######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022666 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022666 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22666 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22666 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد بن عودة السعوي #META# 041.EdNUMBER :: السادسة 1421هـ / 2000م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة العبيكان - الرياض #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: 241 #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # قال الشيخ الإمام، العالم، العلامة، شيخ الإسلام، مفتي الأنام، أوحد ~~عصره، وفريد دهره، ناصر السنة، وقامع البدعة، تقي الدين، أبو العباس، أحمد ~~بن الشيخ، الإمام، العلامة، شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ، الإمام، ~~العلامة، شيخ الإسلام، مجد الدين، أبي البركات عبد السلام ابن تيمية ~~الحراني رضي الله عنه وأرضاه: ### | خطبة الكتاب # الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله # PageV01P001 # من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل ~~فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله، صلى الله # PageV01P002 # عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ### | موضوع الكتاب وأسباب تأليفه (توحيد الله) # أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في ~~بعض المجالس، من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر، لمسيس ~~الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، وكثرة الاضطراب فيهما، فإنهما مع حاجة كل ~~أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم، والإرادة والعبادة، لا بد أن يخطر ~~لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال، ~~لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة، وبالباطل تارات، وما يعتري ~~القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات. ### | الكلام في توحيد الربوبية والصفات من باب الخبر، وفي توحيد الشرع والقدر من باب الطلب # فالكلام في باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر، الدائر بين النفي ~~والإثبات، والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة، الدائر بين ~~الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض نفيا وإثباتا. # PageV01P003 # والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات، والتصديق والتكذيب، وبين ~~الحب والبغض، والحض والمنع، حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر ~~معروف عند العامة والخاصة، معروف عند أصناف المتكلمين في العلم، كما ذكر ~~ذلك الفقهاء في كتاب الأيمان، وكما ذكره المقسمون للكلام، من أهل النظر ~~والنحو والبيان، فذكروا أن الكلام نوعان: ms01 خبر وإنشاء، والخبر دائر بين ~~النفي والإثبات، والإنشاء: أمر أو نهي أو إباحة. ### | محمل الواجب على العبد في توحيد الله # وإذا كان كذلك فلا بد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات ~~الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال. ولا بد له في ~~أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته، وعموم ~~مشيئته، ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه، من القول والعمل، ويؤمن ~~بشرعه وقدره إيمانا خاليا من الزلل. # PageV01P004 # وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيد في القصد ~~والإرادة والعمل، والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول، كما دلت على ذلك ~~سورة (قل هو الله أحد) ، ودلت على الآخر سورة (قل يا أيها الكافرون) وهما ~~سورتا الإخلاص، وبهما كان يقرأ صلى الله عليه وسلم بعد الفاتحة في ركعتي ~~الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك. # PageV01P005 ### | الأصل الأول - توحيد الصفات ### | الأصل فيه # فأما الأول، وهو التوحيد في الصفات، فالأصل في هذا # PageV01P006 # الباب أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيا ~~وإثباتا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه. ### | مذهب السلف فيه # وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها، إثبات ما أثبته من الصفات من غير ~~تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن ~~نفسه - مع ما أثبته من الصفات - من غير إلحاد، لا في أسمائه ولا في آياته، ~~فإن الله ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: {ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} ~~وقال تعالى: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار ~~خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} . # PageV01P007 # فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتا ~~بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع ms02 ~~البصير} ، ففي قوله: {ليس كمثله شيء} رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: {وهو ~~السميع البصير} رد للإلحاد والتعطيل. ### | طريقة الرسل في الإثبات والنفي. شواهد ذلك من القرآن # والله سبحانه وتعالى بعث رسله بإثبات مفصل، ونفي مجمل، فأثبتوا له الصفات ~~على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال ~~تعالى: {فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} ، قال أهل اللغة: (هل تعلم ~~له سميا) أي نظيرا يستحق مثل اسمه، ويقال مساميا يساميه. وهذا معنى ما يروى ~~عن ابن عباس: هل تعلم له مثلا أو شبيها. # وقال تعالى: {لم يلد ولم يولد • ولم يكن له كفوا أحد} ، وقال تعالى: {فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم # PageV01P008 # تعلمون} ، وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} ، وقال تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن ~~وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون • بديع ~~السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم} ، وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ~~نذيرا • الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك} ، وقال تعالى: {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون • أم خلقنا ~~الملائكة إناثا وهم شاهدون • ألا إنهم من إفكهم ليقولون • ولد الله وإنهم ~~لكاذبون • أصطفى البنات على البنين • ما لكم كيف تحكمون • أفلا تذكرون • أم ~~لكم سلطان مبين • فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين • وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون • سبحان الله عما يصفون • إلا عباد الله ~~المخلصين} إلى قوله: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون • وسلام على المرسلين • ~~والحمد لله رب العالمين} ، فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون، وسلم على ~~المرسلين، لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحمد نفسه إذ هو # PageV01P009 # سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات. # وأما الإثبات المفصل، فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، ms03 ~~كقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} الآية بكمالها، وقوله: {قل ~~هو الله أحد • الله الصمد • لم يلد ولم يولد • ولم يكن له كفوا أحد} وقوله: ~~{وهو العليم الحكيم} ، {وهو العليم القدير} ، {وهو السميع البصير} ، {وهو ~~العزيز الحكيم} ، {وهو الغفور الرحيم} ، {وهو الغفور الودود • ذو العرش ~~المجيد • فعال لما يريد} ، {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء ~~عليم • هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما ~~يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم ~~أينما كنتم والله بما تعملون بصير} . # PageV01P010 # وقوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} ، ~~وقوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} ، وقوله: {رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه} ، وقوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} ، وقوله: {إن الذين كفروا ينادون لمقت ~~الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} ، وقوله: {هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} ، وقوله: {ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين} . # وقوله: {وكلم الله موسى تكليما} ، وقوله: {وناديناه من جانب الطور الأيمن ~~وقربناه نجيا} ، وقوله: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} ~~، # PageV01P011 # وقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} . # وقوله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم • هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ~~العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون • هو الله الخالق البارئ ~~المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم} ~~. # إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه ~~التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله ms04 به عباده إلى سواء ~~السبيل، فهذه طريقة الرسل صلى الله عليهم أجمعين. ### | طريقة مخالفي الرسل # وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين # PageV01P012 # أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة # PageV01P013 # والجهمية، والقرامطة الباطنية، ونحوهم فإنهم على ضد ذلك، # PageV01P014 # يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا ~~حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في ~~الأعيان، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية # PageV01P015 # التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون ~~الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات. ### | مذهب الباطنية # فغاليتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ~~ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم - بزعمهم - إذا وصفوه بالإثبات شبهوه ~~بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ~~ممتنع في بدائه العقول، وحرفوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب، وما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، ووقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه ~~بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات. # وقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بد له من موجد، واجب # PageV01P016 # بذاته، غني عما سواه، قديم، أزلي، لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم. فوصفوه ~~بما يمتنع وجوده، فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم. ### | مذهب ابن سينا وأتباعه # وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم، فوصفوه بالسلوب والإضافات، دون صفات ~~الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق. # وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من ~~الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم، مكابرة ~~للقضايا البديهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى فلم يميزوا بين العلم ~~والقدرة والمشيئة جحدا للعلوم الضروريات. # PageV01P017 ### | مذهب المعتزلة وأتباعهم # وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم فأثبتوا له ~~الأسماء دون ما تضمنته من الصفات، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع ~~والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم، قدير بلا ~~قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا ms05 الاسم دون ما تضمنه من الصفات. # والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح ~~المنقول مذكور في غير هذه الكلمات. # PageV01P018 ### | ضلال أصحاب هذه المذاهب وجهلهم # وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفي شر منه، مع ما يلزمهم من ~~التحريفات والتعطيلات، ولو أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلات، وفرقوا بين ~~المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون ~~أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد، ~~ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ~~ويقرمطون في السمعيات. # PageV01P019 ### | الموجود إما الخالق وإما المخلوق ولكل منهما وجود يخصه # وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه، إذ ~~نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ~~ولا ممتنع، وقد علم بالاضطرار أن المحدث لا بد له من محدث، والممكن لا بد ~~له من واجب، كما قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} ، فإذا ~~لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا ~~خلقهم. ### | اتفاق الأسماء لا يوجب تماثل المسميات # وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما ~~هو محدث ممكن، يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا ~~يلزم من اتفاقهما في مسمى «الوجود» أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود ~~هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ~~ذلك الاسم عند الاضافة والتقييد والتخصيص ولا في غيره، فلا يقول عاقل - إذا ~~قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود - إن هذا مثل هذا لاتفاقهما ~~في مسمى «الشيء» # PageV01P020 # و «الوجود» ، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن ~~يأخذ معنى مشتركا كليا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا ~~موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن ms06 الاسم حقيقة في كل ~~منهما. ### | أسماء الله وصفاته مختصة به وإن اتفقت مع ما لغيره عند الإطلاق # ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، فكانت تلك الأسماء مختصة ~~به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى # بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت ~~عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند ~~الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند ~~الإضافة والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. # فقد سمى الله نفسه حيا، فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وسمى بعض ~~عباده حيا، فقال: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} وليس هذا الحي ~~مثل هذا الحي، لأن قوله {الحي} اسم لله مختص به، وقوله {يخرج الحي من ~~الميت} اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما # PageV01P021 # يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطق مسمى موجود في ~~الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين، وعند ~~الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق. # ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم ~~بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة ~~المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى. # وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما، وسمى بعض عباده عليما، فقال: {وبشروه ~~بغلام عليم} يعني إسحق، وسمى آخر حليما، فقال: {فبشرناه بغلام حليم} يعني ~~إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم. # وسمى نفسه سميعا بصيرا، فقال: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن ~~الله كان سميعا بصيرا} وسمى بعض خلقه سميعا بصيرا فقال: {إنا خلقنا الإنسان ~~من # PageV01P022 # نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا} وليس السميع كالسميع، ولا البصير ~~كالبصير. # وسمى نفسه بالرءوف الرحيم، فقال: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} وسمى بعض ~~عباده بالرءوف الرحيم فقال: ms07 {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} وليس الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم. # وسمى نفسه بالملك، فقال: {الملك القدوس} وسمى بعض عباده بالملك، فقال: ~~{وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} ، {وقال الملك ائتوني به} وليس الملك ~~كالملك. # وسمى نفسه بالمؤمن، فقال: {المؤمن المهيمن} وسمى بعض عباده بالمؤمن، ~~فقال: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} وليس المؤمن كالمؤمن. # PageV01P023 # وسمى نفسه بالعزيز، فقال: {العزيز الجبار المتكبر} ، وسمى بعض عباده ~~بالعزيز، فقال: {قالت امرأة العزيز} وليس العزيز كالعزيز. # وسمى نفسه الجبار المتكبر، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر، فقال: {كذلك ~~يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر ~~كالمتكبر. # ونظائر هذا متعددة. # وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: {ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء} ، وقال: {أنزله بعلمه} ، وقال: {إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين} ، وقال: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد ~~منهم قوة} . # وسمى صفة المخلوق علما وقوة، فقال: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ، ~~وقال: {وفوق كل ذي علم عليم} ، وقال: {فرحوا بما عندهم من العلم} ، وقال: ~~{الله الذي # PageV01P024 # خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ~~ما يشاء وهو العليم القدير} ، وقال: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} ، وقال: ~~{والسماء بنيناها بأيد} أي: بقوة، وقال {واذكر عبدنا داود ذا الأيد} أي: ذا ~~القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة. # وكذلك وصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة، فقال: {لمن شاء منكم أن ~~يستقيم • وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ، وقال: {إن هذه تذكرة ~~فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا • وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان ~~عليما حكيما} . # وكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة، فقال: {تريدون عرض الدنيا ~~والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} . # PageV01P025 # ووصف نفسه بالمحبة، ووصف عبده بالمحبة، فقال: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه} ، وقال: ms08 {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} . # ووصف نفسه بالرضا، ووصف عبده بالرضا، فقال: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} . # ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته، ولا ~~محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه. # وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت، فقال: {إن الذين كفروا ~~ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} ، ~~وليس المقت مثل المقت. # وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: {ويمكرون ويمكر ~~الله} ، وقال: {إنهم يكيدون كيدا • وأكيد كيدا} ، وليس المكر كالمكر، ولا ~~الكيد كالكيد. # ووصف نفسه بالعمل، فقال: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما فهم لها مالكون} ، ووصف عبده # PageV01P026 # بالعمل فقال: {جزاء بما كانوا يعملون} ، وليس العمل كالعمل. # ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة، في قوله: {وناديناه من جانب الطور الأيمن ~~وقربناه نجيا} ، وقوله: {ويوم يناديهم} ، وقوله: {وناداهما ربهما} ووصف ~~عبده بالمناداة والمناجاة، فقال: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون} ، وقال: {إذا ناجيتم الرسول} ، وقال: {إذا تناجيتم فلا تتناجوا ~~بالإثم والعدوان} وليس المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة. # ووصف نفسه بالتكليم في قوله: {وكلم الله موسى تكليما} ، وقوله: {ولما جاء ~~موسى لميقاتنا وكلمه # PageV01P027 # ربه} ، وقوله: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله} ، ووصف ~~عبده بالتكليم في مثل قوله: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه ~~قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} ، وليس التكليم كالتكليم. # ووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة، فقال: {وإذ أسر النبي إلى ~~بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض ~~فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير} وليس الإنباء ~~كالإنباء. # ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم، فقال: {الرحمن • علم القرآن • ~~خلق الإنسان • علمه البيان} ، وقال: {تعلمونهن مما علمكم الله} ، وقال: ~~{لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} وليس التعليم ms09 كالتعليم. # PageV01P028 # وهكذا وصف نفسه بالغضب، في قوله: {وغضب الله عليهم ولعنهم} ، ووصف عبده ~~بالغضب في قوله: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} وليس الغضب كالغضب. # ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر في سبع آيات من كتابه أنه استوى على ~~العرش، ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره، في مثل قوله: {لتستووا على ~~ظهوره} ، وقوله: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} ، وقوله: {واستوت على ~~الجودي} وليس الاستواء كالاستواء. # ووصف نفسه ببسط اليدين، فقال: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ~~ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق # PageV01P029 # كيف يشاء} ، ووصف بعض خلقه ببسط اليد، في قوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط} ، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان ~~المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده ~~كجودهم. ونظائر هذا كثيرة. ### | نتيجة ما تقدم # فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: ليس ~~لله علم ولا قوة ولا رحمة ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى، ولا نادى ولا ناجى، ~~ولا استوى - كان معطلا، جاحدا، ممثلا لله بالمعدومات والجمادات. ومن قال له ~~علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضا كرضاي، أو يدان كيدي، أو ~~استواء كاستوائي - كان مشبها، ممثلا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا ~~تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. # PageV01P030 ### | الأصول والأمثلة والقواعد لبيان مذهب السلف ومناقشة مخالفيهم # ويتبين هذا بأصلين شريفين، ومثلين مضروبين - ولله المثل الأعلى -، ~~وبخاتمة جامعة. ### | فصل # فأما الأصلان: ### | الأصل الأول: القول في بعض الصفات كالقول في بعض # فأحدهما - أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض. ### | مناقشة من يثبت الصفات السبع دون غيرها # فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع ~~بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة. ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع ~~في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازا، ويفسره إما بالإرادة، ~~وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. # قيل له: ms10 لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول ~~في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه ~~وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة # PageV01P031 # تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، ~~وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به. # وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام. # قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه ~~إرادة المخلوق. قيل لك: وهذا غضب المخلوق. # وكذلك يلزم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفى عن الغضب ~~والمحبة والرضا ونحو ذلك ما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتف عن السمع ~~والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص ~~بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم ~~والقدرة. # PageV01P032 # فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه كما يقوله هو ~~لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام قائم به، ~~لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يبين للمعتزلي أن هذه الصفات ~~يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات. فهكذا يقول له المثبتون لسائر ~~الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك. ### | الاحتجاج بإثبات العقل لهذه الصفات # فإن قال: تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، ~~والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة ~~للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك. ### | الجواب عنه # قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان: # أحدهما: أن يقال: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، فهب ~~أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت # PageV01P033 # ذلك فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل، ~~كما على المثبت. والسمع قد دل عليه، ولم يعارض، ذلك معارض عقلي ولا سمعي، ~~فيجب إثبات ما أثبته الدليل ms11 السالم عن المعارض المقاوم. # الثاني: أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من ~~العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة ~~التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل ~~على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، ~~والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته - وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ~~ومأموراته من العواقب الحميدة - تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على ~~المشيئة وأولى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان # PageV01P034 # ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من ~~الدلالة على محض المشيئة. ### | مناقشة من يثبت الأسماء دون الصفات # وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات، ويقر بالأسماء كالمعتزلي، الذي يقول: ~~إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة. ### | شبهة التجسيم # قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وبين إثبات الصفات، فإنك إن قلت: إثبات ~~الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيها وتجسيما، لأنا لا نجد في الشاهد متصفا ~~بالصفات إلا ما هو جسم. قيل لك: ولا تجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه حي عليم ~~قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا لجسم ~~فانف الأسماء، بل وكل شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا لجسم. # فكل ما يحتج به من نفى الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان ~~جوابا لذلك كان جوابا لمثبتي الصفات. # PageV01P035 ### | مناقشة نفاة الأسماء والصفات # وإن كان المخاطب من الغلاة، نفاة الأسماء والصفات، وقال: لا أقول هو ~~موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، ~~لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير. # قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك ~~تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات. # فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات. ### | امتناع سلب النقيضين # قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه ms12 النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع ~~أن يكون الشيء موجودا معدوما، أو لا موجودا ولا معدوما، ويمتنع أن يوصف ~~باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي ~~الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل. # PageV01P036 ### | اعتراض # فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلا لهما، وهذان يتقابلان ~~تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: ~~أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس بقابل لهما. ### | الرد عليه من وجوه: الوجه الأول # قيل لك: أولا: هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب ~~والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر. # وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه ~~المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفي الحقائق ~~العقلية، وقد قال الله تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون • أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} فسمى # PageV01P037 # الجماد ميتا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم. ### | الوجه الثاني # وقيل لك، ثانيا: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر، ونحو ~~ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر ~~أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدا منهما. فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات ~~القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك. # وأيضا فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعا من القابل للوجود والعدم، ~~بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعا، فما نفيت عنه قبول الوجود ~~والعدم كان أعظم امتناعا مما نفيت عنه الوجود والعدم. وإذا كان هذا ممتنعا ~~في صرائح العقول فذلك أعظم امتناعا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل ~~العدم هو أعظم الممتنعات. وهذا غاية التناقض والفساد. # وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم. ورفعهما ~~كجمعهما. ومنهم من يقول: لا أثبت واحدا # PageV01P038 # منهما، وامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما ~~في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت، الذي لا يعبر ms13 عن ~~الحقائق. # وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعا مما يقدر قبوله لهما ~~- مع نفيهما عنه - فما يقدر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا ~~الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ~~ولا السمع ولا الصمم، أقرب إلى المعدوم والممتنع مما يقدر قابلا لهما مع ~~نفيهما عنه. وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلا لهما أقرب إلى الوجود والممكن، ~~وما جاز لواجب الوجود قابلا، وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز ~~القبول وجب، وإذا جاز وجود المقبول وجب. # وقد بسط هذا في موضع آخر وبين وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها ~~بوجه من الوجوه. ### | الوجه الثالث # وقيل له أيضا: اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه ~~والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يستلزم ~~اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه # PageV01P039 # أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في ~~شيء من خصائصه سبحانه وتعالى. # وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيها وتجسيما تمويه ~~على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسم بهذا الاسم يجب نفيه. ولو ساغ ~~هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق ~~المعلوم بالسمع والعقل. # وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى ~~أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والضلالة. ### | شبهة "التركيب" # وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، ~~وهذا تركيب ممتنع. # PageV01P040 # قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ ~~وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟، فهذه معان متعددة ~~متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدا. # فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبا ممتنعا. # قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو ~~تركيبا ممتنعا. # وذلك أنه من المعلوم بصريح ms14 المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالما هو معنى ~~كونه قادرا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالما قادرا، فمن جوز أن تكون هذه ~~الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة، ثم ~~إنه متناقض، فإنه إن جوز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا، فيكون ~~الوجود واحدا بالعين لا بالنوع. وحينئذ، فإذا كان وجود الممكن هو وجود ~~الواجب، كان وجود كل مخلوق - يعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه - هو نفس وجود ~~الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم. # PageV01P041 # وإذا قدر هذا، كان الوجود الواجب موصوفا بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل ~~عيب، كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود، الذين طردوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذ ~~فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير. ### | نتيجة هذا الأصل # وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من الصفات، لا ينفي شيئا - فرارا مما هو محذور - إلا وقد أثبت ما ~~يلزمه فيه نظير ما فر منه، فلا بد له في آخر الأمر من أن يثبت موجودا واجبا ~~قديما متصفا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلا لخلقه، فيقال له: ~~وهكذا القول في جمع الصفات، وكل ما نثبته من الأسماء والصفات فلا بد أن يدل ~~على قدر مشترك تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك # PageV01P042 # لما فهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما ~~يخطر بالبال أو يدور في الخيال. ### | الأصل الثاني: القول في الصفات كالقول في الذات # وهذا يتبين بالأصل الثاني - وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في ~~الذات، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ~~فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل ~~صفات سائر الذوات. ### | جواب من سأل عن كيفية صفة من صفات الله # فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ # قيل له - كما قال ربيعة ms15 ومالك وغيرهما -: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ~~والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، # PageV01P043 # لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه. # وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟ # قيل له: كيف هو؟ # فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته. # قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم ~~بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له. فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه ~~وبصره وتكليمه ونزوله واستوائه، وأنت لا تعلم كيفية ذاته! # وإذا كنت تقر بأن له ذاتا حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات ~~الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره، وكلامه # PageV01P044 # ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لايشابهه ~~فيها سمع المخلوقين وبصرهم، وكلامهم ونزولهم واستواؤهم. ### | عودة لمناقشة من يثبت بعض الصفات دون بعض # وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئا، ~~ونفي شيئا بالعقل، إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب ~~والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، وطولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم ~~يجد بينهما فرقا. # ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض - الذين يوجبون فيما نفوه إما ~~التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ - قانون مستقيم، فإذا قيل لهم: ~~لم تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح. ~~فهذا تناقضهم في النفي. # وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي ~~يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، ~~لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا ~~قال قائل: تأويل محبته # PageV01P045 # ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة ~~نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط. ولو فسر ذلك بمفعولاته - وهو ~~ما يخلقه من الثواب والعقاب - فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فر منه، فإن الفعل ~~المعقول لا بد أن يقوم أولا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول ms16 إنما يكون ~~على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا ~~الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا، وإن أثبتوه على خلاف ~~ذلك، فكذلك سائر الصفات. ### | فصل # وأما المثلان المضروبان: ### | المثل الأول - الجنة # فإن الله - سبحانه وتعالى - أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف ~~المطاعم والمشارب والملابس والمناكح # PageV01P046 # والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنا وعسلا وخمرا وماء ولحما وفاكهة وحريرا ~~وذهبا وفضة وحورا وقصورا. # وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا ~~الأسماء، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء ~~للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا ~~يعلمه إلا الله تعالى - فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من ~~مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة ~~لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق ~~إلى المخلوق. وهذا بين واضح. ### | افتراق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر # ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق: # فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم ~~الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وإن ~~مباينة الله لخلقه أعظم. # والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من # PageV01P047 # الثواب والعقاب، ونفوا كثيرا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل ~~الكلام: المعتزلة ومن وافقهم. # والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة الباطنية والفلاسفة أتباع ~~المشائين، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه ~~وعن اليوم الآخر. ### | تأويل الباطنية للأمر والنهي # ثم إن كثيرا منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع ~~المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها، لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه ~~المسلمون منها، كما يتأولون الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، ~~فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام شهر رمضان كتمان ms17 ~~أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم ~~بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ~~ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله. # وقد يقولون: إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا صار الرجل من ~~عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات. # PageV01P048 # وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب. # وهؤلاء الباطنية الملاحدة أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود ~~والنصارى. # وما يحتج به أهل الإيمان والإثبات على هؤلاء الملاحدة يحتج به كل من كان ~~من أهل الإيمان والإثبات على من يشرك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله ~~تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دل على ذلك الآيات البينات - ~~كان ذلك هو الحق الذي يوافق المنقول والمعقول، ويهدم أساس الإلحاد ~~والضلالات. # PageV01P049 ### | قياس الأولى # والله سبحانه وتعالى لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن ~~الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في ~~قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثل ~~الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما ~~تنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق ~~منزها عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن ~~مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم. ### | المثل الثاني - الروح # وهكذا القول في المثل الثاني - وهو الروح التي فينا، فإنها قد وصفت بصفات ~~ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها # تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تقبض من البدن، وتسل منه كما تسل ~~الشعرة من العجين. ### | اضطراب الناس في ماهية الروح # والناس مضطربون فيها: # فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءا من البدن، أو # PageV01P050 # صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تتردد في البدن، ~~وقول بعضهم: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن. # ومنهم طوائف من ms18 أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي ~~أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ~~ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ~~ولا هي جسم ولا عرض. وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة، والحقائق ~~الموجودة في الخارج، وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة. وقد يقولون: إنها ~~لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة. وربما قالوا: ليست ~~داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما يقبل الإشارة ~~الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها ونحو ذلك من الصفات السلبية ~~التي تلحقها بالمعدوم والممتنع. # PageV01P051 # وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل. # قالوا: بل هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، وهي غير مشار إليها. # وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان، ~~فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى ~~فساده على غالب الجهال. ### | سبب الاضطراب # واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك أن الروح - التي تسمى ~~بالنفس الناطقة عند الفلاسفة - ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس ~~العناصر والمولدات منها، بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس، فصار هؤلاء ~~لا يعرفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك ~~يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة، وكلا القولين خطأ. # PageV01P052 ### | أقوال الناس في لفظ "الجسم": # وإطلاق القول عليها بأنها جسم، أو ليست بجسم، يحتاج إلى تفصيل، فإن لفظ ~~«الجسم» للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي. # فأهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن. وبهذا الاعتبار فالروح ليست ~~جسما، ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} ، وقال تعالى: {وزاده بسطة في العلم ~~والجسم} . # وأما أهل الكلام، فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو ~~القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المنفردة. ms19 # PageV01P053 # ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة. وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار ~~إليه إشارة حسية. # ومنهم من يقول: ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه ~~ويقال: إنه هنا أو هناك. # PageV01P054 # فعلى هذا إذا كانت الروح مما يشار إليه ويتبعه بصر الميت - كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (إن الروح إذا خرج تبعه البصر) ، وإنها تقبض ويعرج بها ~~إلى السماء - # PageV01P055 # كانت الروح جسما بهذا الاصطلاح. ### | المقصود بضرب المثل بالروح # والمقصود، أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد ~~وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها ~~وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرا، والشيء إنما تدرك حقيقته إما ~~بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم ~~مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع ~~اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو ~~يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها. # فإذا كان من نفى صفات الروح جاحدا معطلا لها، ومن مثلها بما يشاهده من ~~المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها، وهي # PageV01P056 # مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات - فالخالق سبحانه ~~وتعالى أولى أن يكون من نفى صفاته جاحدا معطلا، ومن قاسه بخلقه جاهلا به ~~ممثلا، وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات. ### | فصل # وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة: ### | القاعدة الأولى - صفات الله سبحانه إثبات ونفي # القاعدة الأولى - أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي. فالإثبات ~~كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، ~~والنفي كقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} . ### | صفات النفي تتضمن إثبات الكمال # وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتا، ~~وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم ~~المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس ms20 بشيء، فضلا عن أن يكون مدحا ~~أو كمالا. ولأن النفي المحض # PageV01P057 # يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال. ### | آيات قرآنية في ذلك # فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنا لإثبات مدح كقوله: ~~{الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} إلى قوله: {ولا ~~يئوده حفظهما} . # فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي ~~القيوم. # وكذلك قوله: {ولا يئوده حفظهما} أي لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم ~~لكمال قدرته وتمامها. بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع ~~كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته. # وكذلك قوله تعالى: {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} فإن ~~نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض. # وكذلك قوله تعالى: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~وما مسنا من لغوب} ، فإن نفي مس # PageV01P058 # اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة. # بخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه. # وكذلك قوله: {لا تدركه الأبصار} ، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما ~~قاله أكثر العلماء. ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه ~~لا يرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحا، وإنما المدح في كونه لا ~~يحاط به وإن رئي، كما أنه لا يحاط به وإن علم، فكما أنه إذا علم لا يحاط به ~~علما، فكذلك إذا رئي لا يحاط به رؤية. # فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحا وصفة كمال، وكان ذلك ~~دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم ~~الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. # وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتا هو مما لم يصف الله به نفسه، ~~فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلها محمودا، بل ولا ms21 ~~موجودا. # وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يرى، أو ~~ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، # PageV01P059 # ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ ~~هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي مستلزمة صفة ثبوت، ولهذا ~~قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي ~~تثبته وبين المعدوم. # PageV01P060 # وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه ~~الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا ~~يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص. # فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال: لا هو ~~قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن ~~له. ### | يلزم من نفى صفة الكمال عن الله وصفه بما يقابلها # ومن قال: إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتا ~~أصم أعمى أبكم. ### | اعتراض # فإن قال: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر ~~كالحائط لا يقال: له أعمى ولا بصير. ### | الرد عليه من وجوه: الوجه الأول # قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر ~~والكلام يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى والخرس والعجمة. # PageV01P061 ### | الوجه الثاني # وأيضا: فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على ~~جعل الجماد حيا، كما جعل عصى موسى حية، ابتلعت الحبال والعصي. ### | الوجه الثالث # وأيضا: فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصا ممن يقبل الاتصاف ~~بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى، ولا ~~الكلام ولا الخرس، أعظم نقصا من الحي الأعمى الأخرس. # فإذا قيل: إن الباري عز وجل لا يمكن اتصافه بذلك، كان في ذلك من وصفه ~~بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ms22 ذلك، مع أنه إذا جعل ~~غير قابل لهما كان تشبيها له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما، ~~وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف ينكر من قال ذلك على غيره ما ~~يزعم أنه تشبيه بالحي! ### | الوجه الرابع # وأيضا فنفس نفي هذه الصفات نقص، كما أن إثباتها كمال، فالحياة من حيث هي، ~~هي - مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها - صفة كمال. وكذلك العلم والقدرة ~~والسمع والبصر والكلام # PageV01P062 # والفعل ونحو ذلك. وما كان صفة كمال فهو - سبحانه وتعالى - أحق بأن يتصف ~~به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل ~~منه. ### | مقارنة بين من ينفون عن الله النقيضين ومن يصفونه بالنفي فقط # واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصافه ~~بالنقيضين حتى يقولوا: ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي. # ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول، كالجمع بين ~~النقيضين. # وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي ولا سميع ولا بصير. # وهؤلاء أعظم كفرا من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفرا من هؤلاء من وجه. # فإذا قيل لهؤلاء: هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك كالموت والصمم والبكم. # PageV01P063 # قالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلا لذلك. # وهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادا. # وكذلك من ضاهى هؤلاء، وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه - ~~إذا قيل لهم: هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، ~~ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره. # قالوا: هذا إنما يكون إذا كان قابلا لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز، ~~فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين النقيضين. # فيقال لهم: علم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين هو علم مطلق، لا ~~يستثنى منه موجود. والتحيز المذكور إن أريد به كون الأحياز الموجودة تحيط ~~به، فهذا هو الداخل في العالم، وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: ~~مباين لها، متميز عنها، فهذا هو الخروج. # فالمتحيز يراد به تارة ما هو ms23 داخل العالم، وتارة ما هو خارج # PageV01P064 # العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز، كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه. # فهم غيروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو ~~المعنى الذي علم فساده بضرورة العقل. كما فعل أولئك في قولهم: ليس بحى ولا ~~ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل. ### | القاعدة الثانية - الألفاظ نوعان: 1- لفظ ورد به دليل شرعي. حكمه # القاعدة الثانية - أن ما أخبر به الرسول عن ربه - عز وجل - فإنه يجب ~~الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في ~~الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه. # وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها. مع أن هذا الباب يوجد عامته ~~منصوصا في الكتاب والسنة، متفقا عليه بين سلف الأمة. ### | 2- لفظ لم يرد به دليل شرعي. حكمه # وما تنازع فيه المتأخرون، نفيا وإثباتا، فليس على أحد بل ولا له أن يوافق ~~أحدا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقا قبل، وإن أراد ~~باطلا رد، وإن اشتمل كلامه على حق # PageV01P065 # وباطل لم يقبل مطلقا ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، ~~كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك. ### | لفظ "الجهة" # فلفظ «الجهة» قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقا، كما إذا أريد ~~بالجهة نفس العرش أو نفس السموات. وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله ~~تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العال. # ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ «الجهة» ولا نفيه، كما فيه إثبات ~~«العلو» و «الاستواء» و «الفوقية» و «العروج إليه» ونحو ذلك. # وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ~~سبحانه وتعالى، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. # فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس ~~داخلا في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب ms24 أن الله فوق ~~العالم، بائن من المخلوقات. # PageV01P066 # وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العال، أو ~~تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات. فإن أردت الأول فهو حق، وإن ~~أردت الثاني فهو باطل. ### | لفظ "المتحيز" # وكذلك لفظ «المتحيز» ، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم ~~وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: {وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} . وقد ثبت في ~~الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقبض الله الأرض ويطوي ~~السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض) . # PageV01P067 # وفي حديث آخر: (وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة) وفي حديث ابن ~~عباس: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة ~~في يد أحدكم. # وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالا ~~فيها. فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. # PageV01P068 ### | القاعدة الثالثة - القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو ليس بمراد يحتاج إلى تفصيل # القاعدة الثالثة - إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس ~~بمراد. # فإنه يقال: لفظ «الظاهر» فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ~~ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير ~~مراد. # ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر ~~القرآن والحديث كفرا وباطلا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم وأحكم من أن ~~يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال. ### | غلط من يجعل ظاهر النصوص يقتضي التمثيل # والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: # تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجا إلى تأويل ~~يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك. # وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل. ### | أمثلة # فالأول: كما قالوا في قوله: (عبدي جعت فلم ms25 تطعمني ... ) الحديث، وفي ~~الأثر الآخر: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، # PageV01P069 # فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) ، وقوله: (قلوب العباد بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن) . # PageV01P070 # فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق. # فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لا تدل إلا على ~~حق. # أما الحديث الواحد فقوله: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه ~~وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة ~~لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال: (يمين الله في الأرض) ، وقال: (فمن قبله ~~وصافحه فكأنما صافح # PageV01P071 # الله وقبل يمينه) ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، ففي نص الحديث بيان أن ~~مستلمه ليس مصافحا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرا، وأنه ~~محتاج إلى التأويل! مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس. # وأما الحديث الآخر: فهو في الصحيح مفسرا: (يقول الله: عبدي جعت فلم ~~تطعمنى. فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟!. فيقول: أما علمت أن عبدي ~~فلانا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي مرضت فلم تعدني. فيقول: رب كيف ~~أعودك وأنت رب العالمين؟!. فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض، فلو عدته ~~لوجدتني عنده) . # PageV01P072 # وهذا صريح في أن الله سبحانه وتعالى لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع ~~عبده، فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسرا ذلك بأنك (لو أطعمته لوجدت ذلك ~~عندي، ولو عدته لوجدتني عنده) . فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل. # وأما قوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن) ، فإنه ليس في ~~ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول ~~القائل: هذا بين يدي. ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: {والسحاب المسخر ~~بين السماء والأرض} لم يقتض أن يكون مماسا للسماء والأرض. ونظائر هذا ~~كثيرة. ### | فرق ما بين قوله تعالى (لما خلقت بيدي) وقوله (مما عملت أيدينا) # ومما يشبه هذا القول أن يجعل اللفظ ms26 نظيرا لما ليس مثله، كما قيل في قوله ~~{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} فقيل: هو مثل قوله: {أو لم يروا أنا خلقنا ~~لهم مما عملت أيدينا أنعاما} . # PageV01P073 # فهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي فصار شبيها بقوله: ~~{فبما كسبت أيديكم} ، وهناك أضاف الفعل إليه، فقال: {لما خلقت} ثم قال: ~~{بيدي} . وأيضا فإنه هناك ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر ~~لفظ التثنية، كما في قوله: {بل يداه مبسوطتان} ، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة ~~الجمع، فصار كقوله: {تجري بأعيننا} . # وهذا في الجمع نظير قوله: {بيده الملك} و {بيدك الخير} في المفرد. # PageV01P074 # فالله - سبحانه وتعالى - يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهرا أو مضمرا، ~~وتارة بصيغة الجمع، كقوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} وأمثال ذلك. ولا يذكر ~~نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما ~~تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس ~~عن ذلك. # فلو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت يدي. كان كقوله: {مما عملت أيدينا} ، ~~وهو نظير قوله: {بيده الملك} و {بيدك الخير} ، ولو قال:خلقت بيدي. بصيغة ~~الإفراد، لكان مفارقا له، فكيف إذا قال: {خلقت بيدي} بصيغة التثنية. # هذا مع دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة، وإجماع سلف الأمة على مثل ~~ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله: (المقسطون عند الله ~~على منابر من نور عن # PageV01P075 # يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) ~~. وأمثال ذلك. ### | من يقول في بعض الصفات: الظاهر مراد أو ليس بمراد، يلزمه ذلك في سائرها لأن جنسها واحد # وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر ~~النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإن الله تعالى ~~لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة ~~المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد - كان من المعلوم أنهم ms27 ~~لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا. # وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن ~~مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير. # فكذلك إذا قالوا في قوله: {يحبهم ويحبونه} ، # PageV01P076 # {رضي الله عنهم ورضوا عنه} ، وقوله: {ثم استوى على العرش} : إنه على ~~ظاهره. لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حبا كحبه، ~~ولا رضا كرضاه. # فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين، لزمه أن لا ~~يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ~~ويختص به، لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادا إلا بدليل يدل على ~~النفي. وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر ~~الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا. # وبيان هذا، أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا، كالوجه ~~واليد؛ ومنها ما هي معان وأعراض، وهي قائمة بنا، كالسمع والبصر والكلام ~~والعلم والقدرة. # ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير، لم يقل ~~المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد، لأن مفهوم ذلك في # PageV01P077 # حقه مثل مفهومه في حقنا؛ فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه، لم يوجب ~~ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة ~~الموصوف تناسبه. # فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته ليست مثل ~~صفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه، كنسبة صفة الخالق إليه، وليس ~~المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) ، فشبه الرؤية بالرؤية، لا ~~المرئي بالمرئي. # PageV01P078 ### | القاعدة الرابعة - المحاذير التي يقع فيها من يتوهم أن مدلول نصوص الصفات هو التمثيل # وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة - وهي أن كثيرا من الناس يتوهم في بعض ~~الصفات، أو في كثير منها، أو ms28 أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين؛ ~~ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير: # أحدها - كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول ~~النصوص هو التمثيل. # PageV01P079 # الثاني - أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت ~~عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه ~~السيئ الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل ~~الباطل - قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، ~~والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه. # الثالث - أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلا لما يستحقه ~~الرب تعالى. # الرابع - أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو ~~صفات المعدومات. # فيكون قد عطل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثله بالمنقوصات ~~والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت # PageV01P080 # عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي ~~كلام الله بين التعطيل والتمثيل، يكون ملحدا في أسمائه وآياته. ### | توضيح ذلك في صفتي "الاستواء" و"العلو" # مثال ذلك أن النصوص كلها دلت على وصف الإله بالعلو والفوقية على ~~المخلوقات، واستوائه على العرش؛ فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل ~~الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع، وليس في ~~الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا ~~مداخله. ### | صفة "الاستواء" # فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء ~~الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون • لتستووا على ظهوره} فيتخيل أنه إذا كان مستويا على العرش كان ~~محتاجا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو انخرقت السفينة لسقط ~~المستوي عليها، ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها. فقياس # PageV01P081 # هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب تبارك وتعالى، ثم يريد - بزعمه - أن ينفي ~~هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار. # ولا يعلم أن مسمى «القعود» و «الاستقرار» ms29 ، يقال فيه ما يقال في مسمى ~~«الاستواء» !، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك فلا فرق بين الاستواء والقعود ~~والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقرا ولا قاعدا، وإن لم يدخل ~~في مسمى ذلك، إلا ما يدخل في مسمى «الاستواء» فإثبات أحدهما ونفي الآخر ~~تحكم. # وقد علم أن بين مسمى «الاستواء» و «الاستقرار» و «القعود» فروقا معروفة، ~~ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره. # وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل ~~استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك. # وليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما ~~أضاف إليها سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق # PageV01P082 # ثم استوى، كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع ~~موسى وهارون يسمع ويرى، وأمثال ذلك. فلم يذكر استواء مطلقا يصلح للمخلوق، ~~ولا عاما يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر ~~استواء أضافه إلى نفسه الكريمة. # فلو قدر - على وجه الفرض الممتنع - أنه هو مثل خلقه - تعالى الله عن ذلك ~~- لكان استواؤه مثل استواء خلقه. أما إذا كان هو ليس مماثلا لخلقه، بل قد ~~علم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر ~~إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لم يذكر إلا استواء يخصه، لم يذكر ~~استواء يتناول غيره ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه ~~وخلقه إلا ما يختص به - فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستويا على العرش ~~كان محتاجا إليه، وأنه لو سقط العرش لخر من عليه! سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. # هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك، أو توهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ~~ومدلوله، أو جوز ذلك على رب العالمين الغني عن # PageV01P083 # الخلق. بل لو قدر أن جاهلا فهم مثل هذا، أو توهمه لبين له أن هذا ms30 لا ~~يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلا، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف ~~به الرب نفسه. # فلما قال سبحانه وتعالى: {والسماء بنيناها بأيد} فهل يتوهم متوهم أن ~~بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج، الذي يحتاج إلى زبل ومجارف وأعوان وضرب لبن ~~وجبل طين؟ # ثم قد علم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم # PageV01P084 # يجعل عاليه مفتقرا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض، وليس مفتقرا إلى أن ~~تحمله الأرض، والسحاب أيضا فوق الأرض، وليس مفتقرا إلى أن تحمله، والسموات ~~فوق الأرض، وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها - فالعلي الأعلى رب كل شيء ~~ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجا إلى خلقه، أو عرشه! ~~أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات! ~~وقد علم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه أحق به وأولى. ### | صفة "العلو" # وكذلك قوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} من ~~توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات، فهو جاهل ضال ~~بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: إن الشمس والقمر في السماء، يقتضي ذلك، فإن ~~حرف «في» متعلق بما قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف والمضاف إليه. # PageV01P085 # ولهذا يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في الحيز، وكون العرض في ~~الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق، فإن لكل نوع من هذه ~~الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره، وإن كان حرف «في» مستعملا في ذلك كله. # فلو قال قائل: العرش في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء. ولو قيل: ~~الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: الجنة في السماء. ولا يلزم من ذلك أن ~~يكون العرش داخل السموات، بل ولا الجنة. # فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سألتم الله ~~الجنة فسلوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن) . # PageV01P086 # فهذه الجنة، سقفها ms31 الذي هو العرش فوق الأفلاك، مع أن الجنة في السماء، ~~والسماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها، قال تعالى: {فليمدد ~~بسبب إلى السماء} وقال تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} . # ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق ~~كل شيء، كان المفهوم من قوله: {من في السماء} : أنه في السماء، أنه في ~~العلو وأنه فوق كل شيء. # وكذلك الجارية لما قال لها: (أين الله؟) . قالت: في السماء، # PageV01P087 # إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها. # وإذا قيل: «العلو» ، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها ~~هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق ~~العالم شيء موجود إلا الله، كما لو قيل: إن العرش في السماء، فإنه لا يقتضي ~~أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق. # وإذا قدر أن «السماء» المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها، كما قال: ~~{ولأصلبنكم في جذوع النخل} ، وكما قال: # PageV01P088 # {فسيروا في الأرض} ، وكما قال: {فسيحوا في الأرض} ، ويقال: فلان في ~~الجبل، وفي السطح. وإن كان على أعلى شيء فيه. ### | [القاعدة الخامسة - نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه] # القاعدة الخامسة - أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه، فإن الله تعالى ~~قال: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} ، وقال: {أفلم يدبروا القول} ، وقال: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} ، وقال: {أفلا يتدبرون القرآن أم على ~~قلوب أقفالها} ، فأمر بتدبر الكتاب كله. # وقد قال: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله # PageV01P089 # إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ~~أولو الألباب} . ### | الخلاف في إمكان تأويل المتشابه # وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف ms32 عند قوله: {وما يعلم تأويله إلا ~~الله} ، وهذا هو المأثور عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وروي ~~عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه، تفسير تعرفه العرب من ~~كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا ~~يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب. # وقد روي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال ~~مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من # PageV01P090 # فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها. ### | التوفيق بين القولين ببيان معاني لفظ "التأويل" # ولا منافاة بين القولين عند التحقيق، فإن لفظ «التأويل» قد صار بتعدد ~~الاصطلاحات مستعملا في ثلاثة معان: # أحدها - وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله - أن ~~التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن ~~به؛ وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات ~~وترك تأويلها، وهل هذا محمود أو مذموم، وحق أو باطل؟ # PageV01P091 # الثاني - أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري ~~القرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير: «واختلف علماء ~~التأويل» . ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد ~~فحسبك به. وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم - فإذا ~~ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه، فالمراد به معرفة تفسيره. # الثالث - من معاني التأويل - هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال ~~تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جاءت رسل ربنا بالحق} . # PageV01P092 # فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما ~~يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال في قصة ~~يوسف لما سجد أبواه وإخوته قال: {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} فجعل ~~عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا. # فالتأويل الثاني هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يفسر به ms33 اللفظ حتى ~~يفهم معناه أو تعرف علته أو دليله، وهذا التأويل الثالث هو عين ما هو موجود ~~في الخارج، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول # PageV01P093 # القرآن. تعني قوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره} . وقول سفيان بن ~~عيينة: السنة هي تأويل الأمر والنهي. # فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبر عنه هو ~~تأويل الخبر، والكلام خبر وأمر، ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم ~~بالتأويل من أهل اللغة. كما # PageV01P094 # ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء، لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أمر به ~~ونفس ما نهي عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يعلم أتباع ~~أبقراط وسيبويه ونحوهما من # PageV01P095 # مقاصدهم ما لا يعلم بمجرد اللغة. ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من ~~معرفته بخلاف تأويل الخبر. # إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من ~~حقائق الأسماء والصفات هو حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق ~~الصفات، وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد ~~والوعيد. ### | ما جاء في القرآن أو الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه # ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله ~~به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، تشبه معانيها ما نعلمه في ~~الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحما ولبنا وعسلا وماء وخمرا ونحو ذلك، وهذا ~~يشبه ما في الدنيا لفظا ومعنى، ولكن ليس هو مثله، ولا حقيقته كحقيقته. # PageV01P096 # فأسماء الله تعالى وصفاته أولى - وإن كان بينها وبين أسماء العباد ~~وصفاتهم تشابه - أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته ~~كحقيقته. ### | [يخبر عن الغائب بالمعنى المعلوم في الشاهد وإن كانت الحقيقة مختلفة] # والإخبار عن الغائب لا يفهم أن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في ~~الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة ms34 العلم بما في الشاهد، مع العلم ~~بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد. # وفي الغائب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على # PageV01P097 # قلب بشر. فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار، ~~علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب، وفسرنا ذلك. وأما نفس ~~الحقيقة المخبر عنها، مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة، فذلك ~~من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. # ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش ~~استوى} قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال ~~عنه بدعة. وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ~~ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان. فبين أن # PageV01P098 # الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة. # ومثل هذا يوجد كثيرا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية ~~صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو. وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على ~~نفسك) وهذا في صحيح مسلم وغيره، وقال في الحديث الآخر: (اللهم إني أسألك ~~بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، ~~أو # PageV01P099 # استأثرت به في علم الغيب عندك) . وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم. ~~وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني ~~هذه الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره. ### | أسماء الله وصفاته متنوعة في معانيها متفقة في دلالتها على ذات الله # والله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه عليم، قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى ~~غير ذلك من أسمائه وصفاته؛ فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، ~~وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ~~ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي # PageV01P100 # متفقة متواطئة ms35 من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات. # وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مثل محمد، وأحمد، والماحي، ~~والحاشر، والعاقب. وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن، والفرقان، والهدى، ~~والنور، والتنزيل، والشفاء، وغير ذلك. ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها؛ ~~هل هي من قبيل المترادفة لاتحاد الذات، أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات، ~~كما إذا قيل: السيف، والصارم، # PageV01P101 # والمهند؛ وقصد بالصارم معنى الصرم، وفي المهند النسبة إلى الهند؟ ~~والتحقيق أنها مترادفة في الذات متباينة في الصفات. # ومما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع ~~آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، فينبغي أن يعرف الإحكام ~~والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه. # قال تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} فأخبر أنه أحكم آياته كلها، ~~وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} فأخبر أنه كله ~~متشابه. ### | معنى "الإحكام" # والحكم هو الفصل بين الشيئين، والحاكم يفصل بين الخصمين, والحكمة فصل بين ~~المشتبهات علما وعملا، إذا ميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع ~~والضار، وذلك يتضمن # PageV01P102 # فعل النافع وترك الضار، فيقال: حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يديه، ~~وحكمت الدابة وأحكمتها إذا جعلت لها حكمة وهو ما أحاط بالحنك من اللجام، ~~وإحكام الشيء إتقانه، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في ~~أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره. # والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيما بقوله: {الر تلك ~~آيات الكتاب الحكيم} فالحكيم بمعنى الحاكم، كما جعله يقص بقوله: {إن هذا ~~القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون} ، وجعله مفتيا في ~~قوله: {قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} أي: ما يتلى عليكم ~~يفتيكم فيهن، وجعله هاديا ومبشرا في قوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات} . # PageV01P103 ### | معنى "التشابه" # وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: {ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ms36 ، وهو الاختلاف المذكور في قوله: ~~{إنكم لفي قول مختلف • يؤفك عنه من أفك} . # فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضا، فإذا أمر ~~بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به، أو بنظيره، أو بملزوماته، ~~وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه، أو عن نظيره، أو عن ~~لوازمه، إذا لم يكن هناك نسخ. # وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته، أو بثبوت ~~ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته، بل ينفيه، أو ينفي لوازمه، بخلاف ~~القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضا، فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى، أو يأمر ~~به وينهى عنه في وقت واحد، أو يفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم ~~الآخر، فالأقوال المختلفة هنا هي المتضادة، والمتشابهة هي المتوافقة. # وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني ~~يوافق بعضها بعضا، ويعضد بعضها بعضا، # PageV01P104 # ويناسب بعضها بعضا، ويشهد بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضا - كان الكلام ~~متشابها، بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضا. # فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام ~~المحكم المتقن يصدق بعضه بعضا، لا يناقض بعضه بعضا. # بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص، فالتشابه الخاص هو مشابهة ~~الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس ~~أنه هو أو هو مثله، وليس كذلك، والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه ~~أحدهما بالآخر. وهذا التشابه إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين مع وجود ~~الفاصل بينهما. ### | [التشابه قد يكون أمرا نسبيا] # ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما، فيكون مشتبها عليه، ومنهم من ~~يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية ~~الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون # PageV01P105 # بعض، ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا ~~اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه ms37 في الدنيا فظن أنه ~~مثله، فعلم العلماء أنه ليس هو مثله، وإن كان مشبها له من بعض الوجوه. # ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق ~~بالباطل، حتى يشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم ~~يشتبه عليه الحق بالباطل. # والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات، لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور ~~بما لا يشبهه فيه، فمن عرف الفصل بين الشيئين اهتدى للفرق الذي يزول به ~~الاشتباه والقياس الفاسد. # PageV01P106 ### | عامة الضلال من جهة التشابه # وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من ~~وجه وافتراق من وجه، ولهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه - والقياس ~~الفاسد لا ينضبط - كما قال الإمام أحمد رحمه الله: أكثر ما يخطئ الناس من ~~جهة التأويل والقياس، فالتأويل في الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة ~~العقلية، وهو كما قال، والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، ~~والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة. ### | مذاهب طوائف ضلت من هذه الجهة # وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى ~~آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود ~~الرب بوجود كل موجود فظنوا أنه هو، فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، ~~مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحدا به، أو حالا ~~فيه من الخالق مع المخلوق. # PageV01P107 # فمن اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوقات - حتى ظنوا وجودها وجوده - ~~فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى ~~«الوجود» فرأوا الوجود واحدا، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد ~~بالنوع. # وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى «الوجود» ، لزم ~~التشبيه والتركيب، فقالوا: لفظ «الوجود» مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما ~~اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم، من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ~~ونحو ذلك من أقسام الموجودات. # وطائفة ظنت أنه إذا كانت ms38 الموجودات تشترك في مسمى «الوجود» لزم أن يكون ~~في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان ~~كليات مطلقة: مثل وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك؛ فخالفوا ~~الحس والعقل والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتا في الأعيان، وهذا كله من ~~أنواع الاشتباه. # PageV01P108 # ومن هداه الله سبحانه فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما ~~بينها من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من ~~الكلام لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم - الفارق الذي يبين ما بينهما من ~~الفصل والافتراق. # وهذا كما أن لفظ «إنا» و «نحن» وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد ~~الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم، الذي له صفات تقوم كل ~~صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له. فإذا تمسك النصراني ~~بقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر} ونحوه على تعدد الآلهة، كان المحكم كقوله: ~~{وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} # PageV01P109 # ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدا - يزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ~~ما ذكره من صيغ الجمع مبينا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة ~~المخلوقات من الملائكة وغيرهم. ### | حقائق الأسماء والصفات من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله # وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود ~~الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمه إلا هو {وما يعلم جنود ربك إلا هو} ، ~~وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. # بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء. فقد علم أنه هو ~~وأعوانه - مثل كاتبه، وحاجبه، وخادمه، ونحو ذلك - أمروا به، وقد يعلم ما ~~صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك. # والله سبحانه وتعالى لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته ~~وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد # PageV01P110 # بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة. # وبهذا يتبين أن التشابه يكون في ms39 الألفاظ المتواطئة، كما يكون في الألفاظ ~~المشتركة التي ليست بمتواطئة، وإن زال الاشتباه بما يميز أحد المعنيين من ~~إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: {فيها أنهار من ماء} فهنا قد خص هذا الماء ~~بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا، لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء ~~غير معلوم لنا، وهو - مع ما أعد الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر - من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. # وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا ~~هو. # PageV01P111 # ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من ~~الذين يحرفون الكلم عن مواضعه - تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير ~~تأويله، كما قال الإمام أحمد في كتابه الذي صنفه «في الرد على الزنادقة ~~والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله» . # وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم ~~معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ~~ولم ينف مطلق التأويل، كما تقدم من أن لفظ «التأويل» يراد به التفسير ~~المبين لمراد الله تعالى به، فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل الحقيقة ~~التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا ~~الموضع. ### | غلط من ينفي التأويل مطلقا # ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله، مثل طائفة يقولون: إن التأويل باطل، وإنه ~~يجب إجراء اللفظ على ظاهره؛ ويحتجون بقوله: # PageV01P112 # {وما يعلم تأويله إلا الله} ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل. # وهذا تناقض منهم، لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلا لا يعلمه إلا الله، ~~وهم ينفون التأويل مطلقا. # وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها ~~إلا هو، وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين ~~يتأولونه على غير تأويله، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير ~~دليل ms40 يوجب ذلك، ويدعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور اللازم ~~فيما أثبتوه بالعقل! ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني التي نفوها عنه! ~~فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقا ممكنا كان المنفي ~~مثله، وإن كان المنفي باطلا ممتنعا كان الثابت مثله. # وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقا، ويحتجون بقوله تعالى: {وما يعلم ~~تأويله إلا الله} قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما ~~لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء. # PageV01P113 # وهذا مع أنه باطل فهو متناقض، لأنا إذا لم نفهم منه شيئا لم يجز أن نقول: ~~له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه، لإمكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك ~~المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم، ~~فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا، ~~ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير، فإن تلك المعاني ~~التي دلت عليها قد لا نكون عارفين بها، ولأنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله ~~المراد فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أول، لأن إشعار اللفظ ~~بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به، فإذا كان اللفظ لا إشعار له ~~بمعنى من المعاني، ولا يفهم منه معنى أصلا، لم يكن مشعرا بما أريد به، فلأن ~~لا يكون مشعرا بما لم يرد به أولى. # PageV01P114 # فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ متأول، بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال ~~الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلا عن أن يقال: إن هذا التأويل لا يعلمه ~~إلا الله، اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف الظاهر المختص بالمخلوقين، ~~فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا فلا بد أن يكون له تأويل يخالف ظاهره. # لكن إذا قال هؤلاء: إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو إنها تجري على ~~المعاني الظاهرة منها، كانوا متناقضين. وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى وهنا ~~معنى في سياق واحد ms41 من غير بيان كان تلبيسا، وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ، ~~أي تجرى على مجرد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل ~~أو إثباته تناقضا، لأن من أثبت تأويلا أو # PageV01P115 # نفاه فقد فهم منه معنى من المعاني. وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من ~~الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب. ### | [القاعدة السادسة - بيان الضابط الذي تعرف به الطرق الصحيحة والباطلة في النفي والإثبات] # القاعدة السادسة - أن لقائل أن يقول: لا بد في هذا الباب من ضابط يعرف به ~~ما يجوز على الله سبحانه وتعالى مما لا يجوز في النفي والإثبات، إذ ~~الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ~~ليس بسديد، وذلك أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز. ### | [خطأ الاعتماد في النفي على مجرد ادعاء التشبيه فيما ينفى] # فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه ~~مماثل له من كل وجه فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو ~~مشارك له في الاسم، لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل ~~على إبطال التشبيه والتماثل، الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز ~~على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له. # PageV01P116 # ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، ~~فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض ~~الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة. # ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسرا بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ~~ذلك المعنى قالوا: إنه مشبه. ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس هو من التشبيه. ### | من شبه المعتزلة أن إثبات الصفات يستلزم تعدد القديم # وقد يفرق بين لفظ «التشبيه» و «التمثيل» ، وذلك أن المعتزلة ونحوهم من ~~نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل، فمن قال: إن ~~لله علما قديما، ms42 أو قدرة قديمة، كان عندهم مشبها ممثلا، لأن «القدم» عند ~~جمهورهم هو أخص وصف الإله، فمن أثبت لله صفة قديمة فقد أثبت له مثلا قديما، ~~ويسمونه ممثلا بهذا الاعتبار. # PageV01P117 ### | جواب المثبتة عن هذه الشبهة # ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه حقيقة ما لا ~~يتصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء ~~قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك. # ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات: إنها قديمة، بل يقول: الرب ~~بصفاته قديم؛ ومنهم من يقول: هو قديم وصفته قديمة، ولا يقول: هو وصفاته ~~قديمان؛ ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة ~~الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة، بل هو ~~من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، ~~فضلا عن أن تختص بالقدم، وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم والصفات متصفة ~~بالقدم وليست الصفات إلها ولا ربا، كما أن النبي محدث وصفاته محدثة، وليست ~~صفاته نبيا. # PageV01P118 # فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم «التشبيه» و «التمثيل» ، كان هذا ~~بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، ثم تقول لهم أولئك: هب أن هذا ~~المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيها، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا ~~سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية. # والقرآن قد نفى مسمى «المثل» و «الكفء» و «الند» ونحو ذلك، ولكن يقولون: ~~الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده، فلا تدخل في النص، ~~وأما العقل فلم ينف مسمى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة. ### | من شبههم أيضا أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم والأجسام متماثلة # وكذلك أيضا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والأجسام متماثلة، ~~فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه. # وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على ~~العرش ms43 وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون: الصفات قد تقوم بما ~~ليس بجسم، وأما العلو على العالم فلا # PageV01P119 # يصح إلا إذا كان جسما، فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسما، وحينئذ ~~فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه. # فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبها، ولا يسمون من أثبت ~~السمع والبصر والكلام ونحوه مشبها، كما يقوله صاحب «الإرشاد» وأمثاله. # وكذلك قد يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من ~~مثبتة الصفات والعلو، لكن هؤلاء قد يجعلون العلو صفة خبرية، كما هو أول ~~قولي القاضي أبى يعلى، فيكون # PageV01P120 # الكلام فيه كالكلام في الوجه، وقد يقولون: إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم، ~~كما يقولونه في سائر الصفات. والعاقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر ~~فيما أثبتوه لا فرق. ### | جواب المثبتة عن هذه الشبهة # وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، والأجسام ~~متماثلة. والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى، وتارة بمنع ~~المقدمة الثانية، وتارة بمنع كلتا المقدمتين، وتارة بالاستفصال. # ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسروا الجسم بما يشار ~~إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهيولي والصورة، ونحو ~~ذلك. فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة على أنها متماثلة، فهذا ~~يبنى على صحة ذلك، وعلى # PageV01P121 # إثبات الجواهر المفردة وعلى أنها متماثلة. وجمهور العقلاء يخالفونهم في ~~ذلك. # والمقصود أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيما بناء على تماثل ~~الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم، كإطلاق الرافضة «للنصب» على من ~~تولى أبا بكر وعمر رضي الله # PageV01P122 # عنهما، بناء على أن من أحبهما فقد أبغض عليا رضي الله عنه، ومن أبغضه فهو ~~ناصبي؛ وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأول. # ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه. وأكثر ~~العقلاء على خلاف ذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينا ~~فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفى ذلك، وبينا فساد قول من يقول ~~بتماثلها. # وأيضا، فالاعتماد ms44 بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل، وذلك أنه إذا ~~أثبت تماثل الأجسام فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم، ~~وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم، وثبت امتناع الجسم، كان هذا وحده كافيا في ~~نفي ذلك، لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى «التشبيه» ، لكن نفي الجسم يكون ~~مبنيا على نفي هذا التشبيه، بأن يقال: لو ثبت له كذا وكذا لكان جسما، ثم ~~يقال: والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكها فيما يجب ويجوز # PageV01P123 # ويمتنع، وهذا ممتنع عليه. لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدا في ~~نفي التشبيه على نفي التجسيم، فيكون أصل نفيه نفي الجسم، وهذا مسلك آخر ~~سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. ### | الطريق الصحيحة في النفي تتناول: 1- نفي النقص # وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفى على مجرد نفي التشبيه ~~لا يفيد، إذ ما من شيئين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه، بخلاف ~~الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك مما هو سبحانه وتعالى مقدس عنه، ~~فإن هذه طريقة صحيحة. ### | 2- نفي المثل في صفات الكمال # وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال، ونفي مماثلة غيره له فيها، فإن هذا نفي ~~المماثلة فيما هو مستحق له، وهذا حقيقة التوحيد، وهو أن لا يشركه شيء من ~~الأشياء فيما هو من خصائصه. وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه ~~لا يماثله فيه أحد، ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف به نفسه ~~من الصفات، ونفي مماثلته لشيء من المخلوقات. # PageV01P124 ### | اعتراض # فإن قيل: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك ~~الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه. ### | الجواب عنه # قيل: هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ~~ما يمتنع على الرب سبحانه وتعالى، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعا؛ كما ~~إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض المخلوقات حيا عليما ms45 ~~سميعا بصيرا، فإذا قيل: يلزم أن يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه ~~موجودا حيا عليما سميعا بصيرا. قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا على ~~الرب تعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثا، ولا إمكانا، ولا نقصا، ولا شيئا مما ~~ينافي صفات الربوبية. # وذلك أن القدر المشترك هو مسمى «الوجود» أو «الموجود» ، أو «الحياة» أو ~~«الحي» ، أو «العلم» أو «العليم» ، # PageV01P125 # أو «السمع» و «البصر» أو «السميع» و «البصير» ، أو «القدرة» أو «القدير» ~~، والقدر المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما ~~اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما ~~يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه. # فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال: كالوجود والحياة ~~والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا ~~يدل على شيء من خصائص الخالق - لم يكن في إثبات هذا محذور أصلا، بل إثبات ~~هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لا بد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا ~~لزمه تعطيل وجود كل موجود. # ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم # PageV01P126 # معطلة، وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئا، وربما قالت الجهمية: هو شيء لا ~~كالأشياء، فإذا نفى القدر المشترك مطلقا لزم التعطيل التام. # والمعاني التي يوصف بها الرب سبحانه وتعالى، كالحياة والعلم والقدرة، بل ~~الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، تجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم يقتضي ~~ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك ~~أصلا، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، ~~والله سبحانه وتعالى منزه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه. ### | معنى "القدر المشترك بين الأشياء" # وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له ~~غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد # PageV01P127 # بسط هذا في مواضع كثيرة، وبين فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في ~~الخارج ms46 إلا معينا مقيدا، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو ~~تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أن ~~الموجودات في الخارج يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود ~~متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله. ### | عدم فهم هذا المعنى يوقع في الغلط والتناقض # ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس يتناقض في هذا المقام، فتارة يظن ~~أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك له حجة فيما يظن ~~نفيه من الصفات، حذرا من ملزومات التشبيه؛ وتارة يتفطن أنه لا بد من إثبات ~~هذا على كل تقدير، فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة. ### | أمثلة ذلك # ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ~~ماهيته، أو زائد على ماهيته؛ وهل لفظ «الوجود» # PageV01P128 # مقول بالاشتراك اللفظي، أو بالتواطئ، أو التشكيك، كما وقع الاشتباه في ~~إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟، وفي وجود ~~الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟. # وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارة يقول ~~أحدهم القولين المتناقضين، ويحكى عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة يبقى في ~~الشك والتحير، وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه ~~والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة، ما لا تتسع له هذه الجمل ~~المختصرة. # وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في ~~الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن ~~لفظ «الوجود» كلفظ # PageV01P129 # «الذات» و «الشيء» و «الماهية» و «الحقيقة» ونحو ذلك، وهذه الألفاظ كلها ~~متواطئة، وإذا قيل: إنها مشككة، لتفاضل معانيها، فالمشكك نوع من المتواطئ ~~العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى ~~متفاضلا في موارده، أو متماثلا. # PageV01P130 # وبينا أن المعدوم شيء أيضا في العلم والذهن، لا في الخارج، فلا فرق بين ~~الثبوت والوجود، ms47 لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في ~~العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به. # وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، ~~وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، وصفاتها القائمة بها المعينة، ~~فتتشابه بذلك وتختلف به. # وأما هذه الجمل المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، ~~من فهمها علم قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم ~~بسطها وشرحها له مقام آخر، إذ لكل مقام مقال. # والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب، وينزه ~~عنه - كما يفعله كثير من المصنفين - خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي ~~الباطلة. # PageV01P131 ### | ### | فصل # ### | [الاحتجاج على نفي النقائص بنفي التجسيم أو التحيز لا يحصل المقصود لوجوه:] # وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما ~~يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن ~~والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على ~~الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه ~~الله. # فإن كثيرا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم أو التحيز ونحو ذلك، ~~ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسما أو متحيزا، وذلك ممتنع. # وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة، نفاة الأسماء والصفات، ~~فإن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوه: # PageV01P132 # أحدها - أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادا في العقل ~~والدين من نفي التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ~~ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معرف ~~للمدلول، ومبين له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفى، كما لا ~~يفعل مثل ذلك في الحدود. # الوجه الثاني - أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات يمكنهم أن يقولوا: نحن ~~لا نقول بالتجسيم والتحيز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير ms48 ~~نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال ~~وصفات النقص واحدا، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في ~~غاية الفساد. # الثالث - أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات ~~الكمال واجب، ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلا على فساد هذه الطريقة. # PageV01P133 # الرابع - أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئا منهم ألزمه ~~الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئا منهم ألزمه الآخر ~~بما يوافقه فيه من النفي، فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام ~~والسمع والبصر، إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم، لأن هذه الصفات ~~أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفا بالصفات إلا جسما - ~~قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، ~~وأنتم لا تعلمون موجودا حيا عالما قادرا إلا جسما، فقد أثبتموه على خلاف ما ~~علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيا عالما قادرا، بلا حياة ولا ~~علم ولا قدرة، وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل. # ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب # PageV01P134 # ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد ~~ونحو ذلك - إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم، لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ~~ما هو جسم، قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة ~~والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم ~~فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق ~~بينهما تفريق بين المتماثلين. # ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقا ~~فاسدا - لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله ~~تعالى بالجسم لا نفيا ولا إثباتا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها ~~عبارات مجملة لا تحق حقا ولا تبطل باطلا، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما ~~أنكره على اليهود # PageV01P135 # وغيرهم من الكفار، ما ms49 هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتدع، ~~الذي أنكره السلف والأئمة. ### | فصل ### | [خطأ الاكتفاء في الإثبات بمجرد نفي التشبيه فيما يثبت] # وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي ~~التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف الله سبحانه ~~وتعالى من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي ~~التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، كما لو وصفه ~~مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال ~~المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ~~ولاحزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ~~ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ~~ويدان لا # PageV01P136 # كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله عز ~~وجل عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما ~~الفرق بين هذا وبين ما أثبته، إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه ~~كافيا في الإثبات، فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر. ### | خطأ الاعتماد في النفي على عدم مجيء السمع # فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم ~~يجئ به السمع. # قيل له: أولا السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر ~~به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ~~ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن ~~يكون ثابتا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن قد نفاه، ومعلوم ~~أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلا بد من ذكر ما # PageV01P137 # ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما ms50 لا يجوز إثباتها. # وأيضا، فلا بد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه، فإن الأمور ~~المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز ~~والوجوب والامتناع، فلا بد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه بالنفي، ~~ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت. # وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لا بد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله ~~تعالى، كما أنه لا بد من أمر يثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيا كان ~~مخبرا عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟ ### | السمع والعقل يثبتان لله صفات الكمال وينفيان عنه: ### $ 1- ما ضاد صفات كماله] # فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد ~~الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم ~~واجب القدم - علم امتناع العدم # PageV01P138 # والحدوث عليه، وعلم أنه غني عما سواه، فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما ~~يحتاج إليه نفسه ليس هو موجودا بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما ~~تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا به، وهو سبحانه وتعالى غني عن كل ما سواه، ~~فكل ما نافى غناه فهو منزه عنه، وهو سبحانه وتعالى قدير قوي فكل ما نافى ~~قدرته وقوته فهو منزه عنه، وهو سبحانه حي قيوم فكل ما نافى حياته وقيوميته ~~فهو منزه عنه. ### | 2- أن يكون له مثل أو كفؤ في مخلوقاته # وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، ~~فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفؤ، فإن إثبات الشيء ~~نفي لضده ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك، كما يعرف إثبات ضده، ~~فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه. # PageV01P139 # فطرق العلم بنفي ما ينزه الرب عنه متسعة، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على ~~مجرد نفي التشبيه والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا ms51 في ~~ذلك وفرقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئا احتج عليه من نفاه بأنه ~~يستلزم التشبيه. # وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، فقالوا: لا ~~يقال موجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي، لأن ذلك تشبيه بالموجود أو ~~المعدوم. فلزم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعا، ثم إن هؤلاء يلزمهم ~~من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم مما فروا منه من التشبيه ~~بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج ~~إلى هذا. # وقد تقدم أن ما ينفى عنه سبحانه وتعالى - ينفى # PageV01P140 # لتضمن النفي الإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم ~~يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحا له، لأن مشابهة ~~الناقص في صفات النقص نقص مطلق، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات ~~تمثيل وتشبيه، ينزه عنه الرب تبارك وتعالى. # والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد علم أنه حي والموت ضد ذلك فهو منزه ~~عنه، وكذلك النوم والسنة ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، كذلك اللغوب ~~نقص في القدرة والقوة، والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى ~~موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك يتضمن الافتقار ~~إليه والاحتياج إليه، وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته أو # PageV01P141 # أفعاله فهو مفتقر إليه ليس مستغنيا بنفسه، فكيف من يأكل ويشرب، والآكل ~~والشارب أجوف، والمصمت الصمد أكمل من الآكل الشارب، ولهذا كانت الملائكة ~~صمدا لا تأكل ولا تشرب. # وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ~~فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك. والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله: {الله ~~الصمد} والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب. وهذه السورة هي نسب ~~الرحمن، # PageV01P142 # وهي الأصل في هذا الباب. وقال في حق المسيح وأمه: {ما المسيح بن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ms52 كانا يأكلان الطعام} فجعل ذلك دليلا ~~على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى. # والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك ~~منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنها # PageV01P143 # للعمل والفعل، وهو سبحانه وتعالى موصوف بالعمل والفعل، إذ ذلك من صفات ~~الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل. # وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء ~~والحزن هو مستلزم للضعف والعجز، الذي ينزه الله عنه، بخلاف الفرح والغضب ~~فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، ~~وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون ~~البكم - فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك. # وأيضا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه لا كفؤ له، ولا سمي ~~له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون # PageV01P144 # حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من ~~صفات المخلوقات، فيعلم قطعا أنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة ولا ~~السموات ولا الكواكب، ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض، ولا الآدميين ولا ~~أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك، بل يعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من ~~الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة ~~حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر. # فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب ~~لها ما وجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها فيلزم أن يجوز على الخالق ~~القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدث المخلوق من العدم والحاجة، وأن ~~يثبت لهذا ما يثبت لذاك من الوجوب والغنى، فيكون الشيء الواحد واجبا بنفسه ~~غير واجب # PageV01P145 # بنفسه، موجودا معدوما، وذلك جمع بين النقيضين. # وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي ~~ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. ### | نتيجة هذه القاعدة # وليس المقصود هنا استيفاء ms53 ما يثبت له، وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك، ~~لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك ~~وطرقه، وما سكت عنه السمع نفيا وإثباتا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ~~ينفيه سكتنا عنه فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما ~~علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | القاعدة السابعة - دلالة العقل على كثير مما دل عليه السمع # القاعدة السابعة - أن يقال: إن كثيرا مما دل عليه السمع يعلم بالعقل ~~أيضا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل، ويرشد إليه، # PageV01P146 # وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع؛ فإنه سبحانه وتعالى بين من ~~الآيات الدالة عليه، وعلى وحدانيته، وقدرته، وعلمه وغير ذلك، ما أرشد ~~العباد إليه ودلهم عليه، كما بين أيضا ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على ~~المعاد وإمكانه. # فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها، ومن جهة أنه ~~بين الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها. # - والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع - # وهي أيضا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضا. ### | فساد دلائل المتكلمين # وكثير من أهل الكلام يسمي هذه «الأصول العقلية» لاعتقاده أنها لا تعلم ~~إلا بالعقل فقط؛ فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق وخبر الصادق - الذي هو ~~النبي - لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل. # ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها: # فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن ~~إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل. # PageV01P147 # وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول، وأن العلم بالصانع لا يمكن ~~إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يعلم ~~إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال ~~الرب، ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا ms54 بها. # ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم، لظنهم أن ~~العقل عارض السمع - وهو أصله - فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يؤول، وإما ~~أن يفوض. # وهم أيضا عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم، ~~لما تقدم. # وهؤلاء يضلون من وجوه: # منها ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة، وليس الأمر كذلك، بل القرآن بين من ~~الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام ~~أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية. # ومنها ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها، وهم ~~مخطئون قطعا في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، # PageV01P148 # فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع. # ومنها ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة. # ومنها ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك، ~~فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا ~~من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. ### | من صفات الله ما يعلم بالعقل # والمقصود هنا أن من صفات الله تعالى ما قد يعلم بالعقل، كما يعلم أنه ~~عالم، وأنه قادر، وأنه حي، كما أرشد إلى ذلك قوله: {ألا يعلم من خلق} . # وقد اتفق النظار من مثبتة الصفات على أنه يعلم بالعقل - عند المحققين - ~~أنه حي عليم قدير مريد، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند ~~المحققين منهم. # بل وكذلك الحب والرضا والغضب يمكن إثباته بالعقل. # وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يعلم بالعقل، كما # PageV01P149 # أثبتته بذلك الأئمة مثل أحمد بن حنبل وغيره، ومثل عبد العزيز المكي وعبد ~~الله بن سعيد بن كلاب. # بل وكذلك إمكان الرؤية يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح ~~رؤيته، ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من ~~تلك. # وقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين، بتقسيم دائر بين النفي ~~والإثبات، كما ms55 يقال: إن الرؤية لا تتوقف إلا على أمور وجودية، فإن ما لا ~~يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود # PageV01P150 # الواجب القديم أحق به من الممكن المحدث. والكلام على هذه الأمور مبسوط في ~~غير هذا الموضع. ### | من الطرق العقلية في إثبات الصفات أنه سبحانه لو لم يوصف بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم وصفه بالأخرى # والمقصود هنا أن من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظار السنة ~~في هذا الباب - أنه لو لم يكن موصوفا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم ~~اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالقدرة ~~لوصف بالعجز، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس ~~والبكم. # وطرد ذلك أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلا فيه، فسلب إحدى ~~الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص ينزه عنها ~~الكامل من المخلوقات فتنزيه الخالق عنها أولى. ### | طريقة أخرى في إثبات الصفات # وهذه الطريق غير قولنا: إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أولى، ~~فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها. ### | اعتراض على الطريقة الأولى # وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على ~~الناس، حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ويضعف الإثبات به، مثل ما فعل ~~من فعل ذلك من النظار حتى الآمدي وأمثاله، مع أنه أصل قول القرامطة ~~الباطنية وأمثالهم من الجهمية. # PageV01P151 # فقالوا: «القول بأنه لو لم يكن متصفا بهذه الصفات، كالسمع والبصر ~~والكلام، مع كونه حيا لكان متصفا بما يقابلها - فالتحقيق فيه متوقف على ~~بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامهما. # فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، وهو إما ~~أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين. # فالأول هما المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض هو ~~اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب ~~لذاتيهما كقولنا: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، ومن ms56 خاصيته استحالة اجتماع # PageV01P152 # طرفيه في الصدق والكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد ~~الطرفين إلى الآخر. # PageV01P153 # .. من جهة واحدة، ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون ~~الموجود واجبا بنفسه وممكنا بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان. # فإذا جعلتم هذا التقسيم، وهما النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان، فهذان ~~لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس هما السلب والإيجاب، فلا يصح حصر النقيضين ~~اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان في السلب والإيجاب. # وحينئذ فقد ثبت وصفان: شيئان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهو خارج عن ~~الأقسام الأربعة. # وعلى هذا فمن جعل الموت معنى وجوديا فقد يقول: إن كون الشيء لا يخلو من ~~الحياة والموت هو من هذا الباب. # PageV01P154 # وكذلك العلم والجهل، والصمم، والبكم، ونحو ذلك. # الوجه الثاني - أن يقال: هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في ~~السلب والإيجاب، وغايته أنه نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين، ~~وإنما هو نوع منه. # فإن قال: أعني بالسلب والإيجاب ما لا يدخل فيه العدم والملكة، وهو أن ~~يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له، ولهذا جعل من خواصه أنه لا استحالة لأحد ~~طرفيه إلى الآخر. # قيل له: عن هذا جوابان: # أحدهما - أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين، أحدهما: سلب ما يمكن ~~اتصاف الشيء به، والثاني: سلب ما لا يمكن اتصافه به. # ويقابل الأول إثبات ما يمكن اتصافه ولا يجب، والثاني إثبات ما يجب اتصافه ~~به، فيكون المراد به سلب الممتنع وإثبات الواجب، كقولنا: زيد حيوان، فإن ~~هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر، فإن هذا سلب ممتنع. # وعلى هذا التقدير، فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم، # PageV01P155 # كقولنا: المثلث إما موجود وإما معدوم، يكون من قسم العدم والملكة، وليس ~~كذلك، فإن ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعا، ولا ~~يخلو شيء من الممكنات عن الوجود والعدم. # وأيضا فإنه على هذا التقدير، فصفات الرب كلها واجبة له، فإذا قيل: إما أن ~~يكون حيا أو عليما أو سميعا أو بصيرا أو متكلما، أو لا يكون ms57 - كان مثل ~~قولنا: إما أن يكون موجودا وإما أن لا يكون، وهذا متقابل تقابل السلب ~~والإيجاب، فيكون الآخر مثله، وبهذا يحصل المقصود. # فإن قيل: هذا لا يصح حتى يعلم إمكان قبوله لهذه الصفات. # قيل له: هذا إنما اشترط فيما أمكن أن يثبت له ويزول كالحيوان، فأما الرب ~~تعالى فإنه بتقدير ثبوتها له فهي واجبة، ضرورة أنه لا يمكن اتصافه بها ~~وبعدمها باتفاق العقلاء، فإن ذلك يوجب أن يكون تارة حيا وتارة ميتا، وتارة ~~أصم وتارة سميعا، وهذا يوجب اتصافه بالنقائص، وذلك منتف قطعا. # بخلاف من نفاها، وقال: إن نفيها ليس بنقص، لظنه أنه لا يقبل الاتصاف بها، ~~فإن من قال هذا لا يمكنه أن يقول: إنه مع إمكان الاتصاف بها لا يكون نفيها ~~نقصا. فإن فساد هذا معلوم بالضرورة. # PageV01P156 # وقيل له أيضا: أنت في تقابل السلب والإيجاب، إن اشترطت العلم بإمكان ~~الطرفين لم يصح أن تقول: واجب الوجود إما موجود وإما معدوم، والممتنع ~~الوجود إما موجود وإما معدوم، لأن أحد الطرفين هنا معلوم الوجود، والآخر ~~معلوم الامتناع. # وإن اشترطت العلم بإمكان أحدهما صح أن تقول: إما أن يكون حيا وإما أن لا ~~يكون، وإما أن يكون سميعا بصيرا وإما أن لا يكون، لأن النفي إن كان ممكنا ~~صح التقسيم، وإن كان ممتنعا كان الإثبات واجبا، وحصل المقصود. # فإن قيل: هذا يفيد أن هذا التأويل يقابل السلب والإيجاب ونحن نسلم ذلك، ~~كما ذكر في الاعتراض، لكن غايته أنه إما سميع وإما ليس بسميع، وإما بصير ~~وإما ليس ببصير، والمنازع يختار النفي. # فيقال له: على هذا التقدير فالمثبت واجب، والمسلوب ممتنع، فإما أن تكون ~~هذه الصفات واجبة له، وإما أن تكون ممتنعة عليه، والقول بالامتناع لا وجه ~~له إذ لا دليل عليه بوجه. # بل قد يقال: نحن نعلم بالاضطرار بطلان الامتناع، فإنه لا يمكن أن يستدل ~~على امتناع ذلك إلا بما يستدل به على إبطال أصل الصفات، وقد علم فساد ذلك، ~~وحينئذ فيجب القول بوجوب هذه الصفات له. # PageV01P157 # واعلم أن هذا يمكن ms58 أن يجعل طريقة مستقلة في إثبات صفات الكمال له، فإنها ~~إما واجبة له، وإما ممتنعة عليه، والثاني باطل فتعين الأول، لأن كونه قابلا ~~لها خاليا عنها يقتضي أن يكون ممكنا، وذلك ممتنع في حقه، وهذه طريقة معروفة ~~لمن سلكها من النظار. # الجواب الثاني - أن يقال: فعلى هذا إذا قلنا: زيد إما عاقل وإما غير ~~عاقل، وإما عالم وإما ليس بعالم، وإما حي وإما غير حي، وإما ناطق وإما غير ~~ناطق، وأمثال ذلك مما فيه سلب الصفة عن محل قابل لها، لم يكن هذا داخلا في ~~قسم تقابل السلب والإيجاب. # ومعلوم أن هذا خلاف المعلوم بالضرورة، وخلاف اتفاق العقلاء، وخلاف ما ~~ذكروه في المنطق وغيره. # ومعلوم أن مثل هذه القضايا تتناقض بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق ~~إحداهما كذب الأخرى، فلا يجتمعان في الصدق والكذب، فهذه شروط التناقض ~~موجودة فيها. # وغاية فرقهم أن يقولوا: إذا قلنا: هو إما بصير وإما ليس ببصير، كان ~~إيجابا وسلبا، وإذا قلنا: إما بصير وإما أعمى، كان ملكة وعدما. # وهذا منازعة لفظية، وإلا فالمعنى في الموضعين سواء، فعلم أن ذلك نوع من ~~تقابل السلب والإيجاب، وهذا يبطل قولهم في حد ذلك التقابل: إنه لا استحالة ~~لأحد الطرفين إلى الآخر، فإن الاستحالة هنا ممكنة كإمكانها إذا عبر بلفظ ~~«العمى» . # PageV01P158 # الوجه الثالث - أن يقال: التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن ~~يختلفا بالسلب والإيجاب، وإما أن لا يختلفا بذلك، بل يكونان إيجابين أو ~~سلبين، فالأول هو النقيضان، والثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما، وإما أن ~~لا يمكن، والأول هما الضدان كالسواد والبياض، والثاني هما في معنى النقيضين ~~وإن كانا ثبوتين كالوجوب والإمكان، والحدوث والقدم، والقيام بالنفس والقيام ~~بالغير، والمباينة والمجانبة، ونحو ذلك. # ومعلوم أن الحياة والموت، والصمم والبكم والسمع، ليس مما إذا خلا الموصوف ~~عنهما وصف بوصف ثالث بينهما كالحمرة بين السواد والبياض، فعلم أن الموصوف ~~لا يخلو عن أحدهما فإذا انتفى تعين الآخر. # الوجه الرابع - المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة والعلم والقدرة ~~والكلام ونحوها، ms59 أنقص من المحل الذي يقبل ذلك ويخلو عنها، ولهذا كان الحجر ~~ونحوه أنقص من الحي الأعمى. # وحينئذ فإذا كان البارئ منزها عن نفي هذه الصفات - مع قبوله لها - ~~فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أولى وأحرى، إذ بتقدير قبوله لها يمتنع منع ~~المتقابلين، واتصافه بالنقائص ممتنع، فيجب اتصافه بصفات الكمال، وبتقدير ~~عدم قبوله لا يمكن اتصافه لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص، وهذا أشد ~~امتناعا، فثبت أن اتصافه بذلك ممكن، وأنه واجب له، وهو المطلوب، وهذا في ~~غاية الحسن. # PageV01P159 # الوجه الخامس - أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن ~~اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي، وهو أن يعلم ثبوت ذلك ~~في الخارج، كان هذا باطلا من وجهين: # أحدهما - أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حية ولا ميتة، ~~ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح محض، وإلا [فالعرب] يصفون ~~هذه الجمادات بالموت والصمت. # وقد جاء القرآن بذلك، قال تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون ~~شيئا وهم يخلقون • أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} ، فهذا في ~~الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت. # والعرب تقسم الأرض إلى الحيوان والموتان، قال أهل اللغة: الموتان، ~~بالتحريك: خلاف الحيوان، يقال: اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان، أي: اشتر ~~الأرضين والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب. وقالوا أيضا: الموات: ما لا روح ~~فيه. # PageV01P160 # فإن قيل: فهذا إنما سمي مواتا باعتبار قبوله للحياة، التي هي إحياء ~~الأرض. # قيل: وهذا يقتضي أن الحياة أعم من حياة الحيوان، وأن الجماد يوصف بالحياة ~~إذا كان قابلا للزرع والعمارة. # والخرس ضد النطق، والعرب تقول: لبن أخرس، أي خاثر لا صوت له في الإناء، ~~وسحابة خرساء، ليس فيها رعد ولا برق، وعلم أخرس، إذا لم يسمع له في الجبل ~~صوت صدى، ويقال: كتيبة خرساء، قال أبو عبيد: هي التي صمتت من كثرة الدروع ~~ليس لها قعاقع. # وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت، فإنه يوصف به القادر على النطق إذا تركه، ~~بخلاف الخرس، فإنه عجز عن النطق، ms60 ومع هذا فالعرب تقول: ما له صامت ولا ~~ناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق الإبل والغنم، والصامت من اللبن: ~~الخاثر، والصموت: الدرع التي إذا صبت لم يسمع لها صوت. # ويقولون: دابة عجماء، وخرساء، لما لا ينطق ولا يمكن منه النطق في العادة، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV01P161 # (العجماء جبار) . # وكذلك في العمى، تقول العرب: عمى الموج يعمي عميا إذا رمى القذى والزبد، ~~والأعميان: السيل والجمل الهائج، وعمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله ~~تعالى: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ} . # وهذه الأمثلة قد يقال في بعضها: إنه عدم ما يقبل المحل الاتصاف به ~~كالصوت، ولكن فيها ما لا يقبل كموت الأصنام. # الثاني - أن الجامدات يمكن اتصافها بذلك، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق ~~في الجمادات حياة، كما جعل عصى موسى حية تبلع الحبال والعصي. # PageV01P162 # وإذا كان في إمكان العادات كان ذلك مما قد علم بالتواتر، وأنتم أيضا ~~قائلون به في مواضع كثيرة. # وإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة وتوابع الحياة ثبت أن جميع ~~الموجودات يمكن اتصافها بذلك، فيكون الخالق أولى بهذا الإمكان. # وإن عنيتم الإمكان الذهني، وهو عدم العلم بالامتناع فهذا حاصل في حق ~~الله، فإنه لا يعلم امتناع اتصافه بالسمع والبصر والكلام. # الوجه السادس - أن يقال: هب أنه لا بد من العلم بالإمكان الخارجي، فإمكان ~~الوصف للشيء يعلم تارة بوجوده له، أو بوجوده لنظيره، أو بوجوده لما هو ~~الشيء أولى بذلك منه. # ومعلوم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ثابتة للموجودات ~~المخلوقة، وممكنة لها، فإمكانها للخالق تعالى أولى وأحرى، فإنها صفات كمال، ~~وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في حقه فلو لم يتصف بها لاتصف ~~بأضدادها. # الوجه السابع - أن يقال: مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته، سواء سميت عمى ~~وصمما وبكما، أو لم تسم، والعلم بذلك ضروري، فإنا إذا قدرنا موجودين، ~~أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم، # PageV01P163 # والآخر ليس كذلك - كان الأول أكمل من الثاني. # ولهذا عاب الله سبحانه من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات، فقال تعالى عن ~~إبراهيم ms61 الخليل: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} ، ~~وقال أيضا في قصته: {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} ، وقال تعالى عنه: {هل ~~يسمعونكم إذ تدعون • أو ينفعونكم أو يضرون • قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون • قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون • أنتم وآباؤكم الأقدمون • فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين} . # وكذلك في قصة موسى في العجل: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ~~اتخذوه وكانوا ظالمين} ، وقال تعالى: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا ~~يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} ، فقابل بين الأبكم العاجز وبين الآمر ~~بالعدل الذي هو على صراط مستقيم. # PageV01P164 ### | فصل ### | الأصل الثاني - توحيد العبادة الواجب في شرع الله وقدره اعتقادا # وأما الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع ~~والقدر جميعا - فنقول: إنه لا بد من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان ~~بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما سيكون قبل أن ~~يكون، وقدر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: {ألم تعلم أن الله ~~يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} ، وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق ~~قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) . # PageV01P165 # ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن ~~والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه. ### | العبادة تتضمن كمال الذل والحب وذلك يتضمن كمال الطاعة # وعبادته تتضمن كمال الذل له والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته، ومن يطع ~~الرسول فقد أطاع الله، وقد قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله} ، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ms62 يحببكم الله ويغفر ~~لكم ذنوبكم} . ### | دين الأنبياء واحد وهو الإسلام # وقد قال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون} ، وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون} ، وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما # PageV01P166 # تدعوهم إليه} ، وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا إني بما تعملون عليم • وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} ، ~~فأمر الرسل بإقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه، ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء ~~إخوة لعلات، وأنا أولى الناس بابن مريم، لأنه ليس بيني وبينه نبي) . # PageV01P167 # وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ~~ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ~~{واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون • فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا ~~على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} ، وقال عن إبراهيم: {ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين • إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين • ووصى بها إبراهيم ~~بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، ~~وقال عن موسى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين} ، وقال في خبر المسيح: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} ، وقال فيمن تقدم من # PageV01P168 # الأنبياء: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ms63 هادوا} ، وقال عن بلقيس ~~أنها قالت: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} . ### | معنى الإسلام # فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن ~~لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، ~~والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده. # وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل ~~وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ~~ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلا في دين ~~الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور ~~الفعل وهو وجهة المصلي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة # PageV01P169 # والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا، كما لم ~~يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد. ### | أول الرسل يبشر بآخرهم وآخرهم يصدق بأولهم # والله تعالى جعل من دين الرسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم ~~يصدق بأولهم ويؤمن به، قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} ، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن ~~بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن ~~بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. # PageV01P170 # وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} . ### | تلازم الإيمان بالرسل # وجعل الإيمان بهم متلازما، وكفر من قال: إنه آمن ببعض وكفر ببعض، قال ~~تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا ms64 بين ذلك سبيلا • أولئك هم ~~الكافرون حقا} ، وقال تعالى {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء ~~من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد ~~العذاب وما الله بغافل عما تعملون} ، وقد قال لنا: {قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي ~~موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ~~• فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن # PageV01P171 # تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} فأمرنا أن ~~نقول آمنا بهذا كله ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا، بل يكون كافرا، وإن زعم ~~أنه مسلم أو مؤمن. ### | كفر من بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقر بها # كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى: {ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين} قالت اليهود والنصارى: فنحن مسلمون، فأنزل ~~الله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فقالوا: لا نحج، ~~فقال تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} . # فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بالإقرار بما له على عباده من حج البيت، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله, وإقام # PageV01P172 # الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وحج البيت) ، ولهذا لما وقف النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعرفة أنزل الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} . ### | الإسلام خاص وعام # وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو ~~نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~المتضمن لشريعة القرآن - ليس عليه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول ms65 هذا، وأما الإسلام العام، المتناول لكل ~~شريعة بعث # PageV01P173 # الله بها نبيا من الأنبياء - فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من ~~الأنبياء. ### | بعث الرسل بالدعوة إلى توحيد العبادة # ورأس الإسلام مطلقا شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل، ~~كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} ، وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون} ، وقال تعالى عن الخليل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه ~~وقومه إنني براء مما تعبدون • إلا الذي فطرني فإنه سيهدين • وجعلها كلمة ~~باقية في عقبه لعلهم يرجعون} وقال تعالى عنه: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ~~• أنتم وآباؤكم الأقدمون • فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} ، وقال تعالى: ~~{قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} ، وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من # PageV01P174 # رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ، وذكر عن رسله: كنوح وهود ~~وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ، وقال ~~عن أهل الكهف: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى • وربطنا على قلوبهم إذ ~~قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا ~~شططا • هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا} ، وقد قال سبحانه وتعالى: {إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ذكر ذلك في موضعين من كتابه. # وقد بين في كتابه الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب، ~~والشرك بالأصنام - وأصل الشرك، الشرك بالشيطان - فقال عن النصارى: {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقال تعالى: # PageV01P175 # {وإذ قال الله يا عيسى ms66 بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب • ما قلت لهم إلا ~~ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} ، وقال تعالى: {ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون • ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} ، فبين # أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر. ### | إقرار عامة المشركين بتوحيد الربوبية # ومعلوم أن أحدا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو ~~المسيح بن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من ~~الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد ~~من بني آدم إلها مساويا لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرون ~~بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم مقرون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكا أو ~~نبيا # PageV01P176 # أو كوكبا أو صنما، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك ~~لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالتوحيد، فقال: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة ~~لك والملك، لا شريك لك) . # وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل ~~والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق ~~جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع # PageV01P177 # الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية، الذين يقولون بالأصلين: ~~النور والظلمة، وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم في ~~الظلمة قولين: أحدهما أنها محدثة، فتكون من جملة المخلوقات له، والثاني ~~أنها قديمة، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ms67 ناقصة في ذاتها وصفاتها ~~ومفعولاتها عن النور. # وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق ~~المخلوقات ما بينه في كتابه، فقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل ~~هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون} ، وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون • سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون • قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم • سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون • قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه # PageV01P178 # إن كنتم تعلمون • سيقولون لله قل فأنى تسحرون} إلى قوله: {ما اتخذ الله ~~من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ~~سبحان الله عما يصفون} وقد قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون} . ### | توحيد المتكلمين # وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى «التوحيد» ، فإن عامة ~~المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر - غايتهم أن يجعلوا ~~التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته ~~لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو ~~الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك ~~بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد # PageV01P179 # المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى ~~الإلهية القدرة على الاختراع. ### | بيان غلطهم: ### $ 1- قولهم: هو واحد في أفعاله لا شريك له] # ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~أولا - لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، ~~حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون. # PageV01P180 # وقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن ms68 غاية ما ~~يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله، كالقدرية وغيرهم، ~~لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم ~~خالقوا أفعالهم. # وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض ~~الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا ~~يقولون إنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق. # فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، ~~والكلام الآن مع المشركين بالله المقرين بوجوده، فإذا هذا التوحيد الذي ~~قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت ~~بالكتاب والسنة # PageV01P181 # والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام. ### | 2- قولهم: هو واحد في صفاته لا شبيه له # وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته، فإنه ليس في الأمم ~~من أثبت قديما مماثلا له في ذاته سواء قال: إنه مشاركه، أو قال: إنه لا فعل ~~له، بل من شبه به شيئا من مخلوقاته فإنما يشبهه به في بعض الأمور. # وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات، يشاركه فيما يجب أو ~~يجوز أو يمتنع، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعلم أيضا ~~بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد بينهما من قدر مشترك، ~~كاتفاقهما في مسمى «الوجود» و «القيام بالنفس» و «الذات» ونحو ذلك، وأن نفي ~~ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لا بد من إثبات خصائص الربوبية. وقد تقدم ~~الكلام على ذلك. ### | التوحيد عند أصناف الجهمية # ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى «التوحيد» ، ~~فصار من قال: إن لله علما أو قدرة، أو إنه # PageV01P182 # يرى في الآخرة، أو إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق - يقولون: إنه ~~مشبه ليس بموحد. # وزاد عليهم غلاة الجهمية والفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، ~~وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم، فهو مشبه ليس بموحد. # وزاد غلاة الغلاة، وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات، لأن ms69 في كل منهما ~~تشبيها له. # وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه ~~بالممتنعات والمعدومات والجمادات فرارا من تشبيههم - بزعمهم - له بالأحياء. # PageV01P183 # ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق ~~أصلا، وهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات ~~الذات إثبات مماثلة للذوات لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك. ~~فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيدا، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ~~ويسمون نفوسهم «الموحدين» . ### | 3- قولهم: هو واحد في ذاته لا قسيم له # وكذلك النوع الثالث، وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو لا جزء ~~له، أو لا بعض له - لفظ مجمل، فإن الله سبحانه وتعالى أحد صمد لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد، فيمتنع أن يتفرق، أو يتجزأ، أو يكون قد ركب من ~~أجزاء، # PageV01P184 # لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه ~~عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من ~~التوحيد. # فقد تبين أن ما يسمونه «توحيدا» فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل، ولو كان ~~جميعه حقا، فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا فيه من الشرك الذي ~~وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لا ~~بد أن يعترفوا بأنه لا إله إلا الله. ### | معنى "الإله" # وليس المراد «بالإله» هو القادر على الاختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة ~~المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله ~~هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أنه لا إله إلا هو، فإن المشركين ~~كانوا يقرون بهذا وهم # PageV01P185 # مشركون كما تقدم بيانه. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد فهو إله ~~بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آله. والتوحيد أن ms70 يعبد الله وحده لا شريك له، ~~والإشراك أن يجعل مع الله إلها آخر. ### | توحيد الصوفية # وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار، أهل الإثبات للقدر، المنتسبون ~~إلى السنة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون ~~كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون - فكذلك طوائف من أهل التصوف، المنتسبين ~~إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا # PageV01P186 # التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا سيما إذا غاب ~~العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في ~~فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل. فهذا عندهم هو ~~الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من ~~التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلما، فضلا عن أن يكون وليا ~~لله أو من سادات الأولياء. # وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقرون هذا التوحيد مع # PageV01P187 # إثبات الصفات، فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم المبائن ~~لمخلوقاته. # وآخرون يضمون هذا إلى نفي الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا. وهذا شر من ~~حال كثير من المشركين. ### | إشارات إلى مواقع بعض الرجال والفرق وقربها وبعدها من الحق # وكان جهم ينفي الصفات، ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت ~~الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فارق # PageV01P188 # المشركين من هذا الوجه، لكن جهما ومن اتبعه يقول بالإرجاء، # PageV01P189 # فيضعف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده. # والنجارية والضرارية وغيرهم يقربون من جهم في مسائل # PageV01P190 # القدر والإيمان، مع مقاربتهم له أيضا في نفي الصفات. # والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله ~~الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، كما فصلت ~~أقوالهم في غير هذا الموضع. وأما في باب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام ~~فأقوالهم متقاربة. # والكلابية هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، الذي سلك الأشعرى ~~خلفه، وأصحاب ابن كلاب، # PageV01P191 # كالحارث المحاسبي وأبى العباس القلانسي ونحوهما - خير ms71 من الأشعرية في هذا ~~وهذا، فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل. # والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه # PageV01P192 # أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وان كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون ~~المنافق مؤمنا، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم. ~~وأما في الصفات والقدر، والوعد والوعيد، فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام ~~التي في أقوالها مخالفة للسنة. # وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، ~~فهم وإن عظموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغلو فيه، فهم يكذبون بالقدر، ~~ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب. # والإقرار بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع إنكار القدر، خير من الإقرار ~~بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولهذا لم يكن في زمن الصحابة ~~والتابعين من ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم ~~القدرية، كما نبغ فيهم الخوارج # PageV01P193 # الحرورية، وإنما يظهر من البدع أولا ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور ~~النبوة قويت البدعة. # PageV01P194 # فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية، مع إعراضهم عن الأمر ~~والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يشبهون بالمجوس، وهؤلاء ~~يشبهون بالمشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء} ، والمشركون شر من المجوس. ### | أصل الإسلام الشهادتان # فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل ~~الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله. # وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين، أو أحدهما، مع ~~ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله ~~رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه ~~لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدا رسول الله، فيجب ~~تصديقه فيما # PageV01P195 # أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين. ### | معنى شهادة أن ms72 لا إله إلا الله # الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه سبحانه وتعالى أخبر عن المشركين - كما ~~تقدم - بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء من دون ~~الله تعالى، قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} ، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا ~~هؤلاء الشفعاء مشركون، وقال تعالى عن مؤمن يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~وإليه ترجعون • أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا ولا ينقذون • إني إذا لفي ضلال مبين • إني آمنت بربكم فاسمعون} ، وقال ~~تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما # PageV01P196 # خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} ، ~~فأخبر سبحانه عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء، وقال تعالى: {أم ~~اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون • قل ~~لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون} ، وقال تعالى: ~~{ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} ، وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} . # وقد قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ، وقال تعالى: {وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون • لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون • يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من # PageV01P197 # خشيته مشفقون} ، وقال تعالى: {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} ، وقال تعالى: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير • ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له} . # وقد قال تعالى: {قل ms73 ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا • أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} ، قالت طائفة من السلف: كان ~~أقوام يدعون عزيرا والمسيح والملائكة، فأنزل الله تعالى هذه الآية بين فيها ~~أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه. # PageV01P198 ### | من تحقيق هذه الشهادة إفراد الله بجميع أنواع العبادة # ومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقا لا يشركه فيه ~~مخلوق، كالعبادة والتوكل والخوف والخشية والتقوى، قال تعالى: {لا تجعل مع ~~الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} ، وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين • ألا لله الدين الخالص} ، وقال تعالى: ~~{قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} ، وقال تعالى: {قل أفغير الله ~~تأمروني أعبد أيها الجاهلون • ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين • بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} وكل من ~~أرسل من الرسل يقول لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} . # PageV01P199 # وقد قال تعالى في التوكل: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} ، {وعلى ~~الله فليتوكل المتوكلون} وقال تعالى: {قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} ~~، وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله # سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} ، فقال في الإيتاء: ~~{ما آتاهم الله ورسوله} ، وقال في التوكل: {وقالوا حسبنا الله} ولم يقل: ~~ورسوله، لأن الإيتاء هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي ~~بلغه الرسول، فإن الحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، قال ~~تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} . وأما الحسب فهو ~~الكافي، والله وحده كاف عبده، كما قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم # PageV01P200 # فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} ، فهو وحده حسبهم كلهم. # وقال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك ms74 من المؤمنين} أي حسبك ~~وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم. وليس المراد أن الله ~~والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين، إذ هو وحده كاف نبيه وهو حسبه، ليس ~~معه من يكون هو وإياه حسبا للرسول. وهذا في اللغة كقول الشاعر: # فحسبك والضحاك سيف مهند # وتقول العرب: حسبك وزيدا درهم، أي يكفيك وزيدا جميعا درهم. # PageV01P201 # وقال في الخوف والخشية والتقوى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون} فأثبت الطاعة لله وللرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله ~~وحده، كما قال نوح عليه السلام: {إني لكم نذير مبين • أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون} فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه ~~من يطع الرسول فقد أطاع الله. # وقال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} وقال ~~تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} وقال الخليل عليه السلام: ~~{وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} قال الله # PageV01P202 # تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون} . # وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ~~ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد ~~الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم} ) ، وقال تعالى: {وإياي # PageV01P203 # فارهبون} ، {وإياي فاتقون} . # ومن هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: (من يطع ~~الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا) ~~، وقال: (لا تقولوا: # PageV01P204 # ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد) . ففي ~~الطاعة قرن اسم الرسول باسمه بحرف «الواو» ، وفي # PageV01P205 # المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف «ثم» ، وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله، فمن ~~يطع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله ms75 طاعة للرسول. بخلاف المشيئة، فليست ~~مشيئة أحد من العباد مشيئة لله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد، بل ~~ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إلا أن يشاء الله. ### | معنى شهادة أن محمدا رسول الله # الأصل الثاني: حق الرسول صلى الله عليه وسلم، فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ~~ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك، قال تعالى: {من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله} ، وقال تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه إن # PageV01P206 # كانوا مؤمنين} ، وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ، ~~وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وأمثال ذلك. ### | فصل # إذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره: بقضائه وشرعه. ### | مذاهب الفرق الضالة في القدر # وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: # مجوسية، ومشركية، وإبليسية. # PageV01P207 # فالمجوسية، الذين كذبوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم ~~أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدتهم أنكروا عموم مشيئة الله وخلقه وقدرته، ~~وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم. # والفرقة الثانية: المشركية، الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر ~~والنهي، قال الله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء} فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من ~~هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة. # والفرقة الثالثة: الإبليسية، وهم الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا ~~تناقضا من الرب سبحانه وتعالى، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يذكر مثل ذلك عن ~~إبليس مقدمهم، كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب. # PageV01P208 ### | مذهب أهل السنة في القدر # والمقصود أن هذا مما يقوله أهل الضلال، وأما أهل الهدى والفلاح فيؤمنون ~~بهذا وهذا، فيؤمنون ms76 بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علما، وكل شيء أحصاه في ~~كتاب مبين. # ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله، وقدرته، ومشيئته، ووحدانيته، ~~وربوبيته، وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه ما هو من أصول الإيمان. # PageV01P209 ### | إثباتهم الأسباب # ومع هذا لا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب، التي يخلق بها المسببات، كما ~~قال تعالى: {حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء ~~فأخرجنا به من كل الثمرات} وقال تعالى: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام} وقال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} فأخبر أنه يفعل ~~بالأسباب. ### | ضلال من أنكر الأسباب وشرك من جعلها هي المبدعة # ومن قال: يفعل عندها لا بها، فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما خلقه ~~الله من القوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار # PageV01P210 # ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان، التي يفعل الحيوان بها مثل قدرة ~~العبد. # كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره، ~~وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ~~ولا بد له من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء ~~واحد يستقل بفعل شيء إلا الله وحده، قال تعالى: {ومن كل شيء خلقنا زوجين ~~لعلكم تذكرون} أي: فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. ### | جهل من قال: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد # ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا ~~واحد - كان جاهلا، فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا ~~اثنان، إلا الله الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ~~يعلمون، فالنار التي جعل # PageV01P211 # الله فيها حرارة، لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحل يقبل الاحتراق، فإذا ~~وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، ms77 وقد يطلى الجسم بما يمنع ~~إحراقه، والشمس التي يكون عنها الشعاع لا بد من جسم يقبل انعكاس الشعاع ~~عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته، وقد بسط هذا في ~~غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أنه لا بد من الإيمان بالقدر، فإن الإيمان بالقدر من تمام ~~التوحيد، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو # PageV01P212 # نظام التوحيد، فمن وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله وكذب ~~بالقدر نقض تكذيبه توحيده. # ولا بد من الإيمان بالشرع، وهو الإيمان بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، ~~كما بعث الله بذلك رسله، وأنزل كتبه. ### | ضرورة الإنسان إلى الشرع في الحياة الدنيا # والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لا بد له من حركة يجلب بها ~~منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي ~~تنفعه، والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا ~~يمكن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه ويتركونه. # وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان ~~المنفرد لا بد له من فعل وترك، فإن الإنسان همام حارث، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (أصدق الأسماء حارث # PageV01P213 # وهمام) ، وهو معنى قولهم: متحرك بالإرادة، فإذا كان له إرادة هو متحرك ~~بها، فلا بد أن يعرف ما يريده هل هو نافع له أو ضار؟ وهل يصلحه أو يفسده؟ # وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم، كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، ~~وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم، وبعضه يعرفونه ~~بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل ~~وبيانهم لهم، وهدايتهم إياهم. # PageV01P214 ### | حسن الأفعال وقبحها وما يعرف منه بالعقل # وفي هذا المقام تكلم الناس في أن الأفعال هل يعرف حسنها وقبحها بالعقل، ~~أم ليس لها حسن وقبح يعرف بالعقل؟ كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينا ما ~~وقع في هذا الموضع من الاشتباه، فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم ~~الفاعل ms78 أو ينافره يعلم بالعقل، وهو أن يكون الفعل سببا لما يحبه الفاعل ~~ويلتذ به، وسببا لما يبغضه ويؤذيه. # وهذا القدر يعلم بالعقل تارة، وبالشرع أخرى، وبهما جميعا أخرى، لكن معرفة ~~ذلك على وجه التفصيل، ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة ~~والشقاوة في الدار الآخرة لا تعلم إلا بالشرع، فما أخبرت به الرسل من ~~تفاصيل اليوم الآخر، وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم، ~~كما أن ما أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه # PageV01P215 # الناس بعقولهم، وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك. # وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان، وجاء به الكتاب هو مما دل عليه قوله ~~تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} ، وقوله تعالى: {قل ~~إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب} ، ~~وقوله تعالى: {قل إنما أنذركم بالوحي} . # ولكن طائفة توهمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا، وأنه يعلم بالعقل، ~~وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا، ~~فكلتا الطائفتين اللتين # PageV01P216 # أثبتتا الحسن والقبح والعقليين أو الشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت. # ثم إن كلتا الطائفتين لما كانت تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا والسخط ~~والفرح ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية، ودلت عليه الشواهد العقلية - ~~تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح، هل ذلك ممتنع ~~لذاته وأنه لا تتصور قدرته على ما هو قبيح، أو أنه سبحانه وتعالى منزه عن ~~ذلك لا يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين. # والقولان في الانحراف من جنس القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه ~~وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة والمعصية، # PageV01P217 # والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب، فلا جعلوه ~~محمودا على ما فعله من العدل أو ما تركه من الظلم، ولا ما فعله من الإحسان ms79 ~~والنعمة أو تركه من العذاب والنقمة. والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلي ~~الذي أثبتوه، ولا حقيقة له، وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح، وشبهوه بعباده ~~فيما يؤمر به وينهى عنه. ### | مخالفة من ينظر إلى القدر ويعرض عن الشرع لدين الله ### | مخالفتهم لضرورة الحس والذوق # فمن نظر إلى القدر فقط، وعظم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة ~~الكونية، لم يميز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل ~~والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشد والغي، وأولياء الله ~~وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب ~~الله ودينه وشرائعه، فهم مخالفون أيضا لضرورة الحس والذوق، وضرورة العقل ~~والقياس، فإن أحدهم لا بد أن يلتذ بشيء ويتألم بشيء، فيميز بين ما يؤكل ~~ويشرب، وما لا يؤكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر # PageV01P218 # والبرد، وما ليس كذلك، وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره هو الحقيقة ~~الشرعية الدينية. # ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوى عنده الأمران دائما فقد افترى، وخالف ~~ضرورة الحس، ولكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ~~ذلك مما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع ~~وجود الحياة فيه فهذا ممتنع، فإن النائم لم يسقط إحساس نفسه، بل يرى في ~~منامه ما يسره تارة وما يسوؤه أخرى، فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام ~~والفناء والسكر ونحو ذلك إنما تتضمن عدم # PageV01P219 # الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها لضعف تمييزه لا تنتهي ~~إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقا. # ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقا، وعظم هذا المقام فقد غلط في ~~الحقيقة الكونية والدينية قدرا وشرعا: غلط في خلق الله وفي أمره، حيث ظن ~~وجود هذا، ولا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح، ولا مدح في عدم التمييز والعقل ~~والمعرفة. # وإذا سمعت بعض الشيوخ يقول: أريد أن لا أريد، أو إن العارف لا حظ له، أو ~~إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل، ونحو ذلك - فهذا إنما يمدح منه سقوط ~~إرادته ms80 التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ~~ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه. # ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يحس باللذة والألم، ~~والنافع والضار، فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل، ومن مدح هذا فهو مخالف ~~لضرورة الدين والعقل. # PageV01P220 ### | أنواع الفناء # والفناء يراد به ثلاثة أمور: # أحدها - وهو الفناء الديني الشرعي، الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ~~هو أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به، فيفنى عن عبادة غيره ~~بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل ~~عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه، بحيث لا ~~يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، كما قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ، فهذا كله هو ~~مما أمر الله به ورسوله. # وأما الفناء الثاني - وهو الذي يذكره بعض الصوفية، وهو أن يفنى عن شهود ~~ما سوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته، # PageV01P221 # وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث قد يغيب عن شعوره بنفسه وبما ~~سوى الله - فهذا حال ناقص، قد يعرض لبعض السالكين، وليس هو من لوازم طريق ~~الله، ولهذا لم يعرض مثل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم والسابقين الأولين. # ومن جعل هذا نهاية السالكين فهو ضال ضلالا مبينا، وكذلك من جعله من لوازم ~~طريق الله فهو مخطئ، بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون ~~بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك. # وأما الثالث - فهو الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو ~~عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهذا قول أهل الإلحاد والاتحاد، ~~الذين هم من أضل العباد. # PageV01P222 ### | مخالفتهم لضرورة العقل والقياس ms81 # وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن ~~يطرد قوله، فإنه إذا كان مشاهدا للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور، ~~فعومل بموجب ذلك مثل أن يضرب ويجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع - فإن ~~لام من فعل ذلك به وعابه فقد نقض قوله، وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له: هذا ~~الذي فعله مقضي مقدور، فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله وهو يعمكما، ~~فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك ولا له. فقد تبين ~~بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر، ويعرض عن الأمر والنهي. ### | الواجب في شرع الله وقدره عملا ### | حاجة العباد إلى الاستغفار # والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما ~~قال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم # كيدهم شيئا} ، وقال تعالى في قصة يوسف: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين} فالتقوى فعل ما أمر الله # PageV01P223 # به، وترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} ، فأمره مع الاستغفار ~~بالصبر، فإن العباد لا بد لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي ~~نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) ، ~~وقال: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة ~~مرة) . # PageV01P224 # وكان يقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم ~~به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر ~~لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت ~~المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) . # وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه، فاجتباه ربه فتاب ~~عليه وهداه، وعن إبليس أبي الجن أنه أصر متعلقا بالقدر فلعنه وأقصاه، فمن ~~أذنب ms82 وتاب وندم فقد أشبه أباه، ومن # PageV01P225 # أشبه أباه فما ظلم، قال تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا • ~~ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} . ### | اقتران التوحيد والاستغفار # ولهذا قرن سبحانه وتعالى بين التوحيد والاستغفار في غير آية، كما قال ~~تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} ، ~~وقال تعالى: {فاستقيموا إليه واستغفروه} ، وقال تعالى: {الر كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير • ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير ~~وبشير • وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى} ~~. # وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: (يقول الشيطان: أهلكت الناس ~~بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما # PageV01P226 # رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون، لأنهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا) . # وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: {أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} قال تعالى: {فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم وكذلك ننجي المؤمنين} ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوة أخي ذي ~~النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله بها كربه) . # PageV01P227 # وجماع ذلك أنه لا بد له في الأمر من أصلين، ولا بد له في القدر من أصلين، ~~ففي الأمر عليه الاجتهاد في الامتثال علما وعملا، فلا يزال يجتهد في العلم ~~بما أمر الله به، والعمل بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في ~~المأمور، وتعديه الحدود. # ولهذا كان من المشروع أن تختتم جميع الأعمال بالاستغفار، فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا، وقد قال تعالى: ~~{والمستغفرين بالأسحار} فقاموا الليل ثم ختموا بالاستغفار، وآخر سورة نزلت ~~قوله # PageV01P228 # تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح • ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا • فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} ، وفي الحديث الصحيح أنه ~~كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك ms83 اللهم ربنا ~~وبحمدك اللهم اغفر لي) يتأول القرآن. # وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه، ~~ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، فيكون مفتقرا إليه في طلب الخير وترك ~~الشر، وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدر عليه. # PageV01P229 ### | احتجاج آدم وموسى # ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى، لما قال: يا آدم أنت أبو البشر خلقك ~~الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من ~~الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبكم وجدت مكتوبا ~~علي قبل أن أخلق {وعصى آدم ربه فغوى} ؟ قال: بكذا وكذا سنة، قال: فحج آدم ~~موسى. وذلك أن موسى لم يكن عتبه لآدم لأجل # PageV01P230 # الذنب، فإن آدم كان قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له - ولكن ~~لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك، وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في ~~المصائب، وأن يستغفروا من المعائب، كما قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك} . ### | مراعاة الشرع والقدر توجب العبادة والاستعانة # فمن راعى الأمر والقدر - كما ذكر - كان عابدا لله، مطيعا له، مستعينا به، ~~متوكلا عليه، من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين. # وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع، كقوله تعالى: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} ، وقوله تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} ، وقوله تعالى: ~~{عليه # PageV01P231 # توكلت وإليه أنيب} ، وقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا • ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا} ، فالعبادة له والاستعانة به، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول عند الأضحية: (اللهم منك ولك) ، فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه ~~لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم. ### | شرطا قبول العبادة # ولا بد في ms84 عبادته من أصلين: # أحدهما: إخلاص الدين له، والثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله، ولهذا ~~كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا، ~~واجعله لوجهك خالصا، ولا # PageV01P232 # تجعل لأحد فيه شيئا. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى: ~~{ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ، قال: أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا علي ما أخلصه ~~وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ~~ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، ~~والصواب أن يكون على السنة. # ولهذا ذم الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين ~~الذي لم يأذن به الله من عبادة غيره، وفعل ما لم يشرعه من الدين، قال الله ~~تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ، كما ذمهم ~~على أنهم حرموا ما لم # PageV01P233 # يحرمه الله، والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما ~~شرعه الله. ### | أقسام الناس في عبادة الله واستعانته # ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام: # فالمؤمنون المتقون هم له وبه، يعبدونه ويستعينونه. # وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر، فتجد عند أحدهم تحريا للطاعة ~~والورع، ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر، بل فيهم عجز وجزع. # وطائفة فيهم استعانة وتوكل وصبر، من غير استقامة على الأمر ولا متابعة ~~للسنة، فقد يمكن أحدهم، ويكون له نوع من الحال باطنا وظاهرا، ويعطى من ~~المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول، ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس ~~من المتقين، والعاقبة للتقوى، فالأولون لهم دين ضعيف، ولكنه مستمر باق إن ~~لم يفسده صاحبه بالجزع # PageV01P234 # والعجز، وهؤلاء لأحدهم حال وقوة، ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر، ~~واتبع فيه السنة. # وشر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه، فهو لا يشهد أن علمه لله، ولا أنه ~~بالله. # فالمعتزلة ونحوهم من القدرية الذين أنكروا القدر ms85 هم في تعظيم الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد خير من هؤلاء الجبرية القدرية الذين يعرضون عن الشرع ~~والأمر والنهي، والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خير من ~~المعتزلة، ولكن فيهم من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهي، والوعد ~~والوعيد، حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك، ~~فيصيرون أيضا معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم، فهم معتزلة من هذا الوجه، ~~وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرا من بدعة أولئك المعتزلة، وكلتا ~~الطائفتين نشأت من البصرة. # PageV01P235 ### | [فضل صحابة رسول الله والوصية باتباعهم] # وإنما دين الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو ~~طريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير القرون، وأفضل الأمة، وأكرم ~~الخلق على الله بعد النبيين، قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} فرضي عن السابقين ~~الأولين رضاء مطلقا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم) . # PageV01P236 # وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: من كان منكم مستنا فليستن بمن ~~قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله ~~لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا ~~بهديهم، فإنهم # PageV01P237 # كانوا على الهدى المستقيم. وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: يا معشر ~~القراء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم ~~سبقا بعيدا، ولأن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. # وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: خط لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطا، وخط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: (هذا سبيل الله وهذه سبل على ~~كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ms86 ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ) . # PageV01P238 # وقد أمرنا سبحانه وتعالى أن نقول في صلاتنا: {اهدنا الصراط المستقيم • ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون) ، وذلك أن اليهود # PageV01P239 # عرفوا الحق ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم. ولهذا كان يقال: ~~تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل ~~مفتون. وقال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} ~~، قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه ~~ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية. # وكذلك قوله تبارك وتعالى: {الم • ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين • ~~الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون • والذين يؤمنون ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون • أولئك على هدى من ~~ربهم وأولئك هم # PageV01P240 # المفلحون} ، فأخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء مهتدون مفلحون، وذلك خلاف ~~المغضوب عليهم والضالين. # فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم: صراط الذين ~~أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله ~~على خير خلقه عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم ~~الدين. PageV01P241 ms87