######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022874 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الصفدية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 2 في مجلد واحد #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022874 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22874 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22874 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد رشاد سالم #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1406هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتية ابن تيمية، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [الصفدية] # المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد ~~الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ~~728ه) # المحقق: محمد رشاد سالم # الناشر: مكتية ابن تيمية، مصر # الطبعة: الثانية، 1406ه # عدد الأجزاء: 2 في مجلد واحد # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم # سئل الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام بقية العصر قدوة الخلف تقي ~~الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم ابن ~~الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية رضي الله عنه وأرضاه ~~عن رجل مسلم يقول أن معجزات الأنبياء صلى الله عليهم وسلم قوى نفسانية ~~أفتونا مأجورين # فأجاب: # الحمد لله رب العالمين. # هذا الكلام وهو قول القائل: أن معجزات الأنبياء صلى الله عليهم وسلم قوى ~~نفسانية باطل بل هو كفر يستتاب قائله ويبين له الحق فإن أصر على اعتقاده ~~بعد قيام الحجة الشرعية عليه كفر وإذا أصر على إظهاره بعد الاستتابة قتل. # وهو من كلام طائفة من المتفلسفة والقرامطة # PageV01P001 # الباطنية والإسماعيلية ونحوهم كابن سينا وأمثاله وأصحاب رسائل إخوان ~~الصفا والعبيدين الذين كانوا بمصر من الحاكمية وأشباههم وهؤلاء كانوا ~~يتظاهرون بالتشيع وهم في الباطن ملاحدة ويسمون القرامطة والباطنية وغير ذلك # PageV01P002 # وأهل بيت ابن سينا كانوا من أتباع هؤلاء وأبوه وجده من أهل دعوتهم وبسبب ~~ذلك دخل في مذاهب الفلاسفة فإن هؤلاء يتظاهرون باتباع الملل ويدعون أن ~~للملة باطنا يناقض ظاهرها # ثم هم في هذه الدعوة على درجات فالواصلون منهم إلى البلاغ الأكبر ~~والناموس الأعظم مثل قرامطة # PageV01P003 # البحرين أتباع الجنابي وأصحاب الألموت وسنان الذي كان بالشام وأمثالهم لا ~~يعتقدون وجوب الصلوات الخمس ولا الزكاة ولا صيام شهر رمضان ولا حج البيت ~~العتيق ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الخمر والميسر والزنا وغير ذلك ~~ويزعمون أن هذه النصوص لها # PageV01P004 # تأويل وباطن يخالف الظاهر المعلوم للمسلمين فالصلاة عندهم معرفة أسرارهم ~~والصيام كتمان أسرارهم والحج زيارة ms001 شيوخهم وأمثال ذلك وقد يقولون أن هذه ~~الفرائض تسقط عن الخاصة دون العامة وأما النصوص التي في المعاد وفي أسماء ~~الله وصفاته وملائكته فدعواهم فيها أوسع وأكثر # وقد دخل في كثير من أقوالهم في العلوم أو في العلوم والأعمال طائفة من ~~المنتسبين إلى التصوف والكلام وكلام ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما من ~~ملاحدة المتصوفة يرجع إلى قول هؤلاء. # وهؤلاء الملاحدة من المتفلسفة والقرامطة ومن وافقهم يقولون أن النبوة لها ~~ثلاث خصائص من قامت به فهو نبي والنبوة عندهم لا تنقطع بل يبعث الله بعد كل ~~نبي نبيا دائما وكثير منهم يقول أنها مكتسبة وكان السهروردي # PageV01P005 # المقتول منهم يطلب أن يصير نبيا وكذلك ابن سبعين كان يطلب أن يصير نبيا ~~وكانوا يعلمون من السحر والسيماء ما يضلون من يلبسون عليه: # الخاصة الأولى: أن تكون له قوة قدسية وهي قوة الحدس بحيث يحصل له من ~~العلم بسهولة ما لا يحصل لغيره إلا بكلفة شديدة وقد يعبرون عن ذلك بأنه ~~يدرك الحد الأوسط من غير احتياج إلى ما يحتاج إليه من ليس مثله وحاصل الأمر ~~أنه أذكى من غيره وأن العلم عليه أيسر منه على غيره. # الخاصة الثانية: قوة التخييل والحس الباطن بحيث يتمثل له ما يعلمه في ~~نفسه فيراه ويسمعه فيرى في نفسه صورا نورانية هي عندهم ملائكة الله ويسمع ~~في نفسه أصواتا هي عندهم كلام الله من جنس ما يحصل للنائم في منامه ومن # PageV01P006 # جنس ما يحصل لبعض أهل الرياضة ومن جنس ما يحصل لبعض الممرورين الذين ~~يصرعون ويقولون إن ما أخبرت به الرسل من أمور الربوبية واليوم الآخر إنما ~~هو تخييل وأمثال مضروبة لا أنه إخبار عن الحقائق على ما هي عليه. # الخاصة الثالثة أن تكون له قوة نفسانية يتصرف بها في هيولي العالم كما أن ~~العائن له قوة نفسانية يؤثر بها في المعين ويزعمون أن خوارق العادات التي ~~للأنبياء والأولياء هي من هذا النمط وأصل أمر هؤلاء أنهم لا يثبتون لصانع ~~العالم مشيئة واختيارا وقدرة بها يقدر على تغيير ms002 العالم وتحويله من حال إلى ~~حال بل وأئمتهم لا يثبتون علمه بتفاصيل أحوال العالم بل منهم من يقول لا ~~يعلم شيئا ومنهم من يقول لا يعلم إلا نفسه ومنهم من يقول يعلم الجزئيات على ~~وجه كلي وهذا اختيار ابن سينا وهو أجود أقوالهم مع تناقض هذا القول وفساده. # PageV01P007 # فإن كل موجود في الخارج هو موجود معين جزئي والكليات إنما تكون كليات في ~~الأذهان لا في الأعيان ونفس الصانع موجود واجب معين ليس هو كليا وكذلك أيضا ~~الصادر عنه كالأفلاك وكالعقول والنفوس التي يثبتونها فإن كان لا يعلم إلا ~~كليا لم يعلم نفسه ولا الصادر عنه ولا الأفلاك وأيضا فلا يوجد إلا ما هو ~~جزئي فإن كان لا يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات. # وهم يقولون أنه علة تامة مستلزمة للعالم والعالم متولد عنه تولدا لازما ~~بحيث لا يمكن أن ينفك عنه لأن العلة التامة مستلزمة لمعلولها وقولهم أن ~~النفوس والعقول معلولة له ومتولدة عنه أعظم كفرا من قول من قال من مشركي ~~العرب أن الملائكة بنات الله قال الله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن ~~وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون} وهؤلاء ~~المتفلسفة يقولون العقل بمنزلة الذكر والنفس بمنزلة الأنثى وكلاهما متولد ~~عن الله تعالى وأولئك كانوا يقولون أنه خلق الملائكة بمشيئته وقدرته وأنه ~~هو رب السماوات والأرض وأما هؤلاء فيقولون أن العقول التي يسميها من يتظاهر ~~بالإسلام منهم ملائكة يقولون أنها معلولة متولدة عن الله لم # PageV01P008 # يخلقها بمشيئته وقدرته ويقولون أنها هي رب العالم فالعقل الأول أبدع كل ~~ما سوى الله عندهم والثاني أبدع ما سوى الله وسوى العقل الأول حتى ينتهي ~~الأمر إلى العقل العاشر الفعال المتعلق بفلك القمر فيقولون أنه أبدع ما تحت ~~الفلك فهو عندهم المبدع لما تحت السماء من هواء وسحاب وجبال وحيوان ونبات ~~ومعدن ومنه يفيض الوحي والعلم على الأنبياء وغيرهم والخطاب الذي سمعه موسى ~~إنما كان عندهم في نفسه لا في الخارج وهو فيض فاض عليه من ms003 هذا العقل الفعال ~~ومنهم من يقول جبريل فلما كان أصل قولهم أن صانع العالم لا يمكنه تغيير ~~العالم ولا له قدرة ولا اختيار في تصريفه من حال إلى حال جعلوا يريدون أن ~~ينسبوا جميع الحوادث إلى أمور طبيعية ليطرد قولهم ويسلم عن التناقض وهو قول ~~فاسد متناقض في نفسه وذلك أنا نشاهد الحوادث التي تحدث مثل حركات الكواكب ~~وطلوع الشمس والقمر ومثل المطر والسحاب وهبوب الرياح وحدوث الحيوان والنبات ~~والمعادن وغير ذلك من الحوادث # PageV01P009 # فإذا كان أصل قولهم أن الصانع هو موجب بالذات وهو علة تامة أزلية مستلزمة ~~لمعلولها لم يتأخر عنها شيء من معلولها فإن العلة التامة هي التي تستلزم ~~معلولها والموجب بالذات هو الذي تكون ذاته مستلزمة لموجبه ومقتضاه فلا يجوز ~~أن يتأخر عنه شيء من موجبه ومعلوله ولهذا قالوا بقدم العالم وهذا أعظم ~~حججهم على قدم العالم قالوا لأن الحادث بعد أن لم يكن لا بد له من سبب حادث ~~وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح ثم القول في ذلك السبب الحادث ~~كالقول فيما قبله فيلزم التسلسل الممتنع باتفاق العقلاء بل يلزم الدور ~~الممتنع بخلاف التسلسل المتنازع فيه فإن وجود الحوادث دائما بلا ابتداء ولا ~~انتهاء للناس من المسلمين وغيرهم فيه ثلاثة أقوال قيل يجوز مطلقا وهذا قول ~~أئمة السنة والحديث وأساطين الفلاسفة لكن المسلمون وسائر أهل الملل وجمهور ~~العقلاء من جميع الطوائف يقولون أن كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم ~~يكن وإن قال منهم من قال بدوام الحوادث شيئا بعد شيء # PageV01P010 # وقيل لا يجوز لا في الماضي ولا في المستقبل وهو قول الجهم بن صفوان وأبي ~~الهذيل العلاف وقيل يجوز في المستقبل دون الماضي وهو قول أكثر أتباع جهم ~~وأبي الهذيل من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم وأما ~~تسلسل العلل أو الفاعلين أو ما هو من تمام الفاعل أو العلة الفاعلة فممتنع ~~باتفاق العقلاء مثل أن يقال لفاعل العالم فاعل ولذلك الفاعل فاعل وهلم جرا ~~فهذا التسلسل قد اتفق العقلاء ms004 على امتناعه وقد بسطنا الدلائل العقلية على ~~امتناعه في غير هذا الموضع وكذلك إذا قيل الحادث لا بد له من سبب حادث وذلك ~~السبب لا بد له من سبب حادث فإن هذا إذا أريد به الحادث المعين لزم التسلسل ~~في تمام الفاعلية وإن أريد به نوع الحوادث لزم الدور الممتنع # PageV01P011 # والدور نوعان أحدهما الدور القبلي السبقي فهذا ممتنع باتفاق العقلاء مثل ~~أن يقال لا يكون هذا إلا بعد ذاك ولا يكون ذاك إلا بعد هذا فهذا ممتنع ~~باتفاق العقلاء ونفس تصوره يكفي في العلم بامتناعه فإن الشيء لا يكون قبل ~~كونه ولا يتأخر كونه عن كونه فلو قيل إن الشيء لا يوجد إلا بعد أن يوجد ~~لكان هذا ممتنعا فكيف إذا قيل أنه لا يكون إلا بعد ذاك وقيل أيضا ذاك لا ~~يكون إلا بعد هذا فإنه يلزم أن يكون قبل قبل نفسه وبعد بعد نفسه فلزم الدور ~~الممتنع أربع مرات فإنه إذا قيل لا يكون هذا إلا بعد ذاك كان ذاك قبل هذا ~~وإذا قيل لا يكون ذاك إلا بعد هذا كان هذا بعد ذاك لا قبله فيلزم أن لا ~~يكون هذا إلا قبل ذاك الذي هو قبل هذا وأن لا يكون ذاك إلا قبل هذا الذي هو ~~قبل ذاك فيكون ذاك قبل ذاك بمرتبتين ويكون هذا قبل هذا بمرتبتين فلهذا اتفق ~~العقلاء على امتناع هذا وأما الدور المعي الاقتراني مثل أن يقال لا يكون ~~هذا إلا مع ذاك لا قبله ولا بعده فهذا جائز كما إذا قيل لا تكون الأبوة إلا ~~مع البنوة وقيل أن صفات الرب اللازمة له لا تكون إلا مع ذاته وعلمه مع ~~حياته وقدرته مع علمه ونحو ذلك # PageV01P012 # فإذا قيل إن جنس الحوادث لا يحدث إلا بسبب حادث كان المعنى أنه لا يكون ~~شيء من الحوادث حتى يكون حادث فلايكون حادث من الحوادث ألبتة حتى يسبقه ~~حادث والسابق من الحوادث التي جعلت متأخرة عن هذا الحادث وجعلت الحوادث ~~كلها بعده فيلزم أن يكون الشي ms005 قبل نفسه وأما إذا قيل لا يكون الحادث المعين ~~حتى يكون حادث ثم ذلك الحادث لا يكون حتى يكون حادث فهذا على وجهين إن قيل ~~لا يكون الحادث حتى يكون قبله حادث فهذا التسلسل في الآثار وفيه الأقوال ~~الثلاثة للمسلمين وليس الخلاف في ذلك بين أهل الملل وغيرهم كما يظنه كثير ~~من الناس بل نفس أهل الملل بل أئمة أهل الملل أهل السنة والحديث يجوزون هذا ~~النزاع في كلمات الله وأفعاله فيقولون إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء ~~وكلمات الله دائمة قديمة النوع عندهم لم تزل ولا تزال أزلا وأبدا وقد بسط ~~هذا وما يناسبه في موضع آخر وذكر بعض ما في ذلك من أقوال أئمة السنة ~~والحديث وأما ما يذكره كثير من أهل الكلام عن أهل الملل المسلمين واليهود ~~والنصارى أن الله لم يزل معطلا لا يتكلم ولا يفعل شيئا ثم حدث ما حدث من ~~كلام ومفعولات بغير سبب حادث فهذا قول لم ينطق به شيء من كتب الله لا ~~القرآن ولا التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا نقل هذا عن أحد من أنبياء ~~الله ولا قاله أحد من الصحابة # PageV01P013 # أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ولا التابعين لهم بإحسان ولكن الذي نطقت ~~به الكتب والرسل أن الله خالق كل شيء فما سوى الله من الأفلاك والملائكة ~~وغير ذلك مخلوق ومحدث كائن بعد أن لم يكن مسبوق بعدم نفسه وليس مع الله شيء ~~قديم بقدمه في العالم لا أفلاك ولا ملائكة سواء سميت عقولا ونفوسا أو لم ~~تسم والحديث الذي في صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه لما قدم عليه وفد اليمن قالوا: جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن ~~أول هذا الأمر فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على # PageV01P014 # الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض" قد ذكرنا ألفاظه وطرقه ~~وذكرنا الحديث الآخر الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ~~صلى ms006 الله عليه وسلم أنه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" والحديث الآخر الذي ~~رواه مسلم أيضا في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول: " أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر ~~فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر" ~~وذكرنا أن حديث عمران رواه البخاري في ثلاثة مواضع بثلاثة ألفاظ كان الله ~~ولم يكن شيء قبله ورواه في موضع ولم يكن شيء معه ورواه في موضع آخر ولم يكن ~~شيء # PageV01P015 # غيره وأن المجلس كان واحدا لم يقل النبي صلى الله # PageV01P016 # عليه وسلم إلا واحدا من الثلاث وقد ثبت أنه قال: "ليس قبلك شيء" واللفطان ~~الآخران رويا بالمعنى وبينا على كل تقدير أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~جواب أهل اليمن عما سألوه من ابتداء خلق هذا العالم الذي خلق في ستة أيام ~~وكان عرش الله على الماء قبل ذلك وقدر الله مقادير هذا العالم قبل أن يخلقه ~~بخمسين ألف سنة والمقصود هنا أنه إذا قيل لا يكون حادث حتى يكون حادث فهذا ~~على وجهين أحدهما أنه لا يكون حادث حتى يكون قبله حادث فهذا فيه نزاع مشهور ~~والثاني أن يقال أنه لا يكون حادث حتى يكون معه حادث لامتناع حدوث الحادث ~~بلا سبب حادث لأن الفاعل لا يفعل بعد أن لم يكن فاعلا إلا لحدوث سبب حادث ~~فهذا يوجب أن القديم لا يصدر عنه حادث ألبتة لأنه متى حدث حادث بلا سبب ~~حادث انتقضت القضية الكلية فيلزم أن لا يفعل البتة شيئا وإن فعل لزم ترجيح ~~أحد المتماثلين بلا مرجح وهذه الحجة أعيت كثيرا من أهل الكلام والنظر حتى ~~قال كثير منهم القادر يرجح أحد طرفي مقدوره بلا مرجح وكذلك قال الآخرون نفس ~~الإرادة القديمة هي المرجحة لأحد المثلين على الآخر # PageV01P017 # ونحن ننبه على ما به يعلم فساد قولهم والجواب عن ms007 حجتهم وقد بسطنا الكلام ~~على ذلك في مواضعه فيقال إذا كان الصانع قديما موجبا بالذات وعلته تامة ~~أزلية لزم ألا يتأخر عنه شيء من موجبه ومعلوله كما ذكروا لأن المتأخر إن ~~كان قد وجدت كلته التامة في الأزل لزم أن يكون أزليا لا يتأخر وإن لم يوجد ~~فقد وجدت علته التامة بعد أن لم تكن سواء كان الحادث شرطا من شروط تمام ~~العلة أو غير ذلك ثم القول في علة تلك العلة كالقول في العلة التي هي معلول ~~هذه فيلزم ألا يكون لشيء من الحوادث علة تامة في الأزل وهذا لازم لقولهم لا ~~محيد عنه فإن العلة التامة تستلزم معلولها فالحادث لا تكون علته تامة في ~~الأزل فيلزم على ذلك ألا يكون شيء من الحوادث حادثا عن العلة التامة التي ~~هي واجب الوجود وحينئذ فأما أن تكون الحوادث حادثة بنفسها وهذا معلوم ~~الفساد بالضرورة وهم يسلمون فساده وإما أن تكون حادثة عن فاعل آخر غير ~~الواجب الموجود بنفسه فله فاعل ثم ذلك الفاعل إن لم يكن واجب الوجود بنفسه ~~فله فاعل والقول في حدوث الحوادث عنه كالقول في الأول وإن كان واجب الوجود ~~بنفسه كان القول فيه كالقول في ذلك الواجب إن كان علة تامة لزم ألا يحدث ~~عنه حادث وإن لم يكن علة تامة بطل قولهم بالموجب بالذات فتبين فساد قولهم ~~على كل تقدير وغاية ما يقولون أنهم يقولون أن لك حادث مشروط # PageV01P018 # بحادث قبله والحوادث معدات وشروط للفيض عن الواجب بذاته ويقولون أن حركة ~~الفلك هي سبب الحوادث والتغييرات فيقال لهم هب أن الأمر كذلك فالحوادث ~~المتعاقبة سواء كانت حركة متصلة أو غير ذلك إذا كانت لم تصدر إلا عن علة ~~تامة لزم أن تكون مقارنة للعلة التامة فإن العلة التامة يجب أن يقارنها ~~معلولها والموجب بذاته يقارنه موجبه حينئذ فلا يتأخر عنها معلولها فالمتأخر ~~لا يكون معلولها فلا يكون شيء من الحوادث معلولا لها # وإذا قالوا حدوث الأول أعدها لإحداث الثاني قيل لهم القول في حدوث الحادث ms008 ~~الأول كالقول في حدوث الحادث الثاني فالحادث الأول الذي هو شرط الثاني لا ~~يجوز أن يكون صادرا عن علة تامة أزلية بل لا تكون العلة التامة له إلا ~~حادثة سواء كان الحادث كلها أو بعض أجزائها وشروطها وهذا مما يعترفون به مع ~~أنه حق بين فحينئذ لا يكون لشيء من الحوادث علة تامة أزلية فإذا كان المبدأ ~~الأول الذي هو صانع العالم علة تامة أزلية وليس لشيء من الحوادث عالة تامة ~~أزلية لم يكن شيء من الحوادث صدر عنه فلا يكون لشيء من الحوادث فاعل ولا ~~محدث وهذا غاية الجهل والتعطيل والسفسطة وهم يعترفون بفساده فإذا قالوا هذا ~~الحادث المعين اليومي إنما تمت شروط # PageV01P019 # اقتضائه وأحداثه التي بها صارت علته تامة في هذا الوقت المعين فإن العلة ~~إذا تمت لم يتأخر عنها معلولها قيل لهم فيلزم أن يكون تمام العلة التامة ~~لما يحدث في اليوم المعين إنما حدث ذلك اليوم ثم تمام العلة أيضا حادث في ~~اليوم المعين فيلزم أن تكون علته أو تمام علته حادثا في اليوم المعين وهلم ~~جرا فيلزم أن يكون كل حادث إنما صارت علته تامة عند حدوثه فيلزم من ذلك ~~بطلان قولهم من وجوه أحدها أنه إذا لم يكن لشيء من الحوادث علة تامة أزلية ~~بل إنما صارت له علة تامة عند حدوثه بلط قولهم فإنه إذا لم يكن لشيء من ~~الحوادث علة تامة أزلية لم يكن شيء من الحوادث صادرا عن الموجب بالذات الذي ~~هو علة تامة أزلية فعلم أن المحدث للحوادث ليس علة تامة لمعلولة في الأزل ~~وهو المطلوب وهذا الموضع إذا تدبره من يفهمه ويفهم مذهبهم علم أنه يبين ~~فساد قولهم بالضرورة وكلما غيرت العبارات الدالة عليه زاد بيانا وقوة ~~فدعواهم أن المبدع الموجب بالذت علة تامة أزلية مع كون الحوادث المتعاقبة ~~صدرت عنه جمع بين النقيضين إذ العلة التامة يقارنها معلولها ولا يتأخر عنها ~~وسواء قيل أن الفلك صدر عنه بلا واسطة كما تقوله طائفة منهم أو قيل صدر عنه ~~بواسطة ms009 العقل الأول كما يقوله طائفة أخرى فهم يقولون أن المحرك للفلك هو ~~النفس بما يتجدد لها من التصورات والإرادات الشوقية فيقال هذه الأمور ~~الحادثة سواء كانت هي الحركات أو الإرادات أو # PageV01P020 # التصورات لا بد لها من أمر محدث لها والعلة التامة الأزلية المستلزمة ~~لمعلولها في الأزل التي توجبه بذاتها يقارنها معلولها الذي هو موجبها ~~ومقتضاها في الأزل فلا يكون شيء من هذه الحركات والإرادات والتصورات معلولا ~~لها لأنها حادثة ولا تكون موجبة له ولا فاعلة ولا محدثة لامتناع صدور ~~الحوادث عن علة تامة أزلية وهذا مما يتبين به بطلان قولهم في قدم العالم ~~ويتبين أن كل ما سوى الله تعالى حادث بعد أن لم يكن فإن القديم المعلول لا ~~يصدر إلا عن موجب بذاته أزلي الإيجاب وهو العلة التامة الأزلية التي تستلزم ~~معلولها في الأزل فلو كان في العالم ما هو قديم لزم ثبوت العلة التامة ~~الأزلية لكن ثبوت هذه ممتنع لأنه حينئذ يلزم ألا يكون للحوادث فاعل لا لوسط ~~ولا بغير وسط لأن الحوادث لا تحدث عن علة تامة لها أزلية فكل ما سوى الله ~~لا بد أن يقارن شيئا من الحوادث أو تحدث فيه الحوادث وكل ما قارن شيئا من ~~الحوادث أو حدثت فيه الحوادث يمتنع أن يصدر عن علة تامة أزلية إذ يمتنع ~~صدوره دون الحوادث عن الفاعل لأنه لا بد للحوادث من الفاعل فإثبات قدم شيء ~~من العالم يستلزم إثبات علة قديمة له وإثبات العلة القديمة توجب كون ~~الحوادث لا فاعل لها سواء قيل أن تلك العلة القديمة صدر عنها ما قارنته ~~الحوادث أو صدر عنها ما حدثت فيه الحوادث فإنه على التقديرين يلزم كون ~~الحوادث لا فاعل لها لامتناع صدور الحوادث عن العلة التامة الازلية وإذا ~~كان قدم شيء من العالم يستلزم إثبات العلة التامة # PageV01P021 # القديمة وإثبات ذلك يستلزم كون الحوادث لا فاعل لها وهذا اللازم باطل ~~بالضرورة فالملزوم أيضا باطل والملزوم قدم شيء من العالم فإذا كان الملزوم ~~باطلا فنقيضه حق وهو أنه ليس ms010 من العالم شيء قديم الوجه الثاني أن قولهم هذا ~~يستلزم وجود علل ومعلولات لا تتناهى وهم يسلمون فساد ذلك وفساده معلوم ~~بالادلة اليقينية كما قد بسطناه في غير هذا الموضع ونبهنا على أن المعلولات ~~كلها ممكنة ليس فيها ما يقتضي وجودها وتقدير أمور غير متناهية ليس فيها ما ~~يقتضي وجودها بمنزلة تقدير أمور متناهية معدومة أو ممتنعة فإذا قدر علل لا ~~تتناهى وهي معلولات كان ذلك بمنزلة تقدير أمور معدومة لا تتناهى فلا يكون ~~فيها ما هو موجود والمعدوم يمتنع أن يكون مبدعا أو فاعلا للموجود ولا حاجة ~~إلى الإطناب في هذا فإنه متفق عليه بين العقلاء لكن بعض المتأخرين أورد على ~~هذا شبهات قد بينا فسادها في غير هذا الموضع كما أورد ذلك الآمدي والأبهري ~~وغيرهما # PageV01P022 # ومن الناس من ظن أن الكلام في تناهي المؤثرات بمنزلة الكلام في تناهي ~~الآثار كما ظن ذلك طائفة من أهل الكلام والجدل ثم من هؤلاء من قال فإذا كان ~~تناهى الآثار لا يقوم دليل على فساده فكذلك تتناهى العلل # وهذا مما سلكه أبو حامد في الرد علىالفلاسفة في تهافت الفلاسفة وجعل ~~قولهم بتجويز حوادث لا أول لها يقتضي تجويز علل لا تتناهى # وكثير من أهل الكلام من المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية والكرامية ومن ~~وافقهم من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية لما سووا بين ~~النوعين اعتمدوا في نفس التسلسل في المؤثرات والآثار على طرق معروفة قد ~~أفسدها كثير منهم حتى أن الرجل من هؤلاء يذكر بعض هذه الطرق في كتاب ~~ويفسدها في كتاب آخر كما يفعله أبو عبد الله بن الخطيب ونحوه فيقرر في كتاب # PageV01P023 # الأربعين ونحوه طرقا في إبطال حوادث لا تتناهى ويبطلها في مثل كتاب ~~المباحث المشرقية وأمثاله ولهذا بين أبو الحسن الآمدي فساد عامة هذه الطرق ~~واعتمد طريقة أضعف من غيرها وكذلك أبو الثناء الأرموي أفسد في لباب ~~الأربعين عامة ما قيل في هذا الباب وهذا كله مبسوط في موضعه والمقصود هنا ~~أن التسلسل في المؤثرات باطل باتفاق العقلاء وأما ms011 الاعتراض المذكور فهو ~~أنهم قالوا إذا كان كل من المؤثرات ممكنا فلم لا يجوز ألا تكون الجملة ~~ممكنة على قول من يقول أن كل واحد من الحوادث محدث والنوع القديم متسلسل ~~فإن حكم الجملة إما أن يكون مثل حكم الأفراد وأما ألا يكون فإن كان مثل ~~حكمها لزم حدوث نوع الحوادث وهذا هو الذي يقوله كثير من أهل الكلام وعليه ~~اعتمد أبو الحسين البصري وأمثاله وقالوا إذا كان كل واحد من الزنج أسود ~~فالجميع سود # PageV01P024 # لكن نقض ذلك المعارضون لهم بأن الواحد من العشرة ليس هو عشرة والواحد من ~~أجزاء القبة والبيت ليس هو قبة ولا بيتا وبعض الإنسان ليس هو إنسان فقال ~~هؤلاء الذين أشكل عليهم بطلان تسلسل المؤثرات كالآمدي والأبهري فحينئذ يجوز ~~أن يكون كل واحد من العلل ممكنا والجملة ليست ممكنة فصارت هذه المباحث ~~المتعلقة بأصول الدين والعلم مضطربة عند أئمة الفلاسفة والمتكلمين وفصل ~~الخطاب في هذا الباب أن نقول انضمام الفرد إلى غيره إما أن يوجب ثبوت أمر ~~يخالف حكم تلك الأفراد وإما ألا يوجب فإن لم يوجب ثبوت أمر يخالف حكم ~~الأفراد كان حكم المجموع حكم الأفراد وإن أوجب ثبوت أمر يخالف حكم الأفراد ~~لم يجب أن يكون حكم المجموع حكم الأفراد مثال الأول المعدوم مع المعدوم فإن ~~انضمام أحدهما إلى الآخر لا يخرجه عن أن يكون معدوما وكذلك انضمام الواجب ~~إلى الواجب والممكن إلى الممكن وكذلك انضمام الموجود إلى الموجود لا يخرجه ~~عن أن يكون موجودا اللهم إلا إذا كانا يتضادان # ومثال الثاني أبعاض الإنسان وغيره من الحيوان وأبعاض الدار والبيت ~~والمدينة ونحو ذلك فإن انضمام بعض ذلك إلى بعض يوجب للمجموع أن يصير حيوانا ~~وبيتا ومدينة وكذلك آحاد العشرة والألف بالانضمام تصير عشرة وألفا وكذلك ~~غير ذلك من المركبات فإنه بالاجتماع يحصل له من التركيب ما لا يحصل ~~بالأفراد وكذلك أجزاء الطويل # PageV01P025 # والدائم والممتد والكبير والعظيم ونحو ذلك فإنه لا يسمى طويلا ولا دائما ~~ولا ممتدا ولا كبيرا ولا عظيما إلا إذا اجتمعت ms012 تلك الأجزاء فبالاجتماع ~~يتغير حكم الأفراد إذا تبين ذلك فإذا قدر مؤثرات ممكنة ليس لها من أنفسها ~~وجود ولكن كل منها يحتاج إلى مؤثر لم تكن بانضمام بعضها إلى بعض تخرج عن أن ~~تكون ممكنة مفتقرة إلى غيرها بل كلما كثرت زاد الافتقار والحاجة كما أنه ~~كلما ضم المعدوم إلى المعدوم كثر المعدوم فإذا قدر علل لا تتناهى كل منها ~~معلول أو فاعلون لا يتناهون كل منهم مفعول فهذه كلها مؤثرات أبدعها غيرها ~~وكل منها ممكن بنفسه محتاج إلى غيره قد أبدعه غيره ليس فيها ما هو موجود ~~بنفسه فإذا قدر عدم تناهيها كان ذلك تكثيرا للحاجة والافتقار إلى الموجود ~~بنفسه وتكثيرا للممكنات التي هي معدومة بنفسها لا توجد إلا بموجود غيرها ~~فكثرتها وعدم تناهيها لا يخرج شيئا منها عن أن يكون ممكنا مفتقرا إلى غيره ~~وأنه إذا لم يكن له مبدع كان معدوما بل المجموع مفتقر إلى كل من الأفراد ~~وإذا كان كل من الأفراد ممكنا فالمجموع المتوقف على كل من الأفراد أولى أن ~~يكون ممكنا فتبين بذلك امتناع وجود علل ومعلولات لا تتناهى وهو امتناع ~~أرباب كل منهم مربوب أو فاعلين كل منهم مفعول ومؤثرين كل منهم أثر فيه غيره ~~فهذا جميعه مما يعلم امتناعه بالضرورة بعد التصور التام كما اتفق عليه # PageV01P026 # عامة العقلاء وذلك مما بيبن أن جميع الممكنات والحوادث لها مبدع موجود ~~بنفسه خارج عنها كلها وهذا بخلاف دوام الحوادث وتسلسلها في الماضي أو ~~المستقبل فإن الواحد منها إذا لم يكن دائما باقيا متصلا لم يلزم ألا يكون ~~النوع دائما باقيا متصلا لأن انضمام الواحد إلى غيره يوجب الكثرة التي لا ~~توجد في الواحد والدائم الباقي المديد الطويل الكثير لا يستلزم أن يكون كل ~~واحد من أفراده دائما طويلا مديدا كثيرا # فهذا تنبيه على الفرق بين النوعين وإذا كان كذلك فنقول قولهم بقدم العالم ~~يستلزم التسلسل في المؤثرات وذلك فاسد بالضرورة والاتفاق وهم يسلمون امتناع ~~تسلسل المؤثرات لكن الذين يقولونه هنا يقولون التسلسل إنما هو حاصل ms013 في شروط ~~العلية لا في ذات العلة # فيقال لهم إذا كان هذا الحادث موقوفا على شرط العلة الذي هو تمامها وعند ~~حصول تمام العلة يجب مقارنة ذلك المعلول له لا يجوز تأخره عنه فكل حادث يجب ~~أن يقارنه تمام علة الحادث والكلام في تمام علية الحادث كالكلام في الحادث ~~فيلزم تسلسل تمامات العلل وأن يكون تمام علة كل معلول مقارنا لذلك المعلول ~~فإذن كل حادث إنما تمت علته عند حدوثه وذلك التمام إنما تمت علة حدوثه عند ~~حدوثه أيضا فيلزم تسلسل تمامات لا فاعل لها ولا فرق بين تسلسل علل هي ~~معلولات لا فاعل لها وبين تسلسل تمامات علل هي معلولات لا فاعل لها وأيضا ~~فإن هذه التمامات المتسلسلة لا يجوز أن تكون # PageV01P027 # صادرة عن العلة التامة الأزلية فإن ذلك يستلزم أن تكون مقارنة لتلك العلة ~~ولا يجوز أن تكون العلة الأزلية علة تامة لواحد منها معين وذلك شرط في ~~الثاني لأنه يتعين لها مبدأ معين وما من واحد إلا وقبله آخر فلا يتعين شيء ~~منها دون الآخر ولا يكون شيء منها علة تامة لحوادث متعاقبة مع كون العلة ~~ثابتة على حال واحدة لأن حدوث المتغير عن علة تامة لا تتغير ممتنع فإذا لم ~~يكن لها محدث سوى العلة التامة الأزلية والعلة التامة الأزلية لا يجوز أن ~~يصدر عنها حادث فيلزم ألا يكون للحوادث محدث وأبو عبد الله الرازي قد نبه ~~على هذا لكن لم يوضحه إيضاحا تاما فاعترض عليه الأرموي حيث لم يفهم حقيقة ~~هذا الإلزام فظن الفرق بين حدوث شروط العلة وحدوث ذات العلة وهذا الفرق ~~إنما يصح إذا كان هناك سبب يقتضي حدوث شروط العلة غير العلة حتى يقال ~~تأثيرها موقوف على حدوث شروط أخر تحدث بسبب غيرها فأما إذا كان لا مقتضى ~~للحوادث إلا ذات العلة التي فرض أنها تامة لا يتخلف عنها معلولها لم يكن ~~اقتضاؤها موقوفا على شرط غيرها فيجب أن يقارنها معلولها فلا يحدث عنها حادث # واعلم أن هذا هو عمدتهم في قدم ms014 العالم وقد تبين أنه مناقض لما قالوه وأنه ~~مبطل لقولهم فإن أصل قولهم أن المؤثر في العالم يجب أن يكون تاما فلا يتخلف ~~عنه أثره وهذا بعينه يمنع أن يكون محدثا لشيء من الحوادث بشرط أو بغير شرط # PageV01P028 # والرازي أجاب بأن هذه الحجة تستلزم التسلسل في العلل وهو باطل فاعترض ~~عليه الأرموي في لباب الأربعين # قال الرازي في الأربعين احتج القائلون بالقدم بوجوه أولها لا شك أن ~~الممكنات تنتهي في سلسلة الحاجة إلى واجب الوجود فنقول كل ما لا بد منه في ~~كونه تعالى مؤثرا في إيجاده إما أن يقال أنه كان حاصلا في الأزل أو ما كان ~~حاصلا في الأزل فإن كان كل ما لا بد منه في المؤثرية حاصلا في الأزل فإما ~~أن يجب مع حصوله حصول الأثر أو لا يجب فإن وجب لزم من دوامه دوام الأثر وإن ~~لم يجب كان وجوده مع عدم تلك الآثار جائزا فلنفرض ذاته مع مجموع الأمور ~~المعتبرة في المؤثرية تارة مع وجود تلك الآثار وتارة مع عدمها فاختصاص ذلك ~~الوقت بالوجود دون الوقت الآخر إما أن يختص بأمر ما لأجله كان هو أولى ~~بوجود ذلك الأثر وإما ألا يكون كذلك فإن كان الأول كان ذلك المخصص معتبرا ~~في المؤثرية وهو ما كان حاصلا قبل ذلك فإن كان ما لا بد منه في المؤثرية ما ~~كان # PageV01P029 # حاصلا في الأزل وكنا قد فرضنا حاصلا قبل ذلك هذا خلف وإن كان الثاني كان ~~ذلك ترجيحا لأحد طرفي الممكن المتساوي على الآخر من غير مرجح أصلا وهو محال ~~هذا إذا قلنا كل ما لا بد منه في المؤثرية كان حاصلا في الأزل أما إذا قلنا ~~بأن كل ذلك ما كان حاصلا في الأزل فحدوثه فيما لا يزال بعد أن لم يكن إما ~~أن يفتقر إلى مؤثر أو لا يفتقر فإن لم يفتقر فقد حدث الممكن لا عن مرجح وإن ~~افتقر نقلنا الكلام إلى كيفية إحداث تلك الأمور ويلزم التسلسل وهو محال # قال الرازي هذا هو ms015 العمدة الكبرى للقوم ثم ذكر أجوبة طوائف من أهل الكلام ~~عن ذلك بأن قوما قالوا المرجح هو الإرادة وقيل المرجح هو العلم وقيل المرجح ~~اختصاص وقت الأحداث بحكمه خفية وقيل إحداث العالم في الأزل محال لأن ~~الإحداث جعله موجودا بعد أن كان معدوما وذلك يقتضي سبق العدم والأزل عبارة ~~عن نفي المسبوقية بالغير فكان الجمع بينهما بمحال # PageV01P030 # وقيل أن العالم قبل ذلك ما كان ممكنا بل ممتنعا ثم انقلب ممكنا ذلك في ~~الوقت وقيل أن القادر المختار يمكنه أن يرجح أحد المقدورين على الآخر من ~~غير مرجح ثم بين فساد هذه الأجوبة جملة فإن حاصلها أن كل ما لا بد منه في ~~إيجاد العالم ما كان حاصلا في الأزل وبين فسادها على وجه التفصيل بما لا ~~حاجة إلى ذكره هنا ثم قال والجواب أن نقول إن صح ما ذكرتم يلزم أن لا يحصل ~~في العالم شيء من التغيرات لأنه يلزم من دوام واجب الوجود أزلا وأبدا دوام ~~المعلول الأول ومن دوام المعلول الأول دوام المعلول الثاني وهلم جرا إلى ~~آخر المراتب فيلزم ألا يحصل في العالم شيء من التغيرات وأنه خلاف الحس # قال فإن قال قائل لم لا يجوز أن يقال واجب الوجود عام الفيض إلا أن حدوث ~~الأثر عنه يتوقف على استعداد القوابل وحصول هذه الاستعدادات المختلفة في ~~القوابل يتوقف على الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية # PageV01P031 # وكل واحد منها مسبوق بآخر لا إلى أول فلهذا السبب حدث التغير في هذا ~~العالم قال والجواب أنا نقول العرض المعين إذا حدث في هذا العالم فإما أن ~~يفتقر في حدوثه إلى سبب أو لا يفتقر فإن لم يفتقر فقد حدث الممكن لا عن سبب ~~وهو باطل بالاتفاق وإذا افتقر إلى سبب فذلك السبب إن كان حادثا كان الكلام ~~في كيفية حدوثه كما في الأول فيفضي إلى وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها ~~دفعة واحدة وهو محال وإن كان السبب قديما فقد أسندتم إلى المؤثر القديم ~~أثرا محدثا وإذا عقلتم ذلك فلم لا يجوز ms016 في كل العالم مثل ذلك # قال الأرموي معترضا على هذا الجواب ولقائل أن يقول إن عنيت بالسبب السبب ~~التام فحدوثه لا يدل على حدوث السبب الفاعل بل إما على حدوثه أو حدوث بعض ~~شروطه فإن عنيت به السبب الفاعل لم يلزم من حدوث العرض المعين حدوثه بل إما ~~حدوثه # PageV01P032 # أو حدوث بعض الشرائط وحدوث الشرائط والمعدات الغير المتناهية على التعاقب ~~جائز عندهم # قال بل الجواب الباهر عنه أنه لا يلزم ذلك من حدوث العالم الجسماني لجواز ~~أن يوجد في الأزل عقل أو نفس يصدر عنها تصورات متعاقبة كل واحد منها بعد ما ~~يليه حتى تنتهي إلى تصور خاص يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ ~~القديم # قلت هذا الجواب الذي أجاب به الأرموي أخذه من المطالب العالية للرازي ~~فإنه ذكر هذا الجواب فيه وهذا الجواب باطل متناقض في نفسه فإنه يتضمن وجود ~~حوادث لا أول لها والمتكلمون الذين أثبتوا حدوث الأجسام إنما أثبتوه بناء ~~على امتناع حوادث لا أول لها فإن كان هذا الأصل صحيحا بطل الجواب المذكور ~~ولزم حدوث النفوس التي تقوم بها تصورات متعاقبة لأنها حوادث لا أول لها وإن ~~كان حوادث لا أول لها جائزا كما ذكره في الجواب الباهر بطل دليل المتكلمين ~~على حدوث الأجسام # PageV01P033 # وحينئذ فلا فرق بين أن يقال القديم هو النفس أو جسم وأيضا فهذا الجواب ~~باطل من وجه آخر وهو أن النفوس عند من يثبتها من المتفلسفة لا تفارق ~~الأجسام بل النفس عندهم لا بد أن تكون متعلقة بالجسم تعلق التدبير والتصريف ~~وقد تنازعوا في النفس الفلكية هل هي جوهر أو عرض وأكثرهم يقولون هي عرض ~~ولكن ابن سينا وطائفة رجحوا أنها جوهر فإذا كان وجود النفس التي تقوم بها ~~التصورات المتعاقبة مشروطا بوجود الجسم بطل هذا الجواب وأما العقول فتلك ~~مفارقة لا تدبر الأجسام ولا يقوم بها عندهم شيء من الحوادث لا متعاقبا ولا ~~غير متعاقب وأيضا فهذا الجواب يتضمن شيئين جواز حوادث لا أول لها بناء على ~~أن التسلسل الممتنع ms017 إنما هو في المؤثرات لا في الآثار والشروط وهذه مسألة ~~نظرية لا تناقض أصول الإسلام ويتضمن أيضا إثبات العقول والنفوس وأنها قديمة ~~أزلية وأن المخلوق المحدث إنما هو الأجسام دون العقول والنفوس وهذا ليس من ~~دين أحد من أهل الملل وهو مبني على إثبات العقول والنفوس التي تثبتها ~~الفلاسفة وأنها ليست أجساما وكلامهم في ذلك في غاية الفساد في العقل كما قد ~~بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع # PageV01P034 # وإنما غلط في هذا لأن الشهرستاني والرازي والآمدي ونحوهم من المتأخرين ~~ظنوا أن المتكلمين ليس لهم دليل ينفي وجود هذه الأمور وأنهم لم يذكروا على ~~نفيها دليلا وليس الأمر كما ذكره هؤلاء بل قد صرح النظار كإمام الحرمين ~~وأبي الوفاء بن عقيل ومن قبلهم كالقاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري وأبي # PageV01P035 # علي وأبي هاشم الجبائي وأبي الحسين البصري ومحمد بن كرام وابن الهيصم ~~وهشام بن الحكم وغيرهم أن إثبات ذلك معلوم الفساد بضرورة العقل وإن إثبات ~~ما لا يشار إليه ولا يقوم بما يشار إليه معلوم الفساد بضرور العقل إما ~~مطلقا عند طائفة وإما في الممكنات عند طائفة وهذا مبسوط في موضعه ولو أن ~~الأرموي قال هذا في واجب الوجود نفسه لكان # PageV01P036 # ذلك أقرب إلى دين المرسلين فإن ذلك يمكن معه القول بأن كل ما سوى الله ~~سبحانه وتعالى مخلوق محدث غايته أنه يلزم قيام الأفعال المتعاقبة بالواجب ~~نفسه وهذا قول أئمة أهل الحديث وجمهورهم وطوائف من أهل الكلام وقول أساطين ~~الفلاسفة القدماء فهو قول أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة ففي الجملة هذا ~~فيه نزاع بين أهل الملل فيمكن مع القول به موافقة الأنبياء بخلاف ما ذكره # وأيضا فقد بين الرازي والآمدي ضعف ادلة نفاة ذلك وذكر الرازي أن ذلك لازم ~~لعامة الطوائف ثم قرر هو ذلك بطريقة هي أيضا في غاية الضعف كما قد بسط هذا ~~كله في غير هذا الموضع وإذا كان كذلك فالواجب الذي هو أصح في الشرع والعقل ~~أولى من الجواب الذي هو أفسد في الشرع والعقل ms018 فهذا الكلام على جواب الأرموي ~~وأما جواب الرازي وإلزامه لهم فصحيح كما ذكره ولكن لم يقرره ويبينه تبيينا ~~يشفي الغليل فلهذا لم يفهم الأرموي حقيقة هذا الجواب وذلك أنه إذا كان ~~المؤثر التام أزليا لزم من دوامه دوام أثاره فيلزم أن لا يحدث شيء وهو خلاف ~~الحس وهذا الجواب وحده كاف إذا تصوره الإنسان فإنه إذا قيل بأن المؤثر ~~التام أزلي وأنه يستلزم آثاره امتنع حدوث شيء من الآثار فيلزم أن لا يحدث ~~شيء لأن حدوث الحوادث بلا محدث ممتنع وحدوثها عن المؤثر التام ممتنع وأما ~~السؤال الذي أورده فيجاب عنه بما ذكره وبغير # PageV01P037 # ما ذكره وذلك أن قول القائل أن المؤثر دائم الفيض ولكن حدوث الأثر عنه ~~متوقف على حدوث الاستعداد والشرائط إنما يمكن قوله في الأثر الذي يتوقف على ~~اثنين كالإحراق من النار المتوقف على استعداد المحل فلا تحرق الياقوت ~~والسمندل ونحو ذلك وكالشمس التي يتوقف فيض شعاعها على محل قابل وذلك المحل ~~ليس صادرا عنها وكما قالوه فيما يفيض عن العقل الفعال المتوقف على حدوث ~~امتزاجات حاصلة بحركة الأفلاك وحركة الأفلاك التي فوق فلك القمر لا تتوقف ~~على فيض العقل الفعال فهذا الذي ذكروه من توقف الفيض على استعداد القوابل ~~إنما يمكن أن يقال إذا كان ذلك الاستعداد ليس هو من فيض ذلك الموجب وهذا لا ~~يصح في الواجب الوجود الذي هو المبدع لكل ما سواه فإنه هو الفاعل ~~للإستعدادات والشرائط كما هو الفاعل لما يفيض عليها فلا شريك له في الفعل ~~والإبداع أصلا فإذا قال القائل إن واجب الوجود عام الفيض إلا أن حدوث الأثر ~~عنده يتوقف على استعداد القوابل قيل لهم فاستعداد القوابل هو أيضا مما فاض ~~عنه فيتمنع أن يقال هو عام الفيض لكل ممكن إذ لو كان كذلك لكانت الممكنات ~~كلها أزلية وإذا قيل فلم تأخر عنه فيض الحادث فقيل لتأخر الاستعداد # PageV01P038 # قيل وما الموجب لتأخر الاستعداد فإذا قيل لتأخر استعداد آخر وقول الأرموي ~~أنه يجوز عندهم حدوث الشرائط والمعدات الفائضة بسببها ليس ms019 هو مؤثرا تاما في ~~الأزل لها ولا مؤثرا لها فيما لا يزال لأن المؤثر التام الأزلي لا يتأخر ~~عنه شيء من أثره وتأخر الآثار مشاهد معاين وقول الأرموي أنه يجوز عندهم ~~حدوث الشرائط والمعدات الغير المتناهية على التعاقب لا ينفعهم بل ذلك مما ~~يستلزم فساد قولهم بقدم شيء من العالم فإنه إذا جاز تسلسل الحوادث والآثار ~~امتنع أن يكون علة تامة في الأزل لشيء منها لأن ذلك يستلزم وجود هذه ~~الحوادث في الأزل وذلك جمع بين النقيضين ويمتنع أن تحدث عنه بعد ذلك لأنها ~~لا تحدث حتى يحدث عنه ما يجعله علة تامة لها وحدوث شيء من الحوادث عن العلة ~~المستلزمة لمعلولها في الأزل ممتنع لكن لو قالوا إن الرب سبحانه وتعالى ليس ~~فعله تاما في الأزل بل هو يحدث كل ما سواه شيئا بعد شيء كان هذا موافقا ~~لأصلهم في جواز تعاقب الحوادث ولكنه مبطل لقدم شيء بعينه من العالم لا ~~الفلك ولا غيره وحجتهم في القدم مبنية على أنه مؤثر تام في الأزل فقد ثبت ~~أنه ليس مؤثرا تاما لها ولم يثبت أنه مؤثر تام لغيرها فبطلت حجتهم فلم يبق ~~معهم ما يثبت علة تامة في الأزل وهذا يبطل حجتهم لو لم يثبت امتناع علة ~~تامة في الأزل فكيف إذا ثبت امتناع ذلك فإنه يوجب امتناع قدم شيء من العالم # PageV01P039 # وأيضا فإذا لم يكن مؤثرا تاما في الأزل للحوادث فتأثيره بعد أن لم يكن ~~مؤثرا أن توقف على غيره لزم أن يكون مبدع العالم مفتقرا في الإبداع إلى ~~غيره ثم ذلك الغير إن كان واجبا لزم إثبات واجبين فاعلين وهذا ممتنع ~~بالاتفاق مع أنه لا يستلزم قدم العالم ثم إن كان كل منهما مستقلا بالفعل ~~لزم أن يكون كل منهما مبدعا لكله فيلزم أن يكون هذا فاعلا لكله وهذا فاعلا ~~لكله وذلك جمع بين النقيضين وإن لم يكن أحدهما مستقلا بالفعل لزم احتياجه ~~إلى الآخر وافتقاره إليه فيكون كونه فاعلا وقادرا موقوفا على الآخر وذلك ~~يستلزم ألا يكون ms020 هذا فاعلا قادرا إلا بهذا وإلا يكون هذا قاعى فاعلا قادرا ~~إلا بهذا فيلزم الدور المعي القبلي فلا يكون واحد منهما فاعلا قادرا وهذا ~~كله مما يسلمه جميع الناس وهو مبسوط في غير هذا الموضع فلا حاجة إلى ~~الإطناب فيه وإن كان ذلك الغير ممكنا كان مفعولا مصنوعا له فتوقف فعله عليه ~~توقف على ما هو من مفعولاته ومصنوعاته والقول في فعله لذلك الممكن كالقول ~~في فعله لغيره فلا بد أن يكون فعله لا يتوقف على غيره وإن قيل إن تأثيره ~~بعد أن لم يكن لا يتوقف على غيره لزم الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا سبب ~~وهذا ممتنع عندهم وبتقدير صحته فإنه يمكن حدوث الحوادث حينئذ # PageV01P040 # بعد أن لم تكن حادثة على هذا التقدير فيبطل قولهم بقدم العالم فتبين أنه ~~يمتنع مع حدوث الحوادث أن يكون مؤثرا تاما في الأزل وإذا قيل أحداثه للثاني ~~مشروط بالأول وهلم جرا قيل فليس هو وقت حدوث حادث واحد مؤثرا تاما بل في كل ~~وقت لا بد من حادث به يتم كونه مؤثرا تاما وإذا لم يكن في وقت من الأوقات ~~مؤثرا تاما امتنع ثبوت المؤثر التام الذي لا يتوقف تأثيره على حدوث حادث ~~وإذا بطل المؤثر التام بطل القول بقدم العالم وإيضاح هذا بالكلام على نص ~~كلامهم قالوا لم لا يجوز أن يقال إن واجب الوجود عام الفيض إلا أن حدوث ~~الأثر عنه يتوقف على استعداد القوابل وحصول هذه الإستعدادات المختلفة في ~~القوابل يتوقف على الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية وكل حادث منها ~~مسبوق بآخر لا إلى أول فلهذا السبب حدث التغير في العالم فيقال لهم إذا كان ~~حدوث الأثر عنده يتوقف على استعداد القوابل وحصول الاستعدادات متوقف على ~~الحركات والاتصالات فهذه الحركات والاتصالات هي أيضا حادثة كما أن ~~الاستعدادات أيضا حادثة والقول في حدوث هذه الحوادث كالقول فيما يفيض على ~~القوابل السفلية فإن الجميع حادث وحجتهم تستلزم ألا يحدث شيء لأن المؤثر ~~التام دائم أزلا # PageV01P041 # وأبدا فيلزم دوام آثاره أزلا وأبدا وألا يتأخر ms021 عنه شيء من آثاره فإذا قيل ~~الحادث الثاني مشروط بالأول قيل فالكلام في حدوث الأول فكل من هذه الحوادث ~~لا يجوز أن يصدر عن المؤثر التام الأزلي إذ لو كان كذلك لكان قديما معه وكل ~~من هذه الحوادث يجب أن يحدث مؤثره أو تمام مؤثره وليس في المؤثر التام ~~الأزلي سبب يقتضي حدوث شيء أصلا عندهم فيلزم ألا يكون لشيء من الحوادث سبب ~~منه وإذا قيل حركة الفلك هي سبب الحوادث قيل فحركة الفلك يمتنع صدورها عن ~~مؤثر تام لا يقوم به شيء من الحوادث لأن ذلك يستلزم تأخر المعلول عن علته ~~التامة وتأخر موجب الشيء ومقتضاه عن المقتضي الموجب التام فالكلام في حدوث ~~حركة الفلك كالكلام في غيرها وهذا الموضع من فهمه علم ضرورة بطلان مذهب ~~القوم وأن حقيقة قولهم أن الحركات والحوادث حادثة بلا فاعل لها ولا سبب ~~يقتضي حدوثها فإن أثبتوا في الفاعل الأول أفعالا تقوم به شيئا بعد شيء ~~وقالوا تلك هي سبب التغيرات كان هذا موافقة على إمكان إحداث العالم وغيره ~~وبطل أصل قولهم وأما الإلزام الذي ذكره الرازي في الأربعين فصحيح # PageV01P042 # أيضا فإنه قال العرض المعين إما أن يفتقر في حدوثه إلى سبب أو لا يفتقر ~~والثاني باطل بالاتفاق وإذا افتقر فالسبب إن كان حادثا لزم وجود أسباب ~~ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة وإن كان قديما لزم جواز صدور الحوادث عن ~~القديم وهو يبطل حجتهم وأما اعتراض الأرموي بقوله إن عنيت بالسبب السبب ~~التام فحدوثه لا يدل على حدوث السبب الفاعل بل إما على حدوثه أو حدوث بعض ~~شرائطه فيقال له هب أن الأمر كذلك فإذا عنى بحدوثه حدوث السبب التام وحدوثه ~~لا يقف على حدوث الفاعل بل يكفي حدوث بعض الشرائط فأي جواب لهم في هذا ~~وقوله حدوث بعض الشرائط والمعدات الغير متناهية على التعاقب جائز عندهم ~~فيقال له فهب أنه جائز عندهم فجوازه عندهم لا يدل على صحة مذهبهم ولا على ~~إمكانه ولا على بطلان ما ذكره بل حدوث الشرائط والمعدات ms022 باطل بما به بطل ~~حدوث العلة التامة وذلك أن تلك الشروط والمعدات الحادثة لا بد لها من محدث ~~وإذا قلت حدوثه موقوف على تمام حدوث التأثير # PageV01P043 # قيل الكلام في حدوث تمام تلك التأثيرات كالقول في كل من هذه الحوادث إن ~~كان المقتضي لحدوثه حادثا لزم تسلسل العلل وإن كان قديما لزم حدوث الحوادث ~~عن القديم وإن قيل المقتضي لحدوثه هو القديم بشرط الحادث قيل هذا مع قولكم ~~إن القديم مؤثر تام باطل لأن المؤثر التام لا يحدث عنه شيء فلا يحدث عنه ~~شيء من الشروط وأيضا فالعلة يجب أن تكون مقارنة لمعلولها عندكم لا متقدمة ~~عليه ولا متأخرة عنه وإذا كان القديم مؤثرا في الثاني بشرط حدوث الأول كانت ~~العلة متقدمة على المعلول وبهذا احتج الرازي فإنه قال كل حادث يجب أن تكون ~~علته التامة موجودة عند وجوده وإن كان بعض أجزائها متقدما فإذا جعلتم كل ~~حادث جزءا من المؤثر في الآخر أو شرطا فيه وجزء العلة وشرطها هو من تمام ~~العلة التامة لزم وجود هذه الشروط الحادثة عند حدوث كل حادث فيلزم وجود ~~الحوادث المتعاقبة معا وهذا ممتنع ففي الجملة قولهم إن العلة التامة ~~يقارنها معلولها وإن الاول علة تامة يستلزم أن الأول لم يحدث عنه شيء ~~ويستلزم أن يكون تمام علة كل حادث إنما يحصل عند حصوله فلا يكون تمام علته ~~متقدما عليه وهذا يناقض قولهم إن الحادث الأول شرط في تمام علة الثاني فإن ~~الأول متقدم علىالثاني والمتقدم على الشيء لا يكن جزءا من علته التامة # PageV01P044 # والإنسان وإن كان يقطع المسافة الثانية بشرط قطع الأولى فليس هو علة تامة ~~للأولى ولا للآخرة والعلة التامة في حدوث قطع الثانية إنما وجد مع الثانية ~~وهو الإرادة الجازمة والقدرة التامة التي لم تحصل إلا بعد قطع الأولى فإذا ~~قالوا مثل هذا في الواجب لزم تجدد الإرادات له وهذا قول حذاقهم من الأولين ~~والآخرين كالأساطين الذين كانوا قبل أرسطو طاليس أو كثير من الأساطين وكأبي ~~البركات صاحب المعتبر وغيره فإنه قال ms023 القول بكون الرب تعالى مؤثرا في هذا ~~العالم لا يمكن إلا مع هذا القول قال والتنزيه عن التنزيه واجب والإجلال عن ~~هذا الإجلال متعين # PageV01P045 # وهذا القول يبطل حجتهم في قدم العالم ويبين أنه فاعل بمشيئته وقدرته ~~أفعالا متعاقبة شيئا بعد شيء فهذا أحد الجوابين عن اعتراض الأرموي # الجواب الثاني أن قوله للرازي إما ان تعني بالسبب السبب التام وإما أن ~~تعني به الفاعل فيقول له لا حاجة بي إلى هذا التقسيم فإن حجتي صحيحة مع ~~الإعراض عن هذا التقسيم والناس منهم من يقول إن الحوادث لا توجد إلا بسبب ~~تام يستلزم حدوثها كما هو قول أكثر الناس من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم ~~وأكثر هؤلاء يقولون المرجح مع ذلك هو الفاعل القادر المختار الذي تستلزم ~~قدرته وإرادته للحادث وجود ذلك الحادث فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم ~~يكن وهذا مذهب أهل السنة المثبتين للقدر القائلين بحدوث العالم ومن هؤلاء ~~من يقول بل نفس ذاته موجبة للمكنات بدون ذلك وهذا قول الفلاسفة الدهرية ~~الإلهية وقولهم يستلزم ألا يحدث شيء من الحوادث وهذا الموجب الذي فرضوه لا ~~يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان كالواحد الذي فرضوه أيضا وقالوا إنه لا ~~يصدر عنه إلا واحد # PageV01P046 # ومن الناس من يقول بل يكفي في حدوثها الفاعل القادر الذي يمكنه الفعل ~~والترك الذي يفعل على سبيل الإختيار وأنه بقدرته فقط أو بقدرته ومشيئته أو ~~بقدرته وداعيه يرجح أحدهما بلا مرجح ومنهم من يفرق بين القادر والموجب ~~فيقول المؤثر الموجب لا يؤثر إلا إذا كان تاما مستلزما لأثره وأما القادر ~~فيمكنه التأثير على سبيل الجواز # والمقصود هنا أن ما ذكره الرازي يصح على جميع هذه التقديرات فبأي شيء فسر ~~المفسر المؤثر أمكن صحة جوابه وذلك أن هذا الحادث المعين كالإنسان والفرس ~~والثمرة وغيرها مما يحدث كل يوم لا بد له من مؤثر فذلك المؤثر إن كان حادثا ~~كان الكلام في سبب حدوثه كالكلام في الأول فيلزم إثبات مؤثرات لا تتناهى كل ~~منها مؤثر في ms024 الآخر وإن شئت قلت يلزم إثبات علل ومعلولات لا تتناهى دفعة ~~واحدة وإن شئت قلت يلزم إثبات فاعلين مفعولين وإن شئت قلت يلزم إثبات ~~خالقين مخلوقين لا يتناهون وإن شئت قلت يلزم إثبات أسباب ومسببات لا تتناهى ~~فعلى كل تقدير إذا كان هذا حادثا لزم وجود علل ومعلولات لا تتناهى دفعة ~~واحدة وإنما قال دفعة واحدة لأن التقدير أن فاعل هذا المحدث محدث أيضا لا ~~قديم فإن قيل فهل لا يجوز أن يكون فاعل هذا محدثا قبله وفاعل هذا محدثا ~~قبله وهلم جرا # PageV01P047 # قيل لأن الفاعل يجب أن يكون موجودا عند وجود الفعل ويمتنع بعد عدم الفاعل ~~وجود الفعل وكذلك العلة والسبب لا بد أن يكون موجودا عند وجود المعلول ~~والسبب لا يكون موجودا قبله ولو قدر أن لكل فاعل فاعلا قبله محدثا كان هذا ~~أيضا ممتنعا فهذا ممتنع سواء قيل أن الأسباب الفاعلة موجودة معا أو متعاقبة ~~لكنه لما كان الدليل قد قام على أن العلة يجب وجودها عند وجود المعلول لا ~~قبله ذكر هذا اللازم وإذا أردت أن تتبين امتناع ذلك على التقديرين قلت هذا ~~يقتضي ثبوت علل ومعلولات محدثة لا نهاية لها وذلك ممتنع سواء فرضت مجتمعة ~~أو متعاقبة لأن كل واحد منها ليس له وجود من نفسه فلا يستحق من نفسه إلا ~~العدم فإذا كانت كلها محدثة مفعولة مصنوعة امتنع مع عدم الفاعل الصانع وجود ~~شيء منها بمنزلة تعاقب المعدومات والممتنعات وهذا لكونه معلوما متفقا عليه ~~مبسوطا في موضع آخر لم نبسطه هنا فإنه يعلم بضرورة العقل امتناع حوادث بلا ~~محدث قديم لها # والمقصود أن الرازي يقول كل ما يحدث في العالم يمتنع أن يحدث بلا محدث ~~ويمتنع أن يكون كل محدث أحدثه محدث آخر فوجب أن يكون المحدث لكل حادث هو ~~فاعل قديم وهذا يناقض قولهم فإنه برهان باهر على أن المحدثات # PageV01P048 # يمكن بل يجب صدورها عن القديم وإذا صدرت عن القديم لم يكن القديم علة ~~تامة لشيء منها إذ لو كان كذلك لقارنها فبطل ms025 قولهم بالعلة التامة وهو ~~المطلوب لكن ليس في هذا الجواب ما يبطل وجود حوادث لا أول لها بل يجوز أن ~~يقال إحداث القديم الأول مشروط بالثاني ولكن على هذا التقديرين لا يلزم قدم ~~شيء من العالم بل يجوز أن يكون كل منه حادثا وإن كان مشروطا بحادث قبله لا ~~سيما إذا كان الحادث فعل الفاعل سبحانه وتعالى وهذا الذي ذكره الرازي وغيره ~~إلزام لهم لكن ليس فيه حل الشبهة ولا بيان فسادها ونحن نبين فسادها على ~~أصولهم وعلى أصول المسلمين وذلك أن الحجة مبناها على أنه لا بد أن يكون في ~~الأزل مؤثر تام لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح أو التسلسل هكذا أطلق كثير منهم ~~الحجة ولفظ التسلسل يراد به التسلسل المتنازع فيه ويراد به التسلسل الممتنع ~~باتفاق العقلاء بل والدور فإنه إذا لم يكن في الأزل مؤثر تام ثم صار مؤثرا ~~تاما لزم حدوث تمام التأثير وهذا يتضمن حدوث الحادث بلا فاعل ولهذا عبر ابن ~~سينا وغيره عن هذا بأن قالوا كل ما فعل بعد أن لم يكن فاعلا فلا بد له من ~~حدوث أمر إما علم وإما قصد وإما إرادة وإما زوال مانع وإما أمر آخر وإلا ~~فإذا قدر أنه كما كان وكان لا يحدث عنه شيء فالآن لا يحدث عنه شيء وقد حدثت ~~الحوادث فهذا خلف # PageV01P049 # وإنما لزم هذا المحذور من فرض ذات معطلة عن الفعل وإذا كان هذا الفرض ~~باطلا فنقيضه حق والتسلسل المذكور هنا هو التسلسل في الفاعل وهو في تمام ~~كونه فاعلا ويلزم الدور أيضا لأنه لا يصير فاعلا إلا بعد أن يصير فاعلا ~~وهذا كما يقال يمتنع أن يكون لفاعل العالم فاعل وللفاعل فاعل ويمتنع أن ~~يكون هو فاعل نفسه لكن هنا الكلام فيما به يتم كونه فاعلا فإذا قيل لم يكن ~~مؤثرا تاما ثم صار مؤثرا فلا بد من حدوث تمام التأثير أو الترجيح بلا مرجح ~~فإنه إذا لم يكن المؤثر التام ثابتا في الازل فحدوث الحوادث عنه إن لم ~~يتوقف على ms026 حدوث سبب لزم الترجيح بلا مرجح وإن توقف على حدوث سبب لزم ~~الترجيح بلا مرجح وإن توقف على حدوث سبب فالقول فيه كالقول في الأول ويلزم ~~التسلسل فمضمون الحجة إما أن يكون المؤثر التام ثابتا في الأزل وإما أن ~~يلزم الترجيح بلا مرجح وإما أن يلزم التسلسل والدور الممتنع فلا بد من أحد ~~هذه الأمور الثلاثة ولهذا كان كثير من أهل الكلام يختار الترجيح بلا مرجح ~~بناء على أن القادر المريد يرجح بقدرته أو بالقدرة والداعي أو أن الإرادة ~~نفسها ترجح أحد المثلين على الآخر وبهذا الجواب أجابهم جمهور المعتزلة ~~والأشعرية والكرامية ومن وافق هؤلاء من أصحاب الأئمة الأربعة # PageV01P050 # وهو أحد جوابي الغزالي في تهافت الفلاسفة وبه أجاب الآمدي وغيره لكن ~~جمهور العقلاء يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة وكذلك بين الرازي على ~~لسان الفلاسفة فساد هذا الجواب فيقال للفلاسفة هذه الحجة باطلة على أصلكم ~~ومتناقضة وذلك أن غاية هذه الحجة أنه إذا لم يكن المؤثر تاما في الأزل # PageV01P051 # لزم التسلسل والتسلسل جائز عندكم فإذا كان التسلسل جائزا فلم لا يجوز ألا ~~يكون المؤثر في شيء معين تاما في الأزل ولكن تأثيره في كل حادث مشروط بحادث ~~قبله لا إلى غاية وتكون جميع مفعولاته محدثه ومعلوم أن هذا مقتضي هذه الحجة ~~والرازي وغيره غفلوا عن هذا الجواب لأنهم يعتقدون بطلان التسلسل فأخذوا في ~~الحجة مسلما لما قالوا في آخر الحجة ويلزم التسلسل وهو محال # PageV01P052 # وإنما هو محال مطلقا عند من يقول بامتناع حوادث لا أول لها من أهل الكلام ~~وليس هو ممتنعا مطلقا عند الفلاسفة بل ولا عند أئمة أهل الملل كالسلف ~~والأئمة الذين يقولون إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ويقولون إن الفعل من ~~لوازم الحياه فإن كل حي فعال بل يصرح غير واحد منهم بأن كل حي متحرك كما ~~صرح بهذه المعاني من صرح بها من أئمة السلف والسنة والحديث فلو أن هؤلاء ~~المتكلمين قالوا للفلاسفة وهب أن هذا يستلزم التسلسل فالتسلسل جائز عندكم ~~فالحجة باطلة على ms027 أصلكم لتبين فساد الحجة على أصل الفلاسفة لكن الفلاسفة ~~تقول للمتكلمين التسلسل اللازم هو تسلسل في أصل التأثير وهو في تمام كون ~~المؤثر مؤثرا وهذا متفق على امتناعه كالتسلسل في نفس المؤثر # PageV01P052 # وفصل الخطاب أن لفظ التأثير والفعل والإبداع ونحو ذلك يراد به في حق الله ~~تأثيره في كل ما سواه وهو إبداعه لكل ما سواه ويراد به التأثير في شيء معين ~~وهو خلقه لذلك المعين ويراد به مطلق التأثير وهو كونه مؤثرا في شيء ما فإذا ~~أريد بالتأثير إبداعه لكل شيء في الأزل فهذا ممتنع بضرورة الحس والعقل فإن ~~الحوادث مشهودة وأيضا فكون الشيء مبدعا أزليا ممتنع وإن أريد به التأثير في ~~شيء معين فمعلوم أيضا أن مثل هذا التأثير حادث بحدوث أثره فإحداث الأثر ~~المعين لا يكون إلا حادثا # وإن أريد بالتأثير مطلق الفعل وهو كونه فاعلا في الجملة فيقال للفلاسفة ~~بحثكم إنما ينفي نقيض هذا وهو أنه يمتنع أن يفعل بعد أن لا يكون فاعلا لشيء ~~لا يمتنع أن يكون فاعلا لشيء بعد أن كان فاعلا لشيء آخر ولا يوجب كونه في ~~الأزل مؤثرا تاما بمعنى أنه مستلزم لآثاره في الأزل بل يوجب أنه لم يزل ~~موصوفا بمطلق الفاعلية لا أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن وهذا إذا صح دل على ~~أنه لم يزل محدثا لشيء بعد شيء لم يدل على أن مفعوله المعين قديم أزلي معه ~~فإنهم قالوا فعله معه في الأزل لأنه مؤثر تام في الأزل والمؤثر التام ~~يستلزم أثره فلا يتخلف عنه فعله لأنه لو لم يكن مؤثرا تاما ثم صار تاما فإن ~~لم يحدث شيء لزم الترجيح بلا مرجح # PageV01P053 # وإن حدث شيء فذلك الحادث لا بد له من سبب حادث فيلزم التسلسل وقولهم لو ~~لم يكن مؤثرا تاما ثم صار تاما إنما يستلزم التسلسل في الآثار لا في ~~المؤثرات لأنه يمكن أن تقوم به إرادات وتصورات متعاقبة متسلسلة وهذا ~~التسلسل جائز عندهم ثم عند اجتماع متأخرها مع متقدمها تحدث الآثار وهذا ~~الجواب ms028 أجاب به طائفة منهم الأبهري وهو أجود من الجواب الذي سماه الرازي ~~الباهر وأبو البركات وغيره يسلمون صحة هذا وابن سينا وأمثاله ليس لهم ما ~~ينفون به هذا إلا ما ينفون به الصفات وقولهم في نفي الصفات في غاية الفساد ~~وأيضا فيقال الذي دل على امتناع التسلسل في تمام التأثير هو التأثير المطلق ~~وذلك لا يدل على قدم شيء من العالم وقد يقول الفلاسفة للمتكلمين فهذا لازم ~~على أصلكم فإذا قالوا لهم ذلك أمكن أن يجاب عن هؤلاء المتكلمين بأن التسلسل ~~إما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا فإن كان ممتنعا بطل قولكم بقدم ~~العالم ودوام حركة الفلك وإذا بطل قولكم بطلت الحجة الدالة عليه بطريق ~~الأولى فإن القول الباطل لا يكون عليه دليل صحيح وإن كان التسلسل ممكنا ~~بطلت هذه الحجة فثبت بطلان هذه الحجة على التقديرين فإن قيل أبو علي بن ~~الهيثم وابن سينا والسهروردي # PageV01P054 # وأمثالهم إنما ذكروا هذه الحجة على من يثبت ذاتا معطلة عن الفعل لم تفعل ~~ثم فعلت من غير حدوث سبب فقالوا نحن نعلم بضرورة العقل أن الحادث بدون سبب ~~حادث محال فإذا قلت حدث بسبب حادث فالقول في الأول كالقول في الثاني فيلزم ~~حدوث الحادث بلا سبب وأيضا فإن الحجة مبنية على امتناع التسلسل في المؤثرات ~~وهذا متفق على امتناعه بين العقلاء قيل أولا الحجة المذكورة لا تتضمن لا ~~هذا ولا هذا وإنما هي مبنية على امتناع التسلسل في الآثار الصادرة عن ~~الواجب الوجود والفلاسفة تجوز هذا وحقيقة الأمر أن هؤلاء المتفلسفة أدعوا ~~قدم الأفلاك وغيرها من الأمور المعينة ومنازعوهم قالوا بل نوع الفعل ~~والمفعول ممتنع في الأزل فاحتج أولئك بامتناع أن يصير فاعلا من لم يكن ~~فاعلا بدون سبب حادث والحدث لا يحدث إلا بفاعل ولا فاعل فكان تقدير الكلام ~~لا يكون فاعلا حتى يصير فاعلا ولا يصير فاعلا حتى يصير فاعلا وهذا دور من ~~وجه وتسلسل من وجه وهو تسلسل في نفس كونه فاعلا فهو من التسلسل في المؤثرات ~~لكنه ms029 # PageV01P055 # دور في شيء واحد وتسلسل في شيء واحد مثل أن يقال هذا لا يكون حتى يكون ~~ولا يكون حتى يكون فإنه اعتبار نفسه شيء واحد وباعتبار تعدد الأكوان دور ~~وتسلسل في أمور ثم إن جعل الكون الثالث هو الأول كان دورا وإن جعله غيره ~~كان تسلسلا ولذلك إذا قيل لا يفعل حتى يفعل ولا يفعل حتى يفعل إن جعل ~~الثالث هو الأول كان دورا وإن جعل غيره كان تسلسلا فهذا ممتنع بلا ريب وأما ~~إذا قيل لا يفعل فعلا حتى يفعل فعلا آخر لم يكن نوع الفاعلية حادثا بل ~~أعيانها وهذا فيه النزاع المشهور والفلاسفة تجوز مثل هذا وهو لا يستلزم قدم ~~شيء من العالم ولا يلزم أن يكون تأثيره في شيء معين أزليا وقيل ثانيا أما ~~كلام ابن سينا وأخوانه فباطل من وجهين أحدهما أن يقال له قولك يستلزم حدوث ~~الحوادث بلا محدث لها فجواز حدوثها عن مؤثر قديم بلا سبب حادث إن كان باطلا ~~فقولكم أبطل منه وإن كان قولكم ممكنا فهذا أولى بالإمكان فالقول الذي فررتم ~~إليه شر من القول الذي فررتم منه إذ قولكم يتضمن أن المؤثر التام الأزلي ~~صدرت عنه الحوادث بلا حدوث شيء فيه ولا منه مع كون المؤثر التام لا يتخلف ~~عنه شيء من مفعولاته # الوجه الثاني أن يقال أن هذه الحجة إنما تتضمن أن الفاعل لم يزل فاعلا ~~ليس فيها ما يدل على أنه علة تامة في # PageV01P056 # الأزل ولا على أن شيئا من العالم قديم لا الأفلاك ولا غيرها فإذا كان ~~كذلك فليس فيها ما يدل على مطلوبه وإنما يدل على بطلان قول من يجعل الفاعل ~~صار فاعلا بعد أن لم يكن بلا سبب أصلا لكن هذا قول طائفة من أهل الكلام ~~الذي ذمه السلف والأئمة ليس هذا القول معروفا عند سلف المسلمين وأئمة الدين ~~فضلا عن الأنبياء والمرسلين وليس في بطلان هذا القول إن بطل إثبات قدم ~~العالم ولا شيء منه بل إنما يدل على بطلان ما يقوله أهل الكلام المبتدع ms030 ~~كالمعتزلة ومن سلك سبيلهم وهذا مما يتبين به أن أدلة العقول موافقة لما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم ومما يبين فساد قول هؤلاء القائلين بقدم ~~العالم عن الموجب بالذات أن يقال إما أن يكون مجرد ذاته هي الموجب للعالم ~~أو هي متوقفة على أمر آخر فإن كان الأول لزم قدم كل شيء في العالم ودوامه ~~بقدم الموجب ودوامه فإنه إذا لم يكن هنا إلا مؤثر تام قديم مستلزم لأثره ~~لزم أن يكون أثره قديما معه بقدمه وهو مكابرة للحس وإن كان تأثيره موقوفا ~~على غيره كان هذا مع بطلانه بالاتفاق مبطلا لقولهم بقدم العالم وأن يقال ~~ذلك الغير إن كان قديما واجبا معه ومجموعهما هو العلة التامة لزم قدم ~~الآثار بقدمهما فسواء فرض المؤثر القديم الموجب واحدا أو عددا متى قيل # PageV01P057 # إنه موجب بذاته في الأزل لزم حصول جميع موجبه في الأزل فيلزم ألا يحدث ~~شيء وهو مخالف للعيان وإن قيل أن تأثيره موقوف على حادث غيره كان القول في ~~حدوث ذلك الحادث كالقول في غيره فيمتنع صدوره عنه فتبين أنه يلزمهم كون ~~الحوادث لا محدث لها كيفما داروا ويلزمهم أيضا ألا يكون واجبا بذاته لأن ~~الواجب بذاته لا بد أن يكون غنيا عن غيره من كل وجه فإذا افتقر في فعله إلى ~~غيره لم يكن غنيا من كل وجه لا سيما إذا كان فعله من لوازم ذاته وكان ذلك ~~موقوفا على غيره كان لوازم ذاته موقوفا على غيره ووجود الملزوم بدون اللازم ~~محال فيكون وجود ذاته موقوفا على ذلك الغير وما كان كذلك لم يكن واجبا ~~بنفسه فكان قولهم مستلزما لكونه غير واجب بنفسه وكونه غير مبدع لشيء لا ~~بالإيجاب ولا غيره # وأيضا فإذا كانت ذاته غير كافية في الأحداث كانت مفتقرة في الأحداث إلى ~~امر عدمي لامتناع حدوث الحوادث عن غيره وإذا كان افتقاره إلى موجود غيره ~~ممتنعا فافتقاره إلى المعدوم أولى بالامتناع ولأن المعدوم لا يكون مؤثرا ~~ولا جزءا من المؤثر في الوجود وأيضا فهم ms031 يزعمون أنهم قالوا بقدم العالم ~~نفيا للشركة عن الله لأنه إذا كان فعله مجرد ذاته مستقلا بالفعل لزم قدم ~~الفعل وإذا كان حادثا كان موقوفا على غيره # PageV01P058 # فيقال لهم بل قولكم أن فعله متوقف على غيره لأن الحوادث التي تحدث ليست ~~ذاته موجبة لها لامتناع كون الذات القديمة الموجبة بذاتها لآثارها موجبة ~~للحوادث فلا يكون ممكنا من فعل الحوادث إلا بشريك وأما القائلون بالحدوث ~~فلهم قولان أحدهما قول من يقول الأول لم يزل فاعلا للحوادث شيئا بعد شيء ~~فعلى هذا تكون ذاته مستلزمة للفعل مع كون الأفعال والمفعولات حادثة شيئا ~~بعد شيء ليس فيها ما هو قديم ومن غير أن يكون له شريك وإذا كان فعله للثاني ~~موقوفا على فعله الأول مع أنه هو فاعل للجميع لا يفتقر في ذلك إلى غيره لم ~~يكن في ذلك مفتقرا إلى شيء غيره # والقول الثاني قول من يقول أنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا فهؤلاء يقولون ~~أنه فعل لمجرد قدرته أو لقدرته أو لمشيئته أو قدرته وداعيه لا يقولون أن ~~فعله متوقف على موجود غيره وإذا قالوا أنه موقوف على انقضاء الأول لم يكن ~~هذا الانقضاء مفتقرا عندهم إلى سبب وجودي فتبين أنهم على كل واحد من ~~القولين أبعد عن الشرك من الفلاسفة # وهؤلاء الفلاسفة ليس معهم قط دليل يدلهم على قدم شيء من العالم ولا أن ~~الخالق قارنه شيء من مخلوقاته ولكن غاية ما معهم أنه لم يزل فاعلا وإثبات ~~نوع الفعل لا يستلزم إثبات فعل معين ولا مفعول معين # PageV01P059 # فقولهم بقدم الأفلاك أو مادة الأفلاك أو العقول والنفوس أو غير ذلك ليس ~~لهم عليه حجة أصلا وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وتكلمنا على ~~جميع ما ذكر في هذا الباب وأنه ليس في شيء منها ما يقتضي قدم شيء من العالم ~~وهذا منتهى نظر العقلاء في هذا المقام ولهذا ذكر أبو عبد الله الرازي في ~~خاتمة كتابه المسمى بالأربعين المسألة الأربعون وهي خاتمة الكتاب في ضبط ~~المقدمات ms032 التي يكون الرجوع إليها في إثبات المطالب العقلية وختم ذلك بأن ~~قال واعلم أن هنا مقدمتين يفرع المتكلمون والفلاسفة أكثر مباحثهم عليها ~~المقدمة الأولى مقدمة الكمال والنقصان كقولهم هذه الصفة من صفات الكمال ~~فيجب إثباتها لله عز وجل وهذه الصفة من صفات النقصان فيجب نفيها عن الله عز ~~وجل وقال: "وأكثر مذاهب المتكلمين مفرعة على هذه المقدمة" # PageV01P060 # إلى أن قال: "وأما المقدمة الثانية فهي مقدمة الوجوب والإمكان وهذه ~~المقدمة في غاية الشرف والعلو وهي غاية عقول العقلاء قالوا الموجود إما ~~واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب وذلك الواجب لا بد وأن يكون واجبا ~~في ذاته وفي صفاته إذ لو كان ممكنا لافتقر إلى مؤثر آخر". # وتكلم على المقدمة الأولى قال والمقدمة الثانية وجوبه في جميع صفاته ~~السلبية والثبوتية قالوا والدليل على أن الأمر كذلك أن ذاته إن كفت في تحقق ~~تلك الصفة وجب دوامها بدوام الذات وإن لم تكف افتقرت ذاته في تلك الصفة إلى ~~أمر آخر ولا بد في الآخر من الانتهاء إلى الواجب بذاته فيعود ما ذكرناه من ~~أنه يلزم من دوام ذاته دوام تلك الصفة. # قال ثم إن الفلسفي يقول ما لأجله كان مؤثرا في غيره إما أن يكون هو ذاته ~~أو لوازم ذاته فيلزم من دوام ذاته دوام مؤثريته ودوام أثره والمتكلم يقول ~~لما وجب في # PageV01P061 # الفعل أن يكون مسبوقا بالعدم لزم أن يقال أنه أوجد بعد أن لم يكن موجدا ~~فالفيلسوف يستدل بحال المؤثر على حال الأثر والمتكلم يستدل بحال الأثر على ~~حال المؤثر وهي المعركة الكبرى والطامة العظمى في هذا الموضع قلت مقدمة ~~الكمال والنقصان أشرف من مقدمة الوجوب والإمكان كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع والمقصود هنا أنه لقائل أن يقول كل من المتكلم والمتفلسف لو أعطي ~~تمام الهداية لعلم أن ما دل عليه العقل موافق لما أخبرت به الرسل ولما دل ~~عليه الدليل الآخر العقلي فإن أدلة العقول لا تتناقض في نفسها ولا تناقض ما ~~أخبرت به الرسل ms033 فيقال للمتفلسف أتعني بقولك يلزم من دوام ذاته دوام مؤثريته ~~في شيء معين كالأفلاك أو غيرها وكذلك تعني أنه يلزم دوام أثر معين كالأفلاك ~~أو غيرها أو تعني به دوام مؤثريته في كل شيء أم تعني دوام مطلق التأثير ~~والأثر فإن عنيت الاول لم يكن قولك صحيحا من وجوه أحدها أن هذا الدليل لا ~~يستلزم دوام تأثير في أثر معين وإنما يستلزم دوام مطلق التأثير ومطلق الأثر ~~وعلى هذا التقدير فإذا قيل لم يزل الله موصوفا بصفات # PageV01P062 # الكمال حيا متكلما إذا شاء فعالا أفعالا تقوم به أو مفعولات محدثة شيئا ~~بعد شيء أعطي هذا الدليل موجبه ولم يلزم من دوام النوع دوام كل واحد من ~~أعيانه وأشخاصه ولا دوام شيء منها كما تقوله أنت في حركات الفلك والحوادث ~~الأرضية فإنك تقول نوع الحوادث دائم باق لا أول له فليس فيها شيء بعينه ~~قديم فهي كلها محدثة وإن كانت الأحداث لم تزل وإذا قلت مثل هذا في فعل ~~الواجب كنت قد وفيت بموجب هذا الدليل ولم تخالف شيئا من أدلة العقل ولا ~~الشرع # الوجه الثاني أن يقال لو كان مؤثريته في شيء معين من لوازم ذاته دون غيره ~~من الموجودات لم يكن التأثير في غيره من لوازم ذاته فيلزم أن يكون من ~~التأثير ما ليس من لوازم ذاته في الأزل فكان من التأثير ما هو حادث ليس ~~بقديم وحينئذ فإن كان ذلك بدون أن تقوم بذاته أمور متعاقبة أمكن أن يقال ~~ذلك في جميع العالم فلا يكون شيء منه قديما وإن كان لا بد من قيام أمور ~~متعاقبة أمكن أن يكون كل ما صدر عنه حادثا بعد أن لم يكن بهذا السبب من غير ~~قدم شيء من العالم # الوجه الثالث أن كون الفاعل فاعلا لشيء مع كونه قديما بقدمه جمع بين ~~النقيضين كما ذكره المتكلمون وأما كون الموجب لكونه فاعلا ذاته ولوازم ذاته ~~فذلك لا يقتضي أن يكون فاعلا لشيء معين كما لا يقتضي أن يكون فاعلا لكل شيء ~~وأما إن ms034 أريد مؤثريته في كل شيء فيقال محال أن يكون # PageV01P063 # اللازم دوام مؤثريته التامة وأثره كله فإن هذا لو كان حقا لم يحدث شيء في ~~هذا العالم فحدوث الحوادث دليل على أنه لا يلزمه آثاره كلها وليست المؤثرية ~~التامة المستلزمة الآثار ثابتة في الأزل بل تحدث عنه الأثار فيكون مؤثرا في ~~هذا الحادث ثم في هذا الحادث وقد تقدم أنه لو لزم دوام الآثار لم يكن في ~~العالم تغير أصلا وإن قلت بل اللازم دوام مطلق التأثير # فيقال ليس في هذا ما يقتضي قدم شيء من العالم بل كونه فاعلا للشيء يقتضي ~~كون المفعول له مسبوقا بالعدم ودوام كونه فاعلا لا يناقض ذلك وحينئذ فليس ~~مع الفلسفي ما يوجب قدم شيء من العالم # وأما قول المتكلم لما وجب في الفعل أن يكون مسبوقا بالعدم لزم أن يقال ~~أنه أوجد بعد أن لم يكن موجدا فيقال له أوجب في كل مفعول معين وكل فعل معين ~~أن يكون مسبوقا بالعدم أم أوجب في نوع الفعل فإن قلت بالأول فلا منافاة بين ~~أن يكون كل من الأفعال والمفعولات مسبوقة بالعدم مع دوام نوع المؤثرية ~~والأثر وأذن ما دل عليه دليل العقل لا يناقض ما دل عليه ذلك # PageV01P064 # الدليل الآخر العقلي ومن اهتدى في هذا الباب إلى الفرق بين النوع والعين ~~تبين له فصل الخطأ من الصواب في مسألة الأفعال ومسألة الكلام والخطاب. # واعلم أن أولي الألباب هم سلف الأمة وأئمتها المتبعون لما جاء به الكتاب ~~بخلاف المختلفين في الكتاب المخالفين للكتاب الذين قيل فيهم {وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} وحينئذ فالرب تعالى أوجد كل حادث بعد أن ~~لم يكن موجدا له وكل ما سواه فهو حادث بعد أن لم يكن حادث ولا يلزم من ذلك ~~أن يكون نفس كماله الذي يستحقه متجددا بل لم يزل عالما قادرا مالكا غفورا ~~متكلما كما شاء كما نطق بهذه الألفاظ ونحوها الإمام أحمد وغيره من أئمة ~~السلف. # فإن قال أن نوع الفعل يجب أن يكون ms035 مسبوقا بالعدم قيل له من أين لك هذا ~~وليس في الكتاب والسنة ما يدل عليه ولا في المعقول ما يرشد إليه وهذا ~~يستلزم أن يصير الرب قادرا على نوع الفعل بعد أن لم يكن قادرا عليه فإنه إن ~~لم يزل قادرا أمكن وجود المقدور فإن كان المقدور ممتنعا ثم صار ممكنا صار ~~الرب قادرا بعد أن لم يكن وانتقل الفعل من الامتناع إلى الإمكان من غير ~~حدوث شيء ولا تجدده فإن الأزل ليس هو شيئا معينا بل هو عبارة عن عدم ~~الأولية كما أن الأبد عبارة عن عدم الآخرية فما من وقت يقدر إلا والأزل ~~قبله لا إلى غاية كما قال النبي صلى الله عليه # PageV01P065 # وسلم في الحديث الصحيح: "أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك ~~شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء" # PageV01P066 # ومما ينبغي أن يعلم أن الرازي وأتباعه مضطربون في هذه الحجة وأمثالها ~~فتارة يكونون مع أهل الكلام وتارة يكونون مع الفلاسفة ولهذا يحتج بهذه ~~الحجة في كتابه الذي صنفه في السحر ودعوة الكواكب وعبادة الأصنام المبنية ~~على ذلك وقال فيه هذا ملخص ما وصل إلينا من علم الطلسمات والسحريات ~~والعزائم ودعوة الكواكب مع التبري عن كل ما يخالف الدين ويثلم اليقين # قال في المقالة الأولى في تقرير الأصول الكلية لهذا العلم وفيه فصول ~~الفصل الأول في تحديد الطلسمات وتحقيق الكلام فيها على الوجه الكلي الطلسم ~~علم بأحوال تمزيج القوى الفعالة السماوية والقوى المنفعلة الأرضية لأجل ~~التمكن من إظهار ما يخالف العادة والمتع مما يوافقها قال وتحقيق الكلام فيه ~~يستدعي بيان مقامين أحدهما # PageV01P066 # إثبات القوى الفعالة السماوية وتقريره أن الحوادث الحادثة في هذا العالم ~~العنصري لا بد لها من أسباب وأسبابها إما أن تكون حادثة وإما أن تكون قديمة ~~فإن كانت حادثة افتقرت إلى أسباب أخرى ولزم التسلسل وذلك محال لأن السبب ~~المؤثر لا بد وأن يكون موجودا مع الأثر فلو كان المؤثر في وجود كل حادث ~~حادثا آخر لا إلى نهاية ms036 لزم حصول تلك الأسباب والمسببات التي لا نهاية لها ~~دفعة واحدة لكن ذلك محال لأن ذلك المجموع ممكن وحادث بمجموعه وبكل واحد من ~~أجزائه وكل ممكن محدث فله سبب مغاير له فاذن ذلك المجموع مفتقر لمجموعه ~~ولكل واحد من أجزائه لمجموع الممكنات أجزاء ذلك المجموع ليس بممكن ولا حادث ~~فإذن ثبت انتهاء جميع الممكنات إلى موجود واجب الوجود فقد بطل القول ~~بالتسلسل وإذا ثبت انتهاء جميع الممكنات والمحدثات إلى سبب قديم واجب ~~الوجود فنقول ذلك القديم إما أن يكون كل ما لا بد منه في مؤثريته حاصلا في ~~الأزل أو ليس كذلك ويدخل في هذا القسم قول من يقول انه إنما خلق هذا الحادث ~~في هذا الحين لأن خلقه فيه أصلح من خلقه في حين آخر # PageV01P067 # ولأن خلقه كان موقوفا على حضور وقت معين أو محقق أو مقدر فإنه على جميع ~~هذه الأقوال صح القول بأن كل ما لا بد منه في مؤثريته في حدوث ذلك الحادث ~~ما كان حاصلا في الأزل فأما إن قلنا إن كل ما لا بد منه في هذه المؤثرية ~~كان حاصلا في الأزل لزم أن يكون الأثر واجب الترتيب عليه في الأزل لأن ~~الأثر لو لم يكن واجب الترتيب عليه فهو إما ممتنع الترتيب عليه وإما ممكن ~~الترتيب عليه فإن كان ممتنع الترتيب عليه فليس هو بمؤثر أصلا وقد فرضناه ~~مؤثرا هذا خلف وإن كان ممكن الترتيب عليه وممكنا أن لا يترتب عليه أيضا ~~فلنفرضه تارة مصدرا لذلك الأثر بالفعل وأخرى غير مصدر له بالفعل لأن كل ما ~~كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال وامتياز الحين الذي صار المؤثر فيه ~~مصدر الأثر بالفعل عن الحين الذي لم يصر كذلك إما أن يتوقف على انضمام قيد ~~إليه أولا يتوقف فإن توقف لم يكن الحاصل قبل انضمام القيد إليه تاما في ~~المؤثرية وقد فرضناه كذلك هذا خلف وإن لم يتوقف فقد ترجح الممكن من غير ~~مرجح ألبتة وتجويزه يسد باب الاستدلال بالممكن على المرجح وأما ms037 إن قلنا أن ~~كل ما لا بد منه في المؤثرية ما كان حاصلا في الأزل فإن استمر ذلك السبب ~~أبدا وجب ألا يصير ألبتة مؤثرا لكنا فرضناه مؤثرا فيما لا يزال هذا خلف فإن ~~كان بسبب نقلنا الكلام إلى كيفية حدوثه ويلزم التسلسل فهو على وجهين أحدهما ~~أن يكون التسلسل واقعا في أسباب ومسببات يكون مجموعها موجودا دفعة واحدة # PageV01P068 # وذلك مما أبطلناه الثاني أن يكون التسلسل واقعا على وجه يكون واحد منها ~~مسبوقا بآخر لا إلى بداية وأول ذلك هو المتعين فإنه لما بطل جميع الأقسام ~~إلا هذا القسم تعين هو للمصير إليه وتقريره أن يقال ذلك المؤثر القديم ~~الواجب لذاته فياض أيضا لذاته إلا أن كل حادث مسبوق بحادث آخر حتى يكون ~~انقضاء المتقدم شرطا لفيضان المتأخر عنه وبهذا الطريق يصير المبدأ الأول ~~مبدأ الحوادث المتغيرة قالوا ولهذا مثال في الحركات الطبيعية وفي الحركات ~~الإرادية أما الحركات الطبيعية فلأن المدرة المرمية إلى فوق تعود بسبب ~~ثقلها إلى الأرض فالموجب لتلك الحركة من أول المسافة إلى آخرها هو ذلك ~~الثقل إلا أن ذلك الثقل إنما أوجب انتقال الجسم من الحيز الثاني إلى الحيز ~~الثالث لأن الحركة السابقة أوصلته إلى الثاني فكان حصول الجزء الأول من ~~الحركة وانقضاؤه شرطا لإمكان أن يصير ذلك الثقل مؤثرا في حركة الجسم من ~~الحيز الثاني إلى الحيز الثالث وهكذا القول في جميع الأجزاءالتي في الحركة ~~وأما في الحركة الإرادية فلأن من أراد الذهاب إلى زيارة صديق له فتلك ~~الإرادة هي المؤثرة في حركة البدن من ذلك المكان إلى مكان ذلك الصديق إلا ~~أن تأثير تلك الإرادة في إيجاد الخطوة الثانية مسبوق بحصول الخطوة الأولى ~~وانقضائها وعلى هذا الطريق فإن كل خطوة سابقة فهي # PageV01P069 # شرط لإمكان تأثير تلك الإرادة في حصول اللاحقة وعلى هذا الترتيب إلى آخر ~~المسافة فثبت أنه لا بد من توسط حركة سرمدية دائمة بين المبدأ الأول وبين ~~هذه الحوادث وهذه الحركة الدائمة يمتنع أن تكون مستقيمة وإلا لزم القول ~~بوجود أبعاد غير ms038 متناهية وهو محال فإذن لا بد من جرم متحرك بالاستدارة وهو ~~الفلك. # فثبت أن حركات الأفلاك هي المبادىء القريبة للحوادث الحادثة في هذا ~~العالم فكان الفلك جرما بسيطا # والنسب بين صفة الأجزاء المتشابهة متشابهة والأمور المتشابهة في تمام ~~الماهية لا يمكن أن تكون عللا للأمور المختلفة فوجب أن تكون في أجرام ~~الأفلاك أجرام مختلفة الطبائع وتكون تلك الأجرام بحيث تختلف نسبها ~~وتشكلاتها حتى يمكن أن تكون تلك التشكلات هناك مبادىء لحدوث الحوادث ~~المختلفة في هذا العالم والأجرام المختلفة الطبائع المركوزة في أجرام ~~الأفلاك هي الكواكب فثبت أن المبادىء القريبة لحدوث الحوادث في عالم الكون ~~والفساد هي اتصالات الكواكب. # قال الرازي: ثم إن القائلين بهذا المذهب وهم الفلاسفة والصابئة قالوا ~~بربوبيتة هذه الكواكب واشتغلوا بعبادتها واتخذوا لكل واحد هيكلا مخصوصا ~~وصنما معينا واشتغلوا بخدمتها وساق الكلام إلى آخره # قلت فهذا غاية تقرير أصل هؤلاء ومطلوبهم في هذا التقرير وهو مع هذا يدل ~~على نقيض مطلوبهم لمن فهم حقيقة مقدمات هذه الحجة إذ ثبوت المؤثر التام في ~~الأزل # PageV01P070 # ممتنع فإن الأزل ليس وقتا بعينه ولكنه عبارة عن نفي الأولية وهو الدوام ~~الذي لا ابتداء له فلو كان لم يزل مؤثرا تاما والتام هو المستلزم لأثره لم ~~يزل كل شيء موجودا قديما وهو خلاف المشاهدة فعلم أنه صار مؤثرا في الحوادث ~~بعد أن لم يكن مؤثرا فيها وحينئذ فإذا قيل لم يزل مؤثرا في حادث بعد حادث ~~وعنى بالمؤثر هذا لم يدل هذا على قدم شيء من العالم بل هذا يقتضي انقضاء ~~مدة وأن المؤثرية المعتبرة في حدوث الحوادث ما كانت موجودة من الأزل هذا ~~نقيض ما طلبوه في ذلك التقدير فإنهم طلبوا أن تكون جميع الأمور المعتبرة في ~~التأثير موجودة في الأزل ليكون العالم مقارنا له وقد بينا أن هذا ممتنع ~~وأنه يمتنع وجود المؤثر التام في الأزل لأن ذلك يستلزم امتناع حدوث الحوادث ~~كما قرروه هنا ونحن نبين بطلان استدلالهم على قدم العالم على هذا التقدير ~~الآخر فقولهم لأن السبب المؤثر ms039 لا بد وأن يكون موجودا مع الأثر فلو كان ~~المؤثر في كل حادث حادثا آخر لا إلى نهاية لزم حصول تلك الأسباب والمسببات ~~التي لا نهاية لها دفعة واحدة لكن ذلك محال فيقال هذا بعينه يدل على حدوث ~~ما سوى الله تعالى فإنه لا بد عند كل حادث من وجود المؤثر التام فيجب أن ~~تكون # PageV01P071 # مجموع الأمور المعتبرة في تأثير كل حادث موجودة عند ذلك الحادث وحينئذ ~~فالحادث الأول لا بد أن يكون شرطا في وجود الثاني حتى يوجد بعده سببا به ~~يصير المؤثر مؤثرا وهؤلاء يقولون المؤثر القديم باق على حال واحدة ولكن ~~الحادث الأول شرط في الثاني فلا يوجبون أن يكون عند كل امر حادث مؤثره ~~التام موجودا لأن كل ما يعتبر في التأثير فهو داخل في المؤثر التام فلا بد ~~أن تكون شروط التأثير موجودة عند التأثير وهؤلاء يجعلون شرط التأثير سابقا ~~على وجود الأثر ليس بمقارن له فهذا الأصل مما يدل على نقيض قولهم وأيضا ~~فقوله فإن كان حدوث الحادث بسبب لزم التسلسل على وجه التعاقب كما ذكره ~~فيقال هذه الحجة تتضمن أن المؤثر القديم الواجب لذاته فياض لذاته إلا أن كل ~~حادث مسبوق بحادث آخر وذلك يقتضي أن يكون هو الذي يحدث الحوادث المتعاقبة ~~فتكون صادرة عنه فلا يحدث الثاني حتى يحدث الأول فإذا كان إحداثه الثاني ~~مشروطا بإحداثه الأول امتنع أن يكون موجبا بذاته وعلة تامة مستلزمة ~~لمعلولها لأن الموجب لا يتأخر عنه موجبه والعلة لا يتأخر عنها معلولها وإذا ~~لم يكن موجبا بذاته كان فعله لما يفعله بمشيئته وقدرته وكان تأثيره في كل ~~واحد من الحوادث حاصلا بعد أن لم يكن مؤثرا فيه # PageV01P072 # وحينئذ فالمحدث لكمال ذلك التأثير لا يجوز أن يكون غيره لأن كل ما سواه ~~مفعول له وإحداثه لذلك الغير هو من جملة إحداثاته فلا يجوز أن يكون ما به ~~صار الخالق فاعلا مؤثرا هو أمرا يستفيده من غيره بل هو بنفسه الخالق لكل ~~شيء والأفعال المتقدمة المشروطة في المفعولات المتأخرة ms040 هي أفعاله لا أفعال ~~غيره فلو كان هو نفسه لم يفعل شيئا بنفسه بل الحوادث تحدث منفصلة عنه شيئا ~~بعد شيء وهو نفسه لم يفعل بنفسه شيئا لزم ألا تكون تلك الحوادث صادرة عنه ~~فإنه كل واحد من أجزاء الحركة حادث فلا بد له من سبب حادث والمتحرك جسم ~~ممكن فما يحدث فيه من الاسباب المقتضية للحركة كالتصورات والإرادات ~~المتعاقبة هي أيضا حادثة فيه شيئا بعد شيء وهو نوع حركة أيضا والفاعل لذلك ~~يمتنع أن يكون علة تامة أزلية موجبة بذاتها لمعلولها فإن ذلك لو كان كذلك ~~لم يصدر عنها شيء من تلك الحركات والحركات حادثة ممكنة فلا بد لها من فاعل ~~ونفس الجسم الذي هو متحرك دائما لا يجوز أن يكون موجبا بذاته علة تامة في ~~الأزل مستلزمة لمعلولها لأن من معلولها الحركة التي توجد شيئا بعد شيء وتلك ~~لا يكون المستلزم لها أزليا فإنه يلزم أن يكون أزليا وذلك تناقض لا سيما مع ~~كثرة الحركات والحوادث واختلاف أنواعها # فصدور الأمور الحادثة المختلفة عن علة تامة بسيطة مستلزمة لمعلولها ممتنع ~~في بدائه العقول سواء صدرت عنه بواسطة أو بغير واسطة # PageV01P073 # وهؤلاء يقولون أن الواجب بذاته بسيط ليس له صفة ثبوتية ولا فعل قائم به ~~ويقولون أنه علة تامة مستلزمة لمعلولها فكان لازم قولهم أنه لا يصدر عنه ~~إلا واحد بسيط قديم وكذلك عن الصادر عنه فلما تيقن وجود الكثرة المختلفة ~~الحادثة كان هذا مناقضا لقولهم وفضلاؤهم معترفون بهذا كما بسط الكلام عليهم ~~في غير هذا الموضع وهذا الكلام يدل على أمور تدل على امتناع حدوث الحوادث ~~عن علة تامة فإن قولهم بحدوثها عن علة تامة قول باطل كيفما كان ويدل على أن ~~محدث الحوادث لا يكون إلا فاعلا تقوم به الأفعال وكما أنه يدل على إبطال ~~حجتهم على القدم فيدل أيضا على حدوث العالم من وجه آخر وذلك أن يقال العالم ~~كله بما فيه من الأجسام والأعراض والعقول والنفوس إن قدر أنها خارجة عن ~~الأجسام والأعراض بل كل ما ms041 سوى الله تعالى إما أن يكون خاليا عن الحوادث ~~المتعاقبة كالجسم الساكن وإما أن يكون متضمنا لها كالجسم المتحرك وكل من ~~الأمرين يمتنع قدمه لانه لو كان شيء من العالم قديما لكان صادرا عن موجب ~~بالذات وعلة تامة أزلية باتفاق العقلاء وهو معلوم بالدليل العقلي فإنه إذا ~~كان قديما فإن كان فاعله فاعلا بغير قدرة ومشيئته فهو موجب بذاته وإن كان ~~فاعلا بقدرته ومشيئته فإن كان الفاعل بالقدرة والاختيار لا يقارنه شيء من ~~مفعولاته امتنع أن يكون مفعوله مقارنا # PageV01P074 # له فامتنع قدم مفعوله وإن قيل أنه يمكن أن يقارنه شيء من مفعولاته فهو ~~مثل الموجب بذاته لكن هذا موجب بذاته مع مشيئته وقدرته والمقصود أن العالم ~~لو كان قديما للزم أن يكون فاعله مستلزما له لا يجوز أن يكون فاعله ممن ~~يتراخى عنه مفعوله فإن الفاعل لا يخلو من ثلاثة أقسام إما أن يجب اقتران ~~مفعوله به وإما أن يجب تأخر مفعوله عنه وإما أن يجوز فيه الأمران فلو كان ~~العالم قديما لم يجز أن يكون فاعله ممن يجب أن يتراخى عنه مفعوله لأن ذلك ~~جمع بين النقيضين كيف يكون مفعوله قديما أزليا ويكون متأخرا عنه حادثا بعد ~~أن لم يكن فتعين أن يكون فاعله إما أن يجب اقتران مفعوله به وإما أن يجوز ~~فيه الأمران والثاني باطل أيضا فإنه إذا جاز أن يقترن به المفعول وجاز ألا ~~يقترن كان وجود المفعول ممكنا والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا ~~بمرجح والقول في هذا المرجح كالقول في غيره إن كان فاعله مستلزما له كان ~~مقارنا له فيلزم مقارنة الأول له فإن لم تجب مقارنته له كان ممكنا مفتقرا ~~إلى مرجح آخر وهلم جرا فلا بد أن ينتهي الأمر إلى مرجح تام مستلزم لمفعوله ~~فتبين أن العالم لو كان قديما للزم أن يكون مبدعه مرجحا تاما مستلزما ~~لمفعوله سواء عبر عنه بالعلة التامة # PageV01P075 # أو المؤثر التام أو المرجح التام وسواء قيل أنه يفعل بدون قدرة وإرادة أو ~~بقدرة وإرادة مستلزمة ms042 لمرادها أو غير ذلك من الأمور التي يجب معها أن يكون ~~صادرا عن فاعل مستلزم لمفعوله وإذا كان قدمه مستلزما للمؤثر التام فوجود ~~المؤثر التام في الأزل ممتنع وذلك لأن أثره إن كان خاليا عن الحوادث وأثر ~~أثره كذلك لزم ألا يكون في العالم شيء من الحوادث وهو خلاف الحس سواء قيل ~~إن ذلك الأثر هو العقول التي لا حركة فيها أو قيل هو أجسام ساكنة فعلى ~~التقديرين إذا كان الصادر عنه لا حادث فيه لزم أن يكون الصادر عن الصادر لا ~~حادث فيه وإلا لزم صدور ما فيه الحوادث عما لا حوادث فيه وهذا هو القسم ~~الثاني وهو أن يكون أثره متضمنا للحوادث وهذا أيضا ممتنع لأن تلك الحوادث ~~هي أيضا من الصادر عنه وإما أن يقال هي لازمة لذلك المحل أو عارضة له حادثة ~~بعد أن لم تكن وكلاهما ممتنع # أما الثاني فلأن حدوثها بعد أن لم تكن هو أمر حادث فلا بد له من سبب حادث ~~والتقدير أن الفاعل لم يحدث عنه سبب حادث فامتنع ابتداء الحوادث بلا سبب ~~حادث وإن قيل أنه مستلزم للحوادث وهو قولهم كما في الفلك قيل ما كان ~~مستلزما للحوادث امتنع وجوده بدونها فالمبدع له لا بد أن يبدع الحوادث ~~اللازمة له التي هي شرط # PageV01P076 # في وجوده والعلة التامة يمتنع أين يصدر عنها حادث فإن العلة التامة ~~الأزلية معلولها معها قديم والحادث لا يكون قديما # وإن قيل صدر عنها حادث بعد حادث لم يكن في الأزل علة تامة لشيء بل هي علة ~~تامة لكل حدث حال حدوثه فتبين أن العلة التامة الأزلية لا يصدر عنها لاحادث ~~معين ولا نوع الحوادث وإن قيل هي علة تامة للنوع قيل النوع لا يوجد إلا ~~متعاقبا فيكون تمامها متعاقبا لا أزليا وذلك إنما يكون بما يقوم بها شيئا ~~بعد شيء فأما أن يكون تمامها لمفعولها من غير فعل يقوم بها فهو ممتنع وهو ~~مستلزم لأن يكون المخلوق مؤثرا في الخالق بدون فعل يقوم بالخالق يؤثر به ms043 في ~~المخلوق وأيضا فصدور الحوادث والمختلفات عن بسيط لا يقوم به فعل ولا صفة ~~ممتنع في بدائه العقول وأيضا فمقارنة المفعول لفاعله ممتنعة وأيضا فإن ~~الحادث متأخر والعلة التامة لا يتأخر عنها معلولها وإذا كان صدور الحوادث ~~اللازمة التي هي شرط ممتنعا وصدور الملزوم بدون اللازم ممتنع امتنع صدور ~~العالم كله لازمه وملزومه وهوالمطلوب ونكتة الدليل أن قدم العالم لا يكون ~~إلا مع كون المبدع موجبا بذاته وصدور الحوادث عن الموجب بذاته ممتنع فصدور ~~العالم عن الموجب بذاته ممتنع فقدم العالم ممتنع # PageV01P077 # فالقول بالعلة التامة يقتي بطلان القول بقدم العالم المستلزم للحوادث ~~وإنما كان القول بذلك ممكنا لو كان المعلول غير مستلزم للحوادث وغير قابل ~~للحوادث وإن كان ذلك ممتنعا من وجه آخر كامتناع مقارنة المفعول لفاعله يوضح ~~هذا انه إذا قال القائل قد يكون علة تامة للأفلاك وليس علة تامة لحركات ~~الأفلاك بل يصدر عنه شيء بعد شيء # قيل صدورها شيئا بعد شيء عن علة تامة ممتنع فلا بد أن يكون قد قامت به ~~أحوال اوجبت حدوث تلك الحركات فلا يكون علة تامة لشيء من الحركات وإذا لم ~~يكن علة تامة لشيء من الحركات لم يكن علة تامة لما يستلزم الحركات لأنه إذا ~~كان علة لها بدون الحركات لزم أن تكون مقارنة له خالية عن الحركات والتقدير ~~أنها مستلزمة للحركات فيلزم اجتماع النقيضين وإن قيل انه يستلزم حركة واحدة ~~منها قيل الحركات الدائمة الأزلية لا يتعين فيها شيء دون شيء بل لم تزل ولا ~~تزال أفرادها متعاقبة فيمتنع أن يكون علة تامة لواحد منها دون الآخر في ~~الأزل مع أنه ليس فيها شيء أزلي بعينه ويمتنع أن يكون علة تامة لجميعها في # PageV01P078 # الأزل لامتناع وجودها في الأزل فامتنع أن يكون علة تامة لشيء من الحركات ~~الأزلية فالحركة التي توجد شيئا بعد شيء يمتنع أن تكون صادرة عن علة تامة ~~أزلية كيفما قدر الأمر فإذا كان القديم مستلزما للحركة إما لحركة فيه ~~كالفلك وإما لحركة لازمة له معلولة كما يقولونه ms044 في العقل امتنع أن تكون ~~العلة الموجبة موجبة له دون الحركة اللازمة وامتنع أن يكون موجبا للحركة ~~اللازمة فامتنع أن يكون موجبا له على التقديرين فامتنع قدم العالم أو شيء ~~من العالم وهو المطلوب وهذا برهان شريف على حدوث ما سوى الله مطلقا وهو ~~مبنى على المقدمات الصحيحة التي تسلمها الفلاسفة وغيرهم فإن الموجب بالذات ~~لا بد أن يقارنه موجبه بالاتفاق وأما الفاعل بالاختيار فهل يجب مقارنة ~~مراده لإرادته أو يمتنع ذلك فيها أو يجوز الأمران على ثلاثة أقوال للناس ~~وعلى كل تقدير فإنه يجب حدوث كل ما سوى الله أيضا فإنه إن قيل بوجوب مقارنة ~~مراده له امتنع أن تكون إرادته لشيء معين أزلية فإنه يكون مستلزما له في ~~الازل ويكون القول فيه كالقول في الموجب بالذات وقد تبين امتناع الموجب ~~بالذات في الأزل فيمتنع أن يكون شيء من مراده أزليا فإن قيل بوجوب تأخر ~~مفعوله لزم حدوث مراده وإن # PageV01P079 # قيل بجواز الأمرين فحدوث المراد بعد أن لم يكن يقتضي سببا حادثا والقول ~~فيه كالقول في الأول فامتنع حدوث شيء عنه إلا بسبب حادث وحدوث الحادث عن ~~إرادة أزلية مستلزمة لمرادها ممتنع وقدم العالم بدون إرادة أزلية مستلزمة ~~لمرادها ممتنع فثبت حدوثه وحاصل الأمر أن مقارنة المراد للإرادة أن قيل ~~أنها واجبة ألحقت بالقسم الأول وإن قيل بأنها ممتنعة اقتضت حدوث العالم ~~وأما القول بأنه يمكن مقارنة مفعوله له ويمكن تأخره عنه في الواجب الوجود ~~فهذا لم يقله طائفة معروفة لأن المعتزلة الذين يقولون أن الممكن لا يقف على ~~المرجح التام المستلزم لمقتضاه بل يكفي فيه القادر الذي له أن يرجح وألا ~~يرجح يقولون أنه يجب تأخير مفعول القادر عن الازل # وأما من يقول أن الممكن يقف على المرجح المستلزم لمقتضاه كما هو قول أكثر ~~الناس من أهل الكلام والفلاسفة وغيرهم فهؤلاء يمتنع عندهم أن يكون الفاعل ~~يمكن أن يوجد فعله وأن لا يوجد ويكون فاعلا مع إمكان الطرفين بل أن تمت ~~أسباب الفعل وجب المفعول وإن لم تتم ms045 أسبابه امتنع المفعول فما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن والممكن باعتبار غيره أما واجب بغيره أو ممتنع لغيره فإن ~~حصل المقتضى التام كان واجبا وإن لم يحصل كان ممتنعا فتبين أنه ليس في ~~العقلاء المعروفين من يقول أن المفعول القديم يصدر عن فاعل يجوز أن يتأخر ~~عنه مفعوله بل # PageV01P080 # هم متفقون على ما قام عليه الدليل من أنه لو كان قديما لكان فاعله ~~مستلزما لمفعوله لكن العالم مستلزم للحوادث وصدور الحوادث والمستلزم ~~للحوادث عن الفاعل المستلزم لمفعوله محال وإذا قدر أنه اوجب العالم ثم أحدث ~~فيه الحوادث كان ذلك أيضا ممتنعا لأنه يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب حادث ~~وذلك ممتنع كما تقدم وإن شئت قلت إن كان حدوث الحوادث بلا سبب حادث جائزا ~~أمكن حدوث العالم وبطل القول بوجوب قدمه وإن كان ممتنعا بطل القول بقدمه ~~لامتناع حدوث الحوادث عن الموجب الأزلي فبطل قول الفلاسفة بوجوب قدمه على ~~التقديرين وبطلت حجتهم على قدمه وهذا كما تقول إن كان تسلسل الحوادث ممتنعا ~~لزم حدوثه وإن كان ممكنا أمكن حدوث كل شيء منه بحادث قبله فبطلت الحجة ~~الدالة على قدم شيء منه وبطل القول بوجوب ذلك على التقديرين وهذه الطريق ~~فيها تقرير حدوث كل شيء من العالم من غير احتياج إلى جعل الرب قادرا بعد أن ~~لم يكن أو فاعلا بعد أن لم يكن وهي موافقة لمذهب السلف والأئمة ليس فيها ~~ابطال أفعال الله القائمة به ولا ابطال صفاته ولا تعطيله عن الأفعال وصفات ~~الكمال ولا إثبات حادث بلا سبب حادث ولا ترجيح الممكن بلا مرجح فهي جامعة ~~للأدلة العقلية السليمة عن المعارض والنصوص السمعية المزكية لما دل عليه ~~العقل ومبينة أن الرب لم يزل ولا يزال # PageV01P081 # موصوفا بصفات الكمال كما وصفه أئمة السنة من أنه لم يزل متكلما إذا شاء ~~لم يزل حيا فاعلا أفعالا تقوم به لم يزل قادرا وكل ما سواه مخلوق له حادث ~~عنه وأن حدوث الأشياء عنه شيئا بعد شيء فليس فيها شيء كان ms046 معه ولا قارنه ~~بوجه من الوجوه والله أعلم فهذا مما يدل على حدوث كل واحد واحد من العالم ~~وليس هذا موضع بسطه وإنما تكلمنا هنا في فساد حجتهم التي هي عمدتهم ذكرنا ~~أن قولهم يستلزم حدوث الحوادث بلا فاعل وتسلسل العلل وذلك ممتنع بصريح ~~العقل وبموافقة المنازعين # وما ذكرناه من البراهين يتبين بالبرهان الثالث وإن كان فيما تقدم تنبيه ~~عليه وهو أن يقال العلة التامة لا بد أن تكون موجودة عند وجود المعلول لا ~~قبله وهم يسلمون ذلك فيلزم أن يكون لكل حادث علة تامة موجودة عند وجوده فلو ~~كان الحادث الأول الذي حدث قبله هو تمام العلة لكان جزء العلة موجودا قبل ~~المعلول فلا تكون علته التامة موجودة عند حدوثه بل يلزم من ذلك حدوث ~~الحوادث بشرط متقدم على وجودها وإذا جاز وجود الموجودات بفاعل متقدم على ~~وجودها وشرط حادث قبل وجودها لم يجب أن يكون لها علة تامة فلا يكون لشيء من ~~الحوادث علة تامة بحيث تكون جميع أجزائها حاصلة عند وجوده فإذا لم يكن إلا ~~علة تامة أزلية وليس لشيء من الحوادث علة تامة بطل أن يكون لها محدث وذلك ~~ممتنع # PageV01P082 # فإن قيل لم لا يجوز تمام العلة للحادث الثاني عدم الأول وهذا العدم مقارن ~~للحادث الثاني # قيل لأن العدم إذا لم يستلزم أمرا وجوديا لم يكن جزءا من علة الموجود فإن ~~العدم لا تأثير له اصلا في وجود بخلاف الماشي في الأرض فإنه كلما قطع مسافة ~~تجدد له قدرة وإرادة لقطع المسافة الثانية والاول إذا قيل أنه يفعل شيئا ~~بعد شيء بذاته يقتضي كمال فاعليته لكل مفعول عند وجوده وذاته فعلها للأول ~~أمر وجودي ووجود الثاني مع الأول الذي يضاده ممتنع وعدم الممتنع يقتضي كمال ~~القدرة المقارنة للفعل بخلاف ما إذا قيل أن حال الذات مع الحادث الأول ~~والثاني واحد ولم يتجدد منها ولا من غيرها ما يقتضي كمال فاعليتها للثاني ~~عند وجوده وتبين هذا بالبرهان الرابع وهو أن الحادث الثاني إذا كان مشروطا ~~بالحادث الأول ms047 الذي هو موجود قبله والواجب الوجود أيضا موجود قبله وهو علة ~~تامة أزلية كان هذا متناقضا فإنه على الأول يلزم أن يكون كل ما به تصير ~~الحوادث موجودة موجودا قبلها ولا يكون شيء من المحدث لها حادثا معها وهذا ~~يمنع أن يكون لشيء من الحوادث علة إذ العلة يجب مقارنتها للمعلول فضلا عن ~~أن يكون لها علة أزلية فتبين أن إثبات العلة التامة يناقض هذا القول ~~المتضمن حدوث الحوادث بشروط متقدمة عليها وهو أيضا يناقض القول بحدوث تمام ~~العلل مع حدوث المعلومات # PageV01P083 # إذ لو كان حادثا معها لزم أن يكون تمام علة كل حادث حادثا معه فلا يكون ~~للحوادث علة تامة أزلية مع أن حدوث تمام العلل ممتنع على هذا التقدير فإنه ~~يستلزم وجود حوادث متسلسلة في آن واحد من غير محدث إذ لم يكن هناك إلا علة ~~تامة أزلية وهذا أيضا مما يوافقون على امتناعه وهو يستلزم حدوث الحوادث بلا ~~فاعل فتبين أن القول بالعلة التامة الأزلية باطل سواء قيل إن شرط حدوث ~~الحادث موجود قبله أو موجود معه وحدوث الشروط علىالتقديرين عن العلة التامة ~~ممتنع فتبين امتناع حدوث كل واحد من الحوادث وشروطها عن العلة التامة ~~الأزلية على كل تقدير والقول بالقدم يستلزم العلة التامة الأزلية وما ~~استلزم الباطل فهو باطل # وكل من العالم مقارن لشيء من الحوادث فإذا ظهر امتناع حدوث الحوادث عن ~~العلة التامة الأزلية تبين امتناع قدم شيء من العالم لأنه لا يوجد إلا مع ~~حادث ووجود ذلك عن العلة التامة الأزلية محال لا سيما وهم يقولون كل من ~~الحوادث تمام علة حادث قبله فليس لشيء منها علة تامة مقارنة له وإنما الذي ~~يقارنه جزء العلة وهو السبب الدائم الذي يتوقف فيضه على حدوث هذا الحادث ~~فلا يحدث الثاني حتى ينقضي الأول وذلك السبب ليس هو علة تامة لشيء من ~~الحوادث لا احداثه للثاني مقارنا لوجود الأول وليس عند حدوث شيء من الحوادث ~~علة تامة أصلا فتبين أنهم يقولون في الحقيقة أن الحوادث لا تحدث ms048 عن علة ~~تامة فضلا عن أن تكون أزلية # PageV01P084 # وهذه الوجوه من تدبرها وفهمها علم فساد مذهب القوم بالضرورة وأن صانع ~~العالم يمتنع أن يكون علة تامة أزلية موجبا بذاته بل يجب أن يكون فاعلا ~~للأشياء شيئا بعد شيء وهذا لا يكون إلا إذا فعل بمشيئته وقدرته وهو المطلوب ~~واعلم أن هذا كلام المتأخرين منهم كابن سينا وأمثاله وهو خير من كلام ~~متقدميهم كأرسطوطاليس فإن أرسطوطاليس في كتاب ما بعد الطبيعة الذى هو غاية ~~حكمتهم وعلمهم إنما اعتمد في إثبات العلة الأولى على الحركة الشوقية فإنه ~~لما قرر أن حركة الفلك شوقية إرادية وأن المتحرك بالشوق والإرادة لا بد أن ~~يكون له مراد وهو محبوبه ومطلوب وجب ان يكون هناك علة غائية هي المحبوب ~~المعشوق المراد وقالوا أن الفلك يتحرك للتشبه بها كتحريك المؤتم بإمامه ثم ~~قد يقولون إن الفلك يتشبه بالمبدأ الأول وقد يقولون يتشبه بالعقل والعقل ~~يتشبه بالأزل # PageV01P085 # وهذا التقدير إنما يثبت وجود علة غائية لا يثبت وجود علة فاعلية فيقال هب ~~أن الحركة إرادية وأن الحركة الإرادية لا بد لها من محبوب مراد فما السبب ~~المحدث الفاعل لتلك الحركة الإرادية الشوقية فإن كان الفلك واجب الوجود ~~بذاته لم يكن هذا قولهم وكان باطلا من وجهين أحدهما أن واجب الوجود بذاته ~~لا يكون مفتقرا إلى غيره لا إلى علة فاعلية ولا غائية فإذا جعلت له علة ~~غائية يحتاج إليها في إرادته وحركته لم يكن مستغنيا بنفسه عنها فلا يكون ~~واجبا بذاته # الثاني أنه إذا جاز أن يكون الفلك واجبا بذاته أمكن أن يكون هو العلة ~~الغائية لحركته كما أنه هو العلة الفاعلة لحركته وقد بسط الكلام على فساد ~~قولهم في غير هذا الموضع وأما ابن سينا وأتباعه فإنهم عدلوا عن هذه الطريق ~~وسلكوا طريقة مركبة من طريق المتكلمين وطريق هؤلاء الفلاسفة فقالوا الموجود ~~إما أن يكون واجبا وإما أن يكون ممكنا والممكن لا بد له من واجب كما يقول ~~المتكلمون الموجود إما محدث وإما قديم والمحدث لا بد له ms049 من قديم # PageV01P086 # فلا بد من موجود واجب قديم ثم إنه أثبت أن الأفلاك ممكنة بناء على أنها ~~أجسام والجسم مركب والمركب مفتقر إلى جزئه فلا يكون واجبا بنفسه كما يقول ~~المعتزلة الأجسام محدثة لأن الأجسام مركبة والمركب لا بد له من مركب فلا ~~يكون قديما وجعلوا هذا عمدة في نفى صفات الله تعالى # وهؤلاء أخذوا لفظ المركب بالاشتراك فإن المركب إذا أريد به ما ركبه غيره ~~أو ما كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمع أو ما يقبل التفريق امتنع أن يكون واجبا ~~بنفسه وقديما وأما إذا أريد به الموصوف بصفات الكمال اللازمة كالعلم ~~والقدرة ونحوهما لم يلزم من ذلك أن يكون محدثا ولا ممكنا يقبل العدم كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع ولفظ الافتقار والجزء والغير ألفاظ مجملة فيراد ~~بالغير ما يباين غيره وعلى هذا فالصفة اللازمة لا يقال أنها غير الموصوف ~~ويراد بالغير ما ليس هو الآخر وعلى هذا فالصفة غير الموصوف وواجب الوجود ~~بنفسه يمتنع أن يفتقر إلى أمر مباين له ولكن لا يمتنع أن يكون مستلزما ~~لصفات الكمال التي يمتنع أن تفارقه وتسمية الصفة اللازمة جزءا تلبيس وتسمية ~~استلزام الموصوف لصفته واستلزام الصفة للموصوف افتقارا تلبيس أيضا كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع وهؤلاء القوم من أسباب ظهور كلامهم وظلال كثير من ~~الناس به أنهم يحتجون على طوائف أهل القبلة بما # PageV01P087 # يشاركونهم فيه من المقدمات الضعيفة المبتدعة فلا يزالون يلزمون صاحب ذلك ~~القول بلوازم قوله حتى يخرجوه من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين فإن ~~الحسنة تدعو إلى الحسنة والسيئة تدعو إلى السيئة كما قال صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث المتفق عليه:"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر ~~يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ~~وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا ~~يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" وقال بعض السلف أن ~~من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن ms050 من عقوبة السيئة السيئة بعدها # PageV01P088 # والإنسان قد يعتقد صحة قضية من القضايا وهي فاسدة فيحتاج أن يعتقد ~~لوازمها فتكثر اعتقاداته الفاسدة ومن هذا الباب دخلت القرامطة الباطنية ~~والمتفلسفة ونحوهم على طوائف المسلمين فإن هؤلاء قالوا للمعتزلة ألستم قد ~~وافقتمونا على نفي الصفات حذرا من التشبيه والتجسيم فقالوا نعم فقالوا وهذا ~~المحذور يلزمكم في إثبات أسماء # PageV01P088 # الله تعالى له فإذا قلتم هو حي عليم قدير كان في هذا تشبيه له بغيره ممن ~~هو حي عليم قدير وكان في هذا من التجسيم كما في إثبات الحياة والعلم ~~والقدرة له لأنه لا يعرف مسمى بهذه الأسماء إلا جسم كما لا يعرف موصوفا ~~بهذه الصفات إلا جسم فأخذوا ينفون أسماء الله الحسنى ويقولون ليس بموجود ~~ولا حي ولا عليم ولا قدير ثم اقتصر بعضهم على نفي الإثبات فقال لهم الصنف ~~الآخر إذا قلتم ليس بموجود ولا بحي ولا عليم ولا قدير فقد شبهتموه بالمعدوم ~~كما أن في الإثبات تشبيها بالموجود فيجب أن يقال ليس بموجود ولا معدوم ولا ~~حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل وهؤلاء يقولون في أنفسهم أنهم من أذكى الناس ~~وأفضلهم وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم فإنه يقال لهم أولا سلبتم ~~النقيضين والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فكما يمتنع اجتماع النقيضين ~~يمتنع ارتفاع النقيضين وكما يمتنع أن يقال في شيء واحد أنه موجود معدوم ~~يمتنع أن يقال ليس بموجود ولا معدوم وأما إثبات سلب الحياة والموت والعلم ~~والجهل والكلام والخرس فقد يقولون أن هذين متقابلان تقابل العدم والملكة لا ~~تقابل السلب والإيجاب ويفرقون بين هذا وبين هذا بأن سلب الشيء عما من شأنه ~~أن يكون قابلا له هو العدم وتقابله الملكة كسلب العلم والسمع والبصر عن ~~الحيوان بخلاف سلب ذلك عن الجماد قالوا فالحيوان # PageV01P089 # يقال له أعمى أصم أبكم إذا عدم عنه ما من شأنه أن يقبله بخلاف الجماد ~~فإنه لا يقال له أعمى أصم أبكم لأنه لا يقبل ذلك وحينئذ فلا يلزم من سلب ~~الحياة والعلم والقدرة والكلام عن ms051 واجب الوجود أن يكون موصوفا بما يقابل ~~ذلك من الموت والجهل والعجز والخرس إلا أن يكون قابلا لذلك وهذا ممنوع أو ~~غير معلوم وهذه الشبهة قد أضلت خلقا من أذكياء المتأخرين حتى الآمدي ~~وأمثاله وهي باطلة من أوجه: أحدها أن يقال إما أن يكون قابلا للاتصاف بصفات ~~الكمال من الحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك وإما ألا يكون قابلا لذلك فإن لم ~~يكن قابلا لذلك كان ذلك أعظم في النقص من كونه قابلا لذلك غير متصف به فإن ~~الجماد أنقص من الحيوان الأعمى وإذا كان اتصافه بكونه أعمى أصم أبكم ممتنعا ~~مع كون المتصف بذلك أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بهذا وبضده علم أن كونه غير ~~قابل للاتصاف بذلك أعظم في نقصه وإذا كان ذلك ممتنعا فهذا أعظم امتناعا ~~فامتنع أن يقال أنه غير قابل للاتصاف بصفات الكمال وإذا كان قابلا للاتصاف ~~بذلك تقابلا تقابل العدم والملكة باصطلاحهم فإن لم يتصف بالحياة والعلم ~~والقدرة لزم اتصافه بالموت والعجز والجهل وهذا ممتنع بالضرورة فنقيضه حق # الوجه الثاني أن يقال كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أحق به وكل نقص تنزه ~~عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه # PageV01P090 # عنه لأن الموجود الواجب القديم أكمل من الموجود الممكن والمحدث ولأن كل ~~كمال في المفعول المخلوق هو من الفاعل الخالق وهم يقولون كمال المعلول من ~~كمال العلة فيمتنع وجود كمال في المخلوق إلا من الخالق فالخالق أحق بذلك ~~الكمال ومن المعلوم بضرورة العقل أن المعدوم لا يبدع موجودا والناقص لا ~~يبدع ما هو أكمل منه فإن النقص أمور عدمية ولهذا لا يوصف الرب من الأمور ~~السلبية إلا بما يتضمن أمورا وجودية وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه كما قال ~~تعالى {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} فنزه نفسه عن ~~السنة والنوم لأن ذلك يتضمن كمال الحياة والقيومية وكذلك قوله {وما مسنا من ~~لغوب} يتضمن كمال القدرة وقوله {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض} يتضمن كمال العلم وكذلك قوله ms052 {لا تدركه الأبصار} فمعناه على قول ~~الجمهور لا تحيط به ليس معناه لا تراه فإن نفي الرؤية يشاركه فيه المعدوم ~~فليس هو صفة مدح بخلاف كونه لا يحاط به ولا يدرك فإن هذا يقتضي أنه من ~~عظمته لا تدركه الأبصار وذلك يقتضي كمالا عظيما تعجز معه الأبصار عن ~~الإحاطة فالآية دالة على إثبات رؤيته ونفي الإحاطة به نقيض ما تظنه الجهمية ~~من أنها دالة على نفي رؤيته الوجه الثالث أن يقال الكمال الذي لا نقص فيه ~~بوجه # PageV01P091 # من الوجوه الممكن للموجود إما أن يكون ممكنا للواجب وإما أن يكون ممتنعا ~~عليه فإن كان ممتنعا عليه لزم أن يكون الموجود غير قابل للكمال فإن الموجود ~~إما واجب وإما ممكن والواجب إذا لم يقبل الكمال فالممكن أولى ونحن قد ذكرنا ~~الكمال الممكن للموجود الذي لا نقص فيه فيمتنع أن يكون الكمال الممكن ~~للموجود غير ممكن للموجود وإذا كان ذلك ممكنا له فإما أن يكون لازما أو ~~يكون جائزا فإن كان لازما له ثبت أن الكمال الممكن للموجود لازم للقديم ~~تعالى واجب له وهو المطلوب وإن كان جائزا كان مفتقرا في حصوله إلى غيره ~~وحينئذ فذلك الغير أكمل منه لأن معطي الكمال أكمل من الآخذ له وذلك المعطي ~~إن كان مخلوقا له لزم أن يكون المخلوق أكمل من الخالق وأيضا فشرط إعطائه ~~الكمال اتصافه بصفات الكمال والكمال إنما يستفيده من الكامل فيمتنع أن يكون ~~معطيا له لئلا يلزم الدور في الفاعلين والعلل الفاعلة فإنه ممتنع بالضرورة ~~واتفاق العقلاء # وإن كان الغير ليس مخلوقا له كان واجب الوجود بنفسه وحينئذ فإن كان متصفا ~~بصفات الكمال بنفسه فهو الرب الخالق والأول مفعول له ليس له من نفسه صفات ~~الكمال فهو عبد لا رب وإن لم يكن متصفا بصفات الكمال بنفسه بل هذا يستفيد ~~الكمال من هذا وهذا يستفيده من هذا كان هذا دورا ممتنعا وهذا من أعظم ما ~~يحتج به على توحيد الربوبية وأنه # PageV01P092 # يمتنع أن يكون للعالم صانعان فإن الصانعين إما أن يكون كل ms053 منهما فاعلا ~~لجميع العالم وهذا ممتنع بالضرورة فإنه إذا كان هذا فاعلا للجميع لم يكن ~~الآخر فاعلا لشيء منه فضلا عن أن يكون فاعلا لجميعه فلو كان هذا فاعلا ~~لجميعه وهذا فاعلا لجميعه كان كل منهما فاعلا غير فاعل وإن كانا متشاركين ~~فإن كان كل منهما قادرا حين الانفراد لزم امتياز مفعول كل منهما عن الآخر ~~فذهب كل إله بما خلق ولهذا كل مشاركين فلا بد أن يكون فعل كل منهما مميزا ~~عن الآخر وأيضا فإذا كان كل منهما قادرا لزم أن يقدر أحدهما على فعل العالم ~~حين قدرة الآخرة عليه فيلزم كون كل منهما قادرا على فعله كله حال قدرة ~~الآخر على فعله كله وهذا ممتنع كما تقدم فامتنع أن يكون أحدهما قادرا على ~~فعله حال قدرة الآخر على فعله كما هو المعروف في القادرين على تحريك شيء ~~ولا يقدر أحدهما على تحريكه إلا حال ما لا يكون الآخر محركا له فإذن لا ~~يكون احدهما قادرا إلا عند تمكين الآخر له فلا يكون أحدهما قادرا إلا ~~بأقدار الآخر له فلا يكون قادرا حال الانفراد وأيضا فإذا كان كل منهما ~~قادرا حال الانفراد أمكن أن يفعل ضد مفعول الآخر وأن يريد خلاف مراده مثل ~~أن يريد هذا تحريك جسم والآخر تسكينه فيمتنع وجود المرادين جميعا لامتناع ~~اجتماع الضدين فيلزم تمانعهما # PageV01P093 # فلا يكون واحد منهما قادرا فثبت أنه يمتنع كون كل منهما قادرا حين ~~الانفراد وإن لم يكن واحد منهما قادرا إلا عند الاجتماع كان كل منهما مؤثرا ~~في جعل الآخر قادرا فلا يكون هذا قادرا إلا بأقدار الآخر له ولا هذا قادرا ~~إلا بأقدار الآخر له فيلزم كون كل منهما مؤثرا في الآخر وهذا هو الدور في ~~الفاعلين والعلل وهو ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء من وجوه كثيرة فإن كون ~~الشيء فاعلا لنفسه ممتنع فكيف يكون فاعلا لفاعله # ولأن الفاعل متقدم بذاته على المفعول فيلزم تقدم هذا بذاته على هذا وهذا ~~بذاته على هذا فيلزم تقدم الشيء على نفسه بدرجتين والدور ms054 كما هو ممتنع في ~~المؤثر فهو ممتنع في تمام كونه مؤثرا كما أن التسلسل لما امتنع في المؤثر ~~امتنع في تمام كونه مؤثرا # وهذا بخلاف الدور المعي في الآثار فإنه جائز باتفاق العقلاء وأما التسلسل ~~في الآثار ففيه نزاع مشهور وهذه الأمور كلها مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن الكمال الذي لا نقص فيه الممكن للموجود هو واجب لواجب ~~الوجود لازم له لا يجوز أن يكون ممتنعا عليه مع كونه ممكنا للموجود فلا ~~يجوز أن يكون ممكن الوجود والعدم لأنه حينئذ يفتقر في اتصافه به إلى غيره ~~لأنه إما أن يكون كل منهما معطيا للآخر الكمال وإما أن يكون هذا الثاني هو ~~المعطي فإن كان هذا فذلك الغير المتصف بصفات # PageV01P094 # الكمال هو حينئذ الرب الكامل المعطي لغيره الكمال وإن كان الأول لزم كون ~~كل منهما معطيا للآخر صفات الكمال وهو يقتضي كون كل منهما مؤثرا في الآخر ~~مثل أن يكون كل منهما فاعلا للآخر عالما قادرا حيا وذلك دور ممتنع كما تبين ~~فثبت أن اتصافه بصفات الكمال أمر لازم له يمتنع زواله عنه وهو المطلوب # الوجه الرابع أن يقال لهؤلاء قولكم أن هذين يتقابلان تقابل العدم والملكة ~~اصطلاح اصطلحتموه وإلا فكل ما لا حياة فيه يسمى مواتا وميتا قال الله تعالى ~~{والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء} ~~فسمى الأصنام الجامدات أمواتا وتسمى الأرض مواتا كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" # PageV01P095 # الوجه الخامس أن يقال كل عين من الأعيان تقبل الحياة فإن الله قادر على ~~خلق الحياة وتوابعها في كل شيء # الوجه السادس أن يقال هب أنكم لا تسمونه ميتا ولا جاهلا ولا عاجزا لكن ~~يجب أن يقال ليس بحي ولا عالم ولا قادر ونفس سلب هذه الصفات فيه من النقص ~~ما في قولنا ميت وجاهل وعاجز وزيادة ولهذا كان نقص الجماد أعظم من نقص ~~الأعمى فكل محذور في عدم الملكة هو ثابت في السلب ms055 العام وزيادة # الوجه السابع أن يقال لهؤلاء النفاة أنتم نفيتم هذه الأسماء فرارا من ~~التشبيه فإن اقتصرتم على نفي الأثبات شبهتموه بالمعدوم وإن نفيتم الأثبات ~~والنفي جميعا فقلتم ليس بموجود ولا معدوم شبهتموه بالمتنع فأنتم فررتم من ~~تشبيهه بالحي الكامل فشبهتموه بالحي الناقص ثم شبهتموه بالمعدوم ثم شبهتموه ~~بالممتنع فكنتم شرا من المستجير من الرمضاء بالنار وهذا لازم لكل من نفى ~~شيئا مما وصف الله به نفسه لا يفر من محذور إلا وقع فيما هو مثله أو شر منه ~~مع تكذيبه بخبر الله وسلبه صفات الكمال الثابتة لله # PageV01P096 # ومن هؤلاء طائفة ثالثة تقول نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ~~ميت فلا ننفي النقيضين بل نسكت عن هذا وهذا فنمتنع عن كل من المتناقضين لا ~~نحكم لا بهذا ولا بهذا فلا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو ~~موجود ولا نقول هو معدوم # PageV01P096 # ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط ~~والكفر البسيط الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره ~~وعبادته ودعائه # وهؤلاء من جنس السوفسطائية المتجاهلة اللاأدرية # PageV01P097 # الذين يقولون لا نعلم هل الحقائق ثابتة أو منتفية وهل يمكن العلم أو لا ~~يمكن فإن السفسطة أنواع أحدهما قول هؤلاء # الثاني قول أهل التكذيب والجحود والنفي الذين يجزمون بنفي الحقائق والعلم ~~بها # والثالث الذين يجعلون الحقائق تتبع العقائد فمن اعتقد ثبوت الشيء كان في ~~حقه ثابتا ومن نفاه كان في حقه منتفيا ولا يجعلون للحقائق أمرا هي عليه في ~~أنفسها والصنف الرابع قول من يقول الحقائق موجودة لكن لا سبيل إلى العلم ~~بها إما لكون العالم في السيلان فلا يمكن العلم بحقيقته وإما لغير ذلك وهذه ~~الأنواع الأربعة موجودة في هؤلاء الملاحدة فمنهم الواقفة المتجاهلة الذين ~~يقولون لا نثبت ولا ننفي ومنهم المكذبة الذين ينفون ومنهم من يجعل الحقائق ~~تتبع العقائد كما يحكى عن طائفة تصوب كل واحد من القائلين للأقوال ~~المتناقضة وكما يقوله من يقوله من أصحاب ms056 الوحدة ابن عربي ونحوه بأن كل من ~~اعتقد في الله عقيدة فهو مصيب فيها حتى قال: # PageV01P098 # عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وأنا أعتقدت جميع ما عقدوه # وأما الرابع فهو منتهى قول أئمة الجهمية وهو الحيرة والشك لتكافؤ الأدلة ~~عند بعضهم أو لعدم الدليل المرشد عند بعضهم وهذا عند أصحاب الوحدة هو أعلى ~~العلم بالله تعالى والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على مجامع الأقوال ومنشأ الضلال حيث أخذوا الفظ ~~التشبيه بمعنى مشترك مجمل فأرادوا نفيه بكل معنى من المعاني ومن المعلوم ~~أنه ما من موجودين إلا وبينهما قدر يتفقان فيه وإن كان المعنى الكلي ~~المشترك وجوده في الاذهان لا في الأعيان فلا بد أن يكون بين أفراد الاسم ~~العام الكلي نوع من المشابهة باعتبار اتفاقهما في ذلك المعنى العام وهذا ~~موضع غلط فيه كثير من الناس في أحكام الأمور الكلية التي تشتبه فيها ~~أعيانها منهم من يجعل الكلي ثابتا في الخارج كليا ومنهم من يقول أفراده لم ~~تتفق إلا في مجرد اللفظ وهي مسألة الأحوال التي اضطرب فيها كثير من الناس ~~والتحقيق # PageV01P099 # أنه لا بد من تشابه في الخارج ومعنى كلي عام في الذهن من غير أن يكون في ~~الخارج على أو شيء لا موجود ولا معدوم فيقال لهؤلاء التشبيه الممتنع إنما ~~هو مشابهة الخالق للمخلوق في شيء من خصائص المخلوق أو أن يماثله في شيء من ~~صفات الخالق فإن الرب تعالى منزه عن أن يوصف بشيء من خصائص المخلوق أو أن ~~يكون له مماثل في شيء من صفات كماله وكذلك يمتنع أن يشاركه غيره في شيء من ~~أموره بوجه من الوجوه بل يمتنع أن يشترك مخلوقان في شيء موجود في الخارج بل ~~كل موجود في الخارج فإنه مختص بذاته وصفاته القائمة به لا يشاركه غيره فيها ~~ألبتة وإذا قيل هذان يشتركان في كذا كان حقيقته أن هذا يشابه هذا في ذلك ~~المعنى كما إذا قيل هذا الإنسان يشارك هذا في الإنسانية أو يشارك ms057 هذا ~~الحيوان في الحيوانية فمعناه أنهما يتشابهان في ذلك المعنى وإلا فنفس ~~الإنسانية التي لزيد لا يشاركه فيها غيره وإنما يشتركان في نوع الإنسانية ~~المطلقة لا في الإنسانية القائمة به # PageV01P100 # والإنسانية المشتركة المطلقة هي في الأذهان لا تكون في الأعيان مشتركة ~~مطلقة فما هو موجود في الخارج لا اشتراك فيه وما وقع فيه الاشتراك هو الكلي ~~المطلق الذي لا يكون كليا مطلقا إلا في الذهن فإذا كان المخلوق لا يشاركه ~~غيره فيما له من ذاته وصفاته وأفعاله فالخالق أولى أن لا يشاركه غيره في ~~شيء مما هو له تعالى لكن المخلوق قد يماثل المخلوق ويكافئه ويساميه والله ~~سبحانه وتعالى ليس له كفؤ ولا مثيل ولا سمي وليس مطلق الموافقة في بعض ~~الأسماء والصفات الموجبة نوعا من المشابهة تكون مقتضية للتماثل والتكافؤ بل ~~ذلك لازم لكل موجودين فإنهما لا بد أن يتفقا في بعض الأسماء والصفات ~~ويشتبها من هذا الوجه فمن نفى ما لا بد منه كان معطلا ومن جعل شيء من صفات ~~الله مماثلا لشيء من صفات المخلوقين كان ممثلا والحق هو نفي التمثيل ونفي ~~التعطيل فلا بد من إثبات صفات الكمال المستلزمة نفى التعطيل ولا بد من ~~إثبات اختصاصه بما له على وجه ينفي التمثيل ولكن طائفة من الناس يجعلون ~~التمثيل والتشبيه واحدا ويقولون يمتنع أن يكون الشيء يشبه غيره من وجه ~~ويخالفه من وجه بل عندهم كل مختلفين كالسواد والبياض فإنهما # PageV01P101 # لم يشتبها من وجه وكل مشتبهين كالأجسام عندهم يقولون بتماثلها فإنها ~~مماثلة عندهم من كل وجه لا اختلاف بينهما إلا في أمور عارضة لها # وهؤلاء يقولون كل من أثبت ما يستلزم التجسيم في اصطلاحهم فهو مشبه ممثل ~~وهذه طريقة كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم كالقاضي ~~أبي يعلى في المعتمد وغيره وأما جمهور الناس فيقولون أن الشيء قد يشبه غيره ~~من وجه دون وجه وهذا القول هو المنقول عن السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره ~~ولهذا ينكر هؤلاء على من ينفي مشابهة الموجود للموجود من ms058 كل وجه ويقولون ما ~~من موجودين إلا وأحدهما يشبه الآخر من بعض الوجوه # فالصفات نوعان: أحدهما صفات نقص فهذه يجب تنزيهه عنها مطلقا كالموت ~~والعجز والجهل والثاني صفات كمال فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء وكذلك ما ~~كان مختصا بالمخلوق فإنه يمتنع اتصاف الرب به فلا يوصف الرب بشيء من ~~النقائص ولا بشيء من خصائص المخلوق وكل ما كان من خصائص المخلوق فلا بد فيه ~~من نقص وأما صفات الكمال الثابتة له فيمتنع أن يماثله فيها شيء من الأشياء # PageV01P102 # وبهذا جاءت الكتب الإلهية فإن الله تعالى وصف نفسه فيها بصفات الكمال على ~~وجه التفصيل فأخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه عزيز حكيم غفور ~~ودود سميع بصير إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته وأخبر أنه ليس كمثله شيء ولم ~~يكن له كفوا أحد وقال تعالى {هل تعلم له سميا} فأثبت لنفسه ما يستحقه من ~~الكمال بإثبات الأسماء والصفات ونفى عنه مماثلته المخلوقات ولهذا كان مذهب ~~سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه وبما ~~وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل يثبتون له ~~الأسماء والصفات وينفون عنه مماثلة المخلوقات إثبات بلا كمثيل وتنزيه بلا ~~تعطيل كما قال تعالى {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فقوله ليس كمثله ~~شيء رد على أهل التمثيل وقوله وهو السميع البصير رد على أهل التعطيل وهؤلاء ~~نفاة الأسماء من هؤلاء الغالية من الجهمية الباطنية والفلاسفة وإنما ~~استطالوا على المعتزلة بنفي الصفات وأخذوا لفظ التشبيه بالاشتراك والإجمال ~~كما أن المعتزلة فعلت كذلك بأهل السنة والجماعة مثبتة الصفات فلما جعلوا ~~إثبات الصفات من التشبيه الباطل ألزمهم أولئك بطرد قولهم فألزموهم نفي ~~الأسماء الحسنى # والأمر بالعكس فإن إثبات الأسماء حق وهو يستلزم إثبات الصفات فإن إثبات ~~حي بلا حياة وعالم بلا علم وقادر # PageV01P103 # بلا قدرة كإثبات متحرك بلا حركة ومتكلم بلا كلام ومريد بلا إرادة ومصل ~~بلا صلاة ونحو ذلك مما فيه إثبات اسم الفاعل ms059 ونفى مسمى المصدر اللازم لاسم ~~الفاعل ومن أثبت الملزوم دون اللازم كان قوله باطلا وكذلك هؤلاء نفاة ~~الصفات أخذوا يقولون إثبات الصفات يقتضي التركيب والتجسيم إما لكون الصفة ~~لا تقوم إلا بجسم في اصطلاحهم والجسم مركب في اصطلاحهم وإما لأن إثبات ~~العلم والقدرة ونحوهما يقتضي إثبات أمور متعددة وذلك تركيب # PageV01P104 # وبالغت ملاحدة الفلاسفة في نفي الصفات بنفي مسمى التركيب فقالوا التركيب ~~خمسة أنواع وكلها يجب نفيها عن الله # الأول التركيب من الوجود والماهية فلا يكون له حقيقة سوى الوجود المطلق ~~بشرط الاطلاق لأنه لو كان له حقيقة مغايرة لذلك لكانت موصوفة بالوجود ~~وحينئذ فيكون الوجود الواجب لازما ومعلولا لتلك الحقيقة فيكون الواجب ~~معلولا # الثاني التركيب من العام والخاص كتركيب النوع من الجنس والفصل وهذا يجب ~~نفيه # الثالث التركيب من الذات والصفات وهذا يجب نفيه وهذه الثلاث تركيبات في ~~الكيفية # PageV01P104 # الرابع التركيب في الكم وهو تركيب الجسم من أبعاضه إما من الجواهر ~~المفردة وهو التركيب الحسي وأما من المادة والصورة وهو التركيب العقلي ~~وهذان النوعان هما الرابع والخامس # وقد بسط الرد عليهم في غير هذا الموضع لكنا ننبه هنا على بعضه فنقول هذه ~~الأمور ليست تركيبا في الحقيقة وبتقدير أن تكون تركيبا كما تدعونه فلا دليل ~~لكم على نفيها بل الدليل يقتضي إثبات المعاني التي سميتموها تركيبا # فهذه مقامات ثلاث أولها أن نقول لا دليل لكم على نفي هذه المعاني التي ~~سميتموها تركيبا وذلك أن عمدتهم في نفي التركيب أنهم يقولون أن المركب ~~مفتقر إلى جزئه وجزء غيره وواجب الوجود لا يكون مفتقرا إلى غيره وهذا ~~الكلام اعتمد عليه ابن سينا وأتباعه كالرازي وغيره وبنوا عليه النفي ~~والتعطيل وهو من أبطل الكلام وذلك بأن يقال لفظ التركيب يحتمل معان متجددة ~~بحسب الاصطلاحات فيقال المركب لما ركبه غيره كما قال تعالى {في أي صورة ما ~~شاء ركبك} ويقال ركبت الباب في موضعه ونحو ذلك وهذا هو مفهوم المركب في ~~اللغة # وقد يقال المركب لما كان متفرقا فجمع كجمع الأغذية والأدوية المركبة # PageV01P105 # وقد ms060 يقال المركب لما يمكن تفريق بعضه عن بعض كأعضاء الإنسان وإن لم يعهد ~~له حال تفريق في الابتداء وقد يقال المركب لما يشار إليه كالشمس والفلك قبل ~~أن يعلم جواز الانفكاك عنه وقد يقال المركب لما جاز أن يعلم منه شيء دون ~~شيء كما يعلم كونه قادرا قبل أن يعلم كونه سميعا بصيرا وإذا كان كذلك ~~فمعلوم أنهم إذا قالوا أن أثبات الصفات تستلزم التركيب لم يريدوا به الأول ~~والثاني فإن أثبات الصفات لازم لله تعالى فيمتنع زوال صفات الكمال عنه ~~ويمتنع أن يجوز عليه خلاف الصمدية كالتفرق ونحوه فإنه الأحد الصمد الذي لم ~~يلد ولم يولد وكذلك إذا قالوا المركب مفتقر إلى أجزائه فلفظ الجزء قد يعني ~~به ما جمع إلى غيره حتى حصلت الجملة كالواحد من العشرة وكجزء الطعام ~~والثياب وقد يعني بالجزء ما كان بعضا لغيره وإن لم يعلم انفراده عنه أو لم ~~يمكن انفراده عنه وقد يدخلون في هذه الحياة اللازمة للحي والعلم اللازم ~~للعالم كما يقولون الحيوانية والناطقية جزءا الإنسان وهما نعتان لازمان له ~~لا يمكن وجوده بدونهما # وكذلك لفظ الافتقار يراد به افتقار المعلول إلى علته والمصنوع إلى صانعه ~~ويراد به افتقار الصفة إلى محلها الذي تقوم به وقد يعني به التلازم وهو ~~استلزام الموصوف لصفات كماله # PageV01P106 # وكذلك لفظ الغير قد يراد به المباين للشيء وقد يعني به ما يعلم الشيء ~~بدونه ولهذا لما تنازع الناس في صفات الله تعالى بل في صفة كل موصوف وبعض ~~كل مجموع هل يقال أنه غير له أم لا فقالت طائفة صفة الموصوف وبعض الجملة ~~ليس غيرا له لأنه لا يوجد إلا به وقال بعضهم بل هو غير له لأنه يمكن العلم ~~به دونه كان هذا نزاعا لفظيا فامتنع السلف والأئمة أن يطلقوا على صفات الله ~~كلامه وعلمه ونحو ذلك أنه غير له أو أنه ليس غيره ولهذا لما سألوا الإمام ~~أحمد في مناظرتهم له في المحنة وأمر المعتصم قاضيه عبد الرحمن بن إسحق أن ~~يناظره سأله فقال ms061 ما تقول في القرآن أهو الله أم غير الله عارضه الإمام ~~أحمد بالعلم فقال ما تقول في علم الله أهو الله أم غير الله فسكت وذلك أنه ~~إن قال القائل لهم القرآن هو الله كان خطأ وكفرا وإن قال غير الله قالوا ~~فما كان غير الله فهو مخلوق فعارضهم الإمام أحمد بالعلم فإن هذا التقسيم ~~وارد عليه ولا يجوز أن يقال علم الله مخلوق ومما يبين ذلك أن النبي # PageV01P107 # صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقد ثبت عنه أنه ~~حلف بعزة الله والحلف بعمر الله ونحو ذلك من صفاته فعلم أن الحالف بصفاته ~~ليس حالفا بغيره ولو كانت الصفة يطلق عليها القول بأنها غيره لكان الحلف ~~بها حلفا بغيره وإذا قال القائل الحالف بصفته حالف به لأن الصفة تستلزم ~~الموصوف وهو المقصود باليمين قيل لهم فلهذا لم يدخل في إطلاق القول بأنها ~~غير الله فعلمه لازم له وملزوم له وكلامه لازم له وملزوم له والصفة داخلة ~~في مسمى الموصوف فإذا قال القائل عبدت الله وذكرت الله ونحو ذلك فاسم الله ~~متضمن لصفاته اللازمة لذاته فإذا قيل أنها غير الله فقد يفهم منه أنها ~~خارجة عن مسمى اسمه وهذا # PageV01P108 # باطل ولهذا قد يقال أنها غير الذات ولا يقال أنها غير الله لأن لفظ الذات ~~يشعر بمغايرته للصفة بخلاف اسم الله تعالى فإنه متضمن لصفات كماله وقولنا ~~أنه مغاير للذات لا يتضمن جواز وجوده دون الذات فإنه ليس في الخارج ذات ~~منفكة عن صفات ولا صفات منفكة عن ذات بل ذلك ممتنع لنفسه # ومن قال من أهل الأثبات أن له صفات زائدة على ذاته فحقيقة قوله أنها ~~زائدة على ما أثبته المثبت من الذات حيث أقر بذات ولم يقر بصفاتها وإلا ففي ~~الخارج ليس هناك ذات منفكة عن صفات حتى يقال أن الصفات زائدة عليها بل لفظ ~~الذات في الأصل تأنيث ذو كقوله {وأصلحوا ذات بينكم} وقوله {عليم بذات ~~الصدور} وهي تستلزم الإضافة ولكن المتكلمون قطعوه عن ms062 الإضافة وعرفوه فقالوا ~~الذات وحقيقته التي لها صفات فحيث قيل لفظ الذات كان مستلزما للصفات ~~ويستحيل وجود ذات منفكة عن الصفات في الخارج وفي العقل وفي اللغة ومن قدر ~~ذاتا بلا صفات فهو تقدير محال كما يقدر سواد ليس بلون وعلم بلا عالم وعالم ~~بلا علم ونحو ذلك من الأمور الممتنعة وهذه المعاني مبسوطة في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا أن هذه الحجة التي ينفون بها الصفات ويعتمدون على نفي مسمى ~~التركيب هي مبنية على ألفاظ مجملة مشتركة موهمة فإذا قالوا إثبات الصفات ~~تركيب # PageV01P109 # والمركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ليس بواجب بنفسه ~~قيل لهم إن أردتم بالغير غيرا مباينا له فهذا باطل وإن أردتم ما هو داخل في ~~مسمى اسمه كان حقيقة قولكم المركب لا يوجد إلا بوجود جزئه والمجموع لا يوجد ~~إلا بوجود بعضه والجملة لا توجد إلا بوجود أفرادها # ومن المعلوم أن القائل إذا قال الشيء لا يوجد إلا بوجود نفسه كان هذا ~~صحيحا وكذلك إذا قيل لا يوجد إلا بوجود ما هو داخل في نفسه مما يسمى صفات ~~وأجزاء ونحو ذلك فإذا قيل أن هذا يقتضي افتقاره إلى غيره كان من المعلوم أن ~~هذا دون افتقاره إلى نفسه فإن نفسه إذا كانت لا توجد إلا بنفسه فأن لا يوجد ~~إلا بوجود ما يدخل في نفسه أولى وإذا قيل لم يوجد إلا بنفسه لم يمنع هذا أن ~~يكون واجبا بنفسه وإذا قيل لا يوجد إلا بوجود ما هو داخل في مسمى نفسه كان ~~هذا اولى أن لا يمنع كونه واجبا بنفسه لأن الافتقار إلى المجموع أعظم من ~~الافتقار إلى الجزء ومن افتقر إلى مجموع العشرة كان افتقاره أبلغ من افتقار ~~من افتقر إلى واحد من العشرة فإذا كان المجموع لا يوجد إلا بالمجموع ولا ~~يمنع هذا أن يكون المجموع مفتقرا إلى نفسه فلأن لا يمنع كون المجموع مفتقرا ~~إلى فرد من أفراده أولى وأحرى # وإذا قيل جزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ممكن بنفسه قيل ms063 إن أريد بذلك أن ~~المفتقر إلى المباين له ممكن بنفسه # PageV01P110 # فليس هذا مورد كلامنا وإن أريد أن المفتقر إلى ما يدخل في نفسه ممكن ~~بنفسه كان هذا ممنوعا بل كان معلوم الفساد بالضرورة فإن افتقاره إلى ما ~~يدخل في نفسه ليس بأعظم من افتقاره إلى نفسه وإذا كان هو موجود بنفسه بمعنى ~~أنه لا يفتقر إلى مباين له لم يلزم من هذا ألا تفتقر نفسه إلى نفسه فكذلك ~~لا يلزم ألا تفتقر إلى ما يدخل في مسمى نفسه وإذا قيل هو مفتقر إلى نفسه ~~فله معينان أحدهما أنه مفتقر إلى أن يفعل نفسه ونحو ذلك فهذا ممتنع لذاته ~~فإن الشيء لا يكون فاعلا لنفسه والعلم بذلك ضروري وإن أريد بذلك أن نفسه لا ~~تكون إلا بنفسه ولا تستغني عن نفسه ويمتنع وجود نفسه بدون نفسه فهذا صحيح ~~لا بد منه # وإذا قيل هو مفتقر إلى ما يدخل في نفسه سواء سمي صفة أو جزءا أو غير ذلك ~~قيل أتريد به أن ذلك الجزء يكون فاعلا له أو ما يشبه هذا فهذا ممتنع باطل ~~ولا يقوله عاقل وإن أردت بذلك أنه لا يكون موجودا إلا بوجود ذلك وأنه يمتنع ~~وجوده بدونه ونحو ذلك كان ما يقدر في هذا دون ما يقدر في نفسه وإذا كان لا ~~توجد نفسه إلا بنفسه فأن لا يوجد إلا بما يدخل في نفسه بطريق الضرورة وإذا ~~كان ذلك أمرا واجبا لا محذور فيه فهذا بطريق الأولى وإذا كان تقدير استغناء ~~نفسه عن نفسه يوجب عدمه فكذلك تقدير وجوده بدون ما هو داخل في مسمى نفسه ~~مما هو لازم له يوجب عدمه بالحقيقة # PageV01P111 # فهذه الأمور التي نفوها عن الوجود الواجب توجب عدمه وامتناعه ولهذا كانوا ~~من أعظم الناس تناقضا حيث وصفوا واجب الوجود بممتنع الوجود ولهذا جعلوه ~~وجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو بشرط نفي الأمور الثبوتية كما صرح بذلك ابن ~~سينا وأتباعه # وهم قد قرروا في منطقهم اليوناني ما هو معلوم بصريح العقل أن المطلق بشرط ~~الإطلاق ms064 إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان كالإنسان المطلق بشرط الإطلاق ~~والجسم المطلق بشرط الإطلاق والحيوان المطلق بشرط الإطلاق وهذا قصدوا به ~~التمييز بين هذا وبين الوجود الذي هو موضوع الفلسفة الأولى والحكمة العليا ~~عندهم وهو العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولواحقه فإن الوجود ينقسم ~~إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وقائم بنفسه وقائم بغيره ومورد التقسيم مشترك ~~بين الأقسام فكان هذا الوجود يعم القسمين الواجب والممكن وهذا هو المطلق لا ~~بشرط وهو الكلي الطبيعي فجعلوا أحد القسمين وهو الواجب هو المطلق بشرط ~~الإطلاق وكذلك جعل العدم المحض هو المميز للوجود الواجب عن الممكن يوجب كون ~~العدم المحض فصلا أو خاصة وهذا أيضا باطل فإن الأمرين المشتركين في الوجود ~~لا يكون المميز لأحدهما عن الآخر إلا أمرا وجوديا ولو قدر أنه عدمي لكان ~~الواجب # PageV01P112 # قد امتاز بأمر عدمي والممكن امتاز بوجودي والوجود أكمل من العدم فيكون كل ~~ممكن مخلوق على قول ابن سينا أكمل من الموجود الواجب القديم لأنهما اشتركا ~~في الوجود وتميز الرب بعدم الأمور الثبوتية وتميز المخلوق بأمور وجودية # وهذا الكلام عندهم هو غاية التوحيد والتحقيق والحكمة وهو غاية التعطيل ~~والكفر والجهل والضلال وذلك أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الأذهان لا في ~~الأعيان وهم يسلمون هذا ويقررونه في منطقهم ويقولون الكلي ثلاثة أنواع ~~الكلي الطبيعي والمنطقي والعقلي فالطبيعي هو الحقيقة المطلقة كالإنسانية ~~والحيوانية وأما المنطقي فهو ما يعرض لهذه من العموم والكلية والعقلي هو ~~المركب منهما وهو الطبيعي بشرط كونها كلية فهذا العقلي لا يوجد إلا في ~~الذهن وكذلك المنطقي وأما الطبيعي فيقولون أنه موجود في الخارج لكن لا يوجد ~~إلا معينا مشخصا ويقولون أنه جزء المعين وأن الماهية في الخارج زائدة عن ~~الوجود الثابت في الخارج ويذكرون عن أصحاب أفلاطن أنهم أثبتوا الكلي العقلي ~~في الخارج مجردا عن الأعيان وشنعوا عليهم تشنيعا عظيما ومن قال إن الرب هو ~~الوجود المطلق بشرط الإطلاق ويردون على أصحاب أفلاطن الذين أثبتوا المثل ~~الأفلاطونية وهي الكليات المجردة عن الأعيان ويقولون ms065 هي ثابتة في الأذهان ~~لا في الأعيان وعند هؤلاء بتقدير ثبوت هذه الكليات في الخارج # PageV01P113 # فلا بد أن تكون لها أعيان ثابتة في الخارج مجردة فلو قدر أن في الخارج ~~وجودا مطلقا بشرط الإطلاق لكان كليا شاملا عاما وله أعيان ثابتة في الخارج ~~بالضرورة ويكون متناولا للواجب والممكن كتناوله للقديم والحادث والجوهر ~~والعرض وكتناول سائر المعاني الكلية أفرادها سواء سميت جنسا أو نوعا او ~~فصلا أو خاصة أو عرضا عاما فيمتنع أن تكون هذه الكليات العامة هي الأعيان ~~الموجودة الداخلة فيها ولذلك إذا قدر أن المطلق لا بشرط وهو الكلي الطبيعي ~~موجود في الخارج فإنه لا يوجد إلا معينا والمعين ليس هو المطلق غايتهم أن ~~يقولوا هو جزء منه أو صفة له فيلزم أن يكون رب العالمين جزءا من المخلوقات ~~أو صفة لها # وهؤلاء غلطوا من وجهين من جهة ظنهم أن في الخارج أمورا مطلقة كلية وليس ~~كذلك بل ما يتصوره الذهن مطلقا كليا يوجد في الخارج لكن يوجد معينا مختصا ~~والثاني أنه لو قدر أن في الخارج مطلقا كليا فلا ريب أن كل موجود معين مشخص ~~مختص مميز عن غيره وليس هذا هو هذا ولا وجود هذا وجود هذا فكيف يكون وجودها ~~وجود رب العالمين فلا بد على كل تقدير من إثبات موجود واجب بنفسه مغاير ~~لهذا المطلق سواء قيل بوجود الكليات المطلقة المفارقة للأعيان كما يقوله ~~أصحاب أفلاطن أو قيل # PageV01P114 # بأنها لا توجد إلا مقارنة ملازمة للأعيان كما يقوله أصحاب أرسطو # وأهل الوحدة القائلون بوحدة الوجود لما قال من قال منهم أنه الوجود ~~المطلق كابن سبعين والقونوي وأمثالهما قال من قال منهم كالقونوي أنه المطلق ~~لا بشرط ليكون موجودا في الخارج وهذا باطل أيضا فإن الموجود المطلق لا بشرط ~~يتناول القسمين الواجب والممكن فيكون الممكن داخلا في مسمى واجب الوجود # وهم إنما فرقوا بينهما بناء على أن وجود الممكن زائد على حقيقته وهو باطل ~~وأن الواجب إنما يتميز بقيود سلبية والسلوب لا تكون مميزة عندهم بل لا يحصل ms066 ~~التمييز في الموجودين إلا بأمور وجودية ولأن المطلق عند من يقول بوجوده في ~~الخارج جزء من المعين فيكون رب العالمين جزءا من كل مخلوق ولأن الخارج لا ~~يوجد فيه كلي ولا مطلق إلا معينا مشخصا ولكن ما هو كلي في الأذهان يكون ~~موجودا في الأعيان لكن معينا ومشخصا وأيضا فهؤلاء الذين يقولون إن واجب ~~الوجود مطلق أو مقيد بالأمور السلبية كابن سينا وأهل الوحدة وغيرهم هم في ~~الحقيقة لا يثبتون له حقيقة # PageV01P115 # ولا صفة ولا قدرا الموجود لا بد له من حقيقة تخصه مستلزمة لصفته وقدره ~~فهم من أعظم الناس تعطيلا للخالق وجحودا له وإن كانوا يعتقدون أنهم يقرون ~~به وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع # والرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل وهؤلاء ناقضوهم ~~جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل فإن الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي ~~بعث به رسوله أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه حكيم عزيز غفور ودود ~~وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه ~~كلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا وأنه أنزل على عبده الكتاب إلى غير ~~ذلك من أسمائه وصفاته وقال في النفي والتنزيه {ليس كمثله شيء} {ولم يكن له ~~كفوا أحد} {هل تعلم له سميا} وهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل ~~فقالوا في النفي ليس بكذا ولا كذا ولا كذا فلا يقرب من شيء ولا يقرب منه ~~شيء ولا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا له كلام يقوم به ولا له حياة ~~ولا علم ولا قدرة ولا غير ذلك ولا يشار إليه ولا يتعين ولا هو مباين للعالم ~~ولا حال فيه ولا داخلة ولا خارجة إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تنطبق ~~إلا على المعدوم ثم قالوا في الإثبات هو وجود مطلق أو وجود مقيد # PageV01P116 # بالأمور السلبية وقالوا لا نقول موجود ولا معدوم أو قالوا هو لا موجود ~~ولا معدوم فتارة يرفعون النقيضين وتارة يمتنعون ms067 من إثبات أحد النقيضين ثم ~~تارة يسلكون هذا المسلك في نفي الموجود وتارة فيما يوصف به الموجود من ~~الحياة والعلم والقدرة والكلام وسائر الصفات فنفوا الحقيقة وصاروا يعبرون ~~عن المعاني الثبوتية بأنها تركيب كما تقدم وقد ذكرنا أن تسمية هذا تركيبا ~~أمر اصطلحوا عليه وإلا فإثبات هذه المعاني لا يسمى في اللغة المعروفة ~~تركيبا فإن المركب لا يعقل إلا فيما ركبه مركب وهذا المعنى ممتنع فيما هو ~~موجود بنفسه غني عن كل ما سواه وهو الفاعل لكل ما سواه وكل ما سواه مخلوق ~~له فإذا قدر أنه متصف بصفات متعددة لم يكن أحد ركبه ولا ركبها فيه والناس ~~قد تنازعوا في الأجسام المخلوقة كالكواكب والفلك والهواء والماء وغير ذلك ~~فقيل هي مركبة من الجواهر المنفردة وقيل مركبة من المادة والصورة ومنه من ~~فرق بين الجسم الفلكي والعنصري والصواب عند محققي الطوائف أنها ليست مركبة ~~لا من هذا ولا من هذا وهذا قول أكثر أهل الطوائف أهل النظر مثل الهشامية ~~والضرارية والنجارية والكلابية وطائفة من الكرامية وغيرهم # وقد تنازع الناس في الجسم هل يقبل القسمة إلى غاية # PageV01P117 # محدودة هي الجوهر الفرد أو يقبل القسمة إلى غير غاية أو يقبل القسمة إلى ~~غاية من غير إثبات الجوهر الفرد على ثلاثة أقوال # والثالث والصواب فإن إثبات الجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة باطل بوجوه ~~كثيرة إذ ما من موجود إلا ويتميز منه شيء عن شيء وإثبات انقسامات لا تتناهى ~~فيما هو محصور بين حاصرين ممتنع لامتناع وجود ما لا يتناهى فيما يتناهى ~~وامتناع انحصاره فيه لكن الجسم كالماء يقبل انقسامات متناهية إلى أن تتصاغر ~~أجزاؤه فإذا تصاغرت استحالت إلى جسم آخر فلا يبقى ما ينقسم ولا ينقسم إلى ~~غير غاية بل يستحيل عند تصاغره فلا يقبل الانقسام بالفعل مع كونه في نفسه ~~يتميز منه شيء عن شيء وليس كل ما تميز منه شيء عن شيء لزم أن يقبل الانقسام ~~بالفعل بل قد يضعف عن ذلك ولا يقبل البقاء مع فرط تصاغر الاجزاء لكن ms068 يستحيل ~~إذ الجسم الموجود لا بد له من قدر ما ولا بد له من صفة ما فإذا ضعفت قدره ~~عن اتصافه بتلك الصفة انضم إلى غيره إما مع استحالة إن كان ذلك من غير جنسه ~~وإما بدون الإستحالة إن كان من جنسه كالقطرة الصغيرة من الماء إذا صغرت جدا ~~فلا بد أن تستحيل هواء أو ترابا أو أن تنضم إلى ماء آخر وإلا فلا تبقى ~~القطرة الصغيرة جدا وحدها وكذلك سائر الأجزاء الصغيرة جدا من سائر الأجسام # PageV01P118 # وهذا مبسوط في موضعه ولكن نبهنا عليه هنا لأن هذه الأمور هي مبدأ ~~الاشتباه والتنازع والاضطراب في هذه الأبواب فإذا كان ما ادعوه من التركيب ~~الحسي في الأجسام المشهدوة باطلا فكيف في الأمرو الغائبة التي لا تعلم ~~حقيقتها فكيف بما يدعونه من التركيب العقلي كقولهم لو كان له حقيقة لكان ~~الوجود صفة لها فكان مركبا وكان الوجود الواجب معلولا لغيره فإنه يقال لهم ~~بل له حقيقة تخصه يمتاز بها عن كل ما سواه بل كل موجود له حقيقة تخصه ~~فالخالق أولى بذلك وأما قولهم يكون الوجود صفة لها فهذا إنما يقال أن لو ~~كان الوجود مصدر وجد وجودا أو وجدته وجودا # ولا ريب أن لفظ الوجود في اللغة هو مصدر وجد يجد وجودا كما في قوله تعالى ~~{ووجد الله عنده} ولكن أهل النظر والعلم إذا قالوا هذا موجود لم يريدوا أن ~~غيره وجده يجده ولا يريدون أن غيره جعل له وجودا قائما به بل يريدون به أنه ~~حق ثابت ليس بمعدوم ولا منتف فإذا قيل هذا الإنسان موجود لم يكن المراد أن ~~هذا الإنسان قام به وجود يكون صفة لهذا الإنسان بل قولنا هذا الإنسان موجود ~~أي ثابت متحقق ليس بمعدوم ولا منتف وليس وجوده في الخارج فدرا زائدا على ~~حقيقته الموجودة في الخارج بل الحقيقة التي هي ماهيته الموجودة في الخارج ~~هي وجوده الثابت في الخارج # PageV01P119 # وأما إذا أريد بالحقيقة ما يتصور في الذهن وهي الماهية الذهنية كما يتصور ~~المثلث في الذهن ms069 قبل ثبوته في الخارج فالماهية الثابتة في الأذهان مغايرة ~~للحقيقة الموجودة في الأعيان فمن قال أن وجود كل شيء عين ماهيته كما يقوله ~~متكلمو أهل الأثبات فقد أصاب إذا أراد أن الوجود الثابت في الخارج هو ~~الماهية الثابتة في الخارج ومن قال ان وجود كل شيء غير ماهيته كما يقوله ~~أبو هاشم بن الجبائي وأمثاله فقد أصابوا إن أرادوا أن الوجود الثابت في ~~الخارج مغاير للماهية الثابتة في الذهن وأما إن أرادوا ما هو المعروف من ~~مذهبهم أن في الخارج ماهيات ثابتة وهو المعدوم الثابت في حال عدمه وأن ~~الوجود صفة لتلك الماهية فهذا خطأ # وأعظم خطأ من هؤلاء من فرق من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله وقالوا أن ~~الممكن وجوده في الخارج زائد على ماهيته وأما الواجب فوجوده في الخارج عين ~~ماهيته وإنما كان خطؤهم أعظم لأنهم أخطأوا من وجهين أحدهما إثبات حقائق في ~~الخارج غير الموجودات الثابتة في الخارج والثاني أنهم جعلوا الوجود الواجب ~~وجودا مطلقا ليس له حقيقة سوى مطلق الوجود وأنه إنما يتميز عن غيره بأمور ~~سلبية أو إضافية مع أنهم يقولون في منطقهم أن الأمور السلبية والإضافية لا ~~تميز بين المشتركين في أمر كلي وجودي وإنما يقع التمييز بأمور ثبوتية # PageV01P120 # وأيضا فإذا لم يتميز الواجب إلا بأمر عدمي وكل من الممكنات يتميز بأمر ~~وجودي كان كل من الممكنات أكمل منه وأيضا فالسلب إذا لم يتضمن أمرا ثبوتيا ~~لم يكن صفة كمال وإنما يكون كمالا إذا تضمن أمرا ثبوتيا كقوله {لا تأخذه ~~سنة ولا نوم} وأولئك المعتزلة ومن وافقهم من المتأخرين كأبي حامد والرازي ~~في أحد القولين وغيرهما إذا قالوا أن الوجود الواجب صفة للحقيقة ومن قد ~~يوافقهم في هذا الأصل أحيانا فيفرق بين وجود الشيء وبين حقيقته في الخارج ~~كما يفعله أبو الحسن بن الزاغوني ونحوه في مواضع كان قولهم مع ما فيه من ~~الخطأ خيرا من قول هؤلاء # وأما إيراد هؤلاء عليهم أن الوجود الواجب لا يكون معلولا فيقال لهم ~~أتريدون بذلك أن الوجود الواجب ms070 بنفسه لا يكون مفعولا ولا معلولا لعلة فاعلة ~~أم تريدون أن الوجود لا يكون صفة للماهية الموجودة ولا يكون الوجود معلولا ~~لعلة قابلة لا فاعلة أم تريدون غير ذلك فإن أردتم الأول فهو صحيح لكن ليس ~~في قولنا أن الوجود الواجب صفة للماهية الواجبة ما يوجب أن يكون معلولا له ~~علة فاعلة وإن أردتم أنه لا يكون صفة للوجود فهذا ممنوع بل الوجود صفة ~~للواجب والوجود صفة للموجود والواجب بنفسه هو الموصوف بالوجوب لا أن الوجوب ~~هو الواجب بنفسه والموجود بنفسه هو الموجود الواجب لا أن وجوده هو الواجب ~~بنفسه فهذا جواب # PageV01P121 # وجواب ثان وهو أن كون الوجود أو الوجوب معلولا لعلة قابلة ليس بممتنع ~~وإنما الممتنع أن يكون معلولا لعلة فاعلة فالعلة القابلة كالموصوف القابل ~~لصفته والعلة الفاعلة كالمبدع الفاعل لمصنوعه والدليل دل على أن الواجب ~~بنفسه ووجوبه ووجوده لا يكون مفعولا ولا معلولا لفاعل لم يدل على أن الواجب ~~لا يكون إلا صفة للواجب والوجود لا يكون صفة للموجود على قول من يقول إن ~~وجود الشيء زائد على حقيقته فهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم على قولهم إن وجود ~~الشيء في الخارج زائد على ماهيته وإن كان في قولهم خطأ فهم أقل خطأ وأكثر ~~صوابا من أولئك الفلاسفة الذين جعلوا وجوده مطلقا أو مقيدا بالعدم فقالوا ~~ما يعلم بصريح العقل أنه ممتنع من وجوه كثيرة مع ما فيه من التعطيل والجحود ~~لرب العالمين والتكذيب لأنبيائه المرسلين واتباع غير سبيل المؤمنين # وأما النوع الثاني من التركيب وهو التركيب من خاص وعام فيقال نحن وأنتم ~~مع جماهير الناس يقولون أن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن ومورد التقسيم ~~مشترك بين الأقسام وهذه القسمة إنما ترد على المعاني لا على مجرد الألفاظ ~~المشتركة سواء كانت تلك المعاني متفاضلة وألفاظها هي التي يقال لها الألفاظ ~~المشككة أو كانت متساوية وهي الأسماء المتواطئة التواطؤ الخاص فأما التواطؤ ~~العام فتندرج فيه المشككة وإذا كان الوجود منقسما إلى هذا وهذا فلا بد أن ~~يتميز الواجب عن غيره بما ms071 # PageV01P122 # يخصه والأمور العدمية المحضة لا توجب التمييز فقد ثبت التركيب مما به ~~الاشتراك ومما به الامتياز سواء جعلتم الوجود من الألفاظ المشككة أو من ~~المتواطئة تواطؤا عاما أو المتواطئة تواطؤا خاصا # وأيضا فيقال قد عرف أنا إذا قلنا أن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن ومورد ~~التقسيم هو المعنى العام الكلي والكلي إنما يكون كليا في الأذهان لا في ~~الأعيان وحينئذ فليس في المخلوقات ما هو مركب مما به الاشتراك ومما به ~~الامتياز بل كل موجود فإنه مختص بصفاته القائمة به كاختصاصه بعينه نفسه لا ~~يشركه غيره فيها فإذا كانت المخلوقات ليست مركبة بهذا الاعتبار فالخالق ~~أولى أن لا يكون مركبا بهذا الاعتبار ولكن أنتم غلطتم في منطقكم اليوناني ~~فلما رأيتم الإنسان يشابه غيره من الحيوانات في الحيوانية ويختص عنه بالنطق ~~والفرس يشابه غيره من الحيوانات في الحيوانية ويختص بالصهيل قلتم الإنسان ~~مركب من الحيوانية والناطقية وكذلك الفرس مركب من الحيوان والصاهل أو من ~~الحيوانية والصاهلية وهكذا في سائر الأنواع وظننتم أن هذا التركيب له تأثير ~~في الخارج وهذا غلط عظيم وقع منكم في الميزان العقلي وهو القانون الذي ~~تزنون به المعاني العقلية الذي جعلتموه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن # PageV01P123 # أن يزل في فكرة فإن الميزان إذا كان مائلا لا عادلا أخطأ الوازن في الوزن ~~قطعا وقد بسط الغلط في غير هذا الموضع # ومن أقرب ما يعرف به ذلك أن يقال الإنسان الموجود في الخارج مركب من ~~عرضين أو من جوهرين فقولكم الحيوانية والناطقية أو الحيوان والناطق أتريدون ~~به أعراضا هي صفات تقوم بالإنسان أم جواهر هي أعيان قائمة بأنفسها # فإن قلتم أعراضا تبين فساد قولكم فإن الإنسان الموجود جوهر قائم بنفسه ~~والجواهر لا تكون مركبة من الأعراض ولا تكون الأعراض سابقة عليها ولا مادة ~~لها فإن الأعراض قائمة بالجوهر مفتقرة إليه حالة فيه وهو موضوع لها في ~~اصطلاحكم والموضوع هو المحل المستغنى في قوامه عن الحال فيه فإذا كان ~~الإنسان عندكم مستغنيا في قوامه عن أعراضه امتنع أن كون هي ms072 مادته وأجزاءه ~~المقومة له وأن يكون مركبا منها # وإن قلتم بل الحيوانية والناطقية أو الحيوان والناطق جوهران قائما ~~بأنفسهما والإنسان مركب منهما كان هذا معلوم الفساد بالضرورة فإنا نعلم أن ~~الإنسان هو الحيوان الناطق وهو الجسم الحساس النامي المتحرك بالإرادة ~~الناطق والفرس هو الحيوان الصاهل وهو الجسم الحساس النامي المتحرك بالإرادة ~~الصاهل ليس في الإنسان جوهر هو حيوان وجوهر هو ناطق وجوهر هو جسم وجوهر هو ~~حساس وجوهر هو نام وجوهر هو متحرك # PageV01P124 # بالإرادة بل هذه أسماء للإنسان الواحد كل اسم منها يدل على صفة من صفاته ~~فالمسمى الموصوف بها جوهر واحد لا جواهر متعددة # فتبين أن قولكم أن الإنسان الموجود في الخارج مركب من هذا وهذا قول باطل ~~كيفما أردتموه وإما أن قلتم أن هذا تركيب عقلي في الذهن فيقال التركيب ~~العقلي هو بحسب ما يقدره الذهن ويفرضه ومن لم يميز بين الموجودات الثابتة ~~في الخارج وبين المقدرات الذهنية كان عن العلم خارجا وفي تيه الجهل والجا ~~وهذا حال كثير من هؤلاء اشتبه عليهم الصور الذهنية بالحقائق الخارجية فظنوا ~~ما في الأذهان ثابتا في الأعيان وعامة ما تدعونه من العقليات مثل الكليات ~~والمجردات كالعقول العشرة وكالمادة وغيرها هي أمور ذهنية لا خارجية # وهم قد جعلوا في علمهم الأعلى وفلسفتهم الأولى الذي قسموا فيه الوجود إلى ~~جوهر وعرض وجعلوا العرض تسعة أجناس كما ذكر ذلك معلمهم الأول أرسطو وسموا ~~هذه المقالات العشر جعلوا الجوهر جنسا تحته خمسة أنواع أحدها العقول العشرة ~~والثاني النفوس والثالث المادة والرابع الصورة والخامس الجسم وتنازعوا في ~~واجب الوجود هل يسمى جوهرا على قولين لهم وهذه الأربعة التي هي العقول ~~والنفوس والمادة والصورة اللتان جعلوهما جزئي الجسم إذا حقق الأمر عليهم ~~كانت أمورا عقلية مقدرة في الأذهان لا وجود لها في الأعيان بخلاف الجسم # PageV01P125 # وأعراضه فإن ذلك ثابت في الأعيان وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على منشأ غلطهم في التركيب الذي يزعمونه من الجنس ~~والفصل أو من العرض العام والخاصة وقولهم ms073 أن هذا منتف عن واجب الوجود فإذا ~~عرف أن هذا ليس بتركيب في الحقيقة وأنه سواء جعل تركيبا أو لم يجعل تركيبا ~~لا يمكن نفيه عن موجود من الموجودات لا واجب ولا ممكن علم ضلال هؤلاء القوم ~~الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وأما التركيب من ~~الذات والصفات فهذا أيضا ليس بتركيب فإن الإنسان الذي لا يكون إلا حيا ~~ناطقا ليس له ذات مجردة عن هذه الصفات حتى يقال انه مركب من هذه الذات ~~والصفات بل لا حقيقة لذاته إلا ما هو حيوان ناطق فالخالق تعالى الذي لا ~~يكون إلا حيا عالما قادرا ليس له ذات مجردة عن هذه الصفات حتى يقال أنه ~~مركب من ذات وصفات وإذا قال القائل أنه يمكن تقدير الذات مجردة عن الصفات ~~كان هذا تركيبا في ذهنه وخياله كما تقدم ومن المعلوم أن الأمور الذهنية ~~العقلية الخيالية غير الحقائق الموجودة في الخارج وقد تقدم قولهم في تركيب ~~الجسم من أجزائه الحسية والعقلية فقد تبين ان ما جعلوه تركيبا أخطأوا فيه ~~لفظا ومعنى وأنه بتقدير موافقتهم على جعل ذلك تركيبا لا يمكن نفيه عن موجود ~~لا واجب ولا ممكن فظهر المقامان اللذان ذكرناهما حيث قلنا أن هذا ليس ~~بتركيب وبتقدير أن يقال هو تركيب لا يمكن نفيه # PageV01P126 # وأما المقام الثالث فيقال إثبات معان متعددة في الموجود الواجب وغيره أمر ~~ضروري لا بد منه وأنتم مع فرط مبالغتكم في السلب تقولون أنه موجود واجب ~~وأنه معقول وعاقل وعقل ولذيذ وملتذ به وعاشق ومعشوق وعشق إلى أنواع أخر # وأما أهل الملل فمتفقون على أنه حي عليم قدير ومن المعلوم أن من جعل كونه ~~حيا هو كونه عالما وكونه عالما هو كونه قادرا فهو من أعظم الناس جهلا وكذبا ~~وسفسطة وكذلك من جعل الحياة هي الحي والعلم هو العالم والقدرة هي القادر ~~فيبين العقل الصريح أن كل صفة ليست هي الأخرى ولا هي نفس الموصوف وكذلك من ~~جعل العشق هو العاشق واللذيذ هو اللذة ونفس ms074 العقل الذي هو مصدر عقل يعقل ~~عقلا هو العقل الذي هو العاقل القائم بنفسه فمن جعل هذا هذا كان في ~~المكابرة والجهل والسفسطة من جنس الأول فمن جعل المعاني هي الذات القائمة ~~بنفسها أو كل معنى هو المعنى الآخر كان من أعظم الناس جهلا وكذبا وسفسطة ~~وكان أجهل من النصارى الذين يقولون أحد بالذات ثلاثة بالأقنوم ويقولون مع ~~ذلك أن أقنوم الكلمة هو المتحد بالمسيح دون غيره وأنه إله حق من إله حق ~~فإنهم إن جعلوا الأقنوم هو الذات الموصوفة بالصفات الثلاثة كان المسيح هو ~~الأب وإن جعلوه صفة لم يكن المسيح إلها فإن الصفة لا تخلق ولا ترزق ولا ~~تفارق # PageV01P127 # الموصوف فالنصارى متناقضون في التوحيد حيث يلزمهم أن يجعلوا الذات هي ~~الصفة أو المتحد هو الذات وهؤلاء أعظم تناقضا منهم وقولهم في التوحيد شر من ~~أقوال النصارى # لكن يحيى بن عيد النصراني الفيلسوف ظن أنه إذا جعل قولهم في التثليت هو ~~مثل تثليت الفلاسفة في قولهم بالعاقل والمعقول والعقل يكون قد انتصر ~~بالأدلة ولم يعلم أن ما فر إليه شر مما فر منه وأن قول الفلاسفة بالعقل ~~والعاقل والمعقول أبطل في المعقول من قول النصارى بالأب والابن وروح القدس # وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن نبهنا عليها هنا لأنها أصول ~~كلام هؤلاء الذين أضلوا من أذكياء الأمم من لا يعلمه إلا الله وهم الذين ~~قالوا إن معجزات الأنبياء عليهم السلام قوى نفسانية وبنوا ذلك على أصولهم ~~في قدم العالم وأن مبدعه علة تامة موجبة بذاته وجعلوا من المقدمات التي ~~استعانوا بها على ذلك نفي الصفات الذي بنوه على ما سموه التركيب فإذا عرف ~~بطلان أصلهم كان القول بإثبات صفات الكمال لله حقا وحينئذ فلا يمكنهم أن ~~يقولوا لا تقوم به الأفعال الاختيارية فإنهم إنما نفوا قيام ذلك بذاته ~~لنفيهم الصفات لا لكونه قديما فإن القديم عندهم تحله الحوادث ولهذا قالوا ~~إن الفلك قديم تحله الحوادث # ومن قال إن القديم لا تحله الحوادث من أهل الكلام # PageV01P128 # كالمعتزلة ومن ms075 اتبعهم من الكلابية وأتباعهم فإنما قالوا ذلك لاعتقادهم أن ~~ما قامت به الحوادث محدث أما المعتزلة فلأن من أصلهم أن الصفات أعراض لا ~~تقوم إلا بمحدث وأما الكلابية وأتباعهم فلأن من أصلهم أن ما يقبل الحوادث ~~لم يخل منها وما لم يخل منها كان حادثا لاعتقادهم امتناع حوادث لا أول لها ~~والذين نازعوهم في ذلك من أهل الحديث والكلام والفلسفة وغيرهم مثل جمهور ~~أهل الحديث وكثير من المرجئة والشيعة والفقهاء وغيرهم مثل الهشامية وأبي ~~معاذ التومني ومثل داود بن علي والكرامية ومثل كثير من أئمة الفلاسفة ~~الأساطين المتقدمين والمتأخرين ينازعونهم في إحدى المقدمتين أو كليتهما ~~فينازعونهم في قولهم ما قبل الحوادث لم يخل منها كما ينازعهم في ذلك ~~الهشامية والكرامية وأبو عبد الله بن الخطيب وأبو الحسن الآمدي وغيرهما فإن ~~هؤلاء وغيرهم طعنوا في قولهم ما قبل الحوادث لم يخل منها # وأما قولهم بامتناع حوادث لا أول لها فهذا نازعهم فيه أئمة أهل الملل ~~وأئمة الفلاسفة وأئمة أهل الحديث والسنة وجمهورهم نازعوهم في هذه ونازعهم ~~فيها أئمة الفلاسفة # PageV01P129 # الأولين والآخرين مثل أرسطو ومن قبله فالقائلون بقدم الأفلاك من الفلاسفة ~~يقولون أن القديم تقوم به حوادث لا أول لها وأما أهل الملل وأئمة الفلاسفة ~~وجماهيرهم فيقولون أن كل ما سوى الله مخلوق كائن بعد أن لم يكن وأن ما قامت ~~به الحوادث من الممكنات فهو مخلوق محدث بل ما قارنته الحوادث من الممكنات ~~فهو مخلوق محدث لامتناع صدروه عن علة تامة قديمة أزلية والمشهور من مقالة ~~أساطين الفلاسفة قبل أرسطو هو القول بحدوث العالم وإنما اشتهر القول بقدمه ~~عنه وعن متبعيه كالفارابي وابن سينا والحفيد وأمثالهم # وأما قيام الأفعال الاختيارية وقيام الصفات بالله تعالى فهو قول سلف ~~الأمة وأئمتها الذين نقوله عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو القول الذي ~~جاء به التوراة والإنجيل وهو القول الذي يدل عليه صريح المعقول مطابقا ~~لصحيح المنقول وحينئذ فنعلم بالعقل الصريح أن العالم حادث كما أخبرت به ~~الرسل مع أن الرب لم يزل ولا ms076 يزال متصفا بصفات الكمال لم يصر قادرا بعد أن ~~لم يكن ولا متكلما بعد أن لم يكن ولا موصوفا بأنه خالق فاعل بعد أن لم يكن ~~بل لم يزل موصوفا بصفات الكمال المتضمنة لكماله في أقواله وأفعاله وهذه ~~الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا بيان ما ذكرناه من الدليل على حدوث كل ما سوى الله وأن ~~حقيقة قولهم يستلزم أن لا يكون للحوادث محدث أصلا لامتناع صدور الحوادث عن ~~علة تامة أزلية وأن كل محدث سواء سمي معلولا أو مفعولا لا بد حين # PageV01P130 # وجوده من وجود جميع ما به يحدث فإذا سمي معلولا فلا بد من وجود العلة ~~التامة عند وجوده وإذا كانت قديمة وتأثيرها موقوف على شرائط فلا بد من حصول ~~الشروط عند حدوثه فلا يكفي وجودها قبل حدوثه كما يقولون لأن العلة التامة ~~يجب مقارنة معلولها لها ومقارنتها لمعلولها فلا يكون المعلول موجودا إلا مع ~~وجود العلة التامة بجميع أجزائها إذ لو كان شيء من شروطها معدوما قد وجد ~~قبل حدوث المعلول لكانت العلة سابقة على المعلول والمعلول متأخر عنها وهذا ~~ممتنع في العلة التامة وكذلك الفاعل القادر لا بد من وجود قدرته وإرادته ~~وسائر ما يعتبر في فعله أن يكون موجودا عند حداث المحدث فهذان وجهان # وأما حجتهم المذكورة على قدم العالم فجوابها من وجوه أحدها أن يقال دوام ~~الحوادث إما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا فإن كان ممتنعا بطل قولهم ~~وعلم أن الحوادث لها ابتداء وإن كان ممكنا أمكن أن تكون هذه الأفلاك حادثة ~~مسبوقة بحوادث قبلها كما أخبرت بذلك الرسل فإن الله تعالى اخبر أنه خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء وعلى التقديرين فلا يلزم ~~قدم العالم واعلم انه ليس لهم حجة صحيحة على قدم العالم أصلا # PageV01P131 # بل غاية ما يقررون أنه لابد من دوام فعل الفاعل فبتقدير أن يكون فعله ~~دائما بذاته شيئا بعد شيء يبطل قولهم وبتقدير أن يكون كل مفعول محدثا وهو ~~مسبوق مفعول ms077 محدث يبطل قولهم # الوجه الثاني أن يقال هذا بعينه يبطل قولكم بأن المؤثر إن جاز تأخر أثره ~~عنه أمكن حدوث العالم وتأخر الفعل عن الفاعل وإن لم يجز تأخر أثره عنه لزم ~~عدم الحوادث أو قدمها أو حدوثها بلا محدث والكل باطل فعلم أن قولهم بمؤثر ~~لا يتأخر عنه الأثر باطل # الوجه الثالث أن يقال ترجيح الفاعل لأحد طرفي الممكن على الآخر إما أن ~~يكون ممكنا وإما أن لا يكون فإن كان ممكنا أمكن تأخر العالم وأن القادر ~~المختار يرجح حدوثه بلا مرجح وإن قيل إن الفاعل لا يمكنه ذلك امتنع كون ~~الموجب بالذات يرجح شيئا على شيء بلا مرجح ومعلوم أن العالم له قدر مخصوص ~~وصفات مخصوصة وحوادث متعاقبة كلها ممكنة فترجيحها على غيرها من الممكنات لا ~~يكون بمجرد وجود مطلق بسيط نسبته إلى جميع الممكنات نسبة واحدة # الوجه الرابع أن يقال القديم إما أن يجوز قيام الحوادث به وإما أن لا ~~يجوز فإن لم يجز بطل قولهم بقدم العالم الذي قامت به الحوادث والأفلاك قامت ~~بها الحوادث وإن جاز قيام الحوادث به أمكن أن يقوم بالقديم الواجب بذاته ~~حوادث لا تتناهى ويكون منها ما هو شرط في حدوث # PageV01P132 # العالم كما قالوا إن حركات الأفلاك شرط في حدوث الحوادث السفلية # الوجه الخامس أن يقال مبنى حجتهم على امتناع ترجيح بلا مرجح تام وامتناع ~~التسلسل وهم قائلون بالأمرين فإنهم يقولون بتسلسل الحوادث ويقولون أن ~~الحوادث حدثت بلا مجرح تام وإذا قالوا نحن رددنا على من أثبت ذاتا معطلة عن ~~الفعل فعلت بعد أن لم تكن فاعلة قيل لهم هذا قول طوائف من أهل الكلام ليس ~~هذا القول منصوصا عن الأنبياء لا في التوارة ولا في الإنجيل ولا في القرآن ~~ولا يلزم من بطلان هذا القول قدم العالم ومخالفة ما أخبرت به الرسل بل نقول ~~إن كان هذا القول ممكنا بطل ردكم له وإن كان ممتنعا لم يلزم إلا دوام فعل ~~الفاعل لا أزلية هذه الأفلاك ولا أزلية شيء بعينه من ms078 الممكنات # الوجه السادس أن يقال قولكم أشد استحالة من هذا القول فإن هؤلاء نسبوا ~~جميع الحوادث إلى الفاعل القديم الأزلي وقالوا أنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا ~~فأثبوا للحوادث فاعلا ولم يثبتوا سببا حادثا وأنتم جعلتم الحوادث تحدث بلا ~~فاعل أصلا لأن الفاعل القديم الواجب عندكم يلزمه مفعوله الذي هو معلوله ~~وموجبه ومقتضاه فلا يتأخر عنه فلا يجوز أن يحدث عنه شيء فإذن هذه الحوادث ~~لم تحدث عنه فتضمن قولكم أن الحوادث لا محدث لها وهذا اعظم فسادا من قول من ~~جعل لها محدثا أحدثها من غير سبب حادث # PageV01P133 # الوجه السابع أن يقال كل ما تذكرونه من الشبه على نفي حدوث هذا العالم ~~يلزمكم مثله في حدوث كل حادث مثل قولكم أن الفاعل لا بد له من غرض وقولكم ~~أن التأثير إن كان قديما لزم قدم الأثر وأمثال ذلك وإنما وقع التلبيس منكم ~~أنكم أخذتم تحتجون على قدم الأفلاك أو مواد الأفلاك بحجج ليس فيها ما يقتضي ~~ذلك بل إما أن تقتضي الحجة نفي الفعل والإحداث بالكلية فيعلم فسادها ~~بالضرورة والاتفاق وإما أن تقتضي أن كل حادث مسبوق بحادث وهذا لا يدل على ~~قدم هذا العالم بل على أن الرب لم يزل فاعلا إما أفعالا تقوم بنفسه وإما ~~مفعولات منفصلة تحدث شيئا بعد شيء وليس في واحد من هذين ما يقتضي صحة قولكم ~~بل كل منهما يناقض قولكم وغايتكم أن تفسدوا قول بعض أهل الكلام أو حجتهم ~~لكن ليس في هذا تصحيح لقولكم ولا إبطال لما أخبرت به الرسل صلوات الله ~~عليهم أجمعين # وهذه الأمور قد بسطناها في غير هذا الموضع وإنما نبهنا عليها هنا لأنها ~~أصل قول هؤلاء الذين ينكرون انفطار السموات وانشقاقها ويقولون إن النبوة هي ~~من نوع قوى النفوس وأن المعجزات هي قوى نفسانية حتى يجعلونها هي سبب ما ~~أحدثه الله من آيات الانبياء وإن كانوا مع هذا يعظمون الأنبياء ويوجبون ~~طاعة نواميسهم ويأمرون # PageV01P134 # بقتل من يخرق النواميس ويقولون أنهم وضعوا للناس قانونا من العدل به ms079 يعيش ~~الناس في الدنيا فهم فيما يخبرون به من صفات الأنبياء يؤمنون ببعض الكتاب ~~ويكفرون ببعض كما أخبر الله تعالى فيؤمنون ببعض الصفات التي اتصف بها ~~الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وببعض ما آتاهم الله من الفضائل ويكفرون ~~ببعض # PageV01P135 # والذي يثبتونه للأنبياء قد يحصل للرجل الصالح العالم والمخاطبات ~~والمكاشفات التي يثبتونها للأنبياء تحصل لكثير من عوام الصالحين وما أثبتوه ~~من الحق فهو حق لكن كفرهم بما كذبوا به من الحق فنقول ما وصفوا به الأنبياء ~~من أن لهم خصائص في العلم والقدرة والسمع والبصر امتازوا بها حق لكن دعواهم ~~أن منتهى خصائصهم ما ذكروه باطل فنحن لا ننكر أن الله تعالى يخص البنى بقوة ~~قدسية يعلم بها ما لا يعلم غيره ولا ننكر أيضا ما يمثله الله له إما في ~~اليقظة وإما في المنام من الأمور الصادقة المطابقة للحقائق ولا ننكر أيضا ~~أن الله قد يجعل في النفوس قوى يحصل بها تأثير في الوجود والناس لهم في هذا ~~الباب قولان فالسلف والفقهاء والجمهور يقولون أن الله جعل في الأعيان قوى ~~وطبائع تحصل بها الآثار كما جعل في النار التسخين وفي الماء التبريد ونحو ~~ذلك وطائفة من أهل الكلام ينكرون هذا كله ويقولون ليس في الأعيان قوى ~~وطبائع تكون أسبابا للآثار لكن الله يخلق الأشياء عندها لا بها ويقولون ليس ~~في العين # PageV01P135 # قوة امتازت بها عن الأنف ولا في الخبز قوة امتاز بها عن الشراب ولا في ~~الماء قوة امتاز بها عن الخل ولكن الله تعالى يخلق الشبع والري عند ذلك لا ~~به وهذا القول ضعيف مخالف للشرع والعقل فإن الله تعالى قال {وما أنزل الله ~~من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} وقال تعالى: {فأنزلنا به الماء ~~فأخرجنا به من كل الثمرات} وقال: {وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة} ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة كما قد بسط في موضعه # والمقصود هنا أن كون النفوس أو غيرها من الأعيان جعل الله فيها من القوى ms080 ~~والطبائع ما يحصل به بعض الآثار لا ينكر لا في الشرع ولا في العقل ولكن ~~دعوى المدعي أن معجزات نبينا أو غيره من الأنبياء هي من هذا الباب بهتان ~~عظيم والقائلون بهذا رأوا أنهم يمكنهم تعليل بعض الخوارق بعلل طبيعية ~~فعللوها ثم جهالهم ظنوا هذا يطرد فطردوا وأما حذاقهم فيكذبون بالخوارق ~~الخارجة عن القانون الطبيعي عندهم وذلك مثل كون بعض الناس يبقى مدة لا يأكل ~~ولا يشرب فإن جماعة من الناس يبقى شهرا أو شهرين لا يأكل فأخذ ابن سينا ~~يقول في إشاراته إذا بلغك أن # PageV01P136 # عارفا مكث مدة لا يأكل ولا يشرب فاسجح بالتصديق فإن في الطبيعة عجائب ~~وقرر ذلك بأن المريض إذ بقيت قواه الهاضمة مشغولة بمدافعة المرض بقي الطعام ~~محفوظا مدة لا يأكل فيها ولا يشرب فالعارف إذ اشتغلت نفسه بعرفانه اجتذبت ~~إليها القوى الهاضمة فلا تهضم الطعام # وهذا الذي قاله في هذا وأمثاله ليس بطائل فإن الناس يعلمون أن النفس إذا ~~اشتغلت بفرح عظيم أو غضب عظيم أو اهتمام بأمر عظيم اشتغلت عن الأكل والشرب ~~بهذا وأسبابه فهذا ونحوه ليس من معجزات الأنبياء ولا مما يختص به الأولياء # ولهذا كان ما يذكرونه من التأثير مقيدا عندهم بجريانه على القانون ~~الطبيعي المعتاد فعندهم لا يتصور أن يفعل المؤثر في المواد إلا ما هي قابلة ~~له فقد يقولون أن الهواء لما كان قابلا لأن ينقلب ماء أمكن أن يؤثر المؤثر ~~فيه حتى يصير الهواء ماء فينزل المطر ومعلوم أن معجزات الأنبياء خارجة عن ~~القوانين الطبيعية مثال ذلك انقلاب العصا ثعبانا ثم ابتلاع الثعبان ما ~~هنالك من العصي والحبال فإن هذا خارج عن قوى النفس والطبيعية لأن الخشب لا ~~يقبل أن يصير حيوانا أصلا ولا يمكن في القوى الطبيعية أن عصا تصير حية لا ~~بقوى نفس ولا بسحر ولا غير ذلك بل الساحر غايته أن يتصرف في الأعراض بفعل ~~ما يحدث عنه الأمراض والقتل ونحو ذلك مما يقدر عليه سائر الآدميين فإن ~~الإنسان يمكنه أن يضرب غيره حتى يمرضه ms081 أو يقتله فالساحر والعائن وغيرهما ~~ممن يتصرف بقوى الأنفس # PageV01P137 # يفعل في المنفصل ما يفعله القادر في المتصل فهذا من أفعال العباد ~~المعروفة المقدروة وأما قلب الأعيان إلى ما ليس في طبعها الانقلاب إليه ~~كمصير الخشب حيوانا حساسا متحركا بالإرادة يبلغ عصيا وحبالا ولا يتغير فليس ~~هذا من جنس مقدور البشر لا معتادا ولا نادرا ولا يحصل بقوى نفس أصلا ولهذا ~~لما رأى سحرة فرعون ذلك علموا أنه خارج عن طريقة السحر {فألقي السحرة ~~ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} وهذه الحادثة الخارقة ~~للعادة فيها إثبات الصانع وإثبات نبوة أنبيائه فإن حدوث هذا الحادث على هذا ~~الوجه في مثل ذلك المقام يوجب علما ضروريا أنه من القادر المختار لتصديق ~~موسى ونصره على السحرة كما قال تعالى {فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف ~~إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا ~~يفلح الساحر حيث أتى} وكذلك إخراج صالح الناقة من هضبة من الهضاب أمر خارج ~~عن قوى النفوس وغيرها ولهذا كان أئمة هؤلاء المتفلسفة يكذبون بهذه المعجزات ~~وربما جعلوها أمثالا فقالوا إنه ألقى عصا العلم فابتلعت حبال الجهل وعصيه ~~ونحو ذلك كما يغلب الرجل الرجل بحجته وهذا من تأويلات القرامطة التي يعلم ~~بالضرورة بطلانها وأنها مخالفة للمنقول بالتواتر ومخالفة لما اتفق عليه ~~المسلمون واليهود # PageV01P138 # والنصارى من نقل هذه المعجزات واعتبر هذا بأمثاله وكذلك وقوف الشمس ليوشع ~~بن نون وانشقاق القمر لنبينا صلى الله عليه وسلم هو عندهم ممتنع لا يمكن لا ~~بقوى نفس ولا غير ذلك لأن الفلك دائم الحركة ومعلوم أن هذه المعجزات لا ريب ~~فيها وانشقاق القمر قد أخبر الله به في القرآن وتواترت به الأحاديث كما في ~~الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود وأنس وابن عباس وغيرهم وأيضا فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ بهذه السورة في الأعياد والمجامع العامة فيسمعها ~~المؤمن والمنافق ومن في قلبه مرض ومن المعلوم أن ذلك لو لم يكن وقع لم يكن ~~ذلك ms082 أما أولا فلأن من مقصوده أن الناس يصدقونه ويقرون بما جاء به لا يخبرهم ~~دائما بشيء يعلمون كذبه فيه فإن هذا ينفرهم ويوجب تكذيبهم لا تصديقهم وأما ~~ثانيا فلأن المؤمنين كانوا يسألونه عن أدنى شبهة # PageV01P139 # تقع في القرآن حتى نساؤه فراجعته عائشة في قوله من نوقش الحساب عذب وذكرت ~~قوله تعالى {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} حتى قال لها ذلك العرض # وراجعته حفصة في قوله لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة وذكرت قوله ~~تعالى {وإن منكم إلا واردها} حتى أجابها بقوله ألم تسمعي قوله تعالى {ثم ~~ننجي الذين اتقوا} # وراجعه عمر بقوله {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} عام الحديبية ~~لما صالح المشركين على الرجوع ذلك العام حتى قال له أبو بكر كما قال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم أقال لك أن تدخله هذا العام قال لا قال فإنك ~~داخله ومطوف به # PageV01P140 # وأمثال ذلك كثيرة فكيف يقرأ عليهم دائما ما فيه الخبر بانشقاق القمر ولا ~~يرد على ذلك مؤمن ولا كافر ولا منافق مع أن ابن الربعري وغيره من المشركين ~~تعلقوا بالقياس الفاسد في قوله {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم ~~لها واردون} فقاس المسيح على الأصنام بكونه معبودا وهذا معبود وهذا من جهله ~~بالقياس فإن الفرق ثابت بأن هؤلاء أحيانا ناطقون وهم صالحون يتألمون بالنار ~~فلا يعذبون لأجل كفر غيرهم بخلاف الحجارة التي تلقى في النار إهانة لها ~~ولمن عبدها # قال الله تعالى {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} فلو لم يكن # PageV01P141 # انشقاق القمر معلوما معروفا عندهم لعظم في إنكاره القيل والقال وكثرة ~~الإعتراض وكثرة السؤال وصار في ذلك من المراء والجدال ما لا يخفى على أدنى ~~الرجال # وكذلك القرآن فإن القرآن فيه من الأخبار عن الأمم الماضية كقصة آدم ~~وإبليس ونوح وقومه ومخاطبته لهم وقصة عاد وثمود وفرعون وما جرى من الأمم ~~وقومهم من المخاطبات في ms083 الأمور الجزئية مما لا يمكن أن تعلم بالحدس وقوى ~~النفس التي تنال بواسطة العلم بالحد الأوسط وكذلك الخبر عن الأمور ~~المستقبلة المفصلة فإن هذه كلها لا يمكن في الجبلة أن تعلم إلا بمخبر يخبر ~~بها الإنسان وأما علمه بها بدون الخبر فممتنع من قوى النفس ولهذا يقول ~~سبحانه وتعالى {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} {وما كنت بجانب الغربي} ~~{وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم} {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم ~~يكفل مريم} وفي الجملة فهؤلاء يدعون ما ذكره ابن سينا في إشاراته من أن ~~خوارق العادات في العالم ثلاثة أنواع لأنها إما أن تكون بأسباب فلكية ~~كتمزيج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية وهذا هو الطلسمات ~~وإما أن تكون بأسباب طبيعة سفلية كخواص الأجسام وهي النيرنجيات وإما أن ~~تكون بأسباب نفسانية ويزعمون أن المعجزات التي للأنبياء والكرامات التي ~~للأولياء وأنواعا من السحر # PageV01P142 # والكهانة هو من هذا الباب ويقولون الفرق بين النبي والساحر أن النبي نفسه ~~زكية تأمر بالخير والساحر نفسه خبيثة تأمر بالشر فهما يفترقان عندهم فيما ~~يأمر به كل منهما لا في نفس الأسباب الخارقة وقد قدمنا أن من أهل الكلام ~~والنظر من ينكر أن تكون في شيء من الأنفس وغيرها من الأجسام الحيوان وغير ~~الحيوان قوى أو طبائع أو أن يكون لها تأثير بل يجعلون ذلك كله من باب ~~المقارنة العادية المحضة وهذا قول جمهور الأشعرية ومن يوافقهم من أهل ~~الظاهر وأهل القياس من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهؤلاء قد يغلون ~~حتى يقولوا إن قدرة الحيوان لا تأثير لها في أفعاله الاختيارية لا للإنسان ~~ولا لغير الإنسان وينكرون أيضا أن يكون الله يفعل شيئا لشيء فينكرون ~~الأسباب والحكم في خلقه وأمره وكثير منهم ينكر القياس ومن أقر منهم لم يجعل ~~علل الشرع إلا مجرد علامات وأكثرهم يتناقضون في هذا الأصل فإذا تكلموا في ~~تفاصيل الفقه والطب وحكمة الله تكلموا بموجب فطرتهم وإيمانهم على طريقة ~~الجمهور الذين يثبتون ما لله في خلقه وأمره من الأسباب المتقدمة ms084 على ~~الحوادث والحكم المتأخرة عن الحوادث وإذا ناظروا الفلاسفة والمعتزلة في ~~أصول الدين في مسائل القدر والتعديل والتجوير وتعليل أفعال الله تعالى ~~وأسباب الحوادث تكلموا على هذه الطريقة التي هي في الأصل طريقة المجبرة ~~كجهم بن صفوان وأمثاله ويجعلون # PageV01P143 # نفس المشيئة مقتضية لترجيح أحد المثلين على الآخر بلا سبب يقتضي الترجيح ~~غير الإرادة وادعوا أنها كما انها تقتضي جنس التخصيص فإنها تقتضي التخصيص ~~المعين إذ التخصيص ببعض الحوادث دون بعض لا يقع بنفس العلم ولا بنفس القدرة ~~فلا بد له من مخصص وذلك هو الإرادة لكن المعقول من ذلك أن جنس الإرادة يخصص ~~جنس المحدثات وأما كون هذا المعين مراده من هذا فلا تقتضيه نفس جنس الإرادة ~~إلا أن كون المراد مختصا بسبب يقتضي أن يراد دون غيره وأن يكون من المريد ~~سبب يوجب أن يريد ذاك دون غيره فادعى هؤلاء أن نفس الإرادة تخصص مثلا عن ~~مثل من غير سبب معين وذاك لا في المريد ولا في المراد مع أن نسبتها إلى ~~جميع المرادات نسبة واحدة # وقال جمهور العقلاء هذا مما يعلم فساده بالضرورة فإن الإرادة إذا استوت ~~نسبتها إلى جميع المرادات وأوقاتها وصفاتها وأشكالها كان ترجيح الإرادة ~~لمثل على مثل ترجيحا من غير مرجح فإن جاز هذا جاز أن يقال الفاعل القادر ~~يخصص مثلا على مثل بلا إرادة وحينئذ فلا إرادة كما تقوله معتزلة البغداديين ~~وإن جاز هذا لزم ترجيح # PageV01P144 # أحد المثالين على الآخر بلا مرجح أصلا فإذا كان نسبة الوجود والعدم إلى ~~حقيقة الممكن نسبة واحدة جاز ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح فيلزم جواز ~~وجود الممكنات والمحدثات بلا مبدع فاعل # فقال هؤلاء نحن نفرق بين ترجيح القادر لأحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ~~وبين ترجيح الموجب بلا مرجح وهذا الفرق هو أصل قول المعتزلة وقول الأشعرية ~~ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من حيث يجعلون ~~الموجب للترجيح إرادة نسبتها إلى المثلين سواء ولكن هؤلاء يجعلون المرجح هو ~~إرادة القادر المختار وأولئك يجعلون المرجح ms085 هو نفس القادر المختار ثم ~~البصريون منهم يقولون يحدث بنفسه الإرادة لا في محل والبغداديون منهم ~~يقولون بنفي هذه الإرادة ويقولون لا تزيد الإرادة على فعل المفعول والأمر ~~بالمأمورات # PageV01P145 # وأهل الكتاب من اليهود السامره وغيرهم الموافقون للمعتزلة هم على هذين ~~القولين وأبو عبد الله بن الخطيب ونحوه متناقضون في هذا الباب فإذا ناظروا ~~المعتزلة في مسائل القدر والجبر سلكوا مسلك من يقول أن الممكن لا يرجح أحد ~~طرفيه على الآخر إلا بمرجح تام مستلزم لأمر لا فرق في ذلك بين القادر ~~والموجب فإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم وطالبهم الدهرية بسبب ~~حدوث العالم سلكوا مسلك المعتزلة فقالوا القادر المختار يرجح أحد طرفي ~~المقدور على الآخر بلا مرجح أو قالوا الإرادة القديمة هي المرجح كما يقول ~~ذلك الأشعرية والكرامية ومن وافقهم من الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية، وهذا المقام هو من الأصول العظام التي اضطربت فيها # PageV01P146 # رؤوس أهل النظر والفلسفة والكلام ومن سلك الطرق النبوية السامية علم أن ~~العقل الصريح مطابق للنقل الصحيح وقال بموجب العقل في هذا وفي هذا وأثبت ما ~~أثبتته الرسل من خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء ~~وربه ومليكه ولم يجعل شيئا سوى الله قديما معه بل كل ما سواه محدث كائن بعد ~~أن لم يكن مع قوله أن ترجيح أحد المتماثلين على الآخر لا يكون إلا بمرجح ~~ولا فرق في ذلك بين مرجح ومرجح ومع قوله أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم ~~يكن ومع إثباته حدوث كل ما سوى الله بالبرهان العقلي الصريح الذي لا يحتاج ~~معه إلى تعجيز الله في الأزل عن الفعل وإلى أن يقول أنه إن لم يكن الفعل ~~ممكنا ثم صار ممكنا من غير حدوث شيء ومن غير أن يحتاج إلى أن يجعل الحوادث ~~تحدث بلا سبب أصلا ومع إبطاله أن يكون صانع العالم موجبا بذاته وعلة أزلية ~~مستلزمة لمعلولها ومع قوله أن كل ما لا يسبق الحوادث من الممكنات فإنه لا ~~يكون إلا ms086 حادثا بها لامتناع دوام الحوادث بل لامتناع صدور المحدثات وما لا ~~يتقدم عن موجب بالذات وإذا بطل الموجب بالذات لزم حدوث كل ممكن فإن قدم شيء ~~من الممكنات لا يكون إلا إذا كان له موجب تام أزلي وإذا امتنع شرط القدم ~~لشيء من الممكنات امتنع قدم شيء من الممكنات وهذا مبسوط في موضعه ولكن ~~المقصود هنا أن كثيرا من أهل النظر والكلام كالأشعري وغيره أنكروا الأسباب ~~والطبائع والقوى الموجودة في خلق الله وأمره وأنكروا حكم الله المقصودة ~~بذلك # PageV01P147 # وقالوا في لامات كي المذكورة في القرآن كقوله {وما خلقت الجن والأنس إلا ~~ليعبدون} وقوله {ولذلك خلقهم} وقوله {لعلهم يتقون} وأمثال ذلك هي لام ~~العاقبة ليست لام التعليل إذ كان يمتنع عندهم أن يفعل الله شيئا لأجل شيء ~~أو يأمر بشيء لأجل شيء فهؤلاء لا يثبتون في الأفلاك العلوية ولا الأجسام ~~السفلية ولا النفوس قوى تكون سببا لحدوث شيء وإذا أنكروا تأثير القدرة التي ~~للحيوان فهم لما سواها أشد إنكارا وهؤلاء إذا أرادوا أن يجيبوا الفلاسفة ~~عما ادعوه من أسباب المعجزات وغيرها من الخوارق قالوا نحن نقول أن المؤثر ~~في الحوادث هو قدرة الله فقط ولا أثر لشيء من ذلك ولهذا قال الأشعري إن أخص ~~وصف الرب هو القدرة على الاختراع والكلام بين هؤلاء وبين منازعيهم في ~~مقامين أحدهما أنهم لا يسلمون حصول الخوارق مقارنة لما تذكره الفلاسفة من ~~الأسباب # الثاني أنهم إذا سلموا ذلك جعلوا ذلك كسائر الأمور التي علم اقترانها في ~~العادة فإن العادة جارية بأن الإنسان يأكل فيشبع ويشرب فيروي ويضرب بالسيف ~~فيقطع فإذا كانوا يقولون إن مجرد القدرة القديمة هي # PageV01P148 # المحدثة للشبع والري والقطع وغير ذلك عند هذه الأمور المقارنة لها لا بها ~~وأنه ليس هنا قوة ولا طبيعة ولا فعل له تأثير في هذه الحوادث بوجه من ~~الوجوه كان قولهم لذلك في المعجزات أقوى وأظهر وأبو حامد الغزالي في كتاب ~~تهافت الفلاسفة جعل هذه المسألة من الأصول التي نازع فيها الفلاسفة ولهذا ~~اشتد نكير ابن رشد عليه ms087 في تهافت التهافت وجعل هذا من المواضع التي استطال ~~بها على أبي حامد وانتهز بها الفرصة في الرد عليه والإنتصار للفلاسفة وأما ~~المعتزلة ونحوهم من القدرية فيفرقون بين تأثير الحي القادر وتأثير غيره ~~ويقرون بإثبات التأثير للقادر سواء كان خالقا أو مخلوقا ولا يثبتون لغير ~~ذلك تأثيرا # PageV01P149 # ويزيدون على ذلك حتى يجعلون ما تولد عن فعل الإنسان من فعله ولا يجعلون ~~لبقية الأسباب التي شاركته تأثيرا فإن أفعال الإنسان وغيره من الحيوان على ~~نوعين أحدهما المباشر والثاني المتولد فالمباشر ما كان في محل القدرة ~~كالقيام والقعود والأكل والشرب وأما المتولد فهو ما خرج عن محل القدرة ~~كخروج السهم من القوس وقطع السكين للعنق والألم الحاصل من الضرب ونحو ذلك ~~فهؤلاء المعتزلة يقولون هذه المتولدات فعل العبد كالأفعال المباشرة وأولئك ~~المبالغون في مناقضتهم في مسائل القدر من الأشعرية وغيرهم يقولون بل هذه ~~الحوادث فعل الله تعالى ليس للعبد منها فعل أصلا وهم وإن كانوا لا يثبتون ~~لقدرة العبد أثرا في حصول المقدور فإنهم يفرقون بين ما كان في محل القدرة ~~فيجعلونه مقدورا للعبد وما كان خارجا عن محل القدرة فلا يجعلونه مقدورا ~~للعبد وأكثر من نازعهم يقول أن هذا كلام لا يعقل # PageV01P150 # فإنه إذا لم يثبت للقدرة أثر لم يكن الفرق بين ما كان في محل القدرة وبين ~~ما كان في غير محل القدرة إلا فرقا في محل الحادث من غير أن يكون للقدرة في ~~ذلك تأثير وتسمية هذا مقدورا دون هذا تحكم محض وتفريق بين المتماثلين # ولهذا قال بعض الناس عجائب الكلام التي لا حقيقة لها ثلاثة طفرة النظام ~~وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري وإذا قيل لهؤلاء الكسب الذي أثبتموه لا تعقل ~~حقيقته فإذا قالوا الكسب ما وجد في محل القدرة المحدثة مقارنا لها من غير ~~أن يكون للقدرة تأثير فيه قيل لهم فلا فرق بين هذا الكسب وبين سائر ما يحدث ~~في غير محلها وغير مقارن لها إذ اشتراك الشيئين في زمانهما ومحلهما لا يوجب ~~كون أحدهما له قدرة ms088 على الآخر كاشتراك العرضين # PageV01P151 # الحادثين في محل واحد في زمان واحد بل قد يقال ليس جعل الكسب قدرة ~~والقدرة كسبا بأولى من العكس إذا لم يكن إلا مجرد المقارنة في الزمان ~~والمحل ولهذا قال أهل السنة وأهل الإثبات من سائر الطوائف إن العبد فاعل ~~لفعله حقيقة بخلاف جمهور الأشعرية ومن وافقهم فإنهم يقولون إنه فاعل مجازا ~~وليس حقيقة ويقولون أن فعل العبد فعل لله لا للعبد لأنهم مع سائر أهل السنة ~~المثبتين للقدر يقولون أن الله تعالى خالق أفعال العباد وهم يقولون أن فعل ~~الله هو مفعوله والخلق هو المخلوق # وقد وافقهم على ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وهو أول قولي ~~القاضي أبي يعلى ثم رجع عن ذلك ووافق الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ~~في أن الخلق غير المخلوق وهو قول الحنفية وأهل الحديث وجمهور الصوفية ~~وجمهور أهل الكلام فلما كان هؤلاء يقولون إن فعل الله هو مفعوله والخلق هو ~~المخلوق ويقولون أن فعل العبد مخلوق لله لزمهم أن يقولوا أن فعل العبد فعل ~~لله وإذا كان فعله فعلا لله لم يكن فعلا له لأن الفعل الواحد لا يكون فعلا ~~لفاعلين ولهذا قامت الشناعة عليهم من جماهير الناس المثبتين للقدر والنافين ~~له وأرادت القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرهم بهذه الزلة من هؤلاء أن ~~يتوسلوا بذلك إلى إبطال قول أهل السنة في القدر وأن الله لم يخلق أفعال ~~العباد لأن جمهور المعتزلة يقولون أيضا إن الخلق هو المخلوق فإذا كان العبد ~~فاعلا لفعله امتنع أن يكون مخلوقا لله, إذ المخلوق # PageV01P152 # هو الخلق والمفعول هو الفعل عندهم كما هو كذلك عند الأشعرية # فلما اتفق هذان الفريقان على أن الخلق هو المخلوق والفعل هو المفعول ~~تباينوا في مسألة أفعال العباد تباينا صاروا فيه على طرفي نقيض هؤلاء ~~يقولون ثبت أن العبد فاعل لفعله فلا يكون فعله فعلا لله فلا يكون خلقا لله ~~فلا يكون مخلوقا لله وهؤلاء يقولون ثبت أن الله خالق كل شيء من أفعال ~~العباد وغيرها فلا يكون ms089 في الوجود ما هو فعل ولا مفعول لغير الله إذ الفعل ~~هو المفعول فلا تكون حركات العباد فعلا لهم بل لله تعالى وأما جمهور الخلق ~~من أهل السنة وغيرهم فيقولون أن الخلق غير المخلوق وفعل الله القائم به ليس ~~هو مفعوله المنفصل عنه ويقولون أفعال العباد مخلوقة لله مفعولة له لا أنها ~~نفس خلقه ونفس فعله وهي نفس فعل العبد فهي فعل العبد حقيقة لا مجازا وأما ~~كون العبد له مفعول متولد عنه غير فعله فهذه مسألة التولد وعلى ذلك يبنى ~~الكلام في أصوات العباد وكلامهم فإن الأصوات متولدة عن حركات العبد ~~الإختيارية فمن قال أن المتولد ليس من فعل العبد ولا كسبه يقول أن أصوات ~~العباد ليست مقدروة لهم ولا مفعولة ولا كسبا كما يقول ذلك الأشعرية ومن ~~وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي الحسن بن الزاغوني ~~وغيرهم # PageV01P153 # ثم تولد من هذا بحث آخر فيمن قال أن الأصوات المسموعة من القارىء أو بعض ~~الأصوات المسموعة من القارىء هي صوت الله فإنه بنى ذلك على هذا الأصل فقال ~~الأصوات ليست من مقدرو العباد ولا من أفعالهم وكسبهم بل هي مضافة إلى الله ~~فتضاف إليه بحسب ما يوجب الإضافة فإن كانت بكلامهم أضيفت إليه إضافة خلق ~~وإن كانت لكلام الله أضيفت إليه إضافة وصف وكانت ظاهرة في المحدث لا حالة ~~فيه ولكن ظهورها قارن حركة العبد وهذا الكلام وإن كان قد قاله طائفة من ~~هؤلاء فهو معلوم الفساد بالضرورة والحس واتفاق جماهير العقلاء وهو قول فاسد ~~مبني على أصل فاسد وإنما هو من باب الإلزام لمن وافقهم من الأشعرية على أن ~~الأصوات المسموعة ليست مقدورة للعباد وكثير من الأشعرية متناقضون في هذا ~~الباب ففي بحثهم مع المعتزلة يجعلون أصوات العباد غير مقدورة لهم ولا ~~مفعولة لهم وفي بحثهم في مسألة القرآن يجعلونها مقدروة للعباد مفعولة لهم ~~والكلام على هذا مبسوط في موضع # آخر والمقصود هنا أن جمهور المسلمين يقولون بالحق الذي دل عليه المنقول ~~والمعقول فيقولون أن أفعال ms090 العباد مخلوقة لله مفعولة له وهي فعل للعباد ~~حقيقة لا مجازا وهم يثبتون ما لله في خلقه وأمره من الأسباب والحكم وما ~~جعله الله في الأجسام من القوى والطبائع في الحيوان وفي الجماد لكنهم مع ~~إثباتهم للأسباب والحكم لا يقولون بقول الطبائعية من الفلاسفة وغيرهم بل ~~يقولون أن الله خالق كل شي وربه # PageV01P154 # ومليكه وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول ولا قوة إلا ~~به ويعلمون أن الأسباب هي مخلوقة لله بمشيئته وقدرته ولا تزال مفتقرة إلى ~~الله لا يقولون أنها معلولة له أو متولدة عنه كما يقوله الفلاسفة ولا أنها ~~مستغنية عنه بعد الأحداث كما يقوله من يقوله من أهل الكلام بل كل ما سوى ~~الله تعالى دائم الفقر والاحتياج إليه لا يحدث ولا يبقى إلا بمشيئته ~~القديمة فما كان بالأسباب فالله خالقه وخالق سببه جميعا ويقولون مع هذا أن ~~الأسباب التي خلقها ليس فيها ما يستقل بالتأثير في شيء من الأشياء بل لا بد ~~له من أسباب أخر تعاونه وتشاركه وهو مع ذلك له معارضات وموانع تعارضه ~~وتدافعه كما في الشعاع الحادث عن الشمس والاحتراق الحادث عن النار ونحو ذلك ~~فإنه لا بد مع الشمس من محل قابل لانعكاس الشعاع عليه وهو مع ذلك يمتنع ~~بحصول الحائل كالسحاب والسقف وغير ذلك من الموانع وبكل حائل # فقول متكلمة الملل من المعتزلة والشيعة والكرامية والأشعرية ونحوهم أقرب ~~إلى القبول من أقوال الفلاسفة والطبائعية والمنجمين ونحوهم فإن هؤلاء ~~يشهدون بعض الأسباب كما يشهدون الطبائع والقوى التي خلقها الله في الأجسام ~~وكما يشهدون ما للشمس والقمر وغيرهما في هذا العالم من الآثار لكنهم مع ذلك ~~يضيفون الحوادث إلى سبب من أسبابه كإضافة الحوادث من الأجسام وغيرها إلى ~~الطبيعة # PageV01P155 # والطبيعة عرض قائم بجسم فمن جعل المحدث للإنسان في بطن أمه وما فيه من ~~الأعضاء المختلفة وقواها ومنافعها هو الطبيعة كان قوله أظهر فسادا من تلك ~~الأقوال التي فيها إضافة الحوادث إلى مجرد مشيئة القديم من غير إثبات ms091 سبب ~~ولا حكمة أو إضافة الحوادث إلى قدرة القادر المختار سواء كان قديما أو ~~حادثا فإن كلا من القولين خير من إضافة ذلك إلى طبيعة هي عرض بجسم من ~~الأجسام ليس له إرادة ولا مشيئة مع أن الجنين المخلوق في الرحم أكمل من ~~الرحم وقواها ثم فلاسفة هؤلاء إذا قالوا أن هذه الحوادث تحدث بسبب حركات ~~الأفلاك وأن ذلك يعدها لقبول الفيض عليها من العقل الفعال كانوا محتاجين في ~~جميع ما يقولونه إلى إقامة الدليل على أنه سبب وما يذكرونه من إثبات العقل ~~الفعال كانوا محتاجين في جميع ما يقولونه الى اقامة الدليل على أنه سبب وما ~~يذكرونه من اثبات العقل الفعال كلام باطل كما قد بسط في غير هذا الموضع ~~وإنما يقوم الدليل على أن الحوادث تصدر عن حركات حي مختار وتلك هي الملائكة ~~التي أخبرت بها الأنبياء وليست الملائكة هي العقول التي يثبتها هؤلاء فإن ~~العقل الأول عند هؤلاء هو المبدع لكل ما سوى الله والعقل الفعال عندهم هو ~~المبدع لكل ما تحت فلك القمر # وأهل الملل يعلمون بالاضطرار من دين الرسل أنه ليس عندهم أحد غير الله ~~يخلق جميع المبدعات ولا أنهم أثبتوا ملكا من الملائكة أبدع كل ما تحت ~~السماء بل الملائكة عندهم عباد لله ليس فيهم من هو مستقل بإحداث جميع ~~الحوادث فضلا عن أن يكون مبدعا لكل ما سوى الله وسواه # PageV01P156 # كما يقوله هؤلاء الفلاسفة في العقل الأول قال الله تعالى {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون} وقال تعالى {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} وقال تعالى {لن يستنكف ms092 المسيح أن يكون ~~عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم ~~إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا} # وأيضا فبتقدير ثبوت العقل الفعال وما قبله من العقول فهذه عندهم هي لازمة ~~لذات الله متولدة عنه معلولة له وحينئذ فالحوادث الحادثة لا تجوز أن تصدر ~~عنها لأن # PageV01P157 # ذلك يتضمن حدوث الحوادث بلا سبب حادث وإذا قالوا أن حركات الأفلاك توجب ~~تحريك العناصر حتى تمتزج امتزاجات معدة لقبول الفيض كان هذا باطلا من وجوه ~~منها أن يقال فالحوادث كلها من حركات الأفلاك وما يحدث عنها لا بد لها من ~~محدث ومحدث الحوادث لا يجوز أن يكون علة تامة أزلية لأن العلة التامة ~~الأزلية مستلزمة لمعلولها فيجب أن يكون معلولها مقارنا لها في الأزل فيمتنع ~~أن يكون شيء من الحوادث صادرا عن الواجب الوجود بواسطة أو بغير واسطة ~~وحينئذ فلا يكون للحوادث محدث # وأيضا فنفس حركة الفلك الأعلى حركة واحدة متشابهة بسيطة لا توجب بنفسها ~~آثارا مختلفة إلا لاختلاف القوابل كما أن الشمس تبيض جسما وتسود جسما وتلين ~~جسما وتيبس جسما بحس القوابل المختلفة فإذا كان حركته بسيطة والعقل بسيطا ~~لم يصدر عنهما أمور مختلفة وكذلك الأفلاك التي تحته لها حركات معدودة ~~محصورة وكل منها حركته بسيطة وليس في شيء من هذه الحركات والمتحركات ما ~~يوجب هذه الأعيان والحوادث المختلفة اختلافا لا يحصى عدده في الصفات ~~والأقدار والحركات هذا مع قولهم أن الواحد البسيط لا يصدر عنه إلا واحد ~~فيعلم بالضرورة أن هذه الحوادث الكثيرة المختلفة ليست صادرة عن عدد محصور ~~في البسائط وأيضا فيقال تلك الحركات والمتحركات والعقول المعلومة أمور ~~مختلفة متعددة فإن صدرت عن واحد بطل قولهم لا يصدر عن الواحد إلا واحد وإن ~~صدرت عن موصوف # PageV01P158 # بالصفات والأفعال القائمة بطل قولهم بالموجب بالذات وعلى التقديرين يبطل ~~مذهبهم وأيضا فإن الواحد البسيط الذي يذكرونه إنما يوجد في ms093 الأذهان لا في ~~الأعيان فإنه وجود مطلق والمطلق إنما يوجد في الذهن لا في الخارج وأما ~~المطلق بشرط الإطلاق فظاهر وأما المطلق لا بشرط الذي يسمونه الكلي الطبيعي ~~فهذا أيضا لا يوجد في الخارج كليا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإنما ~~يوجد معينا مشخصا جزئيا لكن ما في الذهن كلي بمعنى أنه مطابق لتلك الجزئيات ~~كمطابقة اللفظ العام لأفراده وأيضا فذلك الواحد إن كان الصادر عنه واحدا لم ~~يصدر عن الآخر إلا واحدا وكذلك هلم جرا فيلزم أن لا يكون في العالم ثرة ~~كثرت وإن صدر عنه أكثر من واحد بطل أصلهم وإذا قالوا فيه جهات كالوجوب ~~والإمكان وعقله لمبدعه وعقله لنفسه ونحو ذلك فيصدر عنه باعتبار وجوبه عقل ~~وباعتبار إمكانه جسم ونحو ذلك من الهذيان الذي يقولونه في هذا الموضع قيل ~~لهم تلك الأمور إما أن تكون وجودية وإما أن تكون عدمية فإن كانت وجودية وقد ~~اتصف بها الصادر الأول فقد صدر عن المبدع الأول أكثر من واحد وإن كانت ~~عدمية كان الواحد صدر عنه باعتبار اتصافه بأمور عدمية أكثر من واحد وحينئذ ~~فالواجب الوجود يتصف بالأمور العدمية بالاتفاق فيجب أن يجوز أن يصدر عنه ~~أكثر من واحد هو أحق بذلك من الصادر الأول الذي هو العقل الأول عندهم # PageV01P159 # وبالجملة فالأدلة الدالة على بطلان قولهم كثيرا جدا والكلام على هذا ~~وغيره قد بسط في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن أقوال هؤلاء ليست مطابقة ~~لما أخبرت به الرسل كما ليست مطابقة لما دل عليه العقل الصريح فلا هي ~~موافقة للمنقول الصحيح ولا للمعقول الصريح ولكنهم يسفسطون في العقليات ~~ويقرمطون في السمعيات كما ظهر ذلك في الباطنية من القرامطة والإسماعيلية ~~وأمثالهم وكما ظهر ذلك في متصوفة الفلاسفة الذين يزعمون أن أخبار الأنبياء ~~مطابقة لأقول هؤلاء الفلاسفة وكما ظهر ذلك فيمن يريد أن يجمع بين الشريعة ~~والفلسفة كابن سينا وابن رشد الحفيد وأمثالهما وكما سلك نحوا من ذلك أهل ~~الوحدة والحلول كابن عربي وابن سبعين وابن قسي صاحب خلع النعلين ms094 وأمثال ~~هؤلاء فإن هؤلاء أعظم مخالفة لصريح المعقول مع صحيح المنقول من المعتزلة # ونحوهم والمعتزلة ونحوهم أقرب منهم ومتكلمة أهل الإثبات للصفات والقدر ~~مثل الكرامية والكلابية والأشعرية # PageV01P160 # والسالمية وغيرهم أقرب إلى موافقة المعقول الصريح والمنقول الصحيح وإن ~~كان لكل منهم من الخطأ ما لا يوافقه الآخر عليه فأما السلف والأئمة وأكابر ~~أهل الحديث والسنة والجماعة فهم أولى الطوائف بموافقة المعقول الصحيح ~~والمنقول والصحيح والكلام في مثل هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع وإنما ~~ذكرنا ذلك هنا لأن المعجزات من جملة الحوادث ففي حدوثها للطوائف من الكلام ~~ما نبهنا عليه # والمقصود هنا بيان بطلان قول من يقول أن أسبابها قوى نفسانية وقد ذكرنا ~~أن الأشعرية ومن وافقهم من المعتزلة ونحوهم يبطلون ذلك بناء على أصولهم ~~وهؤلاء يبطلون ذلك بناء على أن المؤثر في جميع الحوادث هو قدرة الله وأما ~~المعتزلة فلا يبلطون تأثير الحي القادر ولكن كثير منهم يقول بإبطال تأثير ~~النفوس وإذا قال الفيلسوف قول هؤلاء باطل لثبوت القوى والطبائع قيل له ~~القول الذي بنيت عليه هذا القول هو أبطل من أقوال هؤلاء فإنك بنيت ذلك على ~~أن فاعل العالم موجب بالذات وأنه علة تامة مستلزمة لمعلولها وقد تبين بصريح ~~العقل بطلان هذا القول وتبين انه مستلزم أن لا يكون للحوادث محدث وإذا كان ~~كذلك لم يكن لك أن تبطل قولهم مع تصحيح قولك بل إما أن يبطل القولان أو يصح ~~أحدهما # PageV01P161 # وحينئذ فيكون قولهم أولى بالصحة وقولك أولى بالبطلان فثبت بطلان قولك على ~~التقديرين وبيان ذلك أن يقال صحة قولك تحتاج أولا إلى أن قوى النفوس يصدر ~~عنها مثل هذه الآثار وهذا القدر منازعك فيه أكثر ممن يوافقك على تأثير ~~الطبائع فجمهور الفلاسفة والطبائعيين لا يقرون بها كما يقرون بأن النار ~~تسخن والخبز يشبع والماء يروي ثم بعد هذا إذا ثبت لقوي النفس تأثير لم يمكن ~~أن يثبت تأثيرها في هذه الحوادث العظيمة ثم تحتاج مع ذلك أن تنفي أن يكون ~~هناك أسباب أخر غير هذه ثم بعد ms095 ذلك كله يبقى الكلام في الأسباب والمسببات ~~فأنت تحتاج إلى عقاب عظيمة لا تقدر على تقريرها حتى تصل إلى مسألة الأسباب ~~وحينئذ فتجتمع أنت ومنازعوك من أهل الكلام المعتزلة والأشعرية ونحوهم # وأما جمهور المسلمين فهم لا ينكرون الأسباب والمسببات لا في الجماد ولا ~~في الحيوان كما تقدم لكن يعترفون بكل ما دل على صحته الدليل سواء كان ~~الدليل نقليا أو عقليا وهم وإن بينا أن طريقة أهل الكلام أقرب إلى الحق ~~نقلا وعقلا من طريق الفلاسفة فإنهم يعترفون بما في طريقتهم من النقص والعيب ~~وجحد بعض الحق والتزام بعض الباطل. # PageV01P162 # ولهذا كان السلف والأئمة يذمون أهل الكلام الذين يتكلمون بمثل هذا الكلام ~~المشتمل على نوع من الباطل ويمنعون أن ترد بدعة ببدعة ويقابل الباطل ~~بالباطل ويرد الفاسد بالفاسد ولكن مع كون هذا يذم ويعاب فلا ينكر كونه خيرا ~~من كلام أولئك كما أنا وإن كنا نذم ما يوجد في بعض المسلمين من ظلم وجهل ~~فنحن نعلم أن ما في الكفار من ذلك أعظم وإن كنا لا ننكر ما يوجد في بعض أهل ~~السنة والجماعة من جهل وظلم فنحن نعلم أن الجهل والظلم في الرافضة أكثر # PageV01P163 # فصل # إذا تبين هذا فيقال الكلام على هؤلاء من وجوه # أحدها أن يقال قولكم هذا قول بلا علم وهو قول لا دليل على صحته وهذا يقال ~~قبل الجزم ببطلان قولهم فإنهم أولا يطالبون بالدليل الدال على صحة قولهم ~~وليس لهم على ذلك دليل أصلا بل عامة ما يعتمدون عليه التجويز الذهني والذي ~~قرره ابن سينا وأمثاله ليس فيه ما يدل على أن هذا هو الواقع بل غاية ~~مطلوبهم تجويز ذلك وإمكانه مع أن ذلك باطل وأيضا فإثبات قوى النفوس لا يوجب ~~مثل هذه الآثار ولا ريب أن المعجزات المعلومة عند المسلمين واليهود ~~والنصارى مما اتفق الناس على أن قوى النفوس لا تقتضيها والفلاسفة يسلمون ~~ذلك لكن إنما يقرون من المعجزات بما يظنون أنه يمكن إحالته على قوى النفوس ~~كإنزال المطر # PageV01P163 # وزلزلة الأرض ونحو ذلك مما ms096 يكون فيه استحالة الجسم من حال إلى حال قابل ~~له فإذا حصل قوة فاعلة مع القوة القابلة حصل ذلك وإذا كان الهواء يستحيل ~~ماء بأسباب تقتضي ذلك وحركة الأرض وزلزلتها ممكنة بأسباب وأمراض الجسم مما ~~يحصل بأسباب أمكن حصول ذلك بالقوى النفسانية والساحر يؤثر في أحوال الأجسام ~~ولا يؤثر في قلب الأعيان فيؤثر في أسباب المرض والموت ونحو ذلك وأما جعل ~~الخشب حية فهذا عندهم غير ممكن لا بقوى نفسانية ولا غيرها وأما من أنكر أن ~~يكون لقوى النفوس تأثير بالكلية كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام من ~~الأشعرية والمعتزلة ومن الأطباء والفلاسفة وغيرهم فهؤلاء يسندون المنع إلى ~~هذا الأصل # ولكن نحن لا نحتاج إلى ان ننبه على هذا الأصل بل لا يمتنع أن يكون لقوى ~~النفوس نوع تأثير كما لقوى سائر الأعيان وإن كانت الأعيان وقواها متفاوتة ~~فلا ريب أن قوة جبريل الذي قال الله فيه {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى} ~~وقال فيه {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين} وقد ~~روى أنه قلع قرى قوم لوط الستة ورفعها ثم قلبها عليها فلا ريب أن هذه القوة ~~التي # PageV01P164 # للملك مما امتاز بها على أصحاب القوى المعروفة لما نشاهده من الحيوان # وقد بينا أن هؤلاء يقولون ما ذكره ابن سينا وأمثاله كما ختم إشاراته بأن ~~قال الأمور الغريبة تنبعث في عالم الطبيعة من مبادىء ثلاثة أحدها الهيئة ~~النفسية وثانيها خواص الأجسام العنصرية مثل جذب المغناطيس للحديد بقوة تخصه ~~وثالثها قوة سماوية بينها وبين أمزجة أجسام أرضية مخصوصة بهيئات وضعية أو ~~بينها وبين قوى نفوس أرضية مخصوصة بأحوال فلكية فعلية أو انفعالية تستتبع ~~حدوث آثار غريبة. # قال: والسحر من قبيل القسم الأول بل المعجزات والكرامات والنيرنجيات من ~~قبيل القسم الثاني والطلمسات من قبيل القسم الثالث. # فزعم أن أسباب خوارق العادات في هذا العالم هي هذه الأسباب الثلاثة أما ~~القوى النفسانية وأما القوى الجسمانية العنصرية وأما القوى الفلكية مع ~~القوى الجسمانية أو النفسانية ms097 # PageV01P165 # وهذا النفي لم يذكر عليه دليلا ولا دليل له عليه والنافي عليه الدليل كما ~~أن المثبت عليه الدليل وهو يقول ليس الخرق في تكذيبك ما لم تستبن حكمته دون ~~الخرق في تصديقك ما لم يقم بين يديك بينته وهذا كنفيهم للجن والملائكة ~~وهؤلاء يلزمهم إقامة دليل علىالنفي ولا دليل لهم ولكن كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله وهذا مما ينبغي أن يعرف فإن عمدة هؤلاء في حصرهم ~~الفاسد هو النفي والتكذيب بلا علم أصلا. # وأيضا فإنا قد علمنا نحن وغيرنا بالمشاهدة والأخبار المتواترة والدلائل ~~اليقينية بطلان هذا الحصر وأنه يحدث في هذا العالم أمور كثيرة عن أحياء ~~ناطقين من غير نفوس بني آدم وغير الأجسام العنصرية وغير الفلك وقواه # وقد ذكر ابن سينا لما تكلم عن إثبات الخوارق على أصول إخوانه الفلاسفة ~~الذين يزعمون أن المبدع للعالم موجب بذات لا قدرة لها ولا مشيئة وأنه يمتنع ~~انشقاق الأفلاك وتغير هذا العالم وهؤلاء يكذبون أو يكذب كثير منهم بكثير من ~~الغرائب التي يقر بها ابن سينا وأمثاله فإن الالهيين من الفلاسفة يقرون ~~بأمور كثيرة ينكرها الطبيعيون منهم. # فلما ذكر إمكان ما صدق به من الغرائب وذكر دليل # PageV01P166 # إمكانه على أصول إخوانه قال اعلم أن هذه الأشياء ليس القول بها والشهادة ~~لها إنما هي ظنون إمكانية صير إليها من أمور عقلية فقط وإن كان ذلك أمرا ~~معتمدا لو كان ولكنها تجارب لما بينت طلبت أسبابها ومن العادات المتفقة ~~لمحبي الاستبصار أن تعرض لهم هذه الأحوال في أنفسهم أو يشاهدوها مرارا ~~متوالية في غيرهم حتى يكون ذلك تجربة في إثبات أمر عجيب ليكون حجة وداعيا ~~إلى طلب سببه فإذا اتضح حسمت الفائدة به واطمأنت النفس إلى وجود تلك ~~الأسباب وخضع الوهم فلم يعارض العقل فيما قدر فعله أو رؤياه منها وذلك من ~~أجم الفوائد وأعظم المهمات ثم إني لو اقتصصت جزئيات هذا الباب فيما شاهدناه ~~وفيما حكاه من حدثناه لطال الكلام ومن لم يصدق الجملة هان عليه أيضا أن لا ~~يصدق ms098 التفصيل فهذا كلامه # وقد تبين أنه إنما ذكر من أسباب الغرائب الأخبار بالمغيبات لم يذكره ~~لمجرد كونه ظنا ممكنا علم إمكانه بأدلة عقلية بل لما علمت هذه الغرائب ~~بالمشاهدة # PageV01P167 # والخبر الصادق فطلبت حينئذ أسبابها وهذا بعينه يقال له فيما علم غيره ~~ثبوته بالمشاهدة والأخبار الصادقة فمن شاهد وجود الجن ورآهم أحياء ناطقين ~~منفصلين عن الإنسان أو ثبت ذلك عنده بالأخبار الصادقة أو علم من الأدلة ~~اليقينية ما يدل على ذلك كما قد علم ذلك من شاء الله كان قد علم يقينا أن ~~الجن ليست قوى نفسانية وعلم أن من الغرائب ما يكون عن أفعال الجن وأخبارهم. # وهذا أمر معلوم لجميع الأمم من العرب والترك والهند وغيرهم والأمور ~~المتواترة عند الأمم عن الكهان تفوق الإحصاء والذي علمناه في زماننا ممن ~~تحمله الجن وتطير به في الهواء وتسرق له أنواع الأطعمة من الحلاوة وغيرها ~~وتأتيه بها وتخبره عن بعض الأمور الغائبة عنه بأمور كثيرة يطول وصفها في ~~هذا الباب # وأما أمر الملائكة فهو أجل وأعظم وأخبارهم متواترة عند أهل الكتب وأما ~~آثارهم في العالم فيعلم بالمعاينة والمشاهدة فدعوى المدعي بعد هذا أن ~~المعجزات والكرامات والسحر هي قوى نفسانية من أبطل الباطل فإن السحر كثير ~~منه يكون بالشياطين كما قال الله تعالى {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر} إلى آخر الآية. # PageV01P168 # وكتب السحر مملوءة من الأقسام والعزائم على الجن بساداتهم الذين يعظمونهم ~~ولذلك كانت الإنس تستعيذ بالجن كما قال الله تعالى {وأنه كان رجال من الأنس ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} كانوا إذا نزل الرجل منهم بواد يقول ~~أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه فأنزل الله هذه الآية وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل ~~شيطان وهامة ومن كل عين لامة" ففرق بين الشيطان وبين ms099 الهوام وبين أعين ~~الإنس كما يدل ذلك على وجود الضرر في هذه الجهات الثلاث الإنس والجن ~~والهوام وقد قال تعالى {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} وقال تعالى {قل أعوذ برب الناس} إلى آخرها ~~فأمره بالتعوذ من شر الوسواس من الجنة والناس الذي يوسوس في صدور الناس # PageV01P169 # وقد أخبر الله في كتابه عن خطابه للجن وأمره لهم ونهيه لهم كقوله {يا ~~معشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل منكم} وقوله تعالى {يا معشر الجن والأنس إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} ~~وقوله {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} إلى آخر السورة إلى قوله {ويجركم من ~~عذاب أليم} وقوله {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} إلى آخر السورة ونحن ~~لو ذكرنا ما رأينا وسمعناه من أحوال الجن لطال الخطاب من أحوالهم مع ~~المؤمنين الصالحين ومن أحوالهم مع أهل الكذب والفجور كما قال الله تعالى ~~{هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع ~~وأكثرهم كاذبون} فهؤلاء قوم حصروا الوجود وأسبابه فيما علموه ولا علم عندهم ~~بانتفاء ما لم يعلموه وغاية أحدهم أن ينفي الشيء لانتفاء دليل معين وهذا ~~غاية الجهل وهم جهال من وجهين أحدهما عدم العلم بكثير من أنواع الموجودات ~~وأحوالها والثاني عدم العلم بأسباب الحوادث فإنهم لما يثبتوا قدرة الرب على ~~تغيير العالم ونفوا مشيئته التي بها تحدث الحوادث صاروا منكرين لخرق ~~العادات فاحتاجوا في # PageV01P170 # إثبات الغرائب إلى إجرائها على ذلك القانون الباطل ولهذا بينا فساد الأصل ~~الذي بنوا عليه مذهبهم وهو كون العالم متولدا عن علة موجبة بالذات مستلزمة ~~لمعلولها فإن هذا الأصل إذا بطل بطل دعواهم أن الحوادث لا تكون إلا بهذه ~~الأسباب وأمكن أن يكون الله هو الذي يحدثها سبحانه وتعالى بمشيئته وقدرته ~~وإن كان ما يشاؤه ويخلقه بأسباب يخلقها وبحكمة يريدها هو سبحانه وتعالى ~~ومما يبين جهلهم في حصرهم وأن ما ذكروه من أن ms100 أسباب المعجزات والكرامات ~~والسحر قوى نفسانية أنهم مخطئون في فاعل السحر فخطاؤهم في فاعل المعجزات ~~والكرامات أولى وأعظم # وذلك أن السحر ليس هو مجرد قوى النفس كما ذكره باتفاق أهل المعرفة بالسحر ~~بل السحرة مستعينون بأرواح مقارنة لهم وكتب السحر الموروثة الكشدانيين ~~والهند واليونانيين والقبط وغيرهم من الأمم مملوءة بذكر # PageV01P171 # ذلك مثل كتب طمطم الهندي وتنكلوشا البابلي وكتب ثابت بن قرة وأبي معشر ~~البلخي وغيرهم ممن صنف في هذا الباب وأبو عبد الله محمد بن الخطيب قد ذكر ~~في كتابه الذي سماه السر المكتوم في السحر والطلمسات ومخاطبة النجوم في ذلك ~~أمورا كثيرة # PageV01P172 # وهؤلاء يعبدون الكواكب بأنواع العبادات والقرابين وتتنزل عليهم الشياطين ~~التي يسمونها هم روحانيات الكواكب وهي أشخاص منفصلة عنهم وإن لم يروها ~~سمعوا كلامها فتخبرهم وتخاطبهم بأمور كثيرة وتقضي لهم أنواعا من الحوائج ~~وهذا موجود اليوم كثيرا في بلاد الترك والخطأ والعجم والهند بل وفي بلاد ~~مصر واليمن والعراق والشام وغير ذلك وأعرف من هؤلاء عددا وهم كما قال تعالى ~~{ولا يفلح الساحر حيث أتى} وقال تعالى {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في ~~الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} وقال تعالى ~~{واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان} وقد تقدم ذكرها ~~فإذا كان هؤلاء مع أهل الملل متفقين على ما شاهدوه وسمعوه من وجود هذه ~~الأحياء الناطقين المنفصلين عن نوع # PageV01P173 # الإنسان وعن العناصر الأربعة والأفلاك وأنهم كثيرا ما تصدر منهم الغرائب ~~فكيف يقال إن أسباب الغرائب هي الثلاثة فقط فتبين أن الذي يجعل السحر إنما ~~يكون عن مجرد قوى نفسانية من أعظم الناس جهلا وضلالا وقائل ذلك في المعجزات ~~أجهل منه وأضل بكثير # وأيضا فإن هؤلاء سواء قالوا بقدم العالم أو حدوثه وسواء قالوا مع الحدوث ~~بدوام فعل الرب أو تجدده بعد أن لم يكن وسواء قالوا مع قدم العالم بأن له ~~علة مبدعة أو لم يقولوا بذلك ليس معهم ما ينفي وجود ما لم يعلموا وجوده من ~~الأفلاك ms101 والأرواح العلوية والسفلية وهم يصرحون بأنهم ليس معهم ما يدل على ~~أن الأفلاك تسعة بل هم يثبتون ما اعتقدوا قيام الدليل على ثبوته وأما نفي ~~الزيادة فلا دليل لهم على نفيه وإذا كان هذا في الأفلاك التي هي محسوسة ~~ودلهم على عددها كسوف الكواكب بعضها بعضا واختلاف حركات الكواكب السبعة ~~وغير ذلك أولى أن لا يكون لهم دليل على نفيه وحينئذ فلا دليل لهم على نفي ~~ملائكة كثيرة أضعاف أضعاف العقول العشرة ولا على نفي ملائكة تدبر أمر ~~السماء والأرض والسحاب والمطر وغير ذلك فلو أخبر بوجود ذلك من لم يعلم صدقه ~~ولا كذبه لم يجز تكذيبه إلا بدليل فكيف إذا أخبر بذلك الأنبياء الصادقون ~~المصدوقون وحينئذ فأفعالها من أعظم الأسباب في وجود الغرائب فكيف يقال لا ~~سبب لها إلا هذه الأسباب الثلاثة. # وأيضا فالدلائل الدالة على وجود الملائكة غير إخبار الأنبياء كثيرة منها ~~أن يقال الحركات الموجودة في العالم # PageV01P174 # ثلاثة قسرية وطبيعية وإرادية ووجه الحصر أن مبدأ الحركة إما أن يكون من ~~المتحرك أو من سبب خارج فإن لم تمكن حركته إلا بسبب خارج عنه كصعود الحجر ~~إلى فوق فهذه الحركة القسرية وإن كانت بسبب منه فإما أن يكون المتحرك له ~~شعور وإما أن لا يكون فإن كان له شعور فهي الحركة الإرادية وإلا فهي ~~الطبيعية والحركة الطبيعية في العنصار إما أن تكون لخروج الجسم عن مركزه ~~الطبيعي وإلا فالتراب إذا كان في مركزه لم يكن في طبعه الحركة فالمتولدات ~~من العناصر لا تتحرك إلا بقاسر يقسر العناصر على حركة بعضها إلى بعض وإذا ~~كانت الحركات الطبيعية والقسرية مفتقرة إلى محرك من خارج علم أن أصل ~~الحركات كلها الإرادة فيلزم من هذا أن يكون مبدأ جميع الحركات من العالم ~~العلوي والسفلي هو الإرادة وحينئذ فإن كان الرب هو المحرك للجميع بلا واسطة ~~ثبت أنه فاعل مختار فبطل أصل قولهم وجاز حدوث المعجزات عن مشيئته بلا سبب ~~وإن كان حركها بتوسط إرادات أخرى فأولئك هم الملائكة وقد علم بالدلائل ~~الكثيرة ms102 أن الله خالق الأشياء بالأسباب فعلم أن الملائكة هم الوسائط فيما ~~يخلقه الله تعالى كما قال تعالى {فالمدبرات أمرا} {فالمقسمات أمرا} وإذا ~~كانوا موجودين أمكن حدوث الحوادث عنهم وبطل قول من يزعم أنه ليس لها إلا ~~الأسباب الثلاثة المتقدمة. # PageV01P175 # وأيضا فهؤلاء يقولون أن المقتضي لخوارق العادات إما أن يكون قوى نفسانية ~~أو جسمانية وإن كانت جسمانية فإما أن تكون جسمانية عنصرية أو جسمانية فلكية ~~فالخوارق الحاصل من التأثيرات النفسانية هي عندهم من المعجزات والكرامات ~~والسحريات والحاصلة من القوى العنصرية كجذب المغناطيس وهي النيرنجيات ~~والحاصلة من القوى الفلكية هي الطلسمات والقوى الفلكية لا تؤثر في الخارق ~~إلا عند انضمام القوى العنصرية القابلة أو القوى النفسانية الأرضية الفاعلة ~~وهذا هو الطلسمات # ومن أعظمهم إثباتا لخوارق العادات ابن سينا وقد ذكر أسباب الخوارق في ~~أربعة أمور في سبب التمكن من ترك الغذاء مدة وهو أن النفس تشتغل بما يعرض ~~لها من معرفة أو محبة وخوف ونحو ذلك حتى لا تجوع بسب أن القوى الهاضمة ~~مشتغلة عن تحليل الغذاء وفي سبب التمكن من الأفعال الشاقة مثل أن يطيق ~~العارف فعلا أو حركة تخرج عن وسع مثله وهذا كما أن النفس إذا حصل لها غضب ~~وفرح أو انتشاء ما بسكر معتدل وأمثاله حصل لها قوة لم تكن قبل ذلك وكذلك ~~إذا حصل لها من أحوال العارفين ما يقويها وفي سبب التمكن من الإخبار عن ~~الغيوب ومضمونه أنه قد # PageV01P176 # يعلم الغيب في اليقظة كما يعلمه في النوم وادعوا أن سبب ذلك أن العلم ~~بالحوادث منتقش في العقل الفعال أو النفس الفلكية فإذا اتصلت النفس الناطقة ~~بذلك علمت ذلك ثم تارة يصوره الخيال في المثال وتارة لا يصوره والسبب ~~الموجب لاتصال النفس ضعف تعلقها بالبدن والضعف تارة يكون لجنون أو مرض كما ~~يصيب أهل المرة السوداء وتارة يكون لفرط الجوع أو التعب أو غير ذلك من ~~الأحوال وتارة يكون لرياضة النفس وهذه الأقسام الثلاثة الصبر عن الأكل مدة ~~وقوة البدن والإنذار بالمنامات وما يجري مجراها أمر يحصل ms103 للمسلم والكافر ~~والبر والفاجر فيكون سبب الخوارق وتصرفها في العناصر فإن النفس كما أثرت في ~~بدن نفسها بالتحريك والتحويل من حال إلى حال جاز أن تؤثر في عنصر العالم ~~ويكون كالبدن لها فتؤثر بالزلزلة وإنزال المطر ونحو ذلك قال فالذي يقع له ~~هذا في جبلة النفس ويكون رشيدا مزكيا لنفسه فهو ذو معجزة من الأنبياء ~~وكرامة من الأولياء والذي يقع له هذا ويكون شريرا # PageV01P177 # ويستعمله في الشر فهو الساحر الخبيث. # قال: والإصابة بالعين تكاد أن تكون من هذا القبيل, قال: وإنما يستبعد هذا ~~من يفرض أن يكون المؤثر في الأجسام ملاقيا أو مرسل جزءا ومنفذ كيفية بواسطة ~~ومن تأمل ما وصفناه استسقط هذا الشرط عن درجة الاعتبار فهذا ملخص كلامهم في ~~هذا الباب ومعلوم أن جميع ما ذكروه هو أمر معتاد كثير ليس من خوارق العادات ~~ولا من جنس المعجزات ولهذا قال ابن سينا بعد ذكر ذلك وذكر ما تقدم حكايته ~~من أنه من لم يصدق بالجملة هان عليه التفصيل ثم قال ولعلك قد بلغك عن بعض ~~العارفين أخبار تكاد تأتي بتقلب العادة فتبادر إلى التكذيب وذلك مثل ما ~~يقال أن نبيا ربما استسقى للناس فسقوا # PageV01P178 # أو استشفى فشفوا أو دعا عليهم فخسف بهم وزلزلوا أو هلكوا بوجه آخر ودعا ~~لهم فصرف عنهم الوباء والموتان أو السيل أو الطوفان أو خشع لبعضهم سبع أو ~~لم ينفر عنه طير أو مثل ذلك مما لا يأخذ في طريق الممتنع الصريح فتوقف ولا ~~تعجل فإن لأمثال هذه أسبابا من أسرار الطبيعة وربما تأتي لي أن أقص بعضها ~~عليك # ثم ذكر أن ذلك قد يكون سببه من قوة النفس فإنها إذا كانت تتصرف في بدنها ~~جاز أن تتصرف في غيره # ومعلوم أن ما ذكروه لا يفيد الجزم بما قالوه وإنما غايته إمكان ذلك ~~وجوازه بأن يقال إذا جاز أن يرى الإنسان مناما يدل على أمور غائبة أمكن أن ~~يكون العلم بجميع الأمور الغائبة من هذا الباب وإذا جاز أن تؤثر النفس في ~~بدنها وفي ms104 شيء صغير جاز أن تؤثر في مجموع الهواء والماء والتراب والنار ~~وإذا جاز أن تقوى النفس على بعض الأفعال جاز أن تقوى على الطيران في الهواء ~~والمشي على الماء وقلب قرى قوم لوط وفلق البحر وإنزال المن والسلوى وتفجير ~~اثنى عشر عينا من الحجر وقلب العصا حية وإخراج القمل والضفادع # PageV01P179 # وإنزال المائدة عليها خبز وسمك وزيتون وأمثال ذلك ومن المعلوم أن هذا لا ~~يدل على نوع هذا الممكن بلا ريب فلم قلتم أن هذا هو الواقع وكلامهم في هذا ~~مثل كلامهم في إضافة سائر أنواع الصرع إلى الخلط السوادي والبلغمي فإن هذا ~~إنما يصح أن لو لم تكن الجن موجودين والأطباء ليس عندهم دليل على نفي الجن ~~ولا في صناعتهم ما يمنع وجود الجن وقدماء الأطباء كأبقراط وغيره معترفون ~~بذلك ولكن يقولون ليس في صناعتهم ما يدل على ثبوت الجن وعدم العلم ليس علما ~~بالعدم وعدم الدليل ليس علما بعدم المدلول عليه فإن عدم ما يدل على الشيء ~~المعين لا يقتضي انتفاؤه فكيف إذا علم بالدلائل الكثيرة أن الجن قد تصرع ~~الإنس كما قال عبد الله بن أحمد بن حنبل قلت لأبي أن الأطباء يقولون أن ~~الجني لا يدخل بدن الإنسي فقال يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه # PageV01P180 # وهذا أمر قد باشرناه نحن وغيرنا غير مرة ولنا في ذلك من العلوم الحسيات ~~رؤية وسماعا ما لا يمكن معه الشك لكن المقصود هنا أن نبين أنهم ينفون الشيء ~~بلا علم والنافي عليه الدليل كما على المثبت الدليل فهم ليس معهم في كون ~~هذه الآيات حادثة عن القوى النفسانية إلا مجرد التجويز والإمكان {إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} وأيضا فلا دلالة لهم على إمكان كون النفوس ~~تؤثر في مثل هذا أصلا إلا مجرد قياس بعيد لا يقتضي ذلك فهذا أول الوجوه أن ~~يقال أنتم لا دليل لكم بكون هذه الآثار من قوى النفوس # الوجه الثاني أن يقال من هذه الآثار أمور كثيرة تعترفون أنتم بأنه يمتنع ~~كونها ms105 من آثار النفوس كما تقدم التنبيه عليه فبطل قولكم أن الآثار المعلومة ~~عند المسلمين واليهود والنصارى من آثار النفوس فإن مجموع ما ذكروه ليس فيه ~~ما يكاد يخرج عن قياس الأمور المعتادة إلا حوادث الأكوان كنزول المطر وشفاء ~~المريض وزلزلة الأرض والخسف وصرف السيل والوباء ورجوع السبع والطير وهذه ~~الأمور يحصل جنسها بأسباب معتادة فإن المطر ينزل بأسباب متعددة وكذلك شفاء ~~المريض وحدوث الخسف والهلاك يحصل بأسباب معتادة كما يحصل نوعه بأسباب ~~معتادة وهذا # PageV01P181 # بخلاف انفلاق البحر اثنى عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم وانقلاب العصا ~~حية ونزول المن والسلوى وانفجار اثنتي عشرة عينا من الحجارة ومثل نبع الماء ~~من بين الأصابع وتكثير الطعام والشراب حتى يكفي أضعاف من كان يكفيه وانقلاع ~~الشجرة ثم عودها إلى مكانها ثابتة فهذه الأمور وأمثالها لا يصدر جنسها عن ~~سبب معتاد فهذه خارقة للعادة بخلاف ما يكون خارقا للعادة في قدره لا في ~~جنسه وهذا الجنس هم يمنعون حصوله في العالم لا بقوي نفس ولا غيرها والعلم ~~بحصول مثل ذلك إما بالمعاينة وإما بالأخبار الصادقة يبين فساد أصلهم وهذا ~~مما ينبغي للعاقل أن يتدبره فإن القدر الذي بينوا سببه من الغرائب ليس من ~~جنس خوارق العادات بل هو من جنس الأمور المعتادة وعلى هذا فيكونون منكرين ~~لجنس الخوارق وهذا هو أصلهم الفاسد الذي يعلم فساده بدلائل كثيرة ولكن ابن ~~سينا سلك طريقة أراد أن يجمع فيها بين أصولهم الفاسدة وبين التصديق بنوع من ~~الغرائب وأن يجعل الكرامات والمعجزات من هذا النمط فإن السحر هو من الأمور ~~المعتادة كالأسباب التي يحصل بها المرض والموت ونحو ذلك ومنه أمور تخالف ~~العادة والطبيعة ولكن هو مما اعتيد أنه يحصل بالشياطين لكن مقرونا بما يدل ~~على كذبه وفجوره فلا يشبه كرامات الصالحين فضلا عن المعجزات والكلام على ~~هذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا بيان فساد قول من جعل المعجزات قوى نفسانية # PageV01P182 # الوجه الثالث: أن يقال الخوارق ثلاثة أنواع منها ما هو من جنس الغناء عن ~~الحاجات ms106 البشرية ومنها ما هو من جنس العلم الخارج عن قوى البشر ومنها ما هو ~~من جنس المقدورات الخارجة عن قدرة البشر ولهذا قال نوح عليه السلام وهو أول ~~رسول أرسله الله إلى أهل الأرض {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول إني ملك} وقال الله تعالى لخاتم الرسل {قل لا أقول لكم عندي ~~خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} فالغناء من جنس الاستغناء ~~عن الأكل والشرب مدة والعلم من جنس الإخبار عن الغيوب والقدرة من جنس ~~الأفعال الشاقة ببدنه والتصرف في العناصر بالاستحالة والزلزلة ونحو ذلك فهم ~~إنما ذكروا سبب مثل هذا أما سبب انقلاب العصا حية وخروج الناقة من الأرض ~~وأمثال ذلك فهم معترفون بأنه غير ممكن ولا يمكنهم إحالة سببه على قوى النفس # الوجه الرابع أن يقال النوع الذي يقولون عنه أنه لقوى النفس يؤثر تأثيرا ~~لا يدعون أن تأثيره يبلغ إلى أن ينزل ماء الطوفان الذي غرق أهل الأرض ولا ~~أن يرسل الريح العقيم سبع ليال وثمانية أيام حسوما التي أهلكت عادا ولا أن ~~تقتلع قرى قوم لوط وتقلبها حتى هلك كل من # PageV01P183 # فيها واتبعوا بحجارة تتبع الشارد منهم ولا ترسل طيرا أبابيل بحجارة من ~~سجيل تنزل على أصحاب الفيل واحدا واحدا مع كل طير ثلاثة أحجار صغار حجر في ~~منقاره وحجران في رجليه حتى هلك أصحاب الفيل وصار كيدهم في تضليل حتى أرسل ~~عليهم حجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول ولا في قوى النفس أنها صبيحة كل يوم ~~ينزل المن والسلوى الذي يكفي عسكر موسى وتظللهم بالغمام حيثما ساروا وتطيل ~~الثبات معهم كلما طالوا وتفجر الماء كل يوم من الحجر اثنتي عشرة عينا لكل ~~سبط عين ولا يفرق البحر اثنى عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم حتى إذا خرج ~~منه عسكر موسى ودخله عسكر فرعون انطبق عليهم فأغرقهم كلهم وكذلك أيضا من ~~الخوارق الخارجة عن قوى النفوس إحياء الموتى من الآدميين والبهائم وقد ذكر ~~الله ذلك في غير ms107 موضع من كتابه فذكره في خمسة مواضع في سورة البقرة وقال ~~تعالى {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ~~وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} وقال تعالى {فقلنا ~~اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} وقال ~~تعالى {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم} # PageV01P184 # وقال تعالى {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو ~~بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى ~~حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} وقد ذكر الله سبحانه إحياء ~~المسيح للموتى بإذن الله وذكر سبحانه قصة أصحاب الكهف ومكثهم ثلاثمائة سنة ~~شمسية وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية نياما لا يأكلون ولا يشربون وقال تعالى ~~{وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها} وهذه ~~الأمور التي قصها الله من أحياء الآدميين من بعد موتهم مرة بعد مرة ومن ~~إحياء الحمار ومن إبقاء الطعام والشراب مائة عام لم يتغير ومن إبقاء النيام ~~ثلاثمائة وتسع سنين ومن تمزيق الطيور الأربعة وجعلهن أربعة أجزاء على ~~الجبال ثم أتيانهن سعيا لما دعاهن إبراهيم الخليل عليه السلام فيها أنواع ~~من الاعتبار منها تثبيت المعجزات # PageV01P185 # للأنبياء وأنها خارجة عن قوى النفس فإن الفلاسفة وسائر العقلاء متفقون ~~على أن قوى النفوس لا تفعل مثل هذا بل ولا شيء من القوى المعروفة في العالم ~~العلوي والسفلي الثاني أن في ذلك إثبات أن الله فاعل مختار يفعل بمشيئته ~~وقدرته يحدث ما يشاء بحسب مشيئته وحكمته ليس موجبا بالذات فإن الموجب ~~بالذات مستلزم لآثاره فيمتنع أن تتغير أفعاله عن القانون الطبيعي # والأشكال الفلكية والاتصالات الكوكبية ms108 وإن كانت تحدث بها أنواع من ~~الغرائب في هذا العالم فلا بد من استعداد القوابل ولا بد أن تكون تلك ~~الاتصالات جارية علىالقانون المعتاد عندهم وكلاهما منتف في هذه الخوارق ~~فالمادة السفلية لا تقبل مثل هذا في العادة والاتصالات الفلكية لا يحدث ~~عنها مثل هذا ولهذا كان ما يحدث من الغرائب بسبب تمزيج القوى الفعالة ~~السماوية أو القوى المنفعلة الأرضية ليس هو من هذا الباب بل هو مما اعتيد ~~نظيره مثل دفع بعض الحيوان عن مكان أو جذبهم إليه أو أمراض بعض الأبدان أو ~~موتها أو غير ذلك من الأمور الثالث أن هذا من أعظم الدلالة على إمكان معاد ~~الأبدان وإعادة الأرواح إليها فإنه لا أدل على إمكان الشيء من وقوعه أو ~~وقوع نظيره فلما كان هذا واقعا علم أنه ممكن وكذلك # PageV01P186 # إنزال عيسى عليه السلام المائدة من السماء كل يوم عليها زيتون وسمك وغير ~~ذلك هو من الأمور الخارجة عن قوى النفس فإن تأثير النفس في هيولي العالم ~~إنما هو بحسب ما يقبل الهيولي وتعليق هذا في الهواء ليس هو مما يقبله ~~الهواء وأيضا فتأثير النفس في البسيط يكون بسيطا لا يكون فيه من التركيب ~~مثل هذا كما أن النفس ليس في قواها توليد حيوان من بطن أمه من غير جماع إلى ~~أمثال ذلك من خوارق العادات التي يعترفون هم أن قوى النفس وإن كانت لها ~~تأثير في الجنس العالي من ذلك فلا يبلغ تأثيرها إلى هذا الحد وهذا كما أن ~~قوى البدن معروفة من المشي والهرولة ونحو ذلك وليس في قوى بدن أحد أن يحمل ~~جبلا ولا ست مدائن على كاهله ولا في قوى بدنه أن يطير في الهواء وأمثال ذلك ~~فتبين أنهم معترفون أن هذه الأمور لا يمكن إضافتها إلى قوى النفس # الوجه الخامس أن يقال نحن لا ننكر أن النفس يحصل لها نوع من الكشف أما ~~يقظة وإما مناما بسبب قلة علاقتها مع البدن إما برياضة أو بغيرها وهذا ~~هوالكشف النفساني لكن قد ثبت أيضا بالدلائل ms109 العقلية مع الشرعية وجود الجن ~~وأنها تخبر الناس بأخبار غائبة عنهم كما للكهان المصروعين وغيرهم والناس ~~يسمعون من المصروع من أنواع الكلام والأخبار عن الغائبات واللغة الغريبة ~~التي يعلمون باضطرار أنها ليست في قوة ذلك الإنسان وكذلك أهل العبادات # PageV01P187 # الشيطانية من البراهمة والبخشية ونحوهم من عباد المشركين ومن أشبههم من ~~المنتسبين إلى أهل القبلة كأنواع من اليونسية والأحمدية والخالدية ~~والدسوقية وأمثال هؤلاء من أهل العبادات المشركية المخالفة للكتاب والسنة ~~فيسمع منهم حال السماع من أنواع # PageV01P188 # الكلام واللغة الغريبة التي لا يمكن ذلك الشخص أن يتكلم بها ما يعلم أن ~~المتكلم على لسان غيره أو الملقن له ذلك الكلام غيره لا أن مجرد نفسه فعلت ~~ذلك بدون سبب منفصل من الأرواح وإذا كان هذا مما شوهد في النفوس الخبيثة ~~وأن كثيرا من إخباراتها تكون عن إخبار أرواح شيطانية لها فلأن يكون إخبار ~~الأنبياء عن إخبار أرواح الملائكة # بطريق الأولى وهم يقولون الشياطين عندنا قوى النفس الخبيثة والملائكة قوى ~~النفس الصالحة # قلنا قد تقدم أن جمهور المسلمين لا ينكرون وجود هذه القوى كما تقدم ولكن ~~المقصود هنا أنه يعلم وجود أمور منفصلة مغايرة لهذه القوى كالجن المخبرين ~~لكثير من الكهان بكثير من الأخبار وهذا أمر يعلمه بالضرورة كل من باشره أو ~~من أخبره من يحصل له العلم بخبره ونحن قد علمنا ذلك بالاضطرار غير مرة فهذا ~~نوع من المكاشفات والإخبار بالغيب غير النفساني وأما القسم الثالث وهو ما ~~تخبر به الملائكة فهذا أشرف الأقسام كما دلت عليه الدلائل الكثيرة السمعية ~~والعقلية # وإذا ثبت أن الإخبار بالمغيبات يكون عن أسباب نفسانية ويكون عن أسباب ~~خبيثة شيطانية وغير شيطانية ويكون عن أسباب ملكية كان ما ذكروه نوعا من ~~الأنواع الثلاثة وهو أضعفها فكان غاية إيمانهم بالنبوة جعلهم النبي بمنزلة ~~رجل من أضعف صالحي الناس # PageV01P189 # الوجه السادس: أن يقال قد علمنا بالضرورة والتواتر أن الجن تحمل الإنسان ~~من مكان إلى مكان تعجز قدرته عن الوصول إليه وهذا قد علمناه نحن في غير ~~صورة وغيرنا يعلم ms110 من جزئيات ذلك ما لم نعلمه ومن شك في أصل ذلك فليرجع إلى ~~من عنده علم ذلك وإلا فليس للإنسان أن يكذب بما لا يعلم ونحن نعرف من ذلك ~~أمورا كثيرة جدا ونعرف عددا كثيرا حملوا في الهواء من مدائنهم إلى عرفات ~~وإلى مكة في غير وقت عرفات وبعضهم كان كافرا لم يسلم وبعضهم منافق لا يقر ~~بوجوب الصلاة وبعضهم جاهل يعتقد أن وقوفه بعرفات بلا إحرام مع رجوعه إلى ~~بلده بلا طواف وسعي ولا إحرام عبادة وكرامة من كرامات الصالحين ومثل عدد ~~كبير حملوا إلى غير مكة ولو ذكرت ما أعرفه من هذا لطال الخطاب وأعرف شخصا ~~من أصحابنا حملته الجن في الهواء من أسفل دار إلى أعلاها ووصوه بأمور الدين ~~وتاب وحصل له خير وآخر كان معه شيطان يحمله قدام الناس بمدينة الشوبك فيصعد ~~في الهواء إلى رؤوس الجبال وآخر كان يحمله شيطانه من جبل الصالحية إلى قرية ~~يلدى نحو # PageV01P190 # فرسخ وطائفة حملتهم الشياطين من مدينة تدمر إلى بيت المقدس وأمرتهم أن ~~يصلوا إلى الشمال وصلوا إليه أياما وأخبروهم أن هذه الشريعة تغير وتنسخ حتى ~~طلبهم المسلمون إلى جامع تدمر وكانوا في مغارة واستتابوهم فلم يتوبوا بل ~~مكثوا يصلون إلى الشمال ثلاثة أيام ثم تابوا بعد ذلك وتبين لهم أن ذلك كان ~~من الشيطان وآخر أتى قوما يرقصون في سماع فبقي يرقص في الهواء على رؤوسهم ~~فرآه شخص فصرخ به فسقط وكان هذا بحضرة الشيخ شبيب الشطي فقال الشيخ هذا ~~سلبني حالي فسأله فقال لم يكن له حال وإنما شيطان حمله من الرحبة إلى هنا ~~فصرخت فيه فألقاه وهرب وجرى نظير هذه القصة لغير واحد ومن المشهور المتواتر ~~عند الترك ما تفعله سحرتهم وكهانهم من البخشية والطوينية وشيخهم الذي يقال ~~له البوا ومن شرطه عندهم أن يكون مخنثا مأبونا ينكح ينصب له خركاة في ظلمة ~~فيذبحون ذبيحة للشيطان ويغنون له فتأتي الشياطين وتخاطبهم ببعض الأمور ~~الغائبة كأحوال غائبيهم وسرقاتهم وغير ذلك ويحمل البوا فيوقف به في الهواء ~~وهم ms111 يرونه ولا يكون بينهم إذ ذاك مسلم ولا كتاب فيه قرآن هذا مشهور عندهم ~~إلى هذا الوقت أخبرنا به غير واحد # PageV01P191 # وآخرون كانت الشياطين تأتيهم بأطعمة يسرقونها من حوانيت الناس وجرى هذا ~~لغير واحد في زماننا وغير زماننا وأتى قوم بحلاوة من الهواء وعرفت تلك ~~الحلاوة المسروقة وفقدها صاحبها ووصفت الآنية التي كانت فيها فرد ثمنها ~~إليه وهذه الأمور وأمثالها معلوم لنا بالضرورة والتواتر فإذا كانت الجن ~~تحمل الإنسان من مكان إلى مكان بعيد في الهواء وتحمل الأموال إليه من مكان ~~بعيد وتخبره بأمور غائبة عن الحاضرين علم أن هذه الخوارق ليست من قوى ~~النفوس بل بفعل الجن وإذا كانت الجن تفعل مثل هذا فالملائكة أعلى منهم ~~وأقدر وأكمل وأفضل وهذه الأمور كما يصدق بها أهل الملل من المسلمين ~~والنصارى واليهود فجمهور الفلاسفة يصدقون بها وكتب الروحانيات التي لهم ~~مشحونة بذكر أمثال هذه الأمور وأنواع العزائم والرقي التي يذكرونها مشحونة ~~بالأقسام على الجن والأقسام بهم والدعاء لهم والطلب منهم والذين يخاطبون ~~الكواكب منهم وتتنزل على أحدهم روحانية الكواكب هي شيطان ينزل عليه ويخبره ~~بأمور ويتصرف له بأمور وهذه معلومة بالتواتر عندهم فمن قال إن هذه الخوارق ~~من آثار مجرد النفوس وأنكر وجود الجن والشياطين وأن يكون لهم تأثير في ~~الإخبارات والخوارق كان مبطلا باتفاق أهل الملل واتفاق جمهور الفلاسفة وكان ~~كذبه معلوما بالاضطرار عند من عرف هذه الأمور بالمشاهدة أو الأخبار ~~المعلومة بالصدق # PageV01P192 # الوجه السابع: أنه من هذا الباب ما تواتر في هذه الباب من أخبار كهان ~~العرب وما كانت تخبرهم به من الأمور الغائبة لإخبار الجن لهم بذلك # الوجه الثامن: أن المدعي لكون الخوارق التي أتت بها الأنبياء من الأخبار ~~بالغيب من الأمور الخارجة عن قدرة البشر هي من قوى النفس إما أن يكون مصدقا ~~للرسل فيما علم أنهم أخبروا به وإما أن يكون مكذبا لهم فإن كان مكذبا لهم ~~كان الكلام معه أولا في تثبيت النبوات والإقرار بها وهؤلاء الفلاسفة ~~والصابئة وأتباعهم من باطنية أهل الملل ونحوهم يعظمون ms112 أمر الأنبياء ويقرون ~~بكمال علمهم ودينهم وصدقهم ويدعون أن ما جاءت به الأنبياء لا يناقض أصول ~~الفلسفة وهذه طريقة القائلين بأن معجزات الأنبياء قوى نفسانية وإذا كان ~~كذلك فكلام الأنبياء حق باتفاقهم مع سائر أهل الملل وإذا كان كذلك فيقال من ~~المعلوم بالاضطرار أن الرسل أخبرت بالملائكة والجن وأنها أحياء ناطقة قائمة ~~بأنفسها ليست إعراضا قائمة بغيرها وأخبروا بأنهم يأتون بأخبار الأمور ~~الغائبة وأنهم يفعلون أفعالا خارجة عن قدرة البشر كما أخبر الله تعالى عن ~~الملائكة أنهم أتوا إبراهيم الخليل عليه السلام ثم ذهبوا منه إلى لوط # قال تعالى {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء # PageV01P193 # بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف ~~وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا ~~كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين} # وقال تعالى {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ~~ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا ~~لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت ~~إنه حميد مجيد فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ~~إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ولما جاءت رسلنا لوطا # PageV01P194 # سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل ~~كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا ~~تخزون في ضيفي أليس ms113 منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ~~وإنك لتعلم ما نريد قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قالوا يا لوط ~~إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد ~~إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} وهذه ~~القصة مذكورة في التوراة وغيرها من كتب أهل الكتاب كما هي مذكورة في القرآن ~~مع العلم بأن كلا من النبيين موسى ومحمد لم يأخذها عن الآخر وهذا مما يوجب ~~العلم بصحتها قبل ثبوت نبوتهما فإن الاتفاق على مثل هذه الحكاية من غير ~~تواطؤ يمتنع في العادة فإذا اتفق إخبار المخبرين بمثل هذه القصة الطويلة ~~التي يمتنع في العادة اتفاق # PageV01P195 # الاثنين فيها على الكذب من غير تواطؤ علم أنها حق فكان إخبار كل منهما ~~بها دليلا على نبوته # وقال {ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم ~~وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر ~~فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ~~ربه إلا الضالون قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ~~فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون قالوا بل جئناك بما كانوا ~~فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا لصادقون فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع ~~أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون} فهذه القصة فيها إثبات ~~الملائكة وأنهم أحياء ناطقون منفصلون عن الآدميين يخاطبونهم ويرونهم في صور ~~الآدميين الأنبياء وغير الأنبياء كما رأتهم سارة امرأة الخليل عليه السلام ~~وكما كان الصحابة يرون جبريل إذا جاء لما جاء في # PageV01P196 # صورة أعرابي وتارة في صورة دحية الكلبي ومن هذا الباب قوله في قصة مريم ~~{فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت ms114 تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} # PageV01P197 # وقال تعالى {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} ~~فهذا الروح تصور بصورة بشر سوى وخاطب مريم ونفخ فيها # ومن المعلوم أن القوى النفسانية التي تكون في نفس النبي وغير النبي لا ~~يراها الحاضرون ولا يكون منها مثل هذه الأحوال والأقوال والأفعال # ومريم لم تكن نبيه بل غايتها أن تكون صديقة كما قال {ما المسيح ابن مريم ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة} وقال تعالى {وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} # وقد حكى الإجماع على انه لم يكن في النساء نبية غير واحد كالقاضي أبي بكر ~~بن الطيب والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وخلاف ابن حزم شاذ مسبوق ~~بالإجماع فإن دعواه أن أم موسى كانت نبية هي ومريم قول لا يعرف عن أحد من ~~السلف والأئمة وقد ثبت في الصحيح عدد من كمل من النساء وليس فيهن أم موسى ~~بل قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل ~~من النساء إلا مريم بنت # PageV01P198 # عمران وآسية بنت مزاحم" يعني ممن قبلنا فذكرتا والتي حضنت موسى وفيمن كمل ~~ممن ليس بنبي خديجة وآسية امرأة فرعون وغيرهما والأنبياء أفضل من غيرهم فلو ~~كانت نبية لكان غير النبي أفضل منه أو غير الكامل أفضل من الكامل # وأيضا فإن الله وصف الملائكة بصفات تقتضي أنهم أحياء ناطقون خارجون عن ~~قوى البشر وعن العقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة فعلم أن الملائكة التي ~~أخبرت عنها الأنبياء ليسوا مطابقين لما يقوله هؤلاء الذين يقولون أن معجزات ~~الأنبياء قوى نفسانية # PageV01P199 # وهذا كقوله {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا ~~فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى ~~أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر ms115 وما طغى لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى} وقال {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ~~وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو ~~بقول شيطان رجيم} فأخبر أن الذي جاء بالقرآن رسول كريم ذو قوة عند ذي العرش ~~مكين وأنه مطاع ثم أمين وهذا يمتنع أن تكون صفة أعراض تقوم بنفوس البشر ولا ~~سيما عند هؤلاء الفلاسفة الذين يمنعون أن يكون لدعاء البشر تأثير في الملأ ~~الأعلى وقد أخبر أنه رآه عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وأنه رآه ~~بالأفق المبين وما يحصل في نفس الرسول لا يكون هنا ولا هنا # وغايتهم أن يقولوا هذا تخيل في نفسه وإن لم يكن موجودا في الخارج وحينئذ ~~فيكون الرسول من جنس آحاد # PageV01P200 # المسلمين الذين يرون في المنام أنهم في السماوات وأن الملائكة خاطبتهم ~~ونحو ذلك مما يراه آحاد الناس ومثل هذا لا تكذب به قريش ولا أحد من الخلق ~~ولا يكون مثل هذا ذا قوة عند ذي العرش مكين ولا يكون مطاعا ثم أمين # ومنهم من يقول جبريل هو العقل الفعال الذي يفيض وليس بضنين أي بخيل ~~بالفيض وهذا أيضا باطل من وجوه كثيرة # منها أن ذاك لا يتصور في صورة أعرابي ولا دحية ولا ضيف إبراهيم الخليل ~~ولا لوط ولا في صورة بشر سوى فنفخ في مريم # ومنها أنه قال ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين والعقل الفعال ليس ~~مطاعا ثم وغايته عندهم أن يتحرك الفلك الأسفل تشبها به وأما فوق ذلك فلا ~~تأثير له فيه وهم قد يقولون أن العرش هو الفلك التاسع وقد بسط الكلام عليه ~~في غير هذا الموضع وبين أن العرش فوق الفلك التاسع ليس هو إياه # وأيضا فإنه أخبر أنه رآه عند سدرة المنتهى وأنه رآه بالأفق المبين مرتين ~~وقد ثبت في الصحيح أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها مرتين وأنه رآه ~~وله ستمائة جناح منها جناحان سد ms116 بهما ما بين المشرق والمغرب وهذه الصفة # PageV01P201 # لا تنطبق على العقل الفعال فإنه لا يرى في موضعين ولا له أجنحة وهؤلاء ~~القوم قد يقولون أن الأنبياء أخبروا الناس بما هو كذب في نفس الأمر لأجل ~~مصلحتهم وقد يحسنون العبارة فيقولون لم يخبروا بالحقائق بل ذكروا من ~~التمثيل والتخييل في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما تنتفع به العامة ~~وأما الحقيقة فلم يخبروا بها ولا يمكن إخبار العامة بها وهذا مما يعلم ~~بالضرورة بطلانه من دين المرسلين وقد بسطنا الكلام في إبطال هذا في غير هذا ~~الموضع # PageV01P202 # ومن عرف مذهبهم وعرف ما قالته الرسل علم بالضرورة أن ما يقولونه مخالف ~~لما يقوله الرسل لا موافق له فيلزم إما تصديق الرسل وتكذيبهم وإما تكذيب ~~الرسل وتصديقهم وهم يؤمنون بالرسل من وجه ويكفرون بهم من وجه فلا يقولون ~~إنهم كاذبون ولا جاهلون ولا يصدقونهم في كل ما أخبروا به ومن المعلوم أن ~~المخبر بالخبر إذا لم يكن خبره مطابقا لمخبره فإما ان يكون متعمدا للكذب ~~وإما أن يكون مخطئا وهم يسلمون أن الرسل من أعلم الخلق بالحقائق وأنهم ~~مخصوصون بقوى قدسية يعلمون بها ما لا يتمكن غيرهم من العلم به وأنهم من أبر ~~الناس وأصدقهم فإذا كانوا مقرين بغاية الكمال لهم في العلم والصدق كان هذا ~~مناقضا لما يذكرونه في إخباراتهم فإنها تستلزم إما تكذيبهم وإما تجهيلهم # ولهذا كان هؤلاء متناقضين في أمر النبوات فلا هم كذبوا بهم تكذيب ~~المكذبين الذين كذبوا بالنبوات مطلقا ولا صدقوهم تصديق المؤمنين الذين ~~آمنوا بهم مطلقا بل كانوا كمن آمن ببعض وكفر ببعض وهؤلاء من الكافرين حقا ~~وهم من المنافقين المذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وفيهم من يكثر ~~نفاقة وزندقته وفيهم من يكون نفاقة أقل من نفاق غيره # وأيضا فإن الله تعالى يقول {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب # PageV01P203 # أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء يشاء} ففرق سبحانه بين الوحي وبين ~~إرسال الرسول الذي يوحي بإذنه ما يشاء ms117 كما فرق بين ذلك وبين التكلم في قوله ~~تعالى {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} إلى قوله ~~تعالى {وكلم الله موسى تكليما} ففرق بين الإيحاء العام المشترك بين ~~الأنبياء وبين تكليمه لموسى عليه السلام كما فرق بين الإيحاء وبين إرسال ~~رسول يوحي بإذنه ما يشاء وهذا يناقض مذهبهم في الأصلين فإنهم لا يثبتون إلا ~~ما هو من جنس الوحي والإلهام كالذي يسمونها القوة القدسية بل الوحي ~~والإلهام الذي أثبته الله فوق ما يثبتونه من القوة القدسية فدل على أن ~~أحوال الرسل الذين يرسلهم الله إلى الأنبياء خارجة عن قوى النفس وعن جنس ~~الإيحاء العام والإلهام المشترك كما قال الله تعالى {الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس} (سورة الحج 75) فتبين أنه يصطفي رسلا من الناس ~~ورسلا من الملائكة # وكذلك أخبر أنه يكلم البشر من وراء حجاب كما أخبر أنه كلم موسى تكليما ~~وكما قال تعالى {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله} وقال ~~{ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} ~~وهذا يقتضي انه يكلم بعض عباده تكليما خارجا عن جنس # PageV01P204 # ما يحصل بالوحي والإلهام مما يتناول القوة القدسية وغيرها وأيضا فإنه قد ~~قال سبحانه {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا} فأخبر أنه ~~أرسل مع الريح جنودا لم يرها المؤمنون وقال تعالى {ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين ~~كفروا وذلك جزاء الكافرين} فأخبر أنه أنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين ~~وأنزل مع ذلك جنودا لم يروها # وقال تعالى {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} ms118 وقال تعالى {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ~~أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى} إلى قوله {إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} فقد # PageV01P205 # أخبر أنه أمدهم بجنود من الملائكة تنصرهم ففي تلك الآيات أخبر بنزول ~~الملائكة بالعلم والوحي وفي هذه الآيات أخبر بنزولها بالنصر والقدرة وهذا ~~يبين أن ما كان يحصل للرسول من العلم والقدرة من المكاشفة والتأثير في ~~العالم حاصل بما هو خارج عن قوى نفسه من العلم الذي تنزل به الملائكة ~~والنصر الذي تنزل به الملائكة وأيضا فقد قال الله تعالى {ولو ترى إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق} وقال ~~تعالى {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض} وقال تعالى {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام ~~عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ~~يأتي أمر ربك} فهذه الآيات يخبر فيها بتوفي الملائكة للأنفس وخطابهم للموتى ~~إما بخير وإما بشر وفعلهم ما يفعلونه بهم من نعيم وعذاب وكما قال {إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ~~وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم # PageV01P206 # ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم} وقال تعالى {هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} وقال {هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر} # فهذه النصوص وأمثالها صريحة بإثبات الملائكة وأفعالها وكلامها وتأثيرها ~~في العالم بالقول والفعل وهذا يبطل قولهم إن المؤثر في العالم هو القوى ~~النفسانية أو القوى الطبيعية فإن الملائكة خارجة عن هذا وهذا وحينئذ فما ~~يحصل من خوارق العادات بأفعال الملائكة أعظم مما يحصل بمجرد القوى ~~النفسانية والأنبياء أحق الناس بمعاونة الملائكة لهم وتأييد الله تعالى لهم ~~كما أخبر الله سبحانه بذلك وأيضا فقد قال تعالى ms119 {والصافات صفا فالزاجرات ~~زجرا فالتاليات ذكرا} وقوله في آخر السورة {فاستفتهم ألربك البنات ولهم ~~البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد ~~الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون} إلى قوله ~~{وما منا إلا له مقام # PageV01P207 # معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} فأخبر أن الملائكة صافون ~~يسبحون وأنها صافات صفا زاجرات زجرا وهذا مناقض لقولهم فإن العقول العشرة ~~لا تصطف بل بعضهم فوق بعض في المرتبة والتعلق مع امتناع المصافة عليها ~~عندهم والأعراض القائمة بالنفس يمتنع وصفها بما ذكره سبحانه وتعالى من ~~الاصطفاف والزجر والتلاوة وغير ذلك من الصفات # وكذلك قوله تعالى {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا ~~وما بين ذلك وما كان ربك نسيا} وقد ثبت أن جبريل قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر ما تزورنا" فانزل الله هذه الآية وهذا ~~يبين أن نزول جبريل إلى الأرض وأنه لا يتنزل إلا بأمر الله وعندهم يمتنع ~~نزول ملك إلى الأرض ويمتنع أن يكون الله أمر جبريل بنزوله # وقال تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن # PageV01P208 # ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ~~كذلك نجزي الظالمين} فبين سبحانه أنهم عباد أكرمهم وأنهم لا يسبقونه بالقول ~~فلا يقولون حتى يقول وهم بأمره يعملون فلا يعملون حتى يأمرهم وأنهم لا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وأنهم من خشيته مشفقون # وهذا مناقض لقولهم فإن العقول عندهم بل العالم كله متولد عن الله تولدا ~~لازما يمتنع معه خوفها أو أن يحدث لها من الله أمر أو قول أو يكون لها إليه ~~شفاعة والشفاعة عندهم ليس معناها دعاء الله ورسوله كما هو مذهب المسلمين بل ~~الشفاعة عندهم تعلق القلب بالوسائط حتى يفيض عليها بواسطة تلك الوسائط ما ~~ينتفع به كما ms120 يفيض شعاع الشمس على الحائط بواسطة فيضه على المرآة وهذه من ~~جنس الشفاعة التي يثبتها المشركون وهي التي نفاها الله في كتابه # ولما وقع في كلام أبي حامد في المضنون به على غير أهله وغيره من كتبه ما ~~هو من جنس كلام هؤلاء في الشفاعة وفي النبوة وغير ذلك حتى جعل خواص النبي ~~ثلاثة كما تقدم ذكره وغير ذلك من كلامهم اشتد نكير علماء الإسلام لهذا ~~الكلام وتكلموا في أبي حامد وأمثاله بكلام معروف # PageV01P209 # كما تكلم فيه أصحاب أبي المعالي كأبي الحسن المرغيناني وغيره وكما تكلم ~~فيه أهل بيت القشيري وأتباعه والشيخ أبو البيان وأبو الحسن ابن شكر وأبو ~~عمرو بن الصلاح وأبو زكريا وكما تكلم # PageV01P210 # فيه أبو بكر الطرطوشي وأبو عبد الله المازري وابن حمدين القرطبي وصنف في ~~ذلك وأبو بكر بن العربي تلميذه حتى قال شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ~~ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر وكما تكلم فيه # PageV01P211 # أبو الوفاء بن عقيل وأبو الفرج بن الجوزي وأبو محمد المقدسي وغيرهم وكما ~~تكلم فيه الكردري وغيره من أصحاب أبي حنيفة ومن أعظم ما تكلم فيه أئمة ~~المحققين لأجله ما وافق فيه هؤلاء الصابئة المتفلسفين مع أنه بعد ذلك قد رد ~~على الفلاسفة وبين تهافتهم وكفرهم وبين أن طريقتهم لا توصل إلى حق بل ورد ~~أيضا على المتكلمين ورجح طريق الرياضة والتصوف ثم لما لم يحصل مطلوبه من ~~هذه الطرق بقي من أهل الوقف ومال إلى طريقة أهل الحديث فمات وهو يشتغل ~~بالبخاري ومسلم # والمقصود هنا أن ما ذكره الله في كتابه من شفاعة الأنبياء والملائكة نفيا ~~وإثباتا يناقض قول هؤلاء كقوله تعالى {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} # PageV01P212 # وقد ثبت في الصحاح من ms121 غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ~~قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة ~~على صفوان ويصعقون حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ~~وهو العلي الكبير" وهذا المعنى ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ~~وجه رواه البخاري من حديث أبي هريرة ورواه مسلم عن ابن عباس عن رجال من ~~الأنصار # PageV01P213 # وهو معروف من حديث النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو عن ~~ابن مسعود موقوفا ومرفوعا وعن ابن عباس وغيره وفيه بيان أنه لا تنفع ~~الشفاعة عند الله إلا لمن أذن له فلا بد من إذن للشفيع لا أن مجرد التوجه ~~إليه ينفع المشفوع له وذلك يقتضي تجدد إذن للشفعاء وعندهم أنه لا يحدث من ~~الله شيء للوسائط بل هي متولدة عنه لازمة لذاته أزلا وأبدا وفيه أنه يفزع ~~عن قلوب الملائكة أي يزال الفزع عنها وقد وصف الملائكة في القرآن بالخشية ~~والخوف وعندهم لا يتصور خشية لله ولا خوف قال الله تعالى {ولله يسجد ما في ~~السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من ~~فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} وقال {وهم من خشيته مشفقون} وقال تعالى في ~~الشفاعة {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشاء ويرضى} # وقوله {من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} يقتضي إذنا مستقبلا فإن أن ~~تخلص الفعل المضارع للاستقبال وطرد هذا أن يقال مثل ذلك في كل ما جاء في ~~القرآن من هذا الباب وهو قول جمهور أهل الحديث والسنة وهو المنقول عن أئمة ~~السلف وعليه تدل الدلائل العقلية السليمة عن التناقض # PageV01P214 # ومما يوضح الأمر في هذا الباب أن الله نزه نفسه عن الشريك والولد في غير ~~موضع كقوله تعالى {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون ms122 له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} وقال الله تعالى {وقل الحمد لله ~~الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره ~~تكبيرا} وقال تعالى {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل ~~إله بما خلق} (سورة المؤمنون 91) وقال تعالى {تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم ~~يكن له شريك في الملك} وقال تعالى {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ~~وإنهم لكاذبون} وقال تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد} فنزه نفسه عن الولد والكفو وهذا القول يوجد في مشركي ~~العرب وفي النصارى وغيرهم والذي يوجد في هؤلاء شر من هذا كله وذلك أن مشركي ~~العرب والنصارى ونحوهم يقرون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن يثبتون ~~تولدا من بعض الوجوه وهو تولد حادث كما تقوله النصارى في المسيح وكما كانت ~~تقوله مشركو العرب في الملائكة ونحو ذلك وأما هؤلاء فيقولون إن # PageV01P215 # العقول والنفوس متولدة عن الله تولدا قديما أزليا لازما لذاته والعالم ~~متولد عن ذلك فالعالم كله متولد عندهم عن الله تولدا قديما أزليا لازما ~~لذاته وإن كانوا قد لا يعبرون بلفظ الولد فهم يعبرون بلفظ المعلول والعلة ~~وهو أخص أنواع التولد ويعبرون بلفظ الموجب والموجب وما ذكره الله في كتابه ~~من إبطال التولد يبطل قولهم عقلا وسمعا وذلك أنه قال تعالى {وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم} وهؤلاء المتفلسفة يجعلون العقل كالذكر والنفس كالأنثى قال ~~سبحانه وتعالى {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم} وذلك أن التولد لا يكون إلا عن أصلين لا يكون عن واحد فيمتنع أن يكون ~~له ولد من غير صاحبة وهو سبحانه لم يكن له كفوا أحد وهؤلاء جعلوه واحدا ~~وجعلوا العالم معلولا عنه وقالوا ms123 الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهذا باطل ~~فإن الواحد البسيط لا يصدر عنه وحده شيء بل الواحد الذي قدروه إنما يوجد في ~~الأذهان لا في الأعيان ولا يصدر في العالم العلوي والسفلي أثر إلا عن سببين ~~فأكثر فالنار إذا أحرقت إنما تحرق بشرط قبول المحل لإحراقها فالاحتراق حاصل ~~بسببين لا بسبب واحد وكذلك الشعاع وكذلك جميع الأمور قال الله تعالى {ومن ~~كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} قال بعض العلماء تعلمون أن خالق الأزواج ~~واحد وقال {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ~~يعلمون} # PageV01P216 # فليس في المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء ولا علة مستقلة بمعلولها من ~~غير مشارك أصلا وما يذكره طائفة من أهل الكلام من كون العلم علة العالمية ~~هو عند أكثرهم لا حقيقة له فليس العالمية زائدة على العلم وأهل الأحوال ~~الذين أثبتوها زائدة علىالعالم قالوا أنها ليست وجودية فلم يكن في الوجود ~~علة مستقلة بمعلولها من غير شريك لها فتبين أن ما ذكروه من أن الواجب علة ~~مستقلة بمعلولها مخالف لما الوجود عليه ودعواهم أن الواحد البسيط يكون علة ~~تامة مستقلة بمعلولها أمر مخالف لما الوجود عليه وهذا غير معلوم بالعقل بل ~~هو باطل فيه ولكن المعلوم في العقل أن الواحد لا يصدر عنه شيء معلول متولد ~~عنه إلا بمقارنة شيء آخر له فلو كان العالم معلولا متولدا عن الله لكان له ~~مقارنا يصدر التولد عنهما جميعا فإن التولد لا يكون إلا عن أصلين فإثبات ~~التعليل والتولد يقتضي إثبات شريك في إبداع العالم وهذا لازم لهم لا محيد ~~عنه من وجه آخر فإن الحوادث الموجودة في العالم لا يجوز أن تكون صادرة عن ~~العلة التامة الأزلية لأن تلك يلزمها معلولها فيكون قديما معها فلا يكون ~~محدثا فوجب أن يكون للحوادث فاعل آخر غير العلة التامة القديمة وذلك أيضا ~~يوجب إثبات مشارك لله يحدث الحوادث وهذا أيضا باطل فإن ذلك الذي قدر محدثا ~~للحوادث إن كان محدثا فهو من جملة الحوادث ms124 التي تحتاج إلى فاعل محدث وإن ~~كان قديما فقد صدرت الحوادث عن قديم فإن كان علة تامة أزلية امتنع حدوث ~~الحوادث عنه وإن كان فاعلا باختياره يحدث عنه الحوادث بطل قولهم سواء قيل ~~أنه صار محدثا للحوادث بعد أن لم يكن بغير سبب حادث أو قيل أنه لم يزل ~~فاعلا قادرا بفعل اختياري يقوم بنفسه. # PageV01P217 # فتبين أن القوم قولهم في إثبات الشريك والولد لله من شر أقوال من يقول ~~بذلك وكل ما في القرآن من إبطال ذلك بالأدلة العقلية والخبرية يبطل قولهم ~~لكن فهم هذا يحتاج إلى أن نفهم حقيقة أقوال الأمم ومراتبها وكيف يتناولها ~~القرآن ويبطلها ويميز الحق من الباطل بالأدلة العقلية البرهانية كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع فهذا كله مما يبين أن الرسل أخبرت بالملائكة وأنهم عباد ~~الله ليسوا متولدين عنه ولا خالقهم علة موجبة لهم وأنهم لا يتصرفون إلا ~~بإذنه ولا يسبقونه بالقول وأنهم يخبرون الأنبياء بالغيب وأنهم يفعلون من ~~خوارق العادات وغيرها ما فيه نصر الأنبياء وحجة لهم وهذا يبين أن هؤلاء ~~الفلاسفة مناقضون للرسل فيما أخبرت به من أمر التوحيد والملائكة وأمر ~~معجزات الأنبياء ويبين أن المعجزات خارجة عن قوى نفوس البشر وأن ما قاله ~~هؤلاء في المعجزات قول بلا دليل وهو قول باطل مبني على أصل باطل مع أنا لا ~~ننكر أن للقوى التي في النفوس وسائر الأجسام آثارا في العالم بحسبها كما ~~تقدم لكن إضافة الخوارق إلى ذلك باطل كما لو أضافها مضيف إلى قوى الأجسام ~~وادعى أنها من باب النيرنجيات التي هي قوى طبيعية كالقوى التي في حجر ~~المغناطيس فإنه يعلم بوجوه كثيرة أن معجزات الأنبياء خارجة عن هذا الجنس ~~وهذا الجنس وإن كان القائل أن معجزات الأنبياء قوى # PageV01P218 # نفسانية ممن يكذب مطلقا أثبتنا بعض ماغ ذكرناه من المعجزات بطرق متعددة ~~كالأخبار المتواترة وكتطابق السنن على الإخبار بما يمتنع الاتفاق عليه من ~~غير تواطؤ وغير ذلك # الوجه التاسع أن يقال تأثير النفوس مشروط بشعورها فإن النفس حية مريدة ~~تفعل بإرادتها ms125 ففعلها مشروط بإرادتها والفعل الاختياري الإرادي مشروط ~~بالشعور وخوارق العادات التي للأنبياء منها ما لا يكون النبي شاعرا به ~~ومنها ما لا يكون مريدا له فلا يكون ذلك من فعل نفسه بل ومنها ما يكون قبل ~~وجوده ووجود قدرته ومنها ما يكون بعد موته ومفارقة نفسه لهذا العالم ومن ~~المعلوم أن ما يكون قبل أن تصير لنفسه قوة ونحو ذلك يمتنع أن يكون مضافا ~~إلى قوته فإن المعدوم لا قوة له وذلك مثل قصة أصحاب الفيل التي أنزلها الله ~~لما أتى بالفيل إلى مكة وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ~~فجعلهم كعصف مأكول وكان أهل الفيل نصارى ودينهم كان خيرا من دين أهل مكة إذ ~~ذاك فإنهم كانوا مشركين ودين النصارى خير من دين المشركين الذين يعبدون ~~الأوثان لكن كان ذلك كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم المبعوث بحرمة البيت ~~وكان عام الفيل عام مولده صلى الله عليه وسلم قبل مولده بنحو خمسين ليلة ~~ولم تكن له قوة نفسانية يؤثر بها ولا شعور بما جرى ولا إرادة له في ذلك ~~وكذلك ما حصل من الحوادث حين مولده صلى الله عليه وسلم وكذلك إخبار الكهان ~~بأموره وما صارت الجن تخبرهم به من نبوته أمور خارجة عن قدرته وعلمه ~~وإرادته وكذلك ما أخبر به أهل الكتاب وما وجد مكتوبا عند أهل # PageV01P219 # الكتاب من إخبار الأنبياء المتقدمين بنبوته ورسالته وأمر الناس باتباعه ~~أمور خارجة عن قدرته وعلمه وإرادته كائنة قبل مولده وكذلك ما خص الله به ~~الكعبة البيت الحرام من حين بناه إبراهيم وإلى هذا الوقت من تعظيمه وتوقير ~~وانجذاب القلوب إليه ومن المعلوم أن الملوك وغيرهم يبنون الحصون والمدائن ~~والقصور بالآلات العظيمة البناء المحكم ثم لا يلبث أن ينهدم ويهان والكعبة ~~بيت مبني من حجارة سود بواد غير ذي زرع ليس عنده ما تشتهيه النفوس من ~~البساتين والمياه وغيرها ولا عنده عسكر يحميه من الأعداء ولا في طريقه من ~~الشهوات ما تشتهيه الأنفس بل كثيرا ما يكون في طريقه من ms126 الخوف والتعب ~~والعطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله ومع هذا فقد جعل الله من أفئدة الناس ~~التي تهوى إليه ما لا يعلمه إلا الله وقد جعل للبيت من العز والشرف والعظمة ~~ما أذل به رقاب أهل الأرض حتى تقصده عظماء الملوك ورؤساء الجبابرة فيكونون ~~هناك في الذل والمسكنة كآحاد الناس وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه خارج عن ~~قدرة البشر وقوى نفوسهم وأبدانهم والذي بناه قد مات من ألوف سنين ولهذا كان ~~أمر البيت مما حير هؤلاء الفلاسفة والمنجمين والطبائعية لكون خارجا عن قياس ~~عقولهم وقوانين علومهم حتى اختلفوا لذلك من الأكاذيب ما يعلمه كل عاقل لبيب ~~مثل قول بعضهم أن تحت الكعبة بيتا فيه صئم يبخر ويصرف وجهه إلى الجهات ~~الأربع ليقبل الناس إلى الحج # PageV01P220 # وهذا مما يعلم كل من عرف أمر مكة أنه من أبين الكذب وأنه ليس تحت الكعبة ~~شيء من هذا وأنه لا ينزل أحد من أهل مكة إلى ما تحت الكعبة ولا يحفره أحد ~~ولا يبخر أحد شيئا هناك ولا هناك صنم ولا غير صنم وكان ابن سبعين وأمثاله ~~من هؤلاء يحارون من هذا وربما قالوا ليت شعرنا ما هو الطلسم الذي صنعه ~~إبراهيم الخليل حتى صار الأمر هكذا وهم يعلمون أن أمور الطلاسم لا تبلغ مثل ~~هذا وأنه ليس في الأرض ما يقارب هذا وأن الطلاسم أمور معتادة معروفة بأسباب ~~معروفة ولهذا يصنع الرجل طلسما ويصنع الآخر مثله أو أعظم منه وأما هذا ~~فخارج عن قدرة البشر وليس في الوجود طلسم يستحوذ على أهل الأرض ولا يتصرف ~~في قلوب أهل الأقاليم الثلاثة وهم أفضل الإنس وأكملهم عقولا وأديانا ~~والطلاسم إنما يقوى تأثيرها إذا ضعف العقل فيؤثر في الجماد أكثر من الحيوان ~~ويؤثر في البهائم أكثر من الأناسي ويؤثر في الصبيان والمجانين أكثر من ~~العقلاء وهكذا تأثير الشياطين كلما ضعفت العقول قوى تأثيرهم وأما البيت ~~والقرآن والنبوة فإنما قوى تأثيرها في أكمل الناس عقلا وأتمهم علما ومعرفة ~~والإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها كما قال ms127 صلى الله عليه وسلم: "زويت ~~لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها" وانتشر ~~في الأقاليم المتوسطة الثالث # PageV01P221 # والرابع والخامس الذين هم أعدل وأكمل من غيرهم فتبين أن تأثير النبوات ~~على خلاف تأثير السحر والطلاسم فتلك يقوى تأثيرها عند ضعف العقل وهذه يكمل ~~تأثيرها عند قوة العقل فتبين أن هذه ليست تأثير مجرد قوى البشر لا نفوسهم ~~ولا أبدانهم ولا قوى الأجسام الطبيعية ولا القوى الفلكية الممزوجة بالقوى ~~العنصرية بل أمر خارج عن هذا كله وإذا قدر أن لبعض هذه في بعض ذلك معونة ~~مثل أن يقال أن صدق إبراهيم في دعائه وكمال تمكينه وعلمه وخلته لله اوجب ~~إجابة الله دعاءه فهذا حق لا ننكره فإنا لا ننكر حصول خوارق العادات بإجابة ~~الدعوات لكن المنكر أن يقال مجرد قوة النفس التي تصرفت في العالم من غير أن ~~يكون الله هو الذي أحدث بذلك الدعاء من الأسباب الإلهية ما فعل بها ذلك ~~المخلوق فالدعاء سبب وقد علم غير مرة أن السبب لا يستقل بل له مشاركات ~~وموانع وليس هو سببا مقتضيا للمسبب بنفسه ولكن هو سبب لأن يجيب الله الدعاء ~~كما أن العمل الصالح سبب لأن يثيب الله عبده في الآخرة وأن الناس يحبونه ~~ويثنون عليه ولا يمكن أن # PageV01P222 # يقال أن قوة أحد البشر أو عمله الصالح هو الذي أوجب بنفسه محبة الخلق ~~وثناءهم ودعاءهم أو الثواب في الدار الآخرة بل هذا سبب لما يفعله الله ~~بمشيئته وقدرته ما يخلقه في نفوس عباده الملائكة والجن والبشر مما يفعلونه ~~باختيارهم وقدرتهم التي يخلقها الله فالدعاء سبب الإجابة والعمل سبب ~~الإثابة قال الله تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} فأمرهم أن يستجيبوا له ~~وأن يؤمنوا به أنه يجيب دعاءهم واستجابتهم له وطاعتهم لأمره وذلك سبب ~~الإثابة كما أن الدعاء سبب الإجابة وأيضا فما حصل بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل حفظ الله للكتاب الذي جاء ms128 به وإبقائه مئين من السنين مع كثرة ~~الأمة وتفرقها في مشارق الأرض ومغاربها والكتاب بعد هذا محفوظ وكذلك ~~الشريعة محفوظة فهذا أمر خارق خارج عن مقدوره ولم تبق شريعة مثل هذه المدة ~~الطويلة إلا شريعة موسى وإلا فالملوك والفلاسفة لهم نواميس وضعوها لا تبقى ~~إلا مدة يسيرة وأما البقاء مثل هذه المدد مع كون الكتاب محفوظا فليس هذا ~~إلا للأنبياء # وأيضا فما جعله الله في القلوب قرنا بعد قرن من المحبة والتعظيم والعلم ~~بعظيم منزلته وعلو درجته من غير مكره يكره القلوب على العلم والمعرفة ومع ~~كمال عقول الناظرين في ذلك فإن كل من يعرف أحوال الأمم يعلم أن أمة محمد ~~أكمل الأمم # PageV01P223 # عقلا وعلما وخلقا ودينا ويعلم أن من كان أعظم علما وعقلا كان أعلم بعظمة ~~قدر الرسول فهذا العلم والتعظيم والمحبة القائمة في قلوب الخلق من أعظم ~~الأمور الخارقة للعادة وهي أمور خارجة عن قوى البشر # وكذلك ما في القلوب لإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وغيرهم كما قال تعالى ~~{فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا ~~نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا} وقال تعالى لموسى ~~{وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني} وقال {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} وقال {وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح ~~في العالمين} وقال {وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم} وقال {وتركنا ~~عليه في الآخرين سلام على موسى وهارون} وقال {وتركنا عليه في الآخرين سلام ~~على إل ياسين} . # ونحو ذلك فهذا الثناء والمحبة والدعاء والتعظيم الذي للأنبياء وأتباعهم ~~خارج عن قوى أنفس الأنبياء وكذلك اللعن والبغض الذي جعل الله للكفار ~~وأتباعهم في قلوب المؤمنين # PageV01P224 # خارج عن قوى أنفس الأنبياء فإن هذا كله بعد موتهم ونظائر هذا كثيرة الوجه ~~العاشر أن يقال إن الناس تنازعوا في النبوة هل هي مجرد صفة قائمة بنفس ~~النبي كما يقوله من يقوله من أهل الكلام والفلسفة أو مجرد تعلق خطاب الله ~~بالنبي كما يقوله ms129 من يقوله من أهل الكلام الأشعرية ونحوهم أو هي مجموع ~~الأمرين كما يقوله الجمهور على ثلاثة أقوال كما اختلفوا على هذه الأقوال ~~الثلاثة في الأحكام الشرعية وحينئذ فالقائل أن قال أن النبي خص بقوى في ~~نفسه يمتاز بها عن غيره في علمه وعمله فهذا مما يقر به الجمهور ولا ريب في ~~تفضيل الله للأنبياء بفضائل في أنفسهم وأن من خصه الله بالفضائل فقد أراد ~~به خيرا كما قالت خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الوحي وخاف على ~~نفسه: كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل ~~الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق فاستدلت بعقلها على ~~أن من جعل الله فيه هذه المحاسن والمكارم التي جعلها من أعظم أسباب السعادة ~~لم تكن من سنة الله وحكمته وعدله أن يخزيه بل يكرمه ويعظمه فإنه قد عرف من ~~سنة الله في عباده وإكرامه لأهل الخير وإهانته لأهل الشر # PageV01P225 # ما فيه عبرة لأولى الأبصار فإن الناس قد عرفوا بالآثار الموجودة المعاينة ~~في الأرض والأخبار المتواترة عاقبة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأتباعهم ~~وعاقبة من كذب هؤلاء وعلموا إكرام الله لهؤلاء ونصره لهم وعقوبته لهؤلاء ~~وإهانته لهم وعلموا أيضا عاقبة أهل العدل والإحسان من الولاة والرعايا ~~وعاقبة أهل الظلم والشر من هؤلاء وهؤلاء وهذا أمر موجود في جميع الأمم ~~عربهم وعجمهم على اختلاف أصناف العجم من الفرس والروم والترك والهند ~~والحبشة والبربر وغيرهم وقد قال تعالى {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا} وقال {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا} وقال تعالى {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم ms130 إلا نفورا استكبارا في ~~الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت ~~الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا} وقال تعالى ~~{قد # PageV01P226 # خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} وهذا ~~باب واسع ولهذا دعا الله الخلق إلى الاعتبار بالعقل المستند إلى الحس وبين ~~أن ذلك موافق لما جاءت به الرسل من السمع قال {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} فأخبر ~~أنه سيرى الخلق من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين أن القرآن الحق فيتطابق ~~السمع المنقول وما عرف بالحس المعقول وقال تعالى {أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور} وقال تعالى {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد ~~منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد} وقال عن أصحاب النار {ووقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير} وقال {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها # PageV01P227 # أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} ومثل هذا كثير # والمقصود هنا أن الأنبياء خصهم الله بفضائل ومحاسن ومكارم أخلاق يميزهم ~~بها عن غيرهم فمن قال أن الله خص النبي بقوى في نفسه وأراد بذلك إثبات ~~خصائص وفضائل له فهذا حق وإن قال إن هذه الخصائص تكون أسبابا لخوارق عادات ~~يكرمهم الله بها وتكون معجزات وكرامات أو قال نفس هذه الخصائص والفضائل مما ~~خرقت له فيها العادة فهذا مما لا ينكر ولكن يبقى الكلام في أمور: أحدها أنه ~~لا يظن أن جميع خوارق العادات هذا سببها فإن هذا باطل قطعا فلا ينكر أن ~~يكون الله خص الأنبياء بفضائل خرق لهم ms131 بها العادة ولا ننكر أن تكون تلك ~~الفضائل سببا لخرق عادات أخرى لكن دعوى المدعي أن تلك القوى التي فضلوا بها ~~على غيرهم هي الموجبة لما جاءوا به من أنواع الآيات والإخبارات الإلهيات ~~وأنواع المعجزات الخارقة للعادات الحاصلة في العالم في السموات والأرض ~~والهواء والسحاب والحيوان والأشجار والجبال وغير ذلك هو الباطل لأن من هذه ~~الأمور ما لا يمكن أن تكون قوى النفس سببا له إما لعجزها عن ذلك أو لعدم ~~قبول ذلك لتأثير النفوس كما أن النفوس لا تكون موجبة لوقوف الشمس وانشقاق ~~القمر واهتزاز العرش وانتثار الكواكب وانقلاب الخشب حية عظيمة وخروج الناقة ~~من تراب وإحياء الموتى والحيوان # PageV01P228 # وإحياء الطيور الأربعة بعد تمزيقها وإنزال المائدة وغير ذلك مما نبه عليه # الوجه الثاني أنه لا يظن أن هذا هو مجرد النبوة وأن من حصلت له هذه ~~الخصال التي ذكروها فقد صار نبيا فإن كثيرا من آحاد المؤمنين تحصل له هذه ~~الثلاث وما هو أكمل منها تحصل له قوة علمية في نفسه وقوة عملية في نفسه ~~يكون بها مؤثرا ويحصل له إحساس باطن فيرى ويسمع في باطنه وهو من آحاد ~~المؤمنين فمن جعل هذا حد النبي ومنتهاه كان مبطلا جاحدا لحقيقة ما خص الله ~~به أنبياءه # والمقصود أن ما أثبتوه من الفضائل الثابتة للأنبياء لا تنكر إذا كانت حقا ~~لكن اقتصارهم على هذا الحد باطل وجعلهم أن هذا هو السبب لخوارقهم باطل # الوجه الثالث أن تعرف أن النبوة لا تنال باكتساب الإنسان واستعداده كما ~~تنال بذلك العلوم المكتسبة والدين المكتسب فإن هؤلاء القوم ما قدروا الله ~~حق قدره ولا قدروا الأنبياء قدرهم لما ظنوا أن الإنسان إذا كان فيه استعداد ~~لكمال تزكية نفسه وإصلاحها فاض عليه بسبب ذلك المعارف من العقل الفعال كما ~~يفيض الشعاع على المرأة المصقولة إذا جليت وحوذي بها الشمس وأن حصول النبوة ~~ليس هو أمرا يحدثه الله بمشيئته وقدرته وإنما حصول هذا الفيض على هذا ~~المستعد كحصول الشعاع على هذا الجسم الصقيل صار كثير منهم يطلب ms132 النبوة كما ~~يحكى عن طائفة من قدماء اليونان وكما يعرض ذلك لطائفة من الناس في أيام ~~الإسلام # PageV01P229 # ولهذا عظم نكير الناس على صاحب كيمياء السعادة وصاحب المضنون به على غير ~~أهله ومشكاة الأنوار لما كان في كلامه ما هو من جنس كلام هؤلاء الملاحدة ~~وقد عبر عنه بالعبارات الإسلامية والإشارات الصوفية وبسبب ذلك اغتر صاحب ~~خلع النعلين وابن سبعين وابن عربي وأمثالهم ممن بنى على هذا الأصل الفاسد ~~بل لا بد في النبوة من إيحاء إلهي يختص الله به من يخصه بذلك من عباده ~~بمشيئته وقدرته وهو سبحانه عالم بذلك النبي وبما يوحيه إليه من الوحي ~~وبقدرته خصه بما خصه به من كراماته فهؤلاء الملاحدة يدعون أن خطابه لموسى ~~بن عمران ليس هو إلا ما حصل في نفس موسى من الإلهام والإيحاء والواحد من ~~أهل الرياضة والصفاء قد يخاطب كما خوطب موسى بن عمران وأعظم من ذلك وأنه قد ~~يسمع نفس الخطاب الذي سمعه موسى كما زعم ذلك صاحب الأحياء في بعض المواضع ~~وأن قيل أنه رجع عن ذلك # ومن هؤلاء من يقول أن الخطاب الذي يحصل لهم أفضل مما حصل لموسى وغيره ~~وهذا مذهب ابن العربي صاحب الفتوحات المكية وأمثاله ممن يدعي أن ما حصل ~~لموسى ومحمد أنما كان بواسطة الخيال النفساني الذي هو عنده جبريل وأن ما ~~يحصل لابن عربي هو فوق ذلك فإنه # PageV01P230 # يأخذ من المعدن العقلي المحض الذي يأخذ منه الملك الذي هو عندهم خيال في ~~نفس النبي ومرتبة العقل فوق مرتبة الخيال فلما اعتقدوا أن الملائكة التي ~~تخاطب الأنبياء إنما هي خيالات تقوم بنفس الأنبياء زعموا أنهم إذا اخذوا عن ~~العقل المحض كانوا قد أخذوا من المعدن الذي تأخذ منه الملائكة الذين أخذ ~~عنهم الأنبياء فكانوا أفضل من الأنبياء عند أنفسهم وعند أتباعهم فهذا ونحوه ~~مما يعلم بالاضطرار من دين الرسل أنه كفر وباطل من دينهم فمن فهم القرآن ~~وفهم كلام هؤلاء لزمه أحد أمرين إما تكذيب القرآن وإما تكذيب هؤلاء وإلا ~~فقولهم وما جاء ms133 به الرسول متناقض تناقضا يعلمه كل من فهم كلامهم وكلام ~~الأنبياء ولا يتصور أن يقول هذا وأن يوافق على هذا الكلام إلا أحد رجلين ~~إما جاهل لا يعلم حقيقة ما جاءت به الرسل وحقيقة قول هؤلاء بل هو عنده ~~تعظيم مجمل للأنبياء وهؤلاء كالذين كانوا يعظمون محمدا ومسيلمة # PageV01P231 # ويقولون نشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله وهذا الضرب كثير فيمن لم يعرف ~~حقيقة النبي الصادق والمتنبي الكذاب ويوجد كثير من هؤلاء في المنتسبين إلى ~~الفقه والحديث والتصوف والزهد والعبادة والملك والإمارة والوزارة والكتابة ~~والقضاء والفتيا والتدريس وفيمن له دعوات مجابة وفيه صلاح وزهد وعبادة وذلك ~~لنقص معرفتهم بكمال النبوة والرسالة وحقيقة أقوال من يناقضها من بعض الوجوه ~~دون بعض # وقد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} فلا بد عند حدوث المرتدين من وجود المحبين ~~المحبوبين كما قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه وإخوانه يقاتلون المرتدين ~~عقيب وفاة خاتم المرسلين وما حدث من الفتنة في الدين وأما منافق زنديق يعرف ~~مناقضة هذا لهذا لكنه يظهر الموافقة والائتلاف لاعتقاده أن النبوة من جنس ~~حال هؤلاء ويلبس ما يقوله على من لم يعرف حقائق الأمور ومن هؤلاء من لا ~~يكون قصده الزندقة والنفاق لكن لا يكون عارفا بحال الرسول وقدر ما جاء به ~~ولكنه يعظمه تعظيما مجملا ويرى هؤلاء قد تكلموا في النبوة وحقيقتها بكلامهم ~~وهو عاجز عن معرفة حقيقة الأمر فيعتقد هذا في النبوة وهؤلاء يكثرون # PageV01P232 # في أماكن الفترات التي تضعف فيها آثار النبوة إذا لم يكن هناك من يقوم ~~بحقائقها وهؤلاء يكونون في الدول الجاهلية كدولة بني عبيد ودولة التتار ~~ونحوهم ومن هؤلاء من يغفر الله له فإنه إذا اجتهد وسعه في الإيمان بالرسول ~~ولم يبق له قدرة على أكثر مما حصل له من الإيمان به لم يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها وإن كان قوله ms134 بعد قيام الحجة عليه كفرا كالذي قال لأهله إذا انا مت ~~فاسحقوني ثم اذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا ~~يعذبه أحدا من العالمين والحديث في الصحيحين من غير وجه فإن هذا جهل قدرة ~~الله على إعادته ورجا أنه لا يعيده بجهل ما أخبر به من الإعادة ومع هذا لما ~~كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه ووعده ووعيده خائفا من عذابه وكان جهله بذلك ~~جهلا لم تقم عليه الحجة التي توجب كفر مثله غفر الله له ومثل هذا كثير في ~~المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم كان يخبر بأخبار الأولين ليكون ذلك ~~عبرة لهذه الأمة والمقصود هنا أن نبين أن ما أثبته هؤلاء في فضائل الأنبياء ~~الثابتة فهو حق ولكن جهلهم وكفرهم فيما أنكروه وكذبوا به وما قالوه من ~~الباطل من هذه الوجوه الثلاثة وغيرها فالوجهان الأولان الباطلان أبطلوا ~~بهما كون الله هو الخالق بقدرته ومشيئته لمخلوقاته وأبطلوا ما خلقه من ~~الملائكة والجن وغير ذلك مما لا يعرفونه وأبطلوا ما امتازت به الأنبياء على ~~غيرهم وجعلوا الأنبياء من جنس العارفين المعرفة المشتركة بين المسلمين ~~واليهود والنصارى والمجوس والصابئين # PageV01P233 # فلهذا صارت النبوة عندهم مكتسبة وصار كثير منهم يطلب أن يصير نبيا من ~~متقدميهم ومتأخريهم وصار منهم من يظن أنه نبي وأنه يضع ناموسا ينسخ به ~~شرائع الأنبياء كما جرى لأئمة الإسماعيلية الباطنية ونحوهم والذي يقرون به ~~من النبوة يحصل وما هو أعلى منه لآحاد الناس الذين فيهم فضيلة علمية وعملية ~~لكن أهل العلم والإيمان بالرسل يعلمون أن نسبتهم إلى الأنبياء من جنس نسبة ~~أهل الرؤيا الصادقة إلى الأنبياء فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وكما في ~~السنن عنه أنه قال: "الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة ~~وعشرين جزءا من النبوة" وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "الإيمان بضع ~~وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها ms135 إماطة الأذى ~~عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" # PageV01P234 # فلا ريب أن الشيء يكون جزءا من النبوة أو الإيمان ويكون من أصغر الشعب ~~والأجزاء كإماطة الأذى في الإيمان أو كالرؤيا في النبوة ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم أنه لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات وهي الرؤيا الصالحة ~~يراها الرجل الصالح أو ترى له ولهذا كان هذا الجزء أول بدىء به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تدريجا له كما في الصحيح عن عائشة قالت: " أول ما بدىء ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم وكان لا ~~يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء ~~فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد " الحديث # PageV01P235 # وإذا كان بعض أجزاء النبوة يحصل لآحاد المؤمنين وليس هو نبيا تبين أن ما ~~يذكره هؤلاء من الحق هو جزء من أجزاء النبوة وما يذكرونه من الباطل هو ~~مردود عليهم وقد تبين أن معجزات الأنبياء خارجة عن القوى النفسانية ~~والطبيعية في العالم العلوي والسفلي وتبين أن الله سبحانه خالق كل شيء ~~بمشيئته وقدرته وأنه يخلق ما يشاء بالأسباب التي يحدثها وللحكمة التي ~~يريدها # PageV01P236 # وهذا قدر ما احتملته هذه الأوراق في جواب هذه المسألة فإنها مسألة عظيمة ~~تبنى عليها أصول العلم والإيمان أجبنا فيها بحسب ما احتمله الحال وفيها من ~~البسط والقواعد الشريفة ما يعرفه من عرف كلام الناس في هذا الباب وإن كان ~~ما يجب لله ورسوله من الحق أعظم من هذا الخطاب فإن تمام البسط في الرد على ~~هؤلاء لا يناسب هذا الموضع ولكل مقام مقال ولكن نبهنا على المآخذ التي تعرف ~~منها حقيقة قولهم وفساده فإن هؤلاء أفسدوا على الناس عقولهم وأديانهم وهم ~~يكثرون ويظهرون في ما يناسبهم من الدول الجاهلية كدولة القرامطة الباطنية ~~العبيدية ودولة التتر ونحوهم من أهل الجهل والضلال وفي دول أهل الردة ~~والنفاق # وذلك أن هؤلاء أعظم جهلا وضلالا من اليهود والنصارى والمجوس ومشركي العرب ~~والهند والترك وكثير ms136 من الصابئين فإن أكثر المشركين يقرون بأن العالم محدث ~~وأن الله يفعل بمشيئته وقدرته وكذلك الصابئة الحنفاء على هذا القول وهو قول ~~أساطين الفلاسفة القدماء الذين كانوا قبل أرسطو طاليس وإنما ظهر القول بقدم ~~العالم من الفلاسفة المشهورين من جهة أرسطو وأتباعه وهو المعلم الأول الذي # PageV01P236 # وضع التعاليم التي يقرونها من المنطق والطبيعي والإلهي وظهر القول بقدم ~~العالم من الفلاسفة من هذه الجهة # PageV01P237 # وهذا الرجل وأتباعه إنما عامة كلامهم في الطبيعيات فهي علم القوم الذي ~~شغلوا به زمانهم وأما الإلهيات فكلام الرجل فيها وأتباعه قليل جدا إلى غاية ~~ولكن ابن سينا وأمثاله خلطوا كلامهم في الإلهيات بكلام كثير من متكلمي أهل ~~الملل فصار للقوم كلام في الإلهيات بكلام كثير من متكلمي أهل الملل فصار ~~للقوم كلام في الإلهيات وصار ابن سينا وابن رشد الحفيد وأمثالهما يقربون ~~أصول هؤلاء إلى طريقة الأنبياء ويظهرون أن أصولهم لا تخالف الشرائع النبوية ~~وهم في الباطن يقولون أن ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر لا ~~حقيقة له في نفس الأمر وإنما هو تخييل وتمثيل وأمثال مضروبة لتفهيم العامة ~~ما ينتفعون به في ذلك بزعمهم وإن كان مخالفا للحق في نفس الأمر وقد يجعلون ~~خاصة النبوه هي التخييل ويزعمون أن العقل دل على صحة أصولهم وأكثر الناس لا ~~يجمعون بين معرفة حقيقة ما جاءت به الرسل وحقيقة قول هؤلاء ولا يعقلون ~~لوازم قولهم التي بها يتبين فساد قولهم بالعقل الصريح ثم إن كثيرا من الناس ~~آخذ مذاهبهم فغير عباراتها وربما عبر عنها بعبارات إسلامية حتى يظن المستمع ~~أن قول هؤلاء هو الحقيقة التي بعثت بها الرسل ودلت عليها العقول كما فعل ~~أصحاب رسائل إخوان الصفا وأصحاب دعوة القرامطة الباطنية حيث عبروا بالسابق ~~والتالي عن العقل والنفس ويحتجون على ذلك بالحديث الذي يروونه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "أول ما خلق الله العقل" ثم إن هذه الأمور راجت ~~على كثير من أهل التصوف والكلام والتأله والنظر كصاحب جواهر القرآن # PageV01P237 # ومشكاة الأنوار ms137 والكتب المضنون بها على غير أهلها ومن سلك هذا المسلك مثل ~~أصحاب البطاقة وابن أجلى والشوذي وصاحب خلع النعلين وابن العربي الطائي ~~وابن سبعين وغيرهم وكثير من الناس تجده تارة مع أهل الكلام وتارة مع أهل ~~الفلسفة كالرازي والآمدي وغيرهما وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث أول ما ~~خلق الله العقل وما يتعلق به وتكلمت على ما ذكره ابن سينا في شفائه في واجب ~~الوجود وما ذكره ابن سبعين وابن العربي وغيرهم في غير هذا الموضع وهذا ~~الحديث موضوع وكذب عند أهل العلم بالحديث كما ذكر أبو حاتم البستي وأبو ~~الفرج بن الجوزي وغيرهما ومع هذا فلفظه أول ما خلق الله العقل قال # PageV01P238 # له أقبل فأقبل فقال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم ~~علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب فهذا الحديث الذي يحتجون ~~به من جهة الشريعة يدل على نقيض مقصودهم من وجوه كثيرة منها أن قوله أول ما ~~خلق الله العقل قال له يقتضي أنه خاطبه في أول أوقات خلقه لا أنه أول ~~المخلوقات كما تقول أول ما لقيت زيدا سلمت عليه وتقدير الكلام أول خلق الله ~~قال له فأول مضاف إلى المصدر والمصدر يجعل ظرف زمان كما تقول كان هذا خفوق ~~النجم وخلافة عبد الملك ومنه قوله تعالى {وإدبار النجوم} مصدر أدبر يدبر ~~إدبارا # ومنها أن هذا يقتضي أنه خلق قبل العقل غيره لقوله: # PageV01P239 # ما خلقت خلقا أكرم علي منك وعندهم هو أول المبدعات ومنها أن هذا يقتضي أن ~~العقل مخلوق وحقيقة الخلق منتفية عندهم عن العقل الأول بل عن العالم وإنما ~~هو عندهم معلول ومبدع لكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه فيقولون العالم محدث ~~ومخلوق ويعنون بقولهم محدث أنه معلول ممكن بنفسه واجب بغيره وأن وجوده من ~~غيره لا من نفسه وكذلك يعنون بقولهم مخلوق لكن من المعلوم بالاضطرار أن أهل ~~اللغة لا يريدون بقولهم هو محدث ومخلوق هذا المعنى المتضمن أنه قديم أزلي ~~لم يزل ولا يزال بل الحدوث ms138 عندهم يناقض القدم وكذلك الخلق ولا تحتمل اللغة ~~بوجه من الوجوه أن القديم الذي لم يزل ولا يزال يقال له محدث ومخلوق ~~والمخلوق عندهم أبلغ من المحدث والحادث فكل مخلوق فهو محدث وحادث باتفاق ~~أهل اللغة وأهل الكلام وأما أن كل حادث ومحدث فهو مخلوق فهذا مما تنازع فيه ~~أهل الكلام والنظر واللغة لا يوجب أن كل ما كان حادثا يسمى مخلوقا لأن ~~المخلوق هو الذي خلقه غيره والخلق يجمع معنى الإبداع ومعنى التقدير وأما ~~لفظ حادث فلا يقتضي أنه مفعول ولو قيل محدث فمعنى الخلق أخص من معنى الحدوث ~~ومنها أنه قال في هذا الحديث فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب فأخبر ~~أنه يفعل به هذه الأمور الأربعة وهذا ينطبق على عقل الإنسان الذي هو عرض ~~فيه وأما العقل الذي يدعونه فهو عندهم أبدع السماوات والأرض وما بينهما فهو ~~عندهم رب جميع العالم فأين هذا من شيء يفعل الله بن أمورا أربعة والكلام ~~على هؤلاء مبسوط في غير هذا الموضع # PageV01P240 # والمقصود هنا أن قول هؤلاء هو من أفسد أقوال أهل الأرض وأن قول جمهور ~~الصابئين والمشركين والمجوس خير من قولهم فضلا عن اليهود والنصارى # PageV01P241 # يبين ذلك أن هؤلاء الأمم عامتهم يعترفون بوجود الأرواح الموجودة المنفصلة ~~عن الآدميين من الملائكة والجن فالمشركون من العرب والهند والترك والنبط ~~وغيرهم من الأمم وأهل السحر منهم والكهانة وغيرهم معترفون بوجود الجن ~~وبأنهم يخاطبونهم ويدعونهم ويقسمون عليهم وعند أهل دعوة الكواكب الذين ~~يدعون الشمس والقمر والنجوم ويعبدونها ويسجدون لها كما كان النمرود بن ~~كنعان وقومه يفعلون ذلك وكا يفعل ذلك المشركون من الهند والترك والعرب ~~والفرس وغيرهم وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن الخطيب الرازي في كتابه الذي ~~صنفه في هذا الفن قطعة كبيرة من أحوال هؤلاء وقد تواترت الأخبار بذلك عن ~~هؤلاء وأنهي يحصل لأحدهم أشخاص منفصلة عنه تقضي كثيرا من حوائجه ويسمونها ~~روحانية الكوكب فهؤلاء المشركون والصابئون من أنواع الأمم الفلاسفة وغيرهم ~~معترفون بوجود الجن المنفصلين وتأثيرهم في العالم ms139 وإخبارهم بالأمور وغير ~~ذلك من أحوالهم # فتبين أن هؤلاء المتفلسفة الذين يقولون أن أسباب # PageV01P241 # الغرائب منحصرة في القوى الفلكية والطبيعية والنفسانية الآدمية أجهل وأضل ~~من المشركين والصابئين ومما يوضح الأمر في ذلك أن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل ~~الصانع فإن هؤلاء نوعان طبائعيون والهيون فأما الطبيعيون فلا يقرون بوجود ~~موجود وراء الفلك وما يحويه وحقيقة قولهم أن العالم واجب الوجود بنفسه ليس ~~له مبدع ولا فاعل وهذا هو التعطيل الذي كان يعتقده فرعون حيث أنكر رب ~~العالمين وقال لموسى على سبيل الإنكار وما رب العالمين فاستفهمه استفهام ~~إنكار لا استفهام استعلام كما يظنه من يزعم أنه سأل موسى عن الماهية ~~والمسئول عنه ليس له ماهية فعدل موسى عن ذكر الماهية فإن هذا قول باطل ~~وإنما كان استفهام فرعون استفهام إنكار وجحود ولهذا أجابه موسى بما يقيم ~~الحجة عليه ويبين أن الرب معروف معلوم لا سبيل إلى إنكاره وجحده وكان فرعون ~~مقرا به في الباطن وإن جحده في الظاهر كما قال تعالى {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم} وقال تعالى عن موسى في خطابه لفرعون {قال لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا} وهذا ~~القول الذي أظهره فرعون هو قول المعطلة من الطبيعين وأما الإلهية الدهريون ~~الذين يقولون بقدم العالم وصدوره عن علة قديمة كابن سينا وأمثاله فهؤلاء ~~وإن # PageV01P242 # كانوا مقرين بمبدع هذا العالم فقولهم مستلزم لقول أولئك المعطلة وإن ~~كانوا لا يلتزمون قولهم وذلك أن الموجودات العقلية التي يثبتها هؤلاء من ~~واجب الوجود كالعقول العشرة هي عند التحقيق لا توجد إلا في الأذهان لا في ~~الأعيان والواحد المجرد الذي يقولون أنه صدر عنه العالم لا يوجد إلا في ~~الأذهان لا في الأعيان والوجود المطلق الذي يقولون أنه الوجود الواجب إنما ~~يوجد في الأذهان لا في الأعيان وأيضا فهم يثبتون أنه لا بد في الوجود من ~~موجود واجب وهذا متفق عليه من العقلاء سواء قالوا بقدم العالم أو بحدوثه ~~وسواء جحدوا الخالق أو أقروا فإثبات موجود ms140 واجب بنفسه لا يتضمن الإقرار ~~بالصانع إن لم يثبت أنه مغاير للعالم وقد بسطنا القول في غير هذا الموضع ~~وبينا أن الطريقة التي سلكها ابن سينا وأتباعه في إثبات الصانع وفي إثبات ~~واجب الوجود هي أضعف الطرق وأقلها فائدة وإن كان أتباعه كالسهروردي المقتول ~~وكالرازى والآمدي وغيرهم يعظمونها فإن غايتها إثبات موجود واجب وهذا لا ~~نزاع فيه وإنما الشأن في كون الواجب مغاير لهذا العالم وهم بنوا ذلك على ~~طريقة نفي الصفات وهي توحيدهم الذي بسطنا الكلام عليه في غير هذا الموضع ~~فانهم ادعوا أن الوجود الواجب لا يكون إلا بسلوب الصفات لأن إثباتها يقتضي ~~التركيب والواجب لا يكون مركبا وقد تقدم التنبيه على ما في هذا الكلام من ~~التلبيس والفساد قالوا والعالم حامل الصفات مركب فلا يكون واجبا # PageV01P243 # وإذا كان إثباتهم لصانع العالم على طريقتهم لا نتم إلا بنفي الصفات ونفي ~~الصفات باطل كان طريقهم في إثبات الصانع باطلا ولهذا كان الصانع الذي ~~يثبتونه لا حقيقة له إلا في الأذهان لا في الأعيان فقولهم يستلزم التعطيل # PageV01P244 # وهكذا أقوال من نسج على منوالهم وأخذ معانيهم فاخرجها في قالب المكاشفة ~~والمشاهدة والتحقيق والعرفان كابن عربي وأمثاله ومن سلك هذا المسلك كابن ~~سبعين وغيره فإن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الصانع وأنه ليس وراء الأفلاك شيء ~~فلو عدمت السموات والأرض لم يكن ثم شيء موجود ولهذا كان يصرح بذلك ~~التلمساني وهو كان أعرفهم بقولهم وأكملهم تحقيقا له ولهذا خرج إلى الإباحة ~~والفجور وكان لا يحرم الفواحش ولا المنكرات ولا الكفر والفسوق والعصيان ~~وكان يقول عن شيخه ابن عربي وصاحبه القونوي أحدهما روحاني متفلسف يعني ابن ~~عربي والآخر فيلسوف متروحن يعني القونوي وإنما حرر مذهب التحقيق أنا يعني ~~نفسه وهو كما قال فإن تحقيقهم الذي حقيقته التعطيل للصانع وجحده وأنه ليس ~~وراء العالم شيء لم يحققه أحدهما كما حققه التلمساني وحدثني الثقة الذي رجع ~~عنهم لما انكشف له أسرارهم أنه قرأ عليه فصوص الحكم لابن عربي قال فقلت له ~~هذا الكلام يخالف القرآن فقال ms141 القرآن كله شرك وإنما التوحيد # PageV01P244 # في كلامنا قال فقلت له فإذا كان الكل واحد فلماذا تحرم على ابنتي وتحل لي ~~زوجتي فقال لا فرق عندنا بين الزوجة والبنت الجميع حلال لكن المحجوبون ~~قالوا حرام فقلنا حرم عليكم وقال أيضا لما قرأ عليه مواقف النفري جعلت ~~أتأول موضعا بعد موضع إلى أن تبين مراده الذي لا يمكن تغطيته وأنه يقول ~~بالوحدة فقلت هذا يخالف الكتاب والسنة والإجماع فقال إن أردت هذا التحقيق ~~فدع الكتاب والسنة والإجماع فقلت هذا لا سبيل إليه ونحو هذا الكلام ومعلوم ~~أن أصول الإيمان ثلاثة الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر وهم ألحدوا في ~~الأصول الثلاثة أما الإيمان بالله فجعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق وهذا ~~غاية التعطيل وأما الإيمان باليوم الآخر فادعى ابن عربي أن أصحاب النار ~~يتنعمون في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة وأنه يسمى عذابا من عذوبة ~~طعمه وأنشد في # PageV01P245 # كتاب الفصوص: # فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ... وما لوجود الحق عين تعاين # فإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ... على لذة فيها نعيم مباين # نعيم جنان الخلد فالأمر واحد ... وبينهما عند التجلي تباين # يسمى عذابا من عذوبة طعمه ... وذاك له كالقشر والقشر صاين # ولهذا قال بعض أصحابنا لبعض أتباع هؤلاء لما أثاروا محنة أهل السنة التي ~~انتصروا فيها لهؤلاء الملاحدة قال له الله يذيقكم هذه العذوبة وهذا المذهب ~~قد حكاه أصحاب المقالات كالأشعري في مقالاته عن طائفة من سواد أهل الإلحاد ~~سموهم # PageV01P246 # البطيخية وهو مما يعلم بالاضطرار فساده من دين الإسلام # وأما الإيمان بالرسل فقد ادعوا أن خاتم الأولياء أعلم بالله من خاتم ~~الأنبياء وأن خاتم الأنبياء هو وسائر الأنبياء يأخذون العلم بالله من مشكاة ~~خاتم الأولياء وهذا مناقض للعقل والدين كما يقال في قول القائل فخر عليهم ~~السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن فإنه من المعلوم بالعقل أن المتأخر يستفيد ~~من المتقدم دون العكس ومن المعلوم في الدين أن أفضل الأولياء يستفيدون من ~~الأنبياء وأفضل الأولياء من هذه الأمة هم صالحو المؤمنين ms142 الذين صحبوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين} # وأفضل هؤلاء أبو بكر وعمر باتفاق أئمة السلف والخلف والشيعة يفضلون عليا ~~واتفق المسلمون على أن أفضل الأولياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ~~أبو بكر وأما علي وإن كان بعض الناس يحكي خلافا في غيرهما من الصحابة ومن ~~قال من مخطئي الصوفية أنه قد يمكن أن يكون في المتأخرين من هو أفضل من أبي ~~بكر وعمر كما ذكره الترمذي الحكيم في كتاب خاتم الأولياء واتبعه على ذلك # PageV01P247 # ابن حمويه وأمثاله فهؤلاء مخطئون في ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ~~والترمذي مع فضله وعلمه لما صنف كتاب خاتم الأولياء أنكر المسلمون عليه ذلك ~~وأخرجوه كما ذكر ذلك أبو عبد الرحمن السلمي في محنة الصوفية وقال إنهم نفوه ~~وأخرجوه من بلدته وشهدوا عليه بالكفر وذلك بسبب تصنيف كتاب خاتم الولاية ~~ونسبوه إلى القبائح في الدين وجاء إلى بلخ فقبله أهل بلخ بسبب موافقته ~~إياهم على المذهب وفي هذا الكتاب من الكلام الباطل ما يعلم فساده بالاضطرار ~~من دين الإسلام وهو الذي فتح الكلام في ختم الأولياء حتى جاءه هؤلاء ~~المتأخرون الذين يدعي كل منهم أنه خاتم الأولياء كابن عربي وابن حمويه ~~وغيرهما وأتى بالعظائم التي لم يسبق إليها الترمذي ولا غيره وفي كلام هؤلاء ~~ونحوهم تفضيل بعض الأولياء على الأنبياء أو بعضهم وشيوخ الصوفية متفقون على ~~تفضيل الأنبياء على الأولياء كما اتفق على ذلك سائر علماء المسلمين وقد ذكر ~~أبو بكر الكلاباذي في كتابه اعتقاد الصوفية إجماع الصوفية على ذلك # PageV01P248 # وهؤلاء الملاحدة من المتصوفة سلكوا مسلك ملاحدة الفلاسفة في تفضيل ~~الفيلسوف الكبير على النبي ولهذا قال ابن عربي إن خاتم الأولياء يأخذ من ~~المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى النبي وهذا قول من يقول من ~~الكلابية أن جبريل أخذ القرآن عن الله إلهاما وعبر عنه بعبارته وهذا قول ~~يخالف الكتاب والسنة والإجماع كما بسط الكلام عليه في ms143 مواضع أخر وقد يقال ~~أن هذا مبني على أصل ملاحدة الفلاسفة وذلك أن المعدن الذي يأخذ منه النبي ~~عندهم هو العقل الفعال والقوة العقلية التي يسمونها القوة القدسية ثم إن ~~النفس تخيل ما يعقله الإنسان كما يتخيله النائم في منامه فيرى في نفسه صورا ~~نورانية ويسمع أصواتا وهي في نفسه فيما يراه النبي ويسمعه عندهم هو في نفسه ~~لا في الخارج وهذا يقع الصحيح منه لعامة المؤمنين ويقع فاسده لأهل ~~الماخوليا ونحوهم من الممرورين والصور الخيالية التي في نفس النبي وغيره هي ~~الملائكة عندهم فلهذا قال ابن عربي أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحى به إلى الرسول فإنه على لأصله في الإلحاد يقول يأخذ من العقل ~~الذي هو القوة القدسية والنبي يأخذ من الصور الخيالية التي تأخذ من العقل ~~ومن أخذ من العقل كان أكمل ممن يأخذ من الخيال الذي يأخذ من العقل ولهذا ~~يدعي بعضهم أنه أفضل من موسى ابن عمران وأن التكليم الذي حصل لهم أعظم من ~~التكليم الذي حصل لموسى لأن الكلام عندهم ليس خارجا عن نفس موسى بل هو فيض ~~فاض عليه كما يفيض على غيره ولهذا يقول بعضهم كلم موسى من سماء عقله وصاحب # PageV01P249 # مشكاة الأنوار أشار إلى هذا الأصل الفاسد ولهذا بنى ابن قسي على ذلك في ~~كتابه في خلع النعلين وادعى في خلع النعلين أن وارداته عبرانية الأصل أي ~~أشبه فيها موسى بن عمران حيث خلع الدنيا والآخرة فوردت عليه المخاطبات ~~الإلهية ولهذا تكلم الناس في صاحب مشكاة الأنوار بالعظائم والمتفلسفة ~~ينتحلونه لهذا الكتاب وأمثاله وأهل الانتصار له يقولون رجع عن هذا كله كما ~~ذكر ذلك في غير كتاب ومنهم من يقول هذه الكتب مكذوبة عليه ليست من كلامه ~~وأنكروا عليه في الأحياء وغيره أيضا مواضع مثل هذا وأمثاله كما فعل أتباع ~~أبي القاسم القشيري وأتباع أبي المعالي الجويني كأبي الحسن المرغيناني ~~وغيره وكما فعل صاحبه أبو بكر بن عربي وقال شيخنا أبو حامد دخل في بطن ~~الفلاسفة ثم ms144 أراد أن يخرج منهم فما قدر وكذلك أبو بكر الفهري الطرطوشي وأبو ~~عبد الله المازري وأبو الوفاء بن عقيل وأبو البيان الدمشقي وأبو الفرج بن ~~الجوزي وأبو عبد الله محمد بن حمدين القرطبي وأبو محمد المقدسي وأبو عمرو ~~بن الصلاح وغير هؤلاء والمقصود هنا أن الذين يزعمون أن تكليم الله لموسى ~~فيض فاض عليه منهم من يقول أنه كلم أفضل مما كلم موسى وكان في زماننا من ~~يقول هذا ويقول أن موسى كلم من وراء حجاب الحرف والصوت وهو يكلم دون ذلك ~~الحجاب ومقصوده أنه سمع في نفسه حروفا وأصواتا وهي التي سمعها # PageV01P250 # فإنه ليس عند هؤلاء أنه سمع شيئا خارجا عن ما في نفسه وتلك الحروف ~~والأصوات الخيالية هي التي تبين له المعاني العقلية قالوا ونحن خوطبنا بتلك ~~الحقائق العقلية من غير احتياج إلى هذه الواسطة وهذا من جنس قول شيخهم ~~الطائي أن خاتم الأولياء يأخذ من المشكاة التي يأخذ منها الملك الذي يوحى ~~به إلى الرسول ويقول أيضا أن الولاية أفضل من النبوة وولاية النبي عنده ~~أفضل من نبوته ورسالته لأنه بزعمه من حيث الولاية يأخذ من الله بلا واسطة ~~ومن حيث النبوة يأخذ بواسطة # PageV01P251 # وهذا الكلام قد يقولونه مطلقا وتوجيهه على أصولهم أن النبوة هي مقام ~~تخييل المعقولات والولاية هي المعقول الصرف فالولي ترد عليه المعقولات صرفا ~~والنبي من جهة ولايته له هذه المعقولات لكن جهة نبوته هي تخييل هذه ~~المعقولات فيأخذ بواسطة الخيال وجهة رسالته عندهم أنزل الدرجات وهي جهة ~~تبليغه للناس ولهذا قالوا: # مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي # وهذا قلب للحقيقة التي اتفق عليها المسلمون وهو أن الرسول أفضل من النبي ~~الذي ليس برسول والنبي أفضل من الولي الذي ليس بنبي والرسالة تنتظم النبوة ~~والولاية كما ان النبوة تنتظم الولاية وأن أفضل الأولياء أكملهم تلقيا عن ~~الأنبياء وهو أبو بكر الصديق فإنه أفضل من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ~~وعمر كان كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ms145 أنه قال: "أنه قد ~~كان في الأمم # PageV01P252 # قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر" فعمر كان محدثا ملهما وهو أفضل ~~المحدثين من هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس وليس في أولياء هذه ~~الأمة من يأخذ عن الله سبحانه شيئا بلا واسطة نبي أفضل من عمر ومع هذا فكل ~~ما يرد عليه بدون واسطة النبي عليه أن يعتبره بما جاء به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه رده كما كان عمر بن الخطاب يفعل فإنه ~~كان إذا وقع له شيء وجاءت السنة بخلافه ترك ما عنده لما جاءت به السنة حتى ~~كانت المرأة إذا نازعته فيما قاله بآية من كتاب الله ترك ما رآه لما دل ~~عليه النص # وهذا هو الواجب عليه وعلى كل من آمن بالله ورسوله فإن ما جاء به الرسول ~~معصوم أن يستقر فيه خطأ قد فرض الله على خلقه تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما ~~أمر وأما ما يرد على قلوب الأولياء فليس معصوما وليس عليهم تصديقه بل وليس ~~لهم العمل بشيء منه إذا خالف الكتاب والسنة # قال الشيخ أبو سليمان الداراني أنه ليقع بقلبي النكتة من نكت القوم فلا ~~أقبلها إلا بشاهدين اثنين من الكتاب والسنة وقال أيضا: ليس لمن ألهم شيئا ~~من الخير # PageV01P253 # أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فإذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور وقال ~~الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب ~~الحديث لا يقتدي به في هذا والمقصود أن عمر بن الخطاب إذا كان هو أفضل ~~الأولياء الذين لهم من الله تحديث إلهي بغير واسطة نبي وقد روى الترمذي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر" وهذا ~~حاله فكيف يكون غيره من الأولياء وكيف يكون ما يأخذه الولي بدون واسطة نبي ~~أفضل مما يأخذه بواسطة النبي وذاك شيء لا يوثق به بمجرده ولا يعمل به إلاأن ~~يعتبر بالكتاب والسنة وما جاء ms146 به الكتاب والسنة معصوم يجب تصديقه والعمل به ~~ومع هذا فأبو بكر الصديق أفضل من عمر وأبو بكر لم يكن محدثا مثل عمر بل كان ~~ياخذ من مشكاة النبوة ما يأخذه غيره عن التحديث # PageV01P254 # وهذا أفضل وأكمل فإن من كان الرسول واسطة بينه وبين الله في كل شيء فهو ~~أكمل وأفضل ممن الواسطة بينه وبين الله قلبه وإن كان ما يحدثه به قلبه عن ~~ربه موافقا للكتاب والسنة كفضيلة أبي بكر على عمر ولهذا كان أفضل أولياء ~~الله هم الصديقون الآخذون عن الأنبياء عليهم السلام فالأولياء تبع للأنبياء ~~وإنما يقرنهم بهم فيجعل لهم طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء ملاحدة ~~الصوفية ونحوهم كما أن ملاحدة الفلاسفة يقرنون الفلاسفة بالأنبياء ويقولون ~~اتفقت الأنبياء والحكماء وقالت الأنبياء والحكماء كما يفعل ذلك أصحاب رسائل ~~إخوان الصفاء وأمثالهم وهذا كله من فعل من لم يؤمن بالرسل والنبيين الإيمان ~~الذي يستحقونه وجعلهم من جنس غيرهم فيما يخبرون به ويأمرون به وجعل ما ~~يأتون به من جنس ما يأتي به الذين سماهم هو أولياء وحكماء وهذا بناء على ~~الأصل الفاسد وهو أن النبوة هي هذه الخصائص الثلاثة وهذه الخصائض مشتركة ~~توجد لكثير من آحاد الناس # ومما يبين الفرق بين النبيين وغيرهم أن الله سبحانه أوجب الإيمان بما ~~أوتيه كل نبي من غير استثناء كما قال تعالى {قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} ~~الآية وقال {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل # PageV01P255 # المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين} وأيضا فإنه أخبر بعضمة ما جاءت به الأنبياء ونسخ ما يلقيه ~~الشيطان من الباطل في أمنياتهم قال تعالى {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم ~~يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان ms147 فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} # فإن قيل ففي قراءة ابن عباس أو محدث وبهذا احتج الحكيم الترمذي وغيره # قيل أولا هذه القراءة إذا ثبت أنها قراءة فلا يعرف # PageV01P256 # لفظ بقية سائر الكلام معها كيف كان فإنها بتقدير صحتها إما من الحروف ~~السبعة وإما مما نسخت تلاوته وعلى التقديرين فيجوز أن يكون نظم سائر الآية ~~كان على وجه لا يدل على عصمة المحدث بل فيها نسخ ما يلقيه في أمينته النبي ~~والرسول دون المحدث وإن ثبت أن الله تعالى كان ينسخ ما يلقى الشيطان في ~~قلوب المحدثين قبلنا فلا يقتضي أن ذلك بوحي يأتيه بل يكون ذلك بعرضه ذلك ~~على نبوات الأنبياء فإن خالف ذلك كان مردودا # وحينئذ فيكون حفظ الولي بمتابعة الكتاب والسنة ولا ريب أن السنة كما كان ~~الزهري يذكر عمن مضى من سلف المؤمنين قال كان من مضى من علمائنا يقولون ~~الاعتصام بالسنة نجاة وقال مالك السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف ~~عنها غرق # وإن قدر أن المحدث ممن قبلنا كان ينسح ما يلقيه الشيطان فيما يلقي إليه ~~من غير استدلال بالنبوة فيكون من كان قبلنا كانوا مأمورين باتباع المحدث ~~مطلقا لعصمة الله إياه ونحن لم نؤمر بذلك وسبب ذلك أن من كان قبلنا لم يكن ~~يكفيهم نبوة واحدة بل كانوا يأخذون بعض الدين عن هذا النبي وبعضه عن هذا ~~النبي بتصديق الآخر له كما كان أنبياء بني إسرائيل مأمورين باتباع التوراة ~~وكما ان المسيح أحل لهم بعض ما حرم عليهم وأحالهم في أكثر الأحكام على ~~التوارة # وأما نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهي كافية لأمته كما قال تعالى {أولم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون} # PageV01P257 # وفي النسائي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ~~ورقة من التوراة فقال: "أمتهوكون يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود والنصارى ~~لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى ms148 حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم" ~~وفي مراسيل أبي داود كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أنزل إلى ~~نبي غير نبيهم ونحن نعلم يقينا بالاضطرار من دين الإسلام أن محمدا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أوجب الله تعالى علينا طاعته فيما أمر وتصديقه ~~فيما أخبر ولم يأمر بطاعة غيره إلا إذا وافق طاعته لا نبيا ولا غير نبي ~~ونحن إذا قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه فإنما ذاك ~~لكونه مشروعا على لسان محمد بالأدلة الدالة على ذلك وقد علمنا بالاضطرار من ~~دينه أن من أطاعه دخل الجنة فلا يحتاج مع ذلك إلى طاعة غيره لا نبي ولا ~~محدث فلم يكن المتبعون لنبوته محتاجين إلى اتباع نبي غيره فضلا عن محدث قال ~~تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم # PageV01P258 # وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا} فقد أكمل الله الدين لأمته ~~على لسانه فلا يحتاجون إلا إلى من يبلغ الدين الكامل لا يحتاجون إلى محدث ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "أنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن ~~في أمتي فعمر" فلم يجزم بأن في أمته محدثا كما جزم أنه قد كان في الأمم ~~قبلنا مع أن أمتنا أفضل الأمم وأكمل ممن كان قبلهم وذلك لأن أمتنا مستغنية ~~عن المحدثين كما استغنوا عن نبي يأخذون عنه سوى محمد وما علموه من أمور ~~الأنبياء فبواسطة محمد هو الذي بلغهم ما بلغهم من أمور الأنبياء وما لم ~~يبلغهم إياه من أمور الأنبياء فلا حاجة لأمته به ولهذا لم يحجب عليهم معرفة ~~ذلك حتى يميزوا بين صدقه وكذبه كما ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب بشيء فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ~~فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم" فأمر بالإيمان العام المتناول لجميع # PageV01P259 # ما جاءت به الأنبياء وما لم يعلم أن ناقلها عنهم صدق أو كذب ms149 لا تصدق ولا ~~تكذب # وإذا كانت أمتنا مستغنية عن أن تأخذ من نبوة غير نبوة محمد فاستغناؤها عن ~~المحدثين أولى ومن كانوا قبلنا كانوا محتاجين إلى الأنبياء فكذلك ربما ~~احتاجوا إلى المحدثين وما احتاجت الأمم إليه من الأخبار الإلهية فلا بد أن ~~يكون محفوظا معصوما لتقوم به الحجة ويحصل به مقصود الدعوة وهذا مما دل على ~~وجوب عصمة ما جاءت به الأنبياء وعصمة ما جاء به نبينا بعد موته فحفظ الله ~~الذكر الذي أنزله وقد أنزل عليه الكتاب والحكمة والحكمة هي السنة فحفظ الله ~~هذا وهذا ولله الحمد والمنة # ومن وجد من هذه الأمة محتاجا إلى شيء غير ما جاء به الرسول فلضعف معرفته ~~واتباعه لما جاء به الرسول مثل كثير منهم من يقول أنه يحتاج إلى ~~الإسرائيليات وغيرها من أحوال أهل الكتاب وآخرون منهم من يقول أنهم محتاجون ~~إلى حكمة فارس والروم والهند واليونان وغيرهم من الأمم وآخرون يقولون أنهم ~~محتاجون إلى ذوقهم أو عقلهم أو رأيهم بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة # ولا تجد من يقول أنه محتاج إلى غير آثار الرسول إلا من هو ضعيف المعرفة ~~والاتباع لآثاره وإلا فمن قام بما جاء به الكتاب والسنة أشرف على علم ~~الأولين والآخرين وأغناه الله بالنور الذي بعث به محمدا عما سواه # PageV01P260 # قال الله تعالى {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون} وقال تعالى {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم} وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ~~والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن ~~الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} # وأيضا فإنه أخبر أن وحي محمد كوحي النبيين كما في قوله {إنا أوحينا إليك ~~كما أوحينا إلى نوح والنبيين ms150 من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا ~~قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما} # وأيضا فمن خصائص الأنبياء أن من سب نبيا من الأنبياء قتل باتفاق الأئمة ~~وكان مرتدا كما أن من كفر به وبما جاء # PageV01P261 # به كان مرتدا فإن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله # وأما الولي الذي ليس بنبي فلا يجب القتل بمجرد سبه ولا يكون مرتدا عن ~~الإسلام من لم يؤمن به فمن غلا في الأولياء أو من يسميهم أولياء الله أو ~~يسميهم أهل الله أو يسميهم الحكماء أو الفلاسفة أو غير ذلك من الأسماء التي ~~يقرنها بأسماء الأنبياء وجعلهم مثل الأنبياء أو أفضل من الأنبياء فإنه ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل # فكيف بمن جعل الأنبياء يستفيدون من المسمى بخاتم الأولياء وجعل هذا ~~المسمى بخاتم الأولياء هو بمنزلة منتظر الرافضة وبمنزلة غوث الغلاة من ~~الصوفية وأمثالهم ممن يعتقد ما لا حقيقة له في الخارج جعله يأخذ من المعدن ~~الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فكيف بمن جعل النبي يأخذ من ~~الصور الخيالية التي في نفسه المطابقة للعقل فيجعله يأخذ من العقل كما يأخذ ~~ذوو العقول من الناس ويجعل النبوة حاصلها خلاصة العقل كما يقوله الطوسي ~~شارح الإشارات وأمثاله من المتفلسفة الباطنية # والمقصود هنا بيان أن هؤلاء الذين يدعون التحقيق والمعرفة والولاية ~~القائلين بوحدة الوجود أصل قولهم قول الباطنية من الفلاسفة والقرامطة ~~وأمثالهم وأن هؤلاء من جنس فرعون لكن هؤلاء أجهل من فرعون وفرعون أعظم ~~عنادا منهم فإن فرعون كان في الباطن مقرا بالصانع المباين للأفلاك ولكن ~~أظهر الإنكار طلبا للعلو والفساد وأظهر أن ما قاله موسى لا حقيقة له قال ~~تعالى {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب # PageV01P262 # أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} وأما هؤلاء فإنهم ~~عند أنفسهم مقرون بالصانع مثبتون له لكن لم يثبتوه مباينا للعالم ms151 بل جعلوا ~~وجوده وجود العالم أو جعلوه حالا في العالم وقولهم مضطرب متناقض فإنهم ~~مترددون بين الإتحاد والحلول وأصل ضلالهم إنكارهم مباينة الصانع للعالم ~~وصارت قلوبهم تطلب موجودا وهي تأبى أن يكون مباينا للعالم فصاروا يطلبونه ~~في العالم أو يجعلون وجوده هو وجود العالم فيجعلونه إما العالم وإما جزءا ~~منه وإما صفة له وإما أن يقولوا هو العالم وليس هو العالم فيجمعوا بين ~~المتناقضين وهو حقيقة قول ابن عربي فإنه يجعل وجوده وجود العالم ويقول إن ~~ذات الشيء غير وجوده كما يقول من يقول أن المعدوم شيء فيفرق ين الوجود ~~والثبوت وهذا فرق باطل فلهذا كان قوله متناقضا # وهكذا كثير من الناس يقولون بشيء من الحلول والاتحاد مع تناقضهم في ذلك ~~كما يوجد شيء من ذلك في كلام كثير من الصوفية # والناس في هذا الباب على أربعة # أقوال فالقول الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وكان عليه سلف الأمة ~~وأئمتها هو القول بإثبات الصانع وأنه مباين للعالم عال عليه وأما الجهمية ~~ونحوهم فصاروا على ثلاثة أقوال أحدها قول النفاة وهم أكثر متكلمي الجهمية ~~ونظارهم الذين ينفون # PageV01P263 # المتقابلين ويجمعون في قولهم بين سلب النقيضين فغلاتهم يقولون ليس بموجود ~~ولا معدوم ولا حي ولا ميت ونحو ذلك ومقتصدوهم يقولون لا مباين للعالم ولا ~~داخل فيه ولا يقرب من شيء ولا بقرب إليه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يشار ~~إليه ونحو ذلك # وهؤلاء النفاة قولهم مستلزم للتعطيل وإنكار الصانع كما صرح به فرعون أما ~~المعطلة فلهذا صار عبادهم وصوفيتهم وعامتهم ومحققوهم إلى القول بالوحدة ~~والحلول والإتحاد لأن القلب العابد يطلب موجودا يقصده ويسأله بخلاف النظر ~~والبحث والكلام فإنه يتعلق بالموجود والمعدوم وأما العبادة والطلب والسؤال ~~فلا يكون إلا لموجود فصار هؤلاء ينظرون فيما ذكره أولئك من سلب المتقابلين ~~فلا تقبله قلوبهم وهم قد شاركوهم في نفي مباينة الله لخلقه وعلوه عليهم ~~فصاروا يطلبون الإله الموجود في العالم لا مباينا للعالم فيترددون بين ~~الحلول والإتحاد وأشباه ذلك من أنواع الإلحاد # وفيهم ms152 صنف ثالث أمثل من هذين يجمعون بين الحلول والمباينة وهو قول طائفة ~~من الناس كأبي معاذ التومني وغيره وقد يوجد في كلام أبي طالب المكي # PageV01P264 # وابن برجان من الكلام الذي أنكره طائفة من الشيوخ كالشيخ أبي البيان ~~الدمشقي وغيره ما يقال أن فيه ما يشبه هذا وعامة هؤلاء يتكلمون بكلام ~~متناقض أو بكلام لا حقيقة له إذ كان الأصل الذي بنوا كلامهم عليه أصلا ~~باطلا والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع لكن شيوخ أهل العلم ~~الذين لهم لسان صدق وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ منكر فأصل الإيمان ~~بالله ورسوله إذا كان ثابتا غفر لأحدهم خطأه الذي أخطأه بعد اجتهاده # PageV01P265 # وهذا الإلحاد الذي وقع في كلام ابن عربي صاحب الفتوحات وأمثاله في أصول ~~الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر لم يكن في كلام العلماء والشيوخ ~~المشهورين عند الأمة الذين لهم لسان صدق ولكن هؤلاء أخذوا مذهب الفلاسفة ~~المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله الذي دخل كثير منها في كلام صاحب ~~الكتب المضنون بها على غير أهلها وأمثاله فأخرجوها في قالب الإسلام بلسان ~~التصوف والتحقيق كما فعل ابن عربي مع أنه يقدح في توحيد الشيوخ الأكابر ~~كالجنيد وسهل بن عبد الله وأمثالهما ويطعن في قول الجنيد لما سئل عن ~~التوحيد فقال التوحيد أفراد الحدوث عن القدم ويقول لا يميز بين المحدث ~~والقديم إلا من كان ليس واحدا منهما ذكر هذا وأشباهه في كتابه التجليات وله ~~كتاب # PageV01P265 # الإسراء الذي سماه الإسراء إلى المقام الأسري وجعل له إسراء كإسراء النبي ~~صلى الله عليه وسلم وحاصل إسرائه من جنس الإسراء الذي فسر به ابن سينا ومن ~~اتبعه كالرازي والهمداني ونحوهم إسراء النبي صلى الله عليه وسلم وجعلوه من ~~نوع الكشف العلمي كما فعلوا مثل ذلك في تكليم موسى وجعلوا ما خوطب به كله ~~في نفسه فلهذا ادعى ابن عربي إسراء وهو كله في نفسه وخياله منه المتكلم ~~ومنه المجيب وباب الخيال باب لا يحيط به إلا الله وابن عربي يدعي ms153 أن الخيال ~~هو عالم الحقيقة ويعظمه تعظيما بليغا فجعل في خياله يتكلم على المشايخ ~~وتوحيدهم بكلام يقدح في توحيدهم ويدعي أنه علمهم التوحيد في ذلك الإسراء ~~وهذا كله من جنس قرآن مسيلمة بل شر منه وهو كلام مخلوق اختلقه في نفسه ~~والجنيد رحمه الله تكلم بكلام الأئمة العارفين فإن كثيرا من الصوفية وقعوا ~~في نوع من الحلول والإتحاد كما ذكر ذلك أبو نعيم في الحلية وكما ذكره ~~القشيري في رسالته فبين الجنيد أن التوحيد لا يكون إلا بأن يميز بين القديم ~~والمحدث # PageV01P266 # كما قالوا لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته ~~على عرشه بائن من خلقه وهكذا قال سائر الأئمة كأحمد بن حنبل وإسحق ابن ~~راهويه وعثمان بن سعيد والبخاري وغيرهم حتى قال محمد بن إسحق ابن خزيمة ~~الملقب بإمام الأئمة من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ~~فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كما ذكر ذلك عنه الحاكم أبو عبد الله ~~النيسابوري وصاحبه الملقب بشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وغيرهما # والشيوخ الأكابر الذين ذكرهم أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية ~~وأبو القاسم القشيري في الرسالة كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب ~~أهل الحديث كالفضيل بن عياض والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري ~~وعمرو بن عثمان المكي وأبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي وغيرهم وكلامهم ~~موجود في السنة وصنفوا فيها الكتب لكن بعض المتأخرين منهم كان على طريقة ~~بعض أهل الكلام في بعض فروع العقائد ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلاسفة ~~وإنما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين فصارت المتصوفة تارة على طريقة ~~صوفية أهل الحديث وهم خيارهم وأعلامهم وتارة على اعتقاد صوفية وتارة على ~~اعتقاد صوفية أهل الكلام فهؤلاء دونهم وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة ~~كهؤلاء الملاحدة # ولهذا ذكر ابن عربي في أول الفتوحات ثلاث عقائد عقيدة مختصرة من إرشاد ~~أبي المعالي بحججها الكلامية # PageV01P267 # ثم عقيدة فلسفية كأنها مأخوذة من ابن سينا وأمثاله ثم أشار ms154 إلى اعتقاده ~~الباطن الذي أفصح به في فصوص الحكم وهو وحدة الوجود فقال وأما عقيدة خلاصة ~~الخاصة فتأتي مفرقة في الكتاب ولهذا كان هؤلاء كابن سبعين ونحوه يعكسون دين ~~الإسلام فيجعلون أفضل الخلق المحقق عندهم وهو القائل بالوحدة وإذا وصل إلى ~~هذا فلا يضره عندهم أن يكون يهوديا أو نصرانيا بل كان ابن سبعين وابن هود ~~والتلمساني وغيرهم # PageV01P268 # يسوغون للرجل أن يتمسك باليهودية والنصرانية كما يتمسك بالإسلام ويجعلون ~~هذه طرقا إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين ويقولون لمن يختص بهم من النصارى ~~واليهود إذا عرفتم التحقيق لم يضركم بقاؤكم على ملتكم بل يقولون مثل هذا ~~للمشركين عباد الأوثان حتى أن رجلا كبيرا من القضاة كان من غلمان ابن عربي ~~فلما قدم ملك المشركين الترك هولاكو خان المشرك إلى الشام وولاه القضاء ~~وأتى دمشق أخذ يعظم ذلك الملك الذي فعل في الإسلام وأهله ببغداد وحلب ~~وغيرهما من البلاد ما قد شهر بين العباد فقال له بعض من شهده من طلبة ~~الفقهاء ذلك الوقت يا سيدي ليته كان مسلما فبالغ في خصومته مبالغة أخافته ~~وقال أي حاجة بهذا إلى الإسلام وأي شيء يفعل هذا بالإسلام سواء كان مسلما ~~أو غير مسلم ونحو هذا الكلام # PageV01P269 # وهذا كان من آثار مذهب الذين يدعون التحقيق ويجعلون المتحقق الذي يسوغ ~~التدين بدين المسلمين واليهود والنصارى والمشركين هو أفضل الخلق وبعده ~~عندهم على ما ذكره ابن سبعين وأخوانه هو الصوفي يعنون المتصوف على طريقة ~~الفلاسفة ليس هو الصوفي الذي على مذهب أهل الحديث والكتاب والسنة فلفظ ~~الصوفي صار مشتركا فهؤلاء القائلون بالوحدة إذا قالوا الصوفي يريدون به هذا ~~ولهذا كان عندهم أفضل من الفيلسوف لأنه جمع بين النظر والتأله كالسهروردي ~~المقتول وأمثاله وبعده عندهم المتكلم الأشعري فجعلوا الأشعرية دون الفلاسفة ~~وأنقص منهم ومعلوم باتفاق المسلمين أن من هو دون الأشعرية كالمعتزلة ~~والشيعة الذين يوجبون الإسلام ويحرمون ما رواءه فهم خير من الفلاسفة الذين ~~يسوغون التدين بدين المسلمين واليهود والنصارى فكيف بالطوائف المنتسبين إلى ~~مذهب أهل السنة والجماعة كالأشعرية ms155 والكرامية والسالمية وغيرهم فإن هؤلاء ~~مع إيجابهم دين الإسلام وتحريمهم ما خالفه يردون على أهل البدع المشهورين ~~بمخالفة السنة والجماعة كالخوارج # PageV01P270 # والشيعة والقدرية والجهمية ولهم في تكفير هؤلاء نزاع وتفصيل فمن جعل ~~الفيلسوف الذي يبيح دين المشركين واليهود والنصارى خيرا من اثنتين وسبعين ~~فرقة فليس بمسلم فكيف بمن جعله خيرا من طوائف أهل الكلام المنتسبين إلى ~~الذب عن السنة والجماعة ثم جعل بعد هؤلاء كلهم الفقيه فمن جعل أئمة المذاهب ~~وأتباعهم كمالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري وإسحق وأبي يوسف ومحمد بن ~~الحسن والبويطي والمزني وابن سريج وابن القاسم وأشهب وابن وهب وإبراهيم ~~الحربي وأبي داود والأثرم والمروزي والخلال والخرقي وأمثال هؤلاء دون أهل ~~الكلام وأهل الكلام دون الفلاسفة والفلاسفة دون صوفية الفلاسفة وصوفية ~~الفلاسفة دون أهل التحقيق القائلين بالوحدة وهؤلاء أرفع الخلق أليس يكون قد ~~ناقض الرسول في دينه مناقضة ظاهرة لكل أحد فمن كان إلى الرسول أقرب كان ~~عنده أخفض ومن كان عن الرسول أبعد كان عنده أفضل، ولهذا لما وقعت محنة ~~هؤلاء بمصر والشام وأظهروا مذهب الجهمية الذي هو شعارهم في الظاهر وكتموا ~~مذهب الإتحادية الذي هو حقيقة تجهمهم وأضلوا بعض ولاة الأمور حتى يرفعوا ~~إخوانهم ويهينوا من خالفهم وصار كل من كان إلى الإسلام أقرب أقصوه وعزلوه ~~وخفضوه وكل من كان عن الإسلام أبعد رفعوه حتى رفعوا شخصا كان نصرانيا ~~وصيروه بعد الإسلام سبعينيا كان يقال له ابن سعيد الدولة وهو كان شقي دولته ~~وكان مما أنشده: # PageV01P271 # تشير إلي في كل البرايا ... وتخبر بالذي اختار عني # وذلك أنني أنا كل شيء ... وكل مصادر الأشياء عني # فرفعوا درجته حتى جعلوا لا يصل إلى أحد رزق ولا ولاية إلا بخطه هنالك ~~ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا حتى أزال الله كلمتهم عن المسلمين ~~وأذلهم بعد العز وأهلك من أهلك منهم وكشف أسرارهم وهتك أستارهم وهؤلاء ~~يتصلون بالكفار اتصال القرامطة الباطنية بهم لما بين الكفار والمنافقين من ~~معاداة أهل الإيمان ولهذا كانت الباطنية وأتباعهم الرافضة بالشام وغيره ~~مواصلين للكفار معادين لأهل ms156 الإيمان وهم من جنس هؤلاء ومن أسباب ضلال هؤلاء ~~أنهم لما رأوا الكمال في العلم والعمل والعلم متقدم على العمل في السلوك ~~وأما العلم النظري فجعلوه هو الغاية بناء على ان كمال النفس في العلم فرأوا ~~الفقه هو العلم العملي فجعلوه أدنى المراتب ثم الكلام بعده لأنه عندهم ~~العلم النظري الذي يليق بالعامة لأن المتكلم يقول أنه ينصر العقيدة الشرعية ~~بالأدلة القطعية والأدلة العقلية فهي عقيدة مبرهنة وهؤلاء يعتقدون أن ما ~~أخبرت به الرسل هو للعامة وأما الحقيقة التي لا يعلمها إلا الخواص فأمر ~~باطن لا يعرف من مفهوم خطاب الرسل فلهذا جعلوا المتكلم بعد الفقيه إلى فوق ~~وجعلوا هذا الاعتقاد على وجهين فالاعتقاد المجرد للعامة والاعتقاد المقرون ~~بحججه للخاصة ثم بعد ذلك المتفلسف لأنه عندهم دخل من النظريات الباطنة التي ~~لم تظهرها الرسل بل أشارت إليها ورمزت وبعد ذلك الصوفي لأنه عندهم جمع بين ~~النظر وبين التأله الباطن فصار العلم له شهودا ثم بعد ذلك المحقق على أصلهم ~~وهو الذي شهد أن الموجود واحد # PageV01P272 # وهو الذي انتهى إلى الغاية ويدعون أن هذا هو لباب ما جاءت به الأنبياء ~~وما كان عليه الفلاسفة القدماء ولهذا يقول ابن سبعين في أول الإجابة إني ~~عزمت على إفشاء سر الحكمة التي رمز إليها هرامس الدهور الأولية وبيان العلم ~~الذي رامت إفادته الهداية النبوية وهو وابن عربي وأمثالهما في ترتيب دعوتهم ~~من جنس ملاحدة الشيعة الباطنية فإن عقيدتهم في الابتداء عقيدة الشيعة ثم ~~ينقلون المستجيب لهم إلى الرفض ثم ينقلونه إلى ترك الأعمال ثم ينقلونه إلى ~~الإنسلاخ من خصوص الإسلام ثم إلى الإنسلاخ من الملل إلى أن يصل إلى البلاغ ~~الأكبر والناموس الأعظم عندهم فيصير معطلا محضا حتى يقولون ليس بيننا وبين ~~الفلاسفة خلاف إلا في إثبات الوجود يعنون المبدع للعالم فلو تركته الفلاسفة ~~لم يبق بيننا وبينهم خلاف وهذا في الحقيقة هو متنهى دعوة أولئك الملاحدة ~~وقوى ضلالهم أمور منها اعتقادهم أن لما جاءت به الرسل باطنا يناقض ظاهره ~~ومن أسباب ذلك ما ms157 حصل لهم من الحيرة والإضطراب في فهم ما جاءت به الرسل ~~ومنها أنهم رأوا الطريق التي سلكها المتكلمون لا تفيد # PageV01P273 # علما بل هي إما سفسطة وجدل بالباطل عند من عرفه وإما جدل يفيد المغالبة ~~عند من لم يعرف حقيقته وذلك أن هؤلاء سلكوا في الكلام طريقة صاحب الإرشاد ~~ونحوه وهي مأخوذعه في الأصل عن المعتزلة نفاة الصفات وعليها بنى هؤلاء ~~وهؤلاء أصل دينهم وجعلوا صحة دين الإسلام موقوفا عليها وذلك أنه موقوف على ~~الإيمان بالرسول والإيمان به موقوف على معرفة المرسل وزعموا أن المرسل لا ~~يعرف إلا بها # PageV01P274 # قالوا لأنه لا يعرف إلا بالنظر والاستدلال المفضي إلى العلم بإثبات ~~الصانع قالوا ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث العالم قم قالوا ولا طريق ~~إلى ذلك إلا بإثبات حدوث الأجسام قالوا ولا دليل على ذلك إلا الإستدلال ~~بالأعراض أو ببعض الأعراض كالحركة والسكون أو الإجتماع والإفتراق وهي ~~الأكوان فإن الجسم لا يخلو منها وهي حادثة وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ~~قالوا وهذا الأصل يشتمل على أربعة مقامات إثبات الأعراض ثم إثبات حدوثها ثم ~~إثبات استلزام الجسم لها أو أنه لا يخلو منها ثم إبطال حوادث لا أول لها ~~وحينئذ فيلزم حدوث الجسم فيلزم حدوث العالم لأنه أجسام وأعراض فيلزم إثبات ~~الصانع لأن المحدث لا بد له من محدث وهذه الطريقة هي أساس الكلام الذي ~~اشتهر ذم السلف والأئمة له ولأجلها قالوا بأن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى ~~في الآخرة وأنه ليس فوق العرش وأنكروا الصفات # PageV01P274 # والذامون لها نوعان منهم من يذمها لأنها بدعة في الإسلام فإنا نعلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بها ولا الصحابة لأنها طويلة مخطرة ~~كثيرة الممانعات والمعارضات فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه وهذه ~~طريقة الأشعري في ذمه لها والخطابي والغزالي وغيرهم ممن لا يفصح ببطلانها ~~ومنهم من ذمها لأنها مشتملة على مقامات باطلة لا تحصل لمقصود بل تناقضه ~~وهذا قول أئمة الحديث وجمهور السلف فجاء هؤلاء المتفلسفة لما ms158 رأوا هذه عمدة ~~هؤلاء المتكلمين في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع وتفطنوا لموضع المنع ~~فيها وهو قولهم يمتنع دوام الحوادث قالوا هذه الطريقة تستلزم كون الصانع ~~كان معطلا عن الكلام والفعل دائما إلى أن أحدث كلاما وفعلا بلا سبب أصلا ~~قالوا وهذا مما يعلم بطلانه بصريح العقل قالوا وليس معكم من نصوص الأنبياء ~~ما يوافق هذا وأما إخبار الله أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام فهذا يدل ~~على أنه خلقها من مادة قبل ذلك كما أخبر أنه {ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} وكذلك في أول ~~التوارة ما يوافق هذا قالوا وهذا النص وإن كان يناقض قولنا بقدم العالم ~~فليس فيه ما يدل على قولكم بتعطيل الصانع عن الصنع وحينئذ فنحن نقول في هذا # PageV01P275 # هذا النص وأمثاله من نصوص المبدأ والمعاد ما نقوله نحن وأنتم في نصوص ~~الصفات ثم من هؤلاء من سلك طريق التأويل كما فعل ذلك من فعله من القرامطة ~~كالنعمان قاضيهم صاحب كتاب أساس التأويل وكأبي يعقوب السجستاني صاحب ~~الأقاليد الملكوتية وكتاب الافتخار وأمثالهما وألقى هؤلاء جلباب الحياء ~~وكابروا الناس وباهتوهم حتى ادعوا أن الصلاة معرفة أسرارهم أو موالاة ~~أئمتهم والصوم كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وهذا يبوحون به إذا ~~انفردوا بإخوانهم وأما الذين سكنوا بين المسلمين كالفارابي وابن سينا ~~وأمثالهما فما أمكنهم أن يقولوا مثل هذا وعلموا أنه مما يظهر بطلانه فقالوا ~~أن الرسل إنما خاطبت الناس بما يخيل إليهم أمورا ينتفعون باعتقادها في ~~الإيمان بالله واليوم الآخر وإن كان ما يعتقدون من تلك الأمور باطلا لا ~~يطابق الحقيقة في نفسه والخطاب الدال على ذلك كذب في الحقية عندهم لكنه ~~يسوغ الكذب الذي يصلح به الناس ومن تحاشى منهم على إطلاق الكذب على ذلك ~~فعنده أنه من باب تورية العقلاء الذين يورون لمصلحة أتباعهم # PageV01P276 # فكان ما سلكه أولئك المتكلمون في العقليات الفاسدة والتأويلات الحائدة هي ~~التي أخرجت هؤلاء إلى غاية الإلحاد ونهاية التكذيب للمرسلين وفساد ms159 العقل ~~والدين وأخذ ابن سينا وأمثاله ينقضون الطريقة التي سلكها أولئك في حدوث ~~العالم وإثبات الصانع إذ كان مدارها على امتناع تسلسل الحوادث وأن حكم ~~الجميع حكم الواحد فأبو الحسين البصري من حذاق هؤلاء يجعلون أصل الدين ~~مبنيا على أنه إذا كان كل واحد من الحوادث كائنا بعد أن لم يكن فالجميع ~~كذلك كما انه إذا كان كل واحد من الزنج أسود فالجميع كذلك وأبو المعالي ~~وأمثاله يقولون إثبات الحدوث ونفي الفعل في الأزل جمع بين النقيضين فقال ~~لهم المنازعون أتباع الأنبياء وأتباع الفلاسفة الفرق بين النوع والشخص ~~معلوم والمنتفي وجود حادث معين في الأزل بحيث يكون حادثا قديما أو وجود ~~مجموع الحوادث في الأزل بحيث تكون كل الحوادث قديمة وأما دوام الحوادث شيئا ~~بعد شيء كما هي دائمة شيئا بعد شيء في المستقبل فليس في العقل ما يحيل هذا ~~ولا يمكن الفرق بين الماضي والمستقبل بفرق مؤثر في مناط الحكم وليس كل ~~مجموع يوصف بما يوصف به أفراده بل قد يوسف بذلك إذا لم يستفد بالاجتماع ~~حكما آخر وقد لا يوصف بذلك إذا حصل له بالاجتماع حكم آخر فالأول كاجتماع ~~الموجودات والمعدومات والممكنات والممتنعات فإنه لا يخرجها عن حكم هذه ~~الصفات والثاني كاجتماع أجزاء الخط والسطح والجسم والطويل # PageV01P277 # والبيت والإنسان والدائم والعشرة والألف ونحو ذلك فإنه إذا اجتمعت هذه ~~الأجزاء حصل باجتماعهما حكم لا توصف به الأجزاء والمقصود هنا التنبيه على ~~مبدأ ضلال هؤلاء الملاحدة وأن من جملته تقصير من جادلهم عن نصر الحق ودخوله ~~في نوع من الباطل إما في باطل وافقوه عليه وجعلوه حجة لهم عليه في مكان آخر ~~كنفي الصفات وإما من باطل نازعوه فيه وبينوا بطلانه كترجيح أحد المتماثلين ~~بلا مرجح وإما تقصيره في الحق تارة يقصر في معرفة ما جاءت به الرسل وتارة ~~يقصر في إقامة الحجة على منازعه فتقصيره في تصور الحق وبيان الحجة على ~~التصديق به مما سلط أولئك الملحدين # PageV01P278 # لكن بكل حال حجة الملاحدة أدحض وقولهم أضعف فأنهم أنكروا على هؤلاء ms160 إحداث ~~حوادث بدون سبب حادث من قادر مختار لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا ~~سبب وأنكروا عليهم كونهم عطلوا الصانع عن الصنع في الأزل # وهم قد عطلوا الصانع عن صفات الكمال بل وعطلوه في الحقيقة عن الفعل ~~وعطلوا الحوادث عن محدث لها بل عطلوا العالم عن الصانع فإنهم لم يثبتوا إلا ~~وجودا مطلقا مجردا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان وجعلوا الحوادث ~~تحدث بلا فاعل يوجب حدوثها وغايتهم أنهم يجعلون الفلك حيوانا يحدث تصوره ~~وإرادته وحركاته وذلك هو سبب حدوث الحوادث والرب تعالى لم يحدث شيئا من ~~ذلك، لكنهم يقولون هو علة تامة في الأزل للعالم بما فيه من الأجناس ~~المختلفة والأمور الحادثة مع العلم الضروري بعد # PageV01P278 # التصور التام أن الواحد البسيط الذي قدروه لا يوجد إلا في الذهن ولا يصدر ~~عنه شيء فإن الواحد البسيط من كل وجه الذي لا صفة له ولا قدرة ولا فعل لا ~~يعقل وجوده في الخارج ولا يعقل انه يوجد عنه شيء لا واحد ولا غير واحد ولا ~~يوجد في العالم أثر إلا عن سببين لا عن واحد مع أن الواحد الموجود في ~~العالم إذا قدر مقدر أثر عنه كالسخونة والبرودة فهو واحد له صفة وقدر وفعل ~~يقوم به وأما الواحد الذي قدروه فإنما هو شيء يقدره الذهن كما يقدر وجود ~~خالقين وتسلسل المؤثرات وكما يقدر رفع النقيضين مثل كونه لا موجودا ولا ~~معدوما أو جمع النقيضين مثل كونه موجودا معدوما وكما يقدر عالم بلا علم ~~وقادر بلا قدرة أو يقدر أن العلم هو العالم والقدرة هو القادر أو يقدر ~~ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح أو يقدر حدوث الحوادث بلا محدث ووجود ~~الممكنات التي تفتقر إلى واجب بلا واجب وأمثال ذلك مما يقدره الذهن مع أنه ~~ممتنع ووجه ثالث أن الواحد البسيط الذي فرضوه إذا قدر وجوده في الخارج ~~امتنع صدور المختلفات عنه بوسط أو غير وسط سواء قيل أن الصادر الأول عنه ~~واحد له ثلاث جهات أو قيل غير ذلك ms161 فإن كل ما يقدرونه يستلزم صدور الأنواع ~~المختلفة عن الواحد البسيط وإن شئت قلت صدور الكثرة عن الوحدة فالجمع بين ~~صدور الكثرة عنه وكونه واحدا بسيطا لا يصدر عنه إلا واحد جمع بين ~~المتناقضين # PageV01P279 # وإذا قيل أن الكثرة حصلت في الصادر الأول كان القول فيها كالقول في ~~الكثرة الصادرة عن المعلول الأول إن كانت أمورا وجودية لزم أن يصدر عن ~~الواحد البسيط الذي لا يصدر عنه إلا واحد أكثر من واحد وإن كانت عدمية لزم ~~أن يصدر عن الواحد البسيط الموصوف بالسلوب أمور موجودة مختلفة فقولهم ~~الواحد لا يصدر عنه إلا واحد مع صدور هذه المختلفات عن المبدع يقتضي انتفاء ~~ما ذكروه من الوحدة أو انتفاء كون المختلفات صدرت عنه بوسط أو بغير وسط ولو ~~لم يكن إلا الفلك الثامن ذو الكواكب الكثيرة فإنه ليس فوقه من العلل ~~المختلفة ما يوجب كثرة الكواكب التي فيه عندهم وكذلك العقل العاشر في كثرة ~~ما تحته من الأركان وغيرها ووجه رابع وهو أنه إذا كان علة تامة أزلية لزم ~~مقارنة معلوله له وكل ماسواه معلول له فيلزم أن لا يكون في الوجود حادث أو ~~أن لا يكون للحوادث محدث وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة وإن قيل تخلف عنه ~~بعض الحوادث لوقوفه على حادث قبله قيل والقول في الحادث الأول كالقول في ~~الثاني يمتنع إذا كان علة موجبا بذاته أن يتخلف عنه شيء أو أن يكون اقتضاؤه ~~موقوفا على حدوث حادث إلا إذا كان هناك غيره كما يقولون في العقل الفعال ~~أنه عام الفيض لكن فيضه متوقف على استعداد القوابل وهذا ممتنع ممن صدر عنه ~~كل شيء ولا يوقف إبداعه على غير ذاته أصلا فإن هذا لا يجوز أن يتراخى عنه ~~شيء # PageV01P280 # من فيضه وإن تراخى عنه شيء من فيضه لم تكن نفس ذاته هي الموجبة لفيضه بل ~~لا بد من آخر ينضم إليها وإذا قيل ذاته تحدث شيئا بعد شيء فإنه لا يمكن ~~إحداث المحدثات جميعا قيل فهذا ينقض قولكم لأن من أحدث شيئا ms162 بعد شيء لم يكن ~~موجبا بذاته في الأزل لشيء بل يكون كلما صدر عنه حادث وإن كانت أفعاله ~~دائمة شيئا بعد شيء فليس فيها واحد قديم وكذلك مفعولاته بطريق الأولى فإن ~~المفعول تابع للفعل فلا يكون في أفعاله ولا مفعولاته شيء قديم وإن كانت ~~دائمة لم تزل فإن دوام النوع وقدمه ليس مستلزما قدم شيء من الأعيان بل ذلك ~~مناقض لقدم شيء منها إذ لو كان فيها واحد قديم لكان ذلك الفعل المعين هو ~~القديم ولم تكن الأفعال المتوالية هي القديمة والشيء الذي من شأنه أن يكون ~~متواليا متعاقبا كالحركة والصوت يمتنع قدم شيء من أجزائه ودوام شيء من ~~أجزائه وبقاء شيء من أجزائه وإن قيل أنه دائم قديم باق أي نوع هو الموصوف ~~بذلك وأيضا فقولهم باطل على تقدير النقيضين فيلزم بطلانه في نفس الأمر وذلك ~~أنه إما أن يمكن دوام الحوادث وهو قولهم بوجود حوادث لا أول لها وإما أن لا ~~يمكن فإن لم يمكن كما يقوله كثير من أهل الكلام لزم أن يكون لجنس الحوادث ~~أول ولزم أن ما لا يخلو عن الحوادث أن يكون حادثا فيلزم حدوث العالم وإن ~~أمكن دوام الحوادث أمكن أن يكون هذا العالم الذي خلقه الله في ستة أيام ~~مسبوقا بحوادث قبله فلا يجوز القول بقدمه # PageV01P281 # وأيضا فإذا أمكن دوام الحوادث لزم دوام إحداث المحدث لها وأن يكون محدثا ~~لها شيئا بعد شيء والعلة التامة الأزلية التي يقارنها معلولها لا يفعل شيئا ~~بعد شيء فإن ذلك يناقض مقارنة معلولها لها وأيضا فالأثر إما أن يجب مقارنته ~~للمؤثر التام المستجمع لجميع شروط التأثير وإما أن يجوز تراخيه عنه فإن جاز ~~تراخيه عنه أمكن كون المؤثر التام ثابتا في الأزل والعالم حادث عنه بعد ذلك ~~وهذا يبطل أصل حجتهم ثم هذا يستلزم الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا سبب فإنه ~~إذا كان المؤثر حال أن يفعل وقبل أن يفعل على السواء من غير اختصاص إحدى ~~الحالتين بوجه من الوجوه كانت الحالات سواء وحينئذ فكونه يفعل ms163 في أحدهما ~~ولا يفعل في الآخر ترجيح للفعل بلا مرجح وهذا ممتنع في بديهة العقل وهو يسد ~~باب إثبات الواجب القديم الخالق وإن وجب مقارنة الأثر للمؤثر التام لزم من ~~ذلك أن يكون كل ما حدث في الوجود لم يحصل مؤثره التام إلا مقارنا له وحينئذ ~~يكون المؤثر التام صار مؤثرا بعد أن لم يكن ويكون الأثر مفتقرا إلى مؤثر ~~تام مقارن له والتسلسل ممتنع في أصل كون المؤثر مؤثرا وتمام كونه مؤثرا كما ~~تقدم فإنه إذا كان لا يوجد تمام المؤثر في هذا حتى يوجد تمام المؤثر في هذا ~~المؤثر ولا يوجد تمام المؤثر في هذا حتى يوجد تمام المؤثر في هذا لزم أن لا ~~يوجد شيء من تمام المؤثرات كما إذا قيل لا يوجد هذا المؤثر حتى يوجد هذا ~~المؤثر فإن هذا غايته تقدير أمور معدومة متعاقبة وتعاقب المعدومات وكثرتها ~~وتقدير عدم # PageV01P282 # تناهيها لا يقتضي أن يكون فيها شيء موجود وإذا كان كذلك فلا بد أن ينتهي ~~إلى من هو مؤثر بنفسه لا يتوقف تأثيره على غيره وإن جاز أن يصير مؤثرا لهذا ~~بعد أن يصير مؤثرا لهذا إذا كان لا يفتقر في ذلك إلى غيره وحينئذ فيكون ~~المؤثر التام لكل المحدث عند وجود ذلك المحدث وإذا كان بنفسه صار مؤثرا ~~تاما فيها ويمتنع أن يكون مؤثرا تاما إلا عند وجود الأثر المحدث امتنع أن ~~يكون لشيء من المحدثات مؤثر تام في الأزل وإذا كان العالم لا يخلو عن ~~الحوادث والمؤثر التام لا يكون لشيء من الحوادث في الأزل امتنع أن يكون ~~للعالم مؤثر تام في الأزل فإن وجود الملزوم بدون اللازم محال وليس الأزل ~~وقتا محدودا بل هو عبارة عن الدوام الماضي الذي لا ابتداء له الذي لم يسبق ~~بعدم الذي ما زال وإذا امتنع أن يكون تمام التأثير لشيء من الحوادث أو ~~ملزوم الحوادث أزليا امتنع أن يكون شيء ن الحوادث أو ملزوم الحوادث أزليا ~~وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع والمقصود هنا ms164 التنبيه على أصل ~~أقوال هؤلاء أهل الوحدة الذين يدعون التحقيق وأنهم تعدوا مراتب الأمم كلهم ~~حتى الأنبياء وغيرهم كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما # PageV01P283 # وكان ابن سبعين أحذق بالفلسفة وابن عربي أحذق بالتصوف وأظهر انتسابا إلى ~~الإسلام ولهذا كان # PageV01P283 # منتهى ابن عربي دعواه أنه كان خاتم الأولياء وأن خاتم الأولياء أعلم ~~بالله من خاتم الأنبياء وأن الأنبياء يستفيدون منه العلم بالله فراعى كون ~~النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين في الصورة وإن كان في الحقيقة قد ~~ادعى ما هو أعظم من مرتبة خاتم النبيين وأما ابن سبعين فعلم أن هذه منافقة ~~ظاهرة الفساد لا تخفى إلا على أجهل الناس فكان يقول لقد زرب ابن آمنة حيث ~~قال لا نبي بعدي وكان يطمع أن يصير نبيا وذكروا أنه جدد غار حراء لينزل ~~عليه فيه الوحي كما يجيء بعض الناس يجدد بعض معابد المشايخ ليفتح عليه كما ~~فتح عليه وكل من هذين في كثير من كلامه يعظم النبي صلى الله عليه وسلم ~~تعظيما بليغا لكن قد تكون أحوالهم مختلفة وقد يكون ذلك نفاقا وقد يكونون ~~معظميه على ما سواه ومعظمي أنفسهم عليه # PageV01P284 # كما كان ابن هود لما سلك هذه السبيل وأراد أن يظهر بأمر أعظم مما ظهرت به ~~الأنبياء فكان يتكلم على الأنبياء الثلاثة أصحاب الملل الذين هم موسى وعيسى ~~ومحمد صلوات الله عليهم ثم جعل الرابع المنتظر أعظم من هؤلاء الثلاثة ويرجو ~~أن يكون هو ذلك الرابع أو يصرح بذلك ويقول على طريقة الفلاسفة موسى في ~~الجسم وعيسى في النفس ومحمد في العقل أو يقول سبحان الله لموسى والحمد لله ~~لعيسى ولا إله إلا الله لمحمد والله أكبر لهذا الرابع المنتظر ويقول موسى ~~له علم اليقين وعيسى له عين اليقين ومحمد له حق اليقين وهذا الرابع له ~~حقيقة حق # PageV01P284 # اليقين والرابع هو صاحب الوجود الواجب وهو الإحاطة عندهم ولهذا أمر ابن ~~سبعين أن ينقش على قبره صاحب نقش فص خاتم الإحاطة والإحاطة عندهم هي الوجود ~~المطلق المجرد الذي لا يتقيد بقيد ms165 وهو الكلي الذي لا يتقيد بإيجاب ولا ~~إمكان ثم بعده الوجود الذي يصدق على الواجب والممكن أو الذي لا يصدق على ~~واحد منهما فإن المطلق لا بشرط يصدق عليهما والمطلق بشرط الإطلاق لا يصدق ~~على واحد منهما وكان قد اجتمع بي حذاق هؤلاء لما أظهروا محنة أهل السنة ~~لينصروا طريقهم واستعانوا في الظاهر بمن يوافقهم على نفي الصفات أما نفي ~~علو الله على خلقه وصفاته الخبرية أو نفي الصفات مطلقا ونفي الأفعال ~~والكلام ونحو ذلك من مذاهب الجهمية فإنهم إنما يتظاهرون بقول معتزلة ~~الأشعرية النافين للصفات الخبرية ولغيرها وبقول متفلسفة الأشعرية نفاة ~~الصفات مطلقا كما أن الباطنية القرامطة إنما يتظاهرون بالتشيع ولهذا كان ~~ابن سبعين يقول للشيخ الجليل تقي الدين الحوراني الذي كان بمكة مجاورا وكان ~~من أهل العلم والدين وكان يناقض ابن سبعين ويرد عليه قال له إنما أنت ~~تبغضني لأني أشعري فقال: لو كنت # PageV01P285 # أشعريا لقبلتك أو كما قال وهل أنت مسلم وهذا كما يقول القرمطي لأهل السنة ~~إنما تبغضوني لأني من الشيعة فيقال له لو كنت من الشيعة لأكرمناك وهل أنت ~~مسلم فإن ما في أقوال الشيعة من الأقوال المخالفة للسنة هي الباب الذي دخل ~~منه القرامطة الباطنية وما في أقوال المتكلمين من المعتزلة ومن وافقهم من ~~الأشعرية من الأقوال التي تخالف السنة هي الباب الذي دخل منه هؤلاء ~~الملاحدة الجهمية وكلام الملاحدة من الشيعة وأهل الكلام مقرون بكلام ملاحدة ~~المتفلسفة ولهذا كان عبد الرحمن بن مهدي يقول هما صنفان احذروهما الرافضة ~~والجهمية ولهذا انتصر هؤلاء بمن وافقهم على نفي علو الله على خلقه ونفي ~~الصفات الخبرية وغير ذلك مما يخالف الكتاب والسنة مما دخل فيه من دخل من ~~أهل الكلام الأشعرية وغيرهم كما ينتصر أولئك الملاحدة بالشيعة وكان مما سلط ~~هؤلاء جميعا على النفي قصور المنتسبين إلى السنة وتقصيرهم تارة بأن لا ~~يعرفوا معاني نصوص الكتاب والسنة وتارة بأن لا يعرفوا النصوص الصحيحة من ~~غيرها وتارة لا يردون ما يناقضها ويعارضها مما يسميه المعارضون لها ~~العقليات ms166 ومعلوم أن العلم إنما يتم بصحة مقدماته والجواب عن معارضاته ليحصل ~~وجود المقتضي وزوال المانع وقد قال الإمام أحمد رحمه الله معرفة الحديث ~~والفقه فيه أحب إلي من حفظه وكثير من المنتسبين إلى السنة المصنفين فيها لا ~~يعرفون الحديث ولا يفقهون معناه بل تجد # PageV01P286 # الرجل الكبير منهم ينصف كتابا في أخبار الصفات أو في إبطال تأويل أخبار ~~الصفات ويذكر فيه الأحاديث الموضوعة مقرونة بالأحاديث الصحيحة المتلقاه ~~بالقبول ويجعل القول في الجميع واحدا وقد رأيت غير واحد من المصنفين في ~~السنة على مذهب أهل الحديث من أصحاب مالك وأحمد والشافعي وغيرهم من الصوفية ~~وأهل الحديث وأهل الكلام منهم يحتجون في أصول الدين بأحاديث لا يجوز أن ~~يعتمد عليها في فضائل الأعمال فضلا عن مسألة فقه فضلا عن أصول الدين ~~والأئمة كانوا يروون ما في الباب من الأحاديث التي لم يعلم أنها كذب من ~~المرفوع والمسند والموقوف وآثار الصحابة والتابعين لأن ذلك يقوي بعضه بعضا ~~كما تذكر المسألة من أصول الدين ويذكر فيها مذاهب الأئمة والسلف فثم أمور ~~تذكر للإعتماد وأمور تذكر للإعتضاد وأمور تذكر لأنها لم يعلم أنها من نوع ~~الفساد ثم بعد المعرفة بالنصوص لا بد من فهم معناها وكثير من المنتسبين إلى ~~السنة وغيرهم ظنوا أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو معنى الكلام الذي ~~أنزل القرآن لبيانه فصاروا يجعلون كثيرا من القرآن كلاما خوطب به الناس ~~وأنزل إليهم وأمروا بتلاوته وتدبره وهو كلام لا يفهم معناه ولا سبيل إلى ~~معرفة مراد المتكلم به وقد يحكى عن بعضهم أنه سمع كلام لا معنى له في نفس ~~الأمر كما حكى الرازي في محصوله عمن سماهم بحشوية أنهم قالوا يجوز أن يتكلم ~~الله بكلام ولا يعني به شيئا لكن هذا القول لا أعرف به قائلا بل لم يقل هذا ~~أحد من طوائف المسلمين # PageV01P287 # ولهذا كنا مرة في مجلس فجرت هذه المسألة فقلت هذا لم يقله أحد من طوائف ~~المسلمين وإن كان أحد ذكره فليس فيما ذكره حجة على إبطاله فقال ms167 بعض الذابين ~~عنه هذا قالته الكرامية فقلت هذا لم يقله لا كرامي ولا غير كرامي ولا أحد ~~من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم وبتقدير أن يكون قولا فإنما احتج على ~~فساده بأن هذا عبث والعبث على الله محال وهذه الحجة فاسدة على أصله لأن ~~النزاع إنما هو في الحروف المؤلفة هل يجوز أن ينزل حروفا لا معنى لها ~~والحروف عنده من المخلوقات وعنده يجوز أن يخلق الله كل شيء لأن فعله لا ~~يتوقف على الحكمة والمصلحة فليس فيما ذكره حجة على بطلان هذا وإنما النزاع ~~المشهور هل يجوز أن ينزل الله تعالى ما لا يفهم معناه والرازي ممن يجوز هذا ~~في أحد قوليه ووافق من قال أن التأويل لا يعلمه إلا الله مع قولهم أن ~~التأويل هو المعنى # PageV01P288 # وأصل الخطأ في هذا أن لفظ التأويل مجمل يراد به ما يؤول إليه الكلام ~~فتأويل الخبر نفس المخبر عنه وتأويل أسماء الله وصفاته نفسه المقدسة بمالها ~~من صفات الكمال ويراد بالتفسير التأويل وهو بيان المعنى المراد وإن لم نعلم ~~كيفيته وكنهه كما أنا نعلم أن في الجنة خمرا ولبنا وماء وعسلا وذهبا وحريرا ~~وغير ذلك وإن كنا # PageV01P288 # لا نعرف كيفية ذلك ويعلم أن كيفيته مخالفة لكيفية الموجود في الدنيا ~~ويراد بلفظ التأويل صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح ~~وهذا لا يوجد الخطاب به إلا في اصطلاح المتأخرين وأما خطاب الصحابة ~~والتابعين فإنما يوجد فيه الأولان ولهذا قال أكثرهم أن الوقف على قوله {وما ~~يعلم تأويله إلا الله} بناء على أن التأويل هو ما استأثر الله بعلمه وهو ~~الكيف الذي لا نعلمه نحن كما قال الإمام مالك الإستواء معلوم والكيف مجهول ~~والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سائر الأئمة قولهم مثل قول مالك ~~ينفون علم الخلق بالكيف وعلمهم بالحكمة فلا يقولون في صفاته كيف ولا في ~~أفعاله لم لأنهم لا يعلمون كيفية صفاته ولا لمية أفعاله وكثير من المتأخرين ~~نفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر لم ينفوا علم المخلوق به ms168 فالأولون يقولون لا ~~تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ويقولون منع الخلق أن يتفكروا في ~~ماهية ذاته كما يقول مثل ذلك أبو محمد بن أبي زيد # PageV01P289 # والشريف أبو علي بن أبي موسى وأبو الفرج المقدسي وغيرهم وكلام السلف كله ~~موافق لقول هؤلاء كما في كلام عبد العزيز بن الماجشون نظير مالك بالمدينة ~~قال أما بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتباعت الجهمية ومن خلفها في صفة ~~الرب العظيم الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته ~~وانحسرت العقول دون معرفة قدره إلى أن قال فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم ~~يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو فكيف يعرف والذين نازعوهم من ~~المتأخرين قالوا لا ماهية فتجري في مقال ولا كيفية له فتخطر ببال والنزاع ~~موجود في أصحاب الأئمة الأربعة # PageV01P290 # والمقوصد هنا أن السلف كان أكثرهم يقفون عند قوله {وما يعلم تأويله إلا ~~الله} بناء على أن التأويل الذي هو الحقيقة التي استأثر الله بعلمها لا ~~يعلمها إلا هو وطائفة منهم كمجاهد وابن قتيبة وغيرهما قالوا بل الراسخون ~~يعلمون التأويل ومرادهم بالتأويل المعنى الثاني وهو التفسير فليس بين ~~القولين تناقض في المعنى # وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه فهذا لم يكن هو ~~المراد بلفظ التأويل في كلام السلف اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد ~~المعنى الذي يقال أنه خلاف الظاهر جعلوه من التأويل الذي هوالتفسير لكونه ~~تفسيرا للكلام وبيانا لمراد المتكلم به أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو ~~الحقيقة الثابتة في نفس الأمر التي استأثر الله بعلمها لكونه مندرجا في ذلك ~~لا لكونه مخالفا للظاهر وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن ~~مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه فكانوا ينكرون ~~التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم ~~بخلاف مراده وقد ينكرون من التأويل الذي هو التفسير ما لا يعلم صحته فننكر ms169 ~~الشيء للعلم بأنه باطل أو لعدم العلم بأنه حق ولا ينكرون ترجمة الكلام لمن ~~لا يحسن اللغة وربما أنكروا من ذلك ما لا يفهمه المستمع أو ما تضره معرفته ~~كما ينكرون # PageV01P291 # تحديث الناس بما تعجز عقولهم عن معرفته أو بما تضرهم معرفته كما قال علي ~~عليه السلام حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ~~ورسوله وقال عبد الله بن مسعود: ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم ~~إلا كان فتنة لبعضهم وهذا قد تحمله الباطنية على مذهب النفاة المعطلة التي ~~بينا فسادها والأمر على نقيض ذلك فإن قوله: "أتحبون أن يكذب الله ورسوله" ~~دليل على أن ذلك قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسكت عنه وهذا ~~نظير الحديث المأثور إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل العلم ~~بالله فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله فإن هذا الحديث وإن لم يكن ~~ثابتا فقد ذكره شيخ الإسلام وكما ذكره أبو حامد الغزالي وقال يحيى بن # PageV01P292 # عمار وصاحبه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري المذكور وغيرهما أن هذا ~~مثل أحاديث الصفات التي يضيق عنها من لم يسعها عقله وهؤلاء يردون على من ~~حمل هذه الآثار على أقوال الباطنية كما يوجد شيء من ذلك في كلام أبي حامد ~~وغيره فإنه من المعلوم بالإضطرار لمن عرف نصوص الرسول أنه جاء بالإثبات لا ~~بالنفي وأن الرسل جاءوا بإثبات الصفات لله على وجه التفصيل مع التنزيه ~~العام عن التعطيل والتمثيل وإنما جماع الشر تفريط في حق أو تعدي إلى باطل ~~وهو تقصير في السنة أو دخول في البدعة كترك بعض المأمور وفعل بعض المحظور ~~أو تكذيب بحق وتصديق بباطل ولهذا عامة ما يؤتى الناس من هذين الوجهين ~~فالمنتسبون إلى أهل الحديث والسنة والجماعة يحصل من بعضهم كما ذكرت تفريط ~~في معرفة النصوص أو فهم معناها أو القيام بما تستحقه من الحجة ودفع معارضها ~~فهذا عجز وتفريط في الحق وقد يحصل منهم دخول في باطل إما ms170 في بدعة ابتدعها ~~أهل البدع وافقوهم عليها واحتاجوا إلى إثبات لوزامها وإما في بدعة ابتدعوها ~~هم لظنهم أنها من تمام السنة كما أصاب الناس في مسألة كلام الله وغير ذلك ~~من صفاته # PageV01P293 # ومن ذلك أن أحدهم يحتج بكل ما يجده من الأدلة السمعية وإن كان ضعيف المتن ~~والدلالة ويدع ما هو أقوى وأبين من الأدلة العقلية إما لعدم علمه بها وإما ~~لنفوره عنها وإما لغير ذلك وفي مقابلة هؤلاء من المنتسبين إلى الإثبات بل ~~إلى السنة والجماعة أيضا من لا يعتمد في صفات الله على أخبار الله ورسوله ~~بل قد عدل عن هذه الطريق وعزل الله ورسوله عن هذه الولاية فلا يعتمد في هذا ~~الباب إلا على ما ظنه من المعقولات ثم هؤلاء مضطربون في معقولاتهم أكثر من ~~اضطراب أولئك في المنقولات تجد هؤلاء يقولون أنا نعلم بالضرورة أمرا ~~والآخرون يقولون نعلم بالنظر أو بالضرورة ما يناقضه وهؤلاء يقولون العقل ~~الصريح لا يدل إلا على ما قلناه والآخرون يناقضوهم في ذلك ثم من جمع منهم ~~بين هذه الحجج أداه الأمر إلى تكافؤ الأدلة فيبقى في الحيرة والوقف أو إلى ~~التناقض وهو أن يقول هنا قولا ويقول هنا قولا يناقضه كما تجد من حال كثير ~~من هؤلاء المتكلمين والمتفلسفة بل تجد أحدهم يجمع بين النقيضين أو بين رفع ~~النقيضين والنقيضان اللذان هما الإثبات والنفي لا يجتمعان ولا يرتفعان بل ~~هذا يفيد صاحبه الشك والوقف فيتردد بين الإعتقادين المتناقضين الإثبات ~~والنفي كما يتردد بين الإرادتين المتناقضتين # وهذا هو حال حذاق هؤلاء كأبي المعالي وأبي حامد والشهرستاني والرازي ~~والآمدي وأما ابن سينا وأمثاله # PageV01P294 # فأعظم تناقضا واضطرابا والمعتزلة بين هؤلاء وهؤلاء في التناقض والإضطراب ~~وسبب ذلك جعل ما ليس بمعقول معقولا لاشتباه الأمر ودقة المسائل وإلا ~~فالمعقولات الصريحة لا تتناقض والمنقولات الصحيحة عن المعصوم لا تتناقض وقد ~~اعتبرت هذا في عامة ما خاض الناس فيه من هذه الأمور دقيقها وجليلها فوجدت ~~الأمر كذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد يشكل الشيء ويشتبه أمره ms171 في ~~الإبتداء فإذا حصل الإستعانة بالله واستهداؤه ودعاؤه والإفتقار إليه أو ~~سلوك الطريق الذي أمر بسلوكها هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ولم يكن في سلف الأمة ~~وأئمتها من يرد أدلة الكتاب ولا السنة على شيء من مسائل الصفات ولا غيرها ~~بل ينكرون على أهل الكلام الذين يعدلون عما دل عليه الكتاب والسنة إلى ما ~~يناقض ذلك ولا كانوا ينكرون المعقولات الصحيحة أصلا ولا يدفعونها بل يحتجون ~~بالمعقولات الصريحة كما أرشد إليها القرآن ودل عليها فعامة المطالب الإلهية ~~قد دل القرآن عليها بالأدلة العقلية والبراهين اليقينية كما قد بسط الكلام ~~فيه في غير هذا الموضع ولكن طائفة من أهل الكلام والفلسفة ظنوا أن دلائل ~~القرآن إنما هي مجرد أخباره فيتوقف على العلم بصدق # PageV01P295 # المخبر وهذا من بعض ما فيه من الأدلة ولكن فيه الإرشاد والبيان للأدلة ~~التي يعلم بالعقل دلالتها على المطلوب فهي أدلة شرعية عقلية وغالب ما في ~~القرآن من هذا الباب ولكن هذا ليس موضع بسط ذلك ولكن المقصود هنا التنبيه ~~على حال هؤلاء أهل الإحاطة القائلين بالوجود المطلق # PageV01P296 # ولما اجتمع بي بعض حذاقهم وعنده أن هذا المذهب هو غاية التحقيق الذي ~~ينتهي إليه الأكملون من الخلق ولا يفهمه إلا خواصهم وذكر أن الإحاطة هو ~~الوجود المطلق قلت له فأنتم تثبتون أمركم على القوانين المنطقية ومن ~~المعروف في قوانين المنطق أن المطلق لا يوجد في الخارج مطلقا بل لا يوجد ~~إلا معينا فلا يكون الوجود المطلق موجودا في الخارج فبهت ثم أخذ يفتش لعله ~~يظفر بجواب فقال نستثني الوجود المطلق من الكليات فقلت له غلبت وضحكت لظهور ~~فساد كلامه وذلك أن القانون المذكور لو فرق فيه بين مطلق ومطلق لفسد ~~القانون ولأن هذا فرق بمجرد الدعوى والتحكم ولأن ما في القانون صحيح في ~~نفسه وإن لم يقولوه وهو يعم كل مطلق فإنا نعلم بالضرورة أن الخارج لا يكون ~~فيه مطلق كلي أصلا أما المطلق بشرط الإطلاق مثل ms172 الإنسان المسلوب عنه جميع ~~القيود الذي ليس هو واحدا ولا كثيرا ولا موجودا ولا معدوما ولا كليا ولا ~~جزئيا فهذا لا يكون في الخارج إلا إنسان موجود ولا بد أن يكون واحدا أو ~~متعددا ولا بد أن يكون معينا جزئيا وإذا قيل أن هذا في الذهن فالمراد به أن ~~الذهن يقدره ويفرضه وإلا فكونه في الذهن تقييد فيه لكن الذهن # PageV01P296 # يفرض أمورا ممتنعة لا يمكن ثبوتها في الخارج والمطلق من هذه الممتنعات ~~سواء كان إنسانا أو حيوانا أو وجودا أو غير ذلك بل الوجود المطلق بشرط ~~الإطلاق أشد امتناعا في الخارج فإنه يمتنع أن يكون وجودا لا قائما بنفسه ~~ولا بغيره ولا قديما ولا محدثا ولا جوهرا ولا عرضا ولا واجبا ولا ممكنا ~~ومعلوم أن هذا لا يتصور وجوده في الخارج # PageV01P297 # وابن سينا وأتباعه لما ادعوا أن واجب الوجود هو المطلق بشرط الإطلاق لم ~~يمكنهم أن يجعلوه مطلقا عن الأمور السلبية والإضافية بل قالوا وجود مقيد ~~بسلوب وإضافات لكنه ليس مقيدا بقيود ثبوتية وقد يعبر عن قولهم بأنه الوجود ~~المقيد بكونه غير عارض لشيء من الماهيات وهذا تعبير الرازي وغيره عنه لكن ~~هذا التعبير مبني على أن وجود غيره عارض لماهيته وهو مبني على أن ماهية ~~الشيء في الخارج ثابتة بدون الشيء الموجود في الخارج وهذا أصل باطل لهم ~~فإذا عبر عنه بهذه العبارة لم يفهم كل أحد معناه وأما إذا عبر عنه بالعبارة ~~التي يعلمون هم أنها تدل على مذهبهم بلا نزاع انكشف مذهبهم وإذا قالوا هو ~~الوجود المقيد بقيود سلبية كان في هذا أنواع من الضلال منها أنهم لم يجعلوه ~~مطلقا فإن كونه مقيدا بقيد سلبي أو إضافي نوع تقييد فيه وهذا القيد لم ~~يجعله أحق بالوجود بل جعله أحق بالعدم ومعلوم أن الوجود الواجب أحق بالوجود ~~من الوجود الممكن فكيف يكون أحق بالعدم من الممكن # PageV01P297 # وذلك أنهم يقسمون الكلي ثلاثة أقسام طبيعي ومنطقي وعقلي فالأول هو المطلق ~~لا بشرط أصلا كما إذا اخذ الإنسان مجردا والجسم مجردا ms173 ولم يقيد بقيد ثبوتي ~~ولا سلبي فلا يقال واحد ولا كثير ولا موجود ولا معدوم ولا غير ذلك من ~~القيود والثاني وصف هذا بكونه عاما كليا ونحو ذلك فهذا هو المنطقي والثالث ~~مجموع الأمرين وهو ذلك الكلي مع اتصافه بكونه عاما كليا فهذا هو العقلي ~~وهذان لا يوجدان إلا في الذهن باتفاقهم إلا على رأي من يقول بالمثل ~~الأفلاطونية وأما الأول فيقولون أنه يوجد في الخارج ولكن التحقيق أنه لا ~~يوجد كليا ولا يوجد إلا معينا والتعيين لا ينافيه فإنه يصدق على المعين ~~وعلى غير المعين وعلى الذهني والخارجي فهو يفيد وجوده في الخارج جزئيا ~~وإنما يفيد كونه كليا فإنما يتصوره الذهن ويقدره وهو كلي لشموله جزئياته ~~وعمومه لها كما يقال في اللفظ أنه عام لعمومه لأفراده وإلا فهو في نفسه شيء ~~معين قائم بمحل معين فهو جزئي باعتبار ذاته كما أن اللفظ العام الكلي هو ~~باعتبار نفسه ومحله لفظ خاص معين وبهذا التفريق يزول ما يعرض من الشبهة في ~~هذا المكان للرازي وأمثاله والمقصود هنا أن المطلق بشرط الإطلاق عن القيود # PageV01P298 # الثبوتية والعدمية لا وجود له إلا في الذهن والمجوزون للمثل الأفلاطونية ~~مع أن قولهم فاسد فإنهم لا يقولون أن الماهيات الكليات مجردة عن كل قيد بل ~~يقولون هي موجودة لا معدومة ولكنها مجردة عن الأعيان المحسوسة وقول هؤلاء ~~معلوم الفساد عند جماهير العقلاء فكيف بإثبات أمر مطلق مجرد عن كل قيد سلبي ~~وثبوتي ثم من المعلوم أن المقيد بالقيود السلبية دون الثبوتية أولى بالعدم ~~عن المقيد بسلب النقيضين فإن المقيد بسلب النقيضين ليس امتناع العدم أحق به ~~من امتناع الوجود بل هو ممتنع الوجود كما هو ممتنع العدم فلا يقال هو موجود ~~ولا يقال هو معدوم وأما المقيد بالقيود السلبية فالعدم أحق به من الوجود ~~فإنه معدوم ليس بموجود وهو يفيد كونه معدوما ممتنع الوجود ليس ممتنع العدم ~~بل هو واجب العدم ممتنع الوجود ومعلوم أن هذا أعظم مناقضة للوجود فضلا عن ~~الوجود الواجب مما هو يقال فيه ms174 انه ممتنع الوجود وممتنع العدم فإن هذا ~~يناقض الوجود كما يناقض العدم وذاك يناقض العدم دون الوجود وما ناقض الشيء ~~دون نقيضه فهو أعظم مناقضة مما ناقضه وناقض نقيضه فعدوك وعدو عدوك أقل ~~مضارة لك من عدوك الذي ليس بعدو عدوك فإن هذا يضر من كل وجه وذاك يضر من ~~وجه وينفع من وجه ولهذا كان قول من لم يصف الرب إلا بالصفات السلبية أعظم ~~مناقضة لوجوده ممن لم يصفه لا بالسلبيات ولا بالثبوتيات فقول هؤلاء ~~المتفلسفة كابن سينا وأمثاله # PageV01P299 # الذين يجعلونه مقيدا بالأمور السلبية والإضافة دون الثبوتية أبلغ في ~~التعطيل ممن يقول لا يقيد لا بأمور سلبية ولا ثبوتية فإذا قالوا هو الوجود ~~المقيد بالسلب العام بحيث يسلبون عنه كل أمر ثبوتي فقد جمعوا بين النقيضين ~~فحقيقة قولهم هو موجود ليس بموجود هو واجب الوجود ممتنع الوجود وأولئك إذا ~~قالوا ليس بموجود ولا معدوم فقد رفعوا النقيضين ولكن أولئك يرفعون الأمور ~~المتناقضة جميعها من الجانبين فيقولون لا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ~~وهؤلاء لا يرفعون جميع الأمور الثبوتية ولا يثبتون إلا وجودا مجردا مسلوبا ~~عنه كل أمر ثبوتي لا يثبتون من الأمور الثبوتية بقدر ما ينفونه من الأمور ~~العدمية فكانوا أدخل في العدم من هذا الوجه وإن كانوا يتناقضون إذا قالوا ~~معقول وعاقل وعقل ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق فإنهم يثبتون معاني ~~متعددة وجودية ثم يجعلونها أمورا عدمية ومنها أنه إذا كان مقيدا بقيد سلبي ~~أو إضافي كان مشاركا لغيره في مسمى الوجود ممتازا عنه بالقيود السلبية ~~والأمور السلبية لا تميز بين مشتركين سواء سمي فصلا أو خاصة بل متى كان ~~المميز بين المشتركين في الوجود أمرا سلبيا فلا يتضمن ثبوتا فلم يحصل به ~~تمييز فهم مضطربون إلى أحد أمرين إما رفع الإمتياز بالكلية فيبقى وجودا ~~مطلقا لا يمتاز لا بثبوت ولا عدم فلا تبقى له حقيقة وإما التمييز بأمور ~~ثبوتية فتبين أنه لا بد من حقيقة تخصه ليست هي الوجود المطلق وأهل الإحاطة ~~إن فسروا ms175 الوجود الإحاطي بالوجود # PageV01P300 # المطلق المجرد عن الإثبات والنفي فهو أبلغ في التعطيل من قول ابن سينا من ~~بعض الوجوه حيث كان ما ذكروه يمتنع أن يكون موجودا أو معدوما لرفعهم ~~النقيضين من جميع الجهات وابن سينا جمع بين النقيضين من بعض الوجوه ورفع ~~النقيضين من كل وجه أبلغ في النفي من رفع النقيضين من بعض الوجوه وقوله ~~أبلغ في التعطيل من جهة أخرى من جهة أن الأمور العدمية التي قيده بها أمور ~~كثيرة جدا ولم يثبت من الناحية الأخرى إلا وجودا مجردا لا حقيقة له هذا قول ~~الباطنية كأبي يعقوب إسحق بن أحمد السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية ~~والافتخار وغيرهما فإنهم ينفون عنه الثبوت والانتفاء وهو معلوم الفساد ~~بالاضطرار كما تبين وقولهم يستثنى الوجود من الأمور المطلقة هو بالعكس أحرى ~~فإن الوجود المطلق يعم كل شيء فهو أعم للأمور الموجودات كسائر الأسماء ~~العامة مثل الشيء والثابت والحق والحقيقة والماهية والذات ونحو ذلك فهذه ~~أعم الكليات وأوسع المطلقات فمتى جوز الإنسان أن يكون هذا المطلق # PageV01P301 # ثابتا في الخارج بشرط الإطلاق بحيث يكون وجود ذلك الوجود لا قائم بنفسه ~~ولا قائم بغيره ولا قديم ولا محدث ولا واجب ولا ممكن ولا خالق ولا مخلوق ~~ولا واحد ولا متعدد ولا جوهر ولا عرض ولا صفة ولا موصوف ولا ثابت ولا منتفي ~~كان هذا مع ما فيه من مكابرة العقل وجحد الضروريات مسوغا تجويز مثل ذلك ~~فيما هو أخص من الوجود فإن الخطر فيه أهون فإن ما انتفى عن المطلق العام ~~انتفى عن المعين الخاص فما انتفى عن الموجود انتفى عن الجسم والحيوان ~~والإنسان وليس ما انتفى عن الخاص يجب نفيه عن العام فليس ما انتفى عن ~~الإنسان من كونه ليس حمارا ولا بهيمة يجب نفيه عن الموجود مطلقا فإذا جوز ~~هؤلاء المخذولون في عقلهم ودينهم أن يكون الموجود ثابتا في الخارج مع وصفه ~~بهذه السلوب الجامعة للمتقابلين كان تجويز ذلك فيما هو أخص من الوجود أولى ~~وأحرى وقال لي رجل من أعيانهم بلغنا أنك ms176 ترد على الشيخ عبد الحق نحن نقول ~~أن الناس ما يفهمون كلامه فإن كنت تشرحه لنا وتبين فساده قبلنا وإلا فلا ~~فقلت له نعم أنا أبين لك مراده من كتبه كالبد والإحاطة والفقرية وغير ذلك ~~فقال عندنا الكتاب الخاص الذي يسمى لوح الأصالة وهو سر السر وهو الذي نطلب ~~بيانه ولم أكن رأيته فذهب وجاء به ففسرته له حتى تبين مراده وكتب أسئلة # PageV01P302 # سألني عنها تكلمت فيها على أصل قولهم وقول ابن عربي وابن سينا ومن ضاهى ~~هؤلاء وبينت له أن أصل قولهم يرجع إلى الوجود المطلق ثم بينت له أن المطلق ~~لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان وكان له فضيلة فلما تبين له ذلك أخذ ~~يصنف في الرد عليهم وذهب إلى شيخ كبير منهم فقال له بلغني أنك جرى بينك ~~وبين فلان كلام قال نعم قال أي شيء قال لك قال فقال لي آخر أمركم ينتهي إلى ~~الوجود المطلق قال جيد قال بأي شيء يرد ذلك قال المطلق إنما هو في الأذهان ~~لا في الأعيان فقال أخرب بيوتنا وقلع أصولنا هذا ونحوه فيقال في هذا أما ~~المطلق لا بشرط فهو الذي يصدق على الأعيان وهو الذي يسمى الكلي الطبيعي ~~فإذا قيل إنسان لا بشرط كونه واحدا ولا كثيرا ولا بشرط كونه موجودا ومعدوما ~~فهذا يوجد في الخارج معينا مقيدا ومن ظن أنه يوجد كليا في الخارج فقد غلط ~~وإنما يوجد في الخارج جزئيا معينا فهو كلي في الذهن وأما في الخارج فلا ~~يوجد إلا جزئيا وسمي كليا كما يسمى الاسم عاما والمعنى الذي في النفس عاما ~~لشموله الأفراد الثابتة في الخارج لا لأنه في حال وجوده في الخارج يكون ~~عاما أو مطلقا فإن هذا ممتنع فليس في الخارج إلا ما له حقيقة تخصه لا عموم ~~فيها ولا إطلاق والمنطقيون يقولون الكلي سواء كان جنسا أو فصلا # PageV01P303 # أو نوعا أو خاصة أو عرضا عاما له ثلاثة اعتبارات طبيعي ومنطقي وعقلي ~~فالطبيعي هو المطلق لا بشرط الذي لا تقيد ms177 فيه الحقيقة بقيد أصلا لا ثبوتي ~~ولا سلبي ثم أصحاب المثل الأفلاطونية يزعمون أن هذه الكليات ثابتة في ~~الخارج دائمة أزلية بدون أعيانها وأرسطو وأتباعه ينكرون ذلك ويقولون لا ~~يوجد إلا مع الأعيان والتحقيق أنه ليس لها وجود في الخارج منفصل عن وجود ~~الأعيان ومن قال المطلق جزء من المعين كما يقولون الإنسان جزء من هذا ~~الإنسان وأرادوا بذلك تركيبا في الخارج من المطلق والمعين فهذا غلط وإن ~~أرادوا أن الإنسان هذا المعين في الخارج هو الذي كان كليا في النفس فهذا ~~صحيح وقولنا هذا الإنسان بمنزلة قولنا الرجل العالم والحيوان الناطق وذلك ~~يفيد اتصاف المعين بصفتين أحدهما أنه حيوان والأخرى أنه ناطق والحياة ~~والنطق صفتان قائمتان به ليسا جزأين تركب منهما في الخارج وكذلك قولنا هذا ~~الإنسان يفيد أن المعين موصوف بالإشارة إليه وبالإنسانية وقد بسط هذا في ~~غير هذا الموضع قالوا فهذا هو الكلي الطبيعي والمنطقي هو كون هذا الكلي ~~يوصف بالعموم والكلية والعقلي هو ما تركب منهما وهو الإنسان المقيد بقيد ~~كونه كليا وهذا ليس له وجود إلا في الذهن باتفاقهم إلا ما يحكى عن ~~الأفلاطونية ثم هذا الإنسان المقيد بكونه كليا لا تدخل فيه المعينات لأنها ~~ليست كليا ولا يصدق على زيد وعمرو أنه إنسان كلي # PageV01P304 # فإنه لا يصدق عليها مع كونه كليا وإنما يصدق عليها مع سلب الكلية وإذا ~~كانت عامة مشتركة وقيل أن مورد التقسيم مشترك بين الأقسام وقيل أن العموم ~~صادق على الأنواع والأشخاص فالعموم ليس هو الكلي الطبيعي فإن العموم لا ~~يكون إلا ما يتصف بالكثرة القابلة للقسمة ولعدتها وهذا ليس هو الطبيعي بل ~~العموم هو الكلي العقلي وذلك متناول للأنواع والأشخاص وهو صادق عليها ولكن ~~حال تناوله للأعيان لا يكون كليا كما يقال أن الكلي الطبيعي موجود في ~~الخارج مع أنه حال وجوده في الخارج لا يكون كليا ولكن ما كان مطلقا وكليا ~~في الذهن لا يكون ما في الخارج مماثلا له من كل وجه بل يكون ما في الخارج ~~معينا ms178 وكذلك سائر ما في الذهن إذا قيل أنه موجود في الخارج فهو موجود في ~~الذهن بحسب ما يناسب الخارج كما إذا قيل فعلت ما في نفسي وقلت ما في نفسي ~~فهو في النفس تصور له وارداه # PageV01P305 # وفي الخارج وجود المتصور والمراد وهذا أمر يعقله الناس ويعرفونه فلا ~~يتصور عاقل أن المتصور في الذهن إذا قيل أنه موجود في الخارج يكون حقيقة ~~هذا مماثلا لحقيقة هذا من كل وجه وأن هذا كما يقال إن هذا المحتوى مطابق ~~لهذا اللفظ وهذا اللفظ مطابق لهذا المعنى والاعتقاد والتصور مطابق للحق فمن ~~فهم هذا انحلت عليه شبهات تعرض في مثل هذا الوضع حتى ظن شخص كالرازي أن ~~العلم ليس هو عمل أو انطباع العلوم في العالم واحتج بأن ذلك يوجب أن يكون ~~في نفس العالم بالنار نار كالنار الموجودة في الخارج ولولا إدراكها وتصور ~~المراد ما كانت ولا يخطر مثل هذا ببال عاقل يتصور ما يقول وكونه كليا قد ~~يراد به وجوب شموله للأفراد فيكون عاما وقد يراد به أنه لا يمنع تصوره من ~~وقوع الشركة فيه فيكون مطلقا وهو مرادهم بكونه كليا وهو مورد التقسيم بين ~~أنواع الموجودات فإن مورد التقسيم مشترك بين الأقسام شامل لها متناول لها ~~إما على سبيل الجمع وهو تناول العموم الجمعي وإما على سبيل # PageV01P306 # البدل وهو الإطلاق والعموم البدلي كقوله تعالى {فتحرير رقبة} وطائفة من ~~هؤلاء يقولون أن الوجود الواجب هو هذا المطلق لا بشرط وعلى هذا التقدير ~~فيكون هو عين وجود الموجودات الممكنة الموجودة أو جزء من ذلك فيكون الوجود ~~الواجب الخالق للعالم هو نفس وجود المخلوق أو جزء من وجود المخلوق فقد تبين ~~أنه إذا قيل أنه وجود مطلق فإن عنى به المطلق لا بشرط وهو الطبيعي لزم أن ~~لا يكون للواجب وجود إلا وجود مخلوقاته أو جزء من وجود مخلوقاته وإن عنى به ~~المطلق بشرط الإطلاق أمتنع وجوده إلا في الذهن وهو الكلي العقلي وإن عنى به ~~الوجود المقيد بالقيود السلبية فقط كما قاله ابن ms179 سينا وأتباعه فهو وإن كان ~~أخص من المطلق لا بشرط فهو أعم من المطلق بشرط الإطلاق عن السلب والثبوت ~~وهو أعظم امتناعا منه عن الوجود في الخارج فإن المطلق المقيد بالثبوت أولى ~~بالوجود من المطلق المقيد بالسلب والمقيد بسلب الثبوت والعدم ممتنع وهو أحق ~~بالامتناع من وجه لكونه سلب فيه النقيضان والمقيد بالعدم أحق بالعدم من وجه ~~من جهة كونه مشروطا فيه العدم فيمتنع أن يكون موجودا مع كونه معدوما ~~فهذ0627 # PageV01P307 # يستلزم العدم بنفسه وذاك يستلزم العدم بواسطة علمنا بأنه ممتنع وكل ممتنع ~~معدوم فذاك أحق بظهور العدم وعلمنا بأنه معدوم مانعه من أن يكون موجودا وقد ~~امتنع أن يكون معدوما كما يمتنع أن يكون موجودا إذ كان مقيدا بسلب الأمرين ~~والعدم قد يكون له تحقق في الخارج كما يعدم عن الإنسان كونه فرسا وأما بين ~~الوجود والعدم جميعا فلا يتحقق في الخارج لكن إذا قيل كل موجود مقيد بسلب ~~جميع الحقائق كان هذا جمعا بين النقيضين وهذا يناسب قول من قال لا يوصف ~~الرب إلا بصفة سلبية وذاك يناسب قول من قال لا يوصف الرب لا بسلبه ولا ~~ثبوته # تم الجزء الأول بحمد الله ويليه الجزء الثاني إن شاء الله وأوله وهذا ~~الثاني قول غلاة القرامطة # PageV01P308 # وهذا الثاني قول غلاة القرامطة الباطنية كأبي يعقوب السجستاني صاحب ~~الأقاليد الملكوتية وأمثاله وعمدتهم في ذلك نفي التشبيه وهذا لفظه في كتاب ~~الافتخار له قال: "تعالوا أيها الأمم المختلفة لنريكم ما به افتخارنا ونظهر ~~عوراتكم ونكشف عن عيوبكم ولنبتدىء أولا بالتوحيد فأقول إنكم رميتمونا ~~بالتعطيل وسميتم أنفسكم موحدة وأنتم بما رميتمونا به أشد استحقاقا وله ~~التزاما ونحن بما سميتم به أنفسكم أحق منكم وذلك أنكم تعلمون يقينا أنا نقر ~~بأن لهذا العالم مبدعا أبدعه لا من شيء ولا من مادة ولا بآلة ولا بمعين ولا ~~بمثال صورة معلومة عنده قد نطقت وانتشرت دعوتنا إليه # PageV02P003 # فلما جردناه عن الصفات والإضافات وقدسناه عن النعوت والسمات قدحتم فينا ~~وسميتمونا معطلة. # أليس التعطيل هو الإنكار الذي يؤدي ms180 قولكم في معبودكم إليه لأنكم إذا ~~أضفتم مبدعكم وخالقكم إلى أي شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير ~~ثم يكون الموسوم به من خلقه غير مبدع ولا خالق ولا بارىء جاز أن يكون ~~مبدعكم وبارئكم من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه الذي نفيتموه أن يكون ~~مبدعا وخالقا وبارئا أن يكون غير مبدع ولا خالق ولا بارىء وما قدم الغير ~~عليه كان عما يتلوه معطلا فأي الفريقين أحق بالتعطيل أهل الحقائق الذين ~~أقروا به على الرسم الذي رسموه أم أنتم قد أنكرتم ما أقررتم به فإذا كان ~~إقراركم بتوحيدكم يؤدي إلى التعطيل وإقرارنا إلى الإثبات المحض فأي افتخار ~~أعظم من درك الحقائق والوقوف على الطرائق". # ومضمون كلامه أنكم إذا أضفتم خالقكم ومبدعكم إلى شيء مما يوسم به خلقه من ~~لفظ قول أو عقد ضمير مثل قولكم ذو القوة وذو العلم ونحو ذلك مما تضاف فيه ~~الذات إلى صفاتها فيقال فهي ذات علم وقدرة وحياة ونحو ذلك وكان الموسم بذلك ~~الوسم غير خالق جاز أن يكون غير مبدع ولا خالق لأن هذا تشبيه له # PageV02P004 # بخلقه من بعض الوجوه وإذا أشبهه من وجه جاز عليه من ذلك الوجه ما يجوز ~~على المخلوق والمخلوق يمتنع أن يكون خالقا فيمتنع أن يكون الخالق خالقا. # وهذه الشبهة تدور في كلام كثير من الناس والجواب عنها من وجوه: # أحدها: أنه لا يوصف بمثل ما يوصف به شيء من المخلوقات ولا تضاف ذاته إلى ~~صفة تماثل صفة المخلوقين بل لا توصف بنفس ما يوصف به غيره ولا تضاف ذاته ~~إلى الصفة التي تضاف إليها ذات غيره بل ليس في المخلوقات شيء يوصف بنفس ما ~~يوصف به غيره ولا تضاف ذاته إلى الصفة التي أضيفت إليها ذات غيره ولا يوسم ~~بنفس سمة غيره فالخالق أولى أن لا يكون كذلك. # نعم في المخلوقات ما يكون له مثل فيوصف بمثل ما يوصف به غيره ويوسم بمثل ~~ما يوسم به غيره وتضاف ذاته إلى صفة مثل الصفة التي ms181 أضيفت إليها ذات غيره. # والخالق سبحانه لا مثل له فيمتنع أن تكون نفس صفته صفة غيره أو مثل صفة ~~غيره وكذلك يقال يمتنع أن تكون ذاته مضافة إلى الصفة التي تضاف ذات غيره ~~إليها أو إلى مثلها أو أن يكون موسوما بذلك. # فإذا قيل في حقه تعالى: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (سورة ~~الذاريات 58) وقيل في حقه: {ولا يحيطون بشيء من علمه} # PageV02P005 # (سورة البقرة 255) وقيل في حق المخلوق إن له قوة وعلما لم يكن هذا العلم ~~والقوة هو هذا العلم والقوة ولا هو مثله بل هذا علم وقوة يختص به الرب وهذا ~~علم وقوة يختص به العبد وإذا اتفقا في مسمى القوة والعلم عند الإطلاق لم ~~يستلزم ذلك أن يكون أحدهما هو عين الآخر ولا أن يكون مثله. # بل إذا قيل في الفلك إنه شيء قائم بنفسه وقيل في الخشبة إنها شيء قائم ~~بنفسه موجود لم يلزم أن يكون هذا هو هذا ولا مثله وإذا قيل في لون السماء ~~إنه عرض قائم بغيره وقيل في طعم التفاحة إنه عرض قائم بغيره لم يجب أن يكون ~~هذا هو ذاك ولا مثله. # فاجتماع الشيئين في اسم عام لا يوجب أن يكون ما يتصف به أحدهما من ذلك ~~المسمى هو نفس ما يتصف به الآخر ولا مثله وهذه الأسماء التي يسميها بعض ~~الناس مشككة وهو نوع من الأسماء المتواطئة التواطؤ العام وهي من الأسماء ~~العامة التي تسميها النحاة اسم جنس ويسمى معانيها المنطقيون الكليات. # والجواب الثاني أن يقال لهذا المستدل أنت قد قلت في أول خطبة كتابك: ~~"الحمد لله المعبود بلا ولا ولا الذي سنا مجده في صدور أوليائه يتلألأ بأنه ~~بعد لا إله إلا المبدع ذي الجود الغفور الرحيم" وقلت: "أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له شهادة تنفي عنه كل إثبات # PageV02P006 # مؤيسة لديه ساه وشبه بأنه مبدع الكل أحرى لا يستنكف أحد من عبادته ~~والخضوع له بربوبيته والتذلل لعزته وجلاله المتعزز بالكبرياء والجبروت ~~والمنفرد بالعظمة والملكوت ms182 والمتوحد بكلمة اللاهوت العزيز في سلطانه فلا ~~يغالب والمتكبر بقدسه عن رويات الخواطر فلا يطالب الظاهر بقدرته في جميع ~~بريته فلا ينكر والشاهد بنافذ أمره فلا يستر المحتجب بتعمده عن أن يكون ~~كمثله شيء إذ هو بلفظ واسع أي أنه بادىء لا مسبوق له من التنزيه أسناها ومن ~~التسبيح أعلاها ومن التقديس أهناها وكلها وراء ما تحصره هوية العقل ~~ويستخرجه قواه والغنى بتمام قدرته عن أمثال الصور والأشباح ومبدع القلم ~~لتخطيط الألواح". # فأنت في هذا الكلام تذكر أنه ذو الجود الغفور الرحيم وذكرت أنه له عزة ~~وكبرياء وعظمة وجبروتا وملكوتا وذكرت أنه العزيز الظاهر بقدرته وغير ذلك ~~مما فيه إثبات أسماء لله وصفات وخلقه يسمون بما يشبه هذه الأسماء والصفات ~~فيقال لأحدهم رحيم عزيز. # PageV02P007 # كما قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم} (سورة التوبة 128) . # وقال تعالى: {قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه} ~~(سورة يوسف 51) . # وقال: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} (سورة المنافقون 8) . # وقال: {ولها عرش عظيم} (سورة النمل 23) . # وقال: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} (سورة غافر 35) . # وقال: {وكان وراءهم ملك} (سورة الكهف 79) ونظائر هذا متعددة. # فإذا كان المخلوق يوصف بأنه رحيم وعزيز وأن له رحمة وعزة وأنه عظيم جبار ~~متكبر ونحو ذلك فقد وصفته بالصفات والإضافات وأضفته إلى شيء مما يوسم به ~~خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير. # وإذا كان كذلك فإما أن يكون قولك متناقضا فيبطل وهكذا هو في نفس الأمر ~~فإن قولهم متناقض في نفسه فإنهم لا بد أن يعبروا عن الله بنوع ما من ~~العبارات المتضمنة للمعاني فيكون ذلك مناقضا لما ادعوه من التجريد والسلب ~~العام وإما أن تقول هذه الأمور التي أثبتها له ليست مثل ما يثبت للمخلوقين ~~فهذا جواب لك عما يثبته أهل الإثبات. # PageV02P008 # وإن ادعيت أن اللفظ مشترك اشتراكا لفظيا من غير أن يكون بين المعنيين ~~تشابه أصلا فهذا الجواب إن كان صحيحا أجابوا بمثله وإن كان باطلا ms183 لم ينفعك. # الجواب الثالث: أن يقال هب أنه حصل بين المسميين قدر مشترك هو ما اتفقا ~~فيه وهو المعنى العام الكلي لكن هذا المعنى العام الكلي لا يكون كليا إلا ~~في الذهن لا في الخارج لكن ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما ~~للموصوف به وهذا لا محذور فيه بل هو حق فإذا كان الخالق موجودا والمخلوق ~~موجودا أو هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه أو قيل هذا حي عليم رحيم وقيل ~~هذا حي عليم رحيم كان القدر العام الكلي المتفق هو مسمى الوجود والقيام ~~بالنفس والحياة والعلم والرحمة أو مسمى أنه موجود قائم بنفسه حي عالم رحيم. # وهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله بل لوازمه كلها صفات ~~كمال يوصف الله بها وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيد بالعبد فقيل وجود ~~العبد وعلم العبد ورحمة العبد فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد ~~والله منزه عما يختص به العبد وأما إذا اتصف الرب به أو أخذ مطلقا غير مختص ~~بالعبد ففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا فتبين أن إثبات ~~القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا. # PageV02P009 # الوجه الرابع: أن يقال: إذا قيل هذا يشبه هذا من وجه كذا فيجب أن يكون ~~حكمه حكمه من ذلك الوجه لم يجب أن يكون حكمه حكمه من غير ذلك الوجه فالسواد ~~إذا شارك البياض في كون كل منهما عرضا قائما بغيره لم يجب أن يشاركه من جهة ~~كونه سوادا والجسم القائم بنفسه إذا شارك العرض في كون كل منهما موجودا لم ~~يجب أن يشاركه في خصائص الأعراض وكذلك إذا قلنا إن الأجسام ليست متماثلة ~~وهو أصح القولين فالجسم إذا شارك الجسم في لوازم الجسمية لم يجب أن يشاركه ~~فيما يختص به أحدهما عن الآخر فإذا شاركه في كونه يشار إليه أو في كونه ~~قائما بنفسه أو في قبول الأبعاد الثلاثة أو غير ذلك لم يجب أن يكون التراب ~~مماثلا للنار فيما يختص به ولا ms184 التفاح مماثلا للخبر فيما يختص به. # وبهذا تظهر المغلطة في الحجة فإنه لما قال إذا أضفتم مبدعكم إلى شيء مما ~~يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير وكان الموسوم به غير مبدع ولا خالق ~~ولا بارىء جاز أن يكون مبدعكم وبارئكم من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه ~~الذي نفيتم أن يكون مبدعا خالقا أن يكون غير مبدع ولا خالق. # فإنه يقال له قولك من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه أتعني بذلك أنه ~~يثبت للمخلوق مثل ما يثبت له بحيث يجوز على هذا ما يجوز # PageV02P010 # على هذا ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه أتعني أنه يثبت له ~~ما فيه نوع من التشابه. # فإن ادعيت الأول كان ممنوعا وممتنعا فإنهم إذا قالوا لله علم وقدرة ~~وللمخلوق علم وقدرة لم يقولوا إن العلمين والقدرتين متماثلان بحيث يجب ~~لأحدهما ما وجب للآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجوز عليه ما يجوز عليه ~~بل هذا معلوم الفساد بالضرورة وإن كان بعض من يثبت له بعض الصفات وينفي ~~بعضها مثل من يثبت لله العلم والقدرة وينفي الرضا والغضب والوجه واليد قد ~~يقول ليس بين علمنا وعلم الله فرق ولا بين سمعنا وسمع الله فرق ولا بين ~~بصرنا وبصر الله فرق إلا في الحدوث والقدم. # ومقصوده بذلك أن ينفصل عن إلزام المثبتة فإنهم يقولون له كما أثبت لله ~~علما وقدرة وسمعا وبصرا وليس مثل سمعنا وبصرنا ولا علمنا وقدرتنا فكذلك ~~أثبت له رضا وغضبا ووجها ويدا وليس مثل رضانا ولا غضبنا ولا وجوهنا ولا ~~أيدينا فيريد بزعمه أن يذكر الفرق بأن التماثل موجود في الوصفين فليس بين ~~العلمين والقدرتين فرق إلا في الحدوث والقدم فكذلك يجب أن لا يكون بين ~~الوجهين واليدين إلا في الحدوث والقدم فيجب أن يكون وجهه ويده جارحة وكذلك ~~في سائر الصفات # PageV02P011 # وهذا القول باطل قطعا فإنه لو تماثل العلمان والقدرتان لجاز على أحدهما ~~ما يجوز على الآخر وامتنع عليه ما يمتنع عليه ووجب له ما وجب ms185 له ولو جاز أن ~~يقال ذلك في العلم والقدرة لجاز أن يقال ذلك في الحياة والسمع والبصر ~~والكلام والإرادة وغير ذلك من الصفات. # وإن جاز أن يقال ذلك في الصفات جاز مثله في الذات لأن نسبة علم الرب إلى ~~ذاته كنسبة علم العبد إلى ذاته فهما علمان وعالمان وإن جاز أن يقال العلم ~~مثل العلم إلا في الحدوث والقدم جاز أن يقال العالم كالعالم إلا في الحدوث ~~والقدم. # وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو يتبين من وجوه: # منها أنه لو تماثلت الذاتان لامتنع اختصاص أحدهما بالحدوث والأخرى بالقدم ~~فإن المقتضى لقدم الرب هو نفس ذاته لا يحتاج في ثبوت قدمه إلى غيره ~~والمقتضى لكون العبد مفتقرا إلى من يخلقه نفس ذاته ليس افتقاره مستفادا من ~~أمر خارج عن ذاته فإذا كان المثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر وهذه ~~الذات لا يجوز عليها القدم بل يمتنع عليها وتلك يجب لها القدم ويمتنع عليها ~~العدم وإذا امتنع تماثلهما فامتنع تماثل صفاتهما فإن صفة كل موصوف بحسبه. # فإن قيل الأمور المختلفة قد تشترك في لوازم متماثلة كالإنسان والفرس ~~يشتركان في الحيوانية. # قيل ليست الحيوانية العامة المختصة للإنسان مماثلة من كل وجه للحيوانية ~~المختصة بالفرس بل هما مختلفان حسب اختلاف الحقيقتين # PageV02P012 # وإن اشتركا في الحيوانية العامة فذلك العام لا يوجد عاما إلا في الذهن لا ~~في الخارج. # تبيين ذلك أن خاصة الحيوانية الحس والحركة الإرادية وإحساس الفرس ليس مثل ~~إحساس الإنسان بل ولا مثل إحساس الهر والفأر وإن اشتركا في الحيوانية ولا ~~حركته الإرادية مثل حركة هذه الحيوانات الإرادية ولو ماثل الإنسان سائر ~~الحيوان في الحس والحركة الإرادية للزم أن تثبت لكل منهما لوازم حس الآخر ~~وحركته الإرادية فإن ثبوت الملزوم بدون اللازم ممتنع وحس الإنسان وحركته ~~الإرادية يلزمهما لوازم يمتنع اتصاف الهر والفأر بها وكذلك بالعكس فعلمنا ~~أن الحس والحركة مختلفان فيهما بالنوع كما أن حقيقتهما مختلفة بالنوع ~~فحيوانيتهما مختلفة بالنوع والمختلف بالنوع والحقيقة ليس متماثلا ~~واشتراكهما في جنس الحيوانية كاشتراك السواد ms186 والبياض في جنس اللونية مع ~~أنهما مختلفان بالنوع والحقيقة. # وأيضا فكل ما للرب تعالى من صفات الكمال فهو من لوازم ذاته فلو ماثلته ~~ذات أخرى لاتصفت بمثل ما اتصف به الرب بحيث يكون بكل شيء عليما وعلى كل شيء ~~قديرا ويكون قادرا على خلق مثل هذا العالم وأمثال ذلك مما يعلم امتناعه. # وأيضا فالرب تعالى لو كان له مثل للزم أن يقدر على ما يقدر عليه وأن يريد ~~كما يريد وحينئذ فيمتنع وجود العالم لأنه إن أمكن أن يستقل به كل منهما لزم ~~أن يكون كل منهما فاعلا له كله غير فاعل لشيء # PageV02P013 # منه وهذا جمع بين النقيضين وإن لم يمكن أن يستقل به أحدهما إلا إذا تركه ~~الآخر كانت قدرته مشروطة بتمكين الآخر له وكذلك إن لم يمكن أحدهما فعله إلا ~~بمعاونة الآخر لزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا جعله الآخر قادرا وحينئذ فلا ~~يكون أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء وإذا لم يكن أحدهما حال الانفراد ~~قادرا على شيء امتنع حال الاجتماع قدرتهما لأنه ليس هناك شيء غيرهما ~~يجعلهما قادرين وليس لواحد منهما قدرة يعين بها الآخر فلو كان كل منهما صار ~~قادرا بجعل الآخر له لزم الدور في التأثير وهو الدور القبلي الباطل باتفاق ~~العقلاء وهو معلوم الفساد ضرورة بعد التصور # وهذا بخلاف إذا كان هناك ثالث يجعلهما قادرين بالاجتماع فإن هذا هو الدور ~~المعي وهو جائز ولهذا لا يوجد شيئان من الموجودات يصير لهما قدرة حال ~~الاجتماع إلا بإحداث ثالث ذلك لهما أو بانضمام قوة أحدهما إلى قوة الآخر ~~كالمشتركين من الآدميين لا بد أن يكون لأحدهما عند الإنفراد قدرة على شيء ~~أو عند الإجتماع تقوى قدرتهما # والتقدير هنا أنه لا شيء من القدرة ثابت حال الإنفراد وإذا كان تقدير مثل ~~له يستلزم أن يكون قادرا مثله وتقدير ربين قادرين ممتنع علم انتفاء مثله ~~وإذا كان تقديرهما غير قادرين ممتنعا أيضا علم انتفاء شريك على كل وجه وأن ~~تقدير مثل له أو شريك له ممتنع ms187 لذاته سواء # PageV02P014 # قدر المثل مشاركا أو غير مشارك وسواء قدر الشريك مماثلا أو غير مماثل ~~وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # ومما يبين امتناع تماثل العلمين أن الرب بكل شيء عليم سواء قيل إنه عالم ~~بعلم واحد أو بعلوم غير متناهية وليس علم العبد لا هكذا ولا هكذا بل هذا ~~ممتنع فيه ولو قال القائل علم الرب بالشيء المعين كعلم العبد به كان ممتنعا ~~فإن الرب يعلمه علم إحاطة به والعبد لا يحيط به. # وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الله أعلم وأقدر من خلقه كما قال تعالى: ~~{أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} (سورة فصلت 15) . # وقال تعالى: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم} إلى قوله: {هو أعلم بمن اتقى} (سورة النجم 32) . # وقال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (سورة النور 19) . # وقال تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} (سورة الإسراء 85) . # وهذا أوضح في المنقول والمعقول وأعظم من أن يحتاج إلى شواهد فكيف يجوز أن ~~يظن التماثل مع ثبوت التفاضل. # وهذا إنما ذكرته لأن بعض معتزلة الصفاتية الذين يثبتون الصفات السبعة ~~وينفون الصفات الخبرية ويزعمون أن هذا تشبيه ممتنع أورد عليهم هذا بسبب ~~محنة وقعت بين المثبتة والنفاة وكان قاضي القضاة وقيل بل نثبت هذه الصفات ~~مع انتفاء المماثلة كما أثبتم تلك الصفات # PageV02P015 # مع انتفاء المماثلة فكما أن له علما ولنا علم وليس علمه مثل علمنا ولنا ~~قدرة وله قدرة وليست قدرته مثل قدرتنا فكذلك يقال في الصفات الخبرية. # فقال ليس بين علمنا وعلمه فرق إلا في الحدوث والقدم فإذا أثبتنا له الوجه ~~ونحوه لزم أن يكون مثل وجوهنا إلا في الحدوث والقدم فعلم المعارضون له فساد ~~هذا القول وقبحه شرعا وعقلا وأن قولا يستلزم مثل هذا من أفسد الأقوال. # وهذا القول شعبة من قول الباطنية المذكورين نفاة الصفات الثبوتية ~~والسلبية والأسماء فإنهم جردوه عن جميع ذلك حذرا من التشبيه المذكور. # والمقصود هنا بيان جواب الباطنية القرامطة وهذا الجواب الذي ms188 ذكرناه على ~~أحد القولين وهو جواز كون النفي مشابها لغيره من وجه دون وجه وهذا هو ~~الصحيح الذي عليه أكثر الناس وهو المنصوص عن أحمد وغيره. # وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك وقالوا لا يتصور إلا التماثل من كل وجه أو ~~الاختلاف من كل وجه وقال هؤلاء إن الأجسام متماثلة من كل وجه والأعراض ~~المختلفة والأجناس كالسواد والبياض مختلفة من كل وجه # PageV02P016 # وهؤلاء يقولون إذا كان هذا حيا عالما وهذا حيا عالما لم يجب أن يكون ~~بينهما تشابه بوجه من الوجوه بل قد يكونان مختلفين من كل وجه لأنهما لم ~~يتماثلا في ذاتهما ولكن في صفتهما وذلك لا يوجب عندهم تماثلا ولا اختلافا ~~ولهذا قالوا الأجسام متماثلة مع اختلاف صفاتهما وزعموا أن الصفات التي ~~اختلفت لأجلها ليست لازمة لشيء منها بل يجوز أ 4 ن تتبدل على كل من الأجسام ~~مع بقاء حقيقته. # وهذا القول وإن كان القائل به كثير من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي ~~أبي يعلى وأبي المعالي وغيرهم فهو من أفسد الأقوال بل هو معلوم الفساد ~~بالضرورة بعد التصور الصحيح. # وهؤلاء يجيبون هؤلاء الباطنية بجواب خامس وهو أن الخالق والمخلوق إذا سمي ~~كل واحد منهما فاعلا أو قادرا أو غير ذلك فإنما لم يتماثلا في ذاتيهما ~~وإنما يكون التماثل في الذات إذا كان هذا جسما أو جوهرا والآخر كذلك وهؤلاء ~~يقولون كل من قال بأن الرب جسم كان مشبها ومن نفى ذلك لم يكن مشبها ولا ~~ينفصلون بهذا الجواب فإن منازعهم يقول فإذا أثبتم الصفات أو الأسماء لزم أن ~~يكون الموصوف المسمى جسما كما تقولون أنتم ذلك لمن أثبت ما نفيتموه ~~وجعلتموه # PageV02P017 # مجسما ولا يمكنهم أن يذكروا فرقا صحيحا وكل ما يقولونه يمكن المثبت أن ~~يقول لهم مثله فيلزم بطلان هذا الفرق بين ما سموه تجسيما وما لم يسموه ~~تجسيما فلزم إما إثبات الجميع وإما نفي الجميع. # ونفي الجميع ممتنع لأنه قد علم بالضرورة أن الموجود ينقسم إلى واجب قديم ~~قيوم غني خالق وإلى ممكن محدث مدبر فقير ms189 مخلوق فلا سبيل إلى جعل الوجود كله ~~واحدا واجبا كما يقوله أهل الوحدة ولا إلى جعله كله مخلوقا مربوبا محدثا ~~كما يذكر عن بعضهم أنه ادعى حدوث الوجود كله بدون محدث فإن فساد كل من ~~القولين من أبين العلوم الضرورية البديهية ولهذا كان أهل الوحدة متناقضين ~~لا يلتزمون قولهم وأما حدوث الوجود جميعه بدون محدث فلا تعرف طائفة قالته ~~وإنما يقدر تقديرا ذهنيا كما تقدر كثير من الأقوال السوفسطائية لتبيين ~~بطلانها وانتفائها. # فقد تبين أن أقوال نفاة الصفات كقول أهل الإلحاد المعطلة للصانع وأن ~~القول الثاني قول من يقول بالوجود المطلق عن النفي والإثبات هو أحد قولي ~~القرامطة الباطنية والأول قول القرامطة الباطنية الذين يلونهم نفاة الصفات ~~الثبوتية الذين لا يصفونه إلا بالسلوب. # PageV02P018 # فابن سينا وأمثاله من أئمة هؤلاء وكان أهل بيته من أهل دعوة الحاكم ~~وأمثاله من أئمة القرامطة الباطنية الإسماعيلية. # وقول من قال المطلق لا بشرط الذي يصدق على كل موجود فهو يشبه قول من يجمع ~~بين النقيضين فيصفه بصفة كل موجود وإن كانت متناقضة ويجعل وجود الخالق هو ~~وجود المخلوق أو جزء منه # PageV02P018 # وعلى كل تقدير فحقيقة قول هؤلاء نفي الوجود الواجب المباين للوجود الممكن ~~ونفي وجود الخالق المباين للمخلوقات ونفي وجود القديم المباين للمحدثات ~~وهذا قول المعطلة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا بيان أن طريقة ابن سينا وأتباعه في الوجود الواجب لا يفيد ~~إلا إثبات وجود واجب فقط وأنها لا تفيد أنه مباين للعالم إلا بطريقة نفي ~~الصفات وهي باطلة ولو صحت لم تفد إلا إثبات هذا الوجود المطلق لا تفيد ~~وجودا مباينا للمخلوقات منفصلا عنها فتفيد إثبات وجود في الذهن أو إثبات ~~وجود مشترك بين الموجودات لا تفيد إثبات وجود مباين لوجود الممكنات. # وهو إنما أخذه من كلام المعتزلة لما قسموا الموجود إلى محدث وقديم وبينوا ~~ثبوت القديم أخذ هو يقسمه إلى واجب وممكن وغرضه إثبات وجود الواجب بدون ~~إثبات حدوث العالم وجعل وجود العالم ممكنا وخالف بذلك طريقة سلفه الفلاسفة ~~كأرسطو ms190 وأتباعه فإن الممكن عندهم لا يكون موجودا وهم لم يقسموا الوجود إلى ~~واجب وممكن كما فعله ابن سينا بل أثبتوا العلة الأولى بالحركة فقالوا الفلك ~~يتحرك حركة شوقية للتشبه بالعلة الأولى وهو عندهم محرك للفلك كتحريك ~~المحبوب لمحبه وقولهم أعظم فسادا من قول ابن سينا. # وهذه الطريقة التي سلكها ابن سينا وأتباعه والمعتزلة يمكن سلوكها بأنواع ~~أخر مثل أن يقال الوجود ينقسم إلى غنى عن غيره وفقير إلى # PageV02P019 # غيره والفقير لا يوجد بدون الغنى فيلزم وجود الغني على التقديرين والوجود ~~ينقسم إلى قيوم يقوم بنفسه ويقيم غيره وإلى ما ليس بقيوم وما ليس بقيوم لا ~~يوجد إلا بالقيوم فيلزم وجود القيوم على التقديرين. # وكذلك يقال الوجود ينقسم إلى مخلوق وإلى غير مخلوق والمخلوق لا بد له من ~~وجود خالق غير مخلوق فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين ثم ~~يقال وهذا الموجود الذي ليس بمخلوق هو الخالق للمخلوقات فإن وجوده إنما علم ~~بضرورة وجود المخلوقات فثبت وجود الخالق على كل تقدير. # ثم يقال والقديم إما قديم بنفسه وإما قديم بغيره والقديم بغيره ممتنع ~~لأنه لا يكون قديما بنفسه إلا إذا كان لازما للقديم بنفسه وإلا فلو جاز أن ~~يوجد معه وجاز أن لا يوجد معه لم يترجح أحدهما إلا بمرجح لكن القديم المحدث ~~للمخلوقات لا يجوز أن يلزمه شيء من آثاره لأن آثاره لا تلزمه إلا إذا كان ~~موجبا بنفسه بحيث لا يتخلف عنه موجبه ولو كان كذلك لم تصدر عنه الحوادث لا ~~بوسط ولا بغير وسط فإذا صدرت عنه الحوادث علم أنه ليس مستلزما لمفعوله. # وإذا قيل إن العقول لازمة له وهي موجبة للأفلاك ولأنفس الأفلاك # PageV02P020 # قيل فالأفلاك مستلزمة للحوادث والحوادث مقارنة للعقول اللازمة له فلم يزل ~~فاعلا للحوادث وعلى عبارتهم لم يزل علة لها أو موجبا والعلة القديمة ~~المستلزمة لمعلولها لا يكون معلولها حادثا ولا مستلزما للحوادث ولا مقارنا ~~لحادث ولا شيء من معلولها لأنه يقتضي أن ذلك الحادث قديم معها معلول لها ~~والحادث لا يكون مقارنا ms191 للقديم ولا معلولا له ولا يمكن أن يقال بتسلسل ~~الحوادث وحدوثها شيئا بعد شيء على هذا التقدير لأنها على هذا التقدير لا ~~تكون في الأزل علة لشيء من الحوادث ولكن تكون علة لكل واحد عند حدوثه إذ ~~العلة التامة هي المستلزمة للمعلول وتكون عليتها وتأثيرها حادثة شيئا فشيئا ~~كحدوث المعلولات التي هي الآثار وإذا كان المعلول لا يخلو عن حادث فيكون ~~مستلزما للحوادث ومقارنا لها لم يمكن وجوده إلا مع لازمه المقارن له ووجود ~~لازمه عنها في الأزل محال فوجود الملزوم عنها في الأزل محال سواء جعل ~~اللازم مجموع الحوادث أو واحد من الحوادث أو نوع الحوادث شيئا بعد شيء فعلى ~~التقديرات الثلاثة لا يمكن وجود ذلك عن علة أزلية وهي الموجب بذاته وهذا ~~لأن الجميع معلول لها # PageV02P021 # أما إذا قدر أنها هي تحدث الحوادث شيئا بعد شيء فلا تكون علة تامة ~~للحوادث وقدر هناك موجب بذاته لشيء آخر وهو مقارن للحوادث أمكن أن يقال إن ~~نوع الحوادث دائم مع وجود شيء آخر باق أزلي فإنما الكلام هنا إذا كان ~~العالم جميعه معلولا للعلة التامة الأزلية فإن هذا ممتنع على كل تقدير سواء ~~قدر العالم لا يخلو من الحوادث أو قدر أن الحوادث حصلت فيه بعد أن لم تكن. # أما على الأول فلأنه لم يوجد بدون الحوادث ولا يمكن وجوده مع الحوادث عن ~~علة تامة مستلزمة لمعلولها وأما إذا قدر أن الحوادث حصلت فيه بعد أن لم تكن ~~فلأنه يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب وترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح ولأنه ~~على هذا التقدير لا يكون يحدث الحوادث بعد أن لم يكن موجبا بذاته في الأزل ~~لأنه جمع بين النقيضين بل لا بد أن يقال هو فاعل باختياره يمكنه أن يفعل ~~بعد أن لم يكن فاعلا بحال. # وعلى هذا التقدير إن لم يكن فعله في الأزل امتنع قدم شيء من العالم وإن ~~أمكن فعله في الأزل لزم ثبوت فعله في الأزل وأن يكون فاعلا دائما لأن ~~المقتضى موجود والمانع مفقود ms192 فإن المقتضى لكونه فاعلا ليس شيئا خارجا عن ~~نفسه لامتناع كونه مفتقرا إلى غيره وكون غيره مؤثرا فيه والتقدير أن الفعل ~~ممكن في الأزل وإذا كان المقتضي قائما والمانع زائلا لزم ثبوت الفعل # PageV02P022 # ولهذا كان المانعون من هذا إنما منعوا منه لاعتقادهم امتناع الفعل في ~~الأزل إما لامتناع حوادث لا أول لها عندهم أو لأن الفعل ينافي الأزلية أو ~~لغير ذلك وعلى كل تقدير فإنه يمتنع قدم شيء بعينه من العالم وكذلك إذا قدر ~~أن الفعل دائم فإنه دائم باختياره وقدرته فلا يكون الفعل الثاني إلا بعد ~~الأول وليس هو موجبا بذاته في الأزل لشيء من الأفعال ولا من الأفعال ما هو ~~قديم أزلي. # والأفعال نوعان لازمة ومتعدية فالفعل اللازم لا يقتضي مفعولا والفعل ~~المتعدي يقتضي مفعولا فإن لم يكن الدائم إلا الأفعال اللازمة وأما المتعدية ~~فكانت بعد أن لم تكن لم يلزم وجود ثبوت شيء من المفعولات في الأزل وإن قدر ~~أن الدائم هو الفعل المتعدي أيضا والمستلزم لمفعول فإذا كان الفعل يحدث ~~شيئا بعد شيء فالمفعول المشروط به أولا بالحدوث شيئا بعد شيء لأن وجود ~~المشروط بدون الشرط محال فثبت أنه على كل تقدير لا يلزم أن يقارنه في الأزل ~~لا فعل معين ولا مفعول معين فلا يكون في العالم شيء يقارنه في الأزل وإن ~~قدر أنه لم يزل فاعلا سبحانه وتعالى فهذه الطريقة قرر فيها ثبوت القديم ~~المحدث للحوادث وحدوث كل ما سواه من غير احتياج إلى طريقة الوجوب والإمكان ~~ولا إلى طريقة الجواهر والأعراض. # ويمكن تقدير هذا على طريقة الوجوب بأن يقال قد ثبت أن الوجود ينقسم إلى ~~واجب بنفسه وممكن والذي لا ريب في إمكانه هو الحوادث فإنا نعلم وجودها بعد ~~العدم فلزم إمكان وجودها وعدمها بخلاف ما لم يعلم إلا وجوده فإنا نحتاج أن ~~يعلم إمكانه بطريق آخر. # PageV02P023 # وإذا كانت الحوادث ممكنة والممكن لا بد له من الواجب بنفسه ثبت أن المحدث ~~للحوادث هو الواجب بنفسه وإذا كان المحدث لها هو الواجب بنفسه امتنع ms193 أن ~~يكون علة تامة لها في الأزل لكون العلة التامة تستلزم معلولها فيجب أن تكون ~~جميع الحوادث صادرة عن علة تامة أزلية وهذا باطل سواء قدر صدور مجموعها عنه ~~في الأزل أو صدور واحد بعينه أو صدورها واحدا بعد واحد كما تقدم فإن كون ~~مجموعها أو واحد من الحوادث بعينه أزليا ممتنع لذاته وكون النوع حادثا شيئا ~~بعد شيء يمنع أن يكون المحدث له علة أزلية فإن العلة الأزلية يقارنها ~~المعلول والمتجدد لا يكون مقارنا للأزلي في الأزل ولأن كلا من الحوادث لا ~~تكون علته التامة إلا عند وجوده وإلا لزم حدوث الحادث عن العلة التامة من ~~غير أن يتجدد تمامها له عند حدوثه فتمام العلة للحوادث وأزليتها جمع بين ~~النقيضين. # وقد تقدم بيان هذا وتمام الدليل وهكذا يمكن إذا قسم الموجود إلى غني ~~وفقير وقيل إن الفقير لا بد له من غنى ثم قيل والحوادث فقيرة فيلزم صدروها ~~عن الغنى. # أو قيل إنه ينقسم إلى قيوم وغير قيوم وغير القيوم مفتقر إليه والحوادث ~~مفتقرة إلى القيوم ويساق الدليل إلى آخره. # PageV02P024 # وكذلك إذا قيل الوجود ينقسم إلى كامل وناقص والناقص لا بد له من الكامل ~~لأن الناقص مفتقر إلى الكامل إذ لو كان مستغنيا بنفسه لكان كاملا فإن الغنى ~~من أعظم صفات الكمال ولو كان الكامل مفتقرا إليه لكان هو الناقص ولو كان كل ~~منهما مفتقرا إلى الآخر للزم الدور القبلي السبقي وهو باطل وإذا ثبت وجود ~~الكامل فلا بد أن يكون قديما إذ لو كان حادثا لكان الوجود كله حادثا ~~والحادث مفتقر إلى القديم فلا بد من القديم. # وأيضا فالحوادث هي الناقصة لأن نفس الحدوث يوجب الافتقار إلى الغنى ~~والفقر أعظم صفات النقص فيلزم افتقار الحوادث إلى الكامل ويساق الكلام إلى ~~آخره. # وأيضا فيقال: الوجود ينقسم إلى خالق ومخلوق كما تقدم والخالق يستحيل أن ~~يكون شيء ممن مخلوقاته أزليا معه لأنه لو كان كذلك لكان علة موجبة له وذلك ~~ممتنع كما تقدم. # ويمكن تقدير صفات الكمال لله سبحانه بهذه ms194 الطرق كلها فإنه إذا ثبت وجود ~~الواجب بنفسه أو وجود القديم أو الغنى أو وجود القيوم أو الكامل أو الخالق ~~أو نحو ذلك من خصائص الرب تبارك وتعالى فإنه يقال الكمال الذي لا نقص فيه ~~الممكن للموجود من حيث هو موجود إما أن يكون ممكنا له وإما أن يكون ممتنعا ~~عليه والثاني باطل لأن هذا الكمال ممكن للمحدثات الممكنات الفقيرة إليه ~~المخلوقات فإن الواحد منها يمكن أن يكون حيا عالما قادرا سميعا # PageV02P025 # بصيرا متكلما فإن لم يمكن ذلك فيه لزم إمكان اتصاف المفضول بالكمال الذي ~~لا نقص فيه دون اتصاف الأفضل به وهذا ممتنع. # وأيضا فكل كمال في المحدثات الممكنات المخلوقات فمنه فمن جعل غيره كاملا ~~فهو أحق بالكمال فالخالق أولى بالكمال والمدح والثناء من المخلوقات. # وهم يقولون كمال المعلول من كمال العلة فثبت إمكان اتصافه بالكمال الممكن ~~الوجود الذي لا نقص فيه وإذا ثبت إمكان ذلك فإما أن يفتقر في ثبوت هذا ~~الكمال له إلى غيره وإما أن لا يفتقر والأول باطل لأنه قد ثبت أنه غني ولأن ~~الواجب بنفسه لا يكون مفتقرا إلى غيره ولأن الخالق الذي ليس بمخلوق لا يكون ~~فقيرا إلى غيره ولأن القديم الذي أحدث كل ما سواه لا يكون فقيرا إلى غيره ~~ولأن القيوم القائم بنفسه المقيم كل ما سواه لا يكون فقيرا إلى غيره ولأنه ~~لو افتقر إلى غيره فذلك الغير إما أن يكون من مفعولاته وإما أن يكون واجبا ~~بنفسه. # فإن كان الأول لزم الدور القبلي وهو ممتنع ولأن كل ما لمفعولاته من ~~الكمال فهو منه فلو لم يستفد كماله إلا من مفعوله لزم أن لا يحصل الكمال له ~~حتى يحصل الكمال لمفعوله ولا يحصل الكمال لمفعوله حتى يحصل له لأن جاعل ~~الكامل كاملا أولى بالكمال وإن افتقر إلى واجب غيره يجعله كاملا كان ذلك ~~الغير هو الرب الكامل وكان الأول # PageV02P026 # مفعولا له مخلوقا ونحن تكلمنا في الأزلي القديم الواجب بنفسه القيوم ~~الفاعل لكل ما سواه. # فثبت بهاتين المقدمتين أن كل كمال ms195 لا نقص فيه ممكن للوجود فهو ممكن له ~~وثبت أنه لا يتوقف ثبوت ذلك له على غيره فحينئذ يلزم ثبوت ذلك الكمال له ~~ولزومه إياه لأنه إذا حصل المقتضى التام الذي لا يتوقف اقتضاؤه على شيء لزم ~~ثبوت مقتضاه والعلة التامة يلزمها معلولها فإذا كان الواجب التام يلزمه ~~موجبه فهو سبحانه وحده الموجب لكمال نفسه المقتضي لذلك فيلزم أن يكون ~~الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه ثابتا له لازما دائما وهو المقصود. # وإثبات صفاته اللازمة له بطريق الإيجاب الذاتي هو الحق دون إثبات ~~مخلوقاته وحينئذ فيكون طريقة الوجوب وغيرها من الطرق العقلية دلت على إثبات ~~صفات الكمال له ونفى النقائص عنه وهذا وغيره مما بين دل على أن الطرق ~~العقلية كلها مثبتة لصفات الكمال لله وأن من استدل بوجوبه أو قدمه أو غير ~~ذلك على نفي صفاته كان مخطئا ضالا وتبين أن هذه الطرق العقلية كلها يمكن ~~إثبات الصفات والأفعال بها وإثبات حدوث كل ما سواه. # ونحن نبهنا على هذه الفوائد الجليلة منها أن طائفة من أهل الكلام كصاحب ~~الإرشاد ومن اتبعه يزعمون أن تنزيهه عن # PageV02P027 # النقائص لم يعلموه بالعقل بل بالسمع وهو الإجماع على ذلك وجعلوا عمدتهم ~~فيما ينفونه عنه هو نفي الجسم كما فعلت ذلك المعتزلة واعتمدوا في نفي الجسم ~~على إثبات حدوث الأجسام واعتمدوا في ذلك على امتناع حوادث لا أول لها وكذلك ~~نفاة الفلاسفة جعلوا عمدتهم فيما ينفونه هو نفي التركيب واعتمدوا في نفي ~~التركيب على إمكان التركيب واعتمدوا في إمكان ذلك على أن المجموع لا يكون ~~واجبا لافتقاره إلى بعض أفراده. # وهذا الكلام قد تقدم التنبيه على فساده وبينا ما في هذه الحجة من الألفاظ ~~المجملة وأن كون الموصوف بصفات لازمة واجبا بنفسه إذا قيل إنه يتضمن ~~افتقاره إلى بعض لوازم ذاته أو ما يدخل في مسمى ذاته كان مضمونه أنه لا ~~يوجد إلا به وليس في ذلك ما يقتضي كون ذلك الفرد فاعلا له ولا علة فاعلة له ~~والواجب بنفسه هو الذي لا ms196 يكون له فاعل ولا علة فاعلة له. # وأما إذا قدر موجود بنفسه ذو صفات لازمة فذلك لا ينافي أن لا يكون له ~~فاعل ولو قدر مجموع واجب بنفسه لا يوجد إلا بوجود كل من أجزائه لم يكن في ~~العقل ما يمنع أن يكون هذا غير مفتقر إلى فاعل. # ولفظ الوجوب بالنفس قد صار فيه بحسب كثرة الخوض فيه اشتراك لفظي فإن عني ~~به أنه لا يكون له صفة ولا لازم فهذا لا دليل على ثبوته. # ثم من العجب أن هؤلاء يجعلونه معلولاته لازمة له مع زعمهم أنه # PageV02P028 # واجب بنفسه فكيف يمتنع أن تكون صفاته لازمة له مع كونه واجبا بنفسه فإن ~~كان الواجب بنفسه هو الذي لا يكون له لازم أصلا فليس في الوجود واجب بنفسه ~~على قولهم وإن كان استلزامه لشيء لا يمنع وجوبه بنفسه فأحق الأشياء بذلك ~~صفاته فاستلزامه إياها لا يمنع وجوبه بنفسه وإن عنى به أنه لا يكون له محل ~~يقوم به ولا علة قابلة فالصفات على هذا الوجه لا تكون واجبة بنفسها بل تكون ~~واجبا بالذات التي لا تفتقر إلى محل مع أن الدليل الذي دل على أن الممكنات ~~لا بد لها من واجب بذاته دل على أنه لا بد لها من موجود بنفسه لا يكون له ~~فاعل ولا علة فاعلة. # ولا ريب أنه لا بد أن يكون غنيا عن الممكنات لأن افتقاره إليها يمنع كونه ~~موجودا بنفسه فلا يجوز له أن يفتقر إلى الممكنات لا إلى محل ولا إلى غير ~~محل لكن هذا لا يمنع أن تكون صفاته واجبة أيضا وداخلة في مسمى الواجب بنفسه ~~وكونها لا تقوم إلا به لا يوجب احتياجها إلى فاعل ولا إلى علة فاعلة مباينة ~~للمعلول. # وإذا سميت الذات علة كما تقدم بمعنى أنها موجبة للصفات مستلزمة لها فهذا ~~معنى صحيح لكن العلة الفاعلة التي يدعونها في علة العالم ليست من هذا الباب ~~فينبغي أن يبين المراد في العبارات # PageV02P029 # المجملة فإنه قد قيل إن أكثر اختلاف العقلاء من جهة ms197 اشتراك الأسماء وقد ~~بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. # وأما طريقة الذين اعتمدوا في النفي على حدوث الجسم فإن أئمة أهل الملل ~~وأئمة الفلاسفة نازعوهم في امتناع دوام الحوادث وقالوا إن هذا يخالف العقل ~~والنقل وقالوا أنتم زعمتم أنكم بهذه الطريق تثبتون حدوث العالم وإثبات ~~الصانع وهذه الطريق تناقض ذلك فإن هذه لا تتم إلا بإثبات ذات معطلة عن ~~الفعل فعلت بلا سبب أصلا وهذا يستلزم ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح وهو ~~يسد إثبات الصانع. # قالوا: وما ذكرتموه من الأدلة على امتناع دوام الأفعال والحوادث في ~~الماضي يرد عليكم في المستقبل وليس بين هذين فرق معقول فإنه ما من ماض إلا ~~وقد كان مستقبلا ولا مستقبل إلا ولا بد أن يصير ماضيا فالفرق بين الماضي ~~والمستقبل فرق إضافي بحسب حال الوقت الذي جعل حاضرا وبحسب من يكون في ذلك ~~الوقت فإن ما مضى هو ماض بالنسبة إليه وما سيكون مستقبل بالنسبة إليه ولا ~~ريب أن الماضي عدم والمستقبل لم يوجد بعد فهذا وجد ثم عدم وهذا سيوجد ثم ~~يعدم فكلاهما داخل في الموجود وكلاهما غير دائم الوجود. # قالوا ولهذا لما عرف أئمة طريقكم بطلان الفرق سووا بين الماضي والمستقبل ~~وهما الجهم بن صفوان إمام الجهمية وأبو الهذيل العلاف إمام # PageV02P030 # المعتزلة والجهم كان قبل أبي الهذيل وهو أسبق منه إلى هذه الحجة ونفى ~~الصفات ولهذا زعم أن العالم كله يفنى ويفنى نعيم الجنة وأهل الجنة حتى لا ~~يبقى موجود إلا الله كما كان الأمر في الابتداء كذلك. # والذين سلكوا سبيله أعجزتهم حجته فمنهم من يقول كان القياس ما قاله لكن ~~النصوص جاءت بدوام الدارين كما يذكر ذلك طائفة من المصنفين كصاحب الإيضاح ~~وغيره وهذا كلام فاسد فإن الدليل العقلي متى انتقض بطل والنصوص لا تأتي ~~بخلاف المعقول الصريح أبدا. # ومنهم من يقول نحن نقول بفناء الحركات دون فناء الأجسام كما قاله أبو ~~الهذيل العلاف إمام المعتزلة وهذا يستلزم وجود الأجسام خالية عن الحركة ~~وإذا جوز ذلك في المستقبل فليجوزه ms198 في الماضي فيلتزم ما فر منه من قدم ~~الأجسام وكثير منهم فرق بين الماضي والمستقبل بأن هذا دخل في الوجود وهذا ~~لم يدخل فهذا يمكن فيه التطبيق بخلاف هذا. # وهذا فرق ضعيف لوجهين: أحدهما: أن الماضي عدم فلا يمكن فيه التطبيق كما ~~ذكروه # PageV02P031 # والثاني: أن دليلكم دليل التطبيق والموازاة مبناه على أن ما لا يتناها لا ~~يكون بعضه أكثر من بعض. # قالوا: فإذا فرضنا الحوادث من الطوفان والحوادث من الهجرة وطبقنا بينهما ~~فإن تساويا لزم أن يكون الزائد كالناقص وهو محال وإن تفاضلا لزم فيما لا ~~يتناهى أن يكون بعضه أزيد من بعضه قالوا وهذا محال. # فقيل لهم: هذا ينقض عليكم بالحوادث في المستقبل فإن الحوادث المستقبلة من ~~الطوفان أزيد منها في الهجرة ففرق بعضهم بأن ذاك وجد وهذا لم يوجد وهو فرق ~~ضعيف كما ترى. # وأما قولهم: ما لا يتناهى لا يتفاضل فإنهم منعوهم ذلك وقالوا بل كلما دام ~~الشيء كان بقاؤه أطول وإن كان لا أول له وكلما حدثت الحوادث كانت أكثر مما ~~وجد وإن كان لا نهاية له كما أن العدد كلما ضعفته كان أزيد وإن كان لا ~~نهاية له وإذا ضعفت الواحد والعشرة والألف تضعيفا دائما فآحاد الألف أكثر ~~من آحاد العشرة وآحاد العشرة أكثر من آحاد الواحد فتضعيف الجميع لا يتناهى. # ومنهم من فرق بين الماضي والمستقبل. # فإنك إذا قلت لا أعطيتك درهما إلا أعطيتك آخر كان ممكنا وإذا قلت لا ~~أعطيك درهما حتى أعطيك درهما كان غير ممكن. # PageV02P032 # وهذا ذكره صاحب الإرشاد وغيره وليس هو بتمثيل مطابق إنما المطابق أن يقال ~~ما أعطيتك درهما إلا وقد أعطيتك قبله درهما فأما إذا قال لا أعطيك حتى ~~أعطيك فهنا نفى المستقبل حتى يحصل المستقبل. # والمقصود أن ما هو إثبات ماض قبله ماض لا إثبات مستقبل قبله مستقبل ~~فالتقديرات أربعة مستقبل بعده مستقبل وماض قبله ماض ومستقبل قبله مستقبل ~~وماض بعده ماض فهذان متماثلان وذانك متماثلان والممتنع هنا ذانك لا هذان. # وأيضا فالاعتماد في تنزيه الباري على ms199 نفي الجسم طريقة مبتدعة في الشرع ~~متناقضة في العقل فلا تصح لا شرعا ولا عقلا. # أما الشرع فإنه لم يرد بذلك كتاب ولا سنة ولا قول أحد من السلف والأئمة ~~بل الكلام في صفات الله بنفي الجسم أو إثباته بدعة عند السلف والأئمة ولو ~~كان ذلك مما يعتمد في الشرع لدل الشرع عليه وقد عاب الله على اليهود ما ~~وصفوه به من النقائص كقولهم إن الله فقير وقولهم يد الله مغلولة وقولهم ~~استراح والتوراة مملوءة من الصفات فلم يعب عليهم ما فيها ولا ذكر أنهم ~~حرفوا ذلك. # وكثير من أهل الكلام يرد على اليهود بالطريقة المبتدعة ويدع طريقة ~~القرآن. # PageV02P033 # وأما التناقض في العقل فإنه ما من أحد يثبت شيئا وينفي شيئا لكونه ~~مستلزما للتجسيم إلا أمكن النافي أن يقول له فيما أثبته نظير ما قاله له ~~فيما نفاه. # وهذه عادة الطوائف بعضها مع بعض فالمعتزلة لما قالت للصفاتية من الأشعرية ~~وغيرهم إذا قلتم إن لله حياة وعلما وقدرة وكلاما فلا تعقل هذه المعاني إلا ~~أعراضا والعرض لا يقوم إلا بجسم. # فقالت لهم الصفاتية نحن وأنتم متفقون على أن الله حي عليم قدير ونحن لا ~~نعقل حيا عليما قديرا إلا جسما فإذا جاز إثبات حي عليم قدير ليس بجسم فكذلك ~~قد يجوز إثبات حياة وقدرة تقوم به وليست عرضا وليس هو جسما. # وطائفة من الباطنية والفلاسفة قالت للمعتزلة إذا قلتم إن الله حي عليم ~~قدير فلا نعقل مسمى بهذه الأسماء إلا جسما. # فقالت لهم المعتزلة وأنتم قلتم إن الله موجود قائم بنفسه ولا يعقل موجود ~~قائم بنفسه إلا جسما فإن جاز إثبات موجود قائم بنفسه ليس بجسم جاز إثبات ~~كونه حيا عليما قديرا ولا يكون جسما. # وقالت معتزلة الصفاتية الذين ينفون الصفات الخبرية كصاحب الإرشاد وأتباعه ~~لأئمتهم كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله # PageV02P034 # ابن مجاهد والقاضي أبي بكر وأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك وأبي ~~القاسم القشيري وغيرهم واليد لا تعقل إلا أبعاض الجسم فإذا أثبتموها وقلتم ~~ليست أبعاض جسم ms200 كان هذا غير معقول. # فقال المثبتون كما أنا لا نعقل حياة وعلما وقدرة وكلاما وسمعا وبصرا إلا ~~عرضا قائما بجسم ثم أثبتنا هذه الصفات وقلنا جميعا نحن وأنتم إنها ليست ~~أعراضنا فكذلك نثبت هذه الصفات ونقول ليست أبعاضا فليس نفي الأعراض عن هذه ~~بأولى من نفي الأبعاض عن هذه # PageV02P035 # ثم إن المثبتة دارت على النفاة فقالوا للمعتزلة إذا أثبتم حيا عليما ~~قديرا بلا حياة ولا علم ولا قدرة كان هذا تناقضا مثل إثبات أسود بلا سواد ~~وأبيض بلا بياض وطويلا بلا طول وجميلا بلا جمال فإن اسم الفعل المشتق ~~يستلزم ثبوت ما منه الاشتقاق فإثبات اسم فاعل بلا مسمى مصدر تناقض عقلا ~~وسمعا. # وقالوا للفلاسفة إذا قلتم موجود ومعقول وعاقل وعقل وعاشق ومعشوق ولذيذ ~~وملتذ وجعلتم هذا كله واحدا فهذا مكابرة للعقل وإذا قلتم العشق هو العاشق ~~واللذة هو الملتذ به والعلم هو العالم فهذا أعظم تناقضا فمن جعل الصفة هي ~~الموصوف أو هذه الصفة هي تلك كان مكابرا للعقل. # وقال المثبتون للصفات الشرعية لنفاتها لماذا نفيتم أن الله يرضى ويغضب ~~ويحب ويفرح ونحو ذلك مما نطق به الكتاب والسنة. # قالوا لأن هذه الصفات تستلزم التجسيم والتشبيه فإنا لا نعقل الغضب إلا ~~غليان دم القلب لطلب الإنتقام أو ما يحصل عنه الغليان وكذلك سائرها. # قالوا وكذلك إثبات السمع والبصر والكلام والإرادة ونحو ذلك يستلزم ~~التشبيه والتجسيم فإنا لا نعقل الإرادة إلا ميل المريد إلى جلب ما ينفعه ~~ودفع ما يضره أو ما يلازم هذا المعنى وإلا فإرادة لمراد لا ينفع صاحبه ولا ~~يضره لا يعقل في الشاهد قالوا إرادة الحق لا تشبه إرادة المخلوقين. # PageV02P036 # قالوا: وكذلك غضب الحق ورضاه لا يشبه غضب خلقه ورضاهم فالقول في أحدهما ~~كالقول في الآخر أما تجويز أحدهما ومنع الآخر فهو مكابرة. # قالوا: الدليل العقلي دل على إثبات الإرادة دون الغضب. # قالوا: فالدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول ونحن ~~أنكرنا عليكم نفيكم لما لم يقم دليل على نفيه فكيف إذا ms201 دل السمع على ~~إثباته. # وأيضا فيمكن أن تثبت هذه بأدلة عقلية من جنس أدلة تلك الصفات فإن الفعل ~~دل على القدرة والإحكام دل على العلم والتخصيص دل على الإرادة وإكرام ~~المطيع وعقوبة العاصي دل على الحب والبغض والرضا والغضب أو يقال هذه صفات ~~كمال لا نقص فيها فيجب اتصاف الرب بها ونحو ذلك من الطرق العقلية ولهذا وصف ~~الرب بالرضا والغضب والحب والبغض والفرح ولم يوصف بالحزن والبكاء فإن هذه ~~صفات نقص تستلزم العجز وأما الأولى فصفات كمال تستلزم القدرة وغيرها من ~~صفات الكمال. # وقد تقدم أن العقل يدل على استحقاق الرب لصفات الكمال وتنزيهه عن النقائص ~~وهو يوجب أن لا يماثله شيء من المخلوقات لا في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله فإن المثلين ما يجوز على أحدهما ما يجوز # PageV02P037 # على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه فلو جاز مماثلة ~~شيء من الأشياء له في شيء من الأشياء للزم أني جوز عليه ما يجوز عليه ويجب ~~له ما يجب له ويمتنع عليه. # ما يمتنع عليه وهو سبحانه يجب له الوجود والقدم والبقاء ويمتنع عليه ~~الحدوث والعدم والإمكان فلو ماثله شيء من المحدثات الممكنات للزم أن يجب ~~للمحدث القدم وللممكن الوجوب وأن يجب للواجب القديم الحدوث والإمكان وذلك ~~يستلزم الجمع بين النقيضين من وجوه متعددة. # فإن قيل فالواجب والممكن يتفقان في مسمى الوجود والقيام بالنفس وأن كلا ~~منهما حي عليم قدير فيلزم أن يجوز على أحدهما ما جاز على الآخر. # قيل: هما لم يتماثلا في هذا الذي اتفقا فيه ولم يتساويا في ذلك بل الثابت ~~لله من ذلك ليس مماثلا للثابت للمخلوق من ذلك بل بينهما من التفاضل أعظم من ~~التفاضل الذي بين أعظم المخلوقات وأدناها. # وإذا قيل: اشتركا في ذلك فمعناه أنهما اشتركا في الكلي المطلق الذي لا ~~يوجد كليا مطلقا إلا في الذهن لا في الخارج وإلا فما لكل منهما من ذلك يختص ~~به لا يشركه فيه غيره ثم ذلك المشترك لا ms202 يلزمه شيء من صفات النقص وما وجب ~~له وجاز عليه وامتنع عليه فلا محذور في اتصاف الرب به فمسمى كون الشيء ~~موجودا قائما بنفسه حيا عليما قديرا سميعا بصيرا وإن قيل إنه متفق مشترك ~~فما لزم هذا المشترك ووجب له وجاز عليه أو امتنع عليه فالرب موصوف به # PageV02P038 # ولا محذور في ذلك فإنما المحذور فيما كان من خصائص المخلوق فالرب تعالى ~~منزه عن أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين إذ خصائصهم كلها تنافي ما استحقه ~~من الكمال الواجب له فهي نقائص بالنسبة إليه وإن قدر أنها كمال للمخلوق. # وكمال كل شيء بحسب ما يمكن وجوده له والمخلوق لا يمكن أن يكون قديما ~~واجبا بنفسه ربا غنيا عما سواه إلى غير ذلك من خصائص الرب فهذا الكمال اختص ~~به الرب كما اختص الرب تبارك وتعالى من الكمال الذي يوصف العبد بما يتفق ~~فيه الاسم كالحياة والعلم والقدرة بما لا يماثله فيه المخلوق فالرب مختص ~~إما بنوع لا يوصف به غيره مثل كونه رب العالمين ونحو ذلك وإما بما لا ~~يماثله فيه غيره كالحياة والعلم. # ثم إنه إذا علم استحقاق الرب تعالى لصفات الكمال لزم أن يكون متكلما ~~سميعا بصيرا لأن هذه الصفات من صفات الكمال وإن لم يتصف بها لزم اتصافه ~~بنقائصها. # ومن ظن أن الكمال لا يعلم إلا بالسمع كصاحب الإرشاد أثبت صدق الرسول ~~بدلالة المعجزة الجارية مجرى تصديق الرسول # PageV02P039 # وقال: إن العلم بكونه رسولا وتصديق المرسل له لا يقف على العلم بكونه ~~متكلما ثم يعلم تنزيهه عن النقائص بالسمع. # فقال له آخرون: فإذا كان مرجعكم في نفي النقائص إلى السمع فأثبتوا هذه ~~الصفات بالسمع من أول الأمر ولا حاجة بكم إلى جعل ذلك موقوفا على مقدمة نفي ~~النقائص التي لا تثبت إلا بالسمع. # وأما أئمة الصفاتية فيقولون إن إثبات الكمال ونفي النقص يعلم بالعقل ~~ولهذا أثبت هذه الصفات بالعقل أئمة السلف وأئمة متكلمة الصفاتية كالأشعري ~~وأمثاله فإنهم كلهم يثبتون استحقاق الرب لهذه الصفات بالعقل. # ومما أنكر عليهم الناس في ms203 النفي بطريقة نفي الجسم أن قالوا إن هذه ~~الطريقة هي التي ولدت بين المسلمين اختلافهم في القرآن وكلام الله تعالى ~~حتى صار كثير من الناس أو أكثرهم في ذلك إما حائرا وإما مخطئا مبتدعا وكفر ~~بعضهم بعضا بسبب ذلك وصار الذين سلكوا هذه الطريق يذكرون ما يمكن من ~~الاختلاف ولا يعلمون أن في المسألة قولا سوى ما ذكروه. # كما نجد أرباب المقالات والملل والنحل يذكرون ذلك مثل كتب # PageV02P040 # المقالات لأبي عيسى الوراق والنوبختي ولأبي الحسن الأشعري ولأبي القاسم ~~الكعبي ولأبي الفتح الشهرستاني ولأبي محمد بن حزم وغير هؤلاء. # وكذلك كتب البحث والمناظرة وذلك أن الجهمية والمعتزلة الذين هم أئمة هذه ~~الطريق لما اعتقدوا أن حدوث العالم إنما علم بحدوث # PageV02P041 # ما قام به من الأعراض كالحركات وغيرها وأن ما قام بذلك يكون حادثا قالوا ~~لأن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث. # وكثير منهم لم يتفطنوا في هذا المقام للفرق بين مقارنة الحوادث المعينة ~~وبين مقارنة حادث بعد حادث إلى غير نهاية بل إذا قيل ذلك تصور العقل أن هذا ~~حادث ليس بقديم وأن ذاك لا يكون قبله بل معه أو بعده فلزم أن يكون قرين ~~الحادث حادثا. # ولكن حكم العقل بهذا على معين ليس حكما على حوادث متعاقبة وعلى النوع ~~المتعاقب من الواحد المعين ولكن تفطن للفرق كثير منهم فاحتجوا على امتناع ~~حوادث لا أول لها بما نبهنا على بعضه وقد استوفينا الحجج في هذا الباب في ~~درء تعارض العقل والنقل وذكرنا كل ما بلغنا أنه ذكر في هذا الباب. # وكذلك أيضا أصحاب هذه الطريق لم يفرقوا بين أن يكون مقارن الحوادث مخلوقا ~~مفعولا محتاجا إلى غيره بحيث لا يمكن أن يفعل دون الحوادث في الأزل وبين أن ~~يكون هو الفاعل المحدث الغنى عن غيره لأن حجتهم وهي امتناع دوام الحوادث ~~تتناول النوعين. # PageV02P042 # والذين عارضوا هؤلاء من الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك كأرسطو وأتباعه ~~فإنهم جوزوا حوادث لا أول لها ولم يفرقوا بين النوعين. # وأما أئمة أهل الملل وأساطين الفلاسفة ففرقوا بين ms204 النوعين فإنه إذا كان ~~المقارن للحوادث الذي لا يخلو عنها مفعولا لغيره هو والحوادث لزم أن يكون ~~أزليا مربوبا وأن يكون ربه موجبا له بذاته بحيث يقارن وجوده وجوده والموجب ~~بذاته في الأزل لا يوجب الحادث وحده ولا الحادث وقرينه فإن إيجاب النوع ~~الحادث في الأزل ممتنع وكذلك إيجاب الحادث وقرينه فإن إيجاب النوع الحادث ~~في الأزل ممتنع وكذلك إيجاب الحادث وقرينه في الأزل فإنه يقتضي أن يكون ~~الحادث لازما للموجب في الأزل وهذا ممتنع بل الحادث لا يكون إلا شيئا بعد ~~شيء. # وإذا قيل: اللازم هو النوع الذي يحدث شيئا فشيئا لم يكن شيء من هذا لازما ~~للموجب بذاته ولم يكن أيضا في الأزل موجبا له وإنما يكون إيجابه له شيئا ~~بعد شيء فلا يتصور في الأزل موجب بذاته فلا يتصور قديم يكون غيره ربه وذلك ~~لأن كونه موجبا في الأزل يستلزم كمال إيجابه ومؤثريته فإن ما يسمى الفاعل ~~أو الموجب أو المقتضي أو المؤثر أو نحو ذلك من الأسماء التي تقال في هذا ~~الباب لا يكون مؤثرا حتى يستكمل جميع الشروط التي بها يكون مؤثرا وإذا ~~استكملها وجب حصول الأثر لأن وجود الأثر بدون استكمال شروط التأثير # PageV02P043 # ممتنع وتخلفه بعد استكمالها ممتنع لأنه لو تخلف ولم يجب حينئذ لكان إما ~~ممتنعا وإما ممكنا فإن كان ممتنعا لزم أن يكون الفعل بعد استكمال الفاعل ~~جميع الشروط ممتنعا وهذا تناقض. # ثم إذا قدر أنه كان ممتنعا فإن دام امتناعه لزم أن لا يمكن الفعل بحال ~~وهو خلاف الواقع وإن أمكن بعد ذلك لزم أن يصير ممكنا بعد أن كان ممتنعا مع ~~انه لم يتجدد شرط من شروط التأثير يصحح كون الفاعل مؤثرا. # ومعلوم أن الإمكان بعد الامتناع لا يكون إلا لتجدد أمر يمكن معه الفعل ~~وإن لم يتجدد شيء لزم استواء الحالين فيلزم تخصيص أحدهما بالامتناع والآخر ~~بالإمكان ترجيحا لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهذا ممتنع في بدائة ~~العقول. # وإن قيل إن الفعل كان ممكنا مع استكمال المؤثر وشروط ms205 التأثير ليس بواجب ~~ولا ممتنع. # قيل فحينئذ يمكن وجوده في تلك الحال ويمكن وجوده بعد هذا فتخصيص أحدهما ~~بالوجود إن لم يفتقر إلى مرجح لزم الترجيح بلا مرجح وإن افتقر إلى مرجح كان ~~ذلك المرجح من جملة شروط التأثير وكان الفعل بدونه ممتنعا لا ممكنا فأحد ~~الأمرين لازم إما وجود الممكن وذلك عند وجود مقتضيه التام وإما عدمه وذلك ~~عند عدم مقتضيه التام. # ولهذا قال المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء # PageV02P044 # كونه وجب كونه لا يمكن أن لا يكون وما لم يشأ كونه يمتنع كونه فلا يكون ~~بدون مشيئته. # وإذا كان كذلك فوجود شيء من حوادث العالم وسائر أجزائه في الأزل ممتنع ~~لأنه لا يوجد إلا مع وجود مجموع المؤثرية ولو وجد في الأزل مجموع المؤثرية ~~لزم وجود جميع الآثار ولو وجد جميع الآثار في الأزل لم يحدث في العالم شيء. # ولو قيل: وجد مجموع المؤثرية لحادث بعد حادث. # قيل: كل حادث لا يكون مجموع المؤثرية موجود إلا عند وجوده لأنه لو وجد ~~مجموع المؤثرية ولم يوجد لزم وجود مجموع المؤثر التام بدون أثره ووجوب ~~الموجب التام بدون موجبه والعلة التامة بدون معلولها وهو باطل. # ووجود المخلوق المستلزم للحوادث بدون الحوادث ممتنع فامتنع وجود شيء من ~~المخلوقات في الأزل كما امتنع وجود شيء من الحوادث في الأزل ولو قدر أن بعض ~~العالم قديم وهو خال عن الحوادث ثم تجددت فيه الحوادث لقيل فحينئذ فيلزم ~~حدوث الحادث بلا سبب مرجح وذلك يقتضي ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا ~~مرجح فتبين أن الممكنات مستلزمة للحوادث وأن الممكن المستلزم للحوادث لا ~~يكون شيء منه قديما فليس مع الله شيء قديم من العالم. # وبهذا يظهر الفرق بين ما قارن الحوادث من الممكنات وبين ما قارن الواجب ~~بذاته كأفعاله القائمة به ونحو ذلك فإن الواجب هو # PageV02P045 # قديم أزلي واجب الوجود بنفسه لا يفتقر في ذلك إلى علة قديمة ولا موجب ~~قديم ولا فاعل قديم بل قدمه ووجوبه من لوازم ms206 ذاته القديمة فإذا قدر أنه كما ~~قال أئمة السلف لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا أفعالا تقوم به كان ~~غاية ما يلزم دوام الحوادث فإن كان هذا ممتنعا لزم حدوث ما لا يخلو عن ~~الحوادث وأن الحوادث لها أول فيلزم حدوث العالم وإن كان هذا ممكنا لزم حدوث ~~كل شيء من العالم أيضا لأن الحوادث لا تكون إلا شيئا بعد شيء يمتنع وجودها ~~في آن واحد فليس من الأوقات في الأزل إلى الأبد وقت يمكن فيه وجود جميع ~~المحدثات وهو فاعل لكل حادث وقت إحداثه إياه وهو لا يفتقر في إحداثه ~~الحوادث إلى شيء مباين له بل هو الغني بنفسه عما سواه فليس كونه محدثا لهذا ~~الحادث أو لهذا الحادث بحيث يكون محدثا له بالفعل أمرا قديما لازما لذاته ~~في الأزل ولا هو في الأزل محدثا لجميع الحوادث ولكن هو في الأزل فاعل كما ~~هو في الأبد فاعل لم يزل ولا يزال فاعلا أي فاعلا شيئا بعد شيء وليس في ~~الأزل شيئا محدودا كان فيه فاعلا للجميع بل هو في كل حال أزلي قديم كما لم ~~يزل أزليا قديما. # ففي كل حال يفعل كما كان فيما قبلها يفعل وفيما بعدها يفعل ولم يقارنه ~~على الدوام شيء من الأفعال فأن لا يقارنه شيء من المفعولات بطريق الأولى ~~والأحرى فلا يكون شيء من الأفعال أزليا قديما فلا يكون شيء من المفعولات ~~أزليا قديما ولا يجوز أن يكون في وقت من الأوقات مؤثرا في جميع الحوادث ولا ~~فيما يستلزم جميع الحوادث ولا يكون في وقت من الأوقات يصير مؤثرا في حادث ~~بعد حادث ولكن هو لا يزال مؤثرا # PageV02P046 # في حادث بعد حادث لكن لا يقال إنه كان في الأزل أو وقت بعينه مؤثرا في ~~حادث بعد حادث فكونه مؤثرا في حادث بعد حادث هي صفة قديمة النوع باقية ليست ~~قديمة منقطعة. # ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال فقد يراد بالقديم الشيء المعين الذي ما ~~زال موجودا ليس لوجوده أول ويراد بالقديم الشيء ms207 الذي يكون شيئا بعد شيء ~~فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديما ولا مجموعه قديم ولكن هو في ~~نفسه قديم بهذا الاعتبار فالتأثير الدائم الذي يكون شيئا بعد شيء وهو من ~~لوازم ذاته هو قديم النوع وليس شيء من أعيانه قديما فليس شيء من أعيان ~~الآثار قديما لا الفلك ولا غيره ولا ما يسمى عقولا ولا نفوسا ولا غير ذلك ~~فليس هو في وقت معين من الأوقات مؤثرا في حادث بعد حادث ولكنه دائما مؤثر ~~في حادث بعد حادث كما أنه ليس هو في وقت بعينه مؤثرا في مجموع الحوادث بل ~~هو مؤثر شيئا بعد شيء وهو مؤثر في حادث بعد حادث وقتا بعد وقت فإذا كان ~~المفعول مستلزما للحوادث لم يفعل إلا والحوادث مفعوله معه وهي وإن كانت ~~مفعولة فيه شيئا بعد شيء فالمحدث لها شيئا بعد شيء إن أحدث مقارنها في وقت ~~بعينه لزم أن يكون محدثا من جملتها وهو المطلوب. # وإن قيل: هو مقارن له قديم معه بحيث يوجد معه كل وقت. # قيل: فهذا لا يمكن إلا إذا كان علة موجبة له لا محدثا له ولا بد أن يكون ~~علة تامة فيكون في الأزل مؤثرا تام التأثير مستجمعا لشروط # PageV02P047 # التأثير لشيء معين وإذا كان مؤثرا قديما دائما لشيء معين كانت لوازم ذلك ~~المعين معه لا يمكن تأخر شيء منها عنه لامتناع وجود الملزوم بدون اللازم ~~فيلزم وجود الحوادث كلها في الأزل. # فإذا قيل: هي تلزم العالم شيئا بعد شيء. # قيل: فيجب أن يكون محدثها يحدثها شيئا بعد شيء فلا يكون التأثير المعين ~~فيها ولا في شيء منها ولا في واحد بعد واحد أزليا فإن ما يوجد شيئا بعد شيء ~~لم يكن أزليا إلا باعتبار النوع كما تقدم وإنما يكون الأزلي نوع التأثير ~~والكلام إنما هو في شيء معين من العالم فلا يكون شيء معين من العالم أزليا. # يبين هذا أن العالم مفعول له فإذا كان الفعل لا يكون إلا شيئا بعد شيء ~~فالمفعول بطريق الأولى والأحرى. ms208 # وإذا قدر مفعول قديم لازم له لزم أن يقدر معه فعل قديم لازم له وإذا كان ~~فعل هذا قديما لازم له وفعل الحوادث الملازمة له شيئا بعد شيء كان له فعلان ~~ومفعولان مع تلازمهما أحدهما قديم لازم له في القدم لا يتأخر عنه شيء في ~~الأزل والآخر دائم يحدث شيئا بعد شيء لا يجوز أن يقارنه شيء في الأزل. # والتقدير أن أحدهما مقارن للآخر ملازم له وهذا جمع بين المتناقضين فإنه ~~إذا قدر أن العالم أو شيء منه قديم لازم له في الأزل لا يجوز تأخره عنه ~~لكونه معلولا له مفعول الفعل القديم اللازم له والعالم # PageV02P048 # مقارن للحوادث التي ليس شيء منها قديم لازم له في الأزل بل كان كل واحد ~~منها متأخر عنه ووجودها واحد بعد واحد ليس هو نفيا قديما ثابتا في الأزل بل ~~موجودا شيئا بعد شيء كان ما لا يمكن وجوده في الأزل مقارنا لما يجب وجوده ~~في الأزل وهو متناقض فتبين أن فعلها في الأزل شيئا بعد شيء ممتنع كما أن ~~فعل مجموعها ممتنع وكما أن كل فعل واحد منها في الأزل ممتنع فإذا امتنع ~~فعلها في الأزل على كل تقدير امتنع فعل ما يلزم منها على كل تقدير فإنه إن ~~فعل معها كان ممتنعا وإن فعل معها تقدم فعلها أيضا وهو ممتنع. # وإذا كان قدم العالم أو شيء من المستلزم للحوادث يتضمن فعل الحوادث في ~~الأزل وهو ممتنع على كل تقدير ثبت امتناع قدم شيء من العالم على كل تقدير. # والفرق ثابت بين فعل الحوادث في الأزل وبين كونه لا يزال يفعل الحوادث ~~فإن الأول يقتضي أن فعلا قديما معه فعل به الحوادث من غير تجدد شيء والثاني ~~يقتضي أنه لم يزل يفعلها شيئا بعد شيء فهذا يقتضي قدم نوع الفعل ودوامه ~~وذاك يقتضي قدم فعل معين وقد تبين أنه يمتنع قدم فعل معين للحوادث فيمتنع ~~فعل الحوادث بدون ملازمها فثبت امتناع فعل الملازم لها في القدم وذلك أن ~~التلازم من الطرفين فإن التقدير ms209 أن كل شيء من العالم فإنه مقارن للحوادث ~~ملازم لها يلزم من وجود شيء من العالم وجود حادث معه ويلزم من وجود شيء من ~~حوادث العالم وجود شيء آخر معه ولو كان الملزوم من أحد الطرفين لكفى فإن # PageV02P049 # المقصود أن يكون كل شيء من العالم لا يسبق الحوادث المعلوم حدوثها بل ~~يكون معها أو بعدها فإذا كان كل شيء من العالم مستلزما للحوادث كفى ذلك فإن ~~ذلك الجزء من العالم لو كان قديما لكان قديما بفعل قديم معين له وللحوادث ~~معه فإن وجوده بدون وجود الحوادث ممتنع وفعل قديم للحوادث ممتنع ففعل قديم ~~ملزومها ممتنع فقدم ملزومها ممتنع وهو المطلوب. # وإذا أخذت التلازم من الطرفين قلت فعل الحوادث بفعل قديم ممتنع وفعلها ~~بدون ملازمها المقارن لها ممتنع فيلزم إذا فعلت أن تفعل مع ملزومها وذلك لا ~~يكون إلا بفعل قديم وهو ممتنع. # وهذا بين كيفما قلبته فإنك إذا فرضت الملزوم يفعل بفعل قديم وفعلت هي ~~أيضا بفعل قديم آخر لزم قدم الفعلين جميعا لامتناع انفكاك أحدهما عن الآخر ~~فإنه كما تلازم المفعولان تلازم الفعلان وإذا كان أحد المتلازمين يمتنع ~~قدمه فالآخر أيضا يمتنع قدمه لأنه لو لم يمتنع قدمه للزم إما وجودهما وهو ~~ممتنع أو وجود أحد المتلازمين دون الآخر وهو ممتنع. # فقد تبين أن مع القول بجواز حوادث لا أول لها بل مع القول بوجوب ذلك ~~يمتنع قدم العالم أو شيء من العالم وظهر الفرق بين دوام الواجب بنفسه ~~القديم الذي لا يحتاج إلى شيء وبين دوام فعله أو مفعوله وقدم ذلك فإن الأول ~~سبحانه هو قديم بنفسه واجب غني وأما فعله فهو شيء بعد شيء. # PageV02P050 # فإذا قيل: هو قديم النوع وأعيانها حادثة لزم حدوث كل ما سواه وامتناع قدم ~~شيء معه وأنه يمتنع أن يكون شيء من مفعولاته قديما إذ كل مفعول فهو مستلزم ~~للحوادث والإلزام حدوث الحوادث بلا سبب وترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح ~~لأنه لا يكون قديما إلا بفعل قديم العين لا قديم النوع وفعل قديم ms210 العين ~~للحادث ممتنع ولملازم الحادث ممتنع وفعلان قديمان مقترنان أحدهما للحادث ~~والآخر لملازم الحادث ممتنع فتبين امتناع قدم فعل شيء من العالم على كل ~~تقدير لأن وجود المفعول بدون الفعل المشروط فيه ممتنع. # وقد عرف أيضا أن وجود العالم منفكا عن الحوادث ثم إحداث الحوادث فيه أيضا ~~ممتنع فثبت امتناع قدمه على كل تقدير. # ويمكن تقدير حدوث كل العالم بالنظر إلى نفس الفاعل المؤثر فيه مع قطع ~~النظر عن العالم خلاف ما يزعمه ابن الخطيب وطائفة أن القائلين بالقدم نظروا ~~إلى المؤثر والقائلين بالحدوث نظروا إلى الأثر. # وذلك أن يقال قد ثبت أنه موصوف بصفات الكمال وأن الكمال الممكن الوجود ~~لازم له واجب له وأنه مستلزم لذلك. # وحينئذ فيقال الفاعل الذي يمكنه أن يفعل شيئا بعد شيء ويحدث الحوادث أكمل ~~ممن لا يمكنه الإحداث بل لا يكون مفعوله # PageV02P051 # إلا مقارنا له بل يقال هذا في الحقيقة ليس مفعولا له إذ ما كان لازما ~~للشيء لا يتجدد فهو من باب صفاته اللازمة له لا من باب أفعاله فإن ما لزم ~~الشيء ولم يحدث ويتجدد لم يكن حاصلا بقدرته واختياره بل كان من لوازم ذاته ~~وما كان من لوازم ذاته لا يتجدد ولا يحدث كان داخلا في مسمى ذاته كصفاته ~~اللازمة له فلم يكن ذلك من أفعاله ولا من مفعولاته. # وإذا كان كذلك فتقدير واجب بنفسه أو قديم أو قيوم أو غني لا يفعل شيئا ~~ولا يحدثه ولا يقدر على ذلك تقدير مسلوب لصفات الكمال وكون الفعل ممكنا ~~شيئا بعد شيء أمر ممكن في الوجود كما هو موجود للمخلوقات فثبت أنه كمال ~~ممكن ولا نقص فيه لا سيما وهم يسلمون أن الجود صفة كمال فواجب لا يفعل ولا ~~يجود ولا يحدث شيئا أنقص ممن يفعل ويجود ويحدث شيئا بعد شيء وإذا كان كمالا ~~لا نقص فيه وهو ممكن الوجود لزم أن يكون ثابتا لواجب الوجود وأن يكون ثابتا ~~للقديم وأن يكون ثابتا للغنى عما سواه وأن يكون ثابتا للقيوم. # وإذا كان كذلك ms211 فمن كانت هذه صفته امتنع وجود المفعول معه لأنه لو وجد معه ~~للزم سلب الكمال وهو الإحداث شيئا بعد شيء والفعل الدائم للمفعولات شيئا ~~بعد شيء وإذا كان نفس الكمال الذي يستحقه لذاته يوجب أن يفعل شيئا بعد شيء ~~ويمتنع أن يقارنه # PageV02P052 # شيء من المفعولات فيكون لازما له ثبت حدوث كل ما سواه وهو المطلوب. # وهذا مما احتجوا به على قدم العالم وهو يدل على حدوثه فإنهم قالوا الفعل ~~صفة كمال والجود صفة كمال فلا يجوز أن يسلبهما الباري تعالى في الأزل. # فيقال لهم: الكمال أن يفعل دائما شيئا بعد شيء أو أن يكون المفعول معه ~~قديما والثاني باطل قطعا. # أما أولا: فلأنه خلاف المعلوم بالضرورة. # وأما ثانيا: فلأنه يقال لهم إذا كان الفعل الحادث شيئا بعد شيء ليس صفة ~~كمال بل الفعل المقارن له فإنه يلزم أن لا يحدث شيء. # وأيضا فإن هذا معارض بأن يقال بل الأفعال المحدثة النوع الدائمة إلى ~~الأبد أكمل من فعل واحد قديم من غير أفعال حادثة فالذين قالوا لم يكن فاعلا ~~حتى أحدث السموات وهو محدث شيئا بعد شيء إلى الأبد أحسن قولا ممن قال إنه ~~لم يزل فاعلا لشيء واحد ولا يفعل غيره فإن كثرة الأفعال والمفعولات أكمل من ~~قلة الأفعال والمفعولات فتبين أن ما أثبتوه للخالق من كون هذا العالم لازما ~~له قديما بقدمه هو صفة نقص ليس صفة كمال. # والمقصود هنا أن الذين أثبتوا حدوث العالم بحدوث الجسم كما تقدم قالوا ~~فإذا كان الدليل على حدوث المحدثات إنما هو قيام # PageV02P053 # الصفات والأفعال بها فكل ما قامت به فهو حادث وإلا انتقض الدليل على حدوث ~~العالم وإثبات الصانع. # قالوا: فيجب أن يكون كلامه حادثا بعد أن لم يكن ويصير متكلما بعد أن لم ~~يكن كما أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا وفعله حادث. # قالوا: وكل ما قامت به الحوادث فهو حادث كما تقدم فيلزم أن لا يقوم به ~~كلام ولا فعل ولا صفة فقالوا كلامه مخلوق في غيره ولا ms212 يقوم به علم ولا قدرة ~~ولا حياة ولا غير ذلك من الصفات لأنه لو قام به ذلك لكان عرضا قائما بالجسم ~~والجسم محدث قالوا وليس هو فوق العالم ولا مباين للعالم ولا يصعد إليه شيء ~~ولا ينزل من عنده شيء ولا يرى لأنه لو كان كذلك لكان جسما والجسم محدث. # فلما أظهروا هذا القول شاع في الأمة إنكار ذلك وقالوا هذا تعطيل للخالق ~~وجحود لصفاته وكلامه وأفعاله ولذاته فظهر عن الأئمة والسلف النكير والتكفير ~~للجهمية وهؤلاء الذين قالوا القرآن مخلوق فلما شاع الخوض في هذا والنزاع ~~ودخلت فيه أهل السيوف والأقلام وعظم فيه النزاع والخصام ظهر لجمهور ~~المسلمين وأئمة الدين فساد هذا القول فإنه يجر إلى قول فرعون ونحوه من ~~المعطلة وإن كان قائلو ذلك ما قصدوا به ذلك بل دخلوا في بحوث ظنوها تنصر ما ~~جاء به الرسول فكان الأمر بالعكس فإنهم لم يفهموا ما جاء به الرسول ولا ~~دليله. # PageV02P054 # وأما أول من أظهر ذلك في الإسلام فإن بعض أهل العلم يقولون إنه كان ملحدا ~~زنديقا وكان يعلم أن قوله يستلزم تعطيل الصانع فأحدث هذا كما أحدثت ~~الزنادقة الرفض تسترا بموالاة علي فلما أطبق أهل السنة والجماعة والجمهور ~~على أن كلام الله غير مخلوق صار القائلون لذلك أربع فرق: # فرقتان قالتا: إذا لم يكن مخلوقا فهو قديم فإنه إما مخلوق منفصل عن الرب ~~وإما قديم قائم به فالقديم صفاته والمخلوق المنفصل مفعولاته وقالوا الكلام ~~كالحياة لا يتعلق بمشيئته وقدرته واختياره فلا يقال إنه يقدر على الكلام ~~ولا إنه يتكلم بمشيئته واختياره وقدرته وأنكر هؤلاء وجود أفعال تقوم به ~~شيئا بعد شيء وقالوا هذا هو الدليل الذي احتججنا به على حدوث العالم ~~وأجسامه وهو كونه لا يخلو من الحوادث فإنه إذا قامت به الحوادث لم يخل منها ~~وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. # PageV02P055 # ثم من هؤلاء من قال: إذا كان قديما فالقديم لا يكون حروفا وأصواتا لأنها ~~متعاقبة شيئا بعد شيء ولا يكون معاني متعددة لأن وجود ما لا ms213 يتناهى من ~~المعاني متعدد وتخصيص قدر دون قدر تحكم قالوا فيكون القديم معنى واحدا هو ~~النهي والأمر والخبر والاستخبار والعبارة عن ذلك المعنى بالعربية قرآن ~~وبالعبرية توراة وبالسريانية إنجيل. # وهذا أصل قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري # PageV02P055 # والقلانسي وغيرهما فقال لهم الجمهور هذا القول معلوم الفساد بالضرورة ~~فإنه يلزم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا قالوا ونحن نعلم بالاضطرار ~~أن التوراة إذا عربناها لم تكن معانيها معاني القرآن ولا معنى آية الكرسي ~~آية الدين ولا معنى سورة الإخلاص معنى تبت يدا أبي لهب قالوا ولا معنى ~~الخبر هو معنى الأمر بأي شيء فسر المعنى سواء فسر بالعلم أو الإرادة أو ~~بأمر آخر يخالف العلم والإرادة فنحن نعلم أن هذا ليس هو ذا. # وقالوا لهؤلاء: إن جاز أن يكون الخبر هو الأمر والنهي فتكون الحقيقتان ~~شيئا واحدا فجوزوا أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة أو تكون ~~الصفات كلها شيئا واحدا. # فلما أوردوا هذا السؤال قال بعضهم هذا سؤال لا جواب لنا عنه كما ذكر ذلك ~~الآمدي وغيره وقال بعضهم هذا يتوجه من جهة العقل ونحن إنما أثبتنا تعدد ~~الصفات بالإجماع لا بالعقل لأن الناس إما مثبت للصفات وإما ناف لها ~~والمثبتون يقولون بتعددها فالقول بإثباتها واتحادها خرق للإجماع وهذه طريقة ~~القاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني وغيرهما وهي طريقة القاضي أبي يعلى في ~~باب الصفات والكلام في الجملة # PageV02P056 # ومنهم من طلب أن يفرق بين البابين فذكر ما أنكره هؤلاء وغيرهم عليه ~~فهؤلاء يقولون بقدم الكلام لكن يقولون باتحاد الحقائق المتعددة فهم اتحادية ~~في الصفات. # PageV02P057 # والفريق الثاني وافقوهم على القدم وعلى أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأن ~~الكلام المعين صفة لازمة لذاته وأنه ما ثم إلا قديم لازم له بعينه وأما ~~مخلوق منفصل عنه وأما ما يتعلق بقدرته ومشيئته ويقوم بذاته فأنكروه وادعوا ~~كما ادعى أولئك وجود الحوادث بدون سبب حادث والترجيح بمجرد الإرادة مع ~~تماثل وقت الفعل وغيره وقالوا القادر يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح. # ثم رأوا قول أولئك ms214 أن الكلام العربي ليس بكلام الله ولم يتكلم الله به ~~ولا يتكلم وإنما كلامه مجرد معنى هو حقائق مختلفة قولا مخالفا للمعقول ~~والمنقول. # قالوا: فالكلام القديم هو الحروف والأصوات ومنهم من قال الحروف دون ~~الأصوات فهي قديمة أزلية بأعيانها لا نقول بوجود شيء بعد شيء وأنه ما زال ~~يقول يا آدم يا نوح يا موسى من الأزل إلى الأبد ولا يزال يقول ذلك وقال ~~هؤلاء باقتران الحروف بعضها ببعض في الأزل وأن الياء والسين موجودتان معا ~~في الأزل والترتيب بينهما إنما هو ترتيب في ذاتهما أو في ظهورهما لا في ~~وجودهما. # PageV02P057 # وهذا قول طائفة من أهل الكلام والحديث والفقه حكاه الأشعري في المقالات ~~عن طائفة قالته وقد وافقهم عليه طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد ~~والشافعي وغيرهم. # فأنكر الجمهور هذا القول وقالوا هذا مخالف لصريح المعقول والمنقول فإن ~~الله تعالى يقول: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (سورة يس ~~82) وأن تخلص الفعل المضارع للاستقبال: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة} (سورة البقرة 30) أي واذكر إذ قال ربك للملائكة والمؤقت بظرف ~~معين لا يكون قديما أزليا. # وقال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون} (سورة آل عمران 59) وقال تعالى: {فلما أتاها نودي يا موسى} (سورة طه ~~11) ومثل هذا في القرآن كثير. # قالوا والصوت كالحركة توجد شيئا بعد شيء فيستحيل اقتران أوله بآخره ~~ووجوده كله في وقت واحد وإنما يوجد متعاقبا ثم جمهور أرباب هذا القول قالوا ~~هذا القرآن كلام الله وليست الأصوات المسموعة من القرآن صوت الله بل صوت ~~الله غير ذلك ولكن هذا المسموع كلام الله وهو مسموع بصوت القارىء كما قال ~~تعالى: # PageV02P058 # {فأجره حتى يسمع كلام الله} (سورة التوبة 6) وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم" فأضاف الكلام إلى الله والصوت إلى القارىء. # وقالت طائفة: بل نفس هذا الصوت المسموع هو الصوت القديم أو مشتمل على ~~الصوت القديم وقالوا إن ms215 القديم يظهر قرين الحركات المحدثة وإن الأصوات ليست ~~فعل العباد لأنها إنما تكون فعلا لهم إذا كانت متولدة عن أفعالهم ونحن لا ~~نقول بالتولد بل هي مضافة إلى الله بحسب ما توجبه الإضافة فإن كان بغير ~~القرآن كانت مخلوقة له وإن كانت بالقرآن كانت صفة له وهي الصوت القديم. # PageV02P059 # فقال جمهور الأمة: هذا قول معلوم الفساد بالضرورة مخالف للمعقول والمنقول ~~وهي نوع من البدع الباطلة شرعا وعقلا. # وقال الفريق الثالث: أنتم وإنما أوتيتم من حيث جعلتم أن الله لا يقدر أن ~~يتكلم ولا يتكلم بقدرته ومشيئته وأنكرتم قيام الأفعال به لذلك فإنما أقول ~~إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته بكلام قائم به وإن كان حادثا وأنا أقول تحله ~~الحوادث وليس في الأدلة ما ينفي هذا لا شرعا ولا عقلا بل العقل والنص ~~متطابقان على إثبات ذلك. # وهذا قول طوائف كأبي معاذ التومني وزهير الأثري ومحمد بن كرام وأصحابه ~~وطوائف غير هؤلاء أظن منهم هشام بن الحكم وغيره. # لكن هؤلاء قالوا: ليس الكلام ولا شيء منه قديما وإنه يتكلم بعد أن لم يكن ~~متكلما كما يقول إنه فعل بعد أن لم يكن فعل لئلا يلزم وجود حوادث لا أول ~~لها ويبطل الدليل الدال على حدوث العالم. # قالوا: ولكن هو يقول قادر على الكلام في الأزل كما قلتم أنتم # PageV02P060 # ونحن إنه قادر على الفعل في الأزل مع اتفاقنا جميعا على أن الفعل في ~~الأزل ممتنع. # فهذه أربعة طوائف بل خمسة ممن يقول القرآن غير مخلوق والأخرى هم الخلقية. # وأما الفلاسفة القائلون بقدم العالم ومن دخل معهم من ملاحدة أهل الكلام ~~والتصوف فعندهم ليس لله كلام منفصل عن نفوس الأنبياء وغيرهم وإنما كلامه ~~أوجد فيها. # ومن العجب أنهم فروا من قدم صفاته وجعلوا فعله المنفصل عنه قديما لازما ~~له ومن المعلوم أن قدم الصفات أقرب إلى المعقول من قدم المفعولات فإذا جاز ~~أن يكون مفعوله المنفصل عنه لازما لذاته لا يفارقها ويكون واجب الوجود ~~بذاته ملزوما للأجسام المنفصلة عنه فلم لا يكون ملزوما لصفاته ms216 القديمة. # ويقال لهؤلاء أنتم عندكم لا يمتنع قيام الحوادث بالقديم فإن الفلك قديم ~~عندكم وهو محل الحوادث ولا يمتنع قدم الأجسام عندكم فإن الفلك جسم قديم ~~عندكم ولا يمتنع قدم الموصوف والصفة عندكم فإن الفلك قديم عندكم بصفته ~~اللازمة له فلماذا أنكرتم أن يكون القديم الواجب بنفسه متصفا بهذه الصفات. # فإن قلتم قيام الصفات تركيب والواجب لا يكون مركبا. # PageV02P061 # قيل: قد قدمنا أن لفظ التركيب لفظ مجمل وأنه إن أريد ما ركبه غيره أو ما ~~كان مفترقا فاجتمع أو ما يمكن انفصال بعضه عن بعض فهذا منتف وذلك غير لازم ~~من اتصافه بالصفات والأفعال. # وهم لم يريدوا هذا وإنما أرادوا تعدد المعاني التي يتصف بها وهذا لا دليل ~~على نفيه بل الأدلة تستلزم ثبوته وقيل لكم معنى قولكم لا يكون مركبا أي لا ~~يكون موصوفا بصفات ولا يكون ملزوما لصفاته وأنتم عندكم هو ملزوم لمفعولاته ~~ويقال أنتم عندكم أن الفلك واجب بوجوبه قديم بقدمه ومع هذا فهو متصف بهذا. # فإذا قلتم: هذا واجب بغيره وذاك واجب بنفسه. # قيل: ما ذكرتم من الفرق يقتضي أن أحدهما له موجب أبدعه والآخر ليس له ~~مبدع أوجبه وهذا لا يتعلق بالصفات والأجزاء وغير ذلك فإنكم إذا قلتم لو كان ~~موصوفا لكان مفتقرا إلى غيره والواجب لا يفتقر إلى غيره وإن أردتم ~~بالافتقار إلى الغير المبدع فليس في ذلك افتقار إلى مبدع وإن أردتم أنه ~~مستلزم لصفاته وأبعاضه ونحو ذلك فليس فيما ذكرتموه ما يوجب الفرق في ذلك ~~بين ما له مبدع وما لا مبدع له وقد قال كثير منكم بأن الفلك واجب بذاته ~~كانت هذه الحجة التي احتججتم بها عليهم حجة فاسدة كما قد بسط الكلام عليها ~~في غير هذا الموضع. # وأما السلف والأئمة رضي الله عنهم فلم يقولوا شيئا من هذه الأقوال ولا ~~بنوا على شيء من تلك الأصول المزلزلة بل كلامهم # PageV02P062 # مضمونه أن الله سبحانه لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال لم يزل قديرا ~~ولم يزل عليما ولم يزل متكلما إذا ms217 شاء ولم يزل فاعلا لما شاء وأنه سبحانه ~~وتعالى لم يعدم كمالا ممكنا بل هو المستحق لأنواع الكمال الممكن الوجود ~~وذلك واجب له ولا يقدر العباد أن يعلموا ما يستحقه الرب من الحمد والثناء ~~بل قد قال أعلمهم بالله لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. # والحمد والثناء إنما يكون بالأمور الوجودية أو ما يستلزم الأمور الوجودية ~~فأما العدم المحض فلا مدح فيه ولا ثناء فإن المعدوم المحض لا يثنى عليه ~~ولهذا لا يثني سبحانه وتعالى على نفسه إلا بالصفات الثبوتية أو ما يستلزم ~~ذلك كقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ~~ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم} (سورة البقرة 255) # PageV02P063 # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أعظم آية في ~~القرآن كتاب الله وقد وصف نفسه فيها بالصفات الثبوتية وذكر فيها خمسة سلوب. # الأول: قوله: {لا إله إلا هو} فإنه يقتضي انفراده بالألوهية وذلك يتضمن ~~انفراده بالربوبية وأن ما سواه عبد له مفتقر إليه وأنه خالق ما سواه ~~ومعبوده وذلك صفة إثبات. # الثاني: قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} وهذا يتضمن كمال الحياة والقيومية ~~فإن السنة والنوم نقص في الحياة والقيومية والنوم أخ الموت ومن نام لم ~~يمكنه حفظ الأمور فهو سبحانه منزه عن السنة والنوم تنزيها يستلزم كمال ~~حياته وقيوميته والحياة والقيومية من الإثبات. # الثالث: قوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} فإن هذا متضمن أنه لا ~~يشفع عنده أحد إلا بإذنه وهذا يتضمن كمال قدرته وخلقه وربوبيته وأن غيره لا ~~يؤثر فيه بوجه من الوجوه كما يؤثر في المخلوقين من يشفع عندهم فيحملهم على ~~الفعل بعد أن لم يكونوا فاعلين وإنما # PageV02P064 # الشفاعة عنده بإذنه فهو الذي يأذن للشفيع وهو الذي ms218 يجعله شفيعا ثم يقبل ~~شفاعته فلا شريك له ولا عون بوجه من الوجوه وذلك يتضمن كمال القدرة والخلق ~~والربوبية والغنى والصمدية. # الرابع: قوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} فإن هذا يقتضي أنه ~~الذي يعلم العباد ما شاء من علمه وأنه لا علم لهم إلا ما علمهم فبين أنه ~~المنفرد بالتعليم والهداية لا يعلم أحد شيئا إن لم يعلمه إياه كما أنه ~~المنفرد بالخلق والإحداث فهو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى وأول ما نزل ~~من القرآن: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم ~~الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} (سورة العلق 1 5) . # الخامس: قوله: {ولا يؤوده حفظهما} أي لا يكرثه ولا يثقل عليه وهذا يقتضي ~~كمال القدرة وتمامها وأنه لا تلحقه مشقة ولا حرج ونظير هذا قوله تعالى: ~~{ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} ~~(سورة ق 38) فإن نفي اللغوب يقتضي كمال قدرته وانتفاء ما يضادها من اللغوب. # كذلك قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} (سورة الأنعام ~~103) نفى الإدراك الذي هو الإحاطة وذلك يقتضي كمال عظمته وأنه بحيث لا ~~تدركه الأبصار فهو يدل على أنه إذا رئي لا تدركه الأبصار وهو يقتضي إمكان ~~رؤيته ونفى إدراك الأبصار إياه لا نفي رؤيته فهو دليل على إثبات الرؤية ~~ونفي إحاطة الأبصار به # PageV02P065 # وهذا يناقض قول النفاة وأما مجرد الرؤية فليست صفة مدح فإن المعدوم لا ~~يرى ولهذا نظائر في القرآن. # والمقصود أن المدح والثناء لا يكون إلا في الإثبات فإنه إنما يكون بصفات ~~الكمال والكمال إنما يكون في الأمور الوجودية فأما العدم فلا كمال فيه فمن ~~لم يصفه إلا بالسلوب وقال إنه الوجود المقيد بالسلوب كما قال ابن سينا ~~وأمثاله من الباطنية فهو لم يثبته ولم يجعله موجودا فضلا عن أن يكون موصوفا ~~بالكمال ممدوحا مثنيا عليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الكلام صفة كمال ms219 كما أن العلم والقدرة ~~والسمع والبصر صفة كمال وأن المتكلم أكمل ممن لا يتكلم كما أن الحي أكمل من ~~الجماد ولهذا عاب الله الجمادات المعبودة بأنها لا تتكلم كما في قوله ~~تعالى: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا} (سورة طه 89) وكذلك قول الخليل: ~~{ما لكم لا تنطقون} (سورة الصافات 92) سواء كان المراد بيان أن العابد أكمل ~~من معبوده وهذا ممتنع أو بيان أن المعبود يجب أن يكون متصفا بصفات الكمال. # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من يتكلم بقدرته ومشيئته فهو أكمل ممن لا ~~يتكلم بمشيئته وقدرته بل يكون الكلام المعين لازما لذاته ومن المعلوم أنه ~~من لم يزل متكلما إذا شاء فهو أكمل ممن كان لا يمكنه الكلام ثم صار يمكنه. # قال هؤلاء: وكلام السلف والأئمة في هذا الباب متناسب # PageV02P066 # يصدق بعضه بعضا وهم أطلقوا القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق لما ~~حدثت الجهمية والمعتزلة الذين كانوا يقولون هو مخلوق خلقه مباينا له فذكروا ~~ما يناقض هذا الكلام فقالوا كلام الله غير مخلوق وقالوا منه بدأ وإليه يعود ~~لأن هؤلاء يقولون لم يبتدىء منه وإنما يبتدىء من المحل المخلوق الذي خلق ~~فيه. # فقال السلف: "منه بدأ" ردا على هؤلاء وقالوا لو كان مخلوقا منفصلا عنه لم ~~يكن كلاما له بل كان كلاما للمحل الذي خلق فيه فإن الرب لا يتصف بما يخلقه ~~في غيره ولم يقم به كما لا يتصف بما يخلقه في غيره من الألوان والطعوم ~~والحركات. # والإضافة إليه إضافتان: إضافة صفة وإضافة عبودية فالأول كإضافة ما لا ~~يقوم بنفسه من العلم والكلام ونحو ذلك والثاني كإضافة ما يقوم بنفسه كالعبد ~~والروح والبيت والناقة والأرض ونحو ذلك فإن كانت إضافة الأعيان على وجهين ~~إضافة ملك مجرد وإضافة اختصاص لكونه يعبد فيها أو لغير ذلك كإضافة الناقة ~~والمسجد وغير ذلك. # ولهذا قال السلف: "كلام الله من الله وليس من الله شيء مخلوق" وقالوا: ~~"كلامه منه وليس ببائن عنه" كل ذلك ردا على هؤلاء ولم يقل أحد منهم بأن ms220 ~~الكلام معنى واحد قائم بالذات هو معنى التوراة والإنجيل ولا قال أحد منهم ~~إن الأصوات التي تكلم الله بها توجد كلها غير متعاقبة توجد معا في آن واحد ~~مقترنة قديمة أزلية وأن الصوت الذي سمعه موسى قديم أزلي لم يزل ولا يزال. # PageV02P067 # ولا قال أحد منهم: إن الله يتجدد له كونه متكلما بعد أن لم يكن ولم ينكر ~~أحد منهم دوام فعل الله ولا أنه لم يزل متكلما إذا شاء بل قالوا إن الله ~~يتكلم بصوت وأنه ينادي بصوت كما دلت عليه النصوص ولكن لم يقولوا إنه يتكلم ~~بدون قدرته ومشيئته بل نطق بهذا غير واحد منهم كالإمام أحمد وغيره وسائرهم ~~يقرون بذلك. # وقد احتج كثير منهم كسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل ونعيم بن حماد ~~والبويطي صاحب الشافعي وغيرهم على أن القرآن غير مخلوق بقوله تعالى: {إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (سورة يس 82) فلو كان كن مخلوقة ~~لزم أن لا يوجد شيء من المخلوقات لأن كن تكون مخلوقة بكن أخرى وهلم جرا فلا ~~يوجد شيء. # وقد يظن بعض من لم يفهم غور كلامهم وحقائق الأمور أن هذا منهم استدلال ~~بإبطال التسلسل مطلقا وأن ذلك يناقض دوام كونه لم يزل متكلما إذا شاء وأن ~~هذا تناقض منهم وليس الأمر كذلك بل التسلسل نوعان تسلسل في المؤثرات وهذا ~~باطل بالاتفاق وتسلسل في الآثار المفعولات فهذا فيه نزاع فكثير من النظار ~~يجيزه وكثير منهم لا يجيزه وكلام الأئمة مبني على قول من أجازه وفرق بين ~~النوعين. # وذلك أن التسلسل في المؤثرات يقتضي أن لا يوجد شيء كما تقدم فإنه إذا لم ~~يكن يوجد هذا حتى يوجد شيء آخر ولا يوجد الشيء الآخر حتى يوجد شيء آخر وهلم ~~جرا فإنه يقتضي تقدير أشياء كلها حادثة بعد العدم مفتقرة إلى من يوجدها ~~وليس فيها من يوجد شيئا بنفسه ولا موجود بنفسه. # PageV02P068 # ومعلوم أنه إذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم تكن الجملة موجودة بنفسها ~~بطريق الأولى فإن الجملة مفتقرة ms221 إلى كل واحد من الآحاد فإذا كان كل من ~~الآحاد فقيرا ممكنا لا يوجد بنفسه فالمفتقر إليه أولى بالفقر وأولى ألا ~~يكون موجودا بنفسه. # وتسلسل المفتقرات والمعدومات يقتضي كثرة المعدومات بل هذا تسلسل ممتنعات ~~فإن ما لا يوجد حتى يوجد ما لا يوجد ممتنع وتقدير أمور كلها مفعولات ليس ~~فيها غير مفعول مع أنه ليس لها فاعل مباين لها ممتنع ضرورة وكثرة الممتنعات ~~المفتقرات لا تقتضي إمكان شيء منها فضلا عن وجوده. # والتسلسل في أصل تمام التأثير كالتسلسل في أصل التأثير والفاعل لا بد أن ~~يكون حيا عالما قادرا مريدا فاعلا بنفسه فلا يجوز أن يقال لا يصير فاعلا ~~لشيء حتى يجعله شيء آخر فاعلا وذلك الآخر لا يصير فاعلا حتى يجعله شيء آخر ~~فاعلا إلى غير نهاية بل لا بد من إثبات فاعل بنفسه لم يجعله غيره فهو مثل ~~أن يقال لا يوجد حتى يوجد ولا يجوز أن يقال لا يفعل شيئا حتى يعلم ولا يعلم ~~حتى يعلمه غيره وذلك الغير لا يعلم حتى يعلمه غيره إلى غير نهاية بل لا بد ~~من عالم بنفسه ولا يجوز أن يقال لا يقدر حتى يقدره غيره وذلك الغير لا يقدر ~~حتى يقدره غيره إلى غير نهاية بل لا بد من قادر بنفسه. # وكذلك إذ قيل لا يكون فاعلا حتى يكون فاعلا ولا يكون عالما أصلا حتى يكون ~~عالما ولا يكون قادرا أصلا حتى يكون قادرا فإذا # PageV02P069 # قال: لا يؤثر حتى يصير مؤثرا ولا يصير مؤثرا حتى يصير مؤثرا لم يصر مؤثرا ~~بحال. # وأما إذا قيل: لا يكون مؤثرا في هذا حتى يؤثر في شيء آخر ولا يكون مؤثرا ~~في ذلك الشيء حتى يكون مؤثرا في شيء قبله فهذا تسلسل في الآثار والتأثيرات ~~المتعاقبة ليس هو تسلسلا في نفس أصل كونه مؤثرا فالتأثير الثاني ليس موقوفا ~~على كون المؤثر في نفسه مؤثرا فإنه مؤثر بنفسه بل على حدوث تأثير قبل هذا ~~التأثير فيلزم وجود تأثيرات متعاقبة فإن كان المؤثر مؤثرا في نفسه ms222 جاز ذلك. # ومعنى ذلك أن الرب تعالى لا يتوقف كونه خالقا على غيره أصلا وأما كونه ~~خالقا لهذا فقد يكون مشروطا بخلقه لغيره فالتسلسل في التأثيرات المعينة ~~تسلسل في الآثار. # وأما التسلسل في أصل الخلق فهو تسلسل في أصل التأثير وذلك ممتنع بخلاف ~~التأثيرات المتعاقبة لآثار متعاقبة وأن كل تأثير في غير ما أثر فيه الأول ~~وهذا تسلسل في الآثار وفي التأثيرات هي آثار لغيرها ليس تسلسلا في نفس أصل ~~التأثير فإنه مؤثر بنفسه والممتنع هو أن لا يصير الشيء مؤثرا حتى يصير ~~مؤثرا ولا يصير خالقا حتى يصير خالقا. # وبهذا احتج أئمة السنة رضي الله عنهم فإن الله قد قال: {إنما قولنا لشيء ~~إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (سورة النحل 40) وقال تعالى: {إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (سورة يس 82) # PageV02P070 # وقال: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (سورة البقرة 117) . # فهذا يقتضي أنه إذا أراد شيئا فإنما أمره أن يقول له كن فيكون وقوله: ~~{إذا أراد شيئا} عام في ما يريده وهو لم يخلق شيئا إلا وقد أراده فاقتضى ~~هذا انه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن فلو كانت كن مخلوقة لكانت مخلوقة ~~بكن أخرى وكذلك الثانية مخلوقة بكن أخرى وهلم جرا فيلزم ألا يخلق شيئا لأنه ~~لا يصير خالقا لشيء حتى يخلق كن أخرى ولا يخلق كن حتى يخلق كن فلزم التسلسل ~~في كونه خالقا وهو تسلسل في أصل التأثير وفي أصل كون المؤثر مؤثرا وهو ~~تسلسل في أصل الخلق كالتسلسل في ذات الخالق. # فإذا قدر ذلك لزم أن لا يصير خالقا بحال كما إذا قيل لا يصير قادرا حتى ~~يقدر أن يصير قادرا ولا يقدر أن يصير قادرا حتى يقدر أن يقدر أن يصير قادرا ~~أو قيل لا يخلق شيئا حتى يجعل نفسه خالقا ولا يجعل نفسه خالقا حتى يخلق ~~شيئا فإن هذا ممتنع. # وهذا بخلاف ما إذا قيل لا يخلق هذا حتى يخلق هذا ففرق بين أن ms223 يقال لا ~~يخلق شيئا بحال حتى يخلق هذا أو لا يخلق شيئا بحال حتى يخلق ما به يصير ~~خالقا وبين أن يقال لا يخلق هذا حتى يخلق هذا فالأول ممتنع بالاتفاق وأما ~~الثاني ففيه نزاع بل يجب أن يكون خالقا بنفسه لا يتوقف كونه خالقا على كونه ~~خالقا وإن توقف كونه خالقا لهذا على كونه خالقا لهذا فلما دل القرآن على أن ~~قوله كن مما يخلق بها جميع المراد كانت من تمام الخلق فلم يجز أن تكون ~~مخلوقة. # PageV02P071 # وأيضا فإذا كانت مخلوقة فلا بد أن تخلق في محل ومحلها مخلوق قبلها وظاهر ~~القرآن يخالف. # ذلك ولهذا زعم أبو الهذيل العلاف أنها مخلوقة لا في محل وأما ما يقوم ~~بالرب تعالى من صفاته وأفعاله فليس مخلوقاته على طريقة الجمهور الذين ~~يفرقون بين الخلق والمخلوق سواء قالوا إن عين الخلق قديم أو قالوا إنه حادث ~~العين أو قالوا إنه حادث الأعيان وإن قدم نوعه. # وهذان القائلان يجعلان خلقه متعلقا بمشيئته وقدرته فإن هؤلاء كلهم خلقه ~~عندهم وما يقوم بذاته من أفعاله ليس مخلوقا سواء قالوا إنه متعلق بمشيئته ~~وقدرته أو قالوا إنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته فإنه كما أن قوله: {الله خالق ~~كل شيء} (سورة الزمر 62) لم يدخل فيه الخالق نفسه فلم يدخل فيه ما هو داخل ~~على مسمى الخالق وهو ما قام به من صفاته وأفعاله. # والمحتجون بهذه الآية على أن القرآن غير مخلوق لهم قولان والنزاع في ذلك ~~في جميع الطوائف بين أصحاب أحمد وبين أصحاب الشافعي وبين أصحاب مالك وغيرهم ~~فالذين يقولون إن كن المعينة قديمة إما بلفظها ومعناها كما يقوله ~~الاقترانية وإما بمعناها دون لفظها كما يقوله الاتحادية فإنهم ألزموهم أن ~~الله تعالى قال: {أن يقول له كن} وأن تخلص الفعل المضارع للاستقبال وأنه ~~قال فيكون وهذا يقتضي أن يكون عقب قوله: "كن". # وأما الذين يقولون إنه يقول كن بقدرته ومشيئته ويقول: كن # PageV02P072 # بعد كن فهؤلاء لا يرد عليهم هذا السؤال كما يقول ذلك أكثر الذين قالوا إن ms224 ~~القرآن غير مخلوق من أهل الحديث وأهل الكلام والفقهاء. # وعلى هذا فإذا قيل الحروف غير مخلوقة حروف المعجم كان صحيحا بمعنى النوع ~~لا بمعنى أن الحرف المعين القائم بالشخص المعين في الزمن المعين غير مخلوق ~~فنوع الحروف قديم وإن لم يكن المعين قديما وهكذا يقال في لوازم ذلك. # قال هؤلاء المتبعون للسلف والأئمة: فقد تبين بالمعقول المطابق للمنقول أن ~~كلا الطائفتين مخطئة الذين قالوا بقدم العالم ولزومه للرب وانتفاء صفاته ~~وأفعاله والذين قالوا بأن الرب لا يقوم به صفة ولا فعل ولا كلام وادعوا ~~حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال بناء على طريقة حدوث الجسم لامتناع ~~حوادث لا أول لها. # قالوا: ولهذا قال هؤلاء بتعطيل الرب في المستقبل كما قالوا بتعطيله في ~~الماضي فادعوا فناء العالم كله أو فناء حركاته وأنه يبقى الرب بلا فعل أصلا ~~كما ادعى ذلك الجهم وأتباعه وأبو الهذيل وأتباعه. # وآخرون يقولون: إن الله يفني العالم كله ثم يعيده ويدعون أن القيامة التي ~~أخبرت بها الرسل هي فناء العالم كله ثم إعادته وهم متنازعون في فنائه هل ~~يجب عقلا أو يجوز عقلا وإذا جاز عقلا فهل يجب سمعا أو يجوز سمعا؟ # ومن المعلوم أن القرآن لم يخبر بفناء العالم في المستقبل قط كما لم يخبر ~~بأن الله خلق السموات والأرض من غير شيء بل أخبر سبحانه # PageV02P073 # وتعالى بخلق السموات والأرض كما أخبر بخلق الإنسان والجن وغير ذلك من ~~المخلوقات وأخبر أنه خالق كل شيء. # قال الله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل ~~نسله من سلالة من ماء مهين} (سورة السجدة 7: 8) . # وقال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون} (سورة آل عمران 59) . # وقال تعالى: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار} ~~(سورة الرحمن 14 15) . # وقال تعالى: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (سورة ص ms225 71 72) . # وقال: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} (سورة طه 55) ~~. # وقال: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} ~~(سورة المؤمنون 12 13) . # وفي الصحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خلقت ~~الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم". # PageV02P074 # فالله سبحانه قد أخبر بخلق الإنسان الذي هو آدم وبخلق ذريته شيئا بعد شيء ~~في غير آية وأخبر أن ذلك مخلوق من غيره فالأصل مخلوق من الطين من التراب ~~والماء ثم جعل صلصالا فيبس وجف وذلك بالهواء. # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه فإن ~~كان لا بد فاعلا فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس" وأخبر أنه خلق الجن ~~من النار وأنه خلق الملائكة من النور ولم يذكر أنه خلق هذه الأصناف لا من ~~شيء. # وكذلك أخبر عن خلق السموات والأرض فقال: {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من ~~فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} (سورة ~~فصلت 9 10) قالوا الجميع في أربعة أيام: {ثم استوى إلى السماء} : الدنيا ~~{وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن ~~سبع سماوات # PageV02P075 # في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك ~~تقدير العزيز العليم} (سورة فصلت 11 12) فأخبر أنه استوى إلى السماء وهي ~~دخان قيل هو البخار الذي تصاعد من الماء الذي كان عليه العرش فإن البخار ~~نوع من الدخان. # وقال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} (سورة البقرة 29) . # وقال تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (سورة هود 7) فأخبر أنه خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام وأنه كان عرشه على الماء. ms226 # وفي صحيح البخاري والمسند وغيرهما عن عمران بن حصين أن بني تميم جاءوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقبلوا ~~البشرى يا بني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا فتغير وجه النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم جاء أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو ~~تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول ~~هذا الأمر؟ فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في ~~الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" وفي لفظ "ولم يكن شيء غيره" وفي لفظ ~~آخر "ولم يكن معه شيء". # لكن الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إلا واحدة والأخريتان ~~رويتا # PageV02P076 # بالمعنى فإن المجلس كان واحدا لم يتكرر ليقال: إنه قال كل لفظ في مجلس ~~ولو كرر الألفاظ لذكر ذلك عمران. # ومثل هذا يقع كثيرا في الحديث كقوله في حديث المرأة التي عرضت نفسها ~~عليه: "أنكحتكها بما معك من القرآن" وفي رواية أخرى "زوجتكها" وفي أخرى ~~"أملكتها" # PageV02P077 # واللفظ الأول مطابق لما رواه مسلم في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقول: "اللهم رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ~~ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوارة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر ~~كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك ~~شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين ~~وأغنني من الفقر". # فقوله: "أنت الأول فليس قبلك شيء" مطابق لقوله: " كان الله ولم يكن شيء ~~قبله" والحديث دل بأنه كان عرشه على الماء وأنه كتب في الذكر كل شيء قبل أن ~~يخلق السموات والأرض. # وهكذا جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض ~~بخمسين ألف سنة ms227 وكان عرشه على الماء" فأخبر في # PageV02P078 # هذا الحديث الصحيح بما يوافق ذلك الحديث الصحيح أيضا أنه قدر المقادير ~~قبل خلق السموات والأرض حين كان عرشه على الماء وكلاهما يوافق القرآن. # وفي حديث أبي رزين العقيلي الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما أنه قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: ~~"كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق العرش" فأخبر في هذا ~~الحديث أنه خلق العرش كما أخبر في غير موضع من القرآن أنه رب العرش وكما ~~دخل العرش في قوله خالق كل شيء ولم يدخل في خلق السموات والأرض في ستة أيام ~~بل كان مخلوقا قبل ذلك. # PageV02P079 # وقد تنازع السلف هل خلق العرش أولا أو القلم؟ على قولين حكاهما الحافظ ~~أبو نعيم العلاء الهمداني وغيره أصحهما أن العرش أولا ومن قال إن القلم خلق ~~أولا احتج بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه وغيره عن عبادة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "أول ما خلق الله القلم قال له: # PageV02P079 # اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة". # وقد روى عن ابن عباس من عدة أوجه أول ما خلق الله القلم فهذه الأحاديث هي ~~المعروفة عند أهل العلم بالحديث وأما ما يروى " أول ما خلق الله العقل قال ~~أقبل فأقبل" فهو موضوع وبتقدير صحته فلفظه أول ما خلق قال له فليس في شيء ~~من العلم المنقول عن الأنبياء لا عن نبينا ولا عن غيره أن العقل أول ~~المخلوقات كما يقول ذلك المتفلسفة ومن أخذ ذلك عنهم من متكلم ومتصوف وغيره. # ومن زعم أن العقل يسمى قلما لأنه ينقش العلوم في لوح النفس وسمى النفس ~~لوحا فأول ما في هذا أن هذا يعلم بالإضطرار أنه ليس من لغة العرب ولا قاله ~~أحد من مفسري القرآن والحديث ثم يقال: قد # PageV02P080 # أخبر أنه كتب ما يكون إلى يوم القيامة فقط وعندهم هو المبدع للعالم كله ~~وهو رب كل ms228 شيء بعد الأول وأيضا فإنه أخبر انه قدر ذلك وكتبه قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة وأنه بعد أن كتب في الذكر كل شيء خلق ~~السموات والأرض وعندهم أنه ومفعوله قديمان أزليان وأنه لم تزل معه السموات ~~والأرض وأنها متولدة عنه معلولة لم تتأخر عنه لحظة فضلا عن خمسين ألف سنة. # وأيضا فالعقل الأول عندهم تولد عنه العقل الثاني والنفس والفلك وإبداع ~~العقل أعظم من إبداعه للنفس والفلك وإبداعه لذلك أعظم من مجرد نقشه في ~~النفس والنفس الفلكية جمهورهم يقولون إنها عرض في الفلك ولكن ابن سينا ~~وطائفة قليلة يقولون إنها جوهر قائم بنفسه فكيف يعبر عن العقل الأول بأضعف ~~أفعاله ولا يعبر عنه بأجل أفعاله وأعظمها وإن شاع هذا شاع تسمية الواجب ~~بنفسه قلما أيضا لأنه علم العقل الأول ما يعلمه للنفس. # وأيضا فهم يقولون: إن العقول هي الملائكة التي أخبرت بها الرسل فإذا كانت ~~العقول تسمى أقلاما لنقشها العلم في النفوس فالملائكة تسمى أقلاما ومن قال ~~إن الملائكة هي أقلام فهو أخس من بهيمة الأنعام وكذلك ينبغي أن يسمى كل ~~معلم قلما وهذا ليس لي لغة العرب لا حقيقة ولا مجازا. # وأيضا فإنه قد قال في القلم: "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" # PageV02P081 # وهذا إشارة إلى كتابة ما في هذا العالم الكائن إلى يوم القيامة لا كتابة ~~ما يكون بعد ذلك. # ودلائل فساد قول هؤلاء كثيرة وإذا عرف بطلان قولهم بقي القولان اللذان ~~للمسلمين وإنما قولنا الصحيح أن العرش خلق أولا لأن ذلك ثبت في الحديث ~~الصحيح رواه مسلم في صحيحه "أنه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات ~~والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" فهذا يدل على أنه قدر إذ كان ~~عرشه على الماء فكان العرش موجودا مخلوقا عند التقدير لم يوجد بعده. # وكذلك قوله في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: " كان الله ولا شيء قبله ~~وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء" وفي رواية "ثم كتب في الذكر كل ms229 ~~شيء" فهو أيضا دليل على أن الكتابة في الذكر كانت والعرش على الماء. # وأما الحديث الذي فيه أول ما خلق الله القلم وأنه أمره أن يكتب ما هو ~~كائن إلى يوم القيامة فذلك بيان لخلق العالم الذي خلقه في ستة أيام وأن ~~تقدير هذا العالم كان قبل خلقه وأنه أول ما خلق من أسباب هذا العالم القلم ~~لأن تقدير المخلوق سابق لخلق المخلوق. # وهذا ذكر فيه انه كتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة فالمقدر به هو ~~المخلوق الذي خلق القلم قبله ولم يذكر فيه تقدير جميع المخلوقات # PageV02P082 # الكائنة بعد القيامة فلم يجب أن يكون متقدما على غيره هذه المقدرات ~~المخلوقة مما خلق قبل ذلك. # وقد جاءت الآثار المتعددة عن الصحابة والتابعين وغيرهم بأن الله سبحانه ~~لما كان عرشه على الماء خلق السماء من بخار الماء وأيبس الأرض وهكذا في أول ~~التوراة الإخبار بأن الماء كان موجودا وأن الريح كانت ترف عليه وأن الله ~~خلق من ذلك الماء السماء والأرض فهذه الأخبار الثابتة عن نبينا صلى الله ~~عليه وسلم في الكتاب والسنة مطابقة لما عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى ~~مما في التوراة وكل ذلك يصدق بعضه بعضا ويخبر أن الله خلق هذا العالم ~~سمواته وأرضه في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كان قبل ذلك مخلوقات ~~كالماء والعرش فليس في إخبار الله تعالى أن السموات والأرض أبدعتا من غير ~~شيء ولا أنه لم يكن قبلها شيء من المخلوقات. # وقد أخبر الله في غير موضع أنه خالق كل شيء وأنه رب كل شيء وهذا يناقض ~~قول من يقول إنه موجب بذاته لهذا العالم وأنه معلول له فإن خلق الشيء يتضمن ~~إحداثه ولم يقل أحد من أهل لغة العرب أن الشيء يكون محدثا ويكون قديما ~~أزليا وكونه مخلوقا قديما أزليا أبعد في لغتهم من ذلك فإن الناس متفقون على ~~أن كل مخلوق حادث ومحدث وأنه يسمى في اللغة حادث ومحدث ومتنازعون في أن كل ~~حادث ومحدث هل يكون مخلوقا؟ ms230 # PageV02P083 # ولم أعلم أنهم نقلوا أنه يجب أن يسمى في اللغة مخلوقا وإنما النزاع بينهم ~~في ذلك نزاع عقلي ومن هنا نشأ الاضطراب بين الناس في مسألة كلام الله ~~ومسألة أفعال الله فصاروا يحملون ما يسمعونه من الكلام على عرفهم فغلط كثير ~~منهم في فهم كلام السلف والأئمة بل وفي فهم كلام الله ورسوله والواجب على ~~من أراد أن يعرف مراد المتكلم أن يرجع إلى لغته وعادته التي يخاطب بها لا ~~نفسر مراده بما اعتاده هو من الخطاب فما أكثر ما دخل من الغلط في ذلك على ~~من لا يكون خبيرا بمقصود المتكلم ولغته. # كما أصاب كثيرا من الناس في قوله: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} (سورة ~~الأنبياء 2) فإنهم ظنوا أن المحدث والقديم في لغة العرب التي نزل بها ~~القرآن هو المحدث والقديم في اصطلاح المتكلمين هو ما لا أول لوجوده وما لم ~~يسبقه عدم فكل ما كان بعد العدم فهو عندهم محدث وكل ما كان لوجوده ابتداء ~~فهو عندهم محدث ثم تنازعوا فيما تقدم على غيره هل يسمى قديما حقيقة أو ~~مجازا؟ على قولين لهم. # وأما اللغة التي نزل بها القرآن فالقديم فيها خلاف المحدث وهما من الأمور ~~النسبية فالشيء المتقدم على غيره قديم بالنسبة إلى ذلك المحدث والمتأخر ~~محدث بالنسبة إلى ذلك القديم وإن كانا كلاهما محدثين بالنسبة إلى من ~~تقدمهما وقديمين بالنسبة إلى من تقدماه ولم يوجد في لغة القرآن لفظ القديم ~~مستعملا إلا فيما يقدم على غيره وإن كان موجودا بعد عدمه لكن ما لم يزل ~~موجودا هو أحق بالقدم. # PageV02P084 # وقد تنازع الناس في القديم هل يجعل من أسماء الله؟ فذهب طائفة كابن حزم ~~إلى أنه لا يسمى قديما بناء على أن الأسماء توقيفية ولم يثبت هذا الاسم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والمقصود أنه مستعمل في القرآن فيما تقدم على غيره كقوله تعالى: {حتى عاد ~~كالعرجون القديم} (سورة يس 39) وقوله تعالى: {قالوا تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم} (سورة يوسف 95) وقوله: {وإذ لم يهتدوا ms231 به فسيقولون هذا إفك قديم} ~~(سورة الأحقاف 11) وقوله عن إبراهيم: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون} (سورة الشعراء 75 76) فالمحدث يقابل هذا القديم. # وكان القرآن ينزل شيئا فشيئا فما تقدم نزوله فهو متقدم على ما تأخر نزوله ~~وما تأخر نزوله محدث بالنسبة إلى ذلك المتقدم ولهذا قال: {ما يأتيهم من ذكر ~~من ربهم محدث} (سورة الأنبياء 2) فدل أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث. # والذكر كله مخلوق ومحدث مسبوق بالعدم عند القائلين بأن القرآن وغيره من ~~كلام الله مخلوق أو هو كله مخلوق مسبوق بعدم وإن لم نقل مخلوق فلا يكون ~~للتخصيص عندهم معنى لكن يبقى أن يقال فإذا كان موصوفا بالحدوث الأخص وهو ~~تقدم غيره عليه فالحدوث الأعم وهو كونه مسبوقا بالعدم لازم لهذا ولكن هذا ~~لا يقتضي أن يكون نوع الذكر كذلك كما قد عرف. # وهكذا فهم كثير من الناس لكلام السلف والأئمة في القرآن # PageV02P085 # فإنه اشتهر أن السلف كانوا يقولون: "القرآن غير مخلوق" وكانت المعتزلة ~~والكلابية ومن وافقهم من أهل الحديث والفقه والتصوف ليس عندهم إلا قديم أو ~~مخلوق فالرب قديم إما بدون الصفات عند المعتزلة وإما بصفاته عند الكلابية ~~وما سوى ذلك مخلوق منفصل عن الله كائن بعد أن لم يكن. # فصار هؤلاء يعتقدون أن من قال القرآن غير مخلوق فمراده أنه قدم لازم لذات ~~الله وأنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته ولا يجوز أن يقال يقدر أن يتكلم أو أنه ~~يتكلم بمشيئته وهذا أحد قولي أبي حنيفة وأحمد والشافعي ومالك وغيرهم. # وقد حكى القولين عن أصحاب أحمد أبو بكر عبد العزيز في كتابه وأبو عبد ~~الله بن حامد في أصوله والقول الثاني وهو قول جمهور أهل الحديث وأئمة السنة ~~وطوائف من أهل الكلام من # PageV02P086 # الهشامية والكرامية وأبي معاذ وزهير الأثري وطوائف من الفقهاء من أصحاب ~~الأئمة الأربعة ومذهب داود بن علي وغيرهم فهؤلاء يقولون ثم قسم ثالث ليس ~~بمخلوق منفصل عن الله وليس بقديم العين وإن كان نوعه قديما وقد يقال في ~~الشيء إنه ms232 قديم بمعنى أنه لم يزل شيئا بعد شيء وقد يقال قديم بمعنى أنه ~~موجود بعينه في الأزل. # ولما صارت المعتزلة والكلابية ومن وافقهما لا يعتقدون أنه ليس هنا إلا ~~قولان أنه قديم ومخلوق وأنه لا موجود إلا قديم بعينه لم تزل عينه أو مخلوق ~~منفصل عن الله طال النزاع في مسألة القرآن وصارت الخلقية يحتجون بما يدل ~~على أن القرآن متعلق بمشيئة الله وقدرته وأن الكلام مستلزم لفعل المتكلم ~~ويحتجون بما يدل على أن الكلام فعل وأنه متعلق بمشيئته وقدرته وأنه يقول ~~كلاما متعلقا بالأوقات كقوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} (سورة طه ~~116) وقوله: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} (سورة الزخرف 3) وقوله: {أحكمت آياته ~~ثم فصلت} (سورة هود 1) . # PageV02P087 # وما يدل على أنه متكلم بكلام بعد كلام كقوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} (سورة آل عمران 59) وأمثال ذلك. # ومنازعوهم يحتجون بما يدل على أنه وصف لله قائم بذات الله وأنه يمتنع أن ~~لا يكون كلامه إلا ما خلقه في غيره وأنه لو كان الكلام مخلوقا لم يختص ~~بالإضافة إليه إضافة قول بل يضاف إليه كما يضاف إليه سائر المخلوقات وأنه ~~يلزم أن يكون ما خلقه من الكلام في غيره كلاما له وهو خالق كل شيء فكل كلام ~~كلامه وأن يكون ما خلقه من الأصوات صوتا له وأن الكلام لا يوصف به إلا من ~~قام به كما لا يوصف بالعلم والحياة والحركة إلا من قام به ذلك. # ويقول هؤلاء: الكلام من صفات الذات ليس من صفات الفعل وأما الجمهور من ~~أهل الحديث والكلام والفقه والتصوف وغيرهم فيقولون مدلول الأدلة الصحيحة من ~~الجانبين صحيحة ولا تناقض بينهما ولا منافاة بين كونه صفة ذات وصفة فعل فإن ~~الأقسام ثلاثة: # أحدها: ما توصف به الذات مع عدم تعلق القدرة والمشيئة به كالحياة. # والثاني: ما يكون مخلوقا بائنا عن الله فهذه هي المفعولات والصنفان ~~الأولان يقول أكثرهم هذه هي الأفعال ولا يفرقون بين الفعل والمفعول والخلق ~~والمخلوق ms233 وبعضهم يفرق مع قوله أنه ما ثم إلا قديم أو مخلوق فيجعل التكوين ~~صفة قديمة كما يقول ذلك غيره في الإرادة # PageV02P088 # وهذا قول كثير من أهل الكلام والحديث والفقه من أصحاب أبي حنيفة وأحمد ~~والشافعي وغيرهم. # والثالث: ما يقوم بذات الرب مع كونه بقدرته ومشيئته فهذا في الصفات ~~الذاتية لقيامة بالذات وهو من الفعلية لتعلقه بالمشيئة والقدرة والكلام عند ~~الصنف الثالث من هذا الضرب. # فإذا عرف منشأ اضطراب الناس نقلا وعقلا في كلام الله فكذلك في أفعاله فإن ~~الذين لم يجعلوا الأمر إلا نوعين قديما بعينه أو مخلوقا منفصلا عنه من ~~المعتزلة ونحوهم وقد علموا أن الله خالق كل شيء صاروا يفهمون من كون الله ~~خالق كل شيء أن الله بقي معطلا من الفعل أو من الفعل والكلام تعطيلا أزليا ~~قديما لا أول له ثم فعل أو تكلم بدون سبب اقتضى ذلك أصلا ثم يقول كثير منهم ~~وهكذا يصير معطلا في الأبد لا يفعل شيئا ولا يتكلم فكان لا يفعل ولا يتكلم ~~ثم يصير لا يتكلم ولا يفعل شيئا وإنما المدة التي تكلم فيها وعمل مدة ~~محدودة الطرفين ويجعلون هذا هو دين الرسل الذي جاءت به الكتب وبعثت به ~~الرسل ويترجمون عما جاءت به الرسل بعباراتهم بحسب فهمهم فيقولون العالم ~~محدث والعالم ما سوى الله. # ومعنى ذلك أن الله لم يزل معطلا عن الفعل والكلام حتى أحدث العالم بلا ~~سبب أصلا بل نفس القادر المختار يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح أصلا كالجائع ~~إذا قدم له رغيفان والهارب إذا عن له # PageV02P089 # طريقان فطمع المناظرون لهم في قدم العالم من الدهرية من اليونان أتباع ~~أرسطو وغيرهم واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا امتناع حدوث العالم بعد دوام ~~التعطيل الذاتي فقد قطعوا هؤلاء وأثبتوا قدم العالم وقدم هذه الأفلاك كما ~~هو قول أرسطو. # ويقول ابن سينا: "العقل الصريح الذي لم يكذب قط يعلم أنا إذا فرضنا ذاتا ~~معطلة كانت لا تفعل ثم فعلت بعد أن لم تفعل فلا بد من حدوث شيء إما قدرة ~~وإما ms234 إرادة وإما سبب ما وأما إذا كانت لا تفعل ثم حال أن تفعل كحال أن لا ~~تفعل لزم أن لا تفعل والتقدير أنها فعلت فلزم الجمع بين النقيضين وإنما لزم ~~الجمع لأنا فرضنا ذاتا معطلة عن الفعل فإذا كان هذا باطلا فنقيضه حق. # ولكن هذا لا يفيد قدم العالم ولا قدم شيء من العالم ولا قدم فعل بعينه ~~ولا مفعول بعينه بل هذا بعينه يدل على امتناع قدم شيء من العالم وإن قدر ~~أفعال متعاقبة فإنه إذا كان حال الذات فيما لا يزال كحالها في الأزل ولم ~~تختلف لزم أن لا يحدث عنها هذا الحادث المعين لأنها كانت وهذا الحادث لم ~~يحدث وهي الآن على ما كانت عليه فيلزم أن لا يحدث هذا الحادث. # وإذا قيل: تجدد في العالم أمور جعلت هذا مستعدا للفعل. # قيل: والكلام في ذلك المتجدد كالكلام في غيره يمتنع أن يتجدد عن ذات ~~حالها عند التجدد وقبل التجدد شيء سواء تجدد بواسطة أو بغير واسطة فإن ~~الحادث يقتضي حصوله كمال التأثير وقت # PageV02P090 # إحداثه والقول في حدوث تمام ذلك التأثير كالقول في ذلك الأثر الحادث فلا ~~بد أن ينتهي إلى المؤثر الأول إنه تجدد له حال يوجب كمال التأثير حال حدوث ~~كل أثر وإن كان كمال حدوث التأثير بذاته وإن كانت ذاته اقتضت أن تفعل شيئا ~~بعد شيء فهي التي تكون بنفسها فاعلة لهذا ثم لهذا ثم لهذا ليس غيرها يجعلها ~~فاعلا فإن ذلك الغير هو من مفعولاتها فهي التي جعلته مفعولا فما ثم إلا ~~الفاعل ومفعولاته ولا شيء من مفعولاته إلا منه. # فهذا ممكن في العقل بخلاف ما إذا قيل إنه دائما يحدث الأنواع المختلفة ~~الحادثة وحاله حين جدد هذا كحاله قبل ذلك فإن هذا إن جاز جاز أن لا يكون ~~فاعلا ثم يصير فاعلا له من غير تجدد شيء فإن امتنع أن يفعل بعد أن لم يفعل ~~من غير تجدد شيء امتنع أن يفعل هذا بعد أن لم يكن فاعلا له من غير تجدد شيء ms235 ~~فهم أنكروا على خصومهم حدوث حادث عن القديم بلا سبب حادث وقولهم يستلزم أن ~~جميع الحوادث المتعاقبة المختلفة تحدث عن القديم بدون سبب حادث سواء قالوا ~~إنها تحدث بواسطة العقل وبدون واسطة العقل فإن العقل عندهم لازم لذاته لا ~~يحدث فيه شيء من الحوادث أصلا. # فتبين أن قولهم الذي فروا إليه أشد بطلانا وتناقضا من قول خصومهم الذي ~~فروا منه يبين ذلك أن حدوث الحوادث عن القديم الواجب بنفسه بلا حدوث سبب إن ~~كان ممكنا كان قول منازعيهم ممكنا وبطلت حجتهم على قدم شيء من العالم وإن ~~كان ممتنعا كان قولهم أشد بطلانا من قول منازعيهم. # PageV02P091 # فتبين فساد قولهم على تقدير النقيضين فيكون فاسدا في نفس الأمر قطعا وذلك ~~انه إذا لم يمكن حدوث حادث من القديم الواجب إلا بحدوث سبب أو حال للمحدث ~~والتقدير عندهم أن القديم الواجب بنفسه لا يقوم به شيء من الأمور ~~الاختيارية ولا يحدث له حال أصلا بل حاله قبل إحداث المعين وبعده سواء ~~فحينئذ لا يكون محدثا لشيء من الحوادث لا بوسط ولا بغير وسط فيلزم حدوث ~~الحوادث بغير محدث. # وهم يعتذرون في هذا الموضع بأن يقولوا الواجب لنفسه الذي يسمونه العلة ~~الأولى والمبدأ عام الفيض دائما ولكن حدوث الحوادث عنه يتوقف على حدوث ~~الاستعدادات والقوابل فإذا حدثت حدث عنه الفيض كما يقولون مثل ذلك في العقل ~~الفعال فيقولون إن فيضه على ما تحت الفلك عام ولكن يتوقف ذلك على حدوث ~~الاستعدادات والقوابل بامتزاج الأجسام الحاصل عن حركات الأفلاك واتصالات ~~الكواكب. # وهذا الاعتذار من أعظم الخطأ والكلام الباطل لوجهين: # أحدهما أن العقل الفعال عندهم ليس هو علة تامة لحدوث ما يفيض عنه ولا ~~فاعلا مستقلا بل حدوث الفيض عنه يتوقف على حوادث تحدث من غيره فكأن له ~~شريكا في الفيض فلهذا يتوقف فيضه # PageV02P092 # على ما يحدث عن مشاركيه وأما الواجب بنفسه الذي يسمونه العلة الأولى ~~والمبدأ الأول فلا يتوقف فيضه على غير ذاته ولا له شريك غني عنه بل كل ما ~~سواه صادر عنه ms236 ومفعول له وهم يسمونه معلولا له وموجبا له ونحو ذلك فلم يجز ~~أن يكون فيض الرب تعالى موقوفا على حدوث حادث من غيره كما جاز مثل ذلك في ~~العقل الفعال عندهم والتمثيل بالعقل الفعال على أصلهم. # وأما المسلمون فلا حقيقة عندهم للعقل الفعال بل التمثيل يحصل بالشمس ~~فإنها إذا ظهرت كان نورها وحرارتها عامة وإن توقف ذلك على حدوث استعدادات ~~وقوابل فإذا كان هناك سقف أو سحاب يمنع فيض ضوئها وحرارتها ثم زال ذلك ~~المانع حدث الضوء والحرارة بدون تجدد فعل في ذاتها وإنما هو لحدوث حادث في ~~غيرها. # الثاني: أن يقال الواجب بنفسه القديم رب العالمين الذي يسمونه العلة ~~الأولى والمبدأ الأول إما أن يكون علة تامة في الأزل بنفسه أي مقتضيا ~~وموجبا بنفسه كما يدعونه وإما أن يتوقف إيجابه على غيره فإن كان الأول لزم ~~أن يقترن به جميع موجبه ومقتضاه في الأزل فيكون جميع معلولاته أزلية وكل ~~واحد من الحوادث ليس أزليا فلا يكون شيء منها من معلولاته فلا يكون شيء ~~منها حادث عنه لا بسوط ولا غيره فيلزم أن لا محدث لها بحال إذ ليس هناك ~~واجب قديم غيره يكون مبدأ للحوادث وعلة لها بوسط أو بغير وسط. # وإن قيل: يتوقف إيجابه على غيره لزم أن لا يكون علة تامة فلا # PageV02P093 # يقارنه شيء من المعلولات في الأزل هذا يبطل قولهم ويقتضي امتناع قدم شيء ~~من العالم. # وأيضا فإن إيجابه إذا كان متوقفا على غيره كان ذلك مستلزما للدور القبلي ~~وللتسلسل في المؤثرات وكلاهما باطل باتفاق العقلاء فإن ذلك الغير إن كان ~~معلولا له لزم الدور القبلي وإن لم يكن معلولا له لزم التسلسل في المؤثرات ~~فإن تأثيره حينئذ يكون موقوفا على ذلك الغير وذلك الغير إن كان ممكنا فلا ~~بد له من واجب والقول فيه كالقول في الأول وإن كان واجبا بنفسه لزم توقف ~~تأثير كل من الواجبين على تأثير الآخر فلا يكون هذا مؤثرا حتى يجعله الآخر ~~مؤثرا وكذلك بالعكس فلا يكون كل واحد منهما ms237 مؤثرا وهذا كله مبسوط في غير ~~هذا الموضع. # والمقصود هنا بيان أن قولهم أشد بطلانا من قول منازعيهم وأن الأصل الذي ~~بنوا عليه حجتهم وهم أن المؤثر التام لا بد أن يقارنه الأثر والأثر لا بد ~~أن يقارنه المؤثر التام هو نفسه يبطل حجتهم ومذهبهم فإنه يقتضي أن المؤثر ~~التام لم يكن تاما مؤثرا لشيء من الحوادث إلا حين حدوثه. # وحينئذ فقبل ذلك لم يكن مؤثرا تاما ثم صار مؤثرا فانتقل من عدم التأثير ~~إلى وجود التأثير من غير تغير منه ولا حدوث شيء عنه أصلا عندهم فإنهم إذا ~~قالوا حركات الأفلاك هي شرط في التأثير أو قالوا تصورات النفس الفلكية ~~وإراداتها الحادثة هي الشرط في التأثير أو قالوا كل حادث شرط لما بعده كان ~~هذا باطلا من وجbهين: # PageV02P094 # أحدهما: أن القول في حدوث تلك الحوادث من الحركات والإرادات والتصورات ~~كالقول فيما حدث عنها فلا يكون مؤثرا تاما فيها حتى يحدث له ما به يصير ~~مؤثرا تاما وهو لا يحدث فيه شيء من الحوادث عندهم فلا يكون مؤثرا تاما في ~~حال من الأحوال لشيء من الحوادث. # الثاني: أن يقال الحادث الأول لا يجوز أن يكون هو الذي به صار المؤثر ~~تاما فيما بعده من الحوادث فإن تمام المؤثر لا بد أن يكون موجودا عند وجود ~~الأثر سواء سمي شرطا أو جزءا أو عدم مانع أو غير ذلك من الأسماء لأن ~~التقدير أن العلة التامة يقارنها معلولها وأن الأثر يقارنه المؤثر التام ~~فلو قدر وجود بعض ما به يتم المؤثر قبل وجود الأثر وعدمه عند وجود الأثر ~~للزم أن لا يكون المؤثر التام موجودا عند وجود الأثر وأن لا يكون الأثر ~~موجودا عند وجود المؤثر التام بل يكون موجودا عند عدم بعض ما به يتم ~~المؤثر. # والتقدير خلاف ذلك ولهذا وجب وجود العلة التامة عند وجود المعلول وإن شئت ~~قلت والفاعل التام عند وجود المفعول وإن شئت المؤثر التام عن وجود الأثر. # فإن قيل: يمكن أن يكون تأثير القديم في الثاني ms238 مشروط بعدم الأول وعدم ~~الأول مقارن لحدوث الثاني لا يكون الشرط مجرد حدوث الأول كما يقول من يقول ~~إنه لم يزل متكلما إذا شاء وفاعلا بمشيئته شيئا بعد شيء. # PageV02P095 # فنقول: إن نفس ذاته هي المؤثرة في كل واحد واحد من تلك الأقوال والأفعال ~~لكن تأثيرها في الثاني مشروط بعدم الأول. # وإلا فلو قيل: إن الحادث الثاني يجب أن يحدث عند حدوثه أمر وجودي يلزم ~~التسلسل في تمام التأثير وذلك من التسلسل في التأثير وهو ممتنع فإنه إذا ~~كان ذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث عند حدوثه حادث وهذا أيضا يحدث عند حدوثه ~~حادث لزم التسلسل في تمام أسباب ومسببات إلى غير نهاية وذلك ممتنع بصريح ~~العقل واتفاق العقلاء كما يمتنع أن يكون لهذا المحدث محدث ولهذا محدث إلى ~~غير نهاية فلا بد أن تكون الحوادث صادرة عن قديم ويكون حدوث الثاني مشروطا ~~بعدم الأول فيكون بما في المؤثر الحادث عدم الأول والمؤثر القديم يحدث هذا ~~بعد هذا وحدوث الثاني مشروط بعدم الأول. # قيل: هذا الذي ذكر يجب اعتباره في الفاعل الأول الواجب بذاته إذا كان ~~فاعلا لشيء بعد شيء ولم يكن مؤثرا تاما لشيء أزلي بل ذاته مستلزمة لنوع ~~التأثير لا لتأثير معين. # وهؤلاء القائلون بقدم العالم اشتبه عليهم نوع التأثير بعين التأثير فلما ~~رأوا أن الذات تستلزم كونه مؤثرا لامتناع حدوث ذلك لم يميزوا بين النوع ~~والعين فظنوا أن هذا يقتضي قدم الأفلاك أو غيرها من أعيان العالم. # PageV02P096 # وهذا خطأ قطعا فإن الذات تستلزم نوع التأثير لا عينه فإذا قدر أنها لم ~~تزل فاعلة لشيء بعد شيء لم يكن شيء من مفعولاتها قديما بل كل ما سواها حادث ~~كائن بعد أن لم يكن وإن كان فعلها من لوازم ذاتها. # والذين قابلوا هؤلاء لما أرادوا أن يثبتوا حدوث كل ما سوى الله ظنوا أن ~~هذا يتضمن أنه كان معطلا غير قادر على الفعل وأن كونه محدثا لا يصح إلا على ~~هذا الوجه فهؤلاء أثبتوا التعطيل عن نوع الفعل وأولئك أثبتوا ms239 قدم عين الفعل ~~وليس لهم حجة تدل على ذلك قط وإنما يدل على ما يذكرونه من الحجج على ثبوت ~~النوع لا على ثبوت عين الفعل ولا عين المفعول ولو كان يقتضي دليلهم الصحيح ~~قدم عين الفعل والمفعول لامتنع حدوث شيء من الحوادث وهو مخالف للمشهود. # وحينئذ فالذي هو من لوازم ذاته نوع الفعل لا فعل معين ولا مفعول معين فلا ~~يكون في العالم شيء قديم وحينئذ لا يكون في الأزل مؤثرا تاما في شيء من ~~العالم ولكن لم يزل مؤثرا تاما في شيء بعد شيء وكل أثر يوجد عند حصول كمال ~~التأثير فيه والمقتضى لكمال التأثير فه هو الذات عند حصول الشروط وارتفاع ~~الموانع. # وهذا إنما يكون في الذات التي تقوم بها الأمور الاختيارية وتفعل بالقدرة ~~والمشيئة بل وتتصف بما أخبرت به الرسل من أن الله يحب ويبغض ويرضى ويسخط ~~ويكره ويفرح وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة فأما إذا لم يكن إلا حال ~~واحدة أزلا وأبدا وقدر أن لها معلولا لزم أن يكون على حال واحدة أزلا ~~وأبدا. # PageV02P097 # وإذا قيل: إنها توجب الحدث الثاني بشرط عدم الأول. # قيل: الحوادث الصادرة عنها مختلفة فإن الحركات مختلفة إذ ليست حركة ~~التاسع هي وحدها الموجبة لجميع الحوادث بل الحركات المختصة بكل فلك فلك ~~ليست ناشئة عنها. # وحينئذ فهو يحدث حركات مختلفة شيئا بعد شيء وحوادث مختلفة شيء بعد شيء ~~فيمتنع أن يكون في الأزل موجبا لها ويمتنع أن يتجدد له ما يصير به موجبا ~~بدون فعل منه فإن القول في إيجابه للشرط كالقول في إيجابه للمشروط وتلك ~~الحوادث لها محل قديم وهو معلوم فيلزم أن يكون مقتضيه في الأزل للمحل ~~مقتضيه للآثار شيئا بعد شيء وهو في جميع ذلك على حال واحدة من الأزل إلى ~~الأبد. # والمعلول صادر عن العلة لازم لها فإذا كان على حال واحدة لزم أن يكون ~~المعلول على حال واحدة وإلا لزم وجود المعلول بدون العلة. # وهو حقيقة مذهب القوم فإن كل ما في المعلول هو من ms240 العلة فإذا قدر أن ~~العلة لا يتنوع فعلها ولا صفة لها ولا يحدث فيها شيء لزم أن يكون المعلول ~~كذلك واحدا لا يتنوع ولا يحدث فيه شيء وهو خلاف المشاهدة وهذا أمر لا محيد ~~عنه. # وحذاقهم معترفون بهذا فإن ما ادعوه مخالف لصريح المعقول لمن تصور حقيقة ~~قول القوم وإنما طمعوا في أهل الكلام المبتدعين الذين ذمهم السلف والأئمة ~~لما اشتمل عليه كلامهم من الباطل شرعا وعقلا فإنهم خالفوا السمع والعقل ~~وظنوا أن الرسل أخبرت بأن الباري كان # PageV02P098 # معطلا لا يقدر أن يفعل ولا أن يتكلم ثم بعد هذا قدر أن يفعل وأن يتكلم 4 ~~فانتقل من عدم القدرة إلى القدرة بلا حدوث شيء وانتقل الشيء من الامتناع ~~الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا حدوث شيء ولزم أن يكون بين الباري وبين أول ~~كلامه وفعله مدة لا نهاية لها وليس هناك مدة وأن يكون قبل الزمان زمان زمان ~~إلى غير ذلك من الأمور التي ابتدعها المتكلمة الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ~~في الإسلام فجاء أولئك الملحدة فرأوا أن هذه أقوال فاسدة فظنوا أنهم إذا ~~أفسدوها بدوام فاعلية الرب وأن ما جاز وجوده عنه وجب وجوده لزم من ذلك قدم ~~هذا العالم ودوامه وأن الرب تعالى لم يحدث هذا العالم ولا يغيره ولا يقيم ~~القيامة الكبرى إذ فعله واحد لا يتبدل. # وهذا من أعظم الجهل والضلال عقلا كما هو من أعظم الإلحاد شرعا فإن الفعل ~~ليس واحد بالعين إذ لو كان كذلك لم يحدث شيء وإذا كان يفعل شيئا بعد شيء ~~فلا فرق بين إحداث أنواع من الحيوان لم تكن وإحداث عالم لم يكن وإحداث ~~إشخاص لم تكن. # والحوادث المختلفة في العالم دالة على أحداث فاعلة للحوادث ولهذا يبين ~~سبحانه وتعالى الأدلة على إثبات الصانع بإحداثه الحوادث المشهودة كإنزال ~~المطر وإنبات النبات وخلق الإنسان وغيره من الحيوان. # وقد ذكر في غير هذا الموضع تنازع الناس في هذا المقام فإن طائفة من أهل ~~الكلام من المعتزلة وغيرهم يقولون إن المؤثر التام يجب أن # PageV02P099 # يتقدم ms241 بالزمان على الأثر ولهذا يقولون القدرة على الفعل لا تكون إلا قبل ~~الفعل وكذلك الإرادة للفعل. # وأما أهل السنة المثبتون للقدر فعندهم لا بد من وجود القدرة عند الفعل ~~ويعنون بالقدرة مجموع ما به يصير العبد فاعلا فدخل في ذلك الإرادة وغيرها. # لكنهم متنازعون هل يجوز وجود القدرة قبل الفعل وبقاؤها إلى حين الفعل ~~وأنه عند الفعل ينضم إليها الإرادة أم لا يجوز وجودها إلا عند الفعل؟ على ~~قولين. # فالأول: قول أئمة الفقهاء وأهل السنة وهو المنقول عن أبي حنيفة وأبي محمد ~~بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي العباس بن سريج وغيرهم ممن يقول القدرة ~~تصلح للضدين وهو قول الفقهاء والجمهور الذين يقسمون القدرة إلى نوعين مصححة ~~للفعل وهي المشترطة في الأمر والنهي وهي مشتركة بين المطيع والعاصي ~~ومستلزمة للفعل وهي التي يختص بها المطيع دون العاصي. # والثاني: قول من يقول لا تكون القدرة إلا عند الفعل وأن خلاف المعلوم غير ~~مقدور للعبد وأن العاصي ليس قادرا على الطاعة وهذا قول أبي الحسن الأشعري ~~ومن وافقه من أهل الكلام والفقه على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ~~وغيرهم. # PageV02P100 # لكن جمهور هؤلاء متناقضون فيقولون في هذا الموضع القدرة لا تكون إلا مع ~~الفعل وفي الفقه وأصوله يجعلون العاصي قادرا على الطاعة كما يجب الحج على ~~المستطيع سواء حج أو لم يحج وقد يجعلون النزاع لفظيا منقولون الصحة ~~المتقدمة وسلامة البنية المتقدمة ليست هي الاستطاعة التي لا تكون إلا مع ~~الفعل. # لكن يقال لهم: نصوص الكتاب والسنة توجب جعل ذلك من الإستطاعة وإذا كان ~~النزاع لفظيا فأحق الألفاظ بالرعاية ألفاظ الشارع الواردة في الكتاب ~~والسنة. # وبالجملة فمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر وأن الله خالق أفعال ~~العباد أن مجموع ما يوجب وجود فعل العبد لا يوجد إلا عند وجود فعله. # لكنهم في أفعال الله متنازعون فالكلابية ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب ~~الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون إن القدرة القديمة والإرادة القديمة هي ~~المقتضية لحدوث كل ما حدث في وقت حدوثه من غير تجدد ms242 أمر وجودي فقالوا هنا ~~إن المؤثر التام يتقدم على أثره أو يقولون من تمام المؤثر التعلق الحادث ~~عند وجود الأثر لكن هذا التعلق عندهم عدمي. # وأما الكرامية ونحوهم فإنهم وإن قالوا إنه عند حدوث حوادث # PageV02P101 # العالم قد يقوم بذاته أمور اختيارية من إرادة أو كلام أو غير ذلك فهم ~~يقولون إن الحوادث ابتداء حدثت بغير سبب حادث فيرد عليهم في أصل الحدوث ما ~~يرد على أولئك في تفصيل الحوادث. # وأما المعتزلة وغيرهم من القدرية قولهم في التأثير واحد وهو أن القادر ~~المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح. # والذين ناظروهم وناظروا الفلاسفة على أصل الكلابية كأبي عبد الله الرازي ~~وغيره إذا ناظروا القدرية من المعتزلة وغيرهم استدلوا بأن القادر المختار ~~لا يرجح الفعل على الترك إلا بمرجح وقالوا إن رجحان فاعلية العبد على ~~تاركيته يتوقف على مرجح تام يستلزم وجود الأثر. # وإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم قالوا إن القادر المختار يرجح ~~أحد طرفي مقدوريه على الآخر بلا مرجح وادعوا أن المرجح التام إنما يستلزم ~~الأثر إذا كان موجبا بالذات فأما إذا كان فاعلا بالاختيار فلا وربما ادعى ~~بعضهم العلم الضروري بالفرق بين ترجيح الموجب بالذات والفاعل بالاختيار. # وهذا تناقض بين لمن فهمه فإنه إن كان الفرق صحيحا بطلت حجتهم على القدرية ~~من المعتزلة وغيرهم ولزم جواز إحداث العبد لفعله بلا سبب حادث لأن القادر ~~المختار يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وإن كان الفرق باطلا لزم بطلان جوابهم ~~للفلاسفة فأحد الأمرين لازم إما بطلان حجتهم على هؤلاء وإما بطلان جوابهم ~~لهؤلاء. # PageV02P102 # وأيضا فإن الموجب بالذات قد يراد به ما تكون مجرد ذاته العارية عن الصفات ~~والأفعال مستلزمة لموجبه وعلى هذا فيحصل الفرق بين مسمى الموجب بالذات ~~ومسمى الفاعل بالاختيار وقد يراد به ما يوجب بذاته الموصوفة بالصفات ~~والمشيئة والفعل وعلى هذا فكونه موجبا بالذات لا ينافي كونه فاعلا ~~بالاختيار. # فقولهم: إن الترجيح بدون مرجح تام ممتنع في الموجب بالذات دون الفاعل ~~بالاختيار قول باطل لأنه حينئذ قد يكون ms243 فاعلا باختياره وعند حصول القدرة ~~التامة والإرادة الجازمة يجب وجود الفعل فيكون موجبا بذاته الموصوفة ~~بالقدرة والاختيار لا بذات مسلوبة القدرة والاختيار. # وغاية ما يمكن أن يقال في الاعتذار عن تناقض هؤلاء أن القديم المختار له ~~أن يرجح أحد مقدوريه بدون مرجح بدون المحدث المختار لأن المحدث لا يتصور ~~حدوث شيء منه إلا من غيره فإن كونه قادرا مريدا وفاعلا إنما هو من غيره ~~فنفس ذاته ليس من لوازمها أن تكون قادرة مريدة فاعلة بل ذلك لها من غيرها ~~فلهذا لا يرجح بغير مرجح وهي إذا افتقرت إلى مرجح فالمرجح يحدث من الله ~~تعالى بخلاف القديم الواجب بنفسه سبحانه فإنه هو المحدث لكل ما سواه وهو ~~بنفسه مستغن عن كل ما سواه فيمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح. # فيقال لهؤلاء هذا فرق فاسد من وجوه متعددة. # PageV02P103 # منها: أن يقال كون المؤثر التام يستلزم أثره ويقارنه وأن الأثر يستلزم ~~المؤثر التام ويقارنه وأن يقال كون المرجح التام يستلزم الرجحان وأن ~~الرجحان بدون المرجح التام ممتنع قضية كلية لا تقبل الانتقاض ولا التخصيص ~~كما قيل المحدث لا بد له من المحدث والتخصيص المحدث لا بد له من مخصص ~~والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح فهذه قضايا كلية لا تنتقض سواء ~~قدر المحدث والمخصص والمرجح قديما أو محدثا. # ومنها: أن يقال ما به يعلم أن المحدث لا يرجح بدون مرجح تام به يعلم ذلك ~~في القديم مثل أن يقال الإرادة إما أن يجب مقارنة مرادها لها وإما أن لا ~~يجب فإن وجب لزم إذا كانت الإرادة قديمة أن يكون المراد قديما وبطل قولهم ~~وإن لم يجب فإما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا فإن كان ممتنعا لزم أن ~~لا يوجد المراد مع وجود الإرادة وهذا باطل فإنهم يقولون إن الإرادة باقية ~~إلى حين وجود المراد. # وأيضا فإذا كان ممتنعا فإن لم يصر ممكنا لزم دوام الامتناع فيلزم أن لا ~~يحدث شيء وإن صار بعد ذلك ممكنا والتقدير أنه لم ms244 يتجدد شيء لزم أن يصير ~~الشيء ممكنا بعد أن كان ممتنعا من غير حدوث شيء فينقلب الشيء من الامتناع ~~إلى الإمكان بلا سبب وهذا معلوم الفساد بالضرورة. # PageV02P104 # ثم إذا قيل هو ممكن بعدها أو قيل هو ممكن معها فالممكن لا يترجح وجوده ~~على عدمه إلا بمرجح والتقدير أنه ليس هناك مرجح غير ما ذكر فيلزم أن لا ~~يوجد شيء أصلا. # وإذا قيل المرجح تعلق الإرادة. # قيل هذا التعلق إذا كان حادثا فلا بد له من محدث وإن كان قديما فلم يتجدد ~~شيء. # وأيضا فإن كان أمرا وجوديا فهو حادث من الحوادث فلا بد له من محدث وإن ~~كان عدما فليس بشيء فلا مرجح هناك فإن ما ليس بشيء لا يكون مرجحا للوجود. # وأيضا فإذا كان حال قبل حدوث الحادث كالحال بعده كما هو قولهم من كل وجه ~~كان تخصيص أحد الحالين بالحدوث ترجيحا لأحد المتماثلين بلا مرجح. # وقول القائل: إن الإرادة لذاتها تقتضي التخصيص بلا مخصص قول باطل فإن ~~الإرادة التي يعرفها الناس من أنفسهم لا توجب ترجيحا إلا بمرجح وإرادة ~~الإنسان لأحد المتماثلين دون الآخر مع تساويهما من كل وجه ومع كون نسبة ~~الإرادة إليهما سواء ممتنع لمن تصوره والعلم بامتناعه ضروري وهذا هو نفس ~~الترجيح بلا مرجح. # PageV02P105 # بل الذي يعلمه الناس من أنفسهم أن إرادة الإنسان أحد الشيئين ليست هي ~~إرادته للآخر سواء ماثله أو خالفه فضلا عن أن يكون إرادة واحدة نسبتها إلى ~~المثلين سواء وهي ترجح أحدهما بلا مرجح وإن جاز أن يقال إن هذه الإرادة ~~حاصلة له وهي ترجح أحد متعلقيها المتماثلين بلا مرجح جاز أن يقال نفس ~~الإنسان يرجح إرادة هذا على إرادة هذا بلا مرجح. # وحينئذ فلا يكون حدوث الإرادة مفتقرا إلى سبب غير نفس الإنسان بل نفسه ~~يمكنها إحداث هذه الإرادة دون هذه الإرادة بلا مرجح. # وهذا قول القدرية الذين يقولون إن الإنسان هو الذي يحدث إرادته بلا إرادة ~~ويقولون إن الإرادة لا تعلل ويقولون مثل ذلك في القديم يقولون إنه يحدث ms245 ~~الإرادة بلا إرادة. # وقول هؤلاء وإن طردوه فهو فاسد من وجوه: # منها: أنهم أثبتوا الحوادث بلا محدث تام والأثر بلا مؤثر تام والممكن بلا ~~مرجح تام. # ومنها: أنهم رجحوا أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهذا مع بطلانه ~~بالضرورة فهو يسد عليهم طريق إثبات الصانع. # ومنها أنهم خصوا أحد الزمانين المتماثلين بالحدوث بلا مرجح وهو كذلك # PageV02P106 # ومنها: أنهم أثبتوا إحداث المختار للحوادث بلا إرادة فإن إرادته حادثة ~~بلا إرادة إذ الإرادة عندهم ليست من لوازم نفسه بل هي تحدث من محدثها ومتى ~~جاز إحداث حادث بلا إرادة جاز إحداث آخر ولهذا تفرقوا في إرادة الباري ~~تعالى. # فالبغداديون من المعتزلة ومن وافقهم من الرافضة واليهود نفوها والبصريون ~~أثبتوا إرادة حادثة لا في محل فلزمهم إثبات صفة قائمة بل عرض قائم بنفسه ~~وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو إبطال لحقيقة الغرض وإن جاز ذلك جاز إثبات ~~كلام لا في محل وعلم لا في محل وقدرة لا في محل. # ومنها: أنهم أثبتوا حادثا بلا إرادة. # ومنها: أنهم جعلوا الحي مريدا بإرادة ليست قائمة به كما جعلوه متكلما ~~بكلام لا يقوم به وإن جاز هذا جاز أن يعلم بعلم لا يقوم به ويقدر بقدرة لا ~~تقوم به ويحيا بحياة لا تقوم به إلى أمثال ذلك. # ومما يبين فساد ما ذكروه من الفرق أن يقال أنتم قررتم أنه لا بد عند وجود ~~المقدور المراد من وجود القدرة والإرادة وأنه يمتنع وجود المقدور المراد ~~بقدرة وإرادة تتقدم على المقدور المراد وأبطلتم قول القدرية في ذلك بأنه ~~يستلزم وجود الحادث بأمر معدوم وإن قدر أنه عند وجود المقدور المراد كانت ~~الإرادة أو القدرية معدومة فلا بد من وجود ذلك عند # PageV02P107 # وجود المقدور المراد فإن كان وجود ذلك قبل وجود المقدور المراد مثل وجوده ~~عند وجود المقدور المراد كان وجود ذلك أزلا ولم يؤثر شيئا فإذا كان الحال ~~لم يتغير فهو بعد ذلك أيضا لم يؤثر شيئا وهذا أضعف من القول بوجوده عقب ~~الإرادة والقدرة لأنه هنا مؤثر تأخر ms246 عنه أثره وهناك أثر بلا مؤثر والقول ~~بوجود أثر بلا مؤثر أفسد من القول بأثر تأخر عن مؤثره. # ولهذا كان إنكار الناس على القدرية قولهم بأنه ليس لله على المؤمنين نعمة ~~من بها إلا وقد أعطى مثلها للكافر أشد من إنكارهم عليهم أن الإيمان بقدرة ~~متقدمة وإرادة متقدمة. # والناس يعلمون افتقار أنفسهم إلى الله تعالى في أن يهديهم ويعينهم على ~~الإيمان والعمل الصالح أعظم مما يعلمون كون الأثر يقارن المؤثر وإذا قيل ~~لأحدهم الإعانة التي أعطيت للصحابة على الإيمان كالإعانة التي أعطيت لأبي ~~جهل وأبي لهب بادرت فطرته إلى إنكار ذلك. # وكذلك في نظائر ذلك مثل أن يقال ما به أعين المصلى هو مثل ما به أعين ~~تارك الصلاة وما به أعين المهتدي مثل ما به أعين الضال فإن الفطرة تشهد أنه ~~لو استوى الأمران لم يختص أحدهما بالطاعة. # وهذا مع أن التماثل إنما تدعيه القدرية في القدرة خاصة وأما الإرادة ~~فإنهم يقولون إن المؤمن يحدث إرادة الإيمان فإذا كانت # PageV02P108 # الفطرة تنكر تساوي القدرتين مع اختصاص أحدهما بالإرادة أعظم مما تنكر ~~تأخر الأثر عن المؤثر فكيف إذا قيل إن القدرة والإرادة في حال وجود الفعل ~~كحالها قبل وجود الفعل وأن الفعل حدث بلا تجدد شيء أصلا؟! # فإن هذا مما يعلم بالفطرة إنكاره ويعلم أنه لا بد حين وجود الفعل من حصول ~~تمام المؤثر الذي به يصير الفاعل مريدا إرادة جازمة وقادرا قدرة تامة فإنه ~~مع القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المقدور والمراد. # ولا ريب أن الله على كل شيء قدير كما نطق به القرآن في غير موضع فإن ~~قدرته من لوازم ذاته والمصحح لها الإمكان فلا اختصاص لها بممكن دون ممكن ~~لكن الممتنع لذاته ليس شيئا باتفاق العقلاء فلا يعقل وجوده في الخارج فإنه ~~لا يعقل في الخارج كون الشيء موجودا معدوما أو متحركا ساكنا أو كون أجزاء ~~الحركة المتعاقبة مقترنة في آن آن واحد أو كون اليوم موجودا مع أمس وغدا ~~وأمثال ذلك. # وحينئذ فمثل هذا لا يدخل ms247 في عموم الكتاب وأما الممتنع لغيره وهو ما علم ~~الله أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون وكتب أنه لا يكون فهذا لا يكون لعدم ~~إرادته وأنه لا يكون فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهذا لو شاء ~~لفعله كما أخبر القرآن في غير موضع أنه لو شاء الله لآتى كل نفس هداها ولو ~~شاء لجعل الناس أمة واحدة وأمثال ذلك. # PageV02P109 # والقادر إذا لم يفعل الشيء لعدم إرادته له لم يمنع ذلك أن يكون قادرا ~~عليه بخلاف ما إذا لم يفعله لكونه ليس قادرا عليه والقادر يجوز أن يفعل كلا ~~من الضدين ويريده على طريق البدل بخلاف فعلهما على وجه الجمع فإنه ممتنع ~~لذاته. # ولو كان فعل القادر موقوفا على إعانة غيره أو ممنوعا بغيره لم يكن قادرا ~~بنفسه وهذا من دلائل الوحدانية فإن الرب لا بد أن يكون قادرا بنفسه لامتناع ~~كون قدرته من غيره ويمتنع اجتماع قادرين بأنفسهما على شيء واحد فإن قدرة ~~أحدهما عليه مشروطة بعدم قدرة الآخر عليه حال كون الأول قادرا لامتناع ~~اجتماع قدرتين تامتين على فعل واحد وامتناع اجتماع فاعلين مستقلين على فعل ~~واحد وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أنه إذا فرض أن قدرته وإرادته وسائر ما يتوقف الفعل عليه ~~حال وجود الفعل كما هي حال عدم وجود الفعل كان هذا ممتنعا بالضرورة كامتناع ~~هذا في كل مؤثر تام بل لا بد لحال الفعل من اختصاصه بأمر لا يكون موجودا ~~عند عدم الفعل. # وأما السلف والأئمة وأكابر أهل الحديث الذين يقولون لم يزل الله متكلما ~~إذا شاء ولم يزل تقوم به الأمور الاختيارية فلا يرد عليهم شيء من هذه ~~التناقضات الواردة على هؤلاء الأصناف من أهل الكلام والفلسفة. # PageV02P110 # وكذلك لا يرد على من وافقهم من أساطين الفلاسفة القائلين بقيام الأمور ~~الإرادية بذاته وأنه لم يزل كذلك كما يقوله أبو البركات صاحب المعتبر وغيره ~~من متقدمي الفلاسفة ومتأخريهم فإن هؤلاء يطردون الأصل المتقدم في أن المؤثر ~~التام يستلزم ms248 أثره وأن الأثر يلازم المؤثر التام ولا يفرقون في ذلك بين ~~مؤثر ومؤثر. # والرب تعالى عندهم فاعل لكل ما سواه بقدرته واختياره وإذا سمي موجبا ~~بالذات بمعنى أنه موجب بذاته الموصوفة بالقدرة والاختيار ما يحدثه من ~~الحوادث في وقت إحداثه إياه فهذا حق عندهم كما يقول المسلمون ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن ويقولون إن كل حادث فله سبب حادث وإن كمال فاعلية ~~الرب تعالى لكل مفعول هو عند فعله إياه كما قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون} (سورة يس 82) . # وهؤلاء يطرد على أصلهم بيان تناقض الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك وفساد ~~حجتهم ومذهبهم وأما غيرهم فإنه وإن بين تناقض الفلاسفة من وجه فإنه يتناقض ~~هو من وجه آخر فهم يردون باطلا بباطل ويقابلون بدعة ببدعة لكن لكل حال كل ~~من كان إلى اتباع الرسل أقرب كان قوله أقوم وأقرب إلى صريح المعقول وصحيح ~~المنقول ممن هو أبعد منه عن متابعة الرسل فإن المعقول الصريح لا يدرك إلا ~~على موافقة أقوال الرسل لا على مخالفتها. # والمقصود هنا بيان فساد قول هؤلاء الفلاسفة ومذهبهم وأنه # PageV02P111 # أعظم فسادا من قول القدرية المعتزلة وغيرهم ومن الكلابية وغيرهم من أصناف ~~أهل الكلام فإن هؤلاء الفلاسفة الدهرية لا سيما معطلة الصفات منهم يحتجون ~~بأن المؤثر التام لا بد أن يقارنه أثره ثم يقولون والرب لا بد أن يكون ~~مؤثرا تاما في الأزل إذ لو لم يكن كذلك للزم حدوث تمام تأثيره والكلام في ~~حدوث ذلك الحادث كالكلام في غيره فيلزم التسلسل بمعنى حدوث تمامات لا نهاية ~~لها في آن واحد للعلة الفاعلة وهو باطل لم يقل به طائفة من الطوائف كما لم ~~يقل بتسلسل علل تامة. # وحجتهم مبنية على امتناع التسلسل في المؤثرات وهو متفق عليه بين العقلاء ~~وامتناع الترجيح بغير مرجح والمعتزلة والكلابية والكرامية ونحوهم أبطلوها ~~لجواز الترجيح عندهم من القادر بلا مرجح. # وقد عرف ما في هذا الجواب وأنه إنما يستقيم على أصول القدرية والجهمية ms249 ~~ولهذا كان النزاع هنا بين القدرية والدهرية وكلاهما مبطل لكن القدرية أمثل ~~لكنهم عارضوها بحدوث الحوادث اليومية فإن حجتهم تستلزم أن لا يحدث شيء وقد ~~حدث. # والمعارضة تدل على فساد الحجة لكن لا تحلها ولا تبين وجه فسادها وقد طعن ~~الأرموي وغيره في هذه المعارضة وقد بينا فساد طعنه وصحة هذه المعارضة كما ~~ذكرها الغزالي والرازي والأبهري وغيرهم ممن عارض بها الفلاسفة. # وجاء بعد الأرموي الهندي فنقل طعنه فيها نقلا مجردا ولم يجب عنه # PageV02P112 # بشيء وذكر الأرموي جوابه الذي سماه الجواب الباهر وأخذه من كلام الرازي ~~لأنه أجاب بهذا الجواب الذي سماه الباهر من المطالب العالية فأجاب أنه لا ~~يلزم منه قدم العالم الجسماني لجواز أن يوجد عقل في الأزل أو نفس تصدر ~~عنهما تصورات متعاقبة كل واحد منهما بعدما يليه حتى ننتهي إلى تصور خاص ~~يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ القديم. # ثم إن الهندي لم يكن عنده غير ما نقله من كلام هؤلاء وهذا الجواب بنى ~~عليه أبو عبد الله القشيري المعروف بابن دقيق العيد حيث جزم بحدوث الأجسام ~~دون سواها مع جعله جميع الممكنات صادرة عن الواجب. # وهذا الجواب بنوه على ظنهم الفاسد وهو أن الدليل قد قام على حدوث الأجسام ~~دون ما سواها بناء على أن المتكلمين لم يقيموا دليلا على أنه لا ممكن إلا ~~الجسم أو العرض كما قد ذكر ذلك الشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم من ~~متأخري أهل الكلام المخلوط بالفلسفة من المعتزلة والأشعرية. # PageV02P113 # وهذا الجواب لا يوافق دين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وهو ~~باطل ولم يحصل به جواب عن أدلة الفلاسفة. # PageV02P113 # وهو باطل من وجوه: # أحدها: أن يقال فالنفس عند هؤلاء لا تكون إلا مقارنة للجسم فإنها متعلقة ~~به تعلق التدبير وهم متنازعون هل هي جوهر أو عرض وحينئذ فوجود نفوس دون ~~أجسام ممتنع فبطل أصل هذا الجواب. # الثاني: أن يقال دليل المعتزلة ومن وافقهم على حدوث الأجسام إنما هو ~~لامتناع حوادث لا أول لها وهذا بعينه يقتضي حدوث النفس فإنه ms250 تقوم بها ~~الحوادث فإذا امتنع أن تقوم بها الحوادث التي لا تتناهى لزم حدوثها فطريقة ~~المعتزلة ومن وافقهم في حدوث الأجسام إن كانت صحيحة لزم حدوث النفوس مثل ~~هذه الطريقة وإن كان باطلة بطل التفريق بين النفوس والأجسام فلزم على ~~التقديرين أن يكون قول هؤلاء بحدوث الأجسام دون النفوس قولا باطلا. # الجواب الثالث: أن يقال دليل حدوث الأجسام الذي هو امتناع حوادث لا أول ~~لها يوجب حدوث النفوس كما تقدم وأما العقول فبتقدير ثبوتها كما يدعيها ~~هؤلاء المتفلسفة فهي قديمة لازمة لذات الله وهو تعالى موجب بذاته لها في ~~الأزل إيجابا قديما دائما فقدم العقول مستلزم لكونه موجبا بذاته لشيء معين ~~دائما وكونه محدثا للأجسام أو للأجسام والنفوس بعد أن لم تكن ينافي كونه ~~موجبا بذاته في الأزل فإن الذي يفعل بعد أن لم يكن يفعل لا يكون إن قدر ~~وجوده إلا فاعلا بالاختيار فصار هذا القول مستلزما لكونه موجبا # PageV02P114 # بالذات غير موجب بالذات وذلك جمع بين النقيضين فتبين أن القول بحدوث ~~الأجسام مع قدم العقول جمع بين النقيضين فيكون باطلا. # وإيضاح هذا أنه إما أن يجوز أن يفعل بعد أن لم يفعل وإما أن لا يجوز فإن ~~جاز ذلك كما يقوله من يقوله من أهل الكلام جاز حدوث كل ما سواه وإن لم يجز ~~ذلك لزم أنه لم يزل فاعلا وحينئذ فإن قيل لم يزل فاعلا لشيء بعد شيء أمكن ~~دوام الفاعلية مع حدوث كل ما سواه وإن قيل لم يزل فاعلا لشيء معين لم يكن ~~فرق بين العقول وبين غيرها فالقول بقدم العقول مع حدوث الأجسام قول متناقض. # وبهذا يتبين أن ما استدل به من استدل من المتكلمين على حدوث الأجسام وإن ~~كان صحيحا يستلزم حدوث كل ما سوى الله ويظهر خطأ متأخريهم الذين اعترضوا ~~على متقدميهم بأن دليلهم على حدوث الأجسام والأعراض لا يتناول حدوث كل ما ~~سوى الله لإمكان وجود العقول والنفوس التي يثبتها المشاؤون من الفلاسفة ~~وإمكان قدمها قالوا والمتكلمون لم يقيموا دليلا صحيحا على ms251 نفي ما سوى ~~الأعراض والأجسام وقد بينا بطلان كلام هؤلاء في غير موضع. # وللنظار في إبطاله طرق: # إحداها طريقة من يقول العلم بأن كل ممكن إما جسم وإما عرض قائم بالجسم ~~علم ضروري كما ذكر ذلك غير واحد من أئمة النظار كأبي المعالي وغيره. # PageV02P115 # والثانية طريقة من يقول: الوجود لا يكون إلا مشارا إليه أو قائما بمشار ~~إليه وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين ومن هؤلاء ~~من يصرح بأنه لا موجود إلا الجسم وما يقوم بالجسم كما هو مبسوط في غير هذا ~~الموضع. # الطريقة الثالثة: أن يقال هب أنه لم يعلم انتفاء ما سوى الأجسام والأعراض ~~لكن دليل حدوثها يستلزم حدوث كل ما سوى الله. # وهذا يتبين بالجواب الرابع: وهو أن يقال لا ريب أن النظار المثبتين لحدوث ~~أجسام العالم وأعراضه من المعتزلة والكلابية والكرامية والهشامية والنجارية ~~والضرارية والجهمية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث الذين بنوا ~~ذلك على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث هم صنفان صنف يقول إن الجسم لا ~~يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهؤلاء يقولون بحدوث ~~الأجسام وأعراضها مطلقا. # وصنف يقولون: إن الجسم نوعان: نوع يخلو عن الحوادث ونوع لا يخلو عن ~~الحوادث فالذي لا يخلو عن الحوادث هو الحادث دون الأول كما يقول ذلك من ~~يقوله من الهشامية والكرامية وغيرهم وعلى قول هؤلاء فالسكون أمر عدمي لا ~~وجودي وحدوث الحوادث ابتداء في القديم بعد أن لم يكن كحدوث الحوادث عنه ~~ابتداء بعد أن لم يكن فأدلة هؤلاء على حدوث الجسم # PageV02P116 # الذي لا يخلو عن الحوادث إن كانت صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وإن كانت ~~باطلة لم تدل لا على حدوث الأجسام ولا غيرها. # فقول القائل: إن دليلهم يتضمن حدوث الأجسام دون ما سواها قول باطل وذلك ~~أنه على التقدير الأول يكون كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث حدوثا ~~مسبوقا بعدم والحادث عن عدم لا يكون صادرا عن قديم موجب ms252 بذاته في الأزل فإن ~~الموجب بذاته في الأزل يكون موجبا أزليا لا يكون حادثا مسبوقا بالعدم وسواء ~~كان حدوث الحادث عنه بوسط أو بغير وسط فامتنع على هذا التقدير أن يكون ~~الواجب الوجود بنفسه موجبا بالذات في الأزل وإذا امتنع هذا امتنع أن يكون ~~معه قديم سواء سمي ذلك القديم عقلا أو نفسا أو غير ذلك فإنه إذا قدر عقل ~~قديم ممكن لزم أن يكون صادرا عن علة تامة قديمة وهو الموجب بذاته في الأزل ~~وأن يكون معلوله دائما معه لا يتخلف منه شيء وعلى هذا التقدير فيمتنع حدوث ~~الحوادث بعد أن لم تكن فظهر بذلك أنه إذا قدر أن الحوادث لها ابتداء وأنه ~~يمتنع وجود حوادث لا أول لها لزم أن يكون الباري فاعلا باختياره وأن لا ~~يكون معه في الأزل قديم أصلا. # فتبين بذلك أن أدلة هؤلاء النظار على حدوث الأجسام والأعراض إن كانت ~~صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وتبين بذلك أن أئمة هؤلاء النظار أحذق من ~~متأخريهم وأقوى ردا على الفلاسفة وغيرهم وأن ما اعترض متأخروهم عليهم باطل. # PageV02P117 # الوجه الخامس: أن يقال: لو كانت الحوادث تحدث في النفس شيئا بعد شيء لكان ~~لا بد لها من محدث والقديم الذي لا يتجدد له أمر يقوم به لا يحدث عنه شيء ~~كما تقدم فقول هؤلاء بحدوث هذه الأمور عنه كقول الفلاسفة بحدوث حركات الفلك ~~وأنها أزلية. # الوجه السادس: أن يقال: فهذا يقتضي كون الرب موجبا بذاته للعقول والنفوس ~~وأنه ليس فاعلا باختياره يفعل شيئا بعد شيء وأن العقول والنفوس متولدة عنه ~~تولدا ذاتيا وهذا معلوم الفساد عقلا ونقلا وهو مخالف لدين المسلمين واليهود ~~والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين. # الوجه السابع: أن يقال: فإذا كان موجبا بذاته على هذا التقدير لم يكن ~~اختصاص الزمان الذي حدث فيه الأجسام دون ما قبله وبعده بأولى من العكس ~~والتقدير أن القديم لا تقوم به الأمور الاختيارية وقول القائل إن بعض تلك ~~التصورات تكون سببا لفيض الأجسام عن القديم إنما يصح لو كان ms253 هناك سبب يقتضي ~~حدوث تصورات تخالف ما قبلها وهذا إنما يكون إذا كان الرب فاعلا باختياره ~~والأمور الاختيارية تقوم بذاته فأما إذا قدر أنه لا يفعل شيئا باختياره ولا ~~يقوم به أمر اختياري بل هو مجرد عن الصفات والأفعال لا يتجدد منه ما يقتضي ~~الإحداث كان امتناع حدوث الأجسام حينئذ كامتناع حدوثها عن القديم ابتداء. # PageV02P118 # الوجه الثامن: أن هذا القول مبني على وجود العقول والنفوس التي يذكرها ~~هؤلاء وأنها أمور قائمة بأنفسها موجودة في الخارج لا يشار إليها ولا هي ~~داخل العالم ولا خارجه ولا مباينة للعالم ولا حالة فيه ولا توصف بحركة ولا ~~سكون ولا تجوز رؤيتها ولا هي أجسام ولا قائمة بالأجسام وجمهور العقلاء ~~يقولون إن بطلان هذا معلوم بالاضطرار. # فقد تبين فساد جواب هاتين الفرقتين وأن الجواب لهؤلاء الفلاسفة بالمعارضة ~~جواب صحيح لكن ليس فيه حل الشبهة. # وأما الجواب عنها بغير المعارضة فمن وجوه: # أحدها: أن يقال التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت دلالة هذه الحجة على ~~قدم شيء بعينه لا فلك ولا غيره لأنه حينئذ يجوز أن يكون حادثا بسبب كان ~~قبله وهكذا القول في كل ما سوى الله وإن كان ممتنعا لزم أن يكون للحوادث ~~أول ولزم حدوث كل ما تقوم به الحوادث وذلك يستلزم حدوث الأفلاك وهو المطلوب ~~فلزم بطلان حجتهم على تقدير النقيضين. # PageV02P119 # وليست هذه الحجة مبنية على امتناع التسلسل في الآثار كما يظنه من يظنه ~~فإن المحتجين بها لا يمنعون التسلسل في الآثار وإنما يمنعون ما يمنعه سائر ~~العقلاء من التسلسل في المؤثرات ومن التسلسل فيما به أصل التأثير وقد يشتبه ~~تمام التأثير في الشيء المعين وتمام التأثير في جنس التأثير وحجتهم مبنية ~~على امتناع التأثير في الأزل فإنها مبنية على أنه لا يحدث شي إلا بحدوث ~~تمام تأثيره فلو كان لجنس الحوادث ابتداء لزم أن يكون لذلك الحدوث تمام ~~حادث ولذلك التمام تمام حادث وهلم جرا. # وتحرير هذا الجواب أن يقال: التسلسل نوعان: # أحدهما: التسلسل في المؤثرات وهذا مما اتفق ms254 العقلاء على امتناعه وامتناعه ~~معلوم بصريح العقل بل مجرد تصوره التام يكفي في العلم بفساده وأما التسلسل ~~في الآثار بأن يكون الفاعل يفعل شيئا بعد شيء دائما فهذا متنازع فيه هل هو ~~ممتنع أزلا وأبدا أو جائز أزلا وأبدا أو ممتنع أزلا وجائز أبدا؟ على ثلاثة ~~أقوال معروفة للناس. # والتسلسل في الآثار قد يقتضي التسلسل في تمام التأثيرات المعينة لا ~~التسلسل في أصول التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور ~~الأول كان تمام التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور ~~الأول كان تمام التأثير في الأمر الثاني موقوفا على صدور الأثر الأول ~~كالمتحركات كلها من الشمس والقمر وغيرهما فإن الجزء الثاني من الحركة موقوف ~~على صدور الجزء الأول منها. # PageV02P120 # لكن التسلسل في تمام التأثير نوعان تمام التأثير مطلقا وتمام التأثير ~~المعين فإن الشيء قد يكون شرطا في كون الفاعل فاعلا مطلقا فلا يمكن أن يفعل ~~شيئا إلا بذلك الشرط فهذا شرط في التأثير المطلق وهو شرط في جنس التأثير ~~وأصل التأثير وقد يكون شرطا في كونه فاعلا لفعل معين فالتسلسل في هذا القسم ~~الثاني ليس بممتنع عند من يجوز التسلسل في الآثار فإنه إذا جاز أن يفعل ~~شيئا بعد شيء دائما جاز أن يكون الفعل الأول شرطا في الثاني. # وأما القسم الأول وهو التسلسل في أصل التأثير فهذا ممتنع كالتسلسل في ~~المؤثرات فإن الشيء إذا امتنع أن يفعل شيئا من الأشياء حتى يفعل شيئا من ~~الأشياء كان جنس وجود الفعل موقوفا على جنس وجود الفعل قبله فلا يكون فعل ~~أصلا حتى يكون قبله فعل ما وهذا ممتنع لذاته فإنه يستلزم وجود الشيء قبل ~~وجوده ووجوده قبل وجوده يقتضي أن يكون موجودا معدوما وهذا جمع بين ~~النقيضين. # ولهذا استدل غير واحد من أئمة المسلمين على أن كلام الله غير مخلوق بقوله ~~تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (سورة يس 82) فإن ~~النص دل على أنه لا يخلق شيئا حتى يقول له ms255 كن فيكون فلو كان كن مخلوقا لزم ~~أن يخلقه بكن وكذلك هذا يجب أن يكون مخلوقا بكلمة أخرى وهذا يستلزم التسلسل ~~في أصل الخلق وهو التسلسل في التأثير وهو ممتنع لذاته فإنه إذا لم يخلق ~~شيئا أصلا حتى يخلق قبل ذلك شيئا آخر كان هذا ممتنعا لذاته فكان # PageV02P121 # وجود مخلوق قبل أن يوجد مخلوق أصلا فيه جمع بين النقيضين بخلاف ما إذا ~~قيل إنه لا يخلق مخلوقا معينا حتى يخلق مخلوقا معينا فإن هذا ليس بممتنع ~~كما انه لا يخلق المولود من غيره حتى يخلق الوالد. # إذا تبين هذا فحجة الفلاسفة الدهرية في قدم العالم مبنية على مقدمتين ~~إحداهما امتناع الترجيح بلا مرجح والثانية امتناع التسلسل في أصل التأثير ~~لا في تأثير معين فإنهم قالوا المؤثر التام إن كان في الأزل لزم قدم الأثر ~~فإنه لو حدث بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح وإن لم يكن المؤثر التام في ~~الأزل امتنع أن يحدث عنه شيء لأن ذلك الحادث يمتنع أن يحدث بدون سبب حادث ~~لما فيه من الترجيح بلا مرجح ويمتنع حدوث سبب حادث لأن القول في حدوث ذلك ~~السبب الذي هو الشرط كالقول في حدوث المشروط به إذ التقدير أنه لم يكن في ~~الأزل مؤثر تام فلا بد من حدوث تمام أصل التأثير وجنسه بحيث يصير المؤثر ~~مؤثرا بعد أن لم يكن مؤثرا بحال. # وهذا ممتنع لذاته كما تقدم لأن حدوث كونه مؤثرا لا بد له من مؤثر ولا ~~مؤثر إلا هو فيلزم أن يكون مؤثرا قبل أن يكون مؤثرا بحال وهو جمع بين ~~النقيضين. # وأيضا فإذا لم يكن مؤثرا تاما ثم إنه جعل نفسه مؤثرا تاما لزم الترجيح ~~بلا مرجح فإن امتناع جعل نفسه مؤثرا بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين أبلغ ~~في الامتناع من إحداث أثر منفصل عنه بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين. # PageV02P122 # فإذا قيل: المؤثر التام يستلزم أثره بعد ذلك كان تخصيصا بلا مخصص. # قيل وما ليس بمؤثر تام يمتنع أن يصير بعد ms256 ذلك مؤثرا تاما بنفسه لما فيه ~~من التخصيص بلا مخصص. # لكن هذا القسم يدل على امتناعه أيضا دليل آخر وهو أنه إذا لم يكن مؤثرا ~~تاما ثم قدر أنه أحدث ما به صار مؤثرا تاما فذلك الإحداث يقتضي أن يكون ~~مؤثرا تاما فيما أحدثه والتقدير أنه ليس بمؤثر تام في شيء من الأشياء فيلزم ~~أن يكون مؤثرا في شيء حتى لا يكون مؤثرا في شيء من الأشياء وهو جمع بين ~~النقيضين. # وهذا القسم هو من باب الدور القبلي فإنه لا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا ~~ولا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا وهو مثل أن يقال لا يكون موجودا إلا بعد أن ~~يصير موجودا ولا يصير موجودا إلا بعد أن يصير موجودا وهذا دور ممتنع لذاته ~~وهو أيضا من باب التسلسل في أصل التأثير ولكن سماه المتأخرون تسلسلا لأنهم ~~قالوا مجموع ما يتوقف عليه وجود العالم إن كان ثابتا في الأزل لزم وجوده ~~لأن تخلف الأثر عن المؤثر ممتنع وإن لم يكن ثابتا في الأزل ثم حدث ما به ~~يصير مؤثرا في العالم فالقول في ذلك الحادث كالقول فيما قبله ويلزم التسلسل ~~ومعناه أن ذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير الفاعل فاعلا وذلك ~~الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير # PageV02P123 # الفاعل فاعلا فالفاعل لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا ولا يحدث شيئا حتى يحدث ~~شيئا فباعتبار كون الثاني غير الأول سمي تسلسلا وباعتبار كون جنس الإحداث ~~موقوفا على جنس الإحداث يسمى دورا فهو تسلسل إذا أخذ حادث بعد الحادث وهو ~~دور إذا أخذ جنس الحوادث ووجود حادث بعد حادث إنما يمكن إذا كان هناك فاعل ~~محدث يحدث شيئا بعد شيء فأصل كونه فاعلا لا يتوقف على حدوث شيء من الأشياء ~~بل يكون من لوازم ذاته وإحداثه للمعين قد يكون موقوفا على إحداثه للمعين. # فحقيقة حجة هؤلاء أن القول بحدوث جنس الفعل يستلزم تأخر الأثر عن المؤثر ~~التام أو وجوده بدون المؤثر التام فالذي سموه تسلسلا ms257 مضمونه وجود الأثر ~~بدون المؤثر التام فلما كانت حجتهم مبنية على مقدمتين: إحداهما: امتناع ~~الترجيح بلا مرجح والثانية: امتناع التسلسل كان مضمون الأولى امتناع أن ~~يتأخر الأثر عن مؤثره التام تأخر بينونة وانفصال ومضمون الثانية امتناع ~~صدور أثر بدون مؤثر تام فالأمر يرجع إلى أصل واحد وهو تلازم المؤثر التام ~~وأثره فلا يكون مؤثر تام إلا وأثره لازم له ولا يكون أثر إلا ومؤثره التام ~~لازم له ثم هل ترتب الأثر على مؤثره التام ترتبا زمانيا أو ترتبا عقليا بحث ~~آخر في غير هذا الموضع. # فإذا عرف حقيقة الأصل الذي بنوا عليه حجتهم فقول القائل # PageV02P124 # في الجواب: التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت هذه الحجة لأن مبناها ~~على امتناع التسلسل في الآثار يرد عليه أن مبناها على امتناع التسلسل في ~~أصل التأثير وجنسه والممكن إنما هو التسلسل في جنس الآثار وأعيان التأثيرات ~~لا في جنس التأثير فإن الفرق بين التسلسل في الآثار والتسلسل في التأثير ~~ثابت كما سبق والممتنع التسلسل في التأثير أي في جنسه فهذا السؤال هو ~~الوارد على هذا الجواب. # وجواب هذا الإيراد أن يقال: إذا كان التسلسل في الآثار ممكنا وفي أعيان ~~التأثيرات أمكن أن تكون هذه الأفلاك حادثة مخلوقة من شيء آخر قبلها كما ~~أخبرت بذلك الرسل فإنهم أخبروا أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء وأخبروا أنه: {استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} (سورة فصلت 11) ~~والدخان فيما ذكره المفسرون: هو البخار وهو بخار ذلك الماء فقد أخبروا أنها ~~مخلوقة من مادة كانت موجودة قبلها وتلك المادة يمكن أن تكون مخلوقة من مادة ~~كانت كما خلق الله الإنسان من مادة وخلق المادة من مادة. # وإذا كان كذلك كان ما جوزوه في الآثار مبطلا لحجتهم على قدم هذا العالم ~~وهذا هو المطلوب فإنهم إنما احتجوا على قدمه بكون المؤثر التام لا بد أن ~~يكون ثابتا في الأزل فإنه لو لم ms258 يكن مؤثرا ثم صار # PageV02P125 # مؤثرا افتقر حدوث تأثيره إلى مؤثر وذلك المؤثر أو تمام تأثيره يفتقر إلى ~~مؤثر وذلك يقتضي التسلسل في أصل التأثير وتمام كونه مؤثرا والتسلسل في تمام ~~أصل التأثير ممتنع كالتسلسل في نفس المؤثر. # فيقال لهم: هب أن هذا ممتنع لكن أنتم تجوزون التسلسل في أعيان التأثيرات ~~والآثار فهذا التسلسل إن كان ممكنا بطلت الحجة التي يحتج بها على قدم ~~العالم أو قدم شيء من العالم وهذا هو المطلوب. # وأما قدم نوع التأثير فهذا لا ينفعهم في مطلوبهم ولا يقدح فيما جاءت به ~~الرسل بل هو دليل على تصديق ما جاءت به الرسل وأن كل ما سوى الله مخلوق ~~محدث كائن بعد أن لم يكن لامتناع المؤثر التام في الأزل لشيء من الأشياء ~~لأن كل ما سوى الله ملزوم للحدوث فوجوده بدون الحوادث المقارنة له محال ~~ووجود الحوادث عن مؤثر تام يستلزم أثره محال ووجود حادث بعد حادث من مؤثر ~~تام محال فإنه لا يكون مؤثرا تاما في الشيء إلا إذا استعقبه أثره وليس شيء ~~من الحوادث المتعاقبة يستعقب المؤثر الأزلي لأنه يقتضي كون شيء من الحوادث ~~المتعاقبة أزليا وهو ممتنع لأن ما قارن الأزلي فهو أزلي ليس له مبدأ محدود ~~حتى يكون الشيء عقبه فلا يكون المقارن له إلا أزليا فإذا كان كل ما سوى ~~الرب لا يوجد إلا مقارنا لحادث ولا يمكن وجود الحوادث لا معينة ولا متعاقبة ~~عن مؤثر تام أزلي ولا يمكن شيء من العالم إلا مقارنا # PageV02P126 # للحادث امتنع وجود شيء من العالم في الأزل إذ وجوده في الأزل ممتنع بدون ~~الحادث وممتنع مع الحادث. # ولا يمكن أن يقال القول في حوادثه المتعاقبة عليه كحركات الفلك كالقول في ~~كلمات الرب المتوالية وأفعاله المتوالية لأن الرب هو الموجود بنفسه الواجب ~~الوجود بنفسه الغني بنفسه القيوم بنفسه فلا يتوقف قوله وفعله على غيره ولا ~~يمتنع أن يكون فعله الثاني أو كلامه الثاني مشروطا بوجود الأول قبله إذ ما ~~يكون بذاته حادثا شيئا بعد شيء يمتنع ms259 وجوده كله في الأزل وأما ما سواه فهو ~~مفعول مصنوع مفتقر من كل وجه إلى غيره فإذا كانت الحوادث تقارنه شيئا بعد ~~شيء امتنع أن تصدر عن مؤثر تام أزلي وامتنع أن يكون المؤثر التام الأزلي ~~يحدث شيئا بعد شيء بل يجب أن يقارنه أثره وامتنع أن يكون المؤثر التام ~~الأزلي موجبا لذاته في الأزل ومقتضيا لحوادثه شيئا بعد شيء لأن حدوث ~~الحوادث المتوالية عن مؤثر تام باق على حالة واحدة وحينئذ فيجوز ترجيح ~~القادر المختار بلا مرجح فتبطل حجتهم. # وإن كانت تحدث الحوادث بحدوث أمور منه بحيث تكون ذاته مؤثرا تاما لذات ~~الفلك في الأزل وأفعاله المتوالية موجبة لحوادثه المتوالية فهو لم يكن قط ~~إلا مقارنا لأفعال متوالية قائمة به وحدوث مفعول بلا فعل ممتنع وقدم فعل ~~معين ممتنع لأن الفعل لذاته يقتضي أن يكون شيئا بعد شيء ولا يعقل قدم عين ~~الفعل. # وهذا دليل مستقل على حدوث كل ما سوى الله فإن المفعول # PageV02P127 # القديم لا بد له من فعل قديم وتقدير فعل قديم العين ليس كله ممتنع لذاته ~~لأن العقل لا يعقل إلا حادث الأعيان وإن فرض قدم نوعه لحدوثه شيئا بعد شيء ~~كالحركة التي لا تعقل إلا حادثة الأعيان وإن فرض قدم نوعها. # وأيضا فإن الفعل لا بد أن يتقدم المفعول الأزلي لا يتقدمه غيره وهذا أيضا ~~دليل ثان مستقل على حدوث كل ما سوى الله. # وقول القائل الأثر يقارن المؤثر والمعلول يقارن العلة إذا أريد به أن ~~يكون عقبه فهذا ممكن وأما إذا أريد به أنهما يكونان معا فهذا ممتنع والتقدم ~~الحقيقي بدون الزمان لا يعقل. # وقول القائل إن تقدم العلة على المعلول تقدم عقلي لا زماني دعوى مجردة ~~وتمثيل ذلك بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم والكم تمثيل غير مطابق فإن ~~حركة اليد ليست علة تامة لا لهذا ولا لهذا بل هي ملزومة لها والشيئان ~~المتلازمان الصادران عن فاعل واحد ليس أحدهما معلولا لآخر وهذه الأمور ~~مبسوطة في موضع آخر. # وأيضا فهذا يستلزم أن يكون ms260 للذات فعل معين قديم معها لازم لها بأفعال ~~متوالية قائمة بها بحيث تضاف الحوادث إلى تلك الأفعال المتوالية ويضاف ~~المفعول القديم إلى الفعل القديم وذلك يقتضي أن يكون ذلك الفعل القديم ~~تناول الملزوم دون اللازم فإنه يتناول العين الملزومة للحوادث دون حوادثها ~~اللازمة كالفلك مثلا والفاعل إذا فعل مفعولا بفعل امتنع أن يفعل بدون ~~لوازمه فإن ذلك يقتضي أن يكون # PageV02P128 # الفعل القديم تناول ذلك المفعول وأفعال أخر تناولت لوزامه المتعاقبة ~~ومعلوم أن الواجب بالذات أوجب ذاته ذلك الموجب وإيجاب ذاته لها هو فعلها ~~إياها وهذا الفعل القديم الذي هو الإيجاب القديم لا بد أن يكون من لوازم ~~الذات فيمتنع وجودها بدون ذلك الفعل القديم وذلك الفعل القديم يمتنع وجوده ~~بدون لوزامه المتوالية وتلك اللوازم المتوالية مفتقرة إلى الفعل القديم ~~والفعل القديم يفتقر إليها بمعنى أنه يمتنع وجود أحدهما إلا مع الآخر ~~لامتناع وجود مفعول أحدهما إلا مع الآخر. # والقديم لا يجوز أن يكون مفتقرا إلى الحوادث لافتقار المعلول إلى العلة ~~ولافتقار المشروط إلى الشرط ولكن قد تكون الحوادث لازمة له مفتقرة إليه ~~وأما هو فلا يكون مفتقر لا إلى عينها ولا إلى نوعها لأن النوع إنما يوجد ~~شيئا فشيئا فيكون القديم الأزلي مفتقرا إلى ما لا يوجد إلا شيئا بعد شيء ~~وما وجب قدمه امتنع عدمه ودام وجوده وما دام وجوده ووجب ذلك لا يكون مفتقرا ~~إلى حوادث متعاقبة إذ لو جاز ذلك لجاز أن يقال إن الرب الذي يفعل دائما ~~مفتقر إلى فعله لكون فعله لازما له فإن غاية ما يقال في ذلك إن الفعل ~~القديم مشروط بمقارنة الأفعال المتوالية بحيث لا يتصور أن يكون ذلك القديم ~~إلا مع هذه الحوادث المتعاقبة. # وحينئذ فيكون وجود فعله القديم بدون الحوادث ممتنع وفعله من لوزام ذاته ~~بمنزلة صفاته اللازمة له فيكون ذلك بمنزلة أن يقال: إن صفاته # PageV02P129 # اللازمة له يمتنع وجودها إلا مع الحوادث المتعاقبة والحوادث المتعاقبة ~~أفعاله وهذا بمنزلة أن ذاته مفتقرة أو مشروطة بأفعاله المتعاقبة. # ومعلوم أن أفعاله مفتقرة ms261 إليه من كل وجه فيمتنع أن يفتقر إلى ما هو مفتقر ~~إليه. # وهذا دليل ثالث مستقل في المسألة فإن وجود العالم بدون الحوادث ممتنع فلو ~~كان فعله العالم كصفاته الذاتية اللازمة له مفتقرا إلى الحوادث كان صفاته ~~اللازمة له مفتقرة إلى الحوادث وهذا ممتنع وذلك لأن ما لزم ذاته وما قام ~~بها فهو صفة لها. # وهؤلاء إن قالوا إن المفعول نفس الفعل والموجب نفس الإيجاب كما هو قول ~~طائفة من النظار فهذا باطل قطعا فإنا نعلم أن خلق المخلوق ليس هو نفس ~~المخلوق ولا ذلك يقتضي أن تكون المخلوقات وجدت بدون فعل من الرب. # ولأن الذين قالوا ذلك من أهل الكلام كالأشعري ومن وافقه كابن عقيل وغيره ~~إنما قالوا ذلك لئلا يلزم التسلسل في الآثار وهو باطل عندهم فإنهم قالوا لو ~~كان الخلق غير المخلوق والتأثير غير الأثر فذلك الخلق إن كان قديما لزم قدم ~~المخلوق وهو ممتنع وإن كان حادثا افتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل. # والذين خالفوهم ثلاث طوائف طائفة قالت بل الفعل قديم أزلي ومفعوله محدث ~~كما يقول ذلك طوائف من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث ~~والصوفية ومن أهل الكلام. # PageV02P130 # وهؤلاء يقولون كما وافقتمونا على أن الإرادة قديمة والمراد متأخر فكذلك ~~نقول الفعل قديم والمفعول متأخر. # وطائفة ثانية قالت: بل الفعل حادث العين قائم بذاته ولا يلزم التسلسل كما ~~يلزم التسلسل إذا كانت المفعولات حادثة الأعيان وهذا قول طوائف من الكرامية ~~والمرجئة وغيرهم. # وطائفة ثالثة قالت: بل أعيان الفعل حادثة وإن جاز أن يكون نوعه قديما. # والمقصود هنا أن الذين قالوا إن الفعل عين المفعول إنما فروا من التسلسل ~~وهو جائز عند هؤلاء الفلاسفة وحينئذ فلا يمكنهم أن يحتجوا بحجة هؤلاء فلا ~~تكون حجة على أن الفعل نفس المفعول إلا قولهم بنفي الصفات مطلقا أو قولهم ~~بنفي الأمور الاختيارية وكلا القولين في غاية الفساد وهم متنازعون في كلا ~~الأصلين. # فقول النفاة منهم ومن غيرهم ضعيف فيهما كما بسط في موضعه مع أن القول ~~بحدوث ms262 العالم مستلزم لهذين الأصلين كما أن هذين الأصلين يستلزمان لحدوث ~~العالم. # وإذا كان كذلك تبين أنه لا يمكنهم القول بأن الفعل نفس المفعول فيلزم أن ~~يكون غيره فإذا قدر الفعل قديم العين كانت صفة لازمة له قديمة العين وإذا ~~كان كذلك فإنه يمتنع أن يفتقر إلى شيء من الحوادث سواء كانت حادثة النوع أو ~~الأعيان كما يمتنع ذلك في ذاته القديمة فإنها إن كانت مفتقرة افتقار ~~المعلول إلى علته امتنع كون # PageV02P131 # الحادث علة للقديم وإن كانت مفتقرة افتقار المشروط إلى شرطه فلا ريب أن ~~المحدث مشروط بالقديم فإذا كان القديم مشروطا به كان كل من الأمرين مشروطا ~~بالآخر. # وهذا ممكن فما كان معلولي علة واحدة وهما حادثان كالأبوة والبنوة أو ما ~~كانا قديمين متلازمين لا علة لهما كالذات والصفات أما إذا كان أحدهما قديم ~~العين والآخر حادث الأعيان كان وجود القديم مشروطا بأمور لم توجد بعد وكان ~~الشرط متأخرا عن المشروط. # وإن قيل: المشروط هو النوع وهو ملازم للعين لكن النوع لا يوجد إلا شيئا ~~فشيئا فلا وقت من الأوقات إلا والمقرون بالقديم واحد محدث فيكون ذلك المحدث ~~شرطا في وجود ذلك القديم لا يوجد إلا مع وجوده كما لا يوجد أحد المحدثين ~~إلا مع الآخر ولا الذات القديمة إلا مع الصفة القديمة والقديم لازم للذات ~~وكل من الحوادث ليس بلازم بل عارض وإن كان النوع لازما. # أقصى ما يقال: إن الذات هي الموجبة للمعين اللازم وللنوع الحادث أعيانه ~~فيشبه ذلك أحد الصفتين مع الأخرى فيقال الأمر اللازم لا وجود للذات بدونه ~~وإذا كان قائما بالذات فقد دخل في مسماها وصار منها فإن أسماء الله تعالى ~~متناولة لصفاته فما قام بذاته من الصفات اللازمة فهو داخل في اسمه تعالى. # فإذا كان ذلك مشروطا بأفعال يحدثها شيئا بعد شيء صار ما هو # PageV02P132 # واجب الوجود مفتقرا إلى ما هو ممكن الوجود مع أن هذا المقام إذا تحرر كان ~~مفسدا لأصل مذهبهم وكان دليلا مستقلا رابعا. # فإن حقيقة قولهم: إن الفلك لازم لذات ms263 الله تعالى لا يمكن وجود الرب بدون ~~وجود الفلك بل هو مستلزم له كما أن الفلك مستلزم له فهما متلازمان وهذا ~~بعينه قول بأن مفعوله شرط في وجوده وأن وجوده بدون وجود مفعوله ممتنع وهو ~~قول بافتقار الواجب بذاته إلى الممكن بذاته وهو ممتنع. # وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن ذكرناها هنا تنبيها على حجتهم ~~العظمى وأن إبطال حجتهم قد يتضمن بطلان قولهم ويكون دليلا على صحة ما أخبرت ~~به الرسل صلوات الله عليهم. # الوجه الثاني: أن يقال إحدى المقدمتين في هذه الحجة بطلان التسلسل وأنتم ~~قائلون بجوازه ولكن منازعوكم يقولون بامتناعه فتكون الحجة على أصلكم ~~إلزامية لا علمية فلا تفيدكم المطلوب. # هذا إذا فسروا التسلسل بالتسلسل في الآثار دون التأثير وإن فسروه ~~بالتسلسل في أصل التأثير فهذا لا يقوله أحد وهذا هو مراد أئمتهم بالتسلسل ~~في هذا الموضع وإن فهم منه بعض الناس الأول لكن هذه الحجة حينئذ إنما تدل ~~على دوام نوع الحادث فمن قال لم # PageV02P133 # يزل مؤثرا متكلما إذا شاء وفى بموجب هذه الحجة ولا تدل على قدم شيء من ~~العالم أصلا # ومنازعوكم قد عارضوكم وألزموكم امتناع الحوادث مطلقا فتبين فسادها أيضا # فإن قالوا نحن نجوز التسلسل في الحوادث القائمة بالعالم وهذه تقتضي ~~التسلسل قبل حدوث العالم أو قبل حدوث شيء من العالم وذلك لا نقول به # قيل لهم أولا إذا كان التسلسل في الأزل ممكنا لم يكن فرق بين هذا وهذا بل ~~يجوز أن يقال إن الرب تقوم به أمور اختيارية لا أول لها # وقيل لهم ثانيا هذا لا ينفعكم في قدم الأفلاك وما فيها لإمكان أن يكون ~~حدوثها موقوفا على أسباب قبلها حادثة وكذلك الأخرى # وقيل لهم ثالثا إذا أمكن التسلسل في الأفعال اللازمة القائمة بالصانع أو ~~في المفعولات المتعدية كان كل منهما مبطلا لاحتجاجكم على قدم الأفلاك ~~والعناصر فكيف إذا اجتمع هذا وهذا # الوجه الثالث أن يقال هذا مبني على امتناع التسلسل في الآثار والتسلسل ~~سواء عنى به التسلسل في أصل التأثير ms264 أو في الآثار فإنه لا يدل على مطلوبكم ~~والذي يليق بهذه الحجة إنما هو التسلسل في أصل الفعل وهو ممتنع وفاقا # PageV02P134 # وأما التسلسل في الآثار فهذا فيه قولان معروفان للناس أحدهما منعه كقول ~~كثير من أهل الكلام والفلسفة وأهل الحديث. # والثاني: جوازه كما هو قول كثير من أهل الحديث والكلام والفلسفة. # وحينئذ فهؤلاء يقولون بجواز هذا التسلسل وأن كل ما سوى الله مخلوق محدث ~~كائن بعد أن لم يكن سواء قالوا بقدم نوع الفعل اللازم أو نوع الفعل اللازم ~~والمتعدي فعلى التقديرين يمكن أن يكون كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد ~~أن لم يكن مسبوق بالعدم والرب فاعل بمشيئته وقدرته سائر الأشياء. # وليس للفلاسفة حجة تعارض هذا القول أصلا إذ ليس لهم حجة تقتضي قدم ~~الأفلاك والعناصر ولا قدم شيء من العالم أصلا بل جميع ما يحتجون به إنما ~~يدل على دوام كون الرب فاعلا سواء في ذلك الحجج العائدة إلى الفاعل والمادة ~~والصورة والغاية وغير ذلك فالأولى مثل قولهم إن كونه فاعلا أمر لازم لنفسه ~~لأنه لو كان عارضا لهذا لاقتضى حدوث ما يجعله كذلك وذلك لا يكون إلا فعلا ~~له ولا يكون عارضا لما تقدم فلا بد أن يكون كونه فاعلا من لوازمه ذاته. # وكذلك قولهم: هو جواد وعلة جوده ذاته ونحو ذلك فإن هذا يدل على كون نوع ~~الفعل من لوازمه لا على فعل معين ولا مفعول معين فليس في ذلك ما يدل على ~~قدم السموات ولا مادة السموات ولا غير ذلك من أصناف العالم بل هذا دل على ~~أنه لا يلزمه عين الفعل إذ لو # PageV02P135 # لزمه ذلك لكان فعله كله قديما والمؤثر التام يستلزم أثره فكان تكون جميع ~~المفعولات قديمة فلا يكون في العالم شيء حادث وهو خلاف الحس. # وبهذا يظهر كشف عوار هذه الحجة التي حارت فيها عقول جمهور النظار فإنهم ~~إذا قالوا كل ما لا بد منه في كونه مؤثرا لا بد وأن يكون موجودا في الأزل ~~وإلا لزم حدوثه بعد ذلك ms265 بدون مؤثر تام وهو ممتنع وإذا كان موجودا في الأزل ~~لزم حصول الأثر معه كان لفظ التأثير مجملا فإنه يراد به جنس التأثير ويراد ~~به التأثير المعين ويراد به التأثير العام في كل شيء فإنه إما عام وإما ~~مطلق وإما معين فإن أريد به التأثير في كل شيء لزم كون كل شيء قديما وهو ~~مخالف للحس. # وكذلك إن أريد به معين فإنها لا تدل على امتناعه لجواز أن يكون مشروطا ~~بحادث قبله وهم وسائر العقلاء يسلمون حدوث الشيء المعين وإن أريد به الجنس ~~لم يدل إلا على دوام النوع لا على قدم شيء بعينه فلم يكن فيها ما يدل على ~~قدم شيء من العالم. # والأزل ليس عبارة عن وقت بعينه فإذا قيل جميع الأمور المعتبرة في كونه ~~مؤثرا هي قديمة أزلية قيل في كونه مؤثرا في الجملة وكونه مؤثرا في شيء ~~بعينه أو في كونه مؤثرا في كل شيء؟ # الأول مسلم عند السلف والأئمة ولا ينفعهم والثاني ممنوع وكذلك ثالثهم ~~وذلك لأن كونه مؤثرا في شيء بعد شيء يقتضي دوام مؤثرتيه ولا يقتضي قدم شيء ~~من العالم ودوام التأثير في شيء بعد شيء هو # PageV02P136 # ممكن عندهم وهو لا يخلو إما أن يكون ممكنا وإما أن يكون ممتنعا فإن كان ~~ممكنا حصل المقصود وإن كان ممتنعا لزم حدوث كل ما سواه. # فتبين أن قولهم بقدم شيء من العالم لا حجة عليه بوجه من الوجوه وكذلك ~~قولهم: إن التقدم والتأخر لا يعقل إلا بالزمان الذي هو مقدار الحركة وقولهم ~~إن كون الشيء حادثا يقتضي أنه كان بعد أن لم يكن والقبلية والبعدية من ~~لوازم الزمان فإن هذا يستلزم دوام نوع الفعل لا دوام حركة الفلك والشمس ~~والقمر بل السموات والأرض إذا كان الله قد خلقهما في ستة أيام كان هذا ~~الشمس والقمر وهذا الليل والنهار مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن وإن كان بعد ~~قيام القيامة انشقاق السموات وتكوير الشمس وخسوف القمر وتناثر الكواكب تكون ~~حركات أخرى ولها زمان آخر. # كما قال ms266 تعالى في الجنة: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} (سورة مريم 62) ~~وفي الجنة يوم الجمعة يوم المزيد فهناك أيام معروفة بأمور أخر جعلها الله ~~في الجنة غير الشمس والقمر وكذلك قولهم: إن كل حادث مسبوق بالإمكان المفتقر ~~إلى مادة غايته أن قبل كل حادث حادثا وهذا لا يوجب قدم شيء من العالم وإنما ~~يقتضي تسلسل الحوادث. # وكذلك إذا قيل إن المؤثرية وصف وجودي فإن كانت حادثة # PageV02P137 # افتقرت إلى أخرى ولزم التسلسل وكونه محلا للحوادث وإن كانت قديمة لزم قدم ~~الأثر فإن لازم هذا الدليل ليس بممتنع عندهم وعند السلف وجمهور أهل الحديث ~~وهو كون القديم تقوم به الحوادث المتسلسلة ثم إن كان هذا ممتنعا لزم حدوث ~~الأفلاك فبطلت الحجة الدالة على قدمها وإن لم يكن ممتنعا بطلت الحجة فهي ~~باطلة على التقديرين وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا التنبيه على أنه لا حجة لهم تدل على قدم شيء من العالم ولكن ~~الذين ناظروهم من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم جعلوا نوع فعله ومفعوله ~~محصور الابتداء والانتهاء كما قاله الجهم بن صفوان وأبو الهذيل إماما هاتين ~~الطائفتين أو جعلوه ممتنع الدوام في الابتداء دون الانتهاء كما قال ذلك ~~كثير من أتباعهما وجعلوا الرب يمتنع عليه الكلام باختياره في الأزل ويمتنع ~~عليه الفعل الاختياري في الأزل بل جعلوه غير قادر على الكلام والفعل في ~~الأزل كما يقوله المعتزلة والكرامية أو غير قادر على الفعل في الأزل ولا ~~قادر على الكلام لا في الأزل ولا فيما يزال كما يقوله الكلابية والأشعرية ~~والسالمية بل الكلام عندهم كالحياة لا يوصف بأنه قادر عليه ولا أنه يتكلم ~~بمشيئته وقدرته واختياره. # وكثير من هؤلاء يقول إن العالم يعدم بالكلية فلا يبقى الرب فاعلا لشيء ~~كما لم يكن قبل ذلك على قولهم وهو فناء هذا العالم عندهم ويقول إن ذلك دل ~~عليه السمع والعقل ومنهم من يقول بل دل عليه السمع وإن إعادة الله للعالم ~~هو بأن يعدمه بالكلية ثم يعيد العالم الذي كان أعدمه. # PageV02P138 # فهؤلاء وأمثالهم ms267 تكلموا في تعطيل الرب عن الفعل وعن الكلام وقالوا إن ~~كلامه مخلوق أو محدث النوع أو محدث العين كان الكلام بعد أن لم يكن متكلما ~~في الأزل بل ولا كان عندهم قادرا على الكلام وإن أطلق بعضهم أنه لم يزل ~~قادرا فهم يقولون مع ذلك بامتناع المقدور في الأزل ومعلوم أنه مع امتناع ~~المقدور يمتنع كونه قادرا وقالوا إن هذا هو القول بحدوث العالم الذي أخبرت ~~به الرسل ونسبوا هذا القول إلى أهل الملل هم ومناظروهم من الفلاسفة. # ولهذا استظهرت الفلاسفة على أهل الملل بسبب ظنهم أن هذا هو قولهم حتى آل ~~الأمر إلى أن يقول الفلاسفة إن الرسل لم تخبر بعلم وإنما أخبرت بما فيه ~~تخييل وتمثيل ومعلوم أنه ليس في كتاب الله ولا حديث عن رسول الله ولا في ~~أثر عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين شيء من هذه الأقوال ولا ما يستلزم ~~هذه الأقوال بل هي أقوال مبتدعة في الدين وهي من الكلام الذي أنكره السلف ~~والأئمة وعابوه وذموه. # وقول أولئك بأن السموات أزلية وأنها لا تنشق أعظم إلحادا وضلالا ومخالفة ~~لدين الرسل وهؤلاء أثبتوا قدم الأعيان المخلوقة وأولئك نفوا قدرة الرب على ~~الفعل والكلام دائما فادعوا حدوث النوع. # وهذا كما في مسألة القرآن طائفة ادعت قدم أعيان الكلام إما المعنى الواحد ~~المعين وإما الحروف المعينة أو الأصوات والحروف المعينة حتى قالوا إن ما ~~سمعه موسى كان قديما لم يزل الله متصفا به وإنما تجدد السماع فقط وقالوا ~~إنه لم يناده في ذلك الوقت كما دل عليه القرآن # PageV02P139 # حيث يقول: {فلما أتاها نودي يا موسى} (سورة طه 11) بل ما زال مناديا له ~~في الأزل ولكن تجدد سماع موسى لذلك النداء. # وطائفة قالت: بل نوع الكلام حادث بعد أن لم يكن إما حادثا في غيره فيكون ~~مخلوقا وإما في نفسه فيكون حادثا أو محدثا غير مخلوق وقال هؤلاء لم يكن في ~~الأزل متصفا بأنه متكلما إلا إذا فسروا المتكلم بالقادر على الكلام ثم كان ~~تفسيره بهذا مع امتناع الكلام ms268 في الأزل جمع بين النقيضين بل لم يزل عندهم ~~غير متكلم ويمتنع عندهم أن يكون لم يزل متكلما إذا شاء. # والسلف والأئمة قالوا: لم يزل الله متكلما إذا شاء فالفرق بين دوام النوع ~~وقدمه ودوام الشيء المعين وقدمه يكشف الحجاب عن الصواب في هذا الباب الذي ~~اضطرب فيه أولو الألباب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # وليس للفلاسفة حجة تعارض هذا القول ولكن حجتهم تقتضي دوام فاعلية الرب ~~وأن الفعل ولازمه الذي هو تقرير الفعل المسمى بالزمان لا أول له وأن إمكان ~~حدوث الحوادث لا أول له وإمكان تأثير الرب فيها لا أول له وهذا كله يقتضي ~~دوام نوع الفعل لا دوام فعل معين. # وقد تقدم بيان أن قولهم يقدم العالم عن العلة التامة باطل قطعا وأن العلة ~~التامة لا يجوز تأخر شيء من معلولها عنها بل وجود علة تامة لم تزل مقارنة ~~لمعلول ممتنع ويمتنع أن يكون المقارن في الزمان مفعولا للفاعل # PageV02P140 # والحوادث متعاقبة شيئا بعد شيء لا يجوز حدوثها عن علة تامة أزلية فبطلت ~~حجتهم وبطل قولهم بقدم العالم وتبين إمكان حدوث كل ما سوى الله وأنه يمتنع ~~أن يكون العالم صادرا عن علة تامة أزلية موجبة بالذات وهو المطلوب. # وتبين أنه لا يمكن حدوث شيء من الحوادث إلا عن فاعل يفعل شيئا بعد شيء ~~وإن قدر أنه غير فاعل بالإرادة فكيف إذا تبين أنه لا تحدث الحوادث إلا عن ~~فاعل مختار بأمور اختيارية تقوم به؟ # والعالم مستلزم للحوادث فيمتنع ثبوت الملزوم دون اللازم فيمتنع صدور ~~العالم عن موجب بالذات فيمتنع قدمه ويمتنع قدم شيء منه فإن أي شيء قدر قدمه ~~لم يصدر إلا عن موجب بذاته سواء قدر موجب بذات مجردة أو موجب بالإرادة لذلك ~~القديم يكون إيجابه له قديما دائما بدوامه فيكون ذلك الإيجاب الذي هو ~~التأثير والاقتضاء والفعل المعين لذلك المفعول المعين في الأزل قديما أزليا ~~دائما بدوام الرب تعالى وهو إنما يلزمه نوع الفعل لا فعل معين إذا الفعل لا ~~يعقل ولا يمكن ms269 إلا شيئا فشيئا فأما شيء معين دائم ملزوم للحوادث أو غير ~~ملزوم للحوادث فلا يعقل أنه فعل لا سيما ومثل هذا لا يكون إلا مفعولا ~~بالاختيار بل لا يكون إلا عن ذات تختار شيئا بعد شيء فهي لا تكون مجردة عن ~~الاختيار ولا تكون علة تامة أزلية فضلا عن أن يجتمع فيها عدم الاختيار مع ~~كونه علة تامة أزلية. # PageV02P141 # أقصى ما يقال: إنه قد تقوم بها الأمور الاختيارية شيئا بعد شيء وكل ما ~~قام بها شيء من ذلك حصل تمام التأثير لما يحدث حينئذ وهي بمجردها علة تامة ~~للمعين الذي يلزمه الحوادث لكن هذا باطل أيضا فإنها لا تكون مجردة قط ولا ~~يمكن أن تكون بمجردها فاعلة لشيء. # وأيضا فلا يمكن أن يقارن المفعول فاعله في الزمان وذلك أنه لو قدر تجردها ~~في وقت لم يجز حصول قيام شيء من الأمور الاختيارية لها بعد ذلك لأن ذلك ~~يقتضي حدوث حادث بلا سبب وبتقدير تجردها عن الأمور الاختيارية القائمة بها ~~يمتنع أن يحدث عنها أو فيها شيء لامتناع حدوث الشيء بدون علة تامة وهي مع ~~تجردها ليست علة تامة إذ لو كانت كذلك للزم مقارنة الأمور الاختيارية ~~المتجددة شيئا بعد شيء لها في الأزل وذلك جمع بين النقيضين. # والأمور الاختيارية الحاصلة شيئا بعد شيء لازمة لها فيمتنع تقدير تجردها ~~عنها فلا يمكن تجردها ولو قدر تجردها لم يجز أن يكون مجردها علة تامة أزلية ~~لشيء معين لأن ذلك المعين مستلزم للحوادث إذ كل ممكن فإنه لم يسبق الحوادث ~~فلو كانت علة تامة أزلية للزم وجود كل واحد من الحوادث في الأزل وهو جمع ~~بين النقيضين وإذا امتنع تجردها وامتنع بتقدير تجردها أن يصدر عنها شيء ~~امتنع أن يصدر شيء عنها إلا مع قيام الأمور الاختيارية بها # PageV02P142 # والأمور الاختيارية حاصلة شيء بعد شيء فامتنع أن تكون علة تامة لشيء معين ~~دائما إذ مجموع الأمور المشروطة في التأثير إذا لم تكن إلا حاصلة شيئا ~~فشيئا امتنع أن تكون دائمة لشيء معين فامتنع قدم ms270 شيء معين فإنه إذا كان ~~قديما أزليا دائما لم يكن بد من أن يكون المقتضي التام له قديما أزليا ~~دائما ومقتضي تام أزلي ممتنع فقدمه ممتنع لأن المقتضي التام إما الذات ~~المجردة عن قيام الأمور المتعاقبة بها التي تصير بها فاعلة شيئا فشيئا أو ~~الذات الموصوفة بذلك والأول الذي يقوله من الفلاسفة من يقوله ممتنع لامتناع ~~تجردها وامتناع حصول شيء عنها في حال التجريد لو قدر ذلك لأن المعلول ملزوم ~~للحوادث فلا يجوز وجوده عن علة تامة أزلية وهي المجردة. # وأما الذات الموصوفة بذلك فهي لا تصير فاعلة إلا شيئا فشيئا كما تقدم ~~فيمتنع أن يكون لها فعل معين قديم أزلي فضلا عن أن يكون لها مفعول معين ~~قديم أزلي. # ولا يمكن أن يقال هي بمجردها مقتضية لمحل الحوادث وما يقوم بها مقتض لتلك ~~الحوادث لأن الفاعل بقدرته ومشيئته لا يتوزع بعض فعله عليه مجردا عن ~~الإرادة وبعضه عليه مقرونا بالإرادة إذ فعل الموصوف بالإرادة بدون الإرادة ~~ممتنع وكذلك ما يقدر قائما به من # PageV02P143 # الأمور المتجددة فإنها قائمة به فليس موجودا دونها حتى يقال إنه يفعل ~~بدونها وتقدير الانفصال لا يقتضي تحقيق الانفصال. # وهذا كما لو قيل: مجرد الذات تفعل منفكة عن الصفات لا سيما وتلك الأمور ~~شرط في الفعل فلا يوجد المشروط بدون شرطه كما أن الحوادث القائمة بالمفعول ~~شرط في وجوده فيمتنع وجود المستلزم للحوادث بدون الحوادث. # وكذلك يمتنع أن تفعل الذات الملزومة دون لوازمها إذ فعلها لملزوم الحوادث ~~مشروط بفعلها لحوادثه اللازمة وفعلها ذلك لا يوجد إلا شيئا فشيئا فصار ذلك ~~الفعل مشروطا بما لا يوجد إلا شيئا فشيئا ووجود المشروط بدون الشرط ممتنع ~~ففعل الملزوم وحده ممتنع فكما أن وجود ذات مجردة عن الصفات ممتنع فوجود ~~فعله مجردا عن ما يقوم به ممتنع ففعله لا يوجد إلا مع اللوازم ولا يكون ~~فعلا له إلا مع اللوازم كما أن المفعول لا يكون موجودا ولا مفعولا إلا مع ~~اللوازم وإذا لم يكن فعلا له إلا مع اللوازم المتعاقبة ms271 لم يكن فعلا أزليا ~~فلا يكون المفعول أزليا لأن اللوازم المتعاقبة ليس مجموعها أزليا ولا واحدا ~~منها أزليا ولكن النوع أزلي بمعنى وجوده شيئا فشيئا فيكون الفعل المشروط به ~~موجودا شيئا فشيئا لامتناع وجود المشروط بدون الشرط وإذا كان ذلك الفعل ~~يوجد شيئا فشيئا كان المفعول كذلك بطريق الأولى لامتناع تقدم المفعول على ~~فعله فلا يكون فعل دائم معين فلا يكون مفعول معين دائم. # PageV02P144 # يبين ذلك أن الفعل هو الإبداع والخلق الذي يسمى اقتضاء وإيجابا وتأثيرا ~~ونحو ذلك. # فإذا قيل: إبداع الملزوم واحد معين أزلي وإبداع اللوازم نوع يتجدد شيئا ~~فشيئا فأحد الإبداعين ملزوم للآخر كما أن أحد المبدعين ملزوم للآخر والثاني ~~شرط في نفس كون الأول إبداعا للمفعول لا في مجرد وجوده فإنه لا يصير ~~الإبداع إبداعا إلا مع لازمه الحاصل شيئا فشيئا فلا يكون الإبداع إلا شيئا ~~فشيئا. # وليس لزوم هذا لهذا كلزوم نوع الفعل للذات لأن الذات تستلزم صفاتها ~~اللازمة لها وليست مفعولة لها وفعلها صادر عنها وليس أحد الإبداعين صادر عن ~~الآخر بل إبداع المعين إذا قدر أنه أزلي لم يزل كان نوع الإبداع للأمور ~~المتعاقبة قديما أيضا لم يزل وكل منها فعل وخلق وإبداع. # ونفس حقيقة الفعل المعين يمتنع قدمه فكيف إذا كان ملازما لما هو حادث ~~شيئا فشيئا فإنهما فعلان متلازمان وأحدهما لا يوجد إلا شيئا فشيئا فالآخر ~~لا يوجد إلا شيئا فشيئا لكونه فعلا بالإرادة ولأن وجود أحد المتلازمين دون ~~الآخر ممتنع وأحدهما يمتنع قدم عينه فالآخر يمتنع قدم عينه لأن وجود القديم ~~الواجب بعلته كما تجب الصفة القديمة بالذات المستلزمة لها لا يتوقف على ~~وجود شيء من الحوادث. # ولئن قدر دوام نوعها فليست الصفة القديمة متوفقة عليها # PageV02P145 # كما أن الذات القديمة ليست متوقفة عليها بخلاف المفعول المعين وفعله ~~المعين فإنه متوقف على وجود ما لا بد له منه من الحوادث المتعاقبة والمحتاج ~~إلى الحوادث المتعاقبة لا يكون قديما أزليا وأحد الفعلين والمفعولين يحتاج ~~إلى الآخر المشروط به الذي يمتنع وجوده إلا بوجود ms272 شرط في فعل الفاعل فلا ~~يمكن فعل هذا إلا مع فعل هذا بخلاف الذات وصفاتها مع الفعل. # وإذا لم يمكن فعله إلا مع فعل هذا وهذا لا يكون شيء منه قديما فالآخر ~~كذلك ولا يمكن قدم شيء من العالم إلا بقدم فعل له معين ولزوم ذلك الفعل ~~لذات الرب كما تلزم الصفة للموصوف. # ومن المعلوم بصريح المعقول الفرق بين صفة الموصوف وبين فعل الفاعل أما ~~الصفة فيعقل كونها لازمة للموصوف إما عينا كالحياة وإما نوعا كالكلام ~~والإرادة ويعقل كونها عارضة لكن ذلك إنما يكون في المخلوق. # وأما الفعل فلا يعقل إلا حادثا شيئا بعد شيء وإلا فمن لم يحدث شيئا لا ~~يعقل أنه فعل ولا أبدع سواء فعل بالإرادة أو قدر إنه فعل بلا إرادة ولو كان ~~الفعل لا يحدث لم يعقل الفرق بينه وبين الصفة اللازمة إذ كلاهما معنى قائم ~~بالذات لازم لها بعينه وما كان كذلك لم يكن فعلا لذلك الموصوف ولا يعقل كون ~~الموصوف فعله. # PageV02P146 # وإن قدر أن الفعل هو المفعول وأنه مبدع المفعولات بدون فعل فلزوم هذا له ~~أبعد عن المعقول من لزوم ما يقوم به لا سيما إذا كان قد فعله بقدرته ~~ومشيئته فإن هذا لا يعقل كونه مقدورا مرادا بل إذا قدر أن هذا مفعول مراد ~~لزم إمكان كون الصفة اللازمة التي لا توجد الذات إلا بها مقدورة مرادة. # والقادر المريد لا يكن فاعلا إلا بقدرته وإرادته فإذا كانت قدرته وإرادته ~~مقدورة مرادة لزم الدور في التأثير والفعل والاقتضاء فلا يكون قادرا مريدا ~~حتى يكون قادرا مريدا وهذا ممتنع في صريح العقل. # وإيضاح ذلك أن ما كان لازما للذات بعينه إما أن يمكن كونه مقدورا مرادا ~~وإما أن لا يمكن فإن لم يمكن كونه مقدورا مرادا ثبت ما قلناه ويتبين أن ما ~~كان لازما بعينه للذات لم يكن مقدورا ولا مرادا فلا يكون شيء من الفعل ~~لازما للذات لأن الفعل لا يكون إلا بقدرته وإرادته لأنه فاعل بالاختيار ~~لأنه لو كان موجبا بالذات لم ms273 يتأخر عنه شيء من آثاره ولأن تقدير ذات مجردة ~~عن الصفات ممتنع ولأن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله وإن سمي علة فلا يعقل ~~مفعول مقارن للفاعل في الزمان. # وما يذكر من أن التقدم بالذات كتقدم العلة على المعلول لأنه في الاقتران ~~في الزمان إذا أريد بالعلة الفاعل فهو باطل وإن أريد به غير ذلك فليس هو ~~المراد هنا. # وما يذكر من قولهم تحركت يدي فتحرك المفتاح ليس بمثال # PageV02P147 # مطابق فإن حركة اليد ليست فاعلة لحركة المفتاح بل هي ملازمة لها وقد بين ~~في غير هذا الموضع أن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله بالزمان مع قطع النظر ~~عن كونه فاعلا بالإرادة. # وكونه فاعلا بالإرادة دليل آخر فإنه إذا كان الفعل بقدرته وإرادته وكل ما ~~كان بقدرته وإرادته لم تكن عينه لازمة لذاته فلم يكن شيء من أعيان الفعل ~~لازما لذاته فلا يكون شيء من المفعولات لازما لذاته فلا يكون قديما وهو ~~المطلوب. # وهذا في غاية الحسن والصحة. # وإن قيل: يمكن أن يكون المعين اللازم للذات مقدورا مرادا. # قيل: فتلك القدرة والإرادة يمكن حينئذ أن تكون مقدورة مرادة وحينئذ فإن ~~كانت مقدروة مرادة بتلك الإرادة والقدرة لزم الدور في التأثير والفعل ~~والاقتضاء وإن كانت بأخرى لزم التسلسل في التأثير ونوعه. # وكلاهما ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء فإنه حينئذ تلزم الذات قدرة ~~قديمة وإرادة قديمة وتلك لا توجد إلا بقدرة قديمة وإرادة أخرى قديمة وتلك ~~لا توجد إلا بقدرة أخرى قديمة وإرادة أخرى قديمة والفاعل لا يفعل شيئا من ~~القدر والإرادات إلا بعد فعله لبعض القدر والإرادات فلا تلزم أن لا يفعل ~~شيئا فهذا هو الدور في أصل الفعل والتأثير. # PageV02P148 # وإن قيل: بل الفعل المعين اللازم للذات مقدور مراد ونفس القدرة والإرادة ~~المشروطتين فيه ليست مقدورتين مرادتين. # قيل: إن كان المرجع إلى المعقول الصريح فلا فرق بين تقدير فعل معين لازم ~~لذات فاعلة وتقدير غيره من الأمور اللازمة لذات ذلك الفعل فإن الذات ~~مستوجبة للوازمها المعينة لا يمكن وجودها بدون وجود ms274 شيء من لوازمها فتفريق ~~المفرق بين لازم ولازم بأن هذا اللازم هو لازم له بقدرته وإرادته وهذا ~~اللازم لازم له بدون قدرته وإرادته تفريق بين المتماثلين وخروج عما يعقل في ~~هذا الباب. # ومن أعرض عن نصوص الأنبياء وادعى عقليات تخالفها وليس معه معقول صريح ولا ~~قياس صحيح كان كلامه خارجا عن العقل والسمع كما قال أهل النار: {وقالوا لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} (سورة الملك 10) . # وهذا الموضع من أحكمه انكشف له حجاب هذا الباب فإن نفس كون الفاعل فاعلا ~~يقتضي حدوث الفعل إما نوعا وإما عينا وأما فعل ليس بحادث لا نوعه ولا عينه ~~بل هو لازم لذات الفاعل فليس هو فعل أصلا. # ولهذا كان نفس علم الخلق بأن الشيء مخلوق يوجب علمهم بأنه مسبوق بالعدم ~~إذ لا يعقل مخلوق مقارن لخالقه لازم لم يزل معه. # ولهذا كان كلام الله الذي بعث به رسله موافقا لما فطر الله عليه الخلائق ~~والذي فطر عليه العباد أنه إذا قيل هذا فعل هذا أو صنعه # PageV02P149 # أو خلقه أو أبدعه أو نحو هذه العبارات لم يعقل منه إلا أنه أحدثه بعد أن ~~لم يكن وهذه المقدمة بينة بنفسها لا يحتاج إلى إثباتها بأدلة فطرية بل ~~تقدير نقيضها معلوم الفساد في بدائه العقول. # فإذا قيل هذا مفعول لهذا وهو معه لم يزل مقارنا له كان هذا عند العقل ~~جمعا بين النقيضين وكأنه قيل هو مفعول له ليس مفعولا له بل يقول العاقل إذا ~~كان الأمر كذلك لم يكن جعل أحدهما فاعلا والآخر مفعولا بأولى من العكس. # وإذا قيل: أحدهما ممكن يقبل الوجود والعدم والآخر واجب بنفسه لا يقبل ~~العدم كان هذا أيضا مما تنكره العقول بفطرتها. # فإنه إذا قيل: هذا يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد لم يعقل هذا إلا فيما ~~كان حادثا والإمكان يعود إلى الفاعل تارة وإلى القابل أخرى فيقال في الأول ~~هذا يمكنه أن يكتب ويقوم ويتكلم ويقال في الثاني هذه الأرض يمكن أن يزدرع ~~فيها ms275 وهذه المرأة يمكن أن تحمل. # وهذا القدر مما اتفق عليه الجمهور من العقلاء وهو مذهب أئمة الفلاسفة بل ~~مذهب أئمة المشائين كأرسطو وأتباعه فإنهم لم يصفوا بالإمكان إلا ما كان ~~حادثا. # PageV02P150 # وأما تقدير قديم ممكن فهذا يوجد في كلام ابن سينا ومن سلك سبيله ~~كالسهروردي وكالرازي والآمدي وقد أنكر ذلك على ابن سينا طائفة من الفلاسفة ~~إخوانه كابن رشد الحفيد وغيره وبينوا أنه خرج بذلك عن مذهب سلفه القدماء ~~كما خرج به عن المعقول الصريح. # ولهذا ورد على هؤلاء في الإمكان من الإشكالات ما لم يمكنهم الجواب عنه ~~كما قد بيناه في كلامنا على المحصل وغيره فإنهم فرضوا ما يستلزم الجمع بين ~~النقيضين وهي تقدير ذات قديمة أزلية لا يمكن عدمها ألبتة. # فإن قالوا مع ذلك: هي واجبة بغيرها وقالوا مع ذلك هذه الذات باعتبار ~~حقيقتها تقبل الوجود والعدم ليس أحدهما أولى بها وزادوا على ذلك فقالوا لا ~~يكون وجودها ولا عدمها إلا بسبب منفصل قالوا وسبب عدمها عدم السبب الفاعل. # فقال لهم جمهور العقلاء هذا باطل من وجهين: أحدهما: أن # PageV02P151 # العدم المحض المستمر لا يفتقر إلى سبب بل العقل الصريح يعلم أن ما لم ~~يوجد قط لا يحتاج في أن لا يوجد إلى علة. # ولهذا قال نظار المسلمين إن العدم المحض لا يحتاج إلى علة ثم إذا قالوا ~~علة العدم عدم العلة كان عدم العلة أيضا محتاجا إلى علة إن كان العدم لا بد ~~له من علة. # نعم إذا قيل: عدم العلة يستلزم عدم المعلول كان هذا صحيحا ولكن ليس كل ~~ملزوم فاعلا فكل ما لا يوجد إلا بسبب يلزم من عدم سببه عدمه لأن نفس عدم ~~السبب هو الذي جعله معدوما في نفس الأمر بل عدمه في نفس الأمر لا علة له ~~أصلا. # الثاني: قولهم في موجود قديم أزلي إنه ممكن يقبل الوجود والعدم كما ~~يقولون مثل ذلك في الفلك فإن هذا باطل أيضا عند جماهير العقلاء من الفلاسفة ~~وأهل الملل وغيرهم وإنما قالته هذه الشرذمة. # وأول من ms276 قال من الفلاسفة بقدم الفلك صورته ومادته هو أرسطو واتبعه على ~~ذلك من اتبعه كثامثطيوس والإسكندر # PageV02P152 # الأفرديوسي لكن هؤلاء لم يقولوا إنه ممكن يقبل الوجود والعدم كما يقوله ~~ابن سينا وأتباعه فإن القابل للعدم إن أريد به هذا القديم فالقديم الواجب ~~وجوده ولو بغيره كيف يعقل قبوله العدم؟ # وهذا كالصفات اللازمة لذات الرب تعالى فإنها لا تقبل العدم بحال فحياته ~~تعالى لازمة لذاته المقدسة لا تقبل العدم أصلا بل فرض عدمها محال. # وإن قيل: هو باعتبار ذاته يقبل العدم. # قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن تقدير ذات غير الوجود المعين قول تقوله ~~طائفة من الفلاسفة كأتباع أرسطو من أهل المنطق وهو قول باطل عند جمهور ~~العقلاء كما قد بسط في موضعه. # ولهذا كان تفريق هؤلاء بين الصفات المقومة الداخلة في الماهية والصفات ~~العرضية اللازمة إما للماهية وإما لوجودها يعود عند التحقيق إلى اعتبارات ~~ذهنية لا إلى صفات تبنى الحقائق عليها في نفس الأمر. # PageV02P153 # بل حقيقة قولهم في تمام الماهية وجزء الماهية ولازم الماهية يرجع في ~~المعنى إلى دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فما قصده الإنسان بلفظ كان ~~تمام ذلك مراده وتمام معناه وتمام الماهية القائمة في ذهنه التي عبر عنها ~~بذلك اللفظ وما كان جزء ذلك المعنى وهو المدلول عليه بالتضمن وهو جزء ما ~~أراده وجزء ما قام بنفسه من تلك الماهية وما كان لازما لمدلول اللفظ كان ~~خارجا عن المدلول لازما له وهو خارج عن تلك الماهية القائمة في نفسه لازم ~~لها. # وهذا الموضع قد بسط في الكلام على المنطق بسطا ليس هذا موضعه وإنما الغرض ~~التنبيه فمن حقق كلامهم في الصفات الذاتية المقومة الداخلة في الماهية ~~والصفات اللازمة الخارجة عن الماهية ورأى كتبهم الكبار المبسوطات في هذا ~~الباب وأعطى النظر العقلي حقه ولم يسلم عبارات لم يحقق معناها تبين له أن ~~ما يذكرونه من الفرق بين الذاتي والعرضي اللازم وما يذكرونه من تركيب ~~الحقيقة من الجنس والفصل وأن هذا هو الذاتي المشترك وهذا هو الذاتي المميز ~~والمركب منهما هو النوع ms277 وأن العرضي المشترك هو العرض العام والعرضي المميز ~~هو الخاصة وإنما يعود هذا إلى أمور اعتبارية وهو تركب في الذهن لا تركب في ~~الخارج وذلك يتبع ما يتصوره الإنسان ويعبر عنه لا يتبع الحقائق في نفس ~~الأمر فمن تصور حيوانا ناطقا فالأول ذاتي مشترك والثاني ذاتي مميز والضاحك ~~خارج عما تصوره ومن تصور حيوانا ضاحكا كان الأمر بالعكس فالضاحك في تصور ~~هذا ذاتي والناطق خارج عن الذات. # PageV02P154 # وهذا المعنى مما تفطن له طائفة من النظار من الفلاسفة وغيرهم وبينوا به ~~ما وقع من غلط هؤلاء في هذا الموضع الذي اشتبه فيه الماهيات الذهنية ~~بالحقائق الخارجية وإلا فكيف يكون الإنسان الموجود في الخارج مركبا من ~~الحيوان والناطق أو الحيوانية والناطقية إن كان مركبا من عرضين فالجوهر لا ~~يتركب من عرضين وإن كان من جوهرين فالإنسان الموجود ليس فيه جواهر متعددة ~~الواحد جسم والآخر حساس والآخر نامي والآخر متحرك بالإرادة والآخر ناطق بل ~~الحق أن الموصوف بهذه الصفة هو الموصوف بالآخر فهو نفسه جسم حساس نام متحرك ~~بالإرادة ولكن بعض هذه الصفات جنسه أعم من بعض فالأعم منها يشركه فيه كل ~~جسم والنامي يشركه فيه النبات والحساس يشركه فيه الحيوان البهيم والناطق لا ~~يشركه فيه إلا الإنسان وأما الموصوف المعين فما قام به من الصفات مختص ولا ~~يشركه فيه غيره وإذا قيل يشاركه فيه غيره فالاشتراك في الأمر الكلي الذي لا ~~يكون كليا إلا في الذهن ومتى وجد في الخارج لم يكن إلا معينا. # والإنسان به ذات موصوفة بصفات ومعلوم أن صفة الموصوف لا تكون متقدمة عليه ~~لا في العقل ولا في الوجود ولا يكون مركبا منها وهم يقولون إن أجزاء المركب ~~متقدمة عليه سابقة له وهذا ممتنع في صفة الموصوف لكن إذا أريد بالمركب ما ~~يتصوره الذهن من قول القائل جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق فلا ريب أن ~~هذا # PageV02P155 # مركب في الذهن وله أجزاء كما إذا تكلم اللسان به كان مجموع الكلام مركبا ~~من الأجزاء وإذا كتب اللفظ بالخط كانت ms278 الكتابة مركبة من الأجزاء فالشيء له ~~حقيقة في نفسه ثم يتصور في الذهن ثم يعبر عنه باللسان ثم يكتب بالقلم له ~~وجود في الأعيان والأذهان واللسان والبنان وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي لكن ~~وجوده الذي هو الوجود الحقيقي هو الوجود العيني كالإنسان الموجود في ~~الخارج. # وهذا الإنسان يتصف بأنه حي وبأنه ناطق لكن لم تكن هذه الصفات متقدمة عليه ~~لا في الخارج ولا في العقل ولا مركب منهما بل هو متصف بهما كما هو متصف ~~بسائر صفاته اللازمة له وهذا هو الذي عليه نظار المسلمين وجمهور العقلاء أن ~~الصفات اللازمة للموصوف كلها مشتركة في هذا الباب وأما تقسيمها إلى ما هو ~~ذاتي داخل في الحقيقة وعرضي لازم خارج وتقسيم اللازم إلى ما هو لازم للذات ~~ولازم لوجودها فهذا قول هؤلاء المنطقيين وقد خالفهم في ذلك جمهور طوائف ~~النظار من المسلمين وغيرهم كما هو موجود في كتب النظار المسلمين. # وأول من علمت أنه وافقهم على ذلك أبو حامد في كتبه وأنكر الناس عليه ذلك ~~كما أنكروا ما وافقهم عليه في بعض مسائل الإلهيات والنبوات وإن كان أبو ~~حامد نفسه قد أنكر عليهم ما أنكره من خطئهم في الإلهيات فهذه الأمور مبسوطة ~~في موضعها. # والمقصود هنا أن إثبات قديم أزلي يمكن وجوده ويمكن عدمه قول # PageV02P156 # منكر عند جماهير النظار من المسلمين والفلاسفة كما هو منكر في فطر ~~العقلاء لأن دعوى ذات الممكن في الخارج غير الموجود في الخارج باطل وما ~~يذكرونه من أن الإنسان يتصور المثلث مع الشك في وجوده فذاك لأنه لا يتصوره ~~في الذهن ولا نزاع بين العقلاء أن ما تتصوره الأذهان مغاير لما يوجد في ~~الخارج فإذا أريد بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج وقيل ماهية ~~الشيء مغايرة لوجوده كان هذا صحيحا وإنما المنكر أن يراد بالماهية أمر ثابت ~~في الخارج غير الموجود الخارج ويقال إن تلك الماهية هي حقيقة هذا الموجود ~~وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # الوجه الثاني: أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك فالقديم ms279 الواجب الوجود ~~بغيره لم تزل ماهيته موجودة والوجود لازم لها وتقدير عدمها تقدير ممتنع ~~فإذا قيل يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن تكون معدومة لم يكن صحيحا بل لا ~~يمكن عدمها بحال وغايته أن وجودها اللازم لها هو من غيرها لا منها مع أنه ~~وجود واجب بغيره هذا لو أمكن أن يكون القديم الأزلي مفعولا وهذا ممتنع في ~~فطر العقلاء قاطبة. # ولهذا جاءت الكتب الإلهية بخطاب الناس بالمعقولات الصحيحة الفطرية فإن ~~الرسل بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها لا بتغيير الفطرة وتحويلها والنفس إنما ~~تنال كمالها بسعادتها ونجاتها بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة ولهذا حيث ~~ذكر الله في كتابه شيئا من هذه الأسماء التي تدل على الفعل لم يعقل العقلاء ~~من ذلك إلا أنه محدث كقوله تعالى: {اقرأ باسم # PageV02P157 # ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم} (سورة العلق 1 3) فهل ~~يعقل العقلاء قط أن الشيء يكون مخلوقا ولا يكون حادثا غير هؤلاء الملحدين ~~في السمعيات والعقليات الذين سلكوا في العقليات مسلك السفسطة وفي السمعيات ~~مسلك القرمطة. # وكذلك قوله: {خلق السماوات والأرض} (سورة النحل 3) . # وقوله: {والسماء بنيناها بأيد} (سورة الذاريات: 3) وقوله: {والسماء وما ~~بناها} (سورة الشمس: 5) . # وقوله: {أم السماء بناها رفع سمكها فسواها} (سورة النازعات 27 28) . # وقوله: {رفع السماوات بغير عمد ترونها} (سورة الرعد 2) . # وقوله: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} (سورة الأنبياء 32) {خلق السماوات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور} (سورة الأنعام 1) {وهو الذي خلق الليل والنهار ~~والشمس والقمر} (سورة الأنبياء 33) إلى أمثال ذلك من الخطاب الذي قد علم ~~بالاضطرار معناه وأن بناءها أمر حادث كان بعد أن لم يكن وليس المراد أنها ~~قديمة أزلية لم تزل كذلك وأن معنى خلقها أنها معلولة لعلة قديمة أزلية. # ومن افترائهم على السمعيات أنهم يسمعون هذا أيضا حدوثا # PageV02P158 # ويقولون: هذا العالم محدث أي معلول ومعنى حدوثه عندهم وجوبه بالواجب ~~بنفسه وافتقاره إليه. # ومعلوم بالاضطرار أن هذا لا يسمى حدوثا كما لا يسمى خلقا ولم يختلف ~~المسلمون وغيرهم أن كل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وأن ms280 كل مخلوق حدث ~~وإنما تنازعوا في كل محدث هل يجب أن يكون مخلوقا وأن كل حادث يجب أن يكون ~~محدثا هذا فيه نزاع معروف بين المسلمين كما هو مبسوط في موضعه. # ولهذا كان قدماء النظار عندهم كل من قال العالم قديم فقد أنكر الصانع إذ ~~كانوا لا يعقلون أن يقال هو قديم وهو مفعول ولكن متأخريهم لما رأوا من قال ~~من الفلاسفة إنه معلول غير واجب ذكروا هذا القول وبحثوا مع أصحابه. # وأما أرسطو وأتباعه فإنما في كلامهم إثبات العلة الأولى من حيث هي غاية ~~وأن الفلك يتحرك للتشبه بها فأوجب وجودها من هذه الجهة لم يثبت وجودها من ~~حيث أن الفلك معلول علة فاعلة كما فعله ابن سينا ومن سلك سبيله فإنه سلك ~~سبيلا بعضها من أصول سلفه الفلاسفة وبعضها أخذه من أصول المعتزلة ونحوهم ~~والرسل صلوات الله عليهم لم يقولوا إن الرب كان في الأزل متعطلا عن الكلام ~~والفعل وأنه لم يمكنه أن يتكلم ولا أن يفعل في الأزل بمشيئته وقدرته وإنما ~~أهل الكلام # PageV02P159 # المحدث في الإسلام من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم في أصلهم التبس عليهم ~~حدوث الأعيان المخلوقة بحدوث نوعها كما التبس عليهم قدم نوع كلام الله بقدم ~~عين الكلمة وظنوا أن حدوث الأعيان لا يحصل إلا بحدوث النوع فالتزموا تعطيل ~~الرب وتعجيزه في الأزل عن الكلام والفعال وسلبوه صفات الكمال فتسلطت عليهم ~~السلف والأئمة ورثة الأنبياء بالتبديع والتضليل بل وبالتكفير وانفتح عليهم ~~من الفلاسفة سد الدهرية بعد أن كان مبنيا بزبر الحديد فلا للإسلام نصروا ~~ولا للكفار كسروا ولا بحبل الله اعتصموا ولا للكتاب والسنة اتبعوا بل فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا واعتاضوا عن الشريعة الإلهية بما أحدثوا بآرائهم بدعا. # ومما يبين هذا انه لما كان شواهد الافتقار في أعيان العالم واحتياجها إلى ~~الصانع بينة ظاهرة بل معلومة بالبديهة كان معلوما مع ذلك أن كلا منها محدث ~~مخلوق كائن بعد أن لم يكن في فطر العامة فإن الأمر مبني على مقدمتين ~~إحداهما أن هذا المعين مفتقر إلى ms281 فاعل إذ هو ليس بواجب بنفسه والثانية أن ~~ما افتقر إلى فاعل لم يكن إلا محدثا فإذا كل شيء من العالم تثبت فيه هاتان ~~المقدمتان. # وأما كون هذا المعين مفعولا مخلوقا مربوبا مفتقرا إلى بارئه وأنه لازم ~~لفاعله للزوم الفعل الذي به فعله فاعله كلزوم حياته أو بدون فعل قائم به ~~فهذا مما لا يعقله الخلق بفطرتهم التي فطروا عليها. # PageV02P160 # وهذا النوع من الكلام دليل مستقل على حدوث كل شيء من العالم من جهة كونه ~~ممكنا مفعولا لغيره لا واجبا بنفسه والأول من جهة كونه ممكنا مستلزما ~~لاقترانه بالحوادث فإذا عرف أنه محتاج إلى مبدعه الواجب بنفسه علم أنه محدث ~~من جهة أن فعل الفاعل لا يكون إلا حادث العين أو النوع ومن جهة أن ما كان ~~مستلزما للحوادث لم يمكن أن يفعله الفاعل دونها وفاعل الحوادث لا يكون ~~موجبا بذاته يلزمه مفعوله وما لم يلزمه مفعوله المعين لا يكون مفعوله قديما ~~فلا يكون شيء من العالم قديما. # ومن تدبر كلام الدهرية القائلين بقدم الأفلاك من المتفلسفة الإلهيين ~~كأرسطو وشيعته وغيرهم لم يجد لهم دليلا أصلا على قدم شيء من العالم لا ~~الأفلاك ولا غيرها ولكن يذكرون ما يدل على دوام فاعليه الفاعل ونحو ذلك. # والذين ناظروا هؤلاء من أهل الجدل والكلام الذي ذمه السلف وعابوه بنوا ~~الأمر على أن الرب لم يزل معطلا عن الكلام والفعل لا يمكنه أن يتكلم ولا أن ~~يفعل ثم صار يمكنه الكلام والفعل بعد أن لم يمكنه من غير تجدد شيء. # وهذا أصل الجهمية والمعتزلة والكرامية وهو أصل الكلابية والأشعرية لكن ~~سلكوا في كلام الله تعالى وصفاته مسلكا انفردوا به دون السلف والأئمة وأهل ~~الحديث ودون المعتزلة كما هو معروف من قولهم. # ولهذا كان فيما أنكره الناس على الكلابية قولهم إن الرب لم يكن # PageV02P161 # قادرا على الفعل في الأزل وليس هذا قولهم وحدهم بل هو قول هؤلاء الذين ~~أخذوا عنهم الكلام. # ولهذا لما وقع في أرض المشرق زمن السلطان محمود بن سبكتكين ثم في ms282 أول ~~دولة السلاجقة زمن ألب رسلان فتنة بين الحنفية والشافعية وكان السلطان قد ~~تقدم بلعنة أهل البدع على المنابر لما كاتبه الحاكم المصري الملحد ودعاه ~~إلى مبايعته فأرسل إلى الإمام القادر فعرفه لصورة الحال وبمبايعته لشريعة ~~الإسلام وكتب الإمام القادر الإعتقاد القادري المعروف وعامته من نظم الشيخ ~~أبي أحمد الكرجي وأمر القائم بقراءته على الناس وتقدم باستتابة أهل البدع ~~فاستتيبت المعتزلة سنة بضع وأربعمائة وجرى على القاضي أبي بكر بن الطيب ~~محنة وقام عليه الشيخ أبو حامد الإسفراييني الشافعي والشيخ أبو عبد الله بن ~~حامد الحنبلي وكان الإسفراييني مظهرا للإنكار عليه جدا مظهرا لمخالفته في ~~قوله في القرآن وكان القاضي أبو بكر يكتب محمد بن الطيب الحنبلي إذ كانت ~~الأشعرية منتسبة إلى السنة وإلى أئمتها منتصرة للمقالات المشهورة عن إمام ~~السنة أحمد بن حنبل وغيره من علماء أهل السنة وصنف القاضي أبو بكر إذ ذاك ~~كتابه المشهور في الرد على الباطنية حزب الحاكم المصري العبيدي وقام ~~السلطان محمود بأرض المشرق وأظهر لعنة أهل البدع على المنابر وكذلك بعده ~~ملوك السلاجقة فأدخل أقوام من الحنفية وغيرهم الأشعرية في اللعنة حتى صنف ~~أبو القاسم القشيري شكايته المشهورة وصنف الحافظ أبو بكر البيهقي رسالة ~~معروفة وذكروا أشياء مما نقمت على أبي الحسن الأشعري وكان مما ذكروه قوله ~~إن الرب لم يكن في الازل قادرا على الفعل. # PageV02P162 # وهذا أصل قول هؤلاء المتكلمين الذين احتجوا على حدوث العالم بأن ما لا ~~يخلو عن الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها ويلزم من ذلك امتناع أن ~~يكون مقدورا للرب فقالوا صار الفعل ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا. # ومعلوم عند من يعلم الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها أنه ليس في ~~الكتاب ولا السنة شيء يدل على أن الرب لم يكن الفعل ممكنا له في الأزل أو ~~لم يكن الفعل والكلام ممكنا له في الأزل أو أنه لم يزل معطلا عن الفعل أو ~~عن الفعل والكلام لم يزل معطلا ثم إنه صار قادرا فاعلا متكلما ms283 بعد أن لم ~~يكن كذلك. # وقد يجيبون عن هذا بجواب فيه مغلطة فيقولون لم يزل قادرا ولكن المقدور ~~كان ممتنعا في الأزل وهذا تناقض فإن المقدور لا يكون ممتنعا بل لا يكون إلا ~~ممكنا ولأن ذلك يتضمن الانتقال من الامتناع إلى الإمكان بلا حدوث شيء وهو ~~باطل. # والجهم هو أول من أظهر هذا الكلام في الإسلام وطرد قياسه بأن ما كان له ~~ابتداء فلا بد أن يكون له انتهاء وأن الدليل الدال على امتناع ما لا يتناهى ~~لا يفرق بين الماضي والمستقبل فقال بفناء الجنة والنار. # وكان هذا مما أنكره عليه سلف الأمة وأئمتها مع إنكارهم عليه نفي الصفات ~~والقول بخلق القرآن ونفى الرؤية الذي هو لازم قوله بهذه الحجة. # PageV02P163 # فإن طردها أوجب عليه أن لا يقوم بذات الله لا صفة ولا فعل ولا كلام وكان ~~ذلك مستلزما لنفي الصانع ولهذا عظم نكير سلف الأمة عليه وعلى أتباعه من ~~المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم. # قال حرب الكرماني ورواه عنه أبو بكر الخلال في كتاب السنة ثنا محمد بن ~~إدريس يعني أبا حاتم الرازي ثنا علي بن ميسرة ثنا علي بن الحسين بن شقيق ~~سمعت خارجة بن مصعب يقول: "كفرت الجهمية بآيات من كتاب الله قال تعالى: ~~{أكلها دائم وظلها} (سورة الرعد 35) وقالوا: ينقطع. # وقال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (سورة القيامة 22: 23) ~~فقالوا: لا تنظر". # وقال الخلال ثنا أبو داود السجستاني ثنا أحمد حدثني أبي قال: قال إبراهيم ~~بن طهمان ما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه ما أعظم ما أورث أهل ~~القبلة من منطقه هذا العظيم يعني جهما. # قال أبو داود ثنا عبد الله بن مخلد ثنا علي بن إبراهيم ثنا يحيى ابن شبل ~~قال: كنت جالسا مع مقاتل بن سليمان وعباد بن كثير إذ جاء شاب فقال: ما تقول ~~في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} (سورة القصص 88) فقال مقاتل: "هذا ~~جهمي" ثم قال: "ويحك والله إن # PageV02P164 # جهما ما حج هذا البيت قط ولا جالس ms284 العلماء إنما كان رجلا أعطي لسانا". # قال أبو داود ثنا أحمد بن الصباح ثنا علي بن الحسن بن شقيق عن ابن ~~المبارك قال: "إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى وما نستطيع أن نحكي كلام ~~الجهمية". # قال الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل ثنا محمد بن مصفى ثنا بقية بن الوليد ~~عن عبد العزيز بن الماجشون قال: "جهم وشيعته الجاحدون". # وقال ثنا عبد الله بن أحمد ثنا الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك ثنا حماد ~~بن قيراط سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: "الجهمية كفار". # وقال عبد الله بن أحمد ثنا محمد بن صالح مولى بني هاشم ثنا عبد الملك بن ~~قريب الأصمعي أنا المعتمر بن سليمان عن أبيه أنه قال: "ليس قوم أشد نقضا ~~للإسلام من الجهمية". # قال عبد الله حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وعلي بن مسلم ثنا سليمان بن ~~حرب سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: "إنما يحاولون أن يقولوا ~~ليس في السماء شيء". # قال الخلال أنا أبو بكر المروزي ثنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال كان ~~أبي وعبد الرحمن يقولان: "الجهمية تدور على أن ليس # PageV02P165 # في السماء شيء" قال المروزي سمعت أحمد الدورقي سمعت يزيد بن هارون وذكر ~~الجهمية فقال كفار لا يعبدون شيئا قال المروزي ثنا إسماعيل بن أبي كريمة ~~سمعت يزيد بن هرون يقول: "القرآن كلام الله لعن الله جهما ومن يقول بقوله ~~كان كافرا جاحدا ترك الصلاة أربعين يوما يريد زعم يرتاد دينا وذلك أنه شك ~~في الإسلام". # قال الخلال وأخبرني حرب الكرماني ثنا أبو علي الحسن بن الصباح ثنا قاسم ~~العمري ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب حدثنا أبي عن جدي حبيب قال شهدت ~~خالد بن عبد الله القسري خطب الناس بواسط يوم النحر فقال: "أيها الناس ~~ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم ~~يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا ~~كبيرا" ثم نزل فذبحه. # والجهم بن ms285 صفوان أخذ مذهبه عن الجعد بن درهم وكان الجعد هذا من أهل حران ~~وإليه ينسب مروان الجعدي آخر خلفاء بني أمية وكان بحران أئمة الفلاسفة ~~الصابئة القائلين بقدم العالم وتعطيل الصفات وعنهم أخذ تحقيق ذلك أبو نصر ~~الفارابي لما دخل حران وكان الجعد فيما يقال أخذ تعطيل الصفات عنهم ولهذا ~~أنكر كلام الله ومحبة الله فلا يكون له كليم ولا خليل. # هذا مع أن الفلاسفة مختلفون في قدم العالم وحدوثه وأساطينهم # PageV02P166 # المتقدمون على القول بحدوثه بل وعلى إثبات الصفات والأمور الاختيارية ~~القائمة بالله وأول من عرف عنه من الفلاسفة المشائين القول بقدم الأفلاك هو ~~أرسطو وحججه على ذلك واهية جدا لا تدل على مطلوبه بل استدلاله على قدم ~~الزمان وأنه مقدار الحركة فيلزم قدمها ثم ظن أن جنس الزمان مقدار حركة ~~الفلك وهذا غلط عظيم فإن جنس الزمان إذا قيل الزمان مقدار الحركة فهو مقدار ~~جنس للحركة لا حركة معينة بل الزمان المعين مقدار الحركة المعينة ولهذا كان ~~جنس الزمان باقيا عند المسلمين بعد قيام القيامة وانشقاق السماء وتكوير ~~الشمس ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك ولهم في ~~الآخرة يوم المزيد يوم الجمعة مع أن الجنة ليس فيها شمس ولا زمهرير بل ~~أنوار وحركات أخر. # فمن قال: إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء وبما شاء كان الكلام ~~عنده صفة ذات قائم بذات الله وهو يتكلم بفعله وفعله بمشيئته وقدرته فمقدار ~~ذلك إذا قيل بقدمه كان وفاء بموجب الحجة المقتضية لقدم نوع ذلك من غير أن ~~يكون شيء من العالم قديم مع الله تعالى ولا يحتاج مع ذلك أن يقال لإمكان ~~الفعل بداية ولا أن يجمع بين النقيضين في التقدير فيقال إذا قيل الفعل أو ~~الحادث بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه فإن هذا التقدير جمع بين ~~النقيضين كما في تقدير كونه لم يزل قادرا مع امتناع دوام المقدور. # PageV02P167 # فإذا قيل لم يزل الرب قادرا وقيل مع ذلك لم يكن الفعل ممكنا ثم ms286 صار ممكنا ~~وأنه يمتنع أن يكون الفعل لم يزل مقدورا كان حقيقة الكلام لم يزل قادرا مع ~~كونه كان غير قادر ثم صار قادرا فإن إثبات القادرية مع امتناع المقدور جمع ~~بين المتناقضين وكذلك هذا وذلك أن الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم يجب أن ~~يكون له أول فكل ما سبق بالعدم فله أول إذ العدم قبله وما لا أول له ليس ~~قبله شيء بل هو دائم لم يزل. # فإذا قيل: الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه كان المعنى أن ~~الفعل بشرط كونه له أول لا أول له ونظير هذا التناقض فرقهم بين أزلية الصحة ~~وصحة الأزلية وربما قالوا بين إمكان الأزلية وأزلية الإمكان وهو فرق لا ~~حقيقة له فإنه إذا كان الإمكان الذي هو الصحة أزليا فمعنى ذلك أنه لم يزل ~~الفعل ممكنا صحيحا. # هذا هو المراد بأزلية الإمكان والصحة ومعلوم أن هذا يتضمن إمكان أزلية ~~الفعل وصحة ذلك فإنه إما أن يكون الثابت في نفس الأمر أزلية الفعل أو ~~امتناعها فإن كان الثابت هو الامتناع كان الفعل ممتنعا في الأزل فلم يكن ~~ممكنا وحينئذ فلا يكون الإمكان أزليا بل حادثا بعد أن لم يكن وهذا قول بأن ~~إمكان الفعل ليس بأزلي بل حادث بعد أن لم يكن من غير مسبب يوجب حدوثه وهو ~~خلاف قولهم بأزلية الإمكان. # PageV02P168 # ثم إنه ممتنع بصريح العقل فإنه إذا كان إمكان الفعل له بذاته وهو حادث ~~بعد أن لم يكن كان هذا ممتنعا لوجهين أحدهما أنه يلزم حصول الإمكان بعد ~~الامتناع من غير سبب أوجب كونه قادرا وهو سلب لصفة الكمال للرب في الأزل ~~ودعوى حدوثها بعد أن لم تكن من غير سبب أوجب ذلك وكلاهما ممتنع فإن كماله ~~من لوازم ذاته وكونه قادرا من لوازم ذاته إذ لو لم يكن من لوازم ذاته لكان ~~عارضا لهذا وكان مفتقرا في ثبوت كونه قادرا إلى غيره ثم ذلك الغير إن كان ~~مفعوله فإنه يستلزم الدور القبلي فإنه لا يكون فاعلا للمفعول إلا إذا ms287 كان ~~قادرا فلو استفاد كونه قادرا من المفعول والمفعول لا يكون قادرا على ~~الإقدار إلا بإقداره لزم أن لا يكون هذا قادرا حتى يجعله الآخر قادرا فلا ~~يكون واحد منهما قادرا. # وأيضا فكون المفعول هو الذي يجعل الفاعل قادرا أو فاعلا معلوم فساده ~~بصريح العقل فإن كل ما للمفعول هو من الفاعل لا من نفسه فلو لم يكن الفاعل ~~قادرا إلا بإقدار المفعول له لم يكن قادرا بحال بل ولا كان مفعول أصلا فضلا ~~عن كونه قادرا فضلا عن كونه مقدورا لفاعله. # وكذلك لو قدر قديمان أو واجبان كل منهما إنما صار واجبا قادرا بإقدار ~~الآخر كان هذا ممتنعا في صريح العقل وكان مستلزما للدور القبلي فإن هذا لا ~~يكون قادرا حتى يجعله ذاك قادرا وذاك لا يكون قادرا حتى يجعله هذا قادرا ~~فلا يكون كل واحد منهما قادرا. # PageV02P169 # فإن كون القادر قادرا في نفسه هو سابق لكونه يجعل غيره قادرا فمن ليس ~~بقادر في نفسه يمتنع أن يجعل غيره قادرا فالامتناع يعلم من جهة بطلان الدور ~~القبلي ومن جهة أن من ليس بقادر يمتنع أن يجعل غيره قادرا. # وهذا من أحسن ما يستدل به على التوحيد فإنه يعلم به أن الرب لا بد أن ~~يكون قادرا بنفسه لا تكون قدرته مستفادة من غيره وحينئذ فإذا قدر قادران ~~كان اجتماعهما على فعل المفعول الواحد ممتنعا لذاته بصريح العقل واتفاق ~~العقلاء فإن فعل أحدهما له يوجب استقلاله فيمتنع أن يكون له شريك فضلا عن ~~أن يكون هناك فاعل آخر مستقل. # ولهذا كان من المعلوم عند العقلاء بصريح العقل أنه يمتنع اجتماع مؤثرين ~~تامين على أثر واحد وإن شئت قلت يمتنع اجتماع علتين تامتين على معلول واحد. # وإذا كان كذلك فإذا قدر ربان امتنع استقلال كل منهما بفعل شيء واحد بل ~~إذا فعل أحدهما شيئا كان الآخر فاعلا لشيء آخر وهذا تحقيق قوله تعالى: {إذا ~~لذهب كل إله بما خلق} (سورة المؤمنون 91) . # وأيضا فإذا كانا قادرين فإن أمكن أحدهما أن يفعل بدون ms288 الآخر أمكن أن يريد ~~ضد مراد الآخر فيلزم التمانع فإنه إن وجد مرادهما لزم اجتماع الضدين وإن لم ~~يوجد مراد واحد منهما لزم عجزهما جميعا ولزم خلو المحل من أحد المتقابلين ~~اللذين لا يخلو الجسم عنهما مثل أن يريد # PageV02P170 # أحدهما إحياء جسم ويريد الآخر إماتته أو يريد تحريكه ويريد الآخر تسكينه ~~ونحو ذلك. # وإن قيل: يجب اتفاقهما في الفعل بمعنى أنه إذا فعل أحدهما شيئا لم يعارضه ~~الآخر فيه لم يكن واحد منهما قادرا إلا بشرط تمكين الآخر له والإمساك عن ~~معارضته وهذا يستلزم أن لا يكون واحد منهما قادر بنفسه وهو ممتنع كما تقدم. # وإن فسر الاتفاق في الفعل بمعنى الاشتراك فيه فالاشتراك في المفعول ~~الواحد بمعنى أن كلا منهما مستقل بالمفعول ممتنع كما تقدم. # والاشتراك بمعنى أن هذا له فعل ومفعول غير فعل هذا ومفعوله يوجب أن يذهب ~~كل إله بما خلق والعالم مرتبط بعضه ببعض ارتباطا ويحتاج بعضه إلى بعض ~~احتياجا يمتنع معه أن يكون بعضه مفعولا لواحد وبعضه مفعولا لآخر فإذا قدر ~~فاعلان لزم أن يذهب كل إله بما خلق وأن يعلو بعضهم على بعض فذهاب كل إله ~~بما خلق لأن مفعول هذا غير مفعول هذا وعلو بعضهم على بعض لأن كونهما قادرين ~~يوجب أن كلا منهما غني في قدرته عن الآخر وأنه يمكنه أن يفعل بدونه فيمتنع ~~أن يفعلا شيئا سواء كانا متفقين لامتناع صدور الفعل الواحد عن فاعلين أو ~~كانا مختلفين لأن ذلك يستلزم التمانع فيكون كل منهما مانعا للآخر فلا بد أن ~~يكون أحدهما هو القادر دون الآخر فيكون # PageV02P171 # القادر هو القاهر للآخر فيعلو عليه كما قال تعالى: {ولعلا بعضهم على بعض} ~~(سورة المؤمنون 91) وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر لما تكلمنا على طرق ~~الناس في إثبات التوحيد ومعناه. # والمقصود هنا أنه يمتنع كون واجبين قدرة كل منهما مشروطة بقدرة الآخر فلا ~~بد أن يكون الرب قادرا بنفسه فتكون قدرته من لوازم ذاته واللازم لا ينفك عن ~~الملزوم وإذا لم يزل قادرا لم ms289 يزل يمكنه فعل المقدور وإذا لم يكن فعل ~~المقدور ممكنا لم يكن قادرا في الأزل بل صار قادرا بعد أن لم يكن وليس هذا ~~من الدور المعي الممكن مثل أن يقال لا يكون هذا قادرا إلا مع كون هذا قادرا ~~فإن هذا ممكن في المخلوقات لمعلولي العلة الواحدة فإنهما يحصلان بعلة واحدة ~~فلذلك إذا كان الفاعلان قادرين بإقدار ثالث أمكن أن تكون قدرة أحدهما ~~مشروطة بقدرة الآخر كالأمور المتلازمة التي لا يوجد هذا وقوته إلا مع هذا ~~وقوته. # وأما الواجبان القديمان الخالقان اللذان لم يستفيدا قدرتهما من ثالث فلو ~~قيل إن قدرة أحدهما مشروطة بقدرة الآخر لكان من باب الدور القبلي فإن ~~أحدهما إذا لم تكن قدرته من نفسه ولا من ثالث كانت من الآخر وهذا هو الدور ~~القبلي وإن قيل بل هي حاصلة منه ومن الآخر قيل فالحاصل فيه مشروط بقدرته ~~فلا بد له من قدرة يستقل بها لا يفتقر فيها إلى غيره ولا يكون غيره شرطا ~~فيها فتكون تلك القدرة من لوازم ذاته وهو المطلوب وإن كانت من لوازم ذاته ~~امتنع أن يصيرا قادرا بعد أن لم يكن وامتنع أن يصير الفعل ممكنا بعد أن لم ~~يكن # PageV02P172 # فثبت أنه لم يزل قادرا ولم يزل المقدور ممكنا فثبت أن إمكان الفعل لا أول ~~له وإذا كان الفعل لم يزل ممكنا أمكن أن يكون أزليا وإلا امتنع كونه أزليا. # فعلم أن القول بأزلية الإمكان دون إمكان الأزلية جمع بين النقيضين ~~وحذاقهم يعترفون بهذا وإنما ألجأهم إلى هذا ما ادعوه من كون الفعل أو ~~الكلام والفعل لم يكن ممكنا فصار ممكنا بعد أن لم يكن وهذا أول من قاله في ~~الإسلام الجهمية والمعتزلة ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام ولا نقل هذا ~~أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بلفظه ولا بمعناه ولا عن أصحابه ولا عن ~~التابعين لهم بإحسان. # ثم إنهم لما قالوا هذا احتاجوا أن يجيبوا عن قول المنازع لهم الإمكان لا ~~أول له إذ لو كان ms290 له أول للزم الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان ~~الذاتي بلا موجب فقالوا نقدر أن إمكان الحدوث لا أول له أو نقول الإمكان ~~بشرط حدوث الممكن لا أول له فيكون حقيقة الكلام إمكان الحدوث له أول لا أول ~~له وهو جمع بين النقيضين بل كل ما قدر أنه يجب حدوثه ويمتنع قدمه فإن إمكان ~~حدوثه له أول ويمتنع أن يكون إمكان هذا الحدوث لا أول له وسواء كان إمكان ~~الحدوث مشروطا بشرط من جهة الفاعل أو القابل فمتى كان إمكان الحدوث له أول ~~امتنع أن لا يكون له أول وإن كان الحدوث للذي له أول يعقل في أعيان الحوادث ~~فما من شيء من المخلوقات إلا وإمكان حدوثه للذي له أول ويمتنع أن يكون ~~حادثا ويكون إمكان الحدوث أزليا. # PageV02P173 # فهذا القول الذي أحدثته الجهمية والقدرية في الإسلام واتبعهم عليه من ~~اتبعهم وهو بدعة في الشرع وباطل في العقل. # وأما إبطال مذاهب الفلاسفة المخالفة للكتاب والسنة فهو ولله الحمد ممكن ~~بصريح المعقول من وجوه متعددة لا تستلزم إلا حقا. # فقول الفلاسفة بقدم شيء بعينه من العالم يوجب أنه علة تامة له وهذا باطل ~~من وجوه متعددة كما قد ذكر في موضعه. # وأيضا فإنه يمتنع حدوث حادث عن علة قديمة لم يقم بها شيء فإن الفاعل إذا ~~كان حاله عند وجود المعلول الحادث وقبله ومعه سواء كان تخصيص الوقت المعين ~~بحدوث الحادث المعين تخصيصا بلا مخصص وحدوثا بلا سبب حادث فيمتنع أن يحدث ~~عنه شيء بوسط أو بغير وسط فيلزمه أن لا يكون للحوادث محدث وهذا غاية ~~السفسطة. # ففروا من القول بأن الحادث لا بد له من سبب فلزمهم أن لا يكون له محدث ~~فكان ما فروا إليه أعظم مما فروا منه بكثير. # فتبين أنه لو كان علة قديمة لم يكن حاله بعد أن أوجب ذلك القديم كحاله ~~حين أوجبه لأنه لو استوت الحالان لم يكن تخصيص حال القدم بالإيجاب أولى من ~~غير حال القدم ولم يكن حال الإحداث المعين أولى من حال ms291 عدم الإحداث المعين ~~إذ كانت نسبة الجميع إليه سواء من كل وجه. # PageV02P174 # وإذا قيل: إنه موجب للمعين دائما. # قيل له: إيجاب الفاعل للمفعول المعين بمعنى مقارنته له في الزمان ممتنع ~~كما بين في موضعه. # وإيجاب الحوادث شيئا بعد شيء بدون قيام أمور متجددة به ممتنع أيضا كما قد ~~بسط في موضعه وإيجاب المعين بدون هذا الحادث وهذا الحادث محال وإيجاب هذا ~~الحادث دائما وهذا الحادث دائما محال. # وأما إيجاب الحوادث شيئا بعد شيء فيستلزم أن لا يكون موجبا للحادث إلا ~~عند حدوثه وحينئذ يستكمل شرائط الإيجاب فيلزم من ذلك تجدد الإيجاب بشيء بعد ~~شيء فحينئذ لم يكن موجبا لمعين إلا بإيجاب معين وما استلزم الحوادث لا يكون ~~له إيجاب معين وأما الإيجاب الذي يتجدد شيئا بعد شيء فيمتنع أن يكون به شيء ~~بعينه قديما لأن القديم لا يكون إلا بإيجاب قديم بعينه لا يتجدد شيئا بعد ~~شيء. # وصار أصل التنازع في فعل الله هل هو قديم أو مخلوق أو حادث؟ من جنس أصل ~~التنازع في كلام الله تعالى وكثير من المتنازعين في كلامه وفعله ليس عندهم ~~إلا قديم بعينه لم يزل أو حادث النوع له ابتداء فالأول قول الفلاسفة ~~القائلين بقدمه والثاني قول المتكلمين من الجهمية والمعتزلة. # ومسألة حدوث العالم متعلقة بهذا لكن الدهرية لم يمكنهم القول # PageV02P175 # بقدم كل شيء من أعيان العالم فإنه خلاف الشاهد فقالوا بقدم أصول العالم ~~كالأفلاك والعناصر وهم يقولون بدوام الحوادث ويثبتون قديم النوع حادث ~~الأعيان. # وصار المناظرون لهم من أهل الكلام يمنعونهم ثبوت هذا النوع ويقولون كل ما ~~ثبت حدوث شيء من نوعه لزم أن يكون نوعه حادثا وأن يكون له ابتداء لامتناع ~~دوام الحدوث والفعل عندهم وظنوا أن القول بأن الله خالق كل شيء لا يتم إلا ~~بهذا فاستظهر الفلاسفة عليهم بهذا وطولوا الكلام عليهم في إبطال هذا وظنوا ~~أنهم بردهم ثبت لهم قدم العالم. # وكان خطأ هؤلاء الفلاسفة أعظم من خطأ أولئك فإن نفس الأصل الكلي الذي ~~اعتمدوا عليه لو أعطوه حقه ms292 لم يكن فيه دليل إلا على إبطال قول من زعم أن ~~الرب كان معطلا عن الفعل والكلام ليس فيه دليل على قدم شيء من العالم بل هو ~~بعينه يدل على أن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن. # والاستدلال بذلك أصح من الاستدلال بتناهي الحوادث لوجهين أحدهما: أن ذلك ~~قد بينوا بطلانه والنزاع فيه طويل ولوازمه شنيعة. # PageV02P176 # والثاني: أن متأخريهم قالوا هذا إنما يدل على حدوث الأجسام التي لا تخلو ~~عن الحوادث. # قالوا فإذا جاز وجود موجود ليس بجسم كالعقول والنفوس لم يكن في هذا ما ~~يدل على حدوث هذا. # وهكذا ذكره الشهرستاني والرازي والآمدي والأرموي وغيرهم حتى قال من قال ~~في عقيدته: "الأجسام حادثة" من المتأخرين أتباع هؤلاء وقد لا يجزم بقدم ~~العقول والنفوس لكن يقف عند ذلك ويجزم بحدوث الأجسام لكون هذا هو الذي دل ~~عليه العقل عنده وزعم بعض هؤلاء أن سبب حدوث الأجسام هو ما يحدث من تصورات ~~النفوس المتعاقبة وأجابوا بهذا عما طالبهم به خصومهم من شبهة الحدوث. # وزعم الرازي في المطالب العالية أن هذا هو الجواب الباهر عن حجة الفلاسفة ~~واتبعه على ذلك الأرموي في كتابه وزعم هؤلاء أن قدماء المتكلمين لم يجيبوا. # عنه وليس الأمر كذلك بل شيوخ المتكلمين قرروا في كتبهم بأنه يمتنع وجود ~~ممكن إلا جسما أو عرضا وبينوا أن ما يدعى الفلاسفة إثباته خارجا عن ذلك ~~كالعقل والنفس والمادة والصورة باطل وإنما يعود ذلك إلى إثبات أمور ثابتة ~~في الذهن لا في الخارج وهي من نوع العرض # PageV02P177 # أو إلى ثبوت قدر مشترك بين الأجسام وهو الكليات التي لا تخرج عن جسم أو ~~عرض أو إثبات صورة هي إما جسم وإما عرض حتى أن ابن حزم وهو ممن يعظم ~~الفلاسفة قرر أن الأمر منحصر في الأجسام والأعراض وبينوا أنه لا يخرج ~~الممكن عنهما. # وآخرون من أئمة الكلام والنظر قرروا ما هو أعم من ذلك أن الموجود لا يخرج ~~عن هذين القسمين وبينوا أن ما يدعى غيرهم إثباته إما ms293 أن يكون ممتنعا ثبوته ~~في الخارج وإما أن يكون داخلا في أحد القسمين. # ولكن لفظ الجسم والعرض فيه نزاع اصطلاح لفظي وفيه نزاع عقلي كما قد بسط ~~في موضعه والمقصود هنا أن الفلاسفة لا حجة لهم أصلا على قدم شيء من أشخاص ~~العالم بل الأصل العقلي الذي يعتمدون عليه يمنع قدمها وقد ذكرنا هذا في ~~مواضع. # وهذا ابن سينا أفضل متأخريهم وهو الذي أخذ فلسفة الأوائل لخصها وضم إليها ~~البحوث العقلية التي تلقاها عن المتكلمين من المعتزلة وغيرهم فزاد فيها ما ~~يوافقها ويقويها بحث صار لهم في الإلهيات كلام له قدر لا يوجد لمتقدميهم ~~فصار أحسن ما عندهم من الإلهيات ما استفاده ابن سينا من كلام المتكلمين ~~والمواضع التي تخالف أصولهم وقد زل فيها المتكلمون صارت عمدة له في الرد ~~على المتكلمين # PageV02P178 # والمتكلمون المعتزلة لهم مواضع أخطأوا فيها وشاركهم الفلاسفة فيها فصارت ~~الفلاسفة تحتج بها عليهم كنفي الصفات ولهم مواضع انفردوا بالخطأ فيها دون ~~غيرهم من المسلمين والفلاسفة فاستطالت بها عليهم الفلاسفة كقولهم إن المحدث ~~لا يحتاج إلى الفاعل إلا في حال حدوثه لا في حال بقائه وقولهم إن القادر ~~المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وقولهم إن الممكن يترجح أحد ~~طرفيه إذا كان الوجود أولى به من العدم وإن لم ينته إلى حد الوجود. # فهذه الأمور ونحوها من كلام القدرية التي خالفهم فيها أهل السنة وجمهور ~~المسلمين هي مما طولت لسانه عليهم واشتركوا هم وهم في نفي الصفات وسلك ابن ~~سينا فيها مسلكا فمن تدبر كلامه وجده مشتقا من كلامهم إذ كلام قدماء ~~الفلاسفة في ذلك نزر قليل ولم يصر للقوم كلام يعتد به في الإلهيات إلا بسبب ~~ابن سينا وأمثاله بما استفاده من مبتدعة المسلمين. # ولهذا لم يكن أولئك يسمون هذا العلم الإلهي وإنما يسمونه علم ما بعد ~~الطبيعة باعتبار وجوده أو علم ما بعد الطبيعة باعتبار معرفته وهو كلام في ~~الوجود المطلق ولواحقه كالواحد ولواحقه وكتقسيم ذلك إلى الجوهر والعرض ~~وكتقسيم العرض إلى الأجناس التسعة ms294 التي هي الكم والكيف والإضافة والأين ~~ومتى والوضع # PageV02P179 # والملك وأن يفعل وأن ينفعل ومنهم من يجعلها خمسة ومنهم من يجعلها ثلاثة ~~وقد أنشد فيها: # زيد الطويل الأسود بن مالك ... في بيته بالأمس كان متكى # بيده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوا # ثم أخذوا يتكلمون في أنواع هذه الأجناس حتى ينتهوا إلى مبادئ علومهم ~~الجزئية كالمقدار الذي هو موضوع الهندسة والعدد الذي هو موضوع الحساب ~~والجسم الذي هو موضوع العلم الطبيعي ونحو ذلك وتكلموا في العلة والمعلول ~~بكلام قليل. # وأما الكلام بلفظ الواجب الوجود وممكن الوجود فهذا من كلام ابن سينا ~~وأمثاله الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم وإلا فكلام سلفهم ~~إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول. # وقد تكلمت على ما ذكره معلمهم الأول أرسطو في غير هذا الموضع وبينت قلة ~~فائدة الحق منه وما فيه من التقصير والخطأ الكثير وأنه كما قيل: "لحم جمل ~~غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فيقلى". # وأولئك كانوا يعتمدون في إثبات العلة الأولى على أن الفلك متحرك بإرادة ~~والمتحرك بالإرادة لا بد له من مراد يكون محركا له تحريك المعشوق لعاشقه ~~وهذا إذا ثبت لم يفد إلا أن له علة غائية لا يفيد أنه معلول # PageV02P180 # لعلة فاعلة وهم مع ذلك لا يجعلون مراد الفلك عبادة الله ومحبته بل مراده ~~التشبه به ولهذا جعلوا الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة. # والفلك عندهم ليس مفعولا ولا ممكنا ولا معلولا لعلة فاعلة بل هو موجود ~~بنفسه والممكن عندهم لا يكون إلا المحدث المسبوق بالعدم والفلك ليس كذلك. # PageV02P181 # وابن رشد وأمثاله من الفلاسفة يسلكون طريقة القدماء في هذا الباب فعدل ~~ابن سينا عن ذلك إلى ما استفاده من طرق المتكلمين فسلك طريق تقسيم الوجود ~~إلى الواجب والممكن كما يقسمونه هم إلى القديم والمحدث وتكلم على خصائص ~~واجب الوجود بكلام بعضه حق وبعضه باطل لأن الوجوب الذي دل عليه الدليل إنما ~~هو وجوده بنفسه واستغناؤه عن موجد فحمل هو هذا اللفظ ما لا دليل ms295 عليه مثل ~~عدم الصفات وأشياء غير هذه. # وهذا اشتقه من كلام المعتزلة في القديم فلما أثبتوا قديما وأخذوا يجعلون ~~القدم مستلزما لما يدعونه من نفي الصفات جعلوا الوجود الذي ادعاه كالقدم ~~الذي ادعوه وليس في واحد منهما ما يدل على مقصود الطائفتين. # وسلك طريقا ثانيا في إثبات واجب الوجود ذكرها في كتابه المسمى بالنجاة ~~وهي مبنية على الحدوث فقال: "فصل في آخر في # PageV02P181 # البيان" ويقول أيضا: "إن كل حادث فله علة مع حدوثه فلا يخلوا إما أن يكون ~~حادثا باطلا مع الحدوث لا يبقى زمانا وإما أن يكون إنما يبطل الحدوث بلا ~~فصل زمان وإما أن يكون بعد الحدوث باقيا والقسم الأول محال ظاهر الإحالة ~~والقسم الثاني أيضا محال لأن الآنات لا تتالى وحدوث أعيان واحدة بعد الأخرى ~~متباينة في العدد لا على سبيل الاتصال الموجود في مثل الحركة يوجب تتالي ~~الآنات وقد بطل ذلك في العلم الطبيعي ومع ذلك فليس يمكن أن يقال إن كل ~~موجود هو كذلك فإن في الموجودات موجودات باقية بأعيانها فلنفرض الكلام فيها ~~فنقول إن كل حادث فله علة في حدوثه وعلة في ثباته ويمكن أن يكون ذاتا واحدة ~~مثل القالب في تشكيله للماء ويمكن أن يكونا شيئين مثل الصورة الصنمية فإن ~~محدثها الصانع ومثبتها يبوسة جوهر العنصر المتخذ منه". # PageV02P182 # وملخص هذا الكلام أن الموجود الحادث قد يبقى فلا يمكن أن يقال حين حدوثه ~~بطل فإنه جمع بين النقيضين ولا أنه يجب عدمه بعد حدوثه إلا في مثل الحركة ~~وأما في غيرها فأن نعلم أن فيها ما هو باق وأيضا فإنه يوجب تتالي الآنات ~~وهو مبني على مسألة إثبات الجوهر الفرد فيكون الآن جزءا لا ينقسم تلو الآن ~~الآخر وهو يبطل ذلك. # وفي الجملة فهذه المقدمة هو أن في المحدثات أمورا باقية هي حق لا ينازعه ~~فيها أحد وما يحكي عن النظام أنه قال إن الأجسام لا تبقى إما أن يقال هو ~~مخالفة للضرورة وإما أن يقال النزاع فيها لفظي وإما أن يقال النزاع فيها ms296 في ~~مسألة أخرى وهو افتقار المحدث في حال بقائه إلى ما يبقيه فإنه قد قيل إن ~~النظام إنما أراد بذلك مخالفة أصحابه المعتزلة الذين يقولون إن المحدث إنما ~~يفتقر إلى المؤثر حين حدوثه لا حين بقائه فقال هو إن الباقي حال بقائه ~~مفتقر إلى المؤثر وهذا الذي قاله النظام هو الذي قصده ابن سينا أيضا وهو ~~الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة وجماهير العقلاء. # ولهذا قال ابن سينا بعد ذلك كلاما صحيحا قال: "ولا يجوز أن يكون الحادث ~~ثابت الوجود بعد حدوثه بذاته حتى يكون إذا حدث فهو واجب أن يوجد ويثبت لا ~~بعلة في الوجود والثبات". # "وذلك أنك تعلم أن كل حادث بل كل معلول فإنه # PageV02P183 # باعتبار ذاته ممكن الوجود ولكن الحق أن ذاته ممكنة في نفسها وإن كان ~~باشتراط عدمها ممتنع الوجود وباشتراط وجودها واجب الوجود وفرق بين أن يقال ~~وجود زيد الموجود واجب وبين أن يقال وجود زيد ما دام موجودا فإنه واجب ~~وكذلك فرق بين أن يقال إن ثبات الحادث واجب بذاته وبين أن يقال إنه واجب ~~بشرط ما دام موجودا فالأول كاذب والثاني صادق فإذا لم نتعرض لهذا الشرط كان ~~ثبات الوجود غير واجب واعلم أن ما أكسبه الوجود وجوبا أكسبه العدم امتناعا ~~ومحال أن يكون حال العدم ممكنا ثم يكون حال الوجود واجبا بل الشيء في نفسه ~~ممكن ويعدم ويوجد وأي الشرطين اشترط عليه دوامه صار مع شرط دوامه ضروري ~~الحكم لا ممكنا ولم يتناقض ذلك فإن الإمكان باعتبار ذاته والوجوب والامتناع ~~باعتبار شرط لاحق به فإذا كانت الصورة كذلك فليس للمكن في نفسه وجود واجب ~~بغير اشتراط ألبتة بل ما دام ذاته تلك الذات لم تكن واجبة الوجود بالذات بل ~~بالغير وبالشرط فلم يزل متعلق الوجود بالغير وكل ما احتيج # PageV02P184 # فيه إلى غير وشرط فهو محتاج فيه إلى سبب فقد بان أن ثبات الحادث ووجوده ~~بعد الحدوث بسبب يمد وجوده فإن وجوده هو بنفسه غير واجب فليس لأحد من ~~المنطقيين أن يعترض علينا ms297 فنقول إن الإمكان الحقيقي هو الكائن في حال العدم ~~للشيء وإن كل ما يوجد فوجوده ضروري فإن قيل له ممكن فباشتراك الاسم فإنه ~~يقال له إن كان الحصول يلحقه بالضروري الوجود فإن العدم أيضا يجب أن يلحقه ~~بالضروري العدم ولا يحفظ عليه الإمكان فإنه كما أنه متى كان موجودا كان ~~واجبا أي يكون موجودا ما دام موجودا كذلك متى كان معدوما كان واجبا أي يكون ~~معدوما ما دام # PageV02P185 # معدوما لأن نظرنا هنا في الواجب بذاته والممكن بذاته ونظرنا في المنطق ~~ليس كذلك". # قلت: هذا الذي ذكره من اعتراض أهل المنطق عليه قد اعترض عليه ابن رشد ~~وغيره وإن كان ابن رشد متأخرا عنه. # وذلك أن الممكن في كلام سلفهم الفلاسفة كأرسطو وأصحابه إنما يكون في حال ~~العدم ولهذا يقولون إن الإمكان يفتقر إلى محل يقوم به قبل حصول الممكن ~~ولهذا قالوا كل حادث فإنه مسبوق بإمكان العدم والإمكان وصف ثبوتي فلا بد له ~~من مادة تقوم به. # وأولئك لم يكونوا يقسمون الموجود إلى واجب وممكن وإنما هذا تقسيم ابن ~~سينا وأتباعه بل العالم عندهم من قسم الواجب لا الممكن فلفظ الممكن يراد به ~~هذا وهذا وابن سينا لم يرض أن يجعله من باب الاشتراط اللفظي فقط بل أخذ ~~القدر المشترك وهو إمكان أن يوجد وأن يعدم مع قطع النظر عما هو متصف به في ~~الحال وهو السبب الموجب لأحدهما ولا ريب أن هذا يتصف به في الحالين وأما ~~إذا أريد بالممكن أن يوجد أي يصير موجودا في المستقبل فلا يتصف به إلا ~~المعدوم القابل لذلك. # وهذا الذي قاله يستلزم أمرين باطلين: # PageV02P186 # أحدهما: ما غلط فيه هو وسلفه حيث ظنوا أن في الخارج حقيقة تقبل هذا وهذا ~~وأنها متصفة بالوجود والعدم كالذين قالوا المعدوم شيء وقد بسط هذا في موضعه ~~وبين أن الصواب أن هذه الحقيقة المتصورة في العقل هي المحكوم عليها بأنها ~~تقبل أن تكون موجودة في الأعيان وتقبل أن لا تكون موجوده كما أن الممتنع ~~كاجتماع النقيضين إذا قلنا ms298 إنه ممتنع فالمراد أن هذه الحقيقة المتصورة ~~ممتنع ثبوتها في الخارج. # الثاني: ما خالف فيه وهو ومتبعوه سلفه حيث ظنوا أن القديم الأزلي الواجب ~~الوجود قد يكون ممكنا بغيره يقبل العدم فإنهم جمعوا في ذلك بين كونه ممتنع ~~العدم وكونه قابل العدم وهو إنما يقبل العدم باعتبار كون ذاته مجردة عن ~~الموجب وهذا تقدير ممتنع فلا يقبل العدم إلا على تقدير ممتنع وما كان كذلك ~~فقبوله للعدم ممتنع فجمعوا بين النقيضين وورد عليهم إشكالات لا جواب لهم ~~عنها كما قد بسط في مواضع مثل الكلام على المحصل وغيره. # والمقصود هنا تمام كلامه في افتقار المحدثات إلى علة دائمة ليتبين من نفس ~~يصححونه بالمعقول ثبوت حدوث كل ما سوى الله. # قال: "فتبين من هذا أن المعلولات مفتقرة في بيان # PageV02P187 # وجودها إلى العلة وكيف وقد قلنا إنه لا تأثير للعلة في العدم السابق فإن ~~علته عدم العلة ولا في كون هذا الوجود بعد العدم فإن هذا مستحيل أن لا يكون ~~هكذا فإن الحادثات لا يمكن أن يكون لها وجود بالطبع إلا بعد عدم فالمتعلق ~~بالعلة هو الوجود الممكن في ذاته لا في شيء من كونه عبد عدم أو غير ذلك ~~فيجب أن يدوم هذا المتعلق فيجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن في ذاته من ~~حيث وجوده الموصوف مع المعلول". # قلت: هذا إشارة إلى ما قدمه قبل هذا من أن سبب الافتقار إلى المؤثر هو ~~الإمكان لا الحدوث وليس لنا غرض هنا في كشف ذلك فإنا قد بينا في غير هذا ~~الموضع أن الافتقار إلى المؤثر ليس علة أصلا بل نفس المفتقر إلى المؤثر ~~مفتقر إليه لذاته لا لوصف من أوصاف ذاته فكل ما سوى الله فإنه بذاته فقير ~~إليه لا يتصور أن لا يكون فقيرا إليه وفقره إلى الله ليس لعلة أوجبت له أن ~~يكون فقيرا بل فقره لذاته. # PageV02P188 # وأما كونه محدثا وكونه ممكنا يقبل الوجود والعدم فهذا دليل على فقره ~~ومستلزم لفقره فإن المحدث كان معدوما وما كان معدوما لم ms299 يكن موجودا بنفسه ~~بل بغيره وكذلك ما كان يقبل الوجود والعدم فإنه ليس له من ذاته أن يكون ~~موجودا وهذا مثل قولنا مصنوع مخلوق ونحو ذلك فإن ذلك دليل على افتقاره وإلا ~~ففقر الأشياء واحتياجها إلى الخالق هو لذاتها وقولنا لذاته هو بحسب ما ~~اعتيد من الخطاب وإلا فليس لها ذات دونه توصف بفقر ولا غنى بل هو المبدع ~~لإنياتها ولا إنية لها بدون إبداعه ولا دوام لإنياتها بدون إبداعه ولا علة ~~لذلك أصلا كما أن وجوبه بنفسه لا علة له واستغناؤه عن غيره لا علة له. # وإذا قلنا: هو موجود بنفسه أو واجب بنفسه أو غني بنفسه فليس المراد أن ~~نفسه جعلته موجودا أو جعلته واجبا أو جعلته غنيا بل نفس الوجود الواجب ~~الغني هو نفسه لا أن هنا فاعلا ومفعولا وعلة معلولا وإنما يغلط في هذا من ~~يظن أن وجوده زائد على حقيقته كأبي هاشم وطائفة من أهل الكلام ومن وافقه من ~~الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم والرازي في أحد قوليه فإنهم يجعلون ~~الوجود الواجب معلول الذات الموصوفة كما يجعلون هم والمتفلسفة الذات ~~الممكنة قابلة للوجود المتصفة به ويجعلون الوجود صفة للذات الموجودة. # وهذا يقوله تبعا لهم طوائف من نظار أهل السنة كما يوجد مثل ذلك في كلام ~~كثير منهم كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره والمتكلم بهذا # PageV02P189 # إما أنه توسع في العبارة أو زل في الفهم وإلا فالذي عليه حذاق النظار من ~~متكلمي أهل السنة وغيرهم أن الموجود في الخارج هو الحقيقة الموجودة في ~~الخارج ليس هناك شيئان: أحدهما: وجود هو جوهر أو عرض والثاني: حقيقة موجودة ~~متصفة بهذا. # ولفظ الوجود قد يعنى به المصدر إما مصدر وجد يجد وجودا أو مصدر أوجده ~~الله او مصدر وجدته أجده وجودا. # لكن ليس المراد في هذا المقام مسمى المصادر فإن إيجاد الله للخلق هو خلقه ~~لهم وهذا عند الأكثرين هو فعل غير المخلوقين وعند كثير من النظار الخلق هو ~~المخلوق. # وأما مصدر وجدت الشيء أجده كما في قوله تعالى: {ووجد ms300 الله عنده} (سورة ~~النور 39) فهذا فعل قائم بالواجد كالرؤية والمعاينة ونحو ذلك وليس مرادهم ~~بقولهم هذا موجود هذا مرئي معاين وإن كان أصل اللفظ أخذ من هذا فإن ما كان ~~ثابتا في نفسه كان بحيث يجده الواجد أي يراه ويعاينه بخلاف المعدوم المنفي ~~فسمي ما هو بحيث يجده الواجد موجودا لكن إذا قالوا وجد فمرادهم أنه حصل ~~وكان ولا يلحظون أن غيره وجده وإن كان لفظ الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله ~~فإذا كان المراد أنه كان وحصل فمعلوم أن كونه وحصوله مصدر كان يكون وحصل ~~يحصل لكن هو إذا صار كائنا وحاصلا فالكائن الحاصل هي حقيقته الموجودة ليس ~~هناك هذا الكائن الحاصل وجود قائم به بعد كونه غير حقيقته الموجودة. # PageV02P190 # إذا تبين هذا فقولنا: مفتقر لذاته لا يريد به أن هناك ذاتا غير الموجودة ~~ثابتة في الخارج هي الموصوفة بالفقر وإنما يسوغ هذا عند من يقول المعدوم ~~شيء وحقيقته زائده على الوجود في الخارج وإنما المقصود بذلك أن هذا الموجود ~~المخلوق في الخارج هو فقير محتاج فنفس حقيقته التي هي الموجودة هي الفقيرة ~~وإذا قدر أن هناك وجودا زائدا عليه أو وجوده الذي هو مصدر فكل ذلك فقير ~~محتاج كما أن نفسه الموجودة فقيرة محتاجة كما أن الرب غني بنفسه الموجودة ~~وهذا المخلوق موصوف بالفقر والحاجة قبل أن يوجد وبعد أن وجد. # أما قبل وجوده فالمراد بذلك أنه لا يكون موجودا إلا بالخالق فلا يصير ~~موجودا بنفسه وأما بعد الوجود فالمراد بذلك أنه ما صار موجودا ولا يدوم ~~وجوده ولا صار له حقيقة ولا تدوم له حقيقة إلا بالخالق. # وإذا قلنا: لا يكون موجودا فقد أخبرنا عن شيء تصورناه قبل وجوده وهذه هي ~~ما يتصور في الذهن منه. # ولا ريب أن الذين قالوا: المعدم شيء والذين قالوا: إن ماهية الشيء زائدة ~~على وجوده وجدوا الفرق بين ما هو ثابت في الذهن وما هو ثابت في الخارج. # وهذا فرق صحيح فإن المعاني الذهنية ليست هي الحقائق # PageV02P191 # الخارجية لكن توهموا أن ms301 هذه المعاني الذهنية ثابتة في الخارج وهذا غلط ~~وهذا مبسوط في موضعه. # وإذا كان كل ما سوى الله مفتقرا إليه لذاته والحدوث والإمكان مستلزمان ~~لفقره دالان عليه فهل يتصور إمكان بلا حدوث هذا محل نزاع فجمهور العقلاء من ~~الأولين والآخرين أهل الملل قاطبة وأئمة الفلاسفة كأرسطو وأتباعه يقولون إن ~~الإمكان والحدوث متلازمان وخالف في ذلك ابن سينا وموافقوه فزعموا أن الممكن ~~قد يكون قديما أزليا واجبا بغيره. # والمقصود هنا أن ابن سينا ذكر أنه يجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن ~~في ذاته من حيث وجوده الموصوف مع المعلول فما دام المعلول دامت عليته كذلك ~~ما دامت العلة دام معلولها. # قال: "فإذ قد اتضح هذه المقدمات فلا بد من واجب الوجود وذلك أن الممكنات ~~إذا وجدت وثبت وجودها كان لها علل لثبات الوجود ويجوز أن تكون تلك العلل ~~علل الحدوث بعينها إن بقيت مع الحادث ويجوز أن تكون عللا أخرى ولكن مع ~~الحادثات وتنتهي لا محالة إلى واجب الوجود إذ قد بينا أن العلل لا تذهب إلى ~~غير نهاية ولا تدور". # PageV02P192 # قال: "وهذا في ممكنات الوجود التي لا تفرض حادثة أولى وأظهر". # قال: "فإن تشكك متشكك وسأل فقال إنه لما كان إنما يثبت الممكن الحادث ~~بعلة وتلك العلة لا تخلو إما أن تكون دائما علة لثباته أو حدث كونها علة ~~لثباته فإن كانت دائما علة لثباته وجب أن لا يكون الممكن حادثا وقد وضعناه ~~حادثا فإن حدث كونها علة لثباته فيحتاج أيضا كونه علة لثباته والنسبة التي ~~له إليه إلى علة أخرى لثباته بعد العلة المحدثة لهذه النسبة فإن النسبة ~~التي بينهما قد كانت بسبب ما فيجب أن يدوم ويبقى بسبب والكلام في الأخرى ~~كالكلام في الأولى فهذا بعينه يوجب وضع العلل الممكنة الحادثة معا بلا ~~نهاية". # PageV02P193 # قال: "نقول في جواب هذا إنه لولا تسبب شيء من شأن ذلك الشيء أن يكون ~~حدوثه بلا ثبات أو ثباته على سبيل الحدوث والتجدد على الاتصال فيلزم منه ~~انتهاء علل محدثة ومثبتة إلى ms302 علل أخرى في زمان آخر يناقض تلك أو يزيد عليها ~~تأثيرا حادثا من غير تشايع آنات بل مع بقاء كل علة ومعلول ريثما يتألف إلى ~~الآخر لكان هذا الاعتراض لازما". # قال: "فأما هذا الشيء فهو الحركة وخصوصا المكانية وخصوصا المستديرة". # قلت: من هنا يتبين المقصود فإن هذا الاعتراض لازم لا محيد عنه وما ذكره ~~من الجواب في غاية الفساد وذلك أن صاحب الاعتراض قال ثبات الحادث لا بد له ~~من علة دائمة كما تقدم فإن كانت تلك العلة القديمة دائمة وجب كون المحدث ~~بها قديما معها لا حادثا فإن حدث كونها علة فذاك أيضا حادث فيلزم أن تكون ~~علية ذلك الحادث حادثة ثانية ثم علية ثبات تلك العلة الحادثة يقتضي علة ~~حادثة ثالثة وهلم جرا. # PageV02P194 # والعلة يجب أن تكون مع المعلول فهذا يقتضي تقدير علل ممكنة حادثة معا بلا ~~نهاية وهو ممتنع. # وهذا الاعتراض مستقيم سواء قيل إن علة الحدوث هي علة الثبات أو قيل ~~للثبات علة غير علة الحدوث وذلك أن علة الحدوث لا بد أن تكون حادثة أيضا ~~فإنها لو كانت قديمة لزم صدور الحادث عن العلة القديمة وهذا ممتنع فإن تلك ~~العلة إما أن تكون دائما علة لحدوثه فيلزم أن يكون المحدث غير محدث بل ~~دائما وإما أن تكون حال كونه علة لحدوثه ثم حدوث كونها علة لحدوثه هو أمر ~~حادث والقول فيه كالقول الأول فلا بد أن تكون له علة حادثة فهذه حوادث في ~~آن واحد لأن علية العلة يجب أن تكون مع المعلول. # وأما الجواب الذي ذكره فمقصوده به أنه لولا الحركة لكان هذا الاعتراض ~~لازما فإن الحركة تحدث بلا ثبات أو تثبت على سبيل الحدوث والتجدد على ~~الاتصال فلزم بها انتهاء العلل المحدثة والمثبتة إلى علل أخر في زمان آخر. # ومضمون هذا أن كون الشيء علة لحدوث شيء أو لثباته وإن كان حادثا فيسبب ~~حدوثه الحركة المتصلة والحركة المتصلة تحدث عللا أخر في زمان آخر لتلك ~~الكليات فلا تزال العلة باقية بهذا السبب. # PageV02P195 # فيقال: ms303 هذا الجواب باطل من وجهين: # أحدهما: أن الكلام في حدوث هذه الحركة الحادثة كالكلام في حدوث غيرها ~~سواء كانت طبيعية أو قسرية أو إرادية لا سيما وهم يقولون هي إرادية. # وقد قال بعد هذا: "وأما الحركة الإرادية فإن عللها أمور إرادية ثابتة ~~واحدة كأنها كلية تنحو نحو الغرض الذي يحصل من التصور أولا فهو محفوظ بعينه ~~ثابت وإرادة بعد إرادة بحيث يتصور بعد بعد بعد وأين بعد أين معين كحركة بعد ~~حركة ويكون كل ذلك على سبيل التجدد لا على سبيل الثبات ويكون هناك شيء واحد ~~ثابت دائما وهو الإرادة الثابتة ها هنا الكلية كما كانت الطبيعة في الطبيعة ~~وأشياء تتجدد وهي تصورات جزئية وإرادات مختلفة كما يكون في الطبيعة ~~اختلافات مقادير القرب والبعد ويكون جميعها على سبيل الحدوث". # PageV02P196 # قال: "ولولا حدوث أحوال على علة باقية بعضها علة لبعض على الاتصال لما ~~أمكن أن كون حركة فإنه لا يجوز أن يلزم عن علة ثابتة أمر غير ثابت". # قال: "وأنت تعلم من هذا أن العقل المجرد لا يكون مبدأ جزء الحركة بل ~~يحتاج إلى قوة أخرى من شأنها أن تتجدد فيها الإرادة وتحيل الأينات الجزئية ~~وهذا يسمى النفس وأن العقل المجرد إذا كان مبدأ الحركة فيجب أن يكون مبدءا ~~آمرا متمثلا أو متشوقا أو شيئا مما أشبه هذا فأما مباشر للتحريك فكلا بل ~~يجب أن يباشر التحريك بالإرادة ما من شأنه أن يتغير بوجه ما فيحدث منه ~~إرادة بعد إرادة على الاتصال وقد أشار المعلم الأول في كلامه في النفس إلى ~~أصل ينتفع به في هذا المعنى إذ قال إن لذلك أي العقل النظري الحكم العقلي ~~وأما لهذا فالأفعال الجزئية # PageV02P197 # والتعقلات الجزئية أي العقل العملي وليس هذا في إرادتنا فقط بل وفي ~~الإرادة التي تحدث عنها حركة السماء". # قلت: فقد بين أن العلة الثابتة لا يلزمها أمر غير ثابت وأن الحركة لا ~~تحدث إلا بحدوث تصورات وإرادات جزئية وحينئذ فيقال الكلام في حدوث تلك ~~التصورات الجزئية والإرادات الجزئية التي تحدث عنها ms304 الحركة كالقول في حدوث ~~الحركة وليس فوقها عندكم إلا أمر ثابت لا يحدث والأمر الثابت لا يلزم أن ~~يحدث عنه أمر غير ثابت ولا يلزم الثابت أمر غير ثابت وهذا يلزم منه أن لا ~~يكون للحوادث محدث أصلا أو لا يكون تمام علة حدوثها حاصلة بل تحدث حوادث ~~متصلة من إرادات وتصورات وليس هناك إلا أمر ثابت والثابت لا يلزم عنه أمر ~~غير ثابت. # فهذا مما يبين بطلان قولهم ومن وجه آخر هو أنه إذا كانت العلة الثابتة لا ~~يلزم عنها أمر غير ثابت فواجب الوجود عندكم علة ثابتة فلا يلزم عنها أمر ~~غير ثابت بل أمر ثابت وإذا كان هذا الذي يلزم عنها فلا يلزم عنه إلا ثابت ~~فالمعقول ثابت والنفس في ذاتها ثابتة فلا يلزم عن ذلك إلا أمر ثابت ~~والتصورات والإرادات المتعاقبة والحركة الحادثة عنها أمر غير ثابت وليس ~~هناك علة لا علة ثابتة ولا علة غير ثابتة. # PageV02P198 # وهذا تصريح بأن الحوادث تحدث بلا علة وأين تقريره من أن الحوادث بعد ~~الحدوث لا بد لها من علة لثباتها وقد أنكر على من قال يكفيها علة الحدوث ~~وقوله يستلزم أن لا تكون للحوادث علة لحدوثها ولا لثباتها. # ومما يبين هذا انه قد ذكر عن المعلم الأول كلاما ارتضاه وهو قوله إن ~~للعقل النظري الحكم العقلي وأما العقل العملي فله الأفعال الجزئية ~~والتعقلات الجزئية. # قال: "وليس هذا في إرادتنا فقط بل وفي الإرادة التي تحدث عنها حركة ~~السماء" وإذا كان كذلك فمعلوم أن أعمالنا الحادثة بإراداتنا الجزئية ~~وتعقلاتنا الجزئية لا تحصل إلا بسبب يقتضي ذلك وإلا فمجرد العقل الكلي لا ~~يوجب ذلك لكن هم يقولون إن سبب تغيرات تصوراتنا وإراداتنا هي سبب لحدوث ~~الحوادث مطلقا وهو الحركة الفلكية ولم يتكلم هنا في سبب حدوث الحركة ~~الفلكية المقتضية لتغيرنا إذ لم يكن هناك إلا شيء ثابت دائم إلا عقل كلي ~~وإرادة ثابتة واحدة كلية فأين سبب حدوث هذه الإرادات والتعقلات المتعاقبة ~~التي هي سبب حدوث الحوادث كلها في السموات والأرض؟ ms305 # وأيضا فقد قال بعد ذلك: "فقد بان إذا أن شيئا ثباته على # PageV02P199 # سبيل الحدوث وهو الحركة وأن له علة إنما تكون علة بالفعل لتجدد بعد تجدد ~~يعرض من حالها على الاتصال أو يكون لها ذات باقية متغيرة الأحوال ولولا ~~أنها متغيرة الأحوال لم يحدث عنها تغير ولولا أنها دائمة باقية لم يحدث ~~عنها اتصال التغير وعلى أنه لا بد للتغير من حامل باق سواء كان تغير المؤثر ~~حين يؤثر أو تغير المتأثر فقد انكشفت الشبهة المسئول عنها إذ ظهر أن علل ~~إثبات الحادثات تنتهي إلى علل أولى لها ثابتة الذوات متبدلة الأحوال تبدلا ~~يكون سبب كل ما تجدد وتلك الذات الثابتة مع الحال المعلولة لتلك الذات بسبب ~~أمر آخر مؤد إلى الحال الثابتة التي تصير الذات بها علة لما تجدد ثانيا". # PageV02P200 # فيقال لهذا: فهذا يقتضي أن العلل الأولى متبدلة الأحوال وتبدل أحوالها هو ~~من الأمور الحادثة فلا بد من بيان سبب حدوثه وإلا فالعلل الثابتة لا يصدر ~~عنها أمور غير ثابتة فهذا أحد الوجهين: # الوجه الثاني: أن يقال هب أن الحركة سببها أحوال حادثة لهذه الذات لكن ~~العلة يجب أن تكون مع المعلول فإذا كان المعلول ثابتا وجب أن تكون علته ~~ثابتة والحركة منقضية والأحوال التي عنها الحركة وهي التصورات الجزئية ~~والإرادات الجزئية منقضية لا يثبت منها شيء فيجب كما كان معلولها حادثا لا ~~قديما أن يكون أيضا زائلا بزوالها لا ثابتا. # وإن قلت بإثبات علية بأمر حادث غير ذلك الأمر الأول. # قيل: الحادث الحركة المتوالية كما لا تكون ثابتة لا يكون علتها ولا ~~معلولها ثابتا فكما أن الثابت لا يلزم عنه غير ثابت فغير الثابت لا يلزم ~~عنه ثابت بل المعلول مساو للعلة في الثبات وعدم الثبات. # فالقوم كما أنهم أثبتوا حوادث لا تحدث أصلا فأثبتوا ثبوت ثابتات بلا مثبت ~~أصلا فحقيقة قولهم إنه ليس للحوادث محدث ولا للباقيات مبق وهو إنكار المبدع ~~للممكنات وللحوادث فهذا اللازم مذهب القوم لا محيد عنه. # PageV02P201 # فإن قيل: هم يقولون إن تلك الأحوال ms306 لها محرك أول فهذا هم متفقون عليه كما ~~ذكره أرسطو وأتباعه. # وقد ذكره ابن سينا فقال: "فصل في أن المحرك الأول كيف يحرك وأنه محرك على ~~سبيل الشوق" قال: "والذي يحرك المحرك من غير أن يتغير بقصد واشتياق فهو ~~الغاية والغرض الذي إليه ينحو المتحرك هو المعشوق والمعشوق بما هو معشوق هو ~~الخير عند العاشق". # قال: "ولا بد أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرا قائما بذاته ليس من ~~شأنه أن ينال وكل خير هذا شأنه فإنما يطلب العقل التشبه به بمقدار ~~الإمكان". # قال: "والتشبه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل حال تكون للشيء دائما ~~ولم يكن هذا ممكنا للجرم السماوي # PageV02P202 # بالعدد فحفظ بالنوع والتعاقب فصارت الحركة حافظة لما يمكن من هذا الكمال ~~ومبدؤها الشوق إلى التشبه بالخير الأقصى في البقاء على الكمال الأكمل بحسب ~~الممكن ومبدأ هذا الشوق هو ما يعقل منه ويتبع ذلك من الأحوال والمستفاد من ~~المقادير الفائقة ما يتشبه فيه بالأول من حيث هو مفيض الخيرات لا أن يكون ~~المقصود تلك الأشياء فتكون الحركة لأجل تلك الأشياء بل أن يكون المقصود هو ~~التشبه بالأول بقدر الإمكان في أن يكون على أكمل الأمور في نفسه وفيما ~~يتبعه من حيث هو تشبه بالأول لا من حيث هو يصدر عنه أمور # PageV02P203 # بعده فتكون الحركة لأجل ذلك المقصود الأول والتشبه به وتعقل ذاته في ~~كمالها الأبدي وذلك يوجب البقاء الأبدي على أكمل ما يكون لجوهر الشيء في ~~أحواله ولوازمه". # إلى أن قال: "فعلى هذا النحو يحرك المبدأ الأول جرم السماء". # قال: "وقد اتضح لك من هذه الجملة أيضا أن المعلم الأول إذا قال إن الفلك ~~متحرك بطبعه فماذا يعني أو قال إنه متحرك بالنفس فماذا يعني أو قال إنه ~~متحرك بقوة غير متناهية يحرك كما يحرك المعشوق فماذا يعني وأنه ليس في ~~أقواله تناقض ولا اختلاف". # قلت: فهذا الذي قالوه يقتضي أن الأول إنما يحرك الأفلاك الحركة الإرادية ~~الشوقية كما يحرك المعشوق لعاشقه تحريك المتشبه به لا لأنه محبوب معبود ~~لذاته ms307 ومعلوم أن هذا غايته أنه تحريك من جهة كونه محبوبا مرادا لا من جهة ~~كونه فاعلا ومبدعا وهذا كتحريك الطعام للآكل # PageV02P204 # والشراب للشارب وكتحريك حسن المرأة لزوجها حتى يجامعها وتحريك الروائح ~~الطيبة للشام حتى يشمها وتحريك كل شائق مطلوب مراد لمن طلبه وأراده واشتاق ~~إليه وكل محبوب لمن أحبه. # ومعلوم أن المطلوب المحبوب المراد ليس هو الفاعل المحدث لنفس القوة التي ~~بها يشتهي ولا لنفس الشهوة ولكن وجوده سبب في أن هذا المريد أراد ذلك وفعله ~~وهو سبب غائي لا سبب فاعلي والسبب الغائي هو سابق في التصور والقصد من غير ~~أن يكون له وجود في الخارج وفي الحقيقة فإنما يحرك المحب العاشق الطالب ما ~~في نفسه من تصور المطلوب وقصده ولهذا يكون قبل وجود المطلوب في الخارج بل ~~إذا كانت ذات المحبوب تراد لفعل يتعلق بها كأكل الطعام وشرب الشراب والمتعة ~~بالمرأة نظرا ومباشرة وجماعا ونحو ذلك فالمطلوب بهذه الأفعال هي العلة ~~الغائية فكيف إذا كان المطلوب هو التشبه بالمحبوب لا فعل يتعلق به فليس هو ~~هنا فاعلا شيئا من التصورات والإرادات الحادثة في نفس المحب ولا لشي من ~~أفعاله التي يتشبه فيها بالمحب فقد تبين أن الذي قالوه لو كان صحيحا لم يكن ~~فيه إثبات فاعل لشيء من الحوادث لا العلوية ولا السفلية بل ولا إثبات مبدع ~~لشيء من الممكنات. # وأيضا فالمعلم الأول وأتباعه لم يثبتوا أن الفلك ممكن بذاته واجب بغيره ~~ولا أنه معلول علة مبدعه وإنما جعلوا علة حركته وجود الأول # PageV02P205 # الذي يتشبه به وإنما تكلم في الوجود والواجب والممكن وما يتبع ذلك ابن ~~سينا الذي اشتق ذلك من كلام المتكلمين من المسلمين. # وحينئذ فيقال لهؤلاء: هذا الفلك الذي يتحرك هذه الحركة الشوقية إما أن ~~يكون ممكنا بذاته مفتقرا إلى مبدع يبدعه وإما أن يكون واجبا بذاته فإن كان ~~الأول لزم أن يكون مبدعه يحركه وإن من أبدع ذاته فهو على إبداع حركاته أقدر ~~وحينئذ فليس لكم أن تتكلفوا طريقا في إبداع حركاته فإن حركاته إذا ms308 كانت ~~إرادية جاز أن يكون المحرك له ملائكة يحركونه بإرادات فيهم وجاز أن تكون ~~تلك الإرادات عبادات لله لا لأجل التشبه بالله ولا طلب ما لا يدرك فإن ~~كلامهم في مقصود الفلك بحركته يشبه كلام الصبيان إذ كان مقصود الفلك أن ~~يتحرك دائما حركة ليس فيها مقصود إلا إخراج أيون وأوضاع يعلم أنه لا يمكنه ~~إخراجها بمنزلة من تدور طول الزمان حول مكان لأن الكمال أن أتحرك من الأزل ~~إلى الأبد وأنا لا يمكنني ذلك فأدور ما يمكنني من الدوران في هذا المكان ~~فهذا بفعل المجانين أشبه منه بفعل العقلاء. # PageV02P206 # وإن كان الفلك واجبا بنفسه ليس له مبدع لزم أن يكون واجب الوجود بنفسه ~~مفتقرا إلى علة تحركه لا سيما وقد قالوا إنه لا قوام له إلا بالمحرك الأول ~~وما كان كذلك كان مفتقرا إلى غيره لا واجبا بنفسه فإن الواجب بنفسه لا بد ~~أن يكون غنيا عن غيره فإذا جعلوه واجبا بنفسه مفتقرا إلى غيره فقد جمعوا ~~بين النقيضين وإذا كان مفتقرا إلى غيره لزم أن يكون مربوبا مدبرا فيلزم ~~النوع الأول. # وأيضا فإن كان واجب الوجود لزم أن يجوز على واجب الوجود الحركة باختياره ~~وإذا كان كذلك فقولوا هذا في الأول ولا حاجة إلى هذا. # وأيضا فيلزم أن يكون الواجب الوجود جسما متحيزا تقوم به الحوادث وحينئذ ~~فلا يمتنع أن يكون الأول كذلك. # وأيضا فقد قلتم: إن الثابت لا يلزم عنه أمر غير ثابت والأول ثابت وحركة ~~الفلك غير ثابتة وإرادته وتصوراته غير ثابتة فيجب أن لا تكون لازمة عن ~~الأول فلا يكون الأول علة بحال. # ومما يبين هذا أن يقال: حركة الفلك سواء كانت إرادية أو غير إرادية لا بد ~~لها من علتين علة فاعلة وعلة غائية كسائر الحركات وأنتم لم تثبتوا لها لا ~~علة فاعلة ولا علة غائية فإن ما ذكرتموه من الغاية يمتنع أن يكون مقصود ~~العاقل الذي لا يزال يدور من الأزل إلى الأبد. # وأيضا فيقال: إذا كان الحادث لا بد له من علة ms309 حادثة فأن تكون العلة مع ~~المعلول لا يجوز أن تتقدم عليه بدون المعلول ولا أن تتأخر عنه # PageV02P207 # بدون المعلول فلا توجد إلا معه وحركات الفلك حادثة لزم أن يكون لها علل ~~حادثة تكون معها حادثة والفلك وما فيه معلول لغيره فلا بد لما يحدث فيه من ~~مؤثر منفصل عنه والكلام في ذلك المؤثر كالكلام في غيره فلا بد من إثبات ~~المؤثر الواجب الوجود بنفسه ويمتنع أن يكون تأثيره موقوفا على غيره لئلا ~~يلزم الدور أو التسلسل فيجب أن يكون هو المحدث لهذا كله ويمتنع أن يكون ~~محدثا للحركة اليومية في الأزل لامتناع وجودها في الأزل فكل حركة يومية ~~فإنها لا توجد إلا مقارنة لمؤثرها التام فإذا ليس في الأزل مؤثر تام لشيء ~~من الحركات ويمتنع وجوده في الأزل معها وبدونها فيمتنع كونه أزليا على ~~التقديرين. # أما قدمه معها فلا يكون قديما مع مجموعها ولا مع حركة يومية بعينها ~~لامتناع كون هذا أزليا ولا مع حركة بعد حركة. # أما أولا فلأن المفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان ولا يعقل ذلك في ~~شاهد ولا غائب سواء قيل إنه فاعل بمشيئته أو فاعل بغير مشيئته فكيف إذا كان ~~فاعلا بمشيئته؟! # فقوله: الفاعل إن كان موجبا بذاته جاز أن يقارنه مفعوله خطأ مخالف لما ~~عليه جماهير عقلاء بني آدم من الأولين والآخرين من أهل الملل والفلاسفة ~~وإنما قال هذا شرذمة من الفلاسفة وإنما يعقل هذا في مستلزم ليس بفاعل ~~كالذات المستلزمة للصفات وأما المفعول فلا يكون مقارنا للفاعل ألبتة كما قد ~~بسط في موضع آخر. # PageV02P208 # وأما ثانيا: فلأنه إذا قدر قديما مفعولا فإن المقتضي له في الأزل لا بد ~~أن يكون مؤثرا تاما له في الأزل مستلزما له بذاته في الأزل إذ لولا ذلك لم ~~يكن أزليا لامتناع وجود قديم إلا بنفسه أو بموجب لقدمه والمقتضي لقدمه الذي ~~هو مؤثر تام فيه لا يجوز أن يفعل ما هو متحرك دائما لأن المعلول يجب أن ~~يناسب العلة فيمتنع وجود ما لم يزل متحركا عما ms310 لا حركة فيه بحال لأن نسبته ~~إلى كل جزء من الحركات واحد في جميع الأوقات فتخصيص بعض الأوقات ببعضها دون ~~بعض مع كون الموجب على حال واحدة في جميع الأوقات ممتنع وإن جوز هذا جاز أن ~~يصدر عنه الفعل بعد أن لم يكن صادرا عنه ولأن العالم يشتمل على أنواع ~~مختلفة فصدورها عن واجب بسيط ممتنع سواء قيل هي حادثة بواسطة أو بغير واسطة ~~إذ الواسطة إن كان واحدا لزم أن يصدر عنه مختلف وإن لم يكن واحدا فقد صدر ~~عن البسيط ما هو مختلف. # وقول القائل: إنه أبدع الثاني بتوسط الأول لا يدفع هذا فإنه إذا قيل صدرا ~~عنه معا لزم صدور المختلف المتعدد وإن كان أحدهما شرطا في الآخر وإن قيل بل ~~أحدهما صدر عن الآخر لزم صدور المختلف عن البسيط ضرورة. # وأيضا فالفلك الثاني مكوكب كثير الكواكب ففيه أمور كثيرة مختلفة وليس ~~فوقه إلا ما هو بسيط عندهم يمتنع أن تصدر عنه المختلفات فكيفما قدروا ظهر ~~ضلالهم. # وإن قالوا: فالرب تقوم به الحوادث كما يقوله كثير من أساطينهم # PageV02P209 # قيل: فعلى هذا يكون القول بقدم العالم أبعد فإنه يمكن حدوثه على هذا ~~التقدير. # وأيضا فالذات هنا إنما تفعل بواسطة لا بقدرتها والفعل لا يكون إلا حادثا ~~فيمتنع أن يكون مفعوله قديما فإن المفعول لا يتعدد فعله فلو كان المفعول ~~قديما لزم أن يكون قبل فعله وهو ممتنع. # فإن قيل: فعلى هذا القول تكون الذات مستلزمة لما يقوم بها شيئا بعد شيء ~~فكذلك القول في حوادث الفلك. # قيل: الفرق بينهما أن الذات واجبة الوجود بنفسها ما هي عليه من الصفات ~~والأحوال لا يقف شيء من ذلك عليه فإذا قيل إنها مقتضية للثاني بشرط انقضاء ~~الأول لم يمتنع بخلاف المعلول الممكن الذي ليس له من نفسه شيء فإنه مفتقر ~~في نفسه وصفاته وأحواله إلى غيره وغيره هو الخالق لذلك كله فإذا قدر الخالق ~~واحدا بسيطا لا تقوم به صفة ولا فعل امتنع أن تكون ذاته علة للأمور ~~المتغيرة المتكثرة أعظم ms311 مما يمتنع أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا إذ العلة إن ~~لم يكن فيها تغير ولا تكثر امتنع وجود ذلك في المعلول كما أنها إذا كان ~~فيها تغير وتكثر امتنع أن يكون المعلول واحدا بسيطا لما بين المعلول والعلة ~~من المناسبة. # ولهذا قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهو صحيح ولكن تقديرهم الأول ~~بسيط لا يصدر عنه فعل تقدير باطل وكذلك # PageV02P210 # تقديرهم أنه صدر عنه واحد بسيط تقدير باطل فلهذا كثر التناقض والخطأ في ~~أقوالهم وكثر رد الناس عليهم وتجهيلهم لهم في الإلهيات ومتى سلموا ما سلمه ~~الأساطين الأول بحدوث الصفات والأفعال فإن امتناع مقارنة شيء من المفعولات ~~له أزلا وأبدا أظهر منه على التقدير الأول فيمتنع على التقديرين أن يكون ~~حين اقتضائه إياه مؤثرا في حركة بعد حركة بل لما تقدم من أن المؤثر في ~~الحركة يجب أن يقارنها لا يتقدم عليها فالمؤثر التام فيه يجب أن يقارنه ~~فيكون قديما والمؤثر التام في حركة بعد حركة حين تأثيره فيه وقبل تأثيره ~~فيه وبعد تأثيره أما قبله فممتنع فإن القديم ليس قبله شيء وأما بعده فممتنع ~~لأنه حينئذ يلزم أنه حين قدمه لم تكن فيه حركة. # والتقدير أنه مستلزم للحركة ولأنه يستلزم أن يكون المؤثر الأول صار مؤثرا ~~بعد أن لم يكن بدون سبب أوجب ذلك وهذا ممتنع لأن غيره لا يؤثر فيه وأما مع ~~تأثيره فيه فممتنع أيضا لأنه حينئذ على هذا التقدير لا يكون مؤثرا إلا في ~~حادث بعد حادث بل يكون تأثيره في كل حادث بعد تأثيره في الحادث الآخر مع ~~أنه على حال واحدة مع جميع الحوادث. # ووجود الفلك مع جميع حوادثه فممتنع لأنه قد صارت فيه الحوادث فلو حدثت ~~بعد أن لم تكن لافتقرت إلى محدث يحدثها وذلك يقتضي أن المحدث لها حدث أو ~~حدث إحداثه لها في حين إحداثها # PageV02P211 # لأن المعلول لا تتقدم عليه علته والقول في حدوث إحداث الإحداث كالقول في ~~حدوث الإحداث وهلم جرا وذلك يستلزم تسلسل علل حادثة في ms312 آن واحد ليس فيها ~~علة واجبة وذلك ممتنع فامتنع أن تكون فيه الحوادث بعد أن لم تكن وهم يسلمون ~~ذلك وامتنع أن لا تزال فيه لامتناع موجب لها فامتنع أن تكون علة موجبة لفلك ~~مع حوادثه بدون حوادثه وهو المطلوب. # وأيضا فيقال لابن سينا وأتباعه إنكم عدلتم عن طريقة سلفكم في إثبات العلة ~~الأولى عن طريقة الحركة إلى طريق الوجود وقلتم نحن نبين أن وجود الواجب ~~بنفس الوجود لا يفتقر إلى إثباته بالحركة ثم في آخر الأمر أثبتم العلة ~~الأولى بالحركة حركة الفلك كما أثبتها قدماؤكم فإن كانت هذه الطريق صحيحة ~~فلا تعاب ولا يعدل عنها وإن كانت باطلة فلا تسلك. # وإن قيل: هي صحيحة وتلك صحيحة. # قيل: لا يحصل المراد لا بهذه ولا هذه فإن هذه إنما تثبت علة غائية وليس ~~فيها إثبات مبدع للعالم وطريقة الوجود إنما فيها إثبات موجود واجب لا يتعين ~~أن يكون هو الأول الذي يحرك الفلك بل ولا فيها إثبات مغايرته للفلك بل ولا ~~إثبات لوجوده مباينا للعالم إن لم يضموا إلى ذلك طريقة نفي الصفات بنفي ما ~~سموه تركيبا وذلك باطل على ما قد بسط في موضعه وهو باطل أيضا وإن قدر نفي ~~الصفات لأن ذلك # PageV02P212 # يستلزم بسيطا لا صفة له ولا فعل وذلك يمتنع أن تصدر عنه الأمور البسيطة ا ~~4 لمتغيرة وأيضا تمتنع مقارنة المفعول للفاعل. # وإن قلتم بمجموع الأمرين يحصل المقصود. # قيل: ولا يحصل بمجموع الطريقين أيضا لأن الوجود الواجب الذي أثبتموه لا ~~حقيقة له في الخارج فضلا عن أن يكون هو الأول ولا في أدلتكم الصحيحة ما ~~يمنع أن يكون هو الأول والذي أثبته أولئك لا يقتضي أن الفلك ليس بواجب ~~الوجود بنفسه وهذا مبسوط في موضعه والمقصود هنا أنه من نفس كلامهم يتبين ~~نقيض مطلوبهم والله أعلم. # واعلم أن حقيقة قول هؤلاء القوم في أفعال السموات شر من قول القدرية في ~~أفعال الحيوانات ومن أقوال الطبائعية في الطبيعيات مع فساد قول الطائفتين ~~وذلك أن القدرية يقولون إن الله ms313 خالق الحيوان وخالق قدرته التي يقدر بها ~~على الخير والشر لكنه يرجح أحدهما باختياره الذي أنشأه من غير أن يحدث ذلك ~~أحد وهو إنما يختار هذا على هذا لحبه إياه فالأمور التي يحبها هي محركة له ~~كما جعل هؤلاء الأول محركا للفلك وهؤلاء جعلوا حركة الفلك اختيارية ~~وتصوراته التي أحدثها هو من غير أن يحدث ذلك أحد لكن لم يثبتوا أن الفلك ~~وقوته من خلق # PageV02P213 # الخالق كما نفى ذلك القدرية في الحيوان وأما الطبائعية فإنهم يثبتون في ~~الأجسام الطبيعية قوة هي مبدأ الحركة ولكن يجعلون فوقها أمرا آخر أحدثها ~~ويثبتون حدوث الأسباب مع حدوث المسببات وهؤلاء يجعلون الحركة الفلكية ~~متجددة دائما من غير حدوث أمر يقتضي حدوثها وقولهم شر من قول المجوس الذين ~~قالوا بالأصلين اللذين أحدهما يحدث الخير والآخر يحدث الشر سواء قالوا إن ~~فاعل الشر قديم أو محدث وذلك لأن المجوس جعلوا الخير الحادث من الإله ~~القديم الفاعل للخير وهؤلاء لم يثبتوا أن الله أحدث شيئا لا خيرا ولا شرا ~~فإنه لا موجب للحوادث عندهم إلا حركة الأفلاك والأفلاك تتحرك بما يحدثه من ~~التصورات والإرادات من غير أن يكون الله فاعل شيء من ذلك على قولهم. # وأيضا فالمجوس إما أن يجعلوا فاعل الشر قديما آخر فيكونوا قد أخرجوا بعض ~~الحوادث عن خلق الرب وإما أن يكونوا قد جعلوه حادثا فيكونون فيه كالقدرية ~~وقول القدرية خير من قول هؤلاء وقد علم أن كل حادث فلا بد له من محدث وأن ~~كون الحيوان صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا لا بد له من مرجح ومحدث وإلا لو ~~كان حاله وهو فاعل كحاله حين ليس بفاعل لزم الترجيح بلا مرجح فلا بد أن ~~يحدث له عند الفعل ما به يصير فاعلا وذلك الحادث إن كان منه فالقول فيه ~~كالقول في الأول وكالقول في سائر الحوادث وذلك يستلزم حدوث الحادث بلا # PageV02P214 # محدث وهو ممتنع وإن قيل بالتسلسل لزم تسلسل المؤثرات وهو ممتنع فلا بد أن ~~ننتهي إلى الخالق. # وهذا مما يسلمه ms314 الفلاسفة ويحتجون به على المعتزلة فهي حجة عليهم هنا وهو ~~أن يقال كون الفلك متحركا لا بد له من محدث لحركته ونفس التشبه به لا يوجب ~~إحداثا للحركة فيجب أن يكون هو المحدث لها ويمتنع أن يكون محدثا للشيء قبل ~~حدوثه فيجب أن يكون محدثا لكل جزء جزء من الحركة عند حدوثه والفلك مستلزم ~~للحوادث فلا بد له في كل آن من يحدث الحادث فيه ويمتنع في القدم إحداث حادث ~~فيه فيمتنع قدمه لأن القدم لا يكون فيه حادث معين ولا جملة الحوادث بل ~~القدم يتضمن أنه دائم بدوام موجبه فيلزم أن يكون موجبه موجبا لحوادثه شيئا ~~بعد شيء والموجب بذاته المستلزم لمعلوله لا يوجب شيئا بعد شيء بل يكون ~~موجبه لازما له دائما ولأن ذلك يستلزم وجود يتغير يقتضي لزوم ما يتغير بما ~~لا يتغير وكونه مفعولا له وهو ممتنع. # وأيضا فإذا كانت حركات الأفلاك اختيارية ولا موجب للحوادث إلا هي لزم أن ~~يكون المدبر للعالم أربابا متعددة كل منها حي قادر مريد وقدماؤهم يسمونها ~~الآلهة والأرباب وهذا ممتنع لأن الاثنين إذا اشترطا فإما أن يجب اتفاقهما ~~أو يجوز اختلافهما فإن وجب اتفاقهما بحيث لا يجوز أن يريد أحدهما إلا ما ~~يريد الآخر ولا يقدر أن يريد ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله فقدرتهما إما ~~أن تكون من غيرهما وإما أن تكون منهما # PageV02P215 # فإن كانت منهما لزم أن لا يكون كل واحد منهما قادرا إلا بإقدار الآخر له ~~وذلك دور ممتنع فلا يكون واحد منهما قادرا وإن كانت قدرتهما من غيرهما فهما ~~لا يقدران على الإرادة والفعل إلا بإقدار من فوقهما لهما وذلك يستلزم أن ~~يكون فوق الأفلاك من يجعلها قادرة فاعلة وذلك هو ربها فثبت بذلك كون ~~الأفلاك مربوبة وحينئذ يمتنع قدمها كما تقدم. # وإن جاز اختلافهما لزم تمانعهما والتمانع يقتضي عجز كل من المتمانعين وأن ~~فعله مشروط بتمكين الآخر له وحينئذ فالعاجز لا يحدث الحوادث بل فوقه قادر ~~يدبره فيلزم أن لا يحدث في العالم حادث عنهما ms315 فثبت على كل تقدير أن الأفلاك ~~ليست هي نفسها محدثة للحوادث فبطل قول من يجعلها هي المحدثة لحوادث العالم ~~ويجعلها أربابا آلهة. # وأيضا فكل من المخلوقات له وحدة تخصه كالإنسان الواحد والفرس الواحد ~~والشجرة الواحدة ولا يجوز أن يكون المحدث له اثنين فصاعدا لا على سبيل ~~الاستقلال ولا على سبيل التعاون. # أما الأول فمتناقض ممتنع من نفسه فإن استقلال أحدهما يناقض مشاركة الآخر ~~فضلا عن استقلاله. # وأما الثاني فلأن المتشاركين في عمل الأبدان يتميز كل واحد منهما عن عمل ~~الآخر فأما الواحد فيمتنع أن يكون بين اثنين ألا ترى أن البنائين والخياطين ~~والحايكين والكاتبين والحارثين وحاملي الخشبة وكل متشاركين لا بد أن يتميز ~~فعل كل واحد منهما عن فعل الآخر كما قال تعالى: {إذا لذهب كل إله بما خلق} ~~(سورة المؤمنون 91) . # PageV02P216 # وإذا كان الواحد لا يتميز فيه فعل واحد عن فعل آخر امتنع أن يكون مشتركا ~~بين اثنين بل كان خالقه واحدا فمن لم يجعل حدوثه إلا للأفلاك والكواكب ~~المتحركة ونحو ذلك كان قوله باطلا. # وأيضا فقولهم إن العقل الفعال أفاض صور العالم إذا استعدت. # يقال لهم: هذا الذي فاض عنها جوهر او عرض فإن كان عرضا كفيضان الشعاع عن ~~الشمس والضوء عن السراج ونحو ذلك فالمحدثات الحيوان والنبات والمعدن وروح ~~الإنسان جواهر لا أعراض وإن كان الفائض جوهرا قائما بنفسه فهذا إنما يعرف ~~إذا انفصل من الأول شيء كالماء الفائض ونحو ذلك ولكن قد يكون سببا لحدوث ~~شيء آخر. # ومعلوم أن الأجسام تختلط ويمتزج بعضها ويستحيل من حال إلى حال وتلك ~~الحركة عندهم من تحريك الفلك وحدوث الامتزاج الحاصل بالاستحالة تابع لحركة ~~الأجسام لا يتميز أحدهما عن الآخر فلا يكون فاعل هذا غير فاعل هذا حتى يقال ~~التحريك بالأفلاك والامتزاج من العقل الفعال بل فاعل التحريك والخلط هو ~~فاعل المزج والاختلاط وهذا مستلزم لهذا وفعل الملزوم بدون اللازم محال. # وهؤلاء يقولون: الأفلاك إذا تحركت تحركت العناصر فامتزجت فتستعد لقبول ~~الصور التي تفيض عليها من العقل الفعال وهذا كلام لا ms316 حقيقة له وذلك أنه إذا ~~نزل الماء على التراب فصار طينا فالذي خلط هذا بهذا هو الذي جعل ذلك طينا ~~ولا يجوز أن يكون هذا غير هذا لأنهما لا يختلطان إلا ويصيرا طينا وفعل ~~الملزوم بدون اللازم ممتنع # PageV02P217 # فلو قيل إن فاعل الاختلاط غير جاعلهما طينا لقيل إن فاعلا فعل الملزوم ~~بدون لازمه الذي لا يمكن وجوده بدونه وذلك ممتنع. # ويوضح ذلك أنا إذا قدرنا فاعلين ليس أحدهما ملازما للآخر أمكن وجود هذا ~~أو فعله بدون هذا وفعله فيلزم وجود الاختلاط بدون الطين أو الطين بدون ~~الاختلاط وذلك ممتنع وإن جعلا متلازمين امتنع كون كل منهما واجب الوجود ~~بنفسه واستغناؤه عن غيره ولزم افتقار كل منهما إلى غيره وأن لا يوجد إلا ~~بوجود ذلك الغير وحينئذ فيجب أن يكون لهما فاعل مباين لهما وإلا لزم الدور ~~الممتنع وهو الدور في المؤثرات وهو الدور القبلي لأنه يلزم كون هذا مؤثرا ~~في وجود هذا فلا يوجد إلا به وهذا مؤثر في وجود هذا فلا يوجد إلا به. # وأما الدور المعي الاقتراني فذاك إنما يكون في الآثار كالأبوة مع البنوة ~~وكلاهما أمر الإيلاد وأما المؤثرات وشروط التأثير فيمتنع أن يكون الشيئان ~~كل منهما مؤثرا في الآخر أو شرطا في تأثير الآخر فإذا كان شيئان واجبان ~~بأنفسهما كل منهما له تأثير في وجود الآخر بحيث يكون شرطا في وجوده لزم أن ~~لا يوجد واحد منهما حتى يوجد شرط وجوده والتقدير أنه ليس هناك غيرهما ليكون ~~هو الموجد لشرط الوجود بل هذا هو شرط وجود هذا وهذا شرط وجود هذا فلا يوجد ~~واحد منهما وهذا مما يبين أن ليس في العالم ما هو واجب الوجود بنفسه بل ~~الواجب هو واحد مباين للعالم. # يوضح هذا أن وجود كل منهما مفتقر إلى إيجاد الآخر فإن هذا من باب الدور ~~القبلي لأن الموجد قبل الإيجاد لم يكن من باب الدور المعي والدور المعي لا ~~يكون إلا في مفعولين أو في الأمور المتلازمة التي لا تفتقر إلى فاعل لصفات ms317 ~~الباري تعالى. # PageV02P218 # وأيضا فإن قوله بنفي الصفات في غاية الفساد واعتبر ذلك بقول فاضلهم ابن ~~سينا فإن ما في كلامه من المستقيم أخذه من المسلمين وما فيه من ضلال فمن ~~أصحابه أو منه وربما قرنه بما يأخذه من كلام المعتزلة وقولهم أيضا بنفي ~~الصفات باطل فإنه أثبت علمه للأشياء بأنه مبدأ فيعقل نفسه ولوازم نفسه إذ ~~العلم بالملزوم يستلزم العلم باللازم. # وهذه الطريقة إذا بينت على وجهها فهي مأخوذة من قوله تعالى: {ألا يعلم من ~~خلق وهو اللطيف الخبير} (سورة الملك 14) ليس من كلام أئمته ولا عند أرسطو ~~من ذلك خبر بل أرسطو نفي علمه بالأشياء مطلقا وأما كلامه في نفي الصفات ~~فإنه قال في النجاة: "فصل في تحقيق وحدانية الأول بأن علمه لا يخالف قدرته ~~وإرادته وحياته في المفهوم بل ذلك كله واحد لا يتجزأ لأجل هذه الصفات ذات ~~الواحد المحقق فالأول يعقل ذاته ونظام الخير الموجود في الكل أنه كيف يكون ~~بذلك النظام لا يعقله وهو مستفيض كائن موجود وكل معلوم الكون وجهة الكون عن ~~مبدئه عنده مبدؤه وهو خير غير مناف وهو تابع الخيرية ذات المبدأ وكمالها ~~المعشوقين لذاتهما فذلك الشيء مراد لكن ليس مراد الأول على نحو مرادنا حتى ~~يكون له فيما يكون # PageV02P219 # عنه غرض بل هو لذاته مريد هذا النحو من الإرادة العقلية المختصة وحياته ~~هذا بعينه فإن الحياة التي عندنا تكمل بإدراك فعل هذا التحريك ينبعثان عن ~~قوتين مختلفتين وقد قدم أن نفس مدركه وهو ما يعقله عن الكل هو سبب الكل وهو ~~بعينه مبدأ فعله وذلك إيجاد الكل فمعنى الحياة منه وأخذه منه هو إدراك ~~وسبيل إلى الإيجاد فالحياة منه ليس مما يفتقر إلى قوتين مختلفتين ولا ~~الحياة منه غير العلم". # قال: "وكذلك القدرة التي له هي كون ذاته عاقلة للكل عقلا هو مبدأ للكل لا ~~مأخوذا عن الكل". # فيقال: هذا الكلام من أفسد ما يعقل العقلاء بطلانه وإن كان هذا التلخيص ~~الذي لخصه ابن سينا لم يصل إليه أحد من سلفه الفلاسفة ms318 بل هم أجهل من أن ~~يصلوا إلى هذا. # وذلك أن يقال: أولا ذاته هي نفس أن يعقل النظام أم لا؟ فإن قيل: هو هي ~~لزم أن تكون ذاته هي نفس العلم الذي هو مصدر وصفة ومعنى قائم بغيره والعلم ~~مع العالم هو صفة مع الموصوف كالعرض مع الجوهر ومن # PageV02P220 # المعلوم أن ذاته قائمة بنفسها وإثبات عقل لها ليس هو إياها. # وأيضا فذاته هي نظام الخير أم لا والأول ممتنع لأن ذاته ليست هي النظام ~~الموجود في الممكنات ولأنه قد فرق بين ذاته وبين النظام فهذا معلوم وذاته ~~عالمة فقد ثبت بهذا أن العالم ليس هو العلم ولا المعلوم وهذا يبطل قولهم. # وأيضا فهذا النظام الموجود في الكل هو واجب بنفسه أو ممكن؟ فالأول يوجب ~~أن يكون الممكن هو الواجب والمبدع هو المبدع وأما الثاني فإذا كان النظام ~~ممكنا فالموجب له ذاته أم علمه به أم مجموعهما؟ فإن كان الأول فلا حاجة إلى ~~علمه بالنظام فتبقى ذات مجردة عن العلم وإن كان الثاني فذاته موجبة للعلم ~~والعلم موجب للنظام فهذا ذات وعلم وهذا ينقض قوله وكذلك إذا قال المجموع. # وأيضا فنفس العلم بنفس النظام من أين صار وحده مقتضيا للنظام ومجرد العلم ~~لا يوجب المعلوم في صورة من الصور لا في العلم النظري ولا العملي أما ~~النظري فظاهر وأما العملي فالعلم شرط في العمل لا أنه موجب للعمل بنفسه ~~وإلا لكان كل من تصور شيئا مما يراد يصير موجودا بنفس تصوره. # وإذا قيل: إن العلم ينقسم إلى فعل وانفعال فالعلم الفعلي غايته أن يكون ~~شرطا في الفعل لا أنه موجب للفعل فكون العلم وحده هو الموجب للنظام قضية لم ~~يذكر عليها دليلا بل ادعاها دعوى مجردة وإذا تصورت علم أنها فاسدة ~~بالضرورة. # PageV02P221 # وأيضا فعلمه بالنظام الذي أبدعه تابع للنظام إذ لو فرض أن المبدع غير ذلك ~~النظام كان العلم أيضا متعلقا به فيجب أن يكون سبب إبداع النظام غير العلم. # وأيضا فالعلم من شأنه أن يطابق المعلوم أي معلوم كان فلا ms319 فرق بالنسبة إلى ~~العلم بين نظام ونظام إن لم يكن هناك سبب يقتضي تخصيص ذلك النظام دون غيره. # وأيضا فيقال: كون ذلك النظام هو النظام الأصلح أمر وجب له بنفسه أم ~~استفاده من مبدعه؟ والأول ممتنع فتعين الثاني وإذا كان إنما استفاده من ~~مبدعه فالموجب له ذات المبدع لا علمه بما في النظام من المصلحة إذ علمه بأن ~~هذا نظام الخير لا يكون علما حتى يكون المعلوم نظام الخير فلا يكون العلم ~~هو الذي جعله نظام الخير وهو في نفسه لم يكن نظام الخير بذاته لأنه يلزم أن ~~يكون واجب الوجود فيلزم أن يكون إنما صار نظام الخير بمبدعه لا بذاته ولا ~~بمجرد العلم وحينئذ فإذا لم يمكن صار نظام الخير بالعلم امتنع أن يصير ~~موجودا بالعلم بطريق الأولى. # وأيضا فإذا قدر الذات عالمة بنظام الخير وهي لا تريده امتنع أن تفعله ~~وإذا قدر أنها إرادته ولم تقدر عليه امتنع أن تفعله ومجرد العلم لا يجعل ~~العالم قادرا ولا مريدا فتعين أنه لا بد من القدرة ومن الإرادة وليس واحدة ~~منهما هي العلم. # وأيضا فافتقار الفعل إلى كون الفاعل قادرا أعظم من افتقاره إلى # PageV02P222 # كونه عالما ولهذا يثبتون الأفعال الطبيعية بقوى في الأجسام من غير علم ~~فلو قالوا إنه يفعل بقدرة تغني عن العلم لكان خيرا من قولهم يفعل بعلم يغني ~~عن القدرة مع أن كلاهما باطل وهذا المكان يضيق عن استيفاء بيان فساد كلامهم ~~فإنه كلما ازداد اللبيب له تصورا وتفهما ازداد علما بفساده وتناقضه وبأن ~~القوم من أجهل الناس بالله تعالى. # ولهذا أطبق العقلاء على اضطرابهم في العلم الإلهي حتى ابن سبعين وأمثاله ~~يصرحون بذلك فهذا حال هؤلاء الفلاسفة وصار الذين عارضوهم بالكلام المبتدع ~~المخالف للكتاب والسنة الذين يقولون بأن الرب كان معطلا عن الفعل والكلام ~~أو عن الكلام ثم أحدث الكلام عمدتهم في السمع قوله كان الله ولا شيء 4 معه ~~ليس معهم آية ولا حديث. # ثم إن هذا الحديث يحتج به نفاة الصفات على أن القرآن ms320 مخلوق وأن الله لا ~~علم له ولا قدرة لقوله كان الله ولا شيء معه ثم زاد فيه كثير من المتأخرين ~~وهو الآن على ما عليه كان ومنهم من يظن أن هذا من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع أن هذا لم يروه أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ~~ولا ضعيف ويحتج طائفة بهذا على أن الله تعالى لم يستو على العرش وأنه ليس ~~فوق العالم بقولهم وهو الآن على ما عليه كان مع أن الناس متفقون على تجرد ~~النسب والإضافات وأنه تعالى بعد أن خلق السموات والأرض تجدد له نسب وإضافات ~~كالمعية والعلو وغير ذلك. # PageV02P223 # وجاءت الاتحادية القائلون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق يقولون وهو ~~الآن على ما عليه كان ليس معه غيره، فهذه الموجودات ليست أغيارا له ولا ~~تعدد في الوجود ولا ثنوية ويلقنون شيوخهم العباد المشهورين أن يقولوا ~~الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله ويقولون نطق الكتاب ~~والسنة بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية فيه ونحو ذلك من المقالات التي ~~هي أعظم الكفر والإلحاد وهي عند ذاك الشيخ المعظم تحقيق التوحيد ويكتب ~~مضمونه في ورقة ويبعثها إلى المشهورين بالعلم والذين يرقون بها المرضى. # وقد تقدم أن هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه في غير موضع فرواه في أول ~~الكتاب في كتاب العلم ولفظه: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على ~~الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض" ولفظه في موضع آخر "ولم ~~يكن شيء غيره" وفي موضع ثالث "ولم يكن شيء معه" والحديث واحد وذكر في مجلس ~~واحد فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إلا أحد الألفاظ الثلاثة ~~والآخران رويا بالمعنى واللفظ الثابت عنه بلا ريب هو الذي جاء في حديث آخر ~~"ولا شيء قبله" وإذا قيل ولا شيء معه ولا غيره مع كونه أخبر عن حال كون ~~عرشه على الماء فمراده أنه لا شيء معه من هذا الأمر المسئول عنه ms321 وهم سألوه ~~عن أول الأمر وسياق الحديث يدل على أنه # PageV02P224 # أخبرهم بأول هذا العالم الذي خلق في ستة أيام لم يخبرهم بما قبل ذلك كما ~~أن الله في القرآن إنما أخبر بذلك فالذي جاءت به السنة مطابق لما في القرآن ~~في المستقبل أخبر تعالى بالقيامة والحسنات والجنة والنار ولم يخبر بأن ~~العالم يعدم ويفنى بحيث لا يبقى شيء بل أخبر باستحالة العالم. # قال تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد ~~القهار} (سورة إبراهيم 48) وقال تعالى: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة ~~كالدهان} (سورة الرحمن 37) وقال تعالى: {يوم تكون السماء كالمهل وتكون ~~الجبال كالعهن} (سورة المعارج 8: 9) وقال تعالى: {إذا رجت الأرض رجا وبست ~~الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة} (سورة الواقعة 4-7) وقال ~~تعالى: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش} ~~(سورة القارعة 4 5) وقال تعالى: {ذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا ~~الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت} (سورة ~~التكوير 1 6) وقال تعالى: {إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا ~~البحار فجرت وإذا القبور بعثرت} (سورة الانفطار 1 4) وقال: {إذا السماء ~~انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت} (سورة ~~الانشقاق 1 4) وأمثال هذه النصوص التي تبين الاستحالة والتغير على السموات ~~والأرض والجبال وأنها تستحيل أنواعا من الاستحالة لتعدد الأوقات. # PageV02P225 # وكذلك أخبر بإحياء الموتى وقيامهم من قبورهم في غير موضع وقرر سبحانه ~~معاد الأبدان بأنواع من التقرير فتارة يخبر بوقوع إحياء الموتى كما أخبر ~~بذلك في سورة البقرة في عدة مواضع في قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك ~~حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} (سورة البقرة 55) إلى ~~قوله: {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} (سورة البقرة 55-56) وقوله: ~~{فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} ~~(سورة البقرة 73) وقوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر ~~الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} (سورة البقرة ms322 243) وقوله: {أو كالذي ~~مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته ~~الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت ~~مائة عام} (سورة البقرة 259) وقوله: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي ~~الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير} ~~الآية (سورة البقرة 260) وذكر إحياء المسيح الموتى وذكر قصة أصحاب الكهف ~~ونومهم ثلثمائة سنة وتسع سنين والنوم أخو الموت فهذه سبع مواضع. # ومنها إحياء الحيوان البهيم وإبقاء الطعام والشراب مائة سنة لم يتغير ~~وذكر سبحانه إمكان ذلك بخلق الحيوان وهو الخلق الأول وبخلق النبات وهو ~~نظيره وبخلق السموات والأرض وأن القادر على خلق السموات والأرض قادر على أن ~~يخلق مثلهم فالأول بيان للوقوع وهذا بيان للإمكان. # PageV02P226 # وهؤلاء المتفلسفة المنكرون لمعاد الأبدان ولحدوث الأفلاك عامتهم يقولون ~~إن المعجزات والكرامات قوى نفسانية إما قوة الإدراك والعلم وإما قوة الحركة ~~والعمل فالإدراك هو قوة النفس التي ينال بها العلم فيجعلون ما أخبرت به ~~الرسل وأمرت به كله استفادوه بهذه القوة من غير أن يكون هناك ملائكة هم ~~أحياء ناطقون نزلوا عليهم بوحي ومن غير أن يكون لله كلام تكلم به خارجا عن ~~أنفسهم ومن غير أن يكون هناك رب خلق العالم بقدرته ومشيئته يقدر على تغيير ~~العلويات وتبديل الأرض والسموات. # وكل من فهم حقيقة قولهم وحقيقة ما جاءت به الرسل علم مناقضتهم لهم كما ~~قيل لبعض شيوخنا الفضلاء الذين كانوا يعرفون ذلك ما بين الفلاسفة والأنبياء ~~فقال السيف الأحمر. # بل حقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون لا بالله ولا كتبه ولا ملائكته ولا رسله ~~ولا بالبعث بعد الموت فهم أسوأ حالا من اليهود والنصارى. # والمقصود هنا أن ابن سينا وهؤلاء بنوا أصل دينهم على أن الوجود لا بد له ~~من واجب وأن الواجب يشترط أن يكون واحدا ويعنون بالواحد ما لا صفة له ولا ~~قدر ولا يقوم به فعل لئلا يثبتوا له صفة ms323 كالعلم والقدرة فيكون في الوجود ~~واجبان وهذا ضاهوا به المعتزلة حيث قالوا أخص صفات الرب أن يكون قديما فلا ~~تكون له صفة قديمة لئلا يكون في الوجود قديمان وهي عبارة موهمة فيظن الظان ~~أن أهل الإثبات للأسماء والصفات أثبتوا إلهين قديمين وهم إنما أثبتوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو وهو # PageV02P227 # موصوف بصفاته التي يستحقها وهو سبحانه قديم بصفاته القديمة والصفة ~~القديمة لا يجب أن تكون مثل الموصوف القديم ولا تكون إلها كما أن صفة ~~الإنسان المحدث لا يجب أن تكون مثل الموصوف المحدث ولا تكون إنسانا وكذلك ~~صفة النبي لا يجب أن تكون نبيا. # وكذلك إذا قيل من أثبت الصفات فقد أثبت واجبين وتعدد الواجب ممتنع كان ~~موهما أن المثبتن أثبتوا إلهين واجبين بذاتهما وإنما أثبتوا إلها واحدا ~~واجبا بنفسه له صفات لازمة له واجبة بوجوبه لا يقبل العدم والتعدد الممتنع ~~في الواجب إنما هو تعدد الإله كما أن التعدد الممتنع في القديم إنما هو ~~تعدد الإله القائم بنفسه لأن ذلك هو تعدده. # والمسلمون يقولون كما قال الله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم} (سورة البقرة 163) والتوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به ~~الكتب هو توحيد الإلهية وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له وهو متضمن ~~لشيئين: أحدهما القول العلمي: وهو إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن النقائص ~~وتنزيهه عن أن يماثله احد في شيء من صفاته فلا يوصف بنقص بحال ولا يماثله ~~أحد في شيء من الكمال كما قال تعالى: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ~~ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} (سورة الإخلاص) فالصمدية تثبت له الكمال ~~والأحدية تنفي مماثلة شيء له في ذلك كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع. # والتوحيد العملي الإرادي: أن لا يعبد إلا إياه فلا يدعو إلا إياه # PageV02P228 # ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف إلا إياه ولا يرجو إلا إياه ويكون الدين كله ~~لله قال تعالى: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما ms324 تعبدون ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين} ~~(سورة الكافرون) . # وهذا التوحيد يتضمن أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا شريك له في الملك ~~فجاءت الجهمية ومن شاركهم في النفي فأدخلوا في التوحيد نفي الصفات وهو في ~~الحقيقة تعطيل مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول وأخذ ذلك هؤلاء الملاحدة ~~فزادوا في النفي. # وكانت الجهمية تقول الواحد هو الذي لا ينقسم وهذا لفظ مجمل فإن الله ~~تعالى منزه عن قبول التفريق والتبعيض ولكن مقصودهم بذلك نفى الصفات كما ~~يقولون الواحد الذي لا تركيب فيه ومعلوم أن التركيب الذي هو التركيب ~~المعقول منتفي عن الله فإن التركيب المعقول هو أن يكون اثنان مفترقين ~~فيركبهما غيرهما ثم إن تركبا بأنفسهما كان تركبا لا تركيبا لكن هو أعظم ~~امتناعا في حق الله وكل ما يعقل الناس أنه مركب فهو هذا وهو يمتنع في حق ~~الباري بضرورة العقل واتفاق العقلاء. # وما يقولونه من تركيب الجسم من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة فهو ~~منتف عند جمهور العقلاء في الأجسام المخلوقة فكيف لا يكون منتفيا عن الباري ~~تعالى وما يقولونه من تركيب الأعيان من وجود وماهية هو أيضا منتف عند جمهور ~~العقلاء عن المخلوقات فانتفاؤه عن الخالق أولى. # PageV02P229 # وما يقولونه أيضا من تركيب الأنواع من الصفات الذاتية الداخلة فهي في ~~ماهيتها المقومة لها المشتركة المميزة هو منتف أيضا عند جمهور العقلاء عن ~~المخلوقات فكيف يكون الخالق؟! # وأما اتصاف الرب تعالى بصفات كماله فهذا ليس تركيبا في المخلوقات والواحد ~~منها إذا قيل إنه موجود حي عليم قدير لم يكن في هذا تركيب يعقل أنه تركيب ~~كما يعقل تركيب الكل من أجزائه وإذا سموا هذا تركيبا اصطلاحا لهم أو توهموه ~~تركيبا ظنا منهم لم يكن لفظهم ووهمهم موجبا لأن ينفي عن الرب ما يستحقه من ~~صفات كماله ويوجب أن يثبت وجودا مطلقا لا حقيقة له إلا في الأذهان وأي ~~موجود قدر في الأذهان كان أكمل منه ms325 تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # والمقصود هنا أن هؤلاء القائلين بقدم العالم وإن أقروا بمبدع العالم ~~فقولهم بالحجة التي يثبتون عليها إثبات مبدع العالم حجة ضعيفة بل قولهم ~~مستلزم لنفي الصانع وهذا كان المشهور عند أكثر أهل الكلام عن القائلين بقدم ~~العالم أنهم ينكرون الصانع وأكثر كتب المتكلمين ليس فيها نقل عن القائلين ~~بقدم العالم إلا إنكار الصانع ولكن الذين نقلوا كلام ابن سينا وأمثاله هم ~~الذين صاروا يحكون عنهم قولين أحدهما إنكار الصانع والآخر القول بوجوب ~~العالم عن علة موجبة له ولبسوا بهذا على بعض الناس لكن القول بنفي الصانع ~~أعظم فسادا في العقول والأديان من قولهم. # PageV02P230 # وقد بسطنا الكلام على طرق الناس في إثبات الصانع في غير هذا الموضع وبينا ~~كثرة الطرق في ذلك وأن القرآن جاء بأكمل الطرق في ذلك وتكلمنا على قول من ~~قال إن الإقرار بالصانع فطري ضروري ومن قال إنه نظري استدلالي ومن قال إنه ~~تارة يكون فطريا ضروريا وتارة يكون نظريا استدلاليا وذكرنا ما يذكر في ذلك ~~من المقدمات التي لا يحتاج إليها في أصل الاستدلال وإنما يحتاج إليها من ~~عرضت له الشبهة التي يحتاج إلى إزالتها فتكون الحاجة إلى تلك المقدمة عارضة ~~بحسب حال بعض الناس ليست لازمة لكل من عرف الصانع أو استدل على وجوده فهي ~~من عوارض طريق المعرفة لا من لوازم طريق المعرفة. # وهذا مثل إبطال الدور والتسلسل وغير ذلك فإن الناس في هذا الباب تنوعت ~~مسالكهم فمن الناس من سلك في العلم بإثبات الصانع طريقة يزعم أنه لا يمكن ~~معرفته إلا بها كما يفعل ذلك كثير من أهل النظر والكلام ثم تلك الطريقة قد ~~تكون صحيحة مع طولها واختصارها أو قد تكون باطلة وآخرون يقولون كل ما ذكره ~~الناس من الطرق النظرية والمسالك الاستدلالية في هذا الباب فهو بدعة وضلال ~~لا يحتاج إليه ولا ينتفع به. # وتحقيق الأمر أن الأدلة المذكورة نوعان حق وباطل والحق نوعان أحدهما فيه ~~تطويل لا يحتاج إليه كل أحد والباطل مذموم مطلقا. ms326 # والتطويل الذي يذكر على سبيل الحاجة إليه مع أنه يمكن الاستغناء عنه ~~مذموم أيضا. # PageV02P231 # وأما التطويل الذي قد ينتفع به بعض الناس أو يحتاج إليه بعضهم فإذا ذكر ~~على هذا الوجه فهو حسن وإن كان يستغني عنه بعض الناس. # والنوع الثاني من الأدلة ما هو صحيح مذكور على أقرب الطرق فهذا حق لا عيب ~~فيه وليس هذا موضع تفصيل الكلام في هذا فإن هذا أعظم من أن يكون تبعا ~~لغيره. # والمقصود هنا التنبيه على أن هؤلاء القائلين بأن العالم معلول لعلة مبدعة ~~وأن معجزات الأنبياء قوى نفسانية هم شر من أكثر المشركين وعباد الأصنام ~~ومما يبين ذلك أن هؤلاء لا يقولون إن العبادات التي شرعتها الرسل إنما ~~غايتها إصلاح خلق الإنسان فإن حكمتهم كحكمة سائر الناس نوعان علمية وعملية ~~والعملية هي إصلاح سياسة الخلق والمنزل والمدينة ويزعمون أن الشرائع ~~مقصودها هو هذا وهو السياسة المدنية والمنزلية والخلقية. # وقد تقدم أنا لا ننكر ما في قولهم من الحق بل ننكر عليهم ما في قولهم من ~~الباطل وننكر عليهم زعمهم أن لا حق فيما جاءت به الرسل إلا ما ذكروه فننكر ~~تصديقهم بكثير من الباطل وتكذيبهم بكثير من الحق ولا ريب أن فيما جاءت به ~~الرسل إصلاح أخلاق الناس وإصلاح منازلهم في عشرة الأهل والأزواج وغير ذلك ~~وإصلاح المدائن بالسياسة العادلة الشرعية لكن هذا كله جزء من مقاصد الرسل ~~وهؤلاء الفلاسفة إنما قالوا هذا لأن الله عندهم لا يجيب دعاء داع ولا يحدث ~~ثوابا لعابد مطيع وليس للنفوس بعد المفارقة عندهم ثواب منفصل عنها # PageV02P232 # ولا عقاب منفصل عنها ولا يقوم الناس من قبورهم عندهم بل الدعاء عندهم هو ~~تصرف النفس في هيولي العالم والعمل الصالح ثوابه عندهم ما يحصل للنفوس من ~~الهيئة الصالحة والنعيم بعد الفراق عندهم هو نفس تنعمها بما يحصل لها من ~~العلم مع أن في أقوالهم أنواعا من الفساد فإن كمال الإنسان عندهم أن يصير ~~عالما معقولا موازيا للعالم الموجود يتمثل فيه صورة الوجود على ما هو عليه. # ثم ms327 إنهم يجعلون ذلك هو العلم بالوجود المطلق والمطلق إنما هو في الأذهان ~~لا في الأعيان ويقولون الفلسفة الأولى هي العلم بالوجود ولواحقه فيقسمون ~~الوجود إلى واجب وممكن وجوهر وعرض والجوهر خمسة أنواع والعرض تسعة أنواع ~~ونحو ذلك وهذا كله علم بأمور كلية مطلقة لا وجود لها إلا في الذهن فليس هو ~~علما بنفس أعيان الحقائق الموجودة في الخارج وليس في شيء من هذا علم بالله ~~ولا ملائكته ولا بأنبيائه بل ولا بسمواته وأرضه فإن العلم بهذه عندهم من ~~العلم الطبيعي لا من علم ما بعد الطبيعة. # فهم ضلوا من وجوه منها ظنهم أن النفس كمالها في مجرد العلم وأن العبادات ~~الشرعية مقصودها تهذيب الأخلاق ورياضة النفس حتى تستعد للعلم فإن هذا باطل ~~قطعا وذلك أن النفس لها قوتان قوة علمية وقوة عملية قوة الشعور والعلم ~~والإحسان وقوة الحب والإرادة والطلب والعمل فالنفس ليس كمالها في أن تعلم ~~ربها فقط بل في أن # PageV02P233 # تعرفه وتحبه وإلا فإذا قدر أن النفس تعرف الواجب وهي تبغضه وتنفر عنه ~~وتذمه كانت شقية معذبة بل هذا الضرب من أعظم الناس شقاء وعذابا وهي حال ~~إبليس وفرعون وكثير من الكفار فإنهم عرفوا الحق ولم يحبوه ولم يتبعوه ~~وكانوا أشد الناس عذابا. # بل حب الله تعالى هو الكمال المطلوب من معرفته وهو من تمام عبادته فإن ~~العبادة متضمنة لكمال الحب مع كمال الذل وهذا حقيقة دين إبراهيم الخليل ~~عليه السلام إمام الحنفاء الذي قال الله تعالى فيه: {إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} (سورة النحل 120) والأمة هو الذي يؤتم ~~به كما أن القدوة هو الذي يقتدى به كما قال في الآية الأخرى: {وإذ ابتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما} (سورة البقرة 124) ~~وإبراهيم الخليل هو الذي عادى هؤلاء كالنمرود وغيره. # فنفس عبادة الله وحده ومحبته وتعظيمه هو من أعظم كمال النفس وسعادتها لا ~~أن سعادتها في مجرد العلم الخالي عن حب وعبادة وتأله وقول هؤلاء من جنس قول ~~جهم ms328 وأتباعه الذين يجعلون الإيمان مجرد علم النفس أو تصديقها ولا يجعلون ~~حبها وغير ذلك من أعمالها من الإيمان وقد بينا فساد قول هؤلاء في غير موضع. # وهؤلاء المتفلسفة جمعوا الشر كله فقول جهم بن صفوان الذي عظم السلف ~~الإنكار عليه جزء من قولهم بل المشركون الذين جعلوا مع الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله خير من هؤلاء الفلاسفة فإن أولئك أثبتوا محبة الله فجعلوها من ~~كمال الإنسان لكن ضلوا حيث أحبوا مع الله غيره # PageV02P234 # فكانوا مشركين وهؤلاء معطلون لم يثبتوا محبة له لا خالصة له ولا مشتركة ~~مع غيره ولهذا لا يعبدونه بقلوبهم إذ العبادات عندهم إنما مقصودها إعداد ~~النفس لمجرد العلم الذي يزعمون أنه الغاية عندهم. # وكذلك الجهمية لا تجد في قلوبهم من محبة الله وعبادته ما في قلوب عباده ~~المؤمنين بل غاية عابدهم أن يعتقد أن العباد من جنس الفعلة الذين يعملون ~~بالكراء فمنتهى مقصوده هو الكراء الذي يعطاه وهو فارغ من محبة الله ~~والفلاسفة تذم هؤلاء وتحتقرهم كما ذكرنا كلامهم في ذلك في غير هذا الموضع ~~لكن هؤلاء خير منهم في الجملة فإنهم يوجبون العبادة ويلتزمونها ويعتقدون ~~لها منفعة غير مجرد كونها سببا للعلم بخلاف الفلاسفة والمتصوفة والمتفلسفة ~~فإن عبادتهم مقصودها الكشف والتأثير كما يذكره أبو حامد وأتباعه ومما يبين ~~أمر هذا أنهم يقولون إن الله يلتذ ويبتهج وهذا وإن كان قد أنكره طوائف من ~~المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام ومن اتبعهم فالسلف والأئمة وأهل السنة مقرون ~~بما جاء به الكتاب والسنة من محبة الله وفرحه ورضاه وضحكه ونحو ذلك وما ~~يثبتون من الحق فهو داخل في هذه المعاني لكن أهل السنة يعبرون بالعبارات ~~الشرعية فيجمعون بين كمال المعنى واللفظ وموجب العقل والشرع. # وهؤلاء المتفلسفة أخطأوا من وجه آخر حيث قالوا اللذة إدراك الملائم من ~~حيث هو ملائم وهذا غلط فإن اللذة ليست هي الإدراك ولكن الإدراك سببها فهي ~~حاصلة عنه كحصول الصوت عن الحركة والشبع عن الأكل وذلك أن الإنسان يشتهي ~~الطعام فيأكله فيلتذ به هنا ثلاثة ms329 أشياء شهوة وإدراك ولذة فليست اللذة هي ~~نفس الأكل # PageV02P235 # والذوق وإنما هي أمر آخر يحصل بالأكل والذوق وهو أمر يجده الإنسان من ~~نفسه فلا يعبر عنه بعبارة بمعنى أبين منه وكل حي يجد في نفسه اللذة والألم ~~وهؤلاء القوم من عادتهم أنهم يجعلون المعاني المتعددة شيئا واحدا فيجعلون ~~العلم والقدرة والإرادة شيئا واحدا بل يجعلون العلم هو العالم والقدرة هي ~~القادر فكذلك جعلهم اللذة هي الإدراك وفي موضع آخر يجعلون الشيء الواحد ~~أشياء متعددة كما يجعلون الحقائق الموجودة في الخارج شيئين ويجعلون صفاتها ~~اللازمة لها ثلاثة أشياء مقومة داخلة فيها ولازمة لماهيتها. # ومما يبين ذلك أن اللذة لا تكون إلا مع محبة فما لا يكون محبوبا لا يكون ~~في إدراكه لذة وحب الشيء زائد على التصور المشروط في محبته فكذلك اللذة به ~~زائدة على الإدراك المشروط في اللذة. # وإذا تبين هذا علم أن الرب تعالى موصوف بالعلم والحب والفرح والرضا وغير ~~ذلك مما جاء به الكتاب والسنة والعبد كماله في أن يعرف الله فيحبه ثم في ~~الآخرة يراه ويلتذ بالنظر إليه. # كما في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزكموه فيقولون: ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب ~~إليهم من النظر إليه وهو الزيادة". # وفي حديث عمار بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أسألك # PageV02P236 # لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة" ~~رواه النسائي وغيره. # والمقصود هنا أن النفس ليس كمالها في مجرد علم بالله لا يقترن به حب لله ~~ولا عبادة له ولا غير ذلك بل لا تصلح وتكمل إن لم تحب الله وتعبده. # وأيضا فلو قدر كمالها في مجرد العلم فليس هو العلم بوجود مطلق وأمور ~~كليات تقوم بنفسه وهذه هي ms330 العقليات التي يجعلونها كمال النفس لا سيما على ~~رأي ابن سينا وموافقيه الذين يزعمون أن الأمور المعينة الشخصية لا تدرك إلا ~~بجسم أو قوة في جسم والنفس عندهم ليست كذلك فلا تدرك شيئا من المعينات ~~الموجودة في الخارج وهذا مما نفوا به كون الباري تعالى يعلم المعينات ~~الموجودة المسماة بالجزئيات فهو عندهم لا يعلم إلا أمرا مطلقا كليا وكذلك ~~النفس ومعلوم أن الموجودات الخارجة ليست كلية فلا يكون العلم بتلك المطلقة ~~المجردة عن التعيين علما بموجود في الخارج فليس هذا علما حقيقيا مطلوبا ~~بالقصد الأول وإنما العلم الحقيقي المطلوب بالقصد الأول هو العلم ~~بالموجودات الخارجة الثابتة في نفسها. # وأيضا فالعلم الذي تكمل النفس به لا بد أن يتضمن العلم بالله وهم لا ~~يعرفون الله بل إنما يعرفون وجودا مطلقا لا يوجد إلا في الأذهان لا في ~~الأعيان فهم إنما جعلوا العبادات لأجل إصلاح الأخلاق بناء # PageV02P237 # على أن المقصود بالقصد الأول إنما هو تكميل النفس بهذا العلم وأن تهذيب ~~الأخلاق ورياضة النفس تعد النفس لذلك والعبادات تعين على ذلك فإذا بين فساد ~~الأصل الذي بنوا عليه كلامهم تبين فساده من أصله. # وأيضا فقد علم بالاضطرار من النقل المتواتر والتجارب المعروفة أن الأعمال ~~الصالحة توجب أمورا منفصلة من الخيرات في الدنيا وأن الأعمال الفاسدة توجب ~~نقيض ذلك وأن الله تعالى عذب أهل الشرك والفواحش والظلم كقوم عاد وثمود ~~ولوط وأهل مدين وفرعون بالعذاب المنفصل والمشاهد الخارج عن نفوسهم وأكرم ~~أهل العدل والصلاح بالكرامات الموجودة في المشاهدة وهذا أمر تقر به جميع ~~الأمم فكيف يقال إن العبادات والطاعات ليس مقصودها إلا ما يوجد في النفس من ~~صلاح الخلق؟. # وأيضا فقد تبين بما تقدم أن الله تعالى فاعل مختار يفعل بمشيئته وقدرته ~~وأنه يجيب دعاء عباده المؤمنين وأنه يخرق العادات بأمور خارجة عن القوى ~~الطبيعية والنفسانية المعلومة وهذا مما يبين تأثير العبادات والطاعات في ~~الخارج. # ومما يبين فاسد قولهم أنهم يزعمون أن المقصود بالرسالة إنما هو إقامة عدل ~~الدنيا وأن الرسل لم تبين للناس ms331 حقائق الأمور بل أظهرت خلاف ما أبطنت بناء ~~على أن الحق في نفس الأمر هو قول الفلاسفة. # وهذا إذا ظهر للناس أنكرته الفطر وكذب به الناس ولم يبق عندهم إله يخشى ~~ويعبد ولا رب يصلى له ويسجد قالوا فالرسل # PageV02P238 # ما كان يمكنهم إظهار الحق الذي هو قولنا فأظهرت للناس من التمثيلات ما ~~ينتفعون به وكانت في الباطن تعتقد ما تعتقده الفلاسفة ولهذا يقولون إن ~~الخواص تسقط عنهم العبادات كما يقول ذلك من يقوله من القرامطة الباطنية ~~والفلاسفة وملاحدة المتصوفة وغيرهم قالوا لأن المقصود العلم والمعرفة فإذا ~~حصل المقصود لم يبق في العبادة فائدة. # ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسر إلى خواص أصحابه ما يوافق ~~قولهم ومن عرف حال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه معه علم بالاضطرار ~~أن هؤلاء مخالفون له مناقضون مفترون عليه وأنهم من شرار المنافقين فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه كانوا من أعبد الناس لله وأعظمهم ~~إتيانا بأداء الواجبات وترك المحرمات وكان خواص أصحابه من أعظم الناس ~~تقريرا لما بعث به من الإخبار عن الله بأسمائه وصفاته وعن ملائكته وعن ~~اليوم الآخر وغير ذلك من أخباره ومن أعظم الناس تقريرا لما بعث به من الأمر ~~والنهي فكان ما يبطنونه من العلم والحال موافقا لما يظهرونه من القول ~~والعمل ولم يكونوا يبطنون ما يناقض ظاهرهم ولا كانوا يعتقدون مذهب أهل ~~النفي بل قول نفاة الصفات إنما حدث في الأمة بعد انقضاء عصر الصحابة وكبار ~~التابعين وإلا فلم يكن احد يتكلم في زمن الصحابة بشيء من أقوال الجهمية ~~نفاة الصفات فكيف بأقوال هؤلاء الملاحدة الذين نفى الصفات بعض إلحادهم؟! # ولهذا تنازع الناس في الجهمية هل هم من الثنتين وسبعين فرقة # PageV02P239 # أم لا؟ فقالت طائفة من السلف كيوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك ~~الثنتان وسبعون فرقة هم الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة وأخرجوا الجهمية ~~من أن تكون من الثنتين وسبعين فرقة وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. # وبكل حال فالجهمية حدثوا في ms332 الإسلام بعد حدوث هذه البدع الأربعة فأما ~~الصحابة والتابعون فمتفقون على إثبات ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من صفات الله واليوم الآخر والعبادات الشرعية واعلم أن النصارى واليهود خير ~~من هؤلاء من وجوه متعددة فيما يتعلق بالاعتقادات والعبادات والاعتقاد يدخل ~~عندهم في الحكمة النظرية والعبادات في الحكمة العملية. # والمقصود هنا الحكمة العملية فإن اليهود والنصارى يقرون بالعبادات وبأن ~~الله هو المستحق للعبادة ويقرون بالثواب والعقاب المنفصلين مع القيامة ~~الكبرى ومعاد الأبدان مع معاد النفوس إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل لكن ~~بدلوا بعض ما جاءت به الرسل ولم يتبعوا الناسخ من شرائعهم فآمنوا ببعض ~~الكتاب وكفروا ببعض فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر بعد التبديل والنسخ ~~للكتاب الأول وليس في أصل دين اليهود والنصارى سقوط فعل العبادات الشرعية ~~عن أحد ولا حل المحرمات الشرعية لأحد. # PageV02P240 # وهؤلاء لما ظنوا أن كمال الإنسان في أن يعرف الوجود فقط وظنوا أن ما ~~ذكروه يحصل به معرفة الوجود ظنوا أن العارف منهم لا تجب عليه العبادات ~~الشرعية ولا تحرم عليه المحرمات الشرعية حتى صار المثل يضرب بهم فيقول ~~المترسل في رسائله: "إنهم استحلوا حرمتي كاستحلال الفلاسفة محظورات ~~الشرائع". # ولهذا صارت الملاحدة الباطنية تسلك هذا المسلك فيسقطون الواجبات الشرعية ~~عن البالغين منهم ويبيحون لهم المحرمات الشرعية والملاحدة الباطنية من ~~الصوفية سلكوا نوعا من هذا وإن كانوا لا يصلون إلى إلحاد ملاحدة ~~الإسماعيلية ونحوهم من المنتسبين إلى التشيع مع اتفاق الشيعة المسلمين على ~~أنهم كفار وهؤلاء الطوائف براء من الحنيفية ملة إبراهيم بل من أتباع ~~المرسلين كلهم. # فإن الله تعالى أرسل الرسل ليدعوا الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له كما ~~قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (سورة الذاريات 56) وقال ~~تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} (سورة الأنبياء 25) وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (سورة النحل 36) وقال تعالى: {يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم ms333 الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} (سورة البقرة 21) . # وأخبر عن كل نبي أنه دعا قومه إلى ذلك فقال عن نوح: {ولقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم} (سورة الأعراف 59) وقال عن هود # PageV02P241 # {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} (سورة ~~هود 50) وكذلك سائرهم وأمثال ذلك فكمال الإنسان وصلاحه وسعادته في أن يعبد ~~الله وحده لا شريك له وهذه ملة إبراهيم التي قال الله فيها: {ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} (سورة البقرة 130) وقال: {بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (سورة البقرة ~~112) . # وهذا هو الإسلام العام الذي بعث الله به جميع الرسل وهو الذي لا يقبل من ~~أحد دينا غيره لا من المتقدمين ولا من المتأخرين. # قال تعالى عن نوح: {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ~~فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله ~~وأمرت أن أكون من المسلمين} (سورة يونس 71: 72) . # وقال تعالى عن إبراهيم: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم ~~الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (سورة البقرة 130 132) . # PageV02P242 # وقال تعالى عن موسى: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين} (سورة يونس 84) وقال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل: {إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} (سورة ~~المائدة 44) . # وقال تعالى في قصة بلقيس: {قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ms334 مع سليمان لله ~~رب العالمين} (سورة النمل 44) . # وقال تعالى عن الحواريين: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} (سورة المائدة 111) فهؤلاء السعداء ~~الكاملون من نوح إلى الحواريين على الإسلام. # وكذلك الإيمان قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} (سورة البقرة 62) . # فبين اتصاف السعداء من هذه الأصناف الأربعة بالإيمان بالله واليوم الآخر ~~والعمل الصالح وقد ذكر في سورة الحج ست ملل فقال: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة إن الله على كل شيء شهيد} (سورة الحج 17) فهنا لما ذكر فصله بينهم ~~يوم القيامة ذكر الملل الست وهناك لما ذكر # PageV02P243 # السعداء لم يذكر إلا الملل الأربع فإن المجوس والمشركين ليس منهم من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا بل كلهم كفار. # والقرآن بين أن السعداء هم الذين اتبعوا الرسل ولا يكون الكامل إلا سعيدا ~~وأن الأشقياء هم المخالفون للرسل فإنما يعذب الله في الآخرة من يخالف الرسل ~~كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (سورة الإسراء 15) وقال ~~تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} ~~(سورة الملك 8 9) وأمثال هذه النصوص. # وقد قال تعالى في خطابه لإبليس: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} ~~(سورة ص 85) فأقسم أنه لابد أن يملأها منه ومن أتباعه فدل ذلك على أنه لا ~~يدخلها إلا من اتبع الشيطان إذ لو دخلها غيرهم لامتلأت من هؤلاء وهؤلاء وهو ~~خلاف النص. # ولهذا لما تنازع الناس في أطفال الكفار فطائفة جزمت بأنهم كلهم في النار ~~وطائفة جزمت بأنهم كلهم في الجنة كان الصواب الذي دلت عليه الأحاديث ~~الصحيحة وهو قول أهل السنة أنه لا يحكم فيهم كلهم بجنة ولا بنار بل يقال ms335 ~~فيهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها ~~من جدعاء قيل: يا رسول الله أفرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ ~~فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين" # PageV02P244 # وكذلك ثبت هذا في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~جاء في آثار أخرى أنهم يمتحنون يوم القيامة وجاءت بذلك أحاديث صحيحة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا كالمجنون والشيخ ~~الكبير الأصم الذي أدركه الإسلام وهو أصم لا يسمع ما يقال ومن مات في ~~الفترة وأن هؤلاء يؤمرون يوم القيامة فإن أطاعوا دخلوا الجنة وإلا استحقوا ~~العذاب وكان هذا تصديقا لعموم قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~(سورة الإسراء 15) وبذلك استدل أبو هريرة على أن أطفال الكفار لا يعذبون ~~حتى يمتحنوا في الآخرة # PageV02P245 # وقد قال تعالى في حق السعداء: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض ~~السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} (سورة الحديد 21) فبين أن ~~الجنة أعدت للذين آمنوا بالله ورسله وقال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} (سورة طه 123-126) فبين أن من اتبع الهدى الذي ~~جاء من عنده وهو ما جاءت به الرسل فإنه لا يضل ولا يشقى بل يكون من ~~المهتدين المفلحين كما قال تعالى في نعتهم: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} (سورة ~~البقرة 2 4) ولهذا قال في الفاتحة: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت ms336 عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . # فأهل الغضب والضلال هم أهل الشقاء والضلال وهم الذين قيل فيهم: {إن ~~المجرمين في ضلال وسعر} (سورة القمر 47) وهم ضد أهل الهدى والفلاح فأهل ~~الهدى الذي يتضمن العلم والسعادة هم المتبعون للكتاب المنزل فمن آمن ببعض ~~الكتاب وكفر ببعض كاليهود والنصارى لم يكن من هؤلاء فكيف بمن لم يؤمن ~~بالكتاب بل هو ممن # PageV02P246 # قيل فيه: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ~~يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون} (سورة غافر 69 72) إلى قوله في آخر ~~السورة: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون} (سورة غافر 83) ولهذا قال بعض أهل العلم: "إن هذه الآية ~~تتناول الفلاسفة". # وحقيقة الأمر أن المتفلسفة نوعان: نوع معرضون عما جاءت به الرسل بعد بلوغ ~~ذلك لهم وقيام الحجة عليهم بما جاءت به الرسل فهؤلاء كفار أشقياء بلا ريب ~~ومن كان منهم مؤمنا بما جاءت به الرسل ظاهرا وباطنا فهذا مؤمن حكمه حكم أهل ~~الإيمان لكن لا يمكن مع هذا أن نعتقد ما يناقض الإيمان من أقوالهم بل ~~نوافقهم في الأقوال التي توافق أقوال الرسل أو في أقوال لا تتعلق بالدين لا ~~نفيا ولا إثباتا من الأمور الطبيعية والحسابية. # وأما من وافقهم على أقوالهم المخالفة لما جاءت به الرسل مع تعظيمه للرسل ~~ولنواميسهم وإيجابه لأتباعهم كالفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام فهؤلاء آمنوا ~~ببعض ما جاء به الرسل وكفروا ببعض وهم يشبهون اليهود والنصارى من هذا الوجه ~~لكن هؤلاء بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم خير من اليهود والنصارى ~~واليهود والنصارى بإيمانهم بجنس ما اتفقت عليه الرسل من عبادة الله وحده ~~والإيمان باليوم الآخر والقيامة الكبرى ومعاد الأبدان وإيجاب العبادات ~~الشرعية وتحريم المحرمات الشرعية والتصديق # PageV02P247 # بحقيقة الملائكة وكلام الله هم خير منهم إلا من كان من اليهود والنصارى ~~على مذهب الفلاسفة وهذا اجتمع فيه نقص الكفر من ms337 وجهين وهو أسوأ حالا من ~~هؤلاء وهؤلاء. # فالسعادة مشروطة بشرطين بالإيمان والعمل الصالح بعلم نافع وعمل صالح بكلم ~~طيب وعمل صالح وكلاهما مشروط بأن يكون على موافقة الرسل كما قال أبي بن كعب ~~رضي الله عنه عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر ~~الله خاليا فاقشعر جلده من خشية الله إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق ~~اليابس عن الشجر وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ~~من خشية الله إلا لم تمسه النار أبدا وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير عن ~~اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون أعمالكم إن كانت اجتهادا أو ~~اقتصادا على منهاج الأنبياء وسننهم. # وهؤلاء ظنوا أن الكمال ليس إلا في العلم وأن العمل إنما هو وسيلة فقط ثم ~~خرجوا في العلم والعمل عن منهاج الأنبياء وسننهم وإذا كانت النصارى لكونهم ~~أدخلوا في عبادتهم نوعا من الشرك والبدع خرجوا عن الحنيفية إذ كانت ~~الحنيفية أن لا نعبد إلا الله وحده وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع ~~والنصارى كما قال الله تعالى فيهم: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون} (سورة التوبة 31) وقال تعالى: {ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان # PageV02P248 # الله} (سورة الحديد 27) ولهذا قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ~~{ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (سورة الملك 2) قال: "أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا ~~علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ~~وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن ~~يكون لله والصواب أن يكون على السنة". # فإذا كانت النصارى على هذه الحال فكيف بهؤلاء الذين هم أضل منهم فإن ما ~~عند هؤلاء من الحكمة هو جزء مما عند النصارى فإن السياسة الخلقية والمنزلية ~~والمدنية داخلة في دين النصارى الذين ابتدعوا بعضه ولم ينزل الله به ms338 وكسر ~~الشهوة والغضب جزء من عبادة الرهبان وكذلك الزهد في المال والرئاسة جزء من ~~حال الراهب الناقص الكافر فكيف يكون هذا هو مقصود العبادة والزهد الذي جاءت ~~به الشريعة؟ # وهؤلاء رأوا أن النفس لها قوتان قوة علمية وقوة عملية والقوة العلمية ~~نوعان قوة الحب والبغض والشهوة من الحب والغضب من البغض فبالشهوة تجلب ~~المنفعة والغضب لدفع المضرة وصلاح الجميع بالعدل فجعلوا الحكة العملية في ~~هذه الأربع في العلم والعدل والعفة والشجاعة أو الحلم فالعفة اعتدال قوة ~~الشهوة والحلم أو الشجاعة اعتدال قوة الغضب. # وهذا الذي ذكره جزء من العمل الذي أمرت به الرسل وما ذكروه مع هذا أمر ~~مجمل فإن العلم له أنواع كثيرة والشهوة # PageV02P249 # والغضب يحتاج معرفة صلاحهما والعدل فيهما إلى تفصيل لا يكفي فيه هذا ~~الإجمال وكذلك العدل فلا ريب أنه لا بد في سلوك الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من إصلاح حال هذه ~~القوى. # PageV02P250 # لكن ما ذكروه فيه قصور وتقصير من وجوه: # أحدها: أن ما ذكروه كأمر مجمل لا يبين الأنواع التي تستعمل بها الشهوة ~~والغضب والأنواع التي لا تستعمل ولا يبين مقدار ما يستعمل من هذا وهذا ~~ومقدار ما لا يستعمل فكان بمنزلة من علم أن أخلاط البدن تنقسم إلى حار ~~وبارد وأنه ينبغي استعمال ما يوجب اعتدال الأخلاط وهذا كلام مجمل لا يفيد ~~حفظ الصحة ولا إزالة المرض. # الثاني: أنه هب أنه حصل الاعتدال في الشهوة والغضب فهذا القدر لا يوجب ~~السعادة ولو قدر أنه انضم إليه ما يسمونه علما ولا دليل لهم على أن السعادة ~~تحصل بهذا والرسل متفقون على أن مجرد هذا لا يوجب السعادة. # الثالث: أن العلم الذي تحصل به السعادة لم يعرفوا لا نوعه ولا قدره. # الرابع: أن العلم الذي هو أصل السعادة ورأسها هو العلم بالله وهم أبعد ~~الطوائف عنه فلا يعرف في المقالات المشهورة في العلم الإلهي مقالة أبعد عن ~~الحق من مقالتهم فإن مقالة اليهود والنصارى في # PageV02P250 # العلم الإلهي خير من ms339 مقالتهم ومقالات أهل البدع الداخلين في الملل حتى ~~الجهمية والمعتزلة ونحوهم من الطوائف التي تذمها أئمة أهل الملل هي خير من ~~مقالتهم وأعني بذلك مقالة أرسطو وأتباعه وأما ما نقل عن الأساطين قبله ~~فقولهم أقرب إلى الحق من قوله. # الخامس: أن الصفة اللازمة للنفس الناطقة التي هي الحب والإرادة لم ~~يتكلموا في كمالها ولا صلاحها فإن الشهوة والغضب متعلقان بالبدن إما لجلب ~~منافعه وإما لدفع مضاره ولهذا يؤمر فيهما بالعدل بخلاف حب النفس لمعبودها ~~وإلهها وبغضها لغيره وهذا هو حقيقة الحنيفية وهي حقيقة وقول لا إله إلا ~~الله فهذا ليس لهم منه حظ أصلا ولهذا كان الشرك غالبا عليهم بل هم معطلون ~~في العبادة شر من المشركين كما قال الله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب ~~لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (سورة غافر 60) ~~وهؤلاء مستكبرون عن عبادة الله بل وعن جنس العبادة مطلقا وهم ممن يتناوله ~~قوله تعالى: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه} (سورة غافر 56) . # وسبب ذلك أنهم لا يجعلون للنفس بعد مفارقتها حركة أصلا بل تبقى عقلا محضا ~~عندهم والعقل في اصطلاحهم هو الروحاني العاقل الذي ليس فيه حركة أصلا ولا ~~له إرادة وطلب ومحبة بل كل ما يمكن أن يكون له فهو له أزلا وأبدا. # وهم يزعمون أن الأول الصادر عن واجب الوجود هو العقل الأول. # PageV02P251 # ثم عنه العقل الثاني هو إله الفلك التاسع ثم عنه عقل ثالث الذي هو إله ~~الفلك الثامن ثم كذلك إلى أن ينتهي الأمر إلى العقل العاشر الذي هو إله فلك ~~القمر وإله ما تحته وعنه يفيض ما تحت فلك القمر من العلوم والأخلاق وعنه ~~يصدر عندهم ما يوحى إلى الأنبياء وغيرهم من العلوم والذين يريدون أن يجمعوا ~~بين الكتب الإلهية وبين كلام هؤلاء المتفلسفة يزعمون أن ذاك هو جبريل الذي ~~ذكرته الرسل ويقولون إنه ليس على الغيب بضنين على قراءة من قرأ بالضاد ~~الساقطة أي هو فياض ms340 ليس ببخيل وتارة يجعلون جبريل هو ما يتشكل في نفس النبي ~~من الصور الخيالية المناسبة للعلم الذي حصل له كما يحصل للنائم. # ولهذا قال من سلك سبيلهم كابن عربي: "إن الولي أو خاتم الأولياء أفضل من ~~الرسل والأنبياء وإن الولاية أفضل من النبوة قالوا لأن الذي سموه خاتم ~~الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فإن ~~الرسول يأخذ عندهم عن الخيال الذي في نفسه وهو جبريل عندهم والخيال يأخذ عن ~~المعقولات الصريحة والولي بزعمهم يأخذ عن تلك المعقولات ويزعمون أن ~~الملائكة التي أخبرت بها الرسل هي هذه العقول العشرة أو الصور الخيالية ~~التي تمثل في نفوس الناس. # وأما النفوس الفلكية فلهم فيها قولان أحدهما أنها أعراض قائمة بالفلك ~~كالقوة الشهوية والغضبية وهذا قول أكثر أتباع أرسطو # PageV02P252 # والثاني: أنها جواهر قائمة بأنفسها كالنفس الناطقة وإليه يميل ابن سينا ~~وغيره وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن النفس الناطقة تتبقى عندهم بعد مفارقة البدن عقلا ليس ~~فيها طلب وإرادة ومحبة لعلم أصلا وهذا هو الكمال عندهم ولهذا لما ذكر أبو ~~البركات مذهبهم بين هذا كما قال: "الفصل الثاني في ذكر رأي أرسطو وشيعته في ~~بدء الخلق قال من يعتبر كلامه أن الله الذي بدأ منه الخلق واحد من كل وجه ~~لا كثرة فيه بوجه والواحد لا يصدر عنه إلا واحد فأول خلق من الموجودات ~~موجود واحد هو أقرب الموجودات إليه وأشبهها به قال وأسميه عقلا ويكون معنى ~~العقل عنده معروفا من معنى النفس الإنسانية من جهة كونه جوهرا روحانيا لا ~~جسمانيا كالنفس لكن للنفس علاقة بالبدن كنفس الإنسان الشخصية ونفس الفلك ~~ونفس الكوكب المحركة له على أنها تباشر التحريك والعقل بريء من الأجسام ~~وعلائقها وتكون النفس كالقوة من جهة تحريك الأجسام وتبديل حالاتها فتشعر ~~بمتجدداتها في # PageV02P253 # الأين والكيف وغير ذلك مما يتجدد للمتحركات بالحركات والعقل بالفعل فيما ~~يعرفه ويعلمه لا يتجدد له علم ومعرفة بشيء لم يكن يعرفه ويعلمه فهذا بالفعل ~~أبدا فيما يعقله ms341 على حال واحدة والنفس على حالات مختلفة من جهة ما تعرفه ~~وتبتديه من الأجسام وفيها بحركاتها وتحريكاتها لها فالنفس عقل بالقوة ~~والعقل عقل بالفعل والعقل يعقل جيمع المعقولات والنفس تعقل بعضها فإن تجردت ~~النفس عن الأجسام وانقطعت علاقتها بها وكانت مما تعقل وممن تعقل صارت عقلا ~~بالفعل أيضا وتكون مرتبتها بحسب نوعها في الموجودات وكسبها من المعلومات ~~قالوا فأول العقول هو هذا الذي وجد عن العلة الأولى وكان أول ما سموا عقلا ~~سموه من جهة النفس الإنسانية حيث قالوا إنها عقل بالقوة وتصير بالفعل وما ~~بالقوة لا يخرج نفسه إلى الفعل وإنما يخرجه إلى الفعل شيء هو بالفعل كالنار ~~بالفعل تجعل النفط الذي هو نار بالقوة نارا بالفعل ولا يشعل النفط نفسه ~~فيجعل نفسه نارا بالفعل فهذا الشيء الذي هو عقل بالفعل الذي يجعل نفس ~~الإنسان عقلا بالفعل يسمونه العقل الفعال ويقولون إنه لنفوسنا كالأستاذ ~~والمعلم # PageV02P254 # والمبدأ الذي عنه توجد فهو مبدؤها القريب في الوجود ومعادها الأدنى من ~~الكمال قالوا ولكل فلك نفس محركة ولكل نفس عقل مفارق تقتدي به فيما تفعله ~~وتعقله حتى تنتهي إلى الفلك الأول فتكون نفسه أول النفوس وعقله أول العقول ~~وهو أول موجود وجد عن المبدأ الأول ويقولون عن المبدأ الأول إنه عقل أيضا ~~لكنه أعلى العقول مرتبة وهو بالفعل أبدا وكل عقل غيره يقتدي بغيره وقدوته ~~هو مبدؤه القريب وهو تعالى قدوة كل مقتد ومبدأ كل مبدأ فهو المبدأ الأول ~~والإله الأقصى ولا يتحاشون من تسميته عقلا وهذا العقل الذي يقولونه الآن ~~منقول بالعربية من لفظة قيلت في لغة يونان وليس موقعها في تلك اللغة موقع ~~هذه في العربية من جهة الوضع الأول على ما قلنا في علم النفس فإن في اللغة ~~العربية يراد بالعقل الشيء الذي يمنع الخواطر والشهوات من الناس ويمنعها عن ~~أن تمضي العزائم بحسبها فإن الإنسان يؤثر أشياء بخواطره الأولى التي تقتضي ~~شهوته وغضبه ويرده # PageV02P255 # عنها فكره ورأيه ونظره في عواقب أمره فهذا الناظر المفكر الراد عن ~~الخواطر الأولى هو ms342 الذي يسمونه عقلا من حيث يصد الإنسان عما هم به كما يصد ~~الناقة عقالها عن الحركة إلى حيث تشاء فهو الذي يسمونه عقلا والعلم بهذا ~~إنما يصح بدليل من جهة النظر حيث يقولون إنه إنما رد الخواطر بفكر صدر عن ~~علم فهو عقل من جهة العمل لا من جهة العلم وهذا الذي يسميه اليونان هو من ~~جهة العلم لا من جهة العمل ويصير مبدءا للعمل" إلى أن قال: "وليس للعقل في ~~عرفهم المعنى الإضافي وله في العربية ذلك فإن العقل عقل لشيء ومعنى العقل ~~المقول في لغتهم لا يراد به الإضافة إلى شيء وإن كانوا يعرفونه بشيء ومن ~~شيء ويسمونه باسم يخصه من ذاته لا من جهة إضافاته وإن أضيف فإلى فعله الخاص ~~به كالعلم والعالم والعاقل والعالم والعقل والعلم عندهم أسماء مترادفة ~~ويقولون أيضا إن فعل العقل الذي هو بالفعل هو ذاته فالعقل والعاقل عندهم ~~واحد". # PageV02P256 # قلت: العقل في لغة العرب بتناول العلم والعمل بالعلم جميعا ومن أهل ~~الكلام من يجعله اسما لنوع من العلم فقط فيقول هو نوع من العلوم الضرورية ~~ومن الناس من يريد به العمل بالعلم فقط كما ذكره أبو البركات. # وقد يراد بالعقل القوة التي في الإنسان وهي الغريزة التي بها يحصل له ذلك ~~العلم والعمل به ولهذا كان في كلام السلف كأحمد والحارث المحاسبي وغيرهما ~~اسم العقل يتناول هذه الغريزة ومن أنكر الغرائز والطبائع والقوى التي في ~~الأعيان وقال إن القادر المختار يحدث جميع الحوادث بمجرد المشيئة التي ترجح ~~أحد المتماثلين على الآخر لا بمرجح كما يقوله أبو الحسن الأشعري ومن وافقه ~~كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وأبي الحسن بن الزاغوني ~~وأبي بكر بن عربي وغيرهم فإن هؤلاء لا يجعلون اسم العقل إلا لنوع من العلوم ~~الضرورية إذ ليس عندهم طبيعة تكون بها العلوم والإرادات وليس عندهم في ~~الموجودات أسباب تحصل بها الحوادث ولا يترجح حادث على حادث لمعنى فيه بل ~~يقولون إن القادر المختار يفعل عند هذه الأمور لا بها ms343 بمجرد عادة فما يقول ~~الإنسان إنه سبب ومسبب يقولون الخالق المختار قرن أحدهما بالآخر عادة لا ~~لأن في أحدهما قوة اقتضى بها الآخر ولهذا من أثبت القياس من هؤلاء يقول إن ~~علل الشرع مجرد أمارات وإنه إن حصل فيها مناسبة كما يحصل في المخلوقات رحمة ~~فذلك مجرد عادة # PageV02P257 # اقتران لا لأن الخالق خلق هذا بهذا ولا لأجل هذا إذ لا سبب عندهم ولا ~~حكمة يفعل الخالق لأجلها وليس عندهم في القرآن في أفعال الله وأحكامه لام ~~تعليل بل لام عاقبة وهذه مسألة كبيرة قد بسط الكلام عليها في غير هذا ~~الموضع. # والمقصود هنا أن اسم العقل في اصطلاح جميع المسلمين بل وجميع أهل الملل ~~وعامة بني آدم يراد به ما هو قائم بغيره سواء كان علما أو قوة أو عملا بعلم ~~أو نحو ذلك لا يراد به ما هو جوهر قائم بنفسه إلا في اصطلاح هؤلاء الفلاسفة ~~والنفس الكاملة بعد المفارقة تصير عقلا عندهم. # ثم إن أتباع أرسطو يقولون إن العقل لا يتجدد له علم أصلا ويقولون إن ~~العقل والعاقل والمعقول شيء واحد ويقولون إن واجب الوجود واحد بمعنى أنه ~~ليس له صفة أصلا إلى غير ذلك من الأقوال التي يخالفهم فيها غيرهم من ~~الفلاسفة ويقول جمهور العقلاء إنها أقوال معلومة الفساد بصريح المعقول. # وأبو البركات وغيره من الفلاسفة ممن يخالفهم في ذلك ويبين فساد قولهم فيه ~~ولهذا لما حكى أبو البركات قولهم قال: "هذا هو الذي نقل عن شيعة أرسطو وما ~~خالفهم فيه مخالف ولا اعترض # PageV02P258 # فيه معترض وهو بالأخبار النقلية أشبه منه بالأنظار العقلية فلنأخذ في ~~تتبعه". # قلت: قوله: "لم يخالفهم فيه مخالف" إنما قاله بحسب علمه واطلاعه أو أراد ~~من الفلاسفة المشهورين المصنفين على طريقة أرسطو في المنطق الطبيعي والإلهي ~~كبرقلس والأسكندر الأفرديوسي وثامسطيوس والفارابي وابن سينا وإلا فالمنقول ~~في كتب المقالات عن الفلاسفة المتقدمين من مخالفة هذا المذهب موجود في كتب ~~متعددة لكن أولئك ليس لهم كتب مصنفة على هذه الطريقة بل مذهب أرسطو يشبه ~~مذهب ms344 أئمة الفقهاء في الفقه كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وإن خالفهم في ~~كثير منها أئمة كبار مثل الأوزاعي والليث بن سعد والثوري وإسحاق بن راهويه ~~فقد يقول القائل إنه لم يخالف أولئك مخالف أي في الكتب المعروفة المصنفة ~~على مذاهبهم وكتب المقالات تنطق بأن أرسطو هو الذي اشتهر عنه القول بقدم ~~العالم وأما أساطين الفلاسفة قبله فلم يكن هذا قولهم وهذا يحكيه المعظمون ~~لأرسطو وغير المعظمين له مع أن كلام الرجل في الإلهيات قليل جدا وفيه خطأ ~~كثير وإنما علم الرجل الواسع هو الطبيعيات ففيها يتبجح. # والمقصود أن هؤلاء القوم جعلوا النفس بعد فراقها ليس لها علم ولا حركة ~~ولا ازدياد من علم ولا محبة لشيء يطلب حصوله وإنما تلتذ لذة دائمة متماثلة ~~بما حصل لها من العلم كما يقولونه في المبدأ الأول وفي العقول # PageV02P259 # وظنوا أن هذا هو الكمال وكان ضلالهم في ذلك من أعظم الضلال من جهة أن ~~الكمال ليس إلا في مجرد العلم ومن جهة أنهم لم يثبتوا لها مزيد علم ومن جهة ~~أن ما أثبتوه من العلم لا يكفي في السعادة ومن جهة أن فيه من الجهل ما ~~يناقض العلم فكثير من كلامهم في الإلهيات بل أكثره جهل لا علم. # ولكن المقصود في هذا الوجه أنهم لم يثبتوا للنفس بعد المفارقة كمالا من ~~جهة الحب والإرادة بل من نفس العلم فقط ثم إنهم غلطوا من وجه آخر وهم أنهم ~~جعلوا اللذة هي مجرد العلم. # ونحن نبين هذا فنقول الوجه السادس أن يقال السعادة وهي اللذة والبهجة ~~والسرور الذي يحصل للنفس بما تعلمه من المعارف ليس هو نفس العلم بل هو أمر ~~يحصل بشرط العلم فالعلم شرط فيه ليس موجبا له فضلا عن أن يكون هو إياه ~~وهؤلاء غلطوا من وجهين من ظنهم أن مجرد العلم موجب لذلك والثاني أنهم جعلوا ~~اللذة نفس الإدراك والعلم فقالوا اللذة هي إدراك الملائم من جهة كونه ~~ملائما وهذا غلط فإن اللذة ليست هي نفس الإدراك ولكن هي حاصلة عقب الإدراك ms345 ~~فإن الإنسان يشتهي الطعام مثلا فيذوقه فيلتذ بذلك فاللذة ليست هي الذوق ~~ولكن هي حاصلة بالذوق. # وكذلك الأنواع التي يسمونها إدراكا كالسمع والبصر والعلم واللمس ليست هي ~~اللذة بل هي سبب اللذة فإن سمع الصوت الحسن # PageV02P260 # سبب للذة به وكذلك رؤية الشيء الحسن سببب للذة به والعلم بالشيء الملائم ~~سبب للذة به فاللذة لا تحصل إن لم تكن بين الملتذ والملتذ به ملائمة وهي ~~المحبة فإن لم يكن العالم والمدرك محبا لمعلومه ومدركه أو لما يحصل به لم ~~يلتذ بسبب العلم والإدراك ولهذا قد يدرك الإنسان ما يؤذيه ويعلم ما يؤذيه ~~كما يدرك ويعلم ما يلتذ به فتبين أن العلم والإدراك ليس هو اللذة ولا موجبا ~~لها بل هو شرط فيها وسبب لها بمعنى أنه إذا حصل الحب للمعلوم والمدرك وحصل ~~إدراكه ومعرفته حصلت اللذة به وإلا فلا. # وهؤلاء يقولون: إنه إدراك مخصوص وهو إدراك الملائم فيكون الإدراك على ~~قولهم جنسا تحته نوعان أحدهما اللذة وإذا كان أحدهما اللذة فينبغي أن يكون ~~الألم إدراك المنافي فيكون أحد نوعيه اللذة والآخر الألم ويكون نفس العلم ~~والسمع والبصر والذوق تارة ألما وتارة لذة وفساد هذا معلوم بالضرورة. # وينبغي أن يكون قول القائل: علمت هذا ورأيته وسمعته إذا كان ملائما له ~~بمنزلة قوله تنعمت به وفرحت به وسررت به وابتهجت به وبمنزلة قوله تأذيت به ~~وتألمت به ونحو ذلك ومعلوم فساد هذا وهذا، وهذا ونفيهم فيه نفي الصفات ~~المتعددة كما جعلوا نفس العاقل العالم هو نفس عقله وعلمه ونفس عقله وعلمه ~~هو نفس إرادته ونفس إرادته هو نفس قدرته وكل هذا يعلم فساده بصريح العقل. # والله تعالى فطر العباد على الإقرار به ومحبته وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV02P261 # في الحديث الصحيح: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه ~~أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" أخرجاه ~~في الصحيحين. # وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تبارك ~~وتعالى: إني خلقت ms346 عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} ~~(سورة الروم 30) وهذه ملة إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا. # وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} (سورة النساء 125) وقوله: "أسلم ~~وجهه" أي أخلص قصده وعمله لله وهو محسن في عمله فيكون الله هو معبوده ~~بالعمل الصالح ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "اللهم اجعل ~~عملي كله صالحا واجعله # PageV02P262 # لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا" وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ~~{ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (سورة الملك 2) قال: "أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا ~~علي ما أخلصه وأصوبه قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ~~وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن ~~يكون لله والصواب أن يكون على السنة". # وأول من أنكر حقيقة محبة الله لعبده والعبد لربه في الإسلام هو الجعد بن ~~درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط وقال: "يا أيها الناس ضحوا ~~تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا" ~~ثم نزل فذبحه. # وكان الجعد هذا أول من ظهر عنه التعطيل بإنكار صفات الله تعالى وبإنكار ~~محبته وتكليمه كما يقول هؤلاء المتفلسفة والجهمية والباطنية ونحوهم من ~~المعطلة والجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم فينكرون أن يكون الله يحب أو يحب ~~حقيقة وينكرون التمتع برؤيته وينكرون أن يكون هو سبحانه موصوفا بالفرح ~~ونحوه لزعمهم أن هذا من نوع اللذة والبهجة والله لا يوصف بذلك عندهم. # وأما هؤلاء الفلاسفة فيقولون إنه يوصف بذلك لكن يتناقضون فيزعمون أن ~~اللذيذ والملتذ واللذة شيء واحد بالعين فيجعلون الصفة هي # PageV02P263 # الموصوف ms347 ويجعلون إحدى الصفتين هي الأخرى ويقولون إن نفس العلم هو نفس ~~اللذة وهو نفس العالم وهو الملتذ وهذا مما يعلم بطلانه بصريح المعقول. # والذين سلكوا مسلك المتفلسفة من أهل التصوف والكلام وأثبتوا لذة المعرفة ~~بالله ولذة النظر إليه في الآخرة جعلوا ذلك هو نفس العلم بوجوده او نحو ذلك ~~كما يذكر ذلك أبو حامد الغزالي ومن حذا حذوه وقد سلك هذا المسلك أبو نصر ~~الفارابي وغيره من الفلاسفة فأقروا بما أخبر به الرسول من رؤية الله في ~~الآخرة وفسروا الرؤية بهذا المعنى الذي أثبتوه على أصولهم الفاسدة. # وهؤلاء الذين خلطوا الفلسفة بالكلام وإن كانوا أقرب إلى الحق المعقول ~~والمنقول منهم فلم يثبتوا لله كل ما يستحقه من الأسماء والصفات كما نطق ~~بذلك الكتاب والسنة ولا أثبتوا كل ما جاءت به الرسل من محبته وعبادته ولذة ~~النظر إليه كما أثبت ذلك سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث. # كما ثبت في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة منازلهم نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند ~~الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو ألم تبيض # PageV02P264 # وجوهنا وتثقل موازيننا وتدخلنا الجنة وتجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب ~~فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب من النظر إليه وهو الزيادة". # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمار بن ياسر وغيره: ~~"أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك". # وهذا يتعلق بمسألة محبة الله أي أنه محبوب في نفسه وهو محب لنفسه ولعباده ~~المؤمنين وهي أصل هذا الباب وهي أصل ملة إبراهيم التي بعث الله بها موسى ~~وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم أجمعين بل هي أصل دين الإسلام الذي بعث ~~الله به رسله وأنزل به كتبه وبها تزول عامة الشبهات الواقعة في هذا الباب ~~في مسألة فعله هل هو معلل أم لا وفي الإرادة والمحبة وفي مسألة التحسين ~~والتقبيح وفي عامة مسائل الخلق والأمر. # PageV02P265 # والمقصود هنا أن ms348 السعادة التي هي كمال البهجة والسرور واللذة ليس هي نفس ~~العلم ولا تحصل بمجرد العلم بل العلم شرط فيها بل لا بد من العلم بالله ~~وبأمره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "من ~~يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" فكل من أراد الله به خيرا فلا بد أن ~~يفقهه في الدين فمن لم يفقهه في الدين لم يرد به خيرا وليس كل من فقهه في ~~الدين قد أراد به خيرا بل لا بد مع الفقه في الدين من العمل به فالفقه في ~~الدين شرط في حصول الفلاح فلا بد من معرفة الرب تعالى ولا بد مع معرفته من ~~عبادته والنعيم واللذة حاصل بذلك لا أنه هو ذلك فغلطوا من هذين الوجهين هذا ~~لو كان ما ذكروه من العلم حقا وكان كافيا فكيف والأمر بخلاف ذلك؟! # ولهذا قال من قال من المسلمين: الإيمان قول وعمل ومتابعه للسنة وهؤلاء ~~أخرجوا العمل ولم يلتزموا شرائع الأنبياء وإنما معهم نوع من القول لا يكفي ~~مع ما فيه من الخطاء وهم يدعون أن كمال النفس أن تصير عالما معقولا مطابقا ~~للعالم الموجود ولهذا تنازعوا في بقائها بعد الموت على ثلاثة أقوال ~~والثلاثة للفارابي: # فمنهم من قال تبقى العالمة والجاهلة كما يقوله ابن سينا وأمثاله ومنهم من ~~يقول بل تبقى العالمة فقط لأنها تبقى ببقاء معلوماتها والجاهلة ليس لها ~~معلوم باق فلا تبقى ومنهم من يقول بل كلاهما تفسد بالموت وهو قول المعطلة ~~المحضة منهم ومن غيرهم الذين ينكرون معاد الأبدان ومعاد الأرواح جميعا أو ~~ينكرون معاد # PageV02P266 # الأرواح وبقاءها بعد الموت فقط مع بقاء البدن فقط كما يقول ذلك كثير من ~~أهل الكلام المحدث في الإسلام. # فإن لبني آدم في المعاد أربعة أقوال: أحدها: القول بمعاد البدن والروح ~~جميعا وأن الروح المفارقة للبدن التي يسمونها النفس الناطقة تكون بعد فراق ~~البدن منعمة أو معذبة ثم إن الله يعيدها عند القيامة الكبرى إلى البدن وهذا ~~قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان ms349 وسائر أئمة المسلمين وعليه دل الكتاب ~~والسنة وإن كانوا لا يصفون بالنفس بالصفات التي يذكرها المتفلسفة بل يثبتون ~~لها بعد الموت حركة وبقاء وغير ذلك مما دلت عليه النصوص النبوية والآثار ~~السلفية. # والثاني: القول بمعاد البدن فقط وهذا قول كثير من أهل الكلام من الجهمية ~~والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم فبنوا ذلك على أنه ليس فينا روح ~~تبقى بعد فارق البدن بل ظنوا أن الروح عرض يقوم بالبدن كالحياة أو جزء من ~~أجزاء البدن كالنفس الخارج والداخل فأنكروا أن تكون الأرواح المفارقة ~~للأبدان منعمة أو معذبة ثم من أثبت من هؤلاء عذاب القبر كالأشعرية وبعض ~~المعتزلة قال إنه تخلق حياة في جزء من أجزاء البدن فينعم أو يعذب وإنكار ~~بقاء النفس بعد الموت # PageV02P267 # قول مبتدع في الإسلام لم يذهب إليه أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~وسائر أئمة المسلمين وإن كان كثير من كتب الكلام لا يوجد فيها قول للمسلمين ~~إلا هذا وربما حكاه بعضهم عن أكثر المسلمين وهذا لأن الذين يذكرون هذا ~~كالرازي وأمثاله ليس لهم خبرة بأقوال الصحابة والتابعين وأقوال أئمة ~~المسلمين في مسائل أصول الدين بل إنما يعرفون أقوال الجهمية والمعتزلة ~~ونحوهم من أهل الكلام المحدث وهؤلاء كلهم مبتدعة عند سلف الأمة وأئمتها ~~وبسبب مناظرة هؤلاء للمتفلسفة حصل شر كثير في الإسلام فإنهم يناظرون بجهل ~~كثير بالعقليات والسمعيات. # والقول الثالث: قول من يقول بمعاد الأرواح التي هي النفس الناطقة فقط كما ~~يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة. # والرابع: إنكار المعادين مطلقا كما هو قول المكذبين بالجزاء بعد الموت ~~كما كان عليه المكذبون بذلك من مشركي العرب وغيرهم من الأمم ولهذا بين الله ~~المعاد في كتابه بأنواع متعددة من البيان كما قد بسط في موضعه. # الوجه السابع: أن يقال: إن النفس بعد مفارقتها إن لم يكن لها حب وطلب لم ~~يكن لها لذة فإن وجود اللذة بدون المحبة غير معقول ولا موجود بل هو ممتنع ~~فإذا قالوا إن النفس بعد المفارقة لا يبقى لها إلا مجرد # PageV02P268 # أن ms350 تعلم لم يكن لها لذة ولا سرور وإذا قالوا لها لذة وسرور فقد أثبتوا ~~لها محبة فحينئذ تكون لها قوتان قوة العلم والشعور والثاني قوة الإرادة ~~والمحبة ولا تكمل النفس إلا بالكمال في القوتين فدعواهم أن الكمال في مجرد ~~العلم دعوى باطلة بمنزلة من قال كمال النفس في مجرد القدرة أو في مجرد ~~الإرادة. # والكمال لا يحصل إلا بالعلم والقدرة والإرادة التي أصلها المحبة وحيث كان ~~الإنسان يلتذ بالعلم فلا بد أن تكون هناك محبة لما يلتذ به. # فتارة يكون المعلوم محبوبا يلتذ بعلمه وذكره كما يلتذ المؤمنون بمعرفة ~~الله وذكره بل ويلتذون بذكر الأنبياء والصالحين ولهذا يقال عند ذكر ~~الصالحين تنزل الرحمة بما يحصل في النفوس من الحركة إلى محبة الخير والرغبة ~~فيه والفرح به والسرور واللذة والأمور الكلية تحب النفس معرفتها لما فيها ~~من الإحاطة التي توصلها إلى معرفة المعينات. # وتارة يكون بالعلم يدفع من الشبه ما يعارض محبوبه فقد يكون محبه شيئا وقد ~~عرف منه أمورا عورض فيها فصار عنده ألم ومرض قلب لما عنده من الجهل بزوال ~~تلك الشبه فإذا علم ما يزيلها وجد لذة عظيمة وإما أن يكون محتاجا إلى العلم ~~بذلك لأنه يتوصل به إلى جلب منفعة ودفع مضره وهذا كثير مشهور وأما إن لم ~~يكن هناك محبوب بل المعلوم بغيض فإن تصوره يؤلم النفس لا يسرها فلا يقال إن ~~كل علم يحصل به لذة وهم يسلمون هذا ويقولون إنما اللذة إدراك الملائم لكن ~~يتناقضون مع ذلك فيجعلون اللذة في مجرد علم بالوجود المطلق # PageV02P269 # من غير بيان فلا يفيد الإنسان فيعود كلامهم إلى أن نفس اللذة هي نفس ~~العلم من غير تقييد بالملائمة للمعلوم ويقولون إن العين تلتذ بالنظر والأذن ~~بالسمع والنفس تلتذ بالعقل ومعلوم أن العين لا تلتذ برؤية كل شيء ولا يلتذ ~~السمع بسمع كل شيء كذلك النفس لا تلتذ بعقل كل شيء بلا لا بد أن يكون ذلك ~~الشيء ملائما أو عونا على الملائم أو مانعا من المنافي ونحو ذلك. # الوجه ms351 الثامن: أن يقال إذا كان لها حب وإرادة كان لها عمل في تحصيل ~~المحبوب المراد وهذا نوع من الحركة التي تناسبها فإن الحركة في اصطلاحهم ~~ليست هي النقلة من مكان إلى مكان بل النقلة نوع من الحركة وهم يقولون حركة ~~في الكم وحركة في الكيف وحركة في الأين وحركة في الوضع فالحركة في الكيف هو ~~تحول الموصوف من صفة إلى صفة إما في لونه وإما في طعمه أو ريحه أو غير ذلك ~~وكذلك النفس إذا كانت جاهلة فصارت عالمة أو كانت مبغضة فصارت محبة أو كانت ~~متألمة فصارت ملتذة فهذا حركة في الكيف. # والحركة في الكم مثل النمو الذي يحصل في أبدان الحيوان والنبات. # والحركة في الوضع مثل حركة الفلك فإن حركته لا توجب خروجه من حيزه ~~والحركة في الأين هي النقلة مثل حركة الماء والتراب والهواء والمولدات من ~~حيز إلى حيز وإذا كان كذلك فالنفس بعد الموت لها محبة لشيء وطلب إن حصل ~~التذت به وإلا تألمت فهي متألمة أو ملتذة لما تدركه من مناسب أو مناف وهذه ~~حركة ومن المعلوم بالضرورة أن ما يحدث له آلام ولذات فلا بد له من نوع ~~حركة. # PageV02P270 # الوجه التاسع: إنهم يقولون اللذة إدراك الملائم والألم إدراك المنافي ~~وسواء كانت اللذة هي نفس الإدراك والشعور والمعرفة أم هي حاصلة بسبب ~~الإدراك والشعور والمعرفة فعلى التقديرين إنما تكون اللذة في إدراك الملائم ~~فلم يبق جنس الإدراك والعلم هو اللذة ولا موجبا للذة بل لا تكون اللذة إلا ~~في إدراك الملائم فلا بد أن يكون المعروف المعلوم المشعور به المدرك ملائما ~~في نفسه للعالم العارف الشاعر المدرك حتى يكون في إدراكه له لذة ومعلوم أن ~~ما لاءم الشيء فهو محب له وما نافره فهو مبغض له فلا بد في اللذة والألم من ~~ثلاثة أمور ملائمة ومنافرة بين المدرك والمدرك ومحبة أو بغضة من المدرك ~~للمدرك ثم علم به وإدراك له ثم تحصل اللذة أو الألم بعد هذا وهذا مما يبين ~~أن أكمل اللذات لذة النظر ms352 إلى الله كما دلت عليه نصوص الأنبياء. # ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل ~~الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه قالوا: ما هو ألم يبيض ~~وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما ~~أعطاهم شيئا أحب من النظر إليه وهي الزيادة". # فدل على أن اللذة الحاصلة بالنظر أعظم من كل لذة كانت قبل ذلك. # PageV02P271 # وفي حديث آخر رواه النسائي وغيره عن عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على ~~الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي اللهم ~~إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ~~وأسألك القصد في الغنى والفقر وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا ~~تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة ~~النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم ~~زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين". # وهذا كما أنه ليس في الدنيا من اللذات أعظم من لذة العلم بالله وذكره ~~وعبادته ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حبب إلي من دنياكم ~~النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة" هكذا لفظ الحديث لم يقل حبب إلي ~~ثلاث فإن المحبب إليه من الدنيا اثنان وجعلت قرة عينه في الصلاة فهي أعظم ~~من ذينك ولم يجعلها من الدنيا وفي الحديث: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ~~قيل: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر" ولهذا كان أعظم آية في القرآن آية ~~الكرسي كما ثبت في # PageV02P272 # صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: "يا أبا المنذر ~~أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ~~(سورة ms353 البقرة 225) فضرب بيده في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر". # وثبت في الصحيح من غير وجه أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن. # فإن القرآن كلام والكلام إما خبر وإما إنشاء فالإنشاء هو الأمر والنهي ~~والإباحة والخبر إما عن المخلوق وهو القصص وإما عن الخالق وقل هو الله أحد ~~اشتملت على هذا الثلث وهو الخبر عن الخالق. # الوجه العاشر: إنه إذا كانت اللذة في إدراك الملائم ولا بد أن يكون ~~المدرك ملائما للمدرك ثم بالإدراك له تحصل اللذة بطل ما يقولونه في # PageV02P273 # نهاية فلسفتهم وهو أن كمال النفس أن تصير عالما معقولا مطابقا للعالم ~~الموجود فإن ذلك إنما يكون بإدراك الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم ~~التي يقال لها علم ما بعد الطبيعة باعتبار علم الناس وقد يقال علم بأنها ~~باعتبار وجودها في نفسها ويسمونه العلم الإلهي. # ويقولون: موضوعه هو الوجود وما يلحقه من حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب ~~وممكن وإلى قديم ومحدث وإلى علة ومعلول وإلى الجوهر والعرض وانقسام الجواهر ~~إلى خمسة وهي النفس والعقل والمادة والصورة والجسم وانقسام الأعراض إلى ~~تسعة أجناس على رأي المعلم الأول جمعها بيتان: # زيد الطويل الأسود بن مالك ... في داره بالأمس كان يتكي # في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوا # فذكر الجوهر والكم والكيف والإضافة والأين ومتى وهو المكان والزمان ~~والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل وقد مانع كثير من الناس في حصرها في تسعة ~~حتى قال بعضهم تنحصر في ثلاثة وبعضهم قال في خمسة. # والمقصود أن موضوع هذا العلم هو أمر كلي مطلق مشترك بين أنواعه فإن ~~الوجود المنقسم إلى الواجب والممكن وإلى الجوهر والعرض وإلى القديم والمحدث ~~ليس هو وجودا معينا موجودا في الخارج إذ القسمة قسمتان قسمة الكلي إلى ~~أنواعه وقسمة الكل إلى أجزائه والمراد بلفظ القسمة عند الجمهور هو الثاني ~~وبذلك جاء القرآن في مثل قوله: # PageV02P274 # {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} (سورة القمر 28) وقوله: {لكل باب منهم جزء ~~مقسوم} (سورة الحجر 44) وقوله: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم ms354 في الحياة الدنيا} ~~(سورة الزخرف 32) ومنه باب القسمة التي يذكرها الفقهاء كقسمة المواريث ~~والغنائم والفيء من عقار ومنقول بين المشتركين فيه فيحصل لكل واحد جزء من ~~المقسوم موجود في الخارج غير الجزء الحاصل للشريك الآخر. # وقد قال جابر: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم ~~فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". # ولهذا كان قدماء النحاة يقولون: الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف كما ذكره ~~غير واحد منهم ابن جني والزجاجي صاحب الجمل وغيرهما فاعترض عليهم بعض ~~المتأخرين كالكزولي صاحب القوانين النحوية وقال: كل جنس قسم إلى أنواعه أو ~~أشخاص أنواعه فاسم المقسوم الأعلى صادق على الأنواع والأشخاص وإلا فليست ~~أقساما له. # وكذلك أبو البقاء النحوي ذكر هذا فيما اعترض به على ابن جني وأجاب أن ~~مراده أجزاء الكلام ونحو ذلك. # وليس هذا الاعتراض بشيء فإن ما ذكره هؤلاء إنما هو في القسمة العقلية وهو ~~قسمة الكل الذي يكون كليا في العقل إلى أنواعه وأشخاص أنواعه وأما القسمة ~~الحسية الموجودة في الخارج فهو قسمة # PageV02P275 # الكل إلى أجزائه والكلام مركب من الاسم والفعل والحرف كما يتركب البيت من ~~السقف والحيطان والأرض وكتركب بدن الإنسان من رأس وصدر وبطن وأفخاذ وغير ~~ذلك. # فقولهم: الكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام أرادوا به هذه القسمة كما يقال ~~الدار ينقسم إلى سفل وعلو وهذه الأرض تنقسم إلى بيضاء وذات شجر ونحو ذلك ~~وهذه القسمة التي يعرفها بنو آدم فإنها قسمة لما هو موجود معلوم بنفسه إما ~~جوهر كالعقار وإما عرض قائم بالجوهر كالكلام والأصوات والألوان وتلك القسمة ~~إنما هي بعد أن ينتزع العقل من الجزئيات أمرا كليا مشتركا عاما ثم يقسمه ~~العقل إلى أنواعه وأشخاصه وهي تلك الجزئيات والكليات الخمسة التي يسمونها ~~الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام تنقسم هذه القسمة فإذا كان موضوع ~~الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم هو الوجود الكلي المشترك المطلق الذي ~~يعم كل موجود فلفظه ومعناه يتناول الموجودات كلها وكذلك لفظ الثبوت والشيء ~~ونحوهما مطابق للفظ الوجود عند ms355 جمهور النظار. # فغاية ما يسمى الوجود أن يكون بمنزلة مسمى الشيء ومسمى الثبوت والحصول ~~ونحو ذلك وهذا المعلوم ليس هو شيئا موجودا في الخارج حتى يقال إنه ملائم ~~للنفس أو غير ملائم بخلاف ما إذا قيل واجب الوجود ورب العالمين وخالق ~~العالم فإن مسمى هذا الاسم موجود بنفسه سبحانه وتعالى وهو الحي القيوم ورب ~~كل شيء ومليكه فالنفس إذا عرفته عرفت ما يكون كمالها في معرفته وعبادته وهو ~~سبحانه العلي الأعلى فالعلم به أعلى العلوم إذ العلم يطابق المعلوم. # وأما الوجود العام المشترك كاسم الشيء فذاك لا يوجد كليا إلا في # PageV02P276 # الذهن ليس في الخارج شيء يعم جميع الأشياء ولا وجود يعم جميع الموجودات. # ومن المعروف عندهم وعند غيرهم أن الكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا ~~في الأعيان وهم قد جعلوا الكليات ثلاثة الطبيعي والعقلي والمنطقي فالطبيعي ~~أن يوجد الكلي مطلقا لا بشرط الإطلاق كما إذا أخذ الإنسان مطلقا والحيوان ~~مطلقا من غير تقييد بوجود ولا عدم ولا وحده ولا كثرة ولا غير ذلك من ~~القيود. # والمنطقي ما يعرض له من العموم والكلية فإن المنطقي ينظر في عموم هذا ~~وخصوصه فكونه عاما وخاصا هو موضوع نظر المنطقي. # والمركب منهما هو العقلي وهو الإنسان بشرط كونه عاما ومطلقا وهو المطلق ~~بشرط الإطلاق وهذا يسلمون كلهم أنه لا يوجد إلا في الذهن إلا من قال بالمثل ~~الأفلاطونية. # وأما الطبيعي فقد يقولون هو موجود في الخارج وقد ينازع منازع في ذلك وفصل ~~الخطاب أنه موجود في الخارج لكن لا يكون كليا في الخارج فليس في الخارج ما ~~هو كلي في الخارج بل ما يوجد كليا في الذهن يوجد في الخارج معينا مشخصا ~~مخصوصا مقيدا وقولهم هذا موجود في الخارج كما يقال لما يتصور في النفس إنه ~~موجود في الخارج وكما يقال فعلت ما في نفسك وقلت ما في نفسك ونحو ذلك فإن ~~الشيء موجود في نفسه ثم الذهن يتصوره ثم يعبر اللسان عن ما تصوره الذهن ثم ~~يكتب بالخط عبارة اللسان ولهذا ms356 يقال للشيء أربع وجودات وجود في الأعيان ~~ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عيني وعلمي ولفظي ~~ورسمي. # PageV02P277 # ولهذا كان أول ما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم سورة: ~~{اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} (سورة العلق 1-5) فذكر في هذه السورة التي ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أول ما أنزل عليه من ~~القرآن أنه سبحانه موجد الموجودات الأربعة فذكر الوجود العيني وهو الوجود ~~الحقيقي الثابت في نفسه فعم بالخلق وخص الإنسان فقال: {اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق خلق الإنسان من علق} ثم ذكر الموجودات الثلاثة المطابقة لهذا فعم وخص ~~فقال: {اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} فذكر ~~العلم عموما وخص الإنسان بالتعليم وذكر أنه علم بالقلم وذلك هوالخط والخط ~~يطابق اللفظ واللفظ يطابق المعنى الذي في القلب فإن الخط لا يدل بنفسه على ~~المعنى وإنما يدل على العبارة الدالة على المعنى. # ولهذا من لم يعرف لغة صاحب الخط فإنه إذا قرأ خطا بالعربي واللسان فارسي ~~وهو لا يعرف معنى اللغة الفارسية لم يعرف المعنى فإن الخط إنما يدل بواسطة ~~اللفظ. # فهؤلاء إذا قالوا الكلي الطبيعي موجود في الخارج كما يقال إن # PageV02P278 # المعلوم في نفسي موجود في الخارج فهو صحيح فإن الكلي الطبيعي مطلق لا ~~بشرط فهو مطابق للأعيان الموجودة في الخارج. # فإذا قيل الإنسان يطلق على هذا وهذا كان صحيحا بخلاف الكلي العقلي فإنه ~~يطلق بشرط الإطلاق وذاك إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان فلا يطابق ما ~~في الخارج بل هو من باب المقدرات الذهنية كما يقدر في الذهن ما يمتنع وجوده ~~في الخارج مثل الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين. # فإذا قدر أن الشيء موجود معدوم أو لا موجود ولا معدوم فهذا التقدير لا ~~يكون إلا في الذهن ولا يكون في الخارج والذين ظنوا أن هذا الكلي ms357 يكون في ~~الخارج مقارنا للموجودات المعينة أو مفارقا لها فقد غلطوا في ذلك كما غلط ~~أمثالهم من المتفلسفة فإن هؤلاء المتفلسفة كثيرا ما يغلطون فيظنون ما هو ~~موجود في الأذهان موجودا في الخارج مثل غلط أولهم فيثاغورس وشيعته في ~~الأعداد المقارنة المطلقة المجردة حيث ظنوا أنها تكون في الخارج مجردة عن ~~المعدودات والمقدورات ومثل غلط أفلاطون وشيعته في الطبائع الكلية كالإنسان ~~الكلي والحيوان الكلي حيث ظنوا أنها تكون في الخارج كليات مجردة عن الأعيان ~~أزلية أبدية لم تزل ولا تزال وقالوا ذلك في الزمان والمكان والمادة فظنوا ~~أن في الخارج جوهرا عقليا أزليا أبديا غير الأجسام وأعراضها وجوهرا مثالا ~~أزليا أبديا غير الأجسام وحركاتها ومقدار حركاتها وظنوا وجود مادة عقلية ~~مجردة عن جميع الصور هي المادة الأولية التي يثبتها هؤلاء. # PageV02P279 # وقد خالفهم أصحابهم كأرسطو وشيعته والمتأخرون الذين سلكوا خلفه كالفارابي ~~وابن سينا وردوا على متقدميهم وقالوا إن الفلسفة كانت نية فأنضجت فإن ~~مبدأها إنما هو النظر في الطبيعيات ثم انتزعوا من الأمور الطبيعية هذه ~~الكلية العقلية وظنوا وجودها في الخارج. # فرد عليهم هؤلاء وأصابوا في الرد ثم جعل هؤلاء هذه الماهيات العقلية ~~موجودة في الخارج مقارنة للموجودات الحسية الطبيعية فاثبتوا مادة عقلية مع ~~الجواهر الحسية وأثبتوا ماهية مجردة كلية مقارنة للأعيان وقالوا هذه ~~الماهيات غير الوجود وأسباب الماهية شيء وأسباب الوجود شيء فإنا نعقل ~~المثلث قبل أن نعلم وجوده وقالوا هذه الماهية يغشاها غواش غريبة حسية ~~وخيالية. # وقسموا في منطقهم اليوناني المتلقي عن معلمهم الأول أرسطو الذي هو صاحب ~~تعاليم المنطق والطبيعي والإلهي قسموا الصفات اللازمة للموصوف إلى ذاتي ~~داخل في الماهية مقوم لها وإلى عرضي خارج عن الماهية ثم العرضي قسموه إلى ~~لازم للماهية وإلى لازم لوجودها لما فرقوا بين الوجود والماهية وإلى عارض ~~لها إما بطيء الزوال أو سريع الزوال. # وهذا التقسيم وما بنوه عليه من الحدوث مما أنكره عليهم جمهور النظار من ~~المسلمين وغيرهم وبينوا ما بينوه من خطئهم فيه كما قد بسط الكلام عليهم في ~~مواضع. ms358 # والمقصود هنا التنبيه على منشأ غلطهم أما تقسيم الصفات إلى لازم للموصوف ~~وإلى غير لازم فهذا حق وهو تقسيم نظار المسلمين يقسمون الصفات إلى لازم ~~وعارض فإن الحيوانية الناطقية والضاحكية لوازم للإنسان بخلاف العربية ~~والعجمية والسواد والبياض والشباب والمشيب والإسلام والكفر. # PageV02P280 # وأما تقسيم الصفات اللازمة إلى ثلاثة أنواع: نوع داخل في الماهية ونوع ~~خارج عنها والخارج على قسمين: لازم لها ولوجودها ودعوى أن الماهية مركبة من ~~الصفات الداخلة فيها وهي الذاتية وهو الجنس والفصل كالحيوان والناطق وأن ~~الإنسان مركب منهما وأن الحدود الحقيقية لا تصح إلا بذكر الصفات الذاتية ~~المشتركة وهي الجنس والمميزة وهي الفصل وبهما يتم النوع المركب كما يتم ~~الإنسان بالحيوان والناطق فهذا من الخطأ الذي أنكره عليهم نظار المسلمين ~~كما قد كتبنا بعض كلام النظار في ذلك في غير هذا الموضع في الكلام على ~~المحصل وعلى منطق الإشارات وعلى المنطق اليوناني مصنف كبير ومصنف مختصر ~~وغير ذلك. # وذلك أن لفظ الماهية والوجود قد يعني بالماهية ما يتصور في الذهن ~~وبالوجود ما يكون في الخارج وهذا حق لم ينازع فيه نظار المسلمين ولا ريب أن ~~الماهية المتصورة في الذهن ليست عين الموجود في الخارج ولكن ما يتصور في ~~الذهن إذا كان مطابقا لما في الخارج كان علما كما أن القول الذي يكون معناه ~~في الذهن ولفظه في اللسان إذا طابق ما في الخارج كان صدقا وليس نفس القول ~~هو المقول الذي في الخارج فكذلك إذا تصورنا ماهية شيء من الأشياء في أنفسنا ~~فما في النفس من التصور يطابق ما في الخارج لا أن هذا عين ذلك فمن قال إن ~~الماهية غير الوجود وأراد بالماهية الصورة العلمية الذهنية وبالوجود ما ~~يوجد في الخارج فقد أصاب وأما إذا عنى بالماهية والوجود جميعا # PageV02P281 # ما هو ثابت في الخارج أو عنى بهما جميعا ما هو متصور في الذهن وقيل إن في ~~الذهن شيئين ماهية ووجودها أو في الخارج شيئان ماهية ووجودها فهذا خطأ. # وبهذا التفصيل يزول الاشتباه والنزاع الموجود في أن الماهية ms359 هل هي غير ~~وجودها أم لا فمن لم يفصل هذا التفصيل فإما أن يحار ويقف كالآمدي ونحوه ~~وإما أن يختلف كلامه ويتناقض كالرازي ونحوه أو يصر على الباطل إذا نصر أحد ~~القولين كبعض المتكلمين والمتفلسفة. # والمقصود هنا التنبيه على مثار غلطهم وهو أنهم يتوهمون ما في الذهن ~~موجودا بعينه في الخارج كما توهموا ذلك في هذه الكليات إما مجردة على رأي ~~قدمائهم أصحاب المثل الأفلاطونية وأصحاب فيثاغورس وإما مقرونة بالموجودات ~~على رأي متأخريهم كشيعة أرسطو ولهذا كان ما يثبتونه من المجردات المفارقة ~~للمادة ليس يسلم لهم منها شيء إلا نفس الإنسان إذا فارقت بدنه فإنها تكون ~~مفارقة لبدنه بالموت وإنما سموا ما سواها مجردا مفارقا للمادة من هذا ~~الباب. # فما أثبتوه من العقول العشرة المحركات المفارقات التي ليست جسما ولا ~~متعلقة بجسم ويعبرون عن الجسم بالمادة فيقولون لا في مادة ولا متعلقة ومن ~~النفوس الفلكية التسعة التي ليست في جسم ومادة لكنها متعلقة بالمادة التي ~~هي الجسم تعلق التدبير والتصريف. # PageV02P282 # وهذا التفريق عندهم بين قسمي النفس والعقل أصله من نفس الإنسان فإنها ~~تارة تكون في بدنه مدبرة له فتسمى نفسا وتارة تفارقه فتسمى عقلا عندهم ~~لأنهم عقلت العقليات التي صارت بها عالما معقولا مطابقا للموجود ولهذا سموا ~~العقول العشرة عقولا والنفوس الفلكية نفوسا وهم مختلفون هل هي أعراض في جسم ~~أم هي مجردات؟ على قولين. # وإذا أعطى النظر والبحث حقه وكشف حقيقة ما يقولونه في هذا الباب وأزيلت ~~الشبه عن الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة لم يكن عند القوم من المعقولات ~~المجردة إلا ما هو معقول للإنسان في نفسه مثل الكليات كالإنسانية ~~والحيوانية والوجود العام المشترك ونحو ذلك وإما شيء موجود في نفسه خارج ~~يكون من المعقولات التي أثبتوها فهذا لا حقيقة له. # ولهذا غلط من ظن أن عالم المعقولات التي يثبتونها هو الغيب الذي أخبرت به ~~الرسل صلوات الله عليهم أجمعين كما يذكر مثل ذلك جماعة ممن رام أن يجمع بين ~~ما قالوه وبين ما أخبرت به الرسل كما يوجد ms360 مثل ذلك في كلام الشهرستاني وأبي ~~حامد والرازي وغيرهم فإن ما أثبتوه من العقليات يجعلون فيه الفرق بين ~~العالم العقلي والحسي هو الفرق بين الغيب والشهادة وليس الأمر كذلك فإن ~~المعقولات التي يثبتها هؤلاء إنما هي معقولات في نفس الناس وهو عرض قائم ~~بنفسه. # فأما ما يدعونه من عالم معقول يمتنع أن يكون محسوسا بحال فهذا ليس لهم ~~عليه دليل ولهذا لما احتاجوا إلى إثبات ذلك أثبتوه # PageV02P283 # بالكليات كما فعله ابن سينا في إشاراته أو بموجودات لا يحسها الإنسان لا ~~لامتناع الإحساس بها مطلقا بل لأسباب أخر. # وأما ما أخبرت به الرسل من الغيب فليس هو معقولا مجردا في النفس ولا هو ~~موجود في الخارج لا يحس به بحال بل هو مما يحس به كما أخبرت بالملائكة ~~والجن وغير ذلك وكل ذلك مما يجوز رؤيته والإحساس به. # وكذلك ما أخبرت به من الجنة والنار هو مما يحس به وكذلك الرب تبارك ~~وتعالى وتقدس وتعظم تجوز رؤيته بل يرى بالأبصار في الآخرة في عرصات القيامة ~~وفي الجنة كما تواترت بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق عليه ~~سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين. # ولهذا فرقت الرسل بين هذا وذاك فإن هذا شهادة أي مشهود لنا محسوس الآن ~~وذاك غيب أي غائب عنا الآن لا نشهده وهذا فرق إضافي باعتبار حالنا في شهوده ~~الآن وعدم شهوده فإذا متنا صار الغيب شهادة وشهدنا ما كانت الرسل أخبرت به ~~وكان غيبا عنا. # قال تعالى: {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} ~~(سورة ق 22) . # وقال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} (سورة الأنعام 30) . # PageV02P284 # وقال تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} (سورة الأحقاف 34) . # وقال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل إنما العلم عند ~~الله وإنما ms361 أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا ~~الذي كنتم به تدعون} (سورة الملك 25 27) . # وقال تعالى: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو ~~نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا ~~بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا} (سورة الفرقان 21 22) . # وقال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ~~قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ~~فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} (سورة ~~النساء 97 99) . # وقال تعالى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد} (سورة الأنفال 50 51) . # وقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال # PageV02P285 # أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ~~عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} ~~(سورة الأنعام 93) وقال: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ~~ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ~~لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} وبالجملة الملائكة الذين أخبر رسل ~~الله عنهم كما ذكرهم الله في القرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من أخبار ~~الأنبياء من تدبر بعض ما ذكر عنهم وما تقوله المتفلسفة في المجردات العقول ~~العشرة والنفوس التسعة علم بالاضطرار أن هذا مباين لهم من وجوه كثيرة وأن ~~كل من رام من القرامطة الباطنية أو باطنية أهل الكلام والتصوف أن يجعل هذا ~~مكان هذا ويجمع بين ما أخبرت به الرسل وما ذكرته الفلاسفة كان من أجهل ~~الناس إن لم يعرف وأعظمهم تعمدا للكذب إن عرف. # والجمع بين هذا وهذا أبعد من ms362 الجمع بين شريعة التوراة بعد النسخ والتبديل ~~وبين شريعة القرآن فإن هؤلاء يزعمون أن العقل الأول أبدع كل ما سوى الرب ~~وكل ما سواه معلول مربوب له والعقل الفعال أبدع كل ما تحت السماء وهو معلول ~~ومربوب له وهذا مما يعلم صبيان المسلمين أنه تكذيب صريح لما جاءت به الرسل ~~ليس في كلام الرسل أن ملكا # PageV02P286 # من الملائكة خلق كل ما سوى الله ولا خلق جنسا من المخلوقات ولا كان ~~قديما. # بل قد ثبت في الصحيح عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم". # وقال سبحانه: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون} (سورة الأنبياء 26 27 28) . # وقال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} (سورة آل عمران 80) . # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} (سورة الإسراء 56 57) قال طائفة من ~~السلف: "كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فأخبرهم الله تعالى أن ~~هؤلاء الذين يدعونهم من الملائكة والأنبياء هم عباد الله كما أنتم عباده ~~يرجون رحمته كما ترجون رحمته ويخافون عذابه كما تخافون عذابه ويتقربون إليه ~~كما تتقربون إليه. # وهؤلاء زعموا أن الشفاعة إنما هي بأن يتوجه الإنسان إلى روح # PageV02P287 # مفارق فيفيض عليه من ذلك الروح وذلك الروح قد فاض عليه الأمر من الرب ~~وشبهوا ذلك بشعاع الشمس إذا وقع على مرآة ثم وقع شعاع المرآة على غيره وقد ~~ذكر هذا المعنى ابن سينا والغزالي في المضنون به على غير أهله وغيرهما ممن ~~بني على أصلهم الفاسد إذ كانوا لا يرون أن الله يسمع كلام عباده ولا يعلم ms363 ~~ما في نفوسهم ولا يقدر أن يغير شيئا من العالم ولا له مشيئة يفعل بها من ~~يشاء فأثبتوا الشفاعة على هذا الوجه. # وهذه شر من الشفاعة التي يثبتها مشركو العرب والنصارى والمبتدعون من ~~المسلمين ونحوهم ممن يقول إن الله فاعل مختار فإن هؤلاء يثبتون شفيعا يشفع ~~إلى الله فيقضي حاجته وجعلوا شفيعهم من جنس الذي شفع عند الملوك. # فأبطل الله سبحانه وتعالى ذكر ذلك وكفر من أثبت هذه الشفاعة فقال تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} (سورة يونس ~~18) . # وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} (سورة الأنعام 51) . # وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} (سورة ~~السجدة 4) . # PageV02P288 # وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (سورة البقرة 255) . # وقال عن الملائكة: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} سورة ~~الأنبياء 28) . # وقال: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشاء ويرضى} (سورة النجم 26) . # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} (سورة ~~سبأ 22) . # وقال تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} (سورة سبأ 23) . # وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية بأن ~~الملائكة إذا سمعوا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا أزيل الفزع عنهم: {قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} (سورة سبأ 23) . # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم ~~لا بيع فيه ولا خلة ms364 ولا شفاعة} (سورة البقرة 254) . # PageV02P289 # وقال تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} (سورة البقرة 48) . # والناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من ~~الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة ~~المعروفة في الدنيا. # والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أهل ~~الكبائر. # وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل ~~الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله ويحد له حدا كما في ~~الحديث الصحيح حديث الشفاعة أنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ~~وعيسى فيقول لهم عيسى اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر قال: "فيأتوني فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمد ربي ~~بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع ~~تشفع فأقول أي رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أنطلق فأسجد فيحد لي ~~حدا" ذكر هذا ثلاث مرات. # PageV02P290 # وفي الصحيح أن أبا هريرة قال لرسول الله: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم ~~القيامة؟ قال: "يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول ~~منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: ~~لا إله إلا الله خالصا من قلبه " فبين صلى الله عليه وسلم أن أسعد الناس ~~بشفاعته في الآخرة أعظمهم إخلاصا لله وتوحيدا له في الدين. # وذلك أنه من يشفع عنده بغير إذنه كان الشافع شريكا له في العقل ولهذا سمي ~~الشفيع شفيعا لأنه يشفع للطالب كما قال تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له ~~نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} (سورة النساء 85) فكل من ~~أعان غيره على أمر فهو شافع له والشافع عند غيره تؤثر فيه حركة تغير ~~اختياره ويكون شريكا له في المطلوب والله منزه ms365 عن ذلك كله. # PageV02P291 # وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأسعد الناس ~~بالمغفرة التي تنال بالشفاعة وغير الشفاعة أعظمهم إخلاصا له لا من كان فيه ~~شرك يرجو غير الله ويسأل غير الله ويعبد غير الله كما يفعل المشركون الذين ~~اتخذوا من دون الله شفعاء سواء كانوا ملائكة أو أنبياء أو صالحين أو من يظن ~~فيهم الصلاح فيسألونهم ويستغيثون بهم إما في مغيبهم وإما عند قبورهم. # وكثيرا ما يتمثل لهؤلاء المشركين صورة ذلك الشخص المستغاث به ويكون ذلك ~~شيطانا تمثل على صورته ليضل ذلك المستغيث به المشرك كما كانت الشياطين تكلم ~~الناس من الأصنام وكما يقع كثير من ذلك في أرض الشرك أرض الصين والترك ~~والهند والغرب والجنوب والشمال يرون أحيانا أن ميتهم قد جاء وحدثهم بأمور ~~وقضى لهم حوائج فيظنونه قد عاش بعد موته وإنما هو شيطان قد تمثل على صورته ~~ومنهم من يصنع قربانا للشيطان ويقرب له ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه ~~ويغنون غناء يناسبه ويأتون بشيخ لهم يناسب ذلك الشيطان فيسقونه الدم أو ~~يفعل به الفاحشة أو ينطق بالكفر الذي يختاره الشيطان ثم يتكلم الشيطان إما ~~منفردا وإما على لسان ذلك الشيخ ببعض ما يريدونه وربما صعد الشيخ في الهواء ~~وهم يرونه وقد يحمل للشيطان بعض هؤلاء الشيوخ الذين لهم حال شيطاني فيطير ~~به في الهواء فيذهب به إلى مكان آخر وربما مشى به على الماء لكن لا بد أن ~~يكون الشيخ عاصيا لله ورسوله وكلما كان أفجر وأكفر كان أقرب له إلى ~~الشياطين. # PageV02P292 # كما قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} ~~(سورة الشعراء 221-222) . # وإذا كان من أولياء الله المتقين المطيعين لله ورسوله هربت منه هذه ~~الشياطين وكان أعوانه جند الله من الملائكة والجن المؤمنين وغيرهم وقد يطيع ~~الشياطين لولى الله في بعض ما يأمر به من طاعة الله ورسوله تعظيما له ~~وإكراما له لا طاعة لله ولرسوله فهذا يقع كثير ولكن لم ms366 تسخر الجن والشياطين ~~تسخيرا مطلقا لغير سليمان عليه السلام وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا ~~الموضع. # والمقصود هنا أن هؤلاء الفلاسفة كثيرا ما يظنون الأمور الذهنية المتصورة ~~في الذهن حقائق ثابتة في الخارج وهذا الأمر غالب عليهم كثير في كلامهم ومن ~~تفطن له تبين له وجه غلطهم في كثير من مطالبهم مع أنهم لهم عقول ونظر ~~وفضيلة بالنسبة إلى أتباعهم لا إلى أتباع الرسل. # وعلم القوم الذي كانوا يعرفونه هو الطب والحساب فلهم في الطبيعيات كلام ~~كثير جيد والغالب عليه الجودة وكذلك في الحساب في الكم المنفصل والكم ~~المتصل وفيهم خلاف كثير في علم الهيئة وحركات الكواكب ومقاديرها وكذلك في ~~سائر علومهم هم أكثر الطوائف اختلافا. # وإذا قال أبو عبد الله الرازي: "اتفقت الفلاسفة" فإنما عنده ما ذكره ابن ~~سينا في كتبه وكذلك كلام المشائين أتباع أرسطو وإلا فالفلاسفة أصناف مختلفة ~~وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتابه # PageV02P293 # الكبير في المقالات لما ذكر مقالات غير الإسلاميين وكذلك أبو عيسى الوراق ~~والقاضي أبو بكر بن الطيب وغيرهم ممن يحكي مقالات الناس ويناظرهم ذكروا من ~~أقوال الفلاسفة اختلافهم ما يكون كلام المشائين فيه قليل من كثير. # وإذا كان غاية فلسفتهم إنما هو العلم بكليات لا وجود لها في الخارج إنما ~~يوجد في الخارج أشخاص معينة وتلك الكليات لا وجود لها في الخارج فليس هناك ~~شيء يلائم النفس حتى تكون النفس كاملة سعيدة بمعرفته فتبين أن ما ذكروه من ~~كمال النفس وسعادتها بعد الموت خطأ وضلال. # الوجه الحادي عشر: أن الكليات هي مطابقة لجزئياتها فإذا كانت الجزئيات ~~تقبل التغير من حال إلى حال لم تكن الكليات ثابتة على حال فلا يكون العلم ~~بها علما بشيء باق وكل مخلوق فإنه يقبل التغير من حال إلى حال على ما أخبرت ~~به الرسل ودلت عليه العقول وإذا لم يكن في الموجودات كليات عقلية أزلية ~~أبدية لا تقبل التغير فيبقى ما في النفس من هذه الكليات المتعلقة ~~بالمخلوقات جهلا لا علما وذلك مثل الكليات الطبيعية وهو أن ms367 النار تحرق فإن ~~هذا له شروط وموانع فقد لا تحرق لفوات الشروط أو وجود المانع وليست الموانع ~~أمرا محدودا فلا يمكن العلم القاطع أن كل نار تحرق بالفعل لما من عادته أن ~~تحرقه ثم هم يدعون قدم الأفلاك وبقائها وكذلك العقول والنفوس. # PageV02P294 # فيقال: هذه أمور معينة لا كلية فإذا كانت النفس تبقى ببقاء معلومها ~~فالمعلوم الباقي الأزلي الأبدي الذي لا ريب في بقائه وقدمه وهو رب العالمين ~~فالسعادة والكمال في معرفته وعبادته وهذا هو العلم الأعلى الذي هو علم ~~بالرب الأعلى ليس العلم هو العلم بوجود مطلق وأقسامه كما قوله هؤلاء ومن ~~تبعهم حتى أدخل ذلك في أصول الفقه الرازي ونحوه ويحيلون بالبرهان على العلم ~~الأعلى الناظر في الوجود ولواحقه. # وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع على كلامهم في الحد والبرهان وبينا ~~ما عليه نظار المسلمين في الحد وأن المقصود به التمييز للمحدود من غيره ~~فمقصوده تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال سواء كان حد الشيء اسم وهو الحد ~~بحسب الاسم أو لشيء موجود وهو الحد بحسب الحقيقة وهذا الحد يحصل بالعرف ~~المطابق للمحدود في العموم والخصوص بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ~~ومن عدمه عدمه فيكون الحد مطردا منعكسا كالاسم مع المسمى. # وأما ما يدعونه هم من أن الحد يحصل به معرفة حقيقة المحدود في الخارج ~~وأنه يكون بالصفات الذاتية الداخلة في الحدود المركبة من الجنس والفصل فهذا ~~مما تكلم نظار المسلمين على خطئهم فيه من وجوه كما بيناه في موضعه وبينا أن ~~قولهم إن الإنسان مركب من الجنس والفصل إن أريد به تركيب ما في الذهن فهذا ~~صحيح فإن الإنسان إذا تصور في نفسه حيوانا ناطقا كان ما تصوره مركبا من هذا ~~وهذا وإن # PageV02P295 # تصور حيوانا ضاحكا كان ما تصوره مركبا هذا وهذا وكان لفظه دالا على ما ~~تصوره بالمطابقة وعلى بعضه بالتضمن وعلى الخارج عنه اللازم له بالالتزام ~~فالمجموع هو مجموع الماهية التي تصورها في نفسه وجزؤها هو جزء الماهية وهو ~~المدلول عليه بالتضمن والخارج ms368 عنها اللازم لما هو اللازم للماهية المقصودة ~~في الذهن فيعود تمام الماهية وجزؤها الداخل ولازمها الخارج إلى ما دل عليه ~~بالمطابقة والتضمن والالتزام هذا هو الذي يتحصل من هذا كما حرره من حرره ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع. # وأما أن تكون صفات الموصوف اللازمة بعضها داخل في ماهيته الخارجة وبعضها ~~خارج عن ماهيته الخارجة فهذا باطل وما ذكروه من الفروق الثلاثة بين الذاتي ~~المقوم والعرضي اللازم قد اعترفوا هم ببطلانها وقد بين بطلانها بالدليل. # وما ذكروه من الوسط بين بعض اللوازم وبعضها أراد به أئمتهم كابن سينا ~~ونحوه أنه الدليل كما يقولون الحد الأوسط فجعلوا من الذات ما يعلم بلا دليل ~~ومنها ما لا يعلم إلا بالدليل وهذا فرق يرجع إلى علم العالم بها لا إلى ~~حقيقة هي علمها في نفس الأمر فظن من ظن من متأخريهم أنهم أرادوا بالوسط أن ~~الصفات اللازمة تارة يتصف بها الموصوف بنفسها وتارة يكون بينه وبينها وسط ~~في هذا الاتصاف. # PageV02P296 # واضطربوا هنا اضطرابا يظهر به أن القوم في ظلمات بعضها فوق بعض فكلام ~~سلفهم فيه خطأ كثير وقد حصل في النقل والترجمة ما حصل من الخطأ ويزيده ~~متأخروهم خطأ فصاروا في شر من دين اليهود والنصارى فإن ذاك أصله حق جاء من ~~عند الله ولكن هم بدلوا وغيروا وهؤلاء كان الأصل فاسد وكثر الفساد في ~~الفروع فإن حاصل ما انتهى إليه أرسطو في الإلهيات فيه من الفساد ما لا يسعه ~~هذا الموضع والقوم من أجهل الناس بذلك وفيه من الغلط أكثر مما في ~~الطبيعيات. # وهذا إذا اقتصر على الفلسفة الموروثة عن أولئك ولكن المنتسبون إلى ~~الإسلام منهم والعربية صار لهم بسبب ما استفادوه من المسلمين من العقليات ~~الصحيحة والمعارف الإلهية ما صاروا به خيرا من أوليهم وأعلم وأعقل ولهذا ~~يوجد في كلام ابن سينا وأمثاله من تحقيق الأمور الإلهية والكليات العقلية ~~ما لا يوجد لأوليهم وإن كان هو وأمثاله عند أهل الإيمان بالله ورسوله من ~~جملة المرتدين والمنافقين. # وإذا قالوا الإنسان مركب ms369 من الحيوان والناطق أو من الحيوانية والناطقية ~~فإن أرادوا انه مركب من جوهرين لزم أن يكون كل موصوف بصفات لازمة ذاتية ~~مركبا من جواهر كثيرة فيكون في الإنسان جوهر هو جسم وجوهر هو حساس وجوهر هو ~~نام وجوهر هو متحرك بالإرادة وجوهر هو ناطق وهذا مما يعلم كل عاقل أنه فاسد ~~وإن أرادوا أنه مركب من عرض فالجوهر كيف يتركب من الأعراض وكيف تكون ~~الأعراض قائمة به مقومة له سابقة عليه وتكون هي أجزاءه وهل تكون قط # PageV02P297 # صفة موصوف متقدمة عليه بوجه من الوجوه لا سيما وهم يثبتون تقدما في ~~الخارج لكنه تقدم كلي مثلما يدعونه من تقدم العلة على المعلول. # وكلامهم في هذا أيضا فاسد فإنه لا يعرف قط أن الفاعل متقدم على مفعوله ~~إلا تقدما حقيقيا بحيث يكون الفعل بعده حقيقة وهو الذي يسمونه تقدم بالزمان ~~وسواء سمي الفاعل علة أم لم يسم. # وأما قول القائل: حركت يدي فتحرك الخاتم فحركة اليد ليست علة فاعلة لحركة ~~الخاتم بل المحرك لليد هو المحرك للخاتم والخاتم في اليد كأصبع في يد وليست ~~حركة الكف علة لحركة الأصبع ولكنهما متلازمان لما بينهما من الاتصال. # وقد بين هذا في موضعه وبين أن ما يدعونه من الفاعل الموجب بالذات الذي ~~يكون مفعوله مساوقا له بالزمان مما اجتمع الأولون والآخرون من جميع طوائف ~~العقلاء على فساده حتى أرسطو وأتباعه من الفلاسفة المتقدمين وإنما قال هذا ~~بعض المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين ادعوا أن الممكن بنفسه الذي يقبل ~~الوجود والعدم يكون بنفسه قديما أزليا واجبا بغيره. # وهذا قول شرذمة منهم وأما جمهور الفلاسفة القائلون بقدم العالم كأرسطو ~~وأتباعه والقائلون بحدوثه فكلهم ينكرون هذا كما ينكره سائر # PageV02P298 # العقلاء ويقولون الممكن لا يكون إلا محدثا فكل ما كان ممكنا يقبل أن يكون ~~موجودا ويقبل أن يكون معدوما لم يكن إلا حادثا كما قد بسط في موضعه. # وحينئذ فإذا قالوا النفس تبقى ببقاء معلومها فليس من المعلومات المشهودة ~~ما هو باق أبدا لا يستحيل من حال إلى حال ms370 ولا في المعلومات الموجودة التي ~~يعلمون وجودها بالبرهان عندهم ما هو باق أزلا وأبدا لا يستحيل من حال إلى ~~حال إلا الله وحده وما يثبتونه من العقول والنفوس ليس له حقيقة إلا في ~~الوجود الذهني لا الخارجي وأما نفوس بني آدم وإن كانت باقية فهي العالمة ~~التي تكمل وتبقى ببقاء معلومها. # والمقصود أي ليس لها موجود معلوم يعلم بالبرهان بقاؤه أزلا وأبدا ليبقى ~~ببقائه إلا الله وحده وإذا قالوا تصير عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود ~~فهذا العالم ليس ثابتا على حال من الأحوال بل هو يستحيل من حال إلى حال. # أما على القول الحق فإن الأفلاك مخلوقة ومستحيلة وأما على زعمهم بأنها ~~أزلية أبدية فليست كلية إنما هي أشياء معينة فهي من قبيل الحسيات لا من ~~قبيل المعقولات الكلية ولهذا لما قال من قال منهم كابن سينا ونحوه إن الرب ~~لا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي وقال إنه يعلم نفسه ويعلم ما يصدر عنه ~~صار متناقضا فإنه سبحانه معين وما يصدر عنه معين والعقول معينة لا كلية ~~والأفلاك معينة لا كلية # PageV02P299 # فكيف يقال: لا يعلم إلا الكليات ويقال مع ذلك إنه يعلم ما يصدر عنه. # ولهذا كان هذا مما احتج به عليه المسلمون المثبتون للصفات واستدركه عليه ~~أتباعه كالطوسي فأما المسلمون فقالوا كلامه صريح بإثبات كثرة المعلوم وهو ~~دائما يفر من الكثرة وأما الطوسي فلما رأى هذا لازما أنكره على ابن سينا ~~وادعى أن علمه بالمعلومات هي نفس المعلومات وزعم أنه حقق هذا وهذا من أفسد ~~ما قيل في العالم وأبعده عن العقل. # ولقد كان الناس يعجبون ويسخرون من قول الفلاسفة إن العلم هو العالم ~~والعلم هو القدرة فيجعلون هذه الصفة هي الأخرى ويجعلون الصفة هي الموصوف ~~فإن فساد هذا من أبين الأمور في العقل والعلم بفساده ضروري فجاء هذا ~~المتأخر منهم ففر إلى ما هو شر من ذلك فقال بل العلم نفس المعلومات وهذا ما ~~عرفت أحدا من العالمين سبقه إليه وهم يدعون معرفة العقليات وهذا كلامهم في ms371 ~~رب العالمين لا يقوله إلا من هو من أضل الناس. # وهم إنما قالوا ما قالوه فرارا من كثرة الصفات وفرارا من حلول الحوادث ~~ولهذا كان كثير من أساطينهم أو أكثرهم وكثير من متأخريهم كأبي البركات ~~يخالفونهم في هذين الأصلين ويقولون بإثبات الصفات وبقيام الحوادث به كما قد ~~حكيت مقالاتهم فإن عامة الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو كانوا يقولون بحدوث ~~الأفلاك لكن # PageV02P300 # كانوا في المادة هل يقال بحوادث لا أول لها ولكل مادة مادة أو يقال بمادة ~~قديمة أو حديثة وأما صورة الفلك فكانوا يقولون بحدوثها كما أخبرت به الرسل ~~وأول من عرف عنه القول بقدمها أرسطو. # هذا ذكره غير واحد من أهل المقالات وبحث أرسطو في كتابه يدل على ذلك وقد ~~بسط الكلام على أرسطو نفسه وأقواله المنقولة عنه في الإلهيات وبين ما فيها ~~من قلة العلم وكثرة الجهل وأنهم من أبعد الناس معرفة برب العالمين. # PageV02P301 # والذي لا ريب فيه أنهم لا يؤمنون بالله ولا بملائكته ولا رسله ولا اليوم ~~الآخر ولا يدينون دين الإسلام الذي بعث الله به جميع الرسل وهو عبادة الله ~~وحده لا شريك له فإن هذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد من الأولين ~~والآخرين دينا غيره. # قال تعالى عن نوح: {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ~~فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله ~~وأمرت أن أكون من المسلمين} (سورة يونس 71-72) . # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أول رسول بعث إلى أهل ~~الأرض وأنه قال: {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} (سورة الزمر 12) . # PageV02P301 # وقال تعالى عن إبراهيم: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ms372 لكم ~~الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (سورة البقرة 130 132) . # وقال: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان ~~من المشركين} (سورة آل عمران 67) . # وقال: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} (سورة ~~النحل 120) . # وقال: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين} (سورة الأنعام 161) . # PageV02P302 # وقال عن قوم موسى: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين} (سورة يونس 84) . # وقال عن سحرة فرعون: {قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} (سورة ~~الشعراء 47-48) إلى قوله: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول ~~المؤمنين} (سورة الشعراء 51) وقال في الآية الأخرى: {ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين} (سورة الأعراف 126) . # وقال عن يوسف الصديق: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} (سورة يوسف 101) . # وقال عن بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} ~~(سورة النمل 44) . # وقال عن أنبياء بني إسرائيل: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (سورة المائدة ~~44) . # وقال عن الحواريين: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا ~~آمنا واشهد بأننا مسلمون} إلى قوله: {ونكون عليها من الشاهدين} (سورة ~~المائدة 111-112) . # فهذه الرسل وأممهم من نوح إلى الحواريين كلهم على الإسلام # PageV02P303 # وكذلك كل من كان قبلنا من أهل السعادة فهو مؤمن قال تعال: {إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (سورة البقرة 62) ~~وفي الآية الأخرى: {والصابئون والنصارى} (سورة المائدة 69) فإن النصارى ~~أفضل من الصابئين فلما قدموا عليهم نصب لفظ الصابئون ولكن الصابئون أقدم في ~~الزمان فقدموا ها هنا لتقدم زمنهم ورفع اللفظ ليكون ذلك عطفا على المحل ms373 فإن ~~المعطوف على المحل مرتبته التأخير ليشعر أنهم مؤخرون في المرتبة وإن قدموا ~~في الزمن واللفظ. # وهو سبحانه ذكر في سورة الحج ملل العالم فقال: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة إن الله على كل شيء شهيد} (سورة الحج 17) فأخبر أنه يفصل بين أهل ~~الملل أجمعين ولم يذكرهم هنا ليتبين المحمود منهم في الآخرة وفي سورة ~~البقرة والمائدة ذكر أربعة أصناف المسلمين والذين هادوا والنصارى والصابئين ~~ثم قال: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} (سورة البقرة 62) فدل على أن هذه الأربعة منهم من ~~آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وأولئك هم السعداء في الآخرة بخلاف من ~~لم يكن من هؤلاء مؤمنا بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وبخلاف من كان من ~~المجوس والمشركين فهؤلاء كلهم لم يذكر منهم سعيد في الآخرة. # PageV02P304 # وكذلك الإسلام العام قال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ~~أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (سورة البقرة ~~111 112) . # وقال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} (سورة النساء 125) . # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنا معاشر ~~الأنبياء ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه ~~نبي" ولهذا ترجم البخاري على ذلك (باب من جاء في أن دين الأنبياء واحد". # PageV02P305 # وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} (سورة الشورى 13) فقد أمر الرسل أن يقيموا الدين ~~ولا يتفرقوا فيه. # وقال في الآية الأخرى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني ms374 ~~بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم ~~بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} (سورة المؤمنون 51 53) فذم الذين ~~تفرقوا على الأنبياء فآمن هؤلاء ببعض وهؤلاء ببعض وهم الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا. # وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} (سورة الروم 30 31) . # وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (سورة ~~الأنعام 159) وقال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا ~~بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} (سورة النساء ~~150 151) . # PageV02P306 # وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ~~(سورة البقرة 213) قال ابن عباس: "وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ~~الإسلام" وقوله: {كان الناس أمة واحدة} أي على الحق وهو دين الإسلام ~~فاختلفوا كما ذكر ذلك في سورة يونس هذا قول الجمهور وهو الصواب. # PageV02P307 # وقد قيل: كانوا أمة واحدة على الباطل وهو من الباطل فدين الله تعالى الذي ~~ارتضاه لنفسه دين واحد في الأولين والآخرين وهو عبادة الله وحده لا شريك له ~~وهذا هو دين الإسلام وتنوع الشرائع كتنوع الشريعة الواحدة للشيء الواحد فإن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وأفضل المرسلين لا نبي بعده وقد بعث ~~بدين الإسلام ما زال الإسلام دينه وقد # PageV02P307 # أمر أولا باستقبال صخرة بيت المقدس ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة والدين ~~واحد وإن تنوعت الشريعة ms375 فكذلك قوله تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا ~~تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} (سورة المائدة ~~48) . # فما جعله الله لكل كتاب من الشرعة والمنهاج والمنسك لا يمنع أن يكون ~~الدين واحد فالذين كانوا يتمسكون بالتوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل ~~كانوا على دين الإسلام وإن كان لهم شريعة تختص بهم وكذلك المتمسكون ~~بالإنجيل قبل النسخ والتبديل على دين الإسلام وإن كان المسيح قد نسخ بعض ما ~~في التوراة وأحل لهم بعض الذي حرم عليهم وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعث ~~بدين الإسلام وإن نسخ الله ما نسخه كالقبلة ومن لم يتبع محمدا لم يكن مسلما ~~بل كافرا ولا ينفعه بعد أن بلغه دعوة محمد التمسك بما يخالف ما أمر به فإن ~~ذلك لا يقبل منه. # ولهذا لما أنزل الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} ~~(سورة آل عمران 85) قالت اليهود والنصارى نحن مسلمون فقال تعالى: {ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} (سورة آل عمران 97) فقالوا: لا نحج ~~فقال تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} (سورة آل عمران 97) وقد ~~روى الترمذي وغيره عن النبي # PageV02P308 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ملك زاد أو راحلة تبلغه إلى بيت الله ~~ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا". # وقال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات ~~الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} (سورة آل عمران 18-20) فأخبر سبحانه ~~أن الدين عنده هو الإسلام أولا وآخرا وهو دين واحد ثم بين أن أهل الكتاب ~~إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم ms376 العلم بغيا بينهم من بعضهم على بعض لا لأجل ~~طلب الحق. # وهذا كقوله تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (سورة البينة 4 5) . # PageV02P309 # وقال في الآية الأخرى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا ~~تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين ~~بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} (سورة الجاثية 16-19) . # والاختلاف المطلق الذي ذمه الله تعالى في القرآن أن تبتدع كل طائفة قولا ~~يلتبس فيه الحق والباطل فتخالف كل طائفة الطائفة الأخرى وتعاديهم وكلهم ~~مخالفون لما بعث الله به الرسل من دين الإسلام كاختلاف اليهود والنصارى في ~~المسيح وغيره واختلاف أهل الأهواء من هذه الأمة. # PageV02P310 # فإن الإسلام وسط في الملل بين الأطراف المتجاذبة والسنة في الإسلام ~~كالإسلام في الملل فالمسلمون في صفات الله تعالى وسط بين اليهود الذين ~~شبهوا الخالق بالمخلوق فوصفوا الخالق بالصفات التي تختص بالمخلوق وهي صفات ~~النقص فقالوا إن الله فقير وإن الله بخيل وإن الله تعب لما خلق العالم ~~فاستراح وبين النصارى الذين شبهوا المخلوق بالخالق فوصفوه بالصفات المختصة ~~بالخالق فقالوا هو الله. # والمسلمون وصفوا الخالق بصفات الكمال ونزهوه عن صفات النقص ونزهوه أن ~~يكون شيء كفوا له في شيء من صفات الكمال فهو منزه عن صفات النقص مطلقا ~~ومنزه في صفات الكمال أن يماثله فيها شيء من المخلوقات. # PageV02P310 # وكذلك هم في الأنبياء وسط فإن اليهود كما قال فيهم: {أفكلما جاءكم رسول ~~بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} (سورة البقرة 87) ~~وكذلك كانوا يقتلون الأنبياء ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس. # والنصارى غلوا فأشركوا بهم ومن هو دونهم ms377 قال الله فيهم: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} (سورة التوبة 31) . # والمسلمون آمنوا بهم كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم فإن الإيمان بجميع ~~النبيين فرض واجب ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم ومن سب نبيا من ~~الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء وفي استتابته نزاع قال تعالى: ~~{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون} (سورة البقرة 136) . # وقال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين} (سورة البقرة 177) . # وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا # PageV02P311 # إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} (سورة البقرة 285-286) والآية ~~الأخرى وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قرأ ~~الآيتين في آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وقد ثبت عنه في الصحيح "أنه ~~كان يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي الإخلاص {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو ~~الله أحد} وتارة يقرأ في الأولى بآية الإيمان التي في البقرة: {قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا} الآية وفي الثانية بآية الإسلام في آل عمران: {قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} إلى قوله تعالى: {فإن تولوا ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} (سورة آل عمران 64) . # وكذلك المسلمون وسط في النسخ فإن اليهود قالوا ليس لرب العالمين أن يأمر ~~ثانيا بخلاف ما أمر به أولا والنصارى جوزوا لرؤوسهم أن # PageV02P312 # يغيروا شريعة المسيح فيحللوا ما شاءوا ويحرموا ما شاؤوا والمسلمون قالوا ~~رب العالمين يأمر بما يشاء له الخلق والأمر وليس لأحد من الخلق أن يغير ~~دينه ولا يبدل شرعه ولكن ms378 هو يحدث من أمره ما يشاء فينسخ ما يشاء. # ويثبت ما يشاء وكذلك في الشرائع كالحلال والحرام فإن اليهود حرمت عليهم ~~طيبات أحلت لهم عقوبة لهم وعليهم تشديد في النجاسات يجتنبون أشياء كثيرة ~~طاهرة مع اجتناب النجاسة والنصارى لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله بل ~~يستحلون الخبائث ويباشرون النجاسات وكلما كان الراهب أكثر ملابسة للنجاسات ~~والخبائث كان أفضل عندهم والمسلمون أباح الله لهم الطيبات وحرم عليهم ~~الخبائث وهم وسط في سائر الأمور وليس هذا موضع بسط ذلك. # وكذلك أهل السنة في الإسلام فهم في الصحابة وسط بين الرافضة التي يغلون ~~في على فيجعلونه معصوما أو نبيا أو إلها وبين الخوارج الذين يكفرونه. # وهم وسط في الوعيد بين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة الذين ~~لا يجزمون بتعذيب أحد من فساق الأمة. # وهم في القدر وسط بين النفاة للقدر من المعتزلة وغيرهم وبين الجهمية ~~المثبتة الذين ينكرون حكمة الله في خلقه وأمره. # وهم في الصفات وسط بين المعطلة الذين ينفون صفات الله أو بعضها ويشبهونه ~~بالجماد والمعدوم وبين الممثلة الذين يمثلون صفاته # PageV02P313 # بصفات خلقه فيصفون الله بصفات خلقه فيصفون الله بما وصف به نفسه وبما ~~وصفه به رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ومن غير تكييف ولا تحريف. # فمن حيث بعث محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن الإسلام إلا ما أمر به لأن ~~الإسلام أن يستسلم العبد لله رب العالمين لا لغيره فمن استسلم له ولغيره ~~فجعل له ندا فهو مشرك قال الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} (سورة البقرة 165) . # ومن استكبر عن عبادة الله فلم يستسلم له فهو معطل لعبادته وهو شر من ~~المشركين كفرعون وغيره قال الله تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين} (سورة غافر 60) . # والإسلام إنما يكون بأن تعبد الله وحده لا شريك له وإنما يعبد بما أمر به ~~فكل ما أمر به فهو حين أمر به من دين الإسلام وحين نهى ms379 عنه لم يبق من دين ~~الإسلام كما كانت الصخرة أولا من دين الإسلام ثم لما نهى عنها لم تبق من ~~دين الإسلام فلهذا صار المتمسك بالسبت وغيره من الشرائع المنسوخة ليس من ~~دين الإسلام فكيف بالمبدل. # والله تعالى قط لم يرض له دينا غير الإسلام ولا أحد من رسله لا سيما خاتم ~~الأنبياء فإنه لم يرض من أحد إلا بدين الإسلام لا من # PageV02P314 # المشركين ولا من الذين أوتوا الكتاب وقوله تعالى: {قل يا أيها الكافرون ~~لا أعبد ما تعبدون} إلى آخرها وهي كلمة تقتضي براءته من دينهم وأن ديني لي ~~وأنتم بريئون منه ودينكم لكم وأنا بريء منه. # كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} (سورة يونس 41) فقوله: {لي عملي ~~ولكم عملكم} هو نظير قوله: {لكم دينكم ولي دين} وقرنه بمقتضاه وموجبه فقال: ~~{أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} . # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة: "هي براءة من الشرك" ~~ولهذا كان يقرأها كثيرا مع {قل هو الله أحد} في ركعتي الفجر وركعتي الطواف ~~وغيرهما لأن فيهما التوحيد هذه فيها توحيد العمل والإرادة وتلك فيها توحيد ~~القول والعلم وإذا قال في تلك {قل هو الله أحد} أحد فأمره أن # PageV02P315 # يقول ما هو خبر عن الله بأنه الأحد الصمد وقال في هذه: {قل يا أيها ~~الكافرون لا أعبد ما تعبدون} فأمره أن يقول أنه لا يعبد ما يعبدون من دون ~~الله إذ لا يعبد إلا الله وحده. # ومثل هذا المعنى قوله تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع ~~أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم} (سورة الشورى 15) أي لا ~~خصومة والحجة هي ما يحتج به الخصم وإن كان باطلا فليس من شرط لفظ الحجة أن ~~تكون حقا بل إذا كانت حقا سميت بينة وبرهانا ودليلا ولهذا ms380 قال تعالى: {لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} (سورة النساء 165) : {لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} (سورة البقرة 150) وهم المشركون يحتجون ~~عليكم بحجة باطلة فيقولون قد رجع إلى قبلتنا فيوشك أن يرجع إلى ديننا وبهذا ~~فسر الآية علماء الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن قال من المتأخرين إن إلا ~~بمعنى الواو وقالوا إن المراد لئلا يكون للناس عليكم حجة والذين ظلموا منهم ~~قولهم من الباطل الذي يظهر فساده من وجوه كثيرة. # PageV02P316 # وقال تعالى: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ~~ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} (سورة الشورى 16) وقال في الحق: {وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} (سورة الأنعام 83) . # وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "إنكم تختصمون ~~إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع فمن قضيت ~~له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعا من النار". # وقد قال طائفة من المفسرين أن هذه السورة منسوخة أي فيما ظنوها دلت عليه ~~من ترك القتال فإنهم ظنوا أن قوله: {لكم دينكم ولي دين} يتضمن ترك القتال ~~ومعلوم أن الله لم يأمر نبيه بمكة بالقتال بل إنما أمره بالقتال بالمدينة ~~وأول آية نزلت في القتال قوله: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله ~~على نصرهم لقدير} (سورة الحج 39) فأذن الله لهم أولا فيه ثم كتب عليهم ~~ثانيا فقال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} (سورة البقرة 216) . # PageV02P317 # وكتب عليهم قتال من لم يسالمهم فأما من سالمهم فلم يؤمروا بقتاله كما قال ~~تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} (سورة الأنفال 61) ~~وقال: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم ~~أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم ms381 السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} ~~(سورة النساء 90) . # ولهذا كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كثير من المشركين عهود ~~مطلقة ومؤقتة فالمؤقتة كانت لازمة والمطلقة لم تكن لازمة بل لكل منهما ~~فسخها فلما فتح الله مكة وغزا النبي صلى الله عليه وسلم تبوك سنة تسع من ~~الهجرة وهي آخر غزواته أمر فيها بغزو أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (سورة التوبة 29) . # ولما رجع من غزوة تبوك أنزل الله سورة براءة وذكر أحوال المنافقين بقوله ~~(ومنهم) ، (ومنهم) ولهذا تسمى الكاشفة والمبعثرة والفاضحة وأمر بنبذ العهود ~~المطلقة وتحريم الحرم على الكفار # PageV02P318 # فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الموسم وأمره أن ينهى ~~عن طواف العراة بالبيت وأن ينهى المشركين عن الحج ولهذا كان ينادي في ~~الموسم ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان وأتبعه بعلي بن أبي ~~طالب لأجل نبذ العهود إلى المشركين الذين كانت لهم عهود مطلقة وكان أبو بكر ~~هو الأمير على الموسم وعلي معه يصلي خلفه ويأتمر بأمره لكن أرسله النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه كان من عادة العرب أن العهود لا يعقدها ولا يحلها إلا ~~المطاع أو رجل من أهل بيته فخاف إن لم يبعث واحدا من أهل بيته أن لا يقبلوا ~~نبذ العهود ولم يرجع أبو بكر إلى المدينة ولا عزله عن شيء كان ولاه وما روى ~~من ذلك فهو من الكذب المعلوم أنه كذب. # وكان تأميره على علي بعد قوله لعلي في غزوة تبوك أما ترضى أن تكون مني ~~بمنزلة هارون من موسى كما قد بسط في موضعه فقال # PageV02P319 # الله تعالى في براءة: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين} (سورة التوبة 1) إلى قوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين} (سورة ~~التوبة ms382 4) إلى قوله: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} ~~(سورة التوبة 4) . # وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه لا يجوز أن يعاهد الكفار إلا إلى أجل مسمى ~~ثم اضطربوا فقال بعضهم يجوز نقضه ولا يكون لازما وقال بعضهم بل يكون لازما ~~لا ينقضي واضطربوا في نبذ النبي صلى الله عليه وسلم العهد والصحيح أنه يجوز ~~العهد مطلقا ومؤجلا فإن كان مؤجلا كان لازما لا يجوز نقضه لقوله: {فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم} (سورة التوبة 4) وإن كان مطلقا لم يكن لازما فإن ~~العقود اللازمة لا تكون مؤبدة كالشركة والوكالة وغير ذلك وقد بسط هذا في ~~غير هذا الموضع وسمي من قال كل قول. # والمقصود أن الله لما أنزل براءة وقال فيها: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين} (سورة التوبة 5) وهي الأربعة التي قال الله فيها: ~~{فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} (سورة التوبة 2) ليست الحرم التي هي ذو ~~القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وقد قال بعضهم هي هذه وغلط في ذلك قال: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم # PageV02P320 # واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم} (التوبة 5) وهذه تسمى آية السيف فأمر الله فيها بقتال ~~المشركين وأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. # ولهذا قال في آية الفتح: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون} (سورة الفتح 16) وهم الروم وفارس كانوا أشد بأسا من العرب ولا بد ~~من مقاتلتهم أو إسلامهم وإذا قوتلوا فإنهم يقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون بخلاف ما كان قبل آية الجزية فإنهم كانوا تارة يقاتلون وتارة ~~يعاهدون بلا جزية كما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والمشركين بلا ~~جزية وكانوا قد دعوا عام الحديبية إلى قتال من يقاتل أو يعاهد وبعد ذلك ~~يدعون إلى قتال من يقاتلون أو يسلمون ولم يقل أو يسلموا فإنه كان يكون ~~المعنى حتى يسلموا وقتالهم لا يجب إلى هذه الغاية بل إذا أعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون فقد قوتلوا ms383 القتال المأمور به. # ثم العلماء مختلفون بعد نزول آية الجزية هل تؤخذ من أهل # PageV02P321 # الكتاب ومن له شبهة كتاب دون غيره أو تؤخذ من كل كافر جازت معاهدته ~~والنبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يأخذها من العرب لأن قتالهم كان قبل ~~نزول آية الجزية أو يستثنى مشركو العرب فيها ثلاثة أقوال للعلماء مشهورة ~~والجمهور يجوزون أخذها من مشركي الهند والترك وغيرهم من أصناف العجم كما ~~يجوز الجميع معاهدة هؤلاء عند الحاجة أو المصلحة وهل يجوز أن يعاهدوا عهدا ~~مطلقا أو لا يكون إلا مؤقتا على قولين. # فلهذا يوجد كثير من المفسرين يقول في آيات يظن معناها النهي عن القتال ~~إنها منسوخة بآية السيف فالذين قالوا: {قل يا أيها الكافرون} منسوخة هذا ~~مأخذهم والصواب أن هذه الآية لم تتعرض للقتال لا بأمر ولا بنهي بل مضمونها ~~البراءة من دين الكفار وهذا أمر محكم لا ينسخ أبدا وأما أن يقال فيها أو في ~~غيرها رضي الرسول بدين كافر فهذا لم يقله أحد من علماء المسلمين أصلا ولا ~~أحد من سلف الأمة ولا من الأولين ولا من الآخرين ولا يقول ذلك إلا من هو ~~مفتقر # PageV02P322 # على الله ورسوله لم يرض الله بغير دين الإسلام وهو الذي بعث الله به ~~محمدا صلى الله عليه وسلم لم يرض الله ولا رسوله من أحد من الخلق بغير هذا ~~الدين قط وإن كان لم يأمر بجهادهم في أول الأمر لعجز المسلمين وقلتهم. # ولهذا لما استأذن الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة لما ~~بايعوه في الجهاد قال إني لم أومر بذلك بعد ثم لما كتب القتال كرهه بعضهم ~~فقال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد ~~خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} (سورة النساء 77) وهذه ~~الآية لبسطها موضع آخر. ms384 # والمقصود هنا ذكر ما يتعلق بالفلاسفة والفلسفة لفظ يوناني ومعناها محبة ~~الحكمة والفيلسوف في لغتهم محب الحكمة ولهذا يقولون سوفستيا أي حكمة مموهة ~~ثم كثرت في الألسنة فقيل سفسطة أي حكمة مموهة وأما ما يقوله طائفة ممن يحكي ~~مقالات الناس إن في العام رجلا كان اسمه سوفسطا وأنه كان هو شيعته ينكرون ~~الحقائق كلها وجعلوا هذه أربع فرق فرقة تجزم بنفي الحقائق وطائفة تجزم بنفي ~~العلم بها وتقول ليس عند أحد منهم علم بشيء وطائفة واقفة يقولون لا ندري ~~تسمى المتجاهلة وتسمى اللاأدرية وطائفة تجعل الحقائق تتبع العقائد فكل من ~~اعتقد شيئا فهو في نفس الأمر على ما اعتقد فهذا النقل على ظاهره باطل ليس ~~في العالم طائفة معروفة تقول بشيء من هذه الأقوال في كل شيء ولا رجل اسمه ~~سوفسطا. # PageV02P323 # ولكن كل من هذه الأقوال قد يعرض لكثير من الناس في بعض الأمور فيكون قد ~~سفسط في ذلك الأمر كالكفار الذين جحدوا ما علموا أنه الحق. # قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين} (سورة النمل 14) وقال: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} (سورة البقرة 146) ~~وقال تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} (سورة ~~الأنعام 33) . # فإن في العالم من يكذب فيخبر بخلاف ما يعلم في كثير من الأمور ليس في ~~العالم من يكذب في كل ما يقول وكذلك في العالم من كذب بكثير من الحق الذي ~~يعلمه لكن لا يكذب بكل ما يقال له من الحسيات وغيرها فمن نفى الحقائق مع ~~علمه بها ونفى العلم مع ثبوته فهو من الكاذبين ومن تجاهل وقال لا أدري فهو ~~من الكاتمين ما معه من الحق مثل كاتم الشهادة ومن جعل الحقائق تتبع العقائد ~~كما يظن طائفة من النظار أن ليس في الحوادث التي ليس فيها نص قاطع عندهم ~~حكم معين يطلب بالاجتهاد بل الحكم فيها يتبع الإعتقاد ولهذا قيل في هذا ~~المذهب أوله سفسطة ولكن هو سفسطة ms385 حدثت على طائفة من النظار الأذكياء فإن ~~هذا قول أبي الهذيل وأبي # PageV02P324 # علي وأبي هاشم والأشعري في أظهر قوليه وقول القاضي أبي بكر وأبي حامد ~~الغزالي وغيرهم. # وهو وإن كان قولا ضعيفا مخالفا للكتاب والسنة وإجماع السلف باطل شرعا ~~وعقلا فالقائلون به قوم فضلاء قصدهم الحق لم يكن غرضهم أن يقولوا ما يعلمون ~~أنه باطل وقد بسط الكلام على هذه المسألة في مواضع. # والمقصود أن الفلاسفة هم حكماء اليونان وكل أمة من أهل الكتب المنزلة ~~وغيرهم فلهم حكماء بحسب دينهم كما للهند المشركين حكماء وكان للفرس المجوس ~~حكماء وحكماء المسلمين هم أهل العلم بما بعث الله به رسوله وأهل العمل به ~~قال مالك الحكمة معرفة الدين والعمل وقال ابن قتيبة وغيره الحكمة في اللغة ~~هي العلم والعمل فمن علم ما أخبرت به الرسل فآمن به وصدق بعلم ومعرفة وعلم ~~ما أمر به فسمع وأطاع فقد أوتي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. # فلما كان هذا أصل لفظ الفلسفة صار هذا مطلقا على كل من سلك سبيل أولئك ~~اليونان واتبعهم في حكمتهم والذين اتبعوهم من المتأخرين فصرحوا فيها بأشياء ~~وقربوها إلى الملل وإلا فإذا ذكرت على وجهها ظهر فيها من الباطل ما ينفر ~~عنها كل عاقل عرف دين الرسل فإن الرسل فد جاءوا من العلم والبيان في الأمور ~~الإلهية ما يكون في حكمة اليونان معه من جنس نسبة طب العجائز إلى طب أبقراط ~~أو من جنس نسبة ملحة الإعراب إلى كتاب سيبويه. # PageV02P325 # وإذا كان كذلك فلاسفة اليونان وفلاسفة العرب والفرس والهند وسائر الأمم ~~الذين لا كتاب لهم ليسوا في الأمور الإلهية بمنزلة علماء أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى بل هؤلاء أعلم منهم بالأمور الإلهية ثم هؤلاء كلهم إذا ~~جاءهم رسول وكذبوه فهم كفار وإن كانوا على شريعة رسول يعملون بها بلا تبديل ~~فهم مؤمنون مسلمون من أهل الجنة وإن لم يكونوا على شريعة ولا جاءهم رسول ~~فهم من أهل الجاهلية كأمثالهم من أهل الفترات وقد بسط الكلام عليهم في ms386 غير ~~هذا الموضع. # والفلاسفة الذين بلغتهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بعضهم من ~~المتظاهرين بالإسلام وبعضهم من اليهود وبعضهم من النصارى وكل من خالف ما ~~جاءت به الرسل فهو ضال من أي الطوائف كان فإن الله بعثهم بالحق والمعقول ~~الصريح دائما يوافق ما جاءت به الرسل لم يخالف العقل الصريح شيئا مما جاءت ~~به الرسل وقد بسط هذا في الكتاب المصنف في درء تعارض العقل والنقل. # والفلاسفة المتظاهرون بالإسلام يقولون إنهم متبعون للرسول لكن إذا كشف ~~حقيقة ما يقولونه في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر تبين لمن يعرف ~~ما جاء به الرسول وما يقولونه في نفس الأمر أن قولهم ليس هو قول المؤمنين ~~بالله ورسوله والمسلمين بل فيه من أقوال الكفار والمنافقين شيء كثير. # وفرق أهل الكلام مع بدعهم وضلالهم أقرب إلى الرسول وإلى دين الإسلام ~~خارجيهم وشيعيهم ومعتزليهم وكراميهم لكن غالب # PageV02P326 # هؤلاء ناظروهم مناظرة فاسدة سمعا وعقلا فلا هم عرفوا دين الإسلام في كثير ~~من المسائل التي نازعوهم فيها بل صاروا يضيفون إلى دين الإسلام ما ليس منه ~~ولا قالوا في الاستدلال والجواب عن معارضيهم ما هو حق بل ردوا باطلا بباطل ~~وقابلوا بدعة ببدعة. # لكن باطل الفلاسفة أكثر وهم أعظم مخالفة للحق المعلوم بالأدلة الشرعية ~~والعقلية في الأمور الإلهية والدينية من أولئك المبتدعين من أهل الكلام ~~ولكن ضعف معرفة هؤلاء المتكلمين بالحق وأدلته سلطت أولئك كالجند الفساق إذا ~~قاتلوا عسكر الكفار قتالا لم يكونوا فيه بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وكان ~~ذلك مما يسلط الكفار عليهم وإن غلبوهم بالفجور والظلم أديلوا عليهم فإن ~~البغي مصرعه وخيم والعدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال وإنما أرسل ~~الله الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط. # قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} ~~(سورة الحديد 25) وقال تعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} ~~(سورة الشورى 17) وقال تعالى: {والسماء رفعها ووضع الميزان (سورة الرحمن ms387 7) ~~. # PageV02P327 # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} (سورة المائدة 8) ~~فأمر الله المؤمنين بالعدل على الكفار وإن كانوا يبغضونهم بغضة أمر الله ~~بها ورسوله قال تعالى: {إن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} (سورة المائدة 42) ~~وقال: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} (سورة البقرة 190) . # وقد تكلم أهل البدع معهم في مسألة حدوث العالم والمعاد والصفات والنبوات ~~بما أضافوا إلى دين المسلمين من الأقوال التي ليست في كتاب الله ولا في ~~حديث عن رسول الله ولا قالها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أحد ~~من أئمة المسلمين وإنما هي مأخوذة عن أهل الكلام المبتدع المحدث المذموم ~~عند السلف والأئمة الذي أصله مأخوذ عن الجهمية والمعتزلة فصارت الأصول التي ~~يذكرها أهل البدع وأتباعهم التي هي يضاف بعضها إلى الله ورسوله ودين ~~الإسلام ويناظر عليها عند من لم يعرف إلا أقوال أهل البدع والمتكلمين ~~والفلاسفة الملحدين بل ومنها ما يظن بل يحكى أنها إجماع المسلمين وأن من ~~خالفها فقد خرج عن دين الإسلام وتكون تلك الأصول من البدع المحدثة في ~~الإسلام المخالفة لقول الله ورسوله والصحابة والتابعين بإحسان. # وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في خلق الله للسموات والأرض في ستة ~~أيام وما جاء به القرآن والحديث الصحيح وما قاله الصحابة والتابعون وما ~~أخبر به أيضا في المعاد من انشقاق السماء # PageV02P328 # وانفطارها وتسيير الجبال وسجر البحار وتكوير الشمس والقمر وغير ذلك مما ~~فيه استحالة أجزاء هذا العام من حال إلى حال ليس في شيء من ذلك أن العالم ~~كله بعدم ولا يبقى شيء موجود إلا الله كما يقوله من يقوله من أهل الكلام ~~الذين تلقوا ذلك عن الجهمية. # فإن الجهم أصل قوله أن الله لا يقدر على فعل ما لا يتناهى بل جعل لفعله ~~مبدأ ومنتهى وجعله معطلا في الأزل والأبد ولهذا قال إن الجنة والنار يفنيان ~~ويفنى كل شيء وهذا من بدعه التي أنكرها عليه السلف والأئمة ms388 وادعى هو وغيره ~~من المعتزلة وغيرهم أن العالم يعدم كله ثم يعاد كله بعد عدمه كله وهذا ~~مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف كما قد بسط في موضعه. # وكذلك خلق السموات والأرض قد أخبر أنه كان قبل ذلك عرشه على الماء وقد ~~بسطنا القول في هذه المواضع وبينا ما جاء به السمع وهو مطابق للعقل من أن ~~الله خالق كل شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم وذلك غير تعطله سبحانه عن ~~القول والعمل بمشيئته فإن هذا ليس هو قول السلف وأئمة السنة بل الثابت عنهم ~~خلاف ذلك كما قد بسط في موضعه. # ولهذا تكلم الجهمية والقدرية ومن تبعهم في مسألة قدرة الرب بكلام ناقص ~~جدا ومن نظر في بحوث الرازي وأمثاله معهم في مسألة القادر رأى عجائب ورأى ~~أن الواحد من هؤلاء كأنه يبطن خلاف ما يظهر، يظهر الانتصار لقوله وكلامه ~~يدل على نقيضه فإن كان مع ظهور رجحان أحد القولين لا يشعر برجحانه فهذا جهل ~~عظيم. # PageV02P329 # فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم # وأولئك أثبتوا موجبا بالذات مستلزما لمعلوله مجردا عن الصفات وهذا فاسد ~~من وجوه كثيرة قد بينا بعضها وهؤلاء أثبتوا قادرا يرجح أحد المتماثلين بلا ~~مرجح أصلا وقالوا القادر من يفعل مع جواز أن لا يفعل وهذا إنما هو قول ~~القدرية الذين يقولون إن العبد يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وهو قول الجهمية ~~والقدرية في فعل الرب فأما أهل السنة فعندهم القادر لا يرجح أحد مقدوريه ~~إلا بمرجح وهذا من حججهم على القدرية. # يقول أهل السنة إن الله خص المطيعين بما به رجحوا الطاعة على المعصية دون ~~العصاة ولولا تفضله عليهم بما به رجحوا لم يطيعوه كما قد بسط هذا في موضعه ~~والقادر إذا كان له إرادة تامة لزم وجود مقدوره فهو يوجب بقدرته ومشيئته ما ~~يريده وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما شاءه الرب فواجب كونه وما ~~لم يشأ فيمتنع كونه لكن وجوب لوجود مشيئته وامتناع لعدم ms389 مشيئته وإذا فسر ~~القادر المختار بمثل هذا بطلت شبه الفلاسفة النافية للقادر المختار وكذلك ~~الجهم بن صفوان ومن اتبعه يزعمون أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين ~~على الآخر بلا سبب ولا حكمة فأنكروا ما في الأجسام من الطبائع وما في خلق ~~الله وأمره من الحكمة وما في المخلوقات والشرائع من الأسباب. # PageV02P330 # والأشعري ومن وافقه اتبعوا جهما على قوله في القدر وإن كانوا يثبتون قدرة ~~وكسبا لكن ما أثبتوه لا حقيقة له في المعنى بل قولهم هو قول جهم وإن نازعوه ~~في إثبات القدرة والكسب ولهذا كان قولهم في نفي ما في الشريعة من الحكم ~~والأسباب خلاف إجماع السلف والفقهاء فإن من أصولهم أن الله لا يخلق لحكمة ~~ولا يأمر لحكمة بل ليس عندهم في القرآن لام تعليل في خلقه وأمره وإذا ~~تكلموا معهم في الأمور الطبيعية أحالوا جميع ذلك على مجرد ترجيح القادر بلا ~~سبب وأن ما وجد من الاقتران فهو عادة محضة لا لارتباط بين هذا وهذا ثم قد ~~يضيفون هذا القول إلى السنة. # وهذا القول لم يقله قط أحد من سلف الأئمة ولا أئمة المسلمين لا الأربعة ~~ولا غيرهم بل المنصوص عنهم وعن غيرهم خلاف هذا القول وإن كان قد قاله طوائف ~~من أصحابهم المتأخرين متابعة لمن قال ذلك من أهل الكلام المتبعين لجهم. # ولهذا لما تكلموا في العقل لم يجعلوه غريزة إذ كان عندهم ليس في الوجود ~~غريزة ولا طبيعة ولا قوة يكون لها أثر أو تكون سببا في غيرها لا قدرة ابن ~~آدم ولا غيرها فاحتاجوا إلى أن جعلوه نوعا من العلوم الضرورية وأتموا الأمر ~~فيه. # والمنصوص عن أئمة الدين أن العقل غريزة كما ذكر ذلك أحمد بن حنبل والحارث ~~المحاسبي وغيرهما. # PageV02P331 # وليس هذا موضع بسط هذه المسائل وإنما المقصود التنبيه على أن الإنسان ~~ينبغي له أن يعرف دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله وما كان عليه الصحابة ~~والتابعون وسلف الأمة وأن ذلك الأمر لا يمكن أن يخالفه معقول صحيح قط بل كل ~~ما خالفه ms390 فهو باطل وأن المتكلمين الذين تلقوا أصل كلامهم عن الجهمية ~~والقدرية ونحوهم في كلامهم باطل كثير أدخلوه في دين الإسلام وليس من دين ~~الإسلام ولم يكن أحد منهم ممن يجزم بسعادته في الأولين والآخرين إلا من ~~المؤمنين المسلمين كما دل القرآن على ذلك في غير موضع. # PageV02P332 # فصل: # وليس في كتب المشائين دعوة إلى عبادة الله ومحبته أصلا بل غايتهم أنهم ~~يقولون: "الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة" ولفظ إله في كلامهم يعني ~~هذا المعنى. # كما قال أبو البركات في المعتبر الفصل الثاني في العلم الإلهي والإلهيات: # "يظهر من المتداول في كلام القدماء أن المراد بلفظ إله # PageV02P332 # هي معنى إضافي بالقياس إلى من هو إله له وهو الذي يقتديه نفس الشيء الذي ~~هو له إله في فعلها وتحرك الجسد الذي هي فيه على شاكلة إرادته بحسب مشيئته ~~وتحريكه فكان المتعلم يسمى معلمه الذي يقتدي به إلها وربا ويظهر منه أيضا ~~أن الإله هو الفاعل الذي لا يرى وله على البشر سلطان وقدرة وليس لهم عليه". # قال: "فالنفوس على مذاهبهم فعالة لا ترى ولها سلطان على البشر لكن لهم ~~عليها أيضا سلطان فإن النفوس البشرية يؤذي بعضها بعضها ويتسلط بعضها على ~~بعض وكانوا يشيرون بذلك إلى الملائكة الروحانية وقد سبق لذلك ذكر في كتاب ~~النفس ونستوفي ها هنا النظر فيه فعلم الإلهيات هو الذي تعرف فيه صفات الإله ~~مطلقا ثم صفات إله الآلهة ورب الأرباب هذا لفظه. # PageV02P333 # قلت: قوله: "هو الذي يقتديه نفس الشيء الذي هو إله في فعلها" أي يقتديه ~~نفس المتأله في فعلها. # وقوله: "وتحرك الجسد الذي هي فيه على شاكلة إرادته بحسب مشيئته وتحريكه ~~فكان المتعلم يسمى معلمه الذي يقتدي به إلها وربا" يبين أنه يفعل للتشبه به ~~فتجد له النفس جسدها على ما يشاكل إرادة المألوه ويشابهها بحسب مشيئة ~~المألوه وتحريكه فقد بين أن المتأله يفعل كما يفعل مألوهه ويأمره مألوهه ~~فيريد ويحرك جسده بحسب مشيئة المألوه وتحريكه ثم مثل ذلك بالمتعلم مع ~~المعلم الذي يقتدي به ويأتمر ms391 بأمره للتشبه به وأنه عندهم إلهه وربه وذلك ~~بمنزلة التلميذ مع أستاذه وغايته أن يكن بمنزلة الأمة مع نبيها تقتدي به ~~وتطيع أمره. # وهذا الذي حكاه عنهم مطابق لما حكاه سائر الناس عنهم أن الفلسفة عندهم هي ~~التشبه بالإله على قدر الطاقة وذكر لله معنى آخر وهو الفاعل الذي لا يرى ~~وله سلطان وجعل الملائكة هي الآلهة بهذا التفسير وبين أن العلم الإلهي ~~يتكلمون فيه على جنس الآلهة ثم على صفات الإله الأكبر الذي هو إله الآلهة ~~فالإلهية عند القوم أمر مشترك بين الله وبين الملائكة وبين المعلمين ومن ~~نقتدي به لكن # PageV02P334 # إلهية الله أفضل وأكمل كما أن الوجود مشترك بين الموجودات لكن الوجود ~~الواجب أكمل. # وهذا الشرك شر من شرك مشركي العرب فإن أولئك وإن أشركوا بالوسائط وقالوا ~~هم شفعاؤنا عند الله وقالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فلم يكن ~~التأله عندهم بمعنى التشبه والإقتداء بل بمعنى العبادة والذل والمحبة ~~وهؤلاء مع عظيم شركهم بالله بمخلوقاته جعلوا التأله لنا هو التشبه بالإله ~~لا أنه يحب ويعبد ويدعى ويسأل ولهذا لم تكن الآلهة مختصة بالله عندهم لأن ~~التشبه مبناه على أن الأدنى يتشبه بالذي فوقه والذي فوقه يتشبه بمن فوقه ~~حتى ينتهي إلى الغاية ولهذا سموه إله الآلهة. # ولهذا يقولون: إن كل فلك يتحرك للتشبه بعقله ففلك القمر يتحرك للتشبه ~~بالعقل العاشر والفلك التاسع يتحرك للتشبه بالعقل الثامن. # وبهذا الطريق أثبت أرسطو وأتباعه وجوده وقالوا إن الفلك يتحرك للتشبه به ~~وشبهوه بتحريك المعشوق لعاشقه لكن العاشق يحب ذات المعشوق والفلك عندهم ~~إنما يحب التشبه بالله وهو كتحريك الإمام للمصلين والمتبوع للتابعين فلم ~~يثبتوا بهذا أن الله رب العالمين خلقه وأنشأه ولا أنه إله العالم الذي يحبه ~~العبد ويرجوه ويخشاه. # PageV02P335 # لكن اسم الإله لما كان موجودا في القرآن وذكره المعربون لكتب أولئك ~~وبينوا معناه في لغة أولئك صار بسبب الاشتراك في اللغتين في إطلاقه تلبيس ~~على من لم يعرف مراد القرآن العزيز باسم الإله ومراد القوم باسم الإله وبين ~~المرادين ms392 بون عظيم. # ثم لما كان مقصود القوم التشبه به فهم في الحقيقة لا يعبدونه ولا ~~يستعينونه فهم خارجون عن دين المرسلين القائلين إياك نعبد وإياك نستعين فإن ~~التشبه بغيره مقصوده أن يكون مثله بحسب قدرته فلو قدر أن يكون مثله من كل ~~وجه لفعل ذلك لكن يفعل ما يقدر عليه وليس مراده محبة نفس ذلك المتشبه به ~~ولا الذل له بل مماثلته كما يقوم التلميذ مقام أستاذه والابن مقام أبيه. # وهذا لا يستلزم حب المتشبه ولا بغضه بل كثيرا ما يكون مع البغض الحسد ~~والمنافسة كما قد يكون مع عدم ذلك والغالب انه مع وجود الإثنين لا بد من ~~المنافسة والمنادة وهذا هو الند والكمال عند القوم أن يجعل أحدهم نفسه لله ~~ند. # ثم من العجب أن القوم يدعون التوحيد ويبالغون في نفي التشبيه حتى نفوا ~~الصفات وشنعوا على أهل الكتاب لما جاء من الصفات في التوراة وغيرها وأنكروا ~~قوله في التوراة إنا سنخلق بشرا على صورتنا يشبهنا وهو يدعون أن أحدهم يجعل ~~نفسه شبيها لله فإن كان هذا اللفظ يحتمل معنى صحيحا عندهم لإمكان المشابهة ~~من وجه دون وجه فالله أقدر على أن يفعل ذلك من الواحد منهم وإن كان هذا ~~ممتنعا # PageV02P336 # مطلقا فما بالهم زعموا أنهم يتشبهون بالله تعالى مع أن التشبيه الذي ~~أثبتوه شرك صريح في الإلهية التي هي مختصة بالله. # ودعوى القدرة على جعل الند لله بقدرة الواحد منا واختياره ومن أثبت ~~الإلهية لغير الله من الملائكة والأنبياء كان مشركا أعظم فكيف من أثبتها ~~لآحاد الناس وأمر الخلق أن يصيروا آلهة متشبهين بالله؟! # وقد قال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} (سورة آل عمران 79 80) . # ولهذا ضل من سلك سبيل هؤلاء فصار مقصودهم هو التشبه بالله واحتجوا بما ~~يروون تخلقوا ms393 بأخلاق الله. # وصنف أبو حامد شرح أسماء الله الحسنى وضمنه التشبه بالله في كل اسم من ~~أسمائه وسماه التخلق حتى في اسمه الجبار والمتكبر والإله ونحو ذلك من ~~الأسماء التي ثبت بالنص والإجماع أنها مختصة بالله وأنه ليس للعباد فيها ~~نصيب كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث # PageV02P337 # الصحيح الذي رواه مسلم وغيره "يقول الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ~~ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته". # وسلك هذا المسلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما من ملاحدة الصوفية وصار ذلك ~~مع ما ضموا إليه من البدع والإلحاد موقعا لهم في الحلول والإتحاد. # وقد أنكر المازري وغيره على أبي حامد ما ذكره في التخلق وبالغوا في النفي ~~حتى قالوا ليس لله اسم يتخلق به العبد. # ولهذا عدل أبو الحكم بن برجان عن هذا اللفظ إلى لفظ التعبد ولبسط الكلام ~~على ذلك موضع آخر فإن من أسمائه وصفاته ما يحمد العبد على الاتصاف به ~~كالعلم والرحمة والحكمة وغير ذلك ومنها ما يذم العبد على الاتصاف به ~~كالإلهية والتجبر والتكبر. # PageV02P338 # وللعبد من الصفات التي يحمد عليها ويؤمر بها ما يمنع اتصاف الرب به ~~كالعبودية والافتقار والحاجة والذل والسؤال ونحو ذلك وهو في كل ذلك كماله ~~في عبادته لله وحده وغاية كماله أن يكون الله هو معبوده فلا يكون شيء أحب ~~إليه من الله ولا شيء أعظم عنده من الله ويكون هو إلهه الذي يعبده وربه ~~الذي يسأله فيتحقق بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} . # ومتصوفة الفلاسفة تسلك مسلك ابن سينا في مقامات العارفين الذي ذكره في ~~آخر الإشارات وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبين أن ذلك مع مدح ~~الرازي له غايته فناء ناقص مع نقص توحيد الربوبية والإثبات. # وأما الفناء الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب فهو أن يفنى بعبادة الله ~~عن عبادة ما سواه ومحبته عن محبة ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبرجائه ~~عن رجاء ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه فيتحقق بحقيقة قول لا إله ms394 إلا ~~الله. # وقد ثبت في الصحيح عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ~~مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". # PageV02P339 # وفي السنن عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان آخر ~~كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". # وهذا التوحيد يتضمن إثبات صفات الكمال لله ونفي النقص ونفي مماثلته لشيء ~~من الأشياء وإثبات خصائصه بالمحبة والعبادة والتعظيم ونحو ذلك. # وإنما يتفاوت أهل العلم والإيمان بحسب تفاوتهم في تحقيق هذا التوحيد كما ~~قد بسط في موضعه والله أعلم. # تمت القاعدة من كلام شيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين أبي العباس أحمد ~~بن تيمية الحنبلي مؤلف كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) . ~~PageV02P340 ms395