######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007631 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007631 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7631 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7631 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: 1403هـ/1983م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة المدني، المؤسسة السعودية، القاهرة، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال # ... # الرسالة الأكملية ### | تأليف: شيخ الإسلام ابن تيمية # تحقيق: أحمد حمدي إمام # سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه: # قال السائل: المسؤول من علماء الإسلام، والسادة الأعلام أحسن الله ~~ثوابهم، وأكرم نزلهم ومآبهم أن يرفعوا حجاب الإجمال، ويكشفوا قناع الإشكال ~~عن مقدمة، جميع أرباب الملل والنحل متفقون عليها، ومستندون في آرائهم ~~إليها، حاشا مكابرا منهم معاندا، وكافرا بربوبية الله جاحدا. # وهي أن يقال: هذه صفة كمال، فيجب لله إثباتها، وهذه صفة نقص، فيتعين ~~انتفاؤها، لكنهم في تحقيق مناطها في إفراد الصفات متنازعون، وفي تعيين ~~الصفات لأجل القسمين مختلفون. # فأهل السنة يقولون: إثبات السمع والبصر، والحياة والقدرة، والعلم والكلام ~~وغيرها من الصفات الخبرية كالوجه واليدين، والعينين، والغضب والرضا، ~~والصفات الفعلية كالضحك والنزول والاستواء صفات كمال، وأضدادها صفات نقصان. # PageV01P003 # والفلاسفة تقول: اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره، ~~فيكون ناقصا بذاته، وإن أوجب له نقصا لم يجز اتصافه بها. # والمعتزلة يقولون: لو قامت بذاته صفات وجودية لكان مفتقرا إليها وهي ~~مفتقرة إليه، فيكون الرب مفتقرا إلى غيره؛ ولأنها أعراض لا تقوم إلا بجسم، ~~والجسم مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص. # ويقولون أيضا: لو قدر على العباد أعمالهم وعاقبهم عليها، كان ظالما، وذلك ~~نقص. وخصومهم يقولون: لو كان في ملكه ما لا يريده لكان ناقصا. # والكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله، ويقولون: لو قامت به لكان محلا ~~للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله، وهو نقص، وإن لم يوجب له ~~كمالا لم يجز وصفه به. # وطائفة منهم ينفون صفاته الخبرية؛ لاستلزامها التركيب المستلزم للحاجة ~~والافتقار. وهكذا نفيهم أيضا لمحبته؛ لأنها مناسبة بين المحب والمحبوب، ~~ومناسبة الرب للخلق نقص، وكذا رحمته؛ لأن الرحمة رقة تكون في الراحم، وهي ~~ضعف وخور في الطبيعة، وتألم على المرحوم، وهو نقص، # PageV01P004 # وكذا غضبه؛ لأن الغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام، وكذا نفيهم لضحكه ~~وتعجبه. لأن الضحك خفة روح تكون لتجدد ما يسر، واندفاع ما يضر. ms01 والتعجب ~~استعظام للمتعجب منه. # ومنكرو النبوات يقولون: ليس الخلق بمنزلة أن يرسل إليهم رسولا كما أن ~~أطراف الناس ليسوا أهلا أن يرسل السلطان إليهم رسولا. # والمشركون يقولون: عظمة الرب وجلاله يقتضي ألا يتقرب إليه إلا بواسطة ~~وحجاب، فالتقرب إليه ابتداء من غير شفعاء ووسائط، غض من جنابه الرفيع. # هذا وإن القائلين بهذه المقدمة، لا يقولون بمقتضاها، ولا يطردونها، فلو ~~قيل لهم: أيما أكمل؟ ذات توصف بسائر أنواع الإدراكات، من الشم والذوق ~~واللمس، أم ذات لا توصف بها كلها؟ لقالوا: الأولى أكمل، ولم يصفوا بها كلها ~~الخالق. # وبالجملة، فالكمال والنقص من الأمور النسبية، والمعاني الإضافية، فقد ~~تكون الصفة كمالا لذات ونقصا لأخرى، وهذا نحو الأكل والشرب والنكاح، كمال ~~للمخلوق، نقص للخالق، وكذا التعاظم والتكبر والثناء على النفس، كمال ~~للخالق، نقص للمخلوق، # PageV01P005 # وإذا كان الأمر كذلك فلعل ما تذكرونه من صفات الكمال، إنما يكون كمالا ~~بالنسبة إلى الشاهد، ولا يلزم أن يكون كمالا للغائب كما بين؛ لا سيما مع ~~تباين الذاتين. # وإن قلتم: نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها، هل هي كمال أو نقص؟ ~~فلذلك نحيل الحكم عليها بأحدهما؛ لأنها قد تكون كمالا لذات، نقصا لأخرى، ~~على ما ذكر. وهذا من العجب أن مقدمة وقع عليها الإجماع، هي منشأ الاختلاف ~~والنزاع! ! فرضى الله عمن بين لنا بيانا يشفى العليل، ويجمع بين معرفة ~~الحكم وإيضاح الدليل، إنه تعالى سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل. # PageV01P006 # فأجاب رضي الله عنه: # الحمد لله، الجواب عن السؤال مبني على مقدمتين: # إحداهما: أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من ~~الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى ~~يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم ~~نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، ~~وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع ~~دلالة السمع على ذلك. # ودلالة القرآن على الأمور نوعان: # أحدهما: ms02 خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله ~~به. # والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على ~~المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية؛ فهي [شرعية] لأن الشرع دل عليها، وأرشد ~~إليها؛ و [عقلية] لأنها تعلم صحتها بالعقل. ولا يقال: إنها لم تعلم إلا ~~بمجرد الخبر. # وإذا أخبر الله بالشىء، ودل عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولا عليه ~~بخبره، # PageV01P007 # ومدلولا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتا بالسمع والعقل، ~~وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى [الدلالة الشرعية] . # وثبوت [معنى الكمال] قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني ~~متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له، وتفصيل محامده، وأن ~~له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه، ونحو ذلك، كله دال على هذا المعنى. # وقد ثبت لفظ [الكامل] فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير: {قل ~~هو الله أحد الله الصمد} [الإخلاص: 1، 2] : أن [الصمد] هو المستحق للكمال، ~~وهو السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي ~~قد كمل في عظمته، والحكم الذي قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في غناه، ~~والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي ~~قد كمل في حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله ~~سبحانه وتعالى. # وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ ولا كمثله شىء. وهكذا سائر صفات ~~الكمال، ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في ~~فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار ~~بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر، وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل ~~شىء. # وقد بينا في غير هذا الموضع: أن الإقرار بالخالق وكماله، يكون فطريا ~~ضروريا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، # PageV01P008 # وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير ms03 الفطرة وأحوال تعرض ~~لها. # وأما لفظ [الكامل] فقد نقل الأشعري عن الجبائي أنه كان يمنع أن يسمى الله ~~كاملا، ويقول: الكامل الذي له أبعاض مجتمعة. # وهذا النزاع إن كان في المعنى فهو باطل، وإن كان في اللفظ فهو نزاع لفظي. # والمقصود هنا أن ثبوت الكمال له، ونفي النقائص عنه، مما يعلم بالعقل. # وزعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي، والآمدي وغيرهم أن ذلك ~~لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، وإن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم ~~إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه، إنما هو نفي مسمى ~~الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية، كالأشعري، ~~والقاضي، وأبى بكر وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة، في إثبات السمع ~~والبصر والكلام له بالأدلة العقلية، وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية. # ولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع، ويقولون: ~~إذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون ~~بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب ~~والسنة، قالوا: والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام: أعظم من الآيات ~~الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل ~~السمعي الذي هو القرآن أولى وأحرى. # PageV01P009 # والذي اعتمدوا عليه في النفي، من نفي مسمى التحيز ونحوه مع أنه بدعة في ~~الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين هو ~~متناقض في العقل، لا يستقيم في العقل؛ فإنه ما من أحد ينفي شيئا خوفا من ~~كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسما، إلا قيل له فيما أثبته نظير ما ~~قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته، كالمعتزلة ~~لما أثبتوا أنه حي عليم قدير؛ وقالوا: إنه لا يوصف بالحياة، والعلم، ~~والقدرة، والصفات؛ لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو جسم، ولا يعقل ~~موصوف إلا جسم. # فقيل لهم: فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير، ولا ms04 يوصف شىء بأنه عليم حي ~~قدير إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فما كان ~~جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات، فإن جاز أن يقال: بل يسمى بهذه ~~الأسماء ما ليس بجسم، جاز أن يقال: فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم، ~~وأن يقال: هذه الصفات ليست أعراضا، وإن قيل: لفظ الجسم [مجمل] أو مشترك وأن ~~المسمى بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره، ~~جاز أن يقال: الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له ~~خصائص غيره. # وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع، أو بالعقل مع الشرع، كالرضا ~~والغضب، والحب، والفرح، ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل # PageV01P010 # إلا لجسم. قيل لهم: هذه بمنزلة الإرادة والسمع، والبصر والكلام، فما لزم ~~في أحدهما لزم في الآخر مثله. # وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم، إذا قالوا: ثبوت هذه الصفات ~~يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسما أو مركبا. قيل لهم: هذا ~~كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ~~ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك. # فإن قالوا: هذه ترجع إلى معنى واحد، قيل لهم: إن كان هذا ممتنعا بطل ~~الفرق، وإن كان ممكنا أمكن أن يقال في تلك مثل هذه، فلا فرق بين صفة وصفة. ~~والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال النفاة مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أن نبين أن ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل، وأن نقيض ذلك ~~منتف عنه، فإن الاعتماد في الإثبات والنفي على هذه الطريق مستقيم في العقل ~~والشرع، دون تلك، خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون. # وجمهور أهل الفلسفة والكلام يوافقون على أن الكمال لله ثابت بالعقل، ~~والفلاسفة تسميه التمام، # PageV01P011 # وبيان ذلك من وجوه: # منها: أن يقال: قد ثبت أن الله قديم بنفسه، واجب الوجود بنفسه، قيوم ~~بنفسه، خالق بنفسه، إلى غير ذلك من خصائصه. والطريقة المعروفة في وجوب ~~الوجود تقال في جميع هذه ms05 المعاني. # فإذا قيل: الوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب، فيلزم ~~ثبوت الواجب على التقديرين، فهو مثل أن يقال: الموجود إما قديم وإما حادث، ~~والحادث لابد له من قديم، فيلزم ثبوت القديم على التقديرين. والموجود إما ~~غني وإما فقير، والفقير لابد له من الغنى، فلزم وجود الغنى على التقديرين. ~~والموجود إما قيوم بنفسه وإما غير قيوم، وغير القيوم لابد له من القيوم، ~~فلزم ثبوت القيوم على التقديرين، والموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق، ~~والمخلوق لابد له من خالق غير مخلوق، فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق على ~~التقديرين ونظائر ذلك متعددة. # ثم يقال: هذا الواجب القديم الخالق، إما أن يكون ثبوت الكمال الذي لا نقص ~~فيه الممكن الوجود ممكنا له، وإما ألا يكون. والثاني ممتنع؛ لأن هذا ممكن ~~للموجود المحدث الفقير للممكن، فلأن يمكن للواجب الغني القديم بطريق الأولى ~~والأحرى؛ فإن كلاهما موجود. والكلام في الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص ~~فيه. # فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكنا للمفضول، فلأن يمكن للفاضل بطريق ~~الأولى؛ لأن ما كان ممكنا لما هو في وجوده ناقص، فلأن # PageV01P012 # يمكن لما هو في وجوده أكمل منه بطريق الأولى، لاسيما وذلك أفضل من كل وجه ~~فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه، بل ما قد ~~ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به، فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى. # ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق، والذي جعل غيره كاملا ~~هو أحق بالكمال منه، فالذي جعل غيره قادرا أولى بالقدرة، والذي علم غيره ~~أولى بالعلم، والذي أحيا غيره أولى بالحياة، والفلاسفة توافق على هذا، ~~ويقولون: كل كمال للمعلول فهو من آثار العلة، والعلة أولى به. # وإذا ثبت إمكان ذلك له، فما جاز له من ذلك الكمال الممكن الوجود، فإنه ~~واجب له لا يتوقف على غيره، فإنه لو توقف على غيره لم يكن موجودا له إلا ~~بذلك الغير، وذلك الغير إن كان مخلوقا له لزم الدور القبلي الممتنع، فإن ما ms06 ~~في ذلك الغير من الأمور الوجودية فهي منه، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين ~~فاعلا للآخر، وهذا هو الدور القبلي فإن الشىء يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه، ~~فلأن يمتنع أن يكون فاعلا لفاعله بطريق الأولى والأحرى. # وكذلك يمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلا لما به يصير الآخر فاعلا، ~~ويمتنع أن يكون كل من الشيئين معطيا للآخر كماله، فإن معطي الكمال أحق ~~بالكمال، فيلزم أن يكون كل منهما أكمل من الآخر، وهذا ممتنع لذاته، فإن كون ~~هذا أكمل يقتضي أن هذا أفضل من هذا، وهذا أفضل من هذا، وفضل أحدهما يمنع ~~مساواة الآخر له، فلأن يمنع كون الآخر أفضل بطريق الأولى. # وأيضا، فلو كان كماله موقوفا على ذلك الغير، للزم أن يكون كماله موقوفا # PageV01P013 # على فعله لذلك الغير، وعلى معاونة ذلك الغير في كماله، ومعاونة ذلك الغير ~~في كماله موقوف عليه؛ إذ فعل ذلك الغير، وأفعاله موقوفة على فعل المبدع لا ~~تفتقر إلى غيره، فيلزم ألا يكون كماله موقوفا على غيره. # فإذا قيل: كماله موقوفا على مخلوقه، لزم ألا يتوقف على مخلوقه، وما كان ~~ثبوته مستلزما لعدمه كان باطلا من نفسه. وأيضا، فذلك الغير كل كمال له فمنه ~~وهو أحق بالكمال منه، ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفا إلا على ما ~~هو من نفسه، وذلك متوقف عليه لا على غيره. # وإن قيل: ذلك الغير ليس مخلوقا بل واجبا آخر قديما بنفسه. فيقال: إن كان ~~أحد هذين هو المعطي دون العكس، فهو الرب، والآخر عبده. # وإن قيل: بل كل منهما يعطي للآخر الكمال، لزم الدور في التأثير وهو باطل، ~~وهو من الدور القبلي، لا من الدور المعي الاقتراني فلا يكون هذا كاملا حتى ~~يجعله الآخر كاملا، والآخر لا يجعله كاملا حتى يكون في نفسه كاملا، لأن ~~جاعل الكامل كاملا أحق بالكمال ولا يكون الآخر كاملا حتى يجعله كاملا، فلا ~~يكون واحدا منهما كاملا بالضرورة، فإنه لو قيل: لا يكون كاملا حتى يجعل ~~نفسه كاملا، ولا يجعل نفسه كاملا حتى ms07 يكون كاملا لكان ممتنعا، فكيف إذا ~~قيل: حتى يجعل ما يجعله كاملا كاملا؟ ! # PageV01P014 # وإن قيل: كل واحد له آخر يكمله إلى غير نهاية لزم التسلسل في المؤثرات، ~~وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء. فإن تقدير مؤثرات لا تتناهي: ليس فيها ~~مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شىء منها، ولا وجود جميعها، ولا وجود اجتماعها، ~~والمبدع للموجودات لابد أن يكون موجودا بالضرورة. # فلو قدر أن هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من آخر، وهلم جرا، للزم ألا ~~يكون لشىء من هذه الأمور كمال، ولو قدر أن الأول كامل لزم الجمع بين ~~النقيضين، وإذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره، كان الكمال له واجبا ~~بنفسه، وامتنع تخلف شىء من الكمال الممكن عنه، بل ما جاز له من الكمال وجب ~~له، كما أقر بذلك الجمهور من أهل الفقه والحديث، والتصوف والكلام والفلسفة ~~وغيرهم، بل هذا ثابت في مفعولاته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكان ~~ممتنعا بنفسه أو ممتنعا لغيره، فما ثم إلا موجود واجب إما بنفسه وإما ~~بغيره، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره، والممكن أن حصل مقتضيه التام: وجب ~~بغيره، وإلا كان ممتنعا لغيره، والممكن بنفسه: إما واجب لغيره، وإما ممتنع ~~لغيره. # وقد بين الله سبحانه أنه أحق بالكمال من غيره، وأن غيره لا يساويه في # PageV01P015 # الكمال، في مثل قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: ~~17] وقد بين أن الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق، وأن ~~من عدل هذا بهذا فقد ظلم. # وقال تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون} [النحل: 75] ، فبين أن كونه مملوكا عاجزا صفة نقص، وأن القدرة ~~والملك والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا، وهذا لله، وذاك لما يعبد ~~من دونه. # وقال تعالى: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل ms08 ~~على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم} [النحل: 76] ، وهذا مثل آخر. فالأول مثل العاجز عن الكلام، ~~وعن الفعل الذي لا يقدر على شىء. والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على ~~صراط مستقيم، فهو عادل في أمره مستقيم في فعله. # فبين أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم، فإن مجرد الكلام ~~والعمل قد يكون محمودا، وقد يكون مذموما، فالمحمود هو الذي يستحق صاحبه ~~الحمد، فلا يستوى هذا والعاجز عن الكلام والفعل. # PageV01P016 # وقال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء ~~في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات ~~لقوم يعقلون} [الروم: 28] . # يقول تعالى: إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك ~~من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي، وأنا أحق بالكمال والغنى منكم؟ # وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد، وهذا كقوله: {وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ولو يؤاخذ الله ~~الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم ~~الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} [النحل: 5862] حيث ~~كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت فيعدون ~~هذا نقصا وعيبا. # والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم، فإن له المثل الأعلى، فكل ~~كمال ثبت للمخلوق، فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردا عن النقص، وكل ما ~~ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب، فالخالق أولى بتنزيهه عنه. # وقال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] ، # PageV01P017 # وهذا يبين أن العالم أكمل ممن ms09 لا يعلم، وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى ~~والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور} [فاطر: 19 22] فبين أن ~~البصير أكمل، والنور أكمل، والظل أكمل، وحينئذ فالمتصف به أولى {ولله المثل ~~الأعلى} [النحل: 60] . # وقال تعالى: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} [الأعراف: 148] ~~، فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وأن الذي يتكلم ويهدي أكمل ممن ~~لا يتكلم ولا يهدي، والرب أحق بالكمال. # وقال تعالى: {قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} ~~[يونس: 35] فبين سبحانه بما هو مستقر في الفطر أن الذي يهدي إلى الحق أحق ~~بالاتباع ممن لا يهتدي إلا أن يهديه غيره، فلزم أن يكون الهادي بنفسه هو ~~الكامل، دون الذي لا يهتدي إلا بغيره. # وإذا كان لابد من وجود الهادي لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل، وقال تعالى ~~في الآية الأخرى: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا} [طه: 89] فدل على أن الذي يرجع إليه القول، ويملك الضر والنفع، أكمل ~~منه. # PageV01P018 # وقال إبراهيم لأبيه: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا} [مريم: 42] ، فدل على أن السميع البصير الغني أكمل، وأن المعبود يجب ~~أن يكون كذلك. # ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال، كعدم التكلم ~~والفعل، وعدم الحياة، ونحو ذلك مما يبين أن المتصف بذلك منتقص معيب كسائر ~~الجمادات، وإن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب. # وأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، ~~وأنه لا يستوى المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن ~~الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات. # فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف، فقد جعله من جنس الأصنام ms10 ~~الجامدة، التي عابها الله تعالى وعاب عابديها. # ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركا، وعبادة لغير الله، إذ ~~كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر، أو يغني عنهم شيئا. # والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها ~~لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم ~~التوحيد وهما: إثبات صفات الكمال، ردا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق ~~للعبادة لا إله إلا هو، ردا على المشركين. # والشرك في العالم أكثر من التعطيل، ولا يلزم من إثبات [التوحيد] المنافي ~~للإشراك إبطال قول أهل التعطيل، # PageV01P019 # ولا يلزم من مجرد الإثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين إلا ~~ببيان آخر. # والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة، كالرد على فرعون وأمثاله، ويذكر ~~فيه الرد على المشركين وهذا أكثر؛ لأن القرآن شفاء لما في الصدور. ومرض ~~الإشراك أكثر في الناس من مرض التعطيل، وأيضا فإن الله سبحانه أخبر أن له ~~الحمد، وأنه حميد مجيد، وأن له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، ونحو ~~ذلك من أنواع المحامد. # والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده، وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه ~~هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق ~~للحمد، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال، وهي أمور وجودية فإن ~~الأمور العدمية المحضة لا حمد فيها، ولا خير ولا كمال. # ومعلوم أن كل ما يحمد، فإنما يحمد على ماله من صفات الكمال، فكل ما يحمد ~~به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد، فثبت أنه ~~المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحق من كل محمود بالحمد والكمال من كل كامل ~~وهو المطلوب. # PageV01P020 # فصل # وأما المقدمة الثانية فنقول: لابد من اعتبار أمرين: # أحدهما: أن يكون الكمال ممكن الوجود. # والثانى: أن يكون سليما عن النقص، فإن النقص ممتنع على الله، لكن بعض ~~الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصا، فهذا يقال له: إنما ms11 الواجب إثبات ما أمكن ~~ثبوته من الكمال السليم عن النقص، فإذا سميت أنت هذا نقصا وقدر أن انتفاءه ~~يمتنع، لم يكن نقصه من الكمال الممكن، و [الذات] التي لا تكون حية عليمة ~~قديرة سميعة بصيرة متكلمة، ليست أكمل من الذات التي تكون حية عليمة سميعة ~~بصيرة متكلمة. # وإذا كان صريح العقل يقضي بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل الذات ~~المتصفة، فضلا عن أن تكون أكمل منها، ويقضي بأن الذات المتصفة بها أكمل، ~~علم بالضرورة امتناع كمال الذات بدون هذه الصفات، فإن قيل بعد ذلك: لا تكون ~~ذاته ناقصة مسلوبة الكمال إلا بهذه الصفات، قيل: الكمال بدون هذه الصفات # PageV01P021 # فإن قيل بعد ذلك: لا تكون ذاته ناقصة مسلوبة الكمال إلا بهذه الصفات، ~~قيل: الكمال بدون هذه الصفات ممتنع، وعدم الممتنع ليس نقصا، وإنما النقص ~~عدم ما يمكن. # وأيضا، فإذا ثبت أنه يمكن اتصافه بالكمال، وما اتصف به وجب له، وامتنع ~~تجرد ذاته عن هذه الصفات، فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديرا ~~ممتنعا. وإذا قدر للذات تقدير ممتنع، وقيل: إنها ناقصة بدونه، كان ذلك مما ~~يدل على امتناع ذلك التقدير، لا على امتناع نقيضه، كما لو قيل: إذا مات كان ~~ناقصا، فهذا يقتضي وجوب كونه حيا، كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه ~~الصفات يوجب أن تكون ناقصة، كان ذلك مما يستلزم أن يوصف بهذه الصفات. # وأيضا، فقول القائل: اكتمل بغيره ممنوع، فإنا لا نطلق على صفاته أنها ~~غيره، ولا أنها ليست غيره، على ما عليه أئمة السلف؛ كالإمام أحمد بن حنبل ~~وغيره، وهو اختيار حذاق المثبتة، كابن كلاب وغيره. # ومنهم من يقول: أنا لا أطلق عليها أنها ليست هي هو، ولا أطلق عليها أنها ~~ليست غيره، ولا أجمع بين السلبين قأقول: لا هي هو ولا هي غيره، وهو اختيار ~~طائفة من المثبتة كالأشعري، وأظن أن قول أبي الحسن التميمى هو هذا، أو ما ~~يشبه هذا. # ومنهم من يجوز إطلاق هذا السلب وهذا السلب في إطلاقهما جميعا، كالقاضي ms12 ~~أبي بكر، والقاضي أبي يعلى. # PageV01P022 # ومنشأ هذا أن لفظ [الغير] يراد به المغاير للشىء، ويراد به ما ليس هو ~~إياه، وكان في إطلاق الألفاظ المجملة إيهام لمعان فاسدة. # ونحن نجيب بجواب علمي فنقول: قول القائل: يتكمل بغيره. أيريد به بشىء ~~منفصل عنه أم يريد بصفة لوازم ذاته؟ أما الأول فممتنع. وأما الثاني فهو حق، ~~ولوازم ذاته لا يمكن وجود ذاته بدونها، كما لا يمكن وجودها بدونه، وهذا ~~كمال بنفسه لا بشىء مباين لنفسه. # وقد نص الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وأئمة المثبتة كأبي محمد بن كلاب ~~وغيره على أن القائل إذا قال: الحمد لله، أو قال: دعوت الله وعبدته، أو ~~قال: بالله، فاسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته، وليست صفاته زائدة على ~~مسمى أسمائه الحسنى. # وإذا قيل: هل صفاته زائدة على الذات أم لا؟ قيل: إن أريد بالذات المجردة ~~التي يقر بها نفاة الصفات، فالصفات زائدة عليها، وإن أريد بالذات الذات ~~الموجودة في الخارج، فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة. والصفات ~~ليست زائدة على الذات المتصفة بالصفات، وإن كانت زائدة على الذات التي يقدر ~~تجردها عن الصفات. # PageV01P023 # فصل # وأما قول القائل: لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها وهي مفتقرة ~~إليه، فيكون الرب مفتقرا إلى غيره، فهو من جنس السؤال الأول. # فيقال: أولا: قول القائل: [لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها] ~~يقتضي إمكان جوهر تقوم به الصفات، وإمكان ذات لا تقوم بها الصفات، فلو كان ~~أحدهما ممتنعا لبطل هذا الكلام، فكيف إذا كان كلاهما ممتنعا؟ فإن تقدير ذات ~~مجردة عن جميع الصفات، إنما يمكن في الذهن لا في الخارج. كتقدير وجود مطلق ~~لا يتعين في الخارج. # ولفظ [ذات] تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافا إلى غيره، فهم ~~يقولون: فلان ذو علم وقدرة، ونفس ذات علم وقدرة. وحيث جاء في القرآن أو لغة ~~العرب لفظ [ذو] ولفظ [ذات] لم يجئ إلا مقرونا بالإضافة كقوله: {فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم} [الأنفال: 1] ، وقوله: {عليم بذات الصدور} ms13 [آل عمران: ~~119] . # وقول خبيب رضي الله عنه: # وذلك في ذات الإله. . . # ونحو ذلك. # PageV01P024 # لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب، قالوا: إنه يقال: إنها ذات علم ~~وقدرة، ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه، فقالو: [الذات] . وهي ~~لفظ مولد ليس من لفظ العرب العرباء؛ ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم، كأبي ~~الفتح بن برهان، وابن الدهان وغيرهما، وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية ورد ~~عليهم آخرون، كالقاضي وابن عقيل وغيرهما. # وفصل الخطاب: أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولدة، كلفظ الموجود ~~ولفظ الماهية والكيفية ونحو ذلك، فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات ~~إليها، فيقال: ذات علم وذات قدرة وذات كلام والمعنى كذلك، فإنه لا يمكن ~~وجود شىء قائم بنفسه في الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية أصلا، بل فرض هذا في ~~الخارج كفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره. # ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له، كفرض صفة لا تقوم بغيرها، وكلاهما ممتنع، ~~فما هو قائم بنفسه فلا بد له من صفة، وما كان صفة فلابد له من قائم بنفسه ~~متصف به. # ولهذا سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائما بنفسه لا صفة له، سواء سموه ~~جوهرا أو جسما أو غير ذلك، ويقولون: وجود جوهر معرى عن جميع الأعراض ممتنع، ~~فمن قدر إمكان موجود قائم بنفسه لا صفة له، فقد قدر ما لا يعلم وجوده في ~~الخارج ولا يعلم إمكانه في الخارج، فكيف إذا علم أنه ممتنع في الخارج عن ~~الذهن. # وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضي أن ثبوته ممتنع، وإنما يمكن فرضه # PageV01P025 # في العقل، فالعقل يقدره في نفسه، كما يقدر ممتنعات، لا يعقل وجودها في ~~الوجود ولا إمكانها في الوجود. # وأيضا فالرب تعالى إذا كان اتصافه بصفات الكمال ممكنا وما أمكن له وجب ~~امتنع أن يكون مسلوبا صفات الكمال، ففرض ذاته بدون صفاته اللازمة الواجبة ~~له فرض ممتنع. # وحينئذ فإذا كان فرض عدم هذا ممتنعا عموما وخصوصا، فقول القائل: يكون ~~مفتقرا إليها، وتكون مفتقرة إليه، إنما يعقل مثل هذا في ms14 شيئين. يمكن وجود ~~كل واحد منهما دون الآخر، فإذا امتنع هذا بطل هذا التقدير. # ثم يقال له: ما تعنى بالافتقار؟ أتعني: أن الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة ~~لها أو بالعكس؟ أم تعني التلازم وهو ألا يكون أحدهما إلا بالآخر؟ فإن عنيت ~~افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل، فإن الرب ليس بفاعل لصفاته اللازمة، ~~بل لا يلزمه شىء معين من أفعاله ومفعولاته؛ فكيف تجعل صفاته مفعولة له، ~~وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته؟ وإن عنيت التلازم فهو حق. # وهذا كما يقال: لا يكون موجودا، إلا أن يكون قديما واجبا بنفسه ولا يكون ~~عالما قادرا إلا أن يكون حيا، فإذا كانت صفاته ملازمة لذاته، كان ذلك أبلغ ~~في الكمال من جواز التفريق بينهما، فإنه لو جاز وجوده بدون صفات الكمال، لم ~~يكن الكمال واجبا له، بل ممكنا له، وحينئذ فكان يفتقر في ثبوتها له إلى ~~غيره، وذلك نقص ممتنع عليه، كما تقدم بيانه، فعلم أن التلازم بين الذات ~~وصفات الكمال هو كمال الكمال. # PageV01P026 # فصل # وأما القائل: إنها أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب، والمركب ممكن محتاج، ~~وذلك عين النقص، فللمثبتة للصفات في إطلاق لفظ [العرض] على صفاته ثلاث طرق: # منهم: من يمنع أن تكون أعراضا، ويقول: بل هي صفات وليست أعراضا، كما يقول ~~ذلك الأشعري، وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره. # ومنهم: من يطلق عليها لفظ الأعراض كهشام وابن كرام وغيرهما. # ومنهم: من يمتنع من الإثبات والنفي، كما قالوا في لفظ الغير، وكما ~~امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه، فإن قول القائل: العلم عرض بدعة، ~~وقوله: ليس بعرض بدعة، كما أن قوله: الرب جسم بدعة، وقوله: ليس بجسم بدعة. # وكذلك أيضا لفظ [الجسم] ، يراد به في اللغة: البدن والجسد، كما ذكر ذلك ~~الأصمعي وأبو زيد، وغيرهما من أهل اللغة. # وأما أهل الكلام، فمنهم من يريد به المركب، ويطلقه على الجوهر الفرد بشرط ~~التركيب، أو على الجوهرين، أو على أربعة جواهر، أو ستة، أو ثمانية، أو ستة ~~عشر، أو اثنين ms15 وثلاثين، أو المركب من المادة والصورة. # PageV01P027 # وعامة هؤلاء، وهؤلاء يجعلون المشار إليه مساويا في العموم والخصوص، فلما ~~كان اللفظ قد صار يفهم منه معان بعضها حق وبعضها باطل، صار مخلا. وحينئذ ~~فالجواب العلمي أن يقال: أتعني بقولك إنها أعراض أنها قائمة بالذات أو صفة ~~للذات، ونحو ذلك من المعاني الصحيحة، أم تعني بها أنها آفات ونقائص؟ أم ~~تعني بها أنها تعرض وتزول ولا تبقى زمانين؟ # فإن عنيت الأول فهو صحيح. وإن عنيت الثاني فهو ممنوع. وإن عنيت الثالث ~~فهذا مبني على قول من يقول: العرض لا يبقى زمانين. فإن قال ذلك وقال هي ~~باقية قال أسميتها أعراضا_ لم يكن مانعا من تسميتها أعراضا. # وقولك: العرض لا يقوم إلا بجسم. فيقال للحي عليم قدير عندك، وهذه الأسماء ~~لا ينسمى بها إلا جسم، كما أن هذه الصفات التي جعلتها أعراضا لا يوصف بها ~~إلا جسم؟ فما كان جوابك عن ثبوت الأسماء كان جوابا "لأهل الإثبات" عن إثبات ~~الصفات. ويقال له: ما تعني بقولك هذه الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؟ # PageV01P028 # أتعني بالجسم المركب الذي كان مفترقا فاجتمع؟ أو ما ركبه مركب فجمع ~~أجزاءه؟ أو ما أمكن تفريقه وتبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك؟ أم تعني ~~به ما هو مركب من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة؟ أو تعني به ما ~~يمكن الإشارة إليه؟ أو ما كان قائما بنفسه؟ أو ما هو موجود؟ # فإن عنيت الأول، لم نسلم أن هذه الصفات التي سميتها أعراضا لا تقوم إلا ~~بجسم بهذا التفسير، وإن عنيت به الثاني، لم نسلم امتناع التلازم، فإن الرب ~~تعالى موجود قائم بنفسه، مشار إليه عندنا، فلا نسلم انتفاء التلازم على هذا ~~التقدير. # وقول القائل: المركب ممكن، إن أراد بالمركب: المعاني المتقدمة؛ مثل كونه ~~كان مفترقا فاجتمع، أو ركبه مركب أو يقبل الانفصال، فلا نسلم المقدمة ~~الأولى التلازمية، وإن عنى به ما يشار إليه أو ما يكون قائما بنفسه موصوفا ~~بالصفات، فلا نسلم انتفاء الثانية، فالقول بالأعراض مركب من مقدمتين؛ ~~تلازمية، ms16 واستثنائية بألفاظ مجملة، فإذا استفصل عن المراد حصل المنع ~~والإبطال لأحدهما أو لكليهما، وإذا بطلت إحدى المقدمتين على كل تقدير، بطلت ~~الحجة. # PageV01P029 # فصل # وأما قول القائل: لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث، والحادث إن أوجب ~~له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به. # فيقال أولا: هذا معارض بنظيره من الحوادث التي يفعلها، فإن كليهما حادث ~~بقدرته ومشيئته، وإنما يقترنان في المحل. وهذا التقسيم وارد على الجهتين. # وإن قيل في الفرق: المفعول لا يتصف به، بخلاف الفعل القائم به، قيل في ~~الجواب: بل هم يصفونه بالصفات الفعلية، ويقسمون الصفات إلى نفسية وفعلية، ~~فيصفونه بكونه خالقا ورازقا بعد أن لم يكن كذلك، وهذا التقسيم وارد عليهم. # وقد أورده عليهم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم، فزعموا أن صفات الأفعال ~~ليست صفة كمال ولا نقص. # فيقال لهم: كما قالوا لهؤلاء في الأفعال التي تقوم به، إنها ليست كمالا ~~ولا نقصا. # فإن قيل: لابد أن يتصف إما بنقص أو بكمال. قيل: لابد أن يتصف من الصفات ~~الفعلية إما بنقص وإما بكمال، فإن جاز ادعاء خلو أحدهما # PageV01P030 # عن القسمين، أمكن الدعوى في الآخر مثله، وإلا فالجواب مشترك. # وأما المتفلسفة فيقال لهم: القديم لا تحله الحوادث، ولا يزال محلا ~~للحوادث عندكم، فليس القدم مانعا من ذلك عندكم، بل عندكم هذا هو الكمال ~~الممكن الذي لا يمكن غيره، وإنما نفوه عن واجب الوجود؛ لظنهم عدم اتصافه ~~به. # وقد تقدم التنبيه على إبطال قولهم في ذلك، لاسيما وما قامت به الحوادث ~~المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة تامة، أزلية موجبة لمعلولها؛ فإن العلة ~~التامة الموجبة يمتنع أن يتأخر عنها معلولها، أو شىء من معلولها، ومتى تأخر ~~عنها شىء من معلولها كانت علة له بالقوة هذا عند من سماه نقصا من النقص ~~الممكن انتفاؤه. # فإذا قيل: خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت له. # فيل وجود الجمادات كلها أو واحد منها يستلزم الحوادث كلها أو واحد منها ~~في الأزل، فيمتنع ms17 وجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد سواء # PageV01P031 # قدر ذلك الآن ماضيا أو مستقبلا، فضلا عن أن يكون أزليا، وما يستلزم ~~الحوادث المتعاقبة يمتنع وجود في آن واحد فضلا عن أن يكون أزليا، فليس هذا ~~ممكن الوجود فضلا عن أن يكون كمالا، لكن فعل الحوادث شيئا بعد شيء أكمل من ~~التعطيل عن فعلها بحيث لايحدث شيئا بعد أن لم يكن، فإن الفاعل القادر علي ~~الفعل أكمل من الفاعل العاجز عن الفعل. # فإذا قيل لايمكنه إحداث الحوادث، بل مفعوله لازم لذاته، كان هذا نقصا ~~بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئا بعد شيء. # وكذلك إذا فيل: جعل الشيء الواحد متحركا ساكنا موجودا معدوما صفة كمال ~~قيل: هذا ممتنع لذاته. # وكذلك إذا قيل: إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال، قيل: هذا ممتنع لنفسه، ~~فإن كونه مبدعا يقتضى أن لايكون واجبا بنفسه بل واجبا بغيره. # فإذا قيل: هو واجب موجود بنفسه وهو لم يوجد إلا بغيره، كان هذا جمعا بين ~~النقيضين. # وكذلك إذا قيل: الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه إذا كان اتصافه ~~بها صفة كمال، فقد فاتته في الأزل، وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه ~~بالنقائص. # قيل: الأفعال المنفعلة بمشيئة وقدرته أن يكون كل منها أزليا. # PageV01P032 # وأيضا: فلا يلزم أن يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال، بل الكمال أن توجد ~~حيث اقتضت الحكمة وجودها، وأيضا فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئا بعد ~~شيء، فقول القائل فيما حقه أن يوجد شيئا بعد شيء فينبغي أن يكون في الأزل ~~جمع بين النقيضين، وأمثال هذا كثير. # فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود، فما هو ممتنع في نفسه فلا حقيقة له ~~فضلا عن أن يقال هو موجود أو يقال هو كمال للوجود. # وأما الشرط الآخر: وهو قولنا الكمال الذي لا يتضمن نقصا - على التعبير ~~بالعبارة السديدة - أو الكمال الذي لا يتضمن نقصا يمكن انتفاؤه - على عبارة ~~من يجعل ماليس بنقص نقصا - فاحتراز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، ~~وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصا ms18 كالأكل والشرب مثلا، فإن ~~الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي ~~الأكل والشرب، لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قدر غير قابل له كان ناقصا عن ~~القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل الشارب إلى غيره، وهو ~~مايدخل فيه من الطعام والشراب وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات، وما ~~لايحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف ~~كماله على غيره أنقص مما لايحتاج في كماله إلى غيره، فإن الغني عن شيء أعلى ~~من الغني به، والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره. # ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق، ~~وهو كل ما كان مستلزما لإمكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو ~~مستلزما للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزما لفقره المنافي لغناه. # PageV01P033 # فصل: # إذا تبين هذا تبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي ~~يدل عليه المعقول، وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له وأعظمهم له موافقة، وهم ~~سلف الأمة وأئمتها الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، ~~ونزهوه عن مماثلة المخلوقات، فإن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ~~والكلام صفات كمال ممكنة بالضرورة ولا نقص فيها، فإن ما اتصف بهذه فهو أكمل ~~مما لا يتصف بها، والنقص في انتفائها لا في ثبوتها. # والقابل للاتصاف بها كالحيوان أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجماد. # و" أهل الإثبات " يقولون " للنفاة " لو لم يتصف بهذه الصفات لاتصف ~~بأضدادها من الجهل والبكم والعمي والصمم، فقال لهم " النفاة " هذا الصفات ~~متقابلة تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلات تقابل ~~العدم والملكة إنما يلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر إذا كان المحل قابلا ~~لهما، كالحيوان الذي لا يخلو إما أن يكون أعمى وإما أن يكون بصيرا، لأنه ~~قابل لهما بخلاف الجماد فإنه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا. # PageV01P034 # فيقول لهم" أهل الإثبات " هذا باطل من وجوه: # أحدها: أن يقال الموجودات نوعان: نوع يقبل الاتصاف ms19 بالكمال كالحي ونوع ~~لايقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ~~ذلك، وحينئذ فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها، ~~وأن يكون القابل لها وهو الحيوان الأعمى والأصم الذي لا يقبل السمع والبصر ~~أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر في حال عدم ذلك أكمل ممن لا يقبل ذلك ~~فكيف المتصف بها؟ فلزم من ذلك أن يكون مسلوبا لصفات الكمال على قولهم ~~ممتنعا عليه صفات الكمال فأنتم فررتم من تشبيهه بالأحياء فسبهتموه ~~بالجمادات وزعمتم أنكم تنزهونه عن النقائص فوصفتموه بما هو أعظم النقص. # الوجه الثاني: أن يقال: هذا التفريق بين السلب والإيجاب وبين العدم ~~والملكة أمر اصطلاحي، وإلا فكل ما ليس بحي فإنه يسمى ميتا كما قال تعالى: ~~{والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، أموات غير أحياء وما ~~يشعرون أيان يبعثون} . # الوجه الثالث: أن يقال: نفي سلب هذه الصفات نقص وإن لم يقدر هناك ضد ~~ثبوتي فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيا عليما قديرا متكلما سميعا بصيرا ~~أكمل ممن لا يكون كذلك، وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد، وإذا كان ~~مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال ومجرد سلبها من النقص، وجب ثبوتها لله ~~تعالى لأنه كمال ممكن للوجود ولا نقص فيه بحال بل النقص في عدمه. # PageV01P035 # وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات: أحدهما يقدر على التصرف بنفسه ~~فيأتي ويجيء وينزل ويصعد ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به، والآخر: ~~يمتنع ذلك منه فلا يمكن أن يصدر منه شيء من هذا الأفعال كان هذا القادر على ~~الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه. # وإذا قيل: قيام هذه الأفعال يستلزم قيام الحوادث به كان كما إذا قيل قيام ~~الصفات به يستلزم قيام الأعراض به، والأعراض والحودث لفظان مجملان. # فإن أريد بذلك ما يعقله " أهل اللغة " من أن الأعراض والحوادث هي الأمراض ~~والآفات، كما يقال: فلان قد عرض له مرض شديد، وفلان قد أحدث حدثا عظيما، ~~كما ms20 قال النبي صلي الله عليه وسلم " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة ~~بدعة وكل بدعة ضلالة " وقال: " لعن الله من أحدث أو آوى محدثا " وقال: " ~~إذا أحدث أحدكم فلا يصل حتى يتوضأ ". # ويقول " الفقهاء " الطهارة نوعان، طهارة الحدث وطهارة الخبث. # ويقول " اهل الكلام ": اختلف الناس في أهل الأحداث من أهل القبلة كالربا ~~والسرقة وشرب الخمر، ويقال فلان به عارض من الجن، وفلان حدث له مرض، فهذه ~~النقائص التي تنزه الله عنها. # وإن أريد بالأعراض والحوادث اصطلاح خاص، فإنما أحدث ذلك # PageV01P036 # الاصطلاح من أحدثه من " أهل الكلام " وليست هذه لغة العرب ولا لغة أحد من ~~الأمم، لا لغة القرآن ولا غيره ولا العرف العام ولا اصطلاح أكثر الخائضين ~~في العلم، بل مبتدعو هذا الاصطلاح هم من " أهل البدع " المحدثين في الأمة ~~الداخلين في ذم النبي صلي الله عليه وسلم. # وبكل حا ل مجرد هذا الاصطلاح وتسمية هذه أعراضا وحوادث لا يخرجها عن أنها ~~من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها، أو يمكنه ~~ذلك ولا يتصف بها. # وأيضا: فإذا قدر اثنان: أحدهما موصوف بصفات الكمال التي هي أعراض وحوادث ~~على اصطلاحهم كالعلم والقدرة والفعل والبطش، والآخر: يمتنع أن يتصف بهذه ~~الصفات التي هي أعراض وحوادث، كان الأول أكمل، كما أن الحي المتصف بهذه ~~الصفات أكمل من الجمادات. # وكذلك إذا قدر اثنان: أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها، والآخر ~~لافرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص - فلا يحب لا هذا ولا هذا ولا يرضى ~~لا هذا ولا هذا، ولا يفرح لا بهذا ولا بهذا - كان الأول أكمل من الثاني. # ومعلوم أن الله تبارك وتعالى يجب المحسنين والمتقين والصابرين والمقسطين ~~ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهذه كلها صفات كمال. # وكذلك إذ قدر اثنان: أحدهما يبغض المتصف بضد الكمال كالظلم والجهل # PageV01P037 # والكذب ويغضب على من يفعل ذلك، والآخر: لا قرق عنده بين الجاهل الكاذب ~~الظالم وبين العالم الصادق العادل لا يبغض لا هذا ولا هذا، ولا يغضب لا ms21 على ~~هذا ولا هذا - كان الأول أكمل. # وكذلك إذا قدر اثنان: أحدهما يقدر أن يفعل بيديه ويقبل بوجهه والآخر لا ~~يمكنه ذلك - إما لامتناع أن يكون له وجه ويدان، وإما لامتناع الفعل ~~والإقبال عليه باليدين والوجه - كان الأول أكمل. # فالوجه واليدان لا يعدان من صفات النقص في شيء مما يوصف بذلك، ووجه كل ~~شيء بحسب ما يضاف إليه وهو ممدوح به لا مذموم، كوجه النهار، ووجه الثوب، ~~ووجه القوم، ووجه الخيل، ووجه الرائ، وغير ذلك، وليس الوجه المضاف إلى غيره ~~هو نفس المضاف إليه في شيء من موارد الاستعمال سواء كان الاستعمال حقيقة أو ~~مجازا. # فإن قيل: من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه أكمل ممن يفعل ~~بيديه، قيل من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه إذا شاء وبيديه إذا شاء هو ~~أكمل ممن لا يمكنه الفعل إلا بقدرته أو تكليمه، ولا يمكنه أن يفعل باليد، ~~لهذا كان الإنسان أكمل من الجمادات التي تفعل بقوى فيها كالنار والماء. # فإذا قدر اثنان: أحدهما لا يمكنه الفعل إلا بقوة فيه، والآخر: يمكنه ~~الفعل بقوة فيه بكلامه - فهذا أكمل. # فإذا قدر آخر بقوة فيه وبكلامه وبيديه إذا شاء فهو أكمل وأكمل. # PageV01P038 # وأما صفات النقص فمثل النوم، فإن الحي اليقضان أكمل من النائم والوسنان، ~~والله لا تأخذه سنة ولا نوم. # وكذلك من يحفظ بلا اكتراث أكمل ممن يلزمه ذلك والله تعالى وسع كرسيه ~~السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما. # وكذلك من يفعل ولا يتعب أكمل ممن يتعب والله تعالى خلق السموات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب. # ولهذا وصف الرب بالعلم دون الجهل والقدرة دون العجز، والحياة دون الموت، ~~والسمع والبصر والكلام دون الصمم والعمى البكم، والضحك دون البكاء، والفرح ~~دون الحزن. # وأما الغضب مع الرضاء والبغض مع الحب فهو أكمل ممن لا يكون منه إلا الرضى ~~والحب دون البغض والغضب للأمور التي تستحق أن تذم وتبغض, ولهذا كان اتصافه ~~بأنه يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، أكمل من اتصافه بمجرد ms22 الإعطاء ~~والإعزاز والرفع، لأن الفعل الآخر حيث تقتضي الكلمة ذلك أكمل ممن لا يفعل ~~إلا أحد النوعين ويخل بالآخر في المحل المناسب له. # من اعتبر هذه الباب، وجده على قانون الصواب، والله الهادي لأولى الباب. # PageV01P039 # فصل: # وأما قول" ملاحدة المتفلسفة " وغيرهم: إن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له ~~كمالا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصا بذاته، وإن أوجب له نقصا لم يجز اتصافه ~~بها، فيقال: # الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه. # وحينئذ قول القائل: يكون يكون نقصا بذاته إن أراد به أنه يكون بدون هذه ~~الصفات ناقصا فهذا حق، لكن من هذا فررنا وقدرنا أنه لابد من صفات الكمال ~~وإلا كان نقصا. # وإن أراد به أنه إنما صار كاملا بالصفات التي اتصف بها فلا يكون كاملا ~~بذاته المجردة عن هذه الصفات فيقال: # أولا: هذا إنما يتوجه أن لو أمكن وجود ذات مجردة عن هذه الصفات، أو أمكن ~~وجود ذات كاملة مجردة عن هذه الصفات فإذا كان أحد هذين ممتنعا امتنع كماله ~~بدون هذه الصفات، فكيف إذا كا ن كلاهما ممتنعا، فإن وجود ذات كاملة بدون ~~هذه الصفات ممتنع. # فإنا نعلم بالضرورة أن الذات التي لا تصير علة بالفعل واحتاج مصيرها علة ~~بالفعل إلى سبب آخر، فإن كان المخرج لها من القوة إلى الفعل هو نفسه # PageV01P040 # صار فيه ما هو بالقوة وهو المخرج له إلى الفعل، وذلك يستلزم أن يكون ~~قابلا أو فاعلا، وهم يمنعون ذلك لامتناع الصفات التي يسمونها التركيب. # وإن كان المخرج له غيره كان ذلك ممتنعا بالضرورة والاتفاق؛ لأن ذلك ينافى ~~وجوب الوجود؛ ولأنه يتضمن الدور المعي والتسلسل في المؤثرات، وإن كان هو ~~الذي صار فاعلا للمعين بعد أن لم يكن، امتنع أن يكون علة تامة أزلية، فقدم ~~شىء من العالم يستلزم كونه علة تامة في الأزل، وذلك يستلزم ألا يحدث عنه ~~شىء بواسطة وبغير واسطة، وهذا مخالف للمشهود. # ويقال ثانيا في إبطال قول من جعل حدوث الحوادث ممتنعا: هذا مبني علي تجدد ~~هذه الأمور ms23 بتجدد الإضافات، والأحوال والأعدام؛ فإن الناس متفقون على تجدد ~~هذه الأمور. وفرق الآمدي بينهما من جهة اللفظ، فقال: هذه حوادث وهذه ~~متجددات، والفروق اللفظية لا تؤثر في الحقائق العلمية. # فيقال: تجدد هذه المتجددات إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن ~~أوجب له نقصا لم يجز وصفه به. # ويقال ثالثا: الكمال الذي يجب اتصافه به هو الممكن الوجود، وأما الممتنع ~~فليس من الكمال الذي يتصف به موجود، والحوادث المتعلقة بقدرته ومشيئته ~~يمتنع وجودها جميعا في الأزل فلا يكون انتفاؤها في الأزل نقصا؛ لأن انتفاء ~~الممتنع ليس بنقص. # ويقال رابعا: إذا قدر ذات تفعل شيئا بعد شىء، وهي قادرة على الفعل ~~بنفسها، وذات لا يمكنها أن تفعل بنفسها شيئا، بل هي كالجماد الذي لا يمكنه ~~أن يتحرك، # PageV01P041 # كانت الأولى أكمل من الثانية. فعدم هذه الأفعال نقص بالضرورة، وأما ~~وجودها بحسب الإمكان فهو الكمال. # ويقال خامسا: لا نسلم أن عدم هذه مطلقا نقص ولا كمال، ولا وجودها مطلقا ~~نقص ولا كمال، بل وجودها في الوقت الذي اقتضته مشيئته وقدرته وحكمته هو ~~الكمال، ووجودها بدون ذلك نقص، وعدمها مع اقتضاء الحكمة عدمها كمال، ~~ووجودها حيث اقتضت الحكمة وجودها هو الكمال. # وإذا كان الشىء الواحد يكون وجوده تارة كمالا وتارة نقصا، وكذلك عدمه، ~~بطل التقسيم المطلق، وهذا كما أن الشىء يكون رحمة بالخلق إذا احتاجوا إليه ~~كالمطر، ويكون عذابا إذا ضرهم، فيكون إنزاله لحاجتهم رحمة وإحسانا، والمحسن ~~الرحيم متصف بالكمال، ولا يكون عدم إنزاله حيث يضرهم، نقصا، بل هو أيضا ~~رحمة وإحسان، فهو محسن بالوجود حين كان رحمة، وبالعدم حين كان العدم رحمة. # PageV01P042 # فصل # وأما نفي النافي للصفات الخبرية المعينة، فلاستلزامها التركيب المستلزم ~~للحاجة والافتقار، فقد تقدم جواب نظيره، فإنه إن أريد بالتركيب ما هو ~~المفهوم منه في اللغة أو في العرف العام، أو عرف بعض الناس وهو ما ركبه ~~غيره أو كان متفرقا فاجتمع، أو ما جمع الجواهر الفردة أو المادة والصورة، ~~أو ما أمكن مفارقة بعضه لبعض، فلا نسلم المقدمة ms24 الأولى، ولا نسلم أن إثبات ~~الوجه واليد مستلزم للتركيب بهذا الاعتبار. # وإن أريد به التلازم، على معنى امتياز شىء عن شىء في نفسه، وأن هذا ليس ~~هذا، فهذا لازم لهم في الصفات المعنوية المعلومة بالعقل، كالعلم والقدرة، ~~والسمع والبصر، فإن الواحدة من هذه الصفات ليست هي الأخرى، بل كل صفة ~~ممتازة بنفسها عن الأخرى، وإن كانتا متلازمتين يوصف بهما موصوف واحد. ونحن ~~نعقل هذا في صفات المخلوقين، كأبعاض الشمس وأعراضها. # وأيضا، فإن أريد أنه لابد من وجود ما، بالحاجة والافتقار إلى مباين له، ~~فهو ممنوع. وإن أريد أنه لابد من وجود ما، هو داخل في مسمى اسمه، وأنه ~~يمتنع وجود الواجب بدون تلك الأمور الداخلة في مسمى اسمه، فمعلوم أنه لابد ~~له من نفسه، فلابد له مما يدخل في مسماها بطريق الأولى والأحرى. # PageV01P043 # وإذا قيل: هو مفتقر إلى نفسه لم يكن معناه أن نفسه تفعل نفسه، فكذلك ما ~~هو داخل فيها، ولكن العبارة موهمة مجملة، فإذا فسر المعنى زال المحذور. # ويقال أيضا: نحن لا نطلق على هذا اللفظ الغير؛ فلا يلزمه أن يكون محتاجا ~~إلى الغير، فهذا من جهة الإطلاق اللفظي؛ وأما من جهة الدليل العلمي فالدليل ~~دل على وجود موجود بنفسه، لا فاعل ولا علة فاعلة، وإنه مستغن بنفسه عن كل ~~ما يباينه. # وأما الوجود الذي لا يكون له صفة، ولا يدخل في مسمى اسمه معنى من المعاني ~~الثبوتية، فهذا إذا ادعى المدعي أنه المعنى بوجوب الوجود وبالغني. قيل له: ~~لكن هذا المعنى ليس هو مدلول الأدلة، ولكن أنت قدرت أن هذا مسمى الاسم، ~~وجعل اللفظ دليلا على هذا المعنى لا ينفعك، إن لم يثبت أن المعنى حق في ~~نفسه، ولا دليل لك على ذلك، بل الدليل يدل على نقيضه. # فهؤلاء عمدوا إلى لفظ الغنى، والقديم، والواجب بنفسه، فصاروا يحملونها ~~على معان تستلزم معاني تناقض ثبوت الصفات، وتوسعوا في التعبير، ثم ظنوا أن ~~هذا الذي فعلوه هو موجب الأدلة العقلية وغيرها. وهذا غلط منهم. # فموجب الأدلة العقلية لا يتلقى ms25 من مجرد التعبير، وموجب الأدلة السمعية ~~يتلقى من عرف المتكلم بالخطاب، لا من الوضع المحدث، فليس لأحد أن يقول: إن ~~الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعان، ثم يريد أن يفسر مراد الله بتلك ~~المعاني، هذا من فعل أهل الإلحاد المفترين. # فإن هؤلاء عمدوا إلى معان ظنوها ثابتة؛ فجعلوها هي معنى الواحد # PageV01P044 # والواجب، والغني والقديم، ونفي المثل، ثم عمدوا إلى ما جاء في القرآن ~~والسنة من تسمية الله تعالى بأنه أحد وواحد، علي، ونحو ذلك من نفي المثل ~~والكفؤ عنه. فقالوا: هذا يدل على المعاني التي سميناها بهذه الأسماء، وهذا ~~من أعظم الافتراء على الله. # وكذلك المتفلسفة، عمدوا إلى لفظ الخالق، والفاعل، والصانع، والمحدث، ونحو ~~ذلك، فوضعوها لمعنى ابتدعوه، وقسموا الحدوث إلى نوعين: ذاتي وزماني، ~~وأرادوا بالذاتي كون المربوب مقارنا للرب أزلا وأبدا؛ فإن اللفظ على هذا ~~المعنى لا يعرف في لغة أحد من الأمم، ولو جعلوا هذا اصطلاحا لهم لم ننازعهم ~~فيه؛ لكن قصدوا بذلك التلبيس على الناس، وأن يقولوا: نحن نقول بحدوث العالم ~~وأن الله خالق له، وفاعل له، وصانع له، ونحو ذلك من المعاني التي يعلم ~~بالاضطرار أنها تقتضي تأخر المفعول، لا يطلق على ما كان قديما بقدم الرب ~~مقارنا له أزلا وأبدا. # وكذلك فعل من فعل بلفظ [المتكلم] ، وغير ذلك من الأسماء، ولو فعل هذا ~~بكلام سيبويه وبقراط، لفسد ما ذكروه من النحو والطب، ولو فعل هذا بكلام ~~آحاد العلماء، كمالك والشافعي، وأحمد وأبى حنيفة، لفسد العلم بذلك ولكان ~~ملبوسا عليهم، فكيف إذا فعل هذا بكلام رب العالمين؟ # PageV01P045 # وهذه طريقة الملاحدة الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته، ومن شاركهم في ~~بعض ذلك، مثل قول من يقول: الواحد الذي لا ينقسم، ومعنى قوله: لا ينقسم، ~~أي: لا يتميز منه شىء عن شىء، ويقول: لا تقوم به صفة. ثم زعموا أن الأحد ~~والواحد في القرآن يراد به هذا. # ومعلوم أن كل ما في القرآن من اسم الواحد والأحد، كقوله: تعالى: {وإن ~~كانت واحدة فلها النصف} [النساء: 11] ، وقوله: {قالت ms26 إحداهما يا أبت ~~استأجره} [القصص: 26] ، وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] ، ~~وقوله: {وإن أحد من المشركين استجارك} [التوبة: 6] ، وقوله: {ذرني ومن خلقت ~~وحيدا} [المدثر: 11] وأمثال ذلك، يناقض ما ذكروه، فإن هذه الأسماء أطلقت ~~على قائم بنفسه مشار إليه، يتميز منه شىء عن شىء. وهذا الذي يسمونه في ~~اصطلاحهم جسما. # وكذلك إذا قالوا: الموصوفات تتماثل، والأجسام تتماثل، والجواهر تتماثل، ~~وأرادوا أن يستدلوا بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] على نفي ~~مسمى هذه الأمور التي سموها بهذه الأسماء في اصطلاحهم الحادث، كان هذا ~~افتراء على القرآن؛ فإن هذا ليس هو المثل في لغة العرب، ولا لغة القرآن ولا ~~غيرهما، قال تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} ~~[محمد: 38] . # PageV01P046 # فنفي مماثلة هؤلاء مع اتفاقهم في الإنسانية، فكيف يقال: إن لغة العرب ~~توجب أن كل ما يشار إليه مثل كل ما يشار إليه. # وقال تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها ~~في البلاد} [الفجر: 6 8] فأخبر أنه لم يخلق مثلها في البلاد، وكلاهما بلد؛ ~~فكيف يقال: إن كل جسم فهو مثل لكل جسم في لغة العرب، حتى يحمل علي ذلك ~~قوله: {ليس كمثله شيء} . # وقد قال الشاعر: # ليس كمثل الفتى زهير # وقال: # ما إن كمثلهم في الناس من بشر # ولم يقصد هذا أن ينفي وجود جسم من الأجسام. # وكذلك لفظ [التشابه] ليس هو التماثل في اللغة، قال تعالى: {وأتوا به ~~متشابها} [البقرة: 25] ، وقال تعالى: {مشتبها وغير متشابه} [الأنعام: 99] ، ~~ولم يرد به شيئا هو مماثل في اللغة، وليس المراد هنا كون الجواهر متماثلة ~~في العقل أو ليست متماثلة؛ فإن هذا مبسوط في موضعه، بل المراد أن أهل اللغة ~~التي بها نزل القرآن لا يجعلون مجرد هذا موجبا لإطلاق اسم المثل، ولا ~~يجعلون نفي المثل نفيا لهذا، فحمل القرآن على ذلك كذب على القرآن. # PageV01P047 # فصل # وقول القائل: المناسبة: لفظ مجمل؛ فإنه قد يراد بها التولد والقرابة، ~~فيقال: هذا نسيب فلان ويناسبه، إذا كان بينهم قرابة ms27 مستندة إلى الولادة ~~والآدمية، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، ويراد بها المماثلة فيقال: هذا ~~يناسب هذا، أي: يماثله، والله سبحانه وتعالى أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم ~~يكن له كفوا أحد. ويراد بها الموافقة في معنى من المعاني، وضدها المخالفة. # والمناسبة بهذا الاعتبار ثابتة، فإن أولياء الله تعالى يوافقونه فيما ~~يأمر به فيفعلونه، وفيما يحبه فيحبونه، وفيما نهى عنه فيتركونه، وفيما ~~يعطيه فيصيبونه، والله وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، عليم يحب العلم، ~~نظيف يحب النظافة، محسن يحب المحسنين، مقسط يحب المقسطين، إلى غير ذلك من ~~المعاني؛ بل هو سبحانه يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد لراحلته عليها ~~طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، إذا وجدها بعد اليأس، فالله أشد فرحا بتوبة ~~عبده من هذا براحلته، كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV01P048 # فإذا أريد بالمناسبة هذا وأمثاله، فهذه المناسبة حق، وهي من صفات الكمال ~~كما تقدمت الإشارة إليه؛ فإن من يحب صفات الكمال أكمل ممن لا فرق عنده بين ~~صفات النقص والكمال، أو لا يحب صفات الكمال. # وإذا قدر موجودان: # أحدهما: يحب العلم والصدق والعدل والإحسان ونحو ذلك. # والآخر: لا فرق عنده بين هذه الأمور، وبين الجهل والكذب والظلم ونحو ذلك، ~~لا يحب هذا ولا يبغض هذا، كان الذي يحب تلك الأمور أكمل من هذا. # فدل على أن من جرده عن صفات الكمال، والوجود بألا يكون له علم كالجماد، ~~فالذي يعلم أكمل منه، ومعلوم أن الذي يحب المحمود ويبغض المذموم، أكمل ممن ~~يحبهما أو يبغضهما. # وأصل هذه المسألة: الفرق بين محبة الله ورضاه، وغضبه وسخطه، وبين إرادته، ~~كما هو مذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل السنة وغيرهم، ~~وصار طائفة من القدرية والمثبتين للقدر إلى أنه لا فرق بينهما. # ثم قالت القدرية: هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يريد ذلك فيكون ~~مالم يشأ، ويشاء ما لم يكن. # PageV01P049 # وقالت المثبتة: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإذن قد أراد الكفر ms28 ~~والفسوق والعصيان، ولم يرده دينا، أو أراده من الكافر ولم يرده من المؤمن، ~~فهو لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يحبه دينا، ويحبه من الكافر ولا ~~يحبه من المؤمن. # وكلا القولين خطأ، مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها؛ فإنهم ~~متفقون على أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يكون شىء إلا ~~بمشيئته، ومجمعون على أنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأن ~~الكفار يبيتون ما لا يرضى من القول، والذين نفوا محبته بنوها على هذا الأصل ~~الفاسد. # PageV01P050 # فصل # وأما قول القائل: الرحمة: ضعف وخور في الطبيعة، وتألم على المرحوم، فهذا ~~باطل. أما أولا: فلأن الضعف والخور مذموم من الآدميين، والرحمة ممدوحة؛ وقد ~~قال تعالى: {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} [البلد: 17] ، وقد نهى الله ~~عباده عن الوهن والحزن؛ فقال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ~~إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] ، وندبهم إلى الرحمة. وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح: " لا تنزع الرحمة إلا من شقي "، وقال: " من لا ~~يرحم لا يرحم "،وقال: " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم ~~من في السماء ". # ومحال أن يقول: لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي، ولكن لما كانت الرحمة ~~تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور كما في رحمة النساء ونحو ذلك ظن ~~الغالط أنها كذلك مطلقا. # وأيضا، فلو قدر أنها في حق المخلوقين مستلزمة لذلك، لم يجب أنتكون في حق ~~الله تعالى مستلزمة لذلك، # PageV01P051 # كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا، يستلزم من النقص ~~والحاجة، ما يجب تنزيه الله عنه. # وكذلك الوجود، والقيام بالنفس فينا، يستلزم احتياجا إلى خالق يجعلنا ~~موجودين، والله منزه في وجوده عما يحتاج إليه وجودنا، فنحن وصفاتنا ~~وأفعالنا مقرونون بالحاجة إلى الغير، والحاجة لنا أمر ذاتي لا يمكن أن نخلو ~~عنه، وهو سبحانه الغني له أمر ذاتي، لا يمكن أن يخلو عنه، فهو بنفسه حي ~~قيوم واجب الوجود، ونحن بأنفسنا محتاجون فقراء. # فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا ms29 وأفعالنا، وما اتصفنا به من الكمال من العلم ~~والقدرة وغير ذلك، هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان، لم يجب أن يكون لله ~~ذات ولا صفات ولا أفعال، ولا يقدر ولا يعلم؛ لكون ذلك ملازما للحاجة فينا. ~~فكذلك الرحمة وغيرها، إذا قدر أنها في حقنا ملازمة للحاجة والضعف، لم يجب ~~أن تكون في حق الله ملازمة لذلك. # وأيضا، فنحن نعلم بالاضطرار: أنا إذا فرضنا موجودين. # أحدهما: يرحم غيره، فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة. # والآخر: قد استوى عنده هذا وهذا، وليس عنده ما يقتضى جلب منفعة، ولا دفع ~~مضرة، كان الأول أكمل. # PageV01P052 # فصل # وأما قول القائل: الغضب: غليان دم القلب لطلب الانتقام، فليس بصحيح في ~~حقنا. بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده، فلا يكون هناك انتقام ~~أصلا. # وأيضا، فغليان دم القلب يقارنه الغضب، ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم ~~القلب، كما أن الحياء يقارن حمرة الوجه، والوجل [أي: الخوف. انظر: القاموس ~~مادة: وجل] يقارن صفرة الوجه؛ لا أنه هو. وهذا لأن النفس إذا قام بها دفع ~~المؤذي فإن استشعرت القدرة فاض الدم إلى خارج فكان منه الغضب، وإن استشعرت ~~العجز عاد الدم إلى داخل، فاصفر الوجه كما يصيب الحزين. # وأيضا، فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا، لم يلزم أن يكون غضب الله تعالى ~~مثل غضبنا، كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا، فليس هو مماثلا لنا: لا ~~لذاتنا، ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته. # ونحن نعلم بالاضطرار: أنا إذا قدرنا موجودين # أحدهما: عنده قوة يدفع بها الفساد # والآخر: لا فرق عنده بين الصلاح والفساد، كان الذي عنده تلك القوة أكمل. # ولهذا يذم من لا غيرة له على الفواحش كالديوث، ويذم من لا حمية له يدفع ~~بها الظلم عن المظلومين، ويمدح الذي له غيرة يدفع بها الفواحش، # PageV01P053 # وحمية يدفع بها الظلم، ويعلم أن هذا أكمل من ذلك. # ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرب بالأكملية في ذلك، فقال في ~~الحديث الصحيح: " لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك ms30 حرم الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن "، وقال: " أتعجبون من غيرة سعد؟ أنا أغير منه، والله أغير مني ". # وقول القائل: إن هذه انفعالات نفسانية. # فيقال: كل ما سوى الله مخلوق منفعل، ونحن وذواتنا منفعلة، فكونها ~~انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها، لا يوجب أن يكون الله منفعلا لها ~~عاجزا عن دفعها، وكان كل ما يجري في الوجود؛ فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون ~~إلا ما يشاء، ولا يشاء إلا ما يكون، له الملك وله الحمد. # PageV01P054 # فصل # وقول القائل: إن الضحك خفة روح، ليس بصحيح، وإن كان ذلك قد يقارنه. # ثم قول القائل: [خفة الروح] : إن أراد به وصفا مذموما فهذا يكون لما لا ~~ينبغي أن يضحك منه، وإلا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال، وإذا ~~قدر حيان؛ أحدهما: يضحك مما يضحك منه، والآخر: لا يضحك قط، كان الأول أكمل ~~من الثاني. # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ينظر إليكم الرب قنطين، فيظل ~~يضحك، يعلم أن فرجكم قريب "، فقال له أبو رزين العقيلي: يا رسول الله، أو ~~يضحك الرب؟ ! قال: " نعم " قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا. فجعل الأعرابي ~~العاقل بصحة فطرته ضحكه دليلا على إحسانه وإنعامه؛ فدل على أن هذا الوصف ~~مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال، والشخص العبوس الذي لا يضحك ~~فط هو مذموم بذلك، وقد قيل في اليوم الشديد العذاب: إنه {يوما عبوسا ~~قمطريرا} [الإنسان: 10] . # وقد روى: أن الملائكة قالت لآدم: " حياك الله وبياك " أي: أضحكك. # PageV01P055 # والإنسان حيوان ناطق ضاحك، وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال، فكما ~~أن النطق صفة كمال، فكذلك الضحك صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ~~ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزما لشىء من النقص ~~فالله منزه عن ذلك، وذلك الأكثر مختص لا عام، فليس حقيقة الضحك مطلقا ~~مقرونة بالنقص، كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص، ووجودنا مقرون ~~بالنقص، ولا يلزم أن يكون الرب موجدا وألا تكون له ذات. # ومن هنا ضلت القرامطة ms31 الغلاة كصاحب الإقليد وأمثاله، فأرادوا أن ينفوا ~~عنه كل ما يعلمه القلب، وينطق به اللسان، من نفي وإثبات، فقالوا: لا نقول: ~~موجود ولا لا موجود، ولا موصوف ولا لا موصوف؛ لما في ذلك على زعمهم من ~~التشبيه، وهذا يستلزم أن يكون ممتنعا، وهو مقتضي التشبيه بالممتنع، ~~والتشبيه الممتنع على الله أن يشارك المخلوقات في شىء من خصائصها، وأن يكون ~~مماثلا لها في شىء من صفاته، كالحياة والعلم والقدرة، فإنه وإن وصف بها فلا ~~تماثل صفة الخالق صفة المخلوق، كالحدوث والموت، والفناء والإمكان. # PageV01P056 # فصل # وأما قوله: التعجب: استعظام للمتعجب منه، فيقال نعم. وقد يكون مقرونا ~~بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، والله تعالى بكل شىء عليم، ~~فلا يجوز عليه ألا يعلم سبب ما تعجب منه، بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيما ~~له. والله تعالى يعظم ما هو عظيم؛ إما لعظمة سببه أو لعظمته. # فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم، ووصف بعض الشر بأنه عظيم، فقال تعالى: {رب ~~بعرش بعظيم} [النمل: 62] ، وقال: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم} [الحجر: 87] ، وقال: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما} [النساء: 66، 67] ، وقال: ~~{ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} ~~[النور: 16] ، وقال: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] . # ولهذا قال تعالى: {بل عجبت ويسخرون} [الصافات: 12] على قراءة الضم، فهنا ~~هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة. # PageV01P057 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي آثر هو وامرأته ضيفهما: " لقد عجب ~~الله "،وفي لفظ في الصحيح: " لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة "، ~~وقال: " إ ن الرب ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب ~~إلا أنت. يقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا " وقال: " عجب ربك من ~~شاب ليست له صبوة " [قوله: ليست له صبوة أي: ميل إلى الهوى] ،وقال: " عجب ~~ربك من راعي غنم على رأس شظية، يؤذن ويقيم، فيقول ms32 الله: انظروا إلى عبدي " ~~[قوله: شظية أي: قطعة مرتفعة في رأس الجبل انظر] أو كما قال. ونحو ذلك. # PageV01P058 # فصل # وأما قول القائل: لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصا. وقول الآخر: لو ~~قدر وعذب لكان ظلما، والظلم نقص. # فيقال: أما المقالة الأولى فظاهرة، فإنه إذا قدر أنه يكون في ملكه ما لا ~~يريده وما لا يقدر عليه، وما لا يخلقه ولا يحدثه، لكان نقصا من وجوه: # أحدها: أن انفراد شىء من الأشياء عنه بالأحداث نقص لو قدر أنه في غير ~~ملكه فكيف في ملكه؟ فإنا نعلم أنا إذا فرضنا اثنين: أحدهما: يحتاج إليه كل ~~شىء، ولا يحتاج إلى شىء، والآخر: يحتاج إليه بعض الأشياء، ويستغنى عنه ~~بعضها، كان الأول أكمل، فنفس خروج شىء عن قدرته وخلقه نقص، وهذه دلائل ~~الوحدانية؛ فإن الاشتراك نقص بكل من المشتركين، وليس الكمال المطلق إلا في ~~الوحدانية. # فإنا نعلم أن من قدر بنفسه كان أكمل ممن يحتاج إلى معين، ومن فعل الجميع ~~بنفسه فهو أكمل ممن له مشارك ومعاون على فعل البعض، ومن افتقر إليه كل شىء، ~~فهو أكمل ممن استغنى عنه بعض الأشياء. # ومنها: أن يقال: كونه خالقا لكل شىء وقادرا على كل شىء، أكمل من كونه ~~خالقا للبعض وقادرا على البعض. # والقدرية لا يجعلونه خالقا لكل شىء، ولا قادرا على كل شىء. # PageV01P059 # والمتفلسفة القائلون: بأنه علة غائبة شر منهم، فإنهم لا يجعلونه خالقا ~~لشىء من حوادث العالم لا لحركات الأفلاك ولا غيرها من المتحركات ولا خالقا ~~لما يحدث بسبب ذلك، ولا قادرا على شىء من ذلك، ولا عالما بتفاصيل ذلك، ~~والله سبحانه وتعالى يقول: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما} [الطلاق: 12] ، وهؤلاء ينظرون في العالم ولا يعلمون أن الله على ~~كل شىء قدير، ولا أن الله قد أحاط بكل شىء علما. # ومنها: أنا إذا قدرنا مالكين؛ أحدهما: يريد شيئا فلا يكون ويكون ms33 مالا ~~يريد، والآخر: لا يريد شيئا إلا كان ولا يكون إلا ما يريد، علمنا بالضرورة ~~أن هذا أكمل. # وفي الجملة، قول المثبتة للقدرة يتضمن: أنه خالق كل شىء، وربه ومليكه، ~~وأنه على كل شىء قدير، وأنه ما شاء كان، فيقتضي كمال خلقه وقدرته ومشيئته، ~~ونفاة القدر يسلبونه هذه الكمالات. # وأما قوله: إن التعذيب على المقدر ظلم منه. فهذه دعوى مجردة، ليس معهم ~~فيها إلا قياس الرب على أنفسهم، ولا يقول عاقل: إن كل ما كان نقصا من أي ~~موجود كان، لزم أن يكون نقصا من الله، بل ولا يقبح هذا من الإنسان مطلقا، ~~بل إذا كان له مصلحة في تعذيب بعض الحيوان، وأن يفعل به ما فيه تعذيب له ~~حسن ذلك منه؛ كالذي يصنع القز، # PageV01P060 # فإنه هو الذي يسعى في أن دود القز ينسجه، ثم يسعى في أن يلقي في الشمس ~~ليحصل له المقصود من القز، وهو هنا له سعي في حركة الدود التي كانت سبب ~~تعذيبه. # وكذلك الذي يسعى في أن يتوالد له ماشية، وتبيض له دجاج، ثم يذبح ذلك ~~لينتفع به، فقد تسبب في وجود ذلك الحيوان تسببا أفضى إلى عذابه؛ لمصلحة له ~~في ذلك. # ففي الجملة، الإنسان يحسن منه إيلام الحيوان لمصلحة راجحة في ذلك، فليس ~~جنس هذا مذموما ولا قبيحا ولا ظلما، وإن كان من ذلك ما هو ظلم. # وحينئذ، فالظلم من الله إما أن يقال: هو ممتنع لذاته؛ لأن الظلم تصرف ~~المتصرف في غير ملكه، والله له كل شىء، أو الظلم مخالفة الأمر الذي تجب ~~طاعته، والله تعالى يمتنع منه التصرف في ملك غيره، أو مخالفة أمر من يجب ~~عليه طاعته، فإذا كان الظلم ليس إلا هذا أو هذا، امتنع الظلم منه. # وإما أن يقال: هو ممكن لكنه سبحانه لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه، ولإخباره ~~أنه لا يفعله، ولكمال نفسه يمتنع وقوع الظلم منه، إذ كان العدل والرحمة من ~~لوازم ذاته، فيمتنع اتصافه بنقيض صفات الكمال التي هي من لوازمه على هذا ~~القول، فالذي يفعله ms34 لحكمة اقتضت ذلك، كما أن الذي يمتنع من فعله لحكمة ~~تقتضي تنزيهه عنه. # PageV01P061 # وعلى هذا، فكل ما فعله علمنا أن له فيه حكمة، وهذا يكفينا من حيث الجملة ~~وإن لم نعرف التفصيل، وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ~~ذاته، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا، وأما كنه ذاته فغير معلومة ~~لنا، فلا نكذب بما علمناه ما لم نعلمه. # وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به، وعدم علمنا بالحكمة في بعض ~~الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ~~ما لم نعلمه من تفصيلها. # ونحن نعلم أن من علم حذق أهل الحساب، والطب، والنحو، ولم يكن متصفا ~~بصفاتهم التي استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب، والطب والنحو، لم يمكنه ~~أن يقدح فيما قالوا، لعدم علمه بتوجيهه. # والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته في خلقه من معرفة عوامهم بالحساب، ~~والطب، والنحو، فاعتراضهم على حكمته أعظم جهلا وتكلفا للقول بلا علم من ~~العامي المحض، إذا قدح في الحساب، والطب، والنحو بغير علم بشىء من ذلك. # وهذا يتبين بالأصل الذي ذكرناه في الكمال، وهو قولنا: إن الكمال الذي لا ~~نقص فيه للممكن الوجود يجب اتصافه به، وتنزيهه عما يناقضه، فيقال: خلق بعض ~~الحيوان وفعله الذي يكون سببا لعذابه، هل هو نقص مطلقا أم يختلف؟ # وأيضا، فإذا كانت في خلق ذلك حكمة عظيمة لا تحصل إلا بذلك، فأيما أكمل ~~تحصيل ذلك بتلك الحكمة العظيمة أو تفويتها؟ وأيضا، فهل يمكن حصول الحكمة ~~المطلوبة بدون حصول هذا؟ # فهذه أمور إذا تدبرها الإنسان، علم أنه لا يمكنه أن يقول: خلق فعل ~~الحيوان الذي يكون سببا لتعذيبه نقص مطلقا. # PageV01P062 # والمثبتة للقدر قد تجيب بجواب آخر، لكن ينازعهم الجمهور فيه. فيقولون: ~~كونه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد صفة كمال، بخلاف الذي يكون مأمورا منهيا، ~~الذي يؤمر بشىء وينهى عن شىء. ويقولون: إنما قبح من غيره أن يفعل ما شاء ~~لما يلحقه من الضرر، وهو سبحانه لا ms35 يجوز أن يلحقه ضرر. # والجمهور يقولون: إذا قدرنا من يفعل ما يريد بلا حكمة محبوبة تعود إليه، ~~ولا رحمة وإحسان يعود إلى غيره، كان الذي يفعل لحكمة ورحمة أكمل ممن يفعل ~~لا لحكمة ولا لرحمة. # ويقولون: إذا قدرنا مريدا لا يميز بين مراده ومراد غيره، ومريدا يميز ~~بينهما، فيريد ما يصلح أن يراد وينبغي أن يراد، دون ما هو بالضد، كان هذا ~~الثاني أكمل. # ويقولون: المأمور المنهي الذي فوقه آمر ناه هو ناقص بالنسبة إلى من ليس ~~فوقه آمر ناه، لكن إذا كان هو الآمر لنفسه بما ينبغي أن يفعل، والمحرم ~~عليها ما لا ينبغي أن يفعل، وآخر يفعل ما يريده بدون أمر ونهي من نفسه، ~~فهذا الملتزم لأمره ونهيه الواقعين على وجه الحكمة أكمل من ذلك، وقد قال ~~تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] ، وقال: " يا عبادي إني ~~حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ". # وقالوا أيضا: إذا قيل: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على وجه بيان قدرته، ~~وأنه لا مانع له، ولا يقدر غيره أن يمنعه مراده، ولا أن يجعله مريدا، كان ~~هذا # PageV01P063 # أكمل ممن له مانع يمنعه مراده، ومعين لا يكون مريدا أو فاعلا لما يريد ~~إلا به. # وأما إذا قيل: يفعل ما يريد باعتبار أنه لا يفعل على وجه مقتضى العلم ~~والحكمة؛ بل هو متسفه فيما يفعله وآخر يفعل ما يريد لكن إرادته مقرونة ~~بالعلم والحكمة؛ كان هذا الثاني أكمل. # وجماع الأمر في ذلك: أن كمال القدرة صفة كمال، وكون الإرادة نافذة لا ~~تحتاج إلى معاون، ولا يعارضها مانع، وصف كمال. # وأما كون الإرادة لا تميز بين مراد ومراد، بل جميع الأجناس عندها سواء، ~~فهذا ليس بوصف كمال، بل الإرادة المميزة بين مراد ومراد كما يقتضيه العلم ~~والحكمة هي الموصوفة بالكمال، فمن نقصه في قدرته وخلقه ومشيئته فلم يقدره ~~قدره، ومن نقصه من حكمته ورحمته فلم يقدره حق قدره، والكمال الذي يستحقه ~~إثبات هذا وهذا. # PageV01P064 # فصل # وأما منكرو النبوات، وقولهم: ليس الخلق ms36 أهلا أن يرسل الله إليهم رسولا، ~~كما أن أطراف الناس ليسوا أهلا أن يرسل السلطان إليهم رسولا، فهذا جهل واضح ~~في حق المخلوق والخالق؛ فإن من أعظم ما تحمد به الملوك خطابهم بأنفسهم ~~لضعفاء الرعية، فكيف بإرسال رسول إليهم. # وأما في حق الخالق، فهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وهو قادر ~~مع كمال رحمته، فإذا كان كامل القدرة كامل الرحمة فما المانع أن يرسل إليهم ~~رسولا رحمة منه؟ كما قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ~~[الأنبياء: 107] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا رحمة مهداة "؛ ولأن هذا من ~~جملة إحسانه إلى الخلق بالتعليم والهداية، وبيان ما ينفعهم وما يضرهم، كما ~~قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [آل عمران: 164] . فبين تعالى ~~أن هذا من مننه على عباده المؤمنين. # فإن كان المنكر ينكر قدرته على ذلك، فهذا قدح في كمال قدرته، وإن كان ~~ينكر إحسانه بذلك، فهذا قدح في كمال رحمته وإحسانه. # فعلم أن إرسال الرسول من أعظم الدلالة على كمال قدرته وإحسانه، والقدرة ~~والإحسان من صفات الكمال لا النقص، وأما تعذيب المكذبين فذلك داخل في ~~القدر، لما له فيه من الحكمة. # PageV01P065 # فصل # وأما قول المشركين: إن عظمته وجلاله يقتضي ألا يتقرب إليه إلا بواسطة ~~وحجاب، والتقرب بدون ذلك غض [أي: وضع ونقص. انظر: مختار الصحاح، مادة: غضض] ~~من جنابه الرفيع، فهذا باطل من وجوه: # منها: إن الذي لا يتقرب إليه إلا بوسائط وحجاب، إما أن يكون قادرا على ~~سماع كلام جنده وقضاء حوائجهم بدون الوسائط والحجاب، وإما ألا يكون قادرا، ~~فإن لم يكن قادرا كان هذا نقصا، والله تعالى موصوف بالكمال، فوجب أن يكون ~~متصفا بأنه يسمع كلام عباده بلا وسائط، ويجيب دعاءهم، ويحسن إليهم بدون ~~حاجة إلى حجاب، وإن كان الملك قادرا على فعل أموره بدون الحجاب، وترك ~~الحجاب إحسانا ورحمة كان ذلك صفة كمال. # وأيضا، فقول القائل: إن هذا غض منه، إنما ms37 يكون فيمن يمكن الخلق أن يضروه ~~ويفتقر في نفعه إليهم، فأما مع كمال قدرته واستغنائه عنهم، وأمنه أن يؤذوه، ~~فليس تقربهم إليه غضا منه، بل إذا كان اثنان: أحدهما: يقرب إليه الضعفاء ~~إحسانا إليهم ولا يخاف منهم، # PageV01P066 # والآخر: لا يفعل ذلك إما خوفا وإما كبرا وإما غير ذلك، كان الأول أكمل من ~~الثاني. # وأيضا، فإن هذا لا يقال إذا كان ذلك بأمر المطاع، بل إذا أذن للناس في ~~التقرب منه، ودخول داره، لم يكن ذلك سوء أدب عليه ولا غضا منه، فهذا إنكار ~~علي من تعبده بغير ما شرع. # ولهذا قال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله ~~بإذنه} [الأحزاب: 45، 46] ، وقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ~~ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] . # PageV01P067 # فصل # وأما قول القائل: إنه لو قيل لهم: أيما أكمل: ذات توصف بسائر أنواع ~~الإدراكات من الذوق والشم واللمس؟ أم ذات لا توصف بها؟ لقالوا: الأول أكمل، ~~ولم يصفوه بها. # فتقول مثبتة الصفات لهم: في هذه الإدراكات ثلاثة أقوال معروفة: # أحدها: إثبات هذه الإدراكات لله تعالى كما يوصف بالسمع والبصر. وهذا قول ~~القاضي أبي بكر وأبي المعالي، وأظنه قول الأشعري نفسه، بل هو قول المعتزلة ~~البصريين الذين يصفونه بالإدراكات. # وهؤلاء وغيرهم يقولون: تتعلق به الإدراكات الخمسة أيضا كما تتعلق به ~~الرؤية، وقد وافقهم على ذلك القاضي أبو يعلى في [المعتمد] وغيره. # والقول الثاني: قول من ينفي هذه الثلاثة، كما ينفي ذلك كثير من المثبتة ~~أيضا من الصفاتية وغيرهم. وهذا قول طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي ~~وأحمد، وكثير من أصحاب الأشعري وغيره. # والقول الثالث: إثبات إدراك اللمس دون إدراك الذوق، لأن الذوق إنما يكون ~~للمطعوم، فلا يتصف به إلا من يأكل، ولا يوصف به إلا ما يؤكل، والله سبحانه ~~منزه عن الأكل بخلاف اللمس، فإنه بمنزلة الرؤية، وأكثر أهل # PageV01P068 # الحديث يصفونه باللمس، وكذلك كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ~~ولا يصفونه بالذوق. # وذلك أن نفاة الصفات من المعتزلة قالوا للمثبتة: إذا قلتم: ms38 إنه يرى، ~~فقولوا: إنه يتعلق به سائر أنواع الحس. وإذا قلتم: إنه سميع بصير، فصفوه ~~بالإدراكات الخمسة. # فقال أهل الإثبات قاطبة: نحن نصفه بأنه يرى، وأنه يسمع كلامه، كما جاءت ~~بذلك النصوص، وكذلك نصفه بأنه يسمع ويرى. # وقال جمهور أهل الحديث والسنة: نصفه أيضا بإدراك اللمس؛ لأن ذلك كمال لا ~~نقص فيه. وقد دلت عليه النصوص بخلاف إدراك الذوق، فإنه مستلزم للأكل وذلك ~~مستلزم للنقص، كما تقدم. # وطائفة من نظار المثبتة وصفوة بالأوصاف الخمس من الجانبين. # ومنهم من قال: إنه يمكن أن تتعلق به هذه الأنواع، كما تتعلق به الرؤية؛ ~~لاعتقادهم أن مصحح الرؤية الوجود، ولم يقولوا: إنه متصف بها. # وأكثر مثبتي الرؤية لم يجعلوا مجرد الوجود هو المصحح للرؤية، بل قالوا: ~~إن المقتضى أمور وجودية، لا أن كل موجود يصح رؤيته، وبين الأمرين فرق؛ فإن ~~الثاني يستلزم رؤية كل موجود، بخلاف الأول، وإذا كان المصحح للرؤية هي أمور ~~وجودية لا يشترط فيها أمور عدمية، فما كان أحق بالوجود وأبعد عن العدم، كان ~~أحق بأن تجوز رؤيته، ومنهم من نفى ما سوى السمع والبصر من الجانبين. # PageV01P069 # فصل # وأما قول القائل: الكمال والنقص من الأمور النسبية، فقد بينا أن الذي ~~يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأنه الكمال الممكن ~~للموجود، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلا، والكمال النسبي هو المستلزم ~~للنقص، فيكون كمالا من وجه دون وجه، كالأكل للجائع كمال له، وللشبعان نقص ~~فيه، لأنه ليس بكمال محض بل هو مقرون بالنقص. # والتعالى والتكبر والثناء على النفس، وأمر الناس بعبادته ودعائه، والرغبة ~~إليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية، هذا كمال محمود من الرب تبارك ~~وتعالى وهو نقص مذموم من المخلوق. # وهذا كالخبر عما هو من خصائص الربوبية، كقوله: {إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا} [طه: 14] ، وقوله تعالى: {ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] ، وقوله: {وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] وقوله: {أم ~~حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} [العنكبوت: ms39 4] ، وقوله: {إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42] ، وقوله: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] ، # PageV01P070 # وقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2، 3] ، وأمثال هذا الكلام الذي يذكر الرب فيه ~~عن نفسه بعض خصائصه، وهو في ذلك صادق في إخباره عن نفسه بما هو من نعوت ~~الكمال، هو أيضا من كماله، فإن بيانه لعباده وتعريفهم ذلك هو أيضا من ~~كماله. وأما غيره فلو أخبر بمثل ذلك عن نفسه لكان كاذبا مفتريا، والكذب من ~~أعظم العيوب والنقائص. # وأما إذا أخبر المخلوق عن نفسه بما هو صادق فيه، فهذا لا يذم مطلقا، بل ~~قد يحمد منه إذا كان في ذلك مصلحة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا ~~سيد ولد آدم ولا فخر ". وأما إذا كان فيه مفسدة راجحة أو مساوية، فيذم ~~لفعله ما هو مفسدة، لا لكذبه، والرب تعالى لا يفعل ما هو مذموم عليه، بل له ~~الحمد على كل حال، فكل ما يفعله هو منه حسن جميل محمود. # وأما على قول من يقول: الظلم منه ممتنع لذاته فظاهر، وأما على قول ~~الجمهور من أهل السنة والقدرية، فإنه إنما يفعل بمقتضى الحكمة والعدل، ~~فأخباره كلها وأقواله وأفعاله كلها حسنة محمودة، واقعة على وجه الكمال الذي ~~يستحق عليه الحمد، وله من الأمور التي يستحق بها الكبرياء والعظمة ما هو من ~~خصائصه تبارك وتعالى. # فالكبرياء والعظمة له بمنزلة كونه حيا قيوما قديما واجبا بنفسه، وأنه بكل ~~شىء عليم وعلى كل شىء قدير، وأنه العزيز الذي لا ينال، وأنه قهار لكل ما ~~سواه. # PageV01P071 # فهذه كلها صفات كمال لا يستحقها إلا هو، فما لا يستحقه إلا هو كيف يكون ~~كمالا من غيره وهو معدوم لغيره؟ فمن ادعاه كان مفتريا منازعا للربوبية في ~~خواصها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول ~~الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته ~~". # وجملة ms40 ذلك: أن الكمال المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب، فهذا تحقيق ~~اتصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه، ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره، ~~فادعاؤه منازعة للربوبية، وفرية على الله. # ومعلوم أن النبوة كمال للنبي، وإذا ادعاها المفترون كمسيلمة وأمثاله كان ~~ذلك نقصا منهم؛ لا لأن النبوة نقص، ولكن دعواها ممن ليست له هو النقص، ~~وكذلك لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ليس متصفا بذلك، كان مذموما ~~ممقوتا، وهذا يقتضي أن الرب تعالى متصف بكمال لا يصلح للمخلوق، وهذا لا ~~ينافى أن ما كان كمالا للموجود من حيث هو موجود، فالخالق أحق به، ولكن يفيد ~~أن الكمال الذي يوصف به المخلوق بما هو منه إذا وصف الخالق بما هو منه، ~~فالذي للخالق لا يماثله ما للمخلوق ولا يقاربه. # وهذا حق، فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به على وجه لا يمثاله فيه شىء، ~~فليس له سمي ولا كفؤ، سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شىء للمخلوق كربوبية ~~العباد # PageV01P072 # والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق، فالذي يثبت ~~للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق، عظمة هي أعظم من فضل أعلى ~~المخلوقات على أدناها. # وملخص ذلك: أن المخلوق يذم منه الكبرياء والتجبر وتزكية نفسه أحيانا ونحو ~~ذلك. # وأما قول السائل: فإن قلتم: نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها، ~~هل هي كمال أم نقص؟ وكذلك نحيل الحكم عليها بأحدهما، لأنها قد تكون كمالا ~~لذات نقصا لأخرى على ما ذكر. # فيقال: بل نحن نقول: الكمال الذي لا نقص فيه للممكن الوجود هو كمال مطلق ~~لكل ما يتصف به. # وأيضا، فالكمال الذي هو كمال للموجود من حيث هو موجود يمتنع أن يكون نقصا ~~في بعض الصور؛ لأن ما كان نقصا في بعض الصور تاما في بعض، هو كمال لنوع من ~~الموجودات دون نوع، فلا يكون كمالا للموجود من حيث هو موجود. # ومن الطرق التي بها يعرف ذلك: أن نقدر موجودين: أحدهما متصف بهذا، والآخر ~~بنقيضه، ms41 فإنه يظهر من ذلك أيهما أكمل، وإذا قيل: هذا أكمل من وجه، وهذا ~~أنقص من وجه، لم يكن كمالا مطلقا. # والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وسلم. PageV01P073 ms42