######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_006835 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية :: مواضيع عقدية محددة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: توحيد الألوهية #META# 030.LibURI :: JK_006835 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة ابن تيمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # = كتاب توحيد الألوهية # | قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمة قدس الله روحه # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون العالم بما كان وما هو كائن وما سيكون الذي إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون الذي يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ~~سبحان الله وتعالى عما يشركون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون الذي دل على وحدانيته في الهيته أجناس ~~الآيات وأبان علمة لخليقته ما ما فيها من إحكام المخلوقات وأظهر قدرته على ~~بريته ما أبدعه من أصناف المحدثات وأرشد إلى فعله بسنته تنوع الأحوال ~~المختلفات وأهدى برحمته لعباده نعمه التي لا يحصيها الا رب السموات وأعلم ~~بحكمته البالغة دلائل حمده وثنائه الذي يستحقه من جميع الحالات لا يحصى ~~العباد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه لما له من الأسماء والصفات وهو ~~المنعوت بنعوت الكمال وصفات الجلال التي لا يماثله فيها شيء من الموجودات ~~وهو القدوس السلام المتنزه أن يماثله شيء في نعوت الكمال أويلحقه شيء من ~~الآفات فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا الذي خلق PageV01P001 ~~السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا # أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان ~~الله عزيزا حكيما مبشرين لمن أطاعهم بغاية المراد من كل ما تحبه النفوس ~~وتراه نعيما ومنذرين لم عصاهم باللعن ولإباد وأن يعذبوا عذابا أليما وأمرهم ~~بدعاء الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له مخلصين له الدين ولو كره المشركون ~~كما قال تعالى ^ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني يما ~~تعلمون عليم ^ وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ^ وجعل لكل منهم ~~شرعة ومنهاجا ليستقيموا إليه ولا يبغوا عنه اعوجاجا # وختمهم بمحمد افضل الأولين والآخرين وصفوة رب العالمين الشاهد البشير ~~النذير الهادي السراج المنير ms001 الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور ~~وهداهم إلى صراط العزيز الحميد ^ الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ~~وويل للكافرين من عذاب شديد ^ بعثه بأفضل المناهج والشرع وأحبط به أصناف ~~الكفر والبدع وأنزل عليه أفضل الكتب والأنباء وجعله مهيمنا على ما بين يديه ~~من كتب السماء # وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون ~~بالله يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله هو شهيد عليهم وهم شهدا ~~على الناس في الدنيا والآخرة بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة والظاهرة ~~وعصمهم أن يجتعموا على ضلالة إذ لم يبق بعده نبي بين ما بدل من الرسالة ~~وأكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمه ورضى لهم الاسلام دينا وأظهره على ~~PageV01P002 الدين كله إظاهرا بالنصرة والتمكين وإظهارا بالحجة والتبيين ~~وجعل فيهم علماءهم ورثة الأنبياء يقومون مقامهم في تبليغ ما أنزل من الكتاب ~~وطائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ~~إلى حين الحساب # وحفظ لهم الذكر الذي أنزله من الكتاب المكنون كما قال تعالى @QB@ إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ فلا يقع في كتابهم من التحريف والتبديل ~~كما وقع من أصحاب التوراة والإنجيل # وخصهم بالرواية والإسناد الذي يميز به بين الصدق والكذب الجهابذة النقاد ~~وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدو له أهل العلم والدين ينفون عنه تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين لتدوم بهم النعمة على الأمة ~~ويظهر بهم النور من الظلمة ويحيى بهم دين الله الذي بعث به رسوله وبين الله ~~بهم للناس سبيله فأفضل الخلق أتبعهم لهذا النبي الكريم المنعوت في قوله ~~تعالى @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ # وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له رب العالمين وإله المرسلين ~~وملك يوم الدين # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى الناس أجمعين أرسله والناس من ~~الكفر والجهل والضلال في أقبح خيبة وأسوء حال فلم ms002 يزل يجتهد في تبليغ الدين ~~وهدي العالمين وجهاد الكفار والمنافقين حتى طلعت شمس الإيمان وأدبر ليل ~~البهتان وعز جند الرحمن وذل حزب الشيطان وظهر نور الفرقان واشتهرت تلاوة ~~القرآن وأعلن بدعوة الأذان PageV01P003 واستنار بنور الله أهل البوادي ~~والبلدان وقامت حجة الله على الانس والجان لما قام المستجيب من معد بن ~~عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان صلاة يرضى به ~~الملك الديان وسلم تسليما مقرونا بالرضوان # أما بعد فإنه لا سعادة للعباد ولا نجاة في المعاد الا باتباع رسوله ومن ~~يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ~~العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب ~~مهين فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التي عليه تدور ومستقر النجاة الذي عنه ~~لا تحور # فإن الله خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون @QE@ وإنما تعبدهم بطاعته وطاعة رسوله فلا عبادة الا ما هو واجب أو ~~مستحب في دين الله وما سوى ذلك فضلال عن سبيله ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أخرجاه في الصحيحين وقال صلى الله ~~عليه وسلم في حديث العرباض بن ساريه الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي أنه ~~من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثان الأمور ~~فإن كل بدعة ضلالة وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره أنه كان يقول في ~~خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل ~~بدعة ضلالة # وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو من أربعين موضعا من القرآن ~~كقوله تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقوله تعالى ~~PageV01P004 ^ وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ~~فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ms003 شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما ^ وقوله تعالى ^ وأطيعوا الله والرسول فإن تولوا ~~فإن الله لا يحب الكافرين ^ وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ فجعل محبة العبد لربه موجبة ~~لاتباع الرسول وجعل متابعة الرسول سببا لمحبة الله عبده وقد قال تعالى @QB@ ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ فما أوحاه الله إليه يهدى الله ~~به به من يشاء من عباده كما أنه بذلك هداه الله تعالى كما قال تعالى @QB@ ~~قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه ~~سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ~~@QE@ # فبحمد تبين الكفر من الايمان والربح من الخسران والهدي من الضلال والنجاة ~~من الوبال والغي من الرشاد والزيغ من السداد وأهل الجنة من أهل النار ~~والمتقون من الفجار وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين من سبيل المغضوب عليهم والضالين # فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب فإن ~~هذا إذا فات حصل الموت في الدنيا وذاك إذا مات حصل العذاب # فحق على كل أحد بذل جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته إذ ~~PageV01P005 هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة في دار النعيم ~~والطريق إلى ذلك الرواية والنقل إذ لا يكفي من ذلك مجرد العقل بل كما أن ~~نور العين لا يرى الا مع ظهرو نور قدامه فكذلك نور العقل لا يهتدي الا إذا ~~طلعت عليه شمس الرسالة فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الاسلام وكان ~~معرفة ما أمر الله به رسوله واجبا على جميع الأنام # والله سبحانه بعث محمدا بالكتاب والسنة وبهما أتم على أمته الأمة قال ~~تعالى ^ ولأتم نعمتي عليكم ms004 ولعلكم تهتدون كما أرسلنا فيكم رسول منكم يتلو ~~عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ^ وقال تعالى @QB@ لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة @QE@ قال تعالى @QB@ واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل ~~عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به @QE@ وقال تعالى @QB@ هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة @QE@ ~~وقال تعالى عن الخليل ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم وقال تعالى @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من آيات الله والحكمة @QE@ وقد قال غير واحد من العلماء منهم يحيى بن أبي ~~كثير وقتادة والشافعي وغيرهم الحكمة هي السنة لأن الله أمر أزواج نبيه أن ~~يذكرن ما يتلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة والكتاب القرآن وما سوى ذلك مما ~~كان الرسول يتلوه هو السنة PageV01P006 وأبي ثعلة وغيرهما أنه قال لا ألفين ~~أحدكم متكا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول ~~بيننا وبينكم القرآن فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من ~~حرام حرمناه ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه وفي رواية ألا وإنه مثل ~~الكتاب # ولما كان القرآن متميزا بنفسه لما خصه الله به من الإعجاز الذي باين به ~~كلام الناس كما قال تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ وكان منقولا ~~بالتواتر لم يطمع أحد في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه وكان طمع الشيطان أن ~~يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد # فأقام الله تعالى الجهابذة النقاد أهل الهدي والسداد فدحروا حزب الشيطان ~~وفرقوا بين الحق من البهتان وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة ~~في ذلك والنقصان # وقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى المسلمين مقام أهل الفقه ~~الذين فقهوا ms005 معاني القرآن والحديث بدفع ما وقع في ذلك من الخطأ في القديم ~~والحديث وكان من ذلك الظاهر الجلي الذي لا يسوغ عنه العدول ومنه الخفى الذي ~~يسوغ فيه الاجتهاد للعماء العدول # وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والاسناد فسافروا في ذلك إلى ~~البلاد وهجروا فيه لذيذ الرقاد وفارقوا الأموال والأولاد وأنفقوا فيه ~~الطارف والتلاد وصبروا فيه على النوائب وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب ~~PageV01P007 ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة والقصص المأثورة ما هو عند ~~أهله معلوم ولمن طلب معرفته معروف مرسوم بتوسد أحدهم التراب وتركهم لذيذ ~~الطعام والشراب وترك معاشرة الأهل والأصحاب والتصبر على مرارة الإغتراب ~~ومقاساة الأهوال الصعاب أمر حببه الله إليهم وحلاه ليحفظ بذلك دين الله كما ~~جعل البيت مثابة للناس وأمنا يقصدونه من كل فج عميق ويتحملون فيه أمورا ~~مؤلمة تحصل في الطريق وكما حببب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال حكمة ~~من الله يحفظ بها الدين ليهدي المهتدين ويظهر به الهدي ودين الحق الذي بعث ~~به رسوله ولو كره المشركون # فمن كان مخلصا في أعمال الدين يعملها لله كان من أولياء الله المتقين أهل ~~النعيم المقيم كما قال تعالى ^ الا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانون يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~لا تبديل لكلمات الله ذلك الفوز العظيم ^ # وقد فسر النبي البشرى في الدنيا بنوعين # أحدهما ثناء المثنين عليه # الثاني الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له فقيل يا رسول الله ~~الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن وقال ~~البراء بن عازب سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا فقال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له # والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله الربان الحافظون له من ~~الزيادة والنقصان هم من أعظم أولياء الله المتقين وحزبه PageV01P008 ~~المفلحين بل لهم مزية على غيرهم من أهل الايمان والأعمال الصالحات كما قال ~~تعالى ^ يرفع الله ms006 الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العمل درجات ^ قال ابن ~~عباس يرفع الله # وعلم الاسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد وجعله سلما إلى الدراية ~~فأهل الكتاب لا إسناد له يأثرون به المنقولات وهكذا المبتدعون من هذه الأمة ~~أهل الضلالات وإنما الاسناد لمن أعظم الله عليه المنة أهل الاسلام والسنة ~~يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم # وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد ~~وعليها من دينهم الإعتماد وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل ولا الحالي من ~~العاطل # وأما هذه الأمة المرحومة وأصحاب هذه الأمة المعصومة فإن أهل العلم منهم ~~والدين هم من أمرهم على يقين فظهر لهم الصدق من المين كما يظهر الصبح لذي ~~عينين عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله معقول أو منقول وأمرهم إذا ~~تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول كما قال تعالى ^ يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا ^ # فإذا اجتمع أهل الفقه على القول بحكم لم يكن إلا حقا وإذا اجتمع أهل ~~PageV01P009 الحديث على تصحيح حديث لم يكن الا صدقا ولكل من الطائفتين من ~~الاستدلال على مطلوبهم بالجلي والخفي ما يعرف به من هو بهذا الأمر حفي ~~والله تعالى يليهم الصواب في هذه القضية كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية ~~وكما عرف ذلك بالتجربة الوجودية فإن الله كتب في قلوبهم الايمان وايدهم ~~بروح منه لما صدقوا في موالاة الله ورسوله وماداة من عدل عنه قال تعالى ^ ~~لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد نالله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الايمان وأيدهم بروح منه ^ # وأهل العلم المأثور عن الرسول أعظمن الناس قياما بهه الأصول لا تأخذ ~~أحدهم في الله لومة لائم ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم بل يتكلم أحدهم ~~بالحق الذي ms007 عليه ويتكلم في أحب الناس إليه عملا بقوله تعالى ^ يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء للله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ^ وقوله تعالى ^ ~~يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنئان قوم ~~على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبيرا بما ~~تعملون ^ # ولهم من التعديل والتجريح والتضعيف والتصحيح من السعي المشكور والعمل ~~المبرور ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته عن إحداث المفترين وهم في ذلك ~~على درجات منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية ومنهم أهل المعرفة بالحديث ~~والدراية ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه PageV01P010 وقد أمر النبي ~~الأمة أن يبلغ عنه من شهد لم غاب ودعا للمبلغين بالدعاء المتجاب فقال في ~~الحديث الصحيح بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بين اسرائيل ولا حرج ومن كذب ~~علي منعمدا فليتبوأ مقعده من النار وقال أيضا في خطبته في حجة الوداع الا ~~ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع # وقال أيضا نصر الله امرءا سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل ~~فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم ~~اخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط ~~من روائهم وفي هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيها ودعاء لمن بلغه ~~وإن كان المستمع أفقه من المبلغ لما أعطى المبلغون من النضرة ولهذا قال ~~سفيان بن عيينة لا تجد أحد من أهل الحديث الا وفي وجهه نضرة لدعوة النبي ~~يقال نضر ونضر والفتح أفصح # ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظون نقلة الحديث حتى قال الشافعي ~~رضي الله عنه إذا رأيت رجلا من أهل الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليهم وسلم وإنما ms008 قال الشافعي هذا لأنهم في مقام الصحابة من تبليغ ~~حديث النبي وقال الشافعي أيضا أهل الحديث حفظوا فلهم علينا الفضل لأنهم ~~حفظوا لنا أه PageV01P011 وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ( قاعدة فى ~~الجماعة والفرقة ( وسبب ذلك ونتيجته قال الله تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ ( # أخبر سبحانه أنه شرع لنا ما وصى به نوحا والذى أوحاه إلى محمد وما وصى به ~~الثلاثة المذكورين # وهؤلاء هم أولوا العزم المأخوذ عليهم الميثاق فى قوله ^ وإذا أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ^ وقوله @QB@ ~~ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به @QE@ فجاء فى حق محمد باسم ~~الذى وبلفظ الإيحاء وفى سائر الرسل بلفظ [ الوصيه ] # ثم قال @QB@ أن أقيموا الدين @QE@ وهذا تفسير الوصية و ( أن ) المفسرة ~~التى تأتى بعد فعل من معنى القول لا من لفظه كما فى قوله @QB@ ثم أوحينا ~~إليك أن اتبع @QE@ @QB@ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله @QE@ والمعنى قلنا لهم اتقوا الله فكذلك قوله @QB@ أن أقيموا ~~الدين @QE@ فى معنى قال لكم من الدين ما وصى به رسلا قلنا أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه فالمشروع لنا هو الموصى به والموحى وهو @QB@ أقيموا الدين @QE@ ~~فأقيموا الدين مفسر PageV01P012 للمشروع لنا الموصى به الرسل والموحى إلى ~~محمد فقد يقال الضمير فى أقيموا عائد الينا ويقال هو عائد إلى المرسل ويقال ~~هو عائد إلى الجميع وهذا أحسن ونظيره أمرتك بما أمرت به زيدا أن أطع الله ~~ووصيتكم بما وصيت بنى فلان أن افعلوا فعلى الأول يكون بدلا من ( ما ) أى ~~شرع لكم @QB@ أن أقيموا @QE@ وعلى الثانى شرع ( ما ) خاطبهم @QB@ أقيموا ~~@QE@ فهو بدل أيضا وذكر ما قيل للأولين وعلى الثالث شرع الموصى به @QB@ ~~أقيموا @QE@ فلما خاطب بهذه الجماعة بعد الإخبار بأنها مقولة لنا ومقولة ~~لهم علم أن الضمير عائد إلى الطائفتين جميعا وهذا أصح إن شاء ms009 الله والمعنى ~~على التقديرين الأولين يرجع إلى هذا فإن الذى شرع لنا هو الذى وصى به الرسل ~~وهو الآمر بإقامة الدين والنهى عن التفرق فيه ولكن التردد فى أن الضمير ~~تناولهم لفظه وقد علم أنه قيل لنا مثله أو بالعكس أو تناولنا جميعا # وإذا كان الله قد أمر الأولين والآخرين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه ~~وقد أخبر أنه شرع لنا ما وصاى به نوحا والذى أوحاه إلى محمد فيحتمل # شيئين أحدهما أن يكون ما أوحاه إلى محمد يدخل فيه شريعته التى تختص بنا ~~فإن جميع ما بعث به محمد قد أوحاه اليه من الأصول والفروع بخلاف نوح وغيره ~~من الرسل فإنما شرع لنا من الدين ما وصوا به من إقامة الدين وترك التفرق ~~فيه والدين الذى اتفقوا عليه هو الأصول فتضمن الكلام أشياء PageV01P013 # أحدها أنه شرع لنا الدين المشترك وهو الإسلام والإيمان العام والدين ~~المختص بنا وهو الإسلام والإيمان الخاص # الثانى أنه أمرنا بإقامة هذا الدين كله المشترك والمختص ونهانا عن التفرق ~~فيه # الثالث أنه أمر المرسلين بإقامة الدين المشترك ونهاهم عن التفرق فيه # الرابع أنه لما فصل بقوله @QB@ والذي أوحينا إليك @QE@ بين قوله ^ ما ~~وصينا به نوحا ^ وقوله @QB@ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى @QE@ أفاد ~~ذلك # ثم قال بعد ذلك ^ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم ^ فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجىء العلم الذى بين لهم ما ~~يتقون فإن الله ما كان ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون # وأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغيا والبغى مجاوزة الحد كما قال إبن عمر الكبر ~~والحسد وهذا بخلاف التفرق عن إجتهاد ليس فيه علم ولا قصد به البغى كتنازع ~~العلماء السائغ والبغى إما تضييع للحق وإما تعد للحد فهو إما ترك واجب وإما ~~فعل محرم فعلم أن موجب التفرق هو ذلك # وهذا كما قال عن أهل الكتاب @QB@ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ms010 فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة @QE@ فأخبر أن نسيانهم حظا مما ذكروا به وهو ترك العمل ببعض ما ~~أمروا به كان سببا لإغراء العداوة والبغضاء بينهم وهكذا هو الواقع فى أهل ~~ملتنا مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة فى أصول دينها وكثير من فروعه من ~~أهل PageV01P014 الأصول والفروع ومثلما نجده بين العلماء وبين العباد ممن ~~يغلب عليه الموسوية أو العيسوية حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين اللتين قالت ~~كل واحدة ليست الأخرى على شىء # كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة والمتصوف المتمسك منه ~~بأعمال باطنة كل منهما ينفى طريقة الآخر ويدعى أنه ليس من أهل الدين أو ~~يعرض عنه إعراض من لا يعده من الدين فتقع بينهما العداوة والبغضاء وذلك أن ~~الله أمر بطهارة القلب وأمر بطهارة البدن وكلا الطهارتين الطهارتين من ~~الدين الذي أمر الله به وأوجبه قال تعالى @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من ~~حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم @QE@ وقال ^ فيه رجال يجبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين ^ وقال ^ إن الله يجب التوابين ويحب التطهرين ^ ~~وقال @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها @QE@ وقال @QB@ أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم @QE@ وقال @QB@ إنما المشركون نجس @QE@ ~~وقال @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ # فنجد كثيرا من المتفقهة والمتعبدة إنما همته طهارة البدن فقط ويزيد فيها ~~على المشروع اهتماما وعملا ويترك من طهارة القلب ما أمر به إيجابا أو ~~استحبابا ولا يفهم من الطهارة الا ذلك ونجد كثيرا من المتصوفة والمتفقرة ~~إنما همته طهارة القلب فقط حتى يريد فيها على المشروع اهتماما وعملا ويترك ~~من طهارة البدن ما أمر به إيجابا أو استحبابا # فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صلب الماء وتنجيس ما ليس ~~بنجس واجتناب ما لا يشرع اجتنابه مع اشتمال قلوبهم على أنواع من ~~PageV01P015 الحسد والكبر والغل لإخوانهم وفي ذلك مشابهة بينة لليهود # وآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلون ~~الجهل بما تجب معرفته ms011 من الشر الذي يجب اتقاءه من سلامة الباطن ولا يفرقون ~~بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهى عنه وبين سلامة القلب من معرفة الشر ~~المعرفة المأمور بها ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات ~~ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهات للنصارى # وتقع العدواة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به والبغى الذي هو ~~مجاوزة الحد إما تفريط وتضييعا للحق وإما عدوانا وفعلا للظلم والبغى تارة ~~يكون من بعضهم على بعض وتارة يكون في حقوق الله وهما متلازمان ولهذا قال ~~بغيا بينهم فإن كل طائفة بغت على الآخرى فلم تعرف حقها الذي بأيديها ولم ~~تكف عن العدوان عليها # وقال تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة @QE@ وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة @QE@ الآية وقال ~~تعالى في موسى بن عمران مثل ذلك وقال ^ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~من بعد ما جاءتهم البينات ^ وقال ^ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء ^ وقال ^ فأقم وجهك للدين حنفيا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من PageV01P016 المشركين من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ^ لأن المشركين كل ~~منهم يعبد إلها يهواه كما قال في الآية الأولى ^ كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه ^ وقال ^ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم وإن هذا أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ^ فظهر أن سبب الإجتماع والألفة جمع الدين ~~والعمل به كله و هوعبادة الله وحده لا شريك له كما أمر به باطنا وظاهرا # وسبب الفرقة ms012 ترك حظ مما أمر العبد به والبغى بينهم # ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض ~~الوجوه # ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم وهذا ~~أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة فإنهم اذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله ~~بذلك مرحومين فلا تكون طاعة لله ورحمته بفعل لم يأمر الله به من إعتقاد أو ~~قول أو عمل فلو كان القول أو العمل الذى إجتمعوا عليه لم يأمر الله به لم ~~يكن ذلك طاعة لله ولا سببا لرحمته وقد إحتج بذلك أبو بكر عبد العزيز فى أول ~~( التنبيه ( نبه على هذه النكتة PageV01P017 وقال $ فصل # قال فى الحديث المشهور فى السنن من رواية فقيهى الصحابة عبدالله بن مسعود ~~وزيد بن ثابت ( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولات ~~الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم وفى حديث أبى هريرة ~~المحفوظ ( إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ( # فقد جمع فى هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث إخلاص العمل لله ومناصحة أولى ~~الأمر ولزوم جماعة المسلمين وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده وتجمع ~~الحقوق التى لله ولعباده وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة # وبيان ذلك أن الحقوق قسمان حق لله وحق لعباده فحق الله أن نعبده ولا نشرك ~~به شيئا كما جاء لفظه فى أحد الحديثن وهذا معنى إخلاص العمل لله كما جاء فى ~~الحديث الآخر وحقوق العباد قسمان خاص وعام أما الخاص فمثل بر كل إنسان ~~والديه وحق زوجته وجاره فهذه من فروع الدين لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها ~~عليه ولأن مصلحتها خاصة فردية # وأما الحقوق العامة فالناس نوعان رعاة ورعية فحقوق الرعاة مناصحتهم وحقوق ~~الرعية لزوم جماعتهم فإن مصلحتهم لا تتم إلا بإجتماعهم وهم لا يجتمعون ~~PageV01P018 على ضلالة بل مصلحة دينهم ودنياهم فى إجتماعهم وإعتصامهم بحبل ~~الله جميعا فهذه الخصال تجمع أصول الدين # وقد جاءت مفسرة ms013 فى الحديث الذى رواه مسلم عن تميم الدارى قال قال رسول ~~الله ( الدين النصيحة الدين النصحية الدين النصيحة ( قالوا لمن يا رسول ~~الله قال ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ( # فالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل فى حق الله وعبادته وحده لا شريك له ~~والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هى مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم فإن ~~لزوم جماعتهم هى نصيحتهم العامة وأما النصيحة الخاصة لكل واحد واحد منهم ~~بعينه فهذه يمكن بعضها ويتعذر إستيعابها على سبيل التعيين PageV01P019 + ~~قاعدة جليلة فى توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل 20 36 + وقال شيخ الإسلام ~~قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله تسليما وبعد فهذه ~~قاعدة جليلة فى توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له عبادة وإستعانة قال الله ~~تعالى @QB@ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء @QE@ الآية وقال تعالى ^ وما بكم من نعمة فمن ~~الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ^ وقال تعالى ^ وإن يمسسك الله بضر فلا ~~كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شىء قدير ^ # وقال تعالى فى الآية الأخرى @QB@ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ~~وإن يردك بخير فلا راد لفضله @QE@ وقال تعالى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ وقال تعالى ^ فاعبده وتوكل عليه ^ # وقال تعالى ^ عليه توكلت وإليه أنيب ^ # وقال تعالى ^ يسبح لله ما فى السموات وما فى الأرض له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شىء قدير ^ # وقال تعالى @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ # وقال تعالى ^ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أن أرادنى الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته ^ الآية PageV01P020 وقال ~~تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما ms014 له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~@QE@ وقال تعالى ^ ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شىء هالك إلا ~~وجهه له الحكم وإليه ترجعون ^ # وقال تعالى @QB@ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب ~~عباده خبيرا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما @QE@ الآية # وقال تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة @QE@ الآية ونظائر هذا فى القرآن كثير وكذلك ~~فى الأحاديث وكذلك فى إجماع الأمة لا سيما أهل العلم والإيمان منهم فإن هذا ~~عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع # ونبين هذا بوجوه نقدم قبلها مقدمة وذلك أن العبد بل كل حى بل وكل مخلوق ~~سوى الله هو فقير محتاج إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره والمنفعة للحى هى من ~~جنس النعيم واللذة والمضرة هى من جنس الألم والعذاب فلابد له من أمرين # أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذى ينتفع ويلتذ به # والثانى هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع من دفع المكروه ~~وهذان هما الشيئان المنفصلان الفاعل والغاية فهنا أربعة أشياء # أحدها أمر هو محبوب مطلوب الوجود PageV01P021 # والثانى أمر مكروه مبغض مطلوب العدم # والثالث الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب # والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه فهذه الأربعة الأمور ضرورية للعبد بل ~~ولكل حى لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها وأما ما ليس بحى فالكلام فيه على وجه ~~آخر # إذا تبين ذلك فبيان ما ذكرته من وجوه # أحدها أن الله تعالى هو الذى يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب وهو ~~المعين على المطلوب وما سواه هو المكروه وهو المعين على دفع المكروه فهو ~~سبحانه الجامع للأمور الأربعه دون ما سواه وهذا معنى قوله @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ فإن ms015 العبودية تتضمن المقصود المطلوب لكن على أكمل الوجوه ~~والمستعان هو الذى يستعان به على المطلوب فالأول من معنى الألوهية # والثانى من معنى الربوبية إذ الاله هو الذى يؤله فيعبد محبة وإنابة ~~وإجلالا وإكراما والرب هو الذى يربى عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع ~~أحواله من العبادة وغيرها وكذلك قوله تعالى ^ عليه توكلت واليه أنيب ^ ~~وقوله ^ فإعبده وتوكل عليه ^ وقوله @QB@ عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك ~~المصير @QE@ وقوله تعالى @QB@ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده @QE@ ~~وقوله تعالى ^ عليه توكلت واليه متاب ^ وقوله @QB@ وتبتل إليه تبتيلا رب ~~المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ فهذه سبعة مواضع تنتظم ~~هذين الأصلين الجامعين PageV01P022 # الوجه الثانى ان الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ~~ومحبته والإخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم وبرؤيته فى الآخرة تقر عيونهم ولا ~~شىء يعطيهم فى الآخرة أحب اليهم من النظر اليه ولا شىء يعطيهم فى الدنيا ~~أعظم من الإيمان به # وحاجتهم اليه فى عبادتهم إياه تألههم كحاجتهم وأعظم فى خلقه لهم وربوبيته ~~إياهم فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم وبذلك يصيرون عاملين متحركين ولا ~~صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال بل من أعرض عن ذكر ربه ~~فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى # ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولهذا كانت ~~لا إله إلا الله أحسن الحسنات وكان التوحيد بقول لا إله إلا الله رأس الأمر # فأما توحيد الربوبية الذى أقر به الخلق وقرره أهل الكلام فلا يكفى وحده ~~بل هو من الحجة عليهم وهذا معنى ما يروى ( يا إبن آدم خلقت كل شىء لك ~~وخلقتك لى فبحقى عليك أن لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له وإعلم أن هذا ~~حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا كما فى الحديث الصحيح الذى ~~رواه معاذ عن النبى أنه قال ( أتدرى ما حق الله على عباده قال قلت الله ~~ورسوله أعلم ms016 قال حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدرى ما ~~حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قال قلت الله ورسوله أعلم قال حقهم أن لا ~~يعذبهم ( PageV01P023 # وهو يحب ذلك ويرضى به ويرضى عن أهله ويفرح بتوبة من عاد إليه كما أن فى ~~ذلك لذة العبد وسعادته ونعيمه وقد بينت بعض معنى محبة الله لذلك وفرحه به ~~فى غير هذا الموضع # فليس فى الكائنات ما يسكن العبد اليه ويطمئن به ويتنعم بالتوجه اليه الا ~~الله سبحانه ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة فى الحياة الدنيا ~~ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم ^ ~~فلو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ^ فإن ~~قوامهما بأن تأله الاله الحق فلو كان فيهما آلهة غير الله لم يكن إلها حقا ~~إذ الله لا سمى له ولا مثل له فكانت تفسد لإنتفاء ما به صلاحها هذا من جهة ~~الإلهية # وأما من جهة الربوبية فشىء آخر كما نقرره فى موضعه # واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئا ليس له نظير ~~فيقاس به لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب وبينهما ~~فروق كثيرة # فإن حقيقة العبد قلبه وروحه وهى لا صلاح لها إلا بالهها الله الذى لا إله ~~إلا هو فلا تطمئن فى الدنيا إلا بذكره وهى كادحة اليه كدحا فملاقيته ولابد ~~لها من لقائه ولا صلاح لها إلا بلقائه # ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك بل ينتقل من نوع إلى ~~نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا فى وقت وفى بعض الأحوال وتارة أخرى يكون ~~ذلك الذى يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له بل قد PageV01P024 يؤذيه ~~إتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك # وأما الهه فلابد له منه فى كل حال وكل وقت وأينما كان فهو معه ولهذا قال ~~امامنا ( إبراهيم ) الخليل ms017 صلى الله عليه وسلم ( لا أحب الآفلين ) وكان ~~أعظم آية فى القرآن الكريم @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ وقد ~~بسطت الكلام فى معنى القيوم فى موضع آخر وبينا أنه الدائم الباقى الذى لا ~~يزول ولا يعدم ولا يفنى بوجه من الوجوه # واعلم أن هذا الوجه مبنى على أصلين # أحدهما على أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان ~~وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان وكما دل عليه القرآن لا كما يقول ~~من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم إن عبادته تكليف ومشقة وخلاف مقصود القلب ~~لمجرد الإمتحان والإختبار أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزله ~~وغيرهم فإنه وإن كان فى الأعمال الصالحه ما هو على خلاف هوى النفس والله ~~سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة كما قال تعالى @QB@ ~~ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب @QE@ الآيه وقال صلى الله عليه وسلم ~~لعائشة أجرك على قدر نصبك فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعى وإنما ~~وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها وهذا يفسر فى موضعه # ولهذا لم يجى فى الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان ~~والعمل الصالح أنه تكليف كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقه وإنما جاء ~~ذكر التكليف فى موضع النفى كقوله @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ ~~PageV01P025 لا تكلف إلا نفسك @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها @QE@ أي ~~وإن وقع فى الأمر تكليف فلا يكلف إلا قدر الوسع لا أنه يسمى جميع الشريعة ~~تكليفا مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب ولذات الأرواح وكمال النعيم ~~وذلك لإرادة وجه الله والإنابة اليه وذكره وتوجه الوجه اليه فهو إلإله الحق ~~الذى تطمئن اليه القلوب ولا يقوم غيره مقامه فى ذلك أبدا قال الله تعالى ~~@QB@ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا @QE@ فهذا أصل # ( الأصل الثانى ) النعيم فى الدار الآخرة أيضا مثل النظر اليه لا كما ~~يزعم طائفة من أهل الكلام ونحوهم أنه لا نعيم ولا لذة إلا بالمخلوق من ms018 ~~المأكول والمشروب والمنكوح ونحو ذلك بل اللذة والنعيم التام فى حظهم من ~~الخالق سبحانه وتعالى كما فى الدعاء المأثور ( اللهم إنى أسألك لذة النظر ~~إلى وجهك والشوق إلى لقائك فى غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة رواه النسائى ~~غيره وفى صحيح ( مسلم ( وغيره وعن ( صهيب ( عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال اذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنه إن لكم عند الله موعدا ~~يريد ان ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من ~~النار قال فيكشف الحجاب فينظرون اليه سبحانه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم من ~~النظر اليه وهو الزيادة # فبين النبى أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم الله فى الجنة لم يعطهم شيئا ~~أحب اليهم من النظر اليه وإنما يكون أحب اليهم لأن تنعمهم وتلذذهم به أعظم ~~من التنعم والتلذذ بغيره فإن اللذة تتبع الشعور بالمحبوب فكلما كان الشىء ~~أحب إلى الإنسان كان حصوله ألذ له وتنعمه به أعظم PageV01P026 وروى أن يوم ~~الجمعة يوم المزيد وهو يوم الجمعة من أيام الآخرة وفى الأحاديث والآثار ما ~~يصدق هذا قال الله تعالى فى حق الكفار ^ كلا إنهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون ~~ثم إنهم لصالوا الجحيم ^ فعذاب الحجاب أعظم أنواع العذاب ولذة النظر إلى ~~وجهه أعلى اللذات ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم منه تعالى # وهذان الاصلان ثابتان فى الكتاب والسنة وعليهما أهل العلم والإيمان ~~ويتكلم فيهما مشايخ الصوفية العارفون وعليهما أهل السنة والجماعة وعوام ~~الأمة وذلك من فطرة الله التى فطر الناس عليها # وقد يحتجون على من ينكرها بالنصوص والآثار تارة وبالذوق والوجد أخرى إذا ~~أنكر اللذة فإن ذوقها ووجدها ينفى إنكارها وقد يحتجون بالقياس فى الأمثال ~~تارة وهى الأقيسة العقلية # الوجه الثالث أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر ولا عطاء ولا منع ~~ولا هدى ولا ضلال ولا نصر ولا خذلان ولا خفض ولا رفع ولا عز ولا ذل بل ربه ~~هو الذى خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمه ms019 فإذا مسه الله بضر فلا ~~يكشفه عنه غيره وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه وأما العبد فلا ينفعه ~~ولا يضره إلا بإذن الله وهذا الوجه أظهر للعامة من الأول ولهذا خوطبوا به ~~فى القرآن أكثر من الأول لكن إذا تدبر اللبيب طريقة القرآن وجد أن الله ~~يدعو عبادة بهذا الوجه إلى الأول # فهذا الوجه يقتضى التوكل على الله والإستعانة به ودعاه ومسألته دون ما ~~سواه ويقتضى أيضا محبة الله وعبادته لاحسانه إلى عبده وإسباغ PageV01P027 ~~نعمه عليه وحاجة العبد اليه فى هذه النعم ولكن إذا عبدوه وأحبوه وتوكلوا ~~عليه من هذا الوجه دخلوا فى الوجه الأول ونظيره فى الدنيا من نزل به بلاء ~~عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو الله ويتضرع اليه حتى فتح له من ~~لذة مناجاته ما كان أحب إليه من تلك الحاجة التى قصدها أولا ولكنه لم يكن ~~يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق اليه والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى ~~الله دون ما سواه ومن ذكر نعمائه عليهم ومن ذكر ما وعدهم فى الآخرة من صنوف ~~النعيم واللذات وليس عند المخلوق شىء من هذا فهذا الوجه يحقق التوكل على ~~الله والشكر له ومحبته على إحسانه # الوجه الرابع أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه اذا أخذ منه ~~القدرالزائد على حاجته فى عبادة الله فانه ان نال من الطعام والشراب فوق ~~حاجته ضره وأهلكه وكذلك من النكاح واللباس وان أحب شيئا حبا تاما بحيث ~~يخالله فلابد أن يسأمه أو يفارقه وفى الاثر المأثور أحبب ما شئت فانك ~~مفارقه واعمل ما شئت فانك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان # واعلم أن كل من أحب شيئا لغير الله فلا بد ان يضره محبوبه ويكون ذلك سببا ~~لعذابه ولهذا كان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله ~~يمثل لأحدهم كنزه يوم القيامة شجاع أقرع يأخذ بلهزمته يقول انا كنزك انا ~~مالك # وكذلك نظائر هذا فى الحديث يقول الله يوم القيامة ( يا ابن ms020 آدم أليس عدلا ~~منى أن أولى كل رجل منكم ما كان يتولاه فى الدنيا ( وأصل التولى ~~PageV01P028 الحب فكل من أحب شيئا دون الله ولاه الله يوم القيامة ما تولاه ~~وأصلاه جهنم وساءت مصيرا فمن أحب شيئا لغير الله فالضرر حاصل له ان وجد أو ~~فقد فإن فقد عذب بالفراق وتألم وان وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما ~~يحصل له من اللذة وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء وكل من احب شيئا دون ~~الله لغير الله فلإن مضرته أكثر من منفعته فصارت المخلوقات بالا عليه الا ~~ما كان لله وفى الله فإنه كمال وجمال للعبد وهذا معنى ما يروى عن النبى ( ) ~~أنه قال ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه ( رواه ~~الترمذى وغيره # الوجه الخامس إن إعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب الضرر من جهته ~~فإنه يخذل من تلك الجهة وهو أيضا معلوم بالإعتبار والإستقراء ما علق العبد ~~رجاءه وتوكله بغير الله الا خاب من تلك الجهة ولا إستنصر بغير الله إلا خذل ~~وقد قال الله تعالى ^ واتحذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ^ # وهذان الوجهان فى المخلوقات نظير العبادة والإستعانة فى المخلوق فلما قال ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ كان صلاح العبد فى عبادة الله وإستعانته ~~وكان فى عبادة ما سواه والإستعانة بما سواه مضرته وهلاكه وفساده # الوجه السادس إن الله سبحانه غنى حميد كريم واجد رحيم فهو سبحانه محسن ~~إلى عبده مع غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة اليه من ~~العبد ولا لدفع مضرة بل رحمة وإحسانا والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا ~~لحظوظهم فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه ويجلبوا PageV01P029 له ~~منفعة ويدفعوا عنه مضرة ما وإن كان ذلك أيضا من تيسير الله تعالى فإنهم لا ~~يفعلون ذلك الا لحظوظهم من العبد اذا لم يكن العمل لله فإنهم إذا أحبوه ~~طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر ms021 فإذا ~~أحبوا الأنبياء والأولياء طلبوا لقاءهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع ~~كلامهم ونحو ذلك # وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه فهو يجب أن ينال ~~حظه من تلك المحبة ولولا التلذاذه بها لما أحبه وإن جلبوا له منفعة كخدمة ~~أو مال أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو ولو بالدعاء أو الثناء فهم يطلبون ~~العوض إذا لم يكن العمل لله فاجناد الملوك وعبيد المالك وأجراء الصانع ~~وأعوان الرئيس كلهم إنما يسعون فى نيل أغراضهم به لا يعرج أكثرهم على قصد ~~منفعة المخدوم إلا أن يكون قد علم وأدب من جهة أخرى فيدخل ذلك فى الجهة ~~الدينية أو يكون فيها طبع عدل وإحسان من باب المكأفاة والرحمة والا ~~فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه وهذا من حكمة الله التى أقام بها ~~مصالح خلقه وقسم بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ورفع بعضهم فوق بعض درجات ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # إذا تبين هذا ظهر أن المخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول بل إنما يقصد ~~منفعته بك وإن كان ذلك قد يكون عليك فيه ضرر اذا لم يراع العدل فإذا دعوته ~~فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه # والرب سبحانه يريدك لك ولمنفعتك بك لا لينتفع بك وذلك منفعة عليك بلا ~~مضرة فتدبر هذا فملاحظة هذا الوجه يمنعك أن ترجوا المخلوق أو PageV01P030 ~~تطلب منه منفعة لك فإنه لا يريد ذلك بالقصد الأول كما أنه لا يقدر عليه ولا ~~يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان اليهم وإحتمال الأذى منهم بل أحسن ~~اليهم لله لا لرجائهم وكما لا تخفهم فلا ترجهم وخف الله فى الناس ولا تخف ~~الناس فى الله وارج الله فى الناس ولا ترج الناس فى الله وكن ممن قال الله ~~فيه @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى ~~إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى @QE@ وقال فيه ^ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاءا ولا شكورا ^ # الوجه السابع أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك ms022 وإن كان ذلك ضررا ~~عليك فإن صاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا قضاءها # الوجه الثامن انه إذا أصابك مضرة كالخوف والجوع والمرض فإن الخلق لا ~~يقدرون على دفعها إلا بإذن الله ولا يقصدون دفعها إلا لغرض لهم فى ذلك # الوجه التاسع إن الخلق لو إجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه ~~الله لك ولو إجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك فهم لا ~~ينفعونك إلا بإذن الله ولا يضرونك إلا بإذن الله فلا تعلق بهم رجاءك # قال الله تعالى ^ أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن ~~الكافرون إلا فى غرور أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا فى عتو ~~ونفور ^ والنصر يتضمن دفع الضرر والرزق يتضمن حصول المنفعة PageV01P031 قال ~~الله تعالى @QB@ فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ~~@QE@ وقال تعالى ^ أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى اليه ثمرات كل شىء رزقا ~~من لدنا ^ وقال الخليل عليه السلام @QB@ رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله ~~من الثمرات @QE@ الآية وقال النبى ( هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ^ ~~بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم PageV01P032 # | فصل جماع هذا إنك أنت إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا ~~مريد لها كما ينبغى فغيرك من الناس أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك ولا قادر ~~عليها ولا مريد لها والله سبحانه هو الذى يعلم ولا تعلم ويقدر ولا تقدر ~~ويعطيك من فضله العظيم كما فى حديث الإستخارة ( اللهم إنى أستخيرك بعلمك ~~وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم ~~وأنت علام الغيوب ( PageV01P033 # فصل # وهو مثل المقدمة لهذا الذى أمامه وهو أن كل إنسان فهو همام حارث حساس ~~متحرك بالإدراة بل كل حى فهو كذلك له علم وعمل بإرادته والإرادة هى المشيئة ~~والإختيار ولا بد فى العمل الإرادى الإختيارى من مراد وهو المطلوب ولا يحصل ~~المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله فإن حصل بفعل العبد فلا بد من قدرة ms023 وقوة ~~وإن كان من خارج فلا بد من فاعل غيره وإن كان منه ومن الخارج فلا بد من ~~الأسباب كالآلات ونحو ذلك فلابد لكل حى من إرادة ولا بد لكل مريد من عون ~~يحصل به مراده # فصار العبد مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده ويستعين بشىء ويعتمد عليه فى ~~تحصيل مراده هذا أمر حتم لازم ضرورى فى حق كل إنسان يجده فى نفسه لكن ~~المراد والمستعان على قسمين # منه ما يراد لغيره ومنه ما يراد لنفسه والمستعان منه ما هو المستعان ~~لنفسه ومنه ما هو تبع للمستعان وآلة له فمن المراد ما يكون هو الغاية ~~المطلوب فهو الذى يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المقصود ومنه ما يراد ~~لغيره وهو بحيث يكون المراد هو ذلك الغير فهذا مراد بالعرض ومن المستعان ما ~~يكون هو الغاية التى يعتمد عليه العبد ويتوكل عليه ويعتضد به ليس عنده فوقه ~~غاية فى الإستعانة ومنه ما يكون تبعا لغيره بمنزلة الأعضاء مع القلب والمال ~~مع المالك والآلات مع الصانع PageV01P034 فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال ~~جميع الناس وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين لابد للنفس من شىء تطمئن اليه ~~وتنتهى اليه محبتها وهو الهها ولا بد لها من شىء تثق به وتعتمد عليه فى نيل ~~مطلوبها هو مستعانها سواء كان ذلك هو الله أو غيره وإذا فقد يكون عاما وهو ~~الكفر كمن عبد غير الله مطلقا وسأل غير الله مطلقا مثل عباد الشمس والقمر ~~وغير ذلك الذين يطلبون منهم الحاجات ويفزعون اليهم فى النوائب # وقد يكون خاصا فى المسلمين مثل من غلب عليه حب المال أو حب شخص أو حب ~~الرياسة حتى صار عبد ذلك كما قال ( تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد ~~الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطى رضى وإن منع سخط تعس وإنتكس وإذا شيك فلا ~~إنتقش ( وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله بحيث يكون عنده مخدومه من ~~الرؤساء ونحوهم أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم أو أصدقائه أو أمواله ms024 ~~هى التى تجلب المنفعة الفلانية وتدفع المضرة الفلانية فهو معتمد عليها ~~ومستعين بها والمستعان هو مدعو ومسؤل # وما أكثر ما تسلتزم العبادة الإستعانة فمن اعتمد عليه القلب فى رزقه ~~ونصره ونفعه وضره خضع له وذل وانقاد وأجبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته ~~لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته وينسى مقصوده منه كما يصيب كثيرا ~~ممن يحب المال أو يحب من يحصل له به العز والسلطان # وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا ~~إستشعر قدرته على تحصيل مطلوبه كإستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله ~~PageV01P035 فإذا إستشعر قدرته على تحصيل مطلوبه إستعانه والا فلا فالاقسام ~~ثلاثة فقد يكون محبوبا غير مستعان وقد يكون مستعانا غير محبوب وقد يجتمع ~~فيه الأمران فإذا علم أن العبد لا بد له فى كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو ~~الهه ومنتهى يطلب منه هو مستعانه وذلك هو صمده الذى يصمد اليه فى إستعانته ~~وعبادته تبين أن قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ كلام جامع محيط ~~أولا وآخرا لا يخرج عنه شىء فصارت الأقسام أربعة إما أن يعبد غير الله ~~ويستعينه وإن كان مسلما فالشرك فى هذه الأمة اخفى من دبيب النمل وإما أن ~~يعبده ويستعين غيره مثل كثير من أهل الدين يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته ~~وحده لا شريك له وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ورزقهم وهدايتهم من جهته ~~من الملوك والاغنياء والمشائخ # وإما أن يستعينه وإن عبد غيره مثل كثير من ذوى الأحوال وذوى القدرة وذوى ~~السلطان الباطن أو الظاهر وأهل الكشف والتأثير الذين يستعينونه ويعتمدون ~~عليه ويسألونه ويلجأون اليه لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله وغير ~~إتباع دينه وشريعته التى بعث الله بها رسوله # والقسم الرابع الذين لا يعبدون إلا إياه ولا يستعينون إلا به وهذا القسم ~~الرباعى قد ذكر فيما بعد أيضا لكنه تارة يكون بحسب العبادة والإستعانة ~~وتارة يكون بحسب المستعان فهنا هو بحسب المعبود والمستعان لبيان أنه لابد ~~لكل عبد ms025 من معبود مستعان وفيما بعد بحسب عبادة الله وإستعانته فإن الناس ~~فيها على أربعة أقسام PageV01P036 وقال شيخ الإسلام $ فصل # فى وجوب إختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه فلا يعمل إلا له ولا يرجى ~~إلا هو هو سبحانه الذى ابتدأك بخلقك والانعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ~~ورحمته من غير سبب منك أصلا وما فعل بك لا يقدر عليه غيره ثم إذا احتجت ~~اليه فى جلب رزق أو دفع ضرر فهو الذى يأتى بالرزق لا يأتى به غيره وهو الذى ~~يدفع الضرر لا يدفعه غيره كما قال تعالى ^ أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم ~~من دون الرحمن إن الكافرون إلا فى غرور أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه ~~بل لجوا فى عتو ونفور ^ # وهو سبحانه ينعم عليك ويحسن اليك بنفسه فإن ذلك موجب ما تسمى به ووصف به ~~نفسه إذ هو الرحمن الرحيم الودود المجيد وهو قادر بنفسه وقدرته من لوازم ~~ذاته وكذلك رحمته وعلمه وحكمته لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه بل هو ~~الغنى عن العالمين @QB@ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ~~@QE@ ^ وإذ تأذون ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم ان عذابى لشديد ^ ~~وقال موسى ( إن تكفروا أنتم ومن فى الأرض جميعا فإن الله لغنى حميد ) # وفى الحديث الصحيح الإلهى ( يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~PageV01P037 وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى ~~شيئا ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئا ولو ~~قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندى ~~شيئا ( إلى آخر الحديث # فالرب سبحانه غنى بنفسه وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه واجب له ~~من لوازم نفسه لا يفتقر فى شىء من ذلك إلى غيره بل أفعاله من كماله كمل ~~ففعل وإحسانه وجوده من كماله لا يفعل شيئا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه ~~بل كلما يريده فعله فإنه ms026 فعال لما يريد وهو سبحانه بالغ أمره فكلما يطلب ~~فهو يبلغه ويناله ويصل اليه وحده لا يعينه أحد ولا يعوقه أحد لا يحتاج فى ~~شىء من أموره إلى معين وما له من المخلوقين ظهير وليس له ولى من الذل ~~PageV01P038 $ فصل # والعبد كلما كان أذل لله وأعظم إفتقارا اليه وخضوعا له كان أقرب اليه ~~وأعز له وأعظم لقدره فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله وأما المخلوق فكما قيل ~~إحتج إلى من شئت تكن أسيره وإستغن عمن شئت تكن نظيره وأحسن إلى من شئت تكن ~~أميره ولقد صدق القائل % بين التذلل والتدلل نقطه % فى رفعها تتحير الأفهام ~~% ذاك التذلل شرك فافهم يا فتى بالخلف % $ # فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج اليهم بوجه من ~~الوجوه فإن أحسنت اليهم مع الإستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم ومتى ~~إحتجت اليهم ولو فى شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك اليهم وهذا من حكمة ~~الله ورحمته ليكون الدين كله لله ولا يشرك به شىء # ولهذا قال حاتم الأصم لما سئل فيم السلامة من الناس قال أن يكون شيئك لهم ~~مبذولا وتكون من شيئهم آيسا لكن إن كنت معوضا لهم عن ذلك وكانوا محتاجين ~~فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر وإن ~~كانوا اليك أحوج خضعوا لك # فالرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون اليه وأفقر ما تكون ~~PageV01P039 اليه والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون اليهم لأنهم كلهم ~~محتاجون فى أنفسهم فهم لا يعلمون حوائجك ولا يهتدون إلى مصلحتك بل هم جهلة ~~بمصالح أنفسهم فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم فإنهم لا يقدرون عليها ولا ~~يريدون من جهة أنفسهم فلا علم ولا قدرة ولا إرادة والرب تعالى يعلم مصالحك ~~ويقدر عليها ويريدها رحمة منه وفضلا وذلك صفته من جهة نفسه لا شىء آخر جعله ~~مريدا راحما بل رحمته من لوازم نفسه فإنه كتب على نفسه الرحمة ورحمته وسعت ~~كل شىء والخلق كلهم محتاجون لا يفعلون شيئا ms027 إلا لحاجتهم ومصلحتهم وهذا هو ~~الواجب عليهم والحكمة ولا ينبغى لهم إلا ذلك لكن السعيد منهم الذى يعمل ~~لمصلحته التى هى مصلحة لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك فهم ثلاثة أصناف # ظالم وعادل ومحسن # فالظالم الذى يأخذ منك مالا أو نفعا ولا يعطيك عوضه أو ينفع نفسه بضررك # والعادل المكافىء كالبايع لا لك ولا عليك كل به يقوم الوجود وكل منهما ~~محتاج إلى صاحبه كالزوجين والمتبايعين والشريكين # والمحسن الذى يحسن لا لعوض يناله منك فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته وهو ~~إنتفاعه بالإحسان وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه من الأجر أو طلب مدح ~~الخلق وتعظيمهم أو التقرب اليك إلى غير ذلك # وبكل حال ما أحسن اليك الا لما يرجو من الإنتفاع وسائر الخلق إنما ~~يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم اليك وإنتفاعهم بك إما PageV01P040 بطريق ~~المعاوضة لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج إلى الآخر ~~والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون اليه والملوك محتاجون إلى الجند ~~والجند محتاجون اليهم وعلى هذا بنى أمر العالم وأما بطريق الإحسان منك ~~اليهم فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك فهم إنما يحبونك ويكرمونك ~~لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة فلو قد وليت ولوا عنك وتركوك فهم فى الحقيقة ~~إنما يحبون أنفسهم وأغراضهم فهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم تجد أحدهم ~~سيدا مطاعا وهو فى الحقيقة عبد مطيع وإذا أوذى أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه ~~تغير الأمر بحسب الأحوال ومتى كنت محتاجا اليهم نقص الحب والاكرام والتعظيم ~~بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك # والرب تعالى يمتنع أن يكون المخلوق مكافيا له أو متفضلا عليه ولهذا كان ~~النبى يقول إذا رفعت مائدته ( الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير ~~مكفى ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ( رواه البخارى من حديث أبى ~~أمامة بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له فى ~~ذلك بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله وسعادة العبد فى كمال افتقاره إلى ~~الله واحتياجه ms028 اليه وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه أى بموجب علمه ~~ذلك فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم مثل أن يذهب ماله ولا يعلم بل يظنه ~~باقيا فإذا علم بذهابه صار له حال آخر فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله لكن ~~أهل الكفر والنفاق فى جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به ~~والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره وهؤلاءهم عباد الله PageV01P041 # فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات وفقره من لوازم ذاته يمتنع أن ~~يكون إلا فقيرا إلى خالقه وليس أحد غنيا بنفسه إلا الله وحده فهو الصمد ~~الغنى عما سواه وكلما سواه فقير اليه فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته ~~ومن جهة الهيته كما قد بسط هذا فى مواضع # والإنسان يذنب دائما فهو فقير مذنب وربه تعالى يرحمه ويغفر له وهو الغفور ~~الرحيم فلولا رحمته وإحسانه لما وجد خير أصلا لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ~~ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه وهو محتاج دائما إلى حصول النعمة ودفع ~~الضر والشر ولا تحصل النعمة إلا برحمته ولا يندفع الشر إلا بمغفرته فإنه لا ~~سبب للشر إلا ذنوب العباد كما قال تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ والمراد بالسيئات ما يسوء العبد من ~~المصائب وبالحسنات ما يسره من النعم كما قال @QB@ وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات @QE@ فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلا وجودا من غير أن ~~يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق وإن كان تعالى عليه حق لعباده فذلك الحق هو ~~أحقه على نفسه وليس ذلك من جهة المخلوق بل من جهة الله كما قد بسط هذا فى ~~مواضع # والمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم كما قال @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ # والنعم وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها فهو سبحانه المنعم ~~بالعبد وبطاعته وثوابه عليها فإنه سبحانه هو الذى خلق العبد وجعله مسلما ~~طائعا كما قال الخليل ( الذى خلقنى فهو يهدين ) وقال ms029 ( واجعلنا مسلمين ~~PageV01P042 لك ) وقال ( إجعلني مقيم الصلاة ) وقال ( وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) فسأل ربه أن يجعله مسلما ~~وأن يجعله مقيم الصلاة وقال @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم @QE@ الآية قال فى آخرها @QB@ فضلا من الله ونعمة @QE@ وفى سنن أبى ~~داود صحيح ابن حبان ( إهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور واجعلنا ~~شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا ( وفى الفاتحة ( اهدنا ~~الصراط المستقيم ( وفى الدعاء الذى رواه الطبرانى عن ابن عباس قال مما دعا ~~به رسول الله عشية عرفة ( اللهم إنك تسمع كلامى وترى مكانى وتعلم سرى ~~وعلانيتى ولا يخفى عليك شىء من أمرى أنا البائس الفقير المستغيث المستجير ~~الوجل المشفق المقر بذنبه أسألك مسئلة المسكين وأبتهل اليك إبتهال المذنب ~~الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته وذل لك جسده ورغم لك ~~أنفه اللهم لا تجعلنى بدعائك رب شقيا وكن بى رؤوفا رحيما يا خير المسئولين ~~ويا خير المعطين ( # ولفظ العبد فى القرآن يتناول من عبد الله فأما عبد لا يعبده فلا يطلق ~~عليه لفظ عبده كما قال @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ وأما قوله ~~@QB@ إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ فالاستثناء فيه منقطع كما قاله أكثر ~~المفسرين والعلماء وقوله @QB@ عينا يشرب بها عباد الله @QE@ وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا ^ ^ واذكر عبدنا داود ^ ^ نعم العبد إنه أواب ^ ~~^ واذكر عبدنا أيوب ^ ^ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب ^ ^ فوجدا عبدا ~~من عبادنا ^ ^ سبحان PageV01P043 الذى أسرى بعبده ^ ^ إنه كان عبدا شكورا ^ ~~^ وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا ^ ^ فأوحى إلى عبده ما أوحى ^ ^ ~~وأنه لما قام عبد الله يدعوه ^ ^ تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ^ ونحو ~~هذا كثير وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها كقوله ^ إن الذين تدعون من ~~دون الله عباد أمثالكم ^ ^ أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى ~~أولياء ^ قد يقال فى هذا أن المراد به الملائكة والأنبياء إذا كان قد نهى ~~عن اتخاذهم أولياء ms030 فغيرهم بطريق الأولى فقد قال ^ إن كل من فى السموات ~~والأرض الا آتى الرحمن عبدا ^ # وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم فى الدجال ^ فيوحى الله إلى المسيح أن ~~لى عبادا لا يدان لأحد بقتالهم ^ وهذا كقوله ^ بعثنا عليكم عبادا لنا ^ ~~فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله لكنهم معبدون مذللون مقهورون يجرى عليهم قدره # وقد يكون كونهم عبيدا هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارا ~~كقوله ^ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QB@ وقوله @QE@ الا آتى ~~الرحمن عبدا ^ أي ذليلا خاضعا ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة الا كذلك ~~وإنما الإستكبار عن عبادة الله كان فى الدنيا ثم قال ^ لقد أحصاهم وعدهم ~~عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ^ فذكر بعدها أنه يأتى منفردا كقوله ^ ~~ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ^ وقال ^ وله أسلم من فى السموات ~~والأرض طوعا وكرها ^ ^ ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وكرها ^ الآية ~~وقال ^ بل له ما فى السموات والأرض كل له قانتون ^ فليس المراد بذلك مجرد ~~كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين تحت المشيئة والقدرة فإن هذا PageV01P044 لا ~~يقال طوعا وكرها فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعا وكرها ~~فأما ما لا فعل له فيه فلا يقال له ساجد أو قانت بل ولا مسلم بل الجميع ~~مقرون بالصانع بفطرتهم وهم خاضعون مستسلمون قانتون مضطرون من وجوه # منها علمهم بحاجتهم وضرورتهم اليه ومنها دعاؤهم إياه عند الإضطرار ومنها ~~خضوعهم واستسلامهم لما يجرى عليهم من أقداره ومشيئته ومنها انقيادهم لكثير ~~مما أمر به فى كل شىء فإن سائر البشر لا يمكنون العبد من مراده بل يقهرونه ~~ويلزمونه بالعدل الذى يكرهه وهو مما أمر الله به وعصيانهم له فى بعض ما أمر ~~به وإن كان هو التوحيد لا يمنع كونهم قانتين خاضعين مستسلمين كرعا كالعصاة ~~من أهل القبلة وأهل الذمة وغيرهم فإنهم خاضعون للدين الذى بعث به رسله وإن ~~كانوا يعصونه فى أمور والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعا وكذلك لما يقدره من ~~المصائب فإنه يفعل عندها ما ms031 أمر به من الصبر وغيره طوعا فهو مسلم لله طوعا ~~خاضع له طوعا والسجود مقصوده الخضوع وسجود كل شىء بحسبه سجودا يناسبها ~~ويتضمن الخضوع للرب وأما فقر المخلوقات إلى الله بمعنى حاجتها كلها اليه ~~وأنه لا وجود لها ولا شىء من صفاتها وأفعالها إلا به فهذا أول درجات ~~الإفتقار وهو إفتقارها إلى ربوبيته لها وخلقه وإتقانه وبهذا الإعتبار كانت ~~مملوكة له وله سبحانه الملك والحمد وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله ~~الإيمان الواجب فالحدوث PageV01P045 دليل إفتقار الأشياء إلى محدثها وكذلك ~~حاجاتها إلى محدثها بعد احداثه لها دليل إفتقارها فإن الحاجة إلى الرزق ~~دليل إفتقار المرزوق إلى الخالق الرازق والصواب أن الأشياء مفتقرة إلى ~~الخالق لذواتها لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه بل فقرها لازم لها لا يمكن ~~أن تكون غير مفتقرة إليه كما أن غناء الرب وصف لازم له لا يمكن أن يكون غير ~~غنى فهو غنى بنفسه لا بوصف جعله غنيا وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها وهى ~~معدومة وهى موجودة فاذا كانت معدومة فقيل عن مطر ينتظر نزوله وهو مفتقر إلى ~~الخالق كان معناه أنه لا يوجد الا بالخالق هذا قول الجمهور من نظار ~~المسلمين وغيرهم وهذا الافتقار أمر معلوم بالعقل وما أثبته القرآن من ~~استسلام المخلوقات وسجودها وتسبيحها وقنوتها أمر زائد على هذا عند عامة ~~المسلمين من السلف وجمهور الخلف ولكن طائفة تدعى أن افتقارها وخضوعها ~~وخلقها وجريان المشيئة عليها هو تسبيحها وقنوتها وان كان ذلك بلسان الحال ~~ولكونها دلالة شاهدة للخالق جل جلاله وقل للأرض من فجر أنهارها وغرس ~~أشجارها وأخرج نباتها وثمارها فان لم تجبك حوارا والا أجابتك اعتبارا وهذا ~~يقوله الغزالى وغيره وهو أحد الوجوه التى ذكرها أبو بكر بن الأنبارى فى ~~قوله @QB@ كل له قانتون @QE@ قال كل مخلوق قانت له باشر صنعته فيه وجرى ~~أحكامه عليه فذلك دليل على ذله لربه وهو الذى ذكره الزجاج فى قوله @QB@ وله ~~أسلم من في السماوات والأرض @QE@ قال اسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره فى ~~جبلهم ms032 لا يقدر أحد يمتنع من جبلة جبله الله عليها وهذا المعنى صحيح لكن ~~الصواب PageV01P046 الذى عليه جمهور علماء السلف والخلف أن القنوت ~~والاستسلام والتسبيح أمر زائد على ذلك وهذا كقول بعضهم ان سجود الكاره وذله ~~وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر وكما قال بعضهم فى ~~قوله ^ وإن من شىء الا يسبح بحمده ^ قال تسبيحه دلالته على صانعه فتوجب ~~بذلك تسبيحا من غيره والصواب أن لها تسبيحا وسجودا بحسبها # والمقصود أن فقر المخلوقات إلى الخالق ودلالتها عليه وشهادتها له أمر ~~فطرى فطر الله عليه عباده كما فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات كما قد ~~بسط الكلام على هذا فى مواضع وبين الفرق بين دلالة الآيات ودلالة القياس ~~الشمولى والتمثيلى فإن القياس البرهانى العقلى سواء صيغ بلفظ الشمول ~~كالأشكال المنطقية أو صيغ بلفظ التمثيل وبين أن الجامع هو علة الحكم ويلزم ~~ثبوت الحكم أينما وجد وقد بسطنا الكلام على صورة القياسين فى غير هذا ~~الموضع # والتحقيق أن العلم بأن المحدث لابد له من محدث هو علم فطرى ضرورى فى ~~المعينات الجزئية وأبلغ مما هو فى القضية الكلية فإن الكليات إنما تصير ~~كليات فى العقل بعد استقرار جزئياتها فى الوجود وكذلك عامة القضايا الكلية ~~التى يجعلها كثير من النظار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم كقولهم الكل ~~أعظم من الجزء أو النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان والأشياء المساوية لشىء ~~واحد متساوية ونحو ذلك فإنه أى كلى تصوره الإنسان علم أنه أعظم من جزئيه ~~وإن لم تخطر له القضية الكلية كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه أكثر من بعض ~~وأن الدرهم أكبر من بعضه وأن المدينة أكثر من بعضها PageV01P047 # وأن الجبل أكبر من بعضه وكذلك النقيضان وهما الوجود والعدم فإن العبد إذا ~~تصور وجود أى شىء كان وعدمه علم أن ذلك الشىء لا يكون موجودا معدوما فى ~~حالة واحدة وأنه لا يخلو من الوجود والعدم وهو يقضى بالجزئيات المعينة وإن ~~لم يستحضر القضية الكلية وهكذا أمثال ذلك # ولما كان القياس الكلى ms033 فائدته أمر مطلق لا معين كان إثبات الصانع بطريق ~~الآيات هو الواجب كما نزل به القرآن وفطر الله عليه عباده وإن كانت الطريقة ~~القياسية صحيحة لكن فائدتها ناقصة والقرآن إذا استعمل فى الآيات الإلهيات ~~استعمل قياس الأولى لا القياس الذى يدل على المشترك فإنه ما وجب تنزيه ~~مخلوق عنه من النقائص والعيوب التى لا كمال فيها فالبارى تعالى أولى ~~بتنزيهه عن ذلك وما ثبت للمخلوق من الكمال الذى لا نقص فيه كالحياة والعلم ~~والقدرة فالخالق أولى بذلك منه فالمخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين ~~الآية وبين القياس أن الآية تدل على عين المطلوب الذى هى آية وعلامة عليه ~~فكل مخلوق فهو دليل وآية على الخالق نفسه كما قد بسطناه فى مواضع # ثم الفطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات فإنها قد فطرت على ذلك ولو لم تكن ~~تعرفه بدون هذه الآيات لم تعلم ان هذه الآية له فإن كونها آية له ودلالة ~~عليه مثل كون الإسم يدل على المسمى فلابد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك ~~وعرف أن هذا إسم له فكذلك كون هذا دليلا على هذا يقتضى تصور المدلول عليه ~~وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له فلابد فى ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول ~~فلو لم يكن المدلول متصورا لم يعلم أنه دليل عليه PageV01P048 فمعرفة ~~الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف اليه لكن قد لا يكون الإنسان عالما ~~بالإضافة ولا كونه دليلا فإذا تصوره عرف المدلول إذا عرف أنه مستلزم له ~~والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق فلابد أن يكونوا ~~يعرفونه حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له # والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية هى التى جاء بها القرآن واتفق ~~العقل والشرع وتلازم الرأى والسمع والمتفلسفة كابن سينا والرازى ومن ~~اتبعهما قالوا إن طريق إثباته الإستدلال عليه بالممكنات وإن الممكن لابد له ~~من واجب قالوا والوجود إما واجب وإما ممكن والممكن لابد له من واجب فيلزم ~~ثبوت الواجب على التقديرين وهذه المقالة أحدثها ابن سينا وركبها من ms034 كلام ~~المتكلمين وكلام سلفه فإن المتكلمين قسموا الوجود إلى قديم ومحدث وقسمه هو ~~إلى واجب وممكن وذلك أن الفلك عنده ليس محدثا بل زعم أنه ممكن وهذا التقسيم ~~لم يسبقه اليه أحد من الفلاسفة بل حذاقهم عرفوا أنه خطأ وأنه خالف سلفه ~~وجمهور العقلاء وغيرهم وقد بينا فى مواضع أن القدم ووجوب الوجود متلازمان ~~عند عامة العقلاء الأولين والآخرين ولم يعرف عن طائفة منهم نزاع فى ذلك إلا ~~ما أحدثه هؤلاء فإنا نشهد حدوث موجودات كثيرة حدثت بعد أن لم تكن ونشهد ~~عدمها بعد أن كانت وما كان معدوما أو سيكون معدوما لا يكون واجب الوجود ولا ~~قديما أزليا # ثم أن هؤلاء إذا قدر أنهم أثبتوا واجب الوجود فليس فى دليلهم أنه مغاير ~~للسموات والأفلاك وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالى وغيره لكن PageV01P049 ~~عمدتهم أن الجسم لا يكون واجبا لأنه مركب والواجب لا يكون مركبا هذا عمدتهم # وقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة وما زال النظار يبينون فساد هذا القول ~~كل بحسبه كما بين الغزالى فساده بحسبه # وذلك أن لفظ الواجب صار فيه اشتراك بين عدة معان فيقال للموجود بنفسه ~~الذى لا يقبل العدم فتكون الذات واجبة والصفات واجبة ويقال للموجود بنفسه ~~والقائم بنفسه فتكون الذات واجبة دون الصفات ويقال لمبدع الممكنات وهى ~~المخلوقات والمبدع لها هو الخالق فيكون الواجب هو الذات المتصفة بتلك ~~الصفات والذات مجردة عن الصفات لم تخلق والصفات مجردة عن الذات لم تخلق ~~ولهذا صار من سار خلفهم ممن يدعى التحقيق والعرفان إلى أن جعل الواجب هو ~~الوجود المطلق كما قد بسط القول عليه فى مواضع # والمقصود هنا الكلام أولا فى أن سعادة العبد فى كمال افتقاره إلى ربه ~~واحتياجه اليه أى فى أن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجب ذلك من الذل ~~والخضوع والخشوع والا فالخلق كلهم محتاجون لكن يظن أحدهم نوع استغناء فيطغى ~~كما قال تعالى @QB@ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى @QE@ وقال ^ وإذا ~~أنعمنا على الإنسان أعرض ونآ بجانبه وإذا مسه ms035 الشر فذو دعاء عريض 6 وفى ~~الآية الأخرى ^ كان يؤسا ^ PageV01P050 $ فصل والسعادة فى معاملة الخلق أن ~~تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم فى الله وتخافه فيهم ولا تخافهم فى ~~الله وتحسن اليهم رجاء ثواب الله لا لمكافئتهم وتكف عن ظلمهم خوفا من الله ~~لا منهم كما جاء فى الأثر ( أرج الله فى الناس ولا ترج الناس فى الله وخف ~~الله فى الناس ولا تخف الناس فى الله ( أى لا تفعل شيئا من أنواع العبادات ~~والقرب لأجلهم لا رجاء مدحهم ولا خوفا من ذمهم بل إرج الله ولا تخفهم فى ~~الله فيما تأتى وما تذر بل إفعل ما أمرت به وإن كرهوه وفى الحديث ( إن من ~~ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله أو تذمهم على ما لم يؤتك الله ( فإن ~~اليقين يتضمن اليقين فى القيام بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته ويتضمن ~~اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا لا ~~بوعده ولا برزقه فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما فى أيديهم ~~من الدنيا فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم وإما ضعف تصديق بما ~~وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب فى الدنيا والآخرة فإنك إذا ~~أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم ~~ورجاء لهم وذلك من ضعف اليقين # وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر فى ذلك إلى الله لا لهم ~~PageV01P051 فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فإذا ذممتهم على ما لم يقدر ~~كان ذلك من ضعف يقينك فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك لكن ~~من حمده الله ورسوله فهو المحمود ومن ذمه الله ورسوله فهو المذموم # ولما قال بعض وفد بنى تميم يا محمد أعطنى فإن حمدى زين وإن ذمى شين قال ~~رسول الله ( ذاك الله عز وجل ( # وكتبت عائشة إلى معاوية وروى أنها رفعته إلى النبى ( من أرضى الله ms036 بسخط ~~الناس كفاه مؤنة الناس ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا ~~( هذا لفظ المرفوع ولفظ الموقوف ( من أرضى الله بسخط الناس رضى الله عنه ~~وأرضى عنه الناس ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاما ( ~~هذا لفظ المأثور عنها وهذا من أعظم الفقه فى الدين والمرفوع أحق وأصدق فإن ~~من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه وكان عبده الصالح والله يتولى الصالحين ~~وهو كاف عبده ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) فالله ~~يكفيه مؤنة الناس بلا ريب وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك ~~لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة ومن أرضى الناس ~~بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا كالظالم الذى يعض على يده يقول ( ~~ياليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا ) وأما ~~كون حامده ينقلب ذاما فهذا يقع كثيرا ويحصل فى العاقبة فإن العاقبة للتقوى ~~لا يحصل ابتداء عند أهوائهم وهو سبحانه أعلم # فالتوحيد ضد الشرك فإذا قام العبد بالتوحيد الذى هو حق الله فعبده ~~PageV01P052 لا يشرك به شيئا كان موحدا ومن توحيد الله وعبادته التوكل عليه ~~والرجاء له والخوف منه فهذا يخلص به العبد من الشرك وإعطاء الناس حقوقهم ~~وترك العدوان عليهم يخلص به العبد من ظلمهم ومن الشرك بهم وبطاعة ربه ~~واجتناب معصيته يخلص العبد من ظلم نفسه وقد قال تعالى فى الحديث القدسى ( ~~قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ( فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد وكما ~~فى الحديث الذى رواه الطبرانى فى الدعاء ( يا عبادى إنما هى أربع واحدة لى ~~وواحدة لك وواحدة بينى وبينك وواحدة بينك وبين خلقى فالتى لى تعبدنى لا ~~تشرك بى شيئا والتى لك عملك أجزيك به أحوج ما تكون اليه والتى بينى وبينك ~~فمنك الدعاء وعلى الإجابة والتى بينك وبين خلقى فأت اليهم ما تحب أن يأتوه ~~اليك ( والله يحب النصفين # ويحب أن يعبدوه ms037 وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله ~~وإحسانه وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب وهو إنما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته ~~والعبد يطلب ما يحتاج أولا وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة والى الهداية ~~إلى الصراط المستقيم وبذلك يصل إلى العبادة فهو يطلب ما يحتاج اليه أولا ~~ليتوسل به إلى محبوب الرب الذى فيه سعادته وكذلك قوله ( عملك أجزيك به أحوج ~~ما تكون اليه ) فإنه يحب الثواب الذى هو جزاء العمل فالعبد إنما يعمل لنفسه ~~( لها ما كسبت وعليها ما إكتسبت ( ثم إذا طلب العبادة فإنما يطلبها من حيث ~~هى نافعة له محصلة لسعادته محصنة له من عذاب ربه فلا يطلب العبد قط إلا ما ~~فيه حظ له وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له فمن عبد الله ~~لا يشرك به شيئا أحبه وأثابه فيحصل PageV01P053 للعبد ما يحبه من النعم ~~تبعا لمحبوب الرب وهذا كالبائع والمشترى البائع يريد من المشترى أولا الثمن ~~ومن لوازم ذلك إرادة تسليم المبيع والمشترى يريد السلعة ومن لوازم ذلك ~~إرادة إعطاء الثمن # فالرب يحب أن يحب ومن لوازم ذلك أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به والعبد ~~يحب ما يحتاج اليه وينتفع به ومن لوازم ذلك محبته لعبادة الله فمن عبد الله ~~وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله فى إخلاص الدين له ومن ~~طلب من العباد العوض ثناء أو دعاء أوغير ذلك لم يكن محسنا اليهم لله ومن ~~خاف الله فيهم ولم يخفهم فى الله كان محسنا إلى الخلق والى نفسه فإن خوف ~~الله تحمله على أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم ومن خافهم ولم يخف الله فهذا ~~ظالم لنفسه ولهم حيث خاف غير الله ورجاه لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن ~~يدفع شرهم عنه بكل وجه إما بمداهنتهم ومراءاتهم وإما بمقابلتهم بشىء أعظم ~~من شرهم أو مثله وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله وهو إذا لم يخف الله فهو ~~مختار ms038 للعدوان عليهم فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلمها ~~فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق كثير الظلم إذا قدر مهين ذليل إذا قهر ~~فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك وهذا مما يوقع الفتن بين الناس # وكذلك إذا رجاهم فهم لا يعطونه ما يرجوه منهم فلابد أن يبغضهم فيظلمهم ~~إذا لم يكن خائفا من الله عز وجل وهذا موجود كثير فى الناس تجدهم يخاف ~~بعضهم بعضا ويرجوا بعضهم بعضا وكل من هؤلاء يتظلم من الآخر ويطلب ظلمه فهم ~~ظالمون بعضهم لبعض ظالمون فى حق الله حيث خافوا غيره ورجو غيره ظالمون ~~لأنفسهم فإن هذا من الذنوب التى تعذب النفس بها وعليها وهو يجر إلى فعل ~~المعاصى المختصة كالشرك والزنا فإن الإنسان إذا لم يخف PageV01P054 من الله ~~إتبع هواه ولا سيما إذا كان طالبا ما لم يحصل له فإن نفسه تبقى طالبة لما ~~تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما ~~تستريح اليه وبه فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول ~~الزور وذكر ما جريات النفس والهزل واللعب ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك ولا ~~يستغنى القلب إلا بعبادة الله تعالى # فإن الإنسان خلق محتاجا إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ونفسه مريدة دائما ~~ولابد لها من مراد يكون غاية مطلوبها لتسكن اليه وتطمئن به وليس ذلك إلا ~~لله وحده فلا تطمئن القلوب إلا به ولا تسكن النفوس إلا اليه و @QB@ لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ فكل مألوه سواه يحصل به الفساد ولا يحصل ~~صلاح القلوب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له # فإذا لم تكن القلوب مخلصة لله الدين عبدت غيره من الآلهة التى يعبدها ~~أكثر الناس مما رضوه لأنفسهم فأشركت بالله بعبادة غيره واستعانته فتعبد ~~غيره وتستعين به لجهلها بسعادتها التى تنالها بعبادة خالقها والإستعانة به ~~فبالعبادة له تستغنى عن معبود آخر وبالإستعانة به تستغنى عن الإستعانة ~~بالخلق وإذا لم يكن العبد كذلك كان ms039 مذنبا محتاجا وإنما غناه فى طاعة ربه ~~وهذا حال الإنسان فإنه فقير محتاج وهو مع ذلك مذنب خطاء فلابد له من ربه ~~فإنه الذى يسدى مغافره ولابد له من الإستغفار من ذنوبه قال تعالى @QB@ ~~فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك @QE@ فبالتوحيد يقوى العبد ~~ويستغنى ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله وبالإستغفار يغفر له ~~ويدفع عنه عذابه ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ( فلا يزول فقر العبد ~~وفاقته PageV01P055 إلا بالتوحيد فإنه لابد له منه وإذا لم يحصل له لم يزل ~~فقيرا محتاجا معذبا فى طلب ما لم يحصل له والله تعالى @QB@ لا يغفر أن يشرك ~~به @QE@ وإذا حصل مع التوحيد الإستغفار حصل له غناه وسعادته وزال عنه ما ~~يعذبه ولا حول ولا قوة إلا بالله # والعبد مفتقر دائما إلى التوكل على الله والإستعانة به كما هو مفتقر إلى ~~عبادته فلابد أن يشهد دائما فقره إلى الله وحاجته فى أن يكون معبودا له وأن ~~يكون معينا له فلا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ من الله إلا اليه قال ~~تعالى @QB@ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه @QE@ أي يخوفكم بأوليائه هذا هو ~~الصواب الذى عليه الجمهور كابن عباس وغيره وأهل اللغة كالفراء وغيره قال ~~ابن الانبارى والذى نختاره فى الآية يخوفكم أوليائه تقول العرب أعطيت ~~الأموال أى أعطيت القوم الأموال فيحذفون المفعول الأول # قلت وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفا مطلقا ليس له فى تخويف ~~ناس بناس ضرورة فحذف الأول لأنه ليس مقصودا وقال بعض المفسرين يخوف أولياءه ~~المنافقين والأول أظهر لأنها نزلت بسبب تخويفهم من الكفار فهى إنما نزلت ~~فيمن خوف المؤمنين من الناس وقد قال ( يخوف أولياءه فلا تخافوهم ( الضمير ~~عائد إلى أولياء الشيطان الذين قال فيهم ( فاخشوهم ( قبلها والذى قال ~~الثانى فسرها من جهة المعنى وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه لأن سلطانه ~~عليهم فهو يدخل عليهم المخاوف دائما وإن كانوا ذوى عدد وعدد وأما المؤمنون ~~فهم متوكلون على الله لا يخوفهم الكفار أو ms040 أنهم أرادوا المفعول الأول أى ~~يخوف PageV01P056 المنافقين أولياءه وهو يخوف الكفار كما يخوف المنافقين ~~ولو أريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه وهو قوله ( ~~فلا تخافوهم ( وأيضا فإنه يعد أولياء ويمنيهم ولكن الكفار يلقى الله فى ~~قلوبهم الرعب من المؤمنين والشيطان لا يختار ذلك قال تعالى @QB@ لأنتم أشد ~~رهبة في صدورهم من الله @QE@ وقال @QB@ سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~@QE@ ولكن الذين [ قالوا ] ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين ~~أظهروا الإسلام وهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين وإنما يخاف من الكفار ~~المنافقون بتخويف الشيطان لهم كما قال تعالى @QB@ ولكنهم قوم يفرقون @QE@ ~~وقال @QB@ فإذا جاء الخوف @QE@ الآية فكلا القولين صحيح من حيث المعنى لكن ~~لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين كما دل عليه السياق ~~وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم # فدلت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين ويجعل ناسا خائفين منهم # ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان ولا يخاف ~~الناس كما قال ( فلا تخشوا الناس واخشون ) فخوف الله أمر به وخوف أولياء ~~الشيطان نهى عنه قال تعالى @QB@ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ~~منهم فلا تخشوهم واخشون @QE@ فنهى عن خشية الظالم وأمر بخشيته وقال @QB@ ~~الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله @QE@ وقال @QB@ ~~فإياي فارهبون @QE@ وبعض الناس يقول يارب إنى أخافك وأخاف من لا يخافك فهذا ~~PageV01P057 كلام ساقط لا يجوز بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف ~~أحدا فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان ~~فالخوف منه قد نهى الله عنه وإذا قيل قد يؤذينى قيل ( إنما يؤذيك بتسليط ~~الله له وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه فالأمر لله وإنما يسلط على العبد ~~بذنوبه وأنت إذا خفت الله فإتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر ولم يسلطه ~~عليك فإنه قال @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ وتسليطه ms041 يكون بسبب ~~ذنوبك وخوفك منه فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك كما ~~قال @QB@ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون @QE@ # وفى الآثار ( يقول الله أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك قلوب الملوك ~~ونواصيها بيدى فمن أطاعنى جعلت قلوب الملوك عليه رحمة ومن عصانى جعلتهم ~~عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلى وأطيعون أعطفهم ~~عليكم ) # ولما سلط الله العدو على الصحابه يوم أحد قال ^ أولما أصابتكم مصيبة ^ ~~الآية وقال ^ وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثيرة ^ الآيات والأكثرون يقرؤن ~~قاتل والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف هم الجماعات الكثيرة قال ابن ~~مسعود وابن عباس فى رواية عنه والفراء ألوف كثيرة وقال ابن عباس فى أخرى ~~ومجاهد وقتادة جماعات كثيرة وقرىء بالحركات الثلاث فى الراء فعلى هذه ~~القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه الذين ما وهنوا وما ضعفوا وأما على ~~قراءة أبى عمرو وغيره ففيها وجهان # أحدهما يوافق الأول أى الربيون يقتلون فما وهنوا أيما ما وهن من بقى منهم ~~PageV01P058 لقتل كثير منهم أى ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا ~~لعدوهم بل قاموا بأمر الله فى القتال حتى أدلهم الله عليهم وصارت كلمة الله ~~هى العليا # والثانى أن النبى قتل معه ربيون كثير فما وهن من بقى منهم لقتل النبى ~~وهذا يناسب صرخ الشيطان أن محمدا قد قتل لكن هذا لا يناسب لفظ الآية ~~فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا ولو أريد أن النبى قتل ومعه ناس لم ~~يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم بل تقليلهم هو المناسب لها فإذا كثروا لم يكن ~~فى مدحهم بذلك عبرة # وأيضا لم يكن فيه حجة على الصحابة فإنهم يوم أحد قليلون والعدو أضعافهم ~~فيقولون ولم يهنوا لأنهم ألوف ونحن قليلون # $ وأيضا فقوله @QB@ وكأين من نبي @QE@ يقتضى كثرة ذلك وهذا لا يعرف أن ~~أنبياء كثيرون قتلوا فى الجهاد # وأيضا فيقتضى أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير وهذا لم يوجد فإن ~~من قبل موسى من الأنبياء ms042 لم يكونوا يقاتلون وموسى وأنبياء بنى إسرائيل لم ~~يقتلوا فى الغزو بل ولا يعرف نبى قتل فى جهاد فكيف يكون هذا كثيرا ويكون ~~جيشه كثيرا # والله سبحانه أنكر على من ينقلب سواء كان النبى مقتولا أو ميتا فلم يذمهم ~~إذا مات أو قتل على الخوف بل على الإنقلاب على الأعقاب ولهذا تلاها الصديق ~~رضى الله عنه بعد موته صلى الله عليه وسلم فكأن لم يسمعوها قبل ذلك # ثم ذكر بعدها معنى آخر وهو أن من كان قبلكم كانوا يقاتلون فيقتل منهم ~~PageV01P059 خلق كثير وهم لا يهنون فيكون ذكر الكثرة مناسبا لأن من قتل مع ~~الأنبياء كثير وقتل الكثير من الجنس يقتضى الوهن فما وهنوا وإن كانوا ~~كثيرين ولو وهنوا دل على ضعف إيمانهم ولم يقل هنا ولم ينقلبوا على أعقابهم ~~فلو كان المراد أن نبيهم قتل لقال فإنقلبوا على أعقابهم لأنه هو الذى أنكره ~~إذا مات النبى أو قتل فأنكر سبحانه شيئين الإرتداد إذا مات أو قتل والوهن ~~والضعف والإستكانة لما أصابهم فى سبيل الله من إستيلاء العدو ولهذا قال ( ~~فما وهنوا لما أصابهم ) الخ ولم يقل فما وهنوا لقتل النبى ولو قتل وهم ~~أحياء لذكر ما يناسب ذلك ولم يقل ( فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله ) ~~ومعلوم إنما يصيب فى سبيل الله فى عامة الغزوات لا يكون قتل نبى # وأيضا فكون النبى قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير لا يستلزم أن يكون ~~النبى معهم فى الغزاة بل كل من اتبع النبى وقاتل على دينه فقد قاتل معه ~~وكذلك كل من قتل على دينه فقد قتل معه وهذا الذى فهم الصحابة فإن أعظم ~~قتالهم كان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم حتى فتحوا البلاد شاما ومصرا ~~وعراقا ويمنا وعربا وعجما وروما ومغربا ومشرقا وحينئذ فظهر كثرة من قتل معه ~~فإن الذين قاتلوا وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون ويكون فى هذه الآية ~~عبرة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة فإنهم كلهم يقاتلون مع النبى صلى الله ~~عليه وسلم على ms043 دينه وإن كان قد مات والصحابة الذين يغزون فى السرايا والنبى ~~ليس معهم كانوا معه يقاتلون وهم داخلون فى قوله @QB@ محمد رسول الله والذين ~~معه @QE@ الآية وفى قوله ^ والذين آمنوا من بعد وهاجروا PageV01P060 ~~وجاهدوا معكم ^ الآية ليس من شرط من يكون مع المطاع أن يكون مشاهدا للمطاع ~~ناظرا اليه # وقد قيل فى ( ربيون ) هنا أنهم العلماء فلما جعل هؤلاء هذا كلفظ الربانى ~~وعن إبن زيد هم الأتباع كأنه جعلهم المربوبين والأول أصح من وجوه # أحدها أن الربانيين عين الأحبار وهم الذين يربون الناس وهم أئمتهم فى ~~دينهم ولا يكون هؤلاء إلا قليلا # الثانى أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم وأصحاب الأنبياء لم يكونوا ~~كلهم ربانيين وإن كانوا قد أعطوا علما ومعهم الخوف من الله عز وجل # الثالث أن إستعمال لفظ الربانى فى هذا ليس معروفا فى اللغة # الرابع أن إستعمال لفظ الربى فى هذا ليس معروفا فى اللغة بل المعروف فيها ~~هو الأول والذين قالوه قالوا هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهورة ( ربى ~~) بالكسر وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء وقد قرىء بالضم فعلم ~~أنها لغات # الخامس أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد سواء كان ~~من الربانيين أو لم يكن # السادس أنه لا مناسبة فى تخصيص هؤلاء بالذكر وإنما المناسب ذكرهم فى مثل ~~قوله ^ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ^ الآية وفى قوله ^ ولكن كونوا ~~ربانيين ^ فهناك ذكرهم به مناسبا # السابع قيل إن الربانى منسوب إلى الرب فزيادة الألف والنون كاللحيانى ~~وقيل إلى تربيته الناس وقيل إلى ربان السفينة وهذا أصح فإن PageV01P061 ~~الأصل عدم الزيادة فى النسبة لأنهم منسوبون إلى التربية وهذه تختص بهم وأما ~~نسبتهم إلى الرب فلا إختصاص لهم بذلك بل كل عبد له فهو منسوب اليه إما نسبة ~~عموم أ و خصوص ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين ولا سمى به رسله ~~وأنبياءه فإن الربانى من يرب الناس كما يرب الربانى السفينة ولهذا كان ~~الربانيون يذمون تارة ويمدحون أخرى ولو ms044 كانوا منسوبين إلى الرب لم يذموا قط ~~وهذا هو الوجه الثامن # أنها إن جعلت مدحا فقد ذموا فى مواضع وإن لم تكن مدحا لم يكن لهم خاصة ~~يمتازون بها من جهة المدح وإذا كان منسوبا إلى ربانى السفينة بطل قول من ~~يجعل الربانى منسوبا إلى الرب فنسبة الربيون إلى الرب أولى بالبطلان # التاسع أنه إذا قدر أنهم منسوبون إلى الرب فلا تدل النسبة على أنهم علماء ~~نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله وهذا يعم جميع المؤمنين فكل من عبد الله ~~وحده لا يشرك به شيئا فهو متأله عارف بالله والصحابة كلهم كذلك ولم يسموا ~~ربانيين ولا ربيون وإنما جاء أن ابن الحنفية قال لما مات ابن عباس اليوم ~~مات ربانى هذه الأمة وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم والخلفاء ~~أفضل منهم ولم يسموا ربانيين وإن كانوا هم الربانيين وقال إبراهيم كان ~~علقمة من الربانيين ولهذا قال مجاهد هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل ~~كباره فهم أهل الأمر والنهى والأحبار يدخل فيه من أخبر بالعلم ورواه عن ~~غيره وحدث به وإن لم يأمر أو ينه وذلك هو المنقول عن السلف فى الربانى نقل ~~عن على قال ( هم الذين يغذون الناس بالحكمة PageV01P062 ويربونهم عليها ( ~~وعن ابن عباس قال ( هم الفقهاء المعلمون ( # قلت أهل الأمر والنهى هم الفقهاء المعلمون وقال قتادة وعطاء هم الفقهاء ~~العلماء الحكماء قال إبن قتيبة واحدهم ربانى وهم العلماء المعلمون قال أبو ~~عبيد أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب لا ~~تعرف الربانيين # قلت اللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة الذى ينزلها ويقوم لمصلحتها ~~ولكن العرب فى جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون لأنهم لم يكونوا على شريعة ~~منزلة من الله عز وجل # PageV01P063 $ فصل # قال الله تعالى @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ # وقد صح عن النبى أنه قال ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( # وكتاب الله يدل على ذلك فى مواضع مثل قوله تعالى @QB@ قل هل ms045 أنبئكم بشر ~~من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه @QE@ وقول ^ وباؤا بغضب على ~~غضب ^ وقوله ^ وباؤا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ^ وقال فى النصارى ~~@QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ وقال @QB@ يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ وقال تعالى ^ ~~وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح إبن الله ذلك قولهم ~~بأفواهم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ^ وقال تعالى ^ ما كان ~~لبشر PageV01P064 أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون ) وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله فى كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ~~ينحرف إلى هذين الطريقين وقد وقع ذلك كما أخبر به النبى حيث قال ( لتسلكن ~~سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ( قالوا ~~يا رسول الله اليهود والنصارى قال ( فمن ( وهو حديث صحيح # وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من ~~اليهود ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى كما ms046 يرى فى أحوال منحرفة ~~أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه وقسوة القلوب والبخل بالعلم والكبر ~~وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم وغير ذلك وكما يرى فى منحرفة أهل العبادة ~~والأحوال من الغلو فى الأنبياء والصالحين والإبتداع فى العبادات من ~~الرهبانية والصور والأصوات ولهذا قال النبى ( لا تطرونى كما أطرت النصارى ~~PageV01P065 # عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ( ولهذا حقق الله له ~~نعت العبودية فى أرفع مقاماته حيث قال @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فأوحى إلى عبده ما أوحى @QE@ وقال تعالى @QB@ وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا @QE@ ولهذا يشرع فى التشهد ~~وفى سائر الخطب المشروعة كخطب الجمع والأعياد وخطب الحاجات عند النكاح ~~وغيره أن نقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله # وكان رسول الله يحقق عبوديته لئلا تقع الأمة فيما وقعت فيه النصارى فى ~~المسيح من دعوى الألوهية حتى قال له رجل ما شاء الله وشئت فقال ( أجعلتنى ~~لله ندا بل ما شاء الله وحده ( وقال أيضا لأصحابه ( لا تقولوا ما شاء الله ~~وشاء محمد بل قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ( وقال ( لا تتخذوا قبرى عيدا ~~وصلوا على حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى وقال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا ~~يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وقال ( إن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم ~~عن ذلك ( # والغلو فى الأمة وقع فى طائفتين طائفة من ضلال الشيعة الذين يعتقدون فى ~~الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية وطائفة من جهال المتصوفة يعتقدون ~~نحو ذلك فى الأنبياء والصالحين فمن توهم فى نبينا أو غيره من الأنبياء شيئا ~~من الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به ~~الكتاب والسنة عنهم قال تعالى فى خطابه لبنى إسرائيل ( وآمنتم برسلى ~~وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم ~~PageV01P066 جنات تجرى من تحتها الأنهار ( والتعزير ms047 النصر والتوقير ~~والتأييد # وقال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه وتوقروه @QE@ فهذا فى حق الرسول ثم قال فى حق الله تعالى ( وتسبحوه ~~بكرة وأصيلا ^ وقال تعالى ^ ورحمتى وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى الأمى ~~الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه وإتبعوا النور الذى أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون ^ وقال تعالى ^ قل إن كنتم تحبون الله فإتبعونى ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ^ ^ قل أطيعوا الله والرسول ~~فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ^ وقال تعالى ^ إن الله وملائكته يصلون ~~على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ^ وقال تعالى ^ قل ~~إن كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد فى ~~سبيله فتربصوا ^ # وذكر طاعة الرسول فى أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن وقال ^ يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ^ وقال تعالى ^ فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما ^ وقال تعالى ^ فاليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ^ وقال تعالى ^ إنما كان قول المؤمنين إذا ~~دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك ~~PageV01P067 هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون ) فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده كما قال ~~^ فإياى فارهبوه ^ وقال ^ فإياى فاتقون ^ وقال @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون ~~@QE@ وقال @QB@ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ # وقال تعالى @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم @QE@ ~~وقال ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ms048 اليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) ~~وقال له عمر ( والله يارسول الله لأنت أحب إلى من كل أحد إلا من نفسى فقال ~~( لا يا عمر حتى أكون أحب اليك من نفسك ( فقال فأنت أحب إلى من نفسى قال ( ~~الآن يا عمر ( فقد بين الله فى كتابه حقوق الرسول من الطاعة له ومحبته ~~وتعزيره وتوقيره ونصره وتحكيمه والرضى بحكمه والتسليم له وإتباعه والصلاة ~~والتسليم عليه وتقديمه على النفس والأهل والمال ورد ما يتنازع فيه اليه ~~وغير ذلك من الحقوق # وأخبر أن طاعته طاعته فقال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ومبايعته ~~مبايعته فقال ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) وقرن بين إسمه وإسمه ~~فى المحبة فقال ( أحب اليكم من الله ورسوله ) وفى الأذى فقال ( إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله ) وفى الطاعة والمعصية فقال ( ومن يطع الله ورسوله ) ( ~~ومن يعص الله ورسوله ) وفى الرضا فقال ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) فهذا ~~ونحوه هو الذى يستحقه رسول الله بأبى هو وأمى # PageV01P068 فأما العبادة والإستعانة فلله وحده لا شريك له كما قال @QB@ ~~اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا @QE@ @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ~~@QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء @QE@ وقد جمع ~~بينهما فى مواضع كقوله ^ فاعبده وتوكل عليه ^ وقوله @QB@ وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت وسبح بحمده @QE@ وقوله ^ عليه توكلت واليه أنيب ^ # وكذلك التوكل كما قال ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ^ وقال ^ قل أرأيتم ~~ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ^ وقال ^ الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل ^ # والدعاء لله وحده سواء كان دعاء العبادة أو دعاء المسئلة والإستعانة كما ~~قال تعالى ^ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعو ربى ولا أشرك به أحدا ^ وقال ~~تعالى ^ فادع الله مخلصين ms049 له الدين ولو كره الكافرون ^ وقال ^ فلا تدع مع ~~الله إلها آخر فتكون من المعذبين ^ وقال ^ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشى ويريدون وجهه ^ # وذم الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم فقال ^ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~^ روى عن ابن مسعود أن قوما كانوا يدعون الملائكة PageV01P069 والمسيح ~~وعزيرا فقال الله هؤلاء الذين تدعونهم يخافون الله ويرجونه ويتقربون اليه ~~كما تخافونه أنتم وترجونه وتتقربون اليه وقال تعالى @QB@ وإذا مسكم الضر في ~~البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ وقال @QB@ أم من يجيب المضطر إذا دعاه ~~ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله @QE@ وقال @QB@ والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون @QE@ # وتوحيد الله وإخلاص الدين له فى عبادته وإستعانته فى القرآن كثير جدا بل ~~هو قلب الإيمان وأول الإسلام وآخره كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ( ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ( ~~وقال ( إنى لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد روحه لها روحا ( ~~وقال ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة ( وهو قلب الدين ~~والإيمان وسائر الأعمال كالجوارج له وقول النبى ( إنما الأعمال بالنيات ~~وإنما لكل أمرى ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ~~ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إمرأة يتزوجها فهجرته إلى ما ~~هاجر اليه ( فبين بهذا أن النية عمل القلب وهى أصل العمل وإخلاص الدين لله ~~وعبادة الله وحده ومتابعة الرسول فيما جاء به هو شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله # ولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى الصرصرى ما يقوله فى قصائده فى مدح الرسول ~~من الإستغاثة به مثل قوله بك أستغيث وأستعين وأستنجد ونحو ذلك PageV01P070 ~~وكذلك ms050 ما يفعله كثير من الناس من استنجاد الصالحين والمتشبهين بهم ~~والإستعانة بهم أحياء وأمواتا فإنى أنكرت ذلك فى مجالس عامة وخاصة وبينت ~~للناس التوحيد ونفع الله بذلك ما شاء الله من الخاصة والعامة # وهو دين الإسلام العام الذى بعث الله به جميع الرسل كما قال تعالى @QB@ ~~ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال ~~@QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~@QE@ وقال @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون @QE@ وقال @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون @QE@ وقال ~~@QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه @QE@ وقال @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ # وقال النبى لمعاذ بن جبل يا معاذ أتدرى ما حق الله على عباده قلت الله ~~ورسوله أعلم قال ( حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدرى ما حق ~~العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم ( وقال لابن عباس ( إذا سألت ~~فاسئل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ) # ويدخل فى العبادة الخشية والإنابة والإسلام والتوبة كما قال تعالى @QB@ ~~الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله @QE@ وقال @QB@ ~~فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ وقال ^ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتا الزكاة ولم يخش إلا الله ^ وقال الخليل ( ~~ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شىء علما أفلا ~~PageV01P071 تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) وقال ( ألا ~~تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) إلى قوله ( أتخشونهم فالله أحق ms051 أن تخشوه إن ~~كنتم مؤمنين ) ( وإياى فاتقون ) وقال ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه ) وقال نوح ( أن اعبدوا الله وإتقوه وأطيعون ) فجعل العبادة والتقوى ~~لله وجعل له أن يطاع كما قال تعالى ^ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله وكذلك قالت الرسل مثل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم فاتقوا الله ~~وأطيعون ^ فجعلوا التقوى لله وجعلوا لهم أن يطاعوا وكذلك فى مواضع كثيرة ~~جدا من القرآن @QB@ اتقوا الله @QE@ @QB@ اتقوا الله @QE@ ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ^ # وكذلك # وقال ^ عليه توكلت واليه أنيب ^ وقال ^ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ^ ~~وقال عن إبراهيم ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) وقالت ~~بلقيس ( إنى أسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) وقال ( ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ) وقال ( بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن فله أجره عند ربه ) وقال ( وتوبوا إلى الله جميعا ) ( ومن تاب ~~وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ) وقال ( فتوبوا إلى بارئكم ( توبوا ~~إلى الله توبة نصوحا ) والإستغفار ( إستغفروا ربكم إنه كان غفارا ) ~~PageV01P072 ( وأن إستغفروا ربكم ثم توبوا اليه ) والإسترزاق والإستنصار ~~كما فى صلاة الإستسقاء والقنوت على الأعداء قال ( فابتغوا عند الله الرزق ~~وإعبدوه وإشكروا له ) وقال ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذى ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) والإستغاثة كما قال ( ~~إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ) والإستجارة كما قال ( قل من بيده ملكوت كل ~~شىء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تتقون ) ~~والإستعاذة كما قال ( قل أعوذ برب الفلق ) و ( قل أعوذ برب الناس ) وقال ( ~~وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ) وقال ( فإذا ~~قرأت القرآن ) الآية وتفويض الأمر كما قال مؤمن آل فرعون ( وأفوض أمرى إلى ~~الله إن الله بصير بالعباد ) # وفى الحديث المتفق عليه فى الدعاء الذى علمه النبى أن يقال عند ms052 المنام ( ~~اللهم إنى أسلمت نفسى اليك ووجهت وجهى اليك وفوضت أمرى اليك وألجأت ظهرى ~~اليك ( # وقال ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع ) وقال ( الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم ~~إستوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع ) فالولى الذى يتولى أمرك ~~كله والشفيع الذى يكون شافعا فيه أى عونا فليس للعبد دون الله من ولى يستقل ~~ولا ظهير معين وقال ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وأن يردك بخير ~~فلا راد لفضله ) وقال ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك ~~فلا مرسل له من بعده ) وقال ( أم إتخذوا من PageV01P073 دون الله شفعاء قل ~~أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات ~~والأرض ) وقال ( قل أدعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى ~~السموات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) وقال ( من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه ) ~~وقال ( وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا الا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشاء ويرضى ) # فالعبادة والإستعانة وما يدخل فى ذلك من الدعاء والإستغاثة والخشية ~~والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والإستغفار كل هذا لله وحده لا شريك له ~~فالعبادة متعلقة بألوهيته والإستعانة متعلقة بربوبيته والله رب العالمين لا ~~إله إلا هو ولا رب لنا غيره لا ملك ولا نبى ولا غيره بل أكبر الكبائر ~~الإشراك بالله وأن تجعل له ندا وهو خلقك والشرك أن تجعل لغيره شركا أو ~~نصيبا فى عبادتك وتوكلك وإستعانتك كما قال من قال ( ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى ) وكما قال تعالى @QB@ وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركاء @QE@ وكما قال @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ms053 @QE@ وكما قال @QB@ ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع @QE@ # وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة وكذلك أجزاؤها التى هى عبادة ~~بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا ~~لله وحده # ولا يجوز أن يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده لا لشمس ولا لقمر ~~PageV01P074 ولا لملك ولا لنبى ولا صالح ولا لقبر نبى ولا صالح هذا فى جميع ~~ملل الأنبياء وقد ذكر ذلك فى شريعتنا حتى نهى أن يتنفل على وجه التحية ~~والإكرام للمخلوقات ولهذا نهى النبى معاذا أن يسجد له وقال ( ولو كنت آمرا ~~أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ( ونهى عن ~~الإنحناء فى التحية ونهاهم أن يقوموا خلفه فى الصلاة وهو قاعد # وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة لا يتصدق إلا لله كما قال ~~تعالى @QB@ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى @QE@ ~~وقال @QB@ إنما نطعمكم لوجه الله @QE@ وقال ^ مثل الذين ينفقون أموالهم ~~إبتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم ^ وقال @QB@ وما آتيتم من زكاة تريدون ~~وجه الله فأولئك هم المضعفون @QE@ فلا يجوز فعل ذلك على طريق الدين لا لملك ~~ولا لشمس ولا لقمر ولا لنبى ولا لصالح كما يفعل بعض السوال والمعظمين كرامة ~~لفلان وفلان يقسمون بأشياء إما من الأنبياء وإما من الصحابة وإما من ~~الصالحين كما يقال بكر وعلى ونور الدين أرسلان والشيخ عدى والشيخ جاليد # وكذلك الحج لا يحج إلا إلى بيت الله فلا يطاف إلا به ولا يحلق الرأس إلا ~~به ولا يوقف إلا بفنائه لا يفعل ذلك بنبى ولا صالح ولا بقبر نبى ولا صالح ~~ولا بوثن وكذلك الصيام لا يصام عبادة إلا الله فلا يصام لأجل الكواكب ~~والشمس والقمر ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك # PageV01P075 وهذا كله تفصيل الشهادتين اللتين هما أصل الدين شهادة أن لا ~~اله إلا الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله والإله من يستحق أن يألهه العباد ~~ويدخل فيه حبه وخوفه فما كان من توابع الألوهية ms054 فهو حق محض لله وما كان من ~~أمور الرسالة فهو حق الرسول # ولما كان أصل الدين الشهادتين كانت هذه الأمة الشهداء ولها وصف الشهادة ~~والقسيسون لهم العبادة بلا شهادة ولهذا قالوا ( ربنا آمنا بما أنزلت ~~واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) ولهذا كان المحققون على أن الشهادتين ~~أول واجبات الدين كما عليه خلص أهل السنة وذكره منصور السمعانى والشيخ عبد ~~القادر وغيرهما وجعله أصل الشرك وغيروا بذلك ملة التوحيد التى هى أصل الدين ~~كما فعله قدماء المتفلسفة الذين شرعوا من الدين مالم يأذن به الله # ومن أسباب ذلك الخروج عن الشريعة الخاصة التى بعث الله بها محمدا إلى ~~القدر المشترك الذى فيه مشابهة الصائبين أو النصارى أو اليهود وهو القياس ~~الفاسد المشابه لقياس الذين قالوا ( إنما البيع مثل الربا ( فيريدون أن ~~يجعلوا السماع جنسا واحدا والملة جنسا واحدا ولا يميزون بين مشروعه ومبتدعه ~~ولا بين المأمور به والمنهى عنه فالسماع الشرعى الدينى سماع كتاب الله ~~وتزيين الصوت به وتحبيره كما قال ( زينوا القرآن بأصواتكم ( وقال أبو موسى ~~لوعلمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا والصور والأزواج والسرارى التى أباحها ~~الله تعالى PageV01P076 والعبادة عبادة الله وحده لا شريك له ( فى بيوت أذن ~~الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ( # وهذا المعنى يقرر قاعدة إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ~~وينهى أن يشبه الأمر الدينى الشرعى بالطبيعى البدعى لما بينهما من القدر ~~المشترك كالصوت الحسن ليس هو وحده مشروعا حتى ينضم اليه القدر المميز كحروف ~~القرآن فيصير المجموع من المشترك والمميز هو الدين النافع # # PageV01P077 # | وقال رحمه الله # فصل # فى أن لا يسأل العبد إلا الله $ قال الله تعالى ( فإذا فرغت فإنصب والى ~~ربك فإرغب ) قال النبى لابن عباس ( إذا سألت فإسأل الله وإذا إستعنت فاستعن ~~بالله ( وفى الترمذى ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا إنقطع ~~فإنه إن لم ييسره لم يتيسر ( وفى الصحيح أنه قال لعدى بن مالك والرهط الذين ~~بايعهم معه ( لا تسألوا الناس شيئا ms055 ( فكان سوط أحدهم يسقط من يده فلا يقول ~~لأحد ناولنى إياه وفى الصحيح فى حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير ~~حساب ( هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون ( والإسترقاء طلب ~~الرقية وهو نوع من السؤال # وأحاديث النهى عن مسألة الناس الأموال كثيرة كقوله ( لا تحل المسألة إلا ~~لثلاثة ) وقوله ( لأن يأخذ أحدكم حبله ( الحديث وقوله ( لاتزال المسألة ~~بأحدهم ( وقوله ( من سأل الناس وله ما يغنيه ( وأمثال ذلك وقوله ( من نزلت ~~به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ( الحديث # فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب لأن المخبر ~~PageV01P078 لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب والسائل محتاج إلى ~~ذلك قال صلى الله عليه وسلم ( هلا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العى السؤال ~~( ولكن من المسائل ما ينهى عنه كما قال تعالى @QB@ لا تسألوا عن أشياء @QE@ ~~الآية وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك # وأما سؤله لغيره أن يدعو له فقد قال النبى لعمر ( لا تنسنا من دعائك ( ~~وقال ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على ~~مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا ~~تنبغى الا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى ~~الوسيلة حلت له شفاعتى يوم القيامة ( وقد يقال فى هذا هو طلب من الأمة ~~الدعاء له لأنهم إذا دعوا له حصل لهم من الأجر أكثر مما لو كان الدعاء ~~لأنفسهم كما قال للذى قال أجعل صلاتى كلها عليك فقال ( إذا يكفيك الله ما ~~أهمك من أمر دنياك وآخرتك ( فطلبه منهم الدعاء له لمصلحتهم كسائر أمره ~~إياهم بما أمر به وذلك لما فى ذلك من المصلحة لهم فإنه قد صح عنه أنه قال ( ~~ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كل ما دعا ~~دعوة قال الملك الموكل به آمين ولك مثله ( # PageV01P079 # | وقال شيح الإسلام رحمه الله ms056 # فصل # العبادات مبناها على الشرع والإتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام ~~مبنى على أصلين # أحدهما أن نعبد الله وحده لا شريك له # والثانى أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله لا نعبده بالأهواء والبدع قال ~~الله تعالى ^ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين ~~لا يعلمون إنهم لمن يغنوا عنك من الله شيئا ^ الآية وقال تعالى @QB@ أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ # فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ~~ومستحب لا نعبده بالأمور المبتدعة كما ثبت فى السنن من حديث ( العرباض بن ~~سارية ) قال ( الترمذى ( حديث حسن صحيح وفى ( مسلم أنه كان يقول فى خطبته ( ~~خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ~~ضلالة ) # وليس لأحد أن يعبد إلا الله وحده فلا يصلى إلا لله ولا يصوم إلا لله ~~PageV01P080 ولا يحج إلا بيت الله ولا يتوكل إلا على الله ولا يخاف إلا ~~الله ولا ينذر إلا لله ولا يحلف إلا بالله وفى الصحيحين عن النبى صل الله ~~عليه وسلم أنه قال ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا ~~فليحلف بالله أو ليصمت ( وفى السنن ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( وعن إبن ~~مسعود ( لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا ) لأن الحلف ~~بغير الله شرك والحلف بالله توحيد وتوحيد معه كذب خير من شرك معه صدق ولهذا ~~كان غاية الكذب أن يعدل بالشرك كما قال النبى ( عدلت شهادة الزور الإشراك ~~بالله مرتين أو ثلاثا ( وقرأ قوله تعالى ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق ) وإذا كان الحالف بغير ~~الله قد أشرك فكيف الناذر لغير الله # والنذر أعظم من الحلف ولهذا لو نذر لغير الله فلا يجب الوفاء به بإتفاق ~~المسلمين مثل أن ينذر لغير الله صلاة أو صوما أو حجا أو ms057 عمرة أو صدقه # ولو حلف ليفعلن شيئا لم يجب عليه أن يفعله قيل يجوز له أن يكفر عن اليمين ~~ولا يفعل المحلوف عليه كما قال النبى ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم إنه نهى عن النذر وقال ( إنه لا يأتى بخير وإنما يستخج به ~~من البخيل ) فإذا كان النذر لا يأتى بخير فكيف بالنذر للمخلوق ولكن النذر ~~لله يجب الوفاء به إذا كان فى طاعة وإذا كان معصية لم يجز الوفاء بإتفاق ~~العلماء وإنما تنازعوا PageV01P081 هل فيه بدل أو كفارة يمين أما لا لما ~~رواه البخارى فى صحيحه عن النبى انه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن ~~نذر أن يعصى الله فلا يعصه ( # فمن ظن أن النذر للمخلوقين يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة فهو من ~~الضالين كالذين يظنون أن عبادة المخلوقين تجلب لهم منفعة أو تدفع عنهم مضرة # وهؤلاء المشركون قد تتمثل لهم الشياطين وقد تخاطبهم بكلام وقد تحمل أحدهم ~~فى الهواء وقد تخبره ببعض الأمور الغائبة وقد تأتيه بنفقة أو طعام أو كسوة ~~أو غير ذلك كما جرى مثل ذلك لعباد الأصنام من العرب وغير العرب وهذا كثير ~~موجود فى هذا الزمان وغير هذا الزمان للضالين المبتدعين المخالفين للكتاب ~~والسنة إما بعبادة غير الله وإما بعبادة لم يشرعها الله # وهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئا خارقا للعادة لم يخرج عن أن يكون حالا ~~شيطانيا أو محالا بهتانيا فخواصهم تقترن بهم الشياطين كما يقع لبعض العقلاء ~~منهم وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع من ~~البدعة إما كفر وإما فسق وإما جهل بالشرع فإن الشيطان قصده إغواء بحسب ~~قدرته فإن قدر على أن يجعلهم كفارا جعلهم كفارا وإن لم يقدر إلا على جعلهم ~~فساقا أو عصاة وإن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم ببدعة يرتكبونها ~~يخالفون بها الشريعة التى بعث الله ms058 بها رسوله فينتفع منهم بذلك PageV01P082 ~~ولهذا قال الأئمة لو رأيتم الرجل يطير فى الهواء أو يمشى على الماء فلا ~~تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهى ولهذا يوجد كثير من الناس ~~يطير فى الهواء وتكون الشياطين هى التى تحمله لا يكون من كرامات أولياء ~~الله المتقين # ومن هؤلاء من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس ثم يحمله فيرده إلى ~~مدينته تلك الليلة ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله ولا يعرف أنه يجب ~~عليه أن يتوب من هذا وإن إعتقد أن هذا طاعة وقربة اليه فإنه يستتاب فإن تاب ~~والا قتل لأن الحج الذى أمر الله به ورسوله لا بد فيه من الإحرام والوقوف ~~بعرفة ولابد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة فإنه ركن لايتم الحج الا ~~به بل عليه أن يقف بمزدلفة ويرمى الجمار ويطوف للوداع وعليه إجتناب ~~المحظورات والإحرام من الميقات إلى غير ذلك من واجبات الحج وهؤلاء الضالون ~~الذين يضلهم الشيطان يحملهم فى الهواء يحمل أحدهم بثيابه فيقف بعرفة ويرجع ~~من تلك اللية حتى يرى فى اليوم الواحد ببلده ويرى بعرفة # ومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة فيراه من يعرفه واقفا فيظن أنه ~~ذلك الرجل وقف بعرفة فإذا قال له ذلك الشيخ أنا لم أذهب العام إلى عرفة ظن ~~أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ وإنما هو شيطان ثمثل على صورته ومثل هذا ~~وأمثاله يقع كثيرا وهى أحوال شيطانية قال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين @QE@ وذكر الرحمن هو الذكر الذى أنزله على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم قال تعالى ^ إنا نحن نزلنا PageV01P083 الذكر وإنا له ~~لحافظون ^ وقال تعالى ^ فإما يأتينكم منى هدى إلى قوله كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ^ ونسيانها هو ترك الإيمان والعمل بها وإن حفظ ~~حروفها قال إبن عباس ( تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل فى ~~الدنيا ولا يشقى فى الآخرة ( وقرأ هذه الآية ms059 فمن إتبع ما بعث الله به رسوله ~~محمدا من الكتاب والحكمة هداه الله وأسعده ومن أعرض عن ذلك ضل وشقى وأضله ~~الشيطان وأشقاه # فالأحوال الرحمانية وكرامات أوليائه المتقين يكون سببه الإيمان فإن هذه ~~حال أوليائه قال تعالى ^ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون ^ وتكون نعمة الله على عبده المؤمن فى دينه ~~ودنياه فتكون الحجة فى الدين والحاجة فى الدنيا للمؤمنين مثل ما كانت ~~معجزات نبينا محمد كانت الحجة فى الدين والحاجة للمسلمين مثل البركة التى ~~تحصل فى الطعام والشراب كنبع الماء من بين أصابعه ومثل نزول المطر ~~بالإستسقاء ومثل قهر الكفار وشفاء المريض بالدعاء ومثل الأخبار الصادقة ~~والنافعة بما غاب عن الحاضرين وإخبار الأنبياء لا تكذب قط # وأما أصحاب الأحوال الشيطانية فهم من جنس الكهان يكذبون تارة ويصدقون ~~أخرى ولابد فى أعمالهم من مخالفة للأمر قال تعالى ^ هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ^ الآيتين # ولهذا يوجد الواحد من هؤلاء ملابسا الخبائث من النجاسات والأقذار ~~PageV01P084 التى تحبها الشياطين ومرتكبا للفواحش أو ظالما للناس فى أنفسم ~~وأموالهم وغير ذلك والله تعالى قد حرم ( الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والأثم والبغى بغير الحق وإن تشركوا بالله ) الآية # وأولياء الله هم الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور وترك المحظور والصبر على ~~المقدور وهذه جملة لها بسط طويل لا يتسع له هذا المكان والله أعلم # PageV01P085 # | وقال شيخ الإسلام # # | فصل جامع # قد كتبت فيما تقدم فى مواضع قبل بعض القواعد واخر مسودة الفقه أن جماع ~~الحسنات العدل وجماع السيئات الظلم وهذا أصل جامع عظيم وتفصيل ذلك أن الله ~~خلق الخلق لعبادته فهذا هو المقصود المطلوب لجميع الحسنات وهو إخلاص الدين ~~كله لله وما لم يحصل فيه هذا المقصود فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله ~~فى الآخرة وإن كان حسنة من بعض الوجوه له ثواب فى الدنيا وكل ما نهى عنه ~~فهو زيغ وإنحراف عن الإستقامة ووضع للشىء فى غير موضعه فهو ظلم # ولهذا ms060 جمع بينهما سبحانه فى قوله ( قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند ~~كل مسجد وإدعوه مخلصين له الدين ) فهذه الآية فى سورة الأعراف المشتملة على ~~أصول الدين والإعتصام بالكتاب وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ~~كالشرك وتحريم الطيبات أو خالفوا ما شرعه الله من أمور دينهم كإبليس ~~ومخالفى الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون والذين بدلوا الكتاب من أهل الكتاب ~~فإشتملت السورة على ذم من أتى بدين باطل ككفار العرب ومن خالف الدين الحق ~~كله كالكفار بالأنبياء أو بعضه ككفار أهل الكتاب # وقد جمع سبحانه فى هذه السورة وفى الأنعام وفى غيرهما ذنوب المشركين فى ~~نوعين PageV01P086 أحدهما أمر بما لم يأمر به كالشرك ونهى عما لم ينه الله ~~عنه كتحريم الطيبات # فالأول شرع من الدين ما لم يأذن به الله # والثانى تحريم لما لم يحرمه الله وكذلك فى الحديث الصحيح حديث عياض بن ~~حمار عن النبى عن الله تعالى ( إنى خلقت عبادى حنفاء فاجتالتهم الشياطين ~~فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا ) ~~ولهذا كان إبتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه هو الغالب على النصارى ~~ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة وإبتداع التحريمات الباطلة هو ~~الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة بل أصل دين اليهود فيه ~~آصار وأغلال من التحريمات ولهذا قال لهم المسيح ( ولأحل لكم بعض الذى حرم ~~عليكم ) وأصل دين النصارى فيه تأله بألفاظ متشابهة وأفعال مجملة فالذين فى ~~قلوبهم زيغ اتبعوا ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله وما قررته فى ~~غير هذا الموضع بأن توحيد الله الذى هو إخلاص الدين له والعدل الذى نفعله ~~نحن هو جماع الدين يرجع إلى ذلك فإن إخلاص الدين لله أصل العدل كما أن ~~الشرك بالله ظلم عظيم # PageV01P087 # | وقال شيخ الإسلام # إعلم رحمك الله أن الشرك بالله أعظم ذنب عصى الله به قال الله تعالى ^ إن ~~الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ^ وفى ms061 الصحيحين أنه سئل ~~أى الذنب أعظم قال ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك زالند المثل قال تعالى ( فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) وقال تعالى @QB@ وجعل لله أندادا ليضل عن ~~سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار @QE@ فمن جعل لله ندا من ~~خلقه فيما يستحقه عز وجل من الألهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة # فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته لأنه المألوه المعبود الذى ~~تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد وما سواه فهو مفتقر مقهور ~~بالعبودية فكيف يصلح أن يكون إلها قال الله تعالى ^ وجعلوا له من عباده ~~جزاء إن الإنسان لكفور مبين ^ وقال تعالى @QB@ إن كل من في السماوات والأرض ~~إلا آتي الرحمن عبدا @QE@ وقال الله تعالى ^ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملئكة المقربون ^ وقال تعالى @QB@ ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ~~إني لكم منه نذير مبين @QE@ وقال تعالى ^ قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا ~~PageV01P088 له الدين ^ # فالله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته قال تعالى ^ الحمد لله رب ~~العالمين ^ فذكر ( الحمد ) بالألف واللام التى تقتضى الإستغراق لجميع ~~المحامد فدل على أن الحمد كله لله ثم حصره فى قوله ( إياك نعبد وإياك ~~نستعين ) فهذا تفصيل لقوله ^ الحمد لله رب العالمين ^ فهذا يدل على أنه ~~لامعبود إلا الله وأنه لايستحق أن يعبد أحد سواه فقوله ( إياك نعبد ) إشارة ~~إلى عبادته بما إقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهى ( ~~وإياك نستعين ) إشارة إلى ما إقتضته الربوبية من التوكل والتفويض والتسليم ~~لأن الرب سبحانه وتعالى هو المالك وفيه أيضا معنى الربوبية والإصلاح ~~والمالك الذى يتصرف فى ملكه كما يشاء # فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى قال ~~تعالى ^ تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شء قدير ^ فلا يرى نفعا ولا ضرا ~~ولا حركة ولا سكونا ولا قبضا ولا بسطا ولا خفضا ولا رفعا إلا والله سبحانه ~~وتعالى فاعله وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وخافضه فهذا الشهود ms062 هو سر ~~الكلمات الكونيات وهو علم صفة الربوبية والأول هو علم صفة الإلهية وهو كشف ~~سر الكلمات التكليفيات # فالتحقيق بالأمر والنهى والمحبة والخوف والرجاء يكون عن كشف علم الإلهية # والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون بعد كشف علم الربوبية ~~PageV01P089 وهو علم التدبير السارى فى الأكوان كما قال عز وجل ( إنما ~~قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) فإذا تحقق العبد لهذا المشهد ~~ووفقه لذلك بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه فى ~~عبوديته فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف ~~والكرم والجمال داخل فى مشهد الربوبية # ولهذا قيل أن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن ( إياك نعبد وإياك نستعين ~~) لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهى والمحبة والخوف والرجاء كما ذكرنا ~~وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم وترك الاختيار وجميع العبوديات ~~داخلة فى ذلك # ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد الأول ورأى قيام الله عز وجل على جميع ~~الأشياء وهو القيام على كل نفس بما كسبت وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى ~~الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ عن ~~التمييز والفرق وعطل الأمر والنهى والنبوات ومرق من الإسلام مروق السهم من ~~الرمية # وإن كان ذلك المشهد قد أدهشه وغيب عقله لقوة سلطانه الوارد وضعف قوة ~~البصيرة أن يجمع بين المشهدين فهذا معذور منقوص الا من جمع بين المشهدين ~~الأمر الشرعى ومشهد الأمر الكونى الإرادى وقد زلت فى هذا المشهد أقدام ~~كثيرة من السالكين لقلة معرفتهم بما بعث الله به المرسلين وذلك لأنهم عبدوا ~~الله على مرادهم منه ففنوا بمرادهم عن مراد الحق عز وجل منهم لأن الحق يغنى ~~بمراده ومحبوبه ولو عبدوا الله على PageV01P090 مراده منهم لم ينلهم شىء من ~~ذلك لأن العبد إذا شهد عبوديته ولم يكن مستيقظا لأمر سيده لا يغيب بعبادته ~~عن معبوده ولا بمعبوده عن عبادته بل يكون له عينان ينظر بأحدهما إلى ~~المعبود كأنه يراه كما قال صلى الله عليه وسلم لما سئل ms063 عن الإحسان ( أن ~~تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) والأخرى ينظر بها إلى أمر ~~سيده ليوقعه على الأمر الشرعى الذى يحبه مولاه ويرضاه # فإذا تقرر هذا فالشرك أن كان شركا يكفر به صاحبه وهو نوعان # شرك فى الإلهية وشرك فى الربوبية # فأما الشرك فى اللألهية فهو أن يجعل لله ندا أى مثلا فى عبادته أو محبته ~~أو خوفه أو رجائه أو إنابته فهذا هو الشرك الذى لا يغفره الله الا بالتوبة ~~منه قال تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف @QE@ وهذا ~~هو الذى قاتل عليه رسول الله مشركى العرب لأنهم أشركوا فى اللألهية قال ~~الله تعالى ^ ومن الناس من يتخذ من دون اله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله ^ الآية ^ وقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~^ الآية ^ وقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشىء عجاب ^ وقال تعالى ^ ~~ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد إلى قوله الذى جعل مع الله إلها آخر فألقياه فى ~~العذاب الشديد ^ # وقال النبى لحصين ( كم تعبد ( قال ستة فى الأرض وواحدا فى السماء قال ( ~~فمن الذى تعد لرغبتك ورهبتك ( قال الذى فى السماء قال ( ألا تسلم فأعلمك ~~كلمات ( فأسلم فقال النبى ( قل اللهم ألهمنى رشدى وقنى شر نفسى ( وأما ~~الربوبية فكانوا مقرين بها قال الله تعالى ( ولئن سألتهم من خلق ~~PageV01P091 السموات والأرض ليقولن الله ( وقال ( قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون سيقولون لله ) إلى قوله ( فأنى تسحرون ) وما اعتقد أحد منهم قط ~~أن الأصنام هى التى تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره وإنما كان شركهم كما ~~ذكرنا اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وهذا المعنى يدل على أن ~~من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك وهذا كقوله ( قالوا ~~وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ) ~~وكذا من خاف أحدا كما يخاف الله أو رجاه كما يرجو الله وما ms064 أشبه ذلك # وأما النوع الثانى فالشرك فى الربوبية فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر ~~المعطى المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل فمن شهد أن المعطى ~~أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته # ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك فلينظر إلى المعطى الأول مثلا فيشكره ~~على ما أولاه من النعم وينظر إلى من أسدى اليه المعروف فيكافيه عليه لقوله ~~عليه السلام ( من أسدى اليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه ~~فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ( لأن النعم كلها لله تعالى كما قال ~~تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ كلا نمد هؤلاء ~~وهؤلاء من عطاء ربك @QE@ فالله سبحانه هو المعطى على الحقيقة فإنه هو الذى ~~خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده فالمعطى هو الذى أعطاه ~~وحرك قلبه لعطاء غيره فهو الأول والآخر PageV01P092 ومما يقوى هذا المعنى ~~قوله لابن عباس رضى الله عنهما ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك ~~لم ينفعوك إلا بشىء قد كتبه الله لك ولو إجتمعوا على أن يضروك لم يضروك الا ~~بشىء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ( قال الترمذى هذا حديث ~~صحيح فهذا يدل على أنه لا ينفع فى الحقيقة الا الله ولا يضره غيره وكذا ~~جميع ما ذكرنا فى مقتضى الربوبية # فمن سلك هذا المسلك العظيم إستراح من عبودية الخلق ونظره اليهم وأراح ~~الناس من لومه وذمه اياهم وتجرد التوحيد فى قلبه فقوى إيمانه وإنشرح صدره ~~وتنور قلبه ومن توكل على الله فهو حسبه ولهذا قال الفضيل إبن عياض رحمه ~~الله من عرف الناس استراح يريد والله أعلم أنهم لا ينفعون ولا يضرون # وأما الشرك الخفى فهو الذى لا يكاد أحد أن يسلم منه مثل أن يجب مع الله ~~غيره # فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين والأعمال الصالحة فليست من ~~هذا الباب لأن هذه تدل على حقيقة المحبة لأن حقيقة المحبة أن يحب ms065 المحبوب ~~وما أحبه ويكره ما يكرهه ومن صحت محبته إمتنعت مخالفته لأن المخالفة انما ~~تقع لنقص المتابعة ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى # ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) الآية ~~فليس الكلام فى هذا PageV01P093 إنما الكلام فى محبة تتعلق بالنفوس لغير ~~الله تعالى فهذا لا شك أنه نقص فى توحيد المحبة لله وهو دليل على نقص محبة ~~الله تعالى إذ لو كملت محبته لم يحب سواه # ولا يرد علينا الباب الأول لأن ذلك داخل فى محبته وهذا ميزان لم يجر عليك ~~كلما قويت محبة العبد لمولاه صغرت عنده المحبوبات وقلت وكلما ضعفت كثرت ~~محبوباته وإنتشرت # وكذا الخوف والرجاء وما أشبه ذلك فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئا ~~سواه قال الله تعالى ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا ~~الا الله ) وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون ~~الخوف كما ذكرنا فى المحبة وكذا الرجاء وغيره فهذا هو الشرك الخفى الذى لا ~~يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمة الله تعالى وقد روى أن الشرك فى هذه ~~الأمة أخفى من دبييب النمل # وطريق التخلص من هذه الآفات كلها الإخلاص لله عز وجل قال الله تعالى ( ~~فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ولا ~~يحصل الإخلاص الا بعد الزهد ولا زهد الا بتقوى والتقوى متابعة الأمر والنهى # PageV01P094 $ فصل ( # ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل فتعتصم به فتقل ~~آفاتها أو تذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته # فنقول إعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة المحبة والخوف ~~والرجاء وأقواها المحبة وهى مقصودة تراد لذاتها لأنها تراد فى الدنيا ~~والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول فى الآخرة قال الله تعالى ( ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) والخوف المقصود منه الزجر والمنع من ~~الخروج عن الطريق فالمحبة تلقى العبد فى السير إلى محبوبه ms066 وعلى قدر ضعفها ~~وقوتها يكون سيره إليه والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب والرجاء يقوده ~~فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له فإنه لا تحصل له العبودية بدونه ~~وكل أحد يجب أن يكون عبدا لله لا لغيره # فإن قيل فالعبد فى بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب ~~محبوبه فأى شىء يحرك القلوب قلنا يحركها شيئان # أحدهما كثرة الذكر للمحبوب لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به ولهذا أمر الله ~~عز وجل بالذكر الكثير فقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ) الآية # والثانى مطالعة آلائه ونعمائه قال الله تعالى ^ فإذكروا آلاء الله لعلكم ~~PageV01P095 تفلحون ^ وقال تعالى ^ وما بكم من نعمة فمن الله ^ وقال تعالى ~~^ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ^ وقال تعالى ^ وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها ^ # فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض وما فيها من ~~الأشجار والحيوان وما أسبغ عليه من النعم الباطنة من الإيمان وغيره فلابد ~~أن يثير ذلك عنده باعثا وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر ~~والعرض والحساب ونحوه وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو وما ~~ورد فى الرجاء والكلام فى التوحيد # واسع وإنما الغرض مبلغ التنبيه على تضمنه الإستغناء بأدنى إشارة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم # PageV01P096 # | وقال شيح الإسلام رحمه الله # فصل ( # $ ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين ~~الظالمين ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل ~~به عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) # وفى الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن النبى فسر الظلم بالشرك وقال ~~ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ( إن الشرك لظلم عظيم ) فأنكر أن نخاف ما ~~أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العلويات والسفليات وعدم خوفهم من إشراكهم ~~بالله شريكا لم ms067 ينزل الله به سلطانا وبين أن القسم الذى لم يشرك هو الآمن ~~المهتدى # وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن الحنيف فى مواضع فإن الإشراك فى هذه الأمة ~~أخفى من دبييب النمل دع جليله وهو شرك فى العبادة والتأله وشرك فى الطاعة ~~والانقياد وشرك فى الإيمان والقبول # فالغالية من النصارى والرافضة وضلال الصوفية والفقراء والعامة يشركون ~~بدعاء غير الله تارة وبنوع من عبادته أخرى وبهما جميعا تارة ومن أشرك هذا ~~الشرك أشرك فى الطاعة PageV01P097 وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك وأتباع ~~القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة وقد قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم لعدى بن حاتم لما قرأ ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح بن مريم ( فقال يارسول الله ما عبدوهم فقال ( ما عبدوهم ولكن ~~أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم ( # فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه والحرام ما حرمه والحلال ~~ما حلله والدين ما شرعه إما دينا وإما دنيا وإما دنيا ودينا ثم يخوف من ~~إمتنع من هذا الشرك وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا فى طاعته بغير سلطان من ~~الله وبهذا يخرج من أوجب الله طاعته من رسول وأمير وعالم ووالد وشيخ وغير ~~ذلك # وأما الشرك الثالث فكثير من أتباع المتكلمة والمتفلسفة بل وبعض المتفقهة ~~والمتصوفة بل وبعض أتباع الملوك والقضاة يقبل قول متبوعه فيما يخبر به من ~~الإعتقادات الخبرية ومن تصحيح بعض المقالآت وإفساد بعضها ومدح بعضها وبعض ~~القائلين وذم بعض بلا سلطان من الله ويخاف ما أشركه فى الإيمان والقبول ولا ~~يخاف إشراكه بالله شخصا فى الإيمان به وقبول قوله بغير سلطان من الله # وبهذا يخرج من شرع الله تصديقه من المرسلين والعلماء المبلغين والشهداء ~~الصادقين وغير ذلك فباب الطاعة والتصديق ينقسم إلى مشروع فى حق البشر وغير ~~مشروع # وأما العبادة والإستعانة والتأله فلا حق فيها للبشر بحال فإنه كما قال ~~القائل ما وضعت يدى فى قصعة أحد إلا ذللت له ولا ريب أن من نصرك ورزقك ~~PageV01P098 كان له سلطان ms068 عليك فالمؤمن يريد أن ألا يكون عليه سلطان إلا ~~لله ولرسوله ولمن أطاع الله ورسوله # وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر ~~عن نفسه كان حسنا محمودا يصح له دينه بذلك وإن قصد الترفع عليهم والترأس ~~والمراءاة بالحال الأولى كان مذموما وقد يقصد بترك الأخذ غنا نفسه عنهم ~~ويترك أموالهم لهم # فهذه أربع مقاصد صالحة غنى نفسه وعزتها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل ~~لهم وسلامة ما لهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم فلا يذهبها عنهم ~~ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه ففى ذلك نفعة له ~~أن لا يذل ولا يفتقر إليهم ومنفعة لهم أن يبقى لهم ما لهم ودينهم وقد يكون ~~فى ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم لهم حتى يقبلوا منه ويتألفون ~~بالعطاء لهم فكذلك فى إبقاء أموالهم لهم وقد يكون فى ذلك أيضا حفظ دينهم ~~فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطعمون هم أيضا فى أنواع من المعاصى ويتركون ~~أنواعا من الطاعات فلا يقبلون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفى ذلك ~~منافع ومقاصد أخر صالحة # وأما إذا كان الأخذ يفضى إلى طمع فيه حتى يستعان به فى معصية أو يمنع من ~~طاعة فتلك مفاسد أخر وهي كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم فإنهم لا يتمكنون من ~~منعه من طاعة الا إذا كان ذليلا أو فقيرا إليهم ولا يتمكنون هم من إستعماله ~~فى المعصية إلا مع ذله أو فقره فإن العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة فإذا لم ~~تحصل مكافأة دنيوية من مال أو نفع لم يبق إلا ما ينتظر من المنفعة الصادرة ~~منه اليهم PageV01P099 وللرد وجوه مكروهة مذمومة منها الرد مراءاة بالتشبه ~~بمن يرد غنى وعزة ورحمة للناس فى دينهم ودنياهم ومنها التكبر عليهم ~~والإستعلاء حتى يستعبدهم ويستعلى عليهم بذلك فهذا مذموم أيضا ومنها البخل ~~عليهم فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم ويقضى حوائجهم فقد يترك الأخذ ~~بخلا عليهم بالمنافع ومنها الكسل عن ms069 الإحسان اليهم فهذه أربع مقاصد فاسدة ~~فى الرد للعطاء الكبر والرياء والبخل والكسل # فالحاصل أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه أو لدفع المضرة عنها ~~أو لجلب المنفعة للناس أو دفع المضرة عنهم فإن فى ترك أخذه غنى نفسه وعزها ~~وهو منفعة لها وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع المفاسد ~~وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم لهم ودفع الضرر المتولد عليهم إذا ~~بذلوا بذلا قد يضرهم وقد يتركه لمضرة الناس أو لترك منفعتهم فهذا مذموم كما ~~تقدم وقد يكون فى الترك أيضا مضرة نفسه أو ترك منفعتها إما بأن يكون محتاجا ~~اليه فيضره تركه أو يكون فى أخذه وصرفه منفعة له فى الدين والدنيا فيتركها ~~من غير معارض مقاوم فلهذا فصلنا هذه المسألة فإنها مسألة عظيمة وبإزائها ~~مسألة القبول أيضا وفيها التفصيل لكن الأغلب أن ترك الأخذ كان أجود من ~~القبول ولهذا يعظم الناس هذا الجنس أكثر وإذا صح الأخذ كان أفضل أعنى الأخذ ~~والصرف إلى الناس PageV01P100 # # | سئل الشيخ رحمه الله # عمن قال يجوز الاستغاثة بالنبى صلى ا وسلم فى كل ما يستغاث الله تعالى ~~فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى فى طلب الغوث وكذلك يستغاث ~~بسائر الأنبياء والصالحين فى كل ما يستغاث الله تعالى فيه # وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه فى تفريج كربة فقد استغاث به سواء كان ~~ذلك بلفظ الإستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما هو فى معناهما وقول القائل ~~أتوسل اليك يا إلهى برسولك أو أستغيث برسولك عندك ان تغفر لى استغاثة ~~بالرسول حقيقة فى لغة العرب وجميع الأمم # قال ولم يزل الناس يفهمون معنى الإستغاثة بالشخص قديما وحديثا وأنه يصح ~~إسنادها للمخلوقين وأنه يستغاث بهم على سبيل التوسل وأنها مطلقة على كل من ~~سأل تفريج الكربة بواسطة التوسل به وإن ذلك صحيح فى أمر الأنبياء والصالحين # قال وفيما رواه الطبرانى عن النبى أن بعض الصحابة رضى الله عنهم قال ~~استغيثوا برسول الله من هذا المنافق فقال النبى ms070 ( أنه لا يستغاث بى وإنما ~~يستغاث بالله ( PageV01P101 أن النبى لو نفى عن نفسه أنه يستغاث به ونحو ~~ذلك يشير به إلى التوحيد وإفراد البارى بالقدرة لم يكن لنا نحن أن ننفى ذلك ~~ونجوز أن نطلق أن النبى والصالح يستغاث به يعنى فى كل ما يستغاث فيه بالله ~~تعالى ولا يحتاج أن يقول على سبيل أنه وسيلة وواسطة وأن القائل لا يستغاث ~~به متنقصا له وأنه كافر بذلك لكنه يعذر إذا كان جاهلا فإذا عرف معنى ~~الإستغاثة ثم أصر على قوله بعد ذلك صار كافرا # والتوسل به استغاثة به كما تقدم فهل يعرف أنه قال أحد من علماء المسلمين ~~أنه يجوز أن يستغاث بالنبى والصالح فى كل ما يستغاث به الله تعالى وهل يجوز ~~اطلاق ذلك كما قال القائل # وهل التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم أو الصالح أو غيرهما إلى الله ~~تعالى فى كل شىء استغاثة بذلك المتوسل به كما نقله هذا القائل عن جميع ~~اللغات وسواء كان التوسل بالنبى أو الصالح استغاثة به أو لم يكن فهل يعرف ~~أن أحدا من العلماء قال إنه يجوز التوسل إلى الله بكل نبى وصالح فقد أفتى ~~الشيخ عز الدين ابن عبد السلام فى فتاوية المشهورة أنه لا يجوز التوسل إلى ~~الله تعالى الا بالنبى إن صح الحديث فيه فهل قال أحد خلاف ما أفتى به الشيخ ~~المذكور # وبتقدير أن يكون فى المسئلة خلاف فمن قال لا يتوسل بسائر الأنبياء ~~والصالحين كما أفتى الشيخ عز الدين هل يكفر كما كفره هذا القائل ويكون ما ~~أفتى به الشيخ كفرا بل نفس التوسل به لو قال قائل لا يتوسل به PageV01P102 ~~ولا يستغاث به الا فى حياته وحضوره ولا فى موته ومغيبه هل يكون ذلك كفرا أو ~~يكون تنقصا # ولو قال ما لا يقدر عليه الا الله تعالى لا يستغاث فيه الا بالله أى لا ~~يطلب الا من الله تعالى هل يكون كفرا أو يكون حقا وإذا نفى الرسول عن نفسه ~~أمرا من الأمور لكونه من ms071 خصائص الربوبية هل يحرم عليه أن ينفيه عنه أم يجب ~~أم يجوز نفيه أفتونا رحمكم الله بجواب شاف كاف موفقين مثابين إنشاء الله ~~تعالى # الجواب الحمد لله رب العالمين لم يقل أحد من علماء المسلمين أنه يستغاث ~~بشىء من المخلوقات فى كل ما يستغاث فيه بالله تعالى ولا بنبى ولا بملك ولا ~~بصالح ولا غير ذلك بل هذا مما يعلم بالإضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز ~~إطلاقه # ولم يقل أحد أن التوسل بنبى هو استغاثة به بل العامة الذين يتوسلون فى ~~أدعيتهم بأمور كقول أحدهم أتوسل اليك بحق الشيخ فلان أم بحرمته أو أتوسل ~~اليك باللوح والقلم أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه فى أدعيتهم يعلمون ~~أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور فإن المستغيث بالنبى طالب منه وسائل له ~~والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يسأل وإنما يطلب به وكل أحد يفرق بين ~~المدعو والمدعو به # والإستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالإستنصار طلب النصر والإستغاثة ~~طلب العون والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه PageV01P103 منها ~~كما قال تعالى @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ وكما قال ~~@QB@ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه @QE@ وكما قال تعالى @QB@ ~~وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ # وأما مالا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله ولهذا كان المسلمون ~~لا يستغيثون بالنبى صلى الله عليه وسلم ويستسقون به ويتوسلون به كما فى ~~صحيح البخارى أن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه استسقى بالعباس وقال اللهم ~~إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا ~~فاسقنا فيسقون # وفى سنن أبى داود أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم إنا نستشفع بالله ~~عليك ونستشفع بك على الله فقال ( شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به ~~على أحد من خلقه ( فأقره على قوله نستشفع بك على الله وأنكر عليه قوله ~~نستشفع بالله عليك # وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة وأن الخلق ms072 يطلبون منه ~~الشفاعة لكن عند أهل السنة أنه يشفع فى أهل الكبائر وأما عند الوعيدية ~~فإنما يشفع فى زيادة الثواب # وقول القائل أن من توسل إلى الله بنبى فقال أتوسل اليك برسولك فقد استغاث ~~برسوله حقيقة فى لغة العرب وجميع الأمم قد كذب عليهم فما يعرف هذا فى لغة ~~أحد من بنى آدم بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسئول به مدعو ويفرقون بين ~~المسئول والمسئول به سواء استغاث بالخالق PageV01P104 أو بالمخلوق فإنه ~~يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه والنبى أفضل مخلوق يستغاث ~~به فى مثل ذلك # ولو قال قائل لمن يستغيث به أسألك بفلان أو بحق فلان لم يقل أحد إنه ~~استغاث بما توسل به بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله ولهذا قال المصنفون فى ~~شرح أسماء الله الحسنى إن المغيث بمعنى المجيب لكن الإغاثة أخص بالأفعال ~~والإجابة أخص بالأقوال # والتوسل إلى الله بغير نبينا سواء سمى استغاثة أو لم يسم لا نعلم أحدا من ~~السلف فعله ولا روى فيه أثرا ولا نعلم فيه الا ما أفتى به الشيخ من المنع ~~وأما التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم ففيه حديث فى السنن رواه النسائى ~~والترمذى وغيرهما أن أعرابيا أتى النبى فقال يا رسول الله إنى أصبت فى بصرى ~~فادع الله لى فقال له النبى ( توضأ وصل ركعتين ثم قل اللهم أسألك وأتوجه ~~إليك بنبيك محمد يا محمد أنى أتشفع بك فى رد بصرى اللهم شفع نبيك فى ( وقال ~~( فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك ( فرد الله بصره فلأجل هذا الحديث استثنى ~~الشيخ التوسل به # وللناس فى معنى هذا قولان # أحدهما أن هذا التوسل هو الذى ذكر ( عمر ابن الخطاب ( رضى الله عنه لما ~~قال كنا اذا أجدبنا نتوسل بنبيا اليك فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا ~~فاسقنا فقد ذكر عمر رضى الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به فى حياته فى ~~الإستسقاء ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته وتوسلهم PageV01P105 به هو ~~استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه فيكون ms073 هو وسليتهم إلى الله وهذا لم ~~يفعله الصحابه بعد موته ولا فى مغيبه والنبى كان فى مثل هذا شافعا لهم ~~داعيا لهم ولهذا قال فى حديث الأعمى اللهم فشفعه فى فعلم أن النبى شفع له ~~فسأل الله أن يشفعه فيه # والثانى أن التوسل يكون فى حياته وبعد موته وفى مغيبه وحضرته ولم يقل أحد ~~أن من قال بالقول الأول فقد كفر ولا وجه لتكفيره فإن هذه مسألة خفية ليست ~~أدلتها جلية ظاهرة والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة أو ~~بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك واختلاف الناس فيما يشرع ~~من الدعاء ومالا يشرع كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبخ وليس هو من ~~مسائل السب عند أحد من المسلمين # وأما من قال أن من نفى التوسل الذى سماه استغاثة بغيره كفر وتكفير من قال ~~بقول الشيخ عز الدين وأمثاله فأظهر من أن يحتاج إلى جواب بل المكفر بمثل ~~هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين ~~على الدين لا سيما مع قول النبى ( من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما ( # وأما من قال ما لا يقدر عليه الا الله لا يستغاث فيه الا به فقد قال الحق ~~بل لو قال كما قال أبو يزيد استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق ~~بالغريق وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشى استغاثة المخلوق بالمخلوق ~~كاستغاثة المسجون بالمسجون لكان قد أحسن فإن مطلق هذا الكلام يفهم ~~الإستغاثة PageV01P106 المطلقة كما قال النبى لابن عباس ( إذا سألت فإسأل ~~فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ( # وإذا نفى الرسول عن نفسه أمرا كان هو الصادق المصدوق فى ذلك كما هو ~~الصادق المصدوق فى كل ما يخبر به من نفى وإثبات وعلينا أن نصدقه فى كل ما ~~أخبر به من نفى إثبات ومن رد خبره تعظيما له أشبه النصارى الذين كذبوا ~~المسيح فى إخباره عن نفسه بالعبودية تعظيما له ويجوز لنا أن ننفى ما نفاه ~~وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ms074 ذلك البتة والله أعلم # PageV01P107 # | وسئل شيخ الإسلام # ( تقى الدين بن تيمية رضى الله عنه ( # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وفقهم الله لطاعته فيمن يقول لا ~~يستغاث برسول الله هل يحرم عليه هذا القول وهل هو كفر أم لا وإن استدل ~~بآيات من كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم هل ينفعه دليله أم لا ~~وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ذلك أفتونا مأجورين ~~فأجاب الحمد لله قد ثبت بالسنة الستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة أن ~~نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع وأنه يشفع فى الخلائق يوم القيامة ~~وأن الناس يستشفعون به يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم وأنه يشفع لهم ثم ~~إتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع فى أهل الكبائر وأنه لا يخلد فى النار من ~~أهل التوحيد أحد # وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر ولم ينكروا شفاعته ~~للمؤمنين وهؤلاء مبتدعة وفى تكفيرهم نزاع وتفصيل PageV01P108 # وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة وسواء ~~سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه # وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به ~~والاستشفاع به كما رواه البخارى فى صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا ~~قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال اللهم إنا كنا نتوسل اليك بنبينا ~~فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وفى سنن أبى داود وغيره ~~أن أعرابيا قال للنبى جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا ~~فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فسبح رسول الله حتى عرف ذلك فى ~~وجوه أصحابه وقال ( ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله ~~أعظم من ذلك ( وذكر تمام الحديث فأنكر قوله نستشفع بالله عليك ولم ينكر ~~قوله نستشفع بك على الله بل أقره عليه فعلم جوازه فمن أنكر هذا فهو ضال ~~مخطىء مبتدع وفى تكفيره نزاع وتفصيل # وأما من أقر بما ثبت ms075 بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ~~ذلك ولكن قال لا يدعى إلا الله وأن الأمور التى لا يقدر عليها إلا الله لا ~~تطلب إلا منه مثل غفران الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ~~ونحو ذلك فهذا مصيب فى ذلك بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضا كما ~~قال الله تعالى @QB@ ومن يغفر الذنوب إلا الله @QE@ وقال @QB@ إنك لا تهدي ~~من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ وكما قال تعالى ^ يا أيها الناس ~~إذكروا نعة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء PageV01P109 ~~والأرض ^ وكما قال تعالى ^ وما جعله الله الا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ~~وما النصر الا من عند الله ^ وقال ^ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه ~~الذين كفروا ثانى إثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله ~~معنا ^ # فالمعانى الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها والمعانى المنفية بالكتاب ~~والسنة يجب نفيها والعبارة الدالة على المعانى نفيا وإثباتا إن وجدت فى ~~كلام الله ورسوله وجب إقرارها وإن وجدت فى كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب ~~عليه حكمه والا رجع فيه اليه # وقد يكون فى كلا م الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس يفهم ~~من تلك غير مراد الله ورسوله فهذا يرد عليه فهمه كما روى الطبرانى فى معجمه ~~الكبير أنه كان فى زمن النبى منافق يؤذى الؤمنين فقال أبو بكر الصديق قوموا ~~بنا لنستغيث برسول الله من هذا المنافق فقال النبى ( إنه لا يستغاث بى ~~وإنما يستغاث بالله ( فهذا إنما أراد به النبى المعنى الثانى وهو أن يطلب ~~منه مالا يقدر عليه إلا الله وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ~~ويستسقون به كما فى صحيح البخارى عن ابن عمر قال ربما ذكرت قول الشاعر وأنا ~~أنظر إلى وجه النبى صلى الله عليه سلم يستسقى فما ينزل حتى يجيش له ميزاب % ~~وأبيض يستسقى الغمام بوجهه % ثمال اليتامى عصمة للأرامل % $ # وهو قول أبى طالب ولهذا قال ms076 العلماء المصنفون فى أسماء الله تعالى يجب ~~على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله وإن كل ~~PageV01P110 غوث فمن عنده وإن كان جعل ذلك على يدى غيره فالحقيقة له سبحانه ~~وتعالى ولغيره مجاز # قالوا من أسمائه تعالى المغيث والغياث وجاء ذكر المغيث فى حديث أبى هريرة ~~قالوا واجتمعت الأمة على ذلك # وقال أبو عبد الله الحليمى الغياث هو المغيث وأكثر ما يقال غياث ~~المستغيثين ومعناه المدرك عباده فى الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم وفى ~~خبر الإستسقاء فى الصحيحين ( اللهم أغثنا اللهم أغثنا ( يقال أغاثة إغاثة ~~وغياثا وغوثا وهذا الإسم فى معنى المجيب والمستجيب قال تعالى @QB@ إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم @QE@ إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال والإستجابة ~~أحق بالأقوال وقد يقع كل منهما موقع الآخر # قالوا الفرق بين المستغيث والداعى أن المستغيث ينادى بالغوث والداعى ~~ينادى بالمدعو والمغيث وهذا فيه نظر فإن من صيغة الإستغاثة يالله للمسلمين # وقد روى عن معروف الكرخى أنه كان يكثر أن يقول واغوثاه ويقول انى سمعت ~~الله يقول ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ( وفى الدعاء المأثور يا حى يا ~~قيوم لا إله الا أنت برحمتك أستغيث أصلح لى شأنى كله ولا تكلنى إلى نفسى ~~طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك ( # والإستغاثة برحمته استغاثة به فى الحقيقة كما أن الإستعاذة بصفاته ~~استعاذة به فى الحقيقة وكما أن القسم بصفاته قسم به فى الحقيقة ففى الحديث ~~( أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق ( وفيه ( أعوذ برضاك من سخطك ~~وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ( ~~PageV01P111 ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق ~~بقوله ( أعوذ بكلمات الله التامة ) قالوا والإستعاذة لا تصلح بالمخلوق # وكذلك القسم قد ثبت فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( من ~~كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وفى لفظ ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( ~~رواه الترمذى وصححه ثم قد ثبت فى الصحيح الحلف ms077 ( بعزة الله ( و ( لعمر الله ~~( ونحو ذلك مما إتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذى نهى عنه ~~والإستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها ~~مسلم ومن نازع فى هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به وإما مخطىء ~~ضال # وأما بالمعنى الذى نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أيضا مما يجب ~~نفيها ومن أثبت لغير الله مالا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا قامت عليه ~~الحجة التى يكفر تاركها # ومن هذا الباب قول أبى يزيد البسطامى استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة ~~الغريق بالغريق وقول الشيخ أبى عبد الله القرشى المشهور بالديار المصرية ~~استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون # وفى دعاء موسى عليه السلام ( اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ~~وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ( ولما كان هذا المعنى ~~هو المفهوم منها عند الإطلاق وكان مختصا بالله صح إطلاق نفيه عما سواه ~~ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الإستغاثة بغير الله ~~ولا أنكر على من نفى مطلق الإستغاثة عن غير الله PageV01P112 وكذلك ~~الإستغاثة أيضا فيها ما لا يصلح إلا لله وهى المشار اليها بقوله ( إياك ~~نعبد وإياك نستعين ) فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة الا الله ~~وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الإستنصار قال الله تعالى ( وإن ~~إستنصروكم فى الدين فعليكم النصر ( والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب العدو ~~ولا يقدر عليه إلا الله # ومن خالف ما ثبت بالكتاب والسنة فإنه يكون إما كافرا وإما فاسقا وإما ~~عاصيا إلا أن يكون مؤمنا مجتهدا مخطئا فيثاب على إجتهاده ويغفر له خطؤه ~~وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذى تقوم عليه به الحجة فإن الله يقول ( وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب ~~والسنة فخالفها فإنه يعاقب بحسب ذلك إما بالقتل وإما بدونه والله أعلم ~~PageV01P113 # # | وقال شيخ الإسلام # فصل # سمى ms078 الله آلهتهم التى عبدوها من دونه شفعاء كما سماها شركاء فى غير موضع ~~فقال فى يونس ( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السموات ولا فى الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون ( # وقال ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون قل لله الشفاعة جميعا ( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ولم يكن لهم ~~من شركائهم شفعاء ( # وجمع بين الشرك والشفاعة فى قوله ( قل إدعو الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ( فهذه الأربعة هى التى ~~يمكن أن يكون لهم بها تعلق الأول ملك شىء ولو قل الثانى شركهم فى شيء من ~~الملك فلا ملك ولا شركة ولا معاونة يصير بها ندا فإذا انتفت الثلاثة بقيت ~~الشفاعة فعلقها بالمشيئة PageV01P114 # وقال ( وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا ( وقال ( قال ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ( الآيتين وقال ~~فى اتخاذهم قربانا ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( وقال ( فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما ~~كانوا يفترون ( PageV01P115 # # | وقال شيخ الإسلام رحمه الله # فصل فى الشفاعة المنفية فى القرآن كقوله تعالى ( اتقوا يوما لا تجزى نفس ~~عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ( وقوله تعالى ( ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ( وقوله ( من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة ( وقوله ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ( وقوله ( ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ( وقوله ( ويوم يأتى تأويله يقول الذين ~~نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد ~~فنعمل غير الذى كنا نعمل ( وأمثال ms079 ذلك # واحتج بكثير من الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر إذ منعوا ~~أن يشفع لمن يستحق العذاب أو أن يخرج من النار من يدخلها ولم ينفوا الشفاعة ~~لأهل الثواب فى زيادة الثواب # ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل ~~الكبائر والقول بأنه يخرج من النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان # وأيضا فالأحاديث المستفيضة عن النبى فى الشفاعة فيها استشفاع أهل الموقف ~~ليقضى بينهم وفيهم المؤمن والكافر وهذا فيه PageV01P116 نوع شفاعة للكفار ~~وأيضا ففى الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال يا رسول الله هل نفعت ~~أبا طالب بشىء فإنه يحوطك ويغضب لك قال ( نعم هو فى ضحضاح من نار ولولا أنا ~~لكان فى الدرك الأسفل من النار ( وعن عبد الله بن الحارث قال سعت العباس ~~يقول قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك قال نعم ~~وجدته فى غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح # وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله ذكر عنده عمه أبو طالب ~~فقال ( لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه ~~يغلى منه دماغه ( # فهذا نص صحيح صريح لشفاعته فى بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب بل فى أن ~~يجعل أهون أهل النار عذابا كما فى الصحيح أيضا عن ابن عباس أن رسول الله ~~قال ( أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه ( # وعن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن أدنى أهل ~~النار عذابا منتعل بنعلين من نار يغلى دماغه من حرارة نعليه ( وعن النعمان ~~بن بشير قال سمعت رسول الله يقول ( إن أهون أهل النارعذابا يوم القيامة ~~لرجل يوضع فى أخمض قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه ( وعنه قال قال رسول الله ~~( إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلى منها دماغه كما ~~يغلى المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا ms080 وإنه لأهونهم عذابا PageV01P117 # وهذا السؤال الثانى يضعف جواب من تأول نفى الشفاعة على الشفاعة للكفار ~~وإن الظالمين هم الكافرون # فيقال الشفاعة المنفية هى الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق وهى أن ~~يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته فأما إذا أذن له فى أن يشفع فشفع ~~لم يكن مستقلا بالشفاعة بل يكون مطيعا له أى تابعا له فى الشفاعة وتكون ~~شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسؤل # وقد ثبت بنص القرآن فى غير آيه أن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه كما قال ~~تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقال @QB@ ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ وقال @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ ~~وأمثال ذلك والذى يبيين أن هذه هى الشفاعة المنفية أنه قال @QB@ وأنذر به ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ فأخبر أنه ~~ليس لهم من دون الله ولى ولا شفيع # وأما نفى الشفاعة بدون إذنه فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من دونه ~~كما أن الولاية التى بإذنه ليست من دونه كما قال تعالى @QB@ إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ~~ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ # وأيضا فقد قال ^ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~PageV01P118 شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ^ ~~فذم الذين اتخذوا من دون الله شفعاء وأخبر أن لله الشفاعة جميعا فعلم أن ~~الشفاعة منتفية عن غيره إذ لا يشفع أحد الا بإذنه وتلك فهى له # وقد قال ( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السموات ولا فى الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون ) # يوضح ms081 ذلك أنه نفى يؤمئذ الخلة بقوله ( من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا ~~خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) ومعلوم أنه إنما نفى الخلة المعروفة ~~ونفعها المعروف كما ينفع الصديق الصديق فى الدنيا كما قال ( وما أدراك ما ~~يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يؤمئذ لله ( وقال ( لتنذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم ~~شىء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) # لم ينف أن يكون فى الآخرة خلة نافعة بإذنه فإنه قد قال ( الإخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو الا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ) ~~الآيات وقد قال النبى يقول الله تعالى ( حقت محبتى للمتحابين فى ( ويقول ~~الله تعالى ( أين المتحابون بجلالى اليوم أظلهم فى ظلى يوم لا ظل إلا ظلى ( # فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد وأنه لا ينفع أحد ولا يضر الا ~~بإذن الله وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله ولا يستعان به من دون الله ~~وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله ويتبرأ كل مدع من ~~PageV01P119 دعواه الباطلة فلا يبقى من يدعى لنفسه معه شركا فى ربوبيته أو ~~الهيته ولا من يدعى ذلك لغيره بخلاف الدنيا فإنه وإن لم يكن رب ولا اله الا ~~هو فقد اتخذ غيره ربا والها وادعى مدعون وفى الدنيا يشفع الشافع عند غيره ~~وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له فى الشفاعة ويكون خليله فيعينه ويفتدى ~~نفسه من الشر فقد ينتفع بالنفوس والأموال فى الدنيا والنفوس ينتفع بها تارة ~~بالإستقلال وتارة بالإعانة وهى الشفاعة والأموال بالفداء فنفى الله هذه ~~الأقسام الثلاثة قال تعالى @QB@ لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها ~~شفاعة ولا يؤخذ منها عدل @QE@ وقال @QB@ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة @QE@ ~~كما قال @QB@ لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا @QE@ ~~فهذا هذا والله أعلم # وعاد ما نفاه ms082 الله من الشفاعة إلى تحقيق أصلى الإيمان وهى الإيمان بالله ~~وباليوم الآخر التوحيد والمعاد كما قرن بينهما فى مواضع كثيرة كقوله ( ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ) وقوله ( الذين إذا أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا الله وإنا اليه راجعون ) وقوله ( ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس ~~واحدة ) وقوله ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون ~~) وأمثال ذلك PageV01P120 # # | سئل شيخ الإسلام قدس الله # روحه عن رجلين تناظرا فقال أحدهما لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله ~~فإنا لا نقدر أن نصل اليه بغير ذلك # فأجاب # الحمد لله رب العالمين إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله ~~فهذا حق فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما نهى عنه ~~وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه ولا يعرفون ما ~~يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التى تعجز العقول عن ~~معرفتها وأمثال ذلك الا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده # فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع ~~درجاتهم ويكرمهم فى الدنيا والآخرة وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون وهم ~~عن ربهم ضالون محجوبون قال تعالى @QB@ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين ~~كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ وقال ~~تعالى ^ فإما يأتينكم منى هدى فمن إتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن ~~PageV01P121 أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال ~~رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى ^ قال ابن عباس ( تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل فى ~~الدنيا ولا يشقى فى الآخرة # وقال تعالى عن أهل النار ^ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من ms083 شىء إن أنتم الا ~~فى ضلال كبير ^ وقال تعالى ^ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها ~~فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ^ ~~وقال تعالى ^ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ^ ~~وقال تعالى ^ إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا ~~إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون ~~وسليمان وآتينا داوود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم ~~عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل ^ # ومثل هذا فى القرآن كثير # وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى فإنهم ~~يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله ~~PageV01P122 أمره وخبره قال تعالى @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس @QE@ ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل # والسور التى أنزلها الله بمكة مثل الأنعام والأعراف وذوات ( الر ) و ( حم ~~) و ( طس ) ونحو ذلك هى متضمنة لأصول الدين كالإيمان بالله ورسله واليوم ~~الآخر # وقد قص الله قصص الكفار الذين كذبوا الرسل وكيف أهلكهم ونصر رسله والذين ~~آمنوا قال تعالى @QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ وقال @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ # فهذه الوسائط تطاع وتتبع ويقتدى بها كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~@QE@ وقال @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~أولئك هم المفلحون @QE@ وقال تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر ms084 الله كثيرا @QE@ # وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة فى جلب المنافع ودفع المضار مثل أن ~~يكون واسطة فى رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجون اليه فيه فهذا ~~من أعظم الشرك الذى كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء ~~وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار # لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حتى قال ^ الله الذى خلق السموات ~~PageV01P123 والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من ~~دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون ^ وقال تعالى ^ وأنذر به الذين يخافون ~~أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع ^ وقال ^ قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك ~~كان محذورا ^ وقال ^ قل إدعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~فى السموات ولا فى الأرض وما لهم فيها من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ^ # وقالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فبين ~~الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا وأنهم ~~يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه # وقال تعالى ^ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ^ # فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر # فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب ~~المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج ~~الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين # وقد قال تعالى ^ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ~~PageV01P124 لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا ms085 يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إنى إله ~~من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين ^ وقال تعالى ^ لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم اليه جميعا ^ وقال تعالى ^ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد ~~جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن ~~دعوا للرحمن ولدا وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من فى السموات ~~والأرض الا آتى الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا ^ وقال تعالى ^ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبؤن الله بما لا يعلم فى السموات ولا فى ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ^ وقال تعالى ^ وكم من ملك فى السموات لا ~~تغنى شفاعتهم شيئا الا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ^ وقال تعالى ^ ~~من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه ^ وقال ^ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~الا هو وان يردك بخير فلا راد لفضله ^ وقال تعالى ^ ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ^ وقال تعالى ^ قل أفرأيتم ~~ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون ^ # ومثل هذا كثير فى القرآن # ومن سوى الأنبياء من مشايخ العلم والدين فمن أثبتهم وسائط بين ~~PageV01P125 الرسول وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد ~~أصاب فى ذلك # وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة لا يجتمعون على ضلالة وإن تنازعوا ~~فى شىء ردوه إلى الله والرسول إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق بل كل ~~أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك الا رسول الله وقد قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم ( العلماء ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا ~~درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد ms086 أخذ بحظ وافر ( # وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث ~~يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فالله إنما يهدى عباده ويرزقهم ~~بتوسطهم فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون ~~الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا ~~سؤال الملك أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم ~~أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر ~~مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق ~~بالخالق وجعلوا لله أندادا وفى القرآن من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه ~~الفتوى # فإن الوسائط التى بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة # إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه PageV01P126 # ومن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة أو ~~الأنبياء أو غيرهم فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه ~~خافية فى الأرض ولا فى السماء ( وهو السميع البصير ( يسمع ضجيج الأصوات ~~بإختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ~~ولا يتبرم بإلحاح الملحين # الوجه الثانى أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان ~~يعينونه فلا بد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه # والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولى من الذل قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير @QE@ وقال تعالى @QB@ وقل الحمد لله الذي ~~لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره ~~تكبيرا @QE@ # وكل ما فى الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه فهو الغنى عن كل ما ~~سواه وكل ما سواه فقير اليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم فى ~~الحقيقة شركاؤهم فى الملك # والله ms087 تعالى ليس له شريك فى الملك بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير # والوجه الثالث أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته والإحسان اليهم ~~ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظمه أو من ~~يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك PageV01P127 وهمته فى ~~قضاء حوائج رعيته إما لما حصل فى قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير وإما ~~لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه # والله تعالى هو رب كل شىء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل ~~الأشياء إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو إذا أجرى نفع ~~العباد بعضهم على بعض فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك ~~فهو الذى خلق ذلك كله وهو الذى خلق فى قلب هذا المحسن الداعى الشافع إرادة ~~الإحسان والدعاء والشفاعة ولا يجوز أن يكون فى الوجود من يكرهه على خلاف ~~مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلم أو من يرجوه الرب ويخافه # ولهذا قال النبى ( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لى ان شئت اللهم إرحمنى إن ~~شئت ولكن ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ( # والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون الا بإذنه كما قال ( من ذا الذى ~~يشفع عنده الا بإذنه ) وقال تعالى @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ وقال ~~تعالى ^ قد ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ~~ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة ~~عنده الا لمن أذن له ^ # فبين أن كل من دعى من دونه ليس له ملك ولا شرك فى الملك ولا هو ظهير وأن ~~شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له # وهذا بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك وقد يكون شريكا لهم ~~فى الملك وقد يكون مظاهرا لهم معاونا لهم على ملكهم ms088 وهؤلاء PageV01P128 ~~يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك هم وغيرهم والملك يقبل شفاعتهم تارة ~~بحاجته اليهم وتارة لخوفه منهم وتارة لجزاء إحسانهم اليه ومكافئتهم ~~ولإنعامهم عليه حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة ~~والى الولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ويقبل شفاعة مملوكه ~~فإذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه أو أن يسعى فى ضرره وشفاعة العباد ~~بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد الا لرغبة أو رهبة # والله تعالى لا يرجو أحدا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغنى قال ~~تعالى @QB@ ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون ~~من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون @QE@ إلى قوله ~~@QB@ قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض ~~@QE@ # والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة قال تعالى @QB@ ~~ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون @QE@ وقال تعالى ^ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ( # وأخبر عن المشركين إنهم قالوا ( ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى ^ ~~وقال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ وقال تعالى ^ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ~~فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة PageV01P129 أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا ) # فأخبر أن ما يدعى من دونه لا يملك كشف ضر ولا تحويله وأنهم يرجون رحمته ~~ويخافون عذابه ويتقربون اليه فهو سبحانه قد نفى ما من الملائكة والأنبياء ~~الا من الشفاعة بإذنه والشفاعة هى الدعاء # ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع والله قد ms089 أمر بذلك لكن الداعى ~~الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له فى ذلك فلا يشفع شفاعة نهى ~~عنها كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة قال تعالى @QB@ ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم ~~أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ~~فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه @QE@ وقال تعالى فى حق المنافقين @QB@ ~~سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم @QE@ # وقد ثبت فى الصحيح أن الله نهى نبيه عن الإستغفار للمشركين والمنافقين ~~وأخبر أنه لا يغفر لهم كما فى قوله @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وقوله @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون @QE@ وقد قال ~~تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ فى الدعاء ومن ~~الإعتداء فى الدعاء أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله مثل أن يسأله ~~منازل الأنبياء وليس منهم أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك أو يسأله ما فيه ~~معصية الله كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان PageV01P130 # فالشفيع الذى أذن الله له فى الشفاعة شفاعته فى الدعاء الذى ليس فيه ~~عدوان ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه فإنهم معصومون أن يقروا ~~على ذلك كما قال نوح ( إن ابنى من أهلى وان وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ( ~~قال تعالى @QB@ يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس ~~لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ~~ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ # وكل داع شافع دعا الله سبحانه وتعالى وشفع فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا ~~بقضاء الله وقدره ومشيئته وهو الذى يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة فهو الذى خلق ~~السبب والمسبب والدعاء من ms090 جملة الأسباب التى قدرها الله سبحانه وتعالى # وإذا كان كذلك فالإلتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد ومحو الأسباب أن ~~تكون أسبابا نقص فى العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح فى الشرع بل ~~العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله سبحانه وتعالى ~~والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء # والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى فطلب الشفاعة ~~والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبى فى الإستسقاء ~~ويطلبون منه الدعاء بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه والناس ~~يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء PageV01P131 ومحمد وهو سيد الشفعاء ~~وله شفاعات يختص بها ومع هذا فقد ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال ( إذا ~~سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله ~~عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى الا لعبد ~~من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتى يوم القيامة ( وقد قال لعمر لما أراد أن يعتمر وودعه ( يا أخى لا ~~تنسنى من دعائك ( # فالنبى قد طلب من أمته أن يدعوا له ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم بل أمره ~~بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التى يثابون عليها مع أنه له مثل أجورهم ~~فى كل ما يعملونه فإنه قد صح عنه أنه قال ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر ~~مثل أجور من إتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان ~~عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ( وهو ~~داعى الأمة إلى كل هدى فله مثل أجورهم فى كل ما اتبعوه فيه # وكذلك إذا صلوا عليه فإن الله يصلى على أحدهم عشرا وله مثل أجورهم مع ما ~~يستجيبه من دعائهم له فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه وصار ما حصل ~~له به من النفع ms091 نعمة من الله عليه وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال ( ما من ~~رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه ~~بدعوة قال الملك الموكل به آمين ولك مثل ذلك ( وفى حديث آخر ( أسرع الدعاء ~~دعوة غائب لغائب PageV01P132 # فالدعاء للغير ينتفع به الداعى والمدعو له وإن كان الداعى دون المدعو له ~~فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعى والمدعو له فمن قال لغيره ادع لى وقصد ~~انتفاعهما جميعا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى فهو نبه ~~المسؤل وأشار عليه بما ينفعهما والمسؤل فعل ما ينفعهما بمنزلة من يأمر غيره ~~ببر وتقوى فيثاب المأمور على فعله والآمر أيضا يثاب مثل ثوابه لكونه دعا ~~اليه لا سيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد كما قال تعالى @QB@ واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ فأمره بالإستغفار ثم قال ^ ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاؤك فإستغفروا الله وإستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما ^ # فذكر سبحانه إستغفارهم وإستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به الرسول حيث ~~أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ولم يأمر الله مخلوقا أن يسأل مخلوقا ~~شيئا لم يأمر الله المخلوق به بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب ~~ففعله هو عباده لله وطاعة وقربة إلى الله وصلاح لفاعله وحسنة فيه وإذا فعل ~~ذلك كان أعظم لإحسان الله اليه وإنعامه عليه بل أجل نعمة أنعم الله بها على ~~عباده أن هداهم للإيمان # والإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة والحسنات وكلما ازداد العبد عملا للخير ~~إزداد إيمانه هذا هو الإنعام الحقيقى المذكور فى قوله ( صراط الذين أنعمت ~~عليهم ( وفى قوله ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~) بل نعم الدنيا بدون الدين هل هى من نعمة أم لا فيه قولان مشهوران للعلماء ~~من أصحابنا وغيرهم PageV01P133 والتحقيق أنها نعمة من وجه وإن لم تكن نعمة ~~تامة من وجه وأما الإنعام بالدين الذى ينبغى طلبه فهو ما أمر الله به من ~~واجب ومستحب فهو الخير الذى ms092 ينبغى طلبه بإتفاق المسلمين وهو النعمة ~~الحقيقية عند أهل السنة إذ عندهم أن الله هو الذى أنعم بفعل الخير والقدرية ~~عندهم إنما أنعم بالقدرة عليه الصالحة للضدين فقط # والمقصود هنا أن الله لم يأمر مخلوقا أن يسأل مخلوقا الا ما كان مصلحة ~~لذلك المخلوق إما واجب أو مستحب فإنه سبحانه لا يطلب من العبد الا ذلك فكيف ~~يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك بل قد حرم على العبد أن يسأل العبد ماله الا ~~عند الضرورة # وإن كان قصده مصلحة المأمور أو مصلحته ومصلحة المأمور فهذا يثاب على ذلك ~~وان كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه لإنتفاع المأمور فهذا من نفسه أتى ~~ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط بل قد نهى عنه إذ هذا سؤال محض للمخلوق ~~من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته والله يأمرنا أن نعبده ونرغب اليه ويأمرنا ~~أن نحسن إلى عباده وهذا لم يقصد لا هذا ولا هذا فلم يقصد الرغبة إلى الله ~~ودعائه وهو الصلاة ولا قصد الإحسان إلى المخلوق الذى هو الزكاة وان كان ~~العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال لكن فرق ما بين ما يؤمر به العبد وما ~~يؤذن له فيه ألا ترى أنه قال فى حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير ~~حساب أنهم لا يسترقون وان كان الإسترقاء جائزا وهذا قد بسطناه فى غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التى ~~PageV01P134 تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين المشركين عباد ~~الأوثان كانوا يقولون انها تماثيل الأنبياء والصالحين وأنها وسائل يتقربون ~~بها إلى الله وهو من الشرك الذى أنكره الله على النصارى حيث قال ( اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا الا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله الا هو سبحانه عما يشركون ) وقال تعالى @QB@ ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون @QE@ أي فليستجيبوا لى ms093 إذا دعوتهم بالأمر والنهى ~~وليؤمنوا بى أن أجيب دعائهم لى بالمسألة والتضرع # وقال تعالى ^ فإذا فرغت فانصي وإلى ربك فارغب ^ وقال تعالى @QB@ وإذا ~~مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ وقال تعالى ^ أمن يجيب ~~المضطر اذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ^ وقال تعالى @QB@ يسأله ~~من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن @QE@ # وقد بين الله هذا التوحيد فى كتابه وحسم مواد الإشراك به حتى لا يخاف أحد ~~غير الله ولا يرجو سواه ولا يتوكل الا عليه وقال تعالى ^ فلا تخشو الناس ~~واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا ^ @QB@ إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه @QE@ أى يخوفكم أولياءه @QB@ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله ~~أو أشد خشية @QE@ وقال تعالى ^ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر وأقام الصلاة PageV01P135 وآتى الزكاة ولم يخش الا الله ^ وقال تعالى ~~^ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ^ # فبين أن الطاعة لله ورسوله وأما الخشية فلله وحده # وقال تعالى ^ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله ^ ونظيره قوله تعالى ^ الذين قال لهم الناس ان ~~الناس قد جمعوا لكم فاحشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ^ # وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم ~~مواد الشرك إذ هذا تحقيق قولنا لا إله الا الله فإن الإله هو الذى تألهه ~~القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف حتى قال ~~لهم ( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ~~( وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال ( أجعلتنى لله ندا بل ما شاء الله ~~وحده ( وقال ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وقال ( من حلف بغير ~~الله فقد أشرك ( وقال لابن عباس ( إذا سألت ms094 فاسئل الله وإذا استعنت فاستعن ~~بالله جف القلم بما أنت لاق فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا ~~بشىء كتبه الله لك ولو جهدت أن تضرك لم تضرك الا بشىء كتبه الله عليك ( ~~وقال أيضا ( لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وإنما أنا عبد ~~فقولوا عبد الله ورسوله ( وقال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( وقال ( لا ~~تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث ما كنتم ( وقال فى مرضه ~~( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور PageV01P136 أنبيائهم مساجد ( يحذر ~~ما صنعوا قالت عائشة ولو ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وهذا باب ~~واسع # ومع علم المؤمن أن الله رب كل شىء ومليكه فإنه لا ينكر ما خلقه الله من ~~الأسباب كما جعل المطر سببا لإنبات النبات قال الله تعالى ( وما أنزل الله ~~من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ) وكما جعل ~~الشمس والقمر سببا لما يخلقه بهما وكما جعل الشفاعة والدعاء سببا لما يقضيه ~~بذلك مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت فإن ذلك من الأسباب التى يرحمه ~~الله بها ويثيب عليها المصلين عليه لكن ينبغى أن يعرف فى الأسباب ثلاثة ~~أمور # أحدها أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لابد معه من أسباب أخر ومع ~~هذا فلها موانع فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود ~~وهو سبحانه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء ~~الله # الثانى أن لا يجوز أن أن يعتقد أن الشىء سبب إلا بعلم فمن أثبت شيئا سببا ~~بلا علم أو يخالف الشرع كان مبطلا مثل من يظن أن النذر سبب فى دفع البلاء ~~وحصول النعماء # وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه نهى عن النذر وقال ( إنه لا يأتى بخير ~~وإنما يستخرج به من البخيل ( # الثالث أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شىء سببا الا أن تكون ~~مشروعة فإن ms095 العبادات مبناها على التوقيف فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله ~~فيدعو غيره وإن ظن أن ذلك سبب فى حصول بعض أغراضه PageV01P137 وكذلك لا ~~يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة وإن ظن ذلك فإن الشياطين قد تعين ~~الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض ~~أغراض الإنسان فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة ~~الحاصلة به إذ الرسول بعث بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ~~فما أمر الله به فمصلحته راجحة وما نهى عنه فمفسدته راجحة وهذه الجمل لها ~~بسط لا تحتمله هذه الورقة والله أعلم # PageV01P138 # | وسئل رحمه الله # قال السائل إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد فإنه الوسيلة والواسطة # فأجاب الحمد لله إن أراد بذلك أن الإيمان بمحمد وطاعته والصلاة والسلام ~~عليه وسيلة للعبد فى قبول دعائه وثواب دعائه فهو صادق وإن أراد أن الله لا ~~يجيب دعاء أحد حتى يرفعه إلى مخلوق أو يقسم عليه به أو أن نفس الأنبياء ~~بدون الإيمان بهم وطاعتهم وبدون شفاعتهم وسيلة فى إجابة الدعاء فقد كذب فى ~~ذلك والله أعلم PageV01P139 # # | وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى # هل يجوز التوسل بالنبى أم لا # فأجاب الحمد لله أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام ~~عليه وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها ~~فى حقه فهو مشروع بإتفاق المسلمين وكان الصحابة رضى الله عنهم يتوسلون به ~~فى حياته وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه كما كانوا يتوسلون به # وأما قول القائل اللهم إنى أتوسل اليك به فللعلماء فيه قولان كما لهم فى ~~الحلف به قولان وجمهور الأئمة كمالك والشافعى وأبى حنيفة على أنه لا يسوغ ~~الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة ولا تنعقد اليمين بذلك بإتفاق العلماء ~~وهذا إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون ~~غيره ولذلك قال أحمد فى منسكه الذى كتبه للمروذى صاحبه إنه يتوسل بالنبى فى ~~دعائه ولكن غير أحمد قال إن هذا إقسام على الله به ولا ms096 يقسم على الله ~~بمخلوق وأحمد فى إحدى الروايتين قد جوز القسم به فلذلك جوز التوسل به # ولكن الرواية الأخرى عنه هى قول جمهور العلماء أنه لا يقسم به ~~PageV01P140 فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة والأنبياء فإنا لا نعلم ~~أحدا من السلف والأئمة قال إنه يقسم به على الله كما لم يقولوا إنه يقسم ~~بهم مطلقا ولهذا أفتى أبو محمد بن عبد السلام أنه لا يقسم على الله بأحد من ~~الملائكة والأنبياء وغيرهم لكن ذكر له أنه روى عن النبى حديث فى الاقسام به ~~فقال ان صح الحديث كان خاصا به والحديث المذكورلا يدل على الاقسام به وقد ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم ( من كان حالفا فليحلف بالله وإلا فليصمت ( ~~وقال ( من حلف بغير الله فقد أشرك ( والدعاء عبادة والعبادة مبناها على ~~التوقيف والإتباع لا على الهوى والإبتداع والله أعلم # PageV01P141 # | وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره كله الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا # أرسله بين يدى الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ~~فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى وأرشد به من الغى وفتح به أعينا عميا ~~وآذانا صما وقلوبا غلفا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد فى ~~الله حق جهاده وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما # ففرق بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغى وطريق أهل الجنة ~~وطريق أهل النار وبين أوليائه وأعدائه فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ~~ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله # وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء ~~به ويتبعه فى باطنه وظاهرة والإيمان ms097 به ومتابعته هو سبيل الله وهو دين الله ~~PageV01P142 وهو عبادة الله وهو طاعة الله وهو طريق أولياء الله وهو ~~الوسيلة التى أمر الله بها عباده فى قوله تعالى ( 35 5 ) ( يا أيها الذين ~~آمنوا إتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة ) فإبتغاء الوسيلة إلى الله انما ~~يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد وأتباعه # وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد باطنا وظاهرا فى حياة ~~رسول الله وبعد موته فى مشهده ومغيبه لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته ~~عن أحد من الخلق فى حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه ولا بعذر من ~~الأعذار ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه الا ~~التوسل بالإيمان به وبطاعته # وهو صلى الله عليه وسم شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذى يغبطه به ~~الأولون والآخرون فهو أعظم الشفعاء قدرا وأعلاهم جاها عند الله وقد قال ~~تعالى عن موسى @QB@ وكان عند الله وجيها @QE@ وقال عن المسيح ( وجيها فى ~~الدنيا والآخرة ( ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاها من جميع الأنبياء ~~والمرسلين لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له فمن ~~دعى له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه ~~يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ~~تبارك وتعالى بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما # ولفظ ( التوسل ) فى عرف الصحابة كانوا يستعملونه فى هذا المعنى والتوسل ~~بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به وأما بدون الإيمان به فالكفار ~~والمنافقون لا تغنى عنهم شفاعة الشافعين فى الآخرة # PageV01P143 ولهذا نهى عن الإستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار ونهى ~~عن الإستغفار للمنافقين وقيل له @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم @QE@ ولكن الكفار يتفاضلون فى الكفر كما يتفاضل أهل ~~الإيمان فى الإيمان قال تعالى ^ إنما النسىء زيادة فى الكفر ^ # فإذا كان فى الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته فإنه تنفعه شفاعته فى ~~تخفيف العذاب عنه ms098 لا فى إسقاط العذاب بالكلية كما فى صحيح مسلم عن العباس ~~إبن عبد المطلب أنه قال قلت يا رسول الله فهل نفعت أبا طالب بشىء فإنه كان ~~يحوطك ويغضب لك قال ( نعم هو فى ضحضاح من نار ولولا أنا لكان فى الدرك ~~الأسفل من النار ( وفى لفظ إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ~~ذلك قال ( نعم وجدته فى غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح ( وفيه عن أبى سعيد ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال ( لعله تنفعه ~~شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منهما دماغه ( ~~وقال ( إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلى ~~منهما دماغه ( # وكذلك ينفع دعاؤه لهم بأن لا يعجل عليهم العذاب فى الدنيا كما كان يحكى ~~نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول ( اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون ( ~~وروى أنه دعى بذلك أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب فى الدنيا قال تعالى ~~@QB@ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى @QE@ PageV01P144 # وأيضا فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه كما ~~دعا لأم أبى هريرة حتى هداها الله وكما دعا لدوس فقال ( اللهم اهد دوسا ~~وائت بهم ( فهداهم الله وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لما ~~طلبوا منه أن يستسقى لهم فاستسقى لهم وكان ذلك إحسانا منه اليهم يتألف به ~~قلوبهم كما كان يتألفهم بغير ذلك # وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاها عند الله ~~لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه ولا شفاعة أعظم من شفاعته لكن دعاء ~~الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم فإن الإيمان بهم وطاعتهم ~~يوجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقا وعاما فكل من مات مؤمنا بالله ~~ورسوله مطيعا لله ورسوله كان من أهل السعادة قطعا ومن مات ms099 كافرا بما جاء به ~~الرسول كان من أهل النار قطعا # وأما الشفاعة والدعاء فإنتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع ~~فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والإستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا ~~تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاها فلا شفيع أعظم من محمد ثم الخليل ~~إبراهيم وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه @QB@ ~~ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ وقد كان أراد أن ~~يستغفر لأبى طالب اقتداء بإبراهيم وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض ~~أقاربه فأنزل الله تعالى ( ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) PageV01P145 # ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه الا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه ~~حليم وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) وثبت فى ~~صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يلقى ~~إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ~~ألم أقل لك لا تعصنى فيقول له أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب ~~أنت وعدتنى أن لا تخزنى يوم يبعثون وأى خزى أخزى من أبى الأبعد فيقول الله ~~عز وجل انى حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال أنظر ما تحت رجليك فينظر فإذا ~~هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى فى النار ( فهذا لما مات مشركا لم ينفعه ~~إستغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره وقد قال تعالى للمؤمنين ^ قد كانت لكم ~~أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم انا برءآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله ~~من شىء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير # ربنا لا تجعلنا ms100 فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ^ # فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه الا فى قول ~~إبراهيم لأبيه ( لأستغفرن لك ( فإن الله لا يغفر أن يشرك به # وكذلك سيد الشفعاء محمد ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة أن النبى قال ( ~~استأذنت ربى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لى واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لى ( ~~وفى رواية أن النبى PageV01P146 زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال ( ~~استأذنت ربى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لى واستأذنته فى أن أزور قبره فأذن لى ~~فزورا القبور فإنها تذكر الموت ( وثبت عن أنس فى الصحيح أن رجلا قال ( يا ~~رسول الله أين أبى قال فى النار فلما قفى دعاه فقال ( ان أبى وأباك فى ~~النار ( وثبت أيضا فى الصحيح عن أبى هريرة لما أنزلت هذه الآية ( وأنذر ~~عشيرتك الأقربين ) دعا رسول الله قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال ( يابنى كعب ~~بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار ~~يابنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى عبد مناف أنقذوا # أنفسكم من النار يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة ~~أنقذى نفسك من النار فإنى لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ~~ببلالها ( وفى رواية عنه ( يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله فإنى لا ~~أغنى عنكم من الله شيئا يا بنى عبد المطلب لا أغنى عنكم من الله شيئا يا ~~عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا ~~أغنى عنك من الله شيئا ( يا فاطمة بنت رسول الله سلينى من مالى ما شئت لا ~~أغنى عنك من الله شيئا ( وعن عائشة لما نزلت ( وأنذر عشيرتك الأقربين ( قام ~~رسول الله فقال ( يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب لا أملك لكم من ~~الله شيئا سلونى من مالى ما شئتم ( # وعن أبى هريرة قال ms101 قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا ذات يوم ~~فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال ( لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على ~~رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك شيئا ~~PageV01P147 قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له ~~حمحمة فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين ~~أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء فيقول يا رسول الله أغثنى ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على ~~رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ~~لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثنى ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ( أخرجاه فى الصحيحين وزاد مسلم ( لا ~~ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله ~~أغثنى فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ( وفى البخارى عنه أن النبى قال ( ~~ولا يأتى أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار فيقول يا محمد ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ولا يأتى أحدكم ببعير يحمله على رقبته له ~~رغاء فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ( وقوله هنا لا أملك لك ~~من الله شيئا كقول إبراهيم لأبيه ( لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شىء ~~( # وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهى نافعة فى الدنيا والدين باتفاق المسلمين ~~وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة فى زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق ~~عليها بين المسلمين وقد قيل إن بعض أهل البدعة ينكرها # وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم وأنكرها كثير من أهل البدع من ~~الخوارج والمعتزلة والزيدية وقال هؤلاء من يدخل النار لا يخرج منها ~~PageV01P148 لا بشفاعة ولا غيرها وعند هؤلاء ما ثم إلا ms102 من يدخل الجنة فلا ~~يدخل النار ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة ولا يجتمع عندهم فى الشخص الواحد ~~ثواب وعقاب وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة ~~وغيرهم فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبى أن الله يخرج من ~~النار قوما بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم يخرجهم بشفاعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ويخرج آخرين بشفاعة غيره ويخرج قوما بلا شفاعة # واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى ( واتقوا يوما لا تجزى نفس عن ~~نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ) وبقوله ( ولا يقبل منها ~~عدل ولا تنفعها شفاعة ) وبقوله ( من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ~~ولا شفاعة ) وبقوله ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ( وبقوله ( فما ~~تنفعهم شفاعة الشافعين ( # وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان # أحدهما أنها لا تنفع المشركين كما قال تعالى فى نعتهم @QB@ ما سلككم في ~~سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين ~~وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين @QE@ ~~فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارا # والثانى أنه يراد بذلك نفى الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من ~~أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر ~~أن يشفعوا عنده بغير إذنه كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل PageV01P149 ~~المشفوع اليه شفاعة شافع لحاجته اليه رغبة ورهبة وكما يعامل المخلوق ~~المخلوق بالمعاوضة # فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء ~~والصالحين ويصورون تماثليهم فيستشفعون بها ويقولون هؤلاء خواص الله فنحن ~~نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم ~~لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك وقد ~~يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة # فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ms103 ~~@QE@ وقال @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ وقال عن الملائكة @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون @QE@ ~~وقال ^ قل ادعو الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ~~ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ^ وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم يتقون @QE@ وقال تعالى ^ الله الذى خلق السموات والأرض ~~وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولى ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون ^ PageV01P150 وقال تعالى @QB@ ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم ~~شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا ~~يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم ~~إليه ترجعون وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون @QE@ وقال تعالى @QB@ وخشعت الأصوات ~~للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي ~~له قولا @QE@ وقال صاحب يس ( وما لى لا أعبد الذى فطرنى واليه ترجعون # أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون # إنى ms104 إذا لفى ضلال مبين # إنى آمنت بربكم فاسمعون ( # فهذه الشفاعة التى أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين حتى ~~صوروا تماثليهم وقالوا استشفاعنا بتماثليهم استشفاع بهم وكذلك قصدوا قبورهم ~~وقالوا نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى الله وصوروا تماثليهم ~~فعبدوهم كذلك وهذه الشفاعة أبطلها الله ورسوله وذم المشركين عليها وكفرهم ~~بها قال الله تعالى عن قوم نوح ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا # وقد أضلوا كثيرا ) قال بن عباس وغيره هؤلاء قوم صالحون كانون فى قوم نوح ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثليهم فعبدوهم وهذا مشهور فى كتب ~~التفسير والحديث PageV01P151 وغيرها كالبخارى وغيره وهذه أبطلها النبى وحسم ~~مادتها وسد ذريعتها حتى لعن من إتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى ~~فيها وإن كان المصلى فيها لا يستشفع بهم ونهى عن الصلاة إلى القبور وأرسل ~~على بن أبى طالب فأمره أن لا يدع قبرا مشرفا الا سواه ولا تمثالا إلا طمسه ~~ومحاه ولعن المصورين وعن أبى الهياج الأسدى قال لى على بن أبى طالب ( ~~لأبعثك على ما بعثنى رسول الله ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا ~~إلا سويته ( وفى لفظ ( ولا صورة إلا طمستها ( أخرجه مسلم # PageV01P152 $ فصل # ولفظ ( التوسل ( قد يراد به ثلاثة أمور يراد به أمران متفق عليهما بين ~~المسلمين # أحدهما هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته # والثانى دعاؤه وشفاعته وهذا أيضا نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه ~~باتفاق المسلمين ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد ~~يستتاب فإن تاب والا قتل مرتدا ولكن التوسل بالإيمان به وبطاعته هو أصل ~~الدين وهذا معلوم بالإضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة فمن أنكر هذا ~~المعنى فكفره ظاهر للخاصة والعامة # وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضا كافر لكن ~~هذا أخفى من الأول فمن أنكره عن جهل عرف ذلك فإن أصر على إنكاره فهو مرتد # أما دعاؤه وشفاعته فى الدنيا فلم ينكره ms105 أحد من أهل القبلة # وأما الشفاعة يوم القيامة فمذهب أهل السنة والجماعة وهم الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم أن له شفاعات يوم ~~القيامة خاصة وعامة وأنه يشفع فيمن يأذن الله له أن يشفع فيه من أمته من ~~أهل الكبائر ولا ينتفع بشفاعته الا أهل التوحيد المؤمنون دون أهل ~~PageV01P153 الشرك ولو كان المشرك محبا له معظما له لم تنقذه شفاعته من ~~النار وإنما ينجيه من النار التوحيد والإيمان به ولهذا لما كان أبو طالب ~~وغيره يحبونه ولم يقروا بالتوحيد الذى جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار ~~بشفاعته ولا بغيرها # وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة أنه قال قلت يا رسول الله أى الناس أسعد ~~بشفاعتك يو م القيامة فقال ( أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال لا إله ~~إلا الله خالصا من قلبه ( وعنه فى صحيح مسلم قال ( قال رسول الله ( لكل نبى ~~دعوة مستجابة فتعجل كل نبى دعوته وإنى اختبأت دعوتى شفاعة يوم القيامة فهى ~~نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئا ( وفى السنن عن ~~عوف بن مالك قال قال رسول الله ( أتانى آت من عند ربى فخيرنى بين أن يدخل ~~نصف أمتى الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهى لمن مات لا يشرك بالله ~~شيئا ( وفى لفظ قال ( ومن لقى الله لا يشرك به شيئا فهو فى شفاعتى ( # وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذى لا يقبل الله من الأولين ~~والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى @QB@ ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة @QE@ ~~وقد ذكر الله عز وجل عن كل من الرسل أنه افتتح دعوته بأن ms106 قال لقومه ^ ~~اعبدوا الله مالكم من إله غيره ^ PageV01P154 # وفى المسند عن بن عمر عن النبى أنه قال ( بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى ~~يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعل الذل والصغار على من ~~خالف أمرى ومن تشبه بقوم فهو منهم ( # والمشركون من قريش وغيرهم الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل النبى دماءهم ~~وأموالهم وسبى حريمهم وأوجب لهم النار كانوا مقرين بأن الله وحده خلق ~~السموات والأرض كما قال ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ~~قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ( وقال ( ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فإنى يؤفكون ) وقال ( قل لمن الأرض ~~ومن فيها إن كنتم تعلمون # سيقولون لله قل أفلا تذكرون # قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم # سيقولون لله قل أفلا تتقون # قل من بيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون # سيقولون لله قل فانى تسحرون بل أتيناهم بالحق وانهم لكاذبون # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ) # وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة ولكنهم ~~كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم اليه كما قال تعالى ^ ويعبدون من ~~دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم فى السموات ولا فى الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ^ ~~PageV01P155 وقال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن ~~الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار @QE@ # وكانوا يقولون فى تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك # وقال تعالى ^ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم ms107 مما ملكت أيمانكم من شركاء ~~فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات ~~لقوم يعقلون # بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدى من أضل الله وما لهم من ~~ناصرين # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون # منيبين اليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين # من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ^ # بين سبحانه بالمثل الذى ضربه لهم أنه لا ينبغى أن يجعل مملوكه شريكه فقال ~~( هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء ) يخاف ~~أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضا فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكة ~~شريكه فكيف ترضونه لأنفسكم # وهذا كما كانوا يقولون له بنات فقال تعالى @QB@ ويجعلون لله ما يكرهون ~~وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون @QE@ ~~وقد قال تعالى ^ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم # يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب ~~PageV01P156 ألا ساء ما يحكمون # للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~^ # والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان # قوم نوح وقوم إبراهيم فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين ~~ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم # وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر # وكل من هؤلاء يعبدون الجن فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على أشياء وقد ~~يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا فى الحقيقة إنما يعبدون الجن فإن ~~الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم قال تعالى ^ ويوم يحشرهم جميعا ثم ~~يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~^ # والملائكة لا تعينهم على الشرك لا فى المحيا ولا فى الممات ولا يرضون ~~بذلك ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصور لهم ms108 فى صور الآدميين فيرونهم بأعينهم ~~ويقول أحدهم أنا إبراهيم أنا المسيح أنا محمد أنا الخضر أنا أبو بكر أنا ~~عمر أنا عثمان أنا على أنا الشيخ فلان وقد يقول بعضهم عن بعض هذا هو النبى ~~فلان أو هذا هو الخضر ويكون أولئك كلهم جنا يشهد بعضهم لبعض والجن كالإنس ~~فمنهم الكافر ومنهم الفاسق ومنهم العاصى وفيهم العابد الجاهل فمنهم من يحب ~~شيخا فيتزيا فى صورته ويقول أنا فلان ويكون ذلك فى برية ومكان قفر فيطعم ~~ذلك الشخص طعاما ويسقيه شرابا أو يدله على الطريق أو يخبره ببعض الأمور ~~الواقعة الغائبة فيظن ذلك PageV01P157 الرجل أن نفس الشيخ الميت أو الحى ~~فعل ذلك وقد يقول هذا سر الشيخ وهذه رقيقته وهذه حقيقته أو هذا ملك جاء على ~~صورته وإنما يكون ذلك جنيا فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك والإثم ~~والعدوان # وقد قال الله تعالى ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ) قال طائفة من السلف كان أقوام ~~يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح فبين الله تعالى أن الملائكة ~~والأنبياء عباد الله كما أن الذين يعبدونهم عباد الله وبين أنهم يرجون ~~رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين # والمشركون من هؤلاء قد يقولون إنا نستشفع بهم أى نطلب من الملائكة ~~والأنبياء أن يشفعوا فإذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا فإذا ~~صورنا تمثاله والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى فى ~~كنائسهم قالوا فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم ونحن نخاطب هذه ~~التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله فيقول أحدهم يا سيدى ~~فلان أو يا سيدى جرجس أو بطرس أو ياستى الحنونة مريم أو يا سيدى الخليل أو ~~موسى بن عمران أو غير ذلك اشفع لى إلى ربك # وقد يخاطبون الميت عند قبره سل لى ربك أو يخاطبون الحى وهو ms109 غائب كما ~~يخاطبونه لو كان حاضرا حيا وينشدون قصائد يقول أحدهم فيها يا سيدى فلان أنا ~~فى حسبك أنا فى جوارك اشفع لى إلى الله سل الله لنا أن ينصرنا PageV01P158 ~~على عدونا سل الله أن يكشف عنا هذه الشدة أشكوا إليك كذا وكذا فسل الله أن ~~يكشف هذه الكربة أو يقول أحدهم سل الله أن يغفر لى # ومنهم من يتأول قوله تعالى ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا ~~الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) ويقولون إذا طلبنا منه ~~الإستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الإستغفار من الصحابة ويخالفون ~~بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحدا منهم لم ~~يطلب من النبى بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة ~~المسلمين فى كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخرى الفقهاء وحكوا حكاية ~~مكذوبة على مالك رضى الله عنه سيأتى ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله ~~تعالى # فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم ~~وفى مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو من أعظم أنواع الشرك الموجود فى المشركين من ~~غير أهل الكتاب وفى مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك ~~والعبادات مالم يأذن به الله تعالى قال الله تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا ~~لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) # فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفى مغيبهم وسؤالهم والإستغاثة ~~بهم والإستشفاع بهم فى هذه الحال ونصب تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم هو ~~من الدين الذى لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولا ولا أنزل به كتابا وليس هو ~~واجبا ولا مستحبا باتفاق المسلمين ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين وإن كان ذلك مما يفعله كثير ~~PageV01P159 من الناس ممن له عبادة وزهد ويذكرون فيه حكايات ومنامات فهذا ~~كله من الشيطان # وفيهم من ينظم القصائد فى دعاء الميت والإستشفاع به والإستغاثة أو يذكر ~~ذلك فى ضمن ms110 مديح الأنبياء والصالحين فهذا كله ليس بمشروع ولا واجب ولا ~~مستحب باتفاق أئمة المسلمين ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو ~~يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة ~~الدين فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب # وكثير من الناس يذكرون فى هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح ويحتجون ~~عليها بحجج من جهة الرأى أو الذوق أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك # وجواب هؤلاء من طريقين # أحدهما الإحتجاج بالنص والإجماع # والثانى القياس والذوق والإعتبار ببيان ما فى ذلك من الفساد فإن فساد ذلك ~~راجح على ما يظن فيه من المصلحة # أما الأول فيقال قد علم بالإضطرار والتواتر من دين الإسلام وبإجماع سلف ~~الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب # وعلم أنه لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم بل ولا أحد من الأنبياء قبله ~~شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ولا يستشفعوا بهم لا ~~بعد مماتهم ولا فى مغيبهم فلا يقول أحد يا ملائكة الله اشفعوا لى عند الله ~~سلو الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا # PageV01P160 # وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين يا نبى الله يا رسول الله ~~ادع الله لى سل الله لى استغفر الله لى سل الله لى أن يغفر لى أو يهدينى أو ~~ينصرنى أو يعافينى ولا يقول أشكو اليك ذنوبى أو نقص رزقى أو تسلط العدو على ~~أو أشكو إليك فلانا االذى ظلمنى ولا يقول أنا نزيلك أنا ضيفك أنا جارك أو ~~أنت تجير من يستجير أو أنت خير معاذ يستعاذ به # ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور ولا يكتب أحد محضرا أنه استجار ~~بفلان ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع ~~من أهل الكتاب والمسلمين كما يفعله النصارى فى كنائسهم وكما يفعله ~~المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو فى مغيبهم فهذا مما ~~علم بالإضطرار من دين الإسلام وبالنقل المتواتر ms111 وبإجماع المسلمين أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم لم يشرع هذا لأمته # وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئا من ذلك بل أهل الكتاب ليس عندهم عن ~~الأنبياء نقل بذلك كما أن المسلمين ليس عندهم عن نبيهم نقل بذلك ولا فعل ~~هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان ولا استحب ذلك أحد من أئمة ~~المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا ذكر أحد من الأئمة لا فى مناسك ~~الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبى عند قبره أن يشفع له أو يدعو ~~لأمته أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين # وكان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته فتارة بالجدب وتارة بنقص ~~الرزق وتارة بالخوف وقوة العدو وتارة بالذنوب والمعاصى PageV01P161 ولم يكن ~~أحد منهم يأتى إلى قبر الرسول ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء ~~فيقول نشكوا اليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب ولا يقول سل الله ~~لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم بل هذا وما يشبهه من البدع ~~المحدثة التى لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين فليست واجبة ولا مستحبة ~~باتفاق أئمة المسلمين # وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهى بدعة سيئة وهى ضلالة باتفاق المسلمين ~~ومن قال فى بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعى أنها ~~مستحبة فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين أنها من ~~الحسنات التى يتقرب بها إلى الله # ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر ايجاب ولا استحباب ~~فهو ضال متبع للشيطان وسبيله من سبيل الشيطان كما قال عبد الله ابن مسعود ~~خط لنا رسول الله خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال ( هذا سبيل الله ~~وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو اليه ( ثم قرأ ( وأن هذا صراطى ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) # فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ms112 ورسوله أن يتبعه ولا يخالف السنة ~~المعلومة وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان باتباع من خالف السنة والإجماع القديم لا سيما وليس معه فى بدعته ~~إمام من أئمة المسلمين ولا مجتهد يعتمد على قوله فى الدين ولا من ~~PageV01P162 يعتبر قوله فى مسائل الإجماع والنزاع فلا ينخرم الإجماع ~~بمخالفته ولا يتوقف الإجماع على موافقته # ولو قدر أنه نازع فى ذلك عالم مجتهد لكان مخصوما بما عليه السنة ~~المتواترة وباتفاق الأئمة قبله فكيف إذا كان المنازع ليس من المجتهدين ولا ~~معه دليل شرعى وإنما اتبع من تكلم فى الدين بلا علم ويجادل فى الله بغير ~~علم ولا هدى ولا كتاب منير # بل إن النبى مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجبا ولا مستحبا فإنه قد حرم ~~ذلك وحرم ما يفضى اليه كما حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد # ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله أن النبى قال قبل أن يموت بخمس ( إن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى ~~أنهاكم عن ذلك ( وفى الصحيحين عن عائشة أن النبى قال قبل موته ( لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما فعلوا قالت عائشة ~~ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا # واتخاذ المكان مسجدا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد ~~لذلك والمكان المتخذ مسجدا إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء ~~المخلوقين # فحرم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد وإن كان ~~القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده لأن ذلك PageV01P163 ذريعة إلا أن ~~يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده فنهى رسول ~~الله عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك ~~بالله # والفعل إذا كان يفضى إلا مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه كما نهى عن ~~الصلاة فى الأوقات الثلاثة لما فى ذلك من المفسدة الراجحة وهو التشبه ~~بالمشركين الذى يفضى إلى ms113 الشرك وليس فى قصد الصلاة فى تلك الأوقات مصلحة ~~راجحة لإمكان التطوع فى غير ذلك من الأوقات # ولهذا تنازع العلماء فى ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم فى هذه الأوقات ~~وهو أظهر قولى العلماء لأن النهى إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة ~~وفعل ذوات الأسباب يحتاج اليه فى هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت ~~مصلحتها فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة بخلاف مالا سبب له فإنه يمكن ~~فعله فى غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهى عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب ~~النهى عنه # فإذا كان نهيه عن الصلاة فى هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لئلا يفضى ذلك ~~إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر ~~والكواكب الذين يدعونها ويسألونها كان معلوما أن دعوة الشمس والسجود لها هو ~~محرم فى نفسه أعظم تحريما من الصلاة التى نهى عنها لئلا يفضى إلى دعاء ~~الكواكب # كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد فنهى عن ~~PageV01P164 قصدها للصلاة عندها لئلا يفضى ذلك إلى دعائهم والسجود لهم كان ~~دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد # ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين # زيارة شرعية وزيارة بدعية # فالزيارة الشرعية أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت كما يقصد بالصلاة ~~على جنازته الدعاء له فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه قال الله تعالى ~~فى المنافقين ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ( فنهى ~~نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا ~~وهم كافرون فلما نهى عن هذا وهذا لأجل هذه العلة وهى الكفر دل ذلك على ~~انتفاء هذا النهى عند انتفاء هذه العلة # ودل تخصيصهم بالنهى على أن غيرهم يصلى عليه ويقام على قبره إذ لو كان هذا ~~غير مشروع فى حق أحد لم يخصوا بالنهى ولم يعلل ذلك بكفرهم ولهذا كانت ~~الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة فكان ~~النبى صلى الله عليه وسلم يصلى على ms114 موتى المسلمين وشرع ذلك لأمته وكان إذا ~~دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول ( سلوا له التثبيت فإنه الآن يسئل ) ~~رواه أبو داود وغيره # وكان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور ~~أن يقول أحدهم ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن ~~شاء الله تعالى بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ~~نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ( وفى ~~صحيح PageV01P165 مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله خرج إلى ~~المقبرة فقال ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ( ~~والأحاديث فى ذلك صحيحة معروفة فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء ~~لهم # وهذه غير الزيارة المشتركة التى تجوز فى قبور الكفار كما ثبت فى صحيح ~~مسلم وأبى داود والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة أنه قال أتى رسول الله قبر ~~أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال ( استأذنت ربى فى أن أستغفر لها فلم يأذن لى ~~فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لى فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ( فهذه ~~الزيارة التى تنفع فى تذكير الموت تشرع ولو كان المقبور كافرا بخلاف ~~الزيارة التى يقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تشرع إلا فى حق المؤمنين # وأما الزيارة البدعية فهى التى يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج أو ~~يطلب منه الدعاء والشفاعة أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب ~~للدعاء فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبى ولا فعلها ~~الصحابة لا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره وهى من جنس ~~الشرك وأسباب الشرك # ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم ~~والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك محرما منهيا عنه ولكان ~~صاحبه متعرضا لغضب الله ولعنته كما قال النبى ( اشتد غضب الله على قوم ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( وقال ( قاتل الله اليهود والنصارى إتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ms115 ( يحذر ما صنعوا وقال ( ان من كان قبلكم كانوا ~~PageV01P166 يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم ~~عن ذلك ( # فإذا كان هذا محرما وهو سبب لسخط الرب ولعنته فكيف بمن يقصد دعاء الميت ~~والدعاء عنده وبه واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء ~~الحاجات وهذا كان أول أسباب الشرك فى قوم نوح وعبادة الأوثان فى الناس قال ~~ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم ظهر الشرك بسبب ~~تعظيم قبور صالحيهم # # وقد استفاض عن ابن عباس وغيره فى صحيح البخارى وفى كتب التفسير وقصص ~~الأنبياء فى قوله ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا # ولا يغوث ويعوق ونسرا ) ان هؤلاء كانوا قوما صالحين فى قوم نوح فلما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثليهم فعبدوهم قال ابن عباس ثم صارت ~~هذه الأوثان فى قبائل العرب # وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئا آخر ذكروه فى زيارة ~~القبور كما ذكر ذلك ابن سينا ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره ~~ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم فإنهم لا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض ~~فى ستة أيام ولا أنه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم # فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها ~~دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه كما أن ما يكون من إنزال ~~المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم # بل هم يزعمون أن المؤثر فى حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات ~~PageV01P167 الفلكية أو القوى الطبيعية فيقولون ان الإنسان إذا أحب رجلا ~~صالحا قد مات لا سيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت ~~فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية ~~يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشىء من ذلك بل ~~وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة ms116 ~~فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض ~~عليها من تلك المرآة وان قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك ~~المرآة فهكذا الشفاعة عندهم وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم وفى هذا ~~القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره # ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من ~~أسباب ضلال بنى آدم وجعل القبور أوثانا هو أول الشرك ولهذا يحصل عند القبور ~~لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت وقد ~~يكون من الجن والشياطين مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه ~~وعانقه وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم وإنما هو شيطان فإن الشيطان ~~يتصور بصور الإنس ويدعى أحدهم أنه النبى فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبا فى ~~ذلك # وفى هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهى كثيرة جدا ~~والجاهل يظن أن ذلك الذى رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو ~~النبى أو الصالح وغيرهما والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان ويتبين ذلك بأمور ~~PageV01P168 # ( أحدها ) أن يقرأ آية الكرسى بصدق فإذا قرأها تغيب ذلك الشخص أو ساخ فى ~~الأرض أو احتجب ولو كان رجلا صالحا أو ملكا أو جنيا مؤمنا لم تضره آية ~~الكرسى وإنما تضر الشياطين كما ثبت فى الصحيح من حديث أبى هريرة لما قال له ~~الجنى اقرأ آية الكرسى إذا أويت إلى فراشك فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ~~ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبى ( صدقك وهو كذوب ( # و ( منها ) أن يستعيذ بالله من الشياطين # و ( منها ) أن يستعيذ بالعوذ الشرعية فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء فى ~~حياتهم وتريد أن تؤذيهم وتفسد عبادتهم كما جاءت الجن إلى النبى بشعلة من ~~النار تريد أن تحرقه فأتاه جبريل بالعوذة المعروفة التى تضمنها الحديث ~~المروى عن أبى التياح أنه قال سأل رجل عبد الرحمن بن ms117 حبيش وكان شيخا كبيرا ~~قد أدرك النبى صلى الله عليه وسلم كيف صنع رسول الله حين كادته الشياطين ~~قال تحدرت عليه من الشعاب والأودية وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن ~~يحرق بها رسول الله قال فرعب رسول الله فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا ~~محمد ( قل ( قال ( ما أقول ( قال قل ( أعوذ بكلمات الله التامات التى لا ~~يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن ~~شر ما يعرج فيها ومن شر ما يخرج من الأرض ومن شر ما ينزل فيها ومن شر فتن ~~الليل والنهار ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ( قال ~~فطفئت نارهم وهزمهم الله عز وجل PageV01P169 # وثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ان عفريتا من الجن جاء يفتك بى البارحة ليقطع على صلاتى فأمكننى الله عز ~~وجل منه فذعته فأردت أن آخذه فأربطه إلى سارية من المسجد حتى تصبحوا ~~فتنظروا اليه ثم ذكرت قول سليمان عليه السلام ( رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ~~ينبغى لأحد من بعدى ) فرده الله تعالى خاسئا # وعن عائشة أن النبى كان يصلى فأتاه الشيطان فأخذه فصرعه فخنقه قال رسول ~~الله ( حتى وجدت برد لسانه على يدى ولولا دعوة سليمان لأصبح موثقا حتى يراه ~~الناس ( أخرجه النسائى واسناده على شرط البخارى كما ذكر ذلك أبو عبد الله ~~المقدسى فى مختاره الذى هو خير من صحيح الحاكم وعن أبى سعيد الخدرى أن رسول ~~الله كان يصلى صلاة الصبح وهو خلفه فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته ~~قال ( لو رأيتمونى وإبليس فأهويت بيدى فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه ~~بين إصبعى هاتين الإبهام والتى تليها ولولا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطا ~~بسارية من سوارى المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع أن لا يحول ~~بينه وبين القبلة أحد فليفعل ( رواه الإمام أحمد فى مسنده وأبو داود فى ~~سننه ms118 # وفى صحيح مسلم عن أبى الدرداء أنه قال قام رسول الله يصلى فسمعناه يقول ( ~~أعوذ بالله منك ( ثم قال ( ألعنك بلعنة الله ثلاثا ( وبسط يده كأنه يتناول ~~شيئا فلما فرغ من صلاته قلنا يا رسول الله سمعناك تقول شيئا فى الصلاة لم ~~نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال ( ان عدو الله PageV01P170 إبليس ~~جاء بشهاب من نار ليجعله فى وجهى فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ~~ألعنك بلعنة الله التامة فاستأخر ثم أردت أن آخذه ولولا دعوة أخينا سليمان ~~لأصبح موثقا يلعب به ولدان المدينة ( # فإذا كانت الشياطين تأتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لتؤذيهم وتفسد ~~عبادتهم فيدفعهم الله تعالى بما يؤيد به الأنبياء من الدعاء والذكر ~~والعبادة ومن الجهاد باليد فكيف من هو دون الأنبياء # فالنبى قمع شياطين الإنس والجن بما أيده الله تعالى من أنواع العلوم ~~والأعمال ومن أعظمها الصلاة والجهاد وأكثر أحاديث النبى فى الصلاة والجهاد ~~فمن كان متبعا للأنبياء نصره الله سبحانه بما نصر به الأنبياء # وأما من ابتدع دينا لم يشرعوه فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا ~~شريك له واتباع نبيه فيما شرعه لأمته وابتدع الغلو فى الأنبياء والصالحين ~~والشرك بهم فإن هذا تتلعب به الشياطين قال تعالى ^ إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ) وقال تعالى ( إن ~~عبادى ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين ^ # و ( منها ) أن يدعو الرائى بذلك ربه تبارك وتعالى ليبين له الحال # و ( منها ) أن يقول لذلك الشخص أأنت فلان ويقسم عليه بالاقسام المعظمة ~~ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ذلك من الأسباب التى تضر الشياطين # وهذا كما أن كثيرا من العباد يرى الكعبة تطوف به ويرى عرشا عظيما ~~PageV01P171 وعليه صورة عظيمة ويرى أشخاصا تصعد وتنزل فيظنها الملائكة ويظن ~~أن تلك الصورة هى الله تعالى وتقدس ويكون ذلك شيطانا # وقد جرت هذه القصة لغير واحد من الناس فمنهم من عصمه ms119 الله وعرف أنه ~~الشيطان كالشيخ عبدالقادر فى حكايته المشهورة حيث قال كنت مرة فى العبادة ~~فرأيت عرشا عظيما وعليه نور فقال لى يا عبدالقادر أنا ربك وقد حللت لك ما ~~حرمت على غيرك قال فقلت له أنت الله الذى لا إله إلا هو اخسأ يا عدو الله ~~قال فتمزق ذلك النور وصار ظلمة وقال يا عبد القادر نجوت منى بفقهك فى دينك ~~وعلمك وبمنازلاتك فى أحوالك لقد فتنت بهذه القصة سبعين رجلا فقيل له كيف ~~علمت أنه الشيطان قال بقوله لى ( حللت لك ما حرمت على غيرك ( وقد علمت أن ~~شريعة محمد لا تنسخ ولا تبدل ولأنه قال أنا ربك ولم يقدر أن يقول أنا الله ~~الذى لا إله إلا أنا # ومن هؤلاء من اعتقد أن المرئى هو الله وصار هو وأصحابه يعتقدون أنهم يرون ~~الله تعالى فى اليقظة ومستندهم ما شاهدوه وهم صادقون فيما يخبرون به ولكن ~~لم يعلموا أن ذلك هو الشيطان # وهذا قد وقع كثيرا لطوائف من جهال العباد يظن أحدهم أنه يرى الله تعالى ~~بعينه فى الدنيا لأن كثيرا منهم رأى ما ظن أنه الله وانما هو شيطان # وكثير منهم رأى من ظن أنه نبى أو رجل صالح أو الخضر وكان شيطانا # وقد ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال ( من رآنى فى PageV01P172 المنام فقد ~~رآنى حقا فإن الشيطان لا يتمثل فى صورتى ( فهذا فى رؤية المنام لأن الرؤية ~~فى المنام تكون حقا وتكون من الشيطان فمنعه الله أن يتمثل به فى المنام ~~وأما فى اليقظة فلا يراه أحد بعينه فى الدنيا # فمن ظن أن المرئى هو الميت فإنما أتى من جهله ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد ~~من الصحابة والتابعين لهم بإحسان # وبعض من رأى هذا أو صدق من قال أنه رآه اعتقد أن الشخص الواحد يكون ~~بمكانين فى حالة واحدة فخالف صريح المعقول # ومنهم من يقول هذه رقيقة ذلك المرئى أو هذه روحانيته أو هذا معناه تشكل ~~ولا يعرفون أنه جنى تصور بصورته # ومنهم ms120 من يظن أنه ملك والملك يتميز عن الجنى بأمور كثيرة والجن فيهم ~~الكفار والفساق والجهال وفيهم المؤمنون المتبعون لمحمد تسليما فكثير ممن لم ~~يعرف أن هؤلاء جن وشياطين يعتقدهم ملائكة # وكذلك الذين يدعون الكواكب وغيرها من الأوثان تتنزل على أحدهم روح يقول ~~هى روحانية الكواكب ويظن بعضهم أنه من الملائكة وإنما هو من الجن والشياطين ~~يغوون المشركين # والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان # فتارة يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها # وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل وتمريض ونحو ذلك PageV01P173 # وتارة يجلبون له من يريده من الإنس # وتارة يسرقون له ما يسرقونه من أموال الناس من نقد وطعام وثياب وغير ذلك ~~فيعتقد أنه من كرامات الأولياء وإنما يكون مسروقا # وتارة يحملونه فى الهواء فيذهبون به إلى مكان بعيد فمنهم من يذهبون به ~~إلى مكة عشية عرفة ويعودون به فيعتقد هذه كرامة مع أنه لم يحج حج المسلمين ~~لا أحرم ولا لبى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ومعلوم أن هذا من ~~أعظم الضلال # ومنهم من يذهب إلى مكة ليطوف بالبيت من غير عمرة شرعية فلا يحرم إذا حاذى ~~الميقات ومعلوم أن من أراد نسكا بمكة لم يكن له أن يجاوز الميقات إلا محرما ~~ولو قصدها لتجارة أو لزيارة قريب له أو طلب علم كان مأمورا أيضا بالإحرام ~~من الميقات وهل ذلك واجب أو مستحب فيه قولان مشهوران للعلماء وهذا باب واسع # ومنه السحر والكهانة وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع # وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى ومبتدعة هذه الأمة فى ~~ذلك من الحكايات ما يطول وصفه فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والإستغاثة ~~به نبيا كان أو غير نبى إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلاله كما أن ~~الذين يدعونهم فى مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون فى صورتهم أو يظنون ~~أنه فى صورتهم ويقول أنا فلان ويكلمهم ويقضى بعض حوائجهم فإنهم يظنون أن ~~الميت المستغاث به ms121 هو الذى كلمهم وقضى مطلوبهم وإنما هو من الجن والشياطين ~~PageV01P174 ومنهم من يقول هو ملك من الملائكة والملائكة لا تعين المشركين ~~وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله # وفى مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التى يعرفها من هنالك ومن وقعت له ~~ما يطول وصفه # وأهل الجاهلية فيها نوعان # نوع يكذب بذلك كله # ونوع يعتقد ذلك كرامات لأولياء الله # فالأول يقول إنما هذا خيال فى أنفسهم لا حقيقة له فى الخارج فإذا قالوا ~~ذلك لجماعة بعد جماعة فمن رأى ذلك وعاينه موجودا أو تواتر عنده ذلك عمن رآه ~~موجودا فى الخارج وأخبره به من لا يرتاب فى صدقه كان هذا من أعظم أسباب ~~ثبات هؤلاء المشركين المبتدعين الشاهدين لذلك والعارفين به بالاخبار ~~الصادقة # ثم هؤلاء المكذبون لذلك متى عاينوا بعض ذلك خضعوا لمن حصل له ذلك ~~وانقادوا له واعتقدوا أنه من أولياء الله مع كونهم يعلمون أنه لا يؤدى ~~فرائض الله حتى ولا الصلوات الخمس ولا يجتنب محارم الله لا الفواحش ولا ~~الظلم بل يكون من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى التى وصف الله بها أولياءه ~~فى قوله تعالى ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون # الذين آمنوا وكانوا يتقون ) # فيرون من هو من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى له من المكاشفات ~~PageV01P175 والتصرفات الخارقات ما يعتقدون أنه من كرامات أولياء الله ~~المتقين # فمنهم من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه ويعتقد فيمن لا يصلى بل ولا ~~يؤمن بالرسل بل يسب الرسل ويتنقص بهم أنه من أعظم أولياء الله المتقين ~~ومنهم من يبقى حائرا مترددا شاكا مرتابا يقدم إلى الكفر رجلا والى الإسلام ~~أخرى وربما كان إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان # وسبب ذلك أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها فإن الكفار ~~والمشركين والسحرة والكهان معهم من الشياطين من يفعل بهم أضعاف أضعاف ذلك ~~قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ # وهؤلاء لا بد أن يكون فيهم كذب وفيهم مخالفة للشرع ms122 ففيهم من الإثم والإفك ~~بحسب ما فارقوا أمر الله ونهيه الذى بعث به نبيه وتلك الأحوال الشيطانية ~~نتيجة ضلالهم وشركهم وبدعتهم وجهلهم وكفرهم وهى دلالة وعلامة على ذلك # والجاهل الضال يظن أنها نتيجة إيمانهم وولايتهم لله تعالى وأنها علامة ~~ودلالة على إيمانهم وولايتهم لله سبحانه وذلك أنه لم يكن عنده فرقان بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما قد تكلمنا على ذلك فى مسئلة ( الفرق بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) ولم يعلم أن هذه الأحوال التى جعلها دليلا ~~على الولاية تكون للكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم مما تكون للمنتسبين ~~إلى الإسلام والدليل مستلزم للمدلول مختص به لا يوجد بدون مدلوله فإذا ~~PageV01P176 وجدت للكفار والمشركين وأهل الكتاب لم تكن مستلزمة للإيمان ~~فضلا عن الولاية ولا كانت مختصة بذلك فامتنع أن تكون دليلا عليه # وأولياء الله هم المؤمنون المتقون وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم لا ~~ثمرة الشرك والبدعة والفسق # وأكابر الأولياء انما يستعملون هذه الكرامات بحجة للدين أو لحاجة ~~للمسلمين # والمقتصدون قد يستعملونها فى المباحات # وأما من استعان بها فى المعاصى فهو ظالم لنفسه متعد حد ربه وإن كان سببها ~~الإيمان والتقوى فمن جاهد العدو فغنم غنيمة فأنفقها فى طاعة الشيطان فهذا ~~المال وان ناله بسبب عمل صالح فإذا أنفقه فى طاعة الشيطان كان وبالا عليه ~~فكيف إذا كان سبب الخوارق الكفر والفسوق والعصيان وهى تدعو إلى كفر آخر ~~وفسوق وعصيان # ولهذا كان أئمة هؤلاء معترفين بأن أكثرهم يموتون على غير الإسلام ولبسط ~~هذه الأمور موضع آخر # والمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند ~~الأوثان كإخبار عن غائب أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك فإذا شاهد أحدهم ~~القبر انشق وخرج منه شيخ بهى عانقه أو كلمه ظن أن ذلك هو النبى المقبور أو ~~الشيخ المقبور والقبر لم ينشق وإنما الشيطان مثل له ذلك PageV01P177 كما ~~يمثل لأحدهم أن الحائط انشقق وأنه خرج منه صورة إنسان ويكون هو الشيطان ~~ثمثل له فى صورة إنسان وأراه أنه خرج من ms123 الحائط # ومن هؤلاء من يقول لذلك الشخص الذى رآه قد خرج من القبر نحن لا نبقى فى ~~قبورنا بل من حين يقبر أحدنا يخرج من قبره ويمشى بين الناس # ومنهم من يرى ذلك الميت فى الجنازة يمشى ويأخذ بيده إلى أنواع أخرى ~~معروفة عند من يعرفها # وأهل الضلال اما ان يكذبوا بها واما أن يظنوها من كرامات أولياء الله ~~ويظنون أن ذلك الشخص هو نفس النبى أو الرجل الصالح أو ملك على صورته وربما ~~قالوا هذه روحانيته أو رقيقته أو سره أو مثاله أو روحه تجسدت حتى قد يكون ~~من يرى ذلك الشخص فى مكانين فيظن أن الجسم الواحد يكون فى الساعة الواحدة ~~فى مكانين ولا يعلم أن ذلك حين تصور بصورته ليس هو ذلك الإنسى # وهذا ونحوه مما يبين أن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند ~~قبورهم وغير قبورهم هم من المشركين الذين يدعون غير الله كالذين يدعون ~~الكواكب والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابا قال تعالى @QB@ ما كان ~~لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون @QE@ وقال تعالى ^ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~PageV01P178 كشف الضر عنكم ولا تحويلا # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ^ وقال تعالى ^ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من ~~شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ^ # ومثل هذا كثير فى القرآن ينهى أن يدعى غير الله لا من الملائكة ولا ~~الأنبياء ولا غيرهم فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك بخلاف ما يطلب من أحدهم ~~فى حياته من الدعاء والشفاعة فإنه لا يفضى إلى ذلك فإن أحدا من ms124 الأنبياء ~~والصالحين لم يعبد فى حياته بحضرته فإنه ينهى من يفعل ذلك بخلاف دعائهم بعد ~~موتهم فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وكذلك دعاؤهم فى مغيبهم هو ذريعة إلى ~~الشرك # فمن رأى نبيا أو ملكا من الملائكة وقال له ( ادع لى ( لم يفض ذلك إلى ~~الشرك به بخلاف من دعاه فى مغيبه فإن ذلك يفضى إلى الشرك به كما قد وقع فإن ~~الغائب والميت لا ينهى من يشرك بل إذا تعلقت القلوب بدعائه وشفاعته أفضى ~~ذلك إلى الشرك به فدعى وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غير ذلك كما قد وقع فيه ~~المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين # ومعلوم أن الملائكة تدعوا للمؤمنين وتستغفر لهم كما قال تعالى ( الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون PageV01P179 ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم انك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ( وقال تعالى @QB@ تكاد السماوات ~~يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما ~~أنت عليهم بوكيل @QE@ # فالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد وكذلك ما روى أن النبى ~~أو غيره من الأنبياء والصالحين يدعو ويشفع للأخيار من أمته هو من هذا الجنس ~~هم يفعلون ما أذن الله لهم فيه بدون سؤال أحد # وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين ~~ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة وإن كانوا يدعون ويشفعون لوجهين # أحدهما أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وان لم يطلب منهم وما لم ~~يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم فلا فائدة فى الطلب منهم # الثانى أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم فى هذه الحال يفضى إلى الشرك بهم ms125 ~~ففيه هذه المفسدة فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة فكيف ولا ~~مصلحة فيه بخلاف الطلب منهم فى حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة PageV01P180 ~~فيه فإنهم ينهون عن الشرك بهم بل فيه منفعة وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما ~~يفعلونه حينئذ من نفع الخلق كلهم فإنهم فى دار العمل والتكليف وشفاعتهم فى ~~الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة # وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التى لا يجب عليهم فعلها ليس واجبا على ~~السائل ولا مستحبا بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة اليه والتوكل ~~عليه وسؤال الخلق فى الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة وتركه توكلا على الله ~~أفضل قال تعالى ^ فإذا فرغت فإنصب والى ربك فارغب ) أى ارغب إلى الله لا ~~إلى غيره ^ وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ فجعل ~~الإيتاء لله والرسول لقوله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا @QE@ فأمرهم بإرضاء الله ورسوله # وأما فى الحسب فأمرهم أن يقولوا ( حسبنا الله ) لا يقولون حسبنا الله ~~ورسوله ويقولوا ( إنا إلى الله راغبون ) لم يأمرهم أن يقولوا إنا لله ~~ورسوله راغبون فالرغبة إلى الله وحده كما قال تعالى فى الآية الأخرى @QB@ ~~ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ فجعل الطاعة ~~لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده # وقد قال النبى لابن عباس ( يا غلام إنى معلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ ~~الله تجده تجاهك تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة إذا سألت فاسأل ~~الله وإذا استعنت فإستعن بالله جف القلم بما PageV01P181 أنت لاق فلو جهدت ~~الخليقة على أن يضروك لم يضروك الا بشىء كتبه الله عليك فإن استطعت أن تعمل ~~لله بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فان فى الصبر على ما تكره خيرا ~~كثيرا ( وهذا الحديث معروف مشهور ولكن قد يروى مختصرا # وقوله ( إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ( هو من أصح ms126 ما ~~روى عنه وفى المسند لأحمد أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا ~~يقول لأحد ناولنى إياه ويقول إن خليلى أمرنى أن لا أسأل الناس شيئا # وفى صحيح مسلم عن عوف بن مالك أن النبى بايع طائفة من أصحابه وأسر اليهم ~~كلمة خفية أن لا تسألوا الناس شيئا قال عوف فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط ~~السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنى إياه # وفى الصحيحين عن النبى أنه قال ( يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفا بغير ~~حساب ( وقال ( هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم ~~يتوكلون ( فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون أى لا يطلبون من أحد أن يرقيهم ~~والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك # وقد روى فيه ( ولا يرقون ( وهو غلظ فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة وكان ~~النبى يرقى نفسه وغيره ولم يكن يسترقى فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء ~~لنفسه ولغيره وهذا مأمور به فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر ~~الله ذلك فى قصة آدم وابراهيم وموسى وغيرهم PageV01P182 # وما يروى أن الخليل لما ألقى فى المنجنيق قال له جبريل سل قال ( حسبى من ~~سؤالى علمه بحالى ( ليس له اسناد معروف وهو باطل بل الذى ثبت فى الصحيح عن ~~ابن عباس أنه قال ( حسبى الله ونعم الوكيل ( قال ابن عباس قالها إبراهيم ~~حين ألقى فى النار وقالها محمد حين ( قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم ) وقد روى أن جبريل قال هل لك من حاجة قال ( أما اليك فلا ( وقد ~~ذكر هذا الإمام أحمد وغيره # وأما سؤال الخليل لربه عز وجل فهذا مذكور فى القرآن فى غير موضع فكيف ~~يقول حسبى من سؤالى علمه بحالى والله بكل شىء عليم وقد أمر العباد بأن ~~يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابا لما يرتبه ~~عليها من إثابة العابدين وإجابة السائلين وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما ~~هى عليه فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا ms127 مذنب لا ينافى أن يأمر هذا بالتوبة ~~والإستغفار ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التى تقضى بها حاجته كما ~~يأمر هذا بالعبادة والطاعة التى بها ينال كرامته # ولكن العبد قد يكون مأمورا فى بعض الأوقات بما هو أفضل من الدعاء كما روى ~~فى الحديث ( من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ( وفى ~~الترمذى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من شغله قراءة القرآن عن ~~ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ( قال الترمذى حديث حسن غريب # وأفضل العبادات البدنية الصلاة وفيها القراءة والذكر والدعاء وكل ~~PageV01P183 واحد فى موطنه مأمور به ففى القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن ~~وفى الركوع والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالتسبيح والذكر وفى آخرها ~~يؤمر بالدعاء كما كان النبى يدعو فى آخر الصلاة ويأمر بذلك والدعاء فى ~~السجود حسن مأمور به ويجوز الدعاء فى القيام أيضا وفى الركوع وإن كان جنس ~~القراءة والذكر أفضل فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال المشروع حسن مأمور ~~به # وقد سأل الخليل وغيره قال تعالى عنه ^ ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ~~ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى ~~اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما ~~يخفى على الله من شىء فى الأرض ولا فى السماء الحمد لله الذى وهب لى على ~~الكبر إسماعيل واسحق إن ربى لسميع الدعاء رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى ~~ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ^ وقال ~~تعالى @QB@ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك ~~أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم @QE@ # وكذلك دعاء المسلم لأخيه حسن مأمور به وقد ثبت فى الصحيح عن أبى الدرداء ~~عن النبى أنه ms128 قال ( ما من رجل يدعو PageV01P184 لأخيه بظهر الغيب الا وكل ~~الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به آمين ولك بمثله ( ~~أى بمثل ما دعوت لأخيك به # وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضى حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به ~~بخلاف سؤال العلم فإن الله أمر بسؤال العلم كما فى قوله تعالى @QB@ فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ وقال تعالى ^ فإن كنت فى شك مما أنزلنا ~~اليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ^ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وهذا لأن العلم ~~يجب بذله فمن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ~~وهو يزكو على التعليم لا ينقص بالتعليم كما تنقص الأموال بالبذل ولهذا يشبه ~~بالمصباح # وكذلك من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات مثل الوديعة والمضاربة ~~لصاحبها أن يسألها ممن هى عنده وكذلك مال الفىء وغيره من الأموال المشتركة ~~التى يتولى قسمتها ولى الأمر للرجل أن يطلب حقه منه كما يطلب حقه من الوقف ~~والميراث والوصية لأن المستولى يجب عليه أداء الحق إلى مستحقه ومن هذا ~~الباب سؤال النفقة لمن تجب عليه وسؤال المسافر الضيافة لمن تجب عليه كما ~~استطعم موسى والخضر أهل القرية وكذلك الغريم له أن يطلب دينه ممن هو عليه ~~وكل واحد من المتعاقدين له أن يسأل الآخر أداء حقه اليه PageV01P185 ~~فالبائع يسأل الثمن والمشترى يسأل المبيع ومن هذا الباب قوله تعالى ( ~~واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام ( # ومن السؤال ما لا يكون مأمورا به والمسئول مأمور بإجابة السائل قال تعالى ~~@QB@ وأما السائل فلا تنهر @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين في أموالهم حق ~~معلوم للسائل والمحروم @QE@ وقال تعالى @QB@ فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر @QE@ ومنه الحديث ( ان أحدكم ليسألنى المسألة فيخرج بها يتأبطها ~~نارا ( وقوله ( اقطعوا عنى لسان هذا ( # وقد يكون السؤال منهيا عنه نهى تحريم أو تنزيه وإن كان المسئول مأمورا ~~بإجابة سؤاله فالنبى كان من ms129 كماله أن يعطى السائل وهذا فى حقه من فضائله ~~ومناقبه وهو واجب أو مستحب وإن كان نفس سؤال السائل منهيا عنه ولهذا لم ~~يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئا من ذلك ولا سألوه أن ~~يدعو لهم وإن كانوا يطلبون منه أن يدعو للمسلمين كما أشار عليه عمر فى بعض ~~مغازيه لما استأذنوه فى نحر بعض ظهرهم فقال عمر يا رسول الله كيف بنا إذا ~~لقينا العدو غدا رجالا جياعا ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم ~~فتجمعها ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا فى دعوتك وفى رواية فإن ~~الله سيغيثنا بدعائك وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما سأله الأعمى أن ~~يدعو الله له ليرد عليه بصره وكما سألته أم سليم أن يدعو الله لخادمه أنس ~~وكما سأله أبو هريرة أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين ونحو ~~ذلك # وأما الصديق فقد قال الله فيه وفى مثله ( وسيجنبها الأتقى الذى يؤتى ماله ~~PageV01P186 يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى الا ابتغاء وجه ربه الأعلى ~~ولسوف يرضى ) وقد ثبت فى الصحاح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم ( ان أمن ~~الناس علينا فى صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا ( فلم يكن فى الصحابة أعظم منه من الصديق فى نفسه ~~وماله # وكان أبو بكر يعمل هذا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاءا من مخلوق ~~فقال تعالى @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من ~~نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى @QE@ فلم يكن لأحد عند ~~الصديق نعمة تجزى فإنه كان مستغنيا بكسبه وماله عن كل أحد والنبى كان له ~~على الصديق وغيره نعمة الإيمان والعلم وتلك النعمة لا تجزى فإن أجر الرسول ~~فيها على الله كما قال تعالى @QB@ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين @QE@ # وأما على وزيد وغيرهما فإن النبى كان له عندهم ms130 نعمة تجزى فإن زيدا كان ~~مولاه فاعتقه قال تعالى @QB@ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ~~أمسك عليك زوجك @QE@ وعلى كان فى عيال النبى لجدب أصاب أهل مكة فأراد النبى ~~والعباس التخفيف عن أبى طالب من عياله فأخذ النبى عليا إلى عياله وأخذ ~~العباس جعفرا إلى عياله وهذا مبسوط فى موضع آخر # والمقصود هنا أن الصديق كان أمن الناس فى صحبته وذات يده لأفضل ~~PageV01P187 الخلق رسول الله لكونه كان ينفق ماله فى سبيل الله كاشترائه ~~المعذبين ولم يكن النبى محتاجا فى خاصة نفسه لا إلى أبى بكر ولا غيره بل ~~لما قال له فى سفر الهجرة ان عندى راحلتين فخذ احداهما فقال النبى ( بالثمن ~~( فهو أفضل صديق لأفضل نبى وكان من كماله أنه لا يعمل ما يعمله الا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من أحد من الخلق لا الملائكة ولا الأنبياء ولا ~~غيرهم # ومن الجزاء أن يطلب الدعاء قال تعالى عمن أثنى عليهم @QB@ إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا @QE@ والدعاء جزاء كما فى الحديث ( ~~من أسدى اليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى ~~تعلموا أن قد كافأتموه ( وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول ~~اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله # وقال بعض السلف إذا قال لك السائل بارك الله فيك فقل وفيك بارك الله فمن ~~عمل خيرا مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبيا أو رجلا صالحا أو ملكا من ~~الملوك أو غنيا من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصا ~~لله يبتغى به وجه الله لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره لا من ~~نبى ولا رجل صالح ولا من الملائكة فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه ~~مخلصين له الدين وهذا هو دين الإسلام الذى بعث الله به الأولين والآخرين من ~~الرسل PageV01P188 # فلا يقبل من أحد دينا غيره قال تعالى ms131 @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ وكان نوح وابراهيم وموسى والمسيح ~~وسائر أتباع الأنبياء عليهم السلام على الإسلام قال نوح ( وأمرت أن أكون من ~~المسلمين ) وقال عن إبراهيم ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ~~ولقد أصطفيناه فى الدنيا وأنه فى الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى أن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ( وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ( وقالت السحرة ( ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين ( وقال يوسف ( توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين ( وقال تعالى ^ ~~إن أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا ^ وقال عن الحواريين ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا به وبرسولى ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ( # ودين الإسلام مبنى على أصلين أن نعبد الله وحده لا شريك له وأن نعبده بما ~~شرعه من الدين وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب فيعبد فى كل ~~زمان بما أمر به فى ذلك الزمان فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون ~~بها مسلمين وكذلك شريعة الإنجيل # وكذلك فى أول الإسلام لما كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى إلى بيت ~~المقدس كانت صلاته اليه من الإسلام ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة كانت ~~الصلاة اليها من الإسلام والعدول عنها إلى الصخرة خروجا عن دين PageV01P189 ~~الإسلام فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد بما شرعه الله من واجب ومستحب ~~فليس بمسلم # ولا بد فى جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله رب العالمين كما ~~قال تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ~~وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ وقال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له ms132 الدين ألا لله ~~الدين الخالص @QE@ # فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله ورسوله ~~والعبادات البدنية والمالية ومحبة الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله ~~بالنفع والمال هو مأمور بأن يفعله خالصا لله رب العالمين لا يطلب من مخلوق ~~عليه جزاء ولا دعاء ولا غير دعاء فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا ~~دعاء ولا غيره # وأما سؤال المخلوق غير هذا فلا يجب بل ولا يستحب إلا فى بعض المواضع ~~ويكون المسئول مأمورا بالإعطاء قبل السؤال وإذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين ~~بسؤال المخلوقين فالرسول أولى بذلك فإنه أجل قدرا وأغنى بالله عن غيره فإن ~~سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد # مفسدة الإفتقار إلى غير الله وهى من نوع الشرك # ومفسدة إيذاء المسئول وهى من نوع ظلم الخلق PageV01P190 وفيه ذل لغير ~~الله وهو ظلم للنفس فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة وقد نزه الله رسوله ~~عن ذلك كله # وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذاك من باب أمرهم بما ينتفعون به كما يأمرهم ~~بسائر الواجبات والمستحبات وإن كان هو ينتفع بدعائهم له فهو أيضا ينتفع بما ~~يأمرهم به من العبادات الأعمال الصالحة فإنه ثبت عنه فى الصحيح أنه قال ( ~~من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من ~~أجورهم شىء ( ومحمد هو الداعى إلى ما تفعله أمته من الخيرات فما يفعلونه له ~~فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شىء # ولهذا لم تجر عادة السلف بأن يهدوا اليه ثواب الأعمال لأن له مثل ثواب ~~أعمالهم بدون الإهداء من غير أن ينقص من ثوابهم شىء وليس كذلك الأبوان فإنه ~~ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره وإنما ينتفع الوالد بدعاء ~~الولد ونحوه مما يعود نفعه إلى الأب كما قال فى الحديث الصحيح ( إذا مات ~~ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو ~~له ( # فالنبى فيما يطلبه من أمته من الدعاء ms133 طلبه طلب أمر وترغيب ليس بطلب سؤال ~~فمن ذلك أمره لنا بالصلاة والسلام عليه فهذا أمر الله به فى القرآن بقوله ( ~~صلوا عليه وسلموا تسليما ( # والأحاديث عنه فى الصلاة والسلام معروفة PageV01P191 # ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود كما ثبت فى صحيح ~~مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا سمعتم ~~المؤذن فقلوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه ~~عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من ~~عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه ~~شفاعتى يوم القيامة ( وفى صحيح البخارى عن جابر عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( من قال حين سمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا ~~الذى وعدته إنك لا تخلف الميعاد حلت له شفاعتي يوم القيامة ( فقد رغب ~~المسلمين فى أن يسألوا الله له الوسيلة وبين أن من سألها له حلت له شفاعته ~~يوم القيامة كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا فإن الجزاء من جنس ~~العمل # ومن هذا الباب الحديث الذى رواه أحمد وأبو داود والترمذى وصححه ابن ماجه ~~أن عمر بن الخطاب استأذن النبى فى العمرة فأذن له ثم قال ( لا تنسنا يا أخى ~~من دعائك ( فطلب النبى من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلى عليه ويسلم عليه ~~وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات ~~فمقصوده نفع المطلوب منه والإحسان إليه وهو صلى الله عليه وسلم أيضا ينتفع ~~بتعليمهم الخير وأمرهم به وينتفع أيضا بالخير الذى يفعلونه من الأعمال ~~الصالحة ومن دعائهم له PageV01P192 ومن هذا الباب قول القائل إنى أكثر ~~الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتى قال ( ما شئت ( قال الربع قال ( ما شئت ~~وإن زدت فهو خير لك ( قال ms134 النصف قال ( ما شئت وإن زدت فهو خير لك ( قال ~~الثلثين قال ( ما شئت وإن زدت فهو خير لك ( قال أجعل لك صلاتى كلها قال ( ~~إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك ( رواه أحمد فى مسنده والترمذى وغيرهما # وقد بسط الكلام عليه فى ( جواب المسائل البغدادية ( فإن هذا كان له دعاء ~~يدعو به فإذا جعل مكان دعائه الصلاة على النبى كفاه الله ما أهمه من أمر ~~دنياه وآخرته فإنه كلما صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا وهو لو دعا لآحاد ~~المؤمنين لقالت الملائكة ( آمين ولك بمثله ( فدعاؤه للنبى أولى بذلك # ومن قال لغيره من الناس ادع لى أو لنا وقصده أن ينتفع ذلك المأمور ~~بالدعاء وينتفع هو أيضا بأمره ويفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل ~~الخير فهو مقتد بالنبى مؤتم به ليس هذا من السؤال المرجوح # وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان اليه فهذا ~~ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به فى ذلك بل هذا هو من السؤال المرجوح ~~الذى تركه إلى الرغبة إلى الله ورسوله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله ~~وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع PageV01P193 # وأما سؤال الميت فليس بمشروع لا واجب ولا مستحب بل ولا مباح ولم يفعل هذا ~~قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة ~~لأن ذلك فيه مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة والشريعة إنما تأمر بالمصالح ~~الخالصة أو الراجحة وهذا ليس فيه مصلحة راجحة بل اما أن يكون مفسدة محضة أو ~~مفسدة راجحة وكلاهما غير مشروع # فقد تبين أن ما فعله النبى من طلب الدعاء من غيره هو من باب الإحسان إلى ~~الناس الذى هو واجب أو مستحب # وكذلك ما أمر به من الصلاة على الجنائز ومن زيارة قبور المؤمنين والسلام ~~عليهم والدعاء لهم هو من باب الإحسان إلى الموتى الذى هو واجب أو مستحب فإن ~~الله تعالى أمر المسلمين بالصلاة والزكاة فالصلاة حق الحق فى ms135 الدنيا ~~والآخرة والزكاة حق الخلق فالرسول أمر الناس بالقيام بحقوق الله وحقوق ~~عباده بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا # ومن عبادته الإحسان إلى الناس حيث أمرهم الله سبحانه به كالصلاة على ~~الجنائز وكزيارة قبور المؤمنين فاستحوذ الشيطان على أتباعه فجعل قصدهم بذلك ~~الشرك بالخالق وإيذاء المخلوق فإنهم إذا كانوا إنما يقصدون بزيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين سؤالهم أو السؤال عندهم أو أنهم لا يقصدون السلام عليهم ~~ولا الدعاء لهم كما يقصد بالصلاة على الجنائز كانوا بذلك مشركين مؤذين ~~ظالمين لمن يسألونه وكانوا ظالمين لأنفسهم فجمعوا بين أنواع الظلم الثلاثة ~~PageV01P194 # فالذى شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد فى المعاش ~~والمعاد وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم ~~وإساءة وفساد العباد فى المعاش والمعاد # فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى ~~@QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى @QE@ ~~وهذا أمر بمعالى الأخلاق وهو سبحانه يحب معالى الأخلاق ويكره سفسافها # وقد روى عنه أنه قال ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ( رواه الحاكم فى ~~صحيحه وقد ثبت عنه فى الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال اليد العليا خير ~~من اليد السفلى ( وقال ( اليد العليا هى المعطية واليد السفلى السائلة ( ~~وهذا ثابت عنه فى الصحيح فأين الإحسان إلى عباد الله من إيذائهم بالسؤال ~~والشحاذة لهم وأين التوحيد للخالق بالرغبة اليه والرجاء له والتوكل عليه ~~والحب له من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن ~~يحب كما يحب الله وأين صلاح العبد فى عبودية الله والذل له والافتقار اليه ~~من فساده فى عبودية المخلوق والذل له والافتقار اليه # فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة ~~التى تصلح أمور أصحابها فى الدنيا والآخرة ونهى عن الأنواع الثلاثة التى ~~تفسد أمور أصحابها PageV01P195 ولكن الشيطان يأمر بخلاف ما يأمر به الرسول ~~قال تعالى ^ ألم أعهد اليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو ~~مبين ms136 # وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ^ وقال تعالى @QB@ إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون @QE@ # وذكر الرحمن هو الذكر الذى أنزل الله على رسوله الذى قال فيه ( إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( وقال تعالى ^ فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع ~~هداى فلا يضل ولا يشقى # ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشرة يوم القيامة أعمى # قال رب لما حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا # قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ^ وقد قال تعالى @QB@ ~~المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ~~اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ~~@QE@ وقد قال تعالى @QB@ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما ~~في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد @QE@ وقال تعالى ^ وكذلك أوحينا اليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به ~~PageV01P196 من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم # صراط الله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ~~( # فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بفعل ~~ما أمر وترك ما حظر وتصديقه فيما أخبر ولا طريق إلى الله إلا ذلك وهذا سبيل ~~أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين # وكل ما خالف ذلك فهو من طرق أهل الغى والضلال وقد نزه الله تعالى نبيه عن ~~هذا وهذا فقال ms137 تعالى @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول فى صلاتنا ~~@QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ # وقد روى الترمذى وغيره عن عدى بن حاتم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ( قال الترمذى حديث صحيح وقال ~~سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد ~~من عبادنا ففيه شبه من النصارى # وكان غير واحد من السلف يقول احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل ~~فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون # فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم ( أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ( PageV01P197 ~~ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم ~~( يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ( # فالأول من الغاوين والثانى من الضالين # فإن الغى اتباع الهوى والضلال عدم الهدى قال تعالى @QB@ واتل عليهم نبأ ~~الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا ~~لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص ~~لعلهم يتفكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه ~~سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا ~~عنها غافلين @QE@ # ومن جمع الضلال والغى ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء نسأل الله أن يهدينا ~~وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا PageV01P198 $ فصل إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ ~~( الوسيلة ) و ( التوسل ) فيه اجمال واشتباه يجب أن ms138 تعرف معانيه ويعطى كل ~~ذى حق حقه # فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه # وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك # ويعرف ما احدثه المحدثون فى هذا اللفظ ومعناه # فإن كثيرا من اضطراب الناس فى هذا الباب هو بسبب ما وقع من الاجمال ~~والاشتراك فى الالفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف فى هذا الباب فصل ~~الخطاب # فلفظ الوسيلة مذكور فى القرآن فى قوله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وابتغوا اليه الوسيلة ) وفى قوله تعالى ( قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا # اولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم اقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا ) # فالوسيلة التى امر الله ان تبتغى اليه واخبر عن ملائكته وانبيائه انهم ~~يبتغونها اليه هى ما يتقرب اليه من الواجبات والمستحبات فهذه الوسيلة التى ~~PageV01P199 امر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب وما ليس ~~بواجب ولا مستحب لا يدخل فى ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا # فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به امر ايجاب أو استحباب وأصل ~~ذلك الايمان بما جاء به الرسول فجماع الوسيلة التى أمر الله الخلق ~~بابتغائها هو التوسل اليه باتباع ما جاء به الرسول لا وسيلة لأحد إلى الله ~~الا ذلك # والثانى لفظ ( الوسيلة ) فى الاحاديث الصحيحة كقوله ( سلوا الله لى ~~الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة ) ~~وقوله ( من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته انك لا ~~تخلف الميعاد حلت له الشفاعة ) # فهذه الوسيلة للنبى خاصة وقد امرنا ان نسأل الله له هذه الوسيلة وأخبر ~~انها لا تكون الا لعبد من عباد الله وهو يرجو ان يكون ذلك العبد وهذه ~~الوسيلة امرنا ان نسألها للرسول ms139 وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت ~~عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل فلما دعوا للنبى استحقوا ~~ان يدعو هو لهم فان الشفاعة نوع من الدعاء كما قال انه من صلى عليه مرة صلى ~~الله عليه بها عشرا PageV01P200 # وأما التوسل بالنبى والتوجه به فى كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه ~~وشفاعته # والتوسل به فى عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما ~~يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح # وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد به ~~معنى ثالث لم ترد به سنة فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء # فأحدهما هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته # والثانى دعاؤه وشفاعته كما تقدم # فهذان جائزان بإجماع المسلمين ومن هذا قول عمر بن الخطاب ( اللهم إنا كنا ~~إذا أجدبنا توسلنا اليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا ( ~~أى بدعائه وشفاعته وقوله تعالى ( وابتغوا اليه الوسيلة ( أى القربة اليه ~~بطاعته وطاعة رسوله طاعته قال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ # فهذا التوسل الأول هو أصل الدين وهذا لا ينكره أحد من المسلمين # وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر فإنه توسل بدعائه لا بذاته ولهذا ~~عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان ~~هذا أولى من التوسل بالعباس فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل ~~PageV01P201 بالعباس علم أن ما يفعل فى حياته قد تعذر بموته بخلاف التوسل ~~الذى هو الإيمان به والطاعة له فانه مشروع دائما # فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان ( احدها ) التوسل بطاعته فهذا فرض لا يتم ~~الإيمان إلا به # و ( الثانى ) التوسل بدعائه وشفاعته وهذا كان فى حياته ويكون يوم القيامة ~~يتوسلون بشفاعته # و ( الثالث ) التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا ~~هو الذى لم تكن الصحابة يفعلونه فى الإستسقاء ونحوه ولا فى حياته ولا بعد ~~مماته ولا عند قبره ولا يعرف ms140 هذا فى شىء من الأدعية المشهورة بينهم وإنما ~~ينقل شىء من ذلك فى أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة كما ~~سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى # وهذا هو الذى قال أبو حنيفة وأصحابه انه لا يجوز ونهوا عنه حيث قالوا لا ~~يسأل بمخلوق ولا يقول أحد أسألك بحق أنبيائك قال أبو الحسين القدورى فى ~~كتابه الكبير فى الفقه المسمى بشرح الكرخى فى باب الكراهة وقد ذكر هذا غير ~~واحد من أصحاب ابى حنيفة # قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة لا ينبغى لأحد أن يدعو ~~الله إلا به وأكره أن يقول ( بمعاقد العز من عرشك ( أو ( بحق PageV01P202 ~~خلقك ( وهذا قول أبى يوسف قال أبو يوسف بمعقد العز من عرشه هو الله فلا ~~أكره هذا وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام ~~والمشعر الحرام # قال القدورى المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز ~~وفاقا وهذا الذى قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له ~~معنيان # أحدهما هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق فإنه ~~إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق ~~أولى وأحرى # وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته كالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ~~والشمس وضحاها والنازعات غرقا والصافات صفا فان اقسامه بمخلوقاته يتضمن من ~~ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه بخلاف ~~المخلوق فان إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما فى السنن عن النبى أنه قال ~~( من حلف بغير الله فقد أشرك ( وقد صححه الترمذى وغيره وفى لفظ ( فقد كفر ( ~~وقد صححه الحاكم وقد ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال ( من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت ( وقال ( لا تحلفوا بآبائكم فان الله ينهاكم أن تحلفوا ~~بآبائكم ( وفى الصحيحين عنه أنه قال ( من حلف باللات والعزى فليقل لا اله ~~إلا الله ( PageV01P203 وقد اتفق المسلمون على أنه من ms141 حلف بالمخلوقات ~~المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش والكرسى والكعبة والمسجد الحرام ~~والمسجد الأقصى ومسجد النبى والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين ~~وترب الأنبياء والصالحين وأيمان البندق وسراويل الفتوة وغير ذلك لا ينعقد ~~يمينه ولا كفارة فى الحلف بذلك # والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبى حنيفة وأحد القولين فى ~~مذهب الشافعى وأحمد وقد حكى اجماع الصحابة على ذلك وقيل هى مكروهة كراهة ~~تنزيه والأول أصح حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله ~~بن عمر لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى [ من ] أن أحلف بغير الله صادقا وذلك ~~لأن الحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب # وإنما نعرف النزاع فى الحلف بالأنبياء فعن أحمد فى الحلف بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم روايتان # احداهما لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور مالك وأبى حنيفة والشافعى # والثانية ينعقد اليمين به واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضى وأتباعه ~~وابن المنذر وافق هؤلاء وقصر أكثر هؤلاء النزاع فى ذلك على النبى خاصة وعدى ~~ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء وإيجاب الكفارة بالحلف بمخلوق وان ~~كان نبيا قول ضعيف فى الغاية مخالف للأصول والنصوص PageV01P204 فالإقسام به ~~على الله والسؤال به بمعنى الإقسام هو من هذا الجنس # وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم وبينهما فرق ~~فإن النبى أمر بإبرار القسم وثبت عنه فى الصحيحين أنه قال ( إن من عباد ~~الله من لو أقسم على الله لأبره ( قال ذلك لما قال أنس ابن النضر أتكسر ~~ثنية الربيع قال لا والذى بعثك بالحق لا تكسر سنها فقال ( يا أنس كتاب الله ~~القصاص ( فرضى القوم وعفوا فقال ( ان من عباد الله من لو أقسم على الله ~~لأبره ( وقال ( رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره رواه ~~مسلم وغيره وقال ( ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله ~~لأبره ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر ( وهذا فى الصحيحين # وكذلك حديث ms142 أنس بن النضر والآخر من أفراد مسلم وقد روى فى قوله ( إن من ~~عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ( أنه قال ( منهم البراء بن مالك ( ~~وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون يا براء أقسم على ~~ربك فيقسم على الله فتنهزم الكفار فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا يا ~~براء أقسم على ربك فقال يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم وجعلتنى أول ~~شهيد فأبر الله قسمه فانهزم العدو واستشهد البراء بن مالك يومئذ وهذا هو ~~أخو أنس بن مالك قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك فى دمه وحمل يوم مسيلمة ~~على ترس ورمى به إلى الحديقة حتى فتح الباب PageV01P205 # والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا فإن حنثه ولم ~~يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء كما لو ~~حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئا ولم يفعله فالكفارة على الحالف ~~الحانث # وأما قوله ( سألتك بالله أن تفعل كذا ( فهذا سؤال وليس بقسم وفى الحديث ( ~~من سألكم بالله فأعطوه ( ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله والخلق كلهم ~~يسألون الله مؤمنهم وكافرهم وقد يجيب الله دعاء الكفار فإن الكفار يسألون ~~الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم وإذا مسهم الضر فى البحر ضل من يدعون إلا إياه ~~فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفورا # وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون # فالسؤال كقول السائل لله أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع ~~السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد ~~الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأسألك بكل اسم هو لك سميت به ~~نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب ~~عندك # فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته وليس ذلك إقساما عليه فإن أفعاله هى ~~مقتضى أسمائه وصفاته فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم وعفوه ms143 من ~~مقتضى اسمه العفو ولهذا لما قالت عائشة للنبى PageV01P206 إن وافقت ليلة ~~القدر ماذا أقول قال ( قولى اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى ( # وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادى وفى الأثر المنقول عن أحمد بن حنبل ~~أنه أمر رجلا أن يقول يا دليل الحيارى دلنى على طريق الصادقين واجعلنى من ~~عبادك الصالحين # وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب ولهذا يقال فى ~~الدعاء يارب يارب كما قال آدم ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين ( وقال نوح ( رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم ~~وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين ( وقال إبراهيم ( ربنا إنى أسكنت من ~~ذريتى بواد غير ذى زرع ( وكذلك سائر الأنبياء وقد كره مالك وابن أبى عمران ~~من أصحاب أبى حنيفة وغيرهما أن يقول الداعى يا سيدى يا سيدى وقالوا قل كما ~~قالت الأنبياء رب رب واسمه الحى القيوم يجمع أصل معانى الأسماء والصفات كما ~~قد بسط هذا فى غير هذا الموضع ولهذا كان النبى يقوله إذا اجتهد فى الدعاء # فإذا سئل المسئول بشىء والباء للسبب سئل بسبب يقتضى وجود المسئول # فإذا قال أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض كان ~~كونه محمودا منانا بديع السموات والأرض يقتضى أن يمن على عبده السائل ~~PageV01P207 وكونه محمودا هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه وحمد العبد له سبب ~~إجابة دعائه ولهذا أمر المصلى أن يقول ( سمع الله لمن حمده ( أى استجاب ~~الله دعاء من حمده فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول كقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء ~~لا يسمع ( أى لا يستجاب # ومنه قول الخليل فى آخر دعائه ( إن ربى لسميع الدعاء ( ومنه قوله تعالى ( ~~وفيكم سماعون لهم ( وقوله ( ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك ( أى يقبلون الكذب ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك ms144 ولهذا أمر ~~المصلى أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله سبحانه # وقال النبى لمن رآه يصلى ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل على نبيه فقال ( عجل ~~هذا ( ثم دعاه فقال ( إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه وليصل ~~على النبى وليدع بعد بما شاء ( أخرجه أبو داود والترمذى وصححه # وقال عبد الله بن مسعود كنت أصلى والنبى وأبو بكر وعمر معه فلما جلست ~~بدأت بالثناء على الله ثم بالصلاة على نبيه ثم دعوت لنفسى فقال النبى ( سل ~~تعطه ( رواه الترمذى وحسنه # فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت ويراد به معرفة المعنى مع ذلك ~~PageV01P208 ويراد به القبول والإستجابة مع الفهم قال تعالى @QB@ ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم @QE@ ثم قال @QB@ ولو أسمعهم @QE@ على هذه الحال ~~التى هم عليها لم يقبلوا الحق ثم ( لتولوا وهم معرضون ( فذمهم بأنهم لا ~~يفهمون القرآن ولو فهموه لم يعملوا به # وإذا قال السائل لغيره أسأل بالله فإنما سأله بإيمانه بالله وذلك سبب ~~لإعطاء من سأله به فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق لا سيما إن كان ~~المطلوب كف الظلم فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم وأمره أعظم الأسباب فى ~~حض الفاعل فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيا لمسببه من أمر الله تعالى # وقد جاء فى حديث رواه أحمد فى مسنده وابن ماجه عن عطية العوفى عن أبى ~~سعيد الخدرى عن النبى أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول فى دعائه ( وأسألك ~~بحق السائلين عليك وبحق ممشاى هذا فإنى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا ~~سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وإبتغاء مرضاتك ( # فإن كان هذا صحيحا فحق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين له أن ~~يثيبهم وهو حق أوجبه على نفسه لهم كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذى ~~جعله سببا لإجابة الدعاء كما فى قوله تعالى ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله ( وكما يسأل بوعده لأن وعده يقتضى إنجاز ما وعده ~~ومنه قول المؤمنين PageV01P209 ( ربنا إننا سمعنا ms145 مناديا ينادى للإيمان أن ~~آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار ( وقوله ( إنه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى ( # ويشبه هذا مناشدة النبى يوم بدر حيث يقول ( اللهم أنجز لى ما وعدتنى ( ~~وكذلك ما فى التوراة أن الله تعالى غضب على بنى إسرائيل فجعل موسى يسأل ربه ~~ويذكر ما وعد به إبراهيم فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم # ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار فسأل كل ~~واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه محبة ~~تقتضى إجابة صاحبه هذا سأل ببره لوالديه وهذا سأل بعفته التامة وهذا سأل ~~بأمانته وإحسانه # وكذلك كان بن مسعود يقول وقت السحر ( اللهم أمرتنى فأطعتك ودعوتنى فأجبتك ~~وهذا سحر فاغفر لى ( ومنه حديث ابن عمر إنه كان يقول على الصفا ( اللهم إنك ~~قلت وقولك الحق ( ادعونى أستجب لكم ( وإنك لا تخلف الميعاد ( ثم ذكر الدعاء ~~المعروف عن ابن عمر أنه كان يقوله على الصفا فقد تبين أن قول القائل ( ~~أسألك بكذا ( نوعان فإن الباء قد تكون PageV01P210 # للقسم وقد تكون للسبب فقد تكون قسما به على الله وقد تكون سؤالا بسببه # فأما الأول فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق # وأما الثانى وهو السؤال بالمعظم كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع وقد ~~تقدم عن أبى حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز ذلك ومن الناس من يجوز ذلك فنقول ~~قول السائل لله تعالى ( أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة والأنبياء ~~والصالحين وغيرهم أو بجاه فلان أو بحرمة فلان ( يقتضى أن هؤلاء لهم عند ~~الله جاه وهذا صحيح # فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة يقتضى أن يرفع الله درجاتهم ~~ويعظم أقدارهم ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا مع أنه سبحانه قال ( من ذا الذى ~~يشفع عنده إلا بإذنه ( # ويقتضى أيضا أن من اتبعهم واقتدى بهم فيما سن له الاقتداء بهم ms146 فيه كان ~~سعيدا ومن أطاع أمرهم الذى بلغوه عن الله كان سعيدا ولكن ليس نفس مجرد ~~قدرهم وجاههم مما يقتضى إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك ~~بل جاههم ينفعه أيضا إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن الله أو تأسى بهم ~~فيما سنوه للمؤمنين وينفعه أيضا إذا دعوا له وشفعوا فيه # فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة ولا منه سبب يقتضى الإجابة لم يكن ~~متشفعا بجاههم ولم يكن سؤاله بجاههم نافعا له عند الله بل يكون قد سأل ~~PageV01P211 بأمر أجنبى عنه ليس سببا لنفعه ولو قال الرجل لمطاع كبير ( ~~أسألك بطاعة فلان لك وبحبك له على طاعتك وبجاهه عندك الذى أوجبته طاعته لك ~~لكان قد سأله بأمر أجنبى لا تعلق له به فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء ~~المقربين ومحبته لهم وتعظيمه لأقدارهم مع عبادتهم له وطاعتهم إياه ليس فى ~~ذلك ما يوجب إجابة دعاء من يسأل بهم وإنما يوجب إجابة دعائه بسبب منه ~~لطاعته لهم أو سبب منهم لشفاعتهم له فإذا انتفى هذا وهذا فلا سبب # نعم لو سأل الله بإيمانه بمحمد ومحبته له وطاعته له واتباعه لكان قد سأله ~~بسبب عظيم يقتضى إجابة الدعاء بل هذا أعظم الأسباب والوسائل والنبى بين أن ~~شفاعته فى الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك وهى مستحقة لمن دعا له ~~بالوسيلة كما فى الصحيح أنه قال ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم ~~صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة ~~فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ~~ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة ) وفى ~~الصحيح أن أبا هريرة قال له أى الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال ( من ~~قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ) # فبين أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيدا وإخلاصا لأن ~~التوحيد جماع الدين ms147 والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فإذا شفع محمدا حد له ربه حدا ~~فيدخلهم الجنة وذلك بحسب PageV01P212 ما يقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان ~~وذكر صلى الله عليه وسلم أنه من سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم ~~القيامة فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان ~~وبالدعاء الذى سن لنا أن ندعو له به # وأما السؤال بحق فلان فهو مبنى على أصلين # أحدهما ما له من الحق عند الله والثانى هل نسأل الله بذلك كما نسأل ~~بالجاه والحرمة # أما الأول فمن الناس من يقول للمخلوق على الخالق حق يعلم بالعقل وقاس ~~المخلوق على الخالق كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم # ومن الناس من يقول لا حق للمخلوق على الخالق بحال لكن يعلم ما يفعله بحكم ~~وعده وخبره كما يقول ذلك من يقوله من أتباع جهم والأشعري وغيرهما ممن ينتسب ~~إلى السنة # ومنهم من يقول بل كتب الله على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه حقا لعباده ~~المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه لم يوجب ذلك مخلوق عليه ولا يقاس ~~بمخلوقاته بل هو بحكم رحمته وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة وحرم على ~~نفسه الظلم كما قال فى الحديث الصحيح الإلهى ( يا عبادى إنى حرمت الظلم على ~~نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( وقال تعالى @QB@ كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة @QE@ وقال تعالى @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ وفى ~~الصحيحين عن معاذ عن النبى أنه قال ( يا معاذ أتدرى ما حق الله على ~~PageV01P213 عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا يا معاذ أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت ~~الله ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا يعذبهم ( فعلى هذا القول لأنبيائه ~~وعباده الصالحين عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره وعلى الثانى ~~يستحقون ما أخبر بوقوعه وإن لم يكن ثم سبب ms148 يقتضيه # فمن قال ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به كما روى أن الله تعالى قال ~~لداود وأى حق لأبائك على فهو صحيح إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق ~~بالقياس والإعتبار على خلقه كما يجب للمخلوق على المخلوق وهذا كما يظنه ~~جهال العباد من أن لهم على الله سبحانه حقا بعبادتهم # وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على ~~الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم ~~فيجلبون لهم منفعة ويدفعون عنهم مضرة ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة ~~على ذلك ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه ألم أفعل كذا يمن عليه بما ~~يفعله معه وإن لم يقله بلسانه كان ذلك فى نفسه # وتخيل مثل هذا فى حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه ولهذا بين سبحانه ~~أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه وأن الله غنى عن الخلق كما فى قوله تعالى ~~@QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ ( وقوله تعالى ( من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ( وقوله تعالى ( إن ~~تكفروا PageV01P214 فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا ~~يرضه لكم ( وقوله تعالى ( ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى ~~كريم ( وقال تعالى فى قصة موسى عليه السلام ^ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن ~~كفرتكم إن عذابى لشديد # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن فى الأرض جميعا فإن الله لغنى حميد ^ وقال ~~تعالى @QB@ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن ~~الله غني عن العالمين @QE@ # وقد بين سبحانه إنه المان بالعمل فقال تعالى @QB@ يمنون عليك أن أسلموا ~~قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم ~~صادقين @QE@ وقال تعالى @QB@ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير ~~من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ms149 قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم ~~حكيم @QE@ # وفى الحديث الصحيح الإلهى ( يا عبادى إنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى ولن ~~تبلغوا نفعى فتنفعونى يا عبادى إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر ~~الذنوب جميعا ولا أبالى فاستغفرونى أغفر لكم يا عبادى لو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا يا ~~عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ~~ما زاد ذلك فى ملكى شيئا يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا ~~فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم PageV01P215 مسألته ما نقص ذلك ~~مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ( # وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة # ( منها ) أن الرب تعالى غنى بنفسه عما سواه ويمتنع أن يكون مفتقرا إلى ~~غيره بوجه من الوجوه والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية # و ( منها ) أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة ~~التائبين فهو الذى يخلق ذلك وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ~~ومشيئته وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقرون بأن الله هو ~~المنعم على عباده بالإيمان بخلاف القدرية والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل ~~غيره # # و ( منها ) أن الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم كما ~~قال قتادة إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته اليهم ولا ينهاهم ~~عما نهاهم عنه بخلا عليهم بل أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم بخلاف ~~المخلوق الذى يأمر غيره بما يحتاج اليه وينهاه عما ينهاه بخلا عليه وهذا ~~أيضا ظاهر على مذهب السلف وأهل السنة الذين يثبتون حكمته ورحمته ويقولون ~~إنه لم يأمر العباد إلا بخير ينفعهم ولم ينههم إلا عن شر يضرهم بخلاف ~~المجبرة الذين يقولون إنه قد يأمرهم بما يضرهم وينهاهم عما ينفعهم ms150 # و ( منها ( أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وهو المنعم ~~بالقدرة والحواس وغير ذلك مما به يحصل العلم والعمل الصالح وهو الهادى ~~لعباده فلا حول ولا قوة إلا به ولهذا قال أهل الجنة ( الحمد لله الذى هدانا ~~PageV01P216 لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق ( وليس يقدر المخلوق على شىء من ذلك # و ( منها ( أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى فلو قدر أن العبادة جزاء ~~النعمة لم تقم العبادة بشكر قليل منها فكيف والعبادة من نعمته أيضا # # و ( منها ) أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته فلن ~~يدخل أحد الجنة بعمله وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة الله ~~لها ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ( وقوله ( ~~لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ( لا يناقض قوله تعالى ( جزاء بما كانوا ~~يعملون ( # فإن المنفى نفى بباء المقابلة والمعاوضة كما يقال بعت هذا بهذا وما أثبت ~~أثبت بباء السبب فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سببا للجزاء ولهذا من ظن ~~أنه قام بما يجب عليه وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال ~~كما ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال ( لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا ~~أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل ( وروى ( ~~بمغفرته ( ومن هذا أيضا الحديث الذى فى السنن عن النبى أنه قال ( إن الله ~~لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت ~~رحمته لهم خيرا من أعمالهم ( الحديث # ومن قال بل للمخلوق على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذى أخبر ~~PageV01P217 الله بوقوعه فإن الله صادق لا يخلف الميعاد وهو الذى أوجبه على ~~نفسه بحكمته وفضله ورحمته وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله تعالى به ~~يسأل الله تعالى إنجاز وعده أو يسأله بالأسباب التى علق الله بها المسببات ms151 ~~كالأعمال الصالحة فهذا مناسب وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك ~~الشخص فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص وذلك سؤال بأمر أجنبى عن هذا السائل ~~لم يسأله بسبب يناسب إجابة دعائه # وأما سؤال الله بأسمائه وصفاته التى تقتضى ما يفعله بالعباد من الهدى ~~والرزق والنصر فهذا أعظم ما يسأل الله تعالى به فقول المنازع لا يسأل بحق ~~الأنبياء فإنه لا حق للمخلوق على الخالق ممنوع فإنه قد ثبت فى الصحيحين ~~حديث معاذ الذى تقدم إيراده وقال تعالى @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ ~~( 47 30 ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ( # فيقال للمنازع الكلام فى هذا فى مقامين # أحدهما فى حق العباد على الله # والثانى فى سؤاله بذلك الحق # أما الأول فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم ووعد السائلين ~~بأن يجيبهم وهو الصادق الذى لا يخلف الميعاد قال الله تعالى ( وعد الله حقا ~~ومن أصدق من الله قيلا ( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ( فهذا مما يجب وقوعه PageV01P218 ~~بحكم الوعد باتفاق المسلمين وتنازعوا هل عليه واجب بدون ذلك على ثلاثة ~~أقوال كما تقدم # قيل لا يجب لأحد عليه حق بدون ذلك # وقيل بل يجب عليه واجبات ويحرم عليه محرمات بالقياس على عباده # وقيل هو أوجب على نفسه وحرم على نفسه فيجب عليه ما أوجبه على نفسه ويحرم ~~عليه ما حرمه على نفسه كما ثبت فى الصحيح من حديث أبى ذر كما تقدم # والظلم ممتنع منه بإتفاق المسلمين لكن تنازعوا فى الظلم الذى لا يقع فقيل ~~هو الممتنع وكل ممكن يمكن أن يفعله لا يكون ظلما لأن الظلم إما التصرف فى ~~ملك الغير وإما مخالفة الأمر الذى يجب عليه طاعته وكلاهما ممتنع منه # وقيل بل ما كان ظلما من العباد فهو ظلم منه # وقيل الظلم وضع الشىء فى غير موضعه فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئا قال ~~تعالى @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ms152 ظلما ولا هضما @QE@ قال ~~المفسرون هو أن يحمل عليه سيئات غيره ويعاقب بغير ذنبه والهضم أن يهضم من ~~حسناته وقال تعالى ^ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تلك حسنة يضاعفها ويؤت ~~من لدنه أجرا عظيما ^ ^ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ^ # وأما المقام الثانى فإنه يقال ما بين الله ورسوله أنه حق للعباد على الله ~~فهو PageV01P219 حق لكن الكلام فى السؤال بذلك فيقال إن كان الحق الذى سأل ~~به سببا لإجابة السؤال حسن السؤال به كالحق الذى يجب لعابديه وسائليه # # وأما إذا قال السائل بحق فلان وفلان فأولئك إن كان لهم عند الله حق أن لا ~~يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه ~~فليس فى استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله ما يكون سببا لمطلوب هذا ~~السائل فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة وهذا ~~لا يستحق ما إستحقه ذلك فليس فى إكرام الله لذلك سبب يقتضى إجابة هذا # وإن قال السبب هو شفاعته ودعاؤه فهذا حق إذا كان قد شفع له ودعا له وإن ~~لم يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب # وإن قال السبب هو محبتى له وإيمانى به وموالاتى له فهذا سبب شرعى وهو ~~سؤال الله وتوسل اليه بإيمان هذا السائل ومحبته لله ورسوله وطاعته لله ~~ورسوله لكن يجب الفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله فمن أحب مخلوقا كما ~~يحب الخالق فقد جعله ندا لله وهذه المحبة تضره ولا تنفعه وأما من كان الله ~~تعالى أحب اليه مما سواه وأحب أنبياءه وعباده الصالحين له فحبه لله تعالى ~~هو أنفع الأشياء والفرق بين هذين من أعظم الأمور # فإن قيل إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين تارة يتوسل ~~بذلك إلى ثوابه وجنته ( وهذا أعظم الوسائل ( وتارة يتوسل بذلك PageV01P220 ~~فى الدعاء كما ذكرتم نظائره فيحمل قول القائل أسألك بنبيك محمد على أنه ~~أراد إنى أسألك بإيمانى به وبمحبته وأتوسل اليك بإيمانى به ومحبته ms153 ونحو ذلك ~~وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع قيل من أراد هذا المعنى فهو مصيب فى ذلك ~~بلا نزاع واذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبى بعد مماته من السلف ~~كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره كان هذا حسنا ~~وحينئذ فلا يكون فى المسألة نزاع # ولكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى فهؤلاء ~~الذين أنكر عليهم من أنكر # وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائة وشفاعته وهذا ~~جائز بلا نزاع ثم إن أكثر الناس فى زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ # فإن قيل فقد يقول الرجل لغيره بحق الرحم قيل الرحم توجب على صاحبها حقا ~~لذى الرحم كما قال الله تعالى ( واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام ) ~~وقال النبى ( الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ~~) وقال ( لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوى الرحمن وقالت هذام مقام العائذ بك ~~من القطيعة فقال ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قد رضيت ~~) وقال صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تعالى أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت ~~لها إسما من اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته ) PageV01P221 وقد روى عن ~~على أنه كان إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه أعطاه لحق جعفر على على وحق ~~ذى الرحم باق بعد موته كما فى الحديث أن رجلا قال يا رسول الله هل بقى من ~~بر أبوى شىء أبرهما به بعد موتهما قال ( نعم الدعاء لهما والإستغفار لهما ~~وإنفاذ وعدهما من بعدهما وصلة رحمك التى لا رحم لك إلا من قبلهما ) وفى ~~الحديث الآخر حديث بن عمر ( من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن ~~يولى ) فصلة أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره # والذى قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء من أنه لا يجوز أن يسأل ~~الله تعالى بمخلوق لا بحق الأنبياء ولا غير ms154 ذلك يتضمن شيئين كما تقدم # ( أحدهما ) الإقسام على الله سبحانه وتعالى به وهذا منهى عنه عند جماهير ~~العلماء كما تقدم كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر بإتفاق ~~العلماء # و ( الثانى ) السؤال به فهذا يجوزه طائفة من الناس ونقل فى ذلك آثار عن ~~بعض السلف وهو موجود فى دعاء كثير من الناس لكن ما روى عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم فى ذلك كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه ~~حجة إلا حديث الأعمى الذى علمه أن يقول ( أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى ~~الرحمة ) وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه فإنه صريح فى أنه إنما توسل بدعاء ~~النبى وشفاعته وهو PageV01P222 طلب من النبى الدعاء وقد أمره النبى صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول ( اللهم شفعه فى ( ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا ~~له النبى وكان ذلك مما يعد من آيات النبى ولو توسل غيره من العميان الذين ~~لم يدع لهم النبى بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله # ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى الإستسقاء المشهور بين المهاجرين ~~والأنصار وقوله ( اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وانا ~~نتوسل اليك بعم نبينا ( يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه ~~وشفاعته لا السؤال بذاته إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون ~~والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس # وشاع النزاع فى السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم لأن بين ~~السؤال والإقسام فرقا فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة ~~والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم والمقسم لا يقسم الا على ~~من يرى أنه يبر قسمه فإبرار القسم خاص ببعض العباد # وأما إجابة السائلين فعام فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن ~~كان كافرا وفى الصحيح عن النبى أنه قال ( ما من داع يدعو الله بدعوة ليس ~~فيها اثم ولا قطيعة رحم الا أعطاه الله بها احدى خصال ثلاث إما أن يعجل ms155 له ~~دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها PageV01P223 وإما أن يصرف عنه من ~~الشر مثلها ( قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال ( الله أكثر ( # وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم وهو الذى قال أبو حنيفة وأصحابه ~~وغيرهم أنه لا يجوز ليس فى المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك فضلا أن يجعل ~~هذا من مسائل السب فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوز التوسل به بمعنى الإقسام ~~به أو السؤال به فليس معه فى ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلا عن أن يقول مالك ~~أن هذا سب للرسول أو تنقص له بل المعروف عن مالك أنه كره للداعى أن يقول يا ~~سيدى سيدي وقال قل كما قالت الأنبياء يا رب يارب يا كريم وكره أيضا أن يقول ~~يا حنان يا منان فإنه ليس بمأثور عنه # فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعا عنده فكيف يجوز عنده ~~أن يسأل الله بمخلوق نبيا كان أو غيره وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام ~~الرمادة لم يسألوا الله بمخلوق لا نبى ولا غيره بل قال عمر اللهم إنا كنا ~~إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا ~~فيسقون # وكذلك ثبت فى صحيح مسلم عن ابن عمر وأنس وغيرهما أنهم كانوا إذا أجدبوا ~~انما يتوسلون بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم واستسقائه لم ينقل عن أحد ~~منهم أنه كان فى حياته سأل الله تعالى بمخلوق PageV01P224 لا به ولا بغيره ~~لا فى الإستسقاء ولا غيره وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى فلو ~~كان السؤال به معروفا عند الصحابة لقالوا لعمر ان السؤال والتوسل به أولى ~~من السؤال والتوسل بالعباس فلم نعدل عن الأمر المشروع الذى كنا نفعله فى ~~حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض أقاربه وفى ذلك ترك السنة ~~المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله تعالى بأضعف السببين مع القدرة على ~~أعلاهما ونحن مضطرون غاية الإضطرار فى عام الرمادة الذى يضرب ms156 به المثل فى ~~الجدب # # والذى فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين ~~فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجرشى كما توسل عمر بالعباس وكذلك ذكر الفقهاء من ~~أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهم أنه يتوسل فى الإستسقاء بدعاء أهل الخير ~~والصلاح قالوا وإن كانوا من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل ~~اقتداء بعمر ولم يقل أحد من أهل العلم إنه يسأل الله تعالى فى ذلك لا بنبى ~~ولا بغير نبى # وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك ~~عن إمام من أئمة المسلمين غير مالك كالشافعى وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم ~~ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك ولو ~~كانت صحيحة لم يكن التوسل الذى فيها هو هذا بل هو التوسل بشفاعته يوم ~~القيامة ولكن من الناس من يحرف نقلها وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء الله ~~تعالى PageV01P225 # والقاضى عياض لم يذكرها فى كتابه فى باب زيارة قبره بل ذكر هناك ما هو ~~المعروف عن مالك وأصحابه وإنما ذكرها فى سياق أن حرمة النبى صلى الله عليه ~~وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته وكذلك عند ذكره وذكر ~~حديثه وسنته وسماع اسمه وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختيانى فقال ما ~~حدثتكم عن أحد الا وأيوب أفضل منه قال وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه ~~غير أنه كان إذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه فلما رأيت منه ~~ما رأيت واجلاله للنبى صلى الله عليه وسلم كتبت عنه # وقال مصعب بن عبد الله كان مالك إذا ذكر النبى يتغير لونه وينحنى حتى ~~يصعب ذلك على جلسائه فقيل له يوما فى ذلك فقال لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم ~~على ما ترون لقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن ~~حديث أبدا الا يبكى حتى نرحمه # ولقد كنت أرى جعفر بن ms157 محمد وكان كثير الدعابة والتبسم فإذا ذكر عنده ~~النبى اصفر لونه وما رأيته يحدث عن رسول الله الا على طهارة ولقد اختلفت ~~اليه زمانا فما كنت أراه الا على ثلاث خصال اما مصليا واما صامتا واما يقرأ ~~القرآن ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله ~~PageV01P226 # ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبى فينظر إلى لونه كأنه نزف منه ~~الدم وقد جف لسانه فى فمه هيبة لرسول الله # ولقد كنت آتى عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبى بكى حتى لا ~~يبقى فى عينيه دموع # ولقد رأيت الزهرى وكان لمن أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبى صلى ~~الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته # ولقد كنت آتى صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبى ~~صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكى حتى يقوم الناس عنه ويتركوه # فهذا كله نقله القاضى عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة ثم ذكر حكاية ~~بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة قالوا حدثنا أبو العباس أحمد بن ~~عمر بن دلهات قال حدثنا أبو الحسن على بن فهر حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ~~بن الفرح حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبى ~~إسرائيل حدثنا ابن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا فى مسجد ~~رسول الله فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك فى هذا المسجد فإن ~~الله أدب قوما فقال ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ( الآية ومدح قوما ~~فقال ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ( الآية وذم قوما فقال ( ان ~~الذين ينادونك PageV01P227 من وراء الحجرات ( الآية وإن حرمته ميتا كحرمته ~~حيا فإستكان لها أبو جعفر فقال يا أبا عبد الله استقبل القبلة وأدعو أم ~~أستقبل رسول الله فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه ~~السلام إلى الله يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعك ms158 الله قال الله ~~تعالى ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فإستغفروا الله وإستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما ( # قلت وهذه الحكاية منقطعة فإن محمد بن حميد الرازى لم يدرك مالكا لا سيما ~~فى زمن ابى جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفى بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة ~~وتوفى مالك سنة تسع وسبعين ومائة وتوفى محمد بن حميد الرازى سنة ثمان ~~وأربعين ومائتين ولم يخرج من بلده حين رحل فى طلب العلم إلا وهو كبير مع ~~أبيه وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث كذبه أبو زرعة وابن وارة وقال ~~صالح بن محمد الآسدى ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه وقال ~~يعقوب بن شبيبة كثير المناكير وقال النسائى ليس بثقة وقال ابن حبان ينفرد ~~عن الثقات بالمقلوبات وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب وتوفى سنة ~~اثنتين وأربعين ومائتين وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ~~بن إسماعيل السهمى توفى سنة تسع وخمسين ومائتين وفى الإسناد أيضا من لا ~~تعرف حاله # وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه ~~PageV01P228 ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل ~~حكاية لا تعرف إلا من جهته هذا إن ثبت عنه وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل ~~هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له فى مسألة فى الفقه بل إذا روى عنه ~~الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطرى ضعفوا رواية هؤلاء وإنما ~~يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه ~~من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث # مع أن قوله ( وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم ~~القيامة ( إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة وهذا هو التوسل ~~بشفاعته يوم القيامة وهذا حق كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين تأتى الناس ~~يوم القيامة آدم ليشفع لهم فيردهم آدم إلى نوح ms159 ثم يردهم نوح إلى إبراهيم ~~وابراهيم إلى موسى وموسى إلى عيسى ويردهم عيسى إلى محمد فإنه كما قال ( أنا ~~سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر آدم فمن دونه تحت لوائى يوم القيامة ولا ~~فخر ( ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه # ( أحدها ) قوله ( أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله وأدعو ( فقال ~~( ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ( فان المعروف عن مالك ~~وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعى إذا سلم على ~~النبى ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو فى مسجده ولا يستقبل ~~القبر ويدعو لنفسه بل إنما يستقبل PageV01P229 القبر عند السلام على النبى ~~والدعاء له هذا قول أكثر العلماء كمالك فى احدى الروايتين والشافعى وأحمد ~~وغيرهم # وعند اصحاب أبى حنيفة لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضا # ثم منهم من قال يجعل الحجرة على يساره وقد رواه ابن وهب عن مالك ويسلم ~~عليه # ومنهم من قال بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه وهذا هو المشهور عندهم ومع هذا ~~فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر لذلك قال القاضى عياض فى المبسوط عن ~~مالك قال ( لا أرى أن يقف عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم يدعو ولكن يسلم ~~ويمضى ( قال وقال نافع كان ابن عمر يسلم على القبر رأيته مائة مرة أو أكثر ~~يجىء إلى القبر فيقول السلام على النبى السلام على أبى بكر السلام على أبى ~~ثم ينصرف ورؤى واضعا يده على مقعد النبى صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم ~~وضعها على وجهه قال وعن ابن أبى قسيط والقعنبى كان أصحاب النبى إذا خلا ~~المسجد جسوا برمانة المنبر إلى تلقاء القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة ~~يدعون قال وفى الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثى أنه كان يعنى ابن عمر ~~يقف على قبر النبى فيصلى على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى أبى بكر وعمر ~~وعند ابن القاسم والقعنبى ويدعو لأبى بكر وعمر قال مالك فى رواية ابن ms160 وهب ~~يقول السلام عليك ايها النبى ورحمة الله وبركاته وقال فى المبسوط ويسلم على ~~أبى بكر وعمر PageV01P230 # قال أبو الوليد الباجى وعندى أن يدعو للنبى بلفظ الصلاة ولأبى بكر وعمر [ ~~بلفظ السلام ] لما فى حديث ابن عمر من الخلاف وهذا الدعاء يفسر الدعاء ~~المذكور فى رواية ابن وهب قال مالك فى رواية ابن وهب إذا سلم على النبى ~~ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر فهذا هو ~~السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه كما تقدم تفسيره # # وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب فى الواضحة وغيره قال وقال ~~مالك فى المبسوط وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف ~~بالقبر وإنما ذلك للغرباء وقال فيه أيضا ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى ~~سفر أن يقف على قبر النبى فيصلى عليه ويدعو له ولأبى بكر وعمر قيل له فان ~~ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك فى اليوم مرة ~~أو أكثر وربما وقفوا فى الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر ~~فيسلمون ويدعون ساعة فقال مالك لم يبلغنى هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه ~~واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغنى عن أول هذه ~~الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره الا لمن جاء من سفر أو أراده # قال ابن القاسم ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر ~~فسلموا قال ولذلك رأى PageV01P231 # # قال أبو الوليد الباجى ففرق بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا ~~لذك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم # قال وقال رسول الله ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( اشتد غضب الله على ~~قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( قال وقال النبى ( لا تجعلوا قبرى عيدا ( ~~قال ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف ~~عنده طويلا وفى ( العتبية ) يعنى عن ms161 مالك يبدأ بالركوع قبل السلام فى مسجد ~~النبى وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبى حيث العمود المخلق وأما فى الفريضة ~~فالتقدم إلى الصفوف قال والتنفل فيه للغرباء أحب إلى من التنفل فى البيوت # فهذا قول مالك وأصحابه وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يقصدوا القبر ~~إلا للسلام على النبى والدعاء له وقد كره مالك إطالة القيام لذلك وكره ان ~~يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه وإنما يفعل ذلك الغرباء ~~ومن قدم من سفر أو خرج له فإنه تحية للنبى # فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو فى مسجده مستقبل القبلة كما ~~ذكروا ذلك عن أصحاب النبى ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند ~~القبر بل ولا اطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبى فكيف بدعائه لنفسه ~~PageV01P232 # وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته ~~فهذا لم يفعله أحد من السلف ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعا ~~لفعله الصحابة والتابعون وكذلك السؤال به فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته # فدل ذلك على أن ما فى الحكاية المنقطعة من قوله ( استقبله واستشفع به ( ~~كذب على مالك مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التى يفعلها ~~مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء ~~لنفسه فضلا عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له يا رسول الله اشفع لى أو ادع ~~لى أو يشتكى اليه مصائب الدين والدنيا أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من ~~الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له أو يشتكى ~~اليهم المصائب فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم ~~من مبتدعة هذه الأمة ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين وإن ~~كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويبلغ سلام البعيد # وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذى ms162 رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد من ~~حديث حيوة بن شريح المصرى حدثنا أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن أبى هريرة رضى ~~الله عنه عن رسول الله أنه قال ( ما من أحد يسلم على إلا رد الله على روحى ~~حتى أرد عليه السلام ( وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة فى السلام عليه عند ~~قبره صلوات الله PageV01P233 وسلامه عليه # فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة لا يعتمد على شىء منها فى الدين ولهذا ~~لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئا منها وإنما يرويها من يروى الضعاف كالدار ~~قطنى والبزار وغيرهما # وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر العمرى وهو ضيف والكذب ظاهر ~~عليه مثل قوله ( من زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى فى حياتى ( فإن هذا كذبه ~~ظاهر مخالف لدين المسلمين ( فإن من زاره فى حياته وكان مؤمنا به كان من ~~أصحابه لا سيما إن كان من المهاجرين اليه المجاهدين معه وقد ثبت عنه أنه ~~قال ( لا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه ( أخرجاه فى الصحيحين # والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة ~~كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق ~~المسلمين بل ولا شرع السفر اليه بل هو منهى عنه # # وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه ~~فهو مستحب والسفر إلى الكعبة للحج فواجب فلو سافر أحد السفر الواجب ~~والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه فى حياته فكيف ~~بالسفر المنهى عنه وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات ~~الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه ~~PageV01P234 أن يوفى بنذره بل ينهى عن ذلك ولو نذر السفر إلى مسجده أو ~~المسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعى # أظهرهما عنه يجب ذلك وهو مذهب مالك وأحمد # والثانى لا يجب وهو مذهب أبى حنيفة لأن من أصله ms163 أنه لا يجب من النذر إلا ~~ما كان واجبا بالشرع وإتيان هذين المسجدين ليس واجبا بالشرع فلا يجب بالنذر ~~عنده # وأما الأكثرون فيقولون هو طاعة لله وقد ثبت فى صحيح البخارى عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله ~~فلا يعصه ( # وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فلا يجب بالنذر عند أحد ~~منهم لأنه ليس بطاعة فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه وهذا مالك كره ~~أن يقول الرجل زرت قبر رسول الله واستعظمه وقد قيل إن ذلك ككراهية زيارة ~~القبور وقيل لأن الزائر أفضل من المزور وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك # والصحيح أن ذلك لأن لفظ زيارة القبر مجمل يدخل فيها الزيارة البدعية التى ~~هى من جنس الشرك فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما ~~تقدم ذكره PageV01P235 # زيارة شرعية وزيارة بدعية # فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم كما يقصد الصلاة على ~~أحدهم إذا مات فيصلى عليه صلاة الجنازة فهذه الزيارة الشرعية # والثانى أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات ~~منهم أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء فى المساجد ~~والبيوت أو أن الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضى ~~إجابة الدعاء فمثل هذه الزيارة بدعة منهى عنها فإذا كان لفظ ( الزيارة ( ~~مجملا يحتمل حقا وباطلا عدل عنه إلى لفظ لا لبس فيه كلفظ ( السلام ( عليه ~~ولم يكن لأحد أن يحتج على مالك بما روى فى زيارة قبره أو زيارته بعد موته ~~فإن هذه كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة لا يحتج بشىء منها فى أحكام الشريعة # # والثابت عنه أنه قال ( ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة ( هذا هو ~~الثابت فى الصحيح ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال قبرى وهو حين قال هذا القول ~~لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه عليه ولهذا لم يحتج بهذا أحد من ~~الصحابة لما تنازعوا فى موضع ms164 دفنه ولو كان هذا عندهم لكان نصا فى محل ~~النزاع ولكن دفن فى حجرة عائشة فى الموضع الذى مات فيه بأبى هو وأمى صلوات ~~الله عليه وسلامه # ( برنامج # ثم لما وسع المسجد فى خلافة الوليد بن عبد الملك وكان نائبه على المدينة ~~PageV01P236 عمر بن عبد العزيز أمره أن يشترى الحجر ويزيدها فى المسجد ~~وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة فزيدت فى المسجد ودخلت حجرة عائشة فى ~~المسجد من حينئذ وبنوا الحائط البرانى مسنما محرفا فإنه ثبت فى صحيح مسلم ~~من حديث أبى مرثد الغنوى أنه قال صلى الله عليه وسلم ( لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا اليها ( لأن ذلك يشبه السجود لها وإن كان المصلى إنما ~~يقصد الصلاة لله تعالى وكما نهى عن اتخاذها مساجد ونهى عن قصد الصلاة عندها ~~وان كان المصلى إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له فمن قصد قبور ~~الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المحرم الذى سد ~~الله ورسوله ذريعته وهذا بخلاف السلام المشروع حسبما تقدم # وقد روى سفيان الثورى عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن ~~مسعود قال قال رسول الله ( إن لله ملائكة سياحين فى الأرض يبلغونى عن أمتى ~~السلام ( رواه النسائى وأبو حاتم فى صحيحه وروى نحوه عن أبى هريرة فهذا فيه ~~أن سلام البعيد تبلغه الملائكة # وفى الحديث المشهور الذى رواه أبو الأشعث الصنعانى عن أوس بن أوس قال قال ~~رسول الله ( أكثروا على من الصلاة فى كل يوم جمعة فإن صلاة أمتى تعرض على ~~يومئذ فمن كان أكثرهم على صلاة كان أقربهم منى منزلة ( # # وفى مسند الإمام أحمد حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن ~~PageV01P237 أبى ذئب عن المقبرى عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( لا تتخذوا قبرى عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا على حيثما ~~كنتم فان صلاتكم تبلغنى ( ورواه أبو داود قال القاضى عياض وروى أبو بكر بن ~~أبى شيبة عن أبى هريرة قال ms165 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صلى على ~~عند قبرى سمعته ومن صلى على نائيا أبلغته ( وهذا قد رواه محمد بن مروان ~~السدى عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وهذا هو السدى الصغير وليس بثقة ~~وليس هذا من حديث الأعمش # وروى أبو يعلى الموصلى فى مسنده عن موسى بن محمد بن حبان عن أبى بكر ~~الحنفى حدثنا عبد الله بن نافع حدثنا العلاء بن عبد الرحمن سمعت الحسن بن ~~على قال قال رسول الله ( صلوا فى بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ولا تتخذوا بيتى ~~عيدا صلوا على وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغنى ( # وروى سعيد بن منصور فى سننه أن عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى ~~طالب رأى رجلا يكثر الاختلاف إلى قبر النبى قال له يا هذا إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم ~~تبلغنى ( فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء # وروى هذا المعنى عن على بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن على بن أبى ~~طالب ذكره أبو عبد الله محمد بن الواحد المقدسى الحافظ فى مختاره الذى ~~PageV01P238 هو أصح من صحيح الحاكم وذكر القاضى عياض عن الحسن بن على قال ~~إذا دخلت فسلم على النبى فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا تتخذوا ~~بيتى عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا على حيث كنتم فان صلاتكم تبلغنى ~~حيث كنتم ( # # ومما يوهن هذه الحكاية أنه قال فيها ( ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ~~ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة ( إنما يدل على أنه يوم القيامة ~~تتوسل الناس بشفاعته وهذا حق كما تواترت به الأحاديث لكن إذا كان الناس ~~يتوسلون بدعائه وشفاعته يوم القيامة كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته ~~فى حياته فإنما ذاك طلب لدعائه وشفاعته فنظير هذا لو كانت الحكاية صحيحة أن ~~يطلب منه الدعاء والشفاعة فى الدنيا عند قبره # ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبى ms166 صلى الله عليه وسلم ولا سنه لأمته ولا ~~فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ~~لا مالك ولا غيره من الأئمة فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام ~~الذى لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة ~~أدلتها الشرعية مع علو قدر مالك وعظم فضيلته وإمامته وتمام رغبته فى إتباع ~~السنة وذم البدع وأهلها وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع فلو لم يكن عن ~~مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقول مثل هذا # ثم قال فى الحكاية ( استقبله واستشفع به فيشفعك الله ( والاستشفاع به ~~PageV01P239 معناه فى اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم ~~القيامة وكما كان أصحابه يستشفعون به ومنه الحديث الذى فى السنن أن أعرابيا ~~قال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا فانا ~~نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله فسبح رسول الله حتى عرف ذلك فى وجوه ~~أصحابه وقال ( ويحك أتدرى ما تقول شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به ~~على أحد من خلقه ( وذكر تمام الحديث # فأنكر قوله ( نستشفع بالله عليك ( ومعلوم أنه لا ينكر أن يسأل المخلوق ~~بالله أو يقسم عليه بالله وإنما أنكر أن يكون الله شافعا إلى المخلوق ولهذا ~~لم ينكر قوله ( نستشفع بك على الله ( فانه هو الشافع المشفع # وهم لو كانت الحكاية صحيحة انما يجيئون اليه لأجل طلب شفاعته ولهذا قال ~~فى تمام الحكاية ( ولو أنهمم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ) الآية وهؤلاء إذا شرع ~~لهم أن يطلبوا منه الشفاعة والإستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر ~~لهم وإستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم # وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته فإنما يقال فى ذلك ( استشفع به فيشفعه ~~الله فيك ( لا يقال فيشفعك الله فيه وهذا معروف الكلام ولغة النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه وسائر العلماء يقال شفع فلان فى فلان فشفع فيه فالمشفع ~~الذى يشفعه ms167 المشفوع اليه هو الشفيع المستشفع به PageV01P240 لا السائل ~~الطالب من غيره أن يشفع له فان هذا ليس هو الذى شفع فمحمد صلى الله عليه ~~وسلم هو الشفيع المشفع ليس المشفع الذى يستشفع به ولهذا يقول فى دعائه يارب ~~شفعنى فيشفعه الله فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع طالبى شفاعته ~~فكيف يقول واستشفع به فيشفعك الله # # وأيضا فان طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعا ~~عند أحد من أئمة المسلمين ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم ~~القدماء وانما ذكر هذا بعض المتأخرين ذكروا حكاية عن العتبى أنه رأى ~~أعرابيا أتى قبره وقرأ هذه الآية وأنه رأى فى المنام ان الله غفر له وهذا ~~لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين الذين يفتى الناس ~~بأقوالهم ومن ذكرها لم يذكر عليها دليلا شرعيا # ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعا لكان ~~الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم ولكان أئمة ~~المسلمين يذكرون ذلك وما أحسن ما قال مالك ( لا يصلح آخر هذه الأمة الا ما ~~اصلح أولها ( قال ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ~~ذلك # فمثل هذا الإمام كيف يشرع دينا لم ينقل عن أحد السلف ويأمر الأمة أن ~~يطلبوا الدعاء والشفاعة والإستغفار بعد موت الأنبياء والصالحين منهم عند ~~قبورهم وهو أمر لم يفعله أحد من سلف الأمة PageV01P241 ولكن هذا اللفظ الذى ~~فى الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة فى معنى ~~التوسل فيقول أحدهم اللهم إنا نستشفع إليك بفلان أى نتوسل به ويقولون لمن ~~توسل فى دعائه بنبى أو غيره ( قد تشفع به ( من غير أن يكون المستشفع به شفع ~~له ولا دعا له بل وقد يكون غائبا لم يسمع كلامه ولا شفع له وهذا ليس هو لغة ~~النبى وأصحابه وعلماء الأمة بل ولا هو لغة العرب فإن الإستشفاع طلب الشفاعة ~~والشافع هو الذى يشفع السائل فيطلب له ms168 ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع ~~اليه وأما الإستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم ~~بسؤاله فليس هذا إستشفاعا لا فى اللغة ولا فى كلام من يدرى ما يقول نعم هذا ~~سؤال به ودعاؤه ليس هو استشفاعا به ولكن هؤلاء لما غيروا اللغة كما غيروا ~~الشريعة وسموا هذا استشفاعا أى سؤالا بالشافع صاروا يقولون ( إستشفع به ~~فيشفعك ) أى يجيب سؤالك به وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع ~~واللغة وليس لفظها من ألفاظ مالك # نعم قد يكون أصلها صحيحا ويكون مالك قد نهى عن رفع الصوت فى مسجد الرسول ~~اتباعا للسنة كما كان عمر ينهى عن رفع الصوت فى مسجده ويكون مالك أمر بما ~~أمر الله به من تعزيره وتوقيره ونحو ذلك مما يليق بمالك أن يأمر به ~~PageV01P242 # ومن لم يعرف لغة الصحابة التى كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبى ~~وعادتهم فى الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه فإن كثيرا من الناس ينشأ على ~~اصطلاح قومه وعادتهم فى الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ فى كلام الله أو رسوله ~~أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده ~~بذلك أهل عادته وإصطلاحه ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك # وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم ~~وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معانى أخر مخالفة لمعانيهم ~~ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم ويقولون إنا موافقون ~~للأنبياء وهذا موجود فى كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ~~ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة مثل من وضع ( المحدث ) و ( المخلوق ) ~~و ( المصنوع ) على ما هو معلول وإن كان عنده قديما أزليا ويسمى ذلك ( ~~الحدوث الذاتى ) ثم يقول نحن نقول إن العالم محدث وهو مراده ومعلوم أن لفظ ~~المحدث بهذا الإعتبار ليس لغة أحد من الأمم وإنما المحدث عندهم ما كان بعد ~~أن لم يكن وكذلك يضعون لفظ ( الملائكة ) على ما يثبتونه من ms169 العقول والنفوس ~~وقوى النفس ولفظ ( الجن ) و ( الشياطين ) على بعض قوى النفس ثم يقولون نحن ~~نثبت ما أخبرت به الأنبياء وأقر به جمهور الناس من الملائكة والجن ~~والشياطين PageV01P243 ومن عرف مراد الأنبياء ومرادهم علم بالإضطرار أن هذا ~~ليس هو ذاك مثل أن يعلم مرادهم بالعقل الأول وأنه مقارن عندهم لرب العالمين ~~أزلا وأبدا وأنه مبدع لكل ما سواه أو بتوسطه حصل كل ما سواه والعقل الفعال ~~عندهم عنه يصدر كل ما تحت فلك القمر ويعلم بالإضطرار من دين الأنبياء أنه ~~ليس من الملائكة عندهم من هو رب كل ما سوى الله ولا رب كل ما تحت فلك القمر ~~ولا من هو قديم أزلى أبدى لم يزل ولا يزال # ويعلم أن الحديث الذى يروى ( أول ما خلق الله العقل ) حديث باطل عن النبى ~~مع أنه لو كان حقا لكان حجة عليهم فإن لفظه ( أول ما خلق الله العقل ) بنصب ~~الأول على الظرفية ( فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتى ~~ما خلقت خلقا أكرم على منك فبك آخذ وبك أعطى وبك الثواب وبك العقاب ) وروى ~~( لما خلق الله العقل ) فالحديث لو كان ثابتا كان معناه أنه خاطب العقل فى ~~أول أوقات خلقه وأنه خلق قبل غيره وأنه تحصل به هذه الأمور الأربعة لا كل ~~المصنوعات # و ( العقل ) فى لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا يراد به القوة التى بها ~~يعقل وعلوم وأعمال تحصل بذلك لا يراد بها قط فى لغة جوهر قائم بنفسه فلا ~~يمكن أن يراد هذا المعنى بلفظ العقل مع أنا قد بينا فى مواضع أخر فساد ما ~~ذكروه من جهة العقل الصريح وأن ما ذكروه من المجردات والمفارقات ينتهى ~~أمرهم فيه إلى إثبات النفس التى تفارق البدن بالموت والى إثبات ما تجرده ~~النفس من المعقولات القائمة بها فهذا منتهى ما يثبتونه من الحق فى هذا ~~الباب PageV01P244 # والمقصود هنا كثيرا من كلام الله ورسوله يتكلم به من يسلك مسلكهم ويريد ~~مرادهم لا مراد الله ورسوله كما ms170 يوجد فى كلام صاحب ( الكتب المضنون بها ) ~~وغيره مثل ما ذكره فى ( اللوح المحفوظ ( حيث جعله النفس الفلكية ولفظ ( ~~القلم ( حيث جعله العقل الأول ولفظ ( الملكوت ( و ( الجبروت ( و ( الملك ( ~~حيث جعل ذلك عبارة عن النفس والعقل ولفظ ( الشفاعة ( حيث جعل ذلك فيضا يفيض ~~من الشفيع على المستشفع وإن كان الشفيع قد لا يدرى وسلك فى هذه الأمور ~~ونحوها مسالك ابن سينا كما قد بسط فى موضع آخر # والمقصود هنا ذكر من يقع ذلك منه من غير تدبر منه للغة الرسول كلفظ ~~القديم فإنه فى لغة الرسول التى جاء بها القرآن خلاف الحديث وإن كان مسبوقا ~~بغيره كقوله تعالى @QB@ حتى عاد كالعرجون القديم @QE@ وقال تعالى عن إخوة ~~يوسف @QB@ تالله إنك لفي ضلالك القديم @QE@ وقوله تعالى @QB@ أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون @QE@ # وهو عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل أو عما لم يسبقه وجود غيره إن لم ~~يكن مسبوقا بعدم نفسه ويجعلونه إذا أريد به هذا من باب المجاز ولفظ ( ~~المحدث ( فى لغة القرآن يقابل للفظ ( القديم ( فى القرآن # # وكذلك لفظ ( الكلمة ( فى القرآن والحديث وسائر لغة العرب إنما يراد به ~~الجملة التامة كقوله ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن PageV01P245 خفيفتان على ~~اللسان ثقيلتان فى الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقوله ( ~~إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد % ألا كل شىء ما خلا الله باطل % $ ~~ومنه قوله تعالى ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ( وقوله ~~تعالى ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ( الآية وقوله ~~تعالى ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا ( وأمثال ذلك ~~ولا يوجد لفظ الكلام فى لغة العرب الا بهذا المعنى والنحاة اصطلحوا على أن ~~يسموا ( الاسم ( وحده ( والفعل ) ( والحرف ( كلمة ثم يقول بعضهم وقد يراد ~~بالكلمة الكلام فيظن من إعتاد هذا أن هذا هو لغة العرب وكذلك لفظ ( ذوى ~~الأرحام ( فى الكتاب والسنة يراد به الأقارب من جهة الأبوين فيدخل فيهم ~~العصبة وذوو الفروض وان شمل ms171 ذلك من لا يرث بفرض ولا تعصيب ثم صار ذلك فى ~~إصطلاح الفقهاء اسما لهؤلاء دون غيرهم فيظن من لا يعرف إلا ذلك أن هذا هو ~~المراد بهذا اللفظ فى كلام الله ورسوله وكلام الصحابة ونظائر هذا كثيرة # ولفظ ( التوسل ( و ( الإستشفاع ( ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول ~~وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم فى دينهم ولغتهم # والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق # والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته ~~كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية ~~PageV01P246 # ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلى على النبى ونسلم ~~عليه فى كل مكان فهذا مما اتفق عليه المسلمون وكذلك رغبنا وحضنا فى الحديث ~~الصحيح على أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه مقاما محمودا الذى ~~وعده # # فهذه الوسيلة التى شرع لنا أن نسألها الله تعالى كما شرع لنا أن نصلى ~~عليه ونسلم عليه هى حق له كما أن الصلاة عليه والسلام حق له # والوسيلة التى أمرنا الله أن نبتغيها اليه هى التقرب إلى الله بطاعته ~~وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله # وهذه الوسيلة لا طريق لنا اليها الا باتباع النبى صلى الله عليه وسلم ~~بالإيمان به وطاعته وهذا التوسل به فرض على كل أحد # وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع لهم ~~وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته فى الاستسقاء وغيره مثل توسل الأعمى ~~بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته فهذا نوع ثالث هو من باب قبول ~~الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه فمن شفع له الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولم يشفع له # ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون ~~به فظن هذا مشروعا مطلقا لكل أحد فى حياته ومماته وظنوا PageV01P247 أن هذا ~~مشروع فى حق الأنبياء والملائكة بل وفى الصالحين وفيمن يظن ms172 فيهم الصلاح وإن ~~لم يكن صالحا فى نفس الأمر # # وليس فى الأحاديث المرفوعة فى ذلك حديث فى شىء من دواوين المسلمين التى ~~يعتمد عليها فى الأحاديث لا فى الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد ~~المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره وإنما يوجد فى الكتب التى عرف أن فيها ~~كثيرا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التى يختلقها الكذابون بخلاف من قد ~~يغلط فى الحديث ولا يتعمد الكذب فإن هؤلاء توجد الرواية عنهم فى السنن ~~ومسند الإمام أحمد ونحوه بخلاف من يتعمد الكذب فان أحمد لم يرو فى مسنده عن ~~أحد من هؤلاء # ولهذا تنازع الحافظ أبو العلاء الهمدانى والشيخ أبو الفرج ابن الجوزى هل ~~فى المسند حديث موضوع فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون فى المسند حديث ~~موضوع وأثبت ذلك أبو الفرج وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة ولا ~~منافاة بين القولين # فإن الموضوع فى اصطلاح أبى الفرج هو الذى قام دليل على أنه باطل وإن كان ~~المحدث به لم يتعمد الكذب بل غلط فيه ولهذا روى فى كتابه فى الموضوعات ~~أحاديث كثيرة من هذا النوع وقد نازعه طائفة من العلماء فى كثير مما ذكره ~~وقالوا إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل بل بينوا ثبوت بعض ذلك لكن ~~الغالب على ما ذكره فى الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء PageV01P248 وأما ~~الحافظ أبو العلاء وأمثاله فانما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع الذى ~~تعمد صاحبه الكذب والكذب كان قليلا فى السلف # أما الصحابة فلم يعرف فيهم ولله الحمد من تعمد الكذب على النبى كما لم ~~يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة والقدرية ~~والمرجئة فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق # ولا كان فيهم من قال إنه أتاه الخضر فإن خضر موسى مات كما بين هذا فى غير ~~هذا الموضع والخضر الذى يأتى كثيرا من الناس إنما هو جنى تصور بصورة إنسى ~~أو إنسى كذاب ولا يجوز أن يكون ملكا مع قوله أنا الخضر فإن الملك لا يكذب ~~وإنما ms173 يكذب الجنى والإنسى وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنيا مما يطول ~~ذكره فى هذا الموضع وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس # وكذلك لم يكن فيهم من حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها ~~كما فعلت ذلك بكثير من الجهال والعباد وغيرهم ولا كان فيهم من تسرق الجن ~~أموال الناس وطعامهم وتأتيه به فيظن أن هذا من باب الكرامات كما قد بسط ~~الكلام على ذلك فى مواضع # # وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب فى التابعين من أهل مكة والمدينة ~~والشام والبصرة بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم وقد عرف الكذب بعد هؤلاء ~~فى طوائف PageV01P249 وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس بل فى الصحابة من ~~قد يغلط أحيانا وفيمن بعدهم # ولهذا كان فيما صنف فى الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط وإن كان جمهور متون ~~الصحيحين مما يعلم أنه حق # فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط والإمام أحمد نفسه قد بين ذلك وبين أنه ~~رواها لتعرف بخلاف ما تعمد صاحبه الكذب ولهذا نزه أحمد مسنده عن أحاديث ~~جماعة يروى عنهم أهل السنن كأبى داود والترمذى مثل مشيخة كثير بن عبد الله ~~بن عمرو بن عوف المزنى عن أبيه عن جده وان كان أبو داود يروى فى سننه منها ~~فشرط أحمد فى مسنده أجود من شرط أبى داود فى سننه # والمقصود أن هذه الأحاديث التى تروى فى ذلك من جنس أمثالها من الأحاديث ~~الغريبة المنكرة بل الموضوعة التى يرويها من يجمع فى الفضائل والمناقب الغث ~~والسمين كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف فى فضائل الأوقات وفضائل العبادات ~~وفضائل الأنبياء والصحابة وفضائل البقاع ونحو ذلك فإن هذه الأبواب فيها ~~أحاديث صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة وأحاديث كذب موضوعة ولا يجوز أن ~~يعتمد فى الشريعة على الأحاديث الضعيفة التى ليست صحيحة ولا حسنة لكن أحمد ~~بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى فى فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ~~ثابت إذا لم يعلم أنه كذب PageV01P250 # وذلك أن ms174 العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعى وروى فى فضله حديث لا يعلم ~~أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل ~~الشىء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف ومن قال هذا فقد خالف الإجماع # وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شىء إلا بدليل شرعى لكن إذا علم تحريمه ~~وروى حديث فى وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه فيجوز أن يروى ~~فى الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو ~~رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله # وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب ~~والترهيب فيما علم أن الله تعالى أمر به فى شرعنا ونهى عنه فى شرعنا فأما ~~أن يثبت شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات التى لم تثبت فهذا لا يقوله عالم ولا ~~كان أحمد إبن جنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث فى ~~الشريعة # # ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذى ليس بصحيح ولا حسن فقد ~~غلط عليه ولكن كان فى عرف أحمد بن حبنل ومن قبله من العلماء أن الحديث ~~ينقسم إلى نوعين صحيح وضعيف والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به ~~وإلى ضعيف حسن كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع ~~من رأس المال والى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك PageV01P251 # وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى ~~الترمذى فى جامعه والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن فى رواته متهم وليس ~~بشاذ فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفا ويحتج به ولهذا مثل أحمد الحديث ~~الضعيف الذى يحتج به بحديث عمرو إبن شعيب وحديث إبراهيم الهجرى ونحوهما ~~وهذا مبسوط فى موضعه # والأحاديث التى تروى فى هذا الباب وهو السؤال بنفس المخلوقين هى من ~~الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة ولا يوجد فى أئمة الإسلام ms175 من احتج ~~بها ولا اعتمد عليها مثل الحديث الذى يروى عن عبد الملك ابن هارون بن عنترة ~~عن أبيه عن جده أن أبا بكر الصديق أتى النبى فقال انى أتعلم القرآن ويتفلت ~~منى فقال له رسول الله ( قل اللهم إنى أسألك بمحمد نبيك وبإبراهيم خليلك ~~وبموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان ~~محمد وبكل وحى أوحيته وقضاء قضيته ( وذكر تمام الحديث # وهذا الحديث ذكره رزين بن معاوية العبدرى فى جامعه ونقله ابن الأثير فى ~~جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين لكنه قد ~~رواه من صنف فى عمل ( اليوم والليلة ) كابن السنى وأبى نعيم وفى مثل هذه ~~الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الأعتماد عليها فى الشريعة باتفاق ~~العلماء # وقد رواه أبو الشيخ الأصبهانى فى كتاب فضائل الأعمال وفى هذا PageV01P252 ~~الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة ورواه أبو موسى المدينى من حديث زيد بن ~~الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة وقال هذا حديث حسن مع أنه ليس ~~بالمتصل قال أبو موسى ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك عن أبيه عن جده عن ~~الصديق رضى الله عنه وعبد الملك ليس بذاك القوى وكان بالرى وأبوه وجده ~~ثقتان # قلت عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب قال يحيى ابن معين ~~هو كذاب وقال السعدى دجال كذاب وقال أبو حاتم بن حبان يضع الحديث وقال ~~النسائى متروك وقال البخارى منكر الحديث وقال أحمد بن حنبل ضعيف وقال ابن ~~عدى له أحاديث لا يتابعه عليها أحد وقال الدارقطنى هو وأبوه ضعيفان وقال ~~الحاكم فى ( كتاب المدخل ) عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيبانى روى عن ~~أبيه أحاديث موضوعة وأخرجه أبو الفرج بن الجوزى فى كتاب ( الموضوعات ) وقول ~~الحافظ أبى موسى ( هو منقطع ( يريد أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده منقطع # وقد روى عبد الملك هذه الأحاديث الأخر المناسبة لهذا فى استفتاح أهل ~~الكتاب به كما سيأتى ذكره وخالف ms176 فيه عامة ما نقله المفسرون وأهل السير وما ~~دل عليه القرآن وهذا يدل على ما قاله العلماء فيه من أنه متروك إما لتعمده ~~الكذب وإما لسوء حفظه وتبين أنه لا حجة لا فى هذا ولا فى ذاك # # ومثل ذلك الحديث الذى رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ~~PageV01P253 عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعا وموقوفا عليه ( انه لما اقترف ~~آدم الخطيئة قال يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لى قال وكيف عرفت محمدا قال ~~لأنك لما خلقتنى بيدك ونفخت فى من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش ~~مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى إسمك إلا أحب ~~الخلق اليك قال صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك ( وهذا الحديث رواه الحاكم ~~فى مستدركه من حديث عبد الله بن مسلم الفهرى عن إسماعيل بن سلمة عنه قال ~~الحاكم وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن فى هذا الكتاب وقال الحاكم هو صحيح # ورواه الشيخ أبو بكر الآجرى فى كتاب الشريعة موقوفا على عمر من حديث عبد ~~الله بن إسماعيل بن أبى مريم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم موقوفا ورواه ~~الآجرى أيضا من طريق آخر من حديث عبدالرحمن بن أبى الزناد عن أبيه موقوفا ~~عليه وقال حدثنا هارون بن يوسف التاجر حدثنا أبو مروان العثمانى حدثنى أبو ~~عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه أنه قال ( من الكلمات ~~التى تاب الله بها على آدم قال اللهم إنى أسألك بحق محمد عليك قال الله ~~تعالى وما يدريك ما محمد قال يا رب رفعت رأسى فرأيت مكتوبا على عرشك لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه أكرم خلقك ( # قلت ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه فإنه نفسه قد قال فى ( كتاب ~~المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم ) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ~~PageV01P254 روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل ~~الصنعة ms177 أن الحمل فيها عليه # قلت وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرا ضعفه أحمد بن ~~حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائى والدارقطنى وغيرهم وقال أبو حاتم بن ~~حبان كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل ~~وإسناد الموقوف فاستحق الترك # # وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة ~~العلم بالحديث وقالوا ان الحاكم يصحح أحاديث وهى موضوعة مكذوبة عند أهل ~~المعرفة بالحديث كما صحح حديث زريب بن برثملى الذى فيه ذكر وصى المسيح وهو ~~كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقى وابن الجوزى وغيرهما وكذلك ~~أحاديث كثيرة فى مستدركه يصححها وهى عند أئمة أهل العلم بالحديث موضوعة ~~ومنها ما يكون موقوفا يرفعه # ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم وإن كان ~~غالب ما يصححه فهو صحيح لكن هو فى المصححين بمنزلة الثقة الذى يكثر غلطه ~~وإن كان الصواب أغلب عليه وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه بخلاف أبى ~~حاتم بن حبان البستى فان تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدرا وكذلك تصحيح ~~الترمذى والدارقطنى وابن خزيمة وابن مندة وأمثالهم فيمن يصحح الحديث ~~PageV01P255 فإن هؤلاء وإن كان فى بعض ما ينقلونه نزاع فهم أتقن فى هذا ~~الباب من الحاكم ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم ولا يبلغ ~~تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخارى بل كتاب البخارى أجل ما صنف فى هذا الباب ~~والبخارى من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه وقد ذكر الترمذى أنه ~~لم ير أحدا أعلم بالعلل منه ولهذا كان من عادة البخارى إذا روى حديثا اختلف ~~فى إسناده أو فى بعض ألفاظه أن يذكر الإختلاف فى ذلك لئلا يغتر بذكره له ~~بأنه إنما ذكره مقرونا بالإختلاف فيه # ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخارى مما صححه يكون قوله فيه راجحا على ~~قول من نازعه بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع فى عدة أحاديث مما خرجها وكان ms178 ~~الصواب فيها مع من نازعه كما روى فى حديث الكسوف أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روى أنه صلى بركوعين # والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم ~~مات إبراهيم وقد بين ذلك الشافعى وهو قول البخارى وأحمد ابن حنبل فى إحدى ~~الروايتين عنه والأحاديث التى فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات ~~إبراهيم ومعلوم أنه لم يمت فى يومى كسوف ولا كان له ابراهيمان ومن نقل أنه ~~مات عاشر الشهر فقد كذب وكذلك روى مسلم ( خلق الله التربة يوم السبت ( ~~ونازعه فيه من هو أعلم منه كيحيى ابن معين والبخارى وغيرهما فبينوا أن هذا ~~غلط ليس هذا من كلام النبى PageV01P256 والحجة مع هؤلاء فإنه قد ثبت ~~بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السموات والأرض فى ستة أيام وأن ~~آخر ما خلقه هو آدم وكان خلقه يوم الجمعة وهذا الحديث المختلف فيه يقتضى ~~أنه خلق ذلك فى الأيام السبعة وقد روى اسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان ~~يوم الأحد وكذلك روى أن أبا سفيان لما أسلم طلب من النبى أن يتزوج بأم ~~حبيبة وأن يتخذ معاوية كاتبا وغلطه فى ذلك طائفة من الحفاظ # ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث تلقوها بالقبول ~~وأجمعوا عليها وهم يعلمون علما قطعيا أن النبى قالها وبسط الكلام فى هذا له ~~موضع آخر # وهذا الحديث المذكور فى آدم يذكره طائفة من المصنفين بغير اسناد وما هو ~~من جنسه مع زيادات أخر كما ذكر القاضى عياض قال وحكى أبو محمد المكى وأبو ~~الليث السمرقندى وغيرهما ( أن آدم عند معصيته قال اللهم بحق محمد اغفر لى ~~خطيئتى قال ويروى تقبل توبتى فقال الله له من أين عرفت محمدا قال رأيت فى ~~كل موضع من الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله ) قال ويروى ( ~~محمد عبدى ورسولى فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب عليه وغفر له ( # ومثل هذا ms179 لا يجوز أن تبنى عليه الشريعة ولا يحتج به فى الدين بإتفاق ~~المسلمين فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التى لا تعلم صحتها الا بنقل ~~PageV01P257 ثابت عن النبى وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب ابن منبه ~~وأمثالهما ممن ينقل أخبار ( المبتدأ وقصص المتقدمين ) عن أهل الكتاب لم يجز ~~أن يحتج بها فى دين المسلمين باتفاق المسلمين فكيف إذا نقلها من لا ينقلها ~~لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين بل انما ينقلها عمن هو عند ~~المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه واضطرب عليه فيها اضطرابا يعرف به أنه ~~لم يحفظ ذلك # ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يعتمد على ~~نقلهم وانما هى من جنس ما ينقله اسحاق بن بشر وأمثاله فى ( كتب المبتدأ ) ~~وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعا لهم وحينئذ فكان الإحتجاج بها ~~مبنيا على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا والنزاع فى ذلك مشهور لكن ~~الذى عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه وهذا ~~انما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقل ثابت عن نبينا أو بما تواتر ~~عنهم لا بما يروى على هذا الوجه فإن هذا لا يجوز أن يحتج به فى شرع ~~المسلمين أحد من المسلمين # ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعانى صاحب التفسير ~~باسناده عن ابن عباس مرفوعا أنه قال ( من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن ~~وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء فى إناء نظيف أو فى صحف قوارير بعسل ~~وزعفران وماء مطر وليشربه على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن افطاره عليه ~~ويدعو به فى ادبار صلواته اللهم انى أسألك بأنك مسئول لم يسأل PageV01P258 ~~مثلك ولا يسأل وأسألك بحق محمد نبيك وابراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى روحك ~~وكلمتك ووجيهك وذكر تمام الدعاء # وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين قال أبو أحمد بن عدى فيه منكر ~~الحديث وقال ms180 أبو حاتم بن حبان دجال يضع الحديث وضع على ابن جريج عن عطاء عن ~~ابن عباس كتابا فى التفسير جمعه من كلام الكلبى ومقاتل ويروى نحو هذا دون ~~الصوم عن ابن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم المروزى حدثنا وكيع عن عبيدة ~~عن شقيق عن ابن مسعود وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحيى بن معين كذاب وقال ~~الدارقطنى متروك وقال ابن حبان كان مغفلا يلقن فيتلقن فاستحق الترك ويروى ~~هذا عن عمر ابن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود بطريق أضعف من ~~الأول # ورواه أبو الشيخ الأصبهانى من حديث أحمد بن اسحاق الجوهرى حدثنا أبو ~~الأشعث حدثنا زهير بن العلاء العتبى حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهرى ورفع ~~الحديث قال ( من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن إفطاره فى آخر الأيام ~~السبعة على هؤلاء الكلمات ( قلت وهذه أسانيد مظلمة لا يثبث بها شىء # وقد رواه أبو موسى المدينى فى أماليه وأبو عبد الله المقدسى على عادة ~~أمثالهم فى رواية ما يروى فى الباب سواء كان صحيحا أو ضعيفا كما اعتاده ~~أكثر المتأخرين من المحدثين أنهم يروون ما روى به الفضائل # ويجعلون العهدة PageV01P259 فى ذلك على الناقل كما هى عادة المصنفين فى ~~فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات # كما يرويه أبو الشيخ الأصبهانى فى فضائل الأعمال وغيره حيث يجمع أحاديث ~~كثيرة لكثرة روايته وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة وأحاديث كثيرة ~~ضعيفة موضوعة وواهية # وكذلك ما يرويه خيثمة بن سليمان فى فضائل الصحابة وما يرويه أبو نعيم ~~الأصبهانى فى ( فضائل الخلفاء ) فى كتاب مفرد فى أول ( حلية الأولياء ) وما ~~يرويه أبو الليث السمرقندى وعبد العزيز الكنانى وأبو على بن البناء ~~وأمثالهم من الشيوخ وما يرويه أبو بكر الخطيب وأبو الفضل بن ناصر وأبو موسى ~~المدينى وأبو القاسم بن عساكر والحافظ عبد الغنى وأمثالهم ممن لهم معرفة ~~بالحديث فانهم كثيرا ما يروون فى تصانيفهم ما روى مطلقا على عادتهم الجارية ~~ليعرف ما روى فى ذلك الباب لا ليحتج ms181 بكل ما روى وقد يتكلم أحدهم على الحديث ~~ويقول غريب ومنكر وضعيف وقد لا يتكلم # وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ويبنون عليه دينهم مثل مالك بن ~~أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى وسفيان بن ~~عيينة وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والشافعى وأحمد بن حنبل واسحاق ~~بن راهويه وعلى بن المدينى والبخارى وأبى زرعة وأبى حاتم وأبى داود ومحمد ~~بن نصر المروزى وابن خزيمة وابن المنذر وداود بن على ومحمد بن جرير الطبرى ~~وغير هؤلاء فإن هؤلاء الذين PageV01P260 يبنون الأحكام على الأحاديث ~~يحتاجون أن يجتهدوا فى معرفة صحيحها وضعيفها وتمييز رجالها # وكذلك الذين تكلموا فى الحديث والرجال ليميزوا بين هذا وهذا لأجل معرفة ~~الحديث كما يفعل أبو أحمد بن عدى وأبو حاتم البستى وأبو الحسن الدارقطنى ~~وأبو بكر الإسماعيلى وكما قد يفعل ذلك أبو بكر البيهقى وأبو إسماعيل ~~الأنصارى وأبو القاسم الزنجانى وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد ابن حزم ~~وأمثال هؤلاء فان بسط هذه الأمور له موضع آخر ولم نذكر من لا يروى باسناد ~~مثل كتاب ( وسيلة المتعبدين ) لعمر الملا الموصلى وكتاب ( الفردوس ) ~~لشهريار الديلمى وأمثال ذلك فان هؤلاء دون هؤلاء الطبقات وفيما يذكرونه من ~~الأكاذيب أمر كبير # والمقصود هنا أنه ليس فى هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبى يعتمد عليه ~~فى مسألة شرعية باتفاق أهل المعرفة بحديثه بل المروى فى ذلك إنما يعرف أهل ~~المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات إما تعمدا من واضعه وإما غلطا منه # وفى الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة # فمنها حديث الاربعة الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا وهم عبد الله ومصعب ~~ابنا الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان وذكره ابن ابى الدنيا فى ~~كتاب ( مجابى الدعاء ) ورواه من طريق إسماعيل بن أبان الغنوى PageV01P261 ~~عن سفيان الثورى عن طارق بن عبد العزيز عن الشعبى أنه قال ( لقد رأيت عجبا ~~كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ms182 ومصعب بن ~~الزبير وعبد الملك بن مروان فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم ليقم كل رجل ~~منكم فليأخذ بالركن اليمانى وليسأل الله حاجته فإنه يعطى من سعة ثم قالوا ~~قم يا عبد الله بن الزبير فإنك أول مولود فى الإسلام بعد الهجرة فقام فأخذ ~~بالركن اليمانى ثم قال اللهم انك عظيم ترجى لكل عظيم أسألك بحرمة وجهك ~~وحرمة عرشك وحرمة نبيك أن لا تميتنى من الدنيا حتى تولينى الحجاز ويسلم على ~~بالخلافة ثم جاء فجلس # ثم قام مصعب فأخذ بالركن اليمانى ثم قال اللهم انك رب كل شىء واليك يصير ~~كل شىء أسألك بقدرتك على كل شىء ألا تميتنى من الدنيا حتى تولينى العراق ~~وتزوجنى بسكينة بنت الحسين ثم قام عبد الملك بن مروان فأخذ بالركن اليمانى ~~ثم قال اللهم رب السموات السبع ورب الأرض ذات النبت بعد القفر أسألك بما ~~سألك به عبادك المطيعون لأمرك وأسألك بحقك على خلقك وبحق الطائفين حول عرشك ~~إلى آخره # قلت واسماعيل بن ابان الذى روى هذا عن سفيان الثورى كذاب قال أحمد بن ~~حنبل كتبت عنه ثم حدث بأحاديث موضوعة فتركناه وقال يحيى ابن معين وضع حديثا ~~على السابع من ولد العباس يلبس الخضرة يعنى المأمون PageV01P262 وقال ~~البخارى ومسلم وأبو زرعة والدارقطنى متروك وقال الجوزجانى ظهر منه على ~~الكذب وقال أبو حاتم كذاب وقال ابن حبان يضع على الثقات وطارق بن عبد ~~العزيز الذى ذكر أن الثورى روى عنه لا يعرف من هو قال فان طارق بن ~~عبدالعزيز المعروف الذى روى عنه ابن عجلان ليس من هذه الطبقة # وقد خولف فيها فرواها أبو نعيم عن الطبرانى حدثنا أحمد بن زيد بن الجريش ~~حدثنا أبو حاتم السجستانى حدثنا الأصمعى قال حدثنا عبد الرحمن ابن أبى ~~الزناد عن أبيه قال ( اجتمع فى الحجر مصعب وعروة وعبد الله أبناء الزبير ~~وعبد الله بن عمر فقالوا تمنوا فقال عبد الله بن الزبير اما أنا فأتمنى ~~الخلافة وقال عروة أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عنى العلم وقال ms183 مصعب أما أنا ~~فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وقال عبد ~~الله بن عمر أما أنا فأتمنى المغفرة قال فنال كلهم ما تمنوا ولعل ابن عمر ~~قد غفر له ( # قلت وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم وليس فيه سؤال ~~بالمخلوقات # وفى الباب حكايات عن بعض الناس أنه رأى مناما قيل له فيه ادع بكذا وكذا ~~ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلا باتفاق العلماء وقد ذكر بعض هذه الحكايات ~~من جمع الأدعية وروى فى ذلك أثر عن بعض السلف مثل ما رواه PageV01P263 ابن ~~أبى الدنيا فى كتاب ( مجابى الدعاء ) قال حدثنا أبو هاشم سمعت كثير بن محمد ~~ابن كثير بن رفاعة يقول جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر فجس بطنه ~~فقال بك داء لا يبرأ قال ما هو قال الدبيلة قال فتحول الرجل فقال الله الله ~~الله ربى لا أشرك به شيئا اللهم إنى أتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة ~~تسليما يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربك وربى يرحمنى مما بى قال فجس بطنه فقال ~~قد برئت ما بك علة # قلت فهذا الدعاء ونحوه قد روى أنه دعا به السلف ونقل عن أحمد بن حنبل فى ~~منسك المروذى التوسل بالنبى فى الدعاء ونها عنه آخرون فان كان مقصود ~~المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته فلا نزاع بين ~~الطائفتين وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع وما تنازعوا فيه ~~يرد إلى الله والرسول # وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ فى الشريعة فن ~~كثيرا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من ~~غرضهم وبعض الناس يقصدون الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك ويدعو ~~الثماثيل التى فى الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضه وبعض الناس يدعو بأدعية ~~محرمة بإتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضهم # فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته وإن كان الغرض مباحا ~~PageV01P264 فإن ذلك ms184 الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته والشريعة ~~جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فجميع المحرمات ~~من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد ~~لكن لما كانت مفاسدها راحجة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها كما أن كثيرا ~~من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة لكن لما كانت ~~مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع # فهذا أصل يجب اعتباره ولا يجوز أن يكون الشىء واجبا أو مستحبا إلا بدليل ~~شرعى يقتضى إيجابه أو استحبابه والعبادات لا تكون الا واجبة أو مستحبة فما ~~ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة والدعاء لله تعالى عبادة ان كان المطلوب ~~به أمرا مباحا # وفى الجملة فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به بخلاف دعاء الموتى ~~والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والإستغاثة بهم والشكوى اليهم ~~فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا رخص ~~فيه أحد من أئمة المسلمين # وحديث الأعمى الذى رواه الترمذى والنسائى هو من القسم الثانى من التوسل ~~بدعائه فإن الأعمى قد طلب من النبى أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره فقال ~~له ( ان شئت صبرت وان شئت دعوت لك ( فقال بل إدعه فأمره أن يتوضأ ويصلى ~~ركعتين ويقول ( اللهم إنى أسألك PageV01P265 بنبيك نبى الرحمة يا محمد يا ~~رسول الله انى أتوجه بك إلى ربى فى حاجتى هذه ليقضيها اللهم فشفعه فى ( ~~فهذا توسل بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم وشفاعته ودعا له النبى ولهذا قال ~~( وشفعه فى ( فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه # وهذا الحديث ذكره العلماء فى معجزات النبى ودعائه المستجاب وما أظهر الله ~~ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه ببركة دعائه لهذا الأعمى ~~أعاد الله عليه بصره # وهذا الحديث حديث الأعمى قد رواه المصنفون فى دلائل النبوة كالبيهقى ~~وغيره رواه البيهقى من حديث عثمان بن عمر عن شعبة عن أبى جعفر الخطمى قال ~~سمعت عمارة بن خزيمة بن ms185 ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى ~~النبى فقال ادع الله أن يعافينى فقال له ( إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك وإن ~~شئت دعوت ( قال فادعه ( فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلى ركعتين ويدعو ~~بهذا الدعاء اللهم إنى أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد ~~أنى أتوجه بك إلى ربى فى حاجتى هذه فيقضيها لى اللهم فشفعه فى وشفعنى فيه ( ~~قال فقام وقد أبصر ومن هذا الطريق رواه الترمذى من حديث عثمان بن عمر # ومنها ما رواه النسائى وابن ماجه أيضا وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح ~~غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه من حديث أبى جعفر وهو غير الخطمى هكذا وقع ~~فى الترمذى وسائر العلماء قالوا هو أبو جعفر الخطمى وهو الصواب PageV01P266 ~~وأيضا فالترمذى ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء بل رووه ~~إلى قوله ( اللهم شفعه فى ( # قال الترمذى حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبى ~~جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى ~~النبى فقال ادع الله أن يعافينى قال ( ان شئت صبرت فهو خير لك ( قال فادعه ~~قال ( فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء اللهم انى أسألك ~~وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد انى توجهت بك إلى ربى فى حاجتى ~~هذه لتقضى اللهم شفعه فى ( قال البيهقى رويناه فى ( كتاب الدعوات ( بإسناد ~~صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة قال ففعل الرجل فبرأ قال وكذلك رواه حماد بن ~~سلمة عن أبى جعفر الخطمى # قلت ورواه الإمام أحمد فى مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقى قال ~~أحمد حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن أبى جعفر المدينى سمعت عمارة بن ~~خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبى فقال يا نبى ~~الله ادع الله أن يعافينى قال ( إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك ms186 وان شئت ~~دعوت لك ( قال لا بل ادع الله لى ( فأمره أن يتوضأ وأن يصلى ركعتين وأن ~~يدعو بهذا الدعاء اللهم انى أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا ~~محمد إنى أتوجه بك إلى الله فى حاجتى هذه فتقضى لى وتشفعنى فيه وتشفعه فى ( ~~قال ففعل الرجل فبرىء PageV01P267 رواه البيهقى أيضا من حديث شبيب بن سعيد ~~الحبطى عن روح ابن القاسم عن أبى جعفر المدينى وهو الخطمى عن أبى أمامة سهل ~~بن حنيف عن عثمان ابن حنيف قال سمعت رسول الله وجاءه رجل ضرير يشتكى اليه ~~ذهاب بصره فقال يا رسول الله ليس لى قائد وقد شق على فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إنى أسألك ~~وأتوجه إليك بنبيك نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربى فيجلى عن بصرى ~~اللهم فشفعه فى وشفعنى فى نفسى ( قال عثمان ابن حنيف والله ما تفرقنا ولا ~~طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط # فرواية شبيب عن روح عن أبى جعفر الخطمى خالفت رواية شعبة وحماد ابن سلمة ~~فى الإسناد والمتن فإن فى تلك أنه رواه أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة وفى هذه ~~أنه رواه عن أبى أمامة سهل وفى تلك الرواية أنه قال فشفعه فى وشفعنى فيه ~~وفى هذه وشفعنى فى نفسى لكن هذا الإسناد له شاهد آخر من رواية هشام ~~الدستوائى عن أبى جعفر # ورواه البيهقى من هذا الطريق وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد موته ~~إن كانت صحيحة رواه من حديث اسماعيل بن شبيب بن سعيد الحبطى عن شبيب بن ~~سعيد عن روح بن القاسم عن أبى جعفر المدينى عن أبى أمامة سهل بن حنيف أن ~~رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان فى حاجة له وكان عثمان لا يلتفت اليه ولا ~~ينظر فى حاجته فلقى الرجل عثمان بن حنيف PageV01P268 فشكا إليه ذلك فقال له ~~عثمان بن حنيف ائت ms187 الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل اللهم إنى ~~أسألك وأتوجه اليك بنبينا محمد نبى الرحمة يا محمد إنى اتوجه بك إلى ربى ~~فيقضى لى حاجتى ثم اذكر حاجتك ثم رح حتى أروح معك قال فإنطلق الرجل فصنع ~~ذلك ثم أتى بعد عثمان بن عفان فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان ~~فأجلسه معه على الطنفسة وقال انظر ما كانت لك من حاجة فذكر حاجته فقضاها له ~~ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما كان ~~ينظر فى حاجتى ولا يلتفت إلى حتى كلمته فى فقال عثمان ابن حنيف ما كلمته ~~ولكن سمعت رسول الله يقول وجاءه ضرير فشكا اليه ذهاب بصره فقال له النبى ( ~~أو تصبر ( فقال له يا رسول الله ليس لى قائد وقد شق على فقال ( ائت الميضأة ~~فتوضأ وصل ركعتين ثم قل اللهم انى اسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة ~~يا محمد انى أتوجه إلى ربى فيجلى لى عن بصرى اللهم فشفعه فى وشفعنى فى نفسى ~~( قال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا وما طال بنا الحديث حتى دخل علينا ~~الرجل كأنه لم يكن به ضر قط # قال البيهقى ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله وساقه من رواية ~~يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب بن سعيد قال ورواه أيضا هشام الدستوائى عن ~~أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل عن عمه وهو عثمان ابن حنيف ولم يذكر إسناد ~~هذه الطرق PageV01P269 قلت وقد رواه النسائى فى كتاب ( عمل اليوم والليلة ) ~~من هذه الطريق من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن ~~سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف ورواه أيضا من حديث شعبة وحماد بن سلمة ~~كلاهما عن أبى جعفر عن عمارة بن خزيمة ولم يروه أحد من هؤلاء لا الترمذى ~~ولا النسائى ولا ابن ماجه من تلك الطريق الغريبة التى فيها الزيادة طريق ~~شبيب ms188 بن سعيد عن روح بن القاسم # لكن رواه الحاكم فى مستدركه من الطريقين فرواه من حديث عثمان بن عمر ~~حدثنا شعبة عن أبى جعفر المدنى سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان ابن حنيف ~~أن رجلا ضريرا أتى النبى فقال ادع الله أن يعافينى فقال ( إن شئت أخرت ذلك ~~فهو خير لك وإن شئت دعوت ( قال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلى ~~ركعتين ويدعو بهذا الدعاء ( اللهم إنى اسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى ~~الرحمة يا محمد إنى توجهت بك إلى ربى فى حاجتى هذه اللهم فشفعه فى وشفعنى ~~فيه ( قال الحاكم على شرطهما # ثم رواه من طريق شبيب بن سعيد الحبطى وعون بن عمارة عن روح ابن القاسم عن ~~أبى جعفر الخطمى المدنى عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف ~~أنه سمع النبى وجاءه ضرير فشكا اليه ذهاب بصره وقال يارسول الله ليس لى ~~قائد وقد شق على فقال ( ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إنى ~~أسألك وأتوجه اليك بنبيك PageV01P270 محمد نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجه بك ~~إلى ربى فيجلى لى عن بصرى اللهم فشفعه فى وشفعنى فى نفسى ( قال عثمان ~~فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأن لم يكن به ضر قط ~~قال الحاكم على شرط البخارى # وشبيب هذا صدوق روى له البخارى ولكنه قد روى له عن روح بن الفرج أحاديث ~~مناكير رواها بن وهب وقد ظن أنه غلط عليه ولكن قد يقال مثل هذا إذا انفرد ~~عن الثقات الذين هم أحفظ منه مثل شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائى ~~بزيادة كان ذلك عليه فى الحديث لا سيما وفى هذه الرواية أنه قال ( فشفعه فى ~~وشفعنى فى نفسى ) وأولئك قالوا ( فشفعه فى وشفعنى فيه ) ومعنى قوله ( ~~وشفعنى فيه ) أى فى دعائه وسؤاله لى فيطابق قوله ( وشفعه فى ) # قال أبو أحمد بن عدى فى كتابه المسمى ( بالكامل فى أسماء الرجال ) ولم ~~يصنف فى فنه ms189 مثله شبيب بن سعيد الحبطى أبو سعيد البصرى التميمى حدث عنه ابن ~~وهب بالمناكير وحدث عن يونس عن الزهرى بنسخة الزهرى أحاديث مستقيمة وذكر عن ~~على بن المدينى أنه قال هو بصرى ثقة كان من أصحاب يونس كان يختلف فى تجارة ~~إلى مصر وجاء بكتاب صحيح قال وقد كتبها عنه ابنه أحمد بن شبيب وروى عن عدى ~~حديثين عن بن وهب عن شبيب هذا عن روح بن الفرج # أحدهما عن بن عقيل عن سابق بن ناجية عن بن سلام قال مر بنا رجل فقالوا إن ~~هذا قد خدم النبى PageV01P271 والثانى عنه عن روح بن الفرج عن عبد الله بن ~~الحسين عن أمه فاطمة حديث دخول المسجد قال ابن عدى كذا قيل فى الحديث عن ~~عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله قال ~~ابن عدى ولشبيب بن سعيد نسخة الزهرى عنده عن يونس عن الزهرى وهى أحاديث ~~مستقيمة وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير # وحدثنى روح بن الفرج اللذين أمليتهما يرويهما ابن وهب عن شبيب وكان شبيب ~~بن سعيد إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة الزهرى ليس هو شبيب بن سعيد ~~الذى يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التى يرويها عنه ولعل شبيبا بمصر فى ~~تجارته اليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلظ ويهم وأرجو أن لا يتعمد شبيب ~~هذا الكذب # قلت هذان الحديثان اللذان أنكرهما بن عدى عليه رواهما عن روح بن القاسم ~~وكذلك هذا الحديث حديث الأعمى رواه عن روح بن القاسم وهذا الحديث مما رواه ~~عنه بن وهب أيضا كما رواه عنه ابناه لكنه لم يتقن لفظه كما أتقنه ابناه ~~وهذا يصحح ما ذكره بن عدى فعلم أنه محفوظ عنه وإبن عدى أحال الغلط عليه لا ~~على إبن وهب وهذا صحيح إن كان قد غلط وإذا كان قد غلط على روح بن القاسم فى ~~ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه فى هذا الحديث وروح بن القاسم ثقة ~~مشهور ms190 روى له الجماعة فلهذا لم يحيلوا الغلط عليه PageV01P272 والرجل قد ~~يكون حافظا لما يرويه عن شيخ غير حافظ لما يرويه عن آخر مثل إسماعيل بن ~~عياش فيما يرويه عن الحجازيين فإنه يغلط فيه بخلاف ما يرويه عن الشاميين ~~ومثل سفيان بن حسين فيما يرويه عن الزهرى ومثل هذا كثير فيحتمل أن يكون هذا ~~يغلط فيما يرويه عن روح بن القاسم إن كان الأمر كما قاله بن عدى وهذا محل ~~نظر # # وقد روى الطبرانى هذا الحديث فى المعجم من حديث بن وهب عن شبيب بن سعيد ~~ورواه من حديث اصبغ بن الفرج حدثنا عبدالله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكى ~~عن روح بن القاسم عن أبى جعفر الخطمى المدنى عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف ~~عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان فى حاجة له فلقى ~~عثمان بن حنيف فشكا اليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم ~~ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم نبى الرحمة يامحمد إنى أتوجه بك إلى ربك عز وجل فيقضى ~~لى حاجتى وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك فإنطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى ~~باب عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ~~ثم قال له ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة وقال ما كانت لك من حاجة ~~فائتنا # ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما ~~كان ينظر فى حاجتى ولا يلتفت إلى حتى كلمته فى فقال له عثمان بن حنيف ~~PageV01P273 والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله وأتاه ضرير فشكا اليه ذهاب ~~بصره فقال له النبى أفتصبر فقال يا رسول الله إنه ليس لى قائد وقد شق على ~~فقال له رسول الله ( ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات ( ~~فقال عثمان بن ms191 حنيف فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا ~~الرجل كأنه لم يكن به ضر قط # قال الطبرانى روى هذا الحديث شعبة عن أبى جعفر واسمه عمر بن يزيد وهو ثقة ~~تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة قال أبو عبد الله المقدسى والحديث صحيح # قلت والطبرانى ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن ~~شعبة وذلك إسناد صحيح يبين أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر وطريق بن وهب هذه ~~تؤيد ما ذكره بن عدى فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه بل ذكر فيها ~~أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف وليس كذلك بل فى حديث الأعمى أنه ~~قال ( اللهم فشفعه فى وشفعنى فيه أو قال فى نفسى ) # وهذه لم يذكرها بن وهب فى روايته فيشبه أن يكون حدث بن وهب من حفظه كما ~~قال بن عدى فلم يتقن الرواية وقد روى أبو بكر بن أبى خيثمة فى تاريخه حديث ~~حماد بن سلمة فقال حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة أنا أبو جعفر ~~الخطمى عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف أن PageV01P274 رجلا أعمى أتى ~~النبى فقال إنى أصبت فى بصرى فادع الله لى قال ( إذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم ~~قل اللهم إنى أسألك وأتوجه اليك بنبي محمد نبى الرحمة يامحمد أستشفع بك على ~~ربى فى رد بصرى اللهم فشفعنى فى نفسى وشفع نبي فى رد بصرى وإن كانت حاجة ~~فافعل مثل ذلك ) فرد الله عليه بصره قال بن أبى خيثمة وأبو جعفر هذا الذى ~~حدث عنه حماد بن سلمة إسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذى يروى عنه شعبة ~~ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة قلت وهذه الطريق فيها ( فشفعنى ~~فى نفسى ) مثل طريق روح بن القاسم وفيها زيادة أخرى وهى قوله ( وإن كانت ~~حاجة فأفعل مثل ذلك أو قال فعل مثل ذلك ) # وهذه قد يقال إنها توافق قول عثمان بن ms192 حنيف لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ ~~من حماد بن سلمة وإختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون ~~بالمعنى وقوله ( وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك ) قد يكون مدرجا من كلام عثمان ~~لا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل ( وإن كانت لك حاجة فعلت ~~مثل ذلك ) بل قال ( وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك ) وبالجملة فهذه الزيادة لو ~~كانت ثابتة لم يكن فيها حجة وإنما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن ~~الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فإنه لم يأمره بالدعاء المشروع بل ببعضه وظن أن ~~هذا مشروع بعد موته ولفظ الحديث يناقض ذلك فإن فى الحديث أن الأعمى سأل ~~النبى PageV01P275 أن يدعو له وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره فى الدعاء أن ~~يقول ( اللهم فشفعه فى ) وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبى داعيا شافعا ~~له بخلاف من لم يكن كذلك فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس فى محياه فى ~~الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم # وفيه أيضا أنه قال ( وشفعنى فيه ) وليس المراد أنه يشفع للنبى فى حاجة ~~للنبى وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه وأمرنا أن نسأل الله له ~~الوسيلة ففى صحيح البخارى عن جابر بن عبدالله أن رسول الله قال ( من قال ~~إذا سمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا ~~الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته حلت له شفاعتى يوم ~~القيامة ) # وفى صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإن من صلى على صلاة ~~صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى ~~إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى ~~الوسيلة حلت عليه الشفاعة ) # وسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له وهو معنى الشفاعة ولهذا كان الجزاء من ~~جنس العمل فمن صلى عليه ms193 صلى عليه الله ومن سأل الله له الوسيلة المتضمنة ~~PageV01P276 لشفاعته شفع له كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة فأمره أن يدعو ~~الله بقبول هذه الشفاعة وهو كالشفاعة فى الشفاعة فلهذا قال اللهم فشفعه فى ~~وشفعنى فيه # وذلك أن قبول دعاء النبى صلى الله عليه وسلم فى مثل هذا هو من كرامة ~~الرسول على ربه ولهذا عد هذا من آياته ودلائل نبوته فهو كشفاعته يوم ~~القيامة فى الخلق ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول ( فشفعه فى وشفعنى فيه ) ~~بخلاف قوله ( وشفعنى فى نفسى ) فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من هذا ~~الطريق الغريب # وقوله ( وشفعنى فيه ) رواه عن شعبة رجلان جليلان عثمان بن عمر وروح بن ~~عبادة وشعبة أجل من روى هذا الحديث ومن طريق عثمان بن عمر عن شعبة رواه ~~الثلاثة الترمذى والنسائى وابن ماجه رواه الترمذى عن محمود بن غيلان عن ~~عثمان بن عمر عن شعبة # ورواه بن ماجه عن أحمد بن سيار عن عثمان بن عمر وقد رواه أحمد فى المسند ~~عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث مع أن قوله ( وشفعنى ~~فى نفسى ) إن كان محفوظا مثل ما ذكرناه وهو أنه طلب أن يكون شفيعا لنفسه مع ~~دعاء النبى ولو لم يدع له النبى صلى الله عليه وسلم كان سائلا مجردا كسائر ~~السائلين ولا يسمى مثل هذا شفاعة وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان ~~PageV01P277 # يطلبان أمرا فيكون أحدهما شفيعا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذى لم يشفع ~~غيره # فهذه الزيادة فيها عدة علل إنفراد هذا بها عن من هو أكبر وأحفظ منه ~~وإعراض أهل السنن عنها وإضطراب لفظها وأن راويها عرف له عن روح هذا أحاديث ~~منكرة # ومثل هذا يقتضى حصول الريب والشك فى كونها ثابتة فلا حجة فيها إذ ~~الإعتبار بما رواه الصحابى لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذى رواه لا يدل على ~~ما فهمه بل على خلافه # ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال اللهم فشفعه فى وشفعنى فيه مع ms194 أن ~~النبى لم يدع له كان هذا كلاما باطلا مع أن عثمان إبن حنيف لم يأمره أن ~~يسأل النبى صلى الله عليه وسلم شيئا ولا أن يقول فشفعه فى ولم يأمره ~~بالدعاء المأثور على وجهه وإنما أمره ببعضه وليس هناك من النبى شفاعة ولا ~~ما يظن أنه شفاعة فلو قال بعد موته ( فشفعه فى ) لكان كلاما لا معنى له ~~ولهذا لم يأمر به عثمان # والدعاء المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمر به والذى أمر به ~~ليس مأثورا عن النبى صلى الله عليه وسلم # ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة فى جنس ~~العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من ~~PageV01P278 الصحابة عليه وكان ما يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم يخالفه ~~لا يوافقه لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين إتباعها بل غايته أن يكون ذلك ~~مما يسوغ فيه الإجتهاد ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول # ولهذا نظائر كثيرة مثل ما كان إبن عمر يدخل الماء فى عينيه فى الوضوء ~~ويأخذ لأذنيه ماءا جديدا وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين فى الوضوء ~~ويقول من استطاع أن يطيل غرته فليفعل وروى عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول هو ~~موضع الغل فإن هذا وإن إستحبه طائفة من العلماء إتباعا لهما فقد خالفهم فى ~~ذلك آخرون وقالوا سائر الصحابة لم يكونوا يتوضؤون هكذا والوضوء الثابت عنه ~~الذى فى الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين ولا غسل ~~ما زاد على المرفقين والكعبين ولا مسح العنق ولا قال النبى من إستطاع أن ~~يطيل غرته فليفعل بل هذا من كلام أبى هريرة جاء مدرجا فى بعض الأحاديث ~~وإنما قال النبى ( إنكم تأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ) ~~وكان يتوضأ حتى يشرع فى العضد والساق قال أبو هريرة من إستطاع أن يطيل غرته ~~فليفعل وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة ms195 وهذا لا معنى له فإن الغرة ~~فى الوجه لا فى اليد والرجل وإنما فى اليد والرجل الحجلة والغرة لا يمكن ~~إطالتها فإن الوجه PageV01P279 يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة فى الرأس ~~والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة # وكذلك إبن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبى صلى الله عليه وسلم ~~وينزل مواضع منزله ويتوضأ فى السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه على شجرة ~~صب عليها ونحو ذلك مما إستحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبا ولم يستحب ذلك ~~جمهور العلماء كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبى بكر وعمر وعثمان ~~وعلى وإبن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم لم يفعلوا مثل ما فعل إبن عمر ولو ~~رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والإقتداء به # وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذى فعل فإذا فعل فعلا ~~على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة وإذا قصد تخصيص مكان أو ~~زمان بالعبادة خصصناه بذلك كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة وأن يستلم ~~الحجر الأسود وأن يصلى خلف المقام وكان يتحرى الصلاة عند إسطوانة مسجد ~~المدينة وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك وكذلك عرفة ~~ومزدلقه وغيرهما # وأما ما فعله بحكم الأتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه ~~نزله لا قصدا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان ~~بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين بل هذا من البدع التى PageV01P280 كان ~~ينهى عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان ~~التيمى عن المعروف بن سويد قال كان عمر بن الخطاب فى سفر فصلى الغداة ثم ~~أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون صلى فيه النبى فقال عمر إنما هلك ~~أهل الكتاب أنهم إتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا فمن عرضت له ~~الصلاة فليصل وإلا فليمض # فلما كان النبى صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى ~~فيه لأنه ms196 موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته فى صورة الفعل من غير موافقة له فى ~~قصده ليس متابعة بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التى هلكوا ~~بها ونهى المسلمين عن التشبه بهم فى ذلك ففاعل ذلك متشبه بالنبى فى الصورة ~~ومتشبه باليهود والنصارى فى القصد الذى هو عمل القلب # وهذا هو الأصل فإن المتابعة فى السنة أبلغ من المتابعة فى صورة العمل ~~ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الإستراحة هل فعلها استحبابا أو ~~لحاجة عارضة تنازعوا فيها وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه ~~هل فعله لأنه كان اسمح لخروجه أو لكونه سنة تنازعوا فى ذلك # ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبى وتعريف إبن عباس بالبصرة وعمرو ~~بن حريث بالكوفة فإن هذا لما لم يكن PageV01P281 مما يفعله سائر الصحابة ~~ولم يكن النبى شرعه لأمته لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة بل غايته أن يقال ~~هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ ~~فيه الإجتهاد لا لأنه سنة مستحبة سنها النبى لأمته أو يقال فى التعريف إنه ~~لا بأس به أحيانا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة # وهكذا يقول أئمة العلم فى هذا وأمثاله تارة يكرهونه وتارة يسوغون فيه ~~الإجتهاد وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة ولا يقول عالم بالسنة إن هذه ~~سنة مشروعة للمسلمين # فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع ~~وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه ولا يكون فى الدين ~~واجبا إلا ما أوجبه ولا حراما إلا ما حرمه ولا مستحبا إلا ما استحبه ولا ~~مكروها إلاما كرهه ولا مباحا إلا ما أباحه # وهكذا فى الإباحات كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم واستباح حذيفة ~~السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع ~~وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك فوجب الرد ms197 إلى الكتاب والسنة # وكذلك الكراهة والتحريم مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت ~~وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع أو التمتع مطلقا PageV01P282 ~~أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده وأنه لا يقصر بدون ذلك أو رأى أنه ليس ~~للمسافر أن يصوم فى السفر # ومن ذلك قول سلمان إن الريق نجس وقول بن عمر إن الكتابية لا يجوز نكاحها ~~وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر ومنع عمر وابن مسعود للجنب أن يتيمم ~~وقول على وزيد وابن عمر فى المفوضة إنه لا مهر لها إذا مات الزوج وقول على ~~وابن عباس فى المتوفى عنها الحامل إنها تعتد أبعد الأجلين وقول ابن عمر ~~وغيره إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما يفعل بالحلال # وقول بن عمر وغيره لا يجوز الإشتراط فى الحج وقول إبن عباس وغيره فى ~~المتوفى عنها ليس عليها لزوم المنزل وقول عمر وإبن مسعود إن المبتوتة لها ~~السكنى والنفقة وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة فإنه يجب فيه الرد إلى ~~الله والرسول ونظائر هذا كثيرة فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله # # ومن قال من العلماء ( إن قول الصحابى حجة ) فإنما قاله إذا لم يخالفه ~~غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارا على ~~القول فقد يقال ( هذا إجماع إقرارى ) إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد ~~منهم وهم لا يقرون على باطل # وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال ( هو حجة ) ~~PageV01P283 وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالإتفاق وأما إذا لم يعرف ~~هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما ومتى كانت السنة تدل على خلافه ~~كانت الحجة فى سنة رسول الله لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم وإذا ~~كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع ~~المستحب أن يتوسل بالنبى بعد موته من غير أن يكون النبى ms198 داعيا له ولا شافعا ~~فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعا بعد مماته كما كان ~~يشرع فى حياته بل كانوا فى الإستسقاء فى حياته يتوسلون به فلما مات لم ~~يتوسلوا به # بل قال عمر فى دعائه الصحيح المشهور الثابت بإتفاق أهل العلم بمحضر من ~~المهاجرين والأنصار فى عام الرمادة المشهور لما إشتد بهم الجدب حتى حلف عمر ~~لا يأكل سمنا حتى يخصب الناس ثم لما إستسقى بالعباس قال ( اللهم إنا كنا ~~إذا أجدبنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا فأسقنا ) ~~فيسقون وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة ولم ينكره أحد مع شهرته وهو من ~~أظهر الإجماعات الإقرارية # ودعا بمثله معاوية بن أبى سفيان فى خلافته لما استسقى بالناس # فلو كان توسلهم بالنبى صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم به فى حياته ~~لقالوا كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما ونعدل عن التوسل ~~بالنبى صلى الله عليه وسلم الذى هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل ~~PageV01P284 وأعظمها عند الله فلما لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم فى ~~حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة ~~غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته # وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فإنه إنما ~~أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبى ودعائه لا بذاته وقال له فى ~~الدعاء ( قل اللهم فشفعه فى ) # وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر ~~بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته كان ما فعله ~~عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله وكان المخالف لعمر محجوجا بسنة ~~رسول الله وكان الحديث الذى رواه عن النبى حجة عليه لا له والله أعلم # وأما القسم الثالث مما يسمى ( توسلا ) فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبى ~~شيئا يحتج به أهل العلم كما تقدم بسط الكلام على ذلك وهو الإقسام على ms199 الله ~~عز وجل بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم فإنه لا يقدر أحد أن ينقل ~~فيه عن النبى صلى الله عليه وسلم شيئا ثابتا لا فى الإقسام أو السؤال به ~~ولا فى الإقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين # وإن كان فى العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى ~~PageV01P285 عنه فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه فيرد ما تنازعوا فيه إلى ~~الله ورسوله ويبدى كل واحد حجته كما فى سائر مسائل النزاع وليس هذا من ~~مسائل العقوبات بإجماع المسلمين بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم فإن ~~القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء والمنكر عليه ليس معه نقل يجب إتباعه ~~لا عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة وقد ثبت أنه لا يجوز القسم ~~بغير الله لا بالأنبياء ولا بغيرهم كما سبق بسط الكلام فى تقرير ذلك وقد ~~إتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله لا لنبى ولا لغير نبى ~~وأن هذا النذر شرك لا يوفى به # وكذلك الحلف بالمخلوقات لا تنعقد به اليمين ولا كفارة فيه حتى لو حلف ~~بالنبى لم تنعقد يمينه كما تقدم ذكره ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء ~~كمالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين بل نهى عن الحلف بهذه ~~اليمين فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم ~~بها على الخالق جل جلاله # وأما السؤال به من غير إقسام به فهذا أيضا مما منع منه غير واحد من ~~العلماء والسنن الصحيحة عن النبى وخلفائه الراشدين تدل على ذلك فإن هذا ~~إنما يفعله على أنه قربة وطاعة وأنه مما يستجاب به الدعاء # وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجبا وإما أن يكون مستحبا ~~PageV01P286 وكل ما كان واجبا أو مستحبا فى العبادات والأدعية فلا بد أن ~~يشرعه النبى صلى الله عليه وسلم لأمته فإذا لم يشرع هذا لأمته لم يكن واجبا ~~ولا مستحبا ولا يكون قربة ms200 وطاعة ولا سببا لإجابة الدعاء وقد تقدم بسط ~~الكلام على هذا كله # فمن إعتقد ذلك فى هذا أو فى هذا فهو ضال وكانت بدعته من البدع السيئة وقد ~~تبين بالأحاديث الصحيحة وما إستقرىء من أحوال النبى وخلفائه الراشدين أن ~~هذا لم يكن مشروعا عندهم # وأيضا فقد تبين أنه سؤال لله تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء وأنه ~~كالسؤال بالكعبة والطور والكرسى والمساجد وغير ذلك من المخلوقات ومعلوم أن ~~سؤال الله بالمخلوقات ليس هو مشروعا كما أن الإقسام بها ليس مشروعا بل هو ~~منهى عنه # فكما أنه لا يسوغ لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق ولا ~~يسأله بنفس مخلوق وإنما يسأل بالأسباب التى تناسب إجابة الدعاء كما تقدم ~~تفصيله # لكن قد روى فى جواز ذلك آثار وأقوال عن بعض أهل العلم ولكن ليس فى ~~المنقول عن النبى شىء ثابت بل كلها موضوعة # وأما النقل عن من ليس قوله حجة فبعضه ثابت وبعضه ليس بثابت والحديث الذى ~~رواه أحمد وابن ماجه وفيه ( بحق السائلين عليك وبحق PageV01P287 ممشاى هذا ~~( رواه أحمد عن وكيع عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبى سعيد الخدرى عن النبى ~~قال ( من قال إذا خرج إلى الصلاة اللهم انى أسألك بحق السائلين عليك وبحق ~~ممشاى هذا فانى لم أخرجه أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك ~~وإبتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذنى من النار وأن تدخلنى الجنة وأن تغفر لى ~~ذنوبى انه لا يغفر الذنوب إلا أنت خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له واقبل ~~الله عليه بوجهه حتى يقضى صلاته ( # وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفى عن أبى سعيد وهو ضعيف بإجماع أهل ~~العلم وقد روى من طريق آخر وهو ضعيف أيضا ولفظه لا حجة فيه فان حق السائلين ~~عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه ~~الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم وبايجابه على نفسه فى أحد أقوالهم ~~وقد تقدم بسط الكلام على ذلك ms201 # وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه فى الغار بأعمالهم فانه سأله هذا ببره ~~العظيم لوالديه وسأله هذا بعفته العظيمة عن الفاحشة وسأله هذا بأدائه ~~العظيم للأمانة لأن هذه الأعمال أمر الله بها ووعد الجزاء لأصحابها فصار ~~هذا كما حكاه عن المؤمنين بقوله ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ~~آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار ) وقال تعالى @QB@ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر ~~لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين @QE@ وقال تعالى ^ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ~~للذين اتقوا عند ربهم PageV01P288 جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد # الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ^ وكان بن ~~مسعود يقول فى السحر اللهم دعوتنى فأجبت وأمرتنى فأطعت وهذا سحر فاغفر لى # وأصل هذا الباب أن يقال الإقسام على الله بشىء من المخلوقات أو السؤال له ~~به إما أن يكون مأمورا به إيجابا أو إستحبابا أو منهيا عنه نهى تحريم أو ~~كراهة أو مباحا لا مأمورا به ولا منهيا عنه # وإذا قيل إن ذلك مأمور به أو مباح فإما أن يفرق بين مخلوق ومخلوق أو يقال ~~بل يشرع بالمخلوقات المعظمة أو ببعضها فمن قال أن هذا مأمور به أو مباح فى ~~المخلوقات جميعها لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجن فهذا لا ~~يقوله مسلم # فإن قال بل يسأل بالمخلوقات المعظمة كالمخلوقات التى أقسم بها فى كتابه ~~لزم من هذا أن يسأل بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ~~والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها ~~والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها ويسأل الله تعالى ويقسم ~~عليه بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ويسأل بالذاريات ~~ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا ويسأل بالطور وكتاب ~~مسطور فى رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع PageV01P289 والبحر ~~المسجور ويسأل ويقسم عليه بالصافات صفا وسائر ما ms202 أقسم الله به فى كتابه # فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها أياته ومخلوقاته فهى دليل ~~عى ربوبيته وألوهيته ووحدانتيه وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته ~~وعزته فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه # ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع بل ذكر غير واحد ~~الإجماع على أنه لا يقسم بشىء من المخلوقات وذكروا إجماع الصحابة على ذلك ~~بل ذلك شرك منهى عنه # ومن سأل الله بها لزمه أن يسأله بكل ذكر وأنثى وبكل نفس ألهمها فجورها ~~وتقواها ويسأله بالرياح والسحاب والكواكب والشمس والقمر والليل والنهار ~~والتين والزيتون وطور سينين ويسأله بالبلد الأمين مكة ويسأله حينئذ بالبيت ~~والصفا والمروة وعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك من المخلوقات ويلزم أن يسأله ~~بالمخلوقات التى عبدت من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والملائكة ~~والمسيح والعزير وغير ذلك مما عبد من دون الله ومما لم يعبد من دونه # ومعلوم أن السؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع ~~المنكرة فى دين الإسلام ومما يظهر قبحه للخاص والعام # ويلزم من ذلك أن يقسم على الله تعالى بالإقسام والعزائم التى تكتب فى ~~PageV01P290 الحروز والهياكل التى تكتبها الطرقية والمعزمون بل ويقال إذا ~~جاز السؤال والإقسام على الله بها فعلى المخلوقات أولى فحينئذ تكون العزائم ~~والإقسام التى يقسم بها على الجن مشروعة فى دين الإسلام وهذا الكلام يستلزم ~~الكفر والخروج من دين الإسلام بل ومن دين الأنبياء أجمعين # وإن قال قائل بل أنا أساله أو أقسم عليه بمعظم دون معظم من المخلوقات إما ~~الأنبياء دون غيرهم أو نبى دون غيره كما جوز بعضهم الحلف بذلك أو بالأنبياء ~~والصالحين دون غيرهم # قيل له بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض فكلها مشتركة فى أنه لا يجعل ~~شىء منها ندا لله تعالى فلا يعبد ولا يتوكل عليه ولا يخشى ولا يتقى ولا ~~يصام له ولا يسجد له ولا يرغب إليه ولا يقسم بمخلوق كما ثبت فى الصحيح عن ~~النبى صلى الله ms203 عليه وسلم أنه قال ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) ~~وقال ( لا تحلفوا الا بالله ) وفى السنن عنه أنه قال ( من حلف بغير الله ~~فقد أشرك ) # فقد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه لا ~~يجوز الحلف بشىء من المخلوقات لا فرق فى ذلك بين الملائكة والانبياء ~~والصالحين وغيرهم ولا فرق بين نبى ونبى # وهذا كما قد سوى الله تعالى بين جميع المخلوقات فى ذم الشرك بها وان كانت ~~معظمة قال تعالى ^ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~PageV01P291 ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين ~~بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين اربابا أيأمركم بالكفر بعد اذ ~~أنتم مسلمون ^ وقال تعالى ^ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا # ولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا ^ # قالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فقال ~~تعالى هؤلاء الذين تدعونهم عبادى يرجون رحمتى كما ترجون رحمتى ويخافون ~~عذابى كما تخافون عذابى ويتقربون إلى كما تتقربون إلى # # وقد قال تعالى ^ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ~~^ فبين أن الطاعة لله والرسول فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله وبين أن ~~الخشية والتقوى لله وحده فلم يأمر أن يخشى مخلوق ولا يتقى مخلوق # وقال تعالى ^ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ^ وقال تعالى ^ فإذا فرغت ~~فانصب وإلى ربك فارغب ^ # فبين سبحانه وتعالى أنه كان ينبغى لهؤلاء أن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله ~~ويقولوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون فذكر ~~PageV01P292 الرضا بما آتاه الله ورسوله لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين ~~الله فى تبليغ أمره ونهيه وتحليله وتحريمه ووعده ووعيده # فالحلال ما حلله الله ms204 ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه ~~الله ورسوله ولهذا قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ فليس لأحد أن يأخذ من الأموال إلا ما أحله الله ورسوله ~~والأموال المشتركة له كمال الفىء والغنيمة والصدقات عليه أن يرضى بما آتاه ~~الله ورسوله منها وهو مقدار حقه لا يطلب زيادة على ذلك # ثم قال تعالى @QB@ وقالوا حسبنا الله @QE@ ولم يقل ( ورسوله ( فإن الحسب ~~هو الكافى والله وحده كاف عباده المؤمنين كما قال تعالى @QB@ يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ أى هو وحده حسبك وحسب من اتبعك من ~~المؤمنين هذا هو القول الصواب قاله جمهور السلف والخلف كما بين فى موضع آخر # والمراد أن الله كاف للرسول ولمن إتبعه فكل من إتبع الرسول فالله كافيه ~~وهاديه وناصره ورازقه ثم قال تعالى @QB@ سيؤتينا الله من فضله ورسوله @QE@ ~~فذكر الإيتاء لله ورسوله لكن وسطه بذكر الفضل فإن الفضل لله وحده بقوله ( ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) ثم قال تعالى ( إنا إلى الله راغبون ) فجعل ~~الرغبة إلى الله وحده دون الرسول وغيره من المخلوقات # فقد تبين أن الله سوى بين المخلوقات فى هذه الأحكام لم يجعل لأحد من ~~PageV01P293 المخلوقين سواء كان نبيا أو ملكا أن يقسم به ولا يتوكل عليه ~~ولا يرغب اليه ولا يخشى ولا يتقى # وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ فقد تهدد سبحانه من دعا شيئا من دون ~~الله وبين أنهم لا ملك لهم مع الله ولا شركا فى ملكه وأنه ليس له عون ولا ~~ظهير من المخلوقين فقطع تعلق القلوب بالمخلوقات رغبة ورهبة وعبادة وإستعانة ~~ولم يبق إلا الشفاعة وهى حق لكن قال الله تعالى ( ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له ) وهكذا دلت الأحاديث الصحيحة فى الشفاعة يوم القيامة إذا ~~اتى ms205 الناس آدم وأولى العزم نوحا وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم فيردهم كل ~~واحد إلى الذى بعده إلى أن يأتوا المسيح فيقول لهم اذهبوا إلى محمد عبد غفر ~~الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال صلى الله عليه وسلم ( فيأتونى فأذهب ~~إلى ربى فإذا رأيته خررت ساجدا وأحمد ربى بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن ~~فيقال لى أى محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع قال فيحد لى حدا ~~فأدخلهم الجنة ( وذكر تمام الخبر # فبين المسيح أن محمدا هو الشافع المشفع لأنه عبد غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر وبين محمد عبد الله ورسوله أفضل الخلق وأوجه الشفعاء ~~PageV01P294 وأكرمهم على الله تعالى أنه يأتى فيسجد ويحمد لا يبدأ بالشفاعة ~~حتى يؤذن له فيقال له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع وذكر أن ربه يحد له ~~حدا فيدخلهم الجنة # وهذا كله يبين أن الأمر كله لله هو الذى يكرم الشفيع بالإذن له فى ~~الشفاعة والشفيع لا يشفع إلا فيمن يأذن الله له ثم يحد للشفيع حدا فيدخلهم ~~الجنة فالأمر بمشيئته وقدرته واختياره وأوجه الشفعاء وأفضلهم هو عنده الذى ~~فضله على غيره واختاره واصطفاه بكمال عبوديته وطاعته وإنابته وموافقته لربه ~~فيما يحبه ويرضاه # وإذا كان الإقسام بغير الله والرغبة اليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هى من ~~الأحكام التى اشتركت المخلوقات فيها فليس لمخلوق أن يقسم به ولا يتقى ولا ~~يتوكل عليه وإن كان أفضل المخلوقات ولا يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين ~~فضلا عن غيرهم من المشايخ والصالحين # فسؤال الله تعالى بالمخلوقات إن كان بما أقسم به وعظمه من المخلوقات ~~فيسوغ السؤال بذلك كله وإن لم يكن سائغا لم يجز أن يسأل بشىء من ذلك ~~والتفريق فى ذلك بين معظم ومعظم كتفريق من فرق ( فزعم أنه ) يجوز الحلف ~~ببعض المخلوقات دون بعض وكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر # ولو فرق مفرق بين ما يؤمن به وبين ما لا يؤمن به قيل له فيجب الإيمان ~~بالملائكة ms206 والنبيين ويؤمن بكل ما أخبر به الرسول مثل منكر ونكير والحور ~~PageV01P295 العين والولدان وغير ذلك أفيجوز أن يقسم بهذه المخلوقات لكونه ~~يجب الإيمان بها أم يجوز السؤال بها كذلك # فتبين أن السؤال بالأسباب إذا لم يكن المسئول به سببا لإجابة الدعاء فلا ~~فرق بين السؤال بمخلوق ومخلوق كما لا فرق بين القسم بمخلوق ومخلوق وكل ذلك ~~غير جائز فتبين أنه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء والله أعلم # # وأما قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) فكانت ~~اليهود تقول للمشركين سوف يبعث هذا النبى ونقاتلكم معه فنقتلكم لم يكونوا ~~يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به أو يقولون اللهم ابعث هذا النبى الأمى ~~لنتبعه ونقتل هؤلاء معه # هذا هو النقل الثابت عند اهل التفسير وعليه يدل القرآن فإنه قال تعالى ~~@QB@ وكانوا من قبل يستفتحون @QE@ والإستفتاح والإستنصار وهو طلب الفتح ~~والنصر فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلونهم معه فبهذا ينصرون ليس ~~هو بإقسامهم به وسؤالهم به إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به ~~نصروا ولم يكن الأمر كذلك بل لما بعث الله محمدا نصر الله من آمن به وجاهد ~~معه على من خالفه # وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ ~~مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له # وقد ذكرنا طرفا من ذلك فى ( دلائل النبوة ) وفى كتاب ( الإستغاثة ~~PageV01P296 الكبير ) و ( كتب السير ) و ( دلائل النبوة ) و ( التفسير ) ~~مشحونة بذلك قال أبو العالية وغيره كان اليهود إذا استنصروا بمحمد على ~~مشركى العرب يقولون اللهم ابعث هذا النبى الذى نجده مكتوبا عندنا حتى نغلب ~~المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمدا ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا ~~للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله فأنزل الله تعالى هذه الايات ( فلما جاءهم ~~ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ( # وروى محمد ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصارى عن رجال من قومه ~~قالوا مما دعانا ms207 إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ما كنا نسمع من رجال يهود ~~وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا وكانت لا ~~تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا قد تقارب ~~زمان نبى يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم كثيرا ما كنا نسمع ذلك منهم ~~فلما بعث الله محمدا رسولا من عند الله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ~~ما كانوا يتوعدونا به فبادرناهم اليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزل ~~هؤلاء الآيات التى فى البقرة ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ~~وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين ) # ولم يذكر ابن أبى حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسرى السلف إلا هذا وهذا لم ~~يذكر فيه السؤال به عن أحد من السلف بل ذكروا الإخبار به أو سؤال الله أن ~~يبعثه فروى ابن أبى حاتم عن أبي رزين عن الضحاك PageV01P297 عن ابن عباس فى ~~قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) قال يستظهرون ~~يقولون نحن نعين محمدا عليهم وليسوا كذلك يكذبون # وروى عن معمر عن قتادة فى قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا ) قال كانوا يقولون إنه سيأتى نبى ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) # وروى بإسناده عن ابن إسحاق حدثنا محمد بن أبى محمد قال أخبرنى عكرمة أو ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول ~~الله قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون ~~فيه فقال لهم معاذ بن جبل وبشر ابن البراء بن معرور وداود بن سلمة يا معشر ~~يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك ~~وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته فقال سلام بن مشكم أخو بنى النضير ما ~~جاءنا بشىء نعرفه وما هو بالذى كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى فى ms208 ذلك ( ~~ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) # وروى بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبى العالية قال كانت اليهود تستنصر ~~بمحمد على مشركى العرب يقولون اللهم ابعث هذا النبى الذى نجده مكتوبا عندنا ~~حتى نعذب المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمدا PageV01P298 ورأوا أنه من ~~غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله فقال الله ( فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) # وأما الحديث الذى يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت ~~يهود فعاذت بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق محمد النبى الأمى الذى وعدتنا ~~أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء ~~هزموا غطفان فلما بعث النبى كفروا به فأنزل الله تعالى ( وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) وهذا الحديث رواه ~~الحاكم فى مستدكه وقال أدت الضرورة إلا إخراجه وهذا مما أنكره عليه العلماء ~~فان عبد الملك بن هارون من أضعف الناس وهو عند أهل العلم بالرجال متروك بل ~~كذاب وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين وغيره من الأئمة فى حقه # قلت وهذا الحديث من جملتها وكذلك الحديث الآخر يرويه عن أبى بكر كما تقدم ~~ومما يبين ذلك أن قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) ~~إنما نزلت بإتفاق أهل التفسير والسير فى اليهود المجاورين للمدينة أولا ~~كبنى قينقاع وقريظة والنضير وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج وهم ~~الذين عاهدهم النبى لما قدم المدينة ثم لما نقضوا العهد حاربهم PageV01P299 ~~فحارب أولا بنى قينقاع ثم النضير وفيهم نزلت سورة الحشر ثم قريظة عام ~~الخندق فكيف يقال نزلت فى يهود خيبر وغطفان فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن ~~كيف يكذب ومما يبين ms209 ذلك أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا ~~الدعاء وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ولو كان هذا مما وقع لكان مما ~~تتوفر دواعى الصادقين على نقله # ومما ينبغى أن يعلم أن مثل هذا اللفظ لو كان مما يقتضى السؤال به ~~والإقسام به على الله تعالى لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه فى ~~الأحكام لأنه أولا لم يثبت وليس فى الآية ما يدل عليه ولو ثبت لم يلزم أن ~~يكون هذا شرعا لنا فان الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه وأخبر ~~عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا ( لنتخذن عليهم مسجدا ( ونحن قد ~~نهينا عن بناء المساجد على القبور ولفظ الآية إنما فيه أنهم كانوا يستفتحون ~~على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به # وهذا كقوله تعالى ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ( والإستفتاح طلب الفتح ~~وهو النصر ومنه الحديث المأثور أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يستفتح ~~بصعاليك المهاجرين أى يستنصر بهم أى بدعائهم كما قال ( وهل ترزقون وتنصرون ~~إلا بضعفائكم بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم ( # وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبى المبعوث فى آخر ~~الزمان بأن يعجل بعث ذلك النبى إليهم لينتصروا به عليهم لا لأنهم أقسموا ~~على الله وسألوا به ولهذا قال تعالى ^ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على PageV01P300 الكافرين ^ # فلو لم ترد الآثار التى تدل على أن هذا معنى الآية لم يجز لأحد أن يحمل ~~الآية على ذلك المعنى المتنازع فيه بلا دليل لأنه لا دلالة فيها عليه فكيف ~~وقد جاءت الآثار بذلك # وأما ما تقدم ذكره عن اليهود من أنهم كانوا ينصرون فقد بينا أنه شاذ وليس ~~هو من الآثار المعروفة فى هذا الباب فان اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب بل ~~كانوا مغلوبين معهم وكانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقا كما كانت ~~قريظة حلفاء الأوس وكانت النضير حلفاء الخزرج # وأما كون اليهود كانوا ينتصرون ms210 على العرب فهذا لا يعرف بل المعروف خلافه ~~والله تعالى قد أخبر بما يدل على ذلك فقال تعالى ^ ضربت عليهم الذلة أينما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون ^ # # فاليهود من حين ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس لم يكونوا بمجردهم ينتصرون لا على العرب ولا غيرهم وإنما كانوا ~~يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح عليه ~~السلام فكذبوه قال تعالى ^ ياعيسى إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين ~~كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ^ وقال تعالى ^ ~~يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم PageV01P301 ~~للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من ~~بنى إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ^ ~~وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال ~~تعالى ( وضربت عليهم المسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) # فإذا لم يكن الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره فى حياته صلى الله عليه وسلم ~~وبعد موته يقسمون بذاته بل إنما كانوا يتوسلون بطاعته أو بشفاعته فكيف يقال ~~فى دعاء المخلوقين الغائبين والموتى وسؤالهم من الأنبياء والملائكة وغيرهم ~~وقد قال تعالى ^ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ^ # قالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والانبياء كالمسيح وعزير ~~وغيرهما فنهى الله عن ذلك وأخبر تعالى أن هؤلاء يرجون رحمة الله ويخافون ~~عذابه ويتقربون اليه وانهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله عنهم ~~وقد قال تعالى ^ ما كان ms211 لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونو عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون ^ # PageV01P302 ولهذا نهى النبى أن يتخذ قبره مسجدا وأن يتخذ عيدا وقال فى ~~مرض موته ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( ~~يحذر ما صنعوا أخرجاه فى الصحيحين وقال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ~~اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( رواه مالك فى موطأه ~~وقال ( لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد ~~الله ورسوله ( متفق عليه # وقال ( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله ثم شاء محمد ( ~~وقال له بعض الأعراب ما شاء الله وشئت فقال ( أجعلتنى لله ندا بل ما شاء ~~الله وحده ( وقد قال الله تعالى له ( قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء ( وقال ~~تعالى @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا @QE@ وقال تعالى ^ إنك لا تهتدى ~~من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ^ وقال تعالى ^ ليس لك من الأمر شىء ^ ~~وهذا تحقيق التوحيد مع أنه أكرم الخلق على الله وأعلاهم منزلة عند الله # وقد روى الطبرانى فى معجمه الكبير أن منافقا كان يؤذى المؤمنين فقال أبو ~~بكر قوموا نستغيث برسول الله من هذا المنافق فقال له النبى ( إنه لا يستغاث ~~بى وانما يستغاث بالله ( وفى صحيح مسلم فى آخره أنه قال قبل أن يموت بخمس ( ~~إن من كان PageV01P303 قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك ( وفى صحيح مسلم أيضا وغيره أنه قال ( لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها ( # وفى الصحيحين من حديث أبى سعيد وأبى هريرة وله طرق متعددة عن غيرهما أنه ~~قال ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ms212 مسجدى هذا والمسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى ( وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتى قبر النبى فقال مالك ان كان أراد ~~القبر فلا يأته وان أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث ( لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد ( ذكره القاضى إسماعيل فى مبسوطه # ولو حلف حالف بحق المخلوقين لم تنعقد يمينه ولا فرق فى ذلك بين الأنبياء ~~والملائكة وغيرهم ولله تبارك وتعالى حق لا يشركه فيه أحد لا الأنبياء ولا ~~غيرهم وللأنبياء حق وللمؤمنين حق ولبعضهم على بعض حق فحقه تبارك وتعالى أن ~~يعبدوه لا يشركوا به كما تقدم فى حديث معاذ ومن عبادته تعالى أن يخلصوا له ~~الدين ويتوكلوا عليه ويرغبوا اليه ولا يجعلوا لله ندا لا فى محبته ولا ~~خشيته ولا دعائه ولا الإستعانة به كما فى الصحيحين أنه قال ( من مات وهو ~~يدعو ندا من دون الله دخل النار ( وسئل أى الذنب أعظم قال ( أن تجعل لله ~~ندا وهو خلقك ( وقيل له ما شاء الله وشئت فقال أجعلتنى لله ندا بل ما شاء ~~الله وحده PageV01P304 وقد قال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون @QE@ @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ~~فإياي فارهبون @QE@ @QB@ فإياي فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا فرغت ~~فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ وقال تعالى فى فاتحة الكتاب التى هى أم القرآن ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين يبلغون ~~رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله @QE@ # ولهذا لما كان المشركون يخوفون إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ~~قال تعالى ^ وحاجه قومه قال أتحاجونى فى الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون ~~به الا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شىء علما أفلا تتذكرون # وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ms213 لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأى الفريقين أحق بالأمن ان كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ^ # وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال لما نزلت هذه الاية ( الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا ايمانهم بظلم ( شق ذلك على أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا ~~أينا لم يظلم نفسه فقال لهم النبى ( انما ذاك الشرك كما قال العبد الصالح ( ~~يا بنى لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم ) # وقال تعالى @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ~~@QE@ PageV01P305 فجعل الطاعة لله والرسول فإنه من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله وجعل الخشية والتقوى لله وحده فلا يخشى الا الله ولا يتقى إلا الله ~~وقال تعالى @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين @QE@ # وقال تعالى ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ( فجعل سبحانه الإيتاء ~~لله والرسول فى أول الكلام وآخره كقوله تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا ( مع جعله الفضل لله وحده والرغبة إلى الله وحده # وهو تعالى وحده حسبهم لا شريك له فى ذلك وروى البخارى عن ابن عباس فى ~~قوله ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) قال قالها إبراهيم حين ألقى فى النار ~~وقالها محمد حين ( قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ( وقال تعالى @QB@ يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ # ومعنى ذلك عند جماهير السلف والخلف أن الله وحده حسبك وحسب من اتبعك من ~~المؤمنين كما بسط ذلك بالأدلة وذلك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم ~~الوسائط بيننا وبين الله فى أمره ونهيه ووعده ووعيده فالحلال ما أحله الله ~~ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ~~PageV01P306 فعلينا أن نحب الله ورسوله ونطيع الله ورسوله ونرضى الله ~~ورسوله قال تعالى @QB@ والله ورسوله أحق أن ms214 يرضوه إن كانوا مؤمنين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ وقال تعالى @QB@ من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره @QE@ # وفى الصحيحين عن أنس قال قال رسول الله ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة ~~الإيمان من كان الله ورسوله أحب اليه ممن سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه ~~الا لله ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقى فى النار ( وقد قال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا @QE@ فالإيمان ~~بالله والرسول والتعزير والتوقير للرسول وتعزيره نصره ومنعه والتسبيح بكرة ~~وأصيلا لله وحده فإن ذلك من العبادة لله والعبادة هى لله وحده فلا يصلى الا ~~لله ولا يصام الا لله ولا يحج الا إلى بيت الله ولا تشد الرحال الا إلى ~~المساجد الثلاثة لكون هذه المساجد بناها أنبياء الله بإذن الله ولا ينذر ~~الا لله ولا يحلف إلا بالله ولا يدعى إلا الله ولا يستغاث الا بالله # وأما ما خلقه الله سبحانه من الحيوان والنبات والمطر والسحاب وسائر ~~PageV01P307 المخلوقات فلم يجعل غيره من العباد واسطة فى ذلك الخلق كما جعل ~~الرسل واسطة فى التبليغ بل يخلق ما يشاء بما يشاء من الأسباب وليس فى ~~المخلوقات شىء يستقل بإبداع شىء بل لابد للسبب من أسباب أخر تعاونه ولابد ~~من دفع المعارض عنه وذلك لا يقدر عليه إلا الله وحده فما شاء الله كان وما ~~لم يشأ لم يكن بخلاف الرسالة فإن الرسول وحده كان واسطة فى تبليغ رسالته ~~إلى عباده # # وأما جعل الهدى فى قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول كما قال ~~الله تعالى @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ وقال ~~تعالى ^ إن تحرص على هداهم فإن الله لا ms215 يهدى من يضل ( وكذلك دعاء الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع إذا جعل الله تعالى ~~المحل قابلا له وإلا فلو استغفر النبى للكفار والمنافقين لم يغفر لهم قال ~~الله تعالى ( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) # وأما الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله عز وجل فى أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده وخبره فعلينا أن نصدقهم فى كل ما أخبروا به ونطيعهم ~~فيما أوجبوا وأمروا وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله عز وجل لا نفرق بين ~~أحد منهم ومن سب واحدا منهم كان كافرا مرتدا مباح الدم # وإذا تكلمنا فيما يستحقه الله تبارك وتعالى من التوحيد بينا أن الأنبياء ~~وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله تبارك وتعالى من خصائص فلا ~~يشرك بهم ولا يتوكل عليهم ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله ولا يقسم ~~PageV01P308 على الله بهم ولا يتوسل بذواتهم وإنما يتوسل بالإيمان بهم ~~وبمحبتهم وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم ومعاداة من عاداهم وطاعتهم ~~فيما أمروا وتصديقهم فيما أخبروا وتحليل ما حللوه وتحريم ما حرموه # والتوسل بذلك على وجهين # ( أحدهما ) أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء واعطاء السؤال كحديث الثلاثة ~~الذين أووا إلى الغار فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج ~~كربتهم وقد تقدم بيان ذلك # ( والثانى ) التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه فإن الأعمال ~~الصالحة التى أمر بها الرسول هى الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة ~~ومثل هذا كقول المؤمنين ( ربنا اننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا ~~بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ( ~~فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن ~~المؤمنين فى قوله تعالى ( انه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر ~~لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ( وأمثال ذلك كثير # # وكذلك التوسل بدعاء النبى وشفاعته فإنه يكون على وجهين # ( أحدهما ) أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما كان يطلب منه فى ~~حياته ms216 وكما يطلب منه يوم القيامة حين يأتون آدم ونوحا ثم الخليل ثم ~~PageV01P309 موسى الكليم ثم عيسى ثم يأتون محمدا صلوات الله وسلامه عليه ~~وعليهم فيطلبون منه الشفاعة # ( والوجه الثانى ) أن يكون التوسل مع ذلك بأن يسأل الله تعالى بشفاعته ~~ودعائه كما فى حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره فإنه طلب منه الدعاء ~~والشفاعة فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول ( اللهم انى ~~أسألك وأتوجه اليك به اللهم فشفعه فى ( فأمره أن يسأل الله تعالى قبول ~~شفاعته بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول والرسول لم يدع له ولم ~~يشفع فيه فهذا توسل بما لم يوجد وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع ~~فيه # ومن هذا الباب قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقت الإستسقاء كما تقدم ~~فإن عمر والمسلمين توسلوا بدعاء العباس وسألوا الله تعالى مع دعاء العباس ~~فإنهم استشفعوا جميعا ولم يكن العباس وحده هو الذى دعا لهم فصار التوسل ~~بطاعته والتوسل بشفاعته كل منهما يكون مع دعاء المتوسل وسؤاله ولا يكون ~~بدون ذلك # فهذه أربعة أنواع كلها مشروعة لا ينازع فى واحد منها أحد من أهل العلم ~~والإيمان # ودين الإسلام مبنى على أصلين وهما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وأول ذلك أن لا تجعل مع الله الها آخر فلا تحب مخلوقا كما ~~تحب الله ولا ترجوه كما ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله ومن سوى ~~PageV01P310 بين المخلوق والخالق فى شىء من ذلك فقد عدل بالله وهو من الذين ~~بربهم يعدلون وقد جعل مع الله الها آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده ~~خلق السموات والأرض # فإن مشركى العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض كما قال ~~تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ وكانوا مع ~~ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى قال تعالى ^ أإنكم لتشهدون أن مع الله ~~آلهة أخرى قل لا أشهد ^ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون ms217 الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ فصاروا مشركين ~~لأنهم أحبوهم كحبه لا أنهم قالوا ان آلهتهم خلقوا كخلقه كما قال تعالى ^ أم ~~جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ^ # وهذا استفهام إنكار بمعنى النفى أى ما جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فإنهم ~~مقرون أن آلهتهم لم يخلقوا كخلقه وإنما كانوا يجعلونهم شفعاء ووسائط قال ~~تعالى ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله قل اتنبئون الله بما لا يعلم فى السموات ولا فى الأرض سبحانه ~~وتعالى عما يشركون ) وقال صاحب يس ( ومالى لا أعبد الذى فطرنى واليه ترجعون # أأتخذ من دونه آلهة أن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون # انى اذا لفى ضلال مبين # انى آمنت بربكم فاسمعون ) # # ( الأصل الثانى ) أن نعبده بما شرع على ألسن رسله لا نعبده إلا بواجب أو ~~مستحب والمباح إذا قصد به الطاعة دخل فى ذلك PageV01P311 # والدعاء من جملة العبادات فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث ~~بهم مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب كان ~~مبتدعا فى الدين مشركا برب العالمين متبعا غير سبيل المؤمنين ومن سأل الله ~~تعالى بالمخلوقين أو أقسم عليه بالمخلوقين كان مبتدعا بدعة ما أنزل الله ~~بها من سلطان فإن ذم من خالفه وسعى فى عقوبته كان ظالما جاهلا معتديا # وإن حكم بذلك فقد حكم بغير ما أنزل الله وكان حكمه منقوضا بإجماع ~~المسلمين وكان إلى أن يستتاب من هذا الحكم ويعاقب عليه أحوج منه إلى أن ~~ينفذ له هذا الحكم ويعان عليه وهذا كله مجمع عليه بين المسلمين ليس فيه ~~خلاف لا بين الأئمة الأربعة ولا غيرهم # وقد بسط الكلام على هذه الأمور فى مجلدات من جملتها مصنف ذكرنا فيه قواعد ~~تتعلق بحكم الحكام وما يجوز لهم الحكم فيه وما لا يجوز وهو مؤلف مفرد يتعلق ~~بأحكام هذا الباب لا يحسن إيراد شىء من فصوله هاهنا لإفراد ms218 الكلام فى هذا ~~الموضع على قواعد التوحيد ومتعلقاته وسيأتى إيراد ما اختصر منه وحررت فصوله ~~فى ضمن أوراق مفردة يقف عليها المتأمل لمزيد الفائدة ومسيس الحاجة إلى ~~معرفة هذا الأمر المهم وبالله التوفيق # # وكنت وأنا بالديار المصرية فى سنة إحدى عشر وسبعمائة قد إستفتيت عن ~~PageV01P312 التوسل بالنبى فكتبت فى ذلك جوابا مبسوطا وقد أحببت إيراده هنا ~~لما فى ذلك من مزيد الفائدة فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد وحسم ~~مادة الشرك والغلو كلما تنوع بيانها ووضحت عباراتها كان ذلك نورا على نور ~~والله المستعان # وصورة السؤال # المسئول من السادة العلماء أئمة الدين أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من ~~الإستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين # و صورة الجواب # الحمد لله رب العالمين أجمع المسلمون على أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له فى ~~الشفاعة ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما إتفق عليه الصحابة رضوان ~~الله عليهم أجمعين واستفاضت به السنن من أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته ~~ويشفع أيضا لعموم الخلق # فله شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد وشفاعات يشركه فيها غيره من ~~الأنبياء والصالحين لكن ما له فيها أفضل مما لغيره فإنه أفضل الخلق وأكرمهم ~~على ربه عز وجل وله من الفضائل التى ميزه الله بها على سائر النبيين ما ~~يضيق هذا الموضع عن بسطه ومن ذلك ( المقام PageV01P313 المحمود ) الذى ~~يغبطه به الأولون والآخرون وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة منها فى الصحيحين ~~أحاديث متعددة وفى السنن والمساند مما يكثر عدده # وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن الشفاعة إنما هى للمؤمنين ~~خاصة فى رفع بعض الدرجات وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقا # # وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به فى حياته ~~بحضرته كما ثبت فى صحيح البخارى عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا ~~قحطوا إستسقى بالعباس بن عبدالمطلب فقال ( اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل ~~اليك بنبينا فتسقينا # وأنا ms219 نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا ( فيسقون # وفى البخارى أيضا عن إبن عمر أنه قال ربما ذكرت قول الشاعر % وأنا أنظر ~~إلى وجه النبى يستسقى فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب % وأبيض يستسقى الغمام ~~بوجهه % ثمال اليتامى عصمة للأرامل % $ # والتوسل بالنبى الذى ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسرا فى سائر أحاديث ~~الإستسقاء وهو من جنس الإستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب ~~من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته ونحن نقدمه بين أيدينا شافعا وسائلا لنا ~~بأبى هو وأمى صلى الله عليه وسلم # وكذلك معاوية بن أبى سفيان لما أجدب الناس بالشام استسقى بيزيد بن الأسود ~~الجرشى فقال ( اللهم إنا نستشفع ونتوسل بخيارنا يا يزيد إرفع يديك ) فرفع ~~يديه ودعا ودعا الناس حتى سقوا PageV01P314 # ولهذا قال العلماء يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح وإذا كانوا من أهل ~~بيت رسول الله فهو أحسن # وهذا الإستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه فإنه كان يدعو للمتوسل به ~~المستشفع به والناس يدعون معه كما أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبى ~~دخل عليه أعرابى فقال يارسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله ~~يغثنا فرفع النبى يديه وقال ( اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا ) وما ~~فى السماء قزعة فنشأت سحابة من جهة البحر فمطروا أسبوعا لا يرون فيه الشمس ~~حتى دخل عليهم الأعرابى أو غيره فقال يارسول الله انقطعت السبل وتهدم ~~البنيان فادع الله يكشفها عنا فرفع يديه وقال ( اللهم حوالينا ولا علينا ~~اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية ) فانجابت عن المدينة ~~كما ينجاب الثوب والحديث مشهور فى الصحيحين وغيرهما وفى حديث آخر فى سنن ~~أبى داود وغيره أن رجلا قال له إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك ~~فسبح رسول الله حتى رؤى ذلك فى وجوه أصحابه وقال ( ويحك أتدرى ما الله إن ~~الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ) # وهذا يبين أن معنى الإستشفاع بالشخص فى كلام النبى وأصحابه هو إستشفاع ~~بدعائه وشفاعته ms220 ليس هو السؤال بذاته فإنه لو كان هذا PageV01P315 السؤال ~~بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق ولكن لما كان ~~معناه هو الأول أنكر النبى قوله ( نستشفع بالله عليك ) ولم ينكر قوله ~~نستشفع بك على الله لأن الشفيع يسأل المشفوع اليه أن يقضى حاجة الطالب ~~والله تعالى لا يسأل أحدا من عباده أن يقضى حوائج خلقه وإن كان بعض الشعراء ~~ذكر استشفاعه بالله تعالى فى مثل قوله % شفيعى اليك الله لا رب غيره % وليس ~~إلى رد الشفيع سبيل % $ # فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم # وكذلك بعض الإتحادية ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبى وكلاهما خطأ ~~وضلال بل هو سبحانه المسئول المدعو الذى يسأله كل من فى السموات والأرض ~~ولكن هو تبارك وتعالى يأمر عباده فيطيعونه وكل من وجبت طاعته من المخلوقين ~~فإنما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى فالرسل يبلغون عن الله أمره فمن أطاعهم ~~فقد أطاع الله ومن بايعهم فقد بايع الله قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~@QE@ # وأولوا الأمر من أهل العلم وأهل الإمارة إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة ~~الله ورسوله قال فى الحديث الصحيح ( على المرء المسلم السمع والطاعة فى ~~عسره ويسره ومنشطه ومكرهه ما لم يؤمر بمعصية الله فإذا أمر بمعصية الله فلا ~~سمع ولا طاعة ) وقال ( لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق PageV01P316 ) # وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته فى الشفاعة وان كان عظيما وفى الحديث ~~الصحيح أن النبى سأل بريرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه لما أعتقت وخيرها ~~النبى فاختارت فراقه وكان زوجها يحبها فجعل يبكى فسألها النبى أن تمسكه ~~فقالت أتأمرنى فقال ( لا انما أنا شافع ( وإنما قالت ( أتأمرنى ( وقال ( ~~انما أنا شافع ( لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته ~~فإنه لا يجب قبول شفاعته ولهذا لم يلمها النبى صلى الله عليه وسلم على ترك ~~قبول شفاعته فشفاعة غيره من الخلق أولى أن ms221 لا يجب قبولها # والخالق جل جلاله أمره أعلى وأجل من أن يكون شافعا إلى مخلوق بل هو ~~سبحانه أعلى شأنا من أن يشفع أحد عنده الا بإذنه قال تعالى ( وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون # ومن يقل منهم إنى اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين ) # ودل الحديث المتقدم على أن الرسول يستشفع به إلى الله عز وجل أى يطلب منه ~~أن يسأل ربه الشفاعة فى الدنيا والآخرة فأما فى الآخرة فيطلب منه الخلق ~~الشفاعة فى أن يقضى الله بينهم وفى أن يدخلوا الجنة ويشفع فى أهل الكبائر ~~من أمته ويشفع فى بعض من يستحق النار أن لا يدخلها ويشفع فى بعض من دخلها ~~أن يخرج منها PageV01P317 ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل ~~الطاعة المستحقين للثواب # # ولكن كثيرا من أهل البدع والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعته لأهل الكبائر ~~فقالوا لا يشفع لأهل الكبائر بناء على أن أهل الكبائر عندهم لا يغفر الله ~~لهم ولا يخرجهم من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا غيرها ومذهب الصحابة ~~والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه يشفع فى أهل ~~الكبائر وأنه لا يخلد فى النار من أهل الإيمان أحد بل يخرج من النار من فى ~~قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان لكن هذا الإستسقاء ~~والإستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون فى حياته بمعنى أنهم يطلبون منه ~~الدعاء فيدعو لهم فكان توسلهم بدعائه والإستشفاع به طلب شفاعته والشفاعة ~~دعاء # فأما التوسل بذاته فى حضوره أو مغيبه أو بعد موته مثل الإقسام بذاته أو ~~بغيره من الأنبياء أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم فليس هذا مشهورا عند ~~الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبى سفيان ومن بحضرتهما من ~~أصحاب رسول الله والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا ~~واستشفعوا بمن ms222 كان حيا كالعباس وكيزيد بن الأسود ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ~~ولم يستسقوا فى هذه الحال بالنبى لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى ~~البدل كالعباس PageV01P318 وكيزيد بل كانوا يصلون عليه فى دعائهم وقد قال ~~عمر اللهم انا كنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا ~~فاسقنا فجعلوا هذا بدلا عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع ~~الذى كانوا يفعلونه وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ~~ويقولوا فى دعائهم فى الصحراء بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التى تتضمن القسم ~~بمخلوق على الله عز وجل أو السؤال به فيقولون نسألك أو نقسم عليك بنبيك أو ~~بجاه نبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس # # وروى بعض الجهال عن النبى أنه قال إذا سألتم الله فاسألوه بجاهى فإن جاهى ~~عند الله عظيم وهذا الحديث كذب ليس فى شىء من كتب المسلمين التى يعتمد ~~عليها أهل الحديث ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث مع أن جاهه عند الله ~~تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين وقد أخبرنا سبحانه عن موسى ~~وعيسى عليهما السلام أنهما وجيهان عند الله فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله ~~وجيها @QE@ وقال تعالى ^ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ~~اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ^ # فاذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله عز وجل فكيف بسيد ولد آدم صاحب ~~المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون وصاحب الكوثر PageV01P319 ~~والحوض المورود الذى آنيته عدد نجوم السماء وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى ~~من العسل ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا # وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة حين يتأخر عنها آدم وأولو العزم نوح ~~وابراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ويتقدم هو اليها وهو ~~صاحب اللواء آدم ومن دونه تحت لوائه وهو سيد ولد آدم وأكرمهم على ربه ms223 عز ~~وجل وهو امام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذ وفدوا ذو الجاه العظيم وعلى ~~آله # # ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فانه لا ~~يشفع عنده أحد الا بإذنه ( ان كل من فى السموات والأرض الا آتى الرحمن عبدا # لقد أحصاهم وعدهم عدا ) وقال تعالى @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ~~جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ~~وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا @QE@ # والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير اذنه فهو شريك له فى حصول المطلوب والله ~~تعالى لا شريك له كما قال سبحانه @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ PageV01P320 # وقد استفاضت الأحاديث عن النبى أنه نهى عن إتخاذ القبور مساجد ولعن من ~~يفعل ذلك ونهى عن اتحاذ قبره عيدا وذلك لأن أول ما حدث الشرك فى بنى آدم ~~كان فى قوم # نوح قال ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام وثبت ذلك ~~فى الصحيحين عن النبى أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض وقد قال ~~الله تعالى عن قومه انهم قالوا ( لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ~~ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ) # قال غير واحد من السلف هؤلاء كانوا قوما صالحين فى قوم نوح فلما ماتوا ~~عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم وقد ذكر البخارى فى صحيحه ~~هذا عن ابن عباس وذكر أن هذه الآلهة صارت إلى العرب وسمى قبائل العرب الذين ~~كانت فيهم هذه الأصنام # فلما علمت الصحابة رضوان الله عليهم أن النبى حسم مادة الشرك بالنهى عن ~~اتخاذ القبور مساجد وان كان المصلى يصلى لله عز وجل كما ms224 نهى عن الصلاة وقت ~~طلوع الشمس لئلا يشابه المصلين للشمس وان كان المصلى انما يصلى لله تعالى ~~وكان الذى يقصد الدعاء بالميت أو عند قبره أقرب إلى الشرك من الذى لا يقصد ~~الا الصلاة لله عز وجل لم يكونوا يفعلون ذلك وكذلك علم الصحابة أن التوسل ~~به انما هو التوسل بالإيمان به وطاعته PageV01P321 # ومحبته وموالاته أو التوسل بدعائه وشفاعته فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته ~~مجردة عن هذا وهذا فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئا من ذلك ولا ~~دعوا بمثل هذ الأدعية وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله وأعلم بما ~~أمر الله به رسوله من الأدعية وما هو أقرب إلى الإجابة منا بل توسلوا ~~بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبى صلى الله عليه وسلم دل عدولهم عن التوسل ~~بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنا # وقد قال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ( رواه مالك فى موطأه ورواه غيره وفى سنن أبى داود عن ~~النبى أنه قال ( لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على حيثما كنتم فان صلاتكم ~~تبلغنى ( وفى الصحيحين أنه قال فى مرض موته ( لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا لأبرز قبره ~~ولكن كره أن يتخذ مسجدا # وفى صحيح مسلم عن جندب أن النبى قال قبل أن يموت بخمس ( إنى ابرأ إلى ~~الله أن يكون لى منكم خليل ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا فان الله قد اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا إن من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فانى أنهاكم عن ذلك ~~( # فى الصحيح عن النبى أنه PageV01P322 قال ( لا تطرونى كما أطرت النصارى ~~عيسى بن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ( # # وقد روى الترمذى حديثا صحيحا عن النبى أنه علم رجلا أن يدعو فيقول ( ~~اللهم إنى أسألك وأتوسل اليك بنبيك محمد ms225 نبى الرحمة يا محمد يارسول الله ~~إنى أتوسل بك إلى ربى فى حاجتى ليقضيها لى اللهم شفعه فى ( وروى النسائى ~~نحو هذا الدعاء # وفى الترمذى وابن ماجه عن عثمان بن حنيف ان رجلا ضريرا أتى النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقال ادع الله أن يعافينى فقال إن شئت دعوت وان شئت صبرت ~~فهو خير لك فقال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء ( ~~اللهم إنى أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا رسول الله يا محمد ~~إنى توجهت بك إلى ربى فى حاجتى هذه لتقضى اللهم فشفعه فى ( قال الترمذى هذا ~~حديث حسن صحيح # ورواه النسائى عن عثمان بن حنيف ولفظه أن رجلا أعمى قال يارسول الله ادع ~~الله أن يكشف لى عن بصرى قال ( فإنطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إنى ~~أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد انى أتوجه بك إلى ربى أن ~~يكشف عن بصرى اللهم فشفعه فى ( قال فرجع وقد كشف الله عن بصره وقال الإمام ~~أحمد فى مسنده حدثنا روح حدثنا شعبة عن عمير بن يزيد PageV01P323 الخطمى ~~المدينى قال سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ~~ضريرا أتى النبى فقال يا نبى الله ادع الله أن يعافينى فقال ( إن شئت أخرت ~~ذلك فهو خير لآخرتك وان شئت دعوت لك ( قال لا بل ادع الله لى فأمره أن ~~يتوضأ وأن يصلى ركعتين وان يدعو بهذا الدعاء ( اللهم انى أسألك وأتوجه اليك ~~بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربى فى حاجتى هذه فتقضى ~~اللهم فشفعنى فيه وشفعه فى ( قال ففعل الرجل فبرأ # فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله فى الدعاء # فمن الناس من يقول هذا يقتضى جواز التوسل به مطلقا حيا وميتا وهذا يحتج ~~به من يتوسل بذاته بعد موته وفى مغيبه ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة ~~فى حياته كان بمعنى الإقسام به على الله أو بمعنى أنهم ms226 سألوا الله بذاته أن ~~يقضى حوائجهم ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعو هو لهم ولا إلى أن ~~يطيعوه فسواء عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع الجميع عندهم توسل به ~~وسواء أطاعوه أو لم يطيعوه ويظنون أن الله تعالى يقضى حاجة هذا الذى توسل ~~به بزعمهم ولم يدع له الرسول كما يقضى حاجة هذا الذى توسل بدعائه ودعا له ~~الرسول اذ كلاهما متوسل به عندهم ويظنون أن كل من سأل الله تعالى بالنبى ~~فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى وان ما أمر به الأعمى مشروع لهم وقول ~~هؤلاء باطل شرعا وقدرا فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما يقولونه مطابق لخلق ~~الله PageV01P324 ومن الناس من يقولون هذه قضية عين يثبت الحكم فى نظائرها ~~التى تشبهها فى مناط الحكم لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل ~~لها والفرق ثابت شرعا وقدرا بين من دعا له النبى صلى الله عليه وسلم وبين ~~من لم يدع له ولا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر # وهذا الأعمى شفع له النبى فلهذا قال فى دعائه ( اللهم فشفعه فى ( فعلم ~~أنه شفيع فيه ولفظه ( ان شئت صبرت وإن شئت دعوت لك ( فقال ادع لى فهو طلب ~~من النبى ان يدعو له فأمره النبى أن يصلى ويدعو هو أيضا لنفسه ويقول فى ~~دعائه ( اللهم فشفعه فى ( فدل ذلك على أن معنى قوله ( أسألك وأتوجه اليك ~~بنبيك محمد ( أى بدعائه وشفاعته كما قال عمر ( اللهم انا كنا إذا أجدبنا ~~توسلنا اليك بنبينا فتسقينا ( فالحديثان معناهما واحد فهو علم رجلا أن ~~يتوسل به فى حياته كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به اذا أجدبوا ثم انهم ~~بعد موته انما كانوا يتوسلون بغيره بدلا عنه # فلو كان التوسل به حيا وميتا سواء والمتوسل به الذى دعا له الرسول كمن لم ~~يدع له الرسول لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ~~وأقربهم اليه وسيلة إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ms227 ليس مثله PageV01P325 # وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان ~~عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى فعدولهم عن هذا إلى هذا ~~مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فإنهم ~~أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم ~~يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره وهم فى وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون ~~تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن دليل على أن ~~المشروع ما سلكوه دون ما تركوه # ولهذا ذكر الفقهاء فى كتبهم فى الإستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه وذلك أن ~~التوسل به حيا هو الطلب لدعائه وشفاعته وهو من جنس مسألته أن يدعو لهم وهذا ~~مشروع فما زال المسلمون يسألون رسول الله فى حياته أن يدعو لهم # وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء لا عند قبره ولا عند ~~غير قبره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين يسأل أحدهم الميت ~~حاجته أو يقسم على الله به ونحو ذلك # وإن كان قد روى فى ذلك حكايات عن بعض المتأخرين بل طلب الدعاء مشروع من ~~كل مؤمن لكل مؤمن حتى قال رسول الله لعمر لما استأذنه فى العمرة ( لا تنسنا ~~يا أخى من دعائك ( إن صح PageV01P326 الحديث وحتى أمر النبى صلى الله عليه ~~وسلم أن يطلب من أويس القرنى أن يستغفر للطالب وإن كان الطالب أفضل من أويس ~~بكثير # وقد قال النبى فى الحديث الصحيح ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ~~ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى ~~الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة ( مع ~~أن طلبه من أمته الدعاء ليس هو طلب حاجة من المخلوق بل هو تعليم لأمته ما ~~ينتفعون به فى دينهم ms228 وبسبب ذلك التعليم والعمل بما علمهم يعظم الله أجره # فإنا إذا صلينا عليه مرة صلى الله علينا عشرا وإذا سألنا الله له الوسيلة ~~حلت علينا شفاعته يوم القيامة وكل ثواب يحصل لنا على أعمالنا فله مثل أجرنا ~~من غير أن ينقص من أجرنا شىء فإنه قال ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر ~~مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا ( وهو الذى دعا أمته ~~إلى كل خير وكل خير تعمله أمته له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شىء ~~ولهذا لم يكن الصحابة والسلف يهدون اليه ثواب أعمالهم ولا يحجون عنه ~~PageV01P327 ولا يتصدقون ولا يقرءون القرآن ويهدون له لأن كل ما يعمله ~~المسلمون من صلاة وصيام وحج وصدقة وقراءة له مثل أجورهم من غير أن ينقص من ~~أجورهم شىء بخلاف الوالدين فليس كل ما عمله المسلم من الخير يكون لوالديه ~~مثل أجره ولهذا يهدى الثواب لوالديه وغيرهما # ومعلوم أن الرسول مطيع لربه عز وجل فى قوله تعالى ( فإذا فرغت فانصب والى ~~ربك فارغب ) فهو لا يرغب إلى غير الله وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال ( ~~يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ~~ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ( # فهؤلاء من أمته وقد مدحهم بأنهم لا يسترقون والإسترقاء أن يطلب من غيره ~~أن يرقيه والرقية من نوع الدعاء وكان هو يرقى نفسه وغيره ولا يطلب من أحد ~~أن يرقيه ورواية من روى فى هذا ( لا يرقون ( ضعيفة غلط فهذا مما يبين حقيقة ~~أمره لأمته بالدعاء أنه ليس من باب سؤال المخلوق للمخلوق الذى غيره أفضل ~~منه فإن من لا يسأل الناس بل لا يسأل إلا الله أفضل ممن يسأل الناس ومحمد ~~سيد ولد آدم # ودعاء الغائب للغائب أعظم إجابة من دعاء الحاضر لأنه أكمل إخلاصا وأبعد ~~عن الشرك فكيف يشبه دعاء من يدعو لغيره بلا سؤال منه إلى دعاء PageV01P328 ~~من يدعو الله بسؤاله وهو حاضر وفى ms229 الحديث ( أعظم الدعاء إجابة دعاء غائب ~~لغائب ( وفى صحيح مسلم عن النبى أنه قال ( ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب ~~بدعوة الا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به آمين ~~ولك بمثله ( # وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه والمخلوق قادر على ~~دعاء الله ومسألته فلهذا كان طلب الدعاء جائزا كما يطلب منه الإعانة بما ~~يقدر عليه والأفعال التى يقدر عليها # فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله ~~سبحانه لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم ولا يجوز ~~أن يقال لغير الله اغفر لى واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين أو اهد ~~قلوبنا ونحو ذلك ولهذا روى الطبرانى فى معجمه أنه كان فى زمن النبى منافق ~~يؤذى المؤمنين فقال الصديق قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق ~~فجاءوا اليه فقال ( إنه لا يستغاث بى وإنما يستغاث بالله ( وهذا فى ~~الإستغاثة مثل ذلك # فأما ما يقدر عليه البشر فليس من هذا الباب وقد قال سبحانه PageV01P329 ( ~~إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ( وفى دعاء موسى عليه السلام ( اللهم لك ~~الحمد واليك المشتكى واليك المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ~~ولا قوة إلا بك ( وقال أبو يزيد البسطامى إستغاثة المخلوق بالمخلوق ~~كإستغاثة الغريق بالغريق # وقال أبو عبد الله القرشى إستغاثة المخلوق بالمخلوق كإستغاثة المسجون ~~بالمسجون وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فقال الله تعالى ~~هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادى كما أنتم عبادى يرجون رحمتى كما ترجون رحمتى ~~ويخافون عذابى كما تخافون عذابى ويتقربون إلى كما تتقربون إلى فنهى سبحانه ~~عن دعاء الملائكة والأنبياء مع اخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون ~~ومع هذا فليس ms230 لنا أن نطلب ذلك منهم # وكذلك الأنبياء والصالحون وان كانوا أحياء فى قبورهم وان قدر انهم يدعون ~~للأحياء وان وردت به آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ولم يفعل ذلك أحد من ~~السلف لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى بخلاف الطلب ~~من أحدهم فى حياته فانه لا يفضى إلى الشرك ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله ~~الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالامر الكونى PageV01P330 فلا يؤثر فيه ~~سؤال السائلين بخلاف سؤال أحدهم فى حياته فانه يشرع اجابة السائل وبعد ~~الموت انقطع التكليف عنهم # وقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ # فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر وقال تعالى ( ~~قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم ظهير # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) وقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه @QE@ وقال تعالى @QB@ ما من شفيع إلا من بعد إذنه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ وقال تعالى @QB@ ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون @QE@ وقال تعالى عن صاحب يس ^ ومالي لا أعبد الذى فطرنى واليه ~~ترجعون # أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون # إنى إذا لفى ضلال مبين # إنى آمنت بربكم فاسمعون ^ وقال تعالى @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له @QE@ وقال تعالى ^ يؤمئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى ~~له قولا ^ وقال تعالى @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ms231 ارتضى وهم من خشيته مشفقون ~~@QE@ PageV01P331 فالشفاعة نوعان # أحدهما الشفاعة التى نفاها الله تعالى كالتى أثبتها المشركون ومن ضاهاهم ~~من جهال هذه الأمة وضلالهم وهى شرك # والثانى أن يشفع الشفيع بإذن الله وهذه التى أثبتها الله تعالى لعباده ~~الصالحين ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة ~~يأتى ويسجد قال ( فأحمد ربى بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن فيقال أى ~~محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع ( فاذا أذن له فى الشفاعة شفع ~~لمن أراد الله أن يشفع فيه # قال أهل هذا القول ولا يلزم من جواز التوسل والإستشفاع به بمعنى أن يكون ~~هو داعيا للمتوسل به أن يشرع ذلك فى مغيبه وبعد موته مع أنه هو لم يدع ~~للمتوسل به بل المتوسل به أقسم به أو سأل بذاته مع كون الصحابة فرقوا بين ~~الأمرين وذلك لأنه فى حياته يدعو هو لمن توسل به ودعاؤه هو لله سبحانه أفضل ~~دعاء الخلق فهو أفضل الخلق وأكرمهم على الله فدعاؤه لمن دعا له وشفاعته له ~~أفضل دعاء مخلوق لمخلوق فكيف يقاس هذا بمن لم يدع له الرسول ولم يشفع له ~~ومن سوى بين من دعا له الرسول وبين من لم يدع له الرسول وجعل هذا التوسل ~~كهذا التوسل فهو من أضل الناس # وأيضا فانه ليس فى طلب الدعاء منه ودعائه هو والتوسل بدعائه ضرر ~~PageV01P332 بل هو خير بلا شر وليس فى ذلك محذور ولا مفسدة فان أحدا من ~~الأنبياء عليهم السلام لم يعبد فى حياته بحضوره فانه ينهى من يعبده ويشرك ~~به ولو كان شركا أصغر كما نهى النبى من سجد له عن السجود له وكما قال ( لا ~~تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ( وأمثال ~~ذلك # وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزير ~~وغيرهما عند قبورهم ولهذا قال النبى ( لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن ~~مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ( أخرجاه فى ms232 الصحيحين وقال ( ~~اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ( وقال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ( يحذر ما فعلوا # وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان أحدهما أن لا نعبد إلا الله والثانى أن لا ~~نعبده إلا بما شرع لا نعبده بعبادة مبتدعة # وهذان الأصلان هما تحقيق ( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~( كما قال تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ # قال الفضيل بن عياض أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا على ما أخلصه وأصوبه قال ~~ان العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون لله والصواب أن يكون ~~على السنة وذلك تحقيق قوله تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ( PageV01P333 # وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول فى دعائه اللهم اجعل عملى كله ~~صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا وقال تعالى @QB@ أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ # وفى الصحيحين عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أحدث فى ~~أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ( وفى لفظ فى الصحيح ( من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد ( وفى الصحيح وغيره أيضا يقول الله تعالى ( أنا أغنى الشركاء ~~عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيرى فأنا منه برىء وهو كله للذى أشرك ( # ولهذا قال الفقهاء العبادات مبناها على التوقيف كما فى الصحيحين عن عمر ~~بن الخطاب أنه قبل الحجر الاسود وقال ( والله انى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا ~~تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك ) والله سبحانه امرنا ~~باتباع الرسول وطاعته وموالاته ومحبته وأن يكون الله ورسوله أحب الينا مما ~~سواهما وضمن لنا بطاعته ومحبته محبة الله وكرامته فقال تعالى @QB@ قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإن تطيعوه تهتدوا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يطع ms233 الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم @QE@ وأمثال ذلك ~~فى القرآن كثير ولا ينبغى لأحد أن يخرج فى هذا عما مضت به السنة وجاءت به ~~الشريعة PageV01P334 ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الامة وما علمه ~~قال به وما لم يعلمه امسك عنه ولا يقفو ما ليس له به علم ولا يقول على الله ~~ما لم يعلم فان الله تعالى قد حرم ذلك كله # وقد جاء فى الاحاديث النبوية ذكر ما سأل الله تعالى به كقوله ( اللهم انى ~~أسألك بأن لك الحمد لا اله الا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا ~~الجلال والاكرام يا حى يا قيوم ) رواه أبو داود وغيره وفى لفظ ( اللهم انى ~~أسالك بأنى أشهد أنك أنت الله لا اله الا أنت الأحد الصمد الذى لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد ) رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه # وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وهو الحلف ~~بالمخلوقات فلو حلف بالكعبة أو بالملائكة أو بالانبياء أو بأحد من الشيوخ ~~أو بالملوك لم تنعقد يمينه ولا يشرع له ذلك بل ينهى عنه اما نهى تحريم واما ~~نهى تنزيه فان للعلماء فى ذلك قولين والصحيح أنه نهى تحريم ففى الصحيح عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) ~~وفى الترمذى عنه أنه قال ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) ولم يقل أحد من ~~العلماء المتقدمين أنه تنعقد اليمين بأحد من الانبياء الا فى نبينا فان عن ~~أحمد روايتين فى أنه تنعقد اليمين به وقد طرد بعض أصحابه كابن عقيل الخلاف ~~فى سائر الانبياء وهذا ضعيف وأصل القول بانعقاد اليمين بالنبى ضعيف شاذ ولم ~~يقل به أحد من العلماء PageV01P335 فيما نعلم والذى عليه الجمهور كمالك ~~والشافعى وأبى حنيفة أنه لا تنعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا ~~هو الصحيح # وكذلك الاستعاذة بالمخلوقات بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته ms234 ~~ولهذا احتج السلف كأحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق فيما احتجوا به ~~بقول النبى ( أعوذ بكلمات الله التامات ( قالوا فقد استعاذ بها ولا يستعاذ ~~بمخلوق # وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا بأس بالرقى ما لم تكن ~~شركا ( فنهى عن الرقى التى فيها شرك كالتى فيها استعاذة بالجن كما قال ~~تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ ~~ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والإقسام التى يستعملها بعض الناس فى حق ~~المصروع وغيره التى تتضمن الشرك بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك ~~خشية أن يكون فيه شرك بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فإنه جائز فإذا لا ~~يجوز أن يقسم لا قسما مطلقا ولا قسما على غيره إلا بالله عز وجل ولا يستعيذ ~~إلا بالله عز وجل # والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسما عليه واما أن يكون طالبا بذلك ~~السبب كما توسل الثلاثة فى الغار بأعمالهم وكما يتوسل بدعاء الأنبياء ~~والصالحين PageV01P336 # فإن كان إقساما على الله بغيره فهذا لا يجوز # وإن كان سؤالا بسبب يقتضى المطلوب كالسؤال بالأعمال التى فيها طاعة الله ~~ورسوله مثل السؤال بالإيمان بالرسول ومحبته وموالاته ونحو ذلك فهذا جائز # وإن كان سؤالا بمجرد ذات الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع وقد نهى عنه ~~غير واحد من العلماء وقالوا إنه لا يجوز ورخص فيه بعضهم والأول أرجح كما ~~تقدم وهو سؤال بسبب لا يقتضى حصول المطلوب بخلاف من كان طالبا بالسبب ~~المقتضى لحصول المطلوب كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة ~~فهذا جائز لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذى دعوا به وكذلك الأعمال ~~الصالحة سبب لثواب الله لنا وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا كنا متوسلين اليه ~~تعالى بوسيلة كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة @QE@ والوسيلة هى الأعمال الصالحة وقال تعالى @QB@ أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ # وأما إذا لم نتوسل اليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا ولكن توسلنا ms235 بنفس ~~ذواتهم لم يكن نفس ذواتهم سببا يقتضى إجابة دعائنا فكنا متوسلين بغير وسيلة ~~ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبى صلى الله عليه وسلم نقلا صحيحا ولا ~~مشهورا عن السلف # وقد نقل فى ( منسك المروذى ) عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبى وهذا قد يخرج ~~على احدى الروايتين عنه فى جواز القسم به PageV01P337 وأكثر العلماء على ~~النهى فى الأمرين ولا ريب أن لهم عند الله الجاه العظيم كما قال تعالى فى ~~حق موسى وعيسى عليهما السلام وقد تقدم ذكر ذلك لكن ما لهم عند الله من ~~المنازل والدرجات أمر يعود نفعه اليهم ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم ~~ومحبتنا لهم فإذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا بنبيه ومحبته وموالاته ~~وإتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل ~~بالإيمان به وطاعته فلا يجوز أن يكون وسيلة فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل ~~بالإيمان بالمتوسل به ولا بطاعته فبأى شىء يتوسل # والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له ~~عند ذلك مثل أن يقال لأبى الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه اشفع لنا عنده ~~وهذا جائز # وإما أن يقسم عليه كما يقول بحياة ولدك فلان وبتربة أبيك فلان وبحرمة ~~شيخك فلان ونحو ذلك والإقسام على الله تعالى بالمخلوقين لا يجوز ولا يجوز ~~الإقسام على مخلوق بمخلوق # وإما أن يسأل بسبب يقتضى المطلوب كما قال الله تعالى ( واتقوا الله الذى ~~تساءلون به والأرحام ) وسيأتى بيان ذلك # وقد تبين أن الإقسام على الله سبحانه بغيره لا يجوز ولا يجوز أن يقسم ~~بمخلوق أصلا وأما التوسل اليه بشفاعة المأذون لهم فى الشفاعة فجائز والاعمى ~~كان قد طلب من النبى أن يدعو له كما طلب الصحابة منه PageV01P338 الإستسقاء ~~وقوله ( أتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة ( أى بدعائه وشفاعته لى ولهذا ~~تمام الحديث ( اللهم فشفعة فى ( فالذى فى الحديث متفق على جوزاه وليس هو ~~مما نحن فيه # # وقد قال تعالى @QB@ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام @QE@ # فعلى ms236 قراءة الجمهور بالنصب إنما يسألون بالله وحده لا بالرحم وتساؤلهم ~~بالله تعالى يتضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله # وأما على قراءة الخفض فقد قال طائفة من السلف هو قولهم أسألك بالله ~~وبالرحم وهذا إخبار عن سؤالهم وقد يقال انه ليس بدليل على جوازه فان كان ~~دليلا على جوازه فمعنى قوله أسألك بالرحم ليس إقساما بالرحم والقسم هنا لا ~~يسوغ لكن بسبب الرحم أى لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقا كسؤال ~~الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة وكسؤالنا بدعاء النبى وشفاعته # ومن هذا الباب ما روى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أن ابن أخيه عبد ~~الله بن جعفر كان إذا سأله بحق جعفر أعطاه وليس هذا من باب الإقسام فإن ~~الإقسام بغير جعفر أعظم بل من باب حق الرحم لأن حق الله إنما وجب بسبب جعفر ~~وجعفر حقه على على # ومن هذا الباب الحديث الذى رواه ابن ماجه عن أبى سعيد عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم فى دعاء الخارج إلى الصلاة ( اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك ~~وبحق ممشاى هذا فانى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة PageV01P339 ~~ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاك أسألك أن تنقذنى من النار وأن تغفر لى ~~ذنوبى فإنه لا يغفر الذنوب الا أنت ( وهذا الحديث فى إسناده عطية العوفى ~~وفيه ضعف فإن كان من كلام النبى صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباب ~~لوجهين # ( أحدهما ( لأن فيه السؤال لله تعالى بحق السائلين وبحق الماشين فى طاعته ~~وحق السائلين أن يجيبهم وحق الماشين أن يثيبهم وهذا حق أوجبه الله تعالى ~~وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق تعالى شيئا ومنه قوله تعالى ( كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة ( وقوله تعالى ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ( وقوله ~~تعالى ( وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ~~( # وفى الصحيح فى حديث معاذ ( حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا وحق العباد على الله إذا ms237 فعلوا ذلك أن لا يعذبهم ( # وفى الصحيح عن ابى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه ~~تبارك وتعالى أنه قال ( يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم ~~محرما فلا تظالموا ( # وإذا كان حق السائلين والعابدين له هو الإجابة والإثابة بذلك فذاك سؤال ~~لله بأفعاله كالإستعاذة بنحو ذلك فى قوله ( أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك ~~من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك PageV01P340 أنت كما أثنيت على ~~نفسك ( فالإستعاذة التى هى فعله كالسؤال بإثابته التى هى فعله وروى ~~الطبرانى فى ( كتاب الدعاء ( عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله يقول ( ~~يا عبدى إنما هى أربع واحدة لى وواحدة لك وواحدة بينى وبينك وواحدة بينك ~~وبين خلقى فالتى لى أن تعبدنى لا تشرك بى شيئا والتى هى لك أجزيك بها أحوج ~~ما تكون اليه والتى بينى وبينك منك الدعاء ومنى الإجابة والتى بينك وبين ~~خلقى فأت إلى الناس ما تحب أن يأتوه اليك ( # وتقسيمه فى الحديث إلى قوله واحدة لى وواحدة لك وهو مثل تقسيمه فى حديث ~~الفاتحة حيث يقول الله تعالى ( قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين نصفها لى ~~ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل والعبد يعود عليه نفع النصفين والله تعالى يحب ~~النصفين لكن هو سبحانه يحب أن يعبد وما يعطيه العبد من الإعانة والهداية هو ~~وسيلة إلى ذلك فانما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته والعبد يطلب ما يحتاج ~~اليه أولا وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة والهداية إلى الصراط المستقيم ~~وبذلك يصل إلى العبادة إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيما يتعلق بذلك وليس ~~هذا موضعه وان كنا خرجنا عن المراد # ( الوجه الثانى ( أن الدعاء له سبحانه وتعالى والعمل له سبب لحصول مقصود ~~العبد فهو كالتوسل بدعاء النبى والصالحين من أمته وقد تقدم أن الدعاء ~~بالنبى والصالح اما أن يكون اقساما به PageV01P341 أو سببا به فان كان قوله ~~( بحق السائلين عليك ) اقساما فلا يقسم على الله الا به وان كان سببا فهو ms238 ~~سبب بما جعله هو سبحانه سببا وهو دعاؤه وعبادته فهذا كله يشبه بعضه بعضا ~~وليس فى شىء من ذلك دعاء له بمخلوق من غير دعاء منه ولا عمل صالح منا # وإذا قال السائل أسألك بحق الملائكة أو بحق الانبياء وحق الصالحين ولا ~~يقول لغيره أقسمت عليك بحق هؤلاء فاذا لم يجز له أن يحلف به ولا يقسم على ~~مخلوق به فكيف يقسم على الخالق به وإن كان لا يقسم به وانما يتسبب به فليس ~~فى مجرد ذوات هؤلاء سبب يوجب تحصيل مقصوده ولكن لابد من سبب منه كالايمان ~~بالملائكة والانبياء أو منهم كدعائهم ولكن كثيرا من الناس تعودوا ذلك كما ~~تعودوا الحلف بهم حتى يقول أحدهم وحقك على الله وحق هذه الشيبة على الله # وإذا قال القائل أسألك بحق فلان أو بجاهه أى أسألك بايمانى به ومحبتى له ~~وهذا من أعظم الوسائل قيل من قصد هذا المعنى فهو معنى صحيح لكن ليس هذا ~~مقصود عامة هؤلاء فمن قال أسألك بايمانى بك وبرسولك ونحو ذلك أو بايمانى ~~برسولك ومحبتى له ونحو ذلك فقد أحسن فى ذلك كما قال تعالى فى دعاء المؤمنين ~~^ ربنا اننا سمعنا مناديا ينادى للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيآتنا وتوفنا مع الابرار ^ وقال تعالى @QB@ الذين ~~يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار @QE@ وقال تعالى ^ ~~انه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~PageV01P342 خير الراحمين ^ وقال تعالى ^ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا ~~الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ^ # وكان ابن مسعود يقول اللهم أمرتنى فأطعت ودعوتنى فأجبت وهذا سحر فاغفر لى ~~ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا إلى الغار وانطبقت ~~عليهم الصخرة ثم دعوا الله سبحانه بأعمالهم الصالحة ففرج عنهم وهو ما ثبت ~~فى الصحيحين # وقال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا خالد بن خراش العجلانى واسماعيل بن ~~إبراهيم قالا حدثنا صالح المرى عن ثابت عن أنس قال دخلنا على رجل من ~~الانصار وهو ms239 مريض ثقيل فلم نبرح حتى قبض فبسطنا عليه ثوبه وله أم عجوز ~~كبيرة عند رأسه فالتفت اليها بعضنا وقال يا هذه احتسبى مصيبتك عند الله ~~قالت وما ذاك مات ابنى قلنا نعم قالت أحق ما تقولون قلنا نعم فمدت يديها ~~إلى الله فقالت اللهم انك تعلم أنى اسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعقبنى ~~عند كل شدة فرجا فلا تحمل على هذه المصيبة اليوم قال فكشفت الثوب عن وجهه ~~فما برحنا حتى طعمنا معه # # وروى فى كتاب الحلية لأبى نعيم أن داود قال بحق آبائى عليك إبراهيم ~~واسحاق ويعقوب فأوحى الله تعالى اليه يا داود وأى حق لآبائك على وهذا وإن ~~لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يعتضد بها ولا يعتمد عليها ~~PageV01P343 وقد مضت السنة أن الحى يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما ~~يقدر عليه # وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شىء يحقق هذا الأمر أن التوسل ~~به والتوجه به لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الإصطلاح فمعناه فى لغة الصحابة ~~أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته ~~ودعاؤه وشفاعته من أعظم الوسائل عند الله عز وجل # وأما فى لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى ويقسم عليه بذاته ~~والله تعالى لا يقسم عليه بشىء من المخلوقات بل لا يقسم بها بحال فلا يقال ~~أقسمت عليك يارب بملائكتك ولا بكعبتك ولا بعبادك الصالحين كما لا يجوز أن ~~يقسم الرجل بهذه الأشياء بل إنما يقسم بالله تعالى بأسمائه وصفاته ولهذا ~~كان السنة أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته فيقول ( اسألك بأن لك الحمد ~~لا اله الا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حى يا ~~قيوم وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد وأسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك ( الحديث كما جاءت به السنة ~~وأما أن يسأل الله ويقسم عليه بمخلوقاته فهذا لا أصل له فى دين الإسلام ~~وكذلك قوله ms240 ( اللهم إنى أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك ~~وبإسمك الأعظم وجدك الأعلى وبكلماتك التامات ( PageV01P344 # مع أن هذا الدعاء الثالث فى جواز الدعاء به قولان للعلماء قال الشيخ أبو ~~الحسن القدورى فى كتابه المسمى بشرح الكرخى قال بشر بن الوليد سمعت أبا ~~يوسف قال قال أبو حنيفة لا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول ( ~~بمعاقد العز من عرشك ( أو ( بحق خلقك ( وهو قول أبى يوسف قال أبو يوسف ( ~~معقد العز من عرشه ( هو الله فلا أكره هذا وأكره أن يقول ( بحق أنبيائك ~~ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام ( قال القدورى المسألة بخلقه لا تجوز لأنه ~~لا حق للمخلوق على الخالق فلا يجوز يعنى وفاقا وهذا من أبى حنيفة وأبى يوسف ~~وغيرهما يقتضى المنع أن يسأل الله بغيره # فإن قيل الرب سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته وليس لنا أن نقسم ~~عليه إلا به فهلا قيل يجوز أن يقسم عليه بمخلوقاته وأن لا يقسم على مخلوق ~~الا بالخالق تعالى قيل لأن اقسامه بمخلوقاته من باب مدحه والثناء عليه وذكر ~~آياته واقسامنا نحن بذلك شرك إذا أقسمنا به لحض غيرنا أو لمنعه أو تصديق ~~خبر أو تكذيبه # ومن قال لغيره أسألك بكذا فاما أن يكون مقسما فهذا لا يجوز بغير الله ~~تعالى والكفارة فى هذا على المقسم لا على المقسم عليه كما صرح بذلك أئمة ~~الفقهاء وإن لم يكن مقسما فهو من باب السؤال فهذا لا كفارة فيه على واحد ~~منهما # فتبين أن السائل لله بخلقه إما أن يكون حالفا بمخلوق وذلك لا يجوز وإما ~~أن يكون سائلا به وقد تقدم تفصيل ذلك وإذا قال ( بالله افعل كذا ( ~~PageV01P345 فلا كفارة فيه على واحد منهما وإذا قال ( أقسمت عليك بالله ~~لتفعلن ( أو ( والله لتفعلن ( فلم يبر قسمه لزمت الكفارة الحالف # والذى يدعو بصيغة السؤال فهو من باب السؤال به وأما إذا أقسم على الله ~~تعالى مثل أن يقول أقسمت عليك يارب لتفعلن كذا كما كان يفعل البراء ms241 بن مالك ~~وغيره من السلف فقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~رب أشعث أغبر ذى طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ( وفى الصحيح ~~انه قال لما قال أنس بن النضر والذى بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع فقال ~~النبى ( يا أنس كتاب الله القصاص ( فعفا القوم فقال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ( وهذا من باب الحلف ~~بالله لتفعلن هذا الأمر فهو إقسام عليه تعالى به وليس إقساما عليه بمخلوق # وينبغى للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التى جاء بها الكتاب والسنة فان ~~ذلك لا ريب فى فضله وحسنه وأنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # وقد تقدم أن ما يذكره بعض العامة من قوله ( إذا كانت لكم حاجة فاسألوا ~~الله بجاهى ( حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو فى شىء من كتب ~~الحديث وانما المشروع الصلاة عليه فى كل دعاء # ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء فى الإستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه لم ~~يذكروا فيما شرع للمسلمين فى هذه الحال التوسل به كما لم يذكر أحد من ~~العلماء PageV01P346 دعاء غير الله والإستعانة المطلقة بغيره فى حال من ~~الأحوال وان كان بينهما فرق فان دعاء غير الله كفر ولهذا لم ينقل دعاء أحد ~~من الموتى والغائبين لا الأنبياء ولا غيرهم عن أحد من السلف وأئمة العلم ~~وانما ذكره بعض المتأخرين ممن ليس من أئمة العلم المجتهدين بخلاف قولهم ~~أسألك بجاه نبينا أو بحقه فان هذا مما نقل عن بعض المتقدمين فعله ولم يكن ~~مشهورا بينهم ولا فيه سنة عن النبى بل السنة تدل على النهى عنه كما نقل ذلك ~~عن أبى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما # # ورأيت فى فتاوى الفقيه أبى محمد بن عبد السلام قال لا يجوز أن يتوسل إلى ~~الله بأحد من خلقه إلا برسول الله إن صح حديث الأعمى فلم يعرف ms242 صحته ثم رأيت ~~عن ابى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما من العلماء أنهم قالوا لا يجوز الإقسام على ~~الله بأحد من الأنبياء ورأيت فى كلام الإمام أحمد أنه فى النبى صلى الله ~~عليه وسلم لكن قد يخرج على إحدى الروايتين عنه فى جواز الحلف به وقد تقدم ~~أن هذا الحديث لا يدل الا على التوسل بدعائه ليس من باب الإقسام بالمخلوق ~~على الله تعالى ولا من باب السؤال بذات الرسول كما تقدم والذين يتوسلون ~~بذاته لقبول الدعاء عدلوا عما أمروا به وشرع لهم وهو من أنفع الأمور لهم ~~إلى ما ليس كذلك فإن الصلاة عليه من أعظم الوسائل التى بها يستجاب الدعاء ~~وقد أمر الله بها # # والصلاة عليه فى الدعاء هو الذى دل عليه الكتاب والسنة والإجماع قال الله ~~تعالى ( إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما ) PageV01P347 وفى الصحيح عنه أنه قال ( من صلى على مرة صلى ~~الله عليه عشرا ( وعن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله قال سمع رسول الله رجلا ~~يدعو فى صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبى صلى الله عليه وسلم فقال ~~رسول الله ( عجل هذا ( ثم دعاه فقال له أو لغيره ( إذا صلى أحدكم فليبدأ ~~بحمد ربه ثم يصلى على النبى ثم يدعو بعده بما شاء ( رواه أحمد وأبو داود ~~وهذا لفظه والترمذى والنسائى وقال الترمذى حديث صحيح # وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبى يقول ( إذا ~~سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على صلاة صلى ~~الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا ~~لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه ~~الشفاعة ( # وفى سنن أبى داود والنسائى عنه أن رجلا قال يارسول الله إن المؤذنين ~~يفضلوننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قل كما يقولون فإذا انتهيت ~~سل تعطه ms243 ( وفى المسند عن جابر بن عبد الله قال ( من قال حين ينادى المنادى ~~اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عنه رضاء لا ~~سخط بعده استجاب الله له دعوته ( # وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله ( الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة ~~( رواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وقال الترمذى حديث حسن ~~PageV01P348 # وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله ( ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء قلما ~~ترد على داع دعوته عند حصول النداء والصف فى سبيل الله ( رواه أبو داود # وفى المسند والترمذى وغيرهما عن الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال ( يا أيها الناس ~~اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه ( # قال أبى قلت يا رسول الله إنى أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتى قال ~~( ما شئت ( قلت الربع قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك ( قلت النصف قال ( ما ~~شئت ( وان زدت فهو خير لك ( قلت الثلثين قال ( ما شئت وان زدت فهو خير لك ( ~~قلت أجعل لك صلاتى كلها قال ( إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك ~~( وفى لفظ ( إذا تكفى همك ويغفر ذنبك ( # وقول السائل أجعل لك من صلاتى يعنى من دعائى فإن الصلاة فى اللغة هى ~~الدعاء قال تعالى @QB@ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@ # وقال النبى ( اللهم صل على آل أبى أوفى ( وقالت إمرأة صل على يارسول الله ~~وعلى زوجى فقال ( صلى الله عليك وعلى زوجك ( # فيكون مقصود السائل أى يارسول الله ان لى دعاء أدعو به أستجلب به ~~PageV01P349 الخير وأستدفع به الشر فكم أجعل لك من الدعاء قال ( ما شئت ( ~~فلما انتهى إلى قوله اجعل لك صلاتى كلها قال ( اذا تكفى همك ويغفر ذنبك ( ~~وفى الرواية الأخرى ( اذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك ( وهذا ~~غاية ما يدعو به الإنسان من جلب الخيرات ودفع ms244 المضرات فإن الدعاء فيه تحصيل ~~المطلوب واندفاع المرهوب كما بسط ذلك فى مواضعه # ( برنامج # وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية وأعرضوا عن الأدعية ~~البدعية فينبغى اتباع ذلك والمراتب فى هذا الباب ثلاث # ( إحداها ( أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء ~~والصالحين أو غيرهم فيقول يا سيدى فلان أغثنى أو أنا أستجير بك أو أستغيث ~~بك أو انصرنى على عدوى ونحو ذلك فهذا هو الشرك بالله والمستغيث بالمخلوقات ~~قد يقضى الشيطان حاجته أو بعضها وقد يتمثل له فى صورة الذى استغاث به فيظن ~~أن ذلك كرامة لمن استغاث به وانما هو شيطان دخله وأغواه لما اشرك بالله كما ~~يتكلم الشيطان فى الأصنام وفى المصروع وغير ذلك ومثل هذا واقع كثيرا فى ~~زماننا وغيره وأعرف من ذلك ما يطول وصفه فى قوم استغاثوا بى أو بغيرى ~~وذكروا أنه أتى شخص على صورتى أو صورة غيرى وقضى حوائجهم فظنوا أن ذلك من ~~بركة الاستغاثة ( بى ( أو بغيرى وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم وهذا هو أصل ~~عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء مع الله تعالى فى الصدر الأول من القرون ~~الماضية كما ثبت ذلك فهذا أشرك بالله نعوذ بالله من ذلك PageV01P350 وأعظم ~~من ذلك أن يقول اغفر لى وتب على كما يفعله طائفة من الجهال المشركين # وأعظم من ذلك أن يسجد لقبره ويصلى اليه ويرى الصلاة أفضل من استقبال ~~القبلة حتى يقول بعضهم هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام # وأعظم من ذلك أن يرى السفر اليه من جنس الحج حتى يقول إن السفر اليه مرات ~~يعدل حجة وغلاتهم يقولون الزيارة اليه مرة أفضل من حج البيت مرات متعددة ~~ونحو ذلك فهذا شرك بهم وان كان يقع كثير من الناس فى بعضه # ( الثانية ( أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين ادع الله لى ~~أو ادع لنا ربك أو إسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها فهذا أيضا ~~لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التى لم ms245 يفعلها أحد من سلف ~~الأمة وان كان السلام على أهل القبور جائزا ومخاطبتهم جائزة كما كان النبى ~~يعلم أصحابه اذا زاروا القبور أن يقول قائلهم ( السلام عليكم أهل الديار من ~~المؤمنين والمسلمين وانا ان شاء الله بكم لاحقون يغفر الله لنا ولكم نسأل ~~الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ~~ولهم ( # وروى أبو عمر بن عبد البر عن النبى أنه قال ( ما من رجل يمر بقبر الرجل ~~كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه الا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ~~( PageV01P351 # وفى سنن أبى داود عن النبى أنه قال ( ما من مسلم يسلم على إلا رد الله ~~على روحى حتى أرد عليه السلام ( لكن ليس من المشروع أن يطلب من الأموات لا ~~دعاء ولا غيره وفى موطأ مالك أن ابن عمر كان يقول ( السلام عليك يا رسول ~~الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبة ( ثم ينصرف وعن عبد الله ~~بن دينار قال رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبى فيصلى على النبى ~~ويدعو لأبى بكر وعمر وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم كانوا يسلمون ~~على النبى صلى الله عليه وسلم فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون ~~الله تعالى لا يدعون مستقبلى الحجرة وإن كان قد وقع فى بعض ذلك طوائف من ~~الفقهاء والصوفية والعامة من لا اعتبار بهم فلم يذهب إلى ذلك امام متبع فى ~~قوله ولا من له فى الأمة لسان صدق عام ومذهب الأئمة الأربعة مالك وأبى ~~حنيفة والشافعى وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبى ~~وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة واختلفوا فى وقت السلام عليه فقال ~~الثلاثة مالك والشافعى وأحمد يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه وقال ~~أبو حنيفة لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء ~~بإتفاقهم ثم فى مذهبه قولان PageV01P352 قيل يستدير الحجرة وقيل يجعلها عن ~~يساره # فهذا نزاعهم فى وقت السلام ms246 وأما فى وقت الدعاء فلم يتنازعوا فى أنه إنما ~~يستقبل القبلة لا الحجرة # والحكاية التى تذكر عن مالك أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة ~~فأمره بذلك وقال ( هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ( كذب على مالك ليس لها إسناد ~~معروف وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات فى كتب أصحابه كما ذكره ~~اسماعيل بن اسحاق القاضى وغيره مثل ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون ~~القيام مستقبلى الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك وذكر أنه من البدع ~~التى لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان وقال لا يصلح آخر هذه الأمة ~~إلا ما أصلح أولها # ولا ريب أن الأمر كما قاله مالك فإن الآثار المتواترة عن الصحابة ~~والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم ولو كان استقبال الحجرة عند ~~الدعاء مشروعا لكانوا هم أعلم بذلك وكانوا أسبق اليه ممن بعدهم والداعى ~~يدعو الله وحده وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى كما نهى عن ~~استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى كما ثبت فى صحيح مسلم وغيره عن أبى ~~مرثد PageV01P353 الغنوى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا اليها ( # فلا يجوز أن يصلى إلى شىء من القبور لا قبور الأنبياء ولا غيرهم لهذا ~~الحديث الصحيح # ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر بل هذا من ~~البدع المحدثة وكذلك قصد شىء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين ~~عند الدعاء فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت ~~نفسه أولى أن لا يجوز كما أنه لا يجوز أن يصلى مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة ~~له بطريق الأولى # # فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئا لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا ~~غير ذلك ولا يجوز أن يشكى اليه شىء من مصائب الدنيا والدين ولو جاز أن يشكى ~~اليه ذلك فى حياته فإن ذلك فى حياته لا يفضى إلى الشرك وهذا يفضى ms247 إلى الشرك ~~لأنه فى حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له فى ذلك من الأجر والثواب ~~وبعد الموت ليس مكلفا بل ما يفعله من ذكر لله تعالى ودعاء ونحو ذلك كما أن ~~موسى يصلى فى قبره وكما صلى الأنبياء خلف النبى ليلة المعراج ببيت المقدس ~~وتسبيح أهل الجنة والملائكة فهم يمتعون بذلك وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره ~~الله لهم ويقدره لهم ليس هو من باب التكليف الذى يمتحن به العباد # وحينئذ فسؤال السائل للميت لا يؤثر فى ذلك شيئا بل ما جعله الله فاعلا له ~~هو يفعله وإن لم يسأله العبد كما يفعل الملائكة ما يؤمرون به وهم انما ~~PageV01P354 يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق كما قال سبحانه وتعالى ( ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) فهم لا يعملون إلا بأمره سبحانه ~~وتعالى # # ولا يلزم من جواز الشىء فى حياته جوازه بعد موته فإن بيته كانت الصلاة ~~فيه مشروعة وكان يجوز أن يجعل مسجدا ولما دفن فيه حرم ان يتخذ مسجدا كما فى ~~الصحيحين عنه أنه قال ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد ( يحذر ما فعلوا ولولا ذلك لابرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا # وفى صحيح مسلم وغيره عنه أنه قال ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ( وقد كان فى حياته ~~يصلى خلفه وذلك من أفضل الأعمال ولا يجوز بعد موته أن يصلى الرجل خلف قبره ~~وكذلك فى حياته يطلب منه أن يأمر وأن يفتى وأن يقضى ولا يجوز أن يطلب ذلك ~~منه بعد موته وأمثال ذلك كثير # وقد كره مالك وغيره أن يقول الرجل زرت قبر رسول الله لأن هذا اللفظ لم ~~يرد والأحاديث المروية فى زيارة قبره كلها ضعيفة بل كذب وهذا اللفظ صار ~~مشتركا فى عرف المتأخرين يراد به ( الزيارة البدعية ) التى فى معنى الشرك ~~كالذى يزور القبر ليسأله أو يسأل الله ms248 به أو يسأل الله عنده # PageV01P355 و ( الزيارة الشرعية ( هى أن يزوره لله تعالى للدعاء له ~~والسلام عليه كما يصلى على جنازته # فهذا الثانى هو المشروع ولكن كثير من الناس لا يقصد بالزيارة إلا المعنى ~~الأول فكره مالك أن يقول زرت قبره لما فيه من إيهام المعنى الفاسد الذى ~~يقصده أهل البدع والشرك # ( الثالثة ( أن يقال أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذى تقدم ~~عن أبى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما أنه منهى عنه # وتقدم أيضا أن هذا ليس بمشهور عن الصحابة بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء ~~العباس وغيره # وقد تبين ما فى لفظ ( التوسل ( من الإشتراك بين ما كانت الصحابة تفعله ~~وبين مالم يكونوا يفعلونه فان لفظ التوسل والتوجه فى عرف الصحابة ولغتهم هو ~~التوسل والتوجه بدعائه وشفاعته # ولهذا يجوز أن يتوسل ويتوجه بدعاء كل مؤمن وان كان بعض الناس من المشايخ ~~المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبى أنه قال ( إذا اعيتكم الأمور فعليكم ~~بأهل القبور ( أو فاستعينوا بأهل القبور ( فهذا الحديث كذب مفترى على النبى ~~بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك ولا يوجد فى شىء من ~~كتب الحديث المعتمدة PageV01P356 وقد قال تعالى @QB@ وتوكل على الحي الذي ~~لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا @QE@ وهذا مما يعلم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أنه غير مشروع وقد نهى النبى عما هو أقرب من ذلك ~~عن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك ولعن أهله تحذيرا من التشبه بهم فان ذلك ~~أصل عبادة الأوثان كما قال تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ فإن هؤلاء كانوا قوما صالحين فى قوم ~~نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم ~~كما تقدم ذكر ذلك عن ابن عباس وغيره من علماء السلف فمن فهم معنى قوله ( ~~إياك نعبد واياك نستعين ) عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة الا ~~الله وحده وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الاستغاثة ms249 لا تكون ~~الا بالله والتوكل لا يكون الا عليه ( وما النصر إلا من عند الله ( فالنصر ~~المطلق وهو خلق ما يغلب به العدو لا يقدر عليه إلا الله وفى هذا القدر ~~كفاية لمن هداه الله والله أعلم # # وهذا الذى نهى عنه النبى من هذا الشرك هو كذلك وفى شرائع غيره من ~~الأنبياء ففى التوراة أن موسى عليه السلام نهى بنى اسرائيل عن دعاء الأموات ~~وغير ذلك من الشرك وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله وذلك أن دين ~~الأنبياء عليهم السلام واحد وإن تنوعت شرائعهم # كما فى الصحيح عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ( إنا معشر الأنبياء ديننا ~~واحد ( PageV01P357 وقد قال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون @QE@ وقال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ وهذا هو دين الإسلام الذى ~~لا يقبل الله دينا غيره من الأولين والآخرين كما قد بسط الكلام عليه فى غير ~~هذا الموضع # PageV01P358 $ فصل # وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله وما نهى الله عنه ورسوله فى حق أشرف ~~الخلق وأكرمهم على الله عز وجل وسيد ولد آدم وخاتم الرسل والنبيين وأفضل ~~الأولين والآخرين وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاها عند الله تبارك وتعالى ~~تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بأن لا يشرك به ولا يتخذ قبره ~~وثنا يعبد ولا يدعى من دون الله لا فى حياته ولا فى مماته # ولا ms250 يجوز لأحد أن يستغيث باحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن ~~يقول يا سيدى فلانا أغثنى وانصرنى وادفع عنى أو أنا فى حسبك ونحو ذلك بل كل ~~هذا من الشرك الذى حرم الله ورسوله وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين ~~الإسلام وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم لما ~~كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأوثان ~~ويغويهم فتتصور الشياطين فى صورة ذلك المستغاث به وكخاطبهم بأشياء على سبيل ~~المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان وبعض ذلك صدق لكن لابد أن يكون فى ذلك ~~ما هو كذب بل الكذب أغلب عليه من الصدق PageV01P359 وقد تقضى الشياطين بعض ~~حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذى جاء من ~~الغيب حتى فعل ذلك أو يظن أن الله تعالى صور ملكا على صورته فعل ذلك ويقول ~~أحدهم هذا سر الشيخ وحاله وانما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به ~~المستغيث به كما تدخل الشياطين فى الأصنام وتكلم عابديها وتقضى بعض حوائجهم ~~كما كان ذلك فى أصنام مشركى العرب وهو اليوم موجود فى المشركين من الترك ~~والهند وغيرهم وأعرف من ذلك وقائع كثيرة فى أقوام استغاثوا بى وبغيرى فى ~~حال غيبتنا عنهم فرأونى أو ذاك الآخر الذى استغاثوا به قد جئنا فى الهواء ~~ودفعنا عنهم ولما حدثونى بذلك بينت لهم أن ذلك انما هو شيطان تصور بصورتى ~~وصورة غيرى من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى ~~عزائمهم فى الإستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين وهذا من أكبر الأسباب التى ~~بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان # وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلامس يرون أيضا من ~~يأتى على صورة ذلك الشيخ النصرانى الذى استغاثوا به فيقضى بعض حوائجهم # وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت ~~النبى غاية أحدهم أن يجرى له بعض هذه الأمور أو يحكى لهم بعض هذه الأمور ~~فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل ms251 ومن هؤلاء من يأتى إلى قبر ~~الشيخ PageV01P360 الذى يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو ~~نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه وإنما ذلك كله من ~~الشياطين وهذا من أعظم الأسباب التى عبدت بها الأوثان # وقد قال الخليل عليه السلام ( واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام # ب انهن أضللن كثيرا من الناس ( كما قال نوح عليه السلام ومعلوم أن الحجر ~~لا يضل كثيرا من الناس إلا بسبب اقتضى ضلالهم ولم يكن أحد من عباد الأصنام ~~يعتقد أنها خلقت السماوات والأرض بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط ~~لأسباب # منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين # ومنهم من جعلها ثماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر # ومنهم من جعلها لأجل الجن # ومنهم من جعلها لأجل الملائكة فالمعبود لهم فى قصدهم انما هو الملائكة ~~والأنبياء والصالحون أو الشمس أو القمر وهم فى نفس الأمر يعبدون الشياطين ~~فهى التى تقصد من الإنس أن يعبدوها وتظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك كما قال ~~تعالى ^ ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~^ # وإذا كان العابد ممن لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه أنه إنما يدعو ~~PageV01P361 الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به ~~وأما إن كان ممن لا يحرم عبادة الجن عرفوه أنهم الجن # # وقد يطلب الشيطان المتمثل له فى صورة الإنسان أن يسجد له أو أن يفعل به ~~الفاحشة أو أن يأكل الميتة ويشرب الخمر أو أن يقرب لهم الميتة وأكثرهم لا ~~يعرفون ذلك بل يظنون أن من يخاطبهم إما ملائكة واما رجال من الجن يسمونهم ~~رجال الغيب ويظنون أن رجال الغيب أولياء الله غائبون عن أبصار الناس وأولئك ~~جن تمثلت بصور الإنس أو رؤيت فى غير صور الإنس وقال تعالى @QB@ وأنه كان ~~رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ كان الإنس إذا نزل ~~أحدهم بواد يخاف أهله قال أعوذ بعظيم هذا ms252 الوادى من سفهائه وكانت الإنس ~~تستعيذ بالجن فصار ذلك سببا لطغيان الجن وقالت الإنس تستعيذ بنا # وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية هى تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون ~~ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك فى بعض ~~الأمور وهذا من جنس السحر والشرك قال تعالى ^ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ~~على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما ~~أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن ~~فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين ~~به من أحد الا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا PageV01P362 ينفعهم ولقد ~~علموا لمن اشتراه ما له فى الآخرة من خلاق ولبئس ما شرو به أنفسهم لو كانوا ~~يعلمون ^ # وكثير من هؤلاء يطير فى الهواء وتكون الشياطين قد حملته وتذهب به إلى مكة ~~وغيرها ويكون مع ذلك زنديقا يجحد الصلاة وغيرها مما فرض الله ورسوله ويستحل ~~المحارم التى حرمها الله ورسوله وانما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من ~~الكفر والفسوق والعصيان حتى إذا آمن بالله ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ~~ورسوله فارقته تلك الشياطين وذهبت تلك الأحوال الشيطانية من الإخبارات ~~والتأثيرات وأنا أعرف من هؤلاء عددا كثيرا بالشام ومصر والحجاز واليمن وأما ~~الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها ~~وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم # وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية إلى أسبابها الكفر والفسوق والعصيان ~~بحسب ظهور أسبابها فحيث قوى الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإيمان وظهرت ~~آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية وحيث ظهر الكفر والفسوق ~~والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية والشخص الواحد الذى يجتمع فيه هذا ~~وهذا الذى تكون فيه مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق يكون فيه من هذا ~~الحال وهذا الحال # والمشركون الذين لم يدخلوا فى الإسلام مثل البخشية والطونية والبدى ~~PageV01P363 ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من ~~الترك والهند والخطأ وغيرهم تكون الأحوال ms253 الشيطانية فيهم أكثر ويصعد أحدهم ~~فى الهواء ويحدثهم بأمور غائبة ويبقى الدف الذى يغنى لهم به يمشى فى الهواء ~~ويضرب رأس أحدهم اذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحدا يضرب له ويطوف الإناء ~~الذى يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله ويكون أحدهم فى مكان فمن نزل منهم ~~عنده ضيفه طعاما يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة وذلك من الشياطين تأتيه من ~~تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتى به وهذه الأمور كثيرة عند ~~من يكون مشركا أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم وعند التتار من هذا أنواع ~~كثيرة # # وأما الداخلون فى الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول بل دعوا ~~الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما ~~فيهم مما يرضى الشيطان ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل يحمل ~~أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت ولا يبيت ~~بمزدلفة ولا يطوف طواف الإفاضة ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة ~~من كرامات الأولياء ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به # فإن مثل هذا الحج ليس مشروعا ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين ومن ظن أن ~~هذا عبادة وكرامة لأولياء الله فهو ضال جاهل # ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم مثل هذا فإنهم أجل ~~PageV01P364 قدرا من ذلك وقد جرت هذه القضية لبعض من حمل هو وطائفة معه من ~~الإسكندرية إلى عرفة فرأى ملائكة تنزل وتكتب أسماء الحجاج فقال هل كتبتمونى ~~قالوا أنت لم تحج كما حج الناس أنت لم تتعب ولم تحرم ولم يحصل لك من الحج ~~الذى يثاب الناس عليه ما حصل للحجاج وكان بعض الشيوخ قد طلب منه بعض هؤلاء ~~أن يحج معهم فى الهواء فقال لهم هذا الحج لا يسقط به الفرض عنكم لأنكم لم ~~تحجوا كما أمر الله ورسوله # ودين الإسلام مبنى على أصلين على أن يعبد الله وحده ولا يشرك به شىء وعلى ~~أن يعبد بما شرعه على لسان ms254 نبيه وهذان هما حقيقة قولنا ( أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ( فالإله هو الذى تألهه القلوب عبادة ~~وإستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء واجلالا واكراما والله عز وجل له حق لا ~~يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف الا الله ولا ~~يطاع إلا الله # والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله ~~وتحريمه فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه والرسول صلى الله ~~عليه وسلم واسطة بين الله وبين خلقه فى تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده ~~وتحليله وتحريمه وسائر ما بلغه من كلامه وأما فى إجابة الدعاء وكشف البلاء ~~والهداية والإغناء فالله تعالى هو الذى يسمع كلامهم ويرى مكانهم ويعلم سرهم ~~ونجواهم وهو سبحانه قادر على PageV01P365 إنزال النعم وإزالة الضر والسقم ~~من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده أو يعينه على قضاء حوائجهم ~~والأسباب التى بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها فهو مسبب الأسباب وهو الأحد ~~الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( يسأله من فى السموات ~~والأرض كل يوم هو فى شان ( فأهل السموات يسألونه وأهل الأرض يسألونه وهو ~~سبحانه لا يشغله سمع كلام هذا عن سمع كلام هذا ولا يغلطه اختلاف أصواتهم ~~ولغاتهم بل يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ولا يبرمه ~~إلحاح الملحين بل يجب الإلحاح فى الدعاء # # وقد كان الصحابه رضوان الله عليهم إذا سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن ~~الأحكام أمر رسول الله بإجابتهم كما قال تعالى @QB@ يسألونك عن الأهلة قل ~~هي مواقيت للناس والحج @QE@ @QB@ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو @QE@ ^ ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كثير ^ إلى غير ذلك من ~~مسائلهم # # فلما سألوه عنه سبحانه وتعالى قال @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ فلم يقل سبحانه ( فقل ( بل قال تعالى @QB@ ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع @QE@ # فهو قريب من عباده ms255 كما قال النبى فى الحديث لما كانوا يرفعون أصواتهم ~~بالذكر والدعاء فقال ( أيها الناس اربعوا على أنفسكم PageV01P366 فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا ان الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم ~~من عنق راحلته ( # وقال النبى ( إذا قام أحدكم إلى صلاته فلا يبصقن قبل وجهه فان الله قبل ~~وجهه ولا عن يمينه فان عن يمينه ملكا ولكن عن يساره أو تحت قدمه ( وهذا ~~الحديث فى الصحيح من غير وجه # وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ليس فى مخلوقاته شىء من ~~ذاته ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته وهو سبحانه غنى عن العرش وعن سائر ~~المخلوقات لا يفتقر إلى شىء من مخلوقاته بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة ~~العرش # وقد جعل تعالى العالم طبقات ولم يجعل أعلاه مفتقرا إلى أسفله فالسماء لا ~~تفتقر إلى الهواء والهواء لا يفتقر إلى الأرض فالعلى الأعلى رب السموات ~~والأرض وما بينهما الذى وصف نفسه بقوله تعالى ( وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون ( أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شىء بحمل أو غير حمل بل هو ~~الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد الذى كل ما سواه ~~مفتقر اليه وهو مستغن عن كل ما سواه # وهذه الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع قد بين فيه التوحيد الذى بعث الله ~~به رسوله قولا وعملا فالتوحيد القولى مثل سورة الإخلاص ( قل هو الله أحد ) ~~والتوحيد العملى ( قل يا أيها الكافرون ( ولهذا كان النبى PageV01P367 صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين فى ركعتى الفجر وركعتى الطواف وغير ~~ذلك و # قد كان أيضا يقرأ فى ركعتى الفجر وركعتى الطواف ( قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا ( الآية وفى الركعة الثانية بقوله تعالى ( قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ~~ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ms256 الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون ) # فإن هاتين الآيتين فيهما دين الإسلام وفيهما الإيمان القولى والعملى ~~فقوله تعالى ( آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط ) إلى آخرها يتضمن الإيمان القولى والإسلام وقوله ( ~~قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ( الآية إلى آخرها ~~يتضمن الإسلام والإيمان العملى فأعظم نعمة أنعمها الله على عباده الإسلام ~~والإيمان وهما فى هاتين الآيتين والله سبحانه وتعالى أعلم # فهذا آخر السؤال والجواب الذى أحببت ايراده هنا بألفاظه لما اشتمل عليه ~~من المقاصد المهمة والقواعد النافعة فى هذا الباب مع الإختصار فإن التوحيد ~~هو سر القرآن ولب الإيمان وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور ~~وأنفعها للعباد فى مصالح المعاش والمعاد والله أعلم PageV01P368 # # | قال شيخ الإسلام # # | فى قول القائل أسألك بحق السائلين عليك وما فى معناه # الجواب # أما قول القائل أسألك بحق السائلين عليك فإنه قد روى فى حديث عن النبى ~~رواه ابن ماجه لكن لا يقوم بإسناده حجة وان صح هذا عن النبى كان معناه أن ~~حق السائلين على الله أن يجيبهم وحق العابدين له أن يثيبهم وهو كتب ذلك على ~~نفسه كما قال ( وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) ~~فهذا سؤال الله بما أوجبه على نفسه كقول القائلين ( ربنا وآتنا ما وعدتنا ~~على رسلك ( وكدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم ~~الصالحة التى وعدهم أن يثيبهم عليها PageV01P369 # # | ولما كان الشيخ فى قاعة الترسيم # دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم ~~كفار وما هم على الذى كان عليه إبراهيم والمسيح # فقالوا له نحن نعمل مثل ما تعملون أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول ~~بالسيدة مريم وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن ~~نفيسة وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك فقال لهم وأى من فعل ~~ذلك ففيه شبه منكم وهذا ما هو دين إبراهيم الذى كان عليه فإن الدين ms257 الذى ~~كان عليه إبراهيم عليه السلام أن لا نعبد الا الله وحده لا شريك له ولا ند ~~له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا نشرك معه ملكا ولا شمسا ولا قمرا ولا كوكبا ~~ولا نشرك معه نبيا من الأنبياء ولا صالحا ( ان كل من فى السموات والأرض الا ~~آت الرحمن عبدا ) # وأن الأمور التى لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل انزال المطر ~~وانبات النبات وتفريج الكربات والهدى من الضلالات وغفران الذنوب فإنه لا ~~يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر عليه إلا # الله والأنبياء عليهم الصلاة والسلام نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ~~PageV01P370 ونصدقهم فى جميع ما جاءوا به ونطيعهم كما قال نوح وصالح وهود ~~وشعيب ( أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ( فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده ~~والطاعة لهم فإن طاعتهم من طاعة الله فلو كفر أحد بنبى من الأنبياء وآمن ~~بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبى وكذلك لو آمن بجميع الكتب ~~وكفر بكتاب كان كافرا حتى يؤمن بذلك الكتاب وكذلك الملائكة واليوم الآخر ~~فلما سمعوا ذلك منه قالوا الدين الذى ذكرته خير من الدين الذى نحن وهؤلاء ~~عليه ثم إنصرفوا من عنده # PageV01P371 # | سئل رحمه الله # عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم وعمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مكره كذلك # فأجاب أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام ~~بعض الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز بل لا يجوز الإنحناء كالركوع أيضا كما ~~قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم الرجل منا يلقى أخاه أينحنى له قال ( لا ( ~~ولما رجع معاذ من الشام سجد للنبى فقال ( ما هذا يا معاذ ( قال يا رسول ~~الله رأيتهم فى الشام يسجدون لاساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال ( ~~كذبوا عليهم لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها من ~~أجل حقه عليها يا معاذ أنه لا ينبغى السجود إلا لله ( وأما فعل ذلك تدينا ~~وتقربا فهذا من أعظم المنكرات ms258 ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينا فهو ضال مفتر ~~بل يبين له وأن هذا ليس بدين ولا قربة فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا ~~قتل # وأما اذا أكره الرجل على ذلك بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه ~~PageV01P372 أو حبسه أو أخذ ماله أو قطع رزقه الذى يستحقه من بيت المال ~~ونحو ذلك من الضرر فإنه يجوز عند أكثرالعلماء فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح ~~الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه وهو المشهور عن أحمد وغيره ولكن عليه مع ذلك ~~أن يكرههه بقلبه ويحرص على الإمتناع منه بحسب الإمكان ومن علم الله منه ~~الصدق أعانه الله تعالى وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك وذهب طائفة إلى ~~أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال ويروى ذلك عن إبن عباس ونحوه قالوا ~~إنما التقية باللسان وهو الرواية الآخرى عن أحمد # وأما فعل ذلك لاجل فضول الرياسة والمال فلا وإذا أكره على مثل ذلك ونوى ~~بقلبه أن هذا الخضوع لله تعالى كان حسنا مثل أن يكره كلمة الكفر وينوى معنى ~~جائزا والله أعلم # PageV01P373 وسئل الإمام العالم العامل الرباني والحبر النوراني أبو ~~العباس # أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى # عن النهوض والقيام الدي يعتاده الناس من الاكرام عند قوم شخص معين معتبر ~~هل يجوز أو لا وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو ~~يتآذى باطنا وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت وأيضا المصادفات في المحافل ~~وغيرها وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض هل يجوز ذلك أم يحرم فإن فعل ~~ذلك الرجل عادة وطبعا ليس فيه له قصد هل يحرم عليه أن لا يجوز ذلك في حق ~~الأشراف والعلماء وفيمن يرى مطمئنا بذلك دائما هل يأثم على ذلك أم لا وإذا ~~قال سجدت لله هل يصح ذلك أم لا # فأجاب الحمد لله رب العالمين لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام كما ~~يفعله كثير من ms259 الناس بل قد قال أنس بن مالك لم يكن شخص أحب إليهم من البي ~~وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته PageV01P374 لذلك ولكن ~~ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيا له كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قام لعكرمة وقال لأنصار لما قدم سعد بن معاذ قوموا إلى سيدكم وكان قدم ~~ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه # والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد ~~رسول الله فإنهم خير القرون وخير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى ~~الله عيه وسلم فلا يعدل أحد عن هدى خير الورى وهدى خير القرون إلى ما هو ~~دونه وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه بحيث إذا رأوه لم يقوموا له ~~إلا في اللقاء المعتاد # وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيا له فحسن # وإذا كان من عادة الناس اكرام الجائي بالقيام ولو ترك لا أعتقد أن ذلك ~~لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له ~~لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء وأما من عرف عادة القوم ~~الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له وليس هذا القيام المذكور في قوله ~~من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار فإن ذلك أن يقوموا ~~له وهو قادا ليس هو أن يقوموا المجيئه إذا جاء ولهذا فرقوا بين أن يقال قمت ~~إليه وقمت له والقائم للقادم سواه في القيام بخلاف القائم للقاعد # وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي لما صلى بهم قاعدا PageV01P375 في مرضه ~~صلوا قياما أمرهم بالقعود وقال لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا وقد ~~نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون ~~لعظمائهم وهم قعود # وجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم والاجتهاد عليه بحسب ~~الامكان فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة وكان في ترك معاملته ms260 بما ~~اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام ~~أدناهما كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما PageV01P376 # فصل # وأما الإنحناء عند التحية فينهي عنه كما في الترمذي عن النبي صلى الله ~~الله عليه وسلم أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحنى له قال لا ولأن الركوع ~~والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل وإن كان هذا على وجه التحية في غير ~~شريعتنا كما في قصة يوسف وخروا له سجدا وقال يا أبيت هذا تأويل رؤياي من ~~قبل وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله بل قد تقدم نهيه عن القيام كما ~~يفعله الأعاجم بعضها لبعض فكيف بالركوع والسجود وكذلك ما هو ركوع ناقص يدخل ~~في النهي عنه PageV01P377 # وقال شيخ الإسلام # فصل كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله فيسمون بعضهم عبد ~~الكعبة كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي ~~هريرة واسم عبد شمس بن عبد مناف وبعضهم عبد الات وبعضهم عبد العزى وبعضهم ~~عبد مناة وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو ~~بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله # ونظير تسمية النصارى عبد المسيح فغير النبي ذلك وعبدهم لله وحده فسمى ~~جماعات من أصحابه عبد الله وعبد الرحمن كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا ~~وكما سمى أبا معاوية وكان اسمه عبد العزة فسماه عبد الرحمن وكان اسم مولاه ~~قيوم فسماه عبد القيوم # ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغلية من الرافضة ومشابهيهم الغالين ~~في المشائخ فيقال هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس أو غلام ابن ~~PageV01P378 الرفاعي أو الحريري ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله كما ~~قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح وفي نفوس المشركين من آلهتم رجاء وخشية ~~وقد يتوبون لهم كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة والنصارى للمسيح أو ~~لبعض القديسين وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده تعبيد الخلق ms261 ~~لربهم كما سنه رسول الله وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية ~~والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية وعامة ما سمى به النبي عبد الله ~~وعبد الرحمن كما قال تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى فإن هذين الإسمين هما أصل بقية أسماء الله تعالى # وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى وكذلك ~~أهل بيتنا غلب على أسمائهم التعبيد لله كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الغني ~~والسلام والقاهر واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم والمحسن والأحد والواحد ~~والقادر والكريم والملك والحق وقد ثبت في صحيح مسلم عن نافع عن عبد الله بن ~~عمر أن النبي قال أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث ~~وهمام وأقبحها حرب ومرة وكان من شعار أصحاب رسول الله معه في الحروب يا بني ~~عبد الرحمن يا بني عبد الله يا بني PageV01P379 عبيد الله كما قالوا ذلك ~~يوم بدر وحنين والفتح والطائف فكان شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن وشعار ~~الخزرج يا بني عبد الله وشعار الأوس يا بني عبيد الله PageV01P380 ms262