######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000368 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كتاب الصفدية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الكتب الجامعة لمسائل العقيدة :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 2*1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الصفدية #META# 030.LibURI :: JK_000368 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد رشاد سالم #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفضيلة #META# 044.EdPLACE :: الرياض #META# 045.EdYEAR :: 1421 هـ - 2000م. #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # كتاب الصفدية لابن تيمية أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبدالحليم ~~PageV01P001 بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم # سئل الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام بقية العصر قدوة الخلف تقي ~~الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبدالحليم ابن ~~الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبدالسلام بن تيمية رضي الله عنه وأرضاه عن ~~رجل مسلم يقول أن معجزات الأنبياء صلى الله عليهم وسلم قوى نفسانية أفتونا ~~مأجورين # فأجاب الحمد لله رب العالمين هذا الكلام وهو قول القائل أن معجزات ~~الأنبياء صلى الله عليهم وسلم قوى نفسانية باطل بل هو كفر يستتاب قائله ~~ويبين له الحق فإن أصر على اعتقاده بعد قيام الحجة الشرعية عليه كفر وإذا ~~أصر على إظهاره بعد الاستتابة قتل وهو من كلام طائفة من المتفلسفة ~~والقرامطة PageV01P001 الباطنية والإسماعيلية ونحوهم كابن سينا وأمثاله ~~وأصحاب رسائل إخوان الصفا والعبيدين الذين كانوا بمصر من الحاكمية وأشباههم ~~وهؤلاء كانوا يتظاهرون بالتشيع وهم في الباطن ملاحدة ويسمون القرامطة ~~والباطنية وغير ذلك PageV01P002 وأهل بيت ابن سينا كانوا من أتباع هؤلاء ~~وأبوه وجده من أهل دعوتهم وبسبب ذلك دخل في مذاهب الفلاسفة فإن هؤلاء ~~يتظاهرون باتباع الملل ويدعون أن للملة باطنا يناقض ظاهرها ثم هم في هذه ~~الدعوة على درجات فالواصلون منهم إلى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم مثل ~~قرامطة PageV01P003 البحرين أتباع الجنابي وأصحاب الألموت وسنان الذي كان ~~بالشام وأمثالهم لا يعتقدون وجوب الصلوات الخمس ولا الزكاة ولا صيام شهر ~~رمضان ولا حج البيت العتيق ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الخمر والميسر ~~والزنا وغير ذلك ويزعمون أن هذه النصوص لها PageV01P004 تأويل وباطن يخالف ~~الظاهر المعلوم للمسلمين فالصلاة عندهم معرفة أسرارهم والصيام كتمان ~~أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وأمثال ذلك وقد يقولون أن هذه الفرائض تسقط عن ~~الخاصة دون العامة وأما النصوص التي في المعاد وفي أسماء الله وصفاته ~~وملائكته فدعواهم فيها أوسع وأكثر وقد دخل في كثير من أقوالهم في العلوم أو ~~في العلوم والأعمال طائفة من ms001 المنتسبين إلى التصوف والكلام وكلام ابن عربي ~~وابن سبعين وأمثالهما من ملاحدة المتصوفة يرجع إلى قول هؤلاء وهؤلاء ~~الملاحدة من المتفلسفة والقرامطة ومن وافقهم يقولون أن النبوة لها ثلاث ~~خصائص من قامت به فهو نبي والنبوة عندهم لا تنقطع بل يبعث الله بعد كل نبي ~~نبيا دائما وكثير منهم يقول أنها مكتسبة وكان السهروردي PageV01P005 ~~المقتول منهم يطلب أن يصير نبيا وكذلك ابن سبعين كان يطلب أن يصير نبيا ~~وكانوا يعلمون من السحر والسيماء ما يضلون من يلبسون عليه الخاصة الأولى أن ~~تكون له قوة قدسية وهي قوة الحدس بحيث يحصل له من العلم بسهولة ما لا يحصل ~~لغيره إلا بكلفة شديدة وقد يعبرون عن ذلك بأنه يدرك الحد الأوسط من غير ~~احتياج إلى ما يحتاج إليه من ليس مثله وحاصل الأمر أنه أذكى من غيره وأن ~~العلم عليه أيسر منه على غيره الخاصة الثانية قوة التخييل والحس الباطن ~~بحيث يتمثل له ما يعلمه في نفسه فيراه ويسمعه فيرى في نفسه صورا نورانية هي ~~عندهم ملائكة الله ويسمع في نفسه أصواتا هي عندهم كلام الله من جنس ما يحصل ~~للنائم في منامه ومن جنس ما يحصل لبعض أهل الرياضة ومن PageV01P006 جنس ما ~~يحصل لبعض الممرورين الذين يصرعون ويقولون إن ما أخبرت به الرسل من أمور ~~الربوبية واليوم الآخر إنما هو تخييل وأمثال مضروبة لا أنه إخبار عن ~~الحقائق على ما هي عليه الخاصة الثالثة أن تكون له قوة نفسانية يتصرف بها ~~في هيولي العالم كما أن العائن له قوة نفسانية يؤثر بها في المعين ويزعمون ~~أن خوارق العادات التي للأنبياء والأولياء هي من هذا النمط وأصل أمر هؤلاء ~~أنهم لا يثبتون لصانع العالم مشيئة واختيارا وقدرة بها يقدر على تغيير ~~العالم وتحويله من حال إلى حال بل وأئمتهم لا يثبتون علمه بتفاصيل أحوال ~~العالم بل منهم من يقول لا يعلم شيئا ومنهم من يقول لا يعلم إلا نفسه ومنهم ~~من يقول يعلم الجزئيات على وجه كلي وهذا اختيار ابن سينا وهو ms002 أجود أقوالهم ~~مع تناقض هذا القول وفساده PageV01P007 فإن كل موجود في الخارج هو موجود ~~معين جزئي والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان ونفس الصانع ~~موجود واجب معين ليس هو كليا وكذلك أيضا الصادر عنه كالأفلاك وكالعقول ~~والنفوس التي يثبتونها فإن كان لا يعلم إلا كليا لم يعلم نفسه ولا الصادر ~~عنه ولا الأفلاك وأيضا فلا يوجد إلا ما هو جزئي فإن كان لا يعلم إلا ~~الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات وهم يقولون أنه علة تامة مستلزمة للعالم ~~والعالم متولد عنه تولدا لازما بحيث لا يمكن أن ينفك عنه لأن العلة التامة ~~مستلزمة لمعلولها وقولهم أن النفوس والعقول معلولة له ومتولدة عنه أعظم ~~كفرا من قول من قال من مشركي العرب أن الملائكة بنات الله قال الله تعالى ~~@QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون @QE@ سورة الأنعام 100 وهؤلاء المتفلسفة يقولون العقل ~~بمنزلة الذكر والنفس بمنزلة الأنثى وكلاهما متولد عن الله تعالى وأولئك ~~كانوا يقولون أنه خلق الملائكة بمشيئته وقدرته وأنه هو رب السماوات والأرض ~~وأما هؤلاء فيقولون أن العقول التي يسميها من يتظاهر بالإسلام منهم ملائكة ~~يقولون أنها معلولة متولدة عن الله لم PageV01P008 يخلقها بمشيئته وقدرته ~~ويقولون أنها هي رب العالم فالعقل الأول أبدع كل ما سوى الله عندهم والثاني ~~أبدع ما سوى الله وسوى العقل الأول حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر ~~الفعال المتعلق بفلك القمر فيقولون أنه أبدع ما تحت الفلك فهو عندهم المبدع ~~لما تحت السماء من هواء وسحاب وجبال وحيوان ونبات ومعدن ومنه يفيض الوحي ~~والعلم على الأنبياء وغيرهم والخطاب الذي سمعه موسى إنما كان عندهم في نفسه ~~لا في الخارج وهو فيض فاض عليه من هذا العقل الفعال ومنهم من يقول جبريل ~~فلما كان أصل قولهم أن صانع العالم لا يمكنه تغيير العالم ولا له قدرة ولا ~~اختيار في تصريفه من حال إلى حال جعلوا يريدون أن ينسبوا جميع الحوادث إلى ~~أمور طبيعية ms003 ليطرد قولهم ويسلم عن التناقض وهو قول فاسد متناقض في نفسه ~~وذلك أنا نشاهد الحوادث التي تحدث مثل حركات الكواكب وطلوع الشمس والقمر ~~ومثل المطر والسحاب وهبوب الرياح وحدوث الحيوان والنبات والمعادن وغير ذلك ~~من الحوادث PageV01P009 فإذا كان أصل قولهم أن الصانع هو موجب بالذات وهو ~~علة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها لم يتأخر عنها شيء من معلولها فإن العلة ~~التامة هي التي تستلزم معلولها والموجب بالذات هو الذي تكون ذاته مستلزمة ~~لموجبه ومقتضاه فلا يجوز أن يتأخر عنه شيء من موجبه ومعلوله ولهذا قالوا ~~بقدم العالم وهذا أعظم حججهم على قدم العالم قالوا لأن الحادث بعد أن لم ~~يكن لا بد له من سبب حادث وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح ثم ~~القول في ذلك السبب الحادث كالقول فيما قبله فيلزم التسلسل الممتنع باتفاق ~~العقلاء بل يلزم الدور الممتنع بخلاف التسلسل المتنازع فيه فإن وجود ~~الحوادث دائما بلا ابتداء ولا انتهاء للناس من المسلمين وغيرهم فيه ثلاثة ~~أقوال قيل يجوز مطلقا وهذا قول أئمة السنة والحديث وأساطين الفلاسفة لكن ~~المسلمون وسائر أهل الملل وجمهور العقلاء من جميع الطوائف يقولون أن كل ما ~~سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم يكن وإن قال منهم من قال بدوام الحوادث شيئا ~~بعد شيء PageV01P010 وقيل لا يجوز لا في الماضي ولا في المستقبل وهو قول ~~الجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف وقيل يجوز في المستقبل دون الماضي وهو ~~قول أكثر أتباع جهم وأبي الهذيل من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والكرامية ~~ومن وافقهم وأما تسلسل العلل أو الفاعلين أو ما هو من تمام الفاعل أو العلة ~~الفاعلة فممتنع باتفاق العقلاء مثل أن يقال لفاعل العالم فاعل ولذلك الفاعل ~~فاعل وهلم جرا فهذا التسلسل قد اتفق العقلاء على امتناعه وقد بسطنا الدلائل ~~العقلية على امتناعه في غير هذا الموضع وكذلك إذا قيل الحادث لا بد له من ~~سبب حادث وذلك السبب لا بد له من سبب حادث فإن هذا إذا أريد به الحادث ~~المعين لزم ms004 التسلسل في تمام الفاعلية وإن أريد به نوع الحوادث لزم الدور ~~الممتنع PageV01P011 والدور نوعان أحدهما الدور القبلي السبقي فهذا ممتنع ~~باتفاق العقلاء مثل أن يقال لا يكون هذا إلا بعد ذاك ولا يكون ذاك إلا بعد ~~هذا فهذا ممتنع باتفاق العقلاء ونفس تصوره يكفي في العلم بامتناعه فإن ~~الشيء لا يكون قبل كونه ولا يتأخر كونه عن كونه فلو قيل إن الشيء لا يوجد ~~إلا بعد أن يوجد لكان هذا ممتنعا فكيف إذا قيل أنه لا يكون إلا بعد ذاك ~~وقيل أيضا ذاك لا يكون إلا بعد هذا فإنه يلزم أن يكون قبل قبل نفسه وبعد ~~بعد نفسه فلزم الدور الممتنع أربع مرات فإنه إذا قيل لا يكون هذا إلا بعد ~~ذاك كان ذاك قبل هذا وإذا قيل لا يكون ذاك إلا بعد هذا كان هذا بعد ذاك لا ~~قبله فيلزم أن لا يكون هذا إلا قبل ذاك الذي هو قبل هذا وأن لا يكون ذاك ~~إلا قبل هذا الذي هو قبل ذاك فيكون ذاك قبل ذاك بمرتبتين ويكون هذا قبل هذا ~~بمرتبتين فلهذا اتفق العقلاء على امتناع هذا وأما الدور المعي الاقتراني ~~مثل أن يقال لا يكون هذا إلا مع ذاك لا قبله ولا بعده فهذا جائز كما إذا ~~قيل لا تكون الأبوة إلا مع البنوة وقيل أن صفات الرب اللازمة له لا تكون ~~إلا مع ذاته وعلمه مع حياته وقدرته مع علمه ونحو ذلك PageV01P012 فإذا قيل ~~إن جنس الحوادث لا يحدث إلا بسبب حادث كان المعنى أنه لا يكون شيء من ~~الحوادث حتى يكون حادث فلايكون حادث من الحوادث ألبتة حتى يسبقه حادث ~~والسابق من الحوادث التي جعلت متأخرة عن هذا الحادث وجعلت الحوادث كلها ~~بعده فيلزم أن يكون الشي قبل نفسه وأما إذا قيل لا يكون الحادث المعين حتى ~~يكون حادث ثم ذلك الحادث لا يكون حتى يكون حادث فهذا على وجهين إن قيل لا ~~يكون الحادث حتى يكون قبله حادث فهذا التسلسل في الآثار وفيه الأقوال ms005 ~~الثلاثة للمسلمين وليس الخلاف في ذلك بين أهل الملل وغيرهم كما يظنه كثير ~~من الناس بل نفس أهل الملل بل أئمة أهل الملل أهل السنة والحديث يجوزون هذا ~~النزاع في كلمات الله وأفعاله فيقولون إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء ~~وكلمات الله دائمة قديمة النوع عندهم لم تزل ولا تزال أزلا وأبدا وقد بسط ~~هذا وما يناسبه في موضع آخر وذكر بعض ما في ذلك من أقوال أئمة السنة ~~والحديث وأما ما يذكره كثير من أهل الكلام عن أهل الملل المسلمين واليهود ~~والنصارى أن الله لم يزل معطلا لا يتكلم ولا يفعل شيئا ثم حدث ما حدث من ~~كلام ومفعولات بغير سبب حادث فهذا قول لم ينطق به شيء من كتب الله لا ~~القرآن ولا التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا نقل هذا عن أحد من انبياء ~~الله ولا قاله أحد من الصحابة PageV01P013 أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ~~ولا التابعين لهم بإحسان ولكن الذي نطقت به الكتب والرسل أن الله خالق كل ~~شيء فما سوى الله من الأفلاك والملائكة وغير ذلك مخلوق ومحدث كائن بعد أن ~~لم يكن مسبوق بعدم نفسه وليس مع الله شيء قديم بقدمه في العالم لا أفلاك ~~ولا ملائكة سواء سميت عقولا ونفوسا أو لم تسم والحديث الذي في صحيح البخاري ~~عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم عليه وقد اليمن ~~قالوا جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر فقال كان الله ولم ~~يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات ~~والأرض قد ذكرنا ألفاظه وطرقه وذكرنا الحديث الآخر الذي رواه مسلم في صحيحه ~~عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قدر الله مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على ~~PageV01P014 الماء والحديث الآخر الذي رواه مسلم أيضا في صحيحه عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms006 كان يقول أنت الأول فليس قبلك شيء ~~وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك ~~شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر وذكرنا أن حديث عمران رواه البخاري في ~~ثلاثة مواضع بثلاثة ألفاظ كان الله ولم يكن شيء قبله ورواه في موضع ولم يكن ~~شيء معه ورواه في موضع آخر ولم يكن PageV01P015 شيء غيره وأن المجلس كان ~~واحدا لم يقل النبي صلى الله PageV01P016 عليه وسلم إلا واحدا من الثلاث ~~وقد ثبت أنه قال ليس قبلك شيء واللفطان الآخران رويا بالمعنى وبينا على كل ~~تقدير أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم جواب أهل اليمن عما سألوه من ~~ابتداء خلق هذا العالم الذي خلق في ستة أيام وكان عرش الله على الماء قبل ~~ذلك وقدر الله مقادير هذا العالم قبل أن يخلقه بخمسين ألف سنة والمقصود هنا ~~أنه إذا قيل لا يكون حادث حتى يكون حادث فهذا على وجهين أحدهما أنه لا يكون ~~حادث حتى يكون قبله حادث فهذا فيه نزاع مشهور والثاني أن يقال أنه لا يكون ~~حادث حتى يكون معه حادث لامتناع حدوث الحادث بلا سبب حادث لأن الفاعل لا ~~يفعل بعد أن لم يكن فاعلا إلا لحدوث سبب حادث فهذا يوجب أن القديم لا يصدر ~~عنه حادث ألبتة لأنه متى حدث حادث بلا سبب حادث انتقضت القضية الكلية فيلزم ~~أن لا يفعل البتة شيئا وإن فعل لزم ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح وهذه ~~الحجة أعيت كثيرا من أهل الكلام والنظر حتى قال كثير منهم القادر يرجح أحد ~~طرفي مقدوره بلا مرجح وكذلك قال الآخرون نفس الإرادة القديمة هي المرجحة ~~لأحد المثلين على الآخر PageV01P017 ونحن ننبه على ما به يعلم فساد قولهم ~~والجواب عن حجتهم وقد بسطنا الكلام على ذلك في مواضعه فيقال إذا كان الصانع ~~قديما موجبا بالذات وعلته تامة أزلية لزم ألا يتأخر عنه شيء من موجبه ~~ومعلوله كما ذكروا لأن المتأخر إن كان قد وجدت كلته التامة في الأزل لزم ms007 أن ~~يكون أزليا لا يتأخر وإن لم يوجد فقد وجدت علته التامة بعد أن لم تكن سواء ~~كان الحادث شرطا من شروط تمام العلة أو غير ذلك ثم القول في علة تلك العلة ~~كالقول في العلة التي هي معلول هذه فيلزم ألا يكون لشيء من الحوادث علة ~~تامة في الأزل وهذا لازم لقولهم لا محيد عنه فإن العلة التامة تستلزم ~~معلولها فالحادث لا تكون علته تامة في الأزل فيلزم على ذلك ألا يكون شيء من ~~الحوادث حادثا عن العلة التامة التي هي واجب الوجود وحينئذ فأما أن تكون ~~الحوادث حادثة بنفسها وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهم يسلمون فساده وإما أن ~~تكون حادثة عن فاعل آخر غير الواجب الموجود بنفسه فله فاعل ثم ذلك الفاعل ~~إن لم يكن واجب الوجود بنفسه فله فاعل والقول في حدوث الحوادث عنه كالقول ~~في الأول وإن كان واجب الوجود بنفسه كان القول فيه كالقول في ذلك الواجب إن ~~كان علة تامة لزم ألا يحدث عنه حادث وإن لم يكن علة تامة بطل قولهم بالموجب ~~بالذات فتبين فساد قولهم على كل تقدير وغاية ما يقولون أنهم يقولون أن لك ~~حادث مشروط PageV01P018 بحادث قبله والحوادث معدات وشروط للفيض عن الواجب ~~بذاته ويقولون أن حركة الفلك هي سبب الحوادث والتغييرات فيقال لهم هب أن ~~الأمر كذلك فالحوادث المتعاقبة سواء كانت حركة متصلة أو غير ذلك إذا كانت ~~لم تصدر إلا عن علة تامة لزم أن تكون مقارنة للعلة التامة فإن العلة التامة ~~يجب أن يقارنها معلولها والموجب بذاته يقارنه موجبه حينئذ فلا يتأخر عنها ~~معلولها فالمتأخر لا يكون معلولها فلا يكون شيء من الحوادث معلولا لها # وإذا قالوا حدوث الأول أعدها لإحداث الثاني قيل لهم القول في حدوث الحادث ~~الأول كالقول في حدوث الحادث الثاني فالحادث الأول الذي هو شرط الثاني لا ~~يجوز أن يكون صادرا عن علة تامة أزلية بل لا تكون العلة التامة له إلا ~~حادثة سواء كان الحادث كلها أو بعض أجزائها وشروطها وهذا مما ms008 يعترفون به مع ~~أنه حق بين فحينئذ لا يكون لشيء من الحوادث علة تامة أزلية فإذا كان المبدأ ~~الأول الذي هو صانع العالم علة تامة أزلية وليس لشيء من الحوادث عالة تامة ~~أزلية لم يكن شيء من الحوادث صدر عنه فلا يكون لشيء من الحوادث فاعل ولا ~~محدث وهذا غاية الجهل والتعطيل والسفسطة وهم يعترفون بفساده فإذا قالوا هذا ~~الحادث المعين اليومي إنما تمت شروط PageV01P019 اقتضائه وأحداثه التي بها ~~صارت علته تامة في هذا الوقت المعين فإن العلة إذا تمت لم يتأخر عنها ~~معلولها قيل لهم فيلزم أن يكون تمام العلة التامة لما يحدث في اليوم المعين ~~إنما حدث ذلك اليوم ثم تمام العلة أيضا حادث في اليوم المعين فيلزم أن تكون ~~علته أو تمام علته حادثا في اليوم المعين وهلم جرا فيلزم أن يكون كل حادث ~~إنما صارت علته تامة عند حدوثه فيلزم من ذلك بطلان قولهم من وجوه أحدها أنه ~~إذا لم يكن لشيء من الحوادث علة تامة أزلية بل إنما صارت له علة تامة عند ~~حدوثه بلط قولهم فإنه إذا لم يكن لشيء من الحوادث علة تامة أزلية لم يكن ~~شيء من الحوادث صادرا عن الموجب بالذات الذي هو علة تامة أزلية فعلم أن ~~المحدث للحوادث ليس علة تامة لمعلولة في الأزل وهو المطلوب وهذا الموضع إذا ~~تدبره من يفهمه ويفهم مذهبهم علم أنه يبين فساد قولهم بالضرورة وكلما غيرت ~~العبارات الدالة عليه زاد بيانا وقوة فدعواهم أن المبدع الموجب بالذت علة ~~تامة أزلية مع كون الحوادث المتعاقبة صدرت عنه جمع بين النقيضين إذ العلة ~~التامة يقارنها معلولها ولا يتأخر عنها وسواء قيل أن الفلك صدر عنه بلا ~~واسطة كما تقوله طائفة منهم أو قيل صدر عنه بواسطة العقل الأول كما يقوله ~~طائفة أخرى فهم يقولون أن المحرك للفلك هو النفس بما يتجدد لها من التصورات ~~والإرادات الشوقية فيقال هذه الأمور الحادثة سواء كانت هي الحركات أو ~~الإرادات أو PageV01P020 التصورات لا بد لها من أمر محدث لها ms009 والعلة التامة ~~الأزلية المستلزمة لمعلولها في الأزل التي توجبه بذاتها يقارنها معلولها ~~الذي هو موجبها ومقتضاها في الأزل فلا يكون شيء من هذه الحركات والإرادات ~~والتصورات معلولا لها لأنها حادثة ولا تكون موجبة له ولا فاعلة ولا محدثة ~~لامتناع صدور الحوادث عن علة تامة أزلية وهذا مما يتبين به بطلان قولهم في ~~قدم العالم ويتبين أن كل ما سوى الله تعالى حادث بعد أن لم يكن فإن القديم ~~المعلول لا يصدر إلا عن موجب بذاته أزلي الإيجاب وهو العلة التامة الأزلية ~~التي تستلزم معلولها في الأزل فلو كان في العالم ما هو قديم لزم ثبوت العلة ~~التامة الأزلية لكن ثبوت هذه ممتنع لأنه حينئذ يلزم ألا يكون للحوادث فاعل ~~لا لوسط ولا بغير وسط لأن الحوادث لا تحدث عن علة تامة لها أزلية فكل ما ~~سوى الله لا بد أن يقارن شيئا من الحوادث أو تحدث فيه الحوادث وكل ما قارن ~~شيئا من الحوادث أو حدثت فيه الحوادث يمتنع أن يصدر عن علة تامة أزلية إذ ~~يمتنع صدوره دون الحوادث عن الفاعل لأنه لا بد للحوادث من الفاعل فإثبات ~~قدم شيء من العالم يستلزم إثبات علة قديمة له وإثبات العلة القديمة توجب ~~كون الحوادث لا فاعل لها سواء قيل أن تلك العلة القديمة صدر عنها ما قارنته ~~الحوادث أو صدر عنها ما حدثت فيه الحوادث فإنه على التقديرين يلزم كون ~~الحوادث لا فاعل لها لامتناع صدور الحوادث عن العلة التامة الازلية وإذا ~~كان قدم شيء من العالم يستلزم إثبات العلة التامة PageV01P021 القديمة ~~وإثبات ذلك يستلزم كون الحوادث لا فاعل لها وهذا اللازم باطل بالضرورة ~~فالملزوم أيضا باطل والملزوم قدم شيء من العالم فإذا كان الملزوم باطلا ~~فنقيضه حق وهو أنه ليس من العالم شيء قديم الوجه الثاني أن قولهم هذا ~~يستلزم وجود علل ومعلولات لا تتناهى وهم يسلمون فساد ذلك وفساده معلوم ~~بالادلة اليقينية كما قد بسطناه في غير هذا الموضع ونبهنا على أن المعلولات ~~كلها ممكنة ليس فيها ما ms010 يقتضي وجودها وتقدير أمور غير متناهية ليس فيها ما ~~يقتضي وجودها بمنزلة تقدير أمور متناهية معدومة أو ممتنعة فإذا قدر علل لا ~~تتناهى وهي معلولات كان ذلك بمنزلة تقدير أمور معدومة لا تتناهى فلا يكون ~~فيها ما هو موجود والمعدوم يمتنع أن يكون مبدعا أو فاعلا للموجود ولا حاجة ~~إلى الإطناب في هذا فإنه متفق عليه بين العقلاء لكن بعض المتأخرين أورد على ~~هذا شبهات قد بينا فسادها في غير هذا الموضع كما أورد ذلك الآمدي والأبهري ~~وغيرهما PageV01P022 # ومن الناس من ظن أن الكلام في تناهي المؤثرات بمنزلة الكلام في تناهي ~~الآثار كما ظن ذلك طائفة من أهل الكلام والجدل ثم من هؤلاء من قال فإذا كان ~~تناهى الآثار لا يقوم دليل على فساده فكذلك تتناهى العلل # وهذا مما سلكه أبو حامد في الرد على الفلاسفة في تهافت الفلاسفة وجعل ~~قولهم بتجويز حوادث لا أول لها يقتضي تجويز علل لا تتناهى # وكثير من أهل الكلام من المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية والكرامية ومن ~~وافقهم من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية لما سووا بين ~~النوعين اعتمدوا في نفس التسلسل في المؤثرات والآثار على طرق معروفة قد ~~أفسدها كثير منهم حتى أن الرجل من هؤلاء يذكر بعض هذه الطرق في كتاب ~~ويفسدها في كتاب آخر كما يفعله أبو عبدالله بن الخطيب ونحوه فيقرر في كتاب ~~PageV01P023 الأربعين ونحوه طرقا في إبطال حوادث لا تتناهى ويبطلها في مثل ~~كتاب المباحث المشرقية وأمثاله ولهذا بين أبو الحسن الآمدي فساد عامة هذه ~~الطرق واعتمد طريقة أضعف من غيرها وكذلك أبو الثناء الأرموي أفسد في لباب ~~الأربعين عامة ما قيل في هذا الباب وهذا كله مبسوط في موضعه والمقصود هنا ~~أن التسلسل في المؤثرات باطل باتفاق العقلاء وأما الاعتراض المذكور فهو ~~أنهم قالوا إذا كان كل من المؤثرات ممكنا فلم لا يجوز ألا تكون الجملة ~~ممكنة على قول من يقول أن كل واحد من الحوادث محدث والنوع القديم متسلسل ~~فإن حكم الجملة إما أن يكون مثل حكم ms011 الأفراد وأما ألا يكون فإن كان مثل ~~حكمها لزم حدوث نوع الحوادث وهذا هو الذي يقوله كثير من أهل الكلام وعليه ~~اعتمد أبو الحسين البصري وأمثاله وقالوا إذا كان كل واحد من الزنج أسود ~~فالجميع سود PageV01P024 # لكن نقض ذلك المعارضون لهم بأن الواحد من العشرة ليس هو عشرة والواحد من ~~أجزاء القبة والبيت ليس هو قبة ولا بيتا وبعض الإنسان ليس هو إنسان فقال ~~هؤلاء الذين أشكل عليهم بطلان تسلسل المؤثرات كالآمدي والأبهري فحينئذ يجوز ~~أن يكون كل واحد من العلل ممكنا والجملة ليست ممكنة فصارت هذه المباحث ~~المتعلقة بأصول الدين والعلم مضطربة عند أئمة الفلاسفة والمتكلمين وفصل ~~الخطاب في هذا الباب أن نقول انضمام الفرد إلى غيره إما أن يوجب ثبوت أمر ~~يخالف حكم تلك الأفراد وإما ألا يوجب فإن لم يوجب ثبوت أمر يخالف حكم ~~الأفراد كان حكم المجموع حكم الأفراد وإن أوجب ثبوت أمر يخالف حكم الأفراد ~~لم يجب أن يكون حكم المجموع حكم الأفراد مثال الأول المعدوم مع المعدوم فإن ~~انضمام أحدهما إلى الآخر لا يخرجه عن أن يكون معدوما وكذلك انضمام الواجب ~~إلى الواجب والممكن إلى الممكن وكذلك انضمام الموجود إلى الموجود لا يخرجه ~~عن أن يكون موجودا اللهم إلا إذا كانا يتضادان # ومثال الثاني أبعاض الإنسان وغيره من الحيوان وأبعاض الدار والبيت ~~والمدينة ونحو ذلك فإن انضمام بعض ذلك إلى بعض يوجب للمجموع أن يصير حيوانا ~~وبيتا ومدينة وكذلك آحاد العشرة والألف بالانضمام تصير عشرة وألفا وكذلك ~~غير ذلك من المركبات فإنه بالاجتماع يحصل له من التركيب ما لا يحصل ~~بالأفراد وكذلك أجزاء الطويل PageV01P025 والدائم والممتد والكبير والعظيم ~~ونحو ذلك فإنه لا يسمى طويلا ولا دائما ولا ممتدا ولا كبيرا ولا عظيما إلا ~~إذا اجتمعت تلك الأجزاء فبالاجتماع يتغير حكم الأفراد إذا تبين ذلك فإذا ~~قدر مؤثرات ممكنة ليس لها من أنفسها وجود ولكن كل منها يحتاج إلى مؤثر لم ~~تكن بانضمام بعضها إلى بعض تخرج عن أن تكون ممكنة مفتقرة إلى غيرها بل ms012 كلما ~~كثرت زاد الافتقار والحاجة كما أنه كلما ضم المعدوم إلى المعدوم كثر ~~المعدوم فإذا قدر علل لا تتناهى كل منها معلول أو فاعلون لا يتناهون كل ~~منهم مفعول فهذه كلها مؤثرات أبدعها غيرها وكل منها ممكن بنفسه محتاج إلى ~~غيره قد أبدعه غيره ليس فيها ما هو موجود بنفسه فإذا قدر عدم تناهيها كان ~~ذلك تكثيرا للحاجة والافتقار إلى الموجود بنفسه وتكثيرا للممكنات التي هي ~~معدومة بنفسها لا توجد إلا بموجود غيرها فكثرتها وعدم تناهيها لا يخرج شيئا ~~منها عن أن يكون ممكنا مفتقرا إلى غيره وأنه إذا لم يكن له مبدع كان معدوما ~~بل المجموع مفتقر إلى كل من الأفراد وإذا كان كل من الأفراد ممكنا فالمجموع ~~المتوقف على كل من الأفراد أولى أن يكون ممكنا فتبين بذلك امتناع وجود علل ~~ومعلولات لا تتناهى وهو امتناع أرباب كل منهم مربوب أو فاعلين كل منهم ~~مفعول ومؤثرين كل منهم أثر فيه غيره فهذا جميعه مما يعلم امتناعه بالضرورة ~~بعد التصور التام كما اتفق عليه PageV01P026 عامة العقلاء وذلك مما بيبن أن ~~جميع الممكنات والحوادث لها مبدع موجود بنفسه خارج عنها كلها وهذا بخلاف ~~دوام الحوادث وتسلسلها في الماضي أو المستقبل فإن الواحد منها إذا لم يكن ~~دائما باقيا متصلا لم يلزم ألا يكون النوع دائما باقيا متصلا لأن انضمام ~~الواحد إلى غيره يوجب الكثرة التي لا توجد في الواحد والدائم الباقي المديد ~~الطويل الكثير لا يستلزم أن يكون كل واحد من أفراده دائما طويلا مديدا ~~كثيرا # فهذا تنبيه على الفرق بين النوعين وإذا كان كذلك فنقول قولهم بقدم العالم ~~يستلزم التسلسل في المؤثرات وذلك فاسد بالضرورة والاتفاق وهم يسلمون امتناع ~~تسلسل المؤثرات لكن الذين يقولونه هنا يقولون التسلسل إنما هو حاصل في شروط ~~العلية لا في ذات العلة # فيقال لهم إذا كان هذا الحادث موقوفا على شرط العلة الذي هو تمامها وعند ~~حصول تمام العلة يجب مقارنة ذلك المعلول له لا يجوز تأخره عنه فكل حادث يجب ~~أن يقارنه تمام ms013 علة الحادث والكلام في تمام علية الحادث كالكلام في الحادث ~~فيلزم تسلسل تمامات العلل وأن يكون تمام علة كل معلول مقارنا لذلك المعلول ~~فإذن كل حادث إنما تمت علته عند حدوثه وذلك التمام إنما تمت علة حدوثه عند ~~حدوثه أيضا فيلزم تسلسل تمامات لا فاعل لها ولا فرق بين تسلسل علل هي ~~معلولات لا فاعل لها وبين تسلسل تمامات علل هي معلولات لا فاعل لها وأيضا ~~فإن هذه التمامات المتسلسلة لا يجوز أن تكون PageV01P027 صادرة عن العلة ~~التامة الأزلية فإن ذلك يستلزم أن تكون مقارنة لتلك العلة ولا يجوز أن تكون ~~العلة الأزلية علة تامة لواحد منها معين وذلك شرط في الثاني لأنه يتعين لها ~~مبدأ معين وما من واحد إلا وقبله آخر فلا يتعين شيء منها دون الآخر ولا ~~يكون شيء منها علة تامة لحوادث متعاقبة مع كون العلة ثابتة على حال واحدة ~~لأن حدوث المتغير عن علة تامة لا تتغير ممتنع فإذا لم يكن لها محدث سوى ~~العلة التامة الأزلية والعلة التامة الأزلية لا يجوز أن يصدر عنها حادث ~~فيلزم ألا يكون للحوادث محدث وأبو عبدالله الرازي قد نبه على هذا لكن لم ~~يوضحه إيضاحا تاما فاعترض عليه الأرموي حيث لم يفهم حقيقة هذا الإلزام فظن ~~الفرق بين حدوث شروط العلة وحدوث ذات العلة وهذا الفرق إنما يصح إذا كان ~~هناك سبب يقتضي حدوث شروط العلة غير العلة حتى يقال تأثيرها موقوف على حدوث ~~شروط أخر تحدث بسبب غيرها فأما إذا كان لا مقتضى للحوادث إلا ذات العلة ~~التي فرض أنها تامة لا يتخلف عنها معلولها لم يكن اقتضاؤها موقوفا على شرط ~~غيرها فيجب أن يقارنها معلولها فلا يحدث عنها حادث # واعلم أن هذا هو عمدتهم في قدم العالم وقد تبين أنه مناقض لما قالوه وأنه ~~مبطل لقولهم فإن أصل قولهم أن المؤثر في العالم يجب أن يكون تاما فلا يتخلف ~~عنه أثره وهذا بعينه يمنع أن يكون محدثا لشيء من الحوادث بشرط أو بغير شرط ~~PageV01P028 # والرازي أجاب ms014 بأن هذه الحجة تستلزم التسلسل في العلل وهو باطل فاعترض ~~عليه الأرموي في لباب الأربعين # قال الرازي في الأربعين احتج القائلون بالقدم بوجوه أولها لا شك أن ~~الممكنات تنتهي في سلسلة الحاجة إلى واجب الوجود فنقول كل ما لا بد منه في ~~كونه تعالى مؤثرا في إيجاده إما أن يقال أنه كان حاصلا في الأزل أو ما كان ~~حاصلا في الأزل فإن كان كل ما لا بد منه في المؤثرية حاصلا في الأزل فإما ~~أن يجب مع حصوله حصول الأثر أو لا يجب فإن وجب لزم من دوامه دوام الأثر وإن ~~لم يجب كان وجوده مع عدم تلك الآثار جائزا فلنفرض ذاته مع مجموع الأمور ~~المعتبرة في المؤثرية تارة مع وجود تلك الآثار وتارة مع عدمها فاختصاص ذلك ~~الوقت بالوجود دون الوقت الآخر إما أن يختص بأمر ما لأجله كان هو أولى ~~بوجود ذلك الأثر وإما ألا يكون كذلك فإن كان الأول كان ذلك المخصص معتبرا ~~في المؤثرية وهو ما كان حاصلا قبل ذلك فإن كان ما لا بد منه في المؤثرية ما ~~كان PageV01P029 حاصلا في الأزل وكنا قد فرضنا حاصلا قبل ذلك هذا خلف وإن ~~كان الثاني كان ذلك ترجيحا لأحد طرفي الممكن المتساوي على الآخر من غير ~~مرجح أصلا وهو محال هذا إذا قلنا كل ما لا بد منه في المؤثرية كان حاصلا في ~~الأزل أما إذا قلنا بأن كل ذلك ما كان حاصلا في الأزل فحدوثه فيما لا يزال ~~بعد أن لم يكن إما أن يفتقر إلى مؤثر أو لا يفتقر فإن لم يفتقر فقد حدث ~~الممكن لا عن مرجح وإن افتقر نقلنا الكلام إلى كيفية إحداث تلك الأمور ~~ويلزم التسلسل وهو محال # قال الرازي هذا هو العمدة الكبرى للقوم ثم ذكر أجوبة طوائف من أهل الكلام ~~عن ذلك بأن قوما قالوا المرجح هو الإرادة وقيل المرجح هو العلم وقيل المرجح ~~اختصاص وقت الأحداث بحكمه خفية وقيل إحداث العالم في الأزل محال لأن ~~الإحداث جعله موجودا بعد ms015 أن كان معدوما وذلك يقتضي سبق العدم والأزل عبارة ~~عن نفي المسبوقية بالغير فكان الجمع بينهما بمحال PageV01P030 وقيل أن ~~العالم قبل ذلك ما كان ممكنا بل ممتنعا ثم انقلب ممكنا ذلك في الوقت وقيل ~~أن القادر المختار يمكنه أن يرجح أحد المقدورين على الآخر من غير مرجح ثم ~~بين فساد هذه الأجوبة جملة فإن حاصلها أن كل ما لا بد منه في إيجاد العالم ~~ما كان حاصلا في الأزل وبين فسادها على وجه التفصيل بما لا حاجة إلى ذكره ~~هنا ثم قال والجواب أن نقول إن صح ما ذكرتم يلزم أن لا يحصل في العالم شيء ~~من التغيرات لأنه يلزم من دوام واجب الوجود أزلا وأبدا دوام المعلول الأول ~~ومن دوام المعلول الأول دوام المعلول الثاني وهلم جرا إلى آخر المراتب ~~فيلزم ألا يحصل في العالم شيء من التغيرات وأنه خلاف الحس # قال فإن قال قائل لم لا يجوز أن يقال واجب الوجود عام الفيض إلا أن حدوث ~~الأثر عنه يتوقف على استعداد القوابل وحصول هذه الاستعدادات المختلفة في ~~القوابل يتوقف على الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية PageV01P031 وكل ~~واحد منها مسبوق بآخر لا إلى أول فلهذا السبب حدث التغير في هذا العالم قال ~~والجواب أنا نقول العرض المعين إذا حدث في هذا العالم فإما أن يفتقر في ~~حدوثه إلى سبب أو لا يفتقر فإن لم يفتقر فقد حدث الممكن لا عن سبب وهو باطل ~~بالاتفاق وإذا افتقر إلى سبب فذلك السبب إن كان حادثا كان الكلام في كيفية ~~حدوثه كما في الأول فيفضي إلى وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة ~~وهو محال وإن كان السبب قديما فقد أسندتم إلى المؤثر القديم أثرا محدثا ~~وإذا عقلتم ذلك فلم لا يجوز في كل العالم مثل ذلك # قال الأرموي معترضا على هذا الجواب ولقائل أن يقول إن عنيت بالسبب السبب ~~التام فحدوثه لا يدل على حدوث السبب الفاعل بل إما على حدوثه أو حدوث بعض ~~شروطه فإن عنيت به السبب الفاعل لم ms016 يلزم من حدوث العرض المعين حدوثه بل إما ~~حدوثه PageV01P032 أو حدوث بعض الشرائط وحدوث الشرائط والمعدات الغير ~~المتناهية على التعاقب جائز عندهم # قال بل الجواب الباهر عنه أنه لا يلزم ذلك من حدوث العالم الجسماني لجواز ~~أن يوجد في الأزل عقل أو نفس يصدر عنها تصورات متعاقبة كل واحد منها بعد ما ~~يليه حتى تنتهي إلى تصور خاص يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ ~~القديم # قلت هذا الجواب الذي أجاب به الأرموي أخذه من المطالب العالية للرازي ~~فإنه ذكر هذا الجواب فيه وهذا الجواب باطل متناقض في نفسه فإنه يتضمن وجود ~~حوادث لا أول لها والمتكلمون الذين أثبتوا حدوث الأجسام إنما أثبتوه بناء ~~على امتناع حوادث لا أول لها فإن كان هذا الأصل صحيحا بطل الجواب المذكور ~~ولزم حدوث النفوس التي تقوم بها تصورات متعاقبة لأنها حوادث لا أول لها وإن ~~كان حوادث لا أول لها جائزا كما ذكره في الجواب الباهر بطل دليل المتكلمين ~~على حدوث الأجسام PageV01P033 وحينئذ فلا فرق بين أن يقال القديم هو النفس ~~أو جسم وأيضا فهذا الجواب باطل من وجه آخر وهو أن النفوس عند من يثبتها من ~~المتفلسفة لا تفارق الأجسام بل النفس عندهم لا بد أن تكون متعلقة بالجسم ~~تعلق التدبير والتصريف وقد تنازعوا في النفس الفلكية هل هي جوهر أو عرض ~~وأكثرهم يقولون هي عرض ولكن ابن سينا وطائفة رجحوا أنها جوهر فإذا كان وجود ~~النفس التي تقوم بها التصورات المتعاقبة مشروطا بوجود الجسم بطل هذا الجواب ~~وأما العقول فتلك مفارقة لا تدبر الأجسام ولا يقوم بها عندهم شيء من ~~الحوادث لا متعاقبا ولا غير متعاقب وأيضا فهذا الجواب يتضمن شيئين جواز ~~حوادث لا أول لها بناء على أن التسلسل الممتنع إنما هو في المؤثرات لا في ~~الآثار والشروط وهذه مسألة نظرية لا تناقض أصول الإسلام ويتضمن أيضا إثبات ~~العقول والنفوس وأنها قديمة أزلية وأن المخلوق المحدث إنما هو الأجسام دون ~~العقول والنفوس وهذا ليس من دين أحد من أهل الملل ms017 وهو مبني على إثبات ~~العقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة وأنها ليست أجساما وكلامهم في ذلك في ~~غاية الفساد في العقل كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع ~~PageV01P034 وإنما غلط في هذا لأن الشهرستاني والرازي والآمدي ونحوهم من ~~المتأخرين ظنوا أن المتكلمين ليس لهم دليل ينفي وجود هذه الأمور وأنهم لم ~~يذكروا على نفيها دليلا وليس الأمر كما ذكره هؤلاء بل قد صرح النظار كإمام ~~الحرمين وأبي الوفاء بن عقيل ومن قبلهم كالقاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري ~~وأبي PageV01P035 علي وأبي هاشم الجبائي وأبي الحسين البصري ومحمد بن كرام ~~وابن الهيصم وهشام بن الحكم وغيرهم أن إثبات ذلك معلوم الفساد بضرورة العقل ~~وإن إثبات ما لا يشار إليه ولا يقوم بما يشار إليه معلوم الفساد بضرور ~~العقل إما مطلقا عند طائفة وإما في الممكنات عند طائفة وهذا مبسوط في موضعه ~~ولو أن الأرموي قال هذا في واجب الوجود نفسه لكان PageV01P036 ذلك أقرب إلى ~~دين المرسلين فإن ذلك يمكن معه القول بأن كل ما سوى الله سبحانه وتعالى ~~مخلوق محدث غايته أنه يلزم قيام الأفعال المتعاقبة بالواجب نفسه وهذا قول ~~أئمة أهل الحديث وجمهورهم وطوائف من أهل الكلام وقول أساطين الفلاسفة ~~القدماء فهو قول أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة ففي الجملة هذا فيه نزاع ~~بين أهل الملل فيمكن مع القول به موافقة الأنبياء بخلاف ما ذكره # وأيضا فقد بين الرازي والآمدي ضعف ادلة نفاة ذلك وذكر الرازي أن ذلك لازم ~~لعامة الطوائف ثم قرر هو ذلك بطريقة هي أيضا في غاية الضعف كما قد بسط هذا ~~كله في غير هذا الموضع وإذا كان كذلك فالواجب الذي هو أصح في الشرع والعقل ~~أولى من الجواب الذي هو أفسد في الشرع والعقل فهذا الكلام على جواب الأرموي ~~وأما جواب الرازي وإلزامه لهم فصحيح كما ذكره ولكن لم يقرره ويبينه تبيينا ~~يشفي الغليل فلهذا لم يفهم الأرموي حقيقة هذا الجواب وذلك أنه إذا كان ~~المؤثر التام أزليا لزم من دوامه دوام أثاره فيلزم ms018 أن لا يحدث شيء وهو خلاف ~~الحس وهذا الجواب وحده كاف إذا تصوره الإنسان فإنه إذا قيل بأن المؤثر ~~التام أزلي وأنه يستلزم آثاره امتنع حدوث شيء من الآثار فيلزم أن لا يحدث ~~شيء لأن حدوث الحوادث بلا محدث ممتنع وحدوثها عن المؤثر التام ممتنع وأما ~~السؤال الذي أورده فيجاب عنه بما ذكره وبغير PageV01P037 ما ذكره وذلك أن ~~قول القائل أن المؤثر دائم الفيض ولكن حدوث الأثر عنه متوقف على حدوث ~~الاستعداد والشرائط إنما يمكن قوله في الأثر الذي يتوقف على اثنين كالإحراق ~~من النار المتوقف على استعداد المحل فلا تحرق الياقوت والسمندل ونحو ذلك ~~وكالشمس التي يتوقف فيض شعاعها على محل قابل وذلك المحل ليس صادرا عنها ~~وكما قالوه فيما يفيض عن العقل الفعال المتوقف على حدوث امتزاجات حاصلة ~~بحركة الأفلاك وحركة الأفلاك التي فوق فلك القمر لا تتوقف على فيض العقل ~~الفعال فهذا الذي ذكروه من توقف الفيض على استعداد القوابل إنما يمكن أن ~~يقال إذا كان ذلك الاستعداد ليس هو من فيض ذلك الموجب وهذا لا يصح في ~~الواجب الوجود الذي هو المبدع لكل ما سواه فإنه هو الفاعل للإستعدادات ~~والشرائط كما هو الفاعل لما يفيض عليها فلا شريك له في الفعل والإبداع أصلا ~~فإذا قال القائل إن واجب الوجود عام الفيض إلا أن حدوث الأثر عنده يتوقف ~~على استعداد القوابل قيل لهم فاستعداد القوابل هو أيضا مما فاض عنه فيتمنع ~~أن يقال هو عام الفيض لكل ممكن إذ لو كان كذلك لكانت الممكنات كلها أزلية ~~وإذا قيل فلم تأخر عنه فيض الحادث فقيل لتأخر الاستعداد PageV01P038 قيل ~~وما الموجب لتأخر الاستعداد فإذا قيل لتأخر استعداد آخر وقول الأرموي أنه ~~يجوز عندهم حدوث الشرائط والمعدات الفائضة بسببها ليس هو مؤثرا تاما في ~~الأزل لها ولا مؤثرا لها فيما لا يزال لأن المؤثر التام الأزلي لا يتأخر ~~عنه شيء من أثره وتأخر الآثار مشاهد معاين وقول الأرموي أنه يجوز عندهم ~~حدوث الشرائط والمعدات الغير المتناهية على التعاقب لا ينفعهم ms019 بل ذلك مما ~~يستلزم فساد قولهم بقدم شيء من العالم فإنه إذا جاز تسلسل الحوادث والآثار ~~امتنع أن يكون علة تامة في الأزل لشيء منها لأن ذلك يستلزم وجود هذه ~~الحوادث في الأزل وذلك جمع بين النقيضين ويمتنع أن تحدث عنه بعد ذلك لأنها ~~لا تحدث حتى يحدث عنه ما يجعله علة تامة لها وحدوث شيء من الحوادث عن العلة ~~المستلزمة لمعلولها في الأزل ممتنع لكن لو قالوا إن الرب سبحانه وتعالى ليس ~~فعله تاما في الأزل بل هو يحدث كل ما سواه شيئا بعد شيء كان هذا موافقا ~~لأصلهم في جواز تعاقب الحوادث ولكنه مبطل لقدم شيء بعينه من العالم لا ~~الفلك ولا غيره وحجتهم في القدم مبنية على أنه مؤثر تام في الأزل فقد ثبت ~~أنه ليس مؤثرا تاما لها ولم يثبت أنه مؤثر تام لغيرها فبطلت حجتهم فلم يبق ~~معهم ما يثبت علة تامة في الأزل وهذا يبطل حجتهم لو لم يثبت امتناع علة ~~تامة في الأزل فكيف إذا ثبت امتناع ذلك فإنه يوجب امتناع قدم شيء من العالم ~~PageV01P039 وأيضا فإذا لم يكن مؤثرا تاما في الأزل للحوادث فتأثيره بعد أن ~~لم يكن مؤثرا أن توقف على غيره لزم أن يكون مبدع العالم مفتقرا في الإبداع ~~إلى غيره ثم ذلك الغير إن كان واجبا لزم إثبات واجبين فاعلين وهذا ممتنع ~~بالاتفاق مع أنه لا يستلزم قدم العالم ثم إن كان كل منهما مستقلا بالفعل ~~لزم أن يكون كل منهما مبدعا لكله فيلزم أن يكون هذا فاعلا لكله وهذا فاعلا ~~لكله وذلك جمع بين النقيضين وإن لم يكن أحدهما مستقلا بالفعل لزم احتياجه ~~إلى الآخر وافتقاره إليه فيكون كونه فاعلا وقادرا موقوفا على الآخر وذلك ~~يستلزم ألا يكون هذا فاعلا قادرا إلا بهذا وإلا يكون هذا قاعى فاعلا قادرا ~~إلا بهذا فيلزم الدور المعي القبلي فلا يكون واحد منهما فاعلا قادرا وهذا ~~كله مما يسلمه جميع الناس وهو مبسوط في غير هذا الموضع فلا حاجة إلى ~~الإطناب فيه ms020 وإن كان ذلك الغير ممكنا كان مفعولا مصنوعا له فتوقف فعله عليه ~~توقف على ما هو من مفعولاته ومصنوعاته والقول في فعله لذلك الممكن كالقول ~~في فعله لغيره فلا بد أن يكون فعله لا يتوقف على غيره وإن قيل إن تأثيره ~~بعد أن لم يكن لا يتوقف على غيره لزم الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا سبب ~~وهذا ممتنع عندهم وبتقدير صحته فإنه يمكن حدوث الحوادث حينئذ PageV01P040 ~~بعد أن لم تكن حادثة على هذا التقدير فيبطل قولهم بقدم العالم فتبين أنه ~~يمتنع مع حدوث الحوادث أن يكون مؤثرا تاما في الأزل وإذا قيل أحداثه للثاني ~~مشروط بالأول وهلم جرا قيل فليس هو وقت حدوث حادث واحد مؤثرا تاما بل في كل ~~وقت لا بد من حادث به يتم كونه مؤثرا تاما وإذا لم يكن في وقت من الأوقات ~~مؤثرا تاما امتنع ثبوت المؤثر التام الذي لا يتوقف تأثيره على حدوث حادث ~~وإذا بطل المؤثر التام بطل القول بقدم العالم وإيضاح هذا بالكلام على نص ~~كلامهم قالوا لم لا يجوز أن يقال إن واجب الوجود عام الفيض إلا أن حدوث ~~الأثر عنه يتوقف على استعداد القوابل وحصول هذه الإستعدادات المختلفة في ~~القوابل يتوقف على الحركات الفلكية والإتصالات الكوكبية وكل حادث منها ~~مسبوق بآخر لا إلى أول فلهذا السبب حدث التغير في العالم فيقال لهم إذا كان ~~حدوث الأثر عنده يتوقف على استعداد القوابل وحصول الإستعدادات متوقف على ~~الحركات والإتصالات فهذه الحركات والإتصالات هي أيضا حادثة كما أن ~~الإستعدادات أيضا حادثة والقول في حدوث هذه الحوادث كالقول فيما يفيض على ~~القوابل السفلية فإن الجميع حادث وحجتهم تستلزم ألا يحدث شيء لأن المؤثر ~~التام دائم أزلا PageV01P041 وأبدا فيلزم دوام آثاره أزلا وأبدا وألا يتأخر ~~عنه شيء من آثاره فإذا قيل الحادث الثاني مشروط بالأول قيل فالكلام في حدوث ~~الأول فكل من هذه الحوادث لا يجوز أن يصدر عن المؤثر التام الأزلي إذ لو ~~كان كذلك لكان قديما معه وكل من هذه الحوادث يجب أن ms021 يحدث مؤثره أو تمام ~~مؤثره وليس في المؤثر التام الأزلي سبب يقتضي حدوث شيء أصلا عندهم فيلزم ~~ألا يكون لشيء من الحوادث سبب منه وإذا قيل حركة الفلك هي سبب الحوادث قيل ~~فحركة الفلك يمتنع صدورها عن مؤثر تام لا يقوم به شيء من الحوادث لأن ذلك ~~يستلزم تأخر المعلول عن علته التامة وتأخر موجب الشيء ومقتضاه عن المقتضي ~~الموجب التام فالكلام في حدوث حركة الفلك كالكلام في غيرها وهذا الموضع من ~~فهمه علم ضرورة بطلان مذهب القوم وأن حقيقة قولهم أن الحركات والحوادث ~~حادثة بلا فاعل لها ولا سبب يقتضي حدوثها فإن أثبتوا في الفاعل الأول ~~أفعالا تقوم به شيئا بعد شيء وقالوا تلك هي سبب التغيرات كان هذا موافقة ~~على إمكان إحداث العالم وغيره وبطل أصل قولهم وأما الإلزام الذي ذكره ~~الرازي في الأربعين فصحيح PageV01P042 أيضا فإنه قال العرض المعين إما أن ~~يفتقر في حدوثه إلى سبب أو لا يفتقر والثاني باطل بالاتفاق وإذا افتقر ~~فالسبب إن كان حادثا لزم وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة وإن ~~كان قديما لزم جواز صدور الحوادث عن القديم وهو يبطل حجتهم وأما اعتراض ~~الأرموي بقوله إن عنيت بالسبب السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث السبب ~~الفاعل بل إما على حدوثه أو حدوث بعض شرائطه فيقال له هب أن الأمر كذلك ~~فإذا عنى بحدوثه حدوث السبب التام وحدوثه لا يقف على حدوث الفاعل بل يكفي ~~حدوث بعض الشرائط فأي جواب لهم في هذا وقوله حدوث بعض الشرائط والمعدات ~~الغير متناهية على التعاقب جائز عندهم فيقال له فهب أنه جائز عندهم فجوازه ~~عندهم لا يدل على صحة مذهبهم ولا على إمكانه ولا على بطلان ما ذكره بل حدوث ~~الشرائط والمعدات باطل بما به بطل حدوث العلة التامة وذلك أن تلك الشروط ~~والمعدات الحادثة لا بد لها من محدث وإذا قلت حدوثه موقوف على تمام حدوث ~~التأثير PageV01P043 قيل الكلام في حدوث تمام تلك التأثيرات كالقول في كل ~~من هذه الحوادث إن ms022 كان المقتضي لحدوثه حادثا لزم تسلسل العلل وإن كان قديما ~~لزم حدوث الحوادث عن القديم وإن قيل المقتضي لحدوثه هو القديم بشرط الحادث ~~قيل هذا مع قولكم إن القديم مؤثر تام باطل لأن المؤثر التام لا يحدث عنه ~~شيء فلا يحدث عنه شيء من الشروط وأيضا فالعلة يجب أن تكون مقارنة لمعلولها ~~عندكم لا متقدمة عليه ولا متأخرة عنه وإذا كان القديم مؤثرا في الثاني بشرط ~~حدوث الأول كانت العلة متقدمة على المعلول وبهذا احتج الرازي فإنه قال كل ~~حادث يجب أن تكون علته التامة موجودة عند وجوده وإن كان بعض أجزائها متقدما ~~فإذا جعلتم كل حادث جزءا من المؤثر في الآخر أو شرطا فيه وجزء العلة وشرطها ~~هو من تمام العلة التامة لزم وجود هذه الشروط الحادثة عند حدوث كل حادث ~~فيلزم وجود الحوادث المتعاقبة معا وهذا ممتنع ففي الجملة قولهم إن العلة ~~التامة يقارنها معلولها وإن الاول علة تامة يستلزم أن الأول لم يحدث عنه ~~شيء ويستلزم أن يكون تمام علة كل حادث إنما يحصل عند حصوله فلا يكون تمام ~~علته متقدما عليه وهذا يناقض قولهم إن الحادث الأول شرط في تمام علة الثاني ~~فإن الأول متقدم على الثاني والمتقدم على الشيء لا يكن جزءا من علته التامة ~~PageV01P044 والإنسان وإن كان يقطع المسافة الثانية بشرط قطع الأولى فليس ~~هو علة تامة للأولى ولا للآخرة والعلة التامة في حدوث قطع الثانية إنما وجد ~~مع الثانية وهو الإرادة الجازمة والقدرة التامة التي لم تحصل إلا بعد قطع ~~الأولى فإذا قالوا مثل هذا في الواجب لزم تجدد الإرادات له وهذا قول حذاقهم ~~من الأولين والآخرين كالأساطين الذين كانوا قبل أرسطو طاليس أو كثير من ~~الأساطين وكأبي البركات صاحب المعتبر وغيره فإنه قال القول بكون الرب تعالى ~~مؤثرا في هذا العالم لا يمكن إلا مع هذا القول قال والتنزيه عن التنزيه ~~واجب والإجلال عن هذا الإجلال متعين PageV01P045 وهذا القول يبطل حجتهم في ~~قدم العالم ويبين أنه فاعل بمشيئته وقدرته أفعالا متعاقبة شيئا ms023 بعد شيء ~~فهذا أحد الجوابين عن اعتراض الأرموي # الجواب الثاني أن قوله للرازي إما ان تعني بالسبب السبب التام وإما أن ~~تعني به الفاعل فيقول له لا حاجة بي إلى هذا التقسيم فإن حجتي صحيحة مع ~~الإعراض عن هذا التقسيم والناس منهم من يقول إن الحوادث لا توجد إلا بسبب ~~تام يستلزم حدوثها كما هو قول أكثر الناس من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم ~~وأكثر هؤلاء يقولون المرجح مع ذلك هو الفاعل القادر المختار الذي تستلزم ~~قدرته وإرادته للحادث وجود ذلك الحادث فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم ~~يكن وهذا مذهب أهل السنة المثبتين للقدر القائلين بحدوث العالم ومن هؤلاء ~~من يقول بل نفس ذاته موجبة للمكنات بدون ذلك وهذا قول الفلاسفة الدهرية ~~الإلهية وقولهم يستلزم ألا يحدث شيء من الحوادث وهذا الموجب الذي فرضوه لا ~~يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان كالواحد الذي فرضوه أيضا وقالوا إنه لا ~~يصدر عنه إلا واحد PageV01P046 ومن الناس من يقول بل يكفي في حدوثها الفاعل ~~القادر الذي يمكنه الفعل والترك الذي يفعل على سبيل الإختيار وأنه بقدرته ~~فقط أو بقدرته ومشيئته أو بقدرته وداعيه يرجح أحدهما بلا مرجح ومنهم من ~~يفرق بين القادر والموجب فيقول المؤثر الموجب لا يؤثر إلا إذا كان تاما ~~مستلزما لأثره وأما القادر فيمكنه التأثير على سبيل الجواز # والمقصود هنا أن ما ذكره الرازي يصح على جميع هذه التقديرات فبأي شيء فسر ~~المفسر المؤثر أمكن صحة جوابه وذلك أن هذا الحادث المعين كالإنسان والفرس ~~والثمرة وغيرها مما يحدث كل يوم لا بد له من مؤثر فذلك المؤثر إن كان حادثا ~~كان الكلام في سبب حدوثه كالكلام في الأول فيلزم إثبات مؤثرات لا تتناهى كل ~~منها مؤثر في الآخر وإن شئت قلت يلزم إثبات علل ومعلولات لا تتناهى دفعة ~~واحدة وإن شئت قلت يلزم إثبات فاعلين مفعولين وإن شئت قلت يلزم إثبات ~~خالقين مخلوقين لا يتناهون وإن شئت قلت يلزم إثبات أسباب ومسببات لا تتناهى ~~فعلى كل ms024 تقدير إذا كان هذا حادثا لزم وجود علل ومعلولات لا تتناهى دفعة ~~واحدة وإنما قال دفعة واحدة لأن التقدير أن فاعل هذا المحدث محدث أيضا لا ~~قديم فإن قيل فهل لا يجوز أن يكون فاعل هذا محدثا قبله وفاعل هذا محدثا ~~قبله وهلم جرا PageV01P047 قيل لأن الفاعل يجب أن يكون موجودا عند وجود ~~الفعل ويمتنع بعد عدم الفاعل وجود الفعل وكذلك العلة والسبب لا بد أن يكون ~~موجودا عند وجود المعلول والسبب لا يكون موجودا قبله ولو قدر أن لكل فاعل ~~فاعلا قبله محدثا كان هذا أيضا ممتنعا فهذا ممتنع سواء قيل أن الأسباب ~~الفاعلة موجودة معا أو متعاقبة لكنه لما كان الدليل قد قام على أن العلة ~~يجب وجودها عند وجود المعلول لا قبله ذكر هذا اللازم وإذا أردت أن تتبين ~~امتناع ذلك على التقديرين قلت هذا يقتضي ثبوت علل ومعلولات محدثة لا نهاية ~~لها وذلك ممتنع سواء فرضت مجتمعة أو متعاقبة لأن كل واحد منها ليس له وجود ~~من نفسه فلا يستحق من نفسه إلا العدم فإذا كانت كلها محدثة مفعولة مصنوعة ~~امتنع مع عدم الفاعل الصانع وجود شيء منها بمنزلة تعاقب المعدومات ~~والممتنعات وهذا لكونه معلوما متفقا عليه مبسوطا في موضع آخر لم نبسطه هنا ~~فإنه يعلم بضرورة العقل امتناع حوادث بلا محدث قديم لها # والمقصود أن الرازي يقول كل ما يحدث في العالم يمتنع أن يحدث بلا محدث ~~ويمتنع أن يكون كل محدث أحدثه محدث آخر فوجب أن يكون المحدث لكل حادث هو ~~فاعل قديم وهذا يناقض قولهم فإنه برهان باهر على أن المحدثات PageV01P048 ~~يمكن بل يجب صدورها عن القديم وإذا صدرت عن القديم لم يكن القديم علة تامة ~~لشيء منها إذ لو كان كذلك لقارنها فبطل قولهم بالعلة التامة وهو المطلوب ~~لكن ليس في هذا الجواب ما يبطل وجود حوادث لا أول لها بل يجوز أن يقال ~~إحداث القديم الأول مشروط بالثاني ولكن على هذا التقديرين لا يلزم قدم شيء ~~من العالم بل يجوز أن ms025 يكون كل منه حادثا وإن كان مشروطا بحادث قبله لا سيما ~~إذا كان الحادث فعل الفاعل سبحانه وتعالى وهذا الذي ذكره الرازي وغيره ~~إلزام لهم لكن ليس فيه حل الشبهة ولا بيان فسادها ونحن نبين فسادها على ~~أصولهم وعلى أصول المسلمين وذلك أن الحجة مبناها على أنه لا بد أن يكون في ~~الأزل مؤثر تام لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح أو التسلسل هكذا أطلق كثير منهم ~~الحجة ولفظ التسلسل يراد به التسلسل المتنازع فيه ويراد به التسلسل الممتنع ~~باتفاق العقلاء بل والدور فإنه إذا لم يكن في الأزل مؤثر تام ثم صار مؤثرا ~~تاما لزم حدوث تمام التأثير وهذا يتضمن حدوث الحادث بلا فاعل ولهذا عبر ابن ~~سينا وغيره عن هذا بأن قالوا كل ما فعل بعد أن لم يكن فاعلا فلا بد له من ~~حدوث أمر إما علم وإما قصد وإما إرادة وإما زوال مانع وإما أمر آخر وإلا ~~فإذا قدر أنه كما كان وكان لا يحدث عنه شيء فالآن لا يحدث عنه شيء وقد حدثت ~~الحوادث فهذا خلف PageV01P049 وإنما لزم هذا المحذور من فرض ذات معطلة عن ~~الفعل وإذا كان هذا الفرض باطلا فنقيضه حق والتسلسل المذكور هنا هو التسلسل ~~في الفاعل وهو في تمام كونه فاعلا ويلزم الدور أيضا لأنه لا يصير فاعلا إلا ~~بعد أن يصير فاعلا وهذا كما يقال يمتنع أن يكون لفاعل العالم فاعل وللفاعل ~~فاعل ويمتنع أن يكون هو فاعل نفسه لكن هنا الكلام فيما به يتم كونه فاعلا ~~فإذا قيل لم يكن مؤثرا تاما ثم صار مؤثرا فلا بد من حدوث تمام التأثير أو ~~الترجيح بلا مرجح فإنه إذا لم يكن المؤثر التام ثابتا في الازل فحدوث ~~الحوادث عنه إن لم يتوقف على حدوث سبب لزم الترجيح بلا مرجح وإن توقف على ~~حدوث سبب لزم الترجيح بلا مرجح وإن توقف على حدوث سبب فالقول فيه كالقول في ~~الأول ويلزم التسلسل فمضمون الحجة إما أن يكون المؤثر التام ثابتا في الأزل ~~وإما أن ms026 يلزم الترجيح بلا مرجح وإما أن يلزم التسلسل والدور الممتنع فلا بد ~~من أحد هذه الأمور الثلاثة ولهذا كان كثير من أهل الكلام يختار الترجيح بلا ~~مرجح بناء على أن القادر المريد يرجح بقدرته أو بالقدرة والداعي أو أن ~~الإرادة نفسها ترجح أحد المثلين على الآخر وبهذا الجواب أجابهم جمهور ~~المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافق هؤلاء من أصحاب الأئمة الأربعة ~~PageV01P050 وهو أحد جوابي الغزالي في تهافت الفلاسفة وبه أجاب الآمدي ~~وغيره لكن جمهور العقلاء يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة وكذلك بين ~~الرازي على لسان الفلاسفة فساد هذا الجواب فيقال للفلاسفة هذه الحجة باطلة ~~على أصلكم ومتناقضة وذلك أن غاية هذه الحجة أنه إذا لم يكن المؤثر تاما في ~~الأزل PageV01P051 لزم التسلسل والتسلسل جائز عندكم فإذا كان التسلسل جائزا ~~فلم لا يجوز ألا يكون المؤثر في شيء معين تاما في الأزل ولكن تأثيره في كل ~~حادث مشروط بحادث قبله لا إلى غاية وتكون جميع مفعولاته محدثه ومعلوم أن ~~هذا مقتضي هذه الحجة والرازي وغيره غفلوا عن هذا الجواب لأنهم يعتقدون ~~بطلان التسلسل فأخذوا في الحجة مسلما لما قالوا في آخر الحجة ويلزم التسلسل ~~وهو محال وإنما هو محال مطلقا عند من يقول بامتناع حوادث لا أول لها من أهل ~~الكلام وليس هو ممتنعا مطلقا عند الفلاسفة بل ولا عند أئمة أهل الملل ~~كالسلف والأئمة الذين يقولون إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ويقولون إن ~~الفعل من لوازم الحياه فإن كل حي فعال بل يصرح غير واحد منهم بأن كل حي ~~متحرك كما صرح بهذه المعاني من صرح بها من أئمة السلف والسنة والحديث فلو ~~أن هؤلاء المتكلمين قالوا للفلاسفة وهب أن هذا يستلزم التسلسل فالتسلسل ~~جائز عندكم فالحجة باطلة على أصلكم لتبين فساد الحجة على أصل الفلاسفة لكن ~~الفلاسفة تقول للمتكلمين التسلسل اللازم هو تسلسل في أصل التأثير وهو في ~~تمام كون المؤثر مؤثرا وهذا متفق على امتناعه كالتسلسل في نفس المؤثر ~~PageV01P052 وفصل الخطاب أن لفظ التأثير والفعل والإبداع ms027 ونحو ذلك يراد به ~~في حق الله تأثيره في كل ما سواه وهو إبداعه لكل ما سواه ويراد به التأثير ~~في شيء معين وهو خلقه لذلك المعين ويراد به مطلق التأثير وهو كونه مؤثرا في ~~شيء ما فإذا أريد بالتأثير إبداعه لكل شيء في الأزل فهذا ممتنع بضرورة الحس ~~والعقل فإن الحوادث مشهودة وأيضا فكون الشيء مبدعا أزليا ممتنع وإن أريد به ~~التأثير في شيء معين فمعلوم أيضا أن مثل هذا التأثير حادث بحدوث أثره ~~فإحداث الأثر المعين لا يكون إلا حادثا # وإن أريد بالتأثير مطلق الفعل وهو كونه فاعلا في الجملة فيقال للفلاسفة ~~بحثكم إنما ينفي نقيض هذا وهو أنه يمتنع أن يفعل بعد أن لا يكون فاعلا لشيء ~~لا يمتنع أن يكون فاعلا لشيء بعد أن كان فاعلا لشيء آخر ولا يوجب كونه في ~~الأزل مؤثرا تاما بمعنى أنه مستلزم لآثاره في الأزل بل يوجب أنه لم يزل ~~موصوفا بمطلق الفاعلية لا أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن وهذا إذا صح دل على ~~أنه لم يزل محدثا لشيء بعد شيء لم يدل على أن مفعوله المعين قديم أزلي معه ~~فإنهم قالوا فعله معه في الأزل لأنه مؤثر تام في الأزل والمؤثر التام ~~يستلزم أثره فلا يتخلف عنه فعله لأنه لو لم يكن مؤثرا تاما ثم صار تاما فإن ~~لم يحدث شيء لزم الترجيح بلا مرجح PageV01P053 وإن حدث شيء فذلك الحادث لا ~~بد له من سبب حادث فيلزم التسلسل وقولهم لو لم يكن مؤثرا تاما ثم صار تاما ~~إنما يستلزم التسلسل في الآثار لا في المؤثرات لأنه يمكن أن تقوم به إرادات ~~وتصورات متعاقبة متسلسلة وهذا التسلسل جائز عندهم ثم عند اجتماع متأخرها مع ~~متقدمها تحدث الآثار وهذا الجواب أجاب به طائفة منهم الأبهري وهو أجود من ~~الجواب الذي سماه الرازي الباهر وأبو البركات وغيره يسلمون صحة هذا وابن ~~سينا وأمثاله ليس لهم ما ينفون به هذا إلا ما ينفون به الصفات وقولهم في ~~نفي الصفات في غاية ms028 الفساد وأيضا فيقال الذي دل على امتناع التسلسل في تمام ~~التأثير هو التأثير المطلق وذلك لا يدل على قدم شيء من العالم وقد يقول ~~الفلاسفة للمتكلمين فهذا لازم على أصلكم فإذا قالوا لهم ذلك أمكن أن يجاب ~~عن هؤلاء المتكلمين بأن التسلسل إما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا فإن ~~كان ممتنعا بطل قولكم بقدم العالم ودوام حركة الفلك وإذا بطل قولكم بطلت ~~الحجة الدالة عليه بطريق الأولى فإن القول الباطل لا يكون عليه دليل صحيح ~~وإن كان التسلسل ممكنا بطلت هذه الحجة فثبت بطلان هذه الحجة على التقديرين ~~فإن قيل أبو علي بن الهيثم وابن سينا والسهروردي PageV01P054 وأمثالهم إنما ~~ذكروا هذه الحجة على من يثبت ذاتا معطلة عن الفعل لم تفعل ثم فعلت من غير ~~حدوث سبب فقالوا نحن نعلم بضرورة العقل أن الحادث بدون سبب حادث محال فإذا ~~قلت حدث بسبب حادث فالقول في الأول كالقول في الثاني فيلزم حدوث الحادث بلا ~~سبب وأيضا فإن الحجة مبنية على امتناع التسلسل في المؤثرات وهذا متفق على ~~امتناعه بين العقلاء قيل أولا الحجة المذكورة لا تتضمن لا هذا ولا هذا ~~وإنما هي مبنية على امتناع التسلسل في الآثار الصادرة عن الواجب الوجود ~~والفلاسفة تجوز هذا وحقيقة الأمر أن هؤلاء المتفلسفة أدعوا قدم الأفلاك ~~وغيرها من الأمور المعينة ومنازعوهم قالوا بل نوع الفعل والمفعول ممتنع في ~~الأزل فاحتج أولئك بامتناع أن يصير فاعلا من لم يكن فاعلا بدون سبب حادث ~~والحدث لا يحدث إلا بفاعل ولا فاعل فكان تقدير الكلام لا يكون فاعلا حتى ~~يصير فاعلا ولا يصير فاعلا حتى يصير فاعلا وهذا دور من وجه وتسلسل من وجه ~~وهو تسلسل في نفس كونه فاعلا فهو من التسلسل في المؤثرات لكنه PageV01P055 ~~دور في شيء واحد وتسلسل في شيء واحد مثل أن يقال هذا لا يكون حتى يكون ولا ~~يكون حتى يكون فإنه اعتبار نفسه شيء واحد وباعتبار تعدد الأكوان دور وتسلسل ~~في أمور ثم إن جعل الكون الثالث هو الأول ms029 كان دورا وإن جعله غيره كان ~~تسلسلا ولذلك إذا قيل لا يفعل حتى يفعل ولا يفعل حتى يفعل إن جعل الثالث هو ~~الأول كان دورا وإن جعل غيره كان تسلسلا فهذا ممتنع بلا ريب وأما إذا قيل ~~لا يفعل فعلا حتى يفعل فعلا آخر لم يكن نوع الفاعلية حادثا بل أعيانها وهذا ~~فيه النزاع المشهور والفلاسفة تجوز مثل هذا وهو لا يستلزم قدم شيء من ~~العالم ولا يلزم أن يكون تأثيره في شيء معين أزليا وقيل ثانيا أما كلام ابن ~~سينا وأخوانه فباطل من وجهين أحدهما أن يقال له قولك يستلزم حدوث الحوادث ~~بلا محدث لها فجواز حدوثها عن مؤثر قديم بلا سبب حادث إن كان باطلا فقولكم ~~أبطل منه وإن كان قولكم ممكنا فهذا أولى بالإمكان فالقول الذي فررتم إليه ~~شر من القول الذي فررتم منه إذ قولكم يتضمن أن المؤثر التام الأزلي صدرت ~~عنه الحوادث بلا حدوث شيء فيه ولا منه مع كون المؤثر التام لا يتخلف عنه ~~شيء من مفعولاته # الوجه الثاني أن يقال أن هذه الحجة إنما تتضمن أن الفاعل لم يزل فاعلا ~~ليس فيها ما يدل على أنه علة تامة في PageV01P056 الأزل ولا على أن شيئا من ~~العالم قديم لا الأفلاك ولا غيرها فإذا كان كذلك فليس فيها ما يدل على ~~مطلوبه وإنما يدل على بطلان قول من يجعل الفاعل صار فاعلا بعد أن لم يكن ~~بلا سبب أصلا لكن هذا قول طائفة من أهل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة ليس ~~هذا القول معروفا عند سلف المسلمين وأئمة الدين فضلا عن الانبياء والمرسلين ~~وليس في بطلان هذا القول إن بطل إثبات قدم العالم ولا شيء منه بل إنما يدل ~~على بطلان ما يقوله أهل الكلام المبتدع كالمعتزلة ومن سلك سبيلهم وهذا مما ~~يتبين به أن أدلة العقول موافقة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومما ~~يبين فساد قول هؤلاء القائلين بقدم العالم عن الموجب بالذات أن يقال إما أن ~~يكون مجرد ذاته هي ms030 الموجب للعالم أو هي متوقفة على أمر آخر فإن كان الأول ~~لزم قدم كل شيء في العالم ودوامه بقدم الموجب ودوامه فإنه إذا لم يكن هنا ~~إلا مؤثر تام قديم مستلزم لأثره لزم أن يكون أثره قديما معه بقدمه وهو ~~مكابرة للحس وإن كان تأثيره موقوفا على غيره كان هذا مع بطلانه بالاتفاق ~~مبطلا لقولهم بقدم العالم وأن يقال ذلك الغير إن كان قديما واجبا معه ~~ومجموعهما هو العلة التامة لزم قدم الآثار بقدمهما فسواء فرض المؤثر القديم ~~الموجب واحدا أو عددا متى قيل PageV01P057 إنه موجب بذاته في الأزل لزم ~~حصول جميع موجبه في الأزل فيلزم ألا يحدث شيء وهو مخالف للعيان وإن قيل أن ~~تأثيره موقوف على حادث غيره كان القول في حدوث ذلك الحادث كالقول في غيره ~~فيمتنع صدوره عنه فتبين أنه يلزمهم كون الحوادث لا محدث لها كيفما داروا ~~ويلزمهم أيضا ألا يكون واجبا بذاته لأن الواجب بذاته لا بد أن يكون غنيا عن ~~غيره من كل وجه فإذا افتقر في فعله إلى غيره لم يكن غنيا من كل وجه لا سيما ~~إذا كان فعله من لوازم ذاته وكان ذلك موقوفا على غيره كان لوازم ذاته ~~موقوفا على غيره ووجود الملزوم بدون اللازم محال فيكون وجود ذاته موقوفا ~~على ذلك الغير وما كان كذلك لم يكن واجبا بنفسه فكان قولهم مستلزما لكونه ~~غير واجب بنفسه وكونه غير مبدع لشيء لا بالإيجاب ولا غيره # وأيضا فإذا كانت ذاته غير كافية في الأحداث كانت مفتقرة في الأحداث إلى ~~امر عدمي لامتناع حدوث الحوادث عن غيره وإذا كان افتقاره إلى موجود غيره ~~ممتنعا فافتقاره إلى المعدوم أولى بالامتناع ولأن المعدوم لا يكون مؤثرا ~~ولا جزءا من المؤثر في الوجود وأيضا فهم يزعمون أنهم قالوا بقدم العالم ~~نفيا للشركة عن الله لأنه إذا كان فعله مجرد ذاته مستقلا بالفعل لزم قدم ~~الفعل وإذا كان حادثا كان موقوفا على غيره PageV01P058 فيقال لهم بل قولكم ~~أن فعله متوقف على غيره لأن الحوادث التي ms031 تحدث ليست ذاته موجبة لها لامتناع ~~كون الذات القديمة الموجبة بذاتها لآثارها موجبة للحوادث فلا يكون ممكنا من ~~فعل الحوادث إلا بشريك وأما القائلون بالحدوث فلهم قولان أحدهما قول من ~~يقول الأول لم يزل فاعلا للحوادث شيئا بعد شيء فعلى هذا تكون ذاته مستلزمة ~~للفعل مع كون الأفعال والمفعولات حادثة شيئا بعد شيء ليس فيها ما هو قديم ~~ومن غير أن يكون له شريك وإذا كان فعله للثاني موقوفا على فعله الأول مع ~~أنه هو فاعل للجميع لا يفتقر في ذلك إلى غيره لم يكن في ذلك مفتقرا إلى شيء ~~غيره # والقول الثاني قول من يقول أنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا فهؤلاء يقولون ~~أنه فعل لمجرد قدرته أو لقدرته أو لمشيئته أو قدرته وداعيه لا يقولون أن ~~فعله متوقف على موجود غيره وإذا قالوا أنه موقوف على انقضاء الأول لم يكن ~~هذا الانقضاء مفتقرا عندهم إلى سبب وجودي فتبين أنهم على كل واحد من ~~القولين أبعد عن الشرك من الفلاسفة # وهؤلاء الفلاسفة ليس معهم قط دليل يدلهم على قدم شيء من العالم ولا أن ~~الخالق قارنه شيء من مخلوقاته ولكن غاية ما معهم أنه لم يزل فاعلا وإثبات ~~نوع الفعل لا يستلزم إثبات فعل معين ولا مفعول معين PageV01P059 فقولهم ~~بقدم الأفلاك أو مادة الأفلاك أو العقول والنفوس أو غير ذلك ليس لهم عليه ~~حجة أصلا وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وتكلمنا على جميع ما ~~ذكر في هذا الباب وأنه ليس في شيء منها ما يقتضي قدم شيء من العالم وهذا ~~منتهى نظر العقلاء في هذا المقام ولهذا ذكر أبو عبدالله الرازي في خاتمة ~~كتابه المسمى بالأربعين المسألة الأربعون وهي خاتمة الكتاب في ضبط المقدمات ~~التي يكون الرجوع إليها في إثبات المطالب العقلية وختم ذلك بأن قال واعلم ~~أن هنا مقدمتين يفرع المتكلمون والفلاسفة أكثر مباحثهم عليها المقدمة ~~الأولى مقدمة الكمال والنقصان كقولهم هذه الصفة من صفات الكمال فيجب ~~إثباتها لله عز وجل وهذه الصفة ms032 من صفات النقصان فيجب نفيها عن الله عز وجل ~~وقال وأكثر مذاهب المتكلمين مفرعة على هذه المقدمة PageV01P060 إلى أن قال ~~وأما المقدمة الثانية فهي مقدمة الوجوب والإمكان وهذه المقدمة في غاية ~~الشرف والعلو وهي غاية عقول العقلاء قالوا الموجود إما واجب وإما ممكن ~~والممكن لا بد له من واجب وذلك الواجب لا بد وأن يكون واجبا في ذاته وفي ~~صفاته إذ لو كان ممكنا لافتقر إلى مؤثر آخر وتكلم على المقدمة الاولى قال ~~والمقدمة الثانية وجوبه في جميع صفاته السلبية والثبوتية قالوا والدليل على ~~أن الأمر كذلك أن ذاته إن كفت في تحقق تلك الصفة وجب دوامها بدوام الذات ~~وإن لم تكف افتقرت ذاته في تلك الصفة إلى أمر آخر ولا بد في الآخر من ~~الانتهاء إلى الواجب بذاته فيعود ما ذكرناه من أنه يلزم من دوام ذاته دوام ~~تلك الصفة قال ثم إن الفلسفي يقول ما لأجله كان مؤثرا في غيره إما أن يكون ~~هو ذاته أو لوازم ذاته فيلزم من دوام ذاته دوام مؤثريته ودوام أثره ~~والمتكلم يقول لما وجب في PageV01P061 الفعل أن يكون مسبوقا بالعدم لزم أن ~~يقال أنه أوجد بعد أن لم يكن موجدا فالفيلسوف يستدل بحال المؤثر على حال ~~الأثر والمتكلم يستدل بحال الأثر على حال المؤثر وهي المعركة الكبرى ~~والطامة العظمى في هذا الموضع قلت مقدمة الكمال والنقصان أشرف من مقدمة ~~الوجوب والإمكان كما قد بسط في غير هذا الموضع والمقصود هنا أنه لقائل أن ~~يقول كل من المتكلم والمتفلسف لو أعطي تمام الهداية لعلم أن ما دل عليه ~~العقل موافق لما أخبرت به الرسل ولما دل عليه الدليل الآخر العقلي فإن أدلة ~~العقول لا تتناقض في نفسها ولا تناقض ما أخبرت به الرسل فيقال للمتفلسف ~~أتعني بقولك يلزم من دوام ذاته دوام مؤثريته في شيء معين كالأفلاك أو غيرها ~~وكذلك تعني أنه يلزم دوام أثر معين كالأفلاك أو غيرها أو تعني به دوام ~~مؤثريته في كل شيء أم تعني دوام مطلق التأثير والأثر ms033 فإن عنيت الاول لم يكن ~~قولك صحيحا من وجوه أحدها أن هذا الدليل لا يستلزم دوام تأثير في أثر معين ~~وإنما يستلزم دوام مطلق التأثير ومطلق الأثر وعلى هذا التقدير فإذا قيل لم ~~يزل الله موصوفا بصفات PageV01P062 الكمال حيا متكلما إذا شاء فعالا أفعالا ~~تقوم به أو مفعولات محدثة شيئا بعد شيء أعطي هذا الدليل موجبه ولم يلزم من ~~دوام النوع دوام كل واحد من أعيانه وأشخاصه ولا دوام شيء منها كما تقوله ~~أنت في حركات الفلك والحوادث الأرضية فإنك تقول نوع الحوادث دائم باق لا ~~أول له فليس فيها شيء بعينه قديم فهي كلها محدثة وإن كانت الأحداث لم تزل ~~وإذا قلت مثل هذا في فعل الواجب كنت قد وفيت بموجب هذا الدليل ولم تخالف ~~شيئا من أدلة العقل ولا الشرع # الوجه الثاني أن يقال لو كان مؤثريته في شيء معين من لوازم ذاته دون غيره ~~من الموجودات لم يكن التأثير في غيره من لوازم ذاته فيلزم أن يكون من ~~التأثير ما ليس من لوازم ذاته في الأزل فكان من التأثير ما هو حادث ليس ~~بقديم وحينئذ فإن كان ذلك بدون أن تقوم بذاته أمور متعاقبة أمكن أن يقال ~~ذلك في جميع العالم فلا يكون شيء منه قديما وإن كان لا بد من قيام أمور ~~متعاقبة أمكن أن يكون كل ما صدر عنه حادثا بعد أن لم يكن بهذا السبب من غير ~~قدم شيء من العالم # الوجه الثالث أن كون الفاعل فاعلا لشيء مع كونه قديما بقدمه جمع بين ~~النقيضين كما ذكره المتكلمون وأما كون الموجب لكونه فاعلا ذاته ولوازم ذاته ~~فذلك لا يقتضي أن يكون فاعلا لشيء معين كما لا يقتضي أن يكون فاعلا لكل شيء ~~وأما إن أريد مؤثريته في كل شيء فيقال محال أن يكون PageV01P063 اللازم ~~دوام مؤثريته التامة وأثره كله فإن هذا لو كان حقا لم يحدث شيء في هذا ~~العالم فحدوث الحوادث دليل على أنه لا يلزمه آثاره كلها وليست المؤثرية ~~التامة المستلزمة الآثار ms034 ثابتة في الأزل بل تحدث عنه الأثار فيكون مؤثرا في ~~هذا الحادث ثم في هذا الحادث وقد تقدم أنه لو لزم دوام الآثار لم يكن في ~~العالم تغير أصلا وإن قلت بل اللازم دوام مطلق التأثير # فيقال ليس في هذا ما يقتضي قدم شيء من العالم بل كونه فاعلا للشيء يقتضي ~~كون المفعول له مسبوقا بالعدم ودوام كونه فاعلا لا يناقض ذلك وحينئذ فليس ~~مع الفلسفي ما يوجب قدم شيء من العالم # وأما قول المتكلم لما وجب في الفعل أن يكون مسبوقا بالعدم لزم أن يقال ~~أنه أوجد بعد أن لم يكن موجدا فيقال له أوجب في كل مفعول معين وكل فعل معين ~~أن يكون مسبوقا بالعدم أم أوجب في نوع الفعل فإن قلت بالأول فلا منافاة بين ~~أن يكون كل من الأفعال والمفعولات مسبوقة بالعدم مع دوام نوع المؤثرية ~~والأثر وأذن ما دل عليه دليل العقل لا يناقض ما دل عليه ذلك PageV01P064 ~~الدليل الآخر العقلي ومن اهتدى في هذا الباب إلى الفرق بين النوع والعين ~~تبين له فصل الخطأ من الصواب في مسألة الأفعال ومسألة الكلام والخطاب واعلم ~~أن أولي الألباب هم سلف الأمة وأئمتها المتبعون لما جاء به الكتاب بخلاف ~~المختلفين في الكتاب المخالفين للكتاب الذين قيل فيهم @QB@ وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ سورة البقرة 176 وحينئذ فالرب تعالى ~~أوجد كل حادث بعد أن لم يكن موجدا له وكل ما سواه فهو حادث بعد أن لم يكن ~~حادث ولا يلزم من ذلك ان يكون نفس كماله الذي يستحقه متجددا بل لم يزل ~~عالما قادرا مالكا غفورا متكلما كما شاء كما نطق بهذه الألفاظ ونحوها ~~الإمام أحمد وغيره من أئمة السلف فإن قال أن نوع الفعل يجب أن يكون مسبوقا ~~بالعدم قيل له من أين لك هذا وليس في الكتاب والسنة ما يدل عليه ولا في ~~المعقول ما يرشد إليه وهذا يستلزم أن يصير الرب قادرا على نوع الفعل بعد أن ~~لم يكن قادرا عليه فإنه ms035 إن لم يزل قادرا أمكن وجود المقدور فإن كان المقدور ~~ممتنعا ثم صار ممكنا صار الرب قادرا بعد أن لم يكن وانتقل الفعل من ~~الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث شيء ولا تجدده فإن الأزل ليس هو شيئا ~~معينا بل هو عبارة عن عدم الأولية كما أن الأبد عبارة عن عدم الآخرية فما ~~من وقت يقدر إلا والأزل قبله لا إلى غاية كما قال النبي صلى الله عليه ~~PageV01P065 وسلم في الحديث الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر ~~فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ومما ~~ينبغي أن يعلم أن الرازي وأتباعه مضطربون في هذه الحجة وأمثالها فتارة ~~يكونون مع أهل الكلام وتارة يكونون مع الفلاسفة ولهذا يحتج بهذه الحجة في ~~كتابه الذي صنفه في السحر ودعوة الكواكب وعبادة الأصنام المبنية على ذلك ~~وقال فيه هذا ملخص ما وصل إلينا من علم الطلسمات والسحريات والعزائم ودعوة ~~الكواكب مع التبري عن كل ما يخالف الدين ويثلم اليقين # قال في المقالة الأولى في تقرير الأصول الكلية لهذا العلم وفيه فصول ~~الفصل الأول في تحديد الطلسمات وتحقيق الكلام فيها على الوجه الكلي الطلسم ~~علم بأحوال تمزيج القوى الفعالة السماوية والقوى المنفعلة الأرضية لأجل ~~التمكن من إظهار ما يخالف العادة والمتع مما يوافقها قال وتحقيق الكلام فيه ~~يستدعي بيان مقامين أحدهما PageV01P066 إثبات القوى الفعالة السماوية ~~وتقريره أن الحوادث الحادثة في هذا العالم العنصري لا بد لها من أسباب ~~وأسبابها إما أن تكون حادثة وإما أن تكون قديمة فإن كانت حادثة افتقرت إلى ~~أسباب أخرى ولزم التسلسل وذلك محال لأن السبب المؤثر لا بد وأن يكون موجودا ~~مع الأثر فلو كان المؤثر في وجود كل حادث حادثا آخر لا إلى نهاية لزم حصول ~~تلك الأسباب والمسببات التي لا نهاية لها دفعة واحدة لكن ذلك محال لأن ذلك ~~المجموع ممكن وحادث بمجموعه وبكل واحد من أجزائه وكل ممكن محدث فله سبب ~~مغاير له فاذن ذلك المجموع مفتقر لمجموعه ولكل ms036 واحد من أجزائه لمجموع ~~الممكنات أجزاء ذلك المجموع ليس بممكن ولا حادث فإذن ثبت انتهاء جميع ~~الممكنات إلى موجود واجب الوجود فقد بطل القول بالتسلسل وإذا ثبت انتهاء ~~جميع الممكنات والمحدثات إلى سبب قديم واجب الوجود فنقول ذلك القديم إما أن ~~يكون كل ما لا بد منه في مؤثريته حاصلا في الأزل أو ليس كذلك ويدخل في هذا ~~القسم قول من يقول انه إنما خلق هذا الحادث في هذا الحين لأن خلقه فيه أصلح ~~من خلقه في حين آخر PageV01P067 ولأن خلقه كان موقوفا على حضور وقت معين أو ~~محقق أو مقدر فإنه على جميع هذه الأقوال صح القول بأن كل ما لا بد منه في ~~مؤثريته في حدوث ذلك الحادث ما كان حاصلا في الأزل فأما إن قلنا إن كل ما ~~لا بد منه في هذه المؤثرية كان حاصلا في الأزل لزم أن يكون الأثر واجب ~~الترتيب عليه في الأزل لأن الأثر لو لم يكن واجب الترتيب عليه فهو إما ~~ممتنع الترتيب عليه وإما ممكن الترتيب عليه فإن كان ممتنع الترتيب عليه ~~فليس هو بمؤثر أصلا وقد فرضناه مؤثرا هذا خلف وإن كان ممكن الترتيب عليه ~~وممكنا أن لا يترتب عليه أيضا فلنفرضه تارة مصدرا لذلك الأثر بالفعل وأخرى ~~غير مصدر له بالفعل لأن كل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال وامتياز ~~الحين الذي صار المؤثر فيه مصدر الأثر بالفعل عن الحين الذي لم يصر كذلك ~~إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أولا يتوقف فإن توقف لم يكن الحاصل قبل ~~انضمام القيد إليه تاما في المؤثرية وقد فرضناه كذلك هذا خلف وإن لم يتوقف ~~فقد ترجح الممكن من غير مرجح ألبتة وتجويزه يسد باب الاستدلال بالممكن على ~~المرجح وأما إن قلنا أن كل ما لا بد منه في المؤثرية ما كان حاصلا في الأزل ~~فإن استمر ذلك السبب أبدا وجب ألا يصير ألبتة مؤثرا لكنا فرضناه مؤثرا فيما ~~لا يزال هذا خلف فإن كان بسبب نقلنا ms037 الكلام إلى كيفية حدوثه ويلزم التسلسل ~~فهو على وجهين أحدهما أن يكون التسلسل واقعا في أسباب ومسببات يكون مجموعها ~~موجودا دفعة واحدة PageV01P068 وذلك مما أبطلناه الثاني أن يكون التسلسل ~~واقعا على وجه يكون واحد منها مسبوقا بآخر لا إلى بداية وأول ذلك هو ~~المتعين فإنه لما بطل جميع الأقسام إلا هذا القسم تعين هو للمصير إليه ~~وتقريره أن يقال ذلك المؤثر القديم الواجب لذاته فياض أيضا لذاته إلا أن كل ~~حادث مسبوق بحادث آخر حتى يكون انقضاء المتقدم شرطا لفيضان المتأخر عنه ~~وبهذا الطريق يصير المبدأ الأول مبدأ الحوادث المتغيرة قالوا ولهذا مثال في ~~الحركات الطبيعية وفي الحركات الإرادية أما الحركات الطبيعية فلأن المدرة ~~المرمية إلى فوق تعود بسبب ثقلها إلى الأرض فالموجب لتلك الحركة من أول ~~المسافة إلى آخرها هو ذلك الثقل إلا أن ذلك الثقل إنما أوجب انتقال الجسم ~~من الحيز الثاني إلى الحيز الثالث لأن الحركة السابقة أوصلته إلى الثاني ~~فكان حصول الجزء الأول من الحركة وانقضاؤه شرطا لإمكان أن يصير ذلك الثقل ~~مؤثرا في حركة الجسم من الحيز الثاني إلى الحيز الثالث وهكذا القول في جميع ~~الأجزاءالتي في الحركة وأما في الحركة الإرادية فلأن من أراد الذهاب إلى ~~زيارة صديق له فتلك الإرادة هي المؤثرة في حركة البدن من ذلك المكان إلى ~~مكان ذلك الصديق إلا أن تأثير تلك الإرادة في إيجاد الخطوة الثانية مسبوق ~~بحصول الخطوة الأولى وانقضائها وعلى هذا الطريق فإن كل خطوة سابقة فهي ~~PageV01P069 شرط لإمكان تأثير تلك الإرادة في حصول اللاحقة وعلى هذا ~~الترتيب إلى آخر المسافة فثبت أنه لا بد من توسط حركة سرمدية دائمة بين ~~المبدأ الأول وبين هذه الحوادث وهذه الحركة الدائمة يمتنع أن تكون مستقيمة ~~وإلا لزم القول بوجود أبعاد غير متناهية وهو محال فإذن لا بد من جرم متحرك ~~بالاستدارة وهو الفلك فثبت أن حركات الأفلاك هي المبادىء القريبة للحوادث ~~الحادثة في هذا العالم فكان الفلك جرما بسيطا والنسب بين صفة الأجزاء ~~المتشابهة متشابهة والأمور المتشابهة في ms038 تمام الماهية لا يمكن أن تكون عللا ~~للأمور المختلفة فوجب أن تكون في أجرام الأفلاك أجرام مختلفة الطبائع وتكون ~~تلك الأجرام بحيث تختلف نسبها وتشكلاتها حتى يمكن أن تكون تلك التشكلات ~~هناك مبادىء لحدوث الحوادث المختلفة في هذا العالم والأجرام المختلفة ~~الطبائع المركوزة في أجرام الأفلاك هي الكواكب فثبت أن المبادىء القريبة ~~لحدوث الحوادث في عالم الكون والفساد هي اتصالات الكواكب قال الرازي ثم إن ~~القائلين بهذا المذهب وهم الفلاسفة والصابئة قالوا بربوبيتة هذه الكواكب ~~واشتغلوا بعبادتها واتخذوا لكل واحد هيكلا مخصوصا وصنما معينا واشتغلوا ~~بخدمتها وساق الكلام إلى آخره قلت فهذا غاية تقرير أصل هؤلاء ومطلوبهم في ~~هذا التقرير وهو مع هذا يدل على نقيض مطلوبهم لمن فهم حقيقة مقدمات هذه ~~الحجة إذ ثبوت المؤثر التام في الأزل PageV01P070 ممتنع فإن الأزل ليس وقتا ~~بعينه ولكنه عبارة عن نفي الأولية وهو الدوام الذي لا ابتداء له فلو كان لم ~~يزل مؤثرا تاما والتام هو المستلزم لأثره لم يزل كل شيء موجودا قديما وهو ~~خلاف المشاهدة فعلم أنه صار مؤثرا في الحوادث بعد أن لم يكن مؤثرا فيها ~~وحينئذ فإذا قيل لم يزل مؤثرا في حادث بعد حادث وعنى بالمؤثر هذا لم يدل ~~هذا على قدم شيء من العالم بل هذا يقتضي انقضاء مدة وأن المؤثرية المعتبرة ~~في حدوث الحوادث ما كانت موجودة من الازل هذا نقيض ما طلبوه في ذلك التقدير ~~فإنهم طلبوا أن تكون جميع الأمور المعتبرة في التأثير موجودة في الأزل ~~ليكون العالم مقارنا له وقد بينا أن هذا ممتنع وأنه يمتنع وجود المؤثر ~~التام في الأزل لأن ذلك يستلزم امتناع حدوث الحوادث كما قرروه هنا ونحن ~~نبين بطلان استدلالهم على قدم العالم على هذا التقدير الآخر فقولهم لأن ~~السبب المؤثر لا بد وأن يكون موجودا مع الأثر فلو كان المؤثر في كل حادث ~~حادثا آخر لا إلى نهاية لزم حصول تلك الأسباب والمسببات التي لا نهاية لها ~~دفعة واحدة لكن ذلك محال فيقال هذا بعينه يدل على ms039 حدوث ما سوى الله تعالى ~~فإنه لا بد عند كل حادث من وجود المؤثر التام فيجب أن تكون PageV01P071 ~~مجموع الأمور المعتبرة في تأثير كل حادث موجودة عند ذلك الحادث وحينئذ ~~فالحادث الأول لا بد أن يكون شرطا في وجود الثاني حتى يوجد بعده سببا به ~~يصير المؤثر مؤثرا وهؤلاء يقولون المؤثر القديم باق على حال واحدة ولكن ~~الحادث الأول شرط في الثاني فلا يوجبون أن يكون عند كل امر حادث مؤثره ~~التام موجودا لأن كل ما يعتبر في التأثير فهو داخل في المؤثر التام فلا بد ~~أن تكون شروط التأثير موجودة عند التأثير وهؤلاء يجعلون شرط التأثير سابقا ~~على وجود الأثر ليس بمقارن له فهذا الأصل مما يدل على نقيض قولهم وأيضا ~~فقوله فإن كان حدوث الحادث بسبب لزم التسلسل على وجه التعاقب كما ذكره ~~فيقال هذه الحجة تتضمن أن المؤثر القديم الواجب لذاته فياض لذاته إلا أن كل ~~حادث مسبوق بحادث آخر وذلك يقتضي أن يكون هو الذي يحدث الحوادث المتعاقبة ~~فتكون صادرة عنه فلا يحدث الثاني حتى يحدث الأول فإذا كان إحداثه الثاني ~~مشروطا بإحداثه الأول امتنع أن يكون موجبا بذاته وعلة تامة مستلزمة ~~لمعلولها لأن الموجب لا يتأخر عنه موجبه والعلة لا يتأخر عنها معلولها وإذا ~~لم يكن موجبا بذاته كان فعله لما يفعله بمشيئته وقدرته وكان تأثيره في كل ~~واحد من الحوادث حاصلا بعد أن لم يكن مؤثرا فيه PageV01P072 وحينئذ فالمحدث ~~لكمال ذلك التأثير لا يجوز أن يكون غيره لأن كل ما سواه مفعول له وإحداثه ~~لذلك الغير هو من جملة إحداثاته فلا يجوز أن يكون ما به صار الخالق فاعلا ~~مؤثرا هو أمرا يستفيده من غيره بل هو بنفسه الخالق لكل شيء والأفعال ~~المتقدمة المشروطة في المفعولات المتأخرة هي أفعاله لا أفعال غيره فلو كان ~~هو نفسه لم يفعل شيئا بنفسه بل الحوادث تحدث منفصلة عنه شيئا بعد شيء وهو ~~نفسه لم يفعل بنفسه شيئا لزم ألا تكون تلك الحوادث صادرة عنه فإنه كل واحد ms040 ~~من أجزاء الحركة حادث فلا بد له من سبب حادث والمتحرك جسم ممكن فما يحدث ~~فيه من الاسباب المقتضية للحركة كالتصورات والإرادات المتعاقبة هي أيضا ~~حادثة فيه شيئا بعد شيء وهو نوع حركة أيضا والفاعل لذلك يمتنع أن يكون علة ~~تامة أزلية موجبة بذاتها لمعلولها فإن ذلك لو كان كذلك لم يصدر عنها شيء من ~~تلك الحركات والحركات حادثة ممكنة فلا بد لها من فاعل ونفس الجسم الذي هو ~~متحرك دائما لا يجوز أن يكون موجبا بذاته علة تامة في الأزل مستلزمة ~~لمعلولها لأن من معلولها الحركة التي توجد شيئا بعد شيء وتلك لا يكون ~~المستلزم لها أزليا فإنه يلزم أن يكون أزليا وذلك تناقض لا سيما مع كثرة ~~الحركات والحوادث واختلاف أنواعها # فصدور الأمور الحادثة المختلفة عن علة تامة بسيطة مستلزمة لمعلولها ممتنع ~~في بدائه العقول سواء صدرت عنه بواسطة أو بغير واسطة PageV01P073 وهؤلاء ~~يقولون أن الواجب بذاته بسيط ليس له صفة ثبوتية ولا فعل قائم به ويقولون ~~أنه علة تامة مستلزمة لمعلولها فكان لازم قولهم أنه لا يصدر عنه إلا واحد ~~بسيط قديم وكذلك عن الصادر عنه فلما تيقن وجود الكثرة المختلفة الحادثة كان ~~هذا مناقضا لقولهم وفضلاؤهم معترفون بهذا كما بسط الكلام عليهم في غير هذا ~~الموضع وهذا الكلام يدل على أمور تدل على امتناع حدوث الحوادث عن علة تامة ~~فإن قولهم بحدوثها عن علة تامة قول باطل كيفما كان ويدل على أن محدث ~~الحوادث لا يكون إلا فاعلا تقوم به الأفعال وكما أنه يدل على إبطال حجتهم ~~على القدم فيدل أيضا على حدوث العالم من وجه آخر وذلك أن يقال العالم كله ~~بما فيه من الأجسام والأعراض والعقول والنفوس إن قدر أنها خارجة عن الأجسام ~~والأعراض بل كل ما سوى الله تعالى إما أن يكون خاليا عن الحوادث المتعاقبة ~~كالجسم الساكن وإما أن يكون متضمنا لها كالجسم المتحرك وكل من الأمرين ~~يمتنع قدمه لانه لو كان شيء من العالم قديما لكان صادرا عن موجب بالذات ~~وعلة ms041 تامة أزلية باتفاق العقلاء وهو معلوم بالدليل العقلي فإنه إذا كان ~~قديما فإن كان فاعله فاعلا بغير قدرة ومشيئته فهو موجب بذاته وإن كان فاعلا ~~بقدرته ومشيئته فإن كان الفاعل بالقدرة والاختيار لا يقارنه شيء من ~~مفعولاته امتنع أن يكون مفعوله مقارنا PageV01P074 له فامتنع قدم مفعوله ~~وإن قيل أنه يمكن أن يقارنه شيء من مفعولاته فهو مثل الموجب بذاته لكن هذا ~~موجب بذاته مع مشيئته وقدرته والمقصود أن العالم لو كان قديما للزم أن يكون ~~فاعله مستلزما له لا يجوز أن يكون فاعله ممن يتراخى عنه مفعوله فإن الفاعل ~~لا يخلو من ثلاثة أقسام إما أن يجب اقتران مفعوله به وإما أن يجب تأخر ~~مفعوله عنه وإما أن يجوز فيه الأمران فلو كان العالم قديما لم يجز أن يكون ~~فاعله ممن يجب أن يتراخى عنه مفعوله لأن ذلك جمع بين النقيضين كيف يكون ~~مفعوله قديما أزليا ويكون متأخرا عنه حادثا بعد أن لم يكن فتعين أن يكون ~~فاعله إما أن يجب اقتران مفعوله به وإما أن يجوز فيه الأمران والثاني باطل ~~أيضا فإنه إذا جاز أن يقترن به المفعول وجاز ألا يقترن كان وجود المفعول ~~ممكنا والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح والقول في هذا ~~المرجح كالقول في غيره إن كان فاعله مستلزما له كان مقارنا له فيلزم مقارنة ~~الأول له فإن لم تجب مقارنته له كان ممكنا مفتقرا إلى مرجح آخر وهلم جرا ~~فلا بد أن ينتهي الأمر إلى مرجح تام مستلزم لمفعوله فتبين أن العالم لو كان ~~قديما للزم أن يكون مبدعه مرجحا تاما مستلزما لمفعوله سواء عبر عنه بالعلة ~~التامة PageV01P075 أو المؤثر التام أو المرجح التام وسواء قيل أنه يفعل ~~بدون قدرة وإرادة أو بقدرة وإرادة مستلزمة لمرادها أو غير ذلك من الأمور ~~التي يجب معها أن يكون صادرا عن فاعل مستلزم لمفعوله وإذا كان قدمه مستلزما ~~للمؤثر التام فوجود المؤثر التام في الأزل ممتنع وذلك لأن أثره إن كان ~~خاليا عن الحوادث وأثر ms042 أثره كذلك لزم ألا يكون في العالم شيء من الحوادث ~~وهو خلاف الحس سواء قيل إن ذلك الأثر هو العقول التي لا حركة فيها أو قيل ~~هو أجسام ساكنة فعلى التقديرين إذا كان الصادر عنه لا حادث فيه لزم أن يكون ~~الصادر عن الصادر لا حادث فيه وإلا لزم صدور ما فيه الحوادث عما لا حوادث ~~فيه وهذا هو القسم الثاني وهو أن يكون أثره متضمنا للحوادث وهذا أيضا ممتنع ~~لأن تلك الحوادث هي أيضا من الصادر عنه وإما أن يقال هي لازمة لذلك المحل ~~أو عارضة له حادثة بعد أن لم تكن وكلاهما ممتنع # أما الثاني فلأن حدوثها بعد أن لم تكن هو أمر حادث فلا بد له من سبب حادث ~~والتقدير أن الفاعل لم يحدث عنه سبب حادث فامتنع ابتداء الحوادث بلا سبب ~~حادث وإن قيل أنه مستلزم للحوادث وهو قولهم كما في الفلك قيل ما كان ~~مستلزما للحوادث امتنع وجوده بدونها فالمبدع له لا بد أن يبدع الحوادث ~~اللازمة له التي هي شرط PageV01P076 في وجوده والعلة التامة يمتنع أين يصدر ~~عنها حادث فإن العلة التامة الأزلية معلولها معها قديم والحادث لا يكون ~~قديما # وإن قيل صدر عنها حادث بعد حادث لم يكن في الأزل علة تامة لشيء بل هي علة ~~تامة لكل حدث حال حدوثه فتبين أن العلة التامة الأزلية لا يصدر عنها لاحادث ~~معين ولا نوع الحوادث وإن قيل هي علة تامة للنوع قيل النوع لا يوجد إلا ~~متعاقبا فيكون تمامها متعاقبا لا أزليا وذلك إنما يكون بما يقوم بها شيئا ~~بعد شيء فأما أن يكون تمامها لمفعولها من غير فعل يقوم بها فهو ممتنع وهو ~~مستلزم لأن يكون المخلوق مؤثرا في الخالق بدون فعل يقوم بالخالق يؤثر به في ~~المخلوق وأيضا فصدور الحوادث والمختلفات عن بسيط لا يقوم به فعل ولا صفة ~~ممتنع في بدائه العقول وأيضا فمقارنة المفعول لفاعله ممتنعة وأيضا فإن ~~الحادث متأخر والعلة التامة لا يتأخر عنها معلولها وإذا كان صدور الحوادث ms043 ~~اللازمة التي هي شرط ممتنعا وصدور الملزوم بدون اللازم ممتنع امتنع صدور ~~العالم كله لازمه وملزومه وهوالمطلوب ونكتة الدليل أن قدم العالم لا يكون ~~إلا مع كون المبدع موجبا بذاته وصدور الحوادث عن الموجب بذاته ممتنع فصدور ~~العالم عن الموجب بذاته ممتنع فقدم العالم ممتنع PageV01P077 # فالقول بالعلة التامة يقتي بطلان القول بقدم العالم المستلزم للحوادث ~~وإنما كان القول بذلك ممكنا لو كان المعلول غير مستلزم للحوادث وغير قابل ~~للحوادث وإن كان ذلك ممتنعا من وجه آخر كامتناع مقارنة المفعول لفاعله يوضح ~~هذا انه إذا قال القائل قد يكون علة تامة للأفلاك وليس علة تامة لحركات ~~الأفلاك بل يصدر عنه شيء بعد شيء # قيل صدورها شيئا بعد شيء عن علة تامة ممتنع فلا بد أن يكون قد قامت به ~~أحوال اوجبت حدوث تلك الحركات فلا يكون علة تامة لشيء من الحركات وإذا لم ~~يكن علة تامة لشيء من الحركات لم يكن علة تامة لما يستلزم الحركات لأنه إذا ~~كان علة لها بدون الحركات لزم أن تكون مقارنة له خالية عن الحركات والتقدير ~~أنها مستلزمة للحركات فيلزم اجتماع النقيضين وإن قيل انه يستلزم حركة واحدة ~~منها قيل الحركات الدائمة الأزلية لا يتعين فيها شيء دون شيء بل لم تزل ولا ~~تزال أفرادها متعاقبة فيمتنع أن يكون علة تامة لواحد منها دون الآخر في ~~الأزل مع أنه ليس فيها شيء أزلي بعينه ويمتنع أن يكون علة تامة لجميعها في ~~PageV01P078 الأزل لامتناع وجودها في الأزل فامتنع أن يكون علة تامة لشيء ~~من الحركات الأزلية فالحركة التي توجد شيئا بعد شيء يمتنع أن تكون صادرة عن ~~علة تامة أزلية كيفما قدر الأمر فإذا كان القديم مستلزما للحركة إما لحركة ~~فيه كالفلك وإما لحركة لازمة له معلولة كما يقولونه في العقل امتنع أن تكون ~~العلة الموجبة موجبة له دون الحركة اللازمة وامتنع أن يكون موجبا للحركة ~~اللازمة فامتنع أن يكون موجبا له على التقديرين فامتنع قدم العالم أو شيء ~~من العالم وهو المطلوب وهذا برهان شريف ms044 على حدوث ما سوى الله مطلقا وهو ~~مبنى على المقدمات الصحيحة التي تسلمها الفلاسفة وغيرهم فإن الموجب بالذات ~~لا بد أن يقارنه موجبه بالاتفاق وأما الفاعل بالاختيار فهل يجب مقارنة ~~مراده لإرادته أو يمتنع ذلك فيها أو يجوز الأمران على ثلاثة أقوال للناس ~~وعلى كل تقدير فإنه يجب حدوث كل ما سوى الله أيضا فإنه إن قيل بوجوب مقارنة ~~مراده له امتنع أن تكون إرادته لشيء معين أزلية فإنه يكون مستلزما له في ~~الازل ويكون القول فيه كالقول في الموجب بالذات وقد تبين امتناع الموجب ~~بالذات في الأزل فيمتنع أن يكون شيء من مراده أزليا فإن قيل بوجوب تأخر ~~مفعوله لزم حدوث مراده وإن PageV01P079 قيل بجواز الأمرين فحدوث المراد بعد ~~أن لم يكن يقتضي سببا حادثا والقول فيه كالقول في الأول فامتنع حدوث شيء ~~عنه إلا بسبب حادث وحدوث الحادث عن إرادة أزلية مستلزمة لمرادها ممتنع وقدم ~~العالم بدون إرادة أزلية مستلزمة لمرادها ممتنع فثبت حدوثه وحاصل الأمر أن ~~مقارنة المراد للإرادة أن قيل أنها واجبة ألحقت بالقسم الأول وإن قيل بأنها ~~ممتنعة اقتضت حدوث العالم وأما القول بأنه يمكن مقارنة مفعوله له ويمكن ~~تأخره عنه في الواجب الوجود فهذا لم يقله طائفة معروفة لأن المعتزلة الذين ~~يقولون أن الممكن لا يقف على المرجح التام المستلزم لمقتضاه بل يكفي فيه ~~القادر الذي له أن يرجح وألا يرجح يقولون أنه يجب تأخير مفعول القادر عن ~~الازل # وأما من يقول أن الممكن يقف على المرجح المستلزم لمقتضاه كما هو قول أكثر ~~الناس من أهل الكلام والفلاسفة وغيرهم فهؤلاء يمتنع عندهم أن يكون الفاعل ~~يمكن أن يوجد فعله وأن لا يوجد ويكون فاعلا مع إمكان الطرفين بل أن تمت ~~أسباب الفعل وجب المفعول وإن لم تتم أسبابه امتنع المفعول فما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن والممكن باعتبار غيره أما واجب بغيره أو ممتنع لغيره فإن ~~حصل المقتضى التام كان واجبا وإن لم يحصل كان ممتنعا فتبين أنه ليس في ~~العقلاء ms045 المعروفين من يقول أن المفعول القديم يصدر عن فاعل يجوز أن يتأخر ~~عنه مفعوله بل PageV01P080 هم متفقون على ما قام عليه الدليل من أنه لو كان ~~قديما لكان فاعله مستلزما لمفعوله لكن العالم مستلزم للحوادث وصدور الحوادث ~~والمستلزم للحوادث عن الفاعل المستلزم لمفعوله محال وإذا قدر أنه اوجب ~~العالم ثم أحدث فيه الحوادث كان ذلك أيضا ممتنعا لأنه يقتضي حدوث الحوادث ~~بلا سبب حادث وذلك ممتنع كما تقدم وإن شئت قلت إن كان حدوث الحوادث بلا سبب ~~حادث جائزا أمكن حدوث العالم وبطل القول بوجوب قدمه وإن كان ممتنعا بطل ~~القول بقدمه لامتناع حدوث الحوادث عن الموجب الأزلي فبطل قول الفلاسفة ~~بوجوب قدمه على التقديرين وبطلت حجتهم على قدمه وهذا كما تقول إن كان تسلسل ~~الحوادث ممتنعا لزم حدوثه وإن كان ممكنا أمكن حدوث كل شيء منه بحادث قبله ~~فبطلت الحجة الدالة على قدم شيء منه وبطل القول بوجوب ذلك على التقديرين ~~وهذه الطريق فيها تقرير حدوث كل شيء من العالم من غير احتياج إلى جعل الرب ~~قادرا بعد أن لم يكن أو فاعلا بعد أن لم يكن وهي موافقة لمذهب السلف ~~والأئمة ليس فيها ابطال أفعال الله القائمة به ولا ابطال صفاته ولا تعطيله ~~عن الأفعال وصفات الكمال ولا إثبات حادث بلا سبب حادث ولا ترجيح الممكن بلا ~~مرجح فهي جامعة للأدلة العقلية السليمة عن المعارض والنصوص السمعية المزكية ~~لما دل عليه العقل ومبينة أن الرب لم يزل ولا يزال PageV01P081 موصوفا ~~بصفات الكمال كما وصفه أئمة السنة من أنه لم يزل متكلما إذا شاء لم يزل حيا ~~فاعلا أفعالا تقوم به لم يزل قادرا وكل ما سواه مخلوق له حادث عنه وأن حدوث ~~الأشياء عنه شيئا بعد شيء فليس فيها شيء كان معه ولا قارنه بوجه من الوجوه ~~والله أعلم فهذا مما يدل على حدوث كل واحد واحد من العالم وليس هذا موضع ~~بسطه وإنما تكلمنا هنا في فساد حجتهم التي هي عمدتهم ذكرنا أن قولهم يستلزم ~~حدوث الحوادث ms046 بلا فاعل وتسلسل العلل وذلك ممتنع بصريح العقل وبموافقة ~~المنازعين # وما ذكرناه من البراهين يتبين بالبرهان الثالث وإن كان فيما تقدم تنبيه ~~عليه وهو أن يقال العلة التامة لا بد أن تكون موجودة عند وجود المعلول لا ~~قبله وهم يسلمون ذلك فيلزم أن يكون لكل حادث علة تامة موجودة عند وجوده فلو ~~كان الحادث الأول الذي حدث قبله هو تمام العلة لكان جزء العلة موجودا قبل ~~المعلول فلا تكون علته التامة موجودة عند حدوثه بل يلزم من ذلك حدوث ~~الحوادث بشرط متقدم على وجودها وإذا جاز وجود الموجودات بفاعل متقدم على ~~وجودها وشرط حادث قبل وجودها لم يجب أن يكون لها علة تامة فلا يكون لشيء من ~~الحوادث علة تامة بحيث تكون جميع أجزائها حاصلة عند وجوده فإذا لم يكن إلا ~~علة تامة أزلية وليس لشيء من الحوادث علة تامة بطل أن يكون لها محدث وذلك ~~ممتنع PageV01P082 # فإن قيل لم لا يجوز تمام العلة للحادث الثاني عدم الأول وهذا العدم مقارن ~~للحادث الثاني # قيل لأن العدم إذا لم يستلزم أمرا وجوديا لم يكن جزءا من علة الموجود فإن ~~العدم لا تأثير له اصلا في وجود بخلاف الماشي في الأرض فإنه كلما قطع مسافة ~~تجدد له قدرة وإرادة لقطع المسافة الثانية والاول إذا قيل أنه يفعل شيئا ~~بعد شيء بذاته يقتضي كمال فاعليته لكل مفعول عند وجوده وذاته فعلها للأول ~~أمر وجودي ووجود الثاني مع الأول الذي يضاده ممتنع وعدم الممتنع يقتضي كمال ~~القدرة المقارنة للفعل بخلاف ما إذا قيل أن حال الذات مع الحادث الأول ~~والثاني واحد ولم يتجدد منها ولا من غيرها ما يقتضي كمال فاعليتها للثاني ~~عند وجوده وتبين هذا بالبرهان الرابع وهو أن الحادث الثاني إذا كان مشروطا ~~بالحادث الأول الذي هو موجود قبله والواجب الوجود أيضا موجود قبله وهو علة ~~تامة أزلية كان هذا متناقضا فإنه على الأول يلزم أن يكون كل ما به تصير ~~الحوادث موجودة موجودا قبلها ولا يكون شيء من المحدث لها حادثا ms047 معها وهذا ~~يمنع أن يكون لشيء من الحوادث علة إذ العلة يجب مقارنتها للمعلول فضلا عن ~~أن يكون لها علة أزلية فتبين أن إثبات العلة التامة يناقض هذا القول ~~المتضمن حدوث الحوادث بشروط متقدمة عليها وهو أيضا يناقض القول بحدوث تمام ~~العلل مع حدوث المعلومات PageV01P083 إذ لو كان حادثا معها لزم أن يكون ~~تمام علة كل حادث حادثا معه فلا يكون للحوادث علة تامة أزلية مع أن حدوث ~~تمام العلل ممتنع على هذا التقدير فإنه يستلزم وجود حوادث متسلسلة في آن ~~واحد من غير محدث إذ لم يكن هناك إلا علة تامة أزلية وهذا أيضا مما يوافقون ~~على امتناعه وهو يستلزم حدوث الحوادث بلا فاعل فتبين أن القول بالعلة ~~التامة الأزلية باطل سواء قيل إن شرط حدوث الحادث موجود قبله أو موجود معه ~~وحدوث الشروط على التقديرين عن العلة التامة ممتنع فتبين امتناع حدوث كل ~~واحد من الحوادث وشروطها عن العلة التامة الأزلية على كل تقدير والقول ~~بالقدم يستلزم العلة التامة الأزلية وما استلزم الباطل فهو باطل # وكل من العالم مقارن لشيء من الحوادث فإذا ظهر امتناع حدوث الحوادث عن ~~العلة التامة الأزلية تبين امتناع قدم شيء من العالم لأنه لا يوجد إلا مع ~~حادث ووجود ذلك عن العلة التامة الأزلية محال لا سيما وهم يقولون كل من ~~الحوادث تمام علة حادث قبله فليس لشيء منها علة تامة مقارنة له وإنما الذي ~~يقارنه جزء العلة وهو السبب الدائم الذي يتوقف فيضه على حدوث هذا الحادث ~~فلا يحدث الثاني حتى ينقضي الأول وذلك السبب ليس هو علة تامة لشيء من ~~الحوادث لا احداثه للثاني مقارنا لوجود الأول وليس عند حدوث شيء من الحوادث ~~علة تامة أصلا فتبين أنهم يقولون في الحقيقة أن الحوادث لا تحدث عن علة ~~تامة فضلا عن أن تكون أزلية PageV01P084 وهذه الوجوه من تدبرها وفهمها علم ~~فساد مذهب القوم بالضرورة وأن صانع العالم يمتنع أن يكون علة تامة أزلية ~~موجبا بذاته بل يجب أن يكون فاعلا للأشياء شيئا ms048 بعد شيء وهذا لا يكون إلا ~~إذا فعل بمشيئته وقدرته وهو المطلوب # واعلم أن هذا كلام المتأخرين منهم كابن سينا وأمثاله وهو خير من كلام ~~متقدميهم كأرسطوطاليس فإن أرسطوطاليس في كتاب ما بعد الطبيعة الذى هو غاية ~~حكمتهم وعلمهم إنما اعتمد في إثبات العلة الأولى على الحركة الشوقية فإنه ~~لما قرر أن حركة الفلك شوقية إرادية وأن المتحرك بالشوق والإرادة لا بد أن ~~يكون له مراد وهو محبوبه ومطلوب وجب ان يكون هناك علة غائية هي المحبوب ~~المعشوق المراد وقالوا أن الفلك يتحرك للتشبه بها كتحريك المؤتم بإمامه ثم ~~قد يقولون إن الفلك يتشبه بالمبدأ الأول وقد يقولون يتشبه بالعقل والعقل ~~يتشبه بالأزل PageV01P085 وهذا التقدير إنما يثبت وجود علة غائية لا يثبت ~~وجود علة فاعلية فيقال هب أن الحركة إرادية وأن الحركة الإرادية لا بد لها ~~من محبوب مراد فما السبب المحدث الفاعل لتلك الحركة الإرادية الشوقية فإن ~~كان الفلك واجب الوجود بذاته لم يكن هذا قولهم وكان باطلا من وجهين أحدهما ~~أن واجب الوجود بذاته لا يكون مفتقرا إلى غيره لا إلى علة فاعلية ولا غائية ~~فإذا جعلت له علة غائية يحتاج إليها في إرادته وحركته لم يكن مستغنيا بنفسه ~~عنها فلا يكون واجبا بذاته # الثاني أنه إذا جاز أن يكون الفلك واجبا بذاته أمكن أن يكون هو العلة ~~الغائية لحركته كما أنه هو العلة الفاعلة لحركته وقد بسط الكلام على فساد ~~قولهم في غير هذا الموضع وأما ابن سينا وأتباعه فإنهم عدلوا عن هذه الطريق ~~وسلكوا طريقة مركبة من طريق المتكلمين وطريق هؤلاء الفلاسفة فقالوا الموجود ~~إما أن يكون واجبا وإما أن يكون ممكنا والممكن لا بد له من واجب كما يقول ~~المتكلمون الموجود إما محدث وإما قديم والمحدث لا بد له من قديم ~~PageV01P086 فلا بد من موجود واجب قديم ثم إنه أثبت أن الأفلاك ممكنة بناء ~~على أنها أجسام والجسم مركب والمركب مفتقر إلى جزئه فلا يكون واجبا بنفسه ~~كما يقول المعتزلة الأجسام محدثة لأن الأجسام مركبة ms049 والمركب لا بد له من ~~مركب فلا يكون قديما وجعلوا هذا عمدة في نفى صفات الله تعالى # وهؤلاء أخذوا لفظ المركب بالاشتراك فإن المركب إذا أريد به ما ركبه غيره ~~أو ما كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمع أو ما يقبل التفريق امتنع أن يكون واجبا ~~بنفسه وقديما وأما إذا أريد به الموصوف بصفات الكمال اللازمة كالعلم ~~والقدرة ونحوهما لم يلزم من ذلك أن يكون محدثا ولا ممكنا يقبل العدم كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع ولفظ الافتقار والجزء والغير ألفاظ مجملة فيراد ~~بالغير ما يباين غيره وعلى هذا فالصفة اللازمة لا يقال أنها غير الموصوف ~~ويراد بالغير ما ليس هو الآخر وعلى هذا فالصفة غير الموصوف وواجب الوجود ~~بنفسه يمتنع أن يفتقر إلى أمر مباين له ولكن لا يمتنع أن يكون مستلزما ~~لصفات الكمال التي يمتنع أن تفارقه وتسمية الصفة اللازمة جزءا تلبيس وتسمية ~~استلزام الموصوف لصفته واستلزام الصفة للموصوف افتقارا تلبيس أيضا كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع وهؤلاء القوم من أسباب ظهور كلامهم وظلال كثير من ~~الناس به أنهم يحتجون على طوائف أهل القبلة بما PageV01P087 يشاركونهم فيه ~~من المقدمات الضعيفة المبتدعة فلا يزالون يلزمون صاحب ذلك القول بلوازم ~~قوله حتى يخرجوه من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين فإن الحسنة تدعو إلى ~~الحسنة والسيئة تدعو إلى السيئة كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~المتفق عليه عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ~~ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب ~~فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ~~ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا وقال بعض السلف أن من ثواب الحسنة ~~الحسنة بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها والإنسان قد يعتقد صحة قضية ~~من القضايا وهي فاسدة فيحتاج أن يعتقد لوازمها فتكثر اعتقاداته الفاسدة ومن ~~هذا الباب دخلت القرامطة الباطنية والمتفلسفة ونحوهم على طوائف المسلمين ~~فإن هؤلاء قالوا ms050 للمعتزلة ألستم قد وافقتمونا على نفي الصفات حذرا من ~~التشبيه والتجسيم فقالوا نعم فقالوا وهذا المحذور يلزمكم في إثبات أسماء ~~PageV01P088 الله تعالى له فإذا قلتم هو حي عليم قدير كان في هذا تشبيه له ~~بغيره ممن هو حي عليم قدير وكان في هذا من التجسيم كما في إثبات الحياة ~~والعلم والقدرة له لأنه لا يعرف مسمى بهذه الأسماء إلا جسم كما لا يعرف ~~موصوفا بهذه الصفات إلا جسم فأخذوا ينفون أسماء الله الحسنى ويقولون ليس ~~بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير ثم اقتصر بعضهم على نفي الإثبات فقال لهم ~~الصنف الآخر إذا قلتم ليس بموجود ولا بحي ولا عليم ولا قدير فقد شبهتموه ~~بالمعدوم كما أن في الإثبات تشبيها بالموجود فيجب أن يقال ليس بموجود ولا ~~معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل وهؤلاء يقولون في انفسهم أنهم من ~~أذكى الناس وأفضلهم وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم فإنه يقال لهم أولا ~~سلبتم النقيضين والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فكما يمتنع اجتماع ~~النقيضين يمتنع ارتفاع النقيضين وكما يمتنع أن يقال في شيء واحد أنه موجود ~~معدوم يمتنع أن يقال ليس بموجود ولا معدوم وأما إثبات سلب الحياة والموت ~~والعلم والجهل والكلام والخرس فقد يقولون أن هذين متقابلان تقابل العدم ~~والملكة لا تقابل السلب والإيجاب ويفرقون بين هذا وبين هذا بأن سلب الشيء ~~عما من شأنه أن يكون قابلا له هو العدم وتقابله الملكة كسلب العلم والسمع ~~والبصر عن الحيوان بخلاف سلب ذلك عن الجماد قالوا فالحيوان PageV01P089 ~~يقال له أعمى أصم أبكم إذا عدم عنه ما من شأنه أن يقبله بخلاف الجماد فإنه ~~لا يقال له أعمى أصم أبكم لأنه لا يقبل ذلك وحينئذ فلا يلزم من سلب الحياة ~~والعلم والقدرة والكلام عن واجب الوجود أن يكون موصوفا بما يقابل ذلك من ~~الموت والجهل والعجز والخرس إلا أن يكون قابلا لذلك وهذا ممنوع أو غير ~~معلوم وهذه الشبهة قد أضلت خلقا من أذكياء المتأخرين حتى الآمدي وأمثاله ~~وهي ms051 باطلة من أوجه أحدها أن يقال إما أن يكون قابلا للاتصاف بصفات الكمال ~~من الحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك وإما ألا يكون قابلا لذلك فإن لم يكن ~~قابلا لذلك كان ذلك أعظم في النقص من كونه قابلا لذلك غير متصف به فإن ~~الجماد أنقص من الحيوان الأعمى وإذا كان اتصافه بكونه أعمى أصم أبكم ممتنعا ~~مع كون المتصف بذلك أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بهذا وبضده علم أن كونه غير ~~قابل للاتصاف بذلك أعظم في نقصه وإذا كان ذلك ممتنعا فهذا أعظم امتناعا ~~فامتنع أن يقال أنه غير قابل للاتصاف بصفات الكمال وإذا كان قابلا للاتصاف ~~بذلك تقابلا تقابل العدم والملكة باصطلاحهم فإن لم يتصف بالحياة والعلم ~~والقدرة لزم اتصافه بالموت والعجز والجهل وهذا ممتنع بالضرورة فنقيضه حق # الوجه الثاني أن يقال كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أحق به وكل نقص تنزه ~~عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه PageV01P090 عنه لأن الموجود الواجب القديم ~~أكمل من الموجود الممكن والمحدث ولأن كل كمال في المفعول المخلوق هو من ~~الفاعل الخالق وهم يقولون كمال المعلول من كمال العلة فيمتنع وجود كمال في ~~المخلوق إلا من الخالق فالخالق أحق بذلك الكمال ومن المعلوم بضرورة العقل ~~أن المعدوم لا يبدع موجودا والناقص لا يبدع ما هو أكمل منه فإن النقص أمور ~~عدمية ولهذا لا يوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أمورا وجودية ~~وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه كما قال تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ سورة البقرة 255 فنزه نفسه عن السنة ~~والنوم لأن ذلك يتضمن كمال الحياة والقيومية وكذلك قوله @QB@ وما مسنا من ~~لغوب @QE@ سورة ق 38 يتضمن كمال القدرة وقوله @QB@ لا يعزب عنه مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض @QE@ سورة سبأ 3 يتضمن كمال العلم وكذلك قوله ~~@QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ سورة الأنعام 103 فمعناه على قول الجمهور لا ~~تحيط به ليس معناه لا تراه فإن نفي الرؤية يشاركه فيه المعدوم فليس هو صفة ms052 ~~مدح بخلاف كونه لا يحاط به ولا يدرك فإن هذا يقتضي أنه من عظمته لا تدركه ~~الأبصار وذلك يقتضي كمالا عظيما تعجز معه الأبصار عن الإحاطة فالآية دالة ~~على إثبات رؤيته ونفي الإحاطة به نقيض ما تظنه الجهمية من أنها دالة على ~~نفي رؤيته الوجه الثالث أن يقال الكمال الذي لا نقص فيه بوجه PageV01P091 ~~من الوجوه الممكن للموجود إما أن يكون ممكنا للواجب وإما أن يكون ممتنعا ~~عليه فإن كان ممتنعا عليه لزم أن يكون الموجود غير قابل للكمال فإن الموجود ~~إما واجب وإما ممكن والواجب إذا لم يقبل الكمال فالممكن أولى ونحن قد ذكرنا ~~الكمال الممكن للموجود الذي لا نقص فيه فيمتنع أن يكون الكمال الممكن ~~للموجود غير ممكن للموجود وإذا كان ذلك ممكنا له فإما أن يكون لازما أو ~~يكون جائزا فإن كان لازما له ثبت أن الكمال الممكن للموجود لازم للقديم ~~تعالى واجب له وهو المطلوب وإن كان جائزا كان مفتقرا في حصوله إلى غيره ~~وحينئذ فذلك الغير أكمل منه لأن معطي الكمال أكمل من الآخذ له وذلك المعطي ~~إن كان مخلوقا له لزم أن يكون المخلوق أكمل من الخالق وأيضا فشرط إعطائه ~~الكمال اتصافه بصفات الكمال والكمال إنما يستفيده من الكامل فيمتنع أن يكون ~~معطيا له لئلا يلزم الدور في الفاعلين والعلل الفاعلة فإنه ممتنع بالضرورة ~~واتفاق العقلاء # وإن كان الغير ليس مخلوقا له كان واجب الوجود بنفسه وحينئذ فإن كان متصفا ~~بصفات الكمال بنفسه فهو الرب الخالق والأول مفعول له ليس له من نفسه صفات ~~الكمال فهو عبد لا رب وإن لم يكن متصفا بصفات الكمال بنفسه بل هذا يستفيد ~~الكمال من هذا وهذا يستفيده من هذا كان هذا دورا ممتنعا وهذا من أعظم ما ~~يحتج به على توحيد الربوبية وأنه PageV01P092 يمتنع أن يكون للعالم صانعان ~~فإن الصانعين إما أن يكون كل منهما فاعلا لجميع العالم وهذا ممتنع بالضرورة ~~فإنه إذا كان هذا فاعلا للجميع لم يكن الآخر فاعلا لشيء منه فضلا عن أن ~~يكون ms053 فاعلا لجميعه فلو كان هذا فاعلا لجميعه وهذا فاعلا لجميعه كان كل ~~منهما فاعلا غير فاعل وإن كانا متشاركين فإن كان كل منهما قادرا حين ~~الانفراد لزم امتياز مفعول كل منهما عن الآخر فذهب كل إله بما خلق ولهذا كل ~~مشاركين فلا بد أن يكون فعل كل منهما مميزا عن الآخر وأيضا فإذا كان كل ~~منهما قادرا لزم أن يقدر أحدهما على فعل العالم حين قدرة الآخرة عليه فيلزم ~~كون كل منهما قادرا على فعله كله حال قدرة الآخر على فعله كله وهذا ممتنع ~~كما تقدم فامتنع أن يكون أحدهما قادرا على فعله حال قدرة الآخر على فعله ~~كما هو المعروف في القادرين على تحريك شيء ولا يقدر أحدهما على تحريكه إلا ~~حال ما لا يكون الآخر محركا له فإذن لا يكون احدهما قادرا إلا عند تمكين ~~الآخر له فلا يكون أحدهما قادرا إلا بأقدار الآخر له فلا يكون قادرا حال ~~الانفراد وأيضا فإذا كان كل منهما قادرا حال الانفراد أمكن أن يفعل ضد ~~مفعول الآخر وأن يريد خلاف مراده مثل أن يريد هذا تحريك جسم والآخر تسكينه ~~فيمتنع وجود المرادين جميعا لامتناع اجتماع الضدين فيلزم تمانعهما ~~PageV01P093 فلا يكون واحد منهما قادرا فثبت أنه يمتنع كون كل منهما قادرا ~~حين الانفراد وإن لم يكن واحد منهما قادرا إلا عند الاجتماع كان كل منهما ~~مؤثرا في جعل الآخر قادرا فلا يكون هذا قادرا إلا بأقدار الآخر له ولا هذا ~~قادرا إلا بأقدار الآخر له فيلزم كون كل منهما مؤثرا في الآخر وهذا هو ~~الدور في الفاعلين والعلل وهو ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء من وجوه كثيرة ~~فإن كون الشيء فاعلا لنفسه ممتنع فكيف يكون فاعلا لفاعله # ولأن الفاعل متقدم بذاته على المفعول فيلزم تقدم هذا بذاته على هذا وهذا ~~بذاته على هذا فيلزم تقدم الشيء على نفسه بدرجتين والدور كما هو ممتنع في ~~المؤثر فهو ممتنع في تمام كونه مؤثرا كما أن التسلسل لما امتنع في المؤثر ~~امتنع في تمام كونه مؤثرا ms054 # وهذا بخلاف الدور المعي في الآثار فإنه جائز باتفاق العقلاء وأما التسلسل ~~في الآثار ففيه نزاع مشهور وهذه الأمور كلها مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن الكمال الذي لا نقص فيه الممكن للموجود هو واجب لواجب ~~الوجود لازم له لا يجوز أن يكون ممتنعا عليه مع كونه ممكنا للموجود فلا ~~يجوز أن يكون ممكن الوجود والعدم لأنه حينئذ يفتقر في اتصافه به إلى غيره ~~لأنه إما أن يكون كل منهما معطيا للآخر الكمال وإما أن يكون هذا الثاني هو ~~المعطي فإن كان هذا فذلك الغير المتصف بصفات PageV01P094 الكمال هو حينئذ ~~الرب الكامل المعطي لغيره الكمال وإن كان الأول لزم كون كل منهما معطيا ~~للآخر صفات الكمال وهو يقتضي كون كل منهما مؤثرا في الآخر مثل أن يكون كل ~~منهما فاعلا للآخر عالما قادرا حيا وذلك دور ممتنع كما تبين فثبت أن اتصافه ~~بصفات الكمال أمر لازم له يمتنع زواله عنه وهو المطلوب # الوجه الرابع أن يقال لهؤلاء قولكم أن هذين يتقابلان تقابل العدم والملكة ~~اصطلاح اصطلحتموه وإلا فكل ما لا حياة فيه يسمى مواتا وميتا قال الله تعالى ~~@QB@ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء ~~@QE@ سورة النحل 20 21 فسمى الأصنام الجامدات أمواتا وتسمى الأرض مواتا كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ميتة فهي له # PageV01P095 الوجه الخامس أن يقال كل عين من الأعيان تقبل الحياة فإن ~~الله قادر على خلق الحياة وتوابعها في كل شيء # الوجه السادس أن يقال هب أنكم لا تسمونه ميتا ولا جاهلا ولا عاجزا لكن ~~يجب أن يقال ليس بحي ولا عالم ولا قادر ونفس سلب هذه الصفات فيه من النقص ~~ما في قولنا ميت وجاهل وعاجز وزيادة ولهذا كان نقص الجماد أعظم من نقص ~~الأعمى فكل محذور في عدم الملكة هو ثابت في السلب العام وزيادة # الوجه السابع أن يقال لهؤلاء النفاة أنتم نفيتم هذه الأسماء فرارا من ~~التشبيه فإن اقتصرتم على نفي ms055 الأثبات شبهتموه بالمعدوم وإن نفيتم الأثبات ~~والنفي جميعا فقلتم ليس بموجود ولا معدوم شبهتموه بالمتنع فأنتم فررتم من ~~تشبيهه بالحي الكامل فشبهتموه بالحي الناقص ثم شبهتموه بالمعدوم ثم شبهتموه ~~بالممتنع فكنتم شرا من المستجير من الرمضاء بالنار وهذا لازم لكل من نفى ~~شيئا مما وصف الله به نفسه لا يفر من محذور إلا وقع فيما هو مثله أو شر منه ~~مع تكذيبه بخبر الله وسلبه صفات الكمال الثابتة لله ومن هؤلاء طائفة ثالثة ~~تقول نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت فلا ننفي النقيضين ~~بل نسكت عن هذا وهذا فنمتنع عن كل من المتناقضين لا نحكم لا بهذا ولا بهذا ~~فلا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم # PageV01P096 ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج وحقيقة هذا القول هو ~~الجهل البسيط والكفر البسيط الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته ~~وحبه وذكره وعبادته ودعائه # وهؤلاء من جنس السوفسطائية المتجاهلة اللاأدرية PageV01P097 الذين يقولون ~~لا نعلم هل الحقائق ثابتة أو منتفية وهل يمكن العلم أو لا يمكن فإن السفسطة ~~أنواع أحدهما قول هؤلاء # الثاني قول أهل التكذيب والجحود والنفي الذين يجزمون بنفي الحقائق والعلم ~~بها # والثالث الذين يجعلون الحقائق تتبع العقائد فمن اعتقد ثبوت الشيء كان في ~~حقه ثابتا ومن نفاه كان في حقه منتفيا ولا يجعلون للحقائق أمرا هي عليه في ~~أنفسها والصنف الرابع قول من يقول الحقائق موجودة لكن لا سبيل إلى العلم ~~بها إما لكون العالم في السيلان فلا يمكن العلم بحقيقته وإما لغير ذلك وهذه ~~الأنواع الأربعة موجودة في هؤلاء الملاحدة فمنهم الواقفة المتجاهلة الذين ~~يقولون لا نثبت ولا ننفي ومنهم المكذبة الذين ينفون ومنهم من يجعل الحقائق ~~تتبع العقائد كما يحكى عن طائفة تصوب كل واحد من القائلين للأقوال ~~المتناقضة وكما يقوله من يقوله من أصحاب الوحدة ابن عربي ونحوه بأن كل من ~~اعتقد في الله عقيدة فهو مصيب فيها حتى قال PageV01P098 % عقد الخلائق في ms056 ~~الإله عقائدا % وأنا أعتقدت جميع ما عقدوه % وأما # الرابع فهو منتهى قول أئمة الجهمية وهو الحيرة والشك لتكافؤ الأدلة عند ~~بعضهم أو لعدم الدليل المرشد عند بعضهم وهذا عند أصحاب الوحدة هو أعلى ~~العلم بالله تعالى والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على مجامع الأقوال ومنشأ الضلال حيث أخذوا الفظ ~~التشبيه بمعنى مشترك مجمل فأرادوا نفيه بكل معنى من المعاني ومن المعلوم ~~أنه ما من موجودين إلا وبينهما قدر يتفقان فيه وإن كان المعنى الكلي ~~المشترك وجوده في الاذهان لا في الأعيان فلا بد أن يكون بين أفراد الاسم ~~العام الكلي نوع من المشابهة باعتبار اتفاقهما في ذلك المعنى العام وهذا ~~موضع غلط فيه كثير من الناس في أحكام الأمور الكلية التي تشتبه فيها ~~أعيانها منهم من يجعل الكلي ثابتا في الخارج كليا ومنهم من يقول أفراده لم ~~تتفق إلا في مجرد اللفظ وهي مسألة الأحوال التي اضطرب فيها كثير من الناس ~~والتحقيق PageV01P099 أنه لا بد من تشابه في الخارج ومعنى كلي عام في الذهن ~~من غير أن يكون في الخارج على أو شيء لا موجود ولا معدوم فيقال لهؤلاء ~~التشبيه الممتنع إنما هو مشابهة الخالق للمخلوق في شيء من خصائص المخلوق أو ~~أن يماثله في شيء من صفات الخالق فإن الرب تعالى منزه عن أن يوصف بشيء من ~~خصائص المخلوق أو أن يكون له مماثل في شيء من صفات كماله وكذلك يمتنع أن ~~يشاركه غيره في شيء من أموره بوجه من الوجوه بل يمتنع أن يشترك مخلوقان في ~~شيء موجود في الخارج بل كل موجود في الخارج فإنه مختص بذاته وصفاته القائمة ~~به لا يشاركه غيره فيها ألبتة وإذا قيل هذان يشتركان في كذا كان حقيقته أن ~~هذا يشابه هذا في ذلك المعنى كما إذا قيل هذا الإنسان يشارك هذا في ~~الإنسانية أو يشارك هذا الحيوان في الحيوانية فمعناه أنهما يتشابهان في ذلك ~~المعنى وإلا فنفس الإنسانية التي لزيد لا يشاركه فيها غيره ms057 وإنما يشتركان ~~في نوع الإنسانية المطلقة لا في الإنسانية القائمة به PageV01P100 # والإنسانية المشتركة المطلقة هي في الأذهان لا تكون في الأعيان مشتركة ~~مطلقة فما هو موجود في الخارج لا اشتراك فيه وما وقع فيه الاشتراك هو الكلي ~~المطلق الذي لا يكون كليا مطلقا إلا في الذهن فإذا كان المخلوق لا يشاركه ~~غيره فيما له من ذاته وصفاته وأفعاله فالخالق أولى أن لا يشاركه غيره في ~~شيء مما هو له تعالى لكن المخلوق قد يماثل المخلوق ويكافئه ويساميه والله ~~سبحانه وتعالى ليس له كفؤ ولا مثيل ولا سمي وليس مطلق الموافقة في بعض ~~الأسماء والصفات الموجبة نوعا من المشابهة تكون مقتضية للتماثل والتكافؤ بل ~~ذلك لازم لكل موجودين فإنهما لا بد أن يتفقا في بعض الأسماء والصفات ~~ويشتبها من هذا الوجه فمن نفى ما لا بد منه كان معطلا ومن جعل شيءا من صفات ~~الله مماثلا لشيء من صفات المخلوقين كان ممثلا والحق هو نفي التمثيل ونفي ~~التعطيل فلا بد من إثبات صفات الكمال المستلزمة نفى التعطيل ولا بد من ~~إثبات اختصاصه بما له على وجه ينفي التمثيل ولكن طائفة من الناس يجعلون ~~التمثيل والتشبيه واحدا ويقولون يمتنع أن يكون الشيء يشبه غيره من وجه ~~ويخالفه من وجه بل عندهم كل مختلفين كالسواد والبياض فإنهما لم PageV01P101 ~~يشتبها من وجه وكل مشتبهين كالأجسام عندهم يقولون بتماثلها فإنها مماثلة ~~عندهم من كل وجه لا اختلاف بينهما إلا في أمور عارضة لها # وهؤلاء يقولون كل من أثبت ما يستلزم التجسيم في اصطلاحهم فهو مشبه ممثل ~~وهذه طريقة كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم كالقاضي ~~أبي يعلى في المعتمد وغيره وأما جمهور الناس فيقولون أن الشيء قد يشبه غيره ~~من وجه دون وجه وهذا القول هو المنقول عن السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره ~~ولهذا ينكر هؤلاء على من ينفي مشابهة الموجود للموجود من كل وجه ويقولون ما ~~من موجودين إلا وأحدهما يشبه الآخر من بعض الوجوه # فالصفات نوعان أحدهما صفات نقص فهذه ms058 يجب تنزيهه عنها مطلقا كالموت والعجز ~~والجهل والثاني صفات كمال فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء وكذلك ما كان ~~مختصا بالمخلوق فإنه يمتنع اتصاف الرب به فلا يوصف الرب بشيء من النقائص ~~ولا بشيء من خصائص المخلوق وكل ما كان من خصائص المخلوق فلا بد فيه من نقص ~~وأما صفات الكمال الثابتة له فيمتنع أن يماثله فيها شيء من الأشياء ~~PageV01P102 # وبهذا جاءت الكتب الإلهية فإن الله تعالى وصف نفسه فيها بصفات الكمال على ~~وجه التفصيل فأخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه عزيز حكيم غفور ~~ودود سميع بصير إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته وأخبر أنه ليس كمثله شيء ولم ~~يكن له كفوا أحد وقال تعالى @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ سورة مريم 65 فأثبت ~~لنفسه ما يستحقه من الكمال بإثبات الأسماء والصفات ونفى عنه مماثلته ~~المخلوقات ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله سبحانه وتعالى ~~بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ~~ولا تمثيل يثبتون له الأسماء والصفات وينفون عنه مماثلة المخلوقات إثبات ~~بلا كمثيل وتنزيه بلا تعطيل كما قال تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير @QE@ سورة الشورى 11 فقوله ليس كمثله شيء رد على أهل التمثيل وقوله ~~وهو السميع البصير رد على أهل التعطيل وهؤلاء نفاة الأسماء من هؤلاء ~~الغالية من الجهمية الباطنية والفلاسفة وإنما استطالوا على المعتزلة بنفي ~~الصفات وأخذوا لفظ التشبيه بالاشتراك والإجمال كما أن المعتزلة فعلت كذلك ~~بأهل السنة والجماعة مثبتة الصفات فلما جعلوا إثبات الصفات من التشبيه ~~الباطل ألزمهم أولئك بطرد قولهم فألزموهم نفي الأسماء الحسنى والأمر بالعكس ~~فإن إثبات الأسماء حق وهو يستلزم إثبات الصفات فإن إثبات حي بلا حياة وعالم ~~بلا علم وقادر PageV01P103 بلا قدرة كإثبات متحرك بلا حركة ومتكلم بلا كلام ~~ومريد بلا إرادة ومصل بلا صلاة ونحو ذلك مما فيه إثبات اسم الفاعل ونفى ~~مسمى المصدر اللازم لاسم الفاعل ومن أثبت الملزوم دون اللازم كان قوله ms059 ~~باطلا # وكذلك هؤلاء نفاة الصفات أخذوا يقولون إثبات الصفات يقتضي التركيب ~~والتجسيم إما لكون الصفة لا تقوم إلا بجسم في اصطلاحهم والجسم مركب في ~~اصطلاحهم وإما لأن إثبات العلم والقدرة ونحوهما يقتضي إثبات أمور متعددة ~~وذلك تركيب # وبالغت ملاحدة الفلاسفة في نفي الصفات بنفي مسمى التركيب فقالوا التركيب ~~خمسة أنواع وكلها يجب نفيها عن الله # الأول التركيب من الوجود والماهية فلا يكون له حقيقة سوى الوجود المطلق ~~بشرط الاطلاق لأنه لو كان له حقيقة مغايرة لذلك لكانت موصوفة بالوجود ~~وحينئذ فيكون الوجود الواجب لازما ومعلولا لتلك الحقيقة فيكون الواجب ~~معلولا # الثاني التركيب من العام والخاص كتركيب النوع من الجنس والفصل وهذا يجب ~~نفيه # الثالث التركيب من الذات والصفات وهذا يجب نفيه وهذه الثلاث تركيبات في ~~الكيفية PageV01P104 # الرابع التركيب في الكم وهو تركيب الجسم من أبعاضه إما من الجواهر ~~المفردة وهو التركيب الحسي وأما من المادة والصورة وهو التركيب العقلي ~~وهذان النوعان هما الرابع والخامس # وقد بسط الرد عليهم في غير هذا الموضع لكنا ننبه هنا على بعضه فنقول هذه ~~الأمور ليست تركيبا في الحقيقة وبتقدير أن تكون تركيبا كما تدعونه فلا دليل ~~لكم على نفيها بل الدليل يقتضي إثبات المعاني التي سميتموها تركيبا # فهذه مقامات ثلاث أولها أن نقول لا دليل لكم على نفي هذه المعاني التي ~~سميتموها تركيبا وذلك أن عمدتهم في نفي التركيب أنهم يقولون أن المركب ~~مفتقر إلى جزئه وجزء غيره وواجب الوجود لا يكون مفتقرا إلى غيره وهذا ~~الكلام اعتمد عليه ابن سينا وأتباعه كالرازي وغيره وبنوا عليه النفي ~~والتعطيل وهو من أبطل الكلام وذلك بأن يقال لفظ التركيب يحتمل معان متجددة ~~بحسب الاصطلاحات فيقال المركب لما ركبه غيره كما قال تعالى @QB@ في أي صورة ~~ما شاء ركبك @QE@ سورة الانفطار 8 ويقال ركبت الباب في موضعه ونحو ذلك وهذا ~~هو مفهوم المركب في اللغة # وقد يقال المركب لما كان متفرقا فجمع كجمع الأغذية والأدوية المركبة ~~PageV01P105 وقد يقال المركب لما يمكن تفريق بعضه عن بعض كأعضاء الإنسان ms060 ~~وإن لم يعهد له حال تفريق في الابتداء وقد يقال المركب لما يشار إليه ~~كالشمس والفلك قبل أن يعلم جواز الانفكاك عنه وقد يقال المركب لما جاز أن ~~يعلم منه شيء دون شيء كما يعلم كونه قادرا قبل أن يعلم كونه سميعا بصيرا ~~وإذا كان كذلك فمعلوم أنهم إذا قالوا أن أثبات الصفات تستلزم التركيب لم ~~يريدوا به الأول والثاني فإن أثبات الصفات لازم لله تعالى فيمتنع زوال صفات ~~الكمال عنه ويمتنع أن يجوز عليه خلاف الصمدية كالتفرق ونحوه فإنه الأحد ~~الصمد الذي لم يلد ولم يولد وكذلك إذا قالوا المركب مفتقر إلى أجزائه فلفظ ~~الجزء قد يعني به ما جمع إلى غيره حتى حصلت الجملة كالواحد من العشرة وكجزء ~~الطعام والثياب وقد يعني بالجزء ما كان بعضا لغيره وإن لم يعلم انفراده عنه ~~أو لم يمكن انفراده عنه وقد يدخلون في هذه الحياة اللازمة للحي والعلم ~~اللازم للعالم كما يقولون الحيوانية والناطقية جزءا الإنسان وهما نعتان ~~لازمان له لا يمكن وجوده بدونهما وكذلك لفظ الافتقار يراد به افتقار ~~المعلول إلى علته والمصنوع إلى صانعه ويراد به افتقار الصفة إلى محلها الذي ~~تقوم به وقد يعني به التلازم وهو استلزام الموصوف لصفات كماله PageV01P106 ~~وكذلك لفظ الغير قد يراد به المباين للشيء وقد يعني به ما يعلم الشيء بدونه ~~ولهذا لما تنازع الناس في صفات الله تعالى بل في صفة كل موصوف وبعض كل ~~مجموع هل يقال أنه غير له أم لا فقالت طائفة صفة الموصوف وبعض الجملة ليس ~~غيرا له لأنه لا يوجد إلا به وقال بعضهم بل هو غير له لأنه يمكن العلم به ~~دونه كان هذا نزاعا لفظيا فامتنع السلف والأئمة أن يطلقوا على صفات الله ~~كلامه وعلمه ونحو ذلك أنه غير له أو أنه ليس غيره ولهذا لما سألوا الإمام ~~أحمد في مناظرتهم له في المحنة وأمر المعتصم قاضيه عبدالرحمن بن إسحاق أن ~~يناظره سأله فقال ما تقول في القرآن أهو الله أم غير الله عارضه الإمام ms061 ~~أحمد بالعلم فقال ما تقول في علم الله أهو الله أم غير الله فسكت وذلك أنه ~~إن قال القائل لهم القرآن هو الله كان خطأ وكفرا وإن قال غير الله قالوا ~~فما كان غير الله فهو مخلوق فعارضهم الإمام أحمد بالعلم فإن هذا التقسيم ~~وارد عليه ولا يجوز أن يقال علم الله مخلوق ومما يبين ذلك أن النبي ~~PageV01P107 صلى الله عليه وسلم قال من حلف بغير الله فقد أشرك وقد ثبت عنه ~~أنه حلف بعزة الله والحلف بعمر الله ونحو ذلك من صفاته فعلم أن الحالف ~~بصفاته ليس حالفا بغيره ولو كانت الصفة يطلق عليها القول بأنها غيره لكان ~~الحلف بها حلفا بغيره وإذا قال القائل الحالف بصفته حالف به لأن الصفة ~~تستلزم الموصوف وهو المقصود باليمين قيل لهم فلهذا لم يدخل في إطلاق القول ~~بأنها غير الله فعلمه لازم له وملزوم له وكلامه لازم له وملزوم له والصفة ~~داخلة في مسمى الموصوف فإذا قال القائل عبدت الله وذكرت الله ونحو ذلك فاسم ~~الله متضمن لصفاته اللازمة لذاته فإذا قيل أنها غير الله فقد يفهم منه أنها ~~خارجة عن مسمى اسمه وهذا PageV01P108 باطل ولهذا قد يقال أنها غير الذات ~~ولا يقال أنها غير الله لأن لفظ الذات يشعر بمغايرته للصفة بخلاف اسم الله ~~تعالى فإنه متضمن لصفات كماله وقولنا أنه مغاير للذات لا يتضمن جواز وجوده ~~دون الذات فإنه ليس في الخارج ذات منفكة عن صفات ولا صفات منفكة عن ذات بل ~~ذلك ممتنع لنفسه # ومن قال من أهل الأثبات أن له صفات زائدة على ذاته فحقيقة قوله أنها ~~زائدة على ما أثبته المثبت من الذات حيث أقر بذات ولم يقر بصفاتها وإلا ففي ~~الخارج ليس هناك ذات منفكة عن صفات حتى يقال أن الصفات زائدة عليها بل لفظ ~~الذات في الأصل تأنيث ذو كقوله @QB@ وأصلحوا ذات بينكم @QE@ سورة الأنفال 1 ~~وقوله @QB@ عليم بذات الصدور @QE@ سورة آل عمران 119 وهي تستلزم الإضافة ~~ولكن المتكلمون قطعوه عن الإضافة وعرفوه فقالوا الذات ms062 وحقيقته التي لها ~~صفات فحيث قيل لفظ الذات كان مستلزما للصفات ويستحيل وجود ذات منفكة عن ~~الصفات في الخارج وفي العقل وفي اللغة ومن قدر ذاتا بلا صفات فهو تقدير ~~محال كما يقدر سواد ليس بلون وعلم بلا عالم وعالم بلا علم ونحو ذلك من ~~الأمور الممتنعة وهذه المعاني مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن هذه الحجة التي ينفون بها الصفات ويعتمدون على نفي مسمى ~~التركيب هي مبنية على ألفاظ مجملة مشتركة موهمة فإذا قالوا إثبات الصفات ~~تركيب PageV01P109 والمركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ~~ليس بواجب بنفسه قيل لهم إن أردتم بالغير غيرا مباينا له فهذا باطل وإن ~~أردتم ما هو داخل في مسمى اسمه كان حقيقة قولكم المركب لا يوجد إلا بوجود ~~جزئه والمجموع لا يوجد إلا بوجود بعضه والجملة لا توجد إلا بوجود أفرادها # ومن المعلوم أن القائل إذا قال الشيء لا يوجد إلابوجود نفسه كان هذا ~~صحيحا وكذلك إذا قيل لا يوجد إلا بوجود ما هو داخل في نفسه مما يسمى صفات ~~وأجزاء ونحو ذلك فإذا قيل أن هذا يقتضي افتقاره إلى غيره كان من المعلوم أن ~~هذا دون افتقاره إلى نفسه فإن نفسه إذا كانت لا توجد إلا بنفسه فأن لا يوجد ~~إلا بوجود ما يدخل في نفسه أولى وإذا قيل لم يوجد إلا بنفسه لم يمنع هذا أن ~~يكون واجبا بنفسه وإذا قيل لا يوجد إلا بوجود ما هو داخل في مسمى نفسه كان ~~هذا اولى أن لا يمنع كونه واجبا بنفسه لأن الافتقار إلى المجموع أعظم من ~~الافتقار إلى الجزء ومن افتقر إلى مجموع العشرة كان افتقاره أبلغ من افتقار ~~من افتقر إلى واحد من العشرة فإذا كان المجموع لا يوجد إلا بالمجموع ولا ~~يمنع هذا أن يكون المجموع مفتقرا إلى نفسه فلأن لا يمنع كون المجموع مفتقرا ~~إلى فرد من أفراده أولى وأحرى # وإذا قيل جزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ممكن بنفسه قيل إن أريد بذلك أن ~~المفتقر ms063 إلى المباين له ممكن بنفسه PageV01P110 فليس هذا مورد كلامنا وإن ~~أريد أن المفتقر إلى ما يدخل في نفسه ممكن بنفسه كان هذا ممنوعا بل كان ~~معلوم الفساد بالضرورة فإن افتقاره إلى ما يدخل في نفسه ليس بأعظم من ~~افتقاره إلى نفسه وإذا كان هو موجود بنفسه بمعنى أنه لا يفتقر إلى مباين له ~~لم يلزم من هذا ألا تفتقر نفسه إلى نفسه فكذلك لا يلزم ألا تفتقر إلى ما ~~يدخل في مسمى نفسه وإذا قيل هو مفتقر إلى نفسه فله معينان أحدهما أنه مفتقر ~~إلى أن يفعل نفسه ونحو ذلك فهذا ممتنع لذاته فإن الشيء لا يكون فاعلا لنفسه ~~والعلم بذلك ضروري وإن أريد بذلك أن نفسه لا تكون إلا بنفسه ولا تستغني عن ~~نفسه ويمتنع وجود نفسه بدون نفسه فهذا صحيح لا بد منه # وإذا قيل هو مفتقر إلى ما يدخل في نفسه سواء سمي صفة أو جزءا أو غير ذلك ~~قيل أتريد به أن ذلك الجزء يكون فاعلا له أو ما يشبه هذا فهذا ممتنع باطل ~~ولا يقوله عاقل وإن أردت بذلك أنه لا يكون موجودا إلا بوجود ذلك وأنه يمتنع ~~وجوده بدونه ونحو ذلك كان ما يقدر في هذا دون ما يقدر في نفسه وإذا كان لا ~~توجد نفسه إلا بنفسه فأن لا يوجد إلا بما يدخل في نفسه بطريق الضرورة وإذا ~~كان ذلك أمرا واجبا لا محذور فيه فهذا بطريق الأولى وإذا كان تقدير استغناء ~~نفسه عن نفسه يوجب عدمه فكذلك تقدير وجوده بدون ما هو داخل في مسمى نفسه ~~مما هو لازم له يوجب عدمه بالحقيقة PageV01P111 # فهذه الأمور التي نفوها عن الوجود الواجب توجب عدمه وامتناعه ولهذا كانوا ~~من أعظم الناس تناقضا حيث وصفوا واجب الوجود بممتنع الوجود ولهذا جعلوه ~~وجودا مطلقا بشرط الاطلاق أو بشرط نفي الأمور الثبوتية كما صرح بذلك ابن ~~سينا # وأتباعه # وهم قد قرروا في منطقهم اليوناني ما هو معلوم بصريح العقل أن المطلق بشرط ~~الاطلاق إنما يوجد في الأذهان لا ms064 في الأعيان كالإنسان المطلق بشرط الإطلاق ~~والجسم المطلق بشرط الإطلاق والحيوان المطلق بشرط الإطلاق وهذا قصدوا به ~~التمييز بين هذا وبين الوجود الذي هو موضوع الفلسفة الأولى والحكمة العليا ~~عندهم وهو العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولواحقه فإن الوجود ينقسم ~~إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وقائم بنفسه وقائم بغيره ومورد التقسيم مشترك ~~بين الأقسام فكان هذا الوجود يعم القسمين الواجب والممكن وهذا هو المطلق لا ~~بشرط وهو الكلي الطبيعي فجعلوا أحد القسمين وهو الواجب هو المطلق بشرط ~~الإطلاق وكذلك جعل العدم المحض هو المميز للوجود الواجب عن الممكن يوجب كون ~~العدم المحض فصلا أو خاصة وهذا أيضا باطل فإن الأمرين المشتركين في الوجود ~~لا يكون المميز لأحدهما عن الآخر إلا أمرا وجوديا ولو قدر أنه عدمي لكان ~~الواجب PageV01P112 قد امتاز بأمر عدمي والممكن امتاز بوجودي والوجود أكمل ~~من العدم فيكون كل ممكن مخلوق على قول ابن سينا أكمل من الموجود الواجب ~~القديم لأنهما اشتركا في الوجود وتميز الرب بعدم الأمور الثبوتية وتميز ~~المخلوق بأمور وجودية # وهذا الكلام عندهم هو غاية التوحيد والتحقيق والحكمة وهو غاية التعطيل ~~والكفر والجهل والضلال وذلك أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الأذهان لا في ~~الأعيان وهم يسلمون هذا ويقررونه في منطقهم ويقولون الكلي ثلاثة أنواع ~~الكلي الطبيعي والمنطقي والعقلي فالطبيعي هو الحقيقة المطلقة كالإنسانية ~~والحيوانية وأما المنطقي فهو ما يعرض لهذه من العموم والكلية والعقلي هو ~~المركب منهما وهو الطبيعي بشرط كونها كلية فهذا العقلي لا يوجد إلا في ~~الذهن وكذلك المنطقي وأما الطبيعي فيقولون أنه موجود في الخارج لكن لا يوجد ~~إلا معينا مشخصا ويقولون أنه جزء المعين وأن الماهية في الخارج زائدة عن ~~الوجود الثابت في الخارج ويذكرون عن أصحاب أفلاطن أنهم أثبتوا الكلي العقلي ~~في الخارج مجردا عن الأعيان وشنعوا عليهم تشنيعا عظيما ومن قال إن الرب هو ~~الوجود المطلق بشرط الإطلاق ويردون على أصحاب أفلاطن الذين أثبتوا المثل ~~الأفلاطونية وهي الكليات المجردة عن الأعيان ويقولون هي ثابتة في الأذهان ~~لا ms065 في الأعيان وعند هؤلاء بتقدير ثبوت هذه الكليات في الخارج PageV01P113 ~~فلا بد أن تكون لها أعيان ثابتة في الخارج مجردة فلو قدر أن في الخارج ~~وجودا مطلقا بشرط الإطلاق لكان كليا شاملا عاما وله أعيان ثابتة في الخارج ~~بالضرورة ويكون متناولا للواجب والممكن كتناوله للقديم والحادث والجوهر ~~والعرض وكتناول سائر المعاني الكلية أفرادها سواء سميت جنسا أو نوعا أو ~~فصلا أو خاصة أو عرضا عاما فيمتنع أن تكون هذه الكليات العامة هي الأعيان ~~الموجودة الداخلة فيها ولذلك إذا قدر أن المطلق لا بشرط وهو الكلي الطبيعي ~~موجود في الخارج فإنه لا يوجد إلا معينا والمعين ليس هو المطلق غايتهم أن ~~يقولوا هو جزء منه أو صفة له فيلزم أن يكون رب العالمين جزءا من المخلوقات ~~أو صفة لها # وهؤلاء غلطوا من وجهين من جهة ظنهم أن في الخارج أمورا مطلقة كلية وليس ~~كذلك بل ما يتصوره الذهن مطلقا كليا يوجد في الخارج لكن يوجد معينا مختصا ~~والثاني أنه لو قدر أن في الخارج مطلقا كليا فلا ريب أن كل موجود معين مشخص ~~مختص مميز عن غيره وليس هذا هو هذا ولا وجود هذا وجود هذا فكيف يكون وجودها ~~وجود رب العالمين فلا بد على كل تقدير من إثبات موجود واجب بنفسه مغاير ~~لهذا المطلق سواء قيل بوجود الكليات المطلقة المفارقة للأعيان كما يقوله ~~أصحاب أفلاطن أو قيل PageV01P114 بأنها لا توجد إلا مقارنة ملازمة للأعيان ~~كما يقوله أصحاب أرسطو # وأهل الوحدة القائلون بوحدة الوجود لما قال من قال منهم أنه الوجود ~~المطلق كابن سبعين والقونوي وأمثالهما قال من قال منهم كالقونوي أنه المطلق ~~لا بشرط ليكون موجودا في الخارج وهذا باطل أيضا فإن الموجود المطلق لا بشرط ~~يتناول القسمين الواجب والممكن فيكون الممكن داخلا في مسمى واجب الوجود # وهم إنما فرقوا بينهما بناء على أن وجود الممكن زائد على حقيقته وهو باطل ~~وأن الواجب إنما يتميز بقيود سلبية والسلوب لا تكون مميزة عندهم بل لا يحصل ~~التمييز في الموجودين إلا بأمور ms066 وجودية ولأن المطلق عند من يقول بوجوده في ~~الخارج جزء من المعين فيكون رب العالمين جزءا من كل مخلوق ولأن الخارج لا ~~يوجد فيه كلي ولا مطلق إلا معينا مشخصا ولكن ما هو كلي في الأذهان يكون ~~موجودا في الأعيان لكن معينا ومشخصا وأيضا فهؤلاء الذين يقولون إن واجب ~~الوجود مطلق أو مقيد بالأمور السلبية كابن سينا وأهل الوحدة وغيرهم هم في ~~الحقيقة لا يثبتون له حقيقة PageV01P115 ولا صفة ولا قدرا الموجود لا بد له ~~من حقيقة تخصه مستلزمة لصفته وقدره فهم من أعظم الناس تعطيلا للخالق وجحودا ~~له وإن كانوا يعتقدون أنهم يقرون به وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا ~~الموضع # والرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل وهؤلاء ناقضوهم ~~جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل فإن الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي ~~بعث به رسوله أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه حكيم عزيز غفور ودود ~~وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه ~~كلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا وأنه أنزل على عبده الكتاب إلى غير ~~ذلك من أسمائه وصفاته وقال في النفي والتنزيه @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ سورة ~~الشورى 11 @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ سورة ~~مريم 65 وهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل فقالوا في النفي ليس ~~بكذا ولا كذا ولا كذا فلا يقرب من شيء ولا يقرب منه شيء ولا يرى لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة ولا له كلام يقوم به ولا له حياة ولا علم ولا قدرة ~~ولا غير ذلك ولا يشار إليه ولا يتعين ولا هو مباين للعالم ولا حال فيه ولا ~~داخلة ولا خارجة إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم ~~ثم قالوا في الإثبات هو وجود مطلق أو وجود مقيد PageV01P116 بالأمور ~~السلبية وقالوا لا نقول موجود ولا معدوم أو قالوا هو لا موجود ولا معدوم ~~فتارة يرفعون النقيضين وتارة ms067 يمتنعون من إثبات أحد النقيضين ثم تارة يسلكون ~~هذا المسلك في نفي الموجود وتارة فيما يوصف به الموجود من الحياة والعلم ~~والقدرة والكلام وسائر الصفات فنفوا الحقيقة وصاروا يعبرون عن المعاني ~~الثبوتية بأنها تركيب كما تقدم وقد ذكرنا أن تسمية هذا تركيبا أمر اصطلحوا ~~عليه وإلا فإثبات هذه المعاني لا يسمى في اللغة المعروفة تركيبا فإن المركب ~~لا يعقل إلا فيما ركبه مركب وهذا المعنى ممتنع فيما هو موجود بنفسه غني عن ~~كل ما سواه وهو الفاعل لكل ما سواه وكل ما سواه مخلوق له فإذا قدر أنه متصف ~~بصفات متعددة لم يكن أحد ركبه ولا ركبها فيه والناس قد تنازعوا في الأجسام ~~المخلوقة كالكواكب والفلك والهواء والماء وغير ذلك فقيل هي مركبة من ~~الجواهر المنفردة وقيل مركبة من المادة والصورة ومنه من فرق بين الجسم ~~الفلكي والعنصري والصواب عند محققي الطوائف أنها ليست مركبة لا من هذا ولا ~~من هذا وهذا قول أكثر أهل الطوائف أهل النظر مثل الهشامية والضرارية ~~والنجارية والكلابية وطائفة من الكرامية وغيرهم # وقد تنازع الناس في الجسم هل يقبل القسمة إلى غاية PageV01P117 محدودة هي ~~الجوهر الفرد أو يقبل القسمة إلى غير غاية أو يقبل القسمة إلى غاية من غير ~~إثبات الجوهر الفرد على ثلاثة أقوال # والثالث و الصواب فإن إثبات الجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة باطل بوجوه ~~كثيرة إذ ما من موجود إلا ويتميز منه شيء عن شيء وإثبات انقسامات لا تتناهى ~~فيما هو محصور بين حاصرين ممتنع لامتناع وجود ما لا يتناهى فيما يتناهى ~~وامتناع انحصاره فيه لكن الجسم كالماء يقبل انقسامات متناهية إلى أن تتصاغر ~~أجزاؤه فإذا تصاغرت استحالت إلى جسم آخر فلا يبقى ما ينقسم ولا ينقسم إلى ~~غير غاية بل يستحيل عند تصاغره فلا يقبل الانقسام بالفعل مع كونه في نفسه ~~يتميز منه شيء عن شيء وليس كل ما تميز منه شيء عن شيء لزم أن يقبل الانقسام ~~بالفعل بل قد يضعف عن ذلك ولا يقبل البقاء مع فرط تصاغر ms068 الاجزاء لكن يستحيل ~~إذ الجسم الموجود لا بد له من قدر ما ولا بد له من صفة ما فإذا ضعفت قدره ~~عن اتصافه بتلك الصفة انضم إلى غيره إما مع استحالة إن كان ذلك من غير جنسه ~~وإما بدون الإستحالة إن كان من جنسه كالقطرة الصغيرة من الماء إذا صغرت جدا ~~فلا بد أن تستحيل هواء أو ترابا أو أن تنضم إلى ماء آخر وإلا فلا تبقى ~~القطرة الصغيرة جدا وحدها وكذلك سائر الأجزاء الصغيرة جدا من سائر الأجسام # PageV01P118 وهذا مبسوط في موضعه ولكن نبهنا عليه هنا لأن هذه الأمور هي ~~مبدأ الاشتباه والتنازع والاضطراب في هذه الأبواب فإذا كان ما ادعوه من ~~التركيب الحسي في الأجسام المشهدوة باطلا فكيف في الأمرو الغائبة التي لا ~~تعلم حقيقتها فكيف بما يدعونه من التركيب العقلي كقولهم لو كان له حقيقة ~~لكان الوجود صفة لها فكان مركبا وكان الوجود الواجب معلولا لغيره فإنه يقال ~~لهم بل له حقيقة تخصه يمتاز بها عن كل ما سواه بل كل موجود له حقيقة تخصه ~~فالخالق أولى بذلك وأما قولهم يكون الوجود صفة لها فهذا إنما يقال أن لو ~~كان الوجود مصدر وجد وجودا أو وجدته وجودا # ولا ريب أن لفظ الوجود في اللغة هو مصدر وجد يجد وجودا كما في قوله تعالى ~~@QB@ ووجد الله عنده @QE@ سورة النور 39 ولكن أهل النظر والعلم إذا قالوا ~~هذا موجود لم يريدوا أن غيره وجده يجده ولا يريدون أن غيره جعل له وجودا ~~قائما به بل يريدون به أنه حق ثابت ليس بمعدوم ولا منتف فإذا قيل هذا ~~الإنسان موجود لم يكن المراد أن هذا الإنسان قام به وجود يكون صفة لهذا ~~الإنسان بل قولنا هذا الإنسان موجود أي ثابت متحقق ليس بمعدوم ولا منتف ~~وليس وجوده في الخارج فدرا زائدا على حقيقته الموجودة في الخارج بل الحقيقة ~~التي هي ماهيته الموجودة في الخارج هي وجوده الثابت في الخارج # PageV01P119 وأما إذا أريد بالحقيقة ما يتصور في الذهن وهي الماهية ~~الذهنية ms069 كما يتصور المثلث في الذهن قبل ثبوته في الخارج فالماهية الثابتة ~~في الأذهان مغايرة للحقيقة الموجودة في الأعيان فمن قال أن وجود كل شيء عين ~~ماهيته كما يقوله متكلمو أهل الأثبات فقد أصاب إذا أراد أن الوجود الثابت ~~في الخارج هو الماهية الثابتة في الخارج ومن قال ان وجود كل شيء غير ماهيته ~~كما يقوله أبو هاشم بن الجبائي وأمثاله فقد أصابوا إن أرادوا أن الوجود ~~الثابت في الخارج مغاير للماهية الثابتة في الذهن وأما إن أرادوا ما هو ~~المعروف من مذهبهم أن في الخارج ماهيات ثابتة وهو المعدوم الثابت في حال ~~عدمه وأن الوجود صفة لتلك الماهية فهذا خطأ # وأعظم خطأ من هؤلاء من فرق من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله وقالوا أن ~~الممكن وجوده في الخارج زائد على ماهيته وأما الواجب فوجوده في الخارج عين ~~ماهيته وإنما كان خطؤهم أعظم لأنهم أخطأوا من وجهين أحدهما إثبات حقائق في ~~الخارج غير الموجودات الثابتة في الخارج والثاني أنهم جعلوا الوجود الواجب ~~وجودا مطلقا ليس له حقيقة سوى مطلق الوجود وأنه إنما يتميز عن غيره بأمور ~~سلبية أو إضافية مع أنهم يقولون في منطقهم أن الأمور السلبية والإضافية لا ~~تميز بين المشتركين في أمر كلي وجودي وإنما يقع التمييز بأمور ثبوتية # PageV01P120 وأيضا فإذا لم يتميز الواجب إلا بأمر عدمي وكل من الممكنات ~~يتميز بأمر وجودي كان كل من الممكنات أكمل منه وأيضا فالسلب إذا لم يتضمن ~~أمرا ثبوتيا لم يكن صفة كمال وإنما يكون كمالا إذا تضمن أمرا ثبوتيا كقوله ~~@QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ سورة البقرة 255 وأولئك المعتزلة ومن ~~وافقهم من المتأخرين كأبي حامد والرازي في أحد القولين وغيرهما إذا قالوا ~~أن الوجود الواجب صفة للحقيقة ومن قد يوافقهم في هذا الأصل أحيانا فيفرق ~~بين وجود الشيء وبين حقيقته في الخارج كما يفعله أبو الحسن بن الزاغوني ~~ونحوه في مواضع كان قولهم مع ما فيه من الخطأ خيرا من قول هؤلاء # وأما إيراد هؤلاء عليهم أن الوجود الواجب لا يكون ms070 معلولا فيقال لهم ~~أتريدون بذلك أن الوجود الواجب بنفسه لا يكون مفعولا ولا معلولا لعلة فاعلة ~~أم تريدون أن الوجود لا يكون صفة للماهية الموجودة ولا يكون الوجود معلولا ~~لعلة قابلة لا فاعلة أم تريدون غير ذلك فإن أردتم الأول فهو صحيح لكن ليس ~~في قولنا أن الوجود الواجب صفة للماهية الواجبة ما يوجب أن يكون معلولا له ~~علة فاعلة وإن أردتم أنه لا يكون صفة للوجود فهذا ممنوع بل الوجود صفة ~~للواجب والوجود صفة للموجود والواجب بنفسه هو الموصوف بالوجوب لا أن الوجوب ~~هو الواجب بنفسه والموجود بنفسه هو الموجود الواجب لا أن وجوده هو الواجب ~~بنفسه فهذا جواب # PageV01P121 # وجواب ثان وهو أن كون الوجود أو الوجوب معلولا لعلة قابلة ليس بممتنع ~~وإنما الممتنع أن يكون معلولا لعلة فاعلة فالعلة القابلة كالموصوف القابل ~~لصفته والعلة الفاعلة كالمبدع الفاعل لمصنوعه والدليل دل على أن الواجب ~~بنفسه ووجوبه ووجوده لا يكون مفعولا ولا معلولا لفاعل لم يدل على أن الواجب ~~لا يكون إلا صفة للواجب والوجود لا يكون صفة للموجود على قول من يقول إن ~~وجود الشيء زائد على حقيقته فهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم على قولهم إن وجود ~~الشيء في الخارج زائد على ماهيته وإن كان في قولهم خطأ فهم أقل خطأ وأكثر ~~صوابا من أولئك الفلاسفة الذين جعلوا وجوده مطلقا أو مقيدا بالعدم فقالوا ~~ما يعلم بصريح العقل أنه ممتنع من وجوه كثيرة مع ما فيه من التعطيل والجحود ~~لرب العالمين والتكذيب لأنبيائه المرسلين واتباع غير سبيل المؤمنين # وأما النوع الثاني من التركيب وهو التركيب من خاص وعام فيقال نحن وأنتم ~~مع جماهير الناس يقولون أن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن ومورد التقسيم ~~مشترك بين الأقسام وهذه القسمة إنما ترد على المعاني لا على مجرد الألفاظ ~~المشتركة سواء كانت تلك المعاني متفاضلة وألفاظها هي التي يقال لها الألفاظ ~~المشككة أو كانت متساوية وهي الأسماء المتواطئة التواطؤ الخاص فأما التواطؤ ~~العام فتندرج فيه المشككة وإذا كان الوجود منقسما إلى هذا وهذا ms071 فلا بد أن ~~يتميز الواجب عن غيره بما PageV01P122 يخصه والأمور العدمية المحضة لا توجب ~~التمييز فقد ثبت التركيب مما به الاشتراك ومما به الامتياز سواء جعلتم ~~الوجود من الألفاظ المشككة أو من المتواطئة تواطؤا عاما أو المتواطئة ~~تواطؤا خاصا # وأيضا فيقال قد عرف أنا إذا قلنا أن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن ومورد ~~التقسيم هو المعنى العام الكلي والكلي إنما يكون كليا في الأذهان لا في ~~الأعيان وحينئذ فليس في المخلوقات ما هو مركب مما به الاشتراك ومما به ~~الامتياز بل كل موجود فإنه مختص بصفاته القائمة به كاختصاصه بعينه نفسه لا ~~يشركه غيره فيها فإذا كانت المخلوقات ليست مركبة بهذا الاعتبار فالخالق ~~أولى أن لا يكون مركبا بهذا الاعتبار ولكن أنتم غلطتم في منطقكم اليوناني ~~فلما رأيتم الإنسان يشابه غيره من الحيوانات في الحيوانية ويختص عنه بالنطق ~~والفرس يشابه غيره من الحيوانات في الحيوانية ويختص بالصهيل قلتم الإنسان ~~مركب من الحيوانية والناطقية وكذلك الفرس مركب من الحيوان والصاهل أو من ~~الحيوانية والصاهلية وهكذا في سائر الأنواع وظننتم أن هذا التركيب له تأثير ~~في الخارج وهذا غلط عظيم وقع منكم في الميزان العقلي وهو القانون الذي ~~تزنون به المعاني العقلية الذي جعلتموه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن ~~PageV01P123 أن يزل في فكرة فإن الميزان إذا كان مائلا لا عادلا أخطأ ~~الوازن في الوزن قطعا وقد بسط الغلط في غير هذا الموضع # ومن أقرب ما يعرف به ذلك أن يقال الإنسان الموجود في الخارج مركب من ~~عرضين أو من جوهرين فقولكم الحيوانية والناطقية أو الحيوان والناطق أتريدون ~~به أعراضا هي صفات تقوم بالإنسان أم جواهر هي أعيان قائمة بأنفسها # فإن قلتم أعراضا تبين فساد قولكم فإن الإنسان الموجود جوهر قائم بنفسه ~~والجواهر لا تكون مركبة من الأعراض ولا تكون الأعراض سابقة عليها ولا مادة ~~لها فإن الأعراض قائمة بالجوهر مفتقرة إليه حالة فيه وهو موضوع لها في ~~اصطلاحكم والموضوع هو المحل المستغنى في قوامه عن الحال فيه فإذا كان ~~الإنسان عندكم مستغنيا ms072 في قوامه عن أعراضه امتنع أن كون هي مادته وأجزاءه ~~المقومة له وأن يكون مركبا منها # وإن قلتم بل الحيوانية والناطقية أو الحيوان والناطق جوهران قائما ~~بأنفسهما والإنسان مركب منهما كان هذا معلوم الفساد بالضرورة فإنا نعلم أن ~~الإنسان هو الحيوان الناطق وهو الجسم الحساس النامي المتحرك بالإرادة ~~الناطق والفرس هو الحيوان الصاهل وهو الجسم الحساس النامي المتحرك بالإرادة ~~الصاهل ليس في الإنسان جوهر هو حيوان وجوهر هو ناطق وجوهر هو جسم وجوهر هو ~~حساس وجوهر هو نام وجوهر هو PageV01P124 متحرك بالإرادة بل هذه أسماء ~~للإنسان الواحد كل اسم منها يدل على صفة من صفاته فالمسمى الموصوف بها جوهر ~~واحد لا جواهر متعددة # فتبين أن قولكم أن الإنسان الموجود في الخارج مركب من هذا وهذا قول باطل ~~كيفما أردتموه وإما أن قلتم أن هذا تركيب عقلي في الذهن فيقال التركيب ~~العقلي هو بحسب ما يقدره الذهن ويفرضه ومن لم يميز بين الموجودات الثابتة ~~في الخارج وبين المقدرات الذهنية كان عن العلم خارجا وفي تيه الجهل والجا ~~وهذا حال كثير من هؤلاء اشتبه عليهم الصور الذهنية بالحقائق الخارجية فظنوا ~~ما في الأذهان ثابتا في الأعيان وعامة ما تدعونه من العقليات مثل الكليات ~~والمجردات كالعقول العشرة وكالمادة وغيرها هي أمور ذهنية لا خارجية # وهم قد جعلوا في علمهم الأعلى وفلسفتهم الأولى الذي قسموا فيه الوجود إلى ~~جوهر وعرض وجعلوا العرض تسعة أجناس كما ذكر ذلك معلمهم الأول أرسطو وسموا ~~هذه المقالات العشر جعلوا الجوهر جنسا تحته خمسة أنواع أحدها العقول العشرة ~~والثاني النفوس والثالث المادة والرابع الصورة والخامس الجسم وتنازعوا في ~~واجب الوجود هل يسمى جوهرا على قولين لهم وهذه الأربعة التي هي العقول ~~والنفوس والمادة والصورة اللتان جعلوهما جزئي الجسم إذا حقق الأمر عليهم ~~كانت أمورا عقلية مقدرة في الأذهان لا وجود لها في الأعيان بخلاف الجسم ~~PageV01P125 وأعراضه فإن ذلك ثابت في الأعيان وهذه الأمور مبسوطة في غير ~~هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على منشأ غلطهم في التركيب الذي يزعمونه من ms073 الجنس ~~والفصل أو من العرض العام والخاصة وقولهم أن هذا منتف عن واجب الوجود فإذا ~~عرف أن هذا ليس بتركيب في الحقيقة وأنه سواء جعل تركيبا أو لم يجعل تركيبا ~~لا يمكن نفيه عن موجود من الموجودات لا واجب ولا ممكن علم ضلال هؤلاء القوم ~~الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وأما التركيب من ~~الذات والصفات فهذا أيضا ليس بتركيب فإن الإنسان الذي لا يكون إلا حيا ~~ناطقا ليس له ذات مجردة عن هذه الصفات حتى يقال انه مركب من هذه الذات ~~والصفات بل لا حقيقة لذاته إلا ما هو حيوان ناطق فالخالق تعالى الذي لا ~~يكون إلا حيا عالما قادرا ليس له ذات مجردة عن هذه الصفات حتى يقال أنه ~~مركب من ذات وصفات وإذا قال القائل أنه يمكن تقدير الذات مجردة عن الصفات ~~كان هذا تركيبا في ذهنه وخياله كما تقدم ومن المعلوم أن الأمور الذهنية ~~العقلية الخيالية غير الحقائق الموجودة في الخارج وقد تقدم قولهم في تركيب ~~الجسم من أجزائه الحسية والعقلية فقد تبين ان ما جعلوه تركيبا أخطأوا فيه ~~لفظا ومعنى وأنه بتقدير موافقتهم على جعل ذلك تركيبا لا يمكن نفيه عن موجود ~~لا واجب ولا ممكن فظهر المقامان اللذان ذكرناهما حيث قلنا أن هذا ليس ~~بتركيب وبتقدير أن يقال هو تركيب لا يمكن نفيه PageV01P126 # وأما المقام الثالث فيقال إثبات معان متعددة في الموجود الواجب وغيره أمر ~~ضروري لا بد منه وأنتم مع فرط مبالغتكم في السلب تقولون أنه موجود واجب ~~وأنه معقول وعاقل وعقل ولذيذ وملتذ به وعاشق ومعشوق وعشق إلى أنواع أخر # وأما أهل الملل فمتفقون على أنه حي عليم قدير ومن المعلوم أن من جعل كونه ~~حيا هو كونه عالما وكونه عالما هو كونه قادرا فهو من أعظم الناس جهلا وكذبا ~~وسفسطة وكذلك من جعل الحياة هي الحي والعلم هو العالم والقدرة هي القادر ~~فيبين العقل الصريح أن كل صفة ليست هي الأخرى ولا هي نفس الموصوف وكذلك من ms074 ~~جعل العشق هو العاشق واللذيذ هو اللذة ونفس العقل الذي هو مصدر عقل يعقل ~~عقلا هو العقل الذي هو العاقل القائم بنفسه فمن جعل هذا هذا كان في ~~المكابرة والجهل والسفسطة من جنس الأول فمن جعل المعاني هي الذات القائمة ~~بنفسها أو كل معنى هو المعنى الآخر كان من أعظم الناس جهلا وكذبا وسفسطة ~~وكان أجهل من النصارى الذين يقولون أحد بالذات ثلاثة بالأقنوم ويقولون مع ~~ذلك أن أقنوم الكلمة هو المتحد بالمسيح دون غيره وأنه إله حق من إله حق ~~فإنهم إن جعلوا الأقنوم هو الذات الموصوفة بالصفات الثلاثة كان المسيح هو ~~الأب وإن جعلوه صفة لم يكن المسيح إلها فإن الصفة لا تخلق ولا ترزق ولا ~~تفارق PageV01P127 الموصوف فالنصارى متناقضون في التوحيد حيث يلزمهم أن ~~يجعلوا الذات هي الصفة أو المتحد هو الذات وهؤلاء أعظم تناقضا منهم وقولهم ~~في التوحيد شر من أقوال النصارى # لكن يحيى بن عيد النصراني الفيلسوف ظن أنه إذا جعل قولهم في التثليت هو ~~مثل تثليت الفلاسفة في قولهم بالعاقل والمعقول والعقل يكون قد انتصر ~~بالأدلة ولم يعلم أن ما فر إليه شر مما فر منه وأن قول الفلاسفة بالعقل ~~والعاقل والمعقول أبطل في المعقول من قول النصارى بالأب والابن وروح القدس # وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن نبهنا عليها هنا لأنها أصول ~~كلام هؤلاء الذين أضلوا من أذكياء الأمم من لا يعلمه إلا الله وهم الذين ~~قالوا إن معجزات الانبياء عليهم السلام قوى نفسانية وبنوا ذلك على أصولهم ~~في قدم العالم وأن مبدعه علة تامة موجبة بذاته وجعلوا من المقدمات التي ~~استعانوا بها على ذلك نفي الصفات الذي بنوه على ما سموه التركيب فإذا عرف ~~بطلان أصلهم كان القول بإثبات صفات الكمال لله حقا وحينئذ فلا يمكنهم أن ~~يقولوا لا تقوم به الأفعال الاختيارية فإنهم إنما نفوا قيام ذلك بذاته ~~لنفيهم الصفات لا لكونه قديما فإن القديم عندهم تحله الحوادث ولهذا قالوا ~~إن الفلك قديم تحله الحوادث # ومن قال إن القديم ms075 لا تحله الحوادث من أهل الكلام PageV01P128 كالمعتزلة ~~ومن اتبعهم من الكلابية وأتباعهم فإنما قالوا ذلك لاعتقادهم أن ما قامت به ~~الحوادث محدث أما المعتزلة فلأن من أصلهم أن الصفات أعراض لا تقوم إلا ~~بمحدث وأما الكلابية وأتباعهم فلأن من أصلهم أن ما يقبل الحوادث لم يخل ~~منها وما لم يخل منها كان حادثا لاعتقادهم امتناع حوادث لا أول لها والذين ~~نازعوهم في ذلك من أهل الحديث والكلام والفلسفة وغيرهم مثل جمهور أهل ~~الحديث وكثير من المرجئة والشيعة والفقهاء وغيرهم مثل الهشامية وأبي معاذ ~~التومني ومثل داود بن علي والكرامية ومثل كثير من أئمة الفلاسفة الأساطين ~~المتقدمين والمتأخرين ينازعونهم في إحدى المقدمتين أو كليتهما فينازعونهم ~~في قولهم ما قبل الحوادث لم يخل منها كما ينازعهم في ذلك الهشامية ~~والكرامية وأبو عبدالله بن الخطيب وأبو الحسن الآمدي وغيرهما فإن هؤلاء ~~وغيرهم طعنوا في قولهم ما قبل الحوادث لم يخل منها # وأما قولهم بامتناع حوادث لا أول لها فهذا نازعهم فيه أئمة أهل الملل ~~وأئمة الفلاسفة وأئمة أهل الحديث والسنة وجمهورهم نازعوهم في هذه ونازعهم ~~فيها أئمة الفلاسفة PageV01P129 الأولين والآخرين مثل أرسطو ومن قبله ~~فالقائلون بقدم الأفلاك من الفلاسفة يقولون أن القديم تقوم به حوادث لا أول ~~لها وأما أهل الملل وأئمة الفلاسفة وجماهيرهم فيقولون أن كل ما سوى الله ~~مخلوق كائن بعد أن لم يكن وأن ما قامت به الحوادث من الممكنات فهو مخلوق ~~محدث بل ما قارنته الحوادث من الممكنات فهو مخلوق محدث لامتناع صدروه عن ~~علة تامة قديمة أزلية والمشهور من مقالة أساطين الفلاسفة قبل أرسطو هو ~~القول بحدوث العالم وإنما اشتهر القول بقدمه عنه وعن متبعيه كالفارابي وابن ~~سينا والحفيد وأمثالهم # وأما قيام الأفعال الاختيارية وقيام الصفات بالله تعالى فهو قول سلف ~~الأمة وأئمتها الذين نقوله عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو القول الذي ~~جاء به التوراة والإنجيل وهو القول الذي يدل عليه صريح المعقول مطابقا ~~لصحيح المنقول وحينئذ فنعلم بالعقل الصريح أن العالم حادث كما أخبرت به ms076 ~~الرسل مع أن الرب لم يزل ولا يزال متصفا بصفات الكمال لم يصر قادرا بعد أن ~~لم يكن ولا متكلما بعد أن لم يكن ولا موصوفا بأنه خالق فاعل بعد أن لم يكن ~~بل لم يزل موصوفا بصفات الكمال المتضمنة لكماله في أقواله وأفعاله وهذه ~~الأمور مبسوطة في غير هذاالموضع # والمقصود هنا بيان ما ذكرناه من الدليل على حدوث كل ما سوى الله وأن ~~حقيقة قولهم يستلزم أن لا يكون للحوادث محدث أصلا لامتناع صدور الحوادث عن ~~علة تامة أزلية وأن كل محدث سواء سمي معلولا أو مفعولا لا بد حين ~~PageV01P130 وجوده من وجود جميع ما به يحدث فإذا سمي معلولا فلا بد من وجود ~~العلة التامة عند وجوده وإذا كانت قديمة وتأثيرها موقوف على شرائط فلا بد ~~من حصول الشروط عند حدوثه فلا يكفي وجودها قبل حدوثه كما يقولون لأن العلة ~~التامة يجب مقارنة معلولها لها ومقارنتها لمعلولها فلا يكون المعلول موجودا ~~إلا مع وجود العلة التامة بجميع أجزائها إذ لو كان شيء من شروطها معدوما قد ~~وجد قبل حدوث المعلول لكانت العلة سابقة على المعلول والمعلول متأخر عنها ~~وهذا ممتنع في العلة التامة وكذلك الفاعل القادر لا بد من وجود قدرته ~~وإرادته وسائر ما يعتبر في فعله أن يكون موجودا عند حداث المحدث فهذان ~~وجهان # وأما حجتهم المذكورة على قدم العالم فجوابها من وجوه أحدها أن يقال دوام ~~الحوادث إما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا فإن كان ممتنعا بطل قولهم ~~وعلم أن الحوادث لها ابتداء وإن كان ممكنا أمكن أن تكون هذه الأفلاك حادثة ~~مسبوقة بحوادث قبلها كما أخبرت بذلك الرسل فإن الله تعالى اخبر أنه خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء وعلى التقديرين فلا يلزم ~~قدم العالم واعلم انه ليس لهم حجة صحيحة على قدم العالم أصلا PageV01P131 ~~بل غاية ما يقررون أنه لابد من دوام فعل الفاعل فبتقدير أن يكون فعله دائما ~~بذاته شيئا بعد شيء يبطل قولهم وبتقدير أن يكون ms077 كل مفعول محدثا وهو مسبوق ~~مفعول محدث يبطل قولهم # الوجه الثاني أن يقال هذا بعينه يبطل قولكم بأن المؤثر إن جاز تأخر أثره ~~عنه أمكن حدوث العالم وتأخر الفعل عن الفاعل وإن لم يجز تأخر أثره عنه لزم ~~عدم الحوادث أو قدمها أو حدوثها بلا محدث والكل باطل فعلم أن قولهم بمؤثر ~~لا يتأخر عنه الأثر باطل # الوجه الثالث أن يقال ترجيح الفاعل لأحد طرفي الممكن على الآخر إما أن ~~يكون ممكنا وإما أن لا يكون فإن كان ممكنا أمكن تأخر العالم وأن القادر ~~المختار يرجح حدوثه بلا مرجح وإن قيل إن الفاعل لا يمكنه ذلك امتنع كون ~~الموجب بالذات يرجح شيئا على شيء بلا مرجح ومعلوم أن العالم له قدر مخصوص ~~وصفات مخصوصة وحوادث متعاقبة كلها ممكنة فترجيحها على غيرها من الممكنات لا ~~يكون بمجرد وجود مطلق بسيط نسبته إلى جميع الممكنات نسبة واحدة # الوجه الرابع أن يقال القديم إما أن يجوز قيام الحوادث به وإما أن لايجوز ~~فإن لم يجز بطل قولهم بقدم العالم الذي قامت به الحوادث والأفلاك قامت بها ~~الحوادث وإن جاز قيام الحوادث به أمكن أن يقوم بالقديم الواجب بذاته حوادث ~~لا تتناهى ويكون منها ما هو شرط في حدوث PageV01P132 العالم كما قالوا إن ~~حركات الأفلاك شرط في حدوث الحوادث السفلية # الوجه الخامس أن يقال مبنى حجتهم على امتناع ترجيح بلا مرجح تام وامتناع ~~التسلسل وهم قائلون بالأمرين فإنهم يقولون بتسلسل الحوادث ويقولون أن ~~الحوادث حدثت بلا مجرح تام وإذا قالوا نحن رددنا على من أثبت ذاتا معطلة عن ~~الفعل فعلت بعد أن لم تكن فاعلة قيل لهم هذا قول طوائف من أهل الكلام ليس ~~هذا القول منصوصا عن الأنبياء لا في التوارة ولا في الإنجيل ولا في القرآن ~~ولا يلزم من بطلان هذا القول قدم العالم ومخالفة ما أخبرت به الرسل بل نقول ~~إن كان هذا القول ممكنا بطل ردكم له وإن كان ممتنعا لم يلزم إلا دوام فعل ~~الفاعل لا أزلية هذه الأفلاك ms078 ولا أزلية شيء بعينه من الممكنات # الوجه السادس أن يقال قولكم أشد استحالة من هذا القول فإن هؤلاء نسبوا ~~جميع الحوادث إلى الفاعل القديم الأزلي وقالوا أنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا ~~فأثبوا للحوادث فاعلا ولم يثبتوا سببا حادثا وأنتم جعلتم الحوادث تحدث بلا ~~فاعل أصلا لأن الفاعل القديم الواجب عندكم يلزمه مفعوله الذي هو معلوله ~~وموجبه ومقتضاه فلا يتأخر عنه فلا يجوز أن يحدث عنه شيء فإذن هذه الحوادث ~~لم تحدث عنه فتضمن قولكم أن الحوادث لا محدث لها وهذا اعظم فسادا من قول من ~~جعل لها محدثا أحدثها من غير سبب حادث PageV01P133 # الوجه السابع أن يقال كل ما تذكرونه من الشبه على نفي حدوث هذا العالم ~~يلزمكم مثله في حدوث كل حادث مثل قولكم أن الفاعل لا بد له من غرض وقولكم ~~أن التأثير إن كان قديما لزم قدم الأثر وأمثال ذلك وإنما وقع التلبيس منكم ~~أنكم أخذتم تحتجون على قدم الأفلاك أو مواد الأفلاك بحجج ليس فيها ما يقتضي ~~ذلك بل إما أن تقتضي الحجة نفي الفعل والإحداث بالكلية فيعلم فسادها ~~بالضرورة والاتفاق وإما أن تقتضي أن كل حادث مسبوق بحادث وهذا لا يدل على ~~قدم هذا العالم بل على أن الرب لم يزل فاعلا إما أفعالا تقوم بنفسه وإما ~~مفعولات منفصلة تحدث شيئا بعد شيء وليس في واحد من هذين ما يقتضي صحة قولكم ~~بل كل منهما يناقض قولكم وغايتكم أن تفسدوا قول بعض أهل الكلام أو حجتهم ~~لكن ليس في هذا تصحيح لقولكم ولا إبطال لما أخبرت به الرسل صلوات الله ~~عليهم أجمعين # وهذه الأمور قد بسطناها في غير هذا الموضع وإنما نبهنا عليها هنا لأنها ~~أصل قول هؤلاء الذين ينكرون انفطار السموات وانشقاقها ويقولون إن النبوة هي ~~من نوع قوى النفوس وأن المعجزات هي قوى نفسانية حتى يجعلونها هي سبب ما ~~أحدثه الله من آيات الانبياء وإن كانوا مع هذا يعظمون الأنبياء ويوجبون ~~طاعة نواميسهم ويأمرون PageV01P134 بقتل من يخرق النواميس ويقولون أنهم ~~وضعوا ms079 للناس قانونا من العدل به يعيش الناس في الدنيا فهم فيما يخبرون به ~~من صفات الأنبياء يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض كما أخبر الله تعالى ~~فيؤمنون ببعض الصفات التي اتصف بها الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وببعض ~~ما آتاهم الله من الفضائل ويكفرون ببعض والذي يثبتونه للأنبياء قد يحصل ~~للرجل الصالح العالم والمخاطبات والمكاشفات التي يثبتونها للأنبياء تحصل ~~لكثير من عوام الصالحين وما أثبتوه من الحق فهو حق لكن كفرهم بما كذبوا به ~~من الحق فنقول ما وصفوا به الأنبياء من أن لهم خصائص في العلم والقدرة ~~والسمع والبصر امتازوا بها حق لكن دعواهم أن منتهى خصائصهم ما ذكروه باطل ~~فنحن لا ننكر أن الله تعالى يخص البنى بقوة قدسية يعلم بها ما لا يعلم غيره ~~ولا ننكر أيضا ما يمثله الله له إما في اليقظة وإما في المنام من الأمور ~~الصادقة المطابقة للحقائق ولا ننكر أيضا أن الله قد يجعل في النفوس قوى ~~يحصل بها تأثير في الوجود والناس لهم في هذا الباب قولان فالسلف والفقهاء ~~والجمهور يقولون أن الله جعل في الأعيان قوى وطبائع تحصل بها الآثار كما ~~جعل في النار التسخين وفي الماء التبريد ونحو ذلك وطائفة من أهل الكلام ~~ينكرون هذا كله ويقولون ليس في الأعيان قوى وطبائع تكون أسبابا للآثار لكن ~~الله يخلق الأشياء عندها لا بها ويقولون ليس في العين PageV01P135 قوة ~~امتازت بها عن الأنف ولا في الخبز قوة امتاز بها عن الشراب ولا في الماء ~~قوة امتاز بها عن الخل ولكن الله تعالى يخلق الشبع والري عند ذلك لا به ~~وهذا القول ضعيف مخالف للشرع والعقل فإن الله تعالى قال @QB@ وما أنزل الله ~~من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها @QE@ سورة البقرة 164 وقال ~~تعالى @QB@ فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات @QE@ سورة الأعراف ~~57 وقال @QB@ وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة @QE@ سورة ~~النحل 60 ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة كما قد بسط في موضعه ms080 # والمقصود هنا أن كون النفوس أو غيرها من الأعيان جعل الله فيها من القوى ~~والطبائع ما يحصل به بعض الآثار لا ينكر لا في الشرع ولا في العقل ولكن ~~دعوى المدعي أن معجزات نبينا أو غيره من الانبياء هي من هذا الباب بهتان ~~عظيم والقائلون بهذا رأوا أنهم يمكنهم تعليل بعض الخوارق بعلل طبيعية ~~فعللوها ثم جهالهم ظنوا هذا يطرد فطردوا وأما حذاقهم فيكذبون بالخوارق ~~الخارجة عن القانون الطبيعي عندهم وذلك مثل كون بعض الناس يبقى مدة لا يأكل ~~ولا يشرب فإن جماعة من الناس يبقى شهرا أو شهرين لا يأكل فأخذ ابن سينا ~~يقول في إشاراته إذا بلغك أن PageV01P136 عارفا مكث مدة لا يأكل ولا يشرب ~~فاسجح بالتصديق فإن في الطبيعة عجائب وقرر ذلك بأن المريض إذ بقيت قواه ~~الهاضمة مشغولة بمدافعة المرض بقي الطعام محفوظا مدة لا يأكل فيها ولا يشرب ~~فالعارف إذ اشتغلت نفسه بعرفانه اجتذبت إليها القوى الهاضمة فلا تهضم ~~الطعام # وهذا الذي قاله في هذا وأمثاله ليس بطائل فإن الناس يعلمون أن النفس إذا ~~اشتغلت بفرح عظيم أو غضب عظيم أو اهتمام بأمر عظيم اشتغلت عن الأكل والشرب ~~بهذا وأسبابه فهذا ونحوه ليس من معجزات الأنبياء ولا مما يختص به الأولياء # ولهذا كان ما يذكرونه من التأثير مقيدا عندهم بجريانه على القانون ~~الطبيعي المعتاد فعندهم لا يتصور أن يفعل المؤثر في المواد إلا ما هي قابلة ~~له فقد يقولون أن الهواء لما كان قابلا لأن ينقلب ماء امكن أن يؤثر المؤثر ~~فيه حتى يصير الهواء ماء فينزل المطر ومعلوم أن معجزات الأنبياء خارجة عن ~~القوانين الطبيعية مثال ذلك انقلاب العصا ثعبانا ثم ابتلاع الثعبان ما ~~هنالك من العصي والحبال فإن هذا خارج عن قوى النفس والطبيعية لأن الخشب لا ~~يقبل أن يصير حيوانا أصلا ولا يمكن في القوى الطبيعية أن عصا تصير حية لا ~~بقوى نفس ولا بسحر ولا غير ذلك بل الساحر غايته أن يتصرف في الأعراض بفعل ~~ما يحدث عنه الأمراض والقتل ونحو ms081 ذلك مما يقدر عليه سائر الآدميين فإن ~~الإنسان يمكنه أن يضرب غيره حتى يمرضه أو يقتله فالساحر والعائن وغيرهما ~~ممن يتصرف بقوى الأنفس PageV01P137 يفعل في المنفصل ما يفعله القادر في ~~المتصل فهذا من أفعال العباد المعروفة المقدروة وأما قلب الأعيان إلى ما ~~ليس في طبعها الانقلاب إليه كمصير الخشب حيوانا حساسا متحركا بالإرادة يبلغ ~~عصيا وحبالا ولا يتغير فليس هذا من جنس مقدور البشر لا معتادا ولا نادرا ~~ولا يحصل بقوى نفس أصلا ولهذا لما رأى سحرة فرعون ذلك علموا أنه خارج عن ~~طريقة السحر @QB@ فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى ~~وهارون @QE@ سورة الشعراء 46 48 وهذه الحادثة الخارقة للعادة فيها إثبات ~~الصانع وإثبات نبوة أنبيائه فإن حدوث هذا الحادث على هذا الوجه في مثل ذلك ~~المقام يوجب علما ضروريا أنه من القادر المختار لتصديق موسى ونصره على ~~السحرة كما قال تعالى @QB@ فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت ~~الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى @QE@ سورة طه 67 69 وكذلك إخراج صالح الناقة من هضبة من ~~الهضاب أمر خارج عن قوى النفوس وغيرها ولهذا كان أئمة هؤلاء المتفلسفة ~~يكذبون بهذه المعجزات وربما جعلوها أمثالا فقالوا إنه ألقى عصا العلم ~~فابتلعت حبال الجهل وعصيه ونحو ذلك كما يغلب الرجل الرجل بحجته وهذا من ~~تأويلات القرامطة التي يعلم بالضرورة بطلانها وأنها مخالفة للمنقول ~~بالتواتر ومخالفة لما اتفق عليه المسلمون واليهود PageV01P138 والنصارى من ~~نقل هذه المعجزات واعتبر هذا بأمثاله وكذلك وقوف الشمس ليوشع بن نون ~~وانشقاق القمر لنبينا صلى الله عليه وسلم هو عندهم ممتنع لا يمكن لا بقوى ~~نفس ولا غير ذلك لأن الفلك دائم الحركة # ومعلوم أن هذه المعجزات لا ريب فيها وانشقاق القمر قد أخبر الله به في ~~القرآن وتواترت به الأحاديث كما في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود وأنس ~~وابن عباس وغيرهم وأيضا فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهذه السورة ms082 في ~~الأعياد والمجامع العامة فيسمعها المؤمن والمنافق ومن في قلبه مرض # ومن المعلوم أن ذلك لو لم يكن وقع لم يكن ذلك أما أولا فلأن من مقصوده أن ~~الناس يصدقونه ويقرون بما جاء به لا يخبرهم دائما بشيء يعلمون كذبه فيه فإن ~~هذا ينفرهم ويوجب تكذيبهم لا تصديقهم # وأما ثانيا فلأن المؤمنين كانوا يسألونه عن أدنى شبهة PageV01P139 تقع في ~~القرآن حتى نساؤه فراجعته عائشة في قوله من نوقش الحساب عذب وذكرت قوله ~~تعالى @QB@ فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ سورة الإنشقاق 8 حتى قال لها ذلك ~~العرض # وراجعته حفصة في قوله لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة وذكرت قوله ~~تعالى @QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ سورة مريم 71 حتى أجابها بقوله ألم ~~تسمعي قوله تعالى @QB@ ثم ننجي الذين اتقوا @QE@ سورة مريم 72 # وراجعه عمر بقوله @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين @QE@ سورة ~~الفتح 27 عام الحديبية لما صالح المشركين على الرجوع ذلك العام حتى قال له ~~أبو بكر كما قال له النبي صلى الله عليه وسلم أقال لك أن تدخله هذا العام ~~قال لا قال فإنك داخله ومطوف به PageV01P140 # وأمثال ذلك كثيرة فكيف يقرأ عليهم دائما ما فيه الخبر بانشقاق القمر ولا ~~يرد على ذلك مؤمن ولا كافر ولا منافق مع أن ابن الربعري وغيره من المشركين ~~تعلقوا بالقياس الفاسد في قوله @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون @QE@ سورة الأنبياء 98 فقاس المسيح على الأصنام بكونه ~~معبودا وهذا معبود وهذا من جهله بالقياس فإن الفرق ثابت بأن هؤلاء أحيانا ~~ناطقون وهم صالحون يتألمون بالنار فلا يعذبون لأجل كفر غيرهم بخلاف الحجارة ~~التي تلقى في النار إهانة لها ولمن عبدها # قال الله تعالى @QB@ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون @QE@ سورة الزخرف ~~57 58 فلو لم يكن PageV01P141 انشقاق القمر معلوما معروفا عندهم لعظم في ~~إنكاره القيل والقال وكثرة الإعتراض وكثرة السؤال ms083 وصار في ذلك من المراء ~~والجدال ما لا يخفى على أدنى الرجال # وكذلك القرآن فإن القرآن فيه من الأخبار عن الأمم الماضية كقصة آدم ~~وإبليس ونوح وقومه ومخاطبته لهم وقصة عاد وثمود وفرعون وما جرى من الأمم ~~وقومهم من المخاطبات في الأمور الجزئية مما لا يمكن أن تعلم بالحدس وقوى ~~النفس التي تنال بواسطة العلم بالحد الأوسط وكذلك الخبر عن الأمور ~~المستقبلة المفصلة فإن هذه كلها لا يمكن في الجبلة أن تعلم إلا بمخبر يخبر ~~بها الإنسان وأما علمه بها بدون الخبر فممتنع من قوى النفس ولهذا يقول ~~سبحانه وتعالى @QB@ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا @QE@ سورة القصص 46 @QB@ ~~وما كنت بجانب الغربي @QE@ سورة القصص 44 @QB@ وما كنت لديهم إذ أجمعوا ~~أمرهم @QE@ سورة يوسف 102 @QB@ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم @QE@ سورة آل عمران 44 وفي الجملة فهؤلاء يدعون ما ذكره ابن سينا في ~~إشاراته من أن خوارق العادات في العالم ثلاثة أنواع لأنها إما أن تكون ~~بأسباب فلكية كتمزيج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية وهذا ~~هو الطلسمات وإما أن تكون بأسباب طبيعة سفلية كخواص الأجسام وهي النيرنجيات ~~وإما أن تكون بأسباب نفسانية ويزعمون أن المعجزات التي للأنبياء والكرامات ~~التي للأولياء وانواعا من السحر PageV01P142 والكهانة هو من هذا الباب ~~ويقولون الفرق بين النبي والساحر أن النبي نفسه زكية تأمر بالخير والساحر ~~نفسه خبيثة تأمر بالشر فهما يفترقان عندهم فيما يأمر به كل منهما لا في نفس ~~الأسباب الخارقة وقد قدمنا أن من أهل الكلام والنظر من ينكر أن تكون في شيء ~~من الأنفس وغيرها من الأجسام الحيوان وغير الحيوان قوى أو طبائع أو أن يكون ~~لها تأثير بل يجعلون ذلك كله من باب المقارنة العادية المحضة وهذا قول ~~جمهور الأشعرية ومن يوافقهم من أهل الظاهر وأهل القياس من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم وهؤلاء قد يغلون حتى يقولوا إن قدرة الحيوان لا ~~تأثير لها في أفعاله الاختيارية لا للإنسان ولا لغير الإنسان وينكرون أيضا ~~أن يكون ms084 الله يفعل شيئا لشيء فينكرون الأسباب والحكم في خلقه وأمره وكثير ~~منهم ينكر القياس ومن أقر منهم لم يجعل علل الشرع إلا مجرد علامات وأكثرهم ~~يتناقضون في هذا الأصل فإذا تكلموا في تفاصيل الفقه والطب وحكمة الله ~~تكلموا بموجب فطرتهم وإيمانهم على طريقة الجمهور الذين يثبتون ما لله في ~~خلقه وأمره من الأسباب المتقدمة على الحوادث والحكم المتأخرة عن الحوادث ~~وإذا ناظروا الفلاسفة والمعتزلة في أصول الدين في مسائل القدر والتعديل ~~والتجوير وتعليل أفعال الله تعالى وأسباب الحوادث تكلموا على هذه الطريقة ~~التي هي في الأصل طريقة المجبرة كجهم بن صفوان وأمثاله ويجعلون PageV01P143 ~~نفس المشيئة مقتضية لترجيح أحد المثلين على الآخر بلا سبب يقتضي الترجيح ~~غير الإرادة وادعوا أنها كما انها تقتضي جنس التخصيص فإنها تقتضي التخصيص ~~المعين إذ التخصيص ببعض الحوادث دون بعض لا يقع بنفس العلم ولا بنفس القدرة ~~فلا بد له من مخصص وذلك هو الإرادة لكن المعقول من ذلك أن جنس الإرادة يخصص ~~جنس المحدثات وأما كون هذا المعين مراده من هذا فلا تقتضيه نفس جنس الإرادة ~~إلا أن كون المراد مختصا بسبب يقتضي أن يراد دون غيره وأن يكون من المريد ~~سبب يوجب أن يريد ذاك دون غيره فادعى هؤلاء أن نفس الإرادة تخصص مثلا عن ~~مثل من غير سبب معين وذاك لا في المريد ولا في المراد مع أن نسبتها إلى ~~جميع المرادات نسبة واحدة # وقال جمهور العقلاء هذا مما يعلم فساده بالضرورة فإن الإرادة إذا استوت ~~نسبتها إلى جميع المرادات وأوقاتها وصفاتها وأشكالها كان ترجيح الإرادة ~~لمثل على مثل ترجيحا من غير مرجح فإن جاز هذا جاز أن يقال الفاعل القادر ~~يخصص مثلا على مثل بلا إرادة وحينئذ فلا إرادة كما تقوله معتزلة البغداديين ~~وإن جاز هذا لزم ترجيح PageV01P144 أحد المثالين على الآخر بلا مرجح أصلا ~~فإذا كان نسبة الوجود والعدم إلى حقيقة الممكن نسبة واحدة جاز ترجيح أحدهما ~~على الآخر بلا مرجح فيلزم جواز وجود الممكنات والمحدثات بلا مبدع فاعل # فقال هؤلاء ms085 نحن نفرق بين ترجيح القادر لأحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ~~وبين ترجيح الموجب بلا مرجح وهذا الفرق هو أصل قول المعتزلة وقول الأشعرية ~~ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من حيث يجعلون ~~الموجب للترجيح إرادة نسبتها إلى المثلين سواء ولكن هؤلاء يجعلون المرجح هو ~~إرادة القادر المختار وأولئك يجعلون المرجح هو نفس القادر المختار ثم ~~البصريون منهم يقولون يحدث بنفسه الإرادة لا في محل والبغداديون منهم ~~يقولون بنفي هذه الإرادة ويقولون لا تزيد الإرادة على فعل المفعول والأمر ~~بالمأمورات PageV01P145 وأهل الكتاب من اليهود السامره وغيرهم الموافقون ~~للمعتزلة هم على هذين القولين وأبو عبدالله بن الخطيب ونحوه متناقضون في ~~هذا الباب فإذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر والجبر سلكوا مسلك من يقول ~~أن الممكن لا يرجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح تام مستلزم لأمر لا فرق ~~في ذلك بين القادر والموجب فإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم ~~وطالبهم الدهرية بسبب حدوث العالم سلكوا مسلك المعتزلة فقالوا القادر ~~المختار يرجح أحد طرفي المقدور على الآخر بلا مرجح أو قالوا الإرادة ~~القديمة هي المرجح كما يقول ذلك الأشعرية والكرامية ومن وافقهم من الحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنبلية # وهذا المقام هو من الأصول العظام التي اضطربت فيها PageV01P146 رؤوس أهل ~~النظر والفلسفة والكلام ومن سلك الطرق النبوية السامية علم أن العقل الصريح ~~مطابق للنقل الصحيح وقال بموجب العقل في هذا وفي هذا وأثبت ما أثبتته الرسل ~~من خلق السموات والأرض في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ولم ~~يجعل شيئا سوى الله قديما معه بل كل ما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن مع ~~قوله أن ترجيح أحد المتماثلين على الآخر لا يكون إلا بمرجح ولا فرق في ذلك ~~بين مرجح ومرجح ومع قوله أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ومع إثباته ~~حدوث كل ما سوى الله بالبرهان العقلي الصريح الذي لا يحتاج معه إلى تعجيز ~~الله في الأزل عن الفعل وإلى ms086 أن يقول أنه إن لم يكن الفعل ممكنا ثم صار ~~ممكنا من غير حدوث شيء ومن غير أن يحتاج إلى أن يجعل الحوادث تحدث بلا سبب ~~أصلا ومع إبطاله أن يكون صانع العالم موجبا بذاته وعلة أزلية مستلزمة ~~لمعلولها ومع قوله أن كل ما لا يسبق الحوادث من الممكنات فإنه لا يكون إلا ~~حادثا بها لامتناع دوام الحوادث بل لامتناع صدور المحدثات وما لا يتقدم عن ~~موجب بالذات وإذا بطل الموجب بالذات لزم حدوث كل ممكن فإن قدم شيء من ~~الممكنات لا يكون إلا إذا كان له موجب تام أزلي وإذا امتنع شرط القدم لشيء ~~من الممكنات امتنع قدم شيء من الممكنات وهذا مبسوط في موضعه ولكن المقصود ~~هنا أن كثيرا من أهل النظر والكلام كالأشعري وغيره أنكروا الأسباب والطبائع ~~والقوى الموجودة في خلق الله وأمره وأنكروا حكم الله المقصودة بذلك ~~PageV01P147 # وقالوا في لامات كي المذكورة في القرآن كقوله @QB@ وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون @QE@ سورة الذاريات 56 وقوله @QB@ ولذلك خلقهم @QE@ سورة هود ~~119 وقوله @QB@ لعلهم يتقون @QE@ سورة البقرة 187 وأمثال ذلك هي لام ~~العاقبة ليست لام التعليل إذ كان يمتنع عندهم أن يفعل الله شيئا لأجل شيء ~~أو يأمر بشيء لأجل شيء فهؤلاء لا يثبتون في الأفلاك العلوية ولا الأجسام ~~السفلية ولا النفوس قوى تكون سببا لحدوث شيء وإذا أنكروا تأثير القدرة التي ~~للحيوان فهم لما سواها أشد إنكارا وهؤلاء إذا أرادوا أن يجيبوا الفلاسفة ~~عما ادعوه من أسباب المعجزات وغيرها من الخوارق قالوا نحن نقول أن المؤثر ~~في الحوادث هو قدرة الله فقط ولا أثر لشيء من ذلك ولهذا قال الأشعري إن أخص ~~وصف الرب هو القدرة على الإختراع والكلام بين هؤلاء وبين منازعيهم في ~~مقامين أحدهما أنهم لا يسلمون حصول الخوارق مقارنة لما تذكره الفلاسفة من ~~الأسباب # الثاني أنهم إذا سلموا ذلك جعلوا ذلك كسائر الأمور التي علم اقترانها في ~~العادة فإن العادة جارية بأن الإنسان يأكل فيشبع ويشرب فيروي ويضرب بالسيف ~~فيقطع فإذا كانوا يقولون إن ms087 مجرد القدرة القديمة هي PageV01P148 المحدثة ~~للشبع والري والقطع وغير ذلك عند هذه الأمور المقارنة لها لا بها وأنه ليس ~~هنا قوة ولا طبيعة ولا فعل له تأثير في هذه الحوادث بوجه من الوجوه كان ~~قولهم لذلك في المعجزات أقوى وأظهر وأبو حامد الغزالي في كتاب تهافت ~~الفلاسفة جعل هذه المسألة من الأصول التي نازع فيها الفلاسفة ولهذا اشتد ~~نكير ابن رشد عليه في تهافت التهافت وجعل هذا من المواضع التي استطال بها ~~على أبي حامد وانتهز بها الفرصة في الرد عليه والإنتصار للفلاسفة وأما ~~المعتزلة ونحوهم من القدرية فيفرقون بين تأثير الحي القادر وتأثير غيره ~~ويقرون بإثبات التأثير للقادر سواء كان خالقا أو مخلوقا ولا يثبتون لغير ~~ذلك تأثيرا PageV01P149 ويزيدون على ذلك حتى يجعلون ما تولد عن فعل الإنسان ~~من فعله ولا يجعلون لبقية الأسباب التي شاركته تأثيرا فإن أفعال الإنسان ~~وغيره من الحيوان على نوعين أحدهما المباشر والثاني المتولد فالمباشر ما ~~كان في محل القدرة كالقيام والقعود والأكل والشرب وأما المتولد فهو ما خرج ~~عن محل القدرة كخروج السهم من القوس وقطع السكين للعنق والألم الحاصل من ~~الضرب ونحو ذلك فهؤلاء المعتزلة يقولون هذه المتولدات فعل العبد كالأفعال ~~المباشرة وأولئك المبالغون في مناقضتهم في مسائل القدر من الأشعرية وغيرهم ~~يقولون بل هذه الحوادث فعل الله تعالى ليس للعبد منها فعل أصلا وهم وإن ~~كانوا لا يثبتون لقدرة العبد أثرا في حصول المقدور فإنهم يفرقون بين ما كان ~~في محل القدرة فيجعلونه مقدورا للعبد وما كان خارجا عن محل القدرة فلا ~~يجعلونه مقدورا للعبد وأكثر من نازعهم يقول أن هذا كلام لا يعقل ~~PageV01P150 فإنه إذا لم يثبت للقدرة أثر لم يكن الفرق بين ما كان في محل ~~القدرة وبين ما كان في غير محل القدرة إلا فرقا في محل الحادث من غير أن ~~يكون للقدرة في ذلك تأثير وتسمية هذا مقدورا دون هذا تحكم محض وتفريق بين ~~المتماثلين # ولهذا قال بعض الناس عجائب الكلام التي لا حقيقة لها ثلاثة طفرة ms088 النظام ~~واحوال أبي هاشم وكسب الأشعري وإذا قيل لهؤلاء الكسب الذي أثبتموه لا تعقل ~~حقيقته فإذا قالوا الكسب ما وجد في محل القدرة المحدثة مقارنا لها من غير ~~أن يكون للقدرة تأثير فيه قيل لهم فلا فرق بين هذا الكسب وبين سائر ما يحدث ~~في غير محلها وغير مقارن لها إذ اشتراك الشيئين في زمانهما ومحلهما لا يوجب ~~كون أحدهما له قدرة على الآخر كاشتراك العرضين PageV01P151 الحادثين في محل ~~واحد في زمان واحد بل قد يقال ليس جعل الكسب قدرة والقدرة كسبا بأولى من ~~العكس إذا لم يكن إلا مجرد المقارنة في الزمان والمحل ولهذا قال أهل السنة ~~وأهل الإثبات من سائر الطوائف إن العبد فاعل لفعله حقيقة بخلاف جمهور ~~الأشعرية ومن وافقهم فإنهم يقولون إنه فاعل مجازا وليس حقيقة ويقولون أن ~~فعل العبد فعل لله لا للعبد لأنهم مع سائر أهل السنة المثبتين للقدر يقولون ~~أن الله تعالى خالق أفعال العباد وهم يقولون أن فعل الله هو مفعوله والخلق ~~هو المخلوق # وقد وافقهم على ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وهو أول قولي ~~القاضي أبي يعلى ثم رجع عن ذلك ووافق الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ~~في أن الخلق غير المخلوق وهو قول الحنفية وأهل الحديث وجمهور الصوفية ~~وجمهور أهل الكلام فلما كان هؤلاء يقولون إن فعل الله هو مفعوله والخلق هو ~~المخلوق ويقولون أن فعل العبد مخلوق لله لزمهم أن يقولوا أن فعل العبد فعل ~~لله وإذا كان فعله فعلا لله لم يكن فعلا له لأن الفعل الواحد لا يكون فعلا ~~لفاعلين ولهذا قامت الشناعة عليهم من جماهير الناس المثبتين للقدر والنافين ~~له وأرادت القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرهم بهذه الزلة من هؤلاء أن ~~يتوسلوا بذلك إلى إبطال قول أهل السنة في القدر وأن الله لم يخلق أفعال ~~العباد لأن جمهور المعتزلة يقولون أيضا إن الخلق هو المخلوق فإذا كان العبد ~~فاعلا لفعله امتنع أن يكون مخلوقا لله إذ المخلوق PageV01P152 هو الخلق ~~والمفعول هو الفعل عندهم ms089 كما هو كذلك عند الأشعرية # فلما اتفق هذان الفريقان على أن الخلق هو المخلوق والفعل هو المفعول ~~تباينوا في مسألة أفعال العباد تباينا صاروا فيه على طرفي نقيض هؤلاء ~~يقولون ثبت أن العبد فاعل لفعله فلا يكون فعله فعلا لله فلا يكون خلقا لله ~~فلا يكون مخلوقا لله وهؤلاء يقولون ثبت أن الله خالق كل شيء من أفعال ~~العباد وغيرها فلا يكون في الوجود ما هو فعل ولا مفعول لغير الله إذ الفعل ~~هو المفعول فلا تكون حركات العباد فعلا لهم بل لله تعالى وأما جمهور الخلق ~~من أهل السنة وغيرهم فيقولون أن الخلق غير المخلوق وفعل الله القائم به ليس ~~هو مفعوله المنفصل عنه ويقولون أفعال العباد مخلوقة لله مفعولة له لا أنها ~~نفس خلقه ونفس فعله وهي نفس فعل العبد فهي فعل العبد حقيقة لا مجازا وأما ~~كون العبد له مفعول متولد عنه غير فعله فهذه مسألة التولد وعلى ذلك يبنى ~~الكلام في أصوات العباد وكلامهم فإن الأصوات متولدة عن حركات العبد ~~الإختيارية فمن قال أن المتولد ليس من فعل العبد ولا كسبه يقول أن أصوات ~~العباد ليست مقدروة لهم ولا مفعولة ولا كسبا كما يقول ذلك الأشعرية ومن ~~وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي الحسن بن الزاغوني ~~وغيرهم PageV01P153 # ثم تولد من هذا بحث آخر فيمن قال أن الأصوات المسموعة من القارىء أو بعض ~~الأصوات المسموعة من القارىء هي صوت الله فإنه بنى ذلك على هذا الأصل فقال ~~الأصوات ليست من مقدرو العباد ولا من أفعالهم وكسبهم بل هي مضافة إلى الله ~~فتضاف إليه بحسب ما يوجب الإضافة فإن كانت بكلامهم أضيفت إليه إضافة خلق ~~وإن كانت لكلام الله أضيفت إليه إضافة وصف وكانت ظاهرة في المحدث لا حالة ~~فيه ولكن ظهورها قارن حركة العبد وهذا الكلام وإن كان قد قاله طائفة من ~~هؤلاء فهو معلوم الفساد بالضرورة والحس واتفاق جماهير العقلاء وهو قول فاسد ~~مبني على أصل فاسد وإنما هو من باب الإلزام لمن ms090 وافقهم من الأشعرية على أن ~~الأصوات المسموعة ليست مقدورة للعباد وكثير من الأشعرية متناقضون في هذا ~~الباب ففي بحثهم مع المعتزلة يجعلون أصوات العباد غير مقدورة لهم ولا ~~مفعولة لهم وفي بحثهم في مسألة القرآن يجعلونها مقدروة للعباد مفعولة لهم ~~والكلام على هذا مبسوط في موضع # آخر والمقصود هنا أن جمهور المسلمين يقولون بالحق الذي دل عليه المنقول ~~والمعقول فيقولون أن أفعال العباد مخلوقة لله مفعولة له وهي فعل للعباد ~~حقيقة لا مجازا وهم يثبتون ما لله في خلقه وأمره من الأسباب والحكم وما ~~جعله الله في الأجسام من القوى والطبائع في الحيوان وفي الجماد لكنهم مع ~~إثباتهم للأسباب والحكم لا يقولون بقول الطبائعية من الفلاسفة وغيرهم بل ~~يقولون أن الله خالق كل شي وربه PageV01P154 ومليكه وأنه ما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول ولا قوة إلا به ويعلمون أن الاسباب هي ~~مخلوقة لله بمشيئته وقدرته ولا تزال مفتقرة إلى الله لا يقولون أنها معلولة ~~له أو متولدة عنه كما يقوله الفلاسفة ولا أنها مستغنية عنه بعد الأحداث كما ~~يقوله من يقوله من أهل الكلام بل كل ما سوى الله تعالى دائم الفقر ~~والإحتياج إليه لا يحدث ولا يبقى إلا بمشيئته القديمة فما كان بالأسباب ~~فالله خالقه وخالق سببه جميعا ويقولون مع هذا أن الأسباب التي خلقها ليس ~~فيها ما يستقل بالتأثير في شيء من الأشياء بل لا بد له من أسباب أخر تعاونه ~~وتشاركه وهو مع ذلك له معارضات وموانع تعارضه وتدافعه كما في الشعاع الحادث ~~عن الشمس والاحتراق الحادث عن النار ونحو ذلك فإنه لا بد مع الشمس من محل ~~قابل لانعكاس الشعاع عليه وهو مع ذلك يمتنع بحصول الحائل كالسحاب والسقف ~~وغير ذلك من الموانع وبكل حائل # فقول متكلمة الملل من المعتزلة والشيعة والكرامية والأشعرية ونحوهم أقرب ~~إلى القبول من أقوال الفلاسفة والطبائعية والمنجمين ونحوهم فإن هؤلاء ~~يشهدون بعض الأسباب كما يشهدون الطبائع والقوى التي خلقها الله في الأجسام ~~وكما يشهدون ما ms091 للشمس والقمر وغيرهما في هذا العالم من الآثار لكنهم مع ذلك ~~يضيفون الحوادث إلى سبب من أسبابه كإضافة الحوادث من الأجسام وغيرها إلى ~~الطبيعة PageV01P155 والطبيعة عرض قائم بجسم فمن جعل المحدث للإنسان في بطن ~~أمه وما فيه من الأعضاء المختلفة وقواها ومنافعها هو الطبيعة كان قوله أظهر ~~فسادا من تلك الأقوال التي فيها إضافة الحوادث إلى مجرد مشيئة القديم من ~~غير إثبات سبب ولا حكمة أو إضافة الحوادث إلى قدرة القادر المختار سواء كان ~~قديما أو حادثا فإن كلا من القولين خير من إضافة ذلك إلى طبيعة هي عرض بجسم ~~من الاجسام ليس له إرادة ولا مشيئة مع أن الجنين المخلوق في الرحم أكمل من ~~الرحم وقواها ثم فلاسفة هؤلاء إذا قالوا أن هذه الحوادث تحدث بسبب حركات ~~الأفلاك وأن ذلك يعدها لقبول الفيض عليها من العقل الفعال كانوا محتاجين في ~~جميع ما يقولونه إلى إقامة الدليل على أنه سبب وما يذكرونه من إثبات العقل ~~الفعال كانوا محتاجين في جميع ما يقولونه إلى اقامة الدليل على أنه سبب وما ~~يذكرونه من اثبات العقل الفعال كلام باطل كما قد بسط في غير هذا الموضع ~~وإنما يقوم الدليل على أن الحوادث تصدر عن حركات حي مختار وتلك هي الملائكة ~~التي أخبرت بها الأنبياء وليست الملائكة هي العقول التي يثبتها هؤلاء فإن ~~العقل الأول عند هؤلاء هو المبدع لكل ما سوى الله والعقل الفعال عندهم هو ~~المبدع لكل ما تحت فلك القمر # وأهل الملل يعلمون بالاضطرار من دين الرسل أنه ليس عندهم أحد غير الله ~~يخلق جميع المبدعات ولا أنهم أثبتوا ملكا من الملائكة أبدع كل ما تحت ~~السماء بل الملائكة عندهم عباد لله ليس فيهم من هو مستقل بإحداث جميع ~~الحوادث فضلا عن أن يكون مبدعا لكل ما سوى الله وسواه PageV01P156 كما ~~يقوله هؤلاء الفلاسفة في العقل الأول قال الله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ms092 يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون @QE@ سورة الأنبياء 26 28 وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من ~~شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع ~~عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ سورة سبأ ~~22 23 وقال تعالى @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا ~~واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ~~@QE@ سورة النساء 172 173 # وأيضا فبتقدير ثبوت العقل الفعال وما قبله من العقول فهذه عندهم هي لازمة ~~لذات الله متولدة عنه معلولة له وحينئذ فالحوادث الحادثة لا تجوز أن تصدر ~~عنها لأن PageV01P157 ذلك يتضمن حدوث الحوادث بلا سبب حادث وإذا قالوا أن ~~حركات الأفلاك توجب تحريك العناصر حتى تمتزج امتزاجات معدة لقبول الفيض كان ~~هذا باطلا من وجوه منها أن يقال فالحوادث كلها من حركات الأفلاك وما يحدث ~~عنها لا بد لها من محدث ومحدث الحوادث لا يجوز أن يكون علة تامة أزلية لأن ~~العلة التامة الأزلية مستلزمة لمعلولها فيجب أن يكون معلولها مقارنا لها في ~~الأزل فيمتنع أن يكون شيء من الحوادث صادرا عن الواجب الوجود بواسطة أو ~~بغير واسطة وحينئذ فلا يكون للحوادث محدث # وأيضا فنفس حركة الفلك الأعلى حركة واحدة متشابهة بسيطة لا توجب بنفسها ~~آثارا مختلفة إلا لاختلاف القوابل كما أن الشمس تبيض جسما وتسود جسما وتلين ~~جسما وتيبس جسما بحس القوابل المختلفة فإذا كان حركته بسيطة والعقل بسيطا ~~لم يصدر عنهما أمور مختلفة وكذلك الأفلاك التي تحته لها حركات معدودة ~~محصورة وكل منها حركته بسيطة وليس في شيء من هذه الحركات والمتحركات ما ~~يوجب هذه الأعيان والحوادث المختلفة اختلافا لا يحصى عدده في ms093 الصفات ~~والأقدار والحركات هذا مع قولهم أن الواحد البسيط لا يصدر عنه إلا واحد ~~فيعلم بالضرورة أن هذه الحوادث الكثيرة المختلفة ليست صادرة عن عدد محصور ~~في البسائط وأيضا فيقال تلك الحركات والمتحركات والعقول المعلومة أمور ~~مختلفة متعددة فإن صدرت عن واحد بطل قولهم لا يصدر عن الواحد إلا واحد وإن ~~صدرت عن موصوف PageV01P158 بالصفات والأفعال القائمة بطل قولهم بالموجب ~~بالذات وعلى التقديرين يبطل مذهبهم وأيضا فإن الواحد البسيط الذي يذكرونه ~~إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان فإنه وجود مطلق والمطلق إنما يوجد في ~~الذهن لا في الخارج وأما المطلق بشرط الإطلاق فظاهر وأما المطلق لا بشرط ~~الذي يسمونه الكلي الطبيعي فهذا أيضا لا يوجد في الخارج كليا يمنع تصوره من ~~وقوع الشركة فيه وإنما يوجد معينا مشخصا جزئيا لكن ما في الذهن كلي بمعنى ~~أنه مطابق لتلك الجزئيات كمطابقة اللفظ العام لأفراده وأيضا فذلك الواحد إن ~~كان الصادر عنه واحدا لم يصدر عن الآخر إلا واحدا وكذلك هلم جرا فيلزم أن ~~لا يكون في العالم ثرة كثرت وإن صدر عنه أكثر من واحد بطل أصلهم وإذا قالوا ~~فيه جهات كالوجوب والإمكان وعقله لمبدعه وعقله لنفسه ونحو ذلك فيصدر عنه ~~باعتبار وجوبه عقل وباعتبار إمكانه جسم ونحو ذلك من الهذيان الذي يقولونه ~~في هذا الموضع قيل لهم تلك الأمور إما أن تكون وجودية وإما أن تكون عدمية ~~فإن كانت وجودية وقد اتصف بها الصادر الأول فقد صدر عن المبدع الأول أكثر ~~من واحد وإن كانت عدمية كان الواحد صدر عنه باعتبار اتصافه بأمور عدمية ~~أكثر من واحد وحينئذ فالواجب الوجود يتصف بالأمور العدمية بالاتفاق فيجب أن ~~يجوز أن يصدر عنه أكثر من واحد هو أحق بذلك من الصادر الأول الذي هو العقل ~~الأول عندهم PageV01P159 # وبالجملة فالأدلة الدالة على بطلان قولهم كثيرا جدا والكلام على هذا ~~وغيره قد بسط في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن أقوال هؤلاء ليست مطابقة ~~لما أخبرت به الرسل كما ليست مطابقة لما دل عليه ms094 العقل الصريح فلا هي ~~موافقة للمنقول الصحيح ولا للمعقول الصريح ولكنهم يسفسطون في العقليات ~~ويقرمطون في السمعيات كما ظهر ذلك في الباطنية من القرامطة والإسماعيلية ~~وأمثالهم وكما ظهر ذلك في متصوفة الفلاسفة الذين يزعمون أن أخبار الأنبياء ~~مطابقة لأقول هؤلاء الفلاسفة وكما ظهر ذلك فيمن يريد أن يجمع بين الشريعة ~~والفلسفة كابن سينا وابن رشد الحفيد وأمثالهما وكما سلك نحوا من ذلك أهل ~~الوحدة والحلول كابن عربي وابن سبعين وابن قسي صاحب خلع النعلين وأمثال ~~هؤلاء فإن هؤلاء أعظم مخالفة لصريح المعقول مع صحيح المنقول من المعتزلة # ونحوهم والمعتزلة ونحوهم أقرب منهم ومتكلمة أهل الإثبات للصفات والقدر ~~مثل الكرامية والكلابية والأشعرية PageV01P160 والسالمية وغيرهم أقرب إلى ~~موافقة المعقول الصريح والمنقول الصحيح وإن كان لكل منهم من الخطأ ما لا ~~يوافقه الآخر عليه فأما السلف والأئمة وأكابر أهل الحديث والسنة والجماعة ~~فهم أولى الطوائف بموافقة المعقول الصحيح والمنقول والصحيح والكلام في مثل ~~هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع وإنما ذكرنا ذلك هنا لأن المعجزات من ~~جملة الحوادث ففي حدوثها للطوائف من الكلام ما نبهنا عليه # والمقصود هنا بيان بطلان قول من يقول أن أسبابها قوى نفسانية وقد ذكرنا ~~أن الأشعرية ومن وافقهم من المعتزلة ونحوهم يبطلون ذلك بناء على أصولهم ~~وهؤلاء يبطلون ذلك بناء على أن المؤثر في جميع الحوادث هو قدرة الله وأما ~~المعتزلة فلا يبلطون تأثير الحي القادر ولكن كثير منهم يقول بإبطال تأثير ~~النفوس وإذا قال الفيلسوف قول هؤلاء باطل لثبوت القوى والطبائع قيل له ~~القول الذي بنيت عليه هذا القول هو أبطل من أقوال هؤلاء فإنك بنيت ذلك على ~~أن فاعل العالم موجب بالذات وأنه علة تامة مستلزمة لمعلولها وقد تبين بصريح ~~العقل بطلان هذا القول وتبين انه مستلزم أن لا يكون للحوادث محدث وإذا كان ~~كذلك لم يكن لك أن تبطل قولهم مع تصحيح قولك بل إما أن يبطل القولان أو يصح ~~أحدهما PageV01P161 وحينئذ فيكون قولهم أولى بالصحة وقولك أولى بالبطلان ~~فثبت بطلان قولك على التقديرين ms095 وبيان ذلك أن يقال صحة قولك تحتاج أولا إلى ~~أن قوى النفوس يصدر عنها مثل هذه الآثار وهذا القدر منازعك فيه أكثر ممن ~~يوافقك على تأثير الطبائع فجمهور الفلاسفة والطبائعيين لا يقرون بها كما ~~يقرون بأن النار تسخن والخبز يشبع والماء يروي ثم بعد هذا إذا ثبت لقوي ~~النفس تأثير لم يمكن أن يثبت تأثيرها في هذه الحوادث العظيمة ثم تحتاج مع ~~ذلك أن تنفي أن يكون هناك أسباب أخر غير هذه ثم بعد ذلك كله يبقى الكلام في ~~الأسباب والمسببات فأنت تحتاج إلى عقاب عظيمة لا تقدر على تقريرها حتى تصل ~~إلى مسألة الأسباب وحينئذ فتجتمع أنت ومنازعوك من أهل الكلام المعتزلة ~~والأشعرية ونحوهم # وأما جمهور المسلمين فهم لا ينكرون الأسباب والمسببات لا في الجماد ولا ~~في الحيوان كما تقدم لكن يعترفون بكل ما دل على صحته الدليل سواء كان ~~الدليل نقليا أو عقليا وهم وإن بينا أن طريقة أهل الكلام أقرب إلى الحق ~~نقلا وعقلا من طريق الفلاسفة فإنهم يعترفون بما في طريقتهم من النقص والعيب ~~وجحد بعض الحق والتزام بعض الباطل PageV01P162 ولهذا كان السلف والأئمة ~~يذمون أهل الكلام الذين يتكلمون بمثل هذا الكلام المشتمل على نوع من الباطل ~~ويمنعون أن ترد بدعة ببدعة ويقابل الباطل بالباطل ويرد الفاسد بالفاسد ولكن ~~مع كون هذا يذم ويعاب فلا ينكر كونه خيرا من كلام أولئك كما أنا وإن كنا ~~نذم ما يوجد في بعض المسلمين من ظلم وجهل فنحن نعلم أن ما في الكفار من ذلك ~~أعظم وإن كنا لا ننكر ما يوجد في بعض أهل السنة والجماعة من جهل وظلم فنحن ~~نعلم أن الجهل والظلم في الرافضة أكثر $ فصل إذا تبين هذا فيقال الكلام على ~~هؤلاء من وجوه # أحدها أن يقال قولكم هذا قول بلا علم وهو قول لا دليل على صحته وهذا يقال ~~قبل الجزم ببطلان قولهم فإنهم أولا يطالبون بالدليل الدال على صحة قولهم ~~وليس لهم على ذلك دليل أصلا بل عامة ما يعتمدون عليه التجويز الذهني ms096 والذي ~~قرره ابن سينا وأمثاله ليس فيه ما يدل على أن هذا هو الواقع بل غاية ~~مطلوبهم تجويز ذلك وإمكانه مع أن ذلك باطل وأيضا فإثبات قوى النفوس لا يوجب ~~مثل هذه الآثار ولا ريب أن المعجزات المعلومة عند المسلمين واليهود ~~والنصارى مما اتفق الناس على أن قوى النفوس لا تقتضيها والفلاسفة يسلمون ~~ذلك لكن إنما يقرون من المعجزات بما يظنون أنه يمكن إحالته على قوى النفوس ~~كإنزال المطر PageV01P163 وزلزلة الأرض ونحو ذلك مما يكون فيه استحالة ~~الجسم من حال إلى حال قابل له فإذا حصل قوة فاعلة مع القوة القابلة حصل ذلك ~~وإذا كان الهواء يستحيل ماء بأسباب تقتضي ذلك وحركة الأرض وزلزلتها ممكنة ~~بأسباب وأمراض الجسم مما يحصل بأسباب أمكن حصول ذلك بالقوى النفسانية ~~والساحر يؤثر في أحوال الأجسام ولا يؤثر في قلب الأعيان فيؤثر في أسباب ~~المرض والموت ونحو ذلك وأما جعل الخشب حية فهذا عندهم غير ممكن لا بقوى ~~نفسانية ولا غيرها وأما من أنكر أن يكون لقوى النفوس تأثير بالكلية كما ~~يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام من الأشعرية والمعتزلة ومن الأطباء ~~والفلاسفة وغيرهم فهؤلاء يسندون المنع إلى هذا الأصل # ولكن نحن لا نحتاج إلى ان ننبه على هذا الأصل بل لا يمتنع أن يكون لقوى ~~النفوس نوع تأثير كما لقوى سائر الأعيان وإن كانت الأعيان وقواها متفاوتة ~~فلا ريب أن قوة جبريل الذي قال الله فيه @QB@ علمه شديد القوى ذو مرة ~~فاستوى @QE@ سورة النجم 6 وقال فيه @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين مطاع ثم أمين @QE@ سورة التكوير 19 21 وقد روى أنه قلع قرى قوم ~~لوط الستة ورفعها ثم قلبها عليها فلا ريب أن هذه القوة التي PageV01P164 ~~للملك مما امتاز بها على أصحاب القوى المعروفة لما نشاهده من الحيوان وقد ~~بينا أن هؤلاء يقولون ما ذكره ابن سينا وأمثاله كما ختم إشاراته بأن قال ~~الأمور الغريبة تنبعث في عالم الطبيعة من مبادىء ثلاثة أحدها الهيئة ~~النفسية وثانيها خواص ms097 الأجسام العنصرية مثل جذب المغناطيس للحديد بقوة تخصه ~~وثالثها قوة سماوية بينها وبين أمزجة أجسام أرضية مخصوصة بهيئات وضعية أو ~~بينها وبين قوى نفوس أرضية مخصوصة بأحوال فلكية فعلية أو انفعالية تستتبع ~~حدوث آثار غريبة قال والسحر من قبيل القسم الأول بل المعجزات والكرامات ~~والنيرنجيات من قبيل القسم الثاني والطلمسات من قبيل القسم الثالث # فزعم أن أسباب خوارق العادات في هذاالعالم هي هذه الأسباب الثلاثة أما ~~القوى النفسانية وأما القوى الجسمانية العنصرية وأما القوى الفلكية مع ~~القوى الجسمانية أو النفسانية PageV01P165 # وهذا النفي لم يذكر عليه دليلا ولا دليل له عليه والنافي عليه الدليل كما ~~أن المثبت عليه الدليل وهو يقول ليس الخرق في تكذيبك ما لم تستبن حكمته دون ~~الخرق في تصديقك ما لم يقم بين يديك بينته وهذا كنفيهم للجن والملائكة ~~وهؤلاء يلزمهم إقامة دليل على النفي ولا دليل لهم ولكن كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله وهذا مما ينبغي أن يعرف فإن عمدة هؤلاء في حصرهم ~~الفاسد هو النفي والتكذيب بلا علم أصلا وأيضا فإنا قد علمنا نحن وغيرنا ~~بالمشاهدة والأخبار المتواترة والدلائل اليقينية بطلان هذا الحصر وأنه يحدث ~~في هذا العالم أمور كثيرة عن أحياء ناطقين من غير نفوس بني آدم وغير ~~الأجسام العنصرية وغير الفلك وقواه # وقد ذكر ابن سينا لما تكلم عن إثبات الخوارق على أصول إخوانه الفلاسفة ~~الذين يزعمون أن المبدع للعالم موجب بذات لا قدرة لها ولا مشيئة وأنه يمتنع ~~انشقاق الأفلاك وتغير هذا العالم وهؤلاء يكذبون أو يكذب كثير منهم بكثير من ~~الغرائب التي يقر بها ابن سينا وأمثاله فإن الالهيين من الفلاسفة يقرون ~~بأمور كثيرة ينكرها الطبيعيون منهم فلما ذكر إمكان ما صدق به من الغرائب ~~وذكر دليل PageV01P166 إمكانه على أصول إخوانه قال اعلم أن هذه الأشياء ليس ~~القول بها والشهادة لها إنما هي ظنون إمكانية صير إليها من أمور عقلية فقط ~~وإن كان ذلك أمرا معتمدا لو كان ولكنها تجارب لما بينت طلبت أسبابها ومن ~~العادات المتفقة لمحبي ms098 الاستبصار أن تعرض لهم هذه الأحوال في أنفسهم أو ~~يشاهدوها مرارا متوالية في غيرهم حتى يكون ذلك تجربة في إثبات أمر عجيب ~~ليكون حجة وداعيا إلى طلب سببه فإذا اتضح حسمت الفائدة به واطمأنت النفس ~~إلى وجود تلك الأسباب وخضع الوهم فلم يعارض العقل فيما قدر فعله أو رؤياه ~~منها وذلك من أجم الفوائد وأعظم المهمات ثم إني لو اقتصصت جزئيات هذا الباب ~~فيما شاهدناه وفيما حكاه من حدثناه لطال الكلام ومن لم يصدق الجملة هان ~~عليه أيضا أن لا يصدق التفصيل فهذا كلامه # وقد تبين أنه إنما ذكر من أسباب الغرائب الأخبار بالمغيبات لم يذكره ~~لمجرد كونه ظنا ممكنا علم إمكانه بأدلة عقلية بل لما علمت هذه الغرائب ~~بالمشاهدة PageV01P167 والخبر الصادق فطلبت حينئذ أسبابها وهذا بعينه يقال ~~له فيما علم غيره ثبوته بالمشاهدة والأخبار الصادقة فمن شاهد وجود الجن ~~ورآهم أحياء ناطقين منفصلين عن الإنسان أو ثبت ذلك عنده بالأخبار الصادقة ~~أو علم من الأدلة اليقينية ما يدل على ذلك كما قد علم ذلك من شاء الله كان ~~قد علم يقينا أن الجن ليست قوى نفسانية وعلم أن من الغرائب ما يكون عن ~~أفعال الجن وأخبارهم وهذا أمر معلوم لجميع الأمم من العرب والترك والهند ~~وغيرهم والأمور المتواترة عند الأمم عن الكهان تفوق الإحصاء والذي علمناه ~~في زماننا ممن تحمله الجن وتطير به في الهواء وتسرق له أنواع الأطعمة من ~~الحلاوة وغيرها وتأتيه بها وتخبره عن بعض الأمور الغائبة عنه بأمور كثيرة ~~يطول وصفها في هذا الباب # وأماأمر الملائكة فهو أجل وأعظم وأخبارهم متواترة عند أهل الكتب وأما ~~آثارهم في العالم فيعلم بالمعاينة والمشاهدة فدعوى المدعي بعد هذا أن ~~المعجزات والكرامات والسحر هي قوى نفسانية من أبطل الباطل فإن السحر كثير ~~منه يكون بالشياطين كما قال الله تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما ~~أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ms099 ~~فتنة فلا تكفر @QE@ إلى آخر الآية ( سورة البقرة 102 ) PageV01P168 وكتب ~~السحر مملوءة من الأقسام والعزائم على الجن بساداتهم الذين يعظمونهم ولذلك ~~كانت الإنس تستعيذ بالجن كما قال الله تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ سورة الجن 5 كانوا إذا نزل الرجل ~~منهم بواد يقول أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه فأنزل الله هذه الآية وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول أعيذكما بكلمات الله ~~التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ففرق بين الشيطان وبين الهوام ~~وبين أعين الإنس كما يدل ذلك على وجود الضرر في هذه الجهات الثلاث الإنس ~~والجن والهوام وقد قال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ سورة الأنعام 112 وقال ~~تعالى @QB@ قل أعوذ برب الناس @QE@ إلى آخرها فأمره بالتعوذ من شر الوسواس ~~من الجنة والناس الذي يوسوس في صدور الناس PageV01P169 وقد أخبر الله في ~~كتابه عن خطابه للجن وأمره لهم ونهيه لهم كقوله @QB@ يا معشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم @QE@ سورة الأنعام 130 وقوله تعالى @QB@ يا معشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون ~~إلا بسلطان @QE@ سورة الرحمن 33 وقوله @QB@ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ~~@QE@ سورة الأحقاف 29 إلى آخر السورة إلى قوله @QB@ ويجركم من عذاب أليم ~~@QE@ سورة الاحقاف 31 وقوله @QB@ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن @QE@ ~~سورة الجن 1 إلى آخر السورة ونحن لو ذكرنا ما رأينا وسمعناه من أحوال الجن ~~لطال الخطاب من أحوالهم مع المؤمنين الصالحين ومن أحوالهم مع أهل الكذب ~~والفجور كما قال الله تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على ~~كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ سورة الشعراء 221 222 فهؤلاء ~~قوم حصروا الوجود وأسبابه فيما علموه ولا علم عندهم بانتفاء ما لم يعلموه ~~وغاية أحدهم أن ينفي الشيء لانتفاء دليل معين وهذا غاية الجهل وهم جهال ms100 من ~~وجهين أحدهما عدم العلم بكثير من أنواع الموجودات وأحوالها والثاني عدم ~~العلم بأسباب الحوادث فإنهم لما يثبتوا قدرة الرب على تغيير العالم ونفوا ~~مشيئته التي بها تحدث الحوادث صاروا منكرين لخرق العادات فاحتاجوا في ~~PageV01P170 إثبات الغرائب إلى إجرائها على ذلك القانون الباطل ولهذا بينا ~~فساد الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم وهو كون العالم متولدا عن علة موجبة ~~بالذات مستلزمة لمعلولها فإن هذا الأصل إذا بطل بطل دعواهم أن الحوادث لا ~~تكون إلا بهذه الأسباب وأمكن أن يكون الله هو الذي يحدثها سبحانه وتعالى ~~بمشيئته وقدرته وإن كان ما يشاؤه ويخلقه بأسباب يخلقها وبحكمة يريدها هو ~~سبحانه وتعالى ومما يبين جهلهم في حصرهم وأن ما ذكروه من أن أسباب المعجزات ~~والكرامات والسحر قوى نفسانية أنهم مخطئون في فاعل السحر فخطاؤهم في فاعل ~~المعجزات والكرامات أولى وأعظم # وذلك أن السحر ليس هو مجرد قوى النفس كما ذكره باتفاق أهل المعرفة بالسحر ~~بل السحرة مستعينون بأرواح مقارنة لهم وكتب السحر الموروثة الكشدانيين ~~والهند واليونانيين والقبط وغيرهم من الأمم مملوءة بذكر PageV01P171 ذلك ~~مثل كتب طمطم الهندي وتنكلوشا البابلي وكتب ثابت بن قرة وأبي معشر البلخي ~~وغيرهم ممن صنف في هذا الباب وأبو عبدالله محمد بن الخطيب قد ذكر في كتابه ~~الذي سماه السر المكتوم في السحر والطلمسات ومخاطبة النجوم في ذلك أمورا ~~كثيرة PageV01P172 # وهؤلاء يعبدون الكواكب بأنواع العبادات والقرابين وتتنزل عليهم الشياطين ~~التي يسمونها هم روحانيات الكواكب وهي أشخاص منفصلة عنهم وإن لم يروها ~~سمعوا كلامها فتخبرهم وتخاطبهم بأمور كثيرة وتقضي لهم أنواعا من الحوائج ~~وهذا موجود اليوم كثيرا في بلاد الترك والخطأ والعجم والهند بل وفي بلاد ~~مصر واليمن والعراق والشام وغير ذلك وأعرف من هؤلاء عددا وهم كما قال تعالى ~~@QB@ ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ سورة طه 69 وقال تعالى @QB@ ولقد علموا ~~لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا ~~يعلمون @QE@ سورة البقرة 102 وقال تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ~~على ملك سليمان @QE@ الآية ms101 ( سورة البقرة 102 ) وقد تقدم ذكرها فإذا كان ~~هؤلاء مع أهل الملل متفقين على ما شاهدوه وسمعوه من وجود هذه الأحياء ~~الناطقين المنفصلين عن نوع PageV01P173 الإنسان وعن العناصر الأربعة ~~والأفلاك وأنهم كثيرا ما تصدر منهم الغرائب فكيف يقال إن أسباب الغرائب هي ~~الثلاثة فقط فتبين أن الذي يجعل السحر إنما يكون عن مجرد قوى نفسانية من ~~أعظم الناس جهلا وضلالا وقائل ذلك في المعجزات أجهل منه وأضل بكثير وأيضا ~~فإن هؤلاء سواء قالوا بقدم العالم أو حدوثه وسواء قالوا مع الحدوث بدوام ~~فعل الرب أو تجدده بعد أن لم يكن وسواء قالوا مع قدم العالم بأن له علة ~~مبدعة أو لم يقولوا بذلك ليس معهم ما ينفي وجود ما لم يعلموا وجوده من ~~الأفلاك والأرواح العلوية والسفلية وهم يصرحون بأنهم ليس معهم ما يدل على ~~أن الأفلاك تسعة بل هم يثبتون ما اعتقدوا قيام الدليل على ثبوته وأما نفي ~~الزيادة فلا دليل لهم على نفيه وإذا كان هذا في الأفلاك التي هي محسوسة ~~ودلهم على عددها كسوف الكواكب بعضها بعضا واختلاف حركات الكواكب السبعة ~~وغير ذلك أولى أن لا يكون لهم دليل على نفيه وحينئذ فلا دليل لهم على نفي ~~ملائكة كثيرة أضعاف أضعاف العقول العشرة ولا على نفي ملائكة تدبر أمر ~~السماء والأرض والسحاب والمطر وغير ذلك فلو أخبر بوجود ذلك من لم يعلم صدقه ~~ولا كذبه لم يجز تكذيبه إلا بدليل فكيف إذا أخبر بذلك الأنبياء الصادقون ~~المصدوقون وحينئذ فأفعالها من أعظم الأسباب في وجود الغرائب فكيف يقال لا ~~سبب لها إلا هذه الأسباب الثلاثة وأيضا فالدلائل الدالة على وجود الملائكة ~~غير إخبار الأنبياء كثيرة منها أن يقال الحركات الموجودة في العالم ~~PageV01P174 ثلاثة قسرية وطبيعية وإرادية ووجه الحصر أن مبدأ الحركة إما أن ~~يكون من المتحرك أو من سبب خارج فإن لم تمكن حركته إلا بسبب خارج عنه كصعود ~~الحجر إلى فوق فهذه الحركة القسرية وإن كانت بسبب منه فإما أن يكون المتحرك ~~له شعور وإما أن لا ms102 يكون فإن كان له شعور فهي الحركة الإرادية وإلا فهي ~~الطبيعية والحركة الطبيعية في العنصار إما أن تكون لخروج الجسم عن مركزه ~~الطبيعي وإلا فالتراب إذا كان في مركزه لم يكن في طبعه الحركة فالمتولدات ~~من العناصر لا تتحرك إلا بقاسر يقسر العناصر على حركة بعضها إلى بعض وإذا ~~كانت الحركات الطبيعية والقسرية مفتقرة إلى محرك من خارج علم أن أصل ~~الحركات كلها الإرادة فيلزم من هذا أن يكون مبدأ جميع الحركات من العالم ~~العلوي والسفلي هو الإرادة وحينئذ فإن كان الرب هو المحرك للجميع بلا واسطة ~~ثبت أنه فاعل مختار فبطل أصل قولهم وجاز حدوث المعجزات عن مشيئته بلا سبب ~~وإن كان حركها بتوسط إرادات أخرى فأولئك هم الملائكة وقد علم بالدلائل ~~الكثيرة أن الله خالق الأشياء بالأسباب فعلم أن الملائكة هم الوسائط فيما ~~يخلقه الله تعالى كما قال تعالى @QB@ فالمدبرات أمرا @QE@ سورة النازعات 5 ~~@QB@ فالمقسمات أمرا @QE@ سورة الذاريات 4 وإذا كانوا موجودين أمكن حدوث ~~الحوادث عنهم وبطل قول من يزعم أنه ليس لها إلا الأسباب الثلاثة المتقدمة ~~PageV01P175 وأيضا فهؤلاء يقولون أن المقتضي لخوارق العادات إما أن يكون ~~قوى نفسانية أو جسمانية وإن كانت جسمانية فإما أن تكون جسمانية عنصرية أو ~~جسمانية فلكية فالخوارق الحاصل من التأثيرات النفسانية هي عندهم من ~~المعجزات والكرامات والسحريات والحاصلة من القوى العنصرية كجذب المغناطيس ~~وهي النيرنجيات والحاصلة من القوى الفلكية هي الطلسمات والقوى الفلكية لا ~~تؤثر في الخارق إلا عند انضمام القوى العنصرية القابلة أو القوى النفسانية ~~الأرضية الفاعلة وهذا هوالطلسمات # ومن أعظمهم إثباتا لخوارق العادات ابن سينا وقد ذكر أسباب الخوارق في ~~أربعة أمور في سبب التمكن من ترك الغذاء مدة وهو أن النفس تشتغل بما يعرض ~~لها من معرفة أو محبة وخوف ونحو ذلك حتى لا تجوع بسب أن القوى الهاضمة ~~مشتغلة عن تحليل الغذاء وفي سبب التمكن من الأفعال الشاقة مثل أن يطيق ~~العارف فعلا أو حركة تخرج عن وسع مثله وهذا كما أن النفس إذا حصل لها غضب ~~وفرح ms103 أو انتشاء ما بسكر معتدل وأمثاله حصل لها قوة لم تكن قبل ذلك وكذلك ~~إذا حصل لها من أحوال العارفين ما يقويها وفي سبب التمكن من الإخبار عن ~~الغيوب ومضمونه أنه قد PageV01P176 يعلم الغيب في اليقظة كما يعلمه في ~~النوم وادعوا أن سبب ذلك أن العلم بالحوادث منتقش في العقل الفعال أو النفس ~~الفلكية فإذا اتصلت النفس الناطقة بذلك علمت ذلك ثم تارة يصوره الخيال في ~~المثال وتارة لا يصوره والسبب الموجب لاتصال النفس ضعف تعلقها بالبدن ~~والضعف تارة يكون لجنون أو مرض كما يصيب أهل المرة السوداء وتارة يكون لفرط ~~الجوع أو التعب أو غير ذلك من الأحوال وتارة يكون لرياضة النفس وهذه ~~الأقسام الثلاثة الصبر عن الأكل مدة وقوة البدن والإنذار بالمنامات وما ~~يجري مجراها أمر يحصل للمسلم والكافر والبر والفاجر فيكون سبب الخوارق ~~وتصرفها في العناصر فإن النفس كما أثرت في بدن نفسها بالتحريك والتحويل من ~~حال إلى حال جاز أن تؤثر في عنصر العالم ويكون كالبدن لها فتؤثر بالزلزلة ~~وإنزال المطر ونحو ذلك قال فالذي يقع له هذا في جبلة النفس ويكون رشيدا ~~مزكيا لنفسه فهو ذو معجزة من الأنبياء وكرامة من الأولياء والذي يقع له هذا ~~ويكون شريرا PageV01P177 ويستعمله في الشر فهو الساحر الخبيث قال والإصابة ~~بالعين تكاد أن تكون من هذا القبيل # قال وإنما يستبعد هذا من يفرض أن يكون المؤثر في الأجسام ملاقيا أو مرسل ~~جزءا ومنفذ كيفية بواسطة ومن تأمل ما وصفناه استسقط هذا الشرط عن درجة ~~الاعتبار فهذا ملخص كلامهم في هذا الباب ومعلوم أن جميع ما ذكروه هو أمر ~~معتاد كثير ليس من خوارق العادات ولا من جنس المعجزات ولهذا قال ابن سينا ~~بعد ذكر ذلك وذكر ما تقدم حكايته من أنه من لم يصدق بالجملة هان عليه ~~التفصيل ثم قال ولعلك قد بلغك عن بعض العارفين أخبار تكاد تأتي بتقلب ~~العادة فتبادر إلى التكذيب وذلك مثل ما يقال أن نبيا ربما استسقى للناس ~~فسقوا PageV01P178 أو استشفى فشفوا أو دعا ms104 عليهم فخسف بهم وزلزلوا أو هلكوا ~~بوجه آخر ودعا لهم فصرف عنهم الوباء والموتان أو السيل أو الطوفان أو خشع ~~لبعضهم سبع أو لم ينفر عنه طير أو مثل ذلك مما لا يأخذ في طريق الممتنع ~~الصريح فتوقف ولا تعجل فإن لأمثال هذه أسبابا من أسرار الطبيعة وربما تأتي ~~لي أن أقص بعضها عليك ثم ذكر أن ذلك قد يكون سببه من قوة النفس فإنها إذا ~~كانت تتصرف في بدنها جاز أن تتصرف في غيره ومعلوم أن ما ذكروه لا يفيد ~~الجزم بما قالوه وإنما غايته إمكان ذلك وجوازه بأن يقال إذا جاز أن يرى ~~الإنسان مناما يدل على أمور غائبة أمكن أن يكون العلم بجميع الأمور الغائبة ~~من هذا الباب وإذا جاز أن تؤثر النفس في بدنها وفي شيء صغير جاز أن تؤثر في ~~مجموع الهواء والماء والتراب والنار وإذا جاز أن تقوى النفس على بعض ~~الأفعال جاز أن تقوى على الطيران في الهواء والمشي على الماء وقلب قرى قوم ~~لوط وفلق البحر وإنزال المن والسلوى وتفجير اثنى عشر عينا من الحجر وقلب ~~العصا حية وإخراج القمل والضفادع PageV01P179 وإنزال المائدة عليها خبز ~~وسمك وزيتون وأمثال ذلك ومن المعلوم أن هذا لا يدل على نوع هذا الممكن بلا ~~ريب فلم قلتم أن هذا هو الواقع وكلامهم في هذا مثل كلامهم في إضافة سائر ~~أنواع الصرع إلى الخلط السوادي والبلغمي فإن هذا إنما يصح أن لو لم تكن ~~الجن موجودين والأطباء ليس عندهم دليل على نفي الجن ولا في صناعتهم ما يمنع ~~وجود الجن وقدماء الأطباء كأبقراط وغيره معترفون بذلك ولكن يقولون ليس في ~~صناعتهم ما يدل على ثبوت الجن وعدم العلم ليس علما بالعدم وعدم الدليل ليس ~~علما بعدم المدلول عليه فإن عدم ما يدل على الشيء المعين لا يقتضي انتفاؤه ~~فكيف إذا علم بالدلائل الكثيرة أن الجن قد تصرع الإنس كما قال عبدالله بن ~~أحمد بن حنبل قلت لأبي أن الأطباء يقولون أن الجني لا يدخل بدن الإنسي فقال ms105 ~~يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه PageV01P180 وهذا أمر قد باشرناه نحن ~~وغيرنا غير مرة ولنا في ذلك من العلوم الحسيات رؤية وسماعا ما لا يمكن معه ~~الشك لكن المقصود هنا أن نبين أنهم ينفون الشيء بلا علم والنافي عليه ~~الدليل كما على المثبت الدليل فهم ليس معهم في كون هذه الآيات حادثة عن ~~القوى النفسانية إلا مجرد التجويز والإمكان @QB@ إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون @QE@ سورة الانعام 116 وأيضا فلا دلالة لهم على إمكان كون ~~النفوس تؤثر في مثل هذا أصلا إلا مجرد قياس بعيد لا يقتضي ذلك فهذا أول ~~الوجوه أن يقال أنتم لا دليل لكم بكون هذه الآثار من قوى النفوس # الوجه الثاني أن يقال من هذه الآثار أمور كثيرة تعترفون أنتم بأنه يمتنع ~~كونها من آثار النفوس كما تقدم التنبيه عليه فبطل قولكم أن الآثار المعلومة ~~عند المسلمين واليهود والنصارى من آثار النفوس فإن مجموع ما ذكروه ليس فيه ~~ما يكاد يخرج عن قياس الأمور المعتادة إلا حوادث الأكوان كنزول المطر وشفاء ~~المريض وزلزلة الأرض والخسف وصرف السيل والوباء ورجوع السبع والطير وهذه ~~الأمور يحصل جنسها بأسباب معتادة فإن المطر ينزل بأسباب متعددة وكذلك شفاء ~~المريض وحدوث الخسف والهلاك يحصل بأسباب معتادة كما يحصل نوعه بأسباب ~~معتادة وهذا PageV01P181 بخلاف انفلاق البحر اثنى عشر فرقا كل فرق كالطود ~~العظيم وانقلاب العصا حية ونزول المن والسلوى وانفجار اثنتي عشرة عينا من ~~الحجارة ومثل نبع الماء من بين الأصابع وتكثير الطعام والشراب حتى يكفي ~~أضعاف من كان يكفيه وانقلاع الشجرة ثم عودها إلى مكانها ثابتة فهذه الأمور ~~وأمثالها لا يصدر جنسها عن سبب معتاد فهذه خارقة للعادة بخلاف ما يكون ~~خارقا للعادة في قدره لا في جنسه وهذا الجنس هم يمنعون حصوله في العالم لا ~~بقوي نفس ولا غيرها والعلم بحصول مثل ذلك إما بالمعاينة وإما بالأخبار ~~الصادقة يبين فساد أصلهم وهذا مما ينبغي للعاقل أن يتدبره فإن القدر الذي ~~بينوا سببه من الغرائب ليس من ms106 جنس خوارق العادات بل هو من جنس الأمور ~~المعتادة وعلى هذا فيكونون منكرين لجنس الخوارق وهذا هو أصلهم الفاسد الذي ~~يعلم فساده بدلائل كثيرة ولكن ابن سينا سلك طريقة أراد أن يجمع فيها بين ~~أصولهم الفاسدة وبين التصديق بنوع من الغرائب وأن يجعل الكرامات والمعجزات ~~من هذا النمط فإن السحر هو من الأمور المعتادة كالأسباب التي يحصل بها ~~المرض والموت ونحو ذلك ومنه أمور تخالف العادة والطبيعة ولكن هو مما اعتيد ~~أنه يحصل بالشياطين لكن مقرونا بما يدل على كذبه وفجوره فلا يشبه كرامات ~~الصالحين فضلا عن المعجزات والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا بيان فساد قول من جعل المعجزات قوى نفسانية PageV01P182 # الوجه الثالث أن يقال الخوارق ثلاثة أنواع منها ما هو من جنس الغناء عن ~~الحاجات البشرية ومنها ما هو من جنس العلم الخارج عن قوى البشر ومنها ما هو ~~من جنس المقدورات الخارجة عن قدرة البشر ولهذا قال نوح عليه السلام وهو أول ~~رسول أرسله الله إلى أهل الأرض @QB@ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول إني ملك @QE@ سورة هود 31 وقال الله تعالى لخاتم الرسل @QB@ ~~قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك @QE@ ~~سورة الأنعام 50 فالغناء من جنس الاستغناء عن الأكل والشرب مدة والعلم من ~~جنس الإخبار عن الغيوب والقدرة من جنس الأفعال الشاقة ببدنه والتصرف في ~~العناصر بالاستحالة والزلزلة ونحو ذلك فهم إنما ذكروا سبب مثل هذا أما سبب ~~انقلاب العصا حية وخروج الناقة من الأرض وأمثال ذلك فهم معترفون بأنه غير ~~ممكن ولا يمكنهم إحالة سببه على قوى النفس # الوجه الرابع أن يقال النوع الذي يقولون عنه أنه لقوى النفس يؤثر تأثيرا ~~لا يدعون أن تأثيره يبلغ إلى أن ينزل ماء الطوفان الذي غرق أهل الأرض ولا ~~أن يرسل الريح العقيم سبع ليال وثمانية أيام حسوما التي أهلكت عادا ولا أن ~~تقتلع قرى قوم لوط وتقلبها حتى هلك كل ms107 من PageV01P183 فيها واتبعوا بحجارة ~~تتبع الشارد منهم ولا ترسل طيرا أبابيل بحجارة من سجيل تنزل على أصحاب ~~الفيل واحدا واحدا مع كل طير ثلاثة أحجار صغار حجر في منقاره وحجران في ~~رجليه حتى هلك أصحاب الفيل وصار كيدهم في تضليل حتى أرسل عليهم حجارة من ~~سجيل فجعلهم كعصف مأكول ولا في قوى النفس أنها صبيحة كل يوم ينزل المن ~~والسلوى الذي يكفي عسكر موسى وتظللهم بالغمام حيثما ساروا وتطيل الثبات ~~معهم كلما طالوا وتفجر الماء كل يوم من الحجر اثنتي عشرة عينا لكل سبط عين ~~ولا يفرق البحر اثنى عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم حتى إذا خرج منه عسكر ~~موسى ودخله عسكر فرعون انطبق عليهم فأغرقهم كلهم وكذلك أيضا من الخوارق ~~الخارجة عن قوى النفوس إحياء الموتى من الآدميين والبهائم وقد ذكر الله ذلك ~~في غير موضع من كتابه فذكره في خمسة مواضع في سورة البقرة وقال تعالى @QB@ ~~وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون @QE@ سورة البقرة 55 56 وقال ~~تعالى @QB@ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم ~~تعقلون @QE@ سورة البقرة 73 وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم @QE@ سورة البقرة ~~PageV01P184 243 ) وقال تعالى @QB@ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال ~~كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ~~ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير @QE@ ~~سورة البقرة 259 وقد ذكر الله سبحانه إحياءالمسيح للموتى بإذن الله وذكر ~~سبحانه قصة أصحاب الكهف ومكثهم ثلاثمائة سنة شمسية وهي ثلاثمائة وتسع سنين ~~قمرية نياما لا يأكلون ms108 ولا يشربون وقال تعالى @QB@ وكذلك أعثرنا عليهم ~~ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها @QE@ سورة الكهف 21 وهذه ~~الأمور التي قصها الله من أحياء الآدميين من بعد موتهم مرة بعد مرة ومن ~~إحياء الحمار ومن إبقاء الطعام والشراب مائة عام لم يتغير ومن إبقاء النيام ~~ثلاثمائة وتسع سنين ومن تمزيق الطيور الأربعة وجعلهن أربعة أجزاء على ~~الجبال ثم أتيانهن سعيا لما دعاهن إبراهيم الخليل عليه السلام فيها أنواع ~~من الاعتبار منها تثبيت المعجزات PageV01P185 للأنبياء وأنها خارجة عن قوى ~~النفس فإن الفلاسفة وسائر العقلاء متفقون على أن قوى النفوس لا تفعل مثل ~~هذا بل ولا شيء من القوى المعروفة في العالم العلوي والسفلي الثاني أن في ~~ذلك إثبات أن الله فاعل مختار يفعل بمشيئته وقدرته يحدث ما يشاء بحسب ~~مشيئته وحكمته ليس موجبا بالذات فإن الموجب بالذات مستلزم لآثاره فيمتنع أن ~~تتغير أفعاله عن القانون الطبيعي # والأشكال الفلكية والاتصالات الكوكبية وإن كانت تحدث بها أنواع من ~~الغرائب في هذا العالم فلا بد من استعداد القوابل ولا بد أن تكون تلك ~~الإتصالات جارية على القانون المعتاد عندهم وكلاهما منتف في هذه الخوارق ~~فالمادة السفلية لا تقبل مثل هذا في العادة والاتصالات الفلكية لا يحدث ~~عنها مثل هذا ولهذا كان ما يحدث من الغرائب بسبب تمزيج القوى الفعالة ~~السماوية أو القوى المنفعلة الأرضية ليس هو من هذا الباب بل هو مما اعتيد ~~نظيره مثل دفع بعض الحيوان عن مكان أو جذبهم إليه أو أمراض بعض الأبدان أو ~~موتها أو غير ذلك من الأمور الثالث أن هذا من أعظم الدلالة على إمكان معاد ~~الأبدان وإعادة الأرواح إليها فإنه لا أدل على إمكان الشيء من وقوعه أو ~~وقوع نظيره فلما كان هذا واقعا علم أنه ممكن وكذلك PageV01P186 إنزال عيسى ~~عليه السلام المائدة من السماء كل يوم عليها زيتون وسمك وغير ذلك هو من ~~الأمور الخارجة عن قوى النفس فإن تأثير النفس في هيولي العالم إنما هو بحسب ~~ما يقبل الهيولي وتعليق هذا ms109 في الهواء ليس هو مما يقبله الهواء وأيضا ~~فتأثير النفس في البسيط يكون بسيطا لا يكون فيه من التركيب مثل هذا كما أن ~~النفس ليس في قواها توليد حيوان من بطن أمه من غير جماع إلى أمثال ذلك من ~~خوارق العادات التي يعترفون هم أن قوى النفس وإن كانت لها تأثير في الجنس ~~العالي من ذلك فلا يبلغ تأثيرها إلى هذا الحد وهذا كما أن قوى البدن معروفة ~~من المشي والهرولة ونحو ذلك وليس في قوى بدن أحد أن يحمل جبلا ولا ست مدائن ~~على كاهله ولا في قوى بدنه أن يطير في الهواء وأمثال ذلك فتبين أنهم ~~معترفون أن هذه الأمور لا يمكن إضافتها إلى قوى النفس # الوجه الخامس أن يقال نحن لا ننكر أن النفس يحصل لها نوع من الكشف أما ~~يقظة وإما مناما بسبب قلة علاقتها مع البدن إما برياضة أو بغيرها وهذا ~~هوالكشف النفساني لكن قد ثبت أيضا بالدلائل العقلية مع الشرعية وجود الجن ~~وأنها تخبر الناس بأخبار غائبة عنهم كما للكهان المصروعين وغيرهم والناس ~~يسمعون من المصروع من أنواع الكلام والأخبار عن الغائبات واللغة الغريبة ~~التي يعلمون باضطرار أنها ليست في قوة ذلك الإنسان وكذلك أهل العبادات ~~PageV01P187 الشيطانية من البراهمة والبخشية ونحوهم من عباد المشركين ومن ~~أشبههم من المنتسبين إلى أهل القبلة كأنواع من اليونسية والأحمدية ~~والخالدية والدسوقية وأمثال هؤلاء من أهل العبادات المشركية المخالفة ~~للكتاب والسنة فيسمع منهم حال السماع من أنواع PageV01P188 الكلام واللغة ~~الغريبة التي لا يمكن ذلك الشخص أن يتكلم بها ما يعلم أن المتكلم على لسان ~~غيره أو الملقن له ذلك الكلام غيره لا أن مجرد نفسه فعلت ذلك بدون سبب ~~منفصل من الأرواح وإذا كان هذا مما شوهد في النفوس الخبيثة وأن كثيرا من ~~إخباراتها تكون عن إخبار أرواح شيطانية لها فلأن يكون إخبار الأنبياء عن ~~إخبار أرواح الملائكة # بطريق الأولى وهم يقولون الشياطين عندنا قوى النفس الخبيثة والملائكة قوى ~~النفس الصالحة # قلنا قد تقدم أن جمهور المسلمين لا ينكرون ms110 وجود هذه القوى كما تقدم ولكن ~~المقصود هنا أنه يعلم وجود أمور منفصلة مغايرة لهذه القوى كالجن المخبرين ~~لكثير من الكهان بكثير من الأخبار وهذا أمر يعلمه بالضرورة كل من باشره أو ~~من أخبره من يحصل له العلم بخبره ونحن قد علمنا ذلك بالاضطرار غير مرة فهذا ~~نوع من المكاشفات والإخبار بالغيب غير النفساني وأما القسم الثالث وهو ما ~~تخبر به الملائكة فهذا أشرف الأقسام كما دلت عليه الدلائل الكثيرة السمعية ~~والعقلية # وإذا ثبت أن الإخبار بالمغيبات يكون عن أسباب نفسانية ويكون عن أسباب ~~خبيثة شيطانية وغير شيطانية ويكون عن أسباب ملكية كان ما ذكروه نوعا من ~~الأنواع الثلاثة وهو أضعفها فكان غاية إيمانهم بالنبوة جعلهم النبي بمنزلة ~~رجل من أضعف صالحي الناس PageV01P189 # الوجه السادس أن يقال قد علمنا بالضرورة والتواتر أن الجن تحمل الإنسان ~~من مكان إلى مكان تعجز قدرته عن الوصول إليه وهذا قد علمناه نحن في غير ~~صورة وغيرنا يعلم من جزئيات ذلك ما لم نعلمه ومن شك في أصل ذلك فليرجع إلى ~~من عنده علم ذلك وإلا فليس للإنسان أن يكذب بما لا يعلم ونحن نعرف من ذلك ~~أمورا كثيرة جدا ونعرف عددا كثيرا حملوا في الهواء من مدائنهم إلى عرفات ~~وإلى مكة في غير وقت عرفات وبعضهم كان كافرا لم يسلم وبعضهم منافق لا يقر ~~بوجوب الصلاة وبعضهم جاهل يعتقد أن وقوفه بعرفات بلا إحرام مع رجوعه إلى ~~بلده بلا طواف وسعي ولا إحرام عبادة وكرامة من كرامات الصالحين ومثل عدد ~~كبير حملوا إلى غير مكة ولو ذكرت ما أعرفه من هذا لطال الخطاب وأعرف شخصا ~~من أصحابنا حملته الجن في الهواء من أسفل دار إلى أعلاها ووصوه بأمور الدين ~~وتاب وحصل له خير وآخر كان معه شيطان يحمله قدام الناس بمدينة الشوبك فيصعد ~~في الهواء إلى رؤوس الجبال وآخر كان يحمله شيطانه من جبل الصالحية إلى قرية ~~يلدى نحو PageV01P190 فرسخ وطائفة حملتهم الشياطين من مدينة تدمر إلى بيت ~~المقدس وأمرتهم أن يصلوا إلى الشمال ms111 وصلوا إليه أياما وأخبروهم أن هذه ~~الشريعة تغير وتنسخ حتى طلبهم المسلمون إلى جامع تدمر وكانوا في مغارة ~~واستتابوهم فلم يتوبوا بل مكثوا يصلون إلى الشمال ثلاثة أيام ثم تابوا بعد ~~ذلك وتبين لهم أن ذلك كان من الشيطان وآخر أتى قوما يرقصون في سماع فبقي ~~يرقص في الهواء على رؤوسهم فرآه شخص فصرخ به فسقط وكان هذا بحضرة الشيخ ~~شبيب الشطي فقال الشيخ هذا سلبني حالي فسأله فقال لم يكن له حال وإنما ~~شيطان حمله من الرحبة إلى هنا فصرخت فيه فألقاه وهرب وجرى نظير هذه القصة ~~لغير واحد ومن المشهور المتواتر عند الترك ما تفعله سحرتهم وكهانهم من ~~البخشية والطوينية وشيخهم الذي يقال له البوا ومن شرطه عندهم أن يكون مخنثا ~~مأبونا ينكح ينصب له خركاة في ظلمة فيذبحون ذبيحة للشيطان ويغنون له فتأتي ~~الشياطين وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة كأحوال غائبيهم وسرقاتهم وغير ذلك ~~ويحمل البوا فيوقف به في الهواء وهم يرونه ولا يكون بينهم إذ ذاك مسلم ولا ~~كتاب فيه قرآن هذا مشهور عندهم إلى هذا الوقت أخبرنا به غير واحد ~~PageV01P191 وآخرون كانت الشياطين تأتيهم بأطعمة يسرقونها من حوانيت الناس ~~وجرى هذا لغير واحد في زماننا وغير زماننا وأتى قوم بحلاوة من الهواء وعرفت ~~تلك الحلاوة المسروقة وفقدها صاحبها ووصفت الآنية التي كانت فيها فرد ثمنها ~~إليه وهذه الأمور وأمثالها معلوم لنا بالضرورة والتواتر فإذا كانت الجن ~~تحمل الإنسان من مكان إلى مكان بعيد في الهواء وتحمل الأموال إليه من مكان ~~بعيد وتخبره بأمور غائبة عن الحاضرين علم أن هذه الخوارق ليست من قوى ~~النفوس بل بفعل الجن وإذا كانت الجن تفعل مثل هذا فالملائكة أعلى منهم ~~وأقدر وأكمل وأفضل # وهذه الأمور كما يصدق بها أهل الملل من المسلمين والنصارى واليهود فجمهور ~~الفلاسفة يصدقون بها وكتب الروحانيات التي لهم مشحونة بذكر أمثال هذه ~~الأمور وأنواع العزائم والرقي التي يذكرونها مشحونة بالأقسام على الجن ~~والأقسام بهم والدعاء لهم والطلب منهم والذين يخاطبون الكواكب منهم وتتنزل ~~على أحدهم روحانية ms112 الكواكب هي شيطان ينزل عليه ويخبره بأمور ويتصرف له ~~بأمور وهذه معلومة بالتواتر عندهم فمن قال إن هذه الخوارق من آثار مجرد ~~النفوس وأنكر وجود الجن والشياطين وأن يكون لهم تأثير في الإخبارات ~~والخوارق كان مبطلا باتفاق أهل الملل واتفاق جمهور الفلاسفة وكان كذبه ~~معلوما بالاضطرار عند من عرف هذه الأمور بالمشاهدة أو الأخبار المعلومة ~~بالصدق PageV01P192 # الوجه السابع أنه من هذا الباب ما تواتر في هذه الباب من أخبار كهان ~~العرب وما كانت تخبرهم به من الأمور الغائبة لإخبار الجن لهم بذلك # الوجه الثامن أن المدعي لكون الخوارق التي أتت بها الأنبياء من الأخبار ~~بالغيب من الأمور الخارجة عن قدرة البشر هي من قوى النفس إما أن يكون مصدقا ~~للرسل فيما علم أنهم أخبروا به وإما أن يكون مكذبا لهم فإن كان مكذبا لهم ~~كان الكلام معه أولا في تثبيت النبوات والإقرار بها وهؤلاء الفلاسفة ~~والصابئة وأتباعهم من باطنية أهل الملل ونحوهم يعظمون أمر الأنبياء ويقرون ~~بكمال علمهم ودينهم وصدقهم ويدعون أن ما جاءت به الأنبياء لا يناقض أصول ~~الفلسفة وهذه طريقة القائلين بأن معجزات الأنبياء قوى نفسانية وإذا كان ~~كذلك فكلام الأنبياء حق باتفاقهم مع سائر أهل الملل وإذا كان كذلك فيقال من ~~المعلوم بالاضطرار أن الرسل أخبرت بالملائكة والجن وأنها أحياء ناطقة قائمة ~~بأنفسها ليست إعراضا قائمة بغيرها وأخبروا بأنهم يأتون بأخبار الأمور ~~الغائبة وأنهم يفعلون أفعالا خارجة عن قدرة البشر كما أخبر الله تعالى عن ~~الملائكة أنهم أتوا إبراهيم الخليل عليه السلام ثم ذهبوا منه إلى لوط # قال تعالى @QB@ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ~~ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته ~~في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم ~~العليم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل ~~عليهم حجارة من طين ms113 مسومة عند ربك للمسرفين @QE@ PageV01P193 سورة الذاريات ~~24 34 # وقال تعالى @QB@ ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام ~~فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم ~~خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها ~~بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ~~إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت إنه حميد مجيد فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في ~~قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ~~ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ~~ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون ~~السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ~~أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما ~~نريد قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قالوا يا لوط إنا رسل ربك ~~لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه ~~مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب @QE@ PageV01P194 سورة ~~هود 69 81 وهذه القصة مذكورة في التوراة وغيرها من كتب أهل الكتاب كما هي ~~مذكورة في القرآن مع العلم بأن كلا من النبيين موسى ومحمد لم يأخذها عن ~~الآخر وهذا مما يوجب العلم بصحتها قبل ثبوت نبوتهما فإن الاتفاق على مثل ~~هذه الحكاية من غير تواطؤ يمتنع في العادة فإذا اتفق إخبار المخبرين بمثل ~~هذه القصة الطويلة التي يمتنع في العادة إتفاق PageV01P195 الإثنين فيها ~~على الكذب من غير تواطؤ علم أنها حق فكان إخبار كل منهما بها دليلا على ~~نبوته # وقال @QB@ ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا ~~منكم وجلون ms114 قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني ~~الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من ~~رحمة ربه إلا الضالون قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى ~~قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن ~~الغابرين فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون قالوا بل جئناك بما ~~كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا لصادقون فأسر بأهلك بقطع من الليل ~~واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون @QE@ سورة الحجر 51 65 ~~فهذه القصة فيها إثبات الملائكة وأنهم أحياء ناطقون منفصلون عن الآدميين ~~يخاطبونهم ويرونهم في صور الآدميين الأنبياء وغير الأنبياء كما رأتهم سارة ~~امرأة الخليل عليه السلام وكما كان الصحابة يرون جبريل إذا جاء لما جاء في ~~PageV01P196 صورة أعرابي وتارة في صورة دحية الكلبي ومن هذا الباب قوله في ~~قصة مريم @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا @QE@ ~~سورة PageV01P197 مريم 17 19 ) # وقال تعالى @QB@ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ~~@QE@ ( سورة التحريم 12 ) فهذا الروح تصور بصورة بشر سوى وخاطب مريم ونفخ ~~فيها # ومن المعلوم أن القوى النفسانية التي تكون في نفس النبي وغير النبي لا ~~يراها الحاضرون ولا يكون منها مثل هذه الأحوال والأقوال والأفعال # ومريم لم تكن نبيه بل غايتها أن تكون صديقة كما قال @QB@ ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة @QE@ سورة المائدة 75 وقال ~~تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى @QE@ ~~سورة يوسف 109 # وقد حكى الإجماع على انه لم يكن في النساء نبية غير واحد كالقاضي أبي بكر ~~بن الطيب والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وخلاف ابن حزم شاذ مسبوق ~~بالإجماع فإن دعواه أن أم موسى كانت نبية هي ومريم قول لا ms115 يعرف عن أحد من ~~السلف والأئمة وقد ثبت في الصحيح عدد من كمل من النساء وليس فيهن أم موسى ~~بل قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كمل من الرجال كثير ولم يكمل ~~من النساء إلا مريم بنت PageV01P198 عمران وآسية بنت مزاحم يعني ممن قبلنا ~~فذكرتا والتي حضنت موسى وفيمن كمل ممن ليس بنبي خديجة وآسية امرأة فرعون ~~وغيرهما والأنبياء أفضل من غيرهم فلو كانت نبية لكان غير النبي أفضل منه أو ~~غير الكامل أفضل من الكامل # وأيضا فإن الله وصف الملائكة بصفات تقتضي أنهم أحياء ناطقون خارجون عن ~~قوى البشر وعن العقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة فعلم أن الملائكة التي ~~أخبرت عنها الأنبياء ليسوا مطابقين لما يقوله هؤلاء الذين يقولون أن معجزات ~~الأنبياء قوى نفسانية PageV01P199 # وهذا كقوله @QB@ علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا ~~فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى ~~أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى @QE@ سورة النجم 5 18 # وقال @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما ~~صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول ~~شيطان رجيم @QE@ سورة التكوير 19 25 فأخبر أن الذي جاء بالقرآن رسول كريم ~~ذو قوة عند ذي العرش مكين وأنه مطاع ثم أمين وهذا يمتنع أن تكون صفة أعراض ~~تقوم بنفوس البشر ولا سيما عند هؤلاء الفلاسفة الذين يمنعون أن يكون لدعاء ~~البشر تأثير في الملأ الأعلى وقد أخبر أنه رآه عند سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى وأنه رآه بالأفق المبين وما يحصل في نفس الرسول لا يكون هنا ولا هنا # وغايتهم أن يقولوا هذا تخيل في نفسه وإن لم يكن موجودا في الخارج وحينئذ ~~فيكون الرسول من جنس آحاد PageV01P200 المسلمين ms116 الذين يرون في المنام أنهم ~~في السموات وأن الملائكة خاطبتهم ونحو ذلك مما يراه آحاد الناس ومثل هذا لا ~~تكذب به قريش ولا أحد من الخلق ولا يكون مثل هذا ذا قوة عند ذي العرش مكين ~~ولا يكون مطاعا ثم أمين # ومنهم من يقول جبريل هو العقل الفعال الذي يفيض وليس بضنين أي بخيل ~~بالفيض وهذا أيضا باطل من وجوه كثيرة # منها أن ذاك لا يتصور في صورة أعرابي ولا دحية ولا ضيف إبراهيم الخليل ~~ولا لوط ولا في صورة بشر سوى فنفخ في مريم # ومنها أنه قال ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم امين والعقل الفعال ليس ~~مطاعا ثم وغايته عندهم أن يتحرك الفلك الأسفل تشبها به وأما فوق ذلك فلا ~~تأثير له فيه وهم قد يقولون أن العرش هو الفلك التاسع وقد بسط الكلام عليه ~~في غير هذا الموضع وبين أن العرش فوق الفلك التاسع ليس هو إياه # وأيضا فإنه أخبر أنه رآه عند سدرة المنتهى وأنه رآه بالأفق المبين مرتين ~~وقد ثبت في الصحيح أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها مرتين وأنه رآه ~~وله ستمائة جناح منها جناحان سد بهما ما بين المشرق والمغرب وهذه الصفة ~~PageV01P201 لا تنطبق على العقل الفعال فإنه لا يرى في موضعين ولا له أجنحة # وهؤلاء القوم قد يقولون أن الأنبياء أخبروا الناس بما هو كذب في نفس ~~الأمر لأجل مصلحتهم وقد يحسنون العبارة فيقولون لم يخبروا بالحقائق بل ~~ذكروا من التمثيل والتخييل في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما تنتفع به ~~العامة وأما الحقيقة فلم يخبروا بها ولا يمكن إخبار العامة بها وهذا مما ~~يعلم بالضرورة بطلانه من دين المرسلين وقد بسطنا الكلام في إبطال هذا في ~~غير هذا الموضع PageV01P202 # ومن عرف مذهبهم وعرف ما قالته الرسل علم بالضرورة أن ما يقولونه مخالف ~~لما يقوله الرسل لا موافق له فيلزم إما تصديق الرسل وتكذيبهم وإما تكذيب ~~الرسل وتصديقهم وهم يؤمنون بالرسل من وجه ويكفرون بهم من وجه فلا ms117 يقولون ~~إنهم كاذبون ولا جاهلون ولا يصدقونهم في كل ما أخبروا به ومن المعلوم أن ~~المخبر بالخبر إذا لم يكن خبره مطابقا لمخبره فإما ان يكون متعمدا للكذب ~~وإما أن يكون مخطئا وهم يسلمون أن الرسل من أعلم الخلق بالحقائق وأنهم ~~مخصوصون بقوى قدسية يعلمون بها ما لا يتمكن غيرهم من العلم به وأنهم من أبر ~~الناس وأصدقهم فإذا كانوا مقرين بغاية الكمال لهم في العلم والصدق كان هذا ~~مناقضا لما يذكرونه في إخباراتهم فإنها تستلزم إما تكذيبهم وإما تجهيلهم # ولهذا كان هؤلاء متناقضين في أمر النبوات فلا هم كذبوا بهم تكذيب ~~المكذبين الذين كذبوا بالنبوات مطلقا ولا صدقوهم تصديق المؤمنين الذين ~~آمنوا بهم مطلقا بل كانوا كمن آمن ببعض وكفر ببعض وهؤلاء من الكافرين حقا ~~وهم من المنافقين المذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وفيهم من يكثر ~~نفاقة وزندقته وفيهم من يكون نفاقة أقل من نفاق غيره # وأيضا فإن الله تعالى يقول @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ PageV01P203 سورة ~~الشورى 51 ففرق سبحانه بين الوحي وبين إرسال الرسول الذي يوحي بإذنه ما ~~يشاء كما فرق بين ذلك وبين التكلم في قوله تعالى @QB@ إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ وكلم الله موسى ~~تكليما @QE@ سورة النساء 163 164 ففرق بين الإيحاء العام المشترك بين ~~الأنبياء وبين تكليمه لموسى عليه السلام كما فرق بين الإيحاء وبين إرسال ~~رسول يوحي بإذنه ما يشاء وهذا يناقض مذهبهم في الأصلين فإنهم لا يثبتون إلا ~~ما هو من جنس الوحي والإلهام كالذي يسمونها القوة القدسية بل الوحي ~~والإلهام الذي اثبته الله فوق ما يثبتونه من القوة القدسية فدل على أن ~~أحوال الرسل الذين يرسلهم الله إلى الأنبياء خارجة عن قوى النفس وعن جنس ~~الإيحاء العام والإلهام المشترك كما قال الله تعالى @QB@ الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ سورة الحج 75 فتبين أنه يصطفي رسلا ms118 من الناس ~~ورسلا من الملائكة # وكذلك أخبر أنه يكلم البشر من وراء حجاب كما أخبر أنه كلم موسى تكليما ~~وكما قال تعالى @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله @QE@ ~~سورة البقرة 253 @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر ~~إليك قال لن تراني @QE@ سورة الأعراف 143 وهذا يقتضي انه يكلم بعض عباده ~~تكليما خارجا عن جنس PageV01P204 ما يحصل بالوحي والإلهام مما يتناول القوة ~~القدسية وغيرها وأيضا فإنه قد قال سبحانه @QB@ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان ~~الله بما تعملون بصيرا @QE@ سورة الأحزاب 9 فأخبر أنه أرسل مع الريح جنودا ~~لم يرها المؤمنون وقال تعالى @QB@ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء ~~الكافرين @QE@ سورة التوبة 25 26 فأخبر أنه @QB@ أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وأنزل @QE@ مع ذلك @QB@ جنودا لم تروها @QE@ # وقال تعالى @QB@ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ~~من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين @QE@ سورة آل عمران 124 125 وقال تعالى @QB@ ~~إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله ~~الله إلا بشرى @QE@ إلى قوله @QB@ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا @QE@ سورة الأنفال 9 12 فقد PageV01P205 أخبر أنه أمدهم ~~بجنود من الملائكة تنصرهم ففي تلك الآيات أخبر بنزول الملائكة بالعلم ~~والوحي وفي هذه الآيات أخبر بنزولها بالنصر والقدرة وهذا يبين أن ما كان ~~يحصل للرسول من العلم والقدرة من المكاشفة والتأثير في العالم حاصل بما هو ~~خارج عن قوى نفسه من العلم الذي تنزل به الملائكة والنصر الذي تنزل به ~~الملائكة # وأيضا فقد قال الله تعالى @QB@ ولو ترى إذ يتوفى ms119 الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق @QE@ سورة الأنفال 50 وقال ~~تعالى @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا ~~كنا مستضعفين في الأرض @QE@ سورة النساء 97 وقال تعالى @QB@ الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك @QE@ سورة النحل 32 33 فهذه الآيات ~~يخبر فيها بتوفي الملائكة للأنفس وخطابهم للموتى إما بخير وإما بشر وفعلهم ~~ما يفعلونه بهم من نعيم وعذاب وكما قال @QB@ إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي ~~كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي ~~أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم @QE@ PageV01P206 سورة فصلت ~~30 31 وقال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو ~~يأتي بعض آيات ربك @QE@ سورة الأنعام 158 وقال @QB@ هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر @QE@ سورة البقرة 210 # فهذه النصوص وأمثالها صريحة بإثبات الملائكة وأفعالها وكلامها وتأثيرها ~~في العالم بالقول والفعل وهذا يبطل قولهم إن المؤثر في العالم هو القوى ~~النفسانية أو القوى الطبيعية فإن الملائكة خارجة عن هذا وهذا وحينئذ فما ~~يحصل من خوارق العادات بأفعال الملائكة أعظم مما يحصل بمجرد القوى ~~النفسانية والأنبياء أحق الناس بمعاونة الملائكة لهم وتأييد الله تعالى لهم ~~كما أخبر الله سبحانه بذلك وأيضا فقد قال تعالى @QB@ والصافات صفا ~~فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا @QE@ سورة الصافات 1 3 وقوله في آخر السورة ~~@QB@ فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على ~~البنين ما لكم كيف تحكمون @QE@ إلى قوله @QB@ وما منا إلا له مقام معلوم ~~وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون @QE@ PageV01P207 سورة الصافات 149 ~~166 فأخبر أن الملائكة صافون يسبحون وأنها صافات صفا زاجرات زجرا وهذا ~~مناقض لقولهم فإن العقول ms120 العشرة لا تصطف بل بعضهم فوق بعض في المرتبة ~~والتعلق مع امتناع المصافة عليها عندهم والأعراض القائمة بالنفس يمتنع ~~وصفها بما ذكره سبحانه وتعالى من الاصطفاف والزجر والتلاوة وغير ذلك من ~~الصفات # وكذلك قوله تعالى @QB@ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما ~~خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا @QE@ سورة مريم 64 وقد ثبت أن جبريل ~~قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يمنعك أن تزورنا أكثر ما تزورنا فانزل ~~الله هذه الآية وهذا يبين أن نزول جبريل إلى الأرض وأنه لا يتنزل إلا بأمر ~~الله وعندهم يمتنع نزول ملك إلى الأرض ويمتنع أن يكون الله أمر جبريل ~~بنزوله # وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين @QE@ PageV01P208 سورة الأنبياء 26 29 فبين ~~سبحانه أنهم عباد أكرمهم وأنهم لا يسبقونه بالقول فلا يقولون حتى يقول وهم ~~بأمره يعملون فلا يعملون حتى يأمرهم وأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى وأنهم ~~من خشيته مشفقون # وهذا مناقض لقولهم فإن العقول عندهم بل العالم كله متولد عن الله تولدا ~~لازما يمتنع معه خوفها أو أن يحدث لها من الله أمر أو قول أو يكون لها إليه ~~شفاعة والشفاعة عندهم ليس معناها دعاء الله ورسوله كما هو مذهب المسلمين بل ~~الشفاعة عندهم تعلق القلب بالوسائط حتى يفيض عليها بواسطة تلك الوسائط ما ~~ينتفع به كما يفيض شعاع الشمس على الحائط بواسطة فيضه على المرآة وهذه من ~~جنس الشفاعة التي يثبتها المشركون وهي التي نفاها الله في كتابه # ولما وقع في كلام أبي حامد في المضنون به على غير أهله وغيره من كتبه ما ~~هو من جنس كلام هؤلاء في الشفاعة وفي النبوة وغير ذلك حتى جعل خواص النبي ~~ثلاثة كما تقدم ذكره وغير ذلك من ms121 كلامهم اشتد نكير علماء الإسلام لهذا ~~الكلام وتكلموا في أبي حامد وأمثاله بكلام معروف PageV01P209 كما تكلم فيه ~~أصحاب أبي المعالي كأبي الحسن المرغيناني وغيره وكما تكلم فيه أهل بيت ~~القشيري وأتباعه والشيخ أبو البيان وأبو الحسن ابن شكر وأبو عمرو بن الصلاح ~~وأبو زكريا وكما تكلم PageV01P210 فيه أبو بكر الطرطوشي وأبو عبدالله ~~المازري وابن حمدين القرطبي وصنف في ذلك وأبو بكر بن العربي تلميذه حتى قال ~~شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر وكما ~~تكلم فيه PageV01P211 أبو الوفاء بن عقيل وأبو الفرج بن الجوزي وأبو محمد ~~المقدسي وغيرهم وكما تكلم فيه الكردري وغيره من أصحاب أبي حنيفة ومن أعظم ~~ما تكلم فيه أئمة المحققين لاجله ما وافق فيه هؤلاء الصابئة المتفلسفين مع ~~أنه بعد ذلك قد رد على الفلاسفة وبين تهافتهم وكفرهم وبين أن طريقتهم لا ~~توصل إلى حق بل ورد أيضا على المتكلمين ورجح طريق الرياضة والتصوف ثم لما ~~لم يحصل مطلوبه من هذه الطرق بقي من أهل الوقف ومال إلى طريقة أهل الحديث ~~فمات وهو يشتغل بالبخاري ومسلم # والمقصود هنا أن ما ذكره الله في كتابه من شفاعة الأنبياء والملائكة نفيا ~~وإثباتا يناقض قول هؤلاء كقوله تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك ~~وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ سورة سبأ 22 ~~23 PageV01P212 وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ~~كأنه سلسلة على صفوان ويصعقون حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ~~قالوا الحق وهو العلي الكبير وهذا المعنى ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غير وجه رواه البخاري من حديث أبي ms122 هريرة ورواه مسلم عن ابن عباس عن رجال ~~من الأنصار PageV01P213 وهو معروف من حديث النواس بن سمعان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا وعن ابن عباس وغيره وفيه ~~بيان أنه لا تنفع الشفاعة عند الله إلا لمن أذن له فلا بد من اذن للشفيع لا ~~أن مجرد التوجه إليه ينفع المشفوع له وذلك يقتضي تجدد اذن للشفعاء وعندهم ~~أنه لا يحدث من الله شيء للوسائط بل هي متولدة عنه لازمة لذاته أزلا وأبدا ~~وفيه أنه يفزع عن قلوب الملائكة أي يزال الفزع عنها وقد وصف الملائكة في ~~القرآن بالخشية والخوف وعندهم لا يتصور خشية لله ولا خوف قال الله تعالى ~~@QB@ ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا ~~يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون @QE@ سورة النحل 49 50 ~~وقال @QB@ وهم من خشيته مشفقون @QE@ سورة الأنبياء 28 وقال تعالى في ~~الشفاعة @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ سورة النجم 26 # وقوله @QB@ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ يقتضي إذنا مستقبلا ~~فإن أن تخلص الفعل المضارع للاستقبال وطرد هذا أن يقال مثل ذلك في كل ما ~~جاء في القرآن من هذا الباب وهو قول جمهور أهل الحديث والسنة وهو المنقول ~~عن أئمة السلف وعليه تدل الدلائل العقلية السليمة عن التناقض PageV01P214 ~~ومما يوضح الأمر في هذا الباب أن الله نزه نفسه عن الشريك والولد في غير ~~موضع كقوله تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات ~~بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ~~ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم @QE@ سورة الأنعام 100 101 ~~وقال الله تعالى @QB@ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا @QE@ سورة الإسراء 111 وقال ~~تعالى @QB@ ما ms123 اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق @QE@ سورة المؤمنون 91 وقال تعالى @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم ~~يكن له شريك في الملك @QE@ سورة الفرقان 1 2 وقال تعالى @QB@ ألا إنهم من ~~إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون @QE@ سورة الصافات 151 152 وقال ~~تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ~~@QE@ سورة الإخلاص فنزه نفسه عن الولد والكفو وهذا القول يوجد في مشركي ~~العرب وفي النصارى وغيرهم والذي يوجد في هؤلاء شر من هذا كله وذلك أن مشركي ~~العرب والنصارى ونحوهم يقرون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن يثبتون ~~تولدا من بعض الوجوه وهو تولد حادث كما تقوله النصارى في المسيح وكما كانت ~~تقوله مشركو العرب في الملائكة ونحو ذلك وأما هؤلاء فيقولون إن PageV01P215 ~~العقول والنفوس متولدة عن الله تولدا قديما أزليا لازما لذاته والعالم ~~متولد عن ذلك فالعالم كله متولد عندهم عن الله تولدا قديما أزليا لازما ~~لذاته وإن كانوا قد لا يعبرون بلفظ الولد فهم يعبرون بلفظ المعلول والعلة ~~وهو أخص أنواع التولد ويعبرون بلفظ الموجب والموجب وما ذكره الله في كتابه ~~من إبطال التولد يبطل قولهم عقلا وسمعا وذلك أنه قال تعالى @QB@ وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم @QE@ سورة الأنعام 100 وهؤلاء المتفلسفة يجعلون العقل ~~كالذكر والنفس كالأنثى قال سبحانه وتعالى @QB@ أنى يكون له ولد ولم تكن له ~~صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم @QE@ سورة الأنعام 101 وذلك أن التولد ~~لا يكون إلا عن أصلين لا يكون عن واحد فيمتنع أن يكون له ولد من غير صاحبة ~~وهو سبحانه لم يكن له كفوا أحد وهؤلاء جعلوه واحدا وجعلوا العالم معلولا ~~عنه وقالوا الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهذا باطل فإن الواحد البسيط لا ~~يصدر عنه وحده شيء بل الواحد الذي قدروه إنما يوجد في ms124 الأذهان لا في ~~الأعيان ولا يصدر في العالم العلوي والسفلي أثر إلا عن سببين فأكثر فالنار ~~إذا أحرقت إنما تحرق بشرط قبول المحل لإحراقها فالاحتراق حاصل بسببين لا ~~بسبب واحد وكذلك الشعاع وكذلك جميع الأمور قال الله تعالى @QB@ ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين لعلكم تذكرون @QE@ سورة الذاريات 49 قال بعض العلماء تعلمون أن ~~خالق الأزواج واحد وقال @QB@ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون @QE@ سورة PageV01P216 يس 36 ) فليس في ~~المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء ولا علة مستقلة بمعلولها من غير مشارك ~~أصلا وما يذكره طائفة من أهل الكلام من كون العلم علة العالمية هو عند ~~أكثرهم لا حقيقة له فليس العالمية زائدة على العلم وأهل الأحوال الذين ~~أثبتوها زائدة على العالم قالوا أنها ليست وجودية فلم يكن في الوجود علة ~~مستقلة بمعلولها من غير شريك لها فتبين أن ما ذكروه من أن الواجب علة ~~مستقلة بمعلولها مخالف لما الوجود عليه ودعواهم أن الواحد البسيط يكون علة ~~تامة مستقلة بمعلولها أمر مخالف لما الوجود عليه وهذا غير معلوم بالعقل بل ~~هو باطل فيه ولكن المعلوم في العقل أن الواحد لا يصدر عنه شيء معلول متولد ~~عنه إلا بمقارنة شيء آخر له فلو كان العالم معلولا متولدا عن الله لكان له ~~مقارنا يصدر التولد عنهما جميعا فإن التولد لا يكون إلا عن أصلين فإثبات ~~التعليل والتولد يقتضي إثبات شريك في إبداع العالم وهذا لازم لهم لا محيد ~~عنه من وجه آخر فإن الحوادث الموجودة في العالم لا يجوز أن تكون صادرة عن ~~العلة التامة الأزلية لأن تلك يلزمها معلولها فيكون قديما معها فلا يكون ~~محدثا فوجب أن يكون للحوادث فاعل آخر غير العلة التامة القديمة وذلك أيضا ~~يوجب إثبات مشارك لله يحدث الحوادث وهذا أيضا باطل فإن ذلك الذي قدر محدثا ~~للحوادث إن كان محدثا فهو من جملة الحوادث التي تحتاج إلى فاعل محدث وإن ~~كان قديما فقد صدرت الحوادث عن قديم فإن كان علة ms125 تامة أزلية امتنع حدوث ~~الحوادث عنه وإن كان فاعلا باختياره يحدث عنه الحوادث بطل قولهم سواء قيل ~~أنه صار محدثا للحوادث بعد أن لم يكن بغير سبب حادث أو قيل أنه لم يزل ~~فاعلا قادرا بفعل اختياري يقوم بنفسه PageV01P217 فتبين أن القوم قولهم في ~~إثبات الشريك والولد لله من شر أقوال من يقول بذلك وكل ما في القرآن من ~~إبطال ذلك بالأدلة العقلية والخبرية يبطل قولهم لكن فهم هذا يحتاج إلى أن ~~نفهم حقيقة أقوال الأمم ومراتبها وكيف يتناولها القرآن ويبطلها ويميز الحق ~~من الباطل بالأدلة العقلية البرهانية كما قد بسط في غير هذا الموضع فهذا ~~كله مما يبين أن الرسل أخبرت بالملائكة وأنهم عباد الله ليسوا متولدين عنه ~~ولا خالقهم علة موجبة لهم وأنهم لا يتصرفون إلا بإذنه ولا يسبقونه بالقول ~~وأنهم يخبرون الأنبياء بالغيب وأنهم يفعلون من خوارق العادات وغيرها ما فيه ~~نصر الأنبياء وحجة لهم وهذا يبين أن هؤلاء الفلاسفة مناقضون للرسل فيما ~~أخبرت به من أمر التوحيد والملائكة وأمر معجزات الأنبياء ويبين أن المعجزات ~~خارجة عن قوى نفوس البشر وأن ما قاله هؤلاء في المعجزات قول بلا دليل وهو ~~قول باطل مبني على أصل باطل مع أنا لا ننكر أن للقوى التي في النفوس وسائر ~~الأجسام آثارا في العالم بحسبها كما تقدم لكن إضافة الخوارق إلى ذلك باطل ~~كما لو أضافها مضيف إلى قوى الأجسام وادعى أنها من باب النيرنجيات التي هي ~~قوى طبيعية كالقوى التي في حجر المغناطيس فإنه يعلم بوجوه كثيرة أن معجزات ~~الأنبياء خارجة عن هذا الجنس وهذا الجنس وإن كان القائل أن معجزات الأنبياء ~~قوى PageV01P218 نفسانية ممن يكذب مطلقا أثبتنا بعض ماغ ذكرناه من المعجزات ~~بطرق متعددة كالأخبار المتواترة وكتطابق السنن على الإخبار بما يمتنع ~~الاتفاق عليه من غير تواطؤ وغير ذلك # الوجه التاسع أن يقال تأثير النفوس مشروط بشعورها فإن النفس حية مريدة ~~تفعل بإرادتها ففعلها مشروط بإرادتها والفعل الاختياري الإرادي مشروط ~~بالشعور وخوارق العادات التي للأنبياء منها ما لا يكون ms126 النبي شاعرا به ~~ومنها ما لا يكون مريدا له فلا يكون ذلك من فعل نفسه بل ومنها ما يكون قبل ~~وجوده ووجود قدرته ومنها ما يكون بعد موته ومفارقة نفسه لهذا العالم ومن ~~المعلوم أن ما يكون قبل أن تصير لنفسه قوة ونحو ذلك يمتنع أن يكون مضافا ~~إلى قوته فإن المعدوم لا قوة له وذلك مثل قصة أصحاب الفيل التي أنزلها الله ~~لما أتى بالفيل إلى مكة وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ~~فجعلهم كعصف مأكول وكان أهل الفيل نصارى ودينهم كان خيرا من دين أهل مكة إذ ~~ذاك فإنهم كانوا مشركين ودين النصارى خير من دين المشركين الذين يعبدون ~~الأوثان لكن كان ذلك كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم المبعوث بحرمة البيت ~~وكان عام الفيل عام مولده صلى الله عليه وسلم قبل مولده بنحو خمسين ليلة ~~ولم تكن له قوة نفسانية يؤثر بها ولا شعور بما جرى ولا إرادة له في ذلك ~~وكذلك ما حصل من الحوادث حين مولده صلى الله عليه وسلم وكذلك إخبار الكهان ~~بأموره وما صارت الجن تخبرهم به من نبوته أمور خارجة عن قدرته وعلمه ~~وإرادته وكذلك ما أخبر به أهل الكتاب وما وجد مكتوبا عند أهل PageV01P219 ~~الكتاب من إخبار الأنبياء المتقدمين بنبوته ورسالته وأمر الناس باتباعه ~~أمور خارجة عن قدرته وعلمه وإرادته كائنة قبل مولده وكذلك ما خص الله به ~~الكعبة البيت الحرام من حين بناه إبراهيم وإلى هذا الوقت من تعظيمه وتوقير ~~وانجذاب القلوب إليه ومن المعلوم أن الملوك وغيرهم يبنون الحصون والمدائن ~~والقصور بالآلات العظيمة البناء المحكم ثم لا يلبث أن ينهدم ويهان والكعبة ~~بيت مبني من حجارة سود بواد غير ذي زرع ليس عنده ما تشتهيه النفوس من ~~البساتين والمياه وغيرها ولا عنده عسكر يحميه من الأعداء ولا في طريقه من ~~الشهوات ما تشتهيه الأنفس بل كثيرا ما يكون في طريقه من الخوف والتعب ~~والعطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله ومع هذا فقد جعل الله من أفئدة ms127 الناس ~~التي تهوى إليه ما لا يعلمه إلا الله وقد جعل للبيت من العز والشرف والعظمة ~~ما أذل به رقاب أهل الأرض حتى تقصده عظماء الملوك ورؤساء الجبابرة فيكونون ~~هناك في الذل والمسكنة كآحاد الناس وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه خارج عن ~~قدرة البشر وقوى نفوسهم وأبدانهم والذي بناه قد مات من ألوف سنين # ولهذا كان أمر البيت مما حير هؤلاء الفلاسفة والمنجمين والطبائعية لكون ~~خارجا عن قياس عقولهم وقوانين علومهم حتى اختلفوا لذلك من الأكاذيب ما ~~يعلمه كل عاقل لبيب مثل قول بعضهم أن تحت الكعبة بيتا فيه صئم يبخر ويصرف ~~وجهه إلى الجهات الأربع ليقبل الناس إلى الحج PageV01P220 وهذا مما يعلم كل ~~من عرف أمر مكة أنه من أبين الكذب وأنه ليس تحت الكعبة شيء من هذا وأنه لا ~~ينزل أحد من أهل مكة إلى ما تحت الكعبة ولا يحفره أحد ولا يبخر أحد شيئا ~~هناك ولا هناك صنم ولا غير صنم وكان ابن سبعين وأمثاله من هؤلاء يحارون من ~~هذا وربما قالوا ليت شعرنا ما هو الطلسم الذي صنعه إبراهيم الخليل حتى صار ~~الأمر هكذا وهم يعلمون أن أمور الطلاسم لا تبلغ مثل هذا وأنه ليس في الأرض ~~ما يقارب هذا وأن الطلاسم أمور معتادة معروفة بأسباب معروفة ولهذا يصنع ~~الرجل طلسما ويصنع الآخر مثله أو أعظم منه وأما هذا فخارج عن قدرة البشر ~~وليس في الوجود طلسم يستحوذ على أهل الأرض ولا يتصرف في قلوب أهل الأقاليم ~~الثلاثة وهم أفضل الإنس وأكملهم عقولا وأديانا والطلاسم إنما يقوى تأثيرها ~~إذا ضعف العقل فيؤثر في الجماد أكثر من الحيوان ويؤثر في البهائم أكثر من ~~الأناسي ويؤثر في الصبيان والمجانين أكثر من العقلاء وهكذا تأثير الشياطين ~~كلما ضعفت العقول قوى تأثيرهم وأما البيت والقرآن والنبوة فإنما قوى ~~تأثيرها في أكمل الناس عقلا وأتمهم علما ومعرفة والإسلام انتشر في مشارق ~~الأرض ومغاربها كما قال صلى الله عليه وسلم زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ~~ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي ms128 منها وانتشر في الأقاليم المتوسطة ~~الثالث PageV01P221 والرابع والخامس الذين هم أعدل وأكمل من غيرهم فتبين أن ~~تأثير النبوات على خلاف تأثير السحر والطلاسم فتلك يقوى تأثيرها عند ضعف ~~العقل وهذه يكمل تأثيرها عند قوة العقل فتبين أن هذه ليست تأثير مجرد قوى ~~البشر لا نفوسهم ولا أبدانهم ولا قوى الأجسام الطبيعية ولا القوى الفلكية ~~الممزوجة بالقوى العنصرية بل أمر خارج عن هذا كله وإذا قدر أن لبعض هذه في ~~بعض ذلك معونة مثل أن يقال أن صدق إبراهيم في دعائه وكمال تمكينه وعلمه ~~وخلته لله اوجب إجابة الله دعاءه فهذا حق لا ننكره فإنا لا ننكر حصول خوارق ~~العادات بإجابة الدعوات لكن المنكر أن يقال مجرد قوة النفس التي تصرفت في ~~العالم من غير أن يكون الله هو الذي أحدث بذلك الدعاء من الأسباب الإلهية ~~ما فعل بها ذلك المخلوق فالدعاء سبب وقد علم غير مرة أن السبب لا يستقل بل ~~له مشاركات وموانع وليس هو سببا مقتضيا للمسبب بنفسه ولكن هو سبب لأن يجيب ~~الله الدعاء كما أن العمل الصالح سبب لأن يثيب الله عبده في الآخرة وأن ~~الناس يحبونه ويثنون عليه ولا يمكن أن PageV01P222 يقال أن قوة أحد البشر ~~أو عمله الصالح هو الذي أوجب بنفسه محبة الخلق وثناءهم ودعاءهم أو الثواب ~~في الدار الآخرة بل هذا سبب لما يفعله الله بمشيئته وقدرته ما يخلقه في ~~نفوس عباده الملائكة والجن والبشر مما يفعلونه باختيارهم وقدرتهم التي ~~يخلقها الله فالدعاء سبب الإجابة والعمل سبب الإثابة قال الله تعالى @QB@ ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون @QE@ سورة البقرة 186 فأمرهم أن يستجيبوا له وأن ~~يؤمنوا به أنه يجيب دعاءهم واستجابتهم له وطاعتهم لأمره وذلك سبب الإثابة ~~كما أن الدعاء سبب الإجابة وأيضا فما حصل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثل حفظ الله للكتاب الذي جاء به وإبقائه مئين من السنين مع كثرة الأمة ~~وتفرقها في مشارق الأرض ومغاربها ms129 والكتاب بعد هذا محفوظ وكذلك الشريعة ~~محفوظة فهذا أمر خارق خارج عن مقدوره ولم تبق شريعة مثل هذه المدة الطويلة ~~إلا شريعة موسى وإلا فالملوك والفلاسفة لهم نواميس وضعوها لا تبقى إلا مدة ~~يسيرة وأما البقاء مثل هذه المدد مع كون الكتاب محفوظا فليس هذا إلا ~~للأنبياء # وأيضا فما جعله الله في القلوب قرنا بعد قرن من المحبة والتعظيم والعلم ~~بعظيم منزلته وعلو درجته من غير مكره يكره القلوب على العلم والمعرفة ومع ~~كمال عقول الناظرين في ذلك فإن كل من يعرف أحوال الأمم يعلم أن أمة محمد ~~أكمل الأمم PageV01P223 عقلا وعلما وخلقا ودينا ويعلم أن من كان أعظم علما ~~وعقلا كان أعلم بعظمة قدر الرسول فهذا العلم والتعظيم والمحبة القائمة في ~~قلوب الخلق من أعظم الأمور الخارقة للعادة وهي أمور خارجة عن قوى البشر # وكذلك ما في القلوب لإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وغيرهم كما قال تعالى @QB@ ~~فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا ~~نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا @QE@ سورة مريم 49 50 ~~وقال تعالى لموسى @QB@ وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني @QE@ سورة طه ~~39 وقال @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا @QE@ ~~سورة مريم 96 وقال @QB@ وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين ~~@QE@ سورة الصافات 78 79 وقال @QB@ وتركنا عليه في الآخرين سلام على ~~إبراهيم @QE@ سورة الصافات 108 109 وقال @QB@ وتركنا عليهما في الآخرين ~~سلام على موسى وهارون @QE@ سورة الصافات 119 120 وقال @QB@ وتركنا عليه في ~~الآخرين سلام على إل ياسين @QE@ سورة الصافات 129 130 # ونحو ذلك فهذا الثناء والمحبة والدعاء والتعظيم الذي للأنبياء وأتباعهم ~~خارج عن قوى أنفس الأنبياء وكذلك اللعن والبغض الذي جعل الله للكفار ~~وأتباعهم في قلوب المؤمنين PageV01P224 خارج عن قوى أنفس الأنبياء فإن هذا ~~كله بعد موتهم ونظائر هذا كثيرة الوجه العاشر أن يقال إن الناس تنازعوا في ~~النبوة هل هي مجرد صفة قائمة بنفس النبي كما يقوله من ms130 يقوله من أهل الكلام ~~والفلسفة أو مجرد تعلق خطاب الله بالنبي كما يقوله من يقوله من أهل الكلام ~~الأشعرية ونحوهم أو هي مجموع الأمرين كما يقوله الجمهور على ثلاثة أقوال ~~كما اختلفوا على هذه الأقوال الثلاثة في الأحكام الشرعية وحينئذ فالقائل أن ~~قال أن النبي خص بقوى في نفسه يمتاز بها عن غيره في علمه وعمله فهذا مما ~~يقر به الجمهور ولا ريب في تفضيل الله للأنبياء بفضائل في أنفسهم وأن من ~~خصه الله بالفضائل فقد أراد به خيرا كما قالت خديجة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لما جاءه الوحي وخاف على نفسه كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل ~~الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب ~~الحق فاستدلت بعقلها على أن من جعل الله فيه هذه المحاسن والمكارم التي ~~جعلها من أعظم أسباب السعادة لم تكن من سنة الله وحكمته وعدله أن يخزيه بل ~~يكرمه ويعظمه فإنه قد عرف من سنة الله في عباده وإكرامه لأهل الخير وإهانته ~~لأهل الشر PageV01P225 ما فيه عبرة لأولى الأبصار فإن الناس قد عرفوا ~~بالآثار الموجودة المعاينة في الأرض والأخبار المتواترة عاقبة نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى وأتباعهم وعاقبة من كذب هؤلاء وعلموا إكرام الله لهؤلاء ونصره ~~لهم وعقوبته لهؤلاء وإهانته لهم وعلموا أيضا عاقبة أهل العدل والإحسان من ~~الولاة والرعايا وعاقبة أهل الظلم والشر من هؤلاء وهؤلاء وهذا أمر موجود في ~~جميع الأمم عربهم وعجمهم على اختلاف أصناف العجم من الفرس والروم والترك ~~والهند والحبشة والبربر وغيرهم وقد قال تعالى @QB@ ولو قاتلكم الذين كفروا ~~لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا @QE@ سورة الفتح 22 23 وقال @QB@ لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله ~~في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ سورة الأحزاب ms131 60 62 ~~وقال تعالى @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر ~~السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد ~~لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا @QE@ سورة فاطر 42 43 وقال ~~تعالى @QB@ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين @QE@ PageV01P226 سورة آل عمران 137 وهذا باب واسع ولهذا دعا الله ~~الخلق إلى الإعتبار بالعقل المستند إلى الحس وبين أن ذلك موافق لما جاءت به ~~الرسل من السمع قال @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ سورة فصلت 53 فأخبر أنه ~~سيرى الخلق من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين أن القرآن الحق فيتطابق ~~السمع المنقول وما عرف بالحس المعقول وقال تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ سورة الحج 46 وقال تعالى @QB@ وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد @QE@ سورة ق 36 37 وقال عن ~~أصحاب النار @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ ~~) ( سورة الملك 10 ) وقال @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون @QE@ PageV01P227 سورة الأعراف 179 ~~ومثل هذا كثير # والمقصود هنا أن الأنبياء خصهم الله بفضائل ومحاسن ومكارم أخلاق يميزهم ~~بها عن غيرهم فمن قال أن الله خص النبي بقوى في نفسه وأراد بذلك إثبات ~~خصائص وفضائل له فهذا حق وإن قال إن هذه الخصائص تكون أسبابا لخوارق عادات ~~يكرمهم الله بها وتكون معجزات ms132 وكرامات أو قال نفس هذه الخصائص والفضائل مما ~~خرقت له فيها العادة فهذا مما لا ينكر ولكن يبقى الكلام في أمور أحدها أنه ~~لا يظن أن جميع خوارق العادات هذا سببها فإن هذا باطل قطعا فلا ينكر أن ~~يكون الله خص الأنبياء بفضائل خرق لهم بها العادة ولا ننكر أن تكون تلك ~~الفضائل سببا لخرق عادات أخرى لكن دعوى المدعي أن تلك القوى التي فضلوا بها ~~على غيرهم هي الموجبة لما جاءوا به من أنواع الآيات والإخبارات الإلهيات ~~وأنواع المعجزات الخارقة للعادات الحاصلة في العالم في السموات والأرض ~~والهواء والسحاب والحيوان والأشجار والجبال وغير ذلك هو الباطل لأن من هذه ~~الأمور ما لا يمكن أن تكون قوى النفس سببا له إما لعجزها عن ذلك أو لعدم ~~قبول ذلك لتأثير النفوس كما أن النفوس لا تكون موجبة لوقوف الشمس وانشقاق ~~القمر واهتزاز العرش وانتثار الكواكب وانقلاب الخشب حية عظيمة وخروج الناقة ~~من تراب وإحياء الموتى والحيوان PageV01P228 وإحياء الطيور الأربعة بعد ~~تمزيقها وإنزال المائدة وغير ذلك مما نبه عليه # الوجه الثاني أنه لا يظن أن هذا هو مجرد النبوة وأن من حصلت له هذه ~~الخصال التي ذكروها فقد صار نبيا فإن كثيرا من آحاد المؤمنين تحصل له هذه ~~الثلاث وما هو أكمل منها تحصل له قوة علمية في نفسه وقوة عملية في نفسه ~~يكون بها مؤثرا ويحصل له إحساس باطن فيرى ويسمع في باطنه وهو من آحاد ~~المؤمنين فمن جعل هذا حد النبي ومنتهاه كان مبطلا جاحدا لحقيقة ما خص الله ~~به أنبياءه # والمقصود أن ما أثبتوه من الفضائل الثابتة للأنبياء لا تنكر إذا كانت حقا ~~لكن اقتصارهم على هذا الحد باطل وجعلهم أن هذا هو السبب لخوارقهم باطل # الوجه الثالث أن تعرف أن النبوة لا تنال باكتساب الإنسان واستعداده كما ~~تنال بذلك العلوم المكتسبة والدين المكتسب فإن هؤلاء القوم ما قدروا الله ~~حق قدره ولا قدروا الأنبياء قدرهم لما ظنوا أن الإنسان إذا كان فيه استعداد ~~لكمال تزكية نفسه وإصلاحها فاض ms133 عليه بسبب ذلك المعارف من العقل الفعال كما ~~يفيض الشعاع على المرأة المصقولة إذا جليت وحوذي بها الشمس وأن حصول النبوة ~~ليس هو أمرا يحدثه الله بمشيئته وقدرته وإنما حصول هذا الفيض على هذا ~~المستعد كحصول الشعاع على هذا الجسم الصقيل صار كثير منهم يطلب النبوة كما ~~يحكى عن طائفة من قدماء اليونان وكما يعرض ذلك لطائفة من الناس في أيام ~~الإسلام PageV01P229 ولهذا عظم نكير الناس على صاحب كيمياء السعادة وصاحب ~~المضنون به على غير أهله ومشكاة الأنوار لما كان في كلامه ما هو من جنس ~~كلام هؤلاء الملاحدة وقد عبر عنه بالعبارات الإسلامية والإشارات الصوفية ~~وبسبب ذلك اغتر صاحب خلع النعلين وابن سبعين وابن عربي وأمثالهم ممن بنى ~~على هذا الأصل الفاسد بل لا بد في النبوة من إيحاء إلهي يختص الله به من ~~يخصه بذلك من عباده بمشيئته وقدرته وهو سبحانه عالم بذلك النبي وبما يوحيه ~~إليه من الوحي وبقدرته خصه بما خصه به من كراماته فهؤلاء الملاحدة يدعون أن ~~خطابه لموسى بن عمران ليس هو إلا ما حصل في نفس موسى من الإلهام والإيحاء ~~والواحد من أهل الرياضة والصفاء قد يخاطب كما خوطب موسى بن عمران وأعظم من ~~ذلك وأنه قد يسمع نفس الخطاب الذي سمعه موسى كما زعم ذلك صاحب الأحياء في ~~بعض المواضع وأن قيل أنه رجع عن ذلك # ومن هؤلاء من يقول أن الخطاب الذي يحصل لهم أفضل مما حصل لموسى وغيره ~~وهذا مذهب ابن العربي صاحب الفتوحات المكية وأمثاله ممن يدعي أن ما حصل ~~لموسى ومحمد أنما كان بواسطة الخيال النفساني الذي هو عنده جبريل وأن ما ~~يحصل لابن عربي هو فوق ذلك فإنه PageV01P230 يأخذ من المعدن العقلي المحض ~~الذي يأخذ منه الملك الذي هو عندهم خيال في نفس النبي ومرتبة العقل فوق ~~مرتبة الخيال فلما اعتقدوا أن الملائكة التي تخاطب الأنبياء إنما هي خيالات ~~تقوم بنفس الأنبياء زعموا أنهم إذا اخذوا عن العقل المحض كانوا قد أخذوا من ~~المعدن الذي تأخذ منه ms134 الملائكة الذين أخذ عنهم الأنبياء فكانوا أفضل من ~~الأنبياء عند أنفسهم وعند أتباعهم فهذا ونحوه مما يعلم بالاضطرار من دين ~~الرسل أنه كفر وباطل من دينهم فمن فهم القرآن وفهم كلام هؤلاء لزمه أحد ~~أمرين إما تكذيب القرآن وإما تكذيب هؤلاء وإلا فقولهم وما جاء به الرسول ~~متناقض تناقضا يعلمه كل من فهم كلامهم وكلام الأنبياء ولا يتصور أن يقول ~~هذا وأن يوافق على هذا الكلام إلا أحد رجلين إما جاهل لا يعلم حقيقة ما ~~جاءت به الرسل وحقيقة قول هؤلاء بل هو عنده تعظيم مجمل للأنبياء وهؤلاء ~~كالذين كانوا يعظمون محمدا ومسيلمة PageV01P231 ويقولون نشهد أن محمدا ~~ومسيلمة رسولا الله وهذا الضرب كثير فيمن لم يعرف حقيقة النبي الصادق ~~والمتنبي الكذاب ويوجد كثير من هؤلاء في المنتسبين إلى الفقه والحديث ~~والتصوف والزهد والعبادة والملك والإمارة والوزارة والكتابة والقضاء ~~والفتيا والتدريس وفيمن له دعوات مجابة وفيه صلاح وزهد وعبادة وذلك لنقص ~~معرفتهم بكمال النبوة والرسالة وحقيقة أقوال من يناقضها من بعض الوجوه دون ~~بعض # وقد قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ سورة المائدة 54 فلا بد عند حدوث ~~المرتدين من وجود المحبين المحبوبين كما قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~وإخوانه يقاتلون المرتدين عقيب وفاة خاتم المرسلين وما حدث من الفتنة في ~~الدين وأما منافق زنديق يعرف مناقضة هذا لهذا لكنه يظهر الموافقة والائتلاف ~~لاعتقاده أن النبوة من جنس حال هؤلاء ويلبس ما يقوله على من لم يعرف حقائق ~~الأمور ومن هؤلاء من لا يكون قصده الزندقة والنفاق لكن لا يكون عارفا بحال ~~الرسول وقدر ما جاء به ولكنه يعظمه تعظيما مجملا ويرى هؤلاء قد تكلموا في ~~النبوة وحقيقتها بكلامهم وهو عاجز عن معرفة حقيقة الأمر فيعتقد هذا في ~~النبوة وهؤلاء يكثرون PageV01P232 في أماكن الفترات التي تضعف فيها آثار ~~النبوة إذا لم يكن هناك ms135 من يقوم بحقائقها وهؤلاء يكونون في الدول الجاهلية ~~كدولة بني عبيد ودولة التتار ونحوهم ومن هؤلاء من يغفر الله له فإنه إذا ~~اجتهد وسعه في الإيمان بالرسول ولم يبق له قدرة على أكثر مما حصل له من ~~الإيمان به لم يكلف الله نفسا إلا وسعها وإن كان قوله بعد قيام الحجة عليه ~~كفرا كالذي قال لأهله إذا انا مت فاسحقوني ثم اذروني في اليم فوالله لئن ~~قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين والحديث في الصحيحين ~~من غير وجه فإن هذا جهل قدرة الله على إعادته ورجا أنه لا يعيده بجهل ما ~~أخبر به من الإعادة ومع هذا لما كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه ووعده ووعيده ~~خائفا من عذابه وكان جهله بذلك جهلا لم تقم عليه الحجة التي توجب كفر مثله ~~غفر الله له ومثل هذا كثير في المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم كان يخبر ~~بأخبار الأولين ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة والمقصود هنا أن نبين أن ما ~~أثبته هؤلاء في فضائل الأنبياء الثابتة فهو حق ولكن جهلهم وكفرهم فيما ~~أنكروه وكذبوا به وما قالوه من الباطل من هذه الوجوه الثلاثة وغيرها ~~فالوجهان الأولان الباطلان أبطلوا بهما كون الله هو الخالق بقدرته ومشيئته ~~لمخلوقاته وأبطلوا ما خلقه من الملائكة والجن وغير ذلك مما لا يعرفونه ~~وأبطلوا ما امتازت به الأنبياء على غيرهم وجعلوا الأنبياء من جنس العارفين ~~المعرفة المشتركة بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين ~~PageV01P233 فلهذا صارت النبوة عندهم مكتسبة وصار كثير منهم يطلب أن يصير ~~نبيا من متقدميهم ومتأخريهم وصار منهم من يظن أنه نبي وأنه يضع ناموسا ينسخ ~~به شرائع الأنبياء كما جرى لأئمة الإسماعيلية الباطنية ونحوهم والذي يقرون ~~به من النبوة يحصل وما هو أعلى منه لآحاد الناس الذين فيهم فضيلة علمية ~~وعملية لكن أهل العلم والإيمان بالرسل يعلمون أن نسبتهم إلى الأنبياء من ~~جنس نسبة أهل الرؤيا الصادقة إلى الأنبياء فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة كما ثبت ms136 ذلك في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكما في السنن عنه أنه قال الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من ~~خمسة وعشرين جزءا من النبوة وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال الإيمان بضع ~~وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان PageV01P234 فلا ريب أن الشيء يكون جزءا ~~من النبوة أو الإيمان ويكون من أصغر الشعب والأجزاء كإماطة الأذى في ~~الإيمان أو كالرؤيا في النبوة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أنه لم يبق ~~بعدي من النبوة إلا المبشرات وهي ئالرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ~~ترى له ولهذا كان هذا الجزء أول بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تدريجا له كما في الصحيح عن عائشة قالت أول ما بدىء به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل ~~فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد ~~الليالي ذوات العدد الحديث PageV01P235 وإذا كان بعض أجزاء النبوة يحصل ~~لآحاد المؤمنين وليس هو نبيا تبين أن ما يذكره هؤلاء من الحق هو جزء من ~~أجزاء النبوة وما يذكرونه من الباطل هو مردود عليهم وقد تبين أن معجزات ~~الأنبياء خارجة عن القوى النفسانية والطبيعية في العالم العلوي والسفلي ~~وتبين أن الله سبحانه خالق كل شيء بمشيئته وقدرته وأنه يخلق ما يشاء ~~بالأسباب التي يحدثها وللحكمة التي يريدها وهذا قدر ما احتملته هذه الأوراق ~~في جواب هذه المسألة فإنها مسألة عظيمة تبنى عليها أصول العلم والإيمان ~~أجبنا فيها بحسب ما احتمله الحال وفيها من البسط والقواعد الشريفة ما يعرفه ~~من عرف كلام الناس في هذا الباب وإن كان ما يجب لله ورسوله من الحق أعظم من ~~هذا الخطاب فإن تمام البسط في الرد على هؤلاء لا يناسب هذا الموضع ولكل ~~مقام مقال ولكن نبهنا على المآخذ التي تعرف منها حقيقة قولهم ms137 وفساده فإن ~~هؤلاء أفسدوا على الناس عقولهم وأديانهم وهم يكثرون ويظهرون في ما يناسبهم ~~من الدول الجاهلية كدولة القرامطة الباطنية العبيدية ودولة التتر ونحوهم من ~~أهل الجهل والضلال وفي دول أهل الردة والنفاق # وذلك أن هؤلاء أعظم جهلا وضلالا من اليهود والنصارى والمجوس ومشركي العرب ~~والهند والترك وكثير من الصابئين فإن أكثر المشركين يقرون بأن العالم محدث ~~وأن الله يفعل بمشيئته وقدرته وكذلك الصابئة الحنفاء على هذا القول وهو قول ~~أساطين الفلاسفة القدماء الذين كانوا قبل أرسطو طاليس وإنما ظهر القول بقدم ~~العالم من الفلاسفة المشهورين من جهة أرسطو وأتباعه وهو المعلم الأول الذي ~~PageV01P236 وضع التعاليم التي يقرونها من المنطق والطبيعي والإلهي وظهر ~~القول بقدم العالم من الفلاسفة من هذه الجهة # وهذا الرجل وأتباعه إنما عامة كلامهم في الطبيعيات فهي علم القوم الذي ~~شغلوا به زمانهم وأما الإلهيات فكلام الرجل فيها وأتباعه قليل جدا إلى غاية ~~ولكن ابن سينا وأمثاله خلطوا كلامهم في الإلهيات بكلام كثير من متكلمي أهل ~~الملل فصار للقوم كلام في الإلهيات بكلام كثير من متكلمي أهل الملل فصار ~~للقوم كلام في الإلهيات وصار ابن سينا وابن رشد الحفيد وأمثالهما يقربون ~~أصول هؤلاء إلى طريقة الأنبياء ويظهرون أن أصولهم لا تخالف الشرائع النبوية ~~وهم في الباطن يقولون أن ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر لا ~~حقيقة له في نفس الأمر وإنما هو تخييل وتمثيل وأمثال مضروبة لتفهيم العامة ~~ما ينتفعون به في ذلك بزعمهم وإن كان مخالفا للحق في نفس الأمر وقد يجعلون ~~خاصة النبوه هي التخييل ويزعمون أن العقل دل على صحة أصولهم وأكثر الناس لا ~~يجمعون بين معرفة حقيقة ما جاءت به الرسل وحقيقة قول هؤلاء ولا يعقلون ~~لوازم قولهم التي بها يتبين فساد قولهم بالعقل الصريح ثم إن كثيرا من الناس ~~آخذ مذاهبهم فغير عباراتها وربما عبر عنها بعبارات إسلامية حتى يظن المستمع ~~أن قول هؤلاء هو الحقيقة التي بعثت بها الرسل ودلت عليها العقول كما فعل ~~أصحاب رسائل إخوان الصفا ms138 وأصحاب دعوة القرامطة الباطنية حيث عبروا بالسابق ~~والتالي عن العقل والنفس ويحتجون على ذلك بالحديث الذي يروونه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال أول ما خلق الله العقل ثم إن هذه الامور راجت على ~~كثير من أهل التصوف والكلام والتأله والنظر كصاحب جواهر القرآن PageV01P237 ~~ومشكاة الأنوار والكتب المضنون بها على غير أهلها ومن سلك هذا المسلك مثل ~~أصحاب البطاقة وابن أجلى والشوذي وصاحب خلع النعلين وابن العربي الطائي ~~وابن سبعين وغيرهم # وكثير من الناس تجده تارة مع أهل الكلام وتارة مع أهل الفلسفة كالرازي ~~والآمدي وغيرهما # وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث أول ما خلق الله العقل وما يتعلق به ~~وتكلمت على ما ذكره ابن سينا في شفائه في واجب الوجود وما ذكره ابن سبعين ~~وابن العربي وغيرهم في غير هذا الموضع # وهذا الحديث موضوع وكذب عند أهل العلم بالحديث كما ذكر أبو حاتم البستي ~~وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهما ومع هذا فلفظه أول ما خلق الله العقل قال ~~PageV01P238 له أقبل فأقبل فقال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت ~~خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب # فهذا الحديث الذي يحتجون به من جهة الشريعة يدل على نقيض مقصودهم من وجوه ~~كثيرة منها أن قوله أول ما خلق الله العقل قال له يقتضي أنه خاطبه في أول ~~أوقات خلقه لا أنه أول المخلوقات كما تقول أول ما لقيت زيدا سلمت عليه ~~وتقدير الكلام أول خلق الله قال له فاول مضاف إلى المصدر والمصدر يجعل ظرف ~~زمان كما تقول كان هذا خفوق النجم وخلافة عبدالملك ومنه قوله تعالى @QB@ ~~وإدبار النجوم @QE@ سورة فاطر 49 مصدر أدبر يدبر إدبارا # ومنها أن هذا يقتضي أنه خلق قبل العقل غيره لقوله PageV01P239 ما خلقت ~~خلقا أكرم علي منك وعندهم هو أول المبدعات ومنها أن هذا يقتضي أن العقل ~~مخلوق وحقيقة الخلق منتفية عندهم عن العقل الأول بل عن العالم وإنما هو ~~عندهم معلول ومبدع لكنهم يحرفون الكلم عن ms139 مواضعه فيقولون العالم محدث ~~ومخلوق ويعنون بقولهم محدث أنه معلول ممكن بنفسه واجب بغيره وأن وجوده من ~~غيره لا من نفسه وكذلك يعنون بقولهم مخلوق # لكن من المعلوم بالاضطرار أن أهل اللغة لا يريدون بقولهم هو محدث ومخلوق ~~هذا المعنى المتضمن أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال بل الحدوث عندهم يناقض ~~القدم وكذلك الخلق ولا تحتمل اللغة بوجه من الوجوه أن القديم الذي لم يزل ~~ولا يزال يقال له محدث ومخلوق والمخلوق عندهم أبلغ من المحدث والحادث فكل ~~مخلوق فهو محدث وحادث باتفاق أهل اللغة وأهل الكلام وأما أن كل حادث ومحدث ~~فهو مخلوق فهذا مما تنازع فيه أهل الكلام والنظر واللغة لا يوجب أن كل ما ~~كان حادثا يسمى مخلوقا لأن المخلوق هو الذي خلقه غيره والخلق يجمع معنى ~~الإبداع ومعنى التقدير وأما لفظ حادث فلا يقتضي أنه مفعول ولو قيل محدث ~~فمعنى الخلق أخص من معنى الحدوث # ومنها أنه قال في هذا الحديث فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب ~~فأخبر أنه يفعل به هذه الأمور الأربعة وهذا ينطبق على عقل الإنسان الذي هو ~~عرض فيه وأما العقل الذي يدعونه فهو عندهم أبدع السموات والأرض وما بينهما ~~فهو عندهم رب جميع العالم فأين هذا من شيء يفعل الله بن أمورا أربعة ~~والكلام على هؤلاء مبسوط في غير هذا الموضع PageV01P240 # والمقصود هنا أن قول هؤلاء هو من أفسد أقوال أهل الأرض وأن قول جمهور ~~الصابئين والمشركين والمجوس خير من قولهم فضلا عن اليهود والنصارى # يبين ذلك أن هؤلاء الأمم عامتهم يعترفون بوجود الأرواح الموجودة المنفصلة ~~عن الآدميين من الملائكة والجن فالمشركون من العرب والهند والترك والنبط ~~وغيرهم من الأمم وأهل السحر منهم والكهانة وغيرهم معترفون بوجود الجن ~~وبأنهم يخاطبونهم ويدعونهم ويقسمون عليهم وعند أهل دعوة الكواكب الذين ~~يدعون الشمس والقمر والنجوم ويعبدونها ويسجدون لها كما كان النمرود بن ~~كنعان وقومه يفعلون ذلك وكا يفعل ذلك المشركون من الهند والترك والعرب ~~والفرس وغيرهم # وقد ذكر أبو عبدالله محمد ms140 بن الخطيب الرازي في كتابه الذي صنفه في هذا ~~الفن قطعة كبيرة من أحوال هؤلاء وقد تواترت الأخبار بذلك عن هؤلاء وأنهي ~~يحصل لأحدهم أشخاص منفصلة عنه تقضي كثيرا من حوائجه ويسمونها روحانية ~~الكوكب فهؤلاء المشركون والصابئون من أنواع الأمم الفلاسفة وغيرهم معترفون ~~بوجود الجن المنفصلين وتأثيرهم في العالم وإخبارهم بالأمور وغير ذلك من ~~أحوالهم # فتبين أن هؤلاء المتفلسفة الذين يقولون أن أسباب PageV01P241 الغرائب ~~منحصرة في القوى الفلكية والطبيعية والنفسانية الآدمية أجهل وأضل من ~~المشركين والصابئين # ومما يوضح الأمر في ذلك أن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الصانع فإن هؤلاء ~~نوعان طبائعيون والهيون فأما الطبيعيون فلا يقرون بوجود موجود وراء الفلك ~~وما يحويه وحقيقة قولهم أن العالم واجب الوجود بنفسه ليس له مبدع ولا فاعل ~~وهذا هو التعطيل الذي كان يعتقده فرعون حيث أنكر رب العالمين وقال لموسى ~~على سبيل الإنكار وما رب العالمين فاستفهمه استفهام إنكار لا استفهام ~~استعلام كما يظنه من يزعم أنه سأل موسى عن الماهية والمسئول عنه ليس له ~~ماهية فعدل موسى عن ذكر الماهية فإن هذا قول باطل وإنما كان استفهام فرعون ~~استفهام إنكار وجحود ولهذا أجابه موسى بما يقيم الحجة عليه ويبين أن الرب ~~معروف معلوم لا سبيل إلى إنكاره وجحده وكان فرعون مقرا به في الباطن وإن ~~جحده في الظاهر كما قال تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم @QE@ سورة ~~النمل 14 وقال تعالى عن موسى في خطابه لفرعون @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء ~~إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا @QE@ سورة ~~الإسراء 102 وهذا القول الذي أظهره فرعون هو قول المعطلة من الطبيعين # وأما الإلهية الدهريون الذين يقولون بقدم العالم وصدوره عن علة قديمة ~~كابن سينا وأمثاله فهؤلاء وإن PageV01P242 كانوا مقرين بمبدع هذا العالم ~~فقولهم مستلزم لقول أولئك المعطلة وإن كانوا لا يلتزمون قولهم # وذلك أن الموجودات العقلية التي يثبتها هؤلاء من واجب الوجود كالعقول ~~العشرة هي عند التحقيق لا توجد إلا في الأذهان لا في الأعيان والواحد ~~المجرد الذي يقولون أنه ms141 صدر عنه العالم لا يوجد إلا في الأذهان لا في ~~الأعيان والوجود المطلق الذي يقولون أنه الوجود الواجب إنما يوجد في ~~الأذهان لا في الأعيان # وأيضا فهم يثبتون أنه لا بد في الوجود من موجود واجب وهذا متفق عليه من ~~العقلاء سواء قالوا بقدم العالم أو بحدوثه وسواء جحدوا الخالق أو أقروا ~~فإثبات موجود واجب بنفسه لا يتضمن الإقرار بالصانع إن لم يثبت أنه مغاير ~~للعالم وقد بسطنا القول في غير هذا الموضع وبينا أن الطريقة التي سلكها ابن ~~سينا وأتباعه في إثبات الصانع وفي إثبات واجب الوجود هي أضعف الطرق وأقلها ~~فائدة وإن كان أتباعه كالسهروردي المقتول وكالرازى والآمدي وغيرهم يعظمونها ~~فإن غايتها إثبات موجود واجب وهذا لا نزاع فيه وإنما الشأن في كون الواجب ~~مغاير لهذا العالم وهم بنوا ذلك على طريقة نفي الصفات وهي توحيدهم الذي ~~بسطنا الكلام عليه في غير هذا الموضع فانهم ادعوا أن الوجود الواجب لا يكون ~~إلا بسلوب الصفات لأن إثباتها يقتضي التركيب والواجب لا يكون مركبا وقد ~~تقدم التنبيه على ما في هذا الكلام من التلبيس والفساد # قالوا والعالم حامل الصفات مركب فلا يكون واجبا PageV01P243 وإذا كان ~~إثباتهم لصانع العالم على طريقتهم لا نتم إلا بنفي الصفات ونفي الصفات باطل ~~كان طريقهم في إثبات الصانع باطلا ولهذا كان الصانع الذي يثبتونه لا حقيقة ~~له إلا في الأذهان لا في الأعيان فقولهم يستلزم التعطيل # وهكذا أقوال من نسج على منوالهم وأخذ معانيهم فاخرجها في قالب المكاشفة ~~والمشاهدة والتحقيق والعرفان كابن عربي وأمثاله ومن سلك هذا المسلك كابن ~~سبعين وغيره فإن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الصانع وأنه ليس وراء الأفلاك شيء ~~فلو عدمت السموات والأرض لم يكن ثم شيء موجود ولهذا كان يصرح بذلك ~~التلمساني وهو كان أعرفهم بقولهم وأكملهم تحقيقا له ولهذا خرج إلى الإباحة ~~والفجور وكان لا يحرم الفواحش ولا المنكرات ولا الكفر والفسوق والعصيان ~~وكان يقول عن شيخه ابن عربي وصاحبه القونوي أحدهما روحاني متفلسف يعني ابن ~~عربي والآخر فيلسوف متروحن ms142 يعني القونوي وإنما حرر مذهب التحقيق أنا يعني ~~نفسه وهو كما قال فإن تحقيقهم الذي حقيقته التعطيل للصانع وجحده وأنه ليس ~~وراء العالم شيء لم يحققه أحدهما كما حققه التلمساني وحدثني الثقة الذي رجع ~~عنهم لما انكشف له أسرارهم أنه قرأ عليه فصوص الحكم لابن عربي قال فقلت له ~~هذا الكلام يخالف القرآن فقال القرآن كله شرك وإنما التوحيد PageV01P244 في ~~كلامنها قال فقلت له فإذا كان الكل واحد فلماذا تحرم على ابنتي وتحل لي ~~زوجتي فقال لا فرق عندنا بين الزوجة والبنت الجميع حلال لكن المحجوبون ~~قالوا حرام فقلنا حرم عليكم وقال أيضا لما قرأ عليه مواقف النفري جعلت ~~أتأول موضعا بعد موضع إلى أن تبين مراده الذي لا يمكن تغطيته وأنه يقول ~~بالوحدة فقلت هذا يخالف الكتاب والسنة والإجماع فقال إن أردت هذا التحقيق ~~فدع الكتاب والسنة والإجماع فقلت هذا لا سبيل إليه ونحو هذا الكلام ومعلوم ~~أن أصول الإيمان ثلاثة الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر وهم ألحدوا في ~~الأصول الثلاثة أما الإيمان بالله فجعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق وهذا ~~غاية التعطيل # وأما الإيمان باليوم الآخر فادعى ابن عربي أن أصحاب النار يتنعمون في ~~النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة وأنه يسمى عذابا من عذوبة طعمه وأنشد ~~في PageV01P245 كتاب الفصوص % فلم يبق إلا صادق الوعد وحده % وما لوجود ~~الحق عين تعاين % % فإن دخلوا دار الشقاء فإنهم % على لذة فيها نعيم مباين ~~% % نعيم جنان الخلد فالأمر واحد % وبينهما عند التجلي تباين % % يسمى ~~عذابا من عذوبة طعمه % وذاك له كالقشر والقشر صاين % $ ولهذا قال بعض ~~أصحابنا لبعض أتباع هؤلاء لما أثاروا محنة أهل السنة التي انتصروا فيها ~~لهؤلاء الملاحدة قال له الله يذيقكم هذه العذوبة وهذا المذهب قد حكاه أصحاب ~~المقالات كالأشعري في مقالاته عن طائفة من سواد أهل الإلحاد سموهم ~~PageV01P246 البطيخية وهو مما يعلم بالاضطرار فساده من دين الإسلام # وأما الإيمان بالرسل فقد ادعوا أن خاتم الأولياء أعلم بالله من خاتم ~~الأنبياء وأن خاتم الأنبياء هو وسائر الأنبياء ms143 يأخذون العلم بالله من مشكاة ~~خاتم الأولياء وهذا مناقض للعقل والدين كما يقال في قول القائل فخر عليهم ~~السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن فإنه من المعلوم بالعقل أن المتأخر يستفيد ~~من المتقدم دون العكس ومن المعلوم في الدين أن أفضل الأولياء يستفيدون من ~~الأنبياء وأفضل الأولياء من هذه الأمة هم صالحو المؤمنين الذين صحبوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى @QB@ وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين @QE@ سورة التحريم 4 # وأفضل هؤلاء أبو بكر وعمر باتفاق أئمة السلف والخلف والشيعة يفضلون عليا ~~واتفق المسلمون على أن أفضل الأولياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ~~أبو بكر وأما علي وإن كان بعض الناس يحكي خلافا في غيرهما من الصحابة ومن ~~قال من مخطئي الصوفية أنه قد يمكن ان يكون في المتأخرين من هو أفضل من أبي ~~بكر وعمر كما ذكره الترمذي الحكيم في كتاب خاتم الأولياء واتبعه على ذلك ~~PageV01P247 ابن حمويه وأمثاله فهؤلاء مخطئون في ذلك بالكتاب والسنة ~~والإجماع والترمذي مع فضله وعلمه لما صنف كتاب خاتم الأولياء أنكر المسلمون ~~عليه ذلك وأخرجوه كما ذكر ذلك أبو عبدالرحمن السلمي في محنة الصوفية وقال ~~إنهم نفوه وأخرجوه من بلدته وشهدوا عليه بالكفر وذلك بسبب تصنيف كتاب خاتم ~~الولاية ونسبوه إلى القبائح في الدين وجاء إلى بلخ فقبله أهل بلخ بسبب ~~موافقته إياهم على المذهب وفي هذا الكتاب من الكلام الباطل ما يعلم فساده ~~بالاضطرار من دين الإسلام وهوالذي فتح الكلام في ختم الاولياء حتى جاءه ~~هؤلاء المتأخرون الذين يدعي كل منهم أنه خاتم الاولياء كابن عربي وابن ~~حمويه وغيرهما وأتى بالعظائم التي لم يسبق إليها الترمذي ولا غيره وفي كلام ~~هؤلاء ونحوهم تفضيل بعض الأولياء على الأنبياء أو بعضهم وشيوخ الصوفية ~~متفقون على تفضيل الأنبياء على الأولياء كما اتفق على ذلك سائر علماء ~~المسلمين # وقد ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتابه اعتقاد الصوفية إجماع الصوفية على ~~ذلك PageV01P248 # وهؤلاء الملاحدة من المتصوفة سلكوا ms144 مسلك ملاحدة الفلاسفة في تفضيل ~~الفيلسوف الكبير على النبي ولهذا قال ابن عربي إن خاتم الأولياء يأخذ من ~~المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى النبي وهذا قول من يقول من ~~الكلابية أن جبريل أخذ القرآن عن الله إلهاما وعبر عنه بعبارته وهذا قول ~~يخالف الكتاب والسنة والإجماع كما بسط الكلام عليه في مواضع أخر # وقد يقال أن هذا مبني على أصل ملاحدة الفلاسفة وذلك أن المعدن الذي يأخذ ~~منه النبي عندهم هو العقل الفعال والقوة العقلية التي يسمونها القوة ~~القدسية ثم إن النفس تخيل ما يعقله الإنسان كما يتخيله النائم في منامه ~~فيرى في نفسه صورا نورانية ويسمع أصواتا وهي في نفسه فيما يراه النبي ~~ويسمعه عندهم هو في نفسه لا في الخارج وهذا يقع الصحيح منه لعامة المؤمنين ~~ويقع فاسده لأهل الماخوليا ونحوهم من الممرورين والصور الخيالية التي في ~~نفس النبي وغيره هي الملائكة عندهم فلهذا قال ابن عربي أنه يأخذ من المعدن ~~الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فإنه على لأصله في الإلحاد ~~يقول يأخذ من العقل الذي هو القوة القدسية والنبي يأخذ من الصور الخيالية ~~التي تأخذ من العقل ومن أخذ من العقل كان أكمل ممن يأخذ من الخيال الذي ~~يأخذ من العقل ولهذا يدعي بعضهم أنه أفضل من موسى ابن عمران وأن التكليم ~~الذي حصل لهم أعظم من التكليم الذي حصل لموسى لأن الكلام عندهم ليس خارجا ~~عن نفس موسى بل هو فيض فاض عليه كما يفيض على غيره # ولهذا يقول بعضهم كلم موسى من سماء عقله وصاحب PageV01P249 مشكاة الأنوار ~~أشار إلى هذا الأصل الفاسد ولهذا بنى ابن قسي على ذلك في كتابه في خلع ~~النعلين وادعى في خلع النعلين أن وارداته عبرانية الأصل أي أشبه فيها موسى ~~بن عمران حيث خلع الدنيا والآخرة فوردت عليه المخاطبات الإلهية # ولهذا تكلم الناس في صاحب مشكاة الأنوار بالعظائم والمتفلسفة ينتحلونه ~~لهذا الكتاب وأمثاله وأهل الانتصار له يقولون رجع عن هذا كله كما ms145 ذكر ذلك ~~في غير كتاب ومنهم من يقول هذه الكتب مكذوبة عليه ليست من كلامه وأنكروا ~~عليه في الأحياء وغيره أيضا مواضع مثل هذا وأمثاله كما فعل أتباع أبي ~~القاسم القشيري وأتباع أبي المعالي الجويني كأبي الحسن المرغيناني وغيره ~~وكما فعل صاحبه أبو بكر بن عربي وقال شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ~~ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر وكذلك أبو بكر الفهري الطرطوشي وأبو عبدالله ~~المازري وأبو الوفاء بن عقيل وأبو البيان الدمشقي وأبو الفرج بن الجوزي ~~وأبو عبدالله محمد بن حمدين القرطبي وأبو محمد المقدسي وأبو عمرو بن الصلاح ~~وغير هؤلاء # والمقصود هنا أن الذين يزعمون أن تكليم الله لموسى فيض فاض عليه منهم من ~~يقول أنه كلم أفضل مما كلم موسى وكان في زماننا من يقول هذا ويقول أن موسى ~~كلم من وراء حجاب الحرف والصوت وهو يكلم دون ذلك الحجاب ومقصوده أنه سمع في ~~نفسه حروفا وأصواتا وهي التي سمعها PageV01P250 فإنه ليس عند هؤلاء أنه سمع ~~شيئا خارجا عن ما في نفسه وتلك الحروف والأصوات الخيالية هي التي تبين له ~~المعاني العقلية قالوا ونحن خوطبنا بتلك الحقائق العقلية من غير احتياج إلى ~~هذه الواسطة وهذا من جنس قول شيخهم الطائي أن خاتم الأولياء يأخذ من ~~المشكاة التي يأخذ منها الملك الذي يوحى به إلى الرسول ويقول أيضا أن ~~الولاية أفضل من النبوة وولاية النبي عنده أفضل من نبوته ورسالته لأنه ~~بزعمه من حيث الولاية يأخذ من الله بلا واسطة ومن حيث النبوة يأخذ بواسطة ~~PageV01P251 # وهذا الكلام قد يقولونه مطلقا وتوجيهه على أصولهم أن النبوة هي مقام ~~تخييل المعقولات والولاية هي المعقول الصرف فالولي ترد عليه المعقولات صرفا ~~والنبي من جهة ولايته له هذه المعقولات لكن جهة نبوته هي تخييل هذه ~~المعقولات فيأخذ بواسطة الخيال وجهة رسالته عندهم أنزل الدرجات وهي جهة ~~تبليغه للناس ولهذا قالوا # % مقام النبوة في برزخ % فويق الرسول ودون الولي % وهذا قلب للحقيقة التي ~~اتفق عليها المسلمون وهو أن الرسول أفضل ms146 من النبي الذي ليس برسول والنبي ~~أفضل من الولي الذي ليس بنبي والرسالة تنتظم النبوة والولاية كما ان النبوة ~~تنتظم الولاية وأن أفضل الأولياء أكملهم تلقيا عن الأنبياء وهو أبو بكر ~~الصديق فإنه أفضل من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وعمر كان كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنه قد كان في الأمم ~~PageV01P252 قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر فعمر كان محدثا ملهما ~~وهو أفضل المحدثين من هذه الامة التي هي خير أمة أخرجت للناس # وليس في أولياء هذه الأمة من يأخذ عن الله سبحانه شيئا بلا واسطة نبي ~~أفضل من عمر ومع هذا فكل ما يرد عليه بدون واسطة النبي عليه أن يعتبره بما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه رده كما كان عمر ~~بن الخطاب يفعل فإنه كان إذا وقع له شيء وجاءت السنة بخلافه ترك ما عنده ~~لما جاءت به السنة حتى كانت المرأة إذا نازعته فيما قاله بآية من كتاب الله ~~ترك ما رآه لما دل عليه النص # وهذا هو الواجب عليه وعلى كل من آمن بالله ورسوله فإن ما جاء به الرسول ~~معصوم أن يستقر فيه خطأ قد فرض الله على خلقه تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما ~~أمر وأما ما يرد على قلوب الأولياء فليس معصوما وليس عليهم تصديقه بل وليس ~~لهم العمل بشيء منه إذا خالف الكتاب والسنة # قال الشيخ أبو سليمان الداراني أنه ليقع بقلبي النكتة من نكت القوم فلا ~~أقبلها إلا بشاهدين اثنين من الكتاب والسنة وقال أيضا ليس لمن ألهم شيئا من ~~الخير أن PageV01P253 يفعله حتى يسمع فيه بأثر فإذا سمع فيه بأثر كان نورا ~~على نور وقال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ ~~القرآن ويكتب الحديث لا يقتدي به في هذا # والمقصود أن عمر بن الخطاب إذا كان هو أفضل الأولياء الذين لهم من الله ~~تحديث إلهي بغير واسطة نبي ms147 وقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر وهذا حاله فكيف يكون غيره من ~~الأولياء وكيف يكون ما يأخذه الولي بدون واسطة نبي أفضل مما يأخذه بواسطة ~~النبي وذاك شيء لا يوثق به بمجرده ولا يعمل به إلاأن يعتبر بالكتاب والسنة ~~وما جاء به الكتاب والسنة معصوم يجب تصديقه والعمل به ومع هذا فأبو بكر ~~الصديق أفضل من عمر وأبو بكر لم يكن محدثا مثل عمر بل كان ياخذ من مشكاة ~~النبوة ما يأخذه غيره عن التحديث PageV01P254 # وهذا أفضل وأكمل فإن من كان الرسول واسطة بينه وبين الله في كل شيء فهو ~~أكمل وأفضل ممن الواسطة بينه وبين الله قلبه وإن كان ما يحدثه به قلبه عن ~~ربه موافقا للكتاب والسنة كفضيلة أبي بكر على عمر 3 ولهذا كان أفضل أولياء ~~الله هم الصديقون الآخذون عن الأنبياء عليهم السلام فالأولياء تبع للأنبياء ~~وإنما يقرنهم بهم فيجعل لهم طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء ملاحدة ~~الصوفية ونحوهم كما أن ملاحدة الفلاسفة يقرنون الفلاسفة بالأنبياء ويقولون ~~اتفقت الأنبياء والحكماء وقالت الأنبياء والحكماء كما يفعل ذلك أصحاب رسائل ~~إخوان الصفاء وأمثالهم وهذا كله من فعل من لم يؤمن بالرسل والنبيين الإيمان ~~الذي يستحقونه وجعلهم من جنس غيرهم فيما يخبرون به ويأمرون به وجعل ما ~~يأتون به من جنس ما يأتي به الذين سماهم هو أولياء وحكماء وهذا بناء على ~~الأصل الفاسد وهو أن النبوة هي هذه الخصائص الثلاثة وهذه الخصائض مشتركة ~~توجد لكثير من آحاد الناس # ومما يبين الفرق بين النبيين وغيرهم أن الله سبحانه أوجب الإيمان بما ~~أوتيه كل نبي من غير استثناء كما قال تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون @QE@ ~~سورة البقرة 136 الآية وقال @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر ms148 من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ~~@QE@ PageV01P255 سورة البقرة 177 # وأيضا فإنه أخبر بعضمة ما جاءت به الأنبياء ونسخ ما يلقيه الشيطان من ~~الباطل في أمنياتهم قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد @QE@ سورة الحج 52 # فإن قيل ففي قراءة ابن عباس أو محدث وبهذا احتج الحكيم الترمذي وغيره # قيل أولا هذه القراءة إذا ثبت أنها قراءة فلا يعرف PageV01P256 لفظ بقية ~~سائر الكلام معها كيف كان فإنها بتقدير صحتها إما من الحروف السبعة وإما ~~مما نسخت تلاوته وعلى التقديرين فيجوز أن يكون نظم سائر الآية كان على وجه ~~لا يدل على عصمة المحدث بل فيها نسخ ما يلقيه في امينته النبي والرسول دون ~~المحدث وإن ثبت أن الله تعالى كان ينسخ ما يلقى الشيطان في قلوب المحدثين ~~قبلنا فلا يقتضي أن ذلك بوحي يأتيه بل يكون ذلك بعرضه ذلك على نبوات ~~الأنبياء فإن خالف ذلك كان مردودا # وحينئذ فيكون حفظ الولي بمتابعة الكتاب والسنة ولا ريب أن السنة كما كان ~~الزهري يذكر عمن مضى من سلف المؤمنين قال كان من مضى من علمائنا يقولون ~~الاعتصام بالسنة نجاة وقال مالك السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف ~~عنها غرق # وإن قدر أن المحدث ممن قبلنا كان ينسح ما يلقيه الشيطان فيما يلقي إليه ~~من غير استدلال بالنبوة فيكون من كان قبلنا كانوا مأمورين باتباع المحدث ~~مطلقا لعصمة الله إياه ونحن لم نؤمر بذلك وسبب ذلك أن من كان قبلنا لم يكن ~~يكفيهم نبوة واحدة بل كانوا يأخذون بعض الدين عن هذا النبي وبعضه عن هذا ~~النبي بتصديق الآخر له كما كان أنبياء بني إسرائيل مأمورين باتباع التوراة ~~وكما ان المسيح أحل لهم بعض ما حرم عليهم وأحالهم في أكثر الأحكام على ms149 ~~التوارة # وأما نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهي كافية لأمته كما قال تعالى @QB@ ~~أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون @QE@ سورة العنكبوت 51 PageV01P257 وفي النسائي وغيره أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال أمتهوكون يا ~~ابن الخطاب كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان ~~موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم وفي مراسيل أبي داود كفى بقوم ضلالة ~~أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أنزل إلى نبي غير نبيهم # ونحن نعلم يقينا بالإضطرار من دين الإسلام أن محمدا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أوجب الله تعالى علينا طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر ولم ~~يأمر بطاعة غيره إلا إذا وافق طاعته لا نبيا ولا غير نبي # ونحن إذا قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه فإنما ذاك ~~لكونه مشروعا على لسان محمد بالأدلة الدالة على ذلك وقد علمنا بالاضطرار من ~~دينه أن من أطاعه دخل الجنة فلا يحتاج مع ذلك إلى طاعة غيره لا نبي ولا ~~محدث فلم يكن المتبعون لنبوته محتاجين إلى اتباع نبي غيره فضلا عن محدث # قال تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا @QE@ PageV01P258 سورة المائدة 3 فقد أكمل الله الدين لأمته ~~على لسانه فلا يحتاجون إلا إلى من يبلغ الدين الكامل لا يحتاجون إلى محدث # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن ~~في أمتي فعمر فلم يجزم بأن في أمته محدثا كما جزم أنه قد كان في الأمم ~~قبلنا مع أن أمتنا أفضل الأمم وأكمل ممن كان قبلهم # وذلك لأن أمتنا مستغنية عن المحدثين كما استغنوا عن نبي يأخذون عنه سوى ~~محمد وما علموه من أمور الأنبياء فبواسطة محمد هو الذي بلغهم ما بلغهم من ~~أمور الأنبياء وما لم يبلغهم إياه من أمور الأنبياء فلا حاجة لأمته به ms150 # ولهذا لم يحجب عليهم معرفة ذلك حتى يميزوا بين صدقه وكذبه كما ثبت في ~~صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا حدثكم أهل الكتاب ~~بشيء فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم ~~بباطل فتصدقوه قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم فأمر ~~بالإيمان العام المتناول لجميع PageV01P259 ما جاءت به الأنبياء وما لم ~~يعلم أن ناقلها عنهم صدق أو كذب لا تصدق ولا تكذب # وإذا كانت أمتنا مستغنية عن أن تأخذ من نبوة غير نبوة محمد فاستغناؤها عن ~~المحدثين أولى ومن كانوا قبلنا كانوا محتاجين إلى الأنبياء فكذلك ربما ~~احتاجوا إلى المحدثين وما احتاجت الأمم إليه من الأخبار الإلهية فلا بد أن ~~يكون محفوظا معصوما لتقوم به الحجة ويحصل به مقصود الدعوة وهذا مما دل على ~~وجوب عصمة ما جاءت به الأنبياء وعصمة ما جاء به نبينا بعد موته فحفظ الله ~~الذكر الذي أنزله وقد أنزل عليه الكتاب والحكمة والحكمة هي السنة فحفظ الله ~~هذا وهذا ولله الحمد والمنة # ومن وجد من هذه الأمة محتاجا إلى شيء غير ما جاء به الرسول فلضعف معرفته ~~واتباعه لما جاء به الرسول مثل كثير منهم من يقول أنه يحتاج إلى ~~الإسرائيليات وغيرها من أحوال أهل الكتاب وآخرون منهم من يقول أنهم محتاجون ~~إلى حكمة فارس والروم والهند واليونان وغيرهم من الأمم وآخرون يقولون أنهم ~~محتاجون إلى ذوقهم أو عقلهم أو رأيهم بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة # ولا تجد من يقول أنه محتاج إلى غير آثار الرسول إلا من هو ضعيف المعرفة ~~والاتباع لآثاره وإلا فمن قام بما جاء به الكتاب والسنة أشرف على علم ~~الأولين والآخرين وأغناه الله بالنور الذي بعث به محمدا عما سواه ~~PageV01P260 # قال الله تعالى @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ سورة الأعراف 157 وقال تعالى @QB@ قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~ويخرجهم من ms151 الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم @QE@ سورة ~~المائدة 15 16 وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور ~~رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ سورة الحديد 28 29 # وأيضا فإنه أخبر أن وحي محمد كوحي النبيين كما في قوله @QB@ إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود ~~زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما @QE@ سورة النساء 163 164 # وأيضا فمن خصائص الأنبياء أن من سب نبيا من الأنبياء قتل باتفاق الأئمة ~~وكان مرتدا كما أن من كفر به وبما جاء PageV01P261 به كان مرتدا فإن ~~الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله # وأما الولي الذي ليس بنبي فلا يجب القتل بمجرد سبه ولا يكون مرتدا عن ~~الإسلام من لم يؤمن به فمن غلا في الأولياء أو من يسميهم أولياء الله أو ~~يسميهم أهل الله أو يسميهم الحكماء أو الفلاسفة أو غير ذلك من الأسماء التي ~~يقرنها بأسماء الأنبياء وجعلهم مثل الأنبياء أو أفضل من الأنبياء فإنه ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل # فكيف بمن جعل الأنبياء يستفيدون من المسمى بخاتم الأولياء وجعل هذا ~~المسمى بخاتم الأولياء هو بمنزلة منتظر الرافضة وبمنزلة غوث الغلاة من ~~الصوفية وأمثالهم ممن يعتقد ما لا حقيقة له في الخارج جعله يأخذ من المعدن ~~الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فكيف بمن جعل النبي يأخذ من ~~الصور الخيالية التي في نفسه المطابقة للعقل فيجعله يأخذ من العقل كما يأخذ ~~ذوو العقول من الناس ويجعل النبوة حاصلها خلاصة العقل كما يقوله الطوسي ~~شارح الإشارات وأمثاله من المتفلسفة الباطنية # والمقصود هنا بيان أن هؤلاء الذين يدعون التحقيق ms152 والمعرفة والولاية ~~القائلين بوحدة الوجود أصل قولهم قول الباطنية من الفلاسفة والقرامطة ~~وأمثالهم وأن هؤلاء من جنس فرعون لكن هؤلاء أجهل من فرعون وفرعون أعظم ~~عنادا منهم فإن فرعون كان في الباطن مقرا بالصانع المباين للأفلاك ولكن ~~أظهر الإنكار طلبا للعلو والفساد وأظهر أن ما قاله موسى لا حقيقة له قال ~~تعالى @QB@ وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا @QE@ PageV01P262 سورة غافر ~~36 # وأما هؤلاء فإنهم عند أنفسهم مقرون بالصانع مثبتون له لكن لم يثبتوه ~~مباينا للعالم بل جعلوا وجوده وجود العالم أو جعلوه حالا في العالم وقولهم ~~مضطرب متناقض فإنهم مترددون بين الإتحاد والحلول وأصل ضلالهم إنكارهم ~~مباينة الصانع للعالم وصارت قلوبهم تطلب موجودا وهي تأبى أن يكون مباينا ~~للعالم فصاروا يطلبونه في العالم أو يجعلون وجوده هو وجود العالم فيجعلونه ~~إما العالم وإما جزءا منه وإما صفة له وإما أن يقولوا هو العالم وليس هو ~~العالم فيجمعوا بين المتناقضين وهو حقيقة قول ابن عربي فإنه يجعل وجوده ~~وجود العالم ويقول إن ذات الشيء غير وجوده كما يقول من يقول أن المعدوم شيء ~~فيفرق ين الوجود والثبوت وهذا فرق باطل فلهذا كان قوله متناقضا # وهكذا كثير من الناس يقولون بشيء من الحلول والاتحاد مع تناقضهم في ذلك ~~كما يوجد شيء من ذلك في كلام كثير من الصوفية # والناس في هذا الباب على أربعة # أقوال فالقول الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وكان عليه سلف الأمة ~~وأئمتها هو القول بإثبات الصانع وأنه مباين للعالم عال عليه وأما الجهمية ~~ونحوهم فصاروا على ثلاثة أقوال أحدها قول النفاة وهم أكثر متكلمي الجهمية ~~ونظارهم الذين ينفون PageV01P263 المتقابلين ويجمعون في قولهم بين سلب ~~النقيضين فغلاتهم يقولون ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ونحو ذلك ~~ومقتصدوهم يقولون لا مباين للعالم ولا داخل فيه ولا يقرب من شيء ولا بقرب ~~إليه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يشار إليه ونحو ذلك ms153 # وهؤلاء النفاة قولهم مستلزم للتعطيل وإنكار الصانع كما صرح به فرعون أما ~~المعطلة فلهذا صار عبادهم وصوفيتهم وعامتهم ومحققوهم إلى القول بالوحدة ~~والحلول والإتحاد لأن القلب العابد يطلب موجودا يقصده ويسأله بخلاف النظر ~~والبحث والكلام فإنه يتعلق بالموجود والمعدوم وأما العبادة والطلب والسؤال ~~فلا يكون إلا لموجود فصار هؤلاء ينظرون فيما ذكره أولئك من سلب المتقابلين ~~فلا تقبله قلوبهم وهم قد شاركوهم في نفي مباينة الله لخلقه وعلوه عليهم ~~فصاروا يطلبون الإله الموجود في العالم لا مباينا للعالم فيترددون بين ~~الحلول والإتحاد وأشباه ذلك من أنواع الإلحاد # وفيهم صنف ثالث أمثل من هذين يجمعون بين الحلول والمباينة وهو قول طائفة ~~من الناس كأبي معاذ التومني وغيره وقد يوجد في كلام أبي طالب المكي ~~PageV01P264 وابن برجان من الكلام الذي أنكره طائفة من الشيوخ كالشيخ أبي ~~البيان الدمشقي وغيره ما يقال ان فيه ما يشبه هذا وعامة هؤلاء يتكلمون ~~بكلام متناقض أو بكلام لا حقيقة له إذ كان الأصل الذي بنوا كلامهم عليه ~~أصلا باطلا والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع # لكن شيوخ أهل العلم الذين لهم لسان صدق وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ ~~منكر فأصل الإيمان بالله ورسوله إذاكان ثابتا غفر لأحدهم خطأه الذي أخطأه ~~بعد اجتهاده # وهذا الإلحاد الذي وقع في كلام ابن عربي صاحب الفتوحات وأمثاله في أصول ~~الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر لم يكن في كلام العلماء والشيوخ ~~المشهورين عند الأمة الذين لهم لسان صدق ولكن هؤلاء أخذوا مذهب الفلاسفة ~~المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله الذي دخل كثير منها في كلام صاحب ~~الكتب المضنون بها على غير أهلها وأمثاله فأخرجوها في قالب الإسلام بلسان ~~التصوف والتحقيق كما فعل ابن عربي مع أنه يقدح في توحيد الشيوخ الأكابر ~~كالجنيد وسهل بن عبدالله وأمثالهما ويطعن في قول الجنيد لما سئل عن التوحيد ~~فقال التوحيد أفراد الحدوث عن القدم ويقول لا يميز بين المحدث والقديم إلا ~~من كان ليس واحدا منهما ذكر هذا وأشباهه ms154 في كتابه التجليات وله كتاب ~~PageV01P265 الإسراء الذي سماه الإسراء إلى المقام الأسري وجعل له إسراء ~~كإسراء النبي صلى الله عليه وسلم # وحاصل إسرائه من جنس الإسراء الذي فسر به ابن سينا ومن اتبعه كالرازي ~~والهمداني ونحوهم إسراء النبي صلى الله عليه وسلم وجعلوه من نوع الكشف ~~العلمي كما فعلوا مثل ذلك في تكليم موسى وجعلوا ما خوطب به كله في نفسه ~~فلهذا ادعى ابن عربي إسراء وهو كله في نفسه وخياله منه المتكلم ومنه المجيب ~~وباب الخيال باب لا يحيط به إلا الله وابن عربي يدعي أن الخيال هو عالم ~~الحقيقة ويعظمه تعظيما بليغا فجعل في خياله يتكلم على المشايخ وتوحيدهم ~~بكلام يقدح في توحيدهم ويدعي أنه علمهم التوحيد في ذلك الإسراء وهذا كله من ~~جنس قرآن مسيلمة بل شر منه وهو كلام مخلوق اختلقه في نفسه # والجنيد رحمه الله تكلم بكلام الأئمة العارفين فإن كثيرا من الصوفية ~~وقعوا في نوع من الحلول والإتحاد كما ذكر ذلك أبو نعيم في الحلية وكما ذكره ~~القشيري في رسالته فبين الجنيد أن التوحيد لا يكون إلا بأن يميز بين القديم ~~والمحدث PageV01P266 # كما قالوا لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على ~~عرشه بائن من خلقه وهكذا قال سائر الأئمة كأحمد بن حنبل وإسحق ابن راهويه ~~وعثمان بن سعيد والبخاري وغيرهم حتى قال محمد بن إسحاق ابن خزيمة الملقب ~~بإمام الأئمة من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فإنه ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل كما ذكر ذلك عنه الحاكم أبو عبدالله النيسابوري ~~وصاحبه الملقب بشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وغيرهما # والشيوخ الأكابر الذين ذكرهم أبو عبدالرحمن السلمي في طبقات الصوفية وأبو ~~القاسم القشيري في الرسالة كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل ~~الحديث كالفضيل بن عياض والجنيد بن محمد وسهل بن عبدالله التستري وعمرو بن ~~عثمان المكي وأبو عبدالله محمد بن خفيف الشيرازي وغيرهم وكلامهم موجود في ~~السنة وصنفوا فيها الكتب لكن بعض المتأخرين ms155 منهم كان على طريقة بعض أهل ~~الكلام في بعض فروع العقائد ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلاسفة وإنما ظهر ~~التفلسف في المتصوفة المتأخرين فصارت المتصوفة تارة على طريقة صوفية أهل ~~الحديث وهم خيارهم وأعلامهم وتارة على اعتقاد صوفية وتارة على اعتقاد صوفية ~~أهل الكلام فهؤلاء دونهم وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة كهؤلاء الملاحدة # ولهذا ذكر ابن عربي في أول الفتوحات ثلاث عقائد عقيدة مختصرة من إرشاد ~~أبي المعالي بحججها الكلامية PageV01P267 ثم عقيدة فلسفية كأنها مأخوذة من ~~ابن سينا وأمثاله ثم أشار إلى اعتقاده الباطن الذي أفصح به في فصوص الحكم ~~وهو وحدة الوجود فقال وأما عقيدة خلاصة الخاصة فتأتي مفرقة في الكتاب # ولهذا كان هؤلاء كابن سبعين ونحوه يعكسون دين الإسلام فيجعلون أفضل الخلق ~~المحقق عندهم وهو القائل بالوحدة وإذا وصل إلى هذا فلا يضره عندهم أن يكون ~~يهوديا أو نصرانيا بل كان ابن سبعين وابن هود والتلمساني وغيرهم ~~PageV01P268 يسوغون للرجل أن يتمسك باليهودية والنصرانية كما يتمسك ~~بالإسلام ويجعلون هذه طرقا إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين ويقولون لمن ~~يختص بهم من النصارى واليهود إذا عرفتم التحقيق لم يضركم بقاؤكم على ملتكم # بل يقولون مثل هذا للمشركين عباد الأوثان حتى أن رجلا كبيرا من القضاة ~~كان من غلمان ابن عربي فلما قدم ملك المشركين الترك هولاكو خان المشرك إلى ~~الشام وولاه القضاء وأتى دمشق أخذ يعظم ذلك الملك الذي فعل في الإسلام ~~وأهله ببغداد وحلب وغيرهما من البلاد ما قد شهر بين العباد فقال له بعض من ~~شهده من طلبة الفقهاء ذلك الوقت يا سيدي ليته كان مسلما فبالغ في خصومته ~~مبالغة أخافته وقال أي حاجة بهذا إلى الإسلام وأي شيء يفعل هذا بالإسلام ~~سواء كان مسلما أو غير مسلم ونحو هذا الكلام PageV01P269 # وهذا كان من آثار مذهب الذين يدعون التحقيق ويجعلون المتحقق الذي يسوغ ~~التدين بدين المسلمين واليهود والنصارى والمشركين هو أفضل الخلق وبعده ~~عندهم على ما ذكره ابن سبعين وأخوانه هو الصوفي يعنون المتصوف على طريقة ~~الفلاسفة ليس ms156 هو الصوفي الذي على مذهب أهل الحديث والكتاب والسنة فلفظ ~~الصوفي صار مشتركا فهؤلاء القائلون بالوحدة إذا قالوا الصوفي يريدون به هذا ~~ولهذا كان عندهم أفضل من الفيلسوف لأنه جمع بين النظر والتأله كالسهروردي ~~المقتول وأمثاله وبعده عندهم المتكلم الأشعري فجعلوا الأشعرية دون الفلاسفة ~~وأنقص منهم # ومعلوم باتفاق المسلمين أن من هو دون الأشعرية كالمعتزلة والشيعة الذين ~~يوجبون الإسلام ويحرمون ما رواءه فهم خير من الفلاسفة الذين يسوغون التدين ~~بدين المسلمين واليهود والنصارى فكيف بالطوائف المنتسبين إلى مذهب أهل ~~السنة والجماعة كالأشعرية والكرامية والسالمية وغيرهم فإن هؤلاء مع إيجابهم ~~دين الإسلام وتحريمهم ما خالفه يردون على أهل البدع المشهورين بمخالفة ~~السنة والجماعة كالخوارج PageV01P270 والشيعة والقدرية والجهمية ولهم في ~~تكفير هؤلاء نزاع وتفصيل # فمن جعل الفيلسوف الذي يبيح دين المشركين واليهود والنصارى خيرا من ~~اثنتين وسبعين فرقة فليس بمسلم فكيف بمن جعله خيرا من طوائف أهل الكلام ~~المنتسبين إلى الذب عن السنة والجماعة ثم جعل بعد هؤلاء كلهم الفقيه فمن ~~جعل أئمة المذاهب وأتباعهم كمالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري وإسحق وأبي ~~يوسف ومحمد بن الحسن والبويطي والمزني وابن سريج وابن القاسم وأشهب وابن ~~وهب وإبراهيم الحربي وأبي داود والأثرم والمروزي والخلال والخرقي وأمثال ~~هؤلاء دون أهل الكلام وأهل الكلام دون الفلاسفة والفلاسفة دون صوفية ~~الفلاسفة وصوفية الفلاسفة دون أهل التحقيق القائلين بالوحدة وهؤلاء أرفع ~~الخلق أليس يكون قد ناقض الرسول في دينه مناقضة ظاهرة لكل أحد فمن كان إلى ~~الرسول أقرب كان عنده أخفض ومن كان عن الرسول أبعد كان عنده أفضل # ولهذا لما وقعت محنة هؤلاء بمصر والشام وأظهروا مذهب الجهمية الذي هو ~~شعارهم في الظاهر وكتموا مذهب الإتحادية الذي هو حقيقة تجهمهم وأضلوا بعض ~~ولاة الأمور حتى يرفعوا إخوانهم ويهينوا من خالفهم وصار كل من كان إلى ~~الإسلام أقرب أقصوه وعزلوه وخفضوه وكل من كان عن الإسلام أبعد رفعوه حتى ~~رفعوا شخصا كان نصرانيا وصيروه بعد الإسلام سبعينيا كان يقال له ابن سعيد ~~الدولة وهو كان شقي دولته وكان ms157 مما أنشده PageV01P271 % تشير إلي في كل ~~البرايا % وتخبر بالذي اختار عني % % وذلك أنني أنا كل شيء % وكل مصادر ~~الأشياء عني % $ فرفعوا درجته حتى جعلوا لا يصل إلى أحد رزق ولا ولاية إلا ~~بخطه هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا حتى أزال الله كلمتهم عن ~~المسلمين وأذلهم بعد العز وأهلك من أهلك منهم وكشف أسرارهم وهتك أستارهم # وهؤلاء يتصلون بالكفار اتصال القرامطة الباطنية بهم لما بين الكفار ~~والمنافقين من معاداة أهل الإيمان ولهذا كانت الباطنية وأتباعهم الرافضة ~~بالشام وغيره مواصلين للكفار معادين لأهل الإيمان وهم من جنس هؤلاء ومن ~~أسباب ضلال هؤلاء أنهم لما رأوا الكمال في العلم والعمل والعلم متقدم على ~~العمل في السلوك وأما العلم النظري فجعلوه هو الغاية بناء على ان كمال ~~النفس في العلم فرأوا الفقه هو العلم العملي فجعلوه أدنى المراتب ثم الكلام ~~بعده لأنه عندهم العلم النظري الذي يليق بالعامة لأن المتكلم يقول أنه ينصر ~~العقيدة الشرعية بالأدلة القطعية والادلة العقلية فهي عقيدة مبرهنة # وهؤلاء يعتقدون أن ما أخبرت به الرسل هو للعامة وأما الحقيقة التي لا ~~يعلمها إلا الخواص فأمر باطن لا يعرف من مفهوم خطاب الرسل فلهذا جعلوا ~~المتكلم بعد الفقيه إلى فوق وجعلوا هذا الإعتقاد على وجهين فالاعتقاد ~~المجرد للعامة والاعتقاد المقرون بحججه للخاصة ثم بعد ذلك المتفلسف لأنه ~~عندهم دخل من النظريات الباطنة التي لم تظهرها الرسل بل أشارت إليها ورمزت ~~وبعد ذلك الصوفي لأنه عندهم جمع بين النظر وبين التأله الباطن فصار العلم ~~له شهودا ثم بعد ذلك المحقق على أصلهم وهو الذي شهد أن الموجود واحد ~~PageV01P272 وهو الذي انتهى إلى الغاية ويدعون أن هذا هو لباب ما جاءت به ~~الأنبياء وما كان عليه الفلاسفة القدماء ولهذا يقول ابن سبعين في أول ~~الإجابة إني عزمت على إفشاء سر الحكمة التي رمز إليها هرامس الدهور الأولية ~~وبيان العلم الذي رامت إفادته الهداية النبوية # وهو وابن عربي وأمثالهما في ترتيب دعوتهم من جنس ملاحدة الشيعة الباطنية ~~فإن عقيدتهم في الابتداء عقيدة الشيعة ms158 ثم ينقلون المستجيب لهم إلى الرفض ثم ~~ينقلونه إلى ترك الأعمال ثم ينقلونه إلى الإنسلاخ من خصوص الإسلام ثم إلى ~~الإنسلاخ من الملل إلى أن يصل إلى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم عندهم ~~فيصير معطلا محضا حتى يقولون ليس بيننا وبين الفلاسفة خلاف إلا في إثبات ~~الوجود يعنون المبدع للعالم فلو تركته الفلاسفة لم يبق بيننا وبينهم خلاف # وهذا في الحقيقة هو متنهى دعوة أولئك الملاحدة وقوى ضلالهم أمور منها ~~اعتقادهم أن لما جاءت به الرسل باطنا يناقض ظاهره ومن أسباب ذلك ما حصل لهم ~~من الحيرة والإضطراب في فهم ما جاءت به الرسل # ومنها أنهم رأوا الطريق التي سلكها المتكلمون لا تفيد PageV01P273 علما ~~بل هي إما سفسطة وجدل بالباطل عند من عرفه وإما جدل يفيد المغالبة عند من ~~لم يعرف حقيقته وذلك أن هؤلاء سلكوا في الكلام طريقة صاحب الإرشاد ونحوه ~~وهي مأخوذعه في الأصل عن المعتزلة نفاة الصفات وعليها بنى هؤلاء وهؤلاء أصل ~~دينهم وجعلوا صحة دين الإسلام موقوفا عليها وذلك أنه موقوف على الإيمان ~~بالرسول والإيمان به موقوف على معرفة المرسل وزعموا أن المرسل لا يعرف إلا ~~بها قالوا لأنه لا يعرف إلا بالنظر والاستدلال المفضي إلى العلم بإثبات ~~الصانع قالوا ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث العالم قم قالوا ولا طريق ~~إلى ذلك إلا بإثبات حدوث الأجسام قالوا ولا دليل على ذلك إلا الإستدلال ~~بالأعراض أو ببعض الأعراض كالحركة والسكون أو الإجتماع والإفتراق وهي ~~الأكوان فإن الجسم لا يخلو منها وهي حادثة وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ~~قالوا وهذا الأصل يشتمل على أربعة مقامات إثبات الأعراض ثم إثبات حدوثها ثم ~~إثبات استلزام الجسم لها أو أنه لا يخلو منها ثم إبطال حوادث لا أول لها ~~وحينئذ فيلزم حدوث الجسم فيلزم حدوث العالم لأنه أجسام وأعراض فيلزم إثبات ~~الصانع لأن المحدث لا بد له من محدث # وهذه الطريقة هي أساس الكلام الذي اشتهر ذم السلف والأئمة له ولأجلها ~~قالوا بأن القرآن مخلوق وأن الله لا ms159 يرى في الآخرة وأنه ليس فوق العرش ~~وأنكروا الصفات PageV01P274 # والذامون لها نوعان منهم من يذمها لأنها بدعة في الإسلام فإنا نعلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بها ولا الصحابة لأنها طويلة مخطرة ~~كثيرة الممانعات والمعارضات فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه وهذه ~~طريقة الأشعري في ذمه لها والخطابي والغزالي وغيرهم ممن لا يفصح ببطلانها # ومنهم من ذمها لأنها مشتملة على مقامات باطلة لا تحصل لمقصود بل تناقضه ~~وهذا قول أئمة الحديث وجمهور السلف # فجاء هؤلاء المتفلسفة لما رأوا هذه عمدة هؤلاء المتكلمين في إثبات حدوث ~~العالم وإثبات الصانع وتفطنوا لموضع المنع فيها وهو قولهم يمتنع دوام ~~الحوادث قالوا هذه الطريقة تستلزم كون الصانع كان معطلا عن الكلام والفعل ~~دائما إلى أن أحدث كلاما وفعلا بلا سبب أصلا قالوا وهذا مما يعلم بطلانه ~~بصريح العقل قالوا وليس معكم من نصوص الأنبياء ما يوافق هذا وأما إخبار ~~الله أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام فهذا يدل على أنه خلقها من مادة ~~قبل ذلك كما أخبر أنه @QB@ استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ سورة فصلت 11 وكذلك في أول ~~التوارة ما يوافق هذا قالوا وهذا النص وإن كان يناقض قولنا بقدم العالم ~~فليس فيه ما يدل على قولكم بتعطيل الصانع عن الصنع وحينئذ فنحن نقول في هذا ~~PageV01P275 النص وأمثاله من نصوص المبدأ والمعاد ما نقوله نحن وأنتم في ~~نصوص الصفات ثم من هؤلاء من سلك طريق التأويل كما فعل ذلك من فعله من ~~القرامطة كالنعمان قاضيهم صاحب كتاب أساس التأويل وكأبي يعقوب السجستاني ~~صاحب الأقاليد الملكوتية وكتاب الافتخار وأمثالهما وألقى هؤلاء جلباب ~~الحياء وكابروا الناس وباهتوهم حتى ادعوا أن الصلاة معرفة أسرارهم أو ~~موالاة أئمتهم والصوم كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وهذا يبوحون به إذا ~~انفردوا بإخوانهم وأما الذين سكنوا بين المسلمين كالفارابي وابن سينا ~~وأمثالهما فما أمكنهم أن يقولوا مثل هذا وعلموا أنه مما يظهر بطلانه فقالوا ms160 ~~أن الرسل إنما خاطبت الناس بما يخيل إليهم أمورا ينتفعون باعتقادها في ~~الإيمان بالله واليوم الآخر وإن كان ما يعتقدون من تلك الأمور باطلا لا ~~يطابق الحقيقة في نفسه والخطاب الدال على ذلك كذب في الحقية عندهم لكنه ~~يسوغ الكذب الذي يصلح به الناس ومن تحاشى منهم على إطلاق الكذب على ذلك ~~فعنده أنه من باب تورية العقلاء الذين يورون لمصلحة أتباعهم PageV01P276 # فكان ما سلكه أولئك المتكلمون في العقليات الفاسدة والتأويلات الحائدة هي ~~التي أخرجت هؤلاء إلى غاية الإلحاد ونهاية التكذيب للمرسلين وفساد العقل ~~والدين # وأخذ ابن سينا وأمثاله ينقضون الطريقة التي سلكها أولئك في حدوث العالم ~~وإثبات الصانع إذ كان مدارها على امتناع تسلسل الحوادث وأن حكم الجميع حكم ~~الواحد فأبو الحسين البصري من حذاق هؤلاء يجعلون أصل الدين مبنيا على أنه ~~إذا كان كل واحد من الحوادث كائنا بعد أن لم يكن فالجميع كذلك كما انه إذا ~~كان كل واحد من الزنج أسود فالجميع كذلك # وأبو المعالي وأمثاله يقولون إثبات الحدوث ونفي الفعل في الأزل جمع بين ~~النقيضين # فقال لهم المنازعون أتباع الأنبياء وأتباع الفلاسفة الفرق بين النوع ~~والشخص معلوم والمنتفي وجود حادث معين في الأزل بحيث يكون حادثا قديما أو ~~وجود مجموع الحوادث في الأزل بحيث تكون كل الحوادث قديمة وأما دوام الحوادث ~~شيئا بعد شيء كما هي دائمة شيئا بعد شيء في المستقبل فليس في العقل ما يحيل ~~هذا ولا يمكن الفرق بين الماضي والمستقبل بفرق مؤثر في مناط الحكم وليس كل ~~مجموع يوصف بما يوصف به أفراده بل قد يوسف بذلك إذا لم يستفد بالاجتماع ~~حكما آخر وقد لا يوصف بذلك إذا حصل له بالاجتماع حكم آخر فالأول كاجتماع ~~الموجودات والمعدومات والممكنات والممتنعات فإنه لا يخرجها عن حكم هذه ~~الصفات والثاني كاجتماع أجزاء الخط والسطح والجسم والطويل PageV01P277 ~~والبيت والإنسان والدائم والعشرة والألف ونحو ذلك فإنه إذا اجتمعت هذه ~~الأجزاء حصل باجتماعهما حكم لا توصف به الأجزاء # والمقصود هنا التنبيه على مبدأ ضلال هؤلاء الملاحدة وأن ms161 من جملته تقصير ~~من جادلهم عن نصر الحق ودخوله في نوع من الباطل إما في باطل وافقوه عليه ~~وجعلوه حجة لهم عليه في مكان آخر كنفي الصفات وإما من باطل نازعوه فيه ~~وبينوا بطلانه كترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح وإما تقصيره في الحق تارة ~~يقصر في معرفة ما جاءت به الرسل وتارة يقصر في إقامة الحجة على منازعه # فتقصيره في تصور الحق وبيان الحجة على التصديق به مما سلط أولئك الملحدين # لكن بكل حال حجة الملاحدة أدحض وقولهم أضعف فأنهم أنكروا على هؤلاء إحداث ~~حوادث بدون سبب حادث من قادر مختار لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا ~~سبب وأنكروا عليهم كونهم عطلوا الصانع عن الصنع في الأزل # وهم قد عطلوا الصانع عن صفات الكمال بل وعطلوه في الحقيقة عن الفعل ~~وعطلوا الحوادث عن محدث لها بل عطلوا العالم عن الصانع فإنهم لم يثبتوا إلا ~~وجودا مطلقا مجردا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان وجعلوا الحوادث ~~تحدث بلا فاعل يوجب حدوثها وغايتهم أنهم يجعلون الفلك حيوانا يحدث تصوره ~~وإرادته وحركاته وذلك هو سبب حدوث الحوادث والرب تعالى لم يحدث شيئا من ذلك # لكنهم يقولون هو علة تامة في الأزل للعالم بما فيه من الأجناس المختلفة ~~والأمور الحادثة مع العلم الضروري بعد PageV01P278 التصور التام أن الواحد ~~البسيط الذي قدروه لا يوجد إلا في الذهن ولا يصدر عنه شيء فإن الواحد ~~البسيط من كل وجه الذي لا صفة له ولا قدرة ولا فعل لا يعقل وجوده في الخارج ~~ولا يعقل انه يوجد عنه شيء لا واحد ولا غير واحد ولا يوجد في العالم أثر ~~إلا عن سببين لا عن واحد مع أن الواحد الموجود في العالم إذا قدر مقدر أثر ~~عنه كالسخونة والبرودة فهو واحد له صفة وقدر وفعل يقوم به وأما الواحد الذي ~~قدروه فإنما هو شيء يقدره الذهن كما يقدر وجود خالقين وتسلسل المؤثرات وكما ~~يقدر رفع النقيضين مثل كونه لا موجودا ولا معدوما أو جمع النقيضين مثل ms162 كونه ~~موجودا معدوما وكما يقدر عالم بلا علم وقادر بلا قدرة أو يقدر أن العلم هو ~~العالم والقدرة هو القادر أو يقدر ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح أو يقدر ~~حدوث الحوادث بلا محدث ووجود الممكنات التي تفتقر إلى واجب بلا واجب وأمثال ~~ذلك مما يقدره الذهن مع أنه ممتنع # ووجه ثالث أن الواحد البسيط الذي فرضوه إذا قدر وجوده في الخارج امتنع ~~صدور المختلفات عنه بوسط أو غير وسط سواء قيل أن الصادر الأول عنه واحد له ~~ثلاث جهات أو قيل غير ذلك فإن كل ما يقدرونه يستلزم صدور الأنواع المختلفة ~~عن الواحد البسيط وإن شئت قلت صدور الكثرة عن الوحدة فالجمع بين صدور ~~الكثرة عنه وكونه واحدا بسيطا لا يصدر عنه إلا واحد جمع بين المتناقضين ~~PageV01P279 # وإذا قيل أن الكثرة حصلت في الصادر الأول كان القول فيها كالقول في ~~الكثرة الصادرة عن المعلول الأول إن كانت أمورا وجودية لزم أن يصدر عن ~~الواحد البسيط الذي لا يصدر عنه إلا واحد أكثر من واحد وإن كانت عدمية لزم ~~أن يصدر عن الواحد البسيط الموصوف بالسلوب أمور موجودة مختلفة فقولهم ~~الواحد لا يصدر عنه إلا واحد مع صدور هذه المختلفات عن المبدع يقتضي انتفاء ~~ما ذكروه من الوحدة أو انتفاء كون المختلفات صدرت عنه بوسط أو بغير وسط ولو ~~لم يكن إلا الفلك الثامن ذو الكواكب الكثيرة فإنه ليس فوقه من العلل ~~المختلفة ما يوجب كثرة الكواكب التي فيه عندهم وكذلك العقل العاشر في كثرة ~~ما تحته من الأركان وغيرها # ووجه رابع وهو أنه إذا كان علة تامة أزلية لزم مقارنة معلوله له وكل ~~ماسواه معلول له فيلزم أن لا يكون في الوجود حادث أو أن لا يكون للحوادث ~~محدث وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة وإن قيل تخلف عنه بعض الحوادث لوقوفه ~~على حادث قبله # قيل والقول في الحادث الأول كالقول في الثاني يمتنع إذا كان علة موجبا ~~بذاته أن يتخلف عنه شيء أو أن يكون اقتضاؤه موقوفا على حدوث حادث إلا ms163 إذا ~~كان هناك غيره كما يقولون في العقل الفعال أنه عام الفيض لكن فيضه متوقف ~~على استعداد القوابل وهذا ممتنع ممن صدر عنه كل شيء ولا يوقف إبداعه على ~~غير ذاته أصلا فإن هذا لا يجوز أن يتراخى عنه شيء من فيضه وإن تراخى عنه ~~شيء PageV01P280 من فيضه لم تكن نفس ذاته هي الموجبة لفيضه بل لا بد من آخر ~~ينضم إليها # وإذا قيل ذاته تحدث شيئا بعد شيء فإنه لا يمكن إحداث المحدثات جميعا # قيل فهذا ينقض قولكم لأن من أحدث شيئا بعد شيء لم يكن موجبا بذاته في ~~الأزل لشيء بل يكون كلما صدر عنه حادث وإن كانت أفعاله دائمة شيئا بعد شيء ~~فليس فيها واحد قديم وكذلك مفعولاته بطريق الأولى فإن المفعول تابع للفعل ~~فلا يكون في أفعاله ولا مفعولاته شيء قديم وإن كانت دائمة لم تزل فإن دوام ~~النوع وقدمه ليس مستلزما قدم شيء من الأعيان بل ذلك مناقض لقدم شيء منها إذ ~~لو كان فيها واحد قديم لكان ذلك الفعل المعين هو القديم ولم تكن الأفعال ~~المتوالية هي القديمة والشيء الذي من شأنه أن يكون متواليا متعاقبا كالحركة ~~والصوت يمتنع قدم شيء من أجزائه ودوام شيء من أجزائه وبقاء شيء من أجزائه ~~وإن قيل أنه دائم قديم باق أي نوع هو الموصوف بذلك # وأيضا فقولهم باطل على تقدير النقيضين فيلزم بطلانه في نفس الأمر وذلك ~~أنه إما أن يمكن دوام الحوادث وهو قولهم بوجود حوادث لا أول لها وإما أن لا ~~يمكن فإن لم يمكن كما يقوله كثير من أهل الكلام لزم أن يكون لجنس الحوادث ~~أول ولزم أن ما لا يخلو عن الحوادث أن يكون حادثا فيلزم حدوث العالم وإن ~~أمكن دوام الحوادث أمكن أن يكون هذا العالم الذي خلقه الله في ستة أيام ~~مسبوقا بحوادث قبله فلا يجوز القول بقدمه PageV01P281 # وأيضا فإذا أمكن دوام الحوادث لزم دوام إحداث المحدث لها وأن يكون محدثا ~~لها شيئا بعد شيء والعلة التامة الأزلية التي يقارنها معلولها ms164 لا يفعل شيئا ~~بعد شيء فإن ذلك يناقض مقارنة معلولها لها # وأيضا فالأثر إما أن يجب مقارنته للمؤثر التام المستجمع لجميع شروط ~~التأثير وإما أن يجوز تراخيه عنه فإن جاز تراخيه عنه أمكن كون المؤثر التام ~~ثابتا في الأزل والعالم حادث عنه بعد ذلك وهذا يبطل أصل حجتهم ثم هذا ~~يستلزم الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا سبب فإنه إذا كان المؤثر حال أن يفعل ~~وقبل أن يفعل على السواء من غير اختصاص إحدى الحالتين بوجه من الوجوه كانت ~~الحالات سواء وحينئذ فكونه يفعل في أحدهما ولا يفعل في الآخر ترجيح للفعل ~~بلا مرجح وهذا ممتنع في بديهة العقل وهو يسد باب إثبات الواجب القديم ~~الخالق # وإن وجب مقارنة الأثر للمؤثر التام لزم من ذلك أن يكون كل ما حدث في ~~الوجود لم يحصل مؤثره التام إلا مقارنا له وحينئذ يكون المؤثر التام صار ~~مؤثرا بعد أن لم يكن ويكون الأثر مفتقرا إلى مؤثر تام مقارن له والتسلسل ~~ممتنع في أصل كون المؤثر مؤثرا وتمام كونه مؤثرا كما تقدم فإنه إذا كان لا ~~يوجد تمام المؤثر في هذا حتى يوجد تمام المؤثر في هذا المؤثر ولا يوجد تمام ~~المؤثر في هذا حتى يوجد تمام المؤثر في هذا لزم أن لا يوجد شيء من تمام ~~المؤثرات كما إذا قيل لا يوجد هذا المؤثر حتى يوجد هذا المؤثر فإن هذا ~~غايته تقدير أمور معدومة متعاقبة وتعاقب المعدومات وكثرتها وتقدير عدم ~~PageV01P282 تناهيها لا يقتضي أن يكون فيها شيء موجود وإذا كان كذلك فلا بد ~~أن ينتهي إلى من هو مؤثر بنفسه لا يتوقف تأثيره على غيره وإن جاز أن يصير ~~مؤثرا لهذا بعد أن يصير مؤثرا لهذا إذا كان لا يفتقر في ذلك إلى غيره ~~وحينئذ فيكون المؤثر التام لكل المحدث عند وجود ذلك المحدث وإذا كان بنفسه ~~صار مؤثرا تاما فيها ويمتنع أن يكون مؤثرا تاما إلاعند وجود الأثر المحدث ~~امتنع أن يكون لشيء من المحدثات مؤثر تام في الأزل # وإذا كان العالم ms165 لا يخلو عن الحوادث والمؤثر التام لا يكون لشيء من ~~الحوادث في الأزل امتنع أن يكون للعالم مؤثر تام في الأزل فإن وجود الملزوم ~~بدون اللازم محال وليس الأزل وقتا محدودا بل هو عبارة عن الدوام الماضي ~~الذي لا ابتداء له الذي لم يسبق بعدم الذي ما زال وإذا امتنع أن يكون تمام ~~التأثير لشيء من الحوادث أو ملزوم الحوادث أزليا امتنع أن يكون شيء ن ~~الحوادث أو ملزوم الحوادث أزليا وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على أصل أقوال هؤلاء أهل الوحدة الذين يدعون ~~التحقيق وأنهم تعدوا مراتب الأمم كلهم حتى الأنبياء وغيرهم كابن عربي وابن ~~سبعين وأمثالهما وكان ابن سبعين أحذق بالفلسفة وابن عربي أحذق بالتصوف ~~وأظهر انتسابا إلى الإسلام ولهذا كان PageV01P283 منتهى ابن عربي دعواه أنه ~~كان خاتم الأولياء وأن خاتم الأولياء أعلم بالله من خاتم الأنبياء وأن ~~الأنبياء يستفيدون منه العلم بالله فراعى كون النبي صلى الله عليه وسلم ~~خاتم النبيين في الصورة وإن كان في الحقيقة قد ادعى ما هو أعظم من مرتبة ~~خاتم النبيين # وأما ابن سبعين فعلم أن هذه منافقة ظاهرة الفساد لا تخفى إلا على أجهل ~~الناس فكان يقول لقد زرب ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدي وكان يطمع أن يصير ~~نبيا وذكروا أنه جدد غار حراء لينزل عليه فيه الوحي كما يجيء بعض الناس ~~يجدد بعض معابد المشايخ ليفتح عليه كما فتح عليه # وكل من هذين في كثير من كلامه يعظم النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما ~~بليغا لكن قد تكون أحوالهم مختلفة وقد يكون ذلك نفاقا وقد يكونون معظميه ~~على ما سواه ومعظمي أنفسهم عليه كما كان ابن هود لما سلك هذه السبيل وأراد ~~أن يظهر بأمر أعظم مما ظهرت به الأنبياء فكان يتكلم على الأنبياء الثلاثة ~~أصحاب الملل الذين هم موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم ثم جعل الرابع ~~المنتظر أعظم من هؤلاء الثلاثة ويرجو أن يكون هو ذلك الرابع أو يصرح ms166 بذلك ~~ويقول على طريقة الفلاسفة موسى في الجسم وعيسى في النفس ومحمد في العقل أو ~~يقول سبحان الله لموسى والحمد لله لعيسى ولاإله إلا الله لمحمد والله أكبر ~~لهذا الرابع المنتظر ويقول موسى له علم اليقين وعيسى له عين اليقين ومحمد ~~له حق اليقين وهذا الرابع له حقيقة حق PageV01P284 اليقين والرابع هو صاحب ~~الوجود الواجب وهو الإحاطة عندهم # ولهذا أمر ابن سبعين أن ينقش على قبره صاحب نقش فص خاتم الإحاطة والإحاطة ~~عندهم هي الوجود المطلق المجرد الذي لا يتقيد بقيد وهو الكلي الذي لا يتقيد ~~بإيجاب ولا إمكان ثم بعده الوجود الذي يصدق على الواجب والممكن أو الذي لا ~~يصدق على واحد منهما فإن المطلق لا بشرط يصدق عليهما والمطلق بشرط الإطلاق ~~لا يصدق على واحد منهما # وكان قد اجتمع بي حذاق هؤلاء لما أظهروا محنة أهل السنة لينصروا طريقهم ~~واستعانوا في الظاهر بمن يوافقهم على نفي الصفات أما نفي علو الله على خلقه ~~وصفاته الخبرية أو نفي الصفات مطلقا ونفي الأفعال والكلام ونحو ذلك من ~~مذاهب الجهمية فإنهم إنما يتظاهرون بقول معتزلة الأشعرية النافين للصفات ~~الخبرية ولغيرها وبقول متفلسفة الأشعرية نفاة الصفات مطلقا كما أن الباطنية ~~القرامطة إنما يتظاهرون بالتشيع # ولهذا كان ابن سبعين يقول للشيخ الجليل تقي الدين الحوراني الذي كان بمكة ~~مجاورا وكان من أهل العلم والدين وكان يناقض ابن سبعين ويرد عليه قال له ~~إنما أنت تبغضني لأني أشعري فقال لو كنت أشعريا لقبلتك أو كما قال وهل أنت ~~مسلم وهذا كما يقول القرمطي لأهل السنة إنما تبغضوني لأني من الشيعة فيقال ~~له لو كنت PageV01P285 من الشيعة لأكرمناك وهل أنت مسلم فإن ما في أقوال ~~الشيعة من الأقوال المخالفة للسنة هي الباب الذي دخل منه القرامطة الباطنية ~~وما في أقوال المتكلمين من المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية من الأقوال ~~التي تخالف السنة هي الباب الذي دخل منه هؤلاء الملاحدة الجهمية # وكلام الملاحدة من الشيعة وأهل الكلام مقرون بكلام ملاحدة المتفلسفة ~~ولهذا كان عبدالرحمن بن مهدي ms167 يقول هما صنفان احذروهما الرافضة والجهمية # ولهذا انتصر هؤلاء بمن وافقهم على نفي علو الله على خلقه ونفي الصفات ~~الخبرية وغير ذلك مما يخالف الكتاب والسنة مما دخل فيه من دخل من أهل ~~الكلام الأشعرية وغيرهم كما ينتصر أولئك الملاحدة بالشيعة وكان مما سلط ~~هؤلاء جميعا على النفي قصور المنتسبين إلى السنة وتقصيرهم تارة بأن لا ~~يعرفوا معاني نصوص الكتاب والسنة وتارة بأن لا يعرفوا النصوص الصحيحة من ~~غيرها وتارة لا يردون ما يناقضها ويعارضها مما يسميه المعارضون لها ~~العقليات # ومعلوم أن العلم إنما يتم بصحة مقدماته والجواب عن معارضاته ليحصل وجود ~~المقتضي وزوال المانع # وقد قال الإمام أحمد رحمه الله معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلي من حفظه ~~وكثير من المنتسبين إلى السنة المصنفين فيها لا يعرفون الحديث ولا يفقهون ~~معناه بل تجد PageV01P286 الرجل الكبير منهم ينصف كتابا في أخبار الصفات أو ~~في إبطال تأويل أخبار الصفات ويذكر فيه الأحاديث الموضوعة مقرونة بالأحاديث ~~الصحيحة المتلقاه بالقبول ويجعل القول في الجميع واحدا وقد رأيت غير واحد ~~من المصنفين في السنة على مذهب أهل الحديث من أصحاب مالك وأحمد والشافعي ~~وغيرهم من الصوفية وأهل الحديث وأهل الكلام منهم يحتجون في أصول الدين ~~بأحاديث لا يجوز أن يعتمد عليها في فضائل الأعمال فضلا عن مسألة فقه فضلا ~~عن أصول الدين والأئمة # كانوا يروون ما في الباب من الأحاديث التي لم يعلم أنها كذب من المرفوع ~~والمسند والموقوف وآثار الصحابة والتابعين لأن ذلك يقوي بعضه بعضا كما تذكر ~~المسألة من أصول الدين ويذكر فيها مذاهب الأئمة والسلف # فثم أمور تذكر للإعتماد وأمور تذكر للإعتضاد وأمور تذكر لأنها لم يعلم ~~أنها من نوع الفساد ثم بعد المعرفة بالنصوص لا بد من فهم معناها # وكثير من المنتسبين إلى السنة وغيرهم ظنوا أن التأويل الذي لا يعلمه إلا ~~الله هو معنى الكلام الذي أنزل القرآن لبيانه فصاروا يجعلون كثيرا من ~~القرآن كلاما خوطب به الناس وأنزل إليهم وأمروا بتلاوته وتدبره وهو كلام لا ~~يفهم معناه ولا ms168 سبيل إلى معرفة مراد المتكلم به # وقد يحكى عن بعضهم أنه سمع كلام لا معنى له في نفس الأمر كما حكى الرازي ~~في محصوله عمن سماهم بحشوية أنهم قالوا يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعني ~~به شيئا لكن هذا القول لا أعرف به قائلا بل لم يقل هذا أحد من طوائف ~~المسلمين PageV01P287 # ولهذا كنا مرة في مجلس فجرت هذه المسألة فقلت هذا لم يقله أحد من طوائف ~~المسلمين وإن كان أحد ذكره فليس فيما ذكره حجة على إبطاله فقال بعض الذابين ~~عنه هذا قالته الكرامية فقلت هذا لم يقله لا كرامي ولا غير كرامي ولا أحد ~~من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم وبتقدير أن يكون قولا فإنما احتج على ~~فساده بأن هذا عبث والعبث على الله محال وهذه الحجة فاسدة على أصله لأن ~~النزاع إنما هو في الحروف المؤلفة هل يجوز أن ينزل حروفا لا معنى لها ~~والحروف عنده من المخلوقات وعنده يجوز أن يخلق الله كل شيء لأن فعله لا ~~يتوقف على الحكمة والمصلحة فليس فيما ذكره حجة على بطلان هذا وإنما النزاع ~~المشهور هل يجوز أن ينزل الله تعالى ما لا يفهم معناه والرازي ممن يجوز هذا ~~في أحد قوليه ووافق من قال أن التأويل لا يعلمه إلا الله مع قولهم أن ~~التأويل هو المعنى # وأصل الخطأ في هذا أن لفظ التأويل مجمل يراد به ما يؤول إليه الكلام ~~فتأويل الخبر نفس المخبر عنه وتأويل أسماء الله وصفاته نفسه المقدسة بمالها ~~من صفات الكمال ويراد بالتفسير التأويل وهو بيان المعنى المراد وإن لم نعلم ~~كيفيته وكنهه كما أنا نعلم أن في الجنة خمرا ولبنا وماء وعسلا وذهبا وحريرا ~~وغير ذلك وإن كنا PageV01P288 لا نعرف كيفية ذلك ويعلم أن كيفيته مخالفة ~~لكيفية الموجود في الدنيا # ويراد بلفظ التأويل صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح ~~وهذا لا يوجد الخطاب به إلا في اصطلاح المتأخرين وأما خطاب الصحابة ~~والتابعين فإنما يوجد فيه الأولان ولهذا قال أكثرهم أن الوقف ms169 على قوله @QB@ ~~وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ سورة آل عمران 7 بناء على أن التأويل هو ما ~~استأثر الله بعلمه وهو الكيف الذي لا نعلمه نحن كما قال الإمام مالك ~~الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة # وكذلك سائر الأئمة قولهم مثل قول مالك ينفون علم الخلق بالكيف وعلمهم ~~بالحكمة فلا يقولون في صفاته كيف ولا في أفعاله لم لأنهم لا يعلمون كيفية ~~صفاته ولا لمية أفعاله وكثير من المتأخرين نفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر لم ~~ينفوا علم المخلوق به فالأولون يقولون لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر ~~كيفيته ببال ويقولون منع الخلق أن يتفكروا في ماهية ذاته كما يقول مثل ذلك ~~أبو محمد بن أبي زيد PageV01P289 والشريف أبو علي بن أبي موسى وأبو الفرج ~~المقدسي وغيرهم # وكلام السلف كله موافق لقول هؤلاء كما في كلام عبدالعزيز بن الماجشون ~~نظير مالك بالمدينة قال أما بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتباعت الجهمية ~~ومن خلفها في صفة الرب العظيم الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن ~~عن تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره إلى أن قال فأما الذي لا يحول ~~ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو فكيف يعرف # والذين نازعوهم من المتأخرين قالوا لا ماهية فتجري في مقال ولا كيفية له ~~فتخطر ببال والنزاع موجود في أصحاب الأئمة الأربعة PageV01P290 # والمقوصد هنا أن السلف كان أكثرهم يقفون عند قوله @QB@ وما يعلم تأويله ~~إلا الله @QE@ بناء على أن التأويل الذي هو الحقيقة التي استأثر الله ~~بعلمها لا يعلمها إلا هو وطائفة منهم كمجاهد وابن قتيبة وغيرهما قالوا بل ~~الراسخون يعلمون التأويل ومرادهم بالتأويل المعنى الثاني وهو التفسير فليس ~~بين القولين تناقض في المعنى # وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه فهذا لم يكن هو ~~المراد بلفظ التأويل في كلام السلف اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد ~~المعنى الذي يقال أنه خلاف الظاهر جعلوه ms170 من التأويل الذي هوالتفسير لكونه ~~تفسيرا للكلام وبيانا لمراد المتكلم به أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو ~~الحقيقة الثابتة في نفس الأمر التي استأثر الله بعلمها لكونه مندرجا في ذلك ~~لا لكونه مخالفا للظاهر # وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي ~~هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو ~~التفسير الباطل كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده وقد ينكرون ~~من التأويل الذي هو التفسير ما لا يعلم صحته فننكر الشيء للعلم بأنه باطل ~~أو لعدم العلم بأنه حق ولا ينكرون ترجمة الكلام لمن لا يحسن اللغة وربما ~~أنكروا من ذلك ما لا يفهمه المستمع أو ما تضره معرفته كما ينكرون ~~PageV01P291 تحديث الناس بما تعجز عقولهم عن معرفته أو بما تضرهم معرفته ~~كما قال علي عليه السلام حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن ~~يكذب الله ورسوله وقال عبدالله بن مسعود ما من رجل يحدث قوما حديثا لا ~~تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم # وهذا قد تحمله الباطنية على مذهب النفاة المعطلة التي بينا فسادها والأمر ~~على نقيض ذلك فإن قوله أتحبون أن يكذب الله ورسوله دليل على أن ذلك قد قاله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسكت عنه # وهذا نظير الحديث المأثور إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل ~~العلم بالله فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله فإن هذا الحديث وإن ~~لم يكن ثابتا فقد ذكره شيخ الإسلام وكما ذكره أبو حامد الغزالي وقال يحيى ~~بن PageV01P292 عمار وصاحبه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري المذكور ~~وغيرهما أن هذا مثل أحاديث الصفات التي يضيق عنها من لم يسعها عقله وهؤلاء ~~يردون على من حمل هذه الآثار على أقوال الباطنية كما يوجد شيء من ذلك في ~~كلام أبي حامد وغيره فإنه من المعلوم بالإضطرار لمن عرف نصوص الرسول أنه ~~جاء بالإثبات لا بالنفي وأن الرسل جاءوا بإثبات الصفات لله على وجه ms171 التفصيل ~~مع التنزيه العام عن التعطيل والتمثيل # وإنما جماع الشر تفريط في حق أو تعدي إلى باطل وهو تقصير في السنة أو ~~دخول في البدعة كترك بعض المأمور وفعل بعض المحظور أو تكذيب بحق وتصديق ~~بباطل # ولهذا عامة ما يؤتى الناس من هذين الوجهين فالمنتسبون إلى أهل الحديث ~~والسنة والجماعة يحصل من بعضهم كما ذكرت تفريط في معرفة النصوص أو فهم ~~معناها أو القيام بما تستحقه من الحجة ودفع معارضها فهذا عجز وتفريط في ~~الحق وقد يحصل منهم دخول في باطل إما في بدعة ابتدعها أهل البدع وافقوهم ~~عليها واحتاجوا إلى إثبات لوزامها وإما في بدعة ابتدعوها هم لظنهم أنها من ~~تمام السنة كما أصاب الناس في مسألة كلام الله وغير ذلك من صفاته ~~PageV01P293 # ومن ذلك أن أحدهم يحتج بكل ما يجده من الأدلة السمعية وإن كان ضعيف المتن ~~والدلالة ويدع ما هو أقوى وأبين من الأدلة العقلية إما لعدم علمه بها وإما ~~لنفوره عنها وإما لغير ذلك وفي مقابلة هؤلاء من المنتسبين إلى الإثبات بل ~~إلى السنة والجماعة أيضا من لا يعتمد في صفات الله على أخبار الله ورسوله ~~بل قد عدل عن هذه الطريق وعزل الله ورسوله عن هذه الولاية فلا يعتمد في هذا ~~الباب إلا على ما ظنه من المعقولات ثم هؤلاء مضطربون في معقولاتهم أكثر من ~~اضطراب أولئك في المنقولات تجد هؤلاء يقولون أنا نعلم بالضرورة أمرا ~~والآخرون يقولون نعلم بالنظر أو بالضرورة ما يناقضه وهؤلاء يقولون العقل ~~الصريح لا يدل إلا على ما قلناه والآخرون يناقضوهم في ذلك # ثم من جمع منهم بين هذه الحجج أداه الأمر إلى تكافؤ الأدلة فيبقى في ~~الحيرة والوقف أو إلى التناقض وهو أن يقول هنا قولا ويقول هنا قولا يناقضه ~~كما تجد من حال كثير من هؤلاء المتكلمين والمتفلسفة بل تجد أحدهم يجمع بين ~~النقيضين أو بين رفع النقيضين والنقيضان اللذان هما الإثبات والنفي لا ~~يجتمعان ولا يرتفعان بل هذا يفيد صاحبه الشك والوقف فيتردد بين الإعتقادين ~~المتناقضين الإثبات ms172 والنفي كما يتردد بين الإرادتين المتناقضتين # وهذا هو حال حذاق هؤلاء كأبي المعالي وأبي حامد والشهرستاني والرازي ~~والآمدي وأما ابن سينا وأمثاله PageV01P294 فأعظم تناقضا واضطرابا ~~والمعتزلة بين هؤلاء وهؤلاء في التناقض والإضطراب # وسبب ذلك جعل ما ليس بمعقول معقولا لاشتباه الأمر ودقة المسائل وإلا ~~فالمعقولات الصريحة لا تتناقض والمنقولات الصحيحة عن المعصوم لا تتناقض # وقد اعتبرت هذا في عامة ما خاض الناس فيه من هذه الأمور دقيقها وجليلها ~~فوجدت الأمر كذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد يشكل الشيء ويشتبه أمره في ~~الإبتداء فإذا حصل الإستعانة بالله واستهداؤه ودعاؤه والإفتقار إليه أو ~~سلوك الطريق الذي أمر بسلوكها هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # ولم يكن في سلف الأمة وأئمتها من يرد أدلة الكتاب ولاالسنة على شيء من ~~مسائل الصفات ولا غيرها بل ينكرون على أهل الكلام الذين يعدلون عما دل عليه ~~الكتاب والسنة إلى ما يناقض ذلك ولا كانوا ينكرون المعقولات الصحيحة أصلا ~~ولا يدفعونها بل يحتجون بالمعقولات الصريحة كما أرشد إليها القرآن ودل ~~عليها فعامة المطالب الإلهية قد دل القرآن عليها بالأدلة العقلية والبراهين ~~اليقينية كما قد بسط الكلام فيه في غير هذا الموضع # ولكن طائفة من أهل الكلام والفلسفة ظنوا أن دلائل القرآن إنما هي مجرد ~~أخباره فيتوقف على العلم بصدق PageV01P295 المخبر وهذا من بعض ما فيه من ~~الأدلة ولكن فيه الإرشاد والبيان للأدلة التي يعلم بالعقل دلالتها على ~~المطلوب فهي أدلة شرعية عقلية وغالب ما في القرآن من هذا الباب ولكن هذا ~~ليس موضع بسط ذلك ولكن المقصود هنا التنبيه على حال هؤلاء أهل الإحاطة ~~القائلين بالوجود المطلق # ولما اجتمع بي بعض حذاقهم وعنده أن هذا المذهب هو غاية التحقيق الذي ~~ينتهي إليه الأكملون من الخلق ولا يفهمه إلا خواصهم وذكر أن الإحاطة هو ~~الوجود المطلق قلت له فأنتم تثبتون أمركم على القوانين المنطقية ومن ~~المعروف في قوانين المنطق أن المطلق لا يوجد في الخارج ms173 مطلقا بل لا يوجد ~~إلا معينا فلا يكون الوجود المطلق موجودا في الخارج فبهت ثم أخذ يفتش لعله ~~يظفر بجواب فقال نستثني الوجود المطلق من الكليات فقلت له غلبت وضحكت لظهور ~~فساد كلامه # وذلك أن القانون المذكور لو فرق فيه بين مطلق ومطلق لفسد القانون ولأن ~~هذا فرق بمجرد الدعوى والتحكم ولأن ما في القانون صحيح في نفسه وإن لم ~~يقولوه وهو يعم كل مطلق فإنا نعلم بالضرورة أن الخارج لا يكون فيه مطلق كلي ~~أصلا أما المطلق بشرط الإطلاق مثل الإنسان المسلوب عنه جميع القيود الذي ~~ليس هو واحدا ولا كثيرا ولا موجودا ولا معدوما ولا كليا ولا جزئيا فهذا لا ~~يكون في الخارج إلا إنسان موجود ولا بد أن يكون واحدا أو متعددا ولا بد أن ~~يكون معينا جزئيا # وإذا قيل أن هذا في الذهن فالمراد به أن الذهن يقدره ويفرضه وإلا فكونه ~~في الذهن تقييد فيه لكن الذهن PageV01P296 يفرض أمورا ممتنعة لا يمكن ~~ثبوتها في الخارج والمطلق من هذه الممتنعات سواء كان إنسانا أو حيوانا أو ~~وجودا أو غير ذلك بل الوجود المطلق بشرط الإطلاق أشد امتناعا في الخارج ~~فإنه يمتنع أن يكون وجودا لا قائما بنفسه ولا بغيره ولا قديما ولا محدثا ~~ولا جوهرا ولا عرضا ولا واجبا ولا ممكنا ومعلوم أن هذا لا يتصور وجوده في ~~الخارج # وابن سينا وأتباعه لما ادعوا أن واجب الوجود هو المطلق بشرط الإطلاق لم ~~يمكنهم أن يجعلوه مطلقا عن الأمور السلبية والإضافية بل قالوا وجود مقيد ~~بسلوب وإضافات لكنه ليس مقيدا بقيود ثبوتية وقد يعبر عن قولهم بأنه الوجود ~~المقيد بكونه غير عارض لشيء من الماهيات وهذا تعبير الرازي وغيره عنه لكن ~~هذا التعبير مبني على أن وجود غيره عارض لماهيته وهو مبني على أن ماهية ~~الشيء في الخارج ثابتة بدون الشيء الموجود في الخارج وهذا أصل باطل لهم ~~فإذا عبر عنه بهذه العبارة لم يفهم كل أحد معناه وأما إذا عبر عنه بالعبارة ~~التي يعلمون هم أنها تدل ms174 على مذهبهم بلا نزاع انكشف مذهبهم # وإذا قالوا هو الوجود المقيد بقيود سلبية كان في هذا أنواع من الضلال # منها أنهم لم يجعلوه مطلقا فإن كونه مقيدا بقيد سلبي أو إضافي نوع تقييد ~~فيه وهذا القيد لم يجعله أحق بالوجود بل جعله أحق بالعدم ومعلوم أن الوجود ~~الواجب أحق بالوجود من الوجود الممكن فكيف يكون أحق بالعدم من الممكن ~~PageV01P297 وذلك أنهم يقسمون الكلي ثلاثة أقسام طبيعي ومنطقي وعقلي فالأول ~~هو المطلق لا بشرط أصلا كما إذا اخذ الإنسان مجردا والجسم مجردا ولم يقيد ~~بقيد ثبوتي ولا سلبي فلا يقال واحد ولا كثير ولا موجود ولا معدوم ولا غير ~~ذلك من القيود والثاني وصف هذا بكونه عاما كليا ونحو ذلك فهذا هو المنطقي ~~والثالث مجموع الأمرين وهو ذلك الكلي مع اتصافه بكونه عاما كليا فهذا هو ~~العقلي وهذان لا يوجدان إلا في الذهن باتفاقهم إلا على رأي من يقول بالمثل ~~الأفلاطونية وأما الأول فيقولون أنه يوجد في الخارج ولكن التحقيق أنه لا ~~يوجد كليا ولا يوجد إلا معينا والتعيين لا ينافيه فإنه يصدق على المعين ~~وعلى غير المعين وعلى الذهني والخارجي فهو يفيد وجوده في الخارج جزئيا # وإنما يفيد كونه كليا فإنما يتصوره الذهن ويقدره وهو كلي لشموله جزئياته ~~وعمومه لها كما يقال في اللفظ أنه عام لعمومه لأفراده وإلا فهو في نفسه شيء ~~معين قائم بمحل معين فهو جزئي باعتبار ذاته كما أن اللفظ العام الكلي هو ~~باعتبار نفسه ومحله لفظ خاص معين وبهذا التفريق يزول ما يعرض من الشبهة في ~~هذا المكان للرازي وأمثاله # والمقصود هنا أن المطلق بشرط الإطلاق عن القيود PageV01P298 الثبوتية ~~والعدمية لا وجود له إلا في الذهن والمجوزون للمثل الأفلاطونية مع أن قولهم ~~فاسد فإنهم لا يقولون أن الماهيات الكليات مجردة عن كل قيد بل يقولون هي ~~موجودة لا معدومة ولكنها مجردة عن الأعيان المحسوسة وقول هؤلاء معلوم ~~الفساد عند جماهير العقلاء فكيف بإثبات أمر مطلق مجرد عن كل قيد سلبي ~~وثبوتي ثم من المعلوم أن ms175 المقيد بالقيود السلبية دون الثبوتية أولى بالعدم ~~عن المقيد بسلب النقيضين فإن المقيد بسلب النقيضين ليس امتناع العدم أحق به ~~من امتناع الوجود بل هو ممتنع الوجود كما هو ممتنع العدم فلا يقال هو موجود ~~ولا يقال هو معدوم # وأما المقيد بالقيود السلبية فالعدم أحق به من الوجود فإنه معدوم ليس ~~بموجود وهو يفيد كونه معدوما ممتنع الوجود ليس ممتنع العدم بل هو واجب ~~العدم ممتنع الوجود ومعلوم أن هذا أعظم مناقضة للوجود فضلا عن الوجود ~~الواجب مما هو يقال فيه انه ممتنع الوجود وممتنع العدم فإن هذا يناقض ~~الوجود كما يناقض العدم وذاك يناقض العدم دون الوجود وما ناقض الشيء دون ~~نقيضه فهو أعظم مناقضة مما ناقضه وناقض نقيضه فعدوك وعدو عدوك أقل مضارة لك ~~من عدوك الذي ليس بعدو عدوك فإن هذا يضر من كل وجه وذاك يضر من وجه وينفع ~~من وجه # ولهذا كان قول من لم يصف الرب إلا بالصفات السلبية أعظم مناقضة لوجوده ~~ممن لم يصفه لا بالسلبيات ولا بالثبوتيات فقول هؤلاء المتفلسفة كابن سينا ~~وأمثاله PageV01P299 الذين يجعلونه مقيدا بالأمور السلبية والإضافة دون ~~الثبوتية أبلغ في التعطيل ممن يقول لا يقيد لا بأمور سلبية ولا ثبوتية فإذا ~~قالوا هو الوجود المقيد بالسلب العام بحيث يسلبون عنه كل أمر ثبوتي فقد ~~جمعوا بين النقيضين فحقيقة قولهم هو موجود ليس بموجود هو واجب الوجود ممتنع ~~الوجود وأولئك إذا قالوا ليس بموجود ولا معدوم فقد رفعوا النقيضين ولكن ~~أولئك يرفعون الأمور المتناقضة جميعها من الجانبين فيقولون لا حي ولا ميت ~~ولا عالم ولا جاهل وهؤلاء لا يرفعون جميع الأمور الثبوتية ولا يثبتون إلا ~~وجودا مجردا مسلوبا عنه كل أمر ثبوتي لا يثبتون من الأمور الثبوتية بقدر ما ~~ينفونه من الأمور العدمية فكانوا أدخل في العدم من هذا الوجه وإن كانوا ~~يتناقضون إذا قالوا معقول وعاقل وعقل ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق ~~فإنهم يثبتون معاني متعددة وجودية ثم يجعلونها أمورا عدمية # ومنها أنه إذا كان مقيدا بقيد سلبي ms176 أو إضافي كان مشاركا لغيره في مسمى ~~الوجود ممتازا عنه بالقيود السلبية والأمور السلبية لا تميز بين مشتركين ~~سواء سمي فصلا أو خاصة بل متى كان المميز بين المشتركين في الوجود أمرا ~~سلبيا فلا يتضمن ثبوتا فلم يحصل به تمييز فهم مضطربون إلى أحد أمرين إما ~~رفع الإمتياز بالكلية فيبقى وجودا مطلقا لا يمتاز لا بثبوت ولا عدم فلا ~~تبقى له حقيقة وإما التمييز بأمور ثبوتية فتبين أنه لا بد من حقيقة تخصه ~~ليست هي الوجود المطلق وأهل الإحاطة إن فسروا الوجود الإحاطي بالوجود ~~PageV01P300 المطلق المجرد عن الإثبات والنفي فهو أبلغ في التعطيل من قول ~~ابن سينا من بعض الوجوه حيث كان ما ذكروه يمتنع أن يكون موجودا أو معدوما ~~لرفعهم النقيضين من جميع الجهات وابن سينا جمع بين النقيضين من بعض الوجوه ~~ورفع النقيضين من كل وجه أبلغ في النفي من رفع النقيضين من بعض الوجوه ~~وقوله أبلغ في التعطيل من جهة أخرى من جهة أن الأمور العدمية التي قيده بها ~~أمور كثيرة جدا ولم يثبت من الناحية الأخرى إلا وجودا مجردا لا حقيقة له ~~هذا قول الباطنية كأبي يعقوب إسحاق بن أحمد السجستاني صاحب الأقاليد ~~الملكوتية والإفتخار وغيرهما فإنهم ينفون عنه الثبوت والإنتفاء وهو معلوم ~~الفساد بالإضطرار كما تبين وقولهم يستثنى الوجود من الأمور المطلقة هو ~~بالعكس أحرى فإن الوجود المطلق يعم كل شيء فهو أعم للأمور الموجودات كسائر ~~الأسماء العامة مثل الشيء والثابت والحق والحقيقة والماهية والذات ونحو ذلك ~~فهذه أعم الكليات وأوسع المطلقات فمتى جوز الإنسان أن يكون هذا المطلق ~~PageV01P301 ثابتا في الخارج بشرط الإطلاق بحيث يكون وجود ذلك الوجود لا ~~قائم بنفسه ولا قائم بغيره ولا قديم ولا محدث ولا واجب ولا ممكن ولا خالق ~~ولا مخلوق ولا واحد ولا متعدد ولا جوهر ولا عرض ولا صفة ولا موصوف ولا ثابت ~~ولا منتفي كان هذا مع ما فيه من مكابرة العقل وجحد الضروريات مسوغا تجويز ~~مثل ذلك فيما هو أخص من الوجود فإن الخطر فيه ms177 أهون فإن ما انتفى عن المطلق ~~العام انتفى عن المعين الخاص فما انتفى عن الموجود انتفى عن الجسم والحيوان ~~والإنسان وليس ما انتفى عن الخاص يجب نفيه عن العام فليس ما انتفى عن ~~الإنسان من كونه ليس حمارا ولا بهيمة يجب نفيه عن الموجود مطلقا فإذا جوز ~~هؤلاء المخذولون في عقلهم ودينهم أن يكون الموجود ثابتا في الخارج مع وصفه ~~بهذه السلوب الجامعة للمتقابلين كان تجويز ذلك فيما هو أخص من الوجود أولى ~~وأحرى # وقال لي رجل من أعيانهم بلغنا أنك ترد على الشيخ عبدالحق نحن نقول أن ~~الناس ما يفهمون كلامه فإن كنت تشرحه لنا وتبين فساده قبلنا وإلا فلا # فقلت له نعم أنا أبين لك مراده من كتبه كالبد والإحاطة والفقرية وغير ذلك ~~فقال عندنا الكتاب الخاص الذي يسمى لوح الأصالة وهو سر السر وهو الذي نطلب ~~بيانه ولم أكن رأيته فذهب وجاء به ففسرته له حتى تبين مراده وكتب أسئلة ~~PageV01P302 سألني عنها تكلمت فيها على أصل قولهم وقول ابن عربي وابن سينا ~~ومن ضاهى هؤلاء وبينت له أن أصل قولهم يرجع إلى الوجود المطلق ثم بينت له ~~أن المطلق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان وكان له فضيلة فلما تبين ~~له ذلك أخذ يصنف في الرد عليهم وذهب إلى شيخ كبير منهم فقال له بلغني أنك ~~جرى بينك وبين فلان كلام قال نعم قال أي شيء قال لك قال فقال لي آخر أمركم ~~ينتهي إلى الوجود المطلق قال جيد قال بأي شيء يرد ذلك قال المطلق إنما هو ~~في الأذهان لا في الأعيان فقال أخرب بيوتنا وقلع أصولنا هذا ونحوه # فيقال في هذا أما المطلق لا بشرط فهو الذي يصدق على الأعيان وهو الذي ~~يسمى الكلي الطبيعي فإذا قيل إنسان لا بشرط كونه واحدا ولا كثيرا ولا بشرط ~~كونه موجودا ومعدوما فهذا يوجد في الخارج معينا مقيدا ومن ظن أنه يوجد كليا ~~في الخارج فقد غلط وإنما يوجد في الخارج جزئيا معينا فهو كلي في ms178 الذهن وأما ~~في الخارج فلا يوجد إلا جزئيا وسمي كليا كما يسمى الإسم عاما والمعنى الذي ~~في النفس عاما لشموله الأفراد الثابتة في الخارج لا لأنه في حال وجوده في ~~الخارج يكون عاما أو مطلقا فإن هذا ممتنع فليس في الخارج إلا ما له حقيقة ~~تخصه لا عموم فيها ولا إطلاق والمنطقيون يقولون الكلي سواء كان جنسا أو ~~فصلا PageV01P303 أو نوعا أو خاصة أو عرضا عاما له ثلاثة اعتبارات طبيعي ~~ومنطقي وعقلي فالطبيعي هو المطلق لا بشرط الذي لا تقيد فيه الحقيقة بقيد ~~أصلا لا ثبوتي ولا سلبي ثم أصحاب المثل الأفلاطونية يزعمون أن هذه الكليات ~~ثابتة في الخارج دائمة أزلية بدون أعيانها وأرسطو وأتباعه ينكرون ذلك ~~ويقولون لا يوجد إلا مع الأعيان # والتحقيق أنه ليس لها وجود في الخارج منفصل عن وجود الأعيان ومن قال ~~المطلق جزء من المعين كما يقولون الإنسان جزء من هذا الإنسان وأرادوا بذلك ~~تركيبا في الخارج من المطلق والمعين فهذا غلط وإن أرادوا أن الإنسان هذا ~~المعين في الخارج هو الذي كان كليا في النفس فهذا صحيح وقولنا هذا الإنسان ~~بمنزلة قولنا الرجل العالم والحيوان الناطق وذلك يفيد اتصاف المعين بصفتين ~~أحدهما أنه حيوان والأخرى أنه ناطق والحياة والنطق صفتان قائمتان به ليسا ~~جزأين تركب منهما في الخارج وكذلك قولنا هذا الإنسان يفيد أن المعين موصوف ~~بالإشارة إليه وبالإنسانية وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # قالوا فهذا هو الكلي الطبيعي والمنطقي هو كون هذا الكلي يوصف بالعموم ~~والكلية والعقلي هو ما تركب منهما وهو الإنسان المقيد بقيد كونه كليا وهذا ~~ليس له وجود إلا في الذهن باتفاقهم إلا ما يحكى عن الأفلاطونية # ثم هذا الإنسان المقيد بكونه كليا لا تدخل فيه المعينات لأنها ليست كليا ~~ولا يصدق على زيد وعمرو أنه إنسان كلي PageV01P304 فإنه لا يصدق عليها مع ~~كونه كليا وإنما يصدق عليها مع سلب الكلية وإذا كانت عامة مشتركة وقيل أن ~~مورد التقسيم مشترك بين الأقسام وقيل أن العموم صادق على الأنواع ms179 والأشخاص ~~فالعموم ليس هو الكلي الطبيعي فإن العموم لا يكون إلا ما يتصف بالكثرة ~~القابلة للقسمة ولعدتها وهذا ليس هو الطبيعي بل العموم هو الكلي العقلي ~~وذلك متناول للأنواع والأشخاص وهو صادق عليها ولكن حال تناوله للأعيان لا ~~يكون كليا كما يقال أن الكلي الطبيعي موجود في الخارج مع أنه حال وجوده في ~~الخارج لا يكون كليا ولكن ما كان مطلقا وكليا في الذهن لا يكون ما في ~~الخارج مماثلا له من كل وجه بل يكون ما في الخارج معينا وكذلك سائر ما في ~~الذهن إذا قيل أنه موجود في الخارج فهو موجود في الذهن بحسب ما يناسب ~~الخارج كما إذا قيل فعلت ما في نفسي وقلت ما في نفسي فهو في النفس تصور له ~~وارداه PageV01P305 وفي الخارج وجود المتصور والمراد وهذا أمر يعقله الناس ~~ويعرفونه فلا يتصور عاقل أن المتصور في الذهن إذا قيل أنه موجود في الخارج ~~يكون حقيقة هذا مماثلا لحقيقة هذا من كل وجه وأن هذا كما يقال إن هذا ~~المحتوى مطابق لهذا اللفظ وهذا اللفظ مطابق لهذا المعنى والإعتقاد والتصور ~~مطابق للحق # فمن فهم هذا انحلت عليه شبهات تعرض في مثل هذا الوضع حتى ظن شخص كالرازي ~~أن العلم ليس هو عمل أو انطباع العلوم في العالم واحتج بأن ذلك يوجب أن ~~يكون في نفس العالم بالنار نار كالنار الموجودة في الخارج ولو لا إدراكها ~~وتصور المراد ما كانت ولا يخطر مثل هذا ببال عاقل يتصور ما يقول وكونه كليا ~~قد يراد به وجوب شموله للأفراد فيكون عاما وقد يراد به أنه لا يمنع تصوره ~~من وقوع الشركة فيه فيكون مطلقا وهو مرادهم بكونه كليا وهو مورد التقسيم ~~بين أنواع الموجودات فإن مورد التقسيم مشترك بين الأقسام شامل لها متناول ~~لها إما على سبيل الجمع وهو تناول العموم الجمعي وإما على سبيل PageV01P306 ~~البدل وهو الإطلاق والعموم البدلي كقوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة @QE@ سورة ~~النساء 92 # وطائفة من هؤلاء يقولون أن الوجود الواجب هو هذا المطلق لا ms180 بشرط وعلى هذا ~~التقدير فيكون هو عين وجود الموجودات الممكنة الموجودة أو جزء من ذلك فيكون ~~الوجود الواجب الخالق للعالم هو نفس وجود المخلوق أو جزء من وجود المخلوق ~~فقد تبين أنه إذا قيل أنه وجود مطلق فإن عنى به المطلق لا بشرط وهو الطبيعي ~~لزم أن لا يكون للواجب وجود إلا وجود مخلوقاته أو جزء من وجود مخلوقاته وإن ~~عنى به المطلق بشرط الإطلاق أمتنع وجوده إلا في الذهن وهو الكلي العقلي وإن ~~عنى به الوجود المقيد بالقيود السلبية فقط كما قاله ابن سينا وأتباعه فهو ~~وإن كان أخص من المطلق لا بشرط فهو أعم من المطلق بشرط الإطلاق عن السلب ~~والثبوت وهو أعظم امتناعا منه عن الوجود في الخارج فإن المطلق المقيد ~~بالثبوت أولى بالوجود من المطلق المقيد بالسلب والمقيد بسلب الثبوت والعدم ~~ممتنع وهو أحق بالإمتناع من وجه لكونه سلب فيه النقيضان والمقيد بالعدم أحق ~~بالعدم من وجه من جهة كونه مشروطا فيه العدم فيمتنع أن يكون موجودا مع كونه ~~معدوما فهذا PageV01P307 يستلزم العدم بنفسه وذاك يستلزم العدم بواسطة ~~علمنا بأنه ممتنع وكل ممتنع معدوم فذاك أحق بظهور العدم وعلمنا بأنه معدوم ~~مانعه من أن يكون موجودا وقد امتنع أن يكون معدوما كما يمتنع أن يكون ~~موجودا إذ كان مقيدا بسلب الأمرين والعدم قد يكون له تحقق في الخارج كما ~~يعدم عن الإنسان كونه فرسا وأما بين الوجود والعدم جميعا فلا يتحقق في ~~الخارج لكن إذا قيل كل موجود مقيد بسلب جميع الحقائق كان هذا جمعا بين ~~النقيضين وهذا يناسب قول من قال لا يوصف الرب إلا بصفة سلبية وذاك يناسب ~~قول من قال لا يوصف الرب لا بسلبه ولا ثبوته تم الجزء الاول بحمد الله ~~ويليه الجزء الثاني إن شاء الله وأوله وهذا الثاني قول غلاة القرامطة ~~PageV01P308 # | كتاب الصفدية # تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية أبي العباس تقي الدين PageV02P002 # وهذا الثاني قول غلاة القرامطة الباطنية كأبي يعقوب السجستانى صاحب ~~الأقاليد الملكوتية وأمثاله وعمدتهم في ذلك نفي التشبيه ms181 وهذا لفظه في كتاب ~~الافتخار له قال تعالوا أيها الأمم المختلفة لنريكم ما به افتخارنا ونظهر ~~عوراتكم ونكشف عن عيوبكم ولنبتدىء أولا بالتوحيد فأقول إنكم رميتمونا ~~بالتعطيل وسميتم أنفسكم موحدة وأنتم بما رميتمونا به أشد استحقاقا وله ~~إلتزامى ونحن بما سميتم به أنفسكم أحق منكم وذلك أنكم تعلمون يقينا أنا نقر ~~بأن لهذا العالم مبدعا أبدعه لا من شيء ولا من مادة ولا بآلة ولا بمعين ولا ~~بمثال صورة معلومة عنده قد نطقت وانتشرت دعوتنا إليه PageV02P003 فلما ~~جردناه عن الصفات والإضافات وقدسناه عن النعوت والسمات قدحتم فينا ~~وسميتمونا معطلة # أليس التعطيل هو الإنكار الذي يؤدي قولكم في معبودكم إليه لأنكم إذا ~~أضفتم مبدعكم وخالقكم إلى أي شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير ~~ثم يكون الموسوم به من خلقه غير مبدع ولا خالق ولا بارىء جاز أن يكون ~~مبدعكم وبارئكم من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه الذي نفيتموه أن يكون ~~مبدعا وخالقا وبارئا أن يكون غير مبدع ولا خالق ولا بارىء وما قدم الغير ~~عليه كان عما يتلوه معطلا فأي الفريقين أحق بالتعطيل أهل الحقائق الذين ~~أقروا به على الرسم الذي رسموه أم أنتم قد أنكرتم ما أقررتم به فإذا كان ~~إقراركم بتوحيدكم يؤدي إلى التعطيل وإقرارنا إلى الإثبات المحض فأي افتخار ~~أعظم من درك الحقائق والوقوف على الطرائق # ومضمون كلامه أنكم إذا أضطتم خالقكم ومبدعكم إلى شيء مما يوسم به خلقه من ~~لفظ قول أو عقد ضمير مثل قولكم ذو القوة وذو العلم ونحو ذلك مما تضاف فيه ~~الذات إلى صفاتها فيقال فهي ذات علم وقدرة وحياة ونحو ذلك وكان الموسم بذلك ~~الوسم غير خالق جاز أن يكون غير مبدع ولا خالق لأن هذا تشبيه له ~~PageV02P004 بخلقه من بعض الوجوه وإذا أشبهه من وجه جاز عليه من ذلك الوجه ~~ما يجوز على المخلوق والمخلوق يمتنع أن يكون خالقا فيمتنع أن يكون الخالق ~~خالقا # وهذه الشبهة تدور في كلام كثير من الناس والجواب عنها من وجوه ms182 # أحدها أنه لا يوصف بمثل ما يوصف به شيء من المخلوقات ولا تضاف ذاته إلى ~~صفة تماثل صفة المخلوقين بل لا توصف بنفس ما يوصف به غيره ولا تضاف ذاته ~~إلى الصفة التي تضاف إليها ذات غيره بل ليس في المخلوقات شيء يوصف بنفس ما ~~يوصف به غيره ولا تضاف ذاته إلى الصفة التي أضيفت إليها ذات غيره ولا يوسم ~~بنفس سمة غيره فالخالق أولى أن لا يكون كذلك # نعم في المخلوقات ما يكون له مثل فيوصف بمثل ما يوصف به غيره ويوسم بمثل ~~ما يوسم به غيره وتضاف ذاته إلى صفة مثل الصفة التي أضيفت إليها ذات غيره # والخالق سبحانه لا مثل له فيمتنع أن تكون نفس صفته صفة غيره أو مثل صفة ~~غيره وكذلك يقال يمتنع أن تكون ذاته مضافة إلى الصفة التي تضاف ذات غيره ~~إليها أو إلى مثلها أو أن يكون موسوما بذلك # فإذا قيل في حقه تعالى @QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ سورة ~~الذاريات 58 وقيل في حقه @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه @QE@ PageV02P005 ( ~~سورة البقرة 255 ) وقيل في حق المخلوق إن له قوة وعلما لم يكن هذا العلم ~~والقوة هو هذا العلم والقوة ولا هو مثله بل هذا علم وقوة يختص به الرب وهذا ~~علم وقوة يختص به العبد وإذا اتفقا في مسمى القوة والعلم عند الإطلاق لم ~~يستلزم ذلك أن يكون أحدهما هو عين الآخر ولا أن يكون مثله # بل إذا قيل في الفلك إنه شيء قائم بنفسه وقيل في الخشبة إنها شيء قائم ~~بنفسه موجود لم يلزم أن يكون هذا هو هذا ولا مثله وإذا قيل في لون السماء ~~إنه عرض قائم بغيره وقيل في طعم التفاحة إنه عرض قائم بغيره لم يجب أن يكون ~~هذا هو ذاك ولا مثله # فاجتماع الشيئين في اسم عام لا يوجب أن يكون ما يتصف به أحدهما من ذلك ~~المسمى هو نفس ما يتصف به الآخر ولا مثله وهذه الأسماء التي يسميها بعض ~~الناس مشككة ms183 وهو نوع من الأسماء المتواطئة التواطؤ العام وهي من الأسماء ~~العامة التي تسميها النحاة اسم جنس ويسمى معانيها المنطقيون الكليات # والجواب الثاني أن يقال لهذا المستدل أنت قد قلت في أول خطبة كتابك الحمد ~~لله المعبود بلا ولا ولا الذي سنا مجده في صدور أوليائه يتلألأ بأنه بعد لا ~~إله إلا المبدع ذي الجود الغفور الرحيم وقلت أشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له شهادة تنفي عنه كل إثبات PageV02P006 مؤيسة لديه ساه وشبه بأنه ~~مبدع الكل أحرى لا يستنكف أحد من عبادته والخضوع له بربوبيته والتذلل لعزته ~~وجلاله المتعزز بالكبرياء والجبروت والمنفرد بالعظمة والملكوت والمتوحد ~~بكلمة اللاهوت العزيز في سلطانه فلا يغالب والمتكبر بقدسه عن رويات الخواطر ~~فلا يطالب الظاهر بقدرته في جميع بريته فلا ينكر والشاهد بنافذ أمره فلا ~~يستر المحتجب بتعمده عن أن يكون كمثله شيء إذ هو بلفظ واسع أي أنه بادىء لا ~~مسبوق له من التنزيه أسناها ومن التسبيح أعلاها ومن التقديس أهناها وكلها ~~وراء ما تحصره هوية العقل ويستخرجه قواه والغنى بتمام قدرته عن أمثال الصور ~~والأشباح ومبدع القلم لتخطيط الألواح # فأنت في هذا الكلام تذكر أنه ذو الجود الغفور الرحيم وذكرت أنه له عزة ~~وكبرياء وعظمة وجبروتا وملكوتا وذكرت أنه العزيز الظاهر بقدرته وغير ذلك ~~مما فيه إثبات أسماء لله وصفات وخلقه يسمون بما يشبه هذه الأسماء والصفات ~~فيقال لأحدهم رحيم عزيز PageV02P007 # كما قال تعالى @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ سورة التوبة 128 # وقال تعالى @QB@ قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه ~~@QE@ سورة يوسف 51 # وقال @QB@ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين @QE@ سورة المنافقون 8 # وقال @QB@ ولها عرش عظيم @QE@ سورة النمل 23 # وقال @QB@ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ سورة غافر 35 # وقال @QB@ وكان وراءهم ملك @QE@ سورة الكهف 79 ونظائر هذا متعددة # فإذا كان المخلوق يوصف بأنه رحيم وعزيز وأن له رحمة وعزة وأنه عظيم جبار ~~متكبر ونحو ذلك ms184 فقد وصفته بالصفات والإضافات وأضفته إلى شيء مما يوسم به ~~خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير # وإذا كان كذلك فإما أن يكون قولك متناقضا فيبطل وهكذا هو في نفس الأمر ~~فإن قولهم متناقض في نفسه فإنهم لا بد أن يعبروا عن الله بنوع ما من ~~العبارات المتضمنة للمعاني فيكون ذلك مناقضا لما ادعوه من التجريد والسلب ~~العام وإما أن تقول هذه الأمور التي أثبتها له ليست مثل ما يثبت للمخلوقين ~~فهذا جواب لك عما يثبته أهل الإثبات PageV02P008 # وإن ادعيت أن اللفظ مشترك اشتراكا لفظيا من غير أن يكون بين المعنيين ~~تشابه أصلا فهذا الجواب إن كان صحيحا أجابوا بمثله وإن كان باطلا لم ينفعك # الجواب الثالث أن يقال هب أنه حصل بين المسميين قدر مشترك هو ما اتفقا ~~فيه وهو المعنى العام الكلي لكن هذا المعنى العام الكلي لا يكون كليا إلا ~~في الذهن لا في الخارج لكن ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما ~~للموصوف به وهذا لا محذور فيه بل هو حق فإذا كان الخالق موجودا والمخلوق ~~موجودا أو هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه أو قيل هذا حي عليم رحيم وقيل ~~هذا حي عليم رحيم كان القدر العام الكلي المتفق هو مسمى الوجود والقيام ~~بالنفس والحياة والعلم والرحمة أو مسمى أنه موجود قائم بنفسه حي عالم رحيم # وهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله بل لوازمه كلها صفات ~~كمال يوصف الله بها وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيد بالعبد فقيل وجود ~~العبد وعلم العبد ورحمة العبد فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد ~~والله منزه عما يختص به العبد وأما إذا اتصف الرب به أو أخذ مطلقا غير مختص ~~بالعبد ففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا فتبين أن إثبات ~~القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا PageV02P009 # الوجه الرابع أن يقال إذا قيل هذا يشبه هذا من وجه كذا فيجب أن يكون حكمه ~~حكمه من ذلك الوجه لم ms185 يجب أن يكون حكمه حكمه من غير ذلك الوجه فالسواد إذا ~~شارك البياض في كون كل منهما عرضا قائما بغيره لم يجب أن يشاركه من جهة ~~كونه سوادا والجسم القائم بنفسه إذا شارك العرض في كون كل منهما موجودا لم ~~يجب أن يشاركه في خصائص الأعراض وكذلك إذا قلنا إن الأجسام ليست متماثلة ~~وهو أصح القولين فالجسم إذا شارك الجسم في لوازم الجسمية لم يجب أن يشاركه ~~فيما يختص به أحدهما عن الآخر فإذا شاركه في كونه يشار إليه أو في كونه ~~قائما بنفسه أو في قبول الأبعاد الثلاثة أو غير ذلك لم يجب أن يكون التراب ~~مماثلا للنار فيما يختص به ولا التفاح مماثلا للخبر فيما يختص به # وبهذا تظهر المغلطة في الحجة فإنه لما قال إذا أضفتم مبدعكم إلى شيء مما ~~يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير وكان الموسوم به غير مبدع ولا خالق ~~ولا بارىء جاز أن يكون مبدعكم وبارئكم من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه ~~الذي نفيتم أن يكون مبدعا خالقا أن يكون غير مبدع ولا خالق # فإنه يقال له قولك من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه أتعني بذلك أنه ~~يثبت للمخلوق مثل ما يثبت له بحيث يجوز على هذا ما يجوز PageV02P010 على ~~هذا ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه أتعني أنه يثبت له ما فيه ~~نوع من التشابه # فإن ادعيت الأول كان ممنوعا وممتنعا فإنهم إذا قالوا لله علم وقدرة ~~وللمخلوق علم وقدرة لم يقولوا إن العلمين والقدرتين متماثلان بحيث يجب ~~لأحدهما ما وجب للآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجوز عليه ما يجوز عليه ~~بل هذا معلوم الفساد بالضرورة وإن كان بعض من يثبت له بعض الصفات وينفي ~~بعضها مثل من يثبت لله العلم والقدرة وينفي الرضا والغضب والوجه واليد قد ~~يقول ليس بين علمنا وعلم الله فرق ولا بين سمعنا وسمع الله فرق ولا بين ~~بصرنا وبصر الله فرق إلا في الحدوث والقدم # ومقصوده بذلك أن ms186 ينفصل عن إلزام المثبتة فإنهم يقولون له كما أثبت لله ~~علما وقدرة وسمعا وبصرا وليس مثل سمعنا وبصرنا ولا علمنا وقدرتنا فكذلك ~~أثبت له رضا وغضبا ووجها ويدا وليس مثل رضانا ولا غضبنا ولا وجوهنا ولا ~~أيدينا فيريد بزعمه أن يذكر الفرق بأن التماثل موجود في الوصفين فليس بين ~~العلمين والقدرتين فرق إلا في الحدوث والقدم فكذلك يجب أن لا يكون بين ~~الوجهين واليدين إلا في الحدوث والقدم فيجب أن يكون وجهه ويده جارحة وكذلك ~~في سائر الصفات PageV02P011 # وهذا القول باطل قطعا فإنه لو تماثل العلمان والقدرتان لجاز على أحدهما ~~ما يجوز على الآخر وامتنع عليه ما يمتنع عليه ووجب له ما وجب له ولو جاز أن ~~يقال ذلك في العلم والقدرة لجاز أن يقال ذلك في الحياة والسمع والبصر ~~والكلام والإرادة وغير ذلك من الصفات # وإن جاز أن يقال ذلك في الصفات جاز مثله في الذات لأن نسبة علم الرب إلى ~~ذاته كنسبة علم العبد إلى ذاته فهما علمان وعالمان وإن جاز أن يقال العلم ~~مثل العلم إلا في الحدوث والقدم جاز أن يقال العالم كالعالم إلا في الحدوث ~~والقدم # وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو يتبين من وجوه # منها أنه لو تماثلت الذاتان لامتنع اختصاص أحدهما بالحدوث والأخرى بالقدم ~~فإن المقتضى لقدم الرب هو نفس ذاته لا يحتاج في ثبوت قدمه إلى غيره ~~والمقتضى لكون العبد مفتقرا إلى من يخلقه نفس ذاته ليس افتقاره مستفادا من ~~أمر خارج عن ذاته فإذا كان المثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر وهذه ~~الذات لا يجوز عليها القدم بل يمتنع عليها وتلك يجب لها القدم ويمتنع عليها ~~العدم وإذا امتنع تماثلهما فا 4 متنع تماثل صفاتهما فإن صفة كل موصوف بحسبه # فإن قيل الأمور المختلفة قد تشترك في لوازم متماثلة كالإنسان والفرس ~~يشتركان في الحيوانية # قيل ليست الحيوانية العامة المختصة للإنسان مماثلة من كل وجه للحيوانية ~~المختصة بالفرس بل هما مختلفان حسب اختلاف الحقيقتين PageV02P012 وإن ~~اشتركا في الحيوانية العامة فذلك العام ms187 لا يوجد عاما إلا في الذهن لا في ~~الخارج # تبيين ذلك أن خاصة الحيوانية الحس والحركة الإرادية وإحساس الفرس ليس مثل ~~إحساس الإنسان بل ولا مثل إحساس الهر والفأر وإن اشتركا في الحيوانية ولا ~~حركته الإرادية مثل حركة هذه الحيوانات الإرادية ولو ماثل الإنسان سائر ~~الحيوان في الحس والحركة الإرادية للزم أن تثبت لكل منهما لوازم حس الآخر ~~وحركته الإرادية فإن ثبوت الملزوم بدون اللازم ممتنع وحس الإنسان وحركته ~~الإرادية يلزمهما لوازم يمتنع اتصاف الهر والفأر بها وكذلك بالعكس فعلمنا ~~أن الحس والحركة مختلفان فيهما بالنوع كما أن حقيقتهما مختلفة بالنوع ~~فحيوانيتهما مختلفة بالنوع والمختلف بالنوع والحقيقة ليس متماثلا ~~واشتراكهما في جنس الحيوانية كاشتراك السواد والبياض في جنس اللونية مع ~~أنهما مختلفان بالنوع والحقيقة # وأيضا فكل ما للرب تعالى من صفات الكمال فهو من لوازم ذاته فلو ماثلته ~~ذات أخرى لاتصفت بمثل ما اتصف به الرب بحيث يكون بكل شيء عليما وعلى كل شيء ~~قديرا ويكون قادرا على خلق مثل هذا العالم وأمثال ذلك مما يعلم امتناعه # وأيضا فالرب تعالى لو كان له مثل للزم أن يقدر على ما يقدر عليه وأن يريد ~~كما يريد وحينئذ فيمتنع وجود العالم لأنه إن أمكن أن يستقل به كل منهما لزم ~~أن يكون كل منهما فاعلا له كله غير فاعل لشيء PageV02P013 منه وهذا جمع بين ~~النقيضين وإن لم يمكن أن يستقل به أحدهما إلا إذا تركه الآخر كانت قدرته ~~مشروطة بتمكين الآخر له وكذلك إن لم يمكن أحدهما فعله إلا بمعاونة الآخر ~~لزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا جعله الآخر قادرا وحينئذ فلا يكون أحدهما ~~حال الانفراد قادرا على شيء وإذا لم يكن أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء ~~امتنع حال الاجتماع قدرتهما لأنه ليس هناك شيء غيرهما يجعلهما قادرين وليس ~~لواحد منهما قدرة يعين بها الآخر فلو كان كل منهما صار قادرا بجعل الآخر له ~~لزم الدور في التأثير وهو الدور القبلي الباطل باتفاق العقلاء وهو معلوم ~~الفساد ضرورة بعد التصور ms188 # وهذا بخلاف إذا كان هناك ثالث يجعلهما قادرين بالاجتماع فإن هذا هو الدور ~~المعي وهو جائز ولهذا لا يوجد شيئان من الموجودات يصير لهما قدرة حال ~~الاجتماع إلا بإحداث ثالث ذلك لهما أو بانضمام قوة أحدهما إلى قوة الآخر ~~كالمشتركين من الآدميين لا بد أن يكون لأحدهما عند الإنفراد قدرة على شيء ~~أو عند الإجتماع تقوى قدرتهما # والتقدير هنا أنه لا شيء من القدرة ثابت حال الإنفراد وإذا كان تقدير مثل ~~له يستلزم أن يكون قادرا مثله وتقدير ربين قادرين ممتنع علم انتفاء مثله ~~وإذا كان تقديرهما غير قادرين ممتنعا أيضا علم انتفاء شريك على كل وجه وأن ~~تقدير مثل له أو شريك له ممتنع لذاته سواء PageV02P014 قدر المثل مشاركا أو ~~غير مشارك وسواء قدر الشريك مماثلا أو غير مماثل وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع # ومما يبين امتناع تماثل العلمين أن الرب بكل شيء عليم سواء قيل إنه عالم ~~بعلم واحد أو بعلوم غير متناهية وليس علم العبد لا هكذا ولا هكذا بل هذا ~~ممتنع فيه ولو قال القائل علم الرب بالشيء المعين كعلم العبد به كان ممتنعا ~~فإن الرب يعلمه علم إحاطة به والعبد لا يحيط به # وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الله أعلم وأقدر من خلقه كما قال تعالى @QB@ ~~أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ سورة فصلت 15 # وقال تعالى @QB@ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم @QE@ إلى قوله @QB@ هو أعلم بمن اتقى @QE@ سورة النجم 32 # وقال تعالى @QB@ والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ سورة النور 19 # وقال تعالى @QB@ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا @QE@ سورة الإسراء 85 # وهذا أوضح في المنقول والمعقول وأعظم من أن يحتاج إلى شواهد فكيف يجوز أن ~~يظن التماثل مع ثبوت التفاضل # وهذا إنما ذكرته لأن بعض معتزلة الصفاتية الذين يثبتون الصفات السبعة ~~وينفون الصفات الخبرية ويزعمون أن هذا تشبيه ممتنع أورد عليهم هذا بسبب ~~محنة وقعت بين المثبتة والنفاة وكان قاضي القضاة ms189 وقيل بل نثبت هذه الصفات ~~مع انتفاء المماثلة كما أثبتم تلك الصفات PageV02P015 مع انتفاء المماثلة ~~فكما أن له علما ولنا علم وليس علمه مثل علمنا ولنا قدرة وله قدرة وليست ~~قدرته مثل قدرتنا فكذلك يقال في الصفات الخبرية # فقال ليس بين علمنا وعلمه فرق إلا في الحدوث والقدم فإذا أثبتنا له الوجه ~~ونحوه لزم أن يكون مثل وجوهنا إلا في الحدوث والقدم فعلم المعارضون له فساد ~~هذا القول وقبحه شرعا وعقلا وأن قولا يستلزم مثل هذا من أفسد الأقوال # وهذا القول شعبة من قول الباطنية المذكورين نفاة الصفات الثبوتية ~~والسلبية والأسماء فإنهم جردوه عن جميع ذلك حذرا من التشبيه المذكور # والمقصود هنا بيان جواب الباطنية القرامطة وهذا الجواب الذي ذكرناه على ~~أحد القولين وهو جواز كون النفي مشابها لغيره من وجه دون وجه وهذا هو ~~الصحيح الذي عليه أكثر الناس وهو المنصوص عن أحمد وغيره # وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك وقالوا لا يتصور إلا التماثل من كل وجه أو ~~الاختلاف من كل وجه وقال هؤلاء إن الأجسام متماثلة من كل وجه والأعراض ~~المختلفة والأجناس كالسواد والبياض مختلفة من كل وجه PageV02P016 # وهؤلاء يقولون إذا كان هذا حيا عالما وهذا حيا عالما لم يجب أن يكون ~~بينهما تشابه بوجه من الوجوه بل قد يكونان مختلفين من كل وجه لأنهما لم ~~يتماثلا في ذاتهما ولكن في صفتهما وذلك لا يوجب عندهم تماثلا ولا اختلافا ~~ولهذا قالوا الأجسام متماثلة مع اختلاف صفاتهما وزعموا أن الصفات التي ~~اختلفت لأجلها ليست لازمة لشيء منها بل يجوز أ 4 ن تتبدل على كل من الأجسام ~~مع بقاء حقيقته # وهذا القول وإن كان القائل به كثير من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي ~~أبي يعلى وأبي المعالي وغيرهم فهو من أفسد الأقوال بل هو معلوم الفساد ~~بالضرورة بعد التصور الصحيح # وهؤلاء يجيبون هؤلاء الباطنية بجواب خامس وهو أن الخالق والمخلوق إذا سمي ~~كل واحد منهما فاعلا أو قادرا أو غير ذلك فإنما لم يتماثلا في ذاتيهما ~~وإنما يكون التماثل ms190 في الذات إذا كان هذا جسما أو جوهرا والآخر كذلك وهؤلاء ~~يقولون كل من قال بأن الرب جسم كان مشبها ومن نفى ذلك لم يكن مشبها ولا ~~ينفصلون بهذا الجواب فإن منازعهم يقول فإذا أثبتم الصفات أو الأسماء لزم أن ~~يكون الموصوف المسمى جسما كما تقولون أنتم ذلك لمن أثبت ما نفيتموه ~~وجعلتموه PageV02P017 مجسما ولا يمكنهم أن يذكروا فرقا صحيحا وكل ما ~~يقولونه يمكن المثبت أن يقول لهم مثله فيلزم بطلان هذا الفرق بين ما سموه ~~تجسيما وما لم يسموه تجسيما فلزم إما إثبات الجميع وإما نفي الجميع # ونفي الجميع ممتنع لأنه قد علم بالضرورة أن الموجود ينقسم إلى واجب قديم ~~قيوم غني خالق وإلى ممكن محدث مدبر فقير مخلوق فلا سبيل إلى جعل الوجود كله ~~واحدا واجبا كما يقوله أهل الوحدة ولا إلى جعله كله مخلوقا مربوبا محدثا ~~كما يذكر عن بعضهم أنه ادعى حدوث الوجود كله بدون محدث فإن فساد كل من ~~القولين من أبين العلوم الضرورية البديهية ولهذا كان أهل الوحدة متناقضين ~~لا يلتزمون قولهم وأما حدوث الوجود جميعه بدون محدث فلا تعرف طائفة قالته ~~وإنما يقدر تقديرا ذهنيا كما تقدر كثير من الأقوال السوفسطائية لتبيين ~~بطلانها وانتفائها # فقد تبين أن أقوال نفاة الصفات كقول أهل الإلحاد المعطلة للصانع وأن ~~القول الثاني قول من يقول بالوجود المطلق عن النفي والإثبات هو أحد قولي ~~القرامطة الباطنية والأول قول القرامطة الباطنية الذين يلونهم نفاة الصفات ~~الثبوتية الذين لا يصفونه إلا بالسلوب # فابن سينا وأمثاله من أئمة هؤلاء وكان أهل بيته من أهل دعوة الحاكم ~~وأمثاله من أئمة القرامطة الباطنية الإسماعيلية # وقول من قال المطلق لا بشرط الذي يصدق على كل موجود فهو يشبه قول من يجمع ~~بين النقيضين فيصفه بصفة كل موجود وإن كانت متناقضة ويجعل وجود الخالق هو ~~وجود المخلوق أو جزء منه PageV02P018 # وعلى كل تقدير فحقيقة قول هؤلاء نفي الوجود الواجب المباين للوجود الممكن ~~ونفي وجود الخالق المباين للمخلوقات ونفي وجود القديم المباين للمحدثات ~~وهذا قول المعطلة ms191 وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا بيان أن طريقة ابن سينا وأتباعه في الوجود الواجب لا يفيد ~~إلا إثبات وجود واجب فقط وأنها لا تفيد أنه مباين للعالم إلا بطريقة نفي ~~الصفات وهي باطلة ولو صحت لم تفد إلا إثبات هذا الوجود المطلق لا تفيد ~~وجودا مباينا للمخلوقات منفصلا عنها فتفيد إثبات وجود في الذهن أو إثبات ~~وجود مشترك بين الموجودات لا تفيد إثبات وجود مباين لوجود الممكنات # وهو إنما أخذه من كلام المعتزلة لما قسموا الموجود إلى محدث وقديم وبينوا ~~ثبوت القديم أخذ هو يقسمه إلى واجب وممكن وغرضه إثبات وجود الواجب بدون ~~إثبات حدوث العالم وجعل وجود العالم ممكنا وخالف بذلك طريقة سلفه الفلاسفة ~~كأرسطو وأتباعه فإن الممكن عندهم لا يكون موجودا وهم لم يقسموا الوجود إلى ~~واجب وممكن كما فعله ابن سينا بل أثبتوا العلة الأولى بالحركة فقالوا الفلك ~~يتحرك حركة شوقية للتشبه بالعلة الأولى وهو عندهم محرك للفلك كتحريك ~~المحبوب لمحبه وقولهم أعظم فسادا من قول ابن سينا # وهذه الطريقة التي سلكها ابن سينا وأتباعه والمعتزلة يمكن سلوكها بأنواع ~~أخر مثل أن يقال الوجود ينقسم إلى غنى عن غيره وفقير إلى PageV02P019 غيره ~~والفقير لا يوجد بدون الغنى فيلزم وجود الغني على التقديرين والوجود ينقسم ~~إلى قيوم يقوم بنفسه ويقيم غيره وإلى ما ليس بقيوم وما ليس بقيوم لا يوجد ~~إلا بالقيوم فيلزم وجود القيوم على التقديرين # وكذلك يقال الوجود ينقسم إلى مخلوق وإلى غير مخلوق والمخلوق لا بد له من ~~وجود خالق غير مخلوق فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين ثم ~~يقال وهذا الموجود الذي ليس بمخلوق هو الخالق للمخلوقات فإن وجوده إنما علم ~~بضرورة وجود المخلوقات فثبت وجود الخالق على كل تقدير # ثم يقال والقديم إما قديم بنفسه وإما قديم بغيره والقديم بغيره ممتنع ~~لأنه لا يكون قديما بنفسه إلا إذا كان لازما للقديم بنفسه وإلا فلو جاز أن ~~يوجد معه وجاز أن لا يوجد معه لم يترجح أحدهما إلا بمرجح ms192 لكن القديم المحدث ~~للمخلوقات لا يجوز أن يلزمه شيء من آثاره لأن آثاره لا تلزمه إلا إذا كان ~~موجبا بنفسه بحيث لا يتخلف عنه موجبه ولو كان كذلك لم تصدر عنه الحوادث لا ~~بوسط ولا بغير وسط فإذا صدرت عنه الحوادث علم أنه ليس مستلزما لمفعوله # وإذا قيل إن العقول لازمة له وهي موجبة للأفلاك ولأنفس الأفلاك ~~PageV02P020 # قيل فالأفلاك مستلزمة للحوادث والحوادث مقارنة للعقول اللازمة له فلم يزل ~~فاعلا للحوادث وعلى عبارتهم لم يزل علة لها أو موجبا والعلة القديمة ~~المستلزمة لمعلولها لا يكون معلولها حادثا ولا مستلزما للحوادث ولا مقارنا ~~لحادث ولا شيء من معلولها لأنه يقتضي أن ذلك الحادث قديم معها معلول لها ~~والحادث لا يكون مقارنا للقديم ولا معلولا له ولا يمكن أن يقال بتسلسل ~~الحوادث وحدوثها شيئا بعد شيء على هذا التقدير لأنها على هذا التقدير لا ~~تكون في الأزل علة لشيء من الحوادث ولكن تكون علة لكل واحد عند حدوثه إذ ~~العلة التامة هي المستلزمة للمعلول وتكون عليتها وتأثيرها حادثة شيئا فشيئا ~~كحدوث المعلولات التي هي الآثار وإذا كان المعلول لا يخلو عن حادث فيكون ~~مستلزما للحوادث ومقارنا لها لم يمكن وجوده إلا مع لازمه المقارن له ووجود ~~لازمه عنها في الأزل محال فوجود الملزوم عنها في الأزل محال سواء جعل ~~اللازم مجموع الحوادث أو واحد من الحوادث أو نوع الحوادث شيئا بعد شيء فعلى ~~التقديرات الثلاثة لا يمكن وجود ذلك عن علة أزلية وهي الموجب بذاته وهذا ~~لأن الجميع معلول لها PageV02P021 # أما إذا قدر أنها هي تحدث الحوادث شيئا بعد شيء فلا تكون علة تامة ~~للحوادث وقدر هناك موجب بذاته لشيء آخر وهو مقارن للحوادث أمكن أن يقال إن ~~نوع الحوادث دائم مع وجود شيء آخر باق أزلي فإنما الكلام هنا إذا كان ~~العالم جميعه معلولا للعلة التامة الأزلية فإن هذا ممتنع على كل تقدير سواء ~~قدر العالم لا يخلو من الحوادث أو قدر أن الحوادث حصلت فيه بعد أن لم تكن # أما على ms193 الأول فلأنه لم يوجد بدون الحوادث ولا يمكن وجوده مع الحوادث عن ~~علة تامة مستلزمة لمعلولها وأما إذا قدر أن الحوادث حصلت فيه بعد أن لم تكن ~~فلأنه يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب وترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح ولأنه ~~على هذا التقدير لا يكون يحدث الحوادث بعد أن لم يكن موجبا بذاته في الأزل ~~لأنه جمع بين النقيضين بل لا بد أن يقال هو فاعل باختياره يمكنه أن يفعل ~~بعد أن لم يكن فاعلا بحال # وعلى هذا التقدير إن لم يكن فعله في الأزل امتنع قدم شيء من العالم وإن ~~أمكن فعله في الأزل لزم ثبوت فعله في الأزل وأن يكون فاعلا دائما لأن ~~المقتضى موجود والمانع مفقود فإن المقتضى لكونه فاعلا ليس شيئا خارجا عن ~~نفسه لامتناع كونه مفتقرا إلى غيره وكون غيره مؤثرا فيه والتقدير أن الفعل ~~ممكن في الأزل وإذا كان المقتضي قائما والمانع زائلا لزم ثبوت الفعل ~~PageV02P022 ولهذا كان المانعون من هذا إنما منعوا منه لاعتقادهم امتناع ~~الفعل في الأزل إما لامتناع حوادث لا أول لها عندهم أو لأن الفعل ينافي ~~الأزلية أو لغير ذلك وعلى كل تقدير فإنه يمتنع قدم شيء بعينه من العالم ~~وكذلك إذا قدر أن الفعل دائم فإنه دائم باختياره وقدرته فلا يكون الفعل ~~الثاني إلا بعد الأول وليس هو موجبا بذاته في الأزل لشيء من الأفعال ولا من ~~الأفعال ما هو قديم أزلي # والأفعال نوعان لازمة ومتعدية فالفعل اللازم لا يقتضي مفعولا والفعل ~~المتعدي يقتضي مفعولا فإن لم يكن الدائم إلا الأفعال اللازمة وأما المتعدية ~~فكانت بعد أن لم تكن لم يلزم وجود ثبوت شيء من المفعولات في الأزل وإن قدر ~~أن الدائم هو الفعل المتعدي أيضا والمستلزم لمفعول فإذا كان الفعل يحدث ~~شيئا بعد شيء فالمفعول المشروط به أولا بالحدوث شيئا بعد شيء لأن وجود ~~المشروط بدون الشرط محال فثبت أنه على كل تقدير لا يلزم أن يقارنه في الأزل ~~لا فعل معين ولا مفعول معين فلا يكون في ms194 العالم شيء يقارنه في الأزل وإن ~~قدر أنه لم يزل فاعلا سبحانه وتعالى فهذه الطريقة قرر فيها ثبوت القديم ~~المحدث للحوادث وحدوث كل ما سواه من غير احتياج إلى طريقة الوجوب والإمكان ~~ولا إلى طريقة الجواهر والأعراض # ويمكن تقدير هذا على طريقة الوجوب بأن يقال قد ثبت أن الوجود ينقسم إلى ~~واجب بنفسه وممكن والذي لا ريب في إمكانه هو الحوادث فإنا نعلم وجودها بعد ~~العدم فلزم إمكان وجودها وعدمها بخلاف ما لم يعلم إلا وجوده فإنا نحتاج أن ~~يعلم إمكانه بطريق آخر PageV02P023 # وإذا كانت الحوادث ممكنة والممكن لا بد له من الواجب بنفسه ثبت أن المحدث ~~للحوادث هو الواجب بنفسه وإذا كان المحدث لها هو الواجب بنفسه امتنع أن ~~يكون علة تامة لها في الأزل لكون العلة التامة تستلزم معلولها فيجب أن تكون ~~جميع الحوادث صادرة عن علة تامة أزلية وهذا باطل سواء قدر صدور مجموعها عنه ~~في الأزل أو صدور واحد بعينه أو صدورها واحدا بعد واحد كما تقدم فإن كون ~~مجموعها أو واحد من الحوادث بعينه أزليا ممتنع لذاته وكون النوع حادثا شيئا ~~بعد شيء يمنع أن يكون المحدث له علة أزلية فإن العلة الأزلية يقارنها ~~المعلول والمتجدد لا يكون مقارنا للأزلي في الأزل ولأن كلا من الحوادث لا ~~تكون علته التامة إلا عند وجوده وإلا لزم حدوث الحادث عن العلة التامة من ~~غير أن يتجدد تمامها له عند حدوثه فتمام العلة للحوادث وأزليتها جمع بين ~~النقيضين # وقد تقدم بيان هذا وتمام الدليل وهكذا يمكن إذا قسم الموجود إلى غني ~~وفقير وقيل إن الفقير لا بد له من غنى ثم قيل والحوادث فقيرة فيلزم صدروها ~~عن الغنى # أو قيل إنه ينقسم إلى قيوم وغير قيوم وغير القيوم مفتقر إليه والحوادث ~~مفتقرة إلى القيوم ويساق الدليل إلى آخره PageV02P024 # وكذلك إذا قيل الوجود ينقسم إلى كامل وناقص والناقص لا بد له من الكامل ~~لأن الناقص مفتقر إلى الكامل إذ لو كان مستغنيا بنفسه لكان كاملا فإن الغنى ~~من أعظم ms195 صفات الكمال ولو كان الكامل مفتقرا إليه لكان هو الناقص ولو كان كل ~~منهما مفتقرا إلى الآخر للزم الدور القبلي السبقي وهو باطل وإذا ثبت وجود ~~الكامل فلا بد أن يكون قديما إذ لو كان حادثا لكان الوجود كله حادثا ~~والحادث مفتقر إلى القديم فلا بد من القديم # وأيضا فالحوادث هي الناقصة لأن نفس الحدوث يوجب الافتقار إلى الغنى ~~والفقر أعظم صفات النقص فيلزم افتقار الحوادث إلى الكامل ويساق الكلام إلى ~~آخره # ويضا وأيضا فيقال الوجود ينقسم إلى خالق ومخلوق كما تقدم والخالق يستحيل ~~أن يكون شيء ممن مخلوقاته أزليا معه لأنه لو كان كذلك لكان علة موجبة له ~~وذلك ممتنع كما تقدم # ويمكن تقدير صفات الكمال لله سبحانه بهذه الطرق كلها فإنه إذا ثبت وجود ~~الواجب بنفسه أو وجود القديم أو الغنى أو وجود القيوم أو الكامل أوالخالق ~~أو نحو ذلك من خصائص الرب تبارك وتعالى فإنه يقال الكمال الذي لا نقص فيه ~~الممكن للموجود من حيث هو موجود إما أن يكون ممكنا له وإما أن يكون ممتنعا ~~عليه والثاني باطل لأن هذا الكمال ممكن للمحدثات الممكنات الفقيرة إليه ~~المخلوقات فإن الواحد منها يمكن أن يكون حيا عالما قادرا سميعا PageV02P025 ~~بصيرا متكلما فإن لم يمكن ذلك فيه لزم إمكان اتصاف المفضول بالكمال الذي لا ~~نقص فيه دون اتصاف الأفضل به وهذا ممتنع # وأيضا فكل كمال في المحدثات الممكنات المخلوقات فمنه فمن جعل غيره كاملا ~~فهو أحق بالكمال فالخالق أولى بالكمال والمدح والثناء من المخلوقات # وهم يقولون كمال المعلول من كمال العلة فثبت إمكان اتصافه بالكمال الممكن ~~الوجود الذي لا نقص فيه وإذا ثبت إمكان ذلك فإما أن يفتقر في ثبوت هذا ~~الكمال له إلى غيره وإما أن لا يفتقر والأول باطل لأنه قد ثبت أنه غني ولأن ~~الواجب بنفسه لا يكون مفتقرا إلى غيره ولأن الخالق الذي ليس بمخلوق لا يكون ~~فقيرا إلى غيره ولأن القديم الذي أحدث كل ما سواه لا يكون فقيرا إلى غيره ~~ولأن القيوم القائم ms196 بنفسه المقيم كل ما سواه لا يكون فقيرا إلى غيره ولأنه ~~لو افتقر إلى غيره فذلك 2 الغير إما أن يكون من مفعولاته وإما أن يكون ~~واجبا بنفسه # فإن كان الأول لزم الدور القبلي وهو ممتنع ولأن كل ما لمفعولاته من ~~الكمال فهو منه فلو لم يستفد كماله إلا من مفعوله لزم أن لا يحصل الكمال له ~~حتى يحصل الكمال لمفعوله ولا يحصل الكمال لمفعوله حتى يحصل له لأن جاعل ~~الكامل كاملا أولى بالكمال وإن افتقر إلى واجب غيره يجعله كاملا كان ذلك ~~الغير هو الرب الكامل وكان الأول PageV02P026 مفعولا له مخلوقا ونحن تكلمنا ~~في الأزلي القديم الواجب بنفسه القيوم الفاعل لكل ما سواه # فثبت بهاتين المقدمتين أن كل كمال لا نقص فيه ممكن للوجود فهو ممكن له ~~وثبت أنه لا يتوقف ثبوت ذلك له على غيره فحينئذ يلزم ثبوت ذلك الكمال له ~~ولزومه إياه لأنه إذا حصل المقتضى التام الذي لا يتوقف اقتضاؤه على شيء لزم ~~ثبوت مقتضاه والعلة التامة يلزمها معلولها فإذا كان الواجب التام يلزمه ~~موجبه فهو سبحانه وحده الموجب لكمال نفسه المقتضي لذلك فيلزم أن يكون ~~الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه ثابتا له لازما دائما وهو المقصود # وإثبات صفاته اللازمة له بطريق الإيجاب الذاتي هو الحق دون إثبات ~~مخلوقاته وحينئذ فيكون طريقة الوجوب وغيرها من الطرق العقلية دلت على إثبات ~~صفات الكمال له ونفى النقائص عنه وهذا وغيره مما بين دل على أن الطرق ~~العقلية كلها مثبتة لصفات الكمال لله وأن من استدل بوجوبه أو قدمه أو غير ~~ذلك على نفي صفاته كان مخطئا ضالا وتبين أن هذه الطرق العقلية كلها يمكن ~~إثبات الصفات والأفعال بها وإثبات حدوث كل ما سواه # ونحن نبهنا على هذه الفوائد الجليلة منها أن طائفة من أهل الكلام كصاحب ~~الإرشاد ومن اتبعه يزعمون أن تنزيهه عن PageV02P027 النقائص لم يعلموه ~~بالعقل بل بالسمع وهو الإجماع على ذلك وجعلوا عمدتهم فيما ينفونه عنه هو ~~نفي الجسم كما فعلت ذلك المعتزلة واعتمدوا ms197 في نفي الجسم على إثبات حدوث ~~الأجسام واعتمدوا في ذلك على امتناع حوادث لا أول لها وكذلك نفاة الفلاسفة ~~جعلوا عمدتهم فيما ينفونه هو نفي التركيب واعتمدوا في نفي التركيب على ~~إمكان التركيب واعتمدوا في إمكان ذلك على أن المجموع لا يكون واجبا ~~لافتقاره إلى بعض أفراده # وهذا الكلام قد تقدم التنبيه على فساده وبينا ما في هذه الحجة من الألفاظ ~~المجملة وأن كون الموصوف بصفات لازمة واجبا بنفسه إذا قيل إنه يتضمن ~~افتقاره إلى بعض لوازم ذاته أو ما يدخل في مسمى ذاته كان مضمونه أنه لا ~~يوجد إلا به وليس في ذلك ما يقتضي كون ذلك الفرد فاعلا له ولا علة فاعلة له ~~والواجب بنفسه هو الذي لا يكون له فاعل ولا علة فاعلة له # وأما إذا قدر موجود بنفسه ذو صفات لازمة فذلك لا ينافي أن لا يكون له ~~فاعل ولو قدر مجموع واجب بنفسه لا يوجد إلا بوجود كل من أجزائه لم يكن في ~~العقل ما يمنع أن يكون هذا غير مفتقر إلى فاعل # ولفظ الوجوب بالنفس قد صار فيه بحسب كثرة الخوض فيه اشتراك لفظي فإن عني ~~به أنه لا يكون له صفة ولا لازم فهذا لا دليل على ثبوته # ثم من العجب أن هؤلاء يجعلونه معلولاته لازمة له مع زعمهم أنه ~~PageV02P028 واجب بنفسه فكيف يمتنع أن تكون صفاته لازمة له مع كونه واجبا ~~بنفسه فإن كان الواجب بنفسه هو الذي لا يكون له لازم أصلا فليس في الوجود ~~واجب بنفسه على قولهم وإن كان استلزامه لشيء لا يمنع وجوبه بنفسه فأحق ~~الأشياء بذلك صفاته فاستلزامه إياها لا يمنع وجوبه بنفسه وإن عنى به أنه لا ~~يكون له محل يقوم به ولا علة قابلة فالصفات على هذا الوجه لا تكون واجبة ~~بنفسها بل تكون واجبا بالذات التي لا تفتقر إلى محل مع أن الدليل الذي دل ~~على أن الممكنات لا بد لها من واجب بذاته دل على أنه لا بد لها من موجود ~~بنفسه لا ms198 يكون له فاعل ولا علة فاعلة # ولا ريب أنه لا بد أن يكون غنيا عن الممكنات لأن افتقاره إليها يمنع كونه ~~موجودا بنفسه فلا يجوز له أن يفتقر إلى الممكنات لا إلى محل ولا إلى غير ~~محل لكن هذا لا يمنع أن تكون صفاته واجبة أيضا وداخلة في مسمى الواجب بنفسه ~~وكونها لا تقوم إلا به لا يوجب احتياجها إلى فاعل ولا إلى علة فاعلة مباينة ~~للمعلول # وإذا سميت الذات علة كما تقدم بمعنى أنها موجبة للصفات مستلزمة لها فهذا ~~معنى صحيح لكن العلة الفاعلة التي يدعونها في علة العالم ليست من هذا الباب ~~فينبغي أن يبين المراد في العبارات PageV02P029 المجملة فإنه قد قيل إن ~~أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وقد بسط الكلام على هذا في غير ~~هذا الموضع # وأما طريقة الذين اعتمدوا في النفي على حدوث الجسم فإن أئمة أهل الملل ~~وأئمة الفلاسفة نازعوهم في امتناع دوام الحوادث وقالوا إن هذا يخالف العقل ~~والنقل وقالوا أنتم زعمتم أنكم بهذه الطريق تثبتون حدوث العالم وإثبات ~~الصانع وهذه الطريق تناقض ذلك فإن هذه لا تتم إلا بإثبات ذات معطلة عن ~~الفعل فعلت بلا سبب أصلا وهذا يستلزم ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح وهو ~~يسد إثبات الصانع # قالوا وما ذكرتموه من الأدلة على امتناع دوام الأفعال والحوادث في الماضي ~~يرد عليكم في المستقبل وليس بين هذين فرق معقول فإنه ما من ماض إلا وقد كان ~~مستقبلا ولا مستقبل إلا ولا بد أن يصير ماضيا فالفرق بين الماضي والمستقبل ~~فرق إضافي بحسب حال الوقت الذي جعل حاضرا وبحسب من يكون في ذلك الوقت فإن ~~ما مضى هو ماض بالنسبة إليه وما سيكون مستقبل بالنسبة إليه ولا ريب أن ~~الماضي عدم والمستقبل لم يوجد بعد فهذا وجد ثم عدم وهذا سيوجد ثم يعدم ~~فكلاهما داخل في الموجود وكلاهما غير دائم الوجود # قالوا ولهذا لما عرف أئمة طريقكم بطلان الفرق سووا بين الماضي والمستقبل ~~وهما الجهم بن صفوان إمام الجهمية وأبو الهذيل العلاف ms199 إمام PageV02P030 ~~المعتزلة والجهم كان قبل أبي الهذيل وهو أسبق منه إلى هذه الحجة ونفى ~~الصفات ولهذا زعم أن العالم كله يفنى ويفنى نعيم الجنة وأهل الجنة حتى لا ~~يبقى موجود إلا الله كما كان الأمر في الابتداء كذلك # والذين سلكوا سبيله أعجزتهم حجته فمنهم من يقول كان القياس ما قاله لكن ~~النصوص جاءت بدوام الدارين كما يذكر ذلك طائفة من المصنفين كصاحب الإيضاح ~~وغيره وهذا كلام فاسد فإن الدليل العقلي متى انتقض بطل والنصوص لا تأتي ~~بخلاف المعقول الصريح أبدا # ومنهم من يقول نحن نقول بفناء الحركات دون فناء الأجسام كما قاله أبو ~~الهذيل العلاف إمام المعتزلة وهذا يستلزم وجود الأجسام خالية عن الحركة ~~وإذا جوز ذلك في المستقبل فليجوزه في الماضي فيلتزم ما فر منه من قدم ~~الأجسام وكثير منهم فرق بين الماضي والمستقبل بأن هذا دخل في الوجود وهذا ~~لم يدخل فهذا يمكن فيه التطبيق بخلاف هذا # وهذا فرق ضعيف لوجهين أحدهما أن الماضي عدم فلا يمكن فيه التطبيق كما ~~ذكروه PageV02P031 # والثاني أن دليلكم دليل التطبيق والموازاة مبناه على أن ما لا يتناها لا ~~يكون بعضه أكثر من بعض # قالوا فإذا فرضنا الحوادث من الطوفان والحوادث من الهجرة وطبقنا بينهما ~~فإن تساويا لزم أن يكون الزائد كالناقص وهو محال وإن تفاضلا لزم فيما لا ~~يتناهى أن يكون بعضه أزيد من بعضه قالوا وهذا محال # فقيل لهم هذا ينقض عليكم بالحوادث في المستقبل فإن الحوادث المستقبلة من ~~الطوفان أزيد منها في الهجرة ففرق بعضهم بأن ذاك وجد وهذا لم يوجد وهو فرق ~~ضعيف كما ترى # وأما قولهم ما لا يتناهى لا يتفاضل فإنهم منعوهم ذلك وقالوا بل كلما دام ~~الشيء كان بقاؤه أطول وإن كان لا أول له وكلما حدثت الحوادث كانت أكثر مما ~~وجد وإن كان لا نهاية له كما أن العدد كلما ضعفته كان أزيد وإن كان لا ~~نهاية له وإذا ضعفت الواحد والعشرة والألف تضعيفا دائما فآحاد الألف أكثر ~~من آحاد العشرة وآحاد العشرة أكثر من ms200 آحاد الواحد فتضعيف الجميع لا يتناهى # ومنهم من فرق بين الماضي والمستقبل # فإنك إذا قلت لا أعطيتك درهما إلا أعطيتك آخر كان ممكنا وإذا قلت لا ~~أعطيك درهما حتى أعطيك درهما كان غير ممكن PageV02P032 # وهذا ذكره صاحب الإرشاد وغيره وليس هو بتمثيل مطابق إنما المطابق أن يقال ~~ما أعطيتك درهما إلا وقد أعطيتك قبله درهما فأما إذا قال لا أعطيك حتى ~~أعطيك فهنا نفى المستقبل حتى يحصل المستقبل # والمقصود أن ما هو إثبات ماض قبله ماض لا إثبات مستقبل قبله مستقبل ~~فالتقديرات أربعة مستقبل بعده مستقبل وماض قبله ماض ومستقبل قبله مستقبل ~~وماض بعده ماض فهذان متماثلان وذانك متماثلان والممتنع هنا ذانك لا هذان # وأيضا فالاعتماد في تنزيه الباري على نفي الجسم طريقة مبتدعة في الشرع ~~متناقضة في العقل فلا تصح لا شرعا ولا عقلا # أما الشرع فإنه لم يرد بذلك كتاب ولا سنة ولا قول أحد من السلف والأئمة ~~بل الكلام في صفات الله بنفي الجسم أو إثباته بدعة عند السلف والأئمة ولو ~~كان ذلك مما يعتمد في الشرع لدل الشرع عليه وقد عاب الله على اليهود ما ~~وصفوه به من النقائص كقولهم إن الله فقير وقولهم يد الله مغلولة وقولهم ~~استراح والتوراة مملوءة من الصفات فلم يعب عليهم ما فيها ولا ذكر أنهم ~~حرفوا ذلك # وكثير من أهل الكلام يرد على اليهود بالطريقة المبتدعة ويدع طريقة القرآن ~~PageV02P033 # وأما التناقض في العقل فإنه ما من أحد يثبت شيئا وينفي شيئا لكونه ~~مستلزما للتجسيم إلا أمكن النافي أن يقول له فيما أثبته نظير ما قاله له ~~فيما نفاه # وهذه عادة الطوائف بعضها مع بعض فالمعتزلة لما قالت للصفاتية من الأشعرية ~~وغيرهم إذا قلتم إن لله حياة وعلما وقدرة وكلاما فلا تعقل هذه المعاني إلا ~~أعراضا والعرض لا يقوم إلا بجسم # فقالت لهم الصفاتية نحن وأنتم متفقون على أن الله حي عليم قدير ونحن لا ~~نعقل حيا عليما قديرا إلا جسما فإذا جاز إثبات حي عليم قدير ليس بجسم فكذلك ~~قد ms201 يجوز إثبات حياة وقدرة تقوم به وليست عرضا وليس هو جسما # وطائفة من الباطنية والفلاسفة قالت للمعتزلة إذا قلتم إن الله حي عليم ~~قدير فلا نعقل مسمى بهذه الأسماء إلا جسما # فقالت لهم المعتزلة وأنتم قلتم إن الله موجود قائم بنفسه ولا يعقل موجود ~~قائم بنفسه إلا جسما فإن جاز إثبات موجود قائم بنفسه ليس بجسم جاز إثبات ~~كونه حيا عليما قديرا ولا يكون جسما # وقالت معتزلة الصفاتية الذين ينفون الصفات الخبرية كصاحب الإرشاد وأتباعه ~~لأئمتهم كأبي الحسن الأشعري وأبي عبدالله PageV02P034 ابن مجاهد والقاضي ~~أبي بكر وأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك وأبي القاسم القشيري ~~وغيرهم واليد لا تعقل إلا أبعاض الجسم فإذا أثبتموها وقلتم ليست أبعاض جسم ~~كان هذا غير معقول # فقال المثبتون كما أنا لا نعقل حياة وعلما وقدرة وكلاما وسمعا وبصرا إلا ~~عرضا قائما بجسم ثم أثبتنا هذه الصفات وقلنا جميعا نحن وأنتم إنها ليست ~~أعراضنا فكذلك نثبت هذه الصفات ونقول ليست أبعاضا فليس نفي الأعراض عن هذه ~~بأولى من نفي الأبعاض عن هذه PageV02P035 ثم إن المثبتة دارت على النفاة ~~فقالوا للمعتزلة إذا أثبتم حيا عليما قديرا بلا حياة ولا علم ولا قدرة كان ~~هذا تناقضا مثل إثبات أسود بلا سواد وأبيض بلا بياض وطويلا بلا طول وجميلا ~~بلا جمال فإن اسم الفعل المشتق يستلزم ثبوت ما منه الإشتقاق فإثبات اسم ~~فاعل بلا مسمى مصدر تناقض عقلا وسمعا # وقالوا للفلاسفة إذا قلتم موجود ومعقول وعاقل وعقل وعاشق ومعشوق ولذيذ ~~وملتذ وجعلتم هذا كله واحدا فهذا مكابرة للعقل وإذا قلتم العشق هو العاشق ~~واللذة هو الملتذ به والعلم هو العالم فهذا أعظم تناقضا فمن جعل الصفة هي ~~الموصوف أو هذه الصفة هي تلك كان مكابرا للعقل # وقال المثبتون للصفات الشرعية لنفاتها لماذا نفيتم أن الله يرضى ويغضب ~~ويحب ويفرح ونحو ذلك مما نطق به الكتاب والسنة # قالوا لأن هذه الصفات تستلزم التجسيم والتشبيه فإنا لا نعقل الغضب إلا ~~غليان دم القلب لطلب الإنتقام أو ما يحصل عنه ms202 الغليان وكذلك سائرها # قالوا وكذلك إثبات السمع والبصر والكلام والإرادة ونحو ذلك يستلزم ~~التشبيه والتجسيم فإنا لا نعقل الإرادة إلا ميل المريد إلى جلب ما ينفعه ~~ودفع ما يضره أو ما يلازم هذا المعنى وإلا فإرادة لمراد لا ينفع صاحبه ولا ~~يضره لا يعقل في الشاهد قالوا إرادة الحق لا تشبه إرادة المخلوقين ~~PageV02P036 # قالوا وكذلك غضب الحق ورضاه لا يشبه غضب خلقه ورضاهم فالقول في أحدهما ~~كالقول في الآخر أما تجويز أحدهما ومنع الآخر فهو مكابرة # قالوا الدليل العقلي دل على إثبات الإرادة دون الغضب # قالوا فالدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول ونحن ~~أنكرنا عليكم نفيكم لما لم يقم دليل على نفيه فكيف إذا دل السمع على إثباته # وأيضا فيمكن أن تثبت هذه بأدلة عقلية من جنس أدلة تلك الصفات فإن الفعل ~~دل على القدرة والإحكام دل على العلم والتخصيص دل على الإرادة وإكرام ~~المطيع وعقوبة العاصي دل على الحب والبغض والرضا والغضب أو يقال هذه صفات ~~كمال لا نقص فيها فيجب اتصاف الرب بها ونحو ذلك من الطرق العقلية ولهذا وصف ~~الرب بالرضا والغضب والحب والبغض والفرح ولم يوصف بالحزن والبكاء فإن هذه ~~صفات نقص تستلزم العجز وأما الأولى فصفات كمال تستلزم القدرة وغيرها من ~~صفات الكمال # وقد تقدم أن العقل يدل على استحقاق الرب لصفات الكمال وتنزيهه عن النقائص ~~وهو يوجب أن لا يماثله شيء من المخلوقات لا في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله فإن المثلين ما يجوز على أحدهما ما يجوز PageV02P037 على الآخر ويجب ~~له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه فلو جاز مماثلة شيء من الأشياء له ~~في شئ من الأشياء للزم أني جوز عليه ما يجوز عليه ويجب له ما يجب له ويمتنع ~~عليه # ما يمتنع عليه وهو سبحانه يجب له الوجود والقدم والبقاء ويمتنع عليه ~~الحدوث والعدم والإمكان فلو ماثله شيء من المحدثات الممكنات للزم أن يجب ~~للمحدث القدم وللممكن الوجوب وأن يجب للواجب القديم ms203 الحدوث والإمكان وذلك ~~يستلزم الجمع بين النقيضين من وجوه متعددة # فإن قيل فالواجب والممكن يتفقان في مسمى الوجود والقيام بالنفس وأن كلا ~~منهما حي عليم قدير فيلزم أن يجوز على أحدهما ما جاز على الآخر # قيل هما لم يتماثلا في هذا الذي اتفقا فيه ولم يتساويا في ذلك بل الثابت ~~لله من ذلك ليس مماثلا للثابت للمخلوق من ذلك بل بينهما من التفاضل أعظم من ~~التفاضل الذي بين أعظم المخلوقات وأدناها # وإذا قيل اشتركا في ذلك فمعناه أنهما اشتركا في الكلي المطلق الذي لا ~~يوجد كليا مطلقا إلا في الذهن لا في الخارج وإلا فما لكل منهما من ذلك يختص ~~به لا يشركه فيه غيره ثم ذلك المشترك لا يلزمه شيء من صفات النقص وما وجب ~~له وجاز عليه وامتنع عليه فلا محذور في اتصاف الرب به فمسمى كون الشيء ~~موجودا قائما بنفسه حيا عليما قديرا سميعا بصيرا وإن قيل إنه متفق مشترك ~~فما لزم هذا المشترك ووجب له وجاز عليه أو امتنع عليه فالرب موصوف به ~~PageV02P038 ولا محذور في ذلك فإنما المحذور فيما كان من خصائص المخلوق ~~فالرب تعالى منزه عن أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين إذ خصائصهم كلها ~~تنافي ما استحقه من الكمال الواجب له فهي نقائص بالنسبة إليه وإن قدر أنها ~~كمال للمخلوق # وكمال كل شيء بحسب ما يمكن وجوده له والمخلوق لا يمكن أن يكون قديما ~~واجبا بنفسه ربا غنيا عما سواه إلى غير ذلك من خصائص الرب فهذا الكمال اختص ~~به الرب كما اختص الرب تبارك وتعالى من الكمال الذي يوصف العبد بما يتفق ~~فيه الاسم كالحياة والعلم والقدرة بما لا يماثله فيه المخلوق فالرب مختص ~~إما بنوع لا يوصف به غيره مثل كونه رب العالمين ونحو ذلك وإما بما لا ~~يماثله فيه غيره كالحياة والعلم # ثم إنه إذا علم استحقاق الرب تعالى لصفات الكمال لزم أن يكون متكلما ~~سميعا بصيرا لأن هذه الصفات من صفات الكمال وإن لم يتصف بها لزم اتصافه ~~بنقائصها ms204 # ومن ظن أن الكمال لا يعلم إلا بالسمع كصاحب الإرشاد أثبت صدق الرسول ~~بدلالة المعجزة الجارية مجرى تصديق الرسول PageV02P039 # وقال إن العلم بكونه رسولا وتصديق المرسل له لا يقف على العلم بكونه ~~متكلما ثم يعلم تنزيهه عن النقائص بالسمع # فقال له آخرون فإذا كان مرجعكم في نفي النقائص إلى السمع فأثبتوا هذه ~~الصفات بالسمع من أول الأمر ولا حاجة بكم إلى جعل ذلك موقوفا على مقدمة نفي ~~النقائص التي لا تثبت إلا بالسمع # وأما أئمة الصفاتية فيقولون إن إثبات الكمال ونفي النقص يعلم بالعقل ~~ولهذا أثبت هذه الصفات بالعقل أئمة السلف وأئمة متكلمة الصفاتية كالأشعري ~~وأمثاله فإنهم كلهم يثبتون استحقاق الرب لهذه الصفات بالعقل # ومما أنكر عليهم الناس في النفي بطريقة نفي الجسم أن قالوا إن هذه ~~الطريقة هي التي ولدت بين المسلمين اختلافهم في القرآن وكلام الله تعالى ~~حتى صار كثير من الناس أو أكثرهم في ذلك إما حائرا وإما مخطئا مبتدعا وكفر ~~بعضهم بعضا بسبب ذلك وصار الذين سلكوا هذه الطريق يذكرون ما يمكن من ~~الاختلاف ولا يعلمون أن في المسألة قولا سوى ما ذكروه # كما نجد أرباب المقالات والملل والنحل يذكرون ذلك مثل كتب PageV02P040 ~~المقالات لأبي عيسى الوراق والنوبختي ولأبي الحسن الأشعري ولأبي القاسم ~~الكعبي ولأبي الفتح الشهرستاني ولأبي محمد بن حزم وغير هؤلاء # وكذلك كتب البحث والمناظرة وذلك أن الجهمية والمعتزلة الذين هم أئمة هذه ~~الطريق لما اعتقدوا أن حدوث العالم إنما علم بحدوث PageV02P041 ما قام به ~~من الأعراض كالحركات وغيرها وأن ما قام بذلك يكون حادثا قالوا لأن ما لا ~~يسبق الحوادث فهو حادث # وكثير منهم لم يتفطنوا في هذا المقام للفرق بين مقارنة الحوادث المعينة ~~وبين مقارنة حادث بعد حادث إلى غير نهاية بل إذا قيل ذلك تصور العقل أن هذا ~~حادث ليس بقديم وأن ذاك لا يكون قبله بل معه أو بعده فلزم أن يكون قرين ~~الحادث حادثا # ولكن حكم العقل بهذا على معين ليس حكما على حوادث متعاقبة وعلى النوع ~~المتعاقب من ms205 الواحد المعين ولكن تفطن للفرق كثير منهم فاحتجوا على امتناع ~~حوادث لا أول لها بما نبهنا على بعضه وقد استوفينا الحجج في هذا الباب في ~~درء تعارض العقل والنقل وذكرنا كل ما بلغنا أنه ذكر في هذا الباب # وكذلك أيضا أصحاب هذه الطريق لم يفرقوا بين أن يكون مقارن الحوادث مخلوقا ~~مفعولا محتاجا إلى غيره بحيث لا يمكن أن يفعل دون الحوادث في الأزل وبين أن ~~يكون هو الفاعل المحدث الغنى عن غيره لأن حجتهم وهي امتناع دوام الحوادث ~~تتناول النوعين PageV02P042 # والذين عارضوا هؤلاء من الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك كأرسطو وأتباعه ~~فإنهم جوزوا حوادث لا أول لها ولم يفرقوا بين النوعين # وأما أئمة أهل الملل وأساطين الفلاسفة ففرقوا بين النوعين فإنه إذا كان ~~المقارن للحوادث الذي لا يخلو عنها معفولا # لغيره هو والحوادث لزم أن يكون أزليا مربوبا وأن يكون ربه موجبا له بذاته ~~بحيث يقارن وجوده وجوده والموجب بذاته في الأزل لا يوجب الحادث وحده ولا ~~الحادث وقرينه فإن إيجاب النوع الحادث في الأزل ممتنع وكذلك إيجاب الحادث ~~وقرينه فإن إيجاب النوع الحادث في الأزل ممتنع وكذلك إيجاب الحادث وقرينه ~~في الأزل فإنه يقتضي أن يكون الحادث لازما للموجب في الأزل وهذا ممتنع بل ~~الحادث لا يكون إلا شيئا بعد شيء # وإذا قيل اللازم هو النوع الذي يحدث شيئا فشيئا لم يكن شيء من هذا لازما ~~للموجب بذاته ولم يكن أيضا في الأزل موجبا له وإنما يكون إيجابه له شيئا ~~بعد شيء فلا يتصور في الأزل موجب بذاته فلا يتصور قديم يكون غيره ربه وذلك ~~لأن كونه موجبا في الأزل يستلزم كمال إيجابه ومؤثريته فإن ما يسمى الفاعل ~~أو الموجب أو المقتضي أو المؤثر أو نحو ذلك من الأسماء التي تقال في هذا ~~الباب لا يكون مؤثرا حتى يستكمل جميع الشروط التي بها يكون مؤثرا وإذا ~~استكملها وجب حصول الأثر لأن وجود الأثر بدون استكمال شروط التأثير ~~PageV02P043 ممتنع وتخلفه بعد استكمالها ممتنع لأنه لو تخلف ولم يجب حينئذ ~~لكان ms206 إما ممتنعا وإما ممكنا فإن كان ممتنعا لزم أن يكون الفعل بعد استكمال ~~الفاعل جميع الشروط ممتنعا وهذا تناقض # ثم إذا قدر أنه كان ممتنعا فإن دام امتناعه لزم أن لا يمكن الفعل بحال ~~وهو خلاف الواقع وإن أمكن بعد ذلك لزم أن يصير ممكنا بعد أن كان ممتنعا مع ~~انه لم يتجدد شرط من شروط التأثير يصحح كون الفاعل مؤثرا # ومعلوم أن الإمكان بعد الإمتناع لا يكون إلا لتجدد أمر يمكن معه الفعل ~~وإن لم يتجدد شيء لزم استواء الحالين فيلزم تخصيص أحدهما بالإمتناع والآخر ~~بالإمكان ترجيحا لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهذا ممتنع في بدائة ~~العقول # وإن قيل إن الفعل كان ممكنا مع استكمال المؤثر وشروط التأثير ليس بواجب ~~ولا ممتنع # قيل فحينئذ يمكن وجوده في تلك الحال ويمكن وجوده بعد هذا فتخصيص أحدهما ~~بالوجود إن لم يفتقر إلى مرجح لزم الترجيح بلا مرجح وإن افتقر إلى مرجح كان ~~ذلك المرجح من جملة شروط التأثير وكان الفعل بدونه ممتنعا لا ممكنا فأحد ~~الأمرين لازم إما وجود الممكن وذلك عند وجود مقتضيه التام وإما عدمه وذلك ~~عند عدم مقتضيه التام # ولهذا قال المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء ~~PageV02P044 كونه وجب كونه لا يمكن أن لا يكون وما لم يشأ كونه يمتنع كونه ~~فلا يكون بدون مشيئته # وإذا كان كذلك فوجود شيء من حوادث العالم وسائر أجزائه في الأزل ممتنع ~~لأنه لا يوجد إلا مع وجود مجموع المؤثرية ولو وجد في الأزل مجموع المؤثرية ~~لزم وجود جميع الآثار ولو وجد جميع الآثار في الأزل لم يحدث في العالم شيء # ولو قيل وجد مجموع المؤثرية لحادث بعد حادث # قيل كل حادث لا يكون مجموع المؤثرية موجود إلا عند وجوده لأنه لو وجد ~~مجموع المؤثرية ولم يوجد لزم وجود مجموع المؤثر التام بدون أثره ووجوب ~~الموجب التام بدون موجبه والعلة التامة بدون معلولها وهو باطل # ووجود المخلوق المستلزم للحوادث بدون الحوادث ممتنع فامتنع وجود شيء ms207 من ~~المخلوقات في الأزل كما امتنع وجود شيء من الحوادث في الأزل ولو قدر أن بعض ~~العالم قديم وهو خال عن الحوادث ثم تجددت فيه الحوادث لقيل فحينئذ فيلزم ~~حدوث الحادث بلا سبب مرجح وذلك يقتضي ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا ~~مرجح فتبين أن الممكنات مستلزمة للحوادث وأن الممكن المستلزم للحوادث لا ~~يكون شيء منه قديما فليس مع الله شيء قديم من العالم # وبهذا يظهر الفرق بين ما قارن الحوادث من الممكنات وبين ما قارن الواجب ~~بذاته كأفعاله القائمة به ونحو ذلك فإن الواجب هو PageV02P045 قديم أزلي ~~واجب الوجود بنفسه لا يفتقر في ذلك إلى علة قديمة ولا موجب قديم ولا فاعل ~~قديم بل قدمه ووجوبه من لوازم ذاته القديمة فإذا قدر أنه كما قال أئمة ~~السلف لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا أفعالا تقوم به كان غاية ما ~~يلزم دوام الحوادث فإن كان هذا ممتنعا لزم حدوث ما لا يخلو عن الحوادث وأن ~~الحوادث لها أول فيلزم حدوث العالم وإن كان هذا ممكنا لزم حدوث كل شيء من ~~العالم أيضا لأن الحوادث لا تكون إلا شيئا بعد شيء يمتنع وجودها في آن واحد ~~فليس من الأوقات في الأزل إلى الأبد وقت يمكن فيه وجود جميع المحدثات وهو ~~فاعل لكل حادث وقت إحداثه إياه وهو لا يفتقر في إحداثه الحوادث إلى شيء ~~مباين له بل هو الغني بنفسه عما سواه فليس كونه محدثا لهذا الحادث أو لهذا ~~الحادث بحيث يكون محدثا له بالفعل أمرا قديما لازما لذاته في الأزل ولا هو ~~في الأزل محدثا لجميع الحوادث ولكن هو في الأزل فاعل كما هو في الأبد فاعل ~~لم يزل ولا يزال فاعلا أي فاعلا شيئا بعد شيء وليس في الأزل شيئا محدودا ~~كان فيه فاعلا للجميع بل هو في كل حال أزلي قديم كما لم يزل أزليا قديما # ففي كل حال يفعل كما كان فيما قبلها يفعل وفيما بعدها يفعل ولم يقارنه ~~على الدوام شيء من الأفعال فأن ms208 لا يقارنه شيء من المفعولات بطريق الأولى ~~والأحرى فلا يكون شيء من الأفعال أزليا قديما فلا يكون شيء من المفعولات ~~أزليا قديما ولا يجوز أن يكون في وقت من الأوقات مؤثرا في جميع الحوادث ولا ~~فيما يستلزم جميع الحوادث ولا يكون في وقت من الأوقات يصير مؤثرا في حادث ~~بعد حادث ولكن هو لا يزال مؤثرا PageV02P046 في حادث بعد حادث لكن لا يقال ~~إنه كان في الأزل أو وقت بعينه مؤثرا في حادث بعد حادث فكونه مؤثرا في حادث ~~بعد حادث هي صفة قديمة النوع باقية ليست قديمة منقطعة # ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال فقد يراد بالقديم الشيء المعين الذي ما ~~زال موجودا ليس لوجوده أول ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئا بعد شيء ~~فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديما ولا مجموعه قديم ولكن هو في ~~نفسه قديم بهذا الإعتبار فالتأثير الدائم الذي يكون شيئا بعد شيء وهو من ~~لوازم ذاته هو قديم النوع وليس شيء من أعيانه قديما فليس شيء من أعيان ~~الآثار قديما لا الفلك ولا غيره ولا ما يسمى عقولا ولا نفوسا ولا غير ذلك ~~فليس هو في وقت معين من الأوقات مؤثرا في حادث بعد حادث ولكنه دائما مؤثر ~~في حادث بعد حادث كما أنه ليس هو في وقت بعينه مؤثرا في مجموع الحوادث بل ~~هو مؤثر شيئا بعد شيء وهو مؤثر في حادث بعد حادث وقتا بعد وقت فإذا كان ~~المفعول مستلزما للحوادث لم يفعل إلا والحوادث مفعوله معه وهي وإن كانت ~~مفعولة فيه شيئا بعد شيء فالمحدث لها شيئا بعد شيء إن أحدث مقارنها في وقت ~~بعينه لزم أن يكون محدثا من جملتها وهو المطلوب # وإن قيل هو مقارن له قديم معه بحيث يوجد معه كل وقت # قيل فهذا لا يمكن إلا إذا كان علة موجبة له لا محدثا له ولا بد أن يكون ~~علة تامة فيكون في الأزل مؤثرا تام التأثير مستجمعا لشروط PageV02P047 ~~التأثير لشيء معين وإذا كان مؤثرا قديما دائما ms209 لشيء معين كانت لوازم ذلك ~~المعين معه لا يمكن تأخر شيء منها عنه لامتناع وجود الملزوم بدون اللازم ~~فيلزم وجود الحوادث كلها في الأزل # فإذا قيل هي تلزم العالم شيئا بعد شيء # قيل فيجب أن يكون محدثها يحدثها شيئا بعد شيء فلا يكون التأثير المعين ~~فيها ولا في شيء منها ولا في واحد بعد واحد أزليا فإن ما يوجد شيئا بعد شيء ~~لم يكن أزليا إلا باعتبار النوع كما تقدم وإنما يكون الأزلي نوع التأثير ~~والكلام إنما هو في شيء معين من العالم فلا يكون شيء معين من العالم أزليا # يبين هذا أن العالم مفعول له فإذا كان الفعل لا يكون إلا شيئا بعد شيء ~~فالمفعول بطريق الأولى والأحرى # وإذا قدر مفعول قديم لازم له لزم أن يقدر معه فعل قديم لازم له وإذا كان ~~فعل هذا قديما لازم له وفعل الحوادث الملازمة له شيئا بعد شيء كان له فعلان ~~ومفعولان مع تلازمهما أحدهما قديم لازم له في القدم لا يتأخر عنه شيء في ~~الأزل والآخر دائم يحدث شيئا بعد شيء لا يجوز أن يقارنه شيء في الأزل # والتقدير أن أحدهما مقارن للآخر ملازم له وهذا جمع بين المتناقضين فإنه ~~إذا قدر أن العالم أو شيء منه قديم لازم له في الأزل لا يجوز تأخره عنه ~~لكونه معلولا له مفعول الفعل القديم اللازم له والعالم PageV02P048 م 4 ~~قارن للحوادث التي ليس شيء منها قديم لازم له في الأزل بل كان كل واحد منها ~~متأخر عنه ووجودها واحد بعد واحد ليس هو نفيا قديما ثابتا في الأزل بل ~~موجودا شيئا بعد شيء كان ما لا يمكن وجوده في الأزل مقارنا لما يجب وجوده ~~في الأزل وهو متناقض فتبين أن فعلها في الأزل شيئا بعد شيء ممتنع كما أن ~~فعل مجموعها ممتنع وكما أن كل فعل واحد منها في الأزل ممتنع فإذا امتنع ~~فعلها في الأزل على كل تقدير امتنع فعل ما يلزم منها على كل تقدير فإنه إن ~~فعل معها كان ms210 ممتنعا وإن فعل معها تقدم فعلها أيضا وهو ممتنع # وإذا كان قدم العالم أو شيء من المستلزم للحوادث يتضمن فعل الحوادث في ~~الأزل وهو ممتنع على كل تقدير ثبت امتناع قدم شيء من العالم على كل تقدير # والفرق ثابت بين فعل الحوادث في الأزل وبين كونه لا يزال يفعل الحوادث ~~فإن الأول يقتضي أن فعلا قديما معه فعل به الحوادث من غير تجدد شيء والثاني ~~يقتضي أنه لم يزل يفعلها شيئا بعد شيء فهذا يقتضي قدم نوع الفعل ودوامه ~~وذاك يقتضي قدم فعل معين وقد تبين أنه يمتنع قدم فعل معين للحوادث فيمتنع ~~فعل الحوادث بدون ملازمها فثبت امتناع فعل الملازم لها في القدم وذلك أن ~~التلازم من الطرفين فإن التقدير أن كل شيء من العالم فإنه مقارن للحوادث ~~ملازم لها يلزم من وجود شيء من العالم وجود حادث معه ويلزم من وجود شيء من ~~حوادث العالم وجود شيء آخر معه ولو كان الملزوم من أحد الطرفين لكفى فإن ~~PageV02P049 المقصود أن يكون كل شيء من العالم لا يسبق الحوادث المعلوم ~~حدوثها بل يكون معها أو بعدها فإذا كان كل شيء من العالم مستلزما للحوادث ~~كفى ذلك فإن ذلك الجزء من العالم لو كان قديما لكان قديما بفعل قديم معين ~~له وللحوادث معه فإن وجوده بدون وجود الحوادث ممتنع وفعل قديم للحوادث ~~ممتنع ففعل قديم ملزومها ممتنع فقدم ملزومها ممتنع وهو المطلوب # وإذا أخذت التلازم من الطرفين قلت فعل الحوادث بفعل قديم ممتنع وفعلها ~~بدون ملازمها المقارن لها ممتنع فيلزم إذا فعلت أن تفعل مع ملزومها وذلك لا ~~يكون إلا بفعل قديم وهو ممتنع # وهذا بين كيفما قلبته فإنك إذا فرضت الملزوم يفعل بفعل قديم وفعلت هي ~~أيضا بفعل قديم آخر لزم قدم الفعلين جميعا لامتناع انفكاك أحدهما عن الآخر ~~فإنه كما تلازم المفعولان تلازم الفعلان وإذا كان أحد المتلازمين يمتنع ~~قدمه فالآخر أيضا يمتنع قدمه لأنه لو لم يمتنع قدمه للزم إما وجودهما وهو ~~ممتنع أو وجود أحد المتلازمين دون ms211 الآخر وهو ممتنع # فق 4 د تبين أن مع القول بجواز حوادث لا أول لها بل مع القول بوجوب ذلك ~~يمتنع قدم العالم أو شيء من العالم وظهر الفرق بين دوام الواجب بنفسه ~~القديم الذي لا يحتاج إلى شيء وبين دوام فعله أو مفعوله وقدم ذلك فإن الأول ~~سبحانه هو قديم بنفسه واجب غني وأما فعله فهو شيء بعد شيء PageV02P050 # فإذا قيل هو قديم النوع وأعيانها حادثة لزم حدوث كل ما سواه وامتناع قدم ~~شيء معه وأنه يمتنع أن يكون شيء من مفعولاته قديما إذ كل مفعول فهو مستلزم ~~للحوادث والإلزام حدوث الحوادث بلا سبب وترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح ~~لأنه لا يكون قديما إلا بفعل قديم العين لا قديم النوع وفعل قديم العين ~~للحادث ممتنع ولملازم الحادث ممتنع وفعلان قديمان مقترنان أحدهما للحادث ~~والآخر لملازم الحادث ممتنع فتبين امتناع قدم فعل شيء من العالم على كل ~~تقدير لأن وجود المفعول بدون الفعل المشروط فيه ممتنع # وقد عرف أيضا أن وجود العالم منفكا عن الحوادث ثم إحداث الحوادث فيه أيضا ~~ممتنع فثبت امتناع قدمه على كل تقدير # ويمكن تقدير حدوث كل العالم بالنظر إلى نفس الفاعل المؤثر فيه مع قطع ~~النظر عن العالم خلاف ما يزعمه ابن الخطيب وطائفة أن القائلين بالقدم نظروا ~~إلى المؤثر والقائلين بالحدوث نظروا إلى الأثر # وذلك أن يقال قد ثبت أنه موصوف بصفات الكمال وأن الكمال الممكن الوجود ~~لازم له واجب له وأنه مستلزم لذلك # وحينئذ فيقال الفاعل الذي يمكنه أن يفعل شيئا بعد شيء ويحدث الحوادث أكمل ~~ممن لا يمكنه الإحداث بل لا يكون مفعوله PageV02P051 إلا مقارنا له بل يقال ~~هذا في الحقيقة ليس مفعولا له إذ ما كان لازما للشيء لا يتجدد فهو من باب ~~صفاته اللازمة له لا من باب أفعاله فإن ما لزم الشيء ولم يحدث ويتجدد لم ~~يكن حاصلا بقدرته واختياره بل كان من لوازم ذاته وما كان من لوازم ذاته لا ~~يتجدد ولا يحدث كان داخلا في مسمى ذاته ms212 كصفاته اللازمة له فلم يكن ذلك من ~~أفعاله ولا من مفعولاته # وإذا كان كذلك فتقدير واجب بنفسه أو قديم أو قيوم أو غني لا يفعل شيئا ~~ولا يحدثه ولا يقدر على ذلك تقدير مسلوب لصفات الكمال وكون الفعل ممكنا ~~شيئا بعد شيء أمر ممكن في الوجود كما هو موجود للمخلوقات فثبت أنه كمال ~~ممكن ولا نقص فيه لا سيما وهم يسلمون أن الجود صفة كمال فواجب لا يفعل ولا ~~يجود ولا يحدث شيئا أنقص ممن يفعل ويجود ويحدث شيئا بعد شيء وإذا كان كمالا ~~لا نقص فيه وهو ممكن الوجود لزم أن يكون ثابتا لواجب الوجود وأن يكون ثابتا ~~للقديم وأن يكون ثابتا للغنى عما سواه وأن يكون ثابتا للقيوم # وإذا كان كذلك فمن كانت هذه صفته امتنع وجود المفعول معه لأنه لو وجد معه ~~للزم سلب الكمال وهو الإحداث شيئا بعد شيء والفعل الدائم للمفعولات شيئا ~~بعد شيء وإذا كان نفس الكمال الذي يستحقه لذاته يوجب أن يفعل شيئا بعد شيء ~~ويمتنع أن يقارنه PageV02P052 شيء من المفعولات فيكون لازما له ثبت حدوث كل ~~ما سواه وهو المطلوب # وهذا مما احتجوا به على قدم العالم وهو يدل على حدوثه فإنهم قالوا الفعل ~~صفة كمال والجود صفة كمال فلا يجوز أن يسلبهما الباري تعالى في الأزل # فيقال لهم الكمال أن يفعل دائما شيئا بعد شيء أو أن يكون المفعول معه ~~قديما والثاني باطل قطعا # أما أولا فلأنه خلاف المعلوم بالضرورة # وأما ثانيا فلأنه يقال لهم إذا كان الفعل الحادث شيئا بعد شيء ليس صفة ~~كمال بل الفعل المقارن له فإنه يلزم أن لا يحدث شيء # وأيضا فإن هذا معارض بأن يقال بل الأفعال المحدثة النوع الدائمة إلى ~~الأبد أكمل من فعل واحد قديم من غير أفعال حادثة فالذين قالوا لم يكن فاعلا ~~حتى أحدث السموات وهو محدث شيئا بعد شيء إلى الأبد أحسن قولا ممن قال إنه ~~لم يزل فاعلا لشيء واحد ولا يفعل غيره فإن كثرة الأفعال والمفعولات أكمل من ms213 ~~قلة الأفعال والمفعولات فتبين أن ما أثبتوه للخالق من كون هذا العالم لازما ~~له قديما بقدمه هو صفة نقص ليس صفة كمال # والمقصود هنا أن الذين أثبتوا حدوث العالم بحدوث الجسم كما تقدم قالوا ~~فإذا كان الدليل على حدوث المحدثات إنما هو قيام PageV02P053 الصفات ~~والأفعال بها فكل ما قامت به فهو حادث وإلا انتقض الدليل على حدوث العالم ~~وإثبات الصانع # قالوا فيجب أن يكون كلامه حادثا بعد أن لم يكن ويصير متكلما بعد أن لم ~~يكن كما أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا وفعله حادث # قالوا وكل ما قامت به الحوادث فهو حادث كما تقدم فيلزم أن لا يقوم به ~~كلام ولا فعل ولا صفة فقالوا كلامه مخلوق في غيره ولا يقوم به علم ولا قدرة ~~ولا حياة ولا غير ذلك من الصفات لأنه لو قام به ذلك لكان عرضا قائما بالجسم ~~والجسم محدث قالوا وليس هو فوق العالم ولا مباين للعالم ولا يصعد إليه شيء ~~ولا ينزل من عنده شيء ولا يرى لأنه لو كان كذلك لكان جسما والجسم محدث # فلما أظهروا هذا القول شاع في الأمة إنكار ذلك وقالوا هذا تعطيل للخالق ~~وجحود لصفاته وكلامه وأفعاله ولذاته فظهر عن الأئمة والسلف النكير والتكفير ~~للجهمية وهؤلاء الذين قالوا القرآن مخلوق فلما شاع الخوض في هذا والنزاع ~~ودخلت فيه أهل السيوف والأقلام وعظم فيه النزاع والخصام ظهر لجمهور ~~المسلمين وأئمة الدين فساد هذا القول فإنه يجر إلى قول فرعون ونحوه من ~~المعطلة وإن كان قائلو ذلك ما قصدوا به ذلك بل دخلوا في بحوث ظنوها تنصر ما ~~جاء به الرسول فكان الأمر بالعكس فإنهم لم يفهموا ما جاء به الرسول ولا ~~دليله PageV02P054 # وأما أول من أظهر ذلك في الإسلام فإن بعض أهل العلم يقولون إنه كان ملحدا ~~زنديقا وكان يعلم أن قوله يستلزم تعطيل الصانع فأحدث هذا كما أحدثت ~~الزنادقة الرفض تسترا بموالاة علي فلما اطبق أهل السنة والجماعة والجمهور ~~على أن كلام الله غير مخلوق صار القائلون ms214 لذلك أربع فرق # فرقتان قالتا إذا لم يكن مخلوقا فهو قديم فإنه إما مخلوق منفصل عن الرب ~~وإما قديم قائم به فالقديم صفاته والمخلوق المنفصل مفعولاته وقالوا الكلام ~~كالحياة لا يتعلق بمشيئته وقدرته واختياره فلا يقال إنه يقدر على الكلام ~~ولا إنه يتكلم بمشيئته واختياره وقدرته وأنكر هؤلاء وجود أفعال تقوم به ~~شيئا بعد شيء وقالوا هذا هو الدليل الذي احتججنا به على حدوث العالم ~~وأجسامه وهو كونه لا يخلو من الحوادث فإنه إذا قامت به الحوادث لم يخل منها ~~وما لم يخل من الحوادث فهو حادث # ثم من هؤلاء من قال إذا كان قديما فالقديم لا يكون حروفا وأصواتا لأنها ~~متعاقبة شيئا بعد شيء ولا يكون معاني متعددة لأن وجود ما لا يتناهى من ~~المعاني متعدد وتخصيص قدر دون قدر تحكم قالوا فيكون القديم معنى واحدا هو ~~النهي والأمر والخبر والاستخبار والعبارة عن ذلك المعنى بالعربية قرآن ~~وبالعبرية توراة وبالسريانية إنجيل # وهذا أصل قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري PageV02P055 والقلانسي وغيرهما ~~فقال لهم الجمهور هذا القول معلوم الفساد بالضرورة فإنه يلزم أن تكون ~~الحقائق المتنوعة شيئا واحدا قالوا ونحن نعلم بالإضطرار أن التوارة إذا ~~عربناها لم تكن معانيها معاني القرآن ولا معنى آية الكرسي آية الدين ولا ~~معنى سورة الإخلاص معنى تبت يدا أبي لهب قالوا ولا معنى الخبر هو معنى ~~الأمر بأي شيء فسر المعنى سواء فسر بالعلم أو الإرادة أو بأمر آخر يخالف ~~العلم والإرادة فنحن نعلم أن هذا ليس هو ذا # وقالوا لهؤلاء إن جاز أن يكون الخبر هو الأمر والنهي فتكون الحقيقتان ~~شيئا واحدا فجوزوا أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة أو تكون ~~الصفات كلها شيئا واحدا # فلما أوردوا هذا السؤال قال بعضهم هذا سؤال لا جواب لنا عنه كما ذكر ذلك ~~الآمدي وغيره وقال بعضهم هذا يتوجه من جهة العقل ونحن إنما أثبتنا تعدد ~~الصفات بالإجماع لا بالعقل لأن الناس إما مثبت للصفات وإما ناف لها ~~والمثبتون يقولون بتعددها فالقول بإثباتها واتحادها ms215 خرق للإجماع وهذه طريقة ~~القاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني وغيرهما وهي طريقة القاضي أبي يعلى في ~~باب الصفات والكلام في الجملة PageV02P056 # ومنهم من طلب أن يفرق بين البابين فذكر ما أنكره هؤلاء وغيرهم عليه ~~فهؤلاء يقولون بقدم الكلام لكن يقولون باتحاد الحقائق المتعددة فهم اتحادية ~~في الصفات # والفريق الثاني وافقوهم على القدم وعلى أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأن ~~الكلام المعين صفة لازمة لذاته وأنه ما ثم إلا قديم لازم له بعينه وأما ~~مخلوق منفصل عنه وأما ما يتعلق بقدرته ومشيئته ويقوم بذاته فأنكروه وادعوا ~~كما ادعى أولئك وجود الحوادث بدون سبب حادث والترجيح بمجرد الإرادة مع ~~تماثل وقت الفعل وغيره وقالوا القادر يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح # ثم رأوا قول أولئك أن الكلام العربي ليس بكلام الله ولم يتكلم الله به ~~ولا يتكلم وإنما كلامه مجرد معنى هو حقائق مختلفة قولا مخالفا للمعقول ~~والمنقول # قالوا فالكلام القديم هو الحروف والأصوات ومنهم من قال الحروف دون ~~الأصوات فهي قديمة أزلية بأعيانها لا نقول بوجود شيء بعد شيء وأنه ما زال ~~يقول يا آدم يا نوح يا موسى من الأزل إلى الأبد ولا يزال يقول ذلك وقال ~~هؤلاء باقتران الحروف بعضها ببعض في الأزل وأن الياء والسين موجودتان معا ~~في الأزل والترتيب بينهما إنما هو ترتيب في ذاتهما أو في ظهورهما لا في ~~وجودهما PageV02P057 # وهذا قول طائفة من أهل الكلام والحديث والفقه حكاه الأشعري في المقالات ~~عن طائفة قالته وقد وافقهم عليه طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد ~~والشافعي وغيرهم # فأنكر الجمهور هذا القول وقالوا هذا مخالف لصريح المعقول والمنقول فإن ~~الله تعالى يقول @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ ~~سورة يس 82 وأن تخلص الفعل المضارع للاستقبال @QB@ وإذ قال ربك للملائكة ~~إني جاعل في الأرض خليفة @QE@ سورة البقرة 30 أي واذكر إذ قال ربك للملائكة ~~والمؤقت بظرف معين لا يكون قديما أزليا # وقال تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ms216 ثم قال له ~~كن فيكون @QE@ سورة آل عمران 59 وقال تعالى @QB@ فلما أتاها نودي يا موسى ~~@QE@ سورة طه 11 ومثل هذا في القرآن كثير # قالوا والصوت كالحركة توجد شيئا بعد شيء فيستحيل اقتران أوله بآخره ~~ووجوده كله في وقت واحد وإنما يوجد متعاقبا ثم جمهور أرباب هذا القول قالوا ~~هذا القرآن كلام الله وليست الأصوات المسموعة من القرآن صوت الله بل صوت ~~الله غير ذلك ولكن هذا المسموع كلام الله وهو مسموع بصوت القارىء كما قال ~~تعالى PageV02P058 @QB@ فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ سورة التوبة 6 وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم فأضاف الكلام إلى الله ~~والصوت إلى القارىء # وقالت طائفة بل نفس هذا الصوت المسموع هو الصوت القديم أو مشتمل على ~~الصوت القديم وقالوا إن القديم يظهر قرين الحركات المحدثة وإن الأصوات ليست ~~فعل العباد لأنها إنما تكون فعلا لهم إذا كانت متولدة عن أفعالهم ونحن لا ~~نقول بالتولد بل هي مضافة إلى الله بحسب ما توجبه الإضافة فإن كان بغير ~~القرآن كانت مخلوقة له وإن كانت بالقرآن كانت صفة له وهي الصوت القديم ~~PageV02P059 # فقال جمهور الأمة هذا قول معلوم الفساد بالضرورة مخالف للمعقول والمنقول ~~وهي نوع من البدع الباطلة شرعا وعقلا # وقال الفريق الثالث أنتم وإنما أوتيتم من حيث جعلتم أن الله لا يقدر أن ~~يتكلم ولا يتكلم بقدرته ومشيئته وأنكرتم قيام الأفعال به لذلك فإنما أقول ~~إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته بكلام قائم به وإن كان حادثا وأنا أقول تحله ~~الحوادث وليس في الأدلة ما ينفي هذا لا شرعا ولا عقلا بل العقل والنص ~~متطابقان على إثبات ذلك # وهذا قول طوائف كأبي معاذ التومني وزهير الأثري ومحمد بن كرام وأصحابه ~~وطوائف غير هؤلاء اظن منهم هشام بن الحكم وغيره # لكن هؤلاء قالوا ليس الكلام ولا شيء منه قديما وإنه يتكلم بعد أن لم يكن ~~متكلما كما يقول إنه فعل بعد أن لم يكن فعل لئلا يلزم وجود حوادث لا أول ~~لها ويبطل الدليل الدال على ms217 حدوث العالم # قالوا ولكن هو يقول قادر على الكلام في الأزل كما قلتم أنتم PageV02P060 ~~ونحن إنه قادر على الفعل في الأزل مع اتفاقنا جميعا على أن الفعل في الأزل ~~ممتنع # فهذه أربعة طوائف بل خمسة ممن يقول القرآن غير مخلوق والأخرى هم الخلقية # وأما الفلاسفة القائلون بقدم العالم ومن دخل معهم من ملاحدة أهل الكلام ~~والتصوف فعندهم ليس لله كلام منفصل عن نفوس الأنبياء وغيرهم وإنما كلامه ~~أوجد فيها # ومن العجب أنهم فروا من قدم صفاته وجعلوا فعله المنفصل عنه قديما لازما ~~له ومن المعلوم أن قدم الصفات أقرب إلى المعقول من قدم المفعولات فإذا جاز ~~أن يكون مفعوله المنفصل عنه لازما لذاته لا يفارقها ويكون واجب الوجود ~~بذاته ملزوما للأجسام المنفصلة عنه فلم لا يكون ملزوما لصفاته القديمة # ويقال لهؤلاء أنتم عندكم لا يمتنع قيام الحوادث بالقديم فإن الفلك قديم ~~عندكم وهو محل الحوادث ولا يمتنع قدم الأجسام عندكم فإن الفلك جسم قديم ~~عندكم ولا يمتنع قدم الموصوف والصفة عندكم فإن الفلك قديم عندكم بصفته ~~اللازمة له فلماذا أنكرتم أن يكون القديم الواجب بنفسه متصفا بهذه الصفات # فإن قلتم قيام الصفات تركيب والواجب لا يكون مركبا PageV02P061 # قيل قد قدمنا أن لفظ التركيب لفظ مجمل وأنه إن أريد ما ركبه غيره أو ما ~~كان مفترقا فاجتمع أو ما يمكن انفصال بعضه عن بعض فهذا منتف وذلك غير لازم ~~من اتصافه بالصفات والأفعال # وهم لم يريدوا هذا وإنما أرادوا تعدد المعاني التي يتصف بها وهذا لا دليل ~~على نفيه بل الأدلة تستلزم ثبوته وقيل لكم معنى قولكم لا يكون مركبا أي لا ~~يكون موصوفا بصفات ولا يكون ملزوما لصفاته وأنتم عندكم هو ملزوم لمفعولاته ~~ويقال أنتم عندكم أن الفلك واجب بوجوبه قديم بقدمه ومع هذا فهو متصف بهذا # فإذا قلتم هذا واجب بغيره وذاك واجب بنفسه # قيل ما ذكرتم من الفرق يقتضي أن أحدهما له موجب أبدعه والآخر ليس له مبدع ~~اوجبه وهذا لا يتعلق بالصفات والأجزاء وغير ذلك فإنكم إذا ms218 قلتم لو كان ~~موصوفا لكان مفتقرا إلى غيره والواجب لا يفتقر إلى غيره وإن أردتم ~~بالإفتقار إلى الغير المبدع فليس في ذلك افتقار إلى مبدع وإن أردتم أنه ~~مستلزم لصفاته وأبعاضه ونحو ذلك فليس فيما ذكرتموه مايوجب الفرق في ذلك بين ~~ما له مبدع وما لا مبدع له وقد قال كثير منكم بأن الفلك واجب بذاته كانت ~~هذه الحجة التي احتججتم بها عليهم حجة فاسدة كما قد بسط الكلام عليها في ~~غير هذا الموضع # وأما السلف والأئمة رضي الله عنهم فلم يقولوا شيئا من هذه الأقوال ولا ~~بنوا على شيء من تلك الأصول المزلزلة بل كلامهم PageV02P062 مضمونه أن الله ~~سبحانه لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال لم يزل قديرا ولم يزل عليما ~~ولم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا لما شاء وأنه سبحانه وتعالى لم يعدم ~~كمالا ممكنا بل هو المستحق لأنواع الكمال الممكن الوجود وذلك واجب له ولا ~~يقدر العباد أن يعلموا ما يستحقه الرب من الحمد والثناء بل قد قال أعلمهم ~~بالله لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك # والحمد والثناء إنما يكون بالأمور الوجودية أو ما يستلزم الأمور الوجودية ~~فأما العدم المحض فلا مدح فيه ولا ثناء فإن المعدوم المحض لا يثنى عليه ~~ولهذا لا يثني سبحانه وتعالى على نفسه إلا بالصفات الثبوتية أو ما يستلزم ~~ذلك كقوله تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ~~له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه ~~السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم @QE@ سورة البقرة 255 ~~PageV02P063 وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية ~~أعظم آية في القرآن كتاب الله وقد وصف نفسه فيها بالصفات الثبوتية وذكر ~~فيها خمسة سلوب # الأول قوله @QB@ لا إله إلا هو @QE@ فإنه يقتضي انفراده بالألوهية وذلك ~~يتضمن ms219 انفراده بالربوبية وأن ما سواه عبد له مفتقر إليه وأنه خالق ما سواه ~~ومعبوده وذلك صفة إثبات # الثاني قوله @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ وهذا يتضمن كمال الحياة ~~والقيومية فإن السنة والنوم نقص في الحياة والقيومية والنوم أخ الموت ومن ~~نام لم يمكنه حفظ الأمور فهو سبحانه منزه عن السنة والنوم تنزيها يستلزم ~~كمال حياته وقيوميته والحياة والقيومية من الإثبات # الثالث قوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ فإن هذا متضمن أنه ~~لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وهذا يتضمن كمال قدرته وخلقه وربوبيته وأن غيره ~~لا يؤثر فيه بوجه من الوجوه كما يؤثر في المخلوقين من يشفع عندهم فيحملهم ~~على الفعل بعد أن لم يكونوا فاعلين وإنما PageV02P064 الشفاعة عنده بإذنه ~~فهو الذي يأذن للشفيع وهو الذي يجعله شفيعا ثم يقبل شفاعته فلا شريك له ولا ~~عون بوجه من الوجوه وذلك يتضمن كمال القدرة والخلق والربوبية والغنى ~~والصمدية # الرابع قوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ فإن هذا ~~يقتضي أنه الذي يعلم العباد ما شاء من علمه وأنه لا علم لهم إلا ما علمهم ~~فبين أنه المنفرد بالتعليم والهداية لا يعلم أحد شيئا إن لم يعلمه إياه كما ~~أنه المنفرد بالخلق والإحداث فهو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى وأول ما ~~نزل من القرآن @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك ~~الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ سورة العلق 1 5 # الخامس قوله @QB@ ولا يؤوده حفظهما @QE@ أي لا يكرثه ولا يثقل عليه وهذا ~~يقتضي كمال القدرة وتمامها وأنه لا تلحقه مشقة ولا حرج ونظير هذا قوله ~~تعالى @QB@ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب @QE@ سورة ق 38 فإن نفى اللغوب يقتضي كمال قدرته وانتفاء ما يضادها من ~~اللغوب # كذلك قوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ سورة ~~الأنعام 103 نفى الإدراك الذي هو الإحاطة وذلك يقتضي كمال عظمته وأنه بحيث ~~لا تدركه ms220 الأبصار فهو يدل على أنه إذا رئي لا تدركه الأبصار وهو يقتضي ~~إمكان رؤيته ونفى إدراك الأبصار إياه لا نفي رؤيته فهو دليل على إثبات ~~الرؤية ونفي إحاطة الأبصار به PageV02P065 وهذا يناقض قول النفاة وأما مجرد ~~الرؤية فليست صفة مدح فإن المعدوم لا يرى ولهذا نظائر في القرآن # والمقصود أن المدح والثناء لا يكون إلا في الإثبات فإنه إنما يكون بصفات ~~الكمال والكمال إنما يكون في الأمور الوجودية فأما العدم فلا كمال فيه فمن ~~لم يصفه إلا بالسلوب وقال إنه الوجود المقيد بالسلوب كما قال ابن سينا ~~وأمثاله من الباطنية فهو لم يثبته ولم يجعله موجودا فضلا عن أن يكون موصوفا ~~بالكمال ممدوحا مثنيا عليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الكلام صفة كمال كما أن العلم والقدرة ~~والسمع والبصر صفة كمال وأن المتكلم أكمل ممن لا يتكلم كما أن الحي أكمل من ~~الجماد ولهذا عاب الله الجمادات المعبودة بأنها لا تتكلم كما في قوله تعالى ~~@QB@ أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا @QE@ سورة طه 89 وكذلك قول الخليل @QB@ ~~ما لكم لا تنطقون @QE@ سورة الصافات 92 سواء كان المراد بيان أن العابد ~~أكمل من معبوده وهذا ممتنع أو بيان أن المعبود يجب أن يكون متصفا بصفات ~~الكمال # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من يتكلم بقدرته ومشيئته فهو أكمل ممن لا ~~يتكلم بمشيئته وقدرته بل يكون الكلام المعين لازما لذاته ومن المعلوم أنه ~~من لم يزل متكلما إذا شاء فهو أكمل ممن كان لا يمكنه الكلام ثم صار يمكنه # قال هؤلاء وكلام السلف والأئمة في هذا الباب متناسب PageV02P066 يصدق ~~بعضه بعضا وهم أطلقوا القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق لما حدثت ~~الجهمية والمعتزلة الذين كانوا يقولون هو مخلوق خلقه مباينا له فذكروا ما ~~يناقض هذا الكلام فقالوا كلام الله غير مخلوق وقالوا منه بدأ وإليه يعود ~~لأن هؤلاء يقولون لم يبتدىء منه وإنما يبتدىء من المحل المخلوق الذي خلق ~~فيه # فقال السلف منه ms221 بدأ ردا على هؤلاء وقالوا لو كان مخلوقا منفصلا عنه لم ~~يكن كلاما له بل كان كلاما للمحل الذي خلق فيه فإن الرب لا يتصف بما يخلقه ~~في غيره ولم يقم به كما لا يتصف بما يخلقه في غيره من الألوان والطعوم ~~والحركات # والإضافة إليه إضافتان إضافة صفة وإضافة عبودية فالأول كإضافة ما لا يقوم ~~بنفسه من العلم والكلام ونحو ذلك والثاني كإضافة ما يقوم بنفسه كالعبد ~~والروح والبيت والناقة والأرض ونحو ذلك فإن كانت إضافة الأعيان على وجهين ~~إضافة ملك مجرد وإضافة اختصاص لكونه يعبد فيها أو لغير ذلك كإضافة الناقة ~~والمسجد وغير ذلك # ولهذا قال السلف كلام الله من الله وليس من الله شيء مخلوق وقالوا كلامه ~~منه وليس ببائن عنه كل ذلك ردا على هؤلاء ولم يقل أحد منهم بأن الكلام معنى ~~واحد قائم بالذات هو معنى التوراة والإنجيل ولا قال أحد منهم إن الأصوات ~~التي تكلم الله بها توجد كلها غير متعاقبة توجد معا في آن واحد مقترنة ~~قديمة أزلية وأن الصوت الذي سمعه موسى قديم أزلي لم يزل ولا يزال ~~PageV02P067 # ولا قال أحد منهم إن الله يتجدد له كونه متكلما بعد أن لم يكن ولم ينكر ~~أحد منهم دوام فعل الله ولا أنه لم يزل متكلما إذا شاء بل قالوا إن الله ~~يتكلم بصوت وأنه ينادي بصوت كما دلت عليه النصوص ولكن لم يقولوا إنه يتكلم ~~بدون قدرته ومشيئته بل نطق بهذا غير واحد منهم كالإمام أحمد وغيره وسائرهم ~~يقرون بذلك # وقد احتج كثير منهم كسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل ونعيم بن حماد ~~والبويطي صاحب الشافعي وغيرهم على أن القرآن غير مخلوق بقوله تعالى @QB@ ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 فلو كان كن ~~مخلوقة لزم أن لا يوجد شيء من المخلوقات لأن كن تكون مخلوقة بكن أخرى وهلم ~~جرا فلا يوجد شيء # وقد يظن بعض من لم يفهم غور كلامهم وحقائق الأمور أن هذا منهم استدلال ~~بإبطال ms222 التسلسل مطلقا وأن ذلك يناقض دوام كونه لم يزل متكلما إذا شاء وأن ~~هذا تناقض منهم وليس الأمر كذلك بل التسلسل نوعان تسلسل في المؤثرات وهذا ~~باطل بالاتفاق وتسلسل في الآثار المفعولات فهذا فيه نزاع فكثير من النظار ~~يجيزه وكثير منهم لا يجيزه وكلام الأئمة مبني على قول من أجازه وفرق بين ~~النوعين # وذلك أن التسلسل في المؤثرات يقتضي أن لا يوجد شيء كما تقدم فإنه إذا لم ~~يكن يوجد هذا حتى يوجد شيء آخر ولا يوجد الشيء الآخر حتى يوجد شيء آخر وهلم ~~جرا فإنه يقتضي تقدير أشياء كلها حادثة بعد العدم مفتقرة إلى من يوجدها ~~وليس فيها من يوجد شيئا بنفسه ولا موجود بنفسه PageV02P068 # ومعلوم أنه إذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم تكن الجملة موجودة بنفسها ~~بطريق الأولى فإن الجملة مفتقرة إلى كل واحد من الآحاد فإذا كان كل من ~~الآحاد فقيرا ممكنا لا يوجد بنفسه فالمفتقر إليه أولى بالفقر وأولى ألا ~~يكون موجودا بنفسه # وتسلسل المفتقرات والمعدومات يقتضي كثرة المعدومات بل هذا تسلسل ممتنعات ~~فإن ما لا يوجد حتى يوجد ما لا يوجد ممتنع وتقدير أمور كلها مفعولات ليس ~~فيها غير مفعول مع أنه ليس لها فاعل مباين لها ممتنع ضرورة وكثرة الممتنعات ~~المفتقرات لا تقتضي إمكان شيء منها فضلا عن وجوده # والتسلسل في أصل تمام التأثير كالتسلسل في أصل التأثير والفاعل لا بد أن ~~يكون حيا عالما قادرا مريدا فاعلا بنفسه فلا يجوز أن يقال لا يصير فاعلا ~~لشيء حتى يجعله شيء آخر فاعلا وذلك الآخر لا يصير فاعلا حتى يجعله شيء آخر ~~فاعلا إلى غير نهاية بل لا بد من إثبات فاعل بنفسه لم يجعله غيره فهو مثل ~~أن يقال لا يوجد حتى يوجد ولا يجوز أن يقال لا يفعل شيئا حتى يعلم ولا يعلم ~~حتى يعلمه غيره وذلك الغير لا يعلم حتى يعلمه غيره إلى غير نهاية بل لا بد ~~من عالم بنفسه ولا يجوز أن يقال لا يقدر حتى يقدره غيره وذلك ms223 الغير لا يقدر ~~حتى يقدره غيره إلى غير نهاية بل لا بد من قادر بنفسه # وكذلك إذ قيل لا يكون فاعلا حتى يكون فاعلا ولا يكون عالما أصلا حتى يكون ~~عالما ولا يكون قادرا أصلا حتى يكون قادرا فإذا PageV02P069 قال لا يؤثر ~~حتى يصير مؤثرا ولا يصير مؤثرا حتى يصير مؤثرا لم يصر مؤثرا بحال # وأما إذا قيل لا يكون مؤثرا في هذا حتى يؤثر في شيء آخر ولا يكون مؤثرا ~~في ذلك الشيء حتى يكون مؤثرا في شيء قبله فهذا تسلسل في الآثار والتأثيرات ~~المتعاقبة ليس هو تسلسلا في نفس أصل كونه مؤثرا فالتأثير الثاني ليس موقوفا ~~على كون المؤثر في نفسه مؤثرا فإنه مؤثر بنفسه بل على حدوث تأثير قبل هذا ~~التأثير فيلزم وجود تأثيرات متعاقبة فإن كان المؤثر مؤثرا في نفسه جاز ذلك # ومعنى ذلك أن الرب تعالى لا يتوقف كونه خالقا على غيره أصلا وأما كونه ~~خالقا لهذا فقد يكون مشروطا بخلقه لغيره فالتسلسل في التأثيرات المعينة ~~تسلسل في الآثار # وأما التسلسل في أصل الخلق فهو تسلسل في أصل التأثير وذلك ممتنع بخلاف ~~التأثيرات المتعاقبة لآثار متعاقبة وأن كل تأثير في غير ما أثر فيه الأول ~~وهذا تسلسل في الآثار وفي التأثيرات هي آثار لغيرها ليس تسلسلا في نفس أصل ~~التأثير فإنه مؤثر بنفسه والممتنع هو أن لا يصير الشيء مؤثرا حتى يصير ~~مؤثرا ولا يصير خالقا حتى يصير خالقا # وبهذا احتج أئمة السنة رضي الله عنهم فإن الله قد قال @QB@ إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ سورة النحل 40 وقال تعالى @QB@ ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس PageV02P070 82 ~~) وقال @QB@ وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ سورة البقرة 117 # فهذا يقتضي أنه إذا أراد شيئا فإنما أمره أن يقول له كن فيكون وقوله إذا ~~أراده فاقتضى هذا انه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن فلو كانت كن مخلوقة ~~لكانت مخلوقة بكن أخرى ms224 وكذلك الثانية مخلوقة بكن أخرى وهلم جرا فيلزم ألا ~~يخلق شيئا لأنه لا يصير خالقا لشيء حتى يخلق كن أخرى ولا يخلق كن حتى يخلق ~~كن فلزم التسلسل في كونه خالقا وهو تسلسل في أصل التأثير وفي أصل كون ~~المؤثر مؤثرا وهو تسلسل في أصل الخلق كالتسلسل في ذات الخالق # فإذا قدر ذلك لزم أن لا يصير خالقا بحال كماإذا قيل لا يصير قادرا حتى ~~يقدر أن يصير قادرا ولا يقدر أن يصير قادرا حتى يقدر أن يقدر أن يصير قادرا ~~أو قيل لا يخلق شيئا حتى يجعل نفسه خالقا ولا يجعل نفسه خالقا حتى يخلق ~~شيئا فإن هذا ممتنع # وهذا بخلاف ما إذا قيل لا يخلق هذا حتى يخلق هذا ففرق بين أن يقال لا ~~يخلق شيئا بحال حتى يخلق هذا أو لا يخلق شيئا بحال حتى يخلق ما به يصير ~~خالقا وبين أن يقال لا يخلق هذا حتى يخلق هذا فالأول ممتنع بالإتفاق وأما ~~الثاني ففيه نزاع بل يجب أن يكون خالقا بنفسه لا يتوقف كونه خالقا على كونه ~~خالقا وإن توقف كونه خالقا لهذا على كونه خالقا لهذا فلما دل القرآن على أن ~~قوله كن مما يخلق بها جميع المراد كانت من تمام الخلق فلم يجز أن تكون ~~مخلوقة PageV02P071 # وأيضا فإذا كانت مخلوقة فلا بد أن تخلق في محل ومحلها مخلوق قبلها وظاهر ~~القرآن يخالف # ذلك ولهذا زعم أبو الهذيل العلاف أنها مخلوقة لا في محل وأما ما يقوم ~~بالرب تعالى من صفاته وأفعاله فليس مخلوقاته على طريقة الجمهور الذين ~~يفرقون بين الخلق والمخلوق سواء قالوا إن عين الخلق قديم أو قالوا إنه حادث ~~العين أو قالوا إنه حادث الأعيان وإن قدم نوعه # وهذان القائلان يجعلان خلقه متعلقا بمشيئته وقدرته فإن هؤلاء كلهم خلقه ~~عندهم وما يقوم بذاته من أفعاله ليس مخلوقا سواء قالوا إنه متعلق بمشيئته ~~وقدرته أو قالوا إنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته فإنه كما أن قوله @QB@ الله ~~خالق كل شيء @QE@ سورة الزمر 62 لم ms225 يدخل فيه الخالق نفسه فلم يدخل فيه ما ~~هو داخل على مسمى الخالق وهو ما قام به من صفاته وأفعاله # والمحتجون بهذه الآية على أن القرآن غير مخلوق لهم قولان والنزاع في ذلك ~~في جميع الطوائف بين أصحاب أحمد وبين أصحاب الشافعي وبين أصحاب مالك وغيرهم ~~فالذين يقولون إن كن المعينة قديمة إما بلفظها ومعناها كما يقوله ~~الإقترانية وإما بمعناها دون لفظها كما يقوله الإتحادية فإنهم ألزموهم أن ~~الله تعالى قال @QB@ أن يقول له كن @QE@ وأن تخلص الفعل المضارع للإستقبال ~~وأنه قال فيكون وهذا يقتضي أن يكون عقب قوله كن # وأما الذين يقولون إنه يقول كن بقدرته ومشيئته ويقول كن PageV02P072 بعد ~~كن فهؤلاء لا يرد عليهم هذا السؤال كما يقول ذلك أكثر الذين قالوا إن ~~القرآن غير مخلوق من أهل الحديث وأهل الكلام والفقهاء # وعلى هذا فإذا قيل الحروف غير مخلوقة حروف المعجم كان صحيحا بمعنى النوع ~~لا بمعنى أن الحرف المعين القائم بالشخص المعين في الزمن المعين غير مخلوق ~~فنوع الحروف قديم وإن لم يكن المعين قديما وهكذا يقال في لوازم ذلك # قال هؤلاء المتبعون للسلف والأئمة فقد تبين بالمعقول المطابق للمنقول أن ~~كلا الطائفتين مخطئة الذين قالوا بقدم العالم ولزومه للرب وانتفاء صفاته ~~وأفعاله والذين قالوا بأن الرب لا يقوم به صفة ولا فعل ولا كلام وادعوا ~~حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال بناء على طريقة حدوث الجسم لامتناع ~~حوادث لا أول لها # قالوا ولهذا قال هؤلاء بتعطيل الرب في المستقبل كما قالوا بتعطيله في ~~الماضي فادعوا فناء العالم كله أو فناء حركاته وأنه يبقى الرب بلا فعل أصلا ~~كما ادعى ذلك الجهم وأتباعه وأبو الهذيل وأتباعه # وآخرون يقولون إن الله يفني العالم كله ثم يعيده ويدعون أن القيامة التي ~~أخبرت بها الرسل هي فناء العالم كله ثم إعادته وهم متنازعون في فنائه هل ~~يجب عقلا أو يجوز عقلا وإذا جاز عقلا فهل يجب سمعا أو يجوز سمعا # ومن المعلوم أن القرآن لم يخبر بفناء العالم في ms226 المستقبل قط كما لم يخبر ~~بأن الله خلق السموات والأرض من غير شيء بل أخبر سبحانه PageV02P073 وتعالى ~~بخلق السموات والأرض كما أخبر بخلق الإنسان والجن وغير ذلك من المخلوقات ~~وأخبر أنه خالق كل شيء # قال الله تعالى @QB@ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم ~~جعل نسله من سلالة من ماء مهين @QE@ سورة السجدة 7 : 8 # وقال تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له ~~كن فيكون @QE@ سورة آل عمران 59 # وقال تعالى @QB@ خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ~~@QE@ سورة الرحمن 14 15 # وقال تعالى @QB@ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين @QE@ سورة ص 71 72 # وقال @QB@ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى @QE@ سورة ~~طه 55 # وقال @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار ~~مكين @QE@ سورة المؤمنون 12 13 # وفي الصحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلقت ~~الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم ~~PageV02P074 # فالله سبحانه قد أخبر بخلق الإنسان الذي هو آدم وبخلق ذريته شيئا بعد شيء ~~في غير آية وأخبر أن ذلك مخلوق من غيره فالأصل مخلوق من الطين من التراب ~~والماء ثم جعل صلصالا فيبس وجف وذلك بالهواء # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه فإن ~~كان لا بد فاعلا فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس وأخبر أنه خلق الجن من ~~النار وأنه خلق الملائكة من النور ولم يذكر أنه خلق هذه الأصناف لا من شيء # وكذلك أخبر عن خلق السموات والأرض فقال @QB@ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من ~~فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين @QE@ سورة ~~فصلت 9 10 ms227 قالوا الجميع في أربعة أيام @QB@ ثم استوى إلى السماء @QE@ ~~الدنيا @QB@ وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء ~~الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم @QE@ PageV02P075 سورة فصلت ~~11 12 فأخبر أنه استوى إلى السماء وهي دخان قيل هو البخار الذي تصاعد من ~~الماء الذي كان عليه العرش فإن البخار نوع من الدخان # وقال تعالى @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم @QE@ سورة البقرة 29 # وقال تعالى @QB@ وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ سورة هود 7 فأخبر أنه خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام وأنه كان عرشه على الماء # وفي صحيح البخاري والمسند وغيرهما عن عمران بن حصين أن بني تميم جاءوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أقبلوا البشرى ~~يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~جاء أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ~~قالوا قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا ~~الأمر فقال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر ~~كل شيء ثم خلق السموات والأرض وفي لفظ ولم يكن شيء غيره وفي لفظ آخر ولم ~~يكن معه شيء # لكن الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إلا واحدة والأخريتان ~~رويتا PageV02P076 بالمعنى فإن المجلس كان واحدا لم يتكرر ليقال إنه قال كل ~~لفظ في مجلس ولو كرر الألفاظ لذكر ذلك عمران # ومثل هذا يقع كثيرا في الحديث كقوله في حديث المرأة التي عرضت نفسها عليه ~~أنكحتكها بما معك من القرآن وفي رواية أخرى زوجتكها وفي أخرى أملكتها ~~PageV02P077 # واللفظ الأول مطابق لما رواه مسلم في الصحيح عن النبي ms228 صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقول اللهم رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب ~~كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوارة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل ~~دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء ~~وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني ~~من الفقر # فقوله أنت الأول فليس قبلك شيء مطابق لقوله كان الله ولم يكن شيء قبله ~~والحديث دل بأنه كان عرشه على الماء وأنه كتب في الذكر كل شيء قبل أن يخلق ~~السموات والأرض # وهكذا جاء في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض ~~بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء فأخبر في PageV02P078 هذا الحديث ~~الصحيح بما يوافق ذلك الحديث الصحيح أيضا أنه قدر المقادير قبل خلق السموات ~~والأرض حين كان عرشه على الماء وكلاهما يوافق القرآن # وفي حديث أبي رزين العقيلي الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما انه قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض قال كان ~~في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق العرش فأخبر في هذا الحديث انه ~~خلق العرش كما أخبر في غير موضع من القرآن أنه رب العرش وكما دخل العرش في ~~قوله خالق كل شيء ولم يدخل في خلق السموات والأرض في ستة أيام بل كان ~~مخلوقا قبل ذلك # وقد تنازع السلف هل خلق العرش أولا أو القلم على قولين حكاهما الحافظ أبو ~~نعيم العلاء الهمداني وغيره أصحهما أن العرش أولا ومن قال إن القلم خلق ~~أولا احتج بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه وغيره عن عبادة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال اول ما خلق الله القلم قال له PageV02P079 اكتب قال ~~ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة # وقد روى ms229 عن ابن عباس من عدة أوجه أول ما خلق الله القلم فهذه الأحاديث هي ~~المعروفة عند أهل العلم بالحديث وأما ما يروى أول ما خلق الله العقل قال ~~أقبل فأقبل فهو موضوع وبتقدير صحته فلفظه أول ما خلق قال له فليس في شيء من ~~العلم المنقول عن الأنبياء لا عن نبينا ولا عن غيره أن العقل أول المخلوقات ~~كما يقول ذلك المتفلسفة ومن أخذ ذلك عنهم من متكلم ومتصوف وغيره # ومن زعم أن العقل يسمى قلما لأنه ينقش العلوم في لوح النفس وسمى النفس ~~لوحا فأول ما في هذا أن هذا يعلم بالإضطرار أنه ليس من لغة العرب ولا قاله ~~أحد من مفسري القرآن والحديث ثم يقال قد PageV02P080 أخبر أنه كتب ما يكون ~~إلى يوم القيامة فقط وعندهم هو المبدع للعالم كله وهو رب كل شيء بعد الأول ~~وأيضا فإنه أخبر انه قدر ذلك وكتبه قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف ~~سنة وأنه بعد أن كتب في الذكر كل شيء خلق السموات والأرض وعندهم أنه ~~ومفعوله قديمان أزليان وأنه لم تزل معه السموات والأرض وأنها متولدة عنه ~~معلولة لم تتأخر عنه لحظة فضلا عن خمسين ألف سنة # وأيضا فالعقل الأول عندهم تولد عنه العقل الثاني والنفس والفلك وإبداع ~~العقل أعظم من إبداعه للنفس والفلك وإبداعه لذلك أعظم من مجرد نقشه في ~~النفس والنفس الفلكية جمهورهم يقولون إنها عرض في الفلك ولكن ابن سينا ~~وطائفة قليلة يقولون إنها جوهر قائم بنفسه فكيف يعبر عن العقل الأول بأضعف ~~أفعاله ولا يعبر عنه بأجل أفعاله وأعظمها وإن شاع هذا شاع تسمية الواجب ~~بنفسه قلما أيضا لأنه علم العقل الأول ما يعلمه للنفس # وأيضا فهم يقولون إن العقول هي الملائكة التي أخبرت بها الرسل فإذا كانت ~~العقول تسمى أقلاما لنقشها العلم في النفوس فالملائكة تسمى أقلاما ومن قال ~~إن الملائكة هي أقلام فهو أخس من بهيمة الأنعام وكذلك ينبغي أن يسمى كل ~~معلم قلما وهذا ليس لي لغة العرب لا حقيقة ولا مجازا ms230 # وأيضا فإنه قد قال في القلم اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة PageV02P081 ~~وهذا إشارة إلى كتابة ما في هذا العالم الكائن إلى يوم القيامة لا كتابة ما ~~يكون بعد ذلك # ودلائل فساد قول هؤلاء كثيرة وإذا عرف بطلان قولهم بقي القولان اللذان ~~للمسلمين وإنما قولنا الصحيح أن العرش خلق أولا لأن ذلك ثبت في الحديث ~~الصحيح رواه مسلم في صحيحه أنه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات ~~والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء فهذا يدل على أنه قدر إذ كان ~~عرشه على الماء فكان العرش موجودا مخلوقا عند التقدير لم يوجد بعده # وكذلك قوله في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري كان الله ولا شيء قبله ~~وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وفي رواية ثم كتب في الذكر كل ~~شيء فهو أيضا دليل على أن الكتابة في الذكر كانت والعرش على الماء # وأما الحديث الذي فيه أول ما خلق الله القلم وأنه أمره أن يكتب ما هو ~~كائن إلى يوم القيامة فذلك بيان لخلق العالم الذي خلقه في ستة أيام وأن ~~تقدير هذا العالم كان قبل خلقه وأنه أول ما خلق من أسباب هذا العالم القلم ~~لأن تقدير المخلوق سابق لخلق المخلوق # وهذا ذكر فيه انه كتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة فالمقدر به هو ~~المخلوق الذي خلق القلم قبله ولم يذكر فيه تقدير جميع المخلوقات ~~PageV02P082 الكائنة بعد القيامة فلم يجب أن يكون متقدما على غيره هذه ~~المقدرات المخلوقة مما خلق قبل ذلك # وقد جاءت الآثار المتعددة عن الصحابة والتابعين وغيرهم بأن الله سبحانه ~~لما كان عرشه على الماء خلق السماء من بخار الماء وأيبس الأرض وهكذا في أول ~~التوراة الإخبار بأن الماء كان موجودا وأن الريح كانت ترف عليه وأن الله ~~خلق من ذلك الماء السماء والأرض فهذه الأخبار الثابتة عن نبينا صلى الله ~~عليه وسلم في الكتاب والسنة مطابقة لما عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى ~~مما في التوراة وكل ms231 ذلك يصدق بعضه بعضا ويخبر أن الله خلق هذا العالم ~~سمواته وأرضه في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كان قبل ذلك مخلوقات ~~كالماء والعرش فليس في إخبار الله تعالى أن السموات والأرض أبدعتا من غير ~~شيء ولا أنه لم يكن قبلها شيء من المخلوقات # وقد أخبر الله في غير موضع أنه خالق كل شيء وأنه رب كل شيء وهذا يناقض ~~قول من يقول إنه موجب بذاته لهذا العالم وأنه معلول له فإن خلق الشيء يتضمن ~~إحداثه ولم يقل أحد من أهل لغة العرب أن الشيء يكون محدثا ويكون قديما ~~أزليا وكونه مخلوقا قديما أزليا أبعد في لغتهم من ذلك فإن الناس متفقون على ~~أن كل مخلوق حادث ومحدث وأنه يسمى في اللغة حادث ومحدث ومتنازعون في أن كل ~~حادث ومحدث هل يكون مخلوقا PageV02P083 # ولم أعلم أنهم نقلوا أنه يجب أن يسمى في اللغة مخلوقا وإنما النزاع بينهم ~~في ذلك نزاع عقلي ومن هنا نشأ الإضطراب بين الناس في مسألة كلام الله ~~ومسألة أفعال الله فصاروا يحملون ما يسمعونه من الكلام على عرفهم فغلط كثير ~~منهم في فهم كلام السلف والأئمة بل وفي فهم كلام الله ورسوله والواجب على ~~من أراد أن يعرف مراد المتكلم أن يرجع إلى لغته وعادته التي يخاطب بها لا ~~نفسر مراده بما اعتاده هو من الخطاب فما أكثر ما دخل من الغلط في ذلك على ~~من لا يكون خبيرا بمقصود المتكلم ولغته # كما أصاب كثيرا من الناس في قوله @QB@ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ~~@QE@ سورة الأنبياء 2 فإنهم ظنوا أن المحدث والقديم في لغة العرب التي نزل ~~بها القرآن هو المحدث والقديم في اصطلاح المتكلمين هو ما لا أول لوجوده وما ~~لم يسبقه عدم فكل ما كان بعد العدم فهو عندهم محدث وكل ما كان لوجوده ~~ابتداء فهو عندهم محدث ثم تنازعوا فيما تقدم على غيره هل يسمى قديما حقيقة ~~أو مجازا على قولين لهم # وأما اللغة التي نزل بها القرآن فالقديم ms232 فيها خلاف المحدث وهما من الأمور ~~النسبية فالشيء المتقدم على غيره قديم بالنسبة إلى ذلك المحدث والمتأخر ~~محدث بالنسبة إلى ذلك القديم وإن كانا كلاهما محدثين بالنسبة إلى من ~~تقدمهما وقديمين بالنسبة إلى من تقدماه ولم يوجد في لغة القرآن لفظ القديم ~~مستعملا إلا فيما يقدم على غيره وإن كان موجودا بعد عدمه لكن ما لم يزل ~~موجودا هو أحق بالقدم PageV02P084 # وقد تنازع الناس في القديم هل يجعل من أسماء الله فذهب طائفة كابن حزم ~~إلى أنه لا يسمى قديما بناء على أن الأسماء توقيفية ولم يثبت هذا الإسم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # والمقصود أنه مستعمل في القرآن فيما تقدم على غيره كقوله تعالى @QB@ حتى ~~عاد كالعرجون القديم @QE@ سورة يس 39 وقوله تعالى @QB@ قالوا تالله إنك لفي ~~ضلالك القديم @QE@ سورة يوسف 95 وقوله @QB@ وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا ~~إفك قديم @QE@ سورة الأحقاف 11 وقوله عن إبراهيم @QB@ أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون @QE@ سورة الشعراء 75 76 فالمحدث يقابل هذا ~~القديم # وكان القرآن ينزل شيئا فشيئا فما تقدم نزوله فهو متقدم على ما تأخر نزوله ~~وما تأخر نزوله محدث بالنسبة إلى ذلك المتقدم ولهذا قال @QB@ ما يأتيهم من ~~ذكر من ربهم محدث @QE@ سورة الأنبياء 2 فدل أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس ~~بمحدث # والذكر كله مخلوق ومحدث مسبوق بالعدم عند القائلين بأن القرآن وغيره من ~~كلام الله مخلوق أو هو كله مخلوق مسبوق بعدم وإن لم نقل مخلوق فلا يكون ~~للتخصيص عندهم معنى لكن يبقى أن يقال فإذا كان موصوفا بالحدوث الأخص وهو ~~تقدم غيره عليه فالحدوث الأعم وهو كونه مسبوقا بالعدم لازم لهذا ولكن هذا ~~لا يقتضي أن يكون نوع الذكر كذلك كما قد عرف # وهكذا فهم كثير من الناس لكلام السلف والأئمة في القرآن PageV02P085 فإنه ~~اشتهر أن السلف كانوا يقولون القرآن غير مخلوق وكانت المعتزلة والكلابية ~~ومن وافقهم من أهل الحديث والفقه والتصوف ليس عندهم إلا قديم أو مخلوق ~~فالرب قديم إما بدون الصفات ms233 عند المعتزلة وإما بصفاته عند الكلابية وما سوى ~~ذلك مخلوق منفصل عن الله كائن بعد أن لم يكن # فصار هؤلاء يعتقدون أن من قال القرآن غير مخلوق فمراده أنه قدم لازم لذات ~~الله وأنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته ولا يجوز أن يقال يقدر أن يتكلم أو أنه ~~يتكلم بمشيئته وهذا أحد قولي أبي حنيفة وأحمد والشافعي ومالك وغيرهم # وقد حكى القولين عن أصحاب أحمد أبو بكر عبدالعزيز في كتابه وأبو عبدالله ~~بن حامد في أصوله والقول الثاني وهو قول جمهور أهل الحديث وأئمة السنة ~~وطوائف من أهل الكلام من PageV02P086 الهشامية والكرامية وأبي معاذ وزهير ~~الأثري وطوائف من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة ومذهب داود بن علي ~~وغيرهم فهؤلاء يقولون ثم قسم ثالث ليس بمخلوق منفصل عن الله وليس بقديم ~~العين وإن كان نوعه قديما وقد يقال في الشيء إنه قديم بمعنى أنه لم يزل ~~شيئا بعد شيء وقد يقال قديم بمعنى أنه موجود بعينه في الأزل # ولما صارت المعتزلة والكلابية ومن وافقهما لا يعتقدون أنه ليس هنا إلا ~~قولان أنه قديم ومخلوق وأنه لا موجود إلا قديم بعينه لم تزل عينه أو مخلوق ~~منفصل عن الله طال النزاع في مسألة القرآن وصارت الخلقية يحتجون بما يدل ~~على أن القرآن متعلق بمشيئة الله وقدرته وأن الكلام مستلزم لفعل المتكلم ~~ويحتجون بما يدل على أن الكلام فعل وأنه متعلق بمشيئته وقدرته وأنه يقول ~~كلاما متعلقا بالأوقات كقوله @QB@ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم @QE@ سورة ~~طه 116 وقوله @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ سورة الزخرف 3 وقوله @QB@ ~~أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ سورة هود 1 PageV02P087 # وما يدل على أنه متكلم بكلام بعد كلام كقوله @QB@ إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون @QE@ سورة آل عمران 59 وأمثال ~~ذلك # ومنازعوهم يحتجون بما يدل على أنه وصف لله قائم بذات الله وأنه يمتنع أن ~~لا يكون كلامه إلا ما خلقه في غيره وأنه لو كان الكلام مخلوقا لم يختص ~~بالإضافة إليه ms234 إضافة قول بل يضاف إليه كما يضاف إليه سائر المخلوقات وأنه ~~يلزم أن يكون ما خلقه من الكلام في غيره كلاما له وهو خالق كل شيء فكل كلام ~~كلامه وأن يكون ما خلقه من الأصوات صوتا له وأن الكلام لا يوصف به إلا من ~~قام به كما لا يوصف بالعلم والحياة والحركة إلا من قام به ذلك # ويقول هؤلاء الكلام من صفات الذات ليس من صفات الفعل وأما الجمهور من أهل ~~الحديث والكلام والفقه والتصوف وغيرهم فيقولون مدلول الأدلة الصحيحة من ~~الجانبين صحيحة ولا تناقض بينهما ولا منافاة بين كونه صفة ذات وصفة فعل فإن ~~الأقسام ثلاثة أحدها ما توصف به الذات مع عدم تعلق القدرة والمشيئة به ~~كالحياة # والثاني ما يكون مخلوقا بائنا عن الله فهذه هي المفعولات والصنفان ~~الأولان يقول أكثرهم هذه هي الأفعال ولا يفرقون بين الفعل والمفعول والخلق ~~والمخلوق وبعضهم يفرق مع قوله أنه ما ثم إلا قديم أو مخلوق فيجعل التكوين ~~صفة قديمة كما يقول ذلك غيره في الإرادة PageV02P088 وهذا قول كثير من أهل ~~الكلام والحديث والفقه من أصحاب أبي حنيفة وأحمد والشافعي وغيرهم # والثالث ما يقوم بذات الرب مع كونه بقدرته ومشيئته فهذا في الصفات ~~الذاتية لقيامة بالذات وهو من الفعلية لتعلقه بالمشيئة والقدرة والكلام عند ~~الصنف الثالث من هذا الضرب # فإذا عرف منشأ اضطراب الناس نقلا وعقلا في كلام الله فكذلك في أفعاله فإن ~~الذين لم يجعلوا الأمر إلا نوعين قديما بعينه أو مخلوقا منفصلا عنه من ~~المعتزلة ونحوهم وقد علموا أن الله خالق كل شيء صاروا يفهمون من كون الله ~~خالق كل شيء أن الله بقي معطلا من الفعل أو من الفعل والكلام تعطيلا أزليا ~~قديما لا أول له ثم فعل أو تكلم بدون سبب اقتضى ذلك أصلا ثم يقول كثير منهم ~~وهكذا يصير معطلا في الأبد لا يفعل شيئا ولا يتكلم فكان لا يفعل ولا يتكلم ~~ثم يصير لا يتكلم ولا يفعل شيئا وإنما المدة التي تكلم فيها وعمل مدة ~~محدودة ms235 الطرفين ويجعلون هذا هو دين الرسل الذي جاءت به الكتب وبعثت به ~~الرسل ويترجمون عما جاءت به الرسل بعباراتهم بحسب فهمهم فيقولون العالم ~~محدث والعالم ما سوى الله # ومعنى ذلك أن الله لم يزل معطلا عن الفعل والكلام حتى أحدث العالم بلا ~~سبب أصلا بل نفس القادر المختار يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح أصلا كالجائع ~~إذا قدم له رغيفان والهارب إذا عن له PageV02P089 طريقان فطمع المناظرون ~~لهم في قدم العالم من الدهرية من اليونان أتباع أرسطو وغيرهم واعتقدوا أنهم ~~إذا أثبتوا امتناع حدوث العالم بعد دوام التعطيل الذاتي فقد قطعوا هؤلاء ~~وأثبتوا قدم العالم وقدم هذه الأفلاك كما هو قول أرسطو # ويقول ابن سينا العقل الصريح الذي لم يكذب قط يعلم أنا إذا فرضنا ذاتا ~~معطلة كانت لا تفعل ثم فعلت بعد أن لم تفعل فلا بد من حدوث شيء إما قدرة ~~وإما إرادة وإما سبب ما وأما إذا كانت لا تفعل ثم حال أن تفعل كحال أن لا ~~تفعل لزم أن لا تفعل والتقدير أنها فعلت فلزم الجمع بين النقيضين وإنما لزم ~~الجمع لأنا فرضنا ذاتا معطلة عن الفعل فإذا كان هذا باطلا فنقيضه حق ولكن ~~هذا لا يفيد قدم العالم ولا قدم شيء من العالم ولا قدم فعل بعينه ولا مفعول ~~بعينه بل هذا بعينه يدل على امتناع قدم شيء من العالم وإن قدر أفعال ~~متعاقبة فإنه إذا كان حال الذات فيما لا يزال كحالها في الأزل ولم تختلف ~~لزم أن لا يحدث عنها هذا الحادث المعين لأنها كانت وهذا الحادث لم يحدث وهي ~~الآن على ما كانت عليه فيلزم أن لا يحدث هذا الحادث # وإذا قيل تجدد في العالم أمور جعلت هذا مستعدا للفعل # قيل والكلام في ذلك المتجدد كالكلام في غيره يمتنع أن يتجدد عن ذات حالها ~~عند التجدد وقبل التجدد شيء سواء تجدد بواسطة أو بغير واسطة فإن الحادث ~~يقتضي حصوله كمال التأثير وقت PageV02P090 إحداثه والقول في حدوث تمام ذلك ~~التأثير كالقول في ذلك الأثر ms236 الحادث فلا بد أن ينتهي إلى المؤثر الأول إنه ~~تجدد له حال يوجب كمال التأثير حال حدوث كل أثر وإن كان كمال حدوث التأثير ~~بذاته وإن كانت ذاته اقتضت أن تفعل شيئا بعد شيء فهي التي تكون بنفسها ~~فاعلة لهذا ثم لهذا ثم لهذا ليس غيرها يجعلها فاعلا فإن ذلك الغير هو من ~~مفعولاتها فهي التي جعلته مفعولا فما ثم إلا الفاعل ومفعولاته ولا شيء من ~~مفعولاته إلا منه # فهذا ممكن في العقل بخلاف ما إذا قيل إنه دائما يحدث الأنواع المختلفة ~~الحادثة وحاله حين جدد هذا كحاله قبل ذلك فإن هذا إن جاز جاز أن لا يكون ~~فاعلا ثم يصير فاعلا له من غير تجدد شيء فإن امتنع أن يفعل بعد أن لم يفعل ~~من غير تجدد شيء امتنع أن يفعل هذا بعد أن لم يكن فاعلا له من غير تجدد شيء ~~فهم أنكروا على خصومهم حدوث حادث عن القديم بلا سبب حادث وقولهم يستلزم أن ~~جميع الحوادث المتعاقبة المختلفة تحدث عن القديم بدون سبب حادث سواء قالوا ~~إنها تحدث بواسطة العقل وبدون واسطة العقل فإن العقل عندهم لازم لذاته لا ~~يحدث فيه شيء من الحوادث أصلا # فتبين أن قولهم الذي فروا إليه أشد بطلانا وتناقضا من قول خصومهم الذي ~~فروا منه يبين ذلك أن حدوث الحوادث عن القديم الواجب بنفسه بلا حدوث سبب إن ~~كان ممكنا كان قول منازعيهم ممكنا وبطلت حجتهم على قدم شيء من العالم وإن ~~كان ممتنعا كان قولهم أشد بطلانا من قول منازعيهم PageV02P091 # فتبين فساد قولهم على تقدير النقيضين فيكون فاسدا في نفس الأمر قطعا وذلك ~~انه إذا لم يمكن حدوث حادث من القديم الواجب إلا بحدوث سبب أو حال للمحدث ~~والتقدير عندهم أن القديم الواجب بنفسه لا يقوم به شيء من الأمور ~~الإختيارية ولا يحدث له حال أصلا بل حاله قبل إحداث المعين وبعده سواء ~~فحينئذ لا يكون محدثا لشيء من الحوادث لا بوسط ولا بغير وسط فيلزم حدوث ~~الحوادث بغير محدث # وهم ms237 يعتذرون في هذا الموضع بأن يقولوا الواجب لنفسه الذي يسمونه العلة ~~الأولى والمبدأ عام الفيض دائما ولكن حدوث الحوادث عنه يتوقف على حدوث ~~الإستعدادات والقوابل فإذا حدثت حدث عنه الفيض كما يقولون مثل ذلك في العقل ~~الفعال فيقولون إن فيضه على ما تحت الفلك عام ولكن يتوقف ذلك على حدوث ~~الإستعدادات والقوابل بامتزاج الأجسام الحاصل عن حركات الأفلاك واتصالات ~~الكواكب # وهذا الإعتذار من أعظم الخطأ والكلام الباطل لوجهين أحدهما أن العقل ~~الفعال عندهم ليس هو علة تامة لحدوث ما يفيض عنه ولا فاعلا مستقلا بل حدوث ~~الفيض عنه يتوقف على حوادث تحدث من غيره فكأن له شريكا في الفيض فلهذا ~~يتوقف فيضه PageV02P092 على ما يحدث عن مشاركيه وأما الواجب بنفسه الذي ~~يسمونه العلة الأولى والمبدأ الأول فلا يتوقف فيضه على غير ذاته ولا له ~~شريك غني عنه بل كل ما سواه صادر عنه ومفعول له وهم يسمونه معلولا له ~~وموجبا له ونحو ذلك فلم يجز أن يكون فيض الرب تعالى موقوفا على حدوث حادث ~~من غيره كما جاز مثل ذلك في العقل الفعال عندهم والتمثيل بالعقل الفعال على ~~أصلهم # وأما المسلمون فلا حقيقة عندهم للعقل الفعال بل التمثيل يحصل بالشمس ~~فإنها إذا ظهرت كان نورها وحرارتها عامة وإن توقف ذلك على حدوث استعدادات ~~وقوابل فإذا كان هناك سقف أو سحاب يمنع فيض ضوئها وحرارتها ثم زال ذلك ~~المانع حدث الضوء والحرارة بدون تجدد فعل في ذاتها وإنما هو لحدوث حادث في ~~غيرها # الثاني أن يقال الواجب بنفسه القديم رب العالمين الذي يسمونه العلة ~~الأولى والمبدأ الأول إما أن يكون علة تامة في الأزل بنفسه أي مقتضيا ~~وموجبا بنفسه كما يدعونه وإما أن يتوقف إيجابه على غيره فإن كان الأول لزم ~~أن يقترن به جميع موجبه ومقتضاه في الأزل فيكون جميع معلولاته أزلية وكل ~~واحد من الحوادث ليس أزليا فلا يكون شيء منها من معلولاته فلا يكون شيء ~~منها حادث عنه لا بسوط ولا غيره فيلزم أن لا محدث لها بحال ms238 إذ ليس هناك ~~واجب قديم غيره يكون مبدأ للحوادث وعلة لها بوسط أو بغير وسط # وإن قيل يتوقف إيجابه على غيره لزم أن لا يكون علة تامة فلا PageV02P093 ~~يقارنه شيء من المعلولات في الأزل هذا يبطل قولهم ويقتضي امتناع قدم شيء من ~~العالم # وأيضا فإن إيجابه إذا كان متوقفا على غيره كان ذلك مستلزما للدور القبلي ~~وللتسلسل في المؤثرات وكلاهما باطل باتفاق العقلاء فإن ذلك الغير إن كان ~~معلولا له لزم الدور القبلي وإن لم يكن معلولا له لزم التسلسل في المؤثرات ~~فإن تأثيره حينئذ يكون موقوفا على ذلك الغير وذلك الغير إن كان ممكنا فلا ~~بد له من واجب والقول فيه كالقول في الأول وإن كان واجبا بنفسه لزم توقف ~~تأثير كل من الواجبين على تأثير الآخر فلا يكون هذا مؤثرا حتى يجعله الآخر ~~مؤثرا وكذلك بالعكس فلا يكون كل واحد منهما مؤثرا وهذا كله مبسوط في غير ~~هذا الموضع # والمقصود هنا بيان أن قولهم أشد بطلانا من قول منازعيهم وأن الأصل الذي ~~بنوا عليه حجتهم وهم أن المؤثر التام لا بد أن يقارنه الأثر والأثر لا بد ~~أن يقارنه المؤثر التام هو نفسه يبطل حجتهم ومذهبهم فإنه يقتضي أن المؤثر ~~التام لم يكن تاما مؤثرا لشيء من الحوادث إلا حين حدوثه # وحينئذ فقبل ذلك لم يكن مؤثرا تاما ثم صار مؤثرا فانتقل من عدم التأثير ~~إلى وجود التأثير من غير تغير منه ولا حدوث شيء عنه أصلا عندهم فإنهم إذا ~~قالوا حركات الأفلاك هي شرط في التأثير أو قالوا تصورات النفس الفلكية ~~وإراداتها الحادثة هي الشرط في التأثير أو قالوا كل حادث شرط لما بعده كان ~~هذا باطلا من وجهين PageV02P094 # أحدهما أن القول في حدوث تلك الحوادث من الحركات والإرادات والتصورات ~~كالقول فيما حدث عنها فلا يكون مؤثرا تاما فيها حتى يحدث له ما به يصير ~~مؤثرا تاما وهو لا يحدث فيه شيء من الحوادث عندهم فلا يكون مؤثرا تاما في ~~حال من الأحوال لشيء من الحوادث # الثاني ms239 أن يقال الحادث الأول لا يجوز أن يكون هو الذي به صار المؤثر تاما ~~فيما بعده من الحوادث فإن تمام المؤثر لا بد أن يكون موجودا عند وجود الأثر ~~سواء سمي شرطا أو جزءا أو عدم مانع أو غير ذلك من الأسماء لأن التقدير أن ~~العلة التامة يقارنها معلولها وأن الأثر يقارنه المؤثر التام فلو قدر وجود ~~بعض ما به يتم المؤثر قبل وجود الأثر وعدمه عند وجود الأثر للزم أن لا يكون ~~المؤثر التام موجودا عند وجود الأثر وأن لا يكون الأثر موجودا عند وجود ~~المؤثر التام بل يكون موجودا عند عدم بعض ما به يتم المؤثر # والتقدير خلاف ذلك ولهذا وجب وجود العلة التامة عند وجود المعلول وإن شئت ~~قلت والفاعل التام عند وجود المفعول وإن شئت المؤثر التام عن وجود الأثر # فإن قيل يمكن أن يكون تأثير القديم في الثاني مشروط بعدم الأول وعدم ~~الأول مقارن لحدوث الثاني لا يكون الشرط مجرد حدوث الأول كما يقول من يقول ~~إنه لم يزل متكلما إذا شاء وفاعلا بمشيئته شيئا بعد شيء PageV02P095 # فنقول إن نفس ذاته هي المؤثرة في كل واحد واحد من تلك الأقوال والأفعال ~~لكن تأثيرها في الثاني مشروط بعدم الأول # وإلا فلو قيل إن الحادث الثاني يجب أن يحدث عند حدوثه أمر وجودي يلزم ~~التسلسل في تمام التأثير وذلك من التسلسل في التأثير وهو ممتنع فإنه إذا ~~كان ذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث عند حدوثه حادث وهذا أيضا يحدث عند حدوثه ~~حادث لزم التسلسل في تمام أسباب ومسببات إلى غير نهاية وذلك ممتنع بصريح ~~العقل واتفاق العقلاء كما يمتنع أن يكون لهذا المحدث محدث ولهذا محدث إلى ~~غير نهاية فلا بد أن تكون الحوادث صادرة عن قديم ويكون حدوث الثاني مشروطا ~~بعدم الأول فيكون بما في المؤثر الحادث عدم الأول والمؤثر القديم يحدث هذا ~~بعد هذا وحدوث الثاني مشروط بعدم الأول # قيل هذا الذي ذكر يجب اعتباره في الفاعل الأول الواجب بذاته إذا كان ~~فاعلا لشيء ms240 بعد شيء ولم يكن مؤثرا تاما لشيء أزلي بل ذاته مستلزمة لنوع ~~التأثير لا لتأثير معين # وهؤلاء القائلون بقدم العالم اشتبه عليهم نوع التأثير بعين التأثير فلما ~~رأوا أن الذات تستلزم كونه مؤثرا لامتناع حدوث ذلك لم يميزوا بين النوع ~~والعين فظنوا أن هذا يقتضي قدم الأفلاك أو غيرها من أعيان العالم ~~PageV02P096 # وهذا خطأ قطعا فإن الذات تستلزم نوع التأثير لا عينه فإذا قدر أنها لم ~~تزل فاعلة لشيء بعد شيء لم يكن شيء من مفعولاتها قديما بل كل ما سواها حادث ~~كائن بعد أن لم يكن وإن كان فعلها من لوازم ذاتها # والذين قابلوا هؤلاء لما أرادوا أن يثبتوا حدوث كل ما سوى الله ظنوا أن ~~هذا يتضمن أنه كان معطلا غير قادر على الفعل وأن كونه محدثا لا يصح إلا على ~~هذاالوجه فهؤلاء أثبتوا التعطيل عن نوع الفعل وأولئك أثبتوا قدم عين الفعل ~~وليس لهم حجة تدل على ذلك قط وإنما يدل على ما يذكرونه من الحجج على ثبوت ~~النوع لا على ثبوت عين الفعل ولا عين المفعول ولو كان يقتضي دليلهم الصحيح ~~قدم عين الفعل والمفعول لامتنع حدوث شيء من الحوادث وهو مخالف للمشهود # وحينئذ فالذي هو من لوازم ذاته نوع الفعل لا فعل معين ولا مفعول معين فلا ~~يكون في العالم شيء قديم وحينئذ لا يكون في الأزل مؤثرا تاما في شيء من ~~العالم ولكن لم يزل مؤثرا تاما في شيء بعد شيء وكل أثر يوجد عند حصول كمال ~~التأثير فيه والمقتضى لكمال التأثير فه هو الذات عند حصول الشروط وارتفاع ~~الموانع # وهذا إنما يكون في الذات التي تقوم بها الأمور الاختيارية وتفعل بالقدرة ~~والمشيئة بل وتتصف بما أخبرت به الرسل من أن الله يحب ويبغض ويرضى ويسخط ~~ويكره ويفرح وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة فأماإذا لم يكن إلا حال ~~واحدة أزلا وأبدا وقدر أن لها معلولا لزم أن يكون على حال واحدة أزلا وأبدا ~~PageV02P097 # وإذا قيل إنها توجب الحدث الثاني بشرط عدم الأول ms241 # قيل الحوادث الصادرة عنها مختلفة فإن الحركات مختلفة إذ ليست حركة التاسع ~~هي وحدها الموجبة لجميع الحوادث بل الحركات المختصة بكل فلك فلك ليست ناشئة ~~عنها # وحينئذ فهو يحدث حركات مختلفة شيئا بعد شيء وحوادث مختلفة شيء بعد شيء ~~فيمتنع أن يكون في الأزل موجبا لها ويمتنع أن يتجدد له ما يصير به موجبا ~~بدون فعل منه فإن القول في إيجابه للشرط كالقول في إيجابه للمشروط وتلك ~~الحوادث لها محل قديم وهو معلوم فيلزم أن يكون مقتضيه في الأزل للمحل ~~مقتضيه للآثار شيئا بعد شيء وهو في جميع ذلك على حال واحدة من الأزل إلى ~~الأبد # والمعلول صادر عن العلة لازم لها فإذا كان على حال واحدة لزم أن يكون ~~المعلول على حال واحدة وإلا لزم وجود المعلول بدون العلة # وهو حقيقة مذهب القوم فإن كل ما في المعلول هو من العلة فإذا قدر أن ~~العلة لا يتنوع فعلها ولا صفة لها ولا يحدث فيها شيء لزم أن يكون المعلول ~~كذلك واحدا لا يتنوع ولا يحدث فيه شيء وهو خلاف المشاهدة وهذا أمر لا محيد ~~عنه # وحذاقهم معترفون بهذا فإن ما ادعوه مخالف لصريح المعقول لمن تصور حقيقة ~~قول القوم وإنما طمعوا في أهل الكلام المبتدعين الذين ذمهم السلف والأئمة ~~لما اشتمل عليه كلامهم من الباطل شرعا وعقلا فإنهم خالفوا السمع والعقل ~~وظنوا أن الرسل أخبرت بأن الباري كان PageV02P098 معطلا لا يقدر أن يفعل ~~ولا أن يتكلم ثم بعد هذا قدر أن يفعل وأن يتكلم 4 فانتقل من عدم القدرة إلى ~~القدرة بلا حدوث شيء وانتقل الشيء من الإمتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي ~~بلا حدوث شيء ولزم أن يكون بين الباري وبين أول كلامه وفعله مدة لا نهاية ~~لها وليس هناك مدة وأن يكون قبل الزمان زمان زمان إلى غير ذلك من الأمور ~~التي ابتدعها المتكلمة الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم في الإسلام فجاء أولئك ~~الملحدة فرأوا أن هذه أقوال فاسدة فظنوا أنهم إذا أفسدوها بدوام فاعلية ~~الرب وأن ما جاز ms242 وجوده عنه وجب وجوده لزم من ذلك قدم هذا العالم ودوامه وأن ~~الرب تعالى لم يحدث هذا العالم ولا يغيره ولا يقيم القيامة الكبرى إذ فعله ~~واحد لا يتبدل # وهذا من أعظم الجهل والضلال عقلا كما هو من أعظم الإلحاد شرعا فإن الفعل ~~ليس واحد بالعين إذ لو كان كذلك لم يحدث شيء وإذا كان يفعل شيئا بعد شيء ~~فلا فرق بين إحداث أنواع من الحيوان لم تكن وإحداث عالم لم يكن وإحداث ~~إشخاص لم تكن # والحوادث المختلفة في العالم دالة على أحداث فاعلة للحوادث ولهذا يبين ~~سبحانه وتعالى الأدلة على إثبات الصانع بإحداثه الحوادث المشهودة كإنزال ~~المطر وإنبات النبات وخلق الإنسان وغيره من الحيوان # وقد ذكر في غير هذا الموضع تنازع الناس في هذا المقام فإن طائفة من أهل ~~الكلام من المعتزلة وغيرهم يقولون إن المؤثر التام يجب أن PageV02P099 ~~يتقدم بالزمان على الأثر ولهذا يقولون القدرة على الفعل لا تكون إلا قبل ~~الفعل وكذلك الإرادة للفعل # وأما أهل السنة المثبتون للقدر فعندهم لا بد من وجود القدرة عند الفعل ~~ويعنون بالقدرة مجموع ما به يصير العبد فاعلا فدخل في ذلك الإرادة وغيرها # لكنهم متنازعون هل يجوز وجود القدرة قبل الفعل وبقاؤها إلى حين الفعل ~~وأنه عند الفعل ينضم إليها الإرادة أم لا يجوز وجودها إلا عند الفعل على ~~قولين # فالأول قول أئمة الفقهاء وأهل السنة وهو المنقول عن أبي حنيفة وأبي محمد ~~بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي العباس بن سريج وغيرهم ممن يقول القدرة ~~تصلح للضدين وهو قول الفقهاء والجمهور الذين يقسمون القدرة إلى نوعين مصححة ~~للفعل وهي المشترطة في الأمر والنهي وهي مشتركة بين المطيع والعاصي ~~ومستلزمة للفعل وهي التي يختص بها المطيع دون العاصي # والثاني قول من يقول لا تكون القدرة إلا عند الفعل وأن خلاف المعلوم غير ~~مقدور للعبد وأن العاصي ليس قادرا على الطاعة وهذا قول أبي الحسن الأشعري ~~ومن وافقه من أهل الكلام والفقه على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ~~وغيرهم PageV02P100 # لكن ms243 جمهور هؤلاء متناقضون فيقولون في هذا الموضع القدرة لا تكون إلا مع ~~الفعل وفي الفقه وأصوله يجعلون العاصي قادرا على الطاعة كما يجب الحج على ~~المستطيع سواء حج أو لم يحج وقد يجعلون النزاع لفظيا منقولون الصحة ~~المتقدمة وسلامة البنية المتقدمة ليست هي الإستطاعة التي لا تكون إلا مع ~~الفعل # لكن يقال لهم نصوص الكتاب والسنة توجب جعل ذلك من الإستطاعة وإذا كان ~~النزاع لفظيا فأحق الألفاظ بالرعاية ألفاظ الشارع الواردة في الكتاب والسنة # وبالجملة فمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر وأن الله خالق أفعال ~~العباد أن مجموع ما يوجب وجود فعل العبد لا يوجد إلا عند وجود فعله # لكنهم في أفعال الله متنازعون فالكلابية ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب ~~الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون إن القدرة القديمة والإرادة القديمة هي ~~المقتضية لحدوث كل ما حدث في وقت حدوثه من غير تجدد أمر وجودي فقالوا هنا ~~إن المؤثر التام يتقدم على أثره أو يقولون من تمام المؤثر التعلق الحادث ~~عند وجود الأثر لكن هذا التعلق عندهم عدمي # وأما الكرامية ونحوهم فإنهم وإن قالوا إنه عند حدوث حوادث PageV02P101 ~~العالم قد يقوم بذاته أمور اختيارية من إرادة أو كلام أو غير ذلك فهم ~~يقولون إن الحوادث ابتداء حدثت بغير سبب حادث فيرد عليهم في أصل الحدوث ما ~~يرد على أولئك في تفصيل الحوادث # وأما المعتزلة وغيرهم من القدرية قولهم في التأثير واحد وهو أن القادر ~~المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح # والذين ناظروهم وناظروا الفلاسفة على أصل الكلابية كأبي عبدالله الرازي ~~وغيره إذا ناظروا القدرية من المعتزلة وغيرهم استدلوا بأن القادر المختار ~~لا يرجح الفعل على الترك إلا بمرجح وقالوا إن رجحان فاعلية العبد على ~~تاركيته يتوقف على مرجح تام يستلزم وجود الأثر # وإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم قالوا إن القادر المختار يرجح ~~أحد طرفي مقدوريه على الآخر بلا مرجح وادعوا أن المرجح التام إنما يستلزم ~~الأثر إذا كان موجبا بالذات فأما إذا كان فاعلا بالإختيار فلا وربما ادعى ms244 ~~بعضهم العلم الضروري بالفرق بين ترجيح الموجب بالذات والفاعل بالإختيار # وهذا تناقض بين لمن فهمه فإنه إن كان الفرق صحيحا بطلت حجتهم على القدرية ~~من المعتزلة وغيرهم ولزم جواز إحداث العبد لفعله بلا سبب حادث لأن القادر ~~المختار يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وإن كان الفرق باطلا لزم بطلان جوابهم ~~للفلاسفة فأحد الأمرين لازم إما بطلان حجتهم على هؤلاء وإما بطلان جوابهم ~~لهؤلاء PageV02P102 # وأيضا فإن الموجب بالذات قد يراد به ما تكون مجرد ذاته العارية عن الصفات ~~والأفعال مستلزمة لموجبه وعلى هذا فيحصل الفرق بين مسمى الموجب بالذات ~~ومسمى الفاعل بالإختيار وقد يراد به ما يوجب بذاته الموصوفة بالصفات ~~والمشيئة والفعل وعلى هذا فكونه موجبا بالذات لا ينافي كونه فاعلا ~~بالإختيار # فقولهم إن الترجيح بدون مرجح تام ممتنع في الموجب بالذات دون الفاعل ~~بالإختيار قول باطل لأنه حينئذ قد يكون فاعلا باختياره وعند حصول القدرة ~~التامة والإرادة الجازمة يجب وجود الفعل فيكون موجبا بذاته الموصوفة ~~بالقدرة والإختيار لا بذات مسلوبة القدرة والإختيار # وغاية ما يمكن أن يقال في الإعتذار عن تناقض هؤلاء أن القديم المختار له ~~أن يرجح أحد مقدوريه بدون مرجح بدون المحدث المختار لأن المحدث لا يتصور ~~حدوث شيء منه إلا من غيره فإن كونه قادرا مريدا وفاعلا إنما هو من غيره ~~فنفس ذاته ليس من لوازمها أن تكون قادرة مريدة فاعلة بل ذلك لها من غيرها ~~فلهذا لا يرجح بغير مرجح وهي إذا افتقرت إلى مرجح فالمرجح يحدث من الله ~~تعالى بخلاف القديم الواجب بنفسه سبحانه فإنه هو المحدث لكل ما سواه وهو ~~بنفسه مستغن عن كل ما سواه فيمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح # فيقال لهؤلاء هذا فرق فاسد من وجوه متعددة PageV02P103 منها أن يقال كون ~~المؤثر التام يستلزم أثره ويقارنه وأن الأثر يستلزم المؤثر التام ويقارنه ~~وأن يقال كون المرجح التام يستلزم الرجحان وأن الرجحان بدون المرجح التام ~~ممتنع قضية كلية لا تقبل الإنتقاض ولا التخصيص كما قيل المحدث لا بد له من ~~المحدث ms245 والتخصيص المحدث لا بد له من مخصص والممكن لا يترجح وجوده على عدمه ~~إلا بمرجح فهذه قضايا كلية لا تنتقض سواء قدر المحدث والمخصص والمرجح قديما ~~أو محدثا # ومنها أن يقال ما به يعلم أن المحدث لا يرجح بدون مرجح تام به يعلم ذلك ~~في القديم مثل أن يقال الإرادة إما أن يجب مقارنة مرادها لها وإما أن لا ~~يجب فإن وجب لزم إذا كانت الإرادة قديمة أن يكون المراد قديما وبطل قولهم ~~وإن لم يجب فإما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا فإن كان ممتنعا لزم أن ~~لا يوجد المراد مع وجود الإرادة وهذا باطل فإنهم يقولون إن الإرادة باقية ~~إلى حين وجود المراد # وأيضا فإذا كان ممتنعا فإن لم يصر ممكنا لزم دوام الإمتناع فيلزم أن لا ~~يحدث شيء وإن صار بعد ذلك ممكنا والتقدير أنه لم يتجدد شيء لزم أن يصير ~~الشيء ممكنا بعد أن كان ممتنعا من غير حدوث شيء فينقلب الشيء من الإمتناع ~~إلى الإمكان بلا سبب وهذا معلوم الفساد بالضرورة PageV02P104 # ثم إذا قيل هو ممكن بعدها أو قيل هو ممكن معها فالممكن لا يترجح وجوده ~~على عدمه إلا بمرجح والتقدير أنه ليس هناك مرجح غير ما ذكر فيلزم أن لا ~~يوجد شيء أصلا # وإذا قيل المرجح تعلق الإرادة # قيل هذا التعلق إذا كان حادثا فلا بد له من محدث وإن كان قديما فلم يتجدد ~~شيء # وأيضا فإن كان أمرا وجوديا فهو حادث من الحوادث فلا بد له من محدث وإن ~~كان عدما فليس بشيء فلا مرجح هناك فإن ما ليس بشيء لا يكون مرجحا للوجود # وأيضا فإذا كان حال قبل حدوث الحادث كالحال بعده كما هو قولهم من كل وجه ~~كان تخصيص أحد الحالين بالحدوث ترجيحا لأحد المتماثلين بلا مرجح # وقول القائل إن الإرادة لذاتها تقتضي التخصيص بلا مخصص قول باطل فإن ~~الإرادة التي يعرفها الناس من انفسهم لا توجب ترجيحا إلا بمرجح وإرادة ~~الإنسان لأحد المتماثلين دون الآخر مع تساويهما من كل ms246 وجه ومع كون نسبة ~~الإرادة إليهما سواء ممتنع لمن تصوره والعلم بامتناعه ضروري وهذا هو نفس ~~الترجيح بلا مرجح PageV02P105 # بل الذي يعلمه الناس من أنفسهم أن إرادة الإنسان أحد الشيئين ليست هي ~~إرادته للآخر سواء ماثله أو خالفه فضلا عن أن يكون إرادة واحدة نسبتها إلى ~~المثلين سواء وهي ترجح أحدهما بلا مرجح وإن جاز أن يقال إن هذه الإرادة ~~حاصلة له وهي ترجح أحد متعلقيها المتماثلين بلا مرجح جاز أن يقال نفس ~~الإنسان يرجح إرادة هذا على إرادة هذا بلا مرجح # وحينئذ فلا يكون حدوث الإرادة مفتقرا إلى سبب غير نفس الإنسان بل نفسه ~~يمكنها إحداث هذه الإرادة دون هذه الإرادة بلا مرجح # وهذا قول القدرية الذين يقولون إن الإنسان هو الذي يحدث إرادته بلا إرادة ~~ويقولون إن الإرادة لا تعلل ويقولون مثل ذلك في القديم يقولون إنه يحدث ~~الإرادة # بلا إرادة وقول هؤلاء وإن طردوه فهو فاسد من وجوه # منها أنهم أثبتوا الحوادث بلا محدث تام والأثر بلا مؤثر تام والممكن بلا ~~مرجح تام # ومنها أنهم رجحوا أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهذا مع بطلانه ~~بالضرورة فهو يسد عليهم طريق إثبات الصانع # ومنها أنهم خصوا أحد الزمانين المتماثلين بالحدوث بلا مرجح وهو كذلك ~~PageV02P106 # ومنها أنهم أثبتوا إحداث المختار للحوادث بلا إرادة فإن إرادته حادثة بلا ~~إرادة إذ الإرادة عندهم ليست من لوازم نفسه بل هي تحدث من محدثها ومتى جاز ~~إحداث حادث بلا إرادة جاز إحداث آخر ولهذا تفرقوا في إرادة الباري تعالى # فالبغداديون من المعتزلة ومن وافقهم من الرافضة واليهود نفوها والبصريون ~~أثبتوا إرادة حادثة لا في محل فلزمهم إثبات صفة قائمة بل عرض قائم بنفسه ~~وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو إبطال لحقيقة الغرض وإن جاز ذلك جاز إثبات ~~كلام لا في محل وعلم لا في محل وقدرة لا في محل # ومنها أنهم أثبتوا حادثا بلا إرادة # ومنها انهم جعلوا الحي مريدا بإرادة ليست قائمة به كما جعلوه متكلما ~~بكلام لا يقوم به وإن جاز هذا ms247 جاز أن يعلم بعلم لايقوم به ويقدر بقدرة لا ~~تقوم به ويحيا بحياة لا تقوم به إلى أمثال ذلك # ومما يبين فساد ما ذكروه من الفرق أن يقال أنتم قررتم أنه لا بد عند وجود ~~المقدور المراد من وجود القدرة والإرادة وأنه يمتنع وجود المقدور المراد ~~بقدرة وإرادة تتقدم على المقدور المراد وأبطلتم قول القدرية في ذلك بأنه ~~يستلزم وجود الحادث بأمر معدوم وإن قدر أنه عند وجود المقدور المراد كانت ~~الإرادة أو القدرية معدومة فلا بد من وجود ذلك عند PageV02P107 وجود ~~المقدور المراد فإن كان وجود ذلك قبل وجود المقدور المراد مثل وجوده عند ~~وجود المقدور المراد كان وجود ذلك أزلا ولم يؤثر شيئا فإذا كان الحال لم ~~يتغير فهو بعد ذلك أيضا لم يؤثر شيئا وهذا أضعف من القول بوجوده عقب ~~الإرادة والقدرة لأنه هنا مؤثر تأخر عنه أثره وهناك أثر بلا مؤثر والقول ~~بوجود أثر بلا مؤثر أفسد من القول بأثر تأخر عن مؤثره # ولهذا كان إنكار الناس على القدرية قولهم بأنه ليس لله على المؤمنين نعمة ~~من بها إلا وقد أعطى مثلها للكافر أشد من إنكارهم عليهم أن الإيمان بقدرة ~~متقدمة وإرادة متقدمة # والناس يعلمون افتقار أنفسهم إلى الله تعالى في أن يهديهم ويعينهم على ~~الإيمان والعمل الصالح أعظم مما يعلمون كون الأثر يقارن المؤثر وإذا قيل ~~لأحدهم الإعانة التي أعطيت للصحابة على الإيمان كالإعانة التي أعطيت لأبي ~~جهل وأبي لهب بادرت فطرته إلى إنكار ذلك # وكذلك في نظائر ذلك مثل أن يقال ما به أعين المصلى هو مثل ما به أعين ~~تارك الصلاة وما به أعين المهتدي مثل ما به أعين الضال فإن الفطرة تشهد أنه ~~لو استوى الأمران لم يختص أحدهما بالطاعة # وهذا مع أن التماثل إنما تدعيه القدرية في القدرة خاصة وأما الإرادة ~~فإنهم يقولون إن المؤمن يحدث إرادة الإيمان فإذا كانت PageV02P108 الفطرة ~~تنكر تساوي القدرتين مع اختصاص أحدهما بالإرادة أعظم مما تنكر تأخر الأثر ~~عن المؤثر فكيف إذا قيل إن القدرة والإرادة ms248 في حال وجود الفعل كحالها قبل ~~وجود الفعل وأن الفعل حدث بلا تجدد شيء أصلا # فإن هذا مما يعلم بالفطرة إنكاره ويعلم أنه لا بد حين وجود الفعل من حصول ~~تمام المؤثر الذي به يصير الفاعل مريدا إرادة جازمة وقادرا قدرة تامة فإنه ~~مع القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المقدور والمراد # ولا ريب أن الله على كل شيء قدير كما نطق به القرآن في غير موضع فإن ~~قدرته من لوازم ذاته والمصحح لها الإمكان فلا اختصاص لها بممكن دون ممكن ~~لكن الممتنع لذاته ليس شيئا باتفاق العقلاء فلا يعقل وجوده في الخارج فإنه ~~لا يعقل في الخارج كون الشيء موجودا معدوما أو متحركا ساكنا أو كون أجزاء ~~الحركة المتعاقبة مقترنة في آن آن واحد أو كون اليوم موجودا مع أمس وغدا ~~وأمثال ذلك # وحينئذ فمثل هذا لا يدخل في عموم الكتاب وأما الممتنع لغيره وهو ما علم ~~الله أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون وكتب أنه لا يكون فهذا لا يكون لعدم ~~إرادته وأنه لا يكون فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهذا لو شاء ~~لفعله كما أخبر القرآن في غير موضع أنه لو شاء الله لآتى كل نفس هداها ولو ~~شاء لجعل الناس أمة واحدة وأمثال ذلك PageV02P109 # والقادر إذا لم يفعل الشيء لعدم إرادته له لم يمنع ذلك أن يكون قادرا ~~عليه بخلاف ما إذا لم يفعله لكونه ليس قادرا عليه والقادر يجوز أن يفعل كلا ~~من الضدين ويريده على طريق البدل بخلاف فعلهما على وجه الجمع فإنه ممتنع ~~لذاته # ولو كان فعل القادر موقوفا على إعانة غيره أو ممنوعا بغيره لم يكن قادرا ~~بنفسه وهذا من دلائل الوحدانية فإن الرب لا بد أن يكون قادرا بنفسه لامتناع ~~كون قدرته من غيره ويمتنع اجتماع قادرين بأنفسهما على شيء واحد فإن قدرة ~~أحدهما عليه مشروطة بعدم قدرة الآخر عليه حال كون الأول قادرا لامتناع ~~اجتماع قدرتين تامتين على فعل واحد وامتناع اجتماع فاعلين مستقلين ms249 على فعل ~~واحد وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أنه إذا فرض أن قدرته وإرادته وسائر ما يتوقف الفعل عليه ~~حال وجود الفعل كما هي حال عدم وجود الفعل كان هذا ممتنعا بالضرورة كامتناع ~~هذا في كل مؤثر تام بل لا بد لحال الفعل من اختصاصه بأمر لا يكون موجودا ~~عند عدم الفعل # وأما السلف والأئمة وأكابر أهل الحديث الذين يقولون لم يزل الله متكلما ~~إذا شاء ولم يزل تقوم به الأمور الإختيارية فلا يرد عليهم شيء من هذه ~~التناقضات الواردة على هؤلاء الأصناف من أهل الكلام والفلسفة PageV02P110 # وكذلك لا يرد على من وافقهم من أساطين الفلاسفة القائلين بقيام الأمور ~~الإرادية بذاته وأنه لم يزل كذلك كما يقوله أبو البركات صاحب المعتبر وغيره ~~من متقدمي الفلاسفة ومتأخريهم فإن هؤلاء يطردون الأصل المتقدم في أن المؤثر ~~التام يستلزم أثره وأن الأثر يلازم المؤثر التام ولا يفرقون في ذلك بين ~~مؤثر ومؤثر # والرب تعالى عندهم فاعل لكل ما سواه بقدرته واختياره وإذا سمي موجبا ~~بالذات بمعنى أنه موجب بذاته الموصوفة بالقدرة والإختيار ما يحدثه من ~~الحوادث في وقت إحداثه إياه فهذا حق عندهم كما يقول المسلمون ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن ويقولون إن كل حادث فله سبب حادث وإن كمال فاعلية ~~الرب تعالى لكل مفعول هو عند فعله إياه كما قال تعالى @QB@ إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 # وهؤلاء يطرد على أصلهم بيان تناقض الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك وفساد ~~حجتهم ومذهبهم وأما غيرهم فإنه وإن بين تناقض الفلاسفة من وجه فإنه يتناقض ~~هو من وجه آخر فهم يردون باطلا بباطل ويقابلون بدعة ببدعة لكن لكل حال كل ~~من كان إلى اتباع الرسل أقرب كان قوله أقوم وأقرب إلى صريح المعقول وصحيح ~~المنقول ممن هو أبعد منه عن متابعة الرسل فإن المعقول الصريح لا يدرك إلا ~~على موافقة أقوال الرسل لا على مخالفتها # والمقصود هنا بيان فساد قول هؤلاء الفلاسفة ms250 ومذهبهم وأنه PageV02P111 ~~أعظم فسادا من قول القدرية المعتزلة وغيرهم ومن الكلابية وغيرهم من أصناف ~~أهل الكلام فإن هؤلاء الفلاسفة الدهرية لا سيما معطلة الصفات منهم يحتجون ~~بأن المؤثر التام لا بد أن يقارنه أثره ثم يقولون والرب لا بد أن يكون ~~مؤثرا تاما في الأزل إذ لو لم يكن كذلك للزم حدوث تمام تأثيره والكلام في ~~حدوث ذلك الحادث كالكلام في غيره فيلزم التسلسل بمعنى حدوث تمامات لا نهاية ~~لها في آن واحد للعلة الفاعلة وهو باطل لم يقل به طائفة من الطوائف كما لم ~~يقل بتسلسل علل تامة # وحجتهم مبنية على امتناع التسلسل في المؤثرات وهو متفق عليه بين العقلاء ~~وامتناع الترجيح بغير مرجح والمعتزلة والكلابية والكرامية ونحوهم أبطلوها ~~لجواز الترجيح عندهم من القادر بلا مرجح # وقد عرف ما في هذا الجواب وأنه إنما يستقيم على أصول القدرية والجهمية ~~ولهذا كان النزاع هنا بين القدرية والدهرية وكلاهما مبطل لكن القدرية أمثل ~~لكنهم عارضوها بحدوث الحوادث اليومية فإن حجتهم تستلزم أن لا يحدث شيء وقد ~~حدث # والمعارضة تدل على فساد الحجة لكن لا تحلها ولا تبين وجه فسادها وقد طعن ~~الأرموي وغيره في هذه المعارضة وقد بينا فساد طعنه وصحة هذه المعارضة كما ~~ذكرها الغزالي والرازي والأبهري وغيرهم ممن عارض بها الفلاسفة # وجاء بعد الأرموي الهندي فنقل طعنه فيها نقلا مجردا ولم يجب عنه ~~PageV02P112 بشيء وذكر الأرموي جوابه الذي سماه الجواب الباهر وأخذه من ~~كلام الرازي لأنه أجاب بهذا الجواب الذي سماه الباهر من المطالب العالية ~~فأجاب أنه لا يلزم منه قدم العالم الجسماني لجواز أن يوجد عقل في الأزل أو ~~نفس تصدر عنهما تصورات متعاقبة كل واحد منهما بعدما يليه حتى ننتهي إلى ~~تصور خاص يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ القديم # ثم إن الهندي لم يكن عنده غير ما نقله من كلام هؤلاء وهذا الجواب بنى ~~عليه أبو عبدالله القشيري المعروف بابن دقيق العيد حيث جزم بحدوث الأجسام ~~دون سواها مع جعله جميع الممكنات صادرة عن الواجب ms251 # وهذا الجواب بنوه على ظنهم الفاسد وهو أن الدليل قد قام على حدوث الأجسام ~~دون ما سواها بناء على أن المتكلمين لم يقيموا دليلا على أنه لا ممكن إلا ~~الجسم أو العرض كما قد ذكر ذلك الشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم من ~~متأخري أهل الكلام المخلوط بالفلسفة من المعتزلة والأشعرية # وهذا الجواب لا يوافق دين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وهو ~~باطل ولم يحصل به جواب عن أدلة الفلاسفة PageV02P113 # وهو باطل من وجوه # أحدها أن يقال فالنفس عند هؤلاء لا تكون إلا مقارنة للجسم فإنها متعلقة ~~به تعلق التدبير وهم متنازعون هل هي جوهر أو عرض وحينئذ فوجود نفوس دون ~~أجسام ممتنع فبطل أصل هذا الجواب # الثاني أن يقال دليل المعتزلة ومن وافقهم على حدوث الأجسام إنما هو ~~لامتناع حوادث لا أول لها وهذا بعينه يقتضي حدوث النفس فإنه تقوم بها ~~الحوادث فإذا امتنع أن تقوم بها الحوادث التي لا تتناهى لزم حدوثها فطريقة ~~المعتزلة ومن وافقهم في حدوث الأجسام إن كانت صحيحة لزم حدوث النفوس مثل ~~هذه الطريقة وإن كان باطلة بطل التفريق بين النفوس والأجسام فلزم على ~~التقديرين أن يكون قول هؤلاء بحدوث الأجسام دون النفوس قولا باطلا # الجواب الثالث أن يقال دليل حدوث الأجسام الذي هو امتناع حوادث لا أول ~~لها يوجب حدوث النفوس كماتقدم وأما العقول فبتقدير ثبوتها كما يدعيها هؤلاء ~~المتفلسفة فهي قديمة لازمة لذات الله وهو تعالى موجب بذاته لها في الأزل ~~إيجابا قديما دائما فقدم العقول مستلزم لكونه موجبا بذاته لشيء معين دائما ~~وكونه محدثا للأجسام أو للأجسام والنفوس بعد أن لم تكن ينافي كونه موجبا ~~بذاته في الأزل فإن الذي يفعل بعد أن لم يكن يفعل لا يكون إن قدر وجوده إلا ~~فاعلا بالإختيار فصار هذا القول مستلزما لكونه موجبا PageV02P114 بالذات ~~غير موجب بالذات وذلك جمع بين النقيضين فتبين أن القول بحدوث الأجسام مع ~~قدم العقول جمع بين النقيضين فيكون باطلا # وإيضاح هذا أنه إما أن يجوز أن يفعل بعد أن لم ms252 يفعل وإما أن لا يجوز فإن ~~جاز ذلك كما يقوله من يقوله من أهل الكلام جاز حدوث كل ما سواه وإن لم يجز ~~ذلك لزم أنه لم يزل فاعلا وحينئذ فإن قيل لم يزل فاعلا لشيء بعد شيء أمكن ~~دوام الفاعلية مع حدوث كل ما سواه وإن قيل لم يزل فاعلا لشيء معين لم يكن ~~فرق بين العقول وبين غيرها فالقول بقدم العقول مع حدوث الأجسام قول متناقض # وبهذا يتبين أن ما استدل به من استدل من المتكلمين على حدوث الأجسام وإن ~~كان صحيحا يستلزم حدوث كل ما سوى الله ويظهر خطأ متأخريهم الذين اعترضوا ~~على متقدميهم بأن دليلهم على حدوث الأجسام والأعراض لا يتناول حدوث كل ما ~~سوى الله لإمكان وجود العقول والنفوس التي يثبتها المشاؤون من الفلاسفة ~~وإمكان قدمها قالوا والمتكلمون لم يقيموا دليلا صحيحا على نفي ما سوى ~~الأعراض والأجسام وقد بينا بطلان كلام هؤلاء في غير موضع # وللنظار في إبطاله طرق إحداها طريقة من يقول العلم بأن كل ممكن إما جسم ~~وإما عرض قائم بالجسم علم ضروري كما ذكر ذلك غير واحد من أئمة النظار كأبي ~~المعالي وغيره PageV02P115 # والثانية طريقة من يقول الوجود لا يكون إلا مشارا إليه أو قائما بمشار ~~إليه وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين ومن هؤلاء ~~من يصرح بأنه لا موجود إلا الجسم وما يقوم بالجسم كما هو مبسوط في غير هذا ~~الموضع # الطريقة الثالثة أن يقال هب أنه لم يعلم انتفاء ما سوى الأجسام والأعراض ~~لكن دليل حدوثها يستلزم حدوث كل ما سوى الله # وهذا يتبين بالجواب الرابع وهو أن يقال لا ريب أن النظار المثبتين لحدوث ~~أجسام العالم وأعراضه من المعتزلة والكلابية والكرامية والهشامية والنجارية ~~والضرارية والجهمية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث الذين بنوا ~~ذلك على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث هم صنفان صنف يقول إن الجسم لا ~~يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهؤلاء يقولون بحدوث ms253 ~~الأجسام وأعراضها مطلقا # وصنف يقولون إن الجسم نوعان نوع يخلو عن الحوادث ونوع لا يخلو عن الحوادث ~~فالذي لا يخلو عن الحوادث هو الحادث دون الأول كما يقول ذلك من يقوله من ~~الهشامية والكرامية وغيرهم وعلى قول هؤلاء فالسكون أمر عدمي لا وجودي وحدوث ~~الحوادث ابتداء في القديم بعد أن لم يكن كحدوث الحوادث عنه ابتداء بعد أن ~~لم يكن فأدلة هؤلاء على حدوث الجسم PageV02P116 الذي لا يخلو عن الحوادث إن ~~كانت صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وإن كانت باطلة لم تدل لا على حدوث ~~الأجسام ولا غيرها # فقول القائل إن دليلهم يتضمن حدوث الأجسام دون ما سواها قول باطل وذلك ~~أنه على التقدير الأول يكون كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث حدوثا ~~مسبوقا بعدم والحادث عن عدم لا يكون صادرا عن قديم موجب بذاته في الأزل فإن ~~الموجب بذاته في الأزل يكون موجبا أزليا لا يكون حادثا مسبوقا بالعدم وسواء ~~كان حدوث الحادث عنه بوسط أو بغير وسط فامتنع على هذا التقدير أن يكون ~~الواجب الوجود بنفسه موجبا بالذات في الأزل وإذا امتنع هذا امتنع أن يكون ~~معه قديم سواء سمي ذلك القديم عقلا أو نفسا أو غير ذلك فإنه إذا قدر عقل ~~قديم ممكن لزم أن يكون صادرا عن علة تامة قديمة وهو الموجب بذاته في الأزل ~~وأن يكون معلوله دائما معه لا يتخلف منه شيء وعلى هذا التقدير فيمتنع حدوث ~~الحوادث بعد أن لم تكن فظهر بذلك أنه إذا قدر أن الحوادث لها ابتداء وأنه ~~يمتنع وجود حوادث لا أول لها لزم أن يكون الباري فاعلا باختياره وأن لا ~~يكون معه في الأزل قديم أصلا # فتبين بذلك أن أدلة هؤلاء النظار على حدوث الأجسام والأعراض إن كانت ~~صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وتبين بذلك أن أئمة هؤلاء النظار أحذق من ~~متأخريهم وأقوى ردا على الفلاسفة وغيرهم وأن ما اعترض متأخروهم عليهم باطل ~~PageV02P117 # الوجه الخامس أن يقال لو كانت الحوادث تحدث في ms254 النفس شيئا بعد شيء لكان ~~لا بد لها من محدث والقديم الذي لا يتجدد له أمر يقوم به لا يحدث عنه شيء ~~كما تقدم فقول هؤلاء بحدوث هذه الأمور عنه كقول الفلاسفة بحدوث حركات الفلك ~~وأنها أزلية # الوجه السادس أن يقال فهذا يقتضي كون الرب موجبا بذاته للعقول والنفوس ~~وأنه ليس فاعلا باختياره يفعل شيئا بعد شيء وأن العقول والنفوس متولدة عنه ~~تولدا ذاتيا وهذا معلوم الفساد عقلا ونقلا وهو مخالف لدين المسلمين واليهود ~~والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين # الوجه السابع أن يقال فإذا كان موجبا بذاته على هذا التقدير لم يكن ~~اختصاص الزمان الذي حدث فيه الأجسام دون ما قبله وبعده بأولى من العكس ~~والتقدير أن القديم لا تقوم به الأمور الإختيارية وقول القائل إن بعض تلك ~~التصورات تكون سببا لفيض الأجسام عن القديم إنما يصح لو كان هناك سبب يقتضي ~~حدوث تصورات تخالف ما قبلها وهذا إنما يكون إذا كان الرب فاعلا باختياره ~~والأمور الإختيارية تقوم بذاته فأما إذا قدر أنه لا يفعل شيئا باختياره ولا ~~يقوم به أمر إختياري بل هو مجرد عن الصفات والأفعال لا يتجدد منه ما يقتضي ~~الإحداث كان امتناع حدوث الأجسام حينئذ كامتناع حدوثها عن القديم ابتداء ~~PageV02P118 # الوجه الثامن أن هذا القول مبني على وجود العقول والنفوس التي يذكرها ~~هؤلاء وأنها أمور قائمة بأنفسها موجودة في الخارج لا يشار إليها ولا هي ~~داخل العالم ولا خارجه ولا مباينة للعالم ولا حالة فيه ولاتوصف بحركة ولا ~~سكون ولا تجوز رؤيتها ولا هي أجسام ولا قائمة بالأجسام وجمهور العقلاء ~~يقولون إن بطلان هذا معلوم بالإضطرار # فقد تبين فساد جواب هاتين الفرقتين وأن الجواب لهؤلاء الفلاسفة بالمعارضة ~~جواب صحيح لكن ليس فيه حل الشبهة # وأما الجواب عنها بغير المعارضة فمن وجوه # أحدها أن يقال التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت دلالة هذه الحجة على ~~قدم شيء بعينه لا فلك ولا غيره لأنه حينئذ يجوز أن يكون حادثا بسبب كان ~~قبله وهكذا القول في كل ما سوى ms255 الله وإن كان ممتنعا لزم أن يكون للحوادث ~~أول ولزم حدوث كل ما تقوم به الحوادث وذلك يستلزم حدوث الأفلاك وهو المطلوب ~~فلزم بطلان حجتهم على تقدير النقيضين PageV02P119 # وليست هذه الحجة مبنية على امتناع التسلسل في الآثار كما يظنه من يظنه ~~فإن المحتجين بها لا يمنعون التسلسل في الآثار وإنما يمنعون ما يمنعه سائر ~~العقلاء من التسلسل في المؤثرات ومن التسلسل فيما به أصل التأثير وقد يشتبه ~~تمام التأثير في الشيء المعين وتمام التأثير في جنس التأثير وحجتهم مبنية ~~على امتناع التأثير في الأزل فإنها مبنية على أنه لا يحدث شي إلا بحدوث ~~تمام تأثيره فلو كان لجنس الحوادث ابتداء لزم أن يكون لذلك الحدوث تمام ~~حادث ولذلك التمام تمام حادث وهلم جرا # وتحرير هذا الجواب أن يقال التسلسل نوعان أحدهما التسلسل في المؤثرات ~~وهذا مما اتفق العقلاء على امتناعه وامتناعه معلوم بصريح العقل بل مجرد ~~تصوره التام يكفي في العلم بفساده وأما التسلسل في الآثار بأن يكون الفاعل ~~يفعل شيئا بعد شيء دائما فهذا متنازع فيه هل هو ممتنع أزلا وأبدا أو جائز ~~أزلا وأبدا أو ممتنع أزلا وجائز أبدا على ثلاثة أقوال معروفة للناس # والتسلسل في الآثار قد يقتضي التسلسل في تمام التأثيرات المعينة لا ~~التسلسل في أصول التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور ~~الأول كان تمام التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور ~~الأول كان تمام التأثير في الأمر الثاني موقوفا على صدور الأثر الأول ~~كالمتحركات كلها من الشمس والقمر وغيرهما فإن الجزء الثاني من الحركة موقوف ~~على صدور الجزء الأول منها PageV02P120 # لكن التسلسل في تمام التأثير نوعان تمام التأثير مطلقا وتمام التأثير ~~المعين فإن الشيء قد يكون شرطا في كون الفاعل فاعلا مطلقا فلا يمكن أن يفعل ~~شيئا إلا بذلك الشرط فهذا شرط في التأثير المطلق وهو شرط في جنس التأثير ~~وأصل التأثير وقد يكون شرطا في كونه فاعلا لفعل معين فالتسلسل في هذا القسم ~~الثاني ليس بممتنع عند ms256 من يجوز التسلسل في الآثار فإنه إذا جاز أن يفعل ~~شيئا بعد شيء دائما جاز أن يكون الفعل الأول شرطا في الثاني # وأما القسم الأول وهو التسلسل في أصل التأثير فهذا ممتنع كالتسلسل في ~~المؤثرات فإن الشيء إذا امتنع أن يفعل شيئا من الأشياء حتى يفعل شيئا من ~~الأشياء كان جنس وجود الفعل موقوفا على جنس وجود الفعل قبله فلا يكون فعل ~~أصلا حتى يكون قبله فعل ما وهذا ممتنع لذاته فإنه يستلزم وجود الشيء قبل ~~وجوده ووجوده قبل وجوده يقتضي أن يكون موجودا معدوما وهذا جمع بين النقيضين # ولهذا استدل غير واحد من أئمة المسلمين على أن كلام الله غير مخلوق بقوله ~~تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 ~~فإن النص دل على أنه لا يخلق شيئا حتى يقول له كن فيكون فلو كان كن مخلوقا ~~لزم أن يخلقه بكن وكذلك هذا يجب أن يكون مخلوقا بكلمة أخرى وهذا يستلزم ~~التسلسل في أصل الخلق وهو التسلسل في التأثير وهو ممتنع لذاته فإنه إذا لم ~~يخلق شيئا أصلا حتى يخلق قبل ذلك شيئا آخر كان هذا ممتنعا لذاته فكان ~~PageV02P121 وجود مخلوق قبل أن يوجد مخلوق أصلا فيه جمع بين النقيضين بخلاف ~~ما إذا قيل إنه لا يخلق مخلوقا معينا حتى يخلق مخلوقا معينا فإن هذا ليس ~~بممتنع كما انه لا يخلق المولود من غيره حتى يخلق الوالد # إذا تبين هذا فحجة الفلاسفة الدهرية في قدم العالم مبنية على مقدمتين ~~إحداهما امتناع الترجيح بلا مرجح والثانية امتناع التسلسل في أصل التأثير ~~لا في تأثير معين فإنهم قالوا المؤثر التام إن كان في الأزل لزم قدم الأثر ~~فإنه لو حدث بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح وإن لم يكن المؤثر التام في ~~الأزل امتنع أن يحدث عنه شيء لأن ذلك الحادث يمتنع أن يحدث بدون سبب حادث ~~لما فيه من الترجيح بلا مرجح ويمتنع حدوث سبب حادث لأن القول في حدوث ذلك ~~السبب الذي هو ms257 الشرط كالقول في حدوث المشروط به إذ التقدير أنه لم يكن في ~~الأزل مؤثر تام فلا بد من حدوث تمام أصل التأثير وجنسه بحيث يصير المؤثر ~~مؤثرا بعد أن لم يكن مؤثرا بحال # وهذا ممتنع لذاته كما تقدم لأن حدوث كونه مؤثرا لا بد له من مؤثر ولا ~~مؤثر إلا هو فيلزم أن يكون مؤثرا قبل أن يكون مؤثرا بحال وهو جمع بين ~~النقيضين # وأيضا فإذا لم يكن مؤثرا تاما ثم إنه جعل نفسه مؤثرا تاما لزم الترجيح ~~بلا مرجح فإن امتناع جعل نفسه مؤثرا بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين أبلغ ~~في الإمتناع من إحداث أثر منفصل عنه بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين ~~PageV02P122 # فإذا قيل المؤثر التام يستلزم أثره بعد ذلك كان تخصيصا بلا مخصص # قيل وما ليس بمؤثر تام يمتنع أن يصير بعد ذلك مؤثرا تاما بنفسه لما فيه ~~من التخصيص بلا مخصص # لكن هذا القسم يدل على امتناعه أيضا دليل آخر وهو أنه إذا لم يكن مؤثرا ~~تاما ثم قدر أنه أحدث ما به صار مؤثرا تاما فذلك الإحداث يقتضي أن يكون ~~مؤثرا تاما فيما أحدثه والتقدير أنه ليس بمؤثر تام في شيء من الأشياء فيلزم ~~أن يكون مؤثرا في شيء حتى لا يكون مؤثرا في شيء من الأشياء وهو جمع بين ~~النقيضين # وهذا القسم هو من باب الدور القبلي فإنه لا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا ~~ولا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا وهو مثل أن يقال لا يكون موجودا إلا بعد أن ~~يصير موجودا ولا يصير موجودا إلا بعد أن يصير موجودا وهذا دور ممتنع لذاته ~~وهو أيضا من باب التسلسل في أصل التأثير ولكن سماه المتأخرون تسلسلا لأنهم ~~قالوا مجموع ما يتوقف عليه وجود العالم إن كان ثابتا في الأزل لزم وجوده ~~لأن تخلف الأثر عن المؤثر ممتنع وإن لم يكن ثابتا في الأزل ثم حدث ما به ~~يصير مؤثرا في العالم فالقول في ذلك الحادث كالقول فيما قبله ويلزم التسلسل ~~ومعناه ms258 أن ذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير الفاعل فاعلا وذلك ~~الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير PageV02P123 الفاعل فاعلا فالفاعل ~~لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا ولا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا فباعتبار كون ~~الثاني غير الأول سمي تسلسلا وباعتبار كون جنس الإحداث موقوفا على جنس ~~الإحداث يسمى دورا فهو تسلسل إذا أخذ حادث بعد الحادث وهو دور إذا أخذ جنس ~~الحوادث ووجود حادث بعد حادث إنما يمكن إذا كان هناك فاعل محدث يحدث شيئا ~~بعد شيء فأصل كونه فاعلا لا يتوقف على حدوث شيء من الأشياء بل يكون من ~~لوازم ذاته وإحداثه للمعين قد يكون موقوفا على إحداثه للمعين # فحقيقة حجة هؤلاء أن القول بحدوث جنس الفعل يستلزم تأخر الأثر عن المؤثر ~~التام أو وجوده بدون المؤثر التام فالذي سموه تسلسلا مضمونه وجود الأثر ~~بدون المؤثر التام فلما كانت حجتهم مبنية على مقدمتين إحداهما امتناع ~~الترجيح بلا مرجح والثانية امتناع التسلسل كان مضمون الأولى امتناع أن ~~يتأخر الأثر عن مؤثره التام تأخر بينونة وانفصال ومضمون الثانية امتناع ~~صدور أثر بدون مؤثر تام فالأمر يرجع إلى أصل واحد وهو تلازم المؤثر التام ~~وأثره فلا يكون مؤثر تام إلا وأثره لازم له ولا يكون أثر إلا ومؤثره التام ~~لازم له ثم هل ترتب الأثر على مؤثره التام ترتبا زمانيا أو ترتبا عقليا بحث ~~آخر في غير هذا الموضع # فإذا عرف حقيقة الأصل الذي بنوا عليه حجتهم فقول القائل PageV02P124 في ~~الجواب التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت هذه الحجة لأن مبناها على ~~امتناع التسلسل في الآثار يرد عليه أن مبناها على امتناع التسلسل في أصل ~~التأثير وجنسه والممكن إنما هو التسلسل في جنس الآثار وأعيان التأثيرات لا ~~في جنس التأثير فإن الفرق بين التسلسل في الآثار والتسلسل في التأثير ثابت ~~كما سبق والممتنع التسلسل في التأثير أي في جنسه فهذا السؤال هو الوارد على ~~هذا الجواب وجواب # هذا الإيراد أن يقال إذا كان التسلسل في ms259 الآثار ممكنا وفي أعيان ~~التأثيرات أمكن أن تكون هذه الأفلاك حادثة مخلوقة من شيء آخر قبلها كما ~~أخبرت بذلك الرسل فإنهم أخبروا أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء وأخبروا أنه @QB@ استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ سورة فصلت 11 ~~والدخان فيما ذكره المفسرون هو البخار وهو بخار ذلك الماء فقد أخبروا أنها ~~مخلوقة من مادة كانت موجودة قبلها وتلك المادة يمكن أن تكون مخلوقة من مادة ~~كانت كما خلق الله الإنسان من مادة وخلق المادة من مادة # وإذا كان كذلك كان ما جوزوه في الآثار مبطلا لحجتهم على قدم هذا العالم ~~وهذا هو المطلوب فإنهم إنما احتجوا على قدمه بكون المؤثر التام لا بد أن ~~يكون ثابتا في الأزل فإنه لو لم يكن مؤثرا ثم صار PageV02P125 مؤثرا افتقر ~~حدوث تأثيره إلى مؤثر وذلك المؤثر أو تمام تأثيره يفتقر إلى مؤثر وذلك ~~يقتضي التسلسل في أصل التأثير وتمام كونه مؤثرا والتسلسل في تمام أصل ~~التأثير ممتنع كالتسلسل في نفس المؤثر # فيقال لهم هب أن هذا ممتنع لكن أنتم تجوزون التسلسل في أعيان التأثيرات ~~والآثار فهذا التسلسل إن كان ممكنا بطلت الحجة التي يحتج بها على قدم ~~العالم أو قدم شيء من العالم وهذا هو المطلوب # وأما قدم نوع التأثير فهذا لا ينفعهم في مطلوبهم ولا يقدح فيما جاءت به ~~الرسل بل هو دليل على تصديق ما جاءت به الرسل وأن كل ما سوى الله مخلوق ~~محدث كائن بعد أن لم يكن لامتناع المؤثر التام في الأزل لشيء من الأشياء ~~لأن كل ما سوى الله ملزوم للحدوث فوجوده بدون الحوادث المقارنة له محال ~~ووجود الحوادث عن مؤثر تام يستلزم أثره محال ووجود حادث بعد حادث من مؤثر ~~تام محال فإنه لا يكون مؤثرا تاما في الشيء إلا إذا استعقبه أثره وليس شيء ~~من الحوادث المتعاقبة يستعقب المؤثر الأزلي لأنه يقتضي كون شيء من الحوادث ~~المتعاقبة ms260 أزليا وهو ممتنع لأن ما قارن الأزلي فهو أزلي ليس له مبدأ محدود ~~حتى يكون الشيء عقبه فلا يكون المقارن له إلا أزليا فإذا كان كل ما سوى ~~الرب لا يوجد إلا مقارنا لحادث ولا يمكن وجود الحوادث لا معينة ولا متعاقبة ~~عن مؤثر تام أزلي ولا يمكن شيء من العالم إلا مقارنا PageV02P126 للحادث ~~امتنع وجود شيء من العالم في الأزل إذ وجوده في الأزل ممتنع بدون الحادث ~~وممتنع مع الحادث # ولا يمكن أن يقال القول في حوادثه المتعاقبة عليه كحركات الفلك كالقول في ~~كلمات الرب المتوالية وأفعاله المتوالية لأن الرب هو الموجود بنفسه الواجب ~~الوجود بنفسه الغني بنفسه القيوم بنفسه فلا يتوقف قوله وفعله على غيره ولا ~~يمتنع أن يكون فعله الثاني أو كلامه الثاني مشروطا بوجود الأول قبله إذ ما ~~يكون بذاته حادثا شيئا بعد شيء يمتنع وجوده كله في الأزل وأما ما سواه فهو ~~مفعول مصنوع مفتقر من كل وجه إلى غيره فإذا كانت الحوادث تقارنه شيئا بعد ~~شيء امتنع أن تصدر عن مؤثر تام أزلي وامتنع أن يكون المؤثر التام الأزلي ~~يحدث شيئا بعد شيء بل يجب أن يقارنه أثره وامتنع أن يكون المؤثر التام ~~الأزلي موجبا لذاته في الأزل ومقتضيا لحوادثه شيئا بعد شيء لأن حدوث ~~الحوادث المتوالية عن مؤثر تام باق على حالة واحدة وحينئذ فيجوز ترجيح ~~القادر المختار بلا مرجح فتبطل حجتهم # وإن كانت تحدث الحوادث بحدوث أمور منه بحيث تكون ذاته مؤثرا تاما لذات ~~الفلك في الأزل وأفعاله المتوالية موجبة لحوادثه المتوالية فهو لم يكن قط ~~إلا مقارنا لأفعال متوالية قائمة به وحدوث مفعول بلا فعل ممتنع وقدم فعل ~~معين ممتنع لأن الفعل لذاته يقتضي أن يكون شيئا بعد شيء ولا يعقل قدم عين ~~الفعل # وهذا دليل مستقل على حدوث كل ما سوى الله فإن المفعول PageV02P127 القديم ~~لا بد له من فعل قديم وتقدير فعل قديم العين ليس كله ممتنع لذاته لأن العقل ~~لا يعقل إلا حادث الأعيان وإن فرض قدم نوعه ms261 لحدوثه شيئا بعد شيء كالحركة ~~التي لا تعقل إلا حادثة الأعيان وإن فرض قدم نوعها # وأيضا فإن الفعل لا بد أن يتقدم المفعول الأزلي لا يتقدمه غيره وهذا أيضا ~~دليل ثان مستقل على حدوث كل ما سوى الله # وقول القائل الأثر يقارن المؤثر والمعلول يقارن العلة إذا أريد به أن ~~يكون عقبه فهذا ممكن وأما إذا أريد به أنهما يكونان معا فهذا ممتنع والتقدم ~~الحقيقي بدون الزمان لا يعقل # وقول القائل إن تقدم العلة على المعلول تقدم عقلي لا زماني دعوى مجردة ~~وتمثيل ذلك بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم والكم تمثيل غير مطابق فإن ~~حركة اليد ليست علة تامة لا لهذا ولا لهذا بل هي ملزومة لها والشيئان ~~المتلازمان الصادران عن فاعل واحد ليس أحدهما معلولا لآخر وهذه الأمور ~~مبسوطة في موضع آخر # وأيضا فهذا يستلزم أن يكون للذات فعل معين قديم معها لازم لها بأفعال ~~متوالية قائمة بها بحيث تضاف الحوادث إلى تلك الأفعال المتوالية ويضاف ~~المفعول القديم إلى الفعل القديم وذلك يقتضي أن يكون ذلك الفعل القديم ~~تناول الملزوم دون اللازم فإنه يتناول العين الملزومة للحوادث دون حوادثها ~~اللازمة كالفلك مثلا والفاعل إذا فعل مفعولا بفعل امتنع أن يفعل بدون ~~لوازمه فإن ذلك يقتضي أن يكون PageV02P128 الفعل القديم تناول ذلك المفعول ~~وأفعال أخر تناولت لوزامه المتعاقبة ومعلوم أن الواجب بالذات أوجب ذاته ذلك ~~الموجب وإيجاب ذاته لها هو فعلها إياها وهذا الفعل القديم الذي هو الإيجاب ~~القديم لا بد أن يكون من لوازم الذات فيمتنع وجودها بدون ذلك الفعل القديم ~~وذلك الفعل القديم يمتنع وجوده بدون لوزامه المتوالية وتلك اللوازم ~~المتوالية مفتقرة إلى الفعل القديم والفعل القديم يفتقر إليها بمعنى أنه ~~يمتنع وجود أحدهما إلا مع الآخر لامتناع وجود مفعول أحدهما إلا مع الآخر # والقديم لا يجوز أن يكون مفتقرا إلى الحوادث لافتقار المعلول إلى العلة ~~ولافتقار المشروط إلى الشرط ولكن قد تكون الحوادث لازمة له مفتقرة إليه ~~وأما هو فلا يكون مفتقر لا إلى عينها ولا ms262 إلى نوعها لأن النوع إنما يوجد ~~شيئا فشيئا فيكون القديم الأزلي مفتقرا إلى ما لا يوجد إلا شيئا بعد شيء ~~وما وجب قدمه امتنع عدمه ودام وجوده وما دام وجوده ووجب ذلك لا يكون مفتقرا ~~إلى حوادث متعاقبة إذ لو جاز ذلك لجاز أن يقال إن الرب الذي يفعل دائما ~~مفتقر إلى فعله لكون فعله لازما له فإن غاية ما يقال في ذلك إن الفعل ~~القديم مشروط بمقارنة الأفعال المتوالية بحيث لا يتصور أن يكون ذلك القديم ~~إلا مع هذه الحوادث المتعاقبة # وحينئذ فيكون وجود فعله القديم بدون الحوادث ممتنع وفعله من لوزام ذاته ~~بمنزلة صفاته اللازمة له فيكون ذلك بمنزلة أن يقال إن صفاته PageV02P129 ~~اللازمة له يمتنع وجودها إلا مع الحوادث المتعاقبة والحوادث المتعاقبة ~~أفعاله وهذا بمنزلة أن ذاته مفتقرة أو مشروطة بأفعاله المتعاقبة # ومعلوم أن أفعاله مفتقرة إليه من كل وجه فيمتنع أن يفتقر إلى ما هو مفتقر ~~إليه # وهذا دليل ثالث مستقل في المسألة فإن وجود العالم بدون الحوادث ممتنع فلو ~~كان فعله العالم كصفاته الذاتية اللازمة له مفتقرا إلى الحوادث كان صفاته ~~اللازمة له مفتقرة إلى الحوادث وهذا ممتنع وذلك لأن ما لزم ذاته وما قام ~~بها فهو صفة لها # وهؤلاء إن قالوا إن المفعول نفس الفعل والموجب نفس الإيجاب كما هو قول ~~طائفة من النظار فهذا باطل قطعا فإنا نعلم أن خلق المخلوق ليس هو نفس ~~المخلوق ولا ذلك يقتضي أن تكون المخلوقات وجدت بدون فعل من الرب # ولأن الذين قالوا ذلك من أهل الكلام كالأشعري ومن وافقه كابن عقيل وغيره ~~إنما قالوا ذلك لئلا يلزم التسلسل في الآثار وهو باطل عندهم فإنهم قالوا لو ~~كان الخلق غير المخلوق والتأثير غير الأثر فذلك الخلق إن كان قديما لزم قدم ~~المخلوق وهو ممتنع وإن كان حادثا افتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل # والذين خالفوهم ثلاث طوائف طائفة قالت بل الفعل قديم أزلي ومفعوله محدث ~~كما يقول ذلك طوائف من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل ms263 الحديث ~~والصوفية ومن أهل الكلام PageV02P130 وهؤلاء يقولون كما وافقتمونا على أن ~~الإرادة قديمة والمراد متأخر فكذلك نقول الفعل قديم والمفعول متأخر # وطائفة ثانية قالت بل الفعل حادث العين قائم بذاته ولا يلزم التسلسل كما ~~يلزم التسلسل إذا كانت المفعولات حادثة الأعيان وهذا قول طوائف من الكرامية ~~والمرجئة وغيرهم # وطائفة ثالثة قالت بل أعيان الفعل حادثة وإن جاز أن يكون نوعه قديما # والمقصود هنا أن الذين قالوا إن الفعل عين المفعول إنما فروا من التسلسل ~~وهو جائز عند هؤلاء الفلاسفة وحينئذ فلا يمكنهم أن يحتجوا بحجة هؤلاء فلا ~~تكون حجة على أن الفعل نفس المفعول إلا قولهم بنفي الصفات مطلقا أو قولهم ~~بنفي الأمور الإختيارية وكلا القولين في غاية الفساد وهم متنازعون في كلا ~~الأصلين # فقول النفاة منهم ومن غيرهم ضعيف فيهما كما بسط في موضعه مع أن القول ~~بحدوث العالم مستلزم لهذين الأصلين كما أن هذين الأصلين يستلزمان لحدوث ~~العالم # وإذا كان كذلك تبين أنه لا يمكنهم القول بأن الفعل نفس المفعول فيلزم أن ~~يكون غيره فإذا قدر الفعل قديم العين كانت صفة لازمة له قديمة العين وإذا ~~كان كذلك فإنه يمتنع أن يفتقر إلى شيء من الحوادث سواء كانت حادثة النوع أو ~~الأعيان كما يمتنع ذلك في ذاته القديمة فإنها إن كانت مفتقرة افتقار ~~المعلول إلى علته امتنع كون PageV02P131 الحادث علة للقديم وإن كانت مفتقرة ~~افتقار المشروط إلى شرطه فلا ريب أن المحدث مشروط بالقديم فإذا كان القديم ~~مشروطا به كان كل من الأمرين مشروطا بالآخر # وهذا ممكن فما كان معلولي علة واحدة وهما حادثان كالأبوة والبنوة أو ما ~~كانا قديمين متلازمين لا علة لهما كالذات والصفات أما إذا كان أحدهما قديم ~~العين والآخر حادث الأعيان كان وجود القديم مشروطا بأمور لم توجد بعد وكان ~~الشرط متأخرا عن المشروط # وإن قيل المشروط هو النوع وهو ملازم للعين لكن النوع لا يوجد إلا شيئا ~~فشيئا فلا وقت من الأوقات إلا والمقرون بالقديم واحد محدث فيكون ذلك المحدث ~~شرطا في وجود ms264 ذلك القديم لا يوجد إلا مع وجوده كما لا يوجد أحد المحدثين ~~إلا مع الآخر ولا الذات القديمة إلا مع الصفة القديمة والقديم لازم للذات ~~وكل من الحوادث ليس بلازم بل عارض وإن كان النوع لازما # أقصى ما يقال إن الذات هي الموجبة للمعين اللازم وللنوع الحادث أعيانه ~~فيشبه ذلك أحد الصفتين مع الأخرى فيقال الأمر اللازم لا وجود للذات بدونه ~~وإذا كان قائما بالذات فقد دخل في مسماها وصار منها فإن أسماء الله تعالى ~~متناولة لصفاته فما قام بذاته من الصفات اللازمة فهو داخل في اسمه تعالى # فإذا كان ذلك مشروطا بأفعال يحدثها شيئا بعد شيء صار ما هو PageV02P132 ~~واجب الوجود مفتقرا إلى ما هو ممكن الوجود مع أن هذا المقام إذا تحرر كان ~~مفسدا لأصل مذهبهم وكان دليلا مستقلا رابعا # فإن حقيقة قولهم إن الفلك لازم لذات الله تعالى لا يمكن وجود الرب بدون ~~وجود الفلك بل هو مستلزم له كما أن الفلك مستلزم له فهما متلازمان وهذا ~~بعينه قول بأن مفعوله شرط في وجوده وأن وجوده بدون وجود مفعوله ممتنع وهو ~~قول بافتقار الواجب بذاته إلى الممكن بذاته وهو ممتنع # وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن ذكرناها هنا تنبيها على حجتهم ~~العظمى وأن إبطال حجتهم قد يتضمن بطلان قولهم ويكون دليلا على صحة ما أخبرت ~~به الرسل صلوات الله عليهم # الوجه الثاني أن يقال إحدى المقدمتين في هذه الحجة بطلان التسلسل وأنتم ~~قائلون بجوازه ولكن منازعوكم يقولون بامتناعه فتكون الحجة على أصلكم ~~إلزامية لا علمية فلا تفيدكم المطلوب # هذا إذا فسروا التسلسل بالتسلسل في الآثار دون التأثير وإن فسروه ~~بالتسلسل في أصل التأثير فهذا لا يقوله أحد وهذا هو مراد أئمتهم بالتسلسل ~~في هذا الموضع وإن فهم منه بعض الناس الأول لكن هذه الحجة حنيئذ إنما تدل ~~على دوام نوع الحادث فمن قال لم PageV02P133 يزل مؤثرا متكلما إذا شاء وفى ~~بموجب هذه الحجة ولا تدل على قدم شيء من العالم أصلا # ومنازعوكم قد عارضوكم وألزموكم ms265 امتناع الحوادث مطلقا فتبين فسادها أيضا # فإن قالوا نحن نجوز التسلسل في الحوادث القائمة بالعالم وهذه تقتضي ~~التسلسل قبل حدوث العالم أو قبل حدوث شيء من العالم وذلك لا نقول به # قيل لهم أولا إذا كان التسلسل في الأزل ممكنا لم يكن فرق بين هذا وهذا بل ~~يجوز أن يقال إن الرب تقوم به أمور اختيارية لا أول لها # وقيل لهم ثانيا هذا لا ينفعكم في قدم الأفلاك وما فيها لإمكان أن يكون ~~حدوثها موقوفا على أسباب قبلها حادثة وكذلك الأخرى # وقيل لهم ثالثا إذا أمكن التسلسل في الأفعال اللازمة القائمة بالصانع أو ~~في المفعولات المتعدية كان كل منهما مبطلا لاحتجاجكم على قدم الأفلاك ~~والعناصر فكيف إذا اجتمع هذا وهذا # الوجه الثالث أن يقال هذا مبني على امتناع التسلسل في الآثار والتسلسل ~~سواء عنى به التسلسل في أصل التأثير أو في الآثار فإنه لا يدل على مطلوبكم ~~والذي يليق بهذه الحجة إنما هو التسلسل في أصل الفعل وهو ممتنع وفاقا ~~PageV02P134 # وأما التسلسل في الآثار فهذا فيه قولان معروفان للناس أحدهما منعه كقول ~~كثير من أهل الكلام والفلسفة وأهل الحديث # والثاني جوازه كما هو قول كثير من أهل الحديث والكلام والفلسفة # وحينئذ فهؤلاء يقولون بجواز هذا التسلسل وأن كل ما سوى الله مخلوق محدث ~~كائن بعد أن لم يكن سواء قالوا بقدم نوع الفعل اللازم أو نوع الفعل اللازم ~~والمتعدي فعلى التقديرين يمكن أن يكون كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد ~~أن لم يكن مسبوق بالعدم والرب فاعل بمشيئته وقدرته سائر الأشياء # وليس للفلاسفة حجة تعارض هذا القول أصلا إذ ليس لهم حجة تقتضي قدم ~~الأفلاك والعناصر ولا قدم شيء من العالم أصلا بل جميع ما يحتجون به إنما ~~يدل على دوام كون الرب فاعلا سواء في ذلك الحجج العائدة إلى الفاعل والمادة ~~والصورة والغاية وغير ذلك فالأولى مثل قولهم إن كونه فاعلا أمر لازم لنفسه ~~لأنه لو كان عارضا لهذا لاقتضى حدوث ما يجعله كذلك وذلك لا يكون ms266 إلا فعلا ~~له ولا يكون عارضا لما تقدم فلا بد أن يكون كونه فاعلا من لوازمه ذاته # وكذلك قولهم هو جواد وعلة جوده ذاته ونحو ذلك فإن هذا يدل على كون نوع ~~الفعل من لوازمه لا على فعل معين ولا مفعول معين فليس في ذلك ما يدل على ~~قدم السموات ولا مادة السموات ولا غير ذلك من أصناف العالم بل هذا دل على ~~أنه لا يلزمه عين الفعل إذ لو PageV02P135 لزمه ذلك لكان فعله كله قديما ~~والمؤثر التام يستلزم أثره فكان تكون جميع المفعولات قديمة فلا يكون في ~~العالم شيء حادث وهو خلاف الحس # وبهذا يظهر كشف عوار هذه الحجة التي حارت فيها عقول جمهور النظار فإنهم ~~إذا قالوا كل ما لا بد منه في كونه مؤثرا لا بد وأن يكون موجودا في الأزل ~~وإلا لزم حدوثه بعد ذلك بدون مؤثر تام وهو ممتنع وإذا كان موجودا في الأزل ~~لزم حصول الأثر معه كان لفظ التأثير مجملا فإنه يراد به جنس التأثير ويراد ~~به التأثير المعين ويراد به التأثير العام في كل شيء فإنه إما عام وإما ~~مطلق وإما معين فإن أريد به التأثير في كل شيء لزم كون كل شيء قديما وهو ~~مخالف للحس # وكذلك إن أريد به معين فإنها لا تدل على امتناعه لجواز أن يكون مشروطا ~~بحادث قبله وهم وسائر العقلاء يسلمون حدوث الشيء المعين وإن أريد به الجنس ~~لم يدل إلا على دوام النوع لا على قدم شيء بعينه فلم يكن فيها ما يدل على ~~قدم شيء من العالم # والأزل ليس عبارة عن وقت بعينه فإذا قيل جميع الأمور المعتبرة في كونه ~~مؤثرا هي قديمة أزلية قيل في كونه مؤثرا في الجملة وكونه مؤثرا في شيء ~~بعينه أو في كونه مؤثرا في كل شيء # الأول مسلم عند السلف والأئمة ولا ينفعهم والثاني ممنوع وكذلك ثالثهم ~~وذلك لأن كونه مؤثرا في شيء بعد شيء يقتضي دوام مؤثرتيه ولا يقتضي قدم شيء ~~من العالم ودوام التأثير في شيء ms267 بعد شيء هو PageV02P136 ممكن عندهم وهو لا ~~يخلو إما أن يكون ممكنا وإما أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا حصل المقصود وإن ~~كان ممتنعا لزم حدوث كل ما سواه # فتبين أن قولهم بقدم شيء من العالم لا حجة عليه بوجه من الوجوه وكذلك ~~قولهم إن التقدم والتأخر لا يعقل إلا بالزمان الذي هو مقدار الحركة وقولهم ~~إن كون الشيء حادثا يقتضي أنه كان بعد أن لم يكن والقبلية والبعدية من ~~لوازم الزمان فإن هذا يستلزم دوام نوع الفعل لا دوام حركة الفلك والشمس ~~والقمر بل السموات والأرض إذا كان الله قد خلقهما في ستة أيام كان هذا ~~الشمس والقمر وهذا الليل والنهار مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن وإن كان بعد ~~قيام القيامة انشقاق السموات وتكوير الشمس وخسوف القمر وتناثر الكواكب تكون ~~حركات أخرى ولها زمان آخر # كما قال تعالى في الجنة @QB@ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا @QE@ سورة مريم ~~62 وفي الجنة يوم الجمعة يوم المزيد فهناك أيام معروفة بأمور أخر جعلها ~~الله في الجنة غير الشمس والقمر وكذلك قولهم إن كل حادث مسبوق بالإمكان ~~المفتقر إلى مادة غايته أن قبل كل حادث حادثا وهذا لا يوجب قدم شيء من ~~العالم وإنما يقتضي تسلسل الحوادث # وكذلك إذا قيل إن المؤثرية وصف وجودي فإن كانت حادثة PageV02P137 افتقرت ~~إلى أخرى ولزم التسلسل وكونه محلا للحوادث وإن كانت قديمة لزم قدم الأثر ~~فإن لازم هذا الدليل ليس بممتنع عندهم وعند السلف وجمهور أهل الحديث وهو ~~كون القديم تقوم به الحوادث المتسلسلة ثم إن كان هذا ممتنعا لزم حدوث ~~الأفلاك فبطلت الحجة الدالة على قدمها وإن لم يكن ممتنعا بطلت الحجة فهي ~~باطلة على التقديرين وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على أنه لا حجة لهم تدل على قدم شيء من العالم ولكن ~~الذين ناظروهم من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم جعلوا نوع فعله ومفعوله ~~محصور الإبتداء والإنتهاء كما قاله الجهم بن صفوان وأبو الهذيل إماما هاتين ~~الطائفتين أو جعلوه ممتنع ms268 الدوام في الإبتداء دون الإنتهاء كما قال ذلك ~~كثير من أتباعهما وجعلوا الرب يمتنع عليه الكلام باختياره في الأزل ويمتنع ~~عليه الفعل الإختياري في الأزل بل جعلوه غير قادر على الكلام والفعل في ~~الأزل كما يقوله المعتزلة والكرامية أو غير قادر على الفعل في الأزل ولا ~~قادر على الكلام لا في الأزل ولا فيما يزال كما يقوله الكلابية والأشعرية ~~والسالمية بل الكلام عندهم كالحياة لا يوصف بأنه قادر عليه ولا أنه يتكلم ~~بمشيئته وقدرته واختياره # وكثير من هؤلاء يقول إن العالم يعدم بالكلية فلا يبقى الرب فاعلا لشيء ~~كما لم يكن قبل ذلك على قولهم وهو فناء هذا العالم عندهم ويقول إن ذلك دل ~~عليه السمع والعقل ومنهم من يقول بل دل عليه السمع وإن إعادة الله للعالم ~~هو بأن يعدمه بالكلية ثم يعيد العالم الذي كان أعدمه PageV02P138 # فهؤلاء وأمثالهم تكلموا في تعطيل الرب عن الفعل وعن الكلام وقالوا إن ~~كلامه مخلوق أو محدث النوع أو محدث العين كان الكلام بعد أن لم يكن متكلما ~~في الأزل بل ولا كان عندهم قادرا على الكلام وإن اطلق بعضهم أنه لم يزل ~~قادرا فهم يقولون مع ذلك بامتناع المقدور في الأزل ومعلوم أنه مع امتناع ~~المقدور يمتنع كونه قادرا وقالوا إن هذا هو القول بحدوث العالم الذي أخبرت ~~به الرسل ونسبوا هذا القول إلى أهل الملل هم ومناظروهم من الفلاسفة # ولهذا استظهرت الفلاسفة على أهل الملل بسبب ظنهم أن هذا هو قولهم حتى آل ~~الأمر إلى أن يقول الفلاسفة إن الرسل لم تخبر بعلم وإنما أخبرت بما فيه ~~تخييل وتمثيل ومعلوم أنه ليس في كتاب الله ولا حديث عن رسول الله ولا في ~~أثر عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين شيء من هذه الأقوال ولا ما يستلزم ~~هذه الأقوال بل هي أقوال مبتدعة في الدين وهي من الكلام الذي أنكره السلف ~~والأئمة وعابوه وذموه # وقول أولئك بأن السموات أزلية وأنها لا تنشق أعظم إلحادا وضلالا ومخالفة ~~لدين الرسل وهؤلاء أثبتوا قدم الأعيان المخلوقة ms269 وأولئك نفوا قدرة الرب على ~~الفعل والكلام دائما فادعوا حدوث النوع # وهذا كما في مسألة القرآن طائفة ادعت قدم أعيان الكلام إما المعنى الواحد ~~المعين وإما الحروف المعينة أو الأصوات والحروف المعينة حتى قالوا إن ما ~~سمعه موسى كان قديما لم يزل الله متصفا به وإنما تجدد السماع فقط وقالوا ~~إنه لم يناده في ذلك الوقت كما دل عليه القرآن PageV02P139 حيث يقول @QB@ ~~فلما أتاها نودي يا موسى @QE@ سورة طه 11 بل ما زال مناديا له في الأزل ~~ولكن تجدد سماع موسى لذلك النداء # وطائفة قالت بل نوع الكلام حادث بعد أن لم يكن إما حادثا في غيره فيكون ~~مخلوقا وإما في نفسه فيكون حادثا أو محدثا غير مخلوق وقال هؤلاء لم يكن في ~~الأزل متصفا بأنه متكلما إلا إذا فسروا المتكلم بالقارد على الكلام ثم كان ~~تفسيره بهذا مع امتناع الكلام في الأزل جمع بين النقيضين بل لم يزل عندهم ~~غير متكلم ويمتنع عندهم أن يكون لم يزل متكلما إذا شاء # والسلف والأئمة قالوا لم يزل الله متكلما إذا شاء فالفرق بين دوام النوع ~~وقدمه ودوام الشيء المعين وقدمه يكشف الحجاب عن الصواب في هذا الباب الذي ~~اضطرب فيه أولو الألباب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # وليس للفلاسفة حجة تعارض هذا القول ولكن حجتهم تقتضي دوام فاعلية الرب ~~وأن الفعل ولازمه الذي هو تقرير الفعل المسمى بالزمان لا أول له وأن إمكان ~~حدوث الحوادث لا أول له وإمكان تأثير الرب فيها لا أول له وهذا كله يقتضي ~~دوام نوع الفعل لا دوام فعل معين # وقد تقدم بيان أن قولهم يقدم العالم عن العلة التامة باطل قطعا وأن العلة ~~التامة لا يجوز تأخر شيء من معلولها عنها بل وجود علة تامة لم تزل مقارنة ~~لمعلول ممتنع ويمتنع أن يكون المقارن في الزمان مفعولا للفاعل PageV02P140 ~~والحوادث متعاقبة شيئا بعد شيء لا يجوز حدوثها عن علة تامة أزلية فبطلت ~~حجتهم وبطل قولهم بقدم العالم وتبين إمكان حدوث كل ما سوى الله ms270 وأنه يمتنع ~~أن يكون العالم صادرا عن علة تامة أزلية موجبة بالذات وهو المطلوب # وتبين أنه لا يمكن حدوث شيء من الحوادث إلا عن فاعل يفعل شيئا بعد شيء ~~وإن قدر أنه غير فاعل بالإرادة فكيف إذا تبين أنه لا تحدث الحوادث إلا عن ~~فاعل مختار بأمور اختيارية تقوم به # والعالم مستلزم للحوادث فيمتنع ثبوت الملزوم دون اللازم فيمتنع صدور ~~العالم عن موجب بالذات فيمتنع قدمه ويمتنع قدم شيء منه فإن أي شيء قدر قدمه ~~لم يصدر إلا عن موجب بذاته سواء قدر موجب بذات مجردة أو موجب بالإرادة لذلك ~~القديم يكون إيجابه له قديما دائما بدوامه فيكون ذلك الإيجاب الذي هو ~~التأثير والإقتضاء والفعل المعين لذلك المفعول المعين في الأزل قديما أزليا ~~دائما بدوام الرب تعالى وهو إنما يلزمه نوع الفعل لا فعل معين إذا الفعل لا ~~يعقل ولا يمكن إلا شيئا فشيئا فأما شيء معين دائم ملزوم للحوادث أو غير ~~ملزوم للحوادث فلا يعقل أنه فعل لا سيما ومثل هذا لا يكون إلا مفعولا ~~بالإختيار بل لا يكون إلا عن ذات تختار شيئا بعد شيء فهي لا تكون مجردة عن ~~الإختيار ولا تكون علة تامة أزلية فضلا عن أن يجتمع فيها عدم الإختيار مع ~~كونه علة تامة أزلية PageV02P141 # أقصى ما يقال إنه قد تقوم بها الأمور الإختيارية شيئا بعد شيء وكل ما قام ~~بها شيء من ذلك حصل تمام التأثير لما يحدث حينئذ وهي بمجردها علة تامة ~~للمعين الذي يلزمه الحوادث لكن هذا باطل أيضا فإنها لا تكون مجردة قط ولا ~~يمكن أن تكون بمجردها فاعلة لشيء # وأيضا فلا يمكن أن يقارن المفعول فاعله في الزمان وذلك أنه لو قدر تجردها ~~في وقت لم يجز حصول قيام شيء من الأمور الإختيارية لها بعد ذلك لأن ذلك ~~يقتضي حدوث حادث بلا سبب وبتقدير تجردها عن الأمور الإختيارية القائمة بها ~~يمتنع أن يحدث عنها أو فيها شيء لامتناع حدوث الشيء بدون علة تامة وهي مع ~~تجردها ليست علة تامة إذ ms271 لو كانت كذلك للزم مقارنة الأمور الأختيارية ~~المتجددة شيئا بعد شيء لها في الأزل وذلك جمع بين النقيضين # والأمور الإختيارية الحاصلة شيئا بعد شيء لازمة لها فيمتنع تقدير تجردها ~~عنها فلا يمكن تجردها ولو قدر تجردها لم يجز أن يكون مجردها علة تامة أزلية ~~لشيء معين لأن ذلك المعين مستلزم للحوادث إذ كل ممكن فإنه لم يسبق الحوادث ~~فلو كانت علة تامة أزلية للزم وجود كل واحد من الحوادث في الأزل وهو جمع ~~بين النقيضين وإذا امتنع تجردها وامتنع بتقدير تجردها أن يصدر عنها شيء ~~امتنع أن يصدر شيء عنها إلا مع قيام الأمور الإختيارية بها PageV02P142 ~~والأمور الإختيارية حاصلة شيء بعد شيء فامتنع أن تكون علة تامة لشيء معين ~~دائما إذ مجموع الأمور المشروطة فى التأثير إذا لم تكن إلا حاصلة شيئا ~~فشيئا امتنع أن تكون دائمة لشيء معين فامتنع قدم شيء معين فإنه إذا كان ~~قديما أزليا دائما لم يكن بد من أن يكون المقتضي التام له قديما أزليا ~~دائما ومقتضي تام أزلي ممتنع فقدمه ممتنع لأن المقتضي التام إما الذات ~~المجردة عن قيام الأمور المتعاقبة بها التي تصير بها فاعلة شيئا فشيئا أو ~~الذات الموصوفة بذلك والأول الذي يقوله من الفلاسفة من يقوله ممتنع لامتناع ~~تجردها وامتناع حصول شيء عنها في حال التجريد لو قدر ذلك لأن المعلول ملزوم ~~للحوادث فلا يجوز وجوده عن علة تامة أزلية وهي المجردة # وأما الذات الموصوفة بذلك فهي لاتصير فاعلة إلا شيئا فشيئا كما تقدم ~~فيمتنع أن يكون لها فعل معين قديم أزلي فضلا عن أن يكون لها مفعول معين ~~قديم أزلي # ولا يمكن أن يقال هي بمجردها مقتضية لمحل الحوادث وما يقوم بها مقتض لتلك ~~الحوادث لأن الفاعل بقدرته ومشيئته لا يتوزع بعض فعله عليه مجردا عن ~~الإرادة وبعضه عليه مقرونا بالإرادة إذ فعل الموصوف بالإرادة بدون الإرادة ~~ممتنع وكذلك ما يقدر قائما به من PageV02P143 الأمور المتجددة فإنها قائمة ~~به فليس موجودا دونها حتى يقال إنه يفعل بدونها وتقدير الإنفصال لا ms272 يقتضي ~~تحقيق الإنفصال # وهذا كما لو قيل مجرد الذات تفعل منفكة عن الصفات لا سيما وتلك الأمور ~~شرط في الفعل فلا يوجد المشروط بدون شرطه كما أن الحوادث القائمة بالمفعول ~~شرط في وجوده فيمتنع وجود المستلزم للحوادث بدون الحوادث # وكذلك يمتنع أن تفعل الذات الملزومة دون لوازمها إذ فعلها لملزوم الحوادث ~~مشروط بفعلها لحوادثه اللازمة وفعلها ذلك لا يوجد إلا شيئا فشيئا فصار ذلك ~~الفعل مشروطا بما لا يوجد إلا شيئا فشيئا ووجود المشروط بدون الشرط ممتنع ~~ففعل الملزوم وحده ممتنع فكما أن وجود ذات مجردة عن الصفات ممتنع فوجود ~~فعله مجردا عن ما يقوم به ممتنع ففعله لا يوجد إلا مع اللوازم ولا يكون ~~فعلا له إلا مع اللوازم كما أن المفعول لا يكون موجودا ولا مفعولا إلا مع ~~اللوازم وإذا لم يكن فعلا له إلا مع اللوازم المتعاقبة لم يكن فعلا أزليا ~~فلا يكون المفعول أزليا لأن اللوازم المتعاقبة ليس مجموعها أزليا ولا واحدا ~~منها أزليا ولكن النوع أزلي بمعنى وجوده شيئا فشيئا فيكون الفعل المشروط به ~~موجودا شيئا فشيئا لامتناع وجود المشروط بدون الشرط وإذا كان ذلك الفعل ~~يوجد شيئا فشيئا كان المفعول كذلك بطريق الأولى لامتناع تقدم المفعول على ~~فعله فلا يكون فعل دائم معين فلا يكون مفعول معين دائم PageV02P144 يبين ~~ذلك أن الفعل هو الإبداع والخلق الذي يسمى اقتضاء وإيجابا وتأثيرا ونحو ذلك # فإذا قيل إبداع الملزوم واحد معين أزلي وإبداع اللوازم نوع يتجدد شيئا ~~فشيئا فأحد الإبداعين ملزوم للآخر كما أن أحد المبدعين ملزوم للآخر والثاني ~~شرط في نفس كون الأول إبداعا للمفعول لا في مجرد وجوده فإنه لا يصير ~~الإبداع إبداعا إلا مع لازمه الحاصل شيئا فشيئا فلا يكون الإبداع إلا شيئا ~~فشيئا # وليس لزوم هذا لهذا كلزوم نوع الفعل للذات لأن الذات تستلزم صفاتها ~~اللازمة لها وليست مفعولة لها وفعلها صادر عنها وليس أحد الإبداعين صادر عن ~~الآخر بل إبداع المعين إذا قدر أنه أزلي لم يزل كان نوع الإبداع للأمور ~~المتعاقبة ms273 قديما أيضا لم يزل وكل منها فعل وخلق وإبداع # ونفس حقيقة الفعل المعين يمتنع قدمه فكيف إذا كان ملازما لما هو حادث ~~شيئا فشيئا فإنهما فعلان متلازمان وأحدهما لا يوجد إلا شيئا فشيئا فالآخر ~~لا يوجد إلا شيئا فشيئا لكونه فعلا بالإرادة ولأن وجود أحد المتلازمين دون ~~الآخر ممتنع وأحدهما يمتنع قدم عينه فالآخر يمتنع قدم عينه لأن وجود القديم ~~الواجب بعلته كما تجب الصفة القديمة بالذات المستلزمة لها لا يتوقف على ~~وجود شيء من الحوادث # ولئن قدر دوام نوعها فليست الصفة القديمة متوفقة عليها PageV02P145 كما ~~أن الذات القديمة ليست متوقفة عليها بخلاف المفعول المعين وفعله المعين ~~فإنه متوقف على وجود ما لا بد له منه من الحوادث المتعاقبة والمحتاج إلى ~~الحوادث المتعاقبة لا يكون قديما أزليا وأحد الفعلين والمفعولين يحتاج إلى ~~الآخر المشروط به الذي يمتنع وجوده إلا بوجود شرط في فعل الفاعل فلا يمكن ~~فعل هذا إلا مع فعل هذا بخلاف الذات وصفاتها مع الفعل # وإذا لم يمكن فعله إلا مع فعل هذا وهذا لا يكون شيء منه قديما فالآخر ~~كذلك ولا يمكن قدم شيء من العالم إلا بقدم فعل له معين ولزوم ذلك الفعل ~~لذات الرب كما تلزم الصفة للموصوف # ومن المعلوم بصريح المعقول الفرق بين صفة الموصوف وبين فعل الفاعل أما ~~الصفة فيعقل كونها لازمة للموصوف إما عينا كالحياة وإما نوعا كالكلام ~~والإرادة ويعقل كونها عارضة لكن ذلك إنما يكون في المخلوق # وأما الفعل فلا يعقل إلا حادثا شيئا بعد شيء وإلا فمن لم يحدث شيئا لا ~~يعقل أنه فعل ولا أبدع سواء فعل بالإرادة أو قدر إنه فعل بلا إرادة ولو كان ~~الفعل لا يحدث لم يعقل الفرق بينه وبين الصفة اللازمة إذ كلاهما معنى قائم ~~بالذات لازم لها بعينه وما كان كذلك لم يكن فعلا لذلك الموصوف ولا يعقل كون ~~الموصوف فعله PageV02P146 # وإن قدر أن الفعل هو المفعول وأنه مبدع المفعولات بدون فعل فلزوم هذا له ~~أبعد عن المعقول من لزوم ما يقوم به ms274 لا سيما إذا كان قد فعله بقدرته ~~ومشيئته فإن هذا لا يعقل كونه مقدورا مرادا بل إذا قدر أن هذا مفعول مراد ~~لزم إمكان كون الصفة اللازمة التي لا توجد الذات إلا بها مقدورة مرادة # والقادر المريد لا يكن فاعلا إلا بقدرته وإرادته فإذا كانت قدرته وإرادته ~~مقدورة مرادة لزم الدور في التأثير والفعل والإقتضاء فلا يكون قادرا مريدا ~~حتى يكون قادرا مريدا وهذا ممتنع في صريح العقل # وإيضاح ذلك أن ما كان لازما للذات بعينه إما أن يمكن كونه مقدورا مرادا ~~وإما أن لا يمكن فإن لم يمكن كونه مقدورا مرادا ثبت ما قلناه ويتبين أن ما ~~كان لازما بعينه للذات لم يكن مقدورا ولا مرادا فلا يكون شيء من الفعل ~~لازما للذات لأن الفعل لا يكون إلا بقدرته وإرادته لأنه فاعل بالإختيار ~~لأنه لو كان موجبا بالذات لم يتأخر عنه شيء من آثاره ولأن تقدير ذات مجردة ~~عن الصفات ممتنع ولأن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله وإن سمي علة فلا يعقل ~~مفعول مقارن للفاعل في الزمان # وما يذكر من أن التقدم بالذات كتقدم العلة على المعلول لأنه في الإقتران ~~في الزمان إذا أريد بالعلة الفاعل فهو باطل وإن أريد به غير ذلك فليس هو ~~المراد هنا # وما يذكر من قولهم تحركت يدي فتحرك المفتاح ليس بمثال PageV02P147 مطابق ~~فإن حركة اليد ليست فاعلة لحركة المفتاح بل هي ملازمة لها وقد بين في غير ~~هذا الموضع أن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله بالزمان مع قطع النظر عن كونه ~~فاعلا بالإرادة # وكونه فاعلا بالإرادة دليل آخر فإنه إذا كان الفعل بقدرته وإرادته وكل ما ~~كان بقدرته وإرادته لم تكن عينه لازمة لذاته فلم يكن شيء من أعيان الفعل ~~لازما لذاته فلا يكون شيء من المفعولات لازما لذاته فلا يكون قديما وهو ~~المطلوب # وهذا في غاية الحسن والصحة # وإن قيل يمكن أن يكون المعين اللازم للذات مقدورا مرادا # قيل فتلك القدرة والإرادة يمكن حينئذ أن تكون مقدورة مرادة وحينئذ فإن ms275 ~~كانت مقدروة مرادة بتلك الإرادة والقدرة لزم الدور في التأثير والفعل ~~والإقتضاء وإن كانت بأخرى لزم التسلسل في التأثير ونوعه # وكلاهما ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء فإنه حينئذ تلزم الذات قدرة ~~قديمة وإرادة قديمة وتلك لا توجد إلا بقدرة قديمة وإرادة أخرى قديمة وتلك ~~لا توجد إلا بقدرة أخرى قديمة وإرادة أخرى قديمة والفاعل لا يفعل شيئا من ~~القدر والإرادات إلا بعد فعله لبعض القدر والإرادات فلا تلزم أن لا يفعل ~~شيئا فهذا هو الدور في أصل الفعل والتأثير PageV02P148 # وإن قيل بل الفعل المعين اللازم للذات مقدور مراد ونفس القدرة والإرادة ~~المشروطتين فيه ليست مقدورتين مرادتين # قيل إن كان المرجع إلى المعقول الصريح فلا فرق بين تقدير فعل معين لازم ~~لذات فاعلة وتقدير غيره من الأمور اللازمة لذات ذلك الفعل فإن الذات ~~مستوجبة للوازمها المعينة لا يمكن وجودها بدون وجود شيء من لوازمها فتفريق ~~المفرق بين لازم ولازم بأن هذا اللازم هو لازم له بقدرته وإرادته وهذا ~~اللازم لازم له بدون قدرته وإرادته تفريق بين المتماثلين وخروج عما يعقل في ~~هذا الباب # ومن أعرض عن نصوص الأنبياء وادعى عقليات تخالفها وليس معه معقول صريح ولا ~~قياس صحيح كان كلامه خارجا عن العقل والسمع كما قال أهل النار @QB@ وقالوا ~~لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ سورة الملك 10 # وهذا الموضع من أحكمه انكشف له حجاب هذا الباب فإن نفس كون الفاعل فاعلا ~~يقتضي حدوث الفعل إما نوعا وإما عينا وأما فعل ليس بحادث لا نوعه ولا عينه ~~بل هو لازم لذات الفاعل فليس هو فعل أصلا # ولهذا كان نفس علم الخلق بأن الشيء مخلوق يوجب علمهم بأنه مسبوق بالعدم ~~إذ لا يعقل مخلوق مقارن لخالقه لازم لم يزل معه # ولهذا كان كلام الله الذي بعث به رسله موافقا لما فطر الله عليه الخلائق ~~والذي فطر عليه العباد أنه إذا قيل هذا فعل هذا أو صنعه PageV02P149 أو ~~خلقه أو أبدعه أو نحو هذه العبارات لم يعقل منه إلا ms276 أنه أحدثه بعد أن لم ~~يكن وهذه المقدمة بينة بنفسها لا يحتاج إلى إثباتها بأدلة فطرية بل تقدير ~~نقيضها معلوم الفساد في بدائه العقول # فإذا قيل هذا مفعول لهذا وهو معه لم يزل مقارنا له كان هذا عند العقل ~~جمعا بين النقيضين وكأنه قيل هو مفعول له ليس مفعولا له بل يقول العاقل إذا ~~كان الأمر كذلك لم يكن جعل أحدهما فاعلا والآخر مفعولا بأولى من العكس # وإذا قيل أحدهما ممكن يقبل الوجود والعدم والآخر واجب بنفسه لا يقبل ~~العدم كان هذا أيضا مما تنكره العقول بفطرتها # فإنه إذا قيل هذا يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد لم يعقل هذا إلا فيما ~~كان حادثا والإمكان يعود إلى الفاعل تارة وإلى القابل أخرى فيقال في الأول ~~هذا يمكنه أن يكتب ويقوم ويتكلم ويقال في الثاني هذه الأرض يمكن أن يزدرع ~~فيها وهذه المرأة يمكن أن تحمل # وهذا القدر مما اتفق عليه الجمهور من العقلاء وهو مذهب أئمة الفلاسفة بل ~~مذهب أئمة المشائين كأرسطو وأتباعه فإنهم لم يصفوا بالإمكان إلا ما كان ~~حادثا PageV02P150 # وأما تقدير قديم ممكن فهذا يوجد في كلام ابن سينا ومن سلك سبيله ~~كالسهروردي وكالرازي والآمدي وقد أنكر ذلك على ابن سينا طائفة من الفلاسفة ~~إخوانه كابن رشد الحفيد وغيره وبينوا أنه خرج بذلك عن مذهب سلفه القدماء ~~كما خرج به عن المعقول الصريح # ولهذا ورد على هؤلاء في الإمكان من الإشكالات ما لم يمكنهم الجواب عنه ~~كما قد بيناه في كلامنا على المحصل وغيره فإنهم فرضوا ما يستلزم الجمع بين ~~النقيضين وهي تقدير ذات قديمة أزلية لا يمكن عدمها ألبتة # فإن قالوا مع ذلك هي واجبة بغيرها وقالوا مع ذلك هذه الذات باعتبار ~~حقيقتها تقبل الوجود والعدم ليس أحدهما أولى بها وزادوا على ذلك فقالوا لا ~~يكون وجودها ولا عدمها إلا بسبب منفصل قالوا وسبب عدمها عدم السبب الفاعل # فقال لهم جمهور العقلاء هذا باطل من وجهين أحدهما أن PageV02P151 العدم ~~المحض المستمر لا يفتقر إلى سبب بل ms277 العقل الصريح يعلم أن ما لم يوجد قط لا ~~يحتاج في أن لا يوجد إلى علة # ولهذا قال نظار المسلمين إن العدم المحض لا يحتاج إلى علة ثم إذا قالوا ~~علة العدم عدم العلة كان عدم العلة أيضا محتاجا إلى علة إن كان العدم لا بد ~~له من علة # نعم إذا قيل عدم العلة يستلزم عدم المعلول كان هذا صحيحا ولكن ليس كل ~~ملزوم فاعلا فكل ما لا يوجد إلا بسبب يلزم من عدم سببه عدمه لأن نفس عدم ~~السبب هو الذي جعله معدوما في نفس الأمر بل عدمه في نفس الأمر لا علة له ~~أصلا # الثاني قولهم في موجود قديم أزلي إنه ممكن يقبل الوجود والعدم كما يقولون ~~مثل ذلك في الفلك فإن هذا باطل أيضا عند جماهير العقلاء من الفلاسفة وأهل ~~الملل وغيرهم وإنما قالته هذه الشرذمة # وأول من قال من الفلاسفة بقدم الفلك صورته ومادته هو أرسطو واتبعه على ~~ذلك من اتبعه كثامثطيوس والإسكندر PageV02P152 الأفرديوسي لكن هؤلاء لم ~~يقولوا إنه ممكن يقبل الوجود والعدم كما يقوله ابن سينا وأتباعه فإن القابل ~~للعدم إن أريد به هذا القديم فالقديم الواجب وجوده ولو بغيره كيف يعقل ~~قبوله العدم # وهذا كالصفات اللازمة لذات الرب تعالى فإنها لا تقبل العدم بحال فحياته ~~تعالى لازمة لذاته المقدسة لا تقبل العدم أصلا بل فرض عدمها محال # وإن قيل هو باعتبار ذاته يقبل العدم # قيل عنه جوابان أحدهما أن تقدير ذات غير الوجود المعين قول تقوله طائفة ~~من الفلاسفة كأتباع أرسطو من أهل المنطق وهو قول باطل عند جمهور العقلاء ~~كما قد بسط في موضعه # ولهذا كان تفريق هؤلاء بين الصفات المقومة الداخلة في الماهية والصفات ~~العرضية اللازمة إما للماهية وإما لوجودها يعود عند التحقيق إلى اعتبارات ~~ذهنية لا إلى صفات تبنى الحقائق عليها في نفس الأمر PageV02P153 # بل حقيقة قولهم في تمام الماهية وجزء الماهية ولازم الماهية يرجع في ~~المعنى إلى دلالة المطابقة والتضمن والإلتزام فما قصده الإنسان بلفظ كان ~~تمام ذلك مراده وتمام ms278 معناه وتمام الماهية القائمة في ذهنه التي عبر عنها ~~بذلك اللفظ وما كان جزء ذلك المعنى وهو المدلول عليه بالتضمن وهو جزء ما ~~أراده وجزء ما قام بنفسه من تلك الماهية وما كان لازما لمدلول اللفظ كان ~~خارجا عن المدلول لازما له وهو خارج عن تلك الماهية القائمة في نفسه لازم ~~لها # وهذا الموضع قد بسط في الكلام على المنطق بسطا ليس هذا موضعه وإنما الغرض ~~التنبيه فمن حقق كلامهم في الصفات الذاتية المقومة الداخلة في الماهية ~~والصفات اللازمة الخارجة عن الماهية ورأى كتبهم الكبار المبسوطات في هذا ~~الباب وأعطى النظر العقلي حقه ولم يسلم عبارات لم يحقق معناها تبين له أن ~~ما يذكرونه من الفرق بين الذاتي والعرضي اللازم وما يذكرونه من تركيب ~~الحقيقة من الجنس والفصل وأن هذا هو الذاتي المشترك وهذا هو الذاتي المميز ~~والمركب منهما هو النوع وأن العرضي المشترك هو العرض العام والعرضي المميز ~~هو الخاصة وإنما يعود هذا إلى أمور اعتبارية وهو تركب في الذهن لا تركب في ~~الخارج وذلك يتبع ما يتصوره الإنسان ويعبر عنه لا يتبع الحقائق في نفس ~~الأمر فمن تصور حيوانا ناطقا فالأول ذاتي مشترك والثاني ذاتي مميز والضاحك ~~خارج عما تصوره ومن تصور حيوانا ضاحكا كان الأمر بالعكس فالضاحك في تصور ~~هذا ذاتي والناطق خارج عن الذات PageV02P154 # وهذا المعنى مما تفطن له طائفة من النظار من الفلاسفة وغيرهم وبينوا به ~~ما وقع من غلط هؤلاء في هذا الموضع الذي اشتبه فيه الماهيات الذهنية ~~بالحقائق الخارجية وإلا فكيف يكون الإنسان الموجود في الخارج مركبا من ~~الحيوان والناطق أو الحيوانية والناطقية إن كان مركبا من عرضين فالجوهر لا ~~يتركب من عرضين وإن كان من جوهرين فالإنسان الموجود ليس فيه جواهر متعددة ~~الواحد جسم والآخر حساس والآخر نامي والآخر متحرك بالإرادة والآخر ناطق بل ~~الحق أن الموصوف بهذه الصفة هو الموصوف بالآخر فهو نفسه جسم حساس نام متحرك ~~بالإرادة ولكن بعض هذه الصفات جنسه أعم من بعض فالأعم منها يشركه فيه كل ms279 ~~جسم والنامي يشركه فيه النبات والحساس يشركه فيه الحيوان البهيم والناطق لا ~~يشركه فيه إلا الإنسان وأما الموصوف المعين فما قام به من الصفات مختص ولا ~~يشركه فيه غيره وإذا قيل يشاركه فيه غيره فالإشتراك في الأمر الكلي الذي لا ~~يكون كليا إلا في الذهن ومتى وجد في الخارج لم يكن إلا معينا # والإنسان به ذات موصوفة بصفات ومعلوم أن صفة الموصوف لا تكون متقدمة عليه ~~لا في العقل ولا في الوجود ولا يكون مركبا منها وهم يقولون إن أجزاء المركب ~~متقدمة عليه سابقة له وهذا ممتنع في صفة الموصوف لكن إذا أريد بالمركب ما ~~يتصوره الذهن من قول القائل جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق فلا ريب أن ~~هذا PageV02P155 مركب في الذهن وله أجزاء كما إذا تكلم اللسان به كان مجموع ~~الكلام مركبا من الأجزاء وإذا كتب اللفظ بالخط كانت الكتابة مركبة من ~~الأجزاء فالشيء له حقيقة في نفسه ثم يتصور في الذهن ثم يعبر عنه باللسان ثم ~~يكتب بالقلم له وجود في الأعيان والأذهان واللسان والبنان وجود عيني وعلمي ~~ولفظي ورسمي لكن وجوده الذي هو الوجود الحقيقي هو الوجود العيني كالإنسان ~~الموجود في الخارج # وهذا الإنسان يتصف بأنه حي وبأنه ناطق لكن لم تكن هذه الصفات متقدمة عليه ~~لا في الخارج ولا في العقل ولا مركب منهما بل هو متصف بهما كما هو متصف ~~بسائر صفاته اللازمة له وهذا هو الذي عليه نظار المسلمين وجمهور العقلاء أن ~~الصفات اللازمة للموصوف كلها مشتركة في هذا الباب وأما تقسيمها إلى ما هو ~~ذاتي داخل في الحقيقة وعرضي لازم خارج وتقسيم اللازم إلى ما هو لازم للذات ~~ولازم لوجودها فهذا قول هؤلاء المنطقيين وقد خالفهم في ذلك جمهور طوائف ~~النظار من المسلمين وغيرهم كما هو موجود في كتب النظار المسلمين # وأول من علمت أنه وافقهم على ذلك أبو حامد في كتبه وأنكر الناس عليه ذلك ~~كما أنكروا ما وافقهم عليه في بعض مسائل الإلهيات والنبوات وإن كان أبو ~~حامد نفسه قد ms280 أنكر عليهم ما أنكره من خطئهم في الإلهيات فهذه الأمور مبسوطة ~~في موضعها # والمقصود هنا أن إثبات قديم أزلي يمكن وجوده ويمكن عدمه قول PageV02P156 ~~منكر عند جماهير النظار من المسلمين والفلاسفة كما هو منكر في فطر العقلاء ~~لأن دعوى ذات الممكن في الخارج غير الموجود في الخارج باطل وما يذكرونه من ~~أن الإنسان يتصور المثلث مع الشك في وجوده فذاك لأنه لا يتصوره في الذهن ~~ولا نزاع بين العقلاء أن ما تتصوره الأذهان مغاير لما يوجد في الخارج فإذا ~~أريد بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج وقيل ماهية الشيء مغايرة ~~لوجوده كان هذا صحيحا وإنما المنكر أن يراد بالماهية أمر ثابت في الخارج ~~غير الموجود الخارج ويقال إن تلك الماهية هي حقيقة هذا الموجود وهذا مبسوط ~~في غير هذا الموضع # الوجه الثاني أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك فالقديم الواجب الوجود بغيره ~~لم تزل ماهيته موجودة والوجود لازم لها وتقدير عدمها تقدير ممتنع فإذا قيل ~~يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن تكون معدومة لم يكن صحيحا بل لا يمكن عدمها ~~بحال وغايته أن وجودها اللازم لها هو من غيرها لا منها مع أنه وجود واجب ~~بغيره هذا لو أمكن أن يكون القديم الأزلي مفعولا وهذا ممتنع في فطر العقلاء ~~قاطبة # ولهذا جاءت الكتب الإلهية بخطاب الناس بالمعقولات الصحيحة الفطرية فإن ~~الرسل بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها لا بتغيير الفطرة وتحويلها والنفس إنما ~~تنال كمالها بسعادتها ونجاتها بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة ولهذا حيث ~~ذكر الله في كتابه شيئا من هذه الأسماء التي تدل على الفعل لم يعقل العقلاء ~~من ذلك إلا أنه محدث كقوله تعالى @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان ~~من علق اقرأ وربك الأكرم @QE@ PageV02P157 سورة العلق 1 3 فهل يعقل العقلاء ~~قط أن الشيء يكون مخلوقا ولا يكون حادثا غير هؤلاء الملحدين في السمعيات ~~والعقليات الذين سلكوا في العقليات مسلك السفسطة وفي السمعيات مسلك القرمطة # وكذلك قوله @QB@ خلق السماوات والأرض @QE@ سورة النحل 3 # وقوله @QB@ والسماء بنيناها بأيد ms281 @QE@ سورة الذاريات : 3 وقوله @QB@ ~~والسماء وما بناها @QE@ سورة الشمس : 5 # وقوله @QB@ أم السماء بناها رفع سمكها فسواها @QE@ سورة النازعات 27 28 # وقوله @QB@ رفع السماوات بغير عمد ترونها @QE@ سورة الرعد 2 # وقوله @QB@ وجعلنا السماء سقفا محفوظا @QE@ سورة الأنبياء 32 # @QB@ خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور @QE@ سورة الأنعام 1 # @QB@ وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر @QE@ سورة الأنبياء 33 ~~إلى أمثال ذلك من الخطاب الذي قد علم بالإضطرار معناه وأن بناءها أمر حادث ~~كان بعد أن لم يكن وليس المراد أنها قديمة أزلية لم تزل كذلك وأن معنى ~~خلقها أنها معلولة لعلة قديمة أزلية # ومن افترائهم على السمعيات أنهم يسمعون هذا أيضا حدوثا PageV02P158 ~~ويقولون هذا العالم محدث أي معلول ومعنى حدوثه عندهم وجوبه بالواجب بنفسه ~~وافتقاره إليه # ومعلوم بالإضطرار أن هذا لا يسمى حدوثا كما لا يسمى خلقا ولم يختلف ~~المسلمون وغيرهم أن كل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وأن كل مخلوق حدث ~~وإنما تنازعوا في كل محدث هل يجب أن يكون مخلوقا وأن كل حادث يجب أن يكون ~~محدثا هذا فيه نزاع معروف بين المسلمين كما هو مبسوط في موضعه # ولهذا كان قدماء النظار عندهم كل من قال العالم قديم فقد أنكر الصانع إذ ~~كانوا لا يعقلون أن يقال هو قديم وهو مفعول ولكن متأخريهم لما رأوا من قال ~~من الفلاسفة إنه معلول غير واجب ذكروا هذا القول وبحثوا مع أصحابه # وأما أرسطو وأتباعه فإنما في كلامهم إثبات العلة الأولى من حيث هي غاية ~~وأن الفلك يتحرك للتشبه بها فأوجب وجودها من هذه الجهة لم يثبت وجودها من ~~حيث أن الفلك معلول علة فاعلة كما فعله ابن سينا ومن سلك سبيله فإنه سلك ~~سبيلا بعضها من أصول سلفه الفلاسفة وبعضها أخذه من أصول المعتزلة ونحوهم ~~والرسل صلوات الله عليهم لم يقولوا إن الرب كان في الأزل متعطلا عن الكلام ~~والفعل وأنه لم يمكنه أن يتكلم ولا أن يفعل في الأزل بمشيئته وقدرته وإنما ~~أهل الكلام PageV02P159 المحدث في الإسلام من ms282 المعتزلة والجهمية ومن وافقهم ~~في أصلهم التبس عليهم حدوث الأعيان المخلوقة بحدوث نوعها كما التبس عليهم ~~قدم نوع كلام الله بقدم عين الكلمة وظنوا أن حدوث الأعيان لا يحصل إلا ~~بحدوث النوع فالتزموا تعطيل الرب وتعجيزه في الأزل عن الكلام والفعال ~~وسلبوه صفات الكمال فتسلطت عليهم السلف والأئمة ورثة الأنبياء بالتبديع ~~والتضليل بل وبالتكفير وانفتح عليهم من الفلاسفة سد الدهرية بعد أن كان ~~مبنيا بزبر الحديد فلا للإسلام نصروا ولا للكفار كسروا ولا بحبل الله ~~اعتصموا ولا للكتاب والسنة اتبعوا بل فرقوا دينهم وكانوا شيعا واعتاضوا عن ~~الشريعة الإلهية بما أحدثوا بآرائهم بدعا # ومما يبين هذا انه لما كان شواهد الإفتقار في أعيان العالم واحتياجها إلى ~~الصانع بينة ظاهرة بل معلومة بالبديهة كان معلوما مع ذلك أن كلا منها محدث ~~مخلوق كائن بعد أن لم يكن في فطر العامة فإن الأمر مبني على مقدمتين ~~إحداهما أن هذا المعين مفتقر إلى فاعل إذ هو ليس بواجب بنفسه والثانية أن ~~ما افتقر إلى فاعل لم يكن إلا محدثا فإذا كل شيء من العالم تثبت فيه هاتان ~~المقدمتان # وأما كون هذا المعين مفعولا مخلوقا مربوبا مفتقرا إلى بارئه وأنه لازم ~~لفاعله للزوم الفعل الذي به فعله فاعله كلزوم حياته أو بدون فعل قائم به ~~فهذا مما لا يعقله الخلق بفطرتهم التي فطروا عليها PageV02P160 # وهذا النوع من الكلام دليل مستقل على حدوث كل شيء من العالم من جهة كونه ~~ممكنا مفعولا لغيره لا واجبا بنفسه والأول من جهة كونه ممكنا مستلزما ~~لاقترانه بالحوادث فإذا عرف أنه محتاج إلى مبدعه الواجب بنفسه علم أنه محدث ~~من جهة أن فعل الفاعل لا يكون إلا حادث العين أو النوع ومن جهة أن ما كان ~~مستلزما للحوادث لم يمكن أن يفعله الفاعل دونها وفاعل الحوادث لا يكون ~~موجبا بذاته يلزمه مفعوله وما لم يلزمه مفعوله المعين لا يكون مفعوله قديما ~~فلا يكون شيء من العالم قديما # ومن تدبر كلام الدهرية القائلين بقدم الأفلاك من المتفلسفة الإلهيين ~~كأرسطو وشيعته ms283 وغيرهم لم يجد لهم دليلا أصلا على قدم شيء من العالم لا ~~الأفلاك ولا غيرها ولكن يذكرون ما يدل على دوام فاعليه الفاعل ونحو ذلك # والذين ناظروا هؤلاء من أهل الجدل والكلام الذي ذمه السلف وعابوه بنوا ~~الأمر على أن الرب لم يزل معطلاعن الكلام والفعل لا يمكنه أن يتكلم ولا أن ~~يفعل ثم صار يمكنه الكلام والفعل بعد أن لم يمكنه من غير تجدد شيء # وهذا أصل الجهمية والمعتزلة والكرامية وهو أصل الكلابية والأشعرية لكن ~~سلكوا في كلام الله تعالى وصفاته مسلكا انفردوا به دون السلف والأئمة وأهل ~~الحديث ودون المعتزلة كما هو معروف من قولهم # ولهذا كان فيما أنكره الناس على الكلابية قولهم إن الرب لم يكن ~~PageV02P161 قادرا على الفعل في الأزل وليس هذا قولهم وحدهم بل هو قول ~~هؤلاء الذين أخذوا عنهم الكلام # ولهذا لما وقع في أرض المشرق زمن السلطان محمود بن سبكتكين ثم في أول ~~دولة السلاجقة زمن ألب رسلان فتنة بين الحنفية والشافعية وكان السلطان قد ~~تقدم بلعنة أهل البدع على المنابر لما كاتبه الحاكم المصري الملحد ودعاه ~~إلى مبايعته فأرسل إلى الإمام القادر فعرفه لصورة الحال وبمبايعته لشريعة ~~الإسلام وكتب الإمام القادر الإعتقاد القادري المعروف وعامته من نظم الشيخ ~~أبي أحمد الكرجي وأمر القائم بقراءته على الناس وتقدم باستتابة أهل البدع ~~فاستتيبت المعتزلة سنة بضع وأربعمائة وجرى على القاضي أبي بكر بن الطيب ~~محنة وقام عليه الشيخ أبو حامد الإسفراييني الشافعي والشيخ أبو عبدالله بن ~~حامد الحنبلي وكان الإسفراييني مظهرا للإنكار عليه جدا مظهرا لمخالفته في ~~قوله في القرآن وكان القاضي أبو بكر يكتب محمد بن الطيب الحنبلي إذ كانت ~~الأشعرية منتسبة إلى السنة وإلى أئمتها منتصرة للمقالات المشهورة عن إمام ~~السنة أحمد بن حنبل وغيره من علماء أهل السنة وصنف القاضي أبو بكر إذ ذاك ~~كتابه المشهور في الرد على الباطنية حزب الحاكم المصري العبيدي وقام ~~السلطان محمود بأرض المشرق وأظهر لعنة أهل البدع على المنابر وكذلك بعده ~~ملوك السلاجقة فأدخل أقوام ms284 من الحنفية وغيرهم الأشعرية في اللعنة حتى صنف ~~أبو القاسم القشيري شكايته المشهورة وصنف الحافظ أبو بكر البيهقي رسالة ~~معروفة وذكروا أشياء مما نقمت على أبي الحسن الأشعري وكان مما ذكروه قوله ~~إن الرب لم يكن في الازل قادرا على الفعل PageV02P162 # وهذا أصل قول هؤلاء المتكلمين الذين احتجوا على حدوث العالم بأن ما لا ~~يخلو عن الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها ويلزم من ذلك امتناع أن ~~يكون مقدورا للرب فقالوا صار الفعل ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا # ومعلوم عند من يعلم الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها أنه ليس في ~~الكتاب ولا السنة شيء يدل على أن الرب لم يكن الفعل ممكنا له في الأزل أو ~~لم يكن الفعل والكلام ممكنا له في الأزل أو أنه لم يزل معطلا عن الفعل أو ~~عن الفعل والكلام لم يزل معطلا ثم إنه صار قادرا فاعلا متكلما بعد أن لم ~~يكن كذلك # وقد يجيبون عن هذا بجواب فيه مغلطة فيقولون لم يزل قادرا ولكن المقدور ~~كان ممتنعا في الأزل وهذا تناقض فإن المقدور لا يكون ممتنعا بل لا يكون إلا ~~ممكنا ولأن ذلك يتضمن الإنتقال من الإمتناع إلى الإمكان بلا حدوث شيء وهو ~~باطل # والجهم هو أول من أظهر هذا الكلام في الإسلام وطرد قياسه بأن ما كان له ~~ابتداء فلا بد أن يكون له انتهاء وأن الدليل الدال على امتناع ما لا يتناهى ~~لا يفرق بين الماضي والمستقبل فقال بفناء الجنة والنار # وكان هذا مما أنكره عليه سلف الأمة وأئمتها مع إنكارهم عليه نفي الصفات ~~والقول بخلق القرآن ونفى الرؤية الذي هو لازم قوله بهذه الحجة PageV02P163 # فإن طردها أوجب عليه أن لا يقوم بذات الله لا صفة ولا فعل ولا كلام وكان ~~ذلك مستلزما لنفي الصانع ولهذا عظم نكير سلف الأمة عليه وعلى أتباعه من ~~المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم # قال حرب الكرماني ورواه عنه أبو بكر الخلال في كتاب السنة ثنا محمد بن ~~إدريس يعني أبا حاتم الرازي ms285 ثنا علي بن ميسرة ثنا علي بن الحسين بن شقيق ~~سمعت خارجة بن مصعب يقول كفرت الجهمية بآيات من كتاب الله قال تعالى @QB@ ~~أكلها دائم وظلها @QE@ سورة الرعد 35 وقالوا ينقطع # وقال تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ سورة القيامة 22 : ~~23 فقالوا لا تنظر # وقال الخلال ثنا أبو داود السجستاني ثنا أحمد حدثني أبي قال قال إبراهيم ~~بن طهمان ما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه ما أعظم ما أورث أهل ~~القبلة من منطقه هذا العظيم يعني جهما # قال أبو داود ثنا عبدالله بن مخلد ثنا علي بن إبراهيم ثنا يحيى ابن شبل ~~قال كنت جالسا مع مقاتل بن سليمان وعباد بن كثير إذ جاء شاب فقال ما تقول ~~في قوله تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ سورة القصص 88 فقال مقاتل ~~هذا جهمي ثم قال ويحك والله إن PageV02P164 جهما ما حج هذا البيت قط ولا ~~جالس العلماء إنما كان رجلا أعطي لسانا # قال أبو داود ثنا أحمد بن الصباح ثنا علي بن الحسن بن شقيق عن ابن ~~المبارك قال إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى وما نستطيع أن نحكي كلام ~~الجهمية # قال الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل ثنا محمد بن مصفى ثنا بقية بن الوليد ~~عن عبدالعزيز بن الماجشون قال جهم وشيعته الجاحدون # وقال ثنا عبدالله بن أحمد ثنا الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك ثنا حماد ~~بن قيراط سمعت إبراهيم بن طهمان يقول الجهمية كفار # وقال عبدالله بن أحمد ثنا محمد بن صالح مولى بني هاشم ثنا عبدالملك بن ~~قريب الأصمعي أنا المعتمر بن سليمان عن أبيه أنه قال ليس قوم أشد نقضا ~~للإسلام من الجهمية # قال عبدالله حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وعلي بن مسلم ثنا سليمان بن ~~حرب سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال إنما يحاولون أن يقولوا ليس ~~في السماء شيء # قال الخلال أنا أبو بكر المروزي ثنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال كان ~~أبي وعبدالرحمن يقولان الجهمية ms286 تدور على أن ليس PageV02P165 في السماء شيء ~~قال المروزي سمعت أحمد الدورقي سمعت يزيد بن هارون وذكر الجهمية فقال كفار ~~لا يعبدون شيئا قال المروزي ثنا إسماعيل بن أبي كريمة سمعت يزيد بن هرون ~~يقول القرآن كلام الله لعن الله جهما ومن يقول بقوله كان كافرا جاحدا ترك ~~الصلاة أربعين يوما يريد زعم يرتاد دينا وذلك أنه شك في الإسلام # قال الخلال وأخبرني حرب الكرماني ثنا أبو علي الحسن بن الصباح ثنا قاسم ~~العمري ثنا عبدالرحمن بن محمد بن حبيب حدثنا أبي عن جدي حبيب قال شهدت خالد ~~بن عبدالله القسري خطب الناس بواسط يوم النحر فقال أيها الناس ارجعوا فضحوا ~~تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل ~~فذبحه # والجهم بن صفوان أخذ مذهبه عن الجعد بن درهم وكان الجعد هذا من أهل حران ~~وإليه ينسب مروان الجعدي آخر خلفاء بني أمية وكان بحران أئمة الفلاسفة ~~الصابئة القائلين بقدم العالم وتعطيل الصفات وعنهم أخذ تحقيق ذلك أبو نصر ~~الفارابي لما دخل حران وكان الجعد فيما يقال أخذ تعطيل الصفات عنهم ولهذا ~~أنكر كلام الله ومحبة الله فلا يكون له كليم ولا خليل # هذا مع أن الفلاسفة مختلفون في قدم العالم وحدوثه وأساطينهم PageV02P166 ~~المتقدمون على القول بحدوثه بل وعلى إثبات الصفات والأمور الإختيارية ~~القائمة بالله وأول من عرف عنه من الفلاسفة المشائين القول بقدم الأفلاك هو ~~أرسطو وحججه على ذلك واهية جدا لا تدل على مطلوبه بل استدلاله على قدم ~~الزمان وأنه مقدار الحركة فيلزم قدمها ثم ظن أن جنس الزمان مقدار حركة ~~الفلك وهذا غلط عظيم فإن جنس الزمان إذا قيل الزمان مقدار الحركة فهو مقدار ~~جنس للحركة لا حركة معينة بل الزمان المعين مقدار الحركة المعينة ولهذا كان ~~جنس الزمان باقيا عند المسلمين بعد قيام القيامة وانشقاق السماء وتكوير ~~الشمس ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك ms287 غير حركة الفلك ولهم في ~~الآخرة يوم المزيد يوم الجمعة مع أن الجنة ليس فيها شمس ولا زمهرير بل ~~أنوار وحركات أخر # فمن قال إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء وبما شاء كان الكلام ~~عنده صفة ذات قائم بذات الله وهو يتكلم بفعله وفعله بمشيئته وقدرته فمقدار ~~ذلك إذا قيل بقدمه كان وفاء بموجب الحجة المقتضية لقدم نوع ذلك من غير أن ~~يكون شيء من العالم قديم مع الله تعالى ولا يحتاج مع ذلك أن يقال لإمكان ~~الفعل بداية ولا أن يجمع بين النقيضين في التقدير فيقال إذا قيل الفعل أو ~~الحادث بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه فإن هذا التقدير جمع بين ~~النقيضين كما في تقدير كونه لم يزل قادرا مع امتناع دوام المقدور ~~PageV02P167 # فإذا قيل لم يزل الرب قادرا وقيل مع ذلك لم يكن الفعل ممكنا ثم صار ممكنا ~~وأنه يمتنع أن يكون الفعل لم يزل مقدورا كان حقيقة الكلام لم يزل قادرا مع ~~كونه كان غير قادر ثم صار قادرا فإن إثبات القادرية مع امتناع المقدور جمع ~~بين المتناقضين وكذلك هذا وذلك أن الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم يجب أن ~~يكون له أول فكل ما سبق بالعدم فله أول إذ العدم قبله وما لا أول له ليس ~~قبله شيء بل هو دائم لم يزل # فإذا قيل الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه كان المعنى أن ~~الفعل بشرط كونه له أول لا أول له ونظير هذا التناقض فرقهم بين أزلية الصحة ~~وصحة الأزلية وربما قالوا بين إمكان الأزلية وأزلية الإمكان وهو فرق لا ~~حقيقة له فإنه إذا كان الإمكان الذي هو الصحة أزليا فمعنى ذلك أنه لم يزل ~~الفعل ممكنا صحيحا # هذا هو المراد بأزلية الإمكان والصحة ومعلوم أن هذا يتضمن إمكان أزلية ~~الفعل وصحة ذلك فإنه إما أن يكون الثابت في نفس الأمر أزلية الفعل أو ~~امتناعها فإن كان الثابت هو الامتناع كان الفعل ممتنعا في الأزل فلم يكن ~~ممكنا وحينئذ ms288 فلا يكون الإمكان أزليا بل حادثا بعد أن لم يكن وهذا قول بأن ~~إمكان الفعل ليس بأزلي بل حادث بعد أن لم يكن من غير مسبب يوجب حدوثه وهو ~~خلاف قولهم بأزلية الإمكان PageV02P168 # ثم إنه ممتنع بصريح العقل فإنه إذا كان إمكان الفعل له بذاته وهو حادث ~~بعد أن لم يكن كان هذا ممتنعا لوجهين أحدهما أنه يلزم حصول الإمكان بعد ~~الإمتناع من غير سبب أوجب كونه قادرا وهو سلب لصفة الكمال للرب في الأزل ~~ودعوى حدوثها بعد أن لم تكن من غير سبب أوجب ذلك وكلاهما ممتنع فإن كماله ~~من لوازم ذاته وكونه قادرا من لوازم ذاته إذ لو لم يكن من لوازم ذاته لكان ~~عارضا لهذا وكان مفتقرا في ثبوت كونه قادرا إلى غيره ثم ذلك الغير إن كان ~~مفعوله فإنه يستلزم الدور القبلي فإنه لا يكون فاعلا للمفعول إلا إذا كان ~~قادرا فلو استفاد كونه قادرا من المفعول والمفعول لا يكون قادرا على ~~الإقدار إلا بإقداره لزم أن لا يكون هذا قادرا حتى يجعله الآخر قادرا فلا ~~يكون واحد منهما قادرا # وأيضا فكون المفعول هو الذي يجعل الفاعل قادرا أو فاعلا معلوم فساده ~~بصريح العقل فإن كل ما للمفعول هو من الفاعل لا من نفسه فلو لم يكن الفاعل ~~قادرا إلا بإقدار المفعول له لم يكن قادرا بحال بل ولا كان مفعول أصلا فضلا ~~عن كونه قادرا فضلا عن كونه مقدورا لفاعله # وكذلك لو قدر قديمان أو واجبان كل منهما إنما صار واجبا قادرا بإقدار ~~الآخر كان هذا ممتنعا في صريح العقل وكان مستلزما للدور القبلي فإن هذا لا ~~يكون قادرا حتى يجعله ذاك قادرا وذاك لا يكون قادرا حتى يجعله هذا قادرا ~~فلا يكون كل واحد منهما قادرا PageV02P169 # فإن كون القادر قادرا في نفسه هو سابق لكونه يجعل غيره قادرا فمن ليس ~~بقادر في نفسه يمتنع أن يجعل غيره قادرا فالإمتناع يعلم من جهة بطلان الدور ~~القبلي ومن جهة أن من ليس بقادر يمتنع أن يجعل ms289 غيره قادرا # وهذا من أحسن ما يستدل به على التوحيد فإنه يعلم به أن الرب لا بد أن ~~يكون قادرا بنفسه لا تكون قدرته مستفادة من غيره وحينئذ فإذا قدر قادران ~~كان اجتماعهما على فعل المفعول الواحد ممتنعا لذاته بصريح العقل واتفاق ~~العقلاء فإن فعل أحدهما له يوجب استقلاله فيمتنع أن يكون له شريك فضلا عن ~~أن يكون هناك فاعل آخر مستقل # ولهذا كان من المعلوم عند العقلاء بصريح العقل أنه يمتنع اجتماع مؤثرين ~~تامين على أثر واحد وإن شئت قلت يمتنع اجتماع علتين تامتين على معلول واحد # وإذا كان كذلك فإذا قدر ربان امتنع استقلال كل منهما بفعل شيء واحد بل ~~إذا فعل أحدهما شيئا كان الآخر فاعلا لشيء آخر وهذا تحقيق قوله تعالى @QB@ ~~إذا لذهب كل إله بما خلق @QE@ سورة المؤمنون 91 # وأيضا فإذا كانا قادرين فإن أمكن أحدهما أن يفعل بدون الآخر أمكن أن يريد ~~ضد مراد الآخر فيلزم التمانع فإنه إن وجد مرادهما لزم اجتماع الضدين وإن لم ~~يوجد مراد واحد منهما لزم عجزهما جميعا ولزم خلو المحل من أحد المتقابلين ~~اللذين لا يخلو الجسم عنهما مثل أن يريد PageV02P170 أحدهما إحياء جسم ~~ويريد الآخر إماتته أو يريد تحريكه ويريد الآخر تسكينه ونحو ذلك # وإن قيل يجب اتفاقهما في الفعل بمعنى أنه إذا فعل أحدهما شيئا لم يعارضه ~~الآخر فيه لم يكن واحد منهما قادرا إلا بشرط تمكين الآخر له والإمساك عن ~~معارضته وهذا يستلزم أن لا يكون واحد منهما قادر بنفسه وهو ممتنع كما تقدم # وإن فسر الإتفاق في الفعل بمعنى الإشتراك فيه فالإشتراك في المفعول ~~الواحد بمعنى أن كلا منهما مستقل بالمفعول ممتنع كما تقدم # والإشتراك بمعنى أن هذا له فعل ومفعول غير فعل هذا ومفعوله يوجب أن يذهب ~~كل إله بما خلق والعالم مرتبط بعضه ببعض ارتباطا ويحتاج بعضه إلى بعض ~~احتياجا يمتنع معه أن يكون بعضه مفعولا لواحد وبعضه مفعولا لآخر فإذا قدر ~~فاعلان لزم أن يذهب كل إله بما خلق وأن يعلو ms290 بعضهم على بعض فذهاب كل إله ~~بما خلق لأن مفعول هذا غير مفعول هذا وعلو بعضهم على بعض لأن كونهما قادرين ~~يوجب أن كلا منهما غني في قدرته عن الآخر وأنه يمكنه أن يفعل بدونه فيمتنع ~~أن يفعلا شيئا سواء كانا متفقين لامتناع صدور الفعل الواحد عن فاعلين أو ~~كانا مختلفين لأن ذلك يستلزم التمانع فيكون كل منهما مانعا للآخر فلا بد أن ~~يكون أحدهما هو القادر دون الآخر فيكون PageV02P171 القادر هو القاهر للآخر ~~فيعلو عليه كما قال تعالى @QB@ ولعلا بعضهم على بعض @QE@ سورة المؤمنون 91 ~~وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر لما تكلمنا على طرق الناس في إثبات التوحيد ~~ومعناه # والمقصود هنا أنه يمتنع كون واجبين قدرة كل منهما مشروطة بقدرة الآخر فلا ~~بد أن يكون الرب قادرا بنفسه فتكون قدرته من لوازم ذاته واللازم لا ينفك عن ~~الملزوم وإذا لم يزل قادرا لم يزل يمكنه فعل المقدور وإذا لم يكن فعل ~~المقدور ممكنا لم يكن قادرا في الأزل بل صار قادرا بعد أن لم يكن وليس هذا ~~من الدور المعي الممكن مثل أن يقال لا يكون هذا قادرا إلا مع كون هذا قادرا ~~فإن هذا ممكن في المخلوقات لمعلولي العلة الواحدة فإنهما يحصلان بعلة واحدة ~~فلذلك إذا كان الفاعلان قادرين بإقدار ثالث أمكن أن تكون قدرة أحدهما ~~مشروطة بقدرة الآخر كالأمور المتلازمة التي لا يوجد هذا وقوته إلا مع هذا ~~وقوته # وأما الواجبان القديمان الخالقان اللذان لم يستفيدا قدرتهما من ثالث فلو ~~قيل إن قدرة أحدهما مشروطة بقدرة الآخر لكان من باب الدور القبلي فإن ~~أحدهما إذا لم تكن قدرته من نفسه ولا من ثالث كانت من الآخر وهذا هو الدور ~~القبلي وإن قيل بل هي حاصلة منه ومن الآخر قيل فالحاصل فيه مشروط بقدرته ~~فلا بد له من قدرة يستقل بها لا يفتقر فيها إلى غيره ولا يكون غيره شرطا ~~فيها فتكون تلك القدرة من لوازم ذاته وهو المطلوب وإن كانت من لوازم ذاته ~~امتنع أن يصيرا ms291 قادرا بعد أن لم يكن وامتنع أن يصير الفعل ممكنا بعد أن لم ~~يكن PageV02P172 فثبت أنه لم يزل قادرا ولم يزل المقدور ممكنا فثبت أن ~~إمكان الفعل لا أول له وإذا كان الفعل لم يزل ممكنا أمكن أن يكون أزليا ~~وإلا امتنع كونه أزليا # فعلم أن القول بأزلية الإمكان دون إمكان الأزلية جمع بين النقيضين ~~وحذاقهم يعترفون بهذا وإنما ألجأهم إلى هذا ما ادعوه من كون الفعل أو ~~الكلام والفعل لم يكن ممكنا فصار ممكنا بعد أن لم يكن وهذا أول من قاله في ~~الإسلام الجهمية والمعتزلة ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام ولا نقل هذا ~~أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بلفظه ولا بمعناه ولا عن أصحابه ولا عن ~~التابعين لهم بإحسان # ثم إنهم لما قالوا هذا احتاجوا أن يجيبوا عن قول المنازع لهم الإمكان لا ~~أول له إذ لو كان له أول للزم الإنقلاب من الإمتناع الذاتي إلى الإمكان ~~الذاتي بلا موجب فقالوا نقدر أن إمكان الحدوث لا اول له أو نقول الإمكان ~~بشرط حدوث الممكن لا أول له فيكون حقيقة الكلام إمكان الحدوث له أول لا أول ~~له وهو جمع بين النقيضين بل كل ما قدر أنه يجب حدوثه ويمتنع قدمه فإن إمكان ~~حدوثه له أول ويمتنع أن يكون إمكان هذا الحدوث لا أول له وسواء كان إمكان ~~الحدوث مشروطا بشرط من جهة الفاعل أو القابل فمتى كان إمكان الحدوث له أول ~~امتنع أن لا يكون له أول وإن كان الحدوث للذي له أول يعقل في أعيان الحوادث ~~فما من شيء من المخلوقات إلا وإمكان حدوثه للذي له أول ويمتنع أن يكون ~~حادثا ويكون إمكان الحدوث أزليا PageV02P173 # فهذا القول الذي أحدثته الجهمية والقدرية في الإسلام واتبعهم عليه من ~~اتبعهم وهو بدعة في الشرع وباطل في العقل # وأما إبطال مذاهب الفلاسفة المخالفة للكتاب والسنة فهو ولله الحمد ممكن ~~بصريح المعقول من وجوه متعددة لا تستلزم إلا حقا # فقول الفلاسفة بقدم شيء بعينه من العالم يوجب ms292 أنه علة تامة له وهذا باطل ~~من وجوه متعددة كما قد ذكر في موضعه # وأيضا فإنه يمتنع حدوث حادث عن علة قديمة لم يقم بها شيء فإن الفاعل إذا ~~كان حاله عند وجود المعلول الحادث وقبله ومعه سواء كان تخصيص الوقت المعين ~~بحدوث الحادث المعين تخصيصا بلا مخصص وحدوثا بلا سبب حادث فيمتنع أن يحدث ~~عنه شيء بوسط أو بغير وسط فيلزمه أن لا يكون للحوادث محدث وهذا غاية ~~السفسطة # ففروا من القول بأن الحادث لا بد له من سبب فلزمهم أن لا يكون له محدث ~~فكان ما فروا إليه أعظم مما فروا منه بكثير # فتبين أنه لو كان علة قديمة لم يكن حاله بعد أن أوجب ذلك القديم كحاله ~~حين أوجبه لأنه لو استوت الحالان لم يكن تخصيص حال القدم بالإيجاب أولى من ~~غير حال القدم ولم يكن حال الإحداث المعين أولى من حال عدم الإحداث المعين ~~إذ كانت نسبة الجميع إليه سواء من كل وجه PageV02P174 # وإذا قيل إنه موجب للمعين دائما # قيل له إيجاب الفاعل للمفعول المعين بمعنى مقارنته له في الزمان ممتنع ~~كما بين في موضعه # وإيجاب الحوادث شيئا بعد شيء بدون قيام أمور متجددة به ممتنع أيضا كما قد ~~بسط في موضعه وإيجاب المعين بدون هذا الحادث وهذا الحادث محال وإيجاب هذا ~~الحادث دائما وهذا الحادث دائما محال # وأما إيجاب الحوادث شيئا بعد شيء فيستلزم أن لا يكون موجبا للحادث إلا ~~عند حدوثه وحينئذ يستكمل شرائط الإيجاب فيلزم من ذلك تجدد الإيجاب بشيء بعد ~~شيء فحينئذ لم يكن موجبا لمعين إلا بإيجاب معين وما استلزم الحوادث لا يكون ~~له إيجاب معين وأما الإيجاب الذي يتجدد شيئا بعد شيء فيمتنع أن يكون به شيء ~~بعينه قديما لأن القديم لا يكون إلا بإيجاب قديم بعينه لا يتجدد شيئا بعد ~~شيء # وصار أصل التنازع في فعل الله هل هو قديم أو مخلوق أو حادث من جنس أصل ~~التنازع في كلام الله تعالى وكثير من المتنازعين في كلامه وفعله ليس ms293 عندهم ~~إلا قديم بعينه لم يزل أو حادث النوع له إبتداء فالأول قول الفلاسفة ~~القائلين بقدمه والثاني قول المتكلمين من الجهمية والمعتزلة # ومسألة حدوث العالم متعلقة بهذا لكن الدهرية لم يمكنهم القول PageV02P175 ~~بقدم كل شيء من أعيان العالم فإنه خلاف الشاهد فقالوا بقدم أصول العالم ~~كالأفلاك والعناصر وهم يقولون بدوام الحوادث ويثبتون قديم النوع حادث ~~الأعيان # وصار المناظرون لهم من أهل الكلام يمنعونهم ثبوت هذا النوع ويقولون كل ما ~~ثبت حدوث شيء من نوعه لزم أن يكون نوعه حادثا وأن يكون له ابتداء لامتناع ~~دوام الحدوث والفعل عندهم وظنوا أن القول بأن الله خالق كل شيء لا يتم إلا ~~بهذا فاستظهر الفلاسفة عليهم بهذا وطولوا الكلام عليهم في إبطال هذا وظنوا ~~أنهم بردهم ثبت لهم قدم العالم # وكان خطأ هؤلاء الفلاسفة أعظم من خطأ أولئك فإن نفس الأصل الكلي الذي ~~اعتمدوا عليه لو أعطوه حقه لم يكن فيه دليل إلا على إبطال قول من زعم أن ~~الرب كان معطلا عن الفعل والكلام ليس فيه دليل على قدم شيء من العالم بل هو ~~بعينه يدل على أن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن # والإستدلال بذلك أصح من الإستدلال بتناهي الحوادث لوجهين أحدهما أن ذلك ~~قد بينوا بطلانه والنزاع فيه طويل ولوازمه شنيعة PageV02P176 # والثاني أن متأخريهم قالوا هذا إنما يدل على حدوث الأجسام التي لا تخلو ~~عن الحوادث # قالوا فإذا جاز وجود موجود ليس بجسم كالعقول والنفوس لم يكن في هذا ما ~~يدل على حدوث هذا # وهكذا ذكره الشهرستاني والرازي والآمدي والأرموي وغيرهم حتى قال من قال ~~في عقيدته الأجسام حادثة من المتأخرين أتباع هؤلاء وقد لا يجزم بقدم العقول ~~والنفوس لكن يقف عند ذلك ويجزم بحدوث الأجسام لكون هذا هو الذي دل عليه ~~العقل عنده وزعم بعض هؤلاء أن سبب حدوث الأجسام هو ما يحدث من تصورات ~~النفوس المتعاقبة وأجابوا بهذا عما طالبهم به خصومهم من شبهة الحدوث # وزعم الرازي في المطالب العالية أن هذا هو الجواب ms294 الباهر عن حجة الفلاسفة ~~واتبعه على ذلك الأرموي في كتابه وزعم هؤلاء أن قدماء المتكلمين لم يجيبوا # عنه وليس الأمر كذلك بل شيوخ المتكلمين قرروا في كتبهم بأنه يمتنع وجود ~~ممكن إلا جسما أو عرضا وبينوا أن ما يدعى الفلاسفة إثباته خارجا عن ذلك ~~كالعقل والنفس والمادة والصورة باطل وإنما يعود ذلك إلى إثبات أمور ثابتة ~~في الذهن لا في الخارج وهي من نوع العرض PageV02P177 أو إلى ثبوت قدر مشترك ~~بين الأجسام وهو الكليات التي لا تخرج عن جسم أو عرض أو إثبات صورة هي إما ~~جسم وإما عرض حتى أن ابن حزم وهو ممن يعظم الفلاسفة قرر أن الأمر منحصر في ~~الأجسام والأعراض وبينوا أنه لا يخرج الممكن عنهما # وآخرون من أئمة الكلام والنظر قرروا ما هو أعم من ذلك أن الموجود لا يخرج ~~عن هذين القسمين وبينوا أن ما يدعى غيرهم إثباته إما أن يكون ممتنعا ثبوته ~~في الخارج وإما أن يكون داخلا في أحد القسمين # ولكن لفظ الجسم والعرض فيه نزاع اصطلاح لفظي وفيه نزاع عقلي كما قد بسط ~~في موضعه والمقصود هنا أن الفلاسفة لا حجة لهم أصلا على قدم شيء من أشخاص ~~العالم بل الأصل العقلي الذي يعتمدون عليه يمنع قدمها وقد ذكرنا هذا في ~~مواضع # وهذا ابن سينا أفضل متأخريهم وهو الذي أخذ فلسفة الأوائل لخصها وضم إليها ~~البحوث العقلية التي تلقاها عن المتكلمين من المعتزلة وغيرهم فزاد فيها ما ~~يوافقها ويقويها بحث صار لهم في الإلهيات كلام له قدر لا يوجد لمتقدميهم ~~فصار أحسن ما عندهم من الإلهيات ما استفاده ابن سينا من كلام المتكلمين ~~والمواضع التي تخالف أصولهم وقد زل فيها المتكلمون صارت عمدة له في الرد ~~على المتكلمين PageV02P178 والمتكلمون المعتزلة لهم مواضع أخطأوا فيها ~~وشاركهم الفلاسفة فيها فصارت الفلاسفة تحتج بها عليهم كنفي الصفات ولهم ~~مواضع انفردوا بالخطأ فيها دون غيرهم من المسلمين والفلاسفة فاستطالت بها ~~عليهم الفلاسفة كقولهم إن المحدث لا يحتاج إلى الفاعل إلا في حال حدوثه لا ~~في ms295 حال بقائه وقولهم إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا ~~مرجح وقولهم إن الممكن يترجح أحد طرفيه إذا كان الوجود أولى به من العدم ~~وإن لم ينته إلى حد الوجود # فهذه الأمور ونحوها من كلام القدرية التي خالفهم فيها أهل السنة وجمهور ~~المسلمين هي مما طولت لسانه عليهم واشتركوا هم وهم في نفي الصفات وسلك ابن ~~سينا فيها مسلكا فمن تدبر كلامه وجده مشتقا من كلامهم إذ كلام قدماء ~~الفلاسفة في ذلك نزر قليل ولم يصر للقوم كلام يعتد به في الإلهيات إلا بسبب ~~ابن سينا وأمثاله بما استفاده من مبتدعة المسلمين # ولهذا لم يكن أولئك يسمون هذا العلم الإلهي وإنما يسمونه علم ما بعد ~~الطبيعة باعتبار وجوده أو علم ما بعد الطبيعة باعتبار معرفته وهو كلام في ~~الوجود المطلق ولواحقه كالواحد ولواحقه وكتقسيم ذلك إلى الجوهر والعرض ~~وكتقسيم العرض إلى الأجناس التسعة التي هي الكم والكيف والإضافة والأين ~~ومتى والوضع PageV02P179 والملك وأن يفعل وأن ينفعل ومنهم من يجعلها خمسة ~~ومنهم من يجعلها ثلاثة وقد أنشد فيها % زيد الطويل الأسود بن مالك % في ~~بيته بالأمس كان متكى % % بيده سيف نضاه فانتضى % فهذه عشر مقولات سوا % $ # ثم أخذوا يتكلمون في أنواع هذه الأجناس حتى ينتهوا إلى مبادىء علومهم ~~الجزئية كالمقدار الذي هو موضوع الهندسة والعدد الذي هو موضوع الحساب ~~والجسم الذي هو موضوع العلم الطبيعي ونحو ذلك وتكلموا في العلة والمعلول ~~بكلام قليل # وأما الكلام بلفظ الواجب الوجود وممكن الوجود فهذا من كلام ابن سينا ~~وأمثاله الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم وإلا فكلام سلفهم ~~إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول # وقد تكلمت على ما ذكره معلمهم الأول أرسطو في غير هذا الموضع وبينت قلة ~~فائدة الحق منه وما فيه من التقصير والخطأ الكثير وأنه كما قيل لحم جمل غث ~~على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فيقلى # وأولئك كانوا يعتمدون في إثبات العلة الأولى على أن الفلك متحرك بإرادة ~~والمتحرك بالإرادة لا بد له من ms296 مراد يكون محركا له تحريك المعشوق لعاشقه ~~وهذا إذا ثبت لم يفد إلا أن له علة غائية لا يفيد أنه معلول PageV02P180 ~~لعلة فاعلة وهم مع ذلك لا يجعلون مراد الفلك عبادة الله ومحبته بل مراده ~~التشبه به ولهذا جعلوا الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة # 2 والفلك عندهم ليس مفعولا ولا ممكنا ولا معلولا لعلة فاعلة بل هو موجود ~~بنفسه والممكن عندهم لا يكون إلا المحدث المسبوق بالعدم والفلك ليس كذلك # وابن رشد وأمثاله من الفلاسفة يسلكون طريقة القدماء في هذا الباب فعدل ~~ابن سينا عن ذلك إلى ما استفاده من طرق المتكلمين فسلك طريق تقسيم الوجود ~~إلى الواجب والممكن كما يقسمونه هم إلى القديم والمحدث وتكلم على خصائص ~~واجب الوجود بكلام بعضه حق وبعضه باطل لأن الوجوب الذي دل عليه الدليل إنما ~~هو وجوده بنفسه واستغناؤه عن موجد فحمل هو هذا اللفظ ما لا دليل عليه مثل ~~عدم الصفات وأشياء غير هذه # وهذا اشتقه من كلام المعتزلة في القديم فلما أثبتوا قديما وأخذوا يجعلون ~~القدم مستلزما لما يدعونه من نفي الصفات جعلوا الوجود الذي ادعاه كالقدم ~~الذي ادعوه وليس في واحد منهما ما يدل على مقصود الطائفتين # وسلك طريقا ثانيا في إثبات واجب الوجود ذكرها في كتابه المسمى بالنجاة ~~وهي مبنية على الحدوث فقال فصل في آخر في PageV02P181 البيان ويقول أيضا إن ~~كل حادث فله علة مع حدوثه فلا يخلوا إما أن يكون حادثا باطلا مع الحدوث لا ~~يبقى زمانا وإما أن يكون إنما يبطل الحدوث بلا فصل زمان وإما أن يكون بعد ~~الحدوث باقيا والقسم الأول محال ظاهر الإحالة والقسم الثاني أيضا محال لأن ~~الآنات لا تتالى وحدوث أعيان واحدة بعد الأخرى متباينة في العدد لا على ~~سبيل الإتصال الموجود في مثل الحركة يوجب تتالي الآنات وقد بطل ذلك في ~~العلم الطبيعي ومع ذلك فليس يمكن أن يقال إن كل موجود هو كذلك فإن في ~~الموجودات موجودات باقية بأعيانها فلنفرض الكلام فيها فنقول إن كل حادث فله ~~علة ms297 في حدوثه وعلة في ثباته ويمكن أن يكون ذاتا واحدة مثل القالب في تشكيله ~~للماء ويمكن أن يكونا شيئين مثل الصورة الصنمية فإن محدثها الصانع ومثبتها ~~يبوسة جوهر العنصر المتخذ منه PageV02P182 # وملخص هذا الكلام أن الموجود الحادث قد يبقى فلا يمكن أن يقال حين حدوثه ~~بطل فإنه جمع بين النقيضين ولا أنه يجب عدمه بعد حدوثه إلا في مثل الحركة ~~وأما في غيرها فأن نعلم أن فيها ما هو باق وأيضا فإنه يوجب تتالي الآنات ~~وهو مبني على مسألة إثبات الجوهر الفرد فيكون الآن جزءا لا ينقسم تلو الآن ~~الآخر وهو يبطل ذلك # وفي الجملة فهذه المقدمة هو أن في المحدثات أمورا باقية هي حق لا ينازعه ~~فيها أحد وما يحكي عن النظام أنه قال إن الأجسام لا تبقى إما أن يقال هو ~~مخالفة للضرورة وإما أن يقال النزاع فيها لفظي وإما أن يقال النزاع فيها في ~~مسألة أخرى وهو افتقار المحدث في حال بقائه إلى ما يبقيه فإنه قد قيل إن ~~النظام إنما أراد بذلك مخالفة أصحابه المعتزلة الذين يقولون إن المحدث إنما ~~يفتقر إلى المؤثر حين حدوثه لا حين بقائه فقال هو إن الباقي حال بقائه ~~مفتقر إلى المؤثر وهذا الذي قاله النظام هو الذي قصده ابن سينا أيضا وهو ~~الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة وجماهير العقلاء # ولهذا قال ابن سينا بعد ذلك كلاما صحيحا قال ولا يجوز أن يكون الحادث ~~ثابت الوجود بعد حدوثه بذاته حتى يكون إذا حدث فهو واجب أن يوجد ويثبت لا ~~بعلة في الوجود والثبات # وذلك أنك تعلم أن كل حادث بل كل معلول فإنه PageV02P183 باعتبار ذاته ~~ممكن الوجود ولكن الحق أن ذاته ممكنة في نفسها وإن كان باشتراط عدمها ممتنع ~~الوجود وباشتراط وجودها واجب الوجود وفرق بين أن يقال وجود زيد الموجود ~~واجب وبين أن يقال وجود زيد ما دام موجودا فإنه واجب وكذلك فرق بين أن يقال ~~إن ثبات الحادث واجب بذاته وبين أن يقال إنه واجب بشرط ما دام ms298 موجودا ~~فالأول كاذب والثاني صادق فإذا لم نتعرض لهذا الشرط كان ثبات الوجود غير ~~واجب واعلم أن ما أكسبه الوجود وجوبا أكسبه العدم امتناعا ومحال أن يكون ~~حال العدم ممكنا ثم يكون حال الوجود واجبا بل الشيء في نفسه ممكن ويعدم ~~ويوجد وأي الشرطين اشترط عليه دوامه صار مع شرط دوامه ضروري الحكم لا ممكنا ~~ولم يتناقض ذلك فإن الإمكان باعتبار ذاته والوجوب والإمتناع باعتبار شرط ~~لاحق به فإذا كانت الصورة كذلك فليس للمكن في نفسه وجود واجب بغير اشتراط ~~ألبتة بل ما دام ذاته تلك الذات لم تكن واجبة الوجود بالذات بل بالغير ~~وبالشرط فلم يزل متعلق الوجود بالغير وكل ما احتيج PageV02P184 فيه إلى غير ~~وشرط فهو محتاج فيه إلى سبب فقد بان أن ثبات الحادث ووجوده بعد الحدوث بسبب ~~يمد وجوده فإن وجوده هو بنفسه غير واجب فليس لأحد من المنطقيين أن يعترض ~~علينا فنقول إن الإمكان الحقيقي هو الكائن في حال العدم للشيء وإن كل ما ~~يوجد فوجوده ضروري فإن قيل له ممكن فباشتراك الإسم فإنه يقال له إن كان ~~الحصول يلحقه بالضروري الوجود فإن العدم أيضا يجب أن يلحقه بالضروري العدم ~~ولا يحفظ عليه الإمكان فإنه كما أنه متى كان موجودا كان واجبا أي يكون ~~موجودا ما دام موجودا كذلك متى كان معدوما كان واجابا أي يكون معدوما ما ~~دام PageV02P185 معدوما لأن نظرنا هنا في الواجب بذاته والممكن بذاته ~~ونظرنا في المنطق ليس كذلك # قلت هذا الذي ذكره من اعتراض أهل المنطق عليه قد اعترض عليه ابن رشد ~~وغيره وإن كان ابن رشد متأخرا عنه # وذلك أن الممكن في كلام سلفهم الفلاسفة كأرسطو وأصحابه إنما يكون في حال ~~العدم ولهذا يقولون إن الإمكان يفتقر إلى محل يقوم به قبل حصول الممكن ~~ولهذا قالوا كل حادث فإنه مسبوق بإمكان العدم والإمكان وصف ثبوتي فلا بد له ~~من مادة تقوم به # وأولئك لم يكونوا يقسمون الموجود إلى واجب وممكن وإنما هذا تقسيم ابن ~~سينا وأتباعه بل العالم عندهم ms299 من قسم الواجب لا الممكن فلفظ الممكن يراد به ~~هذا وهذا وابن سينا لم يرض أن يجعله من باب الإشتراط اللفظي فقط بل أخذ ~~القدر المشترك وهو إمكان أن يوجد وأن يعدم مع قطع النظر عما هو متصف به في ~~الحال وهو السبب الموجب لأحدهما ولا ريب أن هذا يتصف به في الحالين وأما ~~إذا أريد بالممكن أن يوجد أي يصير موجودا في المستقبل فلا يتصف به إلا ~~المعدوم القابل لذلك # وهذا الذي قاله يستلزم أمرين باطلين PageV02P186 # أحدهما ما غلط فيه هو وسلفه حيث ظنوا أن في الخارج حقيقة تقبل هذا وهذا ~~وأنها متصفة بالوجود والعدم كالذين قالوا المعدوم شيء وقد بسط هذا في موضعه ~~وبين أن الصواب أن هذه الحقيقة المتصورة في العقل هي المحكوم عليها بانها ~~تقبل أن تكون موجودة في الأعيان وتقبل أن لا تكون موجوده كما أن الممتنع ~~كاجتماع النقيضين إذا قلنا إنه ممتنع فالمراد أن هذه الحقيقة المتصورة ~~ممتنع ثبوتها في الخارج # الثاني ما خالف فيه وهو ومتبعوه سلفه حيث ظنوا أن القديم الأزلي الواجب ~~الوجود قد يكون ممكنا بغيره يقبل العدم فإنهم جمعوا في ذلك بين كونه ممتنع ~~العدم وكونه قابل العدم وهو إنما يقبل العدم باعتبار كون ذاته مجردة عن ~~الموجب وهذا تقدير ممتنع فلا يقبل العدم إلا على تقدير ممتنع وما كان كذلك ~~فقبوله للعدم ممتنع فجمعوا بين النقيضين وورد عليهم إشكالات لا جواب لهم ~~عنها كما قد بسط في مواضع مثل الكلام على المحصل وغيره # والمقصود هنا تمام كلامه في افتقار المحدثات إلى علة دائمة ليتبين من نفس ~~يصححونه بالمعقول ثبوت حدوث كل ما سوى الله # قال فتبين من هذا أن المعلولات مفتقرة في بيان PageV02P187 وجودها إلى ~~العلة وكيف وقد قلنا إنه لا تأثير للعله في العدم السابق فإن علته عدم ~~العلة ولا في كون هذا الوجود بعد العدم فإن هذا مستحيل أن لا يكون هكذا فإن ~~الحادثات لا يمكن أن يكون لها وجود بالطبع إلا بعد عدم فالمتعلق بالعلة هو ms300 ~~الوجود الممكن في ذاته لا في شيء من كونه عبد عدم أو غير ذلك فيجب أن يدوم ~~هذا المتعلق فيجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن في ذاته من حيث وجوده ~~الموصوف مع المعلول # قلت هذا إشارة إلى ما قدمه قبل هذا من أن سبب الإفتقار إلى المؤثر هو ~~الإمكان لا الحدوث وليس لنا غرض هنا في كشف ذلك فإنا قد بينا في غير هذا ~~الموضع أن الإفتقار إلى المؤثر ليس علة أصلا بل نفس المفتقر إلى المؤثر ~~مفتقر إليه لذاته لا لوصف من أوصاف ذاته فكل ما سوى الله فإنه بذاته فقير ~~إليه لا يتصور أن لا يكون فقيرا إليه وفقره إلى الله ليس لعلة أوجبت له أن ~~يكون فقيرا بل فقره لذاته PageV02P188 # وأما كونه محدثا وكونه ممكنا يقبل الوجود والعدم فهذا دليل على فقره ~~ومستلزم لفقره فإن المحدث كان معدوما وما كان معدوما لم يكن موجودا بنفسه ~~بل بغيره وكذلك ما كان يقبل الوجود والعدم فإنه ليس له من ذاته أن يكون ~~موجودا وهذا مثل قولنا مصنوع مخلوق ونحو ذلك فإن ذلك دليل على إفتقاره وإلا ~~ففقر الأشياء واحتياجها إلى الخالق هو لذاتها وقولنا لذاته هو بحسب ما ~~اعتيد من الخطاب وإلا فليس لها ذات دونه توصف بفقر ولا غنى بل هو المبدع ~~لإنياتها ولا إنية لها بدون إبداعه ولا دوام لإنياتها بدون إبداعه ولا علة ~~لذلك أصلا كما أن وجوبه بنفسه لا علة له واستغناؤه عن غيره لا علة له # وإذا قلنا هو موجود بنفسه أو واجب بنفسه أو غني بنفسه فليس المراد أن ~~نفسه جعلته موجودا أو جعلته واجبا أو جعلته غنيا بل نفس الوجود الواجب ~~الغني هو نفسه لا أن هنا فاعلا ومفعولا وعلة معلولا وإنما يغلط في هذا من ~~يظن أن وجوده زائد على حقيقته كأبي هاشم وطائفة من أهل الكلام ومن وافقه من ~~الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم والرازي في أحد قوليه فإنهم يجعلون ~~الوجود الواجب معلول الذات الموصوفة كما يجعلون هم والمتفلسفة ms301 الذات ~~الممكنة قابلة للوجود المتصفة به ويجعلون الوجود صفة للذات الموجودة # وهذا يقوله تبعا لهم طوائف من نظار أهل السنة كما يوجد مثل ذلك في كلام ~~كثير منهم كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره والمتكلم بهذا PageV02P189 إما أنه ~~توسع في العبارة أو زل في الفهم وإلا فالذي عليه حذاق النظار من متكلمي أهل ~~السنة وغيرهم أن الموجود في الخارج هو الحقيقة الموجودة في الخارج ليس هناك ~~شيئان أحدهما وجود هو جوهر أو عرض والثاني حقيقة موجودة متصفة بهذا # ولفظ الوجود قد يعنى به المصدر إما مصدر وجد يجد وجودا أو مصدر أوجده ~~الله أو مصدر وجدته أجده وجودا # لكن ليس المراد في هذا المقام مسمى المصادر فإن إيجاد الله للخلق هو خلقه ~~لهم وهذا عند الأكثرين هو فعل غير المخلوقين وعند كثير من النظار الخلق هو ~~المخلوق # وأما مصدر وجدت الشيء أجده كما في قوله تعالى @QB@ ووجد الله عنده @QE@ ~~سورة النور 39 فهذا فعل قائم بالواجد كالرؤية والمعاينة ونحو ذلك وليس ~~مرادهم بقولهم هذا موجود هذا مرئي معاين وإن كان أصل اللفظ أخذ من هذا فإن ~~ما كان ثابتا في نفسه كان بحيث يجده الواجد أي يراه ويعاينه بخلاف المعدوم ~~المنفي فسمي ما هو بحيث يجده الواجد موجودا لكن إذا قالوا وجد فمرادهم أنه ~~حصل وكان ولا يلحظون أن غيره وجده وإن كان لفظ الفعل مبنيا لما لم يسم ~~فاعله فإذا كان المراد أنه كان وحصل فمعلوم أن كونه وحصوله مصدر كان يكون ~~وحصل يحصل لكن هو إذا صار كائنا وحاصلا فالكائن الحاصل هي حقيقته الموجودة ~~ليس هناك هذا الكائن الحاصل وجود قائم به بعد كونه غير حقيقته الموجودة ~~PageV02P190 # إذا تبين هذا فقولنا مفتقر لذاته لا يريد به أن هناك ذاتا غير الموجودة ~~ثابتة في الخارج هي الموصوفة بالفقر وإنما يسوغ هذا عند من يقول المعدوم ~~شيء وحقيقته زائده على الوجود في الخارج وإنما المقصود بذلك أن هذا الموجود ~~المخلوق في الخارج هو فقير محتاج فنفس حقيقته التي هي الموجودة هي ms302 الفقيرة ~~وإذا قدر أن هناك وجودا زائدا عليه أو وجوده الذي هو مصدر فكل ذلك فقير ~~محتاج كما أن نفسه الموجودة فقيرة محتاجة كما أن الرب غني بنفسه الموجودة ~~وهذا المخلوق موصوف بالفقر والحاجة قبل أن يوجد وبعد أن وجد # أما قبل وجوده فالمراد بذلك أنه لا يكون موجودا إلا بالخالق فلا يصير ~~موجودا بنفسه وأما بعد الوجود فالمراد بذلك أنه ما صار موجودا ولا يدوم ~~وجوده ولا صار له حقيقة ولا تدوم له حقيقة إلا بالخالق # وإذا قلنا لا يكون موجودا فقد أخبرنا عن شيء تصورناه قبل وجوده وهذه هي ~~ما يتصور في الذهن منه # ولا ريب أن الذين قال المعدم شيء والذين قالوا إن ماهية الشيء زائدة على ~~وجوده وجدوا الفرق بين ما هو ثابت في الذهن وما هو ثابت في الخارج # وهذا فرق صحيح فإن المعاني الذهنية ليست هي الحقائق PageV02P191 الخارجية ~~لكن توهموا أن هذه المعاني الذهنية ثابتة في الخارج وهذا غلط وهذا مبسوط في ~~موضعه # وإذا كان كل ما سوى الله مفتقرا إليه لذاته والحدوث والإمكان مستلزمان ~~لفقره دالان عليه فهل يتصور إمكان بلا حدوث هذا محل نزاع فجمهور العقلاء من ~~الأولين والآخرين أهل الملل قاطبة وأئمة الفلاسفة كأرسطو وأتباعه يقولون إن ~~الإمكان والحدوث متلازمان وخالف في ذلك ابن سينا وموافقوه فزعموا أن الممكن ~~قد يكون قديما أزليا واجبا بغيره # والمقصود هنا أن ابن سينا ذكر أنه يجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن ~~في ذاته من حيث وجوده الموصوف مع المعلول فما دام المعلول دامت عليته كذلك ~~ما دامت العلة دام معلولها # قال فإذ قد اتضح هذه المقدمات فلا بد من واجب الوجود وذلك أن الممكنات ~~إذا وجدت وثبت وجودها كان لها علل لثبات الوجود ويجوز أن تكون تلك العلل ~~علل الحدوث بعينها إن بقيت مع الحادث ويجوز أن تكون عللا أخرى ولكن مع ~~الحادثات وتنتهي لا محالة إلى واجب الوجود إذ قد بينا أن العلل لا تذهب إلى ~~غير نهاية ولا تدور PageV02P192 # قال وهذا ms303 في ممكنات الوجود التي لا تفرض حادثة أولى وأظهر # قال فإن تشكك متشكك وسأل فقال إنه لما كان إنما يثبت الممكن الحادث بعلة ~~وتلك العلة لا تخلو إما أن تكون دائما علة لثباته أو حدث كونها علة لثباته ~~فإن كانت دائما علة لثباته وجب أن لا يكون الممكن حادثا وقد وضعناه حادثا ~~فإن حدث كونها علة لثباته فيحتاج أيضا كونه علة لثباته والنسبة التي له ~~إليه إلى علة أخرى لثباته بعد العلة المحدثة لهذه النسبة فإن النسبة التي ~~بينهما قد كانت بسبب ما فيجب أن يدوم ويبقى بسبب والكلام في الأخرى كالكلام ~~في الأولى فهذا بعينه يوجب وضع العلل الممكنة الحادثة معا بلا نهاية ~~PageV02P193 # قال نقول في جواب هذا إنه لولا تسبب شيء من شأن ذلك الشيء أن يكون حدوثه ~~بلا ثبات أو ثباته على سبيل الحدوث والتجدد على الإتصال فيلزم منه انتهاء ~~علل محدثة ومثبتة إلى علل أخرى في زمان آخر يناقض تلك أو يزيد عليها تأثيرا ~~حادثا من غير تشايع آنات بل مع بقاء كل علة ومعلول ريثما يتألف إلى الآخر ~~لكان هذا الإعتراض لازما # قال فأما هذا الشي فهو الحركة وخصوصا المكانية وخصوصا المستديرة # قلت من هنا يتبين المقصود فإن هذا الإعتراض لازم لا محيد عنه وما ذكره من ~~الجواب في غاية الفساد وذلك أن صاحب الإعتراض قال ثبات الحادث لا بد له من ~~علة دائمة كما تقدم فإن كانت تلك العلة القديمة دائمة وجب كون المحدث بها ~~قديما معها لا حادثا فإن حدث كونها علة فذاك أيضا حادث فيلزم أن تكون علية ~~ذلك الحادث حادثة ثانية ثم علية ثبات تلك العلة الحادثة يقتضي علة حادثة ~~ثالثة وهلم جرا PageV02P194 والعلة يجب أن تكون مع المعلول فهذا يقتضي ~~تقدير علل ممكنة حادثة معا بلا نهاية وهو ممتنع # وهذا الإعتراض مستقيم سواء قيل إن علة الحدوث هي علة الثبات أو قيل ~~للثبات علة غير علة الحدوث وذلك أن علة الحدوث لا بد أن تكون حادثة أيضا ~~فإنها لو كانت ms304 قديمة لزم صدور الحادث عن العلة القديمة وهذا ممتنع فإن تلك ~~العلة إما أن تكون دائما علة لحدوثه فيلزم أن يكون المحدث غير محدث بل ~~دائما وإما أن تكون حال كونه علة لحدوثه ثم حدوث كونها علة لحدوثه هو أمر ~~حادث والقول فيه كالقول الأول فلا بد أن تكون له علة حادثة فهذه حوادث في ~~آن واحد لأن علية العلة يجب أن تكون مع المعلول # وأما الجواب الذي ذكره فمقصوده به أنه لولا الحركة لكان هذا الإعتراض ~~لازما فإن الحركة تحدث بلا ثبات أو تثبت على سبيل الحدوث والتجدد على ~~الإتصال فلزم بها انتهاء العلل المحدثة والمثبتة إلى علل أخر في زمان آخر # ومضمون هذا أن كون الشيء علة لحدوث شيء أو لثباته وإن كان حادثا فيسبب ~~حدوثه الحركة المتصلة والحركة المتصلة تحدث عللا أخر في زمان آخر لتلك ~~الكليات فلا تزال العلة باقية بهذا السبب PageV02P195 # فيقال هذا الجواب باطل من وجهين # أحدهما أن الكلام في حدوث هذه الحركة الحادثة كالكلام في حدوث غيرها سواء ~~كانت طبيعية أو قسرية أو إرادية لا سيما وهم يقولون هي إرادية # وقد قال بعد هذا وأما الحركة الإرادية فإن عللها أمور إرادية ثابتة واحدة ~~كأنها كلية تنحو نحو الغرض الذي يحصل من التصور أولا فهو محفوظ بعينه ثابت ~~وإرادة بعد إرادة بحيث يتصور بعد بعد بعد وأين بعد أين معين كحركة بعد حركة ~~ويكون كل ذلك على سبيل التجدد لا على سبيل الثبات ويكون هناك شيء واحد ثابت ~~دائما وهو الإرادة الثابتة ها هنا الكلية كما كانت الطبيعة في الطبيعة ~~وأشياء تتجدد وهي تصورات جزئية وإرادات مختلفة كما يكون في الطبيعة ~~اختلافات مقادير القرب والبعد ويكون جميعها على سبيل الحدوث PageV02P196 # قال ولولا حدوث أحوال على علة باقية بعضها علة لبعض على الإتصال لما أمكن ~~أن كون حركة فإنه لا يجوز أن يلزم عن علة ثابتة أمر غير ثابت # قال وأنت تعلم من هذا أن العقل المجرد لا يكون مبدأ جزء الحركة بل يحتاج ~~إلى ms305 قوة أخرى من شأنها أن تتجدد فيها الإرادة وتحيل الأينات الجزئية وهذا ~~يسمى النفس وأن العقل المجرد إذا كان مبدأ الحركة فيجب أن يكون مبدءا آمرا ~~متمثلا أو متشوقا أو شيئا مما أشبه هذا فأما مباشر للتحريك فكلا بل يجب أن ~~يباشر التحريك بالإرادة ما من شأنه أن يتغير بوجه ما فيحدث منه إرادة بعد ~~إرادة على الإتصال وقد أشار المعلم الأول في كلامه في النفس إلى أصل ينتفع ~~به في هذا المعنى إذ قال إن لذلك أي العقل النظري الحكم العقلي وأما لهذا ~~فالأفعال الجزئية PageV02P197 والتعقلات الجزئية أي العقل العملي وليس هذا ~~في إرادتنا فقط بل وفي الإرادة التي تحدث عنها حركة السماء # قلت فقد بين أن العلة الثابتة لا يلزمها أمر غير ثابت وأن الحركة لا تحدث ~~إلا بحدوث تصورات وإرادات جزئية وحينئذ فيقال الكلام في حدوث تلك التصورات ~~الجزئية والإرادات الجزئية التي تحدث عنها الحركة كالقول في حدوث الحركة ~~وليس فوقها عندكم إلا أمر ثابت لا يحدث والأمر الثابت لا يلزم أن يحدث عنه ~~أمر غير ثابت ولا يلزم الثابت أمر غير ثابت وهذا يلزم منه أن لا يكون ~~للحوادث محدث أصلا أو لا يكون تمام علة حدوثها حاصلة بل تحدث حوادث متصلة ~~من إرادات وتصورات وليس هناك إلا أمر ثابت والثابت لا يلزم عنه أمر غير ~~ثابت # فهذا مما يبين بطلان قولهم ومن وجه آخر هو أنه إذا كانت العلة الثابتة لا ~~يلزم عنها أمر غير ثابت فواجب الوجود عندكم علة ثابتة فلا يلزم عنها أمر ~~غير ثابت بل أمر ثابت وإذا كان هذا الذي يلزم عنها فلا يلزم عنه إلا ثابت ~~فالمعقول ثابت والنفس في ذاتها ثابتة فلا يلزم عن ذلك إلا أمر ثابت ~~والتصورات والإرادات المتعاقبة والحركة الحادثة عنها أمر غير ثابت وليس ~~هناك علة لا علة ثابتة ولا علة غير ثابتة PageV02P198 # وهذا تصريح بأن الحوادث تحدث بلا علة وأين تقريره من أن الحوادث بعد ~~الحدوث لا بد لها من علة لثباتها وقد أنكر ms306 على من قال يكفيها علة الحدوث ~~وقوله يستلزم أن لا تكون للحوادث علة لحدوثها ولا لثباتها # ومما يبين هذا انه قد ذكر عن المعلم الأول كلاما ارتضاه وهو قوله إن ~~للعقل النظري الحكم العقلي وأما العقل العملي فله الأفعال الجزئية ~~والتعقلات الجزئية # قال وليس هذا في إرادتنا فقط بل وفي الإرادة التي تحدث عنها حركة السماء ~~وإذا كان كذلك فمعلوم أن أعمالنا الحادثة بإراداتنا الجزئية وتعقلاتنا ~~الجزئية لا تحصل إلا بسبب يقتضي ذلك وإلا فمجرد العقل الكلي لا يوجب ذلك ~~لكن هم يقولون إن سبب تغيرات تصوراتنا وإراداتنا هي سبب لحدوث الحوادث ~~مطلقا وهو الحركة الفلكية ولم يتكلم هنا في سبب حدوث الحركة الفلكية ~~المقتضية لتغيرنا إذ لم يكن هناك إلا شيء ثابت دائم إلا عقل كلي وإرادة ~~ثابتة واحدة كلية فأين سبب حدوث هذه الإرادات والتعقلات المتعاقبة التي هي ~~سبب حدوث الحوادث كلها في السموات والأرض # وأيضا فقد قال بعد ذلك فقد بان إذا أن شيئا ثباته على PageV02P199 سبيل ~~الحدوث وهو الحركة وأن له علة إنما تكون علة بالفعل لتجدد بعد تجدد يعرض من ~~حالها على الإتصال أو يكون لها ذات باقية متغيرة الأحوال ولولا أنها متغيرة ~~الأحوال لم يحدث عنها تغير ولولا أنها دائمة باقية لم يحدث عنها اتصال ~~التغير وعلى أنه لا بد للتغير من حامل باق سواء كان تغير المؤثر حين يؤثر ~~أو تغير المتأثر فقد انكشفت الشبهة المسئول عنها إذ ظهر أن علل إثبات ~~الحادثات تنتهي إلى علل أولى لها ثابتة الذوات متبدلة الأحوال تبدلا يكون ~~سبب كل ما تجدد وتلك الذات الثابتة مع الحال المعلولة لتلك الذات بسبب أمر ~~آخر مؤد إلى الحال الثابتة التي تصير الذات بها علة لما تجدد ثانيا ~~PageV02P200 # فيقال لهذا فهذا يقتضي أن العلل الأولى متبدلة الأحوال وتبدل أحوالها هو ~~من الأمور الحادثة فلا بد من بيان سبب حدوثه وإلا فالعلل الثابتة لا يصدر ~~عنها أمور غير ثابتة فهذا أحد الوجهين # الوجه الثاني أن يقال هب أن الحركة سببها أحوال ms307 حادثة لهذه الذات لكن ~~العلة يجب أن تكون مع المعلول فإذا كان المعلول ثابتا وجب أن تكون علته ~~ثابتة والحركة منقضية والأحوال التي عنها الحركة وهي التصورات الجزئية ~~والإرادات الجزئية منقضية لا يثبت منها شيء فيجب كما كان معلولها حادثا لا ~~قديما أن يكون أيضا زائلا بزوالها لا ثابتا # وإن قلت بإثبات علية بأمر حادث غير ذلك الأمر الاول # قيل الحادث الحركة المتوالية كما لا تكون ثابتة لا يكون علتها ولا ~~معلولها ثابتا فكما أن الثابت لا يلزم عنه غير ثابت فغير الثابت لا يلزم ~~عنه ثابت بل المعلول مساو للعلة في الثبات وعدم الثبات # فالقوم كما أنهم أثبتوا حوادث لا تحدث أصلا فأثبتوا ثبوت ثابتات بلا مثبت ~~أصلا فحقيقة قولهم إنه ليس للحوادث محدث ولا للباقيات مبق وهو إنكار المبدع ~~للممكنات وللحوادث فهذا اللازم مذهب القوم لا محيد عنه PageV02P201 # فإن قيل هم يقولون إن تلك الأحوال لها محرك أول فهذا هم متفقون عليه كما ~~ذكره أرسطو وأتباعه # وقد ذكره ابن سينا فقال فصل في أن المحرك الأول كيف يحرك وأنه محرك على ~~سبيل الشوق قال والذي يحرك المحرك من غير أن يتغير بقصد واشتياق فهو الغاية ~~والغرض الذي إليه ينحو المتحرك هو المعشوق والمعشوق بما هو معشوق هو الخير ~~عند العاشق # قال ولا بد أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرا قائما بذاته ليس من شأنه ~~أن ينال وكل خير هذا شأنه فإنما يطلب العقل التشبه به بمقدار الإمكان # قال والتشبه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل حال تكون للشيء دائما ~~ولم يكن هذا ممكنا للجرم السماوي PageV02P202 بالعدد فحفظ بالنوع والتعاقب ~~فصارت الحركة حافظة لما يمكن من هذا الكمال ومبدؤها الشوق إلى التشبه ~~بالخير الأقصى في البقاء على الكمال الأكمل بحسب الممكن ومبدأ هذا الشوق هو ~~ما يعقل منه ويتبع ذلك من الأحوال والمستفاد من المقادير الفائقة ما يتشبه ~~فيه بالأول من حيث هو مفيض الخيرات لا أن يكون المقصود تلك الأشياء فتكون ~~الحركة لأجل تلك الأشياء بل أن يكون ms308 المقصود هو التشبه بالأول بقدر الإمكان ~~في أن يكون على أكمل الأمور في نفسه وفيما يتبعه من حيث هو تشبه بالأول لا ~~من حيث هو يصدر عنه أمور PageV02P203 بعده فتكون الحركة لأجل ذلك المقصود ~~الأول والتشبه به وتعقل ذاته في كمالها الأبدي وذلك يوجب البقاء الأبدي على ~~أكمل ما يكون لجوهر الشيء في أحواله ولوازمه # إلى أن قال فعلى هذا النحو يحرك المبدأ الأول جرم السماء # قال وقد اتضح لك من هذه الجملة أيضا أن المعلم الأول إذا قال إن الفلك ~~متحرك بطبعه فماذا يعني أو قال إنه متحرك بالنفس فماذا يعني أو قال إنه ~~متحرك بقوة غير متناهية يحرك كما يحرك المعشوق فماذا يعني وأنه ليس في ~~أقواله تناقض ولا اختلاف # قلت فهذا الذي قالوه يقتضي أن الأول إنما يحرك الأفلاك الحركة الإرادية ~~الشوقية كما يحرك المعشوق لعاشقه تحريك المتشبه به لا لأنه محبوب معبود ~~لذاته ومعلوم أن هذا غايته أنه تحريك من جهة كونه محبوبا مرادا لا من جهة ~~كونه فاعلا ومبدعا وهذا كتحريك الطعام للآكل PageV02P204 والشراب للشارب ~~وكتحريك حسن المرأة لزوجها حتى يجامعها وتحريك الروائح الطيبة للشام حتى ~~يشمها وتحريك كل شائق مطلوب مراد لمن طلبه وأراده واشتاق إليه وكل محبوب ~~لمن أحبه # ومعلوم أن المطلوب المحبوب المراد ليس هو الفاعل المحدث لنفس القوة التي ~~بها يشتهي ولا لنفس الشهوة ولكن وجوده سبب في أن هذا المريد أراد ذلك وفعله ~~وهو سبب غائي لا سبب فاعلي والسبب الغائي هو سابق في التصور والقصد من غير ~~أن يكون له وجود في الخارج وفي الحقيقة فإنما يحرك المحب العاشق الطالب ما ~~في نفسه من تصور المطلوب وقصده ولهذا يكون قبل وجود المطلوب في الخارج بل ~~إذا كانت ذات المحبوب تراد لفعل يتعلق بها كأكل الطعام وشرب الشراب والمتعة ~~بالمرأة نظرا ومباشرة وجماعا ونحو ذلك فالمطلوب بهذه الأفعال هي العلة ~~الغائية فكيف إذا كان المطلوب هو التشبه بالمحبوب لا فعل يتعلق به فليس هو ~~هنا فاعلا شيئا من التصورات والإرادات ms309 الحادثة في نفس المحب ولا لشي من ~~أفعاله التي يتشبه فيها بالمحب فقد تبين أن الذي قالوه لو كان صحيحا لم يكن ~~فيه إثبات فاعل لشيء من الحوادث لا العلوية ولا السفلية بل ولا إثبات مبدع ~~لشيء من الممكنات # وأيضا فالمعلم الأول وأتباعه لم يثبتوا أن الفلك ممكن بذاته واجب بغيره ~~ولا أنه معلول علة مبدعه وإنما جعلوا علة حركته وجود الأول PageV02P205 ~~الذي يتشبه به وإنما تكلم في الوجود والواجب والممكن وما يتبع ذلك ابن سينا ~~الذي اشتق ذلك من كلام المتكلمين من المسلمين # وحينئذ فيقال لهؤلاء هذا الفلك الذي يتحرك هذه الحركة الشوقية إما أن ~~يكون ممكنا بذاته مفتقرا إلى مبدع يبدعه وإما أن يكون واجبا بذاته فإن كان ~~الأول لزم أن يكون مبدعه يحركه وإن من أبدع ذاته فهو على إبداع حركاته أقدر ~~وحينئذ فليس لكم أن تتكلفوا طريقا في إبداع حركاته فإن حركاته إذا كانت ~~إرادية جاز أن يكون المحرك له ملائكة يحركونه بإرادات فيهم وجاز أن تكون ~~تلك الإرادات عبادات لله لا لأجل التشبه بالله ولا طلب ما لا يدرك فإن ~~كلامهم في مقصود الفلك بحركته يشبه كلام الصبيان إذ كان مقصود الفلك أن ~~يتحرك دائما حركة ليس فيها مقصود إلا إخراج أيون وأوضاع يعلم أنه لا يمكنه ~~إخراجها بمنزلة من تدور طول الزمان حول مكان لأن الكمال أن أتحرك من الأزل ~~إلى الأبد وأنا لا يمكنني ذلك فأدور ما يمكنني من الدوران في هذا المكان ~~فهذا بفعل المجانين أشبه منه بفعل العقلاء PageV02P206 # وإن كان الفلك واجبا بنفسه ليس له مبدع لزم أن يكون واجب الوجود بنفسه ~~مفتقرا إلى علة تحركه لا سيما وقد قالوا إنه لا قوام له إلا بالمحرك الأول ~~وما كان كذلك كان مفتقرا إلى غيره لا واجبا بنفسه فإن الواجب بنفسه لا بد ~~أن يكون غنيا عن غيره فإذا جعلوه واجبا بنفسه مفتقرا إلى غيره فقد جمعوا ~~بين النقيضين وإذا كان مفتقرا إلى غيره لزم أن يكون مربوبا مدبرا فيلزم ~~النوع الأول ms310 # وأيضا فإن كان واجب الوجود لزم أن يجوز على واجب الوجود الحركة باختياره ~~وإذا كان كذلك فقولوا هذا في الأول ولا حاجة إلى هذا # وأيضا فيلزم أن يكون الواجب الوجود جسما متحيزا تقوم به الحوادث وحينئذ ~~فلا يمتنع أن يكون الأول كذلك # وأيضا فقد قلتم إن الثابت لا يلزم عنه أمر غير ثابت والأول ثابت وحركة ~~الفلك غير ثابتة وإرادته وتصوراته غير ثابتة فيجب أن لا تكون لازمة عن ~~الأول فلا يكون الأول علة بحال # ومما يبين هذا أن يقال حركة الفلك سواء كانت إرادية أو غير إرادية لا بد ~~لها من علتين علة فاعلة وعلة غائية كسائر الحركات وأنتم لم تثبتوا لها لا ~~علة فاعلة ولا علة غائية فإن ما ذكرتموه من الغاية يمتنع أن يكون مقصود ~~العاقل الذي لا يزال يدور من الأزل إلى الأبد # وأيضا فيقال إذا كان الحادث لا بد له من علة حادثة فأن تكون العلة مع ~~المعلول لا يجوز أن تتقدم عليه بدون المعلول ولا أن تتأخر عنه PageV02P207 ~~بدون المعلول فلا توجد إلا معه وحركات الفلك حادثة لزم أن يكون لها علل ~~حادثة تكون معها حادثة والفلك وما فيه معلول لغيره فلا بد لما يحدث فيه من ~~مؤثر منفصل عنه والكلام في ذلك المؤثر كالكلام في غيره فلا بد من إثبات ~~المؤثر الواجب الوجود بنفسه ويمتنع أن يكون تأثيره موقوفا على غيره لئلا ~~يلزم الدور أو التسلسل فيجب أن يكون هو المحدث لهذا كله ويمتنع أن يكون ~~محدثا للحركة اليومية في الأزل لامتناع وجودها في الأزل فكل حركة يومية ~~فإنها لا توجد إلا مقارنة لمؤثرها التام فإذا ليس في الأزل مؤثر تام لشيء ~~من الحركات ويمتنع وجوده في الأزل معها وبدونها فيمتنع كونه أزليا على ~~التقديرين # أما قدمه معها فلا يكون قديما مع مجموعها ولا مع حركة يومية بعينها ~~لامتناع كون هذا أزليا ولا مع حركة بعد حركة # أما أولا فلأن المفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان ولا يعقل ذلك في ~~شاهد ولا ms311 غائب سواء قيل إنه فاعل بمشيئته أو فاعل بغير مشيئته فكيف إذا كان ~~فاعلا بمشيئته # فقوله الفاعل إن كان موجبا بذاته جاز أن يقارنه مفعوله خطأ مخالف لما ~~عليه جماهير عقلاء بني آدم من الاولين والآخرين من أهل الملل والفلاسفة ~~وإنما قال هذا شرذمة من الفلاسفة وإنما يعقل هذا في مستلزم ليس بفاعل ~~كالذات المستلزمة للصفات وأما المفعول فلا يكون مقارنا للفاعل ألبتة كما قد ~~بسط في موضع آخر PageV02P208 # وأما ثانيا فلأنه إذا قدر قديما مفعولا فإن المقتضي له في الازل لا بد أن ~~يكون مؤثرا تاما له في الأزل مستلزما له بذاته في الأزل إذ لولا ذلك لم يكن ~~أزليا لامتناع وجود قديم إلا بنفسه أو بموجب لقدمه والمقتضي لقدمه الذي هو ~~مؤثر تام فيه لا يجوز أن يفعل ما هو متحرك دائما لأن المعلول يجب أن يناسب ~~العلة فيمتنع وجود ما لم يزل متحركا عما لا حركة فيه بحال لأن نسبته إلى كل ~~جزء من الحركات واحد في جميع الأوقات فتخصيص بعض الأوقات ببعضها دون بعض مع ~~كون الموجب على حال واحدة في جميع الأوقات ممتنع وإن جوز هذا جاز أن يصدر ~~عنه الفعل بعد أن لم يكن صادرا عنه ولأن العالم يشتمل على أنواع مختلفة ~~فصدورها عن واجب بسيط ممتنع سواء قيل هي حادثة بواسطة أو بغير واسطة إذ ~~الواسطة إن كان واحدا لزم أن يصدر عنه مختلف وإن لم يكن واحدا فقد صدر عن ~~البسيط ما هو مختلف # وقول القائل إنه أبدع الثاني بتوسط الأول لا يدفع هذا فإنه إذا قيل صدرا ~~عنه معا لزم صدور المختلف المتعدد وإن كان أحدهما شرطا في الآخر وإن قيل بل ~~أحدهما صدر عن الآخر لزم صدور المختلف عن البسيط ضرورة # وأيضا فالفلك الثاني مكوكب كثير الكواكب ففيه أمور كثيرة مختلفة وليس ~~فوقه إلا ما هو بسيط عندهم يمتنع أن تصدر عنه المختلفات فكيفما قدروا ظهر ~~ضلالهم # وإن قالوا فالرب تقوم به الحوادث كما يقوله كثير من أساطينهم PageV02P209 ~~قيل فعلى ms312 هذا يكون القول بقدم العالم أبعد فإنه يمكن حدوثه على هذا التقدير # وأيضا فالذات هنا إنما تفعل بواسطة لا بقدرتها والفعل لا يكون إلا حادثا ~~فيمتنع أن يكون مفعوله قديما فإن المفعول لا يتعدد فعله فلو كان المفعول ~~قديما لزم أن يكون قبل فعله وهو ممتنع # فإن قيل فعلى هذا القول تكون الذات مستلزمة لما يقوم بها شيئا بعد شيء ~~فكذلك القول في حوادث الفلك # قيل الفرق بينهما أن الذات واجبة الوجود بنفسها ما هي عليه من الصفات ~~والأحوال لا يقف شيء من ذلك عليه فإذا قيل إنها مقتضية للثاني بشرط انقضاء ~~الأول لم يمتنع بخلاف المعلول الممكن الذي ليس له من نفسه شيء فإنه مفتقر ~~في نفسه وصفاته وأحواله إلى غيره وغيره هو الخالق لذلك كله فإذا قدر الخالق ~~واحدا بسيطا لا تقوم به صفة ولا فعل امتنع أن تكون ذاته علة للأمور ~~المتغيرة المتكثرة أعظم مما يمتنع أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا إذ العلة إن ~~لم يكن فيها تغير ولا تكثر امتنع وجود ذلك في المعلول كما أنها إذا كان ~~فيها تغير وتكثر امتنع أن يكون المعلول واحدا بسيطا لما بين المعلول والعلة ~~من المناسبة # ولهذا قالوا الواحد لايصدر عنه إلا واحد وهو صحيح ولكن تقديرهم الأول ~~بسيط لا يصدر عنه فعل تقدير باطل وكذلك PageV02P210 تقديرهم أنه صدر عنه ~~واحد بسيط تقدير باطل فلهذا كثر التناقض والخطأ في أقوالهم وكثر رد الناس ~~عليهم وتجهيلهم لهم في الإلهيات ومتى سلموا ما سلمه الأساطين الأول بحدوث ~~الصفات والأفعال فإن امتناع مقارنة شيء من المفعولات له أزلا وأبدا أظهر ~~منه على التقدير الأول فيمتنع على التقديرين أن يكون حين اقتضائه إياه ~~مؤثرا في حركة بعد حركة بل لما تقدم من أن المؤثر في الحركة يجب أن يقارنها ~~لا يتقدم عليها فالمؤثر التام فيه يجب أن يقارنه فيكون قديما والمؤثر التام ~~في حركة بعد حركة حين تأثيره فيه وقبل تأثيره فيه وبعد تأثيره أما قبله ~~فممتنع فإن القديم ليس قبله ms313 شيء وأما بعده فممتنع لأنه حينئذ يلزم أنه حين ~~قدمه لم تكن فيه حركة # والتقدير أنه مستلزم للحركة ولأنه يستلزم أن يكون المؤثر الأول صار مؤثرا ~~بعد أن لم يكن بدون سبب أوجب ذلك وهذا ممتنع لأن غيره لا يؤثر فيه وأما مع ~~تأثيره فيه فممتنع أيضا لأنه حينئذ على هذا التقدير لا يكون مؤثرا إلا في ~~حادث بعد حادث بل يكون تأثيره في كل حادث بعد تأثيره في الحادث الآخر مع ~~أنه على حال واحدة مع جميع الحوادث # ووجود الفلك مع جميع حوادثه فممتنع لأنه قد صارت فيه الحوادث فلو حدثت ~~بعد أن لم تكن لافتقرت إلى محدث يحدثها وذلك يقتضي أن المحدث لها حدث أو ~~حدث إحداثه لها في حين إحداثها PageV02P211 لأن المعلول لا تتقدم عليه علته ~~والقول في حدوث إحداث الإحداث كالقول في حدوث الإحداث وهلم جرا وذلك يستلزم ~~تسلسل علل حادثة في آن واحد ليس فيها علة واجبة وذلك ممتنع فامتنع أن تكون ~~فيه الحوادث بعد أن لم تكن وهم يسلمون ذلك وامتنع أن لا تزال فيه لامتناع ~~موجب لها فامتنع أن تكون علة موجبة لفلك مع حوادثه بدون حوادثه وهو المطلوب # وأيضا فيقال لابن سينا وأتباعه إنكم عدلتم عن طريقة سلفكم في إثبات العلة ~~الأولى عن طريقة الحركة إلى طريق الوجود وقلتم نحن نبين أن وجود الواجب ~~بنفس الوجود لا يفتقر إلى إثباته بالحركة ثم في آخر الأمر أثبتم العلة ~~الأولى بالحركة حركة الفلك كما أثبتها قدماؤكم فإن كانت هذه الطريق صحيحة ~~فلا تعاب ولا يعدل عنها وإن كانت باطلة فلا تسلك # وإن قيل هي صحيحة وتلك صحيحة # قيل لا يحصل المراد لا بهذه ولا هذه فإن هذه إنما تثبت علة غائية وليس ~~فيها إثبات مبدع للعالم وطريقة الوجود إنما فيها إثبات موجود واجب لا يتعين ~~أن يكون هو الأول الذي يحرك الفلك بل ولا فيها إثبات مغايرته للفلك بل ولا ~~إثبات لوجوده مباينا للعالم إن لم يضموا إلى ذلك طريقة نفي الصفات بنفي ما ms314 ~~سموه تركيبا وذلك باطل على ما قد بسط في موضعه وهو باطل أيضا وإن قدر نفي ~~الصفات لأن ذلك PageV02P212 يستلزم بسيطا لا صفة له ولا فعل وذلك يمتنع أن ~~تصدر عنه الأمور البسيطة ا 4 لمتغيرة وأيضا تمتنع مقارنة المفعول للفاعل # وإن قلتم بمجموع الأمرين يحصل المقصود # قيل ولا يحصل بمجموع الطريقين أيضا لأن الوجود الواجب الذي أثبتموه لا ~~حقيقة له في الخارج فضلا عن أن يكون هو الأول ولا في أدلتكم الصحيحة ما ~~يمنع أن يكون هو الأول والذي أثبته أولئك لا يقتضي أن الفلك ليس بواجب ~~الوجود بنفسه وهذا مبسوط في موضعه والمقصود هنا أنه من نفس كلامهم يتبين ~~نقيض مطلوبهم والله أعلم # واعلم أن حقيقة قول هؤلاء القوم في أفعال السموات شر من قول القدرية في ~~أفعال الحيوانات ومن أقوال الطبائعية في الطبيعيات مع فساد قول الطائفتين ~~وذلك أن القدرية يقولون إن الله خالق الحيوان وخالق قدرته التي يقدر بها ~~على الخير والشر لكنه يرجح أحدهما باختياره الذي أنشأه من غير أن يحدث ذلك ~~أحد وهو إنما يختار هذا على هذا لحبه إياه فالأمور التي يحبها هي محركة له ~~كما جعل هؤلاء الأول محركا للفلك وهؤلاء جعلوا حركة الفلك اختيارية ~~وتصوراته التي أحدثها هو من غير أن يحدث ذلك أحد لكن لم يثبتوا أن الفلك ~~وقوته من خلق PageV02P213 الخالق كما نفى ذلك القدرية في الحيوان وأما ~~الطبائعية فإنهم يثبتون في الأجسام الطبيعية قوة هي مبدأ الحركة ولكن ~~يجعلون فوقها أمرا آخر أحدثها ويثبتون حدوث الأسباب مع حدوث المسببات ~~وهؤلاء يجعلون الحركة الفلكية متجددة دائما من غير حدوث أمر يقتضي حدوثها ~~وقولهم شر من قول المجوس الذين قالوا بالأصلين اللذين أحدهما يحدث الخير ~~والآخر يحدث الشر سواء قالوا إن فاعل الشر قديم أو محدث وذلك لأن المجوس ~~جعلوا الخير الحادث من الإله القديم الفاعل للخير وهؤلاء لم يثبتوا أن الله ~~أحدث شيئا لا خيرا ولا شرا فإنه لا موجب للحوادث عندهم إلا حركة الأفلاك ~~والأفلاك تتحرك بما يحدثه ms315 من التصورات والإرادات من غير أن يكون الله فاعل ~~شيء من ذلك على قولهم # وأيضا فالمجوس إما أن يجعلوا فاعل الشر قديما آخر فيكونوا قد أخرجوا بعض ~~الحوادث عن خلق الرب وإما أن يكونوا قد جعلوه حادثا فيكونون فيه كالقدرية ~~وقول القدرية خير من قول هؤلاء وقد علم أن كل حادث فلا بد له من محدث وأن ~~كون الحيوان صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا لا بد له من مرجح ومحدث وإلا لو ~~كان حاله وهو فاعل كحاله حين ليس بفاعل لزم الترجيح بلا مرجح فلا بد أن ~~يحدث له عند الفعل ما به يصير فاعلا وذلك الحادث إن كان منه فالقول فيه ~~كالقول في الأول وكالقول في سائر الحوادث وذلك يستلزم حدوث الحادث بلا ~~PageV02P214 محدث وهو ممتنع وإن قيل بالتسلسل لزم تسلسل المؤثرات وهو ممتنع ~~فلا بد أن ننتهي إلى الخالق # وهذا مما يسلمه الفلاسفة ويحتجون به على المعتزلة فهي حجة عليهم هنا وهو ~~أن يقال كون الفلك متحركا لا بد له من محدث لحركته ونفس التشبه به لا يوجب ~~إحداثا للحركة فيجب أن يكون هو المحدث لها ويمتنع أن يكون محدثا للشيء قبل ~~حدوثه فيجب أن يكون محدثا لكل جزء جزء من الحركة عند حدوثه والفلك مستلزم ~~للحوادث فلا بد له في كل آن من يحدث الحادث فيه ويمتنع في القدم إحداث حادث ~~فيه فيمتنع قدمه لأن القدم لا يكون فيه حادث معين ولا جملة الحوادث بل ~~القدم يتضمن أنه دائم بدوام موجبه فيلزم أن يكون موجبه موجبا لحوادثه شيئا ~~بعد شيء والموجب بذاته المستلزم لمعلوله لا يوجب شيئا بعد شيء بل يكون ~~موجبه لازما له دائما ولأن ذلك يستلزم وجود يتغير يقتضي لزوم ما يتغير بما ~~لا يتغير وكونه مفعولا له وهو ممتنع # وأيضا فإذا كانت حركات الأفلاك اختيارية ولا موجب للحوادث إلا هي لزم أن ~~يكون المدبر للعالم أربابا متعددة كل منها حي قادر مريد وقدماؤهم يسمونها ~~الآلهة والأرباب وهذا ممتنع لأن الإثنين إذا اشترطا ms316 فإما أن يجب اتفاقهما ~~أو يجوز اختلافهما فإن وجب اتفاقهما بحيث لا يجوز أن يريد أحدهما إلا ما ~~يريد الآخر ولا يقدر أن يريد ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله فقدرتهما إما ~~أن تكون من غيرهما وإما أن تكون منهما PageV02P215 فإن كانت منهما لزم أن ~~لا يكون كل واحد منهما قادرا إلا بإقدار الآخر له وذلك دور ممتنع فلا يكون ~~واحد منهما قادرا وإن كانت قدرتهما من غيرهما فهما لا يقدران على الإرادة ~~والفعل إلا بإقدار من فوقهما لهما وذلك يستلزم أن يكون فوق الأفلاك من ~~يجعلها قادرة فاعلة وذلك هو ربها فثبت بذلك كون الأفلاك مربوبة وحينئذ ~~يمتنع قدمها كما تقدم # وإن جاز اختلافهما لزم تمانعهما والتمانع يقتضي عجز كل من المتمانعين وأن ~~فعله مشروط بتمكين الآخر له وحينئذ فالعاجز لا يحدث الحوادث بل فوقه قادر ~~يدبره فيلزم أن لا يحدث في العالم حادث عنهما فثبت على كل تقدير أن الأفلاك ~~ليست هي نفسها محدثة للحوادث فبطل قول من يجعلها هي المحدثة لحوادث العالم ~~ويجعلها أربابا آلهة # وأيضا فكل من المخلوقات له وحدة تخصه كالإنسان الواحد والفرس الواحد ~~والشجرة الواحدة ولا يجوز أن يكون المحدث له اثنين فصاعدا لا على سبيل ~~الإستقلال ولا على سبيل التعاون # أما الأول فمتناقض ممتنع من نفسه فإن استقلال أحدهما يناقض مشاركة الآخر ~~فضلا عن استقلاله # وأما الثاني فلأن المتشاركين في عمل الأبدان يتميز كل واحد منهما عن عمل ~~الآخر فأما الواحد فيمتنع أن يكون بين اثنين ألا ترى أن البنائين والخياطين ~~والحايكين والكاتبين والحارثين وحاملي الخشبة وكل متشاركين لا بد أن يتميز ~~فعل كل واحد منهما عن فعل الآخر كما قال تعالى @QB@ إذا لذهب كل إله بما ~~خلق @QE@ سورة المؤمنون 91 PageV02P216 # وإذا كان الواحد لا يتميز فيه فعل واحد عن فعل آخر امتنع أن يكون مشتركا ~~بين اثنين بل كان خالقه واحدا فمن لم يجعل حدوثه إلا للأفلاك والكواكب ~~المتحركة ونحو ذلك كان قوله باطلا # وأيضا فقولهم إن العقل الفعال أفاض صور العالم ms317 إذا استعدت # يقال لهم هذا الذي فاض عنها جوهر أو عرض فإن كان عرضا كفيضان الشعاع عن ~~الشمس والضوء عن السراج ونحو ذلك فالمحدثات الحيوان والنبات والمعدن وروح ~~الإنسان جواهر لا أعراض وإن كان الفائض جوهرا قائما بنفسه فهذا إنما يعرف ~~إذا انفصل من الأول شيء كالماء الفائض ونحو ذلك ولكن قد يكون سببا لحدوث ~~شيء آخر # ومعلوم أن الأجسام تختلط ويمتزج بعضها ويستحيل من حال إلى حال وتلك ~~الحركة عندهم من تحريك الفلك وحدوث الإمتزاج الحاصل بالإستحالة تابع لحركة ~~الأجسام لا يتميز أحدهما عن الآخر فلا يكون فاعل هذا غير فاعل هذا حتى يقال ~~التحريك بالأفلاك والإمتزاج من العقل الفعال بل فاعل التحريك والخلط هو ~~فاعل المزج والإختلاط وهذا مستلزم لهذا وفعل الملزوم بدون اللازم محال # وهؤلاء يقولون الأفلاك إذا تحركت تحركت العناصر فامتزجت فتستعد لقبول ~~الصور التي تفيض عليها من العقل الفعال وهذا كلام لا حقيقة له وذلك أنه إذا ~~نزل الماء على التراب فصار طينا فالذي خلط هذا بهذا هو الذي جعل ذلك طينا ~~ولا يجوز أن يكون هذا غير هذا لأنهما لا يختلطان إلا ويصيرا طينا وفعل ~~الملزوم بدون اللازم ممتنع PageV02P217 فلو قيل إن فاعل الإختلاط غير ~~جاعلهما طينا لقيل إن فاعلا فعل الملزوم بدون لازمه الذي لا يمكن وجوده ~~بدونه وذلك ممتنع # ويوضح ذلك أنا إذا قدرنا فاعلين ليس أحدهما ملازما للآخر أمكن وجود هذا ~~أو فعله بدون هذا وفعله فيلزم وجود الإختلاط بدون الطين أو الطين بدون ~~الإختلاط وذلك ممتنع وإن جعلا متلازمين امتنع كون كل منهما واجب الوجود ~~بنفسه واستغناؤه عن غيره ولزم افتقار كل منهما إلى غيره وأن لا يوجد إلا ~~بوجود ذلك الغير وحينئذ فيجب أن يكون لهما فاعل مباين لهما وإلا لزم الدور ~~الممتنع وهو الدور في المؤثرات وهو الدور القبلي لأنه يلزم كون هذا مؤثرا ~~في وجود هذا فلا يوجد إلا به وهذا مؤثر في وجود هذا فلا يوجد إلا به # وأما الدور المعي الإقتراني فذاك إنما يكون في ms318 الآثار كالأبوة مع البنوة ~~وكلاهما أمر الإيلاد وأما المؤثرات وشروط التأثير فيمتنع أن يكون الشيئان ~~كل منهما مؤثرا في الآخر أو شرطا في تأثير الآخر فإذا كان شيئان واجبان ~~بأنفسهما كل منهما له تأثير في وجود الآخر بحيث يكون شرطا في وجوده لزم أن ~~لا يوجد واحد منهما حتى يوجد شرط وجوده والتقدير أنه ليس هناك غيرهما ليكون ~~هو الموجد لشرط الوجود بل هذا هو شرط وجود هذا وهذا شرط وجود هذا فلا يوجد ~~واحد منهما وهذا مما يبين أن ليس في العالم ما هو واجب الوجود بنفسه بل ~~الواجب هو واحد مباين للعالم # يوضح هذا أن وجود كل منهما مفتقر إلى إيجاد الآخر فإن هذا من باب الدور ~~القبلي لأن الموجد قبل الإيجاد لم يكن من باب الدور المعي والدور المعي لا ~~يكون إلا في مفعولين أو في الأمور المتلازمة التي لا تفتقر إلى فاعل لصفات ~~الباري تعالى PageV02P218 # وأيضا فإن قوله بنفي الصفات في غاية الفساد واعتبر ذلك بقول فاضلهم ابن ~~سينا فإن ما في كلامه من المستقيم أخذه من المسلمين وما فيه من ضلال فمن ~~أصحابه أو منه وربما قرنه بما يأخذه من كلام المعتزلة وقولهم أيضا بنفي ~~الصفات باطل فإنه أثبت علمه للأشياء بأنه مبدأ فيعقل نفسه ولوازم نفسه إذ ~~العلم بالملزوم يستلزم العلم باللازم # وهذه الطريقة إذا بينت على وجهها فهي مأخذوة من قوله تعالى @QB@ ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ سورة الملك 14 ليس من كلام أئمته ولا عند ~~أرسطو من ذلك خبر بل أرسطو نفي علمه بالأشياء مطلقا وأما كلامه في نفي ~~الصفات فإنه قال في النجاة فصل في تحقيق وحدانية الأول بأن علمه لا يخالف ~~قدرته وإرادته وحياته في المفهوم بل ذلك كله واحد لا يتجزأ لأجل هذه الصفات ~~ذات الواحد المحقق فالأول يعقل ذاته ونظام الخير الموجود في الكل أنه كيف ~~يكون بذلك النظام لا يعقله وهو مستفيض كائن موجود وكل معلوم الكون وجهة ~~الكون عن مبدئه عنده مبدؤه وهو خير ms319 غير مناف وهو تابع الخيرية ذات المبدأ ~~وكمالها المعشوقين لذاتهما فذلك الشيء مراد لكن ليس مراد الأول على نحو ~~مرادنا حتى يكون له فيما يكون PageV02P219 عنه عرض بل هو لذاته مريد هذا ~~النحو من الإرادة العقلية المختصة وحياته هذا بعينه فإن الحياة التي عندنا ~~تكمل بإدراك فعل هذا التحريك ينبعثان عن قوتين مختلفتين وقد قدم أن نفس ~~مدركه وهو ما يعقله عن الكل هو سبب الكل وهو بعينه مبدأ فعله وذلك إيجاد ~~الكل فمعنى الحياة منه وأخذه منه هو إدراك وسبيل إلى الإيجاد فالحياة منه ~~ليس مما يفتقر إلى قوتين مختلفتين ولا الحياة منه غير العلم # قال وكذلك القدرة التي له هي كون ذاته عاقلة للكل عقلا هو مبدأ للكل لا ~~مأخوذا عن الكل # فيقال هذا الكلام من أفسد ما يعقل العقلاء بطلانه وإن كان هذا التلخيص ~~الذي لخصه ابن سينا لم يصل إليه أحد من سلفه الفلاسفة بل هم أجهل من أن ~~يصلوا إلى هذا # وذلك أن يقال أولا ذاته هي نفس أن يعقل النظام أم لا فإن قيل هو هي لزم ~~أن تكون ذاته هي نفس العلم الذي هو مصدر وصفة ومعنى قائم بغيره والعلم مع ~~العالم هو صفة مع الموصوف كالعرض مع الجوهر ومن PageV02P220 المعلوم أن ~~ذاته قائمة بنفسها وإثبات عقل لها ليس هو إياها # وأيضا فذاته هي نظام الخير أم لا والأول ممتنع لأن ذاته ليست هي النظام ~~الموجود في الممكنات ولأنه قد فرق بين ذاته وبين النظام فهذا معلوم وذاته ~~عالمة فقد ثبت بهذا أن العالم ليس هو العلم ولا المعلوم وهذا يبطل قولهم # وأيضا فهذا النظام الموجود في الكل هو واجب بنفسه أو ممكن فالأول يوجب أن ~~يكون الممكن هو الواجب والمبدع هوالمبدع وأما الثاني فإذا كان النظام ممكنا ~~فالموجب له ذاته أم علمه به أم مجموعهما فإن كان الأول فلا حاجة إلى علمه ~~بالنظام فتبقى ذات مجردة عن العلم وإن كان الثاني فذاته موجبة للعلم والعلم ~~موجب للنظام فهذا ذات وعلم وهذا ينقض ms320 قوله وكذلك إذا قال المجموع # وأيضا فنفس العلم بنفس النظام من أين صار وحده مقتضيا للنظام ومجرد العلم ~~لا يوجب المعلوم في صورة من الصور لا في العلم النظري ولا العملي أما ~~النظري فظاهر وأما العملي فالعلم شرط في العمل لا أنه موجب للعمل بنفسه ~~وإلا لكان كل من تصور شيئا مما يراد يصير موجودا بنفس تصوره # وإذا قيل إن العلم ينقسم إلى فعل وانفعال فالعلم الفعلي غايته أن يكون ~~شرطا في الفعل لا أنه موجب للفعل فكون العلم وحده هو الموجب للنظام قضية لم ~~يذكر عليها دليلا بل ادعاها دعوى مجردة وإذا تصورت علم أنها فاسدة بالضرورة ~~PageV02P221 # وأيضا فعلمه بالنظام الذي أبدعه تابع للنظام إذ لو فرض أن المبدع غير ذلك ~~النظام كان العلم أيضا متعلقا به فيجب أن يكون سبب إبداع النظام غير العلم # وأيضا فالعلم من شأنه أن يطابق المعلوم أي معلوم كان فلا فرق بالنسبة إلى ~~العلم بين نظام ونظام إن لم يكن هناك سبب يقتضي تخصيص ذلك النظام دون غيره # وأيضا فيقال كون ذلك النظام هو النظام الأصلح أمر وجب له بنفسه أم ~~استفاده من مبدعه والأول ممتنع فتعين الثاني وإذا كان إنما استفاده من ~~مبدعه فالموجب له ذات المبدع لا علمه بما في النظام من المصلحة إذ علمه بأن ~~هذا نظام الخير لا يكون علما حتى يكون المعلوم نظام الخير فلا يكون العلم ~~هو الذي جعله نظام الخير وهو في نفسه لم يكن نظام الخير بذاته لأنه يلزم أن ~~يكون واجب الوجود فيلزم أن يكون إنما صار نظام الخير بمبدعه لا بذاته ولا ~~بمجرد العلم وحينئذ فإذا لم يمكن صار نظام الخير بالعلم امتنع أن يصير ~~موجودا بالعلم بطريق الأولى # وأيضا فإذا قدر الذات عالمة بنظام الخير وهي لا تريده امتنع أن تفعله ~~وإذا قدر أنها إرادته ولم تقدر عليه امتنع أن تفعله ومجرد العلم لا يجعل ~~العالم قادرا ولا مريدا فتعين أنه لا بد من القدرة ومن الإرادة وليس واحدة ~~منهما هي العلم ms321 # وأيضا فافتقار الفعل إلى كون الفاعل قادرا أعظم من افتقاره إلى ~~PageV02P222 كونه عالما ولهذا يثبتون الأفعال الطبيعية بقوى في الأجسام من ~~غير علم فلو قالوا إنه يفعل بقدرة تغني عن العلم لكان خيرا من قولهم يفعل ~~بعلم يغني عن القدرة مع أن كلاهما باطل وهذا المكان يضيق عن استيفاء بيان ~~فساد كلامهم فإنه كلما ازداد اللبيب له تصورا وتفهما ازداد علما بفساده ~~وتناقضه وبأن القوم من أجهل الناس بالله تعالى # ولهذا أطبق العقلاء على اضطرابهم في العلم الإلهي حتى ابن سبعين وأمثاله ~~يصرحون بذلك فهذا حال هؤلاء الفلاسفة وصار الذين عارضوهم بالكلام المبتدع ~~المخالف للكتاب والسنة الذين يقولون بأن الرب كان معطلا عن الفعل والكلام ~~أو عن الكلام ثم أحدث الكلام عمدتهم في السمع قوله كان الله ولا شيء 4 معه ~~ليس معهم آية ولا حديث # ثم إن هذا الحديث يحتج به نفاة الصفات على أن القرآن مخلوق وأن الله لا ~~علم له ولا قدرة لقوله كان الله ولا شيء معه ثم زاد فيه كثير من المتأخرين ~~وهو الآن على ما عليه كان ومنهم من يظن أن هذا من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع أن هذا لم يروه أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ~~ولا ضعيف ويحتج طائفة بهذا على أن الله تعالى لم يستو على العرش وأنه ليس ~~فوق العالم بقولهم وهو الآن على ما عليه كان مع أن الناس متفقون على تجرد ~~النسب والإضافات وأنه تعالى بعد أن خلق السموات والأرض تجدد له نسب وإضافات ~~كالمعية والعلو وغير ذلك PageV02P223 # وجاءت الإتحادية القائلون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق يقولون وهو ~~الآن على ما علهي كان ليس معه غيره فهذه الموجودات ليست أغيارا له ولا تعدد ~~في الوجود ولا ثنوية ويلقنون شيوخهم العباد المشهورين أن يقولوا الوجود ~~واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله ويقولون نطق الكتاب والسنة ~~بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية فيه ونحو ذلك من المقالات التي هي ms322 ~~أعظم الكفر والإلحاد وهي عند ذاك الشيخ المعظم تحقيق التوحيد ويكتب مضمونه ~~في ورقة ويبعثها إلى المشهورين بالعلم والذين يرقون بها المرضى # وقد تقدم أن هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه في غير موضع فرواه في أول ~~الكتاب في كتاب العلم ولفظه كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ~~وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض ولفظه في موضع آخر ولم يكن شيء ~~غيره وفي موضع ثالث ولم يكن شيء معه والحديث واحد وذكر في مجلس واحد ~~فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إلا أحد الألفاظ الثلاثة ~~والآخران رويا بالمعنى واللفظ الثابت عنه بلا ريب هو الذي جاء في حديث آخر ~~ولا شيء قبله وإذا قيل ولا شيء معه ولا غيره مع كونه أخبر عن حال كون عرشه ~~على الماء فمراده أنه لا شيء معه من هذا الأمر المسئول عنه وهم سألوه عن ~~أول الأمر وسياق الحديث يدل على أنه PageV02P224 أخبرهم بأول هذا العالم ~~الذي خلق في ستة أيام لم يخبرهم بما قبل ذلك كما أن الله في القرآن إنما ~~أخبر بذلك فالذي جاءت به السنة مطابق لما في القرآن في المستقبل أخبر تعالى ~~بالقيامة والحسنات والجنة والنار ولم يخبر بأن العالم يعدم ويفنى بحيث لا ~~يبقى شيء بل أخبر باستحالة العالم # قال تعالى @QB@ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد ~~القهار @QE@ سورة إبراهيم 48 وقال تعالى @QB@ فإذا انشقت السماء فكانت وردة ~~كالدهان @QE@ سورة الرحمن 37 وقال تعالى @QB@ يوم تكون السماء كالمهل وتكون ~~الجبال كالعهن @QE@ سورة المعارج 8 : 9 وقال تعالى @QB@ إذا رجت الأرض رجا ~~@QE@ وبست الجبال بسا @QB@ فكانت هباء منبثا @QE@ وكنتم أزواجا ثلاثة سورة ~~الواقعة 4 7 وقال تعالى @QB@ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث @QE@ وتكون ~~الجبال كالعهن المنفوش سورة القارعة 4 5 وقال تعالى @QB@ إذا الشمس كورت ~~@QE@ وإذا النجوم انكدرت @QB@ وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا ~~الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت @QE@ سورة التكوير 1 6 وقال تعالى @QB@ إذا ~~السماء ms323 انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت ~~@QE@ سورة الإنفطار 1 4 وقال @QB@ إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا ~~الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت @QE@ سورة الإنشقاق 1 4 وأمثال هذه النصوص ~~التي تبين الإستحالة والتغير على السموات والأرض والجبال وأنها تستحيل ~~أنواعا من الإستحالة لتعدد الأوقات PageV02P225 # وكذلك أخبر بإحياء الموتى وقيامهم من قبورهم في غير موضع وقرر سبحانه ~~معاد الأبدان بأنواع من التقرير فتارة يخبر بوقوع إحياء الموتى كما أخبر ~~بذلك في سورة البقرة في عدة مواضع في قوله @QB@ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن ~~لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون @QE@ سورة البقرة 55 ~~إلى قوله @QB@ ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون @QE@ سورة البقرة 55 ~~56 وقوله @QB@ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ~~لعلكم تعقلون @QE@ سورة البقرة 73 وقوله @QB@ ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم @QE@ سورة البقرة ~~243 وقوله @QB@ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت ~~يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام @QE@ سورة البقرة 259 وقوله @QB@ وإذ ~~قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن ~~قلبي قال فخذ أربعة من الطير @QE@ الآية ( سورة البقرة 260 ) وذكر إحياء ~~المسيح الموتى وذكر قصة أصحاب الكهف ونومهم ثلثمائة سنة وتسع سنين والنوم ~~أخو الموت فهذه سبع مواضع # ومنها إحياء الحيوان البهيم وإبقاء الطعام والشراب مائة سنة لم يتغير ~~وذكر سبحانه إمكان ذلك بخلق الحيوان وهو الخلق الأول وبخلق النبات وهو ~~نظيره وبخلق السموات والأرض وأن القادر على خلق السموات والأرض قادر على أن ~~يخلق مثلهم فالأول بيان للوقوع وهذا بيان للإمكان PageV02P226 # وهؤلاء المتفلسفة المنكرون لمعاد الأبدان ولحدوث الأفلاك عامتهم يقولون ~~إن المعجزات والكرامات قوى نفسانية إما قوة الإدراك والعلم وإما قوة ms324 الحركة ~~والعمل فالإدراك هو قوة النفس التي ينال بها العلم فيجعلون ما أخبرت به ~~الرسل وأمرت به كله استفادوه بهذه القوة من غير أن يكون هناك ملائكة هم ~~أحياء ناطقون نزلوا عليهم بوحي ومن غير أن يكون لله كلام تكلم به خارجا عن ~~أنفسهم ومن غير أن يكون هناك رب خلق العالم بقدرته ومشيئته يقدر على تغيير ~~العلويات وتبديل الأرض والسموات # وكل من فهم حقيقة قولهم وحقيقة ما جاءت به الرسل علم مناقضتهم لهم كما ~~قيل لبعض شيوخنا الفضلاء الذين كانوا يعرفون ذلك ما بين الفلاسفة والأنبياء ~~فقال السيف الأحمر # بل حقيقة أمرهم أنهم لايؤمنون لا بالله ولا كتبه ولا ملائكته ولا رسله ~~ولا بالبعث بعد الموت فهم أسوأ حالا من اليهود والنصارى # والمقصود هنا أن ابن سينا وهؤلاء بنوا أصل دينهم على أن الوجود لا بد له ~~من واجب وأن الواجب يشترط أن يكون واحدا ويعنون بالواحد ما لا صفة له ولا ~~قدر ولا يقوم به فعل لئلا يثبتوا له صفة كالعلم والقدرة فيكون في الوجود ~~واجبان وهذا ضاهوا به المعتزلة حيث قالوا أخص صفات الرب أن يكون قديما فلا ~~تكون له صفة قديمة لئلا يكون في الوجود قديمان وهي عبارة موهمة فيظن الظان ~~أن أهل الإثبات للأسماء والصفات أثبتوا إلهين قديمين وهم إنما أثبتوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو وهو PageV02P227 موصوف بصفاته التي يستحقها وهو سبحانه ~~قديم بصفاته القديمة والصفة القديمة لا يجب أن تكون مثل الموصوف القديم ولا ~~تكون إلها كما أن صفة الإنسان المحدث لا يجب أن تكون مثل الموصوف المحدث ~~ولا تكون إنسانا وكذلك صفة النبي لا يجب أن تكون نبيا # وكذلك إذا قيل من أثبت الصفات فقد أثبت واجبين وتعدد الواجب ممتنع كان ~~موهما أن المثبتن أثبتوا إلهين واجبين بذاتهما وإنما أثبتوا إلها واحدا ~~واجبا بنفسه له صفات لازمة له واجبة بوجوبه لا يقبل العدم والتعدد الممتنع ~~في الواجب إنما هو تعدد الإله كما أن التعدد الممتنع في القديم إنما هو ~~تعدد الإله ms325 القائم بنفسه لأن ذلك هو تعدده # والمسلمون يقولون كما قال الله تعالى @QB@ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم @QE@ سورة البقرة 163 والتوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به ~~الكتب هو توحيد الإلهية وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له وهو متضمن لشيئين ~~أحدهما القول العملي وهو إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن النقائص وتنزيهه ~~عن أن يماثله أحد في شيء من صفاته فلا يوصف بنقص بحال ولا يماثله أحد في ~~شيء من الكمال كما قال تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ سورة الإخلاص فالصمدية تثبت له الكمال ~~والاحدية تنفي مماثلة شيء له في ذلك كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع # والتوحيد العملي الإرادي أن لا يعبد إلا إياه فلا يدعو إلا إياه ~~PageV02P228 ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف إلا إياه ولا يرجو إلا إياه ويكون ~~الدين كله لله قال تعالى @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم ~~دينكم ولي دين @QE@ سورة الكافرون # وهذا التوحيد يتضمن أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا شريك له في الملك ~~فجاءت الجهمية ومن شاركهم في النفي فأدخلوا في التوحيد نفي الصفات وهو في ~~الحقيقة تعطيل مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول وأخذ ذلك هؤلاء الملاحدة ~~فزادوا في النفي # وكانت الجهمية تقول الواحد هو الذي لا ينقسم وهذا لفظ مجمل فإن الله ~~تعالى منزه عن قبول التفريق والتبعيض ولكن مقصودهم بذلك نفى الصفات كما ~~يقولون الواحد الذي لا تركيب فيه ومعلوم أن التركيب الذي هو التركيب ~~المعقول منتفي عن الله فإن التركيب المعقول هو أن يكون اثنان مفترقين ~~فيركبهما غيرهما ثم إن تركبا بأنفسهما كان تركبا لا تركيبا لكن هو أعظم ~~امتناعا في حق الله وكل ما يعقل الناس أنه مركب فهو هذا وهو يمتنع في حق ~~الباري بضرورة العقل واتفاق العقلاء ms326 # وما يقولونه من تركيب الجسم من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة فهو ~~منتف عند جمهور العقلاء في الأجسام المخلوقة فكيف لا يكون منتفيا عن الباري ~~تعالى وما يقولونه من تركيب الأعيان من وجود وماهية هو أيضا منتف عند جمهور ~~العقلاء عن المخلوقات فانتفاؤه عن الخالق أولى PageV02P229 # وما يقولونه أيضا من تركيب الأنواع من الصفات الذاتية الداخلة فهي في ~~ماهيتها المقومة لها المشتركة المميزة هو منتف أيضا عند جمهور العقلاء عن ~~المخلوقات فكيف يكون الخالق # وأما اتصاف الرب تعالى بصفات كماله فهذا ليس تركيبا في المخلوقات والواحد ~~منها إذا قيل إنه موجود حي عليم قدير لم يكن في هذا تركيب يعقل أنه تركيب ~~كما يعقل تركيب الكل من أجزائه وإذا سموا هذا تركيبا اصطلاحا لهم أوتوهموه ~~تركيبا ظنا منهم لم يكن لفظهم ووهمهم موجبا لأن ينفي عن الرب ما يستحقه من ~~صفات كماله ويوجب أن يثبت وجودا مطلقا لا حقيقة له إلا في الأذهان وأي ~~موجود قدر في الأذهان كان أكمل منه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # والمقصود هنا أن هؤلاء القائلين بقدم العالم وإن أقروا بمبدع العالم ~~فقولهم بالحجة التي يثبتون عليها إثبات مبدع العالم حجة ضعيفة بل قولهم ~~مستلزم لنفي الصانع وهذا كان المشهور عند أكثر أهل الكلام عن القائلين بقدم ~~العالم أنهم ينكرون الصانع وأكثر كتب المتكلمين ليس فيها نقل عن القائلين ~~بقدم العالم إلا إنكار الصانع ولكن الذين نقلوا كلام ابن سينا وأمثاله هم ~~الذين صاروا يحكون عنهم قولين أحدهما إنكار الصانع والآخر القول بوجوب ~~العالم عن علة موجبة له ولبسوا بهذا على بعض الناس لكن القول بنفي الصانع ~~أعظم فسادا في العقول والأديان من قولهم PageV02P230 # وقد بسطنا الكلام على طرق الناس في إثبات الصانع في غير هذا الموضع وبينا ~~كثرة الطرق في ذلك وأن القرآن جاء بأكمل الطرق في ذلك وتكلمنا على قول من ~~قال إن الإقرار بالصانع فطري ضروري ومن قال إنه نظري استدلالي ومن قال إنه ~~تارة يكون فطريا ضروريا وتارة يكون ms327 نظريا استدلاليا وذكرنا ما يذكر في ذلك ~~من المقدمات التي لا يحتاج إليها في أصل الإستدلال وإنما يحتاج إليها من ~~عرضت له الشبهة التي يحتاج إلى إزالتها فتكون الحاجة إلى تلك المقدمة عارضة ~~بحسب حال بعض الناس ليست لازمة لكل من عرف الصانع أو استدل على وجوده فهي ~~من عوارض طريق المعرفة لا من لوازم طريق المعرفة # وهذا مثل إبطال الدور والتسلسل وغير ذلك فإن الناس في هذا الباب تنوعت ~~مسالكهم فمن الناس من سلك في العلم بإثبات الصانع طريقة يزعم أنه لا يمكن ~~معرفته إلا بها كما يفعل ذلك كثير من أهل النظر والكلام ثم تلك الطريقة قد ~~تكون صحيحة مع طولها واختصارها أو قد تكون باطلة وآخرون يقولون كل ما ذكره ~~الناس من الطرق النظرية والمسالك الإستدلالية في هذا الباب فهو بدعة وضلال ~~لا يحتاج إليه ولا ينتفع به # وتحقيق الأمر أن الأدلة المذكورة نوعان حق وباطل والحق نوعان أحدهما فيه ~~تطويل لا يحتاج إليه كل أحد والباطل مذموم مطلقا # والتطويل الذي يذكر على سبيل الحاجة إليه مع أنه يمكن الإستغناء عنه ~~مذموم أيضا PageV02P231 # وأما التطويل الذي قد ينتفع به بعض الناس أو يحتاج إليه بعضهم فإذا ذكر ~~على هذا الوجه فهو حسن وإن كان يستغني عنه بعض الناس # والنوع الثاني من الأدلة ما هو صحيح مذكور على أقرب الطرق فهذا حق لا عيب ~~فيه وليس هذا موضع تفصيل الكلام في هذا فإن هذا أعظم من أن يكون تبعا لغيره # والمقصود هنا التنبيه على أن هؤلاء القائلين بأن العالم معلول لعلة مبدعة ~~وأن معجزات الأنبياء قوى نفسانية هم شر من أكثر المشركين وعباد الأصنام ~~ومما يبين ذلك أن هؤلاء لا يقولون إن العبادات التي شرعتها الرسل إنما ~~غايتها إصلاح خلق الإنسان فإن حكمتهم كحكمة سائر الناس نوعان علمية وعملية ~~والعملية هي إصلاح سياسة الخلق والمنزل والمدينة ويزعمون أن الشرائع ~~مقصودها هو هذا وهو السياسة المدنية والمنزلية والخلقية # وقد تقدم أنا لا ننكر ما في قولهم من الحق بل ms328 ننكر عليهم ما في قولهم من ~~الباطل وننكر عليهم زعمهم أن لا حق فيما جاءت به الرسل إلا ما ذكروه فننكر ~~تصديقهم بكثير من الباطل وتكذيبهم بكثير من الحق ولا ريب أن فيما جاءت به ~~الرسل إصلاح أخلاق الناس وإصلاح منازلهم في عشرة الأهل والأزواج وغير ذلك ~~وإصلاح المدائن بالسياسة العادلة الشرعية لكن هذا كله جزء من مقاصد الرسل ~~وهؤلاء الفلاسفة إنما قالوا هذا لأن الله عندهم لا يجيب دعاء داع ولا يحدث ~~ثوابا لعابد مطيع وليس للنفوس بعد المفارقة عندهم ثواب منفصل عنها ~~PageV02P232 ولا عقاب منفصل عنها ولا يقوم الناس من قبورهم عندهم بل الدعاء ~~عندهم هو تصرف النفس في هيولي العالم والعمل الصالح ثوابه عندهم ما يحصل ~~للنفوس من الهيئة الصالحة والنعيم بعد الفراق عندهم هو نفس تنعمها بما يحصل ~~لها من العلم مع أن في أقوالهم أنواعا من الفساد فإن كمال الإنسان عندهم أن ~~يصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود يتمثل فيه صورة الوجود على ما هو ~~عليه # ثم إنهم يجعلون ذلك هو العلم بالوجود المطلق والمطلق إنما هو في الأذهان ~~لا في الأعيان ويقولون الفلسفة الأولى هي العلم بالوجود ولواحقه فيقسمون ~~الوجود إلى واجب وممكن وجوهر وعرض والجوهر خمسة أنواع والعرض تسعة أنواع ~~ونحو ذلك وهذا كله علم بأمور كلية مطلقة لا وجود لها إلا في الذهن فليس هو ~~علما بنفس أعيان الحقائق الموجوده في الخارج وليس في شيء من هذا علم بالله ~~ولا ملائكته ولا بأنبيائه بل ولا بسمواته وأرضه فإن العلم بهذه عندهم من ~~العلم الطبيعي لا من علم ما بعد الطبيعة # فهم ضلوا من وجوه منها ظنهم أن النفس كمالها في مجرد العلم وأن العبادات ~~الشرعية مقصودها تهذيب الأخلاق ورياضة النفس حتى تستعد للعلم فإن هذا باطل ~~قطعا وذلك أن النفس لها قوتان قوة علمية وقوة عملية قوة الشعور والعلم ~~والإحسان وقوة الحب والإرادة والطلب والعمل فالنفس ليس كمالها في أن تعلم ~~ربها فقط بل في أن PageV02P233 تعرفه وتحبه وإلا فإذا قدر أن ms329 النفس تعرف ~~الواجب وهي تبغضه وتنفر عنه وتذمه كانت شقية معذبة بل هذا الضرب من أعظم ~~الناس شقاء وعذابا وهي حال إبليس وفرعون وكثير من الكفار فإنهم عرفوا الحق ~~ولم يحبوه ولم يتبعوه وكانوا أشد الناس عذابا # بل حب الله تعالى هو الكمال المطلوب من معرفته وهو من تمام عبادته فإن ~~العبادة متضمنة لكمال الحب مع كمال الذل وهذا حقيقة دين إبراهيم الخليل ~~عليه السلام إمام الحنفاء الذي قال الله تعالى فيه @QB@ إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين @QE@ سورة النحل 120 والأمة هو الذي ~~يؤتم به كما أن القدوة هو الذي يقتدى به كما قال في الآية الأخرى @QB@ وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما @QE@ سورة ~~البقرة 124 وإبراهيم الخليل هو الذي عادى هؤلاء كالنمرود وغيره # فنفس عبادة الله وحده ومحبته وتعظيمه هو من أعظم كمال النفس وسعادتها لا ~~أن سعادتها في مجرد العلم الخالي عن حب وعبادة وتأله وقول هؤلاء من جنس قول ~~جهم وأتباعه الذين يجعلون الإيمان مجرد علم النفس أو تصديقها ولا يجعلون ~~حبها وغير ذلك من أعمالها من الإيمان وقد بينا فساد قول هؤلاء في غير موضع # وهؤلاء المتفلسفة جمعوا الشر كله فقول جهم بن صفوان الذي عظم السلف ~~الإنكار عليه جزء من قولهم بل المشركون الذين جعلوا مع الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله خير من هؤلاء الفلاسفة فإن أولئك أثبتوا محبة الله فجعلوها من ~~كمال الإنسان لكن ضلوا حيث أحبوا مع الله غيره PageV02P234 فكانوا مشركين ~~وهؤلاء معطلون لم يثبتوا محبة له لا خالصة له ولا مشتركة مع غيره ولهذا لا ~~يعبدونه بقلوبهم إذ العبادات عندهم إنما مقصودها إعداد النفس لمجرد العلم ~~الذي يزعمون أنه الغاية عندهم # وكذلك الجهمية لا تجد في قلوبهم من محبة الله وعبادته ما في قلوب عباده ~~المؤمنين بل غاية عابدهم أن يعتقد أن العباد من جنس الفعلة الذين يعملون ~~بالكراء فمنتهى مقصوده هو الكراء الذي يعطاه وهو فارغ من محبة الله ~~والفلاسفة ms330 تذم هؤلاء وتحتقرهم كما ذكرنا كلامهم في ذلك في غير هذا الموضع ~~لكن هؤلاء خير منهم في الجملة فإنهم يوجبون العبادة ويلتزمونها ويعتقدون ~~لها منفعة غير مجرد كونها سببا للعلم بخلاف الفلاسفة والمتصوفة والمتفلسفة ~~فإن عبادتهم مقصودها الكشف والتأثير كما يذكره أبو حامد وأتباعه ومما يبين ~~أمر هذا أنهم يقولون إن الله يلتذ ويبتهج وهذا وإن كان قد أنكره طوائف من ~~المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام ومن اتبعهم فالسلف والأئمة وأهل السنة مقرون ~~بما جاء به الكتاب والسنة من محبة الله وفرحه ورضاه وضحكه ونحو ذلك وما ~~يثبتون من الحق فهو داخل في هذه المعاني لكن أهل السنة يعبرون بالعبارات ~~الشرعية فيجمعون بين كمال المعنى واللفظ وموجب العقل والشرع # وهؤلاء المتفلسفة أخطأوا من وجه آخر حيث قالوا اللذة إدراك الملائم من ~~حيث هو ملائم وهذا غلط فإن اللذة ليست هي الإدراك ولكن الإدراك سببها فهي ~~حاصلة عنه كحصول الصوت عن الحركة والشبع عن الاكل وذلك أن الإنسان يشتهي ~~الطعام فيأكله فيلتذ به هنا ثلاثة أشياء شهوة وإدراك ولذة فليست اللذة هي ~~نفس الأكل PageV02P235 والذوق وإنما هي أمر آخر يحصل بالاكل والذوق وهو أمر ~~يجده الإنسان من نفسه فلا يعبر عنه بعبارة بمعنى أبين منه وكل حي يجد في ~~نفسه اللذة والألم وهؤلاء القوم من عادتهم أنهم يجعلون المعاني المتعددة ~~شيئا واحدا فيجعلون العلم والقدرة والإرادة شيئا واحدا بل يجعلون العلم هو ~~العالم والقدرة هي القادر فكذلك جعلهم اللذة هي الإدراك وفي موضع آخر ~~يجعلون الشيء الواحد أشياء متعددة كما يجعلون الحقائق الموجودة في الخارج ~~شيئين ويجعلون صفاتها اللازمة لها ثلاثة أشياء مقومة داخلة فيها ولازمة ~~لماهيتها # ومما يبين ذلك أن اللذة لا تكون إلا مع محبة فما لا يكون محبوبا لا يكون ~~في إدراكه لذة وحب الشيء زائد على التصور المشروط في محبته فكذلك اللذة به ~~زائدة على الإدراك المشروط في اللذة # وإذا تبين هذا علم أن الرب تعالى موصوف بالعلم والحب والفرح والرضا وغير ~~ذلك مما جاء به الكتاب ms331 والسنة والعبد كماله في أن يعرف الله فيحبه ثم في ~~الآخرة يراه ويلتذ بالنظر إليه # كما في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم ~~من النظر إليه وهو الزيادة # وفي حديث عمار بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك ~~PageV02P236 لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا ~~فتنة مضلة رواه النسائي وغيره # والمقصود هنا أن النفس ليس كمالها في مجرد علم بالله لا يقترن به حب لله ~~ولا عبادة له ولا غير ذلك بل لا تصلح وتكمل إن لم تحب الله وتعبده # وأيضا فلو قدر كمالها في مجرد العلم فليس هو العلم بوجود مطلق وأمور ~~كليات تقوم بنفسه وهذه هي العقليات التي يجعلونها كمال النفس لا سيما على ~~رأي ابن سينا وموافقيه الذين يزعمون أن الأمور المعينة الشخصية لا تدرك إلا ~~بجسم أو قوة في جسم والنفس عندهم ليست كذلك فلا تدرك شيئا من المعينات ~~الموجودة في الخارج وهذا مما نفوا به كون الباري تعالى يعلم المعينات ~~الموجودة المسماه بالجزئيات فهو عندهم لا يعلم إلا أمرا مطلقا كليا وكذلك ~~النفس ومعلوم أن الموجودات الخارجة ليست كلية فلا يكون العلم بتلك المطلقة ~~المجردة عن التعيين علما بموجود في الخارج فليس هذا علما حقيقيا مطلوبا ~~بالقصد الأول وإنما العلم الحقيقي المطلوب بالقصد الأول هو العلم ~~بالموجودات الخارجة الثابتة في نفسها # وأيضا فالعلم الذي تكمل النفس به لا بد أن يتضمن العلم بالله وهم لا ~~يعرفون الله بل إنما يعرفون وجودا مطلقا لا يوجد إلا في الأذهان لا في ~~الأعيان فهم إنما جعلوا العبادات لأجل إصلاح الأخلاق بناء PageV02P237 على ~~أن المقصود بالقصد الأول إنما هو تكميل النفس بهذا العلم ms332 وأن تهذيب الأخلاق ~~ورياضة النفس تعد النفس لذلك والعبادات تعين على ذلك فإذا بين فساد الأصل ~~الذي بنوا عليه كلامهم تبين فساده من أصله # وأيضا فقد علم بالإضطرار من النقل المتواتر والتجارب المعروفة أن الأعمال ~~الصالحة توجب أمورا منفصلة من الخيرات في الدنيا وأن الأعمال الفاسدة توجب ~~نقيض ذلك وأن الله تعالى عذب أهل الشرك والفواحش والظلم كقوم عاد وثمود ~~ولوط وأهل مدين وفرعون بالعذاب المنفصل والمشاهد الخارج عن نفوسهم وأكرم ~~أهل العدل والصلاح بالكرامات الموجودة في المشاهدة وهذا أمر تقر به جميع ~~الأمم فكيف يقال إن العبادات والطاعات ليس مقصودها إلا ما يوجد في النفس من ~~صلاح الخلق # وأيضا فقد تبين بما تقدم أن الله تعالى فاعل مختار يفعل بمشيئته وقدرته ~~وأنه يجيب دعاء عباده المؤمنين وأنه يخرق العادات بأمور خارجة عن القوى ~~الطبيعية والنفسانية المعلومة وهذا مما يبين تأثير العبادات والطاعات في ~~الخارج # ومما يبين فاسد قولهم أنهم يزعمون أن المقصود بالرسالة إنما هو إقامة عدل ~~الدنيا وأن الرسل لم تبين للناس حقائق الأمور بل أظهرت خلاف ما أبطنت بناء ~~على أن الحق في نفس الأمر هو قول الفلاسفة # وهذا إذا ظهر للناس أنكرته الفطر وكذب به الناس ولم يبق عندهم إله يخشى ~~ويعبد ولا رب يصلى له ويسجد قالوا فالرسل PageV02P238 ما كان يمكنهم إظهار ~~الحق الذي هو قولنا فأظهرت للناس من التمثيلات ما ينتفعون به وكانت في ~~الباطن تعتقد ما تعتقده الفلاسفة ولهذا يقولون إن الخواص تسقط عنهم ~~العبادات كما يقول ذلك من يقوله من القرامطة الباطنية والفلاسفة وملاحدة ~~المتصوفة وغيرهم قالوا لأن المقصود العلم والمعرفة فإذا حصل المقصود لم يبق ~~في العبادة فائدة # ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسر إلى خواص أصحابه ما يوافق ~~قولهم ومن عرف حال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه معه علم بالإضطرار ~~أن هؤلاء مخالفون له مناقضون مفترون عليه وأنهم من شرار المنافقين فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه كانوا من أعبد الناس لله وأعظمهم ms333 ~~إتيانا بأداء الواجبات وترك المحرمات وكان خواص أصحابه من أعظم الناس ~~تقريرا لما بعث به من الإخبار عن الله بأسمائه وصفاته وعن ملائكته وعن ~~اليوم الآخر وغير ذلك من أخباره ومن أعظم الناس تقريرا لما بعث به من الأمر ~~والنهي فكان ما يبطنونه من العلم والحال موافقا لما يظهرونه من القول ~~والعمل ولم يكونوا يبطنون ما يناقض ظاهرهم ولا كانوا يعتقدون مذهب أهل ~~النفي بل قول نفاة الصفات إنما حدث في الأمة بعد انقضاء عصر الصحابة وكبار ~~التابعين وإلا فلم يكن أحد يتكلم في زمن الصحابة بشيء من أقوال الجهمية ~~نفاة الصفات فكيف بأقوال هؤلاء الملاحدة الذين نفى الصفات بعض إلحادهم # ولهذا تنازع الناس في الجهمية هل هم من الثنتين وسبعين فرقة PageV02P239 ~~أم لا فقالت طائفة من السلف كيوسف بن أسباط وعبدالله بن المبارك الثنتان ~~وسبعون فرقة هم الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة وأخرجوا الجهمية من أن ~~تكون من الثنتين وسبعين فرقة وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم # وبكل حال فالجهمية حدثوا في الإسلام بعد حدوث هذه البدع الأربعة فأما ~~الصحابة والتابعون فمتفقون على إثبات ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من صفات الله واليوم الآخر والعبادات الشرعية واعلم أن النصارى واليهود خير ~~من هؤلاء من وجوه متعددة فيما يتعلق بالإعتقادات والعبادات والإعتقاد يدخل ~~عندهم في الحكمة النظرية والعبادات في الحكمة العملية # والمقصود هنا الحكمة العملية فإن اليهود والنصارى يقرون بالعبادات وبأن ~~الله هو المستحق للعبادة ويقرون بالثواب والعقاب المنفصلين مع القيامة ~~الكبرى ومعاد الأبدان مع معاد النفوس إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل لكن ~~بدلوا بعض ما جاءت به الرسل ولم يتبعوا الناسخ من شرائعهم فآمنوا ببعض ~~الكتاب وكفروا ببعض فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر بعد التبديل والنسخ ~~للكتاب الأول وليس في أصل دين اليهود والنصارى سقوط فعل العبادات الشرعية ~~عن أحد ولا حل المحرمات الشرعية لأحد PageV02P240 # وهؤلاء لما ظنوا أن كمال الإنسان في أن يعرف الوجود فقط وظنوا أن ما ~~ذكروه يحصل به معرفة ms334 الوجود ظنوا أن العارف منهم لا تجب عليه العبادات ~~الشرعية ولا تحرم عليه المحرمات الشرعية حتى صار المثل يضرب بهم فيقول ~~المترسل في رسائله إنهم استحلوا حرمتي كاستحلال الفلاسفة محظورات الشرائع # ولهذا صارت الملاحدة الباطنية تسلك هذا المسلك فيسقطون الواجبات الشرعية ~~عن البالغين منهم ويبيحون لهم المحرمات الشرعية والملاحدة الباطنية من ~~الصوفية سلكوا نوعا من هذا وإن كانوا لا يصلون إلى إلحاد ملاحدة ~~الإسماعيلية ونحوهم من المنتسبين إلى التشيع مع اتفاق الشيعة المسلمين على ~~أنهم كفار وهؤلاء الطوائف براء من الحنيفية ملة إبراهيم بل من أتباع ~~المرسلين كلهم # فإن الله تعالى أرسل الرسل ليدعوا الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له كما ~~قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ سورة الذاريات 56 ~~وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون @QE@ سورة الأنبياء 25 وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ سورة النحل 36 وقال تعالى @QB@ ~~يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون @QE@ ~~سورة البقرة 21 # وأخبر عن كل نبي أنه دعا قومه إلى ذلك فقال عن نوح @QB@ لقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم @QE@ سورة الأعراف 59 وقال عن هود PageV02P241 @QB@ وإلى عاد ~~أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ سورة هود 50 ~~وكذلك سائرهم وأمثال ذلك فكمال الإنسان وصلاحه وسعادته في أن يعبد الله ~~وحده لا شريك له وهذه ملة إبراهيم التي قال الله فيها @QB@ ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه @QE@ سورة البقرة 130 وقال @QB@ بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ سورة ~~البقرة 112 # وهذا هو الإسلام العام الذي بعث الله به جميع الرسل وهو الذي لا يقبل من ~~أحد دينا غيره لا من المتقدمين ولا ms335 من المتأخرين # قال تعالى عن نوح @QB@ يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ~~فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله ~~وأمرت أن أكون من المسلمين @QE@ سورة يونس 71 : 72 # وقال تعالى عن إبراهيم @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ~~ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ سورة البقرة 130 132 ~~PageV02P242 # وقال تعالى عن موسى @QB@ يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين @QE@ سورة يونس 84 وقال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل @QB@ إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء @QE@ ~~سورة المائدة 44 # وقال تعالى في قصة بلقيس @QB@ قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان ~~لله رب العالمين @QE@ سورة النمل 44 # وقال تعالى عن الحواريين @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون @QE@ سورة المائدة 111 فهؤلاء ~~السعداء الكاملون من نوح إلى الحواريين على الإسلام # وكذلك الإيمان قال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ سورة البقرة 62 # فبين اتصاف السعداء من هذه الأصناف الأربعة بالإيمان بالله واليوم الآخر ~~والعمل الصالح وقد ذكر في سورة الحج ست ملل فقال @QB@ إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم ~~يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد @QE@ سورة الحج 17 فهنا لما ذكر فصله ~~بينهم يوم القيامة ذكر الملل الست وهناك لما ذكر PageV02P243 السعداء لم ~~يذكر إلا الملل الأربع فإن ms336 المجوس والمشركين ليس منهم من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا بل كلهم كفار # والقرآن بين أن السعداء هم الذين اتبعوا الرسل ولا يكون الكامل إلا سعيدا ~~وأن الأشقياء هم المخالفون للرسل فإنما يعذب الله في الآخرة من يخالف الرسل ~~كما قال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ سورة الإسراء 15 ~~وقال تعالى @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى ~~قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ~~@QE@ سورة الملك 8 9 وأمثال هذه النصوص # وقد قال تعالى في خطابه لإبليس @QB@ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين @QE@ سورة ص 85 فأقسم أنه لابد أن يملأها منه ومن أتباعه فدل ذلك ~~على أنه لا يدخلها إلا من اتبع الشيطان إذ لو دخلها غيرهم لامتلأت من هؤلاء ~~وهؤلاء وهو خلاف النص # ولهذا لما تنازع الناس في أطفال الكفار فطائفة جزمت بأنهم كلهم في النار ~~وطائفة جزمت بأنهم كلهم في الجنة كان الصواب الذي دلت عليه الأحاديث ~~الصحيحة وهو قول أهل السنة أنه لا يحكم فيهم كلهم بجنة ولا بنار بل يقال ~~فيهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها ~~من جدعاء قيل يا رسول الله أفرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير فقال ~~الله أعلم بما كانوا عاملين PageV02P244 # وكذلك ثبت هذا في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~جاء في آثار أخرى أنهم يمتحنون يوم القيامة وجاءت بذلك أحاديث صحيحة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا كالمجنون والشيخ ~~الكبير الأصم الذي أدركه الإسلام وهو أصم لا يسمع ما يقال ومن مات في ~~الفترة وأن هؤلاء يؤمرون يوم القيامة فإن أطاعوا دخلوا الجنة وإلا استحقوا ~~العذاب وكان هذا تصديقا لعموم قوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا ms337 @QE@ سورة الإسراء 15 وبذلك استدل أبو هريرة على أن أطفال الكفار لا ~~يعذبون حتى يمتحنوا في الآخرة PageV02P245 # وقد قال تعالى في حق السعداء @QB@ سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله @QE@ سورة الحديد 21 فبين ~~أن الجنة أعدت للذين آمنوا بالله ورسله وقال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ سورة طه 123 126 فبين أن من ~~اتبع الهدى الذي جاء من عنده وهو ما جاءت به الرسل فإنه لا يضل ولا يشقى بل ~~يكون من المهتدين المفلحين كما قال تعالى في نعتهم @QB@ ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك ~~على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ سورة البقرة 2 4 ولهذا قال في ~~الفاتحة @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين @QE@ فأهل الغضب والضلال هم أهل الشقاء والضلال وهم ~~الذين قيل فيهم @QB@ إن المجرمين في ضلال وسعر @QE@ سورة القمر 47 وهم ضد ~~أهل الهدى والفلاح فأهل الهدى الذي يتضمن العلم والسعادة هم المتبعون ~~للكتاب المنزل فمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كاليهود والنصارى لم يكن من ~~هؤلاء فكيف بمن لم يؤمن بالكتاب بل هو ممن PageV02P246 قيل فيه @QB@ ألم تر ~~إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذبوا بالكتاب وبما ~~أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في ~~الحميم ثم في النار يسجرون @QE@ سورة غافر 69 72 إلى قوله في آخر السورة ~~@QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤون @QE@ سورة غافر 83 ولهذا قال بعض أهل العلم إن هذه الآية ms338 ~~تتناول الفلاسفة # وحقيقة الأمر أن المتفلسفة نوعان نوع معرضون عما جاءت به الرسل بعد بلوغ ~~ذلك لهم وقيام الحجة عليهم بما جاءت به الرسل فهؤلاء كفار أشقياء بلا ريب ~~ومن كان منهم مؤمنا بما جاءت به الرسل ظاهرا وباطنا فهذا مؤمن حكمه حكم أهل ~~الإيمان لكن لا يمكن مع هذا أن نعتقد ما يناقض الإيمان من أقوالهم بل ~~نوافقهم في الأقوال التي توافق أقوال الرسل أو في أقوال لا تتعلق بالدين لا ~~نفيا ولا إثباتا من الأمور الطبيعية والحسابية # وأما من وافقهم على أقوالهم المخالفة لما جاءت به الرسل مع تعظيمه للرسل ~~ولنواميسهم وإيجابه لاتباعهم كالفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام فهؤلاء آمنوا ~~ببعض ما جاء به الرسل وكفروا ببعض وهم يشبهون اليهود والنصارى من هذا الوجه ~~لكن هؤلاء بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم خير من اليهود والنصارى ~~واليهود والنصارى بإيمانهم بجنس ما اتفقت عليه الرسل من عبادة الله وحده ~~والإيمان باليوم الآخر والقيامة الكبرى ومعاد الأبدان وإيجاب العبادات ~~الشرعية وتحريم المحرمات الشرعية والتصديق PageV02P247 بحقيقة الملائكة ~~وكلام الله هم خير منهم إلا من كان من اليهود والنصارى على مذهب الفلاسفة ~~وهذا اجتمع فيه نقص الكفر من وجهين وهو أسوأ حالا من هؤلاء وهؤلاء # فالسعادة مشروطة بشرطين بالإيمان والعمل الصالح بعلم نافع وعمل صالح بكلم ~~طيب وعمل صالح وكلاهما مشروط بأن يكون على موافقة الرسل كما قال أبي بن كعب ~~رضي الله عنه عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر ~~الله خاليا فاقشعر جلده من خشية الله إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق ~~اليابس عن الشجر وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ~~من خشية الله إلا لم تمسه النار أبدا وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير عن ~~اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون أعمالكم إن كانت اجتهادا أو ~~اقتصادا على منهاج الأنبياء وسننهم # وهؤلاء ظنوا أن الكمال ليس إلا في العلم وأن العمل إنما هو وسيلة فقط ثم ~~خرجوا في ms339 العلم والعمل عن منهاج الأنبياء وسننهم وإذا كانت النصارى لكونهم ~~أدخلوا في عبادتهم نوعا من الشرك والبدع خرجوا عن الحنيفية إذ كانت ~~الحنيفية أن لا نعبد إلا الله وحده وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع ~~والنصارى كما قال الله تعالى فيهم @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون @QE@ سورة التوبة 31 وقال تعالى @QB@ ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله @QE@ PageV02P248 سورة الحديد 27 ~~ولهذا قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ ~~سورة الملك 2 قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال إن ~~العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا ~~لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على ~~السنة # فإذا كانت النصارى على هذه الحال فكيف بهؤلاء الذين هم أضل منهم فإن ما ~~عند هؤلاء من الحكمة هو جزء مما عند النصارى فإن السياسة الخلقية والمنزلية ~~والمدنية داخلة في دين النصارى الذين ابتدعوا بعضه ولم ينزل الله به وكسر ~~الشهوة والغضب جزء من عبادة الرهبان وكذلك الزهد في المال والرئاسة جزء من ~~حال الراهب الناقص الكافر فكيف يكون هذا هو مقصود العبادة والزهد الذي جاءت ~~به الشريعة # وهؤلاء رأوا أن النفس لها قوتان قوة علمية وقوة عملية والقوة العلمية ~~نوعان قوة الحب والبغض والشهوة من الحب والغضب من البغض فبالشهوة تجلب ~~المنفعة والغضب لدفع المضرة وصلاح الجميع بالعدل فجعلوا الحكة العملية في ~~هذه الأربع في العلم والعدل والعفة والشجاعة أو الحلم فالعفة اعتدال قوة ~~الشهوة والحلم أو الشجاعة اعتدال قوة الغضب # وهذا الذي ذكره جزء من العمل الذي أمرت به الرسل وما ذكروه مع هذا أمر ~~مجمل فإن العلم له أنواع كثيرة والشهوة PageV02P249 والغضب يحتاج معرفة ~~صلاحهما والعدل فيهما إلى تفصيل لا يكفي فيه هذا الإجمال وكذلك العدل فلا ~~ريب ms340 أنه لا بد في سلوك الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبين والصديقين والشهداء والصالحين من إصلاح حال هذه القوى # لكن ما ذكروه فيه قصور وتقصير من وجوه # أحدها أن ما ذكروه كأمر مجمل لا يبين الأنواع التي تستعمل بها الشهوة ~~والغضب والأنواع التي لا تستعمل ولا يبين مقدار ما يستعمل من هذا وهذا ~~ومقدار ما لا يستعمل فكان بمنزلة من علم أن أخلاط البدن تنقسم إلى حار ~~وبارد وأنه ينبغي استعمال ما يوجب اعتدال الأخلاط وهذا كلام مجمل لا يفيد ~~حفظ الصحة ولا إزالة المرض # الثاني أنه هب أنه حصل الإعتدال في الشهوة والغضب فهذا القدر لا يوجب ~~السعادة ولو قدر أنه انضم إليه ما يسمونه علما ولا دليل لهم على أن السعادة ~~تحصل بهذا والرسل متفقون على أن مجرد هذا لا يوجب السعادة # الثالث أن العلم الذي تحصل به السعادة لم يعرفوا لا نوعه ولا قدره # الرابع أن العلم الذي هو أصل السعادة ورأسها هو العلم بالله وهم أبعد ~~الطوائف عنه فلا يعرف في المقالات المشهورة في العلم الإلهي مقالة أبعد عن ~~الحق من مقالتهم فإن مقالة اليهود والنصارى في PageV02P250 العلم الإلهي ~~خير من مقالتهم ومقالات أهل البدع الداخلين في الملل حتى الجهمية والمعتزلة ~~ونحوهم من الطوائف التي تذمها أئمة أهل الملل هي خير من مقالتهم وأعني بذلك ~~مقالة أرسطو وأتباعه وأما ما نقل عن الأساطين قبله فقولهم أقرب إلى الحق من ~~قوله # الخامس أن الصفة اللازمة للنفس الناطقة التي هي الحب والإرادة لم يتكلموا ~~في كمالها ولا صلاحها فإن الشهوة والغضب متعلقان بالبدن إما لجلب منافعه ~~وإما لدفع مضاره ولهذا يؤمر فيهما بالعدل بخلاف حب النفس لمعبودها وإلهها ~~وبغضها لغيره وهذا هو حقيقة الحنيفية وهي حقيقة وقول لا إله إلا الله فهذا ~~ليس لهم منه حظ أصلا ولهذا كان الشرك غالبا عليهم بل هم معطلون في العبادة ~~شر من المشركين كما قال الله تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ms341 جهنم داخرين @QE@ سورة غافر 60 وهؤلاء ~~مستكبرون عن عبادة الله بل وعن جنس العبادة مطلقا وهم ممن يتناوله قوله ~~تعالى @QB@ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ سورة غافر 56 # وسبب ذلك أنهم لا يجعلون للنفس بعد مفارقتها حركة أصلا بل تبقى عقلا محضا ~~عندهم والعقل في اصطلاحهم هو الروحاني العاقل الذي ليس فيه حركة أصلا ولا ~~له إرادة وطلب ومحبة بل كل ما يمكن أن يكون له فهو له أزلا وأبدا # وهم يزعمون أن الأول الصادر عن واجب الوجود هو العقل الأول PageV02P251 ~~ثم عنه العقل الثاني هو إله الفلك التاسع ثم عنه عقل ثالث الذي هو إله ~~الفلك الثامن ثم كذلك إلى أن ينتهي الأمر إلى العقل العاشر الذي هو إله فلك ~~القمر وإله ما تحته وعنه يفيض ما تحت فلك القمر من العلوم والأخلاق وعنه ~~يصدر عندهم ما يوحى إلى الأنبياء وغيرهم من العلوم والذين يريدون أن يجمعوا ~~بين الكتب الإلهية وبين كلام هؤلاء المتفلسفة يزعمون أن ذاك هو جبريل الذي ~~ذكرته الرسل ويقولون إنه ليس على الغيب بضنين على قراءة من قرأ بالضاد ~~الساقطة أي هو فياض ليس ببخيل وتارة يجعلون جبريل هو ما يتشكل في نفس النبي ~~من الصور الخيالية المناسبة للعلم الذي حصل له كما يحصل للنائم # ولهذا قال من سلك سبيلهم كابن عربي إن الولي أو خاتم الأولياء أفضل من ~~الرسل والانبياء وإن الولاية أفضل من النبوة قالوا لأن الذي سموه خاتم ~~الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فإن ~~الرسول يأخذ عندهم عن الخيال الذي في نفسه وهو جبريل عندهم والخيال يأخذ عن ~~المعقولات الصريحة والولي بزعمهم يأخذ عن تلك المعقولات ويزعمون أن ~~الملائكة التي أخبرت بها الرسل هي هذه العقول العشرة أو الصور الخيالية ~~التي تمثل في نفوس الناس # وأما النفوس الفلكية فلهم فيها قولان أحدهما أنها أعراض قائمة بالفلك ~~كالقوة الشهوية والغضبية وهذا قول أكثر ms342 أتباع أرسطو PageV02P252 والثاني ~~أنها جواهر قائمة بأنفسها كالنفس الناطقة وإليه يميل ابن سينا وغيره وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن النفس الناطقة تتبقى عندهم بعد مفارقة البدن عقلا ليس ~~فيها طلب وإرادة ومحبة لعلم أصلا وهذا هو الكمال عندهم ولهذا لما ذكر أبو ~~البركات مذهبهم بين هذا كما قال الفصل الثاني في ذكر رأي أرسطو وشيعته في ~~بدء الخلق قال من يعتبر كلامه أن الله الذي بدأ منه الخلق واحد من كل وجه ~~لا كثرة فيه بوجه والواحد لا يصدر عنه إلا واحد فأول خلق من الموجودات ~~موجود واحد هو أقرب الموجودات إليه وأشبهها به قال وأسميه عقلا ويكون معنى ~~العقل عنده معروفا من معنى النفس الإنسانية من جهة كونه جوهرا روحانيا لا ~~جسمانيا كالنفس لكن للنفس علاقة بالبدن كنفس الإنسان الشخصية ونفس الفلك ~~ونفس الكوكب المحركة له على أنها تباشر التحريك والعقل بريء من الأجسام ~~وعلائقها وتكون النفس كالقوة من جهة تحريك الأجسام وتبديل حالاتها فتشعر ~~بمتجدداتها في PageV02P253 الأين والكيف وغير ذلك مما يتجدد للمتحركات ~~بالحركات والعقل بالفعل فيما يعرفه ويعلمه لا يتجدد له علم ومعرفة بشيء لم ~~يكن يعرفه ويعلمه فهذا بالفعل أبدا فيما يعقله على حال واحدة والنفس على ~~حالات مختلفة من جهة ما تعرفه وتبتديه من الأجسام وفيها بحركاتها ~~وتحريكاتها لها فالنفس عقل بالقوة والعقل عقل بالفعل والعقل يعقل جيمع ~~المعقولات والنفس تعقل بعضها فإن تجردت النفس عن الأجسام وانقطعت علاقتها ~~بها وكانت مما تعقل وممن تعقل صارت عقلا بالفعل أيضا وتكون مرتبتها بحسب ~~نوعها في الموجودات وكسبها من المعلومات قالوا فأول العقول هو هذا الذي وجد ~~عن العلة الأولى وكان أول ما سموا عقلا سموه من جهة النفس الإنسانية حيث ~~قالوا إنها عقل بالقوة وتصير بالفعل وما بالقوة لا يخرج نفسه إلى الفعل ~~وإنما يخرجه إلى الفعل شيء هو بالفعل كالنار بالفعل تجعل النفط الذي هو نار ~~بالقوة نارا بالفعل ولا يشعل النفط نفسه فيجعل نفسه نارا بالفعل فهذا الشيء ~~الذي هو ms343 عقل بالفعل الذي يجعل نفس الإنسان عقلا بالفعل يسمونه العقل الفعال ~~ويقولون إنه لنفوسنا كالأستاذ والمعلم PageV02P254 والمبدأ الذي عنه توجد ~~فهو مبدؤها القريب في الوجود ومعادها الأدنى من الكمال قالوا ولكل فلك نفس ~~محركة ولكل نفس عقل مفارق تقتدي به فيما تفعله وتعقله حتى تنتهي إلى الفلك ~~الأول فتكون نفسه أول النفوس وعقله أول العقول وهو أول موجود وجد عن المبدأ ~~الأول ويقولون عن المبدأ الأول إنه عقل أيضا لكنه أعلى العقول مرتبة وهو ~~بالفعل أبدا وكل عقل غيره يقتدي بغيره وقدوته هو مبدؤه القريب وهو تعالى ~~قدوة كل مقتد ومبدأ كل مبدأ فهو المبدأ الأول والإله الأقصى ولا يتحاشون من ~~تسميته عقلا وهذا العقل الذي يقولونه الآن منقول بالعربية من لفظة قيلت في ~~لغة يونان وليس موقعها في تلك اللغة موقع هذه في العربية من جهة الوضع ~~الأول على ما قلنا في علم النفس فإن في اللغة العربية يراد بالعقل الشيء ~~الذي يمنع الخواطر والشهوات من الناس ويمنعها عن أن تمضي العزائم بحسبها ~~فإن الإنسان يؤثر أشياء بخواطره الأولى التي تقتضي شهوته وغضبه ويرده ~~PageV02P255 عنها فكره ورأيه ونظره في عواقب أمره فهذا الناظر المفكر الراد ~~عن الخواطر الأولى هو الذي يسمونه عقلا من حيث يصد الإنسان عما هم به كما ~~يصد الناقة عقالها عن الحركة إلى حيث تشاء فهو الذي يسمونه عقلا والعلم ~~بهذا إنما يصح بدليل من جهة النظر حيث يقولون إنه إنما رد الخواطر بفكر صدر ~~عن علم فهو عقل من جهة العمل لا من جهة العلم وهذا الذي يسميه اليونان هو ~~من جهة العلم لا من جهة العمل ويصير مبدءا للعمل إلى أن قال وليس للعقل في ~~عرفهم المعنى الإضافي وله في العربية ذلك فإن العقل عقل لشيء ومعنى العقل ~~المقول في لغتهم لا يراد به الإضافة إلى شيء وإن كانوا يعرفونه بشيء ومن ~~شيء ويسمونه باسم يخصه من ذاته لا من جهة إضافاته وإن أضيف فإلى فعله الخاص ~~به كالعلم والعالم والعاقل والعالم والعقل والعلم ms344 عندهم أسماء مترادفة ~~ويقولون أيضا إن فعل العقل الذي هو بالفعل هو ذاته فالعقل والعاقل عندهم ~~واحد PageV02P256 # قلت العقل في لغة العرب بتناول العلم والعمل بالعلم جميعا ومن أهل الكلام ~~من يجعله اسما لنوع من العلم فقط فيقول هو نوع من العلوم الضرورية ومن ~~الناس من يريد به العمل بالعلم فقط كما ذكره أبو البركات # وقد يراد بالعقل القوة التي في الإنسان وهي الغريزة التي بها يحصل له ذلك ~~العلم والعمل به ولهذا كان في كلام السلف كأحمد والحارث المحاسبي وغيرهما ~~اسم العقل يتناول هذه الغريزة ومن انكر الغرائز والطبائع والقوى التي في ~~الأعيان وقال إن القادر المختار يحدث جميع الحوادث بمجرد المشيئة التي ترجح ~~أحد المتماثلين على الآخر لا بمرجح كما يقوله أبو الحسن الأشعري ومن وافقه ~~كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وأبي الحسن بن الزاغوني ~~وأبي بكر بن عربي وغيرهم فإن هؤلاء لا يجعلون اسم العقل إلا لنوع من العلوم ~~الضرورية إذ ليس عندهم طبيعة تكون بها العلوم والإرادات وليس عندهم في ~~الموجودات أسباب تحصل بها الحوادث ولا يترجح حادث على حادث لمعنى فيه بل ~~يقولون إن القادر المختار يفعل عند هذه الأمور لا بها بمجرد عادة فما يقول ~~الإنسان إنه سبب ومسبب يقولون الخالق المختار قرن أحدهما بالآخر عادة لا ~~لأن في أحدهما قوة اقتضى بها الآخر ولهذا من أثبت القياس من هؤلاء يقول إن ~~علل الشرع مجرد أمارات وإنه إن حصل فيها مناسبة كما يحصل في المخلوقات رحمة ~~فذلك مجرد عادة PageV02P257 اقتران لا لأن الخالق خلق هذا بهذا ولا لأجل ~~هذا إذ لا سبب عندهم ولا حكمة يفعل الخالق لأجلها وليس عندهم في القرآن في ~~أفعال الله وأحكامه لام تعليل بل لام عاقبة وهذه مسألة كبيرة قد بسط الكلام ~~عليها في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن اسم العقل في اصطلاح جميع المسلمين بل وجميع أهل الملل ~~وعامة بني آدم يراد به ما هو قائم بغيره سواء كان علما أو قوة أو عملا ms345 بعلم ~~أو نحو ذلك لا يراد به ما هو جوهر قائم بنفسه إلا في اصطلاح هؤلاء الفلاسفة ~~والنفس الكاملة بعد المفارقة تصير عقلا عندهم # ثم إن أتباع أرسطو يقولون إن العقل لا يتجدد له علم أصلا ويقولون إن ~~العقل والعاقل والمعقول شيء واحد ويقولون إن واجب الوجود واحد بمعنى أنه ~~ليس له صفة أصلا إلى غير ذلك من الأقوال التي يخالفهم فيها غيرهم من ~~الفلاسفة ويقول جمهور العقلاء إنها أقوال معلومة الفساد بصريح المعقول # وأبو البركات وغيره من الفلاسفة ممن يخالفهم في ذلك ويبين فساد قولهم فيه ~~ولهذا لما حكى أبو البركات قولهم قال هذا هو الذي نقل عن شيعة أرسطو وما ~~خالفهم فيه مخالف ولا اعترض PageV02P258 فيه معترض وهو بالأخبار النقلية ~~أشبه منه بالأنظار العقلية فلنأخذ في تتبعه # قلت قوله لم يخالفهم فيه مخالف إنما قاله بحسب علمه واطلاعه أو أراد من ~~الفلاسفة المشهورين المصنفين على طريقة أرسطو في المنطق الطبيعي والإلهي ~~كبرقلس والأسكندر الأفرديوسي وثامسطيوس والفارابي وابن سينا وإلا فالمنقول ~~في كتب المقالات عن الفلاسفة المتقدمين من مخالفة هذا المذهب موجود في كتب ~~متعددة لكن أولئك ليس لهم كتب مصنفة على هذه الطريقة بل مذهب أرسطو يشبه ~~مذهب أئمة الفقهاء في الفقه كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وإن خالفهم في ~~كثير منها أئمة كبار مثل الأوزاعي والليث بن سعد والثوري وإسحاق بن راهويه ~~فقد يقول القائل إنه لم يخالف أولئك مخالف أي في الكتب المعروفة المصنفة ~~على مذاهبهم وكتب المقالات تنطق بأن أرسطو هو الذي اشتهر عنه القول بقدم ~~العالم وأما أساطين الفلاسفة قبله فلم يكن هذا قولهم وهذا يحكيه المعظمون ~~لأرسطو وغير المعظمين له مع أن كلام الرجل في الإلهيات قليل جدا وفيه خطأ ~~كثير وإنما علم الرجل الواسع هو الطبيعيات ففيها يتبجح # والمقصود أن هؤلاء القوم جعلوا النفس بعد فراقها ليس لها علم ولا حركة ~~ولا ازدياد من علم ولا محبة لشيء يطلب حصوله وإنما تلتذ لذة دائمة متماثلة ~~بما حصل لها من العلم كما يقولونه ms346 في المبدأ الأول وفي العقول PageV02P259 ~~وظنوا أن هذا هو الكمال وكان ضلالهم في ذلك من أعظم الضلال من جهة أن ~~الكمال ليس إلا في مجرد العلم ومن جهة أنهم لم يثبتوا لها مزيد علم ومن جهة ~~أن ما أثبتوه من العلم لا يكفي في السعادة ومن جهة أن فيه من الجهل ما ~~يناقض العلم فكثير من كلامهم في الإلهيات بل أكثره جهل لا علم # ولكن المقصود في هذا الوجه أنهم لم يثبتوا للنفس بعد المفارقة كمالا من ~~جهة الحب والإرادة بل من نفس العلم فقط ثم إنهم غلطوا من وجه آخر وهم أنهم ~~جعلوا اللذة هي مجرد العلم # ونحن نبين هذا فنقول الوجه السادس أن يقال السعادة وهي اللذة والبهجة ~~والسرور الذي يحصل للنفس بما تعلمه من المعارف ليس هو نفس العلم بل هو أمر ~~يحصل بشرط العلم فالعلم شرط فيه ليس موجبا له فضلا عن أن يكون هو إياه ~~وهؤلاء غلطوا من وجهين من ظنهم أن مجرد العلم موجب لذلك والثاني أنهم جعلوا ~~اللذة نفس الإدراك والعلم فقالوا اللذة هي إدراك الملائم من جهة كونه ~~ملائما وهذا غلط فإن اللذة ليست هي نفس الإدراك ولكن هي حاصلة عقب الإدراك ~~فإن الإنسان يشتهي الطعام مثلا فيذوقه فيلتذ بذلك فاللذة ليست هي الذوق ~~ولكن هي حاصلة بالذوق # وكذلك الأنواع التي يسمونها إدراكا كالسمع والبصر والعلم واللمس ليست هي ~~اللذة بل هي سبب اللذة فإن سمع الصوت الحسن PageV02P260 سبب للذة به وكذلك ~~رؤية الشيء الحسن سببب للذة به والعلم بالشيء الملائم سبب للذة به فاللذة ~~لا تحصل إن لم تكن بين الملتذ والملتذ به ملائمة وهي المحبة فإن لم يكن ~~العالم والمدرك محبا لمعلومه ومدركه أو لما يحصل به لم يلتذ بسبب العلم ~~والإدراك ولهذا قد يدرك الإنسان ما يؤذيه ويعلم ما يؤذيه كما يدرك ويعلم ما ~~يلتذ به فتبين أن العلم والإدراك ليس هو اللذة ولا موجبا لها بل هو شرط ~~فيها وسبب لها بمعنى أنه إذا حصل الحب للمعلوم والمدرك ms347 وحصل إدراكه ومعرفته ~~حصلت اللذة به وإلا فلا # وهؤلاء يقولون إنه إدراك مخصوص وهو إدراك الملائم فيكون الإدراك على ~~قولهم جنسا تحته نوعان أحدهما اللذة وإذا كان أحدهما اللذة فينبغي أن يكون ~~الألم إدراك المنافي فيكون أحد نوعيه اللذة والآخر الألم ويكون نفس العلم ~~والسمع والبصر والذوق تارة ألما وتارة لذة وفساد هذا معلوم بالضرورة # وينبغي أن يكون قول القائل علمت هذا ورأيته وسمعته إذا كان ملائما له ~~بمنزلة قوله تنعمت به وفرحت به وسررت به وابتهجت به وبمنزلة قوله تأذيت به ~~وتألمت به ونحو ذلك ومعلوم فساد هذا وهذا وهذا ونفيهم فيه نفي الصفات ~~المتعددة كما جعلوا نفس العاقل العالم هو نفس عقله وعلمه ونفس عقله وعلمه ~~هو نفس إرادته ونفس إرادته هو نفس قدرته وكل هذا يعلم فساده بصريح العقل # والله تعالى فطر العباد على الإقرار به ومحبته وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV02P261 في الحديث الصحيح كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها ~~من جدعاء أخرجاه في الصحيحين # وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تبارك وتعالى ~~إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم ~~أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وقال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم @QE@ ~~سورة الروم 30 وهذه ملة إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا # وقال تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ سورة النساء 125 وقوله أسلم ~~وجهه أي أخلص قصده وعمله لله وهو محسن في عمله فيكون الله هو معبوده بالعمل ~~الصالح ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول اللهم اجعل عملي كله ~~صالحا واجعله PageV02P262 لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا وقال الفضيل ~~بن عياض في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ms348 @QE@ سورة الملك 2 قال ~~أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال إن العمل إذا كان خالصا ~~ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون ~~خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة # وأول من أنكر حقيقة محبة الله لعبده والعبد لربه في الإسلام هو الجعد بن ~~درهم فضحى به خالد بن عبدالله القسري بواسط وقال يا أيها الناس ضحوا تقبل ~~الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل ~~فذبحه # وكان الجعد هذا أول من ظهر عنه التعطيل بإنكار صفات الله تعالى وبإنكار ~~محبته وتكليمه كما يقول هؤلاء المتفلسفة والجهمية والباطنية ونحوهم من ~~المعطلة والجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم فينكرون أن يكون الله يحب أو يحب ~~حقيقة وينكرون التمتع برؤيته وينكرون أن يكون هو سبحانه موصوفا بالفرح ~~ونحوه لزعمهم أن هذا من نوع اللذة والبهجة والله لا يوصف بذلك عندهم # وأما هؤلاء الفلاسفة فيقولون إنه يوصف بذلك لكن يتناقضون فيزعمون أن ~~اللذيذ والملتذ واللذة شيء واحد بالعين فيجعلون الصفة هي PageV02P263 ~~الموصوف ويجعلون إحدى الصفتين هي الأخرى ويقولون إن نفس العلم هو نفس اللذة ~~وهو نفس العالم وهو الملتذ وهذا مما يعلم بطلانه بصريح المعقول # والذين سلكوا مسلك المتفلسفة من أهل التصوف والكلام وأثبتوا لذة المعرفة ~~بالله ولذة النظر إليه في الآخرة جعلوا ذلك هو نفس العلم بوجوده أو نحو ذلك ~~كما يذكر ذلك أبو حامد الغزالي ومن حذا حذوه وقد سلك هذا المسلك أبو نصر ~~الفارابي وغيره من الفلاسفة فأقروا بما أخبر به الرسول من رؤية الله في ~~الآخرة وفسروا الرؤية بهذا المعنى الذي أثبتوه على أصولهم الفاسدة # وهؤلاء الذين خلطوا الفلسفة بالكلام وإن كانوا أقرب إلى الحق المعقول ~~والمنقول منهم فلم يثبتوا لله كل ما يستحقه من الأسماء والصفات كما نطق ~~بذلك الكتاب والسنة ولا أثبتوا كل ما ms349 جاءت به الرسل من محبته وعبادته ولذة ~~النظر إليه كما أثبت ذلك سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث # كما ثبت في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة منازلهم نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند ~~الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم تبيض PageV02P264 وجوهنا ~~وتثقل موازيننا وتدخلنا الجنة وتجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون ~~إليه فما أعطاهم شيئا أحب من النظر إليه وهو الزيادة # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمار بن ياسر وغيره أسألك ~~لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك # وهذا يتعلق بمسألة محبة الله أي أنه محبوب في نفسه وهو محب لنفسه ولعباده ~~المؤمنين وهي أصل هذا الباب وهي أصل ملة إبراهيم التي بعث الله بها موسى ~~وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم أجمعين بل هي أصل دين الإسلام الذي بعث ~~الله به رسله وأنزل به كتبه وبها تزول عامة الشبهات الواقعة في هذا الباب ~~في مسألة فعله هل هو معلل أم لا وفي الإرادة والمحبة وفي مسألة التحسين ~~والتقبيح وفي عامة مسائل الخلق والأمر PageV02P265 # والمقصود هنا أن السعادة التي هي كمال البهجة والسرور واللذة ليس هي نفس ~~العلم ولا تحصل بمجرد العلم بل العلم شرط فيها بل لا بد من العلم بالله ~~وبأمره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته من يرد ~~الله به خيرا يفقهه في الدين فكل من أراد الله به خيرا فلا بد أن يفقهه في ~~الدين فمن لم يفقهه في الدين لم يرد به خيرا وليس كل من فقهه في الدين قد ~~أراد به خيرا بل لا بد مع الفقه في الدين من العمل به فالفقه في الدين شرط ~~في حصول الفلاح فلا بد من معرفة الرب تعالى ولا بد مع معرفته من عبادته ~~والنعيم واللذة حاصل بذلك لا أنه هو ذلك فغلطوا من هذين الوجهين ms350 هذا لو كان ~~ما ذكروه من العلم حقا وكان كافيا فكيف والامر بخلاف ذلك # ولهذا قال من قال من المسلمين الإيمان قول وعمل ومتابعه للسنة وهؤلاء ~~أخرجوا العمل ولم يلتزموا شرائع الأنبياء وإنما معهم نوع من القول لا يكفي ~~مع ما فيه من الخطاء وهم يدعون أن كمال النفس أن تصير عالما معقولا مطابقا ~~للعالم الموجود ولهذا تنازعوا في بقائها بعد الموت على ثلاثة أقوال ~~والثلاثة للفارابي فمنهم من قال تبقى العالمة والجاهلة كما يقوله ابن سينا ~~وأمثاله ومنهم من يقول بل تبقى العالمة فقط لأنها تبقى ببقاء معلوماتها ~~والجاهلة ليس لها معلوم باق فلا تبقى ومنهم من يقول بل كلاهما تفسد بالموت ~~وهو قول المعطلة المحضة منهم ومن غيرهم الذين ينكرون معاد الأبدان ومعاد ~~الأرواح جميعا أو ينكرون معاد PageV02P266 الأرواح وبقاءها بعد الموت فقط ~~مع بقاء البدن فقط كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام المحدث في الإسلام # فإن لبني آدم في المعاد أربعة أقوال أحدها القول بمعاد البدن والروح ~~جميعا وأن الروح المفارقة للبدن التي يسمونها النفس الناطقة تكون بعد فراق ~~البدن منعمة أو معذبة ثم إن الله يعيدها عند القيامة الكبرى إلى البدن وهذا ~~قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين وعليه دل الكتاب ~~والسنة وإن كانوا لا يصفون بالنفس بالصفات التي يذكرها المتفلسفة بل يثبتون ~~لها بعد الموت حركة وبقاء وغير ذلك مما دلت عليه النصوص النبوية والآثار ~~السلفية # والثاني القول بمعاد البدن فقط وهذا قول كثير من أهل الكلام من الجهمية ~~والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم فبنوا ذلك على أنه ليس فينا روح ~~تبقى بعد فارق البدن بل ظنوا أن الروح عرض يقوم بالبدن كالحياة أو جزء من ~~أجزاء البدن كالنفس الخارج والداخل فأنكروا أن تكون الأرواح المفارقة ~~للأبدان منعمة أو معذبة ثم من أثبت من هؤلاء عذاب القبر كالأشعرية وبعض ~~المعتزلة قال إنه تخلق حياة في جزء من أجزاء البدن فينعم أو يعذب وإنكار ~~بقاء النفس بعد الموت PageV02P267 قول مبتدع في الإسلام ms351 لم يذهب إليه أحد ~~من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين وإن كان كثير من كتب ~~الكلام لا يوجد فيها قول للمسلمين إلا هذا وربما حكاه بعضهم عن أكثر ~~المسلمين وهذا لأن الذين يذكرون هذا كالرازي وأمثاله ليس لهم خبرة بأقوال ~~الصحابة والتابعين وأقوال أئمة المسلمين في مسائل أصول الدين بل إنما ~~يعرفون أقوال الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام المحدث وهؤلاء كلهم ~~مبتدعة عند سلف الأمة وأئمتها وبسبب مناظرة هؤلاء للمتفلسفة حصل شر كثير في ~~الإسلام فإنهم يناظرون بجهل كثير بالعقليات والسمعيات # والقول الثالث قول من يقول بمعاد الأرواح التي هي النفس الناطقة فقط كما ~~يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة # والرابع إنكار المعادين مطلقا كما هو قول المكذبين بالجزاء بعد الموت كما ~~كان عليه المكذبون بذلك من مشركي العرب وغيرهم من الأمم ولهذا بين الله ~~المعاد في كتابه بأنواع متعددة من البيان كما قد بسط في موضعه # الوجه السابع أن يقال إن النفس بعد مفارقتها إن لم يكن لها حب وطلب لم ~~يكن لها لذة فإن وجود اللذة بدون المحبة غير معقول ولا موجود بل هو ممتنع ~~فإذا قالوا إن النفس بعد المفارقة لا يبقى لها إلا مجرد PageV02P268 أن ~~تعلم لم يكن لها لذة ولا سرور وإذا قالوا لها لذة وسرور فقد أثبتوا لها ~~محبة فحينئذ تكون لها قوتان قوة العلم والشعور والثاني قوة الإرادة والمحبة ~~ولا تكمل النفس إلا بالكمال في القوتين فدعواهم أن الكمال في مجرد العلم ~~دعوى باطلة بمنزلة من قال كمال النفس في مجرد القدرة أو في مجرد الإرادة # والكمال لا يحصل إلا بالعلم والقدرة والإرادة التي أصلها المحبة وحيث كان ~~الإنسان يلتذ بالعلم فلا بد أن تكون هناك محبة لما يلتذ به # فتارة يكون المعلوم محبوبا يلتذ بعلمه وذكره كما يلتذ المؤمنون بمعرفة ~~الله وذكره بل ويلتذون بذكر الأنبياء والصالحين ولهذا يقال عند ذكر ~~الصالحين تنزل الرحمة بما يحصل في النفوس من الحركة إلى محبة الخير والرغبة ~~فيه والفرح به والسرور واللذة ms352 والأمور الكلية تحب النفس معرفتها لما فيها ~~من الإحاطة التي توصلها إلى معرفة المعينات # وتارة يكون بالعلم يدفع من الشبه ما يعارض محبوبه فقد يكون محبه شيئا وقد ~~عرف منه أمورا عورض فيها فصار عنده ألم ومرض قلب لما عنده من الجهل بزوال ~~تلك الشبه فإذا علم ما يزيلها وجد لذة عظيمة وإما أن يكون محتاجا إلى العلم ~~بذلك لأنه يتوصل به إلى جلب منفعة ودفع مضره وهذا كثير مشهور وأما إن لم ~~يكن هناك محبوب بل المعلوم بغيض فإن تصوره يؤلم النفس لا يسرها فلا يقال إن ~~كل علم يحصل به لذة وهم يسلمون هذا ويقولون إنما اللذة إدراك الملائم لكن ~~يتناقضون مع ذلك فيجعلون اللذة في مجرد علم بالوجود المطلق PageV02P269 من ~~غير بيان فلا يفيد الإنسان فيعود كلامهم إلى أن نفس اللذة هي نفس العلم من ~~غير تقييد بالملائمة للمعلوم ويقولون إن العين تلتذ بالنظر والأذن بالسمع ~~والنفس تلتذ بالعقل ومعلوم أن العين لا تلتذ برؤية كل شيء ولا يلتذ السمع ~~بسمع كل شيء كذلك النفس لا تلتذ بعقل كل شيء بلا لا بد أن يكون ذلك الشيء ~~ملائما أو عونا على الملائم أو مانعا من المنافي ونحو ذلك # الوجه الثامن أن يقال إذا كان لها حب وإرادة كان لها عمل في تحصيل ~~المحبوب المراد وهذا نوع من الحركة التي تناسبها فإن الحركة في اصطلاحهم ~~ليست هي النقلة من مكان إلى مكان بل النقلة نوع من الحركة وهم يقولون حركة ~~في الكم وحركة في الكيف وحركة في الأين وحركة في الوضع فالحركة في الكيف هو ~~تحول الموصوف من صفة إلى صفة إما في لونه وإما في طعمه أو ريحه أو غير ذلك ~~وكذلك النفس إذا كانت جاهلة فصارت عالمة أو كانت مبغضة فصارت محبة أو كانت ~~متألمة فصارت ملتذة فهذا حركة في الكيف # والحركة في الكم مثل النمو الذي يحصل في أبدان الحيوان والنبات # والحركة في الوضع مثل حركة الفلك فإن حركته لا توجب خروجه من حيزه ~~والحركة ms353 في الأين هي النقلة مثل حركة الماء والتراب والهواء والمولدات من ~~حيز إلى حيز وإذا كان كذلك فالنفس بعد الموت لها محبة لشيء وطلب إن حصل ~~التذت به وإلا تألمت فهي متألمة أو ملتذة لما تدركه من مناسب أو مناف وهذه ~~حركة ومن المعلوم بالضرورة أن ما يحدث له آلام ولذات فلا بد له من نوع حركة ~~PageV02P270 # الوجه التاسع إنهم يقولون اللذه إدراك الملائم والألم إدراك المنافي ~~وسواء كانت اللذة هي نفس الإدراك والشعور والمعرفة أم هي حاصلة بسبب ~~الإدراك والشعور والمعرفة فعلى التقديرين إنما تكون اللذة في إدراك الملائم ~~فلم يبق جنس الإدراك والعلم هو اللذة ولا موجبا للذة بل لا تكون اللذة إلا ~~في إدراك الملائم فلا بد أن يكون المعروف المعلوم المشعور به المدرك ملائما ~~في نفسه للعالم العارف الشاعر المدرك حتى يكون في إدراكه له لذة ومعلوم أن ~~ما لاءم الشيء فهو محب له وما نافره فهو مبغض له فلا بد في اللذة والألم من ~~ثلاثة أمور ملائمة ومنافرة بين المدرك والمدرك ومحبة أو بغضة من المدرك ~~للمدرك ثم علم به وإدراك له ثم تحصل اللذة أو الألم بعد هذا وهذا مما يبين ~~أن أكمل اللذات لذة النظر إلى الله كما دلت عليه نصوص الأنبياء # ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة ~~إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه قالوا ما هو ألم يبيض وجوهنا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب من النظر إليه وهي الزيادة # فدل على أن اللذة الحاصلة بالنظر أعظم من كل لذة كانت قبل ذلك ~~PageV02P271 # وفي حديث آخر رواه النسائي وغيره عن عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على ~~الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ms354 وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي اللهم ~~إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ~~وأسألك القصد في الغنى والفقر وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا ~~تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة ~~النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم ~~زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين # وهذا كما أنه ليس في الدنيا من اللذات أعظم من لذة العلم بالله وذكره ~~وعبادته ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول حبب إلي من دنياكم النساء ~~والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة هكذا لفظ الحديث لم يقل حبب إلي ثلاث فإن ~~المحبب إليه من الدنيا اثنان وجعلت قرة عينه في الصلاة فهي أعظم من ذينك ~~ولم يجعلها من الدنيا وفي الحديث إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قيل وما ~~رياض الجنة قال حلق الذكر ولهذا كان أعظم آية في القرآن آية الكرسي كما ثبت ~~في PageV02P272 صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب يا ~~أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم قال @QB@ الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم @QE@ سورة البقرة 225 فضرب بيده في صدري وقال ليهنك العلم ~~أبا المنذر # وثبت في الصحيح من غير وجه أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن # فإن القرآن كلام والكلام إما خبر وإما إنشاء فالإنشاء هو الأمر والنهي ~~والإباحة والخبر إما عن المخلوق وهو القصص وإما عن الخالق وقل هو الله أحد ~~اشتملت على هذا الثلث وهو الخبر عن الخالق # الوجه العاشر إنه إذا كانت اللذة في إدراك الملائم ولا بد أن يكون المدرك ~~ملائما للمدرك ثم بالإدراك له تحصل اللذة بطل ما يقولونه في PageV02P273 ~~نهاية فلسفتهم وهو أن كمال النفس أن تصير عالما معقولا مطابقا للعالم ~~الموجود فإن ذلك إنما يكون بإدراك الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم ~~التي يقال لها علم ما بعد الطبيعة باعتبار علم الناس وقد ms355 يقال علم بأنها ~~باعتبار وجودها في نفسها ويسمونه العلم الإلهي # ويقولون موضوعه هو الوجود وما يلحقه من حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب ~~وممكن وإلى قديم ومحدث وإلى علة ومعلول وإلى الجوهر والعرض وانقسام الجواهر ~~إلى خمسة وهي النفس والعقل والمادة والصورة والجسم وانقسام الأعراض إلى ~~تسعة أجناس على رأي المعلم الأول جمعها بيتان % زيد الطويل الاسود بن مالك ~~% في داره بالأمس كان يتكي % % في يده سيف نضاه فانتضى % فهذه عشر مقولات ~~سوا % $ # فذكر الجوهر والكم والكيف والإضافة والأين ومتى وهو المكان والزمان ~~والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل وقد مانع كثير من الناس في حصرها في تسعة ~~حتى قال بعضهم تنحصر في ثلاثة وبعضهم قال في خمسة # والمقصود أن موضوع هذا العلم هو أمر كلي مطلق مشترك بين أنواعه فإن ~~الوجود المنقسم إلى الواجب والممكن وإلى الجوهر والعرض وإلى القديم والمحدث ~~ليس هو وجودا معينا موجودا في الخارج إذ القسمة قسمتان قسمة الكلي إلى ~~أنواعه وقسمة الكل إلى أجزائه والمراد بلفظ القسمة عند الجمهور هو الثاني ~~وبذلك جاء القرآن في مثل قوله PageV02P274 @QB@ ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ~~@QE@ سورة القمر 28 وقوله @QB@ لكل باب منهم جزء مقسوم @QE@ سورة الحجر 44 ~~وقوله @QB@ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا @QE@ سورة الزخرف 32 ~~ومنه باب القسمة التي يذكرها الفقهاء كقسمة المواريث والغنائم والفيء من ~~عقار ومنقول بين المشتركين فيه فيحصل لكل واحد جزء من المقسوم موجود في ~~الخارج غير الجزء الحاصل للشريك الآخر # وقد قال جابر قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم ~~فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة # ولهذا كان قدماء النحاة يقولون الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف كما ذكره ~~غير واحد منهم ابن جني والزجاجي صاحب الجمل وغيرهما فاعترض عليهم بعض ~~المتأخرين كالكزولي صاحب القوانين النحوية وقال كل جنس قسم إلى أنواعه أو ~~أشخاص أنواعه فاسم المقسوم الأعلى صادق على الأنواع والأشخاص وإلا فليست ~~أقساما له # وكذلك أبو البقاء النحوي ذكر هذا فيما اعترض ms356 به على ابن جني وأجاب أن ~~مراده أجزاء الكلام ونحو ذلك # وليس هذا الإعتراض بشيء فإن ما ذكره هؤلاء إنما هو في القسمة العقلية وهو ~~قسمة الكل الذي يكون كليا في العقل إلى أنواعه وأشخاص أنواعه وأما القسمة ~~الحسية الموجودة في الخارج فهو قسمة PageV02P275 الكل إلى أجزائه والكلام ~~مركب من الإسم والفعل والحرف كما يتركب البيت من السقف والحيطان والأرض ~~وكتركب بدن الإنسان من رأس وصدر وبطن وأفخاذ وغير ذلك # فقولهم الكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام أرادوا به هذه القسمة كما يقال ~~الدار ينقسم إلى سفل وعلو وهذه الأرض تنقسم إلى بيضاء وذات شجر ونحو ذلك ~~وهذه القسمة التي يعرفها بنو آدم فإنها قسمة لما هو موجود معلوم بنفسه إما ~~جوهر كالعقار وإما عرض قائم بالجوهر كالكلام والأصوات والألوان وتلك القسمة ~~إنما هي بعد أن ينتزع العقل من الجزئيات أمرا كليا مشتركا عاما ثم يقسمه ~~العقل إلى أنواعه وأشخاصه وهي تلك الجزئيات والكليات الخمسة التي يسمونها ~~الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام تنقسم هذه القسمة فإذا كان موضوع ~~الفلسفة الاولى والحكمة العليا عندهم هو الوجود الكلي المشترك المطلق الذي ~~يعم كل موجود فلفظه ومعناه يتناول الموجودات كلها وكذلك لفظ الثبوت والشيء ~~ونحوهما مطابق للفظ الوجود عند جمهور النظار # فغاية ما يسمى الوجود أن يكون بمنزلة مسمى الشيء ومسمى الثبوت والحصول ~~ونحو ذلك وهذا المعلوم ليس هو شيئا موجودا في الخارج حتى يقال إنه ملائم ~~للنفس أو غير ملائم بخلاف ما إذا قيل واجب الوجود ورب العالمين وخالق ~~العالم فإن مسمى هذا الإسم موجود بنفسه سبحانه وتعالى وهو الحي القيوم ورب ~~كل شيء ومليكه فالنفس إذا عرفته عرفت ما يكون كمالها في معرفته وعبادته وهو ~~سبحانه العلي الأعلى فالعلم به أعلى العلوم إذ العلم يطابق المعلوم # وأما الوجود العام المشترك كاسم الشيء فذاك لا يوجد كليا إلا في ~~PageV02P276 الذهن ليس في الخارج شيء يعم جميع الأشياء ولا وجود يعم جميع ~~الموجودات # ومن المعروف عندهم وعند غيرهم أن الكليات إنما توجد كليات ms357 في الأذهان لا ~~في الأعيان وهم قد جعلوا الكليات ثلاثة الطبيعي والعقلي والمنطقي فالطبيعي ~~أن يوجد الكلي مطلقا لا بشرط الإطلاق كما إذا أخذ الإنسان مطلقا والحيوان ~~مطلقا من غير تقييد بوجود ولا عدم ولا وحده ولا كثرة ولا غير ذلك من القيود # والمنطقي ما يعرض له من العموم والكلية فإن المنطقي ينظر في عموم هذا ~~وخصوصه فكونه عاما وخاصا هو موضوع نظر المنطقي # والمركب منهما هو العقلي وهو الإنسان بشرط كونه عاما ومطلقا وهو المطلق ~~بشرط الإطلاق وهذا يسلمون كلهم أنه لا يوجد إلا في الذهن إلا من قال بالمثل ~~الأفلاطونية # وأما الطبيعي فقد يقولون هو موجود في الخارج وقد ينازع منازع في ذلك وفصل ~~الخطاب أنه موجود في الخارج لكن لا يكون كليا في الخارج فليس في الخارج ما ~~هو كلي في الخارج بل ما يوجد كليا في الذهن يوجد في الخارج معينا مشخصا ~~مخصوصا مقيدا وقولهم هذا موجود في الخارج كما يقال لما يتصور في النفس إنه ~~موجود في الخارج وكما يقال فعلت ما في نفسك وقلت ما في نفسك ونحو ذلك فإن ~~الشيء موجود في نفسه ثم الذهن يتصوره ثم يعبر اللسان عن ما تصوره الذهن ثم ~~يكتب بالخط عبارة اللسان ولهذا يقال للشيء أربع وجودات وجود في الأعيان ~~ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عيني وعلمي ولفظي ~~ورسمي PageV02P277 # ولهذا كان أول ما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم سورة @QB@ ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ سورة العلق 1 5 فذكر في هذه السورة ~~التي ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أول ما أنزل عليه من ~~القرآن أنه سبحانه موجد الموجودات الأربعة فذكر الوجود العيني وهو الوجود ~~الحقيقي الثابت في نفسه فعم بالخلق وخص الإنسان فقال @QB@ اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق خلق الإنسان من علق @QE@ ثم ذكر الموجودات الثلاثة المطابقة لهذا ms358 ~~فعم وخص فقال @QB@ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم ~~يعلم @QE@ فذكر العلم عموما وخص الإنسان بالتعليم وذكر أنه علم بالقلم وذلك ~~هوالخط والخط يطابق اللفظ واللفظ يطابق المعنى الذي في القلب فإن الخط لا ~~يدل بنفسه على المعنى وإنما يدل على العبارة الدالة على المعنى # ولهذا من لم يعرف لغة صاحب الخط فإنه إذا قرأ خطا بالعربي واللسان فارسي ~~وهو لا يعرف معنى اللغة الفارسية لم يعرف المعنى فإن الخط إنما يدل بواسطة ~~اللفظ # فهؤلاء إذا قالوا الكلي الطبيعي موجود في الخارج كما يقال إن PageV02P278 ~~المعلوم في نفسي موجود في الخارج فهو صحيح فإن الكلي الطبيعي مطلق لا بشرط ~~فهو مطابق للأعيان الموجودة في الخارج # فإذا قيل الإنسان يطلق على هذا وهذا كان صحيحا بخلاف الكلي العقلي فإنه ~~يطلق بشرط الإطلاق وذاك إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان فلا يطابق ما ~~في الخارج بل هو من باب المقدرات الذهنية كما يقدر في الذهن ما يمتنع وجوده ~~في الخارج مثل الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين # فإذا قدر أن الشيء موجود معدوم أو لا موجود ولا معدوم فهذا التقدير لا ~~يكون إلا في الذهن ولا يكون في الخارج والذين ظنوا أن هذا الكلي يكون في ~~الخارج مقارنا للموجودات المعينة أو مفارقا لها فقد غلطوا في ذلك كما غلط ~~أمثالهم من المتفلسفة فإن هؤلاء المتفلسفة كثيرا ما يغلطون فيظنون ما هو ~~موجود في الأذهان موجودا في الخارج مثل غلط أولهم فيثاغورس وشيعته في ~~الأعداد المقارنة المطلقة المجردة حيث ظنوا أنها تكون في الخارج مجردة عن ~~المعدودات والمقدورات ومثل غلط أفلاطون وشيعته في الطبائع الكلية كالإنسان ~~الكلي والحيوان الكلي حيث ظنوا أنها تكون في الخارج كليات مجردة عن الأعيان ~~أزلية أبدية لم تزل ولا تزال وقالوا ذلك في الزمان والمكان والمادة فظنوا ~~أن في الخارج جوهرا عقليا أزليا أبديا غير الأجسام وأعراضها وجوهرا مثالا ~~أزليا أبديا غير الأجسام وحركاتها ومقدار حركاتها وظنوا وجود مادة عقلية ~~مجردة عن جميع ms359 الصور هي المادة الأولية التي يثبتها هؤلاء PageV02P279 # وقد خالفهم أصحابهم كأرسطو وشيعته والمتأخرون الذين سلكوا خلفه كالفارابي ~~وابن سينا وردوا على متقدميهم وقالوا إن الفلسفة كانت نية فأنضجت فإن ~~مبدأها إنما هو النظر في الطبيعيات ثم انتزعوا من الأمور الطبيعية هذه ~~الكلية العقلية وظنوا وجودها في الخارج # فرد عليهم هؤلاء وأصابوا في الرد ثم جعل هؤلاء هذه الماهيات العقلية ~~موجودة في الخارج مقارنة للموجودات الحسية الطبيعية فاثبتوا مادة عقلية مع ~~الجواهر الحسية وأثبتوا ماهية مجردة كلية مقارنة للأعيان وقالوا هذه ~~الماهيات غير الوجود وأسباب الماهية شيء وأسباب الوجود شيء فإنا نعقل ~~المثلث قبل أن نعلم وجوده وقالوا هذه الماهية يغشاها غواش غريبة حسية ~~وخيالية # وقسموا في منطقهم اليوناني المتلقي عن معلمهم الأول أرسطو الذي هو صاحب ~~تعاليم المنطق والطبيعي والإلهي قسموا الصفات اللازمة للموصوف إلى ذاتي ~~داخل في الماهية مقوم لها وإلى عرضي خارج عن الماهية ثم العرضي قسموه إلى ~~لازم للماهية وإلى لازم لوجودها لما فرقوا بين الوجود والماهية وإلى عارض ~~لها إما بطيء الزوال أو سريع الزوال # وهذا التقسيم وما بنوه عليه من الحدوث مما أنكره عليهم جمهور النظار من ~~المسلمين وغيرهم وبينوا ما بينوه من خطئهم فيه كما قد بسط الكلام عليهم في ~~مواضع # والمقصود هنا التنبيه على منشأ غلطهم أما تقسيم الصفات إلى لازم للموصوف ~~وإلى غير لازم فهذا حق وهو تقسيم نظار المسلمين يقسمون الصفات إلى لازم ~~وعارض فإن الحيوانية الناطقية والضاحكية لوازم للإنسان بخلاف العربية ~~والعجمية والسواد والبياض والشباب والمشيب والإسلام والكفر PageV02P280 # وأما تقسيم الصفات اللازمة إلى ثلاثة أنواع نوع داخل في الماهية ونوع ~~خارج عنها والخارج على قسمين لازم لها ولوجودها ودعوى أن الماهية مركبة من ~~الصفات الداخلة فيها وهي الذاتية وهو الجنس والفصل كالحيوان والناطق وأن ~~الإنسان مركب منهما وأن الحدود الحقيقية لا تصح إلا بذكر الصفات الذاتية ~~المشتركة وهي الجنس والمميزة وهي الفصل وبهما يتم النوع المركب كما يتم ~~الإنسان بالحيوان والناطق فهذا من الخطأ الذي أنكره عليهم نظار المسلمين ~~كما ms360 قد كتبنا بعض كلام النظار في ذلك في غير هذا الموضع في الكلام على ~~المحصل وعلى منطق الإشارات وعلى المنطق اليوناني مصنف كبير ومصنف مختصر ~~وغير ذلك # وذلك أن لفظ الماهية والوجود قد يعني بالماهية ما يتصور في الذهن ~~وبالوجود ما يكون في الخارج وهذا حق لم ينازع فيه نظار المسلمين ولا ريب أن ~~الماهية المتصورة في الذهن ليست عين الموجود في الخارج ولكن ما يتصور في ~~الذهن إذا كان مطابقا لما في الخارج كان علما كما أن القول الذي يكون معناه ~~في الذهن ولفظه في اللسان إذا طابق ما في الخارج كان صدقا وليس نفس القول ~~هو المقول الذي في الخارج فكذلك إذا تصورنا ماهية شيء من الأشياء في أنفسنا ~~فما في النفس من التصور يطابق ما في الخارج لا أن هذا عين ذلك فمن قال إن ~~الماهية غير الوجود وأراد بالماهية الصورة العلمية الذهنية وبالوجود ما ~~يوجد في الخارج فقد أصاب وأما إذا عنى بالماهية والوجود جميعا PageV02P281 ~~ما هو ثابت في الخارج أو عنى بهما جميعا ما هو متصور في الذهن وقيل إن في ~~الذهن شيئين ماهية ووجودها أو في الخارج شيئان ماهية ووجودها فهذا خطأ # وبهذا التفصيل يزول الإشتباه والنزاع الموجود في أن الماهية هل هي غير ~~وجودها أم لا فمن لم يفصل هذا التفصيل فإما أن يحار ويقف كالآمدي ونحوه ~~وإما أن يختلف كلامه ويتناقض كالرازي ونحوه أو يصر على الباطل إذا نصر أحد ~~القولين كبعض المتكلمين والمتفلسفة # والمقصود هنا التنبيه على مثار غلطهم وهو أنهم يتوهمون ما في الذهن ~~موجودا بعينه في الخارج كما توهموا ذلك في هذه الكليات إما مجردة على رأي ~~قدمائهم أصحاب المثل الأفلاطونية وأصحاب فيثاغورس وإما مقرونة بالموجودات ~~على رأي متأخريهم كشيعة أرسطو ولهذا كان ما يثبتونه من المجردات المفارقة ~~للمادة ليس يسلم لهم منها شيء إلا نفس الإنسان إذا فارقت بدنه فإنها تكون ~~مفارقة لبدنه بالموت وإنما سموا ما سواها مجردا مفارقا للمادة من هذا الباب # فما أثبتوه من العقول ms361 العشرة المحركات المفارقات التي ليست جسما ولا ~~متعلقة بجسم ويعبرون عن الجسم بالمادة فيقولون لا في مادة ولا متعلقة ومن ~~النفوس الفلكية التسعة التي ليست في جسم ومادة لكنها متعلقة بالمادة التي ~~هي الجسم تعلق التدبير والتصريف PageV02P282 # وهذا التفريق عندهم بين قسمي النفس والعقل أصله من نفس الإنسان فإنها ~~تارة تكون في بدنه مدبرة له فتسمى نفسا وتارة تفارقه فتسمى عقلا عندهم ~~لأنهم عقلت العقليات التي صارت بها عالما معقولا مطابقا للموجود ولهذا سموا ~~العقول العشرة عقولا والنفوس الفلكية نفوسا وهم مختلفون هل هي أعراض في جسم ~~أم هي مجردات على قولين # وإذاأعطى النظر والبحث حقه وكشف حقيقة ما يقولونه في هذا الباب وأزيلت ~~الشبه عن الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة لم يكن عند القوم من المعقولات ~~المجردة إلا ما هو معقول للإنسان في نفسه مثل الكليات كالإنسانية ~~والحيوانية والوجود العام المشترك ونحو ذلك وإما شيء موجود في نفسه خارج ~~يكون من المعقولات التي أثبتوها فهذا لا حقيقة له # ولهذا غلط من ظن أن عالم المعقولات التي يثبتونها هو الغيب الذي أخبرت به ~~الرسل صلوات الله عليهم أجمعين كما يذكر مثل ذلك جماعة ممن رام أن يجمع بين ~~ما قالوه وبين ما اخبرت به الرسل كما يوجد مثل ذلك في كلام الشهرستاني وأبي ~~حامد والرازي وغيرهم فإن ما أثبتوه من العقليات يجعلون فيه الفرق بين ~~العالم العقلي والحسي هو الفرق بين الغيب والشهادة وليس الأمر كذلك فإن ~~المعقولات التي يثبتها هؤلاء إنما هي معقولات في نفس الناس وهو عرض قائم ~~بنفسه # فأما ما يدعونه من عالم معقول يمتنع أن يكون محسوسا بحال فهذا ليس لهم ~~عليه دليل ولهذا لما احتاجوا إلى إثبات ذلك أثبتوه PageV02P283 بالكليات ~~كما فعله ابن سينا في إشاراته أو بموجودات لا يحسها الإنسان لا لامتناع ~~الإحساس بها مطلقا بل لأسباب أخر # وأما ما أخبرت به الرسل من الغيب فليس هو معقولا مجردا في النفس ولا هو ~~موجود في الخارج لا يحس به بحال بل هو مما يحس به ms362 كما أخبرت بالملائكة ~~والجن وغير ذلك وكل ذلك مما يجوز رؤيته والإحساس به # وكذلك ما أخبرت به من الجنة والنار هو مما يحس به وكذلك الرب تبارك ~~وتعالى وتقدس وتعظم تجوز رؤيته بل يرى بالأبصار في الآخرة في عرصات القيامة ~~وفي الجنة كما تواترت بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق عليه ~~سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين # ولهذا فرقت الرسل بين هذا وذاك فإن هذا شهادة أي مشهود لنا محسوس الآن ~~وذاك غيب أي غائب عنا الآن لا نشهده وهذا فرق إضافي باعتبار حالنا في شهوده ~~الآن وعدم شهوده فإذا متنا صار الغيب شهادة وشهدنا ما كانت الرسل أخبرت به ~~وكان غيبا عنا # قال تعالى @QB@ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم ~~حديد @QE@ سورة ق 22 # وقال تعالى @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون @QE@ سورة الأنعام 30 PageV02P284 # وقال تعالى @QB@ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا ~~بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون @QE@ سورة الأحقاف 34 # وقال تعالى @QB@ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل إنما العلم عند ~~الله وإنما أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا ~~الذي كنتم به تدعون @QE@ سورة الملك 25 27 # وقال تعالى @QB@ وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو ~~نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا ~~بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا @QE@ سورة الفرقان 21 22 # وقال تعالى @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ~~قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ~~فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم @QE@ سورة ~~النساء 97 99 # وقال تعالى @QB@ ولو ترى إذ ms363 يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد @QE@ سورة الأنفال 50 51 # وقال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم ~~يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات ~~الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما ~~كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون @QE@ PageV02P285 ~~سورة الأنعام 93 وقال ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولنا كم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ~~لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون وبالجملة الملائكة الذين أخبر رسل ~~الله عنهم كما ذكرهم الله في القرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من أخبار ~~الأنبياء من تدبر بعض ما ذكر عنهم وما تقوله المتفلسفة في المجردات العقول ~~العشرة والنفوس التسعة علم بالإضطرار أن هذا مباين لهم من وجوه كثيرة وأن ~~كل من رام من القرامطة الباطنية أو باطنية أهل الكلام والتصوف أن يجعل هذا ~~مكان هذا ويجمع بين ما أخبرت به الرسل وما ذكرته الفلاسفة كان من أجهل ~~الناس إن لم يعرف وأعظمهم تعمدا للكذب إن عرف # والجمع بين هذا وهذا أبعد من الجمع بين شريعة التوراة بعد النسخ والتبديل ~~وبين شريعة القرآن فإن هؤلاء يزعمون أن العقل الأول أبدع كل ما سوى الرب ~~وكل ما سواه معلول مربوب له والعقل الفعال أبدع كل ما تحت السماء وهو معلول ~~ومربوب له وهذا مما يعلم صبيان المسلمين أنه تكذيب صريح لما جاءت به الرسل ~~ليس في كلام الرسل أن ملكا PageV02P286 من الملائكة خلق كل ما سوى الله ولا ~~خلق جنسا من المخلوقات ولا كان قديما # بل قد ثبت في الصحيح عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلقت ~~الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم # وقال سبحانه @QB@ وقالوا اتخذ ms364 الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون @QE@ سورة الأنبياء 26 27 28 # وقال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ سورة آل عمران 80 # وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ سورة الأسراء 56 57 قال ~~طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فأخبرهم الله ~~تعالى أن هؤلاء الذين يدعونهم من الملائكة والأنبياء هم عباد الله كما أنتم ~~عباده يرجون رحمته كما ترجون رحمته ويخافون عذابه كما تخافون عذابه ~~ويتقربون إليه كما تتقربون إليه # وهؤلاء زعموا أن الشفاعة إنما هي بأن يتوجه الإنسان إلى روح PageV02P287 ~~مفارق فيفيض عليه من ذلك الروح وذلك الروح قد فاض عليه الأمر من الرب ~~وشبهوا ذلك بشعاع الشمس إذا وقع على مرآة ثم وقع شعاع المرآة على غيره وقد ~~ذكر هذا المعنى ابن سينا والغزالي في المضنون به على غير أهله وغيرهما ممن ~~بنى على أصلهم الفاسد إذ كانوا لا يرون أن الله يسمع كلام عباده ولا يعلم ~~ما في نفوسهم ولا يقدر أن يغير شيئا من العالم ولا له مشيئة يفعل بها من ~~يشاء فأثبتوا الشفاعة على هذا الوجه # وهذه شر من الشفاعة التي يثبتها مشركو العرب والنصارى والمبتدعون من ~~المسلمين ونحوهم ممن يقول إن الله فاعل مختار فإن هؤلاء يثبتون شفيعا يشفع ~~إلى الله فيقضي حاجته وجعلوا شفيعهم من جنس الذي شفع عند الملوك # فأبطل الله سبحانه وتعالى ذكر ذلك وكفر من أثبت هذه الشفاعة فقال تعالى ~~@QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض @QE@ سورة ~~يونس 18 # وقال تعالى @QB@ وأنذر ms365 به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من ~~دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون @QE@ سورة الأنعام 51 # وقال تعالى @QB@ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون @QE@ سورة ~~السجدة 4 PageV02P288 # وقال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ سورة البقرة 255 # وقال عن الملائكة @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ~~@QE@ سورة الأنبياء 28 ) # وقال @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ سورة النجم 26 # وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير @QE@ ~~سورة سبأ 22 # وقال تعالى @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ سورة سبأ 23 # وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية بأن ~~الملائكة إذا سمعوا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا أزيل الفزع عنهم @QB@ ~~قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ سورة سبأ 23 # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة @QE@ سورة البقرة 254 PageV02P289 # وقال تعالى @QB@ واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها ~~شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون @QE@ سورة البقرة 48 # والناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال فالمشركون والنصارى والمبتدعون من ~~الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة ~~المعروفة في الدنيا # والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أهل ~~الكبائر # وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل ~~الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله ويحد ms366 له حدا كما في ~~الحديث الصحيح حديث الشفاعة أنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ~~وعيسى فيقول لهم عيسى اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر قال فيأتوني فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمد ربي ~~بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع ~~تشفع فأقول أي رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أنطلق فأسجد فيحد لي ~~حدا ذكر هذا ثلاث مرات PageV02P290 # وفي الصحيح أن أبا هريرة قال لرسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم ~~القيامة قال يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ~~لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله ~~إلا الله خالصا من قلبه فبين صلى الله عليه وسلم أن أسعد الناس بشفاعته في ~~الآخرة أعظمهم إخلاصا لله وتوحيدا له في الدين # وذلك أنه من يشفع عنده بغير إذنه كان الشافع شريكا له في العقل ولهذا سمي ~~الشفيع شفيعا لأنه يشفع للطالب كما قال تعالى @QB@ من يشفع شفاعة حسنة يكن ~~له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها @QE@ سورة النساء 85 فكل ~~من أعان غيره على أمر فهو شافع له والشافع عند غيره تؤثر فيه حركة تغير ~~اختياره ويكون شريكا له في المطلوب والله منزه عن ذلك كله PageV02P291 # وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأسعد الناس ~~بالمغفرة التي تنال بالشفاعة وغير الشفاعة أعظمهم إخلاصا له لا من كان فيه ~~شرك يرجو غير الله ويسأل غير الله ويعبد غير الله كما يفعل المشركون الذين ~~اتخذوا من دون الله شفعاء سواء كانوا ملائكة أو أنبياء أو صالحين أو من يظن ~~فيهم الصلاح فيسألونهم ويستغيثون بهم إما في مغيبهم وإما عند قبورهم # وكثيرا ما يتمثل لهؤلاء المشركين صورة ذلك الشخص المستغاث به ويكون ذلك ~~شيطانا تمثل على صورته ms367 ليضل ذلك المستغيث به المشرك كما كانت الشياطين تكلم ~~الناس من الأصنام وكما يقع كثير من ذلك في أرض الشرك أرض الصين والترك ~~والهند والغرب والجنوب والشمال يرون أحيانا أن ميتهم قد جاء وحدثهم بأمور ~~وقضى لهم حوائج فيظنونه قد عاش بعد موته وإنما هو شيطان قد تمثل على صورته ~~ومنهم من يصنع قربانا للشيطان ويقرب له ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه ~~ويغنون غناء يناسبه ويأتون بشيخ لهم يناسب ذلك الشيطان فيسقونه الدم أو ~~يفعل به الفاحشة أو ينطق بالكفر الذي يختاره الشيطان ثم يتكلم الشيطان إما ~~منفردا وإما على لسان ذلك الشيخ ببعض ما يريدونه وربما صعد الشيخ في الهواء ~~وهم يرونه وقد يحمل للشيطان بعض هؤلاء الشيوخ الذين لهم حال شيطاني فيطير ~~به في الهواء فيذهب به إلى مكان آخر وربما مشى به على الماء لكن لا بد أن ~~يكون الشيخ عاصيا لله ورسوله وكلما كان أفجر وأكفر كان أقرب له إلى ~~الشياطين PageV02P292 # كما قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم @QE@ سورة الشعراء 221 222 # وإذا كان من أولياء الله المتقين المطيعين لله ورسوله هربت منه هذه ~~الشياطين وكان أعوانه جند الله من الملائكة والجن المؤمنين وغيرهم وقد يطيع ~~الشياطين لولى الله في بعض ما يأمر به من طاعة الله ورسوله تعظيما له ~~وإكراما له لا طاعة لله ولرسوله فهذا يقع كثير ولكن لم تسخر الجن والشياطين ~~تسخيرا مطلقا لغير سليمان عليه السلام وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا أن هؤلاء الفلاسفة كثيرا ما يظنون الأمور الذهنية المتصورة ~~في الذهن حقائق ثابتة في الخارج وهذا الأمر غالب عليهم كثير في كلامهم ومن ~~تفطن له تبين له وجه غلطهم في كثير من مطالبهم مع انهم لهم عقول ونظر ~~وفضيلة بالنسبة إلى أتباعهم لا إلى أتباع الرسل # وعلم القوم الذي كانوا يعرفونه هو الطب والحساب فلهم في الطبيعيات كلام ~~كثير جيد والغالب عليه الجودة وكذلك في الحساب في الكم ms368 المنفصل والكم ~~المتصل وفيهم خلاف كثير في علم الهيئة وحركات الكواكب ومقاديرها وكذلك في ~~سائر علومهم هم أكثر الطوائف اختلافا # وإذا قال أبو عبدالله الرازي اتفقت الفلاسفة فإنما عنده ما ذكره ابن سينا ~~في كتبه وكذلك كلام المشائين أتباع أرسطو وإلا فالفلاسفة أصناف مختلفة وقد ~~ذكر أبو الحسن الأشعري في كتابه PageV02P293 الكبير في المقالات لما ذكر ~~مقالات غير الإسلاميين وكذلك أبو عيسى الوراق والقاضي أبو بكر بن الطيب ~~وغيرهم ممن يحكي مقالات الناس ويناظرهم ذكروا من أقوال الفلاسفة اختلافهم ~~ما يكون كلام المشائين فيه قليل من كثير # وإذا كان غاية فلسفتهم إنما هو العلم بكليات لا وجود لها في الخارج إنما ~~يوجد في الخارج أشخاص معينة وتلك الكليات لا وجود لها في الخارج فليس هناك ~~شيء يلائم النفس حتى تكون النفس كاملة سعيدة بمعرفته فتبين أن ما ذكروه من ~~كمال النفس وسعادتها بعد الموت خطأ وضلال # الوجه الحادي عشر أن الكليات هي مطابقة لجزئياتها فإذا كانت الجزئيات ~~تقبل التغير من حال إلى حال لم تكن الكليات ثابتة على حال فلا يكون العلم ~~بها علما بشيء باق وكل مخلوق فإنه يقبل التغير من حال إلى حال على ما أخبرت ~~به الرسل ودلت عليه العقول وإذا لم يكن في الموجودات كليات عقلية أزلية ~~أبدية لا تقبل التغير فيبقى ما في النفس من هذه الكليات المتعلقة ~~بالمخلوقات جهلا لا علما وذلك مثل الكليات الطبيعية وهو أن النار تحرق فإن ~~هذا له شروط وموانع فقد لا تحرق لفوات الشروط أو وجود المانع وليست الموانع ~~أمرا محدودا فلا يمكن العلم القاطع أن كل نار تحرق بالفعل لما من عادته أن ~~تحرقه ثم هم يدعون قدم الأفلاك وبقائها وكذلك العقول والنفوس PageV02P294 # فيقال هذه أمور معينة لا كلية فإذا كانت النفس تبقى ببقاء معلومها ~~فالمعلوم الباقي الأزلي الأبدي الذي لا ريب في بقائه وقدمه وهو رب العالمين ~~فالسعادة والكمال في معرفته وعبادته وهذا هو العلم الأعلى الذي هو علم ~~بالرب الأعلى ليس العلم هو العلم بوجود مطلق ms369 وأقسامه كما قوله هؤلاء ومن ~~تبعهم حتى أدخل ذلك في أصول الفقه الرازي ونحوه ويحيلون بالبرهان على العلم ~~الأعلى الناظر في الوجود ولواحقه # وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع على كلامهم في الحد والبرهان وبينا ~~ما عليه نظار المسلمين في الحد وأن المقصود به التمييز للمحدود من غيره ~~فمقصوده تفصيل ما دل عليه الإسم بالإجمال سواء كان حد الشيء اسم وهو الحد ~~بحسب الإسم أو لشيء موجود وهو الحد بحسب الحقيقة وهذا الحد يحصل بالعرف ~~المطابق للمحدود في العموم والخصوص بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ~~ومن عدمه عدمه فيكون الحد مطردا منعكسا كالإسم مع المسمى # وأما ما يدعونه هم من أن الحد يحصل به معرفة حقيقة المحدود في الخارج ~~وأنه يكون بالصفات الذاتية الداخلة في الحدود المركبة من الجنس والفصل فهذا ~~مما تكلم نظار المسلمين على خطئهم فيه من وجوه كما بيناه في موضعه وبينا أن ~~قولهم إن الإنسان مركب من الجنس والفصل إن أريد به تركيب ما في الذهن فهذا ~~صحيح فإن الإنسان إذا تصور في نفسه حيوانا ناطقا كان ما تصوره مركبا من هذا ~~وهذا وإن PageV02P295 تصور حيوانا ضاحكا كان ما تصوره مركبا هذا وهذا وكان ~~لفظه دالا على ما تصوره بالمطابقة وعلى بعضه بالتضمن وعلى الخارج عنه ~~اللازم له بالإلتزام فالمجموع هو مجموع الماهية التي تصورها في نفسه وجزؤها ~~هو جزء الماهية وهو المدلول عليه بالتضمن والخارج عنها اللازم لما هو ~~اللازم للماهية المقصودة في الذهن فيعود تمام الماهية وجزؤها الداخل ~~ولازمها الخارج إلى ما دل عليه بالمطابقة والتضمن والإلتزام هذا هو الذي ~~يتحصل من هذا كما حرره من حرره كما قد بسط في غير هذا الموضع # وأما أن تكون صفات الموصوف اللازمة بعضها داخل في ماهيته الخارجة وبعضها ~~خارج عن ماهيته الخارجة فهذا باطل وما ذكروه من الفروق الثلاثة بين الذاتي ~~المقوم والعرضي اللازم قد اعترفوا هم ببطلانها وقد بين بطلانها بالدليل # وما ذكروه من الوسط بين بعض اللوازم وبعضها أراد به أئمتهم ms370 كابن سينا ~~ونحوه أنه الدليل كما يقولون الحد الأوسط فجعلوا من الذات ما يعلم بلا دليل ~~ومنها ما لا يعلم إلا بالدليل وهذا فرق يرجع إلى علم العالم بها لا إلى ~~حقيقة هي علمها في نفس الأمر فظن من ظن من متأخريهم أنهم أرادوا بالوسط أن ~~الصفات اللازمة تارة يتصف بها الموصوف بنفسها وتارة يكون بينه وبينها وسط ~~في هذا الإتصاف PageV02P296 # واضطربوا هنا اضطرابا يظهر به أن القوم في ظلمات بعضها فوق بعض فكلام ~~سلفهم فيه خطأ كثير وقد حصل في النقل والترجمة ما حصل من الخطأ ويزيده ~~متأخروهم خطأ فصاروا في شر من دين اليهود والنصارى فإن ذاك أصله حق جاء من ~~عند الله ولكن هم بدلوا وغيروا وهؤلاء كان الأصل فاسد وكثر الفساد في ~~الفروع فإن حاصل ما انتهى إليه أرسطو في الإلهيات فيه من الفساد ما لا يسعه ~~هذا الموضع والقوم من أجهل الناس بذلك وفيه من الغلط أكثر مما في الطبيعيات # وهذا إذا اقتصر على الفلسفة الموروثة عن أولئك ولكن المنتسبون إلى ~~الإسلام منهم والعربية صار لهم بسبب ما استفادوه من المسلمين من العقليات ~~الصحيحة والمعارف الإلهية ما صاروا به خيرا من أوليهم وأعلم وأعقل ولهذا ~~يوجد في كلام ابن سينا وأمثاله من تحقيق الأمور الإلهية والكليات العقلية ~~ما لا يوجد لأوليهم وإن كان هو وأمثاله عند أهل الإيمان بالله ورسوله من ~~جملة المرتدين والمنافقين # وإذا قالوا الإنسان مركب من الحيوان والناطق أو من الحيوانية والناطقية ~~فإن أرادوا انه مركب من جوهرين لزم أن يكون كل موصوف بصفات لازمة ذاتية ~~مركبا من جواهر كثيرة فيكون في الإنسان جوهر هو جسم وجوهر هو حساس وجوهر هو ~~نام وجوهر هو متحرك بالإرادة وجوهر هو ناطق وهذا مما يعلم كل عاقل أنه فاسد ~~وإن أرادوا أنه مركب من عرض فالجوهر كيف يتركب من الأعراض وكيف تكون ~~الأعراض قائمة به مقومة له سابقة عليه وتكون هي أجزاءه وهل تكون قط ~~PageV02P297 صفة موصوف متقدمة عليه بوجه من الوجوه لا سيما وهم ms371 يثبتون ~~تقدما في الخارج لكنه تقدم كلي مثلما يدعونه من تقدم العلة على المعلول # وكلامهم في هذا ايضا فاسد فإنه لا يعرف قط أن الفاعل متقدم على مفعوله ~~إلا تقدما حقيقيا بحيث يكون الفعل بعده حقيقة وهو الذي يسمونه تقدم بالزمان ~~وسواء سمي الفالع علة أم لم يسم # وأما قول القائل حركت يدي فتحرك الخاتم فحركة اليد ليست علة فاعلة لحركة ~~الخاتم بل المحرك لليد هو المحرك للخاتم والخاتم في اليد كأصبع في يد وليست ~~حركة الكف علة لحركة الأصبع ولكنهما متلازمان لما بينهما من الإتصال # وقد بين هذا في موضعه وبين أن ما يدعونه من الفاعل الموجب بالذات الذي ~~يكون مفعوله مساوقا له بالزمان مما اجتمع الاولون والآخرون من جميع طوائف ~~العقلاء على فساده حتى أرسطو وأتباعه من الفلاسفة المتقدمين وإنما قال هذا ~~بعض المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين ادعوا أن الممكن بنفسه الذي يقبل ~~الوجود والعدم يكون بنفسه قديما أزليا واجبا بغيره # وهذا قول شرذمة منهم وأما جمهور الفلاسفة القائلون بقدم العالم كأرسطو ~~وأتباعه والقائلون بحدوثه فكلهم ينكرون هذا كما ينكره سائر PageV02P298 ~~العقلاء ويقولون الممكن لا يكون إلا محدثا فكل ما كان ممكنا يقبل أن يكون ~~موجودا ويقبل أن يكون معدوما لم يكن إلا حادثا كما قد بسط في موضعه # وحينئذ فإذا قالوا النفس تبقى ببقاء معلومها فليس من المعلومات المشهودة ~~ما هو باق أبدا لا يستحيل من حال إلى حال ولا في المعلومات الموجودة التي ~~يعلمون وجودها بالبرهان عندهم ما هو باق أزلا وأبدا لا يستحيل من حال إلى ~~حال إلا الله وحده وما يثبتونه من العقول والنفوس ليس له حقيقة إلا في ~~الوجود الذهني لا الخارجي وأما نفوس بني آدم وإن كانت باقية فهي العالمة ~~التي تكمل وتبقى ببقاء معلومها # والمقصود أي ليس لها موجود معلوم يعلم بالبرهان بقاؤه أزلا وأبدا ليبقى ~~ببقائه إلا الله وحده وإذا قالوا تصير عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود ~~فهذا العالم ليس ثابتا على حال من الأحوال بل هو يستحيل من ms372 حال إلى # حال أما على القول الحق فإن الأفلاك مخلوقة ومستحيلة وأما على زعمهم ~~بأنها أزلية أبدية فليست كلية إنما هي أشياء معينة فهي من قبيل الحسيات لا ~~من قبيل المعقولات الكلية ولهذا لما قال من قال منهم كابن سينا ونحوه إن ~~الرب لا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي وقال إنه يعلم نفسه ويعلم ما يصدر ~~عنه صار متناقضا فإنه سبحانه معين وما يصدر عنه معين والعقول معينة لا كلية ~~والأفلاك معينة لا كلية PageV02P299 فكيف يقال لا يعلم إلا الكليات ويقال ~~مع ذلك إنه يعلم ما يصدر عنه # ولهذا كان هذا مما احتج به عليه المسلمون المثبتون للصفات واستدركه عليه ~~أتباعه كالطوسي فأما المسلمون فقالوا كلامه صريح بإثبات كثرة المعلوم وهو ~~دائما يفر من الكثرة وأما الطوسي فلما رأى هذا لازما أنكره على ابن سينا ~~وادعى أن علمه بالمعلومات هي نفس المعلومات وزعم أنه حقق هذا وهذا من أفسد ~~ما قيل في العالم وأبعده عن العقل # ولقد كان الناس يعجبون ويسخرون من قول الفلاسفة إن العلم هو العالم ~~والعلم هو القدرة فيجعلون هذه الصفة هي الأخرى ويجعلون الصفة هي الموصوف ~~فإن فساد هذا من أبين الأمور في العقل والعلم بفساده ضروري فجاء هذا ~~المتأخر منهم ففر إلى ما هو شر من ذلك فقال بل العلم نفس المعلومات وهذا ما ~~عرفت أحدا من العالمين سبقه إليه وهم يدعون معرفة العقليات وهذا كلامهم في ~~رب العالمين لا يقوله إلا من هو من أضل الناس # وهم إنما قالوا ما قالوه فرارا من كثرة الصفات وفرارا من حلول الحوادث ~~ولهذا كان كثير من أساطينهم أو أكثرهم وكثير من متأخريهم كأبي البركات ~~يخالفونهم في هذين الأصلين ويقولون بإثبات الصفات وبقيام الحوادث به كما قد ~~حكيت مقالاتهم فإن عامة الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو كانوا يقولون بحدوث ~~الأفلاك لكن PageV02P300 كانوا في المادة هل يقال بحوادث لا أول لها ولكل ~~مادة مادة أو يقال بمادة قديمة أو حديثة وأما صورة الفلك فكانوا يقولون ~~بحدوثها كما أخبرت ms373 به الرسل وأول من عرف عنه القول بقدمها أرسطو # هذا ذكره غير واحد من أهل المقالات وبحث أرسطو في كتابه يدل على ذلك وقد ~~بسط الكلام على أرسطو نفسه وأقواله المنقولة عنه في الإلهيات وبين ما فيها ~~من قلة العلم وكثرة الجهل وأنهم من أبعد الناس معرفة برب العالمين والذي لا ~~ريب فيه أنهم لا يؤمنون بالله ولا بملائكته ولا رسله ولا اليوم الآخر ولا ~~يدينون دين الإسلام الذي بعث الله به جميع الرسل وهو عبادة الله وحده لا ~~شريك له فإن هذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد من الأولين والآخرين ~~دينا غيره # قال تعالى عن نوح @QB@ يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ~~فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله ~~وأمرت أن أكون من المسلمين @QE@ سورة يونس 1 72 # 2 وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أول رسول بعث إلى ~~أهل الأرض وأنه قال @QB@ وأمرت لأن أكون أول المسلمين @QE@ سورة الزمر 12 ~~PageV02P301 # وقال تعالى عن إبراهيم @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ~~ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ سورة البقرة 130 132 # وقال @QB@ ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين @QE@ سورة آل عمران 67 # وقال @QB@ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين @QE@ ~~سورة النحل 120 # وقال @QB@ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين @QE@ سورة الأنعام 161 PageV02P302 # وقال عن قوم موسى @QB@ يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين @QE@ سورة يونس 84 # وقال ms374 عن سحرة فرعون @QB@ قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون @QE@ ~~سورة الشعراء 47 48 إلى قوله @QB@ إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن ~~كنا أول المؤمنين @QE@ سورة الشعراء 51 وقال في الآية الأخرى @QB@ ربنا ~~أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين @QE@ سورة الأعراف 126 # وقال عن يوسف الصديق @QB@ توفني مسلما وألحقني بالصالحين @QE@ سورة يوسف ~~101 # وقال عن بلقيس @QB@ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ~~@QE@ سورة النمل 44 # وقال عن أنبياء بني إسرائيل @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم ~~بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ سورة ~~المائدة 44 # وقال عن الحواريين @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون @QE@ إلى قوله @QB@ ونكون عليها من الشاهدين ~~@QE@ سورة المائدة 111 112 # فهذه الرسل وأممهم من نوح إلى الحواريين كلهم على الإسلام PageV02P303 ~~وكذلك كل من كان قبلنا من أهل السعادة فهو مؤمن قال تعال @QB@ إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ سورة البقرة ~~62 وفي الآية الأخرى @QB@ والصابئون والنصارى @QE@ سورة المائدة 69 فإن ~~النصارى أفضل من الصابئين فلما قدموا عليهم نصب لفظ الصابئون ولكن الصابئون ~~أقدم في الزمان فقدموا ها هنا لتقدم زمنهم ورفع اللفظ ليكون ذلك عطفا على ~~المحل فإن المعطوف على المحل مرتبته التأخير ليشعر أنهم مؤخرون في المرتبة ~~وإن قدموا في الزمن واللفظ # وهو سبحانه ذكر في سورة الحج ملل العالم فقال @QB@ إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة إن الله على كل شيء شهيد @QE@ سورة الحج 17 فأخبر أنه يفصل بين أهل ~~الملل أجمعين ولم يذكرهم هنا ليتبين المحمود منهم في الآخرة وفي سورة ~~البقرة والمائدة ذكر ms375 أربعة أصناف المسلمين والذين هادوا والنصارى والصابئين ~~ثم قال @QB@ من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ سورة البقرة 62 فدل على أن هذه الأربعة منهم ~~من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وأولئك هم السعداء في الآخرة بخلاف ~~من لم يكن من هؤلاء مؤمنا بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وبخلاف من كان من ~~المجوس والمشركين فهؤلاء كلهم لم يذكر منهم سعيد في الآخرة PageV02P304 # وكذلك الإسلام العام قال تعالى @QB@ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم ~~وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ سورة ~~البقرة 111 112 # وقال @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ سورة النساء 125 # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا معاشر ~~الأنبياء ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي ~~ولهذا ترجم البخاري على ذلك باب من جاء في أن دين الأنبياء واحد ~~PageV02P305 # وقال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ سورة الشورى 13 فقد أمر الرسل أن يقيموا ~~الدين ولا يتفرقوا فيه # وقال في الآية الأخرى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ سورة المؤمنون 51 53 فذم ~~الذين تفرقوا على الأنبياء فآمن هؤلاء ببعض وهؤلاء ببعض وهم الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا # وقال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين ms376 إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ سورة الروم 30 31 # وقال تعالى @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ ~~سورة الأنعام 159 وقال تعالى @QB@ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ~~ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا @QE@ سورة ~~النساء 150 151 PageV02P306 # وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~@QE@ سورة البقرة 213 قال ابن عباس وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ~~الإسلام وقوله @QB@ كان الناس أمة واحدة @QE@ أي على الحق وهو دين الإسلام ~~فاختلفوا كما ذكر ذلك في سورة يونس هذا قول الجمهور وهو الصواب # وقد قيل كانوا أمة واحدة على الباطل وهو من الباطل فدين الله تعالى الذي ~~ارتضاه لنفسه دين واحد في الأولين والآخرين وهو عبادة الله وحده لا شريك له ~~وهذا هو دين الإسلام وتنوع الشرائع كتنوع الشريعة الواحدة للشيء الواحد فإن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وأفضل المرسلين لا نبي بعده وقد بعث ~~بدين الإسلام ما زال الإسلام دينه وقد PageV02P307 أمر أولا باستقبال صخرة ~~بيت المقدس ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة والدين واحد وإن تنوعت الشريعة ~~فكذلك قوله تعالى @QB@ فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما ~~جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ سورة المائدة 48 # فما جعله الله لكل كتاب من الشرعة والمنهاج والمنسك لا يمنع أن يكون ~~الدين واحد فالذين كانوا يتمسكون بالتوارة والإنجيل قبل النسخ والتبديل ~~كانوا على دين الإسلام وإن كان لهم شريعة تختص بهم وكذلك المتمسكون ~~بالإنجيل قبل ms377 النسخ والتبديل على دين الإسلام وإن كان المسيح قد نسخ بعض ما ~~في التوراة وأحل لهم بعض الذي حرم عليهم وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعث ~~بدين الإسلام وإن نسخ الله ما نسخه كالقبلة ومن لم يتبع محمدا لم يكن مسلما ~~بل كافرا ولا ينفعه بعد أن بلغه دعوة محمد التمسك بما يخالف ما أمر به فإن ~~ذلك لا يقبل منه # ولهذا لما أنزل الله تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~@QE@ سورة آل عمران 85 قالت اليهود والنصارى نحن مسلمون فقال تعالى @QB@ ~~ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا @QE@ سورة آل عمران 97 ~~فقالوا لا نحج فقال تعالى @QB@ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين @QE@ سورة ~~آل عمران 97 وقد روى الترمذي وغيره عن النبي PageV02P308 صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال من ملك زاد أو راحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فليمت إن شاء ~~يهوديا وإن شاء نصرانيا # وقال تعالى @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات ~~الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد @QE@ سورة آل عمران 18 20 فأخبر ~~سبحانه أن الدين عنده هو الإسلام أولا وآخرا وهو دين واحد ثم بين أن أهل ~~الكتاب إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم من بعضهم على بعض لا ~~لأجل طلب الحق # وهذا كقوله تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ سورة البينة 4 5 PageV02P309 وقال في ~~الآية الأخرى @QB@ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ms378 والنبوة ورزقناهم ~~من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء ~~بعض والله ولي المتقين @QE@ سورة الجاثية 16 19 # والإختلاف المطلق الذي ذمه الله تعالى في القرآن أن تبتدع كل طائفة قولا ~~يلتبس فيه الحق والباطل فتخالف كل طائفة الطائفة الأخرى وتعاديهم وكلهم ~~مخالفون لما بعث الله به الرسل من دين الإسلام كاختلاف اليهود والنصارى في ~~المسيح وغيره واختلاف أهل الأهواء من هذه الأمة # فإن الإسلام وسط في الملل بين الأطراف المتجاذبة والسنة في الإسلام ~~كالإسلام في الملل فالمسلمون في صفات الله تعالى وسط بين اليهود الذين ~~شبهوا الخالق بالمخلوق فوصفوا الخالق بالصفات التي تختص بالمخلوق وهي صفات ~~النقص فقالوا إن الله فقير وإن الله بخيل وإن الله تعب لما خلق العالم ~~فاستراح وبين النصارى الذين شبهوا المخلوق بالخالق فوصفوه بالصفات المختصة ~~بالخالق فقالوا هو الله # والمسلمون وصفوا الخالق بصفات الكمال ونزهوه عن صفات النقص ونزهوه أن ~~يكون شيء كفوا له في شيء من صفات الكمال فهو منزه عن صفات النقص مطلقا ~~ومنزه في صفات الكمال أن يماثله فيها شيء من المخلوقات PageV02P310 # وكذلك هم في الأنبياء وسط فإن اليهود كما قال فيهم @QB@ أفكلما جاءكم ~~رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون @QE@ سورة ~~البقرة 87 وكذلك كانوا يقتلون الانبياء ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من ~~الناس # والنصارى غلوا فأشركوا بهم ومن هو دونهم قال الله فيهم @QB@ اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ سورة التوبة 31 # والمسلمون آمنوا بهم كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم فإن الإيمان بجميع ~~النبيين فرض واجب ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم ms379 ومن سب نبيا من ~~الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء وفي استتابته نزاع قال تعالى ~~@QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون @QE@ سورة البقرة 136 # وقال تعالى @QB@ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين @QE@ سورة البقرة 177 # وقال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت @QE@ PageV02P311 سورة البقرة 285 286 والآية الأخرى وفي الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قرأ الآيتين في آخر سورة البقرة في ~~ليلة كفتاه وقد ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي ~~الإخلاص قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وتارة يقرأ في الأولى بآية ~~الإيمان التي في البقرة @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا @QE@ الآية ~~وفي الثانية بآية الإسلام في آل عمران @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون @QE@ سورة آل عمران 64 # وكذلك المسلمون وسط في النسخ فإن اليهود قالوا ليس لرب العالمين أن يامر ~~ثانيا بخلاف ما أمر به أولا والنصارى جوزوا لرؤوسهم أن PageV02P312 يغيروا ~~شريعة المسيح فيحللوا ما شاءوا ويحرموا ما شاؤا والمسلمون قالوا رب ~~العالمين يأمر بما يشاء له الخلق والأمر وليس لأحد من الخلق أن يغير دينه ~~ولا يبدل شرعه ولكن هو يحدث من أمره ما يشاء فينسخ ما يشاء # ويثبت ما يشاء وكذلك في الشرائع كالحلال والحرام فإن اليهود حرمت عليهم ~~طيبات أحلت لهم عقوبة لهم وعليهم تشديد في النجاسات يجتنبون أشياء كثيرة ~~طاهرة مع اجتناب النجاسة والنصارى لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله بل ~~يستحلون الخبائث ويباشرون ms380 النجاسات وكلما كان الراهب أكثر ملابسة للنجاسات ~~والخبائث كان أفضل عندهم والمسلمون أباح الله لهم الطيبات وحرم عليهم ~~الخبائث وهم وسط في سائر الأمور وليس هذا موضع بسط ذلك # وكذلك أهل السنة في الإسلام فهم في الصحابة وسط بين الرافضة التي يغلون ~~في على فيجعلونه معصوما أو نبيا أو إلها وبين الخوارج الذين يكفرونه # وهم وسط في الوعيد بين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة الذين ~~لا يجزمون بتعذيب أحد من فساق الأمة # وهم في القدر وسط بين النفاة للقدر من المعتزلة وغيرهم وبين الجهمية ~~المثبتة الذين ينكرون حكمة الله في خلقه وأمره # وهم في الصفات وسط بين المعطلة الذين ينفون صفات الله أو بعضها ويشبهونه ~~بالجماد والمعدوم وبين الممثلة الذين يمثلون صفاته PageV02P313 بصفات خلقه ~~فيصفون الله بصفات خلقه فيصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من ~~غير تعطيل ولا تمثيل ومن غير تكييف ولا تحريف # فمن حيث بعث محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن الإسلام إلا ما أمر به لأن ~~الإسلام أن يستسلم العبد لله رب العالمين لا لغيره فمن استسلم له ولغيره ~~فجعل له ندا فهو مشرك قال الله تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ سورة البقرة 165 # ومن استكبر عن عبادة الله فلم يستسلم له فهو معطل لعبادته وهو شر من ~~المشركين كفرعون وغيره قال الله تعالى @QB@ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين @QE@ سورة غافر 60 # والإسلام إنما يكون بأن تعبد الله وحده لا شريك له وإنما يعبد بما أمر به ~~فكل ما أمر به فهو حين أمر به من دين الإسلام وحين نهى عنه لم يبق من دين ~~الإسلام كما كانت الصخرة أولا من دين الإسلام ثم لما نهى عنها لم تبق من ~~دين الإسلام فلهذا صار المتمسك بالسبت وغيره من الشرائع المنسوخة ليس من ~~دين الإسلام فكيف بالمبدل # والله تعالى قط لم يرض له دينا غير الإسلام ولا ms381 أحد من رسله لا سيما خاتم ~~الأنبياء فإنه لم يرض من أحد إلا بدين الإسلام لا من PageV02P314 المشركين ~~ولا من الذين أوتوا الكتاب وقوله تعالى @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ~~ما تعبدون @QE@ إلى آخرها ( سورة الكافرون ) وهي كلمة تقتضي براءته من ~~دينهم وأن ديني لي وأنتم بريئون منه ودينكم لكم وأنا بريء منه # كما قال تعالى في الآية الأخرى @QB@ وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم ~~أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون @QE@ سورة يونس 41 فقوله لي ~~عملي ولكم عملكم هو نظير قوله لكم دينكم ولي دين وقرنه بمقتضاه وموجبه فقال ~~@QB@ أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون @QE@ # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة هي براءة من الشرك ~~ولهذا كان يقرأها كثيرا مع قل هو الله أحد في ركعتي الفجر وركعتي الطواف ~~وغيرهما لأن فيهما التوحيد هذه فيها توحيد العمل والإرادة وتلك فيها توحيد ~~القول والعلم وإذا قال في 2 تلك قل هو الله أحد فأمره أن PageV02P315 يقول ~~ما هو خبر عن الله بأنه الأحد الصمد وقال في هذه @QB@ قل يا أيها الكافرون ~~لا أعبد ما تعبدون @QE@ فأمره أن يقول أنه لا يعبد ما يعبدون من دون الله ~~إذ لا يعبد إلا الله وحده # ومثل هذا المعنى قوله تعالى @QB@ فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع ~~أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم @QE@ سورة الشورى 15 أي لا ~~خصومة والحجة هي ما يحتج به الخصم وإن كان باطلا فليس من شرط لفظ الحجة أن ~~تكون حقا بل إذا كانت حقا سميت بينة وبرهانا ودليلا ولهذا قال تعالى @QB@ ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ سورة النساء 165 @QB@ لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم @QE@ سورة البقرة 150 وهم ~~المشركون يحتجون عليكم بحجة باطلة فيقولون قد رجع إلى قبلتنا فيوشك أن يرجع ~~إلى ديننا وبهذا ms382 فسر الآية علماء الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن قال من ~~المتأخرين إن إلا بمعنى الواو وقالوا إن المراد لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~والذين ظلموا منهم قولهم من الباطل الذي يظهر فساده من وجوه كثيرة ~~PageV02P316 # وقال تعالى @QB@ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة ~~عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد @QE@ سورة الشورى 16 وقال في الحق @QB@ ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء @QE@ سورة الأنعام ~~83 # وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته إنكم تختصمون إلي ~~ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع فمن قضيت له ~~من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعا من النار # وقد قال طائفة من المفسرين أن هذه السورة منسوخة أي فيما ظنوها دلت عليه ~~من ترك القتال فإنهم ظنوا أن قوله لكم دينكم ولي دين يتضمن ترك القتال ~~ومعلوم أن الله لم يأمر نبيه بمكة بالقتال بل إنما أمره بالقتال بالمدينة ~~وأول آية نزلت في القتال قوله @QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله ~~على نصرهم لقدير @QE@ سورة الحج 39 فأذن الله لهم أولا فيه ثم كتب عليهم ~~ثانيا فقال @QB@ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم @QE@ سورة البقرة 216 PageV02P317 # وكتب عليهم قتال من لم يسالمهم فأما من سالمهم فلم يؤمروا بقتاله كما قال ~~تعالى @QB@ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله @QE@ سورة الأنفال 61 ~~وقال @QB@ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤوكم حصرت ~~صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ~~فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم ~~سبيلا @QE@ سورة النساء 90 # ولهذا كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كثير من المشركين عهود ~~مطلقة ومؤقتة فالمؤقتة كانت لازمة والمطلقة لم تكن لازمة بل لكل منهما ms383 ~~فسخها فلما فتح الله مكة وغزا النبي صلى الله عليه وسلم تبوك سنة تسع من ~~الهجرة وهي آخر غزواته أمر فيها بغزو أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون بقوله تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ سورة التوبة 29 # ولما رجع من غزوة تبوك أنزل الله سورة براءة وذكر أحوال المنافقين بقوله ~~ومنهم ومنهم ولهذا تسمى الكاشفة والمبعثرة والفاضحة وأمر بنبذ العهود ~~المطلقة وتحريم الحرم على الكفار PageV02P318 فأرسل النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبا بكر أميرا على الموسم وأمره أن ينهى عن طواف العراة بالبيت وأن ~~ينهى المشركين عن الحج ولهذا كان ينادي في الموسم ولا يحجن بعد العام مشرك ~~ولا يطوفن بالبيت عريان وأتبعه بعلي بن أبي طالب لأجل نبذ العهود إلى ~~المشركين الذين كانت لهم عهود مطلقة وكان أبو بكر هو الأمير على الموسم ~~وعلي معه يصلي خلفه ويأتمر بأمره لكن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كان من عادة العرب أن العهود لا يعقدها ولا يحلها إلا المطاع أو رجل من أهل ~~بيته فخاف إن لم يبعث واحدا من أهل بيته أن لا يقبلوا نبذ العهود ولم يرجع ~~أبو بكر إلى المدينة ولا عزله عن شيء كان ولاه وما روى من ذلك فهو من الكذب ~~المعلوم أنه كذب # وكان تأميره على علي بعد قوله لعلي في غزوة تبوك أما ترضى أن تكون مني ~~بمنزلة هارون من موسى كما قد بسط في موضعه فقال PageV02P319 الله تعالى في ~~براءة @QB@ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين @QE@ سورة ~~التوبة 1 إلى قوله @QB@ إلا الذين عاهدتم من المشركين @QE@ سورة التوبة 4 ~~إلى قوله @QB@ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين @QE@ سورة ~~التوبة 4 # وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه لا يجوز أن يعاهد الكفار إلا إلى أجل مسمى ~~ثم اضطربوا ms384 فقال بعضهم يجوز نقضه ولا يكون لازما وقال بعضهم بل يكون لازما ~~لا ينقضي واضطربوا في نبذ النبي صلى الله عليه وسلم العهد والصحيح أنه يجوز ~~العهد مطلقا ومؤجلا فإن كان مؤجلا كان لازما لا يجوز نقضه لقوله @QB@ ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم @QE@ سورة التوبة 4 وإن كان مطلقا لم يكن ~~لازما فإن العقود اللازمة لا تكون مؤبدة كالشركة والوكالة وغير ذلك وقد بسط ~~هذا في غير هذا الموضع وسمي من قال كل قول # والمقصود أن الله لما أنزل براءة وقال فيها @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين @QE@ سورة التوبة 5 وهي الأربعة التي قال الله فيها @QB@ ~~فسيحوا في الأرض أربعة أشهر @QE@ سورة التوبة 2 ليست الحرم التي هي ذو ~~القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وقد قال بعضهم هي هذه وغلط في ذلك قال @QB@ ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ PageV02P320 التوبة 5 ~~وهذه تسمى آية السيف فأمر الله فيها بقتال المشركين وأهل الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون # ولهذا قال في آية الفتح @QB@ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون @QE@ سورة الفتح 16 وهم الروم وفارس كانوا أشد بأسا من العرب ولا بد ~~من مقاتلتهم أو إسلامهم وإذا قوتلوا فإنهم يقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون بخلاف ما كان قبل آية الجزية فإنهم كانوا تارة يقاتلون وتارة ~~يعاهدون بلا جزية كما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والمشركين بلا ~~جزية وكانوا قد دعوا عام الحديبية إلى قتال من يقاتل أو يعاهد وبعد ذلك ~~يدعون إلى قتال من يقاتلون أو يسلمون ولم يقل أو يسلموا فإنه كان يكون ~~المعنى حتى يسلموا وقتالهم لا يجب إلى هذه الغاية بل إذا أعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون فقد قوتلوا القتال المأمور به # ثم العلماء مختلفون بعد نزول آية الجزية هل تؤخذ من أهل PageV02P321 ~~الكتاب ومن له شبهة كتاب دون غيره أو تؤخذ من كل ms385 كافر جازت معاهدته والنبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما لم يأخذها من العرب لأن قتالهم كان قبل نزول آية ~~الجزية أو يستثنى مشركو العرب فيها ثلاثة أقوال للعلماء مشهورة والجمهور ~~يجوزون أخذها من مشركي الهند والترك وغيرهم من أصناف العجم كما يجوز الجميع ~~معاهدة هؤلاء عند الحاجة أو المصلحة وهل يجوز أن يعاهدوا عهدا مطلقا أو لا ~~يكون إلا مؤقتا على قولين # فلهذا يوجد كثير من المفسرين يقول في آيات يظن معناها النهي عن القتال ~~إنها منسوخة بآية السيف فالذين قالوا @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ منسوخة ~~هذا مأخذهم والصواب أن هذه الآية لم تتعرض للقتال لا بأمر ولا بنهي بل ~~مضمونها البراءة من دين الكفار وهذا أمر محكم لا ينسخ أبدا وأما أن يقال ~~فيها أو في غيرها رضي الرسول بدين كافر فهذا لم يقله أحد من علماء المسلمين ~~أصلا ولا أحد من سلف الأمة ولا من الأولين ولا من الآخرين ولا يقول ذلك إلا ~~من هو مفتقر PageV02P322 على الله ورسوله لم يرض الله بغير دين الإسلام وهو ~~الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم لم يرض الله ولا رسوله من أحد ~~من الخلق بغير هذا الدين قط وإن كان لم يأمر بجهادهم في أول الأمر لعجز ~~المسلمين وقلتهم # ولهذا لما استأذن الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة لما ~~بايعوه في الجهاد قال إني لم أومر بذلك بعد ثم لما كتب القتال كرهه بعضهم ~~فقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله ~~أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل ~~متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا @QE@ سورة النساء ~~77 وهذه الآية لبسطها موضع آخر # والمقصود هنا ذكر ما يتعلق بالفلاسفة والفلسفة لفظ يوناني ومعناها محبة ~~الحكمة والفيلسوف في لغتهم محب الحكمة ولهذا يقولون سوفستيا أي حكمة مموهة ~~ثم ms386 كثرت في الألسنة فقيل سفسطة أي حكمة مموهة وأما ما يقوله طائفة ممن يحكي ~~مقالات الناس إن في العام رجلا كان اسمه سوفسطا وأنه كان هو شيعته ينكرون ~~الحقائق كلها وجعلوا هذه أربع فرق فرقة تجزم بنفي الحقائق وطائفة تجزم بنفي ~~العلم بها وتقول ليس عند أحد منهم علم بشيء وطائفة واقفة يقولون لا ندري ~~تسمى المتجاهلة وتسمى اللاأدرية وطائفة تجعل الحقائق تتبع العقائد فكل من ~~اعتقد شيئا فهو في نفس الأمر على ما اعتقد فهذا النقل على ظاهره باطل ليس ~~في العالم طائفة معروفة تقول بشيء من هذه الأقوال في كل شيء ولا رجل اسمه ~~سوفسطا PageV02P323 # ولكن كل من هذه الأقوال قد يعرض لكثير من الناس في بعض الأمور فيكون قد ~~سفسط في ذلك الأمر كالكفار الذين جحدوا ما علموا أنه الحق # قال تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين @QE@ سورة النمل 14 وقال @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون @QE@ سورة ~~البقرة 146 وقال تعالى @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون @QE@ سورة الأنعام 33 # فإن في العالم من يكذب فيخبر بخلاف ما يعلم في كثير من الأمور ليس في ~~العالم من يكذب في كل ما يقول وكذلك في العالم من كذب بكثير من الحق الذي ~~يعلمه لكن لا يكذب بكل ما يقال له من الحسيات وغيرها فمن نفى الحقائق مع ~~علمه بها ونفى العلم مع ثبوته فهو من الكاذبين ومن تجاهل وقال لا أدري فهو ~~من الكاتمين ما معه من الحق مثل كاتم الشهادة ومن جعل الحقائق تتبع العقائد ~~كما يظن طائفة من النظار أن ليس في الحوادث التي ليس فيها نص قاطع عندهم ~~حكم معين يطلب بالإجتهاد بل الحكم فيها يتبع الإعتقاد ولهذا قيل في هذا ~~المذهب أوله سفسطة ولكن هو سفسطة حدثت على طائفة من النظار الأذكياء فإن ~~هذا قول أبي الهذيل وأبي PageV02P324 علي وأبي هاشم والأشعري في أظهر قوليه ~~وقول القاضي ms387 أبي بكر وأبي حامد الغزالي وغيرهم # وهو وإن كان قولا ضعيفا مخالفا للكتاب والسنة وإجماع السلف باطل شرعا ~~وعقلا فالقائلون به قوم فضلاء قصدهم الحق لم يكن غرضهم أن يقولوا ما يعلمون ~~أنه باطل وقد بسط الكلام على هذه المسألة في مواضع # والمقصود أن الفلاسفة هم حكماء اليونان وكل أمة من أهل الكتب المنزله ~~وغيرهم فلهم حكماء بحسب دينهم كما للهند المشركين حكماء وكان للفرس المجوس ~~حكماء وحكماء المسلمين هم أهل العلم بما بعث الله به رسوله وأهل العمل به ~~قال مالك الحكمة معرفة الدين والعمل وقال ابن قتيبة وغيره الحكمة في اللغة ~~هي العلم والعمل فمن علم ما أخبرت به الرسل فآمن به وصدق بعلم ومعرفة وعلم ~~ما أمر به فسمع وأطاع فقد أوتي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # فلما كان هذا أصل لفظ الفلسفة صار هذا مطلقا على كل من سلك سبيل أولئك ~~اليونان واتبعهم في حكمتهم والذين اتبعوهم من المتأخرين فصرحوا فيها بأشياء ~~وقربوها إلى الملل وإلا فإذا ذكرت على وجهها ظهر فيها من الباطل ما ينفر ~~عنها كل عاقل عرف دين الرسل فإن الرسل فد جاءوا من العلم والبيان في الأمور ~~الإلهية ما يكون في حكمة اليونان معه من جنس نسبة طب العجائز إلى طب أبقراط ~~أو من جنس نسبة ملحة الإعراب إلى كتاب سيبويه PageV02P325 # وإذا كان كذلك فلاسفة اليونان وفلاسفة العرب والفرس والهند وسائر الأمم ~~الذين لا كتاب لهم ليسوا في الأمور الإلهية بمنزلة علماء أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى بل هؤلاء أعلم منهم بالأمور الإلهية ثم هؤلاء كلهم إذا ~~جاءهم رسول وكذبوه فهم كفار وإن كانوا على شريعة رسول يعملون بها بلا تبديل ~~فهم مؤمنون مسلمون من أهل الجنة وإن لم يكونوا على شريعة ولا جاءهم رسول ~~فهم من أهل الجاهلية كأمثالهم من أهل الفترات وقد بسط الكلام عليهم في غير ~~هذا الموضع # والفلاسفة الذين بلغتهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بعضهم من ~~المتظاهرين بالإسلام وبعضهم من اليهود وبعضهم من ms388 النصارى وكل من خالف ما ~~جاءت به الرسل فهو ضال من أي الطوائف كان فإن الله بعثهم بالحق والمعقول ~~الصريح دائما يوافق ما جاءت به الرسل لم يخالف العقل الصريح شيئا مما جاءت ~~به الرسل وقد بسط هذا في الكتاب المصنف في درء تعارض العقل والنقل # والفلاسفة المتظاهرون بالإسلام يقولون إنهم متبعون للرسول لكن إذا كشف ~~حقيقة ما يقولونه في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر تبين لمن يعرف ~~ما جاء به الرسول وما يقولونه في نفس الأمر أن قولهم ليس هو قول المؤمنين ~~بالله ورسوله والمسلمين بل فيه من أقوال الكفار والمنافقين شيء كثير # وفرق أهل الكلام مع بدعهم وضلالهم أقرب إلى الرسول وإلى دين الإسلام ~~خارجيهم وشيعيهم ومعتزليهم وكراميهم لكن غالب PageV02P326 هؤلاء ناظروهم ~~مناظرة فاسدة سمعا وعقلا فلا هم عرفوا دين الإسلام في كثير من المسائل التي ~~نازعوهم فيها بل صاروا يضيفون إلى دين الإسلام ما ليس منه ولا قالوا في ~~الإستدلال والجواب عن معارضيهم ما هو حق بل ردوا باطلا بباطل وقابلوا بدعة ~~ببدعة # لكن باطل الفلاسفة أكثر وهم أعظم مخالفة للحق المعلوم بالأدلة الشرعية ~~والعقلية في الأمور الإلهية والدينية من أولئك المبتدعين من أهل الكلام ~~ولكن ضعف معرفة هؤلاء المتكلمين بالحق وأدلته سلطت أولئك كالجند الفساق إذا ~~قاتلوا عسكر الكفار قتالا لم يكونوا فيه بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وكان ~~ذلك مما يسلط الكفار عليهم وإن غلبوهم بالفجور والظلم أديلوا عليهم فإن ~~البغي مصرعه وخيم والعدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال وإنما أرسل ~~الله الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط # قال الله تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~@QE@ سورة الحديد 25 وقال تعالى @QB@ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ~~@QE@ سورة الشورى 17 وقال تعالى @QB@ والسماء رفعها ووضع الميزان @QE@ سورة ~~الرحمن 7 PageV02P327 # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ms389 اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ سورة المائدة ~~8 فأمر الله المؤمنين بالعدل على الكفار وإن كانوا يبغضونهم بغضة أمر الله ~~بها ورسوله قال تعالى @QB@ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط @QE@ سورة المائدة ~~42 وقال @QB@ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ سورة البقرة 190 # وقد تكلم أهل البدع معهم في مسألة حدوث العالم والمعاد والصفات والنبوات ~~بما أضافوا إلى دين المسلمين من الأقوال التي ليست في كتاب الله ولا في ~~حديث عن رسول الله ولا قالها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أحد ~~من أئمة المسلمين وإنما هي مأخوذة عن أهل الكلام المبتدع المحدث المذموم ~~عند السلف والأئمة الذي أصله مأخوذ عن الجهمية والمعتزلة فصارت الأصول التي ~~يذكرها أهل البدع وأتباعهم التي هي يضاف بعهضا إلى الله ورسوله ودين ~~الإسلام ويناظر عليها عند من لم يعرف إلا اقوال أهل البدع والمتكلمين ~~والفلاسفة الملحدين بل ومنها ما يظن بل يحكى أنها إجماع المسلمين وأن من ~~خالفها فقد خرج عن دين الإسلام وتكون تلك الأصول من البدع المحدثة في ~~الإسلام المخالفة لقول الله ورسوله والصحابة والتابعين بإحسان # وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في خلق الله للسموات والأرض في ستة ~~أيام وما جاء به القرآن والحديث الصحيح وما قاله الصحابة والتابعون وما ~~أخبر به أيضا في المعاد من انشقاق السماء PageV02P328 وانفطارها وتسيير ~~الجبال وسجر البحار وتكوير الشمس والقمر وغير ذلك مما فيه استحالة أجزاء ~~هذا العام من حال إلى حال ليس في شيء من ذلك أن العالم كله بعدم ولا يبقى ~~شيء موجود إلا الله كما يقوله من يقوله من أهل الكلام الذين تلقوا ذلك عن ~~الجهمية # فإن الجهم أصل قوله أن الله لا يقدر على فعل ما لا يتناهى بل جعل لفعله ~~مبدأ ومنتهى وجعله معطلا في الأزل والأبد ولهذا قال إن الجنة والنار يفنيان ~~ويفنى كل شيء وهذا من بدعه التي أنكرها عليه السلف والأئمة وادعى هو وغيره ~~من المعتزلة وغيرهم أن العالم يعدم كله ثم يعاد كله بعد عدمه ms390 كله وهذا ~~مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف كما قد بسط في موضعه # وكذلك خلق السموات والأرض قد أخبر أنه كان قبل ذلك عرشه على الماء وقد ~~بسطنا القول في هذه المواضع وبينا ما جاء به السمع وهو مطابق للعقل من أن ~~الله خالق كل شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم وذلك غير تعطله سبحانه عن ~~القول والعمل بمشيئته فإن هذا ليس هو قول السلف وأئمة السنة بل الثابت عنهم ~~خلاف ذلك كما قد بسط في موضعه # ولهذا تكلم الجهمية والقدرية ومن تبعهم في مسألة قدرة الرب بكلام ناقص ~~جدا ومن نظر في بحوث الرازي وأمثاله معهم في مسألة القادر رأى عجائب ورأى ~~أن الواحد من هؤلاء كأنه يبطن خلاف ما يظهر يظهر الانتصار لقوله وكلامه يدل ~~على نقيضه فإن كان مع ظهور رجحان أحد القولين لا يشعر برجحانه فهذا جهل ~~عظيم PageV02P329 % فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة % وإن كنت تدري فالمصيبة ~~أعظم % $ # وأولئك أثبتوا موجبا بالذات مستلزما لمعلوله مجردا عن الصفات وهذا فاسد ~~من وجوه كثيرة قد بينا بعضها وهؤلاء أثبتوا قادرا يرجح أحد المتماثلين بلا ~~مرجح أصلا وقالوا القادر من يفعل مع جواز أن لا يفعل وهذا إنما هو قول ~~القدرية الذين يقولون إن العبد يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وهو قول الجهمية ~~والقدرية في فعل الرب فأما أهل السنة فعندهم القادر لا يرجح أحد مقدوريه ~~إلا بمرجح وهذا من حججهم على القدرية # يقول أهل السنة إن الله خص المطيعين بما به رجحوا الطاعة على المعصية دون ~~العصاة ولولا تفضله عليهم بما به رجحوا لم يطيعوه كما قد بسط هذا في موضعه ~~والقادر إذا كان له إرادة تامة لزم وجود مقدوره فهو يوجب بقدرته ومشيئته ما ~~يريده وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما شاءه الرب فواجب كونه وما ~~لم يشأ فيمتنع كونه لكن وجوب لوجود مشيئته وامتناع لعدم مشيئته وإذا فسر ~~القادر المختار بمثل هذا بطلت شبه الفلاسفة النافية للقادر المختار وكذلك ~~الجهم ms391 بن صفوان ومن اتبعه يزعمون أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين ~~على الآخر بلا سبب ولا حكمة فأنكروا ما في الأجسام من الطبائع وما في خلق ~~الله وأمره من الحكمة وما في المخلوقات والشرائع من الأسباب PageV02P330 # والأشعري ومن وافقه اتبعوا جهما على قوله في القدر وإن كانوا يثبتون قدرة ~~وكسبا لكن ما أثبتوه لا حقيقة له في المعنى بل قولهم هو قول جهم وإن نازعوه ~~في إثبات القدرة والكسب ولهذا كان قولهم في نفي ما في الشريعة من الحكم ~~والأسباب خلاف إجماع السلف والفقهاء فإن من أصولهم أن الله لا يخلق لحكمة ~~ولا يأمر لحكمة بل ليس عندهم في القرآن لام تعليل في خلقه وأمره وإذا ~~تكلموا معهم في الأمور الطبيعية أحالوا جميع ذلك على مجرد ترجيح القادر بلا ~~سبب وأن ما وجد من الاقتران فهو عادة محضة لا لارتباط بين هذا وهذا ثم قد ~~يضيفون هذا القول إلى السنة # وهذا القول لم يقله قط أحد من سلف الأئمة ولا أئمة المسلمين لا الأربعة ~~ولا غيرهم بل المنصوص عنهم وعن غيرهم خلاف هذا القول وإن كان قد قاله طوائف ~~من أصحابهم المتأخرين متابعة لمن قال ذلك من أهل الكلام المتبعين لجهم # ولهذا لما تكلموا في العقل لم يجعلوه غريزة إذ كان عندهم ليس في الوجود ~~غريزة ولا طبيعة ولا قوة يكون لها أثر أو تكون سببا في غيرها لا قدرة ابن ~~آدم ولا غيرها فاحتاجوا إلى أن جعلوه نوعا من العلوم الضرورية وأتموا الأمر ~~فيه # والمنصوص عن أئمة الدين أن العقل غريزة كما ذكر ذلك أحمد بن حنبل والحارث ~~المحاسبي وغيرهما PageV02P331 # وليس هذا موضع بسط هذه المسائل وإنما المقصود التنبيه على أن الإنسان ~~ينبغي له أن يعرف دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله وما كان عليه الصحابة ~~والتابعون وسلف الأمة وأن ذلك الأمر لا يمكن أن يخالفه معقول صحيح قط بل كل ~~ما خالفه فهو باطل وأن المتكلمين الذين تلقوا أصل كلامهم عن الجهمية ~~والقدرية ونحوهم في كلامهم باطل ms392 كثير أدخلوه في دين الإسلام وليس من دين ~~الإسلام ولم يكن أحد منهم ممن يجزم بسعادته في الأولين والآخرين إلا من ~~المؤمنين المسلمين كما دل القرآن على ذلك في غير موضع $ فصل # وليس في كتب المشائين دعوة إلى عبادة الله ومحبته أصلا بل غايتهم أنهم ~~يقولون الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة ولفظ إله في كلامهم يعني هذا ~~المعنى # كما قال أبو البركات في المعتبر الفصل الثاني في العلم الإلهي والإلهيات # يظهر من المتداول في كلام القدماء أن المراد بلفظ إله PageV02P332 هي ~~معنى إضافي بالقياس إلى من هو إله له وهو الذي يقتديه نفس الشيء الذي هو له ~~إله في فعلها وتحرك الجسد الذي هي فيه على شاكلة إرادته بحسب مشيئته ~~وتحريكه فكان المتعلم يسمى معلمه الذي يقتدي به إلها وربا ويظهر منه أيضا ~~أن الإله هو الفاعل الذي لا يرى وله على البشر سلطان وقدرة وليس لهم عليه # قال فالنفوس على مذاهبهم فعالة لا ترى ولها سلطان على البشر لكن لهم ~~عليها أيضا سلطان فإن النفوس البشرية يؤذي بعضها بعضها ويتسلط بعضها على ~~بعض وكانوا يشيرون بذلك إلى الملائكة الروحانية وقد سبق لذلك ذكر في كتاب ~~النفس ونستوفي ها هنا النظر فيه فعلم الإلهيات هو الذي تعرف فيه صفات الإله ~~مطلقا ثم صفات إله الآلهة ورب الأرباب هذا لفظه PageV02P333 # قلت قوله هو الذي يقتديه نفس الشيء الذي هو إله في فعلها أي يقتديه نفس ~~المتأله في فعلها # وقوله وتحرك الجسد الذي هي فيه على شاكلة إرادته بحسب مشيئته وتحريكه ~~فكان المتعلم يسمى معلمه الذي يقتدي به إلها وربا يبين أنه يفعل للتشبه به ~~فتجد له النفس جسدها على ما يشاكل إرادة المألوه ويشابهها بحسب مشيئة ~~المألوه وتحريكه فقد بين أن المتأله يفعل كما يفعل مألوهه ويأمره مألوهه ~~فيريد ويحرك جسده بحسب مشيئة المألوه وتحريكه ثم مثل ذلك بالمتعلم مع ~~المعلم الذي يقتدي به ويأتمر بأمره للتشبه به وأنه عندهم إلهه وربه وذلك ~~بمنزلة التلميذ مع أستاذه وغايته أن يكن ms393 بمنزلة الأمة مع نبيها تقتدي به ~~وتطيع أمره # وهذا الذي حكاه عنهم مطابق لما حكاه سائر الناس عنهم أن الفلسفة عندهم هي ~~التشبه بالإله على قدر الطاقة وذكر لله معنى آخر وهو الفاعل الذي لا يرى ~~وله سلطان وجعل الملائكة هي الآلهة بهذا التفسير وبين أن العلم الإلهي ~~يتكلمون فيه على جنس الآلهة ثم على صفات الإله الأكبر الذي هو إله الآلهة ~~فالإلهية عند القوم أمر مشترك بين الله وبين الملائكة وبين المعلمين ومن ~~نقتدي به لكن PageV02P334 إلهية الله أفضل وأكمل كما أن الوجود مشترك بين ~~الموجودات لكن الوجود الواجب أكمل # وهذا الشرك شر من شرك مشركي العرب فإن أولئك وإن أشركوا بالوسائط وقالوا ~~هم شفعاؤنا عند الله وقالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فلم يكن ~~التأله عندهم بمعنى التشبه والإقتداء بل بمعنى العبادة والذل والمحبة ~~وهؤلاء مع عظيم شركهم بالله بمخلوقاته جعلوا التأله لنا هو التشبه بالإله ~~لا أنه يحب ويعبد ويدعى ويسأل ولهذا لم تكن الآلهة مختصة بالله عندهم لأن ~~التشبه مبناه على أن الأدنى يتشبه بالذي فوقه والذي فوقه يتشبه بمن فوقه ~~حتى ينتهي إلى الغاية ولهذا سموه إله الآلهة # ولهذا يقولون إن كل فلك يتحرك للتشبه بعقله ففلك القمر يتحرك للتشبه ~~بالعقل العاشر والفلك التاسع يتحرك للتشبه بالعقل الثامن # وبهذا الطريق أثبت أرسطو وأتباعه وجوده وقالوا إن الفلك يتحرك للتشبه به ~~وشبهوه بتحريك المعشوق لعاشقه لكن العاشق يحب ذات المعشوق والفلك عندهم ~~إنما يحب التشبه بالله وهو كتحريك الإمام للمصلين والمتبوع للتابعين فلم ~~يثبتوا بهذا أن الله رب العالمين خلقه وأنشأه ولا أنه إله العالم الذي يحبه ~~العبد ويرجوه ويخشاه PageV02P335 # لكن اسم الإله لما كان موجودا في القرآن وذكره المعربون لكتب أولئك ~~وبينوا معناه في لغة أولئك صار بسبب الإشتراك في اللغتين في إطلاقه تلبيس ~~على من لم يعرف مراد القرآن العزيز باسم الإله ومراد القوم باسم الإله وبين ~~المرادين بون عظيم # ثم لما كان مقصود القوم التشبه به فهم في الحقيقة لا يعبدونه ولا ms394 ~~يستعينونه فهم خارجون عن دين المرسلين القائلين إياك نعبد وإياك نستعين فإن ~~التشبه بغيره مقصوده أن يكون مثله بحسب قدرته فلو قدر أن يكون مثله من كل ~~وجه لفعل ذلك لكن يفعل ما يقدر عليه وليس مراده محبة نفس ذلك المتشبه به ~~ولا الذل له بل مماثلته كما يقوم التلميذ مقام أستاذه والإبن مقام أبيه # وهذا لا يستلزم حب المتشبه ولابغضه بل كثيرا ما يكون مع البغض الحسد ~~والمنافسة كما قد يكون مع عدم ذلك والغالب انه مع وجود الإثنين لا بد من ~~المنافسة والمنادة وهذا هو الند والكمال عند القوم أن يجعل أحدهم نفسه لله ~~ند # ثم من العجب أن القوم يدعون التوحيد ويبالغون في نفي التشبيه حتى نفوا ~~الصفات وشنعوا على أهل الكتاب لما جاء من الصفات في التوراة وغيرها وأنكروا ~~قوله في التوراة إنا سنخلق بشرا على صورتنا يشبهنا وهو يدعون أن أحدهم يجعل ~~نفسه شبيها لله فإن كان هذا اللفظ يحتمل معنى صحيحا عندهم لإمكان المشابهة ~~من وجه دون وجه فالله أقدر على أن يفعل ذلك من الواحد منهم وإن كان هذا ~~ممتنعا PageV02P336 مطلقا فما بالهم زعموا أنهم يتشبهون بالله تعالى مع أن ~~التشبيه الذي أثبتوه شرك صريح في الإلهية التي هي مختصة بالله # ودعوى القدرة على جعل الند لله بقدرة الواحد منا واختياره ومن أثبت ~~الإلهية لغير الله من الملائكة والأنبياء كان مشركا أعظم فكيف من أثبتها ~~لآحاد الناس وأمر الخلق أن يصيروا آلهة متشبهين بالله # وقد قال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ سورة آل عمران 79 80 # ولهذا ضل من سلك سبيل هؤلاء فصار مقوصدهم هو التشبه بالله واحتجوا بما ~~يروون تخلقوا بأخلاق الله # وصنف أبو حامد شرح أسماء الله الحسنى وضمنه التشبه بالله في كل اسم ms395 من ~~أسمائه وسماه التخلق حتى في اسمه الجبار والمتكبر والإله ونحو ذلك من ~~الأسماء التي ثبت بالنص والإجماع أنها مختصة بالله وأنه ليس للعباد فيها ~~نصيب كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث PageV02P337 الصحيح الذي ~~رواه مسلم وغيره يقول الله تعالى العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني ~~واحدا منهما عذبته # وسلك هذا المسلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما من ملاحدة الصوفية وصار ذلك ~~مع ما ضموا إليه من البدع والإلحاد موقعا لهم في الحلول والإتحاد # وقد أنكر المازري وغيره على أبي حامد ما ذكره في التخلق وبالغوا في النفي ~~حتى قالوا ليس لله اسم يتخلق به العبد # ولهذا عدل أبو الحكم بن برجان عن هذا اللفظ إلى لفظ التعبد ولبسط الكلام ~~على ذلك موضع آخر فإن من أسمائه وصفاته ما يحمد العبد على الإتصاف به ~~كالعلم والرحمة والحكمة وغير ذلك ومنها ما يذم العبد على الإتصاف به ~~كالإلهية والتجبر والتكبر PageV02P338 وللعبد من الصفات التي يحمد عليها ~~ويؤمر بها ما يمنع اتصاف الرب به كالعبودية والإفتقار والحاجة والذل ~~والسؤال ونحو ذلك وهو في كل ذلك كماله في عبادته لله وحده وغاية كماله أن ~~يكون الله هو معبوده فلا يكون شيء أحب إليه من الله ولا شيء أعظم عنده من ~~الله ويكون هو إلهه الذي يعبده وربه الذي يسأله فيتحقق بقوله إياك نعبد ~~وإياك نستعين # ومتصوفة الفلاسفة تسلك مسلك ابن سينا في مقامات العارفين الذي ذكره في ~~آخر الإشارات وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبين أن ذلك مع مدح ~~الرازي له غايته فناء ناقص مع نقص توحيد الربوبية والإثبات # وأما الفناء الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب فهو أن يفنى بعبادة الله ~~عن عبادة ما سواه ومحبته عن محبة ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبرجائه ~~عن رجاء ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه فيتحقق بحقيقة قول لا إله إلا ~~الله # وقد ثبت في الصحيح عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms396 قال من مات ~~وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة PageV02P339 # وفي السنن عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان آخر كلامه ~~لا إله إلا الله دخل الجنة # وهذا التوحيد يتضمن إثبات صفات الكمال لله ونفي النقص ونفي مماثلته لشيء ~~من الأشياء وإثبات خصائصه بالمحبة والعبادة والتعظيم ونحو ذلك # وإنما يتفاوت أهل العلم والإيمان بحسب تفاوتهم في تحقيق هذا التوحيد كما ~~قد بسط في موضعه والله أعلم # تمت القاعدة من كلام شيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين أبي العباس أحمد ~~بن تيمية الحنبلي مؤلف كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ~~PageV02P340 ms397