كل تقدير العالم بنفسه موجود و الحي ~~بنفسه موجود و الغني بنفسه موجود و القديم الواجب بنفسه موجود لزم و جوده ~~فى نفس الأمر و إمتناع عدمه فى نفس الأمر و هو المطلوب # و كذلك إذا قيل القادر إما قادر بنفسه و إما قادر قدره ms1398 غيره و من أقدر ~~غيره فهو أولى أن يكون قادرا و إذا لم تكن قدرته من غيره كانت قدرته من ~~لوازم نفسه فثبت و جود القادر بنفسه الذي قدرته من لوازم نفسه و علمه من ~~لوازم نفسه و حياته من لوازم نفسه على كل تقدير PageV16P447 # و كذلك الحكيم إما أن يكون حكيما بنفسه و إما أن تكون حكمته من غيره و من ~~جعل غيره حكيما فهو أولى أن يكون حكيما فيلزم وجود الحكيم بنفسه على ~~التقديرين # و كذلك إذا قيل الرحيم إما أن تكون رحمته من نفسه و إما أن يكون غيره ~~جعله رحيما و من جعل غيره رحيما [ ف ] هو أولى أن يكون رحيما و تكون رحمته ~~من لوازم نفسه فثبت و جود الرحيم بنفسه الذي رحمته من لوازم نفسه على ~~التقديرين # وكذلك إذا قيل الكريم المحسن إما أن يكون كرمه و إحسانه من نفسه و إما أن ~~يكون من غيره و من جعل غيره كريما محسنا فهو أولى أن يكون كريما محسنا و ~~ذلك من لوازم نفسه و فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه رأى إمرأة ~~من السبى إذا رأت طفلا أرضعته رحمة له فقال ( أترون هذه طارحة و لدها فى ~~النار ( قالوا لا يا رسول الله فقال ( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ( # فبين أن الله أرحم بعباده من أرحم الوالدات بولدها فإنه من جعلها رحيمة ~~أرحم منها # و هذا مما يدل عليه قوله ( و ربك الأكرم ( و قولنا ( الله أكبر ( ~~PageV16P448 فإنه سبحانه أرحم الراحمين و خير الغافرين و خير الفاتحين و ~~خير الناصرين و أحسن الخالقين و هو نعم الوكيل و نعم المولى و نعم النصير # و هذا يقتضي حمدا مطلقا على ذلك و أنه كافى من توكل عليه و أنه يتولى ~~عبده توليا حسنا و ينصره نصرا عزيزا و ذلك يقتضي أنه أفضل و أكمل من كل ما ~~سواه كما يدل على ذلك قولنا ( الله أكبر ( # و كذلك إذا قيل المتكلم ms1399 السميع البصير إما أن يكون متكلما سميعا بصيرا ~~بنفسه و إما أن يكون غيره جعله سميعا بصيرا متكلما و من جعل غيره متكلما ~~سميعا بصيرا فهو أولى أن يكون متكلما سميعا بصيرا و إلا كان المفعول أكمل ~~من الفاعل فإن هذه صفات كمال # و كذلك يقال العادل إما أن يكون عادلا بنفسه و الصادق إما أن يكون صادقا ~~بنفسه و إما أن يكون غيره جعله صادقا عادلا و من جعل غيره صادقا عادلا فهو ~~أولى أن يكون صادقا عادلا # فهذه كلها طرق صحيحة بينة # فإن قيل يعارض هذا بأن يقال من جعل غيره ظالما أو كاذبا فهو أيضا ظالم ~~كاذب و أهل السنة يقولون إنه جعل غيره كذلك PageV16P449 و ليس هو كذلك ~~سبحانه قيل هذا باطل من و جهين # ( أحدهما ( أنه ليس كل من جعل غيره على صفة أي صفة كانت كان متصفا بها بل ~~من جعل غيره على صفة من صفات الكمال فهو أولى بإتصافه بصفة الكمال من ~~مفعوله # و أما صفات النقص فلا يلزم إذا جعل الجاعل غيره ناقصا أن يكون هو ناقصا ~~فالقادر يقدر أن يعجز غيره و لا يكون عاجزا و الحي يمكنه أن يقتل غيره و ~~يميته و لا يكون ميتا و العالم يمكنه أن يجهل غيره و لا يكون جاهلا و ~~السميع و البصير والناطق يمكنه أن يعمى غيره و يصمه و يخرسه و لا يكون هو ~~كذلك # فلا يلزم حينئذ أن من جعل غيره ظالما و كاذبا أن يكون كاذبا و ظالما لأن ~~هذه صفة نقص # فإن قيل الكاذب والظالم قد يلزم غيره بالصدق و العدل أحيانا قيل هو لم ~~يجعله صادقا و عالما و إنما أمره بذلك و هو فعل ذلك بنفسه و لم نقل كل من ~~أمر غيره بشيء كان متصفا بما أمر به غيره # ( الثانى ( أن الظلم أمر نسبى إضافى فمن أمر غيره أن يقتل شخصا ~~PageV16P450 فقتله هذا القاتل من غير جرم يعلمه كان ظالما و إن كان ذلك ~~الأمر ms1400 إنما أمره به لكونه قد قتل أباه و المأمور لم يفعله لذلك فلو فعله ~~بطريق النيابة لم يكن ظالما فإن كان له معه غرض فقتله ظلما و لكن الآمر كان ~~مستحقا لقتله # وكذلك من أمر غيره بما هو كذب من المأمور كأمر يوسف للمؤذن أن يقول ( ~~أيتها العير إنكم لسارقون ( يوسف عليه السلام قصد إنكم لسارقون يوسف من ~~أبيه و هو صادق فى هذا و المأمور قصد إنكم لسارقون الصواع و هو يظن أنهم ~~سرقوه فلم يكن متعمدا للكذب و إن كان خبره كذبا # و الرب تعالى لا تقاس أفعاله بأفعال عباده فهو يخلق جميع ما يخلقه لحكمة ~~و مصلحة و إن كان بعض ما خلقه فيه قبح كما يخلق الأعيان الخبيثة كالنجاسات ~~و كالشياطين لحكمة راجحة و بسط هذا له موضع آخر # و المقصود هنا أن دلائل إثبات الرب كثيرة جدا و هؤلاء الذين يزعمون أن ~~المعقول يعارض خبرالرسول الذين يقولون إنهم أثبتوا و اجب الوجود أو القديم ~~أو الصانع هم لم يثبتوه بل حججهم تقتضي نفيه و تعطيله فهم نافون له لا ~~مثبتون له و حججهم باطلة PageV16P451 فى العقل لا صحيحة فى العقل # والمعرفة بالله ليست موقوفة على أصولهم بل تمام المعرفة موقوف على العلم ~~بفساد أصولهم و إن سموها ( أصول العلم و الدين ( فهي ( أصول الجهل و أصول ~~دين الشيطان لا دين الرحمن ( وحقيقة كلامهم ( ترتيب الأصول فى مخالفة ~~الرسول و المعقول ( كما قال أصحاب النار ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى ~~أصحاب السعير ( فمن خالف الرسول فقد خالف السمع و العقل خالف الأدلة ~~السمعية و العقلية # أما القائلون بواجب الوجود فقد بينا فى غير موضع أنهم لم يقيموا دليلا ~~على واجب الوجود # و أن الرازى لما تبع ابن سينا لم يكن في كتبه إثبات واجب الوجود فإنهم ~~جعلوا وجوده موقوفا على إثبات ( الممكن ( الذي يدخل فيه القديم فما بقى ~~يمكن إثبات و اجب الوجود على طريقهم إلا بإثبات ممكن قديم و هذا ممتنع فى ms1401 ~~بديهة العقل و إتفاق العقلاء فكان طريقهم موقوفا على مقدمة باطلة في صريح ~~العقل و قد إتفق العقلاء على بطلانها فبطل دليلهم و لهذا كان كلامهم فى ( ~~الممكن ( مضطربا غاية الإضطراب # ولكن أمكنهم أن يستدلوا على أن المحدث لابد له من قديم و هو PageV16P452 ~~واجب الوجود و لكن قد أثبتوا قديما ليس بواجب الوجود فصار ما أثبتوه من ~~القديم يناقض أن يكون هو رب العالمين إذ أثبتوا قديما ينقسم إلى و اجب و ~~إلى غير و اجب # و أيضا فالواجب الذي أثبتوه قالوا إنه يمتنع إتصافه بصفة ثبوتية و هذا ~~ممتنع الوجوب لا ممكن الوجوب فضلا عن أن يكون و اجب الوجود كما قد بسط هذا ~~فى مواضع و بين أن الواجب الذي يدعونه يقولون إنه لا يكون لا صفة و لا ~~موصوفا ألبتة و هذا إنما يتخيل في الأذهان لا حقيقة له فى الأعيان # و الواجب إذا فسر بمبدع الممكنات فهو حق و هو إسم للذات المتصفة بصفاتها ~~و إذا فسر بالموجود بنفسه الذي لا فاعل له فالذات واجبة و الصفات و اجبة و ~~إذا فسر بما لا فاعل له و لا محدث فالذات واجبة و الصفات ليست واجبة و إذا ~~فسر بما ليس صفة و لا موصوفا فهذا باطل لا حقيقة له بل هو ممتنع الوجود لا ~~ممكن الوجود و لا واجب الوجود و كلما أمعنوا في تجريده عن الصفات كانوا أشد ~~إيغالا فى التعطيل كما قد بسط فى مواضع # و أما الذين قالوا إنهم أثبتوا القديم من الجهمية و المعتزلة و من سلك ~~سبيلهم من الأشعرية و الكرامية الذين استدلوا بحدوث الأعراض PageV16P453 و ~~لزومها للأجسام و إمتناع حوادث لا أول لها على حدوث الأجسام فهؤلاء لم ~~يثبتوا الصانع لما عرف من فساد هذا الدليل حيث إدعوا إمتناع كون الرب ~~متكلما بمشيئته أو فعالا لما يشاء بل حقيقة قولهم إمتناع كونه لم يزل قادرا ~~و أدلتهم على هذا الإمتناع قد ذكرت مستوفاة فى غير هذا الموضع و ذكر ms1402 كلامهم ~~هم في بيان بطلانها # و أما كونهم عطلوا الخالق فلأن حقيقة قولهم أن من لم يزل متكلما بمشيئته ~~فهو محدث فيلزم أن يكون الرب محدثا لا قديما بل حقيقة أصلهم أن ما قامت به ~~الصفات و الأفعال فهو محدث و كل موجود فلابد له من ذلك فيلزم أن يكون كل ~~موجود محدثا و لهذا صرح أئمة هذا الطريق الجهمية و المعتزلة بنفى صفات الرب ~~و بنفى قيام الأفعال و سائر الأمور الإختيارية بذاته إذ هذا موجب دليلهم و ~~هذه الصفات لازمة له و نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم فكان حقيقة قولهم نفي ~~الرب و تعطيله # و هم يسمون الصفات أعراضا و الأفعال و نحوها حوادث فقالوا الرب ينزه عن ~~أن تقوم به الأعراض و الحوادث فإن ذلك مستلزم أن يكون جسما قالوا و قد ~~أقمنا الدليل على حدوث كل جسم فإن PageV16P454 الجسم لا ينفك من الأعراض ~~المحدثة و لا يسبقها و ما لم ينفك عن الحوادث و لم يسبقها فهو حادث # وقد قامت الأدلة السمعية و العقلية على مذهب السلف و أن الرب لم يزل ~~متكلما إذا شاء فيلزم على قولهم أنه لم يسبق الحوادث و لم ينفك عنها و يجب ~~على قولهم [ كونه ] حادثا # فالأصل الذي أثبتوا به القديم هو نفسه يقتضي أنه ليس بقديم و أنه ليس في ~~الوجود قديم كما أن أولئك أصلهم يقتضى أنه ليس بواجب بذاته و أنه ليس فى ~~الوجود واجب بذاته # و الطريق التى قالوا بها يثبت الصانع مناقضة لإثبات الصانع و إذا قالوا ~~لا يمكن العلم بالصانع إلا بها كان الحق أن يقال بل لا يمكن تمام العلم ~~بالصانع إلا مع العلم بفسادها # و لهذا كان كل من أقر بصحتها قد كذب بعض ما أخبر به الرسول مما هو من ~~لوازم الرب و نفى اللازم يقتضى نفي الملزوم # و الذين زعموا أنهم يحتجون به على حدوث الأجسام من جنس ما زعم أولئك أنهم ~~يحتجون به على إمكان الأجسام و كل منهما ms1403 باطل PageV16P455 و مقتضاه حدوث كل ~~موجود و إمكان كل موجود و أنه ليس فى الوجود قديم و لا و اجب بنفسه # فأصولهم تناقض مطلوبهم و هي طريقة مضلة لا هادية لكن كما قال الله تعالى ~~( و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين و إنهم ليصدونهم عن ~~السبيل و يحسبون أنهم مهتدون ( # و أما الذين يقولون نثبت الصانع و الخالق و يقولون أنا نسلك غير هذه ~~الطريق كالإستدلال بحدوث الصفات على الرب فإن هذه تدل عليه من غيرإحتياج ~~إلى ما التزمه أولئك و الرازي قد ذكر هذه الطريق # و أما الأشعري نفسه فلم يستدل بها بل ( فى اللمع ( و ( رسالته إلى الثغر ~~( إستدل بالحوادث على حدوث ما قامت به كما ذكره فى النطفة بناء على إمتناع ~~حوادث لا أول لها ثم جعل حدوث تلك الجواهر التى ذكر أنه دل على حدوثها هو ~~الدليل على ثبوت الصانع و هذه الطريق باطلة كما قد بين # و أما تلك فهي صحيحة لكن أفسدوها من جهة كونهم جعلوا PageV16P456 الحوادث ~~المشهود لهم حدوثها هي الأعراض فقط كما قد بينا هذا فى مواضع # ثم يقال هؤلاء يثبتون خالقا لا خلق له و هذا ممتنع فى بداية العقول فلم ~~يثبتوا خالقا # و الكرامية و إن كانوا يقولون الخلق غير المخلوق فهم يقولون بحدوث الخلق ~~بلا سبب يوجب حدوثه و هذا أيضا ممتنع فما أثبتوا خالقا # و أيضا فهؤلاء و هؤلاء يقولون الموجب للتخصيص بحدوث ما حدث دون غيره هو ~~إرادة قديمة أزلية فالكرامية يقولون هي المخصص لما قام به و ما خلقه و ~~هؤلاء عندهم لم يقم به شيء يكون مرادا بل يقولون هي المخصص لما حدث و ~~الطائفتان و من وافقهم يقولون تلك الإرادة قديمة أزلية لم تزل على نعت و ~~أحد ثم وجدت الحوادث بلا سبب أصلا و يقولون من شأنها أن تخصص مثلا على مثل ~~و من شأنها أن تتقدم على المراد تقدما لا أول له فوصفوا الإرادة بثلاث صفات ms1404 ~~باطلة يعلم بصريح العقل أن الإرادة لا تكون هكذا و هي المقتضية للخلق و ~~الحدوث فإذا أثبتت فلا خلق و لا حدوث PageV16P457 # وكذلك القدرة التى أثبتوها و صفوها بما يمتنع أن يكون قدرة و هي شرط في ~~الخلق فإذا نفوا شرط الخلق إنتفى الخلق فلم يبق خالقا فالذي و صفوا به ~~الخالق يناقض كونه خالقا ليس بلازم لكونه خالقا و هم جعلوه لازما لا مناقضا # أما الإرادة فذكروا لها ثلاثة لوازم و الثلاثة تناقض الإرادة # قالوا أنها تكون و لا مراد لها بل لم يزل كذلك ثم حدث مرادها من غير تحول ~~حالها و هذا معلوم الفساد ببديهة العقل فإن الفاعل إذا أراد أن يفعل ~~فالمتقدم كان عزما على الفعل و قصدا له فى الزمن المستقبل لم يكن إرادة ~~للفعل في الحال بل إذا فعل فلابد من إرادة الفعل في الحال و لهذا يقال ~~الماضي عزم و المقارن قصد فوجود الفعل بمجرد عزم من غير أن يتجدد قصد من ~~الفاعل ممتنع فكان حصول المخلوقات بهذه الإرادة ممتنعا لو قدر إمكان حدوث ~~الحوادث بلا سبب فكيف و ذاك أيضا ممتنع فى نفسه فصار الإمتناع من جهة ~~الإرادة و من جهة تعينت بما هو ممتنع فى نفسه # الثانى قولهم أن الإرادة ترجح مثلا على مثل فهذا مكابرة بل لا تكون ~~الإرادة إلا لما ترجح و جوده على عدمه عند الفاعل إما لعلمه بأنه أفضل أو ~~لكون محبته له أقوى و هو إنما يترجح فى العلم لكون PageV16P458 عاقبته أفضل ~~فلا يفعل أحد شيئا بإرادته إلا لكونه يحب المراد أو يحب ما يؤول إليه ~~المراد بحيث يكون وجود ذلك المراد أحب إليه من عدمه لا يكون و جوده و عدمه ~~عنده سواء # الثالث أن الإرادة الجازمة يتخلف عنها مرادها مع القدرة فهذا أيضا باطل ~~بل متى حصلت القدرة التامة و الإرادة الجازمة وجب وجود المقدور و حيث لا ~~يجب فإنما هو لنقص القدرة أو لعدم الإرادة التامة والرب تعالى ما شاء كان و ~~ما ms1405 لم يشأ لم يكن # و هو يخبر فى غير موضع أنه لو شاء لفعل أمورا لم يفعلها كما قال ( و لو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها ( و لو شاء ربك لجعل الناس أمة و احدة ( و لو شاء ~~الله ما إقتتلوا ( فبين أنه لوشاء ذلك لكان قادرا عليه لكنه لا يفعله لأنه ~~لم نشأه إذ كان عدم مشيئته أرجح فى الحكمة مع كونه قادرا عليه لو شاءه # و قد بسط الكلام على ما يذكرونه فى القدرة و الإرادة هم و غيرهم في غير ~~هذا الموضع و أن من هؤلاء من يقول إنما يقدر على الأمور المباينة له دون ~~الأفعال القائمة بنفسه كما يقول ذلك المعتزلة و الجهمية و من وافقهم من ~~الأشعرية و غيرهم و منهم من يقول بل يقدر على ما يقوم به من الأفعال و على ~~ما هو باين عنه كما يحكى عن الكرامية PageV16P459 # و الصواب الذي دل عليه القرآن و العقل أنه يقدرعلى هذا و هذا قال تعالى ( ~~بلى قادرين على أن نسوي بنانه ( و قال ( أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى ~~( و قال ( أليس ذلك بقادر على أن يخلق مثلهم ( و قال ( و إنا على ذهاب به ~~لقادرون ( و هذا كثير في القرآن أكثر من النوع الآخر # فإن ما قاله الكرامية و الهشامية أقرب إلى العقل و النقل مما قالت ~~الجهمية و من و افقهم و إن كان فيما حكوه عنهم خطأ من جهة نفيهم القدرة على ~~الأمور المباينة # و الله تعالى قد أخبر أنه على كل شيء قدير و في الصحيحين عن النبى صلى ~~الله عليه و سلم أنه قال لأبي مسعود لما رآه يضرب غلامه ( لله أقدر عليك ~~منك على هذا ( و فى القرآن ( فأما تذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك ~~الذي و عدناهم فإنا عليهم مقتدرون ( و بسط هذا له مواضع أخر # فجميع ما أخبر الرسول صلى الله عليه و سلم هو لازم فى نفس الأمر و كل ما ~~أثبته من ms1406 صفات الرب فهو لازم و إذا قدر عدمه لزم عدم الملزوم فنفى ما أخبر ~~به الرسول مستلزم للتعطيل # لكن من ذلك ما يظهر بالعقل مع تفاوت الناس فى العقل و منه PageV16P460 ما ~~يكفي فيه مجرد خبر الرسول فإن ما أخبر به الرسول فهو حق وكل ما أثبت للرب ~~فهو لازم الثبوت و ما إنتفى عنه فهو لازم الإنتفاء فإذا قدر عدم اللازم لزم ~~عدم الملزوم # لكن هذا كله لازم المذهب و هو يدل على بطلانه و لازم المذهب لا يجب أن ~~يكون مذهبا بل أكثر الناس يقولون أقوالا و لا يلتزمون لوازمها فلا يلزم إذا ~~قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقد للتعطيل بل يكون معتقدا ~~للإثبات و لكن لا يعرف ذلك اللزوم # و أيضا فإذا كانت أصولهم التى بنوا عليها إثبات الصانع باطلة لم يلزم أن ~~يكونوا هم غير مقرين بالصانع وإن كان هذا لازما من قولهم إذا قالوا إنه لا ~~يعرف إلا بهذه الطريق و قد ظهر فساده لزم أن لا يعرف لكن هذا اللزوم يدل ~~على فساد هذا النفي و لا يلزم أن لا يكونوا هم مقرين بالصانع لما قد بيناه ~~فى غير موضع أن الإقرار بالصانع و معرفته و محبته و توحيده فطري يكون ثابتا ~~فى قلب الإنسان و هو يظن أنه ليس فى قلبه # و لهذا كان عامة هؤلاء مقرين بالصانع معترفين به قبل أن يسلكوا هذه ~~الطريق النظرية سواء كانت صحيحة أو باطلة و هذا PageV16P461 أمر يعرفونه من ~~أنفسهم فعلم أنه لا يلزم من عدم سلوك هذه الطريق عدم المعرفة و قد إعترف ~~كثير منهم بذلك كما قد بيناه فى مواضع # و منهم من يقول إن الطريق النظرية التى يسلكها زادته بصيرة و علما كما ~~يقوله ابن حزم و غيره و هو سلك طريقة الأعراض # و كثير من الناس يقولون إن هذه الطريق لم تفدهم إلا شكا و ريبا و فطرة ~~هؤلاء أصح فإنها طرق فاسدة # و منهم من يقول لم يحصل لي ms1407 بها شيء لا علم و لا شك وذلك أنها لم تحصل له ~~علما و لا سلمها فلم يتبين له صحتها و لا فسادها # و من الناس من لا يفهم مرادهم بها و أكثر أتباعهم لا يفهمونها بل ~~يتبعونهم تقليدا و إحسانا للظن بهم $ فصل # ومما ينبغي أن يعرف أنا لا نقول إن الشيء لا يعرف إلا بإثبات جميع لوازمه ~~هذا لا يقوله عاقل بل قد تعرف عامة الأشياء و كثير PageV16P462 من لوازمها ~~لا تعرف و قد يعلم المسلمون أن الرب على كل شيء قدير و أنه يفعل ما يشاء و ~~هم لا يعرفون كثيرا من لوازم القدرة و المشيئة لكن أهل الإستقامة كما لا ~~يعرفون اللوازم فلا ينفونها فإن نفيها خطأ # و أما عدم العلم بها كلها فهذا لازم لجميع الناس فسبحان من أحاط بكل شيء ~~علما و أحصى كل شيء عددا و ما سواه ( لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ( ~~و هو سبحانه ( يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون به علما ( # و لكن المقصود بيان أن المخالفين للرسول صلى الله عليه و سلم و لو فى ~~كلمة لابد أن يكون فى قولهم من الخطأ بحسب ذلك و أن الأدلة العقلية و ~~السمعية المنقولة عن سائر الأنبياء توافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه و ~~سلم و تناقض ما يقوله أهل البدع المخالفون للكتاب و السنة و إذا قالوا إن ~~العقل يخالف النقل أخطأوا فى خمسة أصول ( أحدها ( أن العقل الصريح لا ~~يناقضه ( الثانى ( أنه يوافقه ( الثالث ( أن ما يدعونه من العقل المعارض ~~ليس بصحيح ( الرابع ( أن ما ذكروه من المعقول المعارض هو المعارض للمعقول ~~الصريح ( الخامس ( أن ما أثبتوا به الأصول كمعرفة الباري و صفاته لا يثبتها ~~بل يناقض إثباتها PageV16P463 $ فصل # وذلك أن ما جاء به الرسول هو من علم الله فما أخبر به عن الله فالله أخبر ~~به و هو سبحانه يخبر بعلمه يمتنع أن يخبر بنقيض علمه و ما أمر ms1408 به فهو من ~~حكم الله و الله عليم حكيم # قال تعالى ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه و الملائكة يشهدون ~~و كفى بالله شهيدا ( و قال تعالى ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات و ادعوا من إستطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم ~~يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله و أن لا إله إلا هو فهل أنتم ~~مسلمون ( # و قوله ( أنزله بعلمه ( قال الزجاج أنزله و فيه علمه و قال أبو سليمان ~~الدمشقي أنزله من علمه و هكذا ذكر غيرهما # و هذا المعنى مأثور عن السلف كما روى ابن أبى حاتم عن عطاء ابن السائب ~~قال أقرأني أبو عبدالرحمن القرآن و كان إذا أقرأ أحدنا القرآن قال قد أخذت ~~علم الله فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل ثم يقرأ ( أنزله بعلمه و ~~الملائكة يشهدون و كفى بالله شهيدا ( # و كذلك قالوا فى قوله تعالى ( فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ( قالوا أنزله ~~و فيه علمه PageV16P464 ( قلت ( الباء قد تكون للمصاحبة تقول جاء بأسياده و ~~أولاده فقد أنزله متضمنا لعلمه مستصحبا لعلمه فما فيه من الخبر هو خبر بعلم ~~الله و ما فيه من الأمر فهو أمر بعلم الله بخلاف الكلام المنزل من عند غير ~~الله فإن ذلك قد يكون كذبا و ظلما كقرآن مسيلمة و قد يكون صدقا لكن إنما ~~فيه علم المخلوق الذي قاله فقط لم يدل على علم الله تعالى إلا من جهة ~~اللزوم و هو أن الحق يعلمه الله # و أما القرآن فهو متضمن لعلم الله إبتداء فإنما أنزل بعلمه لا بعلم غيره ~~و لا هو كلام بلا علم # و إذا كان قد أنزل بعلمه فهو يقتضى أنه حق من الله و يقتضى أن الرسول ~~رسول من الله الذي بين فيه علمه قال الزجاج ( الشاهد ( المبين لما شهد به و ~~الله يبين ذلك و يعلم مع ذلك أنه حق # ( قلت ( قوله ( لكن الله يشهد ( شهادته هو بيانه و إظهاره ms1409 دلالته و ~~إخباره فالآيات البينات التى بين بها صدق الرسول تدل عليه و منها القرآن هو ~~شهادة بالقول # وهو فى نفسه آية و معجزة تدل على الصدق كما تدل سائر الآيات و الآيات ~~كلها شهادة من الله كشهادة بالقول و قد تكون أبلغ # و لهذا ذكر هذا فى سورة هود لما تحداهم بالإتيان بالمثل فقال PageV16P465 ~~( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات و ادعوا من إستطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله و أن لا إله إلا ~~هو فهل أنتم مسلمون ( فإن عجز أولئك عن المعارضة دل على عجز غيرهم بطريق ~~الأولى و تبين أن جميع الخلق عاجزون عن معارضته وأنه آية بينة تدل على ~~الرسالة و على التوحيد # و كذلك قوله ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك ( # [ بعد ] قوله ( إنا أوحينا إليك إلى قوله لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل ( و قد ذكروا أن من الكفار من قال لا نشهد لمحمد بالرسالة فقال ~~تعالى ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك ( # و أحسن من هذا أنه لما قال ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ( ~~نفي حجة الخلق على الخالق فقال لكن حجة الله على الخلق قائمة بشهادته ~~بالرسالة فإنه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه فما للخلق على الله حجة بل ~~له الحجة البالغة و هو الذي هدى عباده بما أنزله # و على ما تقدم فقوله ( أنزله بعلمه ( أي فيه علمه بما كان و سيكون و ما ~~أخبر به و هو أيضا مما يدل على أنه حق فإنه إذا أخبر بالغيب الذي لا يعلمه ~~إلا الله دل على أن الله أخبره به PageV16P466 كقوله ( عالم الغيب فلا يظهر ~~على غيبه أحدا إلا من ارتضي من رسول ( الآية # وقد قيل أنزله و هو عالم به و بك قال ابن جرير الطبري فى آية النساء ~~أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه # و ذكر الزجاج فى آية هود قولين ( أحدهما ( أنزله ms1410 و هو عالم بإنزاله و ~~عالم أنه حق من عنده ( و الثانى ( أنه أنزله بما أخبرفيه من الغيوب ودل على ~~ما سيكون و ما سلف # ( قلت ( هذا الوجه هو الذي تقدم # و أما الأول فهو من جنس قول إبن جرير فإنه عالم به و بمن أنزل إليه و ~~عالم بأنه حق و أن الذي أنزل عليه أهل لما اصطفاه الله له و يكون هذا كقوله ~~( و لقد إخترناهم على علم على العالمين ( و قول من قال ( إنما أوتيته على ~~علم ( أي على علم من الله بإستحقاقي # ( قلت ( و هذا الوجه يدخل في معنى الأول فإنه إذا نزل الكلام بعلم الرب ~~تضمن أن كل ما فيه فهو من علمه و فيه الإخبار بحاله و حال الرسول و هذا ~~الوجه هو الصواب و عليه الأكثرون و منهم من لم يذكر غيره PageV16P467 # والأول و إن كان معناه صحيحا فهو جزء من هذا الوجه # و أما كون الثانى هو المراد بالآية فغلط لأن كون الرب سبحانه يعلم الشيء ~~لا يدل على أنه محمود و لا مذموم و هو سبحانه بكل شيء عليم فلا يقول أحد ~~إنه أنزله و هو لا يعلمه # لكن قد يظن أنه أنزل بغير علمه أي و ليس فيه علمه و أنه من تنزيل الشيطان ~~كما قال تعالى ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ( و ~~الشياطين هو يرسلهم و ينزلهم لكن الكلام الذي يأتون به ليس منزلا منه و لا ~~هو منزل بعلم الله بل منزل بما تقوله الشياطين من كذب و غيره # ولهذا هو سبحانه إذا ذكر نزول القرآن قيده بأن نزوله منه كقوله ( تنزيل ~~الكتاب من الله ( و الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ( ~~قل نزله روح القدس من ربك بالحق ( # و هذا مما إستدل به الإمام أحمد و غيره من أئمة السنة على أن القرآن كلام ~~الله ليس بمخلوق خلقه فى محل غيره فإنه كان يكون منزلا من ذلك المحل ms1411 لا من ~~الله و قال إنه نزل بعلم الله و إنه من علم الله و علم الله غير مخلوق ~~PageV16P468 # و قال أحمد كلام الله من الله ليس شيئان منه ولهذا قال السلف القرآن كلام ~~الله منزل غير مخلوق منه بدأ و إليه يعود فقالوا منه بدأ لم يبدأ من غيره ~~كما تقوله الجهمية يقولون بدأ من المحل الذي خلق فيه و هذا مبسوط فى مواضع # والمقصود أنه إذا كان فيه علمه فهو حق و الكلام الذي يعارضه به خلاف علم ~~الله فهو باطل كالشرك الذي قال الله تعالى فيه ( و يعبدون من دون الله ما ~~لا يضرهم و لا ينفعهم و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما ~~لا يعلم فى السموات و لا في الأرض سبحانه و تعالى عما يشركون ( $ فصل # وهذا الذي ذكرته من أنه يجب الرجوع فى أصول الدين إلى الكتاب و السنة كما ~~بينته من أن الكتاب بين الأدلة العقلية التى بها تعرف المطالب الإلهية و ~~بين ما يدل على صدق الرسول فى كل ما يقوله هو يظهر الحق بأدلته السمعية و ~~العقلية # و بين أن لفظ ( العقل و السمع ( قد صار لفظا مجملا فكل من PageV16P469 ~~وضع شيئا برأيه سماه ( عقليات ( و الآخر يبين خطأه فيما قاله و يدعى العقل ~~أيضا و يذكر أشياء أخر أيضا خطأ كما قد بسط فى مواضع # و هو نظير من يحتج في السمع بأحاديث ضعيفة أو موضوعة أو نصوص ثابتة لكن ~~لا تدل على مطلوبه # و كثير من أهل الكلام يجعل دلالة القرآن و الأحاديث من جهة الخبر المجرد ~~و معلوم أن ذلك لا يوجب العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر فلهذا يضطرون إلى ~~أن يجعلوا العلوم العقلية أصلا كما يفعل أبو المعالي و أبو حامد و الرازي و ~~غيرهم # و أئمة المتكلمين يعترفون بأن القرآن بين الأدلة العقلية كما يذكر ذلك ~~الأشعرى و غيره و عبدالجبار بن أحمد و غيره من المعتزلة # ثم هؤلاء قد يذكرون أدلة ms1412 يجعلونها أدلة القرآن و لا تكون هي إياها كما ~~فعل الأشعري في ( اللمع ( و غيره حيث إحتج بخلق الإنسان و ذكر قوله ( ~~أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ( لكن هو يظن أن النطفة ~~فيها جواهر باقية و أن نقلها فى PageV16P470 الأعراض يدل على حدوثها فإستدل ~~على حدوث جواهر النطفة # و ليست هذه طريقة القرآن و لا جمهور العقلاء بل يعرفون أن النطفة حادثة ~~بعد أن لم تكن مستحيلة عن دم الإنسان و هي مستحيلة إلى المضغة و أن الله ~~يخلق هذا الجوهر الثاني من المادة الأولى بالإستحالة و يعدم المادة الأولى ~~لا تبقى جواهرها بأعيانها دائما كما تقدم # فالنظار فى القرآن ثلاث درجات منهم من يعرض عن دلائله العقلية و منهم من ~~يقر بها لكن يغلط فى فهمها و منهم من يعرفها على و جهها كما أنهم ثلاث ~~طبقات في دلالته الخبرية منهم من يقول لم يدل على الصفات الخبرية و منهم من ~~يستدل على غير ما دل عليه و منهم من يستدل به على ما دل عليه # و الأشعري و أمثاله برزخ بين السلف و الجهمية أخذوا من هؤلاء كلاما صحيحا ~~و من هؤلاء أصولا عقلية ظنوها صحيحة و هي فاسدة فمن الناس من مال إليه من ~~الجهة السلفية و من الناس من مال إليه من الجهة البدعية الجهمية كأبي ~~المعالي و أتباعه و منهم من سلك مسلكهم كأئمة أصحابهم كما قد بسط فى مواضع # إذا المقصود هنا أن جعل القرآن إماما يؤتم به فى أصول الدين PageV16P471 ~~و فروعه هو دين الإسلام و هو طريقة الصحابة و التابعين لهم بإحسان و أئمة ~~المسلمين فلم يكن هؤلاء يقبلون من أحد قط أن يعارض القرآن بمعقول أو رأي ~~يقدمه على القرآن و لكن إذا عرض للإنسان إشكال سأل حتى يتبين له الصواب # ولهذا صنف الإمام أحمد كتابا فى ( الرد على الزنادقة و الجهمية فيما شكت ~~فيه من متشابه القرآن و تأولته على غير تأويله ( و لهذا كان الأئمة الأربعة ms1413 ~~و غيرهم يرجعون في التوحيد و الصفات إلى القرآن و الرسول لا إلى رأي أحد و ~~لا معقوله و لا قياسه # قال الأوزاعي كنا و التابعون متوافرون نقول إن الله فوق عرشه و نؤمن بما ~~و ردت به السنة من صفاته # و قال الإمام أحمد بن حنبل لا يوصف الله إلا بما و صف به نفسه و وصفه به ~~رسوله لا يتجاوز القرآن و الحديث # و قال الشافعي في خطبة ( الرسالة ( الحمد لله الذي هو كما و صف به نفسه و ~~فوق ما يصفه به PageV16P472 خلقه # و قال مالك الإستواء معلوم و الكيف مجهول و الإيمان به و اجب و السؤال ~~عنه بدعة و كان يكره ما أحدث من الكلام و روى عنه و عن أبي يوسف من طلب ~~الدين بالكلام تزندق # وقال الشافعي حكمي فى أهل الكلام أن يضربوا بالجريد و النعال و يطاف بهم ~~في الأسواق و يقال هذا جزاء من ترك الكتاب و السنة و أقبل على الكلام و قال ~~لقد أطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت أظنه و لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما ~~خلا الشرك بالله خير له [ من ] أن يبتلى بالكلام # و قد بسط تفسير كلامه و كلام غيره فى مواضع و بين أن مرادهم بالكلام هو ~~كلام الجهمية الذي نفوا به الصفات و زعموا أنهم يثبتون به حدوث العالم و هي ~~طريقة الأعراض # و قال أحمد أيضا علماء الكلام زنادقة و ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح و ~~كلام عبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون مبسوط فى هذا # و ذكر أصحاب أبي حنيفة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال لا ينبغي لأحد أن ~~ينطق في الله بشيء من رأيه و لكنه يصفه بما و صف به نفسه # و قال أبو حنيفة أتانا من خراسان ضيفان كلاهما ضالان الجهمية و المشبهة ~~PageV16P473 و عن أبى عصمة قال سألت أبا حنيفة من أهل الجماعة قال من فضل ~~أبا بكر و عمر و أحب عليا و ms1414 عثمان و لم يحرم نبيذ الجر و لم يكفر أحدا بذنب ~~و رأى المسح على الخفين و آمن بالقدر خيره و شره من الله و لم ينطق فى الله ~~بشيء # و روى خالد بن صبيح عن أبي حنيفة قال الجماعة سبعة أشياء أن يفضل أبا بكر ~~و عمر و أن يحب عثمان و عليا و أن يصلي على من مات من أهل القبلة بذنب و أن ~~لا ينطق فى الله شيئا # قلت قوله فى هاتين الروايتين ( لا ينطق في الله شيئا ( قد بينه فى رواية ~~أبى يوسف و هو ( أن لا ينطق فى الله بشيء من رأيه و لكنه يصفه بما و صف به ~~نفسه ( # فهذا ذم من الأئمة لكل من يتكلم في صفات الرب بغير ما أخبر به الرسول ~~فكيف بالذين يجعلون الكتاب و السنة لا يفيد علما و يقدمون رأيهم على ذلك مع ~~فساده من و جوه كثيرة # و روى هشام عن محمد عن أبي حنيفة و أبي يوسف و هو قول محمد قالوا السنة ~~التى عليها أمر الناس أن لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب و يخرج من ~~الإسلام و لا يشك فى الدين يقول الرجل لا أدري أمؤمن أنا أو كافر و لا يقول ~~بالقدر و لا يخرج PageV16P474 على المسلمين بالسيف و يقدم من يقدم من أصحاب ~~النبى صلى الله عليه و سلم و يفضل من فضل # و ذكروا عن أبي يوسف أنه قال مذهب أهل الجماعة عندنا و ما أدركنا عليه ~~جماعة أهل الفقه ممن لم يأخذ من البدع و الأهواء أن لا يشتم أحدا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا يذكر فيهم عيبا و لا يذكر ما شجر بينهم ~~فيحرف القلوب عنهم و أن لا يشك بأنهم مؤمنون و أن لا يكفر أحدا من أهل ~~القبلة ممن يقر بالإسلام و يؤمن بالقرآن و لا يخرجه من الإيمان بمعصية إن ~~كانت فيه و لا يقول بقول أهل القدر و ms1415 لا يخاصم في الدين فإنها من أعظم ~~البدع # فهذا قول أهل السنة و الجماعة و لا ينبغى لأحد أن يقول فى هذا كيف و لم و ~~لا ينبغي أن يخبر السائل عن هذا إلا بالنهي له عن المسألة و ترك المجالسة و ~~المشي معه إن عاد و لا ينبغي لأحد من أهل السنة و الجماعة أن يخالط أحدا من ~~أهل الأهواء حتى يصاحبه و يكون خاصته مخافة أن يستزله أو يستزل غيره بصحبة ~~هذا # قال و الخصومة فى الدين بدعة و ما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة ~~محدثة لو كانت فضلا لسبق إليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و ~~أتباعهم فهم كانوا عليها أقوى و لها أبصر و قال PageV16P475 الله تعالى ( ~~فإن حاجوك فقل أسلمت و جهي لله و من أتبعن ( و لم يأمره بالجدال و لو شاء ~~لأنزل حججا و قال له قل كذا و كذا # و قال أبو يوسف دعوا قول أصحاب الخصومات و أهل البدع في الأهواء من ~~المرجئة و الرافضة و الزيدية و المشبهة و الشيعة و الخوارج و القدرية و ~~المعتزلة و الجهمية # قالوا و روى عن محمد قال أبو بكر و عمر أفضل من علي # قلت ما ذكر أبو يوسف فى أمر الجدال هو يشبه كلام كثير من أئمة السنة يشبه ~~كلام الإمام أحمد و غيره و فيه بسط و تفصيل ليس هذا موضعه # و لهذا كان بشير بن الوليد صاحب أبى يوسف يحب أحمد و يميل إليه فإن أبا ~~يوسف كان أميل إلى الحديث من غيره و الله أعلم و أحكم PageV16P476 $ فصل # السور القصار فى أواخر المصحف متناسبة فسورة ( إقرأ ( هي أول ما نزل من ~~القرآن و لهذا إفتتحت بالأمر بالقراءة و ختمت بالأمر بالسجود و وسطت ~~بالصلاة التى أفضل أقوالها و أولها بعد التحريم هو القراءة و أفضل أفعالها ~~و آخرها قبل التحليل هو السجود و لهذا لما أمر بأن يقرأ أنزل عليه بعدها ~~المدثر لأجل التبليغ ms1416 فقيل له ( قم فأنذر ( فبالأولى صار نبيا و بالثانية ~~صار رسولا و لهذا خوطب بالمتدثر و هو المتدفئ من برد الرعب و الفزع الحاصل ~~بعظمة ما دهمه لما رجع إلى خديجة ترجف بوادره و قال دثرونى دثرونى فكأنه ~~نهي عن الإستدفاء و أمر بالقيام للإنذار كما خوطب فى ( المزمل ( و هو ~~المتلفف للنوم لما أمر بالقيام إلى الصلاة فلما أمر فى هذه السورة بالقراءة ~~ذكر فى التى تليها نزول القرآن ليلة القدر و ذكر فيها تنزل الملائكة و ~~الروح و فى ( المعارج ( عروج الملائكة و الروح و فى ( النبأ ( قيام ~~الملائكة و الروح فذكر الصعود و النزول و القيام ثم PageV16P477 فى التى ~~تليها تلاوته على المنذرين حيث قال ( يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ( فهذه ~~السورالثلاث منتظمة للقرآن أمرا به و ذكرا لنزوله و لتلاوة الرسول له على ~~المنذرين ثم سورة ( الزلزلة ( و ( العاديات ( و ( القارعة ( و ( التكاثر ( ~~متضمنه لذكر اليوم الآخر و ما فيه من الثواب و العقاب و كل و أحد من القرآن ~~و اليوم الآخر قيل هو النبأ العظيم # ثم سورة ( العصر ( و ( الهمزة ( و ( الفيل ( و ( لإيلاف ( و ( أرأيت ( و ~~( الكوثر ( و ( الكافرون ( و ( النصر ( و ( تبت ( متضمنة لذكر الأعمال ~~حسنها و سيئها وإن كان لكل سورة خاصة # و أما سورة ( الإخلاص ( و ( المعوذتان ( ففي الإخلاص الثناء على الله و ~~في المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه و الثناء مقرون بالدعاء كما قرن بينهما ~~في أم القرآن المقسومة بين الرب و العبد نصفها ثناء للرب و نصفها دعاء ~~للعبد و المناسبة فى ذلك ظاهرة فإن أول الإيمان بالرسول الإيمان بما جاء به ~~من الرسالة و هو القرآن ثم الإيمان بمقصود ذلك و غايته و هو ما ينتهي الأمر ~~إليه من النعيم و العذاب و هو الجزاء ثم معرفة طريق المقصود و سببه و هو ~~الأعمال خيرها ليفعل و شرها ليترك PageV16P478 ثم ختم المصحف بحقيقة ~~الإيمان و هو ذكر الله و دعاؤه كما بنيت عليه أم القرآن فإن ms1417 حقيقة الإنسان ~~المعنوية هو المنطق و المنطق قسمان خبر و إنشاء و أفضل الخبر و أنفعه و ~~أوجبه ما كان خبرا عن الله كنصف الفاتحة و سورة الإخلاص و أفضل الإنشاء ~~الذي هو الطلب و أنفعه و أوجبه ما كان طلبا من الله كالنصف الثانى من ~~الفاتحة و المعوذتين PageV16P479 # سورة البينة قال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل # فى قوله تعالى ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة ( # فإن هذه السورة سورة جليلة القدر و قد و رد فيها فضائل و قد ثبت فى ~~الصحيح أن الله أمر نبيه أن يقرأها على أبي بن كعب ففي الصحيحين عن أنس بن ~~مالك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأبي ( إن الله أمرنى أن أقرأ ~~عليك القرآن ( قال آلله سمانى لك قال ( آلله سماك لي ( قال فجعل أبي يبكى و ~~فى رواية أخرى ( إن الله أمرنى أن أقرأ عليك ( لم يكن الذين كفروا ) قال ~~سمانى لك قال ( نعم ( فبكى و فى رواية للبخاري و ذكرت عند رب العالمين قال ~~( نعم ( فذرفت عيناه قال قتادة أنبئت PageV16P480 أنه قرأ عليه ( لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب ( و تخصيص هذه السورة بقراءتها على أبي يقتضي ~~إختصاصها و إمتيازها بما إقتضى ذلك # و قوله ( أن اقرأ عليك ( أي قراءة تبليغ و إسماع و تلقين ليس هي قراءة ~~تلقين و تصحيح كما يقرأ المتعلم على المعلم فإن هذا قد ظنه بعضهم و جعلوا ~~هذا من باب التواضع و جعل أبو حامد هذا مما يستدل به على تواضع المتعلم و ~~ليس هذا بشيء فإن هذه القراءة كان يقرأها على جبريل يعرض عليه القرآن كل ~~عام فإنه هو الذي نزل عليه القرآن # و أما الناس فمنه تعلموه فكيف يصحح قراءته على أحد منهم أو يقرأ كما يقرأ ~~المتعلم # و لكن قراءته على أبي بن كعب كما كان يقرأ القرآن على الإنس و الجن فقد ~~قرأ على الجن القرآن و كان ms1418 إذا خرج إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام و يقرأ ~~عليهم القرآن و يقرأه على الناس فى الصلاة و غير الصلاة # قال تعالى ( فما لهم لا يؤمنون و إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ( و قال ~~تعالى ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا PageV16P481 سجدا و بكيا ( و قال ~~تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته ( و ذكر مثل هذا فى غير موضع فهو يتلو على المؤمنين آيات الله # و أبي بن كعب أمر بتخصيصه بالتلاوة عليه لفيضلة أبي و إختصاصه بعلم ~~القرآن كما ثبت في الصحاح عن عمر أنه قال أبي أقرأنا و علي أقضانا و في ~~الصحيح أنه قال لابن مسعود ( إقرأ علي القرآن ( قال أقرأ عليك و عليك أنزل ~~قال ( إنى أحب أن أسمعه من غيري ( فقراءة إبن مسعود عليه فى هذا الموضع ~~لإسماعه إياه لا لأجل التصحيح و التلقين # و فى معنى قوله تعالى لم يكن هؤلاء و هؤلاء ( منفكين ( ثلاثة أقوال ذكرها ~~غير واحد من المفسرين هل المراد لم يكونوا منفكين عن الكفر أو هل لم يكونوا ~~مكذبين بمحمد حتى بعث فلم يكونوا منفكين عن محمد و التصديق بنبوته حتى بعث ~~أو المراد أنهم لم يكونوا متروكين حتى يرسل إليهم رسول PageV16P482 # وممن ذكر هذا أبو الفرج بن الجوزي قال ( لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ( يعنى اليهود و النصارى ( و المشركين ( و هم عبدة الأوثان ( منفكين ~~( أي منفصلين و زائلين يقال فككت الشيء فإنفك أي إنفصل و المعنى لم يكونوا ~~زائلين عن كفرهم و شركهم حتى أتتهم البينة لفظه لفظ المستقبل معناه الماضي ~~و البينة الرسول و هو محمد صلى الله عليه و سلم بين لهم ضلالهم و جهلهم و ~~هذا بيان عن نعمة الله على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم به # و لفظ البغوي نحو هذا قال لم يكونوا منتهين عن كفرهم و شركهم و قال أهل ~~اللغة ( منفكين ( منفصلين زائلين يقال فككت الشيء فإنفك أي ms1419 إنفصل ( حتى ~~تأتيهم البينة ( لفظه مستقبل و معناه الماضي أي حتى أتتهم البينة الحجة ~~الواضحة يعنى محمدا أتاهم بالقرآن فبين لهم ضلالتهم و جهالتهم و دعاهم إلى ~~الإيمان فأنقذهم الله به من الجهل و الضلالة # و لم يذكر غير هذا # قال أبو الفرج و ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية لم يختلفوا أن الله ~~يبعث إليهم نبيا حتى بعث فافترقوا # وقال بعضهم لم يكونوا منفكين عن حجج الله حتى أقيمت عليهم البينة ~~PageV16P483 قال و الوجه هو الأول # و ذكر الثلاثة أبو محمد بن عطية لكن الثالث و جهه و قواه و لم يحكه عن ~~غيره فقال قوله ( منفكين ( أي منفصلين متفرقين تقول إنفك الشيء عن الشيء ~~إذا إنفصل عنه # قال و ( ما إنفك ( التى هى من أخوات ( كان ( لا مدخل لها فى هذه الآية ~~فبين فى هذه أن تكون هذه الصفة منفكة # قال و إختلف الناس عما ذا فقال مجاهد و غيره لم يكونوا منفكين عن الكفر و ~~الضلال حتى جاءتهم البينة و أوقع المستقبل موقع الماضي في ( تأتيهم ( لأن ~~بأس الشريعة و عظمها لم يجئ بعد # وقال الفراء و غيره لم يكونوا منفكين عن معرفة نبوة محمد صلى الله عليه و ~~سلم و التوكد لأمره حتى جاءتهم البينة فتفرقوا عند ذلك # قال و ذهب بعض النحويين إلى أن هذا المنفى المتقدم مع ( منفكين ( يجعلهم ~~تلك هي مع ( كان ( و يروى التقدير فى خبرها ( عارفين أمر محمد ( أو نحو هذا # قال و فى معنى الآية قول ثالث بارع المعنى و ذلك أن يكون المراد لم ~~يكونوا هؤلاء منفكين من أمر الله و قدرته و نظره لهم حتى PageV16P484 يبعث ~~إليهم رسولا منذرا تقوم عليهم به الحجة و تتم على من آمن النعمة فكأنه قال ~~ما كانوا يتركوا سدى قال و لهذا المعنى نظائر فى كتاب الله # و قد ذكر الثعلبي ثلاثة أقوال لكن الثالث حكاه عمن جعل مقصوده إهلاكهم ~~بإقامة الحجة و جعل ( منفكين ( بمعنى هالكين # فقال لم يكونوا منفكين ms1420 منتهين عن كفرهم و شركهم و قال أهل اللغة زائلين ~~تقول العرب ما إنفك فلان يفعل كذا أي ما زال و أصل الفك الفتح و منه فك ~~الكتاب و فك الخلخال ( حتى تأتيهم البينة ( الحجة الواضحة و هو محمد أتاهم ~~بالقرآن فبين ضلالتهم و جهالتهم و دعاهم إلى الإيمان # قال و قال ابن كيسان معناه لم يكن هؤلاء الكفار تاركين صفة محمد في ~~كتابهم حتى بعث فلما بعث تفرقوا فيه # و قال قال العلماء فى أول السورة إلى قوله ( فيها كتب قيمة ( حكمها فيمن ~~آمن من أهل الكتاب و المشركين ( و ما تفرق ( حكمه فيمن لم يؤمن من أهل ~~الكتب بعد قيام الحجة عليهم PageV16P485 # قال و قال بعض أئمة اللغة قوله ( منفكين ( أي هالكين من قولهم إنفك صلا ~~المرأة عند الولادة و هو أن ينفصل و لا يلتئم فتهلك و معنى الآية لم يكونوا ~~هالكين مكذبين إلا بعد إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسول و إنزال الكتاب # و قد ذكر البغوي هذا و الأول قال و الأول أصح # ( قلت ( القول الثانى الذي حكاه عن إبن كيسان هو قول الفراء و قد قدمه ~~المهدوي على الأول فقال ( منفكين ( من ( إنفك الشيء من الشيء ( إذا فارقه و ~~المعنى لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول لمفارقتهم ما كان عندهم من ~~خبره و صفته و كفرهم بعد البينات قال و لا يحتاج ( منفكين ( على هذا ~~التأويل إلى خبر و يدل على ذلك قوله ( و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة ( قال و قال مجاهد المعنى لم يكونوا منتهين عما هم ~~عليه و عن مجاهد أيضا لم يكونوا ليؤمنوا حتى تأتيهم البينة # قال و قال الفراء لم يكونوا تاركين ذكر ما عندهم من ذكر النبى حتى ظهر ~~فلما ظهر تفرقوا و اختلفوا PageV16P486 # قلت هذا المعنى الذي قدمه لكن الفراء و ابن كيسان جعل الإنفكاك مفارقتهم ~~و تركهم لذكره و خبره و البشارة به أي لم يكونوا مفارقين تاركين لما علموه ms1421 ~~من خبره حتى ظهر فانفكوا حينئذ و ذاك يقول لم يكونوا منفكين أي متفرقين إلا ~~إذا جاء الرسول لمفارقتهم ما كان عندهم من خبره و هو معنى ما حكاه أبو ~~الفرج لم يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبيا حتى بعث فافترقوا # فالإنفكاك إنفكاك بعضهم عن بعض أو إنفكاكهم عما كان عندهم من علمه و خبره ~~و هذا القول ضعيف لم يرد بهذه الآية قطعا فإن الله لم يذكر أهل الكتاب بل ~~ذكر الكفار من المشركين و أهل الكتاب و معلوم أن المشركين لم يكونوا ~~يعرفونه و يذكرونه و يجدونه فى كتبهم كما كان ذلك عند أهل الكتاب و لا ~~كانوا قبل مبعثه على دين واحد متفقين عليه فلما جاء تفرقوا # فيمتنع أن يقال لم يكن المشركون تاركين لمعرفة محمد و ذكره و الإيمان به ~~و لم يكونوا مختلفين فى ذلك و لا متفرقين فيه حتى بعث فهذا معنى باطل في ~~المشركين # و لا يستقيم هذا أيضاا فى أهل الكتاب فإن الله إنما ذكر الكفار منهم فقال ~~( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب PageV16P487 و المشركين ( و معلوم أن ~~الذين كانوا يعرفون نبوته و يقرون به و يذكرونه قبل أن يبعث لم يكونوا كلهم ~~كفارا بل كان الإيمان أغلب عليهم # يبين هذا أنه إذا ذكر تفرق الذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءتهم البينة ~~فإنه يعمهم فيقول ( و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة ( و أنه لا يقول كان الكفار من أهل الكتاب متفقين على الحق حتى ~~جاءتهم البينة # و أيضا فاستعمال لفظ ( الإنفكاك ( في هذا غير معروف لا يعرف فى اللغة له ~~شاهد فتسمية الإفتراق و الإختلاف ( إنفكاكا ( غير معروف # و أيضا فهو لم يذكر ل ( منفكين ( خبرا كما يقال ما انفكوا يذكرون محمدا و ~~ما زالوا يؤمنون به و نحو ذلك و هذه التى هي من أخوات ( كان ( لا يقال فيها ~~( ما كنت منفكا ( بل يقال ( ما إنفككت أفعل كذا ( فهو يلي حرف ( ما ms1422 ( # و أيضا فليس فى اللفظ ما يدل على أن الإنفكاك عن أمر محمد خاصة و أيضا ~~فهذا المعنى مذكور في قوله ( و ما تفرق الذين أوتوا PageV16P488 الكتاب إلا ~~من بعد ما جاءتهم البينة ( فلو أريد بهذه لكان تكريرا محضا # والقول الأول أشهر عند المفسرين و منهم من يذكر غيره كالبغوي و غيره فإنه ~~معروف عن مجاهد و الربيع بن أنس كما فى التفسير المعروف عن ابن أبى نجيح عن ~~مجاهد ( منفكين ( قال منافقين لم يكونوا ليؤمنوا حتى تبين لهم الحق و قال ~~الربيع بن أنس لم يزالوا مقيمين على الشك و الريبة حتى جاءتهم البينة و ~~الرسل # و هذا القول يتضمن مدحهم و الثناء عليهم بعد مجيء البينة و لهذا إحتاج من ~~قاله إلى أن يقول هذا فيمن آمن من الفريقين فى أنه بيان لنعمة الله عليهم و ~~جعلوا قوله ( و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب ( فيمن لم يؤمن منهم بمحمد صلى ~~الله عليه و سلم # و هذا أيضا ضعيف فإن أهل الكتاب تفرقوا و اختلفوا قبل إرسال محمد إليهم ~~كما أخبر الله بذلك فى غير موضع فقال تعالى ( و لقد آتينا بني إسرائيل ~~الكتاب و الحكم و النبوة و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على العالمين و ~~آتيناهم بينات من الأمر فما إختلفوا إلا من PageV16P489 بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ( و قال ~~( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ( ~~و قال تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و ~~أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ( ثم قال ( و ما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله ~~الذين آمنوا لما إختلفوا فيه من الحق بإذنه و الله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم # ( فأخبر أن الله هدى المؤمنين لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فكان ~~الإختلاف قبل ms1423 و جود أمة محمد صلى الله عليه و سلم # و قال تعالى ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه و إن ربك ليحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ( و قال تعالى ( و لقد بوأنا بنى ~~إسرائيل مبوأ صدق و رزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك ~~يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ( ثم قال تعالى ( فإن كنت ~~في شك مما أنزلنا إليك فاسئل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين ( # و قال تعالى ( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قلك فزين لهم PageV16P490 ~~الشيطان أعمالهم فهو و ليهم اليوم و لهم عذاب أليم و ما أنزلنا عليك الكتاب ~~إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه و هدى و رحمة لقوم يؤمنون ( فقد أخبر تعالى ~~أنه أرسل إلى أمم من قبل محمد و أن الشيطان زين لهم أعمالهم و هو حين يبعث ~~محمد و ليهم و أنه أنزل إليهم الكتاب ليبين لهم الذي اختلفوا فيه # و قال تعالى ( إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذي هم فيه ~~يختلفون و إنه لهدى و رحمة للمؤمنين ( و قال لأمة محمد ( و لا تكونوا ~~كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات و أولئك لهم عذاب عظيم ( ~~فهذا بين أنهم تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات قبل محمد و قد ~~نهى الله أمته أن يكونوا مثلهم # و قد قال تعالى ( و من الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا ~~مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة و البغضاء إلى يوم القيامة ( و قال عن ~~اليهود ( و ألقينا بينهم العداوة و البغضاء إلى يوم القيامة ( وقال ( و ~~قطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون و منهم دون ذلك ( # و قد جاءت الأحاديث فى السنن و المسند من و جوه عن النبى صلى الله عليه و ~~سلم أنه قال ( تفرقت اليهود على إحدى و سبعين فرقة و ستفترق هذه الأمة ms1424 على ~~ثلاث و سبعين فرقة ( و إن كان بعض الناس كابن حزم يضعف هذه الأحاديث فأكثر ~~أهل العلم قبلوها و صدقوها PageV16P491 وفى الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه و سلم أنه قال ( ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~و إختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه و إذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما إستطعتم ( # و فى الصحيحين عنه أنه قال ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم ~~أوتوا الكتاب من قبلنا و أوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي إختلفوا فيه ~~فهدانا الله له الناس لنا فيه تبع غدا لليهود و بعد غد للنصارى ( # و هذا معلوم بالتواتر أن أهل الكتاب إختلفوا و تفرقوا قبل إرسال محمد صلى ~~الله عليه و سلم بل اليهود إفترقوا قبل مجيء المسيح ثم لما جاء المسيح ~~إختلفوا فيه ثم إختلف النصارى إختلافا آخر # فكيف يقال أن قوله ( و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة ( هو فيمن لم يؤمن بمحمد منهم # و أيضا فالذين كفروا بمحمد كفار و هم المذكورون في قوله ( لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى تأتيهم PageV16P492 البينة ( و ~~هم تفرقوا و اختلفوا فيما جاءت به الأنبياء قبل محمد و كفر من كفر منهم قبل ~~إرسال محمد # و كان منهم من لم يكفر بل كان مؤمنا بالأنبياء كما قال تعالى ( و من قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق و به يعدلون ( و قطعناهم فى الأرض أمما منهم الصالحون ~~و منهم دون ذلك ( و قال تعالى ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ~~آيات الله آناء الليل و هم يسجدون يؤمنون بالله و اليوم الآخر و يأمرون ~~بالمعروف و ينهون عن المنكر و يسارعون فى الخيرات و أولئك من الصالحين ( و ~~قال تعالى ( و لو أنهم أقاموا التوراة و الإنجيل و ما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة و كثير منهم ساء ms1425 ما ~~يعملون ( # و فى صحيح مسلم و غيره عن عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم و عجمهم إلا بقايا من أهل ~~الكتاب و أن ربى قال لي قم فى قريش فأنذرهم فقلت أي رب إذا يثلغوا رأسي حتى ~~يدعوه خبزة فقال إنى مبتليك و مبتل بك و منزل عليك كتابا لا يغسله الماء ~~تقرأه نائما و يقظانا فابعث جندا نبعث مثليهم و قاتل بمن أطاعك من عصاك ( و ~~الحديث أطول من هذا PageV16P493 # و المقصود هنا الكلام على الآية فنقول القول الثالث و هو أصح الأقوال ~~لفظا و معنى # أما من جهة اللفظ و دلالته و بيانه فإن هذا اللفظ هو مستعمل فيما يلزم به ~~الإنسان يعنى إختياره و يقهر عليه إذا تخلص منه يقال إنفك منه كالأسير و ~~الرقيق المقهور بالرق و الأسر يقال فككت الأسير فإنفك و فككت الرقبة قال ~~تعالى ( و ما أدراك ما العقبة فك رقبة ( # و قال النبى صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ~~عودوا المريض و أطعموا الجائع و فكوا العانى ( و فى الصحيح أيضا أن عليا ~~لما سئل عما في الصحيفة فقال فيها العقل و فكاك الأسير و أن لا يقتل مسلم ~~بكافر # ففكه فصله عمن يقهره و يستولى عليه بغير إختياره و التفريق بينهما # و يقال فلان ما يفك فلانا حتى يوقعه فى كذا و كذا و المتولي لا يفك هذا ~~حتى يفعل كذا يقال لمن لزم غيره و استولى عليه إما بقدرة و قهر و إما ~~بتحسين و تزيين و أسباب حتى يصير بها مطيعا له PageV16P494 ويقال للمستولى ~~عليه هو ما ينفك من هذا كما لا ينفك الأسير و الرقيق من المستولى عليه # فقوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين ( أي لم ~~يكونوا متروكين بإختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه لا حجر عليهم كما أن ~~المنفك لا حجر عليه و ms1426 هو لم يقل ( مفكوكين ( بل قال ( منفكين ( و هذا أحسن ~~فإنه نفى لفعلهم و لو قال ( مفكوكين ( كان التقدير لم يكونوا مسيبين مخلين ~~فهو نفي لفعل غيرهم و المقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون و لا ينهون ~~و لا ترسل إليهم رسل بل يفعلون ما شاؤا مما تهواه الأنفس # و المعنى أن الله ما يخليهم و لا يتركهم فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم ~~رسولا و هذا كقوله ( أيحسب الإنسان ان يترك سدى ( لا يؤمر و لا ينهى أي ~~أيظن أن هذا يكون هذا ما لا يكون ألبتة بل لابد أن يؤمر و ينهى # و قريب من ذلك قوله تعالى ( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون و إنه ~~في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين ~~( و هذا إستفهام إنكار أي لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر و نعرض عن إرسال ~~الرسل و من كره إرسالهم PageV16P495 فإن الأول تكذيب بوجودهم و الثانى ~~يتضمن بغضهم و كراهة ما جاؤا به قال تعالى ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ~~فأحبط أعمالهم ( و قال عن مؤمن آل فرعون ( و لقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات فما زلتم فى شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ( # و أما من كذب بهم بعد الإرسال فكفره ظاهر و لكن من ظن أن الله لا يرسل ~~إليه رسولا و أنه يترك سدى مهملا لا يؤمر و لا ينهى فهذا أيضا مما ذمه الله ~~إذا كان لابد من إرسال الرسل و إنزال الكتب كما أنه أيضا لابد من الجزاء ~~على الأعمال بالثواب و العقاب و قيام القيامة # و لهذا ينكر سبحانه على من ظن أن ذلك لا يكون فقال تعالى ( و ما خلقنا ~~السماء و الأرض و ما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في ms1427 الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار ( و قال تعالى ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا و أنكم إلينا ~~لا ترجعون ( و قال تعالى ( و ما خلقنا السموات و الأرض و ما بينهما إلا ~~بالحق و إن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم ( و ~~قال ( و خلق الله السموات و الأرض بالحق و لتجزى كل نفس بما كسبت و هم لا ~~يظلمون ( PageV16P496 و قال عن أولي الألباب ( الذين يذكرون الله قياما و ~~قعودا و على جنوبهم و يتفكرون فى خلق السموت و الأرض ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ( و نحوه فى القرآن مما يبين أن الأمر و ~~النهي و الثواب و العقاب و المعاد مما لابد منه و ينكر على من ظن أو حسب أن ~~ذلك لا يكون و هو يقتضي و جوب و قوع ذلك و أنه يمتنع أن لا يقع # و هذا متفق عليه بين أهل الملل المصدقين للرسل من المسلمين و غيرهم من ~~جهة تصديق الخبر فإن الله أخبر بذلك و خبره صدق فلابد من و قوع مخبره و هو ~~و اجب بحكم و عده و خبره فإنه إذا علم أن ذلك سيكون و أخبر أنه سيكون فلابد ~~أن يكون فيمتنع أن يكون شيء على خلاف ما علمه و أخبر به و كتبه و قدره # و أيضا فإنه قد شاء ذلك و ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن و لابد أن يقع ~~كل ما شاءه # لكن هل يقال إن المشيئة موجبة فيه نزاع و كذلك يقال إن ذلك و جب لإيجابه ~~له على نفسه أو لإقتضاء حكمته ذلك فيه أيضا نزاع # و ما أقسم ليفعلنه فلابد أن يقع و القسم متضمن معنى الخبر PageV16P497 و ~~معنى الحض و الطلب لكن في ثبوت الثاني في حق الله نزاع بين الناس كقوله ( ~~لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين ( و قوله ( و إذ تأذن ربك ليبعثن ~~عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم ms1428 سوء العذب ( # والذين قالوا إن حكمته أو حكمه أو مشيئته توجب ذلك يقولون إن ذلك قد يعرف ~~بالعقل فيقولون أنه قد يعرف بالعقل أنه لابد من إرسال الرسل و أن ذلك واجب ~~فى حكمه و حكمته و هذا قول كثير من الطوائف أو أكثرهم # و منهم من يقول لا يعلم شيء من ذلك إلا بالخبر و هذا قول الجهمية و ~~الأشعرية وذاك قول المعتزلة و الكرامية و الحنفية أو أكثرهم # و أما أصحاب مالك و الشافعى و أحمد فمنهم من يقول بهذا و لكن جمهور ~~الفقهاء مع السلف يثبتون الحكمة و التعليل و إنما ينفى ذلك منهم من وافق ~~الجهمية المجبرة كالأشعرى و من و افقه # و كذلك جمهورهم يثبتون للأفعال صفات بها كانت حسنة أو سيئة قبيحة لا ~~يجعلون حسنها و قبحها ترجيحا لأحد الأمرين بلا مرجح بل لمحض المشيئة كما ~~تقوله الجهمية و من و افقهم PageV16P498 # هذا قول الأئمة و الجمهور كما أن الأئمة و الجمهور على إثبات القدر و ~~الإيمان به و أن الله خالق كل شيء و أنه ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن لا ~~يقولون بقول من أنكر القدر من المعتزلة و نحوهم و لا بقول من أنكر حكمة ~~الرب من الجهمية المجبرة و نحوهم # فلا يقولون بقول القدرية النفاة للقدر و لا بقول القدرية المجبرة الذين ~~يستلزم قولهم إنكار الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و الجزاء بالثواب و ~~العقاب لا سيما من أفصح منهم بذلك أو قال إن من شهد القدر سقط عنه الأمر و ~~النهي و الوعد و الوعيد # فآمنوا بما جاءت به الرسل فى الجملة و أوجبوا ما أوجبه الله و حرموا ما ~~حرمه الله و آمنوا بالجنة و النار و اجتهدوا فى متابعة الرسل لكن أخطاؤا ~~حيث نفوا القدر و ظنوا أن إثباته يناقض الأمر و النهي [ و الوعد ] و الوعيد ~~و أنه لا يتم إيمانهم بأن الله عادل صادق حتى يكذبوا بالقدر و بإخراج أهل ms1429 ~~الكبائر من النار ظنا منهم أن الله أخبر بأن كل من كان له ذنب يستحق به ~~العذاب لا يخرجه من النار و لا يرحمه أبدا فلم يجوزوا أن يعذب بذنبه ثم ~~يرحم بل عندهم من كان له ذنب يستحق به العذاب لم يرحم أبدا # و هم و إن كانوا لم يتعمدوا تكذيب الرسل فقولهم هذا يتضمن PageV16P499 ~~مخالفة الأخبار المتواترة عند أهل العلم بالحديث عن النبى صلى الله عليه و ~~سلم فى خروج أهل الذنوب من النار و شفاعة الشفعاء فيهم و يتضمن أنهم آيسوا ~~الخلق من رحمة الله مع تكذيبهم بعموم خلق الله و مشيئته و قدرته حيث زعموا ~~أن من الحوادث ما لا يقدر عليه و لا يشاؤه و لا يخلقه # و تشبهوا بالمجوس من هذا الوجه حتى قيل القدرية مجوس هذه الأمة # و قابلهم أولئك فتوقفوا فى خبر الله مطلقا حتى أنكروا صنفي العموم فلم ~~يعلموا بخبره ما أخبر به من الوعد و الوعيد # فلا يجزمون بالنجاة للصنف الذين يعلم الله أنهم آمنوا و عملوا الصالحات و ~~كانوا من أعظم الناس طاعة لله إذا كان لأحدهم سيئة واحدة صغيرة و لا ~~بالعذاب للصنف الذين يعلم الله أنهم أفجر أهل القبلة و شرها بل يجوزون مع ~~علم الله بهذا و بهذا أن يعذب أهل الحسنات الكبيرة على سيئة صغيرة عذابا ما ~~يعذبه أحدا من أهل القبلة و أن يدخل فجار أهل القبلة الجنة مع السابقين ~~الأولين # و بسط الكلام على هؤلاء و هؤلاء له مقام آخر PageV16P500 # والمقصود هنا أن هذه السورة دلت على ما تدل عليه مواضع أخر من القرآن من ~~أن الله يرسل الرسل إلى الناس تأمرهم و تنهاهم يرسلهم مبشرين و منذرين كما ~~قال تعالى ( و ما نرسل المرسلين إلا مبشرين و منذرين ( ينذرون الذين أساؤا ~~عقوبات أعمالهم و يبشرون الذين آمنوا و عملوا الصالحات بالنعيم المقيم و ( ~~أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا ( # فقوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى ms1430 تأتيهم ~~البينة ( بيان منه أن الكفار لم يكن الله ليدعهم و يتركهم على ما هم عليه ~~من الكفر بل لا يفكهم حتى يرسل إليهم الرسول بشيرا و نذيرا ( ليجزي الذين ~~أساؤا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ( # و مما يبين ذلك أن ( حتى ( حرف غاية و ما بعد الغاية يخالف ما قبلها كما ~~في قوله ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ( و قوله ( ~~حتى يطهرن ( و قوله ( حتى تنكح زوجا غيره ( و نظائر ذلك # فلو أريد أنهم لم يكونوا منتهين و يؤمنون حتى يتبين لهم الحق لزم أن ~~يكونوا كلهم بعد مجيئ البينة قد إنتهوا و آمنوا فإن اللفظ عام فيهم ~~PageV16P501 # و كذلك لو كان المراد أنهم كانوا متفقين على تصديق الرسول حتى بعث لزم أن ~~يكونوا كلهم كانوا يعرفونه قبل إرساله إليهم و أنهم كلهم بعد إرساله تفرقوا ~~و اختلفوا و كلاهما باطل فكثير منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني و لم ~~يكونوا يعرفون ما في الكتب من بعثه و من أمور أخر و لما بعث فقد آمن به خلق ~~كثير منهم و لم يتفرقوا كلهم عن الإيمان به # و حينئذ فالآية لم تتضمن مدحهم مطلقا كما ظن من ظن أن معناها أنهم لم ~~ينتهوا و لم يؤمنوا حتى يتبين لهم الحق و لا تتضمن ذمهم مطلقا كما ظن من ظن ~~أنهم لما جاءهم الرسول تفرقوا و اختلفوا بعد ما كانوا متفقين على التصديق ~~بل تضمنت مدح من آمن منهم بالرسول و ذم من لم يؤمن و الإخبار أنه لابد من ~~إرسال الرسول إليهم فيؤمن به بعضهم و يكفر بعض # قال تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم ~~درجات و آتينا عيسى بن مريم البينات و أيدناه بروح القدس و لو شاء الله ما ~~إقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~و منهم من كفر و لو شاء ms1431 الله ما إقتتلوا و لكن الله يفعل ما يريد ~~PageV16P502 # ثم أن الذين آمنوا بالرسل لابد أن يمتحنهم ليميز بين الصادق و الكاذب كما ~~قال تعالى ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و لقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ( ثم قال ~~( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ( # فالناس إذا أرسل إليهم أحد رجلين إما رجل آمن بهم فى الظاهر فلابد أن ~~يمتحن حتى يتبين الصادق من الكاذب و إما رجل عمل السيئات و لم يؤمن فلا ~~يفوت الله بل هو آخذه سبحانه و تعالى # و لهذا إنقسم الناس فى الرسل إلى ثلاثة أقسام مؤمن باطن و ظاهر و كافر ~~مظهر للكفر و منافق مظهر للإيمان مبطن للكفر و من حين هاجر النبى صلى الله ~~عليه و سلم إلى المدينة حصل هذا الإنقسام و أنزل الله تعالى فى أول البقرة ~~أربع آيات فى صفة المؤمنين و آيتين فى صفة الكافرين و بضع عشرة آية فى صفة ~~المنافقين # و أما حين كان بمكة و كان المؤمنون مستضعفين فلم يكن أحد يحتاج ~~PageV16P503 إلى النفاق بل كان من المؤمنين من يكتم إيمانه من كثير من ~~الناس ومنهم من يتكلم بالكفر مكرها مع طمأنينة قلبه بالإيمان و هذا مؤمن ~~باطنا و ظاهرا فإنه و إن أظهر الكفر لبعض الناس ما أكره عليه أو كتم عنه ~~إيمانه فهو يتكلم بالإيمان فى خلوته و مع من يأمنه و يعمل بما يمكنه و ما ~~عجز عنه فقد سقط عنه # و لهذا قال العلماء منهم أحمد بن حنبل لم يكن يمكنهم نفاق إنما كان ~~النفاق بالمدينة # و لكن كان بمكة من في قلبه مرض كما قال فى السورة المكية ( و لا يرتاب ~~الذين أوتوا الكتاب و المؤمنون و ليقول الذين في قلوبهم مرض و الكافرون ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا ( # و هو سبحانه قد ذكر أن المظهرين للإيمان ما كان ليدعهم حتى يميز الخبيث ~~من ms1432 الطيب و يمتحنهم كما قال تعالى ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ( و قال ( أم حسبتم أن تتركوا و لما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم و لم يتخذوا من دون الله و لا رسوله و لا المؤمنين ~~و ليجة و الله خبير بما تعملون ( و قال تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و ~~لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء و الضراء و زلزلوا حتى ~~يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ( و ~~أمثال ذلك PageV16P504 # فكذلك الذين كفروا لم يكن ليتركهم حتى يبعث إليهم الرسول بالآيات البينات ~~فهذا معنى قوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة ( و هم إذا جاءتهم البينة منهم من يؤمن و منهم من يكفر و إذا ~~قيل إن الآية بعد ذلك المعنى الآخر و هو أنهم لم يكونوا ليهتدوا و يعرفوا ~~الحق و يؤمنوا حتى تأتيهم البينة إذ لا طريق لهم إلى معرفة الحق إلا برسول ~~يأتي من الله أيضا أو لم يكونوا منتهين متعظين و إن عرفوا الحق حتى يأتيهم ~~من الله من يذكرهم فهذا المعنى لا يناقض ذاك # بخلاف قول من قال لم يكن المشركون و أهل الكتاب تاركين لمعرفة محمد و ~~لذكره و لم يكونوا متفرقين فيه بل متفقين على الإيمان به حتى جاءتهم البينة ~~فتركوا الإيمان به و تفرقوا فإن هذا غير مراد قطعا # و مما يبين ذلك قوله ( حتى تأتيهم البينة ( و لم يقل ( حتى أتتهم ( و ~~أولئك لما لم يفهموا معنى الآية ظنوا أن الموضع موضع الماضي و أن المراد ما ~~إنفكوا عما كانوا عليه إما من كفر و إما من إيمان حتى أتتهم البينة فلما ~~قيل ( حتى تأتيهم البينة ( أشكل عليهم و قال PageV16P505 بعضهم لما تأتهم ~~كلها و أما على المعنى الصحيح فالموضع موضع المضارع كقوله تعالى ( ما كان ~~الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ms1433 عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ( فإن ~~المراد ما كانوا مفكوكين متروكين حتى تأتيهم البينة # و هو سبحانه قال ( لم يكن الذين كفروا ( و ( لم ( و إن كانت تقلب المضارع ~~ماضيا فذاك إذا تجرد فقيل ( لم يأت ( و ( لم يذهب ( فمعناه ( ما أتى ( و ( ~~ما ذهب ( # و أما إذا قيل ( لم يكن يفعل هذا ( و ( لم يكن الله ليغفر لهم و لا ~~ليهديهم سبيلا ( فالمقصود معنى الفعل الدائم مطلقا و إذا قيل ( لم يكن فلان ~~آتيا حتى يذهب إليه فلان ( بخلاف ما إذا قلت ( لم يكن فلان قد أتى حتى ذهب ~~إليه فلان ( و لو قيل ( ما كان فلان فاعلا لهذا حتى يكون كذا ( كان نحو ذاك ~~بخلاف ما إذا قيل ( ما كان فلان قد فعل حتى أتى فلان ( # فنفى المضارع الذي خبره إسم فاعل و هو الدائم و المراد لم يكونوا فى ~~الحال و الإستقبال متروكين حتى تأتيهم البينة و لو قيل هنا ( حتى أتتهم ~~البينة ( لم يكن موضعه PageV16P506 # وكذلك لو أراد الإنتهاء عن الكفر و الإيمان لقيل ( حتى تأتيهم البينة ( ~~أي لم يكونوا يعرفون الحق حتى يأتيهم نبى يعرفهم أو لم يكونوا متعظين ~~عاملين حتى يأتي من يعظهم و يذكرهم فليس هذا موضع لماضي بخلاف ما لو قيل ( ~~ما زالوا كافرين حتى أتاهم # ( فالآية تتضمن الإخبار عن و جوب إثبات البينة و إمتناع الإنفكاك بدونها ~~لم يقصد بها مجرد الخبر عن عدم الإنفكاك ثم ثبوته فى الماضي و هو كما قيل ( ~~لم يكونوا ينفكوا حتى تأتيهم البينة ( لكن هنا ذكر إسم الفاعلين فقيل ( ~~منفكين ( # و هو سبحانه لما ذكر أنه لابد من إرسال الرسل إلى الذين كفروا من ~~المشركين و أهل الكتاب لتقوم عليهم الحجة بذلك ذكر بعد هذا أن أهل الكتاب ~~الذين آمنوا بالرسل ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة و قامت عليهم ~~الحجة فبينات الله و حجته قامت على هؤلاء و هؤلاء # وهو لم يعذب واحدا من الحزبين إلا بعد أن جاءتهم البينة و ms1434 قامت عليهم ~~الحجة كما فى قصة موسى و من أرسل إليه فإن الله لم يدع فرعون و قومه حتى ~~أرسل إليهم موسى و لم يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة ثم لما آمن بنو إسرائيل ~~بالكتب و الرسل لم يتفرقوا و يختلفوا إلا من PageV16P507 بعد ما جاءتهم ~~البينة فلم يكونوا معذورين في ذلك # و لهذا نهيت أمة محمد عن التشبه بهم فقيل ( و لا تكونوا كالذين تفرقوا و ~~اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات # والناس الذين بعث إليهم محمد هم كذلك فمن كان كافرا لم يكن منفكا حتى ~~تأتيه البينة و من آمن بمحمد من الأمم ثم تفرقوا و إختلفوا فما اختلفوا ~~إلامن بعد ما جاءتهم البينة # و ما أمر الجميع ( إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا ~~الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيمة ) # و الآية تضمنت مدح الرب و ذكر حكمته و عدله و حجته فى أنه لا يدعهم حتى ~~يرسل إليهم رسولا كما قال لأهل الكتاب ( قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة ~~من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير و لا نذير فقد جاءكم بشير و نذير ( ~~الآية لم تتضمن مدحهم على بقائهم على الكفر حتى يأتي الرسول فإن هذا غايته ~~أن لا يعاقبوا عليه حتى يأتي الرسول لا أن يحمدوا عليه حتى يأتي الرسول فإن ~~هذا لا يقوله عاقل و لم يقله أحد لا سيما و أهل الكتاب قد قامت عليهم الحجة ~~بأنبياء قبله PageV16P508 # ونظير هذا فى اللفظ قوله ( و تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا ~~بشق الأنفس ( ليس المراد ما كنتم بالغيه فى الماضي بل هذه حالهم دائما # فقوله ( لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم ( يقتضي أن هذه حالهم ~~دائما # وتضمنت السورة ذكر أصناف الخلق و ما أمر الله به جميع العباد و أن ذلك ~~أمر لابد منه لابد من إرسال الرسل و إنزال الكتب و بيان السعداء أهل الجنة ~~و الأشقياء أهل النار # فقوله ( لم يكن الذين ms1435 كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى تأتيهم ~~البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ( جملة فيه بيان إرسال [ الرسول ] إلى ~~الجميع و قوله ( و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ~~( فيه إقامة الحجة على أهل الشرائع و ذم تفرقهم و إختلافهم و أن ذلك بعد أن ~~جاءتهم البينة # و هاتان الجملتان نظيرهما قوله ( كان الناس أمة و احدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما إختلفوا ~~فيه ( ثم قال ( و ما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد PageV16P509 ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما إختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه ( # و مثل ذلك قوله تعالى ( شرع لكم من الدين ما و صى به نوحا و الذي أوحينا ~~إليك و ما و صينا به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا ~~فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء و يهدي إليه ~~من ينيب ( ثم قال ( و ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم و ~~لولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم و إن الذين أورثوا الكتاب ~~من بعدهم لفي شك منه مريب ( و قوله ( و لقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه و ~~لولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم و إنهم لفي شك منه مريب ( فى سورة ( هود ~~( و سورة ( عسق ( # ثم ذكر ما أمربه الجميع بقوله ( و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفاء و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيمة ( # ثم ذكر عاقبة الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين و عاقبة الذين آمنوا ~~و عملوا الصالحات PageV16P510 $ فصل # وقوله ( و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( قال ~~طائفة من المفسرين هو تفرقهم في محمد بعد أن كانوا مجتمعين على الإيمان به # ثم من هؤلاء من جعل ms1436 تفرقهم إيمان بعضهم و كفر بعض قال البغوي ثم ذكر من ~~لم يؤمن من أهل الكتاب فقال ( و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة ( أى البيان فى كتبهم انه نبى مرسل قال المفسرون لم يزل أهل ~~الكتاب مجتمعين في تصديق محمد متى بعثه الله فلما بعث تفرقوا فى أمره و ~~اختلفوا فآمن به بعضهم و كفر به بعضهم # و هكذا ذكر طائفة فى قوله ( و لقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق و رزقناهم ~~من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ( قال أبو الفرج قال ابن عباس ما ~~اختلفوا فى أمر محمد لم يزالوا به مصدقين حتى جاءهم العلم يعني القرآن و ~~روى عنه حتى جاءهم العلم يعني محمدا فعلى هذا يكون العلم هنا عبارة عن ~~المعلوم و بيان هذا أنه لما جاءهم PageV16P511 اختلفوا في تصديقه فكفر به ~~أكثرهم بغيا و حسدا بعد أن كانوا مجتمعين على تصديقه بغيا و حسدا # و منهم من جعل المتفرقين كلهم كفارا قال ابن عطية ثم ذكر تعالى مذمة من ~~لم يؤمن من أهل الكتاب من بني إسرائيل من أنهم لم يتفرقوا فى أمر محمد إلا ~~من بعد أن رأوا الآيات الواضحة و كانوا من قبل متفقين على نبوته و صفته ~~فلما جاء من العرب حسدوه # و كذلك قال الثعلبى ما تفرق الذين أوتوا الكتاب فى أمر محمد فكذبوه إلا ~~من بعد ما جاءتهم البينة البيان في كتبهم أنه نبى مرسل قال العلماء من أول ~~هذه السورة إلى قوله ( فيها كتب قيمة ( حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب و ~~المشركين ( و ما تفرق ( حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجة ~~عليه # وكذلك قال أبو الفرج قال ( و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب ( يعني من لم ~~يؤمن ( إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( و فيها ثلاثة أقوال # ( أحدها ( أنه محمد و المعنى لم يزالوا مجتمعين على الإيمان به حتى بعث ~~قاله الأكثرون PageV16P512 # ( و الثاني ( القرآن قاله أبو العالية ms1437 # ( و الثالث ( ما فى كتبهم من بيان نبوته ذكره الماوردي # ( قلت ( هذا هو الذي قطع به أكثر المفسرين و لم يذكر الثعلبى و البغوي و ~~غيرهما سواه # و أبو العالية إنما قال الكتاب لم يقل القرآن هكذا رواه ابن أبى حاتم ~~بالإسناد المعروف عن الربيع بن أنس ( إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( قال ~~قال أبو العالية الكتاب و مراد أبي العالية جنس الكتاب فيتناول الكتاب ~~الأول كما قال ( و لقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ( فى موضعين من القرآن ~~و قال تعالى ( فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ( ثم قال ( و ما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه ( # وهذا التفسير معروف عن أبى العالية و رواه عن أبى بن كعب و رواه إبن أبى ~~حاتم و غيره عن الربيع عن أبى العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها ( كان ~~الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله PageV16P513 النبيين مبشرين و منذرين ( ~~و أن الله إنما أرسل الرسل و أنزل الكتب عند الإختلاف ( و أنزل معهم الكتاب ~~بالحق ( قال أنزل الكتاب عند الإختلاف ( و ما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ( ~~يعنى بنى إسرائيل أوتوا الكتاب و العلم ( من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم ( يقول بغيا على الدنيا و طلب ملكها و زخرفها و زينتها أيهم يكون له ~~الملك و المهابة فى الناس فبغى بعضهم على بعض و ضرب بعضهم رقاب بعض ( فهدى ~~الله الذين آمنوا لما إختلفوا فيه من الحق بإذنه ( يقول فهداهم الله عند ~~الإختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الإختلاف أقاموا على ~~الإخلاص لله و حده و عبادته لا شريك له و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و ~~أقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الإختلاف و اعتزلوا الإختلاف فكانوا ~~شهداء على الناس يوم القيامة كانوا شهداء على ms1438 قوم نوح و قوم هود و قوم صالح ~~و قوم شعيب و آل فرعون أن رسلهم قد بلغتهم و أنهم كذبوا رسلهم # قلت الإختلاف في كتاب الله نوعان ( أحدهما ( يذم فيه المختلفين كلهم ~~كقوله ( و إن الذين إختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد ( و قوله ( و لا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ( و الثاني ( يمدح المؤمنين و يذم الكافرين ~~كقوله ( و لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات و ~~لكن إختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر و لو شاء PageV16P514 الله ما ~~إقتتلوا و لكن الله يفعل ما يريد ( و قوله ( هذان خصمان إختصموا فى ربهم ~~فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ( إلى قوله ( إن الله يدخل الذين آمنوا ~~و عملوا الصالحات ( و قوله ( إن الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئين و ~~النصارى و المجوس و الذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله ~~على كل شيء شهيد ( # وإذا كان كذلك فالذي ذمه من تفرق أهل الكتاب و إختلافهم ذم فيه الجميع و ~~نهى عن التشبه بهم فقال ( و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات ( و قال ( و ما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم ( # و ذلك بأن تؤمن طائفة ببعض حق و تكفر بما عند الأخرى من الحق و تزيد فى ~~الحق باطلا كما إختلف اليهود و النصارى فى المسيح و غير ذلك و حينئذ نقول ~~من قال إن أهل الكتاب ما تفرقوا فى محمد إلا من بعد ما بعث إرادة إيمان ~~بعضهم و كفر بعضهم كما قاله طائفة فالمذموم هنا من كفر لا من آمن فلا يذم ~~كل المختلفين و لكن يذم من كان يعرف أنه رسول فلما جاء كفر به حسدا أو بغيا ~~كما قال تعالى ( و لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم و كانوا من ~~قبل PageV16P515 يستفتحون على الذين كفروا ms1439 ن فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين ( # وإن أريد بالتفرق فيه أنهم كلهم كفروا به و تفرقت أقوالهم فيه فليس الأمر ~~كذلك و قد بين القرآن فى غير موضع أنهم تفرقوا و اختلفوا قبل إرسال محمد ~~صلى الله عليه و سلم فإختلاف هؤلاء و تفرقهم في محمد صلى الله عليه و سلم ~~هو من جملة ما تفرقوا و إختلفوا فيه و الله أعلم PageV16P516 # سورة التكاثر قال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل ( # سورة التكاثر ( قيل فيها ( حتى زرتم المقابر ( تنبيها على أن الزائر لابد ~~أن ينتقل عن مزاره فهو تنبيه على البعث # ثم قال ( كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ( فهذ خبر عن علمهم في ~~المستقل و لهذا روى عن علي أنه في عذاب القبر ثم قال ( كلا لو تعلمون علم ~~اليقين ( فهذا إشارة إلى علمهم في الحال و الخبر محذوف أي لكان الأمر فوق ~~الوصف و لعلمتم أمرا عظيما و لألهاكم عما ألهاكم فإن الإلتهاء بالتكاثر ~~إنما و قع من الغفلة و عدم اليقين كما قال ( كذبوا بآياتنا و كانوا عنها ~~غافلين ( و مثل قول النبى صلى الله عليه و سلم ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم ~~قليلا و لبكيتم كثيرا ( و حذف جواب لو كثير في القرآن تعظيما له و تفخيما ~~فإنه أعظم PageV16P517 من أن يوصف أو يتصور بسماع لفظ إذ المخبر ليس ~~كالمعاين و لهذا إتبع ذلك بالقسم على الرؤية التى هي عين اليقين التى هي ~~فوق الخبر الذي هو علم اليقين فقال ( لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ( ~~و هذا الكلام جواب قسم محذوف مستقبل مع كون جواب لو محذوفا كما تقدم فى أحد ~~القولين و فى الآخر هو متعلق بلو لكن يقال جواب لو إنما يكون ماضيا فيقال ~~لرأيتم الجحيم كقول النبى صلى الله عليه و سلم ( لو تكونون على الحال التى ~~تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في طرقكم و على فرشكم ( و لو كان ماضيا فليس ~~مما يؤكد بل يقال لو يجيء ms1440 لأجي و جواب هذا أنه جواب قسم محذوف سد مسد جواب ~~لو كقوله ( و إن أطعتموهم أنكم لمشركون ( و له نظائر فى القرآن و كلام ~~العرب فإن الكلام إذا اشتمل على قسم و شرط و كل منهما يقتضي جوابه أجيب ~~الأول منهما و هو هنا القسم و هو المقصود # و على هذا القول يكون المعنى و الله لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ~~بقلوبكم و الأول هو المشهور و من المفسرين من لم يذكر سواه و هو الذي أثروه ~~عن متقدميهم و يدل على صحته و أنه الحق أن قوله ( ثم لترونها ثم لتسألن ( ~~معطوف على ما قبله فيكون داخلا في حيزه فلو كان الأول معلقا بالشرط لكان ~~المعطوف عليه PageV16P518 كذلك و هو باطل لأن رؤيتها عين اليقين و المسألة ~~عن النعيم ليس معلقا بأن يعلموها فى الدنيا علم اليقين # وأيضا فتفسير الرؤية المطلقة برؤية القلب ليس هو المعروف من كلام العرب # و أيضا فيكون الشرط هو الجواب فإن المعنى حينئذ لو علمتم علم اليقين ~~لرأيتم بقلوبكم و ذلك هو العلم فالمعنى لو علمتم لعلمتم و هذا لا يفيد و لو ~~أريد بمشاهدة القلب قدر زائد على مجرد العلم فهذا معلوم أن من علم الشيء ~~أمكنه أن يجعل مشاهدا له بقلبه # و أيضا فهذا المعنى لو كان مفيدا لم يكن مما يستحق القسم عليه فإنه ليس ~~بطائل # و أيضا فقوله ( لو تعلمون علم اليقين ( لم يذكر المعلوم حتى يستلزم العلم ~~به العلم بالجحيم فإن أريد معلوم خاص فلا دليل في الشرط عليه حتى يصح ~~الإرتباط و إن أريد المعلوم العام و هو ما بعد الموت فذاك يستلزم العلم ~~بالجحيم و غيرها و هذا فيه نظر فقد يسأل و يقال قوله ( سوف تعلمون ثم كلا ~~سوف تعلمون ( لم يذكر PageV16P519 فيه المعلوم بل أطلق و معلوم أن كل أحد ~~سوف يعلم شيئا لم يكن علمه و جوابه أن سياق الكلام يقتضي الوعيد و التهديد ~~حيث إفتتحه بقوله ( ألهاكم التكاثر ( # و أيضا فمثل ms1441 هذا الكلام قد صار في العرف يستعمل فى الوعيد غالبا أو في ~~الوعد و إذا كان العلم مقيدا بالسياق اللفظي و بالوضع العرفي فقوله ( لو ~~تعلمون ( هو ذاك العلم أخبر بوقوعه مستقبلا ثم علق بوقوعه حاضرا و قيد ~~المعلق به بعلم اليقين فإنهم قد يعلمون ما بعد الموت لكن ليس علما هو يقين ~~PageV16P520 سورة الهمزة قال شيخ الإسلام رحمه الله $ فصل # قوله ( و يل لكل همزة لمزة ( هو الطعان العياب كما قال ( هماز مشاء بنميم ~~( و قال ( و منهم من يلمزك فى الصدقات ( و قال ( الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين ( و الهمز أشد لأن الهمز الدفع بشدة و منه الهمزة من الحروف و هي ~~نقرة في الحلق و منه ( و قل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ( و منه قول ~~النبى صلى الله عليه و سلم ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه و نفخه ~~و نفثه ( و قال ( همزه الموتة ( و هى الصرع فالهمز مثل الطعن لفظا و معنى # و اللمز كالذم و العيب و إنما ذم من يكثر الهمز و اللمز فإن الهمزة و ~~اللمزة هو الذي يفعل ذلك كثيرا و ( الهمزة ( و ( اللمزة ( PageV16P521 الذي ~~يفعل ذلك به كما فى نظائره مثل الضحكة و الضحكة و اللعبة و اللعبة وقوله ( ~~الذي جمع مالا و عدده ( و صفه بالطعن فى الناس و العيب لهم و بجمع المال و ~~تعديده و هذا نظير قوله ( إن الله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ( في ~~( النساء ( و ( الحديد ( فإن الهمزة اللمزة يشبه المختال الفخور و الجماع ~~المحصي نظير البخيل و كذلك نظيرهما ( قوله هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد ~~أثيم عتل بعد ذلك زنيم ( و صفه بالكبر و البخل و كذلك قوله ( و أما من بخل ~~و إستغنى ( فهذه خمس مواضع و ذلك ناشيء عن حب الشرف و المال فإن محبة الشرف ~~تحمل إنتقاص غيره بالهمز و اللمز و الفخر و الخيلاء و محبة المال تحمل على ~~البخل و ضد ذلك ms1442 من أعطى فلم يبخل وإتقى فلم يهمز و لم يلمز و أيضا فإن ~~المعطى نفع الناس و المتقى لم يضرهم فنفع و لم يضر و أما المختال الفخور ~~البخيل فإنه ببخله منعهم الخير و بفخره سامهم الضر فضرهم و لم ينفعهم و ~~كذلك ( الهمزة الذي جمع مالا ( و نظيره قارون الذي جمع مالا و كان من قوم ~~موسى فبغى عليهم # و من تدبر القرآن و جد بعضه يفسر بعضا فإنه كما قال ابن عباس فى رواية ~~الوالى مشتمل على الأقسام و الأمثال و هو تفسير ( متشابها مثاني ( ~~PageV16P522 # و لهذا جاء كتاب الله جامعا كما قال صلى الله عليه و سلم ( أعطيت جوامع ~~الكلم ( و قال تعالى ( كتابا متشابها مثاني ( فالتشابه يكون فى الأمثال و ~~المثاني فى الأقسام فإن التثنية فى مطلق التعديد كما قد قيل فى قوله ( إرجع ~~البصر كرتين ( و كما فى قول حذيفة ( كنا نقول بين السجدتين رب إغفر لي رب ~~إغفر لي ( و كا يقال فعلت هذا مرة بعد مرة فتثنية اللفظ يراد به التعديد ~~لأن العدد ما زاد على الواحد و هو أول التثنية و كذلك ثنيت الثوب أعم من أن ~~يكون مرتين فقط أو مطلق العدد فهو جميعه متشابه يصدق بعضه بعضا ليس مختلفا ~~بل كل خبر و أمر منه يشابه الخبر لإتحاد مقصود الأمرين و لإتحاد الحقيقة ~~التى إليها مرجع الموجودات # فلما كانت الحقائق المقصودة و الموجودة ترجع إلى أصل و أحد و هو الله ~~سبحانه كان الكلام الحق فيها خبرا و أمرا متشابها ليس بمنزلة المختلف ~~المتناقض كما يوجد فى كلام أكثر البشر و المصنفون الكبار منهم يقولون شيئا ~~ثم ينقضونه و هو جميعه مثانى لأنه إستوفيت فيه الأقسام المختلفة فإن الله ~~يقول ( و من كل شيء خلقنا زوجين ( فذكر الزوجين مثاني و الإخبار عن الحقائق ~~بما هي عليه بحيث يحكم على الشيء بحكم نظيره و هو حكم على المعنى الواحد ~~المشترك خبرا أو طلبا خطاب متشابه فهو متشابه مثاني PageV16P523 # وهذا فى المعاني ms1443 مثل الوجوه في الألفاظ فإن كل شيئين من الأعيان و ~~الأعراض و غير ذلك إما أن يكون أحدهما مثل الآخر أو لا يكون مثله فهي ~~الأمثال و جمعها هو التأليف و إذا جاءت بلفظ واحد كانت نظائر و إن لم يكن ~~مثله فهو خلافه سواء كان ضدا أو لم يكن و قد يقال إما أن يجمعهما جنس أولا ~~فإن لم يجمعهما جنس فأحدهما بعيد عن الآخر و لا مناسبة بينهما و إن جمعهما ~~جنس فهي الأقسام و جمعها هو التصنيف و دلالة اللفظ الواحد على المعاني ~~المختلفة تسمى الوجوه و الكلام الجامع هو الذي يستوفي الأقسام المختلفة و ~~النظائر المتماثلة جمعا بين المتماثلين و فرقا بين المختلفين بحيث يبقى ~~محيطا و إلا فذكر أحد القسمين أو المثلين لا يفيد التمام و لا يكون الكلم ~~محيطا و لا الكلم جوامع و هو فعل غالب الناس فى كلامهم # و الحقائق فى نفسها منها المختلف و منها المؤتلف و المختلفان بينهما ~~إتفاق من و جه و إفتراق من وجه فإذا أحاط الكلام بالأقسام المختلفة و ~~الأمثال المؤتلفة كان جامعا و بإعتبار هذه المعاني كانت ضروب القياس العقلي ~~المنطقي ثلاثة الحمليات و الشرطيات المتصلة و الشرطيات المنفصلة # فالأول للحقائق المتماثلة الداخلة في القضية الجامعة # و الثاني للمختلفات التى ليست متضادة بل تتلازم تارة و لا تتلازم أخرى ~~PageV16P524 # و الثالث للحقائق المتضادة المتنافية إما و جودا أو عدما و هي النقيضان و ~~إما و جودا فقط و هو أعم من النقيضين و إما عدما فقط و هو أخص من النقيضين # فالحمليات للمثلين و الأمثال والشرطيات المنفصلة للمتضادين و المتضادات و ~~يسمى التقسيم و السبر و الترديد و البيانى و المتصلة للخلافين غير ~~المتضادين و يسمى التلازم سورة الكوثر و قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ~~بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية رحمه الله PageV16P525 # ( سورة الكوثر ( ما أجلها من سورة و أغزر فوائدها على إختصاره و حقيقة ~~معناها تعلم من آخرها فإنه سبحانه و تعالى بتر ms1444 شانئ رسوله من كل خير فيبتر ~~ذكره و أهله و ماله فيخسر ذلك فى الآخرة و يبتر حياته فلا ينتفع بها و لا ~~يتزود فيها صالحا لمعاده و يبتر قلبه فلا يعي الخير و لا يؤهله لمعرفته و ~~محبته و الإيمان برسله و يبتر أعماله فلا يستعمله فى طاعة و يبتره من ~~الأنصار فلا يجد له ناصر و لا عونا و يبتره من جميع القرب و لأعمال الصالحة ~~فلا يذوق لها طعما و لا يجد لها حلاوة و إن باشرها بظاهره فقلبه شارد عنها ~~و هذا جزاء من شنأ بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم و رده لأجل ~~هواه أو متبوعه أو شيخه أو أميره أو كبيرة كمن شنأ آيات الصفات و أحاديث ~~الصفات و تأولها على غير مراد الله PageV16P526 و رسوله منها أو حملها على ~~ما يوافق مذهبه و مذهب طائفته أو تمنى أن لا تكون آيات الصفات أنزلت و لا ~~أحاديث الصفات قالها رسول الله صلى الله عليه و سلم # و من أقوى علامات شناءته لها و كراهته لها أنه إذا سمعها حين يستدل بها ~~أهل السنة على ما دلت عليه من الحق إشمأز من ذلك و حاد و نفر عن ذلك لما فى ~~قلبه من البغض لها و النفرة عنها فأي شانيء للرسول أعظم من هذا و كذلك أهل ~~السماع الذين يرقصون على سماع الغنا و القصائد و الدفوف و الشبابات إذا ~~سمعوا القرآن يتلى و يقرأ في مجالسهم إستطالوا ذلك و استثقلوه فأي شنآن ~~أعظم من هذا و قس على هذا سائر لطوائف فى هذا الباب # و كذا من آثر كلام الناس و علومهم على القرآن و السنة فلولا أنه شانيء ~~لما جاء به الرسول ما فعل ذلك حتى إن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه و ~~يشتغل بقول فلان و فلان و لكن أعظم من شنأه و رده من كفر به و جحده و جعله ~~أساطير الأولين و سحرا يؤثر فهذا ms1445 أعظم و أطم إنبتارا و كل من شنأه له نصيب ~~من الإنبتار على قدر شناءته له فهؤلاء لما شنؤه و عادوه جازاهم الله بأن ~~جعل الخير كله معاديا لهم فبترهم منه و خص نبيه صلى الله عليه و سلم بضد ~~ذلك و هو أنه أعطاه الكوثر و هو من الخير الكثير الذي آتاه الله فى الدنيا ~~PageV16P527 و الآخرة فمما أعطاه في الدنيا الهدى و النصر و التأييد و قرة ~~العين و النفس و شرح الصدر و نعم قلبه بذكره و حبه بحيث لا يشبه نعيمه نعيم ~~فى الدنيا ألبتة و أعطاه في الآخرة الوسيلة و المقام المحمود و جعله أول من ~~يفتح له و لأمته باب الجنة و أعطاه فى الآخرة لواء الحمد و الحوض العظيم فى ~~موقف القيامة إلى غير ذلك و جعل المؤمنين كلهم أولاده و هو أب لهم و هذا ضد ~~حال الأبتر الذي يشنؤه و يشنأ ما جاء به # و قوله ( إن شانئك ( أي مبغضك و الأبتر المقطوع النسل الذي لا يولد له ~~خير و لا عمل صالح فلا يتولد عنه خير و لا عمل صالح قيل لأبى بكر بن عياش ~~إن بالمسجد قوما يجلسون و يجلس إليهم فقال من جلس للناس جلس الناس إليه و ~~لكن أهل السنة يموتون و يحيى ذكرهم و أهل البدعة يموتون و يموت ذكرهم لأن ~~أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم فكان لهم نصيب من ~~قوله ( و رفعنا لك ذكرك ( و أهل البدعة شنؤا ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه و سلم فكان لهم نصيب من قوله ( إن شانئك هو الأبتر ( # فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئا مما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه و سلم أو ترده لأجل هواك أوإنتصارا لمذهبك أو PageV16P528 لشيخك أو ~~لأجل إشتغالك بالشهوات أو بالدنيا فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا ~~طاعة رسوله و الأخذ بما جاء به بحيث لو خالف العبد جميع ms1446 الخلق و اتبع ~~الرسول ما سأله الله عن مخالفة أحد فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع تبعا ~~للرسول و إلا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع فاعلم ذلك و اسمع و ~~أطع و اتبع و لا تبتدع تكن أبتر مردودا عليك عملك بل لا خير في عمل أبتر من ~~الإتباع و لا خير في عامله و الله أعلم # وقوله تعالى ( إنا أعطيناك الكوثر ( تدل هذه الآية على عطية كثيرة صادرة ~~عن معط كبير غنى و اسع و أنه تعالى و ملائكته و جنده معه صدر الآية ( بأن ( ~~الدالة على التأكيد و تحقيق الخبر و جاء الفعل بلفظ الماضي الدال على ~~التحقيق و أنه أمر ثابت و اقع و لا يدفعه ما فيه من الإيذان بأن إعطاء ~~الكوثر سابق فى القدر الأول حين قدرت مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ~~ألف سنة و حذف موصوف الكوثر ليكون أبلغ فى العموم لما فيه من عدم التعيين و ~~أتى بالصفة أي أنه سبحانه و تعالى قال ( إنا أعطيناك الكوثر ( فوصفه ~~بالكوثر و الكوثر المعروف إنما هو نهر فى الجنة كما قد وردت به الأحاديث ~~الصحيحة الصريحة و قال ابن عباس الكوثر إنما هو من الخير الكثير الذي أعطاه ~~الله إياه وإذا كان أقل أهل PageV16P529 الجنة من له فيها مثل الدنيا عشر ~~مرات فما الظن بما لرسول الله صلى الله عليه و سلم مما أعده الله له فيها ~~فالكوثر علامة و أمارة على تعدد ما أعده الله له من الخيرات و اتصالها و ~~زيادتها و سمو المنزلة و ارتفاعها و إن ذلك النهر و هو الكوثر أعظم أنهار ~~الجنة و أطيبها ماء و أعذبها و أحلاها و أعلاها # و ذلك أنه أتى فيه بلام التعريف الدالة على كمال المسمى و تمامه كقوله ~~زيد العالم زيد الشجاع أي لا أعلم منه و لا أشجع منه وكذلك قوله ( إنا ~~أعطيناك الكوثر ( دل على أنه أعطاه الخير كله كاملا موفرا و إن نال ms1447 منه بعض ~~أمته شيئا كان ذلك الذي ناله ببركة إتباعه و الإقتداء به مع أن له صلى الله ~~عليه و سلم مثل أجره من غير أن ينقص من أجر المتبع له شيء ففيه الإشارة إلى ~~أن الله تعالى يعطيه في الجنة بقدر أجور أمته كلهم من غير أن ينتقص من ~~أجورهم فإنه هو السبب فى هدايتهم و نجاتهم فينبغي بل يجب على العبد إتباعه ~~و الإقتداء به و أن يمتثل ما أمره به و يكثر من العمل الصالح صوما و صلاة و ~~صدقة و طهارة ليكون له مثل أجره فإنه إذا فعل المحظورات فات الرسول مثل أجر ~~ما فرط فيه من الخير فإن فعل المحظور مع ترك المأمور قوي وزره و صعبت نجاته ~~لإرتكابه المحظور و تركه المأمور و إن فعل المأمور و ارتكب المحظور دخل ~~فيمن يشفع PageV16P530 فيه الرسول صلى الله عليه و سلم لكونه ناله مثل أجر ~~ما فعله من المأمور و إلى الله إياب الخلق و عليه حسابهم و هو أعلم بحالهم ~~أي بأحوال عباده فإن شفاعته لأهل الكبائر من أمته و المحسن إنما أحسن ~~بتوفيق الله له و المسىءلا حجة له و لا عذر # و المقصود أن الكوثر نهر في الجنة و هو من الخير الكثير الذي أعطاه الله ~~رسوله صلى الله عليه و سلم فى الدنيا و الآخرة و هذا غير ما يعطيه الله من ~~الأجر الذي هو مثل أجور أمته إلى يوم القيامة فكل من قرأ و علم أو عمل ~~صالحا أو علم غيره أو تصدق أو حج أو جاهد أو رابط أو تاب أو صبر أو توكل أو ~~نال مقاما من المقامات القلبية من خشية و خوف و معرفة و غير ذلك فله مثل ~~أجره من غير أن ينقص من أجر ذلك العامل و الله أعلم # و قوله ( فصل لربك و انحر ( أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين ~~العظيمتين و هما الصلاة و النسك الدالتان على القرب و التواضع و الإفتقار و ms1448 ~~حسن الظن و قوة اليقين و طمأنينة القلب إلى الله و إلى عدته و أمره و فضله ~~و خلفه عكس حال أهل الكبر و النفرة و أهل الغنى عن الله الذين لا حاجة فى ~~صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها و الذين لا ينحرون له خوفا من الفقر و تركا ~~لإعانة الفقراء و إعطائهم و سوء الظن منهم بربهم و لهذا جمع الله بينهما في ~~قوله تعالى ( قل PageV16P531 إن صلاتى و نسكي و محياي و مماتي لله رب ~~العالمين ( و النسك هي الذبيحة إبتغاء و جهه # والمقصود أن الصلاة و النسك هما أجل ما يتقرب به إلى الله فإنه أتى فيهما ~~بالفاء الدالة على السبب لأن فعل ذلك و هو الصلاة و النحر سبب للقيام بشكر ~~ما أعطاه الله إياه من الكوثر و الخير الكثير فشكر المنعم عليه و عبادته ~~أعظمها هاتان العبادتان بل الصلاة نهاية العبادات و غاية الغايات كأنه يقول ~~( إنا أعطيناك الكوثر ( الخير الكثير و أنعمنا عليك بذلك لأجل قيامك لنا ~~بهاتين العبادتين شكرا لإنعامنا عليك و هما السبب لأنعامنا عليك بذلك فقم ~~لنا بهما فإن الصلاة و النحر محفوفان بإنعام قبلهما و إنعام بعدهما و أجل ~~العبادات المالية النحر و أجل العبادات البدنية الصلاة و ما يجتمع للعبد فى ~~الصلاة لا يجتمع له فى غيرها من سائر العبادات كما عرفه أرباب القلوب الحية ~~و أصحاب الهمم العالية و ما يجتمع له فى نحره من إيثار الله و حسن الظن به ~~و قوة اليقين و الوثوق بما فى يد الله امر عجيب إذا قارن ذلك الإيمان و ~~الإخلاص و قد إمتثل النبى صلى الله عليه و سلم أمر ربه فكان كثير الصلاة ~~لربه كثير النحر حتى نحر بيده فى حجة الوداع ثلاثا و ستين بدنة و كان ينحر ~~فى الأعياد و غيرها PageV16P532 # وفى قوله ( إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك و انحر ( إشارة إلى أنك لا تتأسف ~~على شيء من الدنيا كما ذكر ذلك في آخر ( طه ( والحجر ( و ms1449 غيرهما و فيها ~~الإشارة إلى ترك الإلتفات إلى الناس و ما ينالك منهم بل صل لربك و انحر و ~~فيها التعريض بحال الأبتر الشانىء الذي صلاته و نسكه لغير الله # و في قوله ( إن شانئك هو الأبتر ( أنواع من التأكيد ( أحدها ( تصدير ~~الجملة بأن ( الثاني ( الإتيان بضمير الفصل الدال على قوة الإسناد و ~~الإختصاص ( الثالث ( مجيء الخبر على أفعل التفضيل دون إسم المفعول ( الرابع ~~( تعريفه باللام الدالة على حصول هذا الموصوف له بتمامه و أنه أحق به من ~~غيره و نظير هذا فى التأكيد قوله ( لا تخف إنك أنت الأعلى ( # و من فوائدها اللطيفة الإلتفات فى قوله ( فصل لربك و انحر ( الدالة على ~~أن ربك مستحق لذلك و أنت جدير بأن تعبده و تنحر له و الله أعلم # سورة الكافرون قال الشيخ رحمه الله PageV16P533 $ فصل في سورة قل يا أيها ~~الكافرون # للناس فى و جه تكرير البراءة من الجانبين طرق حيث قال ( لا أعبد ما ~~تعبدون و لا أنتم عابدون ما أعبد ( ثم قال ( و لا أنا عابد ما عبدتم و لا ~~أنتم عابدون ما أعبد ( منها قولان مشهوران ذكرهما كثير من المفسرين هل كرر ~~الكلام للتوكيد أو لنفى الحال و الإستقبال # قال أبو الفرج فى تكرار الكلام قولان ( أحدهما ( أنه لتأكيد الأمر و حسم ~~أطماعهم فيه قاله الفراء و قد أفعمنا هذا فى سورة الرحمن قال ابن قتيبة ~~التكرير فى سورة الرحمن للتوكيد قال و هذه مذاهب العرب أن التكرير للتوكيد ~~و الإفهام كما أن مذاهبهم الإختصار للتخفيف PageV16P534 و الإيجاز لأن ~~إفتنان المتعلم و الخطيب فى الفنون أحسن من إقتصاده فى المقام على فن و أحد ~~يقول القائل و الله لا أفعله ثم و الله لا أفعله إذا أراد التوكيد و حسم ~~الأطماع من أن يفعله كما يقول و الله أفعله بإضمار ( لا ( إذا أراد ~~الإختصار ويقول للمرسل المستعجل أعجل أعجل و الرامي إرم إرم قال الشاعر % ~~كم نعمة كانت لكم و كم و كم % # | وقال الآخر % هل سألت ms1450 جموع كندة % يوم و لوا أين أينا % # وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها و استوحشوا من إعادتها ثانية لأنها ~~كلمة و احدة فغيروا منها حرفا # قال ابن قتيبة فلما عدد الله فى هذه السورة إنعامه و ذكر عباده آلاءه و ~~نبههم على قدرته جعل كل كلمة فاصلة بين نعمتين لتفهيمهم النعم و تقريرهم ~~بها كقولك للرجل ألم أنزلك منزلا و كنت طريدا أفتنكر هذ ألم أحج بك و كنت ~~صرورا أفتنكر هذا # قلت قال ابن قتيبة تكرار الكلام فى ( قل يا أيها الكافرون ( PageV16P535 ~~لتكرار الوقت و ذلك أنهم قالوا إن سرك أن ندخل فى دينك عاما فادخل فى ديننا ~~عاما فنزلت هذه السورة # قلت هذا الكلام الذي ذكره بإعادة اللفظ و إن كان كلام العرب و غير العرب ~~فإن جميع الأمم يؤكدون إما فى الطلب و إما في الخبر بتكرار الكلام و منه ~~قول النبى صلى الله عليه و سلم ( و الله لأغزون قريشا ثم و الله لأغزون ~~قريشا ثم و الله لأغزون قريشا ثم قال إن شاء الله ثم لم يغزهم ( # و روى عنه أنه فى غزوة تبوك كان يقود به حذيفة و يسوق به عمار فخرج بضعة ~~عشر رجلا حتى صعدوا العقبة ركبانا متلثمين و كانوا قد أرادوا الفتك برسول ~~الله صلى الله عليه و سلم فقال لحذيفة قد قد و لعمار سق سق # فهذا أكثر لكن ليس فى القرآن من هذا شيء فإن القرآن له شأن إختص به لا ~~يشبهه كلام البشر لا كلام نبى و لا غيره و إن كان نزل بلغة العرب فلا يقدر ~~مخلوق أن يأتى بسورة و لا ببعض سورة مثله # فليس فى القرآن تكرار للفظ بعينه عقب الأول قط و إنما فى PageV16P536 ~~سورة الرحمن خطابه بذلك بعد كل آية لم يذكر متواليا و هذا النمط أرفع من ~~الأول # وكذلك قصص القرآن ليس فيها تكرارا كما ظنه بعضهم # و ( قل يا أيها الكافرون ( ليس فيها لفظ تكرار إلا قوله ( و لا أنتم ~~عابدون ما ms1451 أعبد ( و هو مع الفصل بينهما بجملة # و قد شبهوا ما في سورة الرحمن بقول القائل لمن أحسن إليه و تابع عليه ~~بالأيادي و هو ينكرها و يكفرها ألم تك فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ألم تك ~~عريانا فكسوتك أفتنكر هذا ألم تك خاملا فعرفتك و نحو ذلك و هذا أقرب من ~~التكرار المتوالي كما في اليمين المكررة # و كذلك ما يقوله بعضهم إنه قد يعطف الشيء لمجرد تغاير اللفظ كقوله % ~~فألفى قولها كذبا و مينا % $ فليس فى القرآن من هذا شيء و لا يذكر فيه لفظ ~~زائدا إلا لمعنى زائد و إن كان فى ضمن ذلك التوكيد و ما يجيء من زيادة ~~اللفظ في مثل قوله ( فبما رحمة من الله لنت لهم ( و قوله ( عما قليل ليصبحن ~~نادمين ( و قوله ( قليلا ما تذكرون ( فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه ~~فزيادة اللفظ لزيادة المعنى و قوة اللفظ لقوة المعنى و الضم أقوى ~~PageV16P537 من الكسر و الكسر أقوى من الفتح و لهذا يقطع على الضم لما هو ~~أقوى مثل ( الكره ( و ( الكره ( فالكره هو الشيء المكروه كقوله ( كتب عليكم ~~القتال و هو كره لكم ( و الكره المصدر كقوله ( طوعا و كرها ( و الشيء الذي ~~فى نفسه مكروه أقوى من نفس كراهة الكاره # و كذلك ( الذبح ( و ( الذبح ( فالذبح المذبوح كقوله ( و فديناه بذبح عظيم ~~( و الذبح الفعل و الذبح مذبوح و هو جسد يذبح فهو أكمل من نفس الفعل # قال أبو الفرج و القول الثاني أن المعنى ( لا أعبد ما تعبدون ( فى حالي ~~هذه ( و لا أنتم ( فى حالكم هذه ( عابدون ما أعبد و لا أنا عابد ما عبدتم ( ~~في ما استقبل و كذلك ( أنتم ( فنفى عنهم في الحال و الإستقبال و هذا في قوم ~~بأعيانهم أعلمه الله أنهم لا يؤمنون كما ذكرناه عن مقاتل فلا يكون حينئذ ~~تكرار قال و هذا قول ثعلب و الزجاج # قلت قد ذكر القولين جماعة لكن منهم من جعل القول الأول قول أكثر أهل ~~المعاني ms1452 فقالوا و اللفظ للبغوي معنى الآية لا أعبد ما تعبدون فى الحال و لا ~~أنا عابد ما عبدتم فى الإستقبال PageV16P538 و لا أنتم عابدون ما أعبد فى ~~الإستقبال و هذا خطاب لمن سبق فى علم الله أنهم لا يؤمنون # قال و قال أكثر أهل المعاني نزل بلسان العرب على مجاري خطابهم و من ~~مذاهبهم التكرار إرادة للتوكيد و الإفهام كما أن من مذاهبهم الإختصار ~~للتخفيف و الإيجاز # قلت و من المفسرين من لم يذكر غير الثاني منهم المهدوي و إبن عطية قال ~~ابن عطية لما كان قوله ( لا أعبد ( محتملا أن يراد به الآن و يبقى المستأنف ~~منتظرا ما يكون فيه من عبادته جاء البيان بقوله ( و لا أنا عابد ما عبدتم ( ~~أي أبدا ما حييت ثم جاء قوله ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( الثاني حتما ~~عليهم أنهم لا يؤمنون أبدا كالذين كشف الغيب عنهم كما قيل لنوح ( إنه لن ~~يؤمن من قومك إلا من قد آمن أما إن هذا فخطاب لمعينين و قوم نوح قد عموا ~~بذلك # قال فهذا معنى الترديد الذي فى السورة و هو بارع الفصاحة و ليس هو بتكرار ~~فقط بل فيه ما ذكرته مع الإبلاغ و التوكيد و زيادة الأمر بيانا و تبريا ~~منهم # قلت هذا القول أجود من الذي قبله من جهة بيانهم لمعنى PageV16P539 زائد ~~على التكرير لكن فيه نقص من جهة أخرى و هو جعلهم هذا خطابا لمعينين فنقصوا ~~معنى السورة من هذا الوجه # وهذا غلط ن فإن قوله ( قل يا أيها الكافرون ( خطاب لكل كافر و كان يقرأ ~~بها فى المدينة بعد موت أولئك المعينين و يأمر بها و يقول هي براءة من ~~الشرك فلو كانت خطابا لأولئك المعينين أو لمن علم منهم أنه يموت كافرا لم ~~يخاطب بها من لم يعلم ذلك منه # و أيضا فأولئك المعينون إن صح أنه إنما خاطبهم فلم يكن إذ ذاك علم أنهم ~~يموتون على الكفر # و القول بأنه إنما خاطب بها معينين قول لم ms1453 يقله من يعتمد عليه و لكن قد ~~قال مقاتل بن سليمان إنها نزلت في أبي جهل و المستهزئين و لم يؤمن من الذين ~~نزلت فيهم أحد و نقل مقاتل و حده مما لا يعتمد عليه باتفاق أهل الحديث كنقل ~~الكلبى # و لهذا كان المصنفون فى التفسير من أهل النقل لا يذكرون عن و أحد منهما ~~شيئا كمحمد بن جرير و عبدالرحمن بن أبي حاتم و أبي بكر بن المنذر فضلا عن ~~مثل أحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه # و قد ذكر غيره هذا عن قريش مطلقا كما رواه عبد بن حميد PageV16P540 عن و ~~هب بن منبه قال قالت قريش للنبى صلى الله عليه و سلم إن سرك أن ندخل فى ~~دينك عاما و تدخل فى ديننا عاما فنزلت ( قل يا أيها الكافرون ( حتى ختمها و ~~عن ابن عباس قالت قريش يا محمد لو إستلمت آلهتنا لعبدنا لهك فنزلت السورة و ~~عن قتادة قال أمره الله أن ينادي الكفار فناداهم بقوله ( يا أيها ( # وروى ابن أبي حاتم عن و هب بن منبه قال كفار قريش فذكره و قال عكرمة برأه ~~الله بهذه السورة من عبدة جميع الأوثان و دين جميع الكفار و قال قتادة أمر ~~الله نبيه أن يتبرأ من المشركين فتبرأ منهم # و روى قتادة عن زرارة بن أوفى كانت تسمى ( المقشقشة ( يقال قشقش فلان إذا ~~برىء من مرضه فهي تبرىء صاحبها من الشرك # و بهذا نعتها النبى صلى الله عليه و سلم في الحديث المعروف فى المسند و ~~الترمذي من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه عن النبى ~~صلى الله عليه و سلم قال له ( مجىء ما جاء بك ( قال جئت يا رسول الله ~~لتعلمني شيئا أقوله عند منامي قال ( إذا أخذت مضجعك فاقرأ ( قل يا أيها ~~الكافرون ( ثم نم على PageV16P541 خاتمتها فإنها براءة من الشرك ( # رواه غير واحد عن أبى إسحاق و كان تارة يسنده و تارة يرسله رواه عنه زهير ~~و ms1454 إسرائيل مسندا و رواه عنه شعبة و لم يذكر عن أبيه و قال ( عن أبى إسحاق ~~عن رجل عن فروة بن نوفل ( و لم يقل ( عن أبيه ( قال الترمذي و حديث زهير ~~أشبه و أصح من حديث شعبة قال و قد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه فرواه ~~عبدالرحمن بن نوفل عن أبيه عن النبى صلى الله عليه و سلم و عبدالرحمن بن ~~نوفل هو أخو فروة بن نوفل # قلت و قد رواه عن أبى إسحاق إسماعيل بن أبى خالد قال جاء رجل من أشجع إلى ~~النبى صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله علمني كلاما أقوله عند منامي ~~قال ( إنك لنا ظئر إقرأ ( قل يا أيها الكافرون ) عند منامك فإنها براءة من ~~الشرك ) فقد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم واحد من المسلمين أن يقرأها ~~و أخبره أنها براءة من الشرك فلو كان الخطاب لمن يموت على الشرك كانت براءة ~~من دين اولئك فقط لم تكن براءة من الشرك الذي يسلم صاحبه فيما بعد و معلوم ~~أن المقصود منها أن تكون براءة من كل شرك إعتقادي و عملي PageV16P542 # وقوله ( لكم دينكم و لي دين ( خطاب لكل كافر و إن اسلم فيما بعد فدينه ~~قبل الإسلام له كان و المؤمنون بريئون منه و إن غفره الله له بالتوبة منه ~~كما قال لنبيه ( فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ( فإنه بريء من معاصي ~~أصحابه و إن تابوا منها و هذا كقوله ( و إن كذبوك فقل لي عملي و لكم عملكم ~~أنتم بريئون مما أعمل و أنا بريء مما تعملون ( # و روى ابن أبى حاتم حدثنا أبى ثنا محمد بن موسى الجرشي ثنا أبو خلف ~~عبدالله بن عيسى ثنا داود بن ابى هند عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا دعوا ~~رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل فيهم و ~~يزوجوه ما أراد من النساء و يطأوا عقبه أي ms1455 يسودوه فقالوا هذا لك عندنا يا ~~محمد و كف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة ~~و احدة و هي لك و لنا فيها صلاح قال ( ما هي ( قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات ~~و العزى و نعبد إلهك سنة قال ( حتى أنظر ما يأتيني من ربى ( فجاءه الوحي من ~~الله من اللوح المحفوظ ( قل يا أيها الكافرون ( إلى آخرها و أنزل الله عليه ~~( قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون و لقد أوحى إليك و إلى الذين ~~من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد و كن من ~~الشاكرين ( PageV16P543 # و قوله ( أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون ( خطاب لكل من عبد غير ~~الله و إن كان قد قدر له أن يتوب فيما بعد و كذلك كل مؤمن يخاطب بهذا من ~~عبد غير الله # و قوله فى هذا الحديث ( حتى أنظر ما يأتيني من ربى ( قد يقول هذا من يقصد ~~به دفع الظالمين بالتى هي أحسن ليجعل حجته أن الذي عليه طاعته قد منع من ~~ذلك فيؤخر الجواب حتى يستأمره و إن كان هو يعلم أن هذا القول الذي قالوه لا ~~سبيل إليه # و قد تخطب إلى الرجل إبنته فيقول حتى أشاور أمها و هو يريد أن لا يزوجها ~~بذلك و يعلم أن أمها لا تشير به و كذلك قد يقول النائب حتى أشاور السلطان # فليس فى مثل هذا الجواب تردد و لا تجويز منه أن الله يبيح له ذلك # و قد كان جماعة من قريش من الذين يأمرونه و أصحابه أن يعبدوا غير الله و ~~يقاتلونهم و يعادونهم عداوة عظيمة على ذلك ثم تابوا و أسلموا و قرأوا هذه ~~السورة # و من النقلة من يعين ناسا غير الذين عينهم غيره منهم من يذكر أبا جهل و ~~طائفة و منهم من يذكر عتبة بن ربيعة و طائفة و منهم من PageV16P544 يذكر ~~الوليد بن مغيرة و طائفة و منهم من يقول ms1456 طلبوا أن يعبدوا الله معه عاما و ~~يعبد آلهتهم معهم عاما و منهم من يقول طلبوا أن يستلم آلهتهم # و منهم من يقول طلبوا الإشتراك كما روى ابن أبى حاتم و غيره عن ابن إسحاق ~~قال حدثني سعيد بن ميناء مولى أبى البخترى قال لقى الوليد بن المغيرة و ~~العاص بن وائل و الأسود بن المطلب و أمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه و ~~سلم فقالوا هلم فلنعبد ما تعبد و تعبد ما نعبد و لنشترك نحن و أنت فى أمرنا ~~كله فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه و أخذنا بحظنا ~~منه وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك كنت قد شركتنا في أمرنا و أخذت ~~بحظك منه فأنزل الله السورة # و هذا منقول عن عبيد بن عمير و فيه أن القائل له عتبة و أمية # فهذه الروايات متطابقة على معنى و أحد و هو أنهم طلبوا منه أن يدخل فى ~~شيء من دينهم و يدخلوا في شيء من دينه ثم إن كانت كلها صحيحة فقد طلب منه ~~تارة هذا و تارة هذا و قوم هذا و قوم هذا # و على كل تقدير فالخطاب للمشركين كلهم من مضى و من يأتى إلى يوم القيامة ~~PageV16P545 # وقد أمره الله بالبراءة من كل معبود سواه و هذه ملة إبراهيم الخليل و هو ~~مبعوث بملته قال الله تعالى ( و إذ قال إبراهيم لأبيه و قومه إنني برآء مما ~~تعبدون إلا الذي فطرنى فإنه سيهدين و جعلها كلمة باقية فى عقبه ( # و قال الخليل أيضا ( يا قوم إنى برئ مما تشركون إنى و جهت و جهي للذي فطر ~~السموات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين ( و قال ( قد كانت لكم أسوة ~~حسنة فى إبراهيم و الذين معه إذ قالو لقومهم إنا برآء منكم و مما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم و بدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله و حده ms1457 ( # و قال لنبيه ( و إن كذبوك فقل لي عملي و لكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل ~~و أنا بريء مما تعملون ( فقد أمره الله أن يتبرا من عمل كل من كذبه و تبريه ~~هذا يتناول المشركين و أهل الكتاب وقد ذكر المهدوي هذا القول و ذكر معه ~~قولين آخرين فقال الألف و اللام ترجع إلى معهود و إن كانت للجنس حيث كانت ~~صفة لأن لامها مخاطبة لمن سبق فى علم الله أن يموت كافرا فهي من الخصوص ~~الذي جاء بلفظ العموم # و تكرير ما كرر فيها ليس بتكرير فى المعنى و لا في اللفظ سوى PageV16P546 ~~موضع و أحد منها فإنه تكرير في اللفظ دون المعنى بل معنى ( لا أعبد ما ~~تعبدون ( فى الحال ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( فى الحال ( و لا أنا عابد ~~ما عبدتم ( فى الإستقبال ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( فى الإستقبال # قال فقد اختلف اللفظ و المعنى فى قوله ( لا أعبد ( و ما بعده ( و لا أنا ~~( و تكرر ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( في اللفظ دون المعنى # قال و قيل إن معنى الأول و لا أنتم عابدون ما عبدت و معنى الثاني و لا ~~أنتم عابدون ما أعبد فعدل عن لفظ ( عبدت ( للإشعار بأن ما عبد في الماضي هو ~~الذي يعبد في المستقبل قد يقع أحدهما موقع الآخر و أكثر ما يأتي ذلك فى ~~إخبار الله تعالى # ويجوز أن تكون ( ما ( و الفعل مصدرا و قيل إن معنى الآيات و تقديرها قل ~~يا أيها الكافرون لا أعبد الأصنام الذي تعبدون و لا أنتم عابدون الذي أعبده ~~لا شراككم به و إتخاذكم معه الأصنام فإن زعمتم أنكم تعبدونه فأنتم كاذبون ~~لأنكم تعبدونه مشركين به فأنا لا أعبد ما عبدتم أي مثل عبادتكم فهو في ~~الثاني مصدر و كذلك ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( هو فى الثانى مصدر أيضا ~~معناه و لا أنتم عابدون مثل عبادتى التى هي توحيد PageV16P547 # قلت القول الثالث هو ms1458 في معنى الثانى لكن جعل قوله ( و لا أنتم عابدون ما ~~أعبد ( معنيين أحدهما بمعنى ( ما عبدت ( و الآخر بمعنى ( ما أعبد ( ليطابق ~~قوله لهم ( لا أعبد ما تعبدون ( و لا أنا عابد ما عبدتم ( # فلما تبرأ من أن يعبد في الحال و الإستقبال ما يعبدونه فى الماضي و الحال ~~كذلك برأهم من عبادة ما يعبد فى الحال و الإستقبال لكن العبارة عنهم و قعت ~~بلفظ الماضي قال هؤلاء و إنما لم يقل فى حقه ( ما عبدت ( للإشعار بأن ما ~~أعبده في الماضي هو الذي أعبده فى المستقبل # قلت أصحاب هذا القول أرادوا المطابقة كما تقدم # لكن إذا أريد بقوله ( ما عبدتم ( [ ما أريد ] بقوله ( ما أعبد ( فى أحد ~~الموضعين الماضي كان التقدير على ما ذكروه لا أنا عابد فى المستقبل ما ~~عبدتم فى الماضي فيكون قد نفى عن نفسه في المستقبل عبادة ما عبدوه فى ~~الماضي دون ما يعبدونه في المستقبل # و كذلك إذا قيل ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( أي في الماضي فسواء أريد ~~بما يعبدون الحال أو الإستقبال إنما نفى عبادة ما عبدوه فى الماضي و هذا ~~أنقص لمعنى الآية و كيف يتبرأ فى المستقبل من عبادة ما عبدوه فى الماضي فقط ~~و كذلك هم PageV16P548 # وإن قيل فى المستقبل قد يعبدون الله بالإنتقال عن الكفر فهو فى الحال و ~~الإستقبال لا يعبد ما عبدوه قيل فعلى هذا لا يقال لهؤلاء و لا أنتم عابدون ~~في المستقبل ما عبدت في الماضي بل قد يعبدون فى المستقببل إذا انتقلوا ربه ~~الذي عبده فيما مضى # و إن قيل قول هؤلاء هو القول الثاني لا أعبد فى الحال ما تعبدون فى الحال ~~و لا أعبد فى المستقبل ما تعبدون فى المستقبل قيل و لفظ الآية ( و لا أنا ~~عابد ما عبدتم ( ليس لفظها ( و لا أنا عابد ما تعبدون ( فقوله ( ما عبدتم ( ~~إن أريد به الماضى الذي أراده هؤلاء فسد المعنى و إن أريد به المستقبل بطل ~~ما ذكروه من ms1459 أن المضارع بمعنى الماضي فى قوله ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( ~~فإن الماضي هنا بمعنى المضارع فإذا كان المضارع مطابقا له بقي مضارعا لم ~~ينقل إلى الماضي فيكون عكس المقصود # و القول الرابع الذي ذكره قول من جعل ( ما ( مصدرية في الجملة الثانية ~~دون الأخرى و هذا أيضا ليس فى الكلام ما يدل على الفرق بينهما و إذا جعلت ~~فى الجمل كلها مصدرية كان أقرب إلى الصواب مع أن هذا المعنى الذي تدل عليه ~~( ما ( المصدرية حاصل بقوله ( ما ( فإنه لم يقل ( و لا أنتم عابدون من أعبد ~~( بل قال ( ما أعبد ( PageV16P549 # ولفظ ( ما ( يدل على الصفة بخلاف ( من ( فإنه يدل على العين كقوله ( ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء ( أي الطيب ( و السماء و ما بناها ( أي و ~~بانيها و نظيره قوله ( إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك و ~~إله آبائك ( و لم يقل ( من تعبدون من بعدي ( # و هذا نظير [ قوله ] ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( سواء فالمعنى لا أعبد ~~معبودكم و لا أنتم عابدون معبودي # فقوله ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( يتناول شركهم فإنه ليس بعبادة لله ~~فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه فإذا أشركوا به لم ~~يكونوا عابدين له و إن دعوه و صلوا له # و أيضا فما عبدوا ما يعبده و هو الموصوف بأنه معبود له على جهة الإختصاص ~~بل هذا يتناول عبادته وحده و يتناول الرب الذي أخبر به بما له من الأسماء و ~~الصفات فمن كذب به فى بعض ما أخبر به عنه فما عبد ما يعبده من كل و جه # و أيضا فالشرائع قد تتنوع فى العبادات فيكون المعبود واحدا و إن لم تكن ~~العبادة مثل العبادة و هؤلاء لا يتبرأ منهم فكل من عبد الله PageV16P550 ~~مخلصا له الدين فهو مسلم فى كل و قت و لكن عبادته لا تكون إلا بما شرعه فلو ~~قال لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون ms1460 عبادتي فقد يظن أنه تدخل فيه البراءة من كل ~~عبادة تخالف صورتها صورة عبادته و إنما البراءة من المعبود و عبادته $ فصل # إذا تبين هذا فنقول القرآن تنزيل من حكيم حميد و هو كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت # و لو أن رجلا من بني آدم له علم أو حكمة أو خطبة أو قصيدة أو مصنف فهذب ~~ألفاظ ذلك و أتى فيه بمثل هذا التغاير لعلم أنه قصد فى ذلك حكمة و أنه لم ~~يخالف بين الألفاظ مع إتحاد المعنى سدى فكيف بكلام رب العالمين و أحكم ~~الحاكمين لا سيما و قد قال فيه ( قل لئن إجتمعت الإنس و الجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( # فنقول الفعل المضارع هو في اللغة يتناول الزمن الدائم سوى الماضي فيعم ~~الحاضر و المستقبل كما قال سيبوية و بنوه لما مضى من PageV16P551 الزمان و ~~لما هو دائم لم ينقطع و لما لم يأت بمعنى الماضى و المضارع و فعل الأمر ~~فجعل المضارع لما هو من الزمان دائما لم ينقطع و قد يتناول الحاضر و ~~المستقبل # فقوله ( لا أعبد ( يتناول نفي عبادته لمعبودهم فى الزمان الحاضر و الزمان ~~المستقبل وقوله ( ما تعبدون ( يتناول ما يعبدونه في الحاضر والمستق كلاهما ~~مضارع # و قال في الجملة الثانية عن نفسه ( ولا أنا عابد ما عبدتم ( فلم يقل ( لا ~~أعبد ( بل قال ( و لا أنا عابد ( و لم يقل ( ما تعبدون ( بل قال ( ما عبدتم ~~( فاللفظ فى فعله و فعلهم مغاير للفظ فى الجملة الأولى # و النفى بهذه الجملة الثانية أعم من النفي بالأولى فإنه قال ( و لا أنا ~~عابد ما عبدتم ( بصيغة الماضى فهو يتناول ما عبدوه في الزمن الماضي لأن ~~المشركين يعبدون آلهة شتى و ليس معبودهم فى كل و قت هو المعبود في الوقت ~~الآخر كما أن كل طائفة لها معبود سوى معبود الطائفة الأخرى # فقوله ( و لا أنا عابد ما عبدتم ( براءة من كل ما عبدوه ms1461 فى الأزمنة ~~PageV16P552 الماضية كما تبرأ أولا مما عبدوه فى الحال و الإستقبال فتضمنت ~~الجملتان البراءة من كل ما يعبده المشركون و الكافرون فى كل زمان ماض و ~~حاضر و مستقبل و قوله أولا ( لا أعبد ما تعبدون ( لا يتناول هذا كله # و قوله ( و لا أنا عابد ( إسم فاعل قد عمل عمل الفعل ليس مضافا فهو ~~يتناول الحال و الإستقبال أيضا لكنه جملة إسمية و النفى بما بعد الفعل فيه ~~زيادة معنى كما تقول ما أفعل هذا و ما أنا بفاعله # و قولك ( ما هو بفاعل هذا أبدا ( أبلغ من قولك ( ما يفعله أبدا ( فإنه ~~نفى عن الذات صدور هذا الفعل عنها بخلاف قولك ( ما يفعل هذا ( فإنه لا ينفي ~~إمكانه و جوازه منه و لا يدل على أنه لا يصلح له و لا ينبغي له بخلاف قوله ~~( ما هو فاعلا و ما هو بفاعل ( كما فى قوله ( فما الذين فضلوا برادي رزقهم ~~على ما ملكت أيمانهم ( و قوله ( ما أنا بمصرخكم و ما أنتم بمصرخي ( و قوله ~~( و ما الله بغافل عما تعملون ( و ما أنت بهادي العمي ( و ما أنت بمسمع من ~~فى القبور ( و ما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ( # و لا يقال الجملة الإسمية ترك الثبوت و نفى ذلك لا يقتضي نفي PageV16P553 ~~العارض فإن هذه الجملة فى معنى الفعلية نفي لكونها عملت عمل الفعل لكنها ~~دلت على إتصاف الذات بهذا فنفت عن الذات أن يعرض لها هذا الفعل تنزيها ~~للذات و نفيا لقبولها لذلك فالأول نفي الفعل في الماضي و المستقبل و الثاني ~~نفى قبوله فى الماضي مع الحاضر و المستقبل # فقوله ( و لا أنا عابد ما عبدتم ( أي نفسي لا تقبل و لا يصلح لها أن تعبد ~~ما عبدتموه قط و لو كنتم عبدتموه فى الماضي فقط فأي معبود عبدتموه في و قت ~~فأنا لا أقبل أن أعبده فى و قت من الأوقات # ففي هذا من عموم عبادتهم فى الماضي و المستقبل ms1462 و من قوة براءته و إمتناعه ~~و عدم قبوله لهذه العبادة فى جميع الأزمان ما ليس فى الجملة الأولى تلك ~~تضمنت نفي الفعل فى الزمان غير الماضي و هذه تضمنت نفي إمكانه و قبوله لما ~~كان معبودا لهم و لو فى بعض الزمان الماضي فقط و التقدير ما عبدتموه و لو ~~فى بعض الأزمان الماضية فأنا لا يمكنني و لا يسوغ لى أن أعبده أبدا # و لكن لم ينف إلا ما يكون منه فى الحاضر و المستقبل لأن المقصود براءته ~~هو فى الحال و الإستقبال و هذه السورة يؤمر بها كل مسلم و إن كان قد أشرك ~~بالله قبل قراءتها PageV16P554 فهو يتبرأ فى الحاضر و المستقبل مما يعبده ~~المشركون فى أي زمان كان و ينفى جواز عبادته لمعبودهم و يبين أن مثل هذا لا ~~يكون و لا يصلح و لا يسوغ فهو ينفى جوازه شرعا و وقوعا فإن مثل هذا الكلام ~~لا يقال إلا فيما يستقبح من الأفعال كمن دعي إلى ظلم أو فاحشة فقال ( أنا ~~أفعل هذا ما أنا بفاعل هذا أبدا ( فهو أبلغ من قوله ( لا أفعله أبدا ( و ~~هذا كقوله ( و وما أنت بتابع قبلتهم و ما بعضهم بتابع قبلة بعض ( # فهو يتضمن نفى الفعل بغضا فيه و كراهة له بخلاف قوله ( لا أفعل ( فقد ~~يتركه الإنسان و هو يحبه لغرض آخر فإذا قال ( ما أنا عابد ما عبدتم ( دل ~~على البغض و الكراهة و المقت لمعبودهم و لعبادتهم إياه و هذه هى البراءة # و لهذا تستعمل فى ضد الولاية فيقال تول فلانا و تبرأ من فلان كما قال ~~تعالى ( إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم و مما تعبدون من دون الله ( الآية # و أما قوله عن الكفار ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( فهو خطاب لجنس الكفار ~~و إن أسلموا فيما بعد فهو خطاب لهم ما داوموا كفارا فإذا أسلموا لم ~~يتناولهم ذلك فإنه حينئذ مؤمنون لا كافرون PageV16P555 و إن كانوا منافقين ~~فهم كافرون فى الباطن ms1463 فيتناولهم الخطاب # و هذا كما يقال قل يا أيها المحاربون و المخاصمون و المقاتلون و المعادون ~~فهو خطاب لهم ما داموا متصفين بهذه الصفة # و ما دام الكافر كافرا فإنه لا يعبد الله و إنما يعبد الشيطان سواء كان ~~متظاهرا أو غير متظاهر به كاليهود # فإن اليهود لا يعبدون الله و إنما يعبدون الشيطان لأن عبادة الله إنما ~~تكون بما شرع و أمر و هم و إن زعموا أنهم يعبدونه فتلك الأعمال المبدلة و ~~المنهى عنها هو يكرهها و يبغضها و ينهى عنها فليست عبادة # فكل كافر بمحمد لا يعبد ما يعبده محمد ما دام كافرا و الفعل المضارع ~~يتناول ما هو دائم لا ينقطع فهو ما دام كافرا لا يعبد معبود محمد صلى الله ~~عليه و سلم لا في الحاضر و لا فى المستقبل # ولم يقل عنهم ( و لا تعبدون ما أعبد ( بل ذكر الجملة الإسمية ليبين أن ~~نفس نفوسكم الخبيثة الكافرة بريئة من عبادة إله محمد لا يمكن أن تعبده ما ~~دامت كافرة إذ لا تكون عابدته إلا بان تعبده PageV16P556 وحده بما أمر به ~~على لسان محمد و من كان كافرا بمحمد لا يكون عمله عبادة لله قط # وتبرئتهم من عبادة الله جاءت بلفظ و أحد بجملة إسمية تقتضي براءة ذواتهم ~~من عبادة الله لم تقتصر على نفي الفعل # و لم يحتج أن يقول فيهم ( و لا أنتم عابدون ما عبدت ( كما قال فى نفسه ( ~~و لا أنا عابد ما عبدتم ( لوجهين # ( أحدهما ( أن كل مؤمن فهو مأمور بقراءة هذه السورة و منهم من كان معبوده ~~غير الله فلو قال ( و لا أنتم عابدون ما عبدت ( لقالوا بل نحن نعبد ما كنت ~~تعبد لما كنت مشركا بخلاف ما إذا قال ( و لا أنتم عابدون ما أعبده فى هذا ~~الوقت ( و لم يقل ( ما أنا عابد له ( إذ نفسه قد لا تكون عابدة له مطلقا و ~~قد يجوز أن يعبد الواحد من الناس غير الله فى المستقبل فلا يكون ms1464 من لم يعبد ~~ما يعبده فى المستقبل مذموما بخلاف المؤمن الذي يخاطب بهذه السورة غيره ~~فإنه حين يقولها ما يعبد إلا الله فهو يقول للكفار ( و لا أنتم عابدون ما ~~أعبده الآن ( و ذكر النفي عن الكفار فى الجملتين لتقارب كل جملة جملة فلما ~~قال ( لا أعبد ما تعبدون ( فنفى الفعل قال ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( ~~PageV16P557 # ثم لما زاد النفى بنفى جواز ذلك و براءة النفس منه ذكر ما يدل على كراهته ~~له و قبحه و نفى أن يعبد شيئا مما عبدوه و لو فى بعض الزمان قال ( و لا ~~أنتم عابدون ما أعبد ( بل أنتم بريئون من عبادة ما أعبده فليس لبراءتى و ~~كمال براءتى و بعدي من معبودكم و كمال قربى إلى الله فى عبادتى له وحده لا ~~شريك له يكون لكم نصيب من هذه العبادة بل أنتم أيضا فى هذه الحال لا تعبدون ~~ما أعبد لا فى الحال الأولى و لا في الثانية # و لو إقتصر فى تبريهم من عبادة الله على الجملة الأولى لم يكن فيها تبرئة ~~لهم فى هذه الحال الثانية فبرأهم من معبوده حين البراءة الأولى الخاصة و ~~حين البراءة الثانية العامة القاطعة # و هم لم يختلف حالهم فى الحالين بل هم فيهما لا يعبدون ما يعبد فلم يكن ~~فى تغيير العبارة فائدة و إنما غيرت العبارة فى حقه و حق المؤمنين لتغيير ~~المعنيين و الإنسان يقوى يقينه و إخلاصه و توحيده و براءته من الشرك و أهله ~~و بغضه لما يعبدون و لعبادتهم فرفع درجته فى ذلك و هو فى ذلك يقول للكفار ( ~~لا تعبدون ما أعبد ( في هذه الحال سواء كانوا هم قد زاد كفرهم و بغضهم له ~~أو لم يزد PageV16P558 # فالمقصود بالسورة أن المؤمن يتبرأ منهم و يخبرهم أنهم برآء منه و تبريه ~~منهم إنشاء ينشئه كما ينشيء المتكلم بالشهادتين و هذا يزيد و ينقص و يقوى و ~~يضعف # و أما هم فهو يخبر ببراءتهم منه فى هذه الحال ms1465 لا ينشيء شيئا لم يكن فيهم ~~فخطاب المؤمن عن حالهم خبر عن حالهم و الخبر مطابق للمخبر عنه فلم يتغير ~~لفظ خبره عنهم إذا كانوا فى كل و قت من أوقات عبادته لله لا يعبدون ما يعبد ~~فهذا اللفظ الخبري مطابق لحالهم في جميع الأقات زادوا أو نقصوا # و لا يجوز للمؤمن أن ينشيء زيادة فى كفرهم فإن ذلك محرم بل هو مأمور ~~بدعائهم إلى الإيمان و ليس له أن ينقصهم فى خبره عما هم متصفون به فلم يكن ~~فى الإخبار عن حالهم زيادة فيما هم عليه و لا نقص فلم يغير لفظ الخبر فى ~~الحالين بلفظ واحد و أما المؤمن نفسه فهو مأمور بأن ينشيء قوة الإخلاص لله ~~وحده و عبادته وحده و البراءة من كل معبود سواه و عبادته و براءته منه و من ~~عابديه وقوله ( لا أعبد ما تعبدون ( وإن كان لفظها خبرا ففيها معنى الإنشاء ~~كسائر ألفاظ الإنشاءات كقله ( أشهد أن لا إله إلا الله ( قوله ( إنني براء ~~مما تعبدون إلا الذي فطرني ( و قوله ( إني بريء مما تشركون ( فكل هذه ~~الأقوال فيها معنى الإنشاء لها ينشئه المؤمن فى PageV16P559 نفسه من زيادة ~~البراءة من الشرك و هي المقشقشة التى تقشقش من الشرك كما يقشقش المريض من ~~المرض فإن الشرك و الكفر أعظم أمراض القلوب فأمر المؤمن بقول يوجب فى قلبه ~~من البراءة من الشرك ما لم يكن فى قلبه قبل ذلك و كلما قاله إزداد براءة من ~~الشرك و قلبه شفاء من المرض و إن كان الكفرة المخاطبون لا يزدادون بالأخبار ~~عنهم إلا كفرا فالجمل الخبرية تطابق المخبر عنه و الإنشاء يوجب إحداث ما لم ~~يكن فقيل ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ( أي أنا ممتنع من هذا ~~تارك له ثم قال ( و لا أنا عابد ما عبدتم ( أي أنا برىء من هذا متنزه عنه ~~مزك لنفسي منه فإن الشرك اعظم ما تنجس به النفس و أعظم تزكية النفس و ~~تطهيرها تزكيتها منه و ms1466 تطهيرها منه فما أنا عابد قط ما عبدتم فى و قت من ~~الأوقات # وأنتم مع ذلك ما أنتم عابدون ما أعبد بل أنتم بريئون مما أعبد و أنا برىء ~~مما تعبدون مأمور بالبراءة منه و طالب زيادة البراءة منه و مجتهد فى ذلك # و أنا أخبر عنكم بأنكم بريئون مما أعبد إما لكونكم تأمرون بذلك و إما ~~لكونكم تعبدونه فلا أخبر به فإنه كذب وإما لكونكم تجتهدون فى البراءة و ~~تبالغون فيها فبها تختلف فيه أحوالكم PageV16P560 و أنا لا يسوغ لي أن أذكر ~~ما يزيل براءتكم و لا أكذب عليكم فإنكم تنقصون منها إذا تبرأت بل التبري ~~منها داع و باعث لمن له عقل أن ينظر في سبب هذه البراءة لا سيما فى حق ~~الرسول الذي خوطب أولا بقوله ( قل ( # فلينظر العاقل فى سبب براءتى من الشرك و ما أنتم عليه و إختيارى به ~~عداوتكم و الصبر على أذاكم و احتمالي هذه المكاره العظيمة بعد ما كنتم ~~تعظمونى غاية التعظيم و تصفونى بالأمانة و تسموني ( الأمين ( و تفضلونى على ~~غيري و نسبي فيكم أفضل نسب و تعرفون ما جعل الله في من العقل و المعرفة و ~~مكارم الأخلاق و حسن المقاصد و طلب العدل و الإحسان و أني لا أختار لأحد ~~منكم سوءا و لا أريد أن أصيب أحدا بشر فإختياري للبراءة مما تعبدون و ~~إظهاري لسبهم و شتمهم أهو سدى ليس له موجب أوجبه فانظروا فى ذلك ففي السورة ~~دعاء و بعث للكفار إلى طلب الحق و معرفته مع ما فيها من كمال البراءة منهم # و معانيها كثيرة شريفة يطول وصفها # و قوله ( قل يا أيها الكافرون ( يتناول كل كافر فهو لا يعبد ما يعبده أحد ~~من الكفار و لا مشركي العرب و لا غيرهم من المشركين PageV16P561 و الكفار ~~أهل الكتاب لا اليهود لا النصارى و لا غيرهم من أصناف الكفار و ذلك أنه قال ~~( لا أعبد ما تعبدون ( فذكر لفظ ( ما ( و لم يقل ( من تعبدون ( و ( ما ms1467 ( ~~تدل على الصفة كما تقدم وما ذكره المهدوي و غيره من أنه قال ( ما أعبد ( و ~~لم يقل ( من أعبد ( يقابل به ( و لا أنا عابد [ ما عبدتم ] ( الذي يراد به ~~الأصنام فضعيف جدا يغير اللغة و يخص عموم القرآن و هوعموم مقصود و يزيل ~~المعنى الذي به تعلقت هذه البراءة # فإن ( ما ( فى اللغة إما لما لا يعلم و لصفات ما يعلم كما في قوله ( ~~فانكحوا ما طاب ( وما سواها ( و ما خلق الذكر و الأنثى ( و فى التسبيح ~~المأثور أنه يقال عند سماع الرعد ( سبحان ما سبحت له ( و مثله كثير فقوله ( ~~و لا أنتم عابدون ما أعبد ( جار على أصل اللغة # و أيضا فقوله ( لا أعبد ما تعبدون ( خطاب للكفار مطلقا فهو لا يعبد ~~الملائكة و لا غير ذلك مما عبد من دون الله و إن كان ما عبد أهل العلم و ~~العقل فعبر عن ذواتهم ب ( من ( فتخصيص البراءة من الشرك بشرك مشركي العرب ~~غلط عظيم و إنما هي براءة من كل شرك # وكون الرب يتصف بما تتصف به الأصنام من عدم العلم مالا PageV16P562 يجوز ~~عليه و لا تصح المقابلة فى مثل ذلك بل المقصود ذكر الصفات و الإخبار بمعبود ~~الرسول و المؤمنين ليتبرأ من معبودهم و يبرئهم من معبوده # وإذا قال اليهود نحن نقصد عبادة الله كانوا كاذبين سواء عرفوا أنهم ~~كاذبون أو لم يعرفوا كما يقول النصارى إنا نعبد الله و حده و ما نحن ~~بمشركين و هم كاذبون لأنهم لو أرادوا عبادته لعبدوه بما أمر به و هو الشرع ~~لا بالمنسوخ المبدل # و أيضا فالرب الذي يزعمون أنهم يقصدون عبادته هو عندهم رب لم ينزل ~~الإنجيل و لا القرآن و لا أرسل المسيح و لا محمدا بل هو عند بعضهم فقير و ~~عند بعضهم بخيل و عند بعضهم عاجز و عند بعضهم لا يقدر أن يغير ما شرعه و ~~عند جميعهم أنه أيد الكاذبين المفترين عليه الذين يزعمون أنهم رسله و ليسوا ~~رسله ms1468 بل هم كاذبون سحرة قد أيدهم و نصرهم و نصر أتباعهم على أوليائه ~~المؤمنين لأنهم عند أنفسهم أولياؤه دون الناس فالرب الذي يعبدونه هو دائما ~~ينصر أعداءه # فهم يعبدون هذا الرب والرسول المؤمنون لا يعبدون هذا المعبود الذي تعبده ~~اليهود فهو منزه عما و صفت به اليهود معبودها PageV16P563 من جهة كونه ~~معبودا لهم منزه عن هذه الإضافة فليس هو معبودا لليهود و إنما فى جبلاتهم ~~صفات ليست هي صفاته زينها لهم الشيطان فهم يقصدون عبادة المتصف بتلك الصفات ~~و إنما هو الشيطان # فالرسول و المؤمنون لا يعبدون شيئا تعبده اليهود و إن كانوا يعبدون من ~~يعبدونه و هذا مما يظهر فائدة ما ذكرنا وعلى هذا فقوله ( لكم دينكم و لي ~~دين ( خطاب لجميع الكفار كما دلت عليه الآية و بهذا يظهر خطأ من قال إنه ~~خطاب للمشركين و النصارى دون اليهود كما فى قول ابن زيد ( لكم دينكم و لي ~~دين ( قال للمشركين و النصارى و اليهود لا يعبدون إلا الله و لا يشركون إلا ~~أنهم يكفرون ببعض الأنبياء بما جاؤا به من عند الله و يكفرون برسول الله ~~صلى الله عليه و سلم و بما جاء به و قتلوا طوائف الأنبياء ظلما و عدوانا ~~قال إلا العصابة التى تقول حيث خرج بخت نصر و قيل من سموا عزيرا ( ابن الله ~~( و لم يعبدوه و لم يفعلوا كما فعلت النصارى قالت المسيح ابن الله و عبدته # فهذا الذي ذكره من أن اليهود لا تشرك كما أشركت العرب و النصاري صحيح ~~لكنهم مع هذا لا يعبدون الله بل يستكبرون عن عبادته و يعبدون الشيطان لا ~~يعبدون الله و من قال إن اليهود PageV16P564 تعبد الله فقد غلط غلطا قبيحا ~~فكل من عبد الله كان سعيدا من أهل الجنة و كان من عباد الله الصالحين قال ~~تعالى ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ~~و أن اعبدوني هذا صراط مستقيم ( # و فى الصحيحين أن النبى صلى ms1469 الله عليه و سلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه ~~إلى اليمن ( إنك تأتى قوما هم أهل كتاب فأول ما ندعوهم إليه شهادة أن لا ~~إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و فى رواية ( فإدعهم إلى عبادة الله ~~فإذا عرفوا الله فأعلمهم ( # فلا يعبد إلا الله بعد أن أرسل محمدا و عرفت رسالته و بلغت و لهذا إتفق ~~العلماء على أن أعمالهم حابطة و لو عبدوا الله لم تحبط أعمالهم فإن الله لا ~~يظلم أحدا # و قبل إرسال محمد إنما كان يعبد الله من عبده بما أمر به فأما من ترك ~~عبادته بما أمر به و اتبع هواه فهو لا يعبد الله إنما يعبد الشيطان و يعبد ~~الطاغوت و قد أخبر الله عن اليهود بأنهم عبدوا الطاغوت و أنه لعنهم و غضب ~~عليهم و جعل منهم القردة و الخنازير و عبد الطاغوت # و هو إسم جنس يدخل فيه الشيطان و الوثن و الكهان PageV16P565 و الدرهم و ~~الدينار و غير ذلك و قال تعالى ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت و الطاغوت ( و قال ( نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله و رواء ظهورهم كأنهم لا يعلمون و اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان و ما كفر سليمان ( الآية # وهم أشد عداوة للمؤمنين من النصارى و كفرهم أغلظ و هم مغضوب عليهم و لهذا ~~قيل إنهم تحت النصارى فى النار و اليهود إن لم يعبدوا المسيح فقد افتروا ~~عليه و على أمه بما هو أعظم من كفر النصارى و لهذا جعل الله النصارى فوقهم ~~إلى يوم القيامة # فالنصارى مشركون يعبدون الله و يشركون به و أما اليهود فلا يعبدون الله ~~بل هم معطلون لعبادته مستكبرون عنها كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ~~إستكبروا ففريقا كذبوا و فريقا يقتلون بل هم متبعون أهواءهم عابدون للشيطان # فالنبى و المؤمنون لا يعبدون ما تعبده اليهود و هم و إن وصفوا الله ببعض ~~ما يستحقه فهم ms1470 يصفونه بما هو منزه عنه و ليس فى قلوبهم عبادة له وحده فإن ~~ذلك لا يكون إلا لمن عبده بما أمره به # و السورة لم يقل فيها ( يا أيها المشركون ( حتى يقال فيها إنها ~~PageV16P566 إنما تناولت من أشرك بل قال ( يا أيها الكافرون ( فتناولت كل ~~كافر سواء كان ممن يظهر الشرك أو كان فيه تعطيل لما يستحقه الله و إستكبار ~~عن عبادته و التعطيل شر من الشرك و كل معطل فلابد أن يكون مشركا # و النصارى مع شركهم لهم عبادات كثيرة و اليهود من أقل الأمم عبادة و ~~أبعدهم عن العبادة لله و حده لكن قد يعرفون ما لا تعرفه النصارى لكن بلا ~~عبادة و عمل بالعلم فهم مغضوب عليهم و أولئك ضالون و كلاهما قد برأ الله ~~منهم و رسوله و المؤمنين # و في هذه الأمة من يعرف ما لا تعرفه اليهود و النصارى بلا عمل بالعلم ~~ففيهم شبه كما قال سفيان بن عيينة من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ~~و من فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى بل قد قال أبو هريرة ما أقرب ~~الليلة من البارحة أنتم أشبه الناس ببنى إسرائيل بل فى الحديث الصحيح ( ~~لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه ( قالوا اليهود و النصارى قال ( فمن ( و فى رواية فارس و الروم قل ~~( و من الناس إلا أولئك ( و قال ( إفترقت اليهود على إحدى و سبعين فرقة و ~~افترقت PageV16P567 النصارى على ثنتين و سبعين فرقة و ستفترق هذه الأمة على ~~ثلاث و سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ( # و قد بسط هذا فى غير هذا الموضع و بين فيه حال الفرقة الناجية الذين هم ~~على مثل ما كان عليه النبى صلى الله عليه و سلم و أصحابه # و مما يوضح ما تقدم أن قوله ( لا أعبد ما تعبدون و لا أنتم عابدون ما ~~أعبد ( معناه المعبود و لكن هو لفظ ms1471 مطلق يتناول الواحد و الكثير و المذكر و ~~المؤنث فهو يتناول كل معبود لهم # و المعبود هو الإله فكأنه قال لا أعبد إلهكم و لا تعبدون إلهي كما ذكر ~~الله فى قصة يعقوب قال تعالى ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك و إله آبائك إبراهيم و إسماعيل و ~~إسحاق إلها و احدا و نحن له مسلمون ( و اسم الإله و المعبود يتضمن إضافة ~~إلى العابد و قال ( إله آبائك إبراهيم و إسماعيل و إسحاق ( هو الذي يعبده ~~هؤلاء صلوات الله و سلامه عليهم و يألهونه # و إنما يعبده من كان على ملتهم كما قال يوسف إني تركت ملة قوم لا يؤمنون ~~بالله و هم بالآخرة هم كافرون و اتبعت ملة آبائى إبراهيم PageV16P568 و ~~إسماعيل و إسحاق و يعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله ~~علينا و على الناس إلى قوله ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمون ( ~~فتبين أن ملة آبائه هي عبادة الله و هي ملة إبراهيم و قد قال تعالى ( و من ~~يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه إلى قوله فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون ~~( # وإذا كان كذلك فاليهود و النصارى ليسوا على ملة إبراهيم و إذا لم يكونوا ~~على ملته لم يكونوا يعبدون إله إبراهيم فإن من عبد إله إبراهيم كان على ~~ملته قال تعالى ( و قالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم ~~حنيفا و ما كان من المشركين إلى قوله و هو السميع العليم ( فقوله ( قل بل ~~ملة إبراهيم ( يبين أن ما عليه اليهود و النصارى ينافي ملة إبراهيم # و هذا بعد مبعث محمد مما لا ريب فيه فإنه هو الذي بعث بملة إبراهيم و ~~الطائفتان كانتا خارجتين عنها بما و قع منهم من التبديل قال تعالى ( إن ~~أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبى و الذين آمنوا ( و قال ms1472 ( قل ~~إنني هدانى ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ( الآية # و قال ( ثم أوحينا إليك أن إتبع ملة إبراهيم حنيفا ( # و قوله ( و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ( يبين PageV16P569 ~~أن كل من رغب عنها فقد سفه نفسه و فيه من جهة الإعراب و المعنى قولان ( ~~أحدهما ( و هو قول الفراء و غيره من نحاة الكوفة و إختيار ابن قتيبة و غيره ~~و هو معنى قول أكثر السلف أن النفس هي التى سفهت فإن ( سفه ( فعل لازم لا ~~يتعدى لكن المعنى إلا من كان سفيها فجعل الفعل له و نصب النفس على التمييز ~~لا النكرة كقوله ( و إشتعل الرأس شيبا ( # و أما الكوفيون فعرفوا هذا و هذا قال الفراء نصب النفس على التشبيه ~~بالتفسير كما يقال ضقت بالأمر ذرعا معناه ضاق ذرعى به و مثله ( و اشتعل ~~الرأس شيبا ( أي إشتعل الشيب فى الرأس قال و منه قوله ألم فلان رأسه و وجع ~~بطنه و رشد أمره ز و كان الأصل سفهت نفس زيد و رشد أمره فلما حول الفعل إلى ~~زيد إنتصب ما بعده على التمييز # فهذه شواهد عرفها الفراء من كلام العرب و مثله قوله غبن فلان رأيه و بطر ~~عيشه و مثل هذا قوله ( بطرت معيشتها ( أي بطرت نفس المعيشة و هذا معنى قول ~~يمان بن رباب حمق رأيه و نفسه و هو معنى قول ابن السائب ضل من قبل نفسه و ~~قول PageV16P570 أبى روق عجز رأيه عن نفسه # و البصريون لم يعرفوا ذلك فمنهم من قال جهل نفسه كما قاله ابن كيسان و ~~الزجاج قال لأن من عبد غير الله فقد جهل نفسه لأنه لم يعلم خالقها # و هذا الذي قالوه ضعيف فإنه إن قيل إن المعنى صحيح فهو إنما قال ( سفه ( ~~و ( سفه ( فعل لازم ليس بمتعد و ( جهل ( فعل متعد و ليس فى كلام العرب ( ~~سفهت كذا ( ألبتة بمعنى جهلته بل قالوا سفه بالضم سفاهة أي صار سفيها و ms1473 سفه ~~بالكسر أي حصل منه سفه كما قالوا في ( فقه و فقه ( و نقل بعضهم سفهت الشرب ~~إذا اكثرت منه و هو يوافق ما حكاه الفراء أي صار شربه سفيها فسفه شربه لما ~~جاوز الحد # و قال الأخفش و يونس نصب بإسقاط الخافض أي سفه فى نفسه و قولهم ( بإسقاط ~~الخافض ( ليس هو أصلا فيعتبر به و لكن قد تنزع حروف الجر فى مواضع مسموعة ~~فيتعدى الفعل بنفسه و إن كان مقيسا فى بعض الصور ف ( سفه ( ليس من هذا لا ~~يقال سفهت أمر الله و لا دين الإسلام بمعنى جهلته أي سفهت فيه و إنما يوصف ~~بالسفه و ينصب على التمييز ما خص به PageV16P571 مثل نفسه أو شربه و نحو ~~ذلك # والمقصود أن كل من رغب عن ملة إبراهيم فهو سفيه قال أبو العالية رغبت ~~اليهود و النصارى عن ملة إبراهيم و ابتدعوا اليهودية و النصرانية و ليست من ~~الله و تركوا دين إبراهيم و كذلك قال قتادة بدلوا دين الأنبياء و اتبعوا ~~المنسوخ فأما موسى و المسيح و من إتبعهما فهم على ملة إبراهيم متبعون له و ~~هو إمامهم و هذا معنى قوله ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين إتبعوه و هذا ~~النبى و الذين آمنوا ( فهو يتناول الذين إتبعوه قبل مبعث محمد و بعد مبعثه ~~و قيل إنه عام قال الحسن البصري كل مؤمن و لي إبراهيم ممن مضى و ممن بقى و ~~قال الربيع بن أنس هم المؤمنون الذين صدقوا نبى الله و إتبعوه و كان محمد و ~~الذين معه من المؤمنين أولى الناس بإبراهيم و هذا و غيره مما يبين أن ~~اليهود و النصارى لا يعبدون الله و ليسوا على ملة إبراهيم # فإن قيل فالمشرك يعبد الله و غيره بدليل قول الخليل ( أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم و آباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ( فقد إستثناه ~~مما يعبدون فدل على أنهم كانوا يعبدون الله و كذلك قوله ( إنني برآء مما ~~تعبدون إلا الذي فطرني ms1474 ( و إستثناه PageV16P572 أيضا و فى المسند و غيره ~~حديث حصين الخزاعى لما قال له النبى صلى الله عليه و سلم ( يا حصين كم تعبد ~~اليوم ( قال سبعة آلهة ستة في الأرض و واحد فى السماء قال ( فمن الذي تعد ~~لرغبتك و رهبتك ( قال الذي فى السماء # قيل هذا قول المشركين كما تقول اليهود و النصارى نحن نعبد الله فهم يظنون ~~أن عبادته مع الشرك به عبادة و هم كاذبون فى هذا # و أما قول الخليل ففيه قولان قال طائفة إنه إستثناء منقطع و قال ~~عبدالرحمن بن زيد كانوا يعبدون الله مع آلهتهم # و على هذا فهذا لفظ مقيد فإنه قال ( ما تعبدون ( فسماه عبادة إذا عرف ~~المراد لكن ليست هي العبادة التى هي عند الله عبادة فإنه كما قال تعالى ( ~~أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء و هو ~~كله للذي أشرك ( و هذا كقوله تعالى ( و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم ~~مشركون ( سماه إيمانا مع التقييد و إلا فالمشرك الذي جعل مع الله إلها آخر ~~لايدخل فى مسمى الإيمان عند الإطلاق و قد قال ( يؤمنون بالجبت و الطاغوت ( ~~فبشرهم بعذاب أليم ( فهذا مع التقييد و مع الإطلاق فالإيمان هو الإيمان ~~بالله و البشارة بالخير PageV16P573 # و قوله ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( نفي العبادة مطلقا ليس هو نفي لما ~~قد يسمى عبادة مع التقييد و المشرك إذا كان يعبد الله و يعبد غيره فيقال ~~إنه يعبد الله و غيره أو يعبده مشركا به لا يقال إنه يعبد مطلقا و المعطل ~~الذي لا يعبد شيئا شر منه و العبادة المطلقة المعتدلة هي المقبولة و عبادة ~~المشرك ليست مقبولة # مما يوضح هذا قوله ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ( الآية قالوا ~~فيها ( نعبد إلهك و إله آبائك ( ثم قالوا ( إلها واحدا ( فهذا بدل من الأول ~~في أظهر الوجهين فإن النكرة تبدل من المعرفة كما فى قوله ( لنسفعا بالناصية ~~ناصية كاذبة خاطئة ms1475 ( فذكرت معرفة و موصوفة كذلك قالوا ( نعبد إلهك ( فعرفوه ~~ثم قالوا ( إلها و احدا ( فوصفوه و البدل في حكم تكرير العامل أحيانا كما ~~في قوله ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ( ~~فالتقدير نعبد إلهك نعبد إلها و احدا و نحن له مسلمون فجمعوا بين الخبرين ~~بأمرين بأنهم يعبدون إلهه و أنهم إنما يعبدون إلها و احدا فمن عبد إلهين لم ~~يكن عابدا لإلهه و إله آبائه و إنما يعبد إلهه من عبد إلها و احدا # و لو كان من عبد الله و عبد معه غيره عابدا له لكانت عبادته نوعين عبادة ~~إشراك و عبادة إخلاص و إذا كان كذلك لم يكن PageV16P574 قوله ( إلها و احدا ~~( بدلا لأن هذا كل من كل ليس هو بدل بعض من كل فعلم أن إلهه و إله آبائه لا ~~يكون إلا إلها واحدا # والوجه الثانى قوله ( إلها و احدا ( نصب على الحال لكنها حال لازمة فإنه ~~لا يكون إلا إلها و احدا كقوله ( و هو الحق مصدقا ( و هو لا يكون إلا مصدقا ~~و منه ( ملة إبراهيم حنيفا ( و يقتلون النبيين بغير حق ( فمن عبد معه غيره ~~فما عبده إلها واحدا و من أشرك به فما عبده و هو لا يكون إلا إلها واحدا ~~فإذا لم يعبده فى الحال اللازمة له لم تكن له حال آخرى يعبده فيها فما عبده # فإن قيل المشرك يجعل معه آلهة خرى فهو يعبد فى حال ليس هو فيها الواحد ~~قيل هذا غلط منشؤه لفظ ( الإله ( يراد به المستحق للإلهية و يراد به ما ~~إتخذه الناس إلها و إن لم يكن إلها فى نفس الأمر بل هي أسماء سموها هم و ~~آباؤهم فتلك ليست فى نفسها آلهة و إنما هي آلهة فى أنفس العابدين فالهيتها ~~أمر قدره المشركون و جعلوه فى أنفسهم من غير أن يكون مطابقا للخارج كالذي ~~يجعل من ليس بعالم عالما و من ليس بحي حيا و من ليس بصادق و لا ms1476 عدل صادقا و ~~عدلا فيقال هذا عندك صادق و عادل و عالم و تلك إعتقادات غير مطابقة و أقوال ~~كاذبة غير لائقة PageV16P575 # و لهذا يجعل سبحانه ذلك من باب الإفتراء و الكذب كما قال أصحاب الكهف ( ~~هؤلاء قومنا إتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ~~ممن إفترى على الله كذبا ( و قال الخليل ( إنما تعبدون من دون الله أوثانا ~~و تخلقون إفكا ( و قال ( و ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن ~~يتبعون إلا الظن و إن هم إلا يخرصون ) أي أي شيء يتبع الذين يشركون و إنما ~~يتبعون الظن و الخرص و هو الحزر هذا صواب و إن ما إستفهامية و قد قيل أنها ~~نافية و بعضهم لم يذكر غيره كأبى الفرج و هو ضعيف كما قد بين ذلك في غير ~~هذا الموضع # و قال هود إعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون ( # و إذا كانت إلهية ما سوى الله أمرا مختلفا يوجد في الذهن و اللسان لا ~~وجود له فى الأعيان و هو من باب الكذب و الإعتقاد الباطل الذي ليس بمطابق و ~~ما عند عابديها من الحب و الخوف و الرجاء لها تابع لذلك الإعتقاد الباطل ~~كمن إعتقد فى شخص أنه صادق فصدقه فيما يقول و بنى على إخباره أعمالا كثيرة ~~فلما تبين كذبه ظهر فساد تلك الأعمال كأتباع مسلمة و الأسود و غيرهما من ~~أصحاب الزوايا و الترهات و ما يشرعونه لأتباعهم مما لم يأذن به الله بخلاف ~~الصادق و الصدق PageV16P576 # و لهذا كانت كلمة التوحيد ( كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها فى السماء ) و ~~قال فى كلمة الشرك ( كشجرة خبيثة أجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ( فليس ~~[ لها ] أساس ثابت و لا فرع ثابت إذ كانت باطلة كأقوال الكاذبين و أعمالهم ~~بل هي أعظم الكذب و الإفتراء مع الحب لها # و الشرك أعظم و الظلم قال ابن مسعود قلت يا رسول الله ms1477 أي الذنب أعظم قال ~~( أن تجعل لله ندا و هو خلقك ( # فنفس تألههم لها و عبادتهم إياها و تعظيمها و حبها و دعائها و إعتقادها ~~آلهة و الخبر عنها بأنها آلهة موجود كما كان إعتقاد الكذابين موجودا و أما ~~نفس إتصافها بالإلهية فمفقود كإتصاف مسيلمة بالنبوة # فهنا حالان حال للعابد و حال للمعبود فأما العابدون فكلهم فى قلوبهم ~~عبادة و تأله لمن عبدوه و أما المعبودون فالرحمن له الإلهية و ما سواه لا ~~الهية له بل هو ميت لا يملك لعابديه ضرا و لا نفعا ( قل لو كان معه آلهة ~~كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( و هو فى أصح القولين ( سبيلا ~~( بالتقرب بعبادته و ذكره و لهذا قال بعدها ( تسبح له السموات السبع و ~~الأرض و من فيهن و إن من شيء PageV16P577 إلا يسبح بحمده ( فأخبر عن ~~الخلائق كلها أنها تسبح بحمده و قد بسط هذا في موضع آخر # فقوله ( نعبد إلهك إلها و احدا ( إذا قيل أنه منصوب على الحال فإما أن ~~يكون حالا من الفاعل العابد أو من المفعول المعبود فالأول نعبده فى حال ~~كوننا مخلصين لا نعبد إلا إياه و الثانى نعبده فى الحال اللازمة له و هو ~~أنه إله و أحد فنعبده مخلصين معترفين له بأنه الإله و حده دون ما سواه # فإن كان التقدير هذا الثانى إمتنع أن يكون المشرك عابدا له فإنه لا يعبده ~~فى هذه الحال و هو سبحانه ليست له حال أخرى نعبده فيها و إن كان التقدير ~~الأول فقد يمكن أن نعبده في حال أخرى نتخذ معه آلهة آخرى فى أنفسنا # لكن قوله ( إلها و احدا ( دليل على أنها حال من المعبود بخلاف ما إذا قيل ~~نعبده مخلصين له الدين فإن هذه حال من الفاعل # و لهذا يأتى هذا فى القرآن كثيرا كقوله ( فاعبد الله مخلصا له الدين ( و ~~قوله ( قل الله أعبد مخلصا له دينى ( فهذا حال من الفاعل PageV16P578 فإنه ~~يكون تارة مخلصا وتارة مشركا و أما ms1478 الرب تعالى فإنه لا يكون إلا إلها و ~~احدا # و الحال و إن كانت صفة للمفعول فهي أيضا حال للفاعل فإنهم قالوا نعبده فى ~~هذه الحال فلزم أن عبادتهم له ليست في غير هذا الحال و بين أن قوله ( نعبد ~~إلهك و إله آبائك إلها و احدا ( هي حال متعلقة بالفاعل و المفعول جميعا ~~بالعابد و المعبود فإن العامل فيها المتعلق بها العبادة و هي فعل العابد و ~~الذي يقال له المفعول فى العربية هو المعبود # كما قيل فى الجملة ( و نحن له مسلمون ( قيل هي واو العطف و قيل واو الحال ~~أي نعبده فى هذه الحال قالوا و هي حال من فاعل ( نعبد ( أو مفعوله لرجوع ~~الهاء إليه فى ( له ( و هذا الترديد غلط إذ هي حال منهما جميعا فإنهم إذا ~~عبدوه و هم مسلمون فهم مسلمون حال كونهم عابدين و حال كونه معبودا إذ كونهم ~~عابدين و كونه معبودا ليس مختصا بمقارنة أحدهما دون الآخر # فالظرف و الحال هنا كلمة و ليست مفردا و لهذا اشتبه عليهم فإن المفرد لا ~~يمكن أن يكون فى اللفظ صفة لهذا و هذا فإذا قلت ضربت زيدا قاعدا فالقعود ~~حال للفاعل أو المفعول و إذا قلت ضربته و الناس PageV16P579 قعود فليس هذه ~~الحال من أحدهما دون الآخر بل هي مقارنة للضرب المتعلق بها كأنه قال ضربته ~~فى زمان قعود الناس فهو ظرف للفعل المتعلق بالفاعل و المفعول بخلاف ما إذا ~~قلت ضربته فى حال قعودي أو قعوده فهذا يختلف # و الآية فيها ( إلها واحدا ( فهذه حال من المعبود بلا ريب فلزم أنهم إنما ~~عبدوه فى حال كونه إلها واحدا و هذه لازمة له # و إذا قيل المراد فى حال كونه معبودا واحدا لا نتخذ معه معبودا آخر فهذه ~~حال ليست لازمة لكنه صفة للعابدين لا له قيل هذا ليس فيه مدح له و لا و صف ~~له بأنه يستحق الإلهية لكن فيها و صفهم فقط # و أيضا فقوله ( إلها واحدا ( كقوله ( و ms1479 إلهكم إله واحد ( فهو في نفسه إله ~~واحد و إن جعل معه المشركين آلهة بالإفتراء و الحب فيجب أن يكون المراد ما ~~دل عليه هذا الإسم # و لو أرادوا ذلك المعنى لقالوا ك نعبده مخلصين له الدين و هذا المعنى قد ~~ذكروه فى الجملة الثانية و هي قولهم ( و نحن له مسلمون ( لا سيما إذا جعلت ~~حالا أي نعبده إلها واحدا فى حال إسلامنا له PageV16P580 واسلامهم له يتضمن ~~إخلاص الدين له و خضوعهم و إستسلامهم لأحكامه بخلاف غير المسلمين # و لهذا قال آمرا للمؤمنين أن يقولوا ( آمنا بالله و ما أنزل إلينا و ما ~~أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و ما أوتي موسى و ~~عيسى و ما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون ( # ثم قال ( صبغة الله و من أحسن من الله صبغة و نحن له عابدون قل أتحاجوننا ~~في الله و هو ربنا و ربكم و لنا أعمالنا و لكم أعمالكم و نحن له مخلصون ( # و في هذه الآيات معان جليلة ليس هذا موضع إستيفائها $ فصل # وهذا النزاع فى قوله ( قل يا أيها الكافرون ( هل هو خطاب لجنس الكفار كما ~~قاله الأكثرون أو لمن علم أنه يموت كافرا كما قاله بعضهم يتعلق بمسمى ( ~~الكافر ( و مسمى ( المؤمن ( PageV16P581 # فطائفة تقول هذا إنما يتنا من وافى القيامة بالإيمان فاسم المؤمن عندهم ~~إنما هو لمن مات مؤمنا فأما من آمن ثم ارتد فذاك ليس عندهم بإيمان # و هذا إختيار الأشعري و طائفة من أصحاب أحمد و غيرهم و هكذا يقال الكافر ~~[ من ] مات كافرا # و هؤلاء يقولون إن حب الله و بغضه و رضاه و سخطه و ولايته و عداوته إنما ~~يتعلق بالموافاة فقط فالله يحب من علم أنه يموت مؤمنا و يرضى عنه و يواليه ~~بحب قديم و موالاة قديمة و يقولون إن عمر حال كفره كان و ليا لله # و هذا القول معروف عن ابن كلاب و ms1480 من تبعه كالأشعرى و غيره # و أكثر الطوائف يخالفونه في هذا فيقولون بل قد يكون الرجل عدوا لله ثم ~~يصير و ليا لله و يكون الله يبغضه ثم يحبه و هذا مذهب الفقهاء و العامة و ~~هو قول المعتزلة و الكرامية و الحنفية قاطبة و قدماء المالكية و الشافعية و ~~الحنبلية # و على هذا يدل القرآن كقوله ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم ~~الله ( و إن تشكروا يرضه لكم ( و قوله ( إن الذين آمنوا PageV16P582 ثم ~~كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ( فوصفهم بكفر بعد إيمان و إيمان بعد كفر و أخبر ~~عن الذين كفروا أنهم كفار و أنهم إن إنتهوا يغفر لهم ما قد سلف و قال ( ~~فلما آسفونا إنتقمنا منهم ( و قال ( ذلك بانهم إتبعوا ما أسخط الله و كرهوا ~~رضوانه فأحبط أعمالهم ( # و فى الصحيحين فى حديث الشفاعة تقول الأنبياء ( إن ربى قد غضب غضبا لم ~~يغضب قبله مثله و لن يغضب بعده مثله ( # و فى دعاء الحجاج عند الملتزم عن ابن عباس و غيره ( فإن كنت رضيت عنى ~~فأزدد عنى رضا و إلا فمن الآن فارض عني ( و بعضهم حذف ( فارض عني ( فظن بعض ~~الفقهاء أنه ( فمن الأن ( أنه من ( المن ( و هو تصحيف و إنما هو من حروف ~~الجر كما فى تمام الكلام و إلا فمن الآن فارض عنى فبين أنه يزداد رضا و أنه ~~يرضى فى و قت محدود و شواهد هذا كثيرة و هو مبسوط فى مواضع $ فصل # ونظير القول في ( قل يا أيها الكافرون ( القولان فى قوله ( إن الذين ~~كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( فإن للناس فى هذه ~~الآية قولين PageV16P583 # ( أحدهما ( أنها خاصة بمن يموت كافرا و هذا منقول عن مقاتل كما قال في ~~قوله ( قل يا أيها الكافرون ( و كذلك نقل عن الضحاك قالا نزلت فى مشركى ~~العرب كأبي جهل و أبى طالب و أبي لهب ممن لم يسلم و قال الضحاك نزلت في أبى ~~جهل و خمسة ms1481 من أهل بيته # و طائفة من المفسرين لم يذكروا غير هذا القول كالثعلبى و البغوي و ابن ~~الجوزي قال البغوى هذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة فى سابق علم ~~الله # و قال ابن الجوزي قال شيخنا على بن عبيدالله و هذه الآية وردت بلفظ ~~العموم و المراد بها الخصوص لأنها آذنت بأن الكفار حين إنذارهم لا يؤمنون و ~~قد آمن كثير من الكفار عند إنذارهم و لو كانت على ظاهرها فى العموم لكان ~~خبر الله بخلاف مخبره فلذلك و جب نقلها إلى الخصوص # ( و القول الثانى ( أن الآية على مقتضاها و المراد بها أن الإنذار و عدمه ~~سواء بالنسبة إلى الكافر ما دام كافرا لا ينفعه الإنذار و لا يؤثر فيه كما ~~قيل مثل ذلك فى الآيات إنها غير موجبة للإيمان و قد جمع بينهما فى قوله ( و ~~ما تغني الآيات و النذر عن قوم لا يؤمنون ( PageV16P584 # فالآيات أفقية و أرضية و قرآنية و هي أدلة العلم و الإنذار يقتضى الخوف ~~فالآيات لمن إذا عرف الحق عمل به ن فهذا تنفعه الحكمة و الإنذر لمن يعرف ~~الحق و له هوي يصده فينذر بالعذاب الذي يدعوه إلى مخالفة هواه و هو خوف ~~العذاب و هذا هو الذي يحتاج إلى الموعظة الحسنة و آخر لا يقبل الحق فيحتاج ~~إلى الجدل فيجادل بالتى هي أحسن # و قد قال تعالى ( و لو أننا نزلنا إليهم الملائكة و كلمهم الموتى و حشرنا ~~عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ( و قال ( إنما أنت ~~منذر من يخشاها ( إنما تنذر من إتبع الذكر و خشي الرحمن بالغيب ( # فالمراد أن الكافر ما دام كافرا لا يقبل الحق سواء انذر أم لم ينذر و لا ~~يؤمن ما دام كذلك لأن على قلبه و سمعه و بصره موانع تصد عن الفهم و القبول ~~و هكذا حال من غلب عليه هواه # و هو سبحانه لم يقل ( أنهم لا يؤمنون ( و قيل ذلك لمن سبقت عليه ms1482 الشقوة ~~أو حقت عليه الكلمة كقوله ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون و لو ~~جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ( فبين أن هؤلاء لا يؤمنون إلا حين ~~لا ينفعهم إيمانهم وقت PageV16P585 رؤية العذاب الأليم كإيمان فرعون ~~المذكور قبلها و موسى قد دعا عليه فقال ( ربنا اطمس على أموالهم و اشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما ( # و أما إذا أطلق سبحانه الكفار فهو مثل قوله ( و لو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة ( الآية فبين أنهم قد يؤمنوا إذا شاء # و آية البقرة مطلقة عامة فإنه ذكر فى أول السورة أربع آيات فى صفة ~~المؤمنين و آيتين فى صفة الكافرين و بضع عشرة آية في المنافقين فبين حال ~~الكافر المصر على كفره أن الإنذار لا ينفعه للحجب التى على قلبه و سمعه و ~~بصره و ليس قال إن الله لا يهدى أحدا من هؤلاء فيسمع و يقبل و لكن هو حين ~~يكون كافرا لا تتناوله الآية و هذا كما يقال فى الكافر الحربى لا يجوز أن ~~تعقد له الذمة و لا يكون قط من أهل دار الإسلام ما دام حربيا # فالكفار ما داموا كفارا هم بهذه المثابة لهم موانع تمنعهم من الإيمان كما ~~أن للمنافقين موانع تمنعهم ما داموا كذلك و إن أنذروا و هذا كقوله ( و مثل ~~الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء و نداء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون ( فهذا مثل كل كافر ما دام كافرا PageV16P586 # وذلك لا يمنع أن يكونوا قد يسمعون [ إذا زال الغطاء الذي على قلوبهم و ~~سمعهم و ابصارهم فإنهم لا يسمعون ] لذلك المعنى المشتق منه و هو الكفر فما ~~داموا هذه حالهم فهم كذلك و لكن تغير الحال ممكن كما قال ( إلا أن يشاء ~~الله ( و كما هو الواقع # و مثل هذا يفيد أن الإنسان لا يعتقد أنه بدعائه و إنذاره و بيانه يحصل ~~الهدى و لو كان أكمل الناس و ms1483 أن الداعى و إن كان صالحا ناصحا مخلصا فقد لا ~~يستجيب المدعو لا لنقص فى الدعاء لكن لفساد فى المدعو # و هذا لأن حصول المطلوب متوقف على فعل الفاعل و قبول القابل كالسيف ~~القاطع يؤثر بشرط قبول المحل فيه لا يقطع الحجارة و الحديد و نحو ذلك و ~~النفخ يؤثر إذ كان هناك قابل لا يؤثر في الرماد # و الدعاء و التعليم و الإرشاد و كل ما كان من هذا الجنس له فاعل و هو ~~المتكلم بالعلم و الهدى و النذارة و له قابل و هو المستمع فإذا كان المستمع ~~قابلا حصل الإنذار التام و التعليم التام و الهدى التام و إن لم يكن قابلا ~~قيل علمته فلم يتعلم و هديته فلم يهتد و خاطبته فلم يصغ و نحو ذلك ~~PageV16P587 # فقوله في القرآن ( هدى للمتقين ( هو من هذا إنما يهتدي من يقبل الإهتداء ~~و هم المتقون لا كل أحد و ليس المراد أنهم كانوا متقين قبل اهتدائهم بل قد ~~يكونوا كفارا لكن إنما يهتدى به من كان متقيا فمن إتقى الله إهتدى بالقرآن ~~و العلم و الإنذار إنما يكون بما أمر به القرآن # و هكذا قوله ( لينذر من كان حيا ( الإنذار التام فإن الحي يقبله و لهذا ~~قال ( و يحق القول على الكافرين ( فهم لم يقبلوا الإنذار # و مثله قوله ( إنما أنت منذر من يخشاها ( # و عكسه قوله ( و ما يضل به إلا الفاسقين ( أي كل من ضل به فهو فاسق فهو ~~ذم لمن يضل به فإنه فاسق ليس أنه كان فاسقا قبل ذلك # و لهذا تأولها سعد بن أبى و قاص في الخوارج و سماهم ( فاسقين ( لأنهم ~~ضلوا بالقرآن فمن ضل بالقرآن فهو فاسق # فقوله ( إن الذين كفروا ( من هذا الباب و التقدير من ختم على قلبه و جعل ~~على سمعه و بصره غشاوة فسواء عليك أنذرته أم لم تنذره هو لا يؤمن أي ما دم ~~كذلك PageV16P588 و لكن هذا قد يزول و فى صفة النبى صلى الله عليه ms1484 و سلم ( ~~إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا ( و حرزا للأميين أنت عبدي و رسولي ~~سميتك ( المتوكل ( لست بفظ و لا غليظ و لا سخاب في الأسواق و لا يجزي ~~بالسيئة السيئة ولكن يعفو و يغفر و لن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء ~~فأفتح [ به ] أعينا عميا و آذانا صما و قلوبا غلفا # و قد قال ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على ~~أكثرهم فهم لا يؤمنون ( فدل على أن بعضهم يؤمنون ثم قال ( إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا إلى قوله إنما تنذر من اتبع الذكر و خشى الرحمن بالغيب ( ~~فهذا هو الإنذار التام و هو الإنذار الذي يقبله المنذر و ينتفع به # و قوله ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ( هو أصل الإنذار كما يقال فى ~~البليد و المشغول الذهن بأمور الدنيا و الشهوات سواء عليك أعلمته أم لم ~~تعلمه لا يتعلم و لا يقبل الهدى و يقال فى الذكى الفارغ إنما يتعلم مثل هذا ~~ثم المشغول قد يتفرغ و قد يصلح ذهن بعد فساده و يفسد بعد صلاحه لفساد قلبه ~~و صلاحه # و على هذا القول أكثر تفسير السلف كما ذكره ابن إسحاق و قد رواه ابن أبى ~~حاتم و غيره قال ابن إسحاق حدثنى محمد بن أبى PageV16P589 محمد عن عكرمة أو ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس ( إن الذين كفروا ( أي بما أنزل إليك و إن قالوا ~~إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~( أي إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك و جحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد ~~كفروا بما جاءك و بما عندهم مما جاءهم به غيرك فكيف يسمعون منك إنذارا و ~~تحذيرا # فقد تبين أنهم لا يسمعون الإنذار لكفرهم بما عندهم و ما جاءهم من الحق و ~~معلوم ان منهم خلقا تابوا بعد ذلك و آمنوا # و روى عن الربيع بن أنس عن أبى العالية قال آيتان فى قادة الأحزاب ms1485 ( إن ~~الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( قال هم الذين ~~ذكرهم الله فى هذه الآية ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا و أحلوا ~~قومهم دار البوار ( قلت ( جعلهم قادة الأحزاب لكونهم أضلوا الأتباع فأحلوهم ~~دار البوار و الأحزاب يوم الخندق قد أسلم عامة قادتها و حسن إسلامهم مثل ~~عكرمة بن أبى جهل و صفوان بن أمية و سهيل بن عمرو و أبى سفيان و هؤلاء أسلم ~~منهم من أسلم عام الفتح و هم الطلقاء و منهم من أسلم قبل ذلك و الحزب الآخر ~~غطفان و قد أسلموا أيضا PageV16P590 # والآية لابد أن تتناول كفار أهل الكتاب كما قال ابن إسحق فإن السورة ~~مدنية و إن تناولت مع ذلك المشركين فهي تعم كل كافر و مقاتل و الضحاك يخصها ~~ببعض مشركي العرب و ابن السائب يقول هي إنما نزلت فى اليهود منهم حيي بن ~~أخطب و كذلك ما ذكره ابن إسحق عن ابن عباس أنها فى اليهود و أبو العالية ~~يقول إنها نزلت في قادة الأحزاب # و الآية تعم هؤلاء كلهم و غيرهم كما أن آيات المؤمنين و المنافقين كان ~~سبب نزولها [ المؤمنين و المنافقين الموجودين و قت النزول و هي تعمهم ] و ~~غيرهم من المؤمنين و المنافقين إلى قيام الساعة # و المقصود أن قوله ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( كقوله ~~( فإنك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا و لوا مدبرين و ما أنت ~~بهادي العمي عن ضلالتهم ( و قوله ( أفأنت تسمع الصم و لو كانوا لايعقلون و ~~منهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمى و لو كانوا لا يبصرون ( # و كل هذا فيه بيان أن مجرد دعائك و تبليغك و حرصك على هداهم ليس موجب ذلك ~~و إنما يحصل ذلك إذا شاء الله هداهم فشرح صدورهم للإسلام كما قال تعالى ( ~~إن تحرص على هداهم فإن الله PageV16P591 لا يهدى من يضل ( ففيه تعزية ~~لرسوله صلى الله عليه و سلم و ms1486 بينت الآية له أن تبليغك و إن لم يهتدوا به ~~ففيه مصالح عظيمة غير ذلك # و فيه بيان أن الهدى هدى الله ف ( من يهد الله فهو المهتد و من يضلل فلن ~~تجد له و ليا مرشدا ( و قد قال له ( إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي ~~من يشاء ( ففيه تقرير التوحيد و تقرير مقصود الرسالة # و هو سبحانه أخبر عمن لا يؤمن فقال ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا ~~يؤمنون و لو جاءتهم كل آية ( و قال ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ~~( ثم قال ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ( فخص في هذه الآية و فى ~~تلك ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ( و هم الذين حق عليهم القول أي حق ~~عليهم ما قاله الله سبحانه و كتبه و قدره فجعل الموجب هو التقدير السابق و ~~هو قوله # و القول و إن كان قد يكون خبرا مجردا بما سيكون و قد يكون قولا يتضمن ~~أشياء كاليمين المتضمنة للحض و المنع فقد ذكر فى مواضع تقدم اليمين كقوله ( ~~و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها و لكن حق القول منى ( و نحو ذلك PageV16P592 # فهو خبر عما قاله أو قاله و كتبه و هو التقدير الذي يتضمن أنه قدر ما ~~يفعله و علمه و كتبه كما تظاهرت النصوص بأن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن ~~يخلق السموات و الأرض بخمسين ألف سنة و القدر تضمن علمه بما سيكون و مشيئته ~~لوجود ما قدره و علم أن سيخلقه # و القول قد يكون خبرا و قد يكون فيه معنى الطلب الحض و المنع بالقسم و ~~إما لكتابته على نفسه كقوله ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ( و قوله ( و كان ~~حقا علينا نصر المؤمنين ( و قوله ( يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي و ~~جعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( # و أما قوله ( و لكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ( فهذا مختص بالكفار و ~~هو الوعيد المتضمن ms1487 الجزاء على الأعمال كما قال تعالى لإبليس ( لأملأن جهنم ~~منك و ممن تبعك منهم أجمعين ) # و قوله ( و لولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما و أجل مسمى ( أي إن عذابهم ~~له أجل مسمى إما يوم القيامة و إما فى الدنيا كيوم بدر و إما عقب الموت و ~~قد ذكر في الآية الأقوال الثلاثة فلولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لكان ~~العذاب لزاما أي لازما لهم فإن المقتضي له قائم تام وهو كفرهم PageV16P593 # و أما إذا أطلق القول على الكفار من غير تقييد فإنه لا يريد من [ لا ] ~~يؤمن منهم فإن اللفظ لا يدل على ذلك ألبتة # و أيضا فإن هذا لا فائدة فيه إذ كان أولئك غير معروفين و إنما هم طائفة ~~قد حق عليهم القول و هم لا يتميزون من غيرهم بل هو مأمور بإنذار الجميع و ~~فيهم من يؤمن و من لا يؤمن فذكر اللفظ العام و إرادة أولئك دون غيرهم ليس ~~فيه بيان للمراد الخاص و ذكر المعنى الذي أوجب أنهم لا يؤمنون قط و لا فيه ~~تعليق الحكم بالمعنى العام و كلام الله تعالى يصان عن مثل ذلك # و ما ذكر من الموانع هي موجودة فى كل من لم يقبل الإنذار سواء كان كافرا ~~أو منافقا و فاسقا أو غير ذلك لسبب يوجب ذلك فيمتنع قبول الإنذار بسبب ~~الموانع لكن هذه الموانع قد تزول فإنها ليست لازمة لكل كافر # و إذا كان المانع ما سبق من القول الذي حق عليهم فقد لا يزول أبدا كما ~~قال ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون و لو جاءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم ( و قد يذكر هذا و هذا PageV16P594 # و أما إذا اقتصر على ذكر الموانع التى فيهم و لم يذكر ما سبق من القول ~~فهذه الموانع يرجى زوالها و يمكن ما لم يذكر معها ما يقتضي إمتناع تغير ~~حالهم و حصول الهدى $ فصل # ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ( جاء ms1488 الخطاب فيه ب ( ما ( و لم ~~يجيء ب ( من ( فقيل ( لا أعبد ما تعبدون ( لم يقل ( لا أعبد من تعبدون ( ~~لأن ( من ( لمن يعلم و الأصنام لا تعلم # [ و هذا القول ضعيف جدا ] فإن معبود المشركين يدخل فيه من يعلم كالملائكة ~~و الأنبياء و الجن و الإنس و من لم يعلم و عند الإجتماع تغلب صيغة أولي ~~العلم كما فى قوله ( فمنهم من يمشي على بطنه و منهم من يمشي على رجلين و ~~منهم من يمشي على أربع ( # فإذا أخبر عنهم بحال من يعلم عبر عنهم بعبادته كما في قوله ( إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ~~ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها ( الآية فعبر عنهم بضمير الجمع ~~المذكر و هو لأولى العلم PageV16P595 # و أما ما لا يعلم فجمعه مؤنث كما تقول الأموال جمعتها و الحجارة قذفتها # ف ( ما ( هي لما لا يعلم و لصفات من يعلم و لهذا تكون للجنس العام لأن ~~شمول الجنس لما تحته هو باعتبار صفاته كما قال ( فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء ( أي الذي طاب و الطيب من النساء فلما قصد الإخبار عن الموصوف ~~بالطيب و قصد هذه الصفة دون مجرد العين عبر ب ( ما ( # و لو عبر ب ( من ( كان المقصود مجرد العين و الصفة للتعريف حتى لو فقدت ~~لكانت غير مقصودة كما إذا قلت جاءني من يعرف و من كان أمس في المسجد و من ~~فعل كذا و نحو ذلك فالمقصود الإخبار عن عينه و الصلة للتعريف و إن كانت تلك ~~الصفة قد ذهبت # و منه قوله ( و السماء و ما بناها و الأرض و ما طحاها و نفس و ما سواها ( ~~على القول الصحيح إنها إسم موصول و المعنى و بانيها و طاحيها و مسويها [ و ~~] لما قال ( قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها ( أخبر ب ( من ( لأن ~~المقصود الإخبار عن فلاح عينه و إن كان فعله للتزكية ms1489 و التدسية قد ذهب فى ~~الدنيا # فالقسم هناك بالموصوف بحيث أنه إنما أقسم بهذا الموصوف و الصفة ~~PageV16P596 لازمة فإنه لا توجد مبنية إلا ببانيها و لا مطحية إلا بطاحيها ~~و لا مسواة إلا بمسويها و أما المرء المزكى نفسه و المدسيها فقد انقضى عمله ~~فى الدنيا و فلاحه و خيبته فى الآخرة ليسا مستلزما لذلك العمل # و نحو هذا قوله ( و ما خلق الذكر و الأنثى ( # و لهذا يستفهم بها عن صفات من يعلم فى قوله ( و ما رب العالمين ( كما ~~يستفهم على وجه بها فى قوله ( ماذا تعبدون ( # و أما قوله ( و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن الله ( ~~فالإستفهام عن عين الخالق للتمييز بينه و بين الآلهة التى تعبد فإن ~~المستفهمين بها كانوا مقرين بصفة الخالق و إنما طلب بالإستفهام تعيينه و ~~تمييزه و لتقام عليهم الحجة باستحقاقه و حده العبادة # و أما فرعون فكان منكرا للموصوف المسمى فاستفهم بصيغة ( ما ( لأنه لم يكن ~~مقرا به طالبا لتعيينه و لهذا كان الجواب فى هذا الإستفهام بقول موسى ( رب ~~السموات و الأرض ( و بقوله ( ربكم و رب آبائكم الاولين ) فأجاب ايضا بالصفة ~~وهناك قال ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) فكان الجواب بالاسم المميز ~~للمسمى عن غيره وكذلك قوله ( قل لمن الأرض ومن فيها ) إلى تمام الآيات ~~PageV16P597 # فقوله ( لا أعبد ما تعبدون و لا أنتم عابدون ما أعبد ( يقتضى تنزيهه عن ~~كل موصوف بأنه معبودهم لأن كل ما عبده الكافر و جبت البراءة منه لأن كل من ~~كان كافرا لا يكون معبوده الإله الذي يعبده المؤمن إذ لو كان هو معبوده ~~لكان مؤمنا لا كافرا و ذلك يتضمن أمورا # ( أحدها ( أن ذلك يستلزم براءته من أعيان من يعبدونهم من دون الله # ( الثاني ( أنهم إذا عبدوا الله و غيره فمعبودهم المجموع و هو لا يعبد ~~المجموع لا يعبد إلا الله و حده فيعبده على و جه إخلاص الدين له لا على و ~~جه الشرك بينه و بين غيره ms1490 # و بهذا يظهر الفرق بين هذا و بين قول الخليل ( إنني برآء مما تعبدون إلا ~~الذي فطرني ( و قوله ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم و آباؤكم الأقدمون ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ( بأن يقال هنا نفي عبادة المجموع و ذلك لا ~~ينفى عبادة الواحد الذي هو الله و الخليل تبرأ من المجموع و ذلك يقتضي ~~البراءة من كل و أحد فاستثنى أو يقال الخليل تبرأ من جميع المعبودين من ~~الجميع فوجب أن يستثنى رب العالمين و لهذا لما و قع مستثنى فى أول الكلام ~~فى قوله PageV16P598 ( قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم و الذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم و مما تعبدون من دون الله ( لم يحتج إلى ~~إستثناء آخر # و أما هذه السورة فإن فيها التبري من عبادة ما يعبدون لا من نفس ما ~~يعبدون و هو بريء منهم و من عبادتهم و مما يعبدون فإن ذلك كله باطل كما ثبت ~~في الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم يقول الله ( أنا أغنى الشركاء عن ~~الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء و هو كله للذي أشرك # ( فعبادة المشرك كلها باطلة لا يقال نصيب الله منها حق و الباقي باطل ~~بخلاف معبودهم فإن الله إله حق و ما سواه آلهة باطلة # فلما تبرأ الخليل من المعبودين إحتاج إلى إستثناء رب العالمين و لما كان ~~في هذه تبرؤه من أن يعبد ما يعبدون فكان المنفي هو العبادة تبرأ من عبادة ~~المجموع الذين يعبدهم الكافرون # ( الثالث ( إن كان النفي عن الموصوف بأنه معبودهم لا عن عينه فهو لا يعبد ~~شيئا من حيث هو معبودهم لأنه من حيث هو معبودهم هم مشركون به فوجبت البراءة ~~من عبادته على ذلك الوجه و لو قال ( من تعبدون ( لكان يقال إلا رب العالمين ~~لأن النفي و اقع على PageV16P599 عين المعبود و ليس إذا لم يعبد ما يعبدون ~~متبرئا منه و معاديا له حتى يحتاج إلى الإستثناء بل ms1491 هو تارك لعبادة ما ~~يعبدون # و هذا يتبين بالوجه الرابع و هو قوله ( و لا أنتم عابدون ما أعبد ( نفى ~~عنهم عبادة معبوده فهم إذا عبدوا الله مشركين به لم يكونوا عابدين معبوده و ~~كذلك هو إذا عبده مخلصا له الدين لم يكن عابدا معبودهم # ( الوجه الخامس ( أنهم لو عينوا الله بما ليس هو الله و قصدوا عبادة الله ~~معتقدين أن هذا هو الله كالذين عبدوا العجل و الذين عبدوا المسيح و الذين ~~يعبدون الدجال و الذين يعبدون ما يعبدون من دنياهم و هواهم و من عبد من هذه ~~الأمة فهم عند نفوسهم إنما يعبدون الله لكن هذا المعبود الذي لهم ليس هو ~~الله # فإذا قال ( لا أعبد ما تعبدون ( كان متبرئا من هؤلاء المعبودين و إن كان ~~مقصود العابدين هو الله # ( الوجه السادس ( أنهم إذا و صفوا الله بما هو بريء منه كالصاحبة و الولد ~~و الشريك و أنه فقير أو بخيل أو غير ذلك و عبدوه كذلك فهو بريء من المعبود ~~الذي لهؤلاء فإن هذا ليس هو الله PageV16P600 كما قال النبى صلى الله عليه ~~و سلم ( ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش يسبون مذمما و أنا محمد ( فهم ~~و إن قصدوا عينه لكن لما و صفوه بأنه مذمم كان سبهم و اقعا على من هو مذمم ~~و هو محمد صلى الله عليه و سلم و ذاك ليس هو الله فالمؤمنون برآء مما يعبد ~~هؤلاء # ( الوجه السابع ( أن كل من لم يؤمن بما و صف به الرسول ربه فهو فى ~~الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول من تلك الجهة # و قس على هذا فلتتأمل هذه المعاني و تلخص و تهذب و الله تعالى أعلم ~~PageV16P601 # سورة تبت قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ( سورة تبت ( نزلت فى هذا و ~~امرأته و هما من أشرف بطنين في قريش و هم عم علي و هي عمة معاوية و اللذان ~~تداولا الخلافة فى الأمة هذان البطنان بنو أمية و بنو هاشم ms1492 و أما أبو بكر و ~~عمر فمن قبيلتين أبعد عنه صلى الله عليه و سلم و إتفق في عهدهما ما لم يتفق ~~بعدهما # و ليس فى القرآن ذم من كفر به صلى الله عليه و سلم باسمه إلا هذا و ~~امرأته ففيه أن الأنساب لا عبرة بها بل صاحب الشرف يكون ذمه على تخلفه عن ~~الواجب أعظم كما قال تعالى ( يا نساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف ~~لها العذاب ( الآية # قال النحاس ( تبت يدا أبي لهب ( دعاء عليه بالخسر و فى قراءة عبد الله ( ~~و قد تب ( و قوله ( و ما كسب ( أي و لده فإن قوله PageV16P602 ( و ما كسب ( ~~يتناوله كما فى الحديث و لده من كسبه و استدل بها على جواز الأكل من مال ~~الولد ثم أخبر أنه ( سيصلى نارا ( أخبر بزوال الخير و حصول الشر و ( الصلي ~~( الدخول و الإحتراق جميعا و قوله ( حمالة الحطب ( إن كان مثلا للنميمة ~~لأنها تضرم الشر فيكون حطب القلوب و قد يقال ذنبها أعظم و حمل النميمة لا ~~يوصف بالحبل فى الجيد و إن كان و صفا لحالها في الآخرة كما وصف بعلها و هو ~~يصلى و هى تحمل الحطب عليه كما أعانته على الكفر فيكون من حشر الأزواج و ~~فيه عبرة لكل متعاونين على الإثم أو على إثم ما أو عدوان ما و يكون القرآن ~~قد عمم الأقسام الممكنة فى الزوجين و هي أربعة إما كإبراهيم و امرأته و إما ~~هذا و امرأته و إما فرعون و امرأته و إما نوح و امرأته و لوط و يستقيم أن ~~يفسر حمل الحطب بالنميمة بحمل الوقود فى الآخرة كقوله ( من كان له لسانان ( ~~إلخ و الله أعلم | 17 PageV16P603 بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده # سورة الإخلاص # سئل شيخ الإسلام # تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضى 2 الله عنه # عما ورد في سورة ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( أنها تعدل ثلث القرآن ~~وكذلك ms1493 ورد فى سورة ( الزلزلة ( و ( @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ و ( ~~الفاتحة ( هل ما ورد فى هذه المعادلة ثابت فى المجموع أم فى البعض ومن روى ~~ذلك و ما ثبت من ذلك وما معنى هذه المعادلة و كلام الله واحد بالنسبة إليه ~~عز وجل و هل هذه المفاضلة بتقدير ثبوتها متعدية إلى الأسماء و الصفات أم لا ~~والصفات القديمة والأسماء PageV17P005 القديمة هل يجوز المفاضلة بينها مع ~~أنها قديمة و من القائل بذلك و في أي كتبه قال ذلك ووجه الترجيح فى ذلك بما ~~يمكن من دليل عقلي و نقلي # فأجاب رضي الله # عنه الحمد لله أما الذي أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم فأخرجوا فضل ( ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( # وروى عن الدار قطنى أنه قال لم يصح فى فضل سورة أكثر مما صح فى فضلها و ~~كذلك أخرجوا فضل ( فاتحة الكتاب ( قال فيها ( إنه لم ينزل فى التوراة و لا ~~فى الإنجيل ولا فى القرآن مثلها ( لم يذكر فيها أنها تعدل جزءا من القرآن ~~كما قال فى ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( ( إنها تعدل ثلث القرآن ( ففي ~~صحيح البخاري عن الضحاك المشرقي عن أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه و سلم لصحابه ( أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن فى ليلة ( فشق ~~ذلك عليهم و قالوا أينا يطيق ذلك يا رسول الله قال ( الله الواحد الصمد ثلث ~~القرآن ( وفى صحيح مسلم عن معدان بن أبى طلحة عن أبى الدرداء عن النبى صلى ~~الله عليه و سلم قال ( أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرأن ( ~~PageV17P006 # قالوا و كيف يقرأ ثلث القرآن قال ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ( # وروى مسلم أيضا عن ابى الدرداء عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( إن ~~الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء القرآن ( ~~وفي صحيح البخاري عن عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي صعصعة عن أبي سعيد أن ~~رجلا سمع رجلا يقرأ ( ^ قل هو الله حد ms1494 ^ ( يرددها فلما أصبح جاء إلى النبى ~~صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى ~~الله عليه و سلم ( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ( وأخرج عن أبي ~~سعيد قال أخبرني أخي قتادة بن النعمان أن رجلا قام فى زمن رسول الله يقرأ ~~من السحر ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( لايزيد عليها الحديث ( بنحوه وفى ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إحشدوا ~~فإنى سأقرأ عليكم ثلث القرآن ( قال فحشد من حشد ثم خرج نبى الله صلى الله ~~عليه و سلم فقرأ ( قل هو الله أحد ( ثم دخل فقال بعضنا لبعض إنى أري هذا ~~خبرا جاءه من السماء فذاك الذي أدخله ثم خرج نبى الله فقال ( إني قلت لكم ~~سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن ( وفي لفظ له قال خرج ~~علينا رسول الله PageV17P007 فقال ( أقرأ عليكم ثلث القرآن ( فقرأ ( @QB@ ~~قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ ( حتى ختمها # وأما حديث ( الزلزلة ( و ( @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ ( فروى الترمذي ~~عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ( من قرأ إذا زلزلت عدلت له نصف القرآن و ~~من قرأ قل يا أيها الكافرون عدلت له ربع القرآن ( و عن إبن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إذا زلزلت تعدل نصف القرآن و قل يا أيها ~~الكافرون تعدل ربع القرآن ( رواهما الترمذي وقال عن كل منهما غريب # وأما حديث ( الفاتحة ( فروى البخاري فى صحيحه عن أبي سعيد بن المعلي قال ~~كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله فلم أجبه فقلت يا رسول الله إنى كنت ~~أصلي قال ( ألم يقل الله إستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ( ثم قال ( ~~لأعلمنك سورة هي أعظم سورة فى القرآن قال ( الحمد لله رب العالمين هي السبع ~~المثانى والقرآن العظيم ( وفى السنن والمسانيد من حديث العلاء بن عبد ~~الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله قال لأبى بن ms1495 كعب ( ألا أعلمك ~~سورة ما أنزل فى التوراة ولا في الإنجيل و لا في الزبور ولا فى الفرقان ~~مثلها قال فإنى أرجو أن لا PageV17P008 # تخرج من هذا الباب حتى تعلمها ( وقال فيه ( كيف تقرأ فى الصلاة ( فقرأت ~~عليه أم القرآن فقال ( والذي نفسي بيده ما أنزل فى التوراة ولا فى الإنجيل ~~و لا فى الزبور ولا فى القرآن مثلها إنها السبع المثانى والقرآن العظيم ~~الذي أعطيته ( ورواه مالك فى الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبى سعيد ~~مولى عامر بن كريز مرسلا وفى صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ~~( ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب ~~الناس ( وفى لفظ قال لي رسول الله ( أنزل علي آيات لم ير مثلهن قط ~~المعوذتان ( فقد أخبر فى هذا الحديث الصحيح أنه لم ير مثل المعوذتين كما ~~أخبر أنه لم ينزل فى التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن ~~مثل الفاتحة وهذا مما يبين فضل بعض القرآن على بعض # $ فصل # وأما السؤال عن معنى هذه المعادلة مع الإشتراك فى كون الجميع كلام الله ~~فهذا السؤال يتضمن شيئين ( أحدهما ( أن كلام الله هل بعضه أفضل من بعض أم ~~لا ( الثانى ( ما معنى كون ( قل هو الله أحد ( تعدل ثلث القرآن و ما سبب ~~ذلك # PageV17P009 فنقول # أما الأول فهو ( مسألة كبيرة ( و الناس متنازعون فيها نزاعا منتشرا ~~فطوائف يقولون بعض كلام الله أفضل من بعض كما نطقت به النصوص النبوية حيث ~~أخبر عن ( الفاتحة ( أنه لم ينزل فى الكتب الثلاثة مثلها وأخبر عن سورة ( ~~الإخلاص ( أنها تعدل ثلث القرآن وعدلها لثلثه يمنع مساواتها لمقدارها في ~~الحروف و جعل ( آية الكرسي ( أعظم آية فى القرآن كما ثبت ذلك فى الصحيح ~~أيضا وكما ثبت ذلك فى صحيح مسلم أن النبى قال لأبي بن كعب ( يا أبا المنذر ~~أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم ( قال قلت الله ورسوله أعلم قل ms1496 ( يا ~~أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله أعظم ( قال فقلت ( @QB@ الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم @QE@ ( قال فضرب في صدري و قال ( ليهنك العلم أبا ~~المنذر ( ورواه إبن أبى شيبة فى مسنده بإسناد مسلم وزاد فيه ( و الذي نفسي ~~بيده إن لهذه الآية لسانا و شفتين تقدس الملك عند ساق العرش ( وروى أنها ~~سيدة آي القرآن وقال فى المعوذتين ( لم ير مثلهن قط # و قد قال تعالى ( @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ ( فأخبر أنه ياتى بخير منها أو مثلها وهذا بيان من الله لكون تلك ~~الآية قد يأتى بمثلها تارة أو خير منها أخرى فدل ذلك على أن الآيات تتماثل ~~تارة و تتفاصل أخرى # PageV17P010 إن الأيات تتماثل تارة وتتفاصل أخرى # وأيضا فالتوراة والإنجيل والقرآن جميعها كلام الله مع علم المسلمين بأن ~~القرآن أفضل الكتب الثلاثة قال تعالى ( ^ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه ^ ( و قال تعالى ( @QB@ إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ ( وقال تعالى ( ^ قل لئن إجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا ^ ( وقال تعالى ( @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ ~~( فأخبر أنه أحسن الحديث فدل على أنه أحسن من سائر الأحاديث المنزلة من عند ~~الله وغير المنزلة و قال تعالى ( ^ و لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم ^ ( وسواء كان المراد بذلك الفاتحة أو القرآن كله فإنه يدل على أن ~~القرآن العظيم له إختصاص بهذا الوصف على ما لي 4 س كذلك وقد سمى الله ~~القرآن كله مجيدا و كريما وعزيزا وقد تحدى الخلق بأن يأتوا بمثله أو بمثل ~~عشر سور منه أو بمثل سورة منه فقال ( @QB@ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا ~~صادقين @QE@ ( وقال ( @QB@ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ ( وقال ( @QB@ ~~فأتوا بسورة من مثله @QE@ ( # وخصه بأنه لا ms1497 يقرأ في الصلاة إلا هو فليس لأحد أن يقرأ غيره مع قراءته ~~ولا بدون قراءته ولا يصلي بلا قرآن فلا يقوم غيره PageV17P011 مقامه مع ~~القدرة عليه # وكذلك لا يقوم غير الفاتحة مقامها من كل وجه بإتفاق المسلمين سواء قيل ~~بأنها فرض تعاد الصلاة بتركها أو قيل بأنها واجبة يأثم تاركها ولا إعادة ~~عليه أو قيل إنها سنة فلم يقل أحد إن قراءة غيرها مساو لقراءتها من كل وجه # وخص القرآن بأنه لا يمس مصحفه إلا طاهر كما ثبت ذلك عن الصحابة مثل سعد ~~وسلمان وإبن عمر و جماهير السلف والخلف الفقهاء الأربعة وغيرهم ومضت به سنة ~~رسول الله فى كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم الذي لا ريب فى أنه كتبه له ودل ~~على ذلك كتاب الله و كذلك لا يقرأ الجنب القرآن عند جماهير العلماء الفقهاء ~~الأربعة وغيرهم كما دلت على ذلك السنة # وتفضيل أحد الكلامين بأحكام توجب تشريفه يدل على أنه أفضل في نفسه وإن ~~كان ذلك ترجيحا لأحد المتماثلين بلا مرجح و هذا خلاف ما علم من سنة الرب ~~تعالى فى شرعه بل وفى خلقه وخلاف ما تدل عليه الدلائل العقلية مع الشرعية # وأيضا فقد قال تعالى ( @QB@ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ ( ~~وقال تعالى ( @QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ ( ~~وقال تعالى ( @QB@ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها @QE@ ( فدل على ~~PageV17P012 أن # فيما أنزل حسن وأحسن سواء كان الأحسن هو الناسخ الذي يجب الأخذ به دون ~~المنسوخ إذ كان لا ينسخ آية إلا يأتى بخير منها أو مثلها أو كان غير ذلك # والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف وهو ~~الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم وكلام القائلين بذلك ~~كثير منتشر فى كتب كثيرة مثل ما سيأتى ذكره عن أبى العباس ابن سريج في ~~تفسيره لهذا الحديث بأن الله أنزل القرآن على ثلاثة أقسام ثلث منه أحكام ~~وثلث منه وعد ووعيد وثلث منه الأسماء والصفات وهذه السورة ms1498 جمعت الأسماء ~~والصفات # و مثل ما ذكره أصحاب الشافعى وأحمد في مسألة تعيين الفاتحة فى الصلاة قال ~~أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي فى كتابه ( الإصطلام ( وأما ~~قولهم إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة قلت سائر الأحكام ~~قد تعلقت بالقرآن على العموم وهذا على الخصوص بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة ~~على التعيين مشروعة على الوجوب وعندكم على السنة قال وقد قال أصحابنا إن ~~قراءة الفاتحة لما وجبت فى الصلاة وجب أن تتعين الفاتحة لأن القرآن إمتاز ~~عن غيره بالإعجاز وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة وهذه السورة أشرف السور ~~لأنها السبع المثاني و لأنها تصلح عوضا عن جميع السور PageV17P013 ولا تصلح ~~جميع السور عوضا عنها ولأنها تشتمل على ما لا تشتمل سورة ما على قدرها من ~~الآيات وذلك من الثناء والتحميد للرب والإستعانة والإستعاذة والدعاء من ~~العبد فإذا صارت هذه السورة أشرف السور وكانت الصلاة أشرف الحالات فتعينت ~~أشرف السور فى أشرف الحالات هذا لفظه فقد نقل عن أصحاب الشافعي أن هذه ~~السورة أشرف السور كما أن الصلاة أشرف الحالات و بينوا من شرفها على غيرها ~~ما ذكروه # المجلد # وكذلك ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلي بن القاضي أبي ~~حازم إبن القاضي أبي يعلي إبن الفرء قال فى تعليقه ومن خطه نقلت قال فى ~~مسألة كون قراءة الفاتحة ركنا في الصلاة أما الطريق المعتمد فى المسألة فهو ~~أنا نقول الصلاة أشرف العبادات وجبت فيها القراءة فوجب أن يتعين لها أشرف ~~السور والفاتحة أشرف السور فوجب أن تتعين قال واعلم أنا نحتاج فى تمهيد هذه ~~الطريقة إلى شيئين ( أحدهما ( أن الصلاة أشرف العبادات ( و الثانى ( أن ~~الحمد أشرف السور وإستدل على ذلك بما ذكره قال وأما الدليل على أن فاتحة ~~الكتاب أشرف فالنص والمعنى والحكم أما النص فما تقدم من أنها عوض من غيرها ~~وعن أبى سعيد PageV17P014 الخدري عن النبى قال ( فاتحة الكتاب شفاء من السم ~~( وقال الحسن البصري أنزل الله مائة كتاب وأربعة ms1499 كتب من السماء أودع علومها ~~أربعة منها التوراة والإنجيل والزبور و الفرقان ثم أودع علوم هذه الأربعة ~~الفرقان ثم أودع علوم القرآن المفصل ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب فمن ~~علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة ومن قرأها فكأنما قرأ ~~التوراة والإنجيل والزبور والقرآن # وأما المعنى فهو أن الله قابلها بجميع القرآن فقال ( @QB@ ولقد آتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم @QE@ ( وهذه حقيقة لا يدانيها غيرها فيها ~~قلت هذا على قول من جعلها هي السبع المثانى و جعل القرآن العظيم جميع ~~القرآن قال و لأنها تسمى ( أم القرآن ( وأم الشيء أصله ومادته ولهذا سمى ~~الله مكة ( أم القرى ( لشرفها عليهن ولأنها السبع المثانى ولأنها تشتمل على ~~ما لا تشتمل عليه سورة من الثناء والتحميد للرب تعالى والإستعانة به ~~والإستعاذة والدعاء من العبد على ما قال النبى صلى الله عليه و سلم ( يقول ~~الله تعالى قسمت الصلاة بينى وبين عبدي ( الحديث المشهور قال ولأنه لم ينزل ~~مثلها فى التوراة و لا فى الإنجيل ولا فى الزبور ولا فى شيء من الكتب يدل ~~عليه أنها تيسر قراءتها على كل أحد ما لا يتيسر غيرها من القرآن ~~PageV17P015 # وتضرب بها الأمثال ولهذا يقال فلان يحفظ الشيء مثل الفاتحة وإذا كانت ~~بهذه المثابة فغيرها لا يساويها في هذا فإختصت بالشرف ولأنها السبع المثاني ~~قال أهل التفسير معنى ذلك أنها تثنى قراءتها في كل ركعة قال بعضهم ثنى ~~نزولها على النبى قلت وفيه أقوال أخر # قال وأما الحكم فلأنه تستحب قراءتها في كل ركعة ويكره الإخلال بها ولولا ~~أنها أشرف لما إختصت بهذا المعنى يدل عليه أن عند المنازعين يعنى أصحاب أبي ~~حنيفة أن من أخل بقراءتها وجب عليه سجود السهو فنقول لا يخلو إما أن تكون ~~ركنا أو ليست بركن فإن كانت ركن وجب أن لا تجبر بالسجود وإن لم تكن ركنا ~~وجب أن لا يجب عليه سجود قلت يعني بذلك أن السجود لا يجب إلا بترك واجب في ~~حال العمد فإذا ms1500 سها عنه وجب له السجود وما كان واجبا فإذا تعمد تركه وجب أن ~~تبطل صلاته لأنه لم يفعل ما أمر به بخلاف من سها عن بعض الواجبات فإن هذا ~~يمكن أن يجبر ما تركه بسجود السهو ومذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة أن سجود ~~السهو واجب لأن من الواجبات عندهم ما إذا تركه سهوا لم تبطل الصلاة كما لا ~~تبطل بالزيادة سهوا بإتفاق العلماء ولو زاد عمدا لبطلت الصلاة لكن مالكا و ~~أحمد فى المشهور عنهما يقولان PageV17P016 # ما كان و اجبا إذا تركه عمدا بطلت صلاته وإذا تركه سهوا فمنه ما يبطل ~~الصلاة ومنه ما ينجبر بسجود السهو فترك الركوع والسجود والقراءة يبطل ~~الصلاة مطلقا وترك التشهد الأول عندهما يبطل الصلاة عمده ويجب السجود لسهوه ~~وأما أبو حنيفة فيقول الواجب الذي ليس بفرض كالفاتحة إذا تركه كان مسيئا ~~ولا يبطل الصلاة والشافعي لايفرق فى الصلاة بين الركن والواجب ولكن فرق ~~بينهما فى الحج هو و سائر الأئمة # و المقصود هنا ذكر بعض من قال إن الفاتحة أشرف من غيرها # وقال أبو عمر بن عبدالبر و أما قول النبى لأبي ( هل تعلم سورة ما أنزل ~~الله لافى التوراة ولا فى الإنجيل ولا فى الزبور ولا فى القرآن مثلها ( ~~فمعناه مثلها في جمعها لمعانى الخير لأن فيها الثناء على الله عز وجل بما ~~هو أهله وما يستحقه من الحمد الذي هو له حقيقة لا لغيره لأن كل نعمة وخير ~~منه لا من سواه فهو الخالق الرازق لامانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهو ~~محمود على ذلك وإن حمد غيره فإليه يعود الحمد وفيها التعظيم له وأنه الرب ~~للعالم أجمع ومالك الدنيا والآخرة وهو المعبود والمستعان و فيها تعليم ~~الدعاء والهدى و مجانبة طريق من ضل وغوى والدعاء لباب العبادة فهى أجمع ~~سورة للخير ليس فى الكتب مثلها على هذه PageV17P017 # الوجوه قال وقد قيل إن معنى ذلك أنها تجزيء الصلاة بها دون غيرها ولا ~~يجزيء غيرها عنها وليس هذا بتأويل مجتمع عليه قلت ms1501 يعنى بذلك أن فى هذا ~~نزاعا بين العلماء وهو كون الصلاة لاتجزيء إلا بها وهذا يدل على أن الوصف ~~الأول متفق عليه بين العلماء وهو أنها أفضل السور # ومن هذا الباب ما فى الكتاب والسنة من تفضيل القرآن على غيره من كلام ~~الله التوراة والإنجيل وسائر الكتب وأن السلف كلهم كانوا مقرين بذلك ليس ~~فيهم من يقول الجميع كلام الله فلا يفضل القرآن على غيره قال الله تعالى ( ~~^ الله نزل أحسن الحديث كتاب متشابها مثاني ^ ( فأخبر أنه أحسن الحديث وقال ~~تعالى ( ^ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن و إن كنت من ~~قبله لمن الغافلين ^ # ( وأحسن القصص ( قيل إنه مصدر وقيل إنه مفعول به قيل المعنى نحن نقص عليك ~~أحسن الإقتصاص كما يقال نكلمك أحسن التكليم ونبين لك أحسن البيان قال ~~الزجاج نحن نبين لك أحسن البيان والقاص الذي يأتى بالقصة على حقيقتها قال ~~وقوله ( @QB@ بما أوحينا إليك هذا القرآن @QE@ ( أي بوحينا إليك هذا القرآن ~~ومن قال هذا قال بما أوحينا إليك هذا القرآن وعلى هذا القول فهو كقوله نقرأ ~~PageV17P018 # عليك أحسن القراءة ونتلوا عليك أحسن التلاوة والثانى أن المعنى نقص عليك ~~أحسن ما يقص أي حسن الأخبار المقصوصات كما قال فى السورة الأخرى ( @QB@ ~~الله نزل أحسن الحديث @QE@ ( وقال ( @QB@ ومن أصدق من الله قيلا @QE@ ( ~~ويدل على ذلك قوله فى قصة موسى ( ^ فلما جاءه و قص عليه القصص ^ ( وقوله ( ~~@QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ المراد خبرهم ونبأهم ~~وحديثهم ليس المراد مجرد المصدر # والقولان متلازمان فى المعنى كما سنبينه ولهذا يجوز أن يكون هذا المنصوب ~~قد جمع معنى المصدر ومعنى المفعول به لأن فيه كلا المعنيين بخلاف المواضع ~~التى يباين فيها الفعل المفعول به فإنه إذا إنتصب بهذا المعنى إمتنع المعنى ~~الآخر # ومن رجح الأول من النحاة كالزجاج و غيره قالوا القصص مصدر يقال قص أثره ~~يقصه قصصا ومنه قوله تعالى ( @QB@ فارتدا على آثارهما قصصا @QE@ ( وكذلك ~~إقتص أثره وتقصص وقد إقتصصت االحديث رويته على وجهه وقد إقتص ms1502 عليه الخبر ~~قصصا وليس القصص بالفتح جمع قصة كما يظنه بعض العامة فإن ذلك يقال فى قصص ~~بالكسر واحدة قصة والقصة هي الأمر والحديث الذي يقص فعلة بمعنى مفعول وجمعه ~~قصص بالكسر وقوله ( @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص @QE@ ( بالفتح لم يقل ~~أحسن القصص بالكسر و لكن PageV17P019 # بعض الناس ظنوا أن المراد أحسن القصص بالكسر وأن تلك القصة قصة يوسف وذكر ~~هذا طائفة من المفسرين # ثم ذكروا لم سميت أحسن القصص فقيل لأنه ليس فى القرآن قصة تتضمن من العبر ~~والحكم والنكت ما تتضمن هذه القصة وقيل لإمتداد الأوقات بين مبتدأها ~~ومنتهاها وقيل لحسن محاورة يوسف وإخوته وصبره على أذاهم وإغضائه عن ذكر ما ~~تعاطوه عند اللقاء وكرمه في العفو و قيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين ~~والملائكة والشياطين و الإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك ~~والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ومكرهن وحيلهنن وفيها ايضا ذكر ~~التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش ~~فصارت أحسن القصص لما فيها من المعانى والفوائد التى تصلح للدين والدنيا ~~وقيل فيه ذكر الحبيب والمحبوب وقيل ( أحسن ( بمعنى أعجب # والذين يجعلون قصة يوسف أحس القصص منهم من يعلم أن ( القصص ( بالفتح هو ~~النبأ و الخبر ويقولون هي أحسن الأخبار والأنباء و كثير منهم يظن أن المراد ~~أحسن القصص بالكسر وهؤلاء جهال بالعربية وكلا القولين خطأ وليس المراد ~~بقوله ( أحسن القصص ( قصة يوسف وحدها بل هي مما قصه الله ومما يدخل فى أحسن ~~القصص PageV17P020 # ولهذ قال تعالى فى آخر السورة ( ^ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل ~~وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم ~~المجرمين لقد كان فى قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ^ ( فبين أن ~~العبرة ms1503 فى قصص المرسلين وأمر بالنظر فى عاقبة من كذبهم وعاقبتهم بالنصر # ومن المعلوم أن قصة موسى وما جرى له مع فرعون وغيره أعظم وأشرف من قصة ~~يوسف بكثير كثير ولهذا هي أعظم قصص الأنبياء التى تذكر في القرآن ثناها ~~الله أكثر من غيرها و بسطها وطولها أكثر من غيرها بل قصص سائر الأنبياء ~~كنوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم من المرسلين أعظم من قصة يوسف و لهذا ثنى ~~الله تلك القصص فى القرآن ولم يثن قصة يوسف وذلك لأن الذين عادوا يوسف لم ~~يعادوه على الدين بل عادوه عداوة دنيوية و حسدوه على محبة أبيه له و ظلموه ~~فصبر واتقى الله وإبتلي صلوات الله عليه بمن ظلمه وبمن دعاه إلى الفاحشة ~~فصبر وإتقى الله في هذا وفي هذا وإبتلى أيضا بالملك فإبتلى بالسراء والضراء ~~فصبر وإتقى الله في هذا وهذا فكانت قصته من أحسن القصص وهي PageV17P021 # أحسن من القصص التى لم تقص فى القرآن فإن الناس قد يظلمون ويحسدون ويدعون ~~إلى الفاحشة ويبتلون بالملك لكن ليس من لم يذكر فى القرآن ممن إتقى الله و ~~صبر مثل يوسف ولا فيهم من كانت عاقبته أحسن العواقب في الدنيا والآخرة مثل ~~يوسف # وهذا كما أن قصة أهل الكهف و قصة ذي القرنين كل منهما هي فى جنسها أحسن ~~من غيرها فقصة ذي القرنين أحسن قصص الملوك وقصة أهل الكهف أحسن قصص أولياء ~~الله الذين كانوا في زمن الفترة # فقوله تعالى ( @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص @QE@ ( يتناول كل ما قصه فى ~~كتابه فهو أحسن مما لم يقصه ليس المراد أن قصة يوسف أحسن ما قص في القرآن ~~وأين ما جرى ليوسف مما جرى لموسى ونوح وإبراهيم وغيرهم من الرسل وأين ما ~~عودى أولئك مما عودى فيه يوسف وأين فضل أولئك عند الله وعلو درجتهم من يوسف ~~صلوات الله عليهم أجمعين وأين نصر أولئك من نصر يوسف فإن يوسف كما قال الله ~~تعالى ( @QB@ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا ~~من ms1504 نشاء ولا نضيع أجر المحسنين @QE@ ( و أذل الله الذين ظلموه ثم تابوا ~~فكان فيها من العبرة أن المظلوم المحسود إذا صبر و إتقى الله كانت له ~~العاقبة و أن الظالم الحاسد PageV17P022 # قد يتوب الله عليه و يعفو عنه و أن المظلوم ينبغي له العفو عن ظالمه إذا ~~قدر عليه # وبهذا إعتبر النبى يوم فتح مكة لما قام على باب الكعبة وقد أذل الله له ~~الذين عادوه وحاربوه من الطلقاء فقال ( ماذا أنتم قائلون ( فقالوا نقول أخ ~~كريم وإبن عم كريم فقال ( إني قائل لكم كما قال يوسف لأخوته ( @QB@ لا ~~تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين @QE@ و كذلك عائشة لما ~~ظلمت وافتري عليها وقيل لها إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ~~فقالت في كلامها أقول كما قال أبو يوسف ( @QB@ فصبر جميل والله المستعان ~~على ما تصفون @QE@ ( ففي قصة يوسف أنواع من العبرة للمظلوم والمحسود ~~والمبتلى بدواعى الفواحش و الذنوب وغير ذلك # لكن أين قصة نوح وإبراهيم وموسى والمسيح ونحوهم ممن كانت قصته أنه دعا ~~الخلق إلى عبادة الله و حده لا شريك له فكذبوه وآذوه وآذوا من آمن به فإن ~~هؤلاء أوذوا إختيارا منهم لعبادة الله فعودوا وأوذوا فى محبة الله وعبادته ~~بإختيارهم فإنهم لولا إيمانهم ودعوتهم الخلق إلى عبادة الله لما أوذوا وهذا ~~بخلاف من أوذي بغير إختياره كما أخذ يوسف من أبيه بغير إختياره ولهذا كانت ~~محنة يوسف بالنسوة وإمرأة العزيز وإختياره السجن على معصية الله ~~PageV17P023 # أعظم من إيمانه ودرجته عند الله و أجره من صبره على ظلم إخوته له ولهذا ~~يعظم يوسف بهذا أعظم مما يعظم بذلك ولهذا قال تعالى فيه ( @QB@ كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ ( # وهذا كالصبر عن المعاصي مع الصبر على المصائب فالأول أعظم وهو صبر ~~المتقين أولياء الله قال سهل بن عبدالله التستري أفعال البر يفعلها البر ~~والفاجر ولن يصبر عن المعاصي إلا صديق ويوسف صلوات الله عليه كان صديقا ~~نبيا و أما من يظلم بغير ms1505 إختياره ويصبر فهذا كثير ومن لم يصبر صبر الكرام ~~سلاسلو البهائم وكذلك إذا مكن المظلوم و قهر ظالمه فتاب الظالم وخضع له ~~فعفوه عنه من المحاسن والفضائل لكن هذا يفعله خلق كثير من أهل الدين وعقلاء ~~الدنيا فإن حلم الملوك والولاة أجمع لأمرهم وطاعة الناس لهم و تأليفهم ~~لقلوب الناس وكان معاوية من أحلم الناس وكان المأمون حليما حتى كان يقول لو ~~علم الناس محبتى في العفو تقربوا إلى بالذنوب ولهذا لما قدر على من نازعه ~~فى الملك و هو عمه إبراهيم بن المهدي عفا عنه # وأما الصبر عن الشهوات والهوى الغالب لله لا رجاء لمخلوق ولا خوفا منه مع ~~كثرة الدواعى إلى فعل الفاحشة وإختياره الحبس الطويل على ذلك كما قال يوسف ~~( @QB@ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه @QE@ ( PageV17P024 # فهذا لا يوجد نظيره إلا في خيار عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين كما ~~قال تعالى ( @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ~~@QE@ ( فهذا من عباد الله المخلصين الذين قال الله تعالى فيهم ( @QB@ إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ ( ولهذا لم يصدر من يوسف الصديق ذنب أصلا بل ~~الهم الذي هم به لما تركه لله كتب له به حسنة ولهذا لم يذكر عنه سبحانه ~~توبة وإستغفارا كما ذكر توبة الأنبياء كآدم و داود ونوح وغيرهم وإن لم يذكر ~~عن أولئك الأنبياء فاحشة و لله الحمد وإنما كانت توباتهم من أمور أخر هي ~~حسنات بالنسبة إلى غيرهم ولهذا لا يعرف ليوسف نظير فيما إبتلى به من دواعى ~~الفاحشة و تقواه و صبره فى ذلك وإنمات يعرف لغيره ما هو دون ذلك كما فى ~~الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( سبعة يظلهم الله تحت ظل ~~عرشه يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل و شاب نشأ فى عبادة الله و رجل معلق قلبه ~~بالمسجد إذا خرج حتى يعود إليه و رجلان تحابا فى الله إجتمعا على ذلك ~~وتفرقا عليه ورجل دعته إمرأة ذات منصب و جمال فقال ms1506 إنى أخاف الله ورجل ذكر ~~الله خاليا ففاضت عيناه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما تنفق ~~يمينه ( # وإذا كان الصبر على الأذى لئلا يفعل الفاحشة أعظم من صبره على ظلم إخوته ~~فكيف بصبر الرسل على أذى المكذبين لئلا يتركوا ماأمروا به من دعوتهم إلى ~~عبادة الله وحده وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن PageV17P025 المنكر # فهذا الصبر هو من جنس الجهاد فى سبيل الله إذ كان الجهاد مقصودا به أن ~~تكون كلمة الله هي العليا وأن الدين كله لله فالجهاد والصبر فيه أفضل ~~الأعمال كما قال النبى صلى الله عليه و سلم ( رأس الأمر الإسلام و عموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ( وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد ~~والترمذي وصححه وهو من حديث معاذ بن جبل الطويل وهو أحب الأعمال إلى الله ~~فالصبر على تلك المعصية صبر المهاجر الذي هجر ما نهى عنه وصبر المجاهد الذي ~~جاهد نفسه فى الله وجاهد عدو الله الظاهر والباطن والمهاجر الصابر على ترك ~~الذنب إنما جاهد نفسه وشيطانه ثم يجاهد عدو الله الظاهر لتكون كلمة الله هي ~~العليا ويكون الدين كله لله وصبر المظلوم صبر المصاب # لكن المصاب بمصيبة سماوية تصبر نفسه ما لا تصبر نفس من ظلمه الناس فإن ~~ذاك يستشعر أن الله هو الذي فعل به هذا فتيأس نفسه من الدفع والمعاقبة وأخذ ~~الثأر بخلاف المظلوم الذي ظلمه الناس فإن نفسه تستشعر أن ظالمه يمكنه دفعه ~~وعقوبته وأخذ ثأره منه فالصبر على هذه المصيبة أفضل وأعظم كصبر يوسف صلوات ~~الله عليه وسلامه و هذا يكون لأن صاحبه يعلم أن الله قدر ذلك فيصبر على ذلك ~~كالمصائب السماوية ويكون أيضا لينال ثواب الكاظمين الغيظ والعافين ~~PageV17P026 # عن الناس والله يحب المحسنين وليسلم قلبه من الغل للناس وكلا النوعين ~~يشترك فى أن صاحبه يستشعر أن ذلك بذنوبه وهو مما يكفر الله به سيئاته و ~~يستغفر ويتوب وأيضا فيرى أن ذلك الصبر واجب عليه وأن الجزع مما يعاقب عليه ~~وإن إرتقى إلى الرضا رأي أن ms1507 الرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين وباب الله ~~الأعظم وإن رأي ذلك نعمة لما فيه من صلاح قلبه ودينه وقربه إلى الله وتكفير ~~سيئاته وصونه عن ذنوب تدعوه إليها شياطين الإنس والجن شكر الله على هذه ~~النعم # فالمصائب السماوية ولآدمية تشترك في هذه الأمور ومعرفة الناس بهذه الأمور ~~وعلمهم بها هو من فضل الله يمن به على من يشاء من عباده ولهذا كانت أحوال ~~الناس فى المصائب وغيرها متباينة تباينا عظيما ثم إذا شهد العبد القدر وأن ~~هذا أمر قدره الله و قضاه و هو الخالق له فهو مع الصبر يسلم للرب القادر ~~المالك الذي يفعل ما يشاء و هذا حال الصابر و قد يسلم تسليمة للرب المحسن ~~المدبر له بحسن إختياره الذي ( لا يقضي للمؤمن قضاه إلا كان خيرا له إن ~~أصابته سراء شكر فكان خيرا له و إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ( كما ~~رواه مسلم فى صحيحه عن صهيب عن النبى صلى الله عليه و سلم و هذا تسليم راض ~~لعلمه بحسن إختيار الله له و هذا يورث الشكر و قد يسلم تسليمة للرب المحسن ~~إليه المتفضل عليه بنعم عظيمة PageV17P027 # وإن لم ير هذا نعمة فيكون تسليمه تسليم راض غير شاكر وقد يسلم تسليمه لله ~~الذي لا إله إلا هو المستحق لأن يعبد لذاته وهو محمود على كل ما يفعله فإنه ~~عليم حكيم رحيم لا يفعل شيئا إلا لحكمة وهو مستحق لمحبته وعبادته وحمده على ~~كل ما خلقه فهذا تسليم عبد عابد حامد وهذا من الحمادين الذين هم أول من ~~يدعى إلى الجنة و من بينهم صاحب لواء الحمد وآدم فمن دونه تحت لوائه وهذا ~~يكون القضاء خيرا له ونعمة من الله عليه # لكن يكون حمده لله ورضاه بقضائه من حيث عرف الله وأحبه وعبده لإستحقاقه ~~الألوهية وحده لا شريك له فيكون صبره ورضاه وحمده من عبادته الصادرة عن هذه ~~المعرفة والشهادة وهذا يشهد بقلبه أنه لا إله إلا الله والإله عنده هو ~~المستحق للعبادة بلاف من ms1508 لم يشهد إلا مجرد ربوبيته ومشيئته وقدرته أو مجرد ~~إحسانه ونعمته فإنهما مشهدان ناقصان قاصران وإنما يقتصر عليهما من نقص علمه ~~بالله وبدينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه كأهل البدع من الجهمية ~~والقدرية الجبرية والقدرية المعتزلة فإن الأول مشهد أولئك والثاني مشهد ~~هؤلاء وشهود ربوبيته وقدرته ومشيئته مع شهود رحمته وإحسانه وفضله مع شهود ~~إلهيته ومحبته ورضاه وحمده والثناء عليه ومجده هو مشهد أهل العلم والإيمان ~~من أهل السنة والجماعة التابعين بإحسان PageV17P028 للسابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار # وهذه الأمور لبسطها موضع آخر # والمقصود هنا أن هذا يكون للمؤمن فى عموم المصائب وما يكون بأفعال ~~المؤمنين فله فيه كظم الغيظ والعفو عن الناس ويوسف الصديق صلوات الله عليه ~~كان له هذا وأعلى من ذلك الصبر عن الفاحشة مع قوة الداعى إليها فهذا الصبر ~~أعظم من ذلك الصبر بل وأعظم من الصبر على الطاعة ولهذا قال سبحانه فى وصف ~~المتقين الذين أعد لهم الجنة ( @QB@ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين @QE@ ( # فوصفهم بالكرم و الحلم و بالإنفاق و كظم الغيظ و العفو عن الناس ثم لما ~~جاءت الشهوات المحرمات و صفهم بالتوبة منها فقال ( و الذين إذا فعلوا فاحشة ~~أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فإستغفروا لذنوبهم PageV17P029 # @QB@ ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا @QE@ ( فوصفهم ~~بالتوبة منها وترك الإصرار عليها لا بترك ذلك بالكلية فإن النبى قال في ~~الحديث الصحيح ( كتب على إبن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فالعينان ~~تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها السمع واللسان يزني وزناه المنطق ~~واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ms1509 ويشتهي ~~والفرج يصدق ذلك ويكذبه ( وفى الحديث ( كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين ~~التوابون ( فلابد للإنسان من مقدمات الكبيرة وكثير منهم يقع فى الكبيرة ~~فيؤمر بالتوبة و يؤمرون أن لا يصروا على صغيرة فإنه لا صغيرة مع إصرار ولا ~~كبيرة مع إستغفار # ويوسف صلى الله عليه و سلم صبر على الذنب مطلقا ولم يوجد منه إلا هم تركه ~~لله كتب له به حسنة وقد ذكر طائفة من المفسرين أنه وجد منه بعض المقدمات ~~مثل حل السراويل والجلوس مجلس الخاتن ونحو ذلك لكن ليس هذا منقولا نقلا ~~يصدق به فإن هذا لم ينقل عن النبى ومثل هذه الإسرائيليات إذا لم تنقل عن ~~النبى صلى الله عليه و سلم لم يعرف صدقها ولهذا لا يجوز تصديقها ولا ~~تكذيبها إلا بدليل والله تعالى يقول في القرآن ( ^ كذلك لنصرف عنه السوء و ~~الفحشاء ^ ( فدل القرآن على أنه صرف عنه السوء PageV17P030 # والفحشاء مطلقا ولو كان قد فعل صغيرة لتاب منها والقرآن ليس فيه ذكر ~~توبته و من و قع منه بعض أنواع السوء والفحشاء لم يكن ذلك قد صرف عنه بل ~~يكون قد وقع وتاب الله عليه منه والقرآن يدل على خلاف هذا وقد شهدت النسوة ~~له أنهن ما علمن عليه من سوء ولو كان قد بدت منه هذه المقدمات لكانت المرأة ~~قد رأت ذلك وهي من النسوة اللاتى شهدن وقلن ما علمنا عليه من سوء وقالت مع ~~ذلك ( @QB@ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم @QE@ ( و قالت ( @QB@ أنا راودته ~~عن نفسه وإنه لمن الصادقين @QE@ وقوله ( سوء ( نكرة في سياق النفي فدل ذلك ~~على أن المرأة لم تر منه سوءا فإن الهم فى القلب لم تطلع عليه ولو أطلعت ~~عليه فإنه إذا تركه لله كان حسنة ولو تركه مطلقا لم يكن حسنة ولا سيئة فإنه ~~لا إثم فيه إلا مع القول أو العمل # وأما قصة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلوات الله عليهم فتلك أعظم و ~~الواقع فيها من الجانبين فما فعلته الأنبياء من الدعوة إلى توحيد ms1510 الله ~~وعبادته ودينه وإظهار آياته وأمره و نهيه ووعده ووعيده ومجاهدة المكذبين ~~لهم والصبر على أذاهم هو أعظم عند الله ولهذا كانوا أفضل من يوسف صلوات ~~الله عليهم أجمعين وما صبروا عليه و عنه أعظم من الذي صبر يوسف عليه وعنه و ~~عبادتهم لله PageV17P031 # وطاعتهم و تقواهم وصبرهم بما فعلوه أعظم من طاعة يوسف و عبادته وتقواه ~~أولئك أولوا العزم الذين خصهم الله بالذكر في قوله ( ^ وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ^ ( وقال تعالى ~~( @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ ( و هم يوم ~~القيامة الذين تطلب منهم الأمم الشفاعة وبهم أمر خاتم الرسل أن يقتدى فى ~~الصبر فقيل له ( ^ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ^ ( ~~فقصصهم أحسن من قصة يوسف ولهذا ثناها الله فى القرآن لا سيما قصة موسى قال ~~الإمام أحمد بن حنبل احسن أحاديث الأنبياء حديث تكليم الله لموسى # والمقصود هنا أن قوله ( أحسن القصص ( قد قيل إنه مصدر و قيل إنه مفعول به ~~و القولان متلازمان لكن الصحيح أن القصص مفعول به وإن كان أصله مصدرا فقد ~~غلب استعماله في المقصوص كما في لفظ الخبر والنبأ و الإستعمال يدل على ذلك ~~كما تقدم ذكره وقد إعترف بذلك أهل اللغة قال الجوهري وقد قص عليه الخبر ~~قصصا والإسم أيضا القصص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه فقوله ~~أحسن القصص كقوله نخبرك أحسن الخبر وننبؤك أحسن النبأ PageV17P032 # ونحدثك أحسن الحديث ولفظ ( الكلام ( يراد به مصدر كلمة تكليما ويراد به ~~نفس القول فإن القول فيه فعل من القائل هو مسمى المصدر والقول ينشأ عن ذلك ~~الفعل ولهذا تارة يجعل القول نوعا من العمل لأنه حاصل بعمل وتارة يجعل ~~قسيما له يقال القول والعمل وكذلك قد يقال في لفظ ( القصص ( و ( البيان ( و ~~( الحديث ( و ( الخبر ( و نحو ذلك # فإذا أريد ms1511 بالقصص و نحوه المصدر الذي مسماه الفعل فهو مستلزم للقول ~~والقول تابع وإذا أريد به نفس الكلام والقول فهو مستلزم للفعل تابع للفعل ~~فالمصادر الجارية على سنن الأفعال يراد بها الفعل كقولك كلمته تكليما ~~وأخبرته إخبارا وأما ما لم يجر على سنن الفعل مثل الكلام والخبر ونحو ذلك ~~فإن هذا إذا أطلق ريد به القول وكذلك قد يقال فى لفظ القصص فإن مصدره ~~لقياسي قصا مثل عده عدا ومده مدا وكذلك قصه قصا وأما قصص فليس هو قياس مصدر ~~المضعف ولم يذكروا على كونه مصدرا إلا قوله ( @QB@ فارتدا على آثارهما قصصا ~~@QE@ ( و هذا لا يدل على أنه مصدر بل قد يكون إسم مصدر أقيم مقامه كقوله ~~@QB@ والله أنبتكم من الأرض نباتا @QE@ ( و إن جعل مصدر قص الأثر لم يلزم ~~أن يكون مصدر قص الحديث لأن الحديث خبر ونبأ فكان لفظ قصص كلفظ خبر ونبأ ~~وكلام PageV17P033 وأسماء المصار فى باب الكلام تتضمن القول نفسه وتدل على ~~فعل القائل بطريق التضمن واللزوم فإنك إذا قلت الكلام والخبر والحديث ولنبأ ~~والقصص لم يكن مثل قولك التكليم والأنباء والإخبار والتحديث ولهذا يقال أنه ~~منصوب على المفعول به وإسم المصدر ينتصب على المصدر كما في قوله ( @QB@ ~~والله أنبتكم من الأرض نباتا @QE@ ( فإذا قال كلمته كلاما حسنا وحدثته ~~حديثا طيبا وأخبرته أخبارا سارة وقصصت عليه قصصا صادقة ونحو ذلك كان هذا ~~منصوبا على المفعول به لم يكن هذا كقولك كلمته تكليما وأنبأته أنباء فتبين ~~أن قوله ( @QB@ أحسن القصص @QE@ ( منصوب على المفعول وكل ما قصه الله فهو ~~أحسن القصص ولكن هذا إذا كان يتضمن معنى المصدر ومعنى المفعول به جاز أن ~~ينتصب على المعنيين جميعا فإنهما متلازمان تقول قلت قولا حسنا وقد أسمعته ~~قولا ولم يسمع الفعل الذي هو مسمى المصدر وإنما سمع الصوت وتقول قال يقول ~~قولا فتجعله مصدرا والصوت نفسه ليس هو مسمى المصدر إنما مسمى المصدر الفعل ~~المستلزم للصوت ولكن هما متلازمان # ولهذا تنازع أهل السنة والحديث فى التلاوة والقرآن هل هي القرآن المتلو ms1512 ~~أم لا وقد تفطن إبن قتيبة وغيره لما يناسب هذا المعنى وتكلم عليه وسبب ~~الإشتباه أن المتلو هو القرآن نفسه الذي هو الكلام والتلاوة قد يراد بها ~~نفس حركة التالي PageV17P034 # وفعله وقد يراد به الأمران جميعا فمن قال التلاوة هي المتلو أراد ~~بالتلاوة نفس القرآن المسموع وذلك هو المتلو ومن قال غيره أراد بالتلاوة ~~حركة العبد وفعله وتلك ليست هي القرآن ومن نهى عن أن يقال التلاوة هي ~~المتلو أو غير المتلو فلأن لفظ التلاوة يجمع الأمرين كما نهى الإمام أحمد ~~وغيره عن أن يقال التلاوة هي المتلو أو غير المتلو فلأن لفظ التلاوة يجمع ~~الأمرين كما نهى الإمام أحمد وغيره عن أن يقال لفظي بالقرآن مخلوق أو غير ~~مخلوق لأن اللفظ يراد به الملفوظ نفسه الذي هو كلام الله و يراد به مصدر ~~لفظ يلفظ لفظا وهو فعل العبد وأطلق قوم من أهل الحديث أن لفظي بالقرآن غير ~~مخلوق وأطلق ناس آخرون أن لفظي به مخلوق قال إبن قتيبة لم يتنازع أهل ~~الحديث في شيء من أقوالهم إلا فى مسألة اللفظ وهذا كان تنازع أهل الحديث ~~والسنة الذين كانوا فى زمن أحمد بن حنبل وأصحابه الذين أدركوه # ثم جاء بعد هؤلاء طائفة قالوا التلاوة غير المتلو وأرادوا بالتلاوة نفس ~~كلام الله العربى الذي هو القرآن وأرادوا بالمتلو معنى واحدا قائما بذات ~~الله وقال آخرون التلاوة هي المتلو وأرادوا بالتلاوة نفس الأصوات المسموعة ~~من القرآن جعلوا ما سمع من الأصوات هو نفس الكلام الذي ليس بمخلوق ولم ~~يميزوا بين سماع الكلام من المتكلم و بين سماعه من المبلغ له عنه فزاد كل ~~من هؤلاء وهؤلاء من البدع ما لم يكن يقوله أحد من أهل السنة والعلم فلم يكن ~~من أهل PageV17P035 # السنة من يقول إن القرآن العربى ليس هو كلام الله ولا يجعل المتلو مجرد ~~معنى ولا كان فيهم من يقول إن أصوات العباد وغيرها من خصائصهم غير مخلوق بل ~~هم كلهم متفقون على أن القرآن المتلو هو القرآن العربي الذي ms1513 نزله روح القدس ~~من الله بالحق وهو كلام الله الذي تكلم به ولكن تنازعوا فى تلاوة العباد له ~~هل هي القرآن نفسه أم هي الفعل لذي يقرأ به القرآن # والتحقيق أن لفظ ( التلاوة ( يراد به هذا وهذا ولفظ ( القرآن يراد به ~~المصدر ويراد به الكلام قال الله تعالى ( @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ ( وفى الصحيحين عن إبن عباس قال ~~إن علينا أن نجمعه فى قلبك وتقرأه بلسانك وقال أهل العربية يقال قرأت ~~الكتاب قراءة و قرآنا و منه قول حسان % ضحوا بأشمط عنوان السجود به % يقطع ~~الليل تسبيحا % $ وقرآنا وقد قال تعالى ( @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم @QE@ ( و قال تعالى ( @QB@ وإذا قرأت القرآن جعلنا ~~بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا @QE@ ( و قال تعالى ( @QB@ ~~وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا @QE@ ( و هم إنما يستمعون الكلام نفسه ~~ولا يستمعون PageV17P036 # مسمى المصدر الذي هو الفعل فإن ذلك لا يسمع فقوله ( @QB@ نحن نقص عليك ~~أحسن القصص @QE@ ( من هذا الباب من باب نقرأ عليك أحسن القصص ونتلو عليك ~~أحسن القصص كما قال تعالى ( ^ نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ^ ( وقال ~~( @QB@ فإذا قرأناه @QE@ ( قال إبن عباس أي قراءة جبريل ( @QB@ فاتبع قرآنه ~~@QE@ ( فإستمع له حتى يقضي قراءته والمشهور فى قوله ( @QB@ وإذا قرأت ~~القرآن @QE@ ( أنه منصوب على المفعول به فكذلك أحسن القصص لكن فى كلاهما ~~معنى المصدر أيضا كما تقدم ففيه معنى المفعول به ومعنى المصدر جميعا وقد ~~يغلب هذا كما فى قوله ( @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه @QE@ ( فالمراد هنا نفس ~~مسمى المصدر وقد يغلب هذا تارة كما في قوله ( @QB@ فاستمعوا له وأنصتوا ~~@QE@ ( وقوله ( @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله @QE@ ( وقوله ( ^ إن هذ القرآن يهدى للتى هي أقوم ^ ~~( وغالب ما يذكر لفظ ( القرآن ( إنما يراد به نفس الكلام لا يراد به التكلم ~~بالكلام الذي هو مسمى المصدر # ومثل هذا كثير في اللغة يكون أمران متلازمان إما دائما وإما ms1514 غالبا فيطلق ~~الإسم عليهما ويغلب هذا تارة وهذا تارة و قد يقع على أحدهما مفردا كلفظ ( ~~النهر ( و ( القرية ( و ( الميزاب ( ونحو ذلك مما فيه حال ومحل فالإسم ~~يتناول مجرى الماء والماء الجاري وكذلك لفظ PageV17P037 # القرية يتناول المساكن والسكان ثم تقول حفر النهر فالمراد به المجرى و ~~تقول جرى النهر فالمراد به الماء وتقول جرى الميزاب تعنى الماء ونصب ~~الميزاب تعنى الخشب و قال تعالى ( ^ و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ^ ~~( والمراد السكان فى المكان وقال تعالى ( @QB@ وكم من قرية أهلكناها فجاءها ~~بأسنا بياتا أو هم قائلون @QE@ ( و قال تعالى ( @QB@ واسأل القرية التي كنا ~~فيها والعير التي أقبلنا فيها @QE@ ) و قال تعالى ( @QB@ وتلك القرى ~~أهلكناهم لما ظلموا @QE@ ( و قال تعالى ( ^ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة ^ ( وقال تعالي ( ^ لتنذر أم القرى ومن حولها ^ ( وقال تعالى ( ~~@QB@ فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة ~~وقصر مشيد @QE@ ( و الخاوي على عروشه المكن لا السكان وقال تعالى ( @QB@ أو ~~كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها @QE@ ( لما كان المقصود بالقرية هم ~~السكان كان إرادتهم أكثر فى كتاب الله وكذلك لفظ النهر لما كان المقصود هو ~~الماء كان إرادته أكثر كقوله ( @QB@ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم @QE@ ~~وقوله ( @QB@ وفجرنا خلالهما نهرا @QE@ ( فهذا كثير أكثر من قولهم حفرنا ~~النهر # و كذلك إطلاق لفظ القرآن على نفس الكلام أكثر من إطلاقه على نفس التكلم ~~وكذلك لفظ الكلام والقول والقصص و سائر أنواع PageV17P038 # الكلام يراد بها نفس الكلام أكثر مما يراد بها فعل المتكلم وهذه الأمور ~~لبسطها موضع آخر # والمقصود هنا أن قوله تعالى ( ^ نحن نقص عليك أحسن لقصص ^ ( المراد ~~الكلام الذي هو أحسن القصص وهو عام في كل ما قصه الله لم يخص به سورة يوسف ~~و لهذا قال ( ^ بما أوحينا إليك هذ القرآن ^ ( و لم يقل بما أوحينا إليك ~~هذه السورة والآثار المأثورة فى ذلك ms1515 عن السلف تدل كلها على ذلك وعلى أنهم ~~كانوا يعتقدون أن القرآن أفضل من سائر الكتب وهو المراد والمراد من هذا ~~حاصل على كل تقدير فسواء كان أحسن القصص مصدر أو مفعولا أو جامعا للأمرين ~~فهو يدل على أن القرآن وما في القرآن من القصص أحسن من غيره فإنا قد ذكرنا ~~أنهما متلازمان فأيهما كان أحسن كان الآخر أحسن فتبين أن قوله تعالى ( @QB@ ~~أحسن القصص @QE@ ( كقوله ( @QB@ الله نزل أحسن الحديث @QE@ ( والاثار ~~السلفية تدل على ذلك # والسلف كانوا مقرين بأن القرآن أحسن الحديث و أحسن القصص كما أنه المهيمن ~~على ما بين يديه من كتب السماء فكيف يقال إن كلام الله كله لا فضل لبعضه ~~على بعض روى إبن أبي حاتم عن المسعودى عن القاسم أن أصحاب رسول الله ملوا ~~ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله ( @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص ~~@QE@ ( ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فنزلت ( @QB@ الله نزل أحسن ~~الحديث @QE@ ( PageV17P039 # ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله ( @QB@ ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق @QE@ ( # وقد روى أ بو عبيد فى ( فضائل القرآن ( عن بعض التابعين فقال حدثنا حجاج ~~عن المسعودى عن عون بن عبدالله بن عتبة قال مل أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه و سلم ملة فقالوا يا رسول الله حدثنا فأنزل الله تعالى ( @QB@ الله ~~نزل أحسن الحديث @QE@ ( قال ثم نعته فقال ( @QB@ كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ إلى ~~آخر الآية قال ثم ملوا ملة أخرى فقالوا يا رسول الله حدثنا شيئا فوق الحديث ~~ودون القرآن يعنون القصص فأنزل الله ( ^ ألر تلك آيات الكتاب المبين إلى ~~قوله نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين ^ ( قال فإن أرادوا الحديث دلهم على أحسن الحديث وإن أرادوا ~~القصص دلهم على أحسن القصص ورواه إبن أبي حاتم بإسناد حسن مرفوعا ms1516 عن مصعب ~~بن سعد عن سعد قال نزل على رسول الله القرآن فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا ~~رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى ( ^ ألر تلك آيات الكتاب المبين ~~نحن نقص عليك PageV17P040 # أحسن القصص ^ ( فتلاه عليهم زمانا # ولما كان القرآن أحسن الكلام نهوا عن إتباع ما سواه قال تعالى ( ^ أو لم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ^ ( وروى النسائى وغيره عن النبى ~~أنه رأي بيد عمر بن الخطاب [ شيئا من التوراة فقال ] لو كان موسى حيا ثم ~~إتبعتموه وتركتمونى لضللتم وفى رواية ما وسعه إلى إتباعى وفى لفظ فتغير وجه ~~النبى صلى الله عليه و سلم لما عرض عليه عمر ذلك فقال له بعض الأنصار يا ~~إبن الخطاب ألا ترى إلى وجه رسول الله فقال عمر رضينا بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد نبيا ولهذا كان الصحابة ينهون عن إتباع كتب غير القرآن # وعمر إنتفع بهذا حتى أنه لما فتحت الإسكندرية وجد فيها كتب كثيرة من كتب ~~الروم فكتبوا فيها إلى عمر فأمر بها أن تحرق وقال حسبنا كتاب الله و روى ~~إبن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن خليل حدثنا على بن مسهر حدثنا ~~عبدالرحمن بن إسحاق عن خليفة بن قيس عن خالد بن عرفطة قال كنت عند عمر بن ~~الخطاب إذ أتى برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس فقال له عمر أنت فلان إبن ~~فلان العبدي قال نعم قال وأنت النازل بالسوس قال نعم فضربه بقناة معه فقال ~~له ما ذنبى قال PageV17P041 # فقرأ عليه ( ^ ألر تلك آيات الكتاب المبين نحن نقص عليك أحسن القصص بما ~~أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ^ ( فقرأها عليه ثلاث ~~مرات و ضربه ثلاث ضربات ثم قال له عمر أنت الذي إنتسخت كتاب دانيال قال نعم ~~قال إذهب فإمحه الحميم والصوف الأبيض ولا تقرأه ولا تقرئه أحدا من الناس ~~فقرأ عليه عمر هذه الآية ليبين له أن القرآن أحسن القصص فلا يحتاج معه إلى ~~غيره وهذا يدل على ms1517 أن القصص عام لا يختص بسورة يوسف ويدل على أنهم كانوا ~~يعلمون أن القرآن أفضل من كتاب دانيال ونحوه من كتب لأنبياء وكذلك مثل هذه ~~القصة مأثورة عن إبن مسعود لما أتي بما كتب من الكتب محاه وذكر فضيلة لقرآن ~~كما فعل عمر رضي الله عنهما # وروى إبن أبي حاتم عن قتادة ( نحن نقص عليك أحسن القصص ( قال من الكتب ~~الماضية وأمور الله السالفة فى الأمم ( @QB@ بما أوحينا إليك هذا القرآن ~~@QE@ ( وهذا يدل على أن أحسن القصص يعم هذا كله بل لفظ ( القصص ( يتناول ما ~~قصه الأنبياء من آيات الله غير أخبار الأمم كقوله تعالى ( @QB@ ألم يأتكم ~~رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على ~~أنفسنا @QE@ وقال فى موضع آخر ( @QB@ يتلون عليكم آيات ربكم @QE@ ( وقد قال ~~تعالى ( ^ وأنزلنا إليك PageV17P042 # الكتاب بالحق مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا 4 عليه ^ ( وروى إبن ~~أبي حاتم بالإسناد المعروف عن إبن عباس قال مؤتمنا عليه قال وروى عن عكرمة ~~والحسن وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني أنه الأمين وروى من تفسير الوالى عن ~~إبن عباس المهيمن الأمين قال على كل كتاب قبله وكذلك عن الحسن قال مصدقا ~~بهذه الكتب وأمينا عليها ومن تفسير الوالى أيضا عن إبن عباس ومهيمنا عليه ~~قال شهيدا وكذلك قال السدي عن إبن عباس وقال فى قوله ( ^ ومهيمنا عليه ^ ( ~~على كل كتاب قبله قل وروى عن سعيد بن جبير وعكرمة و عطية وعطاء الخراساني ~~ومحمد بن كعب وقتادة والسدي وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم نحو ذلك وإبن أبى ~~حاتم قد ذكر فى أول كتابه فى التفسير أنه طلب منه إخراج تفسير القرآن ~~مختصرا بأصح الأسانيد وإنه تحرى إخراجه بأصح الأخبار إسنادا وأشعبها متنا و ~~ذكر إسناده عن كل من نقل عنه شيئا # فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين ~~يديه من الكتب ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة ومن أسماء الله ~~( المهيمن ( ويسمى الحاكم على الناس القائم بأمورهم ms1518 ( المهيمن ( قال المبرد ~~والجوهري و غيرهما المهيمن في اللغة المؤتمن وقال الخليل الرقيب الحافظ و ~~قال الخطابى المهيمن PageV17P043 # الشهيد قال وقال بعض أهل اللغة الهيمنة القيام على الشيء والرعاية له ~~وأنشد % ألا إن الناس بعد نبيهم % مهيمنه التاليه في العرف والنكر % $ # يريد القائم على الناس بالرعاية لهم وفي مهيمن قولان قيل أصله مؤيمن ~~والهاء مبدلة من الهمزة وقيل بل الهاء أصلية # وهكذ القرآن فإنه قرر ما فى الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم ~~الآخر وزد ذلك بيانا وتفصيلا وبين الأدلة والبراهين على ذلك وقرر نبوة ~~الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين وقرر الشرائع الكلية التى بعث بها الرسل ~~كلهم وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين وبين عقوبات ~~الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها وبين ما حرف منها وبدل وما فعله ~~أهل الكتاب فى الكتب المتقدمة وبين أيضا ما كتموه مما أمر الله ببيانه وكل ~~ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التى نزل بها القرآن فصارت له ~~الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة فهو شاهد بصدقها و شاهد ~~بكذب ما حرف منها وهو حاكم بإقرار ما أقره الله ونسخ ما نسخه فهو شاهد فى ~~الخبريات حاكم فى الأمريات PageV17P044 # وكذلك معنى ( الشهادة ( و ( الحكم ( يتضمن إثبات ما أثبته الله من صدق و ~~محكم وإبطال ما أبطله من كذب ومنسوخ وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور ~~بهذه المثابة بل هي متبعة لشريعة التورة إلا يسيرا نسخه الله بالإنجيل ~~بخلاف القرآن ثم إنه معجز فى نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله ففيه ~~دعوة الرسول وهو آية الرسول وبرهانه على صدقه ونبوته وفيه ما جاء به الرسول ~~وهو نفسه برهان على ما جاء به # وفيه أيضا من ضرب الأمثال وبيان الآيات على تفضيل ما جاء به الرسول ما لو ~~جمع إليه علوم جميع العلماء لم يكن ما عندهم إلا بعض ما فى القرآن ومن تأمل ~~ما تكلم به الأولون و الآخرون فى أصول الدين والعلوم الإلهية وأمور ms1519 المعاد ~~والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها ~~وسعادتها ونجاتها لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل ~~الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن و لهذا لم تحتج الأمة مع ~~رسولها وكتابها إلى نبى آخر وكتاب آخر فضلا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل ~~بنفسه غيره سواء كان من علم المحدثين والملهمين أو من علم أرباب النظر ~~والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء ولهذا قال النبى ~~PageV17P045 # صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح ( أنه فى الأمم قبلكم محدثون فإن ~~يكن فى أمتى أحد فعمر ( فعلق ذلك تعليقا فى أمته مع جزمه به فيمن تقدم لأن ~~الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدثين كما كانوا محتاجين إلى نبى بعد نبى ~~و أما أمة محمد فأغناهم الله برسولهم و كتابهم عن كل ما سواه حتى أن المحدث ~~منهم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما يؤخذ منه ما وافق الكتاب والسنة ~~وإذا حدث شيئا فى قلبه لم يكن له أن يقبله حتى يعرضه على الكتاب والسنة ~~وكذلك لا يقبله إلا أن وافق الكتاب والسنة وهذا باب واسع فى فضائل القرآن ~~على ما سواه # والمقصود أن نبين أن مثل هذا هو من العلم المستقر فى نفوس الأمة السابقين ~~والتابعين ولم يعرف قط أحد من السلف رد مثل هذا ولا قال لا يكون كلام الله ~~بعضه أشرف من بعض فإنه كله من صفات الله و نحو ذلك إنما حدث هذا الإنكار ~~لما ظهرت بدع الجهمية الذين إختلفوا في الكتب وجعلوه عضين # وممن ذكر ( تفضيل بعض القرآن على بعض فى نفسه ( أصحاب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما كالشيخ أبي حامد الإسفرائيني والقاضي أبى الطيب وأبى إسحاق ~~الشيرازي وغيرهم ومثل القاضي أبي يعلى والحلوانى الكبير وإبنه عبدالرحمن ~~وإبن عقيل # PageV17P046 # قال أبو الوفاء بن عقيل فى ( كتاب الواضح فى أصول الفقه ( فى إحتجاجه على ~~أن القرآن لا ينسخ بالسنة قال فمن ذلك قوله ( @QB@ ما ننسخ من ms1520 آية أو ننسها ~~نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ( وليست السنة مثل القرآن ولا خيرا منه فبطل ~~النسخ بها لأنه يؤدي إلى المحال وهو كون خبره بخلاف مخبره وذلك محل على ~~الله فما أدي إليه فهو محال # قال فإن قيل أصل إستدلالكم مبني على أن المراد بالخير الفضل وليس المراد ~~به ذلك وإنما المراد نأت بخير منها لكم وذلك يرجع إلى أحد أمرين في حقنا ~~إما سهولة في التكليف فهو خير عاجل أو أكثر ثوابا لكونه أثقل وأشق و يكون ~~نفعا فى الآجل والعاقبة وكلاهما قد يتحقق بطريق السنة ويحتمل نأت بخير منها ~~لا ناسخا لها بل يكون تكليفا مبتدأ هو خير لكم وإن لم يكن طريقه القرآن ~~الناسخ ولا السنة الناسخة قالوا يوضح هذه التأويلات أن القرآن نفسه ليس ~~بعضه خيرا من بعض فلابد أن يصرفوا اللفظ عن ظاهره من خير يعود إلى التكليف ~~لا إلى الطريق # وقال فى الجواب قولهم الخير يرجع إلى ما يخصنا من سهولة أو ثواب لا يصح ~~لأنه أراد ذلك لقال ( لكم ( فلما حذف ذلك دل على ما يقتضيه الإطلاق و هو ~~كون الناسخ خيرا من جهة نفسه وذاته ومن جهة الإنتفاع به في العاجل الآجل ~~على أن ظاهره يقتضي PageV17P047 # بآيات خير منها فإن ذلك يعود إلى الجنس كما إذا قال القائل ما آخذ منك ~~دينارا ألا أعطيك خيرا منه لا يعقل بالإطلاق إلا دينارا خيرا منه فيتخير من ~~الجنس أو لا ثم النفع فأما أن يرجع ذلك إلى ثوب أو عرض غير الدينار فلا وفى ~~آخر الآية ما يشهد بأنه أراد به القرآن لأنه قال ( ^ ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير ^ ( و وصفه لنفسه بالقدرة يدل على أن الذي يأتى به هو أمر يرجع ~~إليه دون غيره و كذلك قوله ( أو مثلها ( يشهد لما ذكرناه لأن المماثلة ~~يقتضي إطلاقها من كل و جه لا سيما وقد أنثها تأنيث الآية فكأنه قال نأت ~~بآية منها أو بآية مثلها # ( قلت ( وأيضا فلا يجوز أن ms1521 يراد بالخير من جهة كونه أخف عملا أو أشق ~~وأكثر ثوابا لأن هذين لوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به مبتدأ وناسخا فإنه ~~إما أن يكون أيسر من غيره في الدنيا وإما أن يكون أشق فيكون ثوابه أكثر ~~فإذا كانت هذه الصفة لازمة لجميع الأحكام لم يحسن أن يقال ما ننسخ من حكم ~~نأت بخير منه أو مثله فإن المنسوخ أيضا يكون خيرا ومثلا بهذا الإعتبر فإنهم ~~إن فسروا الخير بكونه أسهل فقد يكون المنسوخ أسهل فيكون خيرا وإن فسروه ~~بكونه أعظم أجرا لمشقته فقد يكون المنسوخ كذلك والله قد أخبر أنه لابد أن ~~يأتى بخير مما ينسخه أو مثله فلا يأتى بما هو دونه PageV17P048 # وأيضا فعلى ما قالوه لا يكون شيء خيرا من شيء بل إن كان خيرا من جهة ~~السهولة فذلك خير من جهة كثرة الأجر قال إبن عقيل وأما قولهم إن القرآن في ~~نفسه لا يتخاير ولا يتفاضل فعلم أنه لم يرد به الخير لذي هو الأفضلية فليس ~~كذلك فإن توحيد الله الذي فى ( سورة الإخلاص ( وما ضمنها من نفي التجزي ~~والإنقسام أفضل من ( تبت ( المتضمنة ذم أبى لهب وذم زوجته إن شئت فى كون ~~المدح أفضل من القدح وإن شئت فى الإعجاز فإن تلاوة غيرها من الآيات التى ~~تظهر منها الفصاحة والبيان أفضل وليس من حيث كان المتكلم واحدا لا يكون ~~التفاضل لمعنى يعود إلى الكلام ثانيا كما أن المرسل واحد لذي النون ~~وإبراهيم وإبراهيم أفضل من ذي النون قال و أما قولهم ( نأت بخير منها ( لا ~~يكون ناسخا بل مبتدأ فلا يصح لأنه خرج مخرج الجزاء مجزوما وهذا يعطي ~~البدلية والمقابلة مثل قولهم إن تكرمني أكرمك وإن أطعتني طعتك يقتضي أن ~~يكون الجزاء مقابلة وبدلا لا فعلا مبتدأ # قلت المقصود هنا ذكر ما نصره من كون القرآن فى نفسه بعضه خيرا من بعض ليس ~~المقصود الكلام في مسألة النسخ و كذلك غير هؤلاء صرحوا بأن بعض القرآن قد ~~يكون خيرا من بعض وممن ذكر ذلك ms1522 أبو حامد الغزالي فى كتابه ( جواهر القرآن ( ~~قال PageV17P049 # لعلك تقول قد توجه قصدك فى هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض آيات القرآن على ~~بعض والكل كلام الله فكيف يفارق بعضها بعضا وكيف يكون بعضها أشرف من بعض ~~فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسى وآية ~~المداينات وبين سورة الإخلاص و سورة تبت وترتاع من إعتقادج الفرق نفسك ~~الخوارة المستغرقة فى التقليد فقلد صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فهو ~~الذي أنزل عليه القرآن وقال ( قلب القرآن يس ( وقد دلت الأخبار على شرف ~~بعضه على بعض فقال ( فاتحة الكتاب أفضل سور القرآن ( وقال ( آية الكرسي ~~سيدة آي القرآن ( وقال ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ( والأخبار ~~الواردة في فضائل قوارع القرآن وتخصص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة ~~الثواب فى تلاوتها لا تحصى فإطلبه من كتب الحديث إن أردت وننبهك الآن على ~~معنى هذه الأخبار الأربعة فى تفضيل هذه السور # قلت و سنذكر إن شاء الله ما ذكره في تفضيل ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( ~~وممن ذكر كلام الناس فى ذلك و حكى هذ القول عمن حكاه من السلف القاضي عياض ~~في ( شرح مسلم ( قال فى قول النبى لأبي ( أتدري أي آية من كتاب الله أعظم ( # وذكر آية الكرسي فيه حجة لتفضيل بعض القرآن على بعض PageV17P050 # وتفضيل لقرى ن على سائر كتب الله عند من إختاره منهم إسحاق بن راهوية ~~وغيره من العلماء والمتكلمين قال وذلك راجع إلى عظم أجر قارئي ذلك وجزيل ~~ثوابه على بعضه أكثر من سائره قال وهذا مما إختلف أهل العلم فيه فأبي ذلك ~~الأشعري وإبن الباقلاني و جماعة من الفقهاء وأهل العلم لأن مقتضي الأفضل ~~نقص المفضول عنه وكلام الله لا يتبعض قالوا وما ورد من ذلك بقوله ( أفضل ( ~~و ( أعظم ( لبعض الآي و السور فمعناه عظيم وفاضل قال وقيل كانت آية الكرسي ~~أعظم لأنها جمعت أصول الأسماء والصفات من الإلهية والحياة والوحدانية ~~والعلم والملك والقدرة والإرادة وهذه السبعة قالوا هي أصول ms1523 الأسماء والصفات # قلت المقصود ما ذكره من كلام العلماء وأما قول القائل إن هذه السبعة هي ~~أصول الأسماء فهذه السبعة عند كثير من المتكلمين هي المعروفة بالعقل وما ~~سواها قالوا إنما يعلم بالسمع وهذا أمر يرجع إلى طريق علمنا لا إلى أمر ~~حقيقي ثابت لها فى نفس الأمر فكيف والجمهور على أن ما سواها قد يعلم بالعقل ~~أيضا كالمحبة والرضا والأمر والنهي ومذهب إبن كلاب وأكثر قدماء الصفاتية أن ~~العلو من الصفات العقلية وهو مذهب أبى العباس القلانسي والحارث المحاسبى ~~ومذهب طوائف من أهل الكلام والحديث والفقه وهو آخر قولي القاضي PageV17P051 # أبي يعلي وأبي الحسن بن الزاغونى وغيره ومذهب إبن كرام وأصحابه وهو قول ~~عامة أئمة الحديث والفقه والتصوف # وكذلك ما فسره القاضي عياض من قول المفضلين إن المراد كثرة الثواب فهذا ~~لا ينازع فيه الأشعري وإبن الباقلاني فإن الثواب مخلوق من مخلوقات الله ~~تعالى فلا ينازع أحد فى أن بعضه أفضل من بعض و إنما النزاع في نفس كلام ~~الله الذي هو كلامه فحكايته النزاع يناقض ما فسر به قول المثبتة وقد بين ~~مأخذ الممتنعين عن التفضيل منهم من نفى التفاضل فى الصفات مطلقا بناء على ~~أن القديم لا يتفاضل والقرآن من الصفات ومنهم من خص القرآن بأنه واحد على ~~أصله فلا يعقل فيه معنيان فضلا أن يعقل فيه فاضل ومفضول و هذا أصل أبى ~~الحسن ومن وافقه كما سنبينه إن شاء الله تعالى # وهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم فى أن كلام الله يكون بعضه أفضل من بعض ليس ~~فيهم أحد من القائلين بأن كلام الله مخلوق كما يقول ذلك من يقوله من أهل ~~البدع كالجهمية والمعتزلة بل كل هؤلاء يقولون إن كلام الله غير مخلوق ولو ~~تتبع ذكر من قال ذلك لكثروا فإن هذا قول جماهير المسلمين من السلف والخلف ~~أهل السنة وأهل البدعة أما السلف كالصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يعرف ~~لهم فى هذا الأصل تنازع بل الآثار متواترة عنهم به # PageV17P052 # وإشتهر القول بإنكار تفاضله بعد المائتين لما ms1524 أظهرت الجهمية القول بأن ~~القرآن مخلوق وإتفق أئمة السنة وجماهير الأمة على إنكار ذلك و رده عليهم و ~~ظنت طائفة كثيرة مثل أبى محمد بن كلاب ومن وافقه أن هذا القول لا يمكن رده ~~إلا إذا قيل أن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته و لا كلم موسى حين أتاه ولا ~~قال للملائكة إسجدوا لآدم بعد أن خلقه ولا يغضب على أحد بعد أن يكفر به ولا ~~يرضي عنه بعد أن يطيعه ولا يحبه بعد أن يتقرب إليه بالنوافل ولا يتكلم ~~بكلام بعد كلام فتكون كلماته لا نهاية لها إلى غير ذلك مما ظنوا إنتفاءه عن ~~الله وقالوا إنما يمكن مخالفة هؤلاء إذا قيل بأن القرآن و غيره من الكلام ~~لازم لذات الله تعالى لم يزل ولا يزال يتكلم بكل كلام له كقوله يا آدم يا ~~نوح وصاروا طائفتين طائفة تقول إنه معنى واحد قائم بذاته وطائفة تقول إنه ~~حروف أو حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا وإن كانت مترتبة في ذاتها ~~ترتبا ذاتيا لا ترتبا و جوديا كما قد بين مقالات الناس في كلام الله فى غير ~~هذا الموضع والأولون عندهم كلام الله شيء و أحد لا بعض له فضلا عن أن يقال ~~بعضه أفضل من بعض والآخرون يقولون هو قديم لازم لذاته والقديم لا يتفاضل # وربما نقل عن بعض السلف فى قوله تعالى ( @QB@ نأت بخير منها @QE@ ~~PageV17P053 # أنه قال خير لكم منها أو أنفع لكم فيظن الظان أن ذلك القائل موافق لهؤلاء ~~وليس كذلك بل مقصوده بيان وجه كونه خيرا وهو أن يكون أنفع للعباد فإن ما ~~كان أكثر من الكلام نفعا للعباد كان فى نفسه أفضل كما بين فى موضعه وصار من ~~سلك مسلك الكلابية من متأخرى أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم يظنون أن ~~القول بتفاضل كلام الله بعضه على بعض إنما يمكن على قول المعتزلة ونحوهم ~~الذين يقولون إنه مخلوق فإن القائلين بأنه مخلوق يرون فضل بعضه على بعض فضل ~~مخلوق على مخلوق و تفضيل بعض المخلوقات ms1525 على بعض لا ينكره أحد فإذا ظن أولئك ~~أن القول بتفضيل بعض كلام الله على بعض مستلزم لكون القرآن مخلوقا فروا من ~~ذلك وأنكروا القول به لأجل ما ظنوه من التلازم وليس الأمر كما ظنوه بل سلف ~~الأمة وجمهورها يقولون إن القرآن كلام غير مخلوق وكذلك سائر كلام الله غير ~~مخلوق ويقولون مع ذلك إن كلام الله بعضه أفضل من بعض كما نطق بذلك الكتاب ~~والسنة وآثار الصحابة والتابعين من غير خلاف يعرف في ذلك عنهم # وحدثنا أبى عن جدنا أبي البركات وصاحبه أبى عبدالله بن عبدالوهاب أنهما ~~نظرا فيما ذكره بعض المفسرين من الأقوال فى قوله ( @QB@ نأت بخير منها أو ~~مثلها @QE@ وأظنه كان نظرهم فى تفسير أبى عبدالله محمد بن تيمية فلما رآيا ~~تلك لأقوال قالا هذا إنما يجيء على قول المعتزلة وزار مرة أبو عبد ~~PageV17P054 الله بن عبدالوهاب هذا لشيخنا أبى زكريا بن الصيرفي وكان مريضا ~~فدعا أبو زكريا بدعاء مأثور عن الإمام أحمد يقول فيه ( أسألك بقدرتك التى ~~قدرت بها أن تقول للسموات والأرض أئتيا طوعا أو كرها قالتا آتينا طائعين أن ~~تفعل بنا كذا وكذا ( فلما خرج الناس من عنده قال له ما هذا الدعاء الذي ~~دعوت به هذا إنما يجيء على قول المعتزلة الذين يقولون القرآن مخلوق فأما ~~أهل السنة فلا يقال عندهم قدر أن يتكلم أو يقول فإن كلامه قديم لازم لذاته ~~لا يتعلق بمشيئته وقدرته # وكان أبو عبدالله بن عبدالوهاب رحمه الله قد تلقى هذا عن البحوث التى ~~يذكرها أبو الحسن بن الزاغونى وأمثاله وقبله أبو الوفاء بن عقيل وأمثاله ~~وقبلهما أبو يعلى و نحوه فإن هؤلاء وأمثالهم من أصحاب مالك والشافعي كأبي ~~الوليد الباجي وأبى المعالى الجوينى وطائفة من أصحاب أبي حنيفة يوافقون إبن ~~كلاب على قوله إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وعلى قوله إن القرآن لازم ~~لذات الله بل يظنون أن هذا قول السلف قول أحمد بن حنبل ومالك والشافعي و ~~سائر السلف الذين يقولون القرآن غير مخلوق حتى إن ms1526 من سلك مسلك السالمية من ~~هؤلاء كالقاضي و إبن عقيل و إبن PageV17P055 الزاغونى يصرحون بأن مذهب أحمد ~~أن القرآن قديم وأنه حروف وأصوات وأحمد بن حنبل وغيره من الأئمة الأربعة لم ~~يقولوا هذا قط و لا ناظروا عليه و لكنهم و غيرهم من اتباع الأئمة الأربعة ~~لم يعرفو أقوالهم في بعض المسائل # ولكن الذين ظنوا أن قول إبن كلاب وأتباعه هو مذهب السلف ومن أن القرآن ~~غير مخلوق هم الذين صاروا يقولون إن كلام الله بعضه أفضل إنما يجيء على قول ~~أهل البدع الجهمية والمعتزلة كما صار يقول ذلك طوائف من أتباع الأئمة كما ~~سنذكره من أقوال بعض أصحاب مالك والشافعي و لم يعلموا أن السلف لم يقل أحد ~~منهم بهذا بل أنكروا على إبن كلاب هذا الأصل وأمر أحمد بن حنبل وغيره بهجر ~~الكلابية على هذا الأصل حتى هجر الحارث المحاسبى لأنه كان صاحب إبن كلاب ~~وكان قد وافقه على هذا الأصل ثم روى عنه أنه رجع عن ذلك وكان أحمد يحذر عن ~~الكلابية وكان قد وقع بين أبى برك بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة وبين بعض ~~أصحابه مشاجرة على هذا الأصل لأنهم كانوا يقولون بقول إبن كلاب وقد ذكر ~~قصتهم الحاكم أبو عبدالله النيسابورى فى ( تاريخ نيسابور ( وبسط الكلام على ~~هذا الأصل له موضع آخر و إنما نبهنا على المآخذ التى تعرف بها حقائق ~~الأقوال # PageV17P056 $ فصل # وفى الجملة فدلالة النصوص النبوية والآثار السلفية ولأحكام الشرعية ~~والحجج العقلية على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو من الدلالات الظاهرة ~~المشهورة # وأيضا فإن القرآن وإن كان كله كلام الله وكذلك التوراة و الإنجيل ~~والأحاديث الإلهية التى يحكيها الرسول عن الله تبارك وتعالى كقوله ( يا ~~عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرم فلا تظالموا ( الحديث ~~وكقوله ( من ذكرني فى نفسه ذكررته فى نفسي ( و أمثال ذلك هي و إن إشتركت فى ~~كونها كلام الله فمعلوم أن الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم به ونسبة إلى ~~المتكلم فيه ms1527 فهو يتفاضل بإعتبار النسبتين و بإعتبار نفسه أيضا مثل الكلام ~~الخبري له نسبتان نسبة إلى المتكلم المخبر ونسبة إلى المخبر عنه المتكلم ~~فيه فقل هو الله أحد و تبت يدا أبى لهب كلاهما كلام الله و هما مشتركان من ~~هذه الجهة لكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه المخبر عنه فهذه كلام الله و ~~خبره الذي يخبر به عن نفسه و صفته التى يصف بها نفسه PageV17P057 و كلامه ~~الذي يتكلم به عن نفسه و هذه كلام الله الذي يتكلم به عن بعض خلقه و يخبر ~~به عنه و يصف به حاله و هما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى ~~المقصود بالكلامين # ألا ترى أن المخلوق يتكلم بكلام هو كله كلامه لكن كلامه الذي يذكر به ربه ~~أعظم من كلامه الذي يذكر به بعض المخلوقات و الجميع كلامه فإشتراك الكلامين ~~بالنسبة إلى المتكلم لا يمنع تفاضلهما بالنسبة إلى المتكلم فيه سواء كانت ~~النسبتان أو إحداهما توجب التفضيل أو لا توجبه فكلام الأنبياء ثم العلماء و ~~الخطباء و الشعراء بعضه أفضل من بعض و إن كان المتكلم و احدا و كذلك كلام ~~الملائكة و الجن و سواء أريد بالكلام المعاني فقط أو الألفاظ فقط أو كلاهما ~~أو كل منهما فلا ريب فى تفضل الألفاظ و المعاني من المتكلم الواحد فدل ذلك ~~على أن مجرد إتفاق الكلامين في أن المتكلم بهما و أحد لا يوجب ثماثلهما من ~~سائر الجهات # فتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه سواء كن خبرا أو إنشاء أمر معلوم ~~بالفطرة و الشرعة فليس الخبر المتضمن للحمد لله و الثناء عليه بأسمائه ~~الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب و فرعون و إبليس و إن كان هذا كلاما ~~عظيما معظما تكلم الله به و كذلك ليس الأمر بالتوحيد و الإيمان بالله و ~~رسوله و غير ذلك من أصول الدين الذي أمرت PageV17P058 به الشرائع كلها و ~~غير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة و النهي عن الشرك و قتل النفس ~~و الزنا و ms1528 نحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها و ما يحصل معه فساد عظيم كالأمر ~~بلعق الأصابع و إماطة الأذى عن اللقمة الساقطة و النهي عن القران فى التمر ~~و لو كان لأمران و اجبين فليس الأمر بالإيمان بالله و رسوله كالأمر بأخذ ~~الزينة عند كل مسجد و الأمر بانفاق على الحامل و إيتائها أجرها إذا أرضعت # و لهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاضل أنواع الإيجاب و التحريم و قالوا إن ~~إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر و تحريمه أشد من تحريم ~~الآخر فهذا أعظم إيجابا و هذا أعظم تحريما و لكن طائفة أهل من الكلام ~~نازعوا فى ذلك كإبن عقيل و غيره فقالوا التفاضل ليس في نفس الإيجاب و ~~التحريم لكن في متعلق ذلك و هو كثرة الثواب و العقاب و الجمهور يقولون بل ~~التفاضل فى الأمرين و التفاضل فى المسببات دليل على التفاضل في الأسباب و ~~كون أحد الفعلين ثوابه أعظم و عقابه أعظم دليل على أن الأمر به و النهي عنه ~~أوكد و كون أحد الأمرين و النهيين مخصوصا بالتوكيد دون الثاني مما لا ~~يستريب فيه عاقل و لو تساويا من كل و جه لإمتنع الإختصاص بتوكيد أو غيره من ~~أسباب الترجيح فإن التسوية و التفضيل متضادان # و جمهور أئمة الفقهاء على التفاضل فى الإيجاب و التحريم و إطلاق ~~PageV17P059 ذلك هو قول جماهير المتأخرين من أصحاب الأئمة الأربعة و هو قول ~~القاضي أبي يعلى و أبي الخطاب و القاضي يعقوب البرزيني و عبدالرحمن ~~الحلوانى و أبى الحسن بن الزاغونى و غيرهم لكن من هؤلاء من يفسر التفضل ~~بتفاضل الثواب و العقاب و نحو ذلك مما لا ينازع فبه النفاة و التحقيق أن ~~نفس المحبة و الرضا و البغض و الإرادة و الكرمة و الطلب و الإقتضاء و نحو ~~ذلك من المعانى تتفاضل و تتفاضل الألفاظ الدالة عليها و نفس حب العباد ~~لربهم يتفاضل كما قال تعالى ( ^ و الذين آمنوا إشد حبا لله ^ ( و نفس حب ~~الله ms1529 لهم يتفاضل إيضا فإن الخليلين إبراهيم و محمدا إحب إليه ممن سواهما و ~~بعض الأعمال أحب إلى الله من بعض و القول بأن هذا الفعل أحب إلي من هذا ~~مشهور و مستفيض فى الآثار النبوية و كلام خير البرية كقول بعض الصحابة لو ~~علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لفعلناه فأنزل الله سورة الصف و هو مشهور ~~ثابت رواه الترمذي و غيره # وكون هذا أحب إلى الله من هذا هو داخل فى تفضيل بعض الأعمال و بعض ~~الأشخاص على بعض و بعض الأمكنة و الأزمنة على بعض و قد قال النبى صلى الله ~~عليه و سلم لمكة ( و الله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله إلى الله و ~~لولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت ( قال الترمذي حديث حسن صحيح رواه من ~~PageV17P060 حديث عبدالله بن عدي بن الحمراء و كذلك تفضيل حبه و بغضه على ~~حب غيره و بغضه كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( لا ~~أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه و لا أحد أحب إليه العذر ~~من الله من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين و منذرين ( و قال ( لا أحد أغير من ~~الله ( و هذا فى الصحيحين و قال تعالى ( لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ( ~~الآية و من المعلوم بالإضطرار تفاضل المأمورات فبعضها أفضل من بعض و بعض ~~المنهيات شر من بعض و حينئذ فطلب الأفضل يكون فى نفسه أكمل من طلب المفضول ~~و الطالب إذا كان حكيما يكون طلبه لهذا أوكد # ففي الجملة من المستقر في فطر العقلاء أن كلا من الخبر و الأمر يلحقهما ~~التفاضل من جهة المخبر عنه و المأمور به فإذا كان المخبر به أكمل و أفضل ~~كان الخبر به أفضل و إذا كان المأمور به أفضل كان المأمور به أفضل و لهذا ~~كان الخبر بما فيه نجاة النفوس من العذاب و حصول السعادة الأبدية أفضل من ~~الخبر بما فيه ms1530 نيل منزلة أو حصول دراهم و الرؤيا التى تتضمن أفضل الخبرين ~~أعظم من الرؤيا التى تتضمن أدناهما و هذا أمر مستقر فى فطر العقلاء قاطبة و ~~إذا قدر أميران أمر أحدهما بعدل عام عمر به البلاد و دفع به الفساد كان هذا ~~الأمر أعظم من أمر أمير PageV17P061 يعدل بين خصمين فى ميراث بعض الأموات # المجلد # و أيضا فالخبر يتضمن العلم بالمخبر به و الأمر يتضمن طلبا و إرادة ~~للمأمور به و إن لم يكن ذلك إرادة فعل الأمر و الله تعالى أمر العباد بما ~~أمرهم به و لكن أعان أهل الطاعة فصار مريدا لأن يخلق أفعالهم و لم يعن أهل ~~المعصية فلم يرد أن يخلق فعالهم فهذه الإرادة الخلقية القدرية لا تستلزم ~~الأمر و اما الإرادة بمعنى أنه يجب فعل ما أمر به و يرضاه إذا فعل و يريد ~~من المأمور أن يفعله من حيث هو مأمور فهذه لابد منها فى الأمر و لهذا أثبت ~~الله هذه الإرادة فى الأمر دون الأولى و لكن فى الناس من غلط فنفى الإرادة ~~مطلقا و كلا الفريقين لم يميز بين الإرادة الخلقية و الإرادة الأمرية و ~~القرآن فرق بين الإرادتين فقال فى الأولى ( ^ فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ^ ( و قال نوح و لا ~~ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ( و قال ( و ~~لو شاء الله ما إقتتلو و لكن الله يفعل ما يريد ( و قال ( و لولا إذ دخلت ~~جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ( و لهذا قال المسلمون ما شاء الله ~~كان و ما لم يشا لم يكن و قال في الثانية ( يريد الله بكم اليسر و لا يريد ~~بكم العسر ( و قال ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم ~~تطهيرا ( و قال ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج و لكن يريد ليطهركم و ~~ليتم نعمته ms1531 عليكم ( PageV17P062 و قال ( ^ يريد الله ليبين لكم و يهديكم ~~سنن الذين من قبلكم و يتوب عليكم و الله عليم حكيم و الله يريد أن يتوب ~~عليكم و يريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف ~~عنكم و خلق الإنسان ضعيفا ^ ( و هذا مبسوط فى موضع آخر # و المقصود هنا أنه لابد فى الأمر من طلب و إستدعاء و إقتضاء ن سواء قيل ~~إن هناك إرادة شرعية و أنه لا إرادة للرب متعلقة بأفعال لعباد سوها كما ~~تقوله المعتزلة و نحوهم من القدرية أو قيل لا إرادة للرب إلا الإرادة ~~الخلقية القدرية التى يقال فيها ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن و أن ~~إرادته عين نفس محبته و رضاه و أن إرادته و محبته و رضاه متعلقة بكل ما ~~يوجد من إيمان و كفر و لا تتعلق بما لا يوجد سواء كن إيمانا أو كفرا و أنه ~~ليس للعبد قدرة لها أثر فى و جود مقدوره و ليس فى المخلوقات قوى و أسباب ~~يخلق بها و لا لله حكمة يخلق و يامر لأجلها كما يقول هذا و ما يشبهه جهم بن ~~صفوان رأس لجبرية هو و من و افقه على ذلك أو بعضه من طوائف أهل الكلام و ~~بعض متأخري الفقهاء و غيرهم المثبتين للقدر على هذه الطريقة لا على طريقة ~~السلف و الأئمة كأبي الحسن و غيره فإن هؤلاء ناقضو القدرية المعتزلة مناقضة ~~ألجأتهم إلى إنكار حقيقة الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و إن كان من يقول ~~ببعض ذلك يتناقض و قد يثبت أحدهم من ذلك مما لا حقيقة له في المعنى # PageV17P063 # وأما السلف و أئمة الفقهاء و جمهور المسلمين فيثبتون الخلق و الأمر و ~~الإرادة الخلقية القدرية الشاملة لكل حادث و الإرادة الأمرية الشرعية ~~المتناولة لكل ما يحبه الله و يرضاه لعباده و هو ما أمرت به الرسل و هو ما ~~ينفع العباد و يصلحهم و يكون له العاقبة ms1532 الحميدة النافعة فى المعاد الدافعة ~~للفساد فهذه الإرادة الأمرية الشرعية متعلقة بالهيته المتضمنة لربوبيته كما ~~أن تلك الإرادة الخلقية القدرية متعلقة بربوبيته و لهذا كان من نظر غلى هذه ~~فقط و راعى هذه الخلقية الكونية القدرية دون تلك يكون له بداية بلا نهاية ~~فيكون من الأخسرين أعمالا يحصل لهم بعض مطالبهم في لدنيا لإستعانتهم بالله ~~إذ شهدوا ربوبيته و لا خلاق لهم في الآخرة إذ لم يعبدوا الله مخلصين له ~~الدين و قد و قع فى هذا طوائف من أهل التصوف و الكلام # و من نظر إلى الحقيقة الشرعية الأمرية دون ذلك فإنه قد يكون له عاقبة ~~حميدة و قد يراعى الأمر لكنه يكون عاجز مخذولا حيث لم يشهد ربوبية الله و ~~فقره إليه ليكون متوكلا عليه بريا من الحول و القوة إلا به فهذا قد يقصد أن ~~يعبده و لا يقصد حقيقة الإستعانة به و هي حال القدرية من المعتزلة و نحوهم ~~الذين يقرون أن الله ليس خالقا أفعال العباد و لا مريدا للكائنات و لهذا ~~قال أبو سليمان الداراني إنما يعجب بفعله القدري لأنه لا يرى أنه هو الخالق ~~لفعله فأما أهل السنة الذين PageV17P064 يقرون أن الله خالق أفعالهم و أن ~~لله المنة عليهم فى ذلك فكيف يعجبون بها أو كما قال # و الأول قد يقصد أن يستعينه و يسأله و يتوكل عليه و يبرأ من الحول و ~~القوة إلا به و لكن لا يقصد أن يعبده بفعل ما أمر به و ترك ما نهى عنه على ~~ألسن رسله و لا يشهد أن الله يحب أن يعبد و يطاع و أنه يفرح بتوبة التائبين ~~و يحب المتقين و يغضب على الكفار و المنافقين بل ينسلخ من الدين أو بعضه لا ~~سيما في نهاية أمره و هذه الحال إن طردها صاحبها كان شرا من حال المعتزلة ~~القدرية بل إن طردها طرد حقيقيا أخرجته من الدين خروج الشعرة من العجين و ~~هي حال المشركين و أما من هداه الله فإنه ms1533 يحقق قوله ( ^ إياك نعبد و إياك ~~نستعين ^ ( و يعلم أن كل عمل لا يراد به و جه الله و لا يوافق أمره فهو ~~مردود على صاحبه و كل قاصد لم يعنه الله فهو مصدود من مآربه فإنه يشهد أن ~~لا إله إلا الله فيعبد الله مخلصا له الدين مستعينا بالله على ذلك مؤمنا ~~بخلقه و أمره بقدره و شرعه فيستعين الله على طاعته و يشكره عليه و يعلم ~~أنها منة من الله عليه و يستعيذ بالله من شر نفسه و سيئات عمله و يعلم أن ~~ما أصابه من سيئة فمن نفسه مع علمه بأن كل شيء بقضاء الله و قدره و أن لله ~~الحجة البالغة على خلقه و أن له فى خلقه و أمره حكمة بالغة و رحمة سابغة و ~~هذه الأمور أصول عظيمة لبسطها موضع آخر # PageV17P065 # والمقصود هنا أن الخبر الصادق يتضمن جنس العلم و الإعتقاد و الأمر يتضمن ~~جنس الطلب بإتفاق العقلاء ثم هل مدلول الخير جنس من المعاني غير جنس العلم ~~و مدلول الأمر جنس من المعاني غير جنس الإرادة كما يقول ذلك طائفة من ~~النظار مثل إبن كلاب و من و افقه أو المدلول من جنس العلم و الإرادة كما ~~يقوله جمهور نظار أهل السنة الذين يثبتون الصفات و القدر فيقولون إن القرآن ~~كلام الله غير مخلوق و يقولون إن الله خالق أفعال العباد و المعتزلة و ~~غيرهم ممن يخالف أهل السنة في هذين الأصلين فإن هؤلاء يخالفون إبن كلاب و ~~من و افقه فى ذينك الأصلين و لهذا يقال إنه لم يوافقه أحد من الطوائف على ~~ما أحدثه من القول في الكلام و الصفات و إن كان قوله خيرا من قول المعتزلة ~~و الجهمية المحضة و أما جمهور المسلمين من الفقهاء و أهل الحديث و الصوفية ~~و طوائف النظار فلا يقولون بقول المعتزلة و لا الكلابية كما ذكر فقهاء ~~الطوائف من أصحاب أبي حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد و غيرهم في أصول الفقه ms1534 ~~فضلا عن غيرها من الكتب # و المقصود هنا أن الناس متفقون على أن كلا من أنواع الخبر و الأمر لها ~~معان سواء سمى طلبا أو إرادة أو علما أو حكما أو كلاما نفسانيا و هذه ~~المعانى تتفاضل فى نفسها فليس علمنا بالله و أسمائه PageV17P066 كعلمنا ~~بحال أبي لهب و ليس الطلب القائم بنا إذا أمرنا بالإيمان بالله و رسوله ~~كالطلب القائم بنا إذا أمرنا برفع اليدين فى الصلاة و الأكل باليمين و ~~إخراج الدرهم من الزكاة # فعلم بذلك أن معانى الكلام قد تتفاضل فى نفسها كما قد تتماثل و تبين بذلك ~~أن ما تضمنه الأمر و النهي من المعانى التى تدل عليها صيغة الأمر سواء سميت ~~طلبا أو إقتضاء أو إستدعاء أو إرادة أو محبة أو رضا أو غير ذلك فإنها ~~متفاضلة بحسب تفاضل المأمور به و ما تضمنه الخبر من أنواع العلوم ~~الإعتقادات الأحكام النفسانية فهي متفاضلة فى نفسها بحسب تفاضل المخبر عنه ~~فهذا نوع من تفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه و إن كان المتكلم به و احدا و ~~هو أيضا متفاضل من جهة المتكلم به و إن كان المتكلم فيه و احدا كما قال ~~تعالى ( ^ و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا و حيا أو من و راء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء ^ ( و معلوم أن تكليمه من و راء حجاب أفضل من ~~تكليمه بالإيحاء و بإرسال رسول و لهذا كان من فضائل موسى عليه السلام أن ~~الله كلمه تكليما و قال ( إنى إصطفيتك على الناس برسالاتى و بكلامي ( و قال ~~( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم درجات ) # والذي يجد الناس من أنفسهم أن الشخص الواحد تتفاضل أحواله PageV17P067 فى ~~أنواع الكلام بل و فى الكلام الواحد يتفاضل ما يقوم بقلبه من المعانى و ما ~~يقوم بلسانه من الألفاظ بحيث قد يكون إذا كان طالبا هو أشد رغبة و محبة و ~~طلبا لأحد الأمرين منه للآخر و ms1535 يكون صوته به أقوى و لفظه به أفصح و حاله في ~~الطلب أقوى و أشد تأثيرا و لهذا يكون للكلمة لواحدة من الموعظة بل للاية ~~الواحدة إذا سمعت من إثنين من ظهور التفاضل ما لا يخفى على عاقل و الأمر فى ~~ذلك أظهر و أشهر من أن يحتاج إلى تمثيل و كذلك فى الخبر قد يقوم بقلبه من ~~المعرفة و العلم و تصور المعلوم و شهود القلب إياه باللسان من حسن التعبير ~~عنه لفظا و صوتا ما لا يقاربه ما يقوم بالقلب و اللسان إذا أخبر عن غيره # فهذا نوع إشارة إلى قول من يقول بتفضيل بعض كلام الله على بعض موافقا لما ~~دل عليه الكتاب و السنة و كلام السلف و الأئمة # و الطائفة الثانية تقول إن كلام الله لا يفضل بعضه على بعض ثم لهؤلاء في ~~تأويل النصوص الواردة فى التفضيل قولان ( أحدهما ( أنه إنما يقع التفاضل فى ~~متعلقه مثل كون بعضه أنفع للناس من بعض لكون الثواب عليه أكثر أو العمل به ~~أخف مع التماثل فى الأجر و تأولوا قوله ( @QB@ نأت بخير منها @QE@ ( أي نأت ~~بخير منها لكم لاأ نها فى نفسها خير من تلك و هذا قول طائفة من المفسرين ~~كمحمد بن جرير الطبري قال نأت بحكم خير لكم من حكم الآية المنسوخة إما فى ~~العاجل لخفته PageV17P068 عليكم وإما في الآخرة لعظم ثوابه من أجل مشقة ~~حمله قال و المراد ما ننسخ من حكم آية كقوله ( ^ و أشربوا فى قلوبهم العجل ~~بكفرهم ^ ( أي حبه قال و دل على أن ذلك كذلك قوله ( @QB@ نأت بخير منها أو ~~مثلها @QE@ ( و غير جائز أن يكون من القرآن شيء خيرا من شيء لأن جميعه كلام ~~الله و لا يجوز فى صفات الله تعالى أن يقال بعضها أفضل من بعض أو بعضها خير ~~من بعض و طرد ذلك فى أسماء الله فمنع أن يكون بعض أسمائه أعظم أو أفضل أو ~~أكبر من بعض و قال معنى الإسم الأعظم الأعظم العظيم و ms1536 كلها سواء في االعظمة ~~و إنما يتفاضل حال الناس حين الدعاء فيكون الأعظم بحسب حال الدعاء لا أنه ~~في نفسه أعظم # و هذا القول الذي قاله فى أسماء نظير القول الثاني فى تفضيل بعض كلام ~~الله على بعض فإن القول الثاني لمن منع تفضيله أن المراد يكون هذا أفضل أو ~~خيرا كونه فاضلا فى نفسه لا أنه أفضل من غيره و هذا القول يحكى عن أبى ~~الحسن الأشعري و من و افقه قالوا إن معنى ذلك أنه عظيم فاضل و قالوا مقتضي ~~الأفضل تقصير المفضول عنه و كلام الله لا يتبعض و هذا يقولونه في الكلام ~~لأنه و أحد بالعين عندهم يمتنع فيه تماثل أو تفاضل و أما فى الصفات بعضها ~~على بعض فلإمتناع التغاير و لا يقولون هذا في القرآن العربى فإن القرآن ~~العربي عندهم مخلوق و ليس هو كلام الله على قول الجمهور منهم قالوا لأن ~~الكلام PageV17P069 يمتنع قيامه بغير المتكلم كسائر الصفات و القرآن العربي ~~يمتنع عندهم قيامه بذات الله تعالى و لو جوزوا أن يكون كلام الله قائما ~~بغيره لبطل أصلهم الذي إتفقوا عليه هم و سائر أهل السنة و ردوا به على ~~المعتزلة فى قولهم إن القرآن مخلوق و هؤلاء يسلمون أن القرآن العربي بعضه ~~أفضل من بعض لأنه مخلوق عندهم و لكن ليس هو كلام الله عند جماهيرهم # وبعض متأخريهم يقول إن لفظ ( كلام الله ( يقع بالإشتراك على المعنى ~~القائم بالنفس و على الكلام العربى المخلوق الدال عليه و أما كلام الله ~~الذي ليس بمخلوق عندهم فهو ذلك المعنى و هو الذي يمتنع تفاضله عندهم و أصل ~~هؤلاء أن كلام الله هو المعانى بل هو المعنى الواحد فقط و أن معانى كتاب ~~الله هي شيء و أحد لا يتعدد و لا يتبعض فمعنى آية الكرسي و آية الدين و ~~الفاتحة و قل هو الله أحد و تبت و معنى التوراة و الإنجيل و كل حديث إلهي و ~~كل ما يكلم به الرب عباده يوم ms1537 القيامة و كل ما يكلم به الملائكة و ~~االأنبياء إنما هي معنى و أحد بالعين لا بالنوع و لا يتعدد و لا يتبعض و أن ~~القرآن العربى ليس هو كلام الله بل كلام غيره جبريل أو محمد أو مخلوق من ~~مخلوقاته عبر به عن ذلك الواحد و ذلك الواحد هو الأمر بكل ما أمر به و ~~النهى عن كل ما نهى عنه و الإخبار بكل ما خبر به و أن الأمر و النهي و ~~الخبر ليست أنواعا للكلام و أقساما له # فإن الواحد بالعين لا يقبل PageV17P070 التنويع و التقسيم بخلاف الواحد ~~بالنوع فإنه يقبل لتنويع و التقسيم و إنما هي صفات لذلك الواحد بالعين و هى ~~صفات إضافية له فاذا تعلق بما يطلب من أفعال العبد كان أمرا و إذا تعلق بما ~~ينهى عنه كان نهيا و إذا تعلق بما يخبر عنه كان خبرا # و جمهور العقلاء يقولون فساد هذا معلوم بالاضطرار فإنا نعلم أن معانى ( ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( ليست هى معانى ( ^ تبت يد أبى لهب ^ ( و ~~لامعانى آية الدين معانى آية الكرسى و لا معانى الخبر عن صفات الله هى ~~معانى الخبر عن مخلوقات الله و أن تعلق ذلك المعنى بالحقائق المخبر عنها و ~~الأفعال التى تعلق بها الأمر و النهى إن كان أمرا و جوديا فلابد له من محل ~~فإن قام بذات الله فقد تعددت معانى الكلام القائمة بذاته و إن قام بذات ~~غيره كان صفة لذلك الغير لا لله و إن قام لا بمحل كان ممتنعا فإن المعانى ~~لا تقوم بأنفسها و إن كان تعلق ذلك المعنى بالحقائق أمرا عدميا لم يكن هناك ~~ما يميز بين الخبر و الأمر و النهي بل لا يميز بين خبر الله عن نفسه و عن ~~قوم نوح و عاد و إن كان المعنى الواحد لا تعدد فيه فضلا عن أن يمتاز بعضه ~~عن بعض # و الحقائق المخبر عنها و المأمور بها و المنهى عنها لا تكون بأنفسها ~~مخبرا بها و ms1538 مأمورا بها و منهيا عنها بل الخبر عنها و الأمر بها و النهى ~~عنها هو غير ذواتها فإذا لم يكن هنا أمر موجود غير ذلك المعنى الذي لا ~~إمتياز فيه و لا تعدد و غير المخلوقات التى لا تميز بين الأمر و النهي و ~~الخبر لم PageV17P071 يكن هنا ما يميز بين النهي و الخبر و لا ما يجعل ~~معانى آية الوضوء غير معاني آية الدين فإن الحروف المخلوقة الدالة على ذلك ~~المعنى إن لم تدل إلا عليه فلا تعدد فيه و لا تنويع و إن دلت على التعلقات ~~التى هى عديمة فالعدم ليس بشيء حتى يكون أمرا و نهيا و خبرا و ليس عند ~~هؤلاء إلا ذلك المعنى و تعلقه بالحقائق المخبر عنها و المأمور بها و نفس ~~القرآن العربى المخلوق عندهم هو الدال على ذلك المعنى فالمدلول إن كان هو ~~ذلك المعنى فلا يتميز فيه أمر عن خبر و لا أمر بصلاة عن أمر بزكاة و لا نهى ~~عن كفر عن إخبار بتوحيد و إن كانت التعلقات عديمة فالمعدوم ليس بشيء و لا ~~يكون العدم أمرا و نهيا و خبرا و لا يكون مدلول التوراة و الإنجيل و القرآن ~~و سائر كتب الله أمورا عدمية لا و جود لها و لا تكون الأمور العدمية ه التى ~~بها و جبت الصلاة و حرم الظلم و لا يكون المعنى الواحد بتلك الأمور العدمية ~~إلا صفات إضافية و هى من معنى السلبية فإنها إن لم تكن سلب أمر موجود فهى ~~تعلق ليس بموجود فحقيقة الأمر على قول هؤلاء أنه ليس لله كلام لا معان و لا ~~حرف إلا بمعنى و أحد لا حقيقة له موجودة و لا معلومة # و من حجة هؤلاء أنه إذا قيل بعضه أفضل من بعض كان المفضول ناقصا عن ~~الفاضل و صفات الله كاملة لا نقص فيها و القرآن PageV17P072 من صفاته قال ~~هؤلاء صفات الله كلها متوافرة فى الكمال متناهية إلى غاية الكمال لا يلحق ~~شيئ منها نقص ms1539 بحال ثم لما إعتقد هؤلاء أن التفاضل من صفات الله ممتنع ظنوا ~~أن القول بتفضيل بعض كلامه على بعض لا يمكن إلا على قول الجهمية من ~~المعتزلة و غيرهم القائلين بأنه مخلوق فإنه إذا قيل إنه مخلوق أمكن القول ~~بتفضيل بعض المخلوقات على بعض فيجوز أن يكون بعضه أفضل من بعض قالوا و أما ~~على قول أهل السنة و الجماعة الذين أجمعوا على أن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق فيمتنع أن يقع التفاضل فى صفات الله القائمة بذاته # ولأجل هذ الإعتقاد صار من يعتقده يذكر إجماع أهل السنة على إمتناع ~~التفضيل فى القرآن كما قال أبو عبدالله بن الدراج فى مصنف صنفه فى هذه ~~المسألة قال ( أجمع أهل السنة على أن ما و رد فى الشرع مما ظاهره المفاضلة ~~بين آي القرآن و سوره ليس المراد بها تفضيل ذوات بعضها على بعض و إذ هو كله ~~كلام الله و صفة من صفاته بل هو كله لله فاضل كسائر صفاته الواجب لها نعت ~~الكمال ( و هذا النقل للإجماع هو بحسب ما ظنه لازما لأهل السنة فلما علم ~~أنهم يقولون القرآن كلام الله ليسن بمخلوق و ظن هو أن المفاضلة إنما تقع فى ~~المخلوقات لا فى الصفات قال ما قال و إلا فلا ينقل عن أحد من السلف و ~~الأئمة أنه أنكر فضل كلام الله بعضه PageV17P073 على بعض لا فى نفسه و لا ~~فى لوازمه و متعلقاته فضلا عن أن يكون هذ إجماعا # و ليس هو لازما لإبن كلاب و من و افقه كالأشعري و أتباعه فإن هؤلاء ~~يجوزون و قوع المفاضلة فى القرآن العربى و هو مخلوق عندهم و هذا المخلوق ~~يسمى ( كتاب الله ( و المعنى القديم يسمى ( كلام الله ( و لفظ ( القرآن ( ~~يراد به عندهم ذلك المعنى القديم و القرآن العربى المخلوق و حينئذ فهم هم ~~يتأولون ما و رد من تفضيل بعض القرآن على بعض على القرآن المخلوق عندهم # وإنما القول المتواتر عن أئمة السلف أنهم قالوا القرآن كلام ms1540 الله غير ~~مخلوق و أنهم أنكروا مقالة الجهمية الذين جعلوا القرآن مخلوقا منفصلا عن ~~الله بل كفروا من قال ذلك و الكتب الموجودة فيها ألفاظهم بأسانيدهم و غير ~~أسانديهم كثيرة مثل ( كتاب الرد على الجهمية ( للإمام أبى محمد عبد الرحمن ~~بن أبى حاتم و ( الرد على الجهمية ) لعبدالله بن محمد الجعفى شيخ البخارى و ~~( الرد على الجهمية ( للحكم بن معبد الخزاعي و ( كتاب السنة ( لعبدالله بن ~~أحمد حنبل و ( السنة ) لحنبل إبن عم الإمام أحمد و ( السنة ) لأبى داود ~~السجستاني و ( السنة ( للأثرم و ( السنة ( لأبي بكر الخلال و ( السنة و ~~الرد على أهل الأهواء ( لخشيش بن أصرم PageV17P074 و ( الرد على الجهمية ( ~~لعثمان بن سعيد الدارمي و ( نقض عثمان إبن سعيد على الجهمي الكاذب العنيد ~~فيما إفترى على الله في التوحيد ( و ( كتاب التوحيد ( لإبن خزيمة و ( السنة ~~( للطبرانى و لأبي الشيخ الأصبهانى و ( شرح أصول السنة ( لأبى القاسم ~~اللالكائي و ( الإبانة ( لأبي عبدالله بن بطة و كتب أبى عبدالله بن منده و ~~( السنة ) لأبي ذر الهروي و ( الأسماء و الصفات ( للبيهقى و ( الأصول ( ~~لأبي عمر الطلمنكي و ( الفاروق ( لأبي إسماعيل الأنصارى و ( الحجة ( لأبي ~~القاسم التيمي إلى غير ذلك من المصنفات التى يطول تعدادها التى يذكر ~~مصنفوها العلماء الثقات مذاهب السلف بالأسانيد الثابتة عنهم بألفاظهم ~~الكثيرة المتواترة التى تعرف منها أقوالهم مع أنه من حين محنة الجهمية لأهل ~~السنة التى جرت فى زمن أحمد بن حنبل لما صبر فيها لإمام أحمد و قام بإظهار ~~السنة و الصبر على محنة الجهمية حتى نصر الله الإسلام و السنة و أطفأ نار ~~تلك الفتنة ظهر فى ديار الإسلام و إنتشر بين الخاص و العام أن مذهب أهل ~~السنة و الحديث المتبعين للسلف من الصحابة و التابعين أن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق و أن الذين أحدثوا فى الإسلام القول بأن القرآن مخلوق هم الجعد ~~بن درهم و الجهم بن صفوان و من إتبعه من المعتزلة و غيرهم من أصناف الجهمية ~~لم يقل ms1541 هذا القول أحد من الصحابة و لا التابعين لهم بإحسان فهذا القول هو ~~لقول المعروف عن أهل السنة و الجماعة و هو القول بأن القرآن PageV17P075 ~~كلام الله و هو غير مخلوق # أما كونه لا يفضل بعضه على بعض فهذا القول لم ينقل عن أحد من سلف الأمة و ~~أئمة السنة الذين كانوا أئمة المحنة كأحمد بن حنبل و أمثاله و لا عن أحد ~~قبلهم و لو قدر أنه نقل عن عدد من أئمة السنة لم يجز أن يجعل ذلك إجماعا ~~منهم فكيف إذا لم ينقل عن أحد منهم و إنما هذا نقل لما يظنه الناقل لازما ~~لمذهبهم فأما كان مذهب أهل السنة أن القرآن من صفات الله لا من مخلوقات ~~الله و ظن هذا الناقل أن التفاضل يمتنع في صفات الخالق نقل إمتناع التفاضل ~~عنهم بناء على هذا التلازم # و لكن يقال له أما المقدمة الأولى فمنقوله عنه بلا ريب و أما المقدمة ~~الثانية و هي ان صفات الرب لا تتفاضل فهل يمكنك أن تنقل عن حد من السلف ~~قولا بذلك فضلا عن أن تنقل إجماعهم على ذلك ما علمت أحدا يمكنه أن يثبت عن ~~أحد من السلف أنه قال ما يدل على هذا المعنى لا يهذا اللفظ و لا بغيره فضلا ~~عن أن يكون هذا إجماعا و لكن إن كان قال قائل ذلك و لم يبلغنا قوله فالله ~~أعلم لكن الذي أقطع به و يقطع به كل من له خبرة بكلام السلف أن القول بهذا ~~لم يكن مشهورا بين السلف و لا قاله و أحد و إشتهر قوله عند الباقين فسكتوا ~~عنه و لا هو معروف فى الكتب التى نقل PageV17P076 فيها ألفاظهم بأعيانها بل ~~المنقول الثابت عنهم أو عن كثير منهم يدل على أنهم كانوا يرون تفاضل صفات ~~الله تعالى و هكذا من قال من أصحاب مالك و الشافعي أو أحمد عن أهل السنة أن ~~القرآن لا يفضل بعضه على بعض فإنما مستندهم أن أهل السنة متفقون على أن ms1542 ~~القرآن كلام الله غير مخلوق و أن كلامه من صفاته القائمة بنفسه ليس من ~~مخلوقاته و هذا أيضا صحيح عن أهل السنة # ثم ظنوا أن التفاضل إنما يقع في المخلوق لا فى الصفات و هذا الظن لم ~~ينقلوه عن أحد من أئمة الإسلام كمالك و الشافعي و أحمد و أبي حنيفة و ~~الثوري و الأوزاعي و لا من قبل هؤلاء و لهذا شنع هؤلاء على من ظن فضل بعضه ~~على بعض كما دلت عليه النصوص و الأثار لظنهم أن ذلك مستلزم لخلاف مذهب أهل ~~السنة كما قال أبو عبدالله بن المرابط فى الكلام على حديث البخاري فى رده ~~لتأويل من تأول هذا الحديث على أن هذه السورة إذا عدلت بثلث القرآن أنها ~~تفضل الربع منه و خمسه و ما دون الثلث فهو التفاضل فى كتاب الله تعالى و هو ~~صفة من صفات الله جل جلاله و قال فهذا لولا عذر الجهالة لحكم على قائله ~~بالكفر إذ لا يصح التفاضل إلا فى المخلوقات إذ صفاته كلها فاضلة فى غاية ~~الفضيلة و نهاية العلو و الكرامة فمن تنقص شيئا منه عن سائرها فقد ألحد ~~فيها الا تسمعه منع ذلك يقوله تعالى ( @QB@ الذين جعلوا القرآن عضين @QE@ ~~PageV17P077 # قال و قد أجمع أهل السنة على أن القرآن صفة من صفات الله لا من صفة خلقه ~~قال و إنما أوقعهم فى تأويل ذلك قوله تعالى ( @QB@ نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ ( و لا يخلو معنى ذلك من أحد و جهين إما أن تكون الناسخة خيرا من ~~المنسوخة فى ذاتها و إما أن تكون خيرا منها لمن تعبد بها إذ محال أن يتفاضل ~~القرآن فى ذاته على ما ذهب إليه أهل السنة و الإستقامة إذ كل من عند الله ~~لأن القرآن العزيز صفة الله و أسماء الله و صفاته كلها متوافرة في الكمال ~~متناهية إلى غاية التمام لا يلحق شيئا منها نقص بحال فلما إستحال أن تكون ~~آية خيرا من آية فى ذاتها علمنا أن المراد بخير منها ms1543 إنما هو للمتعبدين بها ~~لم ينقل عباده من تخفيف إلى تثقيل و لكنه نقلهم بالنسخ من تحريم إلى تحليل ~~و من إيجاب إلى تخيير و من تطهير إلى تطهير و الشاهد لنا قوله ( ^ يريد ~~الله أن يخفف عنكم و خلق الإنسان ضعيفا ^ ( # فيقال أما قول القائل ( لولا عذر الجهالة لحكم على مثبت المفاضلة بالكفر ~~( فهم يقابلونه بمثل ذلك و حجتهم أقوى و ذلك لأن الكفر حكم شرعي و إنما ~~يثبت بالأدلة الشرعية و من أنكر شيئا لم يدل عليه الشرع بل علم بمجرد العقل ~~لم يكن كافر و إنما الكافر من أنكر ما جاء به الرسول و معلوم أنه ليس فى ~~الكتاب و السنة نص يمنع تفضيل بعض كلام الله على بعض بل و لا يمنع تفاضل ~~صفاته PageV17P078 تعالى بل و لا نقل هذا النفي عن أحد من الصحابة و ~~التابعين لهم بإحسان و لا عن أئمة المسلمين الذين لهم لسان صدق فى الأمة ~~بحيث جعلوا أعلاما للسنة و أئمة للأمة # وأما تفضيل بعض كلام الله على بعض بل تفضيل بعض صفاته على بعض فدلالة ~~الكتاب و السنة و الأحكام الشرعية و الآثار السلفية كثيرة على ذلك فلو قدر ~~أن الحق فى نفس الأمر أنها لا تتفاضل لم يكن نفي تفاضلها معلوما إلا بالعقل ~~لا بدليل شرعي و إذا قدر أنها تتفاضل فالدال على ذلك هو الأدلة الشرعية مع ~~العقلية فإذا قدر أن الحق في نفس الأمر هو التفضيل لكان كفر جاحد ذلك أولى ~~من كفر من يثبت التفضيل إذا لم يكن حقا فى نفس الأمر لأن ذلك جحد موجب ~~الأدلة الشرعية بغير دليل شرعي بل لما رآه بعقله و أخطأ فيه إذ نحن نتكلم ~~فى هذا لتقدير و معلوم أن من خالف ما جاءت به الرسل عن الله بمجرد عقله فهو ~~أولى بالكفر ممن لم يخالف ما جاءت به الرسل عن الله و إنما خالف ما علم ~~بالعقل إن كان ذلك حقا # و نظير هذا قول بعض نفاة الصفات ms1544 لما تأمل حال أصحابه و حال مثبتيها قال ~~لا ريب أن حال هؤلاء عند الله خير من حالنا فإن هؤلاء إن كانوا مصيبين فقد ~~نالوا الدرجات العلى و الرضوان الأكبر و إن كانوا مخطئين فإنهم يقولون نحن ~~يا رب صدقنا ما دل عليه كتابك PageV17P079 و سنة رسولك إذ لم تبين لنا ~~بالكتاب و السنة نفى الصفات كما دل كلامك على إثباتها فنحن أثبتنا ما دل ~~عليه كلامك و كلام رسولك فإن كان الحق فى خلاف ذلك فلم يبين الرسول ما ~~يخالف ذلك و لم يكن خلاف ذلك مما يعلم ببداهة العقول بل إن قدر أنه حق فلا ~~يعلمه إلا الأفراد فكيف و عامة المنتهين فى خلاف ذلك إلى الغاية يقرون ~~بالحيرة و الإرتياب قال النافى و إن كنا نحن مصيبين فإنه يقال لنا أنتم ~~قلتم شيئا لم آمركم بقوله و طلبتم علما لم آمركم بطلبه فالثواب إنما يكون ~~لأهل الطاعة و أنتم لم تمتثلوا أمري قال و إن كنا مخطئين فقد خسرنا خسرانا ~~مبينا # وهذا حال من أثبت المفاضلة فى كلام الله و صفاته و من نفاها فإن المثبت ~~معتصم بالكتاب و السنة و الآثار و معه من المعقولات الصريحة التى تبين صحة ~~قوله و فساد قول منازعه ما لا يتوجه إليها طعن صحيح و أما النافى فليس معه ~~آية من كتاب الله و لا حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا قول أحد ~~من سلف الأمة و إنما معه مجرد رأي يزعم أن عقله دل عليه و منازعه يبين أن ~~العقل إنما دل على نقيضه و أن خطأه معلوم بصريح المعقول كما هو معلوم بصحيح ~~المنقول و إحتجاج المحتج على نفي التفاضل بقوله ( @QB@ جعلوا القرآن عضين ~~@QE@ ) في غاية الفساد فإن الآية لا تدل على هذا بوجه من الوجوه ~~PageV17P080 سواء أريد بها من آمن ببعضه و كفر ببعضه أو أريد بها من عضهه ~~فقال هو سحر و شعر و نحو ذلك بل من نفى فضل ( @QB@ قل ms1545 هو الله أحد @QE@ ( ~~على ( ^ تبت يدا أببى لهب ^ ( فهو أولى بأن يكون ممن جعله عضين إن دلت ~~الآية على هذه المسألة # و ذلك أن من آمن بما و صف الله به كلامه فأقر بأنه جميعه كلام الله و علم ~~أن كلام الله أفضل من كل كلام و أن خير الكلام كلام الله و أنه لا أحسن من ~~الله حديثا و لا أصدق منه قيلا و أقر بما أخبر الله به و رسوله من فضل بعض ~~كلامه كفضل ( فاتحة الكتاب ( و ( آية ^ الكرسى ^ ( و ( @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ ( و نحو ذلك بل و تفضيل ( @QB@ يس @QE@ و ( @QB@ تبارك @QE@ ( و ~~الآيتين من آخر سورة البقرة بل و تفضيل ( ^ البقرة ^ و ( @QB@ آل عمران ~~@QE@ ( و غير ذلك من السور و الآيات التى نطقت النصوص بفضلها و أقر بأنه ~~كلام الله ليس منه شيء كلاما لغيره لا معانيه و لا حروفه فهو أبعد عن جعله ~~عضين ممن لم يؤمن بما فضل الله به بعضه على بعض بل آمن بفضله من جهة ~~المتكلم و لم يؤمن بفضله من جهة المتكلم فيه فإن هذا فى الحقيقة آمن به من ~~و جه دون و جه # وكذلك من قال إنه معنى و أحد و أن القرآن العربي لم يتكلم الله به بل هو ~~مخلوق خلقه الله فى الهواء أو أحدثه جبريل أو محمد فهذا PageV17P081 أولى ~~بأن يكون داخلا فيمن عضه القرآن و رماه بالإفك و جعل القرآن العربي كلام ~~مخلوق إما بشر و إما ملك و إما غيرهما فمن جعل القرآن كله كلام الله ليس ~~بمخلوق و لا هو من إحداث مخلوق لا جبريل و لا محمد و لا شيء منه بل جبريل ~~رسول ملك و محمد رسول بشر و الله يصطفي من الملائكة رسلا و من الناس فإصطفى ~~لكلامه الرسول الملكى فنزل به على الرسول البشري الذي إصطفاه و قد أضافه ~~إلى كل من الرسولين لأنه بلغه و أداه لا لأنه أنشأه و إبتداه قال تعالى ( ~~@QB@ إنه لقول رسول ms1546 كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين @QE@ ( ~~فهذا نعت جبريل الذي قال فيه ( @QB@ من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ~~بإذن الله @QE@ و قال ( @QB@ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من ~~المنذرين بلسان عربي مبين @QE@ ( و قال ( ^ و إذا بدلنا آية مكان آية و ~~الله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق ^ ( و قال فى الآية الأخرى ( ^ إنه لقول رسول كريم و ما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون و لا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب ~~العالمين و لو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه ~~الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين ^ ( فهذه صفة محمد صلى الله عليه و سلم # المجلد # وأضاف القول إلى كل منهما بإسم الرسول فقال ( @QB@ لقول رسول @QE@ ( ~~PageV17P082 لأن الرسول يدل على المرسل فدل على أنه قول رسول بلغه عن مرسل ~~لم يقل إنه لقول ملك و لا بشر بل كفر من جعله قول بشر بقوله ( ^ ذرنى و من ~~خلقت و حيدا و جعلت له مالا ممدودا و بنين شهودا و مهدت له تمهيدا ثم يطمع ~~أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر و قدر فقتل كيف ~~قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس و بسر ثم أدبر و إستكبر فقال إن هذا إلا ~~سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ^ ( فمن قال إنه قول بشر أو قول مخلوق غير ~~البشر فقد كفر و من جعله قول رسول من البشر فقد صدق لأن الرسول ليس له فيه ~~إلا التبليغ و الأدء كما قال تعالى ( @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك @QE@ ) و فى سنن أبي داود عن جابر بن عبدالله أن النبى صلى الله ~~عليه و سلم كان يعرض نفسه على الناس فى الموسم و يقول ( ألا رجل يحملني إلى ~~قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا ms1547 قد منعونى أن أبلغ كلام ربى ( # المجلد # و الذي إتفق عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق و قال غير و أحد ~~منهم منه بدأ و إليه يعود قال أحمد بن حنبل و غيره ( منه بدأ ( أي هو ~~المتكلم به لم يبتد من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق ~~قالوا خلقه في غيره فهو مبتدأ من ذلك المحل المخلوق و يلزمهم أن يكون كلاما ~~لذلك المحل المخلوق لا لله PageV17P083 تعال لا سيما و الجهمية كلهم يقولون ~~بأن الله خالق أفعال العباد و هم غلاة فى الجبر و لكن المعتزلة توافقهم على ~~نفي الصفات و القول بخلق القرآن و تخالفهم فى القدر و الأسماء و الأحكام ~~فإذا كان الله خالق كل ما سواه لزمهم ان يكون كل كلام كلامه لأنه هو الذي ~~خلقه و لذلك قال إبن عربى الطائى و كان من غلاة هؤلاء الجهمية يقول بوحدة ~~الوجود قال # و كل كلام فى الوجود كلامه % سواء علينا نثره و نظامه % $ # ولهذا قال سليمان بن داود الهاشمي نظير أحمد بن حنبل الذي قال الشافعي ما ~~رأيت أعقل من رجلين أحمد بن حنبل و سليمان بن داود الهاشمي قال من قال ( ~~@QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا @QE@ ( مخلوق فهو كافر و إن كان القرآن ~~مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال ( @QB@ أنا ~~ربكم الأعلى @QE@ ( و زعموا أن هذا مخلوق و معنى ذلك كون قول فرعون ( أنا ~~ربكم الأعلى ( كلاما قائما بذات فرعون فإن كان قوله ( إنني أنا الله لا إله ~~إلا انا ( كلاما خلقه فى الشجرة كانت الشجرة هي القائلة لذلك كما كان فرعون ~~هو القائل لذلك و حينئذ فيكون جعل الشجرة إلها أعظم كفرا من جعل فرعون إلها ~~PageV17P084 والجهمية و المعتزلة لم يقم عندهم بذات لله لا طلب و لا إرادة ~~و لا محبة و لا رضا و لا غضب و لا غير ذلك مما يجعل مدلول الأصوات المخلوقة ~~و لا قام ms1548 بذاته عندهم إيجاب و إلزام و لا تحريم و حظر فلم يكن للكلام ~~المخلوق فى غيره معنى قائم بذاته يدل عليه ذلك المخلوق حتى يفرق بين ما ~~خلقه فى الجماد و ما خلقه فى الحيوان و كان مقصود السلف رضوان الله عليهم ~~أن الله هو المتكلم بالقرآن و سائر كلامه و أنه منه نزل لم ينزل من غيره ~~كما قال تعالى ( ^ و الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ^ ~~( و قال تعالى ( @QB@ قل نزله روح القدس من ربك بالحق @QE@ لم يقل أحد من ~~السلف إن القرآن قديم و إنما قالوا هو كلام الله غير مخلوق و قالوا لم يزل ~~الله متكلما إذا شاء و متى شاء و كيف شاء و كما شاء و لا قال أحد منهم إن ~~الله فى الأزل نادى موسى و لا قال إن الله لم يزل و لا يزال يقول يا آدم يا ~~نوح يا موسى يا إبليس و نحو ذلك مما أخبر أنه قال # المجلد # و لكن طائفة ممن إتبع السلف إعتقدوا أنه إذا كان غير مخلوق فلابد أن يكون ~~قديما إذ ليس عندهم إلا هذا و هذا و هؤلاء ينكرون أن يكون الله يتكلم ~~بمشيئته و قدرته أو يغضب على الكفار إذا عصوه أو يرضى عن المؤمنين إذا ~~أطاعوه أو يفرح بتوبة التائبين إذا تابوا أو يكون نادى موسى حين أتى الشجرة ~~و نحو ذلك مما دل عليه PageV17P085 الكتاب و السنة كقوله ( ^ ذلك بأنهم ~~اتبعوا ما أسخط الله و كرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ^ ( و قوله تعالى ( @QB@ ~~فلما آسفونا انتقمنا منهم @QE@ ( و قوله ( @QB@ فلما أتاها نودي يا موسى ~~@QE@ و قال تعالى ( ^ و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة أسجدوا ~~لآدم ^ ( و قال تعالى ( @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ~~ثم قال له كن فيكون @QE@ ( و قد أخبر أن كلماته لا نفاد لها بقوله ( ^ لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي و لو ms1549 جئنا ~~بمثله مددا ^ ( و قال تعالى ( ^ و لو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام و البحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ^ ( # و أتباع السلف يقولون إن كلام الله قديم أي لم يزل متكلما إذا شاء لا ~~يقولون أن نفس الكلمة المعينة قديمة كندائه لموسى و نحو ذلك لكن هؤلاء ~~إعتقدوا أن القرآن و سائر كلام الله قديم العين و إن الله لا يتكلم بمشيئته ~~و قدرته ثم إختلفوا فمنهم من قال القديم هو معنى و أحد هو جميع معانى ~~التوراة و الإنجيل و القرآن و أن التوراة إذا عبر عنها بالعربية صارت قرآنا ~~و القرآن إذا عبر عنه بالعبرية صار توراة قالوا و القرآن العربي لم يتكلم ~~الله به بل إما أن يكون خلقه فى بعض الأجسام و إما أن يكون أحدثه جبريل أو ~~محمد فيكون كلاما لذلك الرسول ترجم به عن المعنى الواحد القائم بذات الرب ~~الذي هو PageV17P086 جميع معانى الكلام و منهم من قال بل القرآن القديم هو ~~حروف أو حروف و أصوات و هي قديمة أزلية قائمة بذات الرب أزلا و أبدا و هي ~~متعاقبة فى ذاتها و ماهيتها لا فى و جودها فإن القديم لا يكون بعضه متقدما ~~على بعض ففرقوا بين ذات الكلام و بين و جوده و جعلوا التعاقب فى ذاته لا فى ~~و جوده كم يفرق بين و جود الأشياء بأعيانها و ماهياتها من يقول بذلك من ~~المعتزلة و المتفلسفة و كلا الطائفتين تقول إنه إذا كلم موسى أو الملائكة ~~أو العباد يوم القيامة فإنه لا يكلمه بكلام يتكلم به بمشيئته و قدرته حين ~~يكلمه و لكن يخلق له إداراكا يدرك ذلك الكلام القديم اللازم لذات الله أزلا ~~و أبدا و عندهم لم يزل و لا يزال يقو ( ^ يا آدم أسكن أنت و زوجك ^ ( و ( ^ ~~يا نوح اهبط بسلام منا و بركات عليك ^ ( و ( ^ يا إبلي ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي ^ ( و ms1550 نحو ذلك و قد بسط الكلام على هذه الأقوال و غيرها فى مواضع # و المقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل و احدا منهما عن أحد من ~~السلف أعني الصحابة و التابعين لهم بإحسان و سائر أئمة المسلمين المشهورين ~~بالعلم و الدين الذين لهم فى الأمة لسان صدق فى زمن أحمد بن حنبل و لا زمن ~~الشافعي و لا زمن أبي حنيفة و لا قبلهم و أول من أحدث هذا الأصل هو أبو ~~محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب و عرف أن الحروف متعاقبة فيمتنع أن تكون ~~قديمة الأعيان فإن المتأخر PageV17P087 قد سبقه غيره و القديم لا يسبقه ~~غيره و الصوت المعين لا يبقى زمانين فكيف يكون قديما فقال بأن القديم هو ~~المعنى ثم جعل المعنى و احدا لا يتعدد و لا يتبعض لإمتناع إختصاصه بعدد ~~معين و إمتناع معان لا نهاية لها فى آن و أحد و جعل القرآن العربي ليس هو ~~كلام الله # فلما شاع قوله و عرف جمهور المسلمين فساده شرعا و عقلا قالت طائفة أخرى ~~ممن و افقته على مذهب السلف إن القرآن كلام الله غير مخلوق و على الأصل ~~الذي أحدثه من القول بقدم القرآن إن القرآن قديم و هو مع ذلك الحروف ~~المتعاقبة و الأصوات المؤلفة فصار قول هؤلاء مركبا من قول المعتزلة و قول ~~الكلابية فإذا ناظروا المعتزلة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ناظروهم ~~بطريقة إبن كلاب و اذا ناظرهم الكلابية على أن القرآن العربي كلام الله و ~~أن القرآن الذي يقرأه المسلمون كلام الله ناظروهم بحجج المعتزلة و ليس شيء ~~من هذه الأقوال قول أحد من السلف كما بسط فى غير هذا الموضع و لا قال شيئا ~~من هذه الأقوال لا الأئمة الأربعة و لا أصحابهم الذين أدركوهم و إنما قاله ~~ممن ينتسب إليهم بعض المتأخرين الذين تلقوها عمن قالها من أهل الكلام و لم ~~يكن لهم خبرة لا بأقوال السلف التى دل عليها الكتاب و السنة و ms1551 العقل الصريح ~~PageV17P088 و لا بحقائق أقوال أهل الكلام الذي ذمه السلف و لم قالو هذا و ~~ما الذي ألجأهم إلى هذا و قد شاع عند العامة و الخاصة أن القرآن ليس بمخلوق ~~و القول بأنه مخلوق قول مبتدع مذموم عند السلف و الأئمة فصار من يطالع كتب ~~الكلام التى لا يجد فيها إلا قول المعتزلة و قول من رد عليهم و إنتسب إلى ~~السنة يظن أنه ليس فى المسألة إلا هذا القول و هذا و ذاك قد عرف أنه قول ~~مذموم عند السلف فيظن القول الآخر قول السلف كما يقع مثل ذلك فى كثير من ~~المسائل فى غير هذه لا يعرف الرجل في المسألة إلا قولين أو ثلاثة فيظن ~~الصواب و احدا منها و يكون فيها قول لم يبلغه و هو الصواب دون تلك و هذا ~~باب و اسع فى كثير من المسائل و الله يهدينا و سائر إخواننا المسلمين إلى ~~ما يحبه و يرضاه من القول و العمل و من إجتهد بقصد طاعة الله و رسوله بحسب ~~إجتهاده لم يكلفه الله ما يعجز عنه بل يثيبه الله على ما فعله من طاعته و ~~يغفر ما أخطأ فيه فعجز عن معرفته # المجلد $ # فصل والنصوص و الآثار فى تفضيل كلام الله بل و تفضيل بعض صفاته على بعض ~~متعددة و قول القائل ( صفات الله كلها فاضلة PageV17P089 فى غاية التمام و ~~الكمال ليس فيها نقص ( كلام صحيح لكن توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض ~~كان المفضول معيبا منقوصا خطأ منه فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل ~~من بعض و لهذا يقال دعا الله بإسمه الأعظم و تدل على أن بعض صفاته أفضل من ~~بعض و بعض أفعاله أفضل من بعض ففي الآثار ذكر إسمه العظيم و إسمه الأعظم و ~~إسمه الكبير و الأكبر كما في السنن و رواه أحمد و إبن حبان في صحيحه عن إبن ~~بريدة عن أبيه قال دخلت مع رسول الله صلى الله عليه و ms1552 سلم المسجد فإذا رجل ~~يصلي يدعو اللهم إنى أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد ~~الصمد الذى لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد فقال النبى صلى الله ~~عليه و سلم ( و الذي نفسي بيده لقد سأل الله بإسمه الأعظم الذى إذا سئل ~~أعطى و إذا دعي به أجاب ( # و عن أنس قال كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فى الحلقة و ~~رجل قائم يصلى فلما ركع و سجد تشهد و دعا فقال فى دعائه اللهم إنى أسألك ~~بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات و الأرض يا ذا الجلال و ~~الإكرام يا حي يا قيوم فقال النبى صلى الله عليه و سلم ( و الذى نفسي بيده ~~لقد دعا بإسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب و إذا سئل به أعطى ( و قد ~~ثبت فى الصحيح PageV17P090 عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( إن الله كتب فى كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتى تغلب غضبى ( ~~و في رواية ( سبقت رحمتى غضبى ( فوصف رحمته بأنها تغلب و تسبق غضبه و هذا ~~يدل على فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها و غلبتها و قد ثبت فى صحيح مسلم ~~عن عائشة عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه كان يقول في سجوده ( اللهم إنى ~~أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك و أعوذ بك منك ( وروى الترمذي أنه ~~كان يقول ذلك فى و تره لكن هذا فيه نظر # المجلد 17 ص # و قد ثبت فى الصحيح و السنن و المساند من غير و جه الإستعاذة بكلماته ~~التامات كقوله ( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه و عقابه و من شر عباده و ~~من همزات الشياطين و أن يحضرون ( و فى صحيح مسلم عن خولة أنه قال صلى الله ~~عليه و سلم ( من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات لله ms1553 التامة لم يضره شيء حتى ~~يرتحل منه ( و فى الصحيح أنه قال لعثمان بن أبى العاص ( قل أعوذ بعزة الله ~~و قدرته من شر ما أجد و أحاذر ( و معلوم أن المستعاذ به أفضل من المستعاذ ~~منه فقد إستعاذ برضاه من سخطه و بمعافاته من عقوبته # و أما إستعاذته به منه فلابد أن يكون بإعتبار جهتين يستعيذ به بإعتبار ~~تلك الجهة و منه بإعتبار تلك الجهة ليتغاير المستعاذ به و المستعاذ ~~PageV17P091 منه إذ أن المستعاذ منه مخوف مرهوب منه و المستعاذ به مدعو ~~مستجار به ملتجأ إليه و الجهة الواحدة لا تكون مطلوبة مهروبا منها لكن ~~بإعتبار جهتين تصح كما فى الحديث الذي فى الصحيحين عن البراء بن عازب أن ~~النبى صلى الله عليه و سلم علم رجلا أن يقول عن النوم ( اللهم أسلمت نفسي ~~إليك و وجهت و جهي إليك و ألجأت ظهري إليك و فوضت أمري إليك رغبة و رهبة ~~إليك لا منجا و لا ملجأ منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت و بنبيك الذي ~~أرسلت ( فبين أنه لا ينجى منه إلا هو و لا يلتجأ منه إلا إليه و أعمل الفعل ~~الثانى لما تنازع الفعلان في العمل و معلوم أن جهة كونه منجيا غير جهة كونه ~~منجيا منه و كذلك جهة كونه ملتجأ إليه غير كونه ملتجأ منه سواء قيل إن ذلك ~~يتعلق بمفعولاته أو أفعاله القائمة به أو صفاته أو بذاته بإعتبارين # وفى صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( ~~المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن و كلتا يديه يمين الذين ~~يعدلون فى حكمهم و أهلهم و ما و لوا ( و قد جاء ذكر اليدين في عدة أحاديث و ~~يذكر فيها أن كلتاهما يمين مع تفضيل اليمين قال غير و أحد من العلماء لما ~~كانت صفات المخلوقين متضمنة للنقص فكانت يسار أحدهم ناقصة في القوة ناقصة ~~في الفعل PageV17P092 بحيث تفعل بمياسرها كل ما ms1554 يذم كما يباشر بيده اليسرى ~~النجاسات و الأقذار بين النبى صلى الله عليه و سلم أن كلتا يمين الرب ~~مباركة ليس فيها نقص و لا عيب بوجه من الوجوه كما فى صفات المخلوقين مع أن ~~اليمين أفضلهما كما فى حديث آدم قال ( إخترت يمين ربى و كلتا يدي ربى يمين ~~مباركة ( فإنه لا نقص فى صفاته و لا ذم في أفعاله بل أفعاله كلها إما فضل و ~~إما عدل و في الصحيحين عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( ~~يمين الله ملأي لا يغيضها نفقة سحاء الليل و النهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق ~~السموات و الأرض فإنه لم يغض ما في يمينه و القسط بيده الأخرى يرفع و يخفض ~~( # فبين صلى الله عليه و سلم أن الفضل بيده اليمنى و العدل بيده الأخرى و ~~معلوم أنه مع أن كلتا يديه يمين فالفضل أعلى من العدل و هو سبحانه كل رحمة ~~منه فضل و كل نقمة منه عدل و رحمته أفضل من نقمته و لهذ كان المقسطون على ~~منابر من نور عن يمين الرحمن و لم يكونوا عن يده الأخرى و جعلهم عن يمين ~~الرحمن تفضيل لهم كما فضل فى القرآن أهل اليمين و أهل الميمنة على أصحاب ~~الشمال و أصحاب المشأمة و إن كانوا إنما عذبهم بعدله و كذلك الأحاديث و ~~الآثار جاءت بأن أهل قبضة اليمين هم أهل السعادة و أهل القبضة الأخرى هم ~~أهل الشقاوة PageV17P093 و مما يبين هذا أن الشر لم يرد فى أسمائه و إنما و ~~رد فى مفعولاته و لم يضف إليه إلا على سبيل العموم و أضافه إلى السبب ~~المخلوق أو بحذف فاعله و ذلك كقوله تعالى ( ^ الله خالق كل شيء ^ ( و ( ~~@QB@ من شر ما خلق @QE@ ( و كأسمائه المقترنة مثل المعطى المانع الضار ~~النافع المعز المذل الخافض الرافع و كقوله ( ^ و إذا مرضت فهو يشفين ^ ( و ~~كقوله ( ^ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين ^ ( و ~~كقول ms1555 الجن ( ^ و أنا لا ندري أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ~~^ و قد ثبت فى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه كان يقول فى ~~دعاء الإستفتاح ( و الخير بيديك و الشر ليس إليك ( و سواء أريد به أنه لا ~~يضاف إليك و لا يتقرب به إليك أو قيل إن الشر إما عدم و إما من لوازم العدم ~~و كلاهما ليس إلى الله فهذا يبين أنه سبحانه إنما يضاف إليه الخير و أسماؤه ~~تدل على صفاته و ذلك كله خير حسن جميل ليس فيه شر و إنما و قع الشر فى ~~المخلوقات قال تعالى ( ^ نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم و أن عذابي هو ~~العذاب الأليم ^ ( و قال تعالى ( ^ اعلموا أن الله شديد العقاب و أن الله ~~غفور رحيم ^ ( وقال تعالى ( ^ إن ربك سريع العقاب و أنه لغفور رحيم ^ فجعل ~~المغفرة و الرحمة من معاني أسمائه الحسنى التى يسمى بها نفسه فتكون المغفرة ~~PageV17P094 و الرحمة من صفاته و أما العقاب الذي يتصل بالعباد فهو مخلوق ~~له و ذلك هو الأليم فلم يقل و إني أنا المعذب و لا فى أسمائه الثابتة عن ~~النبى صلى الله عليه و سلم إسم المنتقم و إنما جاء المنتقم فى القرآن مقيدا ~~كقوله ( @QB@ إنا من المجرمين منتقمون @QE@ و جاء معناه مضافا إلى الله فى ~~قوله ( @QB@ إن الله عزيز ذو انتقام @QE@ و هذه نكرة في سياق الإثبات و ~~النكرة فى سياق الإثبات مطلقة ليس فيها عموم على سبيل الجمع # المجلد # و ذلك أن الله سبحانه حكيم رحيم و قد أخبر أنه لم يخلق المخلوقات إلا ~~بحكمته كما قال فى قوله تعالى ( ^ و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما ~~باطلا ذلك ظن الذين كفروا ^ و قال تعالى ( ^ إن فى خلق السموات و الأرض و ~~إختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما و ~~قعودا و على جنوبهم و يتفكرون فى خلق السموات و الأرض ربنا ms1556 ما خلقت هذا ~~باطلا ^ ( و قال تعالى ( ^ و ما خلقنا السماء و ما بينهما لاعبين لو أردنا ~~أن نتخذ لهوا لإتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ^ ( و قال و هذا يبين أن معنى ~~قوله في سائر الأيات ( بالحق ( هو لهذا المعنى الذي يتضمن حكمته كما قال ( ~~^ هو الذي خلق السموات و الأرض بالحق و يوم يقول كن فيكون ^ ( و قوله ( ^ و ~~ما خلقنا السموات و الأرض و ما بينهما إلا PageV17P095 بالحق و إن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم ^ ( # وبعض الناس يظن أن قوله ( ^ هو الخلاق ^ ( إشارة إلى أنه خالق أفعال ~~العباد فلا ينبغي التشديد فى الإنكار عليهم بل يصفح عنهم الصفح الجميل لأجل ~~القدر و هذا من أعظم الجهل فإنه سبحانه قد عاقب المخالفين له و لرسله و غضب ~~عليهم و أمر بمعاقبتهم و أعد لهم من العذاب ما ينافى قول هؤلاء المعطلين ~~لأمره و نهيه و وعده و وعيده و قوله ( ^ فإصفح الصفح الجميل ^ ( تعلق بما ~~قبله و هو قوله ( ^ إن الساعة لآتية فإصفح الصفح الجميل ^ ( فإن لهم موعدا ~~يجزون فيه ن كما قال تعالى فى نظائر ذلك ( ^ فإنما عليك البلاغ و علينا ~~الحساب ^ ( ^ فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر إلا من تولى و كفر ~~فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ^ ( و قوله ~~( ^ فتول عنهم حتى حين ^ ( و قوله ( ^ فاصفح عنهم و قل سلام فسوف يعلمون ^ ~~( # ولم يعذر الله أحدا قط بالقدر و لو عذر به لكان أنبياؤه و أولياؤه أحق ~~بذلك و آدم إنما حج موسى لأنه لامه على المصيبة التى أصابت الذرية فقال له ~~لماذا أخرجتنا و نفسك من الجنة و ما أصاب العبد من المصائب فعليه أن يسلم ~~فيها لله و يعلم أنها مقدورة عليه كما قال تعالى ( ^ ما أصاب من مصيبة إلا ~~بإذن الله و من يؤمن بالله يهد قلبه ^ ) قال PageV17P096 علقمة و قد روى عن ~~إبن مسعود هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها ms1557 من عند الله فيرضى و يسلم ~~فالعبد مأمور بالتقوى و الصبر فالتقوى فعل ما أمر به و من الصبر على ما ~~أصابه و هذا هو صاحب العاقبة المحمودة كما قال يوسف عليه السلام ( ^ إنه من ~~يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ^ ( و قال تعالى ( ^ و إن تصبروا ~~و تتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ^ ( و قال ( ^ و إن تصبروا و تتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا ^ ( و قال ( ^ بلى إن تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ^ # لابد لكل عبد من أن يقع منه ما يحتاج معه إلى التوبة و الإستغفار و يبتلى ~~بما يحتاج معه إلى الصبر فلهذا يؤمر بالصبر و الإستغفار كما قيل لأفضل ~~الخلق ( ^ فاصبر إن و عد الله حق و إستغفر لذنبك و سبح بحمد ربك بالعشي و ~~الابكار ^ ( و قد بسط الكلام فى غير هذا الموضع على مناظرة آدم و موسى فإن ~~كثيرا من الناس حملوها على محامل مخالفة للكتاب و السنة و إجماع الأمة و ~~منهم من كذب بالحديث لعدم فهمه له و الحديث حق يوجب أن الإنسان إذا جرت ~~عليه مصيبة بفعل غيره مثل أبيه أو غير أبيه لا سيما إذا كان أبوه قد تاب ~~منها فلم يبق عليه من جهة الله تبعة كما جرى لآدم صلوات الله عليه قال ~~تعالى ( ^ و عصى آدم ربه فغوى ثم إجتباه ربه فتاب عليه و هدى ( PageV17P097 ~~و قال ( @QB@ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه @QE@ ( و كان آدم و موسى ~~أعلم بالله من أن يحتج أحدهما لذنبه بالقدر و يوافقه الآخر و لو كان كذلك ~~لم يحتج آدم إلى توبة و لا أهبط من الجنة و موسى هو القائل ( @QB@ رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي @QE@ ( و هو القائل ( ^ رب اغفر لي و لأخي و أدخلنا فى ~~رحمتك و أنت أرحم الراحمين ^ ( و هو القائل ( ^ أنت و لينا فإغفر لنا و ~~ارحمنا و أنت خير الغافرين ^ ( و ms1558 هو القائل لقومه ( @QB@ فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم @QE@ ( فلو كان المذنب يعذر بالقدر ~~لم يحتج إلى هذا بل كان الإحتجاج بالقدر لما حصل من موسى ملام على ما قدر ~~عليه من المصيبة التى كتبها الله و قدرها # و من الإيمان بالقدر أن يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه و ما أخطأه ~~لم يكن ليصيبه فالمؤمن يصبر على المصائب و يستغفر من الذنوب و المعائب و ~~الجاهل الظالم يحتج بالقدر على ذنوبه و سيئاته و لا يعذر بالقدر من أساء ~~إليه و لا يذكر القدر عند ما ييسره الله له من الخير فعكس القضية بل كان ~~الواجب عليه إذا عمل حسنة أن يعلم أنها نعمة من الله هو يسرها و تفضل بها ~~فلا يعجب بها و لا يضيفها إلى نفسه كأنه الخالق لها و إذا عمل سيئة إستغفر ~~و تاب منها و إذا أصابته مصيبة سماوية أو بفعل العباد يعلم أنها كانت مقدرة ~~مقضية عليه PageV17P098 و هذا مبسوط في موضعه # والمراد هنا أنه سبحانه بين أنه إنما خلق المخلوقات لحكمته و هذا معنى ~~قوله ( @QB@ بالحق @QE@ ( و قد ذم من ظن أنه خلق ذلك باطلا و عبثا فقال ( ^ ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ترجعون ^ ( و قال ( @QB@ أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى @QE@ ( و قال ( ^ إن في خلق السموات و الأرض و اختلاف ~~الليل و النهارلآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على ~~جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~فقنا عذاب النار ^ ( فلابد من جزاء العباد على أعمالهم فلهذا قيل ( @QB@ ~~فاصفح الصفح الجميل @QE@ ( و لله سبحانه فى كل ما يخلقه حكمة يحبها و ~~يرضاها و هو سبحانه أحسن كل شيء خلقه و أتقن كل ما صنع فما و قع من الشر ~~الموجود في المخلوقات فقد و وجد لأجل تلك الحكمة المطلوبة المحبوبة المرضية ~~فهو من الله حسن جميل و هو سبحانه محمود عليه ms1559 و له الحمد على كل حال و إن ~~كان شرا بالنسبة إلى بعض الأشخاص # و هذا موضوع عظيم قد بسط فى غير هذا الموضع فإن الناس فى باب خلق الرب و ~~أمره و لم فعل ذلك على طرفين و وسط فالقدرية من المعتزلة و غيرهم قصدوا ~~تعظيم الرب و تنزيهه عما ظنوه قبيحا من الأفعال و ظلما فأنكروا عموم قدرته ~~و مشيئته و لم يجعلوه خالقا PageV17P099 لكل شيء و لا أنه ما شاء كان و ما ~~لم يشأ لم يكن بل قالوا يشاء ما لا يكون و يكون ما لا يشاء ثم إنهم و ضعوا ~~لربهم شريعة فيما يجب عليه و يحرم بالقياس على أنفسهم و تكلموا في التعديل ~~و التجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق فضلوا و ~~أضلوا و قابلهم الجهمية الغلاة في الجبر فأنكروا حكمة الله و رحمته و قالوا ~~لم يخلق لحكمة و لم يأمر بحكمة و ليس فى القرآن ( لام كي ( لا في خلقه و لا ~~فى أمره # وزعموا أن قوله ( ^ و سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض جميعا ^ ( و ( ~~@QB@ خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ ( و قوله ( ^ و لله ما فى السموات و ~~ما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ^ ( ~~و قوله ( ^ و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم ^ ( و قوله ( @QB@ ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ ( و أمثال ذلك إنما اللام فيه ~~لام العاقبة كقوله ( ^ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا و حزنا ^ ( و قول ~~القائل ( لدوا للموت و ابنوا للخراب ( و لم يعلموا أن لام العاقبة إنما تصح ~~ممن يكون جاهلا بعاقبة فعله كفرعون الذي لم يكن يدري ما ينتهي إليه أمر ~~موسى أو ممن يكون عاجزا عن رد عاقبة فعله كعجز بني آدم عن دفع الموت عن ~~أنفسهم و الخراب عن ديارهم فأما من هو بكل شيء عليم و على كل شيء قدير و هو ~~مريد ms1560 لكل PageV17P100 ما خلق فيمتنع فى حقه لام العاقبة التى تتضمن نفى ~~العلم أو نفى القدرة # و أنكر هؤلاء محبة الله و رضاه لبعض الموجودات دون بعض و قالوا المحبة و ~~الرضا هو من معنى الإردة و الله مريد لكل ما خلقه فهو راض بذلك محب له و ~~زعموا أن ما فى القرآن من نفي حبه و رضاه بالكفر و المعاصي كقوله ( ^ و ~~الله لا يحب الفساد ^ ( ^ و لا يرضى لعباده الكفر ^ ) محمول على عباده ~~الذين لم يقع ذلك منهم أو أنه لم يرده دينا يثيبهم عليه و زعموا أن الله لا ~~يحب و لا يرضي ما أمر به من العبادات إلا إذا و قع فيريده كما يريد حينئذ ~~ما و قع من الكفر و المعاصي إلى غير ذلك من قوالهم المبسوطة فى غير هذا ~~الموضع و كثير من المتأخرين يظن أن هذا قول أهل السنة و هذا مما لم يقله ~~أحد من سلف الأمة و أئمتها بل جميع مثبتة القدر المتقدمين كانوا يفرقون بين ~~المحبة و الرضا و بين الإرادة و لكن أبو الحسن الأشعري إتبع جهما فى ذلك # قال أبو المعالي الجوينى و مما إختلف أهل الحق فى إطلاقه و عدم إطلاقه ~~المحبة و الرضا فصار المتقدمون إلى أنه سبحانه لا يحب الكفر و لا يرضاه و ~~كذلك كل معصية و قال شيخنا أبو الحسن المحبة هي الإرادة نفسها و كذلك الرضا ~~و الإصطفاء و هو سبحانه يريد الكفر PageV17P101 و يرضاه كفرا معاقبا عليه و ~~هو كما قال أبو المعالى فإن المتقدمين من جميع أهل السنة على ما دل عليه ~~الكتاب و السنة من أنه سبحانه لا يرضي ما نهى عنه و لا يحبه وعلى ذلك قدماء ~~أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب أبى حنيفة و مالك و الشافعي أحمد كأبي بكر ~~عبدالعزيز و غيره من قدمائهم و لكن من المتأخرين من سوى بين الجميع كما ~~قاله أبو الحسن و هو فى الأصل قول لجهم فهو الذي قال فى القدر بالجبر ms1561 و بما ~~يخالف أهل السنة و نكر رحمة الله تعالى و كان يخرج إلى الجذمى فيقول أرحم ~~الراحمين يفعل هذا فنفى أن يكون الله أرحم الراحمين و قد قال الصادق ~~المصدوق ( لله أرحم بعباده من الوالدة بولده ( و هذه مسائل عظيمة ليس هذا ~~موضع بسطها # و إنما المقصود هنا التنبيه على الجمل فإن كثيرا من الناس يقرأ كتبا ~~مصنفة فى أصول الدين و أصول الفقه بل في تفسير القرآن و الحديث و لا يجد ~~فيها القول الموافق للكتاب و السنة الذي عليه سلف الأمة و أئمتها و هو ~~الموافق لصحيح المنقول و صريح المعقول بل يجد أقوالا كل منها فيه نوع من ~~الفساد و التناقض فيحار ما الذي يؤمن به فى هذا الباب و ما الذي جاء به ~~الرسول و ما هو الحق و الصدق إذ لم يجد في تلك الأقول ما يحصل به ذلك و ~~إنما الهدى فيما جاء به الرسول الذي قال الله فيه ( ^ و إنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات و ما فى الأرض ألا إلى الله تصير ~~الأمور ^ ( # PageV17P102 $ فصل وإذا علم ما دل عليه الشرع مع العقل و إتفاق السلف من ~~أن بعض القرآن أفضل من بعض و كذلك بعض صفاته أفضل من بعض بقى الكلام في كون ~~( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( تعدل ثلث القرآن ما و جه ذلك و هل ثوابها ~~بقدر ثواب ثلث القرآن وإذا قدر أن الأمر كذلك فما و جه قراءة سائر القرآن ~~فيقال # أما الأول فقد قيل فيه و جوه أحسنها و الله أعلم الجواب المنقول عن ~~الإمام أبى العباس بن سريج فعن أبي الوليد القرشي أنه سأل أبا العباس بن ~~سريج عن معنى قول النبى صلى الله عليه و سلم ( قل هو الله أحد 2 تعدل ثلث ~~لقرآن ( فقال معناه أنزل القرآن على ثلاثة أقسام ثلث منها الأحكام و ثلث ~~منها و عد و وعيد و ثلث منها الأسماء و الصفات و هذه السورة ms1562 جمعت الأسماء و ~~الصفات # و قد ذكر أبو الفرج بن الجوزي فى هذا الحديث ثلاثة أوجه بدأ بهذا الوجه ~~فروى قول إبن سريج هذا بإسناده عن زاهد عن الصابونى و البيهقي عن الحاكم ~~أبى عبدالله الحافظ قال سمعت أبا الوليد PageV17P103 حسان بن محمد الفقيه ~~يقول سالت أبا العباس بن سريج قلت ما معنى قول النبى صلى الله عليه و سلم ( ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ تعدل ثلث القرآن ( قال إن القرآن أنزل على ثلاثة ~~اقسام فثلث أحكام و ثلث و عد و وعيد و ثلث أسماء و صفات و قد جمع في ( ^ قل ~~هو لله أحد ^ ( أحد الأثلاث و هو الصفات فقيل أنها تعدل ثلث القرآن # ( الوجه الثاني ( من الوجوه الثلاثة التى ذكرها أبو الفرج إبن الجوزي أن ~~معرفة الله هي معرفة ذاته و معرفة أسمائه و صفاته و معرفة أفعاله فهذه ~~السورة تشتمل على معرفة ذاته إذ لا يوجد شيء إلا و جد من شيء [ ما خلا الله ~~فإنه ليس له كفء ] و لا له مثل قال أبو الفرج ذكره بعض فقهاء السلف # قال و ( الوجه الثالث ( أن المعنى من عمل ما تضمنته من الإقرار بالتوحيد ~~و الإذعان للخالق كان كمن قرأ ثلث القرآن و لم يعمل بما تضمنته ذكره إبن ~~عقيل قال إبن عقيل و لا يجوز أن يكون المعنى من قرأها فله أجر ثلث القرآن ~~لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم ( من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ~~( # قلت كلا الوجهين ضعيف # أما الأول فيدل على ضعفه و جوه ( الأول ( أن نقول القرآن PageV17P104 ليس ~~كله هو المعرفة المذكورة بل فيه أمر بالأعمال الواجبة و نهى عن المحرمات و ~~المطلوب من العباد المعرفة الواجبة و العمل الواجب و الأمة كلها متفقة على ~~و جوب الأعمال التى فرضها الله لم يقل أحد بأنها ليست من الواجبات و إن كان ~~طائفة من الناس نازعوا فى كون الأعمال من الإيمان فلم ينازعوا فى أن الله ~~فرض الصلوات الخمس و ms1563 غيرها من شرائع الإسلام و حرم الفواحش ( ^ ما ظهر منها ~~و ما بطن و الإثم و البغي بغير الحق و أن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا و ان تقولوا على الله ما لا تعلمون ^ ( و إذا كان كذلك و قدر أن ~~سورة من السور تضمنت ثلث المعرفة لم يكن هذا ثلث القرآن # الثاني ( أن يقال قول القائل معرفة ذاته و معرفة أسمائه و صفاته و معرفة ~~أفعاله إن أراد بذلك أن ذاته تعرف بدون معرفة شيء من أسمائه و صفاته ~~الثبوتية و السلبية فهذا ممتنع و لو قدر إمكان ذلك أو فرض العبد في نفسه ~~ذاتا مجردة عن جميع القيود السلبية و الثبوتية فليس ذاك معرفته بالله ألبتة ~~و لا هو رب العالمين ذات مجردة عن كل أمر سلبى أو ثبوتي و لهذا لم يقل أحد ~~من العقلاء هذا إلا القرامطة الباطنية يقولون يسلب عنه كل أمر ثبوتي و عدمي ~~فلا يقال موجود و لا معدوم و لا عالم و لا ليس بعالم و لا قادر و لا ليس ~~بقادر و لا نحو ذلك و هؤلاء مع أن قولهم معلوم الفساد بضرورة العقل فإنهم ~~PageV17P105 متناقضون # أما الأول فلأن سلب النقيضين ممتنع كما أن جمعها ممتنع فيمتنع أن يكون ~~شيء من الأشياء لا موجودا و لا معدوما و أما تناقضهم لابد أن يذكروا ما ~~ذكروا أنه يسلب عنه النقيضان ببعض الأمور التى يتميز بها ليخبر عنه بهذا ~~السلب و أي شيء قالوه فلابد أن يتضمن نفيا و إثباتا بل لابد أن يتضمن ~~إثباتا و قد بسطنا الرد عليهم فى غير هذا الموضع # ولهذا كان كثير من الملاحدة لا يصلون إلى هذا الحد بل يقولون كما قال أبو ~~يعقوب السجستانى و غيره من الملاحدة نحن لا ننفي النقيضين بل نسكت عن إضافة ~~و أحد منهما إليه فلا نقول هو موجود و لا معدوم و لا حي و لا ميت و لا عالم ~~و لا جاهل فيقال لهم إعراض قلوبكم عن ms1564 العلم به و كف ألسنتكم عن ذكره لايوجب ~~أن يكون هو في نفسه مجردا عن النقيضين بل يفيد هذا كفركم بالله و كراهتكم ~~لمعرفته و ذكره و عبادته و هذا حقيقة مذهبكم # و من قال من الملاحدة المنتسبين إلى التصوف و التحقيق كإبن سبعين و الصدر ~~القونوي و غيرهما إنه و جود مطلق بشرط الإطلاق عن كل و صف ثبوتى و سلبى فهو ~~من جنس هؤلاء لكن هؤلاء يقولون هو و جود مطلق فيخصونه بالوجود دون العدم ثم ~~يقولون هو مطلق و المطلق بشرط الإطلاق عن كل قيد سلبى و ثبوتى إنما يكون ~~PageV17P106 في الأذهان لا فى الأعيان و هؤلاء يقولون الوجود الكلي المقسوم ~~إلى و اجب و ممكن الذي يجعله الفلاسفة موضوع العلم الإلهي و يسمونه ( ~~الحكمة العليا ( و ( الفلسفة الأولى ( إنما يكون كليا فى الأذهان لا في ~~الأعيان فليس فى الخارج قط و جود هو بعينه و اجب و هو بعينه ممكن و لا و ~~جود هو نفسه يتصف به الواجب و هو نفسه يتصف به الممكن بل صفة الواجب تختص ~~به و صفة الممكن تختص به و وجود الواجب يخصه لا يشركه فيه غيره و وجود ~~الممكن يخصه لا يشركه فيه غيره # و لهذا كان كل ما و صف به الرب نفسه من صفاته فهي صفات مختصة به يمتنع أن ~~يكون له فيها مشارك أو مماثل فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئا من الذوات و ~~صفاته مختصة به فلا تماثل شيئا من الصفات بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد و لم ~~يولد و لم يكن له كفوا أحد فإسمه ( الأحد ( دل على نفي المشاركة و المماثلة ~~و إسمه ( الصمد ( دل على أنه مستحق لجميع صفات الكمال كما بسط الكلام على ~~ذلك فى الشرح الكبير المصنف في تفسير هذه السورة و صفات التنزيه كلها بل و ~~صفات الإثبات يجمعهما هذان المعنيان و قد بسط الكلام فى التوحيد و أنه ~~نوعان علمي قولي و عملي قصدي ( فقل يا ms1565 أيها الكافرون ( إشتملت على التوحيد ~~العملي نصا و هي دالة على العلمي PageV17P107 لزوما # ( و @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( إشتملت على التوحيد العلمي القولي نصا و ~~هي دالة على التوحيد العملي لزوما و لهذا كان النبى صلى الله عليه و سلم ~~يقرا بهما في ركعتى الفجر و ركعتى الطواف و غير ذلك و قد ثبت أنه كان يقرأ ~~أيضا فى ركعتى الفجر بآية الإيمان التى في البقرة ( @QB@ قولوا آمنا بالله ~~@QE@ ( في الركعة الأولى و آية الإسلام التى فى آل عمران ( ^ قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم أن لا نعبد إلا الله و لا نشرك ~~به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا ~~بأنا مسلمون ^ ( # و المقصود هنا أن صفات التنزيه يجمعها هذان المعنيان المذكوران فى هذه ~~السورة # ( أحدهما ( نفي النقائص عنه و ذلك من لوازم إثبات صفات الكمال فمن ثبت له ~~الكمال التام إنتفى النقصان المضاد له و الكمال من مدلول إسمه الصمد # ( و الثاني ( أنه ليس كمثله شيء فى صفات الكمال الثابتة و هذا من مدلول ~~إسمه الأحد فهذان الإسمان العظيمان الأحد الصمد يتضمنان تنزيهه عن كل نقص و ~~عيب و تنزيهه فى صفات الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء منها و إسمه الصمد ~~يتضمن إثبات جميع PageV17P108 صفات الكمال فتضمن ذلك إثبات جميع صفات ~~الكمال و نفي جميع صفات النقص فالسورة تضمنت كل ما يجب نفيه عن الله و ~~تضمنت أيضا كل ما يجب إثباته من و جهين من إسمه الصمد و من جهة أن ما نفى ~~عنه من الأصول و الفروع و النظراء مستلزم ثبوت صفات الكمال أيضا فإن كل ما ~~يمدح به الرب من النفي فلابد أن يتضمن ثبوتا بل و كذلك كل ما يمدح به شيء ~~من الموجودات من النفي فلابد أن يتضمن ثبوتا و إلا فالنفي المحض معناه عدم ~~محض و العدم المحض ليس بشيء فضلا عن أن يكون صفة كمال # وهذا ms1566 كما يذكره سبحانه فى آية الكرسي مثل قوله ( ^ ( الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم ^ ( فنفي أخذ السنة و النوم له مستلزم ~~لكمال حياته و قيوميته فإن النوم ينافي القيومية و النوم أخو الموت و لهذ ~~كان أهل الجنة لا ينامون ثم قال ( ^ له ما فى السموات و ما في الرض من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه ^ ( فنفي الشفاعة بدون إذنه مستلزم لكمال ملكه إذ ~~كل من شفع إليه شافع بلا إذنه فقبل شفاعته كان منفعلا عن ذلك الشافع فقد ~~أثرت شفاعته فيه فصيرته فاعلا بعد أن لم يكن و كان ذلك الشافع شريكا ~~للمشفوع إليه فى ذلك الأمر المطلوب بالشفاعة إذ كانت بدون إذنه لا سيما و ~~المخلوق إذا شفع إليه بغير إذنه فقبل الشفاعة فإنما يقبلها لرغبة أو لرهبة ~~إما من PageV17P109 الشافع أو من غيره و إلا فلو كانت داعيته من تلقاء نفسه ~~تامة مع القدرة لم يحتج إلى شفاعة و الله تعالى منزه عن ذلك كله كما قال فى ~~الحديث الإلهي ( يا عبدي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعونى و لن تبلغوا ضري ~~فتضرونى ( و لهذا كان النبى صلى الله عليه و سلم يأمر أصحابه بالشفاعة إليه ~~فكان إذا أتاه طالب حاجة يقول ( إشفعوا تؤجروا و يقضي الله على لسان نبيه ~~ما شاء ( أخرجاه فى الصحيحين و كان مقصوده أنهم يؤجرون على الشفاعة و هو ~~إنما يفعل ما أمره الله به و كذلك قوله ( ^ يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم ~~و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ^ بين أنهم لا يعلمون من علمه إلا ما ~~علمهم إياه كما قالت الملائكة ( @QB@ لا علم لنا إلا ما علمتنا @QE@ ( فكان ~~فى هذا النفي إثبات أن عباده لا يعلمون إلا ما علمهم إياه فأثبت أنه الذي ~~علمهم لا ينالون العلم إلا منه فإنه ( الذي خلق خلق الإنسان من علق ( و ( ~~@QB@ علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ ( # ثم قال ( ^ و سع كرسيه ms1567 السموات و الأرض و لا يئوده حفظهما ^ ( أي لا ~~يكرثه و لا يثقله و هذا النفي تضمن كمال قدرته فإنه مع حفظه للسموات و ~~الأرض لا يثقل ذلك عليه كما يثقل على من فى قوته ضعف و هذا كقوله تعالى ( ^ ~~و لقد خلقنا السموات و الأرض و ما بينهما فى ستة أيام و ما مسنا من لغوب ^ ~~( فنزه نفسه عن مس اللغوب قال أهل PageV17P110 اللغة اللغوب الإعياء و ~~التعب و كذلك قوله ( @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ ( الإدراك عند السلف و ~~الأكثرين هو الإحاطة و قال طائفة هو الرؤية و هو ضعيف لأن نفي الرؤية عند ~~لا مدح فيه فإن العدم لا يرى و كل و صف يشترك فيه الوجود و العدم لا يستلزم ~~امرا ثبوتيا فلا يكون فيه مدح إذ هو عدم محض بخلاف ما إذا قيل لا يحاط به ~~فإنه يدل على عظمة الرب جل جلاله وإن العباد مع رؤيتهم له لا يحيطون به ~~رؤية كما انهم مع معرفته لا يحيطون به علما و كما أنهم مع مدحه و الثناء ~~عليه لا يحيطون ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه المقدسة و لهذا قال أفضل ~~الخلق و أعلمهم ( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ( و هذه الأمور ~~مبسوطة فى موضع آخر # و المقصود هنا الكلام على معنى كون ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( تعدل ~~ثلث القرآن و بيان أن الصواب القول الأول # ( الوجه الثالث ( الذي يدل على فساد القول الثاني أن يقال قول لقائل ( ~~معرفة أفعاله ( إن أراد بذلك معرفة آياته الدالة عليه فهذه من تمام معرفته ~~و يبقى معرفة و عده و وعيده و قصص الأمم المؤمنة و الكافرة لم يذكره و هو ~~القسم الثانى من أقسام معانى القرآن كما لم يذكر أمره و نهيه و إن جعل هذه ~~من مفعولاته فمعلوم أن معرفة الوعد و الوعيد و القصص المطلوب فيها الإيمان ~~باليوم الآخر و جزاء الأعمال PageV17P111 كما أن المطلوب بالأمر و النهي ~~طاعته فإنه لابد ms1568 من الإيمان بالله و اليوم الآخر و من العمل الصالح لكل أمة ~~كما قال تعالى ( إن الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى و الصابئين من آمن ~~بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا ~~هم يحزنون ( # ( الوجه الرابع ( أن يقال ما ذكره من نفي من نفي المثل عنه و من نفى ~~الولادة مذكور فى غير هذه السورة فلم يختص بهذا المعنى # ( الوجه الخامس ( أن يقال هب أنها تضمنت التنزيه كما ذكره الله فمعرفة ~~الله ليست بمعرفة صفات السلب بل الأصل فيها صفات الإثبات و السلب تابع و ~~مقصوده تكميل الإثبات كما أشرنا إليه من أن كل تنزيه مدح به الرب ففيه ~~إثبات و لهذا كان قول ( سبحان الله ( متضمنا تنزيه الرب و تعظيمه ففيها ~~تنزيهه من العيوب و النقائص و فيها تعظيمه سبحانه و تعالى كما قد بسط ~~الكلام على ذلك في مواضع # وأما القول الثالث و هو المراد به أن من عمل بما تضمنته كان كمن قرأ ثلث ~~القرآن و لم يعمل بما تضمنته فهذا أيضا ضعيف و ما نفاه من المعادلة فهو ~~مبنى على قول من إعتبر فى مقدار الأجر كثرة الحروف و هو قول باطل كما قد ~~بين في موضعه و ذلك أن العمل بها إن أراد PageV17P112 به العمل الواجب من ~~التصديق بمضمونها و توحيد الله فهذا أجره أعظم من أجر من قرأ القرآن جملة و ~~لم يعمل بذلك فإنه إن خلا عن الإيمان بمضمون القرآن فهو منافق و إن خلا عما ~~يجب عليه من العمل فهو فاسق و معلوم أن هذا لو قرأ القرآن عشر مرات لم يكن ~~أجره مثل أجر المؤمن المتقى و أيضا فإن هذا الأجر على الإيمان بمضمونها ~~سواء قرأها أو لم يقرأها و الأجر المذكور فى الحديث هو لمن قرأها فلا بد أن ~~يكون قد قرأها مع الإيمان بما تضمنته و أيضا فالنبى صلى الله عليه و سلم ~~جعل قراءتها تعدل ثلث ms1569 القرآن و قرأها على أصحابه و أخبرهم أنه قرأ عليهم ~~ثلث القرآن فكانت قراءته لها تعدل قراءته هو للثلث و كذلك الرحل الذي جعل ~~يرددها و كذلك إخباره لهم بأنها تعدل ثلث القرآن و إنما يراد به ثلثه إذا ~~قرأوه هم لم يرد به الثلث إذا قرأها منافق لا يؤمن بمعنى ( @QB@ قل هو الله ~~أحد @QE@ ( ثم إن كون المراد بذلك من قرأ الثلث بلا إيمان بها معنى ليس في ~~اللفظ ما يدل عليه و إنما يدل اللفظ على نقيضه و هذا التأويل و أمثاله هو ~~من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذم الله عليه من فعل ذلك من أهل الكتاب و هو ~~نوع من الإلحاد في كلام الله و رسوله # و قد ذكر أبو حامد الغزالي و جها آخر غير هذه الثلاثة فقال فى كتابه ( ~~جواهر القرآن و درره ( أما قوله ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ PageV17P113 ~~تعدل ثلث القرآن ( # ما أراك تفهم و جه ذلك فتارة تقول ذكر هذا للترغيب فى التلاوة و ليس ~~المعنى به التقدير و حاشا منصب النبوة عن ذلك و تارة تقول هذا بعيد عن ~~الفهم و التأويل فإن آيات القرآن تزيد على ستة آلاف آية فهذا القدر كيف ~~يكون ثلثها و هذا لقلة معرفتك بحقائق القرآن و نظرك إلى ظاهر ألفاظه فتظن ~~أنها تعظم و تكثر بطول الألفاظ و تقصر بقصرها و ذلك كظن من يؤثر الدراهم ~~الكثيرة على الجوهرة الواحدة نظرا إلى كثرتها فاعلم أن سورة الإخلاص تعدل ~~ثلث القرآن قطعا و ترجع إلى الأقسام الثلاثة التى ذكرناها فى مهمات القرآن ~~و هي معرفة الله و معرفة الآخرة و معرفة الصراط المستقيم فهذه المعارف ~~الثلاثة هي المهمة و الباقى توابع و سورة الإخلاص تشتمل على و احدة من ~~الثلاث و هي معرفة الله و تقديسه و توحيده عن مشارك فى الجنس و النوع و هو ~~المراد بنفي الأصل و الفرع و الكفء و الوصف بالصمد يشعر بأنه السيد الذي لا ~~يقصد في الوجود للحوائج سواه ms1570 نعم ليس فيها حديث الآخرة و الصراط المستقيم ~~فلذلك تعدل ثلث القرآن أي ثلث الأصول من القرآن كما قال ( الحج عرفة ( أي ~~هو الأصل و الباقى تبع # قلت آيات القرآن نوعان علمية و عملية و في الايات ما يجمع الأمرين و أبو ~~حامد جمع العلميات المتعلقة بذات الله و صفاته و أفعاله دون ما يتعلق ~~PageV17P114 باليوم الآخر و القصص و سماها ( جواهر القرآن ( و جمع العمليات ~~و سماها ( درر القرآن ( و جعل الشطر الأول من ( ^ الفاتحة ^ ( من الجواهر و ~~الثانى من الدرر و الآيات التى تجمع المعنيين يذكرها في أغلب النوعين عليها ~~و مجموع ما ذكره من القسمين ربع آيات القرآن نحو ألف و خمسمائة آية و جعل ~~معانى القرآن ستة أصناف ثلاثة أصول و ثلاثة توابع فذكر أن القرآن هو البحر ~~المحيط و منه يتشعب علم الأولين و الآخرين و قال سر القرآن و لبابه الأصفى ~~و مقصده الأقصى دعوة العباد إلى الجبار الأعلى رب الآخرة و الأولى و خالق ~~السموات العلى و الأرضين السفلى فالثلاثة المهمة تعريف المدعو إليه و تعريف ~~الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته فى السلوك إليه و تعريف الحال عند الوصول ~~إليه و أما الثلاثة المعنية فأحدها أحوال المجيبين للدعوة و لطائف صنع الله ~~فيهم و سره و مقصوده التشويق و الترغيب و تعريف أحوال الناكبين و الناكلين ~~عن الإجابة و كيفية قمع الله لهم و تنكيله بهم و سره مقصوده الإعتبار و ~~الترهيب و ثانيها حكاية أقوال الجاحدين و كشف فضائحهم و جهلهم بالمجادلة و ~~المحاجة على الحق و مقصوده و سره فى جنبة الباطل الإفصاح و التحذير و ~~التنفير و فى جنبة الحق الإيضاح و التثبيت و التقرير و ثالثها تعريف عمارة ~~منازل الطريق و كيفية أخذ الزاد و الراحلة و الأهبة للإستعداد # قلت ما ذكره من أن أصول الإيمان ثلاثة فهو حق كما ذكره PageV17P115 و ~~لابد من الثلاثة فى كل ملة و دين # كما قال الله تعالى ( ^ إن الذين آمنوا و الذين ms1571 هادوا و النصارى و ~~الصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم و لا ~~خوف عليهم و لا هم يحزنون ^ ( و نحو ذلك فى سورة المائدة فذكر هذه الأصول ~~الثلاثة الإيمان بالله و اليوم الآخر و العمل الصالح و أما الثلاثة الأخر ~~التابعة فهي داخلة فى هذه الثلاثة فإن ما في القرآن من ذكر أحوال السعداء و ~~الأشقياء فى الآخرة فهو من تفصيل الإيمان باليوم الآخر و ما فيه من عمارة ~~الطريق فهو من العمل الصالح و ما فيه من المجادلة و المحاجة فذاك من تمام ~~الإخبار بالثلاثة فإنه إذا أخبر بالثلاثة ذكر الأيات و الأدلة المثبتة لذلك ~~و ذكر شبه الجاحدين و بين فسادها و قد ذكر أبو حامد ذلك فقال القسم الجائي ~~لمحاجة الكفار و مجادلتهم و إيضاح مخازيهم بالبرهان الواضح و كشف أباطيلهم ~~و تخاييلهم و أباطيلهم ثلاثة أنواع ( الأول ( ذكر الله لا يليق به من أن ~~الملائكة بناته و أن له و لدا شريكا و أنه ثالث ثلاثة ( الثاني ( ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه و سلم بأنه ساحر و كاهن و شاعر و إنكار نبوته ( و ~~ثالثها ( إنكار اليوم الآخر و جحد البعث و النشور و الجنة و النار و إنكار ~~عاقبة الطاعة و المعصية # و أما ما فيه من الإخبار بأحوال المؤمنين و الكفار فى الدنيا و هو الذي ~~أراده أبو حامد بذكر أحوال المستجيبين و الناكبين فهذا من PageV17P116 تمام ~~الأدلة و الأيات فإن هذا أمر شوهد في الدنيا و رؤيت آثاره و تواترت أخباره ~~ليس هو مما بعد الموت الذي هو غيب عن العباد و لهذا يذكر سبحانه هذا فى ~~معرض الإحتجاج و الإستدلال مع ما في ذلك من الموعظة كقوله ( @QB@ لقد كان ~~في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ ( ^ قد كان لكم آية في فئتين إلتقتا فئة ~~تقاتل فى سبيل الله و أخرى كافرة يرونهم مثيلهم رأي العين و الله يؤيد ~~بنصره من يشاء إن فى ذلك لعبرة ms1572 لأولي الأبصار ^ ( و قوله ( ^ هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا و ظنوا ~~أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا و قذف فى ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديم و ايدي المؤمنين فإعتبروا يا أولى ~~الأبصار ^ ( و قوله ( @QB@ قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين @QE@ ( و قوله ( ^ فكأين من قرية أهلكناها و هي ظالمة فهي خاوية ~~على عروشها و بئر معطلة و قصر مشيد أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب ~~التى في الصدور ^ ( و قوله ( ^ أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة و أثاروا الأرض و عمروها أكثر مما ~~عمروها و جاءتهم رسلهم بالبينات ^ الآيات # PageV17P117 # وقوله تعالى لما ذكر قصة قوم لوط ( فجعلنا عاليها سافلها و أمطرنا عليهم ~~حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين و إنها لبسبيل مقيم ( و المتوسم ~~المستدل بالسمة و السيما و هي العلامة قال تعالى ( ^ و لو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم و لتعرفنهم فى لحن القول ^ ( فمعرفة المنافقين في لحن ~~القول ثابتة مقسم عليها لكن هذا يكون إذا تكلموا و أما معرفتهم بالسيما ~~فموقوف على مشيئة الله فغن ذلك أخفى و فى الحديث الذي رواه الترمذي و حسنه ~~عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( إتقوا فراسة المؤمن فإنه ~~ينظر بنور الله ( ثم قرأ قوله تعالى ( @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ ~~قال مجاهد و إبن قتيبة للمتفرسين قال إبن قتيبة يقال توسمت في فلا الخير أي ~~تبينته و قال الزجاج المتوسمون في اللغة النظار المثبتون فى نظرهم حتى ~~يعرفوا حقيقة سمة الشيء يقال توسمت فى فلان كذا أي عرفت و قوله ( المثبتون ~~في نظرهم ( أي فى نظر أعينهم حتى يعرفوا السيما بخلاف الذين قيل فيهم ( و ~~كأين من آية فى ms1573 السموات و الأرض يمرون عليها و هم عنها معرضون ( و قال ~~الضحاك الناظرون و قال إبن زيد المنتقدون و قال قتادة المعتبرون و كل هذا ~~صحيح فإن المتوسم يجمع هذا كله ثم قال تعالى ( ^ و إنها لبسبيل مقيم ^ ( ثم ~~ذكر قصة أصحاب الأيكة ثم قال ( ^ و إنهما لبإمام مبين ^ ( اي بطريق متبين ~~للناس و اضح # PageV17P118 # وكذلك فى موضع آخر لما قال ( ^ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما و ~~جدنا فيها غير بيت من المسلمين و تركنا فيها آية للذين يخافون العذاب ~~الأليم ^ ( و قال فى سفينة نوح ( ^ و لقد تركناها آية فهل من مدكر ^ ( ~~فأخبر أنه أبقى آيات و هي العلامات و الدلالات فدل ذلك على أن ما يخصه من ~~أخبار المؤمنين و حسن عاقبتهم فى الدنيا و أخبار الكفار و سوء عاقبتهم فى ~~الدنيا هو من باب الآيات و الدلالات التى يستدل بها و يعتبر بها علما و ~~وعظا فيفيد معرفة صحة ما أخبرت به الرسل و يفيد الترغيب و الترهيب و يدل ~~ذلك على أن الله يرضي عن أهل طاعته و يكرمهم و يغضب على أهل معصيته و ~~يعاقبهم كما يستدل بمخلوقاته العامة على قدرته فإن الفعل يستلزم قدرة ~~الفاعل [ و يستدل ] بأحكام الأفعال على علمه لأن الفعل المحكم يستلزم علم ~~الفاعل و بالتخصيص على مشيئته لأن التخصيص مستلزم لإرادته فكذلك يستدل ~~بالتخصيص بما هو أحمد عاقبة على حكمته لأن تخصيص الفعل بما هو محمود فى ~~العاقبة مستلزم للحكمة و يستدل بتخصيص الأنبياء و إتباعهم بالنصر و حسن ~~العاقبة و تخصيص مكذبيهم بالخزي و سوء العاقبة على أنه يأمر و يحب و يرضي ~~ما جاءت به الأنبياء و يكره و يسخط ما كان عليه مكذبوهم لأن تخصيص أحد ~~النوعين بالإكرام و النجاة و الذكر الحسن و الدعاء و تخصيص الآخر بالعذاب و ~~الهلاك و قبح الذكر و اللعنة يستلزم محبة ما فعله الصنف الأول و بغض ما ~~فعله الصنف الثانى PageV17P119 و أما الإرادة التى يقال فيها إنها ms1574 تخص أحد ~~المثلين عن الاخر بلا سبب فتلك هل يوصف الله بها فيه نزاع فإن قيل إنه لا ~~يوصف بها فلا كلام و إن قيل إنه يوصف بها فمعلوم أن تخصيص الأنبياء عليهم ~~السلام بهذا و تخصيص أعدائهم بهذا لم يصدر عن تخصيص بلا مخصص بل يعلم أنه ~~قصد تخصيص هؤلاء بالإكرام و هؤلاء بالعقاب و إن إيمان هؤلاء سبب تخصيصهم ~~بهذا و كفر هؤلاء سبب تخصيصهم بهذا و لبسط هذه الأمور موضع آخر # لكن المقصود هنا أن هذه الثلاثة داخلة فى الثلاثة الأول و لكن أبو حامد ~~يجعل الحجاج صنعة الكلام و يجعل عمارة الطريق علم الفقه و يجعل أخبار ~~الأنبياء علم القصص و يقول إن الكلام و الجدل ليس فيه بيان حق بدليل بل ~~إنما فيه دفع البدع ببيان تناقضها و يجعل أهله من جنس خفراء الحجيج و يجعل ~~علم الفقه ليس غايته إلا مصلحة الدنيا و هذا مما نازعه فيه أكثر الناس و ~~تكلموا فيه بكلام ليس هذا موضعه كما تكلموا على ما ذكره فى هذا الكتاب ( ~~جواهر القرآن ( و غيره من كتبه من معاني الفلسفة و جعل ذلك هو باطن القرآن ~~و كلام علماء المسلمين على رد هذا أكثر من كلامهم على رد ذلك فإن هذا فيه ~~مما يناقض مقصود الرسول أمور عظيمة كما تكلموا على ما ذكره في النبوة بما ~~يشبه كلام الفلاسفة فيها PageV17P120 والمقصود أن هذا الذي ذكره فى ( @QB@ ~~قل هو الله أحد @QE@ ( أحسن من قول كثير من الناس فيها و هو أقرب إلى القول ~~الذي ذكرناه عن إبن سريج و نصرناه لكن ذلك القول هو الصواب بلا ريب فإن ~~النبى صلى الله عليه و سلم أخبر بأن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل ( ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( جزءا من أجزاء القرآن و هذا يقتضي أن مجموع ~~القرآن ثلاثة أجزاء ليس هو ستة ثلاثة أصول و ثلاثة فروع و كذلك أخبر أن ( ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( تعدل ثلث القرآن لم يقل ثلث المهم منه ms1575 و لا ثلث ~~أكثره و لا أصوله فوجب أن يكون القرآن كله ثلاثة أصناف و على ما ذكره أبو ~~حامد هو ستة ثلاثة مهمة و ثلاثة توابع و السورة أحد الثلاثة المهمة و هذا ~~خلاف الحديث و أيضا فإن تقسيم القرآن إلى ثلاثة أقسام تقسيم بالدليل فإن ~~القرآن كلام و الكلام إما إخبار و إما إنشاء و الإخبار إما عن الخالق و إما ~~عن المخلوق فهذا تقسيم بين و إما جعل علم الفقه خارجا عن الصراط المستقيم و ~~العمل الصالح و جعل علم الأدلة و الحجج خارجا عن الإيمان و المعرفة بالله و ~~اليوم الآخر فهذا مردود عند جماهير السلف و الخلف # وأبو حامد إنما ذكر هذا لأنه يقول إنما يعرف معانى ذلك بطريق التصفية فقط ~~لا بطريق الخبر النبوى و لا بطريق النظر الإستدلالي PageV17P121 فلا يعرف ~~ذلك بالسمع و لا بالعقل و هذا مما أنكره عليه الناس و صنفوا كتبا فى رد ذلك ~~كما فعل جماعات من العلماء و لكن عذر أبى حامد أنه لم يجد فيما علمه من ~~طريق الفلاسفة و أهل الكلام ما يبين الحق في ذلك و لم يعلم طرقا عقلية غير ~~ذلك فنفى أن يعلم بطريق النظر فيه و أما الطرق الخبرية النبوية فلم يكن له ~~خبرة بما صح من ألفاظ الرسول و بطريق دلالة ألفاظه على مقاصده و ظن بما ~~شارك به بعض أهل الكلام و الفلسفة أن الرسول لم يبين مراده بألفاظه فتركب ~~من هذا و هذا سد باب الطريق العقلي و السمعي و ظن أن المطلوب يحصل له بطريق ~~التصفية و العمل فسلك ذلك فلم يحصل له المقصود أيضا فرجع فى آخر عمره إلى ~~قراءة البخاري و مسلم # وقد ذكر القاضي عياض أقوالا في كون ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( تعدل ~~ثلث القرآن و كذلك المازري قبله قال قال الإمام يعنى أبا عبدالله المازري ~~قيل معنى ذلك أن القرآن على ثلاثة أنحاء قصص و احكام و أوصاف لله جلت قدرته ~~و ( @QB@ قل هو ms1576 الله أحد @QE@ ( تشتمل على ذكر الصفات فكانت ثلثا من هذه ~~الجهة قال و ربما أسعد هذا التأويل ظاهر الحديث الذي ذكر أن الله جزأ ~~القرآن قلت هذا هو قول إبن سريج و هو الذي نصرناه ذكره المازري فى كلام إبن ~~بطال كما سيأتى قال و قيل معنى ثلث القرآن لشخص PageV17P122 بعينه قصده ~~رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذكره إبن بطال أيضا قال و قيل معناه إن ~~الله يتفضل بتضعيف الثواب لقارئها و يكون منتهى التضعيف إلى مقدار ثلث ما ~~يستحق من الأجر على قراءة القرآن من دون تضعيف أجر قال و فى بعض روايات هذا ~~الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حشد الناس و قال ساقرأ عليكم ثلث ~~القرآن فقرا ( قل هو الله أحد ( قال المازري و هذه الرواية تقدح فى تأويل ~~من جعل ذلك لشخص بعينه # قال القاضي عياض قال بعضهم قال الله تعالى ( ^ ألر كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير ( ثم بين التفصيل فقال ( أن لا تعبدوا إلا الله ^ ( ~~فهذا فصل الألوهية ثم قال ( ^ إننى لكم منه نذير و بشير ^ ) و هذا فصل ~~النبوة ثم قال ( ^ و أن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ^ ( فهذا فصل التكليف ~~و ما و راءه من الوعد و الوعيد و عامة أجزاء القرآن مما فيه من القصص فمن ~~فصل النبوة لأنها من أدلتها و فهمها أيضا و هذا يدل على أن ( @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ ( جمعت الفصل الأول # قلت مضمون هذا القول أن معانى القرآن ثلاثة أصناف الإلهيات و النبوات و ~~الشرائع و أن هذه السورة منها الإلهيات و جعل صاحب هذا القول الوعد و ~~الوعيد و القصص من قسم PageV17P123 النبوة لأن ذلك مما أخبر به النبى صلى ~~الله عليه و سلم أو مما يدل على نبوته و هذا القول ضعيف أيضا فإنه يقال و ~~الأمر و النهي أيضا مما جاء به النبى كما جاء والوعد بالوعيد # ويقال أيضا القصص # تدل على الأمر و ms1577 النهي كما تدل على النبوة فإنها تدل على إكرامه لمن ~~أطاعه و عقوبته لمن عصاه و هذا تقرير للأمر و النهي كما تقدم و أيضا فإن ~~مقصود النبوة هو الإخبار بما أمر الله به و بما أخبر به و ما دل على إثبات ~~النبوة من القصص يدل على إثبات ما جاء به النبى و ما دل على إثبات ما جاء ~~به النبى يدل على الأمر و النهي الذي جاء به النبى فهما متلازمان # ثم الإلهيات أيضا هي مما جاء به النبى صلى الله عليه و سلم فبين الدلائل ~~العقلية على ما يمكن أن يعرف بالعقل و أخبر عن الغيب المطلق الذي تعجز ~~العقول عن معرفته فلا معنى لجعل القصص داخلة فى النبوة دون الإلهيات فإنه ~~إن عنى أن القصص تدل على نبوته فهي تدل من جهة إخباره بها كإخباره بغيرها ~~من الغيب و فيما أخبر به من الإلهيات و الأمور المستقبلات ما هو كالقصص في ~~ذلك و أبلغ و إن عنى أن تعذيب المكذبين يدل على النبوة فهي تدل على جنس ~~النبوة و على PageV17P124 نبوة من عذب قومه لا تدل على نبوة المتأخر إلا أن ~~يكون ما أخبر به من جنس ما أخبر به الأول و هذه الأمور كلها موجودة فى ~~الإلهيات و زيادة فإنه قد أخبر فيها بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله قد ذكر ~~الله ذلك فى غير موضع كقوله ( ^ و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون ^ ( و قوله ( ^ و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فإعبدون ^ ( و قوله ( ^ و لقد بعثنا فى كل ~~أمة رسولا أن إعبدوا الله و إجتنبوا الطاغوت ^ # و قد أخبر الله عن الأنبياء الذين قص إخبارهم كنوح و هود و صالح و شعيب ~~صلوات الله عليهم أجمعين أن كلا منهم يقول لقومه ( @QB@ يا قوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره @QE@ ( بل يفتح دعوته بذلك و ذكر تعالى ms1578 عن الأنبياء و ~~أممهم من نوح إلى الحواريبن أنهم كانوا مسلمين كما قد بسط فى غير موضع # و أيضا فالإلهيات التى تعلم منها قدرة الرب و إرادته و حكمته و أفعاله ~~منها يعلم النبى من المتنبيء و منها يعلم صدق النبى فهي أدل على صدق النبى ~~من مجرد القصص و ما في القصص من الدلالة على صدقه إنما يدل مع الإلهيات و ~~إلا فلو تجرد لم يدل على شيء فالنبوة مرتبطة بالإلهيات أعظم من إرتباطها ~~بغيرها و الأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى الله PageV17P125 و حده و قد ~~يذكرون المعاد مجملا و مفصلا و القصص قد يذكر بعضهم بعضها مجملا وأما ~~الإلهيات فهي الأصل و لابد من تفصيل الأمر بعبادة الله و حده دون ما سواه ~~فلا بد لكل نبى من الأصول الثلاثة الإيمان بالله و اليوم الآخر و العمل ~~الصالح و الأصول الكلية التى يشترك فيها الأنبياء يذكرها الله في السور ~~المكية مثل الأنعام و الاعراف و ذوات ( @QB@ الر @QE@ ( و ( @QB@ طسم @QE@ ~~( و ( ( و أكثر المفصل و نحو ذلك و المدنيات تتضمن خطاب من آمن بجنس الرسل ~~من أهل الكتاب من المؤمنين بالشرائع التى بعث بها خاتم الرسل و أما قول من ~~قال إن هذا فى شخص بعينه ففى غاية الفساد لفظا و معنى ثم إن الله إنما يخص ~~الشيء المعين بحكم يخصه لمعنى يختص به كما قال لأبي بردة بن نيار و كان قد ~~ذبح فى العيد قبل الصلاة قبل أن يشرع لهم النبى صلى الله عليه و سلم أن ~~الذبح يكون بعد الصلاة هذا فلما قال النبى صلى الله عليه و سلم ( أول ما ~~نبدأ به فى يومنا هذا أن نصلي ثم نذبح فمن ذبح قبل الصلاة فلعيد فإنما هي ~~شاة لحم قدمها لأهله ( ذكر له أبو بردة أنه ذبح قبل الصلاة و لم يكن يعرف ~~أن ذلك لا يجوز و ذكر له أن عنده عناقا خيرا من جذعة فقال ( تجزى عنك و لا ~~تجزى عن أحد بعدك ( فخصه ms1579 بهذا الحكم لأنه كان معذورا فى ذبحه قبل الصلاة إذ ~~فعل ذلك قبل شرع الحكم فلم PageV17P126 كن ذلك الذبح منهيا عنه بعد مع أنه ~~لم يكن عنده إلا هذا السن و أما أمره لإمرأة أبى حذيفة بن عتبة أن ترضع ~~سالما مولاه خمس رضعات ليصير لها محرما فهذا مما فهذا مما تنازع فيه السلف ~~هل هو مختص أو مشترك و إذا قيل هذا لمن يحتاج إلى ذلك كما إحتاجت هي إليه ~~كان في ذلك جمع بين الأدلة # وبالجملة فالشارع حكيم لا يفرق بين متماثلين إلا لإختصاص أحدهما بما يوجب ~~الإختصاص و لا يسوى بين مختلفين غير متساويين بل قد أنكر سبحانه على من ~~نسبه إلى ذلك و قبح من يحكم بذلك فقال تعالى ( ^ أم نجعل الذين آمنوا و ~~عملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ^ ( و قال ~~تعالى ( ^ أم حسب الذين إجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا ~~الصالحات سواء محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون ^ ( و قال تعالى ( ^ أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون ^ ( و قال تعالى ( @QB@ أكفاركم خير ~~من أولئكم أم لكم براءة في الزبر @QE@ ) و قال تعالى ( ^ يخربون بيوتهم ~~بأيديهم و أيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ^ ( و إنما يكون ~~الاعتبار إذا سوى المتماثلين و أما إذا قيل ليس الواقع كذلك فلا إعتبار # وقد تنازع الناس في هذا الأصل و هو أنه هل يخص بالأمر PageV17P127 و ~~النهي ما يخص لا لسبب و لا لحكمة قط بل مجرد تخصيص أحد المتماثلين على ~~الآخر فقال بذلك جهم بن صفوان و من و افقه من الجبرية و وافقهم كثير من ~~المتكلمين المثبتين للقدر و أما السلف و أئمة الفقه و الحديث و التصوف و ~~أكثر طوائف الكلام المثبتين للقدر كالكرامية و غيرهم و نفاته كالمعتزلة و ~~غيرهم فلا يقولون بهذا الأصل بل يقولون هو سبحانه يخص ما يخص من خلقه و ~~أمره لأسباب و لحكمة له فى التخصيص كما بسط الكلام على هذا الأصل فى مواضع # المجلد ms1580 # وكذلك قول من قال يضعف لقارئها مقدار ما يعطاه قارىء ثلث القرآن بلا ~~تضعيف قول لا يدل عليه الحديث و لا فى العقل ما يدل عليه و ليس فيه مناسبة ~~و لا حكمة فإن النص أخبر أن قراءتها تعدل ثلث القرآن و أن من قرأها فكأنما ~~قرأ ثلث القرآن فإن كان في هذا تضعيف ففي هذا تضعيف وإن لم يكن فى هذا ~~تضعيف لم يكن في الآخر فتخصيص أحدهما بالتضعيف تحكم ثم جعل التضعيف بقدر ~~ثلث القرآن إنما هو لما إختصت به السورة من الفضل و حينئذ ففضلها هو سبب ~~هذا التقدير من غير حاجة إلى نقص ثواب سائر القرآن و أيضا فهذا تحكم محض لا ~~دليل عليه و لا سبب يقتضيه و لا حكمة فيه و الناس كثيرا ما يغلطون من جهة ~~نقص علمهم و إيمانهم بكلام الله و رسوله و قدر ذلك و ما إشتمل عليه ~~PageV17P128 ذلك من العلم الذي يفوق علم الأولين و الآخرين و من علم أن ~~الرسول أعلم الخلق بالحق و أفصح الخلق فى البيان و أنصح ا لخلق للخلق علم ~~أنه قد إجتمع في حقه كمال العلم بالحق و كمال القدرة على بيانه و كمال ~~الإرادة له و مع كمال العلم و القدرة و الإرادة يجب و جود المطلوب على أكمل ~~و جه فيعلم أم كلامه أبلغ ما يكون و أتم ما يكون و أعظم ما يكون بيانا لما ~~بينه في الدين من أمور الإلهية و غير ذلك فمن و قر هذا فى قلبه لم يقدر على ~~تحريف النصوص بمثل هذه التأويلات التى إذا تدبرت و جد من إرادها بذلك القول ~~من أبعد الناس عما يجب إتصاف الرسول به و علم أن من سلك هذا المسلك فإنما ~~هو لنقص ما أوتيه من العلم و الأيمان و قد قال تعالى ( ^ يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات ^ ( فنسأل الله أن يجعلنا و إخواننا ~~ممن رفع درجاته من أهل العلم و الإيمان # و ms1581 إذ قد تبين ضعف هذه الأقوال غير القول الأول الذي نصرناه و هو قول إبن ~~سريج و غيره كالمهلب و الأصيلي و غيرهما فنقول قد علم أن تفاضل القرآن و ~~غيره من كلام الله ليس بإعتبار نسبته إلى المتكلم فإنه سبحانه و أحد و لكن ~~بإعتبار معانيه التى يتكلم بها و بإعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه # والذى قد صح عن النبى ( ( انه فضل من السور سورة الفاتحة وقال ( انه لم ~~ينزل فى PageV17P129 التوراة ولا فى الانجيل ولا فى القرآن مثلها والاحكام ~~الشرعية تدل على ذلك وقد بسط الكلام على معانيها فى غير هذا الموضع وفضل من ~~الايات آية الكرسى وقال فى الحديث الصحيح لابى بن كعب ( أتدرى اى آية فى ~~كتاب الله معك أعظم ( قال ( @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ ( ~~فضرب بيده فى صدره وقال ( ليهنك العلم أبا المنذر ( وليس فى القرآن آية ~~واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسى وانما ذكر الله فى اول سورة الحديد وآخر ~~سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة # وسنبين إن شاء الله أنه إذا كانت ( قل هو الله أحد ( تعدل ثلث القرآن لم ~~يلزم من ذلك أنها أفضل من الفاتحة و لا أنها يكتفى بتلاوتها ثلاث مرات عن ~~تلاوة القرآن بل قد كره السلف أن تقرأ إذا قرىء القرآن كله إلا مرة و احدة ~~كما كتبت في المصحف فإن القرآن يقرأ كما كتب في المصحف لا يزاد على ذلك و ~~لا ينقص منه # والتكبير المأثور عن إبن كثير ليس هو مسندا عن النبى صلى الله عليه و سلم ~~و لم يسنده أحد إلى ا لنبى صلى الله عليه و سلم إلا البزي و خالف بذلك سائر ~~من نقله فإنهم إنما نقلوه إختيارا ممن هو دون ا لنبى صلى الله عليه و سلم و ~~إنفرد هو برفعه و ضعفه نقلة أهل العلم بالحديث و الرجال من علماء القراءة و ~~علماء الحديث كما ذكر ذلك غير PageV17P130 و أحد من العلماء فالمقصود أن من ~~السنة فى ms1582 القرآن أن يقرأ كما فى المصاحف و لكن إذا قرئت ( قل هو الله أحد ( ~~مفردة تقرأ ثلاث مرات و أكثر من ذلك و من قرأها من الأجر ما يعدل ثلث أجر ~~القرآن لكن عدل الشيء بالفتح يكون من غير جنسه كما سنذكره إن شاء الله # و الثواب أجناس مختلفة كما أن الأموال أجناس مختلفة من مطعوم و مشروب و ~~ملبوس و مسكون و نقد و غير ذلك و إذا ملك الرجل من أحد أجناس المال ما يعدل ~~ألف دينار مثلا لم يلزم من ذلك أن يستغنى عن سائر أجناس المال بل إذا كان ~~عنده مال و هو طعام فهو محتاج إلى لباس و مسكن و غير ذلك و كذلك إن كان من ~~جنس غير النقد فهو محتاج إلى غيره و إن لم يكن معه إلا النقد فهو محتاج إلى ~~جميع الأنواع التى يحتاج إلى أنواعها و منافعها و الفاتحة فيها من المنافع ~~ثناء و دعاء مما يحتاج الناس إليه ما لا تقوم ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( ~~مقامه في ذلك و إن كان أجرها عظيما فذلك الأجر العظيم إنما ينتفع به صاحبه ~~مع أجر فاتحة الكتاب و لهذا لو صلى بها و حدها بدون الفاتحة لم تصح صلاته و ~~لو قدر أنه قرأ القرآن كله إلا الفاتحة لم تصح صلاته لأن معاني الفاتحة ~~فيها الحوائج الأصلية التى لابد للعباد منها و قد بسط الكلام عليها فى غير ~~هذا الموضع و بين أن ما فى الفاتحة من الثناء PageV17P131 و الدعاء و هو ~~قول ( ^ أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و ~~لا الضالين ^ ( هو أفضل دعاء دعا به العبد ربه و هو أوجب دعاء دعا به العبد ~~ربه و أنفع دعاء دعا به العبد ربه فإنه يجمع مصالح الدين و الدنيا و الآخرة ~~و العبد دائما محتاج إليه لا يقوم غيره مقامه فلو حصل له أجر تسعه أعشار ~~القرآن دع ثلثه ولم يحصل له مقصود هذا الدعاء لم يقم ms1583 مقامه و لم يسد مسده # وهذا كما لو قدر أن الرجل تصدق بصدقات عظيمة و جاهد جهادا عظيما يكون ~~أفضل من قراءة القرآن مرات و هو لم يصل ذلك اليوم الصلوات الخمس لم يقم ~~ثواب هذه الأعمال مقام هذه كما لو كان عند الرجل من الذهب و الفضة و الرقيق ~~و الحيوان و العقار أموال عظيمة و ليس عنده ما يتغذى به و يتعشى من الطعام ~~فإنه يكون جائعا متألما فاسد الحال و لا يقوم مقام ا الطعام الذي يحتاج ~~إليه تلك الأموال العظيمة و لهذا قال الشيخ أبو مدين رحمه الله أشرف العلوم ~~علم التوحيد و أنفع العلم أحكام العبيد فليس الأفضل الأشرف هو الذي ينفع في ~~و قت بل الأنفع فى كل و قت ما يحتاج إليه العبد فى ذلك الوقت و هو فعل ما ~~أمر الله به و ترك ما نهى الله عنه و لهذا يقال المفضول فى مكانه و زمانه ~~أفضل من الفاضل إذ دل الشرع على أن الصلاة أفضل من القراءة و القراءة أفضل ~~من الذكر و الذكر أفضل من PageV17P132 الدعاء فهذا أمر مطلق # وقد تحرم الصلاة فى أوقات فتكون القراءة أفضل منها فى ذلك الوقت و ~~التسبيح فى الركوع و السجود هو المأمور به و القراءة منهى عنها و نظائر هذا ~~كثيرة فهكذا يعلم الأمر فى فضل ( قل هو الله أحد ( و غيرها فقراءة الفاتحة ~~فى أول الصلاة أفضل من قراءتها بل هو الواجب و الاجتزاء بها و حدها لا يمكن ~~بل تبطل معه الصلاة و لهذا و جب التقرب بالفرائض قبل النوافل و التقرب ~~بالنوافل إنما يكون تقربا إذا فعلت الفرائض لا كما ظنه بعض الاتحادية كصاحب ~~( الفتوحات المكية ( و نحوه من أن قرب الفرائض تكون بعد قرب النوافل و ~~النوافل تجعل الحق غطاءه و تلك تجعل الحق عينه فهذا بناء على أصله الفاسد ~~من الاتحاد كما بين # و بين أن الحديث يناقض مذهبه من و جوه كما رواه البخاري فى صحيحه عن ms1584 أبي ~~هريرة عن النبى صلى الله عليه و سلم ( يقول الله من عادى لي و ليا فقد ~~بارزني بالمحاربة و ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما إفترضت عليه و لا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و ~~بصره الذي يبصر به و يده التى يبطش بها و رجله التى يمشي بها فبى يسمع و بى ~~يبصر و بى يبطش و بى يمشي و لئن سألني لأعطينه و لئن إستعاذنى لأعيذنه ~~PageV17P133 و ما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدى المؤمن ~~يكره الموت و أكره مساءته و لا بد له منه ( # و قد بين فى هذا الحديث أن المتقرب ليس هو المتقرب إليه بل هو غيره وأنه ~~ما تقرب إليه بمثل أداء المفروض و أنه لا يزال بعد ذلك يتقرب بالنوافل حتى ~~يصير محبوبا لله فيسمع به و يبصر به و يبطش به و يمشي به ثم قال ( و لئن ~~سألني لأعطينه و لئن إستعاذنى لأعيذنه ( ففرق بين السائل و المسؤل و ~~المستعيذ و المستعاذ به و جعل العبد سائلا لربه مستعيذا به و هذا حديث شريف ~~جامع لمقاصد عظيمة ليس هذا موضعها بل المقصود هنا الكلام على ( قل هو الله ~~أحد ( # و قد بينا أن أحسن الوجوه أن معانى القرآن ثلاثة أنواع توحيد و قصص و ~~أحكام و هذه السورة صفة الرحمن فيها التوحيد و حده و ذلك لأن القرآن كلام ~~الله و ا لكلام نوعان إما إنشاء و إما إخبار و الاخبار إما خبر عن الخالق و ~~إما خبر عن المخلوق فالإنشاء هو الأحكام كالأمر و النهي و الخبر عن المخلوق ~~هو القصص و الخبر عن الخالق هو ذكر أسمائه و صفاته و ليس فى القرآن سورة هي ~~و صف الرحمن محضا إلا هذه السورة و فى الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث رجلا على سرية PageV17P134 فكان ms1585 ~~يقرأ لأصحابه فى صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه و سلم فقال ( سلوه لأي شيء بصنع ذلك ( فسألوه فقال ~~لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ~~( أخبروه أن الله يحبه ( وقال البخاري فى ( باب الجمع بين السورتين في ركعة ~~( و قال عبيد الله عن ثابت عن أنس كان رجل من الأنصار يؤمهم فى مسحد قباء ~~فكان كلما إفتتح سورة يقرأ لهم بها فى الصلاة مما يقرأ به إفتتح ( @QB@ قل ~~هو الله أحد @QE@ ( حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى معها فكان يصنع ذلك ~~في كل ركعة فكلمه أصحابه و قالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها ~~تجزيك حتى تقرأ بأخرى فأما أن تقرأ بها و إما أن تدعها و تقرأ بأخرى فقال ~~ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت و إن كرهتم ذلك تركتكم و ~~كانوا يرون أنه من أفضلهم و كرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم ا لنبى صلى ~~الله عليه و سلم أخبروه الخبر فقال ( يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به ~~أصحابك و ما يحملك على لزوم هذه السورة فى كل ركعة ( قال إنى أحبها قال ( ~~حبك إياها أدخلك ا لجنة ( و قول ا لنبى صلى الله عليه و سلم ( إنما تعدل ~~ثلت القرآن ( حق كما أخبر به فإنه صلى الله عليه و سلم الصادق المصدوق الذي ~~لا ينطق عن الهوى لم يخرج من بين شفتيه إلا حق # PageV17P135 # والذين أشكل عليهم هذا القول لهم مأخذان # ( أحدهما ( منع تفاضل كلام الله بعضه على بعض و قد تبين ضعفه # ( الثانى ( إعتقادهم أن الأجر يتبع كثرة الحروف فما كثرت حروفه من الكلام ~~يكون أجره أعظم قالوا لأن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( من قرأ القرآن ~~فله بكل حرف عشر حسنات أما إنى لا أقوال ( @QB@ الم @QE@ ( حرف و لكن ألف ~~حرف و لام حرف و ms1586 ميم حرف ( قال الترمذي حديث صحيح قالوا و معلوم أن ثلث ~~القرآن حروفه أكثر بكثير فتكون حسناته أكثر # فيقال لهم هذا حق كما أخبر به النبى صلى الله عليه و سلم و لكن الحسنات ~~فيها كبار و صغار و النبى صلى الله عليه و سلم مقصوده أن الله يعطى العبد ~~بكل حسنة عشر أمثالها كما قال تعالى ( @QB@ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ~~@QE@ ( فإذا قرأ حرفا كان ذلك حسنة فيعطيه بقدر تلك الحسنة عشر مرات لكن لم ~~يقل إن الحسنات في الحروف متماثلة كما أن من تصدق بدينار يعطى بتلك الحسنة ~~عشر أمثالها و الواحد من بعد السابقين الأولين لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدهم و لا نصيفه كما ثبت ذلك فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم ~~فهو إذا أنفق مدا كان له بهذه الحسنة عشر أمثالها و لكن PageV17P136 # لا تكون تلك الحسنة بقدر حسنة من أنفق مدا من الصحابة السابقين و نظائر ~~هذا كثيرة فكذلك حروف القرآن تتفاضل لتفاضل المعانى و غير ذلك فحروف ~~الفاتحة له بكل حرف منها حسنة أعظم من حسنات حروف من ( @QB@ تبت يدا أبي ~~لهب @QE@ ( و إذا كان الشيء يعدل غيره فعدل الشيء بالفتح هو مساويه و إن ~~كان من غير جنسه كما قال تعالى ( أو عدل ذلك صياما ( والصيام ليس من جنس ~~الطعام و الجزاء و لكنه يعادله فى القدر و كذلك قوله صلى الله عليه و سلم ( ~~لا يقبل الله منه صرفا و لا عدلا ( و قوله تعالى ( @QB@ ولا يقبل منها عدل ~~@QE@ ( أي فدية و الفدية ما يعدل بالمفدى و إن كان من غير جنسه ( @QB@ ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون @QE@ أي يجعلون له عدلا أي ندا فى الإلهية و إن ~~كانوا يعلمون أنه ليس من جنس الرب سبحانه # و لو كان لرجل أموال من أصناف متنوعة و لآخر ذهب بقدر ذلك لكان مال هذا ~~يعدل مال هذا و إن لم يكن من جنسه و لهذا قد يكون ms1587 عند الرجل من الذهب و ~~غيره من الأموال ما يعدل شيئا عظيما و إذا إحتاج إلى دواء أو مركب أو مسكن ~~أو نحو ذلك و لم يكن قادرا على إشترائه لم تنفعه تلك الأموال العظيمة ~~فالقرآن يحتاج ا لناس إلى ما فيه من الأمر و النهي و القصص وإن كان التوحيد ~~أعظم من ذلك و إذا إ ختاج الانسان إلى معرفة ما أمر به و ما نهى عنه من ~~الأفعال أو PageV17P137 إحتاج إلى ما يؤمر به و يعتبر به من القصص و الوعد ~~و الوعيد لم يسد غيره مسده فلا يسد التوحيد مسد هذا و لا تسد القصص مسد ~~الأمر و النهي و لا الأمر و النهي مسد القصص بل كل ما أنزل الله ينتفع به ~~الناس و يحتاجون إليه # فإذا قرأ الإنسان ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( حصل له ثواب بقدر ثواب ~~ثلث القرآن لكن لا يجب أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل ببقية القرآن ~~بل قد يحتاج إلى جنس الثواب الحاصل بالأمر و ا لنهي و ا لقصص فلا تسد ( ^ ~~قل هوالله أحد ^ ( مسد ذلك و لا تقوم مقامه فلهذا لو لم يقرأ ( @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ ( فإنه و إن حصل له أجر عظيم لكن جنس الأجر الذي يحصل بقراءة ~~غيرها لا يحصل له بقراءتها بل يبقى فقيرا محتاجا إلى ما يتم به إيمانه من ~~معرفة الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و لو قام الواجب عليه فالمعارف التى ~~تحصل بقراءة سائر القرآن لا تحصل بمجرد قراءة هذه السورة فيكون من قرأ ~~القرآن كله أفضل ممن قرأها ثلاث مرات من هذه الجهة لتنوع الثواب و إن كان ~~قارىء ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( ثلاثا يحصل له ثواب بقدر ذلك الثواب ~~لكنه جنس و ا حد ليس فيه الأنواع التى يحتاج إليها العبد كمن معه ثلاثة ~~آلاف دينار و آخر معه طعام و لباس و مساكن و نقد يعدل ثلاثة آلاف دينار فإن ~~هذا معه ما ينتفع به في ms1588 جميع أموره و ذاك محتاج إلى ما مع هذا و إن كان ما ~~معه يعدل ما مع هذا و كذلك لو كان معه PageV17P138 طعام من أشرف الطعام ~~يساوي ثلاثة آلاف دينار فإنه محتاج إلى لباس و مساكن و ما يدفع به الضرر من ~~السلاح و الأدوية و غير ذلك مما لا يحصل بمجرد الطعام # ومما ينبغي أن يعلم أن فضل القراءة و الذكر و الدعاء و الصلاة و غير ذلك ~~قد يختلف بإختلاف حال الرجل فالقراءة بتدبر أفضل من القراءة بلا تدبر و ~~الصلاة بخشوع و حضور قلب أفضل من الصلاة بدون ذلك و فى الأثر ( إن الرجلين ~~ليكون مقامهما فى الصف و احدا و بين صلاتيهما كما بين السماء و الأرض ( و ~~كان بعض الشيوخ يرقى ب ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( و كان لها بركة عظيمة ~~فيرقى بها غيره فلا يحصل ذلك فيقول ليس ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( من كل ~~أحد تنفع كل أحد # و إذا عرف ذلك فقد يكون تسبيح بعض الناس أفضل من قراءة غيره و يكون قراءة ~~بعض ا لسور من بعض الناس أفضل من قراءة غيره ل ( قل هو الله أحد ( و غيرها ~~و الإنسان الواحد يختلف أيضا حاله فقد يفعل العمل المفضول على و جه كامل ~~فيكون به أفضل من سائر أعماله الفاضلة و قد غفر الله لبغي لسقيها الكلب كما ~~ثبت ذلك فى الصحيحين و هذا لما حصل لها فى ذلك العمل من الأعمال القلبية و ~~غيرها و قد ينفق الرجل أضعاف ذلك فلا يغفر له لعدم الأسباب المزكية للعمل ~~فإن الله إنما يتقبل من المتقين و قد قال ا لنبى صلى الله PageV17P139 عليه ~~و سلم فى الحديث الصحيح لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم و لا ~~نصيفه ( يقوله عن أصحابه ا لسابقين الأولين رضي الله عنهم # فإذا قيل إن ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( يعدل ثوابها ثواب ثلث القرآن ~~فلابد من إعتبار التماثل فى سائر الصفات و إلا فإذا ms1589 إعتبر قراءة غيرها مع ~~التدبر و الخشوع بقراءتها مع الغفلة و الجهل لم يكن الأمر كذلك بل قد يكون ~~قول العبد ( سبحان الله و ا لحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر ( مع ~~حضور القلب و إتصافه بمعانيها أفضل من قراءة هذه السورة مع الجهل و الغفلة ~~و الناس متفاضلون في فهم هذه السورة و ما إشتملت عليه كما أنهم متفاضلون فى ~~فهم سائر القرآن $ فصل وأصل هذه المسألة أن يعلم أن التفاضل و التماثل إنما ~~يقع بين شيئين فصاعدا إذ الواحد من كل و جه لا يعقل فيه شيء أفضل من شيء ~~فالتفاضل فى صفاته تعالى إنما يعقل إذا اثبت له صفات متعددة كالعلم و ~~القدرة و الإرادة و المحبة و البغض و الرضا و الغضب و كإثبات أسماء له ~~متعددة تدل على معان متعددة و أثبت له كلمات متعددة PageV17P140 تقوم بذاته ~~حتى يقال هل بعضها أفضل من بعض أم لا و كل قول سوى قول السلف و الأئمة فى ~~هذا الباب فهو خطأ متناقض و أي شيء قاله فى جواب هذه المسألة كان خطأ لا ~~يمكنه أن يجيب فيه بجواب صحيح فمن قال إنه ليس له صفة ثبوتية بل ليس له صفة ~~إلا سلبية أو إضافية كما يقول ذلك الجهمية المحصنة من المتفلسفة و المتكلمة ~~أتباع جهم بن صفوان فهذا إذا قيل له أيهما أفضل نسبته التى لا هي الخلق إلى ~~السموات و الأرض أم إلى بعوضة أم أيما أفضل نفى الجهل بكل شيء عنه و العجز ~~عن كل شيء أم نفي الجهل بالكليات لم يمكنه أن يجيب بجواب صحيح على أصله ~~الفاسد # فإنه إن قال خلق السموات مماثل خلق البعوضة كان هذا مكابرة للعقل و الشرع ~~قال تعالى ( لخلق ا لسموات و الأرض أكبر من خلق الناس ( و إن قال بل ذلك ~~أعظم و أكبر كما فى القرآن قيل له ليس عندك أمران و جوديان يفضل أحدهما ~~الآخر إذ ا لخلق على قولك لا ms1590 يزيد على المخلوق فلم يبق إلا العدم المحض ~~فكيف يعقل في المعدومين من كل و جه أن يكون أحدهما أفضل من صاحبه إذا لم ~~يكن هناك و جود يحصل فيه التفاضل و كذلك إذا قيل نفي ا لجهل و ا لعجز عن ~~بعض الأشياء مثل نفي ذلك عن بعض الأشياء كان هذا مكابرة و إن قال بل نفي ا ~~لجهل العام أكمل من نفي ا لجهل ا لخاص قيل له إذا لم PageV17P141 يلزم من ~~نفي الجهل ثبوت علم بشيء من الأشياء بل كان النفيان عدمين محضين فكيف يعقل ~~ا لتفاضل فى الشيء الواحد من كل و جه فإنه لا يعقل في ا لعدم ا لمحض و ~~النفي الصرف فإن ذلك ليس بشيء أصلا و لا حقيقة له فى الوجود و لا فيه كمال ~~و لا مدح و إنما يكون ا لتفاضل بصفات ا لكمال و ا لكمال لابد أن يكون و ~~جودا قائما بنفسه أو صفة موجودة قائمة بغيرها فأما ا لعدم المحض فلا كمال ~~فيه أصلا # ولهذا إنما يصف الله نفسه بصفات التنزيه لا السلبية العدمية لتضمنها ~~أمورا و جودية تكون كمالا يتمدح سبحانه بها كما قد بسط فى غير هذا ا لموضع ~~كقوله تعالى ( @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ~~@QE@ ( فنفى ذلك يتضمن كمال الحياة و القيومية و كذلك قوله ( من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه ( يتضمن كمال ا لملك و ا لربوبية و إنفراده بذلك و نفس ~~إنفراده بالملك و ا لهداية و ا لتعليم و سائر صفات الكمال هو من صفات ا ~~لكمال و لهذا كانت السورة فيها الإسمان الأحد الصمد و كل منهما يدل على ا ~~لكمال فقوله ( @QB@ أحد @QE@ ( يدل على نفي ا لنظير و قوله ( @QB@ الصمد ~~@QE@ ( بالتعريف يدل على إختصاصه بالصمدية # ولهذا جاء التعريف فى إسمه ا لصمد دون الأحد لأن أحدا لا يوصف به فى ~~الإثبات غيره بخلاف الصمد فإن العرب تسمى السيد صمدا قال يحيى ms1591 بن أبى كثير ~~ا الملائكة تسمى صمدا و الآدمي أجوف فقوله PageV17P142 ( ^ ا لصمد ^ ( بيان ~~لإختصاص بكمال ا لصمدية و قد ذكرنا تفسير ا لصمد و إشتماله على جميع صفات ا ~~لكمال كما رواه ا لعلماء من تفسير إبن أبي طلحة عن إبن عباس و قد ذكره إبن ~~جرير و إبن أبي حاتم و البيهقى و غيرهم فى قوله ( @QB@ الصمد @QE@ ( يقول ~~السيد الذي قد كمل فى سؤدده و الشريف الذي قد كمل في شرفه و ا لعظيم الذي ~~قد كمل فى عظمته و ا لحكيم ا لذي قد كمل في حكمته و ا لعليم ا لذي قد كمل ~~فى علمه و الحليم الذي قد كمل في حلمه و هو الذي قد كمل فى أنواع ا لشرف و ~~ا لسؤدد و هو سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفؤ و ليس كمثله شيء ~~سبحانه الواحد ا لقهار # و كذلك قد ثبت من حديث الأعمش عن أبى و ائل و قد ذكره ا لبخاري فى صحيحه ~~و رواه كثير من أهل العلم في كتبهم قال ا لصمد ا لسيد ا لذي إنتهي سؤدده و ~~قد قال غير و أحد من ا لسلف كإبن مسعود و إبن عباس و غيرهما ا لصمد الذي لا ~~جوف له و كلا ا لقولين حق موافق للغة كما قد بسط في موضعه أما كون ا لصمد ~~هو ا لسيد فهذا مشهور و أما الآخر فهو أيضا معروف فى اللغة و قد ذكر ~~الجوهري و غيره أن الصمد لغة في ا لصمت و ليس هذا من إبدال ا لدال بالتاء ~~كما ظنه بعضهم بل لفظ صمد يصمد صمدا يدل على ذلك # و ا لمقصود هنا أن صفات ا لكمال إنما هي فى الأمور الموجودة PageV17P143 ~~و الصفات السلبية إنما تكون كمالا إذا تضمنت أمورا و جودية و لهذا كان ~~تسبيح الرب يتضمن تنزيهه و تعظيمه جميعا فقول ا لعبد ( سبحان ا لله ( يتضمن ~~تنزيه ا لله و ms1592 براءته من ا لسوء و هذا ا لمعنى يتضمن عظمته فى نفسه ليس هو ~~عدما محضا لا يتضمن و جودا فإن هذا لا مدح فيه و لا تعظيم و كذلك سائر ما ~~تنزه ا لرب عنه من ا لشركاء و الأولاد و غير ذلك كقوله تعالى ( ^ أفأصفاكم ~~ربكم بالبنين و اتخذ من ا لملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما إلى قوله ~~إذا لإبتغوا إلى ذي العرش سبيلا ^ سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا ~~تسبح له السموات السبع و الأرض و من فيهن و إن من شيء إلا يسبح بحمده و لكن ~~لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ^ ( و قوله تعالى ( ^ سبحان ربك رب ~~ا لعزة عما يصفون و سلام على ا لمرسلين ^ ( و غير ذلك # فنفى ا لعيوب و ا لنقائص يستلزم ثبوت ا لكمال و نفي ا لشركاء يقتضي ~~الوحدانية و هو من تمام ا لكمال فإن ماله نظير قد إنقسمت صفات ا لكمال و ~~أفعال ا لكمال فيه و في نظيره فحصل له بعض صفات ا لكمال لا كلها فالمنفرد ~~بجميع صفات ا لكمال أكمل ممن له شريك يقاسمه إياها و لهذا كان أهل ا لتوحيد ~~و الإخلاص أكمل حبا لله من المشركين ا لذين يحبون غيره الذين إتخذوا من ~~دونه أندادا يحبونهم كحبه # قال PageV17P144 تعالى ( ^ و من ا لناس من يتخذ من دون ا لله أندادا ~~يحبونهم كحب ا لله و ا لذين آمنوا أشد حبا لله ^ و هذا مبسوط فى غير هذا ا ~~لموضع قد بين فيه أن هذا من ا لشرك الأكبر الذي لا يغفره ا لله تعالى # و في الصحيحين عن إبن مسعود قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال ( ^ ~~أن تجعل لله ندا و هو خلقك ^ ( قلت ثم أي قال ( أن تقتل و لدك خشية أن يطعم ~~معك ( قلت ثم أي قال ( أن تزاني بحليلة جارك ( و أنزل الله تعالى تصديق ذلك ~~( ^ و الذين لا يدعون مع ا لله ms1593 إلها آخر و لا يقتلون النفس التى حرم ا لله ~~إلا بالحق و لا يزنون ^ ( الآية فمن جعل لله ندا كحب ا لله فهو ممن دعا مع ~~الله إلها آخر و هذا من ا لشرك الأكبر # والمقصود هنا أن ا لشيء إذا إنقسم و و قعت فيه ا لشركة نقص ما يحصل لكل و ~~أحد فإذا كان جميعه لواحد كان أكمل فلهذا كان حب ا لمؤمنين ا لموحدين ~~المخلصين لله أكمل و كذلك سائر ما نهوا عنه من كبائر الإثم و الفواحش يوجب ~~كمال الأمور الوجودية فى عبادتهم و طاعتهم و معرفتهم و محبتهم و ذلك من ~~زكاهم كما أن الزرع كما نقي عنه الدغل كان أزكي له و أكمل لصفات ا لكمال ~~الوجودية فيه قال تعالى ( ^ وو يل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ^ ( و ~~أصل الزكاة التوحيد PageV17P145 و الإخلاص كما فسرها أكابر ا لسلف و قال ~~تعالى ( ^ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ^ ( ~~و قال ( ^ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها ^ و هذا كله مبسوط في ~~غير هذا الموضع و المقصود هنا أن من نفي عن الله ا لنقائص كالموت و ا لجهل ~~و ا لعجز و ا لصم و ا لعمى و البكم و لم يثبت له صفات و جودية كالحياة و ا ~~لعلم و ا لقدرة و ا لسمع و ا لبصر و ا لكلام بل زعم أن صفاته ليست إلا ~~عدمية محضة و أنه لا يوصف بأمر و جودي فهذا لم يثبت له صفة كمال أصلا فضلا ~~عن أن يقال أي الصفتين أفضل فإن التفضيل بين الشيئين فرع كون كل منهما له ~~كمال ما ثم ينظر أيهما أكمل فأما إذا قدر أن كلا منهما عدم محض فلا كمال و ~~لا فضيلة هناك أصلا و كذلك من أثبت له الأسماء دون ا لصفات فقال أنه حي ~~عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم و لكن هذه الأسماء لا تتضمن إتصافه بحياة ms1594 و ~~لا علم و لا قدرة و لا سمع و لا بصر و لا عزة و لا حكمة فإذا قيل له أي ~~الإسمين أفضل لم يجب بجواب صحيح فإنه إن قال ا لعليم أعظم من ا لسميع لعموم ~~تعلقه مثلا أو قال ا لعزيز أكمل من ا لقدير لأنه مستلزم للقدرة من غير عكس ~~قيل إذا لم يكن للأسماء عندك PageV17P146 معان موجودة تقوم به لم يكن هناك ~~لا علم و لا سمع و لا بصر و لا عزة و لا قدرة ليس إلا ذات مجردة عن صفات ~~مخلوقات و ا لذات ا لمجردة ليس فيها ما يمكن أن يقع فيه تفاضل و لا تماثل و ~~المخلوقات لم يكن السؤال عن تفضيل بعضها على بعض فإن ذلك مما يعلمه كل و ~~أحد و لا يشتبه على عاقل # و كذلك من جعل بعض صفاته بعضا أو جعل الصفة هي ا لموصوف مثل من قال ا ~~لعلم هو ا لقدرة و ا لعلم و ا لقدرة هما ا لعالم ا لقادر كما يقول ذلك من ~~يقوله من جهمية ا لفلاسفة و نحوهم # أو قال كلامه كله هو معنى و أحد قائم بذاته هو الأمر بكل مأمور و ا لخبر ~~عن كل مخبر به إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا و إن عبر عنه بالعبرية كان ~~توراة و إن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا و أن معني آية الكرسي و آية ا ~~لدين و أحد و إن الأمر و ا لنهي صفات نسبية للكلام ليست أنواعا بل ذات ا ~~لكلام ا لذي هو أمر هو ذات ا لكلام ا لذي هو نهي و إنما تنوعت الإضافة فهذا ~~ا لكلام ا لذي تقوله ا لكلابية و إن كان جمهورا لعقلاء يقولون إن مجرد ~~تصوره كاف فى ا لعلم بفساده فلا يمكن على هذا ا لقول ا لجواب بتفضيل كلام ا ~~لله بعضه على بعض و لا مماثلة بعضه لبعض لأن ا لكلام على قولهم شيء ms1595 و أحد ~~بالعين PageV17P147 لا يتعدد و لا يتبعض فكيف يمكن أن يقال هل بعضه أفضل من ~~بعض أم بعضه مثل بعض و لا بعض له عندهم و إن قالوا التماثل و ا لتفاضل يقع ~~في ا لعبارة ا لدالة عليه قيل تلك ليست كلاما لله على أصله و لا عند أئمتهم ~~بل هي مخلوق من مخلوقاته و التفاضل فى المخلوقات لا إشكال فيه # ومن قال من أتباعهم إنها تسمى كلام ا لله حقيقة و أن إسم ا لكلام يقع ~~عليها و على معنى ذلك ا لمعنى ا لقائم بالنفس بالإشتراك ا للفظي فإنه لم ~~يعقل حقيقة قولهم بل قوله هذا يفسد أصلهم لأن أصل قولهم أن الكلام لا يقوم ~~إلا بالمتكلم لا يقوم بغيره إذ لو جاز قيام ا لكلام بغير ا لمتكلم لجاز أن ~~يكون كلام ا لله مخلوقا قائما بغيره مع كونه كلام ا لله و هذا أصل ا لجهمية ~~ا لمحضة و ا لمعتزلة ا لذي خالفهم فيه ا لكلابية و سائر المثبتة و قالوا أن ~~ا لمتكلم لا يكون متكلما حتى يقوم به ا لكلام و كذلك فى سائر ا لصفات قالوا ~~لا يكون ا لعالم عالما حتى يقوم به ا لعلم و لا يكون المريد مريدا حتى تقوم ~~به الإرادة فلو جوزوا أن يكون لله ما هو كلام له و هو مخلوق منفصل عنه بطل ~~هذا الأصل # و أصل ا لنفاة ا لمعطلة من ا لجهمية و ا لمعتزلة أنهم يصفون ا لله بما لم ~~يقم به بل بما قام بغيره أو بما لم يوجد و يقولون هذه إضافات لا صفات ~~فيقولون هو رحيم و يرحم و الرحمة لا تقوم به بل هي PageV17P148 مخلوقة و هي ~~نعمته و يقولون هو يرضي و يغضب و الرضا و الغضب لا يقوم به بل هو مخلوق و ~~هو ثوابه و عقابه و يقولون هو متكلم و يتكلم و ا لكلام لا يقوم به بل هو ~~مخلوق قائم بغيره ms1596 و قد يقولون هو مريد و يريد ثم قد يقولون ليست الإرادة ~~شيئا موجودا و قد يقولون إنها هي ا لمخلوقات و الأمر ا لمخلوق و قد يقولون ~~أحدث إرادة لا فى محل # و هذا الأصل ا لباطل ا لذي أصله نفاة ا لصفات ا لجهمية ا لمحضة من ا ~~لمعتزلة و غيرهم هو ا لذي فارقهم به جميع المثبتة للصفات من ا لسلف و ~~الأئمة و أهل الفقه و ا لحديث و ا لتصوف و التفسير و أصناف نظار المثبتة ~~كالكلابية و من إتبعهم من الأشعرية و غيرهم و كالهشامية و الكرامية و ~~غيرهما من طوائف ا لنظار ا لمثبتة للصفات و على هذا أئمة ا لمسلمين ا ~~لمشهورون بالإمامة و أئمة الفقهاء من أتباعهم من أصحاب مالك و ا لشافعي و ~~أحمد و أبي حنيفة و غيرهم # فقول من قال إن ا لكلام يقع حقيقة على ا لعبارة و هي مع ذلك مخلوقة يناقض ~~الأصل ا لفارق بين ا لمثبتة و ا لمعطلة إلا أن يسمى متعلق ا لصفة بإسم ا ~~لصفة كما يسمى المأمور به أمرا و المرحوم به رحمة و المخلوق خلقا و ا لقدر ~~قدرة و ا لمعلوم علما لكن يقال له هذا كله ليس هو ا لحقيقة عند الإطلاق ~~PageV17P149 وأيضا فهذه الأمور اعيان قائمة بأنفسها فإذا أضيفت إلى ا لله ~~علم أنها إضافة ملك لا إضافة و صف بخلاف ا لعبارة فإنها لا تقوم بنفسها كما ~~لا يقوم المعنى بنفسه و هذا هو الأصل ا لفارق بين إضافة ا لصفات و إضافة ا ~~لمخلوقات فإن ا لمعطلة ا لنفاة من ا لصابئة و ا لفلاسفة و ا لمعتزلة و ~~غيرهم من ا لجهمية و من إتبعهم كإبن عقيل و إبن ا لجوزي و غيرهما فى بعض ~~مصنفاتهما و إن كانا فى موضع آخر يقولان بخلاف ذلك و يقولون ليس في النصوص ~~إلا إضافة هذه الأمور إلى الله و هذه الأمور تسمى نصوص الإضافات لا ms1597 نصوص ا ~~لصفات و يقولون نصوص الإضافات و أحاديث الإضافات لا آيات ا لصفات و أحاديث ~~الصفات و الإضافة تكون إضافة مخلوق لإختصاصه ببعض الوجوه كإضافة ا لبيت و ا ~~لناقة و الروح فى قوله ( ^ و طهر بيتى ^ ( و قوله ( @QB@ ناقة الله @QE@ ( ~~و قوله ( @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا @QE@ ( # وقالت الحلولية من النصارى وغلاة الشيعة والصوفية ومن اتبعهم ممن يقول ~~بقدح الروح أرواح العباد وينتسب إلى أئمة المسلمين كالشافعي وأحمد وغيرهما ~~مثل طائفة من أهل جيلان وغيرهم بل إضافة الروح إلى الله كاضافة الكلام ~~والقدرة والكلام والقدرة صفاته فكذلك الروح وقالوا فى قوله ( @QB@ فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي @QE@ ( دليل على أن روح العبد صفة لله قديمة وقالت ~~النصارى PageV17P150 عيسى كلمه الله وكلام الله غير مخلوق فعيسى غير مخلوق ~~وقالت الصابئة والجهمية عيسى كلمه الله وهومخلوق والقرآن كلام الله فهو ~~أيضا مخلوق # وهذه المواضع إشتبهت على كثير من الناس و قد تكلم فيها الأئمة كأحمد بن ~~حنبل و غيره و تكلموا في إضافة الكلام و الروح و مناظرة الجهمية و النصاري ~~و قد سئلت عن ذلك من جهة الحلولية تارة و من جهة المعطلة تارة و السائلون ~~تارة من أهل القبلة و تارة من غير أهلها و قد بسط جواب ذلك فى غير موضع لكن ~~المقصود هنا أن الفارق بين المضافين أن المضاف إن كان شيئا قائما بنفسه أو ~~حالا فى ذلك القائم بنفسه فهذا لا يكون صفة لله لأن الصفة قائمة بالموصوف ~~فالأعيان التى خلقها الله قائمة بأنفسها و صفاتها القائمة بها تمتنع أن ~~تكون صفات لله فإضافتها إليه تتضمن كونها مخلوقة مملوكة لكن أضيفت لنوع من ~~الإختصاص المقتضي للإضافة لا لكونها صفة و الروح الذي هو جبريل من هذا ~~الباب كما أن الكعبة و الناقة من هذا الباب و مال الله من هذا الباب و روح ~~بنى آدم من هذا و ذلك كقوله ( @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ~~سويا @QE@ ( ^ فإذا سويته و نفخت فيه من ms1598 روحي ^ ( @QB@ وطهر بيتي @QE@ ( ^ ~~ناقة الله و سقياها ^ ( ^ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله و ~~للرسول ^ ( # و PageV17P151 أما إن كان المضاف إليه لا يقوم بنفسه بل لا يكون إلا صفة ~~كالعلم و القدرة و الكلام و الرضا و الغضب فهذا لا يكون إلا إضافة صفة إليه ~~فتكون قائمة به سبحانه فإذا قيل أستخيرك بعلمك و أستقدرك بقدرتك فعلمه صفة ~~قائمة به و قدرته صفة قائمة به و كذلك إذا قيل ( اعوذ برضاك من سخطك و ~~بمعافاتك من عقوبتك ( فرضاه و سخطه قائم به و كذلك عفوه و عقوبته # و أما أثر ذلك و هو ما يحصل للعبد من النعمة و إندفاع النقمة فذاك مخلوق ~~منفصل عنه ليس صفة له و قد يسمى هذا بإسم ذاك كما فى الحديث الصحيح ( يقول ~~الله للجنة أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادي ( فالرحمة هنا عين قائمة ~~بنفسها لا يمكن أن تكون صفة لغيرها فهذا هو الفارق بين ما يضاف إضافة و صف ~~و إضافة ملك و إذا قيل ( المسيح كلمة الله ( فمعناه أنه مخلوق بالكلمة إذ ~~المسيح نفسه ليس كلاما و هذا بخلاف القرآن فإنه نفسه كلام و الكلام لا يقوم ~~بنفسه إلا بالمتكلم فإضافته إلى المتكلم إضافة صفة إلى موصوفها و إن كان ~~يتكلم بقدرته و مشيئته و إن سمى فعلا بهذا الإعتبار فهو صفة بإعتبار قيامه ~~بالمتكلم # و إذا كان كذلك فمن قال إن الكلام معنى و أحد قائم بذات المتكلم لم يمكنه ~~أن يجيب عن هذه المسالة بجواب صحيح فإذا قيل PageV17P152 له كلام الله هل ~~بعضه أفضل من بعض إمتنع الجواب على أصله بنعم أم لا لإمتناع تبعضه عنده و ~~لكون العبارة ليست كلاما لله لكن إذا أريد بالكلام العبارة أو قيل له ك هل ~~بعض القرآن أفضل من بعض و أريد بالقرآن الكلام العربي الذي نزل به جبريل ~~فهو عنده مخلوق لم يتكلم الله به بل هو عنده إنشاء جبريل أو غيره أو قيل هل ~~بعض ms1599 كتب الله أفضل من بعض وكتاب الله عنده هو القرآن العربي المخلوق عنده ~~فهذا السؤال يتوجه على قوله فى الظاهر و أما فى نفس الأمر فكلاهما ممتنع ~~على قوله لأن العبارة تدل على المعاني فإن المعاني القائمة فى النفس تدل ~~عليها العبارات و قد علم أن العبارات تدل على معان متنوعة و على أصله ليس ~~المعنى إلا و حدا فيمتنع بالضرورة العقلية أن يكو ن القرآن العربي كله و ~~التوراة و الإنجيل و سائر ما يضاف إلى الله من العبارات إنما يدل على معنى ~~و أحد لا يتعدد و لا يتبعض و حينئذ فتبعض العبارت الدالة على المعاني بدون ~~تبعض تلك المعاني ممتنع # و لهذا قيل لهم موسى عليه السلام لما سمع كلام الله أسمعه كله أم سمع ~~بعضه إن قلتم ( كله ( فقد علم كل ما أخبر الله به و ما أمر به و قد ثبت فى ~~الصحيح أن الخضر قال له ( ما نقص علمي و علمك من علم الله إلا كما نقص هذا ~~العصفور من هذا البحر ( و قد PageV17P153 قال تعالى ( ^ قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى و لو جئنا بمثله مددا ^ ~~( و إن قلتم ( سمع بعضه ( فقد تبعض و عندكم لا يتبعض و أيضا فقد فرق الله ~~بين تكليمه لموسى عليه الصلاة و السلام و بين إيحائه إلى غيره من النبيين و ~~فرق بين الإيحاء و بين التكليم من و راء حجاب فلو كان المعنى و احدا لكان ~~الجميع إيحاء و لم يكن هناك تكليم يتميز على ذلك و لا يمتنع أن يكون الرب ~~تعالى مناديا لأحد إذ المعنى القائم بالنفس لا يكون نداء و قد أخبر الله ~~تعالى بندائه فى القرآن في عدة مواضع # وعلى هذا فمن قال من هؤلاء إن كلام الله لا يفضل بعضه بعضا فحقيقة قوله ~~أن هذه المسالة ممتنعة فليس هناك أمران حتى يقال إن أحدهما يكون مثل الآخر ~~أو أفضل منه و التماثل و ms1600 التفاضل إنما يعقل بين إثنين فصاعدا و هكذا عند ~~هؤلاء في إرادته و علمه و سمعه و بصره فكل من جعل الصفة و ا حدة بالعين ~~إمتنع على قوله أن يقال هل بعضها أفضل من بعض أم لا إذ لا بعض لها عنده و ~~كذلك من و افق هؤلاء على و حدة هذه الصفات بالعين و قال إن كلام الله حروف ~~قديمة الأعيان أو حروف و أصوات قديمة الأعيان سواء قال مع ذلك إنها أعيان ~~الأصوات المسموعة من القراء أو قال إنها بعض الأصوات المسموعة من القراء و ~~إن كان فساد ذلك معلوما بالإضطرار PageV17P154 و قال إن هذه الأصوات غير ~~تلك # فمن قال بأن الكلام حروف أو حروف و أصوات مقترن بعضها ببعض أزلا و أبدا و ~~هي مع ذلك شيء و أحد فقوله معلوم الفساد عند جمهور العقلاء كما أن من جعلها ~~قولا و ا حدا فقوله معلوم الفساد عند جمهور العقلاء على كل تقدير فيمتنع مع ~~القول بوحدة شيء أن يقال هل بعضه أفضل من بعض أم لا و أما م أثبت ما يتعدد ~~من المعاني و الحروف أو أحدهما فهذا يعقل على قوله السؤال عن التماثل و ~~التفاضل ثم حينئذ يقع السؤال هل يتفاضل كلام الله و صفاته و أسماؤه أم لا ~~يقع التفاضل إلافى المخلوق # وعلى هذا فما ذكره إبن بطال فى شرح البخاري لما تكلم على هذا الحديث حيث ~~قال قال المهلب و حكاه عن الأصيلى و مذهب الأشعري و أبى بكر بن الطيب و إبن ~~أبي زويد و الداودي و أبى الحسن القابسي و جماعة علماء السنة أن القرآن لا ~~يفضل بعضه بعضا إذ كله كلام الله تعالى و صفته و هو غير مخلوق و لا ~~يجوزالتفاضل إلا فى المخلوقات هو نقل لأقوال هؤلاء بحسب ما ظنه لازما لهم ~~حيث إعتقد أن التفاضل لا يكون إلا في المخلوق و القرآن عند هؤلاء ليس ~~بمخلوق لكن قدمنا أن السلف الذين قالوا إنه غير مخلوق لم ms1601 ينقل عن أحد منهم ~~أنه قال ليس بعضه أفضل من بعض بل المنقول عنهم PageV17P155 خلاف ذلك و أما ~~نقل هذا القول عن الأشعري و موافقيه فغلط عليهم إذ كلام الله عندهم ليس له ~~كل و لا بعض و لا يجوز أن يقال هل يفضل بعضه بعضا أولا يفضل فإمتناع ~~التفاضل فيه عنده كإمتناع التماثل و لا يجوز أن يقال أنه متماثل و لا ~~متفاضل إذ ذلك لا يكون إلا بين شيئين # و لكن هذا السؤال يتصور عنده في الصفات المتعددة كالعلم و القدرة فيقال ~~أيها أفضل فإن كان قال أن صفات الرب لا تتفاضل لأن مقتضي الأفضل نقص ~~المفضول عنه فإنما يستقيم هذا الجواب فى هذه الصفات المتعددة لا فى نفس ~~الكلام مع أن هذا النقل عن الأشعري فى نفي تفاضل الصفات غير محرر فإن ~~الأشعري لم يقل إن الصفات لا تتفاضل بل هذا خطأ عليه و لكن هو يقول إن ~~الكلام لا يدخله التفاضل كما لا يدخله التماثل لأنه و أحد عنده لا لما ذكر ~~و أما الصفات المتعددة فإنه قد صرح بأنها ليست متماثلة و مذهبه أن الذات ~~ليست مثل الصفات و لا كل صفة مثل الأخرى فهو لا يثبت تماثل المعانى القديمة ~~عنده فكيف قال على أصله ما يوجب تماثلها و إذا إمتنع من إطلاق التفاضل فهو ~~كإمتناعه من إطلاق لفظ التماثل و كإمتناعه من إطلاق لفظ التغاير # و فى الجملة فمن نقل عنه أنه نفى التفاضل و أثبت التماثل فقد أخطأ ~~PageV17P156 لكن قد لا يطلق لفظ التفاضل كما لا يطلق لفظ التماثل لا لأن ~~الصفات متماثلة عنده بل هو ينفي التماثل لعدم التعدد و لعدم إطلاق التغاير ~~كما يقال هل يقال الصفات مختلفة أم لا و هل هي متغايرة أم لا و هل يقال فى ~~كل صفة إنها الذات أو غيرها أو لا يجمع بين نفيهما و إنما يفرد كل نفي ~~منهما أو لا يطلق شيء من ذلك فهذه الأمور لا إختصاص لها بهذه المسألة مسألة ms1602 ~~التفضيل # ولا ريب أن التماثل أو التفاضل لا يعقل إلا مع التعدد و تعدد أسماء الله ~~و صفاته و كلماته هو القول الذي عليه جمهور المسلمين و هو الذي كان عليه ~~سلف الأمة و أئمتها و هو الموافق لفطرة الله التى فطر عليها عباده فلهذا ~~كان الناس يتخاطبون بموجب الفطرة و الشرعة و إن كانت لبعضهم أقوال أخر ~~تنافى الفطرة و الشرعة و تستلزم بطلان ما يقوله بمقتضى الفطرة و الشرعة فإن ~~القرآن و السنة قد دلا على تعدد كلمات الله في غير موضع و قد قال تعالى ( ^ ~~قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي و لو ~~جئنا بمثله مددا ^ ( و قال تعالى ( ^ و لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام و ~~البحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ^ # و قد ذكرنا فى غير هذا الموضع قول السلف و أنهم كانوا يثبتون لله كلمات ~~لا نهاية لها و بينا النزاع فى تعدد العلوم و الإرادات و أن PageV17P157 ~~كثيرا من أهل الكلام يقول ما عليه جمهور الناس من تعدد ذلك و أن الذين ~~قالوا يريد جميع المرادات بإرادة و احدة إنما أخذوه عن إبن كلاب و جمهور ~~العقلاء قالوا هذا معلوم الفساد بالضرورة حتى أن من فضلاء النظار من ينكر ~~أن يذهب إلى هذا عاقل من الناس لأنه رآه ظاهر الفساد فى العقل و لم يعلم ~~أنه قاله طائفة من النظار # و كذلك من جعل نفس إرادته هي رحمته و هي غضبه يكون قوله صلى الله عليه و ~~سلم ( أعوذ برضاك من سخطك ( معناه يكون مستعيذا عنده بنفس الإرادة من نفس ~~الإرادة و هذا ممتنع فإنه ليس عنده للإرادة صفة ثبوتية يستعاذ بها من أحد ~~الوجهين بإعتبار ذلك الوجه منها بإعتبار الوجه الآخر بل الإرادة عنده لها ~~مجرد تعلق بالمخلوقات و التعلق أمر عدمي و هذا بخلاف الإستعاذة به منه لأن ~~له سبحانه صفات متنوعة فيستعاذ به بإعتبار و منه ms1603 بإعتبار و من قال إنه ذات ~~لا صفة لها أو موجود مطلق لا يتصف بصفة ثبوتية فهذا يمتنع تحققه فى الخارج ~~و إنما يمكن تقدير هذا فى الذهن كما تقدر الممتنعات فضلا عن أن يكون ربا ~~خالقا للمخلوقات كما قد بسط في موضعه # و هؤلاء ألجاهم إلى هذه الأمور مضايقات الجهمية و المعتزلة لهم فى مسائل ~~الصفات فإنهم صاروا يقولون لهم كلام الله هو الله أو غير الله إن قلتم هو ~~غيره فما كان غير الله فهو مخلوق و إن قلتم PageV17P158 هو فهو مكابرة وهذا ~~أول ما إحتجوا به على الإمام أحمد فى المحنة فإن المعتصم لما قال لهم ~~ناظروه قال له عبدالرحمن بن إسحاق يا أبا عبدالله ما تقول فى القرآن أو قال ~~فى كلام الله يعنى أهوالله أو غيره فقال له أحمد ما تقول فى علم الله أهو ~~الله أو غيره فعارضه أحمد بالعلم فسكت عبدالرحمن و هذا من حسن معرفة أبى ~~عبدالله بالمناظرة رحمه الله فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد متى ~~ذكرت له الحق الذي عندك إبتداء أخذ يعارضك فيه لما قام في نفسه من الشبهة ~~فينبغي إذا كان الناظر مدعيا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده فإذا إنكسر ~~و طلب الحق فأعطه إياه و إلا فما دام معتقدا نقيض الحق لم يدخل الحق إلى ~~قلبه كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل أمحه أولا ثم أكتب فيه الحق و هؤلاء ~~كان قصدهم الإحتجاج لبدعتهم فذكر لهم الإمام أحمد رحمه الله من المعارضة و ~~النقض ما يبطلها # و قد تكلم الإمام أحمد فى رده على الجهمية فى جواب هذا و بين أن لفظ ( ~~الغير ( لم ينطق به الشرع لا نفيا و لا إثباتا و حينئذ فلا يلزم أن يكون ~~داخلا لفظ ( الغير ( فى كلام الشارع و لا غير داخل فلا يقوم دليل شرعى على ~~أنه مخلوق و أيضا فهو لفظ مجمل يراد بالغير ما هو منفصل عن الشيء و يراد ~~بالغير ما ليس ms1604 هو الشيء PageV17P159 فلهذا لا يطلق القول بأن كلام الله و ~~علم الله و نحو ذلك هو هو لأن هذا باطل و لا يطلق أنه غيره لئلا يفهم أنه ~~بائن عنه منفصل عنه و هذا الذي ذكره الإمام أحمد عليه الحذاق من أئمة السنة ~~فهؤلاء لا يطلقون أنه هو و لا يطلقون أنه غيره و لا يقولون ليس هو هو و لا ~~غيره فإن هذا أيضا إثبات قسم ثالث و هو خطأ ففرق بين ترك إطلاق اللفظين لما ~~فى ذلك من الإجمال و بين نفى مسمى اللفظين مطلقا و إثبات معنى ثالث خارج عن ~~مسمى اللفظين # فجاء بعد هؤلاء ( أبوالحسن ( و كان أحذق ممن بعده فقال ننفي مفردا لا ~~مجموعا فنقول مفردا ليست الصفة هي الموصوف و نقول مفردا ليست غيره و لا ~~يجمع بينهما فيقال لا هي هو و لا هي غيره لأن الجمع بين النفي فيه من ~~الإيهام ما ليس فى التفريق و جاء بعده أقوا م فقالوا بل ننفي مجموعا فنقول ~~لا هي هو و لا هي غيره ثم كثير من هؤلاء إذا بحثوا يقولون هذا المعنى أما ~~إن يكون غيره فيتناقضون # و سبب ذلك أن لفظ ( الغير ( مجمل يراد بالغير المباين المنفصل و يراد ~~بالغير ما ليس هو عين الشيء و قد يعبر عن الأول بأن الغيرين ما جاز و جود ~~أحدهما و عدمه أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو و جود و ~~يعبر عن الثاني بأنه ما جاز العلم بأحدهما مع PageV17P160 عدم العلم بالآخر # و بين هذا و هذا فرق ظاهر فصفات الرب اللازمة له لا تفارقه البتة فلا ~~تكون غيرا بالمعنى الأول و يجوز أن تعلم بعض الصفات دون بعض و تعلم الذات ~~دون الصفة فتكون غيرا بإعتبار الثاني و لهذا أطلق كثير من مثبتة الصفات ~~عليها أغيار للذات و منهم من قال نقول إنها غير الذات و لا نقول إنها غير ~~الله فإن لفظ الذات لا يتضمن الصفات بخلاف إسم ms1605 الله فإنه يتناول الصفات و ~~لهذا كان الصواب على قول أهل السنة أن لا يقال في الصفات إنها زائدة على ~~مسمى إسم الله بل من قال ذلك فقد غلط عليهم # و إذا قيل هل هي زائدة على الذات أم لا كان الجواب أن الذات الموجودة فى ~~نفس الأمر مستلزمة للصفات فلا يمكن و جود الذات مجردة عن الصفات بل و لا ~~يوجد شيء من الذوات مجردا عن جميع الصفات بل لفظ ( الذات ( تأنيث ( ذو ( و ~~لفظ ( ذو ( مستلزم للإضافة و هذا اللفظ مولد و أصله أن يقال ذات علم ذات ~~قدرة ذات سمع كما قال تعالى ( فإتقوا الله و أصلحوا ذات بينكم ( و يقال ~~فلانة ذات مال ذات جمال ثم لما علموا أن نفس الرب ذات علم و قدرة و سمع و ~~بصر ردا على من نفى صفاتها عرفوا لفظ الذات و صار التعريف يقوم مقام ~~الإضافة فحيث قيل لفظ الذات فهو ذات كذا فالذات لا تكون إلا ذات علم و قدرة ~~PageV17P161 و نحو ذلك من الصفات لفظا و معنى و إنما يريد محققوا أهل السنة ~~بقولهم ( الصفات زائدة على الذات ( أنها زائدة على ما أثبتة نفاة الصفات من ~~الذات فإنهم أثبتوا ذاتا مجردة لا صفات لها فأثبت أهل السنة الصفات زائدة ~~على ما أثبته هؤلاء فهي زيادة فى العلم و الإعتقاد و الخبر لا زيادة على ~~نفس الله جل جلاله و تقدست أسماؤه بل نفسه المقدسة متصفة بهذه الصفات لا ~~يمكن أن تفارقها فلا توجد الصفات بدون الذات و لا الذات بدون الصفات و هذه ~~الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع # و المقصود أن الأشعري و غيره من الصفاتية الذين سلكوا مسلك إبن كلاب إذا ~~قال أحدهم فى الصفات إنها متماثلة فإن هذا لا يقوله عاقل إذ المثلان ما سد ~~أحدهما مسد الآخر و قام مقامه و العلم ليس مثلا للقدرة و لا القدرة مثلا ~~للإرادة و أما الكلام فإنه عنده شيء و أحد و الواحد يمتنع فيه تفاضل ms1606 أو ~~تماثل # وفى الجملة فالذين يمنعون أن يكون كلام الله بعضه افضل من بعض لهم مأخذان # ( أحدهما ( أن صفات الرب لا يكون بعضها أفضل من بعض و قد يعبرون عن ذلك ~~بأن القديم لا يتفاضل PageV17P162 ( و الثاني ( أنه و أحد و الواحد لا ~~يتصور فيه تفاضل و لا تماثل و هذا على قول من يقول إنه و أحد بالعين و ~~هؤلاء الذين يقولون إنه و أحد بالعين منهم من يجعله مع ذلك حروفا أو حروفا ~~و أصواتا قديمة الأعيان و يقول هو مع ذلك شيء و أحد كما يوجد فى كلام طائفة ~~من المتأخرين الذين أخذوا عن الكلابية أنه ليس له إلا إرادة و احدة و علم و ~~أحد و قدرة و احدة و كلام و أحد و أن القرآن قديم و أخذوا عن المعتزلة و ~~غيرهم أنه مجرد الحروف و الأصوات و إلتزموا أن الحروف و الأصوات قديمة ~~الأعيان مع أنها مترتبة فى نفسها ترتبا ذاتيا فى الوجود أزلية لم يزل بعضها ~~مقارنا لبعض و فرقوا بين ذات الشيء و بين و جوده في الخارج موافقة لمن يقول ~~ذلك من المعتزلة و كثير من القائلين بقدمه و أنه حروف و أصوات لا يقولون ~~إنه شيء و أحد بل يجعلونه متعددا مع قدم القرآن و قدم أعيان الحروف و ~~الأصوات # والقول الآخر لمن يقول إنه و أحد بالعين أن القديم هو معنى و أحد لا ~~يتعدد و لا يتبعض كما قد بين حقيقة قولهم و هذا هو القول المنسوب إلى إبن ~~كلاب و الأشعري و هذا القول أول من عرف أنه قاله فى الإسلام إبن كلاب لم ~~يسبقه إليه أحد من الصحابة و لا التابعين و لا غيرهم من أئمة المسلمين مع ~~كثرة ما تكلم الصحابة و التابعون فى كلام الله تعالى و مع أنه من أعظم و ~~أهم أمور الدين الذي تتوفر PageV17P163 الهمم على معرفته و ذكره و مع تواتر ~~نص الكتاب و السنة و آثار الصحابة على خلاف ms1607 هذا القول و كل من هذه الأقوال ~~مما يدل الكتاب و السنة و آثار السلف على خلافه و كل منها مما إتفق جمهور ~~العقلاء الذين يتصورونه على أن فساده معلوم بضرورة العقل و يجوز إتفاق ~~طائفة من العقلاء على قول يعلم فساده بضرورة العقل إذا كان عن تواطؤ كما ~~يجوز إتفاقهم على الكذب تواطؤا و أما بدون ذلك فلا يجوز # فالمذهب الذي تقلده بعض الناس عن بعض كقول النصاري و الرافضة و الجهمية و ~~الدهرية و نحو ذلك يجوز أن يكون فيه ما يعلم فساده بضرورة العقل و إن كان ~~طائفة من العقلاء قالوه على هذا الوجه فأما أن يقولوه من غير تواطؤ فهذا لا ~~يقع و أكثر المتقلدين للأقوال الفاسدة لا يتصورونها تصورا تاما حتى يكون ~~تصورها التام موجبا للعلم بفسادها ثم إذا إشتهر القول عند طائفة لم يعلموا ~~غيره عن أهل السنة ظنوا أنه قول أهل السنة # ولما كان المشهور عند المسلمين أن أهل السنة لا يقولون القرآن مخلوق صار ~~كل من رأي طائفة تنكر قول من يقول القرآن مخلوق يظن أن كل ما قالته فى هذا ~~الباب هو قول السلف و أئمة السنة و الذين قالوا إن القرآن غير مخلوق بل ~~قائم بذات الله و وافقوا PageV17P164 السلف و الأئمة فى هذا لما ظهرت محنة ~~الجهمية و ثبت فيها الإمام أحمد الذي أيد الله به السنة و نصر السنة صار ~~شعار أهل السنة أن القرآن كلام الله غير مخلوق و أن الله يري فى الآخرة فكل ~~من أنكر ذلك فهو من أهل البدعة فى اللسان العام فكثر حينئذ من يوافق أهل ~~السنة و الحديث على ذلك و إن كان لا يعرف حقيقة قولهم بل معه أصول من أصول ~~أهل البدع الجهمية يريد أن يجمع بينها و بين قول أهل السنة كما يريد ~~المتفلسف أن يجمع بين أقوال المتفلسفة المخالفين للرسل و بين ما جاءت به ~~الرسل # فلهذا صار المنتسبون إلى السنة الذين يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق ms1608 ~~لهم أقوال # ( أحدهما ( قول من يقول إنه قديم العين و إن الله لا يتكلم بمشيئته و ~~قدرته و لا يتكلم بكلام بعد كلام ثم هؤلاء على قولين منهم من يقول ذلك ~~القديم هو معنى و أحد لازم لذات الله أبدا أو خمسة معان ( و منهم ( من يقول ~~بل هو حروف و أصوات قديمة الأعيان لازمة لذات الله أبدا ( الثالث ( قول من ~~يقول بل بل الرب فى أزله لم يكن الكلام ممكنا 2 له كما لم يكن الفعل ممكنا ~~له عندهم لأن و جود الكلام و الفعل لا يكون إلا بمشيئته و إختياره و وجود ~~ما يكون بالمشيئة و الإختيار محال عندهم دوامه ثم ( المشهور ( عن هؤلاء قول ~~من يقول PageV17P165 تكلم فيما لا يزال بحروف و أصوات تقوم بذاته كما يقوله ~~طوائف متعددة منهم الكرامية و بعض الناس يذكر ما يقتضى أن الكلام الذي قام ~~به شيئا بعد شيء إنما هو علوم و إرادات و أبو عبدالله الرازي يميل إلى هذا ~~فى بعض كتبه # و ( الخامس ( قول من يقول لم يزل متكلما كيف شاء و هذا هو المعروف عن ~~السلف و أئمة السنة مثل عبدالله بن المبارك و أحمد بن حنبل و سائر أهل ~~الحديث و السنة # ثم هؤلاء منهم من يقول لم يزل متكلما لا يسكت بل لا يزال متكلما بمشيئته ~~و قدرته و هذا هو الذي جعله إبن حامد المشهور من مذهب أحمد و أصحابه مع أنه ~~حكى أنه لا يختلف قول أحمد أنه لم يزل متكلما كيف شاء و كما شاء ( و القول ~~الثاني ( أنه يتكلم إذا شاء و يسكت إذا شاء و هذا القول حكاه أبو بكر ~~عبدالعزيز عن طائفة من أصحاب أحمد و كذلك خرجه إبن حامد قولا فى المذهب مع ~~ذكره أنه لم يختلف مذهبه فى أنه لم يزل متكلما كيف شاء و كما شاء و أنه لا ~~يجوز أن يكون لم يزل ساكتا ثم صار متكلما كما يقوله الكرامية و هذه الأقوال ~~و توابعها ms1609 مبسوطة فى موضع آخر # و المقصود هنا أن الذين قالوا ( كلام الله غير مخلوق ( تنازعوا ~~PageV17P166 بعد ذلك على هذه الأقوال مع أن أكثر الذين قالوا بعض هذه ~~الأقوال لا يعلمون ما قال غيرهم بل غاية ما عند أئمتهم المصنفين فى هذا ~~الباب معرفة قولين أو ثلاثة أو أربعة من هذه الأقوال كقول المعتزلة و ~~الكلابية و السالمية و الكرامية و لا يعرفون أن في الإسلام من قال سوى ذلك ~~و يصنف أحدهم كتابا كبيرا في ( مقالات الإسلاميين ( و فى ( الملل و النحل ( ~~و يذكر عامة الأقوال المبتدعة فى هذا الباب و القول المأثور عن السلف و ~~الأئمة لا يعرفه و لا ينقله مع أن الكتاب و السنة مع المعقول الصريح لا يدل ~~إلا عليه و كل ما سواه أقوال متناقضة كما بسط فى موضعه # والقصد هنا أن من كان عنده أن قول المعتزلة مثلا أو قول المعتزلة و ~~الكرامية أو قول هؤلاء و قول الكلابية أو قول هؤلاء و قول السالمية هو باطل ~~من اقوال أهل البدع لم يبق عنده قول أهل السنة إلا القول الآخر الذي هو ~~أيضا من الأقوال المبتدعة المخالفة لصريح المعقول و صحيح المنقول فيفرع على ~~ذلك القول ما يضيفه إلى السنة ثم إذا تدبر نصوص الكتاب و السنة و آثار ~~السلف و جدها تخالف ذلك القول أصلا و فرعا كما و قع لمن أنكر فضل ( فاتحة ~~الكتاب ( و ( آية الكرسى ( و ( قل هو الله أحد ( على غيرها من القرآن فإن ~~عمدتهم ما قدمته من الأصل الفاسد أما كون الكلام و احدا فلا يتصور فيه ~~PageV17P167 تفاضل و لا تماثل و لا تعدد و أما كون صفات الرب لاتتفاضل و ~~ربما قالوا القديم لايتفاضل و هو من جنس قول الجهمية و المعتزلة و نحوهم ~~القديم لايتعدد فهذا لفظ مجمل فإن القديم إذا أريد به رب العالمين فرب ~~العالمين إله و ا حد لاشريك له و إذا أريد به صفاته فمن قال إن صفات الرب ~~لاتتعدد فهو يقول ms1610 العلم هو القدرة و القدرة هى الإرادة و السمع و البصر هو ~~العلم و قد يقول بعضهم أيضا العلم هو الكلام و يقول آخرون العلم و القدرة ~~هو الإرادة ثم قد يقولون إن الصفة هى الموصوف فالعلم هو العالم و القدرة هى ~~القادر و هذه الأقوال صرح بها نفاة الصفات من الفلاسفة و الجهمية و نحوهم ~~كما حكيت ألفاظهم فى غير هذا الموضع و معلوم أن فى هذه الأقوال من مخالفة ~~المعقول الصريح و المنقول الصحيح بل مخالفة المعلوم بالإضطرار للعقلاء و ~~المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام و دين الرسل ما يبين أنها فى غاية الفساد ~~شرعا و عقلا # ثم أن هؤلاء تأولوا نصوص الكتاب و السنة بتأويلات باطلة منهم من قال ~~المراد بكونه أعظم و أفضل و خيرا كونه عظيما فى نفسه و إمتنع هؤلاء من ~~إجراء التفضيل عليه و حكى هذا عن الأشعرى و إبن الباقلانى و جماعة غيرهما و ~~معلوم أن من تدبر ألفاظ الكتاب و السنة تبين له أنها لاتحتمل هذا المعنى بل ~~هو من نوع القرمطة فإن الله PageV17P168 تعالى يقول ( نزل أحسن الحديث ( و ~~قال النبى صلى الله عليه و سلم لأبى ( أتدرى أى آية معك فى كتاب الله أعظم ~~( و قال ( لأعلمنك سورة لم ينزل فى التوراة و لا الإنجيل و لا فى الزبور و ~~لا فى القرآن مثلها ( إلى غير ذلك مما تقدم ذكره # و منهم من قال بل المراد بقوله ( خيرمنها ( أي خير منها لكم اي أكثر ~~ثوابا أو أقل تعبا و قال ما دل على أن بعضه أفضل من بعض فليس هو تفضيلا ~~لنفس الكلام بل لمتعلقه و هو أن تلاوة هذا و العمل به يحصل به من الأجر ~~أكثر مما يحصل بالآخر فيقال لهؤلاء ما ذكرتموه حجة عليكم مع ما فيه من ~~مخالفة النص و ذلك أن كون الصواب على أحد القولين أو الفعلين أكثر منه على ~~الثاني إنما كان لأنه فى نفسه أفضل و لهذا إنما تنطق النصوص بفضل ms1611 القول و ~~العمل فى نفسه كما قد سئل النبى صلى الله عليه و سلم غيره مرة أي العمل ~~أفضل فيجيب بتفضيل عمل على عمل و ذلك مستلزم لرجحان ثوابه و أما رجحان ~~الصواب مع تماثل العملين فهذا مخالف للشرع و العقل # و كذلك الكلام و فى صحيح مسلم عن سمرة عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( أفضل الكلام بعد القرآن أربع و هن من القرآن سبحان الله و الحمد لله ~~و لا إله إلا الله و الله اكبر ( PageV17P169 فأخبر أنها أفضل الكلام بعد ~~القرآن مع كونها من القرآن ففضل نفس هذه الأقوال بعد القرآن على سواها و ~~كذلك فى صحيح مسلم أنه سئل أي الكلام أفضل فقال ( ما إصطفى الله لملائكته ~~سبحان الله و بحمده ( و فى الموطأ و غيره عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( افضل ما قلت أنا و النبيون من قبلى لا إله إلا الله و حده لا شريك له ~~له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير ( فأخبر أن هذا الكلام أفضل ما ~~قاله هو و النبيون من قبله و فى سنن إبن ماجه عنه أنه قال ( أفضل الذكر لا ~~إله إلا الله و أفضل الدعاء الحمد لله ( و قد رواه إبن أبى الدنيا و فى ~~الصحيحين أنه قال ( الإيمان بضع و ستون أو و سبعون شعبة أعلاها قول لا إله ~~إلا الله ( و مثل هذا كثير فى النصوص يفضل العمل على العمل و القول على ~~القول و يعلم من ذلك فضل ثواب أحدهما على الآخر # أما تفضيل الثواب بدون تفضيل نفس القول والعمل فلم يرد به نقل ولا يقتضيه ~~عقل فانه اذا كان القولان متماثلين من كل وجه أو العملان متماثلين من كل ~~وجه كان جعل ثواب أحدهما أعظم من ثواب الآخر ترجيحا لأحد المتماثلين على ~~الآخر بلا مرجح وهذا أصل قول القدرية والجهمية الذين يقولون ان القادر يرجح ~~أحد مقدوريه بلا مرجح وظنوا أنهم بهذا ms1612 الاصل ينصرون الاسلام فلا للاسلام ~~PageV17P170 نصروا ولا لعدوه كسروا بل تسلط عليهم سلف الامة وأئمتها ~~بالتبديع والتضليل وتسلط عليهم خصومهم الدهرية وغيرهم بالزامهم مخالفة ~~المعقول وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزيادة فى مخالفة المشروع والمعقول كما جرى ~~للملحدين مع المبتدعين # و أيضا فقول القائل إنه ليس بعض ذلك خيرا من بعض بل بعضه أكثر ثوابا رد ~~لخبر الله الصريح فإن الله يقول ( @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ( فكيف ~~يقال ليس بعضه خيرا من بعض و إذا كان الجميع متماثلا فى نفسه إمتنع أن يكون ~~فيه شيء خيرا من شيء و كون معنى الخير أكثر ثوابا مع كونه متماثلا في نفسه ~~أمرلا يدل عليه اللفظ حقيقة و لا مجازا فلا يجوز حمله عليه فإنه لا يعرف قط ~~أن يقال هذا خير من هذا و أفضل من هذا مع تساوي الذاتين بصفاتهما من كل و ~~جه بل لابد مع إطلاق هذه العبارة من التفاضل و لو ببعض الصفات فأما إذا قدر ~~أن مختارا جعل لأحدهما مع التماثل ما ليس للآخر مع إستوائهما بصفاتهما من ~~كل و جه فهذا لا يعقل و جوده و لو عقل لم يقل إن هذا خير من هذا أو أفضل ~~لأمر لا يتصف به أحدهما ألبتة # و أيضا ففي الحديث الصحيح أنه قال فى الفاتحة ( لم ينزل فى التوراة و لا ~~فى الإنجيل و لا فى القرآن مثلها ( فقد صرح الرسول PageV17P171 بأن الله لم ~~ينزل لها مثلا فمن قال إن كل ما نزل من كلام الله فهو مثل لها من كل و جه ~~فقد ناقض الرسول فى خبره # و أيضا فقد تقدم قوله ( أحسن الحديث ( و مع تماثل كل حديث لله فليس ~~القرآن أحسن من التوراة و الإنجيل و كذلك تقدم ما خص الله به القرآن من ~~الأحكام # فإن قيل نحن نسلم لكم أن الله خص بعض كلامه من الثواب و الأحكام بما لا ~~يشركه فيه غيره لكن هذا عندنا بمحض مشيئته لا لإختصاص ذلك الكلام بوصف ~~إمتاز به ms1613 عن الآخر قيل أولا هذا مخالف لصريح نصوص الكتاب و السنة و إجماع ~~سلف الأمة مع مخالفته لصريح المعقول ثم هذا مبني على أصل الجهمية و القدرية ~~و هو أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح و هؤلاء ~~لما جوزوا هذا قالوا إن الرب لم يزل معطلا و ما كان يمكن فى الأزل أن يتكلم ~~و لا أن يفعل ثم صار الكلام و الفعل ممكنا من غير حدوث شيء إقتضي إنتقالهما ~~من الإمتناع إلى الإمكان و قالوا إن القادر المرجح يرجح بلا مرجح # ثم قالت الجهمية و العبد ليس بقادر فى الحقيقة فلا يرجح شيئا بل الله هو ~~الفاعل لفعله و فعله هو نفس فعل الرب و قالت PageV17P172 القدرية العبد ~~قادر تام القدرة يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا سبب حادث و لا حاجة إلى أن ~~يحدث الله ما به يختص به فعل أحدهما بل هو مع أن نسبته إلى الضدين الإيمان ~~و الكفر سواء يرجح أحدهما بلا مرجح لا من الله و لا من العبد و لا يفتقر ~~إلى إعانة الله و لا إلى أن يجعله شائيا و لا يجعله يقيم الصلاة و لا يجعله ~~مسلما و معلوم بالعقول خلاف هذا و الله تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد ~~و ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن لكن المدح فى هذا الكلام معناه أنه مطلق ~~المشيئة لا معوق له إذا أراد شيئا كما قال النبى صلى الله عليه و سلم ( لا ~~يقولن أحد 6 كم اللهم إغفر لي إن شئت اللهم إرحمنى إن شئت و لكن ليعزم ~~المسألة فإن الله لا مكره له ( فبين صلى الله عليه و سلم أنه لا يفعل إلا ~~بمشيئته ليس له مكره حتى يقال له إفعل إن شئت و لا يفعل إن لم يشأ # فهو سبحانه إذا أراد شيئا كان قادرا عليه لا يمنعه منه مانع لا يعنى بذلك ~~أنه يفعل لمجرد مشيئة ليس معها حكمة بل ms1614 يفعل عندهم ما و جود فعله و عدمه ~~بالنسبة إليه سواء من كل و جه فإن هذا ليس بمدح بل المعقول من هذا أنه صفة ~~ذم فمن فعل لمجرد إرادته الفعل من غير حكمة لفعله و لا تضمن غاية مجردة كان ~~إن لا يفعل خير له و قد ذم الله سبحانه في كتابه من نسبه إلى هذا فقال ~~تعالى PageV17P173 ( ^ و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما باطلا ذلك ظن ~~الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ^ و قال تعالى ( ^ أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو ~~رب العرش الكريم ^ ( قال المفسرون العبث أن يعمل عملا لا لحكمة و هو جنس من ~~اللعب و قال ( ^ و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما لاعبين لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاغلين ^ ( و قال ( @QB@ أيحسب الإنسان ~~أن يترك سدى @QE@ ( قال المفسرون و أهل اللغة السدي المهمل الذي لا يؤمر و ~~لا ينهى كالذي يترك الإبل سدى مهملة و قال تعالى ( ^ و هو الذي خلق السموات ~~و الأرض بالحق و يوم يقول كن فيكون ^ ( و قال تعالى ( ^ و ما خلقنا السموات ~~و الأرض و ما بينهما إلا بالحق و إن الساعة لآتية فإصفح الصفح الجميل إن ~~ربك هو الخلاق العليم ^ # وقد بين سبحانه الفرق بين ما أمر به و ما نهى عنه و بين من يحمده و يكرمه ~~من أوليائه و من يذمه و يعاقبه من أعدائه و أنهم مختلفون لا يجوز التسوية ~~بينهما و جعل خلاف ذلك من المنكر الذي لا مساغ له فقال تعالى ( @QB@ أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون @QE@ ( و قال ( ^ أم نجعل الذين ~~آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المقين كالفجار ^ و قال ~~تعالى PageV17P174 ( ^ أم حسب الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون ^ ( فبين أن ~~هذا الحكم سيء ms1615 فى نفسه ليس الحكم به مساويا للحكم بالتفاضل ثم قال ( ^ و ~~خلق الله السموات و الأرض بالحق و لتجزي كل نفس بما كسبت و هم لا يظلمون ^ ~~( فأخبر أنه خلق الخلق ليجزى كل نفس بما كسبت و أنه لا يظلم أحدا فينقص من ~~حسناته شيئا بل كما قال ( ^ و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدا ^ ( # وقد نزه نفسه فى غير موضع من القرآن أن يظلم أحدا من خلقه فلا يؤتيه أجره ~~أو يحمل عليه ذنب غيره فقال تعالى ( ^ و من يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا ~~يخاف ظلما و لا هضما ^ ( و قال تعالى ( ^ لا تختصموا لدي و قد قدمت إليكم ~~بالوعيد ما يبدل القول لدي و ما أنا بظلام للعبيد ^ ( و قال تعالى ( ^ ذلك ~~من أنباء القري نقصه عليك منها قائم و حصيد و ما ظلمناهم و لكن ظلموا ~~أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ~~ربك و ما زادوهم غير تتبيب ^ ( و في الحديث الصحيح الإلهي ( يا عبادي إني ~~حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا # و ما تزعمه القدرية من أن تفضيل بعض عباده على بعض بفضله و إحسانه من باب ~~الظلم جهل منهم و كذلك جزاؤهم بأعمالهم التى جري PageV17P175 بها القدر ليس ~~بظلم فإن الواحد من الناس إذا عاقبه غيره بسيئاته و إنتصف للمظلوم من ~~الظالم لم يكن ذلك ظلما منه بإتفاق العقلاء بل ذلك أمر محمود منه و لا يقول ~~أحد إن الظالم معذور لأجل القدر فرب العالمين إذا أنصف بعض عباده من بعض و ~~أخذ للمظلومين حقهم من الظالمين كيف يكون ذلك ظلما منه لأجل القدر و كذلك ~~الواحد من العباد إذا و ضع كل شيء موضعه فجعل الطيب مع الطيب فى المكان ~~المناسب له و جعل الخبيث مع الخبيث في المكان المناسب له كان ذلك عدلا منه ~~و حكمة فرب العالمين إذا و ضع كل شيء موضعه لم ms1616 يجعل الذين آمنوا و عملوا ~~الصالحات كالمفسدين فى الأرض و لم يجعل المتقين كالفجار و لا المسلمين ~~كالمجرمين و الجنة طيبة لا يصلح أن يدخلها إلا طيب و لهذا لا يدخلها أحد ~~إلا بعد القصاص الذي ينظفهم من الخبث كما ثبت فى الصحيح عن أبي سعيد عن ~~النبى صلى الله عليه و سلم ( ان المؤمنين إذا عبروا الجسر و هو الصراط ~~المنصوب على متن جهنم فإنهم يوقفون على قنطرة بين الجنة و النار فيقتص ~~لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا فإذا هذبوا و نقوا إذن لهم فى ~~دخول الجنة ( و هذه الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن ما يقوله القدرية من الظلم و العدل الذي يقيسون به الرب ~~على عباده من بدعهم التى ضلوا بها و خالفوا بها الكتاب و السنة PageV17P176 ~~و إجماع سلف الأمة و كذلك من قابلهم فنفى حكمة الرب الثابتة فى خلقه و أمره ~~و ما كتبه على نفسه من الرحمة و ما حرمه على نفسه من الظلم و ما جعله ~~للمخلوقات و المشروعات من الأسباب التى شهد بها النص مع العقل و الحس و ~~إتفق عليها سلف الأمة و أئمة الدين كقوله تعالى ( ^ و ما أنزل الله من ~~السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ^ ( و قوله تعالى ( @QB@ فأنزلنا ~~به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات @QE@ ( و نحو ذلك فإن هذه الأقاويل ~~أصلها مأخوذ من الجهم بن صفوان إمام غلاة المجبرة و كان ينكر رحمة الرب و ~~يخرج إلى الجذمي فيقول أرحم الراحمين يفعل مثل هذا يريد بذلك أنه ما ثم إلا ~~إرادة رجح بها أحد المتماثلين بلا مرجح لا لحكمة و لا رحمة # و لهذا كان الذين و افقوه على قوله من المنتسبين إلى مذهب أهل السنة و ~~الجماعة يتناقضون لإنهم إذا خاضوا فى الشرع إحتاجوا أن يسلكوا مسالك أئمة ~~الدين فى إثبات محاسن الشريعة و ما فيها من الأمر بمصالح العباد و ما ~~ينفعهم من النهي عن مفاسدهم ms1617 و ما يضرهم و أن الرسول الذي بعث بها بعث رحمة ~~كما قال تعالى ( ^ و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ( و قد و صفه الله تعالى ~~بقول ( و رحمتى و سعت 2 كل شيء فسأكتبها للذين يتقون و يؤتون الزكاة و ~~الذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم فى التوراة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم PageV17P177 ~~عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث ( فأخبر أنه يأمر بما هو ~~معروف و ينهي عما هو منكر و يحل ما هو طيب و يحرم ما هو خبيث # ولو كان المعروف لا معنى له إلا المأمور به و المنكر لا معنى له إلا ما ~~حرم لكان هذا كقول القائل يأمرهم بما يأمرهم عما ينهاهم و يحل لهم ما أحل ~~لهم و يحرم عليهم ما حرم عليهم و هذا كلام لا فائدة فيه فضلا عن أن يكون ~~فيه تفضيل له على غيره و معلوم أن كل من أمر بأمر يوصف بذلك و كل نبى بعث ~~فهذه حاله و قد قال تعالى ( @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم @QE@ ( فعلم أن الطيب و صف للعين و أن الله قد يحرمها مع ذلك ~~عقوبة للعباد كما قال تعالى لما ذكر ما حرمه على بنى إسرائيل ( ^ ذلك ~~جزيناهم ببغيهم و أنا لصادقون ^ ( و قال تعالى ( يسألونك ماذا أحل لهم قل ~~أحل لكم الطيبات ( فلو كان معنى الطيب هو ما أحل كان الكلام لا فائدة فيه ~~فعلم أن الطيب و الخبيث و صف قائم بالأعيان # و ليس المراد به مجرد التذاذ الأكل فإن الإنسان قد يلتذ بما يضره من ~~السموم و ما يحميه الطبيب منه و لا المراد به إلتذاذ طائفة من الأمم كالعرب ~~و لا كون العرب تعودته فإن مجرد كون أمة من الأمم أكله و طاب لها أو كرهته ~~لكونه ليس فى بلادها PageV17P178 لا يوجب أن يحرم الله على جميع المؤمنين ~~ما لم تعتده طباع هؤلاء ms1618 و لا أن يحل لجميع المؤمنين ما تعودوه كيف و قد ~~كانت العرب قد إعتادت أكل الدم و الميتة و غير ذلك و قد حرمه الله تعالى و ~~قد قيل لبعض العرب ما تأكلون قال ما دب و درج إلا أم حبين فقال ليهن أم ~~حبين العافية و نفس قريش كانوا يأكلون خبائث حرمها الله و كانوا يعافون ~~مطاعم لم يحرمها الله و في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قدم ~~له لحم ضب فرفع يده و لم يأكل فقيل أحرام هو يا رسول الله قال ( لا و لكنه ~~لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ( فعلم كراهة قريش و غيرها لطعام من الأطعمة ~~لا يكون موجبا لتحريمه على المؤمنين من سائر العرب و العجم # و أيضا فإن النبى صلى الله عليه و سلم و أصحابه لم يحرم أحد منهم ما ~~كرهته العرب و لم يبح كل ما أكلته العرب و قوله تعالى ( و يحل لهم الطيبات ~~و يحرم عليهم الخبائث ( إخبار عنه أنه سيفعل ذلك فأحل النبى صلى الله عليه ~~و سلم الطيبات و حرم الخبائث مثل كل ذي ناب من السباع و كل ذي مخلب من ~~الطير فإنها عادية باغية فإذا أكلها الناس و الغاذي شبيه بالمغتذي صار في ~~أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم و هو البغي و العدوان كما حرم الدم ~~المسفوح لأنه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية و زيادته توجب طغيان هذه ~~القوى PageV17P179 و هو مجرى الشيطان من البدن كما قال النبى صلى الله عليه ~~و سلم ( إن الشيطان يجري من إبن آدم مجرى الدم ( و لهذا كان شهر رمضان إذا ~~دخل صفدت الشياطين لأن الصوم جنة # فالطيبات التى أباحها هي المطاعم النافعة للعقول و الأخلاق و الخبائث هي ~~الضارة للعقول و الأخلاق كما أن الخمر أم الخبائث لأنها تفسد العقول و ~~الأخلاق فأباح الله للمتقين الطيبات التى يستعينون بها على عبادة ربهم التى ~~خلقوا لها و حرم عليهم الخبائث التى تضرهم في ms1619 المقصود الذي خلقوا له و ~~أمرهم مع أكلها بالشكر و نهاهم عن تحريمها فمن أكلها و لم يشكر ترك ما أمر ~~الله به و إستحق العقوبة و من حرمها كالرهبان فقد تعدى حدود الله فإستحق ~~العقوبة قال تعالى ( ^ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم و ~~أشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ^ ( و فى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله ~~عليه و سلم أنه قال ( إن الله ليرضي عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ~~و يشرب الشربة فيحمده عليها ( و فى حديث آخر ( الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم ~~الصابر ( و قال تعالى ( @QB@ لتسألن يومئذ عن النعيم @QE@ ( أي عن شكره ~~فإنه لا يبيح شيئا و يعاقب من فعله و لكن يسأله عن الواجب الذي أوجبه معه و ~~عما حرمه عليه هل فرط بترك مأمور أو فعل محظور # كما قال تعالى ( ^ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات PageV17P180 ما ~~أحل الله لكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ^ ( فنهاهم عن تحريم ~~الطيبات كما كان طائفة من الصحابة قد عزموا على الترهب فأنزل الله هذه ~~الآية و فى الصحيحين أن رجالا من الصحابة قال أحدهم أما أنا فأصوم لا أفطر ~~و قال آخر أما انا فأقوم لا أنام و قال آخر أما أنا فلا أقرب النساء و قال ~~آخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبى صلى الله عليه و سلم ( ما بال رجال ~~يقول أحدهم كذا و كذا لكني أصوم و أفطر و أقوم و أنام و أتزوج النساء و آكل ~~اللحم فمن رغب عن سنتى فليس مني ( و لبسط هذه الأمور موضع آخر # والمقصود هنا أن الله بين في كتابه و على لسان رسوله حكمته فى خلقه و ~~أمره كقوله ( ^ و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة و ساء سبيلا ^ ( فعلل ~~التحريم بأنها فاحشة بدون النهي و أن ذلك علة للنهي عنها و قوله ( ^ و إذا ~~فعلوا فاحشة قالوا و جدنا عليها آباءنا و الله أمرنا بها ms1620 قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء ^ ( فذكر براءته من هذا على و جه المدح له بذلك و تنزيهه عن ~~ذلك فدل على أن من الأمور ما لا يجوز أن يضاف إلى الله الأمر به ليست ~~الأشياء كلها مستوية في أنفسها و لا عنده و أنه لا يخصص المأمور على ~~المحظور لمجرد التحكم بل يخصص المأمور بالأمر و المحظور بالحظر لما إقتضته ~~حكمته PageV17P181 وقد تدبرت عامة ما رأيته من كلام السلف مع كثرة البحث ~~عنه و كثرة ما رأيته من ذلك هل كان الصحابة و التابعون لهم بإحسان أو أحد ~~منهم على ما ذكرته من هذه الأقوال التى و جدتها فى كتب أهل الكلام من ~~الجهمية و القدرية و من تلقى ذلك عنهم مثل دعوى الجهمية أن الأمور ~~المتماثلة يأمر الله بأحدها و ينهى عن الآخر لا لسبب و لا لحكمة أو أن ~~الأقوال المتماثلة و الأعمال المتماثلة من كل و جه يجعل الله ثواب بعضها ~~أكثر من الآخر بلا سبب و لا حكمة و نحو ذلك مما يقولونه كقولهم إن كلام ~~الله كله متماثل و إن كان الأجر في بعضه أعظم فما و جدت فى كلام السلف ما ~~يوافق ذلك بل يصرحون بالحكم و الأسباب و بيان ما في المأمور به من الصفات ~~الحسنة المناسبة للأمر به و ما فى المنهي عنه من الصفات السيئة المناسبة ~~للنهي عنه و من تفضيل بعض الأقوال و الأعمال في نفسها على بعض و لم أر عن ~~أحد منهم قط أنه خالف النصوص الدالة على ذلك و لا إستشكل ذلك و لا تأوله ~~على مفهومه مع أنه يوجد عنهم فى كثير من الآيات و الأحاديث إستشكال و ~~إشتباه و تفسيرها على أقوال مختلفة قد يكون بعضها خطأ و الصواب هو القول ~~الآخر و ما و جدتهم فى مثل قوله تعالى ( @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني @QE@ ( و قول النبى صلى الله عليه و سلم لأبي ( أي آية فى ~~كتاب الله أعظم ( و قوله ms1621 فى الفاتحة ( لم ينزل فى التوراة و لا فى الإنجيل ~~و لا في القرآن مثلها ( PageV17P182 و نحو ذلك إلا مقرين لذلك قائلين ~~بموجبه # والنبى صلى الله عليه و سلم سأل أبيا ( أي آية في كتاب الله أعظم ( ~~فأجابه أبي بأنها آية الكرسي فضرب بيده فى صدره و قال ( لينهك العلم أبا ~~المنذر ( و لم يستشكل أبى و لا غيره السؤال عن كون بعض القرآن أعظم من بعض ~~بل شهد النبى صلى الله عليه و سلم بالعلم لمن عرف فضل بعضه على بعض و عرف ~~أفضل الآيات و كذلك قوله تعالى ( @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها @QE@ ( # و ما رأيتهم تنازعوا فى تفسير ( @QB@ خير منها @QE@ ( فإن هذه الآية فيها ~~قراءتان مشهورتان قراءة الأكثرين ( @QB@ أو ننسها @QE@ ( من أنساه ينسيه و ~~قرأ إبن كثير و أبو عمرو ( ^ أو ننسأها ^ ( بالهمز من نساه ينسأه فالأول من ~~النسيان و الثاني من نسأ إذا أخر قال أهل اللغة نسأته نسأ إذا أخرته و كذلك ~~أنسأته يقال نسأته البيع و أنسأته قال الأصمعي أنسأ الله في أجله و نسأ في ~~أجله بمعنى و من هذه المادة بيع النسيئة و من كلام العرب من أراد النساء و ~~لا نساء فليبكر الغداء و ليخفف الرداء و ليقلل من غشيان النساء # فأما القراءة الأولى فمعناها ظاهر عند أكثر المفسرين قالوا المراد به ما ~~أنساه الله من القرآن كما جاءت الآثار بذلك فإن ما يرفع PageV17P183 من ~~القرآن إما أن يكون رفعا شرعيا بإزالته من القلوب و هو الإنساء فأخبر تعالى ~~أن ما ينسخه أو ينسيه فإنه يأتي بخير منه أو مثله بين ذلك فضله و رحمته ~~لعباده المؤمنين فإنه قال قبل ذلك ( ^ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ~~و قولوا أنظرنا و ا سمعوا و للكافرين عذاب اليم ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتاب و لا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم و الله يختص برحمته من ~~يشاء و الله ذو الفضل العظيم ^ ( فنهاهم عن التشبه بأهل ms1622 الكتاب فى سوء ~~أدبهم على الرسول و على ما جاء به و أخبر أنهم لحسدهم ما يودون أن الله ~~ينزل عليه شيئا من الكتاب و الحكمة ثم أخبر بنعمته على المؤمنين فإنه قد ~~كان بعض القرآن ينسخ و بعضه ينسى كما جاءت الآثار بذلك و ما أنساه سبحانه ~~هو مما نسخ حكمه و تلاوته بخلاف المنسوخ الذي يتلى و قد نسخ ما نسخ من حكمه ~~أو نسخ تلاوته و لم ينس و فى النسخ و الإنساء نقص ما أنزله على عباده # فبين سبحانه أنه لا نقص في ذلك بل كل ما نسخ أو ينسى فإن الله يأتي بخير ~~منه أو مثله فلا يزال المؤمنون فى نعمة من الله لا تنقص بل تزيد فإنه إذا ~~أتى بخير منها زادت النعمة و إن أتي بمثلها كانت النعمة باقية و قال تعالى ~~( @QB@ أو ننسها @QE@ ( فأضاف الإنساء إليه فإن هذا الإنساء ليس مذموما ~~بخلاف نسيان ما يجب حفظه فإنه مذموم PageV17P184 فإن هذا إنساء لما رفعه ~~الله و أما نسيان ما أمر بحفظه فمذموم قال تعالى ( ^ كذلك اتتك آياتنا ~~فنسيتها و كذلك اليوم تنسى ^ ( و هذا النسيان و إن كان متضمنا لترك العمل ~~بها مع حفظها فإذا نسيت الآيات بالكلية حتى لا يعرف ما فيها كان ذلك أبلغ ~~فى ترك العمل بها فكان هذا مذموما قال النبى صلى الله عليه و سلم فى الحديث ~~الذي في السنن ( من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله و هو أجذم و لهذا كره ~~النبى صلى الله عليه و سلم أن يضيف الإنسان النسيان إلى نفسه فقال فى ~~الحديث المتفق عليه ( بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت و كيت بل هو أنسى ~~إستذكروا القرآن فلهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من عقلها ( # ثم منهم من جعل ( @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ ( هو ما ترك تلاوته و رسمه و ~~نسخ حكمه و ما أنسى هو ما رفع فلا يتلى و منهم من أدخل في الأول ما نسخت ms1623 ~~تلاوته و إن كان محفوظا فالأول قول مجاهد و أصحاب عبدالله بن مسعود و روى ~~الناس بالأسانيد الثابتة عن إبن أبى نجيح عن مجاهد قوله ( ما ننسخ من آية ( ~~قال نثبت خطها و نبدل حكمها قال و هو قول عبدالله بن مسعود ( أو ننسها ( أي ~~نمحوها فإن ما نسى لم يترك و روى إبن أبي حاتم بإسناده عن عكرمة عن إبن ~~عباس قال كان مما ينزل على النبى صلى الله عليه و سلم الوحي بالليل ~~PageV17P185 و ينساه بالنهار فأنزل الله ( @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها ~~نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ( و كذلك روى عن سعيد بن أبى و قاص و محمد بن ~~كعب و قتادة و عكرمة و كان سعد بن أبى و قاص يقرأها ( @QB@ أو ننسها @QE@ ( ~~بالخطاب أي تنسها أنت يا محمد و تلا قوله ( @QB@ سنقرئك فلا تنسى @QE@ ( و ~~قوله ( ^ و اذكر ربك إذا نسيت ^ ( # و قد جاءت الآثار بأن أحدهم كان يحفظ قرآنا ثم ينساه و يذكرون ذلك للنبى ~~صلى الله عليه و سلم فيقول ( إنه رفع ( مثل ما صح من حديث الزهري حدثنى أبو ~~أمامة بن سهل بن حنيف فى مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا كان معه سورة فقام ~~يقرأها من الليل فلم يقدرعليها و قام آخر يقرأها فلم يقدر عليها و قام آخر ~~يقرأها فلم يقدر عليها فأصبحوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ~~بعضهم ذهبت البارحة لأقرأ سورة كذا و كذا فلم أقدر عليها و قال الآخر ما ~~جئت إلا لذلك و قال الآخر ما جئت إلا لذلك و قال الآخر و أنا يا رسول الله ~~فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إنها نسخت البارحة ( # و قوله ( أو ننسأها ( النسأ بمعنى التأخير و فيه قولان للسلف القول الأول ~~يروى عن طائفة قال السدي ( @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ ( قال نسخها قبضها ( ~~أو ننسأها ( فنتركها لا ننسخها ( @QB@ نأت بخير @QE@ ( من PageV17P186 الذي ~~نسخناه أو مثل الذي تركناه و كذلك في تفسير ms1624 الوالبى عن إبن عباس ( ^ ما ~~ننسخ من آية أو ننسأها ^ ( يقول ما نبدل من آية أو نتركها فلا نرفعها من ~~عندكم ( @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ( روى ذلك عن الربيع بن أنس و من ~~الناس من فسر بهذا المعنى القراءة الأولى فقالوا معنى ننسها نتركها عندكم ~~فإن النسيان هو الترك و قال الأزهري ننسها نأمر بتركها يقال أنسيت الشيء و ~~أنشد % إنى على عقبة أقضيها % لست بناسيها و لا منسيها % $ أي و لا آمر ~~بتركها و القول الثالث نؤخرها عن العمل بها بنسخنا إياها # و الصواب القول الوسط روى إبن أبي حاتم بإسناده عن إبن عباس قال خطبنا ~~عمر رضي الله عنه فقال يقول الله ( ^ ما ننسخ من آية أوننسأها ^ ( أي ~~نؤخرها و بإسناده المعروف عن أبى العالية ( @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ ( فلا ~~يعمل بها ( ^ أو ننسأها ^ ( أي نرجئها عند و في لفظ عن أبى العالية نؤخرها ~~عندنا و عن عطاء نؤخرها و قد ذكر قول ثالث عن السلف و هو قول رابع أن ~~المعنى ( @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ ( و هو ما أنزلناه غليكم و لا نرفعه ( ~~أو ننسأها ( أي نؤخر تنزيله فلا ننزله و نقل هذا بعضهم عن سعيد بن المسيب و ~~عطاء أما PageV17P187 ( @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ ( فهو ما قد نزل من ~~القرآن جعلاه من النسخة ( أو ننسأها ( أي نؤخرها فلا يكون و هو ما لم ينزل # وهذا فيه نظر فإن إبن أبى حاتم روى بالإسناد الثابت عن عطاء ( ما ننسخ من ~~آية ( أما ما نسخ فهو ما ترك من القرآن ( بالكاف ( و كأنه نصحف على من ظنه ~~نزل من النزول فإن لفظ ترك فيه إبهام و لذلك قال إبن أبى حاتم يعني ترك لم ~~ينزل على محمد و ليس مراد عطاء هذا و إنما مراده أنه ترك مكتوبا متلوا و ~~نسخ حكمه كما تقدم عن غيره و ما أنسأه هو ما أخره لم ينزله و سعيد و عطاء ~~من أعلم التابعين لا يخفى عليهما هذا و قد ms1625 قرأ إبن عامر ( @QB@ ما ننسخ من ~~آية @QE@ ( و زعم أبو حاتم أنه غلط و ليس كما قال بل فسرها بعضهم بهذا ~~المعنى فقال ما ننسخ نجعلكم تنسخونها كما يقال أكتبته هذا و قيل أنسخ جعله ~~منسوخا كما يقال قبره إذا أراد دفنه و أقبره أي جعل له قبرا و طرده إذا ~~نفاه و أطرده إذا جعله طريدا و هذا أشبه بقراءة الجمهور # و الصواب قول من فسر ( ^ أو ننسأها ^ ( أي نؤخرها عندنا فلا ننزلها و ~~المعنى أن ما ننسخه من الآيات التى أنزلناها أو نؤخر نزوله من الآيات التى ~~ننزلها بعد ( @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ( فكما أنه يعوضهم من ~~المرفوع يعوضهم من المنتظر الذي لم ينزله بعد إلى أن ينزله PageV17P188 فإن ~~الحكمة إقتضت تأخير نزوله فيعوضهم بمثله أو خير منه فى ذلك الوقت إلى أن ~~يجيء و قت نزوله فينزله أيضا مع ما تقدم و يكون ما عوضه مثله أو خيرا منه ~~قبل نزوله و أما ما أنزله إليهم و لم ينسخه فهذا لا يحتاج إلى بدل و لو كان ~~كل ما لم ينسخه الله يأت بخير منه أو مثله لزم إنزال ما لا نهاية له # و كذلك إن قدر أن المراد يؤخر نسخه إلى و قت ثم ينسخه فإنه ما دام عندهم ~~لم يحتج إلى بدل يكون مثله أو خيرا منه و إنما البدل لما ليس عندهم مما ~~أنسوه أو أخر نزوله فلم ينزله بعد و لهذا لم يجعل البدل لكل ما لم ينزله بل ~~لما نسأه فأخر نزوله إذ لو كان كل ما لم ينزل يكون له بدل لزم إنزال ما لا ~~نهاية به بل ما كان يعلم أنه سينزله و قد آخر نزوله يكونون فاقديه إلى حين ~~ينزل كما يفقدون ما نزل ثم نسخ فيجعل سبحانه لهذا بدلا و لهذا بدلا و أما ~~ما أنزله و أقره عندهم و أخر نسخه إلى و قت فهذا لا يحتاج إلى بدل فإنه ~~نفسه باق و لو كان هذا ms1626 مرادا لكان كل قرآن قد نسخه يجب أن ينزل قبل نسخه ما ~~هو مثله أو خير منه ثم إذا نسخه ياتى بخير منه أو مثله فيكون لكل منسوخ ~~بدلان بدل قبل نسخه و بدل بعد نسخه و البدل الذي قبل نسخه لا إبتداء لنزوله ~~فيجب أن ينزل من أول الأمر فيلزم نزول ذلك كله فى أول الوحي و هذا باطل ~~PageV17P189 قطعا فإن قيل فهذا يلزم فيما أخره فلم ينزله فإن له بدلا و لا ~~و قت لنزول ذلك البدل قيل ما أخر نزوله و هو يريد إنزاله معلوم و البدل ~~الذي هو مثله أو خير منه يؤتى به في كل و قت فإن القرآن ما زال ينزل و قد ~~تضمن هذا أن كل ما أخر نزوله فلابد أن ينزل قبله ما هو مثله أو خير منه و ~~هذا هو الواقع فإن الذي تقدم من القرآن نزوله لم ينسخ كثير منه خير مما ~~تأخر نزوله كالآيات المكية فإن فيها من بيان التوحيد و النبوة و المعاد و ~~أصول الشرائع ما هو أفضل من تفاصيل الشرائع كمسائل الربا و النكاح و الطلاق ~~و غير ذلك فهذا الذي أخره الله مثل آية الربا فإنها من أواخر ما نزل من ~~القرآن و قد روى أنها آخر ما نزل و كذلك آية الدين و العدة و الحيض و نحو ~~ذلك قد أنزل الله قبله ما هو خير منه من الآيات التى فيها من الشرائع ما هو ~~أهم من هذا و فيها من الأصول ما هو أهم من هذا # و لهذا كانت سورة ( الأنعام ( أفضل من غيرها و كذلك سورة ( يس ( و نحوها ~~من السور التى فيها أصول الدين التى إتفق عليها الرسل كلهم صلوات الله ~~عليهم و لهذا كانت ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( مع قلة حروفها تعدل ثلث ~~القرآن لأن فيها التوحيد فعلم أن آيات التوحيد أفضل من غيرها و فاتحة ~~الكتاب نزلت بمكة بلا ريب كما دل عليه قوله PageV17P190 تعالى ( ^ و لقد ~~آتيناك سبعا ms1627 من المثاني و القرآن العظيم ^ ( و قد ثبت فى الصحيح عن النبى ~~صلى الله عليه و سلم أنه قال ( هي السبع المثاني و القرآن العظيم الذي ~~أوتيته ( و سورة الحجر مكية بلا ريب و فيها كلام مشركي مكة و حاله معهم فدل ~~ذلك على أن ما كان الله ينسأه فيؤخر نزوله من القرآن كان ينزل قبله ما هو ~~أفضل منه و ( @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ ( مكية بلا ريب و هو قول ~~الجمهور و قد قيل إنها مدنية و هو غلط ظاهر # وكذلك قول من قال الفاتحة لم تنزل إلا بالمدينة غلط بلا ريب و لو لم تكن ~~معنا أدلة صحيحة تدلنا على ذلك لكان من قال إنها مكية معه زيادة علم و سورة ~~( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( أكثرهم على أنها مكية و قد ذكر فى أسباب ~~نزولها سؤال المشركين بمكة و سؤال الكفار من أهل الكتاب و اليهود بالمدينة ~~و لا منافاة فإن الله أنزلها بمكة أولا ثم لما سئل نحو ذلك أنزلها مرة أخرى ~~و هذا مما ذكره طائفة من العلماء و قالوا إن الآية أو السورة قد تنزل مرتين ~~و أكثر من ذلك # فما يذكر من أسباب النزول المتعددة قد يكون جميعه حقا و المراد بذلك أنه ~~إذا حدث سبب يناسبها نزل جبريل فقرأها عليه ليعلمه أنها تتضمن جواب ذلك ~~السبب و إن كان الرسول يحفظها قبل ذلك PageV17P191 و الواحد منا قد يسأل عن ~~مسالة فيذكر له الآية أو الحديث ليبين له دلالة النص على تلك المسألة و هو ~~حافظ لذلك لكن يتلى عليه ذلك النص ليتبين و جه دلالته على المطلوب # فقد تبين أن البدل لما أخر نزوله بخلاف ما كان عندهم لم ينسخ فإن هذا لا ~~بدل له و لو قدر أنه سينسخ فإنه ما دام محكما لم يكن بدله خيرا منه و كذلك ~~البدل عن المنسوخ يكون خيرا منه و أكثر السلف أطلقوا لفظ ( @QB@ خير منها ~~@QE@ ( كما فى القرآن و لم يستشكل ذلك أحد منهم ms1628 و فى تفسير الوالبى خير لكم ~~فى المنفعة و أرفق بكم و عن قتادة ( @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ آية ~~فيها تخفيف فيها رخصة فيها أمر فيها نهي و هذان لم يستشكلا كونها خيرا من ~~الأولى بل بينا و جه الفضيلة كما تقدم من أن الكلام الأمري يتفاضل بحسب ~~المطلوب فإذا كان المطلوب أنفع للمامور كان طلبه أفضل كما أن رحمة الله ~~التى سبقت غضبه هي أفضل من غضبه فما قالاه تقرير للخيرية لا نفي لها # فإن قيل فآية الكرسي قد ثبت أنها أعظم آية فى كتاب الله و إنما نزلت فى ~~سورة البقرة و هي مدنية بالإتفاق فقد أخر نزولها و لم ينزل قبلها ما هو خير ~~منها و لا مثلها قيل عن هذا أجوبة PageV17P192 ( أحدها ( أن الل 4 ه قال ( ~~^ نأت بخير منها أو مثلها و لم يقل بآية خير منها بل يأتي بقرآن خير منها ~~أو مثلها و آية الكرسي و إن كانت أفضل الآيات فقد يكون مجموع آيات أفضل ~~منها و البقرة و إن كانت مدنية بالإتفاق و قد قيل إنها أول ما نزل بالمدينة ~~فلا ريب أن هذا فى بعض ما نزل و إلا فتحريم الربا إنما نزل متأخرا و قوله ( ~~^ و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ^ ( من آخر ما نزل و قوله ( ^ و أتموا ~~الحج و العمرة لله ^ ( نزلت عام الحديبية سنة ست بإتفاق العلماء و قد كانت ~~سورة الحشر قبل ذلك فإنها نزلت فى بني النضير بإتفاق الناس و قصة بني ~~النضير كانت متقدمة على الحديبية بل على الخندق بإتفاق الناس و إنما تأخر ~~عن الخندق أمر بني قريظة فهم الذين حاصرهم النبى صلى الله عليه و سلم عقب ~~الخندق و أما بنو النضيرفكان أجلاهم قبل ذلك بإتفاق العلماء و كذلك سورة ~~الحديد مدنية عند الجمهور و قد قيل إنها مكية و هو ضعيف لأن فيها ذكر ~~المنافقين و ذكر أهل الكتاب و هذا إنما نزل بالمدينة لكن يمكن أنها نزلت ~~قبل ms1629 كثير من البقرة # ففي الجملة نزول أول الحديد و آخر الحشر قبل آية الكرسي ممكن و الأنعام و ~~يس و غيرها نزل قبل آية الكرسي بالإتفاق PageV17P193 ( الجواب الثاني ( أنه ~~تعالى إنما و عد أنه إذا نسخ آية أو نسأها أتى بخير منها أو مثلها لما أنزل ~~هذه الآية # قوله ( ^ ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها ^ ( فإن هذه ~~الآية شرطية تضمنت و عده أنه لابد أن يأتى بذلك و هو الصادق الميعاد فما ~~نسخه بعد هذه الآية أو أنسأ نزوله مما يريد إنزاله يأت بخير منه أو مثله و ~~أما ما نسخه قبل هذه أو أنسأه فلم يكن قد و عد حينئذ أنه يأتى بخير منه أو ~~مثله و بهذا أيضا يندفع الجواب عن الفاتحة فإنه لا ريب أنه تأخر نزولها عن ~~سورة ( @QB@ اقرأ باسم ربك @QE@ ( و هي أفضل منها فعلم أنه قد يتأخر إنزال ~~الفاضل و أنه ليس كل ما تأخر نزوله نزل قبله مثله أو خير منه لكن إذا كان ~~الموعود به بعد الوعد لم يرد هذا السؤال # يدل على ذلك قوله ( @QB@ ما ننسخ @QE@ ( فإن هذا الفعل المضارع المجزوم ~~إنما يتناول المستقبل و جوازم الفعل ( إن ( و أخواتها و نواصبه تخلصه ~~للإستقبال # و قد يجاب بجواب ثالث و هو أن يقال ما نزل فى و قته كان خيرا لهم و إن ~~كان غيره خيرا لهم فى و قت آخر و حينئذ فيكون فضل بعضه على بعض على و جهين ~~لازم كفضل آية الكرسي و فاتحة الكتاب و قل هو الله أحد و فضل عارض بحيث ~~تكون هذه أفضل فى و قت و هذه أفضل فى و قت آخر كما قد يقال فى آية التخيير ~~للمقيم بين الصوم و الفطر مع الفدية و مع آية إيجاب الصوم عزما و هذا كما ~~أن PageV17P194 الأفعال المأمور بها كل منها في و قته أفضل فالصلاة إلى ~~القدس قبل النسخ كانت أفضل و بعد النسخ الصلاة إلى الكعبة أفضل ms1630 # و على ما ذكر فيتوجه الإحتجاج بهذه الآية على أنه لا ينسخ القرآن إلا ~~قرآن كما هو مذهب الشافعى و هو أشهر الروايتين عن الإمام أحمد بل هي ~~المنصوصة عنه صريحا أن لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده و عليها عامة ~~أصحابه و ذلك لأن الله قد و عد أنه لابد للمنسوخ من بدل مماثل أو خير و وعد ~~بأن ما أنسأه المؤمنين فهو كذلك و أن ما أخره فلم يأت و قت نزوله فهو كذلك ~~و هذا كله يدل على أنه لا يزال عند المؤمن القرآن الذي رفع أو آخر مثله أو ~~خير منه و لو نسخ بالسنة فإن لم يأت قرآن مثله أو خير منه فهو خلاف ما و عد ~~الله و إن قيل بل يأتى بعد نسخه بالسنة كان بين نسخه و بين الإتيان بالبدل ~~مدة خالية عن ذلك و هو خلاف مقصود الآية فإن مقصودها أنه لابد من المرفوع ~~أو مثله أو خير منه # و أيضا فقوله ( @QB@ نات @QE@ ( لم يرد به بعد مدة فإن الذي نسأه و هو ~~يريد إزالة قد علم أنه ينزله بعد مدة فلما أخبر أن ما أخره يأتى بمثله أو ~~خير منه قبل نزوله علم أنه لا يؤخر الأمر بلا بدل فلو جاز أن يبقى مدة بلا ~~بدل لكان ما لم ينزل أحق بأن لا يكون له بدل من المنسوخ فلما كان ذاك قد ~~حصل له بدل قبل و قت نزوله لتكميل الأنعام فلأن يكون البدل لما نسخ من ~~PageV17P195 حين نسخ بعد أولى و أحرى و لأنه قد علم أن القرآن نزل شيئا بعد ~~شيء فلو كان ما ينزله بدلا عن المنسوخ يؤخره لم يعرف أنه بدل و لم يتميز ~~البدل من غيره و لم يكن لقوله ( @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ( فائدة ~~إلا كالفائدة المعلومة لو لم ينسخ شيء # غاية ما يقال أنه لو لم ينسخ شيء لجاز أن لا ينزل بعد ذلك شيء و إذا نسخ ~~شيء فلابد من ms1631 بدله و لو بعد حين و هذا مما يعتقدونه فإنهم قد إعتادوا نزول ~~القرآن عند الحوادث و المسائل و الحاجة فما كانوا يظنونه إذا نسخت آية أن ~~لا ينزل بعدها شيء فإنها لو لم تنسخ لم يظنوا ذلك فكيف يظنون إذا نسخت ( ~~الثاني ( أنه إذا كان قد ضمن لهم الإتيان بالبدل عن المنسوخ علم أن مقصوده ~~أنه لا ينقصهم شيء مما أنزله بل لابد من مثل المرفوع أو خير منه و لو بقوا ~~مدة بلا بدل لنقصوا # و أيضا فإن هذا و عد معلق بشرط و الوعد المعلق بشرط يلزم عقبه فإنه من ~~جنس المعاوضة و ذلك مما يلزم فيه أداء العوض على الفور إذا قبض المعوض كما ~~إذا قال ما ألقيت من متاعك في البحر فعلي بدله و ليس هذا و عدا مطلقا كقوله ~~( @QB@ لتدخلن المسجد الحرام @QE@ ( و لهذا يفرق بين قوله و الله لأعطينك ~~مائة و بين قوله و الله لا آخذ منك شيئا إلا أعطيتك بدله فإن هذا و اجب على ~~الفور PageV17P196 و مما يدل على المسألة أن الصحابة و التابعين الذين أخذ ~~عنهم علم الناسخ و المنسوخ إنما يذكرون نسخ القرآن بقرآن لا يذكرون نسخه ~~بلا قرآن بل بسنة و هذه كتب الناسخ و المنسوخ المأخوذة عنهم إنما تتضمن هذا ~~و كذلك قول علي رضي الله عنه للقاص هل تعرف الناسخ من المنسوخ في القرآن ~~فلو كان ناسخ القرآن غير القرآن لوجب أن يذكر ذلك أيضا # وأيضا الذين جوزوا نسخ القرآن بلا قرآن من أهل الكلام و الرأي إنما ~~عمدتهم أنه ليس فى العقل ما يحيل ذلك و عدم المانع الذي يعلم بالعقل لا ~~يقتضي الجواز الشرعي فإن الشرع قد يعلم بخبره ما لا علم للعقل به و قد يعلم ~~من حكمة الشارع التى علمت بالشرع ما لا يعلم بمجرد العقل و لهذا كان الذين ~~جوزوا ذلك عقلا مختلفين فى و قوعه شرعا و إذا كان كذلك فهذا الخبر الذي فى ~~الآية دليل على إمتناعها شرعا ms1632 # وأيضا فإن الناسخ مهيمن على المنسوخ قاض عليه مقدم عليه فينبغي أن يكون ~~مثله أو خيرا منه كما أخبر بذلك القرآن و لهذا لما كان القرآن مهيمنا على ~~ما بين يديه من الكتاب بتصديق ما فيه من حق و إقرار ما أقره و نسخ ما نسخه ~~كان أفضل منه فلو كانت السنة ناسخة للكتاب لزم أن تكون مثله أو أفضل منه # PageV17P197 و أيضا فلا يعرف فى شيء من آيات القرآن أنه نسخه إلا قرآن و ~~الوصية للوالدين و الأقربين منسوخة بآية المواريث كما إتفق على ذلك السلف ~~قال تعالى ( ^ تلك حدود الله و من يطع الله و رسوله يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك الفوز العظيم و من يعص الله و رسوله و ~~يتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين ^ ( و الفرائض المقدرة من ~~حدوده و لهذا ذكر ذلك عقب ذكر الفرائض فمن أعطى صاحب الفرائض أكثر من فرضه ~~فقد تعدى حدود الله بأن نقص هذا حقه و زاد هذا على حقه فدل القرآن على ~~تحريم ذلك و هو الناسخ # $ فصل والناس في هذا المقام و هو مقام حكمة الأمر و النهي على ثلاثة ~~أصناف فالمعتزلة القدرية يقولون إن ما أمر به و نهي عنه كان حسنا و قبيحا ~~قبل الأمر و النهي و الأمر و النهي كاشف عن صفته التى كان عليها لا يكسبه ~~حسنا و لا قبحا و لا يجوز عندهم أن يأمر و ينهى لحكمة تنشأ من الأمر نفسه و ~~لهذا أنكروا جواز النسخ قبل التمكن من فعل العبادة كما فى قصة الذبيح و نسخ ~~الخمسين صلاة التى أمر بها ليلة المعراج إلى خمس و وافقهم على منع النسخ ~~قبل و قت العبادة PageV17P198 طائفة من أهل السنة المثبتين للقدر لظنهم أنه ~~لابد من حكمة تكون فى المأمور به و المنهى عنه فلا يجوز أن ينهى عن نفس ما ~~أمر به و هذا قياس من يقول إن النسخ تخصيص فى الزمان ms1633 فإن التخصيص لا يكون ~~برفع جميع مدلول اللفظ لكنهم تناقضوا # والجهمية الجبرية يقولون ليس للأمر حكمة تنشأ لا من نفس الأمر ولا من نفس ~~ولا من نفس المأمور به ولا يخلق الله شيئا لحكمه ولكن نفس المشيئة أوجبت ~~وقوع ما وقع وتخصيص أحد المتماثلين بلا مخصص وليست الحسنات سببا للثواب ولا ~~السيئات سببا للعقاب ولا لواحد منهما صفة صار بها حسنة وسيئة بل لا معنى ~~للحسنة إلا مجرد تعلق الامر بها ولا معنى للسيئة إلا مجرد تعلق النهي بها ~~فيجوز أن يأمر بكل أمر حتى الكفر والفسوق والعصيان ويجوز أن ينهى عن كل أمر ~~حتى عن الكفر والفسوق والعصيان ويجوز أن ينهى عن كل أمر حتى التوحيد والصدق ~~والعدل وهو لو فعل لكان كما لو أمر بالتوحيد والصدق والعدل ونهى عن الشرك ~~والكذب والظلم هكذا يقل بعضهم وبعضهم يقول يجوز الأمر بكل ملا ينافي معرفة ~~الأمر بخلاف ما ينافي معرفته وليس في الوجود عندهم سبب ولكن إذا اقترن أحد ~~الشيئان بالآخر خلقا أو شرعا صار علامة عليه فالأعمال مجرد علامات محضة لا ~~أسباب مقتضية # وقالوا أمر من لم يؤمن بالإيمان معناه أني أريد أن أعذبكم PageV17P199 ~~وعدم إيمانكم علامة على العذاب وكذلك أمره بالإيمان من علم أنه يؤمن معناه ~~إني أريد أن أثيبك والإيمان علامة وهؤلاء منهم من ينفى القياس في الشرع ~~والتعليل للأحكام ومن أثبت القياس منهم لم يجعل العلل إلا مجرد علامات ثم ~~إنه ثم إنه مع هذا قد علم أن الحكم في الأصل ثابت في النص و الإجماع وذلك ~~دليل عليه فأي الحاجة إلى العلة وكيف يتصور أن تكون العلة على الحكم في ~~الأصل وإنما تطلب علته بعد أن يعلم ثبوت الحكم وحينئذ فلا فائدة في العلامة ~~وأما الفرع فلا يكون علة له حتى يكون علة للأصل وهؤلاء منهم من ينكر العلل ~~المناسبة ويقول المناسبة ليست طريقا لمعرفة العلل وهم أكثر أصحاب هذا القول ~~ومن قال بالمناسبة من متأخريهم يقول يقول إنه قد اعتبر في الشرع المناسب ~~فيستدل ms1634 بمجرد الإقتران لا لأن فإن عندهم أنه ليس في خلقه ولا أمره لا كي ~~فجهم رأس الجبرية واتباعه في طرق والقدرية في الطرف الآخر # وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة الإسلام كالفقهاء المشهورين ~~وغيرهم ومن سلك سبيلهم من أهل الفقه والحديث والمتكلمين في أصول الدين ~~وأصول الفقه فيقرون بالقدر ويقرون بالشرع ويقرون بالحكمة لله في خلقه وأمره ~~لكن قد يعرف أحدهم لحكمه وقد لا يعرفها PageV17P200 ويقرون بما جعله من ~~الأسباب وما في خلقه وأمره من المصالح التي جعلها رحمة بعباده مع أنه خالق ~~كل شيء وربه ومليكه أفعال العباد وغير أفعال العباد وإنه ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن وأن كل ما وقع من خلقه وأمره فعدل وحكمه سواء عرف العبد وجهه ~~ذلك أو لم يعرفه والحكمة الناشئة من الأمر ثلاثة أنواع ( أحدها ( أن تكون ~~فى نفس الفعل و إن لم يؤمر به كما فى الصدق و العدل و نحوهما من المصالح ~~الحاصلة لمن فعل ذلك و إن لم يؤمر به و الله يأمر بالصلاح و ينهى عن الفساد # ( و النوع الثانى ( أن ما أمر به و نهى عنه صار متصفا بحسن إكتسبه من ~~الأمر و قبح إكتسبه من النهي كالخمر التى كانت لم تحرم ثم حرمت فصارت خبيثة ~~و الصلاة إلى الصخرة التى كانت حسنة فلما نهى عنها صارت قبيحة فأما ما أمر ~~به يحبه و يرضاه و ما نهى عنه يبغضه و يسخطه و هو إذا أحب عبدا و والاه ~~أعطاه من الصفات الحسنة ما يمتاز بها على من أبغضه و عاداه و كذلك المكان و ~~الزمان الذي يحبه و يعظمه كالكعبة و شهر رمضان يخصه بصفات يميزه بها على ما ~~سواه بحيث يحصل فى ذلك الزمان و المكان من رحمته PageV17P201 و إحسانه و ~~نعمته ما لا يحصل فى غيره # فإن قيل الخمر قبل التحريم وبعده سواء فتخصيصها بالخبث بعد التحريم ترجيح ~~بلا مرجح # قيل ليس كذلك بل إنما حرمها في الوقت الذي كانت الحكمة تقتضي ms1635 تحريمها ~~وليس معنى كون الشيء حسنا وسيئا مثل كونه أسود وأبيض بل هو من جنس كونه ~~نافعا وضارا وملائما ومنافرا وصديقا وعدوا ونحو هذا من الصفات القائمة ~~بالموصوف التي تتغير بتغير الأحوال فقد يكون الشيء نافعا في وقت ضارا في ~~وقت والشيء الضار قد يترك تحريمه إذا كانت مفسدة التحريم أرجح كما لو حرمت ~~الخمر فيأول الإسلام فإن النفوس كانت قد اعتادتها عادة شديدة ولم يكن حصل ~~عندهم من قوة الإيمان ما يقبلون ذلك التحريم ولا كان إيمانهم ودينهم تاما ~~حتى لم يبق فيه نقص إلا ما يحصل بشرب الخمر من صدها عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فلهذا وقع التدريج في تحريمها فأنزل الله أولا فيها ^ يسألون عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ^ ثم أنزل ~~فيها لما شربها طائفة وصلوا فغلط الإمام في القراءة آية النهي عن الصلاة ~~سكارى ثم أنزل الله آية التحريم PageV17P202 # والنوع الثالث أن تكون الحكمة ناشئة من نفس الأمر وليس في الفعل ألبتة ~~مصلحة لكن المقصود ابتلاء العبد هل يطيع أو يعصي فإذا اعتقد الوجوب وعزم ~~على الفعل حصل المقصود بالأمر فينسخ حينئذ كما جرى للخليل في قصة الذبح ~~فإنه لم يكن الذبح مصلحة ولا كان هو مطلوب الرب في نفس الأمر بل كان مراد ~~الرب ابتلاء إبراهيم ليقدم طاعة ربه ومحبته على محبة الولد ولا يبقى في ~~قلبه التفات إلى غير الله فإنه كان يحب الولد محبة شديدة وكان قد سأل الله ~~أن يهبه إياه وهو خليل الله فأراد تعالى تكميل خلته لله بأن لا يبقى في ~~قلبه ما يزاحم به محبة ربه ( ^ فلما أسلما و تله للجبين و ناديناه أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين ^ ~~( و مثل هذا الحديث الذي في صحيح البخاري حديث أبرص و أقرع و أعمى كان ~~المقصود إبتلاءهم لا نفس الفعل و هذا الوجه و الذي قبله مما خفى على ~~المعتزلة فلم يعرفوا و ms1636 جه الحكمة الناشئة من الأمر و لا من المأمور لتعلق ~~الأمر به بل لم يعرفوا إلا الأول و الذين أنكروا الحكمة عندهم الجميع سواء ~~لا يعتبرون حكمة و لا تخصيص فعل بأمر و لا غير ذلك كما قد عرف من أصلهم # ثم إن كثيرا من هؤلاء و هؤلاء يتكلمون فى تفسير القرآن و الحديث و الفقه ~~فيبنون على تلك الأصول التى لهم و لا يعرف حقائق أقوالهم PageV17P203 إلا ~~من عرف مأخذهم فقول القائل إن ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( و فاتحة الكتاب ~~قد تكون كل و احدة منهما فى نفسها مماثلة لسائر السور و آية الكرسي مماثلة ~~لسائر الآيات و إنما خصت بكثرة ثواب قارئها أو لم تتعين الفاتحة في الصلاة ~~و نحو ذلك إلا لمحض المشيئة من غير أن يكون فيها صفة تقتضي التخصيص هو مبنى ~~على أصول جهم فى الخلق و الأمر و إن كان و افقه عليه أبو الحسن و غيره و ~~كتب السنة المعروفة التى فيها آثار السلف يذكر فيها هذا و هذا و يجعل هذا ~~القول قول الجبرية المتبعين لجهم في أقوال القدرية الجبرية المبتدعة و ~~السلف كانوا ينكرون قول الجبرية الجهمية كما ينكرون قول المعتزلة القدرية و ~~هذا معروف عن سفيان الثوري و الأوزاعى و الزبيدي و عبدالرحمن بن مهدي و ~~أحمد بن حنبل و غيرهم و قد ذكر ذلك غير و أحد من أتباع الأئمة من الحنفية و ~~المالكية و الشافعية و الحنبلية و سائر أهل السنة فى كتبهم كما قد بسط في ~~مواضعه و ذكرت أقوال السلف و الأئمة في ذلك # و إنما نبهنا هنا على الأصل لأن كثيرا من الناس لا يعرف ذلك و لا يظن قول ~~أهل السنة فى القدر إلا القول الذي هو عند أهل السنة قول جهم و أتباعه ~~المجبرة أو ما يشبه ذلك كما أن منهم من يظن أن قول أهل السنة في مسائل ~~الأسماء و الأحكام و الوعد و الوعيد هو أيضا القول المعروف عند أهل السنة ms1637 ~~بقول جهم و هذا يعرفه من يعرف PageV17P204 أقوال الصحابة و التابعين و أئمة ~~الإسلام المشهورين في هذه الأصول و ذلك موجود فى الكتب المصنفة التى فيها ~~أقوال جمهور الأئمة التى يذكر فيها أقوالهم فى الفقه كثيرا و العلماء ~~الأكابر من أتباع الأئمة الأربعة على مذهب السلف فى ذلك و كثير من الكتب ~~المصنفة التى يذكر فيها أقوال السلف على و جه الإتباع من تصنيف أصحاب مالك ~~و الشافعي و أبى حنيفة و أحمد بن حنبل و غيرهم يذكرون ذلك فيها # و ينبغي للعاقل أن يعرف أن مثل هذه المسائل العظيمة التى هي من أعظم ~~مسائل الدين لم يكن السلف جاهلين بها و لا معرضين عنها بل من لم يعرف ما ~~قالوه فهو الجاهل بالحق فيها و بأقوال السلف و بما دل عليه الكتاب و السنة ~~و الصواب فى جميع مسائل النزاع ما كان عليه السلف من الصحابة و التابعين ~~لهم بإحسان و قولهم هو الذي يدل عليه الكتاب و السنة و العقل الصريح و قد ~~بسط هذا فى مواضع كثيرة و الله سبحانه أعلم # | وسئل شيخ الإسلام # PageV17P205 ومفتى الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن ~~عبدالسلام بن تيمية رضي الله عنه عن فتيا صورتها # ما تقول السادة العلماء فى تفسير قول النبى صلى الله عليه و سلم فى سورة ~~الإخلاص ( إنها تعدل ثلث القرآن ( فكيف ذلك مع قلة حروفها و كثرة حروف ~~القرآن بينوا لنا ذلك بيانا مبسوطا شافيا و أفتونا مأجورين إن شاء الله ~~تعالى # فأجاب رضي الله عنه بما صورته # الحمد لله الأحاديث المأثورة عن النبى صلى الله عليه و سلم فى فضل ( @QB@ ~~قل هو الله أحد @QE@ ( و أنها تعدل ثلث القرآن من أصح الأحاديث و أشهرها ~~حتى قال طائفة من الحفاظ كالدارقطنى لم يصح عن النبى صلى الله عليه و سلم ~~فى فضل سورة من القرآن أكثر مما صح عنه فى فضل ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ~~( و جاءت الأحاديث بالألفاظ كقوله ( قل هو الله أحد ms1638 تعدل ثلث القرآن ( و ~~قوله ( من قرأ قل هو الله PageV17P206 أحد مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن و من ~~قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن و من قرأها ثلاثا فكأنما قرأ القرآن ~~كله ( و قوله للناس ( إحتشدوا حتى أقرأ عليكم ثلث القرآن فحشدوا حتى قرأ ~~عليهم ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ) قال و الذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث ~~القرآن # وأما توجيه ذلك فقد قالت طائفة من أهل العلم أن القرآن بإعتبار معانيه ~~ثلاثة أثلاث ثلث توحيد و ثلث قصص و ثلث أمر و نهي و ( @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ ( هي صفة الرحمن و نسبه و هي متضمنة ثلث القرآن و ذلك لأن القرآن كلام ~~الله تعالى و الكلام إما إنشاء و إما إخبار فالإنشاء هو الأمر و النهي و ما ~~يتبع ذلك كالإباحة و نحوها و هو الإحكام و الإخبار إما إخبارعن الخالق و ~~إما إخبار عن المخلوق فالإخبار عن الخالق هو التوحيد و ما يتضمنه من أسماء ~~الله و صفاته و الإخبار عن المخلوق هو القصص و هو الخبر عما كان و عما يكون ~~و يدخل فيه الخبر عن الأنبياء و أممهم و من كذبهم و الإخبار عن الجنة و ~~النار و الثواب و العقاب قالوا فبهذا الإعتبار تكون ( @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ ( تعدل ثلث القرآن لما فيها من التوحيد الذي هو ثلث معانى القرآن # بقي أن يقال فإذا كانت تعدل ثلث القرآن مع قلة حروفها كان PageV17P207 ~~للرجل أن يكتفي بها عن سائر القرآن فيقال فى جواب ذلك إن النبى صلى الله ~~عليه و سلم قال ( إنها تعدل ثلث القرآن ( و عدل الشيء بالفتح يقال على ما ~~ليس من جنسه كما قال تعالى ( أو عدل ذلك صياما ( فجعل الصيام عدل كفارة و ~~هما جنسان و لاريب أن الثواب أنواع مختلفة فى الجنة فإن كل ما ينتفع به ~~العبد و يلتذ به من مأكول و مشروب و منكوح و مشموم هو من الثواب و أعلاه ~~النظر إلى و جه الله تعالى ms1639 و إذا كانت أحوال الدنيا لإختلاف منافعها يحتاج ~~إليها كلها و إن كان بعضها يعدل ما هو أكبر منه فى الصورة كما أن الف دينار ~~تعدل من الفضة و الطعام و الثياب و غير ذلك ما هو أكبر منها ثم من ملك ~~الذهب فقد ملك ما يعدل مقدار ألف دينار من ذلك و إن كان لا يستغني بذلك عن ~~سائر أنواع المال التى ينتفع بها لأن المساواة و قعت في القدرلا فى النوع و ~~الصفة فكذلك ثواب ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ) و إن كان يعدل ثواب ثلث ~~القرأن فى القدر فلا يجب أن يكون مثله في النوع و الصفة و أما سائر القرآن ~~ففيه من الأمر و النهي و الوعد و الوعيد ما يحتاج إليه العباد فلهذا كان ~~الناس محتاجين لسائر القرآن و منتفعين به منفعة لا تغني عنها هذه السورة و ~~إن كانت تعدل ثلث القرآن # فهذه المسالة مبنية على أصل و هو أن القرآن هل يتفاضل في PageV17P208 ~~نفسه فيكون بعضه أفضل من بعض و هذا فيه للمتأخرين قولان مشهوران منهم من ~~قال لا يتفاضل فى نفسه لأنه كله كلام الله و كلام الله صفة له قالوا و صفة ~~الله لا تتفاضل لا سيما مع القول بأنه قديم فإن القديم لا يتفاضل كذلك قال ~~هؤلاء فى قوله تعالى ( @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها @QE@ قالوا فخير إنما يعود إلى غير الآية مثل نفع العباد و ثوابهم ~~والقول الثاني أن بعض القرآن أفضل من بعض و هذا قول الأكثرين من الخلف و ~~السلف فإن النبى صلى الله عليه و سلم قال فى الحديث الصحيح في الفاتحة أنه ~~لم ينزل فى التوراة و لا في الإنجيل و لا الزبور و لا القرآن مثلها ( فنفى ~~أن يكون لها مثل فكيف يجوز أن يقال إنه متماثل و قد ثبت عنه فى الصحيح أنه ~~قال لأبي بن كعب ( يا أبا المنذر أتدري أي آية فى كتاب الله أعظم قال ms1640 ( ~~@QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ ( فضرب بيده فى صدره و قال له ~~لينهك العلم أبا المنذر ( فقد بين أن هذه الآية أعظم آية فى القرآن و هذا ~~بين أن بعض الآيات أعظم من بعض # و أيضا فإن القرآن كلام الله و الكلام يشرف بالمتكلم به سواء كان خبرا أو ~~أمرا فالخبر يشرف بشرف المخبر و بشرف المخبر عنه و الأمر يشرف بشرف الآمر و ~~بشرف المأمور به فالقرآن و إن كان PageV17P209 كله مشتركا فإن الله تكلم به ~~لكن منه ما أخبر الله به عن نفسه و منه ما أخبر به عن خلقه و فيه ما أمرهم ~~به فمنه ما أمرهم فيه بالإيمان و نهاهم فيه عن الشرك و منه ما أمرهم به ~~بكتابة الدين و نهاهم فيه عن الربا # و معلوم أن ما أخبر به عن نفسه ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( أعظم مما ~~أخبر به عن خلقه ( @QB@ تبت يدا أبي لهب @QE@ ( و ما أمر فيه بالإيمان و ~~مات نهى فيه عن الشرك أعظم مما أمر فيه بكتابة الدين و نهي فيه عن الربا و ~~لهذا كان كلام العبد مشتركا بالنسبة إلى العبد و هو كلام لمتكلم و أحد ثم ~~إنه يتفاضل بحسب المتكلم فيه فكلام العبد الذي يذكر به ربه و يأمر فيه ~~بالمعروف و ينهى فيه عن المنكر أفضل من كلامه الذي يذكر فيه خلقه و يأمر ~~فيه بمباح أو محظور و إنما غلط من قال بالأول لأنه نظر إلى إحدى جهتى ~~الكلام و هى جهة المتكلم به و أعرض عن الجهة الأخرى و هي جهة المتكلم فيه و ~~كلاهما للكلام به تعلق يحصل به التفاضل و التماثل # قالوا و ما أعاد التفاضل إلى مجرد كثرة الثواب أو قلته من غير أن يكون ~~الكلام فى نفسه أفضل كان بمنزلة من جعل عملين متساويين و ثواب أحدهما أضعاف ~~ثواب الآخر مع أن العملين فى أنفسهما لم يختص أحدهما بمزية بل كدرهم و درهم ~~تصدق بهما رجل و أحد ms1641 فى و قت و أحد و مكان PageV17P210 و أحد على إثنين ~~متساويين فى الإستحقاق و نيته بهما و احدة و لم يتميز أحدهما على الآخر ~~بفضيلة فكيف يكون ثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر بل تفاضل الثواب و العقاب ~~دليل على تفاضل الأعمال فى الخير و الشر و هذا الكلام متصل بالكلام فى ~~إشتمال الأعمال على صفات بها كانت صالحة حسنة و بها كانت فاسدة قبيحة و قد ~~بسط هذا فى غير هذا الموضع # و قول من قال صفات الله لا تتفاضل و نحو ذلك قول لا دليل عليه بل هو مورد ~~النزاع و من الذي جعل صفته التى هي الرحمة لا تفضل على صفته التى هي الغضب ~~و قد ثبت عن النبى صلى الله عليه و سلم ( إن الله كتب في كتاب موضوع عنده ~~فوق العرش إن رحمتى تغلب غضبى و فى رواية تسبق غضبى ( و صفة الموصوف من ~~العلم و الإرادة و القدرة و الكلام و الرضا و الغضب و غير ذلك من الصفات ~~تتفاضل من و جهين # ( أحدهما ( أن بعض الصفات أفضل من بعض و أدخل في كل الموصوف بها فإنا ~~نعلم أن إتصاف العبد بالعلم و القدرة و الرحمة أفضل من إتصافه بضد ذلك لكن ~~الله تعالى لا يوصف بضد ذلك و لا يوصف إلا بصفات الكمال و له الأسماء ~~الحسنى يدعى بها فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى و أسماؤه متضمنة لصفاته و بعض ~~أسمائه أفضل من بعض PageV17P211 و أدخل في كمال الموصوف بها و لهذا في ~~الدعاء المأثور ( أسألك بإسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر ( و ( لقد دعا ~~الله بإسمه العظيم الذي إذا دعى به أجاب و إذا سئل به أعطى ( و أمثال ذلك ~~فتفاضل الأسماء و الصفات من الأمور البينات # ( و الثانى ( أن الصفة الواحدة قد تتفاضل فالأمر بمأمور يكون أكمل من ~~الأمر بمأمور آخر و الرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم و الرحمة لهم ~~أكمل من الرحمة لغيرهم و تكليم الله لبعض عباده ms1642 أكمل من تكليمه لبعض و كذلك ~~سائر هذا الباب و كما أن أسماءه و صفاته متنوعة فهي أيضا متفاضلة كما دل ~~على ذلك الكتاب و السنة و الإجماع مع العقل و إنما شبهة من منع تفاضلها من ~~جنس شبهة من منع تعددها و ذلك يرجع إلى نفي الصفات كما يقوله الجهمية لما ~~إدعوه من التركيب و قد بينا فساد هذا مبسوطا فى موضعه # PageV17P212 $ و سئل عمن يقرأ القرآن هل يقرأ ( سورة الإخلاص ( مرة أو ~~ثلاثا و ما السنة في ذلك # فأجاب إذا قرأ القرآن كله ينبغي أن يقرأها كما فى المصحف مرة و احدة هكذا ~~قال العلماء لئلا يزاد ما في المصحف و أما إذا قرأها و حدها أو مع بعض ~~القرآن فإنه إذا قرأها ثلاث مرات عدلت القرآن و الله أعلم # PageV17P213 # و قال شيخ الإسلام قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ~~و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من ~~يهده الله لا مضل له و من يضلل فلا هادى له و نشهد أن لا إله إلا الله و ~~حده لاشريك له و نشهد أن محمدا عبده و رسوله صلى الله تعالى عليه و سلم ~~تسليما $ فصل في تفسير ( ^ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد و لم يولد و ~~لم يكن له كفوا أحد ^ ( # و الإسم ( الصمد ( فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة و ليست ~~كذلك بل كلها صواب و المشهور منها قولان ( أحدهما ( أن الصمد هو الذي لا ~~جوف له ( الثاني ( أنه السيد الذي يصمد إليه فى الحوائج و الأول هو قول ~~PageV17P214 أكثر السلف من الصحابة و التابعين و طائفة من أهل اللغة ~~والثاني قول طائفة من السلف و الخلف و جمهور اللغويين و الآثار المنقولة عن ~~السلف بأسانيدها فى كتب التفسير المسندة و فى كتب السنة و غير ذلك و قد ~~كتبنا من الآثار في ذلك شيئا كثيرا بإسناده فيما تقدم # و تفسير ms1643 ( الصمد ( بأنه الذي لا جوف له معروف عن إبن مسعود موقوفا و ~~مرفوعا و عن إبن عباس و الحسن البصري و مجاهد و سعيد بن جبير و عكرمة و ~~الضحاك و السدي و قتادة و بمعنى ذلك قال سعيد بن المسيب قال هو الذي لا حشو ~~له و كذلك قال إبن مسعود هو الذي ليست له أحشاء و كذلك قال الشعبى هو الذي ~~لا يأكل و لا يشرب و عن محمد بن كعب القرظي و عكرمة هو الذي لا يخرج منه ~~شيء و عن ميسرة قال هو المصمت قال إبن قتيبة كأن الدال فى هذا التفسير ~~مبدلة من تاء و الصمت من هذا # قلت لا إبدال في هذا و لكن هذا من جهة الإشتقاق الأكبر و سنبين إن شاء ~~الله و جه القول من جهة الإشتقاق و اللغة # و في الحديث المأثور في سبب نزول الآية رواه الإمام أحمد فى المسند و ~~غيره من حديث أبى سعد الصغانى حدثنا أبو جعفرالرازي # PageV17P215 # عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبى بن كعب ( أن المشركين قالوا ~~لرسول الله صلى الله عليه و سلم إنسب لنا ربك فأنزل الله ( @QB@ قل هو الله ~~أحد الله الصمد @QE@ ( إلى آخر السورة قال الصمد الذي لم يلد و لم يولد ~~لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت و ليس شيء يموت إلا سيورث و أن الله لا يموت و ~~لا يورث ( # و أما تفسيره بأنه السيد الذي يصمد إليه فى الحوائج فهو أيضا مروى عن إبن ~~عباس موقوفا و مرفوعا فهو من تفسير الوالبى عن إبن عباس قال ( الصمد ( ~~السيد الذي كمل فى سؤدده و هذا مشهور عن أبى و ائل شقيق بن سلمة قال هو ~~السيد الذي إنتهى سؤدده و عن أبى إسحاق الكوفى عن عكرمة الصمد الذي ليس ~~فوقه أحد و يروى هذا عن علي و عن كعب الأحبار الذي لا يكافئه من خلقه أحد و ~~عن السدي أيضا هو المقصود إليه في الرغائب و ms1644 المستغاث به عند المصائب و عن ~~أبى هريرة رضي الله عنه هو المستغنى عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد و عن ~~سعيد بن جبير أيضا الكامل فى جميع صفاته و أفعاله و عن الربيع الذي لا ~~تعتريه الآفات و عن مقاتل بن حيان الذي لا عيب فيه و عن إبن كيسان هو الذي ~~لا يوصف بصفته أحد قال أبو بكر الأنبارى لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد ~~السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس فى حوائجهم و أمورهم ~~PageV17P216 و قال الزجاج هو الذي ينتهى إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء أي ~~قصد قصده و قد أنشدوا فى هذا بيتين مشهورين أحدهما # % ألا بكر الناعى بخيرى بني أسد % بعمرو بن مسعود و بالسيد الصمد % $ # وقال الآخر % # علوته بحسامي ثم قلت له % خذها حذيف فأنت السيد الصمد % $ # وقال بعض أهل اللغة الصمد هو السيد المقصود فى الحوائج تقول العرب صمدت ~~فلانا أصمده بكسر الميم و أصمده بضم الميم صمدا بسكون الميم إذا قصدته و ~~المصمود صمد كالقبض بمعنى المقبوض و النقض بمعنى المنقوض و يقال بيت مصمود ~~و مصمد إذا قصده الناس فى حوائجهم قال طرفة # و % أن يلتق الحي الجميع تلاقني % إلى ذروة البيت الرفيع المصمد % $ وقال ~~الجوهري صمده يصمده صمدا إذا قصده و الصمد بالتحريك السيد لأنه يصمد إليه ~~في الحوائج و يقال بيت مصمد بالتشديد أي مقصود # PageV17P217 وقال الخطابى أصح الوجوه أنه السيد الذى يصمد اليه فى ~~الجوائح لان الاشتقاق يشهد له فان أصل الصمد القصد يقال اصمد صمد فلان أى ~~أقصد قصده فالصمد السيد الذى يصمد اليه فى الامور ويقصد فى الجوائح وقال ~~قتادة الصمد الباقى بعد خلقه وقال مجاهد ومعمر هو الدائم وقد جعل الخطابى ~~وأبو الفرج بن الجوزى الاقوال فيه أربعة هذين واللذين تقدما وسنبين ان شاء ~~الله أن بقاءه ودوامه من تمام الصمدية وعن مرة الهمدانى هو الذى لا يبلى ~~ولا يفنى وعنه أيضا قال هو الذى يحكم ما يريد ms1645 ويفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ~~ولا راد لقضائه # و قال إبن عطاء هو المتعالي عن الكون و الفساد و عنه أيضا قال الصمد الذي ~~لم يتبين عليه أثر فيما أظهر يريد قوله ( ^ و ما مسنا من لغوب ^ ( و قال ~~الحسين بن الفضل هو الأزلي بلا إبتداء و قال محمد بن علي الحكيم الترمذي هو ~~الأول بلا عدد و الباقى بلا أمد و القائم بلا عمد و قال أيضا الصمد الذي لا ~~تدركه الأبصار و لا تحويه الأفكارولا تبلغه الأقطار و كل شيء عنده بمقدار و ~~قيل هو الذي جل عن شبه المصورين و قيل هو بمعنى نفى التجزي و التأليف عن ~~ذاته و هذا قول كثير من أهل الكلام و قيل هو الذي أيست العقول من الإطلاع ~~على كيفيته و كذلك قيل هو الذي لا تدرك حقيقة نعوته PageV17P218 و صفاته ~~فلا يتسع له اللسان و لا يشير إليه البنان و قيل هو الذي لم يعط خلقه من ~~معرفته إلا الإسم و الصفة و عن الجنيد قال الذي لم يجعل لأعدائه سبيلا إلى ~~معرفته # ونحن نذكر ما حضرنا من ألفاظ السلف بأسانيدها فروى إبن أبي حاتم فى ~~تفسيره قال ( ثنا أبى ثنا محمد بن موسى بن نفيع الجرشي ثنا عبدالله بن عيسى ~~يعنى أبا خلف الخزاز ثنا داود بن أبى هند عن عكرمة عن إبن عباس قى قوله ( ~~الصمد ( قال الصمد الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء # حدثنا أبو زرعة ثنا محمد بن ثعلبة بن سواء السدوسي ثنا محمد بن سواء ثنا ~~سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم قال الصمد الذي يصمد العباد إليه ~~فى حوائجهم حدثنا أبي ثنا عبدالرحمن بن الضحاك ثنا سويد بن عبدالعزيز ثنا ~~سفيان بن حسين عن الحسن قال الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له حدثنا أبى ~~ثنا نصر بن علي ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال الصمد ~~الباقى بعد خلقه و هو ms1646 قول قتادة حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا إبن نمير عن ~~الأعمش عن شقيق فى قوله ( @QB@ الصمد @QE@ ( قال السيد الذي قد إنتهى سؤدده ~~PageV17P219 حدثنا أبي ثنا أبو صالح ثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ~~عن إبن عباس فى قوله ( @QB@ الصمد @QE@ ( قال السيد الذي قد كمل فى سؤدده و ~~الشريف الذي قد كمل فى شرفه و العظيم الذي قد كمل في عظمته و الحليم الذي ~~قد كمل في حلمه و العليم الذي قد كمل فى علمه و الحكيم الذي قد كمل فى ~~حكمته و هو الذي قد كمل فى أنواع الشرف و السؤدد هو الله سبحانه و تعالى ~~هذه صفته لا تنبغي لأحد إلا له ليس له كفؤ و ليس كمثله شيء سبحان الله ~~الواحد القهار # حدثنا كثير بن شهاب المذحجي القزوينى ثنا محمد بن سعيد بن سابق ثنا أبو ~~جعفر الرازي عن الربيع بن أنس فى قوله ( @QB@ الصمد @QE@ ( قال الذي لم يلد ~~و لم يولد حدثنا أبو سعيد الاشج ثنا إبن علية عن أبى رجاء عن عكرمة فى قوله ~~( @QB@ الصمد @QE@ ( قال الذي لم يخرج منه شيء حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا ~~أبو أحمد ثنا مندل بن علي عن أبى روق عطية بن الحارث عن أبى عبدالرحمن ~~السلمى عن عبدالله بن مسعود قال ( @QB@ الصمد @QE@ ( الذي ليس له أحشاء و ~~روى عن سعيد بن المسيب # مثله حدثنا أبى ثنا محمد بن عمر بن عبدالله الرومي ثنا عبيدالله بن سعيد ~~قائد الأعمش عن صالح بن حيان عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال لا أعلمه إلا ~~قد رفعه قال ( الصمد ( الذي لا جوف PageV17P220 له و روى عن عبدالله بن ~~عباس و عبدالله بن مسعود فى إحدي الروايات و الحسن و عكرمة و عطية و سعيد ~~بن جبير و مجاهد فى إحدي الروايات و الضحاك مثل ذلك حدثنا أبى ثنا قبيصة ~~ثنا سفيان عن منصور عن مجاهد قال الصمد المصمت الذي لا جوف له # حدثنا أبو عبدالله الطهرانى ثنا حفص بن عمر ms1647 العدنى ثنا الحكم بن أبان عن ~~عكرمة فى قوله ( @QB@ الصمد @QE@ ( قال ( @QB@ الصمد @QE@ ( الذي لا يطعم ~~حدثنا أبى ثنا على بن هاشم بن مرزوق ثنا هشيم عن إسماعيل بن أبى خالد عن ~~الشعبى أنه قال ( الصمد ( الذي لا يأكل الطعام و لا يشرب الشراب حدثنا أبي ~~و أبو زرعة قالا ثنا أحمد بن منيع ثنا محمد بن ميسر يعنى أبا سعد الصغانى ~~ثنا أبو جعفر الرازى عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى بن كعب فى ~~قوله ( @QB@ الصمد @QE@ ( قال ( @QB@ الصمد @QE@ ( الذي لم يلد و لم يولد ~~لأنه ليس شيء يلد إلا يموت و ليس شيء يموت إلا يورث و إن الله لا يموت و لا ~~يورث ( و لم يكن له كفوا أحد ( قال لم يكن له شبه و لا عدل و ليس كمثله شيء # حدثنا علي بن الحسين ثنا محمود بن خداش ثنا أبو سعد الصغانى ثنا أبو جعفر ~~الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ( أن المشركين قالوا ~~إنسب لنا ربك فأنزل الله PageV17P221 هذه السورة ( حدثنا أبو زرعة ثنا ~~العباس بن بن الوليد ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة ( ^ و لم يكن له ~~كفوا أحد ^ ( قال أن الله لا يكافئه من خلقه أحد حدثنا علي بن الحسين ثنا ~~أبو عبدالله الجرشي ثنا أبو خلف عبدالله بن عيسى ثنا داود بن أبى هند عن ~~عكرمة عن إبن عباس قال ( إن اليهود جاءت إلى النبى صلى الله عليه و سلم ~~منهم كعب بن الأشرف و حيي بن أخطب و جدي بن أخطب فقالوا يا محمد صف لنا ربك ~~الذي بعثك فأنزل الله ( @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد @QE@ ( ~~فيخرج منه الولد ( و لم يولد ( فيخرج منه شيء ( # و قال إبن جرير الطبري فى تفسيره حدثنا أحمد بن منيع المروزي و محمود بن ~~خداش الطالقاني فذكر مثل إسناد إبن أبي حاتم عن أبي بن كعب سؤال المشركين ~~للنبى صلى الله عليه و ms1648 سلم إنسب لنا ربك فأنزل الله ( ^ قل هوالله أحد ^ ( ~~حدثنا إبن حميد ثنا يحيى بن و اضح ثنا الحسين عن يزيد عن عكرمة أن المشركين ~~قالوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم أخبرنا عن صفة ربك ما هو و من أي شيء ~~هو فأنزل الله هذه السورة و رواه أيضا عن أبي العالية و عن جابر بن عبدالله ~~حدثنا شريح ثنا اسماعيل بن مجاهد عن الشعبي عن جابر فذكره قال و قيل هومن ~~سؤال اليهود # حدثنا إبن حميد ثنا سلمة ثنا إبن إسحاق عن محمد بن سعيد PageV17P222 قال ~~( أتى رهط من اليهود إلى النبى صلى الله عليه و سلم فقالوا يا محمد هذا ~~الله خلق الخلق فمن خلقه فغضب النبى صلى الله عليه و سلم حتى إنتقع لونه ثم ~~ساورهم غضبا لربه فجاءه جبريل فسكنه و قال أخفض عليك جناحك يا محمد و جاءه ~~من الله جواب ما سألوه عنه قال يقول الله ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( إلى ~~آخرها فلما تلاها عليهم النبى صلى الله عليه و سلم قالوا له صف لنا ربك كيف ~~خلقه كيف عضده كيف ساعده و كيف ذراعه فغضب النبى صلى الله عليه و سلم أشد ~~من غضبه الأول و ساورهم فأتاه جبريل فقال له مثل مقالته الأولى و أتاه ~~بجواب ما سألوه فأنزل الله ( ^ و ما قدروا الله حق قدره ^ ( # و روى الحكم بن معبد في ( كتاب الرد على الجهمية ( قال ثنا عبدالله بن ~~محمد بن النعمان ثنا سلمة بن شبيب ثني يحيى بن عبدالله ثني ضرار عن أبان عن ~~أنس قال ( أتت يهود خيبر إلى النبى صلى الله عليه و سلم فقالوا يا أبا ~~القاسم خلق الله الملائكة من نور الحجاب و آدم من حمأ مسنون و إبليس من لهب ~~النار و السماء من دخان و الأرض من زبد الماء فأخبر عن ربك قال فلم يجيبهم ~~االنبى صلى الله عليه و سلم فأتاه جبريل فقال يامحمد ( ^ قل هو الله أحد ~~الله الصمد لم ms1649 يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد ^ ( ليس له عروق شعب ~~إليها ( @QB@ الصمد @QE@ ( ليس بأجوف و لا يأكل PageV17P223 و لا يشرب ( لم ~~يلد و لم يولد ( ليس له و لد و لا و الد ينسب إليه ( و لم يكن له كفوا أحد ~~( ليس شيء من خلقه يعدل مكانه يمسك السموات و الأرض أن تزولا ( الحديث # وقال إبن جرير ثنا عبدالرحمن بن الأسود ثنا محمد بن ربيعة عن سلمة بن ~~سابور عن عطية عن إبن عباس قال ( @QB@ الصمد @QE@ ( الذي ليس بأجوف حدثنا ~~إبن بشار ثنا عبدالرحمن ثنا سفيان عن منصور عن مجاهد ( @QB@ الصمد @QE@ ( ~~المصمت الذي لا جوف له حدثنا أبو كريب ثنا و كيع عن سفيان عن منصور مثله ~~سواء # حدثنا الحارث ثنا الحسن ثنا و رقاء عن إبن أبي نجيح عن مجاهد مثله حدثنا ~~إبن بشار ثنا عبدالرحمن ثنا الربيع بن مسلم عن الحسن قال ( @QB@ الصمد @QE@ ~~( الذي لا جوف له و بهذا الإسناد عن إبراهيم بن ميسرة قال أرسلنى مجاهد إلى ~~سعيد بن جبير أسأله عن ( الصمد ( فقال الذي لا جوف له حدثنا إبن بشار ثنا ~~يحيى ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبى قال ( الصمد ( الذي لا يطعم الطعام ~~و رواه يعقوب عن هشيم عن إسماعيل عنه قال لا يأكل الطعام و لا يشرب الشراب # حدثنا إبن بشار و زيد بن أخزم قالا ثنا إبن داود عن المستقيم بن عبدالملك ~~عن سعيد بن المسيب قال ( @QB@ الصمد @QE@ ( الذي لا حشو PageV17P224 له ~~حدثنا الحسين ثنا أبو معاذ ثنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول ( @QB@ الصمد ~~@QE@ ( الذي لا جوف له و روى عن إبن بريدة فيه حديثا مرفوعا لكنه ضعيف قال ~~و قال آخرون هو الذي لا يخرج منه شيء حدثنا يعقوب بن أبي علية عن أبى رجاء ~~سمعت عكرمة قال فى قوله ( @QB@ الصمد @QE@ ( لم يخرج منه شيء لم يلد و لم ~~يولد حدثنا إبن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي رجاء محمد بن يوسف ~~عن عكرمة ms1650 قال ( @QB@ الصمد @QE@ ) الذي لا يخرج منه شيء # و قال آخرون لم يلد و لم يولد و ذكر الحديث أبي كعب الذي رواه إبن أبى ~~حاتم و الذي فيه أنه سبحانه لا يموت و لا يورث قال و قال آخرون هو السيد ~~الذي إنتهي فى سؤدده قال و ثنا أبو السائب ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ~~شقيق قال ( @QB@ الصمد @QE@ ( هو السيد الذي إنتهى فى سؤدده حدثنا أبو كريب ~~و إبن بشار و إبن عبدالأعلى قالوا ثنا و كيع عن الأعمش عن أبي و ائل قال ( ~~@QB@ الصمد @QE@ ( السيد الذي إنتهى فى سؤدده حدثنا إبن حميد ثنا مهران عن ~~سفيان عن الأعمش عن أبي و ائل مثله حدثنا أبو صالح ثنا معاوية عن علي عن ~~إبن عباس فى قوله ( @QB@ الصمد @QE@ ( قال السيد الذي قد كمل في سؤدده و ~~ذكر مثل الحديث الذي رواه إبن أبي حاتم كما PageV17P225 تقدم قلت الاشتقاق ~~يشهد للقولين جمعا قول من قال ان ( الصمد ) الذى لا جوف له وقول من قال انه ~~السيد وهو على الاول ادل فان الاول اصل للثانى ولفظ الصمد يقال على ما لا ~~جوف له فى اللغة قال يحيى بن ابى كثير الملائكة صمد والادميون جوف وفى حديث ~~آدم ان ابليس قال عنه انه اجوف ليس بصمد وقال الجوهرى المصمد لغة فى المصمت ~~وهو الذى لا جوف له قال والصماد عفاص القارورة وقال الصمد المكان المرتفع ~~الغليظ قال أبو النجم # يغادر الصمد كظهر الاجزل # وأصل هذه المادة الجمع و القوة و منه يقال يصمد المال أي يجمعه و كذلك ( ~~السيد ( أصله سيود إجتمعت ياء و واو و سبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ~~ياء و أدغمت كما قيل ميت و أصله ميوت و المادة في السواد و السؤدد تدل على ~~الجمع و اللون الأسود هو الجامع للبصر و قد قال تعالى ( ^ و سيدا و حصورا ^ ~~( قال أكثر السلف ( سيدا ( حليما و كذلك يروى عن الحسن و سعيد بن جبير و ~~عكرمة و عطاء و أبى ms1651 الشعثاء و الربيع بن أنس و مقاتل و قال أبو روق عن ~~الضحاك أنه الحسن الخلق و روى سالم عن سعيد بن جبير أنه إلتقى و لا يسود ~~الرجل الناس حتى يكون فى نفسه مجتمع الخلق ثابتا PageV17P226 وقال عبدالله ~~بن عمر ما رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أسود من معاوية فقيل له ~~و لا أبو بكر و لا عمر قال كان أبو بكر و عمر خيرا منه و ما رأيت بعد رسول ~~الله صلى الله عليه و سلم أسود من معاوية قال أحمد بن حنبل يعنى به الحليم ~~أو قال الكريم و لهذا قيل # % إذا شئت يوما أن تسود قبيلة % فبالحلم سد لا بالتسرع و الشتم % $ ولهذا ~~فسرطائفة من السلف السيد بأنه سيد قومه فى الدين و قال إبن زيد هو الشريف و ~~قال الزجاج الذي يفوق قومه فى الخير و قال إبن الأنباري السيد هنا الرئيس و ~~الإمام في الخير و عن إبن عباس و مجاهد هو الكريم على ربه و عن سعيد بن ~~المسيب هو الفقيه العالم و قد تقدم أنهم يقولون لعفاص القارورة صماد قال ~~الجوهري العفاص جلد يلبسه رأس القارورة و أما الذي يدخل في فمه فهو الصمام ~~و قد عفصت القارورة شددت عليها العفاص # ( قلت ( و فى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم فى اللقطة ( ثم ~~أعرف عفاصها و و كاءها ( و المراد بالعفاص ما يكون فيه الدراهم كالخرقة ~~التى تربط فيها الدراهم و الوكاء مثل الخيط الذي يربط به و هذا من جنس عفاص ~~القارورة و لفظ العفص و السد و الصمد PageV17P227 و الجمع و السؤدد معانيها ~~متشابهة فيها الجمع و القوة و يقال طعام عفص و فيه عفوصة أي تقبض و منه ~~العفص الذي يتخذ منه الحبر # و قد قال الجوهري هو مولد ليس من كلام أهل البادية و هذا لا يضر لأنه لم ~~يكن عندهم عفص يسمونه بهذا الإسم لكن التسمية به جارية على أصول ms1652 كلام العرب ~~و كذلك تسميتهم لما يدخل فى فمها صمام فإن هذه المادة فيها معنى الجمع و ~~السد # قال الجوهري صمام القارورة سدادها و الحجر الأصم الصلب المصمت و الرجل ~~الأصم هو الذي لا يسمع لانسداد سمعه و الرجل الصمة الشجاع و الصمة الذكر من ~~الحيات و صميم الشيء خالصه حيث لم يدخل إليه ما يفرقه و يضعفه يقال صميم ~~الحر و صميم البرد و فلان من صميم قومه و الصمصام الصارم القاطع الذي لا ~~ينثنى و صمم فى السير و غيره أي مضى و رجل صم أي غليظ # ومنه فى الإشتقاق الأكبرالصوم فإن الصوم هو الإمساك قال أبو عبيدة كل ~~ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم لأن الإمساك فيه إجتماع و الصائم لا ~~يدخل جوفه شيء و يقال صام الفرس إذا قام في غير إعتلاف قال النابغة # % خيل صيام و خيل غير صائمة % تحت العجاج و أخرى تعلك اللجما % $ # PageV17P228 # وكذلك السد و السداد و السؤدد و السواد و كذلك لفظ الصمد فيه الجمع و ~~الجمع فيه القوة فإن الشيء كلما إجتمع بعضه إلى بعض و لم يكن فيه خلل كان ~~أقوى مما إذا كان فيه خلو و لهذا يقال للمكان الغليظ المرتفع صمد لقوته و ~~تماسكه و إجتماع أجزائه و الرجل الصمد هوز السيد المصمود أي المقصود يقال ~~قصدته و قصدت له و قصدت إليه و كذلك هو مصمود و مصمود له و إليه و الناس ~~إنما يقصدون فى حوائجهم من يقوم بها و إنما يقوم بها من يكون فى نفسه ~~مجتمعا قويا ثابتا و هو السيد الكريم بخلاف من يكون هلوعا جزوعا يتفرق و ~~يقلق و يتمزق من كثرة حوائحهم و ثقلها فإن هذا ليس بسيد صمد يصمدون إليه فى ~~حوائجهم # فهم إنما سموا السيد من الناس صمدا لما فيه من المعنى الذي لأجله يقصده ~~الناس في حوائجهم فليس معنى السيد في لغتهم معنى إضافي فقط كلفظ القرب و ~~البعد بل هو معنى قائم بالسيد ms1653 لأجله يقصده الناس و السيد من السؤدد و ~~السواد و هذا من جنس السداد فى الإشتقاق الأكبر فإن العرب تعاقب بين حرف ~~العلة و الحرف المضاعف كما يقولون تقتضي البازي و تقضض و الساد هو الذي يسد ~~غيره فلا يبقى فيه خلو و منه سداد القارورة و سداد الثغر بالكسر فيهما و هو ~~ما يسد ذلك و منه السداد بالفتح و هو الصواب و منه القول السديد قال ~~PageV17P229 الله تعالى ( ^ اتقوا الله و قولوا قولا سديدا ^ ( قالوا قصدا ~~حقا و عن إبن عباس صوابا و عن قتادة و مقاتل عدلا و عن السدى مستقيما و كل ~~هذه الأقوال صحيح فإن القول السديد هو المطابق الموافق فإن كان خبرا كان ~~صدقا مطابقا لمخبره لا يزيد و لا ينقص و إن كان أمرا كان أمرا بالعدل الذي ~~لا يزيد و لا ينقص و لهذا يفسرون السداد بالقصد و القصد بالعدل # قال الجوهري التسديد التوفيق للسداد و هو الصواب و القصد في القول و ~~العمل و رجل مسدد إذا كان يعمل بالسداد و القصد و المسدد المقوم و سدد رمحه ~~و أمر سديد و أسد أي قاصد و قد إستد الشيء إستقام قال الشاعر % أعلمه ~~الرماية كل يوم % فلما إستد ساعده رماني % $ # وقال الأصمعي إشتد بالشين المعجمة ليس بشيء و تعبيرهم عن السيد بالقصد ~~يدلك على أن لفظ القصد فيه معنى الجمع و القوة و القصد العدل كما أنه ~~السداد و الصواب و هو المطابق الموافق الذي لا يزيد و لا ينقص و هذا هو ~~الجامع المطابق و منه قوله تعالى ( ^ و على الله قصد السبيل ^ ( أي القصد و ~~هو السبيل العدل أي إليه تنتهي السبيل العادلة كما قال تعالى ( @QB@ إن ~~علينا للهدى @QE@ ( أي الهدي إلينا PageV17P230 هذا أصح الأقوال فى الآيتين ~~و كذلك قوله تعالى ( @QB@ قال هذا صراط علي مستقيم @QE@ ( # و منه فى الإشتقاق الأوسط الصدق فإن حروفه حروف القصد فمنه الصدق فى ~~الحديث لمطابقته مخبره كما قيل فى السداد و الصدق بالفتح ms1654 الصلب من الرماح و ~~يقال المستوى فهو معتدل صلب ليس فيه خلل و لا عوج و الصندوق و أحد الصناديق ~~فإنه يجمع ما يوصع فيه # ومما ينبغى ان يعرف فى باب الاشتقاق انه اذا قيل هذا مشتق من هذا فله ~~معنيان # ( أحدهما ) ان بين القولين تناسبا فى اللفظ والمعنى سواء كان اهل اللغة ~~تكلموا بهذا بعد هذا أو بهذا بعد هذا وعلى هذا فكل من القولين مشتق من ~~الاخر فان المقصود انه مناسب له لفظا ومعنى كما يقال هذا الماء من هذا ~~الماء وهذا الكلام من هذا الكلام وعلى هذا فاذا قيل ان الفعل مشتق من ~~المصدر أو المصدر مشتق من الفعل كان كلا القولين صحيحا وهذا هو الاشتقاق ~~الذى يقوم عليه دليل التصريف # واما المعنى الثانى فى الاشتقاق وهو أن يكون احدهما اصلا للاخر ~~PageV17P231 فهذا اذا عنى به أن احدهما تكلم به قبل الاخر لم يقم على هذا ~~دليل فى اكثر المواضع قبل الاخر لم يقم على هذا دليل فى اكثر المواضع وان ~~عنى به ان احدهما متقدم على الاخر فى العقل لكون هذا مفردا وهذا مركبا ~~فالفعل مشتق من المصدر والاشتقاق الاصغر اتفاق القولين فى الحروف وترتيبها ~~والاوسط اتفاقهما فى الحروف لا فى الترتيب والاكبر اتفاقهما فى اعيان بعض ~~الحروف وفى الجنس لا فى الباقى كاتفاقهما فى كونهما من حروف الحلق اذا قيل ~~حزر وعزر وازر فان الجميع فه معنى القوة والشدة وقد اشتركت مع الراء والزاء ~~والحاء فى ان الثلاثة حروف حلقية وعلى هذا فاذا قيل الصمد بمعنى المصمت ~~وانه مشتق منه بهذا الاعتبار فهو صحيح فان الدال اخت التاء فان الصمت ~~السكوت وهو امساك واطباق للفم عن الكلام # قال أبو عبيد المصمت الذى لا جوف له وقد اصمته انا وباب مصمت قد ابهم ~~اغلاقه والمصمت من الخيل البهم اى لا يخالط لونه لو اخر ومنه قول ابن عباس ~~انما حرم من الحرير المصمت فالمصمد والمصمت متفقان فى الاشتقاق الاكبر ~~وليست الدال منقلبة عن التاء بل الدال ms1655 اقوى والمصمد اكمل فى معناه من ~~المصمت وكلما قوى الحرف كان معناه اقوى فان لغة العرب فى غاية الاحكام ~~والتناسب ولهذا كان الصمت عن الكلام مع PageV17P232 امكانه والانسان اجوف ~~يخرج الكلام من فيه لكنه قد يصمت بخلاف الصمد فانه انما استعمل فيما لا ~~تفرق فيه كالصمد والسيد والصمد من الأرض وصماد القارورة ونحو ذلك فليس فى ~~هذه الالفاظ المتناسبة اكمل من الفاظ الصمد فان فيه الصاد والميم والدال ~~وكل من هذه الحروف الثلاثة لها مزية على ما يناسبها من الحروف والمعانى ~~المدلول عليها بمثل هذه الحروف أكمل # ومما يناسب هذه المعاني معنى ( الصبر ( فإن الصبر فيه جمع و إمساك و لهذا ~~قيل الصبر حبس النفس عن الجزع يقال صبر و صبرته أنا و منه قوله تعالى ( ^ و ~~اصبر نفسك ^ ( و كذلك معنى السيد الصمد خلاف معنى الجزوع المنوع و منه ~~الصبرة من الطعام فإنها مجتمعة مكومة و الصبارة الحجارة و صبر الشيء غلظه و ~~ضده الجزع و فيه معنى التقطع و التفرق يقال جزع له جزعة من المال أي قطع له ~~قطعة و الجزوعة القطعة من الغنم و إجتزعت من الشجر عودا أي إقتطعته و ~~إكتسرته و جزعت الوادي إذا قطعته عرضا و الجزع منعطف الوادى و منه الجزع و ~~هو الخرز اليمانى الذي فيه بياض و سواد و كذلك جزع البسر تجزيعا إذا أرطب ~~نصفه [ أو ] ثلثاه و هو خلاف قولهم مصمت للون الواحد لما في ذلك من ~~الإجتماع و في هذا من التفرق # و قد قال تعالى ( ^ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر PageV17P233 جزوعا ~~و إذا مسه الخير منوعا ^ ( قال الجوهري الهلع أفحش الجزع و قال غيره هو فى ~~اللغة أشد الحرص و أسوأ الجزع و منه قول النبى صلى الله عليه و سلم ( شرما ~~فى المرء شح هالع و جبن خالع ( و ناقة هلوع إذا كانت سريعة السير خفيفة و ~~ذئب هلع بلع و الهلع من الحرص و البلع من الإبتلاع و لهذا كان كلام السلف ms1656 ~~فى تفسيره يتضمن هذه المعاني فروى عن إبن عباس قال هو الذي إذا مسه الشر ~~جوعا و إذا مسه الخير منوعا و روى عنه أنه قال هو الحريص على ما لا يحل له ~~و عن سعيد بن جبير شحيحا و عن عكرمة ضجورا و عن جعفر حريصا و عن الحسن و ~~الضحاك بخيلا و عن مجاهد شرها و عن الضحاك أيضا الهلوع الذي لا يشبع و عن ~~مقاتل ضيق القلب و عن عطاء عجولا و هذه المعاني كلها تنافي الثبات و القوة ~~و الإجتماع و الإمساك و الصبر و قد قال تعالى ( ^ لا يزال بنيانهم الذي ~~بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم ^ ( و هذا و إن كان قد قيل أن ~~المراد به أنها تنصدع فيموتون فإنه كما قيل فى مثل ذلك قد إنصدع قلبه و قد ~~تفرق قلبى و قد تشتت قلبى و قد تقسم قلبى و منه يقال للخوف قد فرق قلبه و ~~يقال بإزاء ذلك هو ثابت القلب مجتمع القلب مجموع القلب # PageV17P234 $ فصل قال الله تعالى ( @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ ~~( فأدخل اللام فى الصمد و لم يدخلها في أحد لأنه ليس في الموجودات ما يسمى ~~أحدا في الإثبات مفردا غير مضاف إلا الله تعالى بخلاف النفي و ما فى معناه ~~كالشرط و الإستفهام فإنه يقال هل عندك أحد و إن جاءني أحد من جهتك أكرمته و ~~إنما إستعمل فى العدد المطلق يقال أحد إثنان و يقال أحد عشر و فى أول ~~الأيام يقال يوم الأحد فإن فيه على أصح القولين # إبتدأ الله خلق السموات و الأرض و ما بينهما كما دل عليه القرآن و ~~الأحاديث الصحيحة فإن القرآن أخبر فى غير موضع أنه خلق السموات و الأرض و ~~ما بينهما فى ستة أيام و قد ثبت فى الحديث الصحيح المتفق على صحته أن آخر ~~المخلوقات كان آدم خلق يوم الجمعة و إذا كان آخر الخلق كان يوم الجمعة دل ~~على أن أوله كان يوم ms1657 الأحد لأنها ستة # وأما الحديث الذي رواه مسلم فى قوله ( خلق الله التوبة يوم السبت ( فهو ~~حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري و غيره PageV17P235 قال البخاري ~~الصحيح أنه موقوف على كعب و قد ذكر تعليله البيهقى أيضا و بينوا أنه غلط ~~ليس مما رواه أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه و سلم و هو مما أنكر الحذاق ~~على مسلم إخراجه إياه كما أنكرواعليه إخراج أشياء يسيرة و قد بسط هذا فى ~~مواضع أخر و قد ذكر أبو الفرج بن الجوزي فى قوله تعالى ( خلق الأرض فى ~~يومين ( قال إبن عباس خلق الأرض في يوم الأحد و الإثنين و به قال عبدالله ~~بن سلام و الضحاك و مجاهد و إبن جريج و السدي و الأكثرون و قال مقاتل في ~~يوم الثلاثاء و الأربعاء # قال و قد أخرج مسلم حديث أبي هريرة ( خلق الله التربة يوم السبت ( قال و ~~هذا الحديث مخالف لما تقدم و هو أصح فصحح هذا لظنه صحة الحديث إذ رواه مسلم ~~و لكن هذا له نظائر روى مسلم أحاديث قد عرف أنها غلط مثل قول أبي سفيان لما ~~أسلم أريد أن أزوجك أم حبيبة و لا خلاف بين الناس أنه تزوجها قبل إسلام أبي ~~سفيان و لكن هذا قليل جدا و مثل ما روى فى بعض طرق حديث صلاة الكسوف أنه ~~صلاها بثلاث ركوعات و أربع و الصواب أنه لم يصلها إلا مرة و احدة بركوعين و ~~لهذا لم يخرج البخاري إلا هذا و كذلك الشافعي و أحمد بن حنبل في إحدي ~~الروايتين عنه و غيرهما و البخاري سلم من مثل هذا فإنه إذا و قع فى بعض ~~PageV17P236 الروايات غلط ذكر الروايات المحفوظة التى تبين غلط الغالط فإنه ~~كان أعرف بالحديث و علله و افقه فى معانيه من مسلم و نحوه و ذكر إبن الجوزي ~~فى موضع آخر أن هذا قول ابن إسحاق قال و قال إبن الإنباري و هذا إجماع أهل ~~العلم # و ذكر قولا ms1658 ثالثا فى إبتداء الخلق أنه يوم الإثنين و قاله إبن إسحاق و ~~هذا تناقض و ذكر أن هذا قول أهل الإنجيل و الإبتداء بيوم الأحد قول أهل ~~التوراة و هذا النقل غلط على أهل الإنجيل كما غلط من جعل الأول إجماع أهل ~~العلم من المسلمين و كأن هؤلاء ظنوا أن كل أمة تجعل إجتماعها فى اليوم ~~السابع من الأيام السبعة التى خلق الله فيها العالم و هذا غلط فإن المسلمين ~~إنما إجتماعهم فى آخر يوم خلق الله فيه العالم و هو يوم الجمعة كما ثبت ذلك ~~فى الأحاديث الصحيحة # و المقصود هنا أن لفظ الأحد لم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله و حده و ~~إنما يستعمل فى غير الله فى النفي قال أهل اللغة يقول لا أحد فى الدار و لا ~~تقل فيها أحد و لهذا لم يجيء في القرآن إلا في غير الموجب كقوله تعالى ( ~~@QB@ فما منكم من أحد عنه حاجزين @QE@ ( و كقوله ( @QB@ لستن كأحد من ~~النساء @QE@ ( و قوله ( ^ و إن أحد من PageV17P237 المشركين استجارك فأجره ~~^ ( و فى الإضافة كقوله ( ^ فاعثوا أحدكم ^ ( ^ و جعلنا لأحدهما جنتين ^ ( # وأما إسم ( الصمد ( فقد إستعمله أهل اللغة فى حق المخلوقين كما تقدم فلم ~~يقل الله صمد بل قال ( ^ الله الصمد ^ ( فبين أنه المستحق لأن يكون هو ~~الصمد دون ما سواه فإنه المستوجب لغايته على الكمال و المخلوق و إن كان ~~صمدا من بعض الوجوه فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه فإنه يقبل التفرق و ~~التجزئة و هو ايضا محتاج إلى غيره فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل و ~~جه فليس أحد يصمد إليه كل شيء و لا يصمد هو إلى شيء إلا الله تبارك و تعالى ~~و ليس فى المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ و يتفرق و يتقسم و ينفصل بعضه من ~~بعض و الله سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك بل حقيقة الصمدية ~~و كمالها له و حده و اجبة لازمة لا يمكن ms1659 عدم صمديته بوجه من الوجوه كما لا ~~يمكن تثنية أحديته بوجه من الوجوه فهو أحد لا يماثله شيء من الأشياء بوجه ~~من الوجوه كما قال في آخر السورة ( ^ و لم يكن له كفوا أحد ^ ( إستعملها ~~هنا فى النفي أي ليس شيء من الأشياء كفوا له فى شيء من الأشياء لأنه أحد # وقال رجل للنبى صلى الله عليه و سلم أنت سيدنا فقال ( PageV17P238 السيد ~~الله ( و دل قوله ( ^ الأحد الصمد ^ ( على أنه لم يلد و لم يولد و لم يكن ~~له كفوا أحد فإن الصمد هو الذي لا جوف له و لا أحشاء فلا يدخل فيه شيء فلا ~~يأكل و لا يشرب سبحانه و تعالى كما قال ( ^ أفغير الله أتخذ و ليا فاطر ~~السموات و الأرض و هو يطعم و لا يطعم ^ ( و في قراءة الأعمش و غيره و لا ~~يطعم بالفتح و قال تعالى ( ^ و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون ما أريد ~~منهم من رزق و ما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ^ ( و من مخلوقاته ~~الملائكة و هم صمد لا يأكلون و لا يشربون فالخالق لهم جل جلاله أحق بكل غنى ~~و كمال جعله لبعض مخلوقاته فلهذا فسر بعض السلف الصمد بأنه الذي لا يأكل لا ~~يشرب و الصمد المصمد الذي لا جوف له فلا يخرج منه عين من الأعيان فلا يلد # و لذلك قال من قال من السلف هو الذي لا يخرج منه شيء ليس مرادهم أنه لا ~~يتكلم و إن كان يقال فى الكلام إنه خرج منه كما قال فى الحديث ( ما تقرب ~~العباد إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه ( يعنى القرآن و قال أبو بكر الصديق ~~لما سمع قرآن مسيلمة إن هذا لم يخرج من إل فخروج الكلام من المتكلم هو ~~بمعنى أنه يتكلم به فيسمع منه و يبلغ إلى غيره ليس بمخلوق فى غيره كما يقول ~~الجهمية ليس بمعنى أن شيئا من الأشياء القائمة به يفارقه و ينتقل عنه إلى ~~غيره ms1660 PageV17P239 فإن هذا ممتنع فى صفات المخلوقين إن تفارق الصفة محلها و ~~تنتقل إلى غير محلها فكيف بصفات الخالق جل جلاله و قد قال تعاللى فى كلام ~~المخلوقين ( @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا @QE@ ( و ~~تلك الكلمة هي قائمة بالمتكلم و سمعت منه ليس خروجها من فيه أن ما قام ~~بذاته من الكلام فارق ذاته و إنتقل إلى غيره فخروج كل شيء بحسبه و من شأن ~~العلم و الكلام إذا إستفيد من العالم و المتكلم أن لا ينقص من محله و لهذا ~~شبه بالنور الذي يقتبس منه كل أحد الضوء و هو باق على حاله لم ينقص فقول من ~~قال من السلف الصمد هو الذي لم يخرج منه شيء كلام صحيح بمعنى أنه لا يفارقه ~~شيء منه # و لهذا إمتنع عليه أن يلد و أن يولد و ذلك أن الولادة و التولد و كل ما ~~يكون من هذه الألفاظ لا يكون إلا من أصلين و ما كان من المتولد عينا قائمة ~~بنفسها فلابد لها من مادة تخرج منها و ما كان عرضا قائما بغيره فلابد له من ~~محل يقوم به فالأول نفاه بقوله ( أحد ( فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له و لا ~~نظير فيمتنع أن تكون له صاحبة و التولد إنما يكون بين شيئين قال تعالى ( ^ ~~أنى يكون له و لد و لم تكن له صاحبة و خلق كل شيء و هو بكل شيء عليم ^ ( ~~فنفى سبحانه الولد بإمتناع لازمه عليه فإن إنتفاء اللازم يدل PageV17P240 ~~على إنتفاء الملزوم و بأنه خالق كل شيء و كل ما سواه مخلوق له ليس فيه شيء ~~مولود له والثاني نفاه بكونه سبحانه الصمد و هذا المتولد من أصلين يكون ~~بجزئين ينفصلان من الأصلين كتولد الحيوان من أبيه و أمه بالمنى الذي ينفصل ~~من أبيه و أمه فهذا التولد يفتقر إلى أصل آخر و إلى أن يخرج منهما شيء و كل ~~ذلك ممتنع فى حق الله تعالى فإنه أحد فليس له كفؤ ms1661 يكون صاحبة و نظيرا و هو ~~صمد لا يخرج منه شيء فكل و أحد من كونه أحدا و من كونه صمدا يمنع أن يكون و ~~الدا و يمنع أن يكون مولودا بطريق الأولى و الأخرى # وكما أن التوالد فى الحيوان لا يكون إلا من أصلين سواء كان الأصلان من ~~جنس الولد و هو الحيوان المتوالد أو من غير جنسه و هو المتولد فكذلك فى غير ~~الحيوان كالنار المتولدة من الزندين سواء كانا خشبتين أو كانا حجرا و حديدا ~~أو غير ذلك قال الله تعالى ( @QB@ فالموريات قدحا @QE@ ( و قال تعالى ( ^ ~~أفرأيتم النار التى تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن نحن جعلناها ~~تذكرة و متاعا للمقوين ^ و قال تعالى ( ^ و ضرب لنا مثلا و نسي خلقه قال من ~~يحيى العظام و هي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة و هو بكل خلق عليم ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ^ ( PageV17P241 ~~قال غير و أحد من المفسرين هما شجرتان يقال لأحداهما المرخ و الأخرى العفار ~~فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين و هما خضراوان يقطر ~~منهما الماء فيسحق المرخ و هو ذكر على العفار و هو أنثي فتخرج منهما النار ~~بإذن الله تعالى و تقول العرب فى كل شجر نار و إستمجد المرخ و العفار و قال ~~بعض الناس فى كل شجرة نار إلا العناب ( @QB@ فإذا أنتم منه توقدون @QE@ ( ~~فذلك زنادهم # وقد قال أهل اللغة الجوهري و غيره الزند العود الذي يقدح به النار و ~~هوالأعلى و الزندة السفلى فيها ثقب و هي الأنثي فإذا إجتمعا قيل زندان # و قال أهل الخبرة بهذا أنهم يسحقون الثقب الذي فى الأنثي بالأعلى كما ~~يفعل ذكر الحيوان فى أنثاه فبذلك السحق و الحك يخرج منهما أجزاء ناعمة ~~تنقدح منها النار فتتولد النار من مادة الذكر و الأنثي كما يتولد الولد من ~~مادة الرجل و المرأة و سحق الأنثى بالذكر و قدحها به يقتضي حرارة كل منهما ~~و ms1662 يتحلل من كل منهما مادة تنقدح منها النار كما أن إيلاج ذكر الحيوان فى ~~أنثاه بقدح و حك فرجها بفرجه فتقوى حرارة كل منهما و يتحلل من كل منهما ~~مادة تمتزج بالأخرى و يتولد منهما الولد و يقال علقت النار في المحل الذي ~~يقدح عليه الذي هو PageV17P242 كالرحم للولد و هو الحراق و الصوفان و نحو ~~ذلك مما يكون أسرع قبولا للنار من غيره كما علقت المرأة من الرجل و قد لا ~~تعلق النار كما قد لا تعلق المرأة و قد لا تنقدح نار كما لا ينزل مني و ~~النار ليست من جنس الزنادين بل تولد النار منهما كتولد حيوان من الماء و ~~الطين فإن الحيوان نوعان متوالد كالإنسان و بهميمة الأنعام و غير ذلك مما ~~يخلق من أبوين و متولد كالذي يتولد من الفاكهة و الخل و كالقمل الذي يتولد ~~من و سخ جلد الإنسان و كالفأر و البراغيث و غير ذلك مما يخلق من الماء و ~~التراب # وقد تنازع الناس فيما يخلقه الله من الحيوان و النبات و المعدن و المطر و ~~النار التى تورى بالزناد و غير ذلك هل تحدث أعيان هذه الأجسام فيقلب هذا ~~الجنس إلى جنس آخر كما يقلب المنى علقة ثم مضغة أولا تحدث إلا أعراض و أما ~~الأعيان التى هي الجواهر فهي باقية بغير صفاتها بما يحدثه فيها من الأكوان ~~الأربعة الإجتماع و الإفتراق و الحركة و السكون على قولين # فالقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة التى لا تقبل التجزي ~~كما يقوله كثير من أهل الكلام و إما من جواهر لا نهاية لها كما يحكى عن ~~النظام # PageV17P243 # فالقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر يقولون أن الله لا يحدث شيئا ~~قائما بنفسه و إنما يحدث الأعراض التى هي الإجتماع و الإفتراق و الحركة و ~~السكون و غير ذلك من الأعراض ثم من قال منهم بأن الجواهر محدثة قال إن الله ~~أحدثها إبتداء ثم جميع ما يحدثه إنما هو إحداث أعراض فيها لا يحدث ms1663 الله بعد ~~ذلك جواهر و هذا قول أكثر المعتزلة و الجهمة و الأشعرية و نحوهم و من أكابر ~~هؤلاء من يظن أن هذا مذهب المسلمين و يذكر إجماع المسلمين عليه و هو قول لم ~~يقل به أحد من سلف الأمة و لاجمهور الأمة بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل ~~الكلام ينكرون الجوهر الفرد و تركب الأجسام من الجواهر و إبن كلاب إمام ~~أتباعه هو ممن ينكر الجوهر الفرد و قد ذكر ذلك أبو بكر بن فورك فى مصنفه ~~الذي صنفه فى مقالات إبن كلاب و ما بينه و بين الأشعري من الخلاف و هكذا ~~نفي الجوهر الفرد قول الهشامية و الضرارية و كثير من الكرامية و النجارية ~~أيضا # و هؤلاء القائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة المشهور عنهم بأن ~~الجواهر متماثلة بل و يقولون أو أكثرهم أن الأجسام متماثلة لأنها مركبة من ~~الجواهر المتماثلة و إنما إختلفت بإختلاف الأعراض و تلك صفات عارضة لها ~~ليست لازمة فلا تنفي التماثل فإن حد المثلين أن يجوز على أحدهما ما يجوز ~~على الآخر و يجب له ما يجب له و يمتنع عليه ما يمتنع عليه و هم يقولون إن ~~الجواهر متماثلة فيجوز PageV17P244 على كل و أحد ما جاز على الآخر و يجب له ~~ما يجب له و يمتنع عليه مما يمتنع عليه # و كذلك الأجسام المؤلفة من الجواهر و لهذا إذا أثبتوا حكما لجسم قالوا ~~هذا ثابت لجميع الأجسام بناء على التماثل و أكثر العقلاء ينكرون هذا و ~~حذاقهم قد أبطلوا الحجج التى إحتجوا بها على التماثل كما ذكر ذلك الرازي و ~~الآمدي و غيرهمتا و قد بسط الكلام على هذا في مواضع و الشعري في ( كتاب ~~الإبانة ( جعل القول بتماثل الأجسام من أقوال المعتزلة التى أنكرها # و هؤلاء يقولون إن الله يخص أحد الجسمين المتماثلين بأعراض دون الآخر ~~بمجرد المشيئة على أصل الجهمية أو لمعنى آخر كما تقوله القدرية و يقولون ~~يمتنع إنقلاب الأجناس فلا ينقلب الجسم عرضا و لا ms1664 جنس من الأعراض إلى جنس ~~آخر فلو قالوا إن الأجسام مخلوقة و أن المخلوق ينقلب من جنس إلى جنس آخر ~~لزم إنقلاب الأجناس فهؤلاء يقولون أن التولد الحاصل في الرحم و الثمر ~~الحاصل فى الشجر و النار الحاصلة من الزناد هي جواهر كانت في المادة التى ~~خلق ذلك منها و هي باقية لكن غيرت صفتها بالإجتماع و الإفتراق و الحركة و ~~السكون # PageV17P245 # و لهذا لما ذكر أبو عبدالله الرازي أدلة ( إثبات الصانع ( ذكر أربعة طرق ~~إمكان الذوات و حدوثها و إمكان الصفات و حدوثها و الطرق الثلاثة الأول ~~ضعيفة بل باطلة فإن الذوات التى إدعوا حدوثها أو إمكانها أو إمكان صفاتها ~~ذكروها بألفاظ مجملة لا يتميز فيها الخالق عن المخلوق و لم يقيموا على ما ~~إدعوه دليلا صحيحا # و أما ( الطريق الرابع ( و هو الحدوث لما يعلم حدوثه فهو طريق صحيح و هو ~~طريق القرآن لكن قصروا فيه غاية التقصير فإنهم على أصلهم لم يشهدوا حدوث ~~شيء من الذوات بل حدوث الصفات و طريقة القرآن تبين أن كل ما سوى الله مخلوق ~~و أنه آية لله و قد بسط الكلام على ما في القرآن من البراهين و الآيات التى ~~لم يصل إليها هؤلاء المتكلمة و المتفلسفة و أن كل ما عندهم من حق فهو جزء ~~مما دل عليه القرآن فى غير موضع # والمقصود هنا أن هؤلاء لما كان هذا أصلهم فى إبتداء الخلق و هو القول ~~بإثبات الجوهر الفرد كان أصلهم فى المعاد مبنيا عليه فصاروا على قولين # منهم من يقول تعدم الجواهر ثم تعاد و منهم من قال نتفرق الأجزاء ثم تجتمع ~~فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان و ذلك PageV17P246 الحيوان أكله ~~إنسان آخر فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا لم تعد من هذا و أورد عليهم أن ~~الإنسان يتحلل دائما فما الذي يعاد أهو الذي كان و قت الموت فإن قيل بذلك ~~لزم أن يعاد على صورة ضعيفة و هو خلاف ما جاءت به النصوص و إن كان ms1665 غير ذلك ~~فليس بعض الأبدان بأولى من بعض فإدعى بعضهم أن فى الإنسان أجزاء أصلية لا ~~تتحلل و لا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني و العقلاء ~~يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل ليس فيه شيء باق فصار ما ذكروه فى ~~المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان و أوجب أن صار طائفة ~~من النظار إلى أن الله يخلق بدنا آخر تعود الروح إليه # والمقصود تنعيم الروح و تعذيبها سواء كان هذا فى البدن أو فى غيره و هذا ~~أيضا مخالف للنصوص الصريحة بإعادة هذا البدن و هذا المذكور فى كتب الرازي ~~فليس فى كتبه و كتب أمثاله في مسائل أصول الدين الكبار القول الصحيح الذي ~~يوافق المنقول و المعقول الذي بعث الله به الرسول و كان عليه سلف الأمة و ~~أئمتها بل يذكر بحوث المتفلسفة الملاحدة و بحوث المتكلمين المبتدعة الذين ~~بنوا على أصول الجهمية و القدرية في مسائل الخلق و البعث و المبدأ و المعاد ~~و كلا الطريقين فاسد إذ بنوه على مقدمات فاسدة # والقول الذي عليه PageV17P247 السلف و جمهور العقلاء من أن الأجسام تنقلب ~~من حال إلى حال إنما يذكره عن الفلاسفة و الأطباء و هذا القول و هو القول ~~فى خلق الله للأجسام التى يشاهد حدوثها أنه يقبلها و يحيلها من جسم إلى جسم ~~هو الذي عليه السلف و الفقهاء قاطبة و الجمهور # و لهذا يقول الفقهاء فى النجاسة هل تطهر بالإستحالة أم لا كما تستحيل ~~العذرة رمادا و الخنزير و غيره ملحا و نحو ذلك و المنى الذي فى الرحم يقلبه ~~الله علقة ثم مضغة و كذلك الثمر يخلق بقلب المادة التى يخرجها من الشجرة من ~~الرطوبة مع الهواء و الماء الذي نزل عليها غير ذلك من المواد التى يقلبها ~~ثمرة بمشيئته و قدرته و كذلك الحبة يفلقها و تنقلب المواد التى يخلقها منها ~~سنبلة و شجرة و غير ذلك و هكذا خلقه لما يخلقه سبحانه و تعالى كما ms1666 خلق آدم ~~من الطين فقلب حقيقة الطين فجعلها عظما و لحما و غير ذلك من أجزاء البدن و ~~كذلك المضغة يقلبها عظاما و غير عظام قال الله تعالى ( ^ و لقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه ~~خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون ^ ( # و كذلك النار يخلقها بقلب بعض أجزاء الزناد نارا كما قال تعالى ~~PageV17P248 ( @QB@ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا @QE@ ( فنفس تلك ~~الأجزاء التى خرجت من الشجر الأخضر جعلها الله نارا من غير أن يكون كان فى ~~الشجر الأخضر نار أصلا كما لم يكن فى الشجرة ثمرة أصلا و لا كان في بطن ~~المرأة جنين أصلا بل خلق هذ الموجود من مادة غيره بقلبه تلك المادة إلى هذا ~~و بما ضمه إلى هذا من مواد آخر و كذلك الإعادة يعيده بعد أن يبلي كله إلا ~~عجب الذنب كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( كل ~~إبن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق إبن آدم و منه يركب ( # وهو إذا أعاد الإنسان فى النشأة الثانية لم تكن تلك النشأة مماثلة لهذه ~~فإن هذه كائنة فاسدة و تلك كائنة لا فاسدة بل باقية دائمة و ليس لأهل الجنة ~~فضلات فاسدة تخرج منهم كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( أهل الجنة لا يبولون و لا يتغوطون و لا و لا يبصقون و لا يتمخطون و ~~إنما هو رشح كرشح المسك ( و في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( يحشر الناس حفاة عراة غرلا ثم قرأ ( ^ كما بدأنا أول خلق نعيده و عدا ~~علينا إنا كنا فاعلين ^ ( فهم يعودون غلفا لا مختونين # وقال الحسن البصري و مجاهد كما بدأكم فخلقكم فى الدنيا و لم ms1667 تكونوا شيئا ~~كذلك تعودون يوم القيامة أحياء و قال قتادة بدأهم PageV17P249 من التراب و ~~إلى التراب يعودون كما قال تعالى ( ^ منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها ~~نخرجكم تارة أخرى ^ ( و قال ( فيها تحيون و فيها تموتون و منها تخرجون ( # وهو قد شبه سبحانه إعادة الناس فى النشأة الأخرى بإحياء الأرض بعد موتها ~~فى غير موضع كقوله ( ^ و هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ^ ( و قال ( ^ و الأرض مددناها و ~~القينا فيها رواسي ^ ( إلى قوله ( ^ و أحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ^ ( ~~و قال تعالى ( ^ يا أيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من ~~تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة لنبين لكم و نقر في الأرحام ~~ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم و منكم من يتوفى و ~~منكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا و ترى الأرض هامدة ~~فإذا أنزلنا عليها الماء إهتزت و ربت و أنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله ~~هو الحق و أنه يحيى الموتى و أنه على كل شيء قدير ^ ( و قال تعالى ( ^ الله ~~الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد ~~موتها كذلك النشور ( # PageV17P250 # وهو سبحانه مع إخباره أنه يعيد الخلق و أنه يحيى العظام و هي رميم و أنه ~~يخرج الناس من الأرض تارة أخرى هو يخبر أن المعاد هو المبدأ كقوله تعالى ( ~~^ و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ^ ( و يخبر أن الثانى مثل الأول كقوله ~~تعالى ( ^ و قالوا أئذا كنا عظاما و رفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا أو لم ~~يروا أن الله الذي خلق السموات و الأرض قادر على أن يخلق مثلهم و جعل لهم ~~أجلا لا ريب فيه ^ ( و قال تعالى ( ^ و قالوا ms1668 أئذا كنا عظاما و رفاتا أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم ~~فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم و يقولون ~~متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده و تظنون إن لبثتم ~~إلا قليلا ^ ( و قال تعالى ( ^ أوليس الذي خلق السموات و الأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلي و هو الخلاق العليم ^ ( و قال تعالى ( ^ أو لم يروا أن ~~الله الذي خلق السموات و الأرض و لم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى ~~بلي إنه على كل شيء قدير ^ ( و قال ( ^ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت و ما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ~~و ننشئكم فيما لا تعلمون و لقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ^ ( # و المراد بقدرته على خلق مثلهم هو قدرته على إعادتهم كما أخبر ~~PageV17P251 بذلك في قوله ( ^ أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات و الأرض ~~و لم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى ^ ( فإن القوم ما كانوا ينازعون ~~في أن الله يخلق فى هذه الدار ناسا أمثالهم فإن هذا هو الواقع المشاهد يخلق ~~قرنا بعد قرن يخلق الولد من الوالدين و هذه هي النشأة الأولى و قد علموها و ~~بها إحتج عليهم على قدرته على النشأة الآخرة كما قال ( ^ و لقد علمتم ~~النشأة الأولى فلولا تذكرون ^ ( و قال ( ^ و ضرب لنا مثلا و نسي خلقه قال ~~من يحيى العظام و هي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة و هو بكل خلق عليم ~~^ ( و قال ( ^ يا أيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ~~ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة لنبين لكم ^ ( # و لهذا قال ( ^ على أن نبدل أمثالكم و ننشئكم فيما لا تعلمون ^ ( قال ~~الحسن بن الفضل البجلي الذي عندي في هذه الآية ( ^ و ننشئكم فيما ms1669 لا تعلمون ~~و لقد علمتم النشأة الأولى ^ ( أي أخلقكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون ~~كيف شئت و ذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت فى بطون الأمهات و ليست ~~الأخرى كذلك و معلوم أن النشأة الأولى كان الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ~~مخلقة ثم ينفخ فيه الروح و تلك النطفة من منى الرجل و المرأة و هو يعذبه ~~بدم الطمث الذي يربي به الجنين فى ظلمات ثلاث ظلمة المشيمة و ظلمة ~~PageV17P252 الرحم و ظلمة البطن و النشأة الثانية لا يكونون فى بطن إمرأة و ~~لا يغذون بدوم و لا يكون أحدهم نطفة رجل و إمرأة ثم يصير علقة بل ينشئون ~~نشأة أخرى و تكون المادة من التراب كما قال ( ^ منها خلقناكم و فيها نعيدكم ~~و منها نخرجكم تارة أخرى ^ ( و قال تعالى ( ^ فيها تحيون و فيها تموتون و ~~منها تخرجون ^ ( ^ و الله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها و يخرجكم ~~إخراجا ^ ( و في الحديث ( أن الأرض تمطر مطرا كمنى الرجال ينبتون في القبور ~~كما ينبت النبات ( كما قال تعالى ( @QB@ كذلك الخروج @QE@ ( ^ كذلك النشور ~~( كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ( # فعلم أن النشأتين نوعان تحت جنس يتفقان و يتماثلان و يتشابهان من و جه و ~~يفترقان و يتنوعان من و جه آخر و لهذا جعل المعاد هو المبدأ و جعل مثله ~~أيضا فباعتبار إتفاق المبدأ و المعاد فهو هو و بإعتبار ما بين النشأتين من ~~الفرق فهو مثله و هكذا كل ما أعيد فلفظ الإعادة يقتضي المبدأ و المعاد سواء ~~في ذلك إعادة الأجسام و الأعراض كإعادة الصلاة و غيرها فإن النبى صلى الله ~~عليه و سلم مر برجل يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة و يقال للرجل ~~أعد كلامك و فلان قد أعاد كلام فلان بعينه و يعيد الدرس فالكلام هو الكلام ~~و إن كان صوت الثاني غير صوت الأول و حركته و لا PageV17P253 يطلق القول ~~عليه أنه مثله بل قد قال تعالى ( ^ قل لئن ms1670 اجتمعت الإنس و الجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ^ و كان رسول الله صلى الله عليه و ~~سلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا # وإن كان يسمى مثلا مقيدا حتى يقال لمن حكى كلام غيره هكذا قال فلان أي ~~مثل هذا قال و يقال فعل هذا عودا على بدء إذا فعله مرة ثانية بعد أولى و ~~منه البئر البدي و البئر العادي فالبدي التى إبتدئت و العادي التى أعيدت و ~~ليست بنسبة إلى عاد كما قيل و يقال إستعدته الشيءفأعاده إذا سالته ان يفعله ~~مرة ثانية و منه سميت العادة يقال عادة و إعتاده و تعوده أي صار عادة له و ~~عود كلبه الصيد فتعوده و هو المعاودة و المعاودة الرجوع إلى الأمر الأول و ~~يقال الشجاع معاود لأنه لا يمل المراس و عاودته الحمى و عاوده بالمسألة أي ~~سأله مرة بعد مرة و تعاود القوم في الحرب و غيرها إذا عاد كل فريق إلى ~~صاحبه و العواد بالضم ما أعيد من الطعام بعد ما أكل منه مرة أخرى و عواد ~~بمعنى عد مثل نزال بمعنى أنزل # ففي جميع هذه المواضع يستعمل لفظ الإعادة بإعتبار الحقيقة فإن الحقيقة ~~الموجودة فى المرة الثانية هي الأولى و إن تعدد الشخص و لهذا يقال هو مثله ~~و يقال هذا هو هذا و كلاهما صحيح و أعني بالحقيقة الأمر الذي يختص بذلك ~~الشخص ليس المراد القدر المشترك بين PageV17P254 الفاعلين فإن من فعل مثل ~~فعل غيره لا يقال أعاده و إنما يقال حاكاه و شابهه بخلاف ما إذا فعلا ثانيا ~~مثل ما فعل أولا فإنه يقال أعاد فعله و كذلك يقال لمن أعاد كلام غيره قد ~~أعاده و لا يقال لمن أنشأ مثله قد أعاده و يقال قريء على هذا و أعاد على ~~هذا و هذا يقرأ أي يدرس و هذا يعيد و لو كان كلاما آخر مما يماثله لم يقل ~~فيه يعيد و كذلك من كسر خاتما أو غيره من المصوغ ms1671 يقال أعده كما كان و يقال ~~من هدم دارا أعدها كما كانت بخلاف من أنشأ أخرى مثلها فإن هذا لا يسمى ~~معيدا و المعاد يقال فيه هذا هو الأول بعينه و يقال هذا مثل الأول من كل و ~~جه و نحو ذلك من العبارات الدالة على أنه هو هو من و جه و هو مثله من و جه # و بهذا تزول الشبهات الواردة على هذا الموضع كقول من قال الإعادة لا تكون ~~إلا مع إعادة ذلك الزمان و نحو ذلك مما يمنع إعادته فى صريح العقل و إنما ~~يعاد بالإتيان بمثله و إن قال بعض المتكلمين أنه لا مغايرة أصلا بوجه من ~~الوجوه # و الإعادة التى أخبر الله بها هي الإعادة المعقولة في هذا الخطاب و هي ~~الإعادة التى فهمها المشركون و المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ~~و هى التى يدل عليها لفظ الإعادة و المعاد هو الأول بعينه و إن كان بين ~~لوازم الإعادة و لوازم البدأة فرق فذلك الفرق لا يمنع PageV17P255 أن يكون ~~قد أعيد الأول ليس الجسد الثانى مباينا للأول من كل و جه كما زعم بعضهم و ~~لا أن النشأة الثانية كالأولى من كل و جه كما ظن بعضهم و كما إنه سبحانه ~~خلق الإنسان و لم يكن شيئا كذلك يعيده بعد أن لم يكن شيئا و على هذا ~~فالإنسان الذي صار ترابا و نبت من ذلك التراب نبات آخر أكله إنسان آخر و ~~هلم جرا و الإنسان الذي أكله إنسان أو حيوان و أكل ذلك الحيوان إنسانا آخر ~~ففي هذا كله قد عدم هذا الإنسان و هذا الإنسان و صار كل منهما ترابا كما ~~كان قبل أن يخلق ثم يعاد هذا و يعاد هذا من التراب و إنما يبقى عجب الذنب ~~منه خلق و منه يركب # و أما سائره فعدم فيعاد من المادة التى إستحال إليها فإذا إستحال فى ~~القبر الواحد ألف ميت و صاروا كلهم ترابا فإنهم يعادون و يقومون ms1672 من ذلك ~~القبر و ينشئهم الله تعالى بعد أن كانوا عدما محضا كما أنشأهم أولا بعد أن ~~كانوا عدما محضا و إذا صار ألف إنسان ترابا فى قبر أنشأ هؤلاء من ذلك القبر ~~من غير أن يحتاج أن يخلقهم كما خلقهم في النشأة الأولى التى خلقهم منها من ~~نطفة ثم من علقة ثم من مضغة و جعل نشأتهم بما يستحيل إلى أبدانهم من الطعام ~~و الشراب كما يستحيل إلى بدن أحدهم ما يأكله من نبات و حيوان و كذلك لو أكل ~~إنسانا أو أكل حيوانا قد أكل إنسانا فالنشأة PageV17P256 الثانية لا يخلقهم ~~فيها بمثل هذه الإستحالة بل يعيد الأجساد من غير أن ينقلهم من نطفة إلى ~~علقة إلى مضغة و من غير أن يغذوها بدم الطمث و من غير أن يغذوها بلبن الأم ~~و بسائر ما يأكله من الطعام و الشراب فمن ظن أن الإعادة تحتاج إلى إعادة ~~الأغذية التى إستحالت إلي أبدانهم فقد غلط # وحينئذ فإذا أكل إنسان إنسانا فإنما صار غذاء له كسائر الأغذية و هو لا ~~يحتاج إلى إعادة الأغذية و معلوم أن الغذاء ينزل إلى المعدة طعاما و شرابا ~~ثم يصير كلوسا كالثردة ثم كيموسا كالحريرة ثم ينطبخ دما فيقسمه الله تعالى ~~فى البدن كله و يأخذ كل جزء من البدن نصيبه فيستحيل الدم إلى شبيه ذلك ~~الجزء العظم عظما و اللحم لحما و العرق عرقا و هذا فى الرزق كإسستحالتهم فى ~~مبدأ الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة و كما أنه سبحانه لا يحتاج فى الإعادة إلى ~~أن يحيل أحدهم نطفة ثم علقة ثم مضغة فكذلك أغذيتهم لا يحتاج أن يجعلها خبزا ~~و فاكهة و لحما ثم يجعلها كلوسا و كيموسا ثم دما ثم عظما و لحما و عروقا بل ~~يعيد هذا البدن على صفة أخرى لنشأة ثانية ليست مثل هذه النشأة كما قال ( ^ ~~و ننشئكم فيما لاتعلمون ^ ( و لا يحتاج مع ذلك إلى شيء من هذه الإستحالات ~~التى كانت فى النشأة الأولى PageV17P257 و بهذا ms1673 يظهر الجواب عن قوله البدن ~~دائما فى التحلل فإن تحلل البدن ليس بأعجب من إنقلاب النطفة علقة و العلقة ~~مضغة و حقيقة كل منهما خلاف حقيقة الأخرى # و أما البدن المتحلل فالأجزاء الثانية تشابه الأولى و تماثلها و إذا كان ~~في الإعادة لا يحتاج إلى إنقلابه من حقيقة إلى حقيقة فكيف بإنقلابه بسبب ~~التحلل و معلوم أن من رأي شخصا و هو شاب ثم رآه و هو شيخ علم أن هذا هو ذاك ~~مع هذه الإستحالة و كذلك سائر الحيوان و النبات كمن غاب عن شجرة مدة ثم جاء ~~فوجدها علم أن هذه هي الأولى مع أن التحلل و الإستحالة ثابت فى سائر ~~الحيوان و النبات كما هو فى بدن الإنسان و لا يحتاج عاقل في إعتقاده أن هذه ~~الشجرة هي الأولى و أن هذه الفرس هي التى كانت عنده من سنين و لا أن هذا ~~الإنسان هو الذي رآه من عشرين سنة إلى أن يقدر بقاء أجزاء أصلية لم تتحلل و ~~لا يخطر هذا ببال أحد و لا و لا يقتصر العقلاء في قولهم هذا هو ذاك على تلك ~~الأجزاء التى لا تعرف و لا تتميز عن غيرها بل إنما يشيرون إلى جملة الشجرة ~~و الفرس و الإنسان مع أنه قد يكون كان صغيرا فكبر و لا يقال إنما كان هو ~~ذاك بإعتبارأن النفس الناطقة و احدة كما زعمه من إدعى أن البدن الثاني ليس ~~هو ذاك الأول و لكن المقصود جزاء النفس بنعيم أو عذاب PageV17P258 ففي أي ~~بدن كانت حصل المقصود فإن هذا أيضا باطل مخالف للكتاب و السنة و إجماع ~~السلف مخالف للمعقول من الإعادة # فإنا قد ذكرنا أن العقلاء كلهم يقولون هذا الفرس هو ذاك و هذه الشجرة هي ~~تلك التى كانت من سنين مع علم العقلاء أن النبات ليس له نفس ناطقة تفارقه و ~~تقوم بذاتها و كذلك يقولون مثل هذا في الحيوان و في الإنسان مع أنه لم يخطر ~~بقلوبهم أن المشار إليه بهذا ms1674 و ذاك نفس مفارقة بل قد لا يخطر هذا بقلوبهم ~~فدل على أن العقلاء كانوا يعلمون أن هذا البدن هو ذاك مع و جود الإستحالة و ~~علم بذلك أن ما ذكر من الإستحالة لا ينافى أن يكون البدن الذي يعاد في ~~النشأة الثانية هو هذا البدن و لهذا يشهد البدن المعاد بما عمل فى الدنيا ~~كما قال تعالى ( ^ اليوم نختم على أفواههم و تكلمنا أيديهم و تشهد أرجلهم ~~بما كانوا يكسبون ^ ( و قال تعالى ( ^ حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم و ~~ابصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون و قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي انطق كل شيء ^ ( # ومعلوم أن الإنسان لو قال قولا أو فعل فعلا أو رأي غيره يفعل أو سمعه ~~يقول ثم بعد ثلاثين سنة شهد على نفسه بما قال أو فعل و هو الإقرار الذي ~~يؤاخذ بموجبه أو شهد على غيره بما قبضه PageV17P259 من الأموال و أقربه من ~~الحقوق لكانت الشهادة على عين ذلك المشهود عليه مقبولة مع إستحالة بدنه فى ~~هذه المدة الطويلة و لا يقول عاقل من العقلاء إن هذه الشهادة على مثله أو ~~على غيره و لو قدر أن المعين حيوان أو نبات و شهد أن هذا الحيوان قبضه هذا ~~من هذا و أن هذا الشجر سلمه هذا إلى هذا كان كلاما معقولا مع الإستحالة و ~~إذا كانت الإستحالة غير مؤثرة فقول القائل يعيده على صفة ما كان و قت موته ~~أو سمنه أو هزاله أو غير ذلك جهل منه فإن صفة تلك النشأة الثانية ليست ~~مماثلة لصفة هذه النشأة حتى يقال أن الصفات هي المغيرة إذ ليس هناك إستحالة ~~و لا إستفراغ و لا إمتلاء و لا سمن و لا هزال و لا سيما اهل الجنة إذا ~~دخلوها فإنهم يدخلونها على صورة أبيهم آدم طول أحدهم ستون ذراعا كما ثبت في ~~الصحيحن و غيرهما و روى أن عرضه سبعة أذرع و هم لا يبولون و لا يتغوطون و ~~لا ms1675 يبصقون و لا يتمخطون # و ليست تلك النشأة من أخلاط متضادة حتى يستلزم مفارقة بعضها بعضا كما فى ~~هذه النشأة و لا طعامهم مستحيلا و لا شرابهم مستحيلا من التراب و الماء و ~~الهواء كما هي أطعماتهم فى هذه النشأة و لهذا أبقى الله طعام الذي مر على ~~قرية و شرابه مائة عام لم يتغير و دلنا سبحانه بهذا على قدرته فإذا كان فى ~~دارالكون و الفساد يبقى الطعام الذي PageV17P260 هو رطب و عنب أو نحو ذلك و ~~الشراب الذي هو ماء أو ما فيه ماء مائة عام لم يتغير فقدرته سبحانه و تعالى ~~على أن يجعل الطعام و الشراب فى النشأة الأخرى لا يتغير بطريق الأولى و ~~الأخرى و هذه الأمور لبسطها موضع آخر # $ فصل والمقصود هنا أن التولد لابد له من أصلين و إن ظن ظان أن نفس ~~الهواء الذي بين الزنادين يستحيل نارا بسخونته من غير مادة تخرج منهما ~~تنقلب نارا فقد غلط و ذلك لأنه لا تخرج نار إن لم يخرج منهما مادة بالحك و ~~لا تخرج النار بمجرد الحك # و أيضا فإنهم يقدحون على شيء أسفل من الزنادين كالصوفان و الحراق فتنزل ~~النار عليه و إنما ينزل الثقيل فلولا أن هناك جزءا ثقيلا من الزناد الحديد ~~و الحجر لما نزلت النار و لو كان الهواء و حده إنقلب نارا لم ينزل لأن ~~الهواء طبعه الصعود لا الهبوط لكن بعد أن تنقلب المادة الخارجة نارا قد ~~ينقلب الهواء القريب منها نارا أما دخانا و إما لهيبا PageV17P261 و ~~المقصود أن المتولدات خلقت من أصلين كما خلق آدم من التراب و الماء و إلا ~~فالتراب المحض الذي لم يختلط به ماء لا يخلق منه شيء لا حيوان و لا نبات و ~~النبات جميعه إنما يتولد من أصلين أيضا و المسيح خلق من مريم و نفخة جبريل ~~كما قال تعالى ( ^ و مريم إبنة عمران التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ~~^ ( و قال ( @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ms1676 سويا قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا @QE@ ( # و قد ذكر المفسرون أن جبريل نفخ في جيب درعها و الجيب هو الطوق الذي فى ~~العنق ليس هو ما يسميه بعض العامة جيبا و هو ما يكون فى مقدم الثوب لوضع ~~الدراهم و نحوها و موسى لما أمره الله أن يدخل يده فى جيبه هو ذلك الجيب ~~المعروف في اللغة و ذكر أبو الفرج و غيره قولين هل كانت النفخة فى جيب ~~الدرع أو في الفرج فإن من قال بالأول قال فى فرج درعها و أن من قال هو مخرج ~~الولد قال الهاء كناية عن غير مذكور لأنه إنما نفخ فى درعها لا فى فرجها و ~~هذا ليس بشيء بل هو عدول عن صريح القرآن و هذا النقل إن كان ثابتا لم يناقض ~~القرآن و إن لم يكن ثابتا لم يلتفت إليه فإن من نقل أن جبريل نفخ في جيب ~~الدرع فمراده أنه صلى الله عليه و سلم PageV17P262 لم يكشف بدنها و كذلك ~~جبريل كان إذا أتى النبى صلى الله عليه و سلم و عائشة متجردة لم ينظر إليها ~~متجردة فنفخ فى جيب الدرع فوصلت النفخة إلى فرجها # و المقصود إنما هو النفخ فى الفرج كما أخبر الله به فى آيتين و إلا ~~فالنفخ فى الثوب فقط من غير و صول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن مع أنه لا ~~تأثير له في حصول الولد و لم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين و لا نقله أحد ~~عن عالم معروف من السلف # والمقصود هنا أن المسيح خلق من أصلين من نفخ جبريل و من أمه مريم # } # وهذا النفخ ليس هو النفخ الذي يكون بعد مضي أربعة أشهر و الجنين مضغة فإن ~~ذلك نفخ في بدن قد خلق و جبريل حين نفخ لم يكن المسيح خلق بعد و لا كانت ~~مريم حملت و إنما حملت به بعد النفخ بدليل قوله ( @QB@ قال إنما أنا ms1677 رسول ~~ربك لأهب لك غلاما زكيا @QE@ ( @QB@ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا @QE@ ( ~~فلما نفخ فيها جبريل حملت به و لهذا قيل فى المسيح ( @QB@ روح منه @QE@ ( ~~بإعتبار هذا النفخ و قد بين الله سبحانه أن الرسول الذي هو روحه و هو جبريل ~~هو الروح الذي خاطبها و قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا فقوله ( ~~^ و نفخنا فيها ^ ( أو ( @QB@ فيه من روحنا @QE@ ( أي من هذا الروح الذي هو ~~جبريل و عيسي روح من هذا الروح فهو روح من الله بهذا PageV17P263 الإعتبار ~~و من لإبتداء الغاية # والمقصود هنا أنه قد يكون الشيء من أصلين بإنقلاب المادة التى بينهما إذا ~~إلتقيا كان بينهما مادة فتنقلب و ذلك لقوة حك أحدهما بالآخر فلابد من نقص ~~أجزائها و هذا مثل تولد النار بين الزنادين إذا قدح الحجر بالحديد أو الشجر ~~بالشجر كالمرخ و العفار فإنه بقوة الحركة الحاصلة من قدح أحدهما بالآخر ~~يستحيل بعض أجزائها و يسخن الهواء الذي بينهما فيصير نارا و الزندان كلما ~~قدح أحدهما بالآخر نقصت أجزاؤهما بقوة الحك فهذه النار إستحالت عن الهواء و ~~تلك الأجزاء بسبب قدح أحد الزندين بالآخر # و كذلك النور الذي يحصل بسبب إنعكاس الشعاع على ما يقابل المضيء كالشمس و ~~النار فإن لفظ النور و الضوء يقال تارة على الجسم القائم بنفسه كالنار التى ~~في رأس المصباح و هذه لا تحصل إلا بمادة تنقلب نارا كالحطب و الدهن و ~~يستحيل الهواء أيضا نارا و لا ينقلب الهواء أيضا نارا إلا بنقص المادة التى ~~اشتعلت أو نقص الزندين و تارة يراد بلفظ النور و الضوء و الشعاع الشعاع ~~الذي يكون على الأرض و الحيطان من الشمس أو من النار فهذا عرض ليس بجسم ~~قائم بنفسه لابد له من محل يقوم به يكون قابلا به فلابد فى الشعاع من جسم ~~مضيء و لابد من شيء يقابله حتى ينعكس عليه الشعاع PageV17P264 # و كذلك النار الحاصلة في ذبالة المصباح إذا و ضعت في النار أو و ضع فيها ~~حطب ms1678 فإن النار تحيل أولا المادة التى هي الدهن أو الحطب فيسخن الهواء ~~المحيط بها فينقلب نارا و إنما ينقلب بعد نقص المادة و كذلك الريح التى ~~تحرك النار مثل ما تهب الريح فتشتعل النار فى الحطب و مثل ما ينفخ في الكير ~~و غيره تبقى الريح المنفوخة تضرم النار لما فى محل النار كالخشب و الفحم من ~~الإستعداد لإنقلابه نارا و ما في حركة الريح القوية من تحريك النار إلى ~~المحل القابل له و قد ينقلب أيضا الهواء القريب من النار فإن اللهب ~~هوالهواء إنقلب نارا مثل ما فى ذبالة المصباح و لهذا إذا طفئت صار دخانا و ~~هو هواء مختلط بنار كالبخار و هو هواء مختلط بماء و الغبار هواء مختلط ~~بتراب # وقد يسمى البخار دخانا ومنه قوله تعالى @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان @QE@ قال المفسرون بخار الماء كما جاءت الأثار إن الله خلق السموات من ~~بخار الماء وهو الدخان فإن الدخان الهواء المختلط بشيء حار ثم قد لا يكون ~~فيه ماء وهو وهو دخان الصرف وقد يكون فيه ماء فهو دخان وهو بخار كبخار ~~القدر وقد يسمى الدخان بخارا فيقال لمن استجمر بالطيب تبخر وإن كان لا ~~رطوبة هنا بل دخان الطيب سمي بخارا قال الجوهري بخار الماء ما يرتفع منه ~~كالدخان والبخور بالفتح ما يتبخر به لكن إنما يصير الهواء نارا PageV17P265 ~~بعد أن تذهب المادة التي انقلبت نارا كالحطب والدهن فلم تتولد النار إلا من ~~مادة كما يتولد الحيوان إلا من مادة $ فصل والمقصود أن كل ما يستعمل فيه ~~لفظ التولد من الأعيان القائمة فلابد أن يكون من أصلين و من إنفصال جزء من ~~الأصل و إذا قيل فى الشبع و الري إنه متولد أو في زهوق الروح و نحو ذلك من ~~الأعراض أنه متولد فلابد فى جميع ما يستعمل فيه هذا اللفظ من أصلين لكن ~~العرض يحتاج إلى محل لا يحتاج إلى مادة تنقلب عرضا بخلاف الأجسام فإنها ~~إنما تخلق من مواد تنقلب أجساما كما ms1679 تنقلب إلى نوع آخر كإنقلاب المنى علقة ~~ثم مضغة و غير ذلك من خلق الحيوان و النبات # و أما ما كان من أصل و أحد كحلق حواء من الضلع القصري لآدم و هو و إن كان ~~مخلوقا من مادة أخذت من آدم فلا يسمى هذا تولدا و لهذا لا يقال أن آدم و لد ~~حواء و لا يقال أنه أبو حواء بل خلق الله حواء من آدم كما خلق آدم من الطين ~~PageV17P266 # و أما المسيح فيقال أنه و لدته مريم و يقال المسيح بن مريم فكان المسيح ~~جزءا من مريم و خلق بعد نفخ الروح فى فرج مريم كما قال تعالى ( ^ و مريم ~~ابنة عمران التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا و صدقت بكلمات ربها و ~~كتبه و كانت من القانتين ^ ( و فى الأخرى ( ^ فنفخنا فيها من روحنا و ~~جعلناها و ابنها آية للعالمين ^ ( # و أما حواء فخلقها الله من مادة أخذت من آدم كما خلق آدم من المادة ~~الأرضية و هي الماء و التراب و الريح الذي أيبسته حتى صار صلصالا فلهذا لا ~~يقال إن آدم و لد حواء و لا آدم و لده التراب و يقال فى المسيح و لدته مريم ~~فإنه كان من أصلين من مريم و من النفخ الذي نفخ فيها جبريل قال الله تعالى ~~( ^ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ~~و لم يمسسنى بشر و لم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين و لنجعله آية ~~للناس و رحمة منا و كان أمرا مقضيا فحملته فإنتبذت به مكانا قصيا ^ ( إلى ~~آخر القصة فهي إنما حملت به بعد النفخ لم تحمل به مدة بلا نفخ ثم نفخت فيه ~~روح الحياة كسائر الآدميين ففرق بين النفخ للحمل و بين النفخ لروح الحياة ~~PageV17P267 فتبين أن ما يقال أنه متولد من غيره من ms1680 الأعيان القائمة بنفسها ~~فلا يكون إلا من مادة تخرج من ذلك الوالد و لا يكون إلا من أصلين و الرب ~~تعالى صمد فيمتنع أن يخرج منه شيء و هو سبحانه لم يكن له صاحبة فيمتنع أن ~~يكون له و لد # و أما ما يستعمل من تولد الأعراض كما يقال تولد الشعاع و تولد العلم عن ~~الفكر و تولد الشبع عن الأكل و تولدت الحرارة عن الحركة و نحو ذلك فهذا ليس ~~من تولد الأعيان مع أن هذا لابد له من محل و لابد له من أصلين و لهذا كان ~~قول النصاري أن المسيح إبن الله تعالى الله عن ذلك مستلزما لأن يقولوا إن ~~مريم صاحبة الله فيجعلون له زوجة و صاحبة كما جعلوا له و لدا و بأي معنى ~~فسروا كونه إبنه فإنه يفسر الزوجة بذلك المعنى و الأدلة الموجبة تنزيهه عن ~~الصاحبة توجب تنزيهه عن الولد فإذا كانوا يصفونه بما هو ابعد عن إتصافه به ~~كان إتصافه بما هو أقل بعدا لازما لهم و قد بسط هذا فى الرد على النصارى # $ فصل وهذا مما يبين أن ما نزه الله نفسه و نفاه عنه بقوله ^ لم يلد و لم ~~يولد ^ ( و بقوله ( ^ ألا إنهم من إفكهم ليقولون و لد الله و أنهم ~~PageV17P268 لكاذبون @QB@ وقوله @QE@ و جعلوا لله شركاء الجن و خلقهم و ~~خرقوا له بنين و بنات بغير علم سبحانه و تعالى عما يصفون بديع السموات و ~~الأرض أنى يكون له و لد و لم تكن له صاحبة و خلق كل شيء و هو بكل شيء عليم ~~^ ( يعم جميع الأنواع التى تذكر فى هذا الباب عن بعض الأمم كما أن نفاه من ~~إتخاذ الولد يعم أيضا جميع أنواع الإتخاذات الإصطفائية كما قال تعالى ( ^ و ~~قالت اليهود و النصاري نحن أبناء الله و أحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء و لله ملك السموات و الأرض ~~و ما بينهما و إليه ms1681 المصير ^ ( قال السدي قالوا إن الله أوحي إلي إسرائيل ~~إن و لدك بكرى من الولد فأدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم ~~و تأكل خطاياهم ثم ينادي مناد أخرجوا كل مختون من بنى إسرائيل # و قد قال تعالى ( ^ ما اتخذ الله من و لد و ما كان معه من إله ^ ( و قال ~~( ^ و قل الحمد لله الذي لم يتخذ و لدا و لم يكن له شريك فى الملك و لم يكن ~~له و لي من الذل ^ ( و قال ( ^ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا الذي له ملك السموات و الأرض و لم يتخذ و لدا و لم يكن له ~~شريك في الملك و خلق كل شيء فقدره تقديرا ^ و قال ( ^ و قالوا اتخذ الرحمن ~~و لدا سبحانه بل عباد مكرمون PageV17P269 لا يسبقونه بالقول و هم بأمره ~~يعملون يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم لا يشفعون إلا لمن إرتضي و هم من ~~خشيته مشفقون و من يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين ^ ( و قال ( ^ و قال الله لا تتخذوا إلهين إثنين إنما هو إله و ~~أحد فاياي فارهبون و له ما فى السموات و الأرض و له الدين و اصبا ^ ( إلى ~~قوله ( ^ و يجعلون لما لا يعلمون نصيبا ( إلى قوله ( و يجعلون لله البنات ~~سبحانه و لهم ما يشتهون ^ ( و قال ( ^ و لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى فى ~~جهنم ملوما مدحورا أفأصفاكم ربكم بالبنين و إتخذ من الملائكة إناثا إنكم ~~لتقولون قولا عظيما و لقد صرفنا فى هذا القرآن ليذكروا و ما يزيدهم إلا ~~نفورا قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لإبتغوا إلى ذي العرش سبيلا ^ ( و ~~قال ( ^ فاستفتهم ألربك البنات و لهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا و هم ~~شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون و لد الله و إنهم لكاذبون أصطفى البنات ~~على البنين ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين ms1682 فأتوا بكتابكم ~~إن كنتم صادقين و جعلوا بينه و بين الجنة نسبا و لقد علمت الجنة أنهم ~~لمحضرون سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين فإنكم و ما تعبدون ما ~~أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ^ ( و قال ( ^ أفرأيتم اللات و ~~العزى و مناة الثالثة الأخرى الكم الذكر و له الأنثى تلك إذا قسمة ضيزي إن ~~هي إلا أسماء PageV17P270 سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان أن يتبعون إلا الظن و ما تهوى الأنفس و لقد جاءهم من ربهم الهدي ^ ( ~~إلى قوله ( ^ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ^ ( ~~و قال تعالى ( ^ و جعلوا له من عباده جزءا ^ ( # قال بعض المفسرين ( ^ جزءا ^ أي نصيبا و بعضا و قال بعضهم جعلوا لله ~~نصيبا من الولد و عن قتادة و مقاتل عدلا و كلا القولين صحيح فإنهم يجعلون ~~له و لدا و الولد يشبه أباه و لهذا قال ( ^ و إذ بشر أحدهم بما ضرب للرحمن ~~مثلا ظل و جهه مسودا ^ ( أي البنات كما قال في الآية الأخرى ( ^ و إذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ^ ( فقد جعلوها للرحمن مثلا و جعلوا له من عباده جزءا فإن ~~الولد جزء من الوالد كما تقدم قال صلى الله عليه و سلم ( إنما فاطمة بضعة ~~منى ( و قوله ( ^ و جعلوا لله شركاء الجن و خلقهم و خرقوا له بنين و بنات ~~بغير علم ^ ( قال الكلبي نزلت في الزنادقة قالوا إن الله و إبليس شريكان ~~فالله خالق النور و الناس و الدواب و الأنعام و إبليس خالق الظلمة و السباع ~~و الحيات و العقارب # و أما قوله ( ^ و جعلوا بينه و بين الجنة نسبا ^ ( فقيل هو قولهم ~~الملائكة بنات الله و سمى الملائكة جنا لإجتنانهم عن الأبصار و هو قول ~~مجاهد و قتادة و قيل قالوا لحي من الملائكة يقال لهم الجن PageV17P271 و ~~منهم إبليس و هم بنات الله و قال الكلبى قالوا لعنهم الله بل تزوج من الجن ~~فخرج بينهما الملائكة ms1683 # و قوله ( ^ و خرقوا له بنين و بنات بغير علم ^ ( قال بعض المفسرين ~~كالثعلبى و هم كفار العرب قالوا الملائكة و الأصنام بنات الله و اليهود ~~قالوا عزير إبن الله و النصاري قالوا المسيح إبن الله # $ فصل وأما الذين كانوا يقولون من العرب أن الملائكة بنات الله و ما نقل ~~عنهم من أنه صاهر الجن فولدت له الملائكة فقد نفاه الله عنه بإمتناع ~~الصاحبة و بإمتناع أن يكون منه جزء فإنه صمد و قوله ( ^ و لم تكن له صاحبة ~~^ ( و هذا كما تقدم من أن الولادة لا تكون إلا من أصلين سواء فى ذلك تولد ~~الأعيان التى تسمى الجواهر و تولد الأعراض و الصفات بل و لا يكون تولد ~~الأعيان إلا بإنفصال جزء من الوالد فإذا إمتنع أن يكون له صاحبة إمتنع أن ~~يكون له و لد و قد علموا كلهم أن لا صاحبة له و لا من الملائكة و لا من ~~الجن و لا من الإنس فلم يقل أحد منهم أن له صاحبة فلهذا إحتج بذلك عليهم و ~~ما حكى عن بعض كفار العرب أنه صاهر الجن فهذا فيه نظر و ذلك PageV17P272 إن ~~كان قد قيل فهو مما يعلم إنتفاؤه من و جوه كثيرة وكذلك ما قالته النصاري من ~~أن المسيح إبن الله و ما قاله طائفة من اليهود أن العزير إبن الله فإنه قد ~~نفاه سبحانه بهذا و بهذا # فإن قيل أما عوام النصاري فلا تنضبط أقوالهم و أما الموجود في كلام ~~علمائهم و كتبهم فإنهم يقولون أن أقنوم الكلمة و يسمونها الإبن تدرع المسيح ~~أي إتخذه درعا كما يتدرع الإنسان قميصه فاللاهوت تدرع الناسوت و يقولون ~~بإسم الاب و الإبن و روح القدس إله و أحد قيل قصدهم أن الرب موجود حي عليم ~~فالموجود هو الأب و العلم هو الإبن و الحياة هو روح القدس هذا قول كثير ~~منهم و منهم من يقول بل موجود عالم قادر و يقول العلم هو الكلمة و هو ~~المتدرع و القدرة ms1684 هي روح القدس فهم مشتركون فى أن المتدرع هو أقنوم الكلمة ~~و هي الإبن # ثم إختلفوا فى التدرع و إختلفوا هل هما جوهر أو جوهران و هل لهما مشيئة ~~أو مشيئتان و لهم فى الحلول و الإتحاد كلام مضطرب ليس هذا موضع بسطه فإن ~~مقالة النصاري فيها من الإختلاف بينهم ما يتعذر ضبطه فإن قولهم ليس مأخوذا ~~عن كتاب منزل و لا نبى مرسل و لا هو موافق لعقول العقلاء فقالت اليعقوبية ~~صار جوهرا و احدا و طبيعة و احدة و أقنوما و احدا كالماء في اللبن و قالت ~~PageV17P273 النسطورية بل هما جوهران و طبيعتان و مشيئتان لكن حل اللاهوت ~~فى الناسوت حلول الماء فى الظرف و قالت الملكية بل هما جوهر و أحد له ~~مشيئتان و طبيعتان أو فعلان كالنار فى الحديد # و قد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى ( @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله هو المسيح ابن مريم @QE@ ( هم اليعقوبية و فى قوله ( ^ و قالت النصارى ~~المسيح ابن الله ^ ) هم الملكية و قوله ( @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة @QE@ ( هم النسطورية و ليس بشيء بل الفرق الثلاث تقول المقالات ~~التى حكاها الله عز و جل عن النصارى فكلهم يقولون إنه الله و يقولون إنه ~~إبن الله و كذلك فى أمانتهم التى هم متفقون عليها يقولون إله حق من إله حق ~~و أما قوله ( @QB@ ثالث ثلاثة @QE@ فإنه قال تعالى ( ^ و إذ قال الله يا ~~عيسى إبن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى و أمي إلهين من دون الله قال سبحانك ~~ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ^ ( # قال أبو الفرج إبن الجوزي فى قوله ( @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة @QE@ ( قال المفسرون معنى الآية أن النصارى قالوا بأن الإلهية ~~مشتركة بين الله و عيسى و مريم كل و أحد منهم إله و ذكر عن الزجاج الغلو ~~مجاوزة القدر في الظلم و غلو النصارى في عيسى قول بعضهم هو الله و قول ~~بعضهم ms1685 هو إبن الله و قول بعضهم هو PageV17P274 ثالث ثلاثة # } # فعلماء النصارى الذين فسروا قولهم هو إبن الله بما ذكروه من أن الكلمة هي ~~الإبن و الفرق الثلاثة متفقة على ذلك و فساد قولهم معلوم بصريح العقل من و ~~جوه # ( أحدها ( أنه ليس فى شيء من كلام الأنبياء تسمية صفة الله إبنا لا كلامه ~~و لا غيره فتسميتهم صفة الله إبنا تحريف لكلام الأنبياء عن مواضعه و ما ~~نقلوه عن المسيح من قوله عمدوا الناس بإسم الأب و الإبن و روح القدس لم يرد ~~بالإبن صفة الله التى هي كلمته و لا بروح القدس حياته فإنه لا يوجد فى كلام ~~الأنبياء إرادة هذا المعنى كما قد بسط هذا فى الرد على النصارى # ( الوجه الثاني ( أن هذه الكلمة التى هي الإبن أهي صفة الله قائمة به أم ~~هي جوهر قائم بنفسه فإن كانت صفته بطل مذهبهم من و جوه ( أحدها ( أن الصفة ~~لا تكون إلها يخلق و يرزق و يحيى و يميت و المسيح عندهم إله يخلق و يرزق و ~~يحيى و يميت فإذا كان الذي تدرعه ليس بإله فهو أولى أن لا يكون إلها ( ~~الثاني ( # أن الصفة لا تقوم بغير الموصوف فلا تفارقه و إن قالوا نزل عليه كلام الله ~~أو قالوا أنه الكلمة أو غير ذلك فهذا قدر مشترك بينه و بين سائر الأنبياء ~~PageV17P275 ( الثالث ( أن الصفة لا تتحد و تتدرع شيئا إلا مع الموصوف ~~فيكون الأب نفسه هو المسيح و النصارى متفقون على أنه ليس هو الأب فإن قولهم ~~متناقض ينقض بعضه بعضا يجعلونه إلها يخلق و يرزق و لا يجعلونه الأب الذي هو ~~الإله و يقولون إله و أحد و قد شبهه بعض متكلميهم كيحيى بن عدى بالرجل ~~الموصوف بأنه طبيب و حاسب و كاتب و له بكل صفة حكم فيقال هذا حق لكن قولهم ~~ليس نظير هذا فإذا قلتم أن الرب موجود حي عالم و له بكل صفة حكم فمعلوم أن ~~المتحد إن كان هو الذات المتصفة ms1686 فالصفات كلها تابعة لها فإنه إذا تدرع زيد ~~الطبيب الحاسب الكاتب درعا كانت الصفات كلها قائمة به و إن كان المتدرع صفة ~~دون صفة عاد المحذور و إن قالوا المتدرع الذات بصفة دون صفة لزم إفتراق ~~الصفتين و هذا ممتنع فإن الصفات القائمة بموصوف و أحد و هي لازمة له لا ~~تفترق و صفات المخلوقين قد يمكن عدم بعضها مع بقاء الباقي بخلاف صفات الرب ~~تبارك و تعالى # ( الرابع ( أن المسيح نفسه ليس هو كلمات الله و لا شيئا من صفاته بل هو ~~مخلوق بكلمة الله و سمي كلمة لأنه خلق بكن من غير الحبل المعتاد كما قال ~~تعالى ( @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون @QE@ ( و قال تعالى ( ^ ذلك عيسى PageV17P276 ابن مريم قول الحق الذي ~~فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من و لد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له ~~كن فيكون ^ ( و لو قدر أنه نفسه كلام الله كالتوراة و الإنجيل و سائر كلام ~~الله لم يكن كلام الله و لا شيء من صفاته خالقا و لا ربا و لا إلها ~~فالنصارى إذا قالوا إن المسيح هو الخالق كانوا ضالين من جهة جعل الصفة ~~خالقة و من جهة جعله هو نفس الصفة و إنما هو مخلوق بالكلمة ثم قولهم ~~بالتثليب و إن الصفات ثلاث باطل و قولهم ايضا بالحلول و الإتحاد باطل ~~فقولهم يظهر بطلانه من هذه الوجوه و غيرها # فلو قالوا أن الرب له صفات قائمة به و لم يذكروا إتحادا و لا حلولا كان ~~هذا قول جماهير المسلمين المثبتين للصفات و إن قالوا أن الصفات أعيان قائمة ~~بنفسها فهذا مكابرة فهم يجمعون بين المتناقضين و ايضا فجعلهم عدد الصفات ~~ثلاثة باطل فإن صفات الرب أكثر من ذلك فهو سبحانه موجود حي عليم قدير و ~~الأقانيم عندهم التى جعلوها الصفات ليست إلا ثلاثة و لهذا تارة يفسرونها ~~بالوجود و الحياة و العلم و تارة يفسرونها بالوجود و ms1687 القدرة و العلم و ~~إضطرابهم كثير فإن قولهم فى نفسه باطل و لا يضبطه عقل عاقل و لهذا يقال لو ~~إجتمع عشرة من النصارى لإفترقوا على أحد عشر قولا PageV17P277 و ايضا ~~فكلمات الله كثيرة لا نهاية لها كما قال سبحانه و تعالى ( ^ قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى و لو جئنا بمثله ~~مددا ^ ( و هذا قول جماهير الناس من المسلمين و غير المسلمين و هذا مذهب ~~سلف الأمة الذين يقولون لم يزل سبحانه متكلما بمشيئته و قول من قال أنه لم ~~يزل قادرا على الكلام لكن تكلم بمشيئته كلاما قائما بذاته حادثا و قول من ~~قال كلامه مخلوق فى غيره # وأما من قال كلامه شيء و أحد قديم العين فهؤلاء منهم من يقول أنه أمور لا ~~نهاية لها مع ذلك و منهم من يقول بل هو معنى و أحد و لكن العبارات عنه ~~متعددة و هؤلاء يمتنع عندهم أن يكون ذلك المعنى قائما بغير الله و إنما ~~يقوم بغيره عندهم العبارات المخلوقة و يمتنع أن يكون المسيح شيئا من تلك ~~العبارات فاذا إمتنع أن يكون المسيح غير كلام الله على قول هؤلاء فعلى قول ~~الجمهور أشد امتناعا لأن كلمات الله كثيرة و المسيح ليس هو جميعها بل و لا ~~مخلوقا بجميعها و إنما خلق بكلمة منها و ليس هوعين تلك الكلمة فإن الكلمة ~~صفة من الصفات و المسيح عين قائم بنفسه # ثم يقال لهم نسميتكم العلم و الكلمة و لدا و ابنا تسمية باطلة بإتفاق ~~العلماء و العقلاء و لم ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء قالوا لأن الذات ~~PageV17P278 يتولد عنها العلم و الكلام كما يتولد ذلك عن نفس الرجل العالم ~~منها فيتولد من ذاته العلم و الحكمة و الكلام فلهذا سميت الكلمة إبنا قيل ~~هذا باطل من و جوه # أحدها أن صفاتنا حادثة تحدث بسبب تعلمنا و نظرنا و فكرنا و إستدلالنا و ~~أما كلمة الرب و علمه فهو قديم لازم ms1688 لذاته فيمتنع أن يوصف بالتولد إلا أن ~~يدعي المدعي أن كل صفة لازمة لموصوفها متولدة عنه و هي إبن له و معلوم أن ~~هذا من أبطل الأمور فى العقول و اللغات فإن حياة الإنسان و نطقه و غير ذلك ~~من صفاته اللازمة له لا يقال إنها متولدة عنه و إنها ابن له و أيضا فيلزم ~~أن تكون حياة الرب ايضا إبنه و متولدة و كذلك قدرته و إلا فما الفرق بين ~~تولد العلم و تولد الحياة و القدرة و غير ذلك من الصفات # و ثانيها أن هذا إن كان من باب تولد الجواهر و الأعيان القائمة بنفسها ~~فلابد له من اصلين و لابد أن يخرج من الأصل جزء و أما علمنا و قولنا فليس ~~عينا قائما بنفسه و إن كان صفة قائمة بموصوف و عرضا قائما فى محل كعلمنا و ~~كلامنا فذاك أيضا لا يتولد إلا عن أصلين و لابد له من محل يتولد فيه و ~~الواحد منا لا يحدث له العلم و الكلام إلا بمقدمات تتقدم على ذلك و تكون ~~أصولا للفروع و يحصل العلم و الكلام فى محل لم يكن حاصلا فيه قبل ذلك ~~PageV17P279 # فإن قلتم أن علم الرب كذلك لزم أن يصير عالما بالأشياء بعد ان لم يكن ~~عالما بها و أن تصير ذاته متكلمة بعد أن لم يكن متكلما و هذا مع أنه كفر ~~عند جماهير الأمم من المسلمين و النصارى و غيرهم فهو باطل في صريح العقل ~~فإن الذات التى لا تكون عالمة يمتنع أن تجعل نفسها عالمة بلا أحد يعلمها و ~~الله تعالى يمتنمع عليه أن يكون متعلما من خلقه و كذلك الذات التى تكون ~~عاجزة عن الكلام يمتنع أن تصير قادرة عليه بلا أحد يجعلها قادرة و الواحد ~~منها لا يولد جميع علومه بل ثم علوم خلقت فيه لا يستطيع دفعها فاذا نظر ~~فيها حصلت له علوم أخرى لا يقول أحد من بني آدم أنه الإنسان أن يولد علومه ~~كلها أنه يجعل نفسه ms1689 متكلمة بعد أن لم تكن متكلمة بل الذي يقدره على النطق ~~هو الذي انطق كل شيء فإن قالوا ان الرب يولد بعض علمه و بعض كلامه دون بعض ~~بطل تسمية العلم الذي هو الكلمة مطلقا الإبن و صار لفظ الإبن إنما يسمى به ~~بعض علمه أو بعض كلامه و هم يدعون أن المسيح هو الكلمة و هو أقنوم العلم ~~مطلقا و ذلك ليس متولدا عنه كله و لا يسمى كله إبنا باتفاق العقلاء ( # و ثالثها ( أن يقال تسمية علم العالم و كلامه و لدا له لا يعرف في شيء من ~~اللغات المشهورة و هو باطل بالعقل فإن علمه و كلامه كقدرته و علمه فإن ~~PageV17P280 جاز هذا جاز تسمية صفات الإنسان كلها الحادثة متولدات عنه له و ~~تسميتها أبناءه و من قال من أهل الكلام القدرية أن العلم الحاصل بالنظر ~~متولد عنه فهو كقوله إن الشبع و الري متولد من الأكل و الشرب لا يقول ان ~~العلم إبنه و ولده كما لا يقول إن الشبع و الري إبنه و لا و لده لأن هذا من ~~باب تولد الأعراض و المعانى القائمة بالإنسان و تلك لا يقال إنها أولاده و ~~أبناؤه و من إستعار فقال بنيات فكره فهو كما يقال بنيات الطريق و يقال إبن ~~السبيل و يقال لطير الماء إبن ماء و هذه تسمية مقيدة قد عرف أنها ليس ~~المراد بها ما هو المعقول من الأب و الإبن و الوالد و الولد و أيضا فكلام ~~الأنبياء ليس فى شيء منه تسمية شيء من صفات الله إبنا فمن حمل شيئا من كلام ~~الأنبياء على ذلك فقد كذب عليهم و هذا مما يقر به علماء النصارى و ما و جد ~~عندهم من لفظ الإبن فى حق المسيح و اسرائيل و غيرهما فهو إسم للمخلوق لا ~~لشيء من صفات الخالق و المراد به أنه مكرم معظم # و رابعها أن يقال فإذا قدر أن الأمر كذلك فالذي حصل للمسيح إن كان هو ما ~~علمه الله ms1690 إياه من علمه و كلامه فهذا موجود لسائر النبيين فلا معنى لتخصيصه ~~بكونه إبن الله و إن كان هو أن العلم و الكلام إله اتحد به فيكون العلم و ~~الكلام جوهرا قائما بنفسه فإن كان هو الأب فيكون المسيح هو الأب و إن كان ~~العلم و الكلام جوهرا آخر فيكون إلهان قائمان PageV17P281 بانفسهما فتبين ~~فساد ما قالوه بكل و جه # و خامسها أن يقال من المعلوم عند الخاصة و العامة أن المعنى الذي خص به ~~المسيح إنما هو ان خلق من غير أب فلما لم يكن له أب من البشر جعل النصاري ~~الرب أباه و بهذا ناظر نصارى نجران النبى صلى الله عليه و سلم و قالوا إن ~~لم يكن هو إبن الله فقل لنا من أبوه فعلم ان النصارى إنما ادعوا فيه البنوة ~~الحقيقية و أن ما ذكر من كلام علمائهم هو تأويل منهم للمذهب ليزيلوا به ~~الشناعة التى لا يبلغها عاقل و إلا فليس فى جعله إبن الله و جه يختص به ~~معقول فعلم أن النصارى جعلوه إبن الله و أن الله أحبل مريم و الله هو أبوه ~~و ذلك لا يكون إلا بإنزال جزء منه فيها و هو سبحانه الصمد و يلزمهم أن تكون ~~مريم صاحبة و زوجة له و لهذا يتأولونها كما أخبر الله عنهم و أي معنى ذكروه ~~فى بنوة عيسى غير هذا لم يكن فيه فرق بين عيسى و بين غيره و لا صار فيه ~~معنى البنوة بل قالوا كما قال بعض مشركي العرب أنه صاهر الجن فولدت له ~~الملائكة و إذا قالوا اتخذه إبنا على سبيل الإصطفاء فهذا هو المعنى الفعلي ~~و سيأتي إن شاء الله تعالى إبطاله # وقوله تعالى @QB@ وروح منه @QE@ ليس فيه أن بعض الله صار في عيسى بل من ~~لإبتداء الغاية كما قال ^ وسخر لكم ما في السموات PageV17P282 وما في الأرض ~~جميعا ^ وقال ^ وما بكم من نعمة فمن الله ^ وما أضيف إلى الله أو قيل هو ~~منه فعلى وجهين إن ms1691 كان عينا قائما بنفسها فهو مملوك له ومن لابتداء الغاية ~~كما قال تعالى ^ فأرسلنا إليها روحنا ^ وقال في المسيح ^ وروح منه ^ وما ~~كان صفة لا يقوم بنفسه كالعلم والكلام فهو صغة له كما يقال كلام الله وعلم ~~الله وكما قال تعالى ^ قل نزل روح القدس من ربك بالحق ^ وقال ^ والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ^ # و ألفاظ المصادر يعبر بها عن المفعول فيسمى المأمور به أمرا و المقدور ~~قدرة و المرحوم به رحمة و المخلوق بالكلمة كلمة فإذا قيل فى المسيح أنه ~~كلمة الله فالمراد به أنه خلق بكلمة قوله كن و لم يخلق على الوجه المعتاد ~~من البشر و إلا فعيسى بشر قائم بنفسه ليس هو كلاما صفة للمتكلم يقوم به و ~~كذلك إذا قيل عن المخلوق أنه أمر الله فالمراد أن الله كونه بأمره كقوله ( ~~^ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ^ ( و قوله ( ^ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها ~~سافلها و أمطرنا عليها حجارة من سجيل ^ ( فالرب تعالى أحد صمد لا يجوز أن ~~يتبعض و يتجزأ فيصير بعضه فى غيره سواء سمى ذلك روحا أو غيره فبطل ما ~~يتوهمه النصارى من كونه ابنا له و تبين أنه عبد من عباد الله # و قد قيل منشأ ضلال القوم أنه كان فى لغة من قبلنا يعبر PageV17P283 عن ~~الرب بالأب و بالإبن عن العبد المربي الذي يربه الله و يربيه فقال المسيح ~~عمدوا الناس بإسم الأب و الابن و روح القدس فأمرهم أن يؤمنوا بالله و ~~يؤمنوا بعبده و رسوله المسيح و يؤمنوا بروح القدس جبريل فكانت هذه الأسماء ~~لله و لرسوله الملكى و رسوله البشري قال الله تعالي ( ^ الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا و من الناس ^ # وقد أخبر تعالى فى غير آية أنه أيد المسيح بروح القدس و هو جبريل عند ~~جمهور المفسرين كقوله تعالى ( ^ و لقد آتينا موسى الكتاب و قفينا من بعده ~~بالرسل و آتينا عيسى إبن مريم البينات و أيدناه بروح القدس ^ ( فعند جمهور ~~المفسرين أن ms1692 روح القدس هو جبريل بل هذا قول إبن عباس و قتادة و الضحاك و ~~السدى و غيرهم و دليل هذا قوله تعالى ( ^ و إذا بدلنا آية مكان آية و الله ~~أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس ~~من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا و هدي و بشري للمسلمين ^ و روى الضحاك عن ~~ابن عباس أنه الإسم الذي كان يحيى به الموتى و عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم ~~أنه الانجيل و قال تعالى ( ^ أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه ~~^ ( و قال تعالى ( ^ و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ^ ( و ~~قال تعالى ( ^ ينزل PageV17P284 الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من ~~عباده ^ ( فما ينزله الله فى قلوب أنبيائه مما تحيا به قلوبهم من الإيمان ~~الخالص يسميه روحا و هو ما يؤيد الله به المؤمنين من عباده فكيف بالمرسلين ~~منهم و المسيح عليه السلام من أولي العزم فهو أحق بهذا من جمهور الرسل و ~~الأنبياء و قال تعالى ( ^ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ~~و رفع بعضهم درجات و آتينا عيسى ابن مريم البينات و أيدناه بروح القدس ^ ( ~~و قد ذكر الزجاج في تأييده بروح القدس ثلاثة أوجه # ( أحدها ( أنه أيده به لإظهار أمره و دينه ( # الثاني ( لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله # ( الثالث ( أنه أيده به فى جميع أحواله # ومما يبين ذلك أن لفظ الإبن فى لغتهم ليس مختصا بالمسيح بل عندهم أن الله ~~تعالى قال فى التوراة لإسرائيل أنت ابنى بكري و المسيح كان يقول أبى و ~~أبوكم فيجعله أبا للجميع و يسمى غيره ابنا له فعلم أنه لا اختصاص للمسيح ~~بذلك و لكن النصاري يقولون هو ابنه بالطبع و غيره ابنه بالوضع فيفرقون فرقا ~~لا دليل عليه ثم قولهم هو إبنه بالطبع يلزم عليه ms1693 من المحالات عقلا و سمعا ~~ما يبين بطلانه # PageV17P285 $ فصل # وأما ما يقوله الفلاسفة القائلون بأن العالم قديم صدر عن علة موجبة بذاته ~~و أنه صدر عنه عقل ثم عقل ثم عقل إلى تمام عشرة عقول و تسعة أنفس و قد ~~يجعلون العقل بمنزلة الذكر و النفس بمنزلة الأنثى فهؤلاء قولهم أفسد من قول ~~مشركي العرب و أهل الكتاب عقلا و شرعا و دلالة القرآن على فساده أبلغ و ذلك ~~من و جوه # أحدها أن هؤلاء يقولون بقدم الأفلاك و قدم هذه الروحانيات التى يثبتونها ~~و يسمونها المجردات و المفارقات و الجواهر العقلية و أن ذلك لم يزل قديما ~~أزليا و ما كان قديما أزليا إمتنع أن يكون مفعولا بوجه من الوجوه و لا يكون ~~مفعولا إلا ما كان حادثا و هذه قضية بديهية عند جماهير العقلاء و عليها ~~الأولون و الآخرون من الفلاسفة و سائر الأمم و لهذا كان جماهير الأمم ~~يقولون كل ممكن أن يوجد و أن لا يوجد فلا يكون إلا حادثا و إنما إدعى و جود ~~ممكن قديم معلول طائفة من المتأخرين كابن سينا ة ومن و افقه زعموا أن الفلك ~~PageV17P286 قديم معلول لعلة قديمة و أما الفلاسفة القدماء فمن كان منهم ~~يقول بحدوث الفلك و هم جمهورهم و من كان قبل ارسطو فهؤلاء موافقون لأهل ~~الملل و من قال بقدم الفلك كارسطو و شيعته فإنما يثبتون له علة غائية يتشبه ~~الفلك بها لا يثبتون له علة فاعلة و ما يثبتونه من العقول و النفوس فهو من ~~جنس الفلك كل ذلك قديم و اجب نفسه و إن كان له علة غائية و هؤلاء أكفر من ~~هؤلاء المتأخرين لكن الغرض أن يعرفوا أن قول هؤلاء ليس قول أولئك # الثاني أن هؤلاء يقولون إن الرب و أحد و الواحد لا يصدر عنه إلا و أحد و ~~يعنون بكونه و احدا أنه ليس له صفة ثبوتية أصلا و لا يعقل فيه معان متعددة ~~لأن ذلك عندهم تركيب و لهذا يقولون ms1694 لا يكون فاعلا و قابلا لأن جهة الفعل ~~غير جهة القبول و ذلك يستلزم تعدد الصفة المستلزم للتركيب و مع هذا يقولون ~~أنه عاقل و معقول و عقل و عاشق و معشوق و عشق و لذيذ و ملتذ و لذة إلى غير ~~ذلك من المعانى المتعددة و يقولون إن كل و احدة من هذه الصفات هي الصفة ~~الأخرى و الصفة هي الموصوف و العلم هو القدرة و هو الإرادة و العلم هو ~~العالم و هو القادر # و من المتأخرين منهم من قال العلم هو المعلوم فاذا تصور العاقل أقوالهم ~~حق التصور تبين له أن هذا الواحد الذي أثبتوه لا يتصور PageV17P287 و جوده ~~إلا في الأذهان لا فى الأعيان و قد بسط الكلام عليه و بين فساد ما يقولونه ~~فى التوحيد و الصفات و بين فساد شبه التركيب من و جوه كثيرة فى مواضع غير ~~هذا و اذا كان كذلك فالأصل الذي بنوا عليه قولهم ( أن الواحد لا يصدر عنه ~~إلا و أحد ( أصل فاسد # الثالث أن يقال قولهم بصدور الأشياء مع ما فيها من الكثرة و الحدوث عن و ~~أحد بسيط فى غاية الفساد # الرابع أنه لا يعلم فى العالم و أحد بسيط صدر عنه شيء لا و أحد و لا ~~اثنان فهذه الدعوى الكلية لا يعلم ثبوتها في شيء أصلا # الخامس أنهم يقولون صدر عنه و أحد و عن ذلك الواحد عقل و نفس و فلك فيقال ~~إن كان الصادر عنه و احدا من كل و جه فلا يصدر عن هذا الواحد الا و أحد ~~أيضا فيلزم أن يكون كل ما فى العالم إنما هو و أحد عن و أحد و هو مكابرة و ~~إن كان في الصادر الأول كثرة ما بوجه من الوجوه فقد صدر عن الأول ما فيه ~~كثرة ليس و احدا من كل و جه فقد صدر عن الواحد ما ليس بواحد # و لهذا اضطرب متأخروهم فأبو البركات صاحب ( المعتبر ( أبطل هذا القول و ~~رده غاية ms1695 الرد و ابن رشد الحفيد زعم أن الفلك بما فيه صادر عن الأول و ~~الطوسي و زير الملاحدة يقرب من هذا فجعل الأول PageV17P288 شرطا فى الثاني ~~و الثاني شرطا فى الثالث و هم مشتركون في الضلال و هو إثبات جواهر قائمة ~~بنفسها أزلية مع الرب لم تزل و لا تزال معه لم تكن مسبوقة بعدم و جعل الفلك ~~أيضا أزليا و هذا و حده فيه من مخالفة صريح المعقول و الكفر بما جاءت به ~~الرسل ما فيه كفاية فكيف إذا ضم إليه غير ذلك من أوقاويلهم المخالفة للعقل ~~و النقل # الوجه السادس أن الصوادر المعلومة في العالم انما تصدر عن اثنين و أما و ~~أحد و حده فلا يصدر عنه شيء كما تقدم التنبيه عليه في المتولدات من الأعيان ~~و الأعراض و كل ما يذكرونه من صدور الحراراة عن الحار و البرودة عن البارد ~~و الشعاع عن الشمس و غير ذلك فإنما هو صدور أعراض و مع هذا فلابد لها من ~~أصلين و أما صدور الأعيان عن غيرها فهذا لا يعلم الا بالولادة المعروفة و ~~تلك لا تكون الا بإنفصال جزء من الأصل و هذا الصدور و التولد و المعلولية ~~التى يدعونها في العقول و النفوس و الأفلاك يقولون أنها جواهر قائمة ~~بأنفسها صدرت عن جوهر و أحد بسيط فهذا من أبطل قول قيل فى الصدور و التولد ~~لأن فيه صدور جواهر عن جوهر و أحد و هذا لا يعقل و فيه صدوره عنه من غير ~~جزء منفصل من الأصل و هذا لا يعقل و هم غاية ما عندهم أن يشبهوا هذا بحدوث ~~بعض الأعراض كالشعاع عن الشمس و حركة الخاتم عن حركة اليد و هذا تمثيل ~~PageV17P289 باطل لأن تلك ليست علة فاعلة و إنما هي شرط فقط و الصادر هناك ~~لم يكن عن أصل و أحد بل عن أصلين و الصادر عرض لا جوهر قائم بنفسه # فتبين أن ما ذكره هؤلاء من التولد العقلي الذي يدعونه من أبعد الأمور ms1696 عن ~~التولد و الصدور و هو أبعد من قول النصارى و مشركى العرب و هم جعلوا ~~مفعولاته بمنزلة صفة أزلية لازمة لذاته و قد ذكرنا أن هذا مما يمتنع أن ~~يقال فيه أنه متولد عنه و حينئذ فهم فى دعواهم إلهية العقول و النفوس و ~~الكواكب أكفر من هؤلاء و هؤلاء و من جعل من المنتسبين إلى الملل منهم هؤلاء ~~هم الملكية فقوله في جعل الملائكة متولدين عن الله شر من قول العرب و عوام ~~النصارى فإن أولئك أثبتوا و لادة حسية و كونه صمدا يبطلها لكن ما أثبتوه ~~معقول و هؤلاء ادعوا تولدا عقليا باطلا من كل و جه أبطل مما ادعته النصارى ~~من تولد الكلمة عن الذات فكان نفى ما ادعوه أولى من نفى ما ادعاه أولئك لأن ~~المحال الذي يعلم امتناعه فى الخارج لا يمكن تصوره موجودا في الخارج فانه ~~يمتنع و جوده فى الخارج بل هو يفرض في الذهن و جوده فى الخارج و ذلك إنما ~~يمكن إذا كان له نظير من بعض الوجوه فيقدر له فى الوجود الخارجي ما يشبهه ~~كما إذا قدر مع الله إلها آخر و قدر أن له و لدا فانه يشبه من له و لد من ~~العباد و من له شريك من PageV17P290 العباد ثم يبين امتناع ذلك عليه فكلما ~~كان المحال أبعد عن مشابهة الموجود كان أعظم استحالة # والولادة التى ادعتها النصارى ثم هؤلاء الفلاسفة أبعد عن مشابهة الولادة ~~المعلومة من الولادة التى ادعاها بعض مشركي العرب و عوام النصارى و اليهود ~~فكانت هذه الولادة العقلية أشد استحالة من تلك الولادة الحسية اذ الولادة ~~الحسية تعقل فى الأعيان القائمة بنفسها و أما الولادة العقلية فلا تعقل في ~~الأعيان أصلا و أيضا فأولئك أثبتوا و لادة من أصلين و هذا هو الولادة ~~المعقولة و هؤلاء أثبتوا و لادة من أصل و أحد و أولئك أثبتوا و لادة ~~بانفصال جزء و هذا معقول و هؤلاء أثبتوا و لادة بدون ذلك و هو لايعقل ms1697 و ~~أولئك أثبتوا و لادة قاسوها على و لادة الأعيان للأعيان و هؤلاء أثبتوا و ~~لادة قاسوها على تولد الأعراض عن الأعيان فعلم أن قول أولئك أقرب إلى ~~المعقول و هو باطل كما بين الله فساده و انكره فقول هؤلاء أولى بالبطلان و ~~هذا كما أن الله اذا كفر من أثبت مخلوقا يتخذ شفيعا معبودا من دون الله فمن ~~أثبت قديما دون الله يعبد و يتخذ شفيعا كان أولى بالكفر و من أنكر المعاد ~~مع قوله بحدوث هذا العالم فقد كفره الله فمن أنكره مع قوله بقدم العالم فهو ~~اعظم كفرا عند الله تعالى # و هذا كما أن النبى صلى الله عليه و سلم لما نهى أمته عن مشابهة ~~PageV17P291 فارس المجوس و الروم و النصاري فنهيه عن مشابهة الروم اليونان ~~المشركين و الهند المشركين أعظم و اعظم و اذا كان ما دخل في بعض المسلمين ~~من مشابهة اليهود و النصارى و فارس و الروم مذموما عند الله و رسوله فما ~~دخل من مشابهة اليونان و الهند و الترك المشركين و غيرهم من الأمم الذين هم ~~أبعد عن الإسلام من أهل الكتاب و من فارس و الروم أولى أن يكون مذموما عند ~~الله تعالى و أن يكون ذمه أعظم من ذاك # فهؤلاء الأمم الذين هم أبعد عن الإسلام الذين ابتلى بهم أواخر المسلمين ~~شر من الأمم الذين ابتلى بهم أوائل المسلمين و ذلك لأن الإسلام كان أهله ~~أكمل و أعظم علما و دينا فإذا ابتلى بمن هو أرجح من هؤلاء غلبهم المسلمون ~~لفضل علمهم و دينهم و أما هؤلاء المتأخرون فالمسلمون و إن كانوا أنقص من ~~سلفهم فإنه يظهر رجحانهم على هؤلاء لعظم بعدهم عن الإسلام و لكن لما كثرت ~~البدع من متأخري المسلمين استطال عليهم من استطال من هؤلاء و لبسوا عليهم ~~دينهم و صارت شبه الفلاسفة أعظم عند هؤلاء من غيرهم كما صار قتال الترك ~~الكفار أعظم من قتال من كان قبلهم عند أهل الزمان لأنهم انما ابتلوا بسيوف ms1698 ~~هؤلاء و ألسنة هؤلاء و كان فيهم من نقص الإيمان ما أورث ضعفا فى العلم و ~~الجهاد و كما كان كثير من العرب فى زمن النبى صلى الله عليه و سلم فهذا هذا # PageV17P292 ومما يبين هذا أن مشركي العرب اليهود و النصارى يقولون إن ~~الله خلق السموات و الأرض بمشيئته و قدرته بل يقولون إنه خلق ذلك فى ستة ~~أيام و هؤلاء المتفلسفة عندهم لم يحدثها بعد أن لم تكن فضلا عن أن يكون ذلك ~~فى ستة أيام ثم يلبسون على المسلمين فيقولون العالم محدث يعنون بحدوثه أنه ~~معلول علة قديمة فهو بمنزلة قولهم متولد عن الله تعالى لكن هو أمر لا حقيقة ~~له و لا يعقل # و أيضا فمشركوا العرب و أهل الكتاب يقرون بالملائكة و إن كان كثير منهم ~~يجعلون الملائكة و الشياطين نوعا و احدا فمن خرج منهم عن طاعة الله أسقطه و ~~صار شيطانا و ينكرون أن يكون إبليس كان أبا الجن و أن يكون الجن ينكحون و ~~يولدون و يأكلون و يشربون فهؤلاء النصارى الذين ينكرون هذا مع كفرهم هم خير ~~من هؤلاء المتفلسفة فإن هؤلاء لا حقيقة للملائكة عندهم إلا ما يثبتونه من ~~العقول و النفوس أو من أعراض تقوم بالأجسام كالقوي الصالحة و كذلك الجن ~~جمهور أولئك يثبتونها فان العرب كانت تثبت الجن و كذلك أكثر أهل الكتاب و ~~هؤلاء لا يثبتونها و يجعلون الشياطين القوي الفاسدة و أيضا فمشركوا العرب ~~مع أهل الكتاب يدعون الله و يقولون أنه يسمع دعاءهم و يجيبهم # و هؤلاء عندهم لا يعلم شيئا من جزئيات العالم و لا يسمع دعاء أحد ~~PageV17P293 و لا يجيب أحدا و لا يحدث في العالم شيئا و لا سبب للحدوث ~~عندهم إلا حركات الفلك و الدعاء عندهم يؤثر لأنه تصرف النفس الناطقة فى ~~هيولى العالم و قد ثبت فى الصحيح من حديث أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى ~~صلى الله عليه و سلم قال ( يقول الله عز و جل شتمنى ابن ms1699 آدم و ما ينبغي له ~~ذلك و كذبني ابن آدم و ما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت و ~~لدا و أنا الأحد الصمد الذي لم ألد و لم أولد و لم يكن لي كفوا أحد و أما ~~تكذيبه اياي فقوله لن يعيدنى كما بدأنى و ليس أول الخلق بأهون علي من ~~إعادته ( و هذا و إن كان متناولا قطعا لكفار العرب الذين قالوا هذا و هذا ~~كما قال تعالى ( ^ و يقول الإنسان ائذا ما مت لسوف أخرج حيا ^ ( إلى قوله ( ~~^ و قالوا اتخذ الرحمن و لدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه ^ ~~( فذكر الله هذا و هذا فتناول النصوص لهؤلاء بطريق الأولى فان هؤلاء ينكرون ~~الإعادة و الإبتداء أيضا فلا يقولون ان الله ابتدأ خلق السموات و الأرض و ~~لا كان للبشر ابتداء أولهم آدم و أما شتمهم إياه بقولهم اتخذ و لدا فهؤلاء ~~عندهم الفلك كله لازم له معلول له أعظم من لزوم الولد و الده و الوالد له ~~اختيار و قدرة فى حدوث الولد منه و هؤلاء عندهم ليس لله مشيئة و قدرة فى ~~لزوم الفلك له بل و لا يمكنه أن يدفع لزومه عنه فالتولد الذي يثبتونه أبلغ ~~من التولد الموجود فى الخلق و لا يقولون إنه اتخذ و لدا بقدرته فانه لا ~~يقدر PageV17P294 عندهم على تغيير شيء من العالم بل ذلك لازم له لزوما ~~حقيقته أنه لم يفعل شيئا بل و لا هو موجود و إن سموه علة و معلولا فعند ~~التحقيق لا يرجعون إلى شيء محصل فان فى قولهم من التناقض و الفساد أعظم مما ~~في قول النصارى # و قد ذكر طائفة من أهل الكلام أن قولهم بالعلة و المعلول من جنس قول ~~غيرهم بالوالد و الولد و أرادوا بذلك أن يجعلوهم من جنسهم فى الذم و هذا ~~تقصير عظيم بل أولئك خير من هؤلاء و هؤلاء اذا حققت ما يقوله من هو أقر بهم ~~إلى الإسلام كابن رشد ms1700 الحفيد و جدت غايته أن يكون الرب شرطا فى و جود ~~العالم لا فاعلا له و كذلك من سلك مسلكهم من المدعين للتحقيق من ملاحدة ~~الصوفية كابن عربى و ابن سبعين حقيقة قولهم أن هذا العالم موجود و اجب أزلى ~~ليس له صانع غير نفسه و هم يقولون الوجود و أحد و حقيقة قولهم أنه ليس في ~~الوجود خالق خلق موجودا آخر و كلامهم فى المعاد و النبوات و التوحيد شر من ~~كلام اليهود و النصارى و عباد الأصنام فإن هؤلاء يجوزون عبادة كل صنم فى ~~العالم لا يخصون بعض الأصنام بالعبادة # PageV17P295 $ فصل # وقد إحتج ب ( سورة الإخلاص ( من أهل الكلام المحدث من يقول الرب تعالى ~~جسم كبعض الذين و افقوا هشام بن الحكم و محمد بن كرام و غيرهما و من ينفى ~~ذلك و يقول ليس بجسم ممن و افق جهم بن صفوان و أبا الهذيل العلاف و نحوهما ~~فأولئك قالوا هو صمد و الصمد لا جوف له و هذا إنما يكون فى الأجسام المصمتة ~~فانها لا جوف لها كما في الجبال و الصخور و ما يصنع من عواميد الحجارة و ~~كما قيل ان الملائكة صمد و لهذا قيل إنه لا يخرج منه شيء و لا يدخل فيه شيء ~~و لا يأكل و لا يشرب و نحو ذالك و نفى هذا لا يعقل إلا عمن هو جسم و قالوا ~~أصل ( @QB@ الصمد @QE@ ( الإجتماع و منه تصميد المال و هذا إنما يعقل فى ~~الجسم المجتمع و أما النفاة فقالوا ( @QB@ الصمد @QE@ ( الذي لا يجوز عليه ~~التفرق و الإنقسام و كل جسم فى العالم يجوز عليه التفرق و الإنقسام # و قالوا أيضا ( الاحد ( الذي لا يقبل التجزي و الإنقسام و كل جسم فى ~~العالم يجوز عليه التفرق و التجزى و الإنقسام و قالوا PageV17P296 اذا قلتم ~~هو جسم كان مركبا مؤلفا من الجواهر الفردة أو من المادة و الصورة و ما كان ~~مركبا مؤلفا من غيره كان مفتقرا إليه و هو سبحانه صمد و ms1701 الصمد الغني عما ~~سواه فالمركب لا يكون صمدا # فيقال أما القول بأنه سبحانه مركب مؤلف من أجزاء و أنه يقبل التجزى و ~~الانقسام و الانفصال فهذا باطل شرعا و عقلا فان هذا ينافى كونه صمدا كما ~~تقدم و سواء أريد بذلك أنه كانت الأجزاء متفرقة ثم اجتمعت أو قيل إنها لم ~~تزل مجتمعة لكن يمكن انفصال بعضها عن بعض كما فى بدن الإنسان و غيره من ~~الأجسام فإن الإنسان و ان كان لم يزل مجتمع الأعضاء لكن يمكن أن يفرق بين ~~بعضه من بعض و الله سبحانه منزه عن ذلك و لهذا قدمنا ان كمال الصمدية له ~~فإن هذا انما يجوز على ما يجوز أن يفنى بعضه أو يعدم و ما قبل العدم و ~~الفناء لم يكن و اجب الوجود بذاته و لا قديما أزليا فإن ما و جب قدمه امتنع ~~عدمه و كذلك صفاته التى لم يزل موصوفا بها و هي من لوازم ذاته فيمتنع أن ~~يعدم اللازم الا مع عدم الملزوم # ولهذا قال من قال من السلف ( @QB@ الصمد @QE@ ( هو الدائم و هو الباقى ~~بعد فناء خلقه فإن من لوازم الصمدية اذ لو قبل العدم لم تكن صمديته لازمة ~~له بل جاز عدم صمديته فلا يبقى صمدا و لا PageV17P297 تنتفي عنه الصمدية ~~الا بجواز العدم عليه و ذلك محال فلا يكون مستوجبا للصمدية الا اذا كانت ~~لازمة له و ذلك ينافى عدمه و هو مستوجب للصمدية لم يصر صمدا بعد أن لم يكن ~~تعالى و تقدس فإن ذلك يقتضي أنه كان متفرقا فجمع و أنه مفعول محدث مصنوع و ~~هذه صفة مخلوقاته و أما الخالق القديم الذي يمتنع عليه أن يكون معدوما أو ~~مفعولا أو محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه فلا يجوز عليه شيء من ذلك فعلم ~~أنه لم يزل صمدا و لا يزال صمدا فلا يجوز أن يقال كان متفرقا فاجتمع و لا ~~أنه يجوز أن يتفرق بل و لا أن يخرج منه شيء و لا يدخل ms1702 فيه شيء # وهذا مما هو متفق عليه بين طوائف المسلمين سنيهم و بدعيهم و ان كان أحد ~~من الجهال أو من لا يعرف قد يقول خلاف ذلك فمثل هؤلاء لا تنضبط خيالاتهم ~~الفاسدة كما أنه ليس في طوائف المسلمين من يقول إنه مولود و والد و إن كان ~~هذا قد قاله بعض الكفار و قد قال المتفلسفة المنتسبون إلى الإسلام من ~~التولد و التعليل ما هو شر من قول أولئك و أما اثبات الصفات له و أنه يرى ~~فى الآخرة و أنه يتكلم بالقرآن و غيره و كلامه غير مخلوق فهذا مذهب الصحابة ~~و التابعين لهم بإحسان و أئمة المسلمين و أهل السنة و الجماعة من جميع ~~الطوائف و الخلاف فى ذلك مشهور مع الجهمية و المعتزلة PageV17P298 و كثير ~~من الفلاسفة و الباطنية # وهؤلاء يقولون أن اثبات الصفات يوجب أن يكون جسما و ليس بجسم فلا تثبت له ~~الصفات قالوا لأن المعقول من الصفات اعراض قائمة بجسم لا تعقل صفته إلا ~~كذلك قالوا و الرؤية لا تعقل إلا مع المعاينة فالمعاينة لا تكون إلا اذا ~~كان المرئي بجهة و لا يكون بجهة إلا ما كان جسما قالوا و لأنه لو قام به ~~كلام أو غيره للزم أن يكون جسما فلا يكون الكلام المضاف إليه إلا مخلوقا ~~منفصلا عنه # و هذه المعاني مما ناظروا بها الإمام أحمد فى ( المحنة ( و كان ممن احتج ~~على أن القرآن مخلوق بنفى التجسيم أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث تلميذ حسين ~~النجار و هو من أكابر المتكلمين فإن ابن أبي دؤاد كان قد جمع للإمام أحمد ~~من أمكنه من متكلمي البصرة و بغداد و غيرهم ممن يقول أن القرآن مخلوق و هذا ~~القول لم يكن مختصا بالمعتزلة كما يظنه بعض الناس فإن كثيرا من أولئك ~~المتكلمين أو أكثرهم لم يكونوا معتزلة و بشر المريسي لم يكن من المعتزلة بل ~~فيهم نجارية و منهم برغوث و فيهم ضرارية و حفص الفرد الذي ناظر الشافعي كان ~~من ms1703 الضرارية أتباع ضرار بن عمرو و فيهم مرجئة و منهم بشر المريسي # } # ومنهم جهمية محضة و منهم معتزلة و ابن أبى PageV17P299 دؤاد لم يكن ~~معتزليا بل كان جهميا ينفي الصفات و المعتزلة تنفي الصفات فنفاة الصفات ~~الجهمية أعم من المعتزلة فلما احتج عليه برغوث بأنه لو كان يتكلم و يقوم به ~~الكلام لكان جسما و هذا منفى عنه و أحمد و أمثاله من السلف كانوا يعلمون أن ~~هذه الألفاظ التى ابتدعها المتكلمون كلفظ الجسم و غيره ينفيها قوم ليتوصلوا ~~بنفيها إلى نفي ما أثبته الله تعالى و رسوله و يثبتها قوم ليتوصلوا ~~باثباتها إلى اثبات ما نفاه الله و رسوله # فالأولى طريقة الجهمية من المعتزلة و غيرهم ينفون الجسم حتى يتوهم ~~المسلمون أن قصدهم التنزيه و مقصودهم بذلك أن الله لا يرى فى الاخرة و أنه ~~لم يتكلم بالقرآن و لا غيره بل خلق كلاما فى غيره و أنه ليس له علم يقوم به ~~و لا قدرة و لا حياة و لا غير ذلك من الصفات قال الامام أحمد في خطبته فى ( ~~الرد على الجهمية و الزنادقة ( # الحمد لله الذي جعل فى كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون ~~من ضل إلى الهدي و يصبرون منهم على الأذي يحيون بكتاب الله الموتى و يبصرون ~~بنوره أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد احيوه و كم ضال تائه قد هدوه فما ~~أحسن أثرهم على الناس و أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف ~~الغالين و إنتحال المبطلين و تأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة و ~~أطلقوا عنان الفتنة PageV17P300 فهم مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب ~~مجتمعون على مخالفة الكتاب يقولون على الله و فى الله و فى الكتاب بغير علم ~~يتكلمون بالمتشابه من الكلام و يخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ ~~بالله من فتن المضلين # والثانية طريقة هشام و أتباعه يحكى عنهم أنهم أثبتوا ما قد نزه الله نفسه ~~عنه من إتصافه بالنقائص و مماثلته للمخلوقات ms1704 فأجابهم الإمام أحمد بطريقة ~~الأنبياء و اتباعهم و هو الإعتصام بحبل الله الذي قال الله فيه ( ^ يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن الا و أنتم مسلمون و اعتصموا ~~بحبل الله جميعا و لا تفرقوا ^ ( و قال ( ^ كان الناس أمة و احدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه و ما اختلف فيه الا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم ^ ( وقال تعالى ( ^ المص كتاب أنزل اليك فلا يكن فى ~~صدرك حرج منه لتنذر به و ذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم و لا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ^ ( و قال تعالى ( ^ فأما يأتينكم ~~منى هدى فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى PageV17P301 و قد كنت ~~بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسى ^ ( و قال تعالى ( ^ ~~يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولى الأمر منكم فإن ~~تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله و الرسول ان كنتم تؤمنون بالله و اليوم ~~الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا ^ ( و قال تعالى ( ^ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين يدي الله و رسوله و اتقوا الله ان الله سميع عليم يا أيها الذين ~~آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم ~~لبعض أن تحبط اعمالكم و أنتم لا تشعرون ^ ) # وقال تعالى ( ^ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك و ما ~~أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به و ~~يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا و اذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ms1705 الله ~~و إلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف اذا أصابتهم مصيبة بما ~~قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله ان أردنا الا احسانا و توفيقا أولئك ~~الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض عنهم و عظهم و قل لهم فى أنفسهم قولا ~~بليغا و ما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله و لو أنهم اذ ظلموا أنفسهم ~~جاءوك فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا و ~~ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما ~~قضيت PageV17P302 و يسلموا تسليما ^ ( و قوله تعالى ( ^ و أن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ^ ( و قوله تعالى ( ~~^ ان الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا لست منهم في شيء انما أمرهم إلى الله ~~ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ^ ( و قوله تعالى ( ^ فأقم و جهك للدين حنيفا ~~فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم و لكن ~~أكثر الناس لا يعلمون منيبين اليه و اتقوه و أقيموا الصلاة و لا تكونوا من ~~المشركين من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ^ ( و ~~قوله ( ^ شرع لكم من الدين ما و صى به نوحا و الذي أوحينا اليك و ما و صينا ~~به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه ^ # فهذه النصوص و غيرها تبين أن الله أرسل الرسل و أنزل الكتب لبيان الحق من ~~الباطل و بيان ما اختلف فيه الناس و أن الواجب على الناس اتباع ما أنزل ~~اليهم من ربهم و رد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب و السنة و ان من لم يتبع ذلك ~~كان منافقا و ان من اتبع الهدى الذي جاءت به الرسل فلا يضل و لا يشقى و من ~~أعرض عن ذلك حشر أعمى ضالا شقيا معذبا و أن الذين فرقوا دينهم قد برىء الله ~~و رسوله منهم # فاتبع ms1706 الإمام أحمد طريقة سلفه من أئمة السنة و الجماعة المعتصمين ~~PageV17P303 بالكتاب و السنة المتبعين ما أنزل [ الله ] اليهم من ربهم و ~~ذلك أن ننظر فما و جدنا الرب قد أثبته لنفسه فى كتابه أثبتناه و ما و جدناه ~~قد نفاه عن نفسه نفيناه و كل لفظ و جد فى الكتاب و السنة بالإثبات أثبت ذلك ~~اللفظ و كل لفظ و جد منفيا نفي ذلك اللفظ و أما الألفاظ التى لا توجد فى ~~الكتاب و السنة بل و لا فى كلام الصحابة و التابعين لهم باحسان و سائر أئمة ~~المسلبمين لا إثباتها و لا نفيها # و قد تنازع فيها الناس فهذه الألفاظ لا تثبت و لا تنفى إلا بعد الإستفسار ~~عن معانيها فان و جدت معانيها مما أثبته الرب لنفسه أثبت و ان و جدت مما ~~نفاه الرب عن نفسه نفيت و ان و جدنا اللفظ أثبتت به حق و باطل أو نفى به حق ~~و باطل أو كان مجملا يراد به حق و باطل و صاحبه أراد به بعضها لكنه عند ~~الاطلاق يوهم الناس أو يفهمهم ما أراد و غير ما أراد فهذه الألفاظ لا يطلق ~~اثباتها و لا نفيها كلفظ الجوهر و الجسم و التحيز و الجهة و نحو ذلك من ~~الألفاظ التى تدخل فى هذا المعنى فقل من تكلم بها نفيا أو إثباتا إلا و ~~أدخل فيها باطلا و أن أراد بها حقا # و السلف و الأئمة كرهوا هذا الكلام المحدث لاشتماله على باطل و كذب و قول ~~على الله بلا علم و كذلك ذكر أحمد فى رده على الجهمية أنهم يفترون على الله ~~فيما ينفونه عنه و يقولون عليه بغير علم و كل PageV17P304 ذلك مما حرمه ~~الله و رسوله و لم يكره السلف هذه لمجرد كونها اصطلاحية و لا كرهوا ~~الإستدلال بدليل صحيح جاء به الرسول بل كرهوا الأقوال الباطلة المخالفة ~~للكتاب و السنة و لا يخالف الكتاب و السنة إلا ما هو باطل لا يصح بعقل ms1707 و لا ~~سمع # ولهذا لما سئل أبو العباس ابن سريج عن التوحيد فذكر توحيد المسلمين و قال ~~و أما توحيد أهل الباطل فهو الخوض فى الجواهر و الأعراض و إنما بعث [ الله ~~] النبى صلى الله عليه و سلم بانكار ذلك و لم يرد بذلك أنه أنكر هذين ~~اللفظين فإنهما لم يكونا قد أحدثا فى زمنه و إنما أراد إنكار ما يعنى بهما ~~من المعاني الباطلة فإن أول من أحدثهما الجهمية و المعتزلة و قصدهم بذلك ~~إنكار صفات الله تعالى أو أن يرى أو أن يكون له كلام يتصف به و أنكرت ~~الجهمية أسماءه أيضا # و أول من عرف عنه إنكار ذلك الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبدالله ~~القسري بواسط و قال يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد ~~بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا و لم يكلم موسى تكليما ~~تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه # و كلام السلف و الأئمة فى ذم هذا الكلام و أهله مبسوط فى غير هذا الموضع ~~PageV17P305 # والمقصود هنا أن أئمة السنة كأحمد بن حنبل و غيره كانوا اذا ذكرت لهم أهل ~~البدع الألفاظ المجملة كلفظ الجسم و الجوهر و الحيز و نحوها لم يوافقوهم لا ~~على اطلاق الاثبات و لا على اطلاق النفي و أهل البدع بالعكس ابتدعوا ألفاظا ~~و معانى إما في النفي و اما فى الاثبات و جعلوها هي الأصل المعقول المحكم ~~الذي يجب اعتقاده و البناء عليه ثم نظروا فى الكتاب و السنة فما أمكنهم أن ~~يتأولوه على قولهم تأولوه و إلا قالوا هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة ~~التى لا ندري ما أريد بها فجعلوا بدعهم أصلا محكما و ما جاء به الرسول فرعا ~~له و مشكلا اذا لم يوافقه و هذا أصل الجهمية و القدرية و أمثالهم و أصل ~~الملاحدة من الفلاسفة الباطنية جميع كتبهم توجد على هذا الطريق و معرفة ~~الفرق بين هذا و هذا من أعظم ms1708 ما يعلم به الفرق بين الصراط المستقيم الذي ~~بعث الله به رسوله و بين السبل المخالفة له و كذلك الحكم في المسائل ~~العلمية الفقهية و مسائل أعمال القلوب و حقائقها و غير ذلك كل هذه الأمور ~~قد دخل فيها ألفاظ و معان محدثة و ألفاظ و معان مشتركة # فالواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب و الحكمة أصلا في جميع هذه ~~الأمور ثم يرد ما تكلم فيه الناس إلى ذلك و يبين ما فى الألفاظ المجملة من ~~المعانى الموافقة للكتاب و السنة فتقبل و ما فيها من المعانى PageV17P306 ~~المخالفة للكتاب و السنة فترد # ولهذا كل طائفة أنكر عليها ما ابتدعت احتجت بما ابتدعته الأخرى كما يوجد ~~فى ألفاظ أهل الرأي و الكلام و التصوف و إنما يجوز أن يقال فى بعض الآيات ~~إنه مشكل و متشابه اذا ظن أنه يخالف غيره من الآيات المحكمة البينة فاذا ~~جاءت نصوص بينة محكمة بأمر و جاء نص آخر يظن أن ظاهره يخالف ذلك يقال في ~~هذا إنه يرد المتشابه إلى المحكم أما اذا نطق الكتاب أو السنة بمعنى و أحد ~~لم يجز أن يجعل ما يضاد ذلك المعنى هو الأصل و يجعل ما فى القرآن و السنة ~~مشكلا متشابها فلا يقبل ما دل عليه # نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها فتكون مشكلة بالنسبة ~~إليهم لعجز فهمهم عن معانيها و لا يجوز أن يكون فى القرآن ما يخالف صريح ~~العقل و الحس الا و في القرآن بيان معناه فان القرآن جعله الله شفاءا لما ~~في الصدور و بيانا للناس فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك لكن قد تخفى آثار ~~الرسالة فى بعض الأمكنة و الأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه و سلم إما أن لا يعرفوا اللفظ و إما أن يعرفوا اللفظ و لا يعرفوا ~~معناه فحينئذ يصيرون فى جاهلية بسبب عدم نور النبوة و من ههنا يقع الشرك و ~~تفريق الدين شيعا كالفتن ms1709 التى تحدث السيف فالفتن القولية و العملية ~~PageV17P307 هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم كما قال مالك بن أنس ~~اذا قل العلم ظهر الجفاء و اذا قلت الآثار ظهرت الأهواء # ولهذا شبهت الفتن بقطع الليل المظلم و لهذا قال أحمد فى خطبته الحمد لله ~~الذي جعل فى كل زمان فترة بقايا من أهل العلم فالهدي الحاصل لأهل الأرض ~~انما هو من نور النبوة كما قال تعالى ( ^ فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل و لا يشقى ^ ( فأهل الهدي و الفلاح هم المتبعون للأنبياء و هم ~~المسلمون المؤمنون فى كل زمان و مكان و أهل العذاب و الضلال هم المكذبون ~~للأنبياء يبقى أهل الجاهلية الذين لم يصل اليهم ما جاءت به الأنبياء # فهؤلاء فى ضلال و جهل و شرك و شر لكن الله يقول ( ^ و ما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا ^ ( و قال ( ^ رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل ^ ( و قال ( ^ و ما كان ربك مهلك القري حتى يبعث فى أمها ~~رسولا يتلو عليهم آياتنا و ما كنا مهكي القري الا و أهلها ظالمون ^ ( ~~فهؤلاء لا يهلكهم الله و يعذبهم حتى يرسل اليهم رسولا و قد رويت آثار ~~متعددة فى أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث اليه رسول يوم ~~القيامة في عرصات القيامة # PageV17P308 # وقد زعم بعضهم أن هذا يخالف دين المسلمين فإن الآخرة لا تكليف فيها و ليس ~~كما قال انما ينقطع التكليف إذا دخلوا دار الجزاء الجنة أو النار و الا فهم ~~فى قبورهم ممتحنون و مفتونون يقال لأحدهم من ربك و ما دينك و من نبيك و ~~كذلك فى عرصات القيامة يقال ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون فيتبع من كان ~~يعبد الشمس الشمس و من كان يعبد القمر القمر و من كان يعبد الطواغيت ~~الطواغيت و تبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله فى صورة غير الصورة ~~التى رأوه فيها أول مرة و يقول أنا ربكم ms1710 فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا ~~حتى يأتينا ربنا و فى رواية فيسألهم و يثبتهم و ذلك امتحان لهم هل يتبعون ~~غير الرب الذي عرفوا أنه الله الذي تجلى لهم أول مرة فيثبتهم الله تعالى ~~عند هذه المحنة كما يثبتهم فى فتنة القبر فاذا لم يتبعوه لكونه أتى فى غير ~~الصورة التى يعرفون أتاهم حينئذ فى الصورة التى يعرفون فيكشف عن ساق فاذا ~~رأوه خروا له سجدا الا من كان منافقا فانه يريد السجود فلا يستطيعه يبقى ~~ظهره مثل الطبق و هذا المعنى مستفيض عن النبى صلى الله عليه و سلم فى عدة ~~أحاديث ثابتة من حديث أبي هريرة و أبى سعيد و قد أخرجاهما فى الصحيحين و من ~~حديث جابر و قد رواه مسلم من حديث ابن مسعود و أبى موسى و هو معروف من ~~رواية أحمد و غيره فدل PageV17P309 ذلك على أن المحنة انما تنقطع إذا دخلوا ~~دار الجزاء و أما قبل دار الجزاء امتحان و ابتلاء # فاذا انقطع عن الناس نور النبوة و قعوا في ظلمة الفتن و حدثت البدع و ~~الفجور و وقع الشر بينهم كما في الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين و منعنى الثالثة سألته ان لا يهلك ~~أمتى بسنة عامة فأعطانيها و سألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم ~~فأعطانيها و سألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ( و البأس مشتق من ~~البؤس قال الله تعالى ( ^ قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم ~~أو من تحت ارجلكم أو يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس بعض ^ ( و فى الصحيحين ~~عن النبى صلى الله عليه و سلم ( أنه لما نزل قوله تعالى ( قل هو القادر على ~~ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم ( قال أعوذ بوجهك ( أو من تحت ارجلكم ( قال ~~أعوذ بوجهك ( أو يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس بعض ) قال هاتان اهون ( فدل ~~على أنه لابد أن يلبسهم شيعا و ms1711 يذيق بعضهم بأس بعض مع براءة الرسول فى هذه ~~الحال و هم فيها في جاهلية # و لهذا قال الزهري و قعت الفتنة و أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ~~متوافرون فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج PageV17P310 أصيب بتأويل ~~القرآن فهو هدر انزلوهم منزلة الجاهلية و قد روى مالك بإسناده الثابت عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها كانمت تقول ترك الناس العمل بهذه الآية تعنى قوله ~~تعالى ( و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) فإن المسلمين ~~لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله تعالى فلما لم يعمل ~~بذلك صارت فتنة و جاهلية # وهكذا مسائل النزاع التى تنازع فيها الأمة فى الأصول و الفروع اذا لم ترد ~~إلى الله و الرسول لم يتبين فيها الحق بل يصير فيها المتنازعون على غير ~~بينة من أمرهم فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضا و لم يبغ بعضهم على بعض كما ~~كان الصحابة فى خلافة عمر و عثمان يتنازعون فى بعض مسائل الإجتهاد فيقر ~~بعضهم بعضا و لا يعتدى عليه و ان لم يرحموا و قع بينهم الاختلاف المذموم ~~فبغى بعضهم على بعض إما بالقول مثل تكفيره و تفسيقه و إما بالفعل مثل حبسه ~~و ضربه و قتله و هذه حال أهل البدع و الظلم كالخوارج و أمثالهم يظلمون ~~الأمة و يعتدون عليهم اذا نازعوهم في بعض مسائل الدين و كذلك سائر أهل ~~الأهواء فانه يبتدعون بدعة و يكفرون من خالفهم فيها كما تفعل الرافضة و ~~المعتزلة و الجهمية و غيرهم و الذين امتحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من ~~هؤلاء إبتدعوا بدعة و كفروا من خالفهم فيها PageV17P311 و استحلوا منع حقه ~~و عقوبته # فالناس اذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه و سلم إما ~~عادلون و اما ظالمون فالعادل فيهم الذي يعمل بما و صل اليه من آثار ~~الأنبياء و لا يظلم غيره و الظالم الذي يعتدي على غيره و هؤلاء ظالمون مع ms1712 ~~علمهم بأنهم يظلمون كما قال تعالى ( ^ و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ^ ( و الا فلو سلكوا ما علموه من العدل أقر ~~بعضهم بعضا كالمقلدين لأئمة الفقه الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن ~~معرفة حكم الله و رسوله فى تلك المسائل فجعلوا أئمتهم نوابا عن الرسول و ~~قالوا هذه غاية ما قدرنا عليه فالعادل منهم لا يظلم الآخر و لا يعتدى عليه ~~بقول و لا فعل مثل أن يدعى أن قول متبوعه هو الصحيح بلا حجة يبديها و يذم ~~من يخالفه مع أنه معذور # وكان الذين امتحنوا أحمد و غيره من هؤلاء الجاهلين فإبتدعوا كلاما ~~متشابها نفوا به الحق فأجابهم أحمد لما ناظروه فى المحنة و ذكروا الجسم و ~~نحو ذلك و أجابهم بأنى أقول كما قال الله تعالى ( @QB@ قل هو الله أحد الله ~~الصمد @QE@ ( # وأما لفظ الجسم فلفظ مبتدع محدث ليس على أحد أن يتكلم به ألبتة و المعنى ~~الذي يراد به مجمل و لم تبينوا مرادكم حتى نوافقكم على المعنى الصحيح فقال ~~ما أدرى ما تقولون PageV17P312 لكن أقول ( ^ الله أحد الله الصمد لم يلد و ~~لم يولد و لم يكن له كفوا أحد ^ ( # يقول ما أدري ما تعنون بلفظ الجسم فأنا لا أوافقكم على إثبات لفظ و نفيه ~~إذ لم يرد الكتاب و السنة باثباته و لا نفيه إن لم ندر معناه الذي عناه ~~المتكلم فان عنى فى النفي و الاثبات ما يوافق الكتاب و السنة و افقناه و إن ~~عنى ما يخالف الكتاب و السنة فى النفى الإثبات لم نوافقه # ولفظ ( الجسم ( و ( الجوهر ( و نحوهما لم يأت فى كتاب الله و لا سنة ~~رسوله و لا كلام أحد من الصحابة و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين و ~~سائر أئمة المسلمين التكلم بها في حق الله تعالى لا بنفي و لا إثبات و لهذا ~~قال أحمد فى رسالته إلى المتوكل لا أحب الكلام فى شيء من ذلك إلا ms1713 ما كان في ~~كتاب الله أو فى حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أو عن الصحابة أو ~~التابعين لهم بإحسان و أما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود # و ذكر أيضا فيما حكاه عن الجهمية أنهم يقولون ليس فيه كذا و لا كذا و لا ~~كذا و هو كما قال فإن لفظ الجسم له فى اللغة التى نزل بها القرآن معنى كما ~~قال تعالى ( ^ و اذا رأيتهم تعجبك أجسامهم PageV17P313 @ و إن يقولوا تسمع ~~لقولهم ^ ( و قال تعالى ( ^ و زاده بسطة في العلم و الجسم ^ ( قال ابن عباس ~~كان طالوت أعلم بنى إسرائيل بالحرب و كان يفوق الناس بمنكبيه و عنقه و رأسه ~~و ( البسطة ( السعة قال ابن قتيبة هو من قولك بسطت الشيء إذا كان مجموعا ~~ففتحته و وسعته قال بعضهم و المراد بتعظيم الجسم فضل القوة اذ العادة أن من ~~كان أعظم جسما كان أكثر قوة فهذا لفظ الجسم فى لغة العرب التى نزل بها ~~القرآن قال الجوهري قال أبو زيد الأنصاري الجسم الجسد و كذلك الجسمان ~~والجثمان وقال الأصمعي الجسم والجسد الجثمان الشخص و قال جماعة جسم الإنسان ~~يقال له الجثمان و قد جسم الشيء أي عظم فهو جسيم و جسام و الجسام بالكسر ~~جمع جسيم قال أبو عبيدة تجسمت فلانا من بين القوم أي اخترته كأنك قصدت جسمه ~~كما تقول تأتيته أي قصدت أتيه و شخصه وأنشد أبو عبيدة % تجسمته من بينهن ~~بمرهف % # | وتجسمت الأرض اذا أخذت نحوها تريدها و تجسم من الجسم و قال ابن السكيت ~~تجسمت الأمر أي ركبت أجسمه و جسيمه أي معظمه قال و كذلك تجسمت الرمل و ~~الجبل أي ركبت أعظمه و الأجسم الأضخم قال عامر بن الطفيل % PageV17P314 لقد ~~علم الحي من عامر % بأن لنا الذروة الأجسما % # فهذا الجسم فى لغة العرب و على هذا فلا يقال للهواء جسم و لا للنفس ~~الخارج من الإنسان جسم و لا لروحه المنفوخة فيه جسم و معلوم أن الله سبحانه ~~لا ms1714 يماثل شيئا من ذلك لا بدن الإنسان و لا غيره فلا يوصف الله تعالى بشيء ~~من خصائص المخلوقين و لا يطلق عليه من الأسماء ما يختص بصفات المخلوقين فلا ~~يجوز أن يقال هو جسم و لا جسد # } # ( و أما أهل الكلام ) فالجسم عندهم أعم من هذا و هم مختلفون فى معناه ~~إختلافا كثيرا عقليا و إختلافا لفظيا اصطلاحيا فهم يقولون كل ما يشار إليه ~~اشارة حسية فهو جسم ثم اختلفوا بعد هذا فقال كثير منهم كل ما كان كذلك فهو ~~مركب من الجواهر الفردة ثم منهم من قال الجسم أقل ما يكون جوهرا بشرط أن ~~ينضم إلى غيره و قيل بل الجوهران و الجواهر فصاعدا و قيل بل أربعة فصاعدا و ~~قيل بل ستة و قيل بل ثمانية و قيل بل ستة عشر و قيل بل اثنان و ثلاثون و ~~هذا قول من يقول إن الأجسام كلها مركبة من الجواهر التى لا تنقسم # وقال آخرون من أهل الفلسفة كل الأجسام مركبة من الهيولى PageV17P315 و ~~الصورة لا من الجواهر الفردة # و قال كثير من أهل الكلام و غير أهل الكلام ليست مركبة لا من هذا و لا من ~~هذا و لا من هذا و لا من هذا و هذا قول الهشامية و الكلابية و الضرارية و ~~غيرهم من الطوائف الكبار لا يقولون بالجوهر الفرد و لا بالمادة و الصورة و ~~آخرون يدعون إجماع المسلمين على إثبات الجوهر الفرد كما قال أبو المعالي و ~~غيره اتفق المسلمون على أن الأجسام تتناهي في تجزئها و انقسامها حتى تصير ~~افرادا و مع هذا فقد شك هو فيه و كذلك شك فيه أبو الحسين البصري و أبو ~~عبدالله الرازي # و معلوم أن هذا القول لم يقله أحد من أئمة المسلمين لا من الصحابة و لا ~~من التابعين لهم بإحسان و لا أحد من أئمة العلم المشهورين بين المسلمين و ~~أول من قال ذلك فى الإسلام طائفة من الجهمية و المعتزلة و هذا من الكلام ~~الذي ms1715 ذمه السلف و عابوه و لكن حاكي هذا الإجماع لما لم يعرف أصول الدين الا ~~ما في كتب الكلام و لم يجد الا من يقول بذلك اعتقد هذا إجماع المسلمين و ~~القول بالجوهر الفرد باطل و القول بالهيولى و الصورة باطل و قد بسط الكلام ~~على هذه المقالات فى مواضع أخر # PageV17P316 # و قال آخرون الجسم هو القائم بنفسه و كل قائم بنفسه جسم و كل جسم فهو ~~قائم بنفسه و هو مشار إليه و اختلفوا فى الأجسام هل هي متماثلة أم لا على ~~قولين مشهورين # واذا عرف ذلك فمن قال إنه جسم و أراد أنه مركب من الأجزاء فهذا قوله باطل ~~و كذلك إن أراد أنه يماثل غيره من المخلوقات فقد علم بالشرع و العقل أن ~~الله ليس كمثله شيء في شيء من صفاته فمن أثبت لله مثلا في شيء من صفاته فهو ~~مبطل و من قال إنه جسم بهذا المعنى فهو مبطل و من قال انه ليس بجسم بمعنى ~~أنه لا يري في الآخرة و لا يتكلم بالقرآن و غيره من الكلام و لا يقوم به ~~العلم و القدرة و غيرهما من الصفات و لا ترفع الأيدي إليه فى الدعاء و لا ~~عرج بالرسول صلى الله عليه و سلم إليه و لا يصعد إليه الكلم الطيب و لا ~~تعرج الملائكة و الروح إليه فهذا قوله باطل و كذلك كل من نفى ما أثبته الله ~~و رسوله و قال أن هذا تجسيم فنفيه باطل و تسمية ذلك تجسيما تلبيس منه فإنه ~~إن أراد أن هذا فى اللغة يسمى جسما فقد أبطل و إن أراد أن هذا يقتضي أن ~~يكون جسما مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة و الصورة أو أن هذا يقتضي ~~أن يكون جسما و الأجسام متماثلة قيل له أكثر العقلاء يخالفونك في تماثل ~~الأجسام المخلوقة و فى أنها مركبة فلا يقولون أن الهواء مثل الماء ~~PageV17P317 و لا أبدان الحيوان مثل الحديد و الجبال فكيف يوافقونك على أن ms1716 ~~الرب تعالى يكون مماثلا لخلقه اذا اثبتوا له ما أثبت له الكتاب و السنة و ~~الله تعالى قد نفى المماثلات في بعض المخلوقات و كلاهما جسم كقوله ( ^ و ان ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ^ ( مع أن كلاهما بشر فكيف ~~يجوز أن يقال إذا كان لرب السموات علم و قدرة أنه يكون مماثلا لخلقه و الله ~~تعالى ليس كمثله شيء لا فى ذاته و لا فى صفاته و لا فى أفعاله # ونكتة الأمر أن الجسم في اعتقاد هذا النافي يستلزم مماثلة سائر الأجسام و ~~يستلزم أن يكون مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة و الصورة و أكثر ~~العقلاء يخالفونه فى هذا التلازم و هذا التلازم منتف بإتفاق الفريقين و هو ~~المطلوب # إتفقوا على إنتفاء النقص المنفى عن الله شرعا و عقلا بقى بحثهم فى الجسم ~~الإصطلاحي هل هو مستلزم لهذا المحذور و هو بحث عقلي كبحث الناس في الأعراض ~~هل تبقى أو لاتبقى و هذا البحث العقلي لم يرتبط به دين المسلمين بل لم ينطق ~~كتاب و لا سنة و لا أثر من السلف بلفظ الجسم فى حق الله تعالى لا نفيا و لا ~~اثباتا فليس لأحد أن يبتدع اسما مجملا يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ~~و يعلق به دين المسلمين و لو كان قد نطق باللغة العربية فكيف اذا ~~PageV17P318 أحدث للفظ معنى آخر # و المعنى الذي يقصده اذا كان حقا عبر عنه بالعبارة التى لا لبس فيها فإذا ~~كان معتقده أن الأجسام متماثلة و أن الله ليس مثله شيء و هو سبحانه لا سمي ~~له و لا كفوله و لا ند له فهذه عبارات القرآن تؤدي هذا المعنى بلا تلبيس و ~~لا نزاع و ان كان معتقده أن الأجسام غير متماثلة و أن كل ما يرى و تقوم به ~~الصفات فهو جسم فإن عليه أن يثبت ما أثبته الله و رسوله من علمه و قدرته و ~~سائر صفاته كقوله ( ^ و لا يحيطون بشيء من ms1717 علمه إلا بما شاء ^ ( و قوله ( ~~@QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ ( و قوله عليه السلام فى حديث ~~الاستخارة ( اللهم إنى استخيرك بعلمك و استقدرك بقدرتك ( و قوله في الحديث ~~الآخر ( اللهم بعلمك الغيب و قدرتك على الخلق ( و يقول كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه و سلم ( انكم ترون ربكم يوم القيامة عيانا كما ترون الشمس و ~~القمر لا تضامون في رؤيته ( فشبه الرؤية بالرؤية و إن لم يكن المرئي ~~كالمرئي فهذه عبارات الكتاب و السنة عن هذا المعنى الصحيح بلا تلبيس و لا ~~نزاع بين أهل السنة المتبعين للكتاب و السنة و أقوال الصحابة ثم بعد هذا من ~~كان قد تبين له معنى من جهة العقل أنه لازم للحق لم يدفعه عن عقله فلازم ~~الحق حق لكن ذلك المعنى لابد أن يدل PageV17P319 الشرع عليه فيبينه ~~بالألفاظ الشرعية و إن قدر أن الشرع لم يدل عليه لم يكن مما يجب على الناس ~~اعتقاده و حينئذ فليس لأحد أن يدعو الناس إليه و ان قدر أنه فى نفسه حق ( و ~~مسألة ( تماثل الأجسام و تركيبها من الجواهر الفردة قد اضطرب فيها جماهير ~~أهل الكلام و كثير منهم يقول بهذا تارة و بهذا تارة و أكثر ذلك لأجل ~~الألفاظ المجملة و المعاني المتشابهة و قد بسط الكلام عليه فى غير هذا ~~الموضع # لكن المقصود هنا أنه لو قدر أن الإنسان تبين له أن الأجسام ليست متماثلة ~~و لا مركبة لا من هذا و لا من هذا لم يكن له أن يبتدع فى دين الإسلام قوله ~~ان الله جسم و يناظر على المعنى الصحيح الذي دل عليه الكتاب و السنة بل ~~يكفيه إثبات ذلك المعنى بالعبارات الشرعية و لو قدر أنه تبين له أن الأجسام ~~متماثلة و أن الجسم مركب لم يكن له أن يبتدع النفي بهذا الإسم و يناظر على ~~معناه الذي إعتقده بعقله بل ذلك المعنى المعلوم بالشرع و العقل يمكن اظهاره ~~بعبارة لا إجمال فيها و لا ms1718 تلبيس و الذين يقولون أن الجسم مركب من الجواهر ~~يدعى كثير منهم أنه كذلك فى لغة العرب لأن العرب يقولون هذا أجسم من هذا ~~يريدون به أنه أكثر أجزاء منه و يقولون هذا جسم أي كثير الأجزاء # PageV17P320 قال و التفضيل بصيغة أفعل إنما يكون لما يدل عليه الإسم فإذا ~~قيل هذا أعلم و أحلم كان ذلك دالا على الفضيلة فيما دل عليه لفظ العلم و ~~الحلم فلما قالوا أجسم لما كان أكثر أجزاء دل على أن لفظ الجسم عندهم ~~المراد به المركب فمن قال جسم و ليس بمركب فقد خرج عن لغة العرب # قالوا و هذه تخليطة في اللفظ و إن كنا لا نكفره اذا لم يثبت خصائص الجسم ~~من التركيب و التأليف و قد نازعهم بعضهم فى قولهم هذا أجسم من هذا و قالوا ~~ليس هذا اللفظ من لغة العرب كما يحكى عن ابى زيد فيقال له لا ريب أن العرب ~~تقول هذا جسيم أي عظيم الجثة و هذا أجسم من هذا أي أعظم جثة لكن كون العرب ~~تعتقد أن ذلك لكثرة الأجزاء التى هي الجواهر الفردة إنما يكون اذا كان أهل ~~اللغة قاطبة يعتقدون أن الجسم مركب من الجواهر الفردة و الجوهر الفرد هو ~~شيء قد بلغ من الصغر و الحقارة إلى أنه لا يتميز يمينه من يساره و معلوم أن ~~أكثر العقلاء من بني آدم لا يتصور الجوهر الفرد و الذين يتصورونه أكثرهم لا ~~يثبتونه و الذين أثبتوه إنما يثبتونه بطرق خفية طويلة بعيدة فيمتنع أن يكون ~~اللفظ الشائع فى اللغة التى ينطق بها خواصها و عوامها و أرادوا به هذا # و قد علم بالإضطرار أن أحدا من الصحابة و التابعين لهم PageV17P321 ~~بإحسان لم ينطق بإثبات الجوهر الفرد و لا بما يدل على ثبوته عنده بل و لا ~~العرب قبلهم و لا سائر الأمم الباقين على الفطرة و لا إتباع الرسل فكيف ~~يدعى عليهم أنهم لم يقولوا لفظ جسم إلا لما كان مركبا مؤلفا و لو قلت ms1719 لمن ~~شئت من العرب الشمس و القمر و السماء مركب عندك من اجزاء صغار كل منها لا ~~يقبل التجزي أو الجبال أو الهواء أو الحيوان أو النبات لم يتصور هذا المعنى ~~إلا بعد كلفة ثم اذا تصوره قد يكذبه بفطرته و يقول كيف يمكن أن يكون شيء لا ~~يتميز منه جانب عن جانب و أكثر العقلاء من طوائف المسلمين و غيرهم ينكرون ~~الجوهر الفرد فالفقهاء قاطبة تنكره و كذلك أهل الحديث و التصوف # ولهذا كان الفقهاء متفقين على إستحالة بعض الأجسام إلى بعض كاستحالة ~~العذرة رمادا و الخنزير ملحا ثم تكلموا في هذه الإستحالة هل تطهر أم لا ~~تطهر و القائلون بالجوهر الفرد لا تستحيل الذوات عندهم بل تلك الجواهر التى ~~كانت في الأول هي بعينها في الثانى و إنما إختلف التركيب و لهذا يتكلم بلفظ ~~التركيب فى الماء و نحوه من الفقهاء المتأخرين من كان قد أخذ هذا التركيب ~~عن المتكلمين و يقول ان الماء يفارق غيره في التركيب فقط و كذلك القائلون ~~بالجوهر الفرد عندهم انا لم نشاهد قط احداث الله تعالى لشيء من الجواهر و ~~الأعيان القائمة بنفسها و ان جميع ما يخلقه من الحيوان و النبات و المعدن و ~~الثمار و المطر PageV17P322 و السحاب و غير ذلك إنما هو جمع الجواهر و ~~تفريقها و تغيير صفاتها من حال إلى حال لا أنه يبدع شيئا من الجواهر و ~~الأجسام القائمة بأنفسها و هذا القول أكثر العقلاء ينكره و يقول هو مخالف ~~للحس و العقل و الشرع فضلا عن أن يكون الجسم فى لغة العرب مستلزما لهذا ~~المعنى # ثم الجسم قد يراد به الغلظ نفسه و هو عرض قائم بغيره و قد يراد به الشيء ~~الغليظ و هو القائم بنفسه فنقول هذا الثواب له جسم أي غلظ و قوله ( ^ و ~~زاده بسطة فى العلم و الجسم ^ ( قد يحتج به على هذا فإنه قرن الجسم بالعلم ~~الذي هو مصدر فنقول المعنى ( @QB@ زاده بسطة @QE@ ( فى قدره فجعل قدر بدنه ~~أكبر ms1720 من بدن غيره فيكون الجسم هو القدر نفسه لا نفس المقدر # وكذلك قوله تعالى ( @QB@ تعجبك أجسامهم @QE@ ( أي صورهم القائمة بأبدانهم ~~كما تقول أعجبني حسنه و جماله و لونه و بهاؤه فقد يراد صفة الأبدان و قد ~~يراد نفس الأبدان و هم إذا قالوا هذا اجسم من هذا أرادوا أنه أغلظ و أعظم ~~منه إما كونهم يريدون بذلك أن ذلك العظم و الغلظ كان لزيادة الأجزاء فهذا ~~مما يعلم قطعا أنه لم يخطر ببال أهل اللغة إلا من أخذ ذلك عمن اعتقده من ~~أهل الكلام المحدث الذي أحدث فى الإسلام بعد إنقراض عصر الصحابة و أكثر ~~التابعين فإن هذا لم PageV17P323 عرف فى الإسلام من تكلم به أو بمعناه إلا ~~في أواخر الدولة الأموية لما ظهر جهم بن صفوان و الجعد بن درهم ثم ظهر فى ~~المعتزلة # فقد تبين أن من قال الجسم هو المؤلف المركب و اعتقد أن الأجسام مركبة من ~~الجواهر الفردة فقد ادعى معنى عقليا ينازعه فيه أكثر العقلاء من بنى آدم و ~~لم ينقل عن أحد من السلف أنه و افقه عليه و أنه جعل لفظ الجسم في إصطلاحه ~~يدل على معنى لا يدل عليه اللفظ فى اللغة فقد غير معنى اللفظ فى اللغة و ~~ادعى معنى عقليا فيه نزاع طويل و ليس معه من الشرع ما يوافق ما ادعاه من ~~معنى اللفظ و لا ما ادعاه من المعنى العقلي فاللغة لا تدل على ما قال و ~~الشرع لا يدل على ما قال و العقل لم يدل على مسميات الألفاظ و إنما يدل على ~~المعنى المجرد و ذلك فيه نزاع طويل و نحن نعلم بالاضطرار أن ذلك المعنى ~~الذي و جب نفيه عن الله لا يحتاج نفيه إلى ما أحدثه هذا من دلالة اللفظ و ~~لا ما ادعاه من المعنى العقلي بل الذين جعلوا هذا عمدتهم فى تنزيه الرب عن ~~نفى مسمى الجسم لا يمكنهم أن ينزهوه عن شيء من النقائص ألبتة فإنهم إذا ~~قالوا هذا من صفات ms1721 الأجسام فكل ما أثبتوه هو أيضا من صفات الأجسام مثل كونه ~~حيا عليما قديرا بل كونه موجودا قائما بنفسه فإنهم لا يعرفون هذا فى الشاهد ~~PageV17P324 الا جسما فإذا قال المنازع أنا أقول فيما نفيتموه نظير قولكم ~~فيما أثبتموه إنقطعوا # ثم هؤلاء لهم في استحقاق الرب لصفات الكمال عندهم هل علم بالإجماع فقط أو ~~علم بالعقل أيضا فيه قولان فمن قال إن ذلك لم يعلم بالعقل كأبى المعالي و ~~الرازي و غيرهما لم يبق معهم دليل عقلي ينزهون به الرب عن كثير من النقائص ~~هذا اذا لم ينف الا ما يجب نفيه عن الله مثل نفيه للنقائص فإنه يجب تنزيه ~~الرب عنها و ينفى عنه مماثلة المخلوقات فإنه كما يجب تنزيه الرب عن كل نقص ~~و عيب يجب تنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفات الكمال ~~الثابتة له و هذان النوعان يجمعان التنزيه الواجب لله و ( @QB@ قل هو الله ~~أحد @QE@ ) دلت على النوعين # فقوله ( أحد ( مع قوله ( @QB@ لم يكن له كفوا أحد @QE@ ( ينفى المماثلة و ~~المشاركة و قوله ( الصمد ( يتضمن جميع صفات الكمال فالنقائص جنسها منفى عن ~~الله تعالى و كل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التى يجب تنزيه الرب ~~عنها بخلاف ما يوصف به الرب و يوصف العبد بما يليق به مثل العلم و القدرة و ~~الرحمة و نحو ذلك فإن هذه ليست نقائص بل ما ثبت لله من هذه المعانى فإنه ~~يثبت لله على و جه لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات فضلا عن أن يماثله فيه ~~بل ما خلقه الله في PageV17P325 الجنة من المآكل و المشارب و الملابس لا ~~يماثل ما خلقه فى الدنيا و إن إتفقا فى الاسم و كلاهما مخلوق قال ابن عباس ~~رضى الله عنهما ليس فى الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء فقد أخبر الله أن ~~في الجنة لبنا و خمرا و عسلا و ماء و حريرا و ذهبا و فضة و تلك الحقائق ~~ليست مثل هذه و ms1722 كلاهما مخلوق فالخالق تعالى أبعد عن مماثلة المخلوقات من ~~المخلوق إلى المخلوق # و قد سمى الله نفسه عليما حليما رؤوفا رحيما سميعا بصيرا عزيزا ملكا ~~جبارا متكبرا مؤمنا عظيما كريما غنيا شكورا كبيرا حفيظا شهيدا حقا و كيلا و ~~ليا و سمى أيضا بعض مخلوقاته بهذه الأسماء فسمى الإنسان سميعا بصيرا و سمى ~~نبيه رؤوفا رحيما و سمى بعض عباده ملكا و بعضهم شكورا و بعضهم عظيما و ~~بعضهم حليما و عليما و سائر ما ذكر من الأسماء مع العلم بأنه المسمى بهذه ~~الأسماء من المخلوقين مماثلا للخالق جل جلاله فى شيء من الأشياء # و كذلك النزاع في لفظ التحيز و الجهة و نحو ذلك فمن الناس من يقول هو ~~متحيز و هوفي جهة و منهم من يقول ليس بمتحيز و ليس فى جهة و منهم من يقول ~~هو فى جهة و ليس بمتحيز و لفظ المتحيز يتناول الجسم و الجوهر الفرد و لفظ ~~الجوهر قد يراد به PageV17P326 المتحيز و قد يراد به الجوهر الفرد # ومن الفلاسفة من يدعى إثبات جواهر قائمة بأنفسها غير متحيزة و متأخروا ~~أهل الكلام كالشهر ستانى و الرازى و الآمدى و نحوهم يقولون ليس فى العقل ما ~~يحيل ذلك و لهذا كان من سلك سبيل هؤلاء و هو إنما يثبت حدوث العالم بحدوث ~~الأجسام يقول بتقدير و جود جواهر عقلية فليس فى هذا الدليل ما يدل على ~~حدوثها و لهذا صار طائفة ممن خلط الكلام بالفلسفة إلى قدم الجواهر العقلية ~~و حدوث الأجسام و أن السبب الموجب لحدوثها هو حدوث تصور من تصورات النفس و ~~بعض أعيان المصنفين كان يقول بهذا # وكذلك الأرموي صاحب ( اللباب ( الذي أجاب عن شبهة الفلاسفة على دوام ~~الفاعلية المتضمنة أنه لابد للحدوث من سبب فأجاب بالجواب الباهر الذي أخذه ~~من كلام الرازي فى ( المطالب العالية ( فإنه أجاب به و هو في ( المطالب ~~العالية العالية ( يخلط كلام الفلاسفة بكلام المتكلمين و هو فى مسألة ~~الحدوث و القدم حائر و هذا الجواب ms1723 من أفسد الأجوبة # فإنه يقال ما الموجب لحدوث تلك التصورات دائما ثم أن النفس عندهم لابد أن ~~تكون متصلة بالجسم فيمتنع و جود نفس بدون جسم # PageV17P327 # و أيضا فالذي علم بالإضطرار من دين الرسل أن كل ما سوى الله مخلوق محدث ~~كائن بعد أن لم يكن # و أيضا فما تثبته الفلاسفة من الجواهر العقلية إنما يوجد فى الذهن لا فى ~~الخارج و أما أكثر المتكلمين فقالوا انتفاء هذه معلوم بضرورة العقل و قد ~~بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع و بين أن ما تدعى الفلاسفة اثباته من ~~الجواهر العقلية التى هي العقل و النفس و المادة و الصورة فلا حقيقة لها فى ~~الخارج و إنما هي أمور معقوله في الذهن يجردها العقل من الأمور المعينة كما ~~يجرد العقل الكليات المشتركة بين الأصناف كالحيوانية الكلية و الإنسانية ~~الكلية و الكليات إنما تكون كليات فى الأذهان لا فى الأعيان # و من هؤلاء من يظن أنها تكون فى الخارج كليات و ان فى الخارج ماهيات كلية ~~مقارنة للأعيان غير الموجودات المعينة و كذلك منهم من يثبت كليات مجردة عن ~~الأعيان يسمونها ( المثل الأفلاطونية ( و منهم من يثبت دهرا مجردا عن ~~المتحرك و الحركة و يثبت خلاءا مجردا ليس هو متحيزا و لا قائما بمتحيز و ~~يثبت هيولى مجردة عن جميع الصور و الهيولى فى لغتهم بمعنى المحل يقال الفضة ~~هيولى الخاتم و الدرهم و الخشب هيولى الكرسي أي هذا المحل الذي تصنع فيه ~~هذه الصورة و هذه الصورة الصناعية عرض من الأعراض و يدعون أن للجسم هيولى ~~محل PageV17P328 الصورة الجسمية غير نفس الجسم القائم بنفسه و هذا غلط و ~~إنما هذا يقدر فى النفس كما يقدر امتداد مجرد عن كل ممتد و عدد مجرد عن كل ~~معدود و مقدار مجرد عن كل مقدر و هذه كلها أمور مقدرة فى الأذهان لا و جود ~~لها فى الأعيان و قد اعترف بذلك من عادته نصر الفلاسفة من أهل النظر كما قد ~~بسط هذا ms1724 فى غير هذا الموضع # فالجواهر العقلية التى يثبتها هؤلاء الفلاسفة يعلم بصريح العقل بعد ~~التصور التام انتفاؤها فى الخارج و أما الملائكة الذين أخبر الله عنهم فهذه ~~لا يعرفها هؤلاء الفلاسفة أتباع أرسطو و لا يذكرونها بنفى و لا اثبات كما ~~لا يعرفون النبوات و لا يتكلمون عليها بنفي و لا اثبات انما تكلم فى ذلك ~~متأخروهم كابن سينا و أمثاله الذين أرادوا أن يجمعوا بين النبوات و بين ~~الفلسفة فلبسوا و دلسوا # # وكذلك ( العلة الأولى ( التى يثبتونها لهذا العالم انما أثبتوا علة غائية ~~يتحرك الفلك للتشبه بها و تحريكها للفلك من جنس تحريك الإمام المقتدى به ~~للمؤتم المقتدي اذا كان يحب أن يتشبه بإمامه و يقتدي بإمامه و لفظ ( الاله ~~( فى لغتهم يراد به المتبوع الإمام الذي يتشبه به فالفلك عندهم يتحرك ~~للتشبه بالاله و لهذا جعلوا ( الفلسفة العليا ( و ( الحكمة الأولى ( إنما ~~هي التشبه بالاله على قدر الطاقة و كلام أرسطو فى علم ما بعد الطبيعة فى ( ~~مقالة اللام ( التى هي منتهى فلسفته PageV17P329 و فى غيرها كله يدور على ~~هذا و تارة يشبه تحريكه للفلك بتحريك المعشوق للعاشق لكن التحريك هنا قد ~~يكون لمحبة العاشق ذات المعشوق أو لغرض يناله منه و حركة الفلك عندهم ليست ~~كذلك بل يتحرك ليتشبه بالعلة الأولى فهو يحبها أي يحب التشبه بها لا يحب أن ~~يعبدها و لا يحب شيئا يحصل منها و يشبه ذلك أرسطو بحركة النواميس لإتباعها ~~أي اتباع الناموس قائمون بما فى الناموس و يقتدون به # } # والناموس عندهم هي السياسة الكلية للمدائن التى و ضعها لهم ذوو الرأي و ~~العقل لمصلحة دنياهم لئلا يتظالموا و لا تفسد دنياهم # ومن عرف النبوات منهم يظن أن شرائع الأنبياء من جنس نواميسهم و أن ~~المقصود بها مصلحة الدنيا بوضع قانون عدلي و لهذا أوجب ابن سينا و أمثاله ~~النبوة و جعلوا النبوة لابد منها لأجل و ضع هذا الناموس و لما كانت الحكمة ~~العملية عندهم هي الخلقية و المنزلية و المدنية جعلوا ms1725 ما جاءت به الرسل من ~~العبادت و الشرائع و الأحكام هي من جنس الحكمة الخلقية و المنزلية و ~~المدنية فإن القوم لا يعرفون الله بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود و ~~النصارى بكثير # وأرسطو المعلم الأول من أجهل الناس برب العالمين إلى الغاية لكن لهم ~~معرفة جيدة بالأمور الطبيعية و هذا بحر علمهم و له تفرغوا PageV17P330 و ~~فيه ضيعوا زمانهم و أما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جدا و أما ~~ملائكته و أنبياؤه و كتبه و رسله و المعاد فلا يعرفون ذلك ألبتة و لم ~~يتكلموا فيه لا بنفى و لا إثبات و انما تكلم فى ذلك متأخروهم الداخلون في ~~الملل # وأما قدماء اليونان فكانوا مشركين من أعظم الناس شركا وسحرا يعبدون ~~الكواكب والاصنام ولهذا عظمت عناياتهم بعلم الهيئة والكواكب لاجل عبادتها ~~وكانوا يبنون لها الهياكل وكان آخر ملوكهم ( بطليموس ( صاحب ( المجسطى ( # ولما دخلت الروم فى النصرانية فجاء دين المسيح صلوات الله عليه و سلامه ~~أبطل ما كانوا عليه من الشرك # ولهذا بدل من بدل دين المسيح فوضع دينا مركبا من دين الموحدين ودين ~~المشركين فان أولئك كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب ويصلون لها ويسجدون ~~فجاء قسطنطين ملك النصارى ومن اتبعه فابتدعوا الصلاة إلى المشرق وجعلوا ~~السجود إلى الشمس بدلا عن السجود لها وكان اولئك يعبدون الاصنام المجسدة ~~التى لها ظل فجاءت النصارى وصورت تماثيل القداديس فى الكنائس وجعلوا الصور ~~المرقومة فى الحيطان والسقوف بدل الصور المجسدة القائمة بأنفسها التى لها ~~ظل # PageV17P331 # وأرسطو كان و زير الإسكندر بن فيلبس المقدوني نسبة إلى مقدونية و هي ~~جزيرة هؤلاء الفلاسفة اليونانيين الذين يسمون المشائين و هي اليوم خراب أو ~~غمرها الماء و هو الذي يؤرخ له النصارى و اليهود التاريخ الرومي و كان قبل ~~المسيح بنحو ثلاثمائة سنة فيظن من يعظم هؤلاء الفلاسفة أنه كان و زير لذي ~~القرنين المذكور فى القرآن ليعظم بذلك قدره و هذا جهل فإن ذا القرنين كان ~~قبل هذا بمدة طويلة جدا و ذو ms1726 القرنين بنى سد يأجوج و مأجوج و هذا المقدوني ~~ذهب إلى بلاد فارس و لم يصل إلى بلاد الصين فضلا عن السد # والملائكة التى أخبر الله و رسوله بها لا يعلم عددهم إلا الله تعالى ~~ليسوا عشرة و لا تسعة و هم عباد الله أحياء ناطقون ينزلون إلى الأرض و ~~يصعدون إلى السماء و لا يفعلون الا باذن ربهم كما أخبر الله عنهم بقوله ( ^ ~~و قالوا اتخذ الرحمن و لدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم ~~بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يشفعون الا لمن ارتضي و ~~هم من خشيته مشفقون ^ ( و قال تعالى ( ^ و كم من ملك في السموات لا تغنى ~~شفاعتهم شيئا الا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء و يرضى ^ ( و أمثال هذه ~~النصوص # وهؤلاء يدعون أن العقول قديمة أزلية و أن العقل الفعال هو PageV17P332 رب ~~كل ما تحت هذا الفلك و العقل الأول هو رب السموات و الأرض و ما بينهما و ~~الملاحدة الذين دخلوا معهم من أتباع بنى عبيد كأصحاب رسائل اخوان الصفا و ~~غيرهم و كملاحدة المتصوفة مثل ابن عربي و ابن سبعين و غيرهما يحتجون لمثل ~~ذلك بالحديث الموضوع ( أول ما خلق الله العقل ( و في كلام أبي حامد الغزالي ~~فى ( الكتب المضنون بها على غير أهلها ( و غير ذلك من معانى هؤلاء قطعة ~~كبيرة و يعبر عن مذاهبهم بلفظ الملك و الملكوت و الجبروت و مراده بذلك ~~الجسم و النفس و العقل فيأخذ هؤلاء العبارات الإسلامية و يودعونها معانى ~~هؤلاء و تلك العبارات مقبولة عند المسلمين فاذا سمعوها قبلوها ثم اذا عرفوا ~~المعانى التى قصدها هؤلاء ضل بها من لم يعرف حقيقة دين الاسلام و أن هذه ~~معانى هؤلاء الملاحدة ليست هي المعانى التى عناها محمد رسول الله صلى الله ~~عليه و سلم و اخوانه المرسلون مثل موسى و عيسى صلوات الله و سلامه عليهم ~~أجمعين # 3 ولهذا ضل كثير من المتأخرين بسبب ms1727 هذا الإلتباس و عدم المعرفة بحقيقة ما ~~جاء به الرسول و ما يقوله هؤلاء حتى يضل بهم خلق من أهل العلم و العبادة و ~~التصوف و من ليس له غرض في مخالفة محمد صلى الله عليه و سلم بل يحب اتباعه ~~مطلقا و لو عرف ان هذا مخالف لما جاء به لم يقبله لكن لعدم كمال علمه ~~بمعانى ما أخبر PageV17P333 به الرسول و مقاصد هؤلاء يقبل هذا لا سيما اذا ~~كان المتكلم به ممن له نصيب و افر في العلم و الكلام و التصوف و الزهد و ~~الفقه و العبادة # ورأى الطالب أن هذا مرتبته فوق مرتبة الفقهاء الذين انما يعرفون الشرع ~~الظاهر و فوق مرتبة المحدث الذي غايته أن ينقل ألفاظا لا يعلم معانيها و ~~كذلك المقرى و المفسر و رأى من يعظمه من أهل الكلام اما موافق لهم و إما ~~خائف منهم و رأى بحوث المتكلمين معهم في مواضع كثيرة لم يأتوا بتحقيق يبين ~~فساد قولهم بل تارة يوافقونهم على أصول لهم تكون فاسدة و تارة يخالفونهم فى ~~أمر قالته الفلاسفة و يكون حقا مثل من يرى كثير من المتكلمين يخالفهم فى ~~أمور طبيعية و رياضية ظانا أنه ينصر الشرع و يكون الشرع موافقا لما علم ~~بالعقل مثل استدارة الأفلاك فإنه لم يعلم بين السلف خلاف في أنها مستديرة و ~~الآثار بذلك معروفة و الكتاب و السنة قد دلا على ذلك و كذلك استحالة ~~الأجسام بعضها إلى بعض هو مما اتفق عليه الفقهاء كما قال هؤلاء إلى أمور ~~أخر # لكن كثير من المتكلمين أو أكثرهم لا خبرة لهم بما دل عليه الكتاب و السنة ~~و آثار الصحابة و التابعين لهم باحسان بل ينصر مقالات يظنها دين المسلمين ~~بل اجماع المسلمين و لا يكون قد قالها أحد من PageV17P334 السلف بل الثابت ~~عن السلف مخالف لها فلما و قع بين المتكلمين تقصير و جهل كثير بحقائق ~~العلوم الشرعية و هم فى العقليات تارة يوافقون الفلاسفة على باطلهم و تارة ~~يخالفونهم ms1728 فى حقهم صارت المناظرات بينهم دولا و ان كان المتكلمون أصح مطلقا ~~في العقليات الإلهية و الكلية كما أنهم أقرب إلى الشرعيات من الفلاسفة فإن ~~الفلاسفة كلامهم فى الإلهيات و الكليات العقلية كلام قاصر جدا و فيه تخليط ~~كثيروانما يتكلمون جيدا فى الأمور الحسية الطبيعية و فى كلياتها فكلامهم ~~فيها فى الغالب جيد # وأما الغيب الذي تخبر به الأنبياء و الكليات العقلية التى تعم الموجودات ~~كلها و تقسيم الموجودات كلها قسمة صحيحة فلا يعرفونها ألبتة فإن هذا لا ~~يكون الا ممن أحاط بأنواع الموجودات و هم لا يعرفون الا الحسيات و بعض ~~لوازمها و هذا معرفة بقليل من الموجودات جدا فإن ما لا يشهده الآدميون من ~~الموجودات أعظم قدرا و صفة مما يشهدونه بكثير # و لهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة اذا سمعوا أخبار ~~الأنبياء بالملائكة و العرش و الكرسي و الجنة و النار و هم يظنون أن لا ~~موجود الا ما علموه هم و الفلاسفة يصيرون حائرين متأولين لكلام الأنبياء ~~على ما عرفوه و إن كان هذا لا دليل عليه و ليس لهم بهذا PageV17P335 النفي ~~علم فإن عدم العلم ليس علما بالعدم # لكن نفيهم هذا كنفى الطبيب للجن لأنه ليس فى صناعة الطب ما يدل على ثبوت ~~الجن والا فليس فى علم الطب ما ينفى وجود الجن وهكذا تجد من عرف نوعا من ~~العلم وامتاز به على العامة الذين لا يعرفونه فيبقى بجهله نافيا لما لم ~~يعلمه وبنوا آدم ضلالهم فيما جحدوه ونفوه بغير علم اكثر من ضلالهم فيما ~~اثبتوه وصدقوا به قال تعالى ( @QB@ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ~~يأتهم تأويله @QE@ ( وهذا لان الغالب على الادميين صحة الحس والعقل فاذا ~~أثبتوا شيئا وصدقوا به كان حقا # ولهذا كان التواتر مقبولا من جميع اجناس بنى آدم لانهم يخبرون عما شاهدوه ~~وسمعوه وهذا امر لا يشترك الخلق العظيم فى الغلط فيه ولا فى تعمد الكذب فيه ~~فاذا علم انهم لم يتواطؤا عليه ولم يأخذه بعضهم عن بعض ms1729 كما تؤخذ المذاهب ~~والآراء التى يتلقاها المتاخر عن المتقدم وقد علم ان هذا مما لا يغلط فيه ~~عادة علم قطهعا صدقهم فان المخبر اما أ ن يتعمد الكذب واما ان يغلط وكلاهما ~~مأمون فى المتواترات بخلاف ما نفوه وكذبوا به فان غالبهم أو كثيرا منهم ~~ينفون ما لا يعلمون ويكذبون بما لم يحيطوا بعلمه # فصار هؤلاء الذين ظنوا الموجودات ما عرفه هؤلاء المتفلسفة اذا سمعوا ما ~~أخبرت به الأنبياء من العرش و الكرسي قالوا العرش هو PageV17P336 الفلك ~~التاسع و الكرسي هو الثامن و قد تكلمنا على ذلك فى ( مسألة الاحاطة ( و ~~بينا جهل من قال هذا عقلا و شرعا و اذا سمعهم يذكرون الملائكة ظن أنهم ~~العقول و النفوس التى يثبتها المتفلسفة و القوي التى في الأجسام و كذلك ~~الجن و الشياطين يظن أنها أعراض قائمة بالنفوس حيث كان هذا مبلغه من العلم ~~و كذلك يظن ما ذكره ابن سينا و أمثاله من أن الغرائب فى هذا العالم سببها ~~قوة فلكية أو طبيعية أو نفسانية و يجعل معجزات الأنبياء من باب القوى ~~النفسانية و هي من جنس السحر لكن الساحر قصده الشر و النبى قصده الخير و ~~هذا كله من الجهل بالأمور الكلية المحيطة بالموجودات و أنواعها و من الجهل ~~بما جاء به الرسول فلا يعرفون من العلوم الكلية و لا العلوم الإلهية الا ما ~~يعرفه الفلاسفة المتقدمون و زيادات تلقوها عن بعض أهل الكلام أو عن أهل ~~الملة # فلهذا صار كلام المتأخرين كإبن سينا و أمثاله فى الإلهيات و الكليات أجود ~~من كلام سلفه و لهذا قربت فلسفة اليونان إلى أهل الإلحاد المبتدعة من أهل ~~الملل لما فيها من شوب الملة و لهذا دخل فيها بنو عبيد الملاحدة فأخذوا عن ~~هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركين العقل و النفس و عن المجوس النور و الظلمة ~~و سموه هم السابق و التالي و كذلك الملاحدة المنتسبون إلى التصوف و التأله ~~كابن سبعين و أمثاله سلكوا PageV17P337 مسلكا جمعوا فيه بزعمهم بين الشرع و ms1730 ~~الفلسفة و هم ملاحدة ليسوا من الثنتين و السبعين فرقة و قد بسط الكلام على ~~هؤلاء و هؤلاء في غير هذا الموضع # و انما ذكروا هنا لأن أهل الكلام المحدث صاروا لعدم علمهم بما علمه السلف ~~و أئمة السنة من الكتاب و السنة و آثار الصحابة و لما و قعوا فيه من ~~الكلاميات الباطلة يدخل بسببهم هؤلاء الفلاسفة في الإسلام أمورا باطلة و ~~يحصل بهم من الضلال و الغي ما لا يتسع هذا الموضع لذكره # و لما أحدثت الجهمية محنتهم و دعوا الناس اليها و ضرب أحمد بن حنبل فى ~~سنة عشرين و مائتين كان مبدأ حدوث القرامطة الملاحدة الباطنية من ذلك ~~الزمان فصارت البدع باب الالحاد كما أن المعاصي يريد الكفر و لبسط هذا موضع ~~آخر # و المقصود هنا الكلام على لفظ التحيز و الجهة و هؤلاء المتكلمون ~~المتفلسفة صار بينهم نزاع فى الملائكة هل هي متحيزة أم لا فمن مال إلى ~~الفلسفة و رأى أن الملائكة هي العقول و النفوس التى يثبتها الفلاسفة و ان ~~تلك ليست متحيزة قال إن الملائكة ليست متحيزة لا سيما و طائفة من الفلاسفة ~~لم تجعل عددها عشرة عقول و تسعة نفوس كما PageV17P338 هو المشهور عن ~~المشائين بل قال لا دليل على نفى الزيادة و رأي النبوات قد أخبرت بكثرة ~~الملائكة فأراد أن يثبت كثرتهم بطريقة فلسفية كما فعل ذلك أبو البركات صاحب ~~( المعتبر ( و الرازي في ( المطالب العالية ( و غيرهما # وأما المتكلمون فإنهم يقولون إن كل ممكن أوكل محدث أو كل مخلوق فهو إما ~~متحيز و إما قائم بمتحيز و كثير منهم يقول كل موجود إما متحيز و اما قائم ~~بمتحيز و يقولون لا يعقل موجود الا كذلك كما قاله طوائف من أهل الكلام و ~~النظر ثم المتفلسفة كابن سينا و أتباعه و الشهرستانى و الرازي و غيرهم لما ~~أرادوا اثبات موجود ليس كذلك كان أكبر عمدتهم اثبات الكليات كالإنسانية ~~المشتركة و الحيوانية المشتركة و إذا كانت هذه لا تكون كليات الا ms1731 فى الذهن ~~فلم ينازعهم الناس فى ذلك و انما نازعوهم في اثبات موجود خارج الذهن قائم ~~بنفسه لا يمكن الإحساس به بحال بل لا يكون معقولا # و قالوا لهم المعقول ما كان فى العقل و أما ما كان موجودا قائما بنفسه ~~فلابد أن يمكن الإحساس به و إن لم نحس نحن به فى الدنيا كما لا نحس بالجن و ~~الملائكة و غير ذلك فلابد أن يحس به غيرنا كالملائكة و الجن و أن يحس به ~~بعد الموت أو فى الدار الآخرة أو PageV17P339 يحس به بعض الناس دون بعض فى ~~الدنيا كالأنبياء الذين رأوا الملائكة و سمعوا كلامهم # وهذه الطريقة و هو أن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته هي التى سلكها أئمة ~~النظار كابن كلاب و غيره و سلكها ابن الزاغونى و غيره و أما من قال أن كل ~~موجود يجوز رؤيته أو يجوز أن يحس بسائر الحواس الخمس كما يقوله الأشعري و ~~موافقوه كالقاضي أبي يعلي و أبي المعالي و غيرهما فهذه الطريقة مردودة عند ~~جماهير العقلاء بل يقولون فسادها معلوم بالضرورة بعد التصور التام كما بسط ~~فى موضعه # و كذلك نزاعهم فى روح الإنسان التى تفارقه بالموت على قول الجمهور الذين ~~يقولون هي عين قائمة بنفسها ليست عرضا من أعراض البدن كالحياة و غيرها و لا ~~جزءا من أجزاء البدن كالهواء الخارج منه فإن كثيرا من المتكلمين زعموا أنها ~~عرض قائم بالبدن أو جزء من أجزاء البدن لكن هذا مخالف للكتاب و السنة و ~~إجماع السلف و الخلف و لقول جماهير العقلاء من جميع الأمم و مخالف للأدلة ~~العقلية # و هذا مما استطال به الفلاسفة على كثير من أهل الكلام قال القاضي أبو بكر ~~اكثر المتكلمين على أن الروح عرض من الأعراض PageV17P340 و بهذا نقول إذا ~~لم يعن بالروح النفس فإنه قال الروح الكائن فى الجسد ضربان # أحدهما الحياة القائمة به و الآخر النفس و النفس ريح ينبث به و المراد ~~بالنفس ما يخرج بنفس التنفس من أجزاء الهواء ms1732 المتحلل من المسام و هذا قول ~~الإسفرائينى و غيره و قال ابن فورك هو ما يجري في تجاويف الأعضاء و أبو ~~المعالي خالف هؤلاء و أحسن فى مخالفتهم فقال إن الروح أجسام لطيفة مشابكة ~~للأجسام المحسوسة أجرى الله العادة بحياة الأجساد ما استمرت مشابكتها لها ~~فاذا فارقتها تعقب الموت الحياة فى استمرار العادة # و مذهب الصحابة و التابعين لهم باحسان و سائر سلف الأمة و أئمة السنة أن ~~الروح عين قائمة بنفسها تفارق البدن و تنعم و تعذب ليست هي البدن و لا جزءا ~~من أجزائه كالنفس المذكور و لما كان الإمام أحمد ممن نص على ذلك كما نص ~~عليه غيره من الأئمة لم يختلف أصحابه فى ذلك لكن طائفة منهم كالقاضي أبي ~~يعلي زعموا أنها جسم و أنها الهواء المتردد في مخاريق البدن موافقة لأحد ~~المعنيين الذين ذكرهما ابن الباقلانى و هذه الأقوال لما كانت من أضعف ~~الأقوال تسلط بها عليهم خلق كثير PageV17P341 # و المقصود هنا أن الذين قالوا أنها عين قائمة بنفسها غير البدن و أجزائه ~~و أعراضه تنازعوا هل هي جسم متحيز على قولين كتنازعهم فى الملائكة # فالمتكلمون منهم يقولون جسم و المتفلسفة يقولون جوهر عقلي ليس بجسم و قد ~~أشرنا فيما تقدم إلى أن ما تسمية المتفلسفة جواهر عقلية لا توجد الا في ~~الذهن و أصل تسميتهم المجردات و المفارقات هو مأخوذ من نفس الإنسان فإنها ~~لما كانت تفارق بدنه بالموت و تتجرد عنه سموها مفارقة مجردة ثم أثبتوا ما ~~أثبتوه من العقول و النفوس و سموها مفارقات و مجردات بناء على ذلك و هم ~~يريدون بالمفارق للمادة ما لا يكون جسما و لا قائما بجسم لكن النفس متعلقة ~~بالجسم تعلق التدبير و العقل و لا تعلق له بالأجسام أصلا و لا ريب أن ~~جماهير العقلاء على اثبات الفرق بين البدن و الروح التى تفارق و الجمهور ~~يسمون ذلك روحا و هذا جسما # لكن لفظ الجسم فى اللغة ليس هو الجسم فى اصطلاح المتكلمين بل الجسم ms1733 هو ~~الجسد كما تقدم و هو الجسم الغليظ أو غلظه و الروح ليست مثل البدن فى الغلظ ~~و الكثافة و لذلك لا تسمى جسما # فمن جعل الملائكة و الأرواح و نحو ذلك ليست أجساما بالمعنى اللغوي فقد ~~أصاب فى ذلك و رب العالمين أولى أن لا يكون جسما فانه من المشهور فى اللغة ~~الفرق بين الأرواح و الأجسام # PageV17P342 ( و أما أهل الإصطلاح ) من المتكلمين و المتفلسفة فيجعلون ~~مسمى الجسم أعم من ذلك و هو ما أمكنت الإشارة الحسية إليه و ما قيل أنه هنا ~~و هناك و ما قبل الأبعاد الثلاثة و نحو ذلك # و كذلك المتحيز في اصطلاح هؤلاء هو الجسم و يدخل فيه الجوهر الفرد عند من ~~أثبته و قد تقدم معنى الجسم فى اللغة و أما المتحيز فقد قال تعالى ( ^ و من ~~يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ~~^ ( # و قال الجوهري الحوز الجمع و كل من ضم إلى نفسه شيئا فقد حازه حوزا و ~~حيازة و احتازه أيضا و الحوز و الحيز السوق اللين و قد حاز الإبل يحوزها و ~~يحيزها و حوز الابل ساقها إلى الماء و قال الأصمعي اذا كانت الإبل بعيدة ~~المرعى عن الماء فأول ليلة توجهها إلى الماء ليلة الحوز و تحوزت الحية و ~~تحيزت تلوت يقال مالك تتحوز تحوز الحية و تتحيز تحيز الحية قال سيبويه هو ~~تفعل من حزت الشيء قال القطامي # % تحيز منى خشية أن أضيفها % كما انحازت الأفعى مخافة ضارب % $ يقول ~~تتنحى عنى هذه العجوز و تتأخر خشية أن أنزل عليها ضيفا PageV17P343 و الحيز ~~ما إنضم إلى الدار من مرافقها و كل ناحية حيز و أصله من الواو و الحيز ~~تخفيف الحيز مثل هين و هين و لين و لين و الجمع أحياز و الحوزة الناحية و ~~انحاز عنه انعدل و انحاز القوم تركوا مركزهم إلى آخر يقال للأولياء انحازوا ~~عن العدو و حاصوا و الاعداء انهزموا و ولوا مدبرين ms1734 و تحاوز الفريقان فى ~~الحرب انحاز كل فريق # فهذا المذكور عن أهل اللغة فى هذا اللفظ و مادته يقتضي أن التحيز و ~~الإنحياز و التحوز و نحو ذلك يتضمن عدولا من محل إلى محل و هذا أخص من كونه ~~يحوزه أمر موجود فهم يراعون في معنى الحوز ذهابه من جهة إلى جهة و لهذا ~~يقولون حزت المال و حزت الابل و ذلك يتضمن نقله من جهة إلى جهة فالشيء ~~المستقر فى موضعه كالجبل و الشمس و القمر لا يسمونه متحيزا و أعم من هذا أن ~~يراد بالمتحيز ما يحيط به حيز موجود فيسمى كل ما أحاط به غيره أنه متحيز و ~~على هذا فما بين السماء و الأرض متحيز بل ما فى العالم متحيز إلا سطح ~~العالم الذي لا يحيط به شيء فإن ذلك ليس بمتحيز و كذلك العالم جملة ليس ~~بمتحيز بهذا الإعتبار فإنه ليس في عالم آخر أحاط به و المتكلمون يريدون ~~بالمتحيز ما هو أعم من هذا و الحيز عندهم أعم من المكان فالعالم كله فى حيز ~~و ليس هو في مكان PageV17P344 و المتحيز عندهم لا يعتبر فيه أنه يحوزه غيره ~~و لا يكون له حيز و جودي بل كلما أشير اليه و امتاز منه شيء عن شيء فهو ~~متحيز عندهم # ثم هم مختلفون بعد هذا فى المتحيز هل هو مركب من الجواهر المنفردة أو من ~~المادة و الصورة أو هو غير مركب لا من هذا و لا من هذا كما تقدم نزاعهم فى ~~الجسم فالجسم عندهم متحيز و لا يخرج عنه شيء إلا الجوهر الفرد عند من أثبته ~~و هؤلاء يعتقد كثير منهم أو أكثرهم أن كل متحيز فهو مركب أي يقبل الإنقسام ~~إلى جزء لا يتجزأ بل يظن بعضهم أن هذا إجماع المسلمين و أكثرهم يقولون ~~المتحيزات متماثلة في الحد و الحقيقة و من كان معنى المتحيز عنده هذا فعليه ~~أن ينزه الله تعالى أن يكون متحيزا بهذا الاعتبار و اذا قال الملائكة ~~متحيزون بهذا ms1735 الإعتبار أو الروح متحيزة بهذا الإعتبار نازعه فى ذلك جمهور ~~العقلاء من المسلمين و غيرهم بل لا يعرف أحد من سلف الأمة و أئمتها يقول إن ~~الملائكة متحيزة بهذا الإعتبار و لا قالوا لفظا يدل على هذا المعنى و كذلك ~~روح بني آدم التى تفارقه بالموت لم يقل أحد من السلف إنها متحيزة بهذا ~~الإعتبار و لا قال فيها لفظا يدل على هذا المعنى فإذا كان إثبات هذا التحيز ~~للملائكة و الروح بدعة في الشرع و باطلا فى العقل فلأن يكون ذلك بدعة و ~~باطلا فى رب PageV17P345 العالمين بطريق الأولى و الأحرى # ومن هنا يتبين أن عامة ما يقوله المتفلسفة و هؤلاء المتكلمة فى نفوس بني ~~آدم و في الملائكة باطل فكيف بما يقولونه فى رب العالمين و لهذا توجد الكتب ~~المصنفة التى يذكر فيها مقالات هؤلاء و هؤلاء فى هذه المسائل الكبار فى رب ~~العالمين و فى ملائكته و في أرواح بنى آدم و فى المعاد و فى النبوات ليس ~~فيها قول يطابق العقل و الشرع و لا يعرفون ما قاله السلف و الأئمة فى هذا ~~الباب و لا ما دل عليه الكتاب و السنة # فلهذا يغلب على فضلائهم الحيرة فإنهم اذا أنهوا النظر لم يصلوا إلى علم ~~لأن ما نظروا فيه من كلام الطائفتين مشتمل على باطل من الجانبين و لهذا قال ~~أبو عبدالله الرازي في آخر عمره لقد تأملت الطرق الكلامية و المناهج ~~الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا و لا تروي غليلا و رأيت أقرب الطرق طريقة ~~القرآن اقرأ فى الإثبات ( ^ إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه ^ ~~( @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ( و اقرأ فى النفي ( ^ ( ليس كمثله شيء ~~) ^ ) ( ^ و لا يحيط به علما ^ ( و من جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى # وأما من اعتقد أن المتحيز هو ما باين غيره فانحاز عنه و ليس PageV17P346 ~~من شرطه أن يكون مركبا من الأجزاء المنفردة و لا أنه يقبل التفريق و ~~التقسيم فإذا قال أن الرب متحيز بهذا ms1736 المعنى أي أنه بائن عن مخلوقاته فقد ~~أراد معنى صحيحا لكن إطلاق هذه العبارة بدعة و فيها تلبيس فإن هذا الذي ~~أراده ليس معنى المتحيز فى اللغة و هو اصطلاح له و لطائفته و فى المعنى ~~المصطلح نزاع بين العقلاء فصار يحتمل معنى فاسدا يجب تنزيه الرب عنه و ليس ~~للإنسان أن يطلق لفظا يدل عند غيره على معنى فاسد و يفهم ذلك الغير ذلك ~~المعنى الفاسد من غير بيان مراده بل هؤلاء المتكلمون الذين أرادوا بالمتحيز ~~ما كان مؤلفا من أجزاء لا تقبل القسمة و هو ما كان قابلا للقسمة إذا قالوا ~~ان كل ممكن أو كل محدث أو كل مخلوق فهو إما متحيز و اما قائم بمتحيز كان ~~جماهير العقلاء يخالفونهم فى هذا التقسيم و لم يكن أحد من أئمة المسلمين لا ~~من الصحابة و لا من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين و لا سائر أئمة ~~المسلمين موافقا لهم على هذا التقسيم فكيف اذا قال من قال منهم كل موجود ~~فهو اما متحيز و اما قائم بمتحيز و أراد بالمتحيز ما أراده هؤلاء فإن قوله ~~حينئذ يكون أبعد عن الشرع و العقل من قول أولئك و لهذا طالبهم متأخروهم ~~بالدليل على هذا الحصر و ليس خطأ هؤلاء من جهة ما أثبته المتفلسفة من ~~الجواهر العقلية فإن تلك قد علم بطلانها بصريح العقل أيضا # PageV17P347 # وما يقوله هؤلاء المتفلسفة فى النفس الناطقة من أنها لا يشار إليها و لا ~~توصف بحركة و لا سكون و لا صعود و لا نزول و ليست داخل العالم و لا خارجه ~~هو أيضا كلام أبطل من كلام أولئك المتكلمين عند جماهير العقلاء و لا سيما ~~من يقول منهم كابن سينا و أمثاله أنها لا تعرف شيئا من الأمور الجزئية و ~~إنما تعرف الأمور الكلية فإن هذا مكابرة ظاهرة فإنها تعرف بدنها و تعرف كل ~~ما تراه بالبدن و تشمه و تسمعه و تذوقه و تقصده و تأمر به و تحبه و تكرهه ~~إلى ms1737 غير ذلك مما تتصرف فيه بعلمها و عملها فكيف يقال إنها لا تعرف الأمور ~~المعينة و انما تعرف أمورا كلية # و كذلك قولهم إن تعلقها بالبدن ليس إلا مجرد تعلق التدبير و التصريف ~~كتدبير الملك لمملكته من أفسد الكلام فإن الملك يدبر أمر مملكته فيأمر و ~~ينهى و لكن لا يصرفهم هو بمشيئته و قدرته ان لم يتحركوا هم بارادتهم و ~~قدرتهم و الملك لا يلتذ بلذة أحدهم و لا يتالم بتألمه و ليس كذلك الروح و ~~البدن بل قد جعل الله بينهما من الإتحاد و الائتلاف ما لا يعرف له نظير ~~يقاس به و لكن دخول الروح فيه ليس هو مماثلا لدخول شيء من الأجسام المشهودة ~~فليس دخولها فيه كدخول الماء و نحوه من المائعات فى الأوعية فإن هذه انما ~~تلاقي السطح الداخل من الأوعية لا بطونها و لا ظهورها و إنما يلاقي ~~PageV17P348 الأوعية منها أطرافها دون أوساطها و ليس كذلك الروح و البدن بل ~~الروح متعلقة بجميع أجزاء البدن باطنه و ظاهره و كذلك دخولها فيها ليس ~~كدخول الطعام و الشراب فى بدن الآكل فإن ذلك له مجار نعروفة و هو مستحيل ~~إلى غير ذلك من صفاته و لا جريانها في البدن كجريان الدم فإن الدم يكون في ~~بعض البدن دون بعض # ففي الجملة كل ما يذكر من النظائر لا يكون كل شيء منه متعلقا بالآخر ~~بخلاف الروح و البدن لكن هي مع هذا في البدن قد و لجت فيه و تخرج منه و قت ~~الموت و تسل منه شيئا فشيئا فتخرج من البدن شيئا فشيئا لا تفارقه كما يفارق ~~الملك مدينته التى يدبرها و الناس لما لم يشهدوا لها نظيرا عسر عليهم ~~التعبير عن حقيقتها و هذا تنبيه لهم على أن رب العالمين لم يعرفوا حقيقته و ~~لا تصوروا كيفيته سبحانه و تعالى و ان ما يضاف اليه من صفاته هو على ما ~~يليق به جل جلاله فإن الروح التى هي بعض عبيده توصف بأنها تعرج اذا ms1738 نام ~~الإنسان و تسجد تحت العرش و هي مع هذا فى بدن صاحبها لم تفارقه بالكلية و ~~الإنسان فى نومه يحس بتصرفات روحه تصرفات تؤثر في بدنه فهذا الصعود الذي ~~توصف به الروح لا يماثل صعود المشهودات فإنها اذا صعدت إلى مكان فارقت ~~الأول بالكلية و حركتها PageV17P349 الى العلو حركة انتقال من مكان إلى ~~مكان و حركة الروح بعروجها و سجودها ليس كذلك # فالرب سبحانه إذا و صفه رسوله صلى الله عليه و سلم بأنه ينزل إلى سماء ~~الدنيا كل ليلة و أنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج و أنه كلم موسى فى الوادي ~~الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة و أنه استوى إلى السماء و هي دخان ~~فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين لم يلزم من ذلك أن ~~تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة حتى يقال ~~ذلك يستلزم تفريغ مكان و شغل آخر فإن نزول الروح و صعودها لا يستلزم ذلك ~~فكيف برب العالمين و كذلك الملائكة لهم صعود و نزول من هذا الجنس # فلا يجوز نفي ما أثبته الله و رسوله من الأسماء و الصفات و لا يجوز تمثيل ~~ذلك بصفات المخلوقات لا سيما ما لا نشاهده من المخلوقات فإن ما ثبت لما لا ~~نشاهده من المخلوقات من الأسماء و الصفات ليس مماثلا لما نشاهده منها فكيف ~~برب العالمين الذي هو أبعد عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق لمخلوق و كل ~~مخلوق فهو أشبه بالمخلوق الذي لا يماثله من الخالق بالمخلوق سبحانه و تعالى ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا # PageV17P350 # و هذا الذي نبهنا عليه مما يظهر به أن ما يذكره صاحب ( المحصل ( و أمثاله ~~من تقسيم الموجودات على رأي المتفلسلفة و المتكلمة كله تقسيم غير حاصر و كل ~~من الفريقين مقصر عن سلفه اما المتكلمون فلم يسلكوا من التقسيم المسلم الذي ~~دل عليه الكتاب و السنة و كان عليه سلف الأمة و كذلك هؤلاء المتفلسفة اتباع ms1739 ~~أرسطو لم يسلكوا مسلك الفلاسفة الأساطين المتقدمين فإن أولئك كانوا يقولون ~~بحدوث هذا العالم و كانوا يقولون إن فوق هذا العالم عالما آخر يصفونه ببعض ~~ما و صف النبى صلى الله عليه و سلم به الجنة و كانوا يثبتون معاد الأبدان ~~كما يوجد هذا فى كلام سقراط و تاليس و غيرهما من أساطين الفلاسفة و قد ~~ذكروا أن أول من قال منهم بقدم العالم أرسطو # $ فصل # وهذه الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ ( المركب ( و ( المؤ لف ( ~~و ( المنقسم ( و نحو ذلك قد صار كل من أراد نفي شيء مما أثبته الله لنفسه ~~من الأسماء و الصفات عبر بها عن مقصوده فيتوهم من لا يعرف مراده أن المراد ~~تنزيه الرب الذي و رد به القرآن و هو إثبات أحديته و صمديته و يكون قد أدخل ~~في تلك الألفاظ ما رآه هو منفيا PageV17P351 و عبر عنه بتلك العبارة و ضعا ~~له و إصطلاحا إصطلح عليه هو و من و افقه على ذلك المذهب و ليس ذلك من لغة ~~العرب التى نزل بها القرآن و لا من لغة أحد من الأمم ثم يجعل ذلك المعنى هو ~~مسمى الأحد و الصمد و الواحد و نحو ذلك من الأسماء الموجودة فى الكتاب و ~~السنة و يجعل ما نفاه من المعاني التى أثبتها الله و رسوله من تمام التوحيد # و إسم ( التوحيد ( إسم معظم جاءت به الرسل و نزلت به الكتب فإذا جعل تلك ~~المعانى التى نفاها من التوحيد ظن من لم يعرف مخالفة مراده لمراد الرسول ~~صلى الله عليه و سلم أنه يقول بالتوحيد الذي جاءت به الرسل و يسمى طائفته ~~الموحدين كما يفعل ذلك الجهمية و المعتزلة و من و افقهم على نفي شيء من ~~الصفات و يسمون ذلك توحيدا و طائفتهم الموحدين و يسمون علمهم علم التوحيد ~~كما تسمى المعتزلة و من و افقهم نفي القدر عدلا و يسمون أنفسهم العدلية و ~~أهل العدل و مثل هذه البدع كثير جدا يعبر بألفاظ ms1740 الكتاب و السنة عن معان ~~مخالفة لما أراده الله و رسوله بتلك الألفاظ و لا يكون أصحاب تلك الأقوال ~~تلقوها إبتداء عن الله عز و جل و رسوله صلى الله عليه و سلم بل عن شبه حصلت ~~لهم و أئمة لهم و جعلوا التعبير عنها بألفاظ الكتاب و السنة حجة لهم و عمدة ~~لهم ليظهر بذلك أنهم متابعون للرسول صلى الله عليه و سلم لا مخالفون له و ~~كثير منهم لا يعرفون PageV17P352 أن ما ذكروه مخالف للرسول صلى الله عليه و ~~سلم بل يظن أن هذا المعنى الذي أراده هو المعنى الذي أراده الرسول صلى الله ~~عليه و سلم و أصحابه فلهذا يحتاج المسلمون إلى شيئين # ( أحدهما ( معرفة ما أراد الله و رسوله صلى الله عليه و سلم بألفاظ ~~الكتاب و السنة بأن يعرفوا لغة القرآن التى بها نزل و ما قاله الصحابة و ~~التابعون لهم بإحسان و سائر علماء المسلمين فى معانى تلك الألفاظ فإن ~~الرسول لما خاطبهم بالكتاب و السنة عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ و كانت ~~معرفة الصحابة لمعانى القرآن أكمل من حفظهم لحروفه و قد بلغوا تلك المعانى ~~إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه فإن المعانى العامة التى يحتاج إليها ~~عموم المسلمين مثل معنى التوحيد و معنى الواحد و الأحد و الإيمان و الإسلام ~~و نحو ذلك كان جميع الصحابة يعرفون ما أحب الله و رسوله صلى الله عليه و ~~سلم من معرفته و لا يحفظ القرآن كله إلا القليل منهم و إن كان كل شيء من ~~القرآن يحفظه منهم أهل التواتر و القرآن مملوء من ذكر و صف الله بأنه أحد و ~~واحد و من ذكر أن إلهكم و أحد و من ذكر أنه لا اله إلا الله و نحو ذلك # فلابد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين و هو أول ما دعا ~~الرسول صلى الله عليه و سلم إليه الخلق و هو أول PageV17P353 ما يقاتلهم ~~عليه و هو أول ما أمر ms1741 رسله أن يأمروا الناس به و قد تواتر عنه أنه أول ما ~~دعا الخلق إلى أن يقولوا لا إله إلا الله و لما أمر بالجهاد بعد الهجرة قال ~~( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و أنى رسول الله ( و ~~فى الصحيحين أنه لما بعث معاذا إلى اليمن قال له ( إنك تأتى قوما من أهل ~~الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله و أنى رسول الله ~~فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في ~~اليوم و الليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فإعلمهم أن الله تعالى إفترض عليهم ~~صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك و ~~كرائم أموالهم و إتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب ( # فقال لمعاذ ليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد و مع هذا كانوا من أهل ~~الكتاب كانوا يهودا فإن اليهود كانوا كثيرين بأرض اليمن و هذا الذي أمر به ~~معاذا موافق لقوله تعالى ( ^ فإذا إنسلخ الأشهر الحرم فإقتلوا المشركين حيث ~~و جدتموهم و خذوهم و إحصروهم و اقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا و أقاموا ~~الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ^ ( و فى الآية الأخرى ( ^ فإن تابوا و ~~أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فإخوانكم فى الدين ^ ( و هذا مطابق لقوله ~~تعالى ( ^ و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا ~~الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيمة ^ ( و فى الصحيحين عنه صلى الله ~~عليه و سلم PageV17P354 أنه قال ( الإيمان بضع و ستون أو بضع و سبعون شعبة ~~أفضلها قول لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و الحياء شعبة ~~من الإيمان ( # ( فالمقصود ( أن معرفة ما جاء به الرسول و ما أراده بألفاظ القرآن و ~~الحديث هو أصل العلم و الإيمان و السعادة و النجاة ثم معرفة ما قال الناس ~~فى هذا الباب لينظر ms1742 المعاني الموافقة للرسول و المعانى المخالفة لها # و الألفاظ نوعان نوع يوجد في كلام الله و رسوله و نوع لا يوجد فى كلام ~~الله و رسوله فيعرف معنى الأول و يجعل ذلك المعنى هو الأصل و يعرف ما يعنيه ~~الناس بالثانى و يرد إلى الأول هذا طريق أهل الهدى و السنة و طريق أهل ~~الضلال و البدع بالعكس يجعلون الألفاظ التى أحدثوها و معانيها هي الأصل و ~~يجعلون ما قاله الله و رسوله تبعا لهم فيردونها بالتأويل و التحريف إلى ~~معانيهم و يقولون نحن نفسر القرآن بالعقل و اللغة يعنون أنهم يعتقدن معنى ~~بعقلهم و رأيهم ثم يتأولون القرآن عليه بما يمكنهم من التأويلات و ~~التفسيرات المتضمنة لتحريف الكلم عن مواضعه و لهذا قال الإمام أحمد أكثر ما ~~يخطىء الناس من جهة التأويل و القياس و قال يجتنب المتكلم في الفقه هذين ~~الأصلين المجمل و القياس و هذه الطريق يشترك فيها جميع أهل البدع الكبار و ~~الصغار PageV17P355 # فهي طريق الجهمية و المعتزلة و من دخل في التأويل من الفلاسفة و الباطنية ~~الملاحدة # وأما حذاق الفلاسفة فيقولون ان المراد بخطاب الرسول صلى الله عليه و سلم ~~إنما هو أن يخيل إلى الجمهور ما ينتفعون به فى مصالح دنياهم و ان لم يكن ~~ذلك مطابقا للحق قالوا و ليس مقصود الرسول صلى الله عليه و سلم بيان الحق و ~~تعريفه بل مقصوده أن يخيل إليهم ما يعتقدونه و يجعلون خاصة النبوة قوة ~~التخييل فهم يقولون أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يبين و لم يفهم بل و ~~لم يقصد ذلك و هم متنازعون هل كان يعلم الأمورعلى ما هي عليه على قولين # منهم من قال كان يعلمها لكن ما كان يمكنه بيانها و هؤلاء قد يجعلون ~~الرسول أفضل من الفيلسوف و منهم من يقول بل ما كان يعرفها أو ما كان حاذقا ~~فى معرفتها و انما كان يعرف الأمور العملية و هؤلاء يجعلون الفيلسوف أكمل ~~من النبى صلى الله عليه ms1743 و سلم لأن الأمور العملية أكمل من العلمية فهؤلاء ~~يجعلون خبر الله و خبر الرسول صلى الله عليه و سلم إنما فيه التخييل و ~~أولئك يقولن لم يقصد به التخييل و لكن قصد معنى يعرف بالتأويل و كثير من ~~أهل الكلام الجهمية يوافق أولئك على أنه ما كان يمكنه أن يبوح بالحق فى باب ~~التوحيد فخاطب الجمهور بما يخيل لهم كما يقولون إنه لو قال PageV17P356 # إن ربكم ليس بداخل العالم و لا خارجه و لا يشار إليه و لا هو فوق العالم ~~و لا كذا و لا كذا لنفرت قلوبهم عنه و قالوا هذا لا يعرف قالوا فخاطبهم ~~بالتجسيم حتى يثبت لهم ربا يعبدونه و ان كان يعرف أن التجسيم باطل و هذا ~~يقوله طوائف من أعيان الفقهاء المتأخرين المشهورين الذين ظنوا أن مذهب ~~النفاة هو الصحيح و إحتاجوا أن يعتذروا عما جاء به الرسول صلى الله عليه و ~~سلم من الإثبات كما يوجد فى كلام غير و أحد # و تارة يقولون إنما عدل الرسول صلى الله عليه و سلم عن بيان الحق ~~ليجتهدوا في معرفة الحق من غير تعريفه و يجتهدوا فى تأويل ألفاظه فتعظم ~~أجورهم على ذلك و هم إجتهادهم في عقلياتهم و تأويلاتهم و لا يقولون إنه قصد ~~به إفهام العامة الباطل كما يقول أولئك المتفلسفة و هذا قول أكثر المتكلمين ~~النفاة من الجهمية و المعتزلة و من سلك مسلكهم حتى إبن عقيل و أمثاله و أبو ~~حامد و إبن رشد الحفيد و أمثالهما يوجد فى كلامهم المعنى الأول و أبو حامد ~~إنما ذم التأويل في آخر عمره و صنف ( الجام العوام عن علم الكلام ( محافظة ~~على هذا الأصل لأنه رأى مصلحة الجمهور لا تقوم إلا بإبقاء الظواهر على ما ~~هي عليه و إن كان هو يرى ما ذكره فى كتبه ( المضنون بها ( أن النفي هو ~~الثابت فى نفس الأمر # PageV17P357 فلم يجعلوا مقصوده بالخطاب البيان و الهدي كما و صف الله به ~~كتابه و نبيه حيث قال ms1744 ( @QB@ هدى للمتقين @QE@ ( و قال ( @QB@ هذا بيان ~~للناس @QE@ ( و قال ( @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ ( و ~~قال ( ^ و ما على الرسول إلا البلاغ المبين ^ ( و قال ( @QB@ كتاب أنزلناه ~~إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور @QE@ ( و أمثال ذلك و قال النبى صلى ~~الله عليه و سلم ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا ~~هالك ( و قال تعالى ( ^ و أن هذا صراطي مستقيما فإتبعوه و لا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ^ ( و قال ( ^ قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين يهدي ~~به الله من تبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه و ~~يهديهم إلى صراط مستقيم ^ ( و قال ( ^ ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان ~~و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و إنك لتهدى إلى صراط مستقيم ~~^ ( و قال ( ^ فالذين آمنوا به و عزروه و نصروه و اتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون ^ ( # وثم طائفة ثالثة كثرت فى المتأخرين المنتسبين إلى السنة يقولون ما يتضمن ~~أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يكن يعرف معاني ما أنزل عليه من القرآن ~~كآيات الصفات بل لازم قولهم أيضا أنه كان يتكلم بأحاديث الصفات و لا يعرف ~~معانيها # و هؤلاء مساكين لما رأوا المشهور عن جمهور السلف من الصحابة PageV17P358 ~~و التابعين لهم بإحسان أن الوقف التام عند قوله ( ^ و ما يعلم تأويله إلا ~~الله ^ ( و افقوا السلف و أحسنوا في هذه الموافقة لكن ظنوا أن المراد ~~بالتأويل هو معنى اللفظ و تفسيره أو هو التأويل الإصطلاحى الذي يجري فى ~~كلام كثير من متأخري أهل الفقه و الأصول و هو صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح ~~إلى الإحتمال المرجوح لدليل يقترن به فهم قد سمعوا كلام هؤلاء و هؤلاء فصار ~~لفظ التأويل عندهم هذا معناه # و لما سمعوا قول الله تعالى ( و ما يعلم تأويله إلا الله ( ظنوا أن لفظ ~~التأويل فى القرآن معناه هو معنى لفظ التأويل فى ms1745 كلام هؤلاء فلزم من ذلك ~~أنه لا يعلم أحد معنى هذه النصوص إلا الله لا جبريل و لا محمد و لا غيرهما ~~بل كل من الرسولين على قولهم يتلو أشرف ما في القرآن من الأخبار عن الله ~~بأسمائه و صفاته و هو لا يعرف معنى ذلك أصلا ثم كثير منهم يذمون و يبطلون ~~تأويلات أهل البدع من الجهمية و المعتزلة و غيرهما و هذا جيد لكن قد يقولون ~~تجرى على ظواهرها و ما يعلم تأويلها إلا الله فإن عنوا بظواهرها ما يظهر ~~منها من المعانى كان هذا مناقضا لقولهم إن لها تأويلا يخالف ظاهرها لا ~~يعلمه إلا الله و إن عنوا بظواهرها مجرد الألفاظ كان معنى كلامهم أنه يتلكم ~~بهذه الألفاظ و لها باطن يخالف ما ظهر منها و هو التأويل و ذلك لا يعلمه ~~إلا الله # و فيهم من يريد بإجرائها على ظواهرها هذا المعنى و فيهم من PageV17P359 ~~يريد الأول و عامتهم يريدون بالتأويل المعنى الثالث و قد يريدون به الثانى ~~فإنه أحيانا قد يفسر النص بما يوافق ظاهره و تبين من هذا [ أنه ] ليس من ~~التأويل الثالث فيأبون ذلك و يكرهون تدبر النصوص و النظر فى معانيها أعني ~~النصوص التى يقولون إنه لم يعلم تأويلها إلا الله # ثم هم فى هذه النصوص بحسب عقائدهم فإن كانوا من القدرية قالوا النصوص ~~المثبتة لكون العبد فاعلا محكمة و النصوص المثبتة لكون الله تعالى خالق ~~أفعال العباد أو مريدا لكل ما و قع نصوص متشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله ~~إذا كانوا ممن لا يتأولها فإن عامة الطوائف منهم من يتأول ما يخالف قوله و ~~منهم من لا يتأوله و إن كانوا من الصفاتية المثبتين للصفات التى زعموا أنهم ~~يعلمونها بالعقل دون الصفات الخبرية مثل كثير من متأخري الكلابية كأبي ~~المعالي فى آخر عمره و إبن عقيل فى كثير من كلامه قالوا عن النصوص المتضمنة ~~للصفات التى لا تعلم عندهم بالعقل هذه نصوص متشابهة لا يعلم تأويلها إلا ~~الله و كثير ms1746 منهم يكون له قولان و حالان تارة يتأول و يوجب التأويل أو ~~يجوزه و تارة يحرمه كما يوجد لأبي المعالي و لإبن عقيل و لأمثالهما من ~~إختلاف الأقوال # و من أثبت العلو بالعقل و جعله من الصفات العقلية كأبي محمد إبن كلاب و ~~أبي الحسن بن الزاغونى و من و افقه و كالقاضي أبي PageV17P360 يعلى فى آخر ~~قوليه و أبى محمد أثبتوا العلو و جعلوا الإستواء من الصفات الخبرية التى ~~يقولون لا يعلم معناها إلا الله و إن كانوا ممن يري أن الفوقية و العلو ~~أيضا من الصفات الخبرية كقول القاضي أبى بكر و أكثر الشعرية و قول القاضي ~~أبي يعلى فى أول قوليه و إبن عقيل في كثير من كلامه و أبي بكر البيهقي و ~~أبي المعالي و غيرهم و من سلك مسلك أولئك و هذه الأمور مبسوطة فى موضعها # ( و المقصود هنا ( أن كل طائفة تعتقد من الآراء ما يناقض ما دل عليه ~~القرآن يجعلون تلك النصوص من المتشابه ثم إن كانوا ممن يرى الوقف عند قوله ~~و ما يعلم تأويله ( إلا الله ( قالوا لا يعلم معناها إلا الله فيلزم أن لا ~~يكون محمد و جبريل و لا أحد علم معانى تلك الآيات و الأخبار و إن رأوا أن ~~الوقف على قوله ( ^ و الراسخون فى العلم ^ ( جعلوا الراسخين يعلمون ما ~~يسمونه هم تأويلا و يقولون إن الرسول صلى الله عليه و سلم إنما لم يبين ~~الحق بخطابه ليجتهد الناس فى معرفة الحق من غير جهته بعقولهم و أذهانهم و ~~يجتهدون في تخريج ألفاظه على اللغات العربية فيجتهدون فى معرفة غرائب ~~اللغات التى يتمكنون بها من التأويل و هذا إن قالوا أنه قصد بالقرآن و ~~الحديث معنى حقا فى نفس الأمر و إن قالوا بقول الفلاسفة و الباطنية الذين ~~لا يرون التأويل قالوا لم يقصد بهذه الألفاظ إلا ما يفهمه العامة ~~PageV17P361 و الجمهور و هو باطل فى نفس الأمر لكن أراد أن يخيل لهم ما ~~ينتفعون به و لم ms1747 يمكنه أن يعرفهم الحق فإنهم كانوا ينفرون عنه و لا يقبلونه ~~و أما من قال من الباطنية الملاحدة و فلاسفتهم بالتاويل فإنه يتأول كل شيء ~~مما أخبرت به الرسل من أمر الإيمان بالله و اليوم الآخر ثم يؤولون العبارات ~~كما هو معروف من تأويلات القرامطة الباطنية # وأبو حامد في ( الأحياء ( ذكر قول هؤلاء المتأولين من الفلاسفة و قال ~~أنهم أسرفوا فى التأويل و اسرفت الحنابلة فى الجمود و ذكر عن أحمد بن حنبل ~~كلاما لم يقله أحمد فإنه لم يكن يعرف ما قاله أحمد و لا ما قاله غيره من ~~السلف في هذا الباب و لا ما جاء به القرآن و الحديث و قد سمع مضافا إلى ~~الحنابلة ما يقوله طائفة منهم و من غيرهم من المالكية و الشافعية و غيرهم ~~فى الحرف و الصوت و بعض الصفات مثل قولهم إن الأصوات المسموعة من القراء ~~قديمة أزلية و إن الحروف المتعاقبة قديمة الأعيان و أنه ينزل إلى سماء ~~الدنيا و يخلو منه العرش حتى يبقى بعض المخلوقات فوقه و بعضها تحته إلى غير ~~ذلك من المنكرات فإنه ما من طائفة إلا و فى بعضهم من يقول أقوالا ظاهرها ~~الفساد و هي التى يحفظها من ينف عنهم و يشنع بها عليهم و إن كان أكثرهم ~~ينكرها و يدفعها كما فى هذه المسائل المنكرة التى يقولها بعض أصحاب أحمد و ~~مالك و الشافعي فإن جماهير هذه الطوائف PageV17P362 # ينكرها و أحمد و جمهور أصحابه منكرون لها # و 2 كلامهم في إنكارها و ردها كثير جدا لكن يوجد فى أهل الحديث مطلقا من ~~الحنبلية و غيرهم من الغلط فى الإثبات أكثر مما يوجد فى أهل الكلام و يوجد ~~فى أهل الكلام من الغلط في النفي أكثر مما يوجد فى أهل الحديث لأن الحديث ~~إنما جاء بإثبات الصفات ليس فيه شيء من النفي الذي إنفرد به أهل الكلام و ~~الكلام المأخوذ عن الجهمية و المعتزلة مبني على النفي المناقض لصرائح ~~القرآن و الحديث بل و ms1748 العقل الصريح أيضا لكنهم يدعون أن العقل دل على النفي ~~و قد ناقضهم طوائف من أهل الكلام و زادوا فى الإثبات كالهشامية و الكرامية ~~و غيرهم لكن النفي فى جنس الكلام المبتدع الذي ذمه السلف أكثر # و المنتسبون إلى السنة من الحنابلة و غيرهم الذين جعلوا لفظ التأويل يعم ~~القسمين يتمسكون بما يجدونه فى كلام الأئمة في المتشابه مثل قول أحمد فى ~~رواية حنبل و لا كيف و لا معنى ظنوا أن مراده أنا لا نعرف معناها و كلام ~~أحمد صريح بخلاف هذا في غير موضع و قد بين أنه إنما ينكر تأويلات الجهمية و ~~نحوهم الذين يتأولون القرآن على غير تأويله و صنف كتابه فى ( الرد على ~~الزنادقة و الجهمية ( فيما أنكرته من متشابه القرآن و تأولته على غير ~~تأويله فأنكر عليهم تأويل القرآن PageV17P363 على غير مراد الله و رسوله و ~~هم إذا تأولوه يقولون معنى هذه الآية كذا و المكيفون يثبتون كيفية يقولون ~~أنهم علموا كيفية ما أخبر به من صفات الرب فنفى أحمد قول هؤلاء و قول هؤلاء ~~قول المكيفة الذين يدعون أنهم علموا الكيفية و قول المحرفة الذين يحرفون ~~الكلم عن مواضعه و يقولون معناه كذا و كذا # وقد كتبت كلام أحمد بألفاظه كما ذكره الخلال فى كتاب السنة و كما ذكره من ~~نقل كلام أحمد بإسناده فى الكتب المصنفة في ذلك فى غير هذا الموضع و بين أن ~~لفظ التأويل فى الآية إنما أريد به التأويل فى لغة القرآن كقوله تعالى ( ~~@QB@ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل @QE@ ( # و عن إبن عباس في قوله ( @QB@ هل ينظرون إلا تأويله @QE@ ( تصديق ما و عد ~~فى القرآن و عن قتادة تأويله ثوابه و عن مجاهد جزاءه و عن السدي عاقبته و ~~عن إبن زيد حقيقته قال بعضهم تأويله ما يؤول إليه أمرهم من العذاب و ms1749 ورود ~~النار # و قوله تعالى ( ^ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه و لما يأتيهم تأويله ^ ~~PageV17P364 # قال بعضهم تصديق ما و عدوا به من الوعيد و التأويل ما يؤول اليه إلأمر و ~~عن الضحاك يعنى عاقبة ما و عد الله فى القرآن أنه كائن من الوعيد و التأويل ~~ما يؤول إليه الأمر و قال الثعلبى تفسيره و ليس بشيء و قال الزجاج لم يكن ~~معهم علم تأويله و قال يوسف الصديق عليه السلام ( @QB@ يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل @QE@ ( فجعل نفس سجود أبويه له تأويل رؤياه # وقال قبل هذا ( @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما @QE@ ( أي قبل أن يأتيكما التأويل و المعنى لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه في المنام لما قال أحدهما ( @QB@ إني أراني أعصر خمرا @QE@ ^ و قال ~~الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسي خبزا ^ ( ^ إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة ( ~~^ قبل أن يأتيكما ^ ( الطعام هذا قول أكثر المفسرين و هو الصواب و قال ~~بعضهم لا يأتيكما طعام ترزقانه تطعمانه و تأكلانه الا نبأتكما بتأويله ~~بتفسيره و ألوانه أي طعام أكلتم و كم أكلتم و متى أكلتم فقالوا هذا فعل ~~العرافين و الكهنة فقال ما أنا بكاهن و إنما ذلك العلم مما يعلمنى ربى و ~~هذا القول ليس بشيء فإنه قال ( إلا نبأتكما بتأويله ( و قد قال أحدهما ( ^ ~~إنى أرانى أعصر خمرا و قال الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير ~~منه نبئنا بتأويله ^ ( فطلبا منه تأويل ما رأياه و أخبرهما بتأويل ذاك و لم ~~يكن تأويل الطعام فى PageV17P365 اليقظة و لا في القرآن أنه أخبرهما بما ~~يرزقانه فى اليقظة فكيف يقول قولا عاما ( @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه ~~@QE@ ( و هذا الإخبار العام لا يقدر عليه إلا الله و الأنبياء يخبرون ببعض ~~ذلك لا يخبرون بكل هذا # و أيضا فصفة الطعام و قدره ليس تأويلا له # وأيضا فالله إنما أخبر أنه علمه تأويل الرؤيا قال يعقوب عليه السلام ( ^ ~~و كذلك يجتبيك ربك و يعلمك من تأويل الأحاديث ms1750 ^ ( و قال يوسف عليه السلام ( ~~^ رب قد آتيتني من الملك و علمتنى من تأويل الأحاديث ^ ( و قال ( @QB@ هذا ~~تأويل رؤياي من قبل @QE@ ( و لما رأي الملك الرؤيا قال له الذي أدكر بعد ~~أمة ( @QB@ أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون @QE@ ( و الملك قال ( ^ يا أيها ~~الملأ أفتونى فى رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام و ما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين ^ ( فهذا لفظ التأويل فى مواضع متعددة كلها بمعنى و ~~أحد و قال تعالى ( ^ فإن تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا ^ ( قال مجاهد و قتادة ~~جزاء و ثوابا و قال السدي و إبن زيد و إبن قتيبة و الزجاج عاقبة و عن إبن ~~زيد أيضا تصديقا كقوله ( @QB@ هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ ( و كل هذه ~~الأقوال صحيحة و المعنى و أحد و هذا تفسير PageV17P366 السلف أجمعين و منه ~~قوله ( @QB@ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا @QE@ ( فلما ذكر له ما ~~ذكر قال ( @QB@ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا @QE@ ( و هذا تأويل فعله ~~ليس هو تأويل قوله و المراد به عاقبة هذه الأفعال بما يؤول إليه ما فعلته ~~من مصلحة أهل السفينة و مصلحة أبوي الغلام و مصلحة أهل الجدار # وأما قوله بعضهم ردكم إلى الله و الرسول أحسن من تأويلكم فهذا قد ذكره ~~الزجاج عن بعضهم و هذا من جنس ما ذكر فى تلك الآية فى لفظ التأويل و هو ~~تفسير له بالإصطلاح الحادث لا بلغة القرآن فأما قدماء المفسرين فلفظ ~~التأويل و التفسير عندهم سواء كما يقول إبن جرير القول في تأويل هذه الآية ~~أي فى تفسيرها # و لما كان هذا معنى التأويل عند مجاهد و هو إمام التفسير جعل الوقف على ~~قوله ( ^ و الراسخون في العلم ^ ( فإن الراسخين فى العلم يعلمون تفسيره و ~~هذا القول إختيار إبن قتيبة و غيره من أهل السنة و كان إبن قتيبة يميل إلى ~~مذهب أحمد و إسحاق و قد ms1751 بسط الكلام على ذلك في كتابه فى ( المشكل ( و غيره # و أما متأخروا المفسرين كالثعلبي فيفرقون بين التفسير و التأويل قال ~~فمعنى التفسير هو التنوير و كشف المغلق من المراد بلفظه PageV17P367 و ~~التأويل صرف الآية إلى معنى تحتمله يوافق ما قبلها و ما بعدها و تكلم فى ~~الفرق بينهما بكلام ليس هذا موضعه إلا أن التأويل الذي ذكره هو المعنى ~~الثالث المتأخر و أبو الفرج إبن الجوزي يقول إختلف العلماء هل التفسير و ~~التأويل بمعنى و أحد أم يختلفان فذهب قوم يميلون إلى العربية إلى أنهما ~~بمعنى و هذا قول جمهور المفسرين المتقدمين # و ذهب قوم يميلون إلى الفقه إلى إختلافهما فقالوا التفسير إخراج الشيء عن ~~مقام الخفاء إلى مقام التجلي و التأويل نقل الكلام عن و ضعه إلى ما يحتاج ~~فى إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ فهو مأخوذ من قولك آل الشيء ~~إلى كذا أي صار إليه فهؤلاء لا يذكرون للتأويل إلا المعنى الأول و الثانى و ~~أما التاويل فى لغة القرآن فلا يذكرونه و قد عرف أن التأويل فى القرآن هو ~~الموجود الذي يؤول إليه الكلام و إن كان ذلك موافقا للمعنى الذي يظهر من ~~اللفظ بل لا يعرف في القرآن لفظ التأويل مخالفا لما يدل عليه اللفظ خلاف ~~إصطلاح المتأخرين # والكلام نوعان إنشاء و إخبار فالإنشاء الأمر و النهي و الإباحة و تأويل ~~الأمر و النهي نفس فعل المأمور و نفس ترك المحظور كما فى الصحيح عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في ~~ركوعه و سجوده سبحانك اللهم ربنا و بحمدك PageV17P368 اللهم اغفر لي يتأول ~~القرآن ( فكان هذا الكلام تأويل قوله ( ^ فسبح بحمد ربك و استغفره ^ ( قال ~~إبن عيينة السنة تأويل الأمر و النهي و قال أبو عبيد لما ذكر إختلاف ~~الفقهاء و أهل اللغة فى نهي النبى صلى الله عليه و سلم عن إشتمال الصماء ~~قال و الفقهاء أعلم بالتأويل يقول هم أعلم ms1752 بتأويل ما أمر به و ما نهي عنه ~~فيعرفون أعيان الأفعال الموجودة التى أمر بها و أعيان الأفعال المحظورة ~~التى نهى عنها # و تفسير كلامه ليس هو نفس ما يوجد فى الخارج بل هو بيانه و شرحه و كشف ~~معناه فالتفسير من جنس الكلام يفسر الكلام بكلام يوضحه و اما التأويل فهو ~~فعل المأمور به و ترك المنهى عنه ليس هو من جنس الكلام # و النوع الثانى الخبر كإخبار الرب عن نفسه تعالى بأسمائه و صفاته و ~~إخباره عما ذكره لعباده من الوعد و الوعيد و هذا هو التأويل المذكور فى ~~قوله ( ^ و لقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى و رحمة لقوم يؤمنون هل ~~ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق ^ ( و هذا كقولهم ( ^ يا و يلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما و عد ~~الرحمن و صدق المرسلون ^ ( و مثله قوله ( @QB@ انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون @QE@ ( و قوله ( ^ و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل إنما ~~العلم عند الله و إنما أنا نذير مبين PageV17P369 # فلما رأوه زلفة سيئت و جوه الذين كفروا و قيل هذا الذي كنتم به تدعون ^ ( ~~و نظائره متعددة في القرآن و كذلك قوله ( ^ أم يقولون إفتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله و ادعوا من إستطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله ^ ( فإن ما و عدوا به فى القرآن لما يأتهم ~~بعد و سوف يأتيهم # فالتفسير هو الإحاطة بعلمه و التأويل هو نفس ما و عدوا به إذا أتاهم فهم ~~كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله و قد يحيط الناس ~~بعلمه و لما يأتهم تأويله فالرسول صلى الله عليه و سلم يحيط بعلم ما أنزل ~~الله عليه و إن كان تأويله لم يأت بعد و فى الحديث عن النبى صلى الله عليه ~~و سلم لما نزل قوله ( ^ قل هو القادر ms1753 على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ^ ( ~~الآية قال إنها كائنة و لم يأت تأويلها بعد قال تعالى ( ^ و كذب به قومك و ~~هو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر ^ ( قال بعضهم موضع قرار و حقيقة ~~و منتهى ينتهي إليه فيبين حقه من باطله و صدقه من كذبه # و قال مقاتل لكل خبر يخبر به الله و قت و مكان يقع فيه من غيرخلف و لا ~~تأخير و قال إبن السائب لكل قول و فعل حقيقة ما كان منه في الدنيا ~~فستعرفونه و ما كان منه فى الآخرة فسوف PageV17P370 يبدو لكم و سوف تعلمون ~~و قال الحسن لكل عمل جزاء فمن عمل عملا من الخير جوزي به في الجنة و من عمل ~~عمل سوء جوزي به فى النار و سوف تعلمون و معنى قول الحسن أن الأعمال قد و ~~قع عليها الوعد و الوعيد فالوعد و الوعيد عليها هو النبأ الذي له المستقر ~~فبين المعنى و لم يرد أن نفس الجزاء هو نفس النبأ # و عن السدي قال ( لكل نبأ مستقر ( أي ميعاد و عدتكموه فسيأتيكم حتى ~~تعرفونه و عن عطاء ( لكل نبأ مستقر ( تؤخر عقوبته ليعمل ذنبه فإذا عمل ذنبه ~~عاقبه أي لا يعاقب بالوعيد حتى يفعل الذنب الذي توعده عليه و منه قول كثير ~~من السلف في آيات هذه ذهب تأويلها و هذه لم يأت تأويلها # مثل ما روى أبو الأشهب عن الحسن و الربيع عن أبى العالية أن هذه الاية ~~قرئت على إبن مسعود ( @QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم @QE@ ( الآية ~~فقال إبن مسعود ليس هذا بزمانها قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم ~~أنفسكم ثم قال إن القرآن نزل حيث نزل فمنه آي قد مضي تأويلهن قبل أن ينزلن ~~و منه آي و قع تأويلهن على عهد النبى صلى الله عليه و سلم و منه آي و قع ~~تأويلهن بعد النبى صلى الله عليه و سلم بيسير و منه آي يقع تأويلهن بعد ms1754 ~~اليوم و منه آي يقع تأويلهن فى آخر الزمان و منه آي يقع تأويلهن يوم ~~القيامة ما ذكر من الحساب و الجنة و النار فما PageV17P371 دامت قلوبكم و ~~أهواؤكم و احدة و لم تلبسوا شيعا و لم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا و انهوا ~~فإذا إختلفت القلوب و الأهواء و ألبستم شيعا و ذاق بعضكم بأس بعض فأمرؤ و ~~نفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية # فابن مسعود رضي الله عنه قد ذكر فى هذا الكلام تأويل الأمر و تأويل الخبر ~~فهذه الآية عليكم أنفسكم من باب الأمر و ما ذكر من الحساب و القيامة من باب ~~الخبر و قد تبين أن تأويل الخبر هو و جود المخبر به و تأويل الأمر هو فعل ~~المأمور به فالآية التى مضي تأويلها قبل نزولها هي من باب الخبر يقع الشيء ~~فيذكره الله كما ذكر ما ذكره من قول المشركين للرسول و تكذيبهم له و هي و ~~إن مضي تأويلها فهى عبرة و معناها ثابت في نظيرها و من هذا قول إبن مسعود ~~خمس قد مضين و منه قوله تعالى ( ^ إقتربت الساعة و إنشق القمر ^ ( # وإذا تبين ذلك فالمتشابه من الأمر لابد من معرفة تأويله لأنه لابد من فعل ~~المأمور و ترك المحظور و ذلك لا يمكن إلا بعد العلم لكن ليس فى القرآن ما ~~يقتضي أن فى الأمر متشابها فإن قوله ( و أخر متشابهات ( قد يراد به من ~~الخبر فالمتشابه من الخبر مثل ما أخبر به فى الجنة من اللحم و اللبن و ~~العسل و الماء و الحرير و الذهب فإن بين PageV17P372 # هذا و بين ما في الدنيا تشابه فى اللفظ و المعنى و مع هذا فحقيقة ذلك ~~مخالفة لحقيقة هذا و تلك الحقيقة لا نعلمها نحن فى الدنيا و قد قال الله ~~تعالى ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( و ~~فى الحديث الصحيح يقول الله تعالى ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت و ms1755 ~~لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ( فهذا الذي و عد الله به عباده المؤمنين ~~لا تعلمه نفس هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله و كذلك و قت الساعة لا ~~يعلمه إلا الله و أشراطها و كذلك كيفيات ما يكون فيها من الحساب و الصراط و ~~الميزان و الحوض و الثواب و العقاب لا يعلم كيفيته إلا الله فإنه لم يخلق ~~بعد حتى تعلمه الملائكة و لا له نظير مطابق من كل و جه حتى يعلم به فهو من ~~تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله # وكذلك ما أخبر به الرب عن نفسه مثل إستوائه على عرشه و سمعه و بصره و ~~كلامه و غير ذلك فإن كيفيات ذلك لا يعلمها إلا الله كما قال ربيعة بن أبي ~~عبدالرحمن و مالك بن أنس و سائر أهل العلم تلقوا هذا الكلام عنهما بالقبول ~~لما قيل ( @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ( كيف إستوى فقال الإستواء ~~معلوم و الكيف مجهول و الإيمان به و اجب و السؤال عنه بدعة هذا لفظ مالك ~~فأخبر أن الإستواء معلوم و هذا تفسير اللفظ و أخبرأن الكيف مجهول و هذا هو ~~الكيفية التى إستأثر الله بعلمها # PageV17P373 # و كذلك سائر السلف كابن الماجشون و أحمد بن حنبل و غيرهما يبينون أن ~~العباد لا يعلمون كيفية ما أخبر الله به عن نفسه فالكيف هو التأويل الذي لا ~~يعلمه إلا الله و أما نفس المعنى الذي بينه الله فيعلمه الناس كل على قدر ~~فهمه فإنهم يفهمون معنى السمع و معنى البصر و أن مفهوم هذا ليس هو مفهوم ~~هذا و يعرفون الفرق بينهما و بين العليم و القدير و إن كانوا لا يعرفون ~~كيفية سمعه و بصره بل الروح التى فيهم يعرفونها من حيث الجملة و لا يعرفون ~~كيفيتها كذلك يعلمون معنى الإستواء على العرش و أنه يتضمن علو الرب على ~~عرشه و إرتفاعه عليه كما فسره بذلك السلف قبلهم و هذا معنى معروف من اللفظ ~~لا ms1756 يحتمل فى اللغة غيره كما قد بسط فى موضعه و لهذا قال مالك الإستواء ~~معلوم # و من قال الإستواء له معان متعددة فقد أجمل كلامه فإنهم يقولون إستوى فقط ~~و لا يصلونه بحرف و هذا له معنى و يقولون إستوى على كذا و له معنى و إستوى ~~إلى كذا و له معنى و إستوى مع كذا و له معنى فتتنوع معانيه بحسب صلاته و ~~أما إستوى على كذا فليس في القرآن و لغة العرب المعروفة إلا بمعنى و أحد ~~قال تعالى ( @QB@ فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه @QE@ ( و قال ( ^ و استوت ~~على الجودي ^ ( و قال ( @QB@ لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه @QE@ ( و قال ( ^ فإذا استويت أنت PageV17P374 و من معك على ~~الفلك ^ ( و قد أتي النبى صلى الله عليه و سلم بدابة ليركبها فلما و ضع ~~رجله فى الغرز قال ( بسم الله ( فلما إستوى على ظهرها قال ( الحمد لله ( و ~~قال إبن عمر أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحج لما إستوى على بعيره ~~و هذا المعنى يتضمن شيئين علوه على ما إستوى عليه و إعتداله أيضا فلا يسمون ~~المائل على الشيء مستويا عليه و منه حديث الخليل بن أحمد لما قال إستووا و ~~قوله % ثم استوى بشر على العراق % من غير سيف و دم مهراق % $ هو من هذا ~~الباب فإن المراد به بشر بن مروان و إستواؤه عليها أي على كرسي ملكها لم ~~يرد بذلك مجرد الإستيلاء بل إستواء منه عليها إذ لو كان كذلك لكان عبدالملك ~~الذي هو الخليفة قد إستوى أيضا على العراق و على سائر مملكة الإسلام و لكان ~~عمر بن الخطاب قد إستوى على العراق و خراسان و الشام و مصر و سائر ما فتحه ~~و لكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد إستوى على اليمن و غيرها مما فتحه ~~و معلوم أنه لم يوجد فى كلامهم إستعمال الإستواء في شيء من هذا و إنما قيل ~~فيمن إستوى بنفسه ms1757 على بلد فإنه مستو على سرير ملكه كما يقال جلس فلان على ~~السرير و قعد على التخت و منه قوله ( ^ و رفع أبويه على العرش و خروا له ~~سجدا ^ ( و قوله ( أني و جدت إمرأة تملكهم و أوتيت من كل شيء و لها عرش ~~عظيم ( PageV17P375 # وقول الزمخشري و غيره ( إستوى على كذا بمعنى مالك ( دعوى مجردة فليس لها ~~شاهد فى كلام العرب و لو قدر ذلك لكان هذا المعنى باطلا فى إستواء الله على ~~العرش لأنه أخبر أنه خلق السموات و الأرض فى ستة أيام ثم إستوى على العرش و ~~قد أخبر أن العرش كان موجودا قبل خلق السموات و الأرض كما دل على ذلك ~~الكتاب و السنة و حينئذ فهو من حين خلق العرش مالك له مستول عليه فكيف يكون ~~الإستواء عليه مؤخرا عن خلق السموات و الأرض # وأيضا فهو مالك لكل شيء مستول عليه فلا يخص العرش بالإستواء و ليس هذا ~~كتخصيصه بالربوبية في قوله ( @QB@ رب العرش العظيم @QE@ ( فإنه قد يخص ~~لعظمته و لكن يجوز ذلك فى سائر المخلوقات فيقال رب العرش و رب كل شيء و أما ~~الإستواء فمختص بالعرش فلا يقال إستوى على العرش و على كل شيء و لا إستعمل ~~ذلك أحد من المسلمين فى كل شيء و لا يوجد فى كتاب و لا سنة كما إستعمل لفظ ~~الربوبية في العرش خاصة و فى كل شيء عامة و كذلك لفظ الخلق و نحوه من ~~الألفاظ التى تخص و تعم كقوله تعالى ( @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق ~~الإنسان من علق @QE@ ( فالإستواء من الألفاظ المختصة بالعرش لا تضاف إلى ~~غيره لا خصوصا و لا عموما و هذا مبسوط في موضع آخر # و إنما الغرض بيان صواب كلام السلف فى قولهم الإستواء معلوم PageV17P376 ~~بخلاف من جعل هذا اللفظ له بضعة عشر معنى كما ذكر ذلك إبن عربى المعافري # يبين هذا أن سبب نزول هذه الآية كان قدوم نصارى نجران و مناظرتهم للنبى ~~صلى الله عليه و سلم ms1758 في أمر المسيح كما ذكر ذلك أهل التفسير و أهل السيرة و ~~هو من المشهور بل من المتواتر أن نصارى نجران قدموا على النبى صلى الله ~~عليه و سلم و دعاهم إلى المباهلة المذكورة فى سورة آل عمران فأقروا بالجزية ~~و لم يباهلوه و صدر آل عمران نزل بسبب ما جري و لهذا عامتها في أمر المسيح ~~و ذكروا أنهم إحتجوا بما فى القرآن من لفظ و ( إنا ) و ( نحن ( و نحو ذلك ~~على أن الآلهة ثلاثة فإتبعوا المتشابه و تركوا المحكم الذي فى القرآن من أن ~~الإله و أحد ( ^ ابتغاء الفتنة و إبتغاء تأويله ^ ( فإنهم قصدوا بذلك ~~الفتنة و هي فتنة القلوب بالكفر و إبتغاء تأويل لفظ ( @QB@ إنا @QE@ ( و ( ~~@QB@ نحن @QE@ ( ^ و ما يعلم تاويل ^ ( هذه ( @QB@ إلا الله @QE@ ( لأن هذه ~~الأسماء إنما تقال للواحد الذي له أعوان إما أن يكونوا شركاء له و إما أن ~~يكونوا مماليك له # و لهذا صارت متشابهة فإن الذي معه شركاء يقول فعلنا نحن كذا و أنا نفعل ~~نحن كذا و هذا ممتنع فى حق الله تعالى و الذي له مماليك و مطيعون يطيعونه ~~كالملك يقول فعلنا كذا أي أنا PageV17P377 فعلت بأهل ملكى و ملكى و كل ما ~~سوى الله مخلوق له مملوك له و هو سبحانه يدبر أمر العالم بنفسه و ملائكته ~~التى هى رسله فى خلقه و أمره و هو سبحانه أحق من قال إنا و نحن بهذا ~~الإعتبار فإن ما سواه ليس له ملك تام و لا أمر مطاع طاعة تامة فهو المستحق ~~أن يقول ( @QB@ إنا @QE@ ( و ( @QB@ نحن @QE@ ( و الملوك لهم شبه بهذا فصا ~~فيه أيضا من المتشابه معنى آخر و لكن الذي ينسب لله من هذا الإختصاص لا ~~يماثله فيه شيء و تأويل ذلك معرفة ملائكته و صفاتهم و أقدارهم و كيف يدبر ~~بهم أمر السماء و الأرض و قد قال تعالى ( و ما يعلم جنود ربك إلا هو ( فهذا ~~التأويل لهذا المتشابه لا يعلمه إلا هو و إن علمنا تفسيره ms1759 و معناه لكن لم ~~نعلم تأويله الواقع فى الخارج بخلاف قوله ( @QB@ الله الذي خلق @QE@ ( ~~فإنها آية محكمة ليس فيها تشابه فإن هذا الإسم مختص بالله ليس مثل ( @QB@ ~~إنا @QE@ ( و ( @QB@ نحن @QE@ ) التى تقال لمن له شركاء و لمن له أعوان ~~يحتاج إليهم و الله تعالى منزه عن هذا و هذا كما قال ( ^ قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات و لا فى الأرض و ما لهم ~~فيها من شرك و ما له منهم من ظهير ^ ( و قال ( ^ و قل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ و لدا و لم يكن له شريك فى الملك و لم يكن له و لي من الذل و كبره ~~تكبيرا ^ ( فالمعنى الذي يراد به هذا فى حق المخلوقين لا يجوز أن يكون ~~نظيره ثابتا لله فلهذا صار متشابها # PageV17P378 # وكذلك قوله ( @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ ( فإنه قد قال ( ^ و استوت ~~على الجودي ^ ( و قال ( @QB@ فاستوى على سوقه @QE@ ( و قال ( ^ فإذا استويت ~~أنت و من معك على الفلك ^ ( و قال ( @QB@ لتستووا على ظهوره @QE@ ( فهذا ~~الإستواء كله يتضمن حاجة المستوى إلى المستوى عليه و أنه لو عدم من تحته ~~لخر و الله تعالى غني عن العرش و عن كل شيء بل هو سبحانه بقدرته يحمل العرش ~~و حملة العرش و قد روى أنهم إنما أطاقوا حمل العرش لما أمرهم أن يقولوا لا ~~حول و لا قوة إلا بالله # فصار لفظ الإستواء متشابها يلزمه فى حق المخلوقين معاني ينزه الله عنها ~~فنحن نعلم معناه و أنه العلو و الإعتدال لكن لا نعلم الكيفية التى إختص بها ~~الرب التى يكون بها مستويا من غير إفتقار منه إلى العرش بل مع حاجة العرش و ~~كل شيء محتاج إليه من كل و جه و أنا لم نعهد فى الموجودات ما يستوى على ~~غيره مع غناه عنه و حاجة ذلك المستوى عليه إلى المستوى فصار متشابها من هذا ~~الوجه فإن بين اللفظين و المعنيين قدرا مشتركا و بينهما قدرا ms1760 فارقا هو مراد ~~في كل منهما و نحن لا نعرف الفارق الذي إمتاز الرب به فصرنا نعرفه من و جه ~~و نجهله من و جه و ذلك هو تأويله و الأول هو تفسيره # و كذلك ما أخبر الله به في الجنة من المطاعم و المشارب و الملابس كاللبن ~~و العسل و الخمر و الماء فإنا لا نعرف لبنا إلا مخلوقا من ماشية ~~PageV17P379 يخرج من بين فرث و دم و إذا بقى أياما يتغير طعمه و لا نعرف ~~عسلا إلا من نحل تصنعه في بيوت الشمع المسدسة فليس هو عسلا مصفى و لا نعرف ~~حريرا إلا من دود القز و هو يبلى و قد علمنا أن ما و عد الله به عباده ليس ~~مماثلا لهذه لا فى المادة و لا فى الصورة و الحقيقة بل له حقيقة تخالف ~~حقيقة هذه و ذلك هو من التأويل الذي لا نعلمه نحن قال إبن عباس ليس في ~~الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء # لكن يقال فالملائكة قد تعلم هذا فيقال هي لا تعلم ما لم يخلق بعد و لا ~~تعلم كل ما فى الجنة و أيضا فمن النعم ما لا تعرفه الملائكة و التأويل ~~يتناول هذا كله و إذا قدرنا أنها تعرف ما لا نعرفه فذاك لا يكون من ~~المتشابه عندها و يكون من المتشابه عندنا فإن المتشابه قد يراد به ما هو ~~صفة لازمة للآية و قد يراد به ما هو من الأمور النسبية فقد يكون متشابها ~~عند هذا ما لا يكون متشابها عند هذا # و كلام الإمام أحمد و غيره من السلف يحتمل أن يراد به هذا فإن أحمد ذكر ~~فى رده على الجهمية أنها إحتجت بثلاث آيات من المتشابه قوله تعالى ( ^ و هو ~~الله فى السموات و فى الأرض ^ ( و قوله ( ^ ليس كمثله شيء ^ ( و قوله ( ^ ~~لا تدركه الأبص ( و قد فسر أحمد قوله PageV17P380 ( ^ و هو الله في السموات ~~و فى الأرض ^ ( فإذ كانت هذه الآيات مما علمنا معناها لم تكن ms1761 متشابهة عندنا ~~و هي متشابهة عند من إحتج بها و كان عليه أن يردها هو إلى ما يعرفه من ~~المحكم و كذلك قال أحمد في ترجمة كتابه الذي صنفه فى الحبس و هو ( الرد على ~~الزنادقة و الجهمية ( فيما شكت فيه من متشابه القرآن و تأولته على غير ~~تأويله ثم فسر أحمد تلك الآيات آية آية فبين أنها ليست متشابهة عنده بل قد ~~عرف معناها و على هذا فالراسخون فى العلم يعلمون تأويل هذا المتشابه الذي ~~هو تفسيره و أما التأويل الذي هو الحقيقة الموجودة فى الخارج فتلك لا ~~يعلمها إلا الله و لكن قد يقال هذا المتشابه الإضافى ليس هو المتشابه ~~المذكور في القرآن فإن ذلك قد أخبر الله أنه لا يعلم تأويله إلا الله و ~~إنما هذا كما يشكل على كثير من الناس آيات لا يفهمون معناها و غيرهم من ~~الناس يعرف معناها و على هذا فقد يجاب بجوابين # ( أحدهما ( أن يكون فى الآية قراءتان قراءة من يقف على قوله ( @QB@ إلا ~~الله @QE@ ( و قراءة من يقف عند قوله ( ^ و الراسخون في العلم ^ ( و كلتا ~~القراءتين حق و يراد بالأولى المتشابه فى نفسه الذي إستأثر الله بعلم ~~تأويله و يراد بالثانية المتشابه الإضافى الذي يعرف الراسخون تفسيره و هو ~~تأويله و مثل هذا يقع في القرآن # كقوله ( ^ و إن كان مكرهم PageV17P381 لتزول منه الجبال @QB@ و @QE@ ~~لتزول ^ ( فيه قراءتان مشهورتان بالنفى و الإثبات و كل قراءة لها معنى صحيح # و كذلك القراءة المشهورة ( ^ و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة ^ ( و قرأ طائفة من السلف ( ^ لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ^ ( و كلا ~~القراءتين حق فإن الذي يتعدى حدود الله هو الظالم و تارك الإنكار عليه قد ~~يجعل غير ظالم لكونه لم يشاركه و قد يجعل ظالما بإعتبار ما ترك من الإنكار ~~الواجب و على هذا قوله ( ^ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء و أخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ^ ( فأنجى الله ~~الناهين ms1762 و أما أولئك الكارهون للذنب الذين قالوا ( لم تعظون قوما ( ~~فالأكثرون على أنهم نجوا لأنهم كانوا كارهين فأنكروا بحسب قدرتهم # و أما من ترك الإنكار مطلقا فهو ظالم يعذب كما قال النبى صلى الله عليه و ~~سلم ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ( ~~و هذا الحديث موافق للآية # والمقصود هنا أنه يصح النفي و الإثبات بإعتبارين كما أن قوله ( لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة ( أي لا تختص بالمعتدين بل يتناول من رأى المنكر فلم ~~يغيره و من قرأ ( لتصيبن الذين ظلموا منكم PageV17P382 خاصة ( أدخل في ذلك ~~من ترك الإنكار مع قدرته عليه و قد يراد بذلك أنهم يعذبون فى الدنيا و ~~يبعثون على نياتهم كالجيش الذين يغزون البيت فيخسف بهم كلهم و يحشر المكره ~~على نيته # والجواب الثاني القطع بأن المتشابه المذكور فى القرآن هو تشابهها فى ~~نفسها اللازم لها و ذاك الذي لا يعلم تأويله إلا الله و أما الإضافي ~~الموجود فى كلام من أراد به التشابه الإضافي فمرادهم أنهم تكلموا فيما ~~إشتبه معناه و أشكل معناه على بعض الناس و أن الجهمية إستدلوا بما إشتبه ~~عليهم و أشكل و إن لم يكن هو من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله و ~~كثيرا ما يشتبه على الرجل ما لا يشتبه على غيره # ويحتمل كلام الإمام أحمد أنه لم يرد إلا المتشابه فى نفسه الذي يلزمه ~~التشابه لم يرد بشيء منه التشابه الإضافي و قال تأولته على غير تاويله أي ~~غير تأويله الذي هو تأويله فى نفس الأمر و إن كان ذلك التأويل لا يعلمه إلا ~~الله و أهل العلم يعلمون أن المراد به ذلك التأويل فلا يبقى مشكلا عندهم ~~محتملا لغيره و لهذا كان المتشابه فى الخبريات إما عن الله و إما عن الآخرة ~~و تأويل هذا كله لا يعلمه إلا الله بل المحكم من القرآن قد يقال له تأويل ~~كما للمتشابه تأويل كما قال ( @QB@ هل ينظرون إلا تأويله @QE@ ( و ms1763 مع هذا ~~فذلك التأويل لا يعلم و قته و كيفيته إلا الله و قد يقال بل التأويل ~~للمتشابه لأنه فى الوعد PageV17P383 و الوعيد و كله متشابه و أيضا فلا يلزم ~~في كل آية ظنها بعض الناس متشابها أن تكون من المتشابه # فقول أحمد إحتجوا بثلاث آيات من المتشابه و قوله ما شكت فيه من متشابه ~~القرآن قد يقال أن هؤلاء أو أن أحمد جعل بعض ذلك من المتشابه و ليس منه فإن ~~قول الله تعالى ( ^ منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات ^ ( لم ~~يرد به هنا الأحكام العام و التشابه العام الذي يشترك فيه جميع آيات القرآن ~~و هو المذكور فى قوله ( @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ ( و في قوله ( ~~@QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم @QE@ ( فوصفه هنا كله بأنه متشابه أي متفق غير مختلف يصدق بعضه بعضا و ~~هو عكس المتضاد المختلف المذكوة فى قوله ( ^ و لو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ^ ( و قوله ( @QB@ إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه ~~من أفك @QE@ ( فإن هذا التشابه يعم القرآن كما أن إحكام آياته تعمه كله و ~~هنا قد قال ( ^ منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات ^ ( فجعل بعضه ~~محكما و بعضه متشابها فصارالتشابه له معنيان و له معنى ثالث و هو الإضافى ~~يقال قد إشتبه علينا هذا كقول بنى إسرائيل ( @QB@ إن البقر تشابه علينا ~~@QE@ ( و إن كان فى نفسه متميزا منفصلا بعضه عن بعض و هذا من باب إشتباه ~~الحق PageV17P384 بالباطل كقوله صلى الله عليه و سلم في الحديث ( الحلال ~~بين و الحرام بين و بين ذلك أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس ( فدل ~~ذلك على أن من الناس من يعرفها فليست مشتبهة على جميع الناس بل على بعضهم ~~بخلاف ما لا يعلم تأويله إلا الله فإن الناس كلهم مشتركون فى عدم العلم ~~بتأويله و من هذا ما يروى عن المسيح عليه السلام أنه قال ms1764 الأمور ثلاثة أمر ~~تبين رشده فإتبعوه و أمر تبين غيه فاجتنبوه و أمر إشتبه عليكم فكلوه إلى ~~عالمه # فهذا المشتبه على بعض الناس يمكن الآخرين أن يعرفوا الحق فيه و يبينوا ~~الفرق بين المشتبهين و هذا هو الذي أراده من جعل الراسخين يعلمون التأويل ~~فإنه جعل المشتبهات في القرآن من هذا الباب الذي يشتبه على بعض الناس دون ~~بعض و يكون بينهما من الفروق المانعة للتشابه ما يعرفه بعض الناس و هذا ~~المعنى صحيح فى نفسه لا ينكر و لا ريب أن الراسخين في العلم يعلمون ما ~~إشتبه على غيرهم و قد يكون هذا قراءة في الآية كما تقدم من أنه يكون فيها ~~قراءتان لكن لفظ التأويل على هذا يراد به التفسير و وجه ذلك أنهم يعلمون ~~تأويله من حيث الجملة كما يعلمون تأويل المحكم فيعرفون الحساب و الميزان و ~~الصراط و الثواب و العقاب و غير ذلك مما أخبر الله به و رسوله معرفة مجملة ~~فيكونون عالمين بالتأويل و هو ما يقع في الخارج على هذا الوجه PageV17P385 ~~و لا يعلمونه مفصلا إذ هم لا يعرفون كيفيته و حقيقته إذ ذلك ليس مثل الذي ~~علموه فى الدنيا و شاهدوه و على هذا يصح أن يقال علموا تأويله و هو معرفة ~~تفسيره و يصح أن يقال لم يعلموا تأويله و كلا القراءتين حق # وعلى قراءة النفي هل يقال أيضا إن المحكم له تأويل لا يعلمون تفصيله فإن ~~قوله و ما يعلم تأويل ما تشابه منه ( @QB@ إلا الله @QE@ ( لا يدل على أن ~~غيره يعلم تأويل المحكم بل قد يقال أن من المحكم أيضا ما لا يعلم تأويله ~~إلا الله و إنما خص المتشابه بالذكر لأن أولئك طلبوا علم تاويله أو يقال بل ~~المحكم يعلمون تأويله لكن لا يعلمون و قت تأويله و مكانه و صفته # وقد قال كثير من السلف إن المحكم ما يعمل به و المتشابه ما يؤمن به و لا ~~يعمل به كما يجيء فى كثير من الآثار و نعمل ms1765 بحكمه و نؤمن بمتشابهه و كما ~~جاء عن إبن مسعود و غيره في قوله تعالى ( @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه ~~حق تلاوته @QE@ ( قال يحللون حلاله و يحرمون حرامه و يعملون بمحكمه و ~~يؤمنون بمتشابهه و كلام السلف فى ذلك يدل على أن التشابه أمر إضافى فقد ~~يشتبه على هذا ما لا يشتبه على هذا فعلى كل أحد أن يعمل بما إستبان له و ~~يكل ما إشتبه عليه إلى الله كقول أبي بن كعب رضي الله عنه فى الحديث الذي ~~رواه PageV17P386 الثوري عن مغيرة و ليس بشيء عن أبى العالية قال قيل لأبي ~~بن كعب أوصني فقال إتخذ كتاب الله إماما إرض به قاضيا و حاكما هو الذي ~~إستخلف فيكم رسوله شفيع مطاع و شاهد لا يتهم فيه خبر ما قبلكم و خبر ما ~~بينكم و ذكر ما قبلكم و ذكر ما فيكم و قال سفيان عن رجل سماه عن إبن أبزي ~~عن أبي قال فما إستبان لك فاعمل به و ما شبه عليك فآمن به و كله إلى عالمه # فمنهم من قال المتشابه هو المنسوخ و منهم من جعله الخبريات مطلقا فعن ~~قتادة و الربيع و الضحاك و السدي المحكم الناسخ الذي يعمل به و المتشابه ~~المنسوخ يؤمن به و لا يعمل به و كذلك فى تفسير العوفى عن إبن عباس و أما ~~تفسير الوالبى عن إبن عباس فقال محكمات القرآن ناسخه و حلاله و حرامه و ~~حدوده و فرائضه و ما يؤمن به و يعمل به و المتشابهات منسوخه و مقدمه و ~~مؤخره و أمثاله و أقسامه و ما يؤمن به و لا يعمل به # اما القول الاول فهو والله اعلم ماخوذ من قوله ( @QB@ فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته @QE@ ( فقابل بين المنسوخ وبين المحكم وهو ~~سبحانه انما أراد نسخ ما ألقاه الشيطان لم يرد نسخ ما أنزله لكن هم جعلوا ~~جنس المنسوخ متشابها لانه يشبه غيره فى التلاوة والنظم PageV17P387 وانه ~~كلام الله وقرآن ومعجز وغير ذلك ms1766 من المعانى مع أن معناه قد نسخ # ومن جعل المتشابه كل ما لا يعمل به من المنسوخ و الأقسام و الأمثال فلأن ~~ذلك متشابه و لم يؤمر الناس بتفصيله بل يكفيهم الإيمان المجمل به بخلاف ~~المعمول به فإنه لابد فيه من العلم المفصل و هذا بيان لما يلزم كل الأمة ~~فإنهم يلزمهم معرفة ما يعمل به تفضيلا ليعلموا به و ما أخبروا به فليس ~~عليهم معرفته بل عليهم الإيمان به و إن كان العلم به حسنا أو فرضا على ~~الكفاية فليس فرضا على الأعيان بخلاف ما يعمل به ففرض على كل انسان معرفة ~~ما يلزمه من العمل مفصلا و ليس عليه معرفة العمليات مفصلا # وقد روى عن مجاهد وعكرمة المحكم ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك ~~متشابه يصدق بعضه بعضا فعلى هذا القول يكون المتشابه هو المذكور في قوله ~~@QB@ كتابا متشابها مثاني @QE@ والحلال مخالف للحرام وهذا على قول مجاهد إن ~~العلماء يعلمون تأويله لكن تفسير المتشابه بهذا مع أن كل القرآن متشابه ~~وهنا خص البعض به فيستدل به على ضعف هذا القول # وكذلك قوله @QB@ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة @QE@ لو أريد ~~بالمتشابه PageV17P388 تصديق بعضه بعضا لكان اتباع ذلك غير محذور وليس في ~~كونه يصدق بعضه بعضا ما يمنع ابتغاء تأويله وقد يحتج لهذا القول بقوله ~~متشابهات فجعلها أنفسها متشابهات وهذا يقتضي أن بعضها يشبه بعضا ليست ~~مشابهة لغيرها # ويجاب عن هذا بأن اللفظ إذا ذكر فى موضعين بمعنيين صار من المتشابه كقوله ~~( @QB@ إنا @QE@ ( و ( @QB@ نحن @QE@ ( المذكور فى سبب نزول الآية و قد ذكر ~~محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير لما ذكر قصة أهل نجران و نزول ~~الآية قال المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا و جها و احدا و المتشابه ما ~~إحتمل فى التأويل أوجها و معنى هذا أن ذلك اللفظ المحكم لا يكون تأويله فى ~~الخارج الا شيئا و احدا و أما المتشابه فيكون له تأويلات متعددة لكن لم يرد ~~الله إلا ms1767 و احدا منها و سياق الآية يدل على المراد و حينئذ فالراسخون في ~~العلم يعلمون المراد من هذا كما يعلمون المراد من المحكم لكن نفس التأويل ~~الذي هو الحقيقة و وقت الحوادث و نحو ذلك لا يعلمونه لا من هذا و لا من هذا # و قد قيل إن نصارى نجران إحتجوا بقوله ( ^ كلمة الله ^ ( ^ ( و رح منه ^ ~~( و لفظ كلمة الله يراد به الكلام و يراد به المخلوق بالكلام و روح منه ~~يراد به إبتداء الغاية و يراد به التبعيض فعلى هذا إذا قيل تأويله لا يعلمه ~~إلا الله المراد به الحقيقة أي لا يعلمون كيف خلق PageV17P389 عيسى بالكلمة ~~و لا كيف أرسل إليها روحه فتمثل لها بشرا سويا و نفخ فيها من روحه و فى ~~صحيح البخاري عن عائشة عن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( ^ إذا رأيتم ~~الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ^ # والمقصود هنا أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلاما لا معنى له و لا يجوز ~~أن يكون الرسول صلى الله عليه و سلم و جميع الأمة لا يعلمون معناه كما يقول ~~ذلك من يقوله من المتأخرين و هذا القول يجب القطع بأنه خطأ سواء كان مع هذا ~~تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون أو كان للتأويل معنيان يعلمون أحدهما و لا ~~يعلمون الآخر و إذا دار الأمر بين القول بأن الرسول كان لا يعلم معنى ~~المتشابه من القرآن و بين أن يقال الراسخون في العلم يعلمون كان هذا ~~الإثبات خيرا من ذلك النفي فإن معنى الدلائل الكثير من الكتاب و السنة و ~~أقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه و فهمه و تدبره و هذا مما ~~يجب القطع به و ليس معناه قاطع على أن الراسخين فى العلم لا يعلمون تفسير ~~المتشابه فإن السلف قد قال كثير منهم أنهم يعلمون تأويله منهم مجاهد مع ~~جلالة قدره و الربيع بن أنس و محمد بن جعفر بن الزبير و نقلوا ms1768 ذلك عن إبن ~~عباس و أنه قال أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله # PageV17P390 # وقول أحمد فيما كتبه فى الرد على الزنادقة و الجهمية فيما شكت فيه من ~~متشابه القرآن و تأولته على غير تأويله و قوله عن الجهمية أنها تأولت ثلاث ~~آيات من المتشابه ثم تكلم على معناها دليل على أن المتشابه عنده تعرف ~~العلماء معناه و أن المذموم تأويله على غير تأويله فأما تفسيره المطابق ~~لمعناه فهذا محمد ليس بمذموم و هذا يقتضي أن الراسخين في العلم يعلمون ~~التأويل الصحيح للمتشابه عنده و هو التفسير فى لغة السلف و لهذا لم يقل ~~أحمد و لا غيره من السلف إن فى القرآن آيات لا يعرف الرسول و لا غيره ~~معناها بل يتلون لفظا لا يعرفون معناه و هذا القول إختيار كثير من أهل ~~السنة منهم إبن قتيبة و أبو سليمان الدمشقي و غيرهما # و إبن قتيبة هو من المنتسبين إلى أحمد و إسحاق و المنتصرين لمذاهب السنة ~~المشهورة و له في ذلك مصنفات متعددة قال فيه صاحب ( كتاب التحديث بمناقب ~~أهل الحديث ( و هو أحد أعلام الأئمة و العلماء و الفضلاء أجودهم تصنيفا و ~~أحسنهم ترصيفا له زهاء ثلاثمائة مصنف و كان يميل إلى مذهب أحمد و إسحاق و ~~كان معاصرا لإبراهيم الحربي و محمد بن نصر المروزي و كان أهل المغرب ~~يعظمونه و يقولون من إستجاز الوقيعة فى إبن قتيبة يتهم بالزندقة و يقولون ~~كل بيت ليس فيه شيء من تصنيفه فلا خير فيه قلت PageV17P391 و يقال هو لأهل ~~السنة مثل الجاحظ للمعتزلة فإنه خطيب السنة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة # وقد نقل عن إبن عباس أيضا القول الآخر و نقل ذلك عن غيره من الصحابة و ~~طائفة من التابعين و لم يذكر هؤلاء على قولهم نصا عن رسول الله صلى الله ~~عليه و سلم فصارت مسألة نزاع فترد إلى الله و إلى الرسول و أولئك إحتجوا ~~بأنه قرن إبتغاء الفتنة بإبتغاء تأويله و بأن النبى صلى الله عليه ms1769 و سلم ذم ~~مبتغي المتشابه و قال ( ^ إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم ^ ~~( و لهذا ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغ بن عسل لما سأله عن المتشابه ~~و لأنه قال ( والراسخون في العلم يقولون ( و لو كانت الواو و أو عطف مفرد ~~على مفرد لا و أو الإستئناف التى تعطف جملة على جملة لقال و يقولون # فأجاب الآخرون عن هذا بأن الله قال ( ^ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ~~من ديارهم و أموالهم يبتغون فضلا من الله و رضوانا ^ ( ثم قال ( ^ ( و ~~الذين تبوؤا الدار و الإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم و لا و يجدون ^ ~~( ثم قال ( ^ و الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا إغفر لنا و لإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان ^ ( قالوا فهذا عطف مفرد على مفرد و الفعل حال من ~~المعطوف فقط و هو نظير # قوله ( ^ والراسخون فى PageV17P392 العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ~~^ ) قالوا ولانه لو كان المراد مجرد الوصف بالايمان لم يخص الراسخين بل قال ~~والمؤمنون يقولون امنا به فان كل مؤمن يجب عليه ان يؤمن به فلما خص ~~الراسخين فى العم بالذكر علم انهم امتازوا بعلم تاويله فعلموه لانهم عالمون ~~وامنوا به لانهم يؤمنون وكان ايمانهم به مع العلم اكمل فى الوصف وقد قال ~~عقيب ذلك ( ^ وما يذكر الا اولوا الالباب ^ ) وهذا يدل على ان هنا تذكرا ~~يختص به اولوا الالباب فان كان ما ثم الا الايمان بالفاظ فلا يذكر لما ~~بدلهم على ما اريد بالمتشابه # ونظير هذا قوله فى الاية الاخرى ( لكن الراسخون فى العلم منهم والمؤمنون ~~يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك ) فلما وصفهم بالرسوخ فى العلم ~~وانهم يؤمنون قرن بهم المؤمنين فلو اريد هنا مجرد الايمان لقال والراسخون ~~فى العلم والمؤمنون يقولون امنا به كما قال فى تلك الاية لما كان مراده ~~مجرد الاخبار بالايمان جمع بين الطائفتين # و أما الذم فإنما و قع على من يتبع المتشابه لإبتغاء الفتنة و إبتغاء ~~تأويله و هو ms1770 حال أهل القصد الفاسد الذين يريدون القدح فى القرآن فلا يطلبون ~~إلا المتشابه لإفساد القلوب و هي فتنتها به و يطلبون تأويله و ليس طلبهم ~~لتأويله لأجل العلم و الإهتداء بل هذا PageV17P393 لأجل الفتنة و كذلك صبيغ ~~بن عسل ضربه عمر لأن قصده بالسؤال عن المتشابه كان لإبتغاء الفتنة و هذا ~~كمن يورد أسئلة و إشكالات على كلام الغير و يقول ماذا أريد بكذا و غرضه ~~التشكيك و الطعن فيه ليس غرضه معرفة الحق و هؤلاء هم الذين عناهم النبى صلى ~~الله عليه و سلم بقوله ( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ( # و لهذا ( يتبعون ( أي يطلبون المتشابه و يقصدونه دون المحكم مثل المتبع ~~للشيء الذي يتحراه و يقصده و هذا فعل من قصده الفتنة و أما من سأل عن معنى ~~المتشابه ليعرفه و يزيل ما عرض له من الشبه و هو عالم بالمحكم متبع له مؤمن ~~بالمتشابه لا يقصد فتنة فهذا لم يذمه الله و هكذا كان الصحابة يقولون رضى ~~الله عنهم مثل الأثر المعروف الذي رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني و قد ~~ذكره الطلمنكي حدثنا يزيد بن عبدربه ثنا بقية ثنا عتبة بن أبى حكيم ثني ~~عمارة بن راشد الكناني عن زياد عن معاذ بن جبل قال يقرأ القرآن رجلان فرجل ~~له فيه هوى و نية يفليه فلي الرأس يلتمس أن يجد فيه أمرا يخرج به على الناس ~~أولئك شرارأمتهم أولئك يعمى الله عليهم سبل الهدى و رجل يقرؤه ليس فيه هوي ~~و لا نية يفليه فلي الرأس فما تبين له منه عمل به و ما إشتبه عليه و كله ~~إلى الله ليتفقهن فيه فقها ما فقهه قوم قط حتى لو أن أحدهم مكث عشرين سنة ~~فليبعثن الله له من يبين له الآية التى أشكلت عليه أو يفهمه إياها من قبل ~~نفسه PageV17P394 # قال بقية أشهدنى إبن عيينة حديث عتبة هذا # فهذا معاذ يذم من إتبع المتشابه لقصد الفتنة و أما من قصده الفقه فقد ~~أخبر أن الله ms1771 لابد أن يفقهه بفهمه المتشابه فقها ما فقهه قوم قط قالوا و ~~الدليل على ذلك أن الصحابة كانوا إذا عرض لأحدهم شبهة فى آية أو حديث سأل ~~عن ذلك كما سأله عمر فقال ألم تكن تحدثنا أنا نأتى البيت و نطوف به و سأله ~~أيضا عمر ما بالنا نقصر الصلاة و قد أمنا و لما نزل قوله ( ^ و لم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم ^ ( شق عليهم و قالوا أينا لم يظلم نفسه حتى بين لهم و لما ~~نزل قوله ( ^ و إن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ^ ( شق ~~عليهم حتى بين لهم الحكمة في ذلك و لما قال النبى صلى الله عليه و سلم ( من ~~نوقش الحساب عذب ( قالت عائشة ( ألم يقل الله ( @QB@ فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا @QE@ ) قال إنما ذلك العرض ( # قالوا و الدليل على ما قلناه إجماع السلف فإنهم فسروا جميع القرآن و قال ~~مجاهد عرضت المصحف على إبن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية و ~~أسأله عنها و تلقوا ذلك عن النبى صلى الله عليه و سلم كما قال أبو ~~عبدالرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان و ~~عبدالله بن مسعود و غيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه و ~~سلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى PageV17P395 يتعلموا ما فيها من العلم و ~~العمل قالوا فتعلمنا القرآن و العلم و العمل جميعا و كلام أهل التفسير من ~~الصحابة و التابعين شامل لجميع القرآن إلا ما قد يشكل على بعضهم فيقف فيه ~~لا لأن أحدا من الناس لا يعلمه لكن لأنه هو لم يعلمه # و أيضا فإن الله قد أمر بتدبر القرآن مطلقا و لم يستثن منه شيئا لا يتدبر ~~و لا قال لا تدبروا المتشابه و التدبر بدون الفهم ممتنع و لو كان من القرآن ~~ما لا يتدبر لم يعرف فإن الله لم يميز المتشابه بحد ظاهر حتى يجتنب تدبره # وهذا أيضا مما يحتجون به و يقولون المتشابه أمر ms1772 نسبى إضافى فقد يشتبه هذا ~~ما لا يشتبه على غيره قالوا و لأن الله أخبر أن القرآن بيان و هدى و شفاء و ~~نور و لم يستثن منه شيئا عن هذا الوصف و هذا ممتنع بدون فهم المعنى قالوا و ~~لأن من العظيم أن يقال أن الله أنزل على نبيه كلاما لم يكن يفهم معناه لا ~~هو و لا جبريل بل و على قول هؤلاء كان النبى صلى الله عليه و سلم يحدث ~~بأحاديث الصفات و القدر و المعاد و نحو ذلك مما هو نظير متشابه القرآن ~~عندهم و لم يكن يعرف معنى ما يقوله و هذا لا يظن بأقل الناس PageV17P396 # وأيضا فالكلام إنما المقصود به الإفهام فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثا و ~~باطلا و الله تعالى قد نزه نفسه عن فعل الباطل و العبث فكيف يقول الباطل و ~~العبث و يتكلم بكلام ينزله على خلقه لا يريد به إفهامهم و هذا من أقوى حجج ~~الملحدين # وأيضا فما فى القرآن آية إلا و قد تكلم الصحابة الصحابة و التابعون لهم ~~بإحسان فى معناها و بينوا ذلك و إذا قيل فقد يختلفون فى بعض ذلك قيل كما قد ~~يختلفون فى آيات الأمر و النهي و آيات الأمر و النهي مما إتفق المسلمون على ~~أن الراسخين فى العلم يعلمون معناها و هذا أيضا مما يدل على أن الراسخين فى ~~العلم يعلمون تفسير المتشابه فإن المتشابه قد يكون في آيات الأمر و النهي ~~كما يكون في آيات الخبر و تلك مما إتفق العلماء على معرفة الراسخين لمعناها ~~فكذلك الأخرى فإنه على قول النفاة لم يعلم معنى المتشابه إلا الله لا ملك و ~~لا رسول و لا عالم و هذا خلاف إجماع المسلمين فى متشابه الأمر و النهي # و أيضا فلفظ التأويل يكون للمحكم كما يكون للمتشابه كما دل القرآن و ~~السنة و أقوال الصحابة على ذلك و هم يعلمون معنى المحكم فكذلك معنى ~~المتشابه و أي فضيلة فى المتشابه حتى ينفرد ms1773 الله بعلم معناه و المحكم أفضل ~~منه و قد بين معناه لعباده فأي فضيلة فى المتشابه حتى يستأثر الله بعلم ~~معناه و ما إستأثر الله بعلمه كوقت الساعة لم ينزل به PageV17P397 خطابا و ~~لم يذكر فى القرآن آية تدل على و قت الساعة و نحن نعلم أن الله إستأثر ~~بأشياء لم يطلع عباده عليها و إنما النزاع في كلام أنزله و أخبر أنه هدي و ~~بيان و شفاء و أمر بتدبره ثم يقال أن منه ما لا يعرف معناه إلا الله و لم ~~يبين الله و لا رسوله ذلك القدر الذي لا يعرف أحد معناه و لهذا صار كل من ~~أعرض عن آيات لا يؤمن بمعناها يجعلها من المتشابه بمجرد دعواه ثم سبب نزول ~~الآية قصة أهل نجران و قد إحتجوا بقوله ( @QB@ إنا @QE@ ( و ( @QB@ نحن ~~@QE@ ( و بقوله ( @QB@ كلمة منه @QE@ ( و ( ^ روح و هذا قد إتفق المسلمون ~~على معرفة معناه فكيف يقال أن المتشابه لا يعرف معناه لا الملائكة و لا ~~الأنبياء و لا أحد من السلف و هو من كلام الله الذي أنزله إلينا و أمرنا أن ~~نتدبره و نعقله و أخبر أنه بيان و هدى و شفاء و نور و ليس المراد من الكلام ~~إلا معانيه و لولا المعنى لم يجز التكلم بلفظ لا معنى له # وقد قال الحسن ما أنزل الله آية إلا و هو يحب أن يعلم فيما ذا أنزلت و ~~ماذا عنى بها # و من قال أن سبب نزول الآية سؤال اليهود عن حروف المعجم في ( ^ ألم ^ ( ~~بحساب الجمل فهذا نقل باطل # أما أولا فلأنه من رواية الكلبى PageV17P398 و أما ثانيا فهذا قد قيل ~~أنهم قالوه فى أول مقدم النبى صلى الله عليه و سلم إلى المدينة و سورة آل ~~عمران إنما نزل صدرها متأخرا لما قدم و فد نجران بالنقل المستفيض المتواتر ~~و فيها فرض الحج و إنما فرض سنة تسع أو عشر لم يفرض فى أول الهجرة بإتفاق ~~المسلمين # و أما ثالثا فلأن حروف ms1774 المعجم و دلالة الحرف على بقاء هذه الأمة ليس هو ~~من تأويل القرآن الذي إستأثر الله بعلمه بل إما أن يقال أنه ليس مما أراده ~~الله بكلامه فلا يقال أنه إنفرد بعلمه بل دعوي دلالة الحروف على ذلك باطل و ~~إما أن يقال بل يدل عليه فقد علم بعض الناس ما يدل عليه و حينئذ فقد علم ~~الناس ذلك 2 أما دعوي دلالة القرآن على ذلك و أن أحدا لا يعلمه فهذا هو ~~الباطل # و أيضا فإذا كانت الأمور العلمية التى أخبر الله بها فى القرآن لا يعرفها ~~الرسول كان هذا من أعظم قدح الملاحدة فيه و كان حجة لما يقولونه من أنه كان ~~لا يعرف الأمور العلمية أو أنه كان يعرفها و لم يبينها بل اذا القول يقتضي ~~أنه لم يكن يعلمها فإن ما لا يعلمه إلا الله لا يعلمه النبى و لا غيره # و بالجملة فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان قول من يقول إن فى القرآن ~~آيات لا يعلم معناها 2 الرسول و لا غيره # PageV17P399 # نعم قد يكون فى القرآن آيات لا يعلم معناها من العلماء فضلا عن غيرهم و ~~ليس ذلك فى آية معينة بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا و ذلك تارة يكون ~~لغرابة اللفظ و تارة لإشتباه المعنى بغيره و تارة لشبهة فى نفس الإنسان ~~تمنعه من معرفة الحق و تارة لعدم التدبر التام و تارة لغير ذلك من الأسباب ~~فيجب القطع بأن قوله ( و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون فى العلم ~~يقولون آمنا به ( أن الصواب قول من يجعله معطوفا و يجعل الواو لعطف مفرد ~~على مفرد أو يكون كلا القولين حقا و هي قراءتان و التأويل المنفي غير ~~التأويل المثبت و إن كان الصواب هو قول من يجعلها و أو إستئناف فيكون ~~التأويل المنفي علمه عن غير الله هو الكيفيات التى لا يعلمها غيره و هذا ~~فيه نظر و إبن عباس جاء عنه أنه قال إنا من الراسخين الذين ms1775 يعلمون تأويله ~~وجاء عنه أن الراسخين لايعلمون تأويله # وجاء عنه أنه قال التفسير على أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلامها و ~~تفسير لا يعذر أحد بجهالته و تفسير يعلمه العلماء و تفسير لا يعلمه إلا ~~الله من إدعى علمه فهو كاذب و هذا القول يجمع القولين و يبين أن العلماء ~~يعلمون من تفسيره ما لا يعلمه غيرهم و أن فيه مالايعلمه إلا الله فأما من ~~جعل الصواب قول من جعل الوقف عند قوله ( @QB@ إلا الله @QE@ ( و جعل ~~التأويل بمعنى التفسير فهذا خطأ قطعا # PageV17P400 # وأما التأويل بالمعنى الثالث و هو صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى ~~الإحتمال المرجوح فهذا الإصطلاح لم يكن بعد عرف فى عهد الصحابة بل و لا ~~التابعين بل و لا الأئمة الأربعة و لا كان التكلم بهذا الإصطلاح معروفا في ~~القرون الثلاثة بل و لا علمت أحدا منهم خص لفظ التأويل بهذا و لكن لما صار ~~تخصيص لفظ التأويل بهذا شائعا فى عرف كثير من المتأخرين فظنوا أن التأويل ~~في الآية هذا معناه صاروا يعتقدون أن لمتشابه القرآن معاني تخالف ما يفهم ~~منه و فرقوا دينهم بعد ذلك و صاروا شيعا و المتشابه المذكور الذي كان سبب ~~نزول الآية لا يدل ظاهره على معنى فاسد و إنما الخطأ في فهم السامع نعم قد ~~يقال أن مجرد هذا الخطاب لا يبين كمال المطلوب و لكن فرق بين عدم دلالته ~~على المطلوب و بين دلالته على نقيض المطلوب فهذا الثاني هو المنفي بل و ليس ~~فى القرآن ما يدل على الباطل ألبتة كما قد بسط فى موضعه # و لكن كثير من الناس يزعم أن لظاهر الآية معنى إما معنى يعتقده و إما ~~معنى باطلا فيحتاج إلى تأويله و يكون ما قاله باطلا لا تدل الآية على ~~معتقده و لا على المعنى الباطل و هذا كثير جدا و هؤلاء هم الذين يجعلون ~~القرآن كثيرا ما يحتاج إلى التأويل المحدث و هو صرف اللفظ عن مدلوله إلى ~~خلاف مدلوله # PageV17P401 # ومما ms1776 يحتج به من قال الراسخون فى العلم يعلمون التأويل ما ثبت فى صحيح ~~البخارى وغيره عن ابن عباس ان النبى دعا له وقال ( اللهم فقهه فى الدين ~~وعلمه التاويل ) فقد دعا له بعلم التاويل مطلقا وابن عباس فسر القرآن كله ~~قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من اوله إلى اخره اقفه عند كل آية ~~واساله عنها وكان يقول انا من الراسخين فى العلم الذين يعلمون تاويله # وايضا فالنقول متواترة عن ابن عباس رضى الله عنهما انه تكلم فى جميع ~~معانى القرآن من الامر والخبر فله من الكلام فى الاسماء والصفات والوعد ~~والوعيد والقصص ومن الكلام فى الامر والنهى والاحكام ما يبين انه كان يتكلم ~~فى جميع معانى القرآن # وايضا قد قال ابن مسعود ما من آية فى كتاب الله الا وانا اعلم فيما ذا ~~انزلت # وأيضا فانهم متفقون على ان آيات الاحكام يعلم تاويلها وهى نحو خمسمائة ~~آية وسائر القرآن عن الله واسمائه وصفاته أو عن اليوم الاخر والجنة والنار ~~أو عن القصص وعاقبة اهل الايمان وعاقبة اهل الكفر فان كان هذا هو المتشابه ~~الذى لا يعلم معناه الا الله PageV17P402 # فجمهور القرآن لا يعرف أحد معناه لا الرسول ولا أحد من الامة ومعلوم ان ~~هذا مكابرة ظاهرة # وايضا فمعلوم ان العلم بتاويل الرؤيا اصعب من العلم بتاويل الكلام الذى ~~يخبر به فان دلالة الرؤيا على تاويلها دلالة خفية غامضة لا يهتدى لها جمهور ~~الناس بخلاف دلالة لفظا لكلام على معناه فاذا كان الله قد علم عباده تاويل ~~الاحاديث التى يرونها فى المنام فلان يعلمهم تاويل الكلام العربى المبين ~~الذى ينزله على انبيائه بطريق الاولى والاحرى قال يعقوب ليوسف ( وكذلك ~~يجتبيك ربك ويعلمك من تاويل الاحاديث ) وقال يوسف ( رب قد اتيتنى من الملك ~~وعلمتنى من تاويل الاحاديث ) وقال ( لا ياتيكما طعام ترزقانه الا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما ) # وايضا فقد ذم الله الكفار بقوله ( أم يقولون افتراه قل فاتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين ms1777 بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله ) وقال ( ويوم نحشر من كل امة فوجا ممن يكذب ~~باياتنا فهم يوزعون حتى اذا جاءوا قال اكذبتم باياتى ولم تحيطوا بها علما ~~اما ذا كنتم تعملون ) وهذا ذم لمن كذب بما لم يحط بعلمه # PageV17P403 # فما قاله الناس من الاقوال المختلفة فى تفسير القران وتاويله ليس لاحد ان ~~يصدق بقول دون قول بلا علم ولا يكذب بشىء منها الا ان يحيط بعلمه وهذا لا ~~يمكن الا اذا عرف الحق الذى اريد بالاية فيعلم ان ماسواه باطل فيكذب ~~بالباطل الذى احاط بعلمه واما اذا لم يعرف معناها ولم يحط بشىء منها علما ~~فلا يجوز له التكذيب بشىء منها مع ان الاقوال المتناقضة بعضها باطل قطعا ~~ويكون حينئذ المكذب بالقران كالمكذب بالاقوال المتناقضة والمكذب بالحق ~~كالمكذب بالباطل وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم # وأيضا فانه ان بنى على ما يعتقده من انه لا يعلم معانى الايات الخبرية ~~الا الله لزمه ان يكذب كل من احتج باية من القرآن خبرية على شىء من امور ~~الايمان بالله واليوم الاخر ومن تكلم فى تفسير ذلك وكذلك يلزم مثل ذلك فى ~~احاديث الرسول وان قال المتشابه هو بعض الخبريات لزمه ان يبين فصلا يتبين ~~به ما يجوز ان يعلم معناه من آيات القرآن وما لا يجوز ان يعلم معناه بحيث ~~لا يجوز ان يعلم معناه لا ملك مقرب ولا نبى مرسل ولا أحد من الصحابة ولا ~~غيرهم ومعلوم انه لا يمكن احدا ذكر حد فاصل بين ما يجوز ان يعلم معناه بعض ~~الناس وبين ما لا يجوز ان يعلم معناه أحد ولو ذكر ما ذكر انتقض عليه فعلم ~~ان المتشابه ليس هو PageV17P404 # الذى لا يمكن احدا معرفة معناه وهذا دليل مستقل فى المسالة # وأيضا فقوله ( @QB@ لم يحيطوا بعلمه @QE@ ( ^ و كذبتم بآياتى و لم تحيطوا ~~بها علما ^ ( ذم لهم على عدم الإحاطة مع التكذيب و لو كان الناس كلهم ~~مشتركين في عدم الإحاطة بعلم المتشابه لم يكن في ذمهم ms1778 بهذا الوصف فائدة و ~~لكان الذم على مجرد التكذيب فإن هذا بمنزلة أن يقال أكذبتم بما لم تحيطوا ~~به علما و لا يحيط به علما إلا الله و من كذب بما لا يعلمه إلا الله كان ~~أقرب إلى العذر من أن يكذب بما يعلمه الناس فلو لم يحط بها علما الراسخون ~~كان ترك هذا الوصف أقوى في ذمهم من ذكره # و يتبين هذا بوجه آخر هو دليل في المسألة و هو أن الله ذم الزائغين ~~بالجهل و سوء القصد فإنهم يقصدون المتشابه يبتغون تأويله و لا يعلم تأويله ~~إلا الراسخون فى العلم و ليسوا منهم و هم يقصدون الفتنة لا يقصدون العلم و ~~الحق و هذا و هذا كقوله تعالى ( ^ و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم و لو ~~أسمعهم لتولوا و هم معرضون ^ ( فإن المعنى بقوله ( لأسمعهم ( فهم القرآن ~~يقول لو علم الله فيهم حسن قصد و قبولا للحق لأفهمهم القرآن لكن لو أفهمهم ~~لتولوا عن الإيمان و قبول الحق لسوء قصدهم فهم جاهلون ظالمون كذلك الذين فى ~~قلوبهم زيغ هم PageV17P405 # مذمومون بسوء القصد مع طلب علم ما ليسوا من أهله و ليس إذا عيب هؤلاء على ~~العلم و منعوه يعاب من حسن قصده و جعله الله من الراسخين فى العلم # فإن قيل فأكثر السلف على أن الراسخين فى العلم لا يعلمون التأويل و كذلك ~~أكثر أهل اللغة يروى هذا عن إبن مسعود و أبي إبن كعب و إبن عباس و عروة و ~~قتادة و عمر بن عبدالعزيز و الفراء و أبي عبيد و ثعلب و إبن الأنباري قال ~~إبن الأنباري فى قراءة عبدالله إن تأويله إلا عند الله و الراسخون فى العلم ~~و فى قراءة أبي و إبن عباس و يقول الراسخون فى العلم قال و قد أنزل الله فى ~~كتابه أشياء إستأثر بعلمها كقوله تعالى ( @QB@ قل إنما علمها عند الله @QE@ ~~( و قوله ( ^ و قرونا بين ذلك كثيرا ^ ( فأنزل المحكم ليؤمن به المؤمن ~~فيسعد و يكفر به الكافر ms1779 فيشقى قال إبن الأنباري و الذي روى القول الآخر عن ~~مجاهد هو إبن أبي نجيح و لا تصح روايته التفسير عن مجاهد # # فيقال قول القائل أن أكثر السلف على هذا قول بلا علم فإنه لم يثبت عن أحد ~~من الصحابة أنه قال أن الراسخين فى العلم لا يعلمون تأويل المتشابه و عن ~~إبن أبي مليكة عن عائشة أنها قالت ( كان رسوخهم فى العلم أن آمنوا بمحكمه و ~~بمتشابهه و لا يعلمونه ( # PageV17P406 # فقد روى البخاري عن إبن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها ~~الحديث المرفوع في هذا و ليس فيه هذه الزيادة و لم يذكر أنه سمعها من ~~القاسم بل الثابت عن الصحابة أن المتشابه يعلمه الراسخون كما تقدم حديث ~~معاذ بن جبل فى ذلك و كذلك نحوه عن إبن مسعود و إبن عباس و أبي بن كعب و ~~غيرهم و ما ذكر من قراءة إبن مسعود و أبي بن كعب ليس لها إسناد يعرف حتى ~~يحتج بها و المعروف عن إبن مسعود أنه كان يقول ما في كتاب الله آية إلا و ~~أنا أعلم فيما ذا أنزلت و ماذا عني بها و قال أبو عبدالرحمن السلمي حدثنا ~~الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان و عبدالله بن مسعود و غيرهما ~~أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه و سلم عشر آيات لم يجاوزوها ~~حتى يعلموا ما فيها من العلم و العمل و هذا أمر مشهور رواه الناس عن عامة ~~أهل الحديث و التفسير و له إسناد معروف بخلاف ما ذكر من قراءتها و كذلك إبن ~~عباس قد عرف عنه أنه كان يقول أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله و قد صح ~~عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه دعا له يعلم تأويل الكتاب فكيف لا يعلم ~~التأويل مع أن قراءة عبدالله إن تأويله إلا عند الله لا تناقض هذا القول ~~فإن نفس التأويل لا يأتى به إلا الله كما قال تعالى ( @QB@ هل ينظرون إلا ms1780 ~~تأويله يوم يأتي تأويله @QE@ ( و قال ( ^ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه و ~~لما يأتهم تأويله ^ ( # PageV17P407 # وقد إشتهر عن عامة السلف أن الوعد و الوعيد من المتشابه و تأويل ذلك هو ~~مجيء الموعود به و ذلك عند الله لا يأتى به إلا هو و ليس في القرآن إن علم ~~تأويله إلا عند الله كما قال فى الساعة ( ^ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ~~قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت فى السموات و الأرض لا ~~تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفى عنها قل إنما علمها عند الله و لكن أكثر ~~الناس لا يعلمون قل لا أملك لنفسي نفعا و لا ضرا إلا ما شاء الله و لو كنت ~~أعلم الغيب لإستكثرت من الخير و ما مسني السوء ^ ( و كذلك لما قال فرعون ~~لموسى ( ^ فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي فى كتاب لا يضل ربي و ~~لا ينسى ^ ( # فلو كانت قراءة إبن مسعود تقتضي نفي العلم عن الراسخين لكانت إن علم ~~تأويله إلا عند الله لم يقرأ أن تأويله إلا عند الله فإن هذا حق بلا نزاع و ~~أما القراءة الأخرى المروية عن أبي و إبن عباس فقد نقل عن إبن عباس ما ~~يناقضه و أخص أصحابه بالتفسير مجاهد و على تفسير مجاهد يعتمد أكثر الأئمة ~~كالثوري و الشافعي و أحمد بن حنبل و البخاري قال الثوري إذا جاءك التفسير ~~عن مجاهد فحسبك به و الشافعى في كتبه أكثر الذي ينقله عن إبن عيينة عن إبن ~~أبي نجيح عن مجاهد و كذلك البخاري فى صحيحه يعتمد على هذا PageV17P408 ~~التفسير # وقول القائل لا تصح رواية إبن أبي نجيح عن مجاهد جوابه أن تفسير إبن أبي ~~نجيح عن مجاهد من أصح التفاسير بل ليس بأيدى أهل التفسير كتاب فى التفسير ~~أصح من تفسير إبن أبي نجيح عن مجاهد إلا أن يكون نظيره فى الصحة ثم معه ما ~~يصدقه و هو قوله عرضت المصحف على إبن عباس أقفه عند ms1781 كل آية و أسأله عنها # و أيضا فأبي بن كعب رضي الله عنه قد عرف عنه أنه كان يفسر ما تشابه من ~~القرآن كما فسر قوله ( @QB@ فأرسلنا إليها روحنا @QE@ ( و فسر قوله ( ^ ~~الله نور السموات و الأرض ^ ( و قوله ( ^ و إذ أخذ ربك ^ ( و غير ذلك و نقل ~~ذلك معروف عنه بالإسناد أثبت من نقل هذه القراءة التى لا يعرف لها إسناد و ~~قد كان يسئل عن المتشابه من معنى القرآن فيجيب عنه كما سأله عمر و سئل عن ~~ليلة القدر # و أما قوله أن الله أنزل المجمل ليؤمن به المؤمن فيقال هذا حق لكن هل فى ~~الكتاب و السنة أو قول أحد من السلف أن الأنبياء و الملائكة و الصحابة لا ~~يفهمون ذلك الكلام المجمل أم العلماء متفقون على أن المجمل فى القرآن يفهم ~~معناه و يعرف ما فيه من الإجمال كما مثل به من و قت الساعة فقد علم ~~المسلمون كلهم معنى الكلام الذي أخبر الله به عن الساعة و أنها آتية لا ~~محالة و أن الله إنفرد بعلم و قتها فلم يطلع على ذلك أحدا و لهذا قال النبى ~~صلى الله عليه و سلم PageV17P409 لما سأله السائل عن الساعة و هو في الظاهر ~~أعرابي لا يعرف قال له متى الساعة ( قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ( ~~و لم يقل أن الكلام الذي نزل في ذكرها لا يفهمه أحد بل هذا خلاف إجماع ~~المسلمين بل و العقلاء فإن أخبار الله عن الساعة و أشراطها كلام بين و اضح ~~يفهم معناه و كذلك قوله ( و قرونا بين ذلك كثيرا ( قد علم المراد بهذا ~~الخطاب و أن الله خلق قرونا كثيرة لا يعلم عددهم إلا الله كما قال ( ^ و ما ~~يعلم جنود ربك إلا هو ^ ( فأي شيء فى هذا مما يدل على أن ما أخبر الله به ~~من أمر الإيمان بالله و اليوم الآخر لا يفهم معناه أحد لا من الملائكة و لا ~~من الأنبياء و لا الصحابة و ms1782 لا غيرهم # و أما ما ذكر عن عروة فعروة قد عرف من طريقه أنه كان لا يفسر عامة آي ~~القرآن إلا آيات قليلة رواها عن عائشة و معلوم أنه إذا لم يعرف عروة ~~التفسير لم يلزم أنه لا يعرفه غيره من الخلفاء الراشدين و علماء الصحابة ~~كإبن مسعود و أبي بن كعب و إبن عباس و غيرهم # و أما اللغويون الذين يقولون أن الراسخين لا يعلمون معنى المتشابه فهم ~~متناقضون فى ذلك فإن هؤلاء كلهم يتكلمون فى تفسير كل شيء في القرآن و ~~يتوسعون في القول فى ذلك حتى ما منهم أحد إلا و قد قال فى ذلك أقوالا لم ~~يسبق إليها و هي خطأ و إبن الأنباري الذي PageV17P410 بالغ فى نصر ذلك ~~القول هو أكثر الناس كلاما فى معاني الآي المتشابهات يذكر فيها من الأقوال ~~ما لم ينقل عن أحد من السلف و يحتج لما يقوله فى القرآن بالشاذ من اللغة و ~~قصده بذلك الإنكار على إبن قتيبة و ليس هو أعلم بمعانى القرآن و الحديث و ~~إتبع للسنة من إبن قتيبة و لا أفقه في ذلك و إن كان إبن الأنباري من أحفظ ~~الناس للغة لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة # وقد نقم هو و غيره على إبن قتيبة كونه رد على أبي عبيد أشياء من تفسيره ~~غريب الحديث و إبن قتيبة قد إعتذر عن ذلك و سلك فى ذلك مسلك أمثاله من أهل ~~العلم و هو و أمثاله يصيبون تارة و يخطئون أخرى فإن كان المتشابه لا يعلم ~~معناه إلا الله فهم كلهم يجترئون على الله يتكلمون في شيء لا سبيل إلى ~~معرفته و إن كان ما بينوه من معانى المتشابه قد أصابوا فيه و لو فى كلمة و ~~احدة ظهر خطؤهم فى قولهم أن المتشابه لا يعلم معناه إلا الله و لا يعلمه ~~أحد من المخلوقين فليختر من ينصر قولهم هذا أو هذا # و معلوم أنهم أصابوا في شيء كثير مما يفسرون به ms1783 المتشابه و أخطأوا فى بعض ~~ذلك فيكون تفسيرهم هذه الآية مما أخطأوا فيه العلم اليقينى فإنهم أصابوا فى ~~كثير من تفسير المتشابه و كذلك ما نقل عن قتادة من أن الراسخين فى العلم لا ~~يعلمون تأويل المتشابه فكتابه PageV17P411 في التفسير من أشهر الكتب و نقله ~~ثابت عنه من رواية معمر عنه و رواية سعيد بن أبي عروبة عنه و لهذا كان ~~المصنفون فى التفسير عامتهم يذكرون قوله لصحة النقل عنه و مع هذا يفسر ~~القرآن كله محكمه و متشابهه # و الذي إقتضي شهرة القول عن أهل السنة بأن المتشابه لا يعلم تأويله إلا ~~الله ظهور التأويلات الباطلة من أهل البدع كالجهمية و القدرية من المعتزلة ~~و غيرهم فصار أولئك يتكلمون في تأويل القرآن برأيهم الفاسد و هذا أصل معروف ~~لأهل البدع أنهم يفسرون القرآن برأيهم العقلي و تأويلهم اللغوي فتفاسير ~~المعتزلة مملوءة بتأويل النصوص المثبتة للصفات و القدر على غير ما أراده ~~الله و رسوله فإنكار السلف و الأئمة هو لهذه التأويلات الفاسدة كما قال ~~الإمام أحمد في ما كتبه فى الرد على الزنادقة و الجهمية فيما شكت فيه من ~~متشابه القرآن و تأولته على غير تأويله فهذا الذي أنكره السلف و الأئمة من ~~التأويل # فجاء بعدهم قوم إنتسبوا إلى السنة بغير خبرة تامة بها و بما يخالفها ظنوا ~~أن المتشابه لا يعلم معناه إلا الله فظنوا أن معنى التأويل هو معناه في ~~إصطلاح المتأخرين و هو صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى المرجوح فصاروا في ~~موضع يقولون و ينصرون أن المتشابه لا يعلم PageV17P412 # معناه إلا الله ثم يتناقضون في ذلك من و جوه # ( أحدها ( أنهم يقولون النصوص تجري على ظواهرها و لا يزيدون على المعنى ~~الظاهر منها و لهذا يبطلون كل تأويل يخالف الظاهر و يقرون المعنى الظاهر و ~~يقولون مع هذا أن له تأويلا لا يعلمه إلا الله و التأويل عندهم ما يناقض ~~الظاهر فكيف يكون له تأويل يخالف الظاهر و قد قرر معناه الظاهر و هذا مما ms1784 ~~أنكره عليهم مناظروهم حتى أنكر ذلك إبن عقيل على شيخه القاضي أبي يعلى # و منها أنا و جدنا هؤلاء كلهم لا يحتج عليهم بنص يخالف قولهم لا فى مسألة ~~أصلية و لا فرعية إلا تأولوا ذلك النص بتأويلات متكلفة مستخرجة من جنس ~~تحريف الكلم عن مواضعه من جنس تأويلات الجهمية و القدرية للنصوص التى ~~تخالفهم فأين هذا من قولهم لا يعلم معاني النصوص المتشابهة إلا الله تعالى ~~و إعتبر هذا بما تجده في كتبهم من مناظرتهم للمعتزلة في مسائل الصفات و ~~القرآن و القدر إذا إحتجت المعتزلة على قولهم بالآيات التى تناقض قول هؤلاء ~~مثل أن يحتجوا بقول ( ^ و الله لا يحب الفساد ^ ( ^ و لا يرضي لعباده الكفر ~~^ ( ^ و ما الجن و الإنس إلا ليعبدون ^ ( @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ ( ~~@QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ ( ^ و إذ قال ربك ~~للملائكة ^ ( و نحو ذلك كيف تجدهم يتأولون هذه النصوص بتأويلات غالبها فاسد ~~PageV17P413 # و إن كان فى بعضها حق فإن كان ما تأولوه حقا دل على أن الراسخين فى العلم ~~يعلمون تأويل المتشابه فظهر تناقضهم و إن كان باطلا فذلك أبعد لهم # وهذا أحمد بن حنبل إمام أهل السنة الصابر فى المحنة الذي قد صار للمسلمين ~~معيارا يفرقون به بين أهل السنة و البدعة لما صنف كتابه فى ( ^ الرد على ~~الزنادقة و الجهمية ^ ( فيما شكت فيه من متشابه القرآن و تأولته على غير ~~تأويله تكلم على معانى المتشابه الذي إتبعه الزائغون إبتغاء الفتنة و ~~إبتغاء تأويله آية آية و بين معناها و فسرها ليبين فساد تأويل الزائغين و ~~إحتج على أن الله يري و أن القرآن غير مخلوق و أن الله فوق العرش بالحجج ~~العقلية و السمعية و رد ما إحتج به النفاة من الحجج العقلية و السمعية و ~~بين معاني الآيات التى سماها هو متشابهة و فسرها آية آية و كذلك لما ناظروه ~~و إحتجوا عليه بالنصوص جعل يفسرها آية آية و حديثا حديثا و يبين فساد ما ms1785 ~~تأولها الزائغون و يبين هو معناها و لم يقل أحمد إن هذه الآيات و الأحاديث ~~لا يفهم معناها إلا الله و لا قال أحد له ذلك بل الطوائف كلها مجتمعة على ~~إمكان معرفة معناها لكن يتنازعون في المراد كما يتنازعون فى آيات الأمر و ~~النهي و كذلك كان أحمد يفسر المتشابه من الآيات و الأحاديث التى يحتج بها ~~الزائغون من الخوارج PageV17P414 و غيرهم كقوله ( لا يزنى الزانى حين يزنى ~~و هو مؤمن و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن و لا يشرب الشارب الخمر حين ~~يشرب و هو مؤمن ( و أمثال ذلك # و يبطل قول المرجئة و الجهمية و قول الخوارج و المعتزلة و كل هذه الطوائف ~~تحتج بنصوص المتشابه على قولها و لم يقل أحد لا من أهل السنة و لا من هؤلاء ~~لما يستدل به هو أو يستدل به عليه منازعه هذه آيات و أحاديث لا يعلم معناها ~~أحد من البشر فأمسكوا عن الإستدلال بها و كان الإمام أحمد ينكر طريقة أهل ~~البدع الذين يفسرون القرآن برأيهم و تأويلهم من غير إستدلال بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه و سلم و أقوال الصحابة و التابعين الذين بلغهم الصحابة معاني ~~القرآن كما بلغوهم ألفاظه و نقلوا هذا كما نقلوا هذا لكن أهل البدع يتأولون ~~النصوص بتأويلات تخالف مراد الله و رسوله و يدعون أن هذا هو التأويل الذي ~~يعلمه الراسخون و هم مبطلون فى ذلك لا سيما تأويلات القرامطة و الباطنية ~~الملاحدة و كذلك أهل الكلام المحدث من الجهمية و القدرية و غيرهم # و لكن هؤلاء يعترفون بأنهم لا يعلمون التأويل و إنما غايتهم أن يقولو ~~ظاهرهذه الآية غير مراد و لكن يحتمل أن يراد كذا و أن يراد كذا و لو تأولها ~~الواحد منهم بتأويل معين فهو لا يعلم أنه PageV17P415 # مراد الله و رسوله بل يجوز أن يكون مراد الله و رسوله عندهم غيرذلك ~~كالتأويلات التى يذكرونها في نصوص الكتاب كما يذكرونه فى قوله ( ^ و جاء ms1786 ~~ربك و الملك صفا صفا ^ ( و ( ^ ينزل ربنا ^ ( و ( ^ الرحم على العرش استوى ~~^ ( ^ و كلم الله موسى تكليما ^ ( ^ و غضب الله عليهم ^ ( و ( @QB@ إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ ( و أمثال ذلك من النصوص فإن ~~غاية ما عندهم يحتمل أن يراد به كذا و يجوز كذا و نحو ذلك و ليس هذا علما ~~بالتأويل و كذلك كل من ذكر فى نص أقوالا و إحتمالات و لم يعرف المراد فإنه ~~لم يعرف تفسير ذلك و تأويله و إنما يعرف ذلك من عرف المراد # و من زعم من الملاحدة أن الأدلة السمعية لا تفيد العلم فمضمون مدلولاته ~~لا يعلم أحد تفسير المحكم و لا تفسير المتشابه و لا تأويل ذلك و هذا إقرار ~~منه على نفسه بأنه ليس من الراسخين فى العلم الذين يعلمون تأويل المتشابه ~~فضلا عن تأويل المحكم فإذا إنضم إلى ذلك أن يكون كلامهم فى العقليات فيه من ~~السفسطة و التلبيس ما لا يكون معه دليل على الحق لم يكن عند هؤلاء لا معرفة ~~بالسمعيات و لا بالعقليات و قد أخبر الله عن أهل النار أنهم قالوا ( @QB@ ~~لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ ( و مدح الذين إذا ذكروا ~~بآياته لم يخروا عليها صما و عميانا و الذين يفقهون و يعقلون و ذم الذين ~~PageV17P416 لا يفقهون و لا يعقلون فى غير موضع من كتابه و أهل البدع ~~المخالفون للكتاب و السنة يدعون العلم و العرفان و التحقيق و هم من أجهل ~~الناس بالسمعيات و العقليات و هم يجعلون ألفاظا لهم مجملة متشابهة تتضمن ~~حقا و باطلا يجعلونها هي الأصول المحكمة و يجعلون ما عارضها من نصوص الكتاب ~~و السنة من المتشابه الذي لا يعلم معناه عندهم إلا الله و ما يتأولونه ~~بالإحتمالات لا يفيد فيجعلون البراهين شبهات و الشبهات براهين كما قد بسط ~~ذلك في موضع آخر # و قد نقل القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد أنه قال المحكم ما إستقل بنفسه ms1787 ~~و لم يحتج إلى بيان و المتشابه ما إحتاج إلى بيان و كذلك قال الإمام أحمد ~~في رواية و الشافعي قال المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا و جها و احدا و ~~المتشابه ما إحتمل من التأويل و جوها و كذلك قال الإمام أحمد و كذلك قال ~~إبن الأنباري المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا و جها و احدا و المتشابه ~~الذي تعتوره التأويلات فيقال حينئذ فجميع الأمة سلفها و خلفها يتكلمون فى ~~معاني القرآن التى تحتمل التأويلات # و هؤلاء الذين ينصرون أن الراسخين فى العلم لا يعلمون معنى المتشابه هم ~~من أكثر الناس كلاما فيه # PageV17P417 # و الأئمة كالشافعي و أحمد و من قبلهم كلهم يتكلمون فيما يحتمل معانى و ~~يرجحون بعضها على بعض بالأدلة فى جميع مسائل العلم الأصولية و الفروعية لا ~~يعرف عن عالم من علماء المسلمين أنه قال عن نص إحتج به محتج في مسألة أن ~~هذا لا يعرف أحد معناه فلا يحتج به و لو قال أحد ذلك لقيل له مثل ذلك و إذا ~~إدعى فى مسائل النزاع المشهورة بين الأئمة أن نصه محكم يعلم معناه و أن ~~النص الآخر متشابه لا يعلم أحد معناه قوبل بمثل هذه الدعوى و هذا بخلاف ~~قولنا أن من النصوص ما معناه جلى و اضح ظاهر لا يحتمل إلا و جها و احدا لا ~~يقع فيه إشتباه و منها ما فيه خفاء و إشتباه يعرف معناه الراسخون في العلم ~~فإن هذا تفسير صحيح و حينئذ فالخلف في المتشابه يدل على أنه كله يعرف معناه ~~فمن قال أنه يعرف معناه يبين حجته على ذلك # وأيضا فما ذكره السلف و الخلف فى المتشابه يدل على أنه كله يعرف معناه ~~فمن قال أن المتشابه هو المنسوخ فمعنى المنسوخ معروف و هذا القول مأثور عن ~~إبن مسعود و إبن عباس و قتادة و السدي و غيرهم و إبن مسعود و إبن عباس و ~~قتادة هم الذين نقل عنهم أن الراسخين في العلم ms1788 لا يعلمون تأويله و معلوم ~~قطعا بإتفاق المسلمين أن الراسخين يعلمون معنى المنسوخ و أنه منسوخ فكان ~~هذا النقل عنهم يناقض ذلك النقل و يدل على أنه كذب إن كان هذا صدقا و إلا ~~تعارض النقلان PageV17P418 عنهم و المنقول عنهم أن الراسخين يعلمون معنى ~~المتشابه # و القول الثانى مأثور عن جابر بن عبد الله أنه قال المحكم ما علم العلماء ~~تأويله و المتشابه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل كقيام الساعة و معلوم ~~أن و قت قيام الساعة مما إتفق المسلمون على أنه لا يعلمه الا الله فإذا ~~أريد بلفظ التأويل هذا كان المراد به لا يعلم و قت تأويله إلا الله و هذا ~~حق و لا يدل ذلك على أنه لا يعرف معنى الخطاب بذلك و كذلك إن أريد بالتأويل ~~حقائق ما يوجد و قيل لا يعلم كيفية ذلك إلا الله فهذا قد قدمناه و ذكر أنه ~~على قول هؤلاء من و قف عند قوله ( ^ و ما يعلم تأويله إلا الله ^ ( هو الذي ~~يجب أن يراد بالتأويل و إما أن يراد بالتأويل التفسير و معرفة المعنى و ~~يوقف على قوله إلا الله فهذا خطأ قطعا مخالف للكتاب و السنة و إجماع ~~المسلمين # ومن قال ذلك من المتأخرين فإنه متناقض يقول ذلك و يقول ما يناقضه و هذا ~~القول يناقض الإيمان بالله و رسوله من و جوه كثيرة و يوجب القدح في الرسالة ~~و لا ريب أن الذي قالوه لم يتدبروا لوازمه و حقيقته بل أطلقوه و كان أكبر ~~قصدهم دفع تأويلات أهل البدع للمتشابه و هذا الذي قصدوه حق و كل مسلم ~~يوافقهم عليه لكن لا ندفع باطلا بباطل آخر و لا نرد بدعة ببدعة و لا يرد ~~تفسير PageV17P419 أهل الباطل للقرآن بأن يقال الرسول صلى الله عليه و سلم ~~و الصحابة كانوا لا يعرفون تفسير ما تشابه من القرآن ففي هذا من الطعن فى ~~الرسول و سلف الأمة ما قد يكون أعظم من خطأ طائفة فى تفسير ms1789 بعض الآيات و ~~العاقل لا يبنى قصرا و يهدم مصرا # والقول الثالث أن المتشابه الحروف المقطعة فى أوائل السور يروى هذا عن ~~إبن عباس و على هذا القول فالحروف المقطعة ليست كلاما تاما من الجمل ~~الإسمية و الفعلية و انما هي أسماء موقوفة و لهذا لم تعرب فإن الأعراب إنما ~~يكون بعد العقد و التركيب و إنما نطق بها موقوفة كما يقال أ ب ت ث و لهذا ~~تكتب بصورة الحرف لا بصورة الإسم الذي ينطق به فإنها في النطق أسماء و لهذا ~~لما سأل الخليل أصحابه عن النطق بالزاى من زيد قالوا زا قال نطقتم بالإسم و ~~إنما النطق بالحرف زه فهي فى اللفظ أسماء و فى الخط حروف مقطعة ( @QB@ الم ~~@QE@ ( لا تكتب ألف لام ميم كما يكتب قول النبى صلى الله عليه و سلم ( من ~~قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف و لكن ( ~~@QB@ الف @QE@ ( حرف و ( @QB@ لام @QE@ ( حرف و ( @QB@ ميم @QE@ ( حرف # و الح لغة الرسول صلى الله عليه و سلم و أصحابه يتناول الذي يسميه النحاة ~~أسما و فعلا و حرفا و لهذا قال سيبويه فى تقسيم الكلام PageV17P420 إسم و ~~فعل و حرف جاء لمعنى ليس بإسم و لا فعل فإنه لما كان معروفا من اللغة أن ~~الإسم حرف و الفعل حرف خص هذا القسم الثالث الذي يطلق النحاة عليه الحرف ~~أنه جاء لمعنى ليس بإسم و لا فعل و هذه حروف المعانى التى يتألف منها ~~الكلام # و أما حروف الهجاء فتلك إنما تكتب على صورة الحرف المجرد و ينطق بها غير ~~معربة و لا يقال فيها معرب و لا مبنى لأن ذلك إنما يقال في المؤلف فإذا كان ~~على هذا القول كل ما سوى هذه محكم حصل المقصود فإنه ليس المقصود إلا معرفة ~~كلام الله و كلام رسوله صلى الله عليه و سلم ثم يقال هذه الحروف قد تكلم فى ~~معناها أكثر الناس فإن كان معناها معروفا فقد عرف ms1790 معنى المتشابه وإن لم يكن ~~معروفا و هي المتشابه كان ما سواها معلوم المعنى و هذا المطلوب # وأيضا فإن الله تعالى قال ( ^ منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر ~~متشابهات ^ ( و هذه الحروف ليست آيات عند جمهور العلماء و إنما يعدها آيات ~~الكوفيون # و سبب نزول هذه الآية الصحيح يدل على أن غيرها أيضا متشابه و لكن هذا ~~القول يوافق ما نقل عن اليهود من طلب علم المدد من حروف الهجاء # PageV17P421 # و الرابع أن المتشابه ما إشتبهت معانيه قال مجاهد و هذا يوافق قول أكثر ~~العلماء و كلهم يتكلم فى تفسير هذا المتشابه و يبين معناه # والخامس أن المتشابه ما تكررت ألفاظه قاله عبدالرحمن بن زيد بن أسلم قال ~~المحكم ما ذكر الله تعالى فى كتابه من قصص الأنبياء ففصله و بينه و ~~المتشابه هو ما إختلفت ألفاظه فى قصصهم عند التكرير كما قال فى موضع من قصة ~~نوح ( @QB@ احمل فيها @QE@ ( و قال فى موضع آخر ( @QB@ اسلك فيها @QE@ ( و ~~قال فى عصي موسى ( @QB@ فإذا هي حية تسعى @QE@ ( و فى موضع آخر ( @QB@ فإذا ~~هي ثعبان مبين @QE@ ( و صاحب هذا القول جعل المتشابه إختلاف اللفظ مع إتفاق ~~المعنى كما يشتبه على حافظ القرآن هذا اللفظ بذاك اللفظ و قد صنف بعضهم فى ~~هذا المتشابه لأن القصة الواحدة يتشابه معناها فى الموضعين فإشتبه على ~~القارئ أحد اللفظين بالآخر و هذا التشابه لا ينفى معرفة المعاني بلا ريب و ~~لا يقال فى مثل هذا أن الراسخين يختصون بعلم تأويله فهذا القول إن كان ~~صحيحا كان حجة لنا و إن كان ضعيفا لم يضرنا # والسادس أنه ما إحتاج إلى بيان كما نقل عن أحمد # والسابع أنه ما إحتمل و جوها كما نقل عن الشافعي و أحمد و قد روي عن أبي ~~الدرداء رضي الله عنه أنه قال إنك لا تفقه # كل PageV17P422 الفقه حتى ترى للقرآن و جوها و قد صنف الناس ( كتب الوجوه ~~و النظائر ( فالنظائر اللفظ الذي إتفق معناه فى الموضعين و أكثر ms1791 و الوجوه ~~الذي إختلف معناه كما يقال الأسماء المتواطئة و المشتركة و إن كان بينهما ~~فرق و لبسطه موضع آخر # وقد قيل هي نظائر فى اللفظ و معانيها مختلفة فتكون كالمشتركة و ليس كذلك ~~بل الصواب أن المراد بالوجوه و النظائر هو الأول و قد تكلم المسلمون سلفهم ~~و خلفهم فى معانى الوجوه و فيما يحتاج إلى بيان و ما يحتمل و جوها فعلم ~~يقينا أن المسلمين متفقون على أن جميع القرآن مما يمكن العلماء معرفة ~~معانيه و علم أن من قال إن من القرآن ما لا يفهم أحد معناه و لا يعرف معناه ~~إلا الله فإنه مخالف لاجماع الأمة مع مخالفته للكتاب و السنة # و الثامن أن المتشابه هو القصص و الأمثال و هذا أيضا يعرف معناه # و التاسع أنه ما يؤمن به و لا يعمل به و هذا أيضا مما يعرف معناه # و العاشر قول بعض المتأخرين إن المتشابه آيات الصفات و أحاديث الصفات و ~~هذا أيضا مما يعلم معناه فإن أكثر آيات الصفات إتفق PageV17P423 المسلمون ~~على أنه يعرف معناها و البعض الذي تنازع الناس فى معناه إنما ذم السلف منه ~~تأويلات الجهمية و نفوا علم الناس بكيفيته كقول مالك الإستواء معلوم و ~~الكيف مجهول و الإيمان به و اجب و السؤال عنه بدعة و كذلك قال سائر أئمة ~~السنة و حينئذ ففرق بين المعنى المعلوم و بين الكيف المجهول فإن سمى الكيف ~~تأويلا ساغ أن يقال هذا التأويل لا يعلمه إلا الله كما قدمناه أولا # و أما إذا جعل معرفة المعنى و تفسيره تأويلا كما يجعل معرفة سائر آيات ~~القرآن تأويلا و قيل أن النبى صلى الله عليه و سلم و جبريل و الصحابة و ~~التابعين ما كانوا يعرفون معنى قوله ( @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ( ~~و لا يعرفون معنى قوله ( @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ ( و لا ~~معنى قوله ( @QB@ غضب الله عليهم @QE@ ( بل هذا عندهم بمنزلة الكلام العجمي ~~الذي لا يفهمه العربي و كذلك إذا ms1792 قيل كان عندهم قوله تعالى ( ^ و ما قدروا ~~الله حق قدره و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة و السموات مطويات بيمينه ^ ( ~~و قوله ( ^ لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار ^ ( و قوله ( ^ و كان الله ~~سميعا بصيرا ^ ( و قوله ( ^ رضي الله عنهم و رضوا عنه ^ ( و قوله ( ^ ذلك ~~بأنهم إتبعوا ما أسخط الله و كرهوا رضوانه ^ ( و قوله ( ^ و أحسنوا إن الله ~~يحب المحسنين ^ ( و قوله ( و قل إعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و ~~المؤمنون ( و قوله PageV17P424 ( @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ ( و ~~قوله ( ^ فأجره حتى ي كلام الله ^ ( و قوله ( ^ فلما أتاها نودي أن بورك من ~~فى النار و من حولها ^ ( و قوله ( ^ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل ~~من الغمام و الملائكة ^ ( و قوله ( ^ و جاء ربك و الملك صفا صفا ^ ( و قوله ~~( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو يأتي بعض آيات ربك ( و ~~قوله ( ثم إستوى إلى السماء و هي دخان ( و قوله ( إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون ( إلى أمثال هذه الآيات # فمن قال عن جبريل و محمد صلوات الله و سلامه عليهما و عن الصحابة و ~~التابعين لهم بإحسان و أئمة المسلمين و الجماعة أنهم كانوا لا يعرفون شيئا ~~من معاني هذه الآيات بل إستاثر الله بعلم معناها كما إستاثر بعلم و قت ~~الساعة و إنما كانوا يقرأون ألفاظا لا يفهمون لها معنى كما يقرأ الإنسان ~~كلاما لا يفهم منه شيئا فقد كذب على القوم و النقول المتواترة عنهم تدل على ~~نقيض هذا و أنهم كانوا يفهمون هذا كما يفهمون غيره من القرآن و إن كان كنه ~~الرب عز و جل لا يحيط به العباد و لا يحصون ثناءا عليه فذاك لا يمنع أن ~~يعلموا من أسمائه و صفاته ما علمهم سبحانه و تعالى كما أنهم إذا علموا أنه ~~بكل شيء عليم و أنه على كل شيء قدير لم يلزم أن يعرفوا كيفية علمه و ms1793 قدرته ~~و إذا عرفوا أنه حق موجود لم يلزم أن يعرفوا كيفية ذاته # PageV17P425 # وهذا مما يستدل به على أن الراسخين فى العلم يعلمون التأويل فإن الناس ~~متفقون على أنهم يعرفون تأويل المحكم و معلوم أنهم لا يعرفون كيفية ما أخبر ~~الله به عن نفسه فى الآيات المحكمات فدل ذلك على أن عدم العلم بالكيفية لا ~~ينفى العلم بالتأويل الذي هو تفسير الكلام و بيان معناه بل يعلمون تأويل ~~المحكم و المتشابه ولا يعرفون كيفية الرب لا فى هذا و لا في هذا # فإن قيل هذا يقدح فيما ذكرتم من الفرق بين التأويل الذي يراد به التفسير ~~و بين التأويل الذي فى كتاب الله تعالى قيل لا يقدح فى ذلك فإن معرفة تفسير ~~اللفظ و معناه و تصور ذلك فى القلب غير معرفة الحقيقة الموجودة فى الخارج ~~المرادة بذلك الكلام فإن الشيء له و جود فى الأعيان و وجود في الأذهان و ~~وجود في اللسان و وجود فى البنان فالكلام لفظ له معنى فى القلب و يكتب ذلك ~~اللفظ بالخط فإذا عرف الكلام و تصور معناه فى القلب و عبر عنه باللسان فهذا ~~غير الحقيقة الموجودة فى الخارج و ليس كل من عرف الأول عرف عين الثانى # مثال ذلك أن أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة محمد صلى الله عليه و ~~سلم و خبره و نعته و هذا معرفة الكلام و معناه و تفسيره و تأويل ذلك هو نفس ~~محمد المبعوث فالمعرفة بعينه معرفة تأويل PageV17P426 ذلك الكلام و كذلك ~~الإنسان قد يعرف الحج و المشاعر كالبيت و المسجد و منى و عرفة و مزدلفة و ~~يفهم معنى ذلك و لا يعرف أعيان الأمكنة حتى يشاهدها فيعرف أن الكعبة ~~المشاهدة المذكورة في قوله ( ^ و لله على الناس حج البيت ^ ( و كذلك أرض ~~عرفات هي المذكورة فى قوله ( @QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله @QE@ ( ~~و كذلك المشعر الحرام هي المزدلفة التى بين مأزمي عرفة و وادي محسر يعرف ~~أنها المذكورة في ms1794 قوله ( @QB@ فاذكروا الله عند المشعر الحرام @QE@ ( # وكذلك الرؤيا قد يراها الرجل و يذكر له العابر تأويلها فيفهمه و يتصوره ~~مثل أن يقول هذا يدل على أنه كان كذا و يكون كذا و كذا ثم إذا كان ذلك فهو ~~تأويل الرؤيا ليس تأويلها نفس علمه و تصوره و كلامه و لهذا قال يوسف الصديق ~~( @QB@ هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ ( و قال ( @QB@ لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما @QE@ ( فقد أنبأهما بالتأويل ~~قبل أن يأتي التأويل و الأنباء ليس هو التاويل فالنبي صلى الله عليه و سلم ~~عالم بالتأويل و إن كان التأويل لم يقع بعد و إن كان لا يعرف متى لا يقع ~~فنحن نعلم تأويل ما ذكر الله فى القرآن من الوعد و الوعيد و إن كنا لا نعرف ~~متى يقع هذا التأويل المذكور فى قوله سبحانه و تعالى ( @QB@ هل ينظرون إلا ~~تأويله يوم يأتي تأويله @QE@ ( الآية و قال تعالى ( @QB@ لكل نبإ مستقر ~~@QE@ ( PageV17P427 # فنحن نعلم مستقر نبأ الله و هو الحقيق التى أخبر الله بها و لا نعلم متى ~~يكون و قد لا نعلم كيفيتها و قدرها و سواء فى هذا تأويل المحكم و المتشابه ~~كما قال الله تعالى ( ^ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو ~~من تحت ارجلكم أو يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس بعض ^ ( قال النبى صلى الله ~~عليه و سلم أنها كائنة و لم يأت تأويلها بعد فقد عرف تأويلها و هو و قوع ~~الإختلاف و الفتن و إن لم يعرف متى يقع و قد لا يعرف صفته و لا حقيقته فإذا ~~و قع عرف العارف أن هذا هو التأويل الذي دلت عليه الآية و غيره قد لا يعرف ~~ذلك أو ينساه بعد ما كان عرفه فلا يعرف أن هذا تأويل القرآن فإنه لما نزل ~~قوله تعالى ( ^ و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ^ ( قال ~~الزبير لقد قرأنا هذه الآية زمانا و ما أرانا من أهلها و ms1795 إذا نحن المعنيون ~~بها ( ^ و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ^ ( # وأيضا فإن الله قد ذم في كتابه من يسمع القرآن و لا يفقه معناه و ذم من ~~لم يتدبره و مدح من يسمعه و يفقهه فقال تعالى ( ^ و منهم من يستمع إليك حتى ~~إذا خرجوا من عندك ^ ( الآية فأخبر أنهم كانوا يقولون لأهل العلم ماذا قال ~~الرسول فى هذا الوقت المتقدم فدل على أن أهل العلم من الصحابة كانوا يعرفون ~~من معانى كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لا يعرفه غيرهم # وهؤلاء هم الراسخون فى العلم PageV17P428 الذين يعلمون معاني القرآن ~~محكمه و متشابهه و هذا كقوله تعالى ( ^ و تلك الأمثال نضربها للناس و ما ~~يعقلها إلا العالمون ^ ( فدل على أن العالمين يعقلونها و إن كان غيرهم لا ~~يعقلها # والأمثال هي المتشابه عند كثير من السلف و هي إلى المتشابه أقرب من غيرها ~~لما بين المثل و الممثل به من التشابه و عقل معناها هو معرفة تأويلها الذي ~~يعرفه الراسخون فى العلم دون غيرهم و يشبه هذا قوله تعالى ( ^ و يري الذين ~~أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق و يهدي إلى صراط العزيز الحميد ~~^ ( فلولا أنهم عرفوا معنى ما أنزل كيف عرفوا أنه حق أو باطل و هل يحكم على ~~كلام لم يتصور معناه أنه حق أو باطل و قال تعالى ( @QB@ أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ ( # و قال ( ^ أفلا يتدب القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا ~~كثيرا ^ ( و قال تعالى ( @QB@ أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم ~~الأولين @QE@ ( و قال تعالى ( @QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه @QE@ ( و قال ( ^ و الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخرجوا عليها صما ~~و عميانا ^ ( و قال ( @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ ( و ~~قال ( @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير @QE@ ( و قال ( ^ ~~كتاب PageV17P429 فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا و نذيرا ms1796 ^ ( ~~إلى قوله ( ^ و من بيننا و بينك حجاب ( # فإذا كان كثير من القرآن أو أكثره مما لا يفهم أحد معناه لم يكن المتدبر ~~المعقول إلا بعضه و هذا خلاف ما دل عليه القرآن لا سيما عامة ما كان ~~المشركون ينكرونه كالآيات الخبرية و الأخبار عن اليوم الآخر أو الجنة و ~~النار و عن نفي الشركاء و الأولاد عن الله و تسميته بالرحمن فكان عامة ~~إنكارهم لما يخبرهم به من صفات الله نفيا و إثباتا و ما يخبرهم به عن اليوم ~~الآخر و قد ذم الله من لا يعقل ذلك و لا يفقهه و لا يتدبره # فعلم أن الله يأمر بعقل ذلك و تدبره و قد قال تعالى ( ^ و منهم من ~~يستمعون إليك إفأنت تسمع الصم و لو كانوا لا يعقلون و منهم من ينظر إليك ~~أفأنت تهدي العمي و لو كانوا لا يبصرون ^ ( و قال ( ^ و منهم من يستمع إليك ~~و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و فى آذانهم و قرا ^ ( الآية و قال ~~تعالى ( ^ و إذا قرأت القرآن جعلنا بينك و بين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و فى آذانهم و قرا ^ ( ~~الآية # و قد إستدل بعضهم بأن الله لم ينف عن غيره علم شيء PageV17P430 إلا كان ~~منفردا به كقوله ( ^ قل لا يعلم من فى السموات و الأرض الغيب إلا الله ^ ( ~~و قوله ( @QB@ لا يجليها لوقتها إلا هو @QE@ ( و قوله ( ^ و ما يعلم جنود ~~ربك إلا هو ^ # فيقال ليس الأمر كذلك بل هذا بحسب العلم المنفى فإن كان مما إستأثر الله ~~به قيل فيه ذلك و إن كان مما علمه بعض عباده ذكر ذلك كقوله ( ^ و لا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء ^ ( و قوله ( @QB@ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا @QE@ ( إلى قوله ( @QB@ رصدا @QE@ ( و قوله ( ^ قل كفى بالله شهيدا ~~بينى و بينكم و من عنده علم الكتاب ^ ( و قوله ( ^ شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو و ms1797 الملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط ^ ( و قوله ( @QB@ لكن الله يشهد ~~بما أنزل إليك أنزله بعلمه @QE@ ( إلى قوله ( @QB@ شهيدا @QE@ ( و قوله ( ~~@QB@ قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل @QE@ ( و قال للملائكة ( @QB@ ~~إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ ( و قالت الملائكة ( @QB@ لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا @QE@ ( و فى كثير من كلام الصحابة الله و رسوله أعلم و فى الحديث ~~المشهور ( ^ أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته ~~أحدا من خلقك أو إستأثرت به فى علم الغيب عندك ^ ( # وقد قال تعالى ( فإن تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله و الرسول ( و أول ~~النزاع النزاع في معاني القرآن فإن لم يكن الرسول عالما بمعانيه ~~PageV17P431 إمتنع الر إليه و قد إتفق الصحابة و التابعون لهم بإحسان و ~~سائر أئمة الدين أن السنة تفسر القرآن و تبينه و تدل عليه و تعبر عن مجمله ~~و أنها تفسر مجمل القرآن من الأمر و الخبر و قال تعالى ( ^ كان الناس أمة و ~~احدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين ^ ( إلى قوله ( @QB@ فيما اختلفوا ~~فيه @QE@ ( # ومن أعظم الإختلاف الإختلاف فى المسائل العلمية الخبرية المتعلقة ~~بالإيمان بالله و اليوم الآخر فلابد أن يكون الكتاب حاكما بين الناس فيما ~~إختلفوا فيه من ذلك و يمتنع أن يكون حاكما إان لم يكن معرفة معناه ممكنا و ~~قد نصب الله عليه دليلا و إلا فالحاكم الذي يبين ما فى نفسه لا يحكم بشيء و ~~كذلك إذا قيل هو الحاكم بالكتاب فإن حكمه فصل يفصل به بين الحق و الباطل و ~~هذا إنما يكون بالبيان و قد قال تعالى فى القرآن ( @QB@ إنه لقول فصل @QE@ ~~( أي فاصل يفصل بين الحق و الباطل فكيف يكون فصلا إذا لم يكن إلى معرفة ~~معناه سبيل # وأيضا فإن الله قال ( ^ و منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى و إن هم ~~إلا يظنون ^ ( فذم هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا أمانى كما ذم الذين ~~يحرفون معناه و يكذبون فقال تعالى ms1798 ( ^ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم و قد كان ~~فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد PageV17P432 ما عقلوه و هم ~~يعلمون ^ ( إلى قوله ( ^ أفلا تعقلون ^ ( فهذا أ الصنفين ثم قال تعالى ( ^ ~~و منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى ^ ( أي تلاوة ( ^ و إن هم إلا ~~يظنون ^ ( ثم ذم الذين يفترون كتبا يقولون هي من عند الله و ما هي من عند ~~الله فقال ( ^ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ^ ( إلى قوله ( ^ يكسبون ^ ~~( # و هذه الأصناف الثلاثة تستوعب أهل الضلال و البدع فإن أهل البدع الذين ~~ذمهم الله و رسوله نوعان # ( أحدهما ( عالم بالحق يتعمد خلافه ( و الثاني ( جاهل متبع لغيره # فالأولون يبتدعون ما يخالف كتاب الله و يقولون هو من عند الله إما أحاديث ~~مفتريات و إما تفسير و تأويل للنصوص باطل و يعضدون ذلك بما يدعونه من الرأي ~~و العقل و قصدهم بذلك الرياسة و المأكل فهؤلاء يكتبون الكتاب بأيديهم ~~ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم من الباطل و ويل لهم مما ~~يكسبون من المال على ذلك و هؤلاء إذا عورضوا بنصوص الكتب الإلهية و قيل لهم ~~هذه تخالفكم حرفوا الكلم عن مواضعه بالتأويلات الفاسدة قال الله تعالى ( ^ ~~أفتطمعون أن يؤمنوا لكم و قد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه و هم يعلمون ^ ( PageV17P433 و أما النوع الثانى الجهال ~~فهؤلاء الأميون الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني و إن هم إلا يظنون فعن ~~إبن عباس و قتادة فى قوله ( ^ و منهم أميون ^ ( أي غير عارفين بمعاني ~~الكتاب يعلمونها حفظا و قراءة بلا فهم و لا يدرون ما فيه و قوله ( @QB@ إلا ~~أماني @QE@ ( أي تلاوة فهم لا يعلمون فقه الكتاب إنما يقتصرون على ما ~~يسمعونه يتلى عليهم قاله الكسائي و الزجاج و كذلك قال إبن السائب لا يحسنون ~~قراءة الكتاب و لا كتابته إلا أمانى إلا ما يحدثهم به علماؤهم و قال أبو ~~روق و أبو عبيدة أي تلاوة و قراءة عن ظهر ms1799 القلب و لا يقرأونها فى الكتب ففي ~~هذا القول جعل الأماني التى هي التلاوة تلاوة الأميين أنفسهم و في ذلك جعله ~~ما يسمعونه من تلاوة علمائهم و كلا القولين حق و الآية تعمهما فإنه سبحانه ~~و تعالى قال ( لا يعلمون الكتاب ( لم يقل لا يقرأون و لا يسمعون ثم قال ( ~~@QB@ إلا أماني @QE@ ( و هذا إستثناء منقطع لكن يعلمون أمانى إما بقراءتهم ~~لها و إما بسماعهم قراءة غيرهم و إن جعل الإستثناء متصلا كان التقدير لا ~~يعلمون الكتاب إلا علم أماني لا علم تلاوة فقط بلا فهم و الأماني جمع أمنية ~~و هي التلاوة و منه قوله تعالى ( ^ و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي ~~إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم ~~الله آياته و الله عليم حكيم ^ ( قال الشاعر PageV17P434 # % تمنى كتاب الله أول ليلة % و آخرها لاقي حمام المقادر % $ # و الأميون نسبة إلى الأمة قال بعضهم إلى الأمة و ما عليه العامة فمعنى ~~الأمي العامي الذي لا تمييز له و قد قال الزجاج هو على خلق الأمة التى لم ~~تتعلم فهو على جبلته و قال غيره هو نسبة إلى الأمة لأن الكتابة كانت فى ~~الرجال دون النساء و لأنه على ما و لدته أمه # والصواب أنه نسبة إلى الأمة كما يقال عامي نسبة إلى العامة التى لم تتميز ~~عن العامة بما تمتاز به الخاصة و كذلك هذا لم يتميز عن الأمة بما يمتاز به ~~الخاصة من الكتابة و القراءة و يقال الأمي لمن لا يقرأ و لا يكتب كتابا ثم ~~يقال لمن ليس لهم كتاب منزل من الله يقرأونه و إن كان قد يكتب و يقرأ ما لم ~~ينزل و بهذا المعنى كان العرب كلهم أميين فإنه لم يكن عندهم كتاب منزل من ~~الله قال الله تعالى ( ^ و قل للذين أوتوا الكتاب و الأميين أأسلمتم فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا ^ ( و قال ( @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ~~@QE@ ( و قد ms1800 كان فى العرب كثير ممن يكتب و يقرأ المكتوب و كلهم أميون فلما ~~نزل القرآن عليهم لم يبقوا أميين بإعتبار أنهم لا يقرأون كتابا من حفظهم بل ~~هم يقرأون القرآن من حفظهم و أنا جيلهم في صدورهم لكن بقوا أميين بإعتبار ~~أنهم لا يحتاجون إلى كتابة دينهم بل قرآنهم محفوظ فى قلوبهم # PageV17P435 # كما فى الصحيح عن عياض بن حمار المجاشعي عن النبى صلى الله عليه و سلم ~~أنه قال ( خلقت عبادي يوم خلقتهم حنفاء و قال فيه إنى مبتليك و مبتل لك و ~~أنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما و يقظانا ( فأمتنا ليست مثل ~~أهل الكتاب الذين لا يحفظون كتبهم فى قلوبهم بل لوعدمت المصاحف كلها كان ~~القرآن محفوظا فى قلوب الأمة و بهذا الإعتبار فالمسلمون أمة أمية بعد نزول ~~القرآن و حفظه كما فى الصحيح عن إبن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبى صلى ~~الله عليه و سلم أنه قال ( ^ إنا أمة أمية لا نحسب و لا نكتب الشهر هكذا و ~~هكذا ( فلم يقل إنا لا نقرأ كتابا و لا نحفظ بل قال لا نكتب و لا نحسب ~~فديننا لا يحتاج أن يكتب و يحسب كما عليه أهل الكتاب من أنهم يعلمون مواقيت ~~صومهم و فطرهم بكتاب و حساب و دينهم معلق بالكتب لو عدمت لم يعرفوا دينهم و ~~لهذا يوجد أكثر أهل السنة يحفظون القرآن و الحديث أكثر من أهل البدع و أهل ~~البدع فيهم شبه بأهل الكتاب من بعض الوجوه # وقوله ( ^ فآمنوا بالله و رسوله النبى الأمي ^ ( هو أمي بهذا الإعتبار ~~لأنه لا يكتب و لا يقرأ ما فى الكتب لا بإعتبار أنه لا يقرأ من حفظه بل كان ~~يحفظ القرآن أحسن حفظ و الأمي إصطلاح الفقهاء خلاف القارئ و ليس هو خلاف ~~الكاتب بالمعنى الأول و يعنون PageV17P436 به فى الغالب من لا يحس الفاتحة ~~فقوله تعالى ( ^ و منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى ^ ( أي لا يعلمون ~~الكتاب إلا تلاوة لا يفهمون معناها ms1801 و هذا يتناول من لا يحسن الكتابة و لا ~~القراءة من قبل و إنما يسمع أماني علما كما قال إبن السائب و يتناول من ~~يقرأه عن ظهر قلبه و لا يقرأه من الكتاب كما قال أبو روق و أبو عبيدة # وقد يقال ان قوله ( لا يعلمون الكتاب ) اى الخط اى لا يحسنون الخط وانما ~~يحسنون التلاوة ويتناول ايضا من يحسن الخط والتلاوة ولا يفهم ما يقرأه ~~ويكتبه كما قال ابن عباس وقتادة غير عارفين معانى الكتاب يعلمونها حفظا ~~وقراءة بلا فهم ولا يدرون ما فيه والكتاب هنا المراد به الكتاب المنزل وهو ~~التوراة ليس المراد به الخط فانه قال ( وان هم الا يظنون ) فهذا يدل على ~~أنه نفى عنهم العلم بمعانى الكتاب ولا فكون الرجل لا يكتب بيده لا يستلزم ~~ان يكون لا علم عنده بل يظن ظنا بل كثير ممن يكتب بيده لا يفهم ما يكتب ~~وكثير ممن لا يكتب يكون عالما بمعانى ما يكتبه غيره # وأيضا فإن الله ذكر هذا فى سياق الذم لهم و ليس فى كون الرجل لا يخط ذم ~~إذا قام بالواجب و إنما الذم على كونه لا يعقل PageV17P437 الكتاب الذي ~~أنزل إليه سواء كتبه و قرأه أو لم يكتبه و لم يقرأه كما قال النبى صلى الله ~~عليه و سلم ( هذا أوأن يرفع العلم فقال له زياد بن لبيد كيف يرفع العلم و ~~قد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه و لنقرئنه نساءنا فقال له إن كنت لأحسبك من ~~أفقه أهل المدينة أو ليست التوراة و الإنجيل عند اليهود و النصاري فماذا ~~تغني عنهم ( و هو حديث معروف رواه الترمذي و غيره و لأنه قال تعالى قبل هذا ~~( و قد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه و هم ~~يعلمون ( فأولئك عقلوه ثم حرفوه و هم مذمومون سواء كانوا يحفظونه بقلوبهم و ~~يكتبونه و يقرأونه حفظا و كتابة أو لم يكونوا كذلك فكان من المناسب أن ~~يذكرالذين لا يعقلونه و هم ms1802 الذين لا يعلمونه إلا أمانى فإن القرآن أنزله ~~الله كتابا متشابها مثانى و يذكر فيه الأقسام و الأمثال فيستوعب فيكون ~~مثاني و يذكر الأمثال فيكون متشابها و هؤلاء و إن كانوا يكتبون و يقرأون ~~فهم أميون من أهل الكتاب كما نقول نحن لمن كان كذلك هو أمي و ساذج و عامي و ~~إن كان يحفظ القرآن و يقرأ المكتوب إذا كان لا يعرف معناه # و إذا كان الله قد ذم هؤلاء الذين لا يعرفون الكتاب إلا تلاوة دون فهم ~~معانيه كما ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه من بعد ما عقلوه و هم يعلمون ~~دل على أن كلا النوعين مذموم الجاهل الذي PageV17P438 لا يفهم معانى النصوص ~~و الكاذب الذي يحرف الكلم عن مواضعه و هذا حال أهل البدع فإنهم أحد رجلين ~~إما رجل يحرف الكلم عن مواضعه و يتكلم برأيه و يؤوله بما يضيفه إلى الله ~~فهؤلاء يكتبون الكتاب بأيديهم و يقولون هو من عند الله و يجعلون تلك ~~المقالات التى إبتدعوها هي مقالة الحق و هي التى جاء بها الرسول و التى كان ~~عليها السلف و نحو ذلك ثم يحرفون النصوص التى تعارضها فهؤلاء إذا تعمدوا ~~ذلك و علموا أن الذي يفعلونه مخالف للرسول فهم من جنس هؤلاء اليهود و هذا ~~يوجد فى كثير من الملاحدة و يوجد في بعض الأشياء فى غيرهم # و أما الذين قصدهم أتباع الرسول باطنا و ظاهرا و غلطوا فيما كتبوه و ~~تأولوه فهؤلاء ليسوا من جنسهم لكن قد و قع بسبب غلطهم ما هو من جنس ذلك ~~الباطل كما قيل إذا زل العالم زل بزلته عالم و هذا حال المتأولين من هذه ~~الأمة و أما رجل مقلد أمي لا يعرف من الكتاب إلا ما يسمعه منهم أو ما يتلوه ~~هو و لا يعرف إلا أمانى و قد ذمه الله على ذلك فعلم أن الله ذم الذين لا ~~يعرفون معاني القرآن و لا يتدبرونه و لا يعقلونه كما صرح القرآن بذمهم فى ~~غير موضع ms1803 فيمتنع مع هذا أن يقال إن أكثر القرآن أو كثيرا منه لا يعلمه أحد ~~من الخلق إلا أماني لا جبريل و لا محمد و لا الصحابة و لا أحد PageV17P439 ~~من المسلمين فإن هذا تشبيه لهم بهؤلاء فيما ذمهم الله به # فإن قيل أفلا يجب على كل مسلم معرفة معنى كل آية قيل نعم لكن معرفة معانى ~~الجميع فرض على الكفاية و على كل مسلم معرفة ما لابد منه و هؤلاء ذمهم الله ~~لأنهم لا يعلمون معانى الكتاب إلا تلاوة و ليس عندهم إلا الظن و هذا يشبه ~~قوله ( ^ و إنهم لفي شك منه مريب ^ ( # فإن قيل فقد قال بعض المفسرين ( @QB@ إلا أماني @QE@ ( إلا ما يقولونه ~~بأفواههم كذبا و باطلا و روى هذا عن بعض السلف و إختاره الفراء و قال ( ~~@QB@ الأماني @QE@ ( الأكاذيب المفتعلة قال بعض العرب لإبن دأب و هو يحدث ~~أهذا شيء رويته أم تمنيته أي إفتعلته فأراد بالأمانى الأشياء التى كتبها ~~علماؤهم من قبل أنفسهم ثم أضافوها إلى الله من تغيير صفة محمد صلى الله ~~عليه و سلم و قال بعضهم ( @QB@ الأماني @QE@ ( يتمنون على الله الباطل و ~~الكذب كقولهم ( @QB@ لن تمسنا النار إلا أياما معدودة @QE@ ( و قولهم ( ~~@QB@ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى @QE@ ( و قولهم ( ^ نحن أبناء ~~الله و أحباؤه ^ ( و هذا أيضا يروى عن بعض السلف # قيل كلا القولين ضعيف و الصواب الأول لأنه سبحانه قال PageV17P440 # ( و منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ( و هذا الإستثناء إما أن ~~يكون متصلا أو منقطعا فإن كان متصلا لم يجز إستثناء الكذب و لا أماني القلب ~~من الكتاب و إن كان منقطعا فالإستثناء المنقطع إنما يكون فيما كان نظير ~~المذكور و شبيها له من بعض الوجوه فهو من جنسه الذي لم يذكر فى اللفظ ليس ~~من جنس المذكور و لهذا لايصلح المنقطع حيث يصلح الإستثناء المفرغ و ذلك ~~كقوله ( @QB@ لا يذوقون فيها الموت @QE@ ( ثم قال ( @QB@ إلا الموتة الأولى ~~@QE@ ( فهذا منقطع لأنه يحسن أن يقال ( لا يذقون ms1804 إلا الموتة الأولى ( و ~~كذلك قوله تعالى ( ^ و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم ^ ( لأنه يحسن أن يقال لا تأكلوا أموالكم بينكم إلا أن تكون ~~تجارة و قوله ( ^ و ما لهم به من علم إلا إتباع الظن ^ ( يصلح أن يقال و ما ~~لهم إلا إتباع الظن فهنا لما قال ( @QB@ لا يعلمون الكتاب إلا أماني @QE@ ( ~~يحسن أن يقال لا يعلمونه إلا أماني فإنهم يعلمونه تلاوة يقرأونها و ~~يسمعونها و لا يحسن أن يقال لا يعلمون إلا ما تتمناه قلوبهم أو لا يعلمون ~~إلا الكذب فإنهم كانوا يعلمون ما هو صدق أيضا فليس كل ما علموه من علمائهم ~~كان كذبا بخلاف الذي لا يعقل معنى الكتاب فإنه لا يعلم إلا تلاوة # و أيضا فهذه الأماني الباطلة التى تمنوها بقلوبهم و قالوها بألسنتهم ~~PageV17P441 كقوله تعالى ( @QB@ تلك أمانيهم @QE@ ( قد إشتركوا فيها كلهم ~~فلا يخص بالذم الأميون منهم و ليس لكونهم أميين مدخل فى الذم بهذه و لا ~~لنفي العلم بالكتاب مدخل في الذم بهذه بل الذم بهذه مما يعلم أنها باطل ~~أعظم من ذم من لا يعلم أنها باطل و لهذا لما ذم الله بها عمم و لم يخص فقال ~~تعالى ( ^ و قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصاري تلك أمانيهم ^ ( ~~الآية # و أيضا فإنه قال ( ^ و إن هم إلا يظنون ^ ( فدل على أنه ذمهم على نفى ~~العلم و على أنه ليس معهم إلا الظن و هذا حال الجاهل بمعانى الكتاب لا حال ~~من يعلم أنه يكذب فظهر أن هذا الصنف ليس هم الذين يقولون بأفواههم الكذب و ~~الباطل و لو أريد ذلك لقيل لا يقولون إلا أماني لم يقل لايعلمون الكتاب إلا ~~أماني بل ذلك الصنف هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه و يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب و يقولون هو من عند الله و ما ~~هو من عند الله و يكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا به ثمنا قليلا ms1805 فهم يحرفون ~~معاني الكتاب و هم يحرفون لفظه لمن لم يعرفه و يكذبون فى لفظهم و خطهم و قد ~~ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر PageV17P442 ضب لدخلتموه قالوا يا ~~رسول الله اليهود و النصارى قال فمن ( و في الصحيحين عن النبى صلى الله ~~عليه و سلم قال ( ^ لتأخذن أمتى مآخذ الأمم قبلها شبرا بشبر و ذراعا بذراع ~~قالوا يا رسول الله فارس و الروم قال و من الناس إلا أولئك ^ ( # فهذا دليل على أن ما ذم الله به أهل الكتاب فى هذه الآية يكون فى هذه ~~الأمة من يشبههم فيه و هذا حق قد شوهد قال تعالى ( ^ سنريهم آياتنا في ~~الآفاق و فى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد ^ ( فمن تدبر ما أخبر الله به و رسوله رأي أنه قد و قع من ذلك أمور ~~كثيرة بل أكثر الأمور و دله ذلك على و قوع الباقي # $ فصل # فقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه و سلم ~~من الكتاب و الحكمة و معرفة ما أراد بذلك كما كان على ذلك الصحابة و ~~التابعون لهم بإحسان و من سلك سبيلهم فكل ما يحتاج الناس إليه فى دينهم فقد ~~بينه الله و رسوله بيانا شافيا فكيف بأصول التوحيد و الإيمان ثم إذا عرف ما ~~بينه الرسول نظر فى أقوال PageV17P443 الناس و ما أارادوه بها فعرضت على ~~الكتاب و السنة # والعقل الصريح دائما موافق للرسول صلى الله عليه و سلم لا يخالفه قط فإن ~~الميزان مع الكتاب و الله أنزل الكتاب بالحق و الميزان لكن قد تقصر عقول ~~الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته و ~~حاروا فيه لا بما يعلمون بعقولهم بطلانه فالرسل صلوات الله و سلامه عليهم ~~تخبر بمحارات العقول لا تخبر ms1806 بمحالات العقول فهذا سبيل الهدى و السنة و ~~العلم و أما سبيل الضلال و البدعة و الجهل فعكس ذلك أن يبتدع بدعة برأي ~~رجال و تأويلاتهم ثم يجعل ما جاء به الرسول تبعا لها و يحرف ألفاظه و يتأول ~~على و فق ما أصلوه # و هؤلاء تجدهم فى نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول و لا يتلقون ~~الهدى منه و لكن ما و افقهم منه قبلوه و جعلوه حجة لا عمدة و ما خالفهم ~~تأولوه كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه أو فوضوه كالذين لا يعلمون الكتاب ~~إلا أماني و هؤلاء قد لا يعرفون ما جاء به الرسول إما عجزا و إما تفريطا ~~فإنه يحتاج إلى مقدمتين أن الرسول قال كذا و أنه أراد به كذا أما الأولى ~~فعامتهم لا يرتابون فى أنه جاء بالقرآن و إن كان من غلاة أهل البدع من ~~يرتاب في بعضه لكن الأحاديث عامة أهل البدع جهال بها و هم يظنون أن هذه ~~رواها آحاد يجوزون عليهم الكذب و الخطأ و لا يعرفون من كثرة PageV17P444 ~~طرقها و صفات رجالها و الأسباب الموجبة للتصديق بها ما يعلمه أهل العلم ~~بالحديث فإن هؤلاء يقطعون قطعا يقينا بعامة المتون الصحيحة التى فى ~~الصحيحين كما قد بسطناه فى غير هذا الموضع # وأما المقدمة الثانية فإنهم لا يعرفون معانى القرآن و الحديث و منهم من ~~يقول الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم و قد بسطنا الكلام على ~~فساد ذلك فى غير هذا الموضع # و كثير منهم إنما ينظر من تفسير القرآن و الحديث فيما يقوله موافقوه على ~~المذهب فيتأول تأويلاتهم فالنصوص التى توافقهم يحتجون بها و التى تخالفهم ~~يتأولونها و كثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر إتباع نص أصلا و هذا في ~~البدع الكبار مثل الرافضة و الجهمية فإن الذي و ضع الرفض كان زنديقا إبتدأ ~~تعمد الكذب الصريح الذى يعلم أنه كذب كالذين ذكرهم الله من اليهود الذين ~~يفترون على الله الكذب و هم ms1807 يعلمون ثم جاء من بعدهم من ظن صدق ما إفتراه ~~أولئك و هم فى شك منه كما قال تعالى ( ^ و إن الذين أوتوا العلم من بعدهم ~~لفى شك منه مريب ^ ( # و كذلك الجهمية ليس معهم على نفي الصفات و علو الله على العرش و نحو ذلك ~~نص أصلا لا آية و لا حديث و لا أثر عن الصابة PageV17P445 بل الذي إبتدأ ~~ذلك لم يكن قصده إتباع الأنبياء بل و ضع ذلك كما و ضعت عبادة الأوثان و غير ~~ذلك من أديان الكفار مع علمهم بأن ذلك مخالف للرسل كما ذكر عن مبدلة اليهود ~~ثم فشا ذلك فيمن لم يعرفوا أصل ذلك # وهذا بخلاف بدعة الخوارج فإن أصلها ما فهموه من القرآن فغلطوا فى فهمه و ~~مقصودهم إتباع القرآن باطنا و ظاهرا ليسو زنادقة # و كذلك القدرية أصل مقصودهم تعظيم الأمر و النهي و الوعد و الوعيد الذي ~~جاءت به الرسل و يتبعون من القرآن ما دل على ذلك فعمرو إبن عبيد و أمثاله ~~لم يكن أصل مقصودهم معاندة الرسول صلى الله عليه و سلم كالذي إبتدع الرفض # و كذلك الإرجاء إنما أحدثه قوم قصدهم جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا ~~كفارا قابلوا الخوارج و المعتزلة فصاروا فى طرف آخر # و كذلك التشيع المتوسط الذي مضمونه تفضيل علي و تقديمه على غيره و نحو ~~ذلك لم يكن هذا من إحداث الزنادقة بخلاف دعوى النص فيه و العصمة فإن الذي ~~إبتدع ذلك كان منافقا زنديقا PageV17P446 و لهذا قال عبدالله بن المبارك و ~~يوسف بن اسباط و غيرهما أصول البدع أربعة الشيعة و الخوارج و القدرية و ~~المرجئة قالوا و الجهمية ليسوا من الثنتين و سبعين فرقة و كذلك ذكر أبو ~~عبدالله بن حامد عن أصحاب أحمد فى ذلك قولين هذا أحدهما و هذا أرادوا به ~~التجهم المحض الذي كان عليه جهم نفسه و متبعوه عليه و هو نفي الأسماء مع ~~نفي الصفات بحيث لا يسمى الله بشيء من أسمائه الحسنى و لا ms1808 يسميه شيئا و لا ~~موجودا و لا غير ذلك و إنما نقل عنه أنه كان يسميه قادرا لأن جميع الأسماء ~~يسمى بها الخلق فزعم أنه يلزم منها التشبيه بخلاف القادر فانه كان رأس ~~الجبرية و عنده ليس للعبد قدرة و لا فعل و لا يسمى غير الله قادرا فلهذا ~~نقل عنه أنه سمى الله قادرا # وشر منه نفاة الأسماء و الصفات و هم الملاحدة من الفلاسفة و القرامطة و ~~لهذا كان هؤلاء عند الأئمة قاطبة ملاحدة منافقين بل فيهم من الكفر الباطن ~~ما هو أعظم من كفر اليهود و النصارى و هؤلاء لا ريب أنهم ليسوا من الثنتين ~~و سبعين فرقة و اذا أظهروا الإسلام فغايتهم أن يكونوا منافقين كالمنافقين ~~الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم و أولئك كانوا أقرب إلى ~~الإسلام من هؤلاء فإنهم كانوا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة و هؤلاء قد ~~PageV17P447 يقولون برفعها فلا صوم و لا صلاة و لا حج و لا زكاة لكن قد ~~يقال إن أولئك كانوا قد قامت عليهم الحجة بالرسالة أكثر من هؤلاء # وأما من يقول ببعض التجهم كالمعتزلة و نحوهم الذين يتدينون بدين الإسلام ~~باطنا و ظاهرا فهؤلاء من أمة محمد صلى الله عليه و سلم بلا ريب # و كذلك من هو خير منهم كالكلابية و الكرامية # و كذلك الشيعة المفضلين لعلي و من كان منهم يقول بالنص و العصمة مع ~~إعتقاده نبوة محمد صلى الله عليه و سلم باطنا و ظاهرا و ظنه أن ما هو عليه ~~هو دين الإسلام فهؤلاء اهل ضلال و جهل ليسوا خارجين عن أمة محمد صلى الله ~~عليه و سلم بل هم من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا # و عامة هؤلاء ممن يتبع ما تشابه من القرآن إبتغاء الفتنة و إبتغاء تأويله ~~كما أن من المنافقين و الكفار من يفعل ذلك و لهذا قال طائفة من المفسرين ~~كالربيع بن أنس هم النصارى كنصاري نجران و قالت طائفة كالكلبي هم اليهود ms1809 و ~~قالت طائفة كإبن جريج هم المنافقون و قالت طائفة كالحسن هم الخوارج و قالت ~~طائفة كقتادة هم الخوارج و الشيعة و كان قتادة إذا قرأ هذه الآية ( ^ فأما ~~الذين PageV17P448 فى قلوبهم زيغ ^ ( يقول إن لم يكونوا الحرورية و ~~السبائية فلا أدري من هم و السبائية نسبة إلى عبدالله بن سبأ رأس الرافضة $ ~~فصل # والمعنى الصحيح الذي هو نفي المثل و الشريك و الند قد دل عليه قوله ~~سبحانه ( ^ أحد ^ ( و قوله ( ^ و لم يكن له كفوا أحد ^ ( و قوله ( ^ هل ~~تعلم له سميا ^ ( و أمثال ذلك فالمعاني الصحيحة ثابتة بالكتاب و السنة و ~~العقل يدل على ذلك # و قول القائل الأحد أو الصمد أو غير ذلك هو الذي لا ينقسم و لا يتفرق أو ~~ليس بمركب و نحو ذلك هذه العبارات إذا عنى بها أنه لا يقبل التفرق الإنقسام ~~فهذا حق و أما إن عنى به أنه لا يشار إليه بحال أو من جنس ما يعنون بالجوهر ~~الفرد أنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء فهذا عند أكثر العقلاء يمتنع و جوده ~~و إنما يقدر في الذهن تقديرا و قد علمنا أن العرب حيث أطلقت لفظ ( ^ الواحد ~~@QB@ و @QE@ الأحد ^ ( نفيا و إثباتا لم ترد هذا المعنى فقول تعالى ( ^ و ~~إن أحد من المشركين إستجارك فأجره ^ ( لم يرد به هذا المعنى الذي فسروا به ~~الواحد و الأحد و كذلك قوله ( ^ و إن كانت و احدة PageV17P449 فلها النصف ^ ~~( و كذلك قوله ( ^ و لم يكن له كفوا أحد ^ ( ف المعنى لم بكن له من الآحاد ~~كفوا له فإن كان الأحد عبارة عمالا يتميز منه شيء عن شيء و لا يشار إلى شيء ~~منه دون شيء فليس في الموجودات ما هو أحد إلا ما يدعونه من الجوهر الفرد و ~~من رب العالمين و حينئذ لا يكون قد نفى عن شيء من الموجودات أن يكون كفوا ~~للرب لأنه لم يدخل في مسمى أحد # و قد بسطنا الكلام على هذا بسطا كثيرا في المباحث ms1810 العقلية و السمعية التى ~~يذكرها نفاة الصفات من الجهمية و أتباعهم فى كتابنا المسمى ( بيان تلبيس ~~الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية # و لهذا لما إحتجت الجهمية على السلف كالإمام أحمد و غيره على نفي الصفات ~~بإسم الواحد قال أحمد قالوا لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا قد كان الله ~~و لا شيء قلنا نحن نقول كان الله و لا شيء و لكن إذا قلنا أن الله لم يزل ~~بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها و احدا و ضربنا لهم فى ذلك مثلا فقلنا ~~أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع و كرب و ليف و سعف و خوص و جمار و ~~إسمها شيء و أحد و سميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله و له المثل الأعلى ~~بجميع صفاته إله و أحد لا نقول أنه قد كان فى و قت من الأوقات و لا قدرة له ~~حتى خلق لنفسه قدرة و لا نقول قد كان فى و قت من الأوقات لا يعلم حتى ~~PageV17P450 # خلق له علما و لكن نقول لم يزل عالما قادرا مالكا لا متى و لا كيف و مما ~~يبين هذا أن سبب نزول هذه السورة الذي ذكره المفسرون يدل على ذلك فإنهم ~~ذكروا أسبابا # ( أحدها ( ما تقدم عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه و سلم إنسب لنا ربك فنزلت هذه السورة # ( و الثاني ( أن عامر بن الطفيل قال للنبى صلى الله عليه و سلم ( إلى م ~~تدعونا إليه يا محمد قال إلى الله قال فصفه لي أمن ذهب هو أم من فضة أم من ~~حديد فنزلت هذه السورة ( و روى ذلك عن إبن عباس من طريق أبى ظبيان و أبى ~~صالح عنه # ( و الثالث ( أن بعض اليهود قال ذلك قالوا من أي جنس هو و ممن و رث ~~الدنيا و لمن يورثها فنزلت هذه السورة قاله قتادة و الضحاك قال الضحاك و ~~قتادة و مقاتل ( جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبى ms1811 صلى الله عليه و سلم ~~فقالوا يا محمد صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك فإن الله أنزل نعته في التوراة ~~فأخبرنا به من أي شيء هو و من أي جنس هو أمن ذهب أم من نحاس هو أم من صفر ~~أم من حديد أم من فضة و هل يأكل و يشرب و ممن و رث الدنيا و لمن يورثها ~~فأنزل الله هذه السورة ( و هي نسبة الله خاصة PageV17P451 # ( و الرابع ( ما روى عن الضحاك عن إبن عباس أن و فد نجران قدموا على ~~النبي صلى الله عليه و سلم بسبعة أساقفة من بني الحارث بن كعب منهم السيد و ~~العاقب فقالوا للنبى صلى الله عليه و سلم صف لنا ربك من أي شيء هو قال ~~النبى صلى الله عليه و سلم ( إن ربى ليس من شيء و هو بائن من الأشياء فأنزل ~~الله تعالى ( @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ( فهؤلاء سألوا هل هو من جنس من ~~أجناس المخلوقات و هل هو من مادة فبين الله تعالى أنه أحد ليس من جنس شيء ~~من المخلوقات و أنه صمد ليس من مادة بل هو صمد لم يلد و لم يولد و إذا نفي ~~عنه أن يكون مولودا من مادة الوالد فلأن ينفى عنه أن يكون من سائر المواد ~~أولى و أحرى فإن المولود من نظير مادته أكمل من مادة ما خلق من مادة أخرى ~~كما خلق آدم من الطين فالمادة التى خلق منها أولاده أفضل من المادة التى ~~خلق منها هو و لهذا كان خلقه أعجب فإذا نزه الرب عن المادة العليا فهو عن ~~المادة السفلى أعظم تنزيها و هذا كما أنه إذا كان منزها عن أن يكون أحد ~~كفوا له فلأن يكون منزها عن أن يكون أحد أفضل منه أولى و أحرى # و هذا مما يبين أن هذه السورة إشتملت على جميع أنواع التنزيه و التحميد ~~على النفى و الإثبات و لهذا كانت تعدل ثلث القرآن فالصمدية تثبت الكمال ~~المنافى للنقائص و ms1812 الأحدية تثبت الإنفراد بذلك PageV17P452 و كذلك إذا نزه ~~نفسه عن أن يلد فيخرج منه مادة الولد التى هي أشرف المواد فلأن ينزه نفسه ~~عن أن يخرج منه مادة غير الولد بطريق الأولى و الأخرى و إذا نزه نفسه عن أن ~~يخرج منه مواد للمخلوقات فلأن ينزه عن أن يخرج منه فضلات لا تصلح أن تكون ~~مادة بطريق الأولى و الأحرى و الإنسان يخرج منه مادة الولد و يخرج منه مادة ~~غير الولد كما يخلق من عرقه و رطوبته القمل و الدود و غيرؤ ذلك و يخرج منه ~~المخاط و البصاق و غير ذلك و قد نزه الله أهل الجنة عن أن يخرج منهم شيء من ~~ذلك و أخبر الرسول صلى الله عليه و سلم أنهم لا يبولون و لا يتغوطون و لا ~~يبصقون و لا يتمخطون و أنه يخرج منهم مثل رشح المسك و أنهم يجامعون بذكر لا ~~يخفى و شهوة لا تنقطع و لا مني و لا منية و إذا إشتهى أحدهم الولد كان حمله ~~و وضعه فى زمن يسير # فقد تضمن تنزيه نفسه عن أن يكون له و لد و أن يخرج منه شيء من الأشياء ~~كما يخرج من غيره من الملخوقات و هذا أيضا من تمام معنى الصمد كما سبق فى ~~تفسيره أنه الذي لا يخرج منه شيء و كذلك تنزيه نفسه عن أن يولد فلا يكون من ~~مثله تنزيه له أن يكون من سائر المواد بطريق الأولى و الأحرى # و قد تقدم فى حديث أبي بن كعب أنه ليس شيء يولد إلا سيموت و PageV17P453 # وليس شيء يموت إلا يورث و الله تعالى لا يموت و لا يورث و هذا رد لقول ~~اليهود ممن و رث الدنيا و لمن يورثها و كذلك ما نقل من سؤال النصارى صف لنا ~~ربك من أي شيء هو فقال النبى صلى الله عليه و سلم ( إن ربي ليس من شيء و هو ~~بائن من الأشياء ( و كذلك سؤال المشركين و اليهود ms1813 أمن فضة هو أم من ذهب هو ~~أم من حديد و ذلك لأن هؤلاء عهدوا الآلهة التى يعبدونها من دون الله يكون ~~لها مواد صارت منها فعباد الأوثان تكون أصنامهم من ذهب و فضة و حديد و غير ~~ذلك # و عباد البشر سواء كان البشر لم يأمروهم بعبادتهم أو أمروهم بعبادتهم ~~كالذين يعبدون المسيح و عزيرا و كقوم فرعون الذين قال لهم ( @QB@ أنا ربكم ~~الأعلى @QE@ ( و ( @QB@ ما علمت لكم من إله غيري @QE@ ( و قال لموسى ( @QB@ ~~لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين @QE@ ( كالذي آتاه الله نصيبا من ~~الملك الذي حاج إبراهيم فى ربه إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيى و يميت قال ~~أنا أحيي و أميت و كالدجال الذي يدعى الألهية و ما من خلق آدم إلى قيام ~~الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال و كالذين قالوا ( ^ لا تذرن آلهتكم و لا ~~تذرن و دا و لا سواعا و لا يغوث و يعوق و نسرا ^ ( # وقد قال غير و أحد من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا فيهم فلما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم بعد ذلك PageV17P454 عبدوهم و ~~ذلك أول ما عبدت الأصنام و أن هذه الأصنام صارت إلى العرب و قد ذكر ذلك ~~البخاري فى صحيحه عن إبن عباس قال صارت الأوثان التى فى قوم نوح فى العرب ~~بعد أما و د فكانت لكلب بدومة الجندل و أما سواع فكانت لهذيل و أما يغوث ~~فكانت لمراد ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبأ و أما يعوق فكانت لهمدان و أما ~~نسر فكانت لحمير لآل ذى الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا ~~أوحى الشيطان إلى قومهم أن إنصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون فيها ~~أنصابا و سموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك و نسخ العلم ~~عبدت # ونوح عليه السلام أقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى ~~التوحيد و هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض كما ثبت ms1814 ذلك في الصحيح و ~~محمد صلى الله عليه و سلم خاتم الرسل و كلا المرسلين بعث إلى مشركين يعبدون ~~هذه الأصنام التى صورت على صور الصالحين من البشر و المقصود بعبادتها عبادة ~~أولئك الصالحين # و كذلك المشركون من أهل الكتاب و من مبتدعة هذه الأمة و ضلالها هذا غاية ~~شركهم فإن النصارى يصورون فى الكنائس صور من يعظمونه من الإنس غير عيسى و ~~أمه مثل ما رجرجس و غيره من القداديس و يعبدون تلك الصور و يسألونها و ~~يدعونها و يقربون PageV17P455 لها القرابين و ينذرون لها النذور و يقولون ~~هذه تذكرنا بأولئك الصالحين # و الشياطين تضلهم كما كانت تضل المشركين تارة بأن يتمثل الشيطان فى صورة ~~ذلك الشخص الذي يدعى و يعبد فيظن داعيه أنه قد اتي أو يظن أن الله صور ملكا ~~على صورته فإن النصرانى مثلا يدعو في الأسر و غيره مارجرجس أو غيره فيراه ~~قد أتاه فى الهواء و كذلك أخر غيره و قد سألوا بعض بطارقتهم عن هذا كيف ~~يوجد فى هذه الأماكن فقال هذه ملائكة يخلقهم الله على صورته تغيث من يدعوه ~~و إنما تلك شياطين أضلت المشركين # و هكذا كثير من أهل البدع و الضلال و الشرك المنتسبين إلى هذه الأمة فإن ~~أحدهم يدعو و يستغيث بشيخه الذي يعظمه و هو ميت أو يستغيث به عند قبره و ~~يسأله و قد ينذر له نذرا و نحو ذلك و يرى ذلك الشخص قد أتاه في الهواء و ~~دفع عنه بعض ما يكره أو كلمه ببعض ما سأله عنه و نحو ذلك فيظنه الشيخ نفسه ~~أتى إن كان حيا حتى إنى أعرف من هؤلاء جماعات يأتون إلى الشيخ نفسه الذي ~~إستغاثوا به و قد رأوه أتاهم فى الهواء فيذكرون ذلك له هؤلاء يأتون إلى هذا ~~الشيخ و هؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ فتارة يكون الشيخ نفسه لم يكن يعلم بتلك ~~القضية فإن كان يحب الرياسة سكت و أوهم أنه نفسه أتاهم و أغاثهم و إن كان ms1815 ~~فيه صدق مع جهل و ضلال قال هذا ملك صوره الله على PageV17P456 صورتى و جعل ~~هذا من كرامات الصالحين و جعله عمدة لمن يستغيث بالصالحين و يتخذهم أربابا ~~و أنهم إذا إستغاثوا بهم بعث الله ملائكة على صورهم تغيث المستغيث بهم # و لهذا أعرف غير و أحد من الشيوخ الأكابر الذين فيهم صدق و زهد و عبادة ~~لما ظنوا هذا من كرامات الصالحين صار أحدهم يوصى مريديه يقول إذا كانت ~~لأحدكم حاجة فليستغث بي و ليستنجدنى و ليستوصنى و يقول أنا أفعل بعد موتى ~~ما كنت أفعل في حياتى و هو لايعرف أن تلك شياطين تصورت على صورته لتضله و ~~تضل أتباعه فتحسن لهم الإشراك بالله و دعاء غير الله و الإستغاثة بغير الله ~~و أنها قد تلقى في قلبه أنا نفعل بعد موتك بأصحابك ما كنا نفعل بهم فى ~~حياتك فيظن هذا من خطاب إلهي ألقي فى قلبه فيأمر أصحابه بذلك و أعرف من ~~هؤلاء من كان له شياطين تخدمه فى حياته بأنواع الخدم مثل خطاب أصحابه ~~المستغيثين به و أعانتهم و غير ذلك فلما مات صاروا يأتون أحدهم فى صورة ~~الشيخ و يشعرونه أنه لم يمت و يرسلون إلى أصحابه رسائل بخطاب و قد كان ~~يجتمع بى بعض أتباع هذا الشيخ و كان فيه زهد و عبادة و كان يحبني و يحب هذا ~~الشيخ و يظن أن هذا من الكرامات و أن الشيخ لم يمت # و ذكر لي الكلام الذي أرسله إليه بعد موته فقرأه فإذا هو كلام الشياطين ~~PageV17P457 # بعينه و قد ذكر لي غير و أحد ممن أعرفهم أنهم إستغاثوا بى فرأونى فى ~~الهواء و قد أتيتهم من تلك الشدائد مثل من أحاط به النصارى الأرمن ليأخذوه ~~و آخر قد أحاط به العدو و معه كتب ملطفات من مناصحين لو أطلعوا على ما معه ~~لقتلوه و نحو ذلك فذكرت لهم أنى مادريت بما جرى أصلا و حلفت لهم على ذلك ~~حتى لا يظنوا أنى كتمت ذلك كما ms1816 تكتم الكرامات و أنا قد علمت أن الذي فعلوه ~~ليس بمشروع بل هو شرك و بدعة ثم تبين لي فيما بعد و بينت لهم أن هذه شياطين ~~تتصور على صورة المستغاث به # وحكى لي غير و أحد من أصحاب الشيوخ أنه جرى لمن إستغاث بهم مثل ذلك و حكى ~~خلق كثير أنهم إستغاثوا بأحياء و أموات فرأوا مثل ذلك و إستفاض هذا حتى عرف ~~أن هذا من الشياطين و الشياطين تغوى الإنسان بحسب الإمكان فإن كان ممن لا ~~يعرف دين الإسلام أوقعته فى الشرك الظاهر و الكفر المحض فأمرته أن لا يذكر ~~الله و أن يسجد للشيطان و يذبح له و أمرته أن يأكل الميتة و الدم و يفعل ~~الفواحش و هذا يجري كثيرا في بلاد الكفر المحض و بلاد فيها كفر و إسلام ~~ضعيف و يجري فى بعض مدائن الإسلام فى المواضع التى يضعف إيمان أصحابها حتى ~~قد جرى ذلك في مصر و الشام على أنواع يطول و صفها و هو فى أرض الشرق قبل ~~ظهور PageV17P458 الإسلام فى التتار كثير جدا و كلما ظهر فيهم الإسلام و ~~عرفوا حقيقته قلت آثار الشياطين فيهم و إن كان مسلما يختار الفواحش و الظلم ~~أعانته على الظلم و الفواحش و هذا كثير جدا أكثر من الذي قبله فى البلاد ~~التى فى أهلها إسلام و جاهلية و بر و فجور و إن كان الشيخ فيه إسلام و ~~ديانة و لكن عنده قلة معرفة بحقيقة ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه و ~~سلم و قد عرف من حيث الجملة أن لأولياء الله كرامات و هو لايعرف كمال ~~الولاية و أنها الإيمان و التقوى و إتباع الرسل باطنا و ظاهرا أو يعرف ذلك ~~مجملا و لا يعرف من حقائق الإيمان الباطن و شرائع الإسلام الظاهرة ما يفرق ~~به بين الأحوال الرحمانية و بين النفسانية و الشيطانية كما أن الرؤيا ثلاثة ~~أقسام رؤيا من الله و رؤيا مما يحدث المرء به نفسه في اليقظة ms1817 فيراه في ~~المنام و رؤيا من الشيطان # فكذلك الأحوال فإذا كان عنده قلة معرفة بحقيقة دين محمد صلى الله عليه و ~~سلم أمرته الشياطين بأمر لا ينكره فتارة يحملون أحدهم فى الهواء و يقفون به ~~بعرفات ثم يعيدونه إلى بلده و هو لابس ثيابة لم يحرم حين حاذى المواقيت و ~~لا كشف رأسه و لا تجرد عما يتجرد عنه المحرم و لا يدعونه بعد الوقوف يطوف ~~طواف الإفاضة و يرمي الجمار و يكمل حجه بل يظن أن مجرد الوقوف كما فعل ~~PageV17P459 عبادة و هذا من قلة علمه بدين الإسلام و لو علم دين الإسلام ~~لعلم أن هذا الذي فعله ليس عبادة لله و أنه من إستحل هذا فهو مرتد يجب قتله ~~بل إتفق المسلمون على أنه يجب الإحرام عند الميقات و لا يجوز للإنسان ~~المحرم اللبس فى الإحرام إلا من عذر و أنه لا يكتفي بالوقوف بل لابد من ~~طواف الإفاضة بإتفاق المسلمين بل و عليه أن يفيض إلى المشعر الحرام و يرمي ~~جمرة العقبة و هذا مما تنوزع فيه هل هو ركن أو و اجب يجبره دم و عليه أيضا ~~رمي الجمار أيام منى بإتفاق المسلمين و قد تحمل أحدهم الجن فتزوره بيت ~~المقدس و غيره و تطير به فى الهواء و تمشي به فى الماء و قد تريه أنه قد ~~ذهب به إلى مدينة الأولياء و ربما أرته أنه يأكل من ثمار الجنة و يشرب من ~~أنهارها # و هذا كله و أمثاله مما أعرفه قد و قع لمن أعرفه لكن هذا باب طويل ليس ~~هذا موضع بسطه # وإنما المقصود أن أصل لشرك فى العالم كان من عبادة البشر الصالحين و ~~عبادة تماثيلهم و هم المقصودون و من الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب إما ~~الشمس و إما القمر و إما غيرهما و صورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب و شرك ~~قوم إبراهيم و الله أعلم كان من هذا أو كان بعضه من هذا # و من الشرك ما كان أصله ms1818 عبادة الملائكة أو الجن و ضعت الأصنام لأجلهم و ~~إلا فنفس الأصنام PageV17P460 الجمادية لم تعبد لذاتها بل لأسباب إقتضت ذلك ~~و شرك العرب كان أعظمه الأول و كان فيه من الجميع # فإن عمرو بن لحي هو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام و كان قد أتى ~~الشام و رآهم بالبلقاء لهم أصنام يستجلبون بها المنافع و يدفعون بها المضار ~~فصنع مثل ذلك في مكة لما كانت خزاعة و لاة البيت قبل قريش و كان هو سيد ~~خزاعة و فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( رأيت عمرو بن ~~لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار أي أمعاءه و هو أول من غير دين ~~إبراهيم و سيب السوائب و بحر البحيرة ( و كذلك و الله أعلم شرك قوم نوح و ~~إن كان مبدؤه من عبادة الصالحين فالشيطان يجر الناس من هذا إلى غيره لكن ~~هذا أقرب إلى الناس لأنهم يعرفون الرجل الصالح و بركته و دعاءه فيعكفون على ~~قبره و يقصدون ذلك منه فتارة يسألونه و تارة يسألون الله به و تارة يصلون و ~~يدعون عند قبره ظانين أن الصلاة و الدعاء عند قبره أفضل منه فى المساجد و ~~البيوت # ولما كان هذا مبدأ الشرك سد النبى صلى الله عليه و سلم هذا الباب كما سد ~~باب الشرك بالكواكب ففي صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ( إن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد الا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى ~~أنهاكم عن ذلك ( وفي PageV17P461 الصحيحين عنه أنه صلى الله عليه و سلم ذكر ~~له كنيسة بأرض الحبشة و ذكر من حسنها و تصاوير فيها فقال ( إن أولئك إذا ~~مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا و صوروا فيه تلك الصور أولئك هم ~~شرار الخلق عند الله يوم القيامة ( و فى الصحيحين عنه أنه قال صلى الله ~~عليه و سلم في مرض موته ( لعن الله اليهود و النصارى إتخذوا قبور أنبيائهم ms1819 ~~مساجد يحذر ما فعلوا ( قالت عائشة و لولا ذلك لأبرز قبره و لكن كره أن يتخذ ~~مسجدا و فى مسند أحمد و صحيح أبي حاتم عنه أنه قال صلى الله عليه و سلم ( ~~إن من شرار الناس من تدركهم الساعة و هم أحياء و الذين يتخذون القبور مسجد ~~( و فى سنن أبي داود و غيره عنه أنه قال صلى الله عليه و سلم ( لا تتخذوا ~~قبري عيدا و صلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني # و في موطأ مالك عنه أنه قال صلى الله عليه و سلم ( اللهم لا تجعل قبري و ~~ثنا يعبد إشتد غضب الله على قوم إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( و في صحيح ~~مسلم عن أبي الهياج السدي قال لي على بن أبي طالب رضى الله عنه ألا أبعثك ~~على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرنى أن لا أدع قبرا ~~مشرفا إلا سويته و لا تمثالا إلا طمسته فأمره بمحو التمثالين الصورة ~~الممثلة على صورة الميت و التمثال الشاخص المشرف فوق قبره فإن الشرك يحصل ~~بهذا و بهذا PageV17P462 و قد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان ~~فى سفر فرأي قوما ينتابون مكانا للصلاة فقال ما هذا فقالوا هذا مكان صلى ~~فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إنما هلك من كان قبلكم بهذا أنهم ~~إتخذوا آثار أنبيائهم مساجد من أدركته الصلاة فليصل و إلا فليمض و بلغه أن ~~قوما يذهبون إلى الشجرة التى بايع النبى صلى الله عليه و سلم أصحابه تحتها ~~فأمر بقطعها و ارسل إليه أبو موسى يذكر له أنه ظهر بتستر قبر دانيال و عنده ~~مصحف فيه أخبار ما سيكون قد ذكر فيه أخبار المسلمين و أنهم إذا أجدبوا ~~كشفوا عن القبر فمطروا فأرسل إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر ~~قبرا و يدفنه بالليل فى و أحد منها لئلا يعرفه الناس لئلا يفتنوا به فإتخاذ ~~القبور مساجد مما حرمه الله ms1820 و رسوله و إن لم يبن عليها مسجدا كان بناء ~~المساجد عليها أعظم # كذلك قال العلماء يحرم بناء المساجد على القبور و يجب هدم كل مسجد بنى ~~على قبر و إن كان الميت قد قبر فى مسجد و قد طال مكثه سوى القبر حتى لا ~~تظهر صورته فإن الشرك إنما يحصل إذا ظهرت صورته و لهذا كان مسجد النبى صلى ~~الله عليه و سلم أو لا مقبرة للمشركين و فيها نخل و خرب فأمر بالقبور فنبشت ~~و بالنخل فقطع و بالخرب فسويت فخرج عن أن يكون مقبرة فصار مسجدا # PageV17P463 # ولما كان إتخاذ القبور مساجد و بناء المساجد عليها محرما و لم يكن شيء من ~~ذلك على عهد الصحابة و التابعين لهم بإحسان و لم يكن يعرف قط مسجد على قبر ~~و كان الخليل عليه السلام في المغارة التى دفن فيها و هي مسدودة لا أحد ~~يدخل إليها و لا تشد الصحابة الرحال لا إليه و لا إلى غيره من المقابر لأن ~~فى الصحيحين من حديث أبى هريرة و أبى سعيد رضى الله عنهما عن النبى صلى ~~الله عليه و سلم أنه قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام و المسجد الأقصى و مسجدي هذا ( فكان يأتى من يأتى منهم إلى المسجد ~~الأقصى يصلون فيه ثم يرجعون لا يأتون مغارة الخليل و لا غيرها و كانت مغارة ~~الخليل مسدودة حتى إستولى النصارى على الشام فى أواخر المائة الرابعة ~~ففتحوا الباب و جعلوا ذلك المكان كنيسة ثم لما فتح المسلمون البلاد إتخذه ~~بعض الناس مسجدا و أهل العلم ينكرون ذلك و الذى يرويه بعضهم في حديث ~~الإسراء أنه قيل للنبى صلى الله عليه و سلم هذه طيبة أنزل فصل فنزل فصلى ~~هذا مكان أبيك أنزل فصل كذب موضوع لم يصل النبى صلى الله عليه و سلم تلك ~~الليلة إلا فى المسجد الأقصى خاصة كما ثبت ذلك فى الصحيح و لا نزل إلا فيه # و لهذا لما قدم الشام من ms1821 الصحابة من لا يحصى عددهم إلا الله PageV17P464 ~~و قدمها عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس و بعد فتح الشام لما صالح ~~النصارى على الجزية و شرط عليهم الشروط المعروفة و قدمها مرة ثالثة حتى و ~~صل إلى سرغ و معه أكابر السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار فلم يذهب ~~أحد منهم إلى مغارة الخليل و لا غيرها من آثار الأنبياء التى بالشام لا ~~ببيت المقدس و لا بدمشق و لا غير ذلك مثل الآثار الثلاثة التى بجبل قاسيون ~~فى غربية الربوة المضافة إلى عيسى عليه السلام و في شرقيه المقام المضاف ~~إلى الخليل عليه السلام و فى و سطه و أعلاه مغارة الدم المضافة إلى هابيل ~~لما قتله قابيل فهذه البقاع و أمثالها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها و ~~لا يزورونها و لا يرجون منها بركة فإنها محل الشرك # ولهذا توجد فيها الشياطين كثيرا و قد رآهم غير و أحد على صورة الإنس و ~~يقولون لهم رجال الغيب يظنون أنهم رجال من الإنس غائبين عن الأبصار و إنما ~~هم جن و الجن يسمون رجالا كما قال الله تعالى ( و انه كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ^ ( و الإنس سمعوا إنسا لأنهم يؤنسون ~~0000000000 أى يرون كما قال تعالى ( ^ إنى آنست نارا ^ ( أي رأيتها و الجن ~~سموا جنا لأجتنانهم يجتنون عن الأبصار أي يستترون كما قال الله تعالى ( ^ ~~فلما جن عليه الليل ^ ( أي إستولى عليه فغطاه و ستره و ليس أحد من الإنس ~~يستتر دائما عن PageV17P465 أبصار الإنس و إنما يقع هذا لبعض الإنس فى بعض ~~الأحوال تارة على و جه الكرامة له و تارة يكون من باب السحر و عمل الشياطين ~~و لبسط الكلام على الفرق بين هذا موضع آخر # والمقصود ههنا أن الصحابة و التابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على قبر نبى ~~و لا رجل صالح مسجدا و لا جعلوه مشهدا و مزارا و لا على شىء من آثار ~~الأنبياء مثل مكان نزل ms1822 فيه أوصلى فيه أو فعل فيه شيئا من ذلك لم يكونوا ~~يقصدون بناء مسجدا لأجل آثار الأنبياء و الصالحين و لم يكن جمهورهم يقصدون ~~الصلاة فى مكان لم يقصد الرسول الصلاة فيه بل نزل أو صلى فيه إتفاقا بل كان ~~أئمتهم كعمر بن الخطاب و غيره ينهى عن قصد الصلاة فى مكان صلى فيه رسول ~~الله صلى الله عليه و سلم إتفاقا لا قصدا و إنما نقل عن إبن عمر خاصة أنه ~~كان يتحرى أن يسير حيث سار رسول الله صلى الله عليه و سلم و ينزل حيث نزل و ~~يصلى حيث صلى و إن كان النبى صلى الله عليه و سلم لم يقصد تلك البقعة لذلك ~~الفعل بل حصل إتفاقا و كان إبن عمر رضي الله عنهما رجلا صالحا شديد الإتباع ~~فرأى هذا من الإتباع و أما أبوه و سائر الصحابة من الخلفاء الراشدين عثمان ~~و علي و سائر العشرة و غيرهم مثل إبن مسعود و معاذ بن جبل و أبى بن كعب فلم ~~يكونوا يفعلون ما فعل إبن عمر و قول الجمهور أصح # PageV17P466 وذلك أن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل ~~لأجل أنه فعل فإذا قصد الصلاة و العبادة فى مكان معين كان قصد الصلاة و ~~العبادة فى ذلك المكان متابعة له و أما إذا لم يقصد تلك البقعة فإن قصده ~~يكون مخالفة لا متابعة له مثال الأول لما قصد الوقوف و الذكر و الدعاء ~~بعرفة و مزدلفة و بين الجمرتين كان قصد تلك البقاع متابعة له و كذلك لما ~~طاف و صلى خلف المقام ركعتين كان فعل ذلك متابعة له و كذلك لما صعد الصفا و ~~المروة للذكر و الدعاء كان قصد ذلك متابعة له و قد كان سلمة بن الأكوع ~~يتحرى الصلاة عند الإسطوانة قال لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ~~يتحرى الصلة عندها فلما رآه يقصد تلك البقعة لأجل الصلاة كان ذلك القصد ~~للصلاة متابعة و كذلك لما ms1823 أراد عتبان بن مالك أن يبني مسجدا لما عمى فأرسل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له أنى أحب أن تأتيني تصلي فى منزلي ~~فأتخذه مصلى و فى رواية فقال تعال فخط لي مسجدا فأتي النبى صلى الله عليه و ~~سلم و من شاء من أصحابه و في رواية فغدا علي رسول الله صلى الله عليه و سلم ~~و أبو بكر الصديق حين إرتفع النهار فإستأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم ~~فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت فقال أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت له ~~إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فقمنا و راءه فصلى ~~ركعتين ثم سلم الحديث PageV17P467 فإنه قصد أن يبني مسجدا و أحب أن يكون ~~أول من يصلى فيه النبى صلى الله عليه و سلم و أن يبنيه في الموضع الذي صلى ~~فيه فالمقصود كان بناء المسجد و أراد أن يصلي النبى صلى الله عليه و سلم في ~~المكان الذي يبنيه فكانت الصلاة مقصودة لأجل المسجد لم يكن بناء المسجد ~~مقصودا لأجل كونه صلى فيه إتفاقا و هذا المكان مكان قصد النبى صلى الله ~~عليه و سلم الصلاة فيه ليكون مسجدا فصار قصد الصلاة فيه متابعة له بخلاف ما ~~إتفق أنه صلى فيه بغير قصد و كذلك قصد يوم الإثنين و الخميس بالصوم متابعة ~~لأنه قصد صوم هذين اليومين و قال فى الحديث الصحيح ( أنه تفتح أبواب الجنة ~~فى كل خميس و إثنين فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كان بينه و ~~بين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا ( # وكذلك قصد إتيان مسجد قباء متابعة فإنه قد ثبت عنه فى الصحيحين أنه كان ~~يأتى قباء كل سبت راكبا و ماشيا و ذلك أن الله أنزل عليه ( لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ( و كان مسجده هو الأحق بهذا الوصف و قد ~~ثبت فى الصحيح أنه ms1824 سئل عن المسجد المؤسس على التقوى فقال ( هو مسجدي هذا ( ~~يريد أنه أكمل فى هذا الوصف من مسجد قباء و مسجد قباء أيضا أسس على التقوى ~~و بسببه نزلت الآية و لهذا قال ( فيه رجال يحبون PageV17P468 أن يتطهروا و ~~الله يحب المطهرين ( وكان أهل قباء مع الوضوء و الغسل يستنجون بالماء ~~تعلموا ذلك من جيرانهم اليهود و لم تكن العرب تفعل ذلك فأراد النبى صلى ~~الله عليه و سلم و آلهو سلم أن لا يظن ظان أن ذاك هو الذي أسس على التقوى ~~دون مسجده فذكر أن مسجده أحق بأن يكون هو المؤسس على التقوى فقوله ( لمسجد ~~أسس على التقوى ( يتناول مسجده و مسجد قباء و يتناول كل مسجد أسس على ~~التقوى بخلاف مساجد الضرار # ولهذا كان السلف يكرهون الصلاة فيما يشبه ذلك و يرون العتيق أفضل من ~~الجديد لأن العتيق أبعد عن أن يكون بنى ضرارا من الجديد الذي يخاف ذلك فيه ~~و عتق المسجد مما يحمد لبه و لهذا قال ( ثم محلها إلى البيت العتيق ( و قال ~~( إن أول بيت و ضع للناس للذي ببكة ( فإن قدمه يقتضي كثرة العبادة فيه أيضا ~~و ذلك يقتضي زيادة فضله و لهذا لم يستحب علماء السلف من أهل المدينة و ~~غيرها قصد شيء من المساجد و المزارات التى بالمدينة و ما حولها بعد مسجد ~~النبى صلى الله عليه و سلم و آله و سلم إلا مسجد قباء لأن النبى صلى الله ~~عليه و سلم لم يقصد مسجدا بعينه يذهب إليه إلا هو و قد كان بالمدينة مساجد ~~كثيرة لكل قبيلة من الأنصار مسجد لكن ليس فى قصده دون أمثاله فضيلة بخلاف ~~مسجد قباء فإنه أول مسجد بنى بالمدينة PageV17P469 على الإطلاق و قد قصده ~~الرسول صلى الله عليه و سلم بالذهاب إليه و صح عنه صلى الله عليه و سلم أنه ~~قال ( من توضأ في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة ~~( # ومع هذا فلا يسافر إليه ms1825 لكن إذا كان الإنسان بالمدينة أتاه و لا يقصد ~~إنشاء السفر إليه بل يقصد إنشاء السفر إلى المساجد الثلاثة لقوله صلى الله ~~عليه و سلم ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام و المسجد ~~الأقصى و مسجدي هذا ( و لهذا لو نذر السفر إلى مسجد قباء لم يوف بنذره عند ~~الأئمة الأربعة و غيرهم بخلاف المسجد الحرام فإنه يجب الوفاء بالنذر إليه ~~بإتفاقهم و كذلك مسجد المدينة و بيت المقدس فى أصح قوليهم و هو مذهب مالك و ~~أحمد و الشافعي فى أحد قوليه و فى الآخر و هو قول أبي حنيفة ليس عليه ذلك ~~لكنه جائز و مستحب لأن أصله أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان و اجبا بالشرع و ~~الأكثرون يقولون يجب بالنذر كل ما كان طاعة لله كما ثبت فى صحيح البخاري عن ~~عائشة عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ~~و من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ( # ويستحب أيضا زيارة قبور أهل البقيع و شهداء أحد للدعاء لهم و الإستغفار ~~لأن النبى صلى الله عليه و سلم كان يقصد ذلك مع PageV17P470 أن هذا مشروع ~~لجميع موتى المسلمينن كما يستحب السلام عليهم و الدعاء لهم و الإستغفار و ~~زيارة القبور بهذا القصد مستحبة و سواء فى ذلك قبور الأنبياء و الصالحين و ~~غيرهم و كان عبدالله بن عمر إذا دخل المسجد يقول السلام عليك يا رسول الله ~~السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف # و أما زيارة قبور الأنبياء و الصالحين لأجل طلب الحاجات منهم أو دعائهم و ~~الإقسام بهم على الله أو ظن أن الدعاء أو الصلاة عند قبورهم أفضل منه فى ~~المساجد و البيوت فهذا ضلال و شرك و بدعة بإتفاق أئمة المسلمين و لم يكن ~~أحد من الصحابة يفعل ذلك و لا كانوا إذا سلموا على النبى صلى الله عليه و ~~سلم يقفون يدعون لأنفسهم و لهذا كره ms1826 ذلك مالك و غيره من العلماء و قالوا ~~إنه من البدع التى لم يفعلها السلف و إتفق العلماء الأربعة و غيرهم من ~~السلف على أنه إذا أراد أن يدعو يستقبل القبلة و لا يستقبل قبر النبى صلى ~~الله عليه و سلم و أما إذا سلم عليه فأكثرهم قالوا يستقبل القبر قاله مالك ~~و الشافعي و أحمد و قال أبو حنيفة بل يستقبل القبلة أيضا و يكون القبر عن ~~يساره و قيل بل يستدبر القبلة # و مما يبين هذا الأصل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما هاجر هو و ~~أبو بكر ذهبا إلى الغار الذي بجبل ثور و لم يكن على طريقهما PageV17P471 ~~بالمدينة فإنه من ناحية اليمن و المدينة من ناحية الشام و لكن إختبآ 2 فيه ~~ثلاثا لينقطع خبرهما عن المشركين فلا يعرفون أين ذهبا فإن المشركين كانوا ~~طالبين لهما و قد بذلوا في كل و أحد منهما ديته لمن يأتى به و كانوا يقصدون ~~منع النبى صلى الله عليه و سلم أن يصل إلى أصحابة بالمدينة و أن لا يخرج من ~~مكة بل لما عجزوا عن قتله أرادوا حبسه بمكة فلو سلك الطريق إبتداء لأدركوه ~~فأقام بالغار ثلاثا لأجل ذلك فلو أراد المسافر من مكة إلى المدينة أن يذهب ~~إلى الغار ثم يرجع لم يكن ذلك مستحبا بل مكروها و النبى صلى الله عليه و ~~سلم في الهجرة سلك طريق الساحل و هي طويلة و فيها دورة و أما فى عمره و ~~حجته فكان يسلك الوسط و هو أقرب إلى مكة فسلك فى الهجرة طريق الساحل لأنها ~~كانت أبعد عن قصد المشركين فإن الطريق الوسطى كانت أقرب إلى المدينة فيظنون ~~أنه سلكها كم كان إذا أراد غزوة و رى بغيرها # و هو صلى الله عليه و آله و سلم لما قسم غنائم حنين بالجعرانة إعتمر منها ~~و لما صده المشركون عن مكة حل بالحديبية و كان قد أنشأ الإحرام بالعمرة من ~~ميقات المدينة ذي الحليفة و ms1827 لما إعتمر من العام القابل عمرة القضية إعتمر ~~من ذي الحليفة و لم يدخل الكعبة في عمره و لا حجته و إنما دخلها عام الفتح ~~و كان بها صور مصورة فلم يدخلها حتى PageV17P472 محيت تلك الصور و صلى بها ~~ركعتين # وصلى يوم الفتح ثمان ركعات و قت الضحى كما روت تلك أم هانىء و لم يكن ~~يقصد الصلاة و قت الضحى إلا لسبب مثل أن يقدم من سفر فيدخل المسجد فيصلى ~~فيه ركعتين و مثل أن يشغله نوم أو مرض عن قيام الليل فيصلي بالنهار ثنتي ~~عشرة ركعة و كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة فصلى ثنتي عشرة ركعة شفعا ~~لفوات و قت الوتر فإنه صلى الله عليه و سلم قال ( المغرب و تر صلاة النهار ~~فأوتروا صلاة الليل ( و قال ( إجعلوا آخر صلاتكم بالليل و ترا ( و قال ( ~~صلاة الليل مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة ( # والمأثور عن السلف أنهم إذا ناموا عن الوتر كانوا يوترون قبل صلاة الفجر ~~و لا يؤخرونه إلى ما بعد الصلاة و في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أنها ~~قالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم سبحة الضحي قط و إنى لأسبحها و ~~إن كان ليدع العمل و هو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ~~و قد ثبت عنه فى الصحيح أنه أوصى بركعتى الضحى لأبي هريرة و لأبي الدرداء و ~~فيها أحاديث لكن صلاته ثمان ركعات يوم الفتح جعلها بعض العلماء صلاة الضحى # و قال آخرون لم يصلها إلا يوم الفتح فعلم أنه صلاها لأجل PageV17P473 ~~الفتح و كانوا يستحبون عند فتح مدينة أن يصلى الإمام ثمانى ركعات شكرا لله ~~و يسمونها صلاة الفتح قالوا لأن الإتباع يعتبر فيه القصد و النبى صلى الله ~~عليه و سلم لم يقصد الصلاة لأجل الوقت و لو قصد ذلك لصلى كل يوم أو غالب ~~الأيام كما كان يصلي ركعتي الفجر كل يوم و كذلك كان يصلي بعد الظهر ms1828 ركعتين ~~و قبلها ركعتين أو أربعا و لما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما بعد العصر ~~و هو صلى الله عليه و سلم لما نام هو و أصحابه عن صلاة الفجر فى غزوة خيبر ~~فصلوا بعد طلوع الشمس ركعتين ثم ركعتين لم يقل أحد أن هذه الصلاة في هذا ~~الوقت سنة دائما لأنهم إنما صلوها قضاء لكونهم ناموا عن الصلاة و لما فاتته ~~العصر فى بعض أيام الخندق فصلاها بعد ما غربت الشمس و روى أن الظهر فاتته ~~أيضا فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب لم يقل أحد إنه يستحب أن يصلي بين ~~العشاءين أحد عشر ركعة لأن ذلك قضاء بل و لا نقل عنه أحد أنه خص ما بين ~~العشاءين بصلاة # و قوله تعالى ( @QB@ ناشئة الليل @QE@ ( عند أكثر العلماء هو إذا قام ~~الرجل بعد نوم ليس هو أول الليل و هذا هو الصواب لأن النبى صلى الله عليه و ~~آله و سلم هكذا كان يصلي و الأحاديث بذلك متواترة عنه كان يقوم بعد النوم ~~لم يكن يقوم بين العشاءين # PageV17P474 # و كذلك أكله ما كان يجد من الطعام و لبسه الذي يوجد بمدينته طيبة مخلوقا ~~فيها و مجلوبا إليها من اليمن و غيرها لأنه هو الذي يسره الله له فأكله ~~التمر و خبزه الشعير و فاكهته الرطب و البطيخ الأخضر و القثاء و لبس ثياب ~~اليمن لأن ذلك هو كان أيسر فى بلده من الطعام و الثياب لا لخصوص ذلك فمن ~~كان ببلد آخر و قوتهم البر و الذرة و فاكهتهم العنب و الرمان و نحو ذلك و ~~ثيابهم مما ينسج بغير اليمن القز لم يكن إذا قصد أن يتكلف من القوت و ~~الفاكهة و اللباس ما ليس في بلده بل يتعسر عليهم متبعا للرسول صلى الله ~~عليه و سلم و إن كان ذلك الذي يتكلفه تمرا أو رطبا أو خبز شعير فعلم أنه ~~لابد في المتابعة للنبى صلى الله عليه و سلم من إعتبار القصد و النية ( ~~فإنما الأعمال بالنيات ms1829 و إنما لكل إمرىء ما نوى ( فعلم أن الذي عليه جمهور ~~الصحابة و أكابرهم هو الصحيح و مع هذا فإبن عمر رضي الله عنهما لم يكن يقصد ~~أن يصلي إلا فى مكان صلى فيه النبى صلى الله عليه و سلم لم يكن يقصد الصلاة ~~فى موضع نزوله و مقامه و لا كان أحد من الصحابة يذهب إلى الغار المذكور فى ~~القرآن للزيارة و الصلاة فيه و إن كان النبى صلى الله عليه و سلم و صاحبه ~~أقاما به ثلاثا يصلون فيه الصلوات الخمس و لا كانوا أيضا يذهبون إلى حراء و ~~هو المكان الذي كان يتعبد فيه قبل النبوة PageV17P475 و فيه نزل عليه الوحي ~~أولا و كان هذا مكان يتعبدون فيه قبل الإسلام فإن حراء أعلى جبل كان هناك ~~فلما جاء الإسلام ذهب النبى صلى الله عليه و آله و سلم إلى مكة مرات بعد أن ~~أقام بها قبل الهجرة بضع عشرة سنة و مع هذا فلم يكن هو و لا أصحابه يذهبون ~~إلى حراء # ولما حج النبى صلى الله عليه و سلم إستلم الركنين اليمانيين و لم يستلم ~~الشاميين لأنهما لم يبنيا على قواعد إبراهيم فإن أكثر الحجر من البيت و ~~الحجر الأسود إستلمه و قبله و اليمانى إستلمه و لم يقبله و صلى بمقام ~~إبراهيم و لم يستلمه و لم يقبله فدل ذلك على أن التمسح بحيطان الكعبة غير ~~الركنين اليمانيين و تقبيل شيء منها غير الحجر الأسود ليس بسنة و دل على أن ~~إستلام مقام إبراهيم و تقبيله ليس بسنة و إذا كان هذا نفس الكعبة و نفس ~~مقام إبراهيم بها فمعلوم أن جميع المساجد حرمتها دون الكعبة و أن مقام ~~إبراهيم بالشام و غيرها و سائر مقامات الأنبياء دون المقام الذي قال الله ~~فيه ( ^ و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ^ # فعلم أن سائر المقامات لا تقصد للصلاة فيها كما لا يحج إلى سائر المشاهد ~~و لا يتمسح بها و لا يقبل شيء من مقامات الأنبياء و ms1830 لا المساجد و لا الصخرة ~~و لا غيرها و لا يقبل ما على و جه الأرض إلا الحجر الأسود # PageV17P476 # وأيضا فالنبى صلى الله عليه و آله و سلم لم يصل بمسجد بمكة إلا المسجد ~~الحرام و لم يأت للعبادات إلا المشاعر منى و مزدلفة و عرفة فلهذا كان أئمة ~~العلماء على أنه لا يستحب أن يقصد مسجدا بمكة للصلاة غير المسجد الحرام و ~~لا تقصد بقعة للزيارة غير المشاعر التى قصدها رسول الله صلى الله عليه و ~~سلم و إذا كان هذا في آثارهم فكيف بالمقابر التى لعن رسول الله صلى الله ~~عليه و سلم من إتخذها مساجد و أخبر أنهم شرار الخلق عند الله يوم القيامة # ودين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدا فقط و لهذا ~~مشاعر الحج غير المسجد الحرا م تقصد للنسك لا للصلاة فلا صلاة بعرفة و إنما ~~صلى النبى صلى الله عليه و آله و سلم الظهر و العصر يوم عرفة بعرنة خطب بها ~~ثم صلى ثم بعد الصلاة ذهب إلى عرفات فوقف بها و كذلك يذكر الله و يدعى ~~بعرفات و بمزدلفة على قزح و بالصفا و المروة و بين الجمرات و عند الرمي و ~~لا تقصد هذه البقاع للصلاة و أما غير المساجد و مشاعر الحج فلا تقصد بقعة ~~لا للصلاة و لا للذكر و لا للدعاء بل يصلى المسلم حيث أدركته الصلاة إلا ~~حيث نهى و يذكر الله و يدعوه حيث تيسر من غير قصد تخصيص بقعة بذلك و إذا ~~إتخذ بقعة لذلك كالمشاهد نهى عن ذلك كما نهى عن الصلاة فى المقبرة إلا ما ~~يفعله الرجل عند السلام على الميت من PageV17P477 الدعاء له و للمسلمين كما ~~يفعل مثل ذلك في الصلاة على الجنازة فإن زيارة قبر المؤمن من جنس الصلاة ~~على جنازته يفعل فى هذا من جنس ما يفعل في هذا و يقصد بالدعاء هنا ما يقصد ~~بالدعاء هنا # و مما يشبه هذا أن الأنصار بايعوا النبى ms1831 صلى الله عليه و سلم ليلة العقبة ~~بالوادي الذي و راء جمرة العقبة لأنه مكان منخفض قريب من منى يستر من فيه ~~فإن السبعين الأنصار كانوا قد حجوا مع قومهم المشركين و ما زال الناس يحجون ~~إلى مكة قبل الإسلام و بعده فجاءوا مع قومهم إلى منى لأجل الحج ثم ذهبوا ~~بالليل إلى ذلك المكان لقربه و ستره لا لفضيلة فيه و لم يقصدوه لفضيلة تخصه ~~بعينه # ولهذا لما حج النبى صلى الله عليه و سلم و أصحابه لم يذهبوا إليه و لا ~~زاروه و قد بنى هناك مسجد و هو محدث و كل مسجد بمكة و ما حولها غير المسجد ~~الحرام فهو محدث و منى نفسها لم يكن بها على عهد النبى صلى الله عليه و سلم ~~مسجد مبنى و لكن قال منى مناخ لمن سبق فنزل بها المسلمون و كان يصلي ~~بالمسلمين بمنى و غير منى و كلك خلفاؤه من بعده و إجتماع الحجاج بمنى أكثر ~~من إجتماعه بغيرها فإنهم يقيمون بها أربعا و كان النبى صلى الله عليه و سلم ~~و أبو بكر و عمر يصلون بالناس بمنى و غير منى و كانوا يقصرون PageV17P478 ~~الصلاة بمنى و عرفة و مزدلفة و يجمعون بين الظهر و العصر بعرفة و بين ~~المغرب و العشاء بمزدلفة و يصلي بصلاتهم جميع الحجاج من أهل مكة و غير أهل ~~مكة و كلهم يقصرون الصلاة بالمشاعر و كلهم يجمعون بعرفة و مزدلفة # وقد تنازع العلماء في أهل مكة و نحوهم هل يقصرون أو يجمعون فقيل لا ~~يقصرون و لا يجمعون كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعى و أحمد و قيل ~~يجمعون و لا يقصرون كما يقول ذلك أبو حنيفة و أحمد و من و افقه من أصحابه و ~~أصحاب الشافعي و قيل يجمعون و يقصرون كما قال ذلك مالك و إبن عيينة و إسحاق ~~بن راهويه و بعض أصحاب أحمد و غيرهم و هذا هو الصواب بلا ريب فإنه الذي ~~فعله ms1832 أهل مكة خلف النبى صلى الله عليه و سلم بلا ريب و لم يقل النبى صلى ~~الله عليه و سلم قط و لا أبو بكر و لا عمر بمنى و لا عرفة و لا مزدلفة يا ~~أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر و لكن ثبت أن عمر قال ذلك فى جوف مكة و ~~كذلك فى السنن عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ذلك في جوف مكة فى ~~غزوة الفتح و هذا من أقوى الأدلة على أن القصر مشروع لكل مسافر و لو كان ~~سفره بريدا فإن عرفة من مكة بريد أربع فراسخ و لم يصل النبى صلى الله عليه ~~و سلم و لا خلفاؤه بمكة صلاة عيد بل و لا صلى فى أسفاره قط صلاة ~~PageV17P479 العيد و لا صلى بهم في أسفاره صلاة جمعة يخطب ثم يصلي ركعتين ~~بل كان يصلي يوم الجمعة فى السفر ركعتين كما يصلي فى سائر الأيام # وكذلك لما صلى بهم الظهر و العصر بعرفة صلى ركعتين كصلاته في سائر الأيام ~~و لم ينقل أحد أنه جهر بالقراءة يوم الجمعة في السفر لا بعرفة و لا بغيرها ~~و لا أنه خطب بغير عرفة يوم الجمعة في السفر فعلم أن الصواب ما عليه سلف ~~الأمة و جماهيرها من الأئمة الأربعة و غيرهم من أن المسافر لا يصلي جمعة و ~~لا غيرها و جمهورهم أيضا على أنه لا يصلي عيدا و هو قول مالك و أبى حنيفة و ~~أحمد فى إحدى الروايتين و هذا هو الصواب أيضا فإن النبى صلى الله عليه و ~~سلم و خلفاؤه لم يكونوا يصلون العيد إلا في المقام لا فى السفر و لم يكن ~~يصلي صلاة العيد إلا فى مكان و أحد مع الإمام يخرج بهم إلى الصحراء فيصلي ~~هناك فيصلي المسلمون كلهم خلفه صلاة العيد كما يصلون الجمعة و لم يكن أحد ~~من المسلمين يصلي صلاة عيد فى مسجد قبيلته و لا بيته كما لم يكونوا يصلون ~~جمعة ms1833 فى مساجد القبائل و لا كان أحد منهم بمكة يوم النحر يصلي صلاة عيد على ~~عهد النبى صلى الله عليه و سلم و خلفائه بل عيدهم بمنى بعد إفاضتهم من ~~المشعر الحرام و رمى جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لسائر أهل الأمصار يرمون ~~ثم ينحرون و سائر أهل PageV17P480 الأمصار يصلون ثم ينحرون و النبى صلى ~~الله عليه و سلم لما أفاض من في نزل بالمحصب فإختلف أصحابه هل التحصيب سنة ~~لإختلافهم فى قصده هل قصد النزول به أو نزل به لأنه كان أسمح لخروجه و هذا ~~مما يبين أن المقاصد كانت معتبرة عندهم فى المتابعة # ولما إعتمر عمرة القضية و كانت مكة مع المشركين لم تفتح بعد و كان ~~المشركون قد قالوا يقدم عليكم قوم قد و هنتهم حمي يثرب و قعد المشركون خلف ~~قعيقعان و هو جبل المروة ينظرون إليهم فأمر النبى صلى الله عليه و سلم ~~أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط من الطواف ليرى المشركون جلدهم و قوتهم و روى ~~أنه دعا لمن فعل ذلك و لم يرملوا بين الركنين لأن المشركين لم يكونوا ~~يرونهم من ذلك الجانب فكان المقصود بالرمل إذ ذاك من جنس المقصود بالجهاد ~~فظن بعض المتقدمين أنه ليس من النسك لأنه فعل لقصد و زال لكن ثبت فى الصحيح ~~أن النبى صلى الله عليه و سلم و أصحابه لما حجوا رملوا من الحجر الأسود إلى ~~الحجر الأسود فكملوا الرمل بين الركنين و هذا قدر زائد على ما فعلوه فى ~~عمرة القضية و فعل ذلك فى حجة الوداع مع الأمن العام فإنه لم يحج معه إلا ~~مؤمن فدل ذلك على أن الرمل صار من سنة الحج فإنه فعل أولا لمقصود الجهاد ثم ~~شرع نسكا كما روى فى سعي هاجر و فى رمي الجمار و فى ذبح الكبش PageV17P481 ~~أنه فعل أولا لمقصود ثم شرعه الله نسكا و عبادة لكن هذا يكون إذا شرع الله ~~ذلك و أمر به # و ليس لأحد أن يشرع ما لم يشرعه ms1834 الله كما لو قال قائل أنا أستحب الطواف ~~بالصخرة سبعا كما يطاف بالكعبة أو أستحب أن أتخذ من مقام موسى و عيسي مصلى ~~كما أمر الله أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى و نحو ذلك لم يكن له ذلك لأن ~~الله تعالى يختص ما يختصه من الأعيان و الأفعال بأحكام تخصه يمتنمع معها ~~قياس غيره عليه إما لمعنى يختص به لا يوجد بغيره على قول أكثر أهل العلم و ~~إما لمحض تخصيص المشيئة على قول بعضهم كما خص الكعبة بأن يحج إليها و يطاف ~~بها و كما خص عرفات بالوقوف بها و كما خص منى برمي الجمار بها و كما خص ~~الأشهر الحرم بتريمها و كما خص شهر رمضان بصيامه و قيامه إلى أمثال ذلك # وابراهيم و محمد كل منهما خليل الله فإنه قد ثبت فى الصحاح من غير و جه ~~عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( إن الله إتخذنى خليلا كما إتخذ ~~إبراهيم خليلا ( وقد ثبت فى الصحيح ( أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه و ~~سلم يا خير البرية قال ( ذاك إبراهيم ( فإبراهيم أفضل الخلق بعد محمد صلى ~~الله عليه و سلم و قوله ( ذاك إبراهيم ( تواضع منه فإنه قد ثبت عنه صلى ~~الله عليه و سلم أنه قال ( أنا سيد و لد آدم و لا فخر آدم فمن دونه تحت ~~لوائي يوم القيامة و لا فخر ( إلى غير PageV17P482 ذلك من النصوص المبينة ~~أنه أفضل الخلق و أكرمهم على ربه و إبراهيم هو الإمام الذي قال الله فيه ( ~~@QB@ إني جاعلك للناس إماما @QE@ ( و هو الأمة أي القدوة الذي قال الله فيه ~~( @QB@ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا @QE@ ( و هو الذي بوأه الله ~~مكان البيت و أمره أن يؤذن فى الناس بالحج إليه و قد حرم الله الحرم على ~~لسانه و إسماعيل نبأه معه و هو الذبيح الذي بذل نفسه لله و صبر على المحنة ~~كما بينا ذلك بالدلائل الكثيرة فى غير هذا الموضع و ms1835 أمه هاجر هي التى أطاعت ~~الله و رسوله إبراهيم فى مقامها مع إبنها فى ذلك الوادي الذي لم يكن به ~~أنيس كما قال الخليل ( ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم # وكان لإبراهيم و لآل إبراهيم من محبة الله و عبادته و الإيمان به و طاعته ~~ما لم يكن لغيرهم فخصهم الله بأن جعل لبيته الذي بنوه له خصائص لا توجد ~~لغيره و جعل ما جعله من أفعالهم قدوة للناس و عبادة يتبعونهم فيها و لا ريب ~~أن الله شرع لإبراهيم السعى و رمى الجمار و الوقوف بعرفات بعد ما كان من ~~أمر هاجر و إسماعيل و قصة الذبح و غير ذلك ما كان كما شرع لمحمد الرمل فى ~~الطواف حيث أمره أن ينادي فى الناس بحج البيت و الحج مبناه على الذل و ~~الخضوع لله و لهذا خص بإسم النسك و ( ^ النسك ^ ( في اللغة العبادة ~~PageV17P483 قال الجوهري النسك العبادة و الناسك العابد و قد نسكك و تنسك ~~أي تعبد و نسك بالضم أي صار ناسكا ثم خص الحج بإسم النسك لأنه أدخل فى ~~العبادة و الذل لله من غيره و لهذا كان فيه من الأفعال ما لا يقصد فيه إلا ~~مجرد الذل لله و العبادة له كالسعي و رمي الجمار قال النبى صلى الله عليه و ~~سلم ( إنما جعل رمي الجمار و السعي بين الصفا و المروة لإقامة ذكر الله ( ~~رواه الترمذي و خص بذلك الذبح الفداء أيضا دون مطلق الذبح لأن إراقة الدم ~~لله أبلغ فى الخضوع و العبادة له و لهذا كان من كان قبلنا لا يأكلون ~~القربان بل تأتي نار من السماء فتأكله و لهذا قال تعالى ( ^ الذين قالوا لن ~~نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي ~~بالبينات و بالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ^ # وكذلك كانوا إذا غنموا غنيمة جمعوها ثم جاءت النار فأكلتها ليكون قتالهم ~~محضا لله لا للمغنم و يكون ذبحهم ms1836 عبادة محضة لله لا لأجل أكلهم و أمة محمد ~~صلى الله عليه و سلم و سع الله عليهم لكمال يقينهم و إخلاصهم و أنهم ~~يقاتلون لله و لو أكلوا المغنم و يذبحون لله ولو أكلوا القربان و لهذا كان ~~عباد الشياطين و الأصنام يذبحون لها الذبائح أيضا فالذبح للمعبود غاية الذل ~~و الخضوع له # ولهذا لم يجز الذبح لغير الله و لا أن يسمى غير الله على الذبائح ~~PageV17P484 و حرم سبحانه ما ذبح على النصب و هو ما ذبح لغير الله و ما سمى ~~عليه غير إسم الله و إن قصد به اللحم لا القربان و لعن النبى صلى الله عليه ~~و آله و سلم من ذبح لغير الله و نهي عن ذبائح الجن و كانوا يذبحون للجن بل ~~حرم الله ما لم يذكر إسم الله عليه مطلقا كما دل على ذلك الكتاب و السنة فى ~~غير موضع # وقد قال تعالى ( ^ فصل لربك و انحر ^ ( أي إنحر لربك كما قال الخليل ( ^ ~~إن صلاتى و نسكى و محياي و مماتي لله رب العالمين ^ ( و قد قال هو و ~~إسماعيل إذ يرفعان القواعد من البيت ( ^ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع ~~العليم ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا ^ ~~فالمناسك هنا مشاعر الحج كلها كما قال تعالى ( ^ و لكل أمة جعلنا منسكاهم ~~ناسكوه ^ ( و قال تعالى ( ^ و لكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام ^ ( و قال ( ^ لن ينال الله لحومها و لا دماؤها و ~~لكن يناله التقوي منكم ^ ( كما قال تعالى ( ^ و من يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى القلوب ^ ( # فالمقصود تقوى القلوب لله و هوعبادتها له و حده دون ما سواه بغاية ~~العبودية له و العبودية فيها غاية المحبة و غاية الذل و الإخلاص و هذه ملة ~~إبراهيم الخليل و هذا كله مما يبين أن عبادة القلوب هي الأصل كما قال النبى ~~صلى الله عليه و سلم ( إن ms1837 فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت ~~فسد الجسد كله ألا و هي القلب ( PageV17P485 و النية و القصد هما عمل القلب ~~فلابد فى المتابعة للرسول صلى الله عليه و سلم من إعتبار النية و القصد # ومن هذا الباب أن النبى صلى الله عليه و سلم لما إحتجم و أمر بالحجامة و ~~قال فى الحديث الصحيح ( شفاء أمتى فى شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار و ~~ما أحب أن أكتوى ( كان معلوما أن المقصود بالحجامة إخراج الدم الزائد الذي ~~يضر البدن فهذا هو المقصود و خص الحجامة لأن البلاد الحارة يخرج الدم فيها ~~إلى سطح البدن فيخرج بالحجامة فلهذا كانت الحجامة فى الحجاز و نحوه من ~~البلاد الحارة يحصل بها مقصود إستفراغ الدم و أما البلاد الباردة فالدم ~~يغور فيها إلى العروق فيحتاجون إلى قطع العروق بالفصاد و هذا أمر معروف ~~بالحسن و التجربة فإنه في زمان البرد تسخن الأجواف و تبرد الظواهر لأن شبيه ~~الشيء منجذب إليه فإذا برد الهواء برد ما يلاقيه من الأبدان و الأرض فيهرب ~~الحر الذي فيها من البرد المضاد له إلى الأجواف فيسخن باطن الأرض و أجواف ~~الحيوان و يأوي الحيوان إلى الأكنان الدافئة و لقوة الحرارة في باطن ~~الإنسان يأكل فى الشتاء و فى البلاد الباردة أكثر مما يأكل فى الصيف و فى ~~البلاد الحارة لأن الحرارة تطبخ الطعام و تصرفه و يكون الماء النابع فى ~~الشتاء سخنا لسخونة جوف الأرض و الدم سخن فيكون فى جوف العروق لا في سطح ~~الجلد فلو إحتجم لم ينفعه ذلك بل قد يضره و فى الصيف PageV17P486 و البلاد ~~الحارة تسخن الظواهر فتكون البواطن باردة فلا ينهضم الطعام فيها كما ينهضم ~~فى الشتاء و يكون الماء النابع باردا لبرودة باطن الأرض و تظهر الحيوانات ~~إلى البراري لسخونة الهواء فهؤلاء قد لا ينفعهم الفصاد بل قد يضرهم و ~~الحجامة أنفع لهم # و قوله ( شفاء أمتى ( إشارة إلى من كان حينئذ من أمته و ms1838 هم كانوا بالحجاز ~~كما قال ما بين المشرق و المغرب قبلة لأن هذا كان قبلة أمتى حينئذ لأنهم ~~كانوا بالمدينة و ما حولها و هذا كما أنه فى آخر الأمر بعد أن فرض الحج سنة ~~تسع أو سنة عشر و قت ثلاث مواقيت للمدينة و لنجد و للشام و لما فتح اليمن و ~~قت لهم يلملم ثم و قت ذات عرق لأهل العراق و هذا كما أنه فرض صدقة الفطر ~~صاعا من تمر أو صاعا من شعير عن كل صغير و كبير ذكرا و أنثي من المسلمين و ~~كان هذا هو الفرض على أهل المدينة لأن الشعير و التمر كان قوتهم و لهذا كان ~~جماهير العلماء على أنه من إقتات الأرز و الذرة و نحو ذلك يخرج من قوته و ~~هو إحدى الروايتين عن أحمد و هل يجزيه أن يخرج التمر و السشعير إذا لم يكن ~~يقتاته فيه قولان للعلماء # و كان الصحابة يرمون بالقوس العربية الطويلة التى تشبه قوس الندف و فتح ~~الله لهم بها البلاد و قد رويت آثار في كراهة الرمي بالقوس الفارسية عن بعض ~~السلف لكونها كانت شعار الكفار فأما بعد PageV17P487 أن إعتادها المسلمون و ~~كثرت فيهم و هي فى أنفسها أنفع فى الجهاد من تلك القوس فلا تكره فى أظهر ~~قولي العلماء أو قول أكثرهم لأن الله تعالى قال ( ^ و أعدوا لهم ما إستطعتم ~~من قوة و من رباط الخيل ^ ( # والقوة في هذا أبلغ بلا ريب و الصحابة لم تكن هذه عندهم فعدلوا عنها إلى ~~تلك بل لم يكن لهم غيرا فينظر فى قصدهم بالرمي أكان لحاجة إليها إذ ليس لهم ~~غيرها أم كان لمعنى فيها و من كره الرمي بها كرهه لمعنى لازم كما يكره ~~الكفر و ما يستلزم الكفر أم كرهها لكونها كانت من شعائر الكفار فكره التشبه ~~بهم # و هذا كما أن الكفار من اليهود و النصاري إذا لبسوا ثوب الغيار من أصفر و ~~أزرق نهى عن لباسه لما فيه من التشبه ms1839 بهم و إن كان لو خلا عن ذلك لم يكره و ~~في بلاد لا يلبس هذه الملابس عندهم إلا الكفار فنهى عن لبسها و الذين ~~إعتادوا ذلك من المسلمين لا مفسدة عندهم فى لبسها # و لهذا كره أحمد و غيره لباس السواد لما كان فى لباسه تشبه بمن يظلم أو ~~يعين على الظلم و كره بيعه لمن يستعين بلبسه على الظلم فأما إذا لم يكن فيه ~~مفسدة لم ينه عنه # و كره من كره من الصحابة و التابعين بيع الأرض الخراجية لأن PageV17P488 ~~المسلم المشتري لها إذا أدى الخراج عنها أشبه أهل الذمة في إلتزام الجزية ~~فإن الخراج جزية الأرض و إن لم يؤدها ظلم المسلمين بإسقاط حقهم من الأرض لم ~~يكرهوا بيعها لكونها و قفا فإن الوقف إنما منع من بيعه لأن ذلك يبطل الوقف ~~و لهذا يباع و لا يوهب و لا يورث و الأرض الخراجية تنتقل إلى الوارث بإتفاق ~~العلماء و تجوز هبتها و المتهب المشتري يقوم فيها مقام البائع فيؤدي ما كان ~~عليه من الخراج و ليس فى بيعها مضرة لمستحقي الخراج كما فى بيع الوقف و قد ~~غلط كثير من الفقهاء فظنوا أنهم كرهوا بيعها لكونها و قفا و إشتبه عليهم ~~الأمر لأنهم رأوا الآثار مروية فى كراهة بيعها و قد عرفوا أن عمر جعلها ~~فيئا لم يقسمها قط و ذلك فى معنى الوقف فظنوا أن بيعها مكروه لهذا المعنى و ~~لم يتأملوا حق المتأمل فيرون أن هذا البيع ليس هو من جنس البيع المنهي عنه ~~فى الوقف فإن هذه يصرف مغلها إلى مستحقها قبل البيع و بعده و على حد و أحد ~~ليست كالدار التى إذا بيعت تعطل نفعها عن أهل الوقف و صارت للمشتري # و أعجب من ذلك أن طائفة من هؤلاء قالوا مكة إنما كره بيع رباعها لكونها ~~فتحت عنوة و لم تقسم أيضا و هم قد قالوا مع جميع الناس أن الأرض العنوة ~~التى جعلت أرضها فيئا يجوز بيع مساكنها و الخراج ms1840 إنما جعل على المزارع لا ~~على المساكن فلو كانت PageV17P489 مكة قد جعلت أرضها للمسلمين و جعل عليها ~~خراج لم يمتنع بيع مساكنها لذلك فكيف و مكة أقرها النبى صلى الله عليه و ~~سلم بيد أهلها على ما كانت عليه مساكنها و مزارعها و لم يقسمها و لم يضرب ~~عليها خراجا و لهذا قال من قال إنها فتحت صلحا و لا ريب أنها فتحت عنوة كما ~~تدل عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة لكن النبى صلى الله عليه و سلم أطلق ~~أهلها جميعهم فلم يقتل إلا من قاتله و لم يسب لهم ذرية و لا غنم لهم مالا و ~~لهذا سموا الطلقاء # وأحمد و غيره من السلف إنما عللوا ذلك بكونها فتحت عنوة مع كونها مشتركة ~~بين المسلمين كما قال تعالى ( ^ و المسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء ~~العاكف فيه و الباد ^ ( و هذه هي العلة التى إختصت بها مكة دون سائر ~~الأمصار فإن الله أوجب حجها على جميع الناس و شرع إعتمارها دائما فجعلها ~~مشتركة بين جميع عباده كما قال ( ^ سواء العاكف فيه و الباد ^ ( و لهذا ~~كانت منى و غيرها من المشاعر من سبق إلى مكان فهو أحق به حتى ينتقل عنه ~~كالمساجد و مكة نفسها من سبق إلى مكان فهو أحق به و الإنسان أحق بمسكنه ما ~~دام محتاجا إليه و ما إستغنى عنه من المنافع فعليه بذله بلا عوض لغيره من ~~الحجيج و غيرهم و لهذا كانت الأقوال فى إجارة دورها و بيع رباعها ثلاثة # قيل لا يجوز لا هذا و لا هذا و قيل يجوز الأمران PageV17P490 و الصحيح ~~أنه يجوز بيع رباعها و لا يجوز إجارتها و على هذا تدل الآثار المنقولة فى ~~ذلك عن النبى صلى الله عليه و سلم و عن الصحابة رضى الله عنهم فإن الصحابة ~~كانوا يتبايعون دورها و الدور تورث و توهب و إذا كانت تورث و توهب جاز أن ~~تباع بخلاف الوقف فإنه لا يباع و لا يورث و لا يوهب # وكذلك ms1841 أم الولد من لم يجوز بيعها لم يجوز هبتها و لا أن تورث و أما ~~إجارتها فقد كانت تدعى السوائب على عهد النبى صلى الله عليه و سلم و أبي ~~بكر و عمر رضي الله عنهما من إحتاج سكن و من إستغنى أسكن لأن المسلمين كلهم ~~محتاجون إلى المنافع فصارت كمنافع الأسواق و المساجد و الطرقات التى يحتاج ~~إليها المسلمون فمن سبق إلى شيء منها فهو أحق به و ما إستغنى عنه أخذه غيره ~~بلا عوض و كذلك المباحات التى يشترك فيها االناس و يكون المشترى لها إستفاد ~~بذلك أنه أحق من غيره ما دام محتاج و إذا باعها الإنسان قطع إختصاصه بها و ~~توريثه إياها و غير ذلك من تصرفاته و لهذا له أن لا يبذله إلا بعوض و النبى ~~صلى الله عليه و سلم من على أهل مكة فإن الأسير يجوز المن عليه للمصلحة و ~~أعطاهم مع ذلك ذراريهم و أموالهم كما من على هوازن لما جاءوا مسلمين بإحدى ~~الطائفتين السبي أو المال فإختاروا السبي فأعطاهم السبي و كان ذلك بعد ~~القسمة PageV17P491 فعوض عن نصيبه من لم يرض بأخذه منهم و كان قد قسم المال ~~فلم يرده عليهم و قريش لم تحاربه كما حاربته هوازن و هو إنما من على من لم ~~يقاتله منهم كما قال ( من أغلق بابه فهو آمن و من ألقى سلاحه فهو آمن و من ~~دخل المسجد فهو آمن ( # فلما كف جمهورهم عن قتاله و عرف أنهم مسلمون أطلقهم و لم يغنم أموالهم و ~~لا حريمهم و لم يضرب الرق لا عليهم و لا على أولادهم بل سماهم الطلقاء من ~~قريش بخلاف ثقيف فإنهم سموا العتقاء فإنه أعتق أولادهم بعد الإسترقاق و ~~القسمة و كان فى هذا ما دل على أن الإمام يفعل بالأموال و الرجال و العقار ~~و المنقول ما هو أصلح فإن النبى صلى الله علي و سلم فتح خيبر فقسمها بين ~~المسلمين و سبي بعض نسائها و أقر سائرهم مع ذراريهم ms1842 حتى أجلوا بعد ذلك فلم ~~يسترقهم و مكة فتحها عنوة و لم يقسمها لأجل المصلحة # وقد تنازع العلماء في الأرض إذا فتحت عنوة هل يجب قسمها كخيبر لأنها مغنم ~~أو تصير فيئا كما دلت عليه سورة الحشر وليست الأرض من المغنم أو يخير ~~الإمام فيما بين هذا و هذا على ثلاثة أقوال وأكثر العلماء على التخيير وهو ~~الصحيح وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه و غيرهما PageV17P492 # ولو فتح الإمام بلدا وغلب على ظنه أن أهله يسلمون ويجاهدون جاز أن يمن ~~عليهم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم كما فعل النبي بأهل مكة فإنهم أسلموا كلهم ~~بلا خلاف بخلاف أهل خيبر فإنه لم يسلم منهم أحد فأولئك قسم أرضهم لأنهم ~~كانوا كفارا مصرين على الكفر وهؤلاء تركها لهم لأنهم كلهم صاروا مسلمين ~~والمقصود بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله وقد ~~كان النبي يعطي المؤلفة قلوبهم ليتألف على الإسلام فكيف لا يتألفهم بإبقاء ~~ديارهم وأموالهم # وهم لما حضروا معه حنينا أعطاهم من غنائم حنين ما تألفهم به حتى عتب بعض ~~الأنصار كما في الصحيحن عن أنس بن مالك أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين ~~حين أفاء الله على رسوله من أموال هوزان ما أفاء فطفق رسول الله يعطي رجالا ~~من قريش المائة من الإبل فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا ~~وسيوفنا تقطر من دمائهم قال أنس فحدث ذلك النبي من قولهم فأرسل رسول الله ~~إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله فقال ما ~~حديث بلغني عنكم فقال له فقهاء الأنصار أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم ~~يقولوا شيئا وأما أناس منا حديثه PageV17P493 أسنانهم فقالوا يغفر الله ~~لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول الله فإني ~~أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألف أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال ~~وترجعون إلى رحالكم برسول الله فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ~~قالوا بلى يا رسول ms1843 الله قد رضينا قال فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا ~~حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض قالوا سنصبر وفي رواية لو سلك الناس ~~واديا أو شعبا وسلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم ~~الناس دثار والأنصار شعار ولولا الهجرة لكنت أمرءا من الأنصار وحدثهم حتى ~~بكوا رضي الله تعالى عنهم # فهذا كله بذل وعطاء لأجل إسلام الناس وهو المقصود بالجهاد # ومن قال إن الإمام يجب عليه قسمة العقار والمنقول مطلقا فقوله في غاية ~~الضعف مخالف لكتاب الله وسنة رسوله المنقول بالتواتر وليس معه حجة حجة ~~واحدة توجب ذلك فإن قسمة النبي خيبر تدل على جواز ما فعل لا تدل على وجوبه ~~إذ الفعل لا يدل بنفسه علو الوجوب وهو لم يقسم مكة ولا شك أنها فتحت عنوة ~~وهذا يعلمه ضرورة من تدبر الأحاديث وكذلك المنقول من قال أنه يحب قسمه كله ~~بالسوية بين الغانمين في كل غزاة فقوله PageV17P494 ضعيف بل يجوز فيه ~~التفضيل للمصلحة كما كان النبي يفضل في كثير من المغازي # والمؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم النبي من غنائم خيبر فيما أعطاهم قولان ~~أحدهما أنه من الخمس والثاني أنه من أصل الغنيمة وهذا أظهر فإن الذي أعطاهم ~~إياه هو شيء كثير لا يحتمله الخمس ومن قال العطاء كان من خمس الخمس فلم يدر ~~كيف وقع الأمر ولم يقل هذاأحد من المتقدمين هذا مع قوله ليس لي مما أفاء ~~الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم وهذا لأن المؤلفة قلوبهم كانوا من ~~العسكر ففضلهم في العطاء للمصلحة كما كان يفضلهم فيما يقسمه من الفيء ~~للمصلحة # وهذا دليل على أن الغنيمة للإمام أن يقسمها باجتهاد كما يقسم الفيء ~~باجتهاده إذا كان إمام عدل قسمها بعلم وعدل ليس قسمتها بين الغانمين كقسمة ~~الميراث بين الورثة وقسمة الصدقات في الأصناف الثمانية ولهذا قال في ~~الصدقات إن الله لم يرض فيها بقسمة نبي ولا غيره ولكن جعلها ثمانية أصناف ~~فإن كنت من تلك الأصناف أعطيتك فعلم أن ما أفاء الله من الكفار ms1844 بخلاف ذلك ~~وقد قسم النبي من خيبر لأهل السفينة الذين قدموا مع جعفر ولم يقسم لأحد غاب ~~غيرهم وقسم من غنائم بدر لطلحة والزبير ولعثمان PageV17P495 وكان قد أقام ~~بالمدينة وهؤلاء الذين كانوا يريدون القتال وكانوا مشغولين ببعض مصالح ~~المسلمين الذين هم فيها في الجهاد # وأيضا أهل السفينة وطلحة والزبير وعثمان لم يكونوا كغيرهم والقتال لم يكن ~~لأجل الغنيمة فليست الغنيمة كمباح اشتراك في ناس مثل الإحتشاش والإحتطاب ~~والإصطياد فإن ذلك الفعل مقصوده هو اكتساب المال بخلاف الغنيمة بل من قاتل ~~فيها لأجل المال لم يكن مجاهدا في سبيل الله ولهذا لم تبح الغنائم لمن ~~قبلنا وابيحت لنا معونة على مصلحة الدين # فالغنائم أبيحت لمصلحة الدين وأهله فمن كان قد نفع المجاهدين بنفع ~~استعانوا به على تمام جهادهم جعل منهم وإن لم يحضر ولهذا قال النبي ~~المسلمون يد واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ويرد متسريهم على قاعدهم فإن المتسري ~~إنما تسري بقوة القاعد فالمعاونون للمجاهدون من المجاهدون ولبسط هذه الأمور ~~موضع آخر # والمصود هنا ذكر متابعة النبي وهو أنه يعتبر فيه متابعته في قصده فإذا ~~قصد مكانا للعبادة فيه كان قصده لتلك PageV17P496 العبادة سنة وأما إذا صلى ~~فيه اتفاقا من غير قصد لم يكن مشابهته في ذلك وابن عمر رضي الله عنهما مع ~~أنه كان يحب مشابهته في ظاهر الفعل لم يكن يقصد الصلاة إلا في الموضع الذي ~~صلى فيه لا في كل موضع نزل به ولهذا رخص أحمد بن حنبل في ذلك إذا كان شيئا ~~يسيرا كما فعله ابن عمر ونهى عنه رضي الله عنه إذا كثر لأنه يفضي إلى ~~المفسدة وهي اتخاذ آثار الأنبياء مساجد وهي التي تسمى المشاهد وما أحدث في ~~الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار فهو من البدع المحدثة في ~~الإسلام من فعل من لم يعرف شريعة الإسلام وما بعث الله بها محمدا من كمال ~~التوحيد وإخلاص الدين لله وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم ~~ولهذا يوجد من كان أبعد عن التوحيد وإخلاص الدين ms1845 لله ومعرفة دين الإسلام هم ~~أكثر تعظيما لمواضع الشرك فالعارفون بسنة رسول الله وحديثه أولى بالتوحيد ~~وإخلاص الدين لله وأهل الجهل بذلك أقرب إلى الشرك والبدع # ولهذا يوجد ذلك في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم لأنهم أجهل من غيرهم ~~وأكثر شركا وبدعا ولهذا يعظمون المشاهد أعظم من غيرهم ويخربون المساجد أكثر ~~من غيرهم فالمساجد لا يصلون فيها PageV17P497 جمعة ولا جماعة ولا يصلون ~~فيها أن صلوا إلا أفرادا وأما المشاهد فيعظمونها أكثر من المساجد حتى قد ~~يرون أن زيارتها أولى من حج بيت الله الحرام ويسمونها الحج الأكبر وصنف ابن ~~المفيد منهم كتابا سماه مناسك حج المشاهد وذكر فيه من الأكاذيب والأقوال ~~مالا يوجد في سائر الطوائف وإن كان في غيرهم أيضا نوع من الشرك والكذب ~~والبدع لكن هو فيهم أكثر وكلما كان الرجل اتبع لمحمد كان أعظم توحيدا لله ~~وإخلاصا له في الدين وإذا بعد عن متابعة نقص من دينه بحسب ذلك إذا كثر بعده ~~عنه ظهر فيه من الشرك والبدع مالا يظهر فيمن هو أقرب منه إلى اتباع الرسول # والله إنما أمر في كتابه وسنة رسوله بالعبادة في المساجد والعبادة فيها ~~هي عمارتها قال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ~~@QE@ ولم يقل مشاهد الله وقال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ ولم يقل عند كل مشهد فإن أهل ~~المشاهد ليس فيهم إخلاص الدين لله بل فيهم نوع من الشرك وقال تعالى ^ ما ~~كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت ~~أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر PageV17P498 وأقام الصلاة ^ الآيات وفي الترمذي عن النبي أنه قال إذا ~~رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ثم قرأ هذه الآية فإن المراد ~~بعمارتها عمارتها بالعبادة فيها كالصلاة والإعتكاف يقال مدينة عامرة إذا ~~كانت مسكونة ومدينة خراب إذا لم يكن فيها ساكن ومنه قوله تعالى ^ أجعلتم ~~سقاية ms1846 الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في ~~سبيل الله لا يستوون عند الله ^ # وأما نفس بناء المساجد فيجوز أن يبنيها البر والفاجر والمسلم والكافر ~~وذلك يسمى بناء كما قال النبي من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ~~فبين الله تعالى إن المشركين ما كان لهم عمارة مساجد الله مع شهادتهم على ~~أنفسهم بالكفر وبين إنما يعمرها من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله وهذه صفة أهل التوحيد وإخلا الدين لله الذين ~~لا يخشون إلا الله ولا يرجون سواه ولا يستعينون إلا به ولا يدعون إلاإياه ~~وعمار مشاهد الله فإن المشاهد ليست بيوت الله إنما هي بيوت الشرك ولهذا ليس ~~في القرآن آية فيها مدح المشاهد ولا عن النبي في PageV17P499 ذلك حديث ~~وإنما ذكره الله عمن كان قبلنا أنهم بنوا مسجدا على قبر أهل الكهف وهؤلاء ~~من الذين نهانا الله أن نتشبه بهم حيث قال في الحديث الصحيح إن من كان ~~قبلكم كانوا يتحذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم ~~عن ذلك # ففي هذا الحديث ذم أهل المشاهد وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة كما قال لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وقال أولئك ~~إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك ~~شرار الخلق عند الله يوم القيامة ثم أهل المشاهد كثير من مشاهدهم أو أكثرها ~~كذب قإن الشرك مقرون بالكذب في كتاب الله كثيرا قال تعالى @QB@ واجتنبوا ~~قول الزور حنفاء لله غير مشركين به @QE@ وقال النبي عدلت شهادة الزور ~~الإشراك بالله قالها ثلاثا وذلك كالمشهد الذي بنى بالقاهرة على رأس الحسين ~~وهو كذب باتفاق أهل العلم ورأس الحسين لم يحمل إلى هناك أصلا وأصله من ~~عسقلان وقد قيل أنه كان رأس راهب ورأس الحسين لم يكن بعسقلان وإنما أحدث ~~هذا في أواخر دولة الملاحدة بني عبيد وكذلك مشهد علي رضي الله عنه إنما ~~أحدث في ms1847 دولة بني PageV17P500 بويه وقال محمد بن عبد الله مطين الحافظ ~~وغيره إنما هو قبر المغيرة ابن شعبة رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه إنما ~~دفن بقصر الإمارة بالكوفة ودفن معاوية بقصر الإمارة بدمشق ودفن عمرو بن ~~العاص بقصر الإمارة بمصر خوفا عليهم إذا دفنوا في المقابر البارزة أن ~~ينبشهم الخوارج المارقون فإن الخوارج كانوا تعاهدوا على قتل الثلاثة فقتل ~~ابن ملجم عليا وجرح صاحبه معاوية وعمرو كان استخلف رجلا اسمه خارجة فقتله ~~الخارجي وقال أردت عمرا وأراد الله خارجة فسارت مثلا # فالمقصود أن هذا المشهد إنما أحدث في دولة الملاحدة دولة بني عبيد وكان ~~فيهم من الجهل والضلال ومعاضدة الملاحدة وأهل البدع من المعتزلة والرافضة ~~أمور كثير ولهذا كان في زمنهم قد تضعضع الإسلام تضعضعا كثيرا ودخلت النصارى ~~إلى الشام فإن بني عبيد ملاحدة منافقون ليس لهم غرض في الإيمان بالله ~~ورسوله ولا في الجهاد في سبيل الله بل الكفر والشرك ومعاداة الإسلام بحسب ~~الإمكان واتباعهم كلهم أهل بدع وضلال فاستولت النصارى في دولتهم على أكثر ~~الشام ثم قيض الله من ملوك السنة مثل نور الدين وصلاح الدين وأخوته ~~وأتباعهم ففتحوا بلاد الإسلام وجاهدوا الكفار والمنافقين PageV17P501 ونهى ~~النبي عن الصلاة عند طلوه الشمس وعند غروبها لأن المشركين يسجدون للشمس ~~حينئذ والشيطان يقارنها وإن كان المسلم المصلي لا يقصد السجود لها لكن سد ~~الذريعة لئلا يتشبه بالمشركين في بعض الأمور التي يختصون بها فيفضي إلى ما ~~هو شرك ولهذا نهى عن تحري الصلاة في هذين الوقتين هذا لفظ ابن عمر الذي في ~~الصحيحين فقصد الصلاة فيها منهي عنه # وأما إذا حدث سبب تشرع الصلاة لأجله مثل تحية المسجد وصلاة الكسوف وسجود ~~التلاوة وركعتي الطواف وإعادة الصلاة مع إمام الحي ونحو ذلك فهذه فيها نزاع ~~مشهور بين العلماء والأظهر جواز ذلك واستحبابه فإنه خير لا شر فيه وهو يفوت ~~إذا ترك وإنما نهى عن قصد الصلاة وتحريها في ذلك الوقت لما فيه من مشابهة ~~الكفار بقصد السجود ذلك الوقت فما لا ms1848 سبب له قد قصد فعله في ذلك الوقت وإن ~~لم يقصد الوقت بخلاف ذي السبب فإنه فعل لأجل السبب فلا تأثير فيه للوقت ~~بحال ونهى النبي عن الصلاة في المقبرة عموما فقال الأرض كلها مسجد ~~إلاالمقبرة والحمام رواه أهل السنن وقد روي مسندا ومرسلا وقد صحح الحفاظ ~~أنه مسند فإن الحمام مأوى الشياطين والمقابر نهى عنها PageV17P502 لما فيه ~~من التشبه بالمتخذين القبور مساجد وإن كان المصلي قد لا يقصد الصلاة لأجل ~~فضيلة تلك البقعة بل اتفق له ذلك # لكن فيه تشبه بمن يقصد ذلك فنهى عنه كما ينهى عن الصلاة المطلقة وقت ~~الطلوع والغروب وإن لم يقصد فضيلة ذلك الوقت لما فيه من التشبه بمن يقصد ~~فضيلة ذلك الوقت وهم المشركون فنهيه عن الصلاة في هذا الزمان كنهيه عن ~~الصلاة في ذلك المكان فلما كان الشرك الذي أضل أكثر بني آدم أصله وأعظمه من ~~عبادة البشر والتماثيل المصورة على صورهم فإن المشركين قد اعتادوا آلهة ~~يلدون ويولدون ويرثون ويورثون ويكونون من شيء من الأشياء فسألوا النبي عن ~~إلهه الذي يعبده من أي شيء هو أمن كذا أم من كذا وممن ورث الدنيا ولمن ~~يورثها فقال تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد @QE@ # وفي حديث أبي بن كعب لأنه ليس أحد يولد إلا يموت ولا أحد يرث إلا يورث ~~يقول كل من عبد من دون الله قد ولد مثل المسيح والعزيز وغيرهما من الصالحين ~~وتماثيلهم ومثل الفراعنة المدعين الآلهية فهذا مولود يموت وهو إن كان ورث ~~من غيره ما هو فيه فإذا مات ورثه غيره والله سبحانه حي لا يموت ولا يورث ~~سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على محمد PageV17P503 # سورة الفلق $ وقال شيخ الإسلام # ناصر السنة قامع البدعة تقي الدين أحمد بن تيمية نفعنا المولى بعلومه وهو ~~مما كتبه في القلعة # | فصل # في @QB@ قل أعوذ برب الفلق @QE@ # قال تعالى ( ^ فالق الحب و النوى ^ ( و قال تعالى ( ^ فالق الإصباح و جعل ~~الليل سكنا ms1849 ^ ( و الفلق فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض فكل ما فلقه ~~الرب فهو فلق قال الحسن الفلق كل ما إنفلق عن شيء كالصبح و الحب و النوى # قال الزجاج و إذا تأملت الخلق بان لك أن أكثره عن إنفلاق PageV17P504 ~~كالأرض بالنبات و السحاب بالمطر # و قد قال كثير من المفسرين الفلق الصبح فإنه يقال هذا أبين من فلق الصبح ~~و فرق الصبح # و قال بعضهم الفلق الخلق كله و أما من قال أنه و اد فى جهنم أو شجرة فى ~~جهنم أو أنه إسم من أسماء جهنم فهذا أمر لا تعرف صحته لا بدلالة الإسم عليه ~~و لا بنقل عن النبى صلى الله عليه و سلم و لا فى تخصيص ربوبيته بذلك حكمة ~~بخلاف ما إذا قال رب الخلق أو رب كل ما إنفلق أو رب النور الذي يظهره على ~~العباد بالنهار فإن في تخصيص هذا بالذكر ما يظهر به عظمة الرب المستعاذ به ~~و إذا قيل الفلق يعم و يخص فبعمومه للخلق أستعيذ من شر ما خلق و بخصوصه ~~للنور النهاري أستعيذ من شر غاسق إذا و قب # فإن الغاسق قد فسر بالليل كقوله ( @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل @QE@ ( و هذا قول أكثر المفسرين و أهل اللغة قالوا و معنى ( ^ و قب ^ ~~( دخل في كل شيء قال الزجاج ( ^ الغاسق ^ ( البارد و قيل الليل غاسق لأنه ~~أبرد من النهار و قد روى الترمذي و النسائي عن عائشة ( أن النبى صلى الله ~~عليه و سلم نظر إلى القمر فقال يا عائشة تعوذي بالله من شره فإنه الغاسق ~~إذا و قب ( و روي PageV17P505 من حديث أبي هريرة مرفوعا ( أن الغاسق النجم ~~( و قال إبن زيد هو الثريا و كانت الأسقام و الطواعين تكثر عند و قوعها و ~~ترتفع عند طلوعها و هذا المرفوع قد ظن بعض الناس منافاته لمن فسره بالليل ~~فجعلوه قولا آخر ثم فسروا و قوبه بسكونه # قال إبن قتيبة و يقال الغاسق القمر إذا كسف و أسود ms1850 و معنى و قب دخل فى ~~الكسوف و هذا ضعيف فإن ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعارض بقول ~~غيره و هو لا يقول إلا الحق و هو لم يأمر عائشة بالإستعاذة منه عند كسوفه ~~بل مع ظهوره و قد قال الله تعالى ( ^ و جعلنا الليل و النهار آيتين فمحونا ~~آية الليل و جعلنا آية النهار مبصرة ^ ( فالقمر آية الليل و كذلك النجوم ~~إنما تطلع فترى بالليل فأمره بالإستعاذة من ذلك أمر بالإستعاذة من آية ~~الليل و دليله و علامته و الدليل مستلزم للمدلول فإذا كان شر القمر موجودا ~~فشر الليل موجود و للقمر من التأثير ما ليس لغيره فتكون الإستعاذة من الشر ~~الحاصل عنه أقوى و يكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى ( هو مسجدي ~~هذا ( مع أن الآية تتناول مسجد قباء قطعا و كذلك قوله عن أهل الكساء ( ~~هؤلاء أهل بيتى ( مع أن القرآن يتناول نساءه فالتخصيص لكون المخصوص أولى ~~بالوصف فالقمر أحق ما يكون بالليل بالإستعاذة و الليل مظلم تنتشر فيه ~~شياطين ا PageV17P506 لإنس و الجن مالا تنتشر بالنهار و يجري فيه من أنواع ~~الشر ما لا يجري بالنهار من أنواع الكفر و الفسوق و العصيان و السحر و ~~السرقة و الخيانة و الفواحش و غير ذلك فالشر دائما مقرون بالظلمة و لهذا ~~إنما جعله الله لسكون الآدميين و راحتهم لكن شياطين الإنس و الجن تفعل فيه ~~من الشر ما لا يمكنها فعله بالنهار و يتوسلون بالقمر و بدعوته و القمر و ~~عبادته و أبو معشر البلخي له ( مصحف القمر ( يذكر فيه من الكفريات و ~~السحريات ما يناسب الإستعاذة منه # فذكر سبحانه الإستعاذة من شر الخلق عموما ثم خص الأمر بالإستعاذة من شر ~~الغاسق إذا و قب و هو الزمان الذي يعم شره ثم خص بالذكر السحر و الحسد # فالسحر يكون من الأنفس الخبيثة لكن بالإستعانة بالأشياء كالنفث فى العقد ~~و الحسد يكون من الأنفس الخبيثة أيضا إما بالعين و إما بالظلم ms1851 باللسان و ~~اليد و خص من السحر النفاثات فى العقد و هن النساء و الحاسد الرجال فى ~~العادة و يكون من الرجال و من النساء # و الشر الذي يكون من الأنفس الخبيثة من الرجال و النساء هو شر منفصل عن ~~الإنسان ليس هو فى قلبه كالوسواس الخناس # و فى سورة الناس ذكر ( الوسواس الخناس ( فإنه مبدأ الأفعال PageV17P507 ~~المذمومة من الكفر و الفسوق و العصيان ففيها الإستعاذة من شر ما يدخل ~~الإنسان من الأفعال التى تضره من الكفر و الفسوق و العصيان و قد تضمن ذلك ~~الإستعاذة من شر نفسه # وسورة الفلق فيها الإستعاذة من شر المخلوقات عموما و خصوصا و لهذا قيل ~~فيها برب الفلق و قيل فى هذه برب الناس فإن فالق الإصباح بالنور يزيل بما ~~في نوره من الخير ما فى الظلمة من الشر و فالق الحب و النوى بعد إنعقادهما ~~يزيل ما فى عقد النفاثات فإن فلق الحب و النوى أعظم من حل عقد النفاثات و ~~كذلك الحسد هو من ضيق الإنسان و شحه لا ينشرح صدره لانعام الله عليه فرب ~~الفلق يزيل ما يحصل بضيق الحاسد و شحه و هو سبحانه لا يفلق شيئا إلا بخير ~~فهو فالق الإصباح بالنور الهادي و السراج الوهاج الذي به صلاح العباد و ~~فالق الحب و النوى بأنواع الفواكه و الأقوات التى هي رزق الناس و دوابهم و ~~الإنسان محتاج إلى جلب المنفعة من الهدي و الرزق و هذا حاصل بالفلق و الرب ~~الذي فلق للناس ما تحصل به منافعهم يستعاذ به مما يضر الناس فيطلب منه تمام ~~نعمته بصرف المؤذيات عن عبده الذي إبتدأ بإنعامه عليه و فلق الشيء عن الشيء ~~هو دليل على تمام القدرة و إخراج الشيء من ضده كما يخرج الحي من الميت و ~~الميت من الحي و هذا من نوع الفلق فهو سبحانه قادر على دفع الضد المؤذي ~~بالضد النافع # PageV17P508 & سورة الناس # و قال رحمه الله $ فصل في ( @QB@ قل أعوذ برب الناس @QE@ ( إلى آخرها # قوله ms1852 ( من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس فى صدور الناس من الجنة و الناس ~~( فيها أقوال و لم يذكر ابن الجوزي إلا قولين و لم يذكر الثالث و هو الصحيح ~~و هو أن قوله من الجنة و الناس لبيان الوسواس أي الذي يوسوس من الجنة و من ~~الناس فى صدور الناس فإن الله تعالى قد أخبر أنه جعل لكل نبى عدوا شياطين ~~الإنس و الجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا و إيحاؤهم هو و سوستهم و ~~ليس من شرط الموسوس أن يكون مستترا عن البصر بل قد يشاهد قال تعالى ( ^ ~~فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما و وري عنهما من سوآتهما و قال مانها كما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين و قاسمهما ~~إني لكما لمن الناصحين ^ ( و هذا كلام من يعرف قائله ليس شيئا يلقي فى ~~القلب لا يدري ممن هو و إبليس قد أمر بالسجود لآدم فأبى و إستكبر فلم يكن ~~ممن لا يعرفه آدم و هو و نسله يرون بني آدم من حيث لا يرونهم و أما آدم فقد ~~رآه PageV17P509 # و قد يرى الشياطين و الجن كثير من الإنس لكن لهم من الإجتنان و الإستتار ~~ما ليس للإنس و قد قال تعالى ( و إذ زين لهم الشيطان أعمالهم و قال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس و إني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه و قال ~~إنى برئ منكم ( وفى التفسير و السيرة أن الشيطان جاءهم فى صورة بعض الناس و ~~كذلك قوله ( ^ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان إكفر فلما كفر قال إنى برىء منك ~~إنى أخاف الله رب العالمين ^ ( # و فى حديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ( نعوذ بالله من ~~شياطين الإنس و الجن قلت أو للإنس شياطين قال نعم شر من شياطين الجن ( # وأيضا فالنفس لها و سوسة كما قال تعالى ( ^ و لقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ~~توسوس به نفسه ^ ( فهذا ms1853 توسوس به نفسه لنفسه كما يقال حديث النفس قال النبى ~~صلى الله عليه و سلم ( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم ~~به أو تعمل به ( أخرجاه فى الصحيحين # فالذي يوسوس فى صدور الناس نفسه و شياطين الجن و شياطين الإنس # و الوسواس الخناس يتناول و سوسة الجنة و وسوسة الإنس و الا PageV17P510 ~~أي معنى للإستعاذة من و سوسة الجن فقط مع أن و سوسة نفسه و شياطين الإنس هي ~~مما تضره و قد تكون أضر عليه من و سوسة الجن # وأما قول الفراء أن المراد من شر الوسواس الذي يوسوس فى صدور الناس ~~الطائفتين من الجن و الإنس و أنه سمى الجن ناسا كما سماهم رجالا و سماهم ~~نفرا فهذا ضعيف فإن لفظ الناس أشهر و أظهر و أعرف من أن يحتاج إلى تنويعه ~~إلى الجن و الإنس و قد ذكر الله تعالى لفظ الناس فى غير موضع # وأيضا فكونه يوسوس في صدور الطائفين صفة توضيح وبيان وليس وسوسة الجن ~~معروفة عند الناس وإنما يعرف هذا بخبر ولا خبر هنا ثم قد قال ^ من الجنة ~~والناس ^ فكيف يكون لفظ الناس عاما للجنة والناس وكيف يكون قسيم الشيء قسما ~~منه فهو يجعل الناس قسيم الجن ويجعل الجن نوعا من الناس وهذا كما يقول أكرم ~~العرب من العجم والعرب فهل يقول هذا واحد وإذا سماهم الله تعالى رجالا لم ~~يكن في هذا دليل على أنهم يسمون ناسا وإن قدر الله تعالى رجالا لم يكن في ~~هذا دليل على أنهم يسمون ناسا وإن قدر أنه يقال جاء ناس من الجن فذاك من ~~التقيد كما يقال إنسان من طين وماء دافق ولا يلزم من هذا أن يدخلوا في لفظ ~~الناس وقد قال تعالى ^ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقم من نفس ~~PageV17P511 واحدة وخلق منها زوجها ^ فالناس كلهم مخلوقون من آدم وحواء مع ~~أنه سبحانه يخاطب الجن والإنس # والرسول صلى الله عليه و سلم مبعوث إلى الجنسين لكن لفظ ms1854 الناس لم يتناول ~~الجن و لكن يقول يا معشر الجن و الإنس # و كذلك قول الزجاج أن المعنى ( ^ من شر الوسواس ^ ( الذي هو الجنة و من ~~شر الناس فيه ضعف و إن كان أرجح من الأول لأن شر الجن أعظم من شر الإنس ~~فكيف يطلق الإستعاذة من جميع الناس و لا يستعيذ إلا من بعض الجن # و أيضا فالوسواس الخناس إن لم يكن إلا من الجنة فلا حاجة إلى قوله ( ^ من ~~الجنة @QB@ و من @QE@ الناس ^ ( فلماذا يخص الإستعاذة من و سواس الجنة دون ~~و سواس الناس # و أيضا فإنه إذا تقدم المعطوف إسما كان عطفه على القريب أولى كما أن عود ~~الضمير إلى الأقرب أولى إلا إذا كان هناك دليل يقتضي العطف على البعيد فعطف ~~الناس هنا على الجنة المقرون به أولى من عطفه على الوسواس PageV17P512 و ~~يكفي أن المسلمين كلهم يقرأون هذه السورة من زمن نبيهم و لم ينقل هذان ~~القولان إلا عن بعض النحاة و الأقوال المأثورة عن الصحابة و التابعين لهم ~~بإحسان ليس فيها شيء من هذا بل إنما فيها القول الذي نصرناه كما فى تفسير ~~معمر عن قتادة ( من الجنة و الناس ( قال إن فى الجن شياطينا و إن فى الإنس ~~شياطينا فنعوذ بالله من شياطين الإنس و الجن فبين قتادة أن المعنى ~~الإستعاذة من شياطين الإنس و الجن # و روى إبن و هب عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم فى قوله ( @QB@ الوسواس ~~الخناس @QE@ ( قال الخناس الذي يوسوس مرة و يخنس مرة من الجن و الإنس فبين ~~إبن زيد أن الوسواس الخناس من الصنفين و كان يقال شياطين الإنس أشد على ~~الناس من شياطين الجن شيطان الجن يوسوس و لا تراه و هذا يعاينك معانية # وعن إبن جريج ( ^ من الجنة و الناس ^ ( قال أنهما و سواسان فوسواس من ~~الجنة فهو ( @QB@ الخناس @QE@ ( و وسواس من نفس الإنسان فهو قوله ( و الناس ~~( و هذا القول الثالث و إن كان يشبه قول الزجاج فهذا أحسن منه فإنه جعل من ms1855 ~~الناس الوسواس الذي من نفس الإنسان فمعناه أحسن ذكر الثلاثة إبن أبي حاتم ~~في تفسيره PageV17P513 و أيضا فإنه ذكر في الآية ( @QB@ رب الناس ملك الناس ~~إله الناس @QE@ ( فإن كان المقصود أن يستعيذ الناس بربهم و ملكهم و إلههم ~~من شر ما يوسوس فى صدورهم فإنه هو الذي يطلب منه الخير الذي ينفعهم و يطلب ~~منه دفع الشر الذي يضرهم و الوسواس أصل كل شر يضرهم لأنه مبدأ للكفر و ~~الفسوق و العصيان و عقوبات الرب إنما تكون على ذنوبهم و إذا لم يكن لأحدهم ~~ذنب فكل ما يصيبه نعمة فى حقه و إذا إبتلى بما يؤلمه فإن الله يرفع درجته و ~~يأجره إذا قدر عدم الذنوب مطلقا لكن هذا ليس بواقع منهم فإن كل بنى آدم ~~خطاء و خير الخاطئين التوابون و قد قال تعالى ( ^ و حملها الإنسان انه كان ~~ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين و المنافقات و المشركين و المشركات و ~~يتوب الله على المؤمنين و المؤمنات ^ ( # فغاية المؤمنين الأنبياء فمن دونهم هي التوبة قال الله تعالى ( @QB@ ~~فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم @QE@ ( و قال نوح ( ~~رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم و الا تغفر لي و ترحمني أكن من ~~الخاسرين ( و قال إبراهيم و إسماعيل ( ^ ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ~~ذريتنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم ^ ( ~~و قال موسى ( ^ أنت و لينا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الغافرين ^ ( و ~~دعاء نبينا بمثل ذلك كثير معروف # PageV17P514 # فكان الوسواس مبدأ كل شر فإن كانوا قد إستعاذوا بربهم و ملكهم و الههم من ~~شره فقد دخل في ذلك و سواس الجن و الإنس و سائر شر الإنس إنما يقع بذنوبهم ~~فهو جزاء على أعمالهم كالشر الذي يقع من الجن بغير الوسواس و كما يحصل من ~~العقوبات السماوية و هم لم يستعيذوا هنا من شر المخلوقات مطلقا كما ~~إستعاذوا فى ms1856 سورة الفلق بل من الشر الذي يكون مبدؤه فى نفوسهم و إن كان ذكر ~~رب الناس ملك الناس إله الناس يستعيذوا به ليعيذهم و ليعيذ منهم و هذا أعم ~~المعنيين فذلك يحصل بإعاذته من شر الوسواس الموسوس في صدور الناس فإنه هو ~~الذي يوسوس بظلم الناس بعضهم بعضا و بإغواء بعضهم بعضا و بإعانة بعضهم بعضا ~~على الإثم و العدوان # فما حصل لإنسي شر من إنسي إلا كان مبدؤه من الوسواس الخناس و إلا فما ~~يحصل من أذي بعضهم لبعض إذا لم يكن من الوسواس بل كان من الوحي الذي بعث ~~الله به ملائكته كان عدلا كإقامة الحدود و جهاد الكفار و الإقتصاص من ~~الظالمين فهذه الأمور فيها ضرر و أذي للظالمين من الإنس لكن هي بوحي الله ~~لا من الوسواس و هي نعمة من الله في حق عباده حتى فى حق المعاقب فإنه إذا ~~عوقب كان ذلك كفارة له إن كان مؤمنا و إلا كان تخفيفا لعذابه في الآخرة ~~بالنسبة إلى عذاب من لم يعاقب في الدنيا PageV17P515 و لهذا كان محمد صلى ~~الله عليه و سلم رحمة فى حق العالمين بإعتبار ما حصل من الخير العام به و ~~ما حصل للمؤمنين به من سعادة الدنيا و الاخرة و بإعتبار أنه فى نفسه رحمة ~~فمن قبلها و إلا كان هو الظالم لنفسه و بإعتبار أنه قمع الكفار و المنافقين ~~فنقص شرهم و عجزوا عما كانوا كانوا يفعلونه بدونه و قتل من قتل منهم فكان ~~تعجيل موته خيرا من طول عمره فى الكفر له و للناس فكان محمد صلى الله عليه ~~و سلم رحمة للعالمين بكل إعتبار فلا يستعاذ منه و من أمثاله من الأنبياء و ~~أتباعهم المؤمنين و هم من الناس و إن كانوا يفعلون بأعدائهم ما هو أذي و ~~عقوبة و ألم لهم فلم تبق الإستعاذة من الناس إلا مما يأتى به الوسواس إليهم ~~فيستعاذ برب الناس ملك الناس إله الناس على هذا التقدير من شر الوسواس الذي ~~يوسوس ms1857 للمستعيذ و من شر الوسواس الذي يوسوس لسائر الناس حتى لا تحصل منهم ~~شر للمستعيذ فإذا لم يكن للناس شر إلا من الوسواس كانت الإستعاذة من شر ~~الذي يوسوس لهم تحصيلا للمقصود و كان حسما للمادة و أقرب إلى العدل و كان ~~مخرجا لأنبياء الله و أوليائه أن يستعاذ من شرهم و أن يقرنوا بالوسواس ~~الخناس و يكون ذلك تفضيلا للجن على الإنس و هذا لا يقوله عاقل # فإن قيل فإن كان أصل الشر كله من الوسواس الخناس فلا حاجة PageV17P516 ~~الى ذكر الإستعاذة من و سواس الناس فإنه تابع لوسواس الجن # قيل بل الوسوسة نوعان نوع من الجن و نوع من نفوس الإنس كما قال ( ^ و لقد ~~خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه ^ ( فالشرمن الجهتين جميعا و الإنس ~~لهم شياطين كما للجن شياطين و الوسوسة من جنس الوشوشة بالشين المعجمة يقال ~~فلان يوشوش فلانا و قد و شوشه إذا حدثه سرا فى أذنه و كذلك الوسوسة و منه و ~~سوسة الحلي لكن هو بالسين المهملة أخص # ( و رب الناس ( الذي يربيهم بقدرته و مشيئته و تدبيره و هو رب العلمين ~~كلهم فهو الخالق للجميع و لأعمالهم # و ( @QB@ ملك الناس @QE@ ( الذي يأمرهم و ينهاهم فإن الملك يتصرف بالكلام ~~و الجماد لا ملك له فإنه لا يعقل الخطاب لكن له مالك و إنما يكون الملك لمن ~~يفهم عنه و الحيوان يفهم بعضه عن بعض كما قال ( @QB@ علمنا منطق الطير @QE@ ~~( ^ و قالت نملة يا أيها النمل ^ ( فلهذا كان له ملك من جنسه و من غير جنسه ~~كما كان سليمان ملكهم و الإله هو المعبود الذي هو المقصود بالإرادات و ~~الأعمال كلها كما قد بسط الكلام على ذلك # و قد قيل إنما خص الناس بالذكر لأنهم مستعيذون أو لأنهم PageV17P517 ~~المستعاذ من شرهم ذكرهما أبو الفرج و ليس لهما و جه فإن و سواس الجن أعظم و ~~لم يذكره بل ذكر الناس لأنهم المستعيذون فيستعيذون بربهم الذي يصونهم و ~~بملكهم الذي أمرهم و ms1858 نهاهم و بإلههم الذي يعبدونه من شر الذي يحول بينهم و ~~بين عبادته و يستعيذون أيضا من شر الوسواس الذي يحصل فى نفوس الناس منهم و ~~من الجنة فإنه أصل الشر الذي يصدر منهم و الذي يرد عليهم # $ فصل وبهذا يتبين بعض هذه الإستعاذة و التى قبلها كما جاءت بذلك ~~الأحاديث عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه لم يستعذ المستعيذون بمثلهما ~~فإن الوسواس أصل كل كفر و فسوق و عصيان فهو أصل الشر كله فمتى و قي الإنسان ~~شره و قي عذاب جهنم و عذاب القبر و فتنة المحيا و الممات و فتنة المسيح ~~الدجال فإن جميع هذه إنما تحصل بطريق الوسواس و وقي عذاب الله فى الدنيا و ~~الآخرة فإنه إنما يعذب على الذنوب و أصلها من الوسواس ثم إن دخل فى الآية و ~~سواس غيره بحيث يكون قوله ( @QB@ من شر الوسواس @QE@ ( إستعاذة من الوسواس ~~الذي يعرض له و الذي يعرض للناس بسببه فقد و قي ظلمهم و إن كان PageV17P518 ~~إنما يريد و سواسه منهم إنما يسلطون عليه بذنوبه و هي من و سواسه قال تعالى ~~( ^ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليهما قلتم ^ أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم ( و قال ( ^ و ما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ^ ( و قال ( ^ ~~ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ ( # والوسواس من جنس الحديث و الكلام و لهذا قال المفسرون فى قوله ( ما توسوس ~~به نفسه ( قالوا ما تحدث به نفسه و قد قال صلى الله عليه و سلم ( إن الله ~~تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به ( # و هو نوعان خبر و إنشاء # فالخبر إما عن ماض و إما عن مستقبل فالماضي يذكره به و المستقبل يحدثه ~~بأن يفعل هو أمورا أو أن أمورا ستكون بقدر الله أو فعل غيره فهذه الأماني و ~~المواعيد الكاذبة و الإنشاء امر و نهي و إباحة # والشيطان تارة ms1859 يحدث و سواس الشر و تارة ينشيء الخير و كان ذلك بما يشغله ~~به من حديث النفس قال تعالى في النسيان PageV17P519 ( ^ و أما ينسينك ~~الشيطان فلا تقعد بعد الذكري مع القوم الظالمين ^ ( و قال فتى موسى ( ^ ~~فإني نسيت الحوت و ما أنسانيه إلا الشيطان ^ ( و قال تعالى ( @QB@ فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه @QE@ ( # و ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( إذا أذن ~~المؤذن أدبر الشيطان و له ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين أقبل ~~فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء و نفسه ~~فيقول أذكر كذا أذكر كذا لما لم يذكر حتى يظل الرجل لم يدر كم صلى ( ~~فالشيطان ذكره بأمور ماضية حدث بها نفسه مما كانت فى نفسه من أفعاله و من ~~غير أفعاله فبتلك الأمور نسي المصلي كم صلى و لم يدر كم صلى فإن النسيان ~~أزال ما في النفس من الذكر و شغلها بأمر آخر حتى نسي الأول # و أما إخباره بما يكون فى المستقبل من المواعيد و الأماني فكقوله ( ^ و ~~قال الشيطان لما قضي الأمر ان الله و عدكم و عد الحق و وعدتكم فأخلفتكم و ~~ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلومونى و لوموا ~~أنفسكم ^ ( و فى هذه الآية أمره و وعده و قال تعالى ( ^ و من يتخذ الشيطان ~~و ليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم و يمنيهم و ما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا أولئك مأواهم جهنم PageV17P520 و لا يجدون عنها محيطا ^ ( و قال ~~تعالى ( ^ الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء و الله يعدكم مغفرة منه و ~~فضلا و الله و اسع عليم ^ ففي هذه أيضا أمره و وعده و قال موسى لما قتل ~~القبطي ( ^ هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين ) ^ ) # وقد قال غير و أحد من الصحابة كأبي بكر و إبن مسعود فيما يقولونه ~~بإجتهادهم إن كان صوابا فمن الله وإن كان ms1860 خطأ فمني و من الشيطان فجعلوا ما ~~يلقي في النفس من الإعتقادات التى ليست مطابقة من الشيطان و إن لم يكن ~~صاحبها آثما لأنه إستفرغ و سعه كما لا يأثم بالوسواس الذي يكون فى الصلاة ~~من الشيطان و لا بما يحدث به نفسه و قد قال المؤمنون ( ^ ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطانا ^ ( و قد قال الله قد فعلت # والنسيان للحق من الشيطان و الخطأ من الشيطان قال تعالى ( ^ و إذا رأيت ~~الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره و اما ينسينك ~~الشيطان فلا تقعد بعد الذكري مع القوم الظالمين ^ ( و قد قال صلى الله عليه ~~و سلم ( ^ من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ^ ( و لما نام هو و ~~أصحابه عن الصلاة فى غزوة خيبر قال لأصحابه ( إرتحلوا فإن هذا مكان حضرنا ~~فيه شيطان ( و قال ( إن الشيطان أتى بلالا فجعل يهديه كما يهدي الصبي حتى ~~نام ( PageV17P521 و كان النبى صلى الله عليه و سلم و كل بلالا أن يوقظهم ~~عند الفجر و النوم الذي يشغل عما أمر به و النعاس من الشيطان و إن كان ~~معفوا عنه و لهذا قيل النعاس فى مجلس الذكر من الشيطان و كذلك الإحتلام فى ~~المنام من الشيطان و النائم لا قلم عليه # وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( الرؤيا ~~ثلاثة رؤيا من الله و رؤيا من الشيطان و رؤيا ما يحدث به المرء نفسه فى ~~اليقظة فيراه فى النوم ( و قد قيل أن هذا من كلام إبن سيرين لكن تقسيم ~~الرؤيا إلى نوعين نوع من الله و نوع من الشيطان صحيح عن النبى صلى الله ~~عليه و سلم بلا ريب فهذان النوعان من و سواس النفس و من و سواس الشيطان و ~~كلاهما معفو عنه فإن النائم قد لرفع القلم عنه و وسواس الشيطان يغشي القلب ~~كطيف الخيال فينسيه ما كان معه من الإيمان حتى يعمى عن الحق ms1861 فيقع فى الباطل ~~فإذا كان من المتقين [ كان ] كما قال الله ( @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون @QE@ ( فإن الشيطان مسهم بطيف منه ~~يغشي القلب و قد يكون لطيفا و قد يكون كثيفا إلا أنه غشاوة على القلب تمنعه ~~إبصار الحق قال النبى صلى الله عليه و سلم ( إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه ~~نكتة سوداء فإن تاب و نزع و استغفر صقل قلبه و إن زاد زيد فيها حتى تعلو ~~قلبه فذلك PageV17P522 الران الذي قال الله تعالى ( @QB@ كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ ( # لكن طيف الشيطان غير رين الذنوب هذا جزاء على الذنب و الغين ألطف من ذلك ~~كما فى الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم قال ( أنه ليغان على قلبي و ~~إني لأستغفر الله فى اليوم سبعين مرة ( فالشيطان يلقي فى النفس الشر و ~~الملك يلقي الخير و قد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ~~( ما منكم من أحد إلا و قد كل به قرينه من الملائكة و قرينه من الجن قالوا ~~و إياك يا رسول الله قال و إياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ( و في ~~رواية ( فلا يأمرني إلا بخير ( أي إستسلم و إنقاد # و كان إبن عيينة يرويه فأسلم بالضم و يقول إن الشيطان لا يسلم لكن قوله ~~فى الرواية الأخرى فلا يأمرنى إلا بخير دل على أنه لم يبق يأمره بالشر و ~~هذا إسلامه و إن كان ذلك كناية عن خضوعه و ذلته لا عن إيمانه بالله كما ~~يقهر الرجل عدوه الظاهر و يأسره و قد عرف العدو المقهور أن ذلك القاهر يعرف ~~ما يشير به عليه من الشر فلا يقبله بل يعاقبه على ذلك فيحتاج لإنقهاره معه ~~إلى أنه لا يشير عليه إلا بخير لذلته و عجزه لا لصلاحه و دينه و لهذا قال ~~صلى الله عليه و سلم ( إلا أن الله أعانني عليه فلا يأمرنى ms1862 إلا بخير ( و ~~قال إبن مسعود أن للملك لمة و أن الشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير ~~PageV17P523 و تصديق بالحق و لمة الشيطان إيعاد بالشر و تكذيب بالحق و قد ~~قال تعالى ( @QB@ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه @QE@ ( أي يخوفكم أولياؤه ~~بما يقذف فى قلوبكم من الوسوسة المرعبة كشيطان الإنس الذي يخوف من العدو ~~فيرجف و يخذل # وعكس هذا قوله تعالى ( @QB@ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب @QE@ ( و قال تعالى ( ^ يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا و فى الآخرة ^ ( و قال ~~تعالى ( ^ و لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ^ ( و التثبت ~~جعل الإنسان ثابتا لأمر تابا و ذلك بإلقاء ما يثبته من التصديق بالحق و ~~الوعد بالخير كما قال إبن مسعود لمة الملك و عد بالخير و تصديق بالحق فمتى ~~علم القلب أن ما أخبر به الرسول حق صدقه و إذا علم أن الله قد و عده ~~بالتصديق و ثق بوعد الله فثبت فهذا يثبت بالكلام كما يثبت الإنسان الإنسان ~~فى أمر إضطرب فيه بأن يخبره بصدقه و يخبره بما يبين له أنه منصور فيثبت و ~~قد يكون التثبت بالفعل بأن يمسك القلب حتى يثبت كما يمسك الإنسان الإنسان ~~حتى يثبت # وفي الحديث عن النبى صلى الله عليه و سلم ( من سأل القضاء و إستعان عليه ~~و كل إليه و من لم يسأل القضاء و لم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده ~~( فهذا الملك يجعله سديد القول بما يلقي PageV17P524 فى قلبه من التصديق ~~بالحق و الوعد بالخير و قد قال تعالى ( ^ هو الذي يصلي عليكم و ملائكته ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور ^ ( فدل ذلك على أن هذه الصلاة سبب لخروجهم ~~من الظلمات إلى النور و قد ذكر إخراجه للمؤمنين من الظلمات إلى النور فى ~~غير آية كقوله ( الله و لي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور و ~~الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من ms1863 النور إلى الظلمات ( و قال ( هو ~~الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ( و قال ( ~~كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ( و في ~~الحديث ( إن الله و ملائكته يصلون على معلمي الناس الخير ( و ذلك أن هذا ~~بتعليمه الخير يخرج الناس من الظلمات إلى النور و الجزاء من جنس العمل و ~~لهذا كان الرسول أحق الناس بكمال هذه الصلاة كما قال تعالى ( ^ إن الله و ~~ملائكته يصلون على النبى ^ ( # والصلاة هي الدعاء إما بخير يتضمن الدعاء و إما بصيغة الدعاء فالملائكة ~~يدعون للمؤمنين كما فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ( و ~~الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم ~~يحدث ( فبين أن صلاتهم قولهم اللهم أغفر له اللهم إرحمه # و في الأثر ( أن الرب يصلي فيقول سبقت أو غلبت رحمتنى غضبي PageV17P525 و ~~هذا كلامه سبحانه هو خبر و إنشاء يتضمن أن الرحمة تسبق الغضب و تغلبه و هو ~~سبحانه لا يدعو غيره أن يفعل كما يدعوه الملائكة و غيرهم من الخلق بل طلبه ~~بأمره و قوله و قسمه كقوله لأفعلن كذا و قوله كن فيكون و قوله لأفعلن كذا ~~قسم منه كقوله ( ^ لأملأن جهنم منك و ممن تبعك ^ ( و قوله ( ^ و لكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين ^ ( و قوله ( ^ و عد الله ~~الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما إستخلف الذين ~~من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي إرتضي لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~^ ( و قوله ( ^ كتب الله لأغلبن انا و رسلي إن الله قوي عزيز ^ ( و هذا و ~~عد مؤكد بالقسم بخلاف قوله ( ^ إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا فى الحياة ~~الدنيا ^ ( فإن هذا و عد و خبر ليس فيه قسم لكنه مؤكد باللام التى يمكن أن ~~تكون جواب قسم و قوله ( ^ و عدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ms1864 ^ ( و قوله ( ^ ~~و إذ يعدكم الله إحدي الطائفتين ^ ( و نحو ذلك و عد مجرد # وقد قال تعالى ( ^ و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا و حيا أو من و راء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ^ ( فأخبر أنه يوحي إلى البشر تارة ~~و حيا منه و تارة يرسل رسولا فيوحي إلى الرسول بإذنه ما يشاء # PageV17P526 # والملائكة رسل الله و لفظ الملك يتضمن معنى الرسالة فإن أصل الكلمة ملأك ~~لى و زن مفعل لكن لكثرة الإستعمال خففت بأن ألقيت حركة الهمزة على الساكن ~~قبلها و حذفت الهمزة و ملاك مأخوذ من المألك و الملأك بتقديم الهمزة على ~~اللام و اللام على الهمزة و هو الرسالة و كذلك الألوكة بتقديم الهمزة على ~~اللام قال الشاعر % أبلغ النعمان عني مألكا % أنه قد طال حبسي و إنتظاري % ~~$ وهذا بتقديم الهمزة لكن الملك هو بتقديم اللام على الهمزة و هذا أجود فإن ~~نظيره في الإشتقاق الأكبر لاك يلوك إذا لاك الكلام و اللجام و الهمز أقوي ~~من الواو و يليه فى الإشتقاق الأوسط أكل يأكل فإن الآكل يلوك ما يدخله فى ~~جوفه من الغذاء و الكلام و العلم ما يدخل فى الباطن و يغذي به صاحبه قال ~~عبدالله بن مسعود أن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته و أن مأدبة الله القرآن و ~~الآدب المضيف و المأدبة الضيافة و هو ما يجعل من الطعام للضيف فبين أن الله ~~ضيف عباده بالكلام الذي أنزله إليهم فهو غذاء قلوبهم و قوتها و هو أشد ~~إنتفاعا به و إحتياجا إليه من الجسد بغذائه # و قال علي رضي الله عنه الربانيون هم الذين يغذون الناس بالحكمة ~~PageV17P527 و يربونهم عليها و قد قال صلى الله عليه و سلم ( إني أبيت عند ~~ربي يطعمني و يسقيني ( و قد أخبر الله تعالى أن القرآن شفاء لما فى الصدور ~~و الناس إلى الغذاء أحوج منهم إلى الشفاء فى القلوب و الأبدان و في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه و سلم ms1865 قال ( مثل ما بعثنى الله به من الهدي و ~~العلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة أمسكت الماء فأنبتت الكلأ و ~~العشب الكثير و كانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس و سقوا و زرعوا و ~~كانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء و لا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه ~~في دين الله و نفعه ما بعثنى الله به من الهدي و العلم و مثل من لم يرفع ~~بذلك رأسا و لم يقبل هدي الله الذي أرسلت به ( # فأخبر أن ما بعث به للقلوب كالماء للأرض تارة تشربه فتنبت و تارة تحفظه و ~~تارة لا هذا و لا هذا و الأرض تشرب الماء و تغتذي به حتى يحصل الخير و قد ~~أخبر الله تعالى أنه روح تحيا به القلوب فقال ( ^ و كذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان و لكن جعلناه نورا لنهدي نهدي ~~به من نشاء من عبادنا و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم ^ # وإذا كان ما يوحيه إلى عباده تارة يكون بوساطة ملك و تارة بغير و ساطة ~~فهذا للمؤمنين كلهم مطلقا لا يختص به الأنبياء قال PageV17P528 تعالى ( ^ و ~~أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ^ ( و قال تعالى ( ^ و إذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي و برسولي قالوا آمنا و أشهد بأننا مسلمون ^ ( و إذا ~~كان قد قال ( ^ و أوحي ربك إلى النحل ^ ( الآية فذكر أنه يوحي إليهم فالى ~~الإنسان أولى و قال تعالى ( ^ و أوحي في كل سماء أمرها ^ ( و قد قال تعالى ~~( ^ و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها ^ ( فهو سبحانه يلهم الفجور ~~و التقوى للنفس و الفجور يكون بواسطة الشيطان و هو إلهام و سواس و التقوى ~~بواسطة ملك و هو إلهام و حي هذا أمر بالفجور و هذا أمر بالتقوي و الأمر ~~لابد أن يقترن به خبر # و قد صار في العرف لفظ الإلهام إذا أطلق لا يراد به الوسوسة ms1866 و هذه الآية ~~مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي و بين الوسوسة فالمأمور به أن كان ~~تقوى الله فهو من إلهام الوحي و إن كان من الفجور فهو من و سوسة الشيطان # فيكون الفرق بين الإلهام المحمود و بين الوسوسة المذمومة هو الكتاب و ~~السنة فإن كان مما ألقي في النفس مما دل الكتاب و السنة على أنه تقوى لله ~~فهو من الإلهام المحمود و إن كان مما دل على أنه فجور فهو من الوسواس ~~المذموم و هذا الفرق مطرد لا ينتقض و قد ذكرأبو حازم فى الفرق بين و سوسة ~~النفس و الشيطان فقال ما كرهته PageV17P529 نفسك لنفسك فهو من الشيطان ~~فاستعذ بالله منه و ما أحبته نفسك لنفسك فهو من نفسك فإنهها عنه # وقد تكلم النظار فى العلم الحاصل في القلب عقب النظر و الإستدلال فذكروا ~~فيه ثلاثة أقوال كما ذكر ذلك أبو حامد فى مستصفاه و غيره قول الجهمية و قول ~~القدرية و قول الفلاسفة و كثير من أهل الكلام لا يذكر إلا القولين قول ~~الجهمية و قول القدرية # و ذلك أنهم يذكرون في كتبهم ما يعرفونه من أقوال من يعرفونه تكلم فى هذا ~~و هم لا يعرفون إلا هؤلاء و المسألة هي من فروع القدر فإن الحاصل فى نفس ~~حادث فيها فالقول فيه كالأقوال في أمثاله # و مذهب جهم و من و افقه كأبي الحسن الأشعري و كثير من المتأخرين المثبتة ~~هو مذهب أهل السنة و الجماعة أن الله خالق كل شيء و أن الله خالق أفعال ~~العباد لكنه لا يثبت سببا و لا قدرة مؤثرة و لا حكمة لفعل الرب فأنكر ~~الطبائع و القوي التى في الأعيان و أنكر السباب و الحكم فلهذا لم يجعل لشيء ~~سببا بل يقول هذا حاصل بخلق الله و قدرته و لم يذكروا له سببا و هم صادقون ~~في PageV17P530 إضافته إلى قدره و أنه خالقه خلافا للقدرية لكن من تمام ~~المعرفة إثبات الأسباب و معرفتها # وأما القدرية من ms1867 المعتزلة و غيرهم فبنوه على أصلهم و هو أن كل ما تولد عن ~~فعل العبد فهو فعله لا يضاف إلى غيره كالشبع و الري و زهوق الروح و نحو ذلك ~~فقالوا هذا العلم متولد عن نظر العبد أو تذكر النظر # و المتفلسفة بنوه على أصلهم فى أن ما يحدث من الصور هو من فيض العقل ~~الفعال عند إستعداد المواد القابلة فقالوا يحصل فى نفوس البشر من فيض العقل ~~الفعال عند إستعداد النفس بإستحضار المقدمتين و هذا القول خطأ و الذي قبله ~~أقرب منه و الأول أقرب و ليس فى شيء منها تحقيق الأمر في ذلك # و حقيقته أن الله و كل بالإنس ملائكة و شياطين يلقون فى قلوبهم الخير و ~~الشر فالعلم الصادق من الخير و العقائد الباطلة من الشر كما قال إبن مسعود ~~لمة الملك تصديق بالحق و لمة الشيطان تكذيب بالحق و كما قال النبى صلى الله ~~عليه و سلم فى القاضي ( أنزل الله عليه ملكا يسدده ( و كما أخبر الله أن ~~الملائكة توحي إلى البشر ما توحيه و إن كان البشر لا يشعر بأنه من الملك ~~كما لا يشعر بالشيطان الموسوس PageV17P531 لكن الله أخبر أنه يكلم البشر و ~~حيا و يكلمه بملك يوحي بإذنه ما يشاء و الثالث التلكيم من و راء حجاب و قد ~~قال بعض المفسرين المراد بالوحي هنا الوحي فى المنام و لم يذكر أبو الفرج ~~غيره و ليس الأمر كذلك فإن المنام تارة يكون من الله و تارة يكون من النفس ~~و تارة يكون من الشيطان و هكذا ما يلقي في اليقظة و الأنبياء معصومون فى ~~اليقظة و المنام # ولهذا كانت رؤيا الأنبياء و حيا كما قال إبن عباس و عبيد بن عمير و قرأ ~~قوله ( @QB@ إني أرى في المنام أني أذبحك @QE@ ( و ليس كل من رأي رؤيا كانت ~~و حيا فكذلك ليس كل من ألقي في قلبه شيء يكون و حيا و الإنسان قد تكون نفسه ~~فى يقظته أكمل منها فى نومه ms1868 كالمصلي الذي يناجي ربه فإذا جاز أن يوحي إليه ~~في حال النوم # فلماذا لا يوحي إليه فى حال اليقظة كما أوحي إلى أم موسى و الحواريين و ~~إلى النحل لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه و حي لا في ~~يقظة و لا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك فإن الوسواس غالب على الناس و ~~الله أعلم # PageV17P532 # و قال شيخ الإسلام قدس الله روحه $ فصل فى ( سورة الفلق و الناس ) فى ( ~~الفلق ( أقوال ترجع إلى تعميم و تخصيص فإنه فسر بالخلق عموما و فسر بكل ما ~~يفلق منه كالفجر و الحب والنوى و هو غالب الخلق و فسر بالفجر و أما تفسيره ~~بالنار أو بجب أو شجرة فيها فهذا مرجعه إلى التوقيف # ( و الغاسق ( قد روى فى الحديث المرفوع عائشة فى الترمذي و النسائي ( أن ~~النبى صلى الله عليه و سلم نظر إلى القمر و قال لها يا عائشة تعوذي بالله ~~من هذا فهذا الغاسق إذا و قب ( قال إبن قتيبة ( الغاسق ) القمرإذا كسف ~~فإسود و معنى و قب دخل فى الكسوف # و المشهور عند أهل التفسير و اللغة أن ( ^ الغاسق ^ ( الليل ( ^ و قب ^ ( ~~PageV17P533 دخل فى كل فأظلم و ( الغسق ( الظلمة و قال الزجاج ( الغاسق ( ~~البارد فقيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار أو يقال الغسق السيلان و ~~الإحاطة و غسق الليل سيلانه و إحاطته بالأرض و إذا فسر بالقمر فقد يقال و ~~قوبه أي دخوله و هو دخوله في الكسوف و لا منافاة بين تفسيره بالليل و ~~بالقمر فإن القمر آية الليل فهنا ثلاث مراتب الليل مطلقا ثم القمر مطلقا ثم ~~القمر حال كسوفه # و هذا مناسب لما ذكر فى المستعاذ به فإن عموم الفلق للخلق بإزاء من شر ما ~~خلق و خصوصه بالفجر الذي هو ظهور النور بإزاء الغاسق إذا و قب الذي هو دخول ~~الظلام # و قال إبن زيد الغاسق الثريا إذا سقطت و كانت الأسقام و الطواعين تكثر ~~عند و ms1869 قوعها و قد تقع عند طلوعها و يشبه و الله أعلم أن يكون من الحكمة فى ~~ذلك أن النور هو جنس الخير و الظلمة جنس الشر و فى الليل يقع من الشرور ~~النفسانية ما لا يقع فى النهار و القمر له تأثير في الأرض لا سيما حال ~~كسوفه فإن النبى صلى الله عليه و سلم قال ( إنهما آيتان يخوف الله بهما ~~عباده ( و التخويف إنما يكون بإنعقاد سبب الخوف و لا يكون ذلك إلا عند سبب ~~العذاب أو مظنته فعلم أن الكسوف مظنة حدوث عذاب بأهل الأرض PageV17P534 و ~~لهذا شرع عند الكسوف الصلاة الطويلة و الصدقة و العتاقة و الدعاء لدفع ~~العذاب و كذلك عند سائر الآيات التى هي إنشاء العذاب كالزلزلة و ظهور ~~الكواكب و غير ذلك و هو أقرب الكواكب التى لها تأثير فى الأرض بالترطيب و ~~اليبس و غير ذلك # و لهذا كان الطالبون للمنفعة و المضرة من الكواكب إنما يأخذون الأحداث ~~بحسب سير القمر فإذا كان فى شرفه كالسرطان كان الوقت عندهم سعيدا و إذا كان ~~فى العقرب و هو هبوطه كان نحسا فهذا في علمهم و كذلك فى عملهم من السحر و ~~غيره القمر أقرب المؤثرات حتى صنفوا ( مصحف القمر ( لعبادته و تسبيحه فوقع ~~ترتيب المستعاذ منه في هذه السورة على كمال الترتيب إنتقالا من الأعم ~~الأعلى الأبعد إلى الأخص الأقرب الأسفل فجعلت أربعة أقسام # ( الأول ( من شر المخلوقات عموما و قول الحسن إنه إبليس و ذريته و قول ~~بعضهم إنه جهنم ذكر للشر الذي هو لنا شر محض من الأرواح و الأجسام # ( و الثاني ( شر الغاسق إذا و قب فدخل فيه ما يؤثر من العلويات فى ~~السفليات من الليل و ما فيه من الكواكب كالثريا و سلطانه الذي هو القمر و ~~دخل فى ذلك سحر التمر سحات الذي هو أعلي السحر و أرفعه PageV17P535 ( ~~الثالث ( شر النفاثات فى العقد و هن السواحر اللواتي يتصورون بأفعال في ~~أجسام # ( و الرابع ( الحاسد و هي النفوس المضرة سفها ms1870 فإنتظم بذلك جميع أسباب ~~الشرور ثم خص فى ( سورة الناس ( الشر الصادر من الجن و الإنس و هم الأرواح ~~المضرة # $ فصل وتظهر المناسبة بين السورتين من و جه آخر و هو أن المستعاذ منه هو ~~الشر كما أن المطلوب هو الخير إما من فعل العبد و إما من غير فعله و مبدأ ~~فعله للشر هو الوسواس الذي يكون تارة من الجن و تارة من الإنس و حسم الشر ~~بحسم أصله و مادته أجود من دفعه بعد و قوعه فإذا أعيذ العبد من شر الوسواس ~~الذي يوسوس فى الصدور فقد أعيذ من شر الكفر و الفسوق و العصيان فهذا في فعل ~~نفسه و تعم الآية أيضا فعل غيره لسوء معه فكانت هذه السورة للشر الصادر من ~~العبد و أما الشر الصادر من غيره فسورة ( الفلق ( فإن فيها الإستعاذة من شر ~~المخلوقات عموما و خصوصا و الله أعلم PageV17P536 ms1871