######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007635 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله (مطبوع ضمن الفتوى الحموية الكبرى) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007635 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7635 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7635 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد عبد الرزاق حمزة #META# 041.EdNUMBER :: السادسة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة المدني، القاهرة، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله # تعالى ### | التأليف: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني # بسم الله الرحمن الرحيم # وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه: # السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جيرانه سكان المدينة ~~طيبة [طيبة: تعرف بالمدينة في الحقيقة والمجاز بالصفات] من الأحياء ~~والأموات، من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # إلى الشيخ الإمام العارف الناسك، المقتدى الزاهد العابد: شمس الدين كتب ~~الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه ~~علما، وجعله من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وخاصته المصطفين، ورزقه ~~اتباع نبيه باطنا وظاهرا، واللحاق به في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك ~~والقادر عليه من أحمد بن تيمية: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # أما بعد: # فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شىء ~~قدير، ونسأله أن يصلي على صفوته من خلقه وخيرته من بريته النبي الأمي محمد ~~وعلى آله وسلم تسليما. # كتابي إليك أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة إحسانا ينيلك به عالي ~~الدرجات في خير وعافية، عن نعمة من الله ورحمة وعافية شاملة لنا ولسائر ~~إخواننا والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه ~~وعز جلاله. # وقد وصل ما أرسلته من الكتب الثلاثة، ونحن نسأل الله تعالى ونرجو منه أن ~~يكون ما قضاه وقدره من مرض ونحوه من مصائب الدنيا مبلغا لدرجات قصر العمل ~~عنها، وسبق في أم الكتاب أنها ستنال، وأن تكون الخيرة فيما اختاره الله ~~لعباده المؤمنين. # وقد علمنا من حيث العموم أن الله تعالى لا يقضي للمؤمن من قضاء إلا كان ~~خيرا له، وأن النية وإن كانت متشوقة إلى أمر حجز عنه المرض، فإن الخيرة إن ~~شاء الله تعالى فيما أراده الله، والله تعالى يخير لكم في جميع الأمور خيرة ~~تحصل لكم رضوان الله في خير وعافية، وما تشتكي من مصيبة في القلب والدين، ~~نسأل الله أن يتولاكم بحسن ms01 رعايته، توليا لا يكلكم فيه إلى أحد من ~~المخلوقين، ويصلح لكم شأنكم كله صلاحا يكون بدؤه منه وإتمامه عليه، ويحقق ~~لكم مقام {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العزيز الحكيم. # مع أنا نرجو أن تكون رؤية التقصير، وشهادة التأخير من نعمة الله على عبده ~~المؤمن، التي يستوجب بها التقدم ويتم له بها النعمة، ويكفي بها مؤنة شيطانه ~~المزين له سوء عمله، ومؤنة نفسه التي تحب أن تحمد بما لم تفعل، وتفرح بما ~~أتت. وقد قال سبحانه: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون} إلى قوله: {أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: 57 60] . # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هو الرجل يصوم ويصلي ~~ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه "، وفي الأثر أظنه عن عمر بن الخطاب أو عن ابن ~~مسعود: من قال: إنه مؤمن فهو كافر، ومن قال: إنه في الجنة فهو في النار. ~~وقال: والذي لا إله # PageV01P002 # غيره، ما أمن أحد على إيمان يسلبه عند الموت إلا يسلبه. # وقال أبو العالية: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كلهم يخاف النفاق على نفسه. وقال الصديق رضي الله عنه: إن الله ذكر أهل ~~الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها، فيقول الرجل: أين أنا من ~~هؤلاء؟ ! يعني: وهو منهم، وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم وأحبط حسنها، فيقول ~~القائل: لست من هؤلاء، يعني: وهو منهم. هذا الكلام أو قريبا منه. # فليبرد القلب من وهج حرارة هذه الشهادة، إنها سبيل مهيع [أي: طريق بين. ~~انظر: القاموس، مادة: هيع] لعباد الله، الذين أطبق شهداء الله في أرضه أنهم ~~كانوا من الله بالمكانة العالية، مع أن الازدياد من مثل هذه الشهادة هو ~~النافع في الأمر الغالب ما لم يفض إلى تسخط للمقدور، أو يأس من روح الله، ~~أو فتور عن الرجاء، والله تعالى يتولاكم بولاية منه، ولا يكلكم إلى أحد ~~غيره. # وأما ما ذكرت من طلب الأسباب الأربعة، التي لابد فيها ms02 من صرف الكلام من ~~حقيقته إلى مجازه، فأنا أذكر ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض الناس في ~~ذلك، وهو ما حكيته لك وطلبته، وكان إن شاء الله له ولغيره به منفعة على ما ~~في الحكاية من زيادة ونقص وتغيير. # قال لي بعض الناس: إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت، وهي ~~الطريقة التي تصلح عليها السلامة، قلنا كما قال الشافعي رضي الله عنه: آمنت ~~بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول ~~الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا سلكنا سبيل البحث ~~والتحقيق، فإن الحق مذهب من يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من ~~المتكلمين. # فقلت له: أما ما قاله الشافعي، فإنه حق يجب علي كل مسلم أن يعتقده، ومن ~~اعتقده ولم يأت بقول يناقضه، فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة، ~~وأما إذا بحث الإنسان وفحص، وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي ~~يخالفون به أهل الحديث كله باطلا، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرا ~~وباطنا. # فاستعظم ذلك وقال: أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا في هذا؟ فتواعدنا يوما، ~~فكان فيما تفاوضنا: أن أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين ممن ~~ينتحل مذهب الأشعري لأهل الحديث # PageV01P003 # ثلاث مسائل: # وصف الله بالعلو على العرش. # ومسألة القرآن. # ومسألة تأويل الصفات. # فقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات، فإنها الأم والباقي من ~~المسائل فرع عليها، وقلت له: مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة ~~ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت. ويؤمن بها وتصدق، ~~وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل. # وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف منهم الخطابي مذهب السلف: أنها ~~تجري على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، وذلك أن الكلام في الصفات ~~فرع على الكلام في الذات، يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات ~~الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا ms03 إثبات ~~كيفية، فنقول: إن له يدا وسمعا، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ومعنى ~~السمع: العلم. # فقلت له: وبعض الناس يقول: مذهب السلف: أن الظاهر غير مراد، ويقول: ~~أجمعنا على أن الظاهر غير مراد، وهذه العبارة خطأ، إما لفظا ومعنى، أو لفظا ~~لا معنى؛ لأن الظاهر قد صار مشتركا بين شيئين: # أحدهما: أن يقال: إن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان ~~القلب لطلب الانتقام، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف، ~~فلا شك أن من قال: إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين ~~غير مراد من الآيات والأحاديث. فقد صدق وأحسن؛ إذ لا يختلف أهل السنة أن ~~الله تعالى ليس كمثله شىء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر ~~أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة. # لكن هذا القائل أخطأ، حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات ~~والأحاديث، وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه، فإن ظاهر الكلام هو ما يسبق ~~إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع ~~وقد يكون بسياق الكلام، وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله ~~تعالى هي السابقة إلى عقل المؤمنين، بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات، ~~فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراضا تدل على # PageV01P004 # حدوثنا يمتنع أن يوصف الله سبحانه بمثلها، فكذلك أيدينا ووجوهنا ونحوها ~~أجساما كذلك محدثة، يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها. # ثم لم يقل أحد من أهل السنة: إذا قلنا: إن لله علما وقدرة وسمعا وبصرا، ~~أن ظاهره غير مراد، ثم يفسر بصفاتنا، فكذلك لا يجوز أن يقال: إن ظاهر اليد ~~والوجه غير مراد، إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم. # ومن قال: إن ظاهر شىء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ؛ لأنه ما من ~~اسم يسمى الله تعالى به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد به، فكان ~~قول ms04 هذا القائل يقتضي أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ~~ظاهرها، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد. # والمعنى الثاني: أن هذه الصفات إنما هي صفات الله سبحانه وتعالى كما يليق ~~بجلاله، نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شىء إلى ذاته، فيعلم أن ~~العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص، وكذلك الوجه. ولا يقال: إنه مستغن عن ~~هذه الصفات؛ لأن هذه الصفات واجبة لذاته، والإله المعبود سبحانه هو المستحق ~~لجميع هذه الصفات. # وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقا، وإنما الكلام مع من يثبت ~~بعض الصفات. # وكذلك فعله، نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم، وإن كنا لا نكيف ~~ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا، إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى الفعل، والله ~~غني حميد. # وكذلك الذات، تعلم من حيث الجملة، وإن كانت لا تماثل الذوات المخلوقة ولا ~~يعلم ما هو إلا هو، ولا يدرك لها كيفية، فهذا هو الذي يظهر من إطلاق هذه ~~الصفات، وهو الذي يجب أن تحمل عليه. # فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه، فيعلم أن الله ~~على كل شىء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شىء علما، وأن الأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم ~~في الجنة، ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات، ونحو ذلك. # كما يعلم أن له ربا وخالقا ومعبودا، ولا يعلم كنه شىء من ذلك، بل غاية ~~علم الخلق هكذا، يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه، وعلمهم ~~بنفوسهم من هذا الضرب. # قلت له: أفيجوز أن يقال: إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير؟ فقال: هذا لا ~~يمكن. # PageV01P005 # هذا فقلت له: من قال: إن الظاهر غير مراد، بمعنى: أن صفات المخلوقين غير ~~مرادة، قلنا له: أصبت في المعنى، لكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت ~~للجهمية طريقا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على ظاهرها مع ~~العلم بأن صفات الله تعالى ms05 ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما ~~يلزم منه حدوثه أو نقصه. # ومن قال: الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من ~~المعتزلة وبعض الأشعرية وغيرهم فقد أخطأ. # ثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون: إن له صفات سبعا: الحياة، ~~والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر. وينفون ما عداها، ~~وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط، ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها، وغلاتهم ~~يقطعون بنفي ما سواها. # وأما المعتزلة، فإنهم ينفون الصفات مطلقا ويثبتون أحكامها، وهي ترجع عند ~~أكثرهم إلى أنه عليم قدير، وأما كونه مريدا متكلما فعندهم أنها صفات حادثة، ~~أو إضافية أو عدمية. وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم، ومن ~~سلك سبيلهم من العرب والفرس، حيث زعموا أن الصفات كلها ترجع إلى سلب أو ~~إضافة، أو مركب من سلب وإضافة، فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل. # ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ ~~هؤلاء، علم قطعا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته، وأنهم كذبوا بالرسل ~~وبالكتاب وبما أرسل به رسله؛ ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر ~~وآيلة إليه، ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشعرية مخانيث ~~المعتزلة. # وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية ~~الإناث، ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم ~~بكتاب [الإبانة] الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، ~~فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعرى بدعة، لا سيما وأنه ~~بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر، والكلام مع ~~هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير. # PageV01P006 # قلت له: إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها ~~المؤمنون الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم فصرفها عن ظاهرها ~~اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر، ~~ومجاز ينافى الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء: # أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن ms06 الكتاب والسنة وكلام ~~السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشىء منه خلاف لسان العرب، أو ~~خلاف الألسنة كلها، فلابد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ، ~~وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له، وإن لم يكن له أصل في ~~اللغة. # الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا ~~كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على ~~المجازى بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن ~~الحقيقة، فلابد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور ~~صرفه عن الحقيقة فلابد من دليل مرجح للحمل على المجاز. # الثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، وإلا فإذا قام ~~دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا ~~الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرا فلابد من الترجيح. # الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ~~ظاهره وضد حقيقته، فلابد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد ~~مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم ~~فيه الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه سبحانه وتعالى جعل القرآن نورا ~~وهدى، وبيانا للناس، وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل ~~إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل. # ثم هذا الرسول الأمي العربي بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، # PageV01P007 # ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما، وأنصحهم للأمة، وأبينهم ~~للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد ~~نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره، إما أن يكون عقليا ظاهرا، مثل قوله: ~~{وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] ، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد: أوتيت ~~من ms07 جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك: {خالق كل شيء} [الأنعام: 102] يعلم المستمع: ~~أن الخالق لا يدخل في هذا العموم، أو سمعيا ظاهرا، مثل الدلالات في الكتاب ~~والسنة التي تصرف بعض الظواهر. # ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان ~~سمعيا أو عقليا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات ~~كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد ~~أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ~~ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره؛ لأن هناك دليلا خفيا ~~يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان هذا تدليسا وتلبيسا، ~~وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى ~~والبيان. # فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره، أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ~~ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟ ! أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ~~ليس لها حقيقة! ؟ # فسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات. # قلت: ونحن نتكلم على صفة من الصفات، ونجعل الكلام فيها أنموذجا يحتذى ~~عليه، ونعبر بصفة اليد، وقد قال تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ~~أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} [المائدة: 64] ، ~~وقال تعالى لإبليس: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] ، وقال تعالى: ~~{وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه} [الزمر: 67] ، وقال تعالى: {تبارك الذي بيده الملك} [الملك: 1] ، ~~وقال: {بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} [آل عمران: 62] ، وقال تعالى: ~~{أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون} [يس: 71] ~~. # PageV01P008 # وقد تواتر في السنة مجىء اليد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. # فالمفهوم من هذا الكلام: أن لله تعالى يدين مختصتان به، ذاتيتان له، كما ~~يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه ~~يقبض الأرض ويطوى السموات بيده اليمنى، وأن {يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] ~~ومعنى بسطهما: ms08 بذل الجود وسعة العطاء؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ~~ببسط اليد ومدها، وتركه يكون ضما لليد إلى العنق، صار من الحقائق العرفية ~~إذا قيل: هو مبسوط اليد فهم منه يد حقيقة، وكان ظاهره الجود والبخل، كما ~~قال تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: ~~29] ، ويقولون: فلان جعد البنان وسبط البنان. # قلت له: فالقائل إن زعم أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ~~ليست جارحة، فهذا حق. # وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع، فهو مبطل، فيحتاج إلى تلك ~~المقامات الأربعة. # أما الأول، فيقول: إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية، تسمية للشىء باسم ~~سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، ومنه قولهم: لفلان عنده أياد، وقول أبي ~~طالب لما فقد النبي صلى الله عليه وسلم: # يا رب رد راكبي محمدا رده ... علي واصطنع عندي يدا # وقول عروة بن مسعود لأبي بكر يوم الحديبية: لولا يد لك عندي لم أجزك بها ~~لأجبتك. # وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشىء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي تحرك ~~اليد، يقولون: فلان له يد في كذا وكذا، ومنه قول زياد لمعاوية: إني قد ~~أمسكت العراق بإحدى يدي، ويدي الأخرى فارغة، يريد نصف قدرتي ضبط أمر ~~العراق. ومنه قوله: {بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] ، والنكاح كلام يقال، ~~وإنما معناه أنه مقتدر عليه. # وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب ~~الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، قال الله ~~تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} إلى قوله: ~~{ذلك بما قدمت # PageV01P009 # أيديكم} [آل عمران: 181، 182] أي: بما قدمتم، فإن بعض ما قدموه كلام ~~تكلموا به. وكذلك قوله تعالى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملآئكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم} إلى قوله: {ذلك بما قدمت أيديكم} [الأنفال: 50، ~~51] ، والعرب تقول: يداك أوكتا، وفوك نفخ؛ توبيخا لكل من جر على نفسه ~~جريرة؛ لأن أول ما قيل هذا لمن ms09 فعل بيديه وفمه. # قلت له: ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله، ~~والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وألحدوا في أسمائه وآياته ~~تأولوا قوله: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] ، وقوله: {لما خلقت بيدي} ~~[ص: 75] على هذا كله، فقالوا: إن المراد نعمته، أي: نعمة الدنيا ونعمة ~~الآخرة، وقالوا: بقدرته، وقالوا: اللفظ كناية عن نفس الجود من غير أن يكون ~~هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود، وقوله: {لما ~~خلقت بيدي} أي: خلقته أنا، وإن لم يكن هناك يد حقيقية. قلت له: فهذه ~~تأويلاتهم؟ قال: نعم. قلت له: فننظر فيما قدمنا: # المقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في ~~القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: {إن الإنسان لفي ~~خسر} [العصر: 2] ، ولفظ الجمع في الواحد كقوله: {الذين قال لهم الناس إن ~~الناس} [آل عمران: 173] ، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: {صغت قلوبكما} ~~[التحريم: 4] . أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد ~~فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا ~~يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن ~~اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى ~~الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد. # فقوله: {لما خلقت بيدي} لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة ~~واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد. # ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن ~~النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. # ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا؛ لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى ~~اليد، # PageV01P010 # فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله: {بما قدمت يداك} [الحج: ~~10] و {قدمت أيديكم} [آل عمران: 182،الأنفال: 51] ، ومنه قوله: {مما عملت ~~أيدينا أنعاما} [يس: 71] . # أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف ms10 الباء، كقوله: ~~{لما خلقت بيدي} فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم ~~أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: ~~فعلت، كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك ~~زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم إن شاء الله ~~تعالى أن فصيحا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون ~~فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع ~~بغيرها. # وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات ~~لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة. # قال لي: فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله: {ألقيا في جهنم} [ق: ~~24] ، وإنما هو خطاب للواحد. # قلت له: هذا ممنوع، بل قوله: {ألقيا} قد قيل: تثنية الفاعل لتثنية الفعل، ~~والمعنى: ألق ألق. وقد قيل: إنه خطاب للسائق والشهيد. ومن قال: إنه خطاب ~~للواحد، قال: إن الإنسان يكون معه اثنان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن ~~شماله، فيقول: خليلي! خليلي! ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين، ~~كأنه يخاطب موجودين، فقوله: {ألقيا} عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين ~~يقدر وجودهما، فلا حجة فيه البتة. # قلت له: المقام الثاني: أن يقال: هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، ~~وأن يعني بها القدرة أو النعمة، أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل، لكن ما ~~الموجب لصرفها عن الحقيقة؟ # فإن قلت: لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله سبحانه. # قلت لك: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدا من جنس أيدي المخلوقين، ~~وهذا لا ريب فيه، لكن لم لا يجوز أن يكون له يد تناسب ذاته تستحق من صفات ~~الكمال ما تستحق الذات؟ قال: ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا. قلت: فإذا ~~كان هذا ممكنا وهو حقيقة اللفظ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه؟ وكل # PageV01P011 # ما ms11 يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به وصحت الدلالة ~~سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره ~~يد يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود. # المقام الثالث: قلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ~~ظاهره، أو الظاهر غير مراد، أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه ~~باليد دلالة ظاهرة، بل أو دلالة خفية؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: {قل ~~هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، وقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، وقوله: ~~{هل تعلم له سميا} [مريم: 65] ، وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء ~~التجسيم والتشبيه. أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل عليه ~~بوجه من الوجوه. # وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا يد له البتة؟ لا ~~يدا تليق بجلاله، ولا يدا تناسب المحدثات، وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا، ~~ولو بوجه خفي؟ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد ~~البتة، وإن فرض ما ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية عند من يدعيه وإلا ~~ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة. # فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله تعالي خلق بيده، ~~وأن يداه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأولى الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا ~~يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جهم ابن صفوان بعد انقراض عصر الصحابة، ~~فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك ~~سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق. # وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم كل شىء حتى الخراءة، ~~ويقول: " ما تركت من شىء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شىء ~~يبعدكم عن ms12 النار إلا وقد حدثتكم به "، " تركتكم على البيضاء، ليلها ~~كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك "، ثم يترك الكتاب المنزل عليه، وسنته ~~الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ~~ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه؟ ! # وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: # PageV01P012 # أمروها كما جاءت مع أن معناها المجازي هو المراد وهو شىء لا يفهمه العرب، ~~حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار! # المقام الرابع: قلت له: أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة، ~~ما يبين لك أن لله يدين حقيقة. # فمن ذلك تفضيله لآدم يستوجب سجود الملائكة، وامتناعهم عن التكبر عليه، ~~فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته، أو مجرد إضافة خلقه إليه؛ ~~لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات. # قال لي: فقد يضاف الشىء إلى الله على سبيل التشريف، كقوله: {ناقة الله} ~~[الشمس: 13] ، وبيت الله. # قلت له: لا تكون الإضافة تشريفا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن ~~غيره، فلو لم يكن في الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع ~~النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة، والأمر هنا كذلك، فإضافة خلق آدم ~~إليه أنه خلقه بيديه، يوجب أن يكون خلقه بيديه أنه قد فعله بيديه، وخلق ~~هؤلاء بقوله: كن فيكون، كما جاءت به الآثار. # ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فهما شيئان: أحدهما: ~~إثبات اليد. والثاني: إضافة الملك والعمل إليها، والثاني يقع فيه التجوز ~~كثيرا، أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا ~~يقولون: يد الهوى ولا يد الماء، فهب أن قوله: {بيده الملك} ، قد علم منه أن ~~المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة. # والفرق بين قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} [ص: 75] وقوله: {مما عملت ~~أيدينا} [يس: 71] من وجهين: # أحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه، وبين أنه خلقه بيديه، وهناك أضاف الفعل ~~إلى الأيدي. # الثاني: أن من لغة العرب أنهم ms13 يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن ~~اللبس، كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] أي: ~~يديهما، وقوله: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] أي: قلباكما، فكذلك قوله: ~~{مما عملت أيدينا أنعاما} . # وأما السنة فكثيرة جدا، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " المقسطون عند # PageV01P013 # الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في ~~حكمهم وأهليهم وما ولوا " رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: " يمين ~~الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق ~~السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى، يرفع ويخفض ~~إلى يوم القيامة " رواه مسلم في صحيحه؛ والبخاري فيما أظن [قوله: لا يغيضها ~~أي: لا ينقصها] . # وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده ~~كما يتكفأ أحدكم بيده خبزته في السفر " [قوله: " خبزة واحدة يتكفؤها الجبار ~~بيده ": الخبزة: الطلمة، وهي عجين يوضع في الرماد الحار حتى ينضج. ويتكفؤها ~~الجبار بيده، أي: يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوى، والمعنى: أن الله ~~تعالى يجعل الأرض كالرغيف العظيم، ويكون ذلك طعاما نزلا لأهل الجنة. انظر: ~~القاموس، مادة خبز وتعليق الشيخ عبد الباقي] . # وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر، يحكى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~يأخذ الرب عز وجل سمواته وأرضه بيديه وجعل يقبض يديه ويبسطهما ويقول: أنا ~~الرحمن " حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه، حتى إني أقول: أساقط هو ~~برسول الله؟ وفي رواية: أنه قرأ هذه الآية على المنبر: {وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67] ~~، قال: " يقول: أنا الله، أنا الجبار " وذكره. وفي الصحيح أيضا عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقبض الله ~~الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ "، وما ~~يوافق هذا من حديث ms14 الحبر. # وفي حديث صحيح: " إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما ~~شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها ~~آدم وذريته "، وفي الصحيح: " إن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق: إن ~~رحمتي تغلب غضبي ". # وفي الصحيح: أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: يا موسى، اصطفاك الله ~~بكلامه وخط لك التوراة بيده، وقد قال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله ~~بيده، ونفخ فيك من روحه. وفي حديث آخر: أنه قال سبحانه: " وعزتي وجلالي، لا ~~أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان "،وفي حديث آخر في ~~السنن: " لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، فقال: ~~خلقت هؤلاء # PageV01P014 # للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: خلقت ~~هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون ". # فذكرت له هذه الأحاديث وغيرها، ثم قلت له: هل تقبل هذه الأحاديث تأويلا، ~~أم هي نصوص قاطعة؟ وهذه أحاديث تلقتها الأمة بالقبول والتصديق ونقلتها من ~~بحر غزير. فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق. # فهذا الذي أشرت إليه أحسن الله إليك أن أكتبه. # وهذا باب واسع، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] ، ~~و {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 17] . # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى المحمدين، وأبي زكريا، وأبي ~~البقاء عبد المجيد، وأهل البيت ومن تعرفونه من أهل المدينة وسائر أهل ~~البلدة الطيبة. # وإن كنتم تعرفون للمدينة كتابا يتضمن أخبارها، كما صنف أخبار مكة. فلعل ~~تعرفونا به. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. # وسئل رحمه الله عن قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: "ما ~~ترددن عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره ~~مساءته" ما معنى تردد الله؟. # فأجاب: هذا حديث شريف رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي ms15 الله عنه وهو ~~أشرف حديث روي في صفة الأولياء. وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا أن الله لا ~~يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور والله عالم بالعواقب ~~وربما قال بعضهم أن الله يعامله معاملة المتردد. # والتحقيق إن كلام رسول الله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح ~~لأمته منه ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق ~~والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوأهم أدبا بل يجب تأديبه وتعذيره ~~ويجب أن يصان كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الظنون الباطلة # PageV01P015 # والاعتقادات الفاسدة. والمتردد منا- وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما ~~يعلم عاقبة الأمور- لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد ~~منا فإن الواحد منا قد يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب وتارة لما في ~~الفعلين من المصالح والمفاسد. فيزيد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما ~~فيه من المفسدة لا لجهله به كالشيء الواحد الذي يجب من وجه ويكره من وجه ~~كما قيل: # الشيب كره وأكره أن أفارقه ... فاعجب لشيء على البغضاء محبوب # وهذا مثل إرادة المريض للدواء الكريه بل جميع ما يريده العبد من الأعمال ~~الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب. وفي الصحيح: "حفت الجنة ~~بالمكاره وحفت النار بالشهوات" وقال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} ~~(البقرة:216) ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في الحديث فإنه قال: ~~"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه". فإن العبد الذي هذا حاله صار ~~محبوبا للحق محبا له يتقرب إليه أولا بالفرائض وهو يحبها ثم اجتهد في ~~النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق ~~فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد إتفاق الإرادة وبحيث يحب ما يحبه ~~محبوبه ويكره ما يكره محبوبه والرب يكره أن يسيء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا ~~أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه. والله سبحانه وتعالى قد قضى بالموت ~~فكل ما قضى ms16 به فهو يريده ولا بد منه. فالرب مريد لموته، لما سبق به قضاءه. ~~وهومع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت. فصار الموت ~~مرادا للحق من وجه مكروها له من وجه. وهذا حقيقة التردد. وهو أن يكون الشيء ~~الواحد مرادا من وجه وإن كان لا بد من ترجيح أحد الجانبين كما ترجح إرادة ~~الموت لكن مع وجود كراهة الرب لمساءة عبده وليس بإرادته لموت المؤمن الذي ~~يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريده. انتهى كلامه ~~رحمه الله تعالى PageV01P016 ms17