######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007344 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الصارم المسلول على شاتم الرسول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007344 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7344 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7344 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد محي الدين عبد الحميد #META# 041.EdNUMBER :: - #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: الحرس الوطني السعودي، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # ... # بسم الله الرحمن الرحيم. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. # قال الشيخ الإمام العالم العامل العلامة شيخ الإسلام ومفتي الأنام أوحد ~~دهره وفريد عصره تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم العلامة ~~مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن عبد الله ~~بن تيمية الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه: # الحمد لله الهادي النصير فنعم النصير ونعم الهاد الذي يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم ويبين له سبل الرشاد كما هدى الذين آمنوا لما اختلف فيه من ~~الحق وجمع لهم الهدى والسداد والذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد كما وعده في كتابه وهو الصادق الذي لا يخلف ~~الميعاد. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقيم وجه صاحبها للدين ~~حنيفا وتبرئه من الإلحاد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل المرسلين وأكرم ~~العباد أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره أهل الشرك ~~والعناد ورفع له ذكره ولا يذكره إلا ذكر معه كما في الأذان والتشهد والخطب ~~والمجامع والأعياد وكبت محاده واهلك مشاقه وكفاه المستهزئين به ذوي الأحقاد ~~وبتر شانئه ولعن مؤذيه في الدنيا والآخرة # PageV01P001 # وجعل هوانه بالمرصاد واختصه من بين إخوانه المرسلين بخصائص تفوق التعداد ~~فله الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود ولواء الحمد الذي تحته كل حماد وعلى ~~آله أفضل الصلوات وأعلاها وأكملها وأنماها كما يحب سبحانه أن يصلى عليه ~~وكما ينبغي أن يصلى على سيد البشر والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته ~~أفضل تحية وأحسنها وأولاها وأبركها وأطيبها وأزكاها صلاة وسلاما دائمين إلى ~~يوم التناد باقيين بعد ذلك أبدا رزقا من الله ما له من نفاد. # أما بعد فان الله تعالى هدانا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأخرجنا به ~~من الظلمات إلى النور وآتانا ببركة رسالته ويمن سفارته خير الدنيا والآخرة ~~وكان من ربه بالمنزلة العليا التي تقاصرت العقول والألسنة عن معرفتها ~~ونعتها وصارت غايتها من ذلك ms001 بعد التناهي في العلم والبيان الرجوع إلى عيها ~~وصمتها فاقتضاني لحادث حدث أدنى ماله من الحق علينا بل هو ما أوجب الله من ~~تعزيزه ونصره بكل طريق وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن وحفظه وحمايته من ~~كل موذ وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ليحق الجزاء على الأعمال كما سبق في أم ~~الكتاب أن أذكر ما شرع من العقوبة لمن سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم ~~وكافر وتوابع ذلك ذكرا يتضمن الحكم والدليل وأنقل ما حضرني في ذلك من ~~الأقاويل وأردف القول بحظه من التعليل وبيان ما يجب أن يكون عليه التعويل ~~وأما ما يقدره الله عليه من العقوبات فلا يكاد يأتي عليه التفصيل وإنما ~~المقصد هاهنا بيان الحكم الشرعي الذي يفتى به المفتي # PageV01P002 # ويقضي به القاضي ويجب على كل واحد من الأئمة والأمة القيام بما أمكن منه ~~والله هو الهادي إلى سواء السبيل. # وقد رتبته على أربع مسائل: # المسألة الأولى: في أن الساب يقتل سواء كان مسلما أو كافرا. # المسألة الثانية: في أنه يتعين قتله وإن كان ذميا فلا يجوز المن عليه ولا ~~مفاداته. # المسألة الثالثة: في حكمه إذا تاب. # المسألة الرابعة: في بيان السب وما ليس بسب والفرق بينه وبين الكفر. # PageV01P003 ### | المسألة الأولى: أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله. # هذا مذهب عليه عامة أهل العلم قال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على ~~أن حد من سب النبي صلى الله عليه وسلم القتل" وممن قاله مالك والليث وأحمد ~~وإسحاق وهو مذهب الشافعي قال: "وحكي عن النعمان لا يقتل" يعني الذي هم عليه ~~من الشرك أعظم وقد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين ~~على أن حد من يسب النبي صلى الله عليه وسلم القتل كما أن حد من سب غيره ~~الجلد وهذا الإجماع الذي حكاه هذا محمول على إجماع الصدر الأول من ms002 الصحابة ~~والتابعين أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم يجب ~~قتله إذا كان مسلما وكذلك قيده القاضي عياض فقال: "أجمعت الأمة على قتل ~~متنقصه من المسلمين وسابه" وكذلك حكي عن غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره ~~وقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: "أجمع المسلمون على أن # PageV01P003 # من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله عز ~~وجل أو قتل نبيا من أنبياء الله عز وجل: "أنه كافر بذلك وان كان مقرا بكل ~~ما أنزل الله" قال الخطابي: "لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله" ~~وقال محمد بن سحنون: "أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله له وحكمه عند الأمة القتل ومن ~~شك في كفره وعذابه كفر". # وتحرير القول فيه: أن الساب إن كان مسلما فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف وهو ~~مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن ~~راهوية وغيره وان كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك وأهل المدينة ~~وسيأتي حكاية ألفاظهم وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث. # وقد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة قال حنبل: "سمعت أبا عبد الله يقول: ~~"كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه ~~القتل وأرى أن يقتل ولا يستتاب" قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: "كل من نقض ~~العهد وأحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل ليس على هذا أعطوا ~~العهد والذمة" وكذلك قال أبو الصفراء: "سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل ~~الذمة شتم النبي ماذا عليه؟ قال: إذا قامت عليه البينة يقتل من شتم النبي ~~صلى الله عليه وسلم مسلما كان أو كافرا" رواهما الخلال. # وقال في رواية عبد الله وأبي طالب وقد سئل عن شتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: يقتل قيل له: فيه ms003 أحاديث؟ قال: نعم أحاديث منها: حديث الأعمى ~~الذي قتل المرأة قال: سمعتها تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وحديث حصين أن ~~ابن عمر قال: "من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل" وعمر ابن عبد العزيز ~~يقول: "يقتل" وذلك أنه من شتم النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P004 # فهو مرتد عن الإسلام ولا يشتم مسلم النبي صلى الله عليه وسلم زاد عبد ~~الله: "سألت أبي عمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم يستتاب قال: "قد وجب ~~عليه القتل ولا يستتاب لأن خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يستتبه" رواهما أبو بكر في الشافي وفي رواية أبي طالب: سئل ~~أحمد عمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقتل قد نقض العهد" وقال حرب: ~~سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة شتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقتل ~~إذا شتم النبي صلى الله عليه وسلم" رواهما الخلال وقد نص على هذا في غير ~~هذه الجوابات. # فأقواله كلها نص في وجوب قتله وفي أنه قد نقض العهد وليس عنه في هذا ~~اختلاف. # وكذلك ذكر عامة أصحابه متقدمهم ومتأخرهم لم يختلفوا في ذلك إلا أن القاضي ~~في المجرد ذكر الأشياء التي يجب على أهل الذمة تركها وفيها ضرر على ~~المسلمين وآحادهم في نفس أو مال وهي: الإعانة على قتال المسلمين وقتل ~~المسلم أو المسلمة وقطع الطريق عليهم وأن يؤوي للمشركين جاسوسا وأن يعين ~~عليهم بدلالة مثل أن يكاتب المشركين بأخبار المسلمين وأن يزنى بمسلمة أو ~~يصيبها باسم نكاح وأن يفتن مسلما عن دينه قال: "فعليه الكف عن هذا شرط أو ~~لم يشرط فإن خالف انتقض عهده" وذكر نصوص أحمد في بعضها مثل نصه في الزنا ~~بالمسلمة وفي التجسس للمشركين وقتل المسلم وإن كان عبدا كما ذكره الخرقي ثم ~~ذكر نصه في قذف المسلم على أنه لاينتقض عهده بل يحد حد القذف قال: فتخرج ~~المسألة على روايتين ثم قال: "وفي معنى هذه الأشياء ذكر الله وكتابه ودينه ~~ورسوله ms004 بما لا ينبغي فهذه أربعة أشياء الحكم فيها كالحكم في الثمانية التي ~~قبلها ليس ذكرها شرطا في صحة العقد فإن أتوا # PageV01P005 # واحدة منها نقضوا الأمان سواء كان مشروطا في العهد أو لم يكن" وكذلك قال ~~في الخلاف بعد ذكر أن المنصوص انتقاض العهد بهذه الأفعال والأقوال. # قال: وفيه رواية أخرى لا ينتقض عهده إلا بالامتناع من بذل الجزية وجرى ~~أحكامنا عليهم. # ثم ذكر نصه على أن الذمي إذا قذف المسلم يضرب قال: فلم يجعله ناقضا للعهد ~~بقذف المسلم مع ما فيه من الضرر عليه بهتك عرضه. # وتبع القاضي جماعة من أصحابه ومن بعدهم مثل الشريف أبي جعفر وابن عقيل ~~وأبي الخطاب والحلواني فذكروا أنه لا خلاف أنهم إذا امتنعوا من أداء الجزية ~~أو التزام أحكام الملة انتقض عهدهم وذكروا في جميع هذه الأفعال والأقوال ~~التي فيها ضرر على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال أو فيها غضاضة على ~~المسلمين في دينهم مثل سب الرسول وما مثله روايتين إحداهما: ينتقض العهد ~~بذلك والأخرى: لا ينتقض عهده وتقام فيه حدود ذلك مع أنهم كلهم متفقون على ~~أن المذهب انتقاض العهد بذلك. # ثم إن القاضي والأكثرين لم يعدوا قذف المسلم من الأمور المضرة الناقضة مع ~~أن الرواية المخرجة إنما خرجت من نصه في القذف. # وأما أبو الخطاب ومن تبعه فنقلوا حكم تلك الخصال إلى القذف كما نقلوا حكم ~~القذف إليها حتى حكوا في انتقاض العهد بالقذف روايتين. # ثم إن هؤلاء كلهم وسائر الأصحاب ذكروا مسألة سب النبي صلى الله عليه وسلم ~~في موضع آخر وذكروا أن سابه يقتل وأن كان ذميا وأن عهده ينتقض وذكروا نصوص ~~أحمد من غير خلاف في المذهب إلا أن الحلواني قال: "ويحتمل أن لا يقتل من سب ~~الله ورسوله إذا كان ذميا". # PageV01P006 # وسلك القاضي أبو الحسين في نواقض العهد طريقة ثانية توافق قولهم هذا ~~فقال: "أما الثمانية التي فيها ضرر على المسلمين وآحادهم في مال أو في نفس ~~فإنها تنقض العهد في أصح الروايتين" وأما ما فيه إدخال ms005 غضاضة ونقص على ~~الإسلام وهي ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي فإنه ينقض العهد نص ~~عليه ولم يخرج في هذا رواية أخرى كما ذكرها أولئك في أحد الموضعين وهذا ~~أقرب من تلك الطريقة وعلى الرواية التي تقول: "لا ينتقض العهد بذلك" فإنما ~~ذلك إذا لم يكن مشروطا عليهم في العقد فأما إن كان مشروطا ففيه وجهان ~~أحدهما: ينتقض قاله الخرقي قال أبو الحسن الآمدي: "وهو الصحيح في كل ما شرط ~~عليهم تركه" صحح قول الخرقي بانتقاض العهد إذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم ~~والثاني: لا ينتقض قاله القاضي وغيره صرح أبو الحسين بذلك هنا كما ذكره ~~الجماعة فيما إذا أظهروا دينهم وخالفوا هيئتهم من غير إضرار كإظهار الأصوات ~~بكتابهم والتشبه بالمسلمين مع أن هذه الأشياء كلها يجب عليهم تركها ~~بخصوصها. # وهاتان الطريقتان ضعيفتان والذي عليه عامة المتقدمين من أصحابنا ومن ~~تبعهم من المتأخرين إقرار نصوص أحمد على حالها وقد نص في مسائل سب الله ~~ورسوله على انتقاض العهد في غير موضع وعلى أنه يقتل وكذلك فيمن جسس على ~~المسلمين أو زنى بمسلمة على انتقاض عهده وقتله في غير موضع وكذلك نقله ~~الخرقي فيمن قتل مسلما وقطع الطريق أولى وقد نص أحمد على أن قذف المسلم ~~وسحره لا يكون نقضا للعهد في غير موضع هذا هو الواجب لأن تخريج حكم ~~المسألتين إلى الأخرى وجعل المسألتين على روايتين مع وجود الفرق بينهما نصا ~~واستدلالا أو مع وجود معنى يجوز أن يكون مستندا للفرق غير جائز وهذا كذلك ~~وكذلك قد وافقنا # PageV01P007 # على انتقاض العهد بسب النبي صلى الله عليه وسلم جماعة لم يوافقوا على ~~الانتقاض ببعض هذه الأمور. # وأما الشافعي فالمنصوص عنه نفسه أن عهده ينتقض بسب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنه يقتل هكذا حكاه ابن المنذر والخطابي وغيرهما والمنصوص عنه في ~~الأم أنه قال: "إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب" وذكر ~~الشروط إلى أن قال: "وعلى أن أحدا منكم إن ذكر محمدا صلى الله عليه ms006 وسلم أو ~~كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره فقد برئت منه ذمة الله ثم ذمة ~~أمير المؤمنين وجميع المسلمين ونقض ما أعطى من الأمان وحل لأمير المؤمنين ~~ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب ودماؤهم وعلى أن أحدا من رجالهم إن أصاب ~~مسلمة بزنا أو اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلما عن دينه أو ~~أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو دلالة على عورات المسلمين أو إيواء ~~لعيونهم فقد نقض عهده وحل دمه وماله وإن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو ~~عرضه لزمه فيه الحكم". # ثم قال: فهذه الشروط اللازمة إن رضيها فبها وإن لم يرضها فلا عقد له ولا ~~جزية. # ثم قال: ولو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان ذلك ~~قولا وكذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله ~~قتل حدا أو قصاصا فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد. # وإن فعل مما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ولكنه قال: "أتوب ~~وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده" عوقب ولم يقتل إلا أن يكون ~~فعل فعلا يوجب القصاص أو الحد فأما ما دون هذا من الفعل أو القول فكل قول ~~يعاقب عليه ولا يقتل. # PageV01P008 # قال: فإن فعل أو قال ما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفر به فامتنع من أن ~~يقول: "أسلم أو أعطى جزية" قتل وأخذ ماله فيئا. # ونص في الأم أيضا أن العهد لا ينتقض بقطع الطريق ولا بقتل المسلم ولا ~~بالزنا بالمسلمة ولا بالتجسس بل يحد فيما فيه الحد ويعاقب عقوبة مكملة فيما ~~فيه العقوبة ولا يقتل إلا أن يجب عليه القتل. # قال: ولا يكون النقض للعهد إلا بمنع الجزية أو الحكم بعد الإقرار ~~والامتناع بذلك. # قال: ولو قال "أؤدي الجزية ولا أقر بالحكم" نبذ إليه ولم يقتل على ذلك ~~مكانه وقيل: قد تقدم لك أمان فأمانك كان للجزية وإقرارك بها ms007 وقد أجلناك في ~~أن تخرج من بلاد الإسلام ثم إذا خرج فبلغ مأمنه قتل إن قدر عليه. # فعلى كلامه المأثور عنه يفرق بين ما فيه غضاضة على الإسلام وبين الضرر ~~بالفعل أو يقال: يقتل الذمي بسبه وإن لم ينقض عهده كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى. # وأما أصحابه فذكروا فيما إذا ذكر الله أو كتابه أو رسوله بسوء وجهين: # أحدهما: ينتقض عهده بذلك سواء شرط عليه تركه أو لم يشرط بمنزلة ما إذا ~~قاتلوا المسلمين وامتنعوا من التزام الحكم كطريقة أبي الحسين من أصحابنا ~~وهذه طريقة أبي إسحاق المرزوي. # ومنهم من خص سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بأنه يوجب القتل. # والثاني: أن السب كالأفعال التي على المسلمين فيها ضرر من قتل المسلم # PageV01P009 # والزنا بالمسلمة والجس وما ذكر معه وذكروا في تلك الأمور وجهين أحدهما: ~~أنه إن لم يشرط عليهم تركها بأعيانها ففي انتقاض العهد بفعلها وجهان ~~والثاني: لم ينتقض العهد بفعلها مطلقا. # ومنهم من حكى هذه الوجوه أقوالا وهي أقوال مشار إليها فيجوز أن تسمى ~~أقوالا ووجوها هذه طريقة العراقيين وقد صرحوا بأن المراد شرط تركها لا شرط ~~انتقاض العهد بفعلها كما ذكره أصحابنا. # وأما الخراسانيون فقالوا: "المراد بالاشتراط هنا شرط انتقاض العهد بفعلها ~~لا شرط تركها" قالوا: "لأن الترك موجب لنفس العقد" ولذلك ذكروا في تلك ~~الخصال المضرة ثلاثة أوجه أحدها: ينتقض بفعلها والثاني: لا ينتقض والثالث: ~~إن شرط في العقد انتقاض العهد بفعلها انتقض وإلا فلا. # ومنهم من قال: إن شرط نقض وجها واحدا وإن لم يشرط فوجهان وحسبوا أن مراد ~~العراقيين بالاشتراط هذا فقالوا حكاية عنهم: إن لم يجر شرط لم ينتقض العهد ~~وإن جرى فوجهان ويلزم من هذا أن يكون العراقيون قائلين بأنه إن لم يجر شرط ~~الانتقاض بهذه الأشياء لم ينتقض بها وجها واحدا وإن صرح بشرط تركها وهذا ~~غلط عليهم والذي نصروه في كتب الخلاف أن سب النبي صلى الله عليه وسلم ينقض ~~العهد ويوجب القتل كما ذكرنا عن الشافعي نفسه. ms008 # وأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: لا ينتقض العهد بالسب ولا يقتل الذمي ~~بذلك لكن يعزر على إظهار ذلك كما يعزر على إظهار المنكرات التي ليس لهم ~~فعلها من إظهار أصواتهم بكتابهم ونحو ذلك وحكاه الطحاوي عن الثوري ومن ~~أصولهم أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل والجماع في غير القبل إذا ~~تكرر فللإمام أن يقتل فاعله وكذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى ~~المصلحة في ذلك ويحملون ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من # PageV01P010 # القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك ويسمونه القتل ~~سياسة وكان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تغلظت بالتكرار ~~وشرع القتل في جنسها ولهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه وقالوا: يقتل سياسة وهذا متوجه ~~على أصولهم. # والدلائل على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله ووجوب ~~قتله وقتل المسلم إذا أتى ذلك: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ~~والاعتبار. # أما الكتاب فيستنبط ذلك منه من مواضع: # أحدها: قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى ~~قوله تعالى: {من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~فأمرنا بقتالهم إلى أن يعطوا الجزية وهم صاغرون ولا يجوز الإمساك عن قتالهم ~~إلا إذا كانوا صاغرين حال إعطائهم الجزية ومعلوم أن إعطاء الجزية من حين ~~بذلها والتزامها إلى حين تسليمها وإقباضها فإنهم إذا بذلوا الجزية شرعوا في ~~الإعطاء ووجب الكف عنهم إلى أن يقبضوناها فيتم الإعطاء فمتى لم يلتزموها أو ~~التزموها أولا وامتنعوا من تسليمها ثانيا لم يكونوا معطين للجزية لأن حقيقة ~~الإعطاء لم توجد وإذا كان الصغار حالا لهم في جميع المدة فمن المعلوم أن من ~~أظهر سب نبينا في وجوهنا وشتم ربنا على رؤوس الملإ منا وطعن في ديننا في ~~مجامعنا فليس بصاغر لأن الصاغر الذليل الحقير وهذا فعل متعزز مراغم ms009 بل هذا # PageV01P011 # غاية ما يكون من الإذلال لنا والإهانة قال أهل اللغة: الصغار الذل والضيم ~~يقال: صغر الرجل بالكسر يصغر بالفتح صغرا وصغرا والصاغر: الراضي بالضيم ولا ~~يخفى على المتأمل أن إظهار السب والشتم لدين الأمة التي اكتسب شرف الدنيا ~~والآخرة ليس فعل راض بالذل والهوان وهذا ظاهر لا خفاء به. # وإذا كان قتالهم واجبا علينا إلا أن يكونوا صاغرين وليسوا بصاغرين كان ~~القتال مأمورا به وكل من أمرنا بقتاله من الكفار فإنه يقتل إذا قدرنا عليه. # وأيضا فإنا إذا كنا مأمورين أن نقاتلهم إلى هذه الغاية لم يجز أن نعقد ~~لهم عهد الذمة بدونها ولو عقد لهم كان عقدا فاسدا فيبقون على الإباحة. # ولا يقال فيهم: فهم يحسبون أنهم معاهدون فتصير لهم شبهة أمان وشبهة ~~الأمان كحقيقة فإن من تكلم بكلام يحسبه الكافر أمانا كان في حقه أمانا وإن ~~لم يقصده المسلم. # لأنا نقول: لا يخفى عليهم أنا لم نرض بأن يكونوا تحت أيدينا مع إظهار شتم ~~ديننا وسب نبينا وهم يدرون أنا لا نعاهد ذميا على مثل هذه الحال فدعواهم ~~أنهم اعتقدوا أنا عاهدناهم على مثل هذا مع اشتراطنا عليهم أن يكونوا صاغرين ~~تجري عليهم أحكام الملة دعوى كاذبة فلا يلتفت إليها. # وأيضا فإن الذين عاهدوهم أول مرة هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مثل عمر وقد علمنا أنه يمتنع أن يعاهدهم عهدا خلاف ما أمر الله به في ~~كتابه. # وأيضا فإنا سنذكر شروط عمر رضي الله عنه وأنها تضمنت أن من أظهر الطعن في ~~ديننا حل دمه وماله. # PageV01P012 # الموضع الثاني: قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ~~إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} إلى قوله: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد ~~عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} ~~نفى سبحانه أن يكون لمشرك عهد ممن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهدهم ~~إلا قوما ذكرهم فإنه جعل لهم عهدا ما داموا مستقيمين لنا فعلم أن العهد ms010 لا ~~يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيما ومعلوم أن مجاهرتنا بالشتيمة والوقيعة في ~~ربنا ونبينا وكتابنا وديننا يقدح في الاستقامة كما تقدح مجاهرتنا بالمحاربة ~~في العهد بل ذلك أشد علينا إن كنا مؤمنين فإنه يجب علينا أن نبذل دماءنا ~~وأموالنا حتى تكون كلمة الله هي العليا ولا يجهر في ديارنا بشيء من أذى ~~الله ورسوله فإذا لم يكونوا مستقيمين لنا بالقدح في أهون الأمرين كيف ~~يكونون مستقيمين مع القدح في أعظمهما؟. # يوضح ذلك قوله تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} ~~أي كيف يكون لهم عهد ولو ظهروا عليكم لم يرقبوا الرحم التي بينكم ولا العهد ~~الذي بينكم وبينهم؟ فعلم أن من كانت حاله أنه إذا ظهر لم يرقب ما بيننا ~~وبينه من العهد لم يكن له عهد من جاهرنا بالطعن في ديننا كان ذلك دليلا على ~~أنه لو ظهر لم يرقب العهد الذي بيننا وبينه فإنه إذا كان مع وجود العهد ~~والذلة يفعل هذا فكيف يكون مع العزة والقدرة؟ وهذا بخلاف من لم يظهر لنا ~~مثل هذا الكلام فإنه يجوز أن يفي لنا بالعهد لو ظهر. # وهذه الآية وإن كانت في أهل الهدنة الذين يقيمون في دارهم فإن معناها ~~ثابت في أهل الذمة المقيمين في دارنا بطريق الأولى. # PageV01P013 # الموضع الثالث: قوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر} وهذه الآية تدل من وجوه: # أحدها: أن مجرد نكث الأيمان مقتض للمقاتلة وإنما ذكر الطعن في الدين ~~وأفرده بالذكر تخصيصا له بالذكر وبيانا لأنه من أقوى الأسباب الموجبة ~~للقتال ولهذا يغلظ على الطاعن في الدين من العقوبة ما لا يغلظ على غيره من ~~الناقضين كما سنذكره إن شاء الله تعالى أو يكون ذكره على سبيل التوضيح ~~وبيان سبب القتال فان الطعن في الدين هو الذي يجب أن يكون داعيا إلى قتالهم ~~لتكون كلمة الله هي العليا وأما مجرد نكث اليمين فقد يقاتل لأجله شجاعة ~~وحمية ورياء أو يكون ذكر الطعن في ms011 الدين لأنه أوجب القتال في هذه الآية ~~بقوله تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر} وبقوله تعالى: {ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن ~~تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} فيفيد ذلك أن من لم ~~يصدر منه إلا مجرد نكث اليمين جاز أن يؤمن ويعاهد وأما من طعن في الدين ~~فإنه يتعين قتاله وهذه كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان ~~يهدر دماء من آذى الله ورسوله وطعن في الدين وإن أمسك عن غيره وإذا كان نقض ~~العهد وحده موجبا للقتال وإن تجرد عن الطعن علم أن الطعن في الدين إما سبب ~~آخر أو سبب مستلزم لنقض العهد فإنه لابد أن يكون له تأثير في وجوب المقاتلة ~~وإلا كان ذكره ضائعا. # فان قيل: هذا يفيد أن من نكث عهده وطعن في الدين يجب قتاله أما من طعن في ~~الدين فقط فلم تتعرض الآية له بل مفهومها أنه وحده لا يوجب هذا # PageV01P014 # الحكم لأن الحكم المعلق بصفتين لا يجب وجوده عند وجود إحدهما. # قلنا: لا ريب أنه لابد أن يكون لكل صفة تأثير في الحكم وإلا فالوصف ~~العديم التأثير لا يجوز تعليق الحكم به كمن قال: من زنى وأكل جلد ثم قد ~~يكون كل صفة مستقلة بالتأثير لو انفردت كما يقال: يقتل هذا لأنه مرتد زان ~~وقد يكون مجموع الجزاء مرتبا على المجموع ولكل وصف تأثير في البعض كما قال: ~~{والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} الآية وقد تكون تلك الصفات متلازمة كل ~~منها لو فرض تجرده لكان مؤثرا على سبيل الاستقلال أو الاشتراك فيذكر إيضاحا ~~وبيانا للموجب كما يقال: كفروا بالله وبرسوله وعصى الله ورسوله وقد يكون ~~بعضها مستلزما للبعض من غير عكس كما قال: {إن الذين يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون النبيين بغير حق} الآية وهذه الآية من أي الأقسام فرضت كان فيها ~~دلالة لأن أقصى ما يقال أن نقض العهد هو المبيح للقتال والطعن في الدين ~~مؤكد ms012 له وموجب له فنقول: إذا كان الطعن يغلظ قتال من ليس بيننا وبينه عهد ~~ويوجبه فأن يوجب قتال من بيننا وبينه ذمة وهو ملتزم للصغار أولى وسيأتي ~~تقرير ذلك على أن المعاهد له أن يظهر في داره ما شاء من أمر دينه الذي لا ~~يؤذينا والذمي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئا من دينه الباطل وإن لم ~~يؤذنا فحاله أشد وأهل مكة الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا معاهدين لا أهل ~~ذمة فلو فرض أن مجرد طعنهم ليس نقضا للعهد لم يكن الذمي كذلك. # PageV01P015 # الوجه الثاني: أن الذمي إذا سب الرسول أو سب الله أو عاب الإسلام علانية ~~فقد نكث يمينه وطعن في ديننا لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه يعاقب على ذلك ~~ويؤدب عليه فعلم أنه لم يعاهد عليه لأنا لو عاهدناه عليه ثم فعله لم تجز ~~عقوبته عليه وإذا كنا قد عاهدناه على أن لا يطعن في ديننا ثم يطعن في ديننا ~~فقد نكث في دينه من بعد عهده وطعن في ديننا فيجب قتله بنص الآية وهذه دلالة ~~قوية حسنة لأن المنازع يسلم لنا أنه ممنوع من ذلك بالعهد الذي بيننا وبينه ~~لكن نقول: ليس كل ما منع منه نقض عهده كإظهار الخمر والخنزير ونحو ذلك ~~فنقول: قد وجد منه شيئان: ما منعه منه العهد وطعن في الدين بخلاف أولئك ~~فإنه لم يوجد منهم إلا فعل ما هم ممنوعون منه بالعهد فقط والقرآن يوجب قتل ~~من نكث يمينه من بعد عهده وطعن في الدين ولا يمكن أن يقال "لم ينكث" لأن ~~النكث هو مخالفة العهد فمتى خالفوا شيئا مما صولحوا عليه فهو نكث مأخوذ من ~~نكث الحبل وهو نقض قواه ونكث الحبل يحصل بنقض قوة واحدة كما يحصل بنقض جميع ~~القوى ولكن قد بقى من قواه ما يستمسك الحبل به وقد يهن بالكلية وهذه ~~المخالفة من المعاهد قد تبطل العهد بالكلية حتى تجعله حربيا وقد شعث العهد ~~حتى تبيح عقوبتهم كما أن نقض بعض الشروط في ms013 البيع والنكاح ونحوهما قد يبطل ~~البيع بالكلية كما لو وصفه بأنه فرس فظهر بعيرا وقد يبيح الفسخ كالإخلال ~~بالرهن والضمين هذا عند من يفرق في المخالفة وأما من قال: "ينتقض العهد ~~بجميع المخالفات" فالأمر ظاهر على قوله وعلى التقديرين قد اقتضى العقد أن ~~لا يظهروا شيئا من عيب ديننا وأنهم متى أظهروا فقد نكثوا وطعنوا في الدين ~~فيدخلون في عموم الآية لفظا ومعنى ومثل هذا العموم يبلغ درجة النص. # PageV01P016 # الوجه الثالث: أنه سماهم أئمة الكفر لطعنهم في الدين وأوقع الظاهر موقع ~~المضمر لأن قوله {أئمة الكفر} إما أن يعنى به الذين نكثوا أو طعنوا أو ~~بعضهم والثاني لا يجوز لأن الفعل الموجب للقتال صدر من جميعهم فلا يجوز ~~تخصيص بعضهم بالجزاء إذا العلة يجب طردها إلا لمانع ولا مانع ولأنه علل ذلك ~~ثانيا بأنهم لا أيمان لهم وذلك يشمل جميع الناكثين الطاعنين ولان النكث ~~والطعن وصف مشتق مناسب لوجوب القتال وقد رتب عليه بحرف الفاء ترتيب الجزاء ~~على شرطه وذلك نص في أن ذلك الفعل هو الموجب للثاني فثبت أنه عنى الجميع ~~فيلزم أن الجميع أئمة كفر وإمام الكفر هو الداعي إليه المتبع فيه وإنما صار ~~إماما في الكفر لأجل الطعن فإن مجرد النكث لا يوجب ذلك وهو مناسب لأن الطعن ~~في الدين يعيبه ويذمه ويدعو إلى خلافه وهذا شأن الإمام فثبت أن كل طاعن في ~~الدين فهو إمام في الكفر فإذا طعن الذمي في الدين فهو إمام في الكفر فيجب ~~قتله لقوله تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر} ولا يمين له لأنه عاهدنا على أن لا ~~يظهر عيب الدين وخالف واليمين هنا المراد بها العهود لا القسم بالله فيما ~~ذكره المفسرون وهو كذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقاسمهم بالله عام ~~الحديبية وإنما عاقدهم عقدا ونسخة الكتاب معروفة ليس فيها قسم وهذا لأن ~~اليمين يقال: إنما سميت بذلك لأن المعاهدين يمد كل منهما يمينه إلى الآخر ~~ثم غلبت حتى صار مجرد الكلام بالعهد يسمى يمينا ويقال: سميت يمينا لأن ~~اليمين ms014 هي القوة والشدة كما قال الله تعالى: {لأخذنا منه باليمين} فلما كان ~~الحلف معقودا مشددا سمي يمينا فاسم اليمين جامع للعقد الذي بين العبد وبين ~~ربه وإن كان نذرا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "النذر حلفة" وقوله: ~~"كفارة النذر كفارة اليمين" وقول # PageV01P017 # جماعة من الصحابة للذي نذر نذر اللجاج والغضب: "كفر يمينك" وللعهد الذي ~~بين المخلوقين ومنه قوله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} والنهي ~~عن نقض العهود وإن لم يكن فيها قسم وقال تعالى: {ومن أوفى بما عاهد عليه ~~الله} وإنما لفظ العهد "بايعناك على أن لا نفر" ليس فيه قسم وقد سماهم ~~معاهدين لله وقال تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} قالوا: ~~معناه يتعاهدون ويتعاقدون لأن كل واحد من المعاهدين إنما عاهده بأمانة الله ~~وكفالته وشهادته فثبت أن كل من طعن في ديننا بعد أن عاهدناه عهدا يقتضي أن ~~لا يفعل ذلك فهو إمام في الكفر لا يمين له فيجب قتله بنص الآية وبهذا يظهر ~~الفرق بينه وبين الناكث الذي ليس بإمام وهو من خالف بفعل شيء مما صولحوا ~~عليه من غير الطعن في الدين. # الوجه الرابع: أنه قال تعالى: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا ~~بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة} فجعل همهم بإخراج الرسول من المحضضات ~~على قتالهم وما ذاك إلا لما فيه من الأذى وسبه أغلظ من الهم بإخراجه بدليل ~~أنه صلى الله عليه وسلم عفا عام الفتح عن الذين هموا بإخراجه ولم يعف عمن ~~سبه فالذمي إذا أظهر سبه فقد نكث عهده وفعل ما هو أعظم من الهم بإخراج ~~الرسول وبدأ بالأذى فيجب قتاله. # الوجه الخامس: قوله تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم # PageV01P018 # ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم} أمر سبحانه بقتال الناكثين ~~الطاعنين في الدين وضمن لنا إن فعلنا ذلك أن يعذبهم بأيدينا ويخزيهم ~~وينصرنا عليهم ويشفي صدور المؤمنين الذين تأذوا من نقضهم وطعنهم وأن يذهب ~~غيظ قلوبهم لأنه ms015 رتب ذلك على قتالهم ترتيب الجزاء على الشرط والتقدير: إن ~~تقاتلوهم يكن هذا كله فدل على أن الناكث الطاعن مستحق هذا كله وإلا فالكفار ~~يدالون علينا المرة وندال عليهم الأخرى وإن كانت العاقبة للمتقين وهذا ~~تصديق ما جاء في الحديث: "ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو" والتعذيب ~~بأيدينا هو القتل فيكون الناكث الطاعن مستحقا للقتل والساب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ناكث طاعن كما تقدم فيستحق القتل وإنما ذكر سبحانه النصر ~~عليهم وأنه يتوب من بعد ذلك على من يشاء لأن الكلام في قتال الطائفة ~~الممتنعة فأما الواحد المستحق للقتل فلا ينقسم حتى يقال فيه "يعذبه الله ~~ويتوب الله من بعد ذلك على من يشاء" على أن قوله {من يشاء} يجوز أن يكون ~~عائدا إلى من لم يطعن بنفسه وإنما أقر الطاعن فسميت الفئة طاعنة لذلك وعند ~~التمييز فبعضهم دون بعضهم مباشر ولا يلزم من التوبة على الردء التوبة على ~~المباشر ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدر عام الفتح دم الذين ~~باشروا الهجاء ولم يهدر دم الذين سمعوه وأهدر دم بني بكر ولم يهدر دم الذين ~~أعاروهم السلاح. # الوجه السادس: أن قوله تعالى: {ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم} ~~دليل على أن شفاء الصدور من ألم النكث والطعن وذهاب الغيظ الحاصل في صدور ~~المؤمنين من ذلك أمر مقصود للشارع مطلوب الحصول وأن ذلك يحصل إذا جاهدوا ~~كما جاء في الحديث المرفوع: # PageV01P019 # " عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الله يدفع الله به عن النفوس الهم ~~والغم " ولا ريب أن من أظهر سب الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة ~~وشتمه فإنه يغيظ المؤمنين ويؤلمهم أكثر مما لو سفك دماء بعضهم وأخذ أموالهم ~~فإن هذا يثير الغضب لله والحمية له ولرسوله وهذا القدر لا يهيج في قلب ~~المؤمن غيظا أعظم منه بل المؤمن المسدد لا يغضب هذا الغضب إلا لله والشارع ~~يطلب شفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم وهذا إنما يحصل بقتل الساب ~~لأوجه: ms016 # أحدها: أن تعزيره وتأديبه يذهب غيظ قلوبهم إذا شتم واحدا من المسلمين أو ~~فعل نحو ذلك فلو أذهب غيظ قلوبهم إذا شتم الرسول لكان غيظهم من شتمه مثل ~~غيظهم من شتم واحد منهم وهذا باطل. # الثاني: أن شتمه أعظم عندهم من أن يؤخذ بعض دمائهم ثم لو قتل واحدا منهم ~~لم يشف صدورهم إلا قتله فأن لا تشفى صدورهم إلا بقتل الساب أولى وأحرى. # الثالث: أن الله تعالى جعل قتالهم هو السبب في حصول الشفاء والأصل عدم ~~سبب آخر يحصله فيجب أن يكون القتل والقتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل ~~هذا. # الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتحت مكة وأراد أن يشفي صدور ~~خزاعة وهم القوم المؤمنين من بني بكر الذين قاتلوهم مكنهم منهم نصف النهار ~~أو أكثر مع أمانه لسائر الناس فلو كان شفاء صدورهم وذهاب غيظ قلوبهم يحصل ~~بدون القتل للذين نكثوا وطعنوا لما فعل ذلك مع أمانه للناس. # الموضع الرابع: قوله سبحانه: {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله # PageV01P020 # فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم} فإنه يدل على أن أذى النبي ~~صلى الله عليه وسلم محادة لله ولرسوله لأنه قال هذه الآية عقب قوله تعالى: ~~{ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} ثم قال: {يحلفون بالله لكم ~~ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ألم يعلموا أنه من ~~يحادد الله ورسوله} فلو لم يكونوا بهذا الأذى محادين لم يحسن أن يوعدوا بأن ~~للمحاد نار جهنم لأنه يمكن حينئذ أن يقال: قد علموا أن للمحاد نار جهنم ~~لكنهم لم يحادوا وإنما آذوا فلا يكون في الآية وعيد لهم فعلم أن هذا الفعل ~~لا بد أن يندرج في عموم المحادة ليكون وعيد المحاد وعيدا له ويلتئم الكلام. # ويدل على ذلك أيضا ما روى الحاكم في صحيحه بإسناد صحيح عن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من ~~المسلمين فقال: إنه سيأتيكم ms017 إنسان ينظر إليكم بعين شيطان فإذا أتاكم فلا ~~تكلموه فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام ~~تشتمني أنت وفلان وفلان فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا بالله واعتذروا إليه " ~~فأنزل الله تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ~~ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون} ثم قال بعد ذلك: {إن الذين ~~يحادون الله ورسوله} فعلم أن هذا داخل في المحادة. # وفي رواية أخرى صحيحة أنه نزل قوله: {يحلفون لكم لترضوا عنهم} وقد قال: ~~{يحلفون بالله لكم ليرضوكم} ثم قال عقبه: # PageV01P021 # {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله} فثبت ان هؤلاء الشاتمين محادون ~~وسيأتي إن شاء الله زيادة في ذلك. # وإذا كان الأذى محادة لله ورسوله فقد قال الله تعالى: {إن الذين يحادون ~~الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} ~~والأذل أبلغ من الذليل ولا يكون أذل حتى يخاف على نفسه وماله إن أظهر ~~المحادة لأنه إن كان دمه وماله معصوما لا يستباح فليس بأذل يدل عليه قوله ~~تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} ~~فبين سبحانه أنهم أينما ثقفوا فعليهم الذلة إلا مع العهد فعلم أن من له عهد ~~وحبل لا ذلة عليه وان كانت عليه المسكنة فإن المسكنة قد تكون مع عدم الذلة ~~وقد جعل المحادين في الأذلين فلا يكون لهم عهد إذ العهد ينافي الذلة كما ~~دلت عليه الآية وهذا ظاهر فإن الأذل هو الذي ليس له قوة يمتنع بها ممن ~~أرداه بسوء فإذا كان له من المسلمين عهد يجب عليهم به نصره ومنعه فليس بأذل ~~فثبت أن المحاد لله ولرسوله لا يكون له عهد يعصمه والمؤذي للنبي صلى الله ~~عليه وسلم محاد فالمؤذي للنبي ليس له عهد يعصم دمه وهو المقصود. # وأيضا فإنه قال تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين ~~من قبلهم} والكبت: الإذلال والخزي والصرع قال الخليل: "الكبت هو الصرع على ms018 ~~الوجه" وقال النضر بن شميل وابن قتيبة: "هو الغيظ والحزن وهو في الاشتقاق ~~الأكبر من كبده كأن الغيظ والحزن أصاب كبده" كما يقال: أحرق الحزن والعداوة ~~كبده وقال أهل التفسير: "كبتوا أهلكوا وأخزوا وحزنوا" فثبت أن المحاد مكبوت ~~مخزي ممتل غيظا وحزنا هالك # PageV01P022 # وهذا إنما يتم إذا خاف إن أظهر المحادة أن يقتل وإلا فمن أمكنه إظهار ~~المحادة وهو آمن على دمه وماله فليس بمكبوت بل مسرور جذلان ولأنه قال: ~~{كبتوا كما كبت الذين من قبلهم} والذين من قبلهم ممن حاد الرسل وحاد رسول ~~الله إنما كبته الله بأن أهلكه بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين والكبت وإن ~~كان يحصل منه نصيب لكل من لم ينل غرضه كما قال سبحانه: {ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا أو يكبتهم} لكن قوله تعالى: {كما كبت الذين من قبلهم} يعني ~~محادى الرسل دليل على الهلاك أو كتم الأذى يبين ذلك أن المنافقين هم من ~~المحادين فهم مكبوتون بموتهم بغيظهم لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم ~~قتلوا فيجب أن يكون كل محاد كذلك. # وأيضا فقوله تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} عقب قوله: {إن الذين ~~يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين} دليل على أن المحادة مغالبة ومعاداة ~~حتى يكون أحد المتحادين غالبا والآخر مغلوبا وهذا إنما يكون بين أهل الحرب ~~لا أهل السلم فعلم أن المحاد وليس بمسالم والغلبة للرسل بالحجة والقهر فمن ~~أمر منهم بالحرب نصر على عدوه ومن لم يؤمر بالحرب أهلك عدوه وهذا أحسن من ~~قول من قال: إن الغلبة للمحارب بالنصر ولغير المحارب بالحجة فعلم أن هؤلاء ~~المحادين محاربون مغلوبون. # أيضا فإن المحادة من المشاقة لأن المحادة من الحد والفصل والبينونة وكذلك ~~المشاقة من الشق وهو بهذا المعنى فهما جميعا بمعنى المقاطعة والمفاصلة ~~ولهذا يقال: إنما سميت بذلك لأن كل واحد من المتحادين والمتشاقين في حد وشق ~~من الآخر وذلك يقتضي انقطاع الحبل الذي بين أهل العهد إذا حاد بعضهم بعضا ~~فلا حبل لمحاد لله ورسوله. # PageV01P023 # وأيضا فإنها إذا كانت ms019 بمعنى المشاقة فإن الله سبحانه قال: {فاضربوا فوق ~~الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ~~ورسوله فإن الله شديد العقاب} فأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم ومحادتهم فكل من ~~حاد وشاق يجب أن يفعل به ذلك لوجود العلة. # وأيضا فإنه تعالى قال: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} والتعذيب هنا ~~والله أعلم القتل لأنهم قد عذبوا بما دون ذلك من الإجلاء وأخذ الأموال فيجب ~~تعذيب من شاق الله تعالى ورسوله ومن أظهر المحادة فقد شاق الله ورسوله ~~بخلاف من كتمها فإنه ليس بمحاد ولا مشاق. # وهذه الطريقة أقوى في الدلالة يقال: هو محاد وإن لم يكن مشاقا ولهذا جعل ~~جزاء المحاد مطلقا أن يكون مكبوتا كما كبت من قبله وأن يكون في الأذلين ~~وجعل جزاء المشاق القتل والتعذيب في الدنيا ولن يكون مكبوتا كما كبت من ~~قبله في الأذلين إلا إذا لم يمكنه إظهار محادته فعلى هذا تكون المحادة أعم ~~ولهذا ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} الآية: إنها نزلت فيمن قتل من المسلمين ~~أقاربه في الجهاد وفيمن أراد أن يقتل لمن تعرض لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالأذى من كافر أو منافق قريب له فعلم أن المحاد يعم المشاق وغيره. # ويدل على ذلك أنه قال سبحانه: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم ما هم منكم ولا منهم} الآيات إلى قوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} وإنما نزلت في # PageV01P024 # المنافقين الذين تولوا اليهود المغضوب عليهم وكان أولئك اليهود أهل عهد ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن الله سبحانه بين أن المؤمنين لا يوادون ~~من حاد الله ورسوله فلا بد أن يدخل في ذلك عدم المودة لليهود وإن كانوا أهل ~~ذمة لأنه سبب النزول وذلك يقتضي أن أهل الكتاب ms020 محادون لله ورسوله وان كانوا ~~معاهدين. # ويدل على ذلك أن الله قطع الموالاة بين المسلم والكافر وإن كان له عهد ~~وذمة وعلى هذا التقدير يقال: عوهدوا على أن لا يظهروا المحادة ولا يعلنوا ~~بها بالإجماع كما تقدم وكما سيأتي فإذا أظهروا صاروا محادين لا عهد لهم ~~مظهرين للمحادة وهؤلاء مشاقون فيستحقون خزي الدنيا من القتل ونحوه وعذاب ~~الآخرة. # فإن قيل: إذا كان كل يهودي محادا لله ورسوله فمن المعلوم أن العهد يثبت ~~لهم مع التهود وذلك ينقض ما قدمتم من أن المحاد لا عهد له. # قيل: من سلك هذه الطريقة قال: المحاد لا عهد له على إظهار المحادة فأما ~~إذا لم يظهر لنا المحادة فقد أعطيناه العهد وقوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة ~~أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} يقتضي أن الذلة تلزمه فلا ~~تزول إلا بحبل من الله وحبل من الناس وحبل المسلمين معه على أن لا يظهر ~~المحادة بالاتفاق فليس معه حبل مطلق بل حبل مقيد فهذا الحبل لا يمنعه أن ~~يكون أذل إذا فعل ما لم يعاهد عليه أو يقول صاحب هذا المسلك: الذلة لازمة ~~لهم بكل حال كما أطلقت في سورة البقرة وقوله: ضربت عليهم الذلة أين ما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله} يجوز أن يكون تفسيرا للذلة أي ضربت عليهم أنهم ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس فالحبل لا يرفع ~~الذلة وإنما يرفع بعض موجباتها وهو القتل فإن # PageV01P025 # من كان لا يعصم دمه إلا بعهد فهو ذليل وإن عصم دمه بالعهد لكن على هذا ~~التقدير تضعف الدلالة الأولى من المحادة والطريقة الأولى أجود كما تقدم وفي ~~زيادة تقريرها طول. # الموضع الخامس: قوله سبحانه: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة} وهذه الآية توجب قتل من آذى الله ورسوله كما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى تقريره والعهد لا يعصم من ذلك لأنا لم نعاهدهم على أن يؤذوا ~~الله ورسوله. # ويوضح ذلك قول النبي صلى الله ms021 عليه وسلم " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى ~~الله ورسوله " فندب المسلمين إلى يهودي كان معاهدا لأجل أنه آذى الله ~~ورسوله فدل ذلك على أنه لا يوصف كل ذمي بأنه يؤذي الله ورسوله وإلا لم يكن ~~فرق بينه وبين غيره ولا يصح أن يقال: اليهود ملعونون في الدنيا والآخرة مع ~~إقرارهم على ما يوجب ذلك لأنا لم نقرهم على إظهار أذى الله ورسوله وإنما ~~أقررناهم على أن يفعلوا بينهم ما هو من دينهم. # فصل. # وأما الآيات الدالات على كفر الشاتم وقتله أو على أحدهما إذا لم يكن ~~معاهدا وإن كان مظهرا للإسلام فكثيرة مع أن هذا مجمع عليه كما تقدم حكاية ~~الإجماع عن غير واحد. # منها قوله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير ~~لكم} إلى قوله: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} # PageV01P026 # إلى قوله {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله} فعلم أن إيذاء رسول الله ~~محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة فيجب أن يكون ~~داخلا فيه ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفا إذا أمكن أن يقال: إنه ليس بمحاد ~~ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدا فيها ~~ولم يقل "هي جزاؤه" وبين الكلامين فرق بل المحادة هي المعاداة والمشاقة ~~وذلك كفر ومحاربة فهو أغلظ من مجرد الكفر فيكون المؤذي لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كافرا عدوا لله ورسوله محاربا لله ورسوله لأن المحادة اشتقاقها ~~من المبيانة بأن يصير كل واحد منهما في حد كما قيل "المشاقة: أن يصير كل ~~منهما في شق والمعاداة: أن يصير كل منهما في عدوة". # وفي الحديث أن رجلا كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " من يكفيني ~~عدوي " وهذا ظاهر قد تقدم تقريره وحينئذ فيكون كافرا حلال الدم لقوله ~~تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين} ولو كان مؤمنا ~~معصوما لم يكن أذل لقوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} وقوله: ~~{كبتوا ms022 كما كبت الذين من قبلهم} والمؤمن لا يكبت كما كبت مكذبو الرسل قط ~~ولأنه قد قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله} الآية فإذا كان من يواد المحاد ليس بمؤمن فكيف بالمحاد نفسه؟ ~~وقد قيل: إن من سبب نزولها أن أبا قحافة شتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأراد الصديق قتله أو أن ابن أبي تنقص النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن ~~ابنه # PageV01P027 # النبي صلى الله عليه وسلم في قتله لذلك فثبت أن المحاد كافر حلال الدم. # وأيضا فقد قطع الله الموالاة بين المؤمنين وبين المحادين لله ورسوله ~~والمعادين لله ورسوله فقال تعالى {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم} الآية وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} فعلم أنهم ~~ليسوا من المؤمنين. # وأيضا فإنه قال سبحانه: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق ~~الله فإن الله شديد العقاب} فجعل سبب استحقاقهم العذاب في الدنيا ولعذاب ~~النار في الآخرة هو مشاقة الله ورسوله والمؤذي للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مشاق لله ورسوله كما تقدم والعذاب هنا هو الإهلاك بعذاب من عنده أو بأيدينا ~~وإلا فقد أصابهم ما دون ذلك من ذهاب الأموال وفراق الأوطان. # وقال سبحانه: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} إلى قوله: {سألقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله} فجعل إلقاء الرعب في قلوبهم والأمر بقتلهم لأجل ~~مشاقتهم لله ورسوله فكل من شاق الله ورسوله يستوجب ذلك. # وقولهم: {هو أذن} قال مجاهد: "هو أذن" يقولون: سنقول ما شئنا ثم نحلف له ~~فيصدقنا". # وقال الوالبي عن ابن عباس: "يعني أنه يسمع من كل أحد". # PageV01P028 # قال بعض أهل التفسير: كان رجال من المنافقين يؤذون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويقولون ما ms023 لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ~~ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس: "بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا فإنما ~~محمد أذن سامعة فأنزل الله هذه الآية". # وقال ابن إسحاق: كان نبتل بن الحارث الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيه: " من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " ينم حديث ~~النبي إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئا ~~صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا عليه فأنزل الله هذه الآية. # وقولهم: "أذن" قالوا: ليتبينوا أن كلامهم مقبول عنده فأخبر الله أنه لا ~~يصدق إلا المؤمنين وإنما يسمع الخبر فإذا حلفوا له فعفا عنهم كان ذلك لأنه ~~أذن خير لا لأنه صدقهم قال سفيان بن عيينة: "أذن خير يقبل منكم ما أظهرتم ~~من الخير ومن القول ولا يؤاخذكم بما في قلوبكم ويدع سرائركم إلى الله تعالى ~~وربما تضمنت هذه الكلمة نوع استهزاء واستخفاف". # فإن قيل: فقد روى نعيم بن حماد ثنا محمد بن ثور عن يونس عن الحسن قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم لا تجعل لفاجر ولفاسق عندي يدا ~~ولا نعمة فإني وجدت فيما أوحيته {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله} " قال سفيان: "يرون أنها أنزلت فيمن يخالط ~~السلطان" رواه أبو أحمد العسكري وظاهر هذا أن كل فاسق لا يبغي مودته فهو ~~محاد لله ورسوله مع أن هؤلاء ليسوا منافقين النفاق المبيح للدم. # PageV01P029 # قيل: المؤمن الذي يحب الله ورسوله ليس على الإطلاق بمحاد لله ورسوله كما ~~أنه ليس على الإطلاق بكافر ولا منافق وإن كانت له ذنوب كثيرة إلا ترى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لنعيمان وقد جلد في الخمر غير مرة "إنه يحب ~~الله ورسوله" لأن مطلق المحادة يقتضي مطلق المقاطعة والمصارمة والمعاداة ~~والمؤمن ليس كذلك لكن قد يقع اسم النفاق على من أتى بشعبة من شعبه ولهذا ~~قالوا: "كفر دون ms024 كفر" و"ظلم دون ظلم" و"فسق دون فسق" وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "كفر بالله تبرأ من نسب وإن دق " و" من حلف بغير الله فقد أشرك ~~" و"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ". # وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلهم يخاف النفاق على نفسه. # فوجه هذا الحديث أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بالفاجر المنافق ~~فلا ينقض الاستدلال أو يكون عنى كل فاجر لأن الفجور مظنة النفاق فما من ~~فاجر إلا يخاف أن يكون فجوره صادرا عن مرض في القلب أو موجبا له فإن ~~المعاصي بريد الكفر فإذا أحب الفاسق فقد يكون محبا للمنافق فحقيقة الإيمان ~~بالله واليوم الآخر أن لا يواد من أظهر من الأفعال ما يخاف معها أن يكون ~~محادا لله ورسوله فلا ينقض الاستدلال أيضا أو أن تكون الكبائر من شعب ~~المحادة لله ورسوله فيكون مرتكبها محادا من وجه وإن كان مواليا لله ورسوله ~~من وجه آخر ويناله من الذلة والكبت بقدر قسطه من المحادة كما قال الحسن: ~~"وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي رقابهم أبى ~~الله إلا أن يذل من عصاه فالعاصي يناله من الذلة والكبت بحسب معصيته وإن ~~كان له من عزة الإيمان بحسب إيمانه كما يناله من الذم والعقوبة وحقيقة ~~الإيمان أن لا يواد المؤمن من حاد الله بوجه من # PageV01P030 # وجوه المودة المطلقة وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء ~~إليها فإذا اصطنع الفاجر إليه يدا أحبه المحبة التي جبلت القلوب عليها ~~فيصير موادا له مع أن حقيقة الإيمان توجب عدم مودته من ذلك الوجه وإن كان ~~معه من أصل الإيمان ما يستوجب به أصل المودة التي تستوجب أن يخص بها دون ~~الكافر والمنافق وعلى هذا فلا ينقض الاستدلال أيضا لأن من آذى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه أظهر حقيقة المحادة ورأسها الذي يوجب جميع أنواع ~~المحادة فاستوجب الجزاء ms025 المطلق وهو جزاء الكافرين كما أن من أظهر حقيقة ~~النفاق ورأسه استوجب ذلك وإن لم يستوجبه من أظهر شعبة من شعبه والله سبحانه ~~أعلم. # الدليل الثاني: قوله سبحانه: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم ~~بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم ~~بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} وهذا نص ~~في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر فالسب المقصود بطريق الأولى وقد ~~دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم جادا أو ~~هازلا فقد كفر. # وقد روى عن رجال من أهل العلم منهم ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم ~~وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: "ما ~~رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا اكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء" ~~يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء فقال # PageV01P031 # له عوف بن مالك: "كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجد القرآن قد سبقه ~~فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته ~~فقال: يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق". # قال ابن عمر: "كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب فيقول له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} ما يلتفت ~~إليه ولا يزيده عليه ". # وقال مجاهد: "قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا ~~وكذا وما يدريه ما الغيب فأنزل الله عز وجل هذه الآية". # وقال معمر عن قتادة: "بينا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وركب ~~من ms026 المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: أيظن هذا أن يفتح قصور الروم ~~وحصونها؟ فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " علي بهؤلاء النفر" فدعا بهم فقال: أقلتم كذا وكذا؟ فحلفوا ~~ما كنا إلا نخوض ونلعب ". # قال معمر: قال الكلبي: "كان رجل منهم لم يماثلهم في الحديث يسير عائبا ~~لهم فنزلت {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} فسمي طائفة وهو واحد". # فهؤلاء لما تنقصوا النبي صلى الله عليه وسلم حيث عابوه والعلماء من ~~أصحابه # PageV01P032 # واستهانوا بخبره أخبر الله أنهم كفروا بذلك وإن قالوه استهزاء فكيف بما ~~هو أغلظ من ذلك؟ وإنما لم يقم الحد عليهم لكون جهاد المنافقين لم يكن قد ~~أمر به إذ ذاك بل كان مأمورا بأن يدع أذاهم ولأنه كان له أن يعفو عمن تنقصه ~~وآذاه. # الدليل الثالث: قوله سبحانه: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} واللمز: العيب ~~والطعن قال مجاهد: "يتهمك ويزريك" وقال عطاء: "يغتابك" وقال تعالى: {ومنهم ~~الذين يؤذون النبي} الآية وذلك يدل على أن كل من لمزه أو آذاه كان منهم لأن ~~{الذين} و {من} اسمان موصولان وهما من صيغ العموم والآية وإن كانت نزلت ~~بسبب لمز قوم وإيذاء آخرين فحكمها عام كسائر الآيات اللواتي نزلن على أسباب ~~وليس بين الناس خلاف نعلمه أنها تعم الشخص الذي نزلت بسببه ومن كان حاله ~~كحاله ولكن إذا كان اللفظ أعم من ذلك السبب فقد قيل: أنه يقتصر على سببه ~~والذي عليه جماهير الناس أنه يجب الأخذ بعموم القول ما لم يقم دليل يوجب ~~القصر على السبب كما هو مقرر في موضعه. # وأيضا فإن كونه منهم حكم معلق بلفظ مشتق من اللمز والأذى وهو مناسب لكونه ~~منهم فيكون ما منه الاشتقاق هو علة لذلك الحكم فيجب اطراده. # وأيضا فإن الله سبحانه وإن كان قد علم منهم النفاق قبل هذا القول لكن لم ~~يعلم نبيه بكل من لم يظهر نفاقه بل قال: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ~~ومن أهل المدينة مردوا ms027 على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} ثم أنه سبحانه ~~ابتلى الناس بأمور تميز بين المؤمنين والمنافقين # PageV01P033 # كما قال سبحانه: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} وقال ~~تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب} وذلك لأن الإيمان والنفاق أصله في القلب وإنما الذي يظهر من القول ~~والفعل فرع له ودليل عليه فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه ~~فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي صلى الله عليه وسلم والذين يؤذونه ~~من المنافقين ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له ومعلوم أنه إذا حصل فرع ~~الشيء ودليله حصل أصله المدلول عليه فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه ~~منافقا سواء كان منافقا قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون هذا القول دليلا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعينهم وإن لم يكن دليلا من ~~غيرهم؟. # قلنا: إذا كان دليلا للنبي صلى الله عليه وسلم الذي يمكن أن يغنيه الله ~~بوحيه عن الاستدلال فأن يكون دليلا لمن لا يمكنه معرفة البواطن أولى وأحرى. # وأيضا فلو لم تكن الدلالة مطردة في حق كل من صدر منه ذلك القول لم يكن في ~~الآية زجر لغيرهم أن يقول مثل هذا القول ولا كان في الآية تعظيم لذلك القول ~~بعينه فإن الدلالة على عين المنافق قد تكون مخصوصة بعينه وإن كانت أمرا ~~مباحا كما لو قيل: من المنافقين صاحب الجمل الأحمر وصاحب الثوب الأسود ونحو ~~ذلك فلما دل القرآن على ذم عين هذا القول # PageV01P034 # والوعيد لصاحبه علم أنه لم يقصد به الدلالة على المنافقين بأعيانهم فقط ~~بل هو دليل على نوع من المنافقين. # وأيضا فإن هذا القول مناسب للنفاق فإن لمز النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأذاه لا يفعله من يعتقد أنه رسول الله حقا وأنه أولى به من نفسه وأنه لا ~~يقول إلا الحق ولا يحكم إلا ms028 بالعدل وأن طاعته لله وأنه يجب على جميع الخلق ~~تعزيره وتوقيره وإذا كان دليلا على النفاق نفسه فحيثما حصل حصل النفاق. # وأيضا فإن هذا القول لا ريب أنه محرم فإما أن يكون خطيئة دون الكفر أو ~~يكون كفرا والأول باطل لأن الله سبحانه قد ذكر في القرآن أنواع العصاة من ~~الزاني والقاذف والسارق والمطفف والخائن ولم يجعل ذلك دليلا على نفاق معين ~~ولا مطلق فلما جعل أصحاب هذه الأقوال من المنافقين علم أن ذلك لكونها كفرا ~~لا لمجرد كونها معصية لأن تخصيص بعض المعاصي يجعلها دليلا على النفاق دون ~~بعض لا يكون حتى يختص دليل النفاق بما يوجب ذلك وإلا كان ترجيحا بلا مرجح ~~فثبت أنه لا بد أن يختص هذه الأقوال بوصف يوجب كونها دليلا على النفاق ~~وكلما كان كذلك فهو كفر. # وأيضا فإن الله سبحانه كما ذكر بعض الأقوال التي جعلهم بها من المنافقين ~~وهو قوله تعالى: {ائذن لي ولا تفتني} قال في عقب ذلك: {لا يستأذنك الذين ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر} إلى قوله: {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} # PageV01P035 # فجعل ذلك علامة مطردة على عدم الإيمان وعلى الريب مع أنه رغبة عن الجهاد ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استنفاره وإظهار من القاعد أنه معذور ~~بالقعود وحاصله عدم إرادة الجهاد فلمزه وأذاه أولى أن يكون دليلا مطردا لأن ~~الأول خذلان له وهذا محاربة له وهذا ظاهر. # وإذا ثبت أن كل من لمز النبي صلى الله عليه وسلم أو آذاه منهم فالضمير ~~عائد على المنافقين والكافرين لأنه سبحانه لما قال: {انفروا خفافا وثقالا ~~وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} قال: ~~{لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله} وهذا الضمير عائد إلى معلوم غير مذكور وهم الذين حلفوا {لو استطعنا ~~لخرجنا معكم} وهؤلاء هم المنافقون بلا ريب ولا خلاف ثم أعاد الضمير إليهم ~~إلى قوله: {قل أنفقوا ms029 طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين ~~وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} فثبت أن ~~هؤلاء الذين أضمروا كفروا بالله ورسوله وقد جعل منهم من يلمز ومنهم من يؤذي ~~وكذلك قوله: {وما هم منكم} إخراج لهم عن الإيمان. # وقد نطق القرآن بكفر المنافقين في غير موضع وجعلهم أسوأ حالا من الكافرين ~~وأنهم في الدرك الأسفل من النار وأنهم يوم القيامة يقولون للذين آمنوا: ~~{انظرونا نقتبس من نوركم} الآية إلى قوله: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا ~~من الذين كفروا} وأمر نبيه في آخر الأمر بأن # PageV01P036 # لا يصلي علي أحد منهم وأخبر أنه لن يغفر لهم وأمره بجهادهم والإغلاظ ~~عليهم وأخبر أنهم إن لم ينتهوا ليغرين الله نبيه بهم حتى يقتلوا في كل ~~موضع. # الدليل الرابع على ذلك أيضا: قوله سبحانه وتعالى: {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه في الخصومات التي ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقا من حكمه بل يسلموا لحكمه ظاهرا وباطنا ~~وقال قبل ذلك: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} فبين سبحانه أن من دعي إلى التحاكم ~~إلى كتاب الله وإلى رسوله فصد عن رسوله كان منافقا وقال سبحانه: {ويقولون ~~آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك ~~بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن ~~يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن ~~يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون # PageV01P037 # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ms030 أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا} فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من ~~المنافقين وليس بمؤمن وأن المؤمن هو الذي يقول: سمعنا وأطعنا فإذا كان ~~النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى ~~غيره مع أن هذا ترك محض وقد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالتنقص والسب ~~ونحوه؟. # ويؤيد ذلك ما رواه أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم ~~في تفسيره: حدثنا شعيب بن شعيب حدثنا أبو المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة حدثني ~~أبي: "أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل ~~فقال المقضي عليه: لا أرضى فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر ~~الصديق فذهبا إليه فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقضى لي عليه فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأبى صاحبه أن يرضى وقال: نأتي عمر بن الخطاب فأتياه فقال المقضي له: ~~قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى ثم ~~أتينا أبا بكر الصديق فقال: أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأبى أن يرضى فسأله عمر فقال كذلك فدخل عمر منزله فخرج والسيف في يده قد ~~سله فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله" فأنزل الله تبارك وتعالى: {فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} الآية. # وهذا المرسل له شاهد من وجه آخر يصلح للاعتبار. # قال ابن دحيم: حدثنا الجوزجاني حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة # PageV01P038 # عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: "اختصم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلان فقضى لأحداهما فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " نعم انطلقوا إلى عمر" فانطلقا فلما أتيا عمر ~~قال الذي قضي له: يا ابن الخطاب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms031 قضى لي ~~وإن هذا قال: ردنا إلى عمر فردنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~عمر: أكذلك؟ للذي قضي عليه قال: نعم فقال عمر: مكانك حتى أخرج فأقضي بينكما ~~فخرج مشتملا على سيفه فضرب الذي قال "ردنا إلى عمر" فقتله وأدبر الآخر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قتل عمر صاحبي ولولا ما ~~أعجزته لقتلني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما كنت أظن أن عمر ~~يجتري على قتل مؤمن" فأنزل الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم} فبرأ الله عمر من قتله". # وقد رويت هذه القصة من غير هذين الوجهين قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: ~~"ما أكتب حديث ابن لهيعة إلا للاعتبار والاستدلال وقد أكتب حديث هذا الرجل ~~على هذا المعنى كأني أستدل به مع غيره يشده لا أنه حجة إذا انفرد". # الدليل الخامس مما استدل به العلماء على ذلك: قوله سبحانه تعالى: # PageV01P039 # {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم ~~عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا} ودلالتها من وجوه: # أحدها: أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته فمن آذاه فقد آذى الله ~~تعالى وقد جاء ذلك منصوصا عنه ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم يبين ذلك أن ~~الله تعالى جعل محبة الله ورسوله وإرضاء الله ورسوله وطاعة الله ورسوله ~~شيئا واحدا فقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله} الآية وقال تعالى: {وأطيعوا الله والرسول} في مواضع متعددة ~~وقال تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} فوحد الضمير وقال أيضا: {إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله} وقال أيضا: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال ~~لله والرسول} . # وجعل شقاق الله ورسوله ومحادة الله ورسوله وأذى الله ورسوله ومعصية الله ~~ورسوله شيئا واحدا فقال: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن ms032 يشاقق الله ~~ورسوله} وقال: {إن الذين يحادون الله ورسوله} وقال تعالى: # PageV01P040 # {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله} وقال: {ومن يعص الله ورسوله} ~~الآية. # وفي هذا وغيره بيان لتلازم الحقين وأن جهة حرمه الله تعالى ورسوله جهة ~~واحدة فمن آذى الرسول فقد آذى الله ومن أطاعه فقد أطاع الله لأن الأمة لا ~~يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة الرسول ليس لأحد منهم طريق غيره ولا ~~سبب سواه وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه فلا يجوز ~~أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور. # وثانيها: أنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات فجعل ~~على هذا أنه {فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا ~~والآخرة وأعد له العذاب المهين ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر ~~الإثم وفيه الجلد وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل. # الثالث: أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ~~واللعن: الإبعاد عن الرحمة ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون ~~إلا كافرا فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات ولا يكون مباح الدم لأن حقن ~~الدم رحمة عظيمة من الله فلا يثبت في حقه. # ويؤيد ذلك قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون ~~في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا} فإن أخذهم وتقتيلهم والله أعلم بيان صفة لعنهم وذكر ~~لحكمة فلا موضع له من الإعراب وليس بحال ثانية لأنهم إذا جاوروه ملعونين ~~ولم يظهر أثر لعنهم في الدنيا لم يكن في ذلك وعيد لهم # PageV01P041 # بل تلك اللعنة ثابتة قبل هذا الوعيد وبعده فلا بد أن يكون هذا الأخذ ~~والتقتيل من آثار اللعنة التي وعدوها فثبت في حق من لعنه الله في الدنيا ~~والآخرة. # ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن المؤمن كقتله" متفق عليه فإذا ~~كان الله قد لعن هذا في الدنيا والآخرة فهو كقتله ms033 فعلم أن قتله مباح. # قيل: واللعن إنما يستوجبه من هو كافر لكن ليس هذا جيدا على الإطلاق. # ويؤيده قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ~~أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} ولو كان معصوم ~~الدم يجب على المسلمين نصره لكان له نصير. # ويوضح ذلك أنه قد نزل في شأن ابن الأشرف وكان من لعنته أن قتل لأنه كان ~~يؤذي الله ورسوله. # وأعلم أنه لا يرد على هذا أنه قد لعن من لا يجوز قتله لوجوه: # أحدها أن هذا قيل فيه "لعنه الله في الدنيا والآخرة" فبين أنه سبحانه ~~أقصاه عن رحمته في الدارين وسائر الملعونين إنما قيل فيهم "لعنه الله" أو ~~"عليه لعنة الله" وذلك يحصل بإقصائه عن الرحمة في وقت من الأوقات وفرق بين ~~من لعنه الله أو عليه لعنة مؤبدة عامة ومن لعنه لعنا مطلقا. # PageV01P042 # الثاني: أن سائر الذين لعنهم الله في كتابه مثل الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من الكتاب ومثل الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ومثل ~~من يقتل مؤمنا متعمدا إما كافر أو مباح الدم بخلاف بعض من لعن في السنة. # الثالث: أن هذه الصيغة خبر عن لعنة الله له ولهذا عطف عليه {وأعد لهم ~~عذابا مهينا} وعامة الملعونين الذين لا يقتلون أو لا يكفرون إنما لعنوا ~~بصيغة الدعاء مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله من غير منار الأرض " ~~و" لعن الله السارق " و" لعن الله آكل الربا ومؤكله " ونحو ذلك. # لكن الذي يرد على هذا قوله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} فإن في هذه الآية ذكر ~~لعنتهم في الدنيا والآخرة مع أن مجرد القذف ليس بكفر ولا يبيح الدم. # والجواب عن هذه الآية من طريقين مجمل ومفصل. # أما المجمل فهو أن قذف المؤمن المجرد هو نوع من أذاه وإذا كان كاذبا ms034 فهو ~~بهتان عظيم كما قال سبحانه: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم ~~بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} والقرآن قد نص على الفرق بين أذى الله ورسوله ~~وبين أذى المؤمنين فقال تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة وأعد لهم # PageV01P043 # عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا} فلا يجوز أن يكون مجرد أذى المؤمنين بغير حق ~~موجبا للعنة الله في الدنيا والآخرة وللعذاب المهين إذ لو كان كذلك لم يفرق ~~بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين ولم يخصص مؤذي الله ورسوله باللعنة ~~المذكورة ويجعل جزاء مؤذي المؤمنين أنه احتمل بهتانا وإثما مبينا كما قال ~~في موضع آخر: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا ~~وإثما مبينا} كيف والعليم الحكيم إذا توعد على الخطيئة زاجرا عنها فلا بد ~~أن يذكر أقصى ما يخاف على صاحبها فإذا ذكر خطيئتين إحداهما أكبر من الأخرى ~~متوعدا عليهما زاجرا عنهما ثم ذكر في إحداهما جزاء عنها وذكر في الأخرى ما ~~هو دون ذلك ثم ذكر هذه الخطيئة في موضع آخر متوعدا عليها بالعذاب الأدنى ~~بعينه علم أن جزاء الكبرى لا يستوجب بتلك التي هي أدنى منها. # فهذا دليل يبين لك أن لعنة الله في الدنيا والآخرة وإعداده العذاب المهين ~~لا يستوجب بمجرد القذف الذي ليس فيه أذى لله ورسوله وهذا كاف في اطراد ~~الدلالة وسلامتها عن النقض. # وأما الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه: # أحدها: أن هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة في قول كثير ~~من أهل العلم. # PageV01P044 # فروى هشيم عن العوام بن حوشب ثنا شيخ من بني كاهل قال: فسر ابن عباس سورة ~~النور فلما أتى على هذه الآية {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} ~~إلى آخر الآية قال: "هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة وهي مبهمة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله ms035 له توبة ثم ~~قرأ {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} إلى قوله: {إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة" ~~قال: فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر. # وقال أبو سعيد الأشج: ثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: " {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} ~~نزلت في عائشة رضي الله عنها خاصة واللعنة في المنافقين عامة". # فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات ~~المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه ~~فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه نسبة له إلى الدياثة ~~وإظهار لفساد فراشه فإن زناء امرأته يؤذيه أذى عظيما ولهذا جوز له الشارع ~~أن يقذفها إذا زنت ودرأ الحد عنه باللعان ولم يبح لغيره أن يقذف امرأة ~~بحال. # ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان ~~هو المقذوف ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن ~~من قذف امرأة غير محصنة كالأمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن حد لقذفها لما ~~ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين. # PageV01P045 # والرواية الأخرى عنه وهي قول الأكثرين أنه لا حد عليه لأنه أذى لهما لا ~~قذف لهما والحد التام إنما يجب بالقذف وفي جانب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أذاه كقذفه ومن يقصد عيب النبي صلى الله عليه وسلم بعيب أزواجه فهو منافق ~~وهذا معنى قول ابن عباس: "اللعنة في المنافقين عامة". # وقد وافق ابن عباس على هذا جماعة فروى الإمام أحمد والأشج عن خصيف قال: ~~سالت سعيد بن جبير فقلت: الزنا أشد أو قذف المحصنة؟ قال: لا بل الزنا قال: ~~قلت: وإن الله تعالى يقول: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لعنوا في الدنيا والآخرة} فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة. # وروى أحمد بإسناده ms036 عن أبي الجوزاء في هذه الآية {إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة} قال: "هذه لأمهات المؤمنين ~~خاصة". # وروى الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال: "هن نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم". # وقال معمر عن الكلبي: إنما عنى بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال تعالى أو يتوب. # ووجه هذا ما تقدم من أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد ~~القذف فتكون اللام في قوله: {المحصنات الغافلات المؤمنات} لتعريف المعهود ~~والمعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لأن الكلام في قصة الإفك ~~ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة أو تقصير اللفظ العام على سببه للدليل ~~الذي يوجب ذلك. # ويؤيد هذا القول أن الله سبحانه رتب هذا الوعيد على قذف محصنات # PageV01P046 # غافلات مؤمنات وقال في أول السورة {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} الآية فرتب الجلد ورد الشهادة والفسق ~~على مجرد قذف المحصنات فلا بد أن تكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية ~~على مجرد المحصنات وذلك والله أعلم لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين وهن أزواج نبيه في الدنيا والآخرة ~~وعوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان ولأن الله سبحانه ~~قال في قصة عائشة: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} فتخصيصه بتولي كبره ~~دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم وقال: {ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} فعلم أن العذاب ~~العظيم لا يمس كل من قذف وإنما يمس متولي كبره فقط وقال هنا {ولهم عذاب ~~عظيم} فعلم أنه الذي رمى أمهات المؤمنين ويعيب بذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتولى كبر الإفك وهذه صفة المنافق ابن أبي. # وأعلم أنه على هذا القول تكون هذه الآية حجة أيضا موافقة لتلك الآية لأنه ~~لما كان رمي أمهات المؤمنين ms037 أذى للنبي صلى الله عليه وسلم لعن صاحبه في ~~الدنيا والآخرة ولهذا قال ابن عباس: "ليس فيها توبة" لأن مؤذي النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا تقبل توبته إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلاما جديدا وعلى ~~هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة فإنه ما بغت امرأة نبي قط. # ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ما خرجاه في # PageV01P047 # الصحيحين في حديث الإفك عن عائشة قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قالت: فقال رسول صلى الله عليه ~~وسلم وهو على المنبر "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في ~~أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه ~~إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: ~~أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا ~~من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا ~~صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: لعمر الله لا تقتله ولا تقدر ~~على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: ~~كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين قالت: فثار الحيان ~~الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على ~~المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت. # وفي رواية أخرى صحيحة قالت: "لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطيبا وما علمت به فتشهد وحمد الله وأثنى ~~عليه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وايم ~~الله ما علمت على ms038 أهلي سوءا قط وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ~~ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ولا كنت في سفر إلا غاب معي فقام سعد بن ~~معاذ فقال: يا رسول الله مرني أن أضرب أعناقهم ". # فقوله "من يعذرني" أي: من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من ~~أذاه في أهل بيتي والله لهم فثبت أنه صلى الله عليه وسلم قد تأذى بذلك ~~تأذيا استعذر منه وقال المؤمنون الذين لم تأخذهم حمية: " مرنا # PageV01P048 # نضرب أعناقهم فإنا نعذرك إذا أمرتنا بضرب أعناقهم " ولم ينكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم على سعد استئماره في ضرب أعناقهم وقوله: " إنك معذور إذا ~~فعلت ذلك ". # بقى أن يقال: فقد كان من أهل الإفك مسطح وحسان وحمنة ولم يرموا بنفاق ولم ~~يقتل النبي صلى الله عليه وسلم أحدا بذلك السبب بل قد اختلف في جلدهم. # وجوابه: أن هؤلاء لم يقصدوا أذى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يظهر منهم ~~دليل على أذاه بخلاف ابن أبي الذي إنما كان قصده أذاه ولم يكن إذ ذاك قد ~~ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هن أزواج له في الآخرة وكان وقوع ذلك من ~~أزواجه ممكنا في العقل ولذلك توقف النبي صلى الله عليه وسلم في القصة حتى ~~استشار عليا وزيدا وحتى سأل بريرة فلم يحكم بنفاق من لم يقصد أذى النبي صلى ~~الله عليه وسلم لإمكان أن يطلق المرأة المقذوفة فأما بعد أن ثبت أنهن ~~أزواجه في الآخرة وأنهن أمهات المؤمنين فقذفهن أذى له بكل حال ولا يجوز مع ~~ذلك أن تقع منهن فاحشة لأن في ذلك جواز أن يقيم الرسول مع امرأة بغي وأن ~~تكون أم المؤمنين موسومة بذلك وهذا باطل ولهذا قال سبحانه: {يعظكم الله أن ~~تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين} وسنذكر إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب ~~كلام الفقهاء فيمن قذف نساءه وأنه معدود من أذاه. # الوجه الثاني: أن الآية عامة قال الضحاك:" قوله تعالى: {إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات ms039 المؤمنات} يعني به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة" ~~ويقول آخرون: يعني أزواج المؤمنين عامة # PageV01P049 # وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قذف المحصنات من الموجبات ثم قرأ: {إن ~~الذين يرمون المحصنات} الآية وعن عمرو بن قيس قال: "قذف المحصنة يحبط عمل ~~تسعين سنة" رواهما الأشج وهذا قول كثير من الناس ووجه ظاهر الخطاب فإنه عام ~~فيجب إجراءه على عمومه إذ لا موجب لخصوصه وليس هو مختصا بنفس السبب ~~بالاتفاق لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم داخل في ~~العموم وليس هو من السبب ولأنه لفظ جمع والسبب في واحدة ولأن قصر عمومات ~~القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك وقد ~~علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه والفرق بين الآيتين أنه في أول السورة ~~ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد ورد الشهادة والتفسيق ~~وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه وهي اللعنة في الدارين والعذاب ~~العظيم. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجهه وعن أصحابه أن قذف ~~المحصنات من الكبائر وفي لفظ في الصحيح "قذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ~~وكان بعضهم يتأول على ذلك قوله: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات} ثم اختلف هؤلاء: # فقال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة ~~وقالوا: "إنما خرجت تفجر" فعلى هذا يكون فيمن قذف المؤمنات قذفا يصدهن به ~~عن الإيمان ويقصد بذلك ذم المؤمنين لينفر الناس عن الإسلام كما فعل كعب ابن ~~الأشرف وعلى هذا فمن فعل ذلك فهو كافر وهو بمنزلة من سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV01P050 # وقوله: "إنها نزلت زمن العهد" يعني والله أعلم أنه عنى بها مثل أولئك ~~المشركين المعاهدين وإلا فهذه الآية نزلت ليالي الإفك وكان الإفك في غزوة ms040 ~~بني المصطلق قبل الخندق والهدنة كانت بعد ذلك بسنتين. # ومنهم من أجراها على ظاهرها وعمومها لأن سبب نزولها قدف عائشة وكان فيمن ~~قذفها مؤمن ومنافق وسبب النزول لا بد أن يندرج في العموم ولأنه لا موجب ~~لتخصيصها. # والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا: {لعنوا في الدنيا والآخرة} ~~على بناء الفعل للمفعول ولم يسم اللاعن وقال هناك: {لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة} وإذا لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس ~~وجاز أن يلعنهم الله في وقت ويلعنهم بعض خلقه في وقت وجاز أن يتولى الله ~~لعنة بعضهم وهو من كان قذفه طعنا في الدين ويتولى خلقه لعنة الآخرين وإذا ~~كان اللاعن مخلوقا فلعنته قد تكون بمعنى الدعاء عليهم وقد تكون بمعنى أنهم ~~يبعدونهم عن رحمة الله. # ويؤيد هذا أن الرجل قذف امرأته تلاعنا وقال الزوج في الخامسة: {أن لعنت ~~الله عليه إن كان من الكاذبين} فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبا في القذف أن ~~يلعنه الله كما أمر الله رسوله أن يباهل من حاجه في المسيح بعد ما جاءه من ~~العلم بأن يبتهلوا فيجعل لعنة الله على الكاذبين فهذا مما يلعن به القاذف ~~ومما يلعن به أن يجلد وإن ترد شهادته ويفسق فإنه عقوبة له وإقصاء له عن ~~مواطن الأمن والقبول وهي من رحمة الله وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في ~~الدنيا والآخرة فإن لعنة الله له # PageV01P051 # توجب زوال النصر عنه من كل وجه وبعده عن أسباب الرحمة في الدارين. # ومما يؤيد الفرق أنه قال هنا: {وأعد لهم عذابا مهينا} ولم يجيء إعداد ~~العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار كقوله تعالى: {الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا} وقوله: {وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا} وقوله ~~{فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين} وقوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم عذاب مهين} وقوله: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب ms041 ~~مهين} وقوله: {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين} ~~وقوله: {وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين} وقوله: {اتخذوا ~~أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين} وأما قوله تعالى: {ومن يعص ~~الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} فهي والله ~~أعلم فيمن جحد الفرائض واستخف بها على أنه لم يذكر أن العذاب أعد له. # وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيدا للمؤمنين في قوله: {لولا كتاب من الله ~~سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} وقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في ~~الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} وفي المحارب: {ذلك لهم ~~خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} # PageV01P052 # وفي القاتل: {وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} وقوله: {ولا ~~تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن ~~سبيل الله ولكم عذاب عظيم} وقد قال سبحانه: {ومن يهن الله فما له من مكرم} ~~وذلك لأن الإهانة إذلال وتحقير وخزي وذلك قدر زائد على ألم العذاب فقد يعذب ~~الرجل الكريم ولا يهان. # فلما قال في هذه الآية: {وأعد لهم عذابا مهينا} علم أنه من جنس العذاب ~~الذي توعد به الكفار والمنافقين ولما قال هناك: {ولهم عذاب عظيم} جاز أن ~~يكون من جنس العذاب في قوله: {لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} . # ومما يبين الفرق أيضا أنه سبحانه وتعالى قال هنا: {وأعد لهم عذابا مهينا} ~~والعذاب إنما أعد للكافرين فإن جهنم لهم خلقت لأنهم لا بد أن يدخلوها وما ~~هم منها بمخرجين وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن لا يدخلوها إذا غفر الله ~~لهم وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين. # قال سبحانه: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} فأمر سبحانه المؤمنين أن ~~لا يأكلوا الربا وأن يتقوا الله وأن يتقوا النار التي أعدت للكافرين فعلم ~~أنهم يخاف عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا # PageV01P053 # المعاصي مع أنها معدة للكافرين لا لهم وكذلك جاء ms042 في الحديث "أما أهل ~~النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأما أقوام لهم ذنوب ~~يصيبهم سفع من نار ثم يخرجهم الله منها" وهذا كما أن الجنة أعدت للمتقين ~~الذين ينفقون في السراء والضراء وإن كان يدخلها الأبناء بعمل آبائهم ~~ويدخلها قوم بالشفاعة وقوم بالرحمة وينشئ الله لما فضل منها خلقا آخر في ~~الدار الآخرة فيدخلهم إياها وذلك لأن الشيء إنما يعد لمن يستوجبه ويستحقه ~~ولمن هو أولى الناس به ثم قد يدخل معه غيره بطريق التبع أو لسبب آخر. # الدليل السادس: قوله سبحانه: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} أي حذر ~~أن تحبط أعمالكم أو خشية أن تحبط أعمالكم أو كراهة أن تحبط أو منع أن تحبط ~~هذا تقدير البصريين وتقدير الكوفيين لئلا تحبط. # فوجه الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته وعن الجهر له ~~كجهر بعضهم لبعض لأن هذا الرفع والجهر قد يفضي إلى حبوط العمل وصاحبه لا ~~يشعر فإنه علل نهيهم عن الجهر وتركهم له بطلب سلامة العمل عن الحبوط وبين ~~أن فيه من المفسدة جواز حبوط العمل وانعقاد سبب ذلك وما قد يفضي إلى حبوط ~~العمل يجب تركه غاية الوجوب والعمل يحبط بالكفر قاله سبحانه: {ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} وقال تعالى: {ومن يكفر ~~بالإيمان # PageV01P054 # فقد حبط عمله} وقال: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} وقال: {لئن ~~أشركت ليحبطن عملك} وقال: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} ~~وقال: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} كما أن ~~الكفر إذا قارنه عمل لم يقبل لقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} ~~وقوله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} وقوله: {وما منعهم أن ~~تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} وهذا ظاهر ولا يحبط ~~الأعمال غير الكفر لأن من مات على الإيمان فإنه لابد ms043 من أن يدخل الجنة ~~ويخرج من النار إن دخلها ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط ولأن الأعمال ~~إنما يحبطها ما ينافيها ولا ينافي الأعمال مطلقا إلا الكفر وهذا معروف من ~~أصول أهل السنة نعم قد يبطل بعض الأعمال بوجود ما يفسده كما قال تعالى: {لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} ولهذا لم يحبط الله الأعمال في كتابه إلا ~~بالكفر. # فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر ~~صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك وأنه مظنة لذلك وسبب فيه فمن المعلوم أن ~~ذلك لما ينبغي له من التعزير والتوقير والتشريف والتعظيم والإكرام والإجلال ~~ولما أن رفع الصوت # PageV01P055 # قد يشتمل على أذى له أو استخفاف به وإن لم يقصد الرافع ذلك فإذا كان ~~الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفرا ~~فالأذى والاستخفاف المقصود المتعمد كفرا بطريق الأولى. # الدليل السابع على ذلك: قوله سبحانه: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء ~~بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} أمر من خالف أمره أن يحذر الفتنة ~~والفتنة: الردة والكفر قال سبحانه: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} وقال: ~~{والفتنة أكبر من القتل} وقال: {ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة ~~لآتوها} وقال: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} . # قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: "نظرت في المصحف فوجدت طاعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعا ثم جعل يتلوا: {فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} الآية وجعل يكررها ويقول: وما ~~الفتنة؟ الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ ~~قلبه فيهلكه وجعل يتلوا هذه الآية: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم} ". # وقال أبو طالب المشكاني وقيل له: إن قوما يدعون الحديث # PageV01P056 # ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره فقال: أعجب ms044 لقوم سمعوا الحديث وعرفوا ~~الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره قال الله: {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} وتدري ما الفتنة؟ ~~الكفر قال الله تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} فيدعون الحديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي فإذا كان المخالف عن أمره قد ~~حذر من الكفر والشرك أو من العذاب الأليم دل على أنه قد يكون مفضيا إلى ~~الكفر أو إلى العذاب الأليم ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل ~~المعصية فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما قد يقترن به من استخفاف بحق الآمر ~~كما فعل إبليس فكيف لما هو أغلظ من ذلك كالسب والإنتقاص ونحوه؟. # وهذا باب واسع مع أنه بحمد الله مجمع عليه لكن إذا تعددت الدلالات تعاضدت ~~على غلظ كفر الساب وعظم عقوبته وظهر أن ترك الاحترام للرسول وسوء الأدب معه ~~مما يخاف معه الكفر المحبط كان ذلك أبلغ فيما قصدنا له. # ومما ينبغي أن يتفطن له أن لفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره وضعف أثره ~~من الشر والمكروه ذكره الخطابي وغيره وهو كما قال واستقراء موارده يدل على ~~ذلك مثل قوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى} وقوله: {ويسألونك عن المحيض قل هو ~~أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} . # وفيما يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القر بؤس والحر أذى " # PageV01P057 # وقيل لبعض النسوة العربيات: القر أشد أم الحر؟ فقالت: من يجعل البؤس ~~كالأذى؟ والبؤس خلاف النعم وهو ما يشقي البدن ويضره بخلاف الأذى فإنه لا ~~يبلغ ذلك ولهذا قال: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} وقال سبحانه فيما يروي ~~عنه رسوله: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " وقال: " ما أحد أصبر على أذى ~~يسمعه من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم " وقد قال سبحانه ~~فيما يروي عنه رسوله: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري ms045 فتضروني ولن تبلغوا ~~نفعي فتنفعوني" وقال سبحانه في كتابه: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ~~إنهم لن يضروا الله شيئا} فبين أن الخلق لا يضرونه سبحانه بكفرهم لكن ~~يؤذونه تبارك وتعالى إذا سبوا مقلب الأمور وجعلوا له سبحانه ولدا أو شريكا ~~وآذوا رسله وعباده المؤمنين ثم إن الأذى لا يضر المؤذى إذا تعلق بحق الرسول ~~فقد رأيت عظم موقعه وبيانه أن صاحبه من أعظم الناس كفرا وأشدهم عقوبة فتبين ~~بذلك أن قليل ما يؤذيه يكفر به صاحبه ويحل دمه. # ولا يرد على هذا قوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي} إلى قوله: {إن ذلكم ~~كان يؤذي النبي فيستحيي منكم} فإن المؤذي له هنا إطالتهم الجلوس في المنزل ~~واستئناسهم للحديث لا أنهم هم آذوا النبي صلى الله عليه وسلم والفعل إذا ~~آذى النبي من غير أن يعلم صاحبه أنه يؤذيه # PageV01P058 # ولم يقصد صاحبه أذاه فإنه ينهى عنه ويكون معصية كرفع الصوت فوق صوته فأما ~~إذا قصد أذاه وكان مما يؤذيه وصاحبه يعلم أنه يؤذيه وأقدم عليه مع استحضاره ~~هذا العلم فهذا الذي يوجب الكفر وحبوط العمل والله سبحانه أعلم. # الدليل الثامن على ذلك: أن الله سبحانه قال: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} فحرم ~~على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده لأن ذلك يؤذيه وجعله عظيما عند الله ~~تعظيما لحرمته وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: لو قد توفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة ثم إن من نكح أزواجه أو سراريه ~~فإن عقوبته القتل جزاء له بما انتهك من حرمته فالشاتم له أولى. # والدليل على ذلك ما روى مسلم في صحيحه عن زهير عن عفان عن حماد عن ثابت ~~عن أنس أن رجلا كان يتهم بأم ولد النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعلي: " اذهب فاضرب عنقه " فأتاه علي فإذا هو ركن يتبرد ~~فقال له ms046 علي: اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي ثم ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه لمجبوب ماله ذكر فهذا ~~الرجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته ولم ~~يأمر بإقامة حد الزنا لأن إقامة حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة بل إن كان ~~محصنا رجم وإن كان غير محصن جلد ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو ~~بالإقرار المعتبر # PageV01P059 # فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون ~~محصنا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته ولعله قد شهد عنده ~~شاهدان أنهما رأياه يباشر هذه المرأة أو شهدا بنحو ذلك فأمر بقتله فلما ~~تبين أنه كان مجبوبا علم أن المفسدة مأمونة منه أو أنه بعث عليا ليرى القصة ~~فإن كان ما بلغه عنه حقا قتله ولهذا قال في هذه القصة أو غيرها: أكون ~~كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. # ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج قيلة بنت قيس بن معدي كرب ~~أخت الأشعث ومات قبل أن يدخل بها وقبل أن تقدم عليه وقيل: إنه خيرها بين أن ~~يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين وبين أن يطلقها فتنكح من شاءت ~~فاختارت النكاح قالوا: فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها عكرمة بن ~~أبي جهل بحضرموت فبلغ أبا بكر فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما فقال ~~عمر: ما هي من أمهات المؤمنين ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب وقيل: إنها ~~ارتدت فاحتج عمر على أبي بكر أنها ليست من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~بارتدادها. # فوجه الدلالة أن الصديق رضي الله عنه عزم على تحريقها وتحريق من تزوجها ~~لما رأى أنها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى ناظره عمر أنها ليست ~~من أزواجه فكف عنهما لذلك فعلم أنهم كانوا يرون قتل من استحل ms047 حرمة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # ولا يقال: إن ذلك حد الزنا لأنها كانت تكون محرمة عليه ومن تزوج ذات ~~محرمة حد حد الزنا أو قتل لوجهين: # أحدهما: أن حد الزنا الرجم # PageV01P060 # الثاني: أن ذلك الحد يفتقر إلى ثبوت الوطء ببينة أو إقرار فلما أراد ~~تحريق البيت مع جواز ألا يكون غشيها علم أن ذلك عقوبة لما انتهكه من حرمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فصل. # وأما السنة فأحاديث: # الحديث الأول: ما رواه الشعبي عن علي أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دمها هكذا رواه أبو داود في سننه وابن بطة في سننه وهو من جملة ما استدل به ~~الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله وقال: ثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي ~~قال: كان رجل من المسلمين أعني أعمى يأوي إلى امرأة يهودية فكانت تطعمه ~~وتحسن إليه فكانت لا تزال تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذيه فلما كان ~~ليلة من الليالي خنقها فماتت فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فنشد الناس في أمرها فقام الأعمى فذكر أمرها فأطل النبي صلى الله عليه وسلم ~~دمها. # وهذا الحديث جيد فإن الشعبي رأى عليا وروى عنه حديث شراحة الهمداني وكان ~~على عهد علي قد ناهز العشرين سنة وهو كوفي فقد ثبت لقاؤه فيكون الحديث ~~متصلا ثم إن كان فيه إرسال لأن الشعبي يبعد سماعه من علي فهو حجة وفاقا لأن ~~الشعبي عندهم صحيح المراسيل لا يعرفون له مرسلا إلا صحيحا ثم هو من أعلم ~~الناس بحديث علي وأعلمهم بثقات أصحابه وله شاهد حديث ابن عباس الذي يأتي ~~فإن القصة إما أن تكون واحدة أو يكون # PageV01P061 # المعنى واحدا وقد عمل به عوام أهل العلم وجاء ما يوافقه عن أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومثل هذا المرسل لم يتردد الفقهاء في الاحتجاج به. # وهذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم ms048 النبي صلى الله عليه وسلم ودليل ~~على قتل الرجل الذمي وقتل المسلم والمسلمة إذا سبا بطريق الأولى لأن هذه ~~المرأة كانت موادعة مهادنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ~~وادع جميع اليهود الذين كانوا بها موادعة مطلقة ولم يضرب عليهم جزية وهذا ~~مشورع عند أهل العلم بمنزلة المتواتر بينهم حتى قال الشافعي: لم أعلم ~~مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ~~المدينة وادع يهود كافة على غير جزية وهو كما قال الشافعي. # وذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود وهم: بنو قينقاع ~~وبنو النضير وبنو قريظة وكان بنو قينقاع والنضير حلفاء الخزرج وكانت قريظة ~~حلفاء الأوس فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم ووادعهم مع إقراره ~~لهم ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم ~~الذي كانوا عليه حتى أنه عاهد اليهود على أن يعينوه إذا حارب ثم نقض العهد ~~بنوقينقاع ثم النضير ثم قريظة. # قال محمد بن إسحاق يعني في أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة: ~~وكتب رسول الله كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم ~~على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم. # قال ابن إسحاق: حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق قال: ~~أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقرونا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر ~~للعمال كتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي بين المسلمين ~~والمؤمنين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم # PageV01P062 # وجاهد معهم أنهم أمة واحدة دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم ~~يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين ~~وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها ~~بالمعروف والقسط بين المؤمنين ثم ذكر لبطون الأنصار بني الحارث وبني ساعدة ~~وبني جشم وبني النجار وبني عمرو ابن عوف وبني الأوس وبني النبيت مثل هذا ~~الشرط. # ثم قال: وإن ms049 المؤمنين لا يتركون مفرحا منهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو ~~عقل ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه إلى أن قال: وإن ذمة الله واحدة يجير ~~عليهم أدناهم فإن المؤمنين بعضهم مولى بعض دون الناس وإنه من تبعنا من يهود ~~فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم وإن سلم المؤمنين واحدة ~~إلى أن قال: وإن اليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين وإن ليهود بني ~~عوف ذمة من المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ~~ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته وإن اليهود بني النجار مثل ما ~~ليهود بني عوف وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف وإن ليهود بني ~~ساعدة مثل ما ليهود بني عوف وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف وإن ~~ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف وإن ليهود ثعلبة مثل ما ليهود بني ~~عوف إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته وإن لحقه بطن من ~~ثعلبة مثله وإن لبني الشطبة مثل ما ليهود بني عوف وإن موالي ثعلبه كأنفسهم ~~وإن بطانة يهود كأنفسهم ثم يقول فيها: وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم ~~وإنه ما كان بين أهل # PageV01P063 # هذه الصحيفة من حرث أو أشجار يخشى فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم وإن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما في هذه الصحيفة ~~مع البار المحسن من أهل هذه الصحيفة وفيها أشياء آخر. # وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: كتب ~~رسول الله على كل بطن عقوله ثم كتب أنه لا يحل أن يتوالى رجل مسلم بغير ~~إذنه وقد بين فيها أن كل من تبع المسلمين من اليهود فإن له النصر ومعنى ~~الإتباع مسالمته وترك محاربته لا الإتباع في الدين كما بينه في أثناء ~~الصحيفة فكل من أقام بالمدينة ومخالفيها غير محارب من يهود دخل في هذا. # ثم بين أن ms050 ليهود كل بطن من الأنصار ذمة من المؤمنين ولم يكن بالمدينة أحد ~~من اليهود إلا وله حلف إما مع الأوس أو مع بعض بطون الخزرج وكان بنو قينقاع ~~وهم المجاورون بالمدينة وهم رهط عبد الله بن سلام حلفاء بني عوف بن الخزرج ~~رهط ابن أبي رهم البطن الذين بدئ بهم في هذه الصحيفة. # قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود ~~نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا فيما بين بدر ~~وأحد فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه فقام عبد ~~الله بن أبي سلول إلى رسول الله حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد أحسن في ~~موالي فأعرض عنه فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني وغضب حتى إن لوجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ظلالا وقال: " ويحك أرسلني " فقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في ~~موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في ~~غداة واحدة؟ إني # PageV01P064 # والله لامرؤ أخشى الدوائر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هم لك". # وأما النضير وقريظة فكانوا خارجا من المدينة وعهدهم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أشهر من أن يخفى على عالم. # وهذه المقتولة والله أعلم كانت من قينقاع لأن ظاهر القصة أنها كانت ~~بالمدينة وسواء كانت منهم أو من غيرهم فإنها كانت ذمية لأنه لم يكن ~~بالمدينة من اليهود إلا ذمي فإن اليهود كانوا ثلاثة أصناف وكلهم معاهد. # وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر عن الحارث بن الفضيل عن محمد بن ~~كعب القرظي قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وادعته يهود ~~كلها فكتب بينه وبينها كتابا وألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم كل قوم ~~بحلفائهم وجعل بينه وبينهم أمانا وشرط عليهم شروطا فكان فيما شرط أن لا ~~يظاهروا عليه عدوا. # فلما ms051 أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بدر وقدم المدينة بغت يهود ~~وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد فأرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إليهم فجمعهم ثم قال: "يا معشر يهود أسلموا فوالله ~~إنكم لتعلمون أني رسول الله قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قريش" فقالوا: ~~يا محمد لا يغرنك من لقيت إنك لقيت أقواما أغمارا وإنا والله أصحاب الحرب ~~ولئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا. # ثم ذكر حصارهم وإجلاءهم إلى أذرعات وهم بنو قينقاع الذي كانوا بالمدينة # PageV01P065 # فقد ذكر ابن كعب مثل ما في الصحيفة وبين أنه عاهد جميع اليهود وهذا مما ~~لا نعلم فيه تردد بين أهل العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن تأمل ~~الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة. # وإنما ذكرنا هذا لأن بعض المصنفين في الخلاف قال: يحتمل أن هذه المرأة ما ~~كانت ذمية وقائل هذا ممن ليس له بالسنة كثير علم وإنما يعلم منها في الغالب ~~ما يعلمه العامة ثم إنه أبطل هذا الاحتمال فقال: لو لم تكن ذمية لم يكن ~~للإهدار معنى فإذا نقل السب والإهدار تعلق به كتعلق الرجم بالزنا والقطع ~~بالسرقة وهذا صحيح وذلك أن في نفس الحديث ما يبين أنها كانت ذمية من وجهين. # أحدهما: أنه قال: إن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم فخنقها ~~رجل فأبطل دمها فرتب علي رضي الله عنه إبطال الدم على الشتم بحرف الفاء ~~فعلم أنه هو الموجب لإبطال دمها لأن تعليق الحكم بالوصف المناسب بحرف الفاء ~~يدل على العلية وإن كان ذلك في لفظ الصحابي كما لو قال: زنا ماعز فرجم ونحو ~~ذلك إذ لا فرق فيما يرويه الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمر ونهي ~~وحكم وتعليل في الاحتجاج به بين أن يحكي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~يحكي بلفظ معنى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قال: أمرنا رسول الله صلى ms052 ~~الله عليه وسلم بكذا أو نهانا عن كذا أو حكم بكذا أو فعل لأجل كذا كان حجة ~~لأنه لا يقدم على ذلك إلا بعد أن يعلمه الذي يجوز له معه أن ينقله وتطرق ~~الخطأ إلى مثل ذلك لا يلتفت إليه كتطرق النسيان والسهو في الرواية وهذا ~~مقرر في موضعه. # ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له أنها قتلت نشد # PageV01P066 # الناس في أمرها فلما ذكر له ذنبها أبطل دمها وهو صلى الله عليه وسلم إذا ~~حكم بأمر عقب حكاية حكيت له دل ذلك على أن ذلك المحكي هو الموجب لذلك الحكم ~~لأنه حكم حادث فلا بد له من سبب حادث ولا سبب إلا ما حكي له وهو مناسب فتجب ~~الإضافة إليه. # الوجه الثاني: أن نشد النبي صلى الله عليه وسلم الناس في أمرها ثم إبطال ~~دمها دليل على أنها كانت معصومة وأن دمها كان قد انعقد سبب ضمانة وكان ~~مضمونا لو لم يبطله النبي صلى الله عليه وسلم لأنها لو كانت حربية لم ينشد ~~الناس فيها ولم يحتج أن يبطل دمها ويهدره لأن الإبطال والإهدار لا يكون إلا ~~لدم قد انعقد له سبب الضمان ألا ترى أنه لما رأى امرأة مقتولة في بعض ~~مغازيه أنكر قتلها ونهى عن قتل النساء ولم يبطله ولم يهدره فإنه كان في ~~نفسه باطلا هدرا والمسلمون يعلمون أن دم الحربية غير مضمون بل هو هدر لم ~~يكن لإبطاله وإهداره وجه وهذا ولله الحمد ظاهر. # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهد المعاهدين اليهود عهدا بغير ~~ضرب جزية عليهم ثم إنه أهدر دم يهودية منهم لأجل سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأن يهدر دم يهودية من اليهود الذين ضربت عليهم الجزية وألزموا أحكام ~~الملة لأجل ذلك أولى وأحرى ولو لم يكن قتلها جائزا لبين للرجل قبح ما فعل ~~فإنه قد قال صلى الله عليه وسلم:" من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح ~~رائحة الجنة" ولأوجب ضمانها أو الكفارة ms053 كفارة قتل المعصوم فلما أهدر دمها ~~علم أنه كان مباحا. # الحديث الثاني: ما روى إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن عثمان الشحام عن ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعمى كانت له أم ولد تشتم # PageV01P067 # النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر ~~فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فأخذ ~~المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فجمع الناس فقال: " أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق ~~إلا قام" قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتدلدل حتى قعد بين يدي النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك ~~فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت ~~بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في ~~بطنها واتكأت عليه حتى قتلتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا اشهدوا ~~أن دمها هدر " رواه أبو داود والنسائي. # والمغول بالغين المعجمة قال الخطابي: شبيه المشمل ونصله دقيق ماض وكذلك ~~قال غيره: هو سيف رقيق له قفا يكون غمده كالسوط والمشمل: السيف القصير سمي ~~بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل أي يغطيه بثوبه واشتقاق المغول من غاله الشيء ~~واغتاله إذا أخذه من حيث لم يدر. # وهذا الحديث مما استدل به الإمام أحمد في رواية عبد الله قال: حدثنا روح ~~ثنا عثمان الشحام ثنا عكرمة مولى ابن عباس أن رجلا أعمى كانت له أم ولد ~~تشتم النبي صلى الله عليه وسلم فقتلها فسأله عنها فقال: يا رسول الله إنها ~~كانت تشتمك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إن دم فلانة هدر ". # فهذه القصة يمكن أن تكون هي الأولى ويدل كلام الإمام أحمد لأنه قيل له في ~~رواية عبد الله: في قتل الذمي إذا سب أحاديث؟ قال: نعم منها حديث الأعمى ~~الذي قتل المرأة قال ms054 سمعها تشتم النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P068 # ثم روى عنه عبد الله كلا الحديثين ويكون قد خنقها وبعج بطنها بالمغول أو ~~يكون كيفية القتل غير محفوظة في إحدى الروايتين. # ويؤيد ذلك أن وقوع قصتين مثل هذه لأعميين كل منهما كانت المرأة تحسن إليه ~~وتكرر الشتم وكلاهما قتلها وحده وكلاهما نشد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيها الناس بعيد في العادة وعلى هذا التقدير فالمقتولة يهودية كما جاء ~~مفسرا في تلك الرواية وهذا قول القاضي أبي يعلي وغيره استدلوا بهذا الحديث ~~على قتل الذمي ونقضه العهد وجعلوا الحديثين حكاية واقعة واحدة. # ويمكن أن تكون هذه القصة غير تلك قال الخطابي: فيه بيان أن ساب النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقتل وذلك أن السب منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ارتداد عن الدين وهذا دليل على أنه اعتقد أنها كانت مسلمة وليس في الحديث ~~دليل على ذلك بل الظاهر أنها كانت كافرة وكان العهد لها بملك المسلم إياها ~~فإن رقيق المسلمين ممن يجوز استرقاقه لهم حكم أهل الذمة وهم أشد في ذلك من ~~المعاهدين أو بتزوج المسلم بها فإن أزواج المسلمين من أهل الكتاب لهم حكم ~~أهل الذمة في العصمة لأن مثل هذا السب الدائم لا يفعله مسلم إلا عن ردة ~~واختيار دين غير الإسلام ولو كانت مرتدة منتقلة إلى غير الإسلام لم يقرها ~~سيدها على ذلك أياما طويلة ولم يكتف بمجرد نهيها عن السب بل يطلب منها ~~تجديد الإسلام لا سيما إن كان يطؤها فإن وطء المرتدة لا يجوز والأصل عدم ~~تغير حالها وأنها كانت باقية على دينها يوضح ذلك إن الرجل لم يقل كفرت ولا ~~ارتدت وإنما ذكر مجرد السب والشتم فعلم أنه لم يصدر منها قدر زائد على السب ~~والشتم من انتقال من دين إلى دين أو نحو ذلك # PageV01P069 # وهذه المرأة إما أن تكون زوجة لهذا الرجل أو مملوكه له وعلى التقديرين ~~فلو لم يكن قتلها جائزا لبين النبي صلى الله عليه وسلم له أن قتلها كان ms055 ~~محرما وأن دمها كان معصوما ولأوجب عليه الكفارة بقتل المعصوم والدية إن لم ~~تكن مملوكه له فلما قال: " اشهدوا أن دمها هدر " والهدر الذي لا يضمن بقود ~~ولا دية ولا كفارة علم أنه كان مباحا مع كونها كانت ذمية فعلم أن السب أباح ~~دمها لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أهدر دمها عقب إخباره بأنها ~~قتلت لأجل السب فعلم أنه الموجب لذلك والقصة ظاهرة الدلالة في ذلك. # الحديث الثالث: ما احتج به الشافعي على أن الذمي إذا سب قتل وبرئت منه ~~الذمة وهو قصة كعب بن الأشرف اليهودي. # قال الخطابي: قال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتبرأ منه الذمة واحتج في ذلك بخبر ابن الأشرف وقال الشافعي في الأم: لم ~~يكن بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا قربه مشرك من أهل الكتاب إلا يهود ~~أهل المدينة وكانوا حلفاء الأنصار ولم تكن الأنصار أجمعت أول ما قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إسلاما فوادعت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يخرج إلى شيء من عداوته بقول يظهر ولا فعل حتى كانت وقعة بدر فتكلم ~~بعضها بعداوته والتحريض عليه فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ~~ومعلوم أنه إنما أراد بهذا الكلام كعب بن الأشرف. # والقصة مشهورة مستفيضة وقد رواها عمر بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: ~~"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ~~ورسوله؟ " فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: ~~نعم قال: فأذن لي أن أقول: شيئا قال قل قال: فأتاه # PageV01P070 # وذكره ما بينهم قال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وعنانا فلما سمعه قال: ~~وأيضا والله لتملنه قال: إنا قد تبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي ~~شيء يصير أمره قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا قال: فما ترهنوني؟ نساءكم قال: ~~أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟ قال: ترهنوني أولادكم ms056 قال: يسب ابن أحدنا ~~فيقال: رهنت في وسقين من تمر ولكن نرهنك الأمة يعني السلاح قال: نعم وواعده ~~أن يأتيه بالحرب وأتى عبس بن حبر وعباد بن بشر فجاءوا فدعوه ليلا فنزل ~~إليهم قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صوتا كأنه صوت ~~دم قال: إنما هذا محمد ورضيعه أبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا ~~لأجاب قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه ~~فدونكم قال: فلما نزل نزل وهو متوشح قالوا: نجد منك ريح الطيب قال: نعم ~~تحتي فلانة أعطر نساء العرب قال: أفتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم فشم ثم ~~قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه ثم قال: دونكم فقتلوه " متفق ~~عليه. # وروى ابن أبي أويس عن إبراهيم بن جعفر بن محمد بن مسلمه عن أبيه عن جابر ~~بن عبد الله أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ~~يعين عليه ولا يقاتله ولحق بمكة ثم قدم المدينة معلنا لمعاداة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فكان أول ما خزع خزع عنه قوله: # أذاهب أنت لم تحلل بمرفثة ... وتارك أنت أمر الفضل بالحرم # في أبيات يهجوه بها فعند ذلك ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتله ~~وهذا محفوظ عن ابن أبي أويس رواه الخطابي وغيره وقال: قوله # PageV01P071 # "خزع" معناه قطع عهده وفي رواية غير الخطابي فخزع منه هجاؤه له فأمر ~~بقتله والخزع: القطع يقال: خزع فلان عن أصحابه يخزع خزعا أي انقطع وتخلف ~~ومنه سميت خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم وأقاموا بمكة فعلى اللفظ الأول ~~يكون التقدير أن قوله هذا هو أول خزعه عن النبي صلى الله عليه وسلم أي أول ~~غضاضة عنه بنقض العهد وعلى الثاني قيل: معناه قطع هجاه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم منه بعني أنه نقض عهده وذمته وقيل: معناه خزع من النبي صلى الله عليه ~~وسلم معناه هجاه: أي نال منه وشعث منه ms057 ووضع منه. # وذكر أهل المغازي والتفسير مثل محمد بن إسحاق أن كعب بن الأشرف كان ~~موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم في جملة من وادعه من يهود المدينة وكان ~~عربيا من بني طي وكانت أمه من بني النضير قالوا: فلما قتل أهل بدر شق ذلك ~~عليه وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش وفضل دين الجاهلية على دين الإسلام حتى ~~أنزل الله فيه: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} . # ثم لما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار يهجو بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم حتى قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " وذكر قصة قتله ~~مبسوطة. # وقال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رمان ومعمر عن الزهري ~~عن ابن كعب بن مالك وإبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر وذكر القصة إلى قتله ~~قال: ففزعت يهود ومن معها من المشركين فجاءوا إلى # PageV01P072 # النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا فقالوا: قد طرق صاحبنا الليلة وهو ~~سيد من ساداتنا قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل ولكنه ~~نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف " ودعاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه ~~فكتبوا بينهم وبينه كتابا تحت العذق في دار رملة بنت الحارث فحذرت يهود ~~وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف. # والاستدلال بقتل كعب بن الأشرف من وجهين: # أحدهما: أنه كان معاهدا مهادنا وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالمغازي ~~والسير وهو عندهم من العلم العام الذي يستغنى فيه عن نقل الخاصة. # ومما لا ريب فيه عند أهل العلم ما قدمناه من أن النبي صلى الله ms058 عليه وسلم ~~عاهد لما قدم المدينة جميع أصناف اليهود بني قينقاع والنضير وقريظة ثم نقضت ~~بنو قينقاع عهده فحاربهم ثم نقض عهده كعب بن الأشرف ثم نقض عهده بنو النضير ~~ثم بنو قريظة وكان ابن الأشرف من بني النضير وأمرهم ظاهر في أنهم كانوا ~~مصالحين للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما نقضوا العهد لما خرج إليهم ~~يستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمر بن أمية الضمري وكان ذلك بعد ~~مقتل كعب بن الأشرف وقد ذكرنا الرواية الخاصة أن كعب بن الأشرف كان معاهد ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم جعله ناقضا للعهد ~~بهجائه وأذاه بلسانه خاصة # PageV01P073 # والدليل على أنه إنما نقض العهد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " فعلل ندب الناس له بأذاه ~~والأذى المطلق هو باللسان كما قال تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} وقال تعالى: {لن يضروكم إلا أذى} ~~وقال: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} وقال: {لا تكونوا كالذين ~~آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} الآية وقال: {ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم ~~كان يؤذي النبي} إلى قوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا} الآية ثم ذكر الصلاة عليه والتسليم خبرا وأمرا وذلك ~~من أعمال اللسان ثم قال: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} إلى قوله: {والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات} وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه ~~تبارك وتعالى: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر " وهذا كثير. # وقد تقدم أن الأذى اسم لقليل الشر وخفيف المكروه بخلاف الضرر فلذلك أطلق ~~على القول لأنه لا يضر المؤذي في الحقيقة. # وأيضا فإنه جعل مطلق أذى الله ورسوله موجبا لقتل رجل معاهد # PageV01P074 # ومعلوم أن سب الله وسب ورسوله أذى لله ولرسوله وإذا رتب الوصف على الحكم ~~بحرف الفاء دل على أن ذلك الوصف علة لذلك ms059 الحكم لا سيما إذا كان مناسبا ~~وذلك يدل على أن أذى الله ورسوله علة لندب المسلمين إلى قتل من يفعل ذلك من ~~المعاهدين وهذا دليل ظاهر على انتقاض عهده بأذى الله ورسوله والسب من أذى ~~الله ورسوله باتفاق المسلمين بل هو أخص أنواع الأذى. # وأيضا فقد قدمنا في حديث جابر أن أول ما نقض به العهد قصيدته التي أنشأها ~~بعد رجوعه إلى المدينة يهجو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عندما هجاه بهذه القصيدة ندب إلى قتله وهذا وحده ~~دليل على أنه إنما نقض العهد بالهجاء لا بذهابه إلى مكة. # وما ذكره الواقدي عن أشياخه يوضح ذلك ويؤيده وإن كان الواقدي لا يحتج به ~~إذا انفرد لكن لا ريب في علمه بالمغازي واستعلام كثير من تفاصيلها من جهته ~~ولم نذكر عنه إلا ما أسندناه عن غيره. # فقوله: " لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل ولكنه نال منا ~~الأذى وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف " نص في أنه إنما ~~انتقض عهد ابن الأشرف بالهجاء ونحوه وأن من فعل هذا من المعاهدين فقد استحق ~~السيف وحديث جابر المسند من الطريقين يوافق هذا وعليه العمدة في الاحتجاج. # وأيضا فإنه لما ذهب إلى مكة ورجع إلى المدينة لم يندب النبي صلى الله ~~عليه وسلم المسلمين إلى قتله فلما بلغه عنه الهجاء ندبهم إلى قتله والحكم ~~الحادث يضاف إلى السبب الحادث فعلم أن ذلك الهجاء والأذى الذي كان # PageV01P075 # بعد قفوله من مكة موجب لنقض عهده ولقتاله وإذا كان هذا في المهادن الذي ~~لا يؤدي جزية فما الظن بالذمي الذي يعطي الجزية ويلزم أحكام الملة؟. # فإن قيل: إن ابن الأشرف كان قد أتى بغير السب والهجاء. # فروى الإمام أحمد قال: ثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى إلى هذا الصنبر المنتبر ~~من قومه ms060 يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية قال: ~~أنتم خير قال: فنزلت فيهم {إن شانئك هو الأبتر} قال: وأنزلت فيه: {ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين ~~كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} إلى قوله: {نصيرا} . # وقال: ثنا عبد الرازق قال: قال معمر: أخبرني أيوب عن عكرمة أن كعب بن ~~الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمرهم أن يغزوه وقال لهم: إنا معكم فقالوا: إنكم أهل كتاب وهو صاحب ~~كتاب ولا نأمن أن يكون مكرا منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين ~~وآمن بهما ففعل ثم قالوا له: أنحن أهدى أم محمد؟ نحن نصل الرحم ونقري الضيف ~~ونطوف بالبيت وننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ومحمد قطع رحمه وخرج من ~~بلده قال: بل أنتم خير وأهدى قال: فنزلت فيه {ألم تر إلى الذين أوتوا # PageV01P076 # نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى ~~من الذين آمنوا سبيلا} . # وقال: ثنا عبد الرزاق ثنا إسرائيل عن السدي عن أبي مالك قال: "إن أهل مكة ~~قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم عليهم: ديننا خير أم دين محمد؟ قال: أعرضوا ~~علي دينكم قالوا: نعمر بيت ربنا وننحر الكوماء ونسقي الحاج الماء ونصل ~~الرحم ونقري الضيف قال: دينكم خير من دين محمد فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية". # قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان كعب بن الأشرف اليهودي وهو أحد بني ~~النضير أو هو فيهم قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء وركب إلى ~~قريش فقدم عليهم فاستعان بهم على رسول الله فقال أبو سفيان: أناشدك أديننا ~~أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا ~~نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال قال ابن ~~الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا ثم خرج مقبلا حتى أجمع رأي المشركين على قتال ~~رسول ms061 الله صلى الله عليه وسلم معلنا بعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبهجائه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لنا من ابن الأشرف؟ فقد ~~استعلن بعداوتنا وهجائنا وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا وقد أخبرني ~~الله بذلك ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشا أن تقدم فيقاتلنا معهم " ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ما أنزل فيه إن كان كذلك ~~والله أعلم قال الله عز وجل: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} إلى ~~قوله: {سبيلا} وآيات معها فيه وفي قريش. # PageV01P077 # وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم اكفني ابن الأشرف بما ~~شئت " فقال له محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله أاقتله وذكر القصة في قتله ~~إلى آخرها ثم قال: فقتل الله ابن الأشرف بعداوته لله ورسوله وهجائه إياه ~~وتأليبه عليه قريشا وإعلانه بذلك. # وقال محمد بن إسحاق: كان من حديث كعب بن الأشرف أنه لما أصيب أصحاب بدر ~~وقدم زيد بن حارثه إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية ~~بشيرين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين ~~بفتح الله تعالى عليه وقتل من قتل من المشركين كما حدثني عبد الله ابن ~~المغيث بن أبي بردة الظفري وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة ~~وصالح بن أبي أمامه بن سهل كل واحد قد حدثني بعض حديثه قالوا: كان كعب بن ~~الأشرف من طيء ثم أحد بني نبهان وكانت أمه من بني النضير فقال حين بلغه ~~الخبر: أحق هذا الذي يروون أن محمدا قتل هؤلاء الذين سمى هذان الرجلان؟ ~~يعني زيدا وعبد الله بن رواحة فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن ~~كان محمدا أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها فلما تيقن عدو الله ~~الخبر خرج حتى قدم مكة ونزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي وعنده عاتكة ~~بنت أبي العيص بن أمية فأنزلته ms062 وأكرمته وجعل يحرض على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر ~~وذكر شعرا وما رد عليه حسان وغيره ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة يشبب ~~بنساء المسلمين حتى آذاهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عبد ~~الله بن أبي المغيث: "من لي بابن الأشرف؟ " فقال محمد بن مسلمة: أنا لك به ~~يا رسول الله أنا أقتله وذكر القصة. # وقال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رومان ومعمر # PageV01P078 # عن الزهري عن ابن كعب بن مالك وإبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد ~~الله فكل قد حدثني منه بطائفة فكان الذي اجتمعوا عليه قالوا: ابن الأشرف ~~كان شاعرا وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحرض عليهم كفار ~~قريش في شعره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط ~~منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الحلقة والحصون ومنهم ~~حلفاء للحيين جميعا الأوس والخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا ~~فكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه أذى شديدا فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم ~~وفيهم أنزل: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وفيهم أنزل الله: {ود كثير ~~من أهل الكتاب لو يردونكم} الآية. # فلما أبى ابن الأشرف أن يمسك عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإيذاء المسلمين وقد بلغ منهم فلما قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدر بقتل ~~المشركين وأسر من أسر منهم ورأى الأسرى مقرنين كبت وذل ثم قال لقومه: ويلكم ~~والله لبطن الأرض خير لكم من ظهرها اليوم هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا ~~فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا قال: وما أنتم وقد وطئ قومه ms063 وأصابهم؟ ~~ولكني أخرج إلى قريش فأحضها وأبكي قتلاها لعلهم ينتدبون فأخرج معهم فخرج ~~حتى قدم مكة ووضع رحلة عند أبي وداعة بن أبي صبرة السهمي وتحته عاتكة بنت ~~أسد بن أبي العيص فجعل يرثي # PageV01P079 # قريشا وذكر ما رثاهم به من الشعر وما أجابه به حسان فأخبره بنزول كعب على ~~من نزل فقال حسان فذكر شعرا هجا به أهل البيت الذين نزل فيهم قال: فلما ~~بلغها هجاؤه نبذت رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي؟ ألا ترى ما يصنع بنا ~~حسان؟ فتحول فكلما تحول عند قوم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسانا ~~فقال: ابن الأشرف نزل على فلان فلا يزال يهجوهم حتى نبذ رحلة فلما لم يجد ~~مأوى قدم المدينة فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قدوم ابن الأشرف قال: ~~"اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار" وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " من لي من ابن الأشرف فقد آذاني؟ " فقال محمد بن ~~مسلمة: أنا يا رسول الله وأنا أقتله قال: فافعل وذكر الحديث. # فقد اجتمع لابن الأشرف ذنوب: أنه رثى قتلى قريش وحضهم على محاربة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وواطأهم على ذلك وأعانهم على محاربته بإخباره أن دينهم ~~خير من دينه وهجا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. # قلنا: الجواب من وجوه: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب إلى قتله لكونه ذهب إلى مكة ~~وقال ما قال هناك وإنما ندب إلى قتله لما قدم وهجاه كما جاء ذلك مفسرا في ~~حديث جابر المتقدم بقوله: "ثم قدم المدينة معلنا لعداوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم" ثم بين أن أول ما قطع به العهد تلك الأبيات التي قالها بعد ~~الرجوع وأن النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ندب إلى قتله وكذلك في حديث ~~موسى بن عقبة: " من لنا من ابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا وهجائنا؟ ". # ويؤيد ذلك شيئان: # PageV01P080 # أحدهما: أن سفيان بن عيينة روى عن عمرو بن دينار عن عكرمة ms064 قال: جاء حيي ~~بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم ~~فأخبرونا عنا وعن محمد فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام ~~وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن ونفك العناة ونسقي الحجيج ومحمد صنبور ~~قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار فنحن خير أم هو؟ فقالوا: بل أنتم ~~خير وأهدى سبيلا فأنزل الله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب} إلى قوله: {أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا} . # وكذلك قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن ~~أخطب رجلين من اليهود من بني النضير لقيا قريشا في الموسم فقال لهما ~~المشركون: نحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السدانة وأهل السقاية وأهل ~~الحرم فقالا: أنتم أهدى من محمد وأصحابه وهما يعلمان أنهما كاذبان إنما ~~محلهما على ذلك حسد محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى فيهم: {أولئك الذين ~~لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} فلما رجعا إلى قومهما قال لهما ~~قومهما: إن محمدا يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا قالا: صدق والله ما حملنا ~~على ذلك إلا حسده وبغضه. # وهذان مرسلان من وجهين مختلفين فيهما أن كلا الرجلين ذهبا إلى مكة وقالا ~~ما قالا ثم إنهما قدما فندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتل ابن الأشرف ~~وأمسك عن ابن أخطب حتى نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلحق بخيبر ثم جمع عليه الأحزاب فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم ~~حتى قتله الله معهم فعلم أن الأمر الذي أتياه بمكة لم يكن هو الموجب # PageV01P081 # للندب إلى قتل ابن الأشرف وإنما هو ما اختص به ابن الأشرف من الهجاء ~~ونحوه وإن كان ما فعله بمكة مؤيدا عاضد لكن مجرد الأذى لله ورسوله موجب ~~للندب إلى قتله كما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من لكعب بن ~~الأشرف فإنه قد آذى الله ms065 ورسوله؟ " وكما بينه جابر في حديثه. # الوجه الثاني: أن ابن أبي أويس قال حدثني إبراهيم بن جعفر الحارثي عن ~~أبيه عن جابر قال: لما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبني قريظة كذا ~~فيه: وأحسبه بني قينقاع اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة وكان منها: وقال: لا ~~أعين عليه ولا أقاتله فقيل له بمكة: أديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟ قال: ~~دينكم خير وأقدم من دين محمد ودين محمد حديث فهذا دليل على أنه لم يظهر ~~محاربته. # الجواب الثاني: أن جميع ما أتاه ابن الأشرف إنما هو أذى باللسان فإن ~~مرثيته لقتلى المشركين وتحضيضه وسبه وهجاءه وطعنه في دين الإسلام وتفضيل ~~دين الكفار عليه كله قول باللسان ولم يعمل عملا فيه محاربة ومن نازعنا في ~~سب النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه فهو في تفضيل دين الكفار وحضهم باللسان ~~على قتل المسلمين أشد منازعة لأن الذمي إذا تجسس لأهل الحرب وأخبرهم بعورات ~~المسلمين ودعا الكفار إلى قتالهم انتقض عهده أيضا عندنا كما ينتقض عهد ~~الساب ومن قال إن الساب لا ينتقض عهده فإنه يقول لا ينتقض العهد بالتجسس ~~للكفار ومطالعتهم بأخبار المسلمين بطريق الأولى عندهم وهو مذهب أبي حنيفة ~~والثوري والشافعي على خلاف بين أصحابه وابن الأشرف لم يوجد منه إلا الأذى ~~باللسان فقط فهو حجة على من نازع في هذه المسائل ونحن نقول: إن ذلك كله نقض ~~للعهد. # PageV01P082 # والجواب الثالث: أن تفضيل دين الكفار على دين المسلمين هو دون سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بلا ريب فإن كون الشيء مفضولا أحسن حالا من كونه مسبوبا ~~مشتوما فإن كان ذلك ناقضا للعهد فالسب بطريق الأولى وأما مرثيته للقتلى ~~وحضهم على أخذ ثأرهم فأكثر ما فيه تهييج قريش على المحاربة وقريش كانوا قد ~~أجمعوا على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم عقب بدر وأرصدوا العير التي ~~كان فيها أبو سفيان للنفقة على حربه فلم يحتاجوا في ذلك إلى كلام ابن ~~الأشرف نعم مرثيته وتفضيله ربما زادهم غيظا ومحاربة ms066 لكن سبه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وهجاءه له ولدينه أيضا مما يهيجهم على المحاربة ويغريهم به فعلم ~~أن الهجاء فيه من الفساد ما في غيره من الكلام وأبلغ فإذا كان غيره من ~~الكلام نقضا فهو أن يكون نقضا أولى ولهذا قتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~جماعة من النسوة اللواتي كن يشتمنه ويهجونه مع عفوه عما كانت تعين عليه ~~وتحض على قتاله. # الجواب الرابع: أن ما ذكره حجة لنا من وجوه أخر وذلك أنه قد اشتهر عند ~~أهل العلم من وجوه كثيرة أن قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب} نزلت في كعب بن الأشرف بما قاله لقريش وقد أخبر الله سبحانه أنه ~~لعنه وأن من لعنه فلن تجد له نصيرا وذلك دليل على أنه لا عهد له لأنه لو ~~كان له عهد لكان يجب نصره على المسلمين فعلم أن مثل هذا الكلام يوجب انتقاض ~~عهده وعدم ناصره فكيف بما هو أغلظ منه من شتم وسب؟ وإنما لم يجعله النبي ~~صلى الله عليه وسلم والله أعلم بمجرد ذلك ناقضا للعهد لأنه لم يعلن بهذا ~~الكلام ولم يجهر به وإنما أعلم الله به رسوله وحيا كما تقدم بالأحاديث ولم ~~يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذ أحدا من المسلمين والمعاهدين إلا بذنب ~~ظاهر فلما رجع إلى المدينة # PageV01P083 # وأعلن الهجاء والعداوة استحق أن يقتل لظهور أذاه وثبوته عند الناس نعم من ~~خيف منه الخيانة فإنه ينبذ إليه العهد أما إجراء حكم المحاربة عليه فلا ~~يكون حتى تظهر المحاربة وتثبت عليه. # فإن قيل: كعب بن الأشرف سب النبي صلى الله عليه وسلم بالهجاء والشعر كلام ~~موزون يحفظ ويروى وينشد بالأصوات والألحان ويشتهر بين الناس وذلك له من ~~التأثير في الأذى والصد عن سبيل الله ما ليس للكلام المنثور ولذلك كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأمر حسان أن يهجوهم ويقول: "لهو أنكى فيهم من ~~النبل" فيؤثر هجاءه فيهم أثرا عظيما يمتنعون به من أشياء لا يمتنعون عنها ~~لو سبوا ms067 بكلام منثور أضعاف الشعر. # وأيضا فإن كعب بن الأشرف وأم الولد المتقدمة تكرر منهما سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأذاه وكثر والشيء إذا كثر واستمر صار له حال أخرى ليست له ~~إذا انفرد وقد حكيتم أن الحنفية يجيزون قتل من كثر منه مثل هذه الجريمة وإن ~~لم يجيزوا قتل من لم يتكرر منه فإذا ما دل عليه الحديث يمكن المخالف أن ~~يقول به. # قلنا أولا: إن هذا يفيدنا أن السب في الجملة من الذمي مهدر لدمه ناقض ~~لعهده ويبقى الكلام في الناقض للعهد: هل هو نوع خاص من السب وهو ما كثر أو ~~غلظ أو مطلق السب؟ هذا نظر آخر فما كان مثل هذا السب وجب أن يقال إنه مهدر ~~لدم الذمي حتى لا يسوغ لأحد أن يخالف نص السنة فلو زعم زاعم أن شيئا من ~~كلام الذمي وأذاه يبيح دمه كان مخالفا للسنة الصحيحة الصريحة خلافا لا عذر ~~فيه لأحد. # وقلنا ثانيا: لا ريب أن الجنس الموجب للعقوبة قد يتغلظ بعض أنواعه صفة أو ~~قدرا أو صفة وقدرا فإنه ليس قتل واحد من الناس مثل قتل # PageV01P084 # والد أو ولد عالم صالح ولا ظلم بعض الناس مثل ظلم يتيم فقير بين أبوين ~~صالحين وليست الجناية في الأوقات والأماكن الأحوال المشرفة كالحرم والإحرام ~~والشهر الحرام كالجناية في غير ذلك وكذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين بتغليظ ~~الديات إذا تغلظ القتل بأحد هذه الأسباب وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~قيل له: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قيل له: ثم أي؟ ~~قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قيل له: ثم أي؟ قال: "ثم أن تزاني ~~حليلة جارك " ولا شك أن من قطع الطريق مرات متعددة وسفك دماء خلق من ~~المسلمين وكثر منه أخذ الأموال كان جرمه أعظم من جرم من لم يقطعه إلا مرة ~~واحدة ولا ريب أن من أكثر من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو نظم القصائد ~~في سبه فإن جرمه ms068 أغلظ من جرم من سبه بالكلمة الواحدة المنثورة بحيث يجب أن ~~تكون إقامة الحد عليه أوكد والانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب ~~وإن المقل لو كان أهلا أن يعفى عنه لم يكن هذا أهلا لذلك. # ولكن هذا الحديث كغيره من الأحاديث يدل على أن جنس الأذى لله ورسوله ~~ومطلق السب الظاهر مهدر لدم الذمي ناقض لعهده وإن كان بعض الأشخاص أغلظ ~~جرما من بعض لتغلظ سبه نوعا أو قدرا وذلك من وجوه: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد ~~آذى الله ورسوله؟ " فجعل علة الندب إلى قتله أنه آذى الله ورسوله وأذى الله ~~ورسوله اسم مطلق ليس مقيدا بنوع ولا بقدر فيجب أن يكون مطلق أذى الله ~~ورسوله علة للانتداب إلى قتل من فعل ذلك من ذمي وغيره وقليل السب وكثيره ~~ومنظومه ومنثوره أذى بلا ريب فيتعلق به الحكم # PageV01P085 # وهو أمر الله ورسوله بقتله ولو لم يرد هذا المعنى لقال: من لكعب فإنه قد ~~بالغ في أذى الله تعالى ورسوله أو قد أكثر من أذى الله ورسوله أو قد داوم ~~على أذى الله ورسوله وهو صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم وهو ~~الذي لا ينطق عن الهوى ولم يخرج من بين شفتيه صلى الله عليه وسلم إلا حق في ~~غضبه ورضاه. # وكذلك قوله في الحديث الآخر: "إنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولا يفعل ~~هذا أحد منكم إلا كان للسيف " ولم يقيده بالكثره. # الثاني: أنه آذاه بهجائه المنظوم واليهودية بكلام منثور وكلاهما أهدر دمه ~~فعلم أن النظم ليس له تأثير في أصل الحكم إذ لم يخص ذلك الناظم والوصف إذا ~~ثبت الحكم بدونه كان عديم التأثير فلا يجعل جزاء من العلة ولا يجوز أن يكون ~~هذا من باب تعليل الحكم بعلتين لأن ذلك إنما يكون إذا لم تكن إحداهما ~~مندرجة في الأخرى كالقتل والزنا أما إذا اندرجت إحداهما في الأخرى فالوصف ~~الأعم هو العلة والأخص عديم التأثير. # الوجه الثالث: ms069 أن الجنس المبيح للدم لا فرق بين قليله وكثيره وغليظه ~~وخفيفه في كونه مبيحا للدم سواء كان قولا أو فعلا كالردة والزنا والمحاربة ~~ونحو ذلك وهذا هو قياس الأصول فمن زعم أن من الأقوال أو الأفعال ما يبيح ~~الدم إذا كثر ولا يبيحه مع القلة فقد خرج عن قياس الأصول وليس له ذلك إلا ~~بنص يكون أصلا بنفسه ولا نص يدل على إباحة القتل في الكثير دون القليل وما ~~ذهب إليه المنازع من جواز قتل من كثر منه القتل بالمثقل والفاحشة في الدبر ~~دون القبل إنما هو حكاية مذهب والكلام في الجميع واحد # PageV01P086 # ثم إنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رضخ رأس يهودي بين حجرين ~~لأنه فعل ذلك بجارية من الأنصار فقد قتل من قتل بالمثقل قودا مع أنه لم ~~يتكرر منه وقال في الذي يعمل عمل قوم لوط: " اقتلوا الفاعل والمفعول به " ~~ولم يعتبر التكرر وكذلك أصحابه من بعده قتلوا فاعل ذلك إما رجما أو حرقا أو ~~غير ذلك مع عدم التكرر. # وإذا كانت الأصول المنصوصة أو المجمع عليها مستوية في إباحة الدم بين ~~المرة الواحدة والمرات المتعددة كان الفرق بينهما في إباحة الدم إثبات حكم ~~بلا أصل ولا نضير له بل على خلاف الأصول الكلية وذلك غير جائز. # يوضح ذلك: أن ما ينقض الإيمان من الأقوال يستوي فيه واحده وكثيره وإن لم ~~يصرح بالكفر كما لو كفر بآية واحدة أو بفريضة ظاهرة أو بسب الرسول مرة ~~واحدة فإنه كما لو صرح بتكذيب الرسول وكذلك ما ينقض الإيمان من الأقوال لو ~~صرح به وقال: "قد نقضت العهد وبرئت من ذمتك" انتقض عهده بذلك وإن لم يكرره ~~فكذلك ما يستلزم ذلك من السب والطعن في الدين ونحو ذلك لا يحتاج إلى تكرير. # الوجه الرابع: أنه إذا أكثر من هذه الأقوال والأفعال فإما أن يقتل لأن ~~جنسها مبيح للدم أو لأن المبيح قدر مخصوص فإن كان الأول فهو المطلوب وإن ~~كان الثاني فما حد ذلك المقدار المبيح ms070 للدم؟ وليس لأحد أن يحد في ذلك حدا ~~إلا بنص أو إجماع أو قياس عند من يرى القياس في المقدرات والثلاثة منفية في ~~مثل هذا فإنه ليس في الأصول قول أو فعل يبيح الدم منه عدد مخصوص فلا يبيحه ~~أقل منه ولا ينتقض هذا بالإقرار في الزنا فإنه لا يثبت إلا بأربع مرات عند ~~من يقول به أو القتل بالقسامة فإنه لا يثبت إلا بعد خمسين يمينا عند من يرى ~~القود بها أو رجم الملاعنة فإنه لا يثبت إلا بعد أن يشهد الزوج # PageV01P087 # أربع مرات عند من يرى أنها ترجم بشهادة الزوج إذا نكلت لأن المبيح للدم ~~ليس هو الإقرار ولا الأيمان وإنما المبيح فعل الزنا أو فعل القتل وإنما ~~الإقرار والأيمان حجة ودليل على ثبوت ذلك ونحن لم ننازع في أن الحجج ~~الشرعية لها نصب محدودة وإنما قلنا: "إن نفس القول أو العمل المبيح للدم لا ~~نصاب له في الشرع وإنما الحكم معلق بجنسه". # الوجه الخامس: أن القتل عند كثرة هذه الأشياء إما أن يكون حدا يجب فعله ~~أو تعزيزا يرجع إلى رأي الإمام فإن كان الأول فلا بد من تحديد موجبه ولا حد ~~له إلا تعليقه بالجنس إذ القول بما سوى ذلك تحكم وإن كان الثاني فليس في ~~الأصول تعزير بالقتل فلا يجوز إثباته إلا بدليل يخصه والعمومات الواردة في ~~ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث " ~~تدل على ذلك أيضا. # الوجه الثاني من الاستدلال به: أن النفر الخمسة الذين قتلوه من المسلمين: ~~محمد بن مسلمة وأبا نائلة وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبا عبس بن جبر قد ~~أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتالوه ويخدعوه بكلام يظهرون به أنهم ~~قد آمنوه ووافقوه ثم يقتلوه ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أمانا لم يجز ~~قتله بعد ذلك لأجل الكفر بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم آمنه وكلمه ~~على ذلك صار مستأمنا قال النبي صلى الله عليه ms071 وسلم فيما رواه عنه عمرو بن ~~الحمق: "من آمن رجل على دمه وماله ثم قتله فأنا منه بريء وإن كان المقتول ~~كافرا " رواه الإمام أحمد وابن ماجه. # وعن سليمان بن صرد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا آمنك الرجل على ~~دمه فلا تقتله " رواه ابن ماجه. # PageV01P088 # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأمان قيد الفتك لا ~~يفتك مؤمن " رواه أبو داود وغيره. # وقد زعم الخطابي أنهم إنما فتكوا به لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد ~~قبل هذا وزعم أن مثل هذا جائز في الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيات ~~والإغارة عليهم في أوقات الغرة لكن يقال: هذا الكلام الذي كلموه به صار ~~مستأمنا وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان ومثل ذلك لا يجوز قتله بمجرد ~~الكفر فإن الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمنا بأقل من هذا كما هو معروف ~~في مواضعه وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه لله ورسوله ومن حل قتله بهذا الوجه ~~لم يعصم دمه بأمان ولا عهد كما لو آمن المسلم من وجب قتله لأجل قطع الطريق ~~ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد الموجب للقتل أو آمن من وجب ~~قتله لأجل زناه أو آمن من وجب قتله لأجل الردة أو لأجل ترك أركان الإسلام ~~ونحو ذلك ولا يجوز أن يعقد له عقد عهد سواء كان عقد أمان أو عقد هدنة أو ~~عقد ذمة لأن قتله حد من الحدود وليس قتله لمجرد كونه كافرا حربيا كما سيأتي ~~وأما الإغارة والبيات فليس هناك قول أو فعل صاروا به آمنين ولا اعتقدوا ~~أنهم قد أومنوا بخلاف قصة كعب بن الأشرف فثبت أن أذى الله ورسوله بالهجاء ~~ونحوه لا يحقن معه الدم بالأمان فأن لا يحقن معه بالذمة المؤبدة والهدنة ~~المؤقتة بطريق الأولى فإن الأمان يجوز عقده لكل كافر ويعقده كل مسلم ولا ~~يشرط على المستأمن شيء من الشروط والذمة لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه ولا ~~يعقد إلا بشروط كثيرة ms072 تشترط على أهل الذمة: من التزام الصغار ونحوه وقد كان ~~عرضت لبعض السفهاء شبهة في قتل ابن الأشرف فظن أن دم مثل هذا يعصم بذمة ~~متقدمة أو بظاهر أمان وذلك نظير الشبهة التي عرضت لبعض الفقهاء # PageV01P089 # حتى ظن أن العهد لا ينتقض بذلك فروى ابن وهب: أخبرني سفيان بن عيينة عن ~~عمر بن سعيد أخي سفيان بنى سعيد الثوري عن أبيه عن عباية قال: ذكر قتل ابن ~~الأشرف عند معاوية فقال ابن يامين: كان قتله غدرا فقال محمد بن مسلمة: يا ~~معاوية أيغدر عندك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا تنكر؟ والله لا ~~يظلني وإياك سقف بيت أبدا ولا يخلوا لي دم هذا إلا قتلته. # وقال الواقدي: حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم ~~وهو على المدينة وعنده ابن يامين النظري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن ~~يامين: كان غدرا ومحمد بن مسلمة جالس شيخ كبير فقال: يا مروان أيغدر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عندك؟ والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد وأما أنت يا ابن ~~يامين فالله علي إن أفلت وقدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك فكان ابن ~~يامين لا ينزل من بني قريظة حتى يبعث له رسولا ينظر محمد بن مسلمة فإن كان ~~في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر وإلا لم ينزل فبينا محمد في جنازة وابن ~~يامين في البقيع فرأى محمد يغشى عليه جرائد يظنه لا يراه فعاجله فقام إليه ~~الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك فقام إليه فلم يزل ~~بضربه به جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك به ~~مصحا ثم أرسله ولا طباخ به ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك به. # فإن قيل: فإذا كان هو وبنو النضير قبيلته موادعين فما معنى ما ذكره ابن ~~إسحاق قال: حدثني ms073 مولى لزيد بن ثابت حدثتني ابنة محيصة عن أبيها محيصة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ظفرتم به من رجال # PageV01P090 # يهود فاقتلوه" فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان ~~يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة بن مسعود إذا ذاك لم يسلم وكان أسن من ~~محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله قتلته؟ أما والله لرب ~~شحم في بطنك من ماله فوالله إن كان لأول إسلام حويصة فقال محيصة: فقلت له: ~~والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك فقال حويصة: والله إن ~~دينا بلغ منك هذا لعجب. # وقال الواقدي بالأسانيد المتقدمة: قالوا: فلما أصبح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الليلة التي قتل فيها ابن الأشرف قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه " فخافت يهود فلم يطلع عظيم من ~~عظمائهم ولم ينطلقوا وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف وذكر قتل ابن ~~سنينة إلى أن قال: وفزعت يهود ومن معها من المشركين وساق القصة كما تقدم ~~عنه. # فإن هذا يدل على أنهم لم يكونوا موادعين وإلا لما أمر بقتل من صودف منهم ~~ويدل هذا على أن العهد الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين ~~اليهود كان بعد قتل بن الأشرف وحينئذ فلا يكون ابن الأشرف معاهدا. # قلنا: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل من ظفر به منهم لأن كعب بن ~~الأشرف كان من ساداتهم وقد تقدم أنه قال: ما عندكم؟ يعني في النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالوا: عداوته ما حيينا وكانوا مقيمين خارج المدينة فعظم عليهم ~~قتله وكان مما يهيجهم على المحاربة وإظهار نقض العهد نقض العهد انتصارهم ~~للمقتول وذبهم عنه واما من قر فهو # PageV01P091 # مقيم على عهده المتقدم لأنه لم يظهر العداوة ولهذا لم يحاصرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يحاربهم حتى أظهروا عداوته بعد ذلك وأما هذا الكتاب فهو ~~شيء ذكره الواقدي ms074 وحده. # وقد ذكر هو أيضا أن قتل ابن الأشرف في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأن غزوة ~~بني قنيقاع كانت قبل ذلك في شوال سنة اثنتين بعد بدر بنحو شهر. # وذكر أن الكتاب الذي وادع فيه النبي صلى الله عليه وسلم اليهود كلها كان ~~لما قدم المدينة قبل بدر وعلى هذا فيكون هذا كتابا ثانيا خاصا لبني النضير ~~تجدد فيه العهد الذي بينه وبينهم غير الكتاب الأول الذي كتبه بينه وبين ~~جميع اليهود لأجل ما كانوا قد أرادوا من إظهار العداوة. # وقد تقدم أن ابن الأشرف كان معاهدا وتقدم أيضا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كتب الكتاب لما قدم المدينة في أوائل الأمر والقصة تدل على ذلك وإلا ~~لما جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكوا إليه قتل صاحبهم ولو ~~كانوا محاربين لم يستنكروا قتله وكلهم ذكر أن قتل ابن الأشرف كان بعد بدر ~~وأن معاهدة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قبل بدر كما ذكره الواقدي. # قال ابن إسحاق: "وكان فيما بين ذلك من غزو النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~بني قينقاع يعني فيما بين بدر وغزوة الفرع من العام المقبل في جمادى الأولى ~~وقد ذكر أن بني قينقاع هم أول من حارب ونقض العهد". # الحديث الرابع: ما روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "من سب نبيا قتل ومن سب أصحابه جلد " رواه أبو ~~محمد الخلال وأبو القاسم الأرجي ورواه أبو ذر الهروي # PageV01P092 # ولفظه: " من سب نبيا فاقتلوه ومن سب أصحابي فاجلدوه ". # وهذا الحديث قد رواه عبد العزيز بن الحسن بن زبالة قال: ثنا عبد الله بن ~~موسى بن جعفر عن علي بن موسى عن أبيه عن جده عن محمد بن علي بن الحسين عن ~~أبيه عن الحسين بن علي عن أبيه وفي القلب منه حزازة فإن هذا الإسناد الشريف ~~قد ركب عليه متون نكرة والمحدث به عن أهل البيت ضعيف فإن كان محفوظا ms075 فهو ~~دليل على وجوب قتل من سب نبيا من الأنبياء وظاهره يدل على أنه يقتل من غير ~~استتابة وأن القتل حد له. # الحديث الخامس: ما روى عبد الله بن قدامى عن أبي برزة قال: أغلظ رجل لأبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه فقلت: أقتله؟ فانتهرني وقال: ليس هذا لأحد بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي من حديث شعبة عن توبة العنبري ~~عنه. # وفي رواية لأبي بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه عن أبي برزة: "أن رجلا شتم ~~أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: ويحك أو ويلك ما ~~كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم". # ورواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة ~~قال: "كنت عند أبي بكر رضي الله عنه فتغيظ على رجل فاشتد عليه فقلت: تأذن ~~لي يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أضرب عنقه قال: فأذهبت كلمتي ~~غضبه فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه ~~قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم قال: لا والله ما كانت لبشر بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم". # PageV01P093 # قال أبو داود في مسائله: سمعت أبا عبد الله يسال عن حديث أبي بكر: "ما ~~كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال: لم يكن لأبي بكر أن ~~يقتل رجلا إلا بإحدى ثلاث وفي رواية: بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس والنبي ~~صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل". # وقد استدل به على جواز قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من ~~العلماء منهم أبو داود وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو بكر عبد العزيز ~~والقاضي أبو يعلى وغيرهم من العلماء وذلك لأن أبا برزة لما رأى الرجل قد ~~شتم أبا بكر وأغلظ له حتى تغيظ أبو بكر استأذنه في ms076 أن يقتله بذلك وأخبره ~~أنه لو أمره لقتله فقال أبو بكر: ليس هذا لأحد بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له وأن ~~له أن يأمر بقتل من لا يعلم الناس منه سببا يبيح دمه وعلى الناس أن يطيعوه ~~في ذلك لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا يأمر بمعصية الله قط بل من ~~أطاعه فقد أطاع الله. # فقد تضمن الحديث خصيصتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # إحداهما: أنه يطاع في كل من أمر بقتله. # والثانية: أن له أن يقتل من شتمه وأغلظ عليه. # وهذا المعنى الثاني الذي كان لله باقي في حقه بعد موته فكل من شتمه أو ~~أغلظ في حقه كان قتله جائزا بل ذلك بعد موته أوكد وأوكد لأن حرمته بعد موته ~~أكمل والتساهل في عرضه بعد موته غير ممكن. # PageV01P094 # وهذا الحديث يفيد أن سبه في الجملة يبيح القتل ويستدل بعمومه على قتل ~~الكافر والمسلم. # الحديث السادس: قصة العصماء بنت مروان ما روى عن ابن عباس قال: هجت امرأة ~~من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من لي بها؟ " فقال رجل من قومها: ~~أنا يا رسول الله فنهض فقتلها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا ~~ينتطح فيها عنزان ". # وقد ذكر بعض أصحاب المغازي وغيرهم قصتها مبسوطة. # قال الواقدي: حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه أن عصماء بنت ~~مروان من بني أمية بنت زيد كانت تحت يزيد بن زيد ابن حصن الخطمي وكانت تؤذي ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتعيب الإسلام وتحرض على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقالت: # فباست بني مالك والنبيت ... وعوف وباست بني الخزرج # أطعتم أتاوي من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج # ترجونه بعد قتل الرؤوس ... كما يرتجى مرق المنضج # وقال عمير بن عدي الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: " اللهم إن لك علي ~~نذرا لئن رددت رسول الله صلى الله عليه ms077 وسلم إلى المدينة لأقتلنها" ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ببدر فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر ~~جاء عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها في بيتها وحولها نفر من ولدها ~~نيام منهم من ترضعه في صدرها فحسها بيده فوجد الصبي ترضعه فنحاه عنها ثم ~~وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها ثم خرج حتى صلى الصبح مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى عمير فقال: ~~أقتلت بنت مروان؟ قال: نعم بأبي أنت # PageV01P095 # يا رسول الله وخشي عمير أن يكون أفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقتلها فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: لا ينتطح فيها عنزان ~~فإن أول ما سمعت هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمير: ~~فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من حوله فقال: "إذا أحببتم أن تنظروا ~~إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي" فقال عمر بن ~~الخطاب: "انظروا إلى هذا الأعمى الذي تسرى في طاعة الله" فقال: "لا تقل ~~الأعمى ولكنه البصير ". # فلما رجع عمير من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد بنيها في جماعة ~~يدفنونها فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلا من المدينة فقالوا: يا عمير أنت ~~قتلتها؟ فقال: نعم فيكدوني جميعا ثم لا تنظرون والذي نفسي بيده لو قلتم ~~بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم فيومئذ ظهر الإسلام ~~في بني خطمة وكان منهم رجال يستخفون بالإسلام خوفا من قومهم فقال حسان بن ~~ثابت يمدح عمير بن عدي. # قال الواقدي: أنشدنا عبد الله بن الحارث: # بني وائل وبني واقف ... وخطمة دون بني الخزرج # متى ما ادعت أختكم ويحها ... بعولتها والمنايا تجي # فهزت فتى ماجدا عرقه ... كريم المداخل والمخرج # فضرجها من نجيع الدما ... قبيل الصباح ولم تخرج # فأورده الله برد الجنا ... ن جذلان في نعمة المولج # قال عبد الله بن الحارث ms078 عن أبيه: وكان قتلها لخمس ليال بقين من رمضان ~~مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر. # PageV01P096 # وروى هذه القصة أخصر من هذا أبو أحمد العسكري ثم قال: كانت هذه المرأة ~~تهجو النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذيه. # وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم العنز لأن العنز تشام العنز ثم ~~تفارقها وليس كنطاح الكباش وغيرها. # وذكر هذه القصة مختصرة محمد بن سعد في الطبقات. # وقال أبو عبيد في الأموال: وكذلك كانت قصة عصماء اليهودية إنما قتلت ~~لشتمها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه المرأة ليست هي التي قتلها سيدها ~~الأعمى ولا اليهودية التي قتلت لأن هذه المرأة من بني أمية بن زيد أحد بطون ~~الأنصار ولها زوج من بني خطمة ولهذا والله أعلم نسبت في حديث ابن عباس إلى ~~بني خطمة والقاتل لها غير زوجها وكان لها بنون كبار وصغار نعم كان القاتل ~~من قبيلة زوجها كما في الحديث. # وقال محمد بن إسحاق: أقام مصعب بن عمير عند أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى ~~الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما ~~كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس الله وهم من الأوس ~~بن حارثة وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت كان شاعرهم يسمعون منه ~~ويعظمونه. # فهذا الذي ذكره ابن إسحاق يصدق ما رواه الواقدي من تأخر ظهور الإسلام ~~ببني خطمة والشعر المأثور عن حسان يوافق ذلك. # وإنما سقنا القصة من راوية أهل المغازي مع ما في الواقدي من الضعف للشهرة ~~هذه القصة عندهم مع أنه لا يختلف اثنان أن الواقدي من أعلم الناس بتفاصيل ~~أمور المغازي وأخبرهم بأحوالها وقد كان الشافعي وأحمد وغيرهما يستفيدون علم ~~ذلك من كتبه نعم هذا الباب يدخله خلط الروايات بعضها # PageV01P097 # ببعض حتى يطهر أنه سمع مجموع القصة من شيوخه وإنما سمع من كل واحد بعضها ~~ولم يميزه ويدخله أخذ ذلك من الحديث المرسل والمقطوع وربما حدس الراوي بعض ~~الأمور ms079 لقرائن استفادها من عدة جهات ويكثر من ذلك إكثارا ينسب لأجله إلى ~~المجازفة في الرواية وعدم الضبط فلم يمكن الاحتجاج بما ينفرد به فأما ~~الاستشهاد بحديثه والاعتضاد به فمما لا يمكن المنازعة فيه لا سيما في قصة ~~تامة يخبر فيها باسم القاتل والمقتول وصورة الحال فإن الرجل وأمثاله أفضل ~~ممن ارتفعوا في مثل هذا في كذب ووضع على أنا لم يثبت قتل الساب بمجرد هذا ~~الحديث وإنما ذكرناه للتقوية والتوكيد وهذا مما يحصل ممن هو دون الواقدي. # ووجه الدلالة أن هذه المرأة لم تقتل إلا لمجرد أذى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهجوه وهذا بين في قول ابن عباس: "هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: من لي بها " فعلم أنه أنما ندب إليها لأجل هجوها وكذلك في ~~الحديث الآخر "فقال عمير حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرا ~~لئن رددت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأقتلنها" وفي الحديث ~~لما قال له قومه: "أنت قتلتها؟ " فقال: "نعم فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ~~فوالذي نفسي بيده لو قلتم جميعا ما قالت لضربتكم بسيفي حتى أموت أو أقتلكم" ~~فهذه مقدمة ومقدمة أخرى وهو أن شعرها ليس فيه تحريض على قتال النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى يقال: التحريض على القتال قتال وإنما فيه تحريض على ترك ~~دينه وذم له ولمن اتبعه وأقصى غاية ذلك أن لا يدخل في الإسلام من لم يكن ~~دخل أو أن يخرج عنه من دخل فيه وهذا شأن كل ساب. # يبين ذلك أنها هجته بالمدينة وقد أسلم أكثر قبائلها وصار المسلم بها # PageV01P098 # أعز من الكافر ومعلوم أن الساب في مثل هذه الحال لا يقصد أن يقاتل الرسول ~~وأصحابه وإنما يقصد إغاظتهم وأن لا يتابعوا. # وأيضا فانها لم تكن تطمع في التحريض على القتال فإنه لا خلاف بين أهل ~~العلم بالسير أن جميع قبائل الأوس والخزرج لم يكن فيهم من يقاتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم بيد ولا لسان ولا كان ms080 أحد بالمدينة يتمكن من إظهار ذلك ~~وإنما غاية الكافر أو المنافق منهم أن يثبط الناس عن إتباعه أو أن يعين على ~~رجوعه من المدينة إلى مكة ونحو ذلك مما فيه تخذيل عنه وحض على الكفر به لا ~~على قتاله على أن الهجاء إن كان من نوع القتال فيجب انتقاض العهد به ويقتل ~~به الذمي فإنه إذا قاتل انتقض عهده لأن العهد اقتضى الكف عن القتال فإذا ~~قاتل بيد أو لسان فقد فعل ما يناقض العهد وليس بعد القتال غاية في نكث ~~العهد. # إذا تبين ذلك فمن المعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر علمه ~~عند كل من له علم بالسيرة أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم بالمدينة لم ~~يحارب أحدا من أهل المدينة بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس والخزرج ~~فإنه كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه وكان الناس إذ قدمها على طبقات: منهم ~~المؤمن وهم الأكثرون ومنهم الباقي على دينه وهو متروك لا يحارب ولا يحارب ~~وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سلم لا أهل حرب حتى حلفاء الأنصار ~~أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على حلفهم. # قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~وليس فيها دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين إلا بني خطمة وبني ~~واقف وبني وائل كانوا آخر الأنصار إسلاما وحول المدينة حلفاء # PageV01P099 # الأنصار كانوا يستظهرون بهم في حربهم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يخلوا حلف حلفائهم للحرب التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبين من عادى الإسلام. # وكذلك قال الواقدي فيما رواه عن يزيد بن رومان وابن كعب بن مالك عن جابر ~~بن عبد الله في قصة ابن الأشرف قال: فكان الذي اجتمعوا عليه قالوا وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون ~~الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الحلقة والحصون ومنهم حلفاء للحيين ~~جميعا الأوس والخزرج فأراد رسول الله ms081 صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة ~~استصلاحهم كلهم وموادعتهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا ومن المعلوم ~~أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض. # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرهم كانت هذه المرأة من ~~المعاهدين وكان فيهم المظهر للإسلام المبطن لخلافه يقول بلسانه ما ليس في ~~قلبه وكان الإسلام والإيمان يفشوا في بطون الأنصار بطنا بعد بطن حتى لم يبق ~~فيهم مظهر للكفر بل صاروا إما مؤمنا أو منافقا وكان من لم يسلم منهم بمنزلة ~~اليهود موادع مهادن أو هو أحسن حالا من اليهود لما يرجى فيه من العصبية ~~لقومه وأن يهوى هواهم ولا يرى أن يخرج عن جماعتهم وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعاملهم من الكف عنهم واحتمال أذاهم بأكثر مما يعامل به اليهود لما ~~كان يرجوه منهم ويخاف من تغيير قلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع ~~بهم وهو في ذلك متبع قوله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا ~~فإن ذلك من عزم الأمور} . # PageV01P100 # ثم إنه مع ندب الناس إلى قتل المرأة التي هجته وقال فيمن قتلها: "إذا ~~أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى هذا" فثبت ~~بذلك أن هجاءه وذمه موجب للقتل غير الكفر وثبت أن الساب يجب قتله وإن كان ~~من الحلفاء والمعاهدين ويقتل في الحال التي يحقن فيها دم من ساواه في غير ~~السب لا سيما ولو لم تكن معاهدة فقتل المرأة لا يجوز إلا أن تقاتل لأنه صلى ~~الله عليه وسلم رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة فقال: "ما كانت هذه لتقاتل" ~~ونهى عن قتل النساء والصبيان ثم إنه أمر بقتل هذه المرأة ولم تقاتل بيدها ~~فلو لم يكن السب موجبا للقتل لم يجز قتلها لأن قتل المرأة لمجرد الكفر لا ~~يجوز ولا نعلم قتل المرأة الكافرة الممسكة عن القتال أبيح في وقت من ~~الأوقات بل القرآن وترتيب نزوله دليل ms082 على أنه لم يبح قط لأن أول آية نزلت ~~في القتال: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين ~~أخرجوا من ديارهم} الآية فأباح للمؤمنين القتال دفعا عن نفوسهم وعقوبة لمن ~~أخرجهم من ديارهم ومنعهم من توحيد الله وعبادته وليس للنساء في ذلك حظ. # ثم إنه كتب عليهم القتال مطلقا وفسره بقوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم} الآية فمن ليس من أهل القتال لم يؤذن في قتاله والنساء لسن من ~~أهل القتال فإذا كان قد أمر بقتل هذه المرأة فإما أن يقال: "هجاؤها قتال" ~~فهذا يفيدنا أن هجاء الذمي قتال فينقض العهد ويبيح الدم أو يقال: "ليس ~~بقتال" وهو الأظهر لما قدمناه من أنه لم يكن فيه تحريض على القتال ولا كان ~~لها رأي في الحرب فيكون السب جناية مضرة بالمسلمين غير القتال موجبة للقتل ~~بمنزلة قطع الطريق عليهم ونحو ذلك يفيد أن السب موجب للقتل بوجوه. # PageV01P101 # أحدها: أنه لو لم يكن موجبا للقتل لما جاز قتل المرأة وإن كانت حربية لأن ~~الحربية إذا لم تقاتل بيد ولا لسان لم يجز قتلها إلا بجناية موجبة للقتل ~~وهذا ما أحسب فيه مخالفا لا سيما عند من يرى قتالها بمنزلة قتال الصائل. # الثاني: أن هذه السابة كانت من المعاهدين ممن هو أحسن حالا من المعاهدين ~~في ذلك الوقت فلو لم يكن السب موجبا لدمها لما قتلت ولما جاز قتلها ولهذا ~~خاف الذي قتلها أن تتولد فتنة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا ينتطح ~~فيها عنزان" مع أن انتطاحهما إنما هو كالتشام فبين صلى الله عليه وسلم أنه ~~لا يتحرك لذلك قليل من الفتن ولا كثير رحمة من الله بالمؤمنين ونصرا لرسوله ~~ودينه فلو لم يكن هناك ما يحذر معه قتل هذه لولا الهجاء لما خيف هذا. # الثالث: أن الحديث مصرح بأنها إنما قتلت لأجل ما ذكرته من الهجاء وأن ~~سائر قومها تركوا إذ لم يهجوا وأنهم لو هجوا لفعل بهم كما فعل بها فظهر ~~بذلك أن ms083 الهجاء موجب بنفسه للقتل سواء كان الهاجي حربيا أو مسلما أو معاهدا ~~حتى يجوز أن يقتل لأجله من لا يقتله بدونه وإن كان الحربي المقاتل يجوز ~~قتله من وجه آخر وذلك في المسلم ظاهر وأما في المعاهد فلأن الهجاء إذا أباح ~~دم المرأة فهو كالقتال أو أسوأ حالا من القتال. # الرابع: أن المسلمين كانوا ممنوعين قبل الهجرة وفي أوائل الهجرة من ~~الابتداء بالقتال وكان قتل الكفار حينئذ محرما وهو من قتل النفس بغير حق ~~كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} إلى قوله: {فلما ~~كتب عليهم القتال} ولهذا أول ما أنزل من القرآن فيه نزل بالإباحة بقوله: ~~{أذن للذين يقاتلون} وهذا من # PageV01P102 # العلم العام بين أهل المعرفة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى ~~على أحد منهم أنه صلى الله عليه وسلم كان قبل الهجرة وبعيدها ممنوعا عن ~~الابتداء بالقتل والقتال ولهذا قال للأنصار الذين بايعوه ليلة العقبة لما ~~استأذنوه في أن يميلوا على أهل منى "إنه لم يؤذن لي في القتال" وذلك حينئذ ~~بمنزلة الأنبياء الذين لم يؤمروا بالقتال كنوح وهود وصالح وإبراهيم وعيسى ~~بل كأكثر الأنبياء غير أنبياء بني إسرائيل. # ثم إنه لم يقاتل أحدا من أهل المدينة ولم يأمر بقتل أحد من رؤوسهم الذين ~~كانوا يجمعونهم على الكفر ولا من غيرهم والآيات التي نزلت إذ ذاك إنما تأمر ~~بقتال الذين أخرجوهم وقاتلوهم ونحو ذلك وظاهر هذا أنه لم يؤذن لهم إذ ذاك ~~في ابتداء قتل الكافرين من أهل المدينة فإن دوام إمساكه عنهم يدل على ~~استحبابه أو وجوبه وهو في الوجوب أظهر لما ذكرنا لأن الإمساك كان واجبا ~~والمغير لحاله لم يشمل أهل المدينة فيبقى على الوجوب المتقدم مع فعله صلى ~~الله عليه وسلم. # قال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~عدوه قبل أن تنزل براءة يقاتل من قاتله ومن كف يده وعاهده كف عنه قال الله ~~تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا ms084 إليكم السلم فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا} وكان القرآن ينسخ بعضه بعضا فإذا نزلت آية نسخت التي قبلها ~~وعمل بالتي أنزلت وبلغت الأولى منتهى العمل بها وكان ما قد عمل بها قبل ذلك ~~طاعة لله حتى نزلت براءة وإذا أمر بقتل هذه المرأة التي هجته ولم يؤذن له ~~في قتل قبيلتها الكافرين علم # PageV01P103 # أن السب موجب للقتل وإن كان هناك ما يمنع القتال لولا السبب كالعهد ~~والأنوثة ومنع قتل الكافر الممسك أو عدم إباحته. # وهذا وجه حسن دقيق فإن الأصل أن دم الآدمي معصوم لا يقتل إلا بالحق وليس ~~القتل للكفر من الأمر الذي اتفقت عليه الشرائع ولا أوقات الشريعة الواحدة ~~كالقتل قودا فإنه مما لا تختلف فيه الشرائع ولا العقول وكان دم الكافر في ~~أول الإسلام معصوما بالعصمة الأصلية وبمنع الله المؤمنين من قتاله ودماء ~~هؤلاء القوم كدم القبطي الذي قتله موسى وكدم الكافر الذي لم تبلغه الدعوة ~~في زماننا أو أحسن حالا من ذلك وقد عد موسى ذلك ذنبا في الدنيا والآخرة مع ~~أن قتله كان خطأ شبه عمد أو خطأ محضا ولم يكن عمدا محضا. # فظاهر سيرة نبيا وظاهر ما أذن له فيه أن حال أهل المدينة إذ ذاك ممن لم ~~يسلم كانت كهذه الحال فإذا قتل المرأة التي هجته من هؤلاء وليسوا عنده ~~محاربين بحيث يجوز قتالهم مطلقا كان قتل المرأة التي تهجوه من أهل الذمة ~~بهذه المثابة وأولى لأن هذه قد عاهدناها على أن لا تسب وعلى أن تكون صاغرة ~~وتلك لم نعاهدها على شيء. # الحديث السابع: قصة أبي عفك اليهودي ذكرها أهل المغازي والسير. # قال الواقدي: ثنا شعبة بن محمد عن عمارة بن غزية وحدثناه أبو مصعب ~~إسماعيل بن مصعب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت عن أشياخه قالا: إن شيخا من بني ~~عمرو بن عوف يقال له أبو عفك وكان شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة حين ~~قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان يحرض على عداوة النبي صلى الله ms085 ~~عليه وسلم ولم يدخل في الإسلام فلما خرج رسول # PageV01P104 # الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ظفره الله بما ظفره فحسده وبغى فقال ~~وذكر قصيدة تتضمن هجو النبي صلى الله عليه وسلم وذم من اتبعه أعظم ما فيها ~~قوله: # فيسلبهم أمرهم راكب ... حراما حلالا لشتى معا # قال سالم بن عمير: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه فأمهل فطلب له ~~غرة حتى كانت ليلة صائفة فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف ~~فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش وصاح عدو الله ~~فثاب إليه أناس ممن هم على قوله فأدخلوه منزله وقبروه وقالوا: من قتله؟ ~~والله لو نعلم من قتله لقتلناه. # وبه ذكر محمد بن سعد أنه كان يهوديا وقد ذكرنا أن يهود المدينة كلهم ~~كانوا قد عاهدوا ثم إنه لما هجا وأظهر الذم قتل. # قال الواقدي عن ابن رقش: قتل أبو عفك في شوال على رأس عشرين شهرا وهذا ~~قديم قبل قتل ابن الأشرف وهذا فيه دلالة واضحة على أن المعاهد إذا أظهر ~~السب ينتقض عهده ويقتل غيلة لكن هو من رواية أهل المغازي وهو يصلح أن يكون ~~مؤيدا مؤكدا بلا تردد. # الحديث الثامن: حديث أنس بن زنيم الديلي وهو مشهور عند أهل السيرة ذكره ~~ابن إسحاق والواقدي وغيرهما. # قال الواقدي: حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير عن محجن بن وهب قال: كان ~~آخر ما كان بين خزاعة وبين كنانة أن أنس بن زنيم الديلي هجا رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام فسمعه غلام من خزاعة فوقع به فشجه فخرج إلى قومه # PageV01P105 # فأراهم شجته فثار الشر مع ما كان بينهم وما تطلب بنو بكر من خزاعة من ~~دمائها. # قال الواقدي: حدثني حرام بن هشام بن خالد الكعبي عن أبيه قال: وخرج عمرو ~~بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة يستنصرون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويخبرونه بالذي أصابهم وذكر قصة فيها إنشاد القصيدة التى أولها: # لا ms086 هم إني ناشد محمدا ... ... ... ... # قال: فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك ~~فندر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه فبلغ ذلك أنس بن زنيم فقدم معتذرا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما بلغه عنه فقال وذكر قصيدة فيها مدح ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولها: # أنت الذي تهدى معد بأمره ... بل الله يهديها وقال لك: اشهد # فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد # تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد # تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل سكن من تهام ومنجد # ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي # سوى أنني قد قلت: يا ويح فتية ... أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد # ويقول فيها: # فإني لا عرضا خرقت ولا دما ... هرقت ففكر عالم الحق واقصد # قال الواقدي: أنشدنيها حرام وبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P106 # قصيدته هذه واعتذاره وكلمه نوفل بن معاوية الديلي فقال: يا رسول الله أنت ~~أولى الناس بالعفو ومن منا من لم يعادك ويؤذك؟ ونحن في جاهلية لا ندري ما ~~نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلك وقد كذب عليه الركب ~~وأكثروا عندك فقال دع الركب عنك فإنا لم نجد بتهامة أحدا من ذي رحم قريب ~~ولا بعيد كان أبر من خزاعة فأسكت نوفل بن معاوية فلما سكت قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد عفوت عنه قال نوفل: فداك أبي وأمي. # وقال ابن إسحاق: وقال أنس بن زنيم يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم حين قدم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يستنصره ويذكر أنهم قد نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشد ~~تلك القصيدة وفيها: # وتعلم أن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كل موعد # فوجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد صالح قريشا ms087 وهادنهم عام ~~الحديبية عشر سنين ودخلت خزاعة في عقده وكان أكثرهم مسلمين وكانوا عيبة نصح ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمهم وكافرهم ودخلت بنو بكر في عهد قريش ~~فصار هؤلاء كلهم معاهدين وهذا مما تواتر به النقل ولم يختلف فيه أهل العلم. # ثم إن هذا الرجل المعاهد هجا النبي صلى الله عليه وسلم على ما قيل عنه ~~فشجه بعض خزاعة ثم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أنه هجاه يقصدون بذلك ~~إغراءه ببني بكر فندر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه أي أهدره # PageV01P107 # ولم يندر دم غيره فلولا أنهم علموا أن هجاء النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المعاهدة مما يوجب الانتقام منه لم يفعلوا ذلك. # ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ندر دمه لذلك مع أن هجاءه كان حال العهد ~~وهذا النص في أن المعاهد الهاجي يباح دمه. # ثم إنه لما قدم أسلم في شعره ولهذا عدوه من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقوله: "تعلم رسول الله" "تعلم رسول الله" "ونبي رسول الله" دليل على ~~أنه أسلم قبل ذلك أو هذا وحده إسلام منه فإن الوثني إذا قال: "محمد رسول ~~الله" حكم بإسلامه ومع هذا فقد أنكر أن يكون هجا النبي صلى الله عليه وسلم ~~ورد شهادة أولئك بأنهم أعداء له لما بين القبيلتين من الدماء والحرب فلو لم ~~يكن ما فعله مبيحا لدمه لما احتاج إلى شيء من ذلك. # ثم إنه بعد إسلامه واعتذاره وتكذيب المخبرين ومدحه لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنما طلب العفو من النبي صلى الله عليه وسلم عن إهدار دمه والعفو ~~إنما يكون مع جواز العقوبة على الذنب فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~له أن يعاقبه بعد مجيئه مسلما معتذرا وإنما عفا عنه حلما وكرما. # ثم إن في الحديث أن نوفل بن معاوية هو الذي شفع له إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد ذكر عامة أهل السير أن نوفلا هذا هو رأس المتكبرين الذين ~~عدوا ms088 على خزاعة وقتلوهم وأعانتهم قريش على ذلك وبسبب ذلك انتقض عهد قريش ~~وبني بكر ثم إنه أسلم قبل الفتح حتى صار يشفع في الذي هجا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعلم أن الهجاء أغلظ من نقض العهد بالقتال بحيث إذا نقض قوم ~~العهد بالقتال وآخر هجا ثم أسلما # PageV01P108 # عصم دم الذي قاتل وجاز الانتقام من الهاجي ولهذا قرن هذا الرجل خرق العرض ~~بسفك الدم فعلم أن كليهما موجب للقتل وأن خرق عرضه كان أعظم عندهم من سفك ~~دماء المسلمين والمعاهدين. # ومما يوضح هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهدر دم أحد من بني بكر ~~الناقضين العهد بعينه وإنما مكن منهم بني خزاعة يوم الفتح أكثر النهار ~~وأهدر دم هذا بعينه حتى أسلم واعتذر هذا مع أن العهد كان عهد هدنة وموادعة ~~لم يكن عهد جزية وذمة والمهادن المقيم ببلده يظهر ببلده ما شاء من منكرات ~~الأقوال والأفعال المتعلقة بدينه ودنياه ولا ينتقض بذلك عهده حتى يحارب ~~فعلم أن الهجاء من جنس الحرب وأغلظ منه وأن الهاجي لا ذمة له. # الحديث التاسع: قصة ابن أبي سرح وهي مما اتفق عليها أهل العلم واستفاضت ~~عندهم استفاضة تستغنى عن رواية الآحاد وذلك أثبت وأقوى مما رواه الواحد ~~العدل فنذكرها مشروحة ليتبين وجه الدلالة منها: # عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: " لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ~~ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم ~~رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله" فقالوا: ما ندري ~~يا رسول الله ما في نفسك إلا أومأت إلينا بعينك قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن ~~تكون له خائنة الأعين " رواه أبو داود بإسناد صحيح. # PageV01P109 # وراوه النسائي كذلك بأبسط ms089 من هذا عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة آمن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة نفر وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم ~~متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن حبابة ~~وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. # فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن ~~حارث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله. # وأما مقيس بن حبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه. # وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن ~~آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر ~~إلا الإخلاص لا ينجني في البر غيره اللهم لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما ~~أنا فيه أن آتي محمد حتى أضع يدي في يده ولأجدنه عفوا كريما فجاء وأسلم. # وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الباقي كما رواه أبو داود. # وعن عبد الله بن عباس قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رواه أبو داود. # وروى محمد بن سعد في الطبقات عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابن أبي سرح يوم الفتح وفرتني وابن ~~الزبعري وابن خطل فأتاه أبو بردة وهو متعلق بأستار الكعبة فبقر # PageV01P110 # بطنه وكان رجل من الأنصار قد نذر إن رأى ابن أبي سرح أن يقتله فجاء عثمان ~~وكان أخاه من الرضاعة فشفع له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذ ~~الأنصاري بقائم ms090 السيف ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم متى يومئ إليه أن ~~يقتله فشفع له عثمان حتى تركه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للأنصاري: "هلا وفيت بنذرك" فقال: يا رسول الله وضعت يدي على قائم السيف ~~أنتظر متى تومئ فأقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس لنبي أن يومئ". # وقال محمد بن إسحاق في رواية ابن بكير عنه: قال أبو عبيدة بن محمد بن ~~عمار بن ياسر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين دخل مكة وفرق جيوشه أمرهم أن لا يقتلوا أحدا إلا من قاتلهم إلا ~~نفرا قد سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم ~~تحت أستار الكعبة " عبد الله بن خطل وعبد الله بابن أبي سرح وإنما أمر بابن ~~أبي سرح لأنه كان قد أسلم فكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ~~فرجع مشركا ولحق بمكة فكان يقول: لهم إني لأصرفه كيف شئت أنه ليأمرني أن ~~أكتب له الشيء فأقول له: أو كذا أو كذا فيقول: نعم وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول: "عليم حليم" فيقول له: أو أكتب "عزيز حكيم" فيقول ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلاهما سواء. # قال ابن إسحاق: حدثني شرحبيل بن سعد أن فيه نزلت: {ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل ~~الله} فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان بن عفان ~~وكان أخاه من الرضاعة فغيبه عنده حتى اطمأن # PageV01P111 # أهل مكة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمن له فصمت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طويلا وهو واقف عليه ثم قال: " نعم" فانصرف به فلما ولى ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما صمت إلا رجاء أن يقوم إليه بعضكم ~~فيقتله" فقال رجل من الأنصار: يا رسول ms091 الله ألا أومأت إلي فأقتله فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إن النبي لا يقتل بالإشارة ". # وقال ابن إسحاق في رواية إبراهيم بن سعد عنه: حدثني بعض علمائنا أن ابن ~~أبي سرح رجع إلى قريش فقال: والله لو أشاء لقلت كما يقول محمد وجئت بمثل ما ~~يأتي به إنه ليقول الشيء وأصرفه إلى شيء فيقول: أصبت ففيه أنزل الله تعالى: ~~{ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} ~~فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله. # قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا أحدا ~~قاتلهم إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة ~~منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقتله لأنه كان أسلم وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فارتد ~~مشركا راجعا إلى قريش فقال: والله إني لأصرفه حيث أريد إنه ليملي علي فأقول ~~أو كذا أو كذا فيقول: نعم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يملي ~~عليه فيقول: "عزيز حكيم" أو "حكيم حليم" فكان يكتبها على أحد الحرفين ~~فيقول: "كل صواب". # وروينا في مغازي معمر عن الزهري في قصة الفتح قال: فدخل # PageV01P112 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أصحابه بالكف وقال: "كفوا السلاح" إلا ~~خزاعة من بكر ساعة ثم أمرهم فكفوا فآمن الناس كلهم إلا أربعة: ابن أبي سرح ~~وابن خطل ومقيس الكناني وامرأة أخرى ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني ~~لم أحرم مكة ولكن الله حرمها وإنها لم تحل لأحد من قبلي ولا تحل لأحد بعدي ~~إلى يوم القيامة وإنما أحلها الله لي ساعة من نهار" قال ثم جاء عثمان بن ~~عفان بابن أبي سرح فقال: بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم ms092 جاءه من ناحية ~~أخرى فقال: بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم جاءه أيضا فقال: بايعه يا رسول ~~الله فمد يده فبايعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أعرضت عنه ~~واني لأظن بعضكم سيقتله" فقال رجل من الأنصار: فهلا أومضت إلي يا رسول الله ~~فقال: "إن النبي لا يومض" فكأنه رآه غدرا. # وفي مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وأمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم وأمرهم بقتل أربعة ~~منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح والحويرث بن نقيد وابن خطل ومقيس بن حبابة ~~أحد بني ليث وأمر بقتل قينتين لابن خطل تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال: ويقال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل النفر ~~وأن يقتل عبد الله بن أبي سرح وكان ارتد بعد الهجرة كافرا فاختبأ حتى اطمأن ~~الناس ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ليقوم ~~رجل من أصحابه فيقتله فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي في نفس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم: لو أشرت إلي يا رسول الله ضربت عنقه فقال ~~"إن النبي لا يفعل ذلك" ويقال: أجاره # PageV01P113 # عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى ~~حتى استؤمن لها. # وذكر محمد بن عائد في مغازيه هذه القصة مثل ذلك. # وذكر الواقدي عن أشياخه قالوا: وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فربما أملى عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "سميع عليم" فيكتب "عليم حكيم" فيقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيقول: كذاك قال الله ويقرأه فافتتن وقال: ما يدري محمد ما يقوله إني لأكتب ~~له ما شئت هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد وخرج هاربا من المدينة ~~إلى مكة مرتدا فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ms093 دمه يوم الفتح فلما كان ~~يومئذ جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فقال: يا ~~أخي إني والله أستجير بك فاحبسني ها هنا واذهب إلى محمد فكلمه في فإن محمدا ~~إن رآني ضرب الذي فيه عيناي إن جرمي أعظم الجرم وقد جئت تائبا فقال عثمان: ~~بل اذهب معي قال عبد الله: والله لئن رآني ليضربن عنقي ولا ينظرني قد أهدر ~~دمي وأصحابه يطلبونني في كل موضع فقال عثمان: انطلق معي فلا يقتلك إن شاء ~~الله فلم يرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عثمان آخذا بيد عبد الله بن ~~سعد ابن أبي سرح واقفين بين يديه فأقبل عثمان على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله أمه كانت تحملني وتمشيه وترضعني وتفطمه وكانت تلطفني ~~وتتركه فهبه لي فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل عثمان كلما أعرض ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام ~~وإنما أعرض النبي صلى الله عليه وسلم إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم ~~يؤمنه فلما رأى أن لا يقوم أحد وعثمان قد أكب على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقبل رأسه وهو يقول: # PageV01P114 # يا رسول الله بايعه فداك أبي وأمي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم ثم ~~التفت إلى أصحابه فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله أو ~~قال الفاسق فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إلي يا رسول الله فوالذي بعثك ~~بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه ويقال: قال ~~هذا أبو اليسر ويقال: عمر بن الخطاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~إني لا أقتل بالإشارة ". # وقائل يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: " إن النبي لا تكون ~~له خائنة الأعين ". # فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يفر من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كلما رآه فقال عثمان لرسول ms094 الله صلى الله عليه وسلم: بأبي وأمي ~~لو ترى ابن أم عبد الله يفر منك كلما رآك فتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "ألم أبايعه وأومنه؟ " قال: بلى يا رسول الله ولكنه يتذكر عظيم ~~جرمه في الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما كان قبله" ~~فرجع عثمان إلى ابن أبي سرح فأخبره فكان يأتي فيسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع الناس. # فوجه الدلالة أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح افترى على النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يتمم له الوحي ويكتب له ما يريد فيوافقه عليه وأنه يصرفه ~~حيث شاء ويغير ما أمره به من الوحي فيقره على ذلك وزعم أنه سينزل مثل ما ~~أنزل الله إذ كان قد أوحي إليه في زعمه كما أوحي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهذا الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى كتابه ~~والافتراء عليه بما يوجب الريب في نبوته قدر زائد على مجرد الكفر به والردة ~~في الدين وهو من أنواع السب. # PageV01P115 # وكذلك ما افترى عليه كاتب آخر مثل هذه الفرية قصمه الله وعاقبه عقوبة ~~خارجة عن العادة ليتبين لكل أحد افتراؤه إذ كان مثل هذا يوجب في القلوب ~~المريضة ريبا بأن يقول القائل: كاتبه أعلم الناس بباطنه وبحقيقة أمره وقد ~~أخبر عنه بما أخبر فمن نصر الله لرسوله أن أظهر فيه آية يبين بها أنه مفتر. # روى البخاري في صحيحه عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: "كان رجلا ~~نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فعاد نصرانيا فكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه ~~فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا ~~فألقوه فحفروا له واعمقوا في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض ~~فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه". # ورواه مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ms095 قال: "كان منا رجل ~~من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب قال: فرفعوه قالوا: هذا قد كان يكتب ~~لمحمد فأعجبوا به فما لبث أن قصم الله عنقه فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض ~~قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على ~~وجهها فتركوه منبوذا". # فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يدري ~~إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارا وهذا ~~أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا عقوبة لما قاله وأنه كان كاذبا ~~إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد ~~إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا # PageV01P116 # وأن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذا ~~لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد. # ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما ~~جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية لما حصر ~~المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة ~~الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه حتى إذ تعرض ~~أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عرضه فعجلنا فتحة وتيسر ~~ولم يكد يتأخر إلا يوما أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة ويكون ~~فيهم ملحمة عظيمة قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم ~~يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظا عليهم بما قالوا فيه. # وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع ~~النصارى كذلك ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده وتارة بأيدي ~~عباده المؤمنين. # وكذلك لما تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من ابن أبي سرح أهدر دمه لما ~~طعن ms096 في النبوة وافترى عليه الكذب مع أنه قد آمن جميع أهل مكة الذين قاتلوه ~~وحاربوه أشد المحاربة ومع أن السنة في المرتد أنه لا يقتل حتى يستتاب إما ~~وجوبا أو استحبابا. # وسنذكر إن شاء الله أن جماعة ارتدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~دعوا إلى التوبة وعرضت عليهم حتى تابوا وقبلت توبتهم. # وفي ذلك دليل على أن جرم الطاعن على الرسول صلى الله عليه وسلم الساب له ~~أعظم من جرم المرتد # PageV01P117 # ثم إن إباحة النبي صلى الله عليه وسلم دمه بعد مجيئه تائبا مسلما وقوله: ~~"هلا قتلتموه" ثم عفوه عنه بعد ذلك دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان له أن يقتله وأن يعفو عنه ويعصم دمه وهو دليل على أن له صلى الله عليه ~~وسلم أن يقتل من سبه وإن تاب وعاد إلى الإسلام. # يوضح ذلك أشياء: # منها: أنه قد روي عن عكرمة أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة ~~وكذلك ذكر آخرون أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي ~~صلى الله عليه وسلم بها وقد تقدم عنه أنه قال لعثمان قبل أن يقدم به على ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن جرمي أعظم الجرم وقد جئت تائبا وتوبة المرتد ~~إسلامه. # ثم إنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وهدوء الناس وبعد ما ~~تاب فأراد النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن يقتلوه حينئذ وتربص ~~زمانا ينتظر فيه قتله ويظن أن بعضهم سيقتله وهذا دليل واضح على جواز قتله ~~بعد إسلامه. # وكذلك لما قال له عثمان: إنه يفر منك كلما رآك قال: "ألم أبايعه وأومنه" ~~قال: بلى ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام فقال: "الإسلام يجب ما قبله" ~~فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن خوف القتل سقط بالبيعة والأمان وأن الإثم ~~زال بالإسلام فعلم أن الساب إذا عاد إلى الإسلام جب الإسلام إثم السب وبقي ~~قتله جائزا حتى يوجد إسقاط ms097 القتل ممن يملكه إن كان ممكنا. # وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذا في موضعه فإن غرضنا هنا أن # PageV01P118 # نبين أن مجرد الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة فيه يوجب ~~القتل في الحال التي لا يقتل فيه لمجرد الردة وإذا كان ذلك موجبا للقتل ~~استوى فيه المسلم والذمي ولأن كل ما يوجب القتل سوى الردة يستوي فيه المسلم ~~والذمي. # وفي كتمان الصحابة لابن أبي سرح ولإحدى القينتين دليل على أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يوجب قتلهم وإنما أباحه مع جواز عفوه عنهم وفي ذلك دليل ~~على أنه كان مخيرا بين القتل والعفو وهذا يؤيد أن القتل كان لحق النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # واعلم أن افتراء ابن أبي سرح والكاتب الآخر النصراني على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأنه كان يتعلم منهما افتراء ظاهر. # وكذلك قوله: "إني لأصرفه كيف شئت إنه ليأمرني أن أكتب له الشيء فأقول له ~~أو كذا أو كذا فيقول نعم" فرية ظاهرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ~~يكتبه إلا ما أنزله الله ولا يأمره أن يكتب قرآنا إلا ما أوحاه الله إليه ~~ولا ينصرف له كيف شاء بل ينصرف كما يشاء الله. # وكذلك قوله: "إني لأكتب له ماشئت هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى ~~محمد وإن محمدا إذا كان يتعلم مني فإني سأنزل مثل ما أنزل الله" فرية ظاهرة ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتبه ما شاء ولا كان يوحى إليه شيء. # وكذلك قول النصراني: "ما يدري محمد إلا ما كتبت له" من هذا القبيل وعلى ~~هذا الافتراء حاق به العذاب واستوجب العقاب. # ثم اختلف أهل العلم: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أقره على أن # PageV01P119 # يكتب شيئا غير ما ابتدأه النبي صلى الله عليه وسلم بإكتابه؟ وهل قال له ~~شيئا؟ على قولين: # أحدهما: أن النصراني وابن أبي سرح افتريا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك كله وأنه لم ms098 يصدر منه قول فيه إقرار على كتابة غير ما قاله أصلا ~~وإنما لما زين لهما الشيطان الردة افتريا عليه لينفرا عنه الناس ويكون قبول ~~ذلك منهما متوجها لأنهما فارقاه بعد خبرة وذلك أنه لم يخبر أحد أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: هذا الذي قلته أو كتبته صواب وإنما هو ~~حال الردة أخبر أنه قال له ذلك وهو إذ ذاك كافر عدو يفتري على الله ما هو ~~أعظم من ذلك. # يبين ذلك أن الذي في الصحيح أن النصراني كان يقول: ما يدري محمد إلا ما ~~كتبت له نعم ربما كان هو يكتب غير ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويغيره ويزيده وينقصه فظن أن عمدة النبي صلى الله عليه وسلم على كتابته مع ~~ما فيه من التبديل ولم يدر أن كتاب الله آيات بينات في صدور الذين أوتوا ~~العلم وأنه لا يغسله الماء وأن الله حافظ له وأن الله يقرئ نبيه فلا ينسى ~~إلا ما شاء الله مما يريد رفعه ونسخ تلاوته وأن جبريل كان يعارض النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالقرآن كل عام وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه ~~آية أقرأها لعدد من المسلمين يتواتر نقل الآية بهم وأكثر من نقل هذه القصة ~~من المفسرين ذكر أنه كان يملي عليه {سميعا عليما} فيكتب هو {عليما حكيما} ~~وإذا قال: {عليما حكيما} كتب {غفورا رحيما} وأشباه ذلك ولم يذكر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له شيئا. # قالوا: وإذا كان الرجل قد علم أنه من أهل الفرية والكذب حتى أظهر الله ~~كذبه آية بينة والروايات الصحيحة المشهورة لم تتضمن إلا أنه قال عن # PageV01P120 # النبي صلى الله عليه وسلم ما قال أو أنه كتب ما شاء فقط علم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يقل له شيئا. # قالوا: وما روي في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فهو ~~منقطع أو معلل ولعل قائله قاله بناء على أن الكاتب هو الذي ms099 قال ذلك ومثل ~~هذا قد يلتبس الأمر فيه حتى يشتبه ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وما ~~قيل إنه قاله رد على هذا القول فلا سؤال. # القول الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له شيئا فروى الإمام أحمد ~~وغيره من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإذا أملى عليه {سميعا عليما} يقول: كتبت {سميعا ~~بصيرا} قال: دعه وإذا أملى عليه "عليما حكيما" كتب "عليما حليما" قال حماد ~~نحو ذا. # قال: وكان قد قرأ البقرة وآل عمران وكان من قرأهما فقد قرأ قرآنا كثيرا ~~فذهب فتنصر وقال: لقد كنت أكتب لمحمد ما شئت فيقول: "دعه" فمات فدفن فنبذته ~~الأرض مرتين أو ثلاثا قال أبو طلحة: فلقد رأيته منبوذا فوق الأرض رواه ~~الإمام أحمد. # حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد قرأ البقرة وآل عمران وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل ~~عمران جد فينا يعني عظم فكان النبي صلى الله عليه وسلم يملي عليه {غفورا ~~رحيما} فيكتب {عليما حكيما} فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب كذا ~~وكذا اكتب كيف شئت ويملي عليه {عليما حكيما} فيكتب {سميعا بصيرا} فيقول: ~~اكتب كيف شئت فارتد ذلك الرجل عن الإسلام فلحق بالمشركين وقال: أنا أعلمكم ~~بمحمد إن # PageV01P121 # كنت لأكتب ما شئت فمات ذلك الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الأرض لا تقبله" قال أنس: فحدثني أبو طلحة "أنه أتى الأرض التي مات فيها ~~ذلك الرجل فوجده منبوذا قال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: قد دفناه ~~مرارا فلم تقبله الأرض" فهذا إسناد صحيح. # وقد قال من ذهب إلى القول الأول: أعل البزار حديث ثابت عن أنس قال: رواه ~~عنه ولم يتابع عليه ورواه حميد عن أنس قال وأظن حميدا إنما سمعه من ثابت ~~قالوا: ثم إن أنسا لم يذكر أنه سمع النبي صلى ms100 الله عليه وسلم أو شهده يقول ~~ذلك ولعله حكى ما سمع. # وفي هذا الكلام تكلف ظاهر والذي ذكرناه في حديث ابن إسحاق والواقدي ~~وغيرهما موافق لظاهر هذه الرواية وكذلك ذكر طائفة من أهل التفسير وقد جاءت ~~آثار فيها بيان صفة الحال على هذا القول ففي حديث ابن إسحاق: وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: {عليم حكيم} فيقول: "أو أكتب عزيز حكيم" ~~فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم كلاهما سواء" وفي الرواية ~~الأخرى: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يملي عليه فيقول "عزيز ~~حكيم أو حكيم عليم" فكان يكتبها على أحد الحرفين فيقول: "كل صواب". # ففي هذا بيان لأن كلا الحرفين كان قد نزل وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأهما ويقول له: "اكتب كيف شئت من هذين الحرفين فكل صواب" وقد جاء ~~مصرحا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أنزل القرآن على سبعة أحرف ~~كلها شاف كاف إن قلت عزيز حكيم أو غفور رحيم فهو كذلك ما لم يختم آية رحمة ~~بعذاب أو آية عذاب برحمة " وفي حرف جماعة من الصحابة: {إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم # PageV01P122 # فإنك أنت الغفور الرحيم} والأحاديث في ذلك منتشرة تدل على أن من الحروف ~~السبعة التي نزل عليها القرآن أن تختم الآية الواحدة بعدة أسماء من أسماء ~~الله على سبيل البدل يخير القارئ في القراءة بأيها شاء وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخيره أن يكتب ما شاء من تلك الحروف وربما قرأها النبي صلى الله ~~عليه وسلم بحرف من الحروف فيقول له: "أو أكتب كذا وكذا" لكثرة ما سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخير بين الحرفين فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"نعم كلاهما سواء" لأن الآية نزلت بالحرفين وربما كتب هو أحد الحرفين ثم ~~قرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فأقره عليه لأنه قد نزل كذلك أيضا وختم ~~الآي بمثل {سميع عليم} و {عليم حكيم} ms101 و {غفور رحيم} أو بمثل {سميع بصير} أو ~~{عليم حكيم} أو {عليم حليم} كثير في القرآن وكان نزول الآية على عدة من هذه ~~الحروف أمرا معتادا ثم إن الله نسخ بعض تلك الحروف لما كان جبريل يعارض ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالقرأن في كل رمضان وكانت العرضة الأخيرة هي حرف ~~زيد بن ثابت الذي يقرأ الناس به اليوم وهو الذي جمع عثمان والصحابة رضي ~~الله عنهم أجمعين عليه الناس ولهذا ذكر ابن عباس هذه القصة في الناسخ ~~والمنسوخ وكذلك ذكرها الإمام أحمد في كتابه الناسخ والمنسوخ لتضمنها نسخ ~~بعض الحروف. # وروى فيها وجه آخر رواه الإمام أحمد في الناسخ والمنسوخ: حدثنا مسكين ابن ~~بكير ثنا معان قال: وسمعت أبا خلف يقول: كان ابن أبي سرح كتب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم القرآن فكان ربما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن خواتم ~~الآي {يعملون} و {يفعلون} ونحو ذا فيقول له النبي صلى الله عليه # PageV01P123 # وسلم: "اكتب أي ذلك شئت" قال: فيوفقه الله للصواب من ذلك فأتى أهل مكة ~~مرتدا فقالوا: يا ابن أبي سرح كيف كنت تكتب لابن أبي كبشة القرآن؟ قال: ~~أكتبه كيف شئت قال: فأنزل الله في ذلك {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} الآية كلها. # قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "من أخذ ابن أبي سرح فليضرب ~~عنقه حيثما وجده وإن كان متعلقا بأستار الكعبة ". # ففي هذا الأثر أنه كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حرفين جائزين ~~فيقول له: "اكتب أي ذلك شئت" فيوفقه الله للصواب فيكتب أحب الحرفين إلى ~~الله وكان كلاهما منزلا أو يكتب ما أنزله الله فقط إن لم يكن الآخر منزلا ~~وكان هذا التخيير من النبي صلى الله عليه وسلم إما توسعة إن كان الله قد ~~أنزلهما أو ثقة بحفظ الله وعلما منه بأنه لا يكتب إلا ما أنزل وليس هذا ~~ينكر في كتاب تولى الله حفظه وضمن ms102 أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه. # وذكر بعضهم وجها ثالثا وهو أنه ربما كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يمله الآية حتى لم يبق منها إلا كلمة أو كلمتان فيستدل بما قرأ منها على ~~باقيها كما يفعله الفطن الذكي فيكتبه ثم يقرأه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيقول: "كذلك أنزلت" كما اتفق مثل ذلك لعمر في قوله: {فتبارك الله ~~أحسن الخالقين} . # وقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثل هذا في هذه القصة وإن كان ~~هذا الإسناد ليس بثقة قال: عن ابن أبي سرح أنه كان تكلم بالإسلام وكان يكتب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحايين # PageV01P124 # فإذا أملى عليه {عزيز حكيم} كتب {غفور رحيم} فيقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "هذا أو ذاك سواء" فلما نزلت {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين} أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله: {خلقا آخر} عجب عبد الله بن سعد ~~فقال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"كذا أنزلت علي فاكتبها" فشك حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي ~~كما أوحي إليه ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال فنزلت هذه الآية. # ومما ضعفت به هذه الرواية أن المشهور أن الذي تكلم بهذا عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه. # ومن الناس من قال قولا آخر قال: الذي ثبت في رواية أنس أنه كان يعرض على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما كتبه بعدما كتبه فيملي عليه {سميعا عليما} ~~فيقول: كتبت {سميعا بصيرا} فيقول: "دعه" أو "اكتب كيف شئت" وكذلك في حديث ~~الواقدي أنه كان يقول: "كذاك أنزل الله" ويقره. # قالوا: وكان النبي صلى الله عليه وسلم به حاجة إلى من يكتب لقلة الكتاب ~~في الصحابة وعدم حضور الكتاب منهم في وقت الحاجة إليهم فإن العرب كان ~~الغالب عليهم الأمية حتى إن كان الجو العظيم يطلب فيه كاتب فلا يوجد وكان ~~أحدهم إذا أراد كتابة أو ms103 شقة وجد مشقة حتى يحصل له كاتب فإذا اتفق للنبي ~~صلى الله عليه وسلم من يكتب له انتهز الفرصة في كتابته فإذا زاد كاتب أو ~~نقص تركه لحرصه على كتابة ما يمليه ولا يأمره بتغيير ذلك خوفا من ضجره وأن ~~يقطع الكتابة قبل إتمامها ثقة منه صلى الله عليه وسلم بأن تلك الكلمة أو ~~الكلمتين تستدرك فيما بعد بالإلقاء # PageV01P125 # إلى من يتلقنها منه أو بكتابتها تعويلا على المحفوظ عنده وفي قلبه كما ~~قال الله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما ~~يخفى} . # والأشبه والله أعلم هو الوجه الأول وأن هذا كان فيما أنزل القرآن فيه على ~~حروف عدة فإن القول المرضي عند علماء السلف الذي يدل عليه عامة الأحاديث ~~وقراءات الصحابة أن المصحف الذي جمع عثمان الناس عليه هو أحد الحروف السبعة ~~وهو العرضة الأخيرة وأن الحروف الستة خارجة عن هذا المصحف وأن الحروف ~~السبعة كانت تختلف الكلمة مع أن المعنى غير مختلف ولا متضاد. # الحديث العاشر: حديث القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومولاة بني هاشم وذلك مشهور مستفيض عند أهل السير وقد تقدم في ~~حديث سعيد بن المسيب أنه صلى الله عليه وسلم "أمر بقتل فرتني". # وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري: وأمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم وأمر بقتل أربعة نفر ~~قال: وأمر بقتل قينتين لابن خطل تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم قال: وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها. # وكذلك ذكر محمد بن عائد القرشي في مغازيه. # PageV01P126 # وقال ابن إسحاق في رواية ابن بكير عنه قال أبو عبيدة بن محمد ابن عمار بن ~~ياسر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~دخل مكة وفرق جيوشه أمرهم أن لا يقتلوا أحدا إلا من قاتلهم إلا نفرا قد ~~سماهم رسول الله صلى الله عليه ms104 وسلم وقال: " اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت ~~أستار الكعبة: عبد الله بن خطل" ثم قال: وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان ~~مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار ~~وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلما فنزل منزلا وأمر المولى يذبح له تيسا ~~ويصنع له طعاما فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد ~~مشركا وكانت له قينة صاحبتها قينة كانتا تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأمر بقتلهما معه قال: ومقيس بن حبابة بقتله الأنصاري الذي قتل أخاه ~~وسارت مولاة لبني عبد المطلب وكانت ممن يؤذيه بمكة. # وقال الأموي: حدثني أبي قال: وقال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عهد إلى المسلمين في قتل نفر ونسوة وقال: "إن وجدتموهم تحت أستار ~~الكعبة فاقتلوهم" وسماهم بأسمائهم ستة: ابن أبي سرح وابن خطل والحويرث بن ~~معبد ومقيس بن حبابة ورجل من بني تيم بن غالب. # قال ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنهم كانوا ستة ~~فكتم اسم رجلين وأخبرني بأربعة قال: والنسوة قنيتا ابن خطل وسارة مولاة ~~لبني عبد المطلب ثم قال: والقينتان كانتا تغنيان بهجائه وسارة مولاة أبي ~~لهب كانت تؤذيه بلسانها. # وقال الواقدي عن أشياخه: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P127 # عن القتال وأمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة ثم عددهم قال: ابن خطل وسارة ~~مولاة عمرو بن هشام وقينتين لابن خطل فرتني وقريبة ويقال: فرتني وأرنب. # ثم قال: وكان جرم ابن خطل أنه أسلم وهاجر إلى المدينة وبعثه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ساعيا وبعث معه رجلا من خزاعة وكان يصنع طعامه ويخدمه ~~فنزل في مجمع فأمره أن يصنع له طعاما ونام نصف النهار فاستيقظ والخزاعي ~~نائم ولم يصنع له شيئا فاغتاظ عليه فضربه فلم يقلع عنه حتى قتله فلما قتله ~~قال: والله ليقتلني محمد به إن جئته فارتد عن الإسلام وساق ما أخذه من ~~الصدقة وهرب إلى ms105 مكة فقال له أهل مكة: ما ردك إلينا؟ قال: لم أجد دينا خيرا ~~من دينكم فأقام على شركه فكانت له قينتان وكانتا فاسقتين وكان يقول الشعر ~~يهجو فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمرهما تغنيان به فيدخل عليه وعلى ~~قينتيه المشركون فيشربون الخمر وتغني القينتان بذلك الهجاء. # وكانت سارة مولاة عمرو بن هاشم مغنية نواحة بمكة فيلقى عليها هجاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم فتغني به وكانت قد قدمت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تطلب أن يصلها وشكت الحاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ~~كان لك في غنائك ونياحتك ما يكفيك؟ " فقالت: يا محمد إن قريشا منذ قتل من ~~قتل منهم ببدر تركوا استماع الغناء فوصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأوقر لها بعيرا طعاما فرجعت إلى قريش وهي على دينها فأمر بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أن تقتل فقتلت يومئذ. # وأما القينتان فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهما فقتلت إحداهما # PageV01P128 # أرنب أو قريبة وأما فرتنى فاستؤمن لها حتى آمنت وعاشت حتى كسر ضلع من ~~أضلاعها زمن عثمان رضي الله عنه فماتت فقضى فيه عثمان رضي الله عنه ثمانية ~~آلاف درهم ديتها وألفين تغليظا للجرم. # وحديث القينتين مما اتفق عليه علماء السير واستفاض نقله استفاضة يستغنى ~~بها عن رواية الواحد وحديث مولاة بني هاشم ذكره عامة أهل المغازي ومن له ~~مزيد خبرة واطلاع وبعضهم لم يذكره. # فوجه الدلالة أن تعمد قتل المرأة لمجرد الكفر الأصلي لا يجوز بالإجماع ~~وقد استفاضت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء ~~والصبيان. # وفي حديث آخر أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر قتلها وقال: ~~"ما كانت هذه لتقاتل " ثم قال لأحدهم: " ألحق خالدا فقل له لا تقتل ذرية ~~ولا ms106 عسيفا " رواه أبو داود وغيره. # وقد روى الإمام أحمد في المسند عن كعب بن مالك عن عمه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر " نهى عن قتل النساء والصبيان" ~~وهذا مشهور عند أهل السير. # وفي الحديث من رواية الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك: "ثم صعدوا إليه ~~في علية فقرعوا عليه الباب فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ فقالوا: حي ~~من العرب نريد الميرة ففتحت لهم فقالت: ذاك الرجل عندكم في البيت فغلقنا ~~علينا وعليها باب الحجرة ونوهت بنا فصاحت وقد نهانا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين بعثنا عن قتل النساء والولدان فجعل الرجل # PageV01P129 # منا يحمل عليها السيف ثم يذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~النساء فيمسك يده فلولا ذلك فرغنا منها بليل" وذكر الحديث. # وكذلك روى يونس بن بكير عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: حدثني عبد الله ~~بن أنيس قال في الحديث: فقامت ففتحت فقلت لعبد الله بن عقيل: دونك فشهر ~~عليها السيف فذهبت امرأته فشهرت عليها السيف وأذكر قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهانا عن قتل النساء والصبيان فأكف. # وكذلك رواه غير واحد عن ابن أنيس قال: فصاحت امرأته فهم بعضنا أن يخرج ~~إليها ثم ذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتل النساء. # وهذه القصة كانت قبل فتح مكة بل قبل فتح خيبر أيضا بلا خلاف بين أهل ~~العلم وذكر الواقدي أنها كانت في ذي الحجة من السنة الرابعة من الهجرة قبل ~~الخندق وذكر ابن إسحاق أنها كانت عقب الخندق وهما جميعا يزعمان أن الخندق ~~في شوال في سنة خمس وأما موسى بن عقبة فقال: في شوال سنة أربع وحديث ابن ~~عمر يدل عليه وكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان. # وإنما ذكرنا هذا رفعا لوهم من قد يظن أن قتل النساء كان مباحا عام الفتح ~~ثم حرم بعد ذلك وإلا فلا ريب عند ms107 أهل العلم أن قتل النساء لم يكن مباحا قط ~~بأن آيات القتال وترتيب نزولها كلها دليل على أن قتل النساء لم يكن جائزا ~~هذا مع أن أولئك النساء اللاتي كن في حصن ابن أبي الحقيق إذ ذاك لم يطمع ~~هؤلاء النفر في استرقاقهن بل هن ممتنعات عند أهل خيبر قبل فتحها بمدة مع أن ~~المرأة قد صاحت وخافوا الشر بصوتها ثم أمسكوا عن قتلها لرجائهم أن ينكف ~~شرها بالتهويل عليها. # PageV01P130 # نعم المحرم إنما هو قصد قتلهن فأما إذا قصدنا قصد الرجال بالإغارة أو ~~نرمي منجنيق أو فتح شق أو إلقاء نار فتلف بذلك نساء أو صبيان لم نأثم بذلك ~~لحديث الصعب بن جثامة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من ~~المشركين يبيتون فيصاب الذرية فقال "هم منهم" متفق عليه ولأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رمى أهل الطائف بالمنجنيق مع أنه قد يصيب المرأة والصبي ~~وبكل حال فالمرأة الحربية غير مضمونة بقود ولا دية ولا كفارة لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يأمر من قتل المرأة في مغازيه بشيء من ذلك فهذا ما تفارق ~~به المرأة الذمية وإذا قاتلت المرأة الحربية جاز قتلها بالاتفاق لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم علل المنع من قتلها بأنها لم تكن تقاتل فإذا قاتلت وجد ~~المقتضى لقتلها وارتفع المانع لكن عند الشافعي تقاتل كما يقاتل المسلم ~~الصائل فلا يقصد قتلها بل دفعها فإذا قدر عليها لم يجز قتلها وعند غيره إذا ~~قاتلت صارت بمنزلة الرجل المحارب. # إذا تقرر هذا فنقول: هؤلاء النسوة كن معصومات بالأنوثة ثم إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر بقتلهن لمجرد كونهن كن يهجينه وهن في دار حرب فعلم أن ~~من هجاه وسبه جاز قتله بكل حال. # ومما يؤكد ذلك وجوه: # أحدها: أن الهجاء والسب إما أن يكون من باب القتال باللسان فيكون كالقتال ~~باليد وتكون المرأة الهاجية التي يستعان برأيها على حرب المسلمين كالملكة ~~ونحوها مثل ما كانت هند بنت عتبة أو تكون بنفساه ms108 موجبة للقتل لما فيه من ~~أذى الله ورسوله والمؤمنين وإن كان من جنس المحاربة أو لا يكون شيء من ذلك # PageV01P131 # فإن كان من القسم الأول أو الثاني جاز قتل المرأة الذمية إذا سبت لأنها ~~حينئذ تكون قد حاربت أو ارتكبت ما يوجب القتل فالذمية إذا فعلت ذلك انتقض ~~عهدها وقتلت ولا يجوز أن تخرج عن هذين القسمين لأنه يلزم منه قتل المرأة من ~~أهل الحرب من غير أن تقاتل بيد ولا لسان ولا أن ترتكب ما هو بنفسه موجب ~~للقتل وقتل مثل هذه المرأة حرام بالسنة والإجماع. # الوجه الثاني: أن هؤلاء النسوة كن من أهل الحرب وقد آذين النبي صلى الله ~~عليه وسلم في دار الحرب ثم قتلن بمجرد السب كما نطقت به الأحاديث فقتل ~~المرأة الذمية بذلك أولى وأحرى كالمسلمة لأن الذمية بيننا وبينها من العهد ~~ما يكفها عن إظهار السب ويوجب عليها التزام الذل والصغار ولهذا تؤخذ بما ~~تصيبه للمسلم من دم أو مال أو عرض والحربية لا تؤخذ بشيء من ذلك. # فإذا جاز قتل المرأة لأنها سبت الرسول وهي حربية تستبيح ذلك من غير مانع ~~فقتل الذمية الممنوعة عن ذلك بالعهد أولى. # ولا يقال: عصمة الذمي أوكد لأنه مضمون والحربي غير مضمون. # لأنا نقول: الذمي أيضا ضامن لدم المسلم والحربي غير ضامن فهو ضامن مضمون ~~لأن العهد الذي بيننا اقتضى ذلك وأما الحربية فلا عهد بيننا وبينها يقتضي ~~ذلك فليس كون الذمي مضمونا يجب علينا حفظه بالذي يهون عليه ما ينتهكه من ~~عرض الرسول بل ذلك أغلظ لجرمه وأولى بأن يؤاخذ بما يؤذينا به ولا نعلم شيئا ~~تقتل به المرأة الحربية قصدا إلا وقتل الذمية به أولى. # الوجه الثالث: أن هؤلاء النسوة لم يقاتلن عام الفتح بل كن متذللات ~~مستسلمات والهجاء إن كان من جنس القتال فقد كان موجودا قبل ذلك # PageV01P132 # والمرأة الحربية لا يجوز قتلها في غزوة هي فيها مستسلمة لكونها قد قاتلت ~~قبل ذلك فعلم أن السب بنفسه هو المبيح لدمائهن لا كونهن قاتلن. # الوجه ms109 الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم آمن جميع أهل مكة إلا أن ~~يقاتلوا مع كونهم قد حاربوه وقتلوا أصحابه ونقضوا العهد الذي بينهم وبينه ~~ثم إنه أهدر دماء هؤلاء النسوة فيمن استثناه وإن لم يقاتلن لكونهن كن ~~يؤذينه فثبت أن جرم المؤذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالسب ونحوه أغلظ ~~من جرم القتال وغيره وأنه يقتل في الحال التي نهي فيها عن قتال من قتل ~~وقاتل. # الوجه الخامس: أن القينتين كانتا أمتين مأمورتين بالهجاء وقتل الأمة أبعد ~~من قتل الحرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل العسيف وكونها ~~مأمورة بالهجاء أخف لجرمها حيث لم تقصده ابتداء ثم مع هذا أمر بقتلهما فعلم ~~أن السب من أغلظ الموجبات للقتل. # الوجه السادس: أن هؤلاء النسوة إما أن يكن قتلن بالهجاء لأنهن فعلنه مع ~~العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة فيكون من جنس ~~هجاء الذمي أو قتلن لمجرد الهجاء مع عدم العهد فإن كان الأول فهو المطلوب ~~وإن كان الثاني فإذا جاز أن تقتل السابة التي لا عهد بيننا وبينها يمنعها ~~فقتل الممنوعة بالعهد أولى لأن مجرد كفر المرأة وكونها من أهل الحرب لا ~~يبيح دمها بالاتفاق على ما تقدم لاسيما والسب لم يكن بمنزلة القتال على ما ~~تقدم. # فإن قيل: ما وجه الترديد وأهل مكة قد نقضوا العهد وصاروا كلهم محاربين. # قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستبح أخذ الأموال وسبي الذرية # PageV01P133 # والنساء بذلك النقض العام: إما لأنه عفا عن ذلك كما عفا عن قتل من لم ~~يقاتل أو لأن النقض الذي وجد من بعض الرجال بمعاونة بني بكر ومن بعضهم ~~بإقرارهم على ذلك لم يسر حكمه إلى الذرية. # ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم آمن الناس إلا بني بكر من ~~خزاعة وإلا النفر المسمين إما عشرة أو أقل من عشرة أو أكثر لأن بني بكر هم ~~الذين باشروا نقض العهد وقتلوا خزاعة فعلم أنه فرق ms110 بين من نقض العهد وفعل ~~ما يبيح الدم وبين من لم يفعل شيئا غير الموافقة على نقض العهد فبكل حال لم ~~يقتل هؤلاء النسوة للحراب العام والنقض العام بل لخصوص جرمهن من السب ~~الناقض لعهد فاعله سواء ضم إليه كونه من ذي عهد أو لم يضم. # واعلم أن ما تقدم من قتل النسوة اللاتي سببن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مثل اليهودية وأم الولد وعصماء لو لم يثبت أنهن كن معاهدات لكان ~~الاستدلال به جائزا فإن كل ما جاز أن تقتل به المرأة التي ليست مسلمة ولا ~~معاهدة من فعلها وقولها فأن تقتل به المرأة المعاهدة أولى وأحرى فإن موجبات ~~القتل في حق الذمية أوسع من موجباته في حق التي ليست ذمية. # ومما يدل على مثل هذه الدلالة ما روى أن امرأة كانت تسب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: "من يكفيني عدوي؟ " فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها. # الحديث الحادي عشر: ما استدل به بعضهم من قصة ابن خطل وفي الصحيحين من ~~حديث الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة # PageV01P134 # عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق ~~بأستار الكعبة فقال: "اقتلوه" وهذا مما استفاض نقله بين أهل العلم واتفقوا ~~عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر ذم ابن خطل يوم الفتح فيمن ~~أهدره وأنه قتل. # وقد تقدم عن ابن المسيب أن أبا برزة أتاه وهو متعلق بأستار الكعبة فبقر ~~بطنه. # وكذلك روى الواقدي عن أبي برزة قال: في نزلت هذه الآية: {لا أقسم بهذا ~~البلد وأنت حل بهذا البلد} أخرجت عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ~~فضربت عنقه بين الركن والمقام. # وذكر الواقدي أن ابن خطل أقبل من أعلى مكة مدججا في الحديد ثم خرج حتى ~~انتهى إلى الخندمة فرأى خيل المسلمين ورأى القتال ودخله رعب حتى ما يستمسك ~~من الرعدة حتى انتهى إلى الكعبة فنزل عن فرسه وطرح سلاحه فأتى البيت فدخل ~~بين ms111 أستاره. # وقد تقدم عن أهل المغازي أن جرمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استعمله على الصدقة وأصحبه رجل يخدمه فغضب على رفيقه لكونه لم يصنع له ~~طعاما أمره بصنعه فقتله ثم خاف أن يقتل فارتد واستاق إبل الصدقة وأنه كان ~~يقول الشعر يهجو به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمر جاريتيه أن تغنيا ~~به فهذا له ثلاث جرائم مبيحة للدم: قتل النفس والردة والهجاء. # فمن احتج بقصته يقول: لم يقتل لقتل النفس لأن أكثر ما يجب على # PageV01P135 # من قتل ثم ارتد أن يقتل قودا والمقتول من خزاعة له أولياء فكان حكمه لو ~~قتل قودا أن يسلم إلى أولياء المقتول فإما أن يقتلوا أو يعفوا أو يأخذوا ~~الدية ولم يقتل لمجرد الردة لأن المرتد يستتاب وإذا استنظر أنظر وهذا ابن ~~خطل قد فر إلى البيت عائذا به طالبا للأمان تاركا للقتال ملقيا للسلاح حتى ~~نظر في أمره وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد علمه بذلك كله أن يقتل ~~وليس هذا سنة من يقتل لمجرد الردة فثبت أن هذا التغليظ في قتله إنما كان ~~لأجل السب والهجاء وأن الساب وإن ارتد فليس بمنزلة المرتد المحض يقتل قبل ~~الاستتابة ولا يؤخر قتله وذلك دليل على جواز قتله بعد التوبة. # وقد استدل بقصة ابن خطل طائفة من الفقهاء على أن من سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم من المسلمين يقتل وإن أسلم حدا. # واعترض عليهم بأن ابن خطل كان حربيا فقتل لذلك وصوابه أنه كان مرتدا بلا ~~خلاف بين أهل العلم بالسير وحتم قتله بدون استتابة مع كونه مستسلما منقادا ~~قد ألقى السلم كالأسير فعلم أن من ارتد وسب يقتل بلا استتابة بخلاف من ارتد ~~فقط. # يؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم آمن عام الفتح جميع المحاربين إلا ذوي ~~جرائم مخصوصة وكان ممن أهدر دمه دون غيره فعلم أنه لم يقتل لمجرد الكفر ~~والحراب. # السنة الثانية عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل جماعة لأجل ~~سبه ms112 وقتل جماعة لأجل ذلك مع كفه وإمساكه عمن هو بمنزلتهم في كونه كافرا # PageV01P136 # حربيا فمن ذلك ما قدمناه عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر يوم الفتح بقتل ابن الزبعرى وسعيد بن المسيب هو الغاية في جودة ~~المراسيل ولا يضره أن لا يذكره بعض أهل المغازي فإنهم مختلفون في عدد من ~~استثني من الأمان وكل أخبر بما علم ومن أثبت الشيء وذكره حجة على من لم ~~يثبته. # وقد ذكر ابن إسحاق قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة منصرفا عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب ابن ~~زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل رجالا بمكة ممن كان ~~يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش عبد الله بن الزبعرى وهبيرة بن أبي ~~وهب قد هربوا في كل وجه ففي هذا بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ~~كل من كان يهجوه ويؤذيه بمكة من الشعراء مثل ابن الزبعرى وغيره. # ومما لا خفاء فيه أن ابن الزبعرى إنما ذنبه أنه كان شديد العداوة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بلسانه فإنه كان من أشعر الناس وكان يهاجي شعراء ~~الإسلام مثل حسان وكعب بن مالك وما سوى ذلك من الذنوب قد شركه فيه وأربى ~~عليه عدد كثير من قريش. # ثم إن ابن الزبعرى فر إلى نجران ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~مسلما وله أشعار حسنة في التوبة والاعتذار فأهدر دمه للسب مع أمانه لجميع ~~أهل مكة إلا من كان له جرم مثل جرمه ونحو ذلك. # ومن ذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قصته في هجائه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وفي إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عنه لما جاءه مسلما مشهورة ~~ومستفيضة # PageV01P137 # وقد ذكر الواقدي قال: حدثني سعيد بن مسلم بن قماذ عن عبد الرحمن بن سابط ~~وغيره قال: "كان أبو سفيان بن الحارث أخا رسول ms113 الله صلى الله عليه وسلم من ~~الرضاعة أرضعته حليمة أياما وكان يألف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~له تربا فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده عداوة لم يعادها أحدا ~~قط ولم يكن دخل الشعب وهجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجا أصحابه وذكر ~~الحديث إلى أن قال: ثم إن الله ألقى في قلبه الإسلام قال أبو سفيان: فقلت: ~~من أصحب؟ ومع من أكون؟ قد ضرب الإسلام بجرانه فجئت زوجتي وولدي فقلت: ~~تهيئوا للخروج فقد أقبل قدوم محمد قالوا: قد آن لك أن تنصر محمدا إن العرب ~~والعجم قد تبعت محمدا وأنت توضع في عداوته وكنت أولى الناس بنصرته فقلت ~~لغلامي مذكور: عجل بأبعرتي وفرسي قال: ثم سرنا حتى نزلنا بالأبواء وقد نزلت ~~مقدمته الأبواء فتنكرت وخفت أن أقتل وكان قد أهدر دمي فخرجت واحد ابن جعفر ~~على قدمي نحوا من ميل في الغداة التي صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الأبواء فأقبل الناس رسلا رسلا أي قطيعا قطيعا فتنحيت فرقا من أصحابه فلما ~~طلع موكبه تصديت له تلقاء وجهه فلما ملأ عينيه مني أعرض عني بوجهه إلى ~~الناحية الأخرى فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى فأعرض عني مرارا فأخذني ما ~~قرب وما بعد وقلت: أنا مقتول قبل أن أصل إليه وأتذكر بره ورحمه وقرابتي ~~فيمسك ذلك مني وقد كنت لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~سيفرحون بإسلامي فرحا شديدا لقرابتي برسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ~~رأى المسلمون إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عني أعرضوا عني جميعا ~~فلقيني ابن أبي قحافة معرضا عني ونظرت إلى عمر يغري بي رجلا # PageV01P138 # من الأنصار فألزبى رجل يقول: يا عدو الله أنت الذي كنت تأذي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتؤذي أصحابه؟ قد بلغت مشارق الأرض ومغاربها في عداوته ~~فرددت بعض الرد عن نفسي فاستطال علي ورفع صوته حتى جعلني في مثل الحرجة من ~~الناس يسرون بما يفعل بي قال: ms114 فدخلت على عمي العباس فقلت: يا عباس قد كنت ~~أرجوا أن سيفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي لقرابتي وشرفي وقد ~~كان منه ما رأيت فكلمه ليرضى عني قال: لا والله لا أكلمه كلمة فيك أبدا بعد ~~الذي رأيت منه ما رأيت إلا أن أرى وجها إني أجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأهابه فقلت: يا عم إلى من تكلني؟ قال: هو ذاك فلقيت عليا فكلمته فقال ~~لي مثل ذلك وذكر الحديث إلى أن قال: فخرجت فجلست على باب منزل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى راح إلى الجحفة وهو لا يكلمني ولا أحد من المسلمين ~~وجعلت لا ينزل منزلا إلا أنا على بابه ومعي ابني جعفر قائم فلا يراني إلا ~~أعرض عني فخرجت على هذه الحال حتى شهدت معه فتح مكة وأنا في خيله التي ~~تلازمه حتى هبط من أذاخر حتى نزل الأبطح فنظر إلي نظرا هو ألين من ذلك ~~النظر قد رجوت أن يتبسم ودخل عليه نساء بني عبد المطلب ودخلت معهن زوجتي ~~فرققته علي وخرج إلى المسجد وأنا بين يديه لا أفارقه على حال حتى خرج إلى ~~هوازن فخرجت معه" وذكر قصته بهوازن وهي مشهورة. # قال الواقدي: وقد سمعت في إسلام أبي سفيان بن الحارث بوجه آخر قال: لقيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية العقاب وذكر الحديث نحوا مما ذكره ابن ~~إسحاق. # قال ابن إسحاق: وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن # PageV01P139 # المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية العقاب فيما بين مكة ~~والمدينة فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ~~ابن عمك وابن عمتك وصهرك فقال: "لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي ~~وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال". # فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له فقال: والله ~~ليأذنن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن ms115 بيد ابني هذا ثم لنذهبن ~~في الأرض حتى نموت عطشا أو جوعا فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رق ~~لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه ~~فقال: # لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد # لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى واهتدى # هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردت كل مطرد # وذكر باقي الأبيات. # وفي رواية الواقدي قال: فطلبا الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأبى أن يدخلهما عليه فكلمته أم سلمة زوجته فقالت: يا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صهرك وابن عمتك وابن عمك وأخوك من الرضاعة وقد جاء الله بهما ~~مسلمين لا يكونا أشقى الناس بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~حاجة لي بهما أما أخوك فالقائل لي بمكة ما قال: لن يؤمن لي حتى أرقى في ~~السماء" فقالت: يا رسول الله إنما هو من قومك وكل قريش قد تكلم ونزل القرآن # PageV01P140 # فيه بعينه وقد عفوت عمن هو أعظم جرما منه ابن عمك قرابتك به قريبة وأنت ~~أحق الناس عفا عنه جرمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو الذي هتك ~~عرضي فلا حاجة لي بهما " فلما خرج إليهما الخبر قال أبو سفيان بن الحارث ~~ومعه ابنه: ليقبلن مني أو لآخذن بيد ابني هذا فلأذهبن في الأرض حتى أهلك ~~عطشا وجوعا وأنت أحلم الناس وأكرم الناس مع رحمي بك فبلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مقالته فرق له وقال عبد الله ابن أبي أمية إنما جئت لأصدقك ~~ولي من القرابة ما لي من الصهر بك وجعلت أم سلمة تكلمه فيهما فرق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لهما فأذن لهما ودخلا فأسلما وكانا جميعا حسنى الإسلام. # قتل عبد الله بن أبي أمية بالطائف ومات أبو سفيان بن الحارث بالمدينة في ~~خلافة عمر رضي الله عنه لم يغمص عليه بشيء ولقد كان رسول الله صلى الله ms116 ~~عليه وسلم أهدر دمه قبل أن يلقاه. # فوجه الدلالة: أنه أهدر دم أبي سفيان بن الحارث دون غيره من صناديد ~~المشركين الذين كانوا أشد تأثيرا في الجهاد باليد والمال وهو قادم إلى مكة ~~لا يريد أن يسفك دماء أهلها بل يستعطفهم على الإسلام ولم يكن لذلك سبب يختص ~~بأبي سفيان إلا الهجاء ثم جاء مسلما وهو يعرض عنه هذا الإعراض وكان من شأنه ~~أن يتألف الأباعد على الإسلام فكيف بعشيرته الأقربين؟ كل ذلك بسبب هتكه ~~عرضه كما هو مفسر في الحديث. # ومن ذلك أنه أمر يوم الفتح بقتل الحويرث بن نقيد وهو معروف عند أهل السير ~~قال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وهي من أصح المغازي كان مالك يقول: ~~من أحب أن يكتب المغازي فعليه بمغازي الرجل الصالح # PageV01P141 # موسى بن عقبة قال: وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا أيديهم ~~فلا يقاتلوا أحد إلا من قاتلهم وأمرهم بقتل أربعة نفر: منهم الحويرث بن ~~نقيد. # وقال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثني أبي قال: وقال ابن إسحاق: ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى المسلمين في قتل نفر ونسوة ~~وقال: إن وجدتموهم تحت أستار الكعبة فاقتلوهم وسماهم بأسمائهم ستة وهم: عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح وعبد الله بن خطل والحويرث بن نقيد ومقيس بن حبابة ~~ورجل من بني تيم بن غالب. # قال ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنهم كانوا ستة ~~فكنم اسم رجلين وأخبرني بأربعة وزعم أن عكرمة بن أبي جهل أحدهم. # قال: وأما الحويرث بن نقيد فقتله علي بن أبي طالب وكذلك ذكر ابن إسحاق في ~~رواية ابن بكير وغيره عنه من نفر الذين استثناهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: " اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة ": الحويرث بن نقيد وكان ~~ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال الواقدي عن أشياخه: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القتال وأمر ~~بقتل ستة ms117 نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل وهبار بن الأسود وابن أبي سرح ~~ومقيس بن حبابة والحويرث بن نقيد وابن خطل. # قال: وأما الحويرث بن نقيد فإنه كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر ~~دمه فبينا هو في منزلته يوم الفتح قد أغلق عليه وأقبل علي رضي الله عنه ~~يسأل عنه فقيل: هو في البادية فأخبر الحويرث أنه يطلب وتنحى علي # PageV01P142 # عن بابه فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى بيت آخر فتلقاه علي فضرب ~~عنقه. # ومثل هذا مما يشتهر عند هؤلاء مثل الزهري وابن عقبة وابن إسحاق والواقدي ~~والأموي وغيرهم أكثر ما فيه أنه مرسل والمرسل إذا روى من جهات مختلفة لا ~~سيما ممن له عناية بهذا الأمر ويتبع له كان كالمسند بل بعض ما يشتهر عند ~~أهل المغازي ويستفيض أقوى مما يروى بالإسناد الواحد ولا يوهنه أنه لم يذكر ~~في الحديث المأثور عن سعد وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لأن المثبت مقدم ~~على النافي ومن أخبر أنه أمر بقتله فمعه زيادة علم ولعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يأمر بقتله ثم أمر بقتله وذلك أنه يمكن أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى أصحابه أن يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا النفر الأربعة ثم أمرهم ~~أن يقتلوا هذا وغيره ومجرد نهيه عن القتال لا يوجب عصمة المكفوف عنهم لكنه ~~بعد ذلك آمنهم الأمان العاصم للدم وهذا الرجل قد أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقتله لمجرد أذاه له مع أنه قد آمن أهل البلد الذين قاتلوه وأصحابه ~~وفعلوا بهم الأفاعيل. # ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما قفل من بدر راجعا إلى المدينة قتل ~~النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ولم يقتل من أسارى بدر غيرهما وقصتهما ~~معروفة. # قال ابن إسحاق: وكان في الأسارى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث فلما ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي ~~بن أبي طالب كما أخبرت ثم ms118 مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان بعرق ~~الظبية قتل عقبة بن أبي معيط قتله عاصم بن ثابت. # وقال موسى بن عقبة عن الزهري: ولم يقتل من الأسارى صبرا غير عقبة # PageV01P143 # ابن أبي معيط قتله عاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح ولما أبصره عقبة مقبلا ~~إليه استغاث بقريش فقال: يا معشر قريش علام أقتل من بين ها هنا؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "على عداوتك لله ورسوله" وكذلك ذكر محمد بن عائد ~~في مغازيه. # وهذا والله أعلم لأن النضر قتل بالصفراء عند بدر فلم يعد من الأسرى عند ~~هذا القائل لقتله قريبا من مصارع قريش وإلا فلا خلاف علمناه أن النضر وعقبة ~~قتلا بعد الأسر. # وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش مالي ~~أقتل من بينكم صبرا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " بكفرك وافترائك ~~على رسول الله ". # وقال الواقدي: كان النضر بن الحارث أسره المقداد بن الأسود فلما خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من بدر فكان بالأثيل عرض عليه الأسرى فنظر إلى ~~النضر بن الحارث فأبد النظر فقال لرجل إلى جنبه: محمد والله قاتلي لقد نظر ~~إلي بعينين فيهما آثار الموت فقال الذي إلى جنبه: "والله ما هذا منك إلا ~~رعب" فقال النضر لمصعب بن عمير: يا مصعب أنت أقرب من ها هنا بي رحما كلم ~~صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي هو والله قاتلي إن لم تفعل قال مصعب: إنك ~~كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا وكنت تقول في نبيه كذا وكذا قال: يا مصعب ~~ويجعلني كأحد أصحابي: إن قتلوا قتلت وإن من عليهم من علي قال مصعب: إنك كنت ~~تعذب أصحابه وذكر الحديث إلى أن قال: فقتله علي بن أبي طالب صبرا بالسيف. # قال الواقدي: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى حتى إذا كانوا ~~بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أن يضرب عنق عقبة # PageV01P144 # ابن أبي ms119 معيط فجعل عقبة يقول: "يا ويلي علام أقتل يا قريش من بين من ها ~~هنا؟ " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعداوتك لله ورسوله " قال: "يا ~~محمد منك أفضل فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني وإن مننت عليهم مننت ~~علي وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم يا محمد من للصبية؟ " قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "النار قدمه يا عاصم فاضرب عنقه" فقدمه عاصم فضرب عنقه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بئس الرجل كنت والله ما علمت كافرا ~~بالله وبكتابه وبرسوله مؤذيا لنبيه فأحمد الله الذي هو قتلك وأقر عيني منك ~~". # ففي هذا بيان أن السبب الذي أوجب قتل هذين الرجلين من بين سائر الأسرى ~~أذاهم لله ورسوله بالقول والفعل فإن الآيات التي نزلت في النضر معروفة وأذى ~~ابن أبي معيط له مشهور بلسانه ويده حين خنقه بأبي هو وأمي بردائه خنقا ~~شديدا يريد قتله وحين ألقى السلا على ظهره وهو ساجد وغير ذلك. # ومن ذلك أنه أمر بقتل من كان يهجوه بعد فتح مكة من قريش وسائر العرب مثل ~~كعب بن زهير وغيره. # قال الأموي: حدثني أبي قال: قال ابن إسحاق وذكره يونس بن بكير والبكائي ~~وغيرهما عن ابن إسحاق قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~منصرفا من الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في قتل رجال بمكة ممن كان يهجوه ~~ويؤذيه. # ولفظ يونس والبكائي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل رجلا بمكة ~~ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى # PageV01P145 # وهبيرة ابن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا وإن أنت لم ~~تفعل فانج إلى نجائك من الأرض وكان كعب قد قال أبياتا نال فيها من ms120 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى رويت وعرفت وكان الذي قال: # إلا ابلغا بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا # لتخبرني أن كنت ليس بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا # على خلق لم يلق يوما أبا له ... ولا أنت لم تعرف عليه أبا لكا # فإن أنت لم تفعل فلست بفاعل ... ولا قائل إما عثرت لعا لكا # سقاك بها المأمون كاسا روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا # وإنما قال كعب "المأمون" لقول قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"الأمين" الذي كانت تقول له. # فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في ~~حاضره من عدوه فقالوا: هو مقتول فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدة يمدح ~~فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به ثم ~~خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر ~~لي فغدا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P146 # حين صلى الصبح فلما صلى مع الناس أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقم إليه فذكر لنا أنه قام ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يعرفه فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كعب ابن زهير ~~استأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "نعم" قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. # قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا ~~رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~دعه عنك قد جاء تائبا نازعا " قال: فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما ~~صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين ms121 إلا بخير فقال ~~قصيدته التي قال حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنشد ابن إسحاق ~~قصيدته المشهورة "بانت سعاد" وفيها: # أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # مهلا هداك الله الذي أعطاك نافلة ال ... فرقان فيه مواعيظ وتفصيل # لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل # وفي حديث آخر: وذلك أنه بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم ندر دمه بقول ~~بلغه عنه فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما ودخل مسجده وأنشد ~~القصيدة فقد أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب # PageV01P147 # في قتل رجال بمكة لأجل هجائهم وأذاهم حتى فر من فر منهم إلى نجران ثم رجع ~~ابن الزبعرى تائبا مسلما وأقام هبيرة بنجران حتى مات مشركا ثم إنه أهدر دم ~~كعب لما قاله مع أنه ليس من بليغ الهجاء لكونه طعن في دين الإسلام وعابه ~~وعاب ما يدعو إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إنه تاب قبل القدرة عليه ~~وجاء مسلما وكان حربيا ومع هذا فهو يلتمس العفو ويقول: # لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ... ... ... ... # ومن ذلك: ما نقل أنه كان يتوجه صلى الله عليه وسلم إلى قتل من يهجوه ~~ويقول: "من يكفيني عدوي؟ ". # قال الأموي سعد بن يحيى بن سعيد في مغازيه: حدثنا أبي قال: أخبرني عبد ~~الملك بن جريج عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رجلا من المشركين شتم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يكفيني ~~عدوي؟ " فقام الزبير بن العوام فقال: أنا فبارزه فأعطاه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سلبه ولا أحسبه إلا في خيبر حين قتل ياسر ورواه عبد الرزاق أيضا. # وروى أن رجلا كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من يكفيني عدوي؟ " ~~فقال خالد: أنا فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إليه فقتله. # ومن ذلك: أن أصحابه كانوا إذا سمعوا من يسبه ويؤذيه صلى الله عليه وسلم ms122 ~~قتلوه وإن كان قريبا فيقرهم على ذلك ويرضاه وربما سمى من يفعل ذلك ناصرا ~~لله ورسوله. # فروى أبو إسحاق الفزاري في كتابه المشهور في السير عن سفيان الثوري عن ~~إسماعيل بن سميع عن مالك بن عمير قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إني لقيت أبي في المشركين فسمعت منه مقاله قبيحة لك # PageV01P148 # فما صبرت أن طعنته بالرمح فقتلته فما شق ذلك عليه. # قال: وجاءه آخر فقال: إني لقيت أبي في المشركين فصفحت عنه فما شق ذلك ~~عليه. # وقد رواه الأموي وغيره من هذه الطريق. # وروى أبو إسحاق الفزاري أيضا في كتابه عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم عبد الله بن رواحة وجابر فلما ~~صافوا المشركين أقبل رجل منهم يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رجل ~~من المسلمين فقال: أنا فلان ابن فلان وأمي فلانة فسبني وسب أمي وكف عن سب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزده ذلك إلا إغراء فأعاد مثل ذلك وعاد ~~الرجل مثل ذلك فقال في الثالثة: لئن عدت لا رحلنك بسيفي فعاد فحمل عليه ~~الرجل فولى مدبرا فاتبعه الرجل حتى خرق صف المشركين فضربه بسيفه وأحاط به ~~المشركون فقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعجبتم من رجل نصر ~~الله ورسوله؟ " ثم إن الرجل برئ من جراحته فأسلم فكان يسمى الرحيل ورواه ~~الأموي في مغازيه من هذا الوجه. # وقد تقدم حديث عمير بن عدي لما قال حين بلغه أذى بنت مروان للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم إن علي نذرا لئن رددت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة لأقتلنها فقتلها بدون إذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله ~~بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي ". # وكذلك حديث اليهودية وأم الولد فإن النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دمها ~~لما قتلت لأجل سبه. # PageV01P149 # وقد ms123 تقدم أيضا حديث الرجل الذي نذر أن يقتل ابن أبي سرح لما افتراه على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عن مبايعته ~~ليقوم إليه ذلك الرجل فيقتله ويفي بنذره. # وقد ذكروا أن الجن الذي آمنوا به كانت تقصد من سبه من الجن الكفار فتقتله ~~قبل الهجرة وقبل الإذن في القتال له وللإنس فيقرها على ذلك ويشكر ذلك لها. # قال سعد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثني محمد بن سعيد يعني عمه قال: قال ~~محمد بن المنكدر: إنه ذكر له عن ابن عباس أنه قال: هتف هاتف من الجن على ~~جبل أبي قبيس فقال: # قبح الله رأيكم آل فهر ... ما أدق العقول والأحلام # حين تغضي لمن يعيب عليها ... دين آبائها الحماة الكرام # حالف الجن جن بصرى عليكم ... ورجال النخيل والآطام # يوشك الخيل أن تروها نهارا ... تقتل القوم في حرام تهام # هل كريم منكم له نفس حر ... ماجد الجدتين والأعمام # ضاربا ضربة تكون نكالا ... ورواحا من كربة واغتنام # قال ابن عباس: فأصبح هذا الشعر حديثا لأهل مكة يتناشدونه بينهم # PageV01P150 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا شيطان يكلم الناس من الأوثان ~~يقال له مسعر والله مخزيه" فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل ~~يقول: # نحن قتلنا في ثلاث مسعرا ... سفه الحق وسن المنكرا # قنعته سيفا حساما مبترا ... بشتمه نبيا المطهرا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عفريت من الجن اسمه سمحج آمن بي ~~سميته عبد الله أخبرني أنه في طلبه منذ ثلاثة أيام فقال علي: جزاه الله ~~خيرا يا رسول الله. # وممن ذكر أنه قتل لأجل أذى النبي صلى الله عليه وسلم أبو رافع بن ابن ~~الحقيق اليهودي وقصته معروفة مستفيضة عند العلماء فنذكر منها وضع الدلالة. # عن البراء بن عازب قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع ~~اليهودي رجالا من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك وكان أبو رافع يؤذي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms124 ويعين عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما ~~دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا ~~مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل فأقبل حتى دنا من الباب ثم ~~تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبد الله إن ~~كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب قال: فدخلت فكمنت فلما دخل ~~الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على وتد قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها # PageV01P151 # ففتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علية له فلما ذهب عنه أهل ~~سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل قلت: إن القوم ~~نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط ~~عياله لا أدري أين هو من البيت قلت: أبا رافع قال: من هذا؟ فأهويت نحو ~~الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئا وصاح فخرجت من البيت ~~فأمكث غير بعيد ثم رجعت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك ~~الويل إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم ~~أقتله ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته فجعلت ~~أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أن قد ~~انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ثم ~~انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته فلما صاح ~~الديك قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت ~~إلى أصحابي فقلت: النجاء قد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فحدثته فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم اشتكها قط ~~رواه البخاري في صحيحه". # وقال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: مما صنع ~~الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ms125 أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج ~~كانا يتصاولان معه تصاول الفحلين لا يصنع أحدهما شيئا إلا صنع الآخر مثله ~~يقولون: لا يعدون ذلك فضلا علينا في الإسلام وعند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما قتل الأوس كعب بن الأشرف تذكرت الخزرج رجلا هو في العداوة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مثله فتذاكروا ابن أبي الحقيق # PageV01P152 # بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم وذكر ~~الحديث إلى أن قال: ثم صعدو إليه في علية له فقرعوا عليه الباب فخرجت إليهم ~~امرأته فقالت: من أنتم؟ فقالوا: حي من العرب نريد الميرة ففتحت لهم فألقت ~~ذا كم الرجل عندكم في البيت وذكر تمام الحديث في قتله. # فقد تبين في حديث البراء وابن كعب إنما تسرى المسلمين بقتله بإذن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأذاه للنبي ومعاداته له وأنه كان نضير ابن الأشرف لكن ~~ابن الأشرف كان معاهدا فآذى الله ورسوله فندب المسلمين إلى قتله وهذا لم ~~يكن معاهدا. # فهذه الأحاديث كلها تدل على أن من كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويؤذيه من الكفار فإنه كان يقصد قتله ويحض عليه لأجل ذلك وكذلك أصحابه ~~بأمره يفعلون ذلك مع كفه عن غيره ممن هو على مثل حاله في أنه كافر غير ~~معاهد بل مع أمانه لأولئك أو إحسانه إليهم من غير عهد بينه وبينهم ثم من ~~هؤلاء من قتل ومنهم من جاء مسلما تائبا فعصم دمه لثلاثة أسباب: # أحدها: أنه جاء تائبا قبل القدرة عليه والمسلم الذي وجب عليه حد لو جاء ~~تائبا قبل القدرة عليه لسقط عنه فالحربي أولى. # الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من خلقه أن يعفو عنه. # الثالث: أن الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بشيء مما عمله في الجاهلية لا من ~~حقوق الله ولا من حقوق العباد من غير خلاف نعلمه لقوله تعالى: {قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} # PageV01P153 # ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الإسلام ms126 يجب ما قبله " رواه مسلم ولقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية " ~~متفق عليه. # ولهذا أسلم خلق كثير وقد قتلوا رجالا يعرفون فلم يطلب أحدا منه بقود ولا ~~دية ولا كفارة. # أسلم وحشي قاتل حمزة وابن العاص قاتل ابن قوقل وعقبة بن الحارث قاتل خبيب ~~بن عدي ومن لا يحصى ممن ثبت في الصحيح أنه أسلم وقد علم أنه قتل رجلا بعينه ~~من المسلمين فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على أحد منهم قصاصا بل قال ~~صلى الله عليه وسلم: " يضحك الله تعالى إلى رجلين يقتل أحدهما صاحبه كلاهما ~~يدخل الجنة يقتل هذا في سبيل الله فيدخل الجنة ثم يتوب الله على القاتل ~~فيسلم ويقتل في سبيل الله فيدخل الجنة " متفق عليه. # وكذلك أيضا لم يضمن النبي صلى الله عليه وسلم أحدا منهم مالا أتلفه ~~للمسلمين ولا أقام على أحد حد زنا أو سرقة أو شرب أو قذف سواء كان قد أسلم ~~بعد الأسر أو قبل الأسر وهذا مما لا نعلم بين المسلمين فيه خلافا لا في ~~روايته ولا في الفتوى به. # بل لو أسلم الحربي وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ~~ونحوه مما لا يملك به مسلم من مسلم لكونه محرما في دين الإسلام كان له ملكا ~~ولم يرده إلى المسلم الذي كان يملكه عند جماهير العلماء من التابعين ومن ~~بعدهم وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ~~ومنصوص قول أحمد وقول الجماهير من أصحابه بناء على أن الإسلام أو العهد قرر ~~ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له لأنه خرج عن # PageV01P154 # مالكه المسلم في سبيل الله ووجب أجره على الله وآخذه هذا مستحلا له وقد ~~غفر له بإسلامه ما فعله في دماء المسلمين وأموالهم فلم يضمنه بالرد إلى ~~مالكه كما لم يضمن ما أتلفه من النفوس والأموال ولا يقضي ما تركه من ~~العبادات لأن كل ذلك كان تابعا للاعتقاد ms127 فلما رجع عن الاعتقاد غفر له ما ~~تبعه من الذنوب فصار ما بيده من المال لا تبعة عليه فيه فلم يؤخذ منه كجميع ~~ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحلها من ربا وغيره. # ومن العلماء من قال: يرده على مالكه المسلم وهو قول الشافعي وأبي الخطاب ~~من الحنبلية بناء على أن اغتنامهم فعل محرم فلا يملكون به مال المسلم ~~كالغصب ولأنه لو أخذه المسلم منهم أخذا لا يملك به مسلم من مسلم بأن يغنمه ~~أو يسرقه فإنه يرد إلى مالكه المسلم لحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو مما اتفق الناس فيما نعلمه عليه ولو كانوا قد ملكوه كملكه الغانم منهم ~~ولم يرده. # والأول أصح لأن المشركين كانوا يغنمون من أموال المسلمين الشيء الكثير من ~~الكراع والسلاح وغير ذلك وقد أسلم عامة أولئك المشركين فلم يسترجع النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أحد منهم مالا مع أن بعض تلك الأموال لا بد أن يكون ~~باقيا. # ويكفي في ذلك أن الله سبحانه قال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا} وقال: {أذن للذين يقاتلون} ~~إلى قوله: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} وقال: {وصد عن سبيل الله وكفر ~~به والمسجد الحرام وإخراج # PageV01P155 # أهله منه} وقال: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم ~~من دياركم وظاهروا على إخراجكم} . # فبين الله سبحانه أن المسلمين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق حتى ~~صاروا فقراء بعد أن كانوا أغنياء. # ثم إن المشركين استولوا على تلك الديار والأموال وكانت باقية إلى حين ~~الفتح وقد أسلم من استولى عليها في الجاهلية ثم لم يرد النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أحد منهم أخرج من داره بعد الفتح والإسلام دارا ولا مالا بل قيل ~~للنبي يوم الفتح: ألا تنزل في دارك؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار؟ ". # وسأله المهاجرون أن يرد عليهم أموالهم التي استولى عليها أهل مكة فأبى ~~ذلك صلى الله عليه وسلم وأقرها بيد من استولى ms128 عليها بعد إسلامه. # وذلك أن عقيل بن أبي طالب بعد الهجرة استولى على دار النبي صلى الله عليه ~~وسلم ودور إخوته من الرجال والنساء مع ما ورثه من أبيه أبي طالب قال أبو ~~رافع: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: "فهل ~~ترك لنا عقيل منزلا؟ " وكان عقيل قد باع منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة. # وقد ذكر أهل العلم بالسيرة منهم أبو الوليد الأزرقي أن رباع عبد المطلب ~~بمكة صارت لبني عبد المطلب فمنها شعب ابن يوسف وبعض دار ابن يوسف # PageV01P156 # لأبي طالب والجو الذي بينه وبين دار ابن يوسف دار المولد مولد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وما حوله لأبي النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد ~~المطلب ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له هذه الدار ورثها من ~~أبيه وبها ولد وكان له دار ورثها هو وولده من خديجة رضي الله تعالى عنها. # قال الأزرقي: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنيه كليهما مسكنه ~~الذي ولد فيه ومسكنه الذي ابتنى فيه بخديجة بنت خويلد وولد فيه ولده جميعا. # قال: وكان عقيل بن أبي طالب أخذ مسكنه الذي ولد فيه وأما بيت خديجة فأخذه ~~معتب بن أبي لهب وكان أقرب الناس إليه جوارا فباعه بعد من معاوية وقد شرح ~~أهل السير ما ذكرنا في دور المهاجرين. # قال: الأزرقي: دار جحش بن رئاب الأسدي التي بالمعلى لم تزل في يد ولد جحش ~~فلما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الهجرة إلى المدينة خرج ~~آل جحش جميعا الرجال والنساء إلى المدينة مهاجرين وتركوا دارهم خالية وهم ~~حلفاء حرب بني أمية فعمد أبو سفيان إلى دارهم هذه فباعها بأربعمائة دينار ~~من عمرو بن علقمة العامري فلما بلغ آل جحش أن أبا سفيان باع دارهم أنشأ أبو ~~أحمد يهجو أبا سفيان ويعيره ببيعها وذكر أبياتا. # فلما كان يوم فتح مكة ms129 أتى أبو أحمد بن جحش وقد ذهب بصره إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها فقال: يا رسول الله إن أبا سفيان عمد إلى ~~داري فباعها فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فساره بشيء فما سمع أبو أحمد ~~ذكرها بعد ذلك فقيل لأبي أحمد بعد ذلك: ما قال لك رسول الله # PageV01P157 # صلى الله عليه وسلم؟ قال: قال لي " إن صبرت كان خيرا وكان لك بها دار في ~~الجنة " قال: قلت: فأنا أصبر فتركها أبو أحمد. # قال: وكان لعتبة بن غزوان دار تسمى ذات الوجهين فلما هاجر أخذها يعلي بن ~~أمية وكان استوصاه بها حين هاجر فلما كان عام الفتح وكلم بنو جحش رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في دارهم فكره أن يرجعوا في شيء من أموالهم أخذت منهم ~~في الله تعالى وهجروه لله أمسك عتبة بن غزوان عن كلام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في داره هذه ذات الوجهين وسكت المهاجرون فلم يتكلم أحد منهم في ~~دار هجرها لله ورسوله وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنه الذي ولد ~~فيه ومسكنه الذي ابتنى فيه بخديجة وهذه القصة معروفة عند أهل العلم. # قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر ببن حزم والزهير بن عكاشة ~~بن أبي أحمد قال: أبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح عليهم في ~~دورهم فقالوا لأبي أحمد يا أبا أحمد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره ~~لكم أن ترجعوا في شيء من أموالكم مما أصيب في الله. # وقال ابن إسحاق أيضا في رواية زياد بن عبد الله البكائي عنه: وتلاحق ~~المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد منهم بمكة إلا ~~مفتون أو محبوس ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله والى ~~رسوله إلا أهل دور مسمون: بنو مظعون من بني جمح وبنو جحش بن رئاب حلفاء بني ~~أمية وبنو البكير من بني سعد بن ليث حلفاء عدي ms130 بن كعب فإن دورهم غلقت بمكة ~~ليس فيها ساكن. # ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب # PageV01P158 # فباعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي فلما بلغ بني جحش ما صنع ~~أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله ~~بها دارا خيرا منها في الجنة؟ " فقال: بلى فقال: "ذلك لك " فلما افتتح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة كلمه أبو أحمد في دارهم فأبطأ عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال الناس لأبي أحمد: يا أبا أحمد إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب منكم في الله فأمسك عن كلام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال الواقدي عن أشياخه قالوا: وقام أبو أحمد بن جحش على باب المسجد على ~~جمل له حين فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته يعني الخطبة التي خطبها ~~وهو واقف بباب الكعبة حين دخل الكعبة فصلى فيها ثم خرج يوم الفتح فقال أبو ~~أحمد وهو يصيح: أنشد بالله يا بني عبد مناف حلفي أنشد بالله يا بني عبد ~~مناف داري قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فسار ~~عثمان بشيء فذهب عثمان إلى أبي أحمد فساره فنزل أبو أحمد عن بعيره وجلس مع ~~القوم فما سمع أبو أحمد ذكرها حتى لقي الله. # فهذا نص في أن المهاجرين طلبوا استرجاع ديارهم فمنعهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأقرها بيد من استولى عليها ومن اشتراها منه وجعل صلى الله عليه ~~وسلم ما أخذه منهم الكفار بمنزلة ما أصيب من ديارهم وما أنفقوه من أموالهم ~~وتلك دماء وأموال اشتراها الله وسلمت إليه ووجب أجرها على الله فلا رجعة ~~فيها وذلك لأن المشركين يستحلون دماءنا وأموالنا وأصابوا ذلك كله استحلالا ~~وهم آثمون في هذا الاستحلال ms131 فإذا أسلموا جب الإسلام # PageV01P159 # ذلك الإثم وصاروا كأنهم ما أصابوا دما ولا مالا فما بأيديهم لا يجوز ~~انتزاعه منهم. # فإن قيل: ففي الصحيحين عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن ~~أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله ألا تنزل في دارك بمكة؟ ~~قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ~~ولم يرث جعفر ولا علي شيئا لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين. # وفي رواية للبخاري أنه قال: يا رسول أين تنزل غدا؟ وذلك زمن الفتح فقال: ~~"وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ " ثم قال: " لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن ~~الكافر " قيل للزهري: ومن ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل وطالب وفي رواية ~~معمر عن الزهري أين منزلك غدا في حجتك؟ رواه البخاري. # وظاهر هذا أن الدور انتقلت إلى عقيل بطريق الإرث لا بطريق الاستيلاء ثم ~~باعها. # قلنا: أما دار النبي صلى الله عليه وسلم التي ورثها من أبيه وداره التي ~~هي له ولولده من زوجته المؤمنة خديجة فلا حق لعقيل فيها فعلم أنه استولى ~~عليها وأما دور أبي طالب فإن أبا طالب توفي قبل الهجرة بسنين والمواريث لم ~~تفرض ولم يكن نزل بعد منع المسلم من ميراث الكافر بل كل من مات بمكة من ~~المشركين أعطي أولاده المسلمون نصيبهم من الإرث كغيرهم بل كان المشركون ~~ينكحون المسلمات الذي هو أعظم من الإرث وإنما قطع الله الموالاة بين ~~المسلمين # PageV01P160 # والكافرين بمنع النكاح والإرث وغير ذلك بالمدينة وشرع الجهاد القاطع ~~للعصمة. # قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة نظر إلى تلك الرباع فما أدرك منها قد اقتسم على أمر الجاهلية تركه ~~لم يحركه وما وجده لم يقسم قسمه على قسمة الإسلام. # وهذا الذي رواه ابن أبي نجيح يوافق الأحاديث المسندة في ذلك مثل حديث ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms132 " كل قسم قسم في الجاهلية فهو ~~على ما قسم وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على ما قسم الإسلام " رواه أبو داود ~~وابن ماجه. # وهذا أيضا يوافق ما دل عليه كتاب الله ولا نعلم فيه خلافا فإن الحربي لو ~~عقد عقدا فاسدا من ربا أو بيع خمر أو خنزير أو نحو ذلك ثم أسلم بعد قبض ~~العوض لم يحرم ما بيده ولم يجب عليه رده ولو ولم يكن قبضة لم يجز له أن ~~يقبض منه إلا ما يجوز للمسلم كما دل عليه قوله تعالى: {اتقوا الله وذروا ما ~~بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} فأمرهم بترك ما بقي في ذمم الناس ولم يأمرهم ~~برد ما قبضوه. # وكذلك وضع النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس كل دم أصيب في ~~الجاهلية وكل ربا في الجاهلية حتى ربا العباس ولم يأمر برد ما كان قبض ~~فكذلك الميراث: إذا مات الميت في الجاهلية واقتسموا تركته أمضيت القسمة فإن ~~أسلموا قبل الاقتسام أو تحاكموا إلينا قبل القسمة قسم على قسم الإسلام فلما ~~مات أبو طالب كان الحكم بينهم أن يرثه جميع ولده فلم يقتسموا رباعه حتى ~~هاجر جعفر وعلي إلى المدينة فاستولى عقيل عليها # PageV01P161 # وباعها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لم يترك لنا عقيل منزلا إلا ~~استولى عليه وباعه " وكان معنى هذا الكلام أنه استولى على دور كنا نستحقها ~~إذ ذاك ولولا ذلك لم تضف الدور إليه وإلى بني عمه إذا لم يكن لهم فيها حق ~~ثم قال بعد ذلك: "لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن" يريد والله أعلم ~~لو أن الرباع باقية بيده إلى الآن لم يقسم لكنا نعطي رباع أبي طالب كلها له ~~دون إخوته لأنه ميراث لم يقسم فيقسم الآن على قسم الإسلام ومن قسم الإسلام ~~أن لا يرث المسلم الكافر فكان نزول هذا الحكم بعد موت أبي طالب وقبل قسمة ~~تركته بمنزله نزوله قبل موته فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن عليا وجعفرا ~~ليس لهما المطالبة بشيء ms133 من ميراث أبي طالب لو كان باقيا فكيف إذا أخذ منهم ~~في سبيل الله؟ فإذا كان المشرك الحربي لا يطالب بعد إسلامه بما كان أصابه ~~من دماء المسلمين وأموالهم وحقوق الله ولا ينتزع ما بيده من أموالهم التي ~~غنمها منهم لم يؤاخذ أيضا بما أسلفه من سب وغيره فهذا وجه العفو عن هؤلاء. # وهذا الذي ذكرناه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحتم قتل من ~~كان يسبه من المشركين مع العفو عمن هو مثله في الكفر كان مستقرا في نفوس ~~أصحابه على عهده وبعد عهده يقصدون قتل الساب ويحرضون عليه وإن أمسكوا عن ~~غيره ويجعلون ذلك هو الموجب لقتله ويبذلون في ذلك نفوسهم كما تقدم من حديث ~~الذي قال: "سبني وسب أبي وأمي وكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ثم حمل ~~عليه حتى قتل وحديث الذي قتل أباه لما سمعه يسب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وحديث الأنصاري الذي نذر أن يقتل العصماء فقتلها وحديث الذي نذر أن يقتل ~~ابن أبي سرح وكف النبي صلى الله عليه وسلم عن مبايعته ليوفي بنذره. # PageV01P162 # وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لواقف في الصف ~~يوم بدر فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة ~~أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال: أي عم هل تعرف ~~أبا جهل؟ قلت: نعم فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده ~~حتى يموت الأعجل منا قال: فتعجبت لذلك قال وغمزني الآخر فقال لي مثلها فلم ~~أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت لهما: ألا تريان؟ هذا صاحبكما ~~الذي تسألاني عنه قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: " أيكما قتله؟ " فقال كل واحد ~~منهما أنا قتلته فقال: "هل مسحتما سيفيكما" فقالا: ms134 لا فنظر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى السيفين فقال: "كلاكما قتله " وقضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان: معاذ ابن عمرو بن ~~الجموح ومعاذ بن عفراء. # والقصة مشهورة في فرح النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وسجوده شكرا وقوله: ~~" هذا فرعون هذه الأمة " هذا مع نهيه عن قتل أبي البختري ابن هشام مع كونه ~~كافرا غير ذي عهد لكفه عنه وإحسانه بالسعي في نقض صحيفة الجور ومع قوله: " ~~لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى يعني الأسرى لأطلقتهم ~~له " يكافئ المطعم بإجارته له بمكة والمطعم كافر غير معاهد فعلم أن مؤذي ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يتعين إهلاكه والانتقام منه بخلاف الكاف عنه وإن ~~اشتراكا في الكفر كما كان يكافئ المحسن إليه بإحسانه وإن كان كافرا. # PageV01P163 # يؤيد ذلك أن أبا لهب كان له من القرابة ما له فلما آذاه وتخلف عن بني ~~هاشم في نصره نزل القرآن فيه بما نزل من اللعنة والوعيد باسمه خزيا لم يفعل ~~بغيره من الكافرين كما روي عن ابن عباس أنه قال: "ما كان أبو لهب إلا من ~~كفار قومه حتى خرج منا حين تحالفت قريش علينا فظاهرهم فسبه الله وبنو ~~المطلب مع مساواتهم لعبد شمس ونوفل في النسب لما أعانوه ونصروه وهم كفار ~~شكر الله ذلك لهم فجعلهم بعد الإسلام مع بني هاشم في سهم ذوي القربى وأبو ~~طالب لما أعانه ونصره وذب عنه خفف عنه العذاب فهو من أخف أهل النار عذابا". # وقد روي أن أبا لهب يسقى في نقرة الإبهام لعتقه ثويبة إذ بشرته بولادته. # ومن سنة الله أن من لم يمكن المؤمنون أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ~~ورسوله فإن الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه كما قدمنا بعض ذلك في ~~قصة الكاتب المفترى وكما قال سبحانه: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ~~إنا كفيناك المستهزئين} . # والقصة في إهلاك الله واحدا واحدا من هؤلاء المستهزئين معروفة قد ms135 ذكرها ~~أهل السير والتفسير وهم على ما قيل نفر من رؤوس قريش منهم الوليد بن ~~المغيرة والعاص بن وائل والأسودان ابن المطلب وابن عبد يغوث والحارث بن ~~قيس. # وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكلاهما لم يسلم لكن ~~قيصر أكرم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وأكرم رسوله فثبت ملكه فيقال: إن ~~الملك باق في ذريته إلى اليوم وكسرى مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله الله بعد قليل ومزق ملكه كل ~~ممزق ولم يبق للأكاسرة ملك # PageV01P164 # وهذا والله أعلم تحقيق لقوله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} فكل من شنأه أو ~~أبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره وقد قيل: إنها نزلت في ~~العاص بن وائل أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشرف وقد رأيت صنيع ~~الله بهم. # ومن الكلام السائر "لحوم العلماء مسمومة" فكيف بلحوم الأنبياء عليهم ~~السلام؟. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى من عادى ~~لي وليا فقد بارزني بالمحاربة " فكيف بمن عادى الأنبياء؟ ومن حارب الله ~~تعالى حرب وإذا استقصيت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما ~~أهلكوا حين آذوا الأنبياء وقابلوهم بقبيح القول أو العمل وهكذا بنو إسرائيل ~~إنما ضربت عليهم الذلة وباءوا بغضب من الله ولم يكن لهم نصير لقتلهم ~~الأنبياء بغير حق مضموما إلى كفرهم كما ذكر الله ذلك في كتابه ولعلك لا تجد ~~أحدا آذى نبيا من الأنبياء ثم لم يتب إلا ولا بد أن تصيبه قارعة وقد ذكرنا ~~ما جر به المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرضوا لسب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبلغنا مثل ذلك في وقائع متعددة وهذا باب واسع لا يحاط ~~به ولم نقصد قصده هنا وإنما قصدنا بيان الحكم الشرعي. # وكان سبحانه يحميه ويصرف عنه أذى الناس وشتمهم بكل طريق حتى في اللفظ ففي ~~الصحيحين عن أبي هريرة قال: ms136 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا ترون ~~كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد " ~~فنزه الله اسمه ونعته عن الأذى وصرف ذلك إلى من هو مذمم وإن كان المؤذي ~~إنما قصد عينه. # PageV01P165 # فإذا تقرر بما ذكرناه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه ~~وغير ذلك أن الساب للرسول يتعين قتله فنقول: إنما يكون تعين قتله لكونه ~~كافرا حربيا أو للسبب المضموم إلى ذلك والأول باطل لأن الأحاديث نص في أنه ~~لم يقتل لمجرد كونه كافرا حربيا بل عامتها قد نص فيه على أن موجب قتله إنما ~~هو السب فنقول: إذا تعين قتل الحربي لأجل أنه سب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكذلك المسلم والذمي أولى لأن الموجب للقتل هو السب لا مجرد الكفر ~~والمحاربة كما تبين فحيثما وجد هذا الموجب وجب القتل وذلك لأن الكفر مبيح ~~للدم لا موجب لقتل الكافر بكل حال فإنه يجوز أمانه ومهادنته والمن عليه ~~ومفاداته لكن إذا صار للكافر عهد عصم العهد دمه الذي أباحه الكفر فهذا هو ~~الفرق بين الحربي والذمي فأما ما سوى ذلك من موجبات القتل فلم يدخل في حكم ~~العهد. # وقد ثبت بالسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يأمر بقتل الساب لأجل ~~السب فقط" لا لمجرد الكفر الذي لا عهد معه فإذا وجد هذا السب وهو موجب ~~للقتل والعهد لم يعصم من موجبه تعين القتل ولأن أكثر ما في ذلك أنه كافر ~~حربيا سابا والمسلم إذا سب يصير مرتدا سابا وقتل المرتد أوجب من قتل الكافر ~~الأصلي والذمي إذا سب فإنه يصير كافرا محاربا سابا بعد عهد متقدم وقتل مثل ~~هذا أغلظ. # وأيضا فإن الذمي لم يعاهد على إظهار السب بالإجماع ولهذا إذا أظهره فإنه ~~يعاقب عليه بإجماع المسلمين إما بالقتل أو بالتعزير وهو لا يعاقب على فعل ~~شيء مما عوهد عليه وإن كان كفرا غليظا ولا يجوز أن يعاقب على فعل شيء قد ~~عوهد على فعله ms137 وإذا لم يكن العهد مسوغا # PageV01P166 # لفعله وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقتل لأجله فيكون قد ~~فعل ما يقتل لأجله وهو غير مقر عليه بالعهد ومثل هذا يجب قتله بلا تردد. # وهذا التوجيه يقتضي قتله سواء قدر أنه نقض العهد أو لم ينقضه لأن موجبات ~~القتل التي لم نقره على فعلها يقتل بها وإن قيل لا ينتقض عهده كالزنا بذمية ~~وكقطع الطريق على ذمي وكقتل ذمي وكما فعل هذه الأشياء مع المسلمين وقلنا إن ~~عهده لا ينتقض فإنه يقتل. # وأيضا فإن المسلم قد امتنع من السب بما أظهره من الإيمان والذمي قد امتنع ~~منه بما أظهره من الذمة والتزام الصغار ولو لم يكن ممتنعا منه بالصغار لما ~~جاز عقوبته بتعزير ولا غيره إذا فعله فإذا قتل لأجل السب الكافر الذي ~~يستحله ظاهرا وباطنا ولم يعاهدنا عهدا يقتضي تركه فلأن يقتل لأجله من التزم ~~أن لا يظهره وعاهدنا على ذلك أولى وأحرى. # وأيضا فقد تبين بما ذكرناه من هذه الأحاديث أن الساب يجب قتله فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الساب في مواضع والأمر يقضي الوجوب ولم يبلغه ~~عن أحد السب إلا ندر دمه وكذلك أصحابه هذا مع ما قد كان يمكنه من العفو عنه ~~فحيث لا يمكنه العفو عنه يجب أن يكون قتل الساب أوكد والحرص عليه أشد وهذا ~~الفعل منه هو نوع من الجهاد والإغلاظ على الكافرين والمنافقين وإظهار دين ~~الله وإعلاء كلمته ومعلوم أن هذا واجب فعلم أن قتل الساب واجب في الجملة ~~وحيث جاز العفو له صلى الله عليه وسلم فإنما هو فيمن كان مقدورا عليه من ~~مظهر الإسلام مطيع له أو ممن جاءه مستسلما أما الممتنعون فلم يعف عن أحد ~~منهم ولا يرد على هذا أن بعض الصحابة آمن إحدى القينتين وبعضهم آمن ابن أبي ~~سرح لأن # PageV01P167 # هذين كانا مستسلمين مريدين للإسلام والتوبة ومن كان كذلك فقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم له أن يعفو عنه فلم يتعين قتله فإذا ms138 ثبت أن الساب كان ~~قتله واجبا والكافر الحربي الذي لم يسب لا يجب قتله بل يجوز قتله فمعلوم أن ~~الذمة لا تعصم دم من يجب قتله وإنما تعصم دم من يجوز قتله ألا ترى أن ~~المرتد لا ذمة له وأن القاطع والزاني لما وجب قتلهما لم تمنع الذمة قتلهما. # وأيضا فلا مزية للذمي على الحربي إلا بالعهد والعهد لم يبح له إظهار السب ~~بالإجماع فيكون الذمي قد شرك الحربي في إظهار السب الموجب للقتل وما اختص ~~به من العهد لم يبح له إظهار السب فيكون قد أتى بما يوجب القتل وهو لم يقر ~~عليه فيجب قتله بالضرورة. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من كان يسبه مع أمانه لمن ~~كان يحاربه بنفسه وماله فعلم أن السب أشد من المحاربة أو مثلها والذمي إذا ~~حارب قتل فإذا سب قتل بطريق الأولى. # وأيضا فإن الذمي وإن كان معصوما بالعهد فهو ممنوع بهذا العهد من إظهار ~~السب والحربي ليس له عهد يعصمه ولا يمنعه فيكون الذمي من جهة كونه ممنوعا ~~أسوأ حالا من الحربي وأشد عداوة وأعظم جرما وأولى بالنكال والعقوبة التي ~~يعاقب بها الحربي على السب والعهد الذي عصمه لم يف بموجبه فلا ينفعه لأنا ~~إنما نستقيم له ما استقام لنا وهو لم يستقم بالاتفاق وكذلك يعاقب والعهد ~~يعصم دمه وبشره إلا بحق فلما جازت عقوبته بالاتفاق علم أنه قد أاتى ما يوجب ~~العقوبة. # وقد ثبت بالسنة أن عقوبة هذا الذنب القتل وسر الاستدلال بهذه الأحاديث ~~أنه لا يقتل الذمي لمجرد كون عهده قد انتقض فإن مجرد نقض # PageV01P168 # العهد يجعله ككافر لا عهد له وقد ثبت بهذه السنن أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يأمر بقتل الساب لمجرد كونه كافرا غير معاهد وإنما قتله لأجل السب ~~مع كون السب مستلزما للكفر والعداوة والمحاربة وهذا القدر موجب للقتل حيث ~~كان وسيأتي الكلام إن شاء الله على تعين قتله. # السنة الثالثة عشرة: ما رويناه من حديث أبي القاسم عبد الله ms139 بن محمد ~~البغوي قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ثنا علي بن مسهر عن صالح بن ~~حيان عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم [بلغه أن رجلا قال ~~لقوم: إن النبي صلى الله عليه وسلم] "أمرني أن أحكم فيكم برأيي وفي أموالكم ~~كذا وكذا" وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه ثم ذهب حتى نزل ~~على المرأة فبعث القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كذب عدو ~~الله" ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا فاقتله وإن أنت وجدته ميتا فحرقه ~~بالنار فانطلق فوجده قد لدغ فمات فحرقه بالنار فعند ذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". # ورواه أبو أحمد بن عدي في كتابه الكامل قال: ثنا الحسن بن محمد بن عنبر ~~ثنا حجاج بن يوسف الشاعر ثنا زكريا بن عدي ثنا علي بن مسهر عن صالح بن حيان ~~عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين وكان ~~رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة فقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ~~ودمائكم ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كذب عدو الله" ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته ~~حيا وما أراك تجده حيا فاضرب عنقه وإن # PageV01P169 # وجدته ميتا فاحرقه بالنار قال: فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح ~~لا نعلم له علة. # وله شاهد من وجه آخر رواه المعافى بن زكريا الجريري في كتاب الجليس قال: ~~ثنا أبو حامد الحصري ثنا السري ابن مرثد الخراساني ثنا أبو جعفر محمد بن ~~علي الفزاري ثنا داود ابن الزبرقان قال: أخبرني عطاء بن السائب عن عبد الله ms140 ~~بن الزبير أنه قال يوما لأصحابه: أتدرون ما تأويل هذا الحديث: " من كذب علي ~~متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "؟ قال: كان رجل عشق امرأة فأتى أهلها مساء ~~فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني إليكم أن أتضيف في أي بيوتكم ~~شئت قال: وكان ينتظر بيتوتة المساء قال: فأتى رجل منهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن فلانا أتانا يزعم أنك أمرته أن يبيت في أي بيوتنا شاء فقال: ~~"كذب يا فلان انطلق معه فإن أمكنك الله منه فاضرب عنقه واحرقه بالنار ولا ~~أراك إلا قد كفيته " فلما خرج الرسول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ادعوه" فلما جاء قال: " إني كنت أمرتك أن تضرب عنقه وأن تحرقه بالنار فإن ~~أمكنك الله منه فاضرب عنقه ولا تحرقه بالنار فإنه لا يعذب بالنار إلا رب ~~النار ولا أراك إلا قد كفيته " فحانت السماء بصيب فخرج الرجل يتوضأ فلسعته ~~أفعى فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هو في النار ". # PageV01P170 # وقد روى أبو بكر بن مردويه من حديث الوازع عن أبي سلمة عن أسامة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من ~~النار " وذلك أنه بعث رجلا فكذب عليه فوجد ميتا قد انشق بطنه ولم تقبله ~~الأرض. # وروي أن رجلا كذب عليه فبعث عليا والزبير إليه ليقتلاه. # وللناس في هذا الحديث قولان: # أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومن هؤلاء من قال: يكفر بذلك قاله جماعة منهم أبو محمد الجويني حتى ~~قال ابن عقيل عن شيخه أبا الفضل الهمداني: "مبتدعة الإسلام والكذابون ~~والواضعون للحديث أشد من الملحدين لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج ~~وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله والملحدون ~~كالمحاصربن من خارج فالدخلاء يفتحون الحصن فهم شر على الإسلام من غير ~~الملابسين له". # ووجه هذا القول أن الكذب عليه كذب على ms141 الله ولهذا قال: " إن كذبا علي ليس ~~ككذب على أحدكم " فإن ما أمر به الرسول فقد أمر الله به يجب إتباعه كوجوب ~~إتباع أمر الله وما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به. # ومن كذبه في خبره أو امتنع من التزام أمره ومعلوم أن من كذب على الله بأن ~~زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبرا كذب فيه كمسيلمة والعنسي ~~ونحوهما من المتنبئين فإنه كافر حلال الدم فكذلك من تعمد الكذب على رسوله # PageV01P171 # ويبين ذلك أن الكذب عليه بمنزلة التكذيب له ولهذا جمع الله بينهما بقوله ~~تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه} بل ربما ~~كان الكاذب عليه أعظم إثما من المكذب له ولهذا بدأ الله به كما أن الصادق ~~عليه أعظم درجة من المصدق بخبره فإذا كان الكاذب مثل المكذب أو أعظم ~~والكاذب على الله كالمكذب له فالكاذب على الرسول كالمكذب له. # يوضح ذلك أن تكذيبه نوع من الكذب فإن مضمون تكذيبه الإخبار عن خبره أنه ~~ليس بصدق وذلك إبطال لدين الله ولا فرق بين تكذيبه في خبر واحد أو في جميع ~~الأخبار وإنما صار كافرا لما يتضمنه من إبطال رسالة الله ودينه والكاذب ~~عليه يدخل في دينه ما ليس منه عمدا ويزعم أنه يجب على الأمة التصديق بهذا ~~الخبر وامتثال هذا الأمر لأنه دين الله مع العلم بأنه ليس لله بدين. # والزيادة في الدين كالنقص منه ولا فرق بين من يكذب بآية من القرآن أو ~~يضيف كلاما يزعم أنه سورة من القرآن عامدا لذلك. # وأيضا فإن تعمد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ~~ليست مما أمر به بل وقد لا يجوز الأمر بها وهذه نسبة له إلى السفه أو أنه ~~يخبر بأشياء باطلة وهذه نسبة له إلى الكذب وهو كفر صريح. # وأيضا فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان # PageV01P172 # أو صلاة سادسة زائدة ونحو ذلك ms142 أو أنه حرم الخبز واللحم عالما بكذب نفسه ~~كفر بالاتفاق. # فمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب شيئا لم يوجبه أو حرم شيئا لم ~~يحرمه فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول وزاد عليه بأن صرح بأن الرسول ~~قال ذلك وأنه أعنى القائل لم يقله اجتهادا واستنباطا. # وبالجملة فمن تعمد الكذب الصريح على الله فهو كالمتعمد لتكذيب الله وأسوأ ~~حالا وليس يخفى أن من كذب على من يجب تعظيمه فإنه مستخف به مستهين بحقه. # وأيضا فإن الكاذب عليه لا بد أن يشينه بالكذب عليه وينقصه بذلك ومعلوم ~~أنه لو كذب عليه كما كذب عليه ابن أبي سرح في قوله: "كان يتعلم مني" أو ~~رماه ببعض الفواحش الموبقة أو الأقوال الخبيثة كفر بذلك فكذلك الكاذب عليه ~~لأنه إما أن يأثر عنه أمرا أو خبرا أو فعلا فإن أثر عنه أمرا لم يأمر به ~~فقد زاد في شريعته وذلك الفعل لا يجوز أن يكون مما يأمر به لأنه لو كان ~~كذلك لأمر به صلى الله عليه وسلم لقوله: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة ~~إلا أمرتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا نهيتكم عنه " فإذا لم يأمر ~~به فالأمر به غير جائز منه فمن روى عنه أنه قد أمر به فقد نسبه إلى الأمر ~~بما لا يجوز له الأمر به وذلك نسبة له إلى السفه. # وكذلك أن يقل عنه خبرا فلو كان ذلك الخبر مما ينبغي له الإخبار به لأخبر ~~به لأن الله تعالى قد أكمل الدين فإذا لم يخبر به فليس هو مما ينبغي له أن ~~يخبر به وكذلك الفعل الذي ينقله عنه كاذبا فيه لو كان مما ينبغي فعله ~~ويترجع لفعله فإذا لم يفعله فتركه أولى. # PageV01P173 # فحاصله أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل البشر في جميع أحواله فما تركه ~~من القول والفعل فتركه أكمل من فعله وما فعله ففعله أكمل من تركه فإذا كذب ~~الرجل عليه متعمدا أو أخبر عنه بما لم يكن ms143 فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة ~~إليه إذ لو كان كمالا لوجد منه ومن انتقص الرسول فقد كفر. # واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه لكن يتوجه أن يفرق بين الذي ~~يكذب عليه مشافهة وبين الذي يكذب عليه بواسطة مثل أن يقول: حدثني فلان بن ~~فلان عنه بكذا فهذا إنما كذب علي ذلك الرجل ونسب إليه ذلك الحديث فأما إن ~~قال: "هذا حديث صحيح" أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالما بأنه كذب فهذا قد كذب ~~عليه أما إذا افتراه ورواه رواية ساذجة ففيه نظر لا سيما والصحابة عدول ~~بتعديل الله لهم. # فالكذب لو وقع من أحد ممن يدخل فيهم لعظم ضرره في الدين فأراد صلى الله ~~عليه وسلم قتل من كذب عليه وعجل عقوبته ليكون ذلك عاصما من أن يدخل في ~~العدول من ليس منهم المنافقين ونحوهم. # وأما من روى حديثا يعلم أنه كذب فهذا حرام كما صح عنه أنه قال: " من روى ~~عني حديثا يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين " لكن لا يكفر إلا أن ينضم إلى ~~روايته ما يوجب الكفر لأنه صادق في أن شيخه حدثه به لكن لعلمه بأن شيخه كذب ~~فيه لم تكن تحل له الرواية فصار بمنزلة أن يشهد على إقرار أو شهادة أو عقد ~~وهو يعلم أن ذلك باطل فإن هذه الشهادة حرام لكنه ليس بشاهد زور. # وعلى هذا القول فمن سبه فهو أولى بالقتل ممن كذب عليه فإن الكاذب عليه قد ~~زاد في الدين ما ليس منه وهذا قد طعن في الدين بالكلية وحينئذ # PageV01P174 # فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الذي كذب عليه من غير استتابة ~~فكذلك الساب له أولى. # فإن قيل: الكذب عليه فيه مفسدة وهو أن يصدق في خبره فيزاد في الدين ما ~~ليس منه أو ينتقص منه ما هو منه والطاعن عليه قد علم بطلان كلامه بما أظهر ~~الله من آيات النبوة. # قيل: والمحدث عنه لا يقبل خبره إن لم يكن عدلا ضابطا فليس كل ms144 من حدث عنه ~~قبل خبره لكن قد يظن عدلا وليس كذلك والطاعن عليه قد يؤثر طعنه في نفوس ~~كثير من الناس ويسقط حرمته من كثير من القلوب فهو أوكد على أن الحديث عنه ~~له دلائل يميز بها بين الكذب والصدق. # القول الثاني: أن الكاذب عليه تغلظ عقوبته لكن لا يكفر ولا يجوز قتله لأن ~~موجبات الكفر والقتل معلومة وليس هذا منها فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له ~~ومن قال هذا فلا بد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمنا لعيب ظاهر ~~فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلاما يدل على نقصه وعيبه دلالة ظاهرة مثل حديث ~~عرق الخيل ونحوه من الترهات فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهرا ولا ريب أنه كافر ~~حلال الدم. # وقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~علم أنه كان منافقا فقتله لذلك لا للكذب. # وهذا الجواب ليس بشيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من سننه أنه ~~يقتل أحد من المنافقين الذين أخبر الثقة عنهم بالنفاق أو الذين نزل القرآن ~~بنفاقهم فكيف يقتل رجلا بمجرد علمه بنفاقه؟ ثم إنه سمى خلقا # PageV01P175 # من المنافقين لحذيفة وغيره ولم يقتل منهم أحدا. # وأيضا فالسبب المذكور في الحديث إنما هو كذبه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم كذبا له فيه غرض وعليه رتب القتل فلا تجوز إضافة القتل إلى سبب آخر. # وأيضا فإن الرجل إنما قصد بالكذب نيل شهوته ومثل هذا قد يصدر من الفساق ~~كما يصدر من الكفار. # وأيضا فإما أن يكون نفاقه لهذه الكذبة أو لسبب ماض فإن كان لهذه فقد ثبت ~~أن الكذب عليه نفاق والمنافق كافر وإذا كان النفاق متقدما وهو المقتضي ~~للقتل لا غيره فعلام يؤخر الأمر بقتله إلى هذا الحين؟ وعلام لم يؤاخذه الله ~~تعالى بذلك النفاق حتى فعل ما فعل. # وأيضا فإن القوم أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فقال: "كذب ~~عدو الله" ثم أمر بقتله إن وجده ms145 حيا ثم قال: "ما أراك تجده حيا" لعلمه صلى ~~الله عليه وسلم بأن ذنبه يوجب تعجيل العقوبة. # والنبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر بالقتل أو غيره من العقوبات والكفارات ~~عقب فعل وصف له صالح لترتب ذلك الجزاء عليه كان ذلك الفعل هو المقتضي لذلك ~~الجزاء ولا غيره كما أن الأعرابي لما وصف له الجماع في رمضان أمره بالكفارة ~~ولما أقر عنده ماعز والغامدية وغيرهما بالزنا أمر بالرجم وهذا مما لا خلاف ~~فيه بين الناس نعلمه نعم قد يختلفون في نفس الموجب هل هو مجموع تلك الأوصاف ~~أو بعضها وهو نوع من تنقيح المناط فأما أن يجعل ذلك الفعل عديم التأثير ~~والموجب لتلك العقوبة غيره الذي لم يذكر وهذا فاسد بالضرورة لكن يمكن أن ~~يقال فيه ما هو أقرب من هذا وهو أن هذا الرجل كذب على # PageV01P176 # النبي صلى الله عليه وسلم كذبا يتضمن انتقاصه وعيبه لأنه زعم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حكمه في دمائهم وأموالهم وأذن له أن يبيت حيث شاء من ~~بيوتهم ومقصوده بذلك أن يبيت عند تلك المرأة ليفجر بها ولا يمكنهم الإنكار ~~عليه إذا كان محكما في الدماء والأموال. # ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحلل الحرام ومن زعم أنه أحل ~~المحرمات من الدماء والأموال والفواحش فقد انتقصه وعابه ونسب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى أنه يأذن له أن يبيت عند امرأة أجنبية خاليا بها وأنه ~~يحكم بما شاء في قوم مسلمين وهذا طعن على النبي صلى الله عليه وسلم وعيب له ~~وعلى هذا التقدير فقد أمر بقتل من عابه وطعن عليه من غير استتابة وهو ~~المقصود في هذا المكان فثبت أن الحديث نص في قتل الطاعن عليه من غير ~~استتابة على كلا القولين. # ومما يؤيد القول الأول أن القوم لو ظهر لهم أن هذا الكلام سب وطعن ~~لبادروا إلى الإنكار عليه ويمكن أن يقال: رابهم أمره فتوقفوا حتى استثبتوا ~~ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم لما تعارض وجوب طاعة ms146 الرسول وعظم ما أتاهم ~~به هذا اللعين ومن نصر القول الأول قال: كل كذب عليه فإنه متضمن للطعن عليه ~~كما تقدم ثم إن هذا الرجل لم يذكر في الحديث أنه قصد الطعن والإزراء وإنما ~~قصد تحصيل شهوته بالكذب عليه وهذا شأن كل من تعمد الكذب عليه فإنه إنما ~~يقصد تحصيل غرض له إن لم يقصد الاستهزاء به والأغراض في الغالب إما مال أو ~~شرف كما أن المسيء إنما يقصد إذا لم يقصد مجرد الإضلال إما الرياسة بنفاذ ~~الأمر وحصول التعظيم أو تحصيل الشهوات الظاهرة وبالجملة فمن قال أو فعل # PageV01P177 # ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرا إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ~~ما شاء الله. # السنة الرابعة عشرة: حديث الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لما أعطاه: ما أحسنت ولا أجملت فأراد المسلمون قتله ثم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار " وسيأتي ~~ذكره في ضمن الأحاديث المتضمنة لعفوه عمن آذاه فإن هذا الحديث يدل على أن ~~من آذاه إذا قتل دخل النار وذلك دليل على كفره وجواز قتله وإلا كان يكون ~~شهيدا وكان قاتله من أهل النار وإنما عفا النبي صلى الله عليه وسلم عنه ثم ~~استرضاه بعد ذلك حتى رضي لأنه كان له أن يعفو عمن آذاه كما سيأتي إن شاء ~~الله. # ومن هذا الباب: أن الرجل الذي قاله له لما قسم غنائم حنين: إن هذه لقسمة ~~ما أريد بها وجه الله فقال عمر: "دعني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأقتل هذا المنافق" فقال: " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي " ثم ~~أخبر أنه يخرج من ضئضه أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم وذكر حديث ~~الخوارج رواه مسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع عمر من قتله إلا ~~لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولم يمنعه لكونه في نفسه معصوما كما ~~قال في حديث حاطب بن أبي ms147 بلتعة فإنه لما قال: "ما فعلت ذلك كفرا ولا رغبة ~~عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه ~~قد صدقكم " فقال عمر: "دعني أضرب عنق هذا المنافق" فقال: " إنه قد شهد بدرا ~~وما يدريك لعل # PageV01P178 # الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فبين صلى ~~الله عليه وسلم أنه باق على إيمانه وأنه صدر منه ما يغفر له به الذنوب فعلم ~~أن دمه معصوم وهنا علل بمفسدة زالت. # فعلم أن قتل مثل هذا القائل إذا أمنت هذه المفسدة جائز وكذلك لما أمنت ~~هذه المفسدة أنزل الله قوله: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} بعد أن ~~كان قد قال له: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} قال زيد بن أسلم: ~~"قوله: {جاهد الكفار والمنافقين} نسخت ما كان قبلها". # ومما يشبه هذا أن عبد الله بن أبي لما قال: {لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل} وقال: {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا} استأمر عمر في قتله فقال: "إذن ترعد له أنوف كثيرة بالمدينة" وقال: ~~" لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " والقصة مشهورة وهي في الصحيحين ~~وستأتي إن شاء الله تعالى. # فعلم أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكلام جاز قتله كذلك ~~مع القدرة وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله لما خيف في قتله من ~~نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفا. # ومن هذا الباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: " من يعذرني # PageV01P179 # في رجل بلغني أذاه في أهلي " قال له سعد بن معاذ: "أنا أعذرك إن كان من ~~الأوس ضربت عنقه" والقصة مشهورة فلما لم ينكر ذلك عليه دل على أن من آذى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتنقصه يجوز ضرب عنقه والفرق بين ابن أبي وغيره ~~ممن تكلم في شأن عائشة أنه كان يقصد بالكلام فيها عيب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والطعن عليه وإلحاق العار به ms148 ويتكلم بكلام ينتقصه به فلذلك قالوا ~~نقتله بخلاف حسان ومسطح وحمنة فإنهم لم يقصدوا ذلك ولم يتكلموا بما يدل على ~~ذلك ولهذا إنما استعذر النبي صلى الله عليه وسلم من ابن أبي دون غيره ~~ولأجله خطب الناس حتى كاد الحيان يقتتلون. # الحديث الخامس عشر: قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه: حدثني ~~أبي عن المجالد بن سعيد عن الشعبي قال: "لما افتتح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة دعا بمال العزى فنثره بين يديه ثم دعا رجلا قد سماه فأعطاه منها ~~ثم دعا أبا سفيان بن حرب فأعطاه منها ثم دعا سعد ابن حريث فأعطاه منها ثم ~~دعا رهطا من قريش فأعطاهم فجعل يعطي الرجل القطعة من الذهب فيها خمسون ~~مثقالا وسبعون مثقالا ونحو ذلك فقام رجل فقال: إنك لبصير حيث تضع التبر ثم ~~قام الثانية فقال مثل ذلك فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام ~~الثالثة فقال: إنك لتحكم وما نرى عدلا قال: "ويحك إذا لا يعدل أحد بعدي " ~~ثم دعا نبي الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال: "اذهب فاقتله" فذهب فلم ~~يجده فقال: " لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم ". # PageV01P180 # فهذا الحديث نص في قتل مثل هذا الطاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من غير استتابة وليست هي قصة قسم غنائم حنين ولا قسم التبر الذي بعث به علي ~~من اليمن بل هذه القصة قبل ذلك في قسم مال العزى وكان هدم العزى قبل الفتح ~~في أواخر شهر رمضان سنة ثمان وغنائم حنين قسمت بعد ذلك بالجعرانة في ذي ~~القعدة وحديث علي في سنة عشر. # وهذا الحديث مرسل ومخرجه عن مجالد وفيه لين لكن له ما يؤيد معناه فإنه قد ~~تقدم أن عمر قتل الرجل الذي لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم ونزل ~~القرآن بإقراره على ذلك وجرمه أسهل من جرم هذا. # وأيضا فإن في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ms149 ~~الذي لمزه في قسمة الذهيبة التي أرسل بها علي من اليمن وقال: " يا رسول ~~الله اتق الله" أنه قال: "أنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا ~~لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقتلون أهل ~~الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ". # وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون ~~من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم ~~القيامة ". # PageV01P181 # وروى النسائي عن أبي برزة قال: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال ~~فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ولم يعط من وراءه شيئا فقام رجل من ~~وراءه فقال: يا محمد ما عدلت في القسمة رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان ~~أبيضان فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال: " والله لا ~~تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني" ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم كان هذا ~~منهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال ~~فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة ". # فهذه الأحاديث كلها دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل طائفة ~~هذا الرجل العائب عليه وأخبر أن في قتلهم أجرا لمن قتلهم وقال: "لئن أدركتم ~~لأقتلنهم قتل عاد" وذكر أنهم شر الخلق والخليقة. # وفيما رواه الترمذي وغيره عن أبي أمامة أنه قال: "هم شر قتلى تحت أديم ~~السماء خير قتلى من قتلوه" وذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ~~مرات متعددة وتلا فيهم قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} وقال: "هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم" ~~وتلا فيهم قوله ms150 تعالى: {فأما الذين # PageV01P182 # في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} وقال: "زاغوا فزيغ بهم" ولا يجوز أن ~~يكون أمر بقتلهم لمجرد قتالهم الناس كما يقاتل الصائل من قاطع الطريق ونحوه ~~وكما يقاتل البغاة لأن أولئك إنما يشرع قتالهم حتى تنكسر شوكتهم ويكفوا عن ~~الفساد ويدخلوا في الطاعة ولا يقتلون أينما لقوا ولا يقتلون قتل عاد وليسوا ~~شر قتلى تحت أديم السماء ولا يؤمر بقتلهم وإنما يؤمر في آخر الأمر بقتالهم ~~فعلم أن هؤلاء أوجب قتلهم مروقهم من الدين لما غلوا فيه حتى مرقوا منه كما ~~دل عليه قوله في حديث علي: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ~~فأينما لقيتموهم فاقتلوهم" فرتب الأمر بالقتل على مروقهم فعلم أنه الموجب ~~له ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الطائفة الخارجة وقال: "لو يعلم ~~الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم علي لسان محمد لنكلوا عن العمل وآية ذلك ~~أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعيرات ~~بيض" وقال: " إنهم يخرجون على خير فرقة من الناس يقتلهم أدنى الطائفتين إلى ~~الحق " وهذا كله في الصحيح فثبت أن قتلهم لخصوص صفتهم لا لعموم كونهم بغاة ~~أو محاربين وهذا القدر موجود في الواحد منهم كوجوده في العدد منهم وإنما لم ~~يقتلهم علي رضي الله عنه أول ما ظهروا لأنه لم يبن له أنهم الطائفة ~~المنعوتة حتى سفكوا دم ابن خباب وأغاروا على سرح الناس فظهر فيهم قوله: " ~~يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان " فعلم أنهم المارقون ولأنه لو ~~قتلهم قبل المحاربة لربما غضبت لهم قبائلهم وتفرقوا على علي رضي الله عنه ~~وقد كان حاجته إلى مداراة عسكره واستئلافهم # PageV01P183 # كحال النبي صلى الله عليه وسلم في حاجته في أول الأمر إلى استئلاف ~~المنافقين. # وأيضا فإن القوم لم يعترضوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانوا ~~يعظمونه ويعظمون أبا بكر وعمر ولكن غلوا في الدين غلوا جازوا به حده لنقص ~~عقولهم فصاروا كما تأوله علي فيهم من ms151 قوله عز وجل: {قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} . # وأوجب ذلك لهم عقائد فاسدة ترتب عليها أفعال منكرة كفرهم بها كثير من ~~الأمة وتوقف فيها آخرون فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الطاعن ~~عليه في القسمة الناسب له عدم العدل بجهله وغلوه وظنه أن العدل هو ما ~~يعتقده من التسوية بين جميع الناس دون النظر إلى ما في تخصيص بعض الناس ~~وتفضيله من مصلحة التأليف وغيرها من المصالح علم أن هذا أول أولئك فإنه إذا ~~طعن عليه في وجهه على سنته فهو يكون بعد موته وعلى خلفائه أشد طعنا. # وقد حكى أرباب المقالات عن الخوارج أنهم يجوزون على الأنبياء الكبائر ~~ولهذا لا يلتفتون إلى السنة المخالفة في رأيهم لظاهر القرآن وإن كانت ~~متواترة فلا يرجمون الزاني ويقطعون يد السارق فيما قل أو كثر زعما منهم على ~~ما قيل أن لا حجة إلا القرآن وأن السنة الصادرة عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ليست حجة بناء على ذلك الأصل الفاسد # PageV01P184 # قال من حكى ذلك عنهم: إنهم لا يطعنون في النقل لتواتر ذلك وإنما يبنونه ~~على هذا الأصل ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم: "إنهم يقرؤون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم" يتأولونه برأيهم من غير استدلال على معانيه ~~بالسنة وهم لا يفهمونه بقلوبهم إنما يتلونه بألسنتهم والتحقيق أنهم أصناف ~~مختلفة فهذا رأي طائفة منهم وطائفة قد يكذبون النقلة وطائفة لم يسمعوا ذلك ~~ولم يطلبوا علمه وطائفة يزعمون أن ما ليس له ذكر في القرآن بصريحه ليس حجة ~~على الخلق: إما لكونه منسوخا أو مخصوصا بالرسول أو غير ذلك وكذلك ما ذكر من ~~تجويزهم الكبائر فأظنه والله أعلم قول طائفة منهم وعلى كل حال فمن كان ~~يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم جائر في قسمه يقول إنه يفعلها بأمر الله ~~فهو مكذب له ومن زعم أن يجور في حكم أو قسمة فقد زعم أنه جائر وأن إتباعه ~~لا ms152 يجب وهو مناقض لما تضمنته الرسالة من أمانته ووجوب طاعته وزوال الحرج عن ~~الجنس من قضائه بقوله وفعله فإنه قد بلغ عن الله أنه أوجب طاعته والانقياد ~~لحكمه وأنه لا يحيف على أحد فم طعن في هذا فقد طعن في صحة تبليغه وذلك طعن ~~في نفس الرسالة وبهذا يتبين صحة رواية من روى الحديث "ومن يعدل إذا لم ~~أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" لأن هذا الطاعن يقول: أنه رسول الله ~~وأنه يجب عليه تصديقه وطاعته فإذا قال إنه لم يعدل فقد لزم أنه صدق غير عدل ~~ولا أمين ومن اتبع مثل ذلك فهو خائب خاسر كما وصفهم الله بأنهم من الأخسرين ~~أعمالا وإن حسبوا أنهم يحسنون صنعا ولأنه من لم يؤتمن على المال يؤتمن على ~~ما هو أعظم منه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "ألا تأمنوني وأنا أمين من ~~في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء " وقال صلى الله عليه وسلم لما ~~قال له اتق الله: "أولست # PageV01P185 # أحق أهل الأرض أن يتق الله" وذلك لأن الله قال فيما بلغه إليهم الرسول: ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} بعد قوله: {ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} الآية فبين سبحانه أنه ما نهى عنه من ~~مال الفيء فعلينا أن ننتهي عنه فيجب أن يكون أحق أهل الأرض أن يتق الله إذ ~~لولا ذلك لكانت الطاعة له ولغيره إن تساويا أو لغيره دونه إن كان دونه وهذا ~~كفر بما جاء به وهذا ظاهر. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "شر الخلق والخليقة" وقوله: "شر قتلى تحت أديم ~~السماء" نص في أنهم من المنافقين لأن المنافقين أسوأ حالا من الكفار كما ~~ذكر أن قوله تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} نزلت فيهم. # وكذلك في حديث أبي أمامة أن قوله تعالى {أكفرتم بعد إيمانكم} نزلت فيهم ~~هذا مما لا خلاف فيه إذا صرحوا بالطعن في الرسول والعيب عليه كفعل أولئك ~~اللامزين له. # فإذا ثبت بهذه الأحاديث ms153 الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من كان ~~من جنس ذلك الرجل الذي لمزه أينما لقوا وأخبر أنهم شر الخليقة وثبت أنهم من ~~المنافقين كان ذلك دليلا على صحة معنى حديث الشعبي في استحقاق أصلهم للقتل. # يبقى أن يقال: ففي الأحاديث الصحيحة أنه نهى عن قتل ذلك اللامز. # فنقول: حديث الشعبي هو أول ظهور هؤلاء كما تقدم فالأشبه والله # PageV01P186 # أعلم أن يكون أمر بقتله أولا طمعا في انقطاع أمرهم وإن كان قد كان يعفو ~~عن أكثر المنافقين لأنه خاف من هذا انتشار الفساد من بعده على الأمة ولهذا ~~قال: "لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم" وكان ما يحصل لقتله من المصلحة ~~العظيمة أعظم مما يخاف من نفور بعض الناس بقتله فلما لم يوجد وتعذر قتله ~~ومع النبي صلى الله عليه وسلم بما أوحاه الله إليه من العلم ما فضله الله ~~به فكأنه علم أنه لا بد من خروجهم أنه لا مطمع في استئصالهم كما أنه لما ~~علم أن الدجال خارج لا محالة نهى عمر عن قتل ابن صياد وقال: "إن يكنه فلن ~~تسلط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله" فكان هذا مما أوجب نهيه بعد ذلك ~~عن قتل ذي الخويصرة لما لمزه في غنائم حنين وكذلك لما قال عمر: "ائذن لي ~~فاضرب عنقه" قال: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع ~~صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" إلى قوله: "يخرجون على ~~حين فرقة من الناس " فأمر بتركه لأجل أن له أصحابا خارجين بعد ذلك فظهر أن ~~علمه بأنهم لا بد أن يخرجوا منعه من أن يقتل منهم أحدا فيتحدث الناس بأن ~~محمدا يقتل أصحابه الذين يصلون معه وتنفر بذلك عن الإسلام قلوب كثيرة من ~~غير مصلحة تعمر هذه المفسدة هذا مع أنه كان له أن يعفو عمن آذاه مطلقا بأبي ~~هو وأمي صلى الله عليه وسلم. # وبهذا يتبين سبب كونه في بعض الحديث يعلل بأنه يصلي وفي ms154 بعضه بأن لا ~~يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وفي بعضه بأن له أصحابا سيخرجون وسيأتي ~~إن شاء الله تعالى ذكر بعض هذه الأحاديث وإن كان هذا الموضع خليقا بها ~~أيضا. # فثبت أن كل من لمز النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه أو قسمه فإنه يجب # PageV01P187 # قتله كما أمر به في حياته وبعد موته وأنه إنما عفا عن ذلك اللامز في ~~حياته كما قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين لما علم أنهم خارجون في ~~الأمة لا محالة وأن ليس في قتل ذلك الرجل كثير فائدة بل فيه من المفسدة ما ~~في قتل سائر المنافقين وأشد. # ومما يشهد لمعنى هذا الحديث قول أبو بكر رضي الله عنه في الحديث المشهور ~~لما أراد أبو برزة أن يقتل الرجل الذي أغلظ لأبي بكر وتغيظ عليه أبو بكر ~~وقال له أبو برزة أقتله فقال أبو بكر: "ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقتل أحدا" فإن هذا كما تقدم من دليل على أن الصديق علم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم يطاع أمره في قتل من أمر بقتله ممن أغضب النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # فلما كان في حديث الشعبي أنه أمر أبا بكر بقتل ذلك الذي لمزه حتى أغضبه ~~كانت هذه القصة بمنزلة العمدة لقول الصديق وكان قول صديق رضي الله عنه ~~دليلا على صحة معناها. # ومما يدل على أنهم كانوا يرون قتل من علموا أنه من أولئك الخوارج وإن كان ~~منفردا حديث صبيغ بن عسل وهو مشهور قال أبو عثمان النهدي: "سأل رجل من بني ~~يربوع أو من بني تميم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الذاريات والمرسلات ~~والنازعات أو عن بعضهن فقال عمر: ضع عن رأسك فإذا له وفرة فقال عمر: أما ~~والله لو رأيتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ثم قال: ثم كتب إلى أهل البصرة ~~أو قال إلينا أن لا تجالسوه قال: فلو جاء ونحن مئة تفرقنا" رواه الأموي ~~وغيره بإسناد صحيح ms155 # PageV01P188 # فهذا عمر يحالف بين المهاجرين والأنصار أنه لو رأى العلامة التي وصف بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج لضرب عنقه مع أنه هو الذي نهاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قتل ذي الخويصرة فعلم أنه فهم من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم" القتل مطلقا وأن العفو عن ذلك كان في ~~حال الضعف والاستئلاف. # فإن قيل: فما الفرق بين قول هؤلاء اللامزين في كونه نفاقا موجبا للكفر ~~وحل الدم حتى صار جنس هذا القائل شر الخلق وبين ما ذكر من موجدة قريش ~~والأنصار؟. # ففي حديث أبي سعيد الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم الذهيبة ~~بين أربعة غضبت قريش والأنصار وقالوا: تعطيه صناديد أهل نجد وتدعنا؟ فقال: ~~"إنما أتألفهم" فأقبل رجل غائر العينين وذكر حديث اللامز. # وفي رواية لمسلم: فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في ~~السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحا ومساء " فقام رجل غائر العينين. # وذكر موجدة الأنصار في غنائم حنين فعن أنس بن مالك أن ناسا من الأنصار ~~قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل فقالوا: "يغفر ~~الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من ~~دمائهم؟ " وفي رواية: لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار: "إن ~~هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم # PageV01P189 # وإن غنائمنا ترد عليهم" وفي رواية: فقال الأنصار: "إذا كانت الشدة فنحن ~~ندعى ويعطى الغنائم غيرنا" قال أنس: فحدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذلك من قولهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم غيرهم ~~فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما حديث بلغني ~~عنكم؟ " فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا ms156 رسول الله فلم يقولوا ~~شيئا وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أفلا ترضون أن ~~يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ ما تنقلبون به خير مما ~~ينقلبون به" قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا قال: "فإنكم ستجدون بعدي ~~أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض" قالوا: "سنصبر ". # قيل: إن أحدا من المؤمنين من قريش والأنصار وغيرهم لم يكن في شيء من ~~كلامه تجوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تجويز ذلك عليه ولا اتهام ~~له أنه حابى في القسمة لهوى النفس وطلب الملك ولا نسبة له إلى أنه لم يرد ~~بالقسمة وجه الله تعالى ونحو ذلك مما جاء مثله في كلام المنافقين. # وذوو الرأي من القبيلتين وهم الجمهور لم يتكلموا بشيء أصلا بل قد رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله وقالوا: "حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله" كما ~~قالت فقهاء الأنصار: "أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئا" وأما الذين تكلموا من ~~أحداث الأسنان ونحوهم فرأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يقسم المال ~~لمصالح الإسلام ولا يضعه في محل إلا لأن وضعه فيه أولى من وضعه في غيره هذا ~~مما لا يشكون فيه. # PageV01P190 # وكان العلم بجهة المصلحة قد تنال بالوحي وقد تنال بالاجتهاد ولم يكونوا ~~علموا أن ذلك مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنه بوحي من الله ~~فإن من كره ذلك أو اعترض عليه بعد أن يقول ذلك فهو كافر مكذب. # وجوزوا أن يكون قسمه اجتهادا وكانوا يراجعونه بالاجتهاد في الأمور ~~الدنيوية المتعلقة بمصالح الدين وهو باب يجوز له العمل فيه باجتهاده باتفاق ~~الأمة وربما سألوه عن الأمر لا لمراجعته فيه لكن ليتثبتوا وجهه ويتفقهوا في ~~سننه ويعلموا علته. # وكانت المراجعة المشهورة منهم لا تعدو هذين الوجهين: إما لتكميل نظره صلى ~~الله ms157 عليه وسلم في ذلك إن كان من الأمور السياسة التي للاجتهاد فيها مساغ ~~أو ليتبين لهم وجه ذلك إذا ذكر ويزدادوا علما وإيمانا وينفتح لهم طريق ~~التفقه فيه. # فالأول كمراجعة الحباب بن المنذر له لما نزل ببدر منزلا قال: يا رسول ~~الله أرأيت هذا المنزل الذي نزلته أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتعداه ~~أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فقال: ~~إن هذا ليس بمنزل قتال فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه وتحول إلى ~~غيره. # وكذلك أيضا لما عزم أن يصالح غطفان عام الخندق على نصف تمر المدينة ثم ~~جاء سعد بن معاذ في طائفة من الأنصار فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هذا ~~الذي تعطيهم أشيء من الله أمرك فسمع وطاعة لله ولرسوله أم شيء من قبل رأيك؟ ~~قال: " لا بل من قبل رأيي أني رأيت القوم أعطوا الأموال فجمعوا لكم ما ~~رأيتم من القبائل وإنما أنتم قبيل # PageV01P191 # واحد فأردت أن أدفع بعضهم ونعطيهم شيئا وننصب لبعض أشتري بذلك ما قد نزل ~~بكم معشر الأنصار " فقال سعد: والله يا رسول الله لقد كنا في الشرك وما ~~يطمعون منا في أخذ النصف أو كما قال وفي رواية: ما يأكلون منها تمرة إلا ~~بشرى أو قرى فكيف اليوم والله معنا وأنت بين أظهرنا لا نعطيهم ولا كرامة ~~لهم ثم تناول الصحيفة فتفل فيها ثم رمى بها. # وما كان من قبل الرأي والظن في الدنيا فقد قال صلى الله عليه وسلم لما ~~سئل عن التلقيح: " ما أظن يعني ذلك شيئا إنما ظننت فلا تؤاخذوني بالظن ولكن ~~إذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به فإني لن أكذب على الله " رواه مسلم. # وفي حديث آخر: "أنتم أعلم بأمر دنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي ". # ومن هذا الباب حديث سعد بن أبي وقاص قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رهطا وأنا جالس فترك رجلا منهم هو أعجبهم إلي فقمت فقلت له: يا رسول ms158 ~~الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال: "أو مسلم" ذكر ذلك سعد ~~له ثلاثا وأجابه بمثل ذلك ثم قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية ~~أن يكب في النار على وجهه" متفق عليه. # فإنما سأله سعد رضي الله عنه ليذكر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الرجل ~~لعله يرى أنه ممن ينبغي إعطاؤه أو ليتبين لسعد وجه تركه مع إعطاء من هو ~~دونه فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن المقدمتين فقال: إن العطاء ليس ~~لمجرد الإيمان بل أعطي وأمنع والذي أترك أحب إلي من الذي أعطيه لأن # PageV01P192 # الذي أعطيه لو لم أعطه لكفر فأعطيه لأحفظ عليه إيمانه ولا أدخله في زمرة ~~من يعبد الله على حرف والذي أمنعه معه من اليقين والإيمان ما يغنيه عن ~~الدنيا وهو أحب إلي وعندي أفضل وهو يعتصم بحبل الله ورسوله ويعتاض بنصيبه ~~من الدين عن نصيبه من الدنيا كما اعتاض به أبو بكر وغيره وكما اعتاضت ~~الأنصار حين ذهب الطلقاء وأهل نجد بالشاة والبعير وانطلقوا هم برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم لو كان العطاء لمجرد الإيمان فمن أين لك أن هذا ~~مؤمن؟ بل يجوز أن يكون مسلما وإن لم يدخل الإيمان في قلبه فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أعلم من سعد بتمييز المؤمن من غيره حيث أمكن التمييز. # ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث أن قائلا ~~قال: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة من الإبل مائة ~~وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ~~والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع ~~ولكني تألفتهما على إسلامهما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه ". # وقد ذكر بعض أهل المغازي في حديث الأنصار: وددنا أن نعلم من أين هذا إن ~~كان من قبل الله صبرنا وإن كان من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استعتبناه. ms159 # فهذا يبين أن من وجد منهم جوز أن يكون القسم وقع باجتهاد في المصلحة فأحب ~~أن يعلم الوجه الذي أعطى به غيره ومنع هو مع فضله على غيره في الإيمان ~~والجهاد وغير ذلك. # PageV01P193 # وهذا في بادي الرأي هو الموجب للعطاء وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يعطيه كما أعطى غيره وهذا معنى قولهم: "استعتبناه" أي طلبنا منه أن يعتبنا ~~أي يزيل عتبنا: إما ببيان الوجه الذي به أعطى غيرنا أو بإعطائنا وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم: "" فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذره في ما أحد ~~أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ما فعل فبين ~~لهم ذلك فلما تبين لهم الأمر بكوا حتى أخضلوا لحاهم ورضوا حق الرضاء ~~والكلام المحكي عنهم يدل على أنهم رأوا القسمة وقعت اجتهادا وأنهم أحق ~~بالمال من غيرهم فتعجبوا من إعطاء غيرهم وأرادوا أن يعلموا هل هو وحي أو ~~اجتهاد يتعين إتباعه لأنه المصلحة أو اجتهاد يمكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يأخذ بغيره إلى رأي أنه أصلح وإن كان هذا القسم إنما يمكن فيما لم يستقر ~~أمره ويقره عليه ربه ولهذا قالوا: "يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ~~ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ " وقالوا: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا ~~لتقطر من دمائهم وإن غنائمنا لترد عليهم" وفي رواية: "إذا كانت الشدة فنحن ~~ندعى ويعطي الغنائم غيرنا". # واختلف الناس في العطايا: هل كانت من أصل الغنيمة أو من الخمس؟. # فروي عن سعد بن إبراهيم ويعقوب بن عتبة قالا: كانت العطايا فارغة من ~~الغنائم وعلى هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ نصيبهم من المغنم ~~لطيب أنفسهم. # وقد قيل: إنه أراد أن يقطعهم بدل ذلك قطائع من البحرين فقالوا: لا حتى ~~يقطع إخواننا من المهاجرين مثله ولهذا لما جاء مال البحرين وافوه صلاة ~~الفجر وقال لجابر: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك كذا وكذا لكن لم يستأذنهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل القسم ms160 لعلمه بأنهم يرضون # PageV01P194 # بما يفعل وإذا علم الرجل من حال صديقه أنه تطيب نفسه بما يأخذ من ماله ~~فله أن يأخذ وإن لم يستأذنه نطقا وكان هذا معروفا بين كثير من الصحابة ~~والتابعين كالرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم كبة من شعر فقال: " ~~أما ما كان لي ولبني هاشم فهو لك " وعلى هذا فلا حرج عليهم إذا سألوا ~~نصيبهم. # وقال موسى بن إبراهيم عن أبيه: "كانت من الخمس". # قال الواقدي: وهو أثبت القولين وعلى هذا فالخمس إما أن يقسمه الإمام ~~باجتهاد كما يقوله مالك أو يقسمه خمسة أقسام كما يقوله الشافعي وأحمد وإذا ~~قسمه خمسة أقسام فإذا لم يوجد يتامى أو مساكين أو ابن سبيل أو استغنوا ردت ~~أنصباؤهم في مصارف سهم الرسول. # وقد كان اليتامى والمساكين وأبناء السبيل إذ ذاك مع قلتهم مستغنين ~~بنصيبهم من الزكاة لأنه لما فتحت خيبر واستغنى أكثر المسلمين رد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الأنصار منائح النخل التي كانوا قد منحوها ~~للمهاجرين فاجتمع للأنصار أموالهم التي كانت والأموال التي غنموها بخيبر ~~وغيرها فصاروا مياسير ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: "ألم ~~أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ " فصرف النبي صلى الله عليه وسلم عامة الخمس ~~في مصارف سهم الرسول؟ فإن أولى المصالح تأليف أولئك القوم ومن زعم أن مجرد ~~خمس الخمس قام بجميع ما أعطي المؤلفة فإنه لم يدر كيف القصة ومن له خبرة ~~بالقصة يعلم أن المال لم يكن يحتمل هذا. # وقد قيل: إن الإبل كانت أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أربعين ألفا أو أقل ~~أو أكثر والورق أربعة آلاف أوقية والغنم كانت تعدل # PageV01P195 # عشرة منها ببعير فهذا يكون قريبا من ثلاثين ألف بعير فخمس الخمس منه ألف ~~ومئتا بعير وقد قسم في المؤلفة أضعاف ذلك على ما لا خلاف فيه بين أهل ~~العلم. # وأما قول بعض قريش والأنصار في الذهيبة التي بعث بها علي من اليمن: أيعطي ~~صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فمن هذا الباب أيضا إنما ms161 سألوا على هذا الوجه. # وها هنا جوابان آخران: # الجواب الأول: أن بعض أولئك القائلين قد كان منافقا يجوز قتله مثل الذي ~~سمعه ابن مسعود يقول في غنائم حنين: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ~~وكان في ضمن قريش والأنصار منافقون كثيرون فما ذكر من كلمة لا مخرج لها ~~فإنما صدرت من منافق والرجل الذي ذكر عنه أبو سعيد أنه قال: "كنا أحق بهذا ~~من هؤلاء" ولم يسمه منافقا والله أعلم. # الجواب الثاني: أن الاعتراض قد يكون ذنبا ومعصية يخاف على صاحبه النفاق ~~وإن لم يكن نفاقا مثل قوله تعالى: {يجادلونك في الحق بعد ما تبين} ومثل ~~مراجعتهم له في فسخ الحج إلى العمرة وإبطائهم عن الحل وكذلك كراهتهم للحل ~~عام الحديبية وكراهتهم للصلح ومراجعة من راجع منهم فإن من فعل ذلك فقد أذنب ~~ذنبا كان عليه أن يسغفر الله منه كما أن الذين رفعوا أصواتهم فوق صوته ~~أذنبوا ذنبا # PageV01P196 # تابوا منه وقد قال تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير ~~من الأمر لعنتم} . # قال سهل بن حنيف: "اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو ~~أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلت". # فهذه أمور صدرت عن شهوة وعجلة لا عن شك في الدين كما صدر عن حاطب التجسس ~~لقريش مع أنها ذنوب ومعاص يجب على صاحبها أن يتوب وهي بمنزلة عصيان أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يدخل في هذا حديث أبي هريرة في فتح مكة قال: فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ~~ومن أغلق بابه فهو آمن " فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أدركته رغبة في ~~قرابته ورأفة في بعشيرته. # قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لا يخفى علينا فإذا جاء فليس ~~أحدا منا يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms162 " يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا ~~رسول الله قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته؟ " ~~قالوا: قد كان ذلك قال: "كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم ~~المحيا محياكم والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا ~~إلا لظن بالله وبرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ورسوله ~~يصدقانكم ويعذرانكم " رواه مسلم. # PageV01P197 # وذلك أن الأنصار لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد آمن أهل مكة ~~وأقرهم على أموالهم ودمائهم مع دخوله عليهم عنوة وقهرا وتمكنه من قتلهم ~~وأخذ أموالهم لو شاء خافوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن ~~يستوطن مكة ويستبطن قريشا لأن البلد بلده والعشيرة عشيرته وأن يكون نزاع ~~النفس إلى الوطن والأهل يوجب انصرافه عنهم فقال من قال منهم ذلك ولم يقله ~~الفقهاء وأولو الألباب الذين يعلمون أنه لم يكن له سبيل إلى استيطان مكة ~~فقالوا ذلك لا طعنا ولا عيبا ولكن ضنا بالله وبرسوله والله ورسوله قد ~~صدقاهم أنما حملهم على ذلك الضن بالله ورسوله وعذراهم فيما قالوا لما رأوا ~~وسمعوا ولأن مفارقة الرسول شديد على مثل أولئك المؤمنين الذين هم شعار ~~وغيرهم دثار والكلمة التي تخرج عن محبة وتعظيم وتشريف وتكريم تغفر لصاحبها ~~بل يحمد عليها وإن كان مثلها لو صدر بدون ذلك استحق صاحبها النكال. # وكذلك الفعل ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأبي بكر حين ~~أراد أن يتأخر عن موقعه في الصلاة لما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم: ~~"مكانك" فتأخر أبو بكر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منعك أن تثبت ~~مكانك وقد أمرتك" فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وكذلك أبو أيوب الأنصاري لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن ~~ينتقل إلى السفل وأن يصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العلو وشق عليه ~~أن يسكن فوق رسول الله صلى الله ms163 عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمكث في مكانه وذكر له # PageV01P198 # أن سكناه أسفل أرفق به من أجل دخول الناس عليه فامتنع أبو أيوب من ذلك ~~أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرا له فكلمة الأنصار رضي الله عنهم ~~من هذا الباب. # وبالجملة فالكلمات في هذا الباب ثلاثة أقسام: # إحداهن: ما هو كفر مثل قوله: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله". # الثاني: ما هو ذنب ومعصية يخاف على صاحبه أن يحبط عمله مثل رفع الصوت فوق ~~صوته ومثل مراجعة من راجعه عام الحديبية بعد ثباته على الصلح ومجادلة من ~~جادله يوم بدر بعد ما تبين له الحق وهذا كله يدخل في المخالفة عن أمره. # الثالث: ما ليس من ذلك بل يحمد عليه صاحبه أو لا يحمد كقول عمر: "ما ~~بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟ " وكقول عائشة: "ألم يقل الله: {فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه} " وكقول حفصة: "ألم يقل الله: {وإن منكم إلا واردها} " ~~وكمراجعة الحباب في منزل بدر ومراجعة سعد في صلح غطفان على نصف تمر المدينة ~~ومثل مراجعتهم له لما أمرهم بكسر الآنية التي فيها لحوم الحمر فقالوا: "أو ~~لا نغسلها" فقال: "اغسلوها" وكذلك رد عمر لأبي هريرة لما خرج مبشرا ~~ومراجعته للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وكذلك مراجعته له لما أذن له في ~~نحر الظهر في بعض المغازي وطلبه منه أن يجمع الأزواد ويدعو الله ففعل ما ~~أشار به عمر ونحو ذلك مما فيه سؤال عن إشكال ليتبين لهم أو عرض لمصلحة قد ~~يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم. # فهذا ما اتفق ذكره من السنن المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل # PageV01P199 # من سبه من معاهد وغير معاهد وبعضها نص في المسألة وبعضها ظاهر وبعضها ~~مستنبط مستخرج استنباطا قد يقوى في رأي من فهمه وقد يتوقف عنه من لم يفهمه ~~أو لم يتوجه عنده أو رأى أن الدلالة منه ضعيفة ولن يخفى الحق على من توخاه ~~وقصده ورزقه ms164 الله تعالى بصيرة وعلما والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل. # وأما إجماع الصحابة رضي الله عنهم فلأن ذلك نقل عنهم في قضايا متعددة ~~ينتشر مثلها ويستفيض ولم ينكرها أحد منهم فصارت إجماعا. # واعلم أنه لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على مسالة فرعية بأبلغ من هذا ~~الطريق. # فمن ذلك ما ذكره سيف بن عمر التميمي في كتاب "الردة والفتوح" عن شيوخه ~~قال: "ورفع إلى المهاجر يعني المهاجر بن أبي أمية وكان أميرا على اليمامة ~~ونواحيها امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم النبي صلى الله عليه وسلم فقطع ~~يدها ونزع ثنيتيها وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتيها فكتب ~~إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت بشتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلولا ما قد سبقتني لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه ~~الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر". # وكتب إليه أبو بكر في التي تغنت في بهجاء المسلمين: "أما بعد فإنه بلغني ~~أنك قطعت يد امرأة في أن تغنت بهجاء المسلمين ونزعت ثنيتيها فإن كانت ممن ~~تدعي الإسلام فأدب وتقدمة دون المثلة وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من ~~الشرك أعظم ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت # PageV01P200 # مكروهك فاقبل الدعة وإياك في المثلة في الناس فإنها مأثم ومنفرة إلا في ~~قصاص. # وقد ذكر هذه القصة غير سيف وهذا يوافق ما تقدم عنه أن من شتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان له أن يقتله وليس ذلك لأحد بعده وهو صريح في وجوب قتل ~~من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم ومعاهد وإن كان امرأة وأنه يقتل ~~بدون استتابة بخلاف من سب الناس وأن قتله حد للأنبياء كما جلد من سب غيرهم ~~حد له وإنما لم يأمر أبو بكر بقتل تلك المرأة لأن المهاجر سبق منه فيها حد ~~باجتهاده فكره أبو بكر أن يجمع عليها حدين مع أنه لعلها أسلمت أو تابت فقبل ~~المهاجر توبتها قبل ms165 كتاب أبي بكر وهو محل اجتهاد سبق منه فيه حكم فلم يغيره ~~لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وكلامه يدل على أنه إنما منعه من قتلها ما ~~سبق من المهاجر. # وروى حرب في مسائله عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: أتي عمر برجل سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقتله ثم قال عمر: "من سب الله أو سب أحدا من ~~الأنبياء فاقتلوه" قال ليث: وحدثني مجاهد عن ابن عباس قال: "أيما مسلم سب ~~الله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ~~ردة يستتاب فإن رجع وإلا قتل وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا من ~~الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه". # وعن أبي مشجعه بن ربعي قال: "لما قدم عمر بن الخطاب الشام قام قسطنطين ~~بطريق الشام وذكر معاهدة عمر له وشروطه عليهم # PageV01P201 # قال: اكتب بذلك كتابا قال عمر: نعم فبينما هو يكتب الكتاب إذ ذكر عمر ~~فقال: إني استثني عليك معرة الجيش مرتين قال: لك ثنتان وقبح الله من أقالك ~~فلما فرغ عمر من الكتاب قال له: يا أمير المؤمنين قم في الناس فأخبرهم الذي ~~جعلت لي وفرضت علي ليتناهوا عن ظلمي قال عمر: نعم فقام في الناس فحمد الله ~~وأثنى عليه فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه من يهد الله فلا مضل له ومن ~~يضلل فلا هادي له فقال النبطي: إن الله لا يضل أحدا فقال عمر: ما يقول؟ ~~قال: لا شيء وعاد النبطي لمقالته فقال: أخبروني ما يقول قالوا: يزعم أن ~~الله لا يضل أحدا قال عمر: إنا لم نعطك الذي أعطيناك لتدخل علينا في ديننا ~~والذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن الذي فيه عيناك وعاد عمر ولم يعد النبطي ~~فلما فرغ عمر أخذ النبطي الكتاب" رواه حرب. # فهذا عمر رضي الله عنه بمحضر من المهاجرين والأنصار يقول لمن عاهده: إنا ~~لم نعطك العهد على أن تدخل علينا في ديننا وحلف لئن عاد ليضربن عنقه فعلم ~~بذلك ms166 إجماع الصحابة على أن أهل العهد ليس لهم أن يظهروا الاعتراض علينا في ~~ديننا وأن ذلك منهم مبيح لدمائهم. # وإن من أعظم الاعتراضات سب نبينا صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر لا خفاء ~~به لأن إظهار التكذيب بالقدر من إظهار شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وإنما لم يقتله عمر لأنه لم يكن قد تقرر عنده أن هذا الكلام طعنا في ~~ديننا لجواز أن يكون اعتقد أن عمر قال ذلك من عنده فلما تقدم إليه عمر وبين ~~له أن هذا ديننا قال له: "لئن عدت لأقتلنك". # PageV01P202 # ومن ذلك ما استدل به الإمام أحمد ورواه عنه هشيم: ثنا حصين عمن حدثه عن ~~ابن عمر قال: مر به راهب فقيل له: هذا يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~ابن عمر: "لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا صلى الله ~~عليه وسلم". # ورواه أيضا من حديث الثوري عن حصين عن الشيخ أن ابن عمر أصلت على راهب سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف وقال: "إنا لم نصالحهم على سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم". # والجمع بين الروايتين أن يكون ابن عمر أصلت عليه السيف لعله يكون مقرا ~~بذلك فلما أنكر كف عنه وقال: "لو سمعته لقتلته" وقد ذكر حديث ابن عمر غير ~~واحد. # وهذه الآثار كلها نص في الذمي والذمية وبعضها عام في الكافر والمسلم أو ~~نص فيهما. # وقد تقدم حديث الرجل الذي قتله عمر من غير استتابة حين أبى أن يرضى بحكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحديث كشفه عن رأس صبيغ بن عسل وقوله: "لو رأيتك ~~محلوقا لضربت الذي فيه عيناك" من غير استتابة وإنما ذنب طائفته الاعتراض ~~على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. # وقد تقدم عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات} الآية: "هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم خاصة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له ms167 توبة" وقال: ~~نزلت في عائشة خاصة واللعنة للمنافقين عامة ومعلوم أن ذاك إنما هو # PageV01P203 # لأن قذفها أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ونفاق والمنافق يجب قتله إذا لم ~~تقبل توبته. # وروى الإمام أحمد بإسناده عن سماك بن الفضل عن عروة بن محمد عن رجل من ~~بلقين أن امرأة سبت النبي صلى الله عليه وسلم فقتلها خالد بن الوليد وهذه ~~المرأة مبهمة. # وقد تقدم حديث محمد بن مسلمة في ابن يامين الذي زعم أن قتل كعب ابن ~~الأشرف كان غدرا وحلف محمد بن مسلمة لئن وجده خاليا ليقتلنه لأنه نسب النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى الغدر ولم ينكر المسلمون عليه ذلك. # ولا يرد على ذلك إمساك الأمير إما معاوية أو مروان عن قتل هذا الرجل لأن ~~سكوته لا يدل على مذهب وهو لم يخالف محمد بن مسلمة ولعل سكوته لأنه لم ينظر ~~في حكم هذا الرجل أو نظر فلم تتبين له حكمة أو لم تنبعث داعيته لإقامة الحد ~~عليه أو ظن أن الرجل قال ذلك معتقدا أنه قتل دون أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو لأسباب أخر. # وبالجملة فمجرد كفه لا يدل على أنه مخالف لمحمد بن مسلمة فيما قاله وظاهر ~~القصة أن محمد بن مسلمة رآه مخطئا بترك إقامة الحد على ذلك الرجل ولذلك ~~هجره لكن هذا الرجل إنما كان مسلما فإن المدينة لم يكن بها يومئذ أحد من ~~غير المسلمين. # وذكر ابن المبارك: أخبرني حرملة بن عثمان حدثني كعب بن علقمة أن غرفة ابن ~~الحارث الكندي وكانت له صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم سمع نصرانيا شتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فضربه فدق أنفه فرفع ذلك إلى عمرو بن العاص فقال ~~له: "إنا قد أعطيناهم العهد" فقال له غرفة: "معاذ الله أن # PageV01P204 # نعطيهم العهد على أن يظهروا شتم النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أعطيناهم ~~العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم يعملون فيها ما بدا لهم وأن لا ~~نحملهم على ما لا يطيقون وإن ms168 أرادهم عدو قاتلنا دونهم وعلى أن نخلي بينهم ~~وبين أحكامهم إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا فنحكم فيهم بحكم الله وحكم ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وإن غابوا عنا لم نتعرض لهم" فقال عمرو: "صدقت". # فقد اتفق عمرو وغرفة بن الحارث على أن العهد الذي بيننا وبينهم لا يقتضي ~~إقرارهم على إظهار شتم الرسول صلى الله عليه وسلم كما اقتضى إقرارهم على ما ~~هم عليه من الكفر والتكذيب فمتى أظهروا شتمه فقد فعلوا ما يبيح الدم من غير ~~عهد عليه فيجوز قتلهم وهذا كقول ابن عمر في الراهب الذي شتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لو سمعته لقتلته فإنا لم نعطهم العهد على أن يشتموا نبينا صلى ~~الله عليه وسلم". # وإنما لم يقتل هذا الرجل والله أعلم لأن البينة لم تقم عليه بذلك وإنما ~~سمعه غرفة ولعل غرفة قصد قتله بتلك الضربة ولم يمكن من إتمام قتله لعدم ~~البينة بذلك ولأن فيه افتئاتا على الإمام والإمام لم يثبت عنده ذلك. # وعن خليد أن رجلا سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: "إنه لا يقتل إلا من سب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن اجلده على رأسه أسواطا ولولا أني أعلم ~~أن ذلك خير له لم أفعل" رواه حرب وذكره الإمام أحمد وهذا مشهور عن عمر بن ~~عبد العزيز وهو خليفة راشد عالم بالسنة متبع لها. # فهذا قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان # PageV01P205 # لا يعرف عن صاحب ولا تابع خلاف لذلك بل إقرار عليه واستحسان له. # وأما الاعتبار فمن وجوه: # أحدها: أن عيب ديننا وشتم نبينا مجاهدة لنا ومحاربة فكان نقضا للعهد ~~كالمجاهدة والمحاربة بالأولى. # يبين ذلك أن الله سبحانه قال في كتابه: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في ~~سبيل الله} والجهاد بالنفس يكون باللسان كما يكون باليد بل قد يكون أقوى ~~منه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم ~~وأموالكم" رواه النسائي وغيره. # وكان صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: "اغزهم وغازهم" ms169 وكان ينصب ~~له منبرا في المسجد ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره وهجائه ~~للمشركين وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أيده بروح القدس" وقال: ~~"إن جبريل معك ما دمت تنافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقال: "هي ~~أنكى فيهم من النبل". # وكان عدد من المشركين يكفون عن أشياء مما يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان ~~حتى إن كعب بن الأشرف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان ~~بقصيدة فيخرجونه من عندهم حتى لم يبقى له بمكة من يؤويه. # وفي الحديث: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " و" أفضل # PageV01P206 # الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بحق عند سلطان جائر فأمر به فقتل ~~". # وإذا كان شان الجهاد باللسان هذا الشأن في شتم المشركين وهجائهم وإظهار ~~دين الله والدعاء إليه علم أن من شتم دين الله ورسوله وأظهر ذلك وذكر كتاب ~~الله بالسوء علانية فقد جاهد المسلمين وحاربهم وذلك نقض للعهد. # الوجه الثاني؟ : أنا وإن أقررناهم على ما يعتقدونه من الكفر والشرك فهو ~~كإقرارنا لهم على ما يضمرونه لنا من العداوة وإرادة السوء بنا وتمني ~~الغوائل لنا فإننا نحن نعلم أنهم يعتقدون خلاف ديننا ويريدون سفك دمائنا ~~وعلو دينهم ويسعون في ذلك لو قدروا عليه فهذا القدر أقررناهم عليه فإذا ~~عملوا بموجب هذه الإرادة بأن حاربونا وقاتلونا نقضوا العهد كذلك إذا عملوا ~~بموجب تلك العقيدة من إظهار السب لله ولكتابه ولدينه ولرسوله نقضوا العهد ~~إذ لا فرق بين العمل بموجب الإرادة وموجب الاعتقاد. # الوجه الثالث: أن مطلق العهد الذي بيننا وبينهم يقتضي أن يكفوا ويمسكوا ~~عن إظهار الطعن في ديننا وشتم رسولنا كما يقتضي الإمساك عن دمائنا ~~ومحاربتنا لأن معنى العهد أن كل واحد من المتعاهدين يؤمن الآخر مما يحذره ~~منه قبل العهد ومن المعلوم أنا نحذر منهم إظهار كلمة الكفر وسب الرسول ~~وشتمه كما نحذر إظهار المحاربة بل أولى لأنا نسفك الدماء ونبذل الأموال في ~~تعزيز الرسول وتوقيره ورفع ذكره ms170 وإظهار شرفه وعلو قدره وهم جميعا يعلمون ~~هذا من ديننا فالمظهر منهم لسبه ناقض للعهد فاعل لما كنا نحذره ونقاتله ~~عليه قبل العهد وهذا واضح. # PageV01P207 # الوجه الرابع: أن العهد المطلق لو لم يقتض ذلك فالعهد الذي عاهدهم عليه ~~عمر بن الخطاب وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قد تبين فيه ذلك ~~وسائر أهل الذمة إنما جروا على مثل ذلك العهد. # روى حرب بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتب لعمر بن الخطاب حين ~~صالح نصارى أهل الشام: "هذا كتاب لعبد الله أمير المؤمنين من مدينة كذا ~~وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا على ~~أن لا نحدث وذكر الشروط إلى أن قال: ولا نظهر شركا ولا ندعوا إليه أحدا ~~وقال في آخره: شرطنا ذلك على أنفسنا وأهلينا وقبلنا عليه الأمان فإن نحن ~~خالفنا عن شيء شرطنا لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما ~~حل من أهل المعاندة والشقاق". # وقد تقدم قول عمر له في مجلس العقد: "إنا لم نعطك الذي أعطيناك لتدخل ~~علينا في ديننا والذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن عنقك" وعمر صاحب الشروط ~~عليهم. # فعلم بذلك أن شروط المسلمين عليهم أن لا يظهروا كلمة الكفر وأنهم متى ~~أظهروها صاروا محاربين وهذا الوجه يوجب أن يكون السب نقضا للعهد عند من ~~يقول: لا ينتقض العهد به إلا إذا شرط عليهم تركه كما خرجه بعض أصحابنا وبعض ~~الشافعية في المذهبين. # وكذلك يوجب أن يكون نقضا للعهد عند من يقول: إذا شرط عليهم انتقاض العهد ~~بفعله انتقض كما ذكره بعض أصحاب الشافعي فإن أهل الذمة إنما هم جارون على ~~شروط عمر لأنه لم يكن بعده إمام عقد عقدا يخالف عقده بل كل الأئمة جارون ~~على حكم عقده والذي سعى أن يضاف إلى من خالف # PageV01P208 # في هذه المسألة أنه لا يخالف إذا شرط عليهم انتقاض العهد بإظهار السب فإن ~~الخلاف حينئذ لا وجه له البتة مع إجماع الصحابة على صحة ms171 هذا الشرط وجريانه ~~على وفق الأصول فإذا كان الأئمة قد شرطوا عليهم ذلك وهو شرط صحيح لزم العمل ~~به على كل قول. # الوجه الخامس: أن العقد مع أهل الذمة على أن تكون الدار لنا تجري فيها ~~أحكام الإسلام وعلى أنهم أهل صغار وذلة على هذا عوهدوا وصولحوا فإظهار شتم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن في الدين ينافي كونهم أهل صغار وذلة فإن ~~من أظهر سب الدين والطعن فيه لم يكن من الصغار في شيء فلا يكون عهده باقيا. # الوجه السادس: أن الله فرض علينا تعزيز رسوله وتوقيره وتعزيزه: نصره ~~ومنعه وتوقيره: إجلاله وتعظيمه وذلك يوجب صون عرضه بكل طريق بل ذلك أولى ~~درجات التعزيز والتوقير فلا يجوز أن نصالح أهل الذمة على أن يسمعونا شتم ~~نبينا ويظهروا ذلك فإن تمكينهم من ذلك ترك للتعزيز والتوقير وهم يعلمون أنا ~~لا نصالحهم على ذلك بل الواجب علينا أن نكفهم عن ذلك ونزجرهم عنه بكل طريق ~~وعلى ذلك عاهدناهم فإذا فعلوه فقد نقضوا الشرط الذي بيننا وبينهم. # الوجه السابع: أن نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض علينا لأنه من ~~التعزيز المفروض ولأنه من أعظم الجهاد في سبيل الله ولذلك قال سبحانه: {ما ~~لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} إلى قوله: {إلا ~~تنصروه فقد نصره الله} وقال تعالى: {يا أيها الذين # PageV01P209 # آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله} الآية بل نصر آحاد المسلمين واجب بقوله صلى الله عليه وسلم: "انصر ~~أخاك ظالما أو مظلوما" وبقوله: "المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه" ~~فكيف لا ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. # ومن أعظم النصر حماية عرضه ممن يؤذيه ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من حمى مؤمنا من منافق يؤذيه حمى الله جلده من نار جهنم يوم ~~القيامة". # ولذلك سمى من قابل الشاتم بمثل شتمه منتصرا وسب رجل أبا بكر عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو ms172 ساكت فلما أخذ لينتصر قام فقال: يا رسول الله كان ~~يسبني وأنت قاعد فلما أخذت لأنتصر قمت فقال: "كان الملك يرد عليه فلما ~~انتصرت ذهب الملك فلم أكن لأقعد وقد ذهب الملك" أو كما قال صلى الله عليه ~~وسلم. # وهذا كثير معروف في كلامهم يقولون لمن كافى الساب والشاتم "منتصرا" كما ~~يقولون لمن كافى الضارب والقاتل "منتصرا". # وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم قال للذي قتل بنت مروان لما شتمته: "إذا ~~أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى هذا" وقال ~~للرجل الذي خرق صف المشركين حين ضرب بالسيف ساب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعجبتم من رجل نصر الله ورسوله؟ ". # وحماية عرضه صلى الله عليه وسلم في كونه نصرا أبلغ من ذلك في حق # PageV01P210 # غيره لأن الوقيعة في عرض غيره قد لا تضر مقصودة بل تكتب له بها حسنات. # أما انتهاك عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مناف لدين الله ~~بالكلية فإن العرض متى انتهك سقط الاحترام والتعظيم فسقط ما جاء به من ~~الرسالة فبطل الدين فقيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام ~~الدين كله وسقوط ذلك سقوط الدين كله وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له ~~ممن انتهك عرضه والانتصار له بالقتل لأن انتهاك عرضه انتهاك لدين الله. # ومن المعلوم أن من سعى في دين الله بالإفساد استحق القتل بخلاف انتهاك ~~عرض غيره معينا فإنه لا يبطل الدين والمعاهد لم نعاهده على ترك الانتصار ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه ولا من غيره كما لم نعاهده على ترك ~~استيفاء حقوق المسلمين ولا يجوز أن نعاهده على ذلك وهو يعلم أنا لم نعاهده ~~على ذلك فإذا سبه فقد وجب علينا أن ننتصر له بالقتل ولا عهد معه على ترك ~~ذلك فيجب قتله وهذا بين واضح لمن تأمله. # الوجه الثامن: أن الكفار قد عوهدوا على أن لا يظهروا شيئا من المنكرات ~~التي تختص بدينهم في ms173 بلاد الإسلام فمتى أظهروها استحقوا العقوبة على ~~إظهارها وإن كان إظهارها دينا لهم فمتى أظهروا سب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم استحقوا عقوبة ذلك وعقوبة ذلك القتل كما تقدم. # الوجه التاسع: أنه لا خلاف بين المسلمين علمناه أنهم ممنوعون من إظهار ~~السب وأنهم يعاقبون عليه إذا فعلوه بعد النهي فعلم أنهم لم يقروا عليه كما ~~أقروا على ما هم عليه من كفر وإذا فعلوا ما لم يقروا عليه من الجنايات ~~استحقوا العقوبة بالاتفاق وعقوبة السب إما أن تكون جلدا وحبسا أو قطعا أو ~~قتلا والأول باطل فإن مجرد سب الواحد من المسلمين # PageV01P211 # وسلطان المسلمين يوجب الجلد والحبس فلو كان سب الرسول كذلك استوى من سب ~~الرسول ومن سب غيره من الأمة وهو باطل بالضرورة والقطع لا معنى له فتعين ~~القتل. # الوجه العاشر: أن القياس الجلي يقتضي أنهم متى خالفوا شيئا مما عوهدوا ~~عليه انتقض عهدهم كما ذهب إليه طائفة من الفقهاء فإن الدم مباح بدون العهد ~~والعهد عقد من العقود وإذا لم يف أحد المتعاقدين بما عاقد عليه فإما أن ~~يفسخ العقد بذلك أو يتمكن العاقد الآخر من فسخه هذا أصل مقرر في عقد البيع ~~والنكاح والهبة وغيرها من العقود والحكمة فيه ظاهرة فإنه إنما التزم ما ~~التزمه بشرط أن يلتزم الآخر بما التزمه فإذا لم يلتزمه الآخر صار هذا غير ~~ملتزم فإن الحكم المعلق بشرط لا يثبت بعينه عند عدمه باتفاق العقلاء وإنما ~~اختلفوا في ثبوت مثله. # إذا تبين هذا فإن كان المعقود عليه حقا للعاقد بحيث له أن يبذله بدون ~~الشرط لم ينفسخ العقد بفوات الشرط بل له أن يفسخه كما إذا شرط رهنا أو ~~كفيلا أو صفة في المبيع وإن كان حقا لله أو لغيره ممن يتصرف له بالولاية ~~ونحوها لم يجز له إمضاء العقد بل ينفسخ العقد بفوات الشرط أو يجب عليه فسخه ~~كما إذا شرط أن تكون الزوجة حرة فظهرت أمة وهو ممن لا يحل له نكاح الإماء ~~أو شرط أن يكون الزوج مسلما ms174 فبان كافرا أو شرط أن تكون الزوجة مسلمة فبانت ~~وثنية وعقد الذمة ليس حقا للإمام بل هو حق لله ولعامة المسلمين فإذا خالفوا ~~شيئا مما شرط عليهم فقد قيل: يجب على الإمام أن يفسخ العقد وفسخه: أن يلحقه ~~بمأمنه ويخرجه من دار الإسلام ظنا أن العقد لا ينفسخ بمجرد المخالفة بل يجب ~~فسخه # PageV01P212 # وهذا ضعيف لأن المشروط إذا كان حقا لله لا للعاقد انفسخ العقد بفواته من ~~غير فسخ. # وهنا الشروط على أهل الذمة حق لله لا يجوز للسلطان ولا لغيره أن يأخذ ~~منهم الجزية ويعاهدهم على المقام بدار الإسلام إلا إذا التزموها وإلا وجب ~~عليه قتالهم بنص القرآن ولو فرضنا جواز إقرارهم بدون هذا الشروط فإنما ذاك ~~فيما لا ضرر على المسلمين فيه فأما ما يضر المسلمين فلا يجوز إقرارهم عليه ~~بحال ولو فرض إقرارهم على ما يضر المسلمين في أنفسهم وأموالهم فلا يجوز ~~إقرارهم على إفساد دين الله والطعن على كتابه ورسوله. # ولهذه المراتب قال كثير من الفقهاء: إن عهدهم ينتقض بما يضر المسلمين من ~~المخالفة دون ما لا يضرهم وخص بعضهم ما يضرهم في دينهم دون ما يضرهم في ~~دنياهم والطعن على الرسول أعظم المضرات في دينهم. # إذا تبين هذا فنقول: قد شرط عليهم أن لا يظهروا سب الرسول وهذا الشرط ~~ثابت من وجهين: # أحدهما: أنه موجب عقد الذمة ومقتضاه كما أن سلامة المبيع من العيوب وحلول ~~الثمن وسلامة المرأة والزوج من موانع الوطء وإسلام الزوج وحريته إذا كانت ~~الزوجة حرة مسلمة هو موجب العقد المطلق ومقتضاه فإن موجب العقد هو ما يظهر ~~عرفا أن العاقد شرطه وإن لم يتلفظ به كسلامة المبيع. # ومعلوم أن الإمساك عن الطعن في الدين وسب الرسول من ما يعلم أن المسلمين ~~يقصدونه بعقد الذمة ويطلبونه كما يطلبون الكف عن مقاتلتهم وأولى فإنه من ~~أكبر المؤذيات والكف عن الأذى العام موجب عقد الذمة وإذا كان ظاهر حال ~~المشترى أنه دخل على أن السلعة سليمة من العيوب حتى يثبت له الفسخ بظهور ~~العيب ms175 وإن لم يشرطه فظاهر حال المسلمين الذين # PageV01P213 # عاقدوا أهل الذمة أنهم دخلوا على أن المشركين يكفون عن إفساد دينهم ~~والطعن فيه بيد أو لسان وأنهم لو علموا أنهم يظهرون الطعن في دينهم لم ~~يعاهدوهم على ذلك وأهل الذمة يعلمون ذلك كعلم البائع أن المشتري إنما دخل ~~معه على أن المبيع سالم بل هذا أظهر وأشهر ولا خفاء به. # الوجه الثاني: في ثبوت هذا الشرط أن الذين عاهدوهم أولا هم أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عمر ومن كان معه وقد نقلنا العهد الذي بيننا ~~وبينهم وذكرنا أقوال الذين عاهدوهم وهو عهد متضمن أنه شرط عليهم الإمساك عن ~~الطعن في دين المسلمين وأنهم إذا فعلوا ذلك حلت دمائهم وأموالهم ولم يبق ~~بيننا وبينهم عهد وإذا ثبت أن ذلك مشروط عليهم في العقد فزواله يوجب انفساخ ~~العقد لأن الانفساخ أيضا مشروط عليهم ولأن الشرط حق الله كاشتراط إسلام ~~الزوج والزوجة فإذا فات هذا الشرط بطل العقد كما يبطل إذا ظهر الزوج كافرا ~~أو المرأة وثنية أو المبيع غصبا أو حرا أو تجدد بين الزوجين صهر أو رضاع ~~يحرم أحدهما على الآخر أو تلف المبيع بعد القبض فإن هذه الأشياء كما لم يجز ~~الإقدام على العقد مع العلم بها أبطل العقد مقارنتها له أو طروءها عليه ~~فكذلك وجود هذه الأقوال والأفعال من الكافر لما لم يجز للإمام أن يعاهده مع ~~إقامته عليها كان وجودها موجبا لفسخ عقده من غير إنشاء فسخ على أنا لو ~~قدرنا أن العقد لا ينفسخ إلا بفسخ الإمام فإنه يجب عليه فسخه بغير تردد ~~لأنه عقده للمسلمين فإنه لو اشترى الوالي سلعة لليتيم فبانت معيبة وجب عليه ~~استدراك ما فات من مال اليتيم وفسخه يكون بقوله وبفعله وقتله له فسخ لعقده. # نعم لا يجوز له أن يفسخه بجرد القول فإن فيه ضررا على المسلمين وليس ~~للسلطان فعل ما فيه ضرر على المسلمين مع القدرة على تركه وقولنا: # PageV01P214 # "إن الذمي انتقض عهده" أي لم يبق له عهد يعصم دمه ms176 والأول هو الوجه فإن ~~بقاء العقد مع وجود ما ينافيه محال. # نعم هنا اختلف الفقهاء فيما ينافي العقد فقائل يقول: جميع المخالفات ~~تنافيه بناء على أنه ليس للإمام أن يصالحهم بدون شيء من الشروط التي شرط ~~عمر. # وقائل يقول: التي تنافيه هي المخالفات المضرة بالمسلمين بناء على جواز ~~مصالحتهم على ما هو دون ذلك كما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم أولا حال ~~ضعف الإسلام. # وقائل يقول: التي تنافيه هي ما يوجب الضرر العام في الدين أو الدنيا ~~كالطعن على الرسول ونحوها. # وبالجملة فكل ما لا يجوز للإمام أن يعاهدهم مع كونهم يفعلونه فهو مناف ~~للعقد كما أن ما لا يجوز للمتبايعين والمتناكحين أن يتعاقدا مع وجوده فهو ~~مناف للعقد. # وإظهار الطعن في الدين لا يجوز للإمام أن يعاهدهم مع وجوده منهم أعني مع ~~كونهم ممكنين من فعله إذا أرادوا وهذا مما أجمع المسلمون عليه ولهذا بعضهم ~~يعاقبون على فعله بالتعزير وأكثرهم يعاقبون عليه بالقتل. # وهو مما لا يشك فيه المسلم ومن شك فيه فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه. # وإذا كان العقد لا يجوز عليه كان منافيا للعقد ومن خالف شرطا مخالفة ~~تنافي ابتداء العقد فإن عقده ينفسخ بذلك بلا ريب كأحد الزوجين إذا أحدث ~~دينا يمنع ابتداء العقد مثل ارتداد المسلم أو إسلام المرأة تحت الكافر فإن ~~العقد ينفسخ بذلك: إما في الحال أو عقب انقضاء العدة # PageV01P215 # أو بعد عرض القاضي كما هو مقرر في مواضعه. # فإحداث أهل الذمة الطعن في الدين مخالفة بموجب العقد مخالفة تنافي ~~ابتداءه فيجب انفساخ عقدهم بها وهذا بين لما تأمله وهو يوجب انفساخ العقد ~~بما ذكرناه عند جميع الفقهاء ويتبين أن ذلك هو مقتضى قياس الأصول. # واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها من جهة المعنى في الذمي فأما المسلم ~~إذا سب فلم يحتج أن يذكر فيه شيئا من جهة المعنى لظهور ذلك في حقه ولكون ~~المحل محل وفاق ولكن سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الأمر فيه هل سبه ردة ~~محضة كسائر ms177 الردد الخالية عن زيادة مغلظة أو هو نوع من الردة متغلظ بقتله ~~على كل حال؟ وهل يقتل للسب مع الحكم بإسلامه أم لا؟ والله سبحانه أعلم. # فإن قيل: فقد قال تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ~~ذلك من عزم الأمور} فأخبر أنا نسمع منهم الأذى الكثير ودعانا إلى الصبر على ~~أذاهم وإنما يؤذينا أذى عاما الطعن في كتاب الله ودينه ورسوله وقوله تعالى: ~~{لن يضروكم إلا أذى} من هذا الباب. # قلنا: أولا: ليس في الآية بيان أن ذلك مسموع من أهل الذمة والعهد وإنما ~~هو مسموع في الجملة من الكفار. # وثانيا: إن الأمر بالصبر على أذاهم وبتقوى الله لا يمنع قتالهم عند ~~المكنة وإقامة حد الله عليهم عند القدرة فإنه لا خلاف بين المسلمين أنا إذا ~~سمعنا مشركا أو كتابيا يؤذي الله ورسوله فلا عهد بيننا وبينه وجب علينا أن ~~نقاتله ونجاهده إذا أمكن ذلك # PageV01P216 # وثالثا: أن هذه الآية وما شابهها منسوخ من بعض الوجوه وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان بها يهود كثير ومشركون وكان أهل ~~الأرض إذ ذاك صنفين: مشركا أو صاحب كتاب فهادن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من بها من اليهود وغيرهم وأمرهم الله إذ ذاك بالعفو والصفح كما في ~~قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله ~~بأمره} فأمره الله بالعفو والصفح عنهم إلى أن يظهر الله دينه ويعز جنده ~~فكان أول العز وقعة بدر فإنها أذلت رقاب أكثر الكفار الذين بالمدينة وأرهبت ~~سائر الكفار. # وقد أخرجا في الصحيحين عن عروة عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ركب حمارا على إكاف على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد يعود ~~سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل ms178 وقعة بدر فسار حتى مر بمجلس فيه ~~عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بي أبي وإذا في المجلس ~~أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المجلس عبد الله بن ~~رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا ~~تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى ~~الله وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا ~~أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك ~~فاقصص عليه فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى ~~كادوا يتثاورون # PageV01P217 # فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ثم ركب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ يريد عبد الله بن أبي ~~قال كذا وكذا قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح فوالذي نزل ~~عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحرة ~~على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق ~~بذلك فذلك الذي فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول الله. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل ~~الكتاب كما أمرهم الله تعالى ويصبرون على الأذى قال الله تعالى: {ولتسمعن ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا ~~وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقال الله عز وجل: {ود كثير من أهل الكتاب ~~لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم ~~الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله ms179 على كل شيء قدير} . # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله تعالى ~~حتى أذن الله عز وجل فيهم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل ~~الله تعالى به من قتل من صناديد قريش وقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه منصورين غانمين مع أسارى من صناديد الكفار وسادة قريش فقال ابن أبي ~~بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان: هذا # PageV01P218 # أمر قد توجه فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأسلموا ~~اللفظ للبخاري. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله تعالى: {وأعرض عن المشركين} {لست ~~عليهم بمصيطر} {فاعف عنهم واصفح} {وإن تعفوا وتصفحوا} {فاعفوا واصفحوا حتى ~~يأتي الله بأمره} {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} ونحو ~~هذا في القرآن مما أمر الله به المؤمنين بالعفو والصفح عن المشركين فإنه ~~نسخ ذلك كله قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقوله تعالى: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله: {وهم صاغرون} ~~فنسخ هذا عفوه عن المشركين. # وكذلك روى الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال: أمر الله نبيه أن يعفو عنهم ~~ويصفح حتى يأتي الله بأمره وقضائه ثم أنزل الله عز وجل براءة فأتى الله ~~بأمره وقضائه فقال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} الآية قال: فنسخت هذه الآية ما كان قبلها ~~وأمر الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية صغارا ونقمة ~~لهم. # وكذلك ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~يقاتل من كف عن قتاله كقوله تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا ~~إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} إلى أن نزلت براءة. # PageV01P219 # وجملة ذلك أنه لما نزلت براءة أمر أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال وثنيهم ~~وكتابيهم سواء كفوا عنه أو لم يكفوا وإن ينبذ إليهم تلك العهود المطلقة ~~التي كانت ms180 بينه وبينهم وقيل له فيها: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} ~~بعد أن كان قد قيل له: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} . # ولهذا قال زيد بن أسلم: نسخت هذه الآية ما كان قبلها فأما قبل براءة وقبل ~~بدر فقد كان مأمورا بالصبر على أذاهم والعفو عنهم وأما بعد بدر وقبل براءة ~~فقد كان يقاتل من يؤذيه ويمسك عمن سالمه كما فعل بابن الأشرف وغيره ممن كان ~~يؤذيه فبدر كانت أساس عز الدين وفتح مكة كانت كمال عز الدين فكانوا قبل بدر ~~يسمعون الأذى الظاهر ويؤمرون بالصبر عليه وبعد بدر يؤذون في السر من جهة ~~المنافقين وغيرهم فيؤمرون بالصبر عليه وفي تبوك أمروا بالإغلاظ للكفار ~~والمنافقين فلم يتمكن بعدها كافر ولا منافق من أذاهم في مجلس خاص ولا عام ~~بل مات بغيظه لعلمه بأنه يقتل إذا تكلم وقد كان بعد بدر لليهود استطالة ~~وأذى للمسلمين إلى أن قتل كعب بن الأشرف. # قال محمد بن إسحاق في حديثه عن محمد بن مسلمة قال: فأصبحنا وقد خافت يهود ~~لوقعتنا بعد والله فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه. # وروى بإسناده عن محيصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ظفرتم ~~به من رجال يهود فاقتلوه" فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار ~~يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة ابن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان ~~أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضر به ويقول: أي عدو الله قتلته أما ~~والله لرب شحم في بطنك من ماله فوالله إن كان لأول إسلام حويصة فقال محيصة: ~~فقلت له: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك فقال: لو ~~أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ # PageV01P220 # فقال محيصة: نعم والله فقال حويصة: والله إن دينا بلغ هذا منك لعجب. # وذكر غير ابن إسحاق أن اليهود حذرت وذلت وخافت من يوم قتل ابن الأشرف ~~فلما أتى الله بأمره الذي وعده من ظهور الدين وعز المؤمنين أمر رسوله ~~بالبراءة إلى المعاهدين ms181 وبقتال المشركين كافة وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون. # فكان ذلك عاقبة الصبر والتقوى اللذين أمرهم بهما في أول الأمر وكان إذ ~~ذاك لا يؤخذ من أحد من اليهود الذين بالمدينة ولا غيرهم جزية وصارت تلك ~~الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه ~~فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق ~~كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه وبهذه الآية ونحوها ~~كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهده ~~خلفائه الراشدين وكذلك هو إلى قيام الساعة لا تزال طائفة من هذه الأمة ~~قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام فمن كان من المؤمنين بأرض ~~هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي ~~الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين وأما أهل القوة فإنما يعملون ~~بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} إلى ~~قوله: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا ~~الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير} فأخبر أنهم يحيون الرسول ~~تحية منكرة وأخبر أن العذاب في الآخرة يكفيهم عليها فعلم أن تعذيبهم في ~~الدنيا ليس بواجب. # PageV01P221 # وعن أنس بن مالك قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~السام عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وعليك" فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أتدرون ما يقول؟ " قالوا: لا قال: يقول "السام عليك" ~~قالوا: يا رسول الله ألا نقتله قال: "لا إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: ~~وعليكم " رواه البخاري. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: ms182 السام عليك قالت عائشة: ففهمتها فقلت: عليكم السام ~~واللعنة قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مهلا يا عائشة إن الله ~~رفيق يحب الرفق في الأمر كله" فقلت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال: ~~"قد قلت: وعليكم " متفق عليه. # وعن جابر قال: " سلم ناس من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم فقال "وعليكم" فقالت عائشة وغضبت: ألم ~~تسمع ما قالوا؟ قال: "بلى قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب ولا يجابون علينا ~~" رواه مسلم. # ومثل هذا الدعاء أذى للنبي صلى الله عليه وسلم وسب له ولو قاله المسلم ~~لصار به مرتدا لأنه دعاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بأنه ~~يموت وهذا فعل كافر ومع هذا فلم يقتلهم بل نهى عن قتل اليهودي الذي قال ذلك ~~لما استأمره أصحابه في قتله. # قلنا: عن هذا أجوبة: # أحدها: أن هذا كان في حال ضعف الإسلام ألا ترى أنه قال لعائشة: "مهلا يا ~~عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله" وهذا الجواب كما ذكرناه في الأذى ~~الذي أمر الله بالصبر عليه إلى أن أتى الله بأمره. # PageV01P222 # ذكر هذا الجواب طوائف من المالكية والشافعية والحنبلية: منهم القاضي أبو ~~يعلى وأبو إسحاق الشيرازي وأبو الوفاء بن عقيل وغيرهم ومن أجاب بهذا جعل ~~الأمان كالإيمان في انتقاضه بالشتم ونحوه. # وفي هذا الجواب نظر لما روي ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا: عليك ". # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سلم عليكم أهل ~~الكتاب فقولوا: وعليكم " متفق عليهما. # فعلم أن هذا سنة قائمة في حق أهل الكتاب مع بقائهم على الذمة وأنه صلى ~~الله عليه وسلم حال عز الإسلام لم يأمر بقتلهم لأجل هذا وقد ركب إلى بني ~~النضير فقال: "إذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم" وكان ذلك بعد قتل ابن ~~الأشرف فعلم أنه كان بعد ms183 قوة الإسلام. # نعم قد قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع من الكفار والمنافقين ~~في أول الإسلام إذا كثيرا وكان يصبر عليه امتثالا لقوله تعالى: {ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} لأن إقامة الحدود عليهم كان يفضي إلى فتنة ~~عظيمة ومفسدة أعظم من مفسدة الصبر على كلاماتهم. # فلما فتح الله مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا وأنزل الله براءة قال ~~فيها: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} وقال تعالى: {لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض} إلى قوله: {أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا ~~تقتيلا} . # PageV01P223 # فلما رأى من بقي من المنافقين ما صار الأمر إليه من عز الإسلام وقيام ~~الرسول بجهاد الكفار والمنافقين أضمروا النفاق فلم يكن يسمع من أحد من ~~المنافقين بعد غزوة تبوك كلمة سوء وماتوا بغيظهم حتى بقي منهم أناس بعد موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعرفهم صاحب السر حذيفة فلم يكن يصلي عليهم هو ~~ولا يصلي عليهم من عرفهم بسبب آخر مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # فهذا يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتمل من الكفار والمنافقين ~~قبل براءة ما لم يكن يحتمل فهم بعد ذلك كما قد كان يحتمل من أذى الكفار وهو ~~بمكة ما لم يكن يحتمل بدار الهجرة والنصرة لكن هذه الكلمة ليست من هذا ~~الباب كما قد بيناه. # الجواب الثاني: أن هذا ليس من السب الذي ينتقض به العهد لأنهم إنما ~~أظهروا التحية الحسنة والسلام المعروف ولم يظهروا سبا ولا شتما وإنما حرفوا ~~السلام تحريفا خفيا لا يظهر ولا يفطن له أكثر الناس ولهذا لما سلم اليهودي ~~على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ السام لم يعلم به أصحابه حتى أعلمهم ~~وقال: "إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم" وعهدهم لا ينتقض ~~بما يقولونه سرا من كفر أو تكذيب فإن هذا لا بد منه وكذلك لا ينتقض العهد ~~بما يخفونه من السب وإنما ينتقض بما يظهرونه. # وقد ذكر غير واحد أن اليهود كانوا يدخلون ms184 على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيقولون: السام عليك فيرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "وعليكم" # PageV01P224 # ولا يدري ما يقولون فإذا خرجوا قالوا: لو كان نبيا لعذبنا واستجيب فينا ~~وعرف قولنا فدخلوا عليه ذات يوم وقالوا: السام عليك ففطنت عائشة إلى قولهم ~~وقالت: وعليكم السام والذام والداء واللعنة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " مه يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله ولا يحب الفحش ولا ~~التفحش " فقالت: يا رسول الله ألم تسمع إلى ما قالوا؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم ". # فهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يظهر له أنه سب ولذلك ~~نهى عائشة عن التصريح بشتمهم وأمرها بالرفق بأن ترد عليهم تحيتهم فإن كانوا ~~قد حيوا تحية سيئة استجيب لنا فيهم ولم يستجب لهم فينا ولو كان ذلك من باب ~~شبهم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذي هو السب لكان فيه العقوبة ~~ولو بالتعزير والكلام. # فلما لم يشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه التحية تعزيرا ~~ونهى من أغلظ عليهم لأجلها علم أن ذلك ليس من السب الظاهر لكونهم أخفوه كما ~~يخفي المنافقون نفاقهم ويعرفون في لحن القول فلا يعاقبون بمثل ذلك وسيأتي ~~تمام الكلام إن شاء الله تعالى في ذلك. # الجواب الثالث: أن قول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له ألا نقتله لما ~~أخبرهم أنه قال السام عليكم دليل على أنه كان مستقرا عندهم قتل الساب من ~~اليهود لما رأوه قتل ابن الأشرف والمرأة وغيرهما فنهاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن قتله وأخبرهم أن مثل هذا الكلام حقه أن يقابل بمثله لأنه ليس ~~إظهارا للسب والشتم من جنس ما فعلت تلك اليهودية وابن الأشرف وغيرهما وإنما ~~هو إسرار به كإسرار المنافقين بالنفاق. # PageV01P225 # الجواب الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يعفو عمن شتمه ~~وسبه في حياته وليس للأمة أن يعفو ms185 عن ذلك. # يوضح ذلك أنه لا خلاف أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه بعد ~~موته من المسلمين كان كافرا حلال الدم وكذلك من سب نبيا من الأنبياء ومع ~~هذا فقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ~~فبرأه الله مما قالوا} وقال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني ~~وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} فكان بنو إسرائيل يؤذون موسى في حياته بما ~~لو قاله اليوم أحد من المسلمين وجب قتله ولم يقتلهم موسى عليه السلام وكان ~~نبينا صلى الله عليه وسلم يقتدى به في ذلك فربما سمع أذاه أو بلغه فلا ~~يعاقب المؤذي على ذلك قال الله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو ~~أذن} الآية وقال تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا ~~وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} . # وعن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقسم إذ جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله قال: ~~"ويلك من يعدل إذا لم اعدل؟ " قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه قال: "دعه ~~فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم # PageV01P226 # من الرمية " وذكر الحديث وفيه نزلت {ومنهم من يلمزك في الصدقات} . # هكذا رواه البخاري وغيره من حديث معمر عن الزهري وأخرجاه في الصحيحين من ~~وجوه أخرى عن الزهري عن أبي سلمة والضحاك الهمداني عن أبي سعيد قال: "بينا ~~نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو ~~رجل من بن تميم فقال: يا رسول الله اعدل فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ويلك من يعدل إذا لم اعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل " فقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "دعه فإن ms186 له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم " ~~وذكر حديث الخوارج المشهور ولم يذكر نزول الآية. # وتسمينة ذي الخويصرة هو المشهور في عامة الحديث كما رواه عامة أصحاب ~~الزهري عنه والأشبه أن ما انفرد به معمر وهم منه فإن له مثل ذلك وقد ذكروا ~~أن اسمه حرقوص بن زهير. # وفي الصحيحين أيضا من حديث عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد قال: بعث ~~علي رضي الله عنه وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة في ~~تربتها فقسمها بين أربعة نفر وفيه: فغضب قريش والأنصار وقالوا: يعطيه ~~صناديد أهل نجد ويدعنا فقال: إنما أتألفهم فأقبل رجل غائر العينين ناتيء ~~الجبين كث اللحية مشرف الوجنتين محلوق الرأس فقال: يا محمد اتق الله قال: " ~~فمن يطع الله إذا عصيته؟ أفيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني " فسأل رجل من ~~القوم قتله أراه خالد بن الوليد فمنعه # PageV01P227 # فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" وذكر ~~الحديث في صفة الخوارج وفي آخره " يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ~~لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ". # وفي رواية لمسلم: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر ~~السماء صباحا ومساء " وفيها فقال: يا رسول الله اتق الله فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى ~~الرجل فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه فقال: "لا لعله أن ~~يكون يصلي " قال خالد بن الوليد: "وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ ~~" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ~~ولا أشق بطونهم ". # وفي رواية في الصحيح: فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألا ~~أضرب عنقه؟ قال: "لا" فقام إليه خالد سيف الله فقال: يا رسول الله ألا أضرب ~~عنقه؟ قال: "لا". # فهذا الرجل قد نص القرآن أنه من المنافقين بقوله: {ومنهم من يلمزك في ms187 ~~الصدقات} أي يعيبك ويطعن عليك وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: اعدل واتق ~~الله بعدما خص بالمال أولئك الأربعة نسب للنبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه ~~جار ولم يتق الله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أولست أحق أهل ~~الأرض أن يتقي الله ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ ". # ومثل هذا الكلام لا ريب أنه يوجب القتل لو قاله اليوم أحد وإنما لم يقتله ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يظهر الإسلام وهو الصلاة التي # PageV01P228 # يقاتل الناس حتى يفعلوها وإنما كان نفاقه بما يخص النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الأذى وكان له أن يعفو عنه وكان يعفو عنهم تأليفا للقلوب لئلا ~~يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وقد جاء ذلك مفسرا في هذه القصة أو في ~~مثلها. # فروى مسلم في صحيحه عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: "أتى رجل ~~بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقبض منها يعطي منها الناس فقال: يا محمد اعدل فقال: "ويحك ومن يعدل إذا لم ~~أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل " فقال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال صلى الله عليه وسلم: " معاذ ~~الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا ~~يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية ". # وروى البخاري منه عن عمرو عن جابر رضي الله عنهما: بينما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل فقال: " لقد شقيت ~~إن لم أعدل ". # وجاء من كلامه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أغلظ من هذا قال ابن ~~إسحاق في رواية ابن بكير عنه: حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن ~~مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث قال: خرجت أنا وتيلد بن كلاب ~~الليثي فلقينا عبد الله بن عمرو ms188 بن العاص يطوف بالكعبة معلقا نعليه في يديه ~~فقلنا له: هل حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ذو الخويصرة التميمي ~~يكلمه؟ قال: نعم ثم حدثنا فقال: أتى ذو الخويصرة التميمي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يقسم المغانم بحنين فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت قال: ~~"فكيف رأيت؟ " فقال: لم أرك عدلت # PageV01P229 # فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إذا لم يكن العدل عندي فعند ~~من يكون؟ " فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم إليه فأضرب عنقه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى ~~يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية " وذكر تمام الحديث. # قال ابن إسحاق: حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: أتى ذو ~~الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم المقاسم بحنين ~~وذكر مثل هذا سواء. # ورواه الإمام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق نحو ~~هذا. # وقال الأموي عن ابن إسحاق وذكر الحديث عن أبي عبيدة وعن محمد بن علي وعن ~~ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولم ~~يسمه إلا محمد بن علي فإنه قال: هو ذو الخويصرة التميمي. # وكذلك ذكر غيره أن ذا الخويصرة هو الذي اعترض على النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قسم غنائم حنين وكذلك المنافق الذي سمعه ابن مسعود فإنه في غنائم ~~حنين أيضا. # وأما الذي في حديث ابن أبي نعم عن أبي سعيد فإنه كان بعد هذه المرة لأن ~~فيه أن عليا بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو باليمن بذهيبة فقسمها ~~بين أربعة من أهل نجد ولا خلاف بين أهل العلم أن عليا كان في غزوة حنين مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن اليمن فتحت يومئذ ثم إنه استعمل عليا على ~~اليمن سنة عشر بعد تبوك وبعد أن بعثه مع أبي بكر إلى ms189 الموسم بنبذ العهود ~~ووافى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع منصرفه من اليمن وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة لما بعث علي بالصدقة ومما يبين ذلك أن # PageV01P230 # غنائم حنين نفل النبي صلى الله عليه وسلم منها خلقا كثيرا من قريش وأهل ~~نجد وهذه الذهيبة إنما قسمها بين أربعة نجديين وإذا كان كذلك فإما أن يكون ~~المعترض في هذه المرة غير ذي الخويصرة ويكون أبو سعيد قد شهد القصتين وعلى ~~هذا فالذي في رواية معمر أن آية الصدقات نزلت في قصة ذي الخويصرة ليس بجيد ~~بل هو مدرج في الحديث من كلام الزهري أو كلام معمر لأن ذا الخويصرة إنما ~~أنكر عليه قسم الغنائم وليست هي الصدقات التي جعلها الله لثمانية أصناف ولا ~~التفات إلى ما ذكره بعض المفسرين من أن الآية نزلت في قسم غنائم حنين وإما ~~أن يكون المعترض في ذهيبة علي رضي الله عنه هو ذو الخويصرة أيضا وعلى هذا ~~فتكون أحاديث أبي سعيد كلها في هذه القصة لا في قسم الغنائم وتكون الآية قد ~~نزلت في ذلك أو يكون قد شهد القصتين معا والآية نزلت في إحداهما. # وقد روى عن أبي برزة الأسلمي قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال ~~فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ولم يعط من وراءه شيئا فقام رجل من ~~ورائه فقال: يا محمد ما عدلت في القسمة رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان ~~أبيضان فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال: " والله لا ~~تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني" ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم كان هذا ~~منهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال ~~فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة " رواه النسائي. # ومن هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين عن أبي وائل عن عبد الله قال: # PageV01P231 # لما كان يوم حنين آثر رسول ms190 الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة فأعطى ~~الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطي عيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى ناسا من ~~أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل ~~فيها أو ما أريد بها وجه الله قال: فقلت والله لأخبرن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه صلى الله عليه وسلم حتى ~~كان كالصرف ثم قال: " فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ " ثم قال: "يرحم ~~الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " قال: فقلت لا جرم لا أرفع إليه ~~بعدها حديثا. # وفي رواية للبخاري قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله. # وذكر الواقدي أن المتكلم بهذا كان معتب بن قشير وهو معدود من المنافقين. # فهذا الكلام مما يوجب القتل بالاتفاق لأنه جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~ظالما مرائيا وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا من أذى المرسلين ثم ~~اقتدى في العفو عن ذلك بموسى عليه السلام ولم يستتب لأن القول لم يثبت فإنه ~~لم يراجع القائل ولا تكلم في ذلك بشيء. # ومن ذلك ما رواه ابن أبي عاصم وأبو الشيخ في الدلائل بإسناد صحيح عن ~~قتادة عن عقبة بن وساج عن عمر قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقليد ~~من ذهب وفضة فقسمه بين أصحابه فقام رجل من أهل البادية فقال: يا محمد والله ~~لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل فقال: " ويحك من يعدل عليك بعدي؟ " ~~فلما ولى قال: "ردوه علي رويدا". # ومن ذلك قول الأنصاري الذي حاكم الزبير في شراج الحرة لما قال له صلى ~~الله عليه وسلم " اسق يا زبير ثم سرح الماء إلى جارك" فقال: أن كان ابن ~~عمتك؟ # PageV01P232 # وحديث الرجل الذي قضى عليه فقال: لا أرضى ثم ذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر ~~فقتله. # ولهذا نظائر في الحديث إذا تتبعت مثل الحديث المعروف عن بهز ابن حكيم عن ms191 ~~أبيه عن جده أن أخاه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: جيراني على ماذا ~~أخذوا فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الناس يزعمون أنك تنهى ~~عن الفيء وتستحل به فقال: "لئن كنت أفعل ذلك إنه لعلي وما هو عليهم خلوا له ~~جيرانه " رواه أبو داود بإسناد صحيح. # فهذا وإن كان قد حكى هذا القذف عن غيره فإنما قصد به انتقاصه وإيذاءه ~~بذلك ولم يحكه على وجه الرد على من قاله وهذا من أنواع السب. # ومثل حديث ابن إسحاق عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ابتاع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جزورا من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة فجاء به إلى منزله ~~فالتمس التمر فلم يجده في البيت قال: فخرج إلى الأعرابي فقال: "يا عبد الله ~~إنا ابتعنا منك جزورك هذا بوسق من تمر الذخيرة ونحن نرى أنه عندنا فلم ~~نجده" فقال الأعرابي: واغدراه واغدراه فوكزه الناس وقالوا: لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تقول هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوه" رواه ~~ابن أبي عاصم وابن حبان في الدلائل. # فهذا الباب كله مما يوجب القتل ويكون به الرجل كافرا منافقا حلال الدم ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم السلام يعفون ~~ويصفحون عمن قاله امتثالا لقوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين} وكقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} وقوله تعالى: {ولا تستوي # PageV01P233 # الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} وكقوله ~~تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم ~~وشاورهم في الأمر} وكقوله تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} ~~وذلك لأن درجة الحلم والصبر على الأذى والعفو عن الظلم أفضل أخلاق أهل ~~الدنيا والآخرة يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام قال تعالى: ~~{والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} وقال ms192 تعالى: ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} وقال تعالى: {إن ~~تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا} وقال: {وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} . # والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة ثم الأنبياء أحق الناس بهذه الدرجة ~~لفضلهم وأحوج الناس إليها لما ابتلوا به من دعوة الناس ومعالجتهم وتغيير ما ~~كانوا عليه من العادات هو أمر لم يأت به أحد إلا عودي فالكلام الذي يؤذيهم ~~يكفر به الرجل فيصير به محاربا إن كان ذا عهد ومرتدا أو منافقا إن كان ممن ~~يظهر الإسلام ولهم فيه أيضا حق الآدمي فجعل الله لهم أن يعفوا عن مثل هذا ~~النوع ووسع عليهم ذلك لما فيه من حق الآدمي تغليبا لحق الآدمي على حق الله ~~كما جعل لمستحق القود وحد القذف أن يعفو عن القاتل # PageV01P234 # والقاذف وهم أولى لما في جواز عفو الأنبياء ونحوهم من المصالح العظيمة ~~المتعلقة بالنبي وبالأمة وبالدين وهذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: ما ~~ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له ولا امرأة ولا دابة ولا ~~شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا انتقم لنفسه قط وفي لفظ: ما نيل منه ~~شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم ~~يقم لغضبة شيء حتى ينتقم لله متفق عليه. # ومعلوم أن النيل منه أعظم من انتهاك المحارم لكن لما دخل فيها حقه كان ~~الأمر إليه في العفو أو الانتقام فكان يختار العفو وربما أمر بالقتل إذا ~~رأى المصلحة في ذلك بخلاف ما لا حق له فيه من زنا أو سرقة أو ظلم لغيره ~~فإنه يجب عليه القيام به. # وقد كان أصحابه إذا رأوا من يؤذيه أرادوا قتله لعلمهم بأنه يستحق القتل ~~فيعفو هو عنه صلى الله عليه وسلم ويبين لهم أن عفوه أصلح مع إقراره لهم على ~~جواز قتله ولو قتله قاتل قبل عفو النبي ms193 صلى الله عليه وسلم لم يعرض له ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بأنه قد انتصر لله ورسوله بل يحمده على ذلك ~~ويثني عليه كما قتل عمر رضي الله عنه الرجل الذي لم يرضى بحكمه وكما قتل ~~رجل بنت مروان وآخر اليهودية السابة فإذا تعذر عفوه بموته صلى الله عليه ~~وسلم بقي حقا محضا لله ولرسوله وللمؤمنين لم يعف عنه مستحقه فتجب إقامته. # ويبين ذلك ما روى إبراهيم بن الحكم بن أبان: حدثني أبي عن عكرمة عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه ~~في شيء فأعطاه شيئا ثم قال: أحسنت إليك؟ قال الأعرابي: لا ولا أجملت قال: ~~فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثم قام فدخل منزله ثم أرسل ~~إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت يعني فأعطاه فرضي # PageV01P235 # فقال: "إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت وفي أنفس المسلمين شيء من ~~ذلك فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها ~~عليك" قال: نعم فلما كان الغد أو العشي جاء قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن صاحبكم هذا جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا دعوناه إلى ~~البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضي أكذلك؟ " قال الأعرابي: نعم فجزاك الله من ~~أهل وعشيرة خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا إن مثلي ومثل هذا ~~الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا ~~نفورا فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها فتوجه لها ~~صاحب الناقة بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فجاءت فاستناخت فشد عليها ~~رحلها واستوى عليها وإني لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل ~~النار ". # ورواه أبو أحمد العسكري بهذا الإسناد قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا محمد أعطني فإنك لا تعطيني من مالك ولا من مال ~~أبيك فأغلظ للنبي صلى الله عليه وسلم فوثب ms194 إليه أصحابه فقالوا: يا عدو الله ~~تقول هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ". # وذكره بهذا يبين لك أن قتل ذلك الرجل لأجل قوله ما قال كان جائزا قبل ~~الاستتابة وأنه صار كافرا بتلك الكلمة ولولا ذلك لما كان يدخل النار إذا ~~قتل على مجرد تلك الكلمة بل كان يدخل الجنة لأنه مظلوم شهيد وكان قاتله دخل ~~النار لأنه قتل مؤمنا متعمدا ولكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن قتله ~~لم يحل لأن سفك الدم بغير حق من أكبر الكبائر وهذا الأعرابي كان مسلما ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حقه لفظ "صاحبكم" ولهذا جاءه الأعرابي ~~يستعينه ولو كان كافرا محاربا لما جاء # PageV01P236 # يستعينه في شيء ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ليسلم لذكر في ~~الحديث أنه أسلم فلما لم يجر للإسلام ذكر دل على أنه كان ممن دخل الإسلام ~~وفيه جفاء الأعراب وممن دخل في قوله تعالى: {فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون} . # ومما يوضح ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعفو عن المنافقين ~~الذين لا يشك في نفاقهم حتى قال: لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له ~~لزدت حتى نهاه الله عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وأمره بالإغلاظ عليهم ~~فكثير مما كان يحتمله من المنافقين من الكلام وما يعاملهم من الصفح والعفو ~~والاستغفار كان قبل نزول براءة لما قيل له: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ~~ودع أذاهم} لاحتياجه إذ ذاك إلى استعطافهم وخشية نفور العرب عنه إذا قتل ~~أحدا منهم وقد صرح صلى الله عليه وسلم لما قال ابن أبي: {لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ولما قال ذو الخويصرة: اعدل فإنك لم تعدل ~~وعند غير هذه القضية أنه أنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل ~~أصحابه فإن الناس ينظرون إلى ظاهر الأمر فيرون واحدا من أصحابه قد قتل فيظن ~~الظان أنه يقتل بعض أصحابه على غرض أو حقد أو نحو ms195 ذلك فينفر الناس عن ~~الدخول في الإسلام وإذا كان من شريعته أن يتألف الناس على الإسلام بالأموال ~~العظيمة ليقوم دين الله وتعلو كلمته فلأن يتألفهم بالعفو أولى وأحرى. # فلما أنزل الله براءة ونهاه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم ~~وأمره أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم نسخ جميع ما كان # PageV01P237 # المنافقون يعاملون به من العفو كما نسخ ما كان الكفار يعاملون به من الكف ~~عمن سالم ولم يبق إلا إقامة الحدود وإعلاء كلمة الله في حق الإنسان. # فإن قيل: فقد قال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون ~~الضلالة} إلى قوله: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا ~~وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} . # وقولهم: {واسمع غير مسمع} مثل قولهم: اسمع لا سمعت واسمع غير مقبول منك ~~لأن من لا يقصد إسماعه لا يقبل كلامه. # وقولهم {راعنا} قال قتادة وغيره: كانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه ~~وسلم راعنا سمعك يستهزئون بذلك وكانت في اليهود قبيحة. # وروى الإمام أحمد عن عطية قال: كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا ~~سمعك حتى قالها ناس من المسلمين فكره الله لهم ما قالت اليهود. # وقال عطاء الخرساني: كان الرجل يقول: أرعنا سمعك ويلوي بذلك لسانه ويطعن ~~في الدين. # وذكر بعض أهل التفسير أن هذه اللفظة كانت سبا قبيحا بلغة اليهود. # فهؤلاء قد سبوه صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام ولووا ألسنتهم به ~~واستهزءوا به وطعنوا في الدين ومع ذلك فلم يقتلهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # قلنا: عن ذلك أجوبة: # PageV01P238 # أحدها: أن ذلك كان في حال ضعف الإسلام في الحال التي أخبر الله عن رسوله ~~والمؤمنين أنهم يسمعون من الذين أوتوا الكتاب والمشركين أذى كثيرا وأمرهم ~~بالصبر والتقوى ثم إن ذلك نسخ عند القوة بالأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون والصاغر لا يفعل شيئا من الأذى في الوجه ومن فعله فليس ~~بصاغر. # ثم إن من الناس من يسمي ذلك نسخا ms196 لتغير الحكم ومنهم من لا يسميه نسخا لأن ~~الله تعالى أمرهم بالعفو والصفح إلى أن يأتي الله بأمره وقد أتى الله بأمره ~~من عز الإسلام وإظهاره والأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. # وهذا مثل قوله تعالى: {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل ~~الله لهن سبيلا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد جعل الله لهن سبيلا" ~~فبعض الناس يسمي ذلك نسخا وبعضهم لا يسميه نسخا والخلاف لفظي. # ومن الناس من يقول: الأمر بالصفح باق عند الحاجة إليه بضعف المسلم عن ~~القتال بأن يكون في وقت أو مكان لا يتمكن منه وذلك لا يكون منسوخا إذ ~~المنسوخ ما ارتفع في جميع الأزمنة المستقبلة. # وبالجملة فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفروضا عليه لما قوي ~~أن يترك ما كان يعامل به أهل الكتاب والمشركين ومظهري النفاق من العفو ~~والصفح إلى قتالهم وإقامة الحدود عليهم سمي نسخا أو لم يسم. # الجواب الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان له أن يعفو عمن سبه # PageV01P239 # وليس للأمة أن تعفو عمن سبه كما قد كان يعفو عمن سبه من المسلمين مع أنه ~~لا خلاف بين المسلمين في وجوب قتل من سبه من المسلمين. # الجواب الثالث: أن هذا ليس بإظهار للسب وإنما هو إخفاء له بمنزلة "السام ~~عليكم" وبمنزلة ظهور النفاق في لحن القول لأنهم كانوا يظهرون أنهم يقصدون ~~مسألته أن يسمع كلامهم وأن يراعيهم فينتظرهم حتى يقضوا كلامهم وحتى يفهموا ~~كلامه ويأتونه على هذا الوجه ثم إنهم يلوون ألسنتهم بالكلام وينوون به ~~الاستهزاء والسب والطعن في الدين كما يلوون ألسنتهم بالسام وينوون به ~~الدعاء عليه بالموت واليهود أمة معروفة بالنفاق والخبث وأن تظهر خلاف ما ~~تبطن ولكن ذلك لا يوجب إقامة الحد عليهم. # ولو كان هذا سبا ظاهرا لما كان المسلمون يخاطبون بمثل ذلك قاصدين به ~~الخير حتى نهوا عن التكلم بكلام يحتمل الاستهزاء ويوهمه بحيث يصير سبا ~~بالنية ودلالة الحال. # وذلك أن هذه اللفظة كانت ms197 العرب تتخاطب بها لا تقصد سبا قال عطاء: كانت ~~لغة في الأنصار في الجاهلية وقال أبو العالية: إن مشركي العرب إذا حدث ~~بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك فنهو عن ذلك وكذلك قال الضحاك ~~وذلك أن العرب تقول: أرعيته سمعي إرعاء إذا فرغته لكلامه لأنك جعلت السمع ~~يرعى كلامه وتقول "راعيته سمعي" بهذا المعنى لكن كانت اليهود تعتقدها سبا ~~بينها: إما لما فيه من الاشتراك فإنها كما تستعمل في استرعاء السمع تستعمل ~~بمعنى المفاعلة كأنه قيل: راعني حتى أراعيك وهذا إنما يكون بين الأمثال ~~والنظراء ومرتبة الرئيس أعلى من ذلك أو أن اليهود ينوون بها معنى الرعونة ~~أو فيها طلب حفظ الكلام والاهتمام به وهذا إنما يكون من الأعلى للأسفل لأن ~~الرعاية هي الحفظ والكلاءة ومنه استرعاء الشاة. # PageV01P240 # وقد غلبت في عرفهم ولغتهم على معنى رديء كما قيل: إنهم ينوون بها اسمع لا ~~سمعت وبالجملة إنما يصير مثل هذا سبا بالنية ولي اللسان ونحوه فنهي ~~المسلمون عنها حسما لمادة التشبه باليهود وتشبه اليهود بهم وجعل ذلك ذريعة ~~إلى الاستهزاء به ولما يحتمله لفظها من قلة الأدب في مخاطبة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. # الجواب الرابع: ما ذكره بعض أهل التفسير الذي ذكر أنها كانت سبا قبيحا ~~بلغة اليهود قال: كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك ~~يعنون من المراعاة وكانت هذه اللفظة سبا قبيحا بلغة اليهود فلما سمعتها ~~اليهود اغتنموها وقالوا فيما بينهم: كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا له الآن ~~بالشتم وكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم فسمعها ~~سعد بن معاذ ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال لليهود: عليكم لعنة الله والذي ~~نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولنها؟ فأنزل الله: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} لكيلا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # فهذا القول دليل على أن اللفظة مشتركة في ms198 لغة العرب ولغة العبرانيين وأن ~~المسلمين لم يكونوا يفهمون من اليهود إذا قالوها إلا معناها في لغتهم فلما ~~فطنوا لمعناها في اللغة الأخرى نهوهم عن قولها وأعلموهم أن ذلك ناقض لعهدهم ~~ومبيح لدمائهم وهذا أوضح دليل على أنهم إذا تكلموا بما يفهم منه السب حلت ~~دماؤهم وإنما لم يستحلوا دماءهم لأن المسلمين لم يكونوا يفهمون السب ~~والكلام في السب الظاهر وهو ما يفهم منه السب. # PageV01P241 # فإن قيل: أهل الذمة قد أقررناهم على دينهم ومن دينهم استحلال سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإذا قالوا ذلك لم يقولوا غير ما أقررناهم عليه وهذه ~~نكتة المخالف. # قلنا: ومن دينهم استحلال قتال المسلمين وأخذ أموالهم ومحاربتهم بكل طريق ~~ومع هذا فليس لهم أن يفعلوا ذلك بعد العهد ومتى فعلوه نقضوا العهد وذلك ~~لأنا وإن كنا نقرهم على أن يعتقدوا ما يعتقدونه ويخفوا ما يخفونه فلم نقرهم ~~على أن يظهروا ذلك ويتكلموا به بين المسلمين ونحن لا نقول بنقض عهد الساب ~~حتى نسمعه يقول ذلك أو يشهد به المسلمون ومتى حصل ذلك كان قد أظهره وأعلنه. # وتحرير الجواب أن كلتا المقدمتين باطلة. # أما قوله "أقررناهم على دينهم" فيقال: لو أقررناهم على كل ما يدينون به ~~لكانوا منزلة أهل ملتهم المحاربين ولو أقررناهم على كل ما يدينون به لم ~~يعاقبوا على إظهار دينهم وإظهار الطعن في ديننا ولا خلاف أنهم يعاقبون على ~~ذلك ولو أقررناهم على دينهم مطلقا لأقررناهم على هدم المساجد وإحراق ~~المصاحف وقتل العلماء والصالحين فإن ما يدينون به مما يؤذي المسلمين كثيرة ~~والخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها ثم لا خلاف أنهم لا يقرون على شيء من ~~ذلك وإنما أقررناهم كما قال غرفة بن الحارث على أن نخليهم يفعلون بينهم ما ~~شاءوا مما لا يؤذي المسلمين ولا يضرهم ولا نعترض عليهم في أمور لا تظهر فإن ~~الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة ~~وشرطنا عليهم أن لا يفعلوا شيئا يؤذينا ولا يضرنا سواء كانوا ms199 يستحلونه أو ~~لا يستحلونه # PageV01P242 # فمتى آذوا الله ورسوله فقد نقضوا العهد وشرطنا عليهم التزام حكم الإسلام ~~وإن كانوا يرون أن ذلك لا يلزمهم في دينهم وشرطنا عليهم أداء الجزية وإن ~~اعتقدوا أن أخذها منهم حرام وشرطنا عليهم إخفاء دينهم فلا يظهرون الأصوات ~~بكتابهم ولا على جنائزهم ولا ضرب ناقوس وشرطنا عليهم أن لا يرتفعوا على ~~المسلمين وأن يخالفوا بهيآتهم هيئة المسلمين على وجه يتميزون به ويكونون ~~أذلاء في تميزهم إلى غير ذلك من الشروط التي يعتقدون أنها ذا تجب عليهم في ~~دينهم. # فعلم أنا شرطنا عليهم ترك كثير مما يعتقدون دينا لهم إما مباحا أو واجبا ~~وفعل كثير مما يعتقدونه ليس من دينهم فكيف يقال: أقررناهم على دينهم مطلقا. # وأما المقدمة الثانية فنقول: هب أنا أقررناهم على دينهم فقوله: "استحلال ~~السب من دينهم" جوابه أن يقال: أهو من دينهم قبل العهد أو من دينهم وإن ~~عاهدوا على تركه. # الأول مسلم لكن لا ينفع لأن هؤلاء قد عاهدوا فإن لم يكن هذا من دينهم في ~~هذه الحال لم يكن لهم أن يفعلوه لأنه من دينهم في حال أخرى وهذا كما أن ~~المسلم من دينه استحلال دمائهم وأموالهم وأذاهم بالهجاء والسب إذا لم ~~نعاهدهم وليس من دينه استحلال ذلك إذا عاهدهم فليس لنا أن نؤذيهم وتقول: قد ~~عاهدناكم على ديننا ومن ديننا استحلال أذاكم فإن المعاهدة التي بين ~~المتحاربين تحرم على كل واحد منهما في دينه ما كان يستحله من ضرر الآخر ~~وأذاه قبل العهد. # وأما الثاني فمنوع فإنه ليس من دينهم استحلال نقض العهد ولا مخالفة # PageV01P243 # من عاهده في شيء مما عاهده بل من دين جميع أهل الأرض الوفاء بالعهد وإن ~~لم يكن هذا معتقدهم فنحن إنما عاهدناهم على أن يدينوا بوجوب الوفاء بالعهد ~~فإن لم يكن دينهم وجوب الوفاء به فلم نعاهدهم على دين يستحل صاحبه نقض ~~العهد ولو عاهدناهم على هذا الدين لكنا قد عاهدناهم على أن يدينوا بنقض ~~العهد فينقضوه ونحن موفون بالعهد وبطلان هذا واضح. # وإذا لم ms200 يكن فعل ما عوهدوا على تركه من دينهم فنحن قد عاهدناهم على أن ~~يكفوا عن أذانا بألسنتهم وأيديهم وأن لا يظهروا شيئا من أذى الله ورسوله ~~وأن يخفوا دينهم الذي هو باطل في حكم الله ورسوله وإذا عاهدوا على ترك هذا ~~وإخفاء هذا كان فعله حراما عليهم في دينهم لأن ذلك غدر وخيانة وترك للوفاء ~~بالعهد ومن دينهم أن ذلك حرام ولو أن مسلما عاهده قوم من الكفار طائعا غير ~~مكره على أن يمسك عن ذكر صليبهم لوجب عليه في دينه أن يمسك ما دام العهد ~~قائما. # فقول القائل: "من دينهم استحلال سب نبيا" باطل إذ ذلك مع العهد المقتضي ~~لتركه حرام في دينهم كما يحرم عليهم في دينهم استحلال دمائنا وأموالنا لأجل ~~العهد وهم يعتقدون عند أنفسهم أنهم إذا آذوا الله ورسوله بألستنهم أو ضروا ~~المسلمين بعد العهد فقد فعلوا ما هو حرام في دينهم كما أن المسلم يعلم أنه ~~إذا آذاهم بعد العهد فقد فعل ما هو حرام في دينه ويعلمون أن ذلك مخالفة ~~للعهد وإن ظنوا أن لا عهد بيننا وبينهم وإنما هم مغلوبون تحت يد الإسلام ~~فذلك أبعد لهم عن العصمة وأولى بالانتقام فإنه لا عاصم لهم منا إلا العهد ~~فإن لم يعتقدوا الوفاء بالعهد فلا عاصم أصلا وهذا كله بين لمن تأمله يتبين ~~به بعض فقه المسألة. # ومن الفقهاء من أجاب عن هذا بأنا أقررناهم على ما يعتقدونه ونحن إنما ~~نقول بنقض العهد إذا سبوه بما لا يعتقدونه من القذف ونحوه وهذا التفصيل # PageV01P244 # ليس بمرض وسيأتي إن شاء الله تحقيق ذلك. # فإن قيل: فهب أنهم صولحوا على أن لا يظهروا ذلك لكن مجرد إظهار دينهم كيف ~~ينقض العهد؟ وهل ذلك إلا بمثابة ما لو أظهروا أصواتهم بكتابهم أو صليبهم أو ~~أعيادهم؟ فإن ذلك موجب لتنكيلهم وتعزيرهم دون نقض العهد. # قلنا: وأي ناقض للعهد أعظم من أن يظهروا كلمة الكفر ويعلوها ويخرجوا عن ~~حد الصغار ويطعنوا في ديننا ويؤذونا أذى هو أبلغ من قتل النفوس وأخذ ms201 ~~الأموال. # وأما إظهار تلك الأشياء بعد شرط عمر المعروف ففيها وجهان عندنا: أحدهما: ~~ينتقض العهد فلا يلزمنا والآخر: لا ينتقض العهد. # والفرق بينهما من وجهين: # أحدهما: أن ظهور تلك الأشياء ليس فيه ظهور كلمة الكفر وعلوها وإنما فيه ~~ظهور لدين المشركين وبين البابين فرق فإن المسلم لو تكلم بكلمة الكفر كفر ~~ولو لم يفعل إلا مجرد مشاركة الكافر في هدية عوقب ولم يكفر وكان ذلك كإظهار ~~المعاصي من المسلم يوجب عقوبته ولا يبطل إيمانه والمتكلم بكلمة الكفر يبطل ~~إيمانه كذلك أهل العهد: إذا أظهروا الكفر ونحوه نقضوا أمانهم وإذا أظهروا ~~زيهم عصوا ولم ينقضوا أمانهم. # وهذا جواب من يقول من أصحابنا وغيرهم: إنهم لو أظهروا التثليث ونحوه مما ~~هو دينهم نقضوا العهد. # الجواب الثاني: أن ظهور تلك الأشياء ليس فيها ضرر عظيم على المسلمين ولا ~~معرة في دينهم ولا طعن في ملتهم وإنما فيه أحد أمرين: إما اشتباه زيهم بزي ~~المسلمين أو إظهار لمنكرات دينهم في دار الإسلام كإظهار الواحد من المسلمين ~~لشرب الخمر ونحوه وأما سب الرسول والطعن في الدين ونحوه ذلك فهو مما يضر # PageV01P245 # المسلمين ضررا يفوق قتل النفس وأخذ المال من بعض الوجوه فإنه لا أبلغ في ~~إسفال كلمة الله ولا إذلال كتاب الله وإهانة كتاب الله من أن يظهر الكافر ~~المعاهد السب والشتم لمن جاء بالكتاب. # ولأجل هذا الفرق فصل أصحابنا وأصحاب الشافعي الأمور المحرمة عليهم في ~~العهد الذي بيننا وبينهم إلى ما يضر المسلمين في نفس أو مال أو دين وإلى ما ~~لا يضر وجعلوا القسم الأول ينقض العهد حيث لا ينقضه القسم الثاني لأن مجرد ~~العهد ومطلقه يوجب الإمتناع عما يضر المسلمين ويؤذيهم فحصوله تفويت لمقصود ~~العقد فيفسخه كما لو فات مقصود البيع بتلف العوض قبل القبض أو ظهوره مستحقا ~~ونحوه بخلاف غيره ولأن تلك المضرات يوجب جنسها عقوبة المسلم بالقتل فلأن ~~يوجب عقوبة المعاهد بالقتل أولى وأحرى لأن كلاهما ملتزم إما بإيمانه أو ~~بأمانة أن لا يفعلها ولأن تلك المضرات من جنس المحاربة ms202 والقتال وذلك لإبقاء ~~العهد معه بخلاف المعاصي التي فيها مراغمة ومصارمة. # فإن قيل: فقد أقروا على ما هم عليه من الشرك الذي هو أعظم من سب الرسول ~~عليه الصلاة والسلام فيكون إقرارهم على سب الرسول أولى بل قد أقروا على سب ~~الله تعالى وذلك لأن النصارى يعتقدون التثليث ونحوه وهو شتم لله تعالى لما ~~روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك ~~فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من ~~إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ~~ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ". # PageV01P246 # وروى في صحيحه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. # وكان معاذ ابن جبل يقول إذا راى النصارى لا ترحموهم فلقد سب الله سبه ما ~~سبه اياها أحد من البشر. # وقد قال الله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} ~~الآية. # وقد أقر اليهود على مقالتهم في عيسى عليه السلام وهي من أبلغ القذف. # قلنا: الجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا السؤال فاسد الاعتبار فإن كون الشيء في نفسه أعظم إثما من ~~غيره يظهر أثره في العقوبة عليه في الآخرة لا في الإقرار عليه في الدنيا ~~ألا ترى أن أهل الذمة يقرون على الشرك ولا يقرون على الزنا ولا على السرقة ~~ولا على قطع الطرق ولا على قذف المسلم ولا على محاربة المسلمين وهذه ~~الأشياء دون الشرك بل سنة الله في خلقه كذلك فإنه عجل لقوم لوط العقوبة وفي ~~الأرض مدائن مملوءة من الشرك لم يعاجلهم بالعقوبة لا سيما والمحتج بهذا ~~الكلام يرى أن قتل الكفار إنما هو لمجرد المحاربة سواء كان كفره أصليا أو ~~طارئا حتى أنه لا يرى قتل المرتد ms203 ويقول: الدنيا ليست دار الجزاء على الكفر ~~وإنما الجزاء على الكفر في الآخرة وإنما يقاتل من يقاتل فقت لدفع أذاه. # ثم لا يجوز أن يقال: إذا أقررناهم على الكفر فلأن نقرهم على المحاربة # PageV01P247 # التي هي دون الكفر بطريق الأولى وسبب ذلك أن ما كان من الذنوب يتعدى ضرره ~~فاعله عجلت لصاحبه العقوبة في الدنيا تشريعا وتقديرا ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم: " ما من ذنب أحرى أن تعجل لصاحبه العقوبة من البغي وقطيعة الرحم ~~" لأن تأخير عقوبته فساد لأهل الأرض بخلاف ما لا يتعدى ضرره فاعله فإنه قد ~~تؤخر عقوبته وإن كان أعظم كالكفر ونحوه فإذا أقررناهم على الشرك أكثر ما ~~فيه تأخير العقوبة عليه وذلك لا يستلزم تأخير عقوبة ما يضر بالمسلمين لأنه ~~دونه كما قدمناه. # الوجه الثاني: أن يقال: لا خلاف أنهم إذا أقروا على ما هم عليه من الكفر ~~غير مضارين للمسلمين لا يجوز أذاهم لا في دمائهم ولا في أبشارهم ولو أظهروا ~~السب ونحوه عوقبوا على ذلك إما في الدماء أو في الأبشار. # ثم إنه لا يقال: إذا لم يعاقبوا بالعزير على الشرك لم يعاقبوا على السب ~~الذي هو دونه وإذا كان هذا السؤال معترضا على الإجماع لم يجب جوابه كيف ~~والمنازع قد سلم أنهم يعاقبون على السب فعلم أنه لم يقرهم عليه فلا يقبل ~~منه السؤال. # والجواب عن هذه الشبهة مشترك فلا يجب علينا الانفراد به. # الوجه الثالث: أن الساب ينضم السب إلى شركه الذي عوهد عليه بخلاف المشرك ~~الذي لم يسب ولا يلزم من الإقرار على ذنب مفرد الإقرار عليه مع ذنب آخر وإن ~~كان دونه فإن اجتماع الذنبين يوجب جرما مغلظا لا يحصل حال الانفراد. # الوجه الرابع: قوله: "ما هم عليه من الكفر أعظم من سب الرسول" ليس بجيد ~~على الإطلاق وذلك لأن أهل الكتاب طائفتان: # أما اليهود فأصل كفرهم تكذيب الرسول وسبه أعظم من تكذيبه # PageV01P248 # فليس لهم كفر أعظم من سب الرسول فإن جميع ما يكفرون به من الكفر بدين ~~الإسلام وبعيسى ms204 وبما أخبر الله به من أمور الآخرة وغير ذلك متعلق بالرسول ~~فسبه كفر بهذا كله لأن ذلك إنما علم من جهته وليس عند أهل الأرض في وقتنا ~~هذا علم موروث يشهد عليه أنه من عند الله إلا العلم الموروث عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم وما سوى ذلك مما يؤثر عن غيره من الأنبياء فقد اشتبه واختلط ~~كثير منه أو أكثره والواجب فيما لا نعلم حقيقته منه أن لا يصدق ولا يكذب. # وأما النصارى فسبهم للرسول طعنا فيما جاء به من التوحيد وأنباء الغيب ~~والشرائع وإنما ذنبه الأعظم عندهم أن قال: أن عيسى عبد الله ورسوله كما أن ~~ذنبه الأعظم عند اليهود أن غير شريعة التوراة وإلا فالنصارى ليسوا محافظين ~~على شريعة مورثة بل كل برهة من الدهر تبتدع لهم الأحبار شريعة من الدين لم ~~يأذن الله بها ثم لا يرعونها حق رعايتها فسبهم له متضمن للطعن في التوحيد ~~وللشرك وللتكذيب بالأنبياء والدين ومجرد شركهم ليس متضمنا لتكذيب جميع ~~الأنبياء ورد جميع الدين فلا يقال: ما هم عليه من الشرك أعظم من سب الرسول ~~بل سب الرسول صلى الله عليه وسلم فيه ما هم عليه من الشرك وزيادة. # وبالجملة فينبغي للعاقل أن يعلم أن قيام دين الله في الأرض إنما هو ~~بواسطة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلولا الرسل لما عبد الله ~~وحده لا شريك له ولما علم الناس أكثر ما يستحقه سبحانه من الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى ولا كانت له شريعة في الأرض. # ولا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت ~~الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجهه اليقين فإن عامة من تكلم # PageV01P249 # في هذا الباب بالعقل فإنما تكلم بعد أن بلغه ما جاءت به الرسل واستصغى ~~بذلك واستأنس به سواء أظهر الانقياد للرسل أو لم يظهر وقد اعترف عامة ~~الرؤوس منهم أنه لا ينال بالعقل علم جازم في تفاصيل الأمور الإلهية وإنما ~~ينال به الظن والحسبان. # والقدر الذي يمكن العقل إداركه بنظره فإن ms205 المرسلين صلوات الله وسلامه ~~عليهم نبهوا الناس عليه وذكروهم به ودعوهم إلى النظر فيه حتى فتحوا أعينا ~~عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. # والقدر الذي يعجز العقل عن إدراكه علموهم إياه وأنبأوهم به فالطعن فيهم ~~طعن في توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه ودينه وشرائعه وأنبيائه وثوابه ~~وعقابه وعامة الأسباب التي بينه وبين خلقه بل يقال: إنه ليس في الأرض مملكة ~~قائمة إلا في بنبوة أو أثر نبوة وإن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات ولا ~~يستريبن العاقل في هذا الباب الذين درست النبوة فيهم مثل البراهمة والصابئة ~~والمجوس ونحوهم فلا سفتهم وعامتهم قد أعرضوا عن الله وتوحيده وأقبلوا على ~~عبادة الكواكب والنيران والأصنام وغير ذلك من الأوثان والطواغيت فلم يبق ~~بأيديهم لا توحيد ولا غيره. # وليست أمة مستمسكة بالتوحيد إلا أتباع الرسل قال الله سبحانه: {شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} ~~فأخبر أن دينه الذي يدعوا إليه المرسلون كبر على المشركين فما الناس إلا ~~تابع لهم أو مشرك وهذا حق لا ريب فيه فعلم أن سب الرسل والطعن فيهم ينبوع ~~جميع أنواع الكفر وجماع # PageV01P250 # جميع الضلالات وكل كفر ففرع منه كما أن تصديق الرسل أصل جميع شعب الإيمان ~~وجماع مجموع أسباب الهدى. # الوجه الخامس: أن نقول: قد ثبت بالسنة ثبوتا لا يمكن دفعه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يأمر بقتل من سبه وكان المسلمون يحرضون على ذلك مع ~~الإمساك عمن هو مثل هذا الساب في الشرك أو هو أسوأ منه من محارب أو معاهد ~~فلو كانت هذه الحجة مقبولة لتوجه أن يقال: إذا أمسكوا عن المشرك فالإمساك ~~عن الساب أولى وإذا عوهد الذمي على كفره فمعاهدته على السب أولى وهذا لو ~~قبل معارضة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل قياس عارض السنة فهو رد. # الوجه السادس: أن يقال: ما هم عليه من الشرك ms206 وإن كان سبا لله فهم لا ~~يعتقدونه سبا وإنما يعتقدونه تمجيدا وتقديسا فليسوا قاصدين به قصد السب ~~والاستهانة بخلاف سب الرسول فلا يلزم من إقرارهم على شيء لا يقصدون به ~~الاستخفاف إقرارهم على ما يقصدون به الاستخفاف وهذا جواب من يقتلهم إذا ~~أظهروا سب الرسول ولا يقتلهم إذا أظهروا ما يعتقدونه من دينهم. # الوجه السابع: أن إظهار سب الرسول طعن في دين المسلمين وإضرار بهم ومجرد ~~التكلم بدينهم ليس فيه إضرار بالمسلمين فصار إظهار سب الرسول بمنزلة ~~المحاربة يعاقبون عليها وإن كانت دون الشرك وهذا أيضا جواب هذا القائل. # الوجه الثامن: منع الحكم في الأصل المقيس عليه فإنا نقول: متى أظهروا ~~كفرهم وأعلنوا به نقضوا العهد بخلاف مجرد رفع الصوت بكتابهم فإنه ليس كل ما ~~فيه كفر ولسنا نفقه ما يقولون وإنما فيه إظهار شعار الكفر وفرق بين إظهار ~~الكفر وبين إظهار شعار الكفر. # PageV01P251 # أو نقول: متى أظهروا الكفر الذي هو طعن في دين الله نقضوا به العهد بخلاف ~~كفر لا يطعنون به في ديننا وهذا لأن العهد إنما اقتضى أن يقولوا ويفعلوا ~~بينهم ما شاءوا مما لا يضر المسلمين فأما أن يظهروا كلمة الكفر أو أن يؤذوا ~~المسلمين فلم يعاهدوا عليه البتة وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذين ~~القولين والذين قبلهما. # قال كثير من فقهاء الحديث وأهل المدينة من أصحابنا وغيرهم: "لم نقرهم على ~~أن يظهروا شيئا من ذلك ومتى أظهروا شيئا من ذلك نقضوا العهد". # قال أبو عبد الله في رواية حنبل: "كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تبارك ~~وتعالى فعليه القتل مسلما كان أو كافرا" وهذا مذهب أهل المدينة. # وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن ~~فقال له: كذبت فقال: يقتل لأنه شتم. # ومن الناس من فرق بين ما يعتقدونه وما لا يعتقدونه ومن الناس من فرق بين ~~ما يعتقدونه وإظهاره يضر بنا لأنه قدح في ديننا وبين ما يعتقدونه وإظهاره ~~ليس بطعن في نفس ديننا وسيأتي ms207 إن شاء الله تعالى ذلك فإن فروع المسألة تظهر ~~مأخذها. # وقد قدمنا عن عمر رضي الله عنه أنه قال بمحضر من المهاجرين والأنصار ~~للنصراني الذي قال إن الله لا يضل أحدا: إنا لم نعطك ما أعطيناك على أن ~~تدخل علينا في ديننا فوالذي نفسي بيده لأن عدت لآخذن الذي فيه عيناك. # وجميع ما ذكرناه من الآيات والاعتبار يجئ أيضا في ذلك فإن الجهاد واجب ~~حتى تكون كلمة الله هي العليا وحتى يكون الدين كله لله وحتى # PageV01P252 # يظهر دين الله على الدين كله وحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. # والنهي عن إظهار المنكر واجب بحسب القدرة فإذا أظهروا كلمة الكفر ~~وأعلنوها خرجوا عن العهد الذي عاهدونا عليه والصغار الذي التزموه ووجب ~~علينا أن نجاهد الذي أظهروا كلمة الكفر وجهادهم بالسيف لأنهم كفار لا عهد ~~لهم والله سبحانه أعلم. # PageV01P253 ### | المسألة الثانية: أنه يتعين قتله ولا يجوز استرقاقه ولا المن عليه ولا فداءه. # أما إن كان مسلما فبالإجماع لأنه نوع من المرتد أو من الزنديق والمرتد ~~يتعين قتله وكذلك الزنديق وسواء كان رجلا أو امرأة وحيث قتل يقتل مع الحكم ~~بإسلامه فإن قتله حد بالاتفاق فيجب إقامته وفيما قدمناه دلالة واضحة على ~~قتل السابة المسلمة من السنة وأقاويل الصحابة فإن في بعضها تصريحا بقتل ~~السابة المسلمة وفي بعضها تصريحا بقتل السابة الذمية وإذا قتلت الذمية للسب ~~فقتل المسلمة أولى كما لا يخفى على الفقيه. # ومن قال من أهل الكوفة: "إن المرتدة لا تقتل" فقياس مذهبه أن لا تقتل ~~السابة لأن الساب عنده مرتد وقد كان يحتمل مذهبه أن تقتل السابة حدا كقتل ~~الساحرة عند بعضهم وقتل قاطعة الطريق ولكن أصوله تأبى ذلك. # والصحيح الذي عليه العامة قتل المرتدة فالسابة أولى وهو الصحيح لما تقدم ~~وإن كان الساب معاهدا فإنه يتعين أيضا قتله سواء كان رجلا أو امرأة عند ~~عامة الفقهاء من السلف ومن تبعهم. # وقد ذكرنا قول ابن المنذر فيما يجب على من سب النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P253 # قال: أجمع عوام ms208 أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم فحده ~~القتل وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. # قال: وحكى عن النعمان: لا يقتل من سبه من أهل الذمة وهذا لفظ دليل على ~~وجوب قتله عند العامة وهذا مذهب مالك وإسحاق وسائر فقهاء المدينة وكلام ~~أصحابه يقتضي أن لقتله مأخذين: # أحدهما: انتقاض عهده. # والثاني: أنه حد من الحدود وهو قول فقهاء الحديث. # قال إسحاق بن راهويه: إن أظهروا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع ~~منهم ذلك أو تحقق عليهم قتلوا وأخطأ هؤلاء الذين قالوا: "ما هم فيه من ~~الشرك أعظم من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال إسحاق: "يقتلون لأن ~~ذلك نقض العهد" وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز ولا شبهة في ذلك لأنه يصير في ~~ذلك ناقضا للصلح وهو كما قتل ابن عمر الراهب الذي سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: "ما على هذا صالحناهم". # وكذلك نص الإمام أحمد على وجوب قتله وانتقاض عهده وقد تقدم بعض نصوصه في ~~ذلك وكذلك نص عامة أصحابه على وجوب قتل هذا الساب ذكروه بخصوصه في مواضع ~~وهكذا ذكروه أيضا في جملة ناقضي العهد من أهل الذمة. # ثم المتقدمون منهم وطوائف من المتأخرين قالوا: إن هذا وغيره من ناقضي ~~العهد يتعين قتلهم كما دل عليه كلام أحمد. # وذكر طوائف منهم أن الإمام مخير فيمن نقض العهد من أهل الذمة كما يخير في ~~الأسير بين الاسترقاق والقتل والمن والفداء ويجب عليه فعل الأصلح # PageV01P254 # للأمة من هذه الأربعة بعد أن ذكروه في الناقضين للعهد فدخل هذا الساب في ~~عموم هذا الكلام وإطلاقه وإلا وجب أن يقال فيه بالتخيير إذا قيل به في غيره ~~من ناقضي العهد لكن قيد محققو أصحاب هذه الطريقة ورؤوسهم مثل القاضي أبي ~~يعلي في كتبه المتأخرة وغيره هذا الكلام وقالوا: التخيير هو غير ساب الرسول ~~وأما سابه فيتعين قتله وإن كان غيره كالأسير وعلى هذا فإما أن لا يحكى في ~~تعين قتله ms209 خلاف لكون الذين أطلقوا التخيير في موضع قد قالوا في موضع آخر ~~بأن الساب يتعين قتله وصرح رأس أصحاب هذه الطريقة بأنه مستثنى من ذلك ~~الإطلاق أو يحكى فيه وجه ضعيف لأن الذين قالوا به في موضع نصوا على خلافه ~~في موضع آخر. # واختلف أصحاب الشافعي أيضا فيه فمنهم من قال: يجب قتل الساب حتما وإن خير ~~في غيره. # ومنهم من قال: هو كغيره من الناقضين للعهد وفيه قولان: أضعفهما أنه يلحق ~~بمأمنه والصحيح منهما جواز قتله قالوا: ويكون كالأسير يجب على الإمام أن ~~يفعل فيه الأصلح للأمة من القتل والاسترقاق والمن والفداء. # وكلام الشافعي في موضع يقتضي أن حكم الناقض للعهد حكم الحربي فلهذا قيل: ~~إنه كالأسير وفي موضع آخر أمر بقتله عينا من غير تخيير. # وتحريم الكلام في ذلك يحتاج إلى تقديم مقدمة فيما ينتقض به العهد وفي حكم ~~ناقض العهد على سبيل العموم ثم نتكلم في خصوص مسألة السب. # أما الأول فإن ناقض العهد قسمان: ممتنع لا يقدر عليه إلا بقتال ومن هو في ~~أيدي المسلمين. # أما الأول فأن يكون لهم شوكة ومنعة فيمتنعوا بها على الإمام من أداء ~~الجزية والتزام أحكام الملة الواجبة عليهم دون ما يظلمهم به الوشاة أو ~~يلحقوا # PageV01P255 # بدار الحرب مستوطنين بها فهؤلاء قد نقضوا العهد بالإجماع فإذا أسر الرجل ~~منهم فحكمه عند الإمام أحمد في ظاهر مذهبه حكم أهل الحرب إذا أسروا يفعل ~~بهم الإمام ما يراه أصلح. # قال في رواية أبي الحارث وقد سئل عن قوم من أهل العهد نقضوا العهد وخرجوا ~~بالذرية إلى دار الحرب فبعث في طلبهم فلحقوهم فحاربوهم قال أحمد: إذا نقضوا ~~العهد فمن كان منهم بالغا فيجري عليه ما يجري على أهل الحرب من الأحكام إذا ~~أسروا فأمرهم إلى الإمام يحكم فيهم بما يرى وأما الذرية فما ولد بعد نقضهم ~~العهد فهو بمنزلة من نقض العهد ومن كان ممن ولد قبل نقض العهد فليس عليه ~~شيء وذلك أن امرأة علقمة بن علاثة قالت: إن كان علقمة ارتد ms210 فأنا لم أرتد ~~وكذلك روى عن الحسن فيمن نقض العهد: ليس على النساء شيء. # وقال في رواية صالح وقد سئل عن قوم من أهل العهد في حصن ومعهم مسلمون ~~فنقضوا العهد والمسلمون معهم في الحصن: ما السبيل فيهم؟ قال: ما ولد لهم من ~~بعد نقض العهد فالذرية بمنزلة من نقض العهد يسبون ومن كان قبل ذلك لا يسبون ~~فقد نص على أن ناقض العهد إذا أسر بعد المحاربة بخير الإمام فيه وعلى أن ~~الذرية الذين ولدوا بعد ما نقضوا العهد بمنزلة من نقض العهد يسبون فعلم أن ~~ناقض العهد يجوز استرقاقه وهذا هو المشهور من مذهبه. # وعنه: أنهم إذا قدر عليهم فإنهم لا يسترقون بل يردون إلى الذمة قال في ~~رواية أبي طالب في رجل من أهل العهد لحق بالعدو هو وأهله وولده وولد له في ~~دار العدو قال: يسترق أولادهم الذين ولدوا في دار العدو ويردون هم وأولادهم ~~الذين ولدو في دار الإسلام إلى الجزية قيل له: لا يسترق # PageV01P256 # أولادهم الذين ولدوا في دار الإسلام؟ قال: لا قيل له: فإن كانوا أدخلوهم ~~صغارا ثم صاروا رجالا قال: لا يسترقون أدخلوهم مأمنهم. # وكذلك قال في رواية ابن إبراهيم وقد سأله عن رجل لحق بدار الحرب هو وأهله ~~وولد له في بلاد العدو وقد أخذه المسلمون قال: ليس على ولده وأهله شيء ولكن ~~ما ولد له وهو في أيديهم يسترقون ويردون هم إلى الجزية. # فقد نص على أن الرجل الذي نقض العهد يرد إلى الجزية هو وولده الذين كانوا ~~موجدين وأنهم لا يسترقون وأن ولده الذين حدثوا بعد المحاربة يسترقون وذلك ~~لأن صغار ولده سبي من أولاد أهل الحرب وهم يصيرون رقيقا بنفس السبي فلا ~~يدخلون في عقد الذمة أولا ولا آخرا وأما أولاده الذين ولدوا قبل النقض فلهم ~~حكم الذمة المتقدمة. # فعلى الرواية الأولى المشهورة يخير الإمام في الرجال إذا أسروا فيفعل ما ~~هو الأصلح للمسلمين من قتل واسترقاق ومن فداء وإذا جاز أن يمن عليهم جاز أن ~~يطلقهم على ms211 قبول الجزية منهم وعقد الذمة لهم ثانيا لكن لا يجب عليه ذلك كما ~~لا يجب عليه في الأسير الحربي الأصلي إذا كان كتابيا وقد قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أسرى بني قريظة وأسرى من أهل خيبر ولم يدعهم إلى إعطاء ~~الجزية ولو دعاهم إليها لأجابوا. # وعلى الرواية الثانية يجب دعائهم إلى العود إلى الذمة كما كانوا كما يجب ~~دعاء المرتد إلى أن يعود إلى الإسلام أو يستحب كما يستحب دعاء المرتد ومتى ~~بذلوا العود إلى الذمة وجب قبول ذلك منهم كما يجب قبول الإسلام من المرتد ~~وقبول الجزية من الحربي الاصلي إذا بذلها قبل الأسر ومتى امتنعوا فقياس هذه ~~الرواية وجوب قتلهم دون استرقاقهم جعلا لنقض الأمان كنقض الإيمان ولو تكرر ~~النقض منهم فقد يقال فيهم ما يقال فيمن تكررت ردته. # PageV01P257 # وبنحو من هذه الرواية قال أشهب صاحب مالك في مثل هؤلاء قال: "لا يعود ~~الحر قنا ولا يسترق أبدا بحال بل يردون إلى ذمتهم بكل حال". # وكذلك قال الشافعي في الأم وقد ذكر نواقض العهد وغيرها قال: "وأيهم قال ~~أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا وكذلك ~~إذا كان ذلك فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدا ~~أو قصاصا فيقتل بحد أو قصاص لا بنقض عهد". # وإن فعل مما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ولكنه قال: "أتوب ~~وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده" عوقب ولم يقتل إلا أن يكون ~~قد فعل فعلا يوجب القصاص أو الحد فإن فعل أو قال مما وصفنا وشرط أنه يحل ~~دمه فظفرنا به فامتنع من أن يقول: "أسلم أو أعطي جزية" قتل وأخذ ماله فيئا. # فقد نص على وجوب قبول الجزية منه إذا بذلها وهو في أيدينا وأنه إذا امتنع ~~منها ومن الإسلام قتل وأخذ ماله ولم يخير فيه. # ولأصحابه في وجوب قبول الجزية من أسير الحربي الأصلي وجهان. # وعن الإمام أحمد ms212 رواية ثالثة: أنهم يصرون رقيقا إذا أسروا. # وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا أسر الروم من اليهود ثم ظهر المسلمون ~~عليهم فإنهم لا يتبعونهم وقد وجبت لهم الجزية إلا من ارتد منهم عن جزيته ~~فهو بمنزلة المملوك. # وهذا هو المشهور من مذهب مالك قال ابن القاسم وغيره من المالكية: "إذا ~~خرجوا ناقضين للعهد ومنعوا الجزية وامتنعوا منا من غير أن يظلموا ولحقوا ~~بدار الحرب فقد انتقض عهدهم وإذا انتقض عهدهم ثم أسروا فهم فيء ولا يردون ~~إلى ذمتنا # PageV01P258 # فأوجبوا استرقاقهم ومنعوا أن يعقد لهم الذمة ثانيا كأنه جعل خروجهم من ~~الذمة مثل ردة المرتد يمنع إقراره بالجزية لكن هؤلاء لا يسترقون لكون كفرهم ~~أصليا. # وقال أصحاب أبي حنيفة: من نقض العهد فإنه يصير كالمرتد إلا أنه يجوز ~~استرقاقه والمرتد لا يجوز استرقاقه. # فأما إن لم يقدر عليهم حتى بذلوا الجزية وطلبوا العود إلى الذمة فإنه ~~يحوز عقدها لهم لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدوا الذمة لأهل ~~الكتاب من أهل الشام مرة ثانية وثالثة بعد أن نقضوا العهد والقصة في ذلك ~~مشهورة في فتوح الشام وما أحسب في هذا خلافا فإن مالكا وأصحابه قالوا: إذا ~~منعوا الجزية وقاتلوا المسلمين والإمام عدل فإنهم يقاتلون حتى يردوا إليه ~~مع أن المشهور عندهم أن الأسير منهم لا يرد إلى الذمة بل يكون فيئا فإذا ~~كان مالك لا يخالف في هذه المسألة فغيره أولى أن لا يخالف فيها لأنه هو ~~الذي اشتهر عنه القول بمنع عود الأسير منهم إلى الذمة. # فإن بذل هؤلاء العود إلى الذمة فهل يجب قبول ذلك منهم كما يجب قبوله من ~~الحربي الأصلي؟ إن قلنا إنه يجب رد الأسير منهم إلى ذمته فهؤلاء أولى وإن ~~قلنا لا يجب هناك فيتوجه أن لا يجب هنا أيضا لأن بني قينقاع لما نقضوا ~~العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أراد قتلهم حتى ألح عليه ~~عبد الله بن أبي في الشفاعة فيهم فأجلاهم إلى أذرعات ولم يقرهم بالمدينة مع ms213 ~~أن القوم كانوا حراصا على المقام بالمدينة بعهد يجددونه وكذلك بنو قريظة ~~لما حاربت أرادوا الصلح والعود إلى الذمة فلم يجبهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكذلك بنو النضير لما نقضوا العهد ~~فحاصرهم أنزلهم على الجلاء من المدينة مع أنهم كانوا أحرص شيء على المقام ~~بدارهم بأن يعودوا إلى الذمة وهؤلاء الطوائف كانوا أهل ذمة عاهدوا النبي ~~صلى الله عليه # PageV01P259 # وسلم أن الدار دار الإسلام يجري فيها حكم الله تعالى ورسوله وأنه مهما ~~كان بين أهل العهد من المسلمين ومن هؤلاء المعاهدين من حدث فأمره إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم هكذا في كتاب الصلح فإذا كانوا نقضوا العهد فبعضا قتل ~~وبعضا أجلى ولم يقبل منهم ذمة ثانية مع حرصهم على بذلها علم أن ذلك لا يجب ~~ولا يجوز أن يكون ذلك لكون أرض الحجاز لا يقر فيها أهل دينين ولا يمكن ~~الكفار من المقام بها لأن هذا الحكم لم يكن شرع بعد بل قد توفي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند أبي شحمة اليهودي بالمدينة وبالمدينة ~~غيره من اليهود وبخيبر خلائق منهم وهي من الحجاز ولكن عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم في مرضه أن يخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وأن لا يبقى بها ~~دينان فأنفذ عهده في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # والفرق بين هؤلاء وبين المرتدين أن المرتد إذا عاد إلى الإسلام فقد أتى ~~بالغاية التي يقاتل الناس حتى يصلوا إليها فلا يطلب منه غير ذلك وإن ظننا ~~أن باطنه خلاف ظاهره فإنا لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس وأما هؤلاء فإن ~~الكف عنهم إنما كان لأجل العهد ومن خفنا منه الخيانة جاز لنا أن ننبذ إليه ~~العهد وإن لم يجز نبذ العهد إلى من خفنا منه الردة فإذا نقضوا العهد فقد ~~يكون ذلك أمارة على عدم الوفاء وإن إجابتهم إلى العهد إنما فعلوه خوفا ~~وتقية ومتى قدروا غدروا فيكون هذا الخوف مجوزا ms214 لترك معاهدتهم على أخذ ~~الجزية كما كان يجوز نبذ العهد إلى أهل الهدنة بطريق الأولى. # وفي هذا دليل على أنه لا يجب رد الأسير الناقض للعهد إلى الذمة بطريق ~~الأولى فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يردهم إلى الذمة وقد طلبوها ~~ممتنعين فإن لا يردهم إليها إذا طلبوها موثقين أولى وقد أسر بني قريظة بعد ~~نقض العهد فقتل مقاتلتهم ولم يردهم إلى العهد ولأن الله تعالى قال: {فمن ~~نكث فإنما # PageV01P260 # ينكث على نفسه} فلو كان الناكث كلما طلب العهد منا وجب أن نجيبه لم يكن ~~للنكث عقوبة يخافها بل ينكث إذا أحب لكن يجوز أن نعيدهم إلى الذمة لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهب الزبير بن باطا القرظي لثابت بن قيس بن شماس ~~هو وأهله وماله على أن يسكن أرض الحجاز وكان من أسرى بني قريظة الناكثين ~~فعلم جواز إقرارهم في الدار بعد النكث وإجلاء بني قينقاع بعد القدرة عليهم ~~إلى أذرعات فعلم جواز المن عليهم بعد النكث وإذا جاز المن على الأسير ~~الناكث وإقراره في دار الإسلام فالمفاداة به أولى. # وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في هؤلاء الناقضين تدل على جواز القتل ~~والمن على أن يقيموا بدار الإسلام وأن يذهبوا إلى دار الحرب إذا كانت ~~المصلحة في ذلك وفي ذلك حجة على من أوجب إعادتهم إلى الذمة وعلى من أوجب ~~استرقاقهم. # فإن قيل: إنما أوجبنا إعادتهم إلى الذمة لأن خروجهم عن الذمة ومفارقتهم ~~لجماعة المسلمين كخروجهم عن الإسلام ومفارقة جماعة المسلمين أو نقض الأمان ~~كنقض الإيمان فإذا كان المرتد عن الإسلام لا يقبل منه ما يقبل من الكافر ~~الأصلي بل إما الإسلام أو السيف فكذلك المرتد عن العهد لا يقبل منه ما يقبل ~~من الحربي الأصلي بل إما الإسلام أو العهد وإلا فالسيف ولأنه قد صارت لهم ~~حرمة العهد المتقدم فمنعت استرقاقهم كما منع استرقاق المرتد حرمة إسلامه ~~المتقدم. # قلنا: المرتد بخروجه عن الدين الحق بعد دخوله فيه تغلظ كفره فلم يقر عليه ~~بوجه من ms215 الوجوه فتحتم قتله إن لم يسلم عصمه للدين كما تحتم غيره من الحدود ~~حفظا للفروج وغير ذلك ولم يجز استرقاقه لأن فيه إقرارا له # PageV01P261 # على الردة لا لتشرفه بدين قد بدله وناقض العهد قد نقض عهده الذي كان يرعى ~~به فزالت حرمته وصار بأيدي المسلمين من غير عقد ولا عهد فصار كحربي أسرناه ~~وأسوء حالا منه ومثل ذلك لا يجب المن عليه بجزية ولا بغيرها لأن الله تعالى ~~إنما أمرنا أن نقاتلهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فمن أخذناه قبل ~~أن يعطي الجزية لم يدخل في الآية لأنه لا قتال معه بل قد خيرنا الله إذا ~~شددنا الوثاق بين المن والفداء ولم يوجب المن في حق ذمي ولا كتابي ولأن ~~الأسير قد صار للمسلمين فيه حق بإمكان استبعاده والمفاداة به فلا يجب عليهم ~~بذل حقهم منه مجانا وجاز قتله لأنه كافر لا عهد له وإنما هو باذل للعهد في ~~حال لا تجب معاهدته وذلك لا يعصم دمه. # فإن قال من منع من إعادته إلى الذمة وجعله فيئا: هذا من على الأسير مجانا ~~وذلك إضاعة لحق المسلمين فلم يجز إتلاف أموالهم. # قلنا: هذا مبني على أنه لا يجوز المن على الأسير والمرضي جوازه كما دل ~~عليه الكتاب والسنة ومدعي النسخ يفتقر إلى دليل. # فإن قيل: خروجه عن العهد موجب للتغليظ عليه فينبغي إما أن يقتل أو يسترق ~~كما أن المرتد يغلظ حاله بتعين قتله فإذا جاز في هذا ما يجوز في الحربي ~~الأصلي لم يبق بينهما فرق. # قلنا: إذا جاز استرقاقه جاز إقراره بالجزية إذا لم يكن المانع حقا لله ~~لأنه ليس في ذلك إلا فوات ملك رقبته وقد يرى الإمام أن في إقراره بالجزية ~~أو في المن عليه والمفاداة به مصلحة أكبر من ذلك بخلاف المرتد فإنه لا سبيل ~~في استبقائه وبخلاف الوثني إذا جوزنا استرقاقه فإن المانع من إقراره ~~بالجزية حق لله وهو دينه وناقض العهد دينه قبل النقض وبعده سواء ونقضه إنما ~~يعود ضرره على من ms216 يحاربه من المسلمين فكان الرأي فيه إلى أميرهم. # PageV01P262 # فإن قيل: فهلا حكيتم خلافا أنه يتعين قتل هذا الناقض للعهد كما يتعين قتل ~~غيره من الناقضين كما سيأتي وقد قال أبو الخطاب: إذا حكمنا بنقض عهد الذمي ~~فظاهر كلام الإمام أحمد أنه يقتل في الحال قال: وقال شيخنا: يخير الإمام ~~فيه بين أربعة أشياء فأطلق الكلام فيمن نقض العهد مطلقا وتبعه طائفة على ~~الإطلاق ومن قيده قيده بأن ينقضه بما فيه ضرر على المسلمين مثل قتالهم ~~ونحوه فأما إن نقضه بمجرد اللحاق بدار الحرب فهو كالأسير ويؤيد هذا ما رواه ~~عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن قوم نصارى نقضوا العهد وقاتلوا المسلمين ~~قال: "أرى أن لا يقتل الذرية ولا يسبون ولكن يقتل رجالهم" قلت لأبي: فإن ~~ولد لرجالهم أولاد في دار الحرب قال: "أرى أن يسبوا أولئك ويقتلوا" قلت ~~لأبي: فإن هرب من الذرية إلى دار الحرب أحد فسباهم المسلمون ترى لهم أن ~~يسترقوا؟ قال: "الذرية لا يسترقون ولا يقتلون لأنهم لم ينقضوا هم إنما نقض ~~العهد رجالهم وما ذنب هؤلاء؟ " فقد أمر رحمه الله بقتل المقاتلة من هؤلاء ~~إما لمجرد النقض أو للنقض والقتال. # قلنا: قد ذكرنا فيما مضى نص أحمد على أن من نقض العهد وقاتل المسلمين ~~فإنه يجري عليه ما يجري على أهل الحرب من الأحكام وإذا أسر حكم فيه الإمام ~~بما رأى. # ونص رحمه الله فيمن لحق بدار الحرب على أنه يسترق في رواية وعلى أن يعاد ~~إلي ذمته في رواية أخرى فلم يجز أن يقال: ظاهر كلامه في هذه الصورة يدل على ~~وجوب قتله مع تصريحه بخلاف ذلك كيف والذين قالوا ذلك إنما أخذوا من كلامه ~~في مسائل شتى ليست هذه الصورة منها؟ على أن أبا الخطاب وغيره لم يذكروا هذه ~~الصورة ولم يدخل في كلامهم أعني صورة اللحاق بدار الحرب وإنما ذكروا من نقض ~~العهد بأن ترك ما يجب عليه في العهد أو فعل ما ينتقض به عهده وهو في قبضة ~~المسلمين. # PageV01P263 # وذكروا ms217 أن ظاهر كلام أحمد يعين قتله وهو صحيح ممن فهم من كلامهم عموم ~~الحكم في كل من انتقض عهده فمن فهمه أتي لا من كلامهم ومن ذكر اللحاق بدار ~~الحرب وقتال المسلمين والامتناع من أداء الجزية وغير ذلك في النواقض فإنه ~~احتاج أن يفرق بين اللحاق بدار الحرب وبين غيره كما ذكرناه من نصوص الإمام ~~أحمد وغيره من الأئمة على الناقض الممتنع. # والفرق بينهما أنه من لم يوجد منه إلا اللحاق بدار الحرب فإنه لم يجن ~~جناية فيها ضرر على المسلمين حتى يعاقب عليها بخصوصها وإنما ترك العهد الذي ~~بيننا وبينه فصار ككافر لا عهد له كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره. # ويجب أن يعلم أن من لحق بدار الحرب صار حربيا فما وجد منه من الجنايات ~~بعد ذلك فهي كجنايات الحربي لا يؤخذ بها إن أسلم أو عاد إلى الذمة ولذلك ~~قال الخرقي: "ومن هرب من ذمتنا إلى دار الحرب ناقضا للعهد عاد حربيا" وكذلك ~~أيضا إذا امتنعوا بدار الإسلام من الجزية أو الحكم ولهم شوكة ومنعة قاتلوا ~~بها عن أنفسهم فإنهم قد قاتلوا بعد أن انتقض عهدهم وصار حكمهم حكم ~~المحاربين فلا يتعين قتل من استرق منهم بل حكمه إلى الإمام ويجوز استرقاقه ~~كما نص الإمام أحمد على هذه الصورة بعينها لأن المكان الذي تحيزوا فيه ~~وامتنعوا بمنزلة دار الحرب ولم يجنوا على المسلمين جناية ابتدءوا بها ~~للمسلمين وإنما قاتلوا عن أنفسهم بعد أن تحيزوا وامتنعوا وعلم أنهم محاربون ~~فمن قال من أصحابنا إن من قاتل المسلمين يتعين قتله ومن لحق بدار الحرب خير ~~الإمام فيه فإنما ذاك إذا قاتلهم ابتداء قبل أن يظهر نقض العهد ويظهر ~~الامتناع بأن يعين أهل الحرب على قتال المسلمين ونحو ذلك فأما إذا قاتل بعد ~~أن صار في شوكة ومنعة يمتنع بها عن أداء الجزية فإنه يصير # PageV01P264 # كالحربي سواء كما تقدم ولهذا قلنا على الصحيح: إن المرتدين إذا أتلفوا ~~دما أو مالا بعد الامتناع لم يضمنوه وما أتلفوه قبل الامتناع ضمنوه ms218 وسيأتي ~~إن شاء الله تعالى تمام الكلام في الفرق. # وأما ما ذكره الإمام أحمد في رواية عبد الله فإنما أراد به الفرق بين ~~الرجال والذرية ليتبين أن الذرية لا يجوز قتلهم وأن الرجال يقتلون كما يقتل ~~أهل الحرب ولهذا قال في الذرية الذين ولدوا بعد النقض "يسبون ويقتلون" ~~وإنما أراد أنهم يسبون إذا كانوا صغارا ويقتلون إذا كانوا رجالا أي يجوز ~~قتلهم كأهل الحرب الأصليين ولم يرد أن القتل يتعين لهم فإنهم على خلاف ~~الإجماع والله أعلم. # القسم الثاني: إذا لم يكن ممتنعا عن حكم الإمام فمذهب أبي حنيفة أن مثل ~~هذا لا يكون ناقضا للعهد ولا ينقض عهد أهل الذمة عنده إلا أن يكونوا أهل ~~شوكة ومنعة فيمتنعوا بذلك على الإمام ولا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم أو ~~تخلفوا بدار الحرب لأنهم إذا لم يكونوا ممتنعين أمكن الإمام أن يقيم عليهم ~~الحدود ويستوفي منهم الحقوق فلا يخرجون بذلك عن العصمة الثابتة كمن خرج عن ~~طاعة الإمام من أهل البغي ولم تكن له شوكة. # وقال الإمام: مالك لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ناقضين للعهد ومنعا ~~للجزية وامتنعوا منا من غير أن يظلموا أو يلحقوا بدار الحرب فقد انتقض ~~عهدهم لكن يقتل عنده الساب والمستكره للمسلمة على الزنى وغيرهما. # وأما مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد فإنهم قسموا الأمور المتعلقة بذلك ~~قسمين أحدهما يجب عليهم فعله والثاني يجب عليهم تركه. # فأما الأول فإنهم قالوا: إذا امتنع الذمي مما يجب عليه فعله وهو أداء ~~الجزية أو جريان أحكام الملة عليه إذا حكم بها حاكم المسلمين انتقض العهد ~~بلا تردد # PageV01P265 # قال الإمام أحمد في الذي يمنع الجزية: إن كان واجدا أكره عليها وأخذت منه ~~وإن لم يعطها ضربت عنقه وذلك لأن الله تعالى أمر بقتالهم إلى أن يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون والإعطاء له مبتدأ وتمام فمبتدأه الالتزام والضمان ~~ومنتهاه الأداء والإعطاء ومن الصغار جريان أحكام المسلمين عليهم فمتى لم ~~يتم إعطاء الجزية أو أعطوها وليسوا بصاغرين فقد زالت الغاية التي أمرنا ~~بقتالهم ms219 إليها فيعود القتال ولأن حقن دمائهم إنما ثبت ببذل الجزية والتزام ~~جريان أحكام الإسلام عليهم فمتى امتنعوا منه وأتوا بضده صاروا كالمسلم الذي ~~ثبت حقن دمه بالإسلام إذا امتنع منه وأتى بكلمة الكفر. # وعلى ما ذكره الإمام أحمد فلا بد أن يمتنع من ذلك على وجه لا يمكن ~~استيفاؤه منه مثل أن يمتنع من حق بدني لا يمكن فعله ونيابة عنه دائما أو ~~يمتنع من أداء الجزية ولعيب ماله كما قلنا في المسلم إذا امتنع من الصلاة ~~أو الزكاة فأما إن قاتل الإمام على ذلك فذلك هو الغاية في انتقاض العهد كمن ~~قاتل على ترك الصلاة أو الزكاة. # وأما القسم الثاني وهو ما يجب عليهم تركه فنوعان: أحدهما ما فيه ضرر على ~~المسلمين والثاني ما لا ضرر فيه عليهم والأول قسمان أيضا: أحدهما ما فيه ~~ضرر على المسلمين في أنفسهم وأموالهم: مثل أن يقتل مسلما أو يقطع الطريق ~~على المسلمين أو يعين على قتال المسلمين أو يتجسس للعدو بمكاتبه أو كلام أو ~~إيواء عين من عيونهم أو يزني بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح والقسم الثاني ما ~~فيه أذى وغضاضة عليهم: مثل أن يذكر الله أو كتابه أو رسوله أو دينه بالسوء ~~والنوع الثاني ما لا ضرر فيه عليهم: مثل إظهار أصواتهم بشعائر دينهم من ~~الناقوس والكتاب ونحو ذلك ومثل مشابهة المسلمين في هيآتهم ونحو ذلك وقد ~~تقدم القول في انتقاض العهد بكل واحد من هذه الأقسام # PageV01P266 # فإذا نقض الذمي العهد ببعضها وهو في قبضة الإمام مثل أن يزني بمسلمة أو ~~يتجسس للكفار فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه يقتل قال في رواية حنبل: كل من ~~نقض العهد أو أحدث في الإسلام حدثا مثل هذا يعني مثل سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأيت عليه القتل ليس على هذا أعطوا العهد والذمة فقد نص على أن ~~من نقض العهد وأتى بمفسدة مما ينقض العهد قتل عينا وقد تقدمت نصوصه أن من ~~لم يوجد منه إلا نقض العهد بالامتناع فإنه كالحربي. # وقال في ms220 مواضع متعددة في ذمي فجر بامرأة مسلمة: يقتل ليس على هذا صولحوا ~~والمرأة إن كانت طاوعته أقيم عليها الحد وإن كان استكرهها فلا شيء عليها. # وقال في يهودي زنى بمسلمة: يقتل: لأن عمر رضي الله عنه أتى بيهودي نخس ~~بمسلمة ثم غشيها فقتله فالزنى أشد من نقض العهد قيل: فعبد نصراني زنى ~~بمسلمة قال: "يقتل أيضا وإن كان عبدا". # وقال في مجوسي فجر بمسلمة: يقتل هذا نقض العهد وكذلك إن كان من أهل ~~الكتاب يقتل أيضا قد صلب عمر رجلا من اليهود فجر بمسلمة هذا نقض العهد فقيل ~~له: ترى عليه الصلب مع القتل؟ قال: إن ذهب رجل إلى حديث عمر كأنه لم يعب ~~عليه. # وقال مهنا: سالت أحمد عن يهودي أو نصراني فجر بامرأة مسلمة: ما يصنع به؟ ~~قال: "يقتل" فأعدت عليه قال: "يقتل" قلت: إن الناس يقولون غير هذا قال: ~~"كيف يقولون؟ " فقلت: يقولون عليه الحد قال: "لا ولكن يقتل" فقلت له: في ~~هذا شيء؟ قال: "نعم عن عمر أنه أمر بقتله". # PageV01P267 # وقال في رواية جماعة من أصحابه في ذمي فجر بمسلمة: يقتل قيل: فإن أسلم ~~قال: يقتل هذا قد وجب عليه. # فقد نص رحمه الله على وجوب قتله بكل حال سواء كان محصنا أو غير محصن وأن ~~القتل واجب عليه وإن أسلم وأنه لا يقام عليه حد الزنا الذي يفرق فيه بين ~~المحصن وغير المحصن واتبع ذلك ما رواه خالد الحذاء عن ابن أشوع عن الشعبي ~~عن عوف بن مالك أن رجلا نخس بامرأة فتجللها فأمر به عمر فقتل وصلب ورواه ~~المروزي عن مجالد عن الشعبي عن سويد بن غفلة: "أن رجلا من أهل الذمة نخس ~~بامرأة من المسلمين بالشام وهي على الحمار فصرعها وألقى نفسه عليها فرآه ~~عوف بن مالك فضربه فشجه فانطلق إلى عمر يشكو عوفا فأتى عوف عمر فحدثه حديثه ~~فأرسل إلى المرأة يسألها فصدقت عوفا فقال: قد شهدت أختنا فأمر به عمر فصلب ~~قال: فكان أول مصلوب في الإسلام ثم قال عمر: "أيها ms221 الناس اتقوا الله في ذمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا تظلموهم فمن فعل هذا فلا ذمة له". # وروى سيف في الفتوح هذه القصة عن عوف بن مالك مبسوطة وذكر فيها أن الحمار ~~صرع المرأة وأن النبطي أرادها فامتنعت واستغاثت قال عوف: "فأخذت عصاي فمشيت ~~في أثره فأدركته فضربت رأسه ضربة ذا عجر ورجعت إلى منزلي" وفيه: "فقال ~~للنبطي: "أصدقني فأخبره". # وقال الإمام أحمد أيضا في الجاسوس: إذا كان ذميا قد نقض العهد يقتل وقال ~~في الراهب: لا يقتل ولا يؤذى ولا يسأل عن شيء إلا أن نعلم منه أنه يدل على ~~عورات المسلمين ويخبر عن أمرهم عدوهم فيستحل حينئذ دمه. # وقد نص الإمام أحمد على أنه من نقض العهد بسب الله أو رسوله فإنه يقتل # PageV01P268 # ثم اختلف أصحابنا بعد ذلك فقال القاضي وأكثر أصحابه مثل أبيه أبي الحسين ~~والشريف أبي جعفر وأبي المواهب العكبري وابن عقيل وغيره وطوائف بعدهم: إن ~~من نقض العهد بهذه الأشياء وغيرها فحكمه كحكم الأسير يخير الإمام فيه كما ~~يخير بالأسير بين القتل والمن والاسترقاق والفداء وعليه أن يختار من ~~الأربعة ما هو أصلح للمسلمين قال القاضي في المجرد: "إذا قلنا قد انتقض ~~عهده فإنا نستوفي منه الحقوق والقتل والحد والتعزير لأن عقد الذمة على أن ~~تجري أحكامنا عليه وهذه أحكامنا فإذا استوفينا منه فالإمام مخير فيه بين ~~القتل والاسترقاق ولا يرد إلى مأمنه لأنه بفعل هذه الأشياء قد نقض العهد ~~وإذا نقض عاد بمعناه الأول فكأنه رجل نصراني بدار الإسلام". # ثم إن القاضي في الخلاف قال: "حكم ناقض العهد حكم الأسير الحربي يتخير ~~الإمام فيه بين أربعة أشياء: القتل والاسترقاق والمن والفداء" لأن الإمام ~~أحمد قد نص في الأسير على الخيار بين أربعة أشياء وحكم الأسير لأنه كافر ~~حصل في أيدينا بغير أمان قال: ويحمل كلام الإمام أحمد إذا رآه الإمام صلاحا ~~واستثنى في الخلاف وهو الذي صنفه آخرا ساب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~قال: فإنه لا تقبل توبته ويتحتم قتله ولا ms222 يخير الإمام في قتله وتركه لأن ~~قذف النبي صلى الله عليه وسلم حق لميت فلا يسقط بالتوبة كقذف الآدمي. # وقد يستدل لهؤلاء من المذهب بعموم كلام الإمام أحمد وتعليله حيث قال في ~~قوم من أهل العهد نقضوا العهد وخرجوا بالذرية إلى دار الحرب فبعث في طلبهم ~~فلحقوهم فحاربوهم قال: إذا نقضوا العهد فمن كان منهم بالغا فيجري عليه ما ~~يجري على أهل الحرب من الأحكام إذا أسروا فأمرهم إلى الإمام يحكم فيهم بما ~~يرى وعلى هذا نقول: # PageV01P269 # فللإمام أن يعيدهم إلى الذمة إذا رأى المصلحة في ذلك كما له مثل ذلك في ~~الأسير الحربي الأصلي. # وهذا القول في الجملة هو الصحيح من قولي الإمام الشافعي والقول الآخر ~~للشافعي أن من نقض العهد من هؤلاء يرد إلى مأمنه ثم من أصحابه من استثنى سب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فجعله موجبا للقتل حتما دون غيره ومنهم ~~من عمم الحكم هذا هو الذي ذكره أصحابه وأما لفظه فإنه قال في الأم: "إذا ~~أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب وذكر الشروط" إلى أن قال: ~~"وعلى أن أحدا منكم إن ذكر محمدا صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله أو دينه ~~بما لا ينبغي أن يذكره به فقد برئت منه ذمة الله ثم ذمة أمير المؤمنين ~~وجميع المسلمين ونقض ما أعطي من الأمان وحل لأمير المؤمنين ماله ودمه كما ~~يحل أموال أهل الحرب ودمائهم وعلى أن أحدا من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنى أو ~~اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلما عن دينه أو أعان المحاربين ~~على المسلمين بقتال أو دلالة على عورات المسلمين أو إيواء لعيونهم فقد نقض ~~عهده وأحل دمه وماله وإن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو عرضه لزمه فيه ~~الحكم". # ثم قال: فهذه الشروط اللازمة إن رضيها فإن لم يرضها فلا عقد له ولا جزية. # ثم قال: وأيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا ms223 ~~كان ذلك قولا وكذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن ~~من فعله قتل حدا أو قصاصا فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد وإن فعل مما وصفنا ~~وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ولكنه قال "أتوب وأعطي الجزية كما كنت ~~أعطيها أو على صلح أجدده" عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا # PageV01P270 # يوجب القصاص أو الحد فأما ما دون هذا من الفعل أو القول فكل قول فيعاقب ~~عليه ولا يقتل. # قال: فإن فعل أو قال ما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفر به فامتنع من أن ~~يقول "أسلم أو أعطى جزية" قتل وأخذ ماله فيئا وهذا اللفظ يعطى وجوب قتله ~~إذا امتنع من الإسلام والعود إلى الذمة. # وسلك أبو الخطاب في "الهداية" والحلواني وكثير من متأخري أصحابنا مسلك ~~المتقدمين في إقرار نصوص الإمام أحمد بحالها وهو الصواب فإن الإمام أحمد قد ~~نص على القتل عينا فيمن زنى بمسلمة حتى بعد الإسلام وجعل هذا أشد من نقض ~~العهد باللحاق بدار الحرب ثم إنه نص هناك على أن الأمر إلى الإمام كالأسير ~~ونص هنا على أن على الإمام يخير أن يقتل ولا يخفى لمن تأمل نصوصه أن القول ~~بالتخيير مطلقا مخالف لها. # وأما أبو حنيفة فلا تجئ هذه المسألة على أصوله لأنه لا ينتقض عهد أهل ~~الذمة عنده إلا أن يكونوا أهل شوكة ومنعة فيمتنعون بذلك على الإمام ولا ~~يمكنه إجراء أحكامنا عليهم. # ومذهب مالك لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ممتنعين منا مانعين للجزية من ~~غير ظلم أو يلحقوا بدار الحرب لكن مالكا يوجب قتل ساب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم عينا وقال: "إذا استكره الذمي مسلمة على الزنى قتل إن كانت حرة وإن ~~كانت أمة عوقب العقوبة الشديدة" فمذهبه إيجاب القتل لبعض أهل الذمة الذين ~~يفعلون ما فيه ضرر على المسلمين فمن قال؟: "إنه يرد إلى مأمنه" قال: لأنه ~~حصل في دار الإسلام بأمان فلم يجز قتله حتى يرد إلى مأمنه كما ms224 لو دخلها ~~بأمان صبي وهذا ضعيف جدا لأن الله تعالى قال في كتابه: {وإن نكثوا أيمانهم ~~من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ~~ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} الآية # PageV01P271 # فهذه الآية وإن كانت نزلت في أهل الهدنة فعمومها لفظا ومعنى يتناول كل ذي ~~عهد على ما لا يخفى وقد أمر سبحانه بالمقاتلة حيث وجدناهم فعم ذلك مأمنهم ~~وغير مأمنهم ولأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون فمتى لم يعطوا الجزية أو لم يكونوا صاغرين جاز قتالهم من غير شرط ~~على معنى الآية ولأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من رأوه ~~من رجال يهود صبيحة قتل ابن الأشرف وكانوا معه معاهدين ولم يأمر بردهم إلى ~~مأمنهم وكذلك لما نقضت بنو قينقاع العهد قاتلهم ولم يردهم إلى مأمنهم ولما ~~نقضت بنو قريظة العهد قاتلهم وأسرهم ولم يبلغهم مأمنهم وكذلك كعب بن الأشرف ~~نفسه أمر بقتله غيلة ولم يشعره أنه يريد قتله فضلا عن أن يبلغه مأمنه وكذلك ~~بنو النضير أجلاهم على أن لا ينقلوا إلا ما حملته الإبل إلا الحلقة وليس ~~هذا بإبلاغ للمأمن لأن من بلغ مأمنه يؤمن على نفسه وأهله وماله حتى يبلغ ~~مأمنه وكذلك سلام ابن أبي الحقيق وغيره من يهود لما نقضوا العهد قتلهم نوبة ~~خبير ولم يبلغهم مأمنهم ولأنه قد ثبت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عمر وأبا عبيدة ومعاذ ابن جبل وعوف بن مالك قتلوا النصراني الذي أراد ~~أن يفجر بالمسلمة وصلبوه ولم ينكره منكر فصار إجماعا ولم يردوه إلى مأمنه ~~ولأن في شروط عمر التي شرطها على النصارى "فإن نحن خالفا عن شيء شرطناه لكم ~~وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما حل لأهل المعاندة ~~والشقاق" رواه حرب بإسناد صحيح وقد تقدم عن عمر وغيره من الصحابة مثل أبي ~~بكر وعمر وابن عباس وخالد بن الوليد وغيرهم رضوان الله عليهم أنهم ms225 قتلوا ~~وأمروا بقتل ناقض العهد ولم يبلغوه مأمنه ولئن دمه كان مباحا وإن عصمته ~~الذمة فمتى ارتفعت الذمة بقي على الإباحة ولأن الكافر لو دخل دار الإسلام ~~بغير أمان وحصل في أيدينا جاز قتله في دارنا وأما من دخل بأمان صبى فإنما ~~ذاك لأنه يعتقد أنه مستأمن # PageV01P272 # فصارت له شبهة أمان وذلك يمنع قتله كمن وطء فرجا يعتقد أنه حلال لا حد ~~عليه وكذلك لا ينسب في دخوله دار الإسلام إلى تفريط وأما هذا فإنه ليس له ~~أمان ولا شبهة أمان لأن مجرد حصوله في الدار ليس بشبهة أمان بالاتفاق بل هو ~~مقدم على ما ينتقض به العهد مفرط في ذلك عالم أنا لم نصالحه على ذلك فأي ~~عذر له في حقن دمه حتى يلحقه بمأمنه؟ نعم لو فعل من نواقض العهد ما لم يعلم ~~أنه يضرنا مثل أن يذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بشيء يحسبه جائزا ~~عندنا كان معذورا بذلك فلا ينقض العهد كما تقدم ما لم يتقدم إليه كما فعل ~~عمر بقسطنطين النصراني. # وأما من قال أنه كالأسير الحربي إذا حصل في أيدينا فقال: لأنه كافر حلال ~~الدم حصل في أيدينا وكل من كان كذلك فإنه مأسور فلنا أن نقتله كما قتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ولنا أن نمن ~~عليه كما من النبي صلى الله عليه وسلم على ثمامه بن أثال الحنفي وعلى أبي ~~عزة الجمحي ولنا أن نفادي به كما فادى النبي صلى الله عليه وسلم بعقيل ~~وغيره ولنا أن نسترقه كما استرق المسلمون خلقا من الأسرى مثل أبي لؤلؤة ~~قاتل عمر ومماليك العباس وغيرهم أما قتل الأسير واسترقاقه فما أعلم فيه ~~خلافا لكن قد اختلف العلماء في المن عليه والمفادة هل هو باق أو منسوخ؟ على ~~ما هو معروف في مواضعه وهذا لأنه إذا نقض العهد عاد كما كان والحربي الذي ~~لا عهد له إذا قدر عليه جاز قتله واسترقاقه ولأنه ناقض للعهد فجاز قتله ~~واسترقاقه ms226 كاللاحق بدار الحرب والمحارب في طائفة ممتنعة إذا أسر بل هذا ~~أولى لأن نقض العهد بذلك متفق عليه فهو أغلظ فإذا جاز أن يحكم فيه بحكم ~~الأسير ففي هذا أولى نعم إذا انتقض العهد بفعل له عقوبة تخصه مثل أن يقتل ~~مسلما أو يقطع الطريق عليه ونحو ذلك أقيمت عليه تلك العقوبة سواء كانت قتلا ~~أو جلدا ثم إن بقي حيا بعد إقامة حد تلك الجريمة عليه صار كالكافر الحربي ~~الذي لا حد عليه. # PageV01P273 # ومن فرق بين سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين سائر النواقض قال: لأن ~~هذا حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعف عنه فلا يجوز إسقاطه ~~بالاسترقاق ولا بالتوبة كسب غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي إن ~~شاء الله تحرير مأخذ السب. # وأما من قال إنه يتعين قتله إذا نقضه بما فيه مضرة على المسلمين دون ما ~~إذا لم يوجد منه إلا مجرد اللحاق بدار الحرب والامتناع عن المسلمين فلأن ~~الله تعالى قال: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ~~وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة} إلى قوله: {قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} فأوجب سبحانه قتال ~~الذين نكثوا العهد وطعنوا في الدين ومعلوم أن مجرد نكث العهد موجب للقتال ~~الذي كان واجبا قبل العهد وأوكد فلا بد أن يفيد هذا زيادة توكيد وما ذاك ~~إلا لأن الكافر الذي ليس بمعاهد يجوز الكف عنى قتاله إذا اقتضت المصلحة ذلك ~~إلى وقت فيجوز استبقائه بخلاف هذا الذمي نقض وطعن فإنه يجب قتاله من غير ~~استتابة وكل طائفة وجب قتالها من غير استئناف لفعل يبيح دم آحادها فإنه يجب ~~قتل الواحد منهم إذا فعله وهو في أيدينا كالردة والقتل في المحاربة والزنى ~~ونحو ذلك بخلاف البغي فإنه لا يبيح دم الطائفة إلا إذا كانت ممتنعة وبخلاف ~~الكفر الذي لا عهد معه ms227 فإنه يجوز الاستيناء بقتل أصحابه بالجملة وقوله ~~سبحانه: {يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم} دليل على أن الله تعالى يريد ~~الانتقام منهم وذلك لا يحصل من الواحد إلا إذا قتل ولا يحصل إن من عليه أو ~~فودي به أو استرق نعم دلت الآية على أن الطائفة الناقضة الممتنعة يجوز أن ~~يتوب الله على من يشاء منها بعد أن يعذبها # PageV01P274 # ويخزيها بالغلبة لأن ما حاق بهم من العذاب والخزي يكفي في ردعهم وردع ~~أمثالهم عما فعلوه من النقض والطعن أما الواحد فلو لم يقتل بل من عليه لم ~~يكن هناك رادع قوي عن قوله عن فعله. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سبى بني قريظة قتل المقاتلة ~~واسترق الذرية إلا امرأة واحدة كانت قد ألقت رحى من فوق الحصن على رجل من ~~المسلمين فقتلها لذلك وحديثها مع عائشة رضي الله عنها معروف ففرق صلى الله ~~عليه وسلم بين من اقتصر على نقض العهد وبين من آذى المسلمين مع ذلك وكان لا ~~يبلغه عن أحد من المعاهدين أنه آذى المسلمين إلا ندب إلى قتله وقد أجلى ~~كثير ومن على كثير ممن نقض العهد فقط. # وأيضا فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهدوا أهل الشام من ~~الكفار ثم نقضوا العهد فقاتلوهم ثم عاهدوهم مرتين أو ثلاثا وكذلك مع أهل ~~مصر ومع هذا فلم يظفروا بمعاهد آذى المسلمين بطعن في الدين أو زنى بمسلمة ~~ونحو ذلك إلا قتلوه وأمروا بقتل هؤلاء الأجناس عينا من غير تخيير فعلم أنهم ~~فرقوا بين النوعين. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل مقيس بن حبابة وعبد الله بن ~~خطل ونحوهما مما ارتد وجمع إلى ردته قتل مسلم ونحوه من الضرر ومع هذا فقد ~~ارتد في عهد أبي بكر رضي الله عنه خلق كثير وقتلوا من المسلمين عددا بعد ~~الامتناع مثل ما قتل طليحة الأسدي عكاشة بن محصن وغيره ولم يؤخذ أحد منهم ~~بقصاص بعد ذلك فإذا كان المرتد يؤخذ بما أصابه قبل الامتناع من ms228 الجنايات ~~ولا يؤخذ بما فعله بعد الامتناع فكذلك الناقض للعهد لأن كليهما خرج عما عصم ~~به دمه: هذا نقض إيمانه وهذا نقض أمانه وإن كان في هذا خلاف بين الفقهاء في ~~المذهب وغيره فإنما قسنا على أصل ثبت بالسنة وإجماع # PageV01P275 # الصحابة نعم المرتد إذا عاد إلى الإسلام عصم دمه إلا من حد يقتل بمثله ~~المسلم والمعاهد يقتل على ما فعله من الجنايات المضرة بالمسلمين لأنه يصير ~~مباحا بالنقض ولم يعد إلى شيء يعصم دمه فيصير كحربي يغلظ قتله يبين ذلك أن ~~الحربي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا آذى المسلمين وضرهم ~~قتله عقوبة له على ذلك ولم يمن عليه بعد القدرة عليه فهذا الذي نقض عهده ~~بضرر المسلمين أولى بذلك ألا ترى أنه لما من على أبي عزة الجمحي وعاهده أن ~~لا يعين عليه فغدر به ثم قدر عليه بعد ذلك وطلب أن يمن عليه فقال: "لا تسمح ~~سبلاتك بمكة وتقول: سخرت بمحمد مرتين" ثم قال: "لا يلدغ المؤمن من جحر ~~مرتين" فلما نقض يمينه منعه ذلك من المن عليه لأنه ضره بعد أن كان عاهده ~~على ترك ضراره فكذلك من عاهد من أهل الذمة أنه لا يؤذي المسلمين ثم أذاهم ~~لو أطلقوا للدغوا من جحر واحد مرتين ولمسح المشرك سبلاته وقال: سخرت بهم ~~مرتين. # وأيضا فلأنه إذا لحق بدار الحرب وامتنع لم يضر المسلمين وإنما أبطل العقد ~~الذي بينهم وبينه فصار كحربي أصلي أما إذا فعل ما يضر بالمسلمين من مقاتلة ~~أو زنى بمسلمه أو قطع طريق أو حبس أو نحو ذلك فإنه يتعين قتله لأنه لو لم ~~يقتل لخلت هذه المفاسد عن العقوبة عليها وتعطلت حدود هذه الجرائم ومثل هذه ~~الجرائم لا يجوز العفو عن عقوبتها في حق المسلم فلأن لا يجوز العفو عن ~~عقوبتها في حق الذمي أولى وأحرى ولا يجوز أن يقام عليه حدها منفردا كما ~~يقام على من بقيت ذمته الحد لأن صاحبها صار حربيا والحربي لا يقام عليه إلا ~~القتل ms229 فتعين قتله وصار هذا كالأسير اقتضت المصلحة قتله لعلمنا أنه متى أفلت ~~كان فيه ضرر على المسلمين أكثر من ضرر قتله فإنه لا يجوز المن عليه ولا ~~المفاداة به اتفاقا ولأن الواجب في مثل هذا إما القتل أو المن أو الاسترقاق ~~أو الفداء # PageV01P276 # فأما الاسترقاق فإنه أبقى له على ذمته بنحو مما كان فإنه كان تحت ذمتنا ~~نأخذ منه الجزية بمنزلة العبد ولهذا قال بعض الصحابة لعمر في مسلم قتل ~~ذميا: أتقيد عبدك من أخيك؟ بل ربما كان استبعاده أنفع له من جعله ذميا ~~واستبعاد مثل هذا لا تؤمن عاقبته وسوء مغبته وأما المن عليه والمفاداة به ~~فأبلغ في المفسدة وإعادته إلى الذمة ترك لعقوبته بالكلية فتعين قتله. # يوضح ذلك أنا على هذا التقرير لا نعاقبه إذا عاد إلى الذمة إلا بما يعاقب ~~فيه المسلم أو الباقي على ذمته وهذا في الحقيقة يؤول إلى قول من يقول: إن ~~العهد لا ينقض بهذه الأشياء فلا معنى لجعل هذه الأشياء ناقضه للعهد وإيجاب ~~إعادة أصحابها إلى العهد وأن لا يعاقبوا إذا عادوا إلا بما يعاقب به ~~المسلم. # ويؤيد ذلك أن هذه الجرائم إذا رفعت العهد وفسخته فلأن يمنع ابتداء بطريق ~~الأولى لأن الدوام أقوى من الابتداء ألا ترى أن العدة والردة تمنع ابتداء ~~عقد النكاح دون دوامه فأما إن كان وجود هذه المضرات يمنع دوام العقد فمنعه ~~ابتداءه أولى وأحرى وإذا لم يجز ابتداء عقد الذمة فلأن لا يجوز المن عليه ~~أولى ولأن الله تعالى أمر بقتل جميع المشركين إلا أن المشدود وثاقه من ~~المحاربين جعل لنا أن نعامله بما نرى والخارج عن العهد وليس بمنزلة الذي لم ~~يدخل فيه كما أن الخارج عن الدين ليس بمنزلة الذي لم يدخل فيه فإن الذي لم ~~يدخل فيه باق على حاله والذي خرج من الإيمان والأمان قد أحدث فسادا فلا ~~يلزم من احتمال الفساد الباقي المستصحب احتمال الفساد المحدث المتجدد لأن ~~الدوام أقوى من الابتداء. # PageV01P277 # يبين ذلك أن كل أسير كان يؤذي المسلمين مع ms230 كفره فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قتله مثل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ومثل أبي عزة الجمحي في ~~المرة الثانية. # وأيضا فإنه إذا امتنع بطائفة أو بدار الحرب كان ما يتوقى من ضرره متعلقا ~~بعزة ومنعته كالحربي الأصلي فإذا زالت المنعة بأسره لم يبق منه ما يبقى إلا ~~من جهة كونه كافرا فقط فلا فرق بينه وبين غيره أما إذا ضر المسلمين وآذاهم ~~بين ظهرانيهم أو تمرد عليهم بالامتناع مما أوجبته الذمة عليه كان ضرره ~~بنفسه من غير طائفة تمنعه وتنصره فيجب إزهاق نفسه التي لا عصمة لها وهي ~~منشأ الضرر وينبوع لأذى المسلمين ألا ترى أن الممتنع ليس فيما فعله إغراء ~~للآحاد غير ذوي المنعة بخلاف الواحد فإن فيما يفعله فتح باب الشر فإن لم ~~يعاقب فعل ذلك غيره وغيره ولا عقوبة لمن لا عهد له من الكفار إلا السيف. # وأيضا فإن الممتنع منهم قد أمرنا بقتاله إلى أن يعطي الجزية عن يد وهو ~~صاغر وأمرنا بقتاله حتى إذا أثخناه فشدوا الوثاق فكل آية فيها ذكر القتال ~~دخل فيها فينتظمه حكم غيره من الكفار الممتنعين ويجوز إنشاء عقد ثان لهم ~~واسترقاقهم ونحو ذلك أما من فعل جناية انتقض بها عهده وهو في أيدينا فلم ~~يدخل في هذه العمومات لأنه لا يقاتل وإنما يقتل إذ القتال للممتنع وإذا كان ~~أخذ الجزية والمن والفداء إنما هو لمن قوتل هذا لم يقاتل فيبقى داخلا في ~~قوله: {فاقتلوا المشركين} غير داخل في آية الجزية والفداء. # وأيضا فإن الممتنع يصير بمنزلة الحربي والحربي يندرج جميع شأنه تحت ~~الحراب بحيث لو أسلم لم يؤاخذ بضمان شيء من ذلك بخلاف الذي في أيدينا وذلك ~~أنه ما دام تحت أيدينا في ذمتنا فإنه لا تأويل له في ضرر المسلمين وإيذائهم ~~أما اللحاق بدار الحرب فقد يكون له معه شبهة في دينه يرى أنه إذا تمكن من ~~الهرب هرب لا سيما وبعض فقهائنا يبيح له ذلك فإذا فعل ذلك # PageV01P278 # بتأويل كان بمنزلة ما يتلفه أهل ms231 البغي والعدل حال القتال لا ضمان فيه وما ~~أتلفوه في غير حال الحرب ضمنته كل طائفة للأخرى فليس حال من تأول فيما فعله ~~من النقض كحال من لم يتأول. # وأيضا فإن ما يفعله بالمسلمين من الضرر الذي ينتقض به عهده لا بد له من ~~عقوبة لأنه لا يجوز إخلاء الجرائم التي تدعو إليها الطباع من عقوبة زاجرة ~~وشرع الزواجر شاهد لذلك ثم لا يخلو إما أن تكون عقوبته من جنس عقوبة من ~~يفعل ذلك من مسلم أو ذمي بامرأة ذميه أو دون ذلك أو فوق ذلك والأول باطل ~~لأنه يلزم أن يكون عقوبة المعصوم والمباح سواء ولأن الذي نقض العهد يستحق ~~العقوبة على كفره وعلى ما فعله من الضرر الذي نقض به العهد وإنما أخرت ~~عقوبة الكفر لأجل العهد فإذا ارتفع العهد استحق العقوبة على الأمرين وبهذا ~~يظهر الفرق بينه وبين من فعل ذلك وهو معصوم وبين مباح دمه لم يفعل ذلك لأن ~~هذه المعاصي إذا فعلها المسلم فإنها منجبرة بما يلتزمه من نصر المسلمين ~~ومنفعتهم وموالاتهم فلم يتمحض مضرا للمسلمين لأن فيه منفعة ومضرة وخيرا ~~وشرا بخلاف الذمي فإنه إذا ضر المسلمين تمحض ضررا لزوال العهد الذي هو مظنة ~~منفعته ووجود هذه الأمور المضرة وإذا لم يجز أن يعاقب بمثل ما يعاقب به ~~المسلم فأن لا يعاقب بما هو دونه أولى وأحرى فوجب أن يعاقب بما هو فوق ~~عقوبة المسلم ثم المسلم يتحتم قتله إذا فعل مثل هذه الأشياء فتحتم عقوبة ~~ناقض العهد أولى لكن يختلفان في جنس العقوبة فهذا عقوبته القتل فيجب أن ~~يتحتم وذلك عقوبته تارة القتل وتارة القطع وتارة الرجم أو الجلد. # فصل. # إذا تلخصت هذه القاعدة فيمن نقض العهد على العموم فنقول: شاتم # PageV01P279 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعين قتله كما قد نص عليه الأئمة. # أما على قول من يقول: يتعين قتل كل من نقض العهد وهو في أيدينا أو يتعين ~~قتل كل من نقض العهد بما فيه ضرر على المسلمين وأذى لهم كما ms232 ذكرناه في مذهب ~~الإمام أحمد وكما قد دل عليه كلام الشافعي الذي نقلناه أو نقول: يتعين قتل ~~من نقض العهد بسب الرسول صلى الله عليه وسلم وحده كما قد ذكره القاضي أبو ~~يعلي وغيره من أصحابنا وكما ذكره طائفة من أصحاب الشافعي وكما نص عليه عامة ~~الذين ذكروه في نواقض العهد وذكروا أن الإمام يتخير فيمن نقض العهد على ~~سبيل الإجمال فإنهم ذكروا في مواضع أخر أنه يقتل من غير تخيير فظاهر. # وأما على قول من يقول: إن كل ناقض للعهد فإن الإمام يتخير فيه كالأسير ~~فقد ذكرنا أنهم قالوا: إنه يستوفى منه الحقوق كالقتل والحد والتعزير لأن ~~عقد الذمة على أن تجري أحكامنا عليه وهذه أحكامنا ثم إذا استوفينا منه ذلك ~~فالإمام مخير فيه كالأسير وعلى هذا القول فيمكنهم أن يقولوا: إنه يقتل لأن ~~سب رسول الله صلى الله عليه وسلم موجب للقتل حدا من الحدود كما لو نقض ~~العهد بزنى أو قطع طريق فإنه يقام عليه حد ذلك فيقتل إن أوجب القتل بل قد ~~يقتل الذمي حدا من الحدود وإن لم ينتقض عهده كما لو قتل ذميا آخر أو زنى ~~بذمية فإنه يستوفي منه القود وحد الزنى وعهده باق ومذهب مالك يمكن أن يوجه ~~على هذا المأخذ إن كان فيهم من يقول لم ينتقض عهده. # وبالجملة فالقول بأن الإمام يتخير في هذا إنما يدل عليه كلام بعض الفقهاء ~~أو إطلاقه وكذلك القول بأنه يلحق بمأمنه وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات ~~من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة ~~فإن تقرر في هذا خلاف فهو ضعيف نقلا لما قدمناه وتوجيها لما سنذكره # PageV01P280 # والدليل على أنه يتعين قتله ولا يجوز استرقاقه ولا المن عليه ولا ~~المفاداة به من طريقين. # أحدهما: ما تقدم من الأدلة على وجوب قتل ناقض العهد إذا نقضه بما فيه ضرر ~~على المسلمين مطلقا. # الثاني: ما يخصه وهو من وجوه: # أحدها: ما تقدم من الآيات الدالة على وجوب قتل الطاعن في ms233 الدين. # الثاني: حديث الرجل الذي قتل المرأة اليهودية على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمها وقد تقدم من حديث على بن ~~أبي طالب وابن عباس فلو كان سب النبي صلى الله عليه وسلم يرفع العهد فقط ~~ولا يوجب القتل لكانت هذه المرأة بمنزلة كافرة أسيرة وبمنزلة كافرة دخلت ~~إلى دار الإسلام ولا عهد لها ومعلوم أنه لا يجوز قتلها وأنها تصير رقيقة ~~للمسلمين بالسبي وهذه المرأة المقتولة كانت رقيقة والمسلم إذا كانت له أمة ~~كافرة حربية لم يجز له ولا لغيره قتلها لمجرد كونها حربية بل تكون ملكا ~~لسيدها ترد عليه إذا أخذها المسلمون ولا نعلم بين المسلمين خلافا أن المرأة ~~لا يجوز قتلها لمجرد الكفر إذا لم تكن معاهدة كما يقتل الرجل لذلك ولا نعلم ~~أيضا خلافا في أن المرأة إذا ثبت في حقها حكم نقض العهد فقط مثل أن تكون من ~~أهل الهدنة وقد نقضوا العهد فإنه لا يجوز قتل نسائهم وأولادهم بل تسترق ~~النساء والأولاد وكذلك الذمي إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب فمن ولد له بعد ~~نقض العهد لم يجز قتل النساء منهم والأطفال بل يكونون رقيقا للمسلمين وكذلك ~~أهل الذمة إذا امتنعوا بدار الحرب ونحوها. # فمن الفقهاء من قال: العهد باق في ذريتهم ونسائهم كما هو المعروف عن ~~الإمام أحمد وقال أكثرهم: ينتقض العهد في الذرية والنساء أيضا ثم لا ~~يختلفون أن النساء لا يقتلن وأصل ذلك أن الله تبارك وتعالى يقول: في كتابه # PageV01P281 # {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين} فأمر بقتال الذين يقاتلون فعلم أن شرط القتال كون المقاتل ~~مقاتلا. # وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء ~~والصبيان. # وعن رباح بن ربيع أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها ~~وعلى مقدمته خالد بن ms234 الوليد فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة فوقفوا ينظرون إليها يعني ويتعجبون من ~~قتلها حتى لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فانفرجوا عنها فوقف ~~عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما كانت هذه لتقاتل " فقال ~~لأحدهم: "الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا " رواه الإمام أحمد ~~وأبو داود وابن ماجة. # وعن ابن كعب بن مالك عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى ابن ~~أبي الحقيق بخيبر "نهى عن قتل النساء والصبيان " رواه الإمام أحمد. # وفي الباب أحاديث مشهورة على أن هذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة ~~خلفا عن سلف وذلك لأن المقصود بالقتال أن تكون كلمة الله هي العليا وأن ~~يكون الدين كله لله وأن لا تكون فتنة أي لا يكون أحد يفتن أحدا عن دين الله ~~فإنما نقاتل من كان ممانعا عن ذلك وهم أهل القتال فأما من لا يقاتل عن ذلك ~~فلا وجه لقتله كالمرأة والشيخ الكبير والراهب ونحو ذلك ولأن المرأة تصير ~~رقيقة للمسلمين ومالا لهم ففي قتلها تفويت لذلك عليهم من غير حاجة وإضاعة ~~المال لغير حاجة نعم لو قاتلت المرأة جاز أن تقتل بالاتفاق لوجود المعنى ~~فيها # PageV01P282 # الذي جعل الله ورسوله عدمه مانعا من قتلها بقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~ما كانت هذه لتقاتل " لكن هل يجوز أن تقصد بالقتل كما يقصد الرجل أو يقصد ~~كفها كما يقصد كف الصائل؟ ففيه خلاف بين الفقهاء فإذا كان الحكم في المرأة ~~مثل ذلك وقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم امرأة ذمية لأجل سبها مع أن ~~قتلها لو كان حراما لأنكره النبي صلى الله عليه وسلم كما أنكر قتل المرأة ~~التي وجدها مقتولة في بعض مغازيه وإن لم تكن مضمونة بدية ولا كفارة فإنه ~~صلى الله عليه وسلم لا يسكت عن إنكار المنكر بل إقراره دليل على الجواز ~~والإباحة علم أن السابة ليست بمنزلة الأسيرة ms235 الكافرة لأن تلك لا يجوز قتلها ~~وعلم أن السب أوجب قتلها بنفسه كما يجب قتلها بالإجماع إذا قطعت الطريق ~~وقتلت فيه وإذا زنت وكما يجب قتلها بالردة عند جماهير العلماء. # فإن قيل: يجوز أن يكون سبها للنبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة قتالها ~~والمرأة إذا قاتلت وكانت معاهدة انتقض عهدها كالرجل إذا فعل ذلك ويجوز أن ~~تكون حينئذ بمنزلة المرأة المقاتلة إذا أسرت يتخير الإمام فيها بين أربعة ~~أشياء كما يتخير في الرجل المقاتل إذا أسر. # قلنا: الجواب من وجوه: # أحدها: أن هذه المرأة لم يصدر عنها إلا مجرد شتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بحضرة سيدها المسلم ولم تحض أحدا من المشركين للقتال ولا أشارت على ~~الكفار برأي تعين فيه على قتال المسلمين ومعلوم أن من لم يقاتل بيده ولا ~~أعان على القتال بلسانه لم يجز أن ينسب إليه القتال بوجه من الوجوه ونحن لا ~~ننكر أن من لا يجوز قتله كالراهب والأعمى والشيخ الفاني والمقعد ونحوهم إذا ~~كان لهم رأي في القتال وكلام يعينون به على قتال المسلمين كانوا بمنزلة ~~المقاتلين لكن مجرد سب المرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند قوم ~~مسلمين ليس من هذا القبيل وإنما هو أذى لله ولرسوله أبلغ من القتال من بعض ~~الوجوه فلو لم يكن موجبا # PageV01P283 # للقتل لكانت المرأة الكافرة قد قتلت لأنها مقاتلة وهي لم تقاتل وذلك غير ~~جائز فعلم أنه موجب للقتل وإن لم يكن قتالا وقد يكون قتالا إذا ذكر في معرض ~~الحض على قتال المسلمين وإغراء الكفار بحربهم فأما في هذه الواقعة فلم يكن ~~من القتال المعروف. # الجواب الثاني: أنا نسلم أن سب النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة محاربة ~~المسلمين ومقاتلهم من بعض الوجوه كما كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن ~~حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك يعني سب الأنبياء من مسلم فهو ~~مرتد أو معاهد فهو محارب غادر بل هو من أبلغ أنواع الحراب كما تقدم تقريره ~~لكن الجواب نوعان: # أحدهما: ms236 ما ينقطع مفسدته بالقتل تارة وبالاسترقاق أخرى وبالمن أو الفداء ~~أخرى وهو حراب الكافر بالقتال يدا ولسانا فإن الحربي والحربية المقاتلة إذا ~~أسرا فاسترقا انقطع عن المسلمين ضررهما كما قد يزول بالقتل وكذلك لو من ~~عليهما رجاء أن يسلما إذا بدت مخائل الإسلام أو رجاء أن يكفا عن المسلمين ~~شر من خلفهما أو فودي بهما فهنا مفسدة المحاربة قد تزول بهذه الأمور. # الثاني: ما لا تزول مفسدته إلا بإقامة الحد فيه مثل حراب المسلم أو ~~المعاهدة في دار الإسلام بقطع الطريق ونحوه فإن ذلك يتحتم إقامة الحد فيه ~~باتفاق الفقهاء. # فهذه الأمة التي كانت تسب النبي صلى الله عليه وسلم قد حاربت في دار ~~الإسلام فإن قيل "تعاقب بالاسترقاق" فهي رقيقة لا يتغير حالها وإن قيل "يمن ~~عليها أو يفادي بها" لم يجز لوجهين: # أحدهما: أنها ملك مسلم ولا يجوز إخراجها عن ملكه مع حياتها # PageV01P284 # الثاني: أن ذلك إحسان إليها وإزالة للرق عنها فلا يجوز أن يكون جزاء ~~لسبها وحرابها فتعين قتلها. # الجواب الثالث: أن مفسدة السب لا تزول إلا بالقتل لأنها متى استبقيت طمعت ~~هي وغيرها في السب الذي هو من أعظم الفساد في الأرض كقاطع الطريق سواء ~~بخلاف المرأة المقاتلة إذا أسرت فإن مفسدة مقاتلتها قد زالت بأسرها ولا ~~يمكنها مع استرقاقها أن تقاتل ويمكنها أن تظهر السب والشتم فصار سبها من ~~جنس الجنايات التي توجب العقوبات لا تزول مفسدتها إلا بإقامة الحد فيها ~~وعلم أن الذمية التي تسب ليست بمنزلة الحربية التي تقاتل إذا أسرت بل هي ~~بمنزلة الذمية التي تقطع الطريق وتزني. # الجواب الرابع: أن الحديث فيه حكم وهو القتل وسبب القتل هو السب فيجب ~~إضافة الحكم إلى السبب والأصل إيجاد الحكم فمن زعم أن السبب حكم آخر احتاج ~~إلى دليل وقياسه على الأسيرة لا يصح لما سيأتي إن شاء الله تعالى. # الجواب الخامس: أنها لو كانت بمنزلة الأسيرة لكان النظر فيها للإمام لا ~~يجوز لآحاد الرعية تخير واحدة من الخصال الأربع فيها ومن قتلها ضمنها ms237 ~~بقيمتها للمسلمين إن كانت فيئا وللغانمين إن كانت مغنما فعلم أن القتل كان ~~واجبا فيها عينا. # يبقى أن يقال: الحدود لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه وجوابه من وجوه: # أحدها: أن السيد له أن يقيم الحد على عبده بدليل قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " وقوله: " إذا زنت أمة أحدكم ~~فليحلدها " ولا أعلم خلافا بين فقهاء الحديث أن له أن يقيم عليه الحد مثل ~~حد الزنا والقذف والشرب ولا خلاف بين المسلمين أن له أن # PageV01P285 # يعزره واختلفوا هل له أن يقيم عليه قتلا أو قطعا مثل قتله لردته أو لسبه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقطعه للسرقة؟ وفيه عن الإمام أحمد روايتان: # إحداهما يجوز وهو منصوص عن الشافعي والأخرى: لا يجوز كأحد الوجهين لأصحاب ~~الشافعي وهو قول مالك وقد صح عن ابن عمر أنه قطع يد عبد له سرق وصح عن حفصة ~~أنها قتلت جارية لها اعترفت بالسحر وكان ذلك برأي ابن عمر فيكون الحديث حجة ~~لمن يجوز للسيد أن يقيم الحد على عبده مطلقا وعلى هذا القول فالسيد له أن ~~يقيم الحد على عبده بعلمه في المنصوص عن الإمام أحمد هو إحدى الروايتين عن ~~مالك والنبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب من سيد الأمة بينة على سبه بل صدقة ~~في قوله: "كانت تسبك وتشتمك" ففي الحديث حجة لهذا القول أيضا. # الوجه الثاني: أن ذلك أكثر ما فيه أنه افتئات على الإمام والإمام له أن ~~يعفو عمن أقام حدا واجبا دونه. # الوجه الثالث: أن هذا وإن كان حدا فهو قتل حربي أيضا فصار بمنزلة قتل ~~حربي تحتم قتله وهذا يجوز قتله لكل أحد وعلى هذا يحمل قول ابن عمر في ~~الراهب الذي قيل له إنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو سمعته ~~لقتلته. # الوجه الرابع: أن مثل هذا قد وقع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مثل المنافق الذي قتله عمر بدون إذن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم ms238 يرض ~~بحكمه فنزل القرآن بإقراره ومثل بنت مروان التي قتلها ذلك الرجل حتى سماه ~~النبي صلى الله عليه وسلم ناصرا لله ورسوله وذلك أن من وجب قتله لمعنى يكيد ~~به الدين ويفسده ليس بمنزلة من قتل لأجل معصية من زنى ونحوه. # الجواب السادس: أن الفقهاء قد اختلفوا في المرأة المقاتلة إذا أسرت هل # PageV01P286 # يجوز قتلها؟ ومذهب الشافعي أنها لا تقتل فلو كانت هذه إنما قتلت لكونها ~~قد قاتلت لم يجز أن تقتل بعد الأسر عنده فلا يصح أن يورد هذا السؤال على ~~أصله. # الدليل الثالث: أن الساب لو صار بمنزلة الحربي فقط لكان دمه معصوما بأمان ~~يعقد له أو ذمة أو هدنة ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم والنفر ~~الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى كعب بن الأشرف جاؤا إليه على أن ~~يستلفوا منه وحادثوه وماشوه وقد آمنهم على دمه وماله وكان بينه وبينهم قبل ~~ذلك عهد وهو يعتقد بقاءه ثم إنهم استأذنوه في أن يشموا ريح الطيب من رأسه ~~فأذن لهم مرة بعد أخرى وهذا كله يثبت الأمان فلو لم يكن في السب إلا مجرد ~~كونه كافرا حربيا لم يجز قتله بعد أمانة إليهم وبعد أن أظهروا له أنهم ~~مؤمنون له واستئذانهم إياه في إمساك يديه فعلم بذلك أن إيذاء الله ورسوله ~~موجب للقتل لا يعصم منه أمان ولا عهد وذلك لا يكون إلا فيما أوجب القتل ~~عينا من الحدود كحد الزنى وحد قطع الطريق وحد المرتد ونحو ذلك فإن عقد ~~الأمان لهؤلاء لا يصح ولا يصيرون مستأمنين بل يجوز اغتيالهم والفتك بهم ~~لتعين قتلهم فعلم أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. # يؤيد هذا ما ذكره أهل المغازي من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لو ~~قر كما قر غيره ما اغتيل ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا ~~أحد منكم إلا كان السيف" فإن ذلك دليل على أن لا جزاء له إلا القتل. # الدليل الرابع: قوله صلى الله عليه ms239 وسلم إن كان ثابتا "من سب نبيا قتل ~~ومن سب أصحابه جلد" فأوجب القتل عينا على كل ساب ولم يخير بينه وبين غيره ~~وهذا ما يعتمد في الدلالة إن كان محفوظا. # الدليل الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى قتل ابن ~~الأشرف لأنه كان يؤذي الله ورسوله وكذلك كان يأمر بقتل من يسبه أو # PageV01P287 # يهجوه إلا من عفا عنه بعد القدرة وأمره صلى الله عليه وسلم للايجاب فعلم ~~وجوب قتل الساب وإن لم يجب قتل غيره من المحاربين وكذلك كانت سيرته لم يعلم ~~أنه ترك قتل أحد من السابين بعد القدرة عليه إلا من تاب أو كان من ~~المنافقين وهذا يصلح أن يكون امتثالا للأمر بالجهاد وإقامة الحدود فيكون ~~على الإيجاب يؤيد ذلك أن في ترك قتله تركا لنصر الله ورسوله وذلك غير جائز. # الدليل السادس: أقاويل الصحابة فإنها نصوص في تعيين قتله مثل قول عمر رضي ~~الله عنه: "من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه" فأمر بقتله عينا ~~ومثل قول ابن عباس رضي الله عنهما: "أيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا ~~من الأنبياء عليهم السلام أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه" فأمر بقتل ~~المعاهد إذا سب عينا ومثل قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيما كتب به إلى ~~المهاجر في المرأة التي سبت النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا ما قد سبقتني ~~فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء لا يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم ~~فهو مرتد ومعاهد فهو محارب غادر" فبين أن الواجب كان قتلها عينا لولا فوات ~~ذلك ولم يجعل فيه خيرة إلى الإمام لا سيما والسابة امرأة وذلك وحده دليل ~~كما تقدم ومثل قول ابن عمر في الراهب الذي بلغه أنه يسب النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لو سمعته لقتلته" ولو كان كالأسير الذي يخير فيه الإمام لم يجز ~~لابن عمر اختيار قتله وهذا الدليل واضح. # الدليل السابع: أن ناقض العهد بسب النبي صلى الله عليه ms240 وسلم ونحوه حاله ~~أغلظ من حال الحربي الأصلي وخروجه عما عاهدنا عليه بالطعن في الدين وأذى ~~الله ورسوله ومثل هذا يجب أن يعاقب عقوبة يزجر أمثاله عن مثل حاله والدليل ~~عليه قوله سبحانه وتعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين # PageV01P288 # كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا ~~يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون} فأمر الله ~~رسوله إذا صادف الناكثين بالعهد في الحرب أن يشرد بهم غيرهم من الكفار بأن ~~يفعل بهم ما يتفرق به أولئك وقال تعالى: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ~~وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة} فحض على قتال من نكث اليمين وهم ~~بإخراج الرسول وبدأ بنقض العهد ومعلوم أن من سب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فقد فعل ما هو أعظم من الهم بإخراج الرسول وبدئنا أول مرة ثم قال تعالى: ~~{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~ويذهب غيظ قلوبهم} فعلم أن تعذيب هؤلاء وإخزاءهم ونصر المؤمنين عليهم وشفاء ~~صدورهم بالانتقام منهم وذهاب غيظ قلوبهم مما آذوهم به أمر مقصود للشارع ~~مطلوب في الدين ومعلوم أن هذا المقصود لا يحصل ممن سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وآذى الله تعالى ورسوله وعباده المؤمنين إلا بقتله لا يحصل بمجرد ~~استرقاقه ولا بالمن عليه والمفادة به. # وكذلك أيضا تنكيل غيره من الكفار الذين قد يريدون إظهار السب لا يحصل على ~~سبيل التمام إلا بذلك ولا يعارض هذا من نقض العهد في طائفة ممتنعة إذا ~~أسرنا واحدا منهم لأن قتال أولئك والظهور عليهم يحصل هذا المقصود بخلاف ما ~~كان في أيدينا قبل السب وبعده فإن لم نحدث فيه قتالا لم يحصل هذا المقصود. # وجماع ذلك أن ناقض العهد لا بد له من قتال أو قتل إذ لا يحصل المقصود إلا ~~بذلك وهذا الوجه وإن كان فيه عموم لكل من نقض # PageV01P289 # العهد بالأذى لكن ذكرناه هنا لخصوص الدلالة أيضا فإنها تدل عموما ms241 وخصوصا. # الدليل الثامن: أن الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم فقد صدر منه ~~فعل تضمن أمرين أحدهما: انتقاض العهد الذي بيننا وبينه الثاني: جنايته على ~~عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاكه حرمته وإيذاء الله ورسوله ~~والمؤمنين وطعنه في الدين وهذا معنى زائد على مجرد كونه كافرا قد نقض ~~العهد. # ونظير ذلك أن ينقضه بالزنى بمسلمة أو بقطع الطريق على المسلمين وقتلهم ~~وأخذ أموالهم أو بقتل مسلم فإن فعله مع كونه نقضا للعهد قد تضمن جناية أخرى ~~فإن الزنى وقطع الطريق والقتل من حيث هو هو جناية ونقض العهد جناية كذلك ~~هنا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث هو هو جناية منفصلة عن نقض ~~العهد له عقوبة تخصه في الدنيا والآخرة زائدة على مجرد عقوبة التكذيب ~~بنبوته والدليل عليه قوله سبحانه وتعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله ~~لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا} فعلق اللعنة في الدنيا ~~والآخرة والعذاب المهين بنفس أذى الله ورسوله فعلم أنه موجب ذلك وكذلك قوله ~~تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} وقد تقدم تقريره. # يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة آمن الناس الذين كانوا ~~يقاتلونه قبل ذلك والذين نقضوا العهد الذي كان بينه وبينهم وخانوه إلا نفرا ~~منهم القينتان اللتان كانتا تغنيان بهجائه وسارة مولاة بني عبد المطلب التي ~~كانت تؤذيه بمكة فإذا كان قد أمر بقتل التي كانت تهجوه من النساء مع أن قتل # PageV01P290 # المرأة لا يجوز إلا إذا قاتلت وهو صلى الله عليه وسلم قد آمن جميع أهل ~~مكة من كان قد قاتل ونقض العهد من الرجال والنساء علم بذلك أن الهجاء جناية ~~زائدة على مجرد القتال والحراب لأن التفريق بين المتامثلين لا يقع من النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما أنه أمر بقتل ابن خطل لأنه كان قد قتل مسلما ولأنه ~~كان مرتدا ولأنه كان ms242 يأمر بهجائه وكل واحد من القتل والردة والأمر بهجائة ~~جناية زائدة على مجرد الكفر والحراب ومما يبين ذلك أنه قد كان أمر بقتل من ~~كان يؤذيه بعد فتح مكة مثل ابن الزبعرى وكعب بن زهير والحويرث بن نقيد وابن ~~خطل وغيرهم مع أمانه لسائر أهل البلد وكذلك أهدر دم أبي سفيان بن الحارث ~~وامتنع من إدخاله عليه وإدخال عبد الله بن أبي أمية لما كانا يقعان في عرضه ~~وقتل ابن أبي معيط والنضر بن الحارث دون غيرهما من الأسرى وسمى من يبذل ~~نفسه في قتله ناصرا لله ورسوله وكان يندب إلى قتل من يؤذيه ويقول: "من ~~يكفيني عدوي" وكذلك أصحابه يسارعون إلى قتل من آذاه بلسانه وإن كان أبا أو ~~غيره وينذرون قتل من ظفروا به من هذا الضرب وقد تقدم من بيان ذلك ما فيه ~~بلاغ ومن المعلوم أن هؤلاء لو كانوا بمنزلة سائر الكفار الذين لا عهد لهم ~~لم يقتلهم ولم يأمر بقتلهم في مثل هذه الأوقات التي آمن فيها الناس وكف عمن ~~هو مثلهم فعلم أن السب جناية زائدة على الكفر وقد تقدم تقرير ذلك في ~~المسألة الأولى على وجه يقطع العاقل أن سب الرسول صلى الله عليه وسلم جناية ~~لها موقع يزيد على سائر الجنايات بحيث يستحق صاحبها من العقوبة ما لا ~~يستحقه غيره وإن كان كافرا حربيا مبالغا في محاربة المسلمين وأن وجوب ~~الانتصار ممن كان هذه حاله كان مؤكدا في الدين والسعي في إهدار دمه من أفضل ~~الأعمال وأوجبها وأحقها بالمسارعة إليه وابتغاء رضوان الله تعالى فيه وأبلغ ~~الجهاد الذي كتبه الله على عباده وفرضه عليهم ومن تأمل الذين أهدر النبي ~~صلى الله عليه وسلم دماءهم يوم الفتح واشتد غضبه عليهم حتى قتل بعضهم في ~~نفس الحرم وأعرض # PageV01P291 # عن بعضهم وانتظر قتل بعضهم وجد لهم جرائم زائدة على الكفر والحراب من ردة ~~وقتل ونحو ذلك وجرم أكثرهم إنما كان من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأذاه بألسنتهم فأي دليل أوضح من هذا ms243 على أن سبه وهجاءه جناية زائدة على ~~الكفر والحراب لا يدخل في ضمن الكفر كما يدخل سائر المعاصي في ضمن الكفر ~~وعلى أن المعاهدين إذا نقضوا العهد وفيهم من سب النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان للسب عقوبة زائدة على عقوبة مجرد نقض العهد؟. # ومما يدل على أن السب جناية زائدة على كونه كفرا وحرابا وإن كان متضمنا ~~لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين كما ~~تقدم بيانه وقد كان له أن يقتلهم كما تقدم ذكره في حديث أبي بكر وغيره ولو ~~كان السب مجرد ردة لوجب قتله كالمرتد يجب قتله فعلم أنه قد تغلب في السب حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يجوز له العفو عنه. # ومما يدل على أن السب جناية مفردة أن الذمي لو سب واحدا من المسلمين أو ~~المعاهدين ونقض العهد لكان سب ذلك الرجل جناية عليه يستحق بها من العقوبة ~~ما لا يستحقه بمجرد نقض العهد فيكون سب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ~~سب واحد من البشر. # ومما يدل على ذلك أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم وشاتمه يؤذيه شتمه ~~وهجائه كما يؤذيه التعرض لدمه وماله قال الله تعالى لما ذكر الغيبة: {أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} فجعل الغيبة التي هي كلام صحيح ~~بمنزلة أكل لحم المغتاب ميتا فكيف ببهتانه؟ وسب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يكون إلا بهتانا. # PageV01P292 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن المؤمن كقتله" ~~وكما يؤذي ذلك غيره من البشر. # وأيضا فإن ذلك يؤذي جميع المؤمنين ويؤذي الله سبحانه وتعالى ومجرد الكفر ~~والمحاربة لا يحصل بهما من أذاه ما يحصل بالوقيعة في العرض مع المحاربة فلو ~~قيل: "إن الواقع في عرضه ممن انتقض عهده بمنزلة غيره ممن انتقض عهده" لكانت ~~الوقيعة في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذاه بذلك جرما لا جزاء له ~~من حيث خصوص النبي صلى الله عليه ms244 وسلم وخصوص أذاه كما لو قتل رجل نبيا من ~~الأنبياء فإن لقتله من العقوبة ما لا يستحق على مجرد الكفر والمحاربة وهذا ~~كله ظاهر لا خفاء به فإن دماء الأنبياء وأعراضهم أجل من دماء المؤمنين ~~وأعراضهم فإذا كان دماء غيرهم وأعراضهم لا تندرج عقوبتها في عقوبة مجرد نقض ~~العهد فأن لا تندرج عقوبة دمائهم وأعراضهم في عقوبة نقض العهد بطريق ~~الأولى. # ومما يوضح ذلك أن سب النبي صلى الله عليه وسلم تعلق به عدة حقوق: حق الله ~~سبحانه من حيث كفر برسوله وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة ومن حيث طعن ~~في كتابه ودينه فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة ومن حيث طعن في ألوهيته ~~فإن الطعن في الرسول طعن في المرسل وتكذيبه تكذيب لله تبارك وتعالى وإنكار ~~لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمة ~~ومن غيرها من الأمم فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا أمته فإن قيام أمر ~~دنياهم ودينهم وآخرتهم به بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة ~~بواسطته وسفارته فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآباءهم وأبناءهم وسب ~~جميعهم كما أنه أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وآبائهم والناس # PageV01P293 # أجمعين وتعلق به حق رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث خصوص نفسه فإن ~~الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله وأكثر مما يؤذيه ~~الضرب بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه خصوصا من يجب عليه أن يظهر ~~للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة فإن هتك عرضه ~~قد يكون أعظم عنده من قتله فإن قتله لا يقدح عند الناس في نبوته ورسالته ~~وعلو قدره كما أن موته لا يقدح في ذلك بخلاف الوقيعة في عرضه فإنها قد تؤثر ~~في نفوس بعض الناس من النفره عنه وسوء الظن به ما يفسد عليهم إيمانهم ويوجب ~~لهم خسارة الدنيا والآخرة فكيف يجوز أن يعتقد عاقل أن هذه الجناية بمنزلة ~~ذمي كان في ديار المسلمين فلحق ms245 ببلاد الكفار مستوطنا لها مع أن ذلك اللحاق ~~ليس في خصوصه حق لله ولا لرسوله ولا لأحد من المسلمين؟ أكثر ما فيه أن ~~الرجل كان معتصما بحبلنا فخرق تلك العصمة فإنما أضر بنفسه لا بأحد من ~~المؤمنين. # فعلم بذلك أن السب فيه من الأذى لله ولرسوله ولعباده المؤمنين ما ليس في ~~الكفر والمحاربة وهذا ظاهر إن شاء الله. # إذا ثبت ذلك فنقول: هذه الجناية جناية السب موجبها القتل لما تقدم من ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله" ~~فعلم أن من آذى الله ورسوله كان حقه أن يقتل ولما تقدم من إهدار النبي صلى ~~الله عليه وسلم دم المرأة السابة مع أنها لا تقتل لمجرد نقض العهد ولما ~~تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم بقتل من كان يسبه مع إمساكه عمن هو ~~بمنزلته في الدين وندبه الناس إلى ذلك والثناء على من سارع في ذلك ولما ~~تقدم من الحديث المرفوع # PageV01P294 # ومن أقوال الصحابة رضي الله عنهم أن من سب نبيا قتل ومن سب غير نبي جلد. # والذي يختص بهذا الموضع أن نقول: هذه الجناية إما أن يكون موجبها بخصوصها ~~القتل أو الجلد أو لا عقوبة لها بل تدخل عقوبتها في ضمن عقوبة الكفر ~~والحراب. # وقد أبطلنا القسم الثالث والقسم الثاني أيضا باطل لوجوه. # أحدها: أنه لو كان الأمر كذلك لكان الذمي إذا نقض العهد بسب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ينبغي أن يجلد لسب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حق آدمي ~~ثم يكون كالكافر الحربي يقتل للكفر ومعلوم أن هذا خلاف ما دلت عليه السنة ~~وإجماع الصحابة فإنهم اتفقوا على القتل فقط فعلم أن موجب كلا الجنايتين ~~القتل والقتل لا يمكن تعدده وكذلك كان ينبغي أن يجلد المرتد لحق النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم يقتل لردته كمرتد سب بعض المسلمين فإنه يستوفى منه حق ~~الآدمي ثم يقتل ألا ترى أن السارق يقطع لسرقته التي هي حق لله ويرد المال ~~المسروق ms246 إذا كان باقيا بالاتفاق ويغرم بدله إن كان تالفا عند أكثر الفقهاء ~~ولا يدخل حق الآدمي في حق الله مع ايجاد السبب. # الثاني: أنه لو لم يكن موجبه القتل وإنما القتل موجب كونه ردة لم يجز ~~للنبي صلى الله عليه وسلم العفو عنه لأن إقامة الحد على المرتد واجبة ~~بالاتفاق لا يجوز العفو عنه فلما عفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~جناية دل على أن السب نفسه يوجب القتل حقا للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل ~~فيه حق الله تعالى ويكون سابه وقاذفه بمنزلة ساب غيره وقاذفه قد اجتمع في ~~سبه حقان: حق لله وحق لآدمي فلو أن المسبوب والمقذوف عفا عن حقه لم يعزر ~~القاذف # PageV01P295 # والساب على حق الله بل دخل في العفو كذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~عفا عمن سبه دخل في عفوه عنه حق الله فلم يقتل لكفره كما لا يعزر ساب غيره ~~لمعصيته مع أن المعصية المجردة عن حق آدمي توجب التعزير. # يوضح ذلك أنه قد ثبت أنه كان له أن يقتل من سبه كما في حديث أبي بكر ~~وحديث الذي أمر بقتله لما كذب عليه وحديث الشعبي في قتل الخارجي وكما دلت ~~عليه أحاديث قد تقدم ذكرها وثبت له أن يعفو عنه كما دل عليه حديث ابن مسعود ~~وأبي سعيد وجابر وغيرهم فعلم أن سبه يوجب القتل كما أن سب غيره يوجب الجلد ~~وإن تضمن سبه الكفر بالله كما تضمن سب غيره المعصية لله ويكون الكفر ~~والحراب نوعين: أحداهما حق لله خالص والثاني ما فيه حق لله وحق لآدمي كما ~~أن المعصية قسمان: أحدهما حق خالص لله والثاني حق لله ولآدمي ويكون هذا ~~النوع من الكفر والحراب بمنزلة غيره من الأنواع في استحقاق فاعله القتل ~~ويفارقه في الاستيفاء فإنه إلى الآدمي كما أن المعصية بسب غير النبيين ~~بمنزلة غيرها من المعاصي في استحقاق فاعلها الجلد ويفارق غيرها في أن ~~الاستيفاء فيها إلى الآدمي. # يوضح هذا أن الحق الوجب على الإنسان قد ms247 يكون حقا محضا لله وهو ما إذا كفر ~~أو عصى على وجه لا يؤذي أحدا من الخلق فهذا إذا وجب فيه حد لم يجز العفو ~~عنه بحال وقد يكون حقا محضا لآدمي بمنزلة الديون التي تجب للإنسان على غيره ~~من ثمن مبيع أو بدل قرض ونحو ذلك من الديون التي تثبت بوجه مباح فهذا لا ~~عقوبة فيه بوجه وإنما يعاقب على الدين إذا امتنع عن وفائه والامتناع معصية ~~وقد يكون حقا لله ولآدمي مثل حد القذف والقود وعقوبة السب ونحو ذلك فهذه ~~الأمور فيها العقوبة من الحد والتعزير والاستيفاء فيها مفوض إلى اختيار ~~الآدمي: إن أحب استوفى القود وحد القذف وإن شاء عفا فسب النبي صلى الله ~~عليه وسلم لو كان من القسم الثاني لم يكن فيه عقوبة بحال فتعين أن يكون من ~~القسم الثالث وقد ثبت أن # PageV01P296 # عقوبته القتل فعلم أن سب النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو سب له وحق ~~لآدمي عقوبته القتل كما أن سب غيره من حيث هو سب له وحق لآدمي عقوبته الجلد ~~إما حدا أو تعزيرا وهذا معنى صحيح واضح. # وسر ذلك أنه إذا اجتمع الحقان فلا بد من عقوبة لأن معصية الله توجب ~~العقوبة إما في الدنيا أو في الآخرة فإذا كان الاستيفاء جعل الله ذلك إلى ~~المستحق من الآدميين لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه ~~غيره فهو كله للذي أشرك كذلك من عمل عملا لغيره فيه عقوبة جعل عقوبته كلها ~~لذلك الغير وكانت عقوبته على معصية الله تمكين ذلك الإنسان من عقوبته. # وتمام هذا المعنى أن يقال: بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يتعين القتل ~~لأن المستحق لا يمكن منه المطالبة والعفو كما أن من سب أو شتم أحدا من ~~أموات المسلمين عزر على ذلك الفعل لكونه معصية لله وإن كان في حياته لا ~~يؤدى حتى يطلب إذا علم. # الوجه الثالث: أن سب النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يكون من حيث ms248 هو ~~سب بمنزلة سب غيره من المؤمنين لأنه عليه الصلاة والسلام يباين سائر ~~المؤمنين من أمته في عامة الحقوق فرضا وخطرا وغيرهما مثل وجوب طاعته ووجوب ~~محبته وتقديمه في المحبة على جميع الناس ووجوب تعزيره وتوقيره على وجه لا ~~يساويه فيه أحد ووجوب الصلاة عليه والتسليم إلى غير ذلك من الخصائص التي لا ~~تحصى وفي سبه إيذاء لله ولرسوله ولسائر المؤمنين من عباده وأقل ما في ذلك ~~أن سبه كفر ومحاربة وسب غيره ذنب ومعصية ومعلوم أن العقوبات على قدر ~~الجرائم فلو سوى بين سبه وسب غيره لكان تسوية بين السبين المتباينين وذلك ~~لا يجوز فإذا كان سب غيره مع كونه معصية يوجب الجلد وجب أن يكون سبه مع ~~كونه كفرا يوجب القتل ويصير ذلك نوعا من أنواع الكفر من وجه ونوعا من أنواع ~~السب من وجه فمن حيث # PageV01P297 # هو من جنس الكفر أوجب القتل ومن حيث هو من جنس السب كان حقا لآدمي. # الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقب أحدا منهم إلا ~~بالقتل ولو كان هو بانفراده لا يوجب القتل وإنما يوجب ما دونه وهو صلى الله ~~عليه وسلم قد عفا عن عقوبته فيما دونه وآمن من فعل ذلك لكان صاحب ذلك لا ~~ينبغي قتله لأن ذنبه الذي يختصه لا يقتضي القتل. # فإن قيل: فقتله بمجموع الأمرين. # قلنا: وهذا المقصود لأن السب حيث كان فإنه مستلزم لكفر لا عهد له. # الدليل التاسع: أن سب رسول الله عليه الصلاة والسلام مع كونه من جنس ~~الكفر والحراب أعظم من مجرد الردة عن الإسلام فإنه من المسلم ردة وزيادة ~~كما تقدم تقريره فإذا كان كفر المرتد قد تغلظ لكونه قد خرج عن الدين بعد أن ~~دخل فيه فأوجب القتل عينا فكفر الساب الذي آذى الله ورسوله وجميع المؤمنين ~~من عباده أولى أن يتغلظ فيوجب القتل عينا لأن مفسدة السب في أنواع الكفر ~~أعظم من مفسدة مجرد الردة. # وقد اختلف الناس في قتل المرتدة وإن كان المختار قتلها ونحن ms249 قد قدمنا ~~نصوصا عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وأصحابه في قتل ~~السابة الذمية وغير الذمية والمرتد يستتاب من الردة ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه قتلوا الساب ولم يستتيبوه فعلم أن كفره أغلظ فيكون تعيين ~~قتله أولى. # الدليل العاشر: أن تطهير الأرض من إظهار سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واجب حسب الإمكان لأنه من تمام ظهور دين الله وعلو كلمة الله وكون الدين ~~كله لله فحيث ما ظهر سبه ولم ينتقم ممن فعل ذلك لم يكن الدين # PageV01P298 # ظاهرا ولا كلمة الله عالية وهذا كما يجب تطهيرها من الزناة والسراق وقطاع ~~الطريق بحسب الإمكان بخلاف تطهيرها من أصل الكفر فإنه ليس بواجب وجواز ~~إقرار أهل الكتابين على دينهم بالذمة ملتزمين جريان حكم الله ورسوله عليهم ~~لا ينافي إظهار الدين وعلو الكلمة وإنما تجوز مهادنة الكافر وأمانه عند ~~العجز أو المصلحة المرجوة في ذلك وكل جناية وجب تطهير الأرض منها بحسب ~~القدرة يتعين عقوبة فاعلها العقوبة المحدودة في الشرع إذا لم يكن لها مستحق ~~معين فوجب أن يتعين قتل هذا لأنه ليس لهذه الجناية مستحق معين لأنه تعين ~~بها حق الله ورسوله وجميع المؤمنين وبهذا يظهر الفرق بين الساب وبين الكافر ~~لجواز إقرار ذلك على كفره مستخفيا به ملتزما حكم الله ورسوله بخلاف المظهر ~~للسب. # الدليل الحادي عشر: أن قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قتل ~~كافر فهو حد من الحدود ليس قتلا على مجرد الكفر والحراب لما تقدم من ~~الأحاديث الدالة على أنه جناية زائدة على مجرد الكفر والمحاربة ومن أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أمروا فيه بالقتل عينا وليس هذا موجب ~~الكفر والمحاربة ولما تقدم من قول الصديق رضي الله عنه في التي سبت النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "إن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود" ومعلوم أن قتل ~~الأسير الحربي ونحوه من الكفار والمحاربين لا يسمى حدا ولأن ظهور سبه في ~~ديار المسلمين فساد عظيم أعظم من ms250 جرائم كثيرة فلا بد أن يشرع له حد يزجر ~~عنه من يتعاطاه فإن الشارع لا يهمل مثل هذه المفاسد ولا يخليها من الزواجر ~~وقد ثبت أن حده القتل بالسنة والإجماع وهو حد لغير معين حي لأن الحق فيه ~~لله تعالى ولرسوله وهو ميت ولكل مؤمن وكل حد يكون بهذه المثابة فإنه يتعين ~~إقامته بالاتفاق. # الدليل الثاني عشر: أن نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزيره # PageV01P299 # وتوقيره واجب وقتل سابه مشروع كما تقدم فلو جاز ترك قتله لم يكن ذلك نصرا ~~له ولا تعزيزا ولا توقيرا بل ذلك أقل نصره لأن الساب في أيدينا ونحن ~~متمكنون منه فإن لم نقتله مع أن قتله جائز لكان ذلك غاية في الخذلان وترك ~~التعزيز له والتوقير وهذا ظاهر. # واعلم أن تقرير هذه المسألة له طرق متعددة غير ما ذكرناه ولم نطل الكلام ~~هنا لأن عامة الدلائل المذكورة في المسألة الأولى تدل على وجوب قتله لمن ~~تأملها فاكتفينا بما ذكرناه هناك وإن كان القصد في المسألة الأولى بيان ~~جواز قتله مطلقا وهنا بيان وجوب قتله مطلقا وقد أجبنا هناك عمن ترك النبي ~~صلى الله عليه وسلم قتله منم أهل الكتاب والمشركين السابين وبينا أن ذلك ~~إنما كان في أول الأمر حين كان مأمورا بالعفو والصفح قبل أن يؤمر بقتال ~~الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية ويجاهد الكفار والمنافقين وأنه كان له ~~أن يعفو عمن سبه لأن هذه الجريمة غلب فيها حقه وبعد موته لا عافي عنها ~~والله أعلم # PageV01P300 ### | المسألة الثالثة: أنه يقتل ولا يستتاب سواء كان مسلما أو كافرا. # قال الإمام أحمد في رواية حنبل: "كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل وأرى أن يقتل ولا يستتاب". # وقال: "كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل ~~ليس على هذا أعطوا العهد والذمة". # وقال عبد الله: سألت أبي عمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم يستتاب؟ قال: ~~"قد وجب عليه القتل ولا ms251 يستتاب خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يستتبه". # هذا مع نصه أنه مرتد إن كان مسلما وأنه قد نقض العهد إن كان ذميا وأطلق ~~في سائر أجوبته أنه يقتل ولم يأمر فيه باستتابة هذا مع أنه لا يختلف # PageV01P300 # نصه ومذهبه أن المرتد المجرد يستتاب ثلاثا إلا أن يكون ممن ولد على ~~الفطرة فقد روي عنه أنه يقتل ولا يستتاب والمشهور عنه استتابة جميع ~~المرتدين واتبع في استتابته ما صح في ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ~~وأبي موسى وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أنهم أمروا باستتابة المرتد في ~~قضايا متفرقة وقدرها عمر رضي الله عنه ثلاثا وفسر الإمام أحمد قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" بأنه المقيم على التبديل الثابت ~~عليه فإذا تاب لم يكن مبدلا وهو راجع يقول: قد أسلمت. # وهل استتابة المرتد واجبة أو مستحبة؟ فيه عن الإمام أحمد روايتان وكذلك ~~الخرقي أطلق القول بأن من قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما كان ~~أو كافرا وأطلق أبو بكر أنه يقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك ~~غيرهما مع أنهم في المرتد يذكرون أنه لا يقتل حتى يستتاب فإن تاب من السب ~~بأن يسلم أو يعود إلى الذمة إن كان كافرا أو يعود إلى الإسلام إن كان مسلما ~~ويقلع عن السب فقال القاضي في المجرد وغيره من أصحابنا: "والردة تحصل بجحد ~~الشهادتين وبالتعريض بسب الله تبارك وتعالى وبسب النبي صلى الله عليه وسلم" ~~إلا أن الإمام أحمد قال: "لا تقبل توبة من سب النبي صلى الله عليه وسلم لأن ~~المعرة تلحق النبي صلى الله عليه وسلم بذلك" وكذلك وقال ابن عقيل: قال ~~أصحابنا في سب النبي عليه الصلاة والسلام: إنه لا تقبل توبته من ذلك لما ~~تدخل من المعرة من السب على النبي عليه الصلاة والسلام وهو حق لآدمي لم ~~يعلم إسقاطه. # وقال القاضي في خلافه وابنه أبو الحسين: "إذا سب النبي ms252 صلى الله عليه ~~وسلم قتل ولم تقبل توبته مسلما كان أو كافرا ويجعله ناقصا للعهد" نص عليه ~~أحمد. # وذكر القاضي النصوص التي قدمناها عن الإمام أحمد في أنه يقتل # PageV01P301 # ولا يستتاب وقد وجب عليه القتل قال القاضي: لأن حق النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتعلق به حقان حق لله وحق للآدمي والعقوبة إذا تعلق بها حق لله وحق ~~لآدمي لم تسقط بالتوبة كالحد في المحاربة فإنه لو تاب قبل القدرة لم يسقط ~~حق الآدمي من القصاص ويسقط حق الله. # وقال أبو المواهب العكبري: يجب لقذف النبي صلى الله عليه وسلم الحد ~~المغلظ وهو القتل تاب أو لم يتب ذميا كان أو مسلما. # وكذلك ذكر جماعات آخرون من أصحابنا أنه يقتل ساب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا تقبل توبته سواء كان مسلما أو كافرا ومرادهم بأنه لا تقبل توبته ~~أن القتل لا يسقط عنه بالتوبة والتوبة اسم جامع للرجوع عن السب بالإسلام ~~وبغيره فلذلك أتوا بها وأرادوا أنه لو رجع عن السب بالإسلام أو بالإقلاع عن ~~السب والعود إلى الذمة إن كان ذميا لم يسقط عنه القتل لأن عامة هؤلاء لما ~~ذكروا هذه المسألة قالوا: خلافا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن كان ~~مسلما يستتاب فإن تاب وإلا قتل كالمرتد وإن كان ذميا فقال أبو حنيفة: لا ~~ينتقض عهده واختلف أصحاب الشافعي فيه فعلم أنهم أرادوا بالتوبة توبة المرتد ~~وهي الإسلام ولأنهم قد حكموا بأنه مرتد وقد صرحوا بأن توبة المرتد أن يرجع ~~إلى الإسلام وهذا ظاهر فيه فإن كل من ارتد بقول فتوبته أن يرجع إلى الإسلام ~~ويتوب من ذلك القول وأما الذمي فإن توبته لها صورتان: # إحداهما: أن يقلع عن السب ويقول: لا أعود إليه وأنا أعود إلى الذمة ~~وألتزام موجب العهد. # والثانية: أن يسلم فإن إسلامه توبة من السب. # وكلا الصورتين تدخل في كلام هؤلاء الذين قالوا: لا تقبل توبته مسلما كان ~~أو كافرا وإن كانت الصورة الثانية أدخل في كلامهم في الأولى لكن إذا # PageV01P302 # لم يسقط ms253 عنه القتل بتوبة هي الإسلام فأن لا يسقط بتوبة هي العود إلى ~~الذمة أولى وإنما كانت أدخل لأنه قد علم أن التوبة من المسلم إنما هي ~~الإسلام فكذلك من الكافر لذكرهم توبة الاثنين بلفظ واحد ولأن تعليلهم بكونه ~~حق آدمي وقياسه على المحارب دليل على أنه لا يسقط بالإسلام ولأنهم قد صرحوا ~~في مواضع يأتي بعضها أن التوبة من الكافر هنا إسلامه. # وقد صرح بذلك جماعة غيرهم فقال القاضي الشريف أبو علي بن أبي موسى في ~~"الإرشاد" وهو ممن يعتمد نقله: "ومن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ~~ولم يستتب ومن سبه صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة قتل وإن أسلم". # وقال أبو علي بن البناء في "الخصال والأقسام" له: "ومن سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وجب قتله ولا تقبل توبته وإن كان كافرا فأسلم فالصحيح من المذهب ~~أنه يقتل أيضا ولا يستتاب" قال: ومذهب مالك كمذهبنا. # وعامة هؤلاء لم يذكروا خلافا في وجوب قتل المسلم والكافر وأنه لا يسقط ~~بالتوبة من إسلام وغيره وهذه طريقة القاضي في كتبه المتأخرة من "التعليق ~~الجديد" وطريقة من وافقه وكان القاضي في "التعليق القديم" وفي "الجامع ~~الصغير" يقول: "إن المسلم يقتل ولا تقبل توبته وفي الكافر إذا أسلم ~~روايتان" قال القاضي في "الجامع الصغير" الذي ضمنه مسائل التعليق القديم: ~~"ومن سب أم النبي صلى الله عليه وسلم قتل ولم تقبل توبته فإن كان كافرا ~~فأسلم ففيه روايتان" إحداهما: "يقتل أيضا" والثانية: "لا يقتل ويستتاب" ~~قياسا على قوله في الساحر: "إذا كان كافرا لم يقتل وإن كان مسلما قتل" ~~وكذلك ذكر من نقل من "التعليق القديم" مثل الشريف أبي جعفر # PageV01P303 # قال إذا سب أم النبي عليه الصلاة والسلام قتل ولم تقبل توبته وفي الذمي ~~إذا سب أم النبي صلى الله عليه وسلم روايتان إحداهما: يقتل والأخرى: لا ~~يقتل. # قال: وبهذا التفصيل قال مالك وقال أكثرهم: تقبل توبته في الحالين. # لنا أنه حد وجب كقذف آدمي فلا يسقط بالتوبة كقذف غير ms254 أم النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وكذلك قال أبو الخطاب في رؤوس المسائل: "إذا قذف أم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تقبل التوبة منه وفي الكافر إذا سبها ثم أسلم روايتان" وقال أبو ~~حنيفة والشافعي: "تقبل توبته في الحالين". # لنا أنه حد وجب لقذف آدمي فلا يسقط بالتوبة دليله قذف غير أم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وإنما ذكرت عبارة هؤلاء ليتبين أن مرادهم بالتوبة هنا من الكافر الإسلام ~~ويظهر أن طريقتهم هي بعينها طريقة ابن البناء في أن المسلم إذا سب لم تقبل ~~توبته وأن الذمي إذا سب ثم أسلم قتل أيضا في الصحيح من المذهب. # فإن قيل: فقد قال القاضي في خلافه "فإن قيل: أليس قد قلتم لو نقض العهد ~~بغير سب النبي صلى الله عليه وسلم مثل أن نقضه بمنع الجزية أو قتال ~~المسلمين أو أذيتهم ثم تاب قبلتم توبته وكان الإمام فيه بالخيار بين أربعة ~~أشياء كالحربي إذا حصل أسيرا في أيدينا هلا قلتم في سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا تاب منه كذلك قيل: لأن سب النبي صلى الله عليه وسلم قذف لميت فلا ~~يسقط بالتوبة كما لو قذف ميتا" وهذا من كلامه يدل على أن التوبة غير ~~الإسلام لأنه لو نقض العهد بغير السب ثم أسلم لم يتخير الإمام فيه. # PageV01P304 # قلنا: لا فرق في التخيير بين الأربعة قبل التوبة التي هي الإقلاع وبعده ~~عند من يقول به وإنما أراد المخالف أن يقيس على صورة تشبه صور النزاع وهي ~~الحكم فيه بعد التوبة إذا كان قبل التوبة قد ثبت جواز قتله. # على أن توبة الذمي الناقض للعهد لها صورتان: # إحداهما: أن يسلم فإن إسلامه توبة من الكفر وتوابعه. # والثانية: أن يرجع إلى الذمة تائبا من الذنب الذي أحدثه حتى انتقض عهده ~~فهذه توبة من نقض العهد فإذا تاب هذه التوبة وهو مقدور عليه جاز للإمام أن ~~يقبل توبته حيث يكون حكمه حكم الأسير كما أن الأسير إذا طلب أن تعقد له ~~الذمة جاز ms255 أن يجاب إلى ذلك. # فألزم المخالف القاضي على طريقته أن الناقض التائب من الناقض يخير الإمام ~~فيه فهلا خيرتموه في الساب إذا تاب توبة يمكن التخيير بعدها بأن يقلع عن ~~السب ويطلب عقد الذمة له ثانيا فلذلك قيل في هذه الصورة: هلا خير الإمام ~~فيه بعد التوبة وإن كان في صورة أخرى لا يمكن التخيير بعد توبة هي الإسلام. # وقد تقدم ذكر ذلك وقد قدمنا أيضا أن الصحيح أنه لا يخير فيمن نقض العهد ~~بما يضر المسلمين بحال وقد ظهر أن الرواية الأخرى التي حكوها في الفرق بين ~~المسلم والكافر مخرجة من نصه على الفرق بين الساحر الكافر والساحر المسلم ~~وذلك أنه قد قال في الساحر الذمي: لا يقتل ما هو عليه من الكفر أعظم واستدل ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل لبيد بن أعصم لما سحره والساحر ~~المسلم يقتل عنده لما جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمر وعثمان ~~وابن عمر وحفصة رضي الله عنهم من الأحاديث ووجه الترجيح أن # PageV01P305 # ما الكافر عليه من الشرك أعظم مما هو عليه من السب والسحر فنسبة السب ~~والسحر إليه واحدة بخلاف المسلم فإذا قتل الساحر المسلم دون الذمي فكذلك ~~الساب الذمي دون المسلم لكن السب ينقض العهد فيجوز قتله لأجل نقض العهد ~~فإذا أسلم امتنع قتله لنقض العهد وهو لا يقتل لخصوص السب كما لا يقتل لخصوص ~~السحر فيبقى دمه معصوما. # وقد حكى هذه الرواية الخطابي عن الإمام أحمد نفسه فقال: قال مالك بن أنس: ~~"من شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم" ~~وكذلك قال أحمد بن حنبل وحكى آخرون من أصحابنا رواية عن الإمام أحمد أن ~~المسلم تقبل توبته من السب بأن يسلم ويرجع عن السب كذلك ذكر أبو الخطاب في ~~"الهداية" ومن احتذى حذوه من متأخري أصحابنا في ساب الله ورسوله من ~~المسلمين: هل تقبل توبته أم يقتل بكل حال؟ روايتان. # فقد تلخص أن أصحابنا حكوا في الساب ms256 إذا تاب ثلاث روايات. # إحداهن: يقتل بكل حال وهي التي نصروها كلهم ودل عليها كلام الإمام أحمد ~~في نفس هذه المسألة وأكثر محققيهم لم يذكروا سواها. # والثانية: تقبل توبته مطلقا. # والثالثة: تقبل توبة الكافر ولا تقبل توبة المسلم وتوبة الذمي التي تقبل ~~إذا قلنا بها أن يسلم فأما إذا أقلع وطلب عقد الذمة له ثانيا لم يعصم ذلك ~~دمه رواية واحدة كما تقدم. # وذكر أبو عبد الله السامري أن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المسلمين فهل تقبل توبته؟ على روايتين قال: "ومن سبه من أهل الذمة قتل وإن ~~أسلم" ذكره ابن أبي موسى فعلى ظاهر كلامه يكون الخلاف في المسلم # PageV01P306 # دون الذمي عكس الرواية التي حكاها جماعة من الأصحاب وليس الأمر كذلك فإن ~~ابن أبي موسى قال: "ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب ومن سبه ~~من أهل الذمة قتل وإن أسلم" فلم يذكر خلافا في شيء من ذلك كما دل عليه ~~المأثور عن الإمام أحمد وكتاب أبي عبد الله السامري تضمن نقل أبي الخطاب ~~ونقل ابن أبي موسى كما اقتضى شرطه أن يضمنه عدة كتب صغار فلما ذكر ما حكاه ~~أبو الخطاب من الروايتين في المسلم وما ذكره ابن أبي موسى في الذمي إذا ~~أسلم ظهر نوع خلل وإلا فلا ريب أنا قبلنا توبة المسلم بإسلامه فتوبة الذمي ~~بإسلامه أولى فإن كل ما يفرض. في الكافر من غلظ السب فهو في المسلم وزيادة ~~فإنهما يشتركان في أذى النبي صلى الله عليه وسلم وينفرد سب المسلم بأنه يدل ~~على زندقته وأن سابه منافق ظهر نفاقه بخلاف الذمي فإن سبه مستند إلى اعتقاد ~~وذلك الاعتقاد زال بالإسلام. # نعم قد يوجه ما ذكره السامري بأن يقال: السب قد يكون غلطا من المسلم لا ~~اعتقادا فإذا تاب منه قبلت توبته إذ هو عثرة لسان وسوء أدب أو قلة علم ~~والذمي سبه أذى محض لا ريب فيه فإذا وجب الحد عليه لم يسقط بإسلامه كسائر ~~الحدود وقد ms257 ينزع هذا إلى قول من يقول: إن السب لا يكون كفرا في الباطن إلا ~~أن يكون استحلالا وهو قول مرغوب عنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # واعلم أن أصحابنا ذكروا أنه لا تقبل توبته لأن الإمام أحمد قال: لا ~~يستتاب ومن أصله أن كل من قبلت توبته فإنه يستتاب كالمرتد ولهذا لما اختلفت ~~الرواية عنه في الزنديق والساحر والكاهن والعراف ومن ارتد وكان مسلم الأصل ~~هل يستتابون أم لا؟ على روايتين فإن قلنا: "لا يستتابون" قتلوا بكل حال وإن ~~تابوا. # PageV01P307 # وقد صرح في رواية عبد الله بأن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~وجب عليه القتل ولا يستتاب فتبين أن القتل قد وجب وما وجب من القتل لم يسقط ~~بحال. # يؤيد هذا أنه قد قال في ذمي فجر بمسلمة: يقتل قيل له: فإن أسلم؟ قال: ~~يقتل هذا قد وجب عليه فتبين أن الإسلام لا يسقط القتل الواجب وقد ذكر في ~~الساب أنه قد وجب عليه القتل. # وأيضا فإنه أوجب على الزاني بمسلمة بعد الإسلام القتل الذي وجب عقوبة على ~~الزنى بمسلمة حتى إنه يقتله سواء كان حرا أو عبدا أو محصنا أو غير محصن كما ~~قد نص عليه في مواضع ولم يسقط ذلك القتل بالإسلام ويوجب عليه مجرد حد الزنا ~~لأنه أدخل على المسلمين من الضرر والمعرة ما أوجب قتله ونقض عهده فإذا أسلم ~~لم تزل عقوبة ذلك الإضرار عنه كما لا تزول عنه عقوبة قطعه للطريق لو أسلم ~~ولم يجز أن يقال: هو بعد الإسلام كمسلم فعل ذلك يفعل به ما يفعل بالمسلم ~~لأن الإسلام يمنع ابتداء العقوبة ولا يمنع دوامها لأن الدوام أقوى كما لو ~~قتل ذمي ذميا ثم أسلم قتل ولو قتله وهو مسلم لم يقتل. # ولهذا ينتقض عهد الذمي بأشياء: مثل الزنا بالمسلمة وإن لم يكن محصنا وقتل ~~أي مسلم كان والتجسس للكفار وقتال المسلمين واللحاق بدار الحرب وإن كان ~~المسلم لا يقتل بهذه الأشياء على الإطلاق فإذا وجب قتل الذمي بها ms258 عينا ثم ~~أسلم كان كما لو وجب قتله بذمي ثم أسلم إذ لا فرق بين أن يجب عليه حد لا ~~يجب على المسلم فيسلم أو يجب عليه قصاص لا يجب على المسلم فيسلم فإن القصاص ~~في اندرائه بالإسلام كالحدود وهو يسقط بالشبهة حكما يمنع الإسلام ابتداءه ~~دون دوامه فكذلك العقوبات الواجبة على المعاهد # PageV01P308 # وهذا ينبني على قولنا: يتعين قتل الذمي إذا فعل هذه الأشياء وأن لخصوص ~~هذه الجنايات أثرا في قتله وراء كونه كافرا غير ذي عهد ويقتضي أن قتله حد ~~من الحدود التي تجب على أهل دار الإسلام من مسلم ومعاهد ليس بمنزلة رجل من ~~أهل دار الحرب أخذ أسيرا إذ ذاك المقصود بقتله تطهير دار الإسلام من فساد ~~هذه الجنايات وحسم مادة جناية المعاهدين وإذا كان قد نص على أن لا تزول عنه ~~عقوبة ما أدخله على المسلمين من الضرر في زناه بالمسلمة فأن لا تزول عنه ~~عقوبة إضراره بسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى لأن ما يلحق المسلمين ~~من المضرة في دينهم بسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما يلحق بالزنا ~~بمسلمة إذا أقيم على الزاني الحد. # ونصه هذا يدل على أن الذمي إذا قذف رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سبه ~~ثم أسلم قتل بذلك ولم يقم عليه مجرد حد قذف واحد من الناس وهو ثمانون أو سب ~~واحد من الناس وهو التعزير كما أنه لم يوجب على من زنى بمسلمة إذا أسلم حد ~~الزنا وإنما أوجب القتل الذي كان واجبا وعلى الرواية الأخرى التي خرجها ~~القاضي في كتبه القديمة ومن اتبعه فإن الذمي يستتاب من السب فإن تاب وإلا ~~قتل. # وكذلك يستتاب المسلم على الرواية التي ذكر أبو الخطاب وغيره كما يستتاب ~~الزنديق والساحر ولم أجد للاستتابة في كلام الإمام أحمد أصلا فأما استتابة ~~المسلم فظاهرة كاستتابة من ارتد بكلام تكلم به وأما استتابة الذمي فإن يدعى ~~إلى الإسلام فأما استتابة بالعود إلى الذمة فلا يكفي على المذهب لأن قتله ms259 ~~متعين. # فأما على الوجه المضطرب الذي يقال فيه: "أن الإمام يخير فيه" فيشرع ~~استتابته بالعود إلى الذمة لأن إقراره بها جائز بعد هذا لكن لا تجب هذه # PageV01P309 # الاستتابة رواية واحدة وإن أوجبنا الاستتابة بالإسلام على إحدى الروايتين ~~وأما على الرواية التي ذكرها الخطابي فإنه إذا أسلم الذمي سقط عنه القتل مع ~~أنه لا يستتاب كالأسير الحربي وغيره من الكفار يقتلون قبل الاستتابة ولو ~~أسلموا سقط عنهم القتل وهذا أوجه من قول من يقول بالاستتابة فإن الذمي إذا ~~نقض العهد جاز قتله لكونه كافرا محاربا وهذا لا يجب استتابته بالاتفاق ~~اللهم إلا أن يكون على قول من يوجب دعوة كل كافر قبل قتاله فإذا أسلم جاز ~~أن يقال: عصم دمه كالحربي الأصلي بخلاف المسلم فإنه إذا قبلت توبته فإنه ~~يستتاب ومع هذا فمن تقبل توبته فقد يجوز استتابته كما يجوز استتابة الأسير ~~لأنه من جنس دعاء الكافر إلى الإسلام قبل قتله لكن لا يجب لكن المنصوص عن ~~أصحاب هذا القول أنه لا يقال له: أسلم ولا لا تسلم لكن إن أسلم سقط عنه ~~القتل فتلخص من ذلك أنهما لا يستتابان في المنصوص المشهور فإن تابا لم تقبل ~~توبتهما في المشهور أيضا. # وحكي عنه في الذمي أنه إذا أسلم سقط عنه القتل وإن لم يستتب. # وحكي عنه أن المسلم يستتاب وتقبل توبته وخرج عنه في الذمي أنه يستتاب وهو ~~بعيد. # واعلم أنه لا فرق بين سبه بالقذف وغيره كما نص عليه الإمام أحمد وعامة ~~أصحابه وعامة العلماء. # وفرق الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله بين القذف والسب فذكر الروايتين ~~في المسلم وفي الكافر في القذف ثم قال: وكذلك سبه بغير القذف إلا أن سبه ~~بغير القذف يسقط بالإسلام لأن سب الله تعالى يسقط بالإسلام فسب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أولى وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير ذلك إذا ذكر بأنواع ~~السب فهذا مذهب الإمام أحمد. # PageV01P310 # وأما مذهب مالك رضي الله عنه فقال مالك في رواية ابن القاسم ومطرف: "ومن ~~سب النبي ms260 صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب" قال ابن القاسم: "من سبه أو ~~شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل كالزنديق" وقال أبو مصعب وابن أبي أويس: ~~سمعنا مالكا يقول: "من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه أو ~~تنقصه قتل مسلما كان أو كافرا ولا يستتاب" وكذلك قال محمد بن عبد الحكم: ~~أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: "من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من ~~النبيين من مسلم كان أو كافر قتل ولم يستتب" قال: وروى لنا مالك إلا أن ~~يسلم الكافر قال أشهب عنه: "من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو ~~كافر قتل ولم يستتب" فهذه نصوصه نحو من نصوص الإمام أحمد والمشهور من مذهبه ~~أنه لا تقبل توبة المسلم إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه حكم ~~الزنديق عندهم ويقتل عندهم حدا لا كفرا إذا أظهر التوبة من السب وروى ~~الوليد بن مسلم عن مالك أنه جعل سب النبي صلى الله عليه وسلم ردة قال ~~أصحابه: فعلى هذا يستتاب فإن تاب نكل وإن أبى قتل ويحكم له بحكم المرتد ~~وأما الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم فهل يدرأ عنه الإسلام ~~القتل؟ على الروايتين ذكرهما القاضي عبد الوهاب وغيره إحداهما: يسقط عنه ~~قال مالك في رواية جماعة منهم ابن القاسم: "من شتم نبينا من أهل الذمة أو ~~أحدا من الأنبياء قتل إلا أن يسلم" وفي رواية: "لا يقال له أسلم ولا لا ~~تسلم ولكن إن أسلم فذلك له توبة" وفي رواية مطرف عنه: "من سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم من المسلمين أو أحدا من الأنبياء أو انتقصه قتل وكذلك من ~~فعل ذلك من اليهود والنصارى قتل ولا يستتاب إلا أن يسلم قبل القتل" قال ابن ~~حبيب: وسمعت ابن الماجشون يقوله وقال لي ابن عبد الحكم: وقال لي أصبغ عن ~~ابن القاسم فعلى هذه الرواية قال ابن القاسم: قال مالك: "إن شتم النصراني ~~النبي صلى ms261 الله عليه وسلم شتما يعرف فإنه يقتل # PageV01P311 # إلا أن يسلم قاله مالك غير مرة ولم يقل: يستتاب قال ابن القاسم ومحمد: ~~قوله عندي إن أسلم طائعا وعلى هذا فإذا أسلم بعد أن يؤخذ وثبت عليه السب ~~ويعلم أنهم يريدون قتله إن لم يسلم لم يسقط عنه القتل لأنه مكره في هذه ~~الحال والرواية الثانية: لا يدرأ عنه إسلامه القتل قال محمد بن سحنون: وحد ~~القذف وشبهه من حقوق العباد لا يسقط عن الذمي بإسلامه وإنما تسقط عنه ~~بإسلامه حدود الله فأما حد القذف فحد للعباد كان ذلك من نبي أو غيره. # وأما مذهب الشافعي رضي الله عنه فلهم في ساب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وجهان أحدهما: هو كالمرتد إذا تاب سقط عنه القتل وهذا قول جماعة منهم وهو ~~الذي يحكيه أصحاب الخلاف عن مذهب الشافعي والثاني: أن حد من سبه القتل فكما ~~لا يسقط حد القذف بالتوبة لا يسقط القتل الواجب بسب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالتوبة قالوا: ذكر ذلك أبو بكر الفارسي وادعى فيه الإجماع ووافقه ~~الشيخ أبو بكر القفال وقال الصيدلاني قولا ثالثا وهو أن الساب بالقذف مثلا ~~يستوجب القتل للردة لا للسب فإن تاب زال القتل الذي هو موجب الردة وجلد ~~ثمانين للقذف ولهذا الوجه لو كان السب غير قذف عزر بحسبه ثم منهم من ذكر ~~هذا الخلاف في المسلم إذا سب ثم أسلم ولم يتعرض للكلام في الذمي إذا سب ثم ~~أسلم ومنهم من ذكر الخلاف في الذمي كالخلاف في المسلم إذا جدد الإسلام بعد ~~السب ومنهم من ذكر في الذمي إذا سب ثم أسلم أنه يسقط عنه القتل وهو الذي ~~حكاه أصحاب الخلاف عن مذهب الشافعي وعليه يدل عموم كلام الشافعي في موضع من ~~"الأم" فإنه قال بعد أن ذكر نواقض العهد وذكر فيها سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: وأيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان ~~ذلك قولا وكذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا ms262 أن يكون في دين المسلم أن من فعله ~~قتل حدا أو قصاصا # PageV01P312 # فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد وإن فعل مما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة ~~فلم يسلم ولكنه قال: "أتوب وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده" ~~عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا يوجب القصاص أو القود فأما ما دون هذا ~~من الفعل أو القول فكل قول فيعاقب عليه ولا يقتل قال: فإن فعل أو قال مما ~~وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفرنا به فامتنع من أن يقول: "أسلم أو أعطي ~~الجزية" قتل وأخذ ماله فيئا فقد ذكر أن من نقض العهد فإنه تقبل توبته إما ~~بأن يسلم أو بأن يعود إلى الذمة. # وذكر الخطابي قال: قال مالك بن أنس: "من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من ~~اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم" وكذلك قال أحمد بن حنبل وقال الشافعي: ~~"يقتل الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم وتبرأ منه الذمة" واحتج في ~~ذلك بخبر كعب بن الأشرف وظاهر هذا القتل والاستدلال يقتضي أن لا يكف عنه ~~إذا أظهر التوبة لأنه لم يحك عنه شيئا ولأن ابن الأشرف كان مظهرا للذمة ~~مجيبا إلى إظهار التوبة لو قبلت منه. # والكلام في فصلين: # أحدهما: في استتابة المسلم وقبول توبة من سب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد ذكرنا أن المشهور عن مالك وأحمد أنه لا يستتاب ولا تسقط القتل عنه ~~توبته وهو قول الليث بن سعد وذكر القاضي عياض أنه المشهور من قول السلف ~~وجمهور العلماء وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وحكى مالك وأحمد أنه تقبل ~~توبته وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وهو المشهور من مذهب الشافعي بناء على ~~قبول توبة المرتد فنتكلم أولا في قبول توبته والذي عليه عامة أهل العلم من ~~الصحابة والتابعين أنه تقبل توبة المرتد في الجملة وروي عن الحسن البصري ~~أنه يقتل وإن أسلم جعله كالزاني والسارق وذكر عن أهل الظاهر نحو ذلك أن ~~توبته تنفعه عند الله ms263 ولكن لا يدرأ القتل عنه # PageV01P313 # وروي عن أحمد أن من ولد في الإسلام قتل ومن كان مشركا فاسلم استتيب وكذلك ~~روي عن عطاء وهو قول إسحاق بن راهويه والمشهور عن عطاء وأحمد الاستتابة ~~مطلقا وهو الصواب ووجه عدم قبول التوبة قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل ~~دينه فاقتلوه" رواه البخاري ولم يستثن ما إذا تاب وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ~~ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق ~~عليه فإذا كان القاتل والزاني لا يسقط عنهما القتل بالتوبة فكذلك التارك ~~لدينه المفارق للجماعة وعن حكيم بن جماعة عن أبيه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا يقبل الله توبة عبد كفر بعد إسلامه" رواه الإمام أحمد ~~ولأنه لا يقتل لمجرد الكفر والمحاربة لأنه لو كان كذلك لما قتل المترهب ~~والشيخ الكبير الأعمى والمقعد والمرأة ونحوهم فلما قتل هؤلاء علم أن الردة ~~حد من الحدود والحدود لا تسقط بالتوبة. # والصواب ما عليه الجماعة لأن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: {كيف يهدي ~~الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا ~~يهدي القوم الظالمين} إلى قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ~~فإن الله غفور رحيم} فأخبر الله أنه غفور رحيم لمن تاب بعد الردة وذلك ~~يقتضى مغفرته له في الدنيا والآخرة ومن هذه حاله لم يعاقب بالقتل. # يبين ذلك ما رواه الإمام أحمد قال: حدثنا على بن عاصم عن داود بن أبي هند ~~عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من الأنصار ارتد عن الإسلام ولحق # PageV01P314 # بالمشركين فأنزل الله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا} إلى آخر الآية ~~فبعث بها قومه إليه فرجع تائبا فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه وخلى ~~عنه ورواه النسائي من حديث داود مثله. # وقال الإمام أحمد: حدثنا علي عن خالد عن عكرمة بمعناه وقال: "والله ما ms264 ~~كذبني قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كذب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الله والله أصدق الثلاثة فرجع تائبا فقبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك منه وخلى عنه. # وقال: ثنا حجاج عن ابن جريج حديثا عن عكرمة مولى ابن عباس في قول الله ~~تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق} في أبي ~~عامر بن النعمان ووحوح بن الأسلت والحارث بن سويد بن الصامت في اثني عشر ~~رجلا رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهليهم: هل لنا من توبة؟ ~~فنزلت: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} في الحارث بن سويد بن الصامت. # وقال: ثنا عبد الرزاق نا جعفر عن حميد عن مجاهد قال: "جاء الحارث ابن ~~سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل ~~الله فيه القرآن: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} إلى قوله: {غفور ~~رحيم} قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث: والله إنك ما ~~علمت لصادق وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله لأصدق ~~الثلاثة قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه". # وكذلك ذكر غير واحد من أهل العلم أنها نزلت في الحارث بن سويد وجماعة معه ~~ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة كهيئة البدء ولحقوا بمكة كفارا # PageV01P315 # فأنزل الله فيهم هذه الآية فندم الحارث وأرسل إلى قومه: أن سلوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: هل لي توبة؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى: {إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} فحملها إليه رجل من ~~قومه فقرأها عليه فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق وإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله عز وجل لأصدق الثلاثة فرجع الحارث إلى ~~المدينة وأسلم وحسن إسلامه. # فهذا رجل قد ارتد ولم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم بعد عوده إلى ~~الإسلام ولأن الله تعالى قال في ms265 إخباره عن المنافقين: {أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة ~~منكم نعذب طائفة} فدل على أن الكافر بعد إيمانه قد يعفى عنه وقد يعذب وإنما ~~يعفى عنه إذا تاب فعلم أن توبته مقبولة. # وذكر أهل التفسير أنهم كانوا جماعة وأن الذي تاب منهم رجل واحد يقال له ~~مخشي بن حمير وقال بعضهم: كان قد أنكر عليهم بعض ما سمع ولم يمالئهم عليه ~~وجعل يسير مجانبا لهم فلما نزلت هذه الآيات برئ من نفاقه وقال: "اللهم إني ~~لا أزال أسمع آية تقر عيني تقشعر منها الجلود وتجب منها القلوب اللهم فاجعل ~~وفاتي قتلا في سبيلك" وذكروا القصة. # وفي الاستدلال بهذا نظر ولأنه قال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم} إلى قوله: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم ~~الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن # PageV01P316 # يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ~~ولي ولا نصير} . # وذلك دليل على قبول توبة من كفر بعد إسلامه وأنهم لا يعذبون في الدنيا ~~ولا في الآخرة عذابا أليما: بمفهوم الشرط ومن جهة التعليل ولسياق الكلام ~~والقتل عذاب أليم فعلم أن من تاب منهم لم يعذب بالقتل لأن الله سبحانه قال: ~~{من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة ~~الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله ~~على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم ~~الخاسرون ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم} فبين أن الذين هاجروا إلى دار الإسلام بعد أن فتنوا ~~عن دينهم بالكفر بعد الإسلام وجاهدوا وصبروا فإن الله ms266 يغفر لهم ويرحمهم ومن ~~غفر له ذنبه مطلقا لم يعاقبه عليه في الدنيا ولا في الآخرة. # وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة: خرج ناس من المسلمين ~~يعني المهاجرين فأدركهم المشركون ففتنوهم فأعطوهم الفتنة فنزلت فيهم: {ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} ~~الآية ونزل فيهم: {من كفر بالله من بعد إيمانه} الآية ثم إنهم خرجوا مرة ~~أخرى فانقلبوا حتى أتوا المدينة فأنزل الله فيهم: {ثم إن ربك للذين هاجروا ~~من بعد ما فتنوا} إلى آخر الآية ولأنه سبحانه # PageV01P317 # قال: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة} فعلم أن من لم يمت وهو كافر من المرتدين لا يكون خالدا في ~~النار وذلك دليل على قبول التوبة وصحة الإسلام فلا يكون تاركا لدينه فلا ~~يقتل ولعموم قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} إلى ~~قوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} فإن هذا ~~الخطاب عام في قتال كل مشرك وتخلية سبيله إذا تاب من شركه وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة سواء كان مشركا أصليا أو مشركا مرتدا. # وأيضا فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد ارتد على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولحق بمكة وافترى على الله ورسوله ثم إنه بعد ذلك بايعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحقن دمه وكذلك الحارث بن سويد وكذلك جماعة من ~~أهل مكة أسلموا ثم ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام فحقنت دماؤهم وقصص هؤلاء ~~وغيرهم مشهورة عند أهل العلم بالحديث والسيرة. # وأيضا فالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم على ذلك فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما توفى ارتد أكثر العرب إلا أهل مكة والمدينة والطائف واتبع ~~قوم منهم من تنبأ فيهم مثل مسيلمة والعنسي وطليحة الأسدي فقاتلهم الصديق ~~وسائر الصحابة رضي الله عنهم حتى رجع أكثرهم إلى الإسلام فأقروهم على ذلك ~~ولم يقتلوا واحدا ممن رجع إلى الإسلام ومن رؤوس ms267 من كان قد ارتد ورجع طليحة ~~الأسدي المتنبي والأشعث بن قيس وخلق كثير لا يحصون والعلم بذلك ظاهر لا ~~خفاء به على أحد وهذه الرواية عن الحسن فيها نظر فإن مثل هذا لا يخفى # PageV01P318 # عليه ولعله أراد نوعا من الردة كظهور الزندقة ونحوها أو قال ذلك في ~~المرتد الذي ولد مسلما ونحو ذلك مما قد شاع فيه الخلاف. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" فنقول بموجبه فإنما ~~يكون مبدلا إذا دام على ذلك واستمر عليه فأما إذا رجع إلى الدين الحق فليس ~~بمبدل وكذلك إذا رجع إلى المسلمين فليس بتارك لدينه مفارق للجماعة بل هو ~~متمسك بدينه ملازم للجماعة وهذا بخلاف القتل والزنى فإنه فعل صدر عنه لا ~~يمكن دوامه عليه بحيث إذا تركه يقال إنه ليس بزان ولا قاتل فمتى وجد منه ~~ترتب حده عليه وإن عزم على أن لا يعود إليه لأن العزم على ترك العود لا ~~يقطع مفسدة ما مضى من الفعل. # على أن قوله: "التارك لدينه المفارق للجماعة" قد يفسر بالمحارب قاطع ~~الطريق كذلك رواه أبو داود في سننه مفسرا عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم ~~ورجل خرج محاربا لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض أو يقتل ~~نفسا فيقتل بها" فهذا المستثنى هنا هو المذكور في قوله: "التارك لدينه ~~المفارق للجماعة" ولهذا وصفه بفراق الجماعة وإنما يكون هذا بالمحاربة. # يؤيد ذلك أن الحديثين تضمنا أنه لا يحل دم من يشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله والمرتد لم يدخل في هذا العموم فلا حاجة إلى استثنائه ~~وعلى هذا فيكون ترك دينه عبارة عن خروجه عن موجب الدين ويفرق بين ترك الدين ~~وتبديله أو يكون المراد به من ارتد وحارب كالعرنيين ومقيس بن حبابة ممن ms268 ~~ارتد وقتل وأخذ المال فإن هذا يقتل بكل حال إن تاب بعد القدرة عليه ولهذا ~~والله أعلم استثني هؤلاء الثلاثة الذين يقتلون بكل # PageV01P319 # حال وإن أظهروا التوبة بعد القدرة ولو كان أريد المرتد المجرد لما احتيج ~~إلى قوله: "المفارق للجماعة" فإن مجرد الخروج من الدين يوجب القتل وإن لم ~~يفارق جماعة الناس فهذا وجه يحتمله الحديث وهو والله أعلم مقصود هذا ~~الحديث. # وأما قوله: "لا يقبل الله توبة عبد أشرك بعد إسلامه" فقد رواه ابن ماجه ~~من هذا الوجه ولفظه: "لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد إسلامه عملا حتى يفارق ~~المشركين إلى المسلمين" وهذا دليل على قبول إسلامه إذا رجع إلى المسلمين ~~وبيان أن معنى الحديث أن توبته لا تقبل ما دام مقيما بين ظهراني المشركين ~~مكثرا لسوادهم كحال الذين قتلوا ببدر ومعناه أن من أظهر الإسلام ثم فتن عن ~~دينه حتى ارتد فإنه لا تقبل توبته وعمله حتى يهاجر إلى المسلمين وفي مثل ~~هؤلاء نزل قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية ~~وأيضا فإن ترك الدين وتبديله وفراق الجماعة يدوم ويستمر لأنه تابع للاعتقاد ~~والاعتقاد دائم فمتى قطعه وتركه عاد كما كان ولم يبق لما مضى حكم أصلا ولا ~~فيه فساد ولا يجوز أن يطلق عليه القول بأنه مبدل للدين ولا أنه تارك لدينه ~~كما يطلق على الزاني والقاتل بأن هذا زان وقاتل فإن الكافر بعد إسلامه لا ~~يجوز أن يسمى كافرا عند الإطلاق ولأن تبديل الدين وتركه في كونه موجبا ~~للقتل بمنزلة الكفر الأصلي والحراب في كونهما كذلك فإذا كان زوال الكفر ~~بالإسلام أو زوال المحاربة بالعهد يقطع حكم الكفر فكذلك زوال تبديل الدين ~~وتركه بالعود إلى الدين وأخذه يقطع حكم ذلك التبديل والترك. # PageV01P320 # فصل. # إذا تقرر ذلك فإن الذي عليه جماهير أهل العلم أن المرتد يستتاب ومذهب ~~مالك وأحمد أنه يستتاب ويؤجل بعد الاستتابة ثلاثة أيام وهل ذلك واجب أو ~~مستحب؟ على روايتين عنهما أشهرهما عنهما: أن الاستتابة واجبة وهو قول إسحاق ~~بن راهويه. ms269 # وكذلك مذهب الشافعي هل الاستتابة واجبة أو مستحبة على قولين لكن عنده في ~~أحد القولين يستتاب فإن تاب في الحال وإلا قتل وهو قول ابن المنذر والمزني ~~وفي القول الآخر يستتاب كمذهب مالك وأحمد. # وقال الزهري وابن القاسم في رواية: "يستتاب ثلاث مرات". # ومذهب أبي حنيفة أنه يستتاب أيضا فإن لم يتب وإلا قتل والمشهور عندهم أن ~~الاستتابة مستحبة وذكر الطحاوي عنهم: لا يقتل المرتد حتى يستتاب وعندهم ~~يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه إلا أن يطلب أن يؤجل فإنه يؤجل ~~ثلاثة أيام. # وقال الثوري: "يؤجل ما رجيت توبته وكذلك معنى قول النخعي". # وذهب عبيد بن عمير وطاوس إلى أنه يقتل ولا يستتاب لأنه صلى الله عليه ~~وسلم أمر بقتل المبدل دينه والتارك لدينه المفارق للجماعة ولم يأمر ~~باستتابته كما أمر الله سبحانه بقتال المشركين من غير استتابة مع أنهم لو ~~تابوا لكففنا عنهم. # يؤيد ذلك أن المرتد أغلظ كفرا من الكافر الأصلي فإذا جاز قتل الأسير ~~الحربي من غير استتابة فقتل المرتد الأولى. # وسر ذلك أنا لا نجيز قتل كافر حتى نستتيبه بأن يكون قد بلغته دعوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فإن قتل من لم تبلغه الدعوة غير جائز # PageV01P321 # والمرتد قد بلغته الدعوة فجاز قتله كالكافر الأصلي الذي بلغته وهذا هو ~~علة من رأى الاستتابة مستحبة فإن الكفار يستحب أن ندعوهم إلى الإسلام عند ~~كل حرب وإن كانت الدعوة قد بلغتهم فكذلك المرتد ولا يجب ذلك فيهما. # نعم لو فرض المرتد من يخفى عليه جواز الرجوع إلى الإسلام فإن الاستتابة ~~هنا لا بد منها. # ويدل على ذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدر يوم الفتح مكة دم ~~عبد الله بن سعد بن أبي سرح ودم مقيس بن حبابة ودم عبد الله بن خطل وكانوا ~~مرتدين ولم يستتبهم بل قتل ذانك الرجلان وتوقف صلى الله عليه وسلم عن ~~مبايعة بن أبي سرح لعل بعض المسلمين يقتله فعلم أن قتل المرتد جائز ما لم ms270 ~~يسلم وأنه لا يستتاب. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاقب العرنيين الذين كانوا في اللقاح ~~ثم ارتدوا عن الإسلام بما أوجب موتهم ولم يستتبهم ولأنه فعل شيئا من ~~الأسباب المبيحة للدم فقتل قبل استتابته كالكافر الأصلي وكالزاني وكقاطع ~~الطريق ونحوهم فإن كل هؤلاء من قبلت توبته ومن لم تقبل يقتل قبل الاستتابة ~~ولأن المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة ~~يمتنعون بها عن حكم الإسلام فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد فكذلك إذا ~~كان في أيدينا. # وحجة من رأى الاستتابة إما واجبة أو مستحبة قوله سبحانه وتعالى: {قل ~~للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} أمر الله ورسوله أن يخبر جميع ~~الذين كفروا أنهم إن انتهوا غفر لهم ما سلف وهذا معنى الاستتابة والمرتد من ~~الذين كفروا والأمر للوجوب فعلم أن استتابة المرتد # PageV01P322 # واجبة ولا يقال: "فقد بلغهم عموم الدعوة إلى الإسلام" لأن هذا الكفر أخص ~~من ذلك الكفر فإنه يوجب قتل كل من فعله ولا يجوز استبقاؤه وهو لم يستتب من ~~هذا الكفر. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بالتوبة إلى الحارث بن سويد ومن ~~كان قد ارتد معه إلى مكة كما قدمناه بعد أن كانت قد نزلت فيهم آية التوبة ~~فيكون استتابته مشروعة ثم إن هذا الفعل منه خرج امتثالا للأمر بالدعوة إلى ~~الإسلام والإبلاغ لدينه فيكون واجبا. # وعن جابر رضي الله عنه: "أن امرأة يقال لها "أم مروان" ارتدت عن الإسلام ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام فإن رجعت وإلا قتلت". # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد فأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت" رواهما الدارقطني. # وهذا إن صح أمر بالاستتابة والأمر للوجوب والعمدة فيه إجماع الصحابة عن ~~محمد بن عبد الله بن عبد القاري قال: "قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل ~~أبي موسى الأشعري فسأله عن الناس فأخبره ثم ms271 قال: هل من مغربة خبر؟ قال: نعم ~~رجل كفر بعد إسلامه قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه قال عمر: ~~فهلا حبستموه ثلاثا وأطعمتوه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويرجع إلى ~~أمر الله اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني" رواه مالك والشافعي ~~وأحمد وقال: أذهب إلى حديث عمر وهذا يدل على أن الاستتابة واجبة وإلا لم ~~يقل عمر: "لم أرض إذ بلغني". # وعن أنس بن مالك قال: لما افتتحنا تستر بعثني الأشعري إلى عمر بن الخطاب ~~فلما قدمت عليه قال: ما فعل البكريون؟ قال: فلما رأيته لا يقطع قلت: يا ~~أمير المؤمنين ما فعلوا؟ إنهم قتلوا ولحقوا بالمشركين ارتدوا عن الإسلام # PageV01P323 # قاتلوا مع المشركين حتى قتلوا قال: فقال: "لأن أكون أخذتهم سلما كان أحب ~~إلي مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء" وقال: فقلت: وما كان سبيلهم لو ~~أخذتهم سلما؟ قال: "كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه فإن أبوا ~~استودعتهم الحبس". # وعن عبد الله بن عتبة قال: أخذ ابن مسعود قوما ارتدوا عن الإسلام من أهل ~~العراق قال: فكتب فيهم إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فكتب إليه أن أعرض ~~عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله فإن قبلوا فخل عنهم وإن لم ~~يقبلوا فاقتلهم فقبلها بعضهم فتركه ولم يقبلها بعضهم فقتله رواهما الإمام ~~أحمد بسند صحيح. # وعن العلاء أبي محمد أن عليا رضي الله عنه أخذ رجلا من بني بكر بن وائل ~~قد تنصر فاستتابه شهرا فأبى فقدمه ليضرب عنقه فنادى: يا لبكر فقال علي: ~~"أما إنك واجده أمامك في النار" رواه الخلال وصاحبه أبو بكر. # وعن أبي موسى رضي الله عنه أنه أتى برجل قد ارتد عن الإسلام فدعاه عشرين ~~ليلة أو قريبا منها فجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه رواه أبو داود. # وروى من وجه آخر أن أبا موسى استتابه شهرا ذكره الإمام أحمد. # وعن رجل عن ابن عمر قال: "يستتاب المرتد ثلاثا" رواه الإمام أحمد. ms272 # وعن أبي وائل عن أبي معين السعدي قال: "مررت في السحر بمسجد بني حنيفة ~~وهم يقولون: إن مسيلمة رسول الله فأتيت عبد الله فأخبرته فبعث الشرط فجاءوا ~~بهم فاستتابهم فتابوا فخلى سبيلهم وضرب عنق عبد الله بن النواحة فقالوا: ~~أحدث قوم في أمر فقتلت بعضهم وتركت بعضهم # PageV01P324 # فقال: "إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم إليه هذا وابن أثال ~~فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقالا: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "آمنت بالله ورسله ولو كنت قاتلا وفدا لقتلتكما" ~~قال: فلذلك قتلته رواه عبد الله بن أحمد بإسناد صحيح. # فهذه أقوال الصحابة في قضايا متعددة لم ينكرها منكر فصارت إجماعا. # والفرق بين هذا وبين الكافر الأصلي من وجوه: # أحدها: أن توبة هذا أقرب لأن المطلوب منه إعادة الإسلام والمطلوب من ذاك ~~ابتداؤه والإعادة أسهل من الابتداء فإذا أسقط عنا استتابة الكافر لصعوبتها ~~لم يلزم سقوط استتابة المرتد. # الثاني: أن هذا يجب قتله عينا وإن لم يكن من أهل القتال وذاك لا يجوز أن ~~يقتل إلا أن يكون من أهل القتال ويجوز استبقاؤه بالأمان والهدنة والذمة ~~والإرقاق والمن والفداء فإذا كان حده أغلظ فلم يقدم عليه إلا بعد الإعذار ~~إليه بالاستتابة بخلاف من يكون جزاؤه دون هذا. # الثالث: أن الأصلي قد بلغته الدعوة وهي استتابة عامة من كل كفر وأما هذا ~~فإنما نستتيبه من التبديل وترك الدين الذي كان عليه ونحن لم نصرح له ~~بالاستتابة من هذا ولا بالدعوة إلى الرجوع. # وأما ابن أبي سرح وابن خطل ومقيس بن حبابة فإنه كانت لهم جرائم زائدة على ~~الردة وكذلك العرنيون فإن أكثر هؤلاء قتلوا مع الردة وأخذوا الأموال فصاروا ~~قطاع طريق محاربين لله ورسوله وفيهم من كان يؤذي بلسانه أذى صار به من جنس ~~المحاربين فلذلك لم يستتابوا على أن # PageV01P325 # الممتنع لا يستتاب وإنما يستتاب المقدور عليه ولعل بعض هؤلاء قد استتيب ~~فنكل. # فصل. # ذكرنا حكم المرتد استطرادا لأن الكلام في الساب متعلق به ms273 تعلقا شديدا فمن ~~قال: "إن ساب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين " قال: إنه نوع من ~~الكفر فإن من سب الرسول أو جحد نبوته أو كذب بآية من كتاب الله أو تهود أو ~~تنصر ونحو ذلك كل هؤلاء قد بدلوا دينهم وتركوه وفارقوا الجماعة فيستتابون ~~وتقبل توبتهم كغيرهم. # يؤيد ذلك أن في كتاب أبي بكر رضي الله عنه إلى المهاجر في المرأة السابة ~~"أن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد ~~فهو محارب غادر". # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "أيما مسلم سب الله أو سب أحدا من الأنبياء ~~فقد كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ردة يستتاب منها فإن رجع وإلا ~~قتل". # والأعمى الذي كانت له أم ولد تسب النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهاها ~~فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر فقتلها بعد ذلك فإن كانت مسلمة فلم يقتلها حتى ~~استتابها وإن كانت ذمية وقد استتابها فاستتابة المسلم أولى. # وأيضا فإما أن يقتل الساب لكونه كفر بعد إسلامه أو لخصوص السب والثاني لا ~~يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا ~~إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام أو زني بعد ~~إحصان أو قتل نفس فيقتل بها". # PageV01P326 # وقد صح ذلك عنه من وجوه متعددة وهذا الرجل لم يزن ولم يقتل فإن لم يكن ~~قتله لأجل الكفر بعد الإسلام امتنع قتله فثبت أنه إنما يقتل لأنه كفر بعد ~~إسلامه وكل من كفر بعد إسلامه فإن توبته تقبل لقوله تعالى: {كيف يهدي الله ~~قوما كفروا بعد إيمانهم} إلى قوله: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} ~~الآية ولما تقدم من الأدلة الدالة على قبول توبة المرتد. # وأيضا فعموم قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله والإسلام يهدم ما كان ~~قبله" رواه مسلم يوجب أن ms274 من أسلم غفر له كل ما مضى. # وأيضا فإن المنافقين الذين نزل فيهم قوله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون ~~النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم} إلى قوله: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم} وقد قيل فيهم: {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} مع أن هؤلاء قد ~~آذوه بألسنتهم وأيديهم أيضا ثم العفو مرجو لهم وإنما يرجى العفو مع التوبة ~~فعلم أن توبتهم مقبولة ومن عفى عنه لم يعذب في الدنيا ولا في الآخرة. # وأيضا فقوله سبحانه وتعالى: {جاهد الكفار والمنافقين} إلى قوله: {فإن ~~يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما} الآية فإنها تدل ~~على أن المنافق إذا كفر بعد إسلامه ثم تاب # PageV01P327 # لم يعذب عذابا أليما في الدنيا ولا في الآخرة والقتل عذاب أليم فعلم أنه ~~لا يقتل. # وقد ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في رجال من المنافقين اطلع ~~أحدهم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق ~~الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا فأنزل الله هذه الآية. # وعن الضحاك قال: "خرج المنافقون مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ~~فكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وطعنوا في الدين فنقل ما قالوا حذيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟ " ~~فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا شيئا من ذلك فأنزل الله هذه ~~الآية إكذابا لهم. # وأيضا فلا ريب أن توبتهم فيما بينهم وبين الله وإن تضمنت التوبة من حقوق ~~الآدميين لأوجه: # أحدها: أنه قد قيل كفارة الغيبة الاستغفار لمن استغيبه وقد ذهب كثير من ~~العلماء أو أكثرهم إلى مثل ذلك فجاز أن يكون ما أتى به من الإيمان برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الموجب لأنواع الثناء عليه والتعظيم له موجبا لما ~~ناله من عرضه. # الثاني: أن حق الأنبياء تابع لحق الله ms275 وإنما عظمت الوقيعة في أعراضهم لما ~~يتضمن ذلك من الكفر والوقيعة في دين الله وكتابه ورسالته فإذا تبعت حق الله ~~في الوجوب تبعته في السقوط لئلا ليكون أعظم منه ومعلوم أن الكافر تصح توبته ~~من حقوق الله فكذلك من حقوق # PageV01P328 # الأنبياء المتعلقة بنبوتهم بخلاف التوبة من الحقوق التي تجب للناس بعضهم ~~على بعض. # الثالث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد علم منه أنه يدعو للتأسي به ~~وإتباعه ويخبرهم أن من فعل ذلك فقد غفر الله له كل ما أسلفه في كفره فيكون ~~قد عفا لمن قد أسلم عما ناله من عرضه. # وبهذه الوجوه يظهر الفرق بين سب الرسول صلى الله عليه وسلم وبين سب واحد ~~من الناس فإنه إذا سب واحدا من الناس لم يأت بعد سبه ما يناقض موجب السب ~~وسبه حق آدمي محض لم يعف عنه والمقتضى للسب هو موجود بعد التوبة والإسلام ~~كما كان موجودا قبلهما إن لم يزجر عنه بالحد وهنا كان الداعي إليه الكفر ~~وقد زال بالإيمان وإذا ثبت أن توبته وإيمانه مقبول منه فيما بينه وبين الله ~~فإذا أظهرها وجب أن يقبلها منه لما روى أبو سعيد في حديث ذي الخويصرة ~~التميمي الذي اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم في القسمة فقال خالد بن ~~الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: "لا لعله أن يكون يصلي" قال ~~خالد: "وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه" فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" رواه مسلم. # وقال لأسامة في الرجل الذي قتله بعد أن قال لا إله إلا الله: "كيف قتلته ~~بعد أن قال لا إله إلا الله" قال: إنما قالها تعوذا قال: "فهلا شققت عن ~~قلبه". # وكذلك في حديث المقداد نحو هذا وفي ذلك نزل قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} ولا خلاف بين ~~المسلمين أن الحربي إذا أسلم عند رؤية السيف وهو ms276 مطلق أو مقيد # PageV01P329 # يصح إسلامه وتقبل توبته من الكفر وإن كانت دلالة الحال تقضي أن باطنه ~~بخلاف ظاهره. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من المنافقين علانيتهم ويكل ~~سرائرهم إلى الله مع إخبار الله له أنهم اتخذوا أيمانهم جنة وأنهم: {يحلفون ~~بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ~~ينالوا} فعلم أن من أظهر الإسلام والتوبة من الكفر قبل ذلك منه فهذا قول ~~هؤلاء وسيأتي إن شاء الله تعالى الاستدلال على تعين قتله من غير استتابة ~~والجواب عن هذه الحجج. # الفصل الثاني # في الذمي إذا سبه ثم تاب. # وقد ذكرنا فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يقتل بكل حال وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب مالك إذا تاب ~~بعد أخذه وهو وجه لأصحاب الإمام الشافعي. # الثاني: يقتل إلا أن يتوب بالإسلام وهو ظاهر الرواية الأخرى عن مالك ~~وأحمد. # والثالث: يقتل إلا أن يتوب بالإسلام أو بالعودة إلى الذمة كما كان وعليه ~~يدل ظاهر عموم كلام الشافعي إلا أن يتأول وعلى هذا فإنه يعاقب إذا عاد إلى ~~الذمة ولا يقتل. # فمن قال: "إن القتل يسقط عنه بالإسلام" فإنه يستدل بمثل ما ذكرناه في ~~المسلم فإنه كله يدل على أن الكافر أيضا إذا أسلم سقط عنه موجب السب ويدل ~~على ذلك أيضا أن الصحابة ذكروا أنه إذا فعل ذلك فهو غادر محارب وأنه ناقض ~~للعهد ومعلوم أن من حارب ونقض العهد إذا أسلم # PageV01P330 # عصم دمه وماله وقد كان كثير من المشركين مثل ابن الزبعرى وكعب بن زهير ~~وأبي سفيان بن الحارث وغيرهم يهجون النبي صلى الله عليه وسلم بأنواع الهجاء ~~ثم أسلموا فعصم الإسلام دماءهم وأموالهم وهؤلاء وإن كانوا محاربين لم ~~يكونوا من أهل العهد فهو دليل على أن حقوق الآدميين التي يستحلها الكافر ~~إذا فعلها ثم أسلم سقطت عنه كما تسقط عنه حقوق الله ولهذا أجمع المسلمون ~~إجماعا مستنده كتاب الله وسنة نبيه الظاهرة أن الكافر الحربي إذا أسلم لم ~~يؤخذ بما كان أصابه ms277 من المسلمين من دم أو مال أو عرض والذمي إذا سب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه معتقد حل ذلك وعقد الذمة لم يوجب عليه تحريم ~~ذلك فإذا أسلم لم يؤخذ به بخلاف ما يصيبه من دماء المسلمين وأموالهم ~~وأعراضهم فإن عقد الذمة يوجب تحريم ذلك عليه منا كما يوجب تحريم ذلك علينا ~~منه وإن كان يوجب علينا الكف عن سب دينهم والطعن فيه فهذا أقرب ما يتوجه به ~~الاستدلال بقصص هؤلاء وإن كان الاستدلال به خطأ. # وأيضا فإن الذمي إما أن يقتل إذا سب لكفره أو حرابه كما يقتل الحربي ~~الساب أو يقتل حدا من الحدود كما يقتل لزناه بذمية وقطع الطريق على ذمي ~~والثاني باطل فتعين الأول وذلك لأن السب من حيث هو سب ليس فيه أكثر من ~~انتهاك العرض وهذا القدر لا يوجب إلا الجلد بل لا يوجب على الذمي شيئا ~~لاعتقاده حل ذلك نعم إنما صولح على الكف عنه والإمساك فمتى أظهر السب زال ~~العهد وصار حربيا ولأن كون السب موجبا للقتل حدا حكم شرعي فيفتقر إلى دليل ~~ولا دليل على ذلك إذا أكثر ما يذكر من الأدلة إنما يفيد أنه يقتل وذلك ~~متردد بين كون القتل لكفره وحرابه أو لخصوص السب ولا يجوز إثبات الأحكام ~~بمجرد الاستحسان والاستصلاح فإن ذلك شرع للدين بالرأي وذلك حرام لقوله ~~تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم # PageV01P331 # من الدين ما لم يأذن به الله} والقياس في المسألة متعذر لوجهين: # أحدهما: أن كثيرا من النظار يمنع جريان القياس في الأسباب والشروط ~~والموانع لأن ذلك يفتقر إلى معرفة نوع الحكمة وقدرها وذلك متعذر لأن ذلك ~~يخرج السب عن أن يكون سبا وشرط القياس بقاء حكم الأصل ولأنه ليس في ~~الجنايات الموجبة للقتل حدا ما يمكن إلحاق السب بها لاختلافهما نوعا وقدرا ~~واشتراكهما في عموم المفسدة لا يوجب الإلحاق بالاتفاق وكون هذه المفسدة مثل ~~هذه المفسدة يفتقر إلى دليل وإلا كان شرعا بالرأي ووضعا للدين بالمعقول ~~وذلك انحلال عن معاقد الدين وانسلال ms278 عن روابط الشريعة وانخلاع من ربق ~~الإسلام وسياسة للخلق بالآراء الملكية والأنحاء العقلية وذلك حرام بلا ريب ~~فثبت أنه إنما يقتل لأجل كفره وحرابه ومعلوم أن الإسلام يسقط القتل الثابت ~~للكفر والحراب بالاتفاق. # وأيضا فالذمي لو كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين الله ~~تعالى ويقول فيه ما عسى أن يقول من القبائح ثم أسلم واعتقد نبوته ورسالته ~~لمحا ذلك عنه جميع تلك السيئات ولا يجوز أن يقال: "إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يطالبه بموجب سبه في الدنيا ولا في الآخرة" ومن قال ذلك علم أنه مبطل ~~في مقالته للعلم بأن الكافرين يقولون في الرسول شر المقالات وأشنعها وقد ~~أخبر الله تعالى عنهم في القرآن ببعضها مثل قولهم ساحر وكاهن ومجنون ومفتر ~~وقول اليهود في مريم بهتانا عظيما ونسبتها إلى الفاحشة وأن المسيح لغير ~~رشدة وهذا هو القذف الصريح ثم لو أسلم اليهودي وأقر بنبوة المسيح وأنه عبد ~~الله ورسوله وأنه بريء مما رمته به اليهود لم يبقى للمسيح عليه تبعة. # ونحن نعلم أن من الكفار من يعتقد نبوة نبينا إلى الأميين ومنهم من يعتقد ~~نبوته مطلقا لكن إلف الدين وعادته وأغراض أخر # PageV01P332 # تمنع الدخول في الإسلام ومنهم المعرض عن ذلك الذي لا ينظر إليه ولا يتفكر ~~فهؤلاء قد لا يسبونه ومنهم من يعتقد فيه العقيدة الردية ويكف عن سبه وشتمه ~~أو يسبه ويشتمه بما يعتقده فيه مما يكفر به ولا يظهر ذلك ومنهم من يظهر ذلك ~~عند المسلمين ومنهم من يسبه بما لم يكفر به مما يكون سبا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وغير النبي كالقذف ونحوه وإذا أسلم الكفار غفر لهم جميع ذلك ولم ~~يجئ في كتاب ولا سنة أن الكافر إذا أسلم يبقى عليه تبعة من التبعات بل ~~الكتاب والسنة دليلان على أن الإسلام يجب ما قبله مطلقا وإذا كان إثم السب ~~مغفورا له لم يجز أن يعاقب عليه بعد الإسلام. # وأيضا فلو سب الله سبحانه ثم أسلم لم يؤخذ بموجب ذلك وقد ms279 قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما يروي عنه ربه تبارك وتعالى: "شتمني ابن آدم وما ينبغي ~~له ذلك أما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد" ثم لو تاب ~~النصراني ونحوه من شتم الله سبحانه لم يعاقب على ذلك في الدنيا ولا في ~~الآخرة بالاتفاق قال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما ~~من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} فسب النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يكون أعظم من سب الله فإنه إنما عظم وصار موجبا للقتل لكون ~~حقه تابعا لحق الله فإذا سقط المتبوع بالإسلام فالتابع أولى وبهذا يظهر ~~الفرق بين سب الأنبياء وسب غيرهم من المؤمنين فإن سب الواحد من الناس لا ~~يختلف بين ما قبل الإسلام وما بعده والأذى والغضاضة التي تلحق المسبوب قبل ~~الإسلام الساب وبعده سواء بخلاف سب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه # PageV01P333 # قد زال موجبه بالإسلام وتبدل بالتعزير له والتوقير والثناء عليه والمدحة ~~له كما تبدل السب لله بالإيمان وتوحيده وتقديسه وتحميده وعبادته. # يوضح ذلك أن الرسول له نعت البشرية ونعت الرسالة كما قال: {سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا} فمن حيث هو بشر له أحكام البشر ومن حيث هو رسول قد ~~ميزه الله سبحانه وفضله بما خصه به فسبه موجب للعقوبة من حيث هو بشر كغيره ~~من المؤمنين وموجب للعقوبة من حيث هو رسول بما خصه الله به لكن إنما أوجب ~~القتل من حيث هو رسول فقط لأن السب المتعلق بالبشرية لا يوجب قتلا وسبه من ~~حيث هو رسول حق لله فقط فإذا أسلم الساب انقطع حكم السب المتعلق برسالته ~~كما انقطع حكم السب المتعلق بالمرسل فسقط القتل الذي هو موجب ذلك السب ~~ويبقى حق بشريته من هذا السب وحق البشرية إنما يوجب جلد ثمانين. # فمن قال: "إنه يجلد لقذفه بعد إسلامه ويعزر لسبه لغير القذف" قال: ms280 إن ~~الإسلام يسقط حق الله وحق الرسالة ويبقى حق خصوص الآدمية كغيره من الآدميين ~~فيؤدب سابه كما يؤدب ساب جميع المؤمنين بعد إسلامه. # ومن قال: "إنه لا يعاقب بشيء" قال: هذا الحق اندرج في حق النبوة وانغمر ~~في حق الرسالة فإن الجريمة الواحدة إذا أوجبت القتل لم توجب معه عقوبة أخرى ~~عند أكثر الفقهاء ولهذا اندرج حق الله المتعلق بالقتل والقذف في حق الآدمي ~~فإذا عفي للجاني عن القصاص وحد القذف لم يعاقب على ما انتهكه من الحرمة ~~كذلك اندرج هنا حق البشرية في حق الرسالة وفي هذين الأصلين المقيس عليهما ~~خلاف بين الفقهاء فإن مذهب مالك أن القاتل يعزره الإمام إذا عفا عنه ولي ~~الدم. # PageV01P334 # وعند أبي حنيفة أن حد القذف لا يسقط بالعفو وكذلك تردد من قال: "إن القتل ~~يسقط بالإسلام" هل يؤدب حدا أو تعزيرا على خصوص القذف والسب؟ ومن قال هذا ~~القول قال: لا يستدل علينا بأن الصحابة قتلوا سابه أو أمروا بقتل سابه أو ~~أرادوا قتل سابه من غير استتابة فإن الذمي إذا سبه لا يستتاب بلا تردد فإنه ~~يقتل لكفره الأصلي كما يقتل الأسير الحربي ومثل ذلك لا يستتاب كاستتابة ~~المرتد إجماعا لكن لو أسلم عصم دمه. # كذلك يقول فيمن شتمه من أهل الذمة فإنه يقتل ولا يستتاب كأنه حربي آذى ~~المسلمين وقد أسرناه فإنا نقتله فإن أسلم سقط عنه القتل. # وكذلك أكثر نصوص مالك وأحمد وغيرهما إنما هي أنه يقتل ولا يستتاب وهذا لا ~~تردد فيه إذا سبه الذمي. # ومن قال: "إن الذمي يستتاب" فقد يقول: إنه قد لا يعلم أنه إذا أسلم سقط ~~عنه القتل فيستتاب كما يستتاب المرتد وأولى فإن قتل الكفار قبل الإعذار ~~إليهم وتبليغهم رسالات الله غير جائز. # ومن لم يستتبه قال: هذا هو القياس لما جاء في الكتب في قتل كل كافر أصلي ~~أسير وقد ثبت ثبوتا لا يمكن دفعه أن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه ~~الراشدين كانوا يقتلون كثيرا من الأسرى من غير عرض للإسلام عليهم ms281 وإن كانوا ~~ناقضين للعهد وذلك في قصة قريظة وخيبر ظاهر لا يختلف فيه اثنان من أهل ~~العلم بالسيرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذهم أسرى بعد أن نقضوا العهد ~~وضرب رقابهم من غير أن يعرض عليهم الإسلام وقد أمر بقتل ابن الأشرف من غير ~~عرض للإسلام عليه وإنما قتله لأنه كان يؤذي الله ورسوله وقد نقض العهد. # ومن قال: "إذا تاب بالعود إلى الذمة قبلت توبته أو خير الإمام فيه" قال: ~~إنه في هذه الحال بمنزلة حربي قد بذل الجزية عن يد وهو صاغر فيجب الكف عنه. # PageV01P335 # واعلم أن هنا معنى لا بد من التنبيه عليه وهو أن الأسير الحربي الأصل لو ~~أسلم فإن إسلامه لا يزيل عنه حكم الأسر بل إما أن يصير رقيقا للمسلمين ~~بمنزلة النساء والصبيان كأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد أو يخير الإمام ~~فيه بين الثلاثة غير القتل على القول الآخر في المذهبين. # والدليل على ذلك ما روى مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين قال: "كانت ثقيف ~~حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأسر ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل وأصابوا معه العضباء ~~فأتى عليه صلى الله عليه وسلم وهو في الوثاق فقال: يا محمد فأتاه فقال: ما ~~شأنك؟ فقال: بم أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟ يعني العضباء فقال: أخذتك بجريرة ~~حلفائك من ثقيف ثم انصرف عنه فناداه: يا محمد يا محمد وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رحيما رقيقا فرجع إليه فقال: ما شأنك؟ قال: إني مسلم قال: ~~لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ثم انصرف فناداه: يا محمد يا محمد ~~فأتاه فقال: ما شأنك؟ فقال: إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني قال: هذه حاجتك ~~ففدى بالرجلين فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أسلم بعد الأسر لم ~~يفلح كل الفلاح كما إذا أسلم قبل الأسر وأن ذلك الإسلام لا يوجب إطلاقه". # وكذلك العباس بن عبد المطلب رضي ms282 الله عنه أظهر الإسلام بعد الأسر بل أخبر ~~أنه قد أسلم قبل ذلك فلم يطلقه النبي صلى الله عليه وسلم حتى فدى نفسه ~~والقياس يقتضي ذلك فإنه لو أسلم رقيق للمسلمين لم يمنع ذلك دوام رقه فكذلك ~~إسلام الأسير لا يمنع دوام أسره لأنه نوع رق ومجوز للاسترقاق كما أن إسلامه ~~لا يوجب أن يرد عليه ما أخذ من ماله قبل الإسلام فإذا كان هذا حال من أسلم ~~بعد أن أسر ممن هو حربي الأصل فهذا الناقض # PageV01P336 # للعهد حاله أشد بلا ريب فإذا أسلم بعد أن نقض العهد وهو في أيدينا لم يجز ~~أن يقال: إنه يطلق بل حيث قلنا قد عصم دمه فإما أن يصير رقيقا وللإمام أن ~~يبيعه بعد ذلك وثمنه لبيت المال أو أنه يتخير فيه وهذا قياس قول من يجوز ~~استرقاق ناقض العهد ومن لم يجوز استرقاقهم فإنه يجعل هذا بمنزلة المرتد ~~ويقول: إذا عاد إلى الإسلام لم يسترق ولم يقتل ومعنى قوله عليه الصلاة ~~والسلام: "لو أسلمت وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" دليل على أن من أسلم ~~ولا يملك أمره لم يكن حاله كحال من أسلم وهو مالك أمره فلا تجوز التسوية ~~بينهما بحال وفي هذا أيضا دليل على أنه إذا بذل الجزية لم يجب إطلاقه فإنه ~~إذا لم يجب إطلاقه بالإسلام فببذل الجزية أولى لكن ليس في الحديث ما ينفي ~~استرقاقه. # فصل. # والدليل على أن المسلم يقتل من غير استتابة وإن أظهر التوبة بعد أخذه كما ~~هو مذهب الجمهور قوله سبحانه: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا} . # وقد تقدم أن هذا يقتضي قتله ويقتضي تحتم قتله وإن تاب بعد الأخذ لأنه ~~سبحانه ذكر الذين يؤذون الله ورسوله والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات فإذا ~~كانت عقوبة أولئك لا تسقط إذا تابوا بعد الأخذ فعقوبة هؤلاء أولى وأحرى لأن ~~عقوبة كليهما على الأذى الذي قاله بلسانه لا على مجرد كفر هو باق عليه. # PageV01P337 # وأيضا فإنه قال: {لئن لم ms283 ينته المنافقون} إلى قوله: {ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا} وهو يقتضي أن من لم ينته فإنه يؤخذ ويقتل فعلم أن ~~الانتهاء العاصم ما كان قبل الأخذ. # وأيضا فإنه جعل ذلك تفسيرا للعن فعلم أن الملعون متى أخذ قتل إذا لم يكن ~~انتهى قبل الأخذ وهذا ملعون فدخل في الآية. # يؤيد ذلك ما قدمناه عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} قال: ~~"هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ليس فيها توبة ثم ~~قرأ: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} إلى قوله: {إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة" ~~قال: فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر فهذا ابن عباس قد بين أن من ~~لعن هذه اللعنة لا توبة له واللعنة الأخرى أبلغ منها. # يقرره أن قاذف أمهات المؤمنين إنما استحق هذه اللعنة على قوله لأجل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعلم أن مؤذيه لا توبة له. # وأيضا قوله سبحانه: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا} الآية. # وهذا الساب محارب لله ورسوله كما تقدم تقريره من أنه محاد لله ورسوله وأن ~~المحاد لله ورسوله مشاق لله ورسوله محارب لله ورسوله # PageV01P338 # ولأن المحارب ضد المسالم والمسالم الذي تسلم منه ويسلم منك ومن آذاه لم ~~يسلم منه فليس بمسالم فهو محارب وقد تقدم من غير وجه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سماه عدوا له ومن عاداه فقد حاربه وهو من أعظم الساعين في الأرض ~~بالفساد قال الله تعالى في صفة المنافقين: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} . # وكل ما في القرآن من ذكر الفساد مثل قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها} وقوله: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها} إلى قوله: {والله لا ~~يحب ms284 الفساد} وغير ذلك فإن السب داخل فيه فإنه أصل لكل فساد في الأرض إذ هو ~~إفساد للنبوة التي هي عماد صلاح الدين والدنيا والآخرة. # وإذا كان هذا الساب محاربا لله ورسوله ساعيا في الأرض بفساد وجب أن يعاقب ~~بإحدى العقوبات المذكورة في الآية إلا أن يتوب قبل القدرة عليه وقد قدمنا ~~الأدلة على أن عقوبته متعينة بالقتل كعقوبة من قتل في قطع الطريق فيجب أن ~~يقام ذلك عليه إلا أن يتوب قبل القدرة عليه وهذا الساب الذي قامت عليه ~~البينة ثم تاب بعد ذلك إنما تاب بعد القدرة فلا تسقط العقوبة عنه ولهذا كان ~~الكافر الحربي إذا أسلم بعد الأخذ لم تسقط عنه العقوبة مطلقا كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم للعقيلي: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" بل ~~يعاقب بالاسترقاق أو بجواز الاسترقاق وغيره ولكن هذا مرتد محارب فلم يمكن ~~استرقاقه كالعرنيين إذ المحاربة باللسان كالمحاربة باليد فتعين عقوبته ~~بالقتل. # PageV01P339 # وأيضا فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم دلت من غير وجه على قتل الساب ~~من غير استتابة فإنه أمر بقتل الذي كذب عليه من غير استتابة وقد ذكرنا أن ~~ذلك يقتضي قتل الساب سواء أجرينا الحديث على ظاهره أو حملناه على من كذب ~~عليه كذبا يشينه وكذلك في حديث الشعبي أنه أمر بقتل الذي طعن عليه في قسم ~~مال العزى من غير استتابة. # وفي حديث أبي بكر لما استأذنه أبو برزة أن يقتل الرجل الذي شتمه من غير ~~استتابة قال: "إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم" فعلم ~~أنه كان له قتل من شتمه من غير استتابة وعمر رضي الله عنه قتل الذي لم يرض ~~بحكمه صلى الله عليه وسلم من غير استتابة أصلا فنزل القرآن بإقراره على ذلك ~~وهو من أدنى أنواع الاستخفاف به فكيف بأعلاها؟. # وأيضا فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما طعن عليه وافترى افتراء عابه ~~به بعد أن أسلم أهدر دمه وامتنع عن مبايعته ms285 وقد تقدم تقرير الدلالة منه على ~~أن الساب يقتل وإن أسلم وذكرنا أنه كان قد جاءه مسلما تائبا قد أسلم قبل أن ~~يجيء إليه كما رويناه عن غير واحد أو قد جاء يريد الإسلام وقد علم النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قد جاء يريد الإسلام ثم كف عنه انتظار أن يقوم إليه ~~رجل فيقتله. # وهذا نص في أن مثل هذا المرتد الطاعن لا يجب قبول توبته بل يجوز قتله وإن ~~جاء تائبا وإن تاب وقد قررنا هذا فيما مضى وهنا من وجوه أخرى أن الذي عصم ~~دمه عفو رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لا مجرد إسلامه وأن بالإسلام ~~والتوبة انمحى الإثم وبعفو رسول الله صلى الله عليه وسلم احتقن الدم والعفو ~~بطل بموته صلى الله عليه وسلم وليس للأمة أن يعفوا # PageV01P340 # عن حقه وامتناعه من بيعته حتى يقوم إليه بعض القوم فيقتله نص في جواز ~~قتله وإن جاء تائبا. # وأما عصمة دمه بعد ذلك فليس دليلا لنا على أن نعصم دم من سب وتاب بعد أن ~~قدرنا عليه لأنا قد بينا من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان ~~يعفو عمن سبه ممن لا خلاف بين الأمة في وجوب قتله إذا فعل ذلك وتعذر عفو ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقد ذكرنا أيضا أن حديث عبد الله بن خطل يدل ~~على قتل الساب لأنه كان مسلما فارتد وكان يهجوه فقتل من غير استتابة. # وأيضا فما تقدم من حديث أنس المرفوع وأثر أبي بكر في قتل من آذاه في ~~أزواجه وسراريه من غير استتابة وما ذاك إلا لأجل أنه نوع من الأذى ولذلك ~~حرمه الله ومعلوم أن السب أشد أذى منه بدليل أن السب يحرم منه ومن غيره ~~ونكاح الأزواج لا يحرم إلا منه صلى الله عليه وسلم وإنما ذاك مبالغة في ~~تحريم ما يؤذيه ووجوب قتل من يؤذيه أي أذى كان من غير استتابة. # وأيضا فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل النسوة ms286 اللاتي كن يؤذينه ~~بألسنتهن بالهجاء مع أمانه لعامة أهل البلد ومع أن قتل المرأة لا يجوز إلا ~~أن تفعل ما يوجب القتل ولم يستتب واحدة منهن حين قتل من قتل والكافرة ~~الحربية من النساء لا تقتل إن لم تقاتل والمرتدة لا تقتل حتى تستتاب وهؤلاء ~~النسوة قتلن من غير أن يقاتلن ولم يستتبن فعلم أن قتل من فعل مثل فعلهن ~~جائز بدون استتابة فإن صدور ذلك عن مسلمة أو معاهدة أعظم من صدوره عن ~~حربية. # وقد بسطنا بعض هذه الدلالات فيما مضى بما أغنى عن إعادته هنا # PageV01P341 # وذكرنا أن السنة تدل على أن السب ذنب مقتطع عن عموم الكفر وهو من جنس ~~المحاربة والتوبة التي تحقن الدم دم المرتد إنما هي التوبة عن الكفر فأما ~~إن ارتد بمحاربة مثل سفك الدم وأخذ المال كما فعل العرنيون وكما فعل مقيس ~~بن حبابة حيث قتل الأنصاري واستاق المال ورجع مرتدا فهذا يتعين قتله كما ~~قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيس بن حبابة وكما قيل له في مثل ~~العرنيين "إنما جزاؤهم أن يقتلوا" فلذلك من تكلم بكلام من جنس المحادة ~~والمحاربة لم يكن بمنزلة من ارتد فقط. # وأيضا ما اعتمده الإمام أحمد من أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرقوا بين الساب وبين المرتد المجرد فقتلوا الأول من غير استتابة واستتابوا ~~الثاني وأمروا باستتابته وذلك أنه قد ثبت أنهم قتلوا سابه وقد تقدم ذكر بعض ~~ذلك مع أنه قد تقدم عنهم أنهم كانوا يستتيبون المرتد ويأمرون باستتابته ~~فثبت بذلك أنهم كانوا لا يقبلون توبة من يسبه من المسلمين لأن توبته لو ~~قبلت لشرعت استتابته كالمرتد فإنه على هذا القول نوع من المرتدين ومن خص ~~المسلم بذلك قال: لا يدل ذلك على أن الكافر الساب لا يسقط عنه إسلامه القتل ~~فإن الحربي يقتل من غير استتابة مع أن إسلامه يسقط عنه القتل إجماعا ولم ~~يبلغنا عن أحد من الصحابة أنه أمر باستتابة الساب إلا ما روى عن ابن عباس ~~وفي ms287 إسناد الحديث عنه مقال ولفظه: "أيما مسلم سب الله أو سب أحدا من ~~الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ردة يستتاب فإن رجع ~~وإلا قتل" وهذا والله أعلم فيمن كذب بنبوة شخص من الأنبياء وسبه بناء على ~~أنه ليس بنبي ألا ترى إلى قوله: "فقد كذب برسول الله عليه الصلاة والسلام" ~~ولا ريب أن من كذب بنبوة بعض الأنبياء وسبه بناء على ذلك ثم تاب قبلت توبته ~~كمن كذب ببعض آيات القرآن فإن هذا أظهر أمره فهو كالمرتد أما من كان يظهر ~~الإقرار بنبوة النبي ثم أظهر سبه فهذا هو مسألتنا. # PageV01P342 # يؤيد هذا أنا قد روينا عنه أنه كان يقول: "ليس لقاذف أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم توبة وقاذف غيرهن له توبة" ومعلوم أن ذلك رعاية لحق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعلم أن مذهبه أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقاذفه لا توبة له وأن وجه الرواية الأخرى عنه إن صحت ما ذكرناه أو نحوه. # وأيضا فإن سبه أو شتمه ممن يظهر الإقرار بنبوته دليل على فساد اعتقاده ~~وكفره به بل هو دليل على الاستهانة به والاستخفاف بحرمته فإن من وقر ~~الإيمان في قلبه والإيمان موجب لإكرامه وإجلاله لم يتصور منه ذمه وسبه ~~والنقص به وقد كان من أقبح المنافقين نفاقا من يستخف بشتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما روي عن ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالسا في ظل حجرة من حجر نسائه في نفر من المسلمين قد كان تقلص عنهم الظل ~~فقال: سيأتيكم إنسان ينظر بعين شيطان فلا تكلموه فجاء رجل أزرق فدعاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟ دعاهم بأسمائهم ~~فانطلق فجاء بهم فحلفوا له واعتذروا إليه فأنزل الله تبارك وتعالى: {يحلفون ~~لكم لترضوا عنهم} الآية رواه أبو مسعود بن الفرات ورواه الحاكم في صحيحه ~~وقال: فأنزل الله تعالى {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له} الآية وإذا ثبت ~~أنه ms288 كافر مستهين به فإظهار الإقرار برسالته بعد ذلك لا يدل على زوال الكفر ~~والاستهانة لأن الظاهر إنما يكون دليلا صحيحا معتمدا إذا لم يثبت أن الباطن ~~بخلافه فإذا قام دليل على الباطن لم يلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن ~~بخلافه. # PageV01P343 # ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف علمه وإن شهد ~~عنده بذلك العدول ويجوز له أن يحكم بشهادتهم إذا لم يعلم خلافها وكذلك أيضا ~~لو أقر إقرارا علم أنه كاذب فيه مثل أن يقول لمن هو أكبر منه "هذا ابني" لم ~~يثبت نسبه ولا ميراثه باتفاق العلماء وكذلك الأدلة الشرعية مثل خبر العدل ~~الواحد ومثل الأمر والنهي والعموم والقياس يجب إتباعها إلا أن يقوم دليل ~~أقوى منها يدل على أن باطنها مخالف لظاهرها ونظائر هذا كثيرة. # فإذا علمت هذا فنقول: هذا الرجل قد قام الدليل على فساد عقيدته وتكذيبه ~~به واستهانته له فإظهاره الإقرار برسالته الآن ليس فيه أكثر مما كان يظهره ~~قبل هذا وهذا القدر بطلت دلالته فلا يجوز الاعتماد عليه وهذه نكتة من لا ~~يقبل توبة الزنديق وهو مذهب أهل المدينة ومالك وأصحابه والليث بن سعد وهو ~~المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة وهو إحدى الروايات عن أحمد نصرها كثير ~~من أصحابه وعنهما أنه يستتاب وهو المشهور عن الشافعي. # وقال أبو يوسف آخرا: أقتله من غير استتابة لكن إن تاب قبل أن أقتله قبلت ~~توبته وهذا أيضا الرواية الثالثة عن أحمد. # وعلى هذا المأخذ فإذا كان الساب قد تكرر منه السب ونحوه مما يدل على ~~الكفر اعتضد السبب بدلالات أخر من الاستخفاف بحرمات الله والاستهانة بفرائض ~~الله ونحو ذلك من دلالات النفاق والزنديق كان ذلك أبلغ في ثبوت زندقته ~~وكفره وفي أن لا يقبل منه مجرد ما يظهر من الإسلام مع ثبوت هذه الأمور وما ~~ينبغي أن يتوقف في قتل مثل هذا وفي أن لا يسقط عنه القتل بما يظهر من ~~الإسلام إذ توبة هذا بعد أخذه لم تجدد له حالا لم تكن ms289 قبل ذلك فكيف تعطل ~~الحدود بغير موجب؟ نعم لو أنه # PageV01P344 # قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدل على حسن ~~الإسلام وكف عن ذلك لم يقتل في هذه الحال وفيه خلاف بين أهل هذا القول ~~سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره. # وعلى مثل هذا ومن هو أخف منه ممن لم يظهر نفاقه قط تحمل آيات التوبة من ~~النفاق وعلى الأول تحمل آيات إقامة الحد. # ثم من أسقط القتل عن الذمي إذا أسلم قال: بهذا يظهر الفرق بينه وبين ~~الكافر إذا أسلم فإنه كان يظهر لدين يبيح سبه أو لا يمنعه من سبه فأظهر دين ~~الإسلام الذي يوجب تعزيره وتوقيره فكان ذلك دليلا على صحة انتقاله ولم ~~يعارضه ما يخالف فوجب العمل به وهذه الطريقة مبنية على عدم قبول توبة ~~الزنديق كما قررناه من ظهور دليل الكفر مع عدم ظهور دليل الإسلام وهو من ~~القياس الجلي. # ويدل على جواز قتل الزنديق والمنافق من غير استتابة قوله وتعالى: {ومنهم ~~من يقول ائذن لي ولا تفتني} إلى قوله: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ~~ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} . # قال أهل التفسير: {أو بأيدينا} بالقتل: إن أظهرتم ما في قلبوكم قتلناكم ~~وهو كما قالوا: لأن العذاب على ما يبطنونه من النفاق بأيدينا لا يكون إلا ~~القتل لكفرهم ولو كان المنافق يجب قبول ما يظهره من التوبة بعد ما ظهر ~~نفاقه وزندقته لم يمكن أن نتربص بهم أن يصيبهم الله تعالى بعذاب من عنده أو ~~بأيدينا لأنا كلما أردنا أن نعذبهم على ما أظهروه أظهروا التوبة. # PageV01P345 # وقال قتادة وغيره: قوله {وممن حولكم من الأعراب منافقون} إلى قوله: ~~{سنعذبهم مرتين} قالوا: "في الدنيا القتل وفي البرزخ عذاب القبر". # ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه} وقوله سبحانه: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم} إلى قوله: {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا ~~عنهم ms290 فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} وكذلك قوله تعالى: {يحلفون بالله ~~ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} وقوله سبحانه: {إذا ~~جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا إيمانهم اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن ~~سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون} وقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين تولوا ~~قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} ~~إلى قوله تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين} ~~إلى قوله: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم ~~على شيء ألا إنهم هم الكاذبون} . # دلت هذه الآيات كلها على أن المنافقين كانوا يرضون المؤمنين بالأيمان ~~الكاذبة وينكرون أنهم كفروا ويحلفون أنهم لم يتكلموا بكلمة الكفر. # PageV01P346 # وذلك دليل على أنهم يقتلون إذا ثبت ذلك عليهم بالبينة لوجوه. # أحدها: أنهم لو كانوا إذا أظهروا التوبة قبل ذلك منهم لم يحتاجوا إلى ~~الحلف والإنكار ولكانوا يقولون: قلنا وقد تبنا فعلم أنهم كانوا يخافون إذا ~~ظهر ذلك عليهم أنهم يعاقبون من غير استتابة. # الثاني: أنه قال تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة} واليمين إنما تكون جنة إذا ~~لم نأت ببينة عادلة تكذبها فإذا كذبتها بينة عادلة انخرقت الجنة فجاز قتلهم ~~ولا يمكنه أن يجتن بعد ذلك إلا بجنة من جنس الأولى وتلك جنة مخروقة. # الثالث: أن الآيات دليل على أن المنافقين إنما عصم دماءهم الكذب والإنكار ~~ومعلوم أن ذلك إنما يعصم إذا لم تقم البينة بخلافه ولذلك لم يقتلهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # ويدل على ذلك قوله سبحانه: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر} الآية وقوله تعالى في موضع آخر: {جاهد الكفار والمنافقين} قال الحسن ~~وقتادة: "بإقامة الحدود عليهم" وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "بيده فإن لم ~~يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" وعن ابن عباس وابن ms291 جريج: "باللسان ~~وتغليظ الكلام وترك الرفق". # ووجه الدليل أن الله أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بجهاد المنافقين كما ~~أمره بجهاد الكافرين وأن جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم من القول أو الفعل ~~ما يوجب العقوبة فإنه ما لم يظهر منه شيء البتة لم يكن لنا سبيل عليه فإذا ~~ظهر منه كلمة الكفر فجهاده القتل وذلك يقتضي أن لا يسقط عنه بتجديد الإسلام # PageV01P347 # له ظاهرا لأنا لو أسقطنا عنهم القتل بما أظهروه من الإسلام لكانوا بمنزلة ~~الكفار وكان جهادهم من حيث هم كفار فقط لا من حيث هم منافقون والآية تقتضي ~~جهادهم لأنهم صنف غير الكفار لا سيما قوله تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين} ~~يقتضي جهادهم من حيث هم منافقون لأن تعليق الحكم باسم مشتق مناسب يدل على ~~أن موضع الاشتقاق هو العلة فيجب أن يجاهد لأجل النفاق كما يجاهد الكافر ~~لأجل الكفر. # ومعلوم أن الكافر إذا أظهر التوبة من الكفر كان تركا له في الظاهر ولا ~~يعلم ما يخالفه. # أما المنافق فإذا أظهر الإسلام لم يكن تركا للنفاق لأن ظهور هذه الحال ~~منه لا ينافي النفاق ولأن المنافق إذا كان جهاده بإقامة الحد عليه كجهاد ~~الذي في قلبه مرض وهو الزاني إذا زنى لم يسقط عنه حده إذا أظهر التوبة بعد ~~أخذه لإقامة الحد عليه كما عرفت ولأنه لو قبلت علانيتهم دائما مع ثبوت ضدها ~~لم يكن إلى الجهاد على النفاق سبيل فإن المنافق إذا ثبت عنه أنه أظهر الكفر ~~فلو كان إظهار الإسلام حينئذ ينفعه لم يمكن جهاده. # ويدل على ذلك قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل} دلت هذه ~~الآية على أن المنافقين إذا لم ينتهوا فإن الله يغري نبيه بهم وأنهم لا ~~يجاورونه بعد الإغراء بهم إلا قليلا وأن ذلك في حال كونهم ملعونين أينما ~~وجدوا وأصيبوا أسروا وقتلوا وإنما يكون ذلك ms292 إذا أظهروا النفاق لأنه ما دام ~~مكتوما لا يمكن قتلهم. # وكذلك قال الحسن: أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق # PageV01P348 # فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموه وأسروه وقال قتادة: ذكر لنا أن ~~المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه ~~الآية فكتموا ولو كان إظهار التوبة بعد إظهار النفاق مقبولا لم يمكن أخذ ~~المنافق ولا قتله لتمكنه من إظهار التوبة لا سيما إذا كان كلما شاء أظهر ~~النفاق ثم أظهر التوبة وهي مقبولة منه. # يؤيد ذلك أن الله تبارك وتعالى جعل جزاءهم أن يقتلوا ولم يجعل جزاءهم أن ~~يقاتلوا ولم يستثن حال التوبة كما استثناه من قتل المحاربين وقتل المشركين ~~فإنه قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم} وقال في المحاربين: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} إلى قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم} فعلم أنهم يقتلون من غير استتابة وأنه لا يقبل منهم ~~ما يظهرونه من التوبة. # يوضح ذلك أنه جعل انتهاءهم النافع قبل الإغراء بهم وقبل الأخذ والتقتيل ~~وهناك جعل التوبة بعد ذكر الحصر والأخذ والقتل فعلم أن الانتهاء بعد ~~الإغراء بهم لا ينفعهم كما لا تنفع المحارب التوبة بعد القدرة عليه وإن ~~نفعت المشرك من مرتد وأصلي التوبة بعد القدرة عليه وقد أخبر سبحانه أن سنته ~~فيمن لم يتب عن النفاق حتى قدر عليه أن يؤخذ ويقتل وأن هذه السنة لا تبديل ~~لها والانتهاء في الآية إما أن يعنى به الانتهاء عن النفاق بالتوبة الصحيحة ~~أو الانتهاء عن إظهاره عند شياطينه وعند بعض المؤمنين. # والمعنى الثاني أظهر فإن من المنافقين من لم ينته عن إسرار النفاق حتى # PageV01P349 # مات النبي صلى الله عليه وسلم وانتهوا عن إظهاره حتى كان في آخر الأمر لا ~~يكاد أحد يجترئ على إظهار شيء من النفاق نعم الانتهاء ms293 يعم القسمين فمن ~~انتهى عن إظهاره فقط أو عن إسراره وإعلانه خرج من وعيد هذه الآية ومن أظهره ~~لحقه وعيدها. # ومما يشبه ذلك قوله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر} إلى قوله تعالى: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله ~~عذابا أليما في الدنيا والآخرة} فإنه دليل على أن المنافق إذا لم يتب عذبه ~~الله في الدنيا والآخرة وكذلك قوله تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون} ~~إلى قوله تعالى: {سنعذبهم مرتين} وأما قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة} فقد قال أبو: "هذا شيء واحد هم ~~المنافقون" وكذلك قال مجاهد: "كل هؤلاء منافقون فيكون من باب عطف الخاص على ~~العام" كقوله تعالى: {وجبريل وميكال} وقال سلمة بن كهيل وعكرمة: "الذين في ~~قلوبهم مرض أصحاب الفواحش والزناة ومعلوم أن من أظهر الفاحشة لم يكن بد من ~~إقامة الحد عليه فكذلك من أظهر النفاق". # ويدل على جواز قتل الزنديق المنافق من غير استتابة ما خرجاه في الصحيحين ~~في قصة حاطب بن أبي بلتعة فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا ~~المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل ~~الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فدل على أن ضرب ~~عنق المنافق من غير استتابة مشروع إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~عمر استحلال ضرب عنق المنافق ولكن أجاب # PageV01P350 # بأن هذا ليس بمنافق ولكنه من أهل بدر المغفور لهم فإذا أظهر النفاق الذي ~~لا ريب أنه نفاق فهو مبيح للدم. # وعن عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث الإفك قالت: "فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من نومه فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في ~~أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت ms294 عليه إلا ~~خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل ~~فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه: إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن ~~كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن عبادة وهو ~~سيد الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وكان رجلا صالحا ولكن احتملته ~~الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك فقام ~~أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد يعني ابن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر ~~الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى ~~هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل ~~النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت" متفق عليه. # وفي الصحيحين عن عمر وعن جابر بن عبد الله قال: "غزونا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين ~~رجل لعاب فكسع أنصاريا فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري: ~~يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري ~~الأنصاري قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: # PageV01P351 # دعوها فإنها خبيثة وقال عبد الله بن أبي بن سلول: أقد تداعوا علينا؟ لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال عمر: ألا نقتل يا نبي الله ~~هذا الخبيث لعبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أن ~~محمدا يقتل أصحابه". # وذكر أهل التفسير وأصحاب السير أن هذه القصة كانت في غزوة بني المصطلق: ~~اختصم رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار حتى غضب عبد الله بن أبي وعنده رهط ~~من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حديث السن وقال عبد الله بن أبي: أفعلوها؟ ~~قد نافرونا وكابرونا في بلادنا والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما ms295 قال القائل: ~~سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على من ~~حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم ~~أموالكم أما والله لئن أمسكتم عنهم فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ولأوشكوا ~~أن يتحولوا عن بلادكم ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم فلا تنفقوا عليهم حتى ~~ينفضوا من حول محمد فقال زيد بن ابن أرقم: أنت والله الذليل القليل المبغض ~~في قومك ومحمد في عز من الرحمن ومودة من المسلمين والله لا أحبك بعد كلامك ~~هذا فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب فمشى زيد بن أرقم بها إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وذلك بعد فراغه من الغزوة وعنده عمر بن الخطاب فقال: ~~دعني أضرب عنقه يا رسول الله فقال: "إذا ترعد له آنف كثيرة بيثرب" فقال ~~عمر: فإن كرهت يا رسول الله أن يقتله رجل من المهاجرين فمر سعد بن معاذ أو ~~محمد بن مسلمة أو عباد بن بشر فليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"فكيف يا عمر؟ إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه لا ولكن أذن بالرحيل" ~~وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها # PageV01P352 # وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي فأتاه فقال: أنت ~~صاحب هذا الكلام؟ فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب بالحق ما قلت من ~~هذا شيئا وإن زيدا لكاذب فقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله شيخنا ~~وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون هذا الغلام ~~وهم في حديثه ولم يحفظ ما قال فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم وفشت ~~الملامة في الأنصار لزيد وكذبوه قالوا: وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ~~وكان من فضلاء الصحابة ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله بلغني أنك ms296 تريد قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عنه ~~فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان ~~بها رجل أبر بوالديه مني وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي ~~أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر ~~فأدخل النار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "بل نرفق به ونحسن صحبته ما ~~بقي معنا" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ~~ولكن بر أباك وأحسن صحبته" وذكروا القصة قالوا: وفي ذلك نزلت سورة ~~المنافقين. # وقد أخرجا في الصحيحين عن زيد بن أرقم قال: "خرجنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي: لا تنفقوا على ~~من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى ~~عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا: كذب زيد يا رسول الله ~~قال: فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى # PageV01P353 # أنزل الله تصديقي: {إذا جاءك المنافقون} قال: ثم دعاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم. # ففي هذه القصة بيان أن قتل المنافق جائز من غير استتابة وإن أظهر إنكار ~~ذلك القول وتبرأ منه وأظهر الإسلام وإنما منع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~قتله ما ذكره من تحدث الناس أنه يقتل أصحابه لأن النفاق لم يثبت عليه ~~بالبينة وقد حلف أنه ما قال وإنما علم بالوحي وخبر زيد ابن أرقم. # وأيضا لما خافه من ظهور فتنة بقتله وغضب أقوام يخاف افتتانهم بقتله. # وذكر بعض أهل التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم عد المنافقين الذين ~~وقفوا له على العقبة في غزوة تبوك ليفتكوا به فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم ~~فتقتلهم فقال: "أكره أن يقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل ~~يكفيناهم الله ms297 بالرسالة". # وذكر بعضهم أن رجلا من المنافقين خاصم رجلا من اليهود إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه ~~المنافق وقال: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب فأقبل إلى عمر فقال اليهودي: ~~اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه مخاصم إليك ~~وتعلق بي فجئت معه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم فقال لهما: رويدكما ~~حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت فأخذ السيف وأشتمل عليه ثم خرج إليهما فضرب ~~به المنافق حتى برد فقال: هكذا أقضي بين من لم يرض # PageV01P354 # بقضاء الله وقضاء رسوله فنزل قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون} الآية وقال ~~جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق وقد تقدمت هذه القصة ~~مروية من وجهين. # ففي هذه الأحاديث دلالة على أن قتل المنافق كان جائزا إذ لولا ذلك لأنكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم على من استأذنه في قتل المنافق ولأنكر على عمر إذ ~~قتل من قتل من المنافقين ولأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدم معصوم ~~بالإسلام ولم يعلل ذلك بكراهية غضب عشائر المنافقين لهم وإن يتحدث الناس أن ~~محمدا يقتل أصحابه وأن يقول القائل: لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم لأن الدم ~~إذا كان معصوما كان هذا الوصف عديم التأثير في عصمة دم المعصوم ولا يجوز ~~تعليل الحكم بوصف لا أثر له ونزل تعليله بالوصف الذي هو مناط الحكم وكما ~~أنه دليل على القتل فهو دليل على القتل من غير استتابة على ما لا يخفى. # فإن قيل: فلم لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بنفاق بعضهم ~~وقبل علانيتهم؟. # قلنا: إنما ذاك لوجهين: # أحدهما: أن عامتهم لم يكن ما يتكلمون به من الكفر مما يثبت عليهم بالبينة ~~بل كانوا يظهرون الإسلام ونفاقهم يعرف تارة بالكلمة يسمعها منهم الرجل ~~المؤمن فينقلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحلفون بالله أنهم ما قالوها ~~أو لا يحلفون وتارة بما يظهر ms298 من تأخرهم عن الصلاة والجهاد واستثقالهم ~~للزكاة وظهور الكراهية منهم لكثير من أحكام الله وعامتهم يعرفون في لحن ~~القول كما قال الله: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله # PageV01P355 # أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} ~~فأخبر سبحانه أنه لو شاء لعرفهم رسوله بالسيماء في وجوههم ثم قال: ~~{ولتعرفنهم في لحن القول} فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم في لحن القول ومنهم من ~~كان يقول القول أو يعمل العمل فينزل القرآن يخبر أن صاحب ذلك القول والعمل ~~منهم كما في سورة براءة ومنهم من كان المسلمون أيضا يعلمون كثيرا منهم ~~بالشواهد والدلالات والقرائن والأمارات ومنهم من لم يكن يعرف كما قال ~~تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ~~لا تعلمهم نحن نعلمهم} ثم جميع هؤلاء المنافقين يظهرون الإسلام ويحلفون ~~أنهم مسلمون وقد اتخذوا أيمانهم جنة وإذا كانت هذه حالهم فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن يقيم الحدود بعلمه ولا بخبر الواحد ولا بمجرد الوحي ولا ~~بالدلائل والشواهد حتى يثبت الموجب للحد ببينة أو إقرار ألا ترى كيف أخبر ~~عن المرأة الملاعنة أنها إن جاءت بالولد على نعت كذا وكذا فهو للذي رميت به ~~وجاءت به على النعت المكروه فقال: "لولا الإيمان لكان لي ولها شأن". # وكان بالمدينة امرأة تعلن الشر فقال: "لو كنت راجما أحدا من غير بينة ~~لرجمتها". # وقال للذين اختصموا إليه: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ~~فإنما أقطع له قطعة من النار" فكان ترك قتلهم مع كونهم كفارا لعدم ظهور ~~الكفر منهم بحجة شرعية. # ويدل على هذا أنه لم يستتبهم على التعيين ومن المعلوم أن أحسن حال # PageV01P356 # من ثبت نفاقه وزندقته أن يستتاب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل ولم يبلغنا أنه ~~استتاب واحدا بعينه منهم فعلم أن الكفر والردة لم تثبت على واحد بعينه ~~ثبوتا يوجب أن ms299 يقتل كالمرتد ولهذا كان يقبل علانيتهم ونكل سرائرهم إلى الله ~~فإذا كانت هذه حال من ظهر نفاقه بغير البينة الشرعية فكيف حال من لم يظهر ~~نفاقه؟ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ~~ولا أشق بطونهم" لما استؤذن في قتل ذي الخويصرة ولما استؤذن أيضا في قتل ~~رجل من المنافقين قال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله" قيل: بلى قال: "أليس ~~يصلي؟ " قيل: بلى قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" فأخبر عليه ~~الصلاة والسلام أنه نهي عن قتل من أظهر الإسلام من الشهادتين والصلاة وإن ~~ذكر بالنفاق ورمي به وظهرت عليه دلالته إذا لم يثبت بحجة شرعية أنه أظهر ~~الكفر وكذلك قوله في الحديث الآخر: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا ~~إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله" معناه إني أمرت أن أقبل منهم ظاهر الإسلام وأكل ~~بواطنهم إلى الله والزنديق والمنافق إنما يقتل إذا تكلم بكلمة الكفر وقامت ~~عليه بذلك بينة وهذا حكم بالظاهر لا بالباطن وبهذا الجواب يظهر فقه ~~المسألة. # الوجه الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن يتولد من قتلهم من ~~الفساد أكثر مما في استبقائهم وقد بين ذلك حيث قال: "لا يتحدث الناس أن ~~محمدا يقتل أصحابه" وقال: "إذا ترعد له آنف كثيرة بيثرب" فإنه لو قتلهم بما ~~يعلمه من كفرهم لأوشك أن يظن الظان أنه إنما قتلهم لأغراض وأحقاد وإنما ~~قصده الاستعانة بهم على الملك كما قال: "أكره أن تقول العرب لما ظفر ~~بأصحابه # PageV01P357 # أقبل يقتلهم" وأن يخاف من يريد الدخول في الإسلام أن يقتل مع إظهاره ~~الإسلام كما قتل غيره. # وقد كان أيضا يغضب لقتل بعضهم قبيلته وناس آخرون فيكون ذلك سببا للفتنة ~~واعتبر ذلك بما جرى في قصة عبد الله بن أبي لما عرض سعد بن معاذ بقتله خاصم ~~له أناس صالحون وأخذتهم الحمية حتى سكتهم رسول الله صلى الله عليه ms300 وسلم وقد ~~بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استأذنه عمر في قتل ابن أبي قال ~~أصحابنا: ونحن الآن إذا خفنا مثل ذلك كففنا عن القتل. # فحاصله أن الحد لم يقم على واحد بعينه لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي ~~يعلمه بها الخاص والعام أو لعدم إمكان إقامته إلا مع تنفير أقوام عن الدخول ~~في الإسلام وارتداد آخرين عنه وإظهار قوم من الحرب والفتنة ما يربى فساده ~~على فساد ترك قتل منافق وهذان المعنيان حكمهما باق إلى يومنا هذا إلا في ~~شيء واحد وهو أنه صلى الله عليه وسلم ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل ~~أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك فهذا منتف اليوم. # والذي يبين حقيقة الجواب الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ~~بمكة مستضعفا هو وأصحابه عاجزين عن الجهاد أمرهم الله بكف أيديهم والصبر ~~على أذى المشركين فلما هاجروا إلى المدينة وصار له دار عز ومنعة أمرهم ~~بالجهاد وبالكف عمن سالمهم وكف يده عنهم لأنه لو أمرهم إذ ذاك بإقامة ~~الحدود على كل منافق لنفر عن الإسلام أكثر العرب إذ رأوا أن بعض من دخل فيه ~~يقتل وفي مثل هذه الحال نزل قوله: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} وهذه السورة نزلت بالمدينة بعد الخندق ~~فأمره الله في تلك الحال أن يترك أذى # PageV01P358 # الكافرين والمنافقين له فلا يكافئهم عليه لما يتولد في مكافأتهم من ~~الفتنة ولم يزل الأمر كذلك حتى فتحت مكة ودخلت العرب في دين الله قاطبة ثم ~~أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في غزو الروم وأنزل الله تبارك وتعالى سورة ~~براءة وكمل شرائع الدين من الجهاد والحج والأمر بالمعروف فكان كمال الدين ~~حين نزل قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} قبل الوفاة بأقل من ثلاثة ~~أشهر ولما أنزل براءة أمره بنبذ العهود التي كانت للمشركين وقال فيها: {يا ~~أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} وهذه ناسخة لقوله تعالى: ~~{ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع ms301 أذاهم} وذلك أنه لم يبق حينئذ للمنافق من ~~يعينه لو أقيم عليه الحد ولم يبق حول المدينة من الكفار من يتحدث بأن محمد ~~يقتل أصحابه فأمره الله بجهادهم والإغلاظ عليهم وقد ذكر أهل العلم أن آية ~~الأحزاب منسوخة بهذه الآية ونحوها وقال في الأحزاب: {لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك ~~فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا} الآية فعلم أنهم كانوا يفعلون ~~أشياء إذ ذاك إن لم ينتهوا عنها أقبلوا عليها في المستقبل لما أعز الله ~~دينه ونصر رسوله فحيث ما كان للمنافق ظهور وتخاف من إقامة الحد عليه فتنة ~~أكبر من بقائه عملنا بآية {ودع أذاهم} كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار ~~عملنا بآية الكف عنهم والصفح وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله: {جاهد ~~الكفار والمنافقين} . # فهذا يبين أن الإمساك عن قتل من أظهر نفاقه بكتاب الله على عهد رسوله ~~عليه الصلاة والسلام إذ لا نسخ بعده ولم ندع أن الحكم تغير بعده لتغير # PageV01P359 # المصلحة من غير وحي نزل فإن هذا تصرف في الشريعة وتحويل لها بالرأي ودعوى ~~أن الحكم المطلق كان لمعنى وقد زال وهو غير جائز كما قد نسبوا ذلك إلى من ~~قال: إن حكم المؤلفة انقطع ولم يأت على انقطاعه بكتاب ولا سنة سوى ادعاء ~~تغير المصلحة. # ويدل على المسألة ما روى أبو إدريس قال: أتى على رضي الله عنه بناس من ~~الزنادقة ارتدوا عن الإسلام فسألهم فجحدوا فقامت عليهم البينة العدول قال: ~~فقتلهم ولم يستتبهم وقال: وأتى برجل كان نصرانيا وأسلم ثم رجع عن الإسلام ~~قال: فسأله فأقر بما كان منه فاستتابه فتركه فقيل له: كيف تستتيب هذا ولم ~~تستتب أولئك؟ قال: إن هذا أقر بما كان منه وإن أولئك لم يقروا وجحدوا حتى ~~قامت عليهم البينة فلذلك لم أستتبهم رواه الإمام أحمد. # وروى عن أبي إدريس قال: أتى علي برجل قد تنصر فاستتابه فأبى أن يتوب ~~فقتله وأتى برهط يصلون القبلة وهم ms302 زنادقة وقد قامت عليهم بذلك الشهود ~~العدول فجحدوا وقالوا: ليس لنا دين إلا الإسلام فقتلهم ولم يستتبهم ثم قال: ~~"أتدرون لم استتبت هذا النصراني؟ استتبته لأنه أظهر دينه وأما الزنادقة ~~الذين قامت عليهم البينة وجحدوني فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا وقامت عليهم ~~البينة". # فهذا من أمير المؤمنين على رضي الله عنه بيان أن كل زنديق كتم زندقته ~~وجحدها حتى قامت عليه البينة قتل ولم يستتب وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يقتل من جحد زندقته من المنافقين لعدم قيام البينة. # ويدل على ذلك قوله تعالى {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة} إلى قوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا # PageV01P360 # صالحا وآخر سيئا} فعلم أن من لم يعترف بذنبه كان من المنافقين ولهذا ~~الحديث قال الإمام أحمد في الرجل يشهد عليه بالبدعة فيجحد: "ليست له توبة ~~إنما التوبة لمن اعترف فأما من جحد فلا توبة له". # قال القاضي أبو يعلي وغيره: وإذا اعترف بالزندقة ثم تاب قبلت توبته لأنه ~~باعترافه يخرج عن حد الزندقة لأن الزنديق هو الذي يستبطن الكفر ولا يظهره ~~فإذا اعترف به ثم تاب خرج عن حده فلهذا قبلنا توبته ولهذا لم يقبل علي رضي ~~الله عنه توبة الزنادقة لما جحدوا. # وقد يستدل على المسألة بقوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات} ~~الآية وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي العالية في قوله تعالى: {إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} قال: "هذه ~~في أهل الإيمان" {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن} قال: "هذه في أهل النفاق" {ولا الذين يموتون وهم ~~كفار} قال: "هذه في أهل الشرك" هذا مع أنه الراوي عن أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيما أظن أنهم قالوا: "كل من أصاب ذنبا فهو جاهل بالله وكل من ~~تاب قبل الموت فقد تاب من قريب". # ويدل على ما قال أن المنافق إذا أخذ ليقتل ورأى السيف فقد حضره الموت ~~بدليل دخول مثل ms303 هذا في عموم قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} ~~وقوله تعالى: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} وقد قال حين حضره الموت ~~{إني تبت الآن} فليست له توبة كما ذكره الله سبحانه نعم إن تاب توبة صحيحه ~~فيما بينه وبين الله لم يكن ممن قال {إني تبت الآن} بل يكون ممن تاب من ~~قريب لأن الله سبحانه إنما نفى التوبة عمن حضره الموت وتاب بلسانه فقط ~~ولهذا قال في الأول {ثم يتوبون} # PageV01P361 # وقال هنا {إني تبت الآن} فمن قال: "إني تبت" قبل حضور الموت أو تاب توبة ~~صحيحة بعد حضور أسباب الموت صحت توبته. # وربما استدل بعضهم بقوله تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} ~~الآيتين وبقوله تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق} الآية وقوله سبحانه: {فلولا ~~كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها} الآية فوجه الدلالة أن عقوبة الأمم الخالية ~~بمنزلة السيف للمنافقين ثم أولئك إذا تابوا بعد معاينة العذاب لم ينفعهم ~~فكذلك المنافق ومن قال هذا فرق بينه وبين الحربي بأنا لا نقاتله عقوبة على ~~كفره بل نقاتله ليسلم فإذا أسلم فقد أتى بالمقصود والمنافق إنما يقاتل ~~عقوبة لا ليسلم فإنه لم يزل مسلما والعقوبات لا تسقط بالتوبة بعد مجيء ~~البأس وهذا كعقوبات سائر العصاة فهذه طريقة من يقتل الساب لكونه منافقا. # وفيه طريقة أخرى وهي أن سب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه موجب للقتل مع ~~قطع النظر عن كونه مجرد ردة فإنا قد بينا أنه موجب للقتل وبينا أنه جناية ~~غير الكفر إذ لو كان ردة محضة وتبديلا للدين وتركا له لما جاز للنبي صلى ~~الله عليه وسلم العفو عمن كان يؤذيه كما لا يجوز العفو عن المرتد ولما قتل ~~الذين سبوه وقد عفا عمن قاتل وحارب. # وقد ذكرنا أدلة أخرى على ذلك فيما تقدم ولأن التنقص والسب قد يصدر عن ~~الرجل مع اعتقاد النبوة والرسالة لكن لما وجب تعزير الرسول وتوقيره بكل ~~طريق غلظت عقوبة من انتهك عرضه بالقتل فصار قتله حدا من الحدود لأن ms304 سبه نوع ~~من الفساد في الأرض كالمحاربة باليد لا لمجرد كونه بدل الدين وتركه وفارق ~~الجماعة وإذا كان كذلك لم يسقط بالتوبة كسائر # PageV01P362 # الحدود غير عقوبة الكفر وتبديل الدين قال الله تعالى: {إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم} . # فثبت بهذه الآية أن من تاب بعد أن قدر عليه لم تسقط عنه العقوبة وكذلك ~~قال سبحانه: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن ~~الله غفور رحيم} فأمر بقطع أيديهم جزاء على ما مضى ونكالا عن السرقة في ~~المستقبل منهم ومن غيرهم وأخبر أن الله يتوب على من تاب ولم يدرأ القطع ~~بذلك لأن القطع له حكمتان: الجزاء والنكال والتوبة تسقط الجزاء ولا تسقط ~~النكال فإن الجاني متى علم أنه إذا تاب لم يعاقب لم يردع ذلك الفساق ولم ~~يزجرهم عن ركوب العظائم فإن إظهار التوبة والإصلاح لمقصود حفظ النفس والمال ~~سهل. # ولهذا لم نعلم خلافا يعتمد في أن السارق أو الزاني لو أظهر التوبة بعد ~~ثبوت الحد عليه عند السلطان لم يسقط الحد عنه وقد رجم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ماعزا والغامدية وأخبر بحسن توبتهما وحسن مصيرهما وكذلك لو قيل: "إن ~~سب النبي صلى الله عليه وسلم يسقط بالتوبة وتجديد الإسلام" لم يردع ذلك ~~الألسن عن انتهاك عرضه ولم يزجر النفوس عن الاستحلال حرمته بل يؤذيه ~~الإنسان بما يريد ويصيب من عرضه ما شاء من أنواع السب والأذى ثم يجدد ~~إسلامه ويظهر إيمانه وقد ينال المرء من عرضه ويقع منه تنقص له واستهزاء ~~ببعض أقواله أو أعماله وإن لم يكن منتقلا من دين إلى دين فلأنه لا يصعب على # PageV01P363 # من هذه سبيله ms305 كلما نال من عرضه واستخف بحرمته أن يجدد إسلامه بخلاف الردة ~~المجردة عن الدين فإن سقوط القتل فيها بالعود إلى الإسلام لا يوجب اجتراء ~~الناس على الردة أو الانتقال لأن الانتقال عن الدين لا يقع إلا عن شبهة ~~قادحة في القلب أو شهوة قامعة للعقل فلا يكون قبول التوبة من المرتد محرضا ~~للنفوس على الردة ويكون ما يتوقعه من خوف القتل زاجرا له عن الكفر فإنه إذا ~~أظهر ذلك لا يتم مقصوده لعلمه بأنه يجبر على العود إلى الإسلام وهنا من فيه ~~استخفاف أو اجتراء أو سفاهة تمكن من انتقاص النبي صلى الله عليه وسلم وعيبه ~~والطعن عليه كلما شتم يجدد الإسلام ويظهر التوبة وبهذا يظهر أن السب والشتم ~~يظهر الفساد في الأرض الذي يوجب الحد اللازم من الزنى وقطع الطريق والسرقة ~~وشرب الخمر فإن مريد هذه المعاصي إذا علم أنه تسقط عنه العقوبة إذا تاب ~~فعلها كلما شاء كذلك من يدعوه ضعف عقله أو ضعف دينه إلى الانتقاص برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا علم أن التوبة تقبل منه أتى ذلك متى شاء ثم ~~تاب منه وقد حصل مقصوده بما قاله كما حصل مقصود أولئك بما فعلوه بخلاف مريد ~~الردة فإن مقصوده لا يحصل إلا بالمقام عليها وذلك لا يحصل له إذا قتل إن لم ~~يرجع فيكون ذلك رادعا له وهذا الوجه لا يخرج السب عن أن يكون ردة لكن ~~حقيقته أنه نوع من الردة تغلظ بما فيه من انتهاك عرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما قد تتغلظ ردة بعض الناس بأن ينضم إليها قتل وغيره فيتحتم ~~القتل فيها دون الردة المجردة كما يتحتم القتل في قتل من قطع الطريق لتغلظ ~~الجرم وإن لم يتحتم قتل من قتل لغرض آخر فعوده إلى الإسلام يسقط موجب الردة ~~المحضة ويبقى خصوص السب ولا بد من إقامة حده كما أن توبة القاطع قبل القدرة ~~عليه تسقط تحتم القتل ويبقى حق أولياء المقتول من القتل الدية أو العفو ~~وهذه مناسبة ms306 ظاهرة وقد تقدم نص الشارع وتنبيهه على اعتبار هذا المعنى. # PageV01P364 # فإن قيل: تلك المعاصي يدعو إليها الطمع مع صحة الاعتقاد فلو لم يشرع عنها ~~زاجر لتسارعت النفوس إليها بخلاف سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ~~الطبع لا يدعوا إليه إلا بخلل في الاعتقاد أكثر ما يوجب الردة فعلم أن ~~مصدره أكثر ما يكون الكفر فيلزمه عقوبة الكافر وعقوبة الكافر مشروطة بعدم ~~التوبة وإذا لم يكن إليه مجرده باعث طبيعي لم يشرع ما يزجر عنه وإن كان ~~حراما كالاستخفاف في الكتاب والدين ونحو ذلك. # قلنا: بل قد يكون إليه باعث طبيعي غير الخلل في الاعتقاد من الكبر الموجب ~~للاستخفاف ببعض أحواله وأفعاله والغضب الداعي إلى الوقيعة فيه إذا خالف ~~الغرض بعض أحكامه والشهوة الحاملة على ذم ما يخالف الغرض من أموره وغير ذلك ~~فهذه الأمور قد تدعو الإنسان إلى نوع من السب له وضرب من الأذى والانتقاص ~~وإن لم يصدر إلا مع ضعف الإيمان به كما أن تلك المعاصي لا تصدر أيضا إلا مع ~~ضعف الإيمان وإذا كان كذلك فقبول التوبة ممن هذه حاله يوجب اجتراء أمثاله ~~على أمثال كلماته فلا يزال العرض منهوكا والحرمة محفورة بخلاف قبول التوبة ~~ممن يريد انتقالا عن الدين إما إلى دين آخر أو إلى تعطيل فإنه إذا علم أنه ~~يستتاب على ذلك فإن تاب وإلا قتل لم ينتقل بخلاف ما إذا صدر السب عن كافر ~~به ثم آمن به فإن علمه بأنه إذا أظهر السب لا يقبل منه إلا الإسلام أو ~~السيف يردعه عن هذا السب إلا أن يكون مريدا للإسلام ومتى أراد الإسلام ~~فالإسلام يجب ما كان قبله فليس في سقوط القتل بإسلام الكافر من الطريق إلى ~~الوقيعة في عرضه ما في سقوطه بتجديد إسلام من يظهر الإسلام. # وأيضا فإن سب النبي صلى الله عليه وسلم حق لآدمي فلا يسقط بالتوبة كحد ~~القذف وكسب غيره من البشر. # PageV01P365 # ثم من فرق بين المسلم والذمي قال: المسلم قد التزم أن لا يسب ولا يعتقد ms307 ~~سبه فإذا أتى ذلك أقيم عليه حده كما يقام عليه حد الخمر وكما يعزر على أكل ~~لحم الميت والخنزير والكافر لم يلتزم تحريم ذلك ولا يعتقده فلا تجب عليه ~~إقامة حده كما لا تجب عليه إقامة حد الخمر ولا يعزر على الميت والخنزير. # نعم إذا أظهره نقض العهد الذي بيننا وبينه فصار بمنزلة الحربي فنقتله ~~لذلك فقط لا لكونه أتى حدا يعتقد بحرمته فإذا أسلم سقط عنه العقوبة على ~~الكفر ولا عقوبة عليه لخصوص السب فلا يجوز قتله. # وحقيقة هذه الطريقة أن سب النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من الغضاضة ~~عليه يوجب القتل تعظيما لحرمته وتعزيرا له وتوقيرا ونكالا عن التعرض له ~~والحد إنما يقام على الكافر فيما يعتقد تحريمه خاصة لكنه إذا أظهر ما يعتقد ~~حله من المحرمات عندنا زجر عن ذلك وعوقب عليه كما إذا أظهر الخمر والخنزير ~~فإظهار السب إما أن يكون كهذه الأشياء كما زعمه بعض الناس أو يكون نقضا ~~للعهد كمقاتلة المسلمين وعلى التقديرين فالإسلام يسقط تلك العقوبة بخلاف ما ~~يصيبه المسلم مما يوجب الحد عليه. # وأيضا فإن الردة على قسمين: ردة مجردة وردة مغلظة شرع القتل على خصوصها ~~وكل منهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها والأدلة الدالة على سقوط ~~القتل بالتوبة لا تعم القسمين بل إنما تدل على القسم الأول كما يظهر لمن ~~ذلك تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد فيبقى القسم الثاني وقد قام الدليل ~~على وجوب قتل صاحبه ولم يأت نص ولا إجماع لسقوط القتل عنه والقياس متعذر مع ~~وجود الفرق الجلي فانقطع الإلحاق. # والذي يحقق هذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ولا إجماع أن كل من ~~ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد # PageV01P366 # القدرة عليه بل الكتاب والسنة والإجماع قد فرق بين أنواع المرتدين كما ~~سنذكره وإنما بعض الناس يجعل برأيه الردة جنسا واحدا على تباين أنواعه ~~ويقيس بعضها ببعض فإذا لم يكن معه عموم نطقي يعم ms308 أنواع المرتدين لم يبق إلا ~~القياس وهو فاسد إذا فارق الفرع الأصل بوصف له تأثير في الحكم وقد دل على ~~تأثيره نص الشارع وتنبيهه والمناسبة المشتملة على المصلحة المعتبرة. # وتقرير هذا من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن دلائل قبول توبة المرتد مثل قوله تعالى: {كيف يهدي الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم} إلى قوله: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} وقوله ~~تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه} ونحوها ليس فيها إلا توبة من كفر بعد ~~الإيمان فقط دون من انضم إلى كفره مزيد أذى وإضرار وكذلك سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنما فيها قبول توبة من جرد الردة فقط وكذلك سنة الخلفاء ~~الراشدين إنما تضمنت قبول توبة من جرد الردة وحارب بعد ارتداده كمحاربة ~~الكافر الأصلي على كفره فمن عزم أن في الأصول ما يعم توبة كل مرتد سواء جرد ~~الردة أو غلظها بأي شيء كان فقد أخطأ وحينئذ فقد قامت الأدلة على وجوب قتل ~~الساب وأنه مرتد ولم تدل الأصول على أن مثله يسقط عنه القتل فيجب قتله ~~بالدليل السالم عن المعارض. # الثاني: أن الله سبحانه قال: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ~~وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك ~~جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف ~~عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من # PageV01P367 # بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ~~ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} فأخبر سبحانه أن من ازداد ~~كفرا بعد إيمانه لن تقبل توبته وفرق بين الكفر المزيد كفرا والكفر المجرد ~~في قبول التوبة من الثاني دون الأول فمن زعم أن كل كفر بعد الإيمان تقبل ~~منه التوبة فقد خالف نص القرآن. # وهذه الآية إن كان قد قيل فيها إن ازدياد الكفر المقام عليه إلى حين ~~الموت وإن التوبة المنفية هي توبته عند الغرغرة أو يوم القيامة فالآية أعم ~~من ذلك. # وقد ms309 رأينا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقت بين النوعين فقبل توبة ~~جماعة من المرتدين ثم إنه أمر بقتل مقيس بن حبابة يوم الفتح من غير استتابة ~~لما ضم إلى ردته قتل المسلم وأخذ المال ولم يتب قبل القدرة عليه وأمر بقتل ~~العرنيين لما ضموا ردتهم نحوا من ذلك وكذلك أمر بقتل ابن خطل لما ضم إلى ~~ردته السب وقتل المسلم وأمر بقتل ابن أبي سرح لما ضم إلى ردته الطعن عليه ~~والافتراء وإذا كان الكتاب والسنة قد حكما في المرتدين بحكمين ورأينا أن من ~~ضر وآذى بالردة أذى يوجب القتل لم يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه ~~وإن تاب مطلقا دون من بدل دينه فقط لم يصح القول بقبول توبة المرتد مطلقا ~~وكان الساب من القسم الذي لا يجب أن تقبل توبته كما دلت عليه السنة في قصة ~~ابن أبي سرح ولأن السب إيذاء عظيم للمسلمين أعظم عليهم من المحاربة باليد ~~كما تقدم تقريره فيجب أن يتحتم عقوبة فاعله ولأن المرتد المجرد إنما نقتله ~~لمقامه على التبديل فإذا عاود الدين الحق زال المبيح لدمه كما يزول المبيح ~~لدم الكافر الأصلي # PageV01P368 # بإسلامه وهذا الساب أتى من الأذى لله ورسوله بعد المعاهدة على ترك ذلك ~~بما أتى به وهو لا يقتل لمقامه عليه فإن ذلك ممتنع فصار قتله كقتل المحارب ~~باليد. # وبالجملة فمن كانت ردته محاربة لله ورسوله بيد أو لسان فقد دلت السنة ~~المفسرة للكتاب أنه من كفر كفرا مزيدا لا تقبل توبته منه. # الوجه الثالث: أن الردة قد تتجرد عن السب فلا تتضمنه ولا تستلزمه كما ~~تتجرد عن قتل المسلمين وأخذ أموالهم إذ السب والشتم إفراط في العداوة ~~وإبلاغ في المحادة مصدره شدة سفه الكافر وحرصه على فساد الدين وإضرار أهله ~~ولربما صدر عمن يعتقد النبوة والرسالة لكن لم يأت بموجب هذا الاعتقاد من ~~التوقير والانقياد فصار بمنزلة إبليس حيث اعتقد ربوبية الله سبحانه بقوله ~~(رب) وقد أيقن أن الله أمره بالسجود ثم لم يأت بموجب ms310 هذا الاعتقاد من ~~الاستسلام والانقياد بل استكبر وعاند معاندة معارض طاعن في حكمة الآمر. # ولا فرق بين من يعتقد أن الله ربه وأن الله أمره بهذا الأمر ثم يقول: إنه ~~لا يطيعه لأن أمره ليس بصواب ولا سداد وبين من يعتقد أن محمدا رسول الله ~~وأنه صادق واجب الإتباع في خبره وأمره ثم يسبه أو يعيب أمره أو شيئا من ~~أحواله أو تنقصه انتقاصا لا يجوز أن يستحقه الرسول وذلك أن الإيمان قول ~~وعمل فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله سبحانه وتعالى والرسالة لعبده ~~ورسوله ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام والذي هو حال في ~~القلب يظهر أثره على الجوارح بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول ~~أو بالفعل كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه وكان ذلك موجبا لفساد ذلك الاعتقاد ~~ومزيلا لما فيه من المنفعة والصلاح إذ الاعتقادات الإيمانية تزكي النفوس ~~وتصلحها فمتى لم توجب # PageV01P369 # زكاة النفس ولا صلاحا فما ذاك إلا لأنها لم ترسخ في القلب ولم تصر صفة ~~ونعتا للنفس وصلاحا وإذا لم يكن علم الإيمان المفروض صفة لقلب الإنسان ~~لازمة لم ينفعه فإنه يكون بمنزلة حديث النفس وخواطر القلب والنجاة لا تحصل ~~إلا بيقين في القلب ولو أنه مثقال ذرة. # هذا فيما بينه وبين الله وأما في الظاهر فتجري الأحكام على ما يظهره من ~~القول والفعل. # والغرض بهذا التنبيه على أن الاستهزاء بالقلب والانتقاص ينافي الإيمان ~~الذي في القلب منافاة الضد ضده والاستهزاء باللسان ينافي الإيمان الظاهر ~~باللسان كذلك. # والغرض بهذا التنبيه على أن السب الصادر عن القلب يوجب الكفر ظاهرا ~~وباطنا. # هذا مذهب الفقهاء وغيرهم من أهل السنة والجماعة خلاف ما يقوله بعض ~~الجهمية والمرجئة القائلين بأن الإيمان هو المعرفة والقول بلا عمل من أعمال ~~القلب من أنه إنما ينافيه في الظاهر وقد يجامعه في الباطن وربما يكون لنا ~~إن شاء الله تعالى عودة إلى هذا الموضع. # والغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب فكذلك قد تتجرد عن قصد تبديل ~~الدين وإرادة ms311 التكذيب بالرسالة كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب ~~بالربوبية وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه كما لا ينفع من قال: الكفر أن لا ~~يقصد أن يكفر. # وإذا كان كذلك فالشارع إذا أمر بقبول توبة من قصد تبديل دينه الحق وغير ~~اعتقاده وقوله فإنما ذاك لأن المقتضى للقتل الاعتقاد الطارىء وإعدام ~~الاعتقاد الأول فإذا عاد ذلك الاعتقاد الإيماني وزال هذا الطارئ كان بمنزلة ~~الماء والعصير: يتنجس بتغيره ثم يزول التغير فيعود حلالا لأن الحكم # PageV01P370 # إذا ثبت بعلة زول بزوالها وهذا الرجل لم يظهر مجرد تغير الاعتقاد حتى ~~يعود معصوما بعوده إليه وليس هذا القول من لوازم تغير الاعتقاد حتى يكون ~~حكمه كحكمه إذ قد يتغير الاعتقاد كثيرا ولا يكون به أذى لله ورسوله. # وإضرار بالمسلمين يزيد على تغيير الاعتقاد ويفعله من يظن سلامة الاعتقاد ~~وهو كاذب عند الله ورسوله والمؤمنين في هذه الدعوة والظن ومعلوم أن المفسدة ~~في هذا أعظم من المفسدة في مجرد تغير الاعتقاد من هذين الوجهين: من جهة ~~كونه إضرارا زائدا ومن جهة كونه قد يظن أو يقال إن الاعتقاد قد يكون سالما ~~معه فيصدر عمن لا يريد الانتقال من دين إلى دين ويكون فساده أعظم من فساد ~~الانتقال إذ الانتقال قد علم أنه كفر فنزع عنه ما نزع عن الكفر وهذا قد يظن ~~أنه ليس بكفر إلا إذا صدر استحلالا بل هو معصية وهو من أعظم أنواع الكفر ~~فإذا كان الداعي إليه غير الداعي إلى مجرد الردة والمفسدة فيه مخالفة ~~لمفسدة الردة وهي أشد منها لم يجز أن يلحق التائب منه بالتائب من الردة ~~بالردة لأن من شروط القياس قياس المعنى استواء الفرع والأصل في حكمة الحكم ~~باستوائهما في دليل الحكمة إذا كانت خفية فإذا كان في الأصل معان مؤثرة ~~يجوز أن تكون التوبة إنما قبلت لأجلها وهي معدومة في الفرع لم يجز إذا لا ~~يلزم من قبول توبة من خففت مفسدة جنايته أو انتفت قبول توبة من تغلظت ~~مفسدته أو بقيت. # وحاصل هذا الوجه ms312 أن عصمة دم هذا بالتوبة قياسا على المرتد متعذر لوجود ~~الفرق المؤثر فيكون المرتد المنتقل إلى دين آخر ومن أتى من القول بما يضر ~~المسلمين ويؤذي الله ورسوله وهو موجب للكفر نوعين تحت جنس الكافر بعد ~~إسلامه وقد شرعت التوبة في حق الأول فلا يلزم شرع التوبة في حق الثاني ~~لوجود الفارق من حيث الإضرار ومن حيث إن مفسدته لا تزول بقبول التوبة. # PageV01P371 # فصل. # قد تضمن هذه الدلالة على وجوب قتل الساب من المسلمين وإن تاب وأسلم ~~ويوجبه قول من فرق بينه وبين الذمي إذا أسلم وقد تضمن الدلالة على أن الذمي ~~إذا عاد إلى الذمة لم يسقط عنه القتل بطريق الأولى فإن عود المسلم إلى ~~الإسلام أحقن لدمه من عود الذمي إلى ذمته ولهذا عامة العلماء الذين حقنوا ~~دم هذا وأمثاله بالعود إلى الإسلام لم يقولوا مثل ذلك في الذمي إذا عاد إلى ~~الذمة. # ومن تأمل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله لبني قريظة وبعض أهل ~~خيبر وبعض بني النضير وإجلائه لبني النضير وبني قينقاع بعد أن نقض هؤلاء ~~الذمة وحرصوا على أن يجيبهم إلى عقد الذمة ثانيا فلم يفعل ثم سنة خلفائه ~~وصحابته في مثل هذا المؤذي وأمثاله مع العلم بأنه كان أحرص شيء على العود ~~إلى الذمة لم يسترب في أن القول بوجوب إعادة مثل هذا إلى الذمة قول مخالف ~~للسنة ولإجماع خير القرون وقد تقدم التنبيه على ذلك في حكم ناقض العهد ~~مطلقا ولولا ظهوره لأشبعنا القول فيه وإنما أحلنا على سيرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسنته من له بها علم فإنهم لا يستريبون أنه لم يكن الذي بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء اليهود هدنة مؤقتة وإنما كانت ذمة مؤبدة ~~على أن الدار دار الإسلام وأنه يجري عليهم حكم الله ورسوله فيما يختلفون ~~فيه إلا أنهم لم يضرب عليهم جزية ولم يلزموا بالصغار الذي ألزموه بعد نزول ~~براءة لأن ذلك لم يكن شرع بعد. # وأما من قال: "إن الساب ms313 يقتل وإن تاب وأسلم وسواء كان كافرا أو مسلما" ~~فقد تقدم دليله على أن المسلم يقتل بعد التوبة وأن الذمي يقتل وإن طلب ~~العود إلى الذمة. # PageV01P372 # وأما قتل الذمي إذا وجب عليه القتل بالسب وإن أسلم بعد ذلك فلهم فيه طرق ~~وهي دالة على تحتم قتل المسلم أيضا كما تدل على تحتم قتل الذمي: # الطريقة الأولى: قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} فوجه ~~الدلالة أن هذا الساب المذكور من المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض ~~فسادا الداخلين في هذه الآية سواء كان مسلما أو معاهدا وكل من كان من ~~المحاربين الداخلين في هذه الآية فإنه يقام عليه الحد إذا قدر عليه قبل ~~التوبة سواء تاب بعد ذلك أو لم يتب فهذا الذمي أو المسلم إذا سب ثم أسلم ~~بعد أن كل واحد قد قدر عليه قبل التوبة فيجب إقامة الحد عليه وحده القتل ~~فيجب قتله سواء تاب أو لم يتب. # والدليل مبني على مقدمتين: # إحداهما: أنه داخل في هذه الآية. # والثانية: أن ذلك يوجب قتله إذا أخذ قبل التوبة. # أما المقدمة الثانية فظاهرة فإنا لم نعلم مخالفا في أن المحاربين إذا ~~أخذوا قبل التوبة وجب إقامة الحد عليهم وإن تابوا بعد الأخذ وذلك بين في ~~الآية فإن الله أخبر أن جزاءهم أحد هذه الحدود الأربعة إلا الذين تابوا قبل ~~أن تقدروا عليهم فالتائب قبل القدرة ليس جزاؤه شيئا من ذلك وغيره هذه أحد ~~هذه جزاؤه وجزاء أصحاب الحدود تجب إقامته على الآية لأن جزاء العقوبة إذا ~~لم يكن حقا لآدمي حي بل كان حدا من حدود الله وجب استيفاؤه باتفاق # PageV01P373 # المسلمين وقد قال تعالى في آية السرقة: {فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا} ~~فأمر بالقطع جزاء على ما ms314 كسباه فلو لم يكن الجزاء المشروع المحدود من ~~العقوبات واجبا لم يعلل وجوب القطع به إذ العلة المطلوبة يجب أن تكون أبلغ ~~من الحكم وأقوى منه والجزاء اسم للفعل واسم لما يجازى به ولهذا قرأ قوله ~~تعالى: {فجزاء مثل ما قتل} بالتنوين وبالإضافة وكذلك الثواب والعقاب ~~وغيرهما فالقتل والقطع قد يسمى جزاء ونكالا وقد يقال فعل هذه ليجزيه ~~وللجزاء. # ولهذا قال الأكثرون: إنه نصب على المفعول له والمعنى أن الله أمر بالقطع ~~ليجزيهم ولينكل عن فعلهم. # وقد قيل: إنه نصب على المصدر لأن معنى "اقطعوا" اجزوهم ونكلوا. # وقيل: إنه على الحال أي فاقطعوهم مجزين منكلين هم وغيرهم أو جازين ~~منكلين. # وبكل حال فالجزاء مأمور به أو مأمور لأجله فثبت أنه واجب الحصول شرعا وقد ~~أخبر أن جزاء المحاربين أحد الحدود الأربعة فيجب تحصيلها إذ الجزاء هنا ~~يتحد فيه معنى الفعل ومعنى المجزي به لأن القتل والقطع والصلب وهي أفعال ~~وهي عين ما يجزي به وليست أجساما بمنزلة المثل من النعم. # يبين ذلك أن لفظ الآية خبر عن أحكام الله سبحانه التي يؤمر الإمام بفعلها ~~ليست عن الحكم الذي يخير بين فعله وتركه إذا ليس لله أحكام في أهل ذنوب ~~يخير الإمام بين فعلها وترك جميعها. # وأيضا فإنه قال: {ذلك لهم خزي في الدنيا} والخزي لا يحصل إلا بإقامة ~~الحدود لا بتعطيلها. # PageV01P374 # وأيضا فإنه لو كان هذا الجزاء إلى الإمام له إقامته وتركه بحسب المصلحة ~~لندب إلى العفو كما في قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} وقوله: {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة ~~له} وقوله: {ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} . # وأيضا فالأدلة على وجوب إقامة الحدود على السلطان من السنة والإجماع ~~ظاهرة ولم نعلم مخالفا في وجوب جزاء المحاربين ببعض ما ذكر الله في كتابه ~~وإنما اختلفوا في هذه الحدود: هل يخير الإمام بينها بحسب المصلحة أو لكل ~~جرم جزاء محدود شرعا؟ كما هو مشهور فلا حاجة إلى الإطناب في ms315 وجوب الجزاء ~~لكن نقول: جزاء الساب القتل عينا بما تقدم من الدلائل الكثيرة ولا يخير ~~الإمام فيه بين القتل والقطع بالإنفاء وإذا كان جزاؤه القتل من هذه الحدود ~~وقد أخذ قبل التوبة وجب إقامة الحد عليه إذا كان من المحاربين بلا تردد. # فلنبين المقدمة الأولى وهي أن هذا من المحاربين لله ورسوله الساعين في ~~الأرض فسادا وذلك من وجوه: # أحدها: ما رويناه من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث قال: ثنا معاوية ~~بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "وقوله {إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} قال: كان قوم من ~~أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد ~~وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله أن يقتل ~~وإن شاء أن يصلب وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف # PageV01P375 # وأما النفي فهو أن يهرب في الأرض فإن جاء تائبا فدخل في الإسلام قبل منه ~~ولم يؤاخذ بما سلف منه ثم قال في موضع آخر وذكر هذه الآية من شهر السلاح في ~~قبة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار: ~~إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله ثم قال: {أو ينفوا من ~~الأرض} يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب {إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} . # وكذلك روى محمد بن يزيد الواسطي عن جويبر عن الضحاك قوله تعالى: {إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} قال: "كان ناس من ~~أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فقطعوا ~~الميثاق وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله أن يقتل إن شاء أو يصلب أو يقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف وأما النفي أن يهرب في الأرض ولا يقدر عليه فإن جاء ~~تائبا داخلا في الإسلام قبل منه ولم ms316 يؤاخذ بما عمل". # وقال الضحاك: "أيما رجل مسلم قتل أو أصاب حدا أو مالا لمسلم فلحق ~~بالمشركين فلا توبة له حتى يرجع فيضع يده في يد المسلمين فيقر بما أصاب قبل ~~أن يهرب من دم أو غيره أقيم عليه أو أخذ منه". # ففي هذين الأثرين أنها نزلت في قوم معاهدين من أهل الكتاب لما نقضوا ~~العهد وأفسدوا في الأرض وكذلك في تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وإن ~~كان لا يعتمد عليه إذا انفرد أنها نزلت في قوم موادعين وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على ألا يعينه ~~ولا يعين عليه ومن أتاه من المسلمين فهو آمن أن يهاج ومن أتى المسلمين منهم ~~فهو آمن أن يهاج ومن مر بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فهو آمن أن يهاج. # PageV01P376 # قال: "فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال بن ~~عويمر ولم يكن هلال يومئذ شاهدا فنهدوا إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل عليه جبريل بالقصة فيهم" فقد ذكر ~~أنها نزلت في قوم معاهدين لكن من غير أهل الكتاب. # وروى عكرمة عن ابن عباس وهو قول الحسن أنها نزلت في المشركين ولعله أراد ~~الذين نقضوا العهد كما قال هؤلاء فإن الكافر الأصلي لا ينطبق عليه حكم ~~الآية. # والذي يحقق أن ناقض العهد بما يضر المسلمين داخل في هذه الآية من الأثر ~~ما قدمناه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أتى برجل من أهل الذمة ~~نخس بامرأة من المسلمين بالشام حتى وقعت فتجللها فأمر به عمر فقتل وصلب ~~فكان أول مصلوب في الإسلام وقال: "يا أيها الناس اتقوا الله في ذمة محمد ~~عليه الصلاة والسلام ولا تظلموهم فمن فعل هذا فلا ذمة له" وقد رواه عنه عوف ~~بن مالك الأشجعي وغيره كما تقدم. # وروى عبد الملك بن حبيب بإسناده عن عياض ms317 بن عبد الله الأشعري قال: "مرت ~~امرأة تسير على بغل فنخس بها علج فوقعت من البغل فبدا بعض عورتها فكتب بذلك ~~أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر: "أن اصلب العلج ~~في ذلك المكان فإنا لم نعاهدهم على هذا إنما عاهدناهم على أن يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون". # وقد قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل في مجوسي فجر بمسلمة: "يقتل هذا قد ~~نقض العهد وكذلك إن كان من أهل الكتاب يقتل أيضا قد صلب عمر رجلا من اليهود ~~فجر بمسلمة هذا نقض العهد" قيل له: ترى عليه الصلب مع القتل؟ قال: "إن ذهب ~~رجل إلى حديث عمر كأنه لم يعب عليه". # PageV01P377 # فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمر وأبو عبيدة وعوف بن مالك ومن ~~كان في عصرهم من السابقين الأولين قد استحلوا قتل هذا وصلبه وبين عمر أنا ~~لم نعاهدهم على مثل هذا الفساد وأن العهد انتقض بذلك فعلم أنهم تأولوا فيمن ~~نقض العهد بمثل هذا أنه من محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض فسادا ~~فاستحلوا لذلك قتله وصلبه وإلا فصلب مثله لا يجوز إلا لمن ذكره الله في ~~كتابه. # وقد قال آخرون منهم ابن عمر وأنس بن مالك ومجاهد وسعيد بن جبير وعبد ~~الرحمن بن جبير ومكحول وقتادة وغيرهم رضي الله عنهم: "إنها نزلت في ~~العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم ~~واستاقوا إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم" وحديث العرنيين مشهور ولا ~~منافاة بين الحديثين فإن سبب النزول قد يتعدد مع كون اللفظ عاما في مدلوله ~~وكذلك كان عامة العلماء على أن الآية عامة في المسلم والمرتد والناقض كما ~~قال الأوزاعي في هذه الآية: هذا حكم حكمه الله في هذه الأمة على من حارب ~~مقيما على الإسلام أو مرتدا عنه وفيمن حارب من أهل الذمة. # وقد جاءت آثار صحيحة عن علي وأبي موسى وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم ~~تقتضي أن حكم هذه الآية ms318 ثابت فيمن حارب المسلمين بقطع الطريق ونحوه مقيما ~~على إسلامه لهذا يستدل جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ~~حد قطع الطريق بهذه الآية. # والمقصود هنا أن هذا الناقض للعهد والمرتد عن الإسلام بما فيه الضرر داخل ~~فيها كما ذكرنا دلائله عن الصحابة والتابعين وإن كان يدخل فيها بعض # PageV01P378 # من هو على الإسلام وهذا الساب ناقض للعهد بما فيه ضرر على المسلمين ومرتد ~~بما فيه ضرر على المسلمين فيدخل في الآية. # ومما يدل على أنه قد عنى بها ناقضو العهد في الجملة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نفى بني قينقاع والنضير لما نقضوا العهد إلى أرض الحرب وقتل ~~بني قريظة وبعض أهل خيبر لما نقضوا العهد والصحابة قتلوا وصلبوا بعض من فعل ~~ما ينقض العهد من الأمور المضرة فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه ~~في أصناف ناقض العهد كحكم الله في هذه الآية مع صلاحه لأن يكون امتثالا ~~لأمر الله فيها دليل على أنهم مرادون منها. # الوجه الثاني: أن ناقض العهد والمرتد المؤذي لا ريب أنه محارب لله ورسوله ~~فإن حقيقة نقض العهد محاربة المسلمين ومحاربة المسلمين محاربة لله ورسوله ~~وهو أولى بهذا الاسم من قاطع الطريق ونحوه لأن ذلك مسلم لكن لما حارب ~~المسلمين على الدنيا كان محاربا لله ورسوله فالذي يحاربهم على الدين أولى ~~أن يكون محاربا لله ورسوله ثم لا يخلو إما أن لا يكون محاربا لله ورسوله ~~حتى يقاتلهم ويمتنع عنهم أو يكون محاربا إذا فعل ما يضرهم مما فيه نقض ~~العهد وإن لم يقاتلهم والأول لا يصح لما قدمناه من أن هذا قد نقض العهد ~~وصار من المحاربين ولأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: أيما معاهد تعاطى ~~سب الأنبياء فهو محارب غادر. # وعمر وسائر الصحابة قد جعلوا الذمي الذي تجلل المسلمة بعد أن نخس بها ~~الدابة محاربا بمجرد ذلك حتى حكموا فيه بالقتل والصلب فعلم أنه لا يشترط في ~~المحاربة المقاتلة بل كل ما نقض العهد عندهم من ms319 الأقوال والأفعال المضرة ~~فهو محارب داخل في هذه الآية. # PageV01P379 # فإن قيل: فيلزم من هذا أن يكون كل من نقض العهد بما فيه ضرر يقتل إذا ~~أسلم بعد القدرة عليه. # قيل: وكذلك نقول وعليه يدل ما ذكرناه في سبب نزولها فإنها إذا نزلت فيمن ~~نقض العهد بالفساد وقد قيل فيها: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} ~~علم أن التائب بعد القدرة مبقى على حكم الآية. # الوجه الثالث: أن كل ناقض للعهد فقد حارب الله ورسوله ولولا ذلك لم يجز ~~قتله ثم لا يخلوا إما أن يقتصر على نقض العهد بأن يلحق بدار الحرب أو يضم ~~إلى ذلك فسادا فإن كان الأول فقد حارب الله ورسوله فقط فهذا لم يدخل في ~~الآية وإن كان الثاني فقد حارب وسعى في الأرض فسادا مثل أن يقتل مسلما أو ~~يقطع الطريق على المسلمين أو يغصب مسلمة على نفسها أو يظهر الطعن في كتاب ~~الله ورسوله ودينه أو يفتن مسلما عن دينه فإن هذا قد حارب الله ورسوله ~~بنقضه العهد وسعى في الأرض فسادا بفعله ما يفسد على المسلمين إما دينهم أو ~~دنياهم وهذا قد دخل في الآية فيجب أن يقتل أو يقتل ويصلب أو ينفى من الأرض ~~حتى يلحق بأرض الحرب إن لم يقدر عليه أو تقطع يده ورجله إن كان قد قطع ~~الطرق وأخذ المال ولا يسقط عنه ذلك إلا أن يتوب من قبل أن يقدر عليه وهو ~~المطلوب. # الوجه الرابع: أن هذا الساب محارب الله ورسوله ساع في الأرض فسادا فيدخل ~~في الآية وذلك لأنه عدو لله ولرسوله ومن عادى الله ورسوله فقد حارب الله ~~ورسوله وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سبه: "من يكفنني عدوي؟ ~~" وقد تقدم ذكر ذلك من غير وجه إذا كان عدوا له فهو محارب # PageV01P380 # وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة". # وفي ms320 الحديث عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"اليسير من الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة" فإذا ~~كان من عادى واحدا من الأولياء قد بارز الله بالمحاربة فكيف من عادى صفوة ~~الله من أوليائه؟ فإنه يكون أشد مبارزة له بالمحاربة وإذا كان محاربا لله ~~لأجل عداوته للرسول فهو محارب للرسول بطريق الأولى فثبت أن الساب للرسول ~~محارب لله ورسوله. # فإن قيل: فلو سب واحدا من أولياء الله غير الأنبياء فقد بارز الله ~~بالمحاربة فإنه إذا سبه فقد عاداه كما ذكرتم وإذا عاداه فقد بارز الله ~~بالمحاربة كما نصه الحديث الصحيح ومع هذا لا يدخل في المحاربة المذكورة في ~~الآية فقد انتقض الدليل وذلك يوجب صرف المحاربة إلى المحاربة باليد. # قيل: هذا باطل من وجوه: # أحدها: أن ليس كل من سب غير الأنبياء يكون قد عاداهم إذ لا دليل يدل على ~~ذلك وقد قال الله سبحانه وتعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما ~~اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} بعد أن أطلق أنه من آذى الله ~~ورسوله فقد لعنه الله في الدنيا والآخرة فعلم أن المؤمن قد يؤذى بما اكتسب ~~ويكون أذاه بحق كإقامة الحدود والانتصار في الشتمة ونحو ذلك مع كونه وليا ~~لله وإذا كان واجبا في بعض الأحيان أو جائزا لم يكن مؤذيه في تلك الحال ~~عدوا له لأن المؤمن يجب عليه أن يوالي المؤمن ولا يعاديه وإن عاقبه # PageV01P381 # عقوبة شرعية كما قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} وقال ~~تعالى: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا} . # الثاني: أن من سب غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد يكون مع السب ~~مواليه من وجه آخر فإن سباب المسلم إذا لم يكن بحق كان فسوقا والفاسق لا ~~يعادي المؤمنين بل يواليهم ويعتقد مع السب للمؤمن أنه تجب موالاته من وجه ~~آخر أما سب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ينافي اعتقاد نبوته ويستلزم ~~البراءة منه والمعاداة له لأن ms321 اعتقاد عدم نبوته وهو يقول "إنه نبي" يوجب أن ~~يعامل معاملة المتنبيين وذلك يوجب أبلغ العداوات له. # الثالث: لو فرض أن سب غير النبي صلى الله عليه وسلم عداوة له لكن ليس أحد ~~بعينه يشهد له أنه ولي لله شهادة توجب أن ترتب عليها الأحكام المبيحة ~~للدماء بخلاف الشهادة للنبي بالولاية فإنها بعينه نعم لما كان الصحابة قد ~~يشهد لبعضهم بالولاية خرج في قتل سابهم خلاف مشهور ربما نبينه أن شاء الله ~~تعالى عليه. # الرابع: أنه لو فرض أنه عادى وليا علم أنه ولي فإنما يدل على أنه بارز ~~الله بالمحاربة وليس فيه ذكر محاربة الله ورسوله والجزاء المذكور في الآية ~~إنما هو لمن حارب الله ورسوله ومن سب الرسول فقد عاداه ومن عاداه فقد حاربه ~~وقد حارب الله أيضا كما دل عليه الحديث فيكون محاربا لله ورسوله ومحاربة ~~الله ورسوله أخص من محاربة الله والحكم المعلق بالأخص لا يدل على أنه معلق ~~بالأعم وذلك أن محاربة الرسول تقتضي مشاقته على ما جاء به من الرسالة وليس ~~في معاداة ولي بعينه مشاقة في الرسالة بخلاف الطعن في الرسول. # PageV01P382 # الخامس: أن الجزاء في الآية لمن حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا ~~والطاعن في الرسول قد حارب الله ورسوله كما تقدم وقد سعى في الأرض فسادا ~~كما سيأتي وهذا الساب للولي وإن كان قد حارب الله فلم يسع في الأرض فسادا ~~لأن السعي في الأرض فسادا إنما يكون بإفساد عام لدين الناس أو دنياهم وهذا ~~إنما يتحقق في الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا لا يجب على الناس ~~الإيمان بولاية الولي ويجب عليهم الإيمان بنبوة النبي. # السادس: أن ساب الولي لو فرض أنه محارب لله ورسوله فخروجه من اللفظ العام ~~لدليل أوجبه لا يوجب أن يخرج هذا الساب للرسول لأن الفرق بين العداوتين ~~ظاهر والقول العام إذا خصت منه صورة لم تخص منه صورة أخرى لا تساويها إلا ~~بدليل آخر. # السابع: أن حمله على المحاربة باليد متعذر أيضا في ms322 حق الولي لأن من عاداه ~~بيده لم يوجب ذلك أن يدخل في حكم الآية على الإطلاق مثل أن يضربه ونحو ذلك ~~فلا فرق إذا في حقه بين المعاداة باليد واللسان بخلاف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنه لا فرق بين أن يعاديه بيد أو لسان فإنه يمكن دخوله في الآية وذلك ~~مقرر الاستدلال كما تقدم. # وإذا ثبت أن هذا الساب محارب لله ورسوله فهو أيضا ساع في الأرض فسادا لأن ~~الفساد نوعان: فساد الدنيا من الدماء والأموال والفروج وفساد الدين والذي ~~يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقع في عرضه يسعى ليفسد على الناس دينهم ~~ثم بواسطة ذلك يفسد عليهم دنياهم وسواء فرضنا أنه أفسد على أحد دينه أو لم ~~يفسد لأنه سبحانه وتعالى إنما قال: {ويسعون في الأرض فسادا} قيل أنه نصب ~~على المفعول له أي ويسعون في الأرض للفساد وكما قال: {وإذا تولى سعى في ~~الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل # PageV01P383 # والله لا يحب الفساد} والسعي هو العمل والفعل فمن سعى ليفسد أمر الدين ~~فقد سعى في الأرض فسادا وإن خاب سعيه وقيل: إنه نصب على المصدر أو على ~~الحال تقديره سعى في الأرض مفسدا كقوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أو ~~كما يقال: جلس قعودا وهذا يقال لكل من عمل عملا يوجب الفساد وإن لم يؤثر ~~لعدم قبول الناس له وتمكينهم إياه بمنزلة قاطع الطريق إذا لم يقتل أحدا ولم ~~يأخذ مالا على أن هذا العمل لا يخلو من فساد في النفوس قط إذا لم يقم عليه ~~الحد. # وأيضا فإنه لا ريب أن الطعن في الدين وتقبيح حال الرسول في أعين الناس ~~وتنفيرهم عنه من أعظم الفساد كما أن الدعاء إلى تعزيره وتوقيره من أعظم ~~الصلاح والفساد ضد الصلاح فكما أن كل قول أو عمل يحبه الله فهو من الصلاح ~~فكل قول أو عمل يبغضه الله فهو من الفساد قال سبحانه وتعالى: {ولا تفسدوا ~~في الأرض بعد إصلاحها} يعني الكفر والمعصية بعد الإيمان والطاعة ولكن ~~الفساد ms323 نوعان: لازم وهو مصدر فسد يفسد فسادا ومتعد وهو اسم مصدر أفسد يفسد ~~إفسادا كما قال تعالى: {سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله ~~لا يحب الفساد} وهذا هو المراد هنا لأنه قال: {ويسعون في الأرض فسادا} وهذا ~~إنما يقال لمن أفسد غيره لأنه لو كان الفساد في نفسه فقط لم يقل سعى في ~~الأرض فسادا وإنما يقال في الأرض لما انفصل عن الإنسان كما قال سبحانه ~~وتعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب} # PageV01P384 # وقال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} وقال تعالى: {وفي ~~الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم} . # وأيضا فإن الساب ونحوه انتهك حرمة الرسول ونقص قدره وآذى الله ورسوله ~~وعباده المؤمنين وأجرأ النفوس الكافرة والمنافقة على اصطلام أمر الإسلام ~~وطلب إذلال النفوس المؤمنة وإزالة عز الدين وإسفال كلمة الله وهذا من أبلغ ~~السعي فسادا. # ويؤيد ذلك أن عامة ما ذكر في القرآن من السعي في الأرض فسادا والإفساد في ~~الأرض فإنه قد عنى به إفساد الدين فثبت أن هذا الساب محارب لله ورسوله ساع ~~في الأرض فسادا فيدخل في الآية. # الوجه الخامس: أن المحاربة نوعان: محاربة باليد ومحاربة باللسان ~~والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد كما تقدم ~~تقريره في المسألة الأولى ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقتل من كان ~~يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد خصوصا محاربة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بعد موته فإنها إنما تمكن باللسان وكذلك الإفساد قد يكون ~~باليد وقد يكون باللسان وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد ~~كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد فثبت أن محاربة ~~الله ورسوله باللسان أشد والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أوكد فهذا ~~الساب لله ورسوله أولى باسم المحارب المفسد من قاطع الطريق. # الوجه السادس: أن المحاربة خلاف المسألة والمسألة: أن يسلم كل من ~~المتسالمين من أذى الآخر فمن لم تسلم من ms324 يده أو لسانه فليس بمسالم لك بل هو ~~محارب # PageV01P385 # ومعلوم أن محاربة الله ورسوله هي المغالبة على خلاف ما أمر الله ورسوله ~~إذ المحاربة لذات الله ورسوله محال فمن سب الله ورسوله لم يسالم الله ~~ورسوله لأن الرسول لم يسلم منه بل طعنه في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مغالبة لله ورسوله على خلاف ما أمر الله به على لسان رسوله وقد أفسد في ~~الأرض كما تقدم فيدخل في الآية. # وقد تقدم في المسألة الأولى أن هذا الساب محاد لله ورسوله مشاق لله تعالى ~~ورسوله وكل من شاق الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله لأن المحاربة والمشاقة ~~سواء فإن الحرب هو الشق ومنه سمي المحارب محاربا وأما كونه مفسدا في الأرض ~~فظاهر. # واعلم أن كل ما دل على أن السب نقض للعهد فقد دلل على أنه محاربة لله ~~ورسوله لأن حقيقة نقض العهد أن يعود الذمي محاربا فلو لم يكن بالسب يعود ~~محاربا لما كان ناقضا للعهد وقد قدمنا في ذلك من الكلام ما لا يليق إعادته ~~لما فيه من الإطالة فليراجع ما مضى في هذا الموضوع فبقى أنه سعى في الأرض ~~فسادا وهذا أوضح من أن يحتاج إلى دليل فإن إظهار كلمة الكفر والطعن في ~~المرسلين والقدح في كتاب الله ودينه ورسله وكل سبب بينه وبين خلقه لا يكون ~~شيء أشد منه فسادا وعامة الآي في كتاب الله التي تنهى عن الإفساد في الأرض ~~فإن من أكثر المراد بها الطعن في الأنبياء كقوله سبحانه عن المنافقين الذين ~~يخادعون الله والذين آمنوا: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون} قال تعالى: {ألا إنهم هم المفسدون} وإنما كان إفسادهم نفاقهم ~~وكفرهم وقوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} وقوله سبحانه: {والله لا ~~يحب الفساد} # PageV01P386 # وقوله: {وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} وإذا كان هذا محاربا لله ورسوله ~~ساعيا في الأرض فسادا تناولته الآية وشملته. # ومما يقرر الدلالة من الآية أن الناس فيها قسمان: منهم من يجعلها مخصوصة ms325 ~~بالكفار من مرتد وناقض عهد ونحوها ومنهم من يجعلها عامة في المسلم المقيم ~~على إسلامه وفي غيره ولا أعلم أحدا خصها بالمسلم المقيم على إسلامه ~~فتخصيصها به خلاف الإجماع ثم الذين قالوا إنها عامة قال كثير منهم قتادة ~~وغيره: قوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} "هذا لأهل الشرك ~~خاصة فمن أصاب من المشركين شيئا من المسلمين وهو لهم حرب فأخذ مالا أو أصاب ~~دما ثم تاب من قبل أن يقدر عليه أهدر عنه ما مضى" لكن المسلم المقيم على ~~إسلامه محاربته إنما هي باليد لأن لسانه موافق مسالم للمسلمين غير محارب ~~أما المرتد والناقض للعهد فمحاربته تارة باليد وباللسان أخرى ومن زعم أن ~~اللسان لا تقع به محاربة فالأدلة المتقدمة في أول المسألة مع ما ذكرناه هنا ~~تدل على أنه محاربة على أن الكلام في هذا المقام إنما هو بعد أن تقرر أن ~~السب محاربة ونقض للعهد. # واعلم أن هذه الآية آية جامعة لأنواع من المفسدين والدلالة منها ظاهرة ~~قوية لمن تأملها لا أعلم شيئا يدفعها. # فإن قيل: مما يدل على أن المحاربة هنا باليد فقط أنه قال: {إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} وإنما يكون هذا فيمن يكون ممتنعا والشاتم ~~ليس ممتنعا. # قيل: الجواب من وجوه: # أحدها: أن المستثنى إذا كان ممتنعا لم يلزم أن يكون المستبقى ممتنعا ~~لجواز أن تكون الآية تعم كل محارب بيد أو لسان ثم استثنى منهم # PageV01P387 # الممتنع إذا تاب قبل القدرة فيبقى المقدور عليه مطلقا والممتنع إذا تاب ~~بعد القدرة. # الثاني: أن كل من جاء تائبا قبل أخذه فقد تاب قبل القدرة عليه. # سئل عطاء عن الرجل يجيء بالسرقة تائبا قال: ليس عليه قطع وقرأ: {إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} وكل من لم يؤخذ فهو ممتنع لا سيما إذا ~~لم يؤخذ ولم تقم عليه حجة وذلك لأن الرجل وإن كان مقيما فيمكنه الاستخفاء ~~والهرب كما يمكن المصحر فليس كل من فعل جرما كان مقدورا عليه بل ms326 يكون طلب ~~المصحر أسهل من طلب المقيم إذا كان لا يواريه في الصحراء خمر ولا غابة ~~بخلاف المقيم في المصر وقد يكون المقيم له من يمنعه من إقامة الحد عليه فكل ~~من تاب قبل أن يؤخذ ويرفع إلى السلطان فقد تاب قبل القدرة عليه. # وأيضا فإذا تاب قبل أن يعلم به ويثبت الحد عليه فإن جاء بنفسه فقد تاب ~~قبل القدرة عليه لأن قيام البينة وهو في أيدينا قدرة عليه فإذا تاب قبل ~~هذين فقد تاب قبل القدرة عليه قطعا. # الثالث: أن المحارب باللسان كالمحارب باليد قد يكون ممتنعا وقد يكون ~~المحارب باليد مستضعفا بين قوم كثيرين وكما أن الذي يخاطر بنفسه بقتال قوم ~~كثيرين قليل فكذلك الذي يظهر الشتم ونحوه من الضرر بين قوم كثيرين قليل وإن ~~الغالب أن القاطع بسيفه إنما يخرج على من يستضعفه فكذلك الذي يظهر الشتم ~~ونحوه من الساب ونحوه إنما يفعل ذلك في الغالب مستخفيا مع من لا يتمكن من ~~أخذه ورفعه إلى السلطان والشهادة عليه. # PageV01P388 # ومما يقرر الدلالة الاستدلال بالآية من وجهين آخرين: # أحدهما: أنها قد نزلت في قوم ممن كفر وحارب بعد سلمه باتفاق الناس فيما ~~علمناه وإن كانت نزلت أيضا فيمن حارب وهو مقيم على إسلامه فالذمي إذا حارب ~~إما بأن يقطع الطريق على المسلمين أو يستكره مسلمة على نفسها ونحو ذلك يصير ~~به محاربا وعلى هذا إذا تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه القتل الواجب عليه ~~وإن كان هذا قد اختلف فيه فإن العمدة على الحجة فالساب للرسول أولى ولا ~~يجوز أن يخص بمن قاتل لأخذ المال فإن الصحابة جعلوه محاربا بدون ذلك وكذلك ~~سبب النزول الذي ذكرناه ليس فيه أنهم قتلوا أحدا لأخذ مال ولو كانوا قتلوا ~~أحدا لم يسقط القود عن قاتله إذا تاب قبل القدرة وكان قد قتله وله عهد كما ~~لو قتله وهو مسلم. # وأيضا فقطع الطرق إما أن يكون نقضا للعهد أو يقام عليه ما يقام على ~~المسلم مع بقاء العهد فإن كان الأول ms327 فلا فرق بين قطع الطريق وغيره من ~~الأمور التي تضر المسلمين وحينئذ فمن نقض العهد بها لم يسقط حده وهو القتل ~~إذا تاب بعد القدرة وإن كان الثاني لم ينتقض عهد الذمي بقطع الطريق وقد ~~تقدم الدليل على فساده ثم إن الكلام هنا إنما هو تفريع عليه فلا يصح المنع ~~بعد التسليم. # الثاني: أن الله سبحانه فرق بين التوبة قبل القدرة وبعدها لأن الحدود إذا ~~رفعت إلى السلطان وجبت ولم يمكن العفو عنها ولا الشفاعة فيها بخلاف ما قبل ~~الرفع ولأن التوبة قبل القدرة عليه توبة اختيار والتوبة بعد القدرة توبة ~~إكراه واضطرار بمنزلة توبة فرعون حين أدركه الغرق وتوبة الأمم المكذبة لما ~~جاءها البأس وتوبة من حضره الموت فقال: إني تبت الآن فلم يعلم صحتها حتى ~~يسقط الحد الواجب ولأن قبول التوبة بعد القدرة لو أسقطت الحد # PageV01P389 # لتعطلت الحدود وانبثق سد الفساد فإن كل مفسد يتمكن إذا أخذ أن يتوب بخلاف ~~التوبة قبل القدرة فإنها تقطع دابر الشر من غير فساد فهذه معان مناسبة قد ~~شهد لها الشارع بالاعتبار في غير هذا الأصل فتكون أوصافا مؤثرة أو ملائمة ~~فيعلل الحكم بها وهي بعينها موجودة في الساب فيجب أن لا يسقط القتل عنه ~~بالتوبة بعد الأخذ لأن إسلامه توبة منه وكذلك توبة كل كافر قال سبحانه ~~وتعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة} في موضعين والحد قد وجب بالرفع وهذه ~~توبة إكراه أو اضطرار وفي قبولها تعطيل للحد ولا ينتقض هذا علينا بتوبة ~~الحربي الأصلي فإنه لم يدخل في هذه الآية ولأنه إذا تاب بعد الأسر لم يخل ~~سبيله بل يسترق ويستعبد وهو إحدى العقوبتين اللتين كان يعاقب بإحداهما قبل ~~الإسلام والساب لم يكن عليه إلا عقوبة واحدة فلم يسقط كقاطع الطريق والمرتد ~~المجرد لم يسع في الأرض فسادا فلم يدخل في الآية ولا يرد نقضا من جهة ~~المعنى لأنا إنما نعرضه للسيف ليعود إلى الإسلام وإنما نقتله لمقامه على ~~تبديل الدين فإذا أظهر الإعادة إليه حصل المقصود الذي يمكننا تحصيله وزال ms328 ~~المحذور الذي يمكننا إزالته وإنما تعطيل هذا الحد أن يترك على ردته غير ~~مرفوع إلى الإمام ولم يقدح كونه مكرها بحق في غرضنا لأنا إنما طلبنا منه أن ~~يعود إلى الإسلام طوعا أو كرها كما لو قاتلناه على الصلاة أو الزكاة فبذلها ~~طوعا أو كرها حصل مقصودنا والساب ونحوه من المؤذين إنما نقتلهم لما فعلوه ~~من الأذى والضرر لا لمجرد كفرهم فإنا قد أعطيناهم العهد على كفرهم فإذا ~~أسلم بعد الأخذ زال الكفر الذي لم يعاقب عليه بمجرده. # وأما الأذى والضرر فهو إفساد في الأرض قد مضى منه كالإفساد بقطع الطريق ~~لم يزل إلا بتوبة اضطرار لم تطلب منه ولم يقتل ليفعلها بل قوتل # PageV01P390 # أو لا ليبذل واحدا من الإسلام أو إعطاء الجزية طوعا أو كرها فبذل الجزية ~~كرها على أنه لا يضر المسلمين فضرهم فاستحق أن يقتل فإذا تاب بعد القدرة ~~عليه وأسلم كانت توبة محارب مفسد مقدور عليه. # الطريق الثانية: قوله سبحانه: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} الآيات. # وقد قرأ ابن عامر والحسن وعطاء والضحاك والأصمعي وغيرهم عن أبي عمر (لا ~~إيمان لهم) بكسر الهمزة وهي قراءة مشهورة. # وهذه الآية تدل على أنه لا يعصم دم الطاعن إيمان ولا يمين ثانية. # أما على قراءة الأكثرين فإن قوله {لا أيمان لهم} أي لا وفاء بالأيمان ~~ومعلوم أنه إنما أراد لا وفاء في المستقبل بيمين أخرى إذ عدم اليمين في ~~الماضي قد تحقق بقوله: {وإن نكثوا أيمانهم} فأفاد هذا أن الناكث الطاعن ~~إمام في الكفر لا يعقد له عهد ثان أبدا. # وأما على قراءة ابن عامر فقد علم أن الإمام في الكفر ليس له إيمان ولم ~~يخرج هذا مخرج التعليل لقتالهم لأن قوله تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر} أبلغ ~~في انتفاء الإيمان عنهم من قوله تعالى: (لا إيمان لهم) وأدل على علة الحكم ~~ولكن يشبه والله أعلم أن يكون المقصود أن الناكث الطاعن إمام في الكفر لا ~~يوثق ms329 بما يظهره من الإيمان كما لم يوثق بما كان عقده من الأيمان لأن قوله ~~تعالى: {لا إيمان} نكرة منفية بلا التي تنفي الجنس فتقتضي نفي الإيمان عنهم ~~مطلقا فثبت أن الناكث الطاعن في الدين إمام في الكفر لا إيمان له من هؤلاء ~~وأنه يجب قتله وإن أظهر الإيمان. # PageV01P391 # يؤيد ذلك أن كل كافر فإنه لا إيمان له في حال الكفر فكيف بأئمة الكفر؟ ~~فتخصيص هؤلاء بسلب الإيمان عنهم لا بد أن يكون له موجب ولا موجب له إلا ~~نفيه مطلقا عنهم. # والمعنى أن هؤلاء لا يرتجى إيمانهم فلا يستبقون وأنهم لو أظهروا إيمانا ~~لم يكن صحيحا وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقتلوا شيوخ ~~المشركين واستبقوا شرخهم" لأن الشيخ قد عسا في الكفر وكما قال أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه في وصيته لأمراء الأجناد شرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي ~~سفيان وعمرو بن العاص: "ستلقون أقواما محوفة رؤوسهم فاضربوا معاقد الشيطان ~~منها بالسيوف فلأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك ~~بأن الله تعالى قال: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} ~~والله أصدق القائلين" فإنه لا يكاد يعلم أحدا من الناقضين للعهود الطاعنين ~~في الدين أئمة الكفر حسن إسلامه بخلاف من لم ينقض العهد أو نقضه ولم يطعن ~~في الدين أو طعن ولم ينقض عهدا فإن هؤلاء قد يكون لهم إيمان. # يبين ذلك أنه قال: {لعلهم ينتهون} أي عن النقض والطعن كما سنقرره وإنما ~~يحصل الانتهاء إذا قوتلت الفئة الممتنعة حتى تغلب أو أخذ الواحد الذي ليس ~~بممتنع فقتل لأنه متى استحيي بعد القدرة طمع أمثاله في الحياة فلا ينتهون. # ومما يوضح ذلك أن هذه الآية قد قيل: إنها نزلت في اليهود الذين كانوا قد ~~غدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ونكثوا ما كانوا أعطوا من العهود # PageV01P392 # والأيمان على أن لا يعينوا عليه أعداء من المشركين وهموا بمعاونة الكفار ~~والمنافقين على إخراج النبي صلى الله عليه وسلم من ms330 المدينة فأخبر أنهم ~~بدأوا بالغدر ونكث العهد فأمر بقتالهم. # ذكر ذلك القاضي أبو يعلى فعلى هذا يكون سبب نزول الآية مثل مسألتنا سواء. # وقد قيل: إنها نزلت في مشركي قريش ذكره جماعة وقالت طائفة من العلماء: ~~وبراءة إنما نزلت بعد تبوك وبعد فتح مكة ولم يكن حينئذ بقي بمكة مشرك يقاتل ~~فيكون المراد من أظهر الإسلام من الطلقاء ولم يبق قتله من الكفر إذا أظهروا ~~النفاق. # ويؤيد هذا قراءة مجاهد والضحاك: {نكثوا إيمانهم} بكسر الهمزة فتكون دالة ~~على أن من نكث عهده الذي عاهد عليه من الإسلام وطعن في الدين فإنه يقاتل ~~وإنه لا إيمان له قال من نصر هذا لأنه قال: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} ثم قال: {وإن نكثوا إيمانهم} فعلم أن هذا ~~نكث بعد هذه التوبة لأنه قد تقدم الإخبار عن نكثهم الأول بقوله تعالى: {لا ~~يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} وقوله تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم} الآية ~~وقد تقدم أن الأيمان من العهود فعلى هذا تعم الآية من نكث عهد الإيمان ومن ~~نكث عهد الأيمان أنه إذا طعن في الدين قوتل وأنه لا إيمان له حينئذ فتكون ~~دالة على أن الطاعن في الدين بسب الرسول ونحوه من المسلمين وأهل الذمة لا ~~إيمان له ولا يمين له فلا يحقن دمه بشيء بعد ذلك. # PageV01P393 # فإن قيل: قد قيل قوله تعالى: {لا إيمان لهم} أي لا أمان لهم مصدر آمنت ~~الرجل أومنه إيمانا ضد أخفته كما قال تعالى: {وآمنهم من خوف} . # قيل: إن كان هذا القول صحيحا فهو حجة أيضا لأنه لم يقصد لا أمان لهم في ~~الحال فقط للعلم بأنهم قد نقضوا العهد وإنما يقصد لا أمان لهم بحال في ~~الزمان الحاضر والمستقبل وحينئذ فلا يجوز أن يؤمن هذا بحال بل يقتل بكل ~~حال. # فإن قيل: إنما أمر في الآية بالمقاتلة لا بالقتل وقد قال بعدها: {ويتوب ~~الله على من يشاء} فعلم أن التوبة منه مقبولة قيل لما تقدم ذكر طائفة ~~ممتنعة أمر ms331 بالمقاتلة وأخبر سبحانه أنه يعذبهم بأيدي المؤمنين وينصر ~~المؤمنين عليهم ثم بعد ذلك يتوب الله على من يشاء لأن ناقضي العهد إذا ~~كانوا ممتنعين فمن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه الحدود ولذلك قال: ~~{على من يشاء} وإنما يكون هذا في عدد تتعلق المشيئة بتوبة بعضهم. # يوضح ذلك أنه قال: {ويتوب الله} بالضم وهذا كلام مستأنف ليس داخلا في حيز ~~جواب الأمر وذلك يدل على أن التوبة ليست مقصودة من قتالهم ولا هي حاصلة ~~بقتالهم وإنما المقصود بقتالهم انتهاؤهم عن النكث والطعن والمضمون بقتالهم ~~تعذيبهم وخزيهم والنصر عليهم وفي ذلك ما يدل على أن الحد لا يسقط عن الطاعن ~~الناكث بإظهار التوبة لأنه لم يقتل ويقاتل لأجلها. # يؤيد هذا أنه قال: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله} إلى قوله: # PageV01P394 # {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} ثم قال: {وإن ~~نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر} فذكر ~~التوبة الموجبة للأخوة قبل أن يذكر نقض العهد والطعن في الدين وجعل للمعاهد ~~ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يستقيم لنا فنستقيم له كما استقام فيكون مخلى سبيله لكن ليس ~~أخا في الدين. # الحالة الثانية: أن يتوب من الكفر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة فيصير أخا ~~في الدين ولهذا لم يقل هنا فخلوا سبيلهم كما قال في الآية قبلها لأن الكلام ~~هناك في توبة المحارب وتوبته توجب تخلية سبيله وهنا الكلام في توبة المعاهد ~~وقد كان سبيله مخلى وإنما توبته توجب أخوته في الدين قال سبحانه: {ونفصل ~~الآيات لقوم يعلمون} . # وذلك أن المحارب إذا تاب وجب تخلية سبيله إذ حاجته إنما هي إلى ذلك وجاز ~~أن يكون قد تاب خوف السيف فيكون مسلما لا مؤمنا فأخوته الإيمانية تتوقف على ~~ظهور دلائل الإيمان كما قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا} والمعاهد إذا تاب فلا ملجأ له إلى التوبة ظاهرا فإنا لم ~~نكرهه على التوبة ولا يجوز إكراهه فتوبته دليل على أنه تاب طائعا فيكون ~~مسلما ms332 مؤمنا والمؤمنون إخوة فيكون أخا. # الحالة الثالثة: أن ينكث يمينه بعد عهده ويطعن في ديننا فأمر بقتاله وبين ~~أنه ليس له أيمان ولا إيمان والمقصود من قتاله أن ينتهي عن النقض والطعن لا ~~عن الكفر فقط لأنه قد كان معاهدا مع الكفر ولم يكن قتاله جائزا فعلم # PageV01P395 # أن الانتهاء من مثل هذا عن الكفر ليس هو المقصود بقتاله وإنما المقصود ~~بقتاله انتهاؤه عن ما أضر به المسلمين من نقض العهد والطعن في الدين وذلك ~~لا يحصل إلا بقتل الواحد الممكن وقتال الطائفة الممتنعة قتالا يعذبون به ~~ويخزون وينصر المؤمنون عليهم إذ تخصيص التوبة بحال دليل على انتفائها في ~~الحال الأخرى. # وذكره سبحانه التوبة بعد ذلك جملة مستقلة بعد أن أمر بما يوجب تعذيبهم ~~وخزيهم وشفاء الصدور منهم دليل على أن توبة مثل هؤلاء لا بد معها من ~~الانتقام منهم بما فعلوا بخلاف توبة الباقي على عهده فلو كان توبة المأخوذ ~~بعد الأخذ تسقط القتل لكانت توبة خالية عن الانتقام وللزم أن مثل هؤلاء لا ~~يعذبون ولا يخزون ولا تشفى الصدور منهم وهو خلاف ما أمر به في الآية وصار ~~هؤلاء الذين نقضوا العهد وطعنوا في الدين كمن ارتد وسفك الدماء فإن كان ~~واحدا فلا بد من قتله وإن عاد إلى الإسلام وإن كانوا ممتنعين قوتلوا فمن ~~تاب بعد ذلك منهم لم يقتل والله سبحانه أعلم. # الطريقة الثالثة: قوله سبحانه: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} وقوله تعالى: {فلما رأوا بأسنا ~~قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا} وقوله تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين} وقوله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها # PageV01P396 # إلا قوم يونس} وقد تقدم تقرير الدلالة من هذه الآيات في قتل المنافق ~~وذكرنا الفرق بين توبة الحربي والمرتد المجرد وتوبة ms333 المنافق والمفسد من ~~المعاهدين ونحوهما وفرقنا بين التوبة التي تدرأ العذاب والتوبة التي تنفع ~~في المآب. # الطريقة الرابعة: قوله سبحانه: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله ~~في الدنيا والآخرة} الآيات وقد قررنا فيما مضى أن هذه الآية تدل على قتل ~~المؤذي من المسلمين مطلقا وهي تدل على قتل من أظهر الأذى من أهل الذمة لأن ~~اللعنة المذكورة موجبة للقتل كما في تمام الكلام وقد تقدم تقرير هذا. # وقد ذكرنا أن قوله تعالى: {أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد ~~له نصيرا} نزلت في ابن الأشرف لما طعن في دين الإسلام وقد كان عاهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم فانتقض عهده بذلك وأخبر الله أنه ليس له نصير ليبين أن ~~لا ذمة له إذ الذمي له نصر والنفاق له قسمان: نفاق المسلم استبطان الكفر ~~ونفاق الذمي استبطان المحاربة وتكلم المسلم بالكفر كتكلم الذمي بالمحاربة ~~فمن عاهدنا على أن لا يؤذي الله ورسوله ثم نافق بأذى الله ورسوله فهو من ~~منافقي المعاهدين فمن لم ينته من هؤلاء المنافقين أغرى الله نبيه بهم فلا ~~يجاورونه {إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} ففي الآية ~~دلالتان. # إحداهما: أن هذا ملعون والملعون هو الذي يؤخذ أين وجد ويقتل فعلم أن قتله ~~حتم لأنه لم يستثن حالا من الأحوال كما استثنى في سائر الصور ولأنه قال ~~(قتلوا) وهذا وعد من الله لنبيه يتضمن نصره والله لا يخلف # PageV01P397 # الميعاد فعلم أنه لا بد من تقتيلهم إذا أخذوا ولو سقط عنهم القتل بإظهار ~~الإسلام ولم يتحقق الوعد مطلقا. # الثانية: أنه يجعل انتهاءهم النافع قبل الأخذ والتقتيل كما جعل توبة ~~المحاربين النافعة لهم قبل القدرة عليهم فعلم أنهم إن انتهوا عن إظهار ~~النفاق من الأذى ونحوه النفاق في العهد والنفاق في الدين وإلا أغراه الله ~~بهم حتى لا يجاورونه في البلد ملعونين يؤخذون ويقتلون وهذا الطاعن الساب لم ~~ينته حتى أخذ فيجب قتله. # وفيها دلالة ثالثة وهو أن الذي يؤذي المؤمنين من مسلم أو معاهد ms334 إذا أخذ ~~أقيم عليه حد ذلك الأذى ولم تدرأه عنه التوبة الآن فالذي يؤذي الله ورسوله ~~بطريق الأولى لأن الآية تدل على أن حاله أقبح في الدنيا والآخرة. # الطريقة الخامسة: أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل حدا من الحدود لا ~~لمجرد الكفر وكل قتل وجب حدا لا لمجرد الكفر فإنه لا يسقط بالإسلام. # وهذا الدليل مبني على مقدمتين: # إحداهما: أنه يقتل لخصوص سب رسول الله صلى الله عليه وسلم المستلزم للردة ~~ونقض العهد وإن كان ذلك متضمنا للقتل لعموم ما تضمنه من مجرد الردة ومجرد ~~نقض العهد في بعض المواضع والدليل على ذلك أنه قد تقدم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أهدر دم المرأة الذمية التي كانت تسبه صلى الله عليه وسلم عند ~~الأعمى الذي كان يأوي إليها ولا يجوز أن يكون قتلها لمجرد نقض العهد لأن ~~المرأة الذمية إذا انتقض عهدها فإنها تسترق ولا يجوز قتلها ولا يجوز قتل ~~المرأة للكفر الأصلي إلا أن تقاتل وهذه المرأة لم تكن تقاتل ولم تكن معينة ~~على قتال كما تقدم ثم إنها لو # PageV01P398 # كانت تقاتل ثم أسرت صارت رقيقة ولم تقتل عند كثير من الفقهاء منهم ~~الشافعي رضي الله عنه لاسيما إن كانت رقيقة فإن قتلها يمتنع لكونها امرأة ~~ولكونها رقيقة لمسلم فثبت أن قتلها كان لخصوص السب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنه جناية من الجنايات الموجبة للقتل كما لو زنت المرأة الذمية أو ~~قطعت الطريق على المسلمين أو قتلت مسلما أو كما لو بدلت دين الحق عند أكثر ~~الفقهاء الذين يقتلون المرتدة بل هذا أبلغ لأنه ليس في قتل المرتدة من ~~السنة المأثورة الخاصة في كتب السنن المشهورة مثل الحديث الذي في قتل ~~السابة الذمية. # يوضح ذلك أن بني قريظة نقضوا العهد ونزلوا على حكم سعد ابن معاذ فحكم ~~فيهم بأن تقتل مقاتليهم وتسبى الذرية من النساء والصبيان فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" ثم قتل النبي ~~صلى ms335 الله عليه وسلم الرجال واسترق النساء والذرية ولم يقتل من النساء إلا ~~امرأة واحدة كانت قد ألقت رحى من فوق الحصن على رجل من المسلمين ففرق صلى ~~الله عليه وسلم بين الذرية التي لم يثبت في حقهم إلا مجرد انتقاض العهد ~~وبين الذرية الذين نقضوا العهد بما يضر المسلمين وهذه المرأة الذمية لم ~~ينتقض عهدها بأنها لحقت بدار الحرب وامتنعت عن المسلمين وإنما نقضت العهد ~~بأن ضرت المسلمين وآذت الله ورسوله وسعت في الأرض فسادا بالصد عن سبيل الله ~~والطعن في دين الله كما فعلت المرأة الملقية للرحى فعلم أنها لم تقتل لمجرد ~~انتقاض العهد وهي لم تكن مسلمة حتى يقال: إنها قتلت للردة ولا هي أيضا ~~بمنزلة امرأة قاتلت ثم أسرت حتى يقال: تصير رقيقة بنفس السبي لا تقتل أو ~~يقال: يجوز قتلها كما يجوز قتل الرجل إذا أسلمت عصم الإسلام الدم وبقيت ~~رقيقة لوجهين: # PageV01P399 # أحدهما: أن هذا السب الذي كانت تقوله لم تكن تقوله للمشركين ولا لعموم ~~المسلمين حتى يقال: هو بمنزلة إعانة الكفار على القتال من كل وجه. # الثاني: أنها لم تكن ممتنعة حين السب بل هي حين السب ممكنة مقدور عليها ~~وحالها قبله وبعده سواء. # فالسب وإن كان حرابا لكنه لم يصدر من ممتنعة أسرت بعد ذلك بل من امرأة ~~ملتزمة للحكم بيننا وبينها العهد على الذمة ومعلوم أن السب من الأمور ~~المضرة بالمسلمين وأنه من أبلغ الفساد في الأرض لما فيه من ذل الإيمان وعز ~~الكفر وإذا ثبت أنها لم تقتل للكفر ولا لنقض العهد ولا لحراب أصلي متقدم ~~على القدرة عليها ثبت أن قتلها حد من الحدود والقتل الواجب حدا لا لمجرد ~~الكفر لا يسقط بالإسلام كحد الزاني والقاطع والقاتل وغيرهم من المفسدين. # ومما يقرر الأمر أن السب إما أن يكون حرابا أو جناية مفسدة ليست حرابا ~~فإن كان حرابا فهو حراب من ذمي أو مسلم وسعي في الأرض فسادا والذمي إذا ~~حارب وسعى في الأرض فسادا وجب قتله وإن أسلم بعد القدرة عليه ms336 حيث يكون ~~حرابا موجبا للقتل وحراب هذه المرأة موجب للقتل كما جاءت به السنة وإن كانت ~~جناية مفسدة ليست حرابا وهي موجبة للقتل قتلت أيضا بعد الأخذ بطريق الأولى ~~كسائر الجنايات الموجبة للقتل وهذا كلام مقرر ومداره على حرف واحد وهو أن ~~السب وإن كان من أعمال اللسان فقد دلت السنة بأنه بمنزلة الفساد والمحاربة ~~بعمل الجوارح وأشد ولذلك قتلت هذه المرأة. # وتمام ذلك أن قياس مذهب من يقول: "إن الساب إذا قتل إنما يقتل لأنه نقض ~~العهد" أن لا يجوز قتل هذه بل لو كانت قد قتلت باليد واللسان # PageV01P400 # ثم أخذت لم تقتل عنده فإذا دلت السنة على فساد هذا القول علم صحة القول ~~الآخر إذ لا ثالث بينهما ولا ريب عند أحد أن من قتل لحدث أخذ به أوجب نقض ~~عهده ولم يقتل لمجرد أن انتقض عهده فقط فإن قتله لا يسقط بالإسلام لأن فساد ~~ذلك الحدث لا يزول بالإسلام. # ألا ترى أن الجنايات الناقضة للعهد مثل قطع الطريق وقتل المسلم والتجسس ~~للكفار والزنى بمسلمة واستكراهها على الفجور ونحو ذلك إذا صدر من ذمي فمن ~~قتله لنقض العهد قال: "متى أسلم لم آخذه إلا بما يوجب القتل إذا فعله ~~المسلم باقيا على إسلامه مثل أن يكون قد قتل في قطع الطريق فأقتله أو زنى ~~فأحده أو قتل مسلما فأقيده لأنه بالإسلام صار بمنزلة المسلمين فلا يقتل ~~كفرا" ومن قال: "أقتله لمحاربة الله ورسوله وسعيه في الأرض فسادا" قال: ~~أقتله وإن أسلم وتاب بعد أخذه كما أقتل المسلم إذا حارب ثم تاب بعد القدرة ~~لأن الإسلام الطارئ لا يسقط الحدود الواجبة قبله لآدمي بحال وإن منع ابتداء ~~وجوبها كما لو قتل ذمي ذميا أو قذفه ثم أسلم فإن حده لا يسقط ولو قتله أو ~~قذفه ابتداء لم يجب عليه قود ولا حد ولا يسقط ما كان منها لله إذا تاب بعد ~~القدرة كما لو قتل في قطع الطريق فإنه لا يسقط عنه بالإسلام وفاقا فيما ~~أعلم وكذلك لو زنى ms337 ثم أسلم فإن حده القتل الذي كان يجب عليه قبل الإسلام ~~عند أحمد وعند الشافعي حده حد المسلم فحد السب إن كان حقا لآدمي لم يسقط ~~بالإسلام وإن كان حقا لله فليس حدا على الكفر الطارئ والمحاربة الأصلية كما ~~دلت عليه السنة ولا على مجرد الكفر الأصلي بالاتفاق فيكون حدا لله على ~~محاربة موجبة كقتل المرأة وكل قتل وجب حدا على محاربة ذمية لم يسقط ~~بالإسلام بعد القدرة بالاتفاق فإن الذمية إذا لم تقتل في المحاربة لم ~~يقتلها من يقول: "قتل # PageV01P401 # الذمي المحارب إنما هو لنقض العهد" ومن قتلها كما دلت علية السنة فلا فرق ~~في هذا الباب بين أن تسلم بعد القدرة أو لا تسلم. # واعلم أن من قال: "إن هذه الذمية تقتل فإذا أسلمت سقط عنها القتل لم يجد ~~هذا في الأصول نظيرا أن ذمية تقتل وهي في أيدينا ويسقط عنها القتل بالإسلام ~~بعد الأخذ ولا أصلا يدل على المسألة والحكم إذا لم يثبت بأصل ولا نظير كان ~~تحكما ومن قال "إنها تقتل بكل حال" فله نظير يقيس به وهو المحاربة باليد ~~والزانية ونحوهما. # الطريقة السادسة: الاستدلال من قتل بنت مروان وهو كالاستدلال من هذه ~~القصة لأنا قد قدمنا أنها كانت من المهادنين الموادعين وإنما قتلت للسب ~~خاصة والتقرير كما تقدم. # الطريقة السابعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لكعب بن الأشرف ~~فإنه قد آذى الله ورسوله" وقد كان معاهدا قبل ذلك ثم هجا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقتله الصحابة غيلة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~كونه قد أمنهم على دمه وماله باعتقاده بقاء العهد ولأنهم جاءوه مجيء من قد ~~آمنه ولو كان كعب بمنزلة كافر محارب فقط لم يجز قتله إذا أمنهم كما تقدم ~~لأن الحربي إذا قلت له أو عملت معه ما يعتقد أنه أمان صار له أمانا وكذلك ~~كل من يجوز أمانه فعلم أن هجاءه للنبي عليه الصلاة والسلام وأذاه لله تعالى ~~ورسوله لا ينعقد معه أمان ولا ms338 عهد وذلك دليل على أن قتله حد من الحدود كقتل ~~قاطع الطريق إذ ذلك يقتل وإن أومن كما يقتل الزاني والمرتد وإن أومن وكل حد ~~وجب على الذمي فإنه لا يسقط بالإسلام وفاقا. # الطريقة الثامنة: أنه قد دل هذا الحديث على أن أذى الله ورسوله علة ~~للانتداب إلى قتل كل أحد فيكون ذلك علة أخرى غير مجرد الكفر والردة # PageV01P402 # فإن ذكر الوصف بعد الحكم بحرف الفاء دليل على أنه علة والأذى لله ورسوله ~~يوجب القتل ويوجب نقض العهد ويوجب الردة. # يوضح ذلك أن أذى الله ورسوله لو كان إنما أوجب قتله لكونه كافرا غير ذي ~~عهد لوجب تعليل الحكم بالوصف الأعم فإن الأعم إذا كان مستقلا بالحكم كان ~~الأخص عديم التأثير فلما علل قتله بالوصف الأخص علم أنه مؤثر في الأمر ~~بقتله لا سيما في كلام من أوتي جوامع الكلم وإذا كان المؤثر في قتله أذى ~~الله ورسوله وجب قتله وإن تاب كما ذكرناه فيمن سب النبي عليه الصلاة ~~والسلام من المسلمين فإن كلاهما أوجب قتله أنه آذى الله ورسوله وهو مقر ~~للمسلمين بأن لا يفعل ذلك فلو كان عقوبة هذا المؤذي تسقط بالتوبة سقطت ~~عنهما ولأنه قال سبحانه: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا} وقال في خصوص هذا المؤذي: {أولئك الذين ~~لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} وقد أسلفنا أن هذه اللعنة توجب ~~القتل إذا أخذ ولأنه سبحانه ذكر الذين يؤذون الله ورسوله ثم قال: {والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} ~~ولا خلاف علمناه أن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات لا تسقط عقوبتهم ~~بالتوبة فالذين يؤذون الله ورسوله أحق وأولى لأن القرآن قد بين أن هؤلاء ~~أسوأ حالا في الدنيا والآخرة فلو أسقطنا عنهم العقوبة بالتوبة لكانوا أحسن ~~حالا. # وليس للمنازع هنا إلا كلمة واحدة وهو أن يقول: هذا قد تغلظت عقوبته ~~بالقتل لأنه نوع من المرتدين وناقض العهد والكافر تقبل توبته من ms339 الكفر ~~وتسقط عنه العقوبة بخلاف المؤذي بالفسق. # PageV01P403 # فيقال له: هذا لو كان الموجب لقتله إنما هو الكفر وقد دلت السنة على أن ~~الموجب لقتله إنما هو أذى الله ورسوله وهذا أخص من عموم الكفر وكما أن ~~الزنا والسرقة والشرب وقطع الطريق أخص من عموم المعصية والشارع رتب الأمر ~~بالقتل على هذا الوصف الأخص الذي نسبته إلى سائر أنواع الكفر نسبة أذى ~~المؤمنين إلى سائر أنواع المعاصي فإلحاق هذا النوع بسائر الأنواع جمع بين ~~ما فرق الله بينه ورسوله وهو من القياس الفاسد كقياس الذين قالوا: إنما ~~البيع مثل الربا وإنما الواجب أن يوفر على كل نوع حظه من الحكم بحسب ما ~~علقه به الشارع من الأسماء والصفات المؤثرة الذي دل كلامه الحكيم على ~~اعتبارها وتغلظ عقوبته ابتداء لا يوجب تخفيفها انتهاء بل يوجب تغلظها مطلقا ~~إذا كان الجرم عظيما وسائر الكفار لم تغلظ عقوبتهم ابتداء ولا انتهاء مثل ~~هذا فإنه يجوز إقرارهم بجزية واسترقاقهم في الجملة ويجوز الكف عنهم مع ~~القدرة لمصلحة ترتقب وهذا بخلاف ذلك. # وأيضا فإن الموجب لقتله إذا كان هو أذى الله ورسوله كان محاربا لله ~~ورسوله وساعيا في الأرض فسادا وقد أومأ النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك ~~في حديث ابن الأشرف كما تقدم وهذا الوصف قد رتب عليه من العقوبة ما لم يرتب ~~على غيره من أنواع الكفر وتحتمت عقوبة صاحبه إلا أن يتوب قبل القدرة. # الطريقة التاسعة: أنا قد قدمنا عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أهدر ~~عام الفتح دماء نسوة لأجل أنهن كن يؤذينه بألسنتهن منهن القينتان لابن خطل ~~اللتان كانتا تغنيان بهجائه ومولاة لبني عبد المطلب كانت تؤذيه وبينا بيانا ~~واضحا أنهن لم يقتلن لأجل حراب ولا قتال وإنما قتلن لمجرد السب وبينا أن ~~سبهن لم يجر مجرى قتالهن بل كان أغلظ لأن النبي عليه الصلاة والسلام آمن ~~عام الفتح المقاتلة كلهم إلا من له جرم خاص يوجب # PageV01P404 # قتله ولأن سبهن كان متقدما على الفتح ولا يجوز قتل المرأة في بعض الغزوات ms340 ~~لأجل قتال متقدم قد كفت عنه وأمسكت في هذه الغزوة وبينا بيانا واضحا أن قتل ~~هؤلاء النسوة أدل شيء على قتل المرأة السابة من مسلمة ومعاهدة وهو دليل قوي ~~على جواز قتل السابة وإن تابت من وجوه: # أحدها: أن هذه المرأة الكافرة لم تقتل لأجل أنها مرتدة ولا لأجل أنها ~~مقاتلة كما تقدم فلم يبق ما يوجب قتلها إلا أنها مفسدة في الأرض محاربة لله ~~ورسوله وهذه يجوز قتلها بعد التوبة إذا كان قتلها جائزا قبلها بالكتاب ~~والسنة والإجماع. # الثاني: أن سب أولئك النسوة إما أن يكون حرابا أو جناية موجبة للقتل غير ~~الحراب إذ قتلهن لمجرد الكفر غير جائز كما تقدم فإن كان حرابا فالذمي إذا ~~حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا يجب قتله بكل حال كما دل عليه القرآن ~~وإن كان جناية أخرى مبيحة للدم فهو أولى وأحرى وقد قدمنا فيما مضى ما يبين ~~أن هؤلاء النسوة لم يقتلن لحراب كان موجودا منهن في غزوة الفتح وإنما قتلن ~~جزاء على الجرم الماضي نكالا عن مثله وهذا يبين أن قتلهن بمنزلة قتل أصحاب ~~الحدود من المسلمين والمعاهدين. # الثالث: أن اثنتين منهن قتلتا والثالثة أخفيت حتى استؤمن لها النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد ذلك فآمنها لأنه كان له أن يعفوا عمن سبه كما تقدم وله ~~أن يقتله ولم يعصم دم أحد ممن أهدر دمه عام الفتح إلا أمانه فعلم أن مجرد ~~الإسلام لم يعصم دم هذه المرأة وإنما عصم دمها عفوه. # وبالجملة فقصة قتله لأولئك النسوة من أقوى ما يدل على جواز قتل السابة ~~بكل حال فإن المرأة الحربية لا يبيح قتلها إلا قتالها وإذا قاتلت ثم تركت ~~القتال في غزوة أخرى واستسلمت وانقادت لم يجز قتلها في هذه المرة الثانية ~~ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلهن. # PageV01P405 # وللحديث وجهان: # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان عاهد أهل مكة والظاهر أن ~~عهده انتظم الكف عن الأذى باللسان فإن في كثير من الحديث ما ms341 يدل على ذلك ~~وحينئذ فهؤلاء اللواتي هجونه نقضن العهد نقضا خاصا بهجائهن فكان للنبي عليه ~~الصلاة والسلام قتلهن بذلك وإن تبن وهذه ترجمة المسألة. # الثاني: أنه كان له أن يقتل من هجاه إذا لم يتب حتى قدر عليه وإن كان ~~حربيا لكن سقط هذا بموته كما يسقط بموته العفو عن المسلم والذمي الساب ~~ويكون قد كان أمر الساب هو مخير فيه مطلقا لكونه أعلم بالمصلحة فإذا مات ~~تحتم قتل من التزم أن لا يسب وكان الحربي الساب كغيره من الحربيين إذا تاب. # وهذا الوجه ضعيف فإنه إثبات حكم باحتمال والأول جار على القياس ومن تأمل ~~قصة الذين أهدرت دمائهم عام الفتح علم أنهم كلهم كانوا محاربين لله ورسوله ~~ساعين في الأرض فسادا. # الطريقة العاشرة: أنه صلى الله عليه وسلم أمر في حال واحدة بقتل جماعة ~~ممن كان يؤذيه بالسب والهجاء مع عفوه عمن كان أشد منهم في الكفر والمحاربة ~~بالنفس والمال فقتل عقبة بن أبي معيط صبرا بالصفراء وكذلك النضر بن الحارث ~~لما كانا يؤذيانه ويفتريان عليه ويطعنان فيه مع استبقائه عامة الأسرى. # وقد تقدم أنه قال: يا معشر قريش مالي أقتل من بينكم صبرا؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "بكفرك وافترائك على رسول الله صلى الله عليه وسلم" ~~ومعلوم أن مجرد الكفر يبيح القتل فعلم أن الافتراء على # PageV01P406 # النبي صلى الله عليه وسلم سبب آخر أخص من عموم الكفر موجب للقتل فحيث ما ~~وجد وجد معه وجوب القتل وأهدر عام الفتح دم الحويرث بن نقيد ودم أبي سفيان ~~بن الحارث ودم ابن الزبعرى وأهدر بعد ذلك دم كعب ابن زهير وغيرهم لأنهم ~~كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أهدر دم من ارتد وحارب ودم ~~من ارتد وافترى على النبي صلى الله عليه وسلم ودم من ارتد وحارب وآذى الله ~~ورسوله مع أمانه لجميع الذين حاربوا ونقضوا عهده فعلم أن أذاه سبب منفرد ~~بإباحة القتل وراء الكفر والحراب بالأنفس والأموال كقطع الطريق وقتل النفس. # وقد ms342 تقدم ما كان يأمر به ويقر عليه إذا بلغه وما كان يحرض عليه المسلمين ~~من قتل الساب دون غيره من الكافرين حتى إنه لا يحقن دم الساب إلا عفوه بعد ~~ذلك فعلم أنه كان يلحق الساب بذوي الأفعال الموجبة للقتل من قطع طريق ونحوه ~~وهذا ظاهر لمن تأمله فيما مضى من الأحاديث وما لم نذكره ومثل هذا يوجب قتل ~~فاعله من مسلم ومعاهد وإن تاب بعد القدرة وإذا ضم هذا الوجه إلى الذي قبله ~~وعلم أن الأذى وحده سبب يوجب القتل لا لكونه من جنس القتال لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد آمن الذين قاتلوه بالأنفس والأموال من الرجال. # فأمان المرأة التي أتت بما يشبه القتال أولى لو كان جرمها من جنس القتال ~~ولأن المرأة إذا قاتلت في غزوة من الغزوات ثم غزا المسلمون غزوة وعلموا ~~أنها لم تقاتل فيها بيد ولا لسان لم يجز قتلها عند أحد من المسلمين علمناه ~~وهؤلاء النسوة كان أذاهن متقدما على فتح مكة ولم يكن لهن في غزو الفتح معرة # PageV01P407 # بيد ولا لسان بل كن مستسلمات منقادات لو علمن أن إظهار الإسلام يعصم ~~دماءهن لبادرن إلى إظهاره فهل يعتقد أحد أن مثل هذه المرأة تقتل لكونها ~~محاربة خصوصا عند الشافعي فإن منصوصه أن قتل المرأة والصبي إذا قاتلا ~~بمنزلة قتل الصائل من المسلمين يقصد به دفعهما وإن أفضى إلى قتلهما فإذا ~~انكفا بدون القتل كأسر أو ترك للقتال ونحو ذلك لم يجز قتلهما كما لا يجوز ~~قتل الصائل. # وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بقتل من كان يؤذيه ويهجوه من ~~النساء وقد تركن ذلك واستسلمن وربما كن يوددن أن يظهرن الإسلام إن كان ~~عاصما وقد آمن المقاتلين كلهم علم أن السب سبب مستقل موجب يحل دم كل أحد ~~وأن تركه ذلة وعجز. # يؤيد ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام آمن أهل مكة إلا من قاتل إلا ~~هؤلاء النفر فإنه أمر بقتلهم قاتلوا أو لم يقاتلوا فعلم أن هؤلاء النسوة ~~قتلن لأجل ms343 السب لا لأجل أنهن يقاتلن. # الطريقة الحادية عشرة: أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد ارتد وافترى ~~على النبي صلى الله عليه وسلم أنه يلقنه الوحي ويكتب له ما يريد فأهدر ~~النبي صلى الله عليه وسلم دمه ونذر رجل من المسلمين ليقتلنه ثم حبسه عثمان ~~أياما حتى اطمأن أهل مكة ثم جاء تائبا ليبايع النبي عليه الصلاة والسلام ~~ويؤمنه فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا رجاء أن يقوم إليه الناذر ~~أو غيره فيقتله ويوفي بنذره. # ففي هذا دلالة على أن المفتري على النبي صلى الله عليه وسلم الطاعن عليه ~~قد كان له أن يقتله وأن دمه مباح وإن جاء تائبا من كفره وفريته لأن قتله لو ~~كان حراما لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ولا قال للرجل: هلا وفيت ~~بنذرك بقتله. # PageV01P408 # ولا خلاف بين المسلمين علمناه أن الكافر إذا جاء تائبا مريدا للإسلام ~~مظهرا لذلك لم يجز قتله لذلك ولا فرق في ذلك بين الأصلي والمرتد إلا ما ~~ذكرناه من الخلاف الشاذ في المرتد مع أن هذا الحديث يبطل ذلك الخلاف بل لو ~~جاء الكافر طالبا لأن يعرض عليه الإسلام ويقرأ عليه القرآن لوجب أمانه ~~لذلك. # قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~ثم أبلغه مأمنه} . # وقال تعالى في المشركين: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم} . # وعبد الله بن سعد إنما جاء تائبا ملتزما لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بل ~~جاء بعد أن أسلم كما تقدم ذكر ذلك ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه ~~كان مريدا لقتله وقال للقوم: "هلا قام بعضكم إليه ليقتله" و"هلا وفيت بنذرك ~~في قتله" فعلم أنه قد كان جائزا له أن يقتل من يفتري عليه ويؤذيه من الكفار ~~وإن جاء مظهر للإسلام والتوبة بعد القدرة عليه وفي ذلك دلالة ظاهرة على أن ~~الافتراء عليه وأذاه يجوز له قتل فاعله وإن أظهر الإسلام والتوبة. # ومما يشبه هذا إعراضه ms344 عن أبي سفيان بن الحارث وابن أبي أمية وقد جاءا ~~مهاجرين يريدان الإسلام أو قد أسلما وعلل ذلك بأنهما كانا يؤذيانه ويقعان ~~في عرضه مع أنه لا خلاف علمناه أن الحربي إذا جاء يريد الإسلام وجبت ~~المسارعة إلى قبوله منه وكان الاستئناء به حراما وقد عده بعض الناس كفرا. # PageV01P409 # وقد كانت سيرته صلى الله عليه وسلم في المسارعة إلى قبول الإسلام من كل ~~من أظهره وتأليف الناس عليه بالأموال وغيرها أشهر من أن يوصف فلما أبطأ عن ~~هذين وأراد أن لا يلتفت إليهما البتة علم أنه كان له أن يعاقب من كان يؤذيه ~~ويسبه وإن أسلم وهاجر وأن لا يقبل منه من الإسلام والتوبة ما يقبل من ~~الكافر الذي لم يكن يؤذيه وفي هذا دلالة على أن السب وحده موجب للعقوبة. # يوضح ذلك ما ذكره أهل المغازي أن علي بن أبي طالب قال لأبي سفيان بن ~~الحارث: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة ~~يوسف ليوسف: {تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين} فإنه لا يرضى أن ~~يكون أحد أحسن قولا منه ففعل ذلك أبو سفيان فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} . # ففي هذا دلالة على أن ما ناله من عرضه كان له أن يعاقب عليه وأن يعفو كما ~~كان ليوسف عليه الصلاة والسلام أن يعاقب إخوته على ما فعلوا به من الإلقاء ~~في الجب وبيعه للسيارة ولكن لكرمه عفا صلى الله عليه وسلم ولو كان الإسلام ~~يسقط حقه بالكلية كما يسقط حقوق الله لم يتوجه شيء من هذا. # وقد تقدم تقرير هذا الوجه في أول الكتاب وبينا أنه نص في جواز قتل المرتد ~~الساب بعد إسلامه فكذلك قتل الساب المعاهد لأن المأخذ واحد. # ومما يوضحه أن المسلمين قد كان استقر عندهم أن الكافر الحربي إذا أظهر ~~الإسلام حرم عليهم قتله لا سيما عند السابقين الأولين مثل عثمان ابن ms345 عفان # PageV01P410 # ونحوه وقد علموا قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا} وقصة أسامة بن زيد وحديث المقداد فلما كان أولئك الذين أهدر النبي ~~صلى الله عليه وسلم دماءهم: منهم من قتل ومنهم من أخفي حتى اطمأن أهل مكة ~~وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبايعه دل على أن عثمان رضي الله ~~عنه وغيره من المسلمين علموا أن إظهار عبد الله ابن سعد بن أبي سرح ونحوه ~~الإسلام لا يحقن دماءهم دون أن يؤمنهم النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فقد ~~كان يمكنهم أن يأمروهم بإظهار الإسلام والخروج من أول يوم. # والظاهر والله أعلم أنهم قد كانوا أسلموا وإنما تأخرت بيعتهم للنبي عليه ~~الصلاة والسلام على الإسلام حتى يؤمنهم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك دليل ~~على أنه قد كان للنبي عليه الصلاة والسلام قتلهم لأجل سبه مع إظهار التوبة. # وقد روي عن عكرمة أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة وكذلك ذكر ~~آخرون أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمر الظهران. # وهذا الذي ذكروه نص في المسألة وهو أشبه بالحق فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما نزل بمر الظهران شعرت به قريش حينئذ وابن أبي سرح قد علم ذنبه ~~فيكون قد أسلم حينئذ ولما بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أهدر دمه ~~تغيب حتى استؤمن له والحديث لمن تأمله دليل على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان له أن يقتله وأن يؤمنه وأن الإسلام وحده # PageV01P411 # لم يعصم دمه حتى عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فمن ذلك أن عثمان جاء ليشفع له إلى النبي صلى الله عليه وسلم فصمت عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا وأعرض عنه مرة بعد مرة وعثمان يأتيه من ~~كل وجهة وهو معرض عنه رجاء أن يقوم بعضهم فيقتله وعثمان في ذلك يكب على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms346 يقبل رأسه ويطلب منه أن يبايعه ويذكر أن لأمه ~~عليه حقوقا حتى استحيا النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان فقضى حاجته ~~ببيعته مع أنه كان يود أن لا يفعل فعلم أن قتله كان حقا له أن يعفو عنه ~~ويقبل فيه شفاعة شافع وله أن لا يفعل ولو كان ممن يعصم الإسلام دمه لم يحتج ~~إلى شافع ولم يجز رد الشفاعة. # ومنها: أن عثمان لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه يقر منك قال: ~~"ألم أبايعه وأومنه" قال: بلى ولكنه يتذكر عظيم جرمه فقال: "الإسلام يجب ما ~~قبله" وفي هذا بيان لأن خوفه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتله إنما ~~زال بأمانه وبيعته لا لمجرد الإسلام فعلم أن الإسلام يمحو إثم السب وأما ~~سقوط القتل فلا يحصل بمجرد الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أزال خوفه ~~من القتل بالأمان وأزال خوفه من الذنب بالإسلام. # ومما يدل على أن الأنبياء لهم أن يعاقبوا من آذاهم بالهلاك وإن أظهر ~~التوبة والندم ما رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الله بن ~~الحارث بن نوفل أن قارون كان يؤذي موسى وكان ابن عمه فبلغ من أذاه إياه أن ~~قال لامرأة بغي: إذا اجتمع الناس عندي غدا فتعالي وقولي: إن موسى راودني عن ~~نفسي فلما كان الغد واجتمع الناس جاءت فسارت قارون ثم قالت للناس: إن قارون ~~قال لي كذا وكذا وإن موسى لم يقل لي شيئا من هذا فبلغ ذلك # PageV01P412 # موسى عليه الصلاة والسلام وهو قائم يصلي في المحراب فخر ساجدا فقال: أي ~~رب إن قارون قد آذاني وفعل وفعل وبلغ من أذاه إياي أن قال ما قال فأوحى ~~الله إلى موسى: أن يا موسى إني قد أمرت الأرض أن تطيعك وكان لقارون غرفة قد ~~ضرب عليها صفائح الذهب فأتاه موسى ومعه جلساؤه فقال لقارون: قد بلغ من أذاك ~~أن قلت كذا وكذا يا أرض خذيهم فأخذتهم الأرض إلى كعبهم فهتفوا: يا موسى ادع ms347 ~~لنا ربك أن ينجينا مما نحن فيه فنؤمن بك ونتبعك ونطيعك فقال: خذيهم فأخذتهم ~~إلى أنصاف سوقهم فهتفوا وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن ينجينا مما نحن فيه ~~فنؤمن بك ونتبعك ونطيعك فقال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم فلم يزل ~~يقول: يا أرض خذيهم حتى تطابقت عليهم وهم يهتفون فأوحى الله إليه يا موسى ~~ما أفظك أما إنهم لو كانوا إياي دعوا لخلصتهم". # ورواه عبد الرزاق قال: حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا علي بن زيد ابن جدعان ~~فذكره أبسط من هذا وفيه: "أن المرأة قالت: إن قارون بعث إلي فقال: هل لك ~~إلى أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل ~~عندي تقولين: يا قارون ألا تنهى موسى عن أذاي. # وإني لم أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله وأبرئ رسول الله قال: ~~فنكس قارون رأسه وعرف أنه قد هلك وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى عليه ~~الصلاة والسلام وكان موسى صلى الله عليه وسلم شديد الغضب فلما بلغه ذلك ~~توضأ فسجد وبكى وقال: يا رب عدوك قارون كان لي مؤذيا فذكر أشياء ثم لم ~~يتناه حتى أراد فضيحتي يا رب فسلطني عليه فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما ~~شئت تطعك # PageV01P413 # قال: فجاء موسى يمشي إلى قارون فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال: ~~يا موسى ارحمني فقال موسى: يا أرض خذيهم فاضطربت داره وخسف به وبأصحابه إلى ~~ركبهم وساخت داره على قدر ذلك وجعل يقول: يا موسى ارحمني ويقول موسى: يا ~~أرض خذيهم" وذكر القصة. # فهذه القصة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود رضي الله عنه ~~لما بلغه قول القائل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله "دعنا منك لقد ~~أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر". # فهذا مع ما ذكرناه من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم دليل على أن ~~الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لهم أن يعاقبوا من آذاهم وإن تاب ولهم ms348 أن ~~يعفوا عنه كما ذلك لغيرهم من البشر لكن لهم أن يعاقبوا من يؤذيهم بالقتل ~~والإهلاك وليس لغيرهم أن يعاقبه بمثل ذلك. # وذلك دليل على أن عقوبة مؤذيهم حد من الحدود لا لمجرد الكفر فإن عقوبة ~~الكافر تسقط بالتوبة بلا ريب وقارون قد كان تاب في وقت تنفع فيه التوبة ~~ولهذا في الحديث: "أما إنهم لو كانوا إياي دعوا لخلصتهم" وفي لفظ "لرحمتهم" ~~وإنما كان يرحمهم سبحانه والله أعلم بأن يستطيب نفس موسى من أذاهم له كما ~~يستوهب المظالم لمن رحمه من عباده ممن هي له ويعوضه منها. # الطريقة الثانية عشرة: ما تقدم من حديث أنس بن زنيم الديلي الذي ذكر عنه ~~أنه هجا النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاءه وأنشده قصيدة تتضمن إسلامه ~~وبراءته مما قيل عنه وكان معاهدا فتوقف النبي صلى الله عليه وسلم فيه وجعل ~~يسأل العفو عنه حتى عفا عنه فلو لم تكن العقوبة بعد الإسلام على السب من ~~المعاهد جائزة لما توقف النبي صلى الله عليه وسلم في حقن دمه ولا احتاج إلى ~~العفو # PageV01P414 # عنه ولولا أن للرسول صلى الله عليه وسلم حقا يملك استيفاءه بعد الإسلام ~~لما عفا عنه كما لم يكن يعفو عمن أسلم ولا تبعه عليه وحديثه لمن تأمله دليل ~~واضح على جواز قتل من هجا النبي صلى الله عليه وسلم من المعاهدين ثم أسلم ~~كما أن حديث ابن أبي سرح دليل واضح على جواز قتل من سبه مرتدا ثم أسلم وذلك ~~أنه لما بلغه أنه هجاه وقد كان مهادنا موادعا وكان العهد الذي بينهم يتضمن ~~الكف عن إظهار أذاه وكان على ما قيل عنه قد هجاه قبل أن يقتل بنو بكر خزاعة ~~وقبل أن ينقضوا العهد فلذلك نذر النبي صلى الله عليه وسلم دمه ثم أنشد ~~قصيدة تتضمن أنه مسلم يقول فيها "تعلم رسول الله" و"هبني رسول الله" وينكر ~~فيها أن يكون هجاه ويدعو على نفسه بذهاب اليد إن كان هجاه وينسب الذين ~~شهدوا عليه إلى الكذب وبلغت رسول الله ms349 صلى الله عليه وسلم قصيدته واعتذاره ~~قبل أن يجئ إليه وشفع له كبير قبيلته نوفل بن معاوية وكان نوفل هذا هو الذي ~~نقض العهد وقال: يا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو ومن منا لم يعادك ~~ويؤذك ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا ~~بك عن الهلك وقد كذب عليه الركب وكثروا عندك فقال: "دع الركب عنك فإنا لم ~~نجد بتهامة أحدا من ذي رحم قريب ولا بعيد كان أبر من خزاعة" فأسكت نوفل بن ~~معاوية فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد عفوت عنه" قال ~~نوفل: فداك أبي وأمي. # فلو كان الإسلام المتقدم قد عصم دمه لم يحتج إلى العفو كما لم يحتج إليه ~~من أسلم ولا حد عليه ولكان قال: الإسلام يجب ما قبله كما قاله لغيره من ~~الحربيين كما يقول له من يقول: ألا نقتل هذا بعد إسلامه؟ فيقول: "الإسلام ~~يجب ما قبله" وصاحب الشريعة بين أن ما أسقط قتله عفوه وذلك أن قوله: "عفوت ~~عنه" إما أن يكون أفاده سقوط ما كان أهدره من دمه # PageV01P415 # أو لم يفده ذلك فإن لم يفده فلا معنى لقوله: "عفوت عنه" وإن كان قد أفاده ~~سقوط ذلك الإهدار فقبل ذلك لو قتله بعض المسلمين بعد أن أسلم وقبل أن عفا ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم لكان جائزا لأنه متبع لأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقتله أمرا مطلقا إلى حين عفا عنه كما أن أمره بقتل ابن أبي ~~سرح كان باقيا حكمه إلى أن عفا عنه وكذلك عتبهم إذ لم يقتلوه قبل عفوه وهذا ~~بين في هذه الأحاديث بيانا واضحا ولو كان عند المسلمين أن من هجاه من معاهد ~~ثم أسلم عصم دمه لكان نوفل وغيره من المسلمين علموا ذلك وقالوا له كما ~~قالوا لكعب بن زهير ونحوه ممن هجاه وهو حربي: إنه لا يقتل من جاءه مسلما ~~ألا ترى أنهم لم يظهروه لرسول الله صلى الله عليه ms350 وسلم حتى عفا عنه كما لم ~~يظهروا ابن أبي سرح حتى عفا عنه بخلاف كعب بن زهير وابن الزبعرى فإنهما ~~جاءا بأنفسهما لثقتهما بأنه لا يمكن قتل الحربي إذا جاء مسلما وإمكان أن ~~يقتل الذمي الساب والمرتد الساب وإن جاءا مسلمين وإن كانا قد أسلما ثم إنه ~~في قصيدته قال: # فإني لا عرضا خرقت ولا دما # هرقت ففكر عالم الحق واقصد # فجمع بين خرق العرض وسفك الدم فعلم أنه مما يؤخذ به وإن أسلم ولولا أن ~~قتله كان ممكنا بعد إسلامه لم يحتج إلى هذا الإنكار والاعتذار. # ويؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينذر دم واحد بعينه من بني بكر ~~الناقضي العهد إلا هذا مع أنهم فعلوا تلك الأفاعيل فعلم أن خرق عرضه كان ~~أعظم من نقض العهد بالمقاتلة والمحاربة باليد وقد تقدم الحديث بدلالته ~~وإنما نبهنا عليه هنا إحالة على ما مضى. # الطريقة الثالثة عشرة: أنه قد تقدم أنه كان له عليه الصلاة والسلام أن ~~يقتل من أغلظ له وآذاه وكان له أن يعفو عنه فلو كان المؤذي له إنما يقتل ~~للردة لم يجز العفو عنه قبل التوبة وإذا كان هذا حقا له فلا فرق فيه بين # PageV01P416 # المسلم والذمي فإنه قد أهدر دم من آذاه من أهل الذمة وقد تقدم أن ذلك لم ~~يكن لمجرد نقض العهد فعلم أنه كان لأذاه وإذا كان له أن يقتل من أذاه وسبه ~~من مسلم ومعاهد وله أن يعفو عنه علم أنه بمنزلة القصاص وحد القذف وتعزير ~~السب لغير الأنبياء من البشر وإذا كان كذلك لم يسقط عن مسلم ولا معاهد ~~بالتوبة كما لا تسقط هذه الحدود بالتوبة وهذه طريقة قوية وذلك أنه إذا كان ~~صلى الله عليه وسلم قد أباح الله له أن يعفو عنه كان المغلب في هذا الحد ~~حقه بمنزلة سب غيره من البشر إلا أن حد سابه القتل وحد ساب غيره الجلد وإذا ~~كان المغلب حقه وكان الأمر في حياته مفوضا إلى اختياره لينال بالعفو علي ms351 ~~الدرجات تارة ويقيم بالعقوبة من الحدود ما ينال به أيضا على الدرجات فإنه ~~صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة ونبي الملحمة وهو الضحوك القتال والذمي قد ~~عاهده على أن لا يخرق عرضه وهو لو أصاب لواحد من المسلمين أو المعاهدين حقا ~~من دم أو مال أو عرض ثم أسلم لم يسقط عنه فأولى أن لا يسقط عنه هذا. # وإذ قد قدمنا أن قتله لم يكن لمجرد نقض العهد وإنما كان لخصوص السب وإذا ~~كان يجوز له أن يقتل هذا الساب بعد مجيئه مسلما وله أن يعفو عنه فبعد موته ~~تعذر العفو عنه وتمحضت العقوبة حقا لله سبحانه فوجب استيفاؤها على ما لا ~~يخفى؟ إذا القول بجواز عفو أحد عن هذا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفضي إلى أن يكون الإمام مخيرا بين قتل هذا واستبقائه وهو قول لم نعلم له ~~قائلا ثم إنه خلاف قواعد الشريعة وأصولها وقد تقدم فيما مضى الفرق بين حال ~~حياته وحال مماته. # الطريقة الرابعة عشرة: أنه قد تقدم الحديث المرفوع إن كان ثابتا: "من # PageV01P417 # سب نبيا قتل ومن سب أصحابه جلد" فأمر بالقتل مطلقا كما أمر بالجلد مطلقا ~~فعلم أن السب للنبي عليه الصلاة والسلام موجب بنفسه للقتل كما أن سب غيره ~~موجب للجلد وأن ذلك عقوبة شرعية على السب وكما لا يسقط هذا الجلد بالتوبة ~~بعد القدرة فكذلك لا يسقط هذا القتل. # الطريقة الخامسة عشرة: أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأفعالهم. # فمن ذلك: أن أبا بكر رضي الله عنه كتب إلى المهاجر بن أبي ربيعة في ~~المرأة التي غنت بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا ما سبقتني فيها ~~لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو ~~مرتد أو معاهد فهو محارب غادر" فأخبره أبو بكر أنه لولا الفوت لأمره بقتلها ~~من غير استتابة ولا استيناء حال توبة مع أن غالب من تقدم ليقتل على مثل هذا ~~يبادر إلى التوبة أو الإسلام إذا ms352 علم أنه يدرأ عنه القتل ولم يستفصله ~~الصديق عن السابة: هل هي مسلمة أو ذمية؟ بل ذكر أن القتل حد من سب الأنبياء ~~وأن حدهم ليس كحد غيرهم مع أنه فصل في المرأة التي غنت بهجاء المسلمين بين ~~أن تكون مسلمة أو ذمية. # وهذا ظاهر في أن عقوبة الساب حد للنبي واجبة عليه له أن يعفو عنها في بعض ~~الأحوال وأن يستوفيها في بعض الأحوال كما أن عقوبة ساب غيره حد له واجبة ~~على الساب. # وقوله: "فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد" ليس فيه دلالة على قبول توبته ~~لأن الردة جنس تحتها أنواع: منها ما تقبل فيه التوبة ومنها ما لا تقبل كما ~~تقدم التنبيه على هذا ولعله أن تكون لنا إليه عودة وإنما غرضه أن يبين ~~الأصل الذي يبيح دم هذا وكذلك قوله: "فهو محارب غادر" فإن المحارب # PageV01P418 # الغادر جنس يباح دمه ثم منهم من يقتل وإن أسلم كما لو حارب بقطع الطريق ~~أو باستكراه مسلمة على الزنا ونحو ذلك. # قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا} الآية ثم إنه لم يرفع العقوبة إلا إذا تابوا قبل ~~القدرة عليهم وقد قدمنا أن هذا محارب مفسد فيدخل في هذه الآية. # وعن مجاهد قال: أتى عمر برجل يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله ثم ~~قال عمر: "من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه". # هذا مع أن سيرته في المرتد أنه يستتاب ثلاثا ويطعم كل يوم رغيفا لعله ~~يتوب فإذا أمر بقتل هذا من غير استتابة علم أن جرمه أغلظ عنده من جرم ~~المرتد المجرد فيكون جرم سابه من أهل العهد أغلظ من جرم من اقتصر على نقض ~~العهد لا سيما وقد أمر بقتله مطلقا من غير ثنيا. # وكذلك المرأة التي سبت النبي صلى الله عليه وسلم فقتلها خالد بن الوليد ~~ولم يستتبها دليل على أنها ليست كالمرتدة المجردة. # وكذلك حديث محمد بن مسلمة لما حلف ليقتلن ابن ms353 يامين لما ذكر أن قتل ابن ~~الأشرف كان غدرا وطلبه لقتله بعد ذلك مدة طويلة ولم ينكر المسلمون ذلك عليه ~~مع أنه لو قتله لمجرد الردة لكان قد عاد إلى الإسلام بما أتى به بعد ذلك من ~~الشهادتين والصلوات ولم يقتل حتى يستتاب. # وكذلك قول ابن عباس في الذمي يرمي أمهات المؤمنين: "إنه لا توبة له" نص ~~في هذا المعنى وهذه القضايا قد اشتهرت ولم يبلغنا أن أحدا أنكر شيئا # PageV01P419 # من ذلك كما أنكر عمر رضي الله عنه قتل المرتد الذي لم يستتب وكما أنكر ~~ابن عباس رضي الله عنهما تحريق الزنادقة وأخبر أن حدهم القتل فعلم أنه كان ~~مستفيضا بينهم أن حد الساب أن يقتل إلا ما روي عن ابن عباس: "من سب نبيا من ~~الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ردة يستتاب فإن تاب ~~وإلا قتل" وهذا في سب يتضمن جحد نبوة نبي من الأنبياء فإنه يتضمن تكذيب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن من قال عن بعض الأنبياء أنه ليس ~~بنبي وسبه بناء على أنه ليس بنبي فهذه ردة محضة ويتعين حمل حديث ابن عباس ~~على هذا أو نحوه إن كان محفوظا عنه لأنه أخبر أن قاذف أمهات المؤمنين لا ~~توبة له فكيف تكون حرمتهن لأجل سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من ~~حرمة نبي معروف مذكور في القرآن؟. # الطريقة السادسة عشرة: أن الله سبحانه وتعالى أوجب لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم على القلب واللسان والجوارح حقوقا زائدة على مجرد التصديق بنبوته كما ~~أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أمورا زائدة ~~على مجرد التصديق به سبحانه وحرم سبحانه لحرمة رسوله مما يباح أن يفعل مع ~~غيره أمورا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته. # فمن ذلك: أنه أمر بالصلاة عليه والتسليم بعد أن أخبر أن الله وملائكته ~~يصلون عليه والصلاة تتضمن ثناء الله عليه ودعاء الخير له وقربته منه ورحمته ~~له والسلام عليه يتضمن سلامته من ms354 كل آفة فقد جمعت الصلاة عليه والتسليم ~~جميع الخيرات ثم إنه يصلي سبحانه عشرا على من يصلي عليه مرة واحدة حضا ~~للناس على الصلاة عليه ليسعدوا بذلك وليرحمهم الله بها. # PageV01P420 # ومن ذلك: أنه أخبر أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن حقه أنه يجب أن ~~يؤثره العطشان بالماء والجائع بالطعام وأنه يجب أن يوقى بالأنفس والأموال ~~كما قال سبحانه وتعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} . # فعلم أن رغبة الإنسان بنفسه أن يصيبه ما يصيب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المشقة معه حرام. # وقال تعالى مخاطبا للمؤمنين فيما أصابهم من مشقات الحصر والجهاد: {لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا} . # ومن حقه: أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دل على ~~ذلك قوله سبحانه: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} ~~إلى قوله: {أحب إليكم من الله ورسوله} الآية مع الأحاديث الصحيحة المشهورة ~~كما في الصحيح من قول عمر رضي الله عنه: "يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل ~~شيء إلا من نفسي" فقال: "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" قال: "فأنت ~~والله يا رسول الله أحب إلي من نفسي" قال: "الآن يا عمر" وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ~~والناس أجمعين" متفق عليه. # PageV01P421 # ومن ذلك: أن الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال: {وتعزروه وتوقروه} والتعزير: ~~اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه والتوقير: اسم جامع لكل ما ~~فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام وأن يعامل من التشريف والتكريم ~~والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار. # ومن ذلك: أنه خصه في المخاطبة بما يليق به فقال: {لا تجعلوا دعاء الرسول ~~بينكم كدعاء بعضكم بعضا} فنهى أن يقولوا: يا محمد أو يا أحمد أو ms355 يا أبا ~~القاسم ولكن يقولوا: يا رسول الله يا نبي الله وكيف لا يخاطبونه بذلك والله ~~سبحانه وتعالى أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء فلم ~~يدعه باسمه في القرآن قط بل يقول: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها} {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين} ~~{يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} {يا أيها النبي اتق الله} {يا أيها ~~النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} ~~{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك} {يا أيها المزمل قم الليل} {يا أيها المدثر قم فأنذر} {يا أيها ~~النبي حسبك الله} مع أنه سبحانه قد قال: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك} ~~الآية # PageV01P422 # {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} {يا نوح إنه ليس من أهلك} {يا إبراهيم أعرض عن ~~هذا} {يا موسى إني اصطفيتك على الناس} {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} ~~{يا يحيى خذ الكتاب بقوة} {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس} {يا عيسى ابن ~~مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} . # ومن ذلك: أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن وحرم رفع الصوت فوق ~~صوته وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل وأخبر أن ذلك سبب حبوط ~~العمل فهذا يدل على أنه قد يقتضي الكفر لأن العمل لا يحبط إلا به وأخبر أن ~~الذين يغضون أصواتهم عنده هم الذين امتحنت قلوبهم للتقوى وأن الله يغفر لهم ~~ويرحمهم وأخبر أن الذين ينادونه وهو في منزله لا يعقلون لكونهم رفعوا ~~أصواتهم عليه ولكونهم لم يصبروا حتى يخرج ولكن أزعجوه إلى الخروج. # ومن ذلك: أنه حرم على الأمة أن يؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضا ~~تمييزا له مثل نكاح أزواجه من بعده فقال تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله ms356 عظيما} . # وأوجب على الأمة لأجله احترام أزواجه وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام ~~فقال سبحانه وتعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} . # وأما ما أوجبه من طاعته والانقياد لأمره والتأسي بفعله فهذا باب واسع # PageV01P423 # لكن ذاك قد يقال: هو من لوازم الرسالة وإنما الغرض هنا أن ننبه على بعض ~~ما أوجبه الله من الحقوق الواجبة والمحرمة على الأمة مما يزيد على لوازم ~~الرسالة بحيث يجوز أن يبعث الله رسولا ولا يوجب له هذه الحقوق. # ومن كرامته المتعلقة بالقول: أنه فرق بين أذاه وأذى المؤمنين فقال تعالى: ~~{إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا} # وقد تقدم في هذه الآية ما يدل على أن حد من سبه القتل كما أن حد من سب ~~غيره الجلد. # ومن ذلك: أن الله رفع له ذكره فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه ولا تصح ~~للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله وأوجب ذكره في كل خطبة وفي ~~الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام وفي ~~الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع. # هذا إلى خصائص له أخر يطول تعدادها. # وإذا كان كذلك فمعلوم أن سابه ومنتقصه قد ناقض الإيمان به وناقض تعزيره ~~وتوقيره وناقض رفع ذكره وناقض الصلاة عليه والتسليم وناقض تشريفه في الدعاء ~~والخطاب بل قابل أفضل الخلق بما لا يقابل به أشر الخلق. # يوضح ذلك أن مجرد إعراضه عن الإيمان به يبيح الدم مع عدم العهد وإعراضه ~~عن هذه الحقوق الواجبة يبيح العقوبة فهذا بمجرد سكوته عن تشريفه وتكريمه ~~فإذا أتى بضد ذلك من الذم والسب والانتقاص # PageV01P424 # والاستخفاف فلا بد أن يوجب ذلك زيادة على الذم والعقاب فإن مقادير ~~العقوبات على مقادير الجرائم ألا ترى أن الرجل لو قتل رجلا اعتباطا لكن ~~عقوبته القود وهو التسليم إلى ولي المقتول فإن انضم إلى ذلك قتله لأخذ ms357 ~~المال مجاهرة صارت العقوبة تحتم القتل فإن انضم إلى ذلك أخذ المال عوقب مع ~~ذلك بالصلب وعوقب عند بعض العلماء أيضا بقطع اليد والرجل حتما مع أن أخذ ~~المال سرقة لا يوجب إلا قطع اليد فقط وكذلك لو قذف عبدا أو ذميا أو فاجرا ~~لم يجب عليه إلا التعزير فلو قذف حرا مسلما عفيفا لوجب عليه الحد التام فلو ~~قيل: "إنه لا يجب عليه مع ذلك إلا ما يجب على من ترك الإيمان به أو ترك ~~العهد الذي بيننا وبينه" لسوى بين الساكت عن ذمه وسبه والمبالغ في ذلك وهذا ~~غير جائز كما أنه غير جائز التسوية بين الساكت عن مدحه والصلاة عليه ~~والمبالغ في ذلك ولزم من ذلك أن لا يكون لخصوص سبه وذمه وأذاه عقوبة مع أنه ~~من أعظم الجرائم وهذا باطل قطعا. # ومعلوم أن لا عقوبة فوق القتل ثم ليس سوى الزيادة على ذلك إلا تعين قتله ~~وتحتمه تاب أو لم يتب كحد قاطع الطريق إذ لا يعلم أحد وجب أن يجلد لخصوص ~~السب ثم يقتل للكفر إذا كانت العقوبة لخصوص السب كانت حدا من الحدود وهذه ~~مناسبة ظاهرة قد دل على صحتها دلالات النصوص السالفة من كون السب موجبا ~~للقتل والعلة إذا ثبت بالنص أو بالإيماء لم يحتج إلى أصل يقاس عليه الفرع ~~وبهذا يظهر أنا لم نجعل خصوص السب موجبا للقتل إلا بما دل عليه من الكتاب ~~والسنة والأثر لا بمجرد الاستحسان والاستصلاح كما زعمه من لم يحظ بمآخذ ~~الأحكام على أن الأصل الذي يقاس به هذا الفرع ثابت وهو: # الطريقة السابعة عشرة: وذلك أنا وجدنا الأصول التي دل عليها الكتاب أو ~~السنة أو إجماع الأمة حكمت في المرتد وناقض العهد حكمين فمن لم يصدر منه # PageV01P425 # إلا مجرد الردة أو مجرد نقض العهد ثم عاد إلى الإسلام عصم دمه كما دل ~~عليه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم ذكر بعض ما يدل ~~على ذلك في المرتد وهو في ناقض العهد ms358 أيضا موجود بقوله في بعض من نقض ~~العهد: {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} وبأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل إسلام من أسلم من بني بكر وكانوا قد نقضوا العهد وعدوا على خزاعة ~~فقتلوهم وقبل إسلام قريش الذين أعانوهم على قتال المسلمين حتى انتقض عهدهم ~~بذلك ودلت سنته على أن مجرد إسلامهم كان عاصما لدمائهم وكذلك في حصره ~~لقريظة والنضير مذكر أنهم لو أسلموا لكف عنهم وقد جاء نفر منهم مسلمين ~~فعصموا دماءهم وأموالهم منهم ثعلبة بن سعية وأسد بن سعية وأسد ابن عبيد ~~أسلموا في الليلة التي نزل فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وخبرهم مشهور ومن تغلظت ردته أو نقضه بما يضر المسلمين إذا عاد إلى ~~الإسلام لم تسقط عنه العقوبة مطلقا بل يقتل إذا كان جنس ما فعله موجبا ~~للقتل أو يعاقب بما دونه إن لم يكن كذلك كما دل عليه قوله تعالى: {إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} الآية وكما دلت ~~عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ابن أبي سرح وابن زنيم وفي ~~قصة ابن خطل وقصة مقيس بن حبابة وقصة العرنيين وغيرهم وكما دل عليه الأصول ~~المقررة فإن الرجل إذا اقترن بردته قطع طريق أو قتل مسلم أو زنى أو غير ذلك ~~ثم رجع إلى الإسلام أخذت منه الحدود وكذلك لو اقترن بنقض عهده الإضرار ~~بالمسلمين من قطع طريق أو قتل مسلم أو زنى بمسلمة فإن الحدود تستوفى منه ~~بعد الإسلام: إما الحد الذي يجب على المسلم لو فعل ذلك أو الحد الذي كان ~~واجبا قبل الإسلام وهذا الرجل الساب قد وجد منه قدر زائد على مجرد نقض ~~العهد كما قدمنا من الإضرار بالمسلم الذي # PageV01P426 # صار به أغلظ جرما من مجرد نقض العهد أو فعل ما هو أعظم من أكثر الأمور ~~المضرة كما تقدم فصار بمنزلة من قرن بنقض عهده أذى المسلمين في دم أو مال ~~أو عرض ms359 وأشد وإذا كان كذلك فإسلامه لا يزيل عنه عقوبة هذا الإضرار كما دلت ~~عليه الأصول في مثله وعقوبة هذا الإضرار قد ثبت أنه القتل بالنص والإسلام ~~الطارئ لا يمنع ابتداء هذه العقوبة فإن المسلم لو ابتدأ بمثل هذا قتل قتلا ~~لا يسقط بالتوبة كما تقدم. # وإذا لم يمنع الإسلام ابتداءها فأن لا يمنع بقاءها ودوامها أولى وأحرى ~~لأن الدوام والبقاء أقوى من الابتداء والحدوث في الحسيات والعقليات ~~والحكميات. # ألا ترى أن العدة والإحرام والردة تمنع ابتداء النكاح ولا تمنع دوامه ~~والإسلام يمنع ابتداء الرق ولا يمنع دوامه ويمنع ابتداء وجوب القود وحد ~~القذف على المسلم إذا قتل أو قذف ذميا ولا يمنع دوامه عليه إذا أسلم بعد ~~القتل والقذف. # ولو فرض أن الإسلام يمنع ابتداء قتل هذا فلا يجب أن يسقط القتل بإسلامه ~~لأن الدوام أقوى من الابتداء وجاز أن يكون بمنزلة القود وحد القذف فإن ~~الإسلام يمنع ابتداءه دون دوامه لا سيما والسب فيه حق لآدمي ميت وفيه جناية ~~متعلقة بعموم المسلمين فهو مثل القتل في المحاربة ليس حقا لمعين وإذا كان ~~كذلك وجب استيفاؤه كغيره من المحاربين المفسدين. # يحقق ذلك أن الذمي إذا قطع الطريق وقتل مسلما فهو يعتقد في دينه جواز قتل ~~المسلم وأخذ ماله وإنما حرمه عليه العهد الذي بيننا وبينه كما أنه يعتقد ~~جواز السب في دينه وإنما حرمه عليه العهد وقطع الطريق قد يفعل استحلالا وقد ~~يفعل استخفافا بالحرمة لغرض كما أن سب الرسول قد يفعل استخفافا بالحرمة ~~لغرض فهو مثله من كل وجه إلا أن مفسدة ذلك في الدنيا ومفسدة هذا في الدين ~~وهي أعظم من مفسدة الدنيا عند المؤمنين بالله # PageV01P427 # العالمين به وبأمره فإذا أسلم قاطع الطريق فقد تجدد منه إظهار اعتقاد ~~تحريم دم المسلم وماله مع جواز أن لا يفي بموجب هذا الاعتقاد وكذلك إذا ~~أسلم الساب فقد تجدد إظهار اعتقاد تحريم عرض الرسول مع جواز أن لا يفي ~~بموجب هذا الاعتقاد فإذا كان هناك يجب قتله بعد إسلامه فكذلك يجب ms360 قتله هنا ~~بعد إسلامه ويجب أن يقال: إذا كان ذلك لا يسقط حده بالتوبة بعد القدرة ~~فكذلك هذا لا يسقط حده بالتوبة بعد القدرة. # ومن أمعن النظر لم يسترب في أن هذا محارب مفسد كما أن قاطع الطريق محارب ~~مفسد. # ولا يرد على هذا سب الله تعالى لأن أحدا من البشر لا يسبه اعتقادا إلا ~~بما يراه تعظيما وإجلالا كزعم أهل التثليث أن له صاحبة وولدا فإنهم يعتقدون ~~أن هذا من تعظيمه والتقرب إليه ومن سبه لا على هذا الوجه فالقول فيه كالقول ~~فيمن سب الرسول على أحد القولين وهو المختار كما سنقرره ومن فرق قال: إنه ~~تعالى لا تلحقه غضاضة ولا انتقاص بذلك ولا يكاد أحد يفعل ذلك أصلا إلا أن ~~يكون وقت غضب ونحو ذلك بخلاف سب الرسول فإنه يسبه انتقاصا له واستخفافا به ~~سبا يصدر عن اعتقاد وقصد إهانة وهو من جنس تلحقه الغضاضة ويقصد بذلك وقد ~~يسب تشفيا وغيظا وربما حل منه في النفوس خبائل ونفر عنه بذلك خلائق ولا ~~تزول نفرتهم عنه بإظهار التوبة كما لا تزول مفسدة الزنا وقطع الطريق ونحو ~~ذلك بإظهار التوبة وكما لا يزول العار الذي يلحق بالمقذوف بإظهار القاذف ~~التوبة فكانت عقوبة الكفر يندرج فيها ما يتبعه من سب الله سبحانه بخلاف سب ~~الرسول. # فإن قيل: قد تكون زيادة العقوبة على عقوبة مجرد الناقض للعهد تحتم قتله ~~ما دام كافرا بخلاف غيره من الكافرين فإن عقد الأمان والهدنة والذمة # PageV01P428 # واسترقاقهم والمن عليهم والمفاداة بهم جائز في الجملة فإذا أتى مع حل دمه ~~لنقض العهد أو لعدمه بالسب تعين قتله كما قررتموه وهكذا الجواب عن المواضع ~~التي قتل النبي صلى الله عليه وسلم فيها من سبه أو أمر بقتله أو أمر أصحابه ~~بذلك فإنها تدل على أن الساب يقتل وإن لم يقتل من هو مثله من الكافرين. # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ليهود في قصة ابن الأشرف: "إنه لو قر ~~كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما ms361 اغتيل ولكنه نال منا وهجانا بالشعر ولم ~~يفعل هذا أحدا منكم إلا كان السيف". # وإذا كان كذلك فيكون القتل وجب لأمرين: للكفر ولتغلظه بالسب كما يجب قتل ~~المرتد للكفر ولتغلظه بترك الدين الحق والخروج منه فمتى زال الكفر زال ~~الموجب للذم فلم يستقل بقاء أثر السب بإحلال الدم وتبع الكفر في الزوال كما ~~تبعه في الحصول فإنه فرع للكفر ونوع منه فإذا زال الأصل زالت جميع فروعه ~~وأنواعه. # وهذا السؤال قد يمكن تقريره في سب من يدعي الإسلام بناء على أن السب فرع ~~للردة ونوع منها وقد لا يمكن لأنه لم يتجدد من هذا بعد السب ما لم يكن ~~موجودا حال السب بخلاف الكافر. # قلنا: وهذا أيضا دليل على أن قتل الساب حد من الحدود فإنه قد تقدم أنه ~~يجب قتله إن كان معاهدا ولا يجوز استبقاؤه بعد السب بأمان ولا استرقاق ولو ~~كان إنما يقتل لكونه كافرا محاربا لجاز أمانه واسترقاقه والمفاداة به فلما ~~كان جزاؤه القتل علم أن قتله حد من الحدود ليس بمنزلة قتل سائر الكفار. # ومن تأمل الأدلة الشرعية نصوصها ومقاييسها مما ذكرناه ومما لم نذكره # PageV01P429 # ثم ظن بعد هذا أن قتل الساب لمجرد كونه كافرا غير معاهد كقتل الأسير فليس ~~على بصيرة من أمره ولا ثقة من رأيه. # وليس هذا من المسالك المحتملة بل من مسالك القطع فإن من تأمل دلالات ~~الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وما توجبه الأصول الشرعية علم قطعا ~~أن للسب تأثيرا في سفح الدم زائدا على تأثير مجرد الكفر الخالي عن عهد. # نعم قد يقال: هو مقتول بمجموع الأمرين بناء على أن كفر الساب نوع مغلظ لا ~~يحتمل الاستبقاء ككفر المرتد فيكون مقتولا لكفره وسبه ويكون القتل حدا ~~بمعنى أنه يجب إقامته ثم يزول موجبه بالتوبة كقتل المرتد فهذا ليس بمساغ ~~فيما تقدم ما يضعف هذا الوجه ومع هذا فإنه لا يقدح في كون قتل الساب حدا من ~~الحدود وجب لما فيه خصوص ظهور سب الرسول من المفسدة. # وإنما ms362 يبقى أن يقال: هذا الحد هل يسقط بالإسلام أم لا؟ # فنقول: جميع ما ذكرناه من الدلالات وإن دلت على وجوب قتله بعد إظهار ~~التوبة فهي دالة على أن قتله حد من الحدود وليس لمجرد الكفر وهي دالة على ~~هذا بطريق القطع لما ذكرناه من تفريق الكتاب والسنة والإجماع بين من اقتصر ~~على الكفر الأصلي أو الطارىء أو نقض العهد وبين من سب الرسول من هؤلاء وإذا ~~لم يكن القتل لمجرد الكفر لم يبق إلا أن يكون حدا وإذا ثبت أنه يقتل لخصوص ~~السب لكونه حدا من الحدود لا لعموم كونه كافرا غير ذي عهد أو لعموم كونه ~~مرتدا فيجب أن لا يسقط بالتوبة والإسلام لأن الإسلام والتوبة لا يسقط شيئا ~~من الحدود الواجبة قبل ذلك إذا كانت التوبة بعد الثبوت والرفع إلى الإمام ~~بالاتفاق. # PageV01P430 # وقد دل القرآن أن حد قاطع الطريق والزاني والسارق والقاذف لا يسقط ~~بالتوبة بعد التمكن من إقامة الحد. # ودلت السنة على مثل ذلك في الزاني وغيره ولم يختلف المسلمون فيما علمناه ~~أن المسلم إذا زنى أو سرق أو قطع الطريق أو شرب الخمر فرفع إلى السلطان ~~وثبت عليه الحد ببينة ثم تاب من ذلك أنه تجب إقامة الحد عليه إلا أن يظن ~~أحد في ذلك خلافا شاذا لا يعتد به فهذه حدود الله وكذلك لو وجب عليه قصاص ~~أو حد أو قذف أو عقوبة سب لمسلم أو معاهد ثم تاب من ذلك لم تسقط عنه ~~العقوبة وكذلك أيضا لم يختلفوا فيما علمناه أن الذمي لو وجب عليه حد قطع ~~الطريق أو حد السرقة أو قصاص أو حد قذف أو تعزير ثم أسلم وتاب من ذلك لم ~~تسقط عنه عقوبة ذلك وكذلك أيضا لو زنى فإنه إذا وجب عليه حد الزنا ثم أسلم ~~لم يسقط عنه بل يقام عليه حد الزنا عند من يقول بوجوبه قبل الإسلام ويقتل ~~حتما عند الإمام أحمد إن كان زنى نقض عهده. # هذا مع الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها ms363 فيغفر للتائب ذنبه مع ~~إقامة الحد عليه تطهيرا له وتنكيلا للناس عن مثل تلك الجريمة فتحصل بإقامة ~~الحد المصلحة العامة وهي زجر الملتزمين للإسلام أو الصغار عن مثل ذلك ~~الفساد فإنه لو لم يقم الحد عند إظهار التوبة لم يتأت إقامة حد في الغالب ~~فإنه لا يشاء المفسد في الأرض إذا أخذ أن يظهر التوبة إلا أظهرها وأوشك كل ~~من هم بعظيمة من العظائم من الأقوال والأفعال أن يرتكبها ثم إذا أحيط به ~~قال: إني تائب. # ومعلوم أن ذلك لو درأ الحد الواجب لتعطلت الحدود وظهر الفساد في البر ~~والبحر ولم يكن في شرع العقوبات والحدود كبير مصلحة وهذا ظاهر لا خفاء به. # PageV01P431 # ثم الجاني لو تاب توبة نصوحا فذلك نافعة فيما بينه وبين الله يغفر له ما ~~سلف ويكون الحد تطهيرا له وتكفيرا لسيئته وهو من تمام التوبة كما قال ماعز ~~بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم "طهرني" وقد جاء تائبا وقال تعالى لما ~~ذكر كفارة قتل الخطأ: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان ~~الله عليما حكيما} وقال تعالى في كفارة الظهار: {ذلكم توعظون به} . # فيشتمل الحد مع التوبة على مصلحتين عظيمتين: # مصلحة زجر النفوس عن مثل تلك الجريمة وهي أهم المصلحتين فإن الدنيا في ~~الحقيقة ليست دار كمال الجزاء وإنما كمال الجزاء في الآخرة وإنما الغالب في ~~العقوبات الشرعية الزجر والنكال وإن كان فيها مقاصد أخر كما أن غالب مقصود ~~العدة براءة الرحم وإن كان فيها مقاصد أخر ولهذا كانت هذه المصلحة مقصودة ~~في كل عقوبة مشروعة. # والمصلحة الثانية: تطهير الجاني وتكفير خطيئته إن كان له عند الله خير أو ~~عقوبة والانتقام منه إن لم يكن كذلك وقد يكون زيادة في ثوابه ورفعه في ~~درجاته. # ونظير ذلك المصائب المقدرة في النفس والأهل والمال فإنها تارة تكون كفارة ~~وطهورا وتارة تكون زيادة في الثواب وعلوا في الدرجات وتارة تكون عقابا ~~وانتقاما. # لكن إذا تاب الإنسان سرا فإن الله يقبل توبته سرا ويغفر له من ms364 غير إحواج ~~له إلى أن يظهر ذنبه حتى يقام حده عليه أما إذا أعلن الفساد بحيث يراه ~~الناس ويسمعونه حتى شهدوا به عند السلطان أو اعترف هو به عند السلطان فإنه ~~لا يطهره مع التوبة بعد القدرة إلا إقامته منه عليه # PageV01P432 # إلا أن في التوبة إذا كان الحد لله وثبت بإقراره خلافا سنذكره إن شاء ~~الله تعالى ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "تعافوا الحدود فيما بينكم فما ~~بلغني من حد فقد وجب" وقال النبي عليه الصلاة والسلام لما شفع إليه في ~~السارقة: "تطهر خيرا لها" وقال: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ~~ضاد الله في أمره" وقال: "من ابتلى من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر ~~الله فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله". # إذا تبين ذلك فنقول: هذا الذي أظهر سب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~مسلم أو معاهد قد أتى بهذه المفسدة التي تضمنت مع الكفر ونقض العهد أذى ~~الله ورسوله وانتهاك تلك الحرمة التي هي أفضل حرمة المخلوقين والوقيعة في ~~عرض لا يساوي غيره من الأعراض والطعن في صفات الله وأفعاله وفي دين الله ~~وكتابه وجميع أنبيائه والمؤمنين من عباده فإن الطعن في واحد من الأنبياء ~~طعن في جميع الأنبياء كما قال سبحانه وتعالى: {أولئك هم الكافرون حقا} وطعن ~~في كل من آمن بنبينا من الأنبياء والمؤمنين المتقدمين والمتأخرين وقد تقدم ~~تقرير هذا. # ثم هذه العظيمة صدرت ممن التزم بعقد إيمانه أو أمانه أنه لا يفعل ذلك ~~فإذا وجبت عقوبته على تلك الجريمة لخصوصها كما تقدم امتنع أن يسقط بما ~~يظهره من التوبة كما تقدم أيضا. # ثم هنا مسلكان: # المسلك الأول: وهو مسلك طائفة من أصحابنا وغيرهم أن يقتل حدا لله كما ~~يقتل لقطع الطريق وللردة وللكفر لأن السب للرسول عليه # PageV01P433 # الصلاة والسلام قد تعلق به حق الله وحق كل مؤمن فإن أذاه ليس مقصورا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط كمن سب واحدا من عرض الناس بل هو أذى ms365 لكل ~~مؤمن كان ويكون بل هو عندهم من أبلغ أنواع الأذى ويود كل منهم أن يفتدي هذا ~~العرض بنفسه وأهله وماله وعرضه كما تقدم ذكره عن الصحابة من أنهم كانوا ~~يبذلون دماءهم في صون عرضه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدح من فعل ~~ذلك سواء قتل أو غلب ويسميه ناصر الله ورسوله ولو لم يكن السب أعظم من قتل ~~بعض المسلمين لما جاز بذل الدم في صون عرض واحد من الناس وقد قال حسان بن ~~ثابت يخاطب أبا سفيان بن الحارث: # هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # فإن أبى ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # وذلك أنه انتهاك للحرمة التي نالوا بها سعادة الدنيا والآخرة وبها ينالها ~~كل واحد سواهم وبها يقام دين الله ويرضى الله عن عباده ويحصل ما يحبه ~~وينتفي ما يبغضه كما أن قاطع الطريق وإن قتل واحدا فإن مفسدة قطع الطريق ~~تعم جميع الناس فلم يفوض الأمر فيه إلى ولي المقتول. # نعم كان الأمر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مفوضا إليه فيمن سبه: إن ~~أحب عفا عنه وإن أحب عاقبه وإن كان في سبه حق الله ولجميع المؤمنين لأن ~~الله سبحانه يجعل حقه في العقوبة تبعا لحق العبد كما ذكرناه في القصاص ~~وحقوق الآدميين تابعة لحق الرسول فإنه أولى بهم من أنفسهم ولأن في ذلك ~~تمكينه صلى الله عليه وسلم من أخذ العفو والأمر بالعرف والإعراض عن ~~الجاهلين الذي أمره الله تعالى به في كتابه وتمكينه من العفو والإصلاح الذي ~~يستحق به # PageV01P434 # أن يكون أجره على الله وتمكينه من أن يدفع بالتي هي أحسن السيئة كما أمره ~~الله وتمكينه من استعطاف النفوس وتأليف القلوب على الإيمان واجتماع الخلق ~~عليه وتمكينه من ترك التنفير عن الإيمان وما يحصل بذلك من المصلحة يغمر ما ~~يحصل باستبقاء الساب من المفسدة كما دل عليه قوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} . # وقد بين ms366 رسول الله صلى الله عليه وسلم نفس هذه الحكمة حيث قال: "أكره أن ~~يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" وقال فيما عامل به ابن أبي من الكرامة ~~"رجوت أن يؤمن بذلك ألف من قومه" فحقق الله رجاءه ولو عاقب كل من آذاه ~~بالقتل لخامر القلوب عقدا أو وسوسة أن ذلك لما في النفس من حب الشرف وأنه ~~من باب غضب الملوك وقتلهم على ذلك ولو لم يبح له عقوبته لانتهك العرض ~~واستبيحت الحرمة وانخل رباط الدين وضعفت العقيدة في حرمة النبوة فجعل الله ~~له الأمرين فلما انقلب إلى رضوان الله وكرامته ولم يبق واحدا مخصوص من ~~الخلق إليه استيفاء هذه العقوبة والعفو عنها والحق فيها ثابت لله سبحانه ~~ورسول الله عليه الصلاة والسلام ولعباده المؤمنين وعلم كل ذي عقل أن ~~المسلمين إنما يقتلونه لحفظ الدين وحفظ حمى الرسول ووقاية عرضه فقط كما ~~يقتلون قاطع الطريق لأمن الطرقات من المفسدين وكما يقطعون السارق لحفظ ~~الأموال وكما يقتلون المرتد صونا للداخلين في الدين عن الخروج عنه ولم يبق ~~هنا توهم مقصود جزوي كما قد كان يتوهم في زمانه أن قتل الساب كذلك # PageV01P435 # وتقرير ذلك بالساب له من المسلمين فإنه قد كان له أن يعفو عنه مع أنه لا ~~يحل للأمة إلا إراقة دمه فحاصله أنه في حياته قد غلب في هذه الجناية حقه ~~ليتمكن من الاستيفاء والعفو وبعد موته فهي جناية على الدين مطلقا ليس لها ~~من يمكنه العفو عنها فوجب استيفاؤها وهذا مسلك جيد لمن تدبر غوره. # ثم هنا تقريران: # أحدهما: أن يقال: الساب من جنس المحارب المفسد وقد تقدم في ذلك زيادة ~~بيان ومما يؤيده أنه سبحانه وتعالى قال: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} فعلم أن كل ما أوجب القتل حقا لله كان فسادا ~~في الأرض وإلا لم يبح. # وهذا السب قد أباح الدم فهو فساد في الأرض وهو أيضا محاربة لله ورسوله ~~على ما لا يخفى لأن المحاربة هنا والله أعلم ms367 إنما عني بها المحاربة بعد ~~المسالمة لأن المحاربة الأصلية لم يدخل حكمها في هذه الآية وسبب نزولها ~~إنما كان فعل مرتد وناقض عهد فعلم أنهما جميعا دخلا فيها وهذا قد حارب بعد ~~المسالمة وأفسد في الأرض فيتعين إقامة الحد عليه. # الثاني: أن يكون السب جناية من الجنايات الموجبة للقتل كالزنى وإن لم يكن ~~حرابا كحراب قاطع الطريق فإن من الفساد ما يوجب القتل وإن لم يكن حرابا ~~وهذا فساد قد أوجب القتل فلا يسقط بالتوبة كغيره من أنواع الفساد إذ لا ~~يستثنى من ذلك إلا القتل للكفر الأصلي أو الطارىء وقد قدمنا أن هذا القتل ~~ليس هو كقتل سائر الكفار. # PageV01P436 # فإن قيل: فإذا كان السب حدا لله فيجب أن يسقط بالإسلام كما يسقط حد ~~المرتد بالإسلام وكما يسقط قتل الكافر بالإسلام وذلك أن مجرد تسميته حدا لا ~~يمنع سقوطه بالتوبة أو بالإسلام فإن قتل المرتد حد فإن الفقهاء يقولون: باب ~~حد المرتد ثم إنه يسقط بالإسلام ثم إن هذا أمر لفظي لا تناط به الأحكام ~~وإنما تناط بالمعاني وكل عقوبة لمجرم فهي حد من حيث تزجره وتمنعه عن تلك ~~الجريمة وإن لم تسم حدا لكن لا ريب أنه إنما يقتل للكفر والسب والسب لا ~~يمكن تجريده عن الكفر والمحاربة حتى يفرض ساب قد وجب قتله وهو مؤمن أو ~~معاهد باق على عهده كما يفرض مثل ذلك في الزاني والسارق والقاذف فإن أولئك ~~وجبت عقوباتهم لتلك الجرائم وهي قبل الإسلام وبعده سواء وهذا إنما وجب ~~عقوبته بجرم هو من فروع الكفر وأنواعه فإذا زال الأصل تبعته فروعه فيكون ~~الموجب للقتل أنه كافر محارب وأنه مؤذ لله ولرسوله كما قال النبي عليه ~~الصلاة والسلام لعقبة بن أبي معيط لما قال "مالي أقتل من بينكم صبرا" فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم: "بكفرك وافترائك على رسول الله" والعلة إذا ~~كانت ذات وصفين زال الحكم بزوال أحدهما. # ونحن قد نسلم أنه يتحتم قتله إذا كان ذميا كما يتحتم قتل المرتد لتغلظ ~~كفره بأذى ms368 الله ورسوله كتغلظ كفر المرتد بترك الدين لكن الإسلام يسقط كل حد ~~تعلق بالكفر كما يسقط حد المرتد فلم ألحقتم هذا الحد بقاطع الطريق والزاني ~~والسارق ولم تلحقوه بالمرتد؟ فهذا نكتة هذا الموضع. # فنقول لا يسقط شيء من الحدود بالإسلام ولا فرق بين المرتد وغيره في ~~المعنى بل كل عقوبة وجبت لسبب ماض أو حاضر فإنها تجب # PageV01P437 # لوجود سببها وتعدم لعدمه فالكافر الأصلي والمرتد لم يقتل لأجل ما مضى من ~~كفره فقط وإنما يقتل للكفر الذي هو الآن موجود إذ الأصل بقاؤه على ما كان ~~عليه فإذا تاب زال الكفر فزال المبيح للدم لأن الدم لا يباح بالكفر إلا حال ~~وجود الكفر إذ المقصود بقتله أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين ~~كله لله فإذا انقاد لكلمة الله ودان بدين الله حصل مقصود القتال ومطلوب ~~الجهاد وكذلك المرتد إنما يقتل لأنه تارك للدين مبدل له فإذا هو عاد لم ~~يبقى مبدلا ولا تاركا وبذلك يحصل حفظ الدين فإنه لا يترك مبدلا له. # أما الزاني والسارق وقاطع الطريق فإنه سواء كان مسلما أو معاهدا لم يقتل ~~لدوامه على الزنا والسب وقطع الطريق فإن هذا غير ممكن ولم يقتل لمجرد ~~اعتقاده حل ذلك أو إرادته له فإن الذمي لا يباح دمه بهذا الاعتقاد ولا يباح ~~دم مسلم ولا ذمي بمجرد الإرادة فعلم أن ذلك وجب جزاء على ما مضي وزجرا عما ~~يستقبل منه ومن غيره فمن أظهر سب الرسول من أهل الذمة أو سبه من المسلمين ~~ثم ترك السب وانتهى عنه فليس هو مستديما للسب كما يستديم الكافر المرتد ~~وغيره على كفره بل أفسد في الأرض كما أفسد غيره من الزناة وقطاع الطريق ~~ونحن نخاف أن يتكرر مثل هذا الفساد منه ومن غيره كما نخاف مثل ذلك في ~~الزاني وقاطع الطريق لأن الداعي له إلى ما فعله من السب ممكن منه ومن غيره ~~من الناس فوجب أن يعاقب جزاء بما كسب ونكالا من الله له ولغيره وهذا فرق ~~ظاهر بين ms369 قتل المرتد والكافر الأصلي وبين قتل الساب والقاطع والزاني. # وبيانه لأن السب من جنس الجريمة الماضية لا من جنس الجريمة الدائمة لكن ~~مبناه على أن السب يوجب الحد لخصوصه لا لكونه كافرا وقد تقدم بيان ذلك. # PageV01P438 # يوضح ذلك أن قتل المرتد والكافر الأصلي إلا أن يتوب يزيل مفسدة الكفر لأن ~~الهام بالردة متى علم أنه لا يترك حتى يقتل أو يتوب لم يأتها لأنه ليس له ~~غرض في أن يرتد ثم يعود إلى الإسلام وإنما غرضه في بقائه على الكفر ~~واستدامته. # فأما الساب من المسلمين والمعاهدين فإن غرضه من السب يحصل بإظهاره وينكأ ~~المسلمين بأذاه كما يحصل غرض القاطع من القتل والزاني من الزنا وتسقط حرمة ~~الدين والرسول بذلك كما تسقط حرمة النفوس والأموال في قطع الطريق والسرقة ~~ويؤذي عموم المسلمين أذى يخشى ضرره كما يؤذيهم مثل ذلك من فعل القاطع ~~والسارق ونحوهما ثم إنه إذا أخذ فقد يظهر الإسلام والتوبة مع استبطانه ~~العود إلى مثل ذلك عند القدرة كما يظهر القاطع والسارق والزاني العود إلى ~~مثل هذه الجرائم عند إمكان الفرصة بل ربما يتمكن من هذا السب بعد إظهار ~~الإسلام عند شياطينه ما لم يتمكنه قبل ذلك ويتنوع في أنواع التنقص والطعن ~~غيظا على ما فعل به من القهر والضغط حتى أظهر الإسلام بخلاف من لم يظهر ~~شيئا من ذلك حتى أسلم فإنه لا مفسدة ظهرت لنا منه وبخلاف المحارب الأصلي ~~إذا قتل وفعل الأفاعيل فإنه لم يكن قد التزم الأمان على أنه لا يفعل شيئا ~~من ذلك. # وهذا قد كان التزم لنا بعقد الذمة أن لا يؤذينا بشيء من ذلك ثم لم يف ~~بعهده فلا يؤمن إليه أن يلتزم بعقد الأيمان أن لا يؤذينا بذلك ولا يفي ~~بعقده وذلك لأنه واجب عليه في دينه أن يفي بالعهد فلا يظهر الطعن علينا في ~~ديننا وعالم أن ذلك من التزام الأمور التي عاهدناه على أن لا يؤذينا بها ~~وهو خائف من سيف الإسلام إن خالف كما أنه واجب عليه في ms370 دين الإسلام أن لا ~~يتعرض للرسول بسوء وهو خائف من سيف الإسلام إن هو خالف فلم يتجدد له بإظهار ~~الإسلام جنس العاصم الزاجر بخلاف الحربي في ذلك وإن كان في ضمن ذلك زجر ~~لغيره من الناس عن الردة ألا ترى أنه # PageV01P439 # لا يشرع الستر عليه ولا يستحب التعريض للشهود بترك الشهادة عليه وتجب ~~إقامة الشهادة عليه عند الحاكم ولا يستحب العفو عنه قبل الرفع إلى الحاكم ~~وإن كان قد ارتد سرا لأنه متى رفع إلى الحاكم استتابه فنجاه من النار وإن ~~لم يتب قتله فقصر عليه مدة الكفر فكان رفعه مصلحة له محضة بخلاف من استسر ~~لقاذورة من القاذورات فإنه لا ينبغي التعرض إليه لأنه إذا رفع يقتل حتما ~~وقد يتوب إذا لم يرفع فلم يكن الرفع له مصلحة محضة وإنما المصلحة للناس ~~فإذا لم تظهر الفاحشة لم تضرهم. # ومن سب الرسول فإنما يقتله لأذاه لله ولرسوله وللمؤمنين ولطعنه في دينهم ~~فكان بمنزلة من أظهر قطع الطريق والزنى ونحوه المغلب فيه جانب الردع والزجر ~~وإن تضمن مصلحة الجاني وكان قتله لأنه أظهر الفساد في الأرض وكذلك لو سب ~~الذمي سرا لم يتعرض له وكذلك لم ينبغي الستر عليه لأن من أظهر الفساد لا ~~يستر عليه بحال. # وقوله: "السب مستلزم للكفر والحراب بخلاف تلك الجرائم" قلنا: ليس لنا سب ~~خال عن كفر حتى تجرد العقوبة له بل العقوبة على مجموع الأمرين وهذه ~~الملازمة لا توهن أمر السب فإن كونه مستلزما للكفر يوجب تغلظ عقوبته فإذا ~~انفصل الكفر عنه فيما بعد لم يلزم أن لا يكون موجبا للعقوبة إذا كان هو في ~~نفسه يتضمن من المفسدة ما يوجب العقوبة والزجر كما دل عليه الكتاب والسنة ~~والأثر والقياس. # ثم نقول: أقصى ما يقال أنه حد على كفر مغلظ فيه ضرر على المسلمين صدر عن ~~مسلم أو معاهد فمن أين لهم أن مثل هذا تقبل منه التوبة بعد القدرة؟ فإنا قد ~~قدمنا أن التوبة إنما شرعت في حق من تجردت ردته أو تجرد نقضه ms371 للعهد فأما من ~~تغلظت ردته أو نقضه بكونه مضرا بالمسلمين فلا بد من عقوبته بعد التوبة. # PageV01P440 # وقولهم: "إن السب من فروع الكفر وأنواعه" فإن عنوا أن الكفر يوجب ذلك ~~فليس بصحيح وإن عنوا أن الكفر يبيح ذلك فنقول: لكن عقد الذمة حرم عليه في ~~دينه إظهار ذلك كما حرم قتل المسلمين وسرقة أموالهم وقطع طريقهم وافتراش ~~نسائهم وكما حرم قتالهم وإن كان دينه يبيح له ذلك كله فإذا هو آذى المسلمين ~~بما يقتضيه الكفر المجرد عن عهد فإنه يعاقب على ذلك وإن زال الكفر الموجب ~~لذلك فيقتل ويقطع ويعاقب كذلك هنا يعاقب على ما آذى به الله ورسوله ~~والمؤمنين مما يخالف عهده وإن كان دينه يبيحه. # وقولهم: "إن الزاني والسارق وقاطع الطريق قبل الإسلام وبعده سواء" قلنا: ~~هو مثل الساب لأنه قبل الإسلام يعتقد استحلال دماء المسلمين وأموالهم ~~وأعراضهم لولا العهد الذي بينهم وبينه وبعد الإسلام إنما يعتقد تحريمها ~~لأجل الدين وكذلك انتهاكه لعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقد حله ~~لولا العهد الذي بيننا وبينه وبعد الدين إنما يمنعه منه الدين ولا فرق بين ~~أن يضر المسلمين في دينهم أو دنياهم. # وأما قولهم: "إنما وجب قتله لأجل الأمرين فيسقط بزوال أحدهما" فنقول: بل ~~اجتمع فيه سببان كل منهما يوجب نوعا من القتل يخالف لنوع الآخر وإن كان ~~أحدهما يستلزم الآخر فالكفر يوجب القتل للكفر الأصلي أو للكفر الارتدادي ~~وله أحكام معروفة والسب يوجب القتل لخصوصه حتى يندرج فيه قتل الكفر وقتل ~~الردة وهذا القتل هو المغلب في حق مثل هذا حتى كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم له القتل والعفو وله القتل مع امتناع القتل بالكفر والردة وله القتل ~~بعد سقوط القتل بالكفر والردة كما قدمنا من الدلائل على ذلك أثرا ونظرا ~~وبينا أن في خصوص السب ما يقتضي القتل لو فرض تجرده عن الكفر والردة فإذا ~~انفصل عنه في أثناء الحال # PageV01P441 # فسقط موجب الكفر والردة لم يسقط موجب السب وقد قدمنا في المسألة الثانية ~~دلائل على ms372 ذلك. # ثم نقول: هب أنه وجب لأجل الأمرين فالقتل الواجب لكفر متغلظ بالإضرار إذا ~~زال لا تسقط عقوبة فاعله فوجب أن لا تسقط عقوبة فاعل هذا والعقوبة التي ~~استحقها هي القتل. # وأيضا فإن الإسلام الطارىء لا يمنع ما وجب من العقوبة وإن كان الإسلام ~~يمنع وجوبها ابتداء كالقتل قودا وكحد القذف فإنه إنما يجب بشرط كون الفاعل ~~ذميا ولا يسقط بإسلامه بعد ذلك إذا كان المقتول والمقذوف ذميا. # وأيضا فإن الإسلام لا يمنع قتل الساب ابتداء فأن لا يمنع قتله دواما ~~بطريق الأولى فقوله: "اجتمع سببان فزال أحدهما" ممنوع بل الموجب لقتل هذا ~~لم يزل. # المسلك الثاني: أن يقتل حدا للنبي صلى الله عليه وسلم كما يقتل قودا وكما ~~يجلد القاذف والساب لغيره من المؤمنين وقد تقدمت الدلالة على أن عقوبة شاتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم القتل كما أن عقوبة شاتم غيره الجلد وهذا مسلك ~~كثير من أصحابنا وغيرهم. # ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أن الرجل لو سب واحدا من المؤمنين أو سب ~~واحدا من أعيان الأمة وهو ميت أو غائب لوجب على من حضره من المسلمين أن ~~ينتصروا له وإذا بلغ الأمر إلى السلطان فإنه يعاقب هذا الجريء بما يزعه عن ~~أذى المؤمنين ثم إن كان حيا وعلم فله أن يعفو عن سابه وأما إن تعذر علمه ~~لموته أو غيبته لم يجز للمسلمين الإمساك عن عقوبة هذا وإذا رفع إلى السلطان ~~عاقبه وإن أظهر التوبة لأن هذا من المعاصي والذنوب المتعلقة بحق آدمي لا ~~يمكن قيامه بطلب هذا الحد وكل ما كان كذلك لم تحتج # PageV01P442 # العقوبة عليه إلى طلب أحد ولا تسقط بالتوبة إذا رفع إلى السلطان ولهذا ~~قلنا: إن من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يجب أن يعزر ويؤدب ~~أو يقتل وإن لم يطالب بحقهم معين لأن نصر المسلم واجب على كل مسلم بيده ~~ولسانه فكيف على ولي الأمر؟. # وعلى هذا التقدير فنقول: إن سب النبي صلى الله عليه وسلم كان موجبا ms373 للقتل ~~في حياته كما تقدم تقريره وكان إذا علم بذلك تولى هذا الحق فإن أحب استوفى ~~وإن أحب عفا فإذا تعذر إعلامه لغيبته أو موته وجب على المسلمين القيام بطلب ~~حقه ولم يجز العفو عنه لأحد من الخلق كما لا يجوز العفو عن من سب غيره من ~~الأموات والغياب. # وقد قدمنا الدلائل على القتل بخصوص سبه وأن المغلب فيه حقه حتى كان له أن ~~يقتل من سبه أو يعفو عنه كما للرجل أن يعاقب سابه وأن يعفو عنه. # فإن قيل: هذا ينبني على مقدمتين: # إحداهما: أن قذف الميت موجب للحد وقد ذهب أبو بكر بن جعفر صاحب الخلال ~~إلى أنه لا حد لقذف ميت لأن الحي وارثه لم يقذف وإنما قذف الميت وحد القذف ~~لا يستوفى إلا بعد المطالبة وقد تعذرت منه والحد لا يورث إلا بمطالبة الميت ~~وهي منتفية والأكثرون يثبتون الحد لقذف الميت لكن من الفقهاء من يقول: إنما ~~يثبت إذا تضمن القدح في نسب الحي وهو قول الحنفية وبعض أصحابنا وقيل عن ~~الحنفية: لا يأخذ به إلا الوالد أو الولد ومن الفقهاء من يقول: يثبت مطلقا ~~ثم هل يرثه جميع الورثة أو من سوى الزوجين لبقاء سبب الإرث أو العصبة فقط ~~لمشاركتهم له في عمود نسبه؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب الشافعي وأحمد. # PageV01P443 # الثانية أن حد قذف الميت لا يستوفي إلا بطلب الورثة وذلك أنهم لا يختلفون ~~أنه لا يستوفي إلا بمطالبة الورثة أو بعضهم ومتى عفوا سقط عند الأكثرين. # فعلى هذا ينبغي أن يسقط الحد لقذف النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يورث ~~ويكون كقذف من لا وارث له وهذا ليس فيه حد قذف عند أكثر الفقهاء أو يقال: ~~لا يستوفي حتى يطالب بعض الهاشميين أو بعض القرشيين. # فنقول: الجواب من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنا لم نجعل سب النبي صلى الله عليه وسلم وقذفه من حد القذف الذي ~~لا يستوفى حتى يطلبه المستحق فإن ذاك إنما هو إذا علم به وإنما هو من باب ~~السب ms374 والشتم الذي يعلم أنه حرام باطل وقد تعذر علم المسبوب به كما لو رمى ~~رجل بعض أعيان الأمة بالكفر أو الكذب أو شهادة الزور أو سبه سبا صريحا فإنا ~~لا نعلم مخالفا في أن هذا الرجل يعاقب على ذلك كما يعاقب على ما ينتهكه من ~~المحارم انتصارا لذلك الرجل الكريم في الأمة وزجرا عن معصية الله كمن يسب ~~الصحابة أو العلماء أو الصالحين. # الوجه الثاني: أن سبه سب لجميع أمته وطعن في دينهم وهو سب تلحقهم به ~~غضاضة وعار بخلاف سب الجماعة الكثيرة بالزنا فإنه يعلم كذب فاعله وهذا يوقع ~~في بعض النفوس ريبا وإذا كان قد آذى جميع المؤمنين أذى يوجب القتل وهو حق ~~تجب عليهم المطالبة به من حيث وجب عليهم إقامة الدين فيكون شبيها بقذف ~~الميت الذي فيه قدح في نسب الحي إذا طالب به وذاك يتعين إقامته. # PageV01P444 # وبهذا يظهر الفرق بينه وبين غيره من الأموات على قول أبي بكر فإن ذلك ~~الميت لا يتعدى ضرر قذفه في الأصل إلى غيره فإذا تعذرت مطالبته أمكن أن ~~يقال: لا يستوفي حد قذفه وهنا ضرر السب في الحقيقة إنما يعود إلى الأمة ~~بفساد دينها وذل عصمتها وإهانة مستمسكها وإلا فالرسول صلوات الله عليه ~~وسلامه في نفسه لا يتضرر بذلك. # وبه يظهر الفرق بينه وبين غيره في أن حد قذف الغير إنما يثبت لورثته أو ~~لبعضهم وذلك لأن العار هناك إنما يلحق الميت أو ورثته وهنا العار يلحق جميع ~~الأمة لا فرق في ذلك بين الهاشميين وغيرهم بل أي الأمة كان أقوى حبا لله ~~ورسوله وأشد إتباعا له وتعزيرا وتوقيرا كان حظه من هذا الأذى والضرر أعظم ~~وهذا ظاهر لا خفاء به وإذا كان هذا ثابتا لجميع الأمة فإنه مما يجب عليهم ~~القيام به ولا يجوز لهم العفو عنه بوجه من الوجوه لأنه وجب لحق دينهم لا ~~لحق دنياهم بخلاف حد قذف قريبهم فإنه وجب لحظ نفوسهم ودنياهم فلهم أن ~~يتركوه وهذا يتعلق بدينهم فالعفو عنه عفو عن حدود الله ms375 وعن انتهاك حرماته ~~فظهر الجواب عن المقدمتين المذكورتين. # الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث فلا يصح أن يقال: إن ~~حق عرضه يختص به أهل بيته دون غيرهم كما أن ماله لا يختص به أهل بيته دون ~~غيرهم بل أولى لأن تعلق حق الأمة بعرضه أعظم من تعلق حقهم بماله وحينئذ ~~فيجب المطالبة باستيفاء حقه على كل مسلم لأن ذلك من تعزيره ونصره وذلك فرض ~~على كل مسلم. # ونظير ذلك أن يقتل مسلم أو معاهد نبيا من الأنبياء فإن قتل ذلك الرجل ~~متعين على الأمة ولا يجوز أن يجعل حق دمه إلى من يكون وارثا له لو كان ~~يورث: إن أحب قتل وإن أحب عفا على الدية أو مجانا ولا يجوز تقاعد الأمة عن ~~قتل قاتله فإن ذلك أعظم من جميع أنواع الفساد ولا يجوز # PageV01P445 # أن يسقط حق دمه بتوبة القاتل أو إسلامه فإن المسلم أو المعاهد لو ارتد أو ~~نقض العهد وقتل مسلما لوجب عليه القود ولا يكون ما ضمه إلى القتل من الردة ~~ونقض العهد مخففا لعقوبته وما أظن أحدا يخالف في مثل هذا مع أن مجرد قتل ~~النبي ردة ونقض للعهد باتفاق العلماء وعرضه كدمه فإن عقوبته القتل كما أن ~~عقوبة دمه وعرضه ممنوع من المسلم بإسلامه ومن المعاهد بعهده فإذا انتهكا ~~حرمته وجبت عليهما العقوبة لذلك. # الطريقة الثامنة عشرة: وهي طريقة القاضي أبي يعلى أن سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم يتعلق به حقان: حق لله وحق لآدمي. # فأما حق الله فهو ظاهر وهو القدح في رسالته وكتابه ودينه. # وأما حق الآدمي فظاهر أيضا فإنه أدخل المعرة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم بهذا السب وأناله بذلك غضاضة وعارا. # والعقوبة إذا تعلق فيها حق لله وحق لآدمي لم تسقط بالتوبة كالحد في ~~المحاربة فإنه يتحتم قتله ثم لو تاب قبل القدرة عليه سقط حق الله من انحتام ~~القتل والصلب ولم يسقط حق الآدمي من القود كذلك هنا. # فإن قيل: المغلب هنا حق الله ms376 ولهذا لو عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك لم يسقط بعفوه. # قلنا: قد قال القاضي أبو يعلى: في هذا نظر على أنه إنما لم يسقط بعفوه ~~لتعلق حق الله به فهو كالعدة إذا أسقط الزوج حقه منها لم تسقط لتعلق حق ~~الله بها ولم يدل هذا على أنه لا حق لآدمي فيها كذلك هنا فقد تردد القاضي ~~أبو يعلى في جواز عفو النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع وقطع في موضع ~~آخر أنه كان له أن يسقط حق سبه لأنه حق له وذكر في قول الأنصاري للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أن كان ابن عمتك" وقد عرض للنبي بما يستحق به العقوبة ولم ~~يعاقبه لأنه حمل قول النبي صلى الله # PageV01P446 # عليه وسلم للزبير اسق بأنه قضى له على الأنصاري للقرابة وفي الرجل الذي ~~أغلظ لأبي بكر ولم يعزره فقال القاضي: التعزير هنا وجب لحق آدمي وهو ~~افتراؤه على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وله أن يعفو عنه وكذلك ~~ذكر ابن عقيل عنه أن الحق كان للنبي صلى الله عليه وسلم وله تركه وقال ابن ~~عقيل: قد عرض هذا للنبي صلى الله عليه وسلم بما يقتضي العقوبة والتهجم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوجب التعزير لحق الشرع دون أن يختصه في نفسه ~~قال: وقد عزره النبي صلى الله عليه وسلم بحبس الماء عن زرعه وهو نوع ضرر ~~وكسر لعرضه وتأخير لحقه وعندنا أن العقوبات بالمال باقية غير منسوخة وليس ~~يختص التعزير بالضرب في حق كل أحد. # وقول ابن عقيل هذا يضمن ثلاثة أشياء: # أحدها: أن هذا القول إنما كان يوجب التعزير لا القتل. # والثاني: أن ذلك واجب لحق الشرع ليس له أن يعفو عنه. # الثالث: أنه عزره بحبس الماء. # والثلاثة ضعيفة جدا والصواب المقطوع به أنه كان له العفو كما دلت عليه ~~الأحاديث السابقة لما ذكرناه من المعنى فيه وحينئذ فيكون ذلك مؤيدا لهذه ~~الطريقة. # وقد دل على ذلك ما ذكرناه من ms377 أن النبي صلى الله عليه وسلم عاقب من سبه ~~وآذاه في الموضع الذي سقطت فيه حقوق الله نعم صار سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم سبا لميت وذلك لا يسقط بالتوبة البتة. # وعلى هذه الطريقة فالفرق بين سب الله وسب رسوله ظاهر فإن هناك الحق لله ~~خاصة كالزنى والسرقة وشرب الخمر وهنا الحق لهما فلا يسقط حق الآدمي بالتوبة ~~كالقتل في المحاربة. # الطريقة التاسعة عشرة: أنا قد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من ~~المسلمين قتل ابن أبي سرح وقد جاء مسلما تائبا ونذر دم أنس بن زنيم # PageV01P447 # إلى أن عفا عنه بعد الشفاعة وأعرض عن أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن ~~أبي أمية وقد جاءا مسلمين مهاجرين وأراق دماء من سبه من النساء من غير قتال ~~وهن منقادات مستسلمات وقد كان هؤلاء حربيين لم يلتزموا ترك سبه ولا عاقدونا ~~على ذلك فالذي عقد الأيمان أو الأمان على ترك سبه إذا جاء يريد الإسلام ~~ويرغب فيه إما أن يجب قبول الإسلام منه والكف عنه أو لا يجب فإن قيل "يجب" ~~فهو خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن قيل "لا يجب" فهو دليل على ~~أنه إذا جاء ليتوب ويسلم جاز قتله وكل من جاز قتله وقد جاء مسلما تائبا مع ~~علمنا بأنه قد جاء كذلك جاز قتله وإن أظهر الإسلام والتوبة لا نعلم بينهما ~~فرقا عند أحد من الفقهاء في جواز القتل فإن إظهار إرادة الإسلام هي أول ~~الدخول فيه كما أن التكلم بالشهادتين هو أول الالتزام له ولا يعصم الإسلام ~~إلا دم من يجب قبوله منه فإذا أظهر أنه يريده فقد بذل ما يجب قبوله فيجب ~~قبوله كما لو آذاه. # وهنا نكتة حسنة وهي أن ابن أبي أمية وأبا سفيان لم يزالا كافرين وليس في ~~القصة بيان أنه أراد قتلهما بعد مجيئهما وإنما فيها الإعراض عنهما وذلك ~~عقوبة من النبي صلى الله عليه وسلم. # وأما حديث ابن أبي سرح فهو نص في إباحة دمه ms378 بعد مجيئه لطلب البيعة وذلك ~~لأن ابن أبي سرح كان مسلما فارتد وافترى على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ~~كان يتمم له القرآن ويلقنه ما يكتبه من الوحي فهو ممن ارتد بسب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن ارتد بسبه فقد كان له أن يقتله من غير استتابة وكان له ~~أن يعفو عنه وبعد موته تعين قتله. # وحديث ابن زنيم فإنه أسلم قبل أن يقدم على النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~بقاء دمه مندورا مباحا إلى أن عفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ~~روجع في ذلك. # PageV01P448 # وكذلك النسوة اللاتي أمر بقتلهن إنما وجهه والله أعلم أنهن كن قد سببنه ~~بعد المعاهدة فانتقض عهدهن فقتلت اثنتان والثالثة لم يعصم دمها حتى استؤمن ~~لها بعد أيام ولو كان دمها معصوما بالإسلام لم يحتج إلى الأمان وهذه ~~الطريقة مبناها على أن من جاز قتله بعد أن أظهر أنه جاء ليسلم جاز قتله بعد ~~أن أسلم فإن من لم يعصم دمه إلا عفو وأمان لم يكن الإسلام هو العاصم لدمه ~~وإن كان قد تقدم ذكر هذا لكن ذكرناه لخصوص هذا المأخذ. # الطريقة الموفية عشرين: أن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~مطلقة بقتل سابه لم يؤمر فيها باستتابة ولم يستثن منها من تاب وأسلم كما هي ~~مطلقة عنهم في قتل الزاني المحصن ولو كان يستثني منها حال دون حال لوجب ~~بيان ذلك فإن سب النبي صلى الله عليه وسلم قد وقع منه وهو الذي علق القتل ~~عليه ولم يبلغنا حديث ولا أثر يعارض ذلك وهذا بخلاف قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" فإن المبدل للدين هو المستمر على التبديل دون ~~من عاد وكذلك قوله: "التارك لدينه المفارق للجماعة" فإن من عاد إلى دينه لم ~~يجز أن يقال: هو تارك لدينه ولا مفارق للجماعة وهذا المسلم أو المعاهد إذا ~~سب الرسول ثم تاب لم يكن أن يقال: ليس بساب للرسول أو لم يسب الرسول فإن ms379 ~~هذا الوصف واقع عليه تاب أو لم يتب كما يقع على الزاني والسارق والقاذف ~~وغيرهم. # الطريقة الحادية والعشرون: أنا قد قررنا أن المسلم إذا سب الرسول يقتل ~~وإن تاب بما ذكرناه من النص والنظر والذمي كذلك فإن أكثر ما يفرق به إما ~~كون المسلم تبين بذلك أنه منافق أو أنه مرتد قد وجب عليه حد من الحدود ~~فيستوفى منه ونحو ذلك وهذا المعنى موجود في الذمي فإن إظهاره للإسلام ~~بمنزلة إظهاره للذمة فإذا لم يكن صادقا في عهده وأمانه # PageV01P449 # لم نعلم أنه صادق في إسلامه وإيمانه وهو معاهد قد وجب عليه حد من الحدود ~~فيستوفي منه كسائر الحدود. # وقول من يقول "قتل المسلم أولى" يعارضه قول من يقول "قتل الذمي أولى" ~~وذلك أن الذمي دمه أخف حرمة والقتل إذا وجب عليه في حال الذمة لسبب لم يسقط ~~عنه بالإسلام. # يبين ذلك أنه لا يبيح دمه إلا إظهار السب وصريحه بخلاف المسلم فإن دمه ~~محقون وقد يجوز أنه غلظ بالسب فإذا حقق الإسلام والتوبة من السب ثبت العاصم ~~مع ضعف المبيح والذمي المبيح محقق والعاصم لا يرفع ما وجب فيكون أقوى من ~~هذا الوجه. # ألا ترى أن المسلم لو كان منافقا لم يقتصر على السب فقط بل لا بد أن تظهر ~~منه كلمات مكفرة غير ذلك بخلاف الذمي فإنه لا يطلب على كفره دليل وإنما ~~يطلب على محاربته وإفساده والسب من أظهر الأدلة على ذلك كما تقدم. # الطريقة الثانية والعشرون: أنه سب لمخلوق لم يعلم عفوه فلا يسقط بالإسلام ~~كسب سائر المؤمنين وأولى فإن الذمي لو سب مسلما أو معاهدا ثم أسلم لعوقب ~~على ذلك بما كان يعاقب به قبل أن يسلم فكذلك إذا سب الرسول وأولى وكذلك ~~يقال في المسلم إذا سبه. # تحقيق ذلك أن القاذف والشاتم إذا قذف إنسانا فرفعه إلى السلطان فتاب كان ~~له أن يستوفي منه الحد وهذا الحد إنما وجب لما ألحق به من العار والغضاضة ~~فإن الزنا أمر يستخفى منه فقذف المرء به يوجب تصديق ms380 كثير من الناس به وهو ~~من الكبائر التي لا يساويها غيرها في العار والمنقصة إذا تحقق ولا يشبهه ~~غيره في لحوق العار إذا لم يتحقق فإنه إذا # PageV01P450 # قذفه بقتل كان الحق لأولياء المقتول ولا يكاد يخلو غالبا من ظهور كذب ~~الرامي به أو براءة المرمي به من الحق بإبراء أهل الحق أو بالصلح أو بغير ~~ذلك على وجه لا يبقي عليه عار وكذلك الرمي بالكفر فإن ما يظهره من الإسلام ~~يكذب هذا الرامي به فلا يضر إلا صاحبه ورمي الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالعظائم يوجب إلحاق العار به والغضاضة لأنه بأي شيء رماه من السب كان ~~متضمنا للطعن في النبوة وهي وصف خفي فقد يؤثر كلامه أثرا في بعض النفوس ~~فتوبته بعد أخذه قد يقال: إنما صدرت عن خوف وتقية فلا يرتفع العار والغضاضة ~~الذي لحقه به كما لا يرتفع العار الذي يلحق بالمقذوف بإظهار القاذف التوبة ~~ولذلك كانت توبته توجب زوال الفسق عنه وفاقا وتوجب قبول شهادته عند أكثر ~~الفقهاء ولا يسقط الحد الذي للمقذوف فكذلك شاتم الرسول. # فإن قيل: ما أظهره الله لنبيه من الآيات والبراهين المحققة لصدقه في ~~نبوته تزيل عار هذا السب وتبين أنه مبرأ بخلاف المقذوف بالزنا. # قيل: فيجب على هذا أن لو قذفه أحد بالزنا في حياته أن لا يجب عليه حد قذف ~~وهذا ساقط وكان يجب على هذا أن لا يعبأ بمن يسبه ويهجوه بل يكون من يخرج عن ~~الدين والعهد بهذا وبغيره على حد واحد وهو خلاف الكتاب والسنة وما كان عليه ~~السابقون ويجب إذا قذف رجل سفيه معروف بالسفه والفرية من هو مشهور عند ~~الخاصة والعامة بالعفة مشهود له بذلك أن لا يحد وهذا كله فاسد وذلك لأن مثل ~~هذا السب والقذف لا يخاف من تأثيره في قلوب أولي الألباب وإنما يخاف من ~~تأثيره في عقول ضعيفة وقلوب مريضة ثم سمع العالم بكذبه له من غير نكير يصغر ~~الحرمة عنده وربما طرق له شبهة وشك فإن القلوب سريعة # PageV01P451 # التقلب وكما ms381 أن حد القذف شرع صونا للعرض من التلطخ بهذه القاذورات وسترا ~~للفاحشة وكتما لها فشرع ما يصون عرض الرسول من التلطيخ بما قد ثبت أنه بريء ~~منه أولى وستر الكلمات التي أوذي بها في نيل منه فيها أولى لما في ذكرها من ~~تسهيل الاجتراء عليه إلا أن حد هذا السب والقذف القتل لعظم موقعه وقبح ~~تأثيره فإنه لو لم يؤثر إلا تحقيرا لحرمته أو فساد قلب واحد أو إلقاء شبهة ~~في قلب كان بعض ذلك يوجب القتل بخلاف عرض الواحد من الناس فإنه لا يخاف منه ~~مثل هذا وسيجيء الجواب عما يتوهم فرقا بين سب النبي صلى الله عليه وسلم وسب ~~غيره في سقوط حده بالتوبة دون حد غيره. # الطريقة الثالثة والعشرون: أن قتل الذمي إذا سب إما أن يكون جائزا غير ~~واجب أو يكون واجبا والأول باطل بما قدمناه من الدلائل في المسألة الثانية ~~وبينا أنه قتل واجب وإذا كان واجبا فكل قتل يجب على الذمي بل كل عقوبة وجبت ~~على الذمي بقدر زائد على الكفر فإنها لا تسقط بالإسلام أصلا جامعا وقياسا ~~جليا فإنه يجب قتله بالزنا والقتل في قطع الطريق وبقتل المسلم أو الذمي ولا ~~يسقط الإسلام قتلا واجبا وبهذا يظهر الفرق بين قتله وقتل الحربي الأصلي أو ~~الناقض المحض فإن القتل هناك ليس واجبا عينا وبه يظهر الفرق بين هذا وبين ~~سقوط الجزية عنه بالإسلام عند أكثر الفقهاء غير الشافعي فإن الجزية عند ~~بعضهم عقوبة للمقام على الكفر وعند بعضهم عوض عن حقن الدماء وقد يقال: أجرة ~~سكنى الدار ممن لا يملك السكنى فليست عقوبة وجبت لقدر زائد على الكفر. # الطريقة الرابعة والعشرون: أنه قتل لسبب ماض فلم يسقط بالتوبة والإسلام ~~كالقتل للزنى وقطع الطريق وعكسه القتل لسبب حاضر وهو القتل لكفر قديم باق ~~أو محدث جديد باق أعني الكفر الأصلي والطارئ # PageV01P452 # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى ~~الله ورسوله" فأمر بقتله للأذى ماض ولم يقل "فإنه ms382 يؤذي الله ورسوله" وكذلك ~~ما تقدم من الآثار فيها دلالة على أن السب أوجب القتل والسب كلام لا يدوم ~~ويبقى بل هو كالأفعال المنصرمة من القتل والزنى وما كان هكذا فالحكم فيه ~~عقوبة فاعله مطلقا بخلاف القتل للردة أو للكفر الأصلي فإنه إنما يقتل لأنه ~~حاضر موجود حين القتل لأن الكفر اعتقاد والاعتقاد يبقى في القلب وإنما يظهر ~~أنه اعتقاد بما يظهر من قول ونحوه فإذا ظهر فالأصل بقائه فيكون هذا ~~الاعتقاد حاصلا في القلب وقت القتل وهذا وجه محقق ومبناه على أن قتل الساب ~~ليس لمجرد الردة ونقض العهد فقط كغيره ممن جرد الردة وجرد نقض العهد بل ~~لقدر زائد على ذلك وهو ما جاء به من الأذى والإضرار وهذا أصل قد تمهد على ~~وجهه لا يستريب فيه لبيب. # الطريقة الخامسة والعشرون: أن هذا قتل تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~فلم يسقط بإسلام الساب كما لو قتل نبيا وذلك أن المسلم أو المعاهد إذا قتل ~~نبيا ثم أسلم بعد ذلك لم يسقط عنه القتل فإنه لو قتل بعض الأمة لم يسقط عنه ~~القتل بإسلامه فكيف يسقط عنه إذا قتل النبي؟ ولا يجوز أن يتخير فيه خليفة ~~بعد الإسلام بين القتل والعفو على الدية أو أكثر منها كما يتخير في قتل ~~قاتل من لا وارث له لأن قتل النبي أعظم أنواع المحاربة والسعي في الأرض ~~فسادا فإن هذا حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا بلا ريب وإذا كان من ~~قاتل على خلاف أمره محاربا له ساعيا في الأرض فسادا فمن قاتله أو قتله فهو ~~أعظم محاربة وأشد سعيا في الأرض فسادا وهو من أكبر أنواع الكفر ونقض العهد ~~وإن زعم أنه لم يقتله مستحلا كما ذكره إسحاق بن راهويه من أن هذا إجماع من ~~المسلمين وهو ظاهر وإذا وجب قتله عينا وإن أسلم وجب قتل سابه أيضا وإن أسلم ~~لأن كلاهما أذى له يوجب القتل لا لمجرد كونه ردة أو نقض # PageV01P453 # عهد ولا تمثيلا له بقتل غيره أو ms383 سبه فإن سب غيره لا يوجب القتل وقتل غيره ~~إنما فيه القود الذي يتخير فيه الوارث أو السلطان بين القتل أو أخذ الدية ~~وللوارث أن يعفو عنه مطلقا بل لكون هذا محاربة لله ورسوله وسعيا في الأرض ~~فسادا ولا يعلم شيء أكثر منه فإن أعظم الذنوب الكفر وبعده قتل النفس وهذا ~~أقبح الكفر وقتل أعظم النفوس قدرا ومن قال: "إن حد سبه يسقط بالإسلام" لزمه ~~أن يقول: إن قاتله إذا أسلم يصير بمنزلة قاتل من لا وارث له من المسلمين ~~لأن القتل بالردة ونقض العهد سقط ولم يبق إلا مجرد القود كما قال بعضهم: إن ~~قاذفه إذا أسلم جلد ثمانين أو أن يقول: يسقط عنه القود بالكلية كما أسقط حد ~~قذفه وسبه بالكلية وقال: انغمر حد السب في موجب الكفر لا سيما على رأيه إن ~~كان السب من كافر ذمي يستحل قتله وعداوته ثم أسلم بعد ذلك وأقبح بهذا من ~~قول ما أنكره وأبشعه وأنه لا يقشعر منه الجلد أن تطل دماء الأنبياء في موضع ~~تثأر فيه دماء غيرهم وقد جعل الله عامة ما أصاب بني إسرائيل من الذلة ~~والمسكنة والغضب حتى سفك منهم من الدماء ما شاء الله ونهبت الأموال وزال ~~الملك عنهم وسبيت الذرية وصاروا تحت أيدي غيرهم إلى يوم القيامة إنما هو ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق وكل من قتل نبيا ~~فهذا حاله وإنما هذا بقوله: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم} عطف خاص على عام وإذا كان هذا باطلا فنظيره باطل مثله فإن أذى النبي ~~إما أن يندرج في عموم الكفر والنقض أو يسوى بينه وبين أذى غيره فيما سوى ~~ذلك أو يوجب القتل لخصوصه فإذا بطل القسمان الأولان تعين الثالث ومتى أوجب ~~القتل لخصوصه فلا ريب أنه يوجبه مطلقا. # PageV01P454 # واعلم أن منشأ الشبهة في هذه المسألة القياس الفاسد وهو التسوية في الجنس ~~بين المتباينين تباينا لا يكاد يجمعهما جامع وهو التسوية بين النبي وغيره ~~في الدم أو في ms384 العرض إذا فرض عود المنتهك إلى الإسلام وهو مما يعلم بطلانه ~~ضرورة ويقشعر الجلد من التفوه به فإن من قتله للردة أو للنقض فقط ولم يجعل ~~لخصوص كونه أذى له أثرا وإنما المؤثر عنده عموم وصف الكفر إما أن يهدر خصوص ~~الأذى أو يسوى فيه بينه وبين غيره زعما منه أن جعله كفرا ونقضا هو غاية ~~التعظيم وهذا كلام من لم ير للرسول حقا يزيد على مجرد تصديقه في الرسالة ~~وسوى بينه وبين سائر المؤمنين فيما سوى هذا الحق. # وهذا كلام خبيث يصدر عن قلة فقه ثم يجر إلى شعبة نفاق ثم يخاف أن يخرج ~~إلى النفاق الأكبر وأنه لخليق به ومن قال هذا القول من الفقهاء لا يرتضي أن ~~يلتزم مثل هذا المحذور ولا يفوه به فإن الرسول أعظم في صدورهم من أن يقولوا ~~فيه مثل هذا لكن هذا لازم قولهم لزوما لا محيد عنه وكفى بقول فسادا أن يكون ~~هذا حقيقته بعد تحريره وإلا فمن تصور أن له حقوقا كثيرة عظيمة مضافة إلى ~~الإيمان به وهي زيادة في الإيمان به كيف يجوز أن يهدر أذاه إذا فرض عريا عن ~~الكفر أو يسوى بينه وبين غيره؟ أرأيت لو أن رجلا سب أباه وآذاه كانت عقوبته ~~المشروعة مثل عقوبة من سب غير أبيه أم يكون أشد لما قابل الحقوق بالعقوق؟ ~~وقد قال سبحانه وتعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} الآية # PageV01P455 # وفي مراسيل أبي داود عن ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ~~ضرب أباه فاقتلوه" وبالجملة فلا يخفى على لبيب أن حقوق الوالدين لما كانت ~~أعظم كان النكال على أذاهما باللسان وغيره أشد مع أنه ليس كفرا فإذا كان قد ~~أوجب له من الحقوق ما يزيد على التصديق وحرم من أنواع أذاه ما لا يستلزم ~~التكذيب فلا بد لتلك الخصائص من عقوبات على الفعل والترك ومما هو كالإجماع ~~من المحققين امتناع أن يسوى بينه وبين غيره ms385 في العقوبة على خصوص أذاه وهو ~~ظاهر لم يبق إلا أن يكون القتل جزاء ما قوبل به من حقوقه بالعقوق جزاء ~~وفاقا وأنه لقليل له ولعذاب الآخرة أشد وقد لعن الله مؤذيه في الدنيا ~~والآخرة وأعد له عذابا مهينا. # الطريقة السادسة والعشرون: أنا قد قدمنا من السنة وأقوال الصحابة ما دل ~~على قتل من آذاه بالتزوج بنسائه والتعرض بهذا الباب لحرمته في حياته أو بعد ~~موته وأن قتله لم يكن حد الزنا من وطء ذوات المحارم وغيرهن بل لما في ذلك ~~من أذاه فإما أن يجعل هذا الفعل كفرا أو لا يجعل فإن لم يجعل كفرا فقد ثبت ~~قتل من آذاه مع تجرده عن الكفر وهو المقصود فالأذى بالسب ونحوه أغلظ وإن ~~جعل كفرا فلو فرض أنه تاب منه لم يجز أن يقال: يسقط القتل عنه لأنه يستلزم ~~أن يكون من الأفعال ما يوجب القتل ويسقط بالتوبة بعد القدرة وثبوته عند ~~الإمام وهذا لا عهد لنا به في الشريعة ولا يجوز إثبات مالا نضير له إلا بنص ~~وهو لعمري سمح فإن إظهار التوبة باللسان من فعل تشتهيه النفوس سهل على ذي ~~الغرض إذا أخذ # PageV01P456 # فيسقط مثل هذا الحد بهذا وإذا لم يسقط القتل الذي أوجبه هذا الأذى عنه ~~فكذلك القتل الذي أوجبه أذى اللسان وأولى لأن القرآن قد غلظ هذا على ذاك ~~والتقدير أن كلاهما كفر فإذا لم يسقط قتل من أتى بالأدنى فأن لا يسقط قتل ~~من أتى بالأعلى أولى. # الطريقة السابعة والعشرون: أنه سبحانه وتعالى قال: {إن شانئك هو الأبتر} ~~فأخبر سبحانه أن شانئه هو الأبتر والبتر: القطع يقال: بتر يبتر بترا وسيف ~~بتار إذا كان قاطعا ماضيا ومنه في الاشتقاق الأكبر تبره تتبيرا إذا أهلكه ~~والتبار: الهلاك والخسران وبين سبحانه أنه هو الأبتر بصيغة الحصر والتوكيد ~~لأنهم قالوا: إن محمدا ينقطع ذكره لأنه لا ولد له فبين الله أن الذي يشنأه ~~هو الأبتر لا هو والشنآن منه ما هو باطن في القلب لم يظهر ومنه ما يظهر ms386 على ~~اللسان وهو أعظم الشنآن وأشده وكل جرم استحق فاعله عقوبة من الله إذا أظهر ~~ذلك الجرم عندنا وجب أن نعاقبه ونقيم عليه حد الله فيجب أن نبتر من أظهر ~~شنآنه وأبدى عداوته وإذا كان ذلك واجبا وجب قتله وإن أظهر التوبة بعد ~~القدرة وإلا لما انبتر له شانئ بأيدينا في غالب الأمر لأنه لا يشاء شانئ أن ~~يظهر شنآنه ثم يظهر المتاب بعد رؤية السيف إلا فعل فإن ذلك سهل على من يخاف ~~السيف. # تحقيق ذلك أنه سبحانه رتب الانبتار على شنآنه والاسم المشتق المناسب إذا ~~علق به حكم كان ذلك دليلا على أن المشتق منه علة لذلك الحكم فيجب أن يكون ~~شنآنه هو الموجب لانبتاره وذلك أخص مما تضمنه الشنآن من الكفر المحض أو نقض ~~العهد والانبتار يقتضي وجوب قتله بل يقتضي # PageV01P457 # انقطاع العين والأثر فلو جاز استحياؤه بعد إظهار الشنآن لكان في ذلك ~~إبقاء لعينه وأثره وإذا اقتضى الشنآن قطع عينه وأثره كان كسائر الأسباب ~~الموجبة لقتل الشخص وليس شيء يوجب قتل الذمي إلا هو موجب لقتله بعد الإسلام ~~إذ الكفر المحض مجوز للقتل لا موجب له على الإطلاق وهذا لأن الله سبحانه ~~لما رفع ذكر محمد عليه الصلاة والسلام فلا يذكر إلا ذكر معه ورفع ذكر من ~~اتبعه إلى يوم القيامة حتى أنه يبقى ذكر من بلغ عنه ولو حديثا وإن كان غير ~~فقيه قطع أثر من شنأه من المنافقين وإخوانهم من أهل الكتاب وغيرهم فلا يبقى ~~له ذكر حميد وإن بقيت أعيانهم وقتا ما إذا لم يظهروا الشنآن فإذا أظهروه ~~محقت أعيانهم وآثارهم تقديرا وتشريعا فلو استبقى من أظهر شنآنه بوجه ما لم ~~يكن مبتورا إذ البتر يقتضي قطعه ومحقه من جميع الجوانب والجهات فلو كان له ~~وجه إلى البقاء لم يكن مبتورا. # يوضح ذلك أن العقوبات التي شرعها الله نكالا مثل قطع السارق ونحوه لا ~~تسقط بإظهار التوبة إذ النكال لا يحصل بذلك فما شرع لقطع صاحبه وبتره ومحقه ~~كيف يسقط بعد الأخذ فإن ms387 هذا الفظ يشعر بأن المقصود اصطلام صاحبه واستئصاله ~~واجتياحه وقطع شنآنه وما كان بهذه المثابة كان عما يسقط عقوبته أبعد من كل ~~أحد وهذا بين لمن تأمله والله أعلم. # والجواب عن حججهم: أما قولهم "هو مرتد فيستتاب كسائر المرتدين" فالجواب ~~أن هذا مرتد بمعنى أنه تكلم بكلمة صار بها كافرا حلال الدم مع جواز أن يكون ~~مصدقا للرسول معترفا بنوبته لكن موجب التصديق توقيره في الكلام فإذا انتقصه ~~في كلامه ارتفع حكم التصديق وصار # PageV01P458 # بمنزلة اعتراف إبليس لله بالربوبية فإنه موجب للخضوع له فلما استكبر عن ~~أمره بطل حكم ذلك الاعتراف فالإيمان بالله وبرسوله قول وعمل أعني بالعمل ما ~~ينبعث عن القول والاعتقاد من التعظيم والإجلال فإذا عمل ضد ذلك من ~~الاستكبار والاستخفاف صار كافرا وكذلك كان قتل النبي كفرا باتفاق العلماء ~~فالمرتد: كل من أتى بعد الإسلام من القول أو العمل بما يناقض الإسلام بحيث ~~لا يجتمع معه وإذا كان كذلك فليس كل من وقع عليه اسم المرتد يحقن دمه ~~بالإسلام فإن ذلك لم يثبت بلفظ علم عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~أصحابه وإنما جاء عنه وعن أصحابه في ناس مخصوصين أنهم استتابوهم أو أمروا ~~باستتابتهم ثم إنهم أمروا بقتل الساب وقتلوه من غير استتابة. # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل العرنيين من غير استتابة ~~وأنه أهدر دم ابن خطل ومقيس بن حبابة وابن أبي سرح من غير استتابة فقتل ~~منهم اثنان وأراد من أصحابه أن يقتلوا الثالث بعد أن جاء تائبا. # فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وسائر الصحابة تبين ~~لك أن من المرتدين من يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته ومنهم من يستتاب ~~وتقبل توبته فمن لم يوجد منه إلا مجرد تبديل الدين وتركه وهو مظهر لذلك ~~فإذا تاب قبلت توبته كالحارث بن سويد وأصحابه والذين ارتدوا في عهد الصديق ~~رضي الله عنه ومن كان مع ردته قد أصاب ما يبيح الدم من قتل مسلم وقطع ~~الطريق ms388 وسب الرسول والافتراء عليه ونحو ذلك وهو في دار الإسلام غير ممتنع ~~بفئة فإنه إذا أسلم يؤخذ بذلك الموجب للدم فيقتل للسب وقطع الطريق مع قبول ~~إسلامه # PageV01P459 # هذه طريقة من يقتله لخصوص السب وكونه حدا من الحدود أو حقا للرسول فإنه ~~يقول: الردة نوعان: ردة مجردة وردة مغلظة والتوبة إنما هي مشروعة في الردة ~~المجردة فقط دون الردة المغلظة وهذه ردة مغلظة وقد تقدم تقرير ذلك في ~~الأدلة. # ثم الكلمة الوجيزة في الجواب أن يقال: جعل الردة جنسا واحدا تقبل توبة ~~أصحابه ممنوع فلا بد له من دليل ولا نص في المسألة والقياس متعذر لوجود ~~الفرق. # ومن يقتله لدلالة السب على الزندقة فإنه يقول: هذا لم يثبت إذا لا دليل ~~يدل على صحة التوبة كما تقدم. # وبهذا حصل الجواب عن احتجاجهم بقول الصدق وتقدم الجواب عن قول ابن عباس ~~وأما استتابة الأعمى أم ولده فإنه لم يكن سلطانا ولم تكن إقامة الحدود ~~واجبة عليه وإنما النظر في جواز إقامته للحد ومثل هذا لا ريب أنه يجوز له ~~أن ينهى الساب ويستتيبه فإنه ليس عليه أن يقيم الحد ولا يمكنه أن يشهد به ~~عند السلطان وحده فإنه لا ينفع ونظيره في ذلك من كان يسمع من المسلمين ~~كلمات من المنافقين توجب الكفر فتارة ينقلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتارة ينهي صاحبها ويخوفه ويستتيبه وهو بمثابة من ينهى من يعلم منه الزنا ~~أو السرقة أو قطع الطريق عن فعله لعله يتوب قبل أن يرفع إلى السلطان ولو ~~رفع قبل التوبة لم يسقط حده بالتوبة بعد ذلك. # وأما الحجة الثانية فالجواب عنها من وجوه: # أحدها: أنه مقتول بالكفر بعد الإسلام وقولهم "كل من كفر بعد إسلامه فإن ~~توبته تقبل". # قلنا: هذا ممنوع والآية إنما دلت على قبول توبة من كفر بعد إيمانه # PageV01P460 # إذا لم يزدد كفرا أما من كفر وزاد على الكفر فلم تدل الآية على قبول ~~توبته بل قوله: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا} قد يتمسك بها ms389 ~~من خالف ذلك على أنه إنما استثنى من تاب وأصلح وهذا لا يكون فيمن تاب بعد ~~أخذه وإنما استفدنا سقوط القتل عن التائب لمجرد توبته من السنة وهي إنما ~~دلت على من جرد الردة مثل الحارث بن سويد ودلت على أن من غلظها كابن أبي ~~سرح يجوز قتله بعد التوبة والإسلام. # الوجه الثاني: أنه مقتول لكونه كفر بعد إسلامه ولخصوص السب كما تقدم ~~تقريره فاندرج في عموم الحديث مع كون السب مغلظا لجرمه ومؤكدا لقتله. # الوجه الثالث: أنه عام قد خص منه تارك الصلاة وغيرها من الفرائض عند من ~~يقتله ولا يكفره وخص منه قتل الباغي وقتل الصائل بالسنة والإجماع فلو قيل ~~"إن السب موجب للقتل بالأدلة التي ذكرناها وهي أخص من هذا الحديث" لكان ~~كلاما صحيحا. # وأما من يحتج بهذا الحديث في الذمي إذا سب ثم أسلم فيقال له: هذا وجب ~~قتله قبل الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم إنما يريد إباحة الدم بعد حقنه ~~بالإسلام ولم يتعرض لمن وجب قتله ثم أسلم أي شيء حكمه ولا يجوز أن يحمل ~~الحديث عليه فإنه إذا حمل على حل الدم بالأسباب الموجودة قبل الإسلام وبعده ~~لزم من ذلك أن يكون الحربي إذا قتل أو زنى ثم شهد شهادتي الحق أن يقتل بذلك ~~القتل والزنى لشمول الحديث على هذا التقدير له وهو باطل قطعا ولا يجوز أن ~~يحمل على أن كل من أسلم لا يحل دمه إلا بإحدى الثلاث إن صدر عنه بعد ذلك ~~لأنه يلزمه أن لا يقتل الذمي لقتل أو زنى # PageV01P461 # صدر منه قبل الإسلام فعلم أن المراد أن المسلم الذي تكلم بالشهادتين يعصم ~~دمه لا يبيحه بعد هذا إلا إحدى الثلاث ثم لو اندرج هذا في العموم لكان ~~مخصوصا بما ذكرناه من أن قتله حد من الحدود وذلك أن كل من أسلم فإن الإسلام ~~يعصم دمه فلا يباح بعد ذلك إلا بإحدى الثلاث وقد يتخلف الحكم عن هذا ~~المقتضى لمانع من ثبوت حد قصاص أو زنى أو نقض عهد ms390 فيه ضرر وغير ذلك ومثل ~~هذا كثيرا في العمومات. # وأما الآية على الوجهين الأولين فنقول: إنما تدل على أن من كفر بعد ~~إيمانه ثم تاب وأصلح فإن الله غفور رحيم ونحن نقول بموجب ذلك أما من ضم إلى ~~الكفر انتهاك عرض الرسول والافتراء عليه أو قتله أو قتل واحد من المسلمين ~~أو انتهك عرضه فلا تدل الآية على سقوط العقوبة عن هذا على ذلك والدليل على ~~ذلك قوله سبحانه: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} فإن التوبة عائدة ~~إلى الذنب المذكور والذنب المذكور هو الكفر بعد الإيمان وهذا أتى بزيادة ~~على الكفر توجب عقوبة بخصوصها كما تقدم والآية لم تتعرض من للتوبة من غير ~~الكفر ومن قال "هو زنديق" قال: أنا لا أعلم أن هذا تاب ثم إن الآية إنما ~~استثنى فيها من تاب وأصلح وهذا الذي رفع إلي لم يصلح وأنا لا أؤخر العقوبة ~~الواجبة عليه إلى أن يظهر صلاحه نعم الآية قد تعم من فعل ذلك ثم تاب وأصلح ~~قبل أن يرفع إلى الإمام وهذا قد يقول كثير من الفقهاء بسقوط العقوبة على أن ~~الآية التي بعدها قد تشعر بأن المرتد قسمان: قسم تقبل توبته وهو من كفر فقط ~~وقسم لا تقبل توبته وهو من كفر ثم ازداد كفرا قال سبحانه وتعالى: {إن الذين ~~كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم} وهذه الآية وإن كان قد ~~تأولها أقوام على من ازداد كفرا إلى أن عاين الموت فقد يستدل بعمومها # PageV01P462 # على هذه المسألة فقال: من كفر بعد إيمانه وازداد كفرا بسب الرسول ونحوه ~~لم تقبل توبته خصوصا من استمر به ازدياد الكفر إلى أن ثبت عليه الحد وأراد ~~السلطان قتله فهذا قد يقال: إنه ازداد كفرا إلى أن رأى أسباب الموت وقد ~~يقال فيه: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} إلى قوله: {فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} وأما قوله سبحانه وتعالى {قل للذين كفروا ~~إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} فإنه يغفر ms391 لهم ما قد سلف من الآثام وأما من ~~الحدود الواجبة على مسلم مرتد أو معاهد فإنه يجب استيفاؤها بلا تردد على أن ~~سياق الكلام يدل أنها في الحربي. # ثم نقول: الانتهاء إنما هو الترك قبل القدرة كما في قوله تعالى: {لئن لم ~~ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض} إلى قوله: {أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا ~~تقتيلا} فمن لم يتب حتى أخذ فلم ينته ويقال أيضا: إنما تدل الآية على أنه ~~يغفر لهم وهذا مسلم وليس كل من غفر له سقطت العقوبة عنه في الدنيا فإن ~~الزاني أو السارق لو تاب توبة نصوحا غفر الله له ولا بد من إقامة الحدود ~~عليه وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله" كقوله: "التوبة تجب ~~ما قبلها" ومعلوم أن التوبة بعد القدرة لا تسقط الحد كما دل عليه القرآن ~~وذلك أن الحديث خرج جوابا لعمرو بن العاص لما قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي فقال: "يا عمرو أما علمت أن ~~الإسلام يهدم ما كان قبله وأن التوبة تهدم ما كان قبلها وأن الهجرة تهدم ما ~~كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله" فعلم أنه عنى # PageV01P463 # بذلك أنه يهدم الآثام الذنوب التي سأل عمرو مغفرتها ولم يجر للحدود ذكر ~~وهي لا تسقط بهذه الأشياء بالاتفاق وقد بين صلى الله عليه وسلم في حديث ابن ~~أبي سرح أن ذنبه سقط بالإسلام وأن القتل إنما سقط عنه يعفو النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما تقدم ولو فرض أنه عام فلا خلاف أن الحدود لا تسقط عن الذمي ~~بإسلامه وهذا منها كما تقدم. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} فالجواب ~~عنها من وجوه: # أحدها: أنه ليس في الآية دليل على أن هذه الآية نزلت فيمن سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وشتمه وإنما فيها أنها نزلت في المنافقين وليس كل منافق ~~يسبه ويشتمه فإن الذي يشتمه من أعظم المنافقين وأقبحهم نفاقا وقد ms392 ينافق ~~الرجل بأن لا يعتقد النبوة وهو لا يشتمه كحال كثير من الكفار ولو أن كل ~~منافق بمنزلة من شتمه لكان كل مرتد شاتما ولاستحالت هذه المسألة وليس الأمر ~~كذلك فإن الشتم قدر زائد على النفاق والكفر على ما لا يخفى وقد كان ممن هو ~~كافر من يحبه ويوده ويصطنع إليه المعروف خلق كثير وكان ممن يكف عنه أذاه من ~~الكفار خلق أكثر من أولئك وكان ممن يحاربه ولا يشتمه خلق آخرون بل الآية ~~تدل على أنها نزلت في منافقين غير الذين يؤذونه فإنه سبحانه وتعالى قال: ~~{ومنهم الذين يؤذون النبي} إلى قوله: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ~~ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا ~~مجرمين} # PageV01P464 # فليس في هذا ذكر سب وإنما فيه ذكر استهزاء ومن الاستهزاء بالدين ما لا ~~يتضمن سبا ولا شتما للرسول. # وفي هذا الوجه نظر كما تقدم في سبب نزولها إلا أن يقال: تلك الكلمات ليست ~~من السب المختلف فيه وهذا ليس بجيد. # الوجه الثاني: أنهم قد ذكروا أن المعفو عنه هو الذي استمع أذاهم ولم ~~يتكلم وهو مخشي بن حمير هو الذي تيب عليه وأما الذين تكلموا بالأذى فلم يعف ~~عن أحد منهم. # يحقق هذا أن العفو المطلق إنما هو ترك المؤاخذة بالذنب وإن لم يتب صاحبه ~~كقوله تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم} والكفر لا يعفى عنه فعلم أن الطائفة ~~المعفو عنها كانت عاصية لا كافرة إما بسماع الكفر دون إنكاره والجلوس مع ~~الذين يخوضون في آيات الله أو بكلام هو ذنب وليس هو كفرا أو غير ذلك وعلى ~~هذا فتكون الآية دالة على أنه لا بد من تعذيب أولئك المستهزئين وهو دليل ~~على أنه لا توبة لهم لأن ms393 من أخبر الله بأنه يعذب وهو معين امتنع أن يتوب ~~توبة تمنع العذاب فيصلح أن يجعل هذا دليلا في المسألة. # الوجه الثالث: أنه سبحانه وتعالى أخبر أنه لا بد أن تعذب طائفة من هؤلاء ~~إن عفا عن طائفة وهذا يدل على أن العذاب واقع بهم لا محالة وليس فيه ما يدل ~~على وقوع العفو لأن العفو معلق بحرف الشرط فهو محتمل وأما العذاب فهو واقع ~~بتقدير وقوع العفو وهو بتقدير عدمه أوقع فعلم أنه لا بد من التعذيب: إما ~~عاما أو خاصا لهم ولو كانت توبتهم كلهم مرجوة صحيحة لم يكن كذلك لأنهم إذا ~~تابوا لم يعذبوا وإذا ثبت أنهم لا بد أن # PageV01P465 # يعذبهم الله لم يجز القول بجواز قبول التوبة منهم وإنه يحرم تعذيبهم إذا ~~أظهروها وسواء أراد بالتعذيب التعذيب بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين لأنه ~~سبحانه وتعالى أمر نبيه فيما بعد بجهاد الكفار والمنافقين فكان من أظهره ~~عذب بأيدي المؤمنين ومن كتمه عذبه الله بعذاب من عنده وفي الجملة فليس في ~~الآية دليل على أن العفو واقع وهذا كاف هنا. # الوجه الرابع: أنه إن كان في هذه الآية دليل على قبول توبتهم فهو حق ~~وتكون هذه التوبة إذا تابوا قبل أن يثبت النفاق عند السلطان كما بين ذلك ~~قوله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض} الآيتين فإنها ~~دليل على أن من لم ينته حتى أخذ فإنه يقتل وعلى هذا فلعله والله أعلم عنى: ~~{إن نعف عن طائفة منكم} وهم الذين أسروا النفاق حتى تابوا منه: {نعذب ~~طائفة} وهم الذين أظهروه حتى أخذوا فتكون دالة على وجوب تعذيب من أظهره. # الوجه الخامس: أن هذه الآية تضمنت أن العفو عن المنافق إذا أظهر النفاق ~~وتاب أو لم يتب فذلك منسوخ بقوله تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين} كما ~~أسلفناه وبيناه. # ويؤيده أنه قال: {إن نعف} ولم يبت وسبب النزول يؤيد أن النفاق ثبت عليهم ~~ولم يعاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك كان في غزوة تبوك قبل أن ms394 تنزل ~~براءة وفي عقبها نزلت سورة براءة فأمر فيها بنبذ العهود إلى المشركين وجهاد ~~الكفار والمنافقين. # فالجواب عما احتج به منها من وجوه: # أحدها: أنه سبحانه وتعالى إنما ذكر أنهم قالوا كلمة الكفر وهموا بما لم ~~ينالوا وليس في هذا ذكر للسب والكفر أعم من السب ولا يلزم من ثبوت # PageV01P466 # الأعم ثبوت الأخص لكن فيما ذكر من سبب نزولها ما يدل على أنها نزلت فيمن ~~سب فيبطل هذا. # الوجه الثاني: أنه سبحانه وتعالى إنما عرض التوبة على الذين يحلفون بالله ~~ما قالوا وهذا حال من أنكر أن يكون تكلم بكفر وحلف على إنكاره فأعلم الله ~~نبيه أنه كاذب في يمينه وهذا كان شأن كثير ممن يبلغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم عنه الكلمة من النفاق ولا تقوم عليه به بينة ومثل هذا لا يقام عليه حد ~~إذ لم يثبت عليه في الظاهر شيء والنبي صلى الله عليه وسلم إنما يحكم في ~~الحدود ونحوها بالظاهر والذي ذكروه في سبب نزولها من الوقائع كلها إنما فيه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بما قالوه بخبر واحد إما حذيفة أو عامر ~~بن قيس أو زيد بن أرقم أو غير هؤلاء أو أنه أوحي إليه وحي بحالهم وفي بعض ~~التفاسير أن المحكي عنه هذه الكلمة الجلاس بن سويد اعترف بأنه قالها وتاب ~~من ذلك من غير بينة قامت عليه فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه ~~وهذا كله دلالة واضحة على أن التوبة من مثل هذا مقبولة وهي توبة من ثبت ~~عليه نفاق وهذا لا خلاف فيه إذا تاب فيما بينه وبين الله سرا كما نافق سرا ~~أنه تقبل توبته ولو جاء مظهرا لنفاقه المتقدم ولتوبته منه من غير أن تقوم ~~عليه بينه بالنفاق قبلت توبته أيضا على القول المختار كما تقبل توبة من جاء ~~مظهرا للتوبة من زنى أو سرقة ولم يثبت عليه على الصحيح وأولى من ذلك وأما ~~من ثبت نفاقه بالبينة فليس في الآية ولا فيما ذكر من ms395 سبب نزولها ما يدل على ~~قبول توبته بل وليس في نفس الآية ما يدل على ظهور التوبة بل يجوز أن يحمل ~~على توبته فيما بينه وبين الله فإن ذلك نافع وفاقا وإن أقيم عليه الحد كما ~~قال تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} وقال تعالى: {ومن يعمل # PageV01P467 # سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} وقال تعالى: {يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا} وقال تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} وقال ~~تعالى: {غافر الذنب وقابل التوب} إلى غير ذلك من الآيات مع أن هذا لا يوجب ~~أن يسقط الحد الواجب بالبينة عمن أتى فاحشة موجبة للحد أو ظلم نفسه بشرب أو ~~سرقة فلو قال من لم يسقط الحد عن المنافق سواء ثبت نفاقه ببينه أو إقرار ~~"ليس في الآية ما يدل على سقوط الحد عنه" لكان لقوله مساغ. # الوجه الثالث: أنه قال سبحانه وتعالى: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم} إلى قوله: {يحلفون بالله ما قالوا} الآية وهذا تقرير لجهادهم وبيان ~~لحكمته وإظهار لحالهم المقتضي لجهادهم فإن ذكر الوصف المناسب بعد الحكم يدل ~~على أنه علة له وقوله: {يحلفون بالله ما قالوا} وصف لهم وهو مناسب لجهادهم ~~فإن كونهم يكذبون في أيمانهم ويظهرون الإيمان ويبطنون الكفر موجب للإغلاظ ~~عليهم بحيث لا يقبل منهم ولا يصدقون فيما يظهرونه من الإيمان بل ينتهرون ~~ويرد ذلك عليهم. # وهذا كله دليل على أنه لا يقبل ما يظهره من التوبة بعد أخذه إذ لا فرق ~~بين كذبه فيما يخبر به عن الماضي أنه لم يكفر وفيما يخبره من الحاضر أنه ~~ليس بكافر فإذا بين سبحانه وتعالى من حالهم ما يوجب أن لا يصدقوا وجب أن لا ~~يصدق # PageV01P468 # في إخباره أنه ليس بكافر بعد ثبوت كفره بل يجري عليه حكم قوله تعالى: ~~{والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} لكن بشرط ms396 أن يظهر كذبه فيها فأما بدون ~~ذلك فإنا لم نأمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم وعلى هذا فقوله ~~تعالى: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم} أي قبل ظهور النفاق وقيام البينة به عند ~~الحاكم حتى يكون للجهاد موضع وللتوبة موضع وإلا فقبول التوبة الظاهرة في كل ~~وقت يمنع الجهاد لهم بالكلية. # الوجه الرابع: أنه سبحانه وتعالى قال بعد ذلك: {وإن يتولوا يعذبهم الله ~~عذابا أليما في الدنيا والآخرة} وفسر ذلك في قوله تعالى: {ونحن نتربص بكم ~~أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} وهذا يدل على أن هذه التوبة قبل ~~أن نتمكن من تعذيبهم بأيدينا لأن من تولى عن التوبة حتى أظهر النفاق وشهد ~~عليه به وأخذ فقد تولى عن التوبة التي عرضها الله عليه فيجب أن يعذبه الله ~~عذابا أليما في الدنيا والقتل عذاب أليم فيصلح أن يعذب به لأن المتولي أبعد ~~أحواله أن يكون ترك التوبة إلى أن لا يتركه الناس لأنه لو كان المراد به ~~تركها إلى الموت لم يعذب في الدنيا لأن عذاب الدنيا قد فات فلا بد أن يكون ~~التولي ترك التوبة وبينه وبين الموت مهل يعذبه الله فيه كما ذكره سبحانه ~~فمن تاب بعد الأخذ ليعذب فهو ممن لم يتب قبل ذلك بل تولى فيستحق أن يعذبه ~~الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ومن تأمل هذه الآية والتي قبلها وجدهما ~~دالتين على أن التوبة بعد أخذه لا ترفع عذاب الله عنه. # وأما كون هذه التوبة مقبولة فيما بينه وبين الله وإن تضمنت التوبة من # PageV01P469 # عرض الرسول فنقول أولا وإن كان حق هذا الجواب أن يؤخر إلى المقدمة ~~الثانية: هذا القدر لا يمنع إقامة الحد عليه إذا رفع إلينا ثم أظهر التوبة ~~بعد ذلك كما أن الزاني والشارب وقاطع الطريق إذا تاب فيما بينه وبين الله ~~قبل أن يرفع إلينا قبل الله توبته وإذا اطلعنا عليه ثم تاب فلا بد من إقامة ~~الحد عليه ويكون ذلك من تمام توبته وجميع الجرائم من ms397 هذا الباب. # وقد يقال: إن المنتهك لأعراض الناس إذا استغفر لهم ودعا لهم قبل أن ~~يعلموا بذلك رجي أن يغفر الله له على ما في ذلك من الخلاف المشهور ولو ثبت ~~ذلك عند السلطان ثم أظهر التوبة لم تسقط عقوبته وذلك أن الله سبحانه لا بد ~~أن يجعل للمذنب طريقا إلى التوبة فإذا كان عليه تبعات للخلق فعليه أن يخرج ~~منها جهده ويعوضهم عنها ما يمكنه ورحمة الله من وراء ذلك ثم ذلك لا يمنع أن ~~نقيم عليه الحد إذا ظهرنا عليه ونحن إنما نتكلم في التوبة المسقطة للحد ~~والعقوبة لا في التوبة الماحية للذنب. # ثم نقول ثانيا: إن كان ما أتاه من السب قد صدر عن اعتقاد يوجبه فهو ~~بمنزلة ما يصدر من سائر المرتدين وناقضي العهد من سفك دماء المسلمين وأخذ ~~أموالهم وانتهاك أعراضهم فإنهم يعتقدون في المسلمين اعتقادا يوجب إباحة ذلك ~~ثم إذا تابوا توبة نصوحا من ذلك الاعتقاد غفر لهم موجبه المتعلق بحق الله ~~وحق العباد كما يغفر للكافر الحربي موجب اعتقاده إذا تاب منه مع أن المرتد ~~أو الناقض متى فعل شيئا من ذلك قبل الامتناع أقيم عليه حده وإن عاد إلى ~~الإسلام سواء كان لله أو لآدمي فيحد على الزنا والشرب وقطع الطريق وإن كان ~~في زمن الردة ونقض العهد يعتقد حل ذلك الفرج لكونه وطئه بملك اليمين إذا ~~قهر مسلمة على نفسها ويعتقد حل دماء المسلمين وأموالهم # PageV01P470 # كما يؤخذ منه القود وحد القذف وإن كان يعتقد حلهما ويضمن ما أتلفه من ~~الأموال وإن اعتقد حلها. # والحربي الأصل لا يؤخذ بشيء من ذلك بعد الإسلام فكان الفرق أن ذاك كان ~~ملتزما بأيمانه وأمانه أن لا يفعل شيئا من ذلك فإذا فعله لم يعذر بفعله ~~بخلاف الحربي الأصل ولأن في إقامة هذه الحدود عليه زجرا له عن فعل هذه ~~الموبقات كما فيها زجر للمسلم المقيم على إسلامه بخلاف الحربي الأصل فإن ~~ذلك لا يزجره بل هو منفر له عن الإسلام ولأن الحربي الأصل ممتنع وهذان ms398 ~~ممكنان. # وكذلك قد نص الإمام أحمد على أن الحربي إذا زنى بعد الأسر أقيم عليه الحد ~~لأنه صار في أيدينا كما أن الصحيح عنه وعن أكثر أهل العلم أن المرتد إذا ~~امتنع لم تقم عليه الحدود لأنه صار بمنزلة الحربي إذ الممتنع يفعل هذه ~~الأشياء باعتقاد وقوة من غير زاجر له ففي إقامة الحدود عليهم بعد التوبة ~~تنفير وإغلاق لباب التوبة عليهم وهو بمنزلة تضمين أهل الحرب سواء وليس هذا ~~موضع استقصاء هذا وإنما نبهنا عليه وإذا كان هذا هنا هكذا فالمرتد والناقض ~~إذا آذيا الله ورسوله ثم تابا من ذلك بعد القدرة توبة نصوحا كانا بمنزلتهما ~~إذا حاربا باليد في قطع الطريق أو زنيا وتابا بعد أخذهما وثبوت الحد عليهما ~~ولا فرق بينهما وذلك لأن الناقض للعهد قد كان عهده يحرم عليه هذه الأمور في ~~دينه وإن كان دينه المجرد عن عهد يبيحها له. # وكذلك المرتد قد كان يعتقد أن هذه الأمور محرمة فاعتقاده إباحتها إذا لم ~~يتصل به قوة ومنعه ليس عذرا له في أن يفعلها لما كان ملتزما له من الدين ~~الحق ولما هو به من الضعف ولما في سقوط الحد عنه من الفساد وإن # PageV01P471 # كان السب صادرا عن غير اعتقاد بل سبه مع اعتقاد نبوته أو سبه بأكبر مما ~~يوجبه اعتقاده أو بغير ما يوجبه اعتقاده فهذا من أعظم الناس كفرا بمنزلة ~~إبليس وهو من نوع العناد أو السفه وهو بمنزلة من شتم بعض المسلمين أو قتلهم ~~وهو يعتقد أن دمائهم وأعراضهم حرام. # وقد اختلف الناس في سقوط حد المشتوم بتوبة الشاتم قبل العلم به سواء كان ~~نبيا أو غيره فمن اعتقد أن التوبة لا تسقط حق الآدمي له أن يمنع هنا أن ~~توبة الشاتم في الباطن صحيحة على الإطلاق وله أن يقول: إن للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يطالب هذا بشتمه مع علمه بأنه حرام كسائر المؤمنين لهم أن ~~يطالبوا شاتمهم وسابهم بل ذلك أولى وهذا القول قوي في القياس وكثير من ~~الظواهر تدل ms399 عليه. # ومن قال "هذا من باب السب والغيبة ونحوهما مما يتعلق بأعراض الناس وقد ~~فات الاستحلال فليأت للمشتوم من الدعاء والاستغفار بما يزن حق عرضه ليكون ~~ما يأخذه المظلوم من حسنات هذا بقدر ما دعا له واستغفر فيسلم له سائر عمله ~~فكذلك من صدرت منه كلمة سب أو شتم فليكثر من الصلاة والتسليم ويقابلها ~~بضدها" فمن قال: "إن ذلك يوجب قبول التوبة ظاهرا وباطنا" أدخله في قوله ~~تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" ومن قال: ~~"لا بد من القصاص" قال: قد أعد له من الحسنات ما يقوم بالقصاص وليس لنا غرض ~~في تقرير واحد من القولين هنا وإنما الغرض أن الحد لا يسقط بالتوبة لأنه إن ~~كان عن اعتقاد فالتوبة منه صحيحة مسقطة لحق الرسول في الآخرة وهي لا تسقط ~~الحد عنه في الدنيا كما تقدم وإن كانت من غير اعتقاد ففي سقوط حق الرسول ~~بالتوبة خلاف. # PageV01P472 # فإن قيل: "لا يسقط" فلا كلام وإن قيل: "يسقط الحق ولم يسقط الحد كتوبة ~~الأول وأولى" فحاصله أن الكلام في مقامين: # أحدهما: أن هذه التوبة إذا كانت صحيحة نصوحا فيما بينه وبين الله هل يسقط ~~معها حق المخلوق؟ وفيه تفصيل وخلاف فإن قيل: "لم يسقط" فلا كلام وإن قيل: ~~"يسقط" فسقوط حقه بالتوبة كسقوط حق الله بالتوبة فتكون كالتوبة من سائر ~~أنواع الفساد وتلك التوبة إذا كانت بعد القدرة لم تسقط شيئا من الحدود وإن ~~كانت تجب الإثم في الباطن. # وحقيقة هذا الكلام أن قتل الساب ليس لمجرد الردة ومجرد عدم العهد حتى ~~تقبل توبته كغيره بل لردة مغلظة ونقض مغلظ بالضرر ومثله لا يسقط موجبه ~~بالتوبة لأنه من محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض فسادا أو هو من جنس ~~الزنا والسرقة أو هو من جنس القتل والقذف فهذه حقيقة الجواب وبه يتبين ~~الخلل فيما ذكر من الحجة. # ثم نبينه مفصلا فنقول: أما قولهم: "إن ما جاء به من الإيمان به ماح لما ~~أتى به من هتك عرضه" فنقول: إن ms400 كان السب مجرد موجب اعتقاد فالتوبة من ~~الاعتقاد توبة من موجبه وأما من زاد على موجب الاعتقاد أو أتى بضده وهم ~~أكثر السابين فقد لا يسلم أن ما يأتي به من التوبة ماح إلا بعد عفوه بل ~~يقال: له المطالبة وإن سلم ذلك فهو كالقسم الأول وهذا القدر لا يسقط الحدود ~~كما تقدم غير مرة. # وأما قولهم: "حقوق الأنبياء من حيث النبوة تابعة لحق الله في الوجوب ~~فتبعته في السقوط" فنقول: هذا مسلم إن كان السب موجب اعتقاد وإلا ففيه ~~الخلاف وأما حقوق الله فلا فرق في باب التوبة بين ما موجبه اعتقاد أو غير ~~اعتقاد فإن التائب من اعتقاد الكفر وموجباته والتائب من الزنا # PageV01P473 # سواء ومن لم يسو بينهما قال: ليست أعظم من حق الله إذا لم يسقط في الباطن ~~بسقوطه ولكن الأمر إلى مستحقها: إن شاء جزى وإن شاء عفا ولم يعلم بعد ما ~~يختاره الله سبحانه قد أعلمنا أنه يغفر لكل من تاب. # وأيضا فإن مستحقها من جنس تلحقهم المضرة والمعرة بهذا ويتألمون به فجعل ~~الأمر إليهم والله سبحانه وتعالى إنما حقه راجع إلى مصلحة المكلف خاصة فإنه ~~لا ينتفع بالطاعة ولا يستضر بالمعصية فإذا عاود المكلف الخير فقد حصل ما ~~أراده ربه منه فلما كان الأنبياء عليهم السلام فيهم نعت البشر ولهم نعت ~~النبوة صار حقهم له نعت حق الله ونعت حق سائر العباد وإنما يكون حقهم ~~مندرجا في حق الله إذا صدر عن اعتقاد فإنهم لما وجب الإيمان بنبوتهم صار ~~كالإيمان بوحدانية الله فإذا لم يعتقد معتقد نبوتهم كان كافرا كما إذا لم ~~يقر بوحدانية الله وصار الكفر بذلك كفرا برسالات الله ودينه وغير ذلك فإذا ~~كان السب موجبا بذا الاعتقاد فقط مثل نفي الرسالة أو النبوة ونحو ذلك وتاب ~~منه توبة نصوحا قبلت توبته كتوبة المثلث وإذا زاد على ذلك مثل قدح في نسب ~~أو وصف لمساوي الأخلاق أو فاحشة أو غير ذلك مما يعلم هو أنه باطل أو لا ~~يعتقد صحته أو كان ms401 مخالفا للاعتقاد مثل أن يحسد أو يتكبر أو يغضب لفوات غرض ~~أو حصول مكروه مع اعتقاد النبوة فيسب فهنا إذا تاب لم يتجدد له اعتقاد أزال ~~موجب السب إنما غير نيته وقصده وهو قد آذاه فهذا السب إذا يتألم به البشر ~~ولم يكن معذورا بعدم اعتقاد النبوة فهو لحق الله من حيث جنى على النبوة ~~التي هي السبب الذي بين الله وبين خلقه فوجب قتله وهو كحق البشر من حيث أنه ~~آذى آدميا يعتقد أنه لا يحل أذاه فلذلك كان له أن يطالبه بحق أذاه وأن يأخذ ~~من حسناته بقدر أذاه وليست له حسنة تزن ذلك إلا ما يضاد السب من الصلاة ~~والتسليم ونحوهما وبهذا يظهر أن # PageV01P474 # التوبة من سب صدر من غير اعتقاد من الحقوق التي تجب للبشر ثم هو حق متعلق ~~بالنبوة لا محالة فهذا قول هذا القائل وإن كنا لم نرجح واحدا من القولين. # ثم إذا كانت حقوقهم تابعة لحق الله فمن الذي يقول: إن حقوق الله تسقط عن ~~المرتد وناقض العهد بالتوبة؟ فإنا قد بينا أن هؤلاء تقام عليهم حدود الله ~~بعد التوبة وإنما تسقط بالتوبة عقوبة الردة المجردة والنقض المجرد وهذا ليس ~~كذلك. # وأما قوله: "إن الرسول يدعوا الناس إلى الإيمان به ويخبرهم أن الإيمان ~~يمحو الكفر فيكون قد عفا لمن كفر عن حقه" فنقول: هذا جيد إذا كان السب موجب ~~الاعتقاد فقط لأنه هو الذي اقتضاه ودعاه إلى الإيمان به فإنه من أزال ~~اعتقاد الكفر به باعتقاد الإيمان به زال موجبه أما من زاد على ذلك وسبه بعد ~~أن آمن به أو عاهده فلم يلتزم أن يعفو عنه وقد كان له أن يعفو وله أن لا ~~يعفو والتقدير المذكور في السؤال إنما يدل على سب أوجبه الاعتقاد ثم زال ~~باعتقاد الإيمان لأنه هو الذي كان يدعو إليه الكفر وقد زال بالإيمان وأما ~~ما سوى ذلك فلا فرق بينه وبين سب سائر الناس من هذه الجهة وذلك أن الساب إن ~~كان حربيا فلا فرق بين ms402 سبه للرسول أو لواحد من الناس من هذه الجهة وإن كان ~~مسلما أو ذميا فإذا سب الرسول سبا لا يوجبه اعتقاده فهو كما لو سب غيره من ~~الناس فإن تجدد الإسلام منه كتجدد التوبة منه يزعه عن هذا الفعل وينهاه عنه ~~وإن لم يرفع موجبه فإن موجب هذا السب لم يكن الكفر به إذ كلامنا في سب لا ~~يوجبه الكفر به مثل فريه عليه يعلم أنها فرية ونحو ذلك لكن إذا أسلم الساب ~~فقد عظم في قلبه عظمة تمنعه أن يفتري عليه كما أنه إذا تاب من سب المسلم ~~عظم الذنب في قلبه عظمة تمنعه من مواقعته وجاز أن # PageV01P475 # لا يكون هذا الإسلام وازعا لكون موجب السب كان شيئا غير الكفر وقد يضعف ~~هذا الإسلام عن دفعه كما يضعف هذه التوبة عن موجب الأذى وفرق بين ارتفاع ~~الأمر بارتفاع سببه أو بوجود ضده فإن ما أوجبه الاعتقاد إذا زال الاعتقاد ~~زال سببه فلم يخش عوده إلا بعود السبب وما لم يوجبه الاعتقاد من الفرية ~~ونحوها على النبي صلى الله عليه وسلم وغيره يرفعها الإسلام والتوبة رفع ~~الضد للضد إذ قبح هذا الأمر وسوء عاقبته والعزم الجازم على فعل ضده وتركه ~~ينافي وقوعه لكن لو ضعف هذا الدافع عن مقاومة السبب المقتضي عمل عمله فهذا ~~يبين أنه لا فرق في الحقيقة بين أن يتوب من سب لم يوجبه مجرد الكفر ~~بالإيمان به الموجب لعدم ذلك السب وبين أن يتوب من سب مسلم بالتوبة الموجبة ~~لعدم ذلك السب. # واعتبر هذا برجل له غرض في أمر فزجر عنه وقيل له: هذا قد حرمه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلا سبيل إليه فحمله فرط الشهوة وقوة الغضب لفوات المطلوب ~~على أن لعن وقبح فيما بينه وبين الله مع أنه لا يشك في النبوة ثم إنه جدد ~~إسلامه وتاب وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل باكيا من كلمته ~~ورجل أراد أن يأخذ مال مسلم بغير حق فمنعه منه فلعن وقبح سرا ثم ms403 إنه تاب من ~~هذا واستغفر لذلك الرجل ولم يزل خائفا من كلمته أليست توبة هذا من كلمته ~~كتوبة هذا من كلمته؟ وإن كانت توبة هذا يجب أن تكون أعظم لعظم كلمته لكن ~~نسبة هذه إلى هذه كنسبة هذه إلى هذه بخلاف من إنما يلعن ويقبح من يعتقده ~~كذابا ثم تبين له أنه كان ضالا في ذلك الاعتقاد وكان في مهواة التلف فتاب ~~ورجع من ذلك الاعتقاد توبة مثله فإنه يندرج فيه جميع ما أوجبه. # ومما يقرر هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغه سب مرتد أو ~~معاهد سئل أن يعفو عنه بعد الإسلام ودلت سيرته على جواز قتله بعد # PageV01P476 # إسلامه وتوبته ولو كان مجرد التوبة يغفر لهم بها ما في ضمنها مغفرة تسقط ~~الحد لم يجز ذلك فعلم أنه كان يملك العقوبة على من سبه بعد التوبة كما ~~يملكها غيره من المؤمنين. # فهذا الكلام في توبة الساب فيما بينه وبين الله هل تسقط حق الرسول أم لا؟ ~~وبكل حال سواء أسقطت أم لم تسقط لا يقتضي ذلك أن إظهارها مسقط للحد إلا أن ~~يقال: هو مقتول لمحض الردة أو محض نقض العهد فإن توبة المرتد مقبولة وإسلام ~~من جرد نقض العهد مقبول مسقط للقتل. # وقد قدمنا فيما مضى بالأدلة القاطعة أن هذا مقتول لردة مغلظة ونقض مغلظ ~~بمنزلة من حارب وسعى في الأرض فسادا. # ثم من قال: "يقتل حقا لآدمي" قال: العقوبة إذا تعلق بها حقان حق لله وحق ~~لآدمي ثم تاب سقط حق الله وبقي حق الآدمي من القود وهذا التائب إذا تاب سقط ~~حق الله وبقي حق الآدمي. # ومن قال: "يقتل حدا لله" قال: هو بمنزلة المحارب وقد يسوى بين من سب الله ~~وبين من سب الرسول على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. # وقولهم في المقدمة الثانية: "إذا أظهر التوبة وجب أن نقبلها منه" قلنا: ~~هذا مبني على أن هذه التوبة مقبولة مطلقا وقد تقدم الكلام فيه. # ثم الجواب هنا من وجهين: # أحدهما: القول ms404 بموجب ذلك فإنا نقبل منه هذه التوبة ونحكم بصحة إسلامه كما ~~نقبل توبة القاذف ونحكم بعدالته ونقبل توبة السارق وغيرهم لكن الكلام في ~~سقوط القتل عنه ومن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شيء من الحدود الواجبة ~~بقدر زائد على الردة أو النقض ومن تاب قبلها لم تسقط # PageV01P477 # عنه حقوق العباد إذا قبلنا توبته أن يطهر بإقامة الحد عليه كسائر هؤلاء ~~وذلك أنا نحن لا ننازع في صحة توبته ومغفرة الله له مطلقا فإن ذلك إلى الله ~~وإنما الكلام في: هل هذه التوبة مسقطة للحد عنه وليس في الحديث ما يدل على ~~ذلك فإنا قد نقبل إسلامه وتوبته ونقيم عليه الحد تطهيرا له وهذا جواب من ~~يقتله حدا محضا مع الحكم بصحة إسلامه. # الثاني: أن هذا الحديث في قبول الظاهر إذا لم يثبت خلافه بطريق شرعي وهنا ~~قد ثبت خلافه وهذا جواب من يقتله لزندقته وقد يجيب به من يقتل الذمي أيضا ~~بناء على أنه زنديق في حال العهد فلا يوثق بإسلامه. # وأما إسلام الحربي والمرتد ونحوهما عند معاينة القتل فإنما جاز لأنا إنما ~~نقاتلهم لأن يسلموا ولا طريق إلى الإسلام إلا ما يقولونه بألسنتهم فوجب ~~قبول ذلك منهم وإن كانوا في الباطن كاذبين وإلا لوجب قتل كل كافر أسلم أو ~~لم يسلم ولا تكون المقاتلة حتى يسلموا بل يكون القتال دائما وهذا باطل ثم ~~إنه قد يسلم الآن كارها ثم إن الله يحبب إليه الإيمان ويزينه في قلبه كذلك ~~أكثر من يسلم لرغبته في المال ونحوه أو لرهبته من السيف ونحوه ولا دليل يدل ~~على فساد الإسلام إلا كونه مكرها عليه بحق وهذا لا يلتفت إليه. # أما هنا فإنما نقتله لما مضى من جرمه من السب كما نقتل الذمي لقتله النفس ~~أو لزناه بمسلمة وكما نقتل المرتد لقتله مسلما ولقطعه الطريق كما تقدم ~~تقريره فليس مقصودنا بإرادة قتله أن يسلم ولا تجب مقاتلته على أن يسلم بل ~~نحن نقتله جزاء له على ما آذانا ونكالا لأمثاله على مثل ms405 هذه الجريمة فإذا ~~أسلم فإن صححنا إسلامه لم يمنع ذلك وجوب قتله كالمحارب المرتد # PageV01P478 # أو الناقض إذا أسلم بعد القدرة وقد قتل فإنه يقتل وفاقا فيما علمناه وإن ~~حكم بصحة إسلامه وإن لم يصحح إسلامه فالفرق بينه وبين الحربي والمرتد من ~~وجهين: # أحدهما: أن الحربي والمرتد لم يتقدم منه ما دل على أن باطنه بخلاف ظاهره ~~بل إظهاره للردة لما ارتد دليل على أن ما يظهره من الإسلام صحيح وهذا ما ~~زال مظهر للإسلام وقد أظهر ما دل على فساد عقده فلم يوثق بما يظهره من ~~الإسلام بعد ذلك وكذلك ناقض العهد قد عاهدنا على أن لا يسب وقد سب فثبتت ~~جنايته وغدره فإذا أظهر الإسلام بعد أن أخذ ليقتل كان أولى أن يخون ويغدر ~~فإنه كان ممنوعا من إظهار السب فقط وهو لم يف بذلك فكيف إذا أصبح ممنوعا من ~~إظهاره وإسراره؟ ولم يكن له عذر فيما فعله من السب بل كان محرما عليه في ~~دينه فإذا لم يف به صار من المنافقين في العهد. # الثاني: أن الحربي أو المرتد نحن نطلب منه أن يسلم فإذا أعطانا ما أردناه ~~بحسب قدرته وجب قبوله منه والحكم بصحته والساب لا نطلب منه إلا القتل عينا ~~فإذا أسلم ظهر أنما أسلم ليدرأ عن نفسه القتل الواجب عليه كما إذا تاب ~~المحارب بعد القدرة عليه أو أسلم أو تاب سائر الجناة بعد أخذهم فلا يكون ~~الظاهر صحة هذا الإسلام فلا يسقط ما وجب من الحد قبله. # وحقيقة الأمر أن الحربي والمرتد يقتل لكفر حاضر ويقاتل ليسلم فلا يمكن أن ~~يظهر وهو مقاتل أو مأخوذ الإسلام إلا مكرها فوجب قبوله منه إذ لا يمكن بذله ~~إلا هكذا وهذا الساب والناقض لم يقتل لمقامه على الكفر أو كونه بمنزلة سائر ~~الكفار غير المعاهدين لما ذكرناه من الأدلة # PageV01P479 # الدالة على أن السب مؤثر في قتله ويكون قد بذل التوبة التي لم تطلب منه ~~في حال الأخذ للعقوبة فلا تقبل منه. # وعلى هذين المأخذين ينبني الحكم بصحة ms406 إسلام هذا الساب في هذه الحال مع ~~القول بوجوب قتله. # أحدهما: لا يحكم بصحة إسلامه وهو مقتضى قول ابن القاسم وغيره من ~~المالكية. # والثاني: يحكم بصحة إسلامه وعليه يدل كلام الإمام أحمد وأصحابه في الذمي ~~مع وجوب إقامة الحد وأما المسلم إذا سب ثم قتل بعد أن أسلم فمن قال: "يقتل ~~عقوبة على السب لكونه حق آدمي أو حدا محضا لله" قال بصحة هذا الإسلام وقبله ~~وهذا قول كثير من أصحابنا وغيرهم وهو قول من قال يقتل من أصحاب الشافعي. # وكذلك من قال: "يقتل من سب الله" ومن قال: "يقتل لزندقته" أجرى عليه إذا ~~قتل بعد إظهار الإسلام أحكام الزنادقة وهو قول كثير من المالكية وعليه يدل ~~كلام بعض أصحابنا وعلى ذلك ينبني الجواب عما احتج به من قبول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ظاهر الإسلام من المنافقين فإن الحجة إما أن تكون في قبول ~~ظاهر الإسلام منهم في الجملة فهذا لا حجة فيه من أربعة أوجه قد تقدم ذكرها. # أحدها: أن الإسلام إنما قبل منهم حيث لم يثبت عنهم خلافه وكانوا ينكرون ~~أنهم تكلموا بخلافه فأما أن البينة تقوم عند رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~على كفر رجل بعينه فيكف عنه فهذا لم يقع قط إلا أن يكون في بادئ الأمر. # الثاني: أنه كان في أول الأمر مأمورا في مبادئ الأمر أن يدع أذاهم # PageV01P480 # ويصبر عليهم لمصلحة التأليف وخشية التنفير إلى أن نسخ ذلك بقوله تعالى: ~~{جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} . # الثالث: أنا نقول بموجبه فنقبل من هذا الإسلام ونقيم عليه حد السب كما لو ~~أتى حدا غيره وهذا جواب من يصحح إسلامه ويقتله حدا لفساد السب. # الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتب أحدا منهم ويعرضه على ~~السيف ليتوب ممن مقالة صدرت منه مع أن هذا مجمع على وجوبه فإن الرجل منهم ~~إذا شهد عليه بالكفر والزندقة فإما أن يقتل عينا أو يستتاب فإن لم يتب وإلا ~~قتل. # وأما الاكتفاء منه بمجرد الجحود فما أعلم به ms407 قائلا بل أقل ما قيل فيه أنه ~~يكتفي منهم بالنطق بالشهادتين والتبري من تلك المقالة فإذا لم تكن السيرة ~~في المنافقين كانت هكذا علم أن ترك هذا الحكم لفوات شرطه وهو إما ثبوت ~~النفاق أو العجز عن إقامة الحد أو مصلحة التأليف في حال الضعف حتى قوي ~~الدين فنسخ ذلك. # وإن كان الاحتجاج بقبول ظاهر الإسلام ممن سب فعنه جواب خامس وهو أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان له أن يعفو عمن شتمه في حياته وليس هذا العفو لأحد من ~~الناس بعده. # وأما تسمية الصحابة الساب غادرا محاربا فهو بيان لحل دمه وليس كل من نقض ~~العهد وحارب سقط القتل عنه بإسلامه بدليل ما لو قتل مسلما أو قطع الطريق ~~عليه أو زنى بمسلمة بل تسميته محاربا مع كون السب فسادا يوجب دخوله في حكم ~~الآية كما تقدم. # PageV01P481 # وأما الذين هجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه ثم عفا عنهم فالجواب ~~عن ذلك كله قد تقدم في المسألة الأولى لما ذكرنا قصصهم وبينا أن السب غلب ~~فيه حق الرسول إذا علم فله أن يعفو وأن ينتقم وليس في هؤلاء ما يدل على أن ~~العقوبة إنما سقطت عنهم مع عفوه وصفحه لمن تأمل أحوالهم معه والتفريق بينهم ~~وبين من لم يهجه ولم يسبه. # وأيضا فهؤلاء كانوا محاربين والحربي لا يؤخذ بما أصابه من المسلمين من دم ~~أو مال أو عرض والمسلم والمعاهد يؤخذ بذلك. # وقولهم: "الذمي يعتقد حل السب كما يعتقده الحربي وإن لم يعتقد حل الدم ~~والمال" غلط فإن عقد الذمة منعهم من الطعن في ديننا وأوجب عليهم الكف عن أن ~~يسبوا نبينا كما منعهم دماءنا وأموالنا وأبلغ فهو إن لم يعتقد تحريمه للدين ~~فهو يعتقد تحريمه للعهد كاعتقادنا نحن في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ونحن لم ~~نعاهد على أن نكف عن سب دينهم الباطل وإظهار معايبهم بل عاهدناهم على أن ~~يظهروا في دارنا ما شئنا وأن يلتزموا جريان أحكامنا عليهم وإلا فأين ~~الصغار؟. # وأما قولهم: "الذمي إذا سب فإما ms408 أن يقتل لكفره وحرابه كما يقتل الحربي ~~الساب أو يقتل حدا من الحدود" قلنا: هذا تقسيم منتشر بل يقتل لكفره وحرابه ~~بعد الذمة وليس من حارب بعد الذمة بمنزلة الحربي الأصلي فإن الذمي إذا قتل ~~مسلما اجتمع عليه أنه نقض العهد وأنه وجب عليه القود فلو عفا ولي الدم قتل ~~لنقض العهد بهذا الفساد وكذلك سائر الأمور المضرة بالمسلمين يقتل بها الذمي ~~إذا فعلها وليس حكمه فيها كحكم الحربي الأصلي إجماعا وإذا قتل لحرابه ~~وفساده بعد العهد فهو حد من الحدود فلا تنافي بين الوصفين حتى يجعل أحدهما ~~قسيما للآخر وقد بينا بالأدلة الواضحة أن قتله # PageV01P482 # ليس لمجرد كونه كافرا غير ذي عهد بل حد أو عقوبة على سب نبينا الذي أوجبت ~~عليه الذمة تركه والإمساك عنه مع أن السب مستلزم لنقض العهد العاصم لدمه ~~وأنه يصير بالسب محاربا غادرا وليس هو كحد الزنا ونحوه مما لا مضرة علينا ~~فيه وإنما أشبه الحدود به حد المحاربة. # وأما قولهم "ليس في السب أكثر من انتهاك العرض وهذا القدر لا يوجب إلا ~~الجلد" ففي الكلام عنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن هذا كلام في رأس المسألة فإنه إذا لم يوجب إلا الجلد والأمور ~~الموجبة للجلد لا تنقض العهد لم ينتقض العهد به كسب بعض المسلمين وقد قدمنا ~~الدلالات التي لا تحل مخالفتها على وجوب قتل الذمي إذا فعل ذلك وأنه لا عهد ~~له يعصم دمه مع ذلك وبينا أن انتهاك عرض عموم المسلمين يوجب الجلد وأما ~~انتهاك عرض الرسول فإنه يوجب القتل وقد صولح على الإمساك عن العرضين فمتى ~~انتهك عرض الرسول فقد أتى بما يوجب القتل مع التزامه أن لا يفعله فوجب أن ~~يقتل كما لو قطع الطريق أو زنى والتسوية بين عرض الرسول وعرض غيره في مقدار ~~العقوبة من أفسد القياس. # والكلام في الفرق بينهما يعد تكلفا فإنه عرض قد أوجب الله على جميع الخلق ~~أن يقابلوه من الصلاة والسلام والثناء والمدحة والمحبة والتعظيم والتعزير ~~والتوقير والتواضع في الكلام والطاعة للأمر ms409 ورعاية الحرمة في أهل البيت ~~والأصحاب بما لا خفاء به على أحد من علماء المؤمنين عرض به قام دين الله ~~وكتابه وعباده المؤمنون به وجبت الجنة لقوم والنار لآخرين به كانت هذه ~~الأمة خير أمة أخرجت للناس عرض قرن الله ذكره بذكره وجمع بينه وبينه في ~~كتابة واحدة وجعل بيعته بيعة له وطاعته # PageV01P483 # طاعة له وأذاه أذى له إلى خصائص لا تحصى ولا يقدر قدرها أفيليق لو لم يكن ~~سبه كفرا أن تجعل عقوبة منتهك هذا العرض كعقوبة منتهك عرض غيره؟. # ولو فرضنا أن لله نبينا بعثه إلى أمة ولم يوجب على أمة أخرى أن يؤمنوا به ~~عموما ولا خصوصا فسبه رجل ولعنه عالما بنبوته إلى أولئك أفيجوز أن يقال: إن ~~عقوبته وعقوبة من سب واحدا من المؤمنين سواء؟ هذا أفسد من قياس الذين ~~قالوا: إنما البيع مثل الربا. # قولهم: "الذمي يعتقد حل ذلك" قلنا: لا نسلم فإن العهد الذي بيننا وبينه ~~حرم عليه في دينه السب كما حرم عليه دماءنا وأموالنا وأعراضنا فهو إذا أظهر ~~السب يدري أنه قد فعل عظيمة من العظائم التي لم نصالحه عليها ثم إن كان ~~يعلم أن عقوبة ذلك عندنا القتل فبها وإلا فلا يجب لأن مرتكب الحدود يكفيه ~~العلم بالتحريم كمن زنى أو سرق أو شرب أو قذف أو قطع الطريق فإنه إذا علم ~~تحريم ذلك عوقب العقوبة المشروعة وإن كان يظن أن لا عقوبة على ذلك وأن ~~عقوبته دون ما هو مشروع. # وأيضا فإن دينهم لا يبيح لهم السب واللعنة للنبي وإن كان دينا باطلا أكثر ~~ما يعتقدون أنه ليس بنبي أو ليس عليهم إتباعه أما أن يعتقدوا أن لعنته وسبه ~~جائزة فكثير منهم أو أكثرهم لا يعتقدون ذلك على أن السب نوعان أحدهما: ما ~~كفروا به واعتقدوه والثاني: ما لم يكفروا به فهذا الثاني لا ريب أنهم لا ~~يعتقدون حله. # وأما قولهم: "صولح على ترك ذلك فإذا فعله انتقض العهد" فإنه إذا فعله ~~انتقض عهده وعوقب على نفس تلك الجريمة وإلا ms410 كان يستوي حال من ترك العهد ~~ولحق بدار الحرب من غير أذى لنا وحال من قتل وسرق وقطع الطريق وشتم الرسول ~~مع نقض العهد وهذا لا يجوز. # PageV01P484 # وأما قولهم: "كون القتل حدا حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي" فصحيح وقد ~~تقدمت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والأثر والنظر الدالة على أن نفس ~~السب من حيث خصوصيته موجب للقتل ولم يثبت ذلك استحسانا صرفا واستصلاحا محضا ~~بل أثبتناه بالنصوص وآثار الصحابة وما دل عليه إيماء الشارع وتنبيهه وبما ~~دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة من الخصوصية لهذا السب والحرمة لهذا ~~العرض التي يوجب أن لا يصونه إلا القتل لا سيما إذا قوي الداعي على انتهاكه ~~وخفة حرمته بخفة عقابه وصغر في القلوب مقدار من هو أعظم العالمين قدرا إذا ~~ساوى في قدر العرض زيدا وعمروا وتمضمض بذكره أعداء الدين من كافر غادر ~~ومنافق ماكر فهل يستريب من قلب الشريعة ظهرا لبطن أن محاسنها توجب حفظ هذه ~~الحرمة التي هي أعظم حرمات المخلوقين وحرمتها متعلقة بحرمة رب العالمين ~~بسفك دم واحد من الناس؟ مع قطع النظر عن الكفر والارتداد فإنهما مفسدتان ~~اتحادهما في معنى التعداد ولسنا الآن نتكلم في المصالح المرسلة فإنا لم ~~نحتج إليها في هذه المسألة لما فيها من الأدلة الخاصة الشرعية وإنما ننبه ~~على عظم المصلحة في ذلك بيانا لحكمة الشرع لأن القلوب إلى ما فهمت حكمته ~~أسرع انقيادا والنفوس إذا ما تطلع على مصلحته أعطش أكبادا ثم لو لم يكن في ~~المسألة نص ولا أثر لكان اجتهاد الرأي يقضي بأن يجعل القتل عقوبة هذا الجرم ~~لخصوصه لا لعموم كونه كفرا أو ردة حتى لو فرض تجرده عن ذلك لكان موجبا ~~للقتل أخذا له من قاعدة العقوبات في الشرع فإنه يجعل أعلى العقوبات في ~~مقابلة أرفع الجنايات وأوسطها في مقابلة أوسطها وأدناها في مقابلة أدناها ~~فهذه الجناية إذا انفردت تمتنع أن تجعل في مقابلة الأذى فتقابل بالجلد أو ~~الحبس تسوية بينها وبين الجناية على عرض زيد وعمرو فإنه لا ms411 يخفى على من له ~~أدنى نظر بأسباب الشرع أن هذا من أفسد أنواع الاجتهاد ومثله في الفساد ~~خلوها من عقوبة تخصها # PageV01P485 # وأما جعله في الأوسط كما اعتقده المهاجر بن أبي أمية حتى قطع يد الجارية ~~السابة وقلع ثنيتها فباطل أيضا كما أنكره عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~لأن الجناية جناية على أشرف الحرمات ولأنه لا مناسبة بينها وبين أوسط ~~العقوبات من قطع عضو من الأعضاء فتعين أن تقابل بأعلى العقوبات وهو القتل. # ولو نزلت بنا نازلة السب وليس معنا فيها أثر يتبع ثم استراب مستريب في أن ~~الواجب إلحاقها بأعلى الجنايات لما عد من بصراء الفقهاء ومثل هذه المصلحة ~~ليست مرسلة بحيث أن لا يشهد لها الشرع بالاعتبار فإذا فرض أنه ليس لها أصل ~~خاص تلحق به ولا بد من الحكم فيها فيجب أن يحكم فيها بما هو أشبه بالأصول ~~الكلية وإذا لم يعمل بالمصلحة لزم العمل بالمفسدة والله لا يحب الفساد. # ولا شك أن العلماء في الجملة من أصحابنا وغيرهم قد يختلفون في هذا الضرب ~~من المصالح إذا لم يكن فيها أثر ولا قياس خاص والإمام أحمد قد يتوقف في بعض ~~أفرادها مثل قتل الجاسوس المسلم ونحوه إن جعلت من أفرادها وربما عمل بها ~~وربما تركها إذا لم يكن معه فيها أثر أو قياس خاص ومن تأمل تصاريف الفقهاء ~~علم أنهم يضطرون إلى رعايتها إذا لم يخالف أصلا من الأصول ولم يخالف في ~~اعتبارها الطوائف من أهل الجدل والكلام من أصحابنا وغيرهم ولو أنهم خاضوا ~~مخاض الفقهاء لعلموا أنه لا بد من اعتبارها وذوق الفقه ممن لجج فيه شيء ~~والكلام على حواشيه من غير معرفة أعيان المسائل شيء آخر وأهل الكلام والجدل ~~إنما يتكلمون في القسم الثاني فيلزمون غيرهم ما لا يقدرون على التزامه ~~ويتكلمون في الفقه كلام من لا يعرف إلا أمورا كلية وعمومات إحاطية ~~وللتفاصيل خصوص نظر ودلائل يدركها من عرف أعيان المسائل. # PageV01P486 # وأثبتناه أيضا بالقياس الخاص وهو القياس على كل من ارتد ونقض العهد ms412 على ~~وجه يضر المسلمين مضرة فيها العقوبة بالقتل وبينا أن هذا أخص من مجرد الردة ~~ومجرد نقض العهد وأن الأصول فرقت بينهما. # وأثبتناه أيضا بالنافي لحقن دمه وبينا أن هذا حل دمه بما فعله والأدلة ~~العاصمة لم أسلم من مرتد وناقض لا تتناوله لفظا ولا معنى. # وقولهم: "القياس في الأسباب لا يصح" خلاف ما عليه الفقهاء وهو قول باطل ~~قطعا لكن ليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك. # وقولهم: "معرفة نوع الحكمة وقدرها متعذر" قلنا: لا نسلم هذا على الإطلاق ~~بل قد يمكن وقد يتعذر بل ربما علم قطعا لأن الفرع مشتمل على الحكمة ~~الموجودة في الأصل وزيادة. # وقولهم: "هو يخرج السبب عن أن يكون سببا" ليس كذلك فإن سبب السبب لا ~~يمنعه أن يكون سببا والإضافة إلى السبب لا تقدح في الإضافة إلى سبب السبب ~~والعلم بها ضروري. # وأما قولهم: "ليس في الجنايات الموجبة للقتل حدا ما يجوز إلحاق السب بها" ~~قلنا: بل هو يلحق بالردة المقترنة بما يغلظها والنقض المقترن بما يغلظه وإن ~~الفساد الحاصل في السب أبلغ من الفساد الحاصل بتلك الأمور المغلظة كما تقدم ~~بيانه بشواهده من الأصول الشرعية على أن هذا الحكم مستغن عن أصل يقاس به بل ~~هو أصل في نفسه كما تقدم ثم إن هذا الكلام يقابل بما هو أنور منه بيانا ~~وأبهر منه برهانا وذلك أن القول بوجوب الكف عن هذا الساب بعد الاتفاق على ~~حل دمه قول لا دليل عليه إلا قياس له على بعض المرتدين وناقضي العهد مع ~~ظهور الفرق بينهما # PageV01P487 # ومن قاس الشيء على ما يخالفه ويفارقه كان قياسه فاسدا فإن جعل هذا سببا ~~عاصما قياس لسبب على سبب مع تباينهما في نوع الحكمة وقدرها ثم إنه إخلاء ~~للسب الذي هو أعظم الجناية على الأعراض من العقوبات ولا عهد لنا بهذا في ~~الشرع فهو إثبات حكم خارج عن القياس وجعل لكونه موجبا للقتل موجبا لكونه ~~أهون من أعراض الناس في باب السقوط وهذا تعليق على العلة ضد مقتضاها وخروج ~~عن ms413 موجب الأصول فإن العقوبات لا يكون تغلظها في الوجوب سببا لتخفيفها في ~~السقوط قط لكن إن كان جنسها مما يسقط سقطت خفيفة كانت أو غليظة كحقوق الله ~~في بعض المواضع ولم تسقط خفيفة كانت أو غليظة كحقوق العباد. # ثم إن القول باستتابة الساب قول يخالف كتاب الله ويخالف صريح سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه وأصحابه والقول بأن لا حق للرسول على ~~الساب إذا أسلم الذمي أو المسلم ولا عقوبة له عليه قول يخالف المعروف من ~~سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخالف أصول الشريعة ويثبت حكما ليس له ~~أصل ولا نظير إلا أن يلحق بما ليس مثلا له. # الجواب الثاني: أنا لم ندع أن مجرد السب موجب للقتل وإنما بينا أن كل سب ~~فهو محاربة ونقض للعهد بما يضر المسلمين فيقتل بمجموع الأمرين السب ونقض ~~العهد ولا يجوز أن يقال: خصوص السب عديم التأثير فإن فساد هذا معلوم قطعا ~~بما ذكرناه من الأدلة القاطعة على تأثيره وإذا كان كذلك فلم نثبته سببا ~~خارجا عن الأسباب المعهودة وإنما هو مغلظ للسبب المعروف وهو الكفر كما أن ~~قتل النفس موجب لحل دمه ثم إن كان قد قتله في المحاربة تغلظ بتحتم القتل ~~وإلا بقي الأمر فيه إلى الأولياء # PageV01P488 # ومعلوم أن المقتول من قطاع الطريق لا يقال فيه "قتل قودا ولا قصاصا" حتى ~~يرتب عليه أحكام من يجب عليه القود وإنما يضاف القتل إلى خصوص جنايته وهو ~~القتل في المحاربة كذلك هنا الموجب هو خصوص المحاربة. # وقولهم: "الأدلة مترددة بين كون القتل لمجرد المحاربة أو لخصوص السب" ~~قلنا: هي نصوص في أن السب مؤثر تأثيرا زائدا على مطلق تأثير الكفر الخالي ~~عن عهد فلا يجوز إهمال خصوصه بعد اعتبار الشرع له وأن يقال: إنما المؤثر ~~مجرد ما في ضمنه وطيه من زوال العهد ولذلك وجب قتل صاحبه عينا من غير تخيير ~~كما قررنا دلالته فيما مضى وإذا كان كذلك فليس مع المخالف ما يدل على أن ~~القتل المباح ms414 يسقط بالإسلام وإن كان هذا من فروع الكفر كما أن الذمي إذا ~~استحل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فانتهكها لاعتقاده أنهم كفار وأن ~~ذلك حلال له منهم ثم أسلم فإنه يعاقب على ذلك: إما بالقتل إن كان فيها ما ~~يوجب القتل أو بغيره ولذلك لو استحل ذلك ذمي من ذمي مثل أن يقتل نصراني ~~يهوديا أو يأخذ ماله لاعتقاده أن ذلك حلال له أو يقذفه أو يسبه فإنه يعاقب ~~على ذلك عقوبة مثله وإن أسلم وكذلك لو قطع الطريق على قافلة فيهم مسلمون ~~ومعاهدون فقتل بعض أولئك المسلمين أو المعاهدين قتل لأجل ذلك حتما وانتقض ~~عهده وإن أسلم بعد ذلك وإن كان هذا من فروع الكفر فهذا رجل انتقض عهده بأمر ~~يعتقد حله قبل العهد ولو فعله مسلم لم يقتل عند كثير من الفقهاء إذا كان ~~المقتول ذميا وكل واحد من الكفر ومن القتل مؤثر في قتله وإن كان عهده إنما ~~زال بهذا القتل فهذا نظير السب ثم لو أسلم هذا لم يسقط عنه القتل بل يقتل ~~إما حدا أو قصاصا سواء كان ذلك القتل مما يقتل به المسلم بأن يكون # PageV01P489 # المقتول مسلما أو لا يقتل به بأن يكون المقتول ذميا وعلى التقديرين يقتل ~~هذا الرجل بعد إسلامه لقطعه الطريق مثلا وقتله ذلك المعاهد من غير أهل دينه ~~وإن كان إنما فعل هذا مستحلا له لكفره وهو قد تاب من ذلك الكفر فتكون ~~التوبة منه توبة من فروعه وذلك لأن هذا الفرع ليس من لوازم الكفر بل هو ~~محرم عليه في دينه لأجل الذمة كما أن تلك الدماء والأموال محرمة عليه لأجل ~~الذمة. # ومنشأ الغلط في هذه المسألة اعتقاد أن الذمي يستبيح هذا السب فإن هذا غلط ~~إذ لا فرق بالنسبة إليه بين إظهار الطعن في دين المسلمين وبين سفك دمائهم ~~وأخذ أموالهم إذ الجميع إنما حرمه عليه العهد لا الدين المجرد فكيف لم ~~يندرج أخذه لعرض بعض الأمة أو لعرض واحد من غير أهل دينه من أهل الذمة في ~~ضمن ms415 التوبة من كفره مع أنه فرعه واندرج أخذه لعرض نبينا عليه الصلاة ~~والسلام في ضمن التوبة من كفره؟. # الجواب الثالث: هب أنه إنما يقتل للكفر والحراب فقوله: "الإسلام يسقط ~~القتل الثابت للكفر والحراب بالاتفاق" غلط وذلك أنا إنما اتفقنا على أنه ~~يسقط القتل الثابت للكفر والحراب الأصلي فإن ذلك إذا أسلم لم يؤخذ بما أصاب ~~في الجاهلية من دم أو مال أو عرض للمسلمين أما الحراب الطارىء فمن الذي ~~وافق على أن القتل الثابت بجميع أنواعه يسقط بالإسلام؟ نعم نوافق على ما ~~إذا نقض العهد بما لا ضرر على المسلمين فيه ثم أسلم أما إذا أسلم ثم حارب ~~وأفسد بقطع طريق أو زنى بمسلمة أو قتل مسلم أو طعن في الدين فهذا يقتل بكل ~~حال كما دل عليه الكتاب والسنة وهو يقتل في مواضع بالإجماع كما إذا قتل في ~~المحاربة وحيث لم يكن مجمعا عليه فهو كمحل النزاع والقرآن يدل على أنه # PageV01P490 # يقتل لأنه إنما استثنى من تاب قبل القدرة في الجملة فهذه المقدمة ممنوعة ~~والتمييز بين أنواع الحراب يكشف اللبس. # وأما ما ذكروه من أن الكافر أو المسلم إذا سب فيما بينه وبين الله وقذف ~~الأنبياء ثم تاب قبل الله توبته ولم يطالبه النبي بموجب قذفه في الدنيا ولا ~~في الآخرة وأن الإسلام يجب قذف اليهود لمريم وابنها وقولهم في الأنبياء ~~والرسل فهو كما قالوا ولا ينبغي أن يستراب في مثل هذا وقد صرح به بعض ~~أصحابنا وغيرهم وقالوا: إنما الخلاف في سقوط القتل عنه أما توبته وإسلامه ~~فيما بينه وبين الله فمقبولة فإن الله يقبل التوبة عن عباده من الذنوب كلها ~~وعموم الحكم في توبة المسلم والذمي فأما توبة المسلم فقد تقدم القول فيها ~~وأما توبة الذي من ذلك فإن كان ذلك السب ليس ناقضا للعهد بأن يقوله سرا ~~فتوبته منه كتوبة الحربي من جميع ما يقوله ويفعله وتوبة الذمي من جميع ما ~~يقر عليه من الكفر فإن هذا لم يكن ممنوعا منه بعقد الذمة وليس كلامنا فيه ms416 ~~وبه يخرج الجواب عما ذكروه فإن السب الذي قامت الأدلة على مغفرته بالإسلام ~~ليس هو السب الذي ينتقض به عهد الذمي إذا فعله وإنما فرق في الذمي بين ~~الجهر بالسب والإسرار به بخلاف المسلم لأن ما يسره من السب لا يمنعه منه ~~إيمان ولا أمان ألا ترى أنه لو قذف واحدا من المسلمين سرا مستحلا لذلك ثم ~~أسلم كما لو قذفه وهو حربي ثم أسلم ومعلوم أن الكافر الذي لا عهد معه يمنعه ~~من شيء متى أسلم سقط عنه جميع الذنوب تبعا للكفر نعم لو أتى من السب بما ~~يعتقده حراما في دينه ثم أسلم ففي سقوط حق المسبوب هنا نظر ونظيره أن يسب ~~الأنبياء بما يعتقده محرما في دينه وأما إن كان السب ناقضا للعهد فإظهاره ~~له مستحلا له في الأصل وغير مستحل كقتله المسلم مستحلا أو غير مستحل ~~فالتوبة هنا تسقط حق الله في الباطن وأما إسقاطها لحق الآدمي # PageV01P491 # ففيه نظر والذي يقتضيه القياس أنه كتوبة المسلم: إن كان قد بلغ المشتوم ~~فلا بد من استحلاله وإن لم يبلغه ففيه خلاف مشهور وذلك لأنه حق آدمي يعتقده ~~محرما عليه وقد انتهكه فهو كما لو قتل المعاهد مسلما سرا ثم أسلم وتاب أو ~~أخذ له مالا سرا ثم أسلم فإن إسلامه لم يسقط عنه حق الآدمي الذي كان يعتقده ~~محرما بالعهد لا ظاهرا ولا باطنا وهذا معنى قول من قال من أصحابنا: "إن ~~توبته فيما بينه وبين الله مقبولة" فإن الله يقبل التوبة من الذنوب كلها ~~وإن الله يقبل التوبة من حقوقه مطلقا أما من حقوق العباد فإن التوبة لا ~~تبطل حقوقهم بل إما أن يستوفيها صاحبها ممن ظلمه أو يعوضه الله عنها من ~~فضله العظيم. # وجماع هذا الأمر أن التوبة من كل شيء كان يستحله في كفره تسقط حقوق الله ~~وحقوق العباد ظاهرا وباطنا لكن السب الذي نتكلم فيه هو السب الذي يظهره ~~الذمي وليس هذا مما كان يستحله كما لم يكن يستحل دماءنا وأموالنا وإن كان ~~ذلك ms417 مما يستحله لولا العهد. # وقد تقدم ذكر هذا وبينا أن العهد يحرم عليه في دينه كثيرا مما كان يعتقده ~~حلالا لولا العهد ونظير هذا توبة المرتد من السب الذي يعتقد صحته وأما ما ~~لم يكن يستحله وهو إظهار السب ففيه حقان: حق الله وحق للآدمي فتوبته تسقط ~~فيما بينه وبين الله حقه لكن لا يلزم أن تسقط حق الآدمي في الباطن فهذا ~~الكلام على قبول التوبة فيما بينه وبين الله. # وحينئذ فالجواب من وجوه: # أحدها: أن الموضع الذي ثبت فيه قبول توبته فيما بينه وبين الله من حق ~~الله وحق عباده ليس هو الموضع الذي ينتقض فيه عهده ويقتل وإن تاب فإن ادعى ~~أنه يسقط حق العباد في جميع الصور فهذا محل منع لما فيه من # PageV01P492 # الخلاف فلا بد من إقامة الدلالة على ذلك والأدلة المذكورة لم تتناول السب ~~الظاهر الذي ينتقض به العهد. # الوجه الثاني: أن صحة التوبة فيما بينه وبين الله لا تسقط حقوق العباد من ~~العقوبة المشروعة في الدنيا فإن من تاب من قتل أو قذف أو قطع طريق أو غير ~~ذلك فيما بينه وبين الله فإن ذلك لا يسقط حقوق العباد من القود وحد القذف ~~وضمان المال وهذا السب فيه حق لآدمي فإن كانت التوبة يغفر له بها ذنبه ~~المتعلق بحق الله وحق عباده فإن ذلك لا يوجب سقوط حقوق العباد من العقوبة. # الوجه الثالث: أن من يقول بقبول التوبة من ذلك في الباطن بكل حال يقول: ~~إن توبة العبد فيما بينه وبين الله ممكنه من جميع الذنوب حتى إنه لو سب سرا ~~آحادا من الناس موتى ثم تاب واستغفر لهم بدل سبهم لرجي أن يغفر الله له ولا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها فكذلك ساب الأنبياء والرسل لو لم تقبل توبته ~~وتغفر زلته لانسد باب التوبة وقطع طريق المغفرة والرحمة وقد قال تعالى لما ~~نهى عن الغيبة: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن ~~الله تواب رحيم} فعلم أن المغتاب له ms418 سبيل إلى التوبة بكل حال وإن كان الذي ~~اغتيب ميتا أو غائبا بل على أصح الروايتين ليس عليه أن يستحله في الدنيا ~~إذا لم يكن علم فإن فساد ذلك أكثر من صلاحه وفي الأثر: "كفارة الغيبة أن ~~تستغفر لمن اغتبته" وقد قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} أما إذا كان ~~الرسول حيا وقد بلغه السب فقد يقول هنا: إن التوبة لا تصح حتى يستحل الرسول ~~ويعفو الرسول عنه كما فعل أنس بن زنيم وأبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن ~~أبي أمية وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وابن الزبعرى وإحدى القينتين # PageV01P493 # وكعب بن زهير وغيرهم كما دلت عليه السيرة لمن تدبرها وقد قال كعب بن ~~زهير: # نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # وإنما يطلب العفو في شيء يجوز فيه العفو والانتقام وإنما يقال "أوعده" ~~إذا كان حكم الإيعاد باقيا بعد الإسلام وإلا فلو كان الإيعاد معلقا ببقائه ~~على الكفر لم يبق إيعاد. # إذا تقرر هذا فصحة التوبة فيما بينه وبين الله وسقوط حق الرسول بما أبدله ~~من الإيمان به الموجب لحقوقه لا يمنع أن يقيم عليه حد الرسول إذا ثبت عند ~~السلطان وإن أظهر التوبة بعد ذلك كالتوبة من جميع الكبائر الموجبة للعقوبات ~~المشروعة سواء كانت حقا لله أو حقا لآدمي فإن توبة العبد فيما بينه وبين ~~الله بحسب الإمكان صحيحة مع أنه إذا ظهر عليه أقيم عليه الحد وقد أسلفنا أن ~~سب الرسول فيه حق لله وحق لآدمي وأنه من كلا الوجهين يجب استيفاؤه إذا رفع ~~إلى السلطان وإن أظهر الجاني التوبة بعد الشهادة عليه. # وأما ما ذكره من كون سب الرسول ليس بأعظم من سب الله وأن ما فيه من الشرف ~~فلأجله ففي الجواب عنه طريقان: # أحدهما: أنه لا فرق بين البابين فإن ساب الله أيضا يقتل ولا تسقط التوبة ~~القتل عنه إما لكونه دليلا على الزندقة في الإيمان والأمان أو لكونه ليس ~~مجرد ردة ونقض وإنما هو من باب الاستخفاف بالله ms419 والاستهانة ومثل هذا لا ~~يسقط القتل عنه إذا تاب بعد الشهادة عليه كما لا يسقط القتل عنه إذا انتهك ~~محارمه فإن انتهاك حرمته أعظم من انتهاك محارمه وسيأتي إن شاء الله تعالى ~~ذكر ذلك ومن قاله من أصحابنا وغيرهم ومن أجاب بهذا لم يورد عليه صحة إسلام ~~النصراني ونحوه وقبول توبتهم لأنه لا خلاف في قبول # PageV01P494 # التوبة فيما بينه وبين الله وفي قبول التوبة مطلقا إذا لم يظهروا السب ~~وإنما الخلاف فيما إذا أظهر النصراني ما هو سب وطعن ودعاؤهم إلى التوبة لا ~~يمنع إقامة الحدود عليهم إذا كانوا معاهدين كقوله سبحانه وتعالى: {إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا} وكانت فتنتهم أنهم ألقوهم في النار ~~حتى كفروا ولو فعل هذا معاهد بمسلم فإنه يقتل وإن أسلم بالاتفاق وإن كانت ~~توبته فيما بينه وبين الله مقبولة. # وأيضا فإن مقالات الكفار التي يعتقدونها ليست من السب المذكور فإنهم ~~يعتقدون هذا تعظيما لله ودينا له وإنما الكلام في السب الذي هو السب عند ~~الساب وغيره من الناس وفرق بين من يتكلم في حقه بكلام يعتقده تعظيما له ~~وبين من يتكلم بكلام يعلم أنه استهزاء به واستخفاف به ولهذا فرق في القتل ~~والزنى والسرقة والشرب والقذف ونحوهن بين المستحل لذلك المعذور وبين من ~~يعلم التحريم. # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" ~~وقوله فيما يروي عن ربه عز وجل: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي ~~الأمر أقلب الليل والنهار" فإن من سب الدهر من الخلق لم يقصد سب الله ~~سبحانه وإنما يقصد أن يسب من فعل به ذلك الفعل مضيفا له إلى الدهر فيقع ~~السب على الله لأنه هو الفاعل في الحقيقة وسواء قلنا أنه الدهر اسم من ~~أسماء الله تعالى كما قال نعيم بن حماد أو قلنا إنه ليس باسم وإنما قوله: ~~"أنا الدهر" أي أنا الذي أفعل ما ينسبونه إلى الدهر ويوقعون السب عليه كما ~~قاله أبو عبيدة والأكثرون ولهذا لا ms420 يكفر من سب الدهر ولا يقتل لكن يؤدب ~~ويعزر لسوء منطقه والسب المذكور في قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من ~~دون الله فيسبوا الله عدوا # PageV01P495 # بغير علم} قد قيل: إن المسلمين كانوا إذا سبوا آلهة الكفار سب الكفار من ~~يأمرهم بذلك وإلههم الذين يعبدونه معرضين عن كونه ربهم وإلههم فيقع سبهم ~~على الله لأنه إلهنا ومعبودنا فيكونوا سابين لموصوف وهو الله سبحانه ولهذا ~~قال سبحانه: {عدوا بغير علم} وهو شبيه بسب الدهر من بعض الوجوه وقيل: كانوا ~~يصرحون بسب الله عدوا وغلوا وفي الكفر قال قتادة: "كان المسلمون يسبون ~~أصنام الكفار فيسب الكفار الله بغير علم فانزل الله: {ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} " وقال أيضا: "كان المسلمون ~~يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم فنهاهم الله تعالى أن يستسبوا لربهم ~~قوما جهلة لا علم لهم بالله" وذلك أنه في اللجاجة أن يسب الجاهل من يعظمه ~~مراغمة لعدوه إذا كان يعظمه أيضا كما قال بعض الحمقى: # سبوا عليا كما سبوا عتيقكم ... كفرا بكفر وإيمانا بإيمان # وكما يقول بعض الجهال: مقابلة الفاسد بمثله وكما قد تحمل بعض جهال ~~المسلمين الحمية على أن يسب عيسى إذا جاهره المحاربون بسب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهذا من الموجبات للقتل. # الطريقة الثانية: طريقة من فرق بين سب الله وسب رسوله وذلك من وجوه: # أحدها: أن سب الله حق محض لله وذلك يسقط بالتوبة كالزنى والسرقة وشرب ~~الخمر وسب النبي صلى الله عليه وسلم فيه حقان: لله وللعبد فلا يسقط حق ~~الآدمي بالتوبة كالقتل في المحاربة هذا فرق القاضي أبي يعلى في خلافه. # الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلحقه المعرة بالسب لأنه # PageV01P496 # مخلوق وهو من جنس الآدميين الذين تلحقهم المعرة والغضاضة بالسب والشتم ~~وكذلك يثابون على سبهم ويعطيهم الله من حسنات الشاتم أو من عنده عوضا على ~~ما أصابهم من المصيبة بالشتم فمن سبه فقد انتقص حرمته والخالق سبحانه لا ~~تلحقه معرة ولا غضاضة بذلك ms421 فإنه منزه عن لحوق المنافع والمضار كما قال ~~سبحانه فيما يرويه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبادي إنكم لن ~~تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" وإذا كان سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد يؤثر انتقاصه في النفوس وتلحقه بذلك معرة وضيم وربما كان سببا ~~للتنفير عنه وقلة هيبته وسقوط حرمته شرعت العقوبة على خصوص الفساد الحاصل ~~بسبه فلا تسقط بالتوبة كالعقوبة على جميع الجرائم وأما ساب الله سبحانه ~~فإنه يضر نفسه بمنزلة الكافر والمرتد فمتى تاب زال ضرر نفسه فلا يقتل. # وهذا الفرق ذكره طوائف من المالكية والشافعية والحنابلة منهم القاضي عبد ~~الوهاب بن نصر والقاضي أبو يعلي في "المجرد" وأبو علي بن البناء وابن عقيل ~~وغيرهم وهو يتوجه مع قولنا: إن سب النبي صلى الله عليه وسلم حد لله كالزنى ~~والسرقة. # يؤيد ذلك أن القذف بالكفر أعظم من القذف بالزنا ثم لم يشرع عليه حد مقدر ~~كما شرع على الرمي بالزنا وذلك لأن المقذوف بالكفر لا يلحقه العار الذي ~~يلحقه بالرمي بالزنا لأنه بما يظهر من الإيمان يعلم كذب القاذف وبما يظهره ~~من التوبة تزول عنه تلك المعرة بخلاف الزنا فإنه يستسر به ولا يمكنه إظهار ~~البراءة منه ولا تزول معرته في عرف الناس عند إظهار التوبة فكذلك ساب ~~الرسول يلحق بالدين وأهله من المعرة ما لا يلحقهم إذا سب الله لكون المنافي ~~لسب الله ظاهرا معلوما لكل أحد يشترك فيه كل الناس. # PageV01P497 # الوجه الثالث: أن عليه الصلاة والسلام إنما يسب على وجه الاستخفاف به ~~والاستهانة وللنفوس الكافرة والمنافقة إلى ذلك داع: من جهة الحسد على ما ~~آتاه الله من فضله ومن جهة المخالفة في دينه ومن جهة الانقهار تحت حكم دينه ~~وشرعه ومن جهة المراغمة لأمته وكل مفسدة يكون إليها داع فلا بد من شرع ~~العقوبة عليها حدا وكل ما شرعت العقوبة عليه لم يسقط بالتوبة كسائر الجرائم ~~وأما سب الله سبحانه فإنه لا يقع في الغالب استخفافا واستهانة وإنما يقع ~~تدينا واعتقادا ms422 وليس للنفوس في الغالب داع إلى إلقاء السب إلا عن اعتقاد ~~يرونه تعظيما وتمجيدا وإذا كان كذلك لم يحتج خصوص السب إلى شرع زاجر بل هو ~~نوع من الكفر فيقتل الإنسان عليه كردته وكفره إلا أن يتوب. # وهذا الوجه من نمط الذي قبله والفرق بينهما أن ذلك بيان لأن مفسدة السب ~~لا تزول بإظهار التوبة بخلاف مفسدة سب الله تعالى والثاني بيان لأن سب ~~الرسول إليه داع طبعي فيشرع الزجر عليه لخصوصه كشرب الخمر وسب الله تعالى ~~ليس إليه داع طبعي فلا يحتاج خصوصه إلى زجر آخر كشرب البول وأكل الميتة ~~والدم. # والوجه الرابع: أن سب النبي عليه الصلاة والسلام حد وجب لسب آدمي ميت لم ~~يعلم أنه عفا عنه وذلك لا يسقط بالتوبة بخلاف سب الله تعالى فإنه قد علم ~~أنه قد عفا عمن سبه إذا تاب وذلك أن سب الرسول متردد في سقوطه حده بالتوبة ~~بين سب الله وسب سائر الآدميين فيجب إلحاقه بأشبه الأصلين به ومعلوم أن سب ~~الآدمي إنما لم تسقط عقوبته بالتوبة لأن حقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة ~~لأنهم ينتفعون باستيفاء حقوقهم ولا ينتفعون بتوبة التائب فإذا تاب من ~~للآدمي عليه حق قصاص أو قذف فإن له أن يأخذه منه لينتفع # PageV01P498 # به تشفيا ودرك ثأر وصيانة عرض وحق الله قد علم سقوطه بالتوبة لأنه سبحانه ~~إنما أوجب الحقوق لينتفع بها العباد فإذا رجعوا إلى ما ينفعهم حصل مقصود ~~الإيجاب وحينئذ فلا ريب أن حرمة الرسول ألحقت بحرمة الله من جهة التغليظ ~~لأن الطعن فيه طعن في دين الله وكتابه وهو من الخلق الذين لا تسقط حقوقهم ~~بالتوبة لأنهم ينتفعون باستيفاء الحقوق ممن هي عليه وقد ذكرنا ما دل على ~~ذلك من أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان له أن يعاقب من آذاه وإن جاءه ~~تائبا وهو عليه الصلاة والسلام كما أنه بلغ الرسالة لينتفع بها العباد فإذا ~~تابوا ورجعوا إلى ما أمرهم به فقد حصل مقصوده فهو أيضا يتألم بأذاهم له فله ~~أن يعاقب ms423 من آذاه تحصيلا لمصلحة نفسه كما أنه يأكل ويشرب فإن تمكين البشر ~~من استيفاء حقه ممن بغى عليه من جملة مصالح الإنسان ولولا ذلك لماتت النفوس ~~غما ثم إليه الخيرة في العفو والانتقام فقد تترجح عنده مصلحة الانتقام ~~فيكون فاعلا لأمر مباح وحظ جائز كما له أن يتزوج النساء وقد يترجح العفو ~~والأنبياء عليهم السلام منهم من كان قد يترجح عنده أحيانا الانتقام ويشدد ~~الله قلوبهم فيه حتى تكون أشد من الصخر كنوح وموسى ومنهم من كان يترجح عنده ~~العفو فيلين الله قلوبهم فيه حتى تكون ألين من اللبن كإبراهيم وعيسى فإذا ~~تعذر عفوه عن حقه تعين استيفاؤه وإلا لزم إهدار حقه بالكلية. # قولهم: "إذا سقط المتبوع بالإسلام فالتابع أولى". # قلنا: هو تابع من حيث تغلظت عقوبته لا من حيث إن له حقا في الاستيفاء لا ~~ينجبر بالتوبة. # قولهم: "ساب الواحد من الناس لا يختلف حاله بين ما قبل الإسلام وبعده ~~بخلاف ساب الرسول". # PageV01P499 # عنه جوابان: # أحدهما: المنع فإن سب الذمي للمسلم جائز عنده لأنه يعتقد كفره وضلاله ~~وإنما يحرمه عنده العهد الذي بيننا وبينه فلا فرق بينهما وإن فرض الكلام في ~~سب خارج عن الدين مثل الرمي بالزنا والافتراء عليه ونحو ذلك فلا فرق في ذلك ~~بين سب الرسول وسب الواحد من أهل الأمة ولا ريب أن الكافر إذا أسلم صار أخا ~~للمسلمين يؤذيه ما يؤذيهم وصار معتقدا لحرمة أعراضهم وزال المبيح لانتهاك ~~أعراضهم ومع ذلك لا يسقط حق المشتوم بإسلامه وقد تقدم هذا الوجه غير مرة. # الثاني: أن شاتم الواحد من الناس لو تاب وأظهر براءة المشتوم وأثنى عليه ~~ودعا له بعد رفعه إلى السلطان كان له أن يستوفي حده مع ذلك فلا فرق بينه ~~وبين شاتم الرسول إذا أظهر اعتقاد رسالته وعلو منزلته وسبب ذلك أن إظهار ~~مثل هذه التوبة لا يزيل ما لحق المشتوم من الغضاضة والمعرة بل قد يحمل ذلك ~~على خوف العقوبة وتبقى آثار السب الأول جارحة فإن لم يمكن المشتوم من أخذ ~~حقه ms424 بكل حال لم يندمل جرحه. # قولهم: "القتل حق الرسالة وأما البشرية فإنما لها حقوق البشرية والتوبة ~~تقطع حق الرسالة". # قلنا: لا نسلم ذلك بل هو من حيث هو بشر مفضل في بشريته على الآدميين ~~تفضيلا يوجب قتل سابه ولو كان القتل إنما وجب لكونه قدحا في النبوة لكان ~~مثل غيره من أنواع الكفر ولم يكن خصوص السب موجبا للقتل وقد قدمنا من ~~الأدلة ما يدل على أن خصوص السب موجب للقتل وأنه ليس بمنزلة سائر أنواع ~~الكفر ومن سوى بين الساب للرسول وبين المعرض عن تصديقه فقط في العقوبة فقد ~~خالف الكتاب والسنة الظاهرة والإجماع الماضي وخالف المعقول وسوى بين ~~الشيئين المتباينين # PageV01P500 # وكون القاذف له لم يجب عليه مع القتل جلد ثمانين أوضح دليل على أن القتل ~~عقوبة لخصوص السب وإلا كان قد اجتمع حقان: حق لله وهو تكذيب رسوله فيوجب ~~القتل وحق لرسوله وهو سبه فيوجب الجلد على هذا الرأي فكان ينبغي قبل التوبة ~~على هذا أن يجتمع عليه الحدان كما لو ارتد وقذف مسلما وبعد التوبة يستوفى ~~منه حد القذف فكان إنما للنبي عليه الصلاة والسلام أن يعاقب من سبه وجاء ~~تائبا بالجلد فقط كما أنه ليس للإمام أن يعاقب قاطع الطريق إذ جاء تائبا ~~إلا بالقود ونحوه مما هو خالص حق الآدمي ولو سلمنا أن القتل حق الرسالة فقط ~~فهو ردة مغلظة بما فيه ضرر أو نقض مغلظ بما فيه ضرر كما لو اقترن بالنقض ~~حراب وفسادا بالفعل من قطع طريق وزنى بمسلمة وغير ذلك فإن القتل هنا حق لله ~~ومع هذا لم يسقط بالتوبة والإسلام وهذا متحقق سواء قلنا إن ساب الله يقتل ~~بعد التوبة أو لا يقتل كما تقدم تقريره. # قولهم: "إذا أسلم سقط القتل المتعلق بالرسالة". # قلنا: هذا ممنوع أما إذا سوينا بينه وبين سب الله فظاهر وإن فرقنا فإن ~~هذا شبه من باب فعل المحارب لله ورسوله الساعي في الأرض فسادا والحاجة ~~داعية إلى ردع أمثاله كما تقدم وإن سلمنا سقوط الحق المتعلق ms425 بالكفر ~~بالرسالة لكن لم يسقط الحق المتعلق بشتم الرسول وسبه فإن هذه جناية زائدة ~~على نفس الرسول مع التزام تركها فإن الذمي يلتزم لنا أن لا يظهر السب وليس ~~ملتزما لنا أن لا يكفر به فكيف يجعل ما التزم تركه من جنس ما أقررناه عليه؟ ~~وجماع الأمر أن هذه الجناية على الرسالة له نقض يتضمن حرابا وفسادا أو ردة ~~تضمنت فسادا وحرابا وسقوط القتل عن مثل هذا ممنوع كما تقدم. # PageV01P501 # قولهم: "حق البشرية انغمر في حق الرسالة وحق الآدمي انغمر في حق الله". # قلنا: هذه دعوة محضة ولو كان كذلك لما جاز للنبي عليه الصلاة والسلام ~~العفو عمن سبه ولا جاز عقوبته بعد مجيئه تائبا ولا احتيج خصوص السب أن يفرد ~~بذكر العقوبة لعلم كل أحد أن سب الرسول أغلظ من الكفر به فلما جاءت ~~الأحاديث والآثار في خصوص سب الرسول بالقتل علم أن ذلك لخاصة في السب وإن ~~اندرج في عموم الكفر. # وأيضا فحق العبد لا ينغمر في حق الله قط نعم العكس موجود كما تندرج عقوبة ~~القاتل والقاذف على عصيانه لله في القود وحد القذف أما أن يندرج حق العبد ~~في حق الله فباطل فإن من جنى جناية واحدة تعلق بها حقان لله ولآدمي ثم سقط ~~حق الله لم يسقط حق الآدمي سواء كان من جنس أو جنسين كما لو جنى جنايات ~~متفرقة كمن قتل في قطع الطريق فإنه إذا سقط عنه تحتم القتل لم يسقط عنه ~~القتل ولو سرق سرقة ثم سقط عنه القطع لم يسقط عنه الغرم بإجماع المسلمين ~~حتى عند من قال "إن القطع والغرم لا يجتمعان" نعم إذا جنى جناية واحدة فيها ~~حقان لله ولآدمي: فإن كان موجب الحقين من جنس واحد تداخلا وإن كانا من ~~جنسين ففي التداخل خلاف معروف مثال الأول قتل المحارب فإنه يوجب القتل حقا ~~لله وللآدمي والقتل لا يتعدد فمتى قتل لم يبق للآدمي حق في تركته من الدية ~~وإن كان له أن يأخذ الدية إذا قتل عدة مقتولين ms426 فيقتل ببعضهم عند الشافعي ~~وأحمد وغيرهما أما إن قلنا: "إن موجب العمد القود عينا" فظاهر وإن قلنا: ~~"إن موجبه أحد شيئين" فإنما ذاك حيث يمكن العفو وهنا لا يمكن العفو وصار ~~موجبه القود عينا وولي استيفائه الإمام لأن ولايته أعم ومثال الثاني أخذ ~~المال # PageV01P502 # سرقة وإتلافه فإنه موجب للقطع حدا لله وموجب للغرم حقا للآدمي ولهذا قال ~~الكوفيون: إن حد الآدمي يدخل في القطع فلا يجب وقال الأكثرون: بل يغرم ~~للآدمي ماله وإن قطعت يده وأما إذا جنى جنايات متفرقة لكل جناية حد فإن ~~كانت لله وهي من جنس واحد تداخلت بالاتفاق وإن كانت من أجناس وفيها القتل ~~تداخلت عند الجمهور ولم تتداخل عند الشافعي وإن كانت للآدمي لم تتداخل عند ~~الجمهور وعند مالك تتداخل في القتل إلا حد القذف فهنا هذا الشاتم الساب لا ~~ريب أنه يتعلق بسبه حق لله وحق لآدمي ونحن نقول: إن موجب كل منهما القتل ~~ومن ينازعنا إما أن يقول: اندرج حق الآدمي في حق الله أو موجبه الجلد فإذا ~~قتل فلا كلام إلا عند من يقول: إن موجبه الجلد فإنه يجب أن يخرج على الخلاف ~~وأما إذا أسقط حق الله في بالتوبة فكيف يسقط حق العبد؟ فإنا لا نحفظ لهذا ~~نظيرا بل النظائر تخالفه كما ذكرناه والسنة تدل على خلافه وإثبات حكم بلا ~~أصل ولا نظير غير جائز بل مخالفته للأصول دليل على بطلانه. # وأيضا فهب أن هذا حد محض لله لكن لم يقال: "إنه يسقط بالتوبة"؟ وقد قدمنا ~~أن الردة ونقض العهد نوعان: مجرد ومغلظ فما تغلظ منه بما يضر المسلمين يجب ~~قتل صاحبه بكل حال وإن تاب وبينا أن السب من هذا النوع. # وأيضا فأقصى ما يقال أن يلحق هذا السب بسب الله وفيه من الخلاف ما سيأتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى. # وأما ما ذكر من الفرق بين سب المسلم وسب الكافر فهو وإن كان له توجه كما ~~للتسوية بينهما في السقوط توجه أيضا فإنه معارض بما يدل على أن # PageV01P503 # الكافر ms427 أولى بالقتل لكل حال من المسلم وذلك أن الكافر قد ثبت المبيح لدمه ~~وهو الكفر وإنما عصمه العهد وإظهاره السب لا ريب أنه محاربة لله ورسوله ~~وإفساد في الأرض ونكاية في المسلمين فقد تحقق الفساد من جهته وإظهاره ~~التوبة بعد القدرة عليه لا يوثق بها كتوبة غيره من المحاربين لله ورسوله ~~الساعين في الأرض فسادا بخلاف من علم منه الإسلام وصدرت منه الكلمة من السب ~~مع إمكان أنها لم تصدر عن اعتقاد بل خرجت سفها أو غلطا فإذا عاد إلى ~~الإسلام مع أنه لم يزل يتدين به لم يعلم منه خلافه كان أولى بقبول توبته ~~لأن ذنبه أصغر وتوبته أقرب إلى الصحة. # ثم إنه يجاب عنه بأن إظهار المسلم تجديد الإسلام بمنزلة إظهار الذمي ~~الإسلام لأن الذمي كان يزعه عن إظهار سبه ما أظهره من الأمان كما يزع ~~المسلم ما أظهره من عقد الإيمان فإذا كان المسلم الآن إنما يظهر عقد إيمان ~~قد ظهر ما يدل على فساده فكذلك الذمي إنما يظهر عقد إيمان قد ظهر ما يدل ~~على فساده فإن من يتهم في أمانه يتهم في إيمانه ويكون منافقا في الإيمان ~~كما كان منافقا في الأمان بل ربما كان حال هذا الذي تاب بعد معاينة السيف ~~أشد على المسلمين من حاله قبل التوبة فإنه كان في ذلة الكفر والآن فإنه قد ~~يشرك المسلمين في ظاهر العز مع ما ظهر من نفاقه وخبثه الذي لم يظهر ما يدل ~~على زواله على أن في تعليل سبه بالزندقة نظرا فإن السب أمر ظاهر أظهره ولم ~~يظهر منه ما يدل على استبطانه إياه قبل ذلك ومن الجائز أن يكون قد حدث له ~~ما أوجب الردة. # نعم إن كان ممن تكرر ذلك منه أو له دلالات على سوء العقيدة فهنا الزندقة ~~ظاهرة لكن يقال: نحن نقتله لأمرين لكونه زنديقا ولكونه # PageV01P504 # سابا كما نقتل الذمي لكونه كافرا غير ذي عهد ولكونه سابا فإن الفرق بين ~~المسلم والذمي في الزندقة لا يمنع اجتماعهما في علة أخرى ms428 تقضي كون السب ~~موجبا للقتل وإن أحدث الساب اعتقادا صحيحا بعد ذلك بل قد يقال: إن السب إذا ~~كان موجبا للقتل قتل صاحبه وإن كان صحيح الاعتقاد في الباطن حال سبه كسبه ~~لله تعالى وكالقذف في إيجابه للجلد وكسب جميع البشر. # وأما الفرق الثاني الذي مبناه على أن السب يوجب قتل المسلم حدا لأن ~~مفسدته لا تزول بسقوطه بتجديد الإسلام بخلاف سب الكافر فمضمونه أنا نرخص ~~لأهل الذمة في إظهار السب إذا أظهروا بعده الإسلام ونأذن لهم أن يشتموا ثم ~~بعد ذلك يسلمون وما هذا إلا بمثابة أن يقال: على الذمي بأنه إذا زنى بمسلمة ~~أو قطع الطريق أخذ فقتل إلا أن يسلم يزعه عن هذه المفاسد إلا أن يكون من ~~يريد الإسلام وإذا أسلم فالإسلام يجب ما كان قبله ومعلوم أن معنى هذا أن ~~الذمي يحتمل منه ما يقوله ويفعله من أنواع المحاربة والفساد إذا قصد أن ~~يسلم بعده وأسلم ومعلوم أن هذا غير جائز فإن الكلمة الواحدة من سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار ولأن يظهر دين الله ~~ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه ~~أقوام وهو منتهك مستهان وكثير ممن يسب الأنبياء من أهل الذمة قد يكون ~~زنديقا لا يبالي إلى أي دين انتسب فلا يبالي أن ينال غرضه من السب ثم يظهر ~~الإسلام كالمنافق سواء ثم هذا يوجب الطمع منهم في عرضه فإنه ما دام العدو ~~يرجو أن يستبقى ولو بوجه لم يزعه ذلك عن إظهار مقصوده في وقت ما ثم إن ثبت ~~ذلك عليه ورفع إلى السلطان وأمر بقتله أظهر الإسلام وإلا # PageV01P505 # فقد حصل غرضه وكل فساد قصد إزالته بالكلية لم يجعل لفاعله سبيل إلى ~~استبقائه بعد الأخذ كالزنى والسرقة وقطع الطريق فإن كان مقصود الشارع من ~~تطهير الدار من ظهور كلمة الكفر والطعن في الدين أبلغ من مقصوده من تطهيرها ~~من وجود هذه القبائح ابتغى أن يكون تحتم عقوبة من ms429 فعل ذلك أبلغ من تحتم ~~عقوبة هؤلاء. # وفقه هذا الجواب أن تعلم أن ظهور الطعن في الدين من سب الرسول ونحوه ~~فسادا عريض وراء مجرد الكفر فلا يكون حصول الإسلام ماحيا لذلك الفساد. # وأما الفرق الثالث قولهم: "إن الكافر لم يلتزم تحريم السب" فباطل فإنه لا ~~فرق بين إظهاره لسب النبي صلى الله عليه وسلم وبين إظهاره لسب آحاد من ~~المسلمين وبين سفك دمائهم وأخذ أموالهم فإنه لولا العهد لم يكن فرق عنده ~~بيننا وبين سائر من يخالفه في دينه من المحاربين له ومعلوم أنه يستحل ذلك ~~كله منهم ثم إنه بالعهد صار بذلك محرما عليه في دينه منا لأجل العهد فإذا ~~فعل شيئا من ذلك أقيم عليه حده وإن أسلم سواء انتقض عهده بما يفعله أو لم ~~ينتقض فتارة يجب عليه الحد مع بقاء العهد كما لو سرق أو قذف مسلما وتارة ~~ينتقض عهده ولا حد عليه فيصير بمنزلة المحاربين وتارة يجب عليه الحد وينتقض ~~عهده كما إذا سب الرسول أو زنى بمسلمة أو قطع الطريق على المسلمين فهذا ~~يقتل وإن أسلم وعقوبة هذا النوع من الجنايات القتل حتما كعقوبة القاتل في ~~المحاربة من المسلمين جزاء له على ما فعل من الفساد الذي التزم بعقد ~~الإيمان أن لا يفعله مع كون مثل ذلك الفساد موجبا للقتل ونكالا لأمثاله عن ~~فعل مثل هذا إذا علموا أنه لا يترك صاحبه حتى يقتل. # فهذا هو الجواب عما ذكر من الحجج للمخالف مع أن فيما تقدم من كلامنا ما ~~يغني عن الجواب لمن تبينت له المآخذ والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P506 # فصل: في مواضيع التوبة. # وذلك مبني على التوبة من سائر الجرائم فنقول: # لا خلاف علمناه أن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ما كان ~~حدا لله من تحتم القتل والصلب والنفي وقطع الرجل وكذلك قطع اليد عند عامة ~~العلماء إلا في وجه لأصحاب الشافعي وقد نص الله على ذلك بقوله: {إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن ms430 الله غفور رحيم} ومعنى القدرة ~~عليهم إمكان الحد عليهم لثبوته بالبينة أو الإقرار وكونهم في قبضة المسلمين ~~فإذا تابوا قبل أن يؤخذوا سقط ذلك عنهم. # وأما من لم يوجد منه إلا مجرد الردة وقد أظهرها فذلك أيضا تقبل توبته عند ~~العامة إلا ما يروى عن الحسن ومن قيل إنه وافقه. # وأما القاتل والقاذف فلا أعلم مخالفا أن توبتهم لا تسقط عنهم حق الآدمي ~~بمعنى أنه إذا طلب بالقود وحد القذف فله ذلك وإن كانوا قد تابوا قبل ذلك. # وأما الزاني والسارق والشارب فقد أطلق بعض أصحابنا أنه إذا تاب قبل أن ~~يقام عليه الحد فهل يسقط عنه الحد؟ على روايتين: # أصحهما: أنه يسقط عنه الحد بمجرد التوبة ولا يعتبر مع ذلك إصلاح العمل. # والثانية: لا يسقط ويكون من توبته تطهيره بالحد. # وقيد بعضهم إذا تاب قبل ثبوت حده عند الإمام وليس بين الكلامين خلاف # PageV01P507 # في المعنى فإنه لا خلاف أنه لا يسقط في الموضع الذي لا يسقط حد المحارب ~~بتوبته وإن اختلفت عباراتهم: هل ذلك لعدم الحكم بصحة التوبة أو لإفضاء سقوط ~~الحد إلى المفسدة؟ فقال القاضي أبو يعلى وغيره وهو ممن أطلق الروايتين: ~~التوبة غير محكوم بصحتها بعد قدرة الإمام عليه لجواز أن يكون أظهرها تقية ~~من الإمام والخوف من عقوبته قال: ولهذا نقول في توبة الزاني والسارق ~~والشارب: لا يحكم بصحتها بعد علم الإمام بحدهم وثبوته عنده وإنما يحكم ~~بصحتها قبل ذلك قال: وقد ذكره أبو بكر في "الشافي" فقال: "إذا تاب يعني ~~الزاني بعد أن قدر عليه فمن توبته أن يطهر بالرجم أو الجلد وإذا تاب قبل أن ~~يقدر عليه قبلت توبته" فمأخذ القاضي أن نفس التوبة المحكوم بصحتها مسقطة ~~للحد في كل موضع فلم يحتج إلى التقييد هو ومن سلك طريقته من أصحابه مثل ~~الشريف أبي جعفر وأبي الخطاب ومأخذ أبي بكر وغيره الفرق بين ما قبل القدرة ~~وبعدها في الجميع مع صحة التوبة بعد القدرة ويكون الحد من تمام التوبة ~~فلهذا قيدوا فلا فرق في ms431 الحكم بين القولين والتقييد بذلك موجود في كلام ~~الإمام أحمد نقل عنه أبو الحارث في سارق جاء تائبا ومعه السرقة فردها قبل ~~أن يقدر عليه قال: "لم يقطع" وقال: قال الشعبي: "ليس على تائب قطع" وكذلك ~~نقل حنبل ومهنا في السارق إذا جاء إلى الإمام تائبا: "يدرأ عنه القطع". # ونقل عنه الميموني في الرجل إذا اعترف بالزنا أربع مرات ثم تاب قبل أن ~~يقام عليه الحد: إنه تقبل توبته ولا يقام عليه الحد وذكر قصة ماعز إذ وجد ~~مس الحجر فهرب قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فهلا تركتموه" قال الميموني: ~~وناظرته في مجلس آخر قال: إذا رجع عما أقر به لم يرجم قلت: فإن تاب؟ قال: ~~من توبته أن يطهر بالرجم قال: ودار بيني وبينه الكلام غير مرة أنه إذا رجع ~~لم يقم عليه وإن تاب فمن توبته أن يطهر بالجلد # PageV01P508 # قال القاضي: والمذهب الصحيح أنه يسقط بالتوبة كما نقل أبو الحارث وحنبل ~~ومهنا. # فتلخص من هذا أنه إذا أظهر التوبة بعد أن ثبت عليه الحد عند الإمام ~~بالبينة لم يسقط عنه الحد وأما إن تاب قبل أن يقدر عليه بأن يتوب قبل أخذه ~~وبعد إقراره الذي له أن يرجع عنه ففيه روايتان وقد صرح بذلك غير واحد من ~~أئمة المذهب منهم الشيخ أبو عبد الله بن حامد قال: "فأما الزنا فإنه لا ~~خلاف أنه فيما بينه وبين الله تصح توبته منه". # فأما إذا تاب الزاني وقد رفع إلى الإمام فقول واحد: لا يسقط الحد فأما إن ~~تاب بحضرة الإمام فإنه ينظر فإن كان بإقرار منه ففيه روايتان وإن كان ذلك ~~ببينه فقول واحد: لا يسقط لأنه إذا قامت البينة عليه بالزنا فقد وجب القضاء ~~بالبينة والإقرار بخلاف البينة لأنه إذا رجع عن إقراره قبل منه. # وقال في السرقة: لا خلاف أن الحق الذي لله يسقط بالتوبة سواء تاب قبل ~~القطع أو بعده وإنما الخلاف فيمن تاب قبل إقامة الحد فإن كان ذلك قبل أن ~~يرفع إلى الإمام سقط ms432 الحد سواء رفع إلى الإمام أو لم يرفع وأما إذا تاب بعد ~~أن رفع إلى الإمام فلا يسقط الحد عنه لأنه حق يتعلق بالإمام فلا يجوز تركه. # قال: وكذلك المحارب إذا تاب من حق الله وقد قدمنا أنا إذا قلنا يسقط الحد ~~عن غير قطاع الطريق بالتوبة فإنه يكفي مجرد التوبة وهذا هو المشهور من ~~المذهب كما يكفي ذلك في قطاع الطريق. # وفيه وجه ثان: أنه لا بد من إصلاح العمل مع التوبة وعلى هذا فقد قيل: ~~يعتبر مضي مدة يعتبر بها صدق توبته وصلاح نيته وليست مقدرة بمدة معلومة لأن ~~التوقيت يفتقر إلى توقيف ويتحرج أن يعتبر مضي سنة كما # PageV01P509 # نص عليه الإمام أحمد في توبة الداعي إلى البدعة أنه يتعين فيه مضي سنة ~~إتباعا لما أمر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قضية صبيغ بن عسل فإنه ~~تاب عنده ثم نفاه إلى البصرة وأمر المسلمين بهجره فلما حال الحول ولم يظهر ~~منه إلا خير أمر المسلمين بكلامه وهذه قضية مشهورة بين الصحابة هذه طريقة ~~أكثر أصحابنا. # وظاهر طريقة أبي بكر أنه يفرق بين التوبة قبل أن يقر بأن يجيء تائبا وبين ~~أن يقر ثم يتوب لأن أحمد رضي الله عنه إنما أسقط الحد عمن جاء تائبا فأما ~~إذا أقر ثم تاب فقد رجع أحمد عن القول بسقوط الحد. # وللشافعي أيضا في سقوط سائر الحدود غير حد المحارب بالتوبة قولان أصحهما ~~أنه يسقط لكن حد المحارب يسقط بإظهار التوبة قبل القدرة وحد غيره لا يسقط ~~بالتوبة حتى يقترن بها الإصلاح في زمن يوثق بتوبته وقيل: مدة ذلك سنة. # هكذا ذكر العراقيون من أصحابه وذكر بعض الخراسانيين أن في توبة المحارب ~~وغيره بعد الظفر قولين إذا اقترن بها الإصلاح واستشكلوا ذلك فيما إذا أنشأ ~~التوبة حيث أخذ لإقامة الحد فإنه لا يؤخر حتى يصلح العمل. # ومذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يسقط بالتوبة وذكر بعضهم أن ذلك إجماع ~~وإنما هو إجماع في التوبة بعد ثبوت الحد. # فصل. # إذا ms433 تلخص ذلك فمن سب الرسول صلى الله عليه وسلم ورفع إلى السلطان وثبت ~~ذلك عليه بالبينة ثم أظهر التوبة لم يسقط عنه الحد عند من يقول: "إنه يقتل ~~حدا" سواء تاب قبل أداء البينة أو بعد أداء البينة لأن هذه توبة بعد أخذه ~~والقدرة عليه فهو كما لو تاب قاطع الطريق والزاني والسارق # PageV01P510 # في هذه الحال وكذلك لو تاب بعد أن أريد رفعه إلى السلطان والبينة بذلك ~~ممكنة وهذا لا ريب فيه والذمي في ذلك كالملي إذا قيل: "إنه يقتل حدا" كما ~~قررناه. # وأما إن أقر بالسب ثم تاب أو جاء تائبا منه فذهب المالكية أنه يقتل أيضا ~~لأنه حد من الحدود والحدود لا تسقط عندهم بالتوبة قبل القدرة ولا بعدها ~~ولهم في الزنديق إذا جاء تائبا قولان لكن قال القاضي عياض: "مسألته أقوى لا ~~يتصور فيها الخلاف لأنه حق يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسببه ~~لا تسقطه التوبة كسائر حقوق الآدميين" وكذلك يقول من يرى أنه يقتله حدا كما ~~يقرر الجمهور ويرى أن التوبة لا تسقط الحد بحال كأحد قولي الشافعي وإحدى ~~الروايتين عن أحمد وأما على المشهور في المذهبين من أن التوبة قبل القدرة ~~تسقط الحد فقد ذكرنا أنما ذاك في حدود الله فأما حدود الآدميين من القود ~~وحد القذف فلا تسقط بالتوبة فعلى هذا لا يسقط القتل عنه وإن تاب قبل القدرة ~~كما لا يسقط القتل قودا عن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة لأنه حق آدمي ~~ميت فأشبه القود وحد القذف وهذا قول القاضي أبي يعلى وغيره وهو مبني على أن ~~قتله حق لآدمي وأنه لم يعف عنه ولا يسقط إلا بالعفو وهو قول من يفرق بين من ~~سب الله ومن سب رسوله وأما من سوى بين من سب الله ومن سب رسوله وقال: "إن ~~الحدود تسقط بالتوبة قبل القدرة" فإنه يسقط القتل هنا لأنه حد من الحدود ~~الواجبة لله تعالى تاب صاحبه قبل القدرة عليه وهذا موجب قول من قال: "إن ~~توبته تنفعه ms434 فيما بينه وبين الله ويسقط عنه حق الرسول في الآخرة" وبه صرح ~~بذلك غير واحد من أصحابنا وغيرهم لأن التوبة المسقطة لحق الله وحق العبد ~~وجدت قبل أخذه لإقامة الحد عليه وذلك أن هذا الحد ليس له عاف عنه فإن لم ~~تكن التوبة مسقطة له لزم أن يكون من الحدود ما لا تسقطه توبة قبل القدرة ~~ولا عفو # PageV01P511 # وليس لهذا نظير نعم لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم حيا لتوجه أن يقال: ~~لا يسقط الحد إلا عفوه بكل حال. # وأما إن أخذ وثبت السب بإقراره ثم تاب أو جاء فأقر بالسب غير مظهر للتوبة ~~ثم تاب فذلك مبني على جواز رجوعه عن هذا الإقرار: فإذا لم يقبل رجوعه أقيم ~~عليه الحد بلا تردد وإن قبل رجوعه وأسقط الحد عمن جاء تائبا ففي سقوطه عن ~~هذا الوجهان المتقدمان وإن أقيم الحد على من جاء تائبا فعلى هذا أولى ~~والقول في الذمي إذا جاء مسلما معترفا أو أسلم بعد إقراره كذلك. # فهذا ما يتعلق بالتوبة من السب ذكرنا ما حضرنا ذكره كما يسره الله سبحانه ~~وتعالى. # وقد حان أن نذكر المسألة الرابعة فنقول: # PageV01P512 ### | المسألة الرابعة: في بيان السب المذكور والفرق بينه وبين مجرد الكفر. # وقبل ذلك لا بد من تقديم مقدمة وقد كان يليق أن تذكر في أول المسألة ~~الأولى وذكرها هنا مناسب أيضا لينكشف سر المسألة. # وذلك أن نقول: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا وسواء كان الساب ~~يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو كان ذاهلا عن اعتقاده هذا مذهب ~~الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل. # وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه ~~وهو أحد الأئمة يعدل بالشافعي وأحمد: قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب ~~رسوله عليه الصلاة والسلام أو دفع شيئا مما أنزل الله أو قتل نبيا من ~~أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بما أنزل الله. # PageV01P512 # وكذلك قال محمد ms435 بن سحنون وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك وزمنه قريب من هذه ~~الطبقة: "أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المنتقص له كافر ~~والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه ~~كفر". # وقد نص على مثل هذا غير واحد من الأئمة قال أحمد في رواية عبد الله في ~~رجل قال لرجل يا ابن كذا وكذا أعني أنت ومن خلقك: "هذا مرتد عن الإسلام ~~يضرب عنقه" وقال في رواية عبد الله وأبي طالب: "من شتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم قتل وذلك أنه إذا شتم فقد ارتد عن الإسلام ولا يشتم مسلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم" فبين أن هذا مرتد وأن المسلم لا يتصور أن يشتم وهو مسلم. # وكذلك نقل عن الشافعي أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى أنه قال: ~~"هو كافر" واستدل بقول الله تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ~~لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} . # وكذلك قال أصحابنا وغيرهم: من سب الله كفر سواء كان مازحا أو جادا لهذه ~~الآية وهذا هو الصواب المقطوع به. # وقال القاضي أبو يعلى في "المعتمد": "من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر ~~سواء استحل سبه أو لم يستحله" فإن قال: "لم أستحل ذلك" لم يقبل منه في ظاهر ~~الحكم رواية واحدة وكان مرتدا لأن الظاهر خلاف ما أخبر لأنه لا غرض له في ~~سب الله وسب رسوله إلا لأنه غير معتقد لعبادته غير مصدق بما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويفارق الشارب والقاتل والسارق إذا قال: "أنا غير مستحل ~~لذلك" أنه يصدق في الحكم # PageV01P513 # لأن له غرضا في فعل هذه الأشياء مع اعتقاد تحريمها وهو ما يتعجل من اللذة ~~قال: وإذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في ظاهر الحكم فأما في الباطن فإن كان ~~صادقا فيما قال فهو مسلم كما قلنا في الزنديق: لا تقبل توبته في ظاهر ~~الحكم. # وذكر القاضي عن الفقهاء أن ساب النبي صلى ms436 الله عليه وسلم إن كان مستحلا ~~كفر وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر كساب الصحابة وهذا نظير ما يحكى أن بعض ~~الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون أمير المؤمنين فيمن سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يجلده حتى أنكر ذلك مالك ورد هذه الفتيا مالك وهو نظير ما ~~حكاه أبو محمد ابن حزم أن بعض الناس لم يكفر المستخف به. # وقد ذكر القاضي عياض بعد أن رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف ~~الذي ذكره ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد وحمل الحكاية على أن ~~أولئك لم يكونوا ممن يوثق بفتواه لميل الهوى به أو أن الفتيا كانت في كلمة ~~اختلف في كونها سبا أو كانت فيمن تاب ذكر أن الساب إذا أقر بالسب ولم يتب ~~منه قتل كفرا لأن قوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه أو هو من كلمات ~~الاستهزاء أو الذم فاعترافه بها وترك توبته منها دليل على استحلاله لذلك ~~وهو كفر أيضا قال: فهذا كافر بلا خلاف. # وقال في موضع آخر: إن من قتله بلا استتابة فهو لم يره ردة وإنما يوجب ~~القتل فيه حدا وإنما يقول ذلك مع إنكاره ما شهد عليه به أو إظهاره الإقلاع ~~عنه والتوبة ونقتله حدا كالزنديق إذا تاب قال: ونحن وإن أثبتنا له حكم ~~الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك لإقراره بالتوحيد والنبوة وإنكاره ما ~~شهد به عليه أو زعمه أن ذلك كان منه ذهولا ومعصية وأنه مقلع عن ذلك نادم ~~عليه # PageV01P514 # قال: وأما من علم أنه سبه معتقدا لاستحلاله فلا شك في كفره بذلك وكذلك إن ~~كان سبه في نفسه كفرا كتكذيبه أو تكفيره ونحوه فهذا ما لا إشكال فيه وكذلك ~~من لم يظهر التوبة واعتراف بما شهد به وصمم عليه فهو كافر بقوله واستحلاله ~~هتك حرمة الله أو حرمة نبيه وهذا أيضا تثبيت منه بأن السب يكفر به لأجل ~~استحلاله له إذا لم يكن في نفسه تكذيبا صريحا. # وهذا موضع لا بد ms437 من تحريره ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس ~~الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة ويرحم الله القاضي أبا ~~يعلي قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا وإنما وقع من وقع في هذه ~~المهواة ما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين وهم الجهمية الإناث ~~الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في ~~القلب وإن لم يقترن به قول اللسان ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح ~~وصرح القاضي أبو يعلى بذلك هنا قال عقب أن ذكر ما حكيناه عنه: وعلى هذا لو ~~قال الكافر: "أنا معتقد بقلبي معرفة الله وتوحيده لكني لا آتي بالشهادتين ~~كما لا آتي غيرها من العبادات كسلا" لم يحكم بإسلامه في الظاهر ويحكم به ~~باطنا قال: وقول الإمام أحمد: "من قال إن المعرفة تنفع في القلب من غير أن ~~يتلفظ بها فهو جهمي" محمول على أحد وجهين أحدهما: أنه جهمي في ظاهر الحكم ~~والثاني: على أنه يمتنع من الشهادتين عنادا لأنه احتج أحمد في ذلك بأن ~~إبليس عرف ربة بقلبه ولم يكن مؤمنا ومعلوم أن إبليس اعتقد أنه لا يلزم ~~امتثال أمره تعالى بالسجود لآدم وقد ذكر القاضي في غير موضع أنه لا يكون ~~مؤمنا حتى يصدق بلسانه مع القدرة وبقلبه وأن الإيمان قول وعمل كما هو مذهب ~~الأئمة كلهم: مالك وسفيان والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق ومن ~~قبلهم وبعدهم من أعيان الأمة. # PageV01P515 # وليس الغرض هنا استيفاء الكلام في هذا الأصل وإنما الغرض البينة على ما ~~يختص هذه المسألة وذلك من وجوه. # أحدها: أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلا كفر وإلا فلا ~~ليس لها أصل وإنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين نقلوها عن ~~الفقهاء وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنوه جاريا في أصولهم أو بما قد ~~سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعد قوله قولا وقد حكينا نصوص ~~أئمة الفقهاء وحكاية إجماعهم ممن ms438 هو أعلم الناس بمذاهبهم فلا يظن ظان أن في ~~المسألة خلافا يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد وإنما ذلك غلط لا ~~يستطيع أحد أن يحكي عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة. # الوجه الثاني: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال فإنما معناه اعتقاد أن السب ~~حلال فإنه لما اعتقد أن ما حرمه الله تعالى حلال كفر ولا ريب أن من اعتقد ~~في المحرمات المعلوم تحريمها أنها حلال كفر لكن لا فرق في ذلك بين سب النبي ~~وبين قذف المؤمنين والكذب عليهم والغيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي ~~علم أن الله حرمها فإنه من فعل شيئا من ذلك مستحلا كفر مع أنه لا يجوز أن ~~يقال: من قذف مسلما أو اغتابه كفر ويعنى بذلك إذا استحله. # الوجه الثالث: أن اعتقاد حل السب كفر سواء اقترن به وجود السب أو لم ~~يقترن فإذا لا أثر للسب في التكفير وجودا وعدما وإنما المؤثر هو الاعتقاد ~~وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء. # الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب ما يدل ~~على أن الساب مستحل فيجب أن لا يكفر لا سيما إذا قال: "أنا اعتقد أن هذا ~~حرام وإنما أقول غيظا وسفها أو عبثا أو لعبا" كما قال المنافقون: {إنما # PageV01P516 # كنا نخوض ونلعب} كما إذا قال: إنما قذفت هذا أو كذبت عليه لعبا وعبثا فإن ~~قيل لا يكونون كفارا فهو خلاف نص القرآن وإن قيل يكونون كفارا فهو تكفير ~~بغير موجب إذا لم يجعل نفس السب مكفرا وقول القائل أنا لا أصدقه في هذا لا ~~يستقيم فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل فإذا كان قد قال: "أنا أعتقد أن ذلك ~~ذنب ومعصية وأنا أفعله" فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفرا؟ ولهذا قال سبحانه ~~وتعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ولم يقل قد كذبتم في قولكم إنما ~~كنا نخوض ونلعب فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من ~~العذر الذي ms439 يوجب براءتهم من الكفر كما لو كانوا صادقين بل بين أنهم كفروا ~~بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب. # وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في ~~نفسها كفر استحلها صاحبها أو لم يستحلها فالدليل على ذلك جميع ما قدمناه في ~~المسألة الأولى من الدليل على كفر الساب مثل قوله تعالى: {ومنهم الذين ~~يؤذون النبي} وقوله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} وقوله تعالى: {لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} وما ذكرناه من الأحاديث والآثار فإنها أدلة ~~بينة في أن نفس أذى الله ورسوله كفر مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجودا ~~وعدما فلا حاجة إلى أن نعيد الكلام هنا بل في الحقيقة كل ما دل على أن ~~الساب كافر وأنه حلال الدم لكفره فقد دل على هذه المسألة إذ لو كان الكفر ~~المبيح هو اعتقاد أن السب حلال لم يجز تكفيره وقتله حتى يظهر هذا الاعتقاد ~~ظهورا تثبت بمثله الاعتقادات المبيحة للدماء # PageV01P517 # ومنشأ هذه الشهبة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين ومن حذا حذوهم من ~~الفقهاء أنهم رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به ورأوا أن ~~اعتقاد صدقة لا ينافي السب والشتم بالذات كما أن اعتقاد إيجاب طاعته لا ~~ينافي معصيته فإن الإنسان قد يهين من يعتقد وجوب إكرامه كما يترك ما يعتقد ~~وجوب فعله ويفعل ما يعتقد وجوب تركه ثم رأوا أن الأمة قد كفرت الساب ~~فقالوا: إنما كفر لأن سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام واعتقاد حله ~~تكذيب للرسول فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة وإنما الإهانة دليل على ~~التكذيب فإذا فرض أنه في نفس الأمر ليس بمكذب كان في نفس الأمر مؤمنا وإن ~~كان حكم الظاهر إنما يجري عليه بما أظهره فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم وهو ~~الذين يقولون: "الإيمان هو الاعتقاد والقول" وغلاتهم وهم الكرامية الذين ~~يقولون: "هو مجرد القول وإن عري عن الاعتقاد" وأما الجهمية الذين يقولون: ~~"هو مجرد المعرفة والتصديق بالقلب فقط وإن لم يتكلم بلسانه" ms440 فلهم مأخذ آخر ~~وهو أنه قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه فإذا كان في قلبه التعظيم والتوقير ~~للرسول لم يقدح إظهار خلاف ذلك بلسانه في الباطن كما لا ينفع المنافق إظهار ~~خلاف ما في قلبه في الباطن. # وجواب الشبهة الأولى من وجوه: # أحدها: أن الإيمان وإن كان أصله تصديق القلب فذلك التصديق لا بد أن يوجب ~~حالا في القلب وعملا له وهو تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته وذلك أمر لازم ~~كالتألم والتنعم عند الإحساس بالمؤلم والمنعم وكالنفرة والشهوة عند الشعور ~~بالملائم والمنافي فإذا لم تحصل هذه الحال والعمل في القلب لم ينفع ذلك ~~التصديق ولم يغن شيئا وإنما يمتنع حصوله إذا عارضه معارض من حسد الرسول أو ~~التكبر عليه أو الإهمال له وإعراض القلب عنه ونحو ذلك كما أن إدراك الملائم ~~والمنافي يوجب اللذة والألم إلا أن يعارضه معارض ومتى حصل المعارض كان وجود # PageV01P518 # ذلك التصديق كعدمه كما يكون وجود ذلك كعدمه بل يكون ذلك المعارض موجبا ~~لعدم المعلول الذي هو حال في القلب وبتوسط عدمه يزول التصديق الذي هو العلة ~~فينقلع الإيمان بالكلية من القلب وهذا هو الموجب لكفر من حسد الأنبياء أو ~~تكبر عليهم أو كره فراق الإلف والعادة مع علمه بأنهم صادقون وكفرهم أغلظ من ~~كفر الجهال. # الثاني: أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق وإنما هو ~~الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط فأما الأمر فليس ~~فيه تصديق من حيث هو أمر وكلام الله خبر وأمر فالخبر يستوجب تصديق المخبر ~~والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام وهو عمل في القلب جماعه الخضوع ~~والانقياد للأمر وإن لم يفعل المأمور به فإذا قوبل الخبر بالتصديق والأمر ~~بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو الطمأنينة والإقرار فإن ~~اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة وذلك إنما يحصل إذا استقر في ~~القلب التصديق والانقياد وإذا كان كذلك فالسب إهانة واستخفاف والانقياد ~~للأمر إكرام وإعزاز ومحال أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم أو ms441 ~~يستخف به فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة امتنع أن يكون فيه انقياد أو ~~استسلام فلا يكون فيه إيمان وهذا هو بعينه كفر إبليس فإنه سمع أمر الله له ~~فلم يكذب رسولا ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار ~~كافرا وهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف: تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل ~~إلا التصديق ثم يرون مثل إبليس وفرعون ممن لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه ~~تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون # PageV01P519 # ولم أنهم هدوا لما هدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل ~~أعني في الأصل قولا في القلب وعملا في القلب فإن الإيمان بحسب كلام الله ~~ورسالته وكلام الله ورسالته يتضمن إخباره وأوامره فيصدق القلب إخباره ~~تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به والتصديق هو من نوع العلم والقول ~~وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل ~~ولا يكون مؤمنا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرا فصار من ~~الكافرين وإذا كان مصدقا فالكفر أعم من التكذيب يكون تكذيبا وجهلا ويكون ~~استكبارا وظلما ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب ~~ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس وكان كفر من ~~يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالا وهو الجهل ألا ترى أن نفرا من اليهود جاؤوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا: نشهد أنك ~~نبي ولم يتعبوه وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق؟ ألا ~~ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرا وأمرا ~~فإنه يحتاج إلى مقام ثان وهو تصديقه خبر الله وانقياد لأمر الله فإذا قال: ~~"أشهد أن لا إله إلا الله" فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره ~~فإذا قال: "وأشهد أن محمدا رسول الله" تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من ~~عند الله فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار فلما ms442 كان التصديق لا بد منه ~~في كلا الشهادتين وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ظن من ظن أنه أصل لجميع ~~الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد وإلا فقد يصدق ~~الرسول ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر إذ غايته في تصديق الرسول ~~أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه وتعالى كإبليس وهذا مما يبين # PageV01P520 # لك أن الاستهزاء بالله وبرسوله ينافي الانقياد له لأنه قد بلغ عن الله ~~أنه أمر بطاعته فصار الانقياد له من تصديقه في خبره فمن لم ينقد لأمره فهو ~~إما مكذب له أو ممتنع عن الانقياد لربه وكلاهما كفرا صريح ومن استخف به ~~واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقادا لأمره فإن الانقياد إجلال وإكرام ~~والاستخفاف إهانة وإذلال وهذان ضدان فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر ~~فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد. # الوجه الثالث: أن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه ~~واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر فأما إن اعتقد أن ~~الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله ~~وينقاد فهو إما جاحد أو معاند ولهذا قالوا: من عصى مستكبرا كإبليس كفر ~~بالاتفاق ومن عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة وإنما يكفره ~~الخوارج فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقا بأن الله ربه فإن معاندته له ~~ومحادته تنافي هذا التصديق. # وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق فإنه ما آمن ~~بالقرآن من استحل محارمه وكذلك لو استحلها بغير فعل والاستحلال اعتقاد أن ~~الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها وهذا يكون لخلل في الإيمان ~~بالربوبية أو لخلل في الإيمان بالرسالة ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة ~~وتارة يعلم أن الله حرمها ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ثم يمتنع ~~عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفرا ممن قبله وقد يكون ms443 هذا ~~مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه ثم إن هذا الامتناع ~~والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى # PageV01P521 # عدم التصديق بصفة من صفاته وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردا أو ~~إتباعا لغرض النفس وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ~~ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته ~~لمراده ومشتهاه ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر ~~عنه فهذا نوع غير النوع الأول وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ~~والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع بل عقوبته أشد وفي مثله قيل: "أشد ~~الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" وهو إبليس ومن سلك ~~سبيله وبهذا يظهر الفرق بين العاصي فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويحب ~~أنه يفعله لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة فقد أتى من الإيمان ~~بالتصديق والخضوع والانقياد وذلك قول وعمل لكن لم يكمل العمل. # وأما إهانة الرجل من يعتقد وجوب كرامته كالوالدين ونحوهما فلأنه لم يهن ~~ما كان الانقياد له والإكرام شرطا في إيمانه وإنما أهان من إكرامه شرط في ~~بره وطاعته وتقواه وجانب الله والرسول إنما كفر فيه لأنه لا يكون مؤمنا حتى ~~يصدق تصديقا يقتضي الخضوع والانقياد فحيث لم يقتضه لم يكن ذلك التصديق ~~إيمانا بل كان وجوده شرا من عدمه فإن من خلق له حياة وإدراك ولم يرزق إلا ~~العذاب كان فقد تلك الحياة والإدراك أحب إليه من حياة ليس فيها إلا الألم ~~وإذا كان التصديق ثمرته صلاح حاله وحصول النعيم له واللذة في الدنيا ~~والآخرة فلم يحصل معه إلا فساد حاله والبؤس والألم في الدنيا والآخرة كان ~~أن لا يوجد أحب إليه من أن يوجد. # وهنا كلام طويل في تفصيل هذه الأمور ومن حكم الكتاب والسنة على # PageV01P522 # نفسه قولا وفعلا ونور الله قلبه تبين له ضلال كثير من الناس ممن يتكلم ~~برأيه في ms444 سعادة النفوس بعد الموت وشقاوتها جريا على منهاج الذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسل الله به رسله ونبذوا الكتاب الله وراء ظهورهم وإتباعا ~~لما تتلوه الشياطين. # وأما الشبهة الثانية فجوابها من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن من تكلم بالتكذيب والجحد وسائر أنواع الكفر من غير إكراه على ~~ذلك فإنه يجوز أن يكون مع ذلك في نفس الأمر مؤمنا ومن جوز هذا فقد خلع ربقة ~~الإسلام من عنقه. # الثاني: أن الذي عليه الجماعة أن من لم يتكلم بالإيمان بلسانه من غير عذر ~~لم ينفعه ما في قلبه من المعرفة وأن القول من القادر عليه شرط في صحة ~~الإيمان حتى اختلفوا في تكفير من قال: "إن المعرفة تنفع من غير عمل ~~الجوارح" وليس هذا موضع تقرير هذا. # وما ذكره القاضي رحمه الله من التأويل لكلام الإمام أحمد فقد ذكر هو ~~وغيره خلاف ذلك في غير موضع وكذلك ما دل عليه كلام القاضي عياض فإن مالكا ~~وسائر الفقهاء من التابعين ومن بعدهم إلا من نسب إلى بدعة قالوا: "الإيمان ~~قول وعمل" وبسط هذا له مكان غير هذا. # الثالث: أن من قال: "إن الإيمان مجرد معرفة القلب من غير احتياج إلى ~~المنطق باللسان" يقول: لا يفتقر الإيمان في نفس الأمر إلى القول الذي ~~يوافقه باللسان لكن لا يقول إن القول الذي ينافي الإيمان لا يبطله فإن ~~القول قولان: قول يوافق تلك المعرفة وقول يخالفها فهب أن القول الموافق لا ~~يشترط لكن القول المخالف ينافيها فمن قال # PageV01P523 # بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدا لها عالما بأنها كلمة كفر فإنه يكفر ~~بذلك ظاهرا وباطنا ولا يجوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا ومن ~~قال ذلك فقد مرق من الإسلام قال سبحانه: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا ~~من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~ولهم عذاب عظيم} . # ومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط لأن ذلك لا يكره الرجل ~~عليه وهو قد استثنى من ms445 أكره ولم يرد من قال واعتقد لأنه استثنى المكره وهو ~~لا يكره على العقد والقول وإنما يكره على القول فقط فعلم أنه أراد من تكلم ~~بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم وأنه كافر بذلك إلا من أكره ~~وهو مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا من المكرهين فإنه كافر أيضا ~~فصار كل من تكلم بالكفر كافرا إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه ~~مطمئن بالإيمان وقال تعالى في حق المستهزئين: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم} فبين أنهم كفار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته وهذا باب واسع ~~والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه ~~استهانة واستخفاف كما أنه يوجب المحبة والتعظيم واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا ~~أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته كاقتضاء إدراك الموافق للذة وإدراك ~~المخالف للألم فإذا عدم المعلول كان مستلزما لعدم العلة وإذا وجد الضد كان ~~مستلزما لعدم الضد الآخر فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف والاستهانة ~~مستلزم لعدم التصديق النافع ولعدم الانقياد والاستسلام فلذلك كان كفرا. # واعلم أن الإيمان وإن قيل هو التصديق فالقلب يصدق بالحق والقول يصدق في ~~القلب والعمل يصدق القول والتكذيب بالقول مستلزم # PageV01P524 # للتكذيب بالقلب ورافع للتصديق الذي كان في القلب إذ أعمال الجوارح تؤثر ~~في القلب كما أن أعمال القلب تؤثر في الجوارح فإنما قام به كفر تعدى حكمه ~~إلى الآخر والكلام في هذا واسع وإنما نبهنا على هذه المقدمة. # فصل. # ثم نعود إلى مقصود المسألة فنقول: # قد ثبت أن كل سب وشتم يبيح الدم فهو كفر وإن لم يكن كل كفر سبا ونحن نذكر ~~عبارات العلماء في هذه المسألة: # قال الإمام أحمد: "كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه مسلما ~~كان أو كافرا فعليه القتل وأرى أن يقتل ولا يستتاب". # وقال في موضع آخر: "كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب سبحانه وتعالى فعليه ~~القتل مسلما كان أو كافرا وهذا مذهب أهل المدينة". # وقال أصحابنا: "التعرض ms446 بسب الله وسب رسوله صلى الله عليه وسلم ردة وهو ~~موجب للقتل كالتصريح ولا يختلف أصحابنا أن قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم ~~من جملة سبه الموجب للقتل وأغلظ لأن ذلك يفضي إلى القدح في نسبه وفي عبارة ~~بعضهم إطلاق القول بأن من سب أم النبي صلى الله عليه وسلم يقتل مسلما كان ~~أو كافرا وينبغي أن يكون مرادهم بالسب هنا القذف كما صرح به الجمهور لما ~~فيه من سب النبي صلى الله عليه وسلم". # وقال القاضي عياض: "جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق ~~به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهة بشيء ~~على طريق السب له والإزراء عليه أو البغض منه والعيب له فهو ساب # PageV01P525 # له والحكم فيه حكم الساب: يقتل ولا نستثن فصلا من فصول هذا الباب عن هذا ~~المقصد ولا تمتر فيه تصريحا كان أو تلويحا وكذلك من لعنه أو تمنى مضرة له ~~أو دعا عليه أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عيبه في جهته ~~العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيره بشيء مما يجري من ~~البلاء والمحنة عليه أو غمضه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه ~~قال: هذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن أصحابه وهلم جرا". # وقال ابن القاسم عن مالك: "من سب النبي صلى الله عليه وسلم قتل ولم ~~يستتب" قال ابن القاسم: "أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل كالزنديق وقد ~~فرض الله توقيره". # وكذلك قال مالك في رواية المدنيين عنه: "من سب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلما كان أو كافرا ولا يستتاب". # وروى ابن وهب عن مالك من قال: "إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم ويروى ~~برده "وسخ" وأراد به عيبه قتل". # وذكر بعض المالكية إجماع العلماء على أن من دعا على نبي من ms447 الأنبياء ~~بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة. # وذكر القاضي عياض أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بلا ~~استتابة في قضايا متعددة أفتى في كل قضية بعضهم: # منها: رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر بهم رجل ~~قبيح الوجه واللحية فقال: تريدون تعرفون صفته؟ هذا المار في خلقه ولحيته. # ومنها: رجل قال: النبي صلى الله عليه وسلم أسود. # ومنها: رجل قيل له: "لا وحق رسول الله" فقال: فعل الله برسول الله كذا # PageV01P526 # وكذا ثم قيل له: ما تقول يا عدو الله فقال أشد من كلامه الأول ثم قال: ~~إنما أردت برسول الله العقرب قالوا: لأن ادعاء للتأويل في لفظ صراح لا يقبل ~~لأنه امتهان وهو غير معزر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا موقر له فوجبت ~~إباحة دمه. # ومنها: عشار قال: أدوا شك إلى النبي أو قال: إن سألت أو جهلت فقد سأل ~~النبي وجهل. # ومنها: متفقه كان يستخف بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسميه في أثناء ~~مناظرته اليتيم وختن حيدره ويزعم أن زهده لم يكن قصدا ولو قدر على الطيبات ~~لأكلها وأشباه هذا. # قال: فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا وتنقصا يجب قتل قائله لم يختلف ~~في ذلك متقدمهم ومتأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله. # وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه أو برئ منه أو كذبه: "إنه مرتد" ~~وكذلك قال أصحاب الشافعي: "كل من تعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~فيه استهانة فهو كالسب الصريح" فإن الاستهانة بالنبي كفر وهل يتحتم فيه ~~قتله أو يسقط بالتوبة؟ على الوجهين وقد نص الشافعي على هذا المعنى. # فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص به كفر مبيح للدم ~~وهم في استتابته على ما تقدم من الخلاف ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه ~~لكن المقصود شيء آخر حصل السب تبعا له أو لا يقصد شيئا من ذلك بل يهزل ~~ويمزح أو يفعل غير ذلك. # فهذا ms448 كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سبا فإن الرجل يتكلم ~~بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يهوي بها في النار أبعد ~~مما بين المشرق والمغرب ومن قال ما هو سب وتنقص له فقد آذى الله ورسوله وهو ~~مأخوذ بما يؤذي به الناس من القول الذي هو في نفسه أذى وإن لم يقصد # PageV01P527 # أذاهم ألم تسمع إلى الذين قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب فقال الله تعالى: ~~{أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} . # وهذا مثل من يغضب فيذكر له حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو حكم من ~~حكمه أو يدعى لما سنه فيلعن ويقبح ونحو ذلك وقد قال تعالى: {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} فأقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه ثم لا يجدوا ~~في نفوسهم حرجا من حكمه فمن شاجر غيره في حكم وحرج لذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى أفحش في منطقه فهو كافر بنص التنزيل ولا يعذر بأن مقصوده رد ~~الخصم فإن الرجل لا يؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما وحتى ~~يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. # ومن هذا الباب قول القائل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وقول ~~الآخر: اعدل فإنك لم تعدل وقول ذلك الأنصاري: أن كان ابن عمتك فإن هذا كفر ~~محض حيث زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم للزبير لأنه ابن عمته ~~ولذلك أنزل الله تعالى هذه الآية وأقسم أنهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا من حكمه وإنما عفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما عفا عن ~~الذي قال: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وعن الذي قال: اعدل فانك لم ~~تعدل وقد ذكرنا عن عمر رضي الله عنه أنه قتل رجلا لم يرض بحكم النبي ms449 صلى ~~الله عليه وسلم فنزل القرآن بموافقته فكيف بمن طعن في حكمه؟ وقد ذكر طائفة ~~من الفقهاء منهم ابن عقيل وبعض أصحاب الشافعي أن هذا كان عقوبته التعزير ثم ~~منهم من قال: لم يعزره النبي # PageV01P528 # صلى الله عليه وسلم لأن التعزير غير واجب ومنهم من قال: عفا عنه لأن الحق ~~له ومنهم من قال: عاقبه بأن أمر الزبير أن يسقي ثم يحبس الماء حتى يرجع إلى ~~الجدر وهذه أقوال ردية لا يستريب من تأمل في أن هذا كان يستحق القتل بعد نص ~~القرآن أن من هو بمثل حاله ليس بمؤمن. # فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر وفي الصحيحين عن علي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ~~فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ولو كان هذا القول كفرا للزم أن يغفر ~~الكفر والكفر لا يغفر ولا يقال عن بدري: إنه كفر. # فقيل: هذه الزيادة ذكرها أبو اليمان عن شعيب ولم يذكرها أكثر الرواة ~~فيمكن أنها وهم كما وقع في حديث كعب وهلال بن أمية أنهما لم يشهدا بدرا ~~وكذلك لم يذكره ابن إسحاق في روايته عن الزهري لكن الظاهر صحتها. # فنقول: ليس في الحديث أن هذه القصة كانت بعد بدر فلعلها كانت قبل بدر ~~وسمي الرجل بدريا لأن عبد الله بن الزبير حدث بالقصة بعد أن صار الرجل ~~بدريا فعن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال ~~الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل ~~الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون ~~وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: "اسق يا زبير ثم احبس الماء ~~حتى يرجع ms450 إلى الجدر" فقال الزبير: والله لأني أحسب هذه الآية نزلت في ذلك ~~{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} متفق عليه وفي رواية ~~للبخاري من حديث عروة قال: فاستوعى رسول الله # PageV01P529 # صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري فلما أحفظ ~~الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للزبير حقه في صريح الحكم وهذا يقوي أن القصة متقدمة قبل بدر لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور أن الأعلى يسقى ثم يحبس حتى ~~يبلغ الماء إلى الكعبين فلو كانت قصة الزبير بعد هذا القضاء لكان قد علم ~~وجه الحكم فيه وهذا القضاء الظاهر أنه متقدم من حين قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن الحاجة إلى الحكم فيه من حين قدم ولعل قصة الزبير أوجبت هذا ~~القضاء. # وأيضا فإن هؤلاء الآيات قد ذكر غير واحد أن أولها نزل لما أراد بعض ~~المنافقين أن يحاكم يهوديا إلى ابن الأشرف وهذا إنما كان قبل بدر لأن ابن ~~الأشرف ذهب عقب بدر إلى مكة فلما رجع قتل فلم يستقر بعد بدر بالمدينة ~~استقرارا يتحاكم إليه وإن كانت القصة بعد بدر فإن القائل لهذه الكلمة يكون ~~قد تاب واستغفر وقد عفا له النبي صلى الله عليه وسلم عن حقه فغفر له ~~والمضمون لأهل بدر إنما هو المغفرة: إما بأن يستغفروا إن كان الذنب مما لا ~~يغفر إلا بالاستغفار أو لم يكن كذلك وإما بدون أن يستغفروا ألا ترى أن ~~قدامة بن مظعون وكان بدريا تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من ~~قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية ~~حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو أصحابه فإن أقروا بالتحريم ~~جلدوا وإن لم يقروا به كفروا ثم إنه تاب وكاد ييأس لعظم ذنبه في نفسه ms451 حتى ~~أرسل إليه عمر رضي الله عنه بأول سورة غافر فعلم أن المضمون للبدريين أن ~~خاتمتهم حسنة وأنهم مغفور لهم وإن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر ~~فإن التوبة تجب ما قبلها. # PageV01P530 # وإذا ثبت أن كل سب تصريحا أو تعريضا موجب للقتل فالذي يجب أن يعتني به ~~الفرق بين السب الذي لا تقبل منه التوبة والكفر الذي تقبل منه التوبة ~~فنقول: # هذا الحكم قد نيط في الكتاب والسنة باسم أذى الله ورسوله وفي بعض ~~الأحاديث ذكر الشتم والسب وكذلك جاء في ألفاظ الصحابة والفقهاء ذكر السب ~~والشتم والاسم إذا لم يكن له حد في اللغة كاسم الأرض والسماء والبر والبحر ~~والشمس والقمر ولا في الشرع كاسم الصلاة والزكاة والحج والإيمان والكفر ~~فإنه يرجع في حده إلى العرف كالقبض والحرز والبيع والرهن والكرى ونحوها ~~فيجب أن يرجع في الأذى والشتم إلى العرف فما عده أهل العرف سبا أو انتقاصا ~~أو عيبا أو طعنا ونحو ذلك فهو من السب وما لم يكن كذلك فهو كفر به فيكون ~~كفرا ليس بسب حكم صاحبه حكم المرتد إن كان مظهرا له وإلا فهو زندقة ~~والمعتبر أن يكون سبا وأذى للنبي عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن سبا وأذى ~~لغيره فعلى هذا كل ما لو قيل لغير النبي صلى الله عليه وسلم أوجب تعزيرا أو ~~حدا بوجه من الوجوه فإنه من باب سب النبي صلى الله عليه وسلم كالقذف واللعن ~~وغيرهما من الصورة التي تقدم التنبيه عليها وأما ما يختص بالقدح في النبوة ~~فإن لم يتضمن إلا مجرد عدم التصديق بنبوته فهو كفر محض وإن كان فيه استخفاف ~~واستهانة مع عدم التصديق فهو من السب وهنا مسائل اجتهادية يتردد الفقهاء هل ~~هي من السب أو من الردة المحضة ثم ما ثبت أنه ليس بسب فإن استسر به صاحبه ~~فهو زنديق حكمه حكم الزندقة وإلا فهو مرتد محض واستقصاء الأنواع والفرق ~~بينها ليس هذا موضعه. # PageV01P531 # فصل. # فأما الذمي فيجب التفريق بين مجرد كفره ms452 به وبين سبه فإن كفره به لا ينقض ~~العهد ولا يبيح دم المعاهد بالاتفاق لأنا صالحناهم على هذا وأما سبه له ~~فإنه ينقض العهد ويوجب القتل كما تقدم. # قال القاضي أبو يعلى: "عقد الأمان يوجب إقرارهم على تكذيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا على شتمهم وسبهم له". # وقد تقدم أن هذا الفرق أيضا معتبر في المسلم حيث قتلناه بخصوص السب وكونه ~~موجبا للقتل حدا من الحدود بحيث لا يسقط بالتوبة وإن صحت وأما حيث قتلناه ~~لدلالته على الزندقة أو لمجرد كونه مرتدا فلا فرق حينئذ بين مجرد الكفر ~~وبين ما تضمنه من الأنواع فنقول: # الآثار عن الصحابة والتابعين والفقهاء مثل مالك وأحمد وسائر الفقهاء ~~القائلين بذلك كلها مطلقة في من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو ~~معاهد فإنه يقتل ولم يفصلوا بين شتم وشتم ولا بين أن يكرر الشتم أو لا ~~يكرره أو يظهره أو لا يظهره وأعني بقولي لا يظهره: أن لا يتكلم به في ملأ ~~من المسلمين وإلا فالحد لا يقام عليه حتى يشهد مسلمان أنهما سمعاه يشتمه أو ~~حتى يقر بالشتم وكونه يشتمه بحيث يسمعه المسلمون إظهارا له اللهم إلا أن ~~يفرض أنه شتمه في بيته خاليا فسمعه جيرانه المسلمون أو من استرق السمع ~~منهم. # قال مالك وأحمد: "كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه مسلما كان ~~أو كافرا فإنه يقتل ولا يستتاب" فنصا على أن الكافر يجب قتله بتنقصه له كما ~~يقتل بشتمه وكما يقتل المسلم بذلك وكذلك أطلق سائر أصحابنا أن سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الذمي يوجب القتل. # PageV01P532 # وذكر القاضي وابن عقيل وغيرهما أن ما أبطل الإيمان فإنه يبطل الأمان إذا ~~أظهروه فإن الإسلام أوكد من عقد الذمة فإذا كان من الكلام ما يبطل حق ~~الإسلام فأن يبطل حقن الذمة أولى مع الفرق بينهما من وجه آخر فإن المسلم ~~إذا سب الرسول دل على سوء اعتقاده في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك ~~كفر ms453 والذمي قد علم أن اعتقاده ذلك وأقررناه على اعتقاده وإنما أخذ عليه ~~كتمه وأن لا يظهره فبقي تفاوت ما بين الإظهار والإضمار. # قال ابن عقيل: "فكما أخذ على المسلم أن لا يعتقد ذلك أخذ على الذمي أن لا ~~يظهره فإظهار هذا كإضمار ذاك وإضماره لا ضرر على الإسلام ولا إزراء فيه وفي ~~إظهاره ضرر وإزراء على الإسلام ولهذا ما بطن من الجرائم لا يتبعها في حق ~~المسلم ولو أظهرها أقمنا عليهم حد الله". # وطرد القاضي وابن عقيل هذا القياس في كل ما ينقض الإيمان من الكلام مثل ~~التثنية والتثليث كقول النصارى: "إن الله ثالث ثلاثة" ونحو ذلك: أن الذمي ~~متى أظهر ما يعلمه من دينه من الشرك نقض العهد كما أنه إن أظهر ما نعلمه ~~بقوله في نبينا عليه الصلاة والسلام نقض العهد. # قال القاضي: وقد نص أحمد على ذلك فقال في رواية حنبل: "كل من ذكر شيئا ~~يعرض به الرب فعليه القتل مسلما كان أو كافرا هذا مذهب أهل المدينة". # وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن ~~فقال له: كذبت فقال: "يقتل لأنه شتم" فقد نص على قتل من كذب المؤذن في ~~كلمات الأذان وهي قول "الله أكبر" أو "أشهد أن لا إله إلا الله" أو "أشهد ~~أن محمدا رسول الله" وقد ذكرها الخلال والقاضي في سب الله بناء # PageV01P533 # على أنه كذبه فيما يتعلق بذكر الرب سبحانه والأشبه أنه عام في تكذيبه ~~فيما يتعلق بذكر الرب وذكر الرسول بل هو في هذا أولى لأن اليهودي لا يكذب ~~من قال "لا إله إلا الله" ولا من قال "الله أكبر" وإنما يكذب من قال أن ~~محمدا رسول الله وهذا قول جمهور المالكيين قالوا: إنه يقتل بكل سب سواء ~~كانوا يستحلونه أو لا يستحلونه لأنهم وإن استحلوه فإنا لم نعطهم العهد على ~~إظهاره وكما لا يحصن الإسلام من سبه كذلك لا تحصن منه الذمة وهو قول أبي ~~مصعب وطائفة من المدنيين. # قال أبو مصعب ms454 في نصراني قال: "والذي اصطفى عيسى على محمد": "اختلف ~~العلماء فيه فضربته حتى قتلته أو عاش يوما وأمرت من جر برجله وطرح على ~~مزبلة فأكتله الكلاب". # قال أبو مصعب في نصراني قال: "عيسى خلق محمدا" قال: "يقتل". # وأفتى سلف الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية وبنوة عيسى لله. # وقال ابن القاسم فيمن سبه فقال: "ليس بنبي أو لم يرسل أو لم ينزل عليه ~~قرآن وإنما هو شيء يقوله" ونحو هذا: فيقتل وإن قال: "إن محمدا لم يرسل ~~إلينا وإنما أرسل إليكم وإنما نبينا موسى أو عيسى" ونحو هذا: لا شيء عليهم ~~لأن الله أقرهم على مثله. # قال ابن القاسم: وإذا قال النصراني "ديننا خير من دينكم إنما دينكم دين ~~الحمير" ونحو هذا من القبيح أو سمع المؤذن يقول "أشهد أن محمدا رسول الله" ~~فقال: كذلك يعظكم الله ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل وهذا قول محمد ~~بن سحنون وذكره عن أبيه ولهم قول آخر فيما إذا سبه بالوجه الذي به كفروا ~~أنه لا يقتل. # PageV01P534 # قال سحنون عن ابن القاسم: "من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير ~~الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلا أن يسلم". # وقال سحنون في اليهودي يقول للمؤذن إذا تشهد "كذبت": "يعاقب العقوبة ~~الموجعة مع السجن الطويل". # وقد تقدم نص الإمام أحمد في مثل هذه الصورة على القتل لأنه شتم. # وكذلك اختلف أصحاب الشافعي في السب الذي ينتقض به عهد الذمي ويقتل به إذا ~~قلنا بذلك على الوجهين: أحدهما: ينتقض بمطلق السب لنبينا والقدح في ديننا ~~إذا أظهروه وإن كانوا يعتقدون ذلك دينا وهذا قول أكثرهم والثاني: أنهم إذا ~~ذكروه بما يعتقدونه فيه دينا من أنه ليس برسول والقرآن ليس بكلام الله فهو ~~كإظهارهم قولهم في المسيح ومعتقدهم في التثليث قالوا: وهذا لا ينقض العهد ~~بلا تردد بل يعزرون على إظهاره وأما ما ذكروه بما لا يعتقدونه دينا كالطعن ~~في نسبه فهو الذي قيل فيه: ينقض العهد وهذا اختيار الصيدلاني وأبي المعالي ~~وغيرهما. # وحجة من فرق بين ms455 ما يعتقدونه فيه دينا وما لا يعتقدونه كما اختاره بعض ~~المالكية وبعض الشافعية أنهم قد أقروا على دينهم الذي يعتقدونه لكن منعوا ~~من إظهاره فإذا أظهروه كان كما لو أظهروا سائر المناكير التي هي من دينهم ~~كالخمر والخنزير والصليب ورفع الصوت بكتابهم ونحو ذلك وهذا إنما يستحقون ~~عليه العقوبة والنكال بما دون القتل. # يؤيد ذلك أن إظهار معتقدهم في الرسول ليس بأعظم من إظهار معتقدهم في الله ~~وقد علم هؤلاء أن إظهار معتقدهم لا يوجب القتل واستبعدوا أن ينتقض عهدهم ~~بإظهار معتقدهم إذا لم يكن مذكورا في الشرط وهذا بخلاف ما إذا سبوه بما لا ~~يعتقدونه دينا فإنا لم نقرهم على ذلك ظاهرا ولا باطنا وليس هو من دينهم ~~فصار بمنزلة الزنا والسرقة وقطع الطريق وهذا القول مقارب لقول الكوفيين # PageV01P535 # وقد ظن من سلكه أنه خلص بذلك من سؤالهم وليس الأمر كما اعتقده فإن الأدلة ~~التي ذكرناها من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كلها تدل على السب بما ~~يعتقده فيه دينا وما لا يعتقده فيه دينا وأن مطلق السب موجب للقتل ومن تأمل ~~كل دليل بانفراده لم يخف عليه أنها جميعا تدل على السب المعتقد دينا كما ~~تدل على السب الذي لا يعتقده دينا ومنها ما هو نص في السب الذي يعتقد دينا ~~بل أكثرها كذلك فإن الذين كانوا يهجونه من الكفار الذين أهدر دماءهم لم ~~يكونوا يهجونه إلا بما يعتقدونه دينا مثل نسبته إلى الكذب والسحر وذم دينه ~~ومن اتبعه وتنفير الناس عنه إلى غير ذلك من الأمور فأما الطعن في نسبه أو ~~خلقه أو أمانته أو وفائه أو صدقه في غير دعوى الرسالة فلم يكن أحدا يتعرض ~~لذلك في غالب الأمر ولا يتمكن من ذلك ولا يصدقه أحد في ذلك لا مسلم ولا ~~كافر لظهور كذبه وقد تقدم ذلك فلا حاجة إلى إعادته. # ثم نقول: هنا هذا الفرق متهافت من وجوه: # أحدها: أن الذمي لو أظهر لعنة الرسول أو تقبيحه أو الدعاء عليه بالسخط ~~وجهنم والعذاب أو نحو ذلك ms456 فإن قيل: "ليس من السب الذي ينتقض به العهد" كان ~~هذا قولا مردودا سمجا فإنه من لعن شخصا وقبحه لم يبق من سبه غاية وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن المؤمن كقتله" ومعلوم ~~أن هذا أشد من الطعن في خلقه وأمانته أو وفائه وإن قيل: "هو سب له" فقد علم ~~أن من الكفار من يعتقد ذلك دينا ويرى أنه من قرباته كتقريب المسلم بلعن ~~مسيلمة والأسود العنسي. # الوجه الثاني: أنه على القول بالفرق المذكور إذا سبه بما لا يعتقده دينا ~~مثل الطعن في نسبه أو خلقه أو خلقه ونحو ذلك فمن أين ينتقض عهده ويحل دمه؟ ~~ومعلوم أنه قد أقر على ما هو أعظم من ذلك من الطعن في دينه الذي هو أعظم # PageV01P536 # من الطعن في نسبه ومن الكفر بربه الذي هو أعظم الذنوب ومن سب الله بقوله: ~~إن له صاحبة وولدا وأنه ثالث ثلاثة فإنه لا ضرر يلحق الأمة في دينها بإظهار ~~ما لا يعتقد صحته من السب إلا ويلحقهم بإظهار ما كفر به أعظم من ذلك فإذا ~~أقر على أعظم السببين ضررا فإقراره على أدناهما ضررا أولى نعم بينهما من ~~الفرق أنه إذا طعن في نسبه أو خلقه فإنه يقر لنا بأنه كاذب أو أهل دينه ~~يعتقدون أنه كاذب آثم بخلاف السب الذي يعتقده دينا فإنه وأهل دينه متفقون ~~على أنه ليس بكاذب فيه ولا آثم فيعود الأمر إلى أنه قال كلمة أثم بها عندهم ~~وعندنا لكن في حق من لا حرمة له عنده بل مثاله عنده أن يقذف الرجل مسيلمة ~~أو العنسي أو ينسبه إلى أنه كان أسود أو أنه كان دعيا أو كان يسرق أو كان ~~قومه يستخفون به ونحو ذلك من الوقيعة في عرضه بغير حق ومعلوم أن هذا لا ~~يوجب القتل بل ولا يوجب الجلد أيضا فإن العرض يتبع الدم فمن لم يعصم دمه لم ~~يصن عرضه فلو لم يجب قتل الذمي إذا سب الرسول لكونه قد قدح في ms457 ديننا لم يجب ~~قتله بشيء من السب أيضا فإن خطب ذلك يسير. # يبين ذلك أن المسلم إنما قتل إذا سبه بالقذف ونحوه لأن القدح في نسبه قدح ~~في نبوته فإذا كنا بإظهار القدح في النبوة لا نقتل الذمي فأن لا نقتله ~~بإظهار القدح فيما لا يقدح في النبوة أولى إذ الوسائل أضعف من المقاصد. # وهذا البحث إذا حقق اضطر المنازع إلى أحد الأمرين: إما موافقة من قال من ~~أهل الرأي إن العهد لا ينقض من السب وإما موافقة الدهماء في أن العهد ينتقض ~~بكل سب وأما الفرق بين سب وسب في انتقاض العهد واستحلال الدم فمتهافت. # ثم إنه إذا فرق لم يمكنه إيجاب القتل ولا نقض العهد بذلك أصلا ومن ادعى ~~وجوب القتل بذلك وحده لم يمكنه أن يقيم عليه دليلا. # الثالث: أنا إذا لم نقتلهم بإظهار ما يعتقدونه دينا لم يمكنا أن نقتلهم ~~بإظهار # PageV01P537 # شيء من السب فإنه ما من أحد منهم يظهر شيئا من ذلك إلا ويمكنه أن يقول: ~~إني معتقد لذلك متدين به وإن كان طعنا في النسب كما يتدينون بالقدح في عيسى ~~وأمه عليهما السلام ويقولون على مريم بهتانا عظيما ثم إنهم فيما بينهم قد ~~يختلفون في أشياء من أنواع السب: هل هي صحيحة عندهم أو باطلة؟ وهم قوم بهت ~~ضالون فلا يشاءون أن يأتوا ببهتان ونوع من الضلال الذي لا راد للقلوب منه ~~ثم يقولون "هو معتقدنا" إلا فعلوه فحينئذ لا يقتلون حتى يثبت أنهم لا ~~يعتقدونه دينا وهذا القدر هو محل اختلاف وبعضه لا يعلم إلا من جهتهم وقول ~~بعضهم في بعض غير مقبول ونحن وإن كنا نعرف أكثر عقائدهم فيما تخفي صدورهم ~~أكبر وتجدد الكفر والبدع منهم غير مستنكر فهذا الفرق مفضاة إلى حتم القتل ~~بسب الرسول وهو لعمري قول أهل الرأي ومستندهم ما أبداه هؤلاء وقد قدمنا ~~الجواب عن ذلك وبينا أنا إنما أقررناهم على إخفاء دينهم لا على إظهار باطل ~~قولهم والمجاهرة بالطعن في ديننا وإن كانوا يستحلون ذلك فإن المعاهدة ms458 على ~~تركه صيرته حراما في دينهم كالمعاهدة على الكف عن دمائنا وأموالنا وبينا أن ~~المجاهرة بكلمة الكفر في دار الإسلام كالمجاهرة بضرب السيف بل أشد على أن ~~الكفر أعم من السب فقد يكون الرجل كافرا ولا يسب وهذا هو سر المسألة فلا بد ~~من بسطه فنقول: # التكلم في تمثيل سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر صفته ذلك مما يثقل ~~على القلب واللسان ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين لكن الاحتياج إلى ~~الكلام في حكم ذلك نحن نفرض الكلام في أنواع السب مطلقا من غير تعيين ~~والفقيه يأخذ حظه من ذلك فنقول: السب نوعان دعاء وخبر أما الدعاء فمثل أن ~~يقول القائل لغيره: لعنه الله أو قبحه الله أو أخزاه # PageV01P538 # الله أو لا رحمه الله أو لا رضي الله عنه أو قطع الله دابره فهذا وأمثاله ~~سب للأنبياء ولغيرهم وكذلك لو قال عن نبي: لا صلى الله عليه أو لا سلم أو ~~لا رفع الله ذكره أو محا الله اسمه ونحو ذلك من الدعاء عليه بما فيه ضرر ~~عليه في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة. # فهذا كله إذا صدر من مسلم أو معاهد فهو سب فأما المسلم فيقتل به بكل حال ~~وأما الذمي فيقتل بذلك إذا أظهره. # فأما إن أظهر الدعاء للنبي وأبطن الدعاء عليه إبطانا يعرف من لحن القول ~~بحيث يفهمه بعض الناس دون البعض مثل قوله: السام عليكم إذا أخرجه مخرج ~~التحية وأظهر أنه يقول السلام ففيه قولان: # أحدهما: أنه من السب الذي يقتل به وإنما كان عفو النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن اليهود الذين حيوه بذلك حال ضعف الإسلام بالبقاء عليه لما كان ~~مأمورا بالعفو عنهم والصبر على أذاهم وهذا قول طائفة من المالكية والشافعية ~~والحنبلية مثل القاضي عبد الوهاب والقاضي أبي يعلي وأبي إسحاق الشيرازي ~~وأبي الوفاء بن عقيل وغيرهم وممن ذهب إلى أن هذا سب من قال قال لم يعلم أن ~~هؤلاء كانوا أهل عهد وهذا قول ساقط لأنا قد بينا ms459 فيما تقدم أن اليهود الذين ~~بالمدينة كانوا معاهدين وقال آخرون: كان الحق له وله أن يعفو عنهم فأما ~~بعده فلا عفو. # والقول الثاني: أنه ليس من السب الذي ينتقض العهد لأنهم لم يظهروا السب ~~ولم يجهروا به وإنما أظهروا التحية والسلام لفظا وحالا وحذفوا اللام حذفا ~~خفيا يفطن له بعض السامعين وقد لا يفطن له الأكثرون ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "إن اليهود إذا سلموا فإنما يقول أحدهم: السام عليكم ~~فقولوا: وعليكم" فجعل هذا شرعا باقيا في حياته وبعد موته حتى صارت السنة أن ~~يقال للذمي إذا سلم: وعليكم وكذلك لما سلم عليهم اليهودي قال: "أتدرون ما ~~قال؟ إنما قال: السام عليكم" ولو كان هذا من السب الذي هو سب لوجب أن يشرع ~~عقوبة اليهودي إذا سمع منه ذلك ولو بالجلد فلما لم يشرع ذلك علم # PageV01P539 # أنه لا يجوز مؤاخذتهم بذلك وقد أخبر الله عنهم بقوله تعالى {وإذا جاءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ~~حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير} فجعل عذاب الآخرة حسبهم يدل على أنه لم ~~يشرع على ذلك عذابا في الدنيا وهذا لو أنهم قد قرروا على ذلك لقالوا إنما ~~قلنا السلام وإنما السمع يخطئ وأنتم تتقولون علينا فكانوا في هذا مثل ~~المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويعرفون في لحن القول ويعرفون بسيماهم فإنه ~~لا يمكن عقوبتهم باللحن والسيما فإن موجبات العقوبات لا بد أن تكون ظاهرة ~~الظهور الذي يشترك فيه الناس وهذا القدر وإن كان كفرا من المسلم فإنما يكون ~~نقضا للعهد إذا أظهره الذمي وإتيانه به على هذا الوجه غاية ما يكون من ~~الكتمان والإخفاء ونحن لا نعاقبهم على ما يسرونه ويخفونه من السب وغيره ~~وهذا قول جماعات من العلماء من المتقدمين ومن أصحابنا والمالكيين وغيرهم ~~وممن أجاز هذا القول ممن زعم أن هذا دعاء بالسام وهو الموت على أصح القولين ~~أو دعاء بالسامة وأما الذين قالوا إن الموت محتوم على الخليقة قالوا: وهذا ~~تعريض بالأذى ms460 لا بالسب وهذا القول ضعيف فإن الدعاء على الرسول والمؤمنين ~~بالموت وترك الدين من أبلغ السب كما أن الدعاء بالحياة والعافية والصحة ~~والثبات على الدين من أبلغ الكرامة. # النوع الثاني: الخبر فكل ما عده الناس شتما أو سبا أو تنقصا فإنه يجب به ~~القتل كما تقدم فإن الكفر ليس مستلزما للسب وقد يكون الرجل كافرا ليس بساب ~~والناس يعلمون علما عاما أن الرجل قد يبغض الرجل ويعتقد فيه العقيدة ~~القبيحة ولا يسبه وقد يضم إلى ذلك مسبة وإن كانت المسبة مطابقة للمعتقد ~~فليس كل ما يحتمل عقدا يحتمل قولا ولا ما يحتمل أن يقال سرا يحتمل أن يقال ~~جهرا والكلمة الواحدة تكون في حال سبا وفي حال ليست بسب فعلم أن هذا يختلف ~~باختلاف الأقوال والأحوال وإذا لم يكن للسب حد # PageV01P540 # معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس فما كان في العرف ~~سبا للنبي فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء وما لا فلا ~~ونحن نذكر من ذلك أقساما فنقول: # لا شك أن إظهار التنقص والاستهانة عند المسلمين سب كالتسمية باسم الحمار ~~أو الكلب أو وصفه بالمسكنة والخزي والمهانة أو الإخبار بأنه في العذاب وأن ~~عليه آثام الخلائق ونحو ذلك وكذلك إظهار التكذيب على وجه الطعن في المكذب ~~مثل وصفه بأنه ساحر خادع محتال وأنه يضر من اتبعه وأن ما جاء به كله زور ~~وباطل ونحو ذلك فإن نظم ذلك شعرا كان أبلغ في الشتم فإن الشعر يحفظ ويروى ~~وهو الهجاء وربما يؤثر في نفوس كثيرة مع العلم ببطلانه أكثر من تأثير ~~البراهين فإن غني به بين ملأ من الناس فهو الذي قد تفاقم أمره وأما من أخبر ~~عن معتقده بغير طعن فيه مثل أن يقول: أنا لست متبعه أو لست مصدقه أو لا ~~أحبه أو لا أرضى دينه ونحو ذلك فإنما أخبر عن اعتقاد أو إرادة لم يتضمن ~~انتقاصا لأن عدم التصديق والمحبة قد يصدر عن الجهل والعناد والحسد والكبر ~~وتقليد الأسلاف وإلف ms461 الدين أكثر مما يصدر عن العلم بصفات النبي خلاف ما إذا ~~قال من كان ومن هو رأى كذا وكذا هو ونحو ذلك وإذا قال: لم يكن رسولا ولا ~~نبيا ولم ينزل عليه شيء ونحو ذلك فهو تكذيب صريح وكل تكذيب فقد تضمن نسبته ~~إلى الكذب ووصفه بأنه كذاب لكن بين قوله: "ليس بنبي" وقوله: "هو كذاب" فرق ~~من حيث إن هذا إنما تضمن التكذيب بواسطة علمنا أنه كان يقول: إني رسول الله ~~وليس من نفى عن غيره بعض صفاته نفيا مجردا كمن نفاها عنه ناسبا له إلى ~~الكذب في دعواها والمعنى الواحد قد يؤدى بعبارات بعضها يعد سبا وبعضها لا ~~يعد سبا وقد ذكرنا أن الإمام أحمد نص على أن من قال للمؤذن "كذبت" فهو شاتم ~~وذلك لأن ابتداءه بذلك للمؤذن معلنا # PageV01P541 # بذلك بحيث يسمعه المسلمون طاعنا في دينهم مكذبا للأمة في تصديقها ~~بالوحدانية والرسالة لا ريب أنه شتم. # فإن قيل: ففي الحديث الصحيح الذي يرويه الرسول عن الله تبارك وتعالى أنه ~~قال: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك ~~فأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما ~~بدأني" فقد قرن بين التكذيب والشتم. # فيقال قوله: "لن يعيدني كما بدأني" يفارق قول اليهودي للمؤذن "كذبت" من ~~وجهين: # أحدهما: أنه لم يصرح بنسبته إلى الكذب ونحن لم نقل: إن كل تكذيب شتم إذ ~~لو قيل ذلك لكان كل كافر شاتما وإنما قيل: إن الإعلان بمقابلة داعي الحق ~~بقوله: "كذبت" سب للأمة وشتم لها في اعتقاد النبوة وهو سب للنبوة كما أن ~~الذين هجوا من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على إتباعهم إياه كانوا سابين ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مثل شعر بنت مروان وشعر كعب بن زهير وغيرهما وأما ~~قول الكافر: "لن يعيدني كما بدأني" فإنه نفي لمضمون خبر الله بمنزلة سائر ~~أنواع الكفر. # الثاني: أن الكافر المكذب بالبعث لا يقول: إن الله أخبر أنه سيعيدني ولا ms462 ~~يقول: إن هذا الكلام تكذيب لله وإن كان تكذيبا بخلاف القائل للرسول أو لمن ~~صدق الرسول "كذبت" فإنه مقر بأن هذا طعن على المكذب وعيب له وانتقاص به ~~وهذا ظاهر وكل كلام تقدم ذكره في المسألة الأولى من نظم ونحوه عده النبي ~~صلى الله عليه وسلم سبا حتى رتب على قائله حكم الساب فإنه سب أيضا وكذلك ما ~~كان في معناه وقد تقدم ذكر ذلك والكلام على أعيان الكلمات لا ينحصر وإنما ~~جماع ذلك أن ما يعرف # PageV01P542 # الناس أنه سب فهو سب وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والاصطلاحات والعادات ~~وكيفية الكلام ونحو ذلك وما اشتبه فيه الأمر ألحق بنظيره وشبهه والله ~~سبحانه أعلم. # فصل. # وكل ما كان من الذمي سبا ينقض عهده ويوجب قتله فإن التوبة توبته منه لا ~~تقبل على ما تقدم هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم من أصحابنا وغيرهم. # وقد تقدم عن الشيخ أبي محمد المقدسي رضي الله عنه أنه قال: إن الذمي إذا ~~سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم سقط عنه القتل وإنه إذا قذفه ثم أسلم ~~ففي سقوط القتل عنه روايتان وينبغي أن يبنى كلامه على أنه إن سبه بما ~~يعتقده فيه دينا سقط عنه القتل بإسلامه كاللعن والتقبيح ونحوه وإن سبه بما ~~لا يعتقده فيه كالقذف لم يسقط عنه لأن ما يعتقده فيه كفر محض سقط حده ~~بالإسلام باطنا فيجب أن يسقط ظاهرا أيضا لأن سقوط الأصل الذي هو الاعتقاد ~~يستتبع سقوط فروعه وأما ما لا يعتقده فهو فرية يعلم هو أنها فرية فهي ~~بمنزلة سائر حقوق الآدميين وإن حمل الكلام على ظاهره في أنه يستثنى القذف ~~فقط من بين سائر أنواع السب فيمكن أن يوجه بأن قذف غيره لما تغلظ بأن جعل ~~على صاحبه الحد المؤقت وهو ثمانون بخلاف غيره من أنواع السب فإن عقوبته ~~التعزير المفوض إلى اجتهاد ذي السلطان كذلك يفرق في حقه بين القذف وغيره ~~فيجعل على قاذفه الحد مطلقا وهو القتل وإن أسلم ويدرأ عن الساب ms463 الحد إذا ~~تاب لكن هذا الفرق ليس بمرضي فإن قذفه إنما أوجب القتل ونقض العهد لما قدح ~~في نسبه وكان ذلك قدحا في نبوته وهذا معنى يستوي فيه السب بالقذف وبغيره من ~~أنواع الأكاذيب بل قد توصف من الأفعال أو الأقوال المنكرة بما يلحق ~~بالموصوف شيئا وغضاضة # PageV01P543 # أعظم من هذا وإنما فرق في حق غيره بين القذف وغيره لأنه لا يمكن تكذيب ~~القاذف به كما يمكن تكذيب غيره فصار العار به أشد. # وهنا كلمات السب القادحة في النبوة سواء في العلم ببطلانها ظهورا وخفاء ~~فإن العلم بكذب القاذف كالعلم بكذب الناسب له إلى منكر من القول وزور لا ~~فرق بينهما. # وبالجملة فالمنصوص عن الإمام أحمد وعامة أصحابه وسائر أهل العلم أنه لا ~~فرق في هذا الباب بين السب بالقذف وغيره بل من قال: "إنه ينتقض عهده ويتحتم ~~قتله" لم يفرق بين القذف وغيره ومن قال: "يسقط عنه القتل بإسلامه" لم يفرق ~~بين القذف وغيره ومن فرق من الفقهاء بين ما يعتقده وما لا يعتقده فإنما فرق ~~في انتقاض العهد لا في سقوط القتل عنه بالإسلام لكن هو يصلح أن يكون معاضدا ~~لقول الشيخ أبي محمد لأنه فرق بين النوعين في الجملة وأما الإمام أحمد ~~وسائر العلماء المتقدمين فإنما خلافهم في السب مطلقا وليس في شيء من كلام ~~الإمام أحمد رضي الله عنه تعرض للقذف لخصوصه وإنما ذكره أصحابه في القذف ~~لأنهم تكلموا في أحكام القذف مطلقا فذكروا هذا النوع من القذف أنه موجب ~~للقتل وأنه لا يسقط القتل بالتوبة لنص الإمام على أن السب الذي هو أعم من ~~القذف موجب للقتل لا يستتاب صاحبه ثم منهم من ذكر المسألة بلفظ السب كما هي ~~في لفظ أحمد وغيره ومنهم من ذكرها بلفظ القذف لأن الباب باب القذف فكان ~~ذكرها بالاسم الخاص أظهر تأثيرا في الفرق بين هذا القذف وغيره ثم علل ~~الجميع وأدلتهم تعم أنواع السب بل هي في غير القذف أنص منها في القذف وإنما ~~تدل على القذف بطريق العموم ms464 أو بطريق القياس والدليل يوافق ما ذكره الجمهور ~~من التسوية كما تقدم ذكره نفيا وإثباتا ولا حاجة إلى الإطناب هنا فإن من ~~سلم أن جميع أنواع السب من القذف وغيره ينقض العهد ويوجب القتل ثم فرق بين ~~بعضهما وبعض في السقوط بالإسلام فقد # PageV01P544 # أبعد جدا لأن السب لو كان بمنزلة الكفر عنده لم ينقض العهد ولوجب قتل ~~الذمي وإذا لم يكن بمنزلة الكفر فإسلامه إما أن يسقط الكفر فقط أو يسقط ~~الكفر وغيره من الجناية على عرض الرسول فأما إسقاطه لبعض الجنايات دون بعض ~~مع استوائهما في مقدار العقوبة فلا يتبين له وجه محقق. # والاحتجاج بأن الإسلام يسقط عقوبة من سب الله فإسقاطه عقوبة من سب النبي ~~أولى إن صح فإنما يدل على أن الإسلام يسقط عقوبة الساب مطلقا قذفا كان السب ~~أو غير قذف ونحن في هذا المقام لا نتكلم إلا في التسوية بين أنواع السب لا ~~في صحة هذه الحجة وفسادها إذ قد تقدم التنبيه على ضعفها وذلك لأن سب النبي ~~إن جعل بمنزلة سب الله مطلقا وقيل بالسقوط في الأصل فيجب أن يقال بالسقوط ~~في الفرع وإن جعل بمنزلة سب الخلق أو جعل موجبا للقتل حدا لله أو سوي بين ~~السبين في عدم السقوط ونحو ذلك من المآخذ التي تقدم ذكرها فلا فرق في هذا ~~الباب بين القذف وغيره في السقوط بالإسلام فإن الذمي لو قذف مسلما أو ذميا ~~أو شتمه بغير القذف ثم أسلم لم يسقط عنه التعزير المستحق بالسب كما لا يسقط ~~الحد المستحق بالقذف فعلم أنهما سواء في الثبوت والسقوط وإنما يختلفان في ~~مقدار العقوبة بالنسبة إلى غير النبي أما بالنسبة إلى النبي فعقوبتهما سواء ~~فلا فرق بينهما بالنسبة إليه البتة. # وإذ قد ذكرنا حكم الساب للرسول عليه الصلاة والسلام فنردفه بما هو من ~~جنسه مما قد تقدم في الأدلة المذكورة بأصل حكمه فإن ذلك من تمام الكلام في ~~هذه المسألة على ما لا يخفى ونفصله فصولا. # PageV01P545 # فصل: فيمن سب الله تعالى. # فإن كان ms465 مسلما وجب قتله بالإجماع لأنه بذلك كافر مرتد وأسوأ من الكافر ~~فإن الكافر يعظم الرب ويعتقد أن ما هو عليه من الدين الباطل ليس باستهزاء ~~بالله ولا مسبة له. # ثم اختلف أصحابنا وغيرهم في قبول توبته بمعنى أنه هل يستتاب كالمرتد ~~ويسقط عنه القتل إذا أظهر التوبة من ذلك بعد رفعه إلى السلطان وثبوت الحد ~~عليه؟ على قولين: # أحدهما: أنه بمنزلة ساب الرسول فيه الروايتان في ساب الرسول هذه طريقة ~~أبي الخطاب وأكثر من احتذى حذوه من المتأخرين وهو الذي يدل عليه كلام ~~الإمام أحمد حيث قال: كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تبارك وتعالى فعليه ~~القتل مسلما كان أو كافرا وهذا مذهب أهل المدينة فأطلق وجوب القتل عليه ولم ~~يذكر استتابته وذكر أنه قول أهل المدينة ومن وجب عليه القتل يسقط بالتوبة ~~وقول أهل المدينة المشهور أنه لا يسقط القتل بتوبته ولو لم يرد هذا لم يخصه ~~بأهل المدينة فإن الناس مجمعون على أن من سب الله تعالى من المسلمين يقتل ~~وإنما اختلفوا في توبته فلما أخذ بقول أهل المدينة في المسلم كما أخذ ~~بقولهم في الذمي علم أنه قصد محل الخلاف بإظهار التوبة بعد القدرة عليه كما ~~ذكرناه في ساب الرسول. # وأما الرواية الثانية فإن عبد الله قال: سئل أبي عن رجل قال: "يا ابن كذا ~~وكذا أنت ومن خلقك" قال أبي: "هذا مرتد عن الإسلام" قلت لأبي: تضرب عنقه؟ ~~قال: "نعم نضرب عنقه" فجعله من المرتدين. # PageV01P546 # والرواية الأولى قول الليث بن سعد وقول مالك روى ابن القاسم عنه قال: "من ~~سب الله تعالى من المسلمين قتل ولم يستتب إلا أن يكون افترى على الله ~~بارتداده إلى دين دان به وأظهره فيستتاب وإن لم يظهره لم يستتب وهذا قول ~~ابن القاسم ومطرف وعبد الملك وجماهير المالكية. # والثاني: أنه يستتاب وتقبل توبته بمنزلة المرتد المحض وهذا قول القاضي ~~أبي يعلى والشريف أبي جعفر وأبي علي بن البناء وابن عقيل مع قولهم: "إن من ~~سب الرسول لا يستتاب" وهذا ms466 قول طائفة من المدنيين: منهم محمد بن مسلمة ~~والمخزومي وابن أبي حازم قالوا: "لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب وكذلك ~~اليهودي والنصراني فإن تابوا قبل منهم وإن لم يتوبوا قتلوا ولا بد من ~~الاستتابة" وذلك كله كالردة وهو الذي ذكره العراقيون من المالكية. # وكذلك ذكر أصحاب الشافعي رضي الله عنه قالوا: سب الله ردة فإذا تاب قبلت ~~توبته وفرقوا بينه وبين سب الرسول على أحد الوجهين وهذا مذهب الإمام أبي ~~حنيفة أيضا. # وأما من استتاب الساب لله ولرسوله فمأخذه أن ذلك من أنواع الردة ومن فرق ~~بين سب الله وسب الرسول قالوا: سب الله تعالى كفر محض وهو حق لله وتوبة من ~~لم يصدر منه إلا مجرد الكفر الأصلي أو الطارئ مقبولة مسقطة للقتل بالإجماع ~~ويدل على ذلك أن النصارى يسبون الله بقولهم: هو ثالث ثلاثة وبقولهم: إن له ~~ولدا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: "شتمني ~~ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي ~~فقوله: إن لي ولدا وأنا الأحد الصمد" وقال سبحانه: {لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله ثالث # PageV01P547 # ثلاثة} إلى قوله: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} وهو سبحانه قد علم ~~منه أنه يسقط حقه عن التائب فإن الرجل لو أتى من الكفر والمعاصي بملء الأرض ~~ثم تاب تاب الله عليه وهو سبحانه لا تلحقه بالسب غضاضة ولا معرة وإنما يعود ~~ضرر السب على قائله وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن يهتكها جرأة الساب ~~وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول فإن السب هناك قد تعلق به حق آدمي ~~والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة والرسول تلحقه المعرة والغضاضة ~~بالسب فلا تقوم حرمته وتثبت في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه لما أن هجوه ~~وشتمه ينقص من حرمته عند كثير من الناس ويقدح في مكانه في قلوب كثيرة فإن ~~لم يحفظ هذا الحمى بعقوبة المنتهك وإلا أفضى الأمر إلى فساد. # وهذا الفرق يتوجه بالنظر ms467 إلى أن حد سب الرسول حقا لآدمي كما يذكره كثير ~~من الأصحاب وبالنظر إلى أنه حق الله أيضا فإن ما انتهكه من حرمة الله لا ~~ينجبر إلا بإقامة الحد فأشبه الزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد القدرة ~~عليهم. # وأيضا فإن سب الله ليس له داع عقلي في الغالب وأكثر ما هو سب في نفس ~~الأمر إنما يصدر عن اعتقاد وتدين يراد به التعظيم لا السب ولا يقصد الساب ~~حقيقة الإهانة لعلمه أن ذلك لا يؤثر بخلاف سب الرسول فإنه في الغالب إنما ~~يقصد به الإهانة والاستخفاف والدواعي إلى ذلك متوفرة من كل كافر ومنافق ~~وصار من جنس الجرائم التي تدعوا إليها الطباع فإن حدودها لا تسقط بالتوبة ~~بخلاف الجرائم التي لا داعي إليها. # ونكتة هذا الفرق أن خصوص سب الله تعالى ليس إليه داع غالب # PageV01P548 # الأوقات فيندرج في عموم الكفر بخلاف سب الرسول فإن لخصوصه دواعي متوفرة ~~فناسب أن يشرع لخصوصه حد والحد المشروع لخصوصه لا يسقط بالتوبة كسائر ~~الحدود فلما اشتمل سب الرسول على خصائص من جهة توفر الدواعي إليه وحرص ~~أعداء الله عليه وأن الحرمة تنتهك به انتهاك الحرمات بانتهاكها وأن فيه حق ~~لمخلوق تحتمت عقوبته لا لأنه أغلظ إثما من سب الله بل لأن مفسدته لا تنحسم ~~إلا بتحتم القتل. # ألا ترى أنه لا ريب أن الكفر والردة أعظم إثما من الزنا والسرقة وقطع ~~الطريق وشرب الخمر ثم الكافر والمرتد إذا تابا بعد القدرة عليهما سقطت ~~عقوبتهما ولو تاب أولئك الفساق بعد القدرة لم تسقط عقوبتهم مع أن الكفر ~~أعظم من الفسق ولم يدل ذلك على أن الفاسق أعظم إثما من الكافر؟ فمن أخذ ~~تحتم العقوبة سقوطها من كبر الذنب وصغره فقد نأى عن مسالك الفقه والحكمة. # ويوضح ذلك أنا نقر الكفار بالذمة على أعظم الذنوب ولا نقر واحدا منهم ولا ~~من غيرهم على زنى ولا سرقة ولا كبير من المعاصي الموجبة للحدود وقد عاقب ~~الله قوم لوط من العقوبة بما لم يعاقبه بشرا في زمنهم لأجل ms468 الفاحشة والأرض ~~مملوءة من المشركين وهم في عافية وقد دفن رجل قتل رجلا على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرات والأرض تلفظه في كل ذلك فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراكم هذا لتعتبروا" ولهذا ~~يعاقب الفاسق الملي من الهجر والإعراض والجلد وغير ذلك بما لا يعاقب به ~~الكافر الذمي مع أن ذلك أحسن حالا عند الله وعندنا من الكافر. # فقد رأيت العقوبات المقدورة المشروعة تتحتم حيث تؤخر عقوبة ما هو أشد ~~منها وسبب ذلك أن الدنيا في الأصل ليست دار الجزاء وإنما الجزاء # PageV01P549 # يوم الدين يجزي الله العباد بأعمالهم: إن خبرا فخير وإن شرا فشر لكن ينزل ~~الله سبحانه من العقاب ويشرع من الحدود بمقدار ما يزجر النفوس عما فيه فساد ~~عام لا يخص فاعله أو ما يطهر الفاعل من خطيئته أو لتغلظ الجرم أو لما يشاء ~~سبحانه فالخطيئة إذا خيف أن يتعدى ضررها فاعلها لم تنحسم مادتها إلا بعقوبة ~~فاعلها فلما كان الكفر والردة إذا قبلت التوبة منه بعد القدرة لم تترتب على ~~ذلك مفسدة تتعدى التائب وجب قبول التوبة لأن أحدا لا يريد أن يكفر أو يرتد ~~ثم إذا أخذ أظهر التوبة لعلمه أن ذلك لا يحصل مقصوده بخلاف أهل الفسوق فإنه ~~إذا أسقطت العقوبة عنهم بالتوبة كان ذلك فتحا لباب الفسوق فإن الرجل يعمل ~~ما اشتهى ثم إذا أخذ قال: إني تائب وقد حصل مقصوده من الشهوة التي اقتضاها ~~فكذلك سب الله هو أعظم من سب الرسول لكن لا يخاف أن النفوس تتسرع إلى ذلك ~~إذا استتيب فاعله وعرض على السيف فإنه لا يصدر غالبا إلا عن اعتقاد وليس ~~للخلق اعتقاد يبعثهم على إظهار السب لله تعالى وأكثر ما يكون ضجرا وبرما ~~وسفها وروعه بالسيف والاستتابة تكف عن ذلك بخلاف إظهار سب الرسول فإن هناك ~~دواعي متعددة تبعث عليه متى علم صاحبها أنه إذا أظهر التوبة كف عنه لم يزعه ~~ذلك عن مقصوده. # ومما يدل على ms469 الفرق من جهة السنة أن المشركين كانوا يسبون الله بأنواع ~~السب ثم لم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في قبول إسلام أحد منهم ولا عهد ~~بقتل واحد منهم بعينه وقد توقف في قبول توبة من سبه مثل أبي سفيان وابن أبي ~~أمية وعهد بقتل من كان يسبه من الرجال والنساء مثل الحويرث بن نقيد ~~والقينتين وجارية لبني عبد المطلب ومثل الرجال والنساء الذين أمر بقتلهم ~~بعد الهجرة وقد تقدم الكلام على تحقيق الفرق عند من يقول به بما هو أبسط من ~~هذا في المسألة الثالثة. # PageV01P550 # وأما من قال: "لا تقبل توبة من سب الله سبحانه وتعالى كما لا تقبل توبة ~~من سب الرسول" فوجهه ما تقدم من عمر رضي الله تعالى عنه من التسوية بين سب ~~الله وسب الأنبياء في إيجاب القتل ولم يأمر بالاستتابة مع شهرة مذهبه في ~~استتابة المرتد لكن قد ذكرنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يستتاب لأنه ~~كذب النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل ذلك على السب الذي يتدين به. # وأيضا فإن السب ذنب منفرد عن الكفر الذي يطابق الاعتقاد فإن الكافر يتدين ~~بكفره ويقول: إنه حق ويدعوا إليه وله عليه موافقون وليس من الكفار من يتدين ~~بما يعتقده استخفافا واستهزاء وسبا لله وإن كان في الحقيقة سبا كما أنهم لا ~~يقولون: إنهم ضلال جهال معذبون أعداء الله وإن كانوا كذلك وأما الساب فإنه ~~مظهر للتنقص والاستخفاف والاستهانة بالله منتهك لحرمته انتهاكا يعلم من ~~نفسه أنه منتهك مستخف مستهزئ ويعلم من نفسه أنه قد قال عظيما وأن السماوات ~~والأرض تكاد تنفطر من مقالته وتخر الجبال وأن ذلك أعظم من كل كفر وهو يعلم ~~أن ذلك كذلك ولو قال بلسانه: "إني كنت لا أعتقد وجود الصانع ولا عظمته ~~والآن فقد رجعت عن ذلك" علمنا أنه كاذب فإن فطرة الخلائق كلها مجبولة على ~~الاعتراف بوجود الصانع وتعظيمه فلا شبهة تدعوه إلى هذا السب ولا شهوة له في ~~ذلك بل هو مجرد سخرية واستهزاء واستهانة وتمرد ms470 على رب العالمين تنبعث عن ~~نفس شيطانية ممتلئة من الغضب أو من سفيه لا وقار لله عنده كصدور قطع الطريق ~~والزنى عن الغضب والشهوة وإذا كان كذلك وجب أن يكون للسب عقوبة تخصه حدا من ~~الحدود وحينئذ فلا تسقط تلك العقوبة بإظهار التوبة كسائر الحدود. # PageV01P551 # ومما يبين أن السب قدر زائد على الكفر قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} . # ومن المعلوم أنهم كانوا مشركين مكذبين معادين لرسوله ثم نهى المسلمون أن ~~يفعلوا ما يكون ذريعة إلى سبهم لله فعلم أن سب الله أعظم عنده من أن يشرك ~~به ويكذب رسوله ويعادي فلا بد له من عقوبة تختصه لما انتهكه من حرمة الله ~~كسائر الحرمات التي تنتهكها بالفعل وأولى فلا يجوز أن يعاقب على ذلك بدون ~~القتل لأن ذلك أعظم الجرائم فلا يقابل إلا بأبلغ العقوبات. # ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم ~~الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا} فإنها تدل على قتل من يؤذي ~~الله كما تدل على قتل من يؤذي رسوله والأذى المطلق إنما هو باللسان وقد ~~تقدم تقرير هذا. # وأيضا فإن إسقاط القتل عنه بإظهار التوبة لا يرفع مفسدة السب لله تعالى ~~فإنه لا يشاء شاء أن يفعل ذلك ثم إذا أخذ أظهر التوبة إلا فعل كما في سائر ~~الجرائم الفعلية. # وأيضا فإنه لم ينتقل إلى دين يريد المقام عليه حتى يكون الانتقال عنه ~~تركا له وإنما فعل جريمة لا تستدام بل هي مثل الأفعال الموجبة للعقوبات ~~فتكون العقوبة على نفس تلك الجريمة الماضية ومثل هذا لا يستتاب عند من ~~يعاقب على ذنب مستمر من كفر أو ردة. # وأيضا فإن استتابة مثل هذا توجب أن لا يقام حد على ساب لله فإنا نعلم أن ~~ليس أحد من الناس مصرا على السب لله الذي يرى أنه سب فإن ذلك لا يدعو إليه ~~عقل ولا طبع وكل ما أفضى إلى تعطيل الحدود بالكلية كان باطلا ms471 # PageV01P552 # ولما كان استتابة الفساق بالأفعال يفضي إلى تعطيل الحدود لم يشرع مع أن ~~أحدهم قد لا يتوب من ذلك لما يدعوه إليه طبعه وكذلك المستتاب من سب الرسول ~~فلا يتوب لما يستحله من سبه فاستتابة الساب لله الذي يسارع إلى إظهار ~~التوبة منه كل أحد أولى أن لا يشرع إذا تضمن تعطيل الحد وأوجب أن تمضمض ~~الأفواه بهتك حرمة اسم الله والاستهزاء به. # وهذا كلام فقيه لكن يعارضه أن ما كان بهذه المثابة لا يحتاج إلى تحقيق ~~إقامة الحد ويكفي تعريض قائله للقتل حتى يتوب. # ولمن ينصر الأول أن يقول: تحقيق إقامة الحد على الساب لله ليس لمجرد زجر ~~الطباع عما تهوى بل تعظيما لله وإجلالا لذكره وإعلاء لكلمته وضبطا للنفوس ~~أن تتسرع إلى الاستهانة بجناية وتقييدا للألسن أن تتفوه بالانتقاص لحقه. # وأيضا فإن حد سب المخلوق وقذفه لا يسقط بإظهار التوبة فحد سب الخالق ~~أولى. # وأيضا فحد الأفعال الموجبة للعقوبة لا تسقط بإظهار التوبة فكذلك حد ~~الأقوال بل شأن الأقوال وتأثيرها أعظم. # وجماع الأمر أن كل عقوبة وجبت جزاء ونكالا على فعل أو قول ماض فإنها لا ~~تسقط إذا أظهرت التوبة بعد الرفع إلى السلطان فسب الله أولى بذلك ولا ينتقض ~~هذا بتوبة الكافر والمرتد لأن العقوبة هناك إنما هي على الاعتقاد الحاضر في ~~الحال المستصحب من الماضي فلا يصلح نقضا لوجهين: # أحدهما: أن عقوبة الساب لله ليست كذنب استصحبه واستدامه # PageV01P553 # فإنه بعد انقضاء السب لم يستصحبه ولم يستدمه وعقوبة الكافر والمرتد إنما ~~هي الكفر الذي هو مصر عليه مقيم على اعتقاده. # الثاني: أن الكافر إنما يعاقب على اعتقاد هو الآن في قلبه وقوله وعمله ~~دليل على ذلك الاعتقاد حتى لو فرض أنا علمنا أن كلمة الكفر التي قالها خرجت ~~من غير اعتقاد لموجبها لم نكفره بأن يكون جاهلا بمعناها أو مخطئا قد غلط ~~وسبق لسانه إليها مع قصد خلافها ونحو ذلك والساب إنما يعاقب على انتهاكه ~~لحرمة الله واستخفافه بحقه فيقتل وإن علمنا أنه لا يستحسن السب لله ms472 ولا ~~يعتقده دينا إذ ليس أحد من البشر يدين بذلك ولا ينتقض هذا أيضا بتارك ~~الصلاة والزكاة ونحوهما فإنهم إنما يعاقبون على دوام الترك لهذه الفرائض ~~فإذا فعلوها زال الترك وإن شئت أن تقول: إن الكافر والمرتد وتاركي الفرائض ~~يعاقبون على عدم فعل الإيمان والفرائض أعني على دوام هذا العدم فإذا وجد ~~الإيمان والفرائض امتنعت العقوبة لانقطاع العدم وهؤلاء يعاقبون على وجود ~~الأقوال والأفعال الكبيرة لا على دوام وجودها فإذا وجدت مرة لم يرتفع ذلك ~~بالترك بعد ذلك. # وبالجملة فهذا القول له توجه وقوة وقد تقدم أن الردة نوعان: مجردة ومغلظة ~~وبسطنا هذا القول فيما تقدم في المسألة الثالثة ولا خلاف في قبول التوبة ~~فيما بينه وبين الله سبحانه وسقوط الإثم بالتوبة النصوح. # ومن الناس من سلك في ساب الله تعالى مسلكا آخر وهو أنه جعله من باب ~~الزنديق كأحد المسلكين اللذين ذكرناهما في ساب الرسول لأن وجود السب منه مع ~~إظهاره للإسلام دليل على خبث سريرته لكن هذا ضعيف فإن الكلام هنا إنما هو ~~في سب لا يتدين به فإن السب الذي # PageV01P554 # يتدين به كالتثليث ودعوى الصاحبة والولد فحكمه حكم أنواع الكفر وكذلك ~~المقالات المكفرة مثل مقالة الجهمية والقدرية وغيرهم من صنوف البدع. # وإذا قبلنا توبة من سب الله سبحانه فإنه يؤدب أدبا وجيعا حتى يردعه عن ~~العود إلى مثل ذلك هكذا ذكره بعض أصحابنا وهو قول أصحاب مالك في كل مرتد. # فصل. # وإن كان الساب لله ذميا فهو كما لو سب الرسول وقد تقدم نص الإمام أحمد ~~على أن من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب سبحانه فإنه يقتل سواء كان مسلما أو ~~كافرا وكذلك أصحابنا قالوا: من ذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء ~~فجعلوا الحكم فيه واحدا وقالوا: الخلاف في ذكر الله وفي ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم سواء وكذلك مذهب مالك وأصحابه وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا لمن سب ~~الله أو رسوله أو كتابه من أهل الذمة حكما واحدا لكن هنا مسألتان: # إحداهما: أن ms473 سب الله تعالى على قسمين أحدهما: أن يسبه بما لا يتدين به ~~مما هو استهانة به عند المتكلم وغيره مثل اللعن والتقبيح ونحوه فهذا هو ~~السب الذي لا يرب فيه. # والثاني: أن يكون مما يتدين به ويعتقده تعظيما ولا يراه سبا ولا انتقاصا ~~مثل قول النصراني: إن له ولدا وصاحبة ونحوه فهذا مما اختلف فيه إذا أظهره ~~الذمي فقال القاضي وابن عقيل من أصحابنا: ينتقض به العهد كما ينتقض إذا ~~أظهروا اعتقادهم في النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتضى ما ذكره الشريف أبو ~~جعفر وأبو الخطاب وغيرهما فإنهم ذكروا أن ما ينقض # PageV01P555 # الإيمان ينقض الذمة ويحكى ذلك عن طائفة من المالكية ووجه ذلك أنا ~~عاهدناهم على أن لا يظهروا شيئا من الكفر وإن كانوا يعتقدونه فمتى أظهروا ~~مثل ذلك فقد آذوا الله ورسوله والمؤمنين بذلك وخالفوا العهد فينتقض العهد ~~بذلك كسب النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم عن عمر رضي الله عنه أنه قال ~~للنصراني الذي كذب بالقدر: لئن عدت إلى مثل ذلك لأضربن عنقك وقد تقدم ما ~~تقرر ذلك. # والمنصوص عن مالك أن من شتم الله من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي ~~كفروا به قتل ولم يستتب قال ابن القاسم: إلا أن يسلم تطوعا فلم يجعل ما ~~يتدين به الذمي سبا وهذا قول عامة المالكية وهو مذهب الشافعي ذكره أصحابه ~~وهو منصوصه قال في "الأم" في تحديد الإمام ما يأخذه من أهل الذمة وعلى أن ~~لا يذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بما هو أهله ولا يطعنوا في دين ~~الإسلام ولا يعيبوا من حكمه شيئا فإن فعلوه فلا ذمة لهم ويأخذ عليهم أن لا ~~يسمعوا المسلمين شركهم وقولهم في عزير وعيسى فإن وجودهم فعلوا بعد التقدم ~~في عزير وعيسى إليهم عاقبهم على ذلك عقوبة لا يبلغ بها حدا لأنهم قد أذن ~~لهم بإقرارهم على دينهم مع علم ما يقولون وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد لأنه ~~سئل عن يهودي مر بمؤذن فقال له: "كذبت" فقال: يقتل ms474 لأنه شتم فعلل قتله بأنه ~~شتم فعلم أن ما يظهره به من دينه الذي ليس بشتم ليس كذلك قال رضي الله عنه: ~~من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تعالى فعليه القتل مسلما كان أو كان كافرا وهذا ~~مذهب أهل المدينة وإنما مذهب أهل المدينة فيما هو سب عند القائل وذلك أن ~~هذا القسم ليس من باب السب والشتم الذي يلحق بسب الله وسب النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن الكافر لا يقول هذا طعنا ولا عيبا وإنما يعتقده تعظيما ~~وإجلالا وليس هو ولا أحد من الخلق يتدين بسب الله تعالى بخلاف ما يقال في ~~حق النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P556 # من السوء فإنه لا يقال إلا طعنا وعيبا وذلك أن الكافر يتدين بكثير من ~~تعظيم الله وليس يتدين بشيء من تعظيم الرسول ألا ترى أنه إذا قال: "محمد ~~عليه الصلاة والسلام ساحر أو شاعر" فهو يقول: إن هذا نقص وعيب وإذا قال: ~~"إن المسيح أو عزيرا ابن الله" فليس يقول: إن هذا نقص وعيب وإن كان هذا ~~عيبا ونقصا في الحقيقة وفرق بين قول يقصد به قائله العيب والنقص وقول لا ~~يقصد به ذلك ولا يجوز أن يجعل قولهم في الله كقولهم في الرسول بحيث يجعل ~~الجميع نقضا للعهد إذ يفرق في الجميع بين ما يعتقدونه وبين ما لا يعتقدونه ~~لأن قولهم في الرسول كله طعن في الدين وغضاضة على الإسلام وإظهار لعداوة ~~المسلمين يقصدون به عيب الرسول ونقصه وليس مجرد قولهم الذي يعتقدونه في ~~الله مما يقصدون به عيب الله ونقصه ألا ترى أن قريشا كانت تقار النبي صلى ~~الله عليه وسلم على ما كان يقوله من التوحيد وعبادة الله وحده ولا يقارونه ~~على عيب آلهتهم والطعن في دينهم وذم آبائهم وقد نهى الله المسلمين أن يسبوا ~~الأوثان لئلا يسب المشركون الله مع كونهم لم يزالوا على الشرك فعلم أن ~~محذور سب الله أغلظ من محذور الكفر به فلا يجعل حكمهما واحدا. # المسألة الثانية. # في استتابة الذمي من هذا ms475 وقبل توبته. # أما القاضي وجمهور أصحابه مثل الشريف وابن والبناء وابن عقيل ومن تبعهم ~~فإنهم يقبلون توبته ويسقطون عنه القتل بها وهذا ظاهر على أصلهم فإنهم ~~يقبلون توبة المسلم إذا سب الله فتوبة الذمي أولى وهذا هو المعروف من مذهب ~~الشافعي وعليه يدل عموم كلامه حيث قال في شروط أهل الذمة: وعلى أن أحدا ~~منكم إن ذكر محمدا صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله # PageV01P557 # ودينه بما لا ينبغي فقد برئت منه ذمة الله ثم قال: وأيهم قال أو فعل شيئا ~~مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان قولا إلا أنه لم يصرح بالسب ~~لله فقد يكون عنى إذا ذكروا ما يعتقدونه وكذلك قال ابن القاسم وغيره من ~~المالكية: إنه يقتل إلا أن يسلم وقال ابن مسلمة وابن أبي حازم والمخزومي: ~~إنه لا يقتل حتى يستتاب فإن تاب وإلا قتل والمنصوص عن مالك أنه يقتل ولا ~~يستتاب كما تقدم وهذا معنى قول أحمد رضي الله عنه في إحدى الروايتين. # قال في رواية حنبل: من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب فعليه القتل مسلما كان أو ~~كافرا وهذا مذهب أهل المدينة وظاهر هذه العبارة أن القتل لا يسقط عنه ~~بالتوبة كما لا يسقط القتل عن المسلم بالتوبة فإنه قال مثل هذه العبارة في ~~شتم النبي صلى الله عليه وسلم في رواية حنبل أيضا قال: "كل من شتم النبي ~~صلى الله عليه وسلم مسلما كان أو كافرا فعليه القتل" وكان حنبل يعرض عليه ~~مسائل المدنيين ويسأله عنها. # ثم إن أصحابنا فسروا قوله في شاتم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يسقط ~~عنه القتل بالتوبة مطلقا وقد تقدم توجيه ذلك وهذا مثله وهذا ظاهر إذا قلنا ~~إن المسلم الذي يسب الله لا يسقط عنه القتل بالتوبة لأن المأخذ عندنا ليس ~~هو الزندقة فإنه لو أظهر كفرا غير السب استتبناه وإنما المأخذ أن يقتل ~~عقوبة على ذلك وحدا عليه مع كونه كافرا كما يقتل لسائر الأفعال. # ويظهر الحكم في المسألة بأن يرتب ms476 هذا السب ثلاث مراتب: # المرتبة الأولى: أن من شان الرب بما يتدين به وليس فيه سب لدين الإسلام ~~إلا أنه سب عند الله تعالى مثل قول النصارى في عيسى ونحو ذلك فقد قال الله ~~تعالى فيما يرويه عنه رسوله: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك" ثم قال: ~~"وأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد # PageV01P558 # الذي لم ألد ولم أولد" فهذا القسم حكمه حكم سائر أنواع الكفر سميت شتما ~~أو لم تسم وقد ذكرنا الخلاف في انتقاض العهد بإظهار مثل هذا وإذا قيل ~~بانتقاض العهد به فسقوط القتل عنه بالإسلام متوجه وهو في الجملة قول ~~الجمهور. # المرتبة الثانية: أن يذكر ما يتدين به وهو سب لدين المسلمين وطعن عليهم ~~كقول اليهودي للمؤذن "كذبت" وكرد النصراني على عمر رضي الله عنه وكما لو ~~عاب شيئا من أحكام الله أو كتابه ونحو ذلك فهذا حكمه حكم سب الرسول في ~~انتقاض العهد به وهذا القسم هو الذي عناه الفقهاء في نواقض العهد حيث ~~قالوا: إذا ذكر الله أو كتابه أو رسوله أو دينه بسوء ولذلك اقتصر كثير منهم ~~على قوله: أو ذكر كتاب الله أو دينه أو رسوله بسوء وأما سقوط القتل عنه ~~بالإسلام فهو كسب الرسول إلا أن في ذلك حقا لآدمي فمن سلك ذلك المسلك في سب ~~الرسول فرق بينه وبين هذا وهي طريقة القاضي وأكثر أصحابه ومن قتله لما في ~~ذلك من الجناية على الإسلام وأنه محارب لله ورسوله فإنه يقتل بكل حال وهو ~~مقتضى أكثر الأدلة التي تقدم ذكرها. # المرتبة الثالثة: أن يسبه بما لا يتدين به بل هو محرم في دينه كما هو ~~محرم في دين الله تعالى كاللعن والتقبيح ونحو ذلك فهذا النوع لا يظهر بينه ~~وبين سب المسلم فرق بل ربما كان فيه أشد لأنه يعتقد تحريم مثل هذا الكلام ~~في دينه كما يعتقد المسلمون تحريمه وقد عاهدناه على أن نقيم عليه الحد فيما ~~يعتقد تحريمه فإسلامه لم يجدد له اعتقادا لتحريمه بل ms477 هو فيه كالذمي إذا زنى ~~أو قتل أو سرق ثم أسلم سواء ثم هو مع ذلك مما يؤذي المسلمين كسب الرسول بل ~~أشد فإذا قلنا لا تقبل توبة المسلم من سب الله فأن نقول لا تقبل توبة الذمي ~~أولى بخلاف الرسول فإنه يتدين # PageV01P559 # بتقبيح من يعتقد كذبه ولا يتدين بتقبيح خالقه الذي يقر أنه خالقه وقد ~~يكون من هذا الوجه أولى بأن لا يسقط عنه القتل ممن سب الرسول ولهذا لم يذكر ~~عن مالك نفسه وأحمد استثناء فيمن سب الله تعالى كما ذكر عنهما الاستثناء ~~لمن سب الرسول وإن كان كثير من أصحابهما يرون الأمر بالعكس وإنما قصدا هذا ~~الضرب من السب ولهذا قرنا بين المسلم والكافر فلا بد أن يكون سبا منهما ~~وأشبه شيء بهذا الضرب من الأفعال زناه بمسلمة فإنه محرم في دينه مضر ~~بالمسلمين فإذا أسلم لم يسقط عنه بل إما أن يقتل أو يحد حد الزنا كذلك سب ~~الله تعالى حتى لو فرض أن هذا الكلام لا ينقض العهد لوجب أن يقام عليه حده ~~لأن كل أمر يعتقده محرما فإنا نقيم عليه فيه حد الله الذي شرعه في دين ~~الإسلام وإن لم يعلم مأخذه في كتابه مع أن الأغلب على القلب أن أهل الملل ~~كلهم يقتلون على مثل هذا الكلام كما أن حده في دين الله القتل ألا ترى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أقام على الزاني منهم حد الزنا قال: "اللهم ~~إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" ومعلوم أن ذلك الزاني منهم لم يكن يسقط ~~عنه لو أسلم فإقامة الحد على من سب الرب تبارك وتعالى سبا هو سب في دين ~~الله ودينهم عظيم عند الله وعندهم أولى أن يحيا فيه أمر الله ويقام عليه ~~حده. # وهذا القسم قد اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الذمي يستتاب منه كما يستتاب المسلم منه هذا قول طائفة من ~~المدنيين كما تقدم وكأن هؤلاء لم يروه نقضا للعهد لأن ناقض العهد يقتل كما ms478 ~~يقتل المحارب ولا معنى لاستتابة الكافر الأصلي المحارب وإنما رأوا حده ~~القتل فجعلوه كالمسلم وهو يستتيبون المسلم فكذلك يستتاب الذمي # PageV01P560 # وعلى قول هؤلاء فالأشبه أن استتابته من السب لا تحتاج إلى إسلامه بل تقبل ~~توبته مع بقائه على دينه. # القول الثاني: أنه لا يستتاب لكن إن أسلم لم يقتل وهذا قول ابن القاسم ~~وغيره وهو قول الشافعي وهو إحدى الروايتين عن أحمد وعلى طريقة القاضي لم ~~يذكر فيه خلاف بناء على أنه قد نقض عهده فلا يحتاج قتله إلى استتابة لكن ~~إذا أسلم سقط عنه القتل كالحربي. # القول الثالث: أنه يقتل بكل حال وهو ظاهر كلام مالك وأحمد لأن قتله وجب ~~على جرم محرم في دين الله وفي دينه فلم يسقط عنه موجبه بالإسلام كعقوبته ~~على الزنا والسرقة والشرب وهذا القول هو الذي يدل عليه أكثر الأدلة المتقدم ~~ذكرها. # فصل. # السب الذي ذكرنا حكمه من المسلم هو: الكلام الذي يقصد به الانتقاص ~~والاستخفاف وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم ~~كاللعن والتقبيح ونحوه وهو الذي دل عليه قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} . # فهذا أعظم ما تفوه به الألسنة فأما ما كان سبا في الحقيقة والحكم لكن من ~~الناس من يعتقده دينا ويراه صوابا وحقا ويظن أن ليس فيه انتقاص ولا تعييب ~~فهذا نوع من الكفر حكم صاحبه إما حكم المرتد المظهر للردة أو المنافق ~~المبطن للنفاق والكلام في الكلام الذي يكفر به صاحبه أو لا يكفر وتفصيل ~~الاعتقادات وما يوجب منها الكفر أو البدعة فقط # PageV01P561 # أو ما اختلف فيه من ذلك ليس هذا موضعه وإنما الغرض أن لا يدخل هذا في قسم ~~السب الذي تكلمنا في استتابة صاحبه نفيا وإثباتا والله أعلم. # فصل. # فإن سب موصوفا بوصف أو مسمى باسم وذلك يقع على الله سبحانه أو بعض رسله ~~خصوصا أو عموما لكن قد ظهر أنه لم يقصد ذلك: إما لاعتقاده أن الوصف أو ~~الاسم لا يقع عليه ms479 أو لأنه وإن كان يعتقد وقوعه عليه لكن ظهر أنه لم يرده ~~لكون الاسم في الغالب لا يقصد به ذلك بل غيره فهذا القول وشبهه حرام في ~~الجملة يستتاب صاحبه منه إن لم يعلم أنه حرام ويعزر مع العلم تعزيرا بليغا ~~لكن لا يكفر بذلك ولا يقتل وإن كان يخاف عليه الكفر. # مثال الأول: أن يسب الدهر الذي فرق بينه وبين الأحبة أو الزمان الذي ~~أحوجه إلى الناس أو الوقت الذي أبلاه بمعاشرة من ينكد عليه ونحو ذلك مما ~~يكثر الناس قوله نظما ونثرا فإنه إنما يقصد أن يسب من يفعل ذلك به ثم إنه ~~يعتقد أو يقول إن فاعل ذلك هو الدهر الذي هو الزمان فيسبه وفاعل ذلك إنما ~~هو الله سبحانه فيقع السب عليه من حيث لم يعتمده المرء وإلى هذا أشار النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر بيده الأمر" ~~وقوله فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى يقول: "يا ابن آدم تسب الدهر وأنا ~~الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" فقد نهى رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام عن هذا القول وحرمه ولم يذكر كفرا ولا قتلا والقول المحرم يقتضي ~~التعزيز والتنكيل. # ومثال الثاني: أن يسب مسمى باسم عام يندرج فيه الأنبياء وغيرهم لكن يظهر ~~أنه لم يقصد الأنبياء من ذلك العام مثل ما نقل الكرماني قال: # PageV01P562 # سألت أحمد قلت: رجل افترى على رجل فقال: يا ابن كذا وكذا إلى آدم وحواء ~~فعظم ذلك جدا وقال: نسأل الله العافية لقد أتى هذا عظيما وسئل عن الحد فيه ~~فقال: لم يبلغني في هذا شيء وذهب إلى حد واحد وذكر هذا أبو بكر عبد العزيز ~~أيضا فلم يجعل أحمد رضي الله عنه بهذا القول كافرا مع أن اللفظ يدخل فيه ~~نوح وإدريس وشيث وغيرهم من النبيين لأن الرجل لم يدخل آدم وحواء في عمومه ~~وإنما جعلهما غاية وحدا لمن قذفه وإلا لو كانا من المقذوفين تعين قتله بلا ~~ريب ومثل هذا العموم في مثل ms480 هذا الحال لا يكاد يقصد به صاحبه من يدخل فيه ~~من الأنبياء فعظم الإمام أحمد ذلك لأن أحسن أحواله أن يكون قذف خلقا من ~~المؤمنين ولم يوجب إلا حدا واحدا لأن الحد هنا ثبت للحي ابتداء على أصله ~~وهو واحد وهذا قول أكثر المالكية في مثل ذلك. # وقال سحنون وأصبغ وغيرهما في رجل قال له غريمه: صلى الله على النبي محمد ~~فقال له الطالب: لا صلى الله على من صلى عليه قال سحنون: "ليس هو كمن شتم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه إذا كان ~~على ما وصف من الغضب لأنه إنما شتم الناس" وقال أصبغ وغيره: "لا يقتل إنما ~~شتم الناس" وكذلك قال ابن أبي زيد فيمن قال: "لعن الله العرب ولعن الله بني ~~إسرائيل ولعن الله بني آدم وذكر أنه لم يرد الأنبياء وإنما أردت الظالمين ~~منهم": إن عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان. # وذهب طائفة منهم الحارث بن مسكين وغيره إلى القتل في مسألة المصلي ونحوها ~~وكذلك قال أبو موسى بن مياس فيمن قال: "لعنه الله إلى آدم" إنه يقتل وهذه ~~مسألة الكرماني بعينها وهذا قياس أحد الوجهين لأصحابنا فيمن قال: عصيت الله ~~في كل ما أمرني به فإن أكثر أصحابنا قالوا: ليس ذلك بيمين لأنه إنما التزم ~~المعصية كما لو قال: محوت المصحف # PageV01P563 # أو شربت الخمر إن فعلت كذا ولم يظهر قصد إرادة الكفر من هذا العموم لأنه ~~لو أراده لذكره باسمه الخاص ولم يكتف بالاسم الذي يشركه فيه جميع المعاصي. # ومنهم من قال: هو يمين لأن مما أمره الله به الإيمان ومعصيته فيه كفر ولو ~~التزم الكفر بيمينه بأن قال: هو يهودي أو نصراني أو هو برئ من الله أو من ~~الإسلام أو هو يستحل الخمر والخنزير أو لا يراه الله في مكان كذا إن فعل ~~كذا ونحوه كان يمينا في المشهور عنه ووجه هذا القول أن اللفظ عام فلا يقبل ~~منه دعوى الخصوص ولعل من يختار هذا يحمل كلام ms481 الإمام أحمد على أن القائل ~~كان جاهلا بأن في النسب أنبياء. # ووجه الأول أن أبا بكر رضي الله عنه كتب إلى المهاجر بن أبي أمية في ~~المرأة التي كانت تهجو المسلمين يلومه على قطع يدها ويذكر له أنه كان ~~الواجب أن يعاقبها بالضرب مع أن الأنبياء يدخلون في عموم هذا اللفظ ولأن ~~الألفاظ العامة قد كثرت وغلب إرادة الخصوص بها فإذا كان اللفظ لفظ سب وقذف ~~وللأنبياء ونحوهم من الخصائص والمزايا ما يوجب ذكرهم بأخص أسمائهم إذا أريد ~~ذكرهم والغضب يحمل الإنسان على التجوز في القول والتوسع فيه كان ذلك قرائن ~~عرفية ولفظية وحالية في أنه لم يقصد دخولهم في العموم لا سيما إذا كان دخول ~~ذلك الفرد في العموم لا يكاد يشعر به. # ويؤيد هذا أن يهوديا قال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي اصطفى ~~موسى على العالمين" فلطمه المسلم حتى اشتكاه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفضيله على موسى لما فيه من ~~انتقاص المفضول بعينه والغض منه ولو أن اليهودي أظهر القول بأن # PageV01P564 # موسى أفضل من محمد لوجب التعزير عليه إجماعا بالقتل أو بغيره كما تقدم ~~التنبيه عليه. # فصل. # والحكم في سب سائر الأنبياء كالحكم في سب نبينا فمن سب نبيا مسمى باسمه ~~من الأنبياء المعروفين كالمذكورين في القرآن أو موصوفا بالنبوة مثل ما يذكر ~~حديثا أن نبيا فعل كذا أو قال كذا فيسب ذلك القائل أو الفاعل مع العلم بأنه ~~نبي وإن لم يعلم من هو أو يسب نوع الأنبياء على الإطلاق فالحكم في هذا كما ~~تقدم لأن الإيمان بهم واجب عموما وواجب الإيمان خصوصا بمن قصه الله علينا ~~في كتابه وسبهم كفر وردة إن كان من مسلم ومحاربة إن كان من ذمي. # قد تقدم في الأدلة الماضية ما يدل على ذلك بعمومه لفظا أو معنى وما أعلم ~~أحدا فرق بينهما وإن كان أكثر كلام الفقهاء إنما فيه ذكر من سب نبيا فإنما ~~ذلك لمسيس ms482 الحاجة إليه وأنه وجب التصديق له والطاعة له جملة وتفصلا ولا ريب ~~أن جرم سابه أعظم من جرم ساب غيره كما أن حرمته أعظم من حرمة غيره وإن ~~شاركه سائر إخوانه من النبيين والمرسلين في أن سابهم كافر محارب حلال الدم. # فأما إن سب نبيا غير معتقد لنبوته فإنه يستتاب من ذلك إذا كان ممن علمت ~~نبوته بالكتاب والسنة لأن هذا جحد لنبوته إن كان ممن يجهل أنه نبي فإنه سب ~~محض ولا يقبل قوله: إني لم أعلم أنه نبي. # فصل. # فأما من سب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال القاضي أبو يعلى: "من ~~قذف # PageV01P565 # عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف" وقد حكى الإجماع على هذا غير ~~واحد وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم. # فروي عن مالك: "من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل قيل له: لم؟ قال: من ~~رماها فقد خالف القرآن لأن الله تعالى قال: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله ~~أبدا إن كنتم مؤمنين} ". # وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن ~~إسحاق: أتى المأمون بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة والآخر عائشة فأمر بقتل ~~الذي شتم فاطمة وترك الآخر فقال إسماعيل: "ما حكمهما إلا أن يقتلا لأن الذي ~~شتم عائشة رد القرآن وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت ~~وغيرهم". # قال أبو السائب القاضي: كنت يوما بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان ~~وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين ~~ألف دينار إلى مدينة السلام يفرق على سائر ولد الصحابة وكان بحضرته رجل ذكر ~~عائشة بذكر قبيح من الفاحشة فقال: "يا غلام اضرب عنقه" فقال له: العلويون: ~~هذا رجل من شيعتنا فقال: "معاذ الله هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال الله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات ~~للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرأون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} ~~فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي خبيث فهو ms483 كافر فاضربوا عنقه" فضربوا عنقه وأنا ~~حاضر رواه اللالكائي. # وروي عن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من # PageV01P566 # العراق فذكر عائشة بسوء فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله فقيل له: ~~هذا من شيعتنا ومن بني الآباء فقال: "هذا سمى جدي قرنان ومن مسمي جدي قرنان ~~استحق القتل فقتله". # وأما من سب غير عائشة من أزواجه ففيه قولان: # أحدهما: أنه كساب غيرهن من الصحابة على ما سيأتي. # والثاني: وهو الأصح أن من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة ~~رضي الله عنها وقد تقدم معنى ذلك عن ابن عباس وذلك لأن هذا فيه عار وغضاضة ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده وقد ~~تقدم التنبيه على ذلك فيما مضى عند الكلام على قوله: {إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله} الآية والأمر فيه ظاهر. # فصل. # فأما من سب أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بيته ~~وغيرهم فقد أطلق الإمام أحمد أنه يضرب ضربا نكالا وتوقف عن قتله وكفره. # قال أبو طالب: سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"القتل أجبن عنه ولكن أضربه ضربا نكالا". # وقال عبد الله: سألت أبي عمن شتم رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "أرى أن يضرب" قلت له: حد فلم يقف على الحد إلا أنه قال: "يضرب" وقال: ~~"ما أراه على الإسلام". # وقال: سألت أبي من الرافضة؟ فقال: "الذين يشتمون أو يسبون أبا بكر وعمر ~~رضي الله عنهما". # PageV01P567 # وقال في الرسالة التي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الإصطخري وغيره: ~~وخير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر بعد أبي بكر وعثمان ~~بعد عمر وعلي بعد عثمان ووقف قوم وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر ~~شيئا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم ms484 بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب ~~على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب ~~قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع. # وحكى الإمام أحمد هذا عمن أدركه من أهل العلم وحكاه الكرماني عنه وعن ~~إسحاق والحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم. # وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: "ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية" ~~وقال لي: "يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بسوء فاتهمه على الإسلام". # فقد نص رضي الله عنه على جواب تعزيره واستتابة حتى يرجع بالجلد وإن لم ~~ينته حبس حتى يموت أو يراجع وقال: "ما أراه على الإسلام" وقال: "واتهمه على ~~الإسلام" وقال: "أجبن عن قتله". # وقال إسحاق بن راهويه: "من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب ~~ويحبس. # وهذا قول كثير أصحابنا منهم ابن أبي موسى قال: "ومن سب السلف من الروافض ~~فليس بكفؤ ولا يزوج ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد ~~مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة إلا أن يتوب ويظهر توبته وهذا في ~~الجملة قول عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول وغيرهما من التابعين. # PageV01P568 # قال الحارث بن عتبة: "إن عمر بن عبد العزيز أتى برجل سب عثمان فقال: ما ~~حملك على أن سببته؟ قال: أبغضه قال: وإن أبغضت رجلا سببته؟ قال: فأمر به ~~فجلد ثلاثين سوطا". # وقال إبراهيم بن ميسرة: "ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا ~~رجل شتم معاوية فضربه أسواطا. # رواهما اللالكائي وقد تقدم أنه كتب في رجل سبه: "لا يقتل إلا من سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولكن اجلده فوق رأسه أسواطا ولولا أني رجوت أن ذلك خير ~~له لم أفعل". # وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا عاصم الأحول قال: "أتيت برجل ~~قد سب عثمان قال: فضربته عشرة أسواط قال: ثم عاد لما قال فضربته عشرة أخرى ~~قال: ms485 فلم يزل يسبه حتى ضربته سبعين سوطا". # وهو المشهور من مذهب مالك قال مالك: "من شتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~قتل ومن سب أصحابه أدب". # وقال عبد الملك بن حبيب: "من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه ~~أدب أدبا شديدا ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه ~~ويطال سجنه حتى يموت ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم". # وقال ابن المنذر: "لا أعلم أحدا يوجب قتل من سب من بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم". # وقال القاضي أبو يعلى: "الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مستحلا ~~لذلك كفر وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر سواء كفرهم أو طعن في دينهم مع ~~إسلامهم". # وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة # PageV01P569 # وكفر الرافضة قال محمد بن يوسف الفريابي "وسئل عمن شتم أبا بكر قال: كافر ~~قيل: فيصلى عليه؟ قال: لا وسأله: كيف يصنع به وهو يقول لا إله إلا الله؟ ~~قال: لا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته". # وقال أحمد بن يونس: "لو أن يهوديا ذبح شاة وذبح رافضي لأكلت ذبيحة ~~اليهودي ولم آكل ذبيحة الرافضي لأنه مرتد عن الإسلام". # وكذلك قال أبو بكر بن هاني: "لا تؤكل ذبيحة الروافض والقدرية كما لا تؤكل ~~ذبيحة المرتد مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد وأهل ~~الذمة يقرون على دينهم وتؤخذ منهم الجزية". # وكذلك قال عبد الله بن إدريس من أعيان أئمة الكوفة: "ليس لرافضي شفعة إلا ~~لمسلم". # وقال فضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: "والله ~~إن قتلك لقربة إلى الله وما امتنع من ذلك إلا بالجواز وفي رواية قال: رحمك ~~الله قذفت إنما تقول هذا تمزح قال: لا والله ما هو بالمزاح ولكنه الجد قال: ~~وسمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم". # وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين ms486 البراءة من علي وعثمان ~~وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم ~~وسبوهم. # وقال أبو بكر عبد العزيز في المقنع: "فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر ~~فلا يزوج". # ولفظ بعضهم وهو الذي نصره القاضي أبو يعلى أنه إن سبهم سبا يقدح في دينهم ~~وعدالتهم كفر بذلك وإن سبهم سبا لا يقدح مثل أن يسب أبا أحدهم أو يسبه سبا ~~يقصد به غيظه ونحو ذلك لم يكفر. # PageV01P570 # قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان: هذه زندقة وقال في ~~رواية المروزي: من شتم أبا بكر وعمر وعائشة ما أراه على الإسلام. # قال القاضي أبو يعلى: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبه لأحد من الصحابة ~~وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله وكمال الحد وإيجاب التعزير ~~يقتضي أنه لم يحكم بكفره. # قال: فيحتمل أن يحمل قوله: "ما أراه على الإسلام" إذا استحل سبهم بأنه ~~يكفر بلا خلاف ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك بل فعله مع اعتقاده ~~لتحريمه كمن يأتي المعاصي قال: ويحتمل قوله: "ما أراه على الإسلام" على سب ~~يطعن في عدالتهم نحو قوله: ظلموا وفسقوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخذوا الأمر بغير حق ويحمل قوله في إسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم ~~نحو قوله: كان فيهم قلة علم وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة وكان فيهم شح ~~ومحبة للدنيا ونحو ذلك قال: ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم ~~روايتان: إحداهما يكفر والثانية يفسق وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره حكوا ~~في تكفيرهم روايتين. # قال القاضي: "ومن قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا ~~خلاف". # ونحن نرتب الكلام في فصلين أحدهما: في سبهم مطلقا والثاني: في تفصيل ~~أحكام السب. # أما الأول فسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام بالكتاب والسنة. # أما الأول فلأن الله سبحانه يقول: {ولا يغتب بعضكم بعضا} وأدنى أحوال ~~الساب لهم أن يكون مغتابا وقال تعالى: {ويل ms487 لكل # PageV01P571 # همزة لمزة} والطاعن عليهم همزة لمزة وقال: {والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} وهم صدور ~~المؤمنين فإنهم هم المواجهون بالخطاب في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} ~~حيث ذكرت ولم يكتسبوا ما يوجب أذاهم لأن الله سبحانه رضي عنهم رضى مطلقا ~~بقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان ولم ~~يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان وقال تعالى: {لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا ~~عن عبد علم أنه يوافقه على موجبات الرضى ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه ~~أبدا وقوله تعالى: {إذ يبايعونك} سواء كانت ظرفا محضا أو ظرفا فيها معنى ~~التعليل فإن ذلك لتعلق الرضى بهم فإنه يسمى رضى أيضا كما في تعلق العلم ~~والمشيئة والقدرة وغير ذلك من صفات الله سبحانه وقيل: بل الظرف يتعلق بنفس ~~الرضى وإنه يرضى عن المؤمن بعد أن يطيعه ويسخط عن الكافر بعد أن يعصيه ويحب ~~من اتبع الرسول بعد إتباعه له وكذلك أمثال هذا وهذا قول جمهور السلف وأهل ~~الحديث وكثير من أهل الكلام وهو الأظهر وعلى هذا فقد بين في مواضع أخر أن ~~هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان ~~الذي به يستحقون ذلك كما في قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم # PageV01P572 # ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم} . # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل النار ~~أحد بايع تحت الشجرة". # وأيضا فكل من أخبر الله أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة وإن كان رضاه عنه ~~بعد إيمانه وعمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له فلو ~~علم أنه يتعقب ذلك ما يسخط الرب لم ms488 يكن من أهل ذلك. # وهذا كما في قوله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} ولأنه سبحانه وتعالى قال: {لقد تاب ~~الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما ~~كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} وقال سبحانه ~~وتعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} وقال ~~تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} الآية وقال تعالى: {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس} {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} وهو أول من وجه بهذا الخطاب فهم ~~مرادون بلا ريب وقال سبحانه وتعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في # PageV01P573 # قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} فجعل سبحانه ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى للمهاجرين والأنصار والذين جاءوا من بعدهم مستغفرين ~~للسابقين وداعين الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم فعلم أن الاستغفار لهم ~~وطهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله ويرضاه ويثني على فاعله كما أنه قد ~~أمر بذلك رسوله في قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات} وقال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم} ومحبة الشيء ~~كراهته لضده فيكون الله يكره السب لهم الذي هو ضد الاستغفار والبغض لهم ~~الذي هو ضد الطهارة وهذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: "أمروا بالاستغفار ~~لأصحاب محمد فسبوهم" رواه مسلم. # وعن مجاهد عن ابن عباس قال: "لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله قد أمرنا ~~بالاستغفار لهم وقد علم أنهم سيقتتلون" رواه الإمام أحمد. # وعن سعد بن أبي وقاص قال: "الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت ~~واحدة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت قال: ثم ~~قرأ: {للفقراء المهاجرين} إلى قوله: {ورضوانا} فهؤلاء المهاجرون وهذه منزلة ~~قد مضت {والذين تبوأوا ms489 الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم} إلى ~~قوله: {ولو كان بهم خصاصة} قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت ثم قرأ: ~~{والذين جاءوا من بعدهم} إلى قوله: {رحيم} قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة ~~فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت يقول: أن ~~تستغفروا لهم" ولأن من حاز سبه بعينه أو بغيره لم يجز الاستغفار له كما لا ~~يجوز الاستغفار للمشركين لقوله تعالى: {ما كان للنبي # PageV01P574 # والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين ~~لهم أنهم أصحاب الجحيم} وكما لا يجوز أن يستغفر لجنس العاصين مسمين باسم ~~المعصية لأن ذلك لا سبيل إليه ولأنه شرع لنا أن نسأل الله أن لا يجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا والسب باللسان أعظم من الغل الذي لا سب معه ولو كان ~~الغل عليهم والسب لهم جائزا لم يشرع لنا أن نسأله ترك ما لا يضر فعله ولأنه ~~وصف مستحقي الفيء بهذه الصفة كما وصف السابقين بالهجرة والنصرة فعلم أن ذلك ~~صفة للمؤثر فيهم ولو كان السب جائزا لم يشترط في استحقاق الفيء ترك أمر ~~جائز كما لا يشترط ترك سائر المباحات بل لو لم يكن الاستغفار لهم واجبا لم ~~يكن شرطا في استحقاق الفيء لأن استحقاق الفيء لا يشترط فيه ما ليس بواجب بل ~~هذا دليل على أن الاستغفار لهم داخل في عقد الدين وأصله. # وأما السنة ففي الصحيحين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده ~~لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه". # وفي رواية لمسلم واستشهد بها البخاري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين ~~عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه". # وفي رواية ms490 للبرقاني في صحيحه: "لا تسبوا أصحابي دعوا لي أصحابي فإن أحدكم ~~لو أنفق كل يوم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه". # والأصحاب: جمع صاحب والصاحب: اسم فاعل من صحبه يصحبه وذلك يقع على قليل ~~الصحابة وكثيرها لأنه يقال: صحبته ساعة وصحبته شهرا وصحبته # PageV01P575 # سنة قال الله تعالى: {والصاحب بالجنب} قد قيل: هو الرفيق في السفر وقيل: ~~هو الزوجة ومعلوم أن صحبة الرفيق وصحبة الزوجة قد تكون ساعة فما فوقها وقد ~~أوصى الله به إحسانا ما دام صاحبا وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره" ~~وقد دخل في ذلك قليل الصحبة وكثيرها وقليل الجوار وكثيره وكذلك قال الإمام ~~أحمد وغيره: كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم سنة أو شهرا أو يوما أو ~~رآه مؤمنا به فهو من أصحابه له من الصحبة بقدر ذلك. # فإن قيل: فلم نهى خالد عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضا؟ وقال: ~~"لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". # قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه ~~في وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا ~~وهو أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ~~فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح ~~الذي هو صلح الحديبية وقاتل أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله ومن لم يصحبه قط ~~نسبته إلى من صحبه كنسية خالد إلى السابقين وأبعد. # وقوله: "لا تسبوا أصحابي" خطاب لكل أحد أن يسب من انفرد عنه بصحبته عليه ~~الصلاة والسلام وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: "أيها الناس ~~إني أتيتكم فقلت: إني رسول الله إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت فهل ~~أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي" أو كما قال بأبي هو وأمي ~~صلى ms491 الله عليه وسلم قال ذلك # PageV01P576 # لما عاير بعض الصحابة أبا بكر وذاك الرجل من فضلاء أصحابه ولكن امتاز أبو ~~بكر عنه بصحبته وانفرد بها عنه. # وعن محمد بن طلحة المديني عن عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ~~ساعدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~اختارني واختار لي أصحابا جعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة ~~صرفا ولا عدلا" وهذا محفوظ بهذا الإسناد. # وقد روى ابن ماجة بهذا الإسناد حديثا وقال أبو حاتم في تحديثه: هذا محله ~~الصدق يكتب حديثه ولا يحتج به على انفراده ومعنى هذا الكلام أنه يصلح ~~للاعتبار تحديثه والاستشهاد به فإذا عضده آخر مثله جاز أن يحتج به ولا يحتج ~~به على انفراده. # وعن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله الله ~~في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد ~~أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن ~~يأخذه" رواه الترمذي وغيره من حديث عبيدة ابن أبي رائطة عن عبد الرحمن بن ~~زياد عنه وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. # وروي هذا المعنى من حديث أنس أيضا ولفظه: "من سب أصحابي فقد سبني ومن ~~سبني فقد سب الله" رواه ابن البناء. # وعن عطاء بن أبي رباح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله من سب ~~أصحابي" رواه أبو أحمد الزبيري: حدثنا محمد بن خالد عنه وقد روى عنه عن ابن ~~عمر مرفوعا من وجهه آخر رواهما اللالكائي. # PageV01P577 # وقال علي بن عاصم: أنبأ أبو قحذم حدثني أبو قلابة عن ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي ~~فأمسكوا" رواه اللالكائي. # ولما جاء فيه من الوعيد قال إبراهيم النخعي: كان يقال: "شتم ms492 أبي بكر وعمر ~~من الكبائر" وكذلك قال أبو إسحاق السبيعي: "شتم أبي بكر وعمر من الكبائر" ~~التي قال الله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} وإذا كان شتمهم بهذه ~~المثابة فأقل ما فيه التعزير لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" وهذا مما لا نعلم ~~فيه خلافا بين أهل الفقه والعلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتابعين لهم بإحسان وسائر أهل السنة والجماعة فإنهم مجمعون على أن الواجب ~~الثناء عليهم والاستغفار لهم والترحم عليهم والترضي عنهم واعتقاد محبتهم ~~وموالاتهم وعقوبة من أساء فيهم القول. # ثم من قال: لا أقتل بشتم غير النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يستدل بقصة ~~أبي بكر المتقدمة وهو أن رجلا أغلظ له وفي رواية شتمه فقال له أبو برزة: ~~أقتله؟ فانتهره وقال: ليس هذا لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبأنه كتب ~~إلى المهاجر بن أبي أمية: "إن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود" كما تقدم ولأن ~~الله تعالى ميز بين مؤذي الله ورسوله ومؤذي المؤمنين فجعل الأول ملعونا في ~~الدنيا والآخرة وقال في الثاني: {فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} ومطلق ~~البهتان والإثم ليس بموجب للقتل وإنما هو موجب للعقوبة في الجملة فتكون ~~عليه عقوبة مطلقة ولا يلزم من العقوبة جواز القتل ولأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن # PageV01P578 # لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو رجل ~~قتل نفسا فيقتل بها" ومطلق السب لغير الأنبياء لا يستلزم الكفر لأن بعض من ~~كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما سب بعضهم بعضا ولم يكفر ~~أحدا بذلك ولأن أشخاص الصحابة لا يجب الإيمان بهم بأعيانهم فسب الواحد لا ~~يقدح في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. # وأما من قال: "يقتل الساب" أو قال: "يكفر" فلهم دلالات احتجوا بها: # منها: قوله ms493 تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم} إلى قوله تعالى: {ليغيظ بهم الكفار} فلا بد أن يغيظ بهم الكفار وإذا ~~كان الكفار يغاظون بهم فمن غيظ بهم فقد شارك الكفار فيما أذلهم الله به ~~وأخزاهم وكبتهم على كفرهم ولا يشارك الكفار في غيظهم الذين كبتوا به جزاء ~~لكفرهم إلا كافر لأن المؤمن لا يكبت جزاء للكفر. # يوضح ذلك أن قوله تعالى: {ليغيظ بهم الكفار} تعليق للحكم بوصف مشتق مناسب ~~لأن الكفر مناسب لأن يغاظ صاحبه فإذا كان هو الموجب لأن يغيظ الله صاحبه ~~بأصحاب محمد فمن غاظه الله بأصحاب محمد فقد وجد في حقه موجب ذاك وهو الكفر. # قال عبد الله ابن إدريس الأودي الإمام: "ما آمن أن يكونوا قد ضارعوا ~~الكفار يعني الرافضة لأن الله تعالى يقول: {ليغيظ بهم الكفار} " وهذا معنى ~~قول الإمام أحمد: "ما أراه على الإسلام". # PageV01P579 # ومن ذلك: ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أبغضهم فقد ~~أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله" وقال: "فمن سبهم فعليه ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" وأذى ~~الله ورسوله كفر موجب للقتل كما تقدم وبهذا يظهر الفرق بين أذاهم قبل ~~استقرار الصحبة وأذى سائر المسلمين وبين أذاهم بعد صحبتهم له فإنه على عهده ~~قد كان الرجل ممن يظهر الإسلام يمكن أن يكون منافقا ويمكن أن يكون مرتدا ~~فأما إذا مات مقيما على صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير مزنون بنفاق ~~فأذاه أذى مصحوبه قال عبد الله بن مسعود: "اعتبروا الناس بأخدانهم" وقالوا: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي # وقال مالك رضي الله عنه: "إنما هؤلاء قوم أرادوا القدح في النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء كان له أصحاب ~~سوء ولو كان رجلا صالحا كان أصحابه صالحين أو كما قال: وذلك أنه ما منهم ~~رجل إلا ms494 كان ينصر الله ورسوله ويذب عن رسول الله بنفسه وماله ويعينه على ~~إظهار دين الله وإعلاء كلمة الله وتبليغ رسالات الله وقت الحاجة وهو حينئذ ~~لم يستقر أمره ولم تنتشر دعوته ولم تطمئن قلوب أكثر الناس بدينه ومعلوم أن ~~رجلا لو عمل به بعض الناس نحو هذا ثم آذاه أحد لغضب له صاحبه وعد ذلك أذى ~~له وإلى هذا أشار ابن عمر قال نسير بن ذعلوق: سمعت ابن عمر رضي الله عنه ~~يقول: "لا تسبوا أصحاب محمد فإن مقام أحدهم خير من عملكم كله" رواه ~~اللالكائي وكأنه أخذه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أنفق أحدكم مثل ~~أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم أو نصيفه" وهذا تفاوت عظيم جدا. # PageV01P580 # ومن ذلك: ما روي عن علي رضي الله عنه قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ~~أنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" رواه ~~مسلم. # ومن ذلك: ما خرجاه في الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار" وفي لفظ قال في الأنصار: ~~"لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق". # وفي الصحيحين أيضا عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه ~~الله ومن أبغضهم أبغضه الله". # ولمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبغض الأنصار ~~رجل آمن بالله واليوم الآخر". # وروى مسلم في صحيحه أيضا عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر". # فمن سبهم فقد زاد على بغضهم فيجب أن يكون منافقا لا يؤمن بالله ولا ~~باليوم الآخر وإنما خص الأنصار والله أعلم لأنهم هم الذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبل المهاجرين وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه ~~ومنعوه وبذلوا في إقامة الدين النفوس ms495 والأموال وعادوا الأحمر والأسود من ~~أجله وآووا المهاجرين وواسوهم في الأموال وكان المهاجرون إذ ذاك قليلا ~~غرباء فقراء مستضعفين ومن عرف السيرة وأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وما قاموا به من الأمر ثم كان مؤمنا يحب الله ورسوله لم يملك أن لا يحبهم ~~كما أن المنافق لا يملك أن لا يبغضهم وأراد بذلك والله أعلم أن يعرف الناس ~~قدر الأنصار لعلمه بأن الناس يكثرون والأنصار يقلون وأن الأمر سيكون في ~~المهاجرين فمن شارك الأنصار في نصر الله ورسوله بما أمكنه # PageV01P581 # فهو شريكهم في الحقيقة كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار ~~الله} فبغض من نصر الله ورسوله من أصحابه نفاق. # ومن هذا رواه طلحة بن مصرف قال: كان يقال: "بغض بني هاشم نفاق وبغض أبي ~~بكر وعمر نفاق والشاك في أبي بكر كالشاك في السنة". # ومن ذلك: ما رواه كثير النواء عن إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن ~~أبيه عن جده قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "يظهر في أمتي في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون ~~الإسلام" هكذا رواه عبد الله ابن أحمد في مسند أبيه. # وفي السنة من وجوه صحيحة عن يحيى بن عقيل: حدثنا كثير ورواه أيضا من حديث ~~أبي شهاب عبد ربه بن نافع الخياط عن كثير النواء عن إبراهيم بن الحسن عن ~~أبيه عن جده يرفعه قال: "يجيء قوم قبل قيام الساعة يسمون الرافضة براء من ~~الإسلام" وكثير النواء يضعفونه. # وروى أبو يحيى الحماني عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني أو ~~النخعي عن عمه عن علي قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: "يا علي أنت ~~وشيعتك في الجنة وإن قوما لهم نبز يقال لهم الرافضة إن أدركتهم فاقتلهم ~~فإنهم مشركون" قال علي: "ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك وآية ذلك أنه ~~يشتمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما". # ورواه عبد الله بن أحمد: حدثني محمد بن ms496 إسماعيل الأحمسي حدثنا أبو يحيى ~~ورواه أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا فضيل بن مرزوق ~~عن أبي جناب عن أبي سليمان الهمداني عن رجل من قومه قال: قال علي: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلك على عمل إذا عملته كنت من أهل الجنة؟ ~~وإنك من # PageV01P582 # أهل الجنة إنه سيكون بعدنا قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن أدركتموهم ~~فاقتلوهم فإنهم مشركون" قال: وقال علي رضي الله عنه: "سيكون بعدنا قوم ~~ينتحلون مودتنا يكذبون علينا مارقة آية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر رضي ~~الله عنهما". # ورواه أبو القاسم البغوي: حدثنا سويد بن سعيد حدثنا محمد بن حازم عن أبي ~~جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني عن علي رضي الله عنه قال: "يخرج في آخر ~~الزمان قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة يعرفون به وينتحلون شيعتنا وليسوا من ~~شيعتنا وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر أينما أدركتموهم فاقتلوهم فإنهم ~~مشركون". # وقال سويد: حدثنا مروان بن معاوية عن حماد بن كيسان عن أبيه وكانت أخته ~~سرية لعلي رضي الله عنه قال: سمعت عليا يقول: "يكون في آخر الزمان قوم لهم ~~نبز يسمون الرافضة يرفضون الإسلام فاقتلوهم فإنهم مشركون" فهذا الموقوف على ~~علي رضي الله عنه شاهد في المعنى لذلك المرفوع. # وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث أم سلمة وفي إسناده سوار ابن مصعب وهو ~~متروك. # وروي ابن بطة بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الله اختارني واختار لي أصحابي فجعلهم أنصاري وجعلهم أصهاري وإنه سيجيء في ~~آخر الزمان قوم ينتقصونهم ألا فلا تواكلوهم ولا تشاربوهم ألا فلا تناكحوهم ~~ألا فلا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم عليهم حلة اللعنة" وفي هذا الحديث نظر. # وروى ما هو أغرب من هذا وأضعف رواه ابن البناء عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي فإن كفارتهم القتل". # PageV01P583 # وأيضا فإن هذا مأثور عن أصحاب النبي صلى الله ms497 عليه وسلم فروى أبو الأحوص ~~عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال: بلغ علي بن أبي طالب أن عبد الله بن ~~السوداء ينتقص أبا بكر وعمر فهم بقتله فقيل له: تقتل رجلا يدعو إلى حبكم ~~أهل البيت؟ فقال: "لا يساكنني في دار أبدا". # وفي رواية عن شباك قال: بلغ عليا أن ابن السوداء يبغض أبا بكر وعمر قال: ~~فدعاه ودعا بالسيف أو قال: فهم بقتله فكلم فيه فقال: "لا يساكنني ببلد أنا ~~فيه" فنفاه إلى المدائن وهذا محفوظ عن أبي الأحوص وقد رواه النجاد وابن بطة ~~واللالكائي وغيرهم ومراسيل إبراهيم جياد لا يظهر علي رضي الله عنه أنه يريد ~~قتل رجل إلا وقتله حلال عنده ويشبه والله أعلم أن يكون إنما تركه خوف ~~الفتنه بقتله كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك عن قتل بعض المنافقين ~~فإن الناس تشتتت قلوبهم عقب فتنة عثمان رضي الله عنه وصار في عسكره من أهل ~~الفتنة أقوام لهم عشائر لو أراد الانتصار منهم لغضبت لهم عشائرهم وبسبب هذا ~~وشبهه كانت فتنة الجمل. # وعن سلمه بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: قلت لأبي: يا أبت ~~لو كنت سمعت رجلا يسب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالكفر أكنت تضرب عنقه؟ ~~قال: نعم رواه الإمام أحمد وغيره ورواه ابن عيينة عن خلف بن حوشب عن سعيد ~~بن عبد الرحمن ابن أبزى قال: قلت لأبي: لو أتيت برجل يسب أبا بكر ما كنت ~~صانعا؟ قال: أضرب عنقه قلت: فعمر؟ قال: أضرب عنقه وعبد الرحمن ابن أبزى من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم أدركه وصلى خلفه وأقره ~~عمر رضي الله عنه عاملا على مكة وقال: هو ممن رفعه الله بالقرآن بعد أن قيل ~~له: أنه عالم بالفرائض قارئ لكتاب الله واستعمله على رضي الله عنه على ~~خراسان. # وروى قيس ابن الربيع عن وائل عن البهي قال: وقع بين عبيد الله بن # PageV01P584 # عمر وبين المقداد كلام فشتم عبيد الله ms498 المقداد فقال عمر: "علي بالحداد ~~أقطع لسانه لا يجترئ أحد بعده بشتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم" وفي رواية فهم عمر بقطع لسانه فكلمه فيه أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "ذروني أقطع لسان ابني لا يجترئ أحد بعده يسب أحدا من أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم" رواه حنبل وابن بطة واللالكائي وغيرهم ولعل عمر ~~إنما كف عنه لما شفع فيه أصحاب الحق وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولعل المقداد كان فيهم. # وعن عمر بن الخطاب أنه أتى بأعرابي يهجو الأنصار فقال: "لولا أن له صحبة ~~لكفيتكموه" رواه أبو ذر الهروي. # ويؤيد ذلك ما روى الحكم بن جحل قال: سمعت عليا يقول: "لا يفضلني أحد على ~~أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا جلدته جلد المفتري". # وعن علقمة بن قيس قال: خطبنا علي رضي الله عنه فقال: "إنه بلغني أن قوما ~~يفضلوني على أبي بكر وعمر ولو كنت تقدمت في هذا لعاقبت فيه ولكني أكره ~~العقوبة قبل التقدم ومن قال شيئا من ذلك فهو مفتر عليه ما على المفتري خير ~~الناس كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر" رواهما عبد ~~الله بن أحمد وروى ذلك ابن بطة اللالكائي من حديث سويد بن غفلة عن علي في ~~خطبة طويلة خطبها. # وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن أبي ليلى قال: "تداروا في أبي بكر ~~وعمر فقال رجل من عطارد: عمر أفضل من أبي بكر فقال الجارود: بل أبو بكر ~~أفضل منه قال: فبلغ ذلك عمر قال: فجعل يضربه ضربا بالدرة حتى شغر برجله ثم ~~أقبل إلى الجارود فقال: إليك عني ثم قال عمر: "أبو بكر كان خير الناس بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا" ثم قال عمر: "من قال غير هذا ~~أقمنا عليه ما نقيم على المفتري". # PageV01P585 # فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي رضي الله عنهما يجلدان حد المفتري ~~من يفضل عليا على أبي بكر ms499 وعمر أو من يفضل عمر على أبي بكر مع أن مجرد ~~التفضيل ليس فيه سب ولا عيب علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير. # فصل. # في تفصيل القول فيهم. # أما من اقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبريل ~~في الرسالة فهذا لاشك في كفره بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره. # وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات ~~باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ~~ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم. # وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل ~~أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك فهذا هو الذي يستحق التأديب ~~والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل ~~العلم. # وأما من لعن وقبح مطلقا فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ ~~ولعن الاعتقاد. # وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ~~ريب أيضا في كفره فإنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم # PageV01P586 # والثناء عليهم بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين فإن مضمون هذه ~~المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق وأن هذه الأمة التي هي: {كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس} وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفارا أو فساقا ~~ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها وكفر هذا ~~مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيء من هذه ~~الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم وقد ~~ظهرت لله فيهم مثلات وتواتر النقل بأن وجوههم تمسخ خنازير في المحيا ~~والممات وجمع العلماء ما بلغهم في ذلك ms500 وممن صنف فيه الحافظ الصالح أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابه في النهي عن سب إلا صحاب وما جاء ~~فيه من الإثم والعقاب. # وبالجملة فمن أصناف السابة من لا ريب في كفره ومنهم من لا يحكم بكفره ~~ومنهم من تردد فيه وليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك وإنما ذكرنا هذه المسائل ~~لأنها في تمام الكلام في المسألة التي قصدنا لها. # فهذا ما تيسر من الكلام في هذا الباب ذكرنا ما يسره الله واقتضاه الوقت ~~والله سبحانه يجعله لوجهه خالصا وينفع به ويستعملنا فيما يرضاه منم القول ~~والعمل. # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا كثيرا. PageV01P587 ms501