######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000375 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح العقيدة الأصفهانية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الكتب الجامعة في العقائد :: الكتب الجامعة لمسائل العقيدة :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: العقيدة الأصفهانية #META# 030.LibURI :: JK_000375 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: إبراهيم سعيداي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الرشد #META# 044.EdPLACE :: الرياض #META# 045.EdYEAR :: 1415 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # = كتاب شرح العقيدة الأصفهانية PageV01P001 $ بسم الله الرحمن الرحيم # سئل شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه ~~وهو مقيم بالديار المصرية في شهور سنة اثني عشر وسبعمائة أن يشرح العقيدة ~~التي ألفها الشيخ شمس الدين محمد بن الأصفهاني الإمام المتكلم المشهور الذي ~~قيل إنه لم يدخل إلى الديار المصرية أحد رؤوس علماء الكلام مثله وأن يبين ~~ما فيها # فأجاب إلى ذلك واعتذر بأنه لا بد عند شرح ذلك الكلام من مخالفة بعض ~~مقاصده لما توجبه قواعد الإسلام فإن الحق أحق أن يتبع والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه إن كانوا مؤمنين والله تعالى يقول @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا @QE@ @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ @QB@ فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما @QE@ @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ # وليعلم أن الشرح المطلوب الآتي ذكره اشتمل ولله الحمد مع اختصاره على غرر ~~قواعد أصول الدين التي لم ينهض بتحقيق الحق فيها إلا الجهابذة النقاد من ~~سادات الأولين والآخرين كما ستشهد ذلك ويشهد به وقت التأمل أهل العدل ~~والإنصاف من المحقين المحققين والله سبحانه ولي التوفيق والهادي إلى سواء ~~الطريق وهو حسبنا ونعم الوكيل # وأول العقيدة المذكورة قوله الحمد لله حق حمده وصلواته على محمد رسوله ~~وعبده للعالم خالق واجب الوجود لذاته واحد عالم قادر حي مريد متكلم سميع ~~بصير والدليل على وجوده الممكنات PageV01P017 لاستحالة وجودها بنفسها ~~واستحالة وجودها بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه ~~وافتقار الممكن إلى علته والدليل على وحدته أنه لا تركيب فيه بوجه وإلا لما ~~كان واجب الوجود لذاته ضرورة افتقاره إلى ما تركب منه ويلزم من ذلك أن لا ~~يكون من نوعه اثنان إذ لو كان لزم وجود الاثنين بلا امتياز وهو ms001 محال ~~والدليل على علمه إيجاده الأشياء لاستحالة إيجاده الأشياء مع الجهل بها ~~والدليل على قدرته إيجاده الأشياء وهي إما بالذات وهو محال إلا لكان العالم ~~وكل واحد من مخلوقاته قديما وهو باطل فتعين أن يكون فاعلا بالاختيار وهو ~~المطلوب والدليل على أنه حي علمه وقدرته لاستحالة قيام العلم والقدرة بغير ~~الحي والدليل على إرادته تخصيصه الأشياء بخصوصيات واستحالة التخصيص من غير ~~مخصص والدليل على كونه متكلما أنه آمروناه لأنه بعث الرسل لتبليغ أوامره ~~ونواهيه ولا معنى لكونه متكلما إلا ذلك والدليل على كونه سميعا بصيرا ~~السمعيات والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات والدليل على نبوة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز نظمه ومعناه # ثم نقول كل ما أخبر به محمد عليه الصلاة والسلام من عذاب القبر ومنكر ~~ونكير وغير ذلك من أحوال القيامة والصراط والميزان والشفاعة والجنة والنار ~~فهو حق لأنه ممكن وقد أخبر به الصادق فلزم صدقه والله الموفق # فأجاب رضي الله تعالى عنه الحمد لله رب العالمين ما في هذا الكلام من ~~الأخبار بأن للعالم خالقا وأنه واجب الوجود بنفسه وأنه واحد عالم قادر ~~PageV01P018 حي مريد متكلم سميع بصير فهو حق لا ريب فيه وكذلك ما فيه من ~~الإقرار بنبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأنه يجب التصديق بكل ما أخبر به من عذاب القبر ومنكر ونكير وغير ذلك ~~من أحوال القيامة والصراط والميزان والشفاعة والجنة والنار فإنه حق فإن هذه ~~الأسماء المقدسة المذكورة لله تعالى منها ما هو في كتاب الله تعالى كاسمه ~~الواحد والعالم والقادر والحي والسميع والبصير # قال تعالى @QB@ وإلهكم إله واحد @QE@ وقال تعالى @QB@ رفيع الدرجات ذو ~~العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم ~~بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ @QB@ وعنت الوجوه ~~للحي القيوم @QE@ وقال تعالى @QB@ والله شكور حليم @QE@ @QB@ عالم الغيب ~~والشهادة العزيز الحكيم @QE@ وقال ms002 تعالى @QB@ إن الله على كل شيء قدير @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ ومثل هذا في القرآن ~~كثير # وأما تسميته سبحانه بأنه مريد وأنه متكلم فإن هذين الاسمين لم يردا في ~~القرآن ولا في الأسماء الحسنى المعروفة ومعناهما حق ولكن الأسماء الحسنى ~~المعروفة هي التي يدعى الله بها وهي التي جاءت في الكتاب والسنة وهي التي ~~تقتضي المدح والثناء بنفسها والعلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك وهي في نفسها ~~صفات مدح والأسماء الدالة عليها أسماء مدح # وأما الكلام والإرادة فلما كان جنسه ينقسم إلى محمود كالصدق والعدل وإلى ~~مذموم كالظلم والكذب والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم جاء ما ~~يوصف به من الكلام والإرادة في أسماء تخص المحمود كاسمه الحكيم والرحيم ~~والصادق والمؤمن والشهيد والرؤوف والحليم والفتاح ونحو ذلك مما يتضمن معنى ~~الكلام ومعنى الإرادة فإن الكلام نوعان إنشاء PageV01P019 وإخبار والإخبار ~~ينقسم إلى صدق وكذب والله تعالى يوصف بالصدق دون الكذب والإنشاء نوعان ~~إنشاء تكوين وإنشاء تشريع فإنه سبحانه له الخلق والأمر وإنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون والتكوين يستلزم الإرادة عند جماهير الخلائق ~~وكذلك يستلزم الكلام عند أكثر أهل الإثبات وأما التشريع فيستلزم الكلام وفي ~~استلزامه الإرادة نزاع والصواب أنه يستلزم أحد نوعي الإرادة كما سنبين إن ~~شاء الله والإنشاء يتضمن الأمر والنهي والإباحة والله تعالى يوصف بأنه يأمر ~~بالخير وينهى عن الشر فهو سبحانه لا يأمر بالفحشاء وكذلك الإرادة قد نزه ~~نفسه عن بعض أنواعها بقوله تعالى @QB@ وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ ~~وقوله @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ فلهذا لم يجىء في ~~أسمائه الحسنى المأثورة المتكلم والمريد # وأما ما يوصف به الرب من الكلام والإرادة فقد دلت عليه أسماؤه الحسنى وقد ~~اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله تعالى متكلم بكلام قائم به وإن كلامه ~~غير مخلوق وأنه مريد بإرادة قائمة به وإن إرادته ليست مخلوقة وأنكروا على ~~الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين قالوا إن كلام الله مخلوق ms003 خلقه في غيره ~~وإنه كلم موسى بكلام خلقه في الهواء واتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كلام ~~الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ومعنى قولهم منه بدأ أي هو المتكلم ~~به لم يخلقه في غيره كما قالت الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنه بدأ من بعض ~~المخلوقات وأنه سبحانه لم يقم به كلام ولم يرد السلف أنه كلام فارق ذاته ~~فإن الكلام وغيره من الصفات لا تفارق الموصوف بل صفة المخلوق لا تفارقه ~~وتنتقل إلى غيره فكيف تكون صفة الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره ولهذا قال ~~الإمام أحمد كلام الله من الله ليس ببائن منه ورد بذلك على الجهمية ~~المعتزلة وغيرهم الذين يقولون كلام الله بائن منه خلقه في بعض الأجسام ~~ومعنى قول السلف إليه يعود ما جاء في الآثار إن PageV01P020 القرآن يسري به ~~حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية وقد قال الله تعالى ~~عن المخلوق @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا @QE@ ومع ~~هذا فكلمة المخلوق لا تفارق ذاته وتنتقل إلى غيره # وما جاءت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان وغيرهم من أئمة المسلمين كالحديث الذي رواه أحمد في مسنده وكتبه إلى ~~المتوكل في رسالته التي أرسل بها إليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرخ منه يعني القرآن وفي لفظ بأحب إليه ~~مما خرج منه وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما سمع كلام مسيلمة إن هذا ~~كلام لم يخرج من إل أي من رب وقول ابن عباس لما سمع قائلا يقول لميت لما ~~وضع في لحده اللهم رب القرآن اغفر له فالتفت إليه ابن عباس فقال مه القرآن ~~كلام الله ليس بمربوب منه خرج وإليه يعود وهذا الكلام معروف عن ابن عباس # وقول السلف القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود كما استفاضت ~~الآثار عنهم بذلك كما هو مذكور عنهم ms004 في الكتب المنقولة عنهم بالأسانيد ~~المشهورة لا يدل على أن الكلام يفارق المتكلم ويتنقل إلى غيره ولكن هذا ~~دليل على أن الله هو المتكلم بالقرآن ومنه سمع لا أنه خلقه في غيره كما ~~فسره بذلك أحمد وغيره من الأئمة قال أبو بكر الأشتر سئل أحمد عن قوله ~~القرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود فقال أحمد منه خرج هو المتكلم به ~~وإليه يعود ذكره الخلال في كتاب السنة عن عبد الله بن أحمد وما جاءت به ~~الآثار مثل قول خباب بن الأرت تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه ~~بشيء أحب إليه مما خرج منه وروي ذلك مرفوعا ونحو ذلك أولى أن لا يدل على أن ~~الكلام يفارق المتكلم وينتقل إلى غيره ولكن هذا دليل على أن الله هو ~~المتكلم بالقرآن ومنه سمع لا أنه خلقه في غيره وقد بين السلف والأئمة ~~وأتباعهم فساد قول الجهمية وأتباعهم الذين يقولون كلامه مخلوق بوجوه كثيرة ~~مثل قولهم لو كان مخلوقا في غيره لكان صفة لذلك المحل PageV01P021 ولاشتق ~~لذلك المحل منه اسم كما في سائر الصفات مثل العلم والقدرة والسمع والبصر ~~والحياة وكما في الحركة والسكون والسواد والبياض وسائر الصفات التي تشترط ~~لها الحياة فإنها إذا قامت بمحل كانت صفة لذلك المحل دون غيره واشتق لذلك ~~المحل منها اسم دون غيره فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل ~~دون غيره وسمى بالاسم المشتق منها ذلك المحل دون غيره وطرد هذا عند السلف ~~وجمهور أهل الإثبات في أسماء الأفعال كالخالق والعادل وغير ذلك # وأما من لم يطرد ذلك بل زعم أنه يوصف بصفات الأفعال وهي عنده المفعولات ~~المباينة له ويشقق له منها اسم فقوله متناقض ولهذا نقضت المعتزلة قول هؤلاء ~~بما سلموه لهم وبسط هذا له موضع آخر # والمقصود هنا التنبيه على الفرق بين المتكلم والمريد وغيرهما حيث جاءت ~~النصوص باسم العليم والقدير والسميع والبصير ولم تأت باسم المريد والمتكلم ~~بما يدل على مطلق الإرادة والكلام وإنما جاءت بما ms005 يدل على الكلام المحمود ~~والإرادة المحمودة لا باسم يشترك فيه المحمود والمذموم وأن الكلام والإرادة ~~مما يقوم بالرب تعالى ويوصف به ليس ذلك أمرا منفصلا عنه كما تزعم الجهمية ~~والتنبيه على أنه لو كان كلام الله مخلوقا في محل لكان ذلك المحل هو ~~المتكلم به وكانت الشجرة مثلا هي القائلة لموسى @QB@ إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا فاعبدني @QE@ ولوجب أن يكون ما أنطق الله به بعض مخلوقاته كلاما له ~~وقد قال تعالى @QB@ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء @QE@ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عليه الحجر وقال ~~إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن وقد سبح ~~الحصى بيديه حتى سمع تسبيحه وأمثال ذلك كثير والله هو الذي أنطق هذه ~~الأجسام فلو كان ما يخلقه من النطق والكلام كلاما له لكان ذلك كلام الله ~~كما أن القرآن كلام وكان لا فرق بين أن ينطق هو وبين أن ينطق غيره من ~~PageV01P022 المخلوقات وهذا ظاهر الفساد # وكان قدماء الجهمية تنكر أن يكون الله يتكلم فإن حقيقة مذهبهم أن الله لا ~~يتكلم ولهذا قتل المسلمون أول من أظهر هذه البدعة في الإسلام الجعد ابن ~~درهم ضحى به خالد بن عبد الله القسري في يوم النحر وقال ضحوا أيها الناس ~~تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ~~ثم نزل فذبحه ثم إنهم صاروا يقولون إنه متكلم مجازا ثم أظهروا القول بأنه ~~متكلم حقيقة وفسروا ذلك بأنه خالق للكلام في غيره وكان هذا من التلبيس على ~~الناس فإن المتكلم عند الناس من قام به الكلام لا من أحدثه في غيره كما أن ~~المريد والرحيم والسميع والبصير والعالم والقادر من قامت به الإرادة ~~والرحمة والسمع والبصر والعلم والقدرة لا من أحدث ذلك في غيره وكذلك ~~الإرادة # ومن الجهمية والمعتزلة وغيرهم من يقول ms006 أنه لا إرادة له كما يقوله من ~~يقوله من المعتزلة البغداديين ومنهم من يقول له إرادة أحدثها لا في محل كما ~~يقوله البصريون منهم والشيعة المتأخرون وافقوهم على ذلك ولهم قولان ~~كالمعتزلة وهو من أفسد الأقوال من وجهين من جهة إثباتهم صفة لا في محل ومن ~~جهة إثباتهم حادثا أحدثه لا بإرادة # فهذا المصنف احترز عن مذهب هؤلاء وأحسن في ذلك ولكن هذا المصنف اختصر هذه ~~العقيدة من كتب المتكلمين الصفاتية الذين يثبتون ما ذكره من الصفات بما نبه ~~عليه من الطرق العقلية ويسمون ذلك العقليات # وأما أمر المعاد فيجعلونه كله من باب السمعيات لأنه ممكن في العقل ~~والصادق قد أخبر به وأما المعتزلة والفلاسفة والكرامية وغيرهم وكثير من أهل ~~الحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم وكثير من الصوفية وسلف الأمة ~~وأئمتها فيجعلون المعاد أيضا من العقليات ويثبتونه بالعقل ويخوض أهل ~~التأويل فيه كما خاضت الصفاتية في ذلك ولكن المصنف سلك PageV01P023 في ذلك ~~طريقة أبي عبد الله الرازي فأثبت العلم والقدرة والإرادة والحياة بالعقل ~~وأثبت السمع والبصر والكلام بالسمع ولم يثبت شيئا من الصفات الخبرية وأما ~~من قبل هؤلاء كأبي المعالي الجويني وأمثاله والقاضي أبي يعلى وأمثاله ~~فيثبتون جميع هذه الصفات بالعقل كما كان يسلكه القاضي أبو بكر ومن قبله ~~كأبي الحسن الأشعري وأبي العباس القلانسي ومن قبلهم كأبي محمد بن كلاب ~~والحارث المحاسبي وغيرهما وهكذا السلف والأئمة كالإمام أحمد بن حنبل ~~وأمثاله يثبتون هذه الصفات بالعقل كما ثبتت بالسمع وهذه الطريقة أعلى وأشرف ~~من طريقة هؤلاء المتأخرين كما سنبين إن شاء الله تعالى وأيضا قائمة ~~الصفاتية المتقدمون كابن كلاب والحارث المحاسبي والأشعري وأبي العباس ~~القلانسي وأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الطبري والقاضي أبو بكر ابن ~~الباقلاني وأبي إسحق الإسفرائيني وابي بكر بن فورك وغيرهم يثبتون الصفات ~~الخبرية التي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها وكذلك سائر ~~طوائف الإثبات كالسالمية والكرامية وغيرهم وهذا مذهب السلف والأئمة # ولا ريب أن ما أثبته هؤلاء الصفاتية ms007 من صفات الله تعالى ثابت بالشرع مع ~~العقل وهو متفق عليه بين سلف الأمة وأئمتها وإنما خصوا هذه الصفات بالذكر ~~دون غيرها لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم كما نبه عليه المصنف ولكن لا ~~يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول فلا يلزم نفي ما سوى هذه من الصفات ~~والسمع قد أثبت صفات أخرى وأيضا فإن الرازي ونحوه ممن لم يثبت السمع طريقا ~~إلى إثبات الصفات ولا نزاع بينهم أنه طريق صحيح لكن يفرقون بين ما أثبتوه ~~وبين ما توقفوا في ثبوته بأن العقل دل على أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا ~~فيه ولهم فيما لم يثبتوه طريقان منهم من نفاه ومنهم من توقف فيه فلم يحكم ~~فيه بإثبات ولا نفي وهذه طريقة محققيهم كالرازي والآمدي وغيرهما بل ومن ~~الناس من يثبت صفات أخرى بالعقل # فالذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه ~~PageV01P024 وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل فإنه قد علم بالشرع مع العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ~~ولا في صفاته ولا في أفعاله كما قال تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ وقد علم ~~بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ~~ويمتنع عليه ما يمتنع عليه فلو كان المخلوق مماثلا للخالق للزم اشتراكهما ~~فيما يجب ويجوز ويمتنع والخالق يجب وجوده وقدمه والمخلوق يستحيل وجوب وجوده ~~وقدمه بل يجب حدوثه وإمكانه فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك فكان ~~كل منهما يجب وجوده وقدمه ويمتنع وجوب وجوده وقدمه ويجب حدوثه وإمكانه ~~فيكون كل منهما واجب القدم واجب الحدوث واجب الوجود ليس واجب الوجود يمتنع ~~قدمه لا يمتنع قدمه وهذا جمع بين النقيضين # فإذا عرفت هذا فنقول إن الله سمى نفسه في القرآن بالرحمن الرحيم ms008 ووصف ~~نفسه في القرآن بالرحمة والمحبة كما قال تعالى @QB@ ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما @QE@ وقال @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء @QE@ وقال @QB@ فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ وقال @QB@ إن الله يحب المتقين @QE@ ويحب المحسنين ~~ويحب الصابرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ونحو ذلك # ومن الناس من جعل حبه ورحمته عبارة عما يخلقه من النعمة كما PageV01P025 ~~جعل بعضهم إرادته عبارة عن ما يخلقه من المخلوقات وهذا ظاهر البطلان لا ~~سيما على أصل الصفاتية ومنهم من جعل حبه ورحمته هي إرادته ونفى أن تكون له ~~صفات هي الحب والرضا والرحمة والغضب غير الإرادة # فيقال لهذا القائل لم أثبت له إرادة وإنه مريد حقيقة ونفيت حقيقة الحب ~~والرحمة ونحو ذلك فإن قال لأن اثبات هذا تشبيه لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق ~~والرب ينزه عن مثل صفات المخلوقين قيل له وكذلك يقول من ينازع في الإرادة ~~أن الإرادة المعروفة ميل الإنسان إلى ما ينفعه وما يضره والله تعالى منزه ~~عن أن يحتاج إلى عباده وهم لا يبلغون ضره ولا نفعه بل هو الغني عن خلقه ~~كلهم # فإن قلت الإرادة التي نثبتها لله ليست مثل إرادة المخلوق كما أنا قد ~~اتفقنا وسائر المسلمين على أنه حي عليم قدير وليس هو مثل سائر الأحياء ~~العلماء القادرين قال لك أهل الإثبات وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله ~~ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق فإن قلت لا أعقل من الرحمة والمحبة ~~إلا هذا قال لك النفاة ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا ومعلوم عند كل عاقل ~~أن إرادتنا ومحبتنا ورحمتنا بالنسبة إلينا كإرادته ورحمته ومحبته بالنسبة ~~إليه فلا يجوز التفريق بين المتماثلين فيثبت له إحدى الصفتين وتنفي الأخرى ~~وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق إذا كثر ما يقال إني أثبت ~~الإرادة بالعقل لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادات فيقال لك ~~انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول فهب أن مثل هذا الدليل لا ~~يثبت في الرحمة والمحبة فمن ms009 أين ذفيت ذلك ثم يقال بل السمع أثبت ذلك أيضا ~~وقد يسلك في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة فيقال ما ~~في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين وكشف الضر عن المضرورين والاحسان ~~إلى المخلوقات وأنواع الرزق والهدى والمسرات هو دليل على رحمة الخالق ~~سبحانه والقرآن يثبت دلائل الربوية بهذا الطريق تارة يدلهم بالآيات ~~PageV01P026 المخلوقة على وجود الخالق ويثبت علمه وقدرته ومشيئته وتارة ~~يدلهم بالنعم والآلاء على وجود بره وإحسانه المستلزم رحمته وهذا كثير في ~~القرآن وإن لم يكن مثل الأول أو أكثر منه ولم يكن أقل منه بكثير كقوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم @QE@ وقوله @QB@ أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض ~~الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون @QE@ وقوله في ~~سورة الرحمن بعد أن ذكر كل نوع من هذه الأنواع @QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~@QE@ وبالجملة ما ذكره في القرآن من الأمثال والآيات تارة يقرر نفس مشيئته ~~وقدرته وخلقه وتارة يقرر بها إحسانه وإنعامه ورحمته # وهذه الطريقة مستلزمة للأولى من غير عكس فإنه يلزم من وجود الإحسان ~~والرحمة وجود القدرة والمشيئة من غير عكس وقس على هذا غيره من الصفات وأمره ~~هو أيضا مما يعلم بالسمع وبالعقل أيضا كما تعلم إرادته وكما تعلم محبته ~~وهذه المسائل مبسوطة في مواضع وإنما ذكرنا في هذا الشرح ما يناسب حال هذه ~~العقيدة المختصرة المشروحة وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام الكلام في ~~محبة الله وذكرنا أن للناس في هذا الأصل العظيم ثلاثة أقوال أحدها أن الله ~~تعالى يحب ويحب كما قال تعالى @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ ~~فهو المستحق أن يكون له كما المحبة دون ما سواه وهو سبحانه يحب ما أمر به ~~ويحب عباده المؤمنين وهذا قول سلف الأمة وأئمتها وهذا قول أئمة شيوخ ~~المعرفة والقول الثاني أنه يستحق ms010 أن يحب لكنه لا يحب إلا بمعنى أن يريد ~~وهذا قول كثير من المتكلمين ومن وافقهم من الصوفية والثالث أنه لا يحب ولا ~~يحب وإنما محبة العباد له إرادتهم طاعته وهذا قول الجهمية ومن وافقهم من ~~متأخري أهل الكلام والرازي # ومما يوضح ذلك أن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من ~~PageV01P027 صفاته ليس موقوفا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة ~~بعينها فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ~~ثبوته بعقولنا ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه ~~الذين قال الله عنهم @QB@ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس ~~مؤمنا بالرسول ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوية ولا فرق عنده بين أن ~~يخبر الرسول بشيء من ذلك أولم يخبر به فإن ما أخبر به لا يقد به بل يتأوله ~~أو يفوضه وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به وإلا فلا فرق عند من سلك هذا ~~السبيل بين وجود الرسول وإخباره وبين عدم الرسول وعدم إخباره وكان ما يذكره ~~من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده وهذا قد صرح به ~~أئمة هذا الطريق # ثم الطريق النبوية فمنهم من يحيل على القياس ومنهم من يحيل على الكشف وكل ~~من الطريقتين فيها من الاضطراب والاختلاف مالا ينضبط وليست واحدة منهما ~~تحصل المقصود بدون الطريق النبوية والطريق النبوية تحصل الأيمان النافع في ~~الآخرة بدون ذلك ثم إن حصل قياس أو كشف يوافق ما أخبر به الرسول كان حسنا ~~مع أن القرآن قد نبه على الطرق الاعتبارية التي بها يستدل على مثل ما في ~~القرآن كما قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين ~~لهم أنه الحق @QE@ فأخبر أنه يري عباده عن ms011 الآيات المشهودة التي هي أدلة ~~عقلية ما يتبين أن القرآن حق # وليس لقائل أن يقول إنما خصصت هذه الصفات بالذكر لأن السمع موقوف عليها ~~دون غيرها فإن الأمر ليس كذلك لأن التصديق بالسمعيات ليس موقوفا على إثبات ~~السمع والبصر ونحو ذلك PageV01P028 $ فصل # فإن قيل إنما نفينا الرحمة والمحبة والرضا والغضب ونحو ذلك من الصفات ~~لأنه لايعقل لها حقيقة تليق بالخالق إلا الإرادة فالمحبة والرضا إرادة ~~الإحسان والغضب إرادة العقاب منه فالفرق بينهما بحسب تعلقاتها لأن هذا في ~~نفسها ليست عده قيل هذا باطل فإن نصوص الكتاب والسنة والإجماع مع الأدلة ~~العقلية تبين الفرق فإن الله سبحانه يقول @QB@ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ~~ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم @QE@ وقال تعالى @QB@ إذ يبيتون ~~ما لا يرضى من القول @QE@ فبين أنه لا يرضى هذه المحرمات مع أن كل شيء كائن ~~بسببه وقال تعالى @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ # وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام وبإجماع سلف الأمة قبل حدوث أقوال ~~النفاة من الجهمية ونحوهم إن الله يحب الإيمان والعمل الصالح ولا يحب الكفر ~~والفسوق والعصيان وإنه يرضى هذا ولا يرضى هذا والجميع بمشيئته وقدرته ~~والذين لم يفرقوا لهم تأويلات تارة يقولون لا يرضاه لعباده المؤمنين فهم ~~يقولون لا يحب الإيمان والعمل الصالح ممن لم يفعله كما لم يرده ممن لم ~~يفعله ويقولون إنه يحب الكفر والفسوق والعصيان ممن فعله كما أراده ممن فعله # وفساد هذا القول مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام مع دلالة الكتاب ~~والسنة وإجماع السلف على فساده وتأويلهم الثاني قالوا لا يرضاه دينا كما ~~يقولون لا يريده دينا ومعناه عندهم أنه لا يريد أن يثبت فاعله إذ جميع ~~الموجودات والأفعال عندهم بالنسبة إليه سواء لا يحب منها شيئا دون شيء ولا ~~يبغض منها شيئا دون شيء وقد بسط الكلام على فساد هذا القول وتناقضه في ~~مواضع PageV01P029 آخر وإنما المقصود هنا التنبيه على أن ما يجب إثباته لله ~~تعالى من الصفات ليس مقصورا على ما ذكره هؤلاء مع ms012 إثباتهم بعض صفاته بالعقل ~~وبعضها بالسمع فإن من عرف حقائق أقوال الناس وطرقهم التي دعتهم إلى تلك ~~الأقوال حصل له العلم والرحمة فعلم الحق ورحم الخلق وكان مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذه خاصة أهل السنة ~~المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم يتبعون الحق ويرحمون من خالفهم ~~باجتهاده حيث عذره الله ورسوله وأهل البدع يبتدعون بدعة باطلة ويكفرون من ~~خالفهم فيها PageV01P030 $ فصل # ومن شأن المصنفين في العقائد المختصرة على مذهب أهل السنة والجماعة أن ~~يذكروا ما تتميز به أهل السنة والجماعة عن الكفار والمبتدعين فيذكروا إثبات ~~الصفات وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعالى يرى في الآخرة خلافا ~~للجهمية من المعتزلة وغيرهم ويذكرون أن الله خالق أفعال العباد وأنه مريد ~~لجميع الكائنات وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن خلافا للقدرية من ~~المعتزلة وغيرهم ويذكرون مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وأن المؤمن ~~لا يكفر بمجرد الذنب ولا يخلد في النار خلافا للخوارج والمعتزلة ويحققون ~~القول في الإيمان ويثبتون الوعيد لأهل الكبائر مجملا خلافا للمرجئة ويذكرون ~~إمامة الخلفاء الأربعة وفضائلهم خلافا للشيعة من الرافضة وغيرهم # وأما الإيمان بما اتفق عليه المسلمون من توحيد الله تعالى والإيمان برسله ~~والإيمان باليوم الآخر فهذا لا بد منه وأما دلائل هذه المسائل ففي الكتب ~~المبسوطة الكبار وهذا المصنف لم يسلك هذا الطريق بل اشار إشارة مختصرة إلى ~~دليل ما ذكره من الأحكام ولم يستوف الأحكام التي تذكر في المعتقدات وعذره ~~في ذلك أن يقول ذكرت جمل الإقرار بالربوبية والرسالة والمعاد فذكرت صفات ~~الله الثبوتية وذكرت الرسالة وما جاءت به النبوات من الإيمان بالمعاد # وقوله إنه متكلم يناقض قول من قال القرآن مخلوق فإن حقيقة قول أولئك أنه ~~ليس بمتكلم وإثبات الإرادة عامة يتناول جميع الكائنات وإثبات القدرة ~~المطلقة تتضمن أنه خالق كل شيء بقدرته وبهذين يخرج قول المعتزلة في الكلام ~~والقدرة والمعترض عليه يقول اقتصرت على بعض الصفات دون بعض PageV01P031 فإن ~~كنت اقتصرت على ما ms013 يعلم العقل عندك فقد ذكرت السمع والبصر والكلام وأثبت ~~ذلك بالسمع وإن كنت ذكرت ما يتوقف تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فهو لا ~~يتوقف عندك على إثبات السمع والبصر والكلام لأنك أثبت ذلك بالسمع وحقيقة ~~الأمر أنك أثبت هذه الصفات السبع لأنها هي المشهورة عند المتأخرين من ~~الكلابية كأبي المعالي وأمثاله بأنها العقليات ولكن لم يثبتها جميعها ~~بالعقل بل أثبت بعضها بالسمع موافقة للرازي فلهذا لم تطرد له في ذلك طريق ~~واحد وهو قد نبه على الأدلة تنبيها يعلم به جنس ما يثبت به من الأدلة وإلا ~~فما ذكره من الأدلة لا يكفي في العلم بهذه الأحكام فإن الدليل إن لم تقرر ~~مقدماته ويجاب عما يعارضها لم يتم فكيف إذا لم تقرر مقدماته بل ولا نثبت ~~ونحن نزيد على ما ذكره وعلى وجه تقريره # فأما قوله فالدليل على وجوده الممكنات لاستحالة وجودها بنفسها واستحالة ~~وجوده بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه وافتقار الممكن ~~إلى علته فهذا الدليل مبني على مقدمتين # إحداهما أن الممكنات موجودة # والثانية أن الممكن لا يوجد إلا بواجب الوجود والمقدمة الأولى لم يقررها ~~بحال ولا يمكن أن يسلك في ذلك طريقة ابن سينا وأمثاله من المتفلسة الذين ~~قالوا نفس الوجود يشهد بوجود واجب الوجود فإن الوجود إما ممكن وإما واجب ~~والممكن مستلزم للواجب فثبت وجود الواجب على هذا التقرير فإن هذه الطريقة ~~وإن كانت صحيحة بلا ريب لكن نتيجتها إثبات وجود واجب وهذا لم ينازع فيه أحد ~~من العقلاء المعتبرين ولا هو من المطالب العالية ولا فيه إثبات الخالق ولا ~~إثبات وجود واجب أبدع السموات والأرض كما يسلمه الإلهيون من الفلاسفة ~~كأرسطو وأتباعه المشائين وإنما فيه أن الوجود وجود واجب وهذا يسلمه منكروا ~~الصانع كفرعون والدهرية المحضة من الفلاسفة والقرامطة ونحوهم ويقولون إن ~~هذا الوجود واجب الوجود PageV01P032 بنفسه وإلى هذا يؤول قول أهل الوحدة ~~القائلين بأن الوجود واحد فإنهم يقولون في آخر الأمر ماثم موجود مباين ~~للسموات والأرض وماثم غير وجود الموجود ms014 الممكن # ومصنف العقيدة أثبت الصانع بهذا الطريق فإنه لما أثبت أنه صنع الممكنات ~~أثبت علمه وقدرته فلا بد أن يثبت أولا وجود شيء ممكن ليس بواجب ليبني عليه ~~ثبوت وجود واجب مبدع لوجود ممكن ليتم ما سلكه وأما مجرد إثبات جود واجب فلا ~~يفيد هذا المطلوب فليفهم اللبيب هذا # ولا ريب أنه اختصر هذه العقيدة من كتب أبي عبد الله بن الخطيب وقد تكلمنا ~~على ما ذكره أبو عبد الله الرازي مبسوطا في مواضعه ونحن نقدر وجود الممكنات ~~ليتم ما ذكره المصنف من الدليل ويتبين أن هذا الطريق أصح في العقل وأبين ~~مما يذكر في كتب الأصول والأمهات التي اختصرت منها هذه العقيدة لكونها ~~موافقة لطريقة القرآن فإن الفاضل إذا تأمل غاية ما يذكره المتكلمون ~~والفلاسفة من الطرق العقلية وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن ~~من الطرق العقلية وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقق ما قد نبهنا على ~~بعضه في غير هذا الموضع # فنقول إنه يمكن تقريرها بما نشاهد من حدوث الحوادث فإنا نشاهد من حدوث ~~الحوادث حدوث الحيوان والنبات والمعادن وهذه الحوادث ليست ممتنعة فإن ~~الممتنع لا يوجد ولا واجبة الوجود بنفسها فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل ~~العدم وهذه كانت معدومة ثم وجدت فعدمها ينفي وجوبها ووجودها ينفي امتناعها ~~وهذا دليل قاطع واضح بين على ثبوت الممكنات لكن من سلك هذا الطريق لم يحتج ~~إلى أن يثبت إمكانها بحدوثها ثم يستدل بإمكانها على الواجب بل نفس حدوثها ~~دليل على إثبات المحدث لها فإن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من ~~العلم بأن الممكن لا بد له من واجب فتكون تلك الطريق أبين وأقصر وهذه أخفى ~~وأطول حيث يستدل بالحدوث PageV01P033 على الإمكان ثم بالإمكان على الواجب # وإن كان بعض الناس يستدل بالحوادث على المحدث فإن الحوادث لا تختص بما هي ~~عليه إلا بمخصص فإنه يجوز أن تقع على خلاف ما وقعت عليه فتخصيص أحد طرفي ~~الممكن لا بد له من مخصص ms015 فهذا الاستدلال وإن كان صحيحا فليس بمسلك سديد فإن ~~العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من هذا المحتاج إلى هاتين ~~المقدمتين اللتين هما أخفى من ذلك ومن استدل على الجلي بالخفي فإنه وإن ~~تكلم حقا فلم يسلك طريق الاستدلال فإن كل مستلزم للشيء يصلح أن يكون دليلا ~~عليه إذ يلزم من ثبوت اللزوم ثبوت اللازم والدليل وهذا من شأن الدليل فإنه ~~من ثبوته ثبوت المدلول عليه ولهذا يجب طرد الدليل ولا يجب عكسه لكن إذا كان ~~اللازم والمدلول عليه أظهر من الملزوم الذي هو الدليل كان الاستدلال ~~باللزوم على اللازم خطأ في البيان والدلالة وإن سلك المصنف في إثبات ~~الممكنات تقرير إمكان الإجسام كلها فهذا دليل طويل وفيه مقدمات متنازع فيها ~~نزاعا طويلا وكثير من الناس يقدح فيها بما لم يكن دفعه فإثبات الصانع بمثل ~~هذه المقدمات لو كانت صحيحة كان الدليل باطلا # وأما المقدمة الثانية وهي أن الممكن لا بد له من واجب فقد نبه على هذه ~~المقدمة بقوله لاستحالة وجودها بنفسها فإن الممكن هو الذي يقبل الوجود ~~والعدم كما نشاهده من المحدثات وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده ~~بنفسه كما قال تعالى @QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون @QE@ يقول ~~سبحانه أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم ومعلوم أن الشيء لا يوجد ~~نفسه فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودا بنفسه بل إن ~~حصل ما يوجده وإلا كان معدوما وكل ما أمكن وجوده بدل عن عدمه وعدمه بدل عن ~~وجوده فليس له من نفسه وجود ولا عدم وهذا بين # ومما يقرره أن ما يمكن عدمه بدلا عن وجوده لا يكون وجوده بنفسه إذ ~~PageV01P034 لو كان وجوده بنفسه لكان واجبا بنفسه ولو كان واجبا بنفسه لم ~~يقبل العدم وهو قد قبل العدم فليس موجودا بنفسه يقرر ذلك إن ما كان موجودا ~~فأما أن يكون مفتقرا في وجوده إلى غيره وإما أن لا يكون فإن كان مفتقرا ms016 في ~~وجوده إلى غيره لم يكن وجوده بنفسه بل بذلك الغير الذي هو مفتقر إليه أو به ~~وبذلك الغير فعلى التقديرين لا يكون وجوده بنفسه وإن لم يكن مفتقرا في ~~وجوده إلى غيره كان موجودا بنفسه فالموجود بنفسه لا يكون مفتقرا إلى غيره ~~والمفتقر إلى غيره لا يكون موجودا بنفسه فالموجود بنفسه الذي لا يفتقر إلى ~~غيره واجب بنفسه إذ نفسه كافية في وجوده فلا يتوقف وجوده على شيء غير إنيته ~~إن قدر أن إنيته شيء غير وجوده وإن قدر أن إنيته هي وجوده كما هو قول أهل ~~السنة كان قول القائل موجودا بنفسه أي هويته ثابتة بهويته فحيث قدرت هويته ~~لم يمكن عدمها فالموجود بنفسه لا يقبل العدم وما قبل العدم فليس موجودا ~~بنفسه فيفتقر إلى غيره فكل ممكن مفتقر إلى غيره # وهذه المقامات ثابتة في نفس الأمر ويمكن تحريرها بوجوه من الطرق ~~والعبارات والمعنى فيها واحد فتبين قول المصنف لاستحالة وجود الممكنات ~~بأنفسها # وأما قوله واستحالة وجودها بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ~~ما سواه وافتقار المعلول إلى علته فمقصوده أن يبين أن الممكنات كما لا توجد ~~بأنفسها فلا توجد بممكن آخر فيلزم أنه لا بد له من واجب بنفسه وذلك لأنها ~~لو وجدت بممكن استغنت به عما سواه لأن ذلك الممكن إن لم يكن علة تامة ~~لوجودها لم توجد به وإن كان علة تامة لوجودها استغنت به عما سواه فإن العلة ~~التامة تستلزم وجود المعلول فلا يفتقر المعلول إلى غيرها فلو وجدت الممكنات ~~بممكن لزم أن يستغني به عما سواه وذلك الممكن من جملة الممكنات والممكن ~~مفتقر إلى غيره فيلزم أن يكون مفتقرا إلى علة غير نفسه والمفتقر إلى غيره ~~لا يكون مستغنيا بنفسه فيلزم أن يكون مفتقرا إلى غيره غير PageV01P035 ~~مفتقر إلى غيره غنيا بنفسه ليس بغني بنفسه وهو جمع بين النقيضين فلو كان ~~فاعل الممكنات كلها ممكنا لزم أن يكون هذا الممكن غنيا بنفسه ليس بغني ~~بنفسه فقيرا إلى غيره غير فقير إلى ms017 غيره حيث جعل ممكنا مفتقرا وجعل معلولا ~~بعلة تامة فلا يفتقر فيلزم التناقض والأمر في هذا أوضح من هذا التطويل # وإنم سلك هذا المصنف طريقة أبي عبد الله بن الخطيب الرازي فإن هذه طرقه ~~وكان ينسج على منواله وإلا فالعلم بأن جميع الممكنات تفتقر إلى غيرها ~~كالعلم بأن هذا الممكن مفتقر إلى غيره فإن الافتقار إذا كان من جهة كونه ~~ممكنا سواء كان الإمكان دليل الافتقار أو علة الافتقار فهو يعمها كلها فأي ~~شيء قدر ممكنا كان الفقر ثابتا فيه إلى غيره فلا بد لكل ممكن من مفتقر إليه ~~كما لا بد لهذا الممكن من غير يفتقر به ومعلوم أن افتقار الشيء إلى بعض أشد ~~من افتقاره إلى نفسه فإذا كان الممكن لا يوجد بنفسه ولا يكون موجودا بنفسه ~~فكيف يكون موجودا ببعضه وكيف يتصور أن يكون مجموع الممكنات موجودة بممكن من ~~الممكنات وهي لا يكفي في وجودها مجموع الممكنات والهيئة الاجتماعية لا ~~تخرجها عن الإمكان الذي هو علة الافتقار أو دليل الافتقار وهذا بين ولله ~~الحمد PageV01P036 $ فصل # فلما قرر إثبات الصانع أخذ يثبت وحدانيته فقال والدليل على وحدته أنه لا ~~تركيب فيه بوجه وإلا لما كان واجب الوجود لذاته ضرورة افتقاره إلى ما تركب ~~منه ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان لزم وجود الاثنين بلا ~~امتياز وهو محال وهذا الدليل أخذه من كلام أبي عبد الله الرازي وقد سلك فيه ~~مسلك المتفلسفة كابن سينا وأمثاله فإن هذا هو عمدتهم فيما يدعونه من ~~التوحيد وهو حجة باطلة ومقصودهم فيما يدعونه من التوحيد وقد بين ذلك علماء ~~المسلمين كما بينه أبو حامد الغزالي في تهافت الفلاسفة وكما قد صرح الرازي ~~وغيره من هذه الطرق في مواضع أخر # وأما قوله ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان لزم وجود ~~الاثنين بلا امتياز وهو محال فطريقهم في تقرير هذا أنه لو كان اثنان واجبا ~~الوجود لكانا مشتركين في وجوب الوجود فإن كان ms018 كل منهما ممتاز عن الآخر ~~بتعينه كان كل منهما مركبا مما به الاشتراك وما به الامتياز فيكون كل منهما ~~مركبا وقد تقدم إن التركيب محال وإن لم يكن أحدهما ممتاز عن الآخر لزم وجود ~~اثنين بلا امتياز # وبهذه الحجة يثبتون إمكان الأجسام كلها لأنهم يقولون الجسم مركب إما من ~~المادة والصورة وإما من الجواهر الفردة وكل مركب ممكن فبهذه الحجة تقوم ~~الصفات وكانوا من أشد الناس تجهما لأنهم زعموا أن إثبات الصفات ينافي هذا ~~التوحيد وقد تفطن لفساد هذه الحجة من تفطن لها من الفضلاء كأبي حامد ~~الغزالي وغيره وذلك من وجوه # أحدهما أن يقال قول القائل إنه يلزم افتقاره إلى ما ركب منه وذلك ينافي ~~وجوب الوجود ممنوع لأن غاية ما فيه أن ما ركب منه جزء من أجزائه ~~PageV01P037 وقول القائل إن المركب مفتقر إلى جزئه ليس بأعظم من قوله إنه ~~مفتقر إلى كله فإن الافتقار إلى المجموع أشد من الافتقار إلى بعض المجموع ~~فالمفتقر إلى المجموع مفتقر إلى كل جزء منه والمفتقر إلى جزء منه لا يلزم ~~أن يكون مفتقرا إلى الجزء الآخر ومعلوم أن افتقاره إلى الجميع هو افتقاره ~~إلى نفسه وهو معنى قوله هو واجب بنفسه فعلم أن وجوبه بنفسه لا يوجب ~~الافتقار المنافي لوجوب الوجود # الوجه الثاني أن يقال وجوب الوجود الذي دل عليه الدليل ينفي أن يفتقر إلى ~~أن يكون مفتقرا إلى شيء خارج عن نفسه إذ لو كانت الممكنات لا بد لها من ~~وجود غير ممكن موجود بنفسه وهذا ينفي أن يفتقر إلى شيء خارج عن نفسه فلو ~~قيل إنه موجود بنفسه مستغن عن غيره وإنه مفتقر إلى غيره للزم الجمع بين ~~النقيضين فأما ما هو داخل في مسمى نفسه فليس هو شيئا خارجا عن نفسه حتى ~~يقال افتقاره إليه ينافي وجوده بنفسه # الوجه الثالث أن يقال اسم الغير فيه اصطلاحان أحدهما أن أحد الغيرين ما ~~جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر والآخر أن الغيرين ما جاز مفارقة ~~أحدهما الآخر بوجود أو ms019 إمكان أو زمان والأول اصطلاح المعتزلة والكرامية ~~والثاني اصطلاح الكلابية والأشعرية فإن قيل بالثاني فجزؤه وصفته ليس بغير ~~له فلا يكون ثبوته موجبا لافتقاره إلى غيره وإن قيل بالأول فثبوت الغير ~~بهذا التغير لا بد منه فإنه يمكن العلم بوجوده والعلم بوجوبه والعلم بانه ~~خالق والعلم بعلمه والعلم بإرادته وهم يعبرون عن ذلك بالعقل والعناية وهذه ~~المعاني أغيار على هذا الاصطلاح وثبوتها لازم لواجب الوجود وإذا كان ثبوت ~~هذه الأغيار لازما له لم يجز القول بنفيها لأن نفيها يستلزم نفي واجب ~~الوجود وعلم أن مثل هذا وإن سمي تركيبا فليس منافيا لوجوب الوجود # فإذا قيل واجب الوجود لا يفتقر إلى غيره قيل لا يفتقر إلى غير ~~PageV01P038 يجوز مفارقته له أم هو لازم لوجوده فالأول حق وأما الثاني ~~فممنوع ونبين ذلك بالوجه الرابع وهو أن يقال استعمال لفظ الافتقار في مثل ~~هذا ليس هو المعروف في اللغة والعقل فإن هذا إنما هو تلازم بمعنى أنه لا ~~يوجب المركب إلا بوجود جزء أو لا يوجد أحد الجزئين إلا بوجود الآخر أو لا ~~يوجد الجزء إلا بوجود الكل أو لا توجد الصفة إلا بوجود الموصوف أو لا يوجد ~~الموصوف إلا بوجود الصفة # ومعلوم أن الشيئين المتلازمين في الوجود لا يجب أن يكون أحدهما مفتقرا ~~إلى الآخر بل إن كان ممكنين جاز أن يكونا معلولي علة واحدة أوجبتهما من غير ~~أن يفتقر أحدهما إلى الآخر وأما الأمور المتلازمة كالأبوة والبنوة لا يجب ~~أن يكون أحدهما مفتقرا إلى الآخر فإن افتقار الشيء إلى غيره إنما يكون إذا ~~كان ذاك الغير مؤثرا في وجوده كتأثير العلة فأما المتلازمان اللذان يكون ~~وجود أحدهما مستلزم لوجود الآخر معه فإنه وإن قيل أن وجوده شرط لوجوده لكن ~~لا يلزم أن يكون مفتقرا إليه بحيث يكون علة له وإذا كان المراد بالافتقار ~~هنا التلازم فذلك لا ينافي وجوب الوجود يوضح ذلك # الوجه الخامس وهو أن يقال لا ريب إنه يمتنع أن يكون شيئان كل منها علة ~~للآخر لأن العلة متقدمة ms020 على المعلول فلو كان علة لعلته للزم تقدمه على نفسه ~~لكونه علة العلة وتأخره عن نفسه لكونه معلول العلة وذلك جمع بين النقيضين ~~ولهذا كان الدور القبلي محالا ولا يمتنع أن يكون شيئان كل منهما شرط في ~~الآخر لأن ذلك إنما يستلزم أن يكون كل منهما مع الآخر وليس ذلك يمتنع ولهذا ~~قيل الدور المعي ليس بمحال فالمركب غايته أن يكون كل من أجزائه مشروطا ~~بالجزء الآخر وأن يكون هو مشروطا بأجزائه ولا يقتضي التركيب وجود جزء قبل ~~جزء ولا وجود جزء قبل أجزائه فإذا قيل إنه مفتقر إلى جزئه كان معناه لا ~~يوجد إلا بوجود جزئه معه ويستلزم ذلك وجود جزئه ثم ذلك الجزء ليس هو علة له ~~ولا هو خارجا عن نفسه فالقول بأن وجوده يستلزم PageV01P039 وجود الجزء حق ~~والتعبير عن ذلك بأنه يقتضي أن يكون مفتقرا إلى جزئه وجزؤه غيره ليس له ~~معنى إلا ذلك وهذا لا يقتضي أنه مفتقر إلى علة ومحتاج إلى علة ولا شرط خارج ~~عن واجب الوجود ولا دور قبلي وأما ما فيه من الدور المعي فليس ذلك بمحال ~~ولا ينافي وجوب الوجود إلا أن يثبت أن مثل هذا التعدد ينافي وجوب الوجود ~~وهم لم يثبتوا أن التعدد ينافي وجوب الوجود إلا بهذا فبطل أن يكون هذا ~~دليلا على بطلان التعدد في وجوب الوجود # الوجه السادس أن يقال قول القائل واجب الوجود بنفسه هل يقتضي أن يكون ~~مفتقرا إلى نفسه أم لا يقتضي ذلك فإن افتقاره كان افتقاره إلى جزئه أولى ~~وأحرى بالالتزام فلا يكون ممتنعا وإن قيل لا يقتضيه قيل وكذلك التركيب لا ~~يقتضي أن يكون المركب مفتقرا إلى جزئه فإنه إذا كانت نفسه لا توجد إلا ~~بنفسه ولم يحسن أن يقال هو مفتقر إليها فالجميع الذي لا يوجد إلا بأجزائه ~~أولى أن لا يقال له هو مفتقر إلى واحد منها إذ المركب ليس إلا الأجزاء ~~وصورة التركيب # الوجه السابع أن يقال المعنى المعروف من لفظ التركيب أن يكون الجزءان ~~مفترقين فيركبهما ms021 جميعا مركب لأن المركب اسم مفعول ركبه مركب فهو مركب كما ~~يركب الطبيخ من أجزائه والأدوية المركبة من أجزائها وأمثال ذلك ومعلوم أن ~~المركب بهذا الاعتبار مفتقر إلى من يركبه غيره إذ لو كانت ذاته تقتضي ~~التركيب لم يجز عليه التفرق وواجب الوجود بنفسه لا يكون مفتقرا إلى شيء ~~خارج عن نفسه لأن ذلك جمع بين النقيضين ولا ريب أن مثبتة الصفات ليس فيهم ~~بل ولا في سائر فرق الأمة من يثبت هذا التركيب في حق الله تعالى ولكن ~~المتفلسفة يسمون الموصوف مركبا ويسمون الصفات أجزاء فيقولون الإنسان مركب ~~من الحيوانية والناطقية والنوع مركب من الجنس والفصل فأما أن يريدوا ~~بالحيوانية والناطقية جوهرا أو عرضا فإن أرادوا بها جوهرا وهو الحيوان ~~والناطق هما الإنسان وليس الجوهر الذي PageV01P040 هو الإنسان ولا هو غير ~~الجوهر الذي هو حيوان ناطق لكن الذهن يجرد هذه المعاني في الذهن فيتصور ~~الناطق مطلقا والحيوان مطلقا والإنسان مطلقا لكن تجريد الذهن لها لا يقتضي ~~أن يكون في الخارج ثلاثة جواهر والعلم بهذا ضروري وإن قيل إنه مركب من ~~الحيوانية والناطقية وهما عرضان فالعرض لا يقوم إلا بالجوهر والحيوانية ~~والناطقية صفة الإنسان فكيف يكون الجوهر مركبا من صفاته وصفاته لا قيام لها ~~إلا به وهي مفتقرة إليه # وإذا قالوا لو سمينا هذا تركيبا لم ننازع في الألفاظ نزاعا لا فائدة فيه ~~نقول كل موجود فلا بد أن يكون مركبا بهذا الاعتبار فإن وجود ذات عارية عن ~~جميع الصفات ممتنع ووجود موجود مطلق لا يتعين ولا له حقيقة يختص بها عن ~~سائر الحقائق ممتنع وكل ما اختص وتميز عن غيره فلا بد له من خاصة وفد بسطنا ~~هذا في غير هذا الموضع ولسنا محتاجين هنا إلى إثبات وجوب مثل هذا بل يكفي ~~أن نقول لا نسلم امتناع مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا وكثير من ~~المتكلمين لا يسمون الاتصاف تركيبا بل يسمون التقدير تركيبا لأن المقدر ~~مركب من الأجزاء الفردة أو من المادة والصورة وهذا أيضا فيه نزاع فطوائف ms022 من ~~أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية يقولون ليس بمركب بحال ~~ومن قال إنه مركب قال لا يمكن وجود أجزائه وحينئذ فيقال لهم كما قيل ~~للمتفلسفة وهم يسمون نفي مثل هذا التركيب توحيدا ويدخلون في ذلك نفي الصفات ~~فيجعلون نفي علم الله وقدرته وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته من ~~التوحيد ويسمون أنفسهم الموحدين كما يدعي المعتزلة إنهم أهل التوحيد والعدل ~~ويعنون بالتوحيد نفي الصفات # ولما كان أبو عبد الله محمد بن التومرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات ~~لقب أصحابه بالموحدين وقد صرح في كتابه الكبير بنفي الصفات ولهذا لم يذكر ~~في مرشدته شيئا من الصفات الثبوتية لا علم الله ولا قدرته ولا كلامه ولا ~~شيئا من صفاته الثبوتية وإنما ذكر السلوب PageV01P041 والتوحيد الذي بعث ~~الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه هو عبادة الله وحده لا ~~شريك له وهو توحيد ألوهيته المتضمن توحيد ربوبيته كما قال تعالى @QB@ ~~وإلهكم إله واحد @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله ~~واحد فإياي فارهبون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من ~~حقت عليه الضلالة @QE@ والمشركون كانوا يقرون بأن رب العالمين واحد لكن ~~كانوا يعبدون معه غيره كما قال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ~~قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم ~~تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QE@ # ونحن نوجه ذلك بعد ذكر حجته ووجه نظمها أن يقال واجب الوجود لا تركيب فيه ~~وما لا تركيب فيه فهو واحد فواجب الوجود واحد وإنما ms023 قلنا لا تركيب لأن ~~المركب مفتقر إلى ما تركب منه وما تركب منه غيره وواجب الوجود لا يفتقر إلى ~~غيره فواجب الوجود لا تركيب فيه وهذا معنى قوله الدليل على وحدته أنه لا ~~تركيب فيه بوجه وإلا لما كان واجب الوجود لذاته أي لو كان فيه تركيب بوجه ~~لما كان واجب الوجود لذاته ثم قال ضرورة افتقاره إلى ما تركب منه كان مركبا ~~للزم ضرورة أن يفتقر إلى ما ركب منه ثم إنه خذف تمام الحجة وهو إذا افتقر ~~إلى ما تركب منه كان مفتقرا إلى غيره وواجب الوجود لا يفتقر إلى غيره # وأما قوله ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان اثنان ~~PageV01P042 واجب الوجود فإن كان بينهما امتياز لزم تركيبهما مما به ~~الاشتراك وما به الامتياز وإلا لزم عدم التعيين فيقال الجواب عن ذلك من ~~طريقين # أحدهما أنهما إذا اشتركا في وجوب الوجود وامتاز كل منهما بتعينه فمعلوم ~~أن وجوب أحدهما ليس هو عين وجوب الآخر كما أن عينه ليست عينه بل هذا واجب ~~وهذا واجب كما أن هذا عين وهذا عين واشتراكهما في وجوب الوجود المطلق ~~كاشتراكهما في التعيين المطلق والمطلق إنما يكون مطلقا في الأذهان لا في ~~الأعيان فعين هذا واجبة وجوبا يخصها وعين هذا واجبة وجوبا يخصها والذهن ~~يجرد وجوبا مطلقا وتعينا مطلقا وإذا كان كذلك بطل قول القائل إن كلا منهما ~~مركب مما به الاشتراك وما به الامتياز الامتياز بل ما به الاشتراك وهو ~~الوجوب مثل ما به الامتياز وهو التعيين وهذه الحجة كثيرة في كلامهم والغلط ~~فيها واقع لا حيلة فيه وإنما نشأ الغلط حيث أخذوا في الوجوب ما يشتركان فيه ~~وفي التعيين ما يخص وهذا يمكن معارضته بمثله بأن يقال هما مشتركان في ~~التعيين إذ هذا معين وهذا معين ويمتاز كل منهما بوجوبه إذ لكل منهما وجوب ~~يخصصه وإذا أمكن العكس تبين أن ما فعلوه تحكم محض # الطريق الثاني أن يقال هب أن هذا تركب مما به الاشتراك ms024 والامتياز لكن ~~دليله على نفي مثل هذا التركيب باطل كما تقدم PageV01P043 $ فصل # وأما قوله والدليل على علمه إيجاده الأشياء لاستحالة إيجاده للأشياء مع ~~الجهل فهذا الدليل مشهور عند نظار المسلمين أولهم وآخرهم والقرآن قد دل ~~عليه كما في قوله تعالى @QB@ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ ~~والمتفلسفة أيضا سلكوه وبيانه من وجوه # أحدها أن إيجاده للاشياء هو بإرادته كما سيأتي والإرادة تستلزم تصور ~~المراد قطعا وتصور المراد هو العلم فكان الإيجاد مستلزما للإرادة والإرادة ~~مستلزمة للعلم فالإيجاد مستلزم للعلم # الثاني إن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها ~~لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير عالم وبهذين الطريقين يتقرر ما ~~ذكره ولهم طرق منها أن من المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال ويمتنع أن ~~لا يكون الخالق عالما وهذا له طريقان # أحدهما أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق وأن الواجب ~~أكمل من الممكن ونعلم ضرورة أنا إذا فرضنا شيئين أحدهما عالم والآخر غير ~~عالم كان العالم أكمل منه فإذا لم يكن الخالق سبحانه عالم يلزم أن يكون غير ~~عالم أي جاهلا وهو ممتنع # الثاني أن يقال كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منهم ومن ~~الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عاري منه بل هو أحق والله سبحانه وله ~~المثل الأعلى لا يستوي هو والمخلوق لا في قياس تمثيل ولا قياس شمول بل كل ~~ما أثبت لمخلوق فالخالق به أحق وكل نقص تنزه عنه مخلوق فتنزيه الخالق عنه ~~أولى PageV01P044 $ فصل # وأما قوله والدليل على قدرته إيجاده الأشياء وهي إما بالذات وهو محال ~~وإلا لكان العالم وكل واحد من مخلوقاته قديما وهو باطل فتعين أن يكون فاعلا ~~بالاختيار وهو المطلوب فقد يقال هذا إنما أثبت به أنه فاعل بالاختيار وإن ~~كان لم يقرر مقدمات دليله وفعله بالاختيار يثبت الإرادة ولا يثبت القدرة ~~وهو قد أثبت الإرادة فيما بعد فظاهر هذا أنه كرر دليل الإرادة ولم يذكر على ~~القدرة دليلا لكن ms025 تقرير ذلك أن يقال إنه إما أن يكون المبدع للأشياء مجرد ~~ذات عارية عن الصفات يستلزم وجوده المفعول كما يقوله المتفلسفة القائلون ~~بقدم الأفلاك وإما أن يكون ذاتا موصوفة بالصفات لا يجب معها وجود المخلوقات ~~كما عليه أهل الملل # وإذا اردت التقسيم الحاضر قلت الفاعل إما مجرد الذات وإما الذات بصفة فإن ~~كان الأول فمعلوم أن العلة التامة تستلزم وجود المعلول فإذا كان مجرد الذات ~~هو الواجب فمجرد الذات علة تامة فيلزم وجود المعلول جميعه ويلزم قدم جميع ~~الحوادث وهو خلاف المشاهدة وإن كان الثاني فالصفة التي يصلح بها الفعل هي ~~القدرة أو يقال فإذا لم يكن موجبا لذاته بل بصفة تعين أن يكون مختارا فإنه ~~إما موجب بالذات وإما فاعل بالاختيار والمختار إنما يفعل بالقدرة إذ القادر ~~هو الذي إن شاء فعل وإن لم يفعل فأما من يلزمه المفعول بدون إرادته فهذا ~~ليس بقادر بل ملزوم بمنزلة الذي تلزمه الحركات الطبيعية التي لا قدرة له ~~على فعلها ولا تركها PageV01P045 $ فصل # وأما قوله والدليل على أنه حي علمه وقدرته لاستحالة قيام العلم والقدرة ~~بغير الحي فهذا دليل مشهور للنظار يقولون قد علم أن من شرط العلم والقدرة ~~الحياة فإن ما ليس بحي يمتنع أن يكون عالما إذ الميت لا يكون عالما والعلم ~~بهذا ضروري # وقد يقولون هذه الشروط العقلية لا تختلف شاهدا ولا غائبا فتقدير عالم لا ~~حياة به ممتنع بصريح العقل # وكذلك قوله والدليل على إرادته تخصيصه الأشياء بخصوصياته واستحالة المخصص ~~من غير مخصص فإن هذا الدليل مشهور للنظار ويقرر هكذا أن العالم فيه تخصيصات ~~كثيرة مثل تخصيص كل شيء بماله من القدر والصفات والحركات كطوله وقصره وطعمه ~~ولونه وريحه وحياته وقدرته وعلمه وسمعه وبصره وسائر ما فيه مع العلم ~~الضروري بأنه من الممكن أن يكون خلاف ذلك إذ ليس واجب الوجود بنفسه ومعلوم ~~أن الذات المجردة التي لا إرادة لها لا تخصص وإنما يكون التخصيص بالإرادة ~~ولو قيل التخصيص هو باسباب معلومة كالأرض والأشجار تكون مختلفة فإذا سقيت ms026 ~~بماء واحد اختلف ثمارها لاختلاف القوابل كما أن الشمس تختلف آثارها بحسب ~~القوافل كما تبيض الثوب وتسود وجه القصار وتلين اليابس الذي لم ينضج بما ~~تجذبه إليه من الرطوبة وتجفف الرطب الذي كمل نضجه لانقطاع الرطوبة عنه # قيل هب أن الأمر كذلك فما الموجب لاختلاف القوابل حتى خصت هذه الشجرة ~~وهذا الجسم بسبب آخر فلا بد أن ينتهي الأمر إلى سبب لا سبب فوقه فإن قيل هو ~~شيء صدر عنه كما تقول المتفلسفة لا يصدر عن الواحد إلا واحد PageV01P046 ~~والصادر الأول هو العقل وصدر عن العقل عقل ونفس وفلك فهذا باطل لأنه إن كان ~~الصادر الأول واحدا من كل وجه لم يصدر عنه أيضا إلا واحد وإن كان فيه كثرة ~~فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد وإن قيل الكثرة عدمية لزم أن يصدر عن العدم ~~وجود ثم يقال الفلك الثامن كثير الكواكب دون التاسع فما الموجب لكثرة ~~كواكبه ثم قيل السبب الأول إن كان فيه اختصاص بصفة وقدر كان تخصيصه ~~بالإرادة لأن التخصيص بذات الإرادة لها ممتنع بصريح العقل وإن قيل ليس له ~~اختصاص بصفة وقدر قيل هذا يقتضي أن يكون وجودا مطلقا والمطلق لا يكون إلا ~~في الأذهان لا في الأعيان PageV01P047 $ فصل # كثير من النظار كابن كلاب وموافقيه كالأشعري وأكثر متبعيه من أهل الكلام ~~والرأي والحديث والتصوف من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم كالقاضي أبي يعلى ~~وأبي المعالي الجويني وأبي الوليد الباجي وأبي منصور الماتريدي وغيرهم ~~نقولون إنه يعلم المعلومات كلها بعلم واحد بالعين ويريد المرادات كلها ~~بإرادة واحدة بالعين بل يقولون إن كلامه الذي يتضمن كل أمر أمر به وكل خبر ~~أخبر به هو أيضا واحد بالعين وإن كان جمهور العقلاء يقولون إن فساد هذا ~~معلوم بالضرورة بعد التصور التام ثم تنازع القائلون بهذا الأصل هل كلامه ~~معنى فقط والقرآن العربي لم يتكلم به ولا بالتوراة العبرانية ولا تكلم بشيء ~~من الحروف أو الحروف والأصوات التي نزل بها القرآن وغيره وهي قديمة أزلية ~~على قولين # ومن القائلين بقدم ms027 أعيان الحروف أو الحروف والأصوات من لا يقول هي واحدة ~~بالعين بل يقول هي متعددة وإن كانت لا نهاية لها ويقول ثبوت حروف أو حروف ~~معان لا نهاية لها في آن واحد وإنها لم تزل ولا تزال ومن القائلين بقدم ~~معنى الكلام وأنه لم يتكلم بحروف من يقول القديم خمسة معان ومنهم من يقول ~~ذلك المعنى يعود إلى الخبر ويجعل الأمر داخلا في معنى الخبر ومنهم من يرد ~~الخبر إلى العلم ومنهم من يقول مع ذلك إن العلم ليس صفة قائمة بالعلم # وأما أقوال السلف وعلماء الإسلام في هذا الأصل وما في ذلك من نصوص الكتاب ~~والسنة فهذا أعظم من أن يسعه هذا الشرح ومن كتب التفسير المنقولة عن السلف ~~مثل تفسير عبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وبقي بن ~~مخلد وعبد الرحمن بن إبراهيم وعبد PageV01P048 الرحمن بن أبي حاتم ومحمد بن ~~جرير الطبري وأبي بكر بن المنذر وأبي بكر بن عبد العزيز وأبي الشيخ ~~الأصفهاني وأبي بكر بن مردويه وغيرهم من ذلك ما تطول حكايته وكذلك الكتب ~~المصنفة في السنة والرد على الجهمية وأصول الدين المنقولة عن السلف مثل ~~كتاب الرد على الجهمية لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري وكتاب خلق ~~الأفعال للبخاري وكتاب السنة لأبي داود السجستاني ولأبي بكر الأثرم ولعبد ~~الله بن أحمد بن حنبل ولحنبل بن إسحاق ولأبي بكر الخلال ولأبي الشيخ ~~الأصفهاني ولأبي القاسم الطبراني ولأبي عبد الله بن منده وأمثالهم وكتاب ~~الشريعة لأبي بكر الآجري والإبان لأبي عبد الله بن بطة وكتاب الأصول لأبي ~~عمر الطلمنكي وكتاب رد عثمان بن سعيد الدارمي وكتاب الرد على الجهمية له ~~وأضعاف هذه الكتب وذلك مثل ما ذكره الخلال وغيره عن إسحاق بن راهويه حدثنا ~~بشر بن عمر قال سمعت غير واحد من المفسرين يقول الرحمن على العرش استوى أي ~~ارتفع # وقال البخاري في صحيحه قال أبو العالية استوى إلى السماء ارتفع وقال ~~مجاهد استوى علا على العرش وقال البغوي في تفسيره ms028 قال ابن عباس وأكثر مفسري ~~السلف استوى إلى السماء ارتفع إلى السماء وكذلك قال الخليل بن أحمد وروى ~~البيهقي عن الفراء استوى أي صعد وهو كقول الرجل كان قاعدا فاستوى قائما # وروى الشافعي في مسنده عن أنس بن مالك أنه قال عن يوم الجمعة وهو اليوم ~~الذي استوى فيه ربكم على العرش وروى أبو بكر الأثرم عن الفضيل بن عياض قال ~~ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف لأن الله وصف فأبلغ فقال @QB@ قل هو ~~الله أحد الله الصمد @QE@ فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه ومثل هذا النزول ~~والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما شاء أن ينزل وكما شاء أن يضحك فليس ~~لنا أن نتوهم أن ينزل عن مكانه كيف وكيف وإذا PageV01P049 قال لك الجهمي ~~أنا كفرت برب ينزل فقل أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء # وقال البخاري في كتاب خلق الأفعال والفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي أنا ~~أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء قال البخاري وحدث ~~يزيد بن هارون عن الجهمية فقال من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ~~ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي وروى الخلال عن سليمان بن حرب أنه سأل بشر ~~بن السري حماد بن زيد فقال يا أبا إسماعيل الحديث ينزل الله إلى السماء ~~الدنيا أيتحول من مكان إلى مكان فسكت حماد بن زيد ثم قال هو في مكانه يقرب ~~من خلقه كيف شاء وهذا نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة والحديث ~~فقال ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذون ~~بالكتاب والسنة كما قال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول @QE@ ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين ولا يحدثون في دينهم ما لم ~~يأذن به الله ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال @QB@ وجاء ربك ~~والملك صفا صفا @QE@ وإن الله يقرب من خلقه كما يشاء كما قال @QB@ ونحن ~~أقرب إليه من ms029 حبل الوريد @QE@ # ثم قال الأشعري وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب # وقال أبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة في ~~السنة قال ويثبت أهل الحديث نزول الرب سبحانه في كل ليلة إلى السماء الدنيا ~~من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون له ما ~~أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر ~~الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى الله وكذلك يثبتون ما أنزل ~~الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة وقوله عز ~~وجل @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ # وقال سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا زكريا يحيى بن ~~PageV01P050 محمد العنبري يقول سمعت إبراهيم بن أبي طالب سمعت أحمد بن سعيد ~~الرباطي يقول حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق بن ~~إبراهيم يعني ابن راهويه فسئل عن حديث النزول صحيح هو فقال نعم فقال بعض ~~قواد عبد الله يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال نعم قال كيف ~~ينزل قال أثبته فوق حتى أصف لك النزول فقال الرجل أثبته فوق فقال إسحاق قال ~~الله تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ فقال له الأمير عبد الله بن ~~طاهر يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال إسحاق أعز الله الأمير من يجيء يوم ~~القيامة من يمنعه اليوم وروى بإسناده عن إسحاق قال قال لي الأمير عبد الله ~~بن طاهر يا أبا يعقوب يعقوب هذا الحديث الذي تروونه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل قال قلت أعز الله ~~الأمير لا يقال لأمر الرب كيف ينزل إنما ينزل بلا كيف # وبإسناده أيضا عن عبد الله بن المبارك أنه سأله سائل عن النزول ليلة ~~النصف من شعبان فقال عبد الله يا ضعيف ليلة النصف أي وحدها هو ينزل في كل ~~ليلة فقال الرجل يا أبا عبد الرحمن ms030 كيف ينزل ألم يخل ذلك المكان فقال عبد ~~الله بن المبارك ينزل كيف شاء قال أبو عثمان النيسابوري فلما صح خبر النزول ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أقر به أهل السنة وقبلوا الحديث وأثبتوا ~~النزول على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعتقدوا تشبيها له ~~بنزول خلقه وعلموا وعرفوا واعتقدوا وتحققوا أن صفات الرب لا تشبه صفات ~~الخلق كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق سبحانه وتعالى عما يقول المشبهة ~~والمعطلة علوا كبيرا # وروى البيهقي بإسناده عن إسحاق بن راهوايه قال جمعني وهذا المبتدع يعني ~~ابن صالح مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول ~~فثبتها فقال إبراهيم كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء فقلت آمنت برب يفعل ما ~~يشاء فرضي عبد الله كلامي وأنكر على إبراهيم وقال حرب بن إسماعيل الكرماني ~~في كتابه المصنف في مسائل أحمد وإسحاق مع ما ذكر فيها PageV01P051 من ~~الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم قال # باب القول في المذهب هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر المعروفين بها ~~المقتدى بهم فيها وأدركت من علماء العراق والحجاز والشام عليها فمن خالف ~~شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة ~~زائل عن سبيل السنة ومنهج الحق وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن ~~مخلد وعبد الله ابن الزبير الحميدي وسعيد ابن منصور وغيرهم ممن جالسنا ~~وأخذنا عنهم العلم # وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من أشراط الساعة وأمر البرزخ وغير ذلك إلى أن قال وهو ~~سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان ولله عرش وللعرش حملة يحملونه ~~وله حد الله أعلم بحده والله تعالى على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله ~~غيره والله تعالى سميع لا يشك بصير لا يرتاب عليم لا يجهل جواد لا يبخل ~~حليم لا يعجل حفيظ لا ينسى يقظان لا ms031 يسهو رقيب لا يغفل يتكلم ويتحرك ويسمع ~~ويبصر وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويسخط ويغضب ويرحم ويعفو ~~ويغفر ويعطي ويمنع ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء متكلما عالما ~~تبارك الله أحسن الخالقين # وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة قال أخبرني به يوسف بن موسى أن أبا ~~عبد الله يعني أحمد بن حنبل قيل له أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ويكلمونه ~~ويكلمهم قال نعم ينظر إليهم وينظرون إليه ويكلمهم ويكلمونه كيف شاء وإذا ~~شاء وقال أيضا أخبرني عن عبد الله بن حنبل أخبرني أبي حنبل ابن إسحاق قال ~~قال عمي نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء قال الخلال وأخبرني ~~علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال قلت لأبي عبد الله الله يكلم عبده يوم ~~القيامة قال نعم فمن يقضي بين الخلائق إلا الله عز وجل يكلم عبده ويسأله ~~الله متكلم لم يزل الله متكلما يأمر بما شاء ويحكم بما شاء وليس ~~PageV01P052 له عدل ولا مثل كيف شاء وأين شاء قال الخلال وأن محمد ابن علي ~~بن بحر أن يعقوب بن بحتان حدثهم أن أبا عبد الله سئل عمن زعم أن الله لم ~~يتكلم بصوت قال بلى تكلم بصوت وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها لكل حديث وجه ~~يريدون أن يموهوا على الناس إن من زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر # وأخبرنا المروزي سمعت أبا عبد الله وقيل له أن عبد الوهاب قد تكلم وقال ~~من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام فتبسم أبو ~~عبد وقال ما أحسن ما قال عافاه الله وعن عبد الله بن أحمد أيضا سألت أبي عن ~~قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت فقال أبي بل تكلم تبارك وتعالى ~~بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت وحديث ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي ~~سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان قال أبي والجهمية تنكره قال أبي وهؤلاء ~~كفار يريدون ms032 أن يموهوا على الناس إن من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر # قلت قد بين الإمام أحمد وغيره من السلف أن الصوت الذي تكلم الله تعالى به ~~ليس هو الصوت المسموع وسئل أحمد عن قوله صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم ~~يتغن بالقرآن قال هو الرجل يرفع صوته به هذا معناه وقال في قوله صلى الله ~~عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم يحسنه بصوته وقال البخاري في كتاب خلق ~~الأفعال ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ينادي بصوت يسمعه من ~~بعد كما يسمعه من قرب وليس هذا لغير الله قال البخاري وفي هذا دليل على أن ~~صوت الله لا يشبه أصوات الخلق لأن صوت الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ~~وأن الملائكة يصعقون من صوته فإذا ينادي الملائكة لم يصعقوا قال تعالى @QB@ ~~فلا تجعلوا لله أندادا @QE@ فليس لصفة الله ند ولا مثل ولا يوجد شيء من ~~صفاته في المخلوقين # ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن أنيس قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا ~~الملك PageV01P053 الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وواحد ~~من أهل النار يطلبه بمظلمة وذكر الحديث الذي رواه أيضا في صحيحه في هذا ~~المعنى في قوله @QB@ حتى إذا فزع عن قلوبهم @QE@ الآية عن أبي سعيد قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله يوم القيامة يا آدم فيقول لبيك ~~وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار قال يا ~~رب ما بعث النار قال من كل ألف أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعون فحينئذ تضع ~~الحامل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد # وذكر البخاري حديث ابن مسعود الذي استشهد به أحمد وذكر الحديث الذي رواه ~~في صحيحه عن عكرمة قال سمعت أبا هريرة يقول أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ms033 ~~قال إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ~~كأنه سلسلة على صفوان @QB@ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ~~قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ وذكر البخاري حديث ابن عباس المعروف من ~~حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن نفر من الأنصار وقد رواه أحمد ~~ومسلم في صحيحه وساقه البخاري من طريق ابن إسحاق عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لهم ما تقولون في هذه النجوم التي يرمى بها قالوا كنا نقول ~~حين رأيناها يرمي بها مات ملك ولد مولود فقال رسول الله ليس ذلك كذلك ولكن ~~إذا قضى الله في خلقه أمرا يسمعه حملة العرش فيسبحون فيسبح من تحتهم ~~بتسبيحهم فيسبح من تحت ذلك فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء ~~الدنيا حتى يقول بعضهم لبعض لم سبحتم فيقولون سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم ~~فيقولون ألا تسألون من فوقكم لم سبحتم فيسألونهم فيقولون قضى الله في خلقه ~~كذا وكذا الأمر الذي كان يهبط الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء ~~الدنيا فيتحدثون به فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم منهم واختلاف ثم ~~يأتون به PageV01P054 الكهان من أهل الأرض فيحدثهم فيخطئون ويصيبون فيحدث ~~به الكهان # قال البخاري ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس يخلق وأن العرب لا ~~تعرف الحي من الميت إلا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل ~~فهو ميت وأن أفعال العباد مخلوقة فضيق عليه حتى مضى لسبيله وتوجع أهل العلم ~~لما نزل به # قال البخاري وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس ~~بمارق ولا مبتدع وقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين ومما ~~يجب الإيمان به التصديق بأن الله متكلم وأن كلامه قديم وأنه لم يزل متكلما ~~في كل أوقاته موصوفا بذلك وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة قال وقد علم ~~أن المذهب أن كون الكلام صفة ومتكلما ms034 به ولم يزل موصوفا بذلك ومتكلما إذا ~~شاء وبما شاء ولا نقول إنه ساكت في حال ومتكلم في حال من حيث حدوث الكلام ~~قال ولا خلاف عن أبي عبد الله يعني يعنى أحمد بن حنبل أن الله لم يزل ~~متكلما قبل أن يخلق الخلق وقبل كل الكائنات وأن الله كان فيما لم يزل ~~متكلما كيف شاء وكما شاء إذا شاء أنزل كلامه وإذا شاء لم ينزله فقد ذكر ابن ~~حامد أنه لا خلاف في مذهب أحمد أنه سبحانه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء ~~ثم ذكر قولين هل هو متكلم دائما بمشيئته أو أنه لم يزل موصوفا بذلك متكلما ~~إذا شاء وساكتا إذا شاء لا بمعنى أنه يتكلم بعد أن لم يزل ساكتا فيكون ~~كلامه حادثا كما يقول الكرامية فإن قول الكرامية في الكلام لم يقل به أحد ~~من أصحاب أحمد وكذلك ذكر القولين أبو بكر عبد العزيز في أول كتابه الكبير ~~المسمى بالمقنع # وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب إيضاح البيان في مسألة القرآن ~~قال أبو بكر لما سألوه إنكم إذا قلتم لم يزل متكلما كان ذلك عبثا فقال ~~لأصحابنا قولان أحدهما أنه لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس كما ~~أن ضد العلم الجهل قال ومن أصحابنا من قال أثبت لنفسه أنه PageV01P055 خالق ~~ولم يجز أن يكون خالقا في كل حال بل قلنا إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق ~~وإن لم يكن خالقا في كل حال ولم يبطل أن يكون خالقا كذلك وإن لم يكن متكلما ~~في كل حال # لم يبطل أن يكون متكلما بل هو متكلم خالق وإن لم يكن خالقا في كل حال ولا ~~متكلما في كل حال قال القاضي أبو يعلى في هذا الكتاب نقول إنه لم يزل ~~متكلما وليس بمتكلم ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه نص عليه أحمد في رواية حنبل ~~فقال لم يزل الله متكلما عالما غفورا قال وقال في رواية عبد الله لم يزل ~~الله ms035 متكلما إذا شاء وقال حنبل في موضع آخر سمعت أبا عبد الله يقول لم يزل ~~الله متكلما والقرآن كلام الله غير مخلوق قلت أحمد أخبر بدوام كلامه سبحانه ~~ولم يخبر بدوام تكلمه بالقرآن بل قال والقرآن كلام الله غير مخلوق # قال القاضي قال أحمد في الجزء الذي رد فيه على الجهمية والزنادقة وكذلك ~~الله يتكلم كيف شاء من غير أن نقول من جوف ولا فم ولا شفتين وقال بعد ذلك ~~بل نقول أن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق ~~وقال أبو إسماعيل الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام في مناقب الإمام أحمد لما ~~ذكر كلامه في مسألة القرآن وترتيب حدوث البدع قال وجاءت طائفة فقالت لا ~~يتكلم بعد ما تكلم فيكون كلامه حادثا قال وهذه أغلوطة أخرى في الدين غير ~~واحدة فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة وكانت نيسابور دار الآثار تمد إليها ~~وتشد إليها الركائب ويجلب منها العلم فابن خزيمة في بيت ومحمد بن اسحاق ~~يعنى السراج في بيت وأبو حامد ابن الشرقي في بيت قال فطار لتلك الفتنة ~~الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها وينصف في ردها كأنه منذر جيش حتى دون ~~في الدفاتر وتمكن في السرائر وتفسير في الكتاتيب ونقش في المحاريب أن الله ~~متكلم إن شاء تكلم وإن شاء سكت قال فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر على ~~نصر دينه وتوقير نبيه خيرا PageV01P056 # قلت لفظ السكون يراد به السكوت عن شيء خاص وهذا مما جاءت به الآثار كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا ~~تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها والحديث المعروف ~~عن سليمان مرفوعا وموقوفا الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه ~~الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه والعلماء يقولون مفهوم الموافقة ~~أن يكون الحكم في السكوت عنه أولى منه في المنطوق به ومفهوم المخالفة أن ~~يكون الحكم في ms036 السكوت مخالفا للحكم في المنطوق به أما السكوت المنطوق به ~~فهذا هو الذي ذكروا فيه القولين والقاضي أبو يعلى وموافقوه على أصل ابن ~~كلاب يتأولون كلام أحمد والآثار في ذلك بأن سكوت عن الأسماع لا عن التكليم # وكذلك تأول ابن عقيل كلام أبي إسماعيل الأنصاري وليس مرادهم ذلك كما هو ~~بين لمن تدبر كلامهم مع أن الأسماع على أصل النفاة إنما هو خلق إدراك في ~~السماع ليس سببا يقوم بالمتكلم فكيف يوصف بالسكوت لكونه لم يخلق إدراكا ~~لغيره فأصل ابن كلاب الذي وافقه عليه القاضي وابن عقيل وابن الزاغوني ~~وغيرهم أنه منزه عن السكوت مطلقا فلا يجوز عندهم أن يسكت عن شيء من الأشياء ~~إذ كلامه صفة قديمة لازمة لذاته لا تتعلق عندهم بمشيئته كالحياة حتى يقال ~~إن شاء تكلم بكذا وإن شاء سكت عنه # ولا يجوز عندهم أن يقال إن الله سكت عن شيء كما جاءت به الآثار بل ~~يتأولونه على عدم خلق الإدراك منزه عن الخرس باتفاق الأمة هذا مما احتجوا ~~به على قدم الكلام وقالوا لو لم يكن متكلما للزم اتصافه بضده كالسكوت ~~والخرس وذلك ممتنع عندهم سواء قيل هو سكوت مطلق أو سكوت عن شيء معين وقال ~~أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في ~~الأصول عن الأئمة الفحول وذكر اثني عشر إماما الشافعي ومالك وسفيان الثوري ~~وأحمد بن حنبل وسفيان بن PageV01P057 عيينة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه ~~والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم قال فيه سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد ~~يقول سمعت الإمام أبا بكر عبيد الله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد ~~الإسفرائيني يقول مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله تعالى ~~والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا فما بين الدفتين وما في صدورنا ~~مسموعا ومكتوبا ms037 ومحفوظا ومنقوشا كل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله ~~غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين # قال أبو الحسن وكان الشيخ أبو حامد شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب ~~الكلام وقال ولم تزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينتسبوا إلى ~~الأشعري ويتبرءون مما بنى مذهبه عليه وينهون أصحابهم وأحبابهم من الحوم ~~حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد ~~الساجي يقولون سمعنا جماعة من المشايخ الثقاة قالوا كان الشيخ أبو حامد ~~أحمد بن طاهر الإسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا إذا سعى ~~إلى الجمعة من قطعية الكرخ إلى الجامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالروزي ~~المحازي للجامع ويقبل على من حضر ويقول اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق كما قال أحمد بن حنبل لا كما يقول الباقلاني ويتكرر ذلك منه ~~فيقبل له في ذلك فقال حتى تنتشر في الناس وفي أهل البلاد ويشيع الخبر في ~~أهل البلاد أني بريء مما هم عليه يعني الأشعرية وبريء من مذهب أبي بكر ~~الباقلاني فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ~~ويقرءون عليه فيعتنون بمذهبه فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة ~~فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته ~~PageV01P058 # قال وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن العجلي سمعت عدة من المشايخ ~~والأئمة ببغداد أظن أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا كان أبو بكر الباقلاني ~~يخرج إلى الحمام مبرقعا خوفا من الشيخ أبي حامد الإسفرائيني والكلام على ما ~~وقع من إنكار أبي حامد وغيره من أئمة الإسلام على القاضي أبي بكر مع جلالة ~~قدره وكثرة رده على أهل الإلحاد والبدع بسبب هذا الأصل الذي بنى عليه مذهبه ~~طويل ولبسطه موضع آخر # وإنما المقصود هنا التنبيه على بعض من أثبت هذا الأصل ولم يوافق على ~~النفاة والحارث المحاسبي قد ذكر القولين عن أهل السنة المثبتين الصفات ~~والقدر فقال في كتاب فهم القرآن لما ms038 تكلم على مالا يدخل فيه النسخ وما يدخل ~~فيه النسخ وما يظن أنه متعارض من الآيات وذكر عن أهل السنة في الإرادة ~~والسمع والبصر قولين في مثل قوله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله @QE@ وقوله تعالى @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ وكذلك ~~قوله @QB@ إنا معكم مستمعون @QE@ وقوله تعالى @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ ونحو ذلك فقال ذهب قوم من أهل السنة إلى أن ~~لله استماعا حادثا في ذاته وذكر أن هؤلاء وبعض أهل البدع تأولوا ذلك في ~~الإرادة على الحوادث قال فأما من أذى السنة فأراد إثبات القدر فقال إرادة ~~الله تحدث من تقدير سابق للإرادة # وأما بعض أهل البدع فزعموا أن الإرادة إنما هي خلق حادث وليست مخلوقة ~~ولكن بها كون الله المخلوقين قال وزعموا أن الخلق غير المخلوق وأن الخلق هو ~~الإرادة وإنها ليست بصفة لله من نفسه قال وكذلك قال بعضهم أن رؤيته تحدث # قال محمد بن الهيصم في كتاب حمل الكلام لما ذكر حمل الكلام وأنه مبني على ~~خمسة فصول PageV01P059 أحدها أن القرآن كلام الله وقد حكي عن جهم بن صفوان ~~أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة وإنما هو كلام خلقه الله فنسب إليه ~~كما قيل سماء الله وأرض الله وكما قيل بيت الله وشهر الله وأما المعتزلة ~~فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا جهما في المعنى ~~حيث قالوا كلام خلقه بائنا عنه وقال عامة المسلمين إن القرآن كلام الله على ~~الحقيقة وأنه تكلم به # والفصل الثاني أن القرآن غير قديم فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا أن ~~الله لم يزل متكلما بالقرآن وقال أهل الجماعة إنما تكلم بالقرآن حيث خاطب ~~به جبريل وكذلك سائر الكتب # والفصل الثالث أن القرآن غير مخلوق فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة ~~زعموا إنه مخلوق وقال أهل الجماعة إنه ليس بمخلوق # والفصل الرابع أنه غير بائن منه فإن الجهمية وأتباعهم من ms039 المعتزلة قالوا ~~إن القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه وزعموا أن الله خلق كلاما في ~~الشجرة فسمعه موسى وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل ولا يصح عندهم أنه وجد ~~من كلام يقوم به في الحقيقة وقال أهل الجماعة بل القرآن غير بائن من الله ~~وإنما هو موجود منه وقائم منه # وذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ~~التي ليست أعيانها قديمة ولا مخلوقة وهو يحكي ذلك عن أهل الجماعة وقال ~~الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف بنقص عثمان ابن سعيد على ~~المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد قال وادعى المعارض ~~أن قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي ~~من الليل الثلث فيقول هل من مستغفر هل من تائب هل من داع قال فادعى أن لا ~~ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش وكل مكان من غير زوال لأنه ~~الحي القيوم والقيوم بزعمه من لا يزول قال فيقال لهذا PageV01P060 المعارض ~~وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان ولا لمذهبه برهان لأن ~~أمر الله ورحمته تنزل في كل ساعة ووقت وأوان فما بال النبي يحد لنزوله ~~الليل دون النهار ويوقت في الليل شطره أو الأسحار أفأمره ورحمته تدعوان ~~العباد إلى الاستغفار أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا هل من ~~داع فأجيب له هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه فإن قررت مذهبك لزمك ~~أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار ~~بكلامهما دون الله وهذا محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء # قد علمتم ذاك ولكن تكابرون وما بال أمره ورحمته ينزلان من عنده الليل ثم ~~يمكثان إلى طلوع الفجر يرفعان لأن رفاعة يرويه ويقول في حديثه حتى ينفجر ~~الفجر وقد علمتم إن شاء الله هذا التأويل أبطل باطل ولا يقبله إلا كل جاهل # وأما دعواك أن تفسير القيوم الذي لا يزول ms040 عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل ~~منك هذا التفسير إلا بأمر صحيح مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن ~~بعض أصحابه أو التابعين لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء ويهبط ~~ويرتفع إذا شاء ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء لأن ذلك أمارة ما بين الحي ~~والميت لأن كل متحرك لا محالة حي وكل ميت غير متحرك لا محالة ومن يلتفت إلى ~~تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة إذ فسر نزوله ~~مشروطا منصوصا ووقت له وقتا موضوحا لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا ~~عويصا # قال ثم أجمل المعارض جميع ما أنكره الجهمية من صفات الله تعالى وذواته ~~المسماة في كتابه وآثار رسوله صلى الله عليه وسلم فعد منها بضعة وعشرين صفة ~~نقشا وأخذ يتكلم عليها ويفسرها بما حكى المريسي وفسرها وتأولها حرفا حرفا ~~خلاف ما عنى الله ورسوله وخلاف ما تأولها الفقهاء والصالحون لا يعتمد في ~~PageV01P061 أكثرها إلا على المريسي فبدأ منها بالوجه ثم بالسمع والبصر ~~والغضب والرضاء والحب والبغض والفرح والكره والضحك والعجب والسخط والإرادة ~~والمشيئة والأصابع والكف والقدمين وقوله @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ ~~@QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ و @QB@ هو السميع البصير @QE@ @QB@ ~~لما خلقت بيدي @QE@ @QB@ وقالت اليهود يد الله مغلولة @QE@ @QB@ يد الله ~~فوق أيديهم @QE@ @QB@ والسماوات مطويات بيمينه @QE@ وقوله @QB@ فإنك ~~بأعيننا @QE@ @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة @QE@ @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ @QB@ الذين يحملون العرش ~~ومن حوله @QE@ وقوله @QB@ ويحذركم الله نفسه @QE@ @QB@ ولا يكلمهم الله ولا ~~ينظر إليهم يوم القيامة @QE@ @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ و @QB@ ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك @QE@ @QB@ الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين @QE@ # قال عمد المعارض إلى هذه الصفات فنسقها ونظم بعضها إلى بعض كما نظمها ~~شيئا بعد شيئ ثم قررها أبوابا في كتابه وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية ~~معتمدا فيها على الرابع الجهمي بشر بن غياث المريسي عند الجهال بالتشنيع ~~بها على قوم يؤمنون بالله ويصدقون ms041 الله ورسوله فيها بغير تكيف ولا تمثيل ~~فزعم أن هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها وينسبونها بذوات أنفسهم وأن العلماء ~~بزعمه قالوا ليس في شيء منها اجتهاد رأي ليدرك كيفية ذلك أو يشبه فيها شيء ~~مما هو في الخلق قال وهذا خطأ كما أن الله ليس كمثله شيء فكذلك ليس ككيفيته ~~شيء # قال أبو سعيد عثمان بن سعيد فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع إن قوله ~~كيفية هذه الصفات وتشبهها مما هو في الخلق خطأ فإنا لا نقول له كما قال هي ~~عندنا له ونحن لا نكيفها ولا نشبهها بما هو في الخلق موجود أشد PageV01P062 ~~إلفا منكم غير أنا كما لا نشببها ولا نكيفها لا نكفر بها ولا نكذبها ولا ~~نبطلها بتأويل الضلال كما أبطلها إمامك المريسي # قال وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا نجيز اجتهاد ~~الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيينا ونسمعها بآذاننا ~~فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون وقصرت عنها الظنون غير أنا لا نقول ~~فيها كما قال المريسي إن هذه الصفات كلها شيء واحد وليس السمع منه غير ~~البصر ولا الوجه منه غير اليد ولا الذات غير النفس وإن الرحمن ليس يعرف ~~بزعمكم لنفسه سمعا من بصر ولا بصرا من سمع ولا وجها من يدين ولا يدين من ~~وجه وهو كله يزعمكم سمع وبصر ووجه وأعلى وأسفل ويد ونفس وعلم ومشيئة وإرادة ~~مثل خلق السموات والأرض والجبال والتلال والهواء التي لا يعرف لشيء منها ~~شيء من هذه الصفات والذوات ولا يوقف بها منها على شيء فالله تعالى عندنا أن ~~يكون كذلك فقد ميز الله تعالى في كتابه السمع من البصر وذكر الآيات الواردة ~~في ذلك فقال تعالى @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ @QB@ إنا معكم مستمعون ~~@QE@ وقال @QB@ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم @QE@ ففرق بين الكلام ~~والنظر دون السمع فقال عند السمع والصوت @QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك ~~في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير @QE@ @QB@ ~~لقد ms042 سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء @QE@ ولم يقل رأى ~~قول الله التي تجادلك في زوجها وقال تعالى في موضع الرؤية @QB@ الذي يراك ~~حين تقوم وتقلبك في الساجدين @QE@ وقال تعالى @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ ولم يقل يسمع الله تقلبك ويسمع الله عملكم فلم ~~يذكر الرؤية فيما يسمع ولا السمع فيما يرى كما أنها عنده خلاف ما عندكم ~~وذكر كلاما طويلا في الرد على النفاة PageV01P063 قلت وكلام أهل الحديث ~~والسنة في هذا الأصل كثير جدا # وأما الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل فكثيرة جدا يتعذر أو يتعسر ~~حصرها لكن نذكر بعضها وقد جمع الإمام أحمد كثيرا من الآيات الدالة على هذا ~~الأصل وغيره مما يقوله النفاة وذكرها عنه الخلال في كتاب السنة وذلك كقوله ~~تعالى @QB@ فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى @QE@ وقوله تعالى @QB@ وإذ نادى ~~ربك موسى أن ائت القوم الظالمين @QE@ وقوله تعالى @QB@ فلما جاءها نودي أن ~~بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا ~~موسى إني أنا الله رب العالمين @QE@ وقوله تعالى @QB@ هل أتاك حديث موسى إذ ~~ناداه ربه بالواد المقدس طوى @QE@ فوقت النداء بقوله فلما وبقوله إذ فعلم ~~أنه كان في وقت مخصوص لم يناداه قبل ذلك وقوله تعالى @QB@ ويوم يناديهم ~~فيقول ماذا أجبتم المرسلين @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ~~ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم @QE@ فأخبر سبحانه أنه قال لهم ذلك بعد أن ~~خلق آدم وصوره لا قبل ذلك وقال تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ~~خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون @QE@ وقال تعالى @QB@ وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق @QE@ # وقال تعالى @QB@ بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن ms043 يقول له كن فيكون ~~@QE@ وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان وأن الفعل المضارع للاستقبال وقال ~~تعالى @QB@ وإذ قال ربك للملائكة @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ وقال تعالى @QB@ وقل اعملوا فسيرى ~~الله عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ وقال تعالى PageV01P064 @QB@ ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان @QE@ وقال تعالى @QB@ الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام @QE@ وقال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو ~~يأتي بعض آيات ربك @QE@ وقال تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا ~~مرد له وما لهم من دونه من وال @QE@ وقال تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام ~~إن شاء الله @QE@ # وقال موسى @QB@ ستجدني إن شاء الله صابرا @QE@ وقال إسماعيل @QB@ ستجدني ~~إن شاء الله من الصابرين @QE@ وقال صاحب مدين لموسى @QB@ ستجدني إن شاء ~~الله من الصالحين @QE@ وأدوات الشرط تخلص الفعل للاستقبال ومن هذا الباب ~~قوله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك ~~رواه أهل السنن واتفق الفقهاء على ذلك وكذلك ما في الصحيحين من قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن سليمان أنه قال لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تأتي ~~كل امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له صاحبه قل إن شاء الله فلم يقل ~~فلم تلد منهن إلا امرأة جاءت بشق ولد قال النبي صلى الله عليه وسلم فلو قال ~~إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين وقال تعالى @QB@ كل يوم هو ~~في شأن @QE@ وقال تعالى @QB@ فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون @QE@ وقال ~~تعالى لموسى وهارن @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ وقال تعالى @QB@ أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ms044 @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها @QE@ PageV01P065 وقال ~~تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث @QE@ وقال تعالى @QB@ فبأي حديث بعده ~~يؤمنون @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أصدق من الله حديثا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فلما آسفونا انتقمنا منهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم @QE@ # وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده ~~الكفر وإن تشكروا يرضه لكم @QE@ فأخبر أن طاعته سبب لمحبته ورضاه ومعصيته ~~سبب لسخطه واسفه وقال تعالى @QB@ فاذكروني أذكركم @QE@ وجواب الشرط مع ~~الشرط كالسبب مع مسببه ومثله في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير ~~منهم ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه ~~باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة # وقال تعالى @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما @QE@ وأما أفعاله المتعدية إلى المفعول به ~~الحادثة وذكرها في القرآن العزيز فكثير جدا كقوله @QB@ ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى @QE@ وقوله تعالى @QB@ فسنيسره لليسرى @QE@ @QB@ فسنيسره للعسرى @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ من نطفة ~~خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ~~ما أمره فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين @QE@ وقوله تبارك ~~وتعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار ~~مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ ~~PageV01P066 وقال تعالى @QB@ خلقكم من نفس واحدة ثم ms045 جعل منها زوجها وأنزل ~~لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ~~ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون @QE@ # وقوله تعالى @QB@ أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ~~ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون @QE@ وقوله تعالى @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا @QE@ ومثل هذا كثير في القرآن والاحتجاج به ظاهر على قول الجمهور ~~الذين يجعلون الخلق غير المخلوق وهو الصواب فإن الذين يقولون الخلق هو ~~المخلوق قولهم فاسد # وقد بينا فساده في غير هذا الموضع وشبهتهم أنه لو كان غيره لكان إن كان ~~قديما لزم قدم المخلوق وإن كان محدثا احتاج إلى خلق آخر فيلزم التسلسل وإن ~~كان قائما به فيكون محلا للحوادث وقد أجابهم الناس عن هذا كل قوم بجواب بين ~~فساد قولهم وطائفة منعت قدم المخلوق كالإرادة فإنهم سلموا أنها قديمة مع ~~حدوث المراد وطائفة منعت قيامه به وقالت لا يقوم به الخلق فلا يكون محلا ~~للحوادث فإذا قالوا إن الخلق هو المخلوق ولا يقوم به فلان يجوز أن يكون غير ~~المخلوق ولا يقوم به أولى وطائفة قالت لا نسلم أنه إذا افتقر المخلوق ~~المنفصل إلى خلق أن يفتقر ما يقوم به من الخلق إلى خلق آخر بل يكتفي فيه ~~القدرة والمشيئة فإنكم إذا جوزتم وجود الحادث الذي يباينه بمجرد ~~PageV01P067 القدرة والمشيئة فوجود مالا يباينه بها أولى بالجواز وهؤلاء ~~وغيرهم يمانعونهم في قيام الحوادث به وطائفة منعت امتناع التسلسل في الآثار ~~والأفعال وقالت إنما يمتنع في الفاعلين لا في الفعل كما قد بسط في موضع آخر # وأما الأحاديث الدالة على هذا الأصل التي في الصحاح والسنن والمسانيد ms046 ~~وغيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر من أن يحصيها واحد كقوله في ~~الحديث المتفق على صحته عن زيد بن خالد قال صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فقال أتدرون ماذا قال ~~ربكم الليلة قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فمن قال مطرنا بفضل الله ~~ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فهو كافر بي ~~مؤمن بالكوكب # وفي الصحيحين في حديث الشفاعة يقول كل من أولى العزم من الرسل مع آدم إن ~~ربي قد غضب اليوم غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وقوله ~~في الحديث الصحيح إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجر السلسلة على ~~الصفوان وقوله في الحديث الصحيح إن الله يحدث من أمره ما يشاء ومما أحدث أن ~~لا يتكلموا في الصلاة وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث التجلي المتفق على ~~صحته من غير وجه ويقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه ~~فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون وقوله في الحديث المتفق عليه لله أشد ~~فرحا بتوبة عبده المؤمن من من أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه ~~وشرابه فنام تحت شجرة ينتظر الموت فلما استيقظ إذا بدابته عليها طعامه ~~وشرابه فالله أشد فرحة بتوبة عبده من فرح هذا براحلته # وقوله في الحديث الصحيح يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما ~~يدخل الجنة وقوله في حديث الرجل هو آخر من يدخل الجنة وهو حديث أبي هريرة ~~الذي يقول الله فيه أولست قد أعطيت العهود والمواثيق أن PageV01P068 لا ~~تسأل غير الذي أعطيت فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله منه ثم ~~يأذن له في دخول الجنة وفي حديث ابن مسعود وهو حديث آخر قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيقول الله يا ابن آدم أترضى أن أعطيك الدنيا ومثلها معها فيقول ~~أي رب أتستهزىء بي وأنت رب العالمين وضحك ms047 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال ألا تسألوني مما ضحكت فقالوا لم ضحكت فقال من ضحك رب العالمين حين قال ~~أتستهزىء بي وأنت رب العالمين فيقول إني لا أستهزىء بك ولكني على ما أشاء ~~قادر وفي حديث أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ينظر إليكم أذلين ~~قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرحكم قريب فقال له أبو رزين أو يضحك الرب قال نعم ~~قال لن نعدم من رب يضحك خيرا وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى قسمت ~~الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا ~~قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي فإذا قال الرحمن ~~الرحيم قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال الله مجدني ~~عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله عز وجل هذه الآية بيني وبين ~~عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال الله هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل # وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه ينزل ربنا كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له ~~من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له حتى يطلع الفجر وقوله في الحديث ~~الصحيح حديث الأنصاري الذي أضاف رجلا وآثره على نفسه وأهله فلما أصبح الرجل ~~وغدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لقد ضحك الله الليلة أو قال عجب من ~~فعالكما أو قال من أفعالكما الليلة وأنزل الله تعالى @QB@ ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الدنيا حلوة خضرة وإن الله ~~مستخلفكم PageV01P069 فيها لينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ~~وفي الصحيح عنه أنه قال إن الله لا ينظر إلى صورتكم وأموالكم وإنما ينظر ~~إلى قلوبكم وأعمالكم وفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان ms048 قاعدا في أصحابه إذا جاءه ثلاثة نفر فأما رجل فرأى في ~~الحلقة فرجة فجلس فيها وأما رجل فجلس خلفهم وأما رجل فانطلق فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ألا أخبركم عن هؤلاء النفر أما الرجل الذي جلس في الحلقة ~~فرجل آوى إلى الله فآواه الله وأما الرجل الذي جلس في خلف الحلقة فاستحى ~~فاستحى الله منه وأما الرجل الذي انطلق فأعرض أعرض الله عنه وفي صحيح ~~البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى من عادى لي وليا ~~فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر ~~وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن ~~شيء أنا فاعلة ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا ~~بد له منه # وفي الصحيحين عن البراءء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأنصار لا ~~يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه ~~الله وفي الصحيحين عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أحب ~~لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة ~~إنا لنكره الموت قال ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت يبشر برضوان الله ~~وكرامته فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا حضره ~~الموت بشر بعذاب الله وسخطه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه # وفي الصحيحين عن أنس قالوا أنزل علينا ثم كان من المنسوخ أبلغوا قومنا ~~إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا وفي حديث عمر بن مالك الرواسي قال أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أرض عني قال فاعرض عني ثلاثا ~~PageV01P070 فقلت يا رسول الله إن الرب ليرضى فارض ms049 عني فرضي عني وفي ~~الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله ~~على قوم فعلوا برسول الله وهو حينئذ يشير إلى رباعيته وقال اشتد غضب الله ~~على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله # وفي صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده ~~اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش إن ~~رحمتي غلبت غضبي وفي رواية سبقت وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ~~ويجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم ~~فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي قالوا أتيناهم وهم يصلون وتركناهم ~~وهم يصلون وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة ~~وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقبض الله ~~الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وفي الصحيحين ~~عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم من أحد إلا ~~سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما ~~قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أمامه فتستقبله النار فمن ~~استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد فبكلمة طيبة # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا ms050 قوما يذكرون ~~الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال ~~PageV01P071 فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم ما يقول عبادي قال تقول يسبحونك ~~ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول هل رأوني قال فيقولون لا والله ما ~~رأوك قال فيقول وكيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد ~~لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا قال يقول فما يسألونني قال يسألونك الجنة قال ~~يقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو أنهم ~~رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم ~~فيها رغبة قال فمما يتعوذون قال يقولون من النار قال يقول وهل رأوها قال ~~يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو ~~رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت ~~لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم ~~الجلساء لا يشقى بهم جليسهم # وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليدنو ~~أحدكم من ربه حتى ليقفه عليه فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم يا رب فيقرره ~~ثم يقول قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفر لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته ~~وهو قوله تعالى هاؤم اقرؤا كتابيه وأما الكافر والمنافق فينادون هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين فأخبر صلى الله عليه وسلم ~~أنه سبحانه يقول قولا ثم يقول العبد ثم يقول الرب تعالى قولا آخر وهذا ~~الأصل العظيم دلت عليه الكتب المنزلة من الله القرآن والتوراة والإنجيل ~~وكان عليه سلف الأئمة وأئمتها بل وعليه جماهير العقلاء وأكابرهم من جميع ~~الطوائف حتى من الفلاسفة PageV01P072 $ فصل # وأما قوله والدليل على كونه متكلما أنه آمر وناه لأنه بعث الرسل لتبليغ ~~أوامره ونواهيه ولا معنى لكونه متكلما إلا ذلك فنقول السلف والأئمة وغيرهم ~~لهم في إثبات كونه متكلما طريقان ms051 فإنهم يثبتون ذلك بالسمع تارة وبالعقل ~~أخرى كما يوجد مثل ذلك في كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة وفي كلام ~~متكلمة الصفاتية كعبد العزيز المكي وأبي محمد بن كلاب وأبي عبد الله بن ~~كرام وأبي الحسن الأشعري ونحوهم والطرق التي أظهروها من العقليات قد دل ~~القرآن عليها وأرشد إليها كما دل القرآن على الطرق العقلية التي يثبت بها ~~سائر قواعد العقائد المسماة بأصول الدين لكن الدليل قد تتنوع عباراته ~~وتراكيبه فإنه تارة يركب على وجه الشمول المنقسم إلى قياس تداخل وقياس ~~تلازم وقياس تعاند الذي يسمى بالحملي والشرطي المتصل والشرطي المنفصل وتارة ~~يركب على وجه قياس التمثيل المفيد لليقين بأن يجعل المشترك بين الأصل ~~والفرع الذي يسمى في قياس التمثيل المناط والوصف والعلة والمشترك والجامع ~~ونحو ذلك من العبارات هو الحد الأوسط في قياس الشمول فإذا قال ناظم القياس ~~الأول نبيذ الحبوب المسكر حرام قياسا على خمر العنب لأنه خمر فكان حراما ~~قياسا عليه فهذا كمال في نظم قياس الشمول هذا خمر وكل خمر حرام أو فيه ~~الشدة المطربة وما فيه الشدة المطربة فهو حرام وما يثبت به هذه المقدمة ~~الكبرى يثبت به كون المشترك علة الحكم وبهذا تبين أن قياس التمثيل قد يكون ~~أتم في البيان من قياس الشمول فأما ما يقوله طائفة من النظار من أن قياس ~~الشمول هو الذي يفيد اليقين دون التمثيل فهذا لا يصح إلا بحسب المواد بأن ~~يوجد ذلك في مادة يقينية وهذا في مادة ظنية وحينئذ فقد يقال بل ذلك يفيد ~~اليقين دون هذا وسبب غلطهم أنهم تعودوا كثيرا PageV01P073 استعمال التمثيل ~~في الظنيات واستعمال الشمول في اليقينيات عندهم فظنوا هذا من صورة القياس ~~وليس الأمر كذلك بل هو من المادة # وقد بسط الكلام على هذا في مواضع غير هذا الموضع كالرد على الغالطين في ~~النطق وغير ذلك ثم القياس تارة تعتبر فيه القدر المشترك من غير اعتبار ~~الأولوية وتارة يعتبر فيه الأولوية فيؤلف على وجه قياس الأولى وهو إن كان ~~قد يجعل نوعا ms052 من قياس الشمول والتمثيل فله خاصة يمتاز بها عن سائر الأنواع ~~وهو أن يكون الحكم المطلوب أولى بالثبوت من الصورة المذكورة في الدليل ~~الدال عليه وهذا النمط هو الذي كان السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره من ~~السلف يسلكونه من القياس العقلي في أمر الربوبية وهو الذي جاء به القرآن ~~وذلك أن الله سبحانه لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قياس الشمول الذي تستوي ~~أفراده ولا تحت قياس التمثيل الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع فإن الله ~~تعالى ليس كمثله شيء لا في نفسه المذكورة بأسمائه ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله ولكن يسلك في شأنه قياس الأولى كما قال ولله المثل الأعلى # فإنه من المعلوم أن كل كمال ونعت ممدوح لنفسه لا نقص فيه يكون لبعض ~~الموجودات المخلوقة المحدثة فالرب الخالق الصمد القيوم القديم الواجب ~~الوجود بنفسه هو أولى به وكل نقص وعيب يجب أن ينزه عنه بعض المخلوقات ~~المحدثة الممكنة فالرب الخالق القدوس السلام القديم الواجب وجوده بنفسه هو ~~أولى بأن ينزه عنه # وأما إذا سلك مسلك المشبهين لله يخلقه المشركين به الذين يجعلون له عدلا ~~وندا ومثلا قيسوون بينه وبين غيره في الأمور كما يفعله أهل الضلال من أهل ~~الفلسفة والكلام من المعتزلة وغيرهم فإن ذلك يكون قولا باطلا من وجوده منها ~~أن تلك القضية الكلية التي تعمه وغيره قد لا يمكنهما إثباتها عامة إلا ~~بمجرد قياس التمثيل وقياس التمثيل إن أفاد اليقين في غير هذا الموضع ففي ~~PageV01P074 هذا الموضع قد لا يفيد الظن للعلم بانتفاء الفارق # ومنها أنهم إذا حكموا على القدر المشترك الذي هو الحد الأوسط بحكم ~~يتناوله والمخلوقات كانوا بين أمرين إما أن يجعلوه كالمخلوقات أو يجعلوا ~~المخلوقات مثله فينتقض عليهم طرد الدليل فيبطل # ومثال ذلك إذا قال الفيلسوف إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهو واحد فلا ~~يصدر عنه إلا واحد فإنه يحتاج أن يعلم أولا قوله الواحد لا يصدر عنه إلا ~~واحد فإن هذه قضية كلية وكل قياس شمولي فلا بد ms053 فيه من قضية كلية وعلله بأن ~~كل واحد لا يصدر عنه إلا واحد إما أن يكون باستقراء الآحاد وإما بقياس ~~بعضها إلى بعض وهذا استقراء ناقص وهذا تمثيل وهما عنده لا يفيدان اليقين ~~فإن قال أعلم بالبديهة أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان هذا مكابرة ~~لعقله فإن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست مغروزة في الفطرة ~~ابتداء بدون العلم بأمور معينة منها لكن لكثرة العلم بالأمور المعينة ~~الجزئية يجرد العقل الكليات فتبقى القضية العامة ثابتة في العقل لا تحتاج ~~إلى شواهد وأمثلة جزئية إلا أن يكون علم تلك القضية العقلية من تركيب قضايا ~~أخر # وقوله الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ليس من هذا ولا من هذا ثم إذا قصور ~~مفردات هذه القضية علم يقينا أنه ليس عنده منها علم بل علم أن الواقع ~~خلافها فإن قوله الواحد إن عنى به الواحد الذي لا يعلم منه أمر إن ليس ~~أحدهما الآخر فليس في الوجود واحد بهذا الاعتبار فإنه يعلم أن واجب الوجود ~~موجود وأنه عاقل ومعقول وعقل وإن له عناية وأمثال هذه المعاني التي ليس ~~أحدها هو الآخر فإن الوجوب ليس هو الوجود ولا الوجوب والوجود هو العاقل ولا ~~العاقل هو المعقول ولا العاقل والمعقول هو ذو العناية وإن قال هذه كلها ~~سلوب وإضافات محضة كان مكابرا لعقله فإن كون الشيء يعقل ليس هو كونه يعقل ~~ولا كونه عالما مجرد نسبة محضة إلى المعلوم كالأمور PageV01P075 الإضافية ~~التي لا يتغير بها حال المضاف كالتيامن والتياسر فإنه من المعلوم أن كون ~~الشيء متيامنا أو متياسرا عنك لا يختلف به حالك في الموضعين # وأما كون الشيء عالما فيخالف كونه غير عالم كما أن كونه محبا يخالف كونه ~~غير محب وكونه قادرا يخالف كونه غير قادر ومن جعل الشيء حال كونه عالما ~~وحال كونه غير عالم سواء فهو مصاب في فهو عقله وهذا من أعظم السفسطة وكذلك ~~من جعل كونه ذا عناية هو مجرد كونه عاقلا فإن هذا من أعظم السفسطة والعقل ms054 ~~الصريح يعلم أن كون الشيء عالما ليس هو مجرد كونه مريدا ولا مجرد كونه ~~مريدا هو مجرد كونه عالما ولو قيل إن أحدهما يستلزم الآخر فالتلازم لا يوجب ~~كون الملزوم هو اللازم وإذا قيل في أي موجود فرض أن علمه هو إرادته وإرادته ~~هي حياته وأن ذلك هو وجوده كان فساد هذا من أبين الأمور في العقل كما إذا ~~قيل إن هذه التفاحة طعمها هو مجرد لونها ولونها هو مجرد ريحها وريحها هو ~~مجرد شكلها وشكلها هو عين ذاتها # فهذا الكلام من تصوره من الناس وفهمه حتى الصبيان المميزين علم أن قائله ~~من أضل الناس وأجهلهم فهذا الواحد الذي يصفونه يمتنع في الموجود الواجب فهو ~~في غيره أشد امتناعا ولهذا يؤول بهم الأمر إلى أن يجعلوه وجودا مطلقا بشرط ~~الإطلاق كما يجعله المعتزلة ذاتا مجردا من الصفات وكلاهما مما يعلم بصريح ~~العقل انتفاء ثبوته في الخارج بل المطلق لا بشرط يمتنع ثبوته في الخارج وهم ~~يجعلون موضوع العلم الإلهي هذا الموجود المنقسم إلى واجب وممكن وجوهر وعرض ~~وعلة ومعلول ويجعلون هذا هو الفلسفة الأولى والحكمة العظمى ولم يعلموا أن ~~الكليات المقسومة سواءا سمي جنسا أو لم تسم جنسا لا توجد في الخارج كلية ~~فليس في الخارج الحيوان المنقسم إلى ناطق وأعجم ولا الوجود المنقسم إلى ~~جوهر وعرض بل كل حيوان يوجد في الخارج فهو من هذا القسم وكل موجود يوجد في ~~الخارج فهو إما قائم بغيره وهو المقسوم الصادق على أقسامه فهو مطلق لا بشرط ~~الإطلاق فإنه لو شرط فيه الإطلاق PageV01P076 لم يصدق على المعينات فإن ~~المعين ليس مطلقا بشرط الإطلاق فإنه لو شرط فيه الإطلاق لم يصدق على ~~المعينات فإن المعين ليس مطلقا بشرط الإطلاق فإذا كان المطلق لا بشرط ~~الإطلاق لا يوجد في الخارج فلا يوجد فيه حيوان مطلق بشرط الإطلاق ولا إنسان ~~مطلق بشرط الإطلاق وهذا بين لجميع العقلاء # ثم قالوا في الموجود الواجب الوجود إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق وقد علم ~~بصريح العقل أن الوجود المطلق ms055 بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج وإنما هو أمر ~~يقدر في العقل لا حقيقة له في الخارج عن الذهن ولا ثبوت له في نفس الأمر ~~وهذا عين التعطيل للموجود الواجب الذي شهد به الوجود من حيث هو وجود فإن ~~الوجود من حيث هو وجود يشهد بوجود واجب الوجود كما قال ابن سينا وغيره ~~وأصابوا في ذلك فإنه لا ريب أن ثم وجودا وأنه إما واجب وإما ممكن والممكن ~~لا بد له من واجب فثبت أنه لا بد في الوجود من موجود واجب # فهذا البيان الذي ذكروه في إثبات واجب الوجود حق واضح مبين لكنهم زعموا ~~مع ذلك أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق لا يتعين ولا يتخصص بحقيقة يمتاز بها عن ~~سائر الموجودات بل حقيقته وجود محض مطلق بشرط نفي جميع القيود والمعينات ~~والمخصصات وهم يعلمون في المنطق وكل عاقل تصور هذا الكلام أن هذا لا حقيقة ~~له ولا وجود له إلا في الذهن لا في الخارج فصار الموجود الواجب الذي يشهد ~~به الوجود في الخارج لا يوجد إلا في الذهن وهذا من أبين التناقض والاضطراب ~~والجمع بين النقيضين حيث جعلوه بموجب البرهان الحق موجودا في الخارج وبموجب ~~سلب الصفات هو التوحيد الذي تخيلوه معدوما في الخارج فصار قولهم مستلزما ~~لوجوده وعدمه وكذلك قول من سلك سبيلهم من القرامطة الباطنية كأصحاب رسائل ~~إخوان الصفا وأمثالهم من الاتحادية أهل وحدة الوجود كابن سبعين وابن عربي ~~ونحوهما بل وسبيل نفاة الصفات من أهل الكلام كالمعتزلة وغيرهم بل وسبيل ~~سائر من نفى شيئا PageV01P077 من الصفات فإن لازم كلامه تعطيله ونفيه مع ~~إقراره بثبوته فيكون جامعا بين النقيضين وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # وإنما المقصود هنا التنبيه على مثال أقيستهم الفاسدة التي يجعلونها ~~براهين فيما خالفوا فيه الحق ثم إذا تبين أن هذا الواحد ليس له حقيقة في ~~الخارج قيل لمن قال الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ما معنى الصدور أنت لا ~~تعني به حدوثه عنه ولا فعله له بمشيئته وقدرته فعلا يسبق ms056 به الفاعل مفعوله ~~وإنما تعنى به لزومه له ووجوبه به ونحن لا نتصور في الموجودات شيئا صدر عنه ~~وحده شيء منفصل عنه كان لازما له قبل هذا الوجه بل ما لزمه وحده كان صفة له ~~إما أن يكون اللازم للملزوم وحده شيئا منفصلا عنه فهذا بيان غير معقول ~~ومعروف فهذا الصدور الذي ذكرته غير معروف # فقولك في هذه القضية الكلية للواحد لا يصدر عنه إلا واحد يقتضي الحكم على ~~كل ما يتصور أنه واحد بأنه لا يصدر عنه إلا واحد فإذا لم يتصور هذا الصدور ~~ولا يعلم صدق هذا السلب في صورة معينة من صور هذه القضية الكلية فمن أين ~~تعلم هذه القضية الكلية # وإذا استدلوا على ذلك بالنار التي لا يصدر عنها إلا الإحراق وبسائر ~~الأجسام البسيطة كالماء أو بالشمس التي يصدر عنها الشعاع لم يكن شيء من هذه ~~المعينات داخلا في قضيتهم الكلية فإن الإحراق لا يصدر عن النار وحدها بل لا ~~بد من محل قابل للإحراق ولهذا لا يصدر عنها الإحراق في السمندل والياقوت ~~ونحوهما من الأجسام التي لا تقبل الإحراق وكذلك المبردات ثم إن الإحراق له ~~موانع تمنعه فهو موقوف على ثبوت شروط وانتفاء موانع غير النار فلم يصر ~~صادرا عن النار بالمعنى الذي أرادوه بالحجة وهو لزومه لذات النار بحيث لا ~~ينفك عنها # وإنما يعقل هذا اللزوم في صفات الملزوم كاستدارة الشمس والضوء القائم بها ~~ونحو ذلك فإن هذا لازم لا يفارق ذاتها بخلاف الضوء القائم بما يقابلها ~~PageV01P078 من الأجسام وهو الشعاع المنعكس على الأجسام المسطحة كالأرض ~~والقائمة كأشخاص الجبال والحيوان والنبات والحيطان فإن هذا ليس لازما لذات ~~الشمس بل هو موقوف على وجود هذه الحال التي يقوم بها هذا العرض # وهو أيضا ممنوع عنها بالحجب كالسحاب الكثيف والكسوف وغير ذلك وهذا الشعاع ~~كالظل يكون بسبب الحجاب بينها وبين ما يظله الحجاب فيوجد تارة ويعدم أخرى ~~ولهذا يوجد الليل تارة والنهار أخرى فهذا بيان أن ما قدروه من الواحد ومن ~~الصدور عنه أمر لا يعقل ms057 في الخارج أصلا فضلا عن أن يكون قضية كلية عامة ~~وأما إذا قدروا واحدا يفرضونه في أنفسهم وصدورا يفرضونه في أنفسهم فلا ريب ~~أن هذا ملازمة حكم يكون في أنفسهم لكن لا يعلم أنه مطابق للخارج حتى يعلم ~~أن هذا الواجب الوجود هو هذا الواحد وأن ابداعه للعالم هو هذا الصدور ولو ~~علموا ذلك لم يحتاجوا إلى هذا القياس # فهذا القياس لا يفيدهم شيئا إذ مطلوبه علم معين بقضية كلية وتلك القضية ~~لا مرد لها أصلا إلا ما يدعونه في ذلك المعين فهم إن علموا ثبوت الحكم لذلك ~~المعين بدون تلك القضية لم يحتاجوا إليها وإن لم يعلموا ثبوت الحكم للمعين ~~بدون تلك لم يعلم صدق القضية عليه فلا يفيد بل إذا عورضوا بنقيض ما قالوه ~~كان أبين في القياس فيقال لهم ليس في الوجود واحد يصدر عنه واحد بل كل صادر ~~في الوجود فهو عن اثنين فصاعدا فلا حادث عن المخلوقات إلا عن أصلين كالولد ~~بين أبوين والتسخين والتدبير والإحراق والإغراق وغير ذلك لا بد فيه من ~~اثنين والشعاع المنبسط لا بد فيه من اثنين فإذا لم يكن في الوجود واحد لا ~~يصدر عنه واحد كان قول القائل ليس كل واحد لا يصدر عنه إلا واحد أصح في ~~العقل والقياس من قولهم بل لو قال الواحد الذي ذكروه لا يصدر عنه شيء أصلا ~~لكان قوله أصح في العقل والقياس من قولهم وكذلك إذا قيل الواحد الذي ذكروه ~~لا يصدر عنه شيء إلا مع غيره لكان قوله أصح من قولهم وذلك يقتضي أن يكون ~~للرب شريك وولد إذ مقصودهم PageV01P079 بالصدور هو لزومه إياه وهذا هو ~~التوليد العقلي وحقيقة قولهم إن العقول والنفوس متوادة عنه وقولهم بالعلة ~~والمعلول هو القول بالتولد والمتولد عنه فاستطرد شيخ الإسلام كلامهم إلى أن ~~قال فإنه يحتاج أن يعلم أولا أنهم @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ~~وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات ~~والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له ms058 صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ~~ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير @QE@ # وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا أن قول هؤلاء أفسد من قول مشركي ~~العرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله وقالوا إن آلهتنا تشفع لنا فإن ~~أولئك كانوا يقولون أن الرب فاعل مختار والملائكة مخلوقون له ولكن ضلوا في ~~بعض ما وصفوه كما ضلت النصارى في بعض ما ذكروه وأما هؤلاء أعظم ضلالا من ~~اليهود والنصارى ومشركي العرب فإنهم في الحقيقة لا يجعلون الرب تعالى خالقا ~~لشيء ولا يفعل فعلا بمشيئته واختياره ولا يجعلون الملائكة عباده بل يجعلون ~~العقل الأول هو رب كل ما سوى الله والشفاعة عندهم ليست سؤالا من الله تعالى ~~من الشافع بل توجه إلى الشافع حتى يفيض منه على المستشفع ما ليس لله ولا ~~للشافع به علم عندهم ولا يحصل بقدرته ولا مشيئته # والمقصود هنا التنبيه على أن طرق السلف والأئمة الموافقة للطرق التي دل ~~القران عليها وأرشد إليها هي أكمل الطرق وأصحها وأكثر الناس صوابا في ~~العقليات أقربهم إليهم كما أن أكثرهم صوابا في السمعيات أقربهم إليهم إذ ~~العقل الصريح لا يخالف السمع الصحيح بل يصدقه ويوافقه كما قال تعالى @QB@ ~~ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ PageV01P080 ولهذا ~~كان المتكلمة الصفاتية كابن كلاب والأشعري وابن كرام خيرا وأصح طريقا في ~~العقليات والسمعيات من المعتزلة والمعتزلة خيرا وأصح طريقا في العقليات ~~والسمعيات من المتفلسفة وإن كان في قول كل من هؤلاء ما ينكر عليه وما خالف ~~فيه العقل والسمع ولكن من كان أكثر صوابا وأقوم قيلا كان أحق بأن يقدم على ~~من هو دونه تنزيلا وتفصيلا # قالت عائشة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم ~~وهذا من القسط الذي أمر الله به وأنزل ms059 به كتبه وبعث به رسوله قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط @QE@ # والمقصود هنا التنبيه على طرق الناس في إثبات كون الله متكلما تنبيها ~~مختصرا بحسب ما يحتمله جواب هذا السؤال والطرق نوعان سمعية وعقلية وإن كانت ~~العقلية هي أيضا شرعية سمعية باعتبار أن السمع دل عليها وأرشد إليها وأن ~~الشرع أحبها ودعا إليها لكن صاحب هذا المختصر إنما سلك طريقا سمعية اتباعا ~~لمتبوعه أبي عبد الله بن الخطيب وهذه الطرق مبنية على مقدمتين # إحداهما أنه آمر ناه ومن كان كذلك فهو متكلم والمقدمة الأولى مدلول عليها ~~بأن الرسل بلغوا أمره ونهيه وكل من المقدمتين واضحة فإن الكلام نوعان إنشاء ~~وإخبار والإنشاء أمر ونهي وإباحة فإذا ثبت له نوع من أنواع الكلام ثبت مطلق ~~الكلام فثبت أنه متكلم # وأما الثانية فقد علم بالاضطرار من دين جميع الرسل أنهم يخبرون عن الله ~~بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا فيلزم من ثبوت الرسالة ثبوت كلام الله تعالى ~~وجحد كون الله متكلما هو جحد لما بلغت عنه الرسل من الأمر والنهي فإن قيل ~~فما الفرق بين هذه الطرق وبين الطرق التي أثبت بها السمع والبصر وهو السمع ~~وقيل هناك أثبت السمع والبصر بنفس الإخبار المنفصل مثل قوله @QB@ وهو ~~السميع البصير @QE@ PageV01P081 وهنا أثبت تكلمه بمجرد إرسال الرسل من غير ~~تعيين نص حيث قال علمنا أن الله أرسل رسله بتبليغ أمره ونهيه ولم يتعرض ~~لأخبار السمع بأنه متكلم فإن قيل إذا أثبت المثبت تكلمه بالسمع وجب أن يكون ~~السمع قد علمت صحته قبل العلم بكونه متكلما لكن الرسول إذا قال إن الله ~~أرسلني إليكم يأمركم بتوحيده وينهاكم عن الإشراك به مثلا فإن لم يعلموا قبل ~~ذلك جوار كونه متكلما لم يعلموا إمكان إرساله فلا ثبت السمع قيل الجواب من ~~وجهين أحدهما أن ما علم بالسمع وقوعه يكفي فيه الإمكان الذهني وهو كونه غير ~~معلوم الامتناع بل كل مخبر ms060 أخبرنا بخبر ولم نعلم كذبه جوزنا صدقه ومتى كان ~~فيه الصدق ممكنا لم يجز التكذيب بل أمكن أن يقام الدليل الدال على صدقه ~~ووجوب تصديقه فيحب تصديقه وهذا الموضع يغلط فيه كثير من النظار فيظنون أنه ~~يحتاج فيما يطلب الدليل على وقوعه أو فيما قام الدليل على وجوده العلم ~~بإمكانه قبل ذلك وإنما يجب أن لا يعلم امتناعه فالرسل صلوات الله عليهم ~~تخبر بمجارات العقول ومالا تعرفه العقول أو ما تعجز عن معرف فما علم العقل ~~إمكانه ولم يعلم هل يكون أم لا يكون تخبر الرسل بوقوعه أم عدم وقوعه وما لم ~~يعلم بالعقل إمكانه ولا امتناعه تخبر الرسل أيضا إما بإمكانه وإما بوقوعه ~~المستلزم إمكانه ولكن لا تخبر الرسل بوجوده ولا إمكانه وما علم عدمه لا ~~تخبر بوجوده فلا تأتي الرسل صلوات الله عليهم بما يعلم نقيضه ولكن قد تأتي ~~بما لم يكن يعلم كما قال تعالى @QB@ كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم ~~آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون @QE@ # وكذلك الوحي النازل على الأنبياء يعلمهم ما لم يكونوا يعلمون لا يأتيهم ~~بما يعلمون خلافه قال تعالى @QB@ ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة ~~منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك ~~الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما @QE@ ~~PageV01P082 الوجه الثاني أن يقال إمكان التكلم معلوم بأدنى نظر العقل فإنه ~~إذا عرف أنه حي عليم قدير علم أنه يمكن أن يكون متكلما فإن الكلام من ~~الصفات المشروطه بالحياة والصفات المشروطة بالحياة إنما تمتنع عليه سبحانه ~~ما يمتنع منها كالنوم والأكل والشرب لتضمنها نقصا ينزه عنه وليس في الكلام ~~نقص بل سنبين إن شاء الله أنه من صفات الكمال ونبين ما يستحيل إتصافه به ~~فهذا تقرير ما ذكره ويمكن أن يسلك في ذلك طريقا أعم مما ذكره فإنه استدل ~~بالأمر والنهي خاصة والتحقيق أن الخبر يدل أيضا على أنه ms061 متكلم كما أن الأمر ~~يدل على ذلك والرسل يبلغون عنه تارة والأمر والنهى وتارة الخبر إما عن نفسه ~~وإما عن مخلوقاته فيبلغون خبره عن نفسه بأسمائه وصفاته وخبره عن مخلوقاته ~~بالقصص كما يبلغون الخبر عن ملائكته وأنبيائه ومن تقدم من الأمم المؤمنين ~~والمكذبين ويبلغون خبره عما يكون في القيامة من الثواب والعقاب والوعد ~~والوعيد بل ما تبلغه الرسل من خبره أكثر مما تبلغه من أمره والخبر في ~~القرآن أكثر من الأمر وإذا قيل لا معنى لكونه متكلما إلا أنه مخبر منبئ ~~والتحقيق أن يقال لزم من كونه آمرا ناهيا أن يكون متكلما ويلزم من كونه ~~مخبرا منبئا أن يكون متكلما # وأما قول القائل لا معنى لكونه متكلما إلا أنه آمر ناه وإنه مخبر ففيه ~~نظر فإن المتكلم يكون تارة آمرا وتارة مخبرا وهو في حالة كونه مخبرا متكلم ~~وإن لم يكن آمرا وفي حال آمرا متكلم وإن لم يكن مخبرا سواء قدر إمكان ~~انفكاك أحدهما عن الآخر أو قدر تلازمهما في حق بعض المتكلمين # ولقائل أن يقول هذا الذي ذكره قليل الفائدة فإنه إن كان المقصود به إثبات ~~كونه متكلما على من يقر بالرسل فجميع هؤلاء يقرون بأنه متكلم إذ لا يمكن ~~أحدا ممن يؤمن بالتوراة أو الإنجيل أو القرآن أن ينكر أن الله تكلم وهذه ~~الكتب مملوءة بذكر ذلك وأهل الملل مطبقون على ذلك وإن كان مقصوده إثبات ~~PageV01P083 ذلك على من لا يقر بالرسل فتقرير المسألة تقرير لهذا فحاصله أن ~~ما ذكره من كونه متكلما هو حقيقة أن الرسل صادقون فيما أخبروا عنه فإذا ~~أثبت ذلك بصدق الرسل كان إثباتا للشيء بنفسه وإنما المقصود إثبات أنه متكلم ~~حقيقة بكلام يقوم بنفسه خلافا للمتفلسفة التي تحمل كلامه إنما هو تعريف ~~فعلي وهو ما يفيض النفوس من التعريفات وللجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين ~~يجعلون كلامه ما يخلقه في غيره من الحروف والأصوات وهذا الذي اعتنى به ~~السلف في الرد على من يقول القرآن مخلوق خلقه الله في الهواء لم يقم به ms062 ~~كلام فكيف بمن يقول ليس كلامه إلا ما يحدث في النفوس من التعريف والإعلام ~~من غير أن يكون له كلام منفصل عن نفوس الأنبياء والمرسلين وقد بسطنا القول ~~في مسألة الكلام واضطراب الناس فيها في غير هذا الموضع # ولا ريب أنه سلك في هذا الإعتقاد مسلك الصفاتية المخالفين للمعتزلة ولهذا ~~عد الصفات السبع وأما المعتزلة فيقتصرون على أنه حي عالم قادر وقد يزيد ~~البصريون الإدراك كالسمع والبصر # وأما كونه متكلما ومريدا فهذا عندهم من باب المفعولات لا من باب الصفات ~~إذ معنى كونه متكلما عندهم أنه خلق كلاما في غيره كسائر ما يخلقه من ~~المخلوقات بخلاف كونه حيا عالما قادرا أو مدركا عند البصريين فإن ذلك ثبت ~~له لذاته سواء خلق شيئا أو لم يخلقه ولهذا كان عام التعلق لا يختص بمعلوم ~~دون معلوم كما تختص الإرادة والكلام بمراد دون مراد ومأمور دون مأمور وهذا ~~القدر الذي أثبته من كونه متكلما آمرا ناهيا لا ينازعه فيه معتزلي بل ولا ~~متفلسف إلهي يقر بالنبوات في الجملة كما يقر بها المتفلسفة الذين حقيقة ~~أمرهم أنهم يؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض كما أن اليهود والنصارى يؤمنون ~~ببعض الرسل ويكفرون ببعض # ولقائل أن يقول إن هذا السؤال ليس لازما له في مسألة الكلام بل وفي سائر ~~المسائل فإنه لم يثبت شيئا من الصفات القائمة بنفسه وإنما أثبت PageV01P084 ~~أحكام الصفات وأثبت الأسماء والمعتزلة توافق على الأسماء والأحكام بل ~~والفلاسفة أيضا توافق على إطلاق ما ذكره من الأسماء والصفات فلا يكون في ~~هذا الإعتقاد فرق بين مذهب الصفاتية أهل الإثبات كابن كلاب والأشعري ~~وأتباعهما ولا بين المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري ~~وأمثالهم بل هذا الإعتقاد مشترك بين المعتزلة والأشعرية وغيرهم من الطوائف ~~يبين هذا أنه لم يذكر في اعتقاده ما تتميز به الأشعرية عن المعتزلة ولا ذكر ~~أن القرآن كلام الله غير مخلوق ولا ذكر مسألة الرؤية وإن رؤية الله جائزة ~~في الدنيا واقعة في الآخرة ولا ذكر أيضا مسائل القدر وأن الله ms063 خالق أفعال ~~العباد وإنه مريد للكائنات ولا ذكر أيضا مسائل الأسماء والأحكام وأن الفاسق ~~لا يخرج عن الإيمان بالكلية ولا يجب إنفاذ الوعيد بل يجوز العفو عن أهل ~~الكبائر ولا ذكر مسائل الإمامة والتفضيل وكل هذه الأصول تذكر في مختصرات ~~المعتقدات التي يصنفها متأخرو الأشاعرة كالعقيدة القدسية لأبي حامد ~~والعقيدة البرهانية المختصرة من إرشاد أبي المعالي ونحوهما فضلا عن ~~الإعتقاد الذي تذكره أئمة الأشعرية كالقاضي أبي بكر وذويه فإنهم يزيدون على ~~ذلك إثبات الصفات الخبرية وإثبات العلو وأمثال ذلك فضلا عن الإعتقاد الذي ~~ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة وأصحاب الحديث فإن فيه جملا مفصلة ~~فضلا عما يذكره السلف والأئمة الكبار من الإثبات والتفصيل المبين للسنة ~~الفاصل بينها وبين كل بدعة ولهذا كان أصحاب هذا المصنف مع انتسابهم إلى ~~الأشعري إنما هم في باب الصفات مقرون بما تقر به المعتزلة ولا يقرون بما ~~تقر به الأشعرية من الزيادات وبحوث أبي عبد الله بن الخطيب تعطيهم ذلك فإن ~~الوقف والحيرة ظاهر على كلامه في إثبات الصفات ومسألة الرؤيا والكلام ~~وأمثالها بخلاف مسائل القدر فإنه جازم فيها بمخالفة المعتزلة وهذه الطريقة ~~تشبه من بعض الوجوه طريقة ضرار بن عمرو وحسين النجار وأمثالهما ممن كان يقر ~~بالقدر ولكنه في الصفات بين المعتزلة والأشعرية أو تشبه PageV01P085 طريقة ~~الواقفية الذين كانوا يقفون في القرآن فلا يقولون هو مخلوق ولا غير مخلوق # وكلام أئمة السنة في ذم هؤلاء وكلام متكلمة الصفاتية كالأشعري وغيره في ~~ذلك مشهور معروف فإن قيل فالمعتزلة لا تقر بمنكر ونكير والصراط والميزان ~~ونحو ذلك مما ذكره هذا المصنف قيل المعتزلة في ذلك على قولين منهم من يثبت ~~ذلك ومنهم من ينفيه على أن ما ذكره ليس فيه ما يدل على إثبات هذه الأمور ~~وإنما فيه الإقرار بكل ما أخبر به الرسول من هذه الأمور وليس في المعتزلة ~~ولا غيرهم من المسلمين من يقول لا أقر بما أخبر به الرسول بل كل مسلم يقول ~~إن ما أخبر به الرسول فهو حق يجب ms064 تصديقه به # وكل المسلمين من أهل السنة والبدعة يقولون آمنت بالله وما جاء عن رسول ~~الله على مراد رسول الله فإنه متى لم يقر بهذا فهو كفر كفرا ظاهرا ولا ~~يتميز بهذا القول المجمل مذهب أهل السنة عن غيرهم ولهذا لا يكتفي إمام من ~~أئمة السنة بمجرد هذا ومن نقل عن الشافعي وغيره أنه اكتفى بهذا فقد كذب ~~عليه وإنما هذا قول بعض المتأخرين وهو قول صحيح لا يخالف فيه إلا كافر لكن ~~العلم بالسنة مفصلا مقام آخر فالمبتدع إذا نازع السني لا ينازعه في تصديق ~~الرسول في كل ما أخبر به لكن ينازع هل أخبر بذلك الرسول أم لا وهل خبره على ~~ظاهره أم لا وهو لم يثبت لا هذا ولا هذا إذ هما من علم النقل ودلالة ~~الألفاظ وليس فيما ذكره شيء من هذا وهذا كما أن كلامه في التوحيد ليس مبنيا ~~على أصول الأشعرية ولا أصول المعتزلة بل على أصول المتفلسفة فهو متردد بين ~~الفلسفة والاعتزال وأخذ من بحوث المنتسبين إلى الأشعرية كالرازي ونحوه ما ~~قد يقوله هؤلاء وهؤلاء # وكذلك يحكي عنه خواص أصحابه أنه كان في الباطن يميل إلى ذلك وقد ظهر ذلك ~~في خواص المحدثين من أصحابه كالقشيري وغيره ومعلوم أنه PageV01P086 تكلم ~~بمبلغ علمه وحسب اجتهاده ونهاية عقله وغاية نظره # ولكن المقصود أن تعرف المقالات والمذاهب وما هي عليه من الدرجات والمراتب ~~ليعطي كل ذي حق حقه ويعرف المسلم أين يضع رجله # إذا تبين هذا فنحن ننبه على ما يتميز به أهل السنة عن المعتزلة ومن هو ~~أبعد عن الحق منهم كالمتفلسفة فنقول إذا ثبت بهذا الدليل إنه سبحانه متكلم ~~وثبت أن الرسل أخبروا بذلك فنقول الذي أخبرت به الرسل أنه متكلم بكلام قائم ~~بنفسه هذا هو الذي نبينه وهذا هو الذي فهمه عنهم أصحابهم ثم تابعوهم بإحسان ~~بل علموا هذا من دليل الرسل بالاضطرار ولم يكن في صدر الأمة وسلفها من ينكر ~~ذلك وأول من ابتدع خلاف ذلك الجعد بن درهم ثم صاحبه الجهم ms065 بن صفوان وكلاهما ~~قتل أما الجعد بن درهم الذي كان يقال إنه معلم مروان بن محمد آخر خلفاء بني ~~أمية وكان يقال له الجعدي نسبة إلى الجعد فإنه قتله خالد بن عبد الله ~~القسري ضحى به بواسط يوم النحر وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ~~فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم ~~موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه وكانوا أول ~~ما أظهروا بدعتهم قالوا إن الله لا يتكلم ولا يكلم كما حكي عن الجعد وهذه ~~حقيقة قولهم فكل من قال القرآن مخلوق فحقيقة قوله أن الله لم يتكلم ولا ~~يكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يحب فلما رأوا ما في ذلك من مخالفة القرآن ~~والمسلمين قالوا إنه يتكلم مجازا يخلق شيئا يعبر عنه لا إنه في نفسه يتكلم ~~فلما شنع المسلمون عليهم قالوا يتكلم حقيقة ولكن المتكلم هو من أحدث الكلام ~~وفعله ولو في غيره فكل من أحدث كلاما ولو في غيره كان متكلما بذلك الكلام ~~حقيقة وقالوا المتكلم من فعل الكلام لا من قام به الكلام وهذا الذي استقر ~~عليه قول المعتزلة وهم يموهون على الناس فيقولون أجمع المسلمون على أن الله ~~متكلم ولكن اختلفوا في معنى المتكلم هل هو من فعل الكلام أو من قام به ~~الكلام وما زعموه من أن المتكلم يكون PageV01P087 متكلما بكلام قائم بغير ~~قول خرجوا به عن العقل والشرع واللغة # وكان قدماء الصفاتية من السلف والأئمة والكلابية والكرامية والأشعرية ~~يحققون هذا المقام ويثبتون ضلال الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيه ولكن ~~الرازي ونحوه أعرض عنه وقال هذا بحث لفظي وزعم أنه قليل الفائدة ثم سلك ~~مسلكا ضعيفا في الرد عليهم قد بيناه في غير هذا الموضع # وهذا غلط عظيم جدا من وجهين أحدهما أن المسألة إذا كانت سمعية وأنت إنما ~~أثبت إنه متكلم بأن الرسل بلغت أمره ونهيه الذي هو كلامه كان من تمام ذلك ~~البحث عن مراد الرسل بكونه ms066 أمرا ناهيا متكلما هل مرادهم بذلك أنه خلق كلاما ~~في غيره أو أنه قام به كلام تكلم به والدلائل السمعية مقرونة بالبحث عن ~~ألفاظ الرسل ولغاتهم التي بها خاطبوا الخلق فصارت هذه المقدمة هي الركن ~~المعتمد في الرد على المعتزلة كما سلكه قدماه الصفاتية وأئمتهم بل هي الركن ~~المعتمد في معنى كونه متكلما إذا ثبت ذلك بالطرق السمعية # الثاني إن المسألة ليست لغوية فقط بل كون الصفة إذا قامت بمحل هل يعود ~~حكمها على ذلك المحل أو على غيره هو أن البحوث العقلية النافعة في هذا ~~المقام والسلف رضي الله عنهم عرفوا حقيقة المذهب وردوه بناء على هذا الأصل ~~كما ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال قال ابن مقاتل سمعت ابن المبارك ~~يقول من قال إني أنا الله لا إله إلا أنا مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق ~~أن يقول ذلك وقال إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام ~~الجهمية وقال سليمان بن داود الهاشمي من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر وإن ~~كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال ~~أنا ربكم الأعلى وزعموا أن هذا مخلوق ومن قال إني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني مخلوق فهذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون فلم صار فرعون أولى بأن ~~يخلد في النار من هذا وكلاهما عنده مخلوق فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه ~~وأعجبه PageV01P088 # قال البخاري قال أبو الوليد سمعت يحيى بن سعيد وذكر له أن قوما يقولون ~~القرآن مخلوق فقال كيف يصنعون ب قل هو الله أحد الله الصمد كيف يصنعون ~~بقوله إني أنا الله لا إله إلا أنا وروي عن وكيع بن الجراح أنه قال لا ~~تستخفوا بقولهم القرآن مخلوق فإنه من شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل # ومعنى كلام السلف أن من قال إن كلام الله مخلوق فحقيقة قوله أن الله ~~تعالى لا يتكلم وإن المحل الذي قام به إنني أنا الله لا إله إلا ms067 أنا هو ~~المدعى الإلهية كما أن فرعون لما قام به أنا ربكم الأعلى كان مدعيا ~~للربوبية وكلام السلف مبني على ما يعلمونه من أن الله خالق أفعال العباد ~~وأقوالهم وإذا كان كلامه ما خلقه في غيره كان كل كلام كلامه وكان كلام ~~فرعون كلامه إذ المتكلم من قام به الكلام فلا يكون متكلما بكلام يكون في ~~غيره كسائر الصفات والأفعال فإنه لا يكون عالما بعلم يقوم بغيره ولا قادر ~~بقدرة تقوم بغيره ولا حيا بحياة تقوم بغيره وكسائر الموصوفين فإن الشيء لا ~~يكون حيا عالما قادرا بحياة أو علم أو قدرة تقوم بغيره ولا يكون متحركا أو ~~ساكنا يحركة أو سكون يقوم بغيره كما لا يكون متلونا بلون يقوم بغيره # وهنا أربع مسائل مسألتان عقليتان ومسألتان سمعيتان لغويتان الأولى أن ~~الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك المحل فكان هو الموصوف بها فالعلم ~~والقدرة والكلام والحركة والسكون إذا قام بمحل كان ذلك المحل هو العالم ~~القادر المتكلم أو المتحرك أو الساكن الثانية أن حكمها لا يعود على غير ذلك ~~المحل فلا يكون عالما بعلم يقوم بغيره ولا قادرا بقدرة تقوم بغيره ولا ~~متكلما بكلام يقوم بغيره ولا متحركا بحركة تقوم بغيره وهاتان عقليتان # الثالثة أنه يشتق لذلك المحل من تلك الصفة اسم إذا كانت تلك الصفة مما ~~يشتق لمحلها منها اسم كما إذا قام العلم أو القدرة أو الكلام أو الحركة ~~بمحل قيل عالم أو قادر أو متكلم أو متحرك بخلاف أصناف الروائح PageV01P089 ~~التي لا يشتق لمحلها منها اسم # الرابعة أنه لا يشتق الاسم لمحل لم يقم به تلك الصفة فلا يقال لمحل لم ~~يقم به العلم أو القدرة أو الإرادة أو كلام أو الحركة إنه عالم أو قادر أو ~~مريد أو متكلم أو متحرك # والجهمية والمعتزلة عارضوا هذا بالصفات الفعلية فقالوا إنه كما أنه خالق ~~عادل بخلق وعدل لا يقوم به بل هو موجود في غيره فكذلك هو متكلم مريد بكلام ~~وإرادة لا تقوم به بل يقوم الكلام ms068 بغيره ممن سلم لهم هذا النقص كالأشعري ~~ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد أظهر تناقضهم ولم يجيبوهم بجواب ~~مستقيم وأما السلف وجمهور المسلمين من جميع الطوائف فإنهم طردوا أصلهم ~~وقالوا بل الأفعال تقوم به كما تقوم به الصفات والخلق ليس هو المخلوق وذكر ~~البخاري أن هذا إجماع العلماء ومن قال الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية وفعلية ~~ولم يجعل الأفعال تقوم به فكلامه فيه تلبيس فإنه سبحانه لا يوصف بشيء لا ~~يقوم به وإن سلم أنه يتصف بما لا يقوم به فهذا هو أصل الجهمية الذين يصفونه ~~بمخلوقاته ويقولون إنه متكلم ومريد وراض وغضبان ومحب ومبغض وراحم لمخلوقات ~~يخلقها منفصلة عنه لا بأمور تقوم بذاته # إذا تبين ذلك فالسلف لما علموا هذا علموا أن قول من قال إني أنا الله لا ~~إله إلا أنا مخلوق يوجب أن يكون هذا الكلام كلاما للشجرة لا كلاما لله لأنه ~~قام بالشجرة لم يقم بالله كما ان كلام فرعون قام به وإن كان الله خالق ذلك ~~كله فإنه خالق العباد وأفعالهم وكلامهم وهذا أيضا مما يبين أنه لو كان من ~~يخلق الكلام في غيره متكلما لوجب أن يكون كل كلام في الوجود كلامه وهذا ~~يقوله غالية الجهمية الاتحادية كصاحب الفصوص ونحوه فإنه يقول % وكل كلام في ~~الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % $ # ومعلوم أن هذا الكلام أعظم من كفر عباد الأصنام كما ذكر ابن المبارك ~~PageV01P090 وغيره من السلف وأيضا فإن الله تعالى قد أنطق أشياء كما قال ~~تعالى @QB@ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ ~~يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين @QE@ وقال @QB@ حتى ~~إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء @QE@ فهو منطق ~~كل شيء وخالق نطقه ولا نزاع أنه خالق النطق في غير الحي المختار وإنما ~~تنازعت القدرية في خلق أقوال الأحياء وأفعالهم فإن كان حقيقة كلامه ما خلقه ~~في غيره ms069 من الكلام فهذا جميعه كلامه وما في هذا الكلام المخلوق من ضمير ~~المتكلم إما أن يعود إلى خالقه أو إلى محله فإن عاد إلى خالقه كانت شهادة ~~الأعضاء شهادة الله وكان قول فرعون أنا ربكم الأعلى قولا لله وكان قولهم ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قولا لله وكان قول الجلود أنطقنا الله الذي أنطق كل ~~شيء بمعنى أنطلقت نفسي # ولم يكن فرق عندهم بين نطق وأنطق وإن عاد الضمير إلى محله كان الكلام ~~المخلوق في الشجرة إنني أنا الله لا إله إلا أنا كلاما للشجرة فتكون الشجرة ~~هي القائلة إنني أنا الله لا إله إلا أنا وهذه حقيقة قولهم لما ثبت من أن ~~الكلام كلام لمن قام به فيكون ضمير المتكلم فيه عائدا إلى محله ولما كان ~~هذا المعنى مستقرا في فطر الناس وعقولهم كان السلف يقصدون بمجرد قولهم ~~القرآن كلام الله الرد على هؤلاء الجهمية الذين حقيقة قولهم إن القرآن ليس ~~كلام الله وإنما هو كلام لجسم مخلوق وحقيقة قولهم إن الله لم يكلم موسى ~~وإنما كلمه مخلوق من مخلوقاته قال البخاري قال عبد الرحمن ابن عفان سمعت ~~سفيان بن عيينة في السنة التي ضرب فيها المريسي فقام ابن عيينة من مجلسه ~~مغضبا قال ويحكم القرآن كلام الله قد صحبت الناس وأدركتهم هذا عمرو بن ~~دينار وهذا ابن المنكدر حتى ذكر منصور والأعمش ومسعر بن كدام فقال ابن ~~عيينة قد تكلموا في الاعتزال والرفض والقدر وأمرونا باجتناب القوم ~~PageV01P091 فما نعرف القرآن إلا كلام الله ومن قال غير هذا فعليه لعنة ~~الله وما أشبه هذا القول بقول النصارى لا تجالسوهم ولا تسمعوا كلامهم # وابن عيينة أخرج هذا القول عن الرفض والاعتزال لأن المعتزلة أولا الذين ~~كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية وإنما كانوا يتكلموا في ~~الوعيد وإنكار القدر وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا ولهذا لما ذكر ~~الإمام أحمد بن حنبل في رده على الجهمية قول جهم قال فاتبعه قوم من أصحاب ~~عمرو بن عبيد وغيره ms070 واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام ~~وأشباههم من أهل الكلام # وأما الرافضة فلم يكن في قدمائهم من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في ~~التجسم مشهورا عن شيوخهم هشام بن الحكيم وأمثاله # وقال البخاري حدثني الحكم بن محمد الطبري كتبت عنه بمكة قال حدثنا سفيان ~~بن عيينة قال أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون ~~القرآن كلام الله وليس بمخلوق قلت كان المريسي قد صنف كتابا في نفي الصفات ~~وجعل يقرؤه بمكة في أواخر حياة ابن عيينة فشاع بين علماء أهل مكة ذلك ~~وقالوا صنف كتابا في التعطيل فسعوا في عقوبته وحبسه وذلك قبل أن يتصل ~~بالمأمون ويجري من المحنة ما جرى وقول ابن عيينة ما أشبه هذا الكلام بكلام ~~النصارى هو كما قال كما قد بسط في غير هذا الموضع فإن عيسى مخلوق وهم ~~يجعلونه نفس الكلم لا يجعلونه المخلوق بالكلمة وأيضا فأئمة نصارى كغشتكين ~~أحد فضلائهم الأكابر يقولون إن الله ظهر في صورة البشر مترائيا لنا كما ظهر ~~كلامه لموسى في الشجرة فالصوت المسموع هو كلام الله وإن كان خلقه في غيره ~~وهذا المرئي هو الله وإن كان قد حل في غيره # قال البخاري وقال علي بن عاصم ما الذين قالوا بأن لله ولدا أكفر من الذين ~~قالوا إن الله لا يتكلم قال وقال علي بن عبد الله يعني بن المديني القرآن ~~كلام الله من قال إنه مخلوق فهو كافر لا يصلى خلفه قال وقال أبو الوليد ~~PageV01P092 من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن لم يعقد قلبه على أن القرآن ~~ليس بمخلوق فهو خارج عن الإسلام قال وقال أبو عبيد نظرت في كلام اليهود ~~والنصارى والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم وإني لأستجهل من لا ~~يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم قال وقال معاوية بن عمار سمعت جعفر بن محمد ~~يقول القرآن كلام الله ليس بمخلوق وهذا باب واسع كبير منتشر في كتب السنة ~~والحديث فهذا تمام ما قرره في مسألة ms071 الكلام PageV01P093 $ فصل # وللناس طرق أخرى في إثبات كون الله متكلما منها ما في القرآن من الأخبار ~~عن ذلك كقوله تعالى قال الله ويقول الله وقوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما ~~@QE@ وقوله @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه @QE@ وما ذكره في القرآن ~~من كلمة وكلماته كقوله تعالى @QB@ ولولا كلمة سبقت من ربك @QE@ وقوله @QB@ ~~وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا @QE@ وما فيه من ذكر مناداته ومناجاته كقوله @QB@ ~~وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا @QE@ وقوله @QB@ ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون @QE@ @QB@ ويوم يناديهم فيقول ماذا ~~أجبتم المرسلين @QE@ @QB@ وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين @QE@ ~~وما في القرآن من ذكر أنبائه وقصصه كقوله @QB@ قد نبأنا الله من أخباركم ~~@QE@ وقوله @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص @QE@ وما في القرآن من ذكر حديثه ~~كقوله @QB@ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن ~~أصدق من الله حديثا @QE@ وقوله @QB@ الله نزل أحسن الحديث @QE@ من القول ~~منه وقوله @QB@ ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ قوله الحق وله الملك @QE@ الآية # وما ذكر في القرآن أنه منه أو ما أضيف إليه فإن كان عينا قائمة بنفسها أو ~~أمرا قائما بتلك العين كان مخلوقا كقوله في عيسى وروح منه وقوله @QB@ وسخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ وقوله تعالى @QB@ وما بكم ~~من نعمة فمن الله @QE@ # وأما ما كان صفة لا تقوم بنفسها ولم يذكر لها محل غير الله كان صفة له ~~فكالقول والعلم والأمر إذا أريد به المصدر كان المصدر من هذا الباب كقوله ~~PageV01P094 تعالى @QB@ ألا له الخلق والأمر @QE@ وإن أريد به المخلوق ~~المكون بالأمر كان من الأول كقوله تعالى @QB@ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ~~@QE@ # وبهذا يفرق بين كلام الله سبحانه وعلم الله وبين عبد الله وبيت الله ~~وناقة الله وقوله @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا @QE@ وهذا ~~أمر معقول في الخطاب فإذا قلت علم فلان وكلامه ومشيئته لم يكن شيئا باينا ~~عنه والسبب في ذلك ms072 أن هذه الأمور صفات لما تقوم به فإذا أضيفت إليه كان ذلك ~~إضافة صفة لموصوف إذ لو قامت بغيره لكانت صفة لذلك الغير لا لغيره # واعلم أن الاستدلال على الكلام بمثل هذه السمعيات أكمل من الاستدلال على ~~السمع والبصر بالسمعيات لأن ما أخبر الله به عن نفسه من قوله وكلامه ونبائه ~~وقصصه وأمره ونهيه وتكليمه وندائه ومناجاته وأمثال ذلك أضعاف وأضعاف ما ~~أخبر به من كونه سميعا بصيرا # وأيضا فإنه نوع الإخبار عن كل نوع من أنواع الكلام وثنى ذلك وكرره في ~~مواضع ولا يحصى ما في القرآن من ذلك إلا بكلفة ومن المعلوم بالاضطرار أن ~~المخاطبين لا يفهمون من هذا الكلام عند الإطلاق إنه خلق صوتا في غيره وإنما ~~يفهمون منه هو الذي تكلم بذلك وقاله كما قالت عائشة في حديث الإفك ولشأني ~~في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى فلو كان المراد بهذه الجمل ~~الكثيرة العظيمة البينة الصريحة خلاف مفهومها ومقتضاها لوجب بيان ذلك إذ ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ثم لا يقدر أحد أن يحكي عنهم أنهم ~~جعلوا الكلام كلاما لمن أحدثه في غيره بل لا يوجد في كلامهم قال ويقول تكلم ~~ويتكلم إلا إذا كان الكلام قائما بذاته # وإذا احتجت الجهمية من المعتزلة ونحوهم بأن أحدنا إنما كان متكلما لأنه ~~فعل الكلام قيل هو لم يحدثه في غيره ولم يباين كلامه نفسه وأنتم تجعلون ~~الكلام البائن للمتكلم كلاما له فإن قالوا ولا نعقل الكلام إلا كلام لمن ~~فعله بمشيئته وقدرته فإن كلام أحدنا لم يكن كلاما له بمجرد قيامه بذاته بل ~~لكونه فعله قيل PageV01P095 أما كلام أحد فهو قائم به وهو تكلم به في ذاته ~~ومشيئته وقدرته فهو قد جمع الوصفين أنه قائم بذاته وأنه تكلم به بمشيئته ~~وقدرته فليس جعلكم الكلام كلامه لمجرد كونه فعله بأولى من جعل غيركم الكلام ~~كلاما له لمجرد كونه قام بذاته # وهذا موضع تنازعت فيه الصفاتية بعد اتفاقهم على تضليل الجهمية من ~~الفلاسفة والمعتزلة ms073 ونحوهم على قولين مشهورين حتى القائلون بأن الكلام معنى ~~قائم بنفس المتكلم وراء الأصوات تنازعوا في ذلك كما ذكره أبو محمد ابن كلاب ~~فيما حكاه عنه أبو بكر ابن فورك قال ابن فورك فأما صريح عبارته وما نص عليه ~~في كتاب الصفات الكبيرة في تحقيق الكلام فإنه قال فأما الكلام فإنه على ما ~~شاهدناه منه معنى قائم بالنفس فقوم يزعمون أنه نعت لها وقوم يزعمون أنه فعل ~~من أفعالها إلا أنهم يعبرون عنه بالألفاظ والكتاب والإيماء وكل ذلك قد يسمى ~~كلاما وقولا لأدائه ما يؤدى عن تلك المعاني الخفيات # وكذلك أبو بكر عبد العزيز ذكر في كتابه ما ذكره القاضي أبو يعلى عنه أن ~~أصحاب الإمام أحمد تنازعوا في معنى قولهم القرآن غير مخلوق هل المراد به ~~أنه صفة لازمة له كالعلم والقدرة أو أنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء وهذه ~~المسألة متعلقة بمسألة قيام الأفعال بذاته المتعلقة بمشيئته هل يجوز أم لا ~~كالإتيان والمجيء والاستواء ونحو ذلك وتسمى مسألة حلول الحوادث وكل طائفة ~~من طوائف الأمة وغيرهم فيها على قولين حتى الفلاسفة لهم فيها قولان ~~لمتقدميهم ومتأخريهم # وذكر أبو عبد الله الرازي أن جميع الطوائف تلزمهم هذه المسألة وإن لم ~~يلتزموها وأول من صرح بنفيها الجهمية من المعتزلة ونحوهم ووافقهم على ذلك ~~أبو محمد بن كلاب وأتباعه كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي ~~الحسن الأشعري ومن وافقهم من أتباع الأئمة كالقاضي أبي يعلى وأبي الوفاء بن ~~عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وهو قول طائفة من متأخري أهل الحديث كأبي حاتم ~~البستي والخطابي ونحوهما وكثير من طوائف أهل الكلام PageV01P096 يثبتها ~~كالهشامية والكرامية والزهيرية وأبي معاذ التومني وأمثالهم كما ذكره ~~الأشعري عنهم في المقالات وهو قول أساطين فلسفة المتقدمين كأبي البركات ~~صاحب المعتبر وأمثاله من المتفلسفة وهو قول جمهور أئمة الحديث كما ذكره ~~عثمان بن سعيد الدارمي وإمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة وغيرهما عن مذهب ~~السلف والأئمة وكما ذكره شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري وأبو عمر بن عبد ~~البر ms074 النميري # وقاله طوائف من أصحاب أحمد كالخلال وصاحبه وأبي حامد وأمثالهم وقاله داود ~~بن علي الأصفهاني وأتباعه وهو مقتضى ما ذكروه عن السلف والأئمة من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم إلى عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاري صاحب ~~الصحيح وأمثالهم وعليه يدل كلام السلف فهؤلاء إذا قالوا المتكلم من قام به ~~الكلام وهو يتكلم بمشيئته وقدرته خصموا المعتزلة وانقطعت حجتهم عنهم فإنهم ~~اعتبروا الوصفين جميعا فمن جعل المتكلم من قام به الكلام وإن لم يكن متكلما ~~بمشيئته وقدرته أو جعله من فعله بمشيئته وقدرته وإن لم يكن قائما به لحذف ~~أحد الوصفين # ولا ريب أن الطرق الدالة على الإثبات والنفي إما السمع وإما العقل أما ~~السمع فليس مع النفاة منه شيء بل القرآن والأحاديث هي من جانب الإثبات ~~كقوله تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين @QE@ وقوله @QB@ وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ وقوله @QB@ خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش @QE@ وقوله @QB@ ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان @QE@ وقوله @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ وأمثال ذلك مما في القرآن فإنه كثير جدا # وكذلك الأحاديث الصحيحة كقوله عليه الصلاة والسلام لما صلى بهم ~~PageV01P097 صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل أتدرون ماذا ~~قال ربكم الليلة قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنه قال أصبح من عبادي مؤمن ~~بي وكافر بالكوكب وما يذكره من خطابه للعباد يوم القيامة وخطابه للملائكة ~~وأمثال ذلك بل كل ما تحتج به المعتزلة على أن القرآن مخلوق من نحو هذا فإنه ~~لا يدل على أنه بائن منه وإنما يدل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته فيمكن ~~هؤلاء التزامه ويكون قولهم متضمنا للإيمان بجميع ما أنزله الله مما يدل على ~~أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وعلى أن كلامه غير مخلوق بخلاف غيرهم فإنه يقرر ~~بعض النصوص ويرد بعضها بتحريف أو تفويض ومن جعله متكلما ms075 بمشيئة وقدرته وقال ~~إن كلامه قائم به زال عنه هذا كله والمنازع لهم يحتاج أن يقرر بالعقل ~~امتناع ذلك ثم يبين أنه يمكن تأويله # فأما الطرق العقلية فالمثبتون يقولون إنها من جانبهم دون جانب النفاة كما ~~تزعم النفاة أنها من جانبهم وذلك أنهم قالوا إن قدرته على ما يقوم به من ~~الكلام والفعل صفة كمال كما أن ما يقوم به من العلم والقدرة صفة كمال ومن ~~المعلوم أن من قدر على أن يفعل ويتكلم أكمل ممن لا يقدر على ذلك كما أن ~~قدرته على أن يبدع الأشياء صفة كمال والقادر على الخلق أكمل ممن لا يقدر ~~على الخلق # وقالوا الحي لا يخلو عن هذا والحياة هي المصصحة لهذا كما هي المصححة ~~لسائر الصفات وإذا قدر حي لا يقدر على أن يفعل بنفسه ويتكلم بنفسه كان عجزا ~~بمنزلة الزمن والأخرص كما أنه إذا قدر حي لا يسمع ولا يبصر كان أصم أعمى ~~فما من طريق يسلكه الصفاتية في إثبات صفاته إلا يسلك هؤلاء نظيره من إثبات ~~ذلك # ولا ريب أن النفاه نوعان أحدهما وهم الأصل المعتزلة ونحوهم من الجهمية ~~فهؤلاء ينفون الصفات مطلقا وحجتهم على نفي قيام الأفعال به من جنس حجتهم ~~على نفي قيام الصفات به وهم يسوون في النفي بين هذا وهذا PageV01P098 كما ~~صرحوا بذلك وليس لهم حجة تختص بنفس قيام الحوادث وأما مثبته الصفات الذين ~~ينفون الأفعال الاختيارية القائمة به كابن كلاب والأشعري فإنهم فرقوا بين ~~هذين بأنه لو جاز قيام الحوادث به لم يخل منها لأن القابل للشيء لا يخلو ~~عنه وعن ضده وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث وبهذا استدلوا على حدوث ~~الأجسام لأنها لا تخلو من الأعراض الحادثة كالحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق فأجابهم الأولون بثلاثة أجوبة أحدهما أن استدلالكم بقيام الأفعال ~~به على حدوثه هو نظير استدلال المعتزلة بقيام الصفات به على حدوثه وقالوا ~~الصفات أعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم ففرقتم أنتم بين الصفات وهي ~~اللازمة وبين الأعراض وهو فرق سوري يرجع في ms076 الحقيقة إلى الاصطلاح فإن جاز ~~أن تقوم به الصفات التي هي أعراض في غيره ولا يكون جسما محدثا جاز أن تقوم ~~به الأفعال التي هي حركات في غيره ولا يكون جسما محدثا وهذا إلزام # الثاني قالوا لهم لا نسلم أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وقد اعترف ~~أبو عبد الله الرازي وأبو الحسن الآمدي ونحوهما بفساد هذا الأصل وعليه بنى ~~الأشعري وأصحابه كلامهم في مسألة امتناع قيام الحوادث به ومسألة القرآن ~~ونحوهما من المسائل # الثالث هب أنه لا يخلو عنه وعن ضده وأن ذلك يستلزم تعاقب الحوادث لكن لا ~~نسلم أن ذلك يسلتزم حدوث ما قام به قالوا والدليل الذي ذكرتموه على حدوث ~~العالم من هذا الوجه دليل ضعيف وقد ألزمكم الفلاسفة فيه إلزاما لم تنفصلوا ~~عنه ولا يمكنكم الانفصال عنه إلا بتجويز ذلك على القديم فإنهم قالوا ما حدث ~~بعد أن لم يكن فلا بد له من سبب حادث فإن ذلك الحادث ممكن والممكن لا يترجح ~~أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح والمرجح إن لم يجب حصول الممكن عند حصوله لم ~~يكن مرجحا تاما فافتقر إلى تمامه ثم القول في حدث ذلك التمام كالقول في ~~حدوث الأول فلا بد من PageV01P099 مرجح تام يجب عنده الحادث فلا بد لكل ~~حادث من سبب تام يحصل الحادث عند تمام ذلك السبب فإذا كان العالم محدثا بعد ~~أن لم يكن ولم يحدث سبب يقتضي حدوثه فلم يكن حين ابداعه أمر يوجب ترجيحه لم ~~يكن قبل إبداعه بل الحالان سواء فيلزم ترجيح الحدوث بلا مرجح # وهذا الموضع هو أصعب المواضع على المتكلمين في بحثهم مع الفلاسفة في ~~مسألة حدوث العالم وهذه الشبهة أقوى شبهة الفلاسفة فإنهم لما رأوا أن ~~الحدوث يمتنع إلا بسبب حادث قالوا والقول في ذلك الحادث كالقول في الأول # وقال هؤلاء المثبتة لقيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى وعلى أصلنا ~~يبطل كلام الفلاسفة فإنه يقال لهم أنتم تجوزون قيام الحوادث بالقديم إذ ~~الفلك قديم عندكم والحركات تقوم به وتجوزون حوادث ms077 لا أول لها وتعاقب ~~الحركات على الشيء لا يسلتزم حدوثه واذا كان كذلك فلم يجوز أن يكون الخالق ~~للعالم له أفعال اختيارية تقوم بها يحدث بها الحوادث ولا يكون تسلسلها ~~وتعاقبها دليلا على حدوث ما قامت به # قال هؤلاء لأصحابهم الذين أثبتوا حدوث العالم بهذه الطرق تسلط عليكم ~~الفلاسفة في مسألة حدوث العالم فإنكم إذا أثبتم حدوث العالم وقلتم المحدث ~~لا بد له من محدث لأن تخصيص الحوادث ببعض الأوقات دون بعض لا بد له من مخصص ~~قال لكم الدهرية فأنتم تجوزون الحدوث من غير سبب حاديث يقتضي التخصيص ببعض ~~الحوادث دون بعض # فإن قلتم القديم يخصص مثلا عن مثل بلا سبب أصلا جوزتم تخصيص أحد المثلين ~~على الأخر بغير مخصص وهذا يفسد عليكم إثبات العلم بالصانع وهو المقصود ~~بطريقكم فسلكتم طريقا لم تحصل المقصود من العرفان وسلطتم عليكم أهل الضلال ~~والعدوان كمن أراد أن يغزو العدو بغير طريق شرعي فلا فتح بلادهم ولا حفظ ~~بلاده بل سلطهم حتى صاروا PageV01P100 يحاربونه بعد أن كانوا عاجزين عنه # ولهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام المحدث المخالف للكتاب والسنة إذ كان ~~فيه من الباطل في الأدلة والأحكام ما أوجب تكذيب بعض ما أخبر به الرسول ~~وتسلط العدو على أهل الإسلام وليس هذا موضع بسط الكلام في هذه الأمور ~~الكبيرة العظيمة بل نبهنا عليها تنبيها مختصرا بحسب ما يحتمله هذا المقام ~~فإن الكلام في مسألة الكلام حير عقول أكثر الأنام الذين ضعفت معرفتهم ~~وأتباعهم لما بعث الله به رسله الكرام ولهم طرق سمعية في تقريره يطول ذكرها # وأما الطرق العقلية فمن وجوه أحدها أن الحي إذا لم يتصف بالكلام لزم ~~اتصافه بضده كالسكوت والخرس وهذه آفة يتنزه الله عنها فتعين اتصافه بالكلام ~~وهذا المسلك يسلكونه في إثبات كونه سميعا بصيرا أيضا فإنه إذا كان حيا ولم ~~يكن سميعا بصيرا لزم اتصافه بضد ذلك من الصميم والعمى # الثاني أن الكلام صفة كمال وهنالك من جعله صفة لا تتعلق بمشيئته واختياره ~~جعله كالعلم والقدرة ومن قال ms078 إنه يتعلق بمشيئته وقدرته قال كونه متكلما ~~يتكلم إذا شاء صفة كمال وقد يقول بطرد ذلك في كونه فاعلا الأفعال ~~الاختيارية القائمة بنفسه ويجعل هذا كله من صفات الكمال وقد يقول القدرة ~~على ذلك هي صفة الكمال إذ الكمال لا يجوز أن يفارق الذات فإنه لم يزل ولا ~~يزال كاملا مستحقا لجميع صفات الكمال فالقدرة على كونه يقول ما شاء ويفعل ~~ما شاء صفة كمال فالقدرة وحدها غير القدرة مع ما يقترن بها من المقدورية ~~وهذا ينبني على أن ما يقوم به من ذلك هل كله مسبوق بالعدم أو لم يزل ذلك ~~يقوم به وفيه لهم قولان أحدهما أنه مسبوق بالعدم كما تقوله الكرامية وغيرهم # والثاني أنه ليس مسبوقا بالعدم وهو مذهب أكثر أهل الحديث وكثير من أهل ~~الكلام والفقه والتصوف PageV01P101 # الثالث أن يقال المخلوق ينقسم إلى متكلم وغير متكلم والمتكلم أكمل من غير ~~المتكلم وكل كمال هو في المخلوق مستفاد من الخالق فالخالق به أحق وأولى ومن ~~جعله لا يتكلم فقد شبهه بالموات والجماد الذي لا يتكلم وذلك صفة نقص إذ ~~المتكلم أكمل من غيره قال تعالى في ذم من يعبد من لا يتكلم ولا ينفع ولا ~~يضر @QB@ أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا @QE@ ~~وقال في الآية الأخرى @QB@ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل ~~على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم @QE@ فعاب الصنم بأنه أبكم لا يقدر على شيء إذ كان من المعلوم ~~أن العجز عن النطق والفعل صفة نقص فالنطق والقدرة صفة كمال # والفرق بين هذه الطريق وبين التي قبلها أن هذه الاستدلال بما في المخلوق ~~من الكمال على أن الخالق أحق به وأنه يمتنع أن يكون مضاهيا للناقص والأولى ~~أنه مستحق لصفات الكمال من حيث هي مع قطع النظر عن كونها ثابتة في ~~المخلوقات لامتناع ms079 النقص عليه بوجه من الوجوه سبحانه وتعالى PageV01P102 $ ~~فصل # قال والدليل على كونه سميعا بصيرا السمعيات قلت إثبات كونه سميعا بصيرا ~~وأنه ليس هو مجرد العلم بالمسموعات والمرئيات هو قول أهل الإثبات قاطبة من ~~أهل الإثبات قاطبة من أهل السنة والجماعة من السلف والأئمة وأهل الحديث ~~والفقه والتصوف والمتكلمين من الصفاتية كأبي محمد بن كلاب وأبي العباس ~~القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأصحابه وطائفة من المعتزلة البصريين بل ~~قدماؤهم على ذلك ويجعلونه سميعا بصيرا لنفسه كما يجعلونه عالما قادرا لنفسه ~~وإثبات ذلك كإثبات كونه متكلما بل هو أقوى من بضع الوجوة فإن المعتزلة ~~البصريين يثبتونه مدركا مثل كونه عليما قديرا بخلاف كونه متكلما فإنه من ~~باب كونه خالقا # وللناس في إثبات كونه سميعا بصيرا طرق أحدها السمع كما ذكره وهو ما في ~~الكتاب والسنة من وصفه بأنه سميع بصير ولا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم ~~بما يسمع ويرى لأن الله فرق بين العلم وبين السمع والبصر وفرق بين السمع ~~والبصر وهو لا يفرق بين علم وعلم لتنوع المعلومات قال تعالى @QB@ وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم @QE@ وفي موضع ~~آخر @QB@ إنه سميع عليم @QE@ قال تعالى @QB@ وإن عزموا الطلاق فإن الله ~~سميع عليم @QE@ ذكر سمعه لأقوالهم وعلمه ليتناول باطن أحوالهم وقال لموسى ~~وهارون @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ وفي السنن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قرأ على المنبر @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ~~وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان ~~سميعا بصيرا @QE@ ووضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه ولا ريب أن مقصوده ~~بذلك تحقيق الصفة لا تمثيل الخالق بالمخلوق فلو كان السمع والبصر ~~PageV01P103 العلم لم يصح ذلك # الطريق الثاني إنه لو لم يتصف بالسمع والبصر لاتصف بضد ذلك وهو العمى ~~والصمم كما قالوا مثل ذلك في الكلام وذلك لأن المصحح لكون الشيء سميعا ~~بصيرا متكلما هو الحياة فإذا انتفت الحياة امتنع إتصاف المتصف بذلك ~~فالجمادات ms080 لا توصف بذلك لانتفاء الحياة فيها وإذا كان المصحح هو الحياة كان ~~الحي قابلا لذلك فإن لم يتصف به لزم اتصافه بأضداده بناء على أن القابل ~~للضدين لا يخلو من اتصافه بأحدهما إذ لو جاز خلو الموصوف عن جميع الصفات ~~المتضادات لزم وجود عين لا صفة لها وهو وجود جوهر بلا عرض يقوم به # وقد علم بالاضطرار امتناع خلو الجواهر عن الأعراض وهو امتناع خلو الأعيان ~~والذات من الصفات وذلك بمنزلة أن يقدر المقدر جسما لا متحركا ولا ساكنا ولا ~~حيا ولا ميتا ولا مستديرا ولا ذا جوانب ولهذا أطبق العقلاء من أهل الكلام ~~والفلسفة وغيرهم على إنكار زعم تجويز وجود جوهر خال عن جميع الأعراض وهو ~~الذي يحكي عن قدماء الفلاسفة من تجويز وجود مادة خالية عن جميع الصور ويذكر ~~هذا عن شيعة أفلاطون وقد رد ذلك عليهم أرسطو وأتباعه وقد بسطنا الكلام في ~~الرد على هؤلاء في غير هذا الموضع وبينا أن ما يدعيه شيعة أفلاطون من إثبات ~~مادة في الخارج خالية عن جميع الصور ومن إثبات خلاء موجود غير الأجسام ~~وصفاتها من إثبات المثل الأفلاطونية وهو إثبات حقائق كلية خارجة عن الذهن ~~غير مقارنة للأعيان الموجودة المعينة فظنوها ثابتة في الخارج عن أذهانهم ~~كما ظن قدماؤهم الفيثاغورية أن العدد أمر موجود في الخارج بل وما ظنه أرسطو ~~وشيعته من إثبات مادة في الخارج مغايرة للجسم المحسوس وصفاته وإثبات ماهيات ~~كلية للأعيان مقارنة لأشخاصها في الخارج هو أيضا من باب الخيال حيث اشتبه ~~عليه ما في الذهن بما في الخارج وفرق بين الوجود والماهية في الخارج ~~PageV01P104 # وأصل ذلك أن الماهية في غالب اصطلاحهم اسم لما يتصور في الأذهان والوجود ~~اسم لما يوجد في الأعيان والفرق بين ما في الذهن وما في الخارج لا ينازع ~~فيه عاقل فهمه لكنهم بعدها ظنوا أن في الخارج ماهية للشيء الموجود مغايرة ~~للشخص الموجود في الخارج # وهذا غلط ما في النفس سواء سمي وجودا ذهنيا أو ماهية ذهنية أو غير ذلك هو ~~مغاير ms081 لما في الخارج سواء سمى ذلك وجودا أو ماهية أو غير ذلك وأما أن يقال ~~أن في الخارج في الجوهر المعين الموجود كالإنسان مثلا جوهرين أحدهما ماهية ~~والآخر وجوده فهذا باطل كبطلان قولهم أن فيه جوهرين أحدهما مادته والآخر ~~صورته وكقولهم أنه مركب من الحيوانية والناطفية فإن الحيوانية والناطقية إن ~~أرادوا إنها جوهران وهما الحيوان والناطق فالشخص المعين هو الحيوان وهو ~~الناطق وليس هنا شخصان أحدهما حيوان والآخر ناطق وإن أردوا نفس الحياة ~~والنطق فهذان صفتان قائمتان بالإنسان وصفة الموصوف قائمة به قيام العرض ~~بالجوهر والجوهر لا يتركب من أعراضه القائمة به ولا يكون وجود أعراضه سابقا ~~لذاته والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن أرسطو وأتباعه وأمثاله من أهل الفلسفة أنكروا على من جوز ~~منهم وجود مادة بلا صورة فهم مع أصناف الكلام وسائر العقلاء متفقون على ~~امتناع خلو الجسم عن جميع الصفات والأعراض وإن جوز ذلك الصالحي ابتداء فلم ~~يجوزه دواما والجمهور منعوه ابتداء ودواما وإن ما تنازع الناس في استلزامه ~~لجميع أجناس الأعراض فقيل إنه لا بد أن يقوم به من الأعراض المتضادة واحد ~~منها وما لا ضد له لا بد أن يقوم به واحد من جنسه وهذا قول الأشعري ومن ~~اتبعه وقيل لا بد أن يقوم به الأكوان وهي الحركة أو السكون والاجتماع ~~والافتراق ويجوز خلوه عن غيرها وهو قول البصريين من المعتزلة وقيل يجوز ~~خلوه عن الأكوان دون الألوان كما يذكر الكعبي PageV01P105 وأتباعه من ~~البغدادين منهم وهؤلاء قد يتنازعون في قبول الشيء من الأجسام بكثير من ~~الأعراض ويتفقون على امتناع خلو الجسم عن العرض وضده بعد قبوله له وذلك لأن ~~خلو الموصوف عن الضدين اللذين لا ثالث لهما مع قبوله لهما ممتنع في العقول ~~وبهذا يتبين أن الحي القابل للسمع والبصر والكلام إما أن يتصف بذلك وإما أن ~~يتصف بضده وهو الصمم والبكم والخرس ومن قدر خلوه عنهما فهو مشابه للقرامطة ~~الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت ولا عالم ms082 ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ~~بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب فلا يقال هو حي عالم ولا يقال ليس ~~بحي عالم ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم ولا يقال هو متكلم ~~مريد ولا يقال ليس بمتكلم مريد # قالوا لأن من الإثبات تشبيها بما تثبت له هذه الصفات وفي النفي تشبيه له ~~بما ينفي عنه هذه الصفات وقد قاربهم في ذلك من قال من متكلمة الظاهرية كابن ~~حزم أن أسماءه الحسنى كالحي والعليم والقدير بمنزلة أسماء الأعلام التي لا ~~تدل على حياة ولا علم ولا قدرة وقال لا فرق بين الحي وبين العليم وبين ~~القدير في المعنى أصلا ومعلوم أن مثل هذه المقالات سفسطة في العقليات ~~وقرمطة في السمعيات فإنا نعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والقدير والعليم ~~والملك والقدوس والغفور # وإن العبد إذا قال رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور كان قد أحسن ~~في مناجاة ربه وإذا قال اغفر لي وتب علي إنك أنت الجبار المتكبر الشديد ~~العقاب لم يكن محسنا في مناجاته وأن الله أنكر على المشركين الذين امتنعوا ~~من تسميته بالرحمن فقال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم ~~الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ~~وإليه متاب @QE@ PageV01P106 وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى @QE@ # ومعلوم أن الأسماء إذا كانت أعلاما وجامدات لا تدل على معنى لم يكن فرق ~~فيها بين اسم واسم فلا يلحد أحد في اسم دون اسم ولا ينكر عاقل اسما دون اسم ~~بل قد يمتنع عن تسميته مطلقا ولم يكن المشركون يمتنعون عن تسمية الله بكثير ~~من أسمائه وإنما امتنعوا عن بعضها وأيضا فالله له ms083 الأسماء الحسنى دون ~~السوأى وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم السيء بمعناه فلو كانت كلها ~~بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لا تنقسم إلى حسنى وسوأى بل ~~هذا القائل لو سمى معبوده بالميت والعاجز والجاهل بدل الحي والعالم والقادر ~~لجاز ذلك عنده # فهذا ونحوه قرمطة ظاهرة من هؤلاء الظاهرية الذين يدعون الوقوف مع الظاهر ~~وقد قالوا بنحو مقالة القرامطة الباطنية في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته ~~مع إدعائهم الحديث ومذهب السلف وإنكارهم على الأشعري وأصحابه أعظم إنكار ~~ومعلوم أن الأشعري وأصحابه أقرب إلى السلف والأئمة ومذهب أهل الحديث في هذا ~~الباب من هؤلاء بكثير وأيضا فهم يدعون أنهم يوافقون أحمد بن حنبل ونحوه من ~~الأئمة في مسائل القرآن والصفات وينكرون على الأشعري وأصحابه والأشعري ~~وأصحابه أقرب إلى أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة في مسائل القرآن والصفات ~~منهم تحقيقا وانتسابا أما تحقيقا فمن عرف مذهب الأشعري وأصحابه ومذهب ابن ~~حزم وأمثاله من الظاهرية في باب الصفات تبين له ذلك وعلم هو وكل من فهم ~~المقالتين أن هؤلاء الظاهرية الباطنية أقرب إلى المعتزلة بل إلى الفلاسفة ~~من الأشعرية # وأن الأشعرية أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث منهم وأيضا فإن ~~PageV01P107 إمامهم داود وأكابر أصحابه كانوا من المثبتين للصفات على مذهب ~~أهل السنة والحديث ولكن من أصحابه كانوا من المثبتين الصفات على مذهب أهل ~~السنة والحديث ولكن من أصحابه طائفة سلكت مسلكت المعتزلة وهؤلاء وافقوا ~~المعتزلة في مسائل الصفات وإن خالفوهم في القدر والوعيد وأما الانتساب ~~فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصا وسائر أئمة أهل الحديث ~~عموما ظاهر مشهور في كتبهم كلها # وما في كتب الأشعري مما يوجد مخالفا للإمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد ~~في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرح ابن ~~الجوزي وصدقه ابن الحسين وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول ~~الأشعري وأئمة أصحابه ومن هو أقرب إلى أحمد والأئمة من مثل ابن عقيل وابن ~~الجوزي ونحهما كأبي ms084 الحسن التميمي وابنه أبي الفضل التميمي وابن ابنه رزق ~~الله التميمي ونحوهم وأئمة أصحاب الأشعري كالقاضي أبي بكر ابن الباقلاني ~~وشيخه أبي عبد الله بن عبد الله بن مجاهد وأصحابه كأبي علي بن شاذان وأبي ~~محمد بن اللبان بل وشيوخ شيوخه كأبي العباس القلانسي وأمثاله بل والحافظ ~~أبي بكر البيهقي وأمثاله أقرب إلى السنة من كثير من أصحاب الأشعري ~~المتأخرين الذين خرجوا عن كثير من قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو ~~الفلاسفة # فإن كثير من متأخري أصحاب الأشعري خرجوا عن قوله إلى قول المعتزلة أو ~~الجهمية أو الفلاسفة إذ صاروا واقفين في ذلك كما سننبه عليه # وما في هذا الإعتقاد المشروح هو موافق لقول الواقفة الذين لا يقولون بقول ~~الأشعري وغيره من متكلمة أهل الإثبات وأهل السنة والحديث والسلف بل يثبتون ~~ما وافقه عليه المعتزلة البصريون فإن المعتزلة البصريين يثبتون ما في هذا ~~الإعتقاد ولكن الأشعري وسائر متكلمة أهل الإثبات مع أئمة السنة والجماعة ~~يثبتون الرؤية ويقولون القرآن غير مخلوق ويقولون إن الله حي PageV01P108 ~~بحياة عالم بعلك قادر بقدرة وليس في هذا الإعتقاد شئ من هذا الإثبات # وقد رأيت اعتقاد مختصرا لصاحب مصنف هذا الإعتقاد المشروح وهو مشهور ~~بالعلم والحديث وهو في الظاهر الأشعري عند الناس ورأيت اعتقاده على هذا ~~النمط ذكر فيه أن الله متكلم آمر ناه كما يوافق عليه المعتزلة ولم يذكر أن ~~القرآن غير مخلوق ولا أثبت الرؤية بل جعلها مما تأول وكان يميل إلى الجهمية ~~الذين ناظروا أحمد بن حنبل وسائر أئمة السنة في مسألة القرآن ويرجح جانبهم ~~وحكى عنهم ذم وسب لأحمد بن حنبل وهو بنى اعتقاده وركبه من قول الجهمية ومن ~~قول الفلاسفة القائلين بقدم العقول والنفوس وهو من جنس القول المضاف إلى ~~ديمقراطيس وليس هذا مذهب الأشعرية بل هم متفقون على أن القرآن غير مخلوق ~~وعلى أن الله يرى في الآخرة وإن قيل إن في ذلك تدليسا أو خطأ أو غير ذلك ~~فليس المقصود هنا تصويب قائل معين ولا تخطئة ولا بيان ms085 ما في مقالته من ~~الخطأ والصواب وموافقة السلف ومخالفتهم بل أن يعلم مقالة كل شخص على ~~حقيقتها # ثم الحق يجب اتباعه بما أقام الله عليه من البرهان ثم هذا الإعتقاد ~~المشروح مع أنه ليس فيه زيادة على اعتقاد المعتزلة البصريين فاعتقاد ~~المعتزلة البصريين خير منه فإن في هذا المعتقد من اعتقاد المتفلسفة في ~~التوحيد مالا يرضاه المعتزلة كما نبهنا عليه فيما تقدم وبيناه أن ما ذكره ~~من التوحيد ودليله هو مأخوذ من أصول الفلاسفة وأنه من أبطل الكلام وهذه ~~الجمل نافعة فإن كثيرا من الناس ينتسب إلى السنة أو الحديث أو اتباع مذهب ~~السلف أو الأئمة أو مذهب الإمام أحمد أو غيره من الأئمة أو قول الأشعري أو ~~غيره ويكون في أقواله ما ليس بموافق لقول من انتسب إليهم # فمعرفة ذلك نافعة جدا كما تقدم في الظاهرية الذين ينتسبون إلى الحديث ~~والسنة حتى أنكروا القياس الشرعي المأثور عن السلف والأئمة ودخلوا في ~~الكلام الذي ذمه السلف والأئمة حتى نفوا حقيقة أسماء الله وصفاته وصاروا ~~PageV01P109 مشابهين للقرامطة الباطنية بحيث تكون مقالة المعتزلة في أسماء ~~الله أحسن من مقالتهم فهم مع دعوى الظاهر يقرمطون في توحيد الله وأسمائه # وأما السفسطة في العقليات فظاهرة فإنه من المعلوم بصريح العقل امتناع ~~ارتفاع نقيضين جميعا وإنه لا واسطة بين النفي والإثبات فمن قال إنه لا يصف ~~الرب بالإثبات فلا يقول إنه حي عليم قدير ولا يصفه بالنفي فلا يقول ليس بحي ~~عليم قدير فقد امتنع عن النقيضين جميعا والامتناع عن النقيضين كالجمع بين ~~النقبضين لا يجتمعان ولا يرتفعان وهذا مما رأيته قد اعتمد عليه أئمة ~~القرامطة كصاحب كتاب الأقاليد الملكوتية أبي يعقوب السجستاني فإنهم قالوا ~~نحن لم نجمع بين النقيضين # فنقول إنه حي وليس بحي بل رفعنا النقيضين فقلنا لا موصوف ولا لا موصوف ~~قال هذا القرمطي المصنف الذي رأيته في أفضل هؤلاء القرامطة الإقليد العاشر ~~في أن من عبد الله نفي الصفات والحدود لم يعبده حق عبادته إذ عبادته واقعة ~~لبعض المخلوقين فإن قوما ms086 من الأوائل وجماعة من فرق الإسلام لم يعبدوا الله ~~حق عبادته ولم يعرفوه بحقيقة المعرفة فقالوا إن الله غير موصوف ولا محدود ~~ولا منعوت ولا مرئي ولا في مكان وتوهموا أن هذا المقدار تمجيد لله عز وجل ~~وتعظيم له وأنهم قد تخلصوا من الشرك والتشبيه وإذا هم قد وقعوا في الحيرة ~~والتيه لأنهم نفوا الصفات والحدود والنعوت عن الباري تقدست عظمته لئلا يكون ~~بينه وبين خلقه مشابهة ولا مماثله فنحن نسألهم بعد عن الموصوف والمحدود ~~والمنعوت من خلقه أهو الصفة والحد والنعت أم الموصوف غير صفته والمحدود غير ~~حده والمنعوت غير نعته # فإن قالوا إن الصفة هي الموصوف والحد هو المحدود والنعت هو المنعوت لزمهم ~~أن يقولوا إن السواد هو الأسود والبياض هو الأبيض وإن قالوا الموصوف غير ~~صفته والمنعوت غير نعته والمحدود غير حده وهو أعني الموصوف والمحدود ~~والمنعوت جميعا مخلوق هذا الخالق الذي نزهتموه عن الصفة والحد PageV01P110 ~~والنعت أشركتم الخالق بالمخلوق الذي هو الصفة والحد والنعت في باب أنها غير ~~الموصوف عندكم وإن جاز أن يشارك المخلوق الخالق في وجه من الوجوه لم لا ~~يجوز أن يشاركه في جميع الوجوه قال فإذا من عبد الله ينفي الصفات واقع ~~التشبيه كما أن من عبده بسمة الصفات واقع في التشبيه الجلي # ثم أخذ يرد على المعتزلة لكن رده عليهم ما أثبتوه من الحق واحتج عليهم ~~بما وافقوه فيه من النفي فإنه بهذا الطريق تمكنت القرامطة والزنادقة ~~الملاحدة من إفساد دين الإسلام حيث احتجوا على كل مبتدع بما وافقهم عليه من ~~البدعة من النفي والتعطيل وألزموه لازم قوله حتى قرروا التعطيل المحض قال ~~القرمطي ومن أعظم ما أنت به طائفة من أهل هذه النحلة في إقامة رأيهم من أن ~~المبدع سبحانه غير موصوف ولا منعوت أنهم أثبتوا له الأسامي التي لا تتعرى ~~عن الصفات والنعوت فقالوا إنه سميع بالذات بصير بالذات عالم بالذات ونفوا ~~عنه السمع والبصر والعلم ولم يعلموا أن هذه الأسامي إذا لزمت ذاتا من ~~الذوات لزمته الصفات التي ms087 من أجلها وقعت الأسامي إذ لو جاز أن يكون عالما ~~بغير علم أو سميعا بغير سمع أو بصيرا بغير بصر لجاز أن يكون الجاهل مع عدم ~~العلم عالما والأعمى مع فقد البصر بصيرا والأصم مع غيبوبة السمع سميعا فلما ~~لم يجز ما وصفناه صح أن العالم إنما صار عالما لوجود العلم والبصير لوجود ~~البصر والسميع لوجود السمع قال فإن قال قائل منهم # إنما نفينا عن البصير البصر إذ كان اسم البصير متوجها نحو ذات الخالق ~~لأنا هكذا شاهدنا أن من كان اسمه البصير لزمه من أجل البصر أن يجوز عليه ~~العمى ومن كان اسمه السميع يلزمه من أجل السمع أن يجوز عليه الصمم ومن كان ~~اسمه العالم يلحقه من أجل العلم أن يجوز عليه الجهل # والله تعالى لا يلحق به الجهل والعمى والصمم فنفينا عنه ما يلزم بزواله ~~ضده يقال له ليس علة وجوب العمى البصر ولا علة وجوب الصمم السمع ولا علة ~~وجوب الجهل العلم ولو كانت العلة فيه ما ذكرناه كان واجبا أنه متى ~~PageV01P111 وجد البصر وجد العمى أو متى وجد السمع وجد الصمم أو متى وجد ~~العلم وجد الجهل فلما وجد البصر في بعض ذوي البصر من غير ظهور عمى به ووجد ~~كذلك في بعض ذوي السمع من غير وجود صمم يتبعه ووجد العلم في بعضهم من غير ~~وجود جهل به صح أن العلة في ظهور الجهل والصمم والعمى ليس هو العلم والسمع ~~والبصر بل في قبول إمكان الآفة في بعض ذوي العلم والسمع والبصر والله تعالى ~~ذكره ليس بمحل الآفات ولا الآفات بداخلة عليه فهو إذا كان اسم العالم ~~والسميع والبصير يتوجه نحو ذاته ذا علم وسمع وبصر فتعالى الله عما أضاف ~~إليه الجهلة المغترون من هذه الأسامي بأنها لازمة له لزوم الذوات بل هذه ~~الأسامي مما تتوجه نحو الحدود المنصوبة من العلوي والسفلي والروحاني ~~والجسماني لمصلحة العباد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا # قال ويقال لهم إن كان الاستشهاد الذي استشهدتموه صحيحا فإن الاستشهاد ~~الآخر ms088 الذي لا يفارق الاستشهاد الأول مثله في باب الصحة لأنكم إن كنتم هكذا ~~شاهدتم أن من كان عالما من أجل علمه أو سميعا من أجل سمعه أو بصيرا من أجل ~~بصره جاز عليه الجهل والعمى والصمم فنحن كذلك شاهدنا أن من كان عالما فإن ~~العلم سابقه ومن كان بصيرا كان البصر قرينه ومن كان سميعا كان السمع شهيده ~~فإن جاز لكم أن تتعدوا حكم الشاهد على الغائب في أحدهما فتقولوا جاز أن ~~يكون في الغائب عالم بغير علم وبصير بغير بصر وسميع بغير سمع جاز لنا أن ~~نتعدى حكم الشاهد على الغائب في الباب الآخر فنقول إنا وإن كنا لم نشاهد ~~عالما بعلم إلا وقد جاز عليه الجهل وبصيرا بالبصر إلا وقد جاز عليه العمى ~~وسميعا بالسمع إلا وقد جاز عليه الصمم أن يكون في الغائب عالم بعلم لا يجوز ~~عليه الجهل وبصير بالبصر لا يجوز عليه العمى وسميع بالسمع لا يجوز عليه ~~الصمم وإلا فما الفصل ولا سبيل لهم إلى التفصيل بين الاستشهادين فاعرفه ~~PageV01P112 فليتدبر المؤمن العليم كيف ألزم هؤلاء الزنادقة الملاحدة ~~المنافقون الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب كالمعتزلة ونحوهم ~~من نفاة الصفات نفي أسماء الله الحسنى وأن تكون أسماؤه الحسنى لبعض ~~المخلوقات فيكون المخلوق هو المسمى بأسمائه الحسنى كقوله في الأول والآخر ~~والظاهر والباطن أن الظاهر هو محمد الناطق والباطن هو على الأساس ومحمد هو ~~الأول وعلي هو الآخر وتأويلهم قوله تعالى @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ أن ~~اليد الواحدة هو محمد والأخرى علي وقوله تعالى @QB@ تبت يدا أبي لهب @QE@ ~~أن يديه هما أبو بكر وعمر لكونهما كانا مع أبي لهب في الباطن فأمرهما بقتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعجزا عن ذلك فأنزل الله تبت يدا أبي لهب وأمثال ~~هذه التأويلات المعروفة عن القرامطة وأصل كلامهم استدلالهم بما يزعمونه من ~~نفي التشبيه وإلزامهم لكل من وافقهم على شيء من النفي يطرد مقالته وإتباع ~~لوازمها ولازمها التعطيل الذي يصدونه # قال القرمطي وأيضا فمن نزه خالقه عن الصفة ms089 والحد والنعت ولم يجرده عما لا ~~صفة له ولا حد ولا نعت فقد أثبته بما لم يجرده عنه وإذا كان إثباته لمعبوده ~~ينفي الصفة والحد والنعت فقد كان إثباته مهملا غير معروف لأن مالا صفة له ~~ولا حد ولا نعت ليس هو الله بزعمه فقط بل هو والنفس والعقل وجميع الجواهر ~~البسيطة من الملائكة وغيرهم # والله تعالى أثبت من أن يكون إثباته مهملا غير معلوم فإذا الإثبات الذي ~~يليق بمجد المبدع ولا يلحقها الإهمال هو نفي الصفة ونفي أن لا صفة ونفي ~~الحد ونفي أن لا حد لتبقى هذه العظمة لمبدع العالمين إذ لا يحتمل أن يكون ~~معه لمخلوق شركة في هذا التقديس وامتنع أن يكون الإثبات من هذه الطريق ~~مهملا فاعرفه قال فإن قال إن من شريطة القضايا المتناقضة أن يكون أحد ~~طرفيها صدقا والآخر كذبا فقولكم لا موصوفة ولا لا موصوفة قضيتان متناقضتان ~~لا بد لأحدهما من أن تكون صادقة والأخرى كاذبة PageV01P113 # يقال له غلطت في معرفة القضايا المتناقضة وذلك أن القضايا المتناقضة أحد ~~طرفي النقيض منه موجب والآخر سالب فإن كانت القضية كلية موجبة كان نقيضها ~~جزئية سالبة كقولنا كل إنسان حي وهو قضية كلية موجبة نقيضة لا كل إنسان حي # فلما كان من شرط من النقيض أنه لا بد من أن يكون أحد طرفيها موجبة والآخر ~~سالبة رجعنا إلى قضيتنا في المبدع هل نجد فيها هذه الشريطة فوجدناها في ~~كلتا طرفيها لم يوجب له شيئا بل كلتا طرفيها سالبتان وهي قولنا لا موصوف ~~ولا لا موصوف فهي إذا لم يناقض بعضها بعضا وإنما تتناقض القضية في هذا ~~الموضع أن نقول له صفة وأن ليس له صفة أو نقول له حد وأن لا حد له أو إنه ~~في مكان وإنه لا في مكان فيلزمنا حينئذ إثبات لاجتماع طرفي النقيض على ~~الصدق فأما إذا كانت القضيتان سالبتين إحداهما سلب الصفة اللاحقة ~~بالجسمانيين والأخرى نفي الصفة اللازمة للروحايين كان من ذلك تجريد الخالق ~~عن سمات المربوبين وصفات المخلوقين قال ms090 فقد صح أن من نزه خالقه عن الصفة ~~والحد والنعت واقع في التشبيه الخفي كما أن من وصفه وحده ونعته واقع في ~~التشبيه الجلي قلت فهذا حقيقة مذهب القرامطة وهو قد رد على من وصفه منهم ~~بالنفي دون الإثبات ونفي النفي قال لأن في الإثبات تشبيها له بالجسمانيين ~~وفي النفي تشبيها له بالروحانيين وهي العقول والنفوس عندهم أنها موصوفة ~~عندهم بالنفي دون الإثبات ولهذا يقولون بسائط ليس فيها تركيب عقلي من الجنس ~~والفصل كما إله ليس فيها تركيب الأجسام # وظن هذا الملحد وأمثاله أنهم بذلك خلصوا من الالزمات ومعلوم عند من عرف ~~حقيقة قولهم أن هذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا وأبعدها من مذاهب ~~المسلمين واليهود والنصارى بل مع ما قد حققوه من الفلسفة وعرفوه من مذهب ~~أهل الكلام وادعوه من العلوم الباطنة ومعرفة التأويل PageV01P114 ودعوى ~~العصمة في أئمتهم وقد قرروا أنا لا نقول الجمع بين النقيضين فليس في قولنا ~~مجال فيقال لهم ولكن سلبتم النقيضين جميعا وكما أنه يمتنع الجمع بين ~~النقيضين فيمتنع الخلو من النقيضين فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ولهذا ~~كان المنطقيون يقسمون الشرطية المنفصلة إلى مانعة الجمع ومانعة الخلو ~~ومانعتي الجمع والخلو فالمانعة من الجمع والخلو كقول القائل الشيء إما أن ~~يكون موجودا وإما أن يكون معدوما وإما أن يكون ثابتا وإما أن يكون منفيا ~~فتفيد الاستثنآت الأربعة لكنه موجود فليس بمعدوم أو هو معدوم فليس بموجود ~~أو ليس بموجود فهو معدوم أو ليس بمعدوم فهو موجود وكذلك ما كان من الإثبات ~~بمنزلة النقيضين كقول القائل هذا العدد إما شفع وإما وتر فكونه شفعا ووترا ~~لا يجتمعان ولا يرتفعان وهؤلاء ادعوا إثبات شيء يخلو عنه النقيضان فإن ~~جوزوا خلوه عن النقيضين جاز اجتماع النقيضين فيه وهذا مذهب أهل الوحدة ~~القائلين بوحدة الوجود كصاحب الفصوص وابن سبعين وابن أبي المنصور وابن ~~الفارض والقونوي وأمثالهم فإن قولهم وقول القرامطة من مشكاة واحدة ~~والاتحادية قد يصرحون باجتماع النقيضين # وكذلك يذكرون مثل هذا عن الحلاج والحلاج لما دخل بغداد ms091 كانوا ينادون عليه ~~هذا داعى القرامطة وكان يظهر للشيعة أنه منهم ودخل على ابن نوبخت رئيس ~~الشيعة ليتبعه فطالبه بكرامات عجز عنها ومقالات أهل الضلال كلها تستلزم ~~الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين جميعا لكن منهم من يعرف لازم قوله ~~فيلتزمه ومنهم من لا يعرف ذلك وكل أمرين لا يجتمعان ولا يرتفعان فهما في ~~المعنى نقيضان لكن هذا ظاهر في الوجود والعدم # وقول مثبتة الحالين الذين يقولون لا موجودة ولا معدومة هو شعبة من مذهب ~~القرامطة وإنما التحقيق إنها ليست موجودة في الأعيان ولا منتفية في الأذهان # ومن الأمور الثبوتية ما يكونان بمنزلة الوجود والعدم كقولنا إن العدد إما ~~PageV01P115 شفع وإما وتر وقولنا أن كل موجودين إما أن يقترنا في الوجود أو ~~يتقدم أحدهما على الآخر وكل موجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وكل جسم ~~إما متحرك وإما ساكن وإما حي وإما ميت وكل حي إما عالم وإما جاهل وإما قادر ~~وإما عاجز وإما سميع وإما أصم وإما أعمى وإما بصير بل وكذلك كل موجودين ~~فإما أن يكونا متجانسين وإما أن يكونا متباينين وأمثال هذه القضايا # وكل من رام سلب هذين جميعا كان من جنس القرامطة الرافعة للنقيضين لكن ~~التناقض قد يظهر باللفظ كما إذا قلنا إما أن يكون وإما أن لا يكون وقد يظهر ~~بالمعنى كما إذا قلنا إما قديم بنفسه وإما قائم بغيره وهذا كله مبسوط في ~~غير هذا الموضع بل وقد زدنا في جواب السائل عما هو مقصوده لكن نبهنا على ~~أصول نافعة جامعة # الطريق الثالث لأهل النظر في إثبات السمع والبصر أن السمع والبصر من صفات ~~الكمال فإن الحي السميع البصير أكمل من حي ليس بسميع ولا بصير كما أن ~~الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي والموجود العالم أكمل من موجود ليس ~~بعالم وهذا معلوم بضرورة العقل وإذا كانت صفة كمال فلو لم يتصف الرب بها ~~لكان ناقصا والله منزه عن كل نقص وكل كمال محض لا نقص فيه فهو جائز عليه ~~وما كان ms092 جائزا عليه من صفات الكمال فهو ثابت له فإنه لو لم يتصف به لكان ~~ثبوته له موقوفا على غير نفسه فيكون مفتقرا إلى غيره في ثبوت الكمال له ~~وهذا ممتنع إذا لم يتوقف كمال إلا على نفسه فيلزم من ثبوت نفسه ثبوت الكمال ~~لها وكل ما ينزه عنه فإنه يستلزم نقصا يجب تنزيهه له وأيضا فلو لم يتصف ~~بهذا الكلام لكان السميع البصير من مخلوقاته أكمل منه # ومن المعلوم في بداية العقول أن المخلوق لا يكون أكمل من الخالق إذ ~~الكمال لا يكون إلا بأمر وجودي والعدم المحض ليس فيه كمال وكل موجود ~~للمخلوق فالله خالقه ويمتنع أن يكون الوجود الناقص مبدعا وفاعلا للوجود ~~PageV01P116 الكامل إذ من المستقر في بداية العقول أن وجود العلة أكمل من ~~وجود المعلول دع وجود الخالق الباري الصانع فإنه من المعلوم بالاضطرار إنه ~~أكمل من وجود المخلوق المصنوع المفعول # وقد بسطنا الكلام على مثل هذه الطريقة في غير هذا الموضع وبينا أن الله ~~سبحانه وتعالى يستعمل في حقه قياس الأولى كما جاء بذلك القرآن وهو الطريق ~~التي يسلكها السلف والأئمة كأحمد وغيره من الأئمة فكل كمال ثبت للمخلوق ~~فالخالق أولى به وكل نقص ينزه عنه مخلوق فالخالق أولى أن ينزه عنه كما قال ~~تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ~~ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما ~~بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم ~~أن لهم النار وأنهم مفرطون @QE@ # وذلك لأن صفات الكمال أمور وجودية أو أمور سلبية مستلزمة لأمور وجودية ~~كقوله تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ~~@QE@ فنفي السنة ms093 والنوم استلزم كمال صفة الحياة والقيومية وكذلك قوله @QB@ ~~وما ربك بظلام للعبيد @QE@ استلزم ثبوت العدل وقوله تعالى @QB@ لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض @QE@ استلزم كمال العلم ونظائر ذلك ~~كثيرة وأما العدم المحض فلا كمال فيه وإذا كان كذلك فكل كمال لا نقص فيه ~~بوجه ثبت للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين # أحدهما أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل ~~للعدم المحدث المربوب PageV01P117 # الثاني أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه فإذا كان هو مبدعا ~~للكمال وخالقا له كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه ~~أولى بأن يكون متصفا به من المستفيد المبدع المعطي وقد قال الله تعالى @QB@ ~~ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله ~~مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا ~~يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم @QE@ # وهذا المثل وإن كان يفيد الدعاء إلى عبادة الله وحده دون عبادة ما سواه ~~ونفى عبادة الأوثان لوجود هذا الفرقان فإذا علم انتفاء التساوي بين الكامل ~~والناقص وعلم أن الرب أكمل من خلقه وجب أن يكون أكمل منهم وأحق منهم بكل ~~كمال بطريق الأولى والأحرى # الطريق الرابع في إثبات السمع والبصر والكلام إن نفي هذه الصفات نقائص ~~مطلقا سواء نفيت عن حي أو جماد وما انتفت عنه هذه الصفات لا يجوز أن يحدث ~~عنه شيء ولا يخلقه ولا يجيب سائلا ولا يعبد ولا يدعى كما قال الخليل @QB@ ~~يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا @QE@ وقال إبراهيم ~~لقومه @QB@ هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون @QE@ وقال تعالى @QB@ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم ~~عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ms094 يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ~~ظالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ~~ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا @QE@ # وهذا لأنه من المستقر في الفطر أن مالا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم لا يكون ~~ربا معبودا كما أن مالا يغنى شيئا ولا يهدى ولا يملك ضرا ولا نفعا لا ~~PageV01P118 يكون ربا معبودا ومن المعلوم أن خالق العالم هو الذي ينفع ~~عباده بالرزق وغيره ويهديهم وهو الذي يملك أن يضرهم بأنواع الضرر فإن هذه ~~الأمور من جملة الحوادث التي يحدثها رب العالمين فلو قدر أنه ليس محدثا لها ~~كانت حادثة بغير محدث أو كان محدثها غيره وإذا كان محدثها غيره فالقول في ~~إحداث ذلك الغير كالقول في سائر الحوادث فلا بد أن تنتهي إلى قديم لا محدث ~~ولذلك من المستقر في العقول أن مالا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ناقص عن صفات ~~الكمال لأنه لا يسمع كلام أحد ولا يبصر أحد ولا يأمر بأمر ولا ينهى عن شيء ~~ولا يخبر بشيء فإن لم يكن كالحي الأعمى الأصم كان بمنزلة ما هو شر منه وهو ~~الجماد الذي ليس فيه قبول أن يسمع ويبصر ويتكلم ونفي قبول هذه الصفات أبلغ ~~في النقص والعجز وأقرب إلى إنصاف المعدوم ممن يقبلها واتصف بأضدادها إذ ~~الإنسان الأعمى أكمل من الحجر والإنسان الأبكم أكمل من التراب ونحو ذلك مما ~~لا يوصف بشيء من هذه الصفات وإذا كان نفي هذه الصفات معلوما بالفطرة إنه من ~~أعظم النقائص والعيوب وأقرب شبها بالمعدوم كان من المعلوم بالفطرة أن ~~الخالق أبعد عن هذه النقائص والعيوب من كل ما ينفى عنه وإن اتصافه بهذه ~~العيوب من أعظم الممتنعات وهذه الطريق ليست الثانية ولا الثالثة فإن ~~الثانية مبنية على أنه حي فلا بد من اتصافه بها أو بضدها والثالثة مبنية ~~على أنها صفات كمال فيجب اتصاف الرب بها وأما هذه فمبنية على أن نفي هذه ~~الصفات نقائص ومعايب ومذام يمتنع وصف الرب بها والله سبحانه وتعالى أعلم ms095 ~~PageV01P119 $ فصل # ثم قال المصنف والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات والدليل على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز نظمه ومعناه قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~~هذه الطريقة هي من أتم الطرق عند أهل الكلام والنظر حيث يقررون نبوة ~~الأنبياء بالمعجزات ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء ~~لكن كثير من هؤلاء بل كل من بني إيمانه عليها يظن أن لا نعرف نبوة الأنبياء ~~إلا بالمعجزات ثم لهم في تقرير دلالة المعجزة على الصدق طرق متنوعة وفي ~~بعضها من التنازع والاضطراب ما سننبه عليه والتزم كثير من هؤلاء إنكار خرق ~~العادات لغير الأنبياء حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر ونحو ذلك # وللنظار هنا طرق متعددة منهم من لا يجعل المعجزة دليلا بل يجعل الدليل ~~استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض كما يقول طائفة من النظار ~~ومنهم من يوجب تصديقه بدون هذا وهذا ومنهم من يجعل المعجزة دليلا ويجعل ~~أدلة أخرى غير المعجزة وهذا أصح الطرق ومن لم يجعل طريقها إلا المعجزة اضطر ~~لهذه الأمور التي فيها تكذيب لحق أو تصديق لباطل ولهذا كان السلف والأئمة ~~يذمون الكلام المبتدع فإن أصحابه يخطئون إما في مسائلهم وإما في دلائلهم ~~فكثيرا ما يثبتون دين المسلمين في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على ~~أصول ضعيفة بل فاسدة ويلتزمون لذلك لوازم يخالفون بها السمع الصحيح والعقل ~~الصريح وهذا حال الجهمية من المعتزلة وغيرهم حيث أثبتوا حدوث العالم بحدوث ~~الأجسام وأثبتوا ذلك بحدوث صفاتها التي هي الأعراض فاضطرهم ذلك إلى القول ~~بحدوث كل موصوف فنفوا عن الله الصفات وقالوا بأن القرآن مخلوق وأنه لا يرى ~~في الآخرة وقالوا إنه لا مباين ولا محايث وأمثال ذلك من مقالات النفاة التي ~~تستلزم التعطيل كما PageV01P120 قد بسطناه في غير هذا الموضع وليس الأمر ~~كذلك بل معرفتها بغير المعجزات ممكنة فإن المقصود إنما هو معرفة صدق مدعى ~~النبوة أو كذبه فإنه إذا قال إني رسول الله فهذا الكلام إما أن يكون صدقا ~~وإما أن يكون كذبا وإن ms096 شئت قلت هذا خبر فإما أن يكون مطابقا للمخبر وإما أن ~~يكون مخالفا له سواء كانت مخالفته له على وجه العمد أو الخطأ إذ قد يظن ~~الرجل في نفسه أو غيره أنه رسول الله غير متعمد للكذب بل خطأ وضلال مثل ~~كثير ممن يتمثل له الشيطان ويقول إني ربك ويخاطبه بأشياء وقد يقول له أحللت ~~لك ما حرمت على غيرك وأنت عبدي ورسولي وأنت أفضل أهل الأرض وأمثال هذه ~~الأكاذيب فإن مثل هذا قد وقع لكثير من الناس فإذا كان مدعي الرسالة لم يكن ~~صادقا فلا بد أن يكون كاذبا عمدا أو ضلالا فالتمييز بين الصادق والكاذب له ~~طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة فكيف بدعوى النبوة # ومعلوم أن مدعى الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون ~~من أنقص الخلق وأرذلهم ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام والله لا أقول لك كلمة واحدة إن كنت ~~صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أرد ~~عليك فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم وما أحسن قول حسان ~~% لو لم تكن فيه آيات مبينة % كانت بديهته تأتيك بالخير % $ # وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب ~~والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز # وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق ~~والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز فإن الرسول لا بد أن يخبر ~~الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمورا # والكذاب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه ~~PageV01P121 من وجود كثيرة والصادق يظهر في نفس ما يأمر به وما يخبر عنه ~~ويفعله ما يظهر به صدقه من وجوه كثيرة بل كل شخصين ادعيا أمرا من الأمور ~~أحدهما صادق في دعواه والآخر ms097 كاذب فلا بد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه ~~كثيرة إذ الصدق مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور كما في الصحيحين عن ابن ~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي ~~إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى ~~يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور ~~يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا # ولهذا قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في ~~كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون @QE@ بين سبحانه أنه ليس بكاهن ~~تنزل عليه الشياطين ولا شاعر حيث كانوا يقولون ساحر وشاعر فبين أن الشياطين ~~تنزل على الكاذب الفاجر يلقون إليهم السمع وأكثرهم كاذبون فهؤلاء الكهان ~~ونحوهم وإن كانوا يخبرون أحيانا بشيء من المغيبات ويكون صدقا فمعهم من ~~الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن ملك وليسوا بأنبياء # ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد قد خبأت لك خبيئا قال ~~هو المدخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم إخسأ فلن تعدو قدرك يعني إنما ~~أنت كاهن كما قال للنبي صلى الله عليه وسلم يأتيني صادق وكاذب وقال أرى ~~عرشا على الماء وذلك هو عرش الشيطان كما ثبت مثل ذلك في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبين الله تعالى أن الشعراء يتبعهم الغاوون والغاوي ~~الذي يتبع هواه وشهوته وإن كان ذلك مضرا له في العاقبة قال تعالى @QB@ ألم ~~تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون @QE@ فهذه صفة الشعراء ~~كما أن تلك صفة من تنزل عليه الشياطين فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة ~~قوله PageV01P122 لعلمه علم علما يقينا أنه ليس بشاعر ولا كاهن ولا كاذب ~~والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى ms098 في المدعين ~~للصناعات والمقالات كالفلاحة والنساجة والكتابة وعلم النحو والطب والفقه ~~وغير ذلك فما من أحد يدعي العلم بصناعة أو مقالة إلا والتفريق في ذلك بين ~~الصادق والكاذب له وجوه كثيرة وكذلك من أظهر قصدا وعملا كمن يظهر الديانة ~~والأمانة والنصيحة والمحبة وأمثال ذلك من الأخلاق فإنه لا بد أن يتبين صدقه ~~وكذبه من وجوه متعددة # والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها وهي أشرف ~~العلوم وأشرف الأعمال فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب ولا يتبين صدق الصادق ~~وكذب الكاذب من وجوه كثيرة لا سيما والعالم لا يخلو من آثار نبي من لدن آدم ~~إلى زماننا وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا يدعون ~~إليه ويأمرون به ولم تزل آثار المرسلين في الأرض ولم يزل عند النار من آثار ~~الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل وغير الرسل # فلو قدر أن رجلا جاء في زمان إمكان بعث الرسل وأمر بالشرك وعبادة الأوثان ~~وإباحة الفواحش والظلم والكذب ولم يأمر بعبادة الله ولا بالإيمان باليوم ~~الآخر هل كان مثل هذا يحتاج أن يطالب بمعجزة أو يشك في كذبه أنه نبي ولو ~~قدر أنه أتى بما يظن أنه معجزة لعلم أنه من جنس المخاريق أو الفتن والمحنة ~~ولهذا لما كان الدجال يدعى الإلهية لم يكن ما يأتي به دالا على صدقه للعلم ~~بأن دعواه ممتنعة في نفسها وإنه كذاب وكذلك من نشأ في بني إسرائيل معروفا ~~بينهم بالصدق والبر والتقوى بحيث قد خبر خبرة باطنة يعلم منها تمام عقله ~~ودينه ثم أخبر بأن الله نبأه وأرسله إليهم فإن هذا لا يكون أولى بالرد من ~~أن يخبرنا الرجل الذي لا يشك في عقله ودينه وصدقه أنه رأى رؤيا # وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه تنازع الناس في أن خبر الواحد هل ~~PageV01P123 يجوز أن يقترن به من القرائن والضمائم ما يفيد معه العلم ولا ~~ريب أن المحققين من كل طائفة على أن خبر ms099 الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن ~~به من القرائن ما يحصل معه الضروري بخبر المخبر بل القرائن وحدها قد تفيد ~~العلم الضروري كما يعرف الرجل رضاء الرجل وغضبه وحبه وبغضه وفرحه وحزنه ~~وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكنه التعبير عنها كما ~~قال تعالى @QB@ ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم @QE@ ثم قال @QB@ ~~ولتعرفنهم في لحن القول @QE@ فأقسم أنه لا بد أن يعرف المنافقين في لحن ~~القول وعلق معرفتهم بالسيما على المشيئة لأن ظهور ما في نفس الإنسان من ~~كلامه أبين من ظهوره على صفحات وجهه وقد قيل ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها ~~الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه فإذا كان مثل هذا يعلم به ما في نفس ~~الإنسان من غير إخبار فإذا اقترن بذلك أخباره كان أولى بحصول العلم ولا ~~يقول عاقل من العقلاء إن مجرد خبر الواحد أو خبر كل واحد يفيد العلم بل ولا ~~خبر كل خمسة أو عشرة بل قد يخبر ألف أو أكثر من ألف ويكونون كاذبين إذ ~~كانوا متواطئين وإذا كان صدق المخبر أو كذبه يعلم بما يقترن به من القرائن ~~بل في لحن قوله وصفحات وجهه ويحصل بذلك علم ضروري لا يمكن المرء أن يدفعه ~~عن نفسه فكيف بدعوى المدعي إنه رسول الله كيف يخفي صدقه وكذبه أم كيف لا ~~يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة لا تعد ولا تحصى وإذا كان ~~الكاذب إنما يأتي من وجهين إما أن يتعمد الكذب وإما أن يلبس عليه كمن يأتيه ~~الشيطان فمن المعلوم الذي لا ريب فيه إن من الناس من يعلم منه إنه لا يتعمد ~~الكذب بل كثير ممن خبره الناس وجربوه من شيوخهم ومعامليهم يعلمون منهم علما ~~قاطعا إنهم لا يتعمدون الكذب وإن كانوا يعلمون أن ذلك ممكن فليس كل ما علم ~~إمكانه جوز وقوعه فإنا نعلم أن الله قادر على قلب الجبال ياقوتا والبحار ~~دما ونعلم إنه لا يفعل ذلك ونعلم من حال البشر من حيث الجملة ms100 إنه يجوز أن ~~يكون أحدهم يهوديا ونصرانيا ونحو ذلك PageV01P124 ونعلم مع هذا أن هذا لم ~~يقع بل ولا يقع من الأشخاص وإن من أخبرنا بوقوعه منهم كذبناه قطعا # ونحن لا ننكر أن الرجل قد يتغير ويصير متعمد الكذب بعد أن لم يكن كذلك ~~لكن إذا استحال وتغير ظهر ذلك لمن يخبره ويطلع على أموره # ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنه الصادق البار قال لها لما جاءه الوحي إني قد خشيت على عقلي فقالت كلا ~~والله لا يخزيك الله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف ~~وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق فهو لم يخف من تعمد الكذب فإنه يعلم من ~~نفسه صلى الله عليه وسلم إنه لم يكذب لكن خاف في أول الأمر أن يكون قد عرض ~~له عارض سوء وهو المقام الثاني فذكرت خديجة ما ينفي هذا وهو ما كان مجبولا ~~عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والأعمال وهو الصدق المستلزم للعدل ~~والإحسان إلى الخلق ومن جمع فيه الصدق والعدل والإحسان لم يكن مما يخزيه ~~الله وصلة الرحم وقرى الضيف وحمل الكل وإعطاء المعدوم والإعانة على نوائب ~~الحق هي من أعظم أنواع البر والإحسان وقد علم من سنة الله أن من جبله الله ~~على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه وأيضا ~~فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم عليه السلام فإنه كان نبيا وكان بنوه ~~يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار # وقد علم جنس ما يدعو إليه الرس وجنس أحوالهم فالمدعي للرسالة في زمن ~~الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته للرسل علم أنه ليس منهم # وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم إنه منهم لا سيما إذا علم أنه لا بد ~~من رسول منتظر وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه فهذا قد ~~يبلغ بصاحبه إلى العلم الضروري بأن هذا هو الرسول المنتظر ولهذا قال تعالى ~~@QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ms101 وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون @QE@ PageV01P125 # والمسلك الأول النوعي هو مما استدل به النجاشي على نبوته فإنه لما ~~استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرؤه عليه قال إن هذا والذي جاء به ~~موسى ليخرج من مشكاة واحدة وكذلك قبله ورقة بن نوفل لما أخبره النبي صلى ~~الله عليه وسلم بما رآه وكان ورقة قد تنصر وكان يكتب الإنجيل بالعبرانية ~~فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ما يقول فأخبره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بخبره فقال هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى وإن قومك سيخرجونك ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم فقال نعم لم يأت أحد بمثل ما ~~جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي # والمسلك الثاني الشخصي استدل به هرقل ملك الروم فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما كتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام طلب هرقل من كان هنا من ~~العرب وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى غزة فطلبهم ~~وسألهم عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فسأل أبا سفيان وأمر الباقين إن ~~كذب أن يكذبوه فصار يجدهم موافقين له في الأخبار فسألهم هل كان في آبائه ~~ملك قالوا لا وهل قال هذا القول أحد قبله قالوا لا وسألهم أهو ذو نسب فيكم ~~قالوا نعم وسألهم هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فقالوا لا ~~جربنا عليه كذبا وسألهم هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم فذكروا أن الضعفاء ~~اتبعوه وسألهم هل يزيدون أم ينقصون فذكروا إنهم يزيدون وسألهم هل يرجع أحد ~~منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه فقالوا لا وسألهم هل قاتلتموه قالوا ~~نعم وسألهم عن الحرب بينهم وبينه فقالوا يدال علينا المرة وندال عليه ~~الأخرى وسألهم عليه الأخرى وسألهم هل يغدر فذكروا أنه لا يغدر وسألهم بماذا ~~يأمركم فقالوا يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيء ms102 وينهانا عما كان ~~يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة فهذه أكثر من عشر مسائل # ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الدلالة وإنه سألهم عن أسباب الكذب ~~وعلاماته فرآها منتفية وسألهم عن علامات الصدق فوجدها ثابتة فسألهم هل ~~PageV01P126 كان في آبائه ملك فقالوا لا قال قلت فلو كان في آبائه ملك لقلت ~~رجل يطلب ملك أبيه وسألتك هل قال هذا القول فيكم أحد قبله فقلت لا فقلت لو ~~قال هذا القول أحد قبله لقلت رجل ائتم بقول قيل قبله ولا ريب أن اتباع ~~الرجل لعادة آبائه واقتدائه بمن كان قبله كثيرا ما يكون في الآدميين بخلاف ~~الابتداء بقول لم يعرف في تلك الأمة قبله وطلب أمر لا يناسب حال أهل بيته ~~فإن هذا قليل في العادة لكنه قد يقع # ولهذا أردفه بقوله فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فقالوا لا ~~قال فقد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله وذلك ~~أن مثل هذا يكون كذبا محضا يكذبه لغير عادة جرت وهذا لا يفعله إلا من يكون ~~من شأنه أن يكذب فإذا لم يكن من خلقه الكذب قط بل لم يعرف منه إلا الصدق ~~وهو يتورع أن يكذب على الناس كان تورعه عن أن يكذب على الله أولى وأحق ~~والإنسان قد يخرج عن عادته في نفسه إلى عادة بني جنسه فإذا انتفى هذا وهذا ~~كان هذا أبعد عن الكذب وأقرب إلى الصدق # ثم أردف ذلك بالسؤال عن علامات الصدق فقال وسألتكم أضعفاء الناس يتبعونه ~~أم أشرافهم فقلتم ضعفاؤهم وهم إتباع الرسل قال فهذه علامات من علامات الرسل ~~وهو اتباع الضعفاء له ابتداء قال الله تعالى حكاية عن قوم نوح @QB@ قالوا ~~أنؤمن لك واتبعك الأرذلون @QE@ وقالوا @QB@ وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي @QE@ وقال تعالى في قصة صالح @QB@ قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ~~ربه قالوا إنا بما أرسل ms103 به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به ~~كافرون @QE@ وقال تعالى في قصة شعيب @QB@ قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو ~~كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله ~~منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء ~~علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ~~@QE@ PageV01P127 # ثم قال هرقل وسألتكم أيزيدون أم ينقصون فقلتم بل يزيدون وكذلك الإيمان ~~حتى يتم وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه فقلتم ~~لا وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد فسألهم عن زيادة ~~اتباعه ودوامهم على اتباعه فأخبروه أنهم يزيدون ويدومون وهذا من علامات ~~الصدق والحق فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر فيرجع عنه ~~أصحابه ويمتنع عنه من لم يدخل فيه # ولهذا أخبرت الأنبياء المتقدمون أن المتنبىء الكذاب لا يدوم إلا مدة ~~يسيرة وهذه من بعض حجج ملوك النصارى الذين يقال إنهم من ولد قيصر هذا أو ~~غيرهم حيث رأى رجلا يسب النبي صلى الله عليه وسلم من رؤس النصارى ويرميه ~~بالكذب فجمع علماء النصارى وسألهم عن المتنبىء الكذاب كم تبقى نبوته ~~فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء إن الكذاب المفتري لا يبقى إلا كذا ~~وكذا سنة لمدة قريبة إما ثلاثين سنة أو نحوها فقال لهم هذا دين محمد له ~~أكثر من خمسمائة سنة أو ستمائة سنة وهو ظاهر مقبول متبوع فكيف يكون هذا ~~كذابا ثم ضرب عنق ذلك الرجل # وسألهم هرقل عن محاربته ومسألته فأخبروه أنه في الحرب تارة يغلب كما غلب ~~يوم بدر وتارة يغلب كما غلب يوم أحد وإنه إذا عاهد لا يغدر فقال لهم ~~وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه فقلتم إنها دوال يدال علينا المرة وندال ~~عليه الأخرى وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها ms104 قال وسألتكم هل يغدر ~~فقلتم إنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر فهو لما كان عنده من علمه بعادة ~~الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون علم ~~أن هذا من علامات الرسل فإن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أنه ~~PageV01P128 يبتليهم بالسراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر كما في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يقضي الله ~~للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له # وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ~~ضراء صبر فكان خيرا له والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو ~~عليهم يوم أحد من الحكمة فقال @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن ~~كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ~~وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين @QE@ # فمن الحكم تمييز المؤمن عن غيره فإنهم إذا كانوا دائما منصورين لم يظهر ~~لهم وليهم وعدوهم إذا الجميع يظهرون الموالاة فإذا غلبوا ظهر عدوهم قال ~~تعالى @QB@ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ~~وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا ~~لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين @QE@ إلى ~~قوله @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما ~~في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ما كان ms105 الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب @QE@ وأمثال ذلك ومن الحكم أن يتخذ منكم شهداء فإن منزلة الشهادة ~~منزلة عليه في الجنة ولا بد من الموت فموت العبد شهيدا أكمل له PageV01P129 ~~وأعظم لأجره وثوابه ويكفر عنه بالشهادة ذنوبه وظلمه لنفسه والله لا يجب ~~الظالمين # ومن ذلك أن يمحص الله الذين آمنوا فيخلصهم من الذنوب فإنهم إذا انتصروا ~~دائما حصل للنفوس من الطغيان وضعف الإيمان ما يوجب لها العقوبة والهوان قال ~~تعالى @QB@ إنما نملي لهم ليزدادوا إثما @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى @QE@ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تقيمها الرياح تقومها تارة وتمليها ~~أخرى ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون ~~انجفافها مرة واحدة # وسئل صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء فقال الأنبياء ثم الصالحون ثم ~~الأمثل فالأمثل يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه رقة خفف عنه وإن ~~كان في دينه صلابة زيد في بلائه ولا يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وأهله ~~وماله حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة # وقد قال تعالى @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ~~من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب @QE@ وقال تعالى @QB@ أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين @QE@ وفي ~~الأثر فيما روي عن الله تعالى ? < يا ابن آدم البلاء يجمع بيني وبينك ~~والعافية تجمع بينك وبين نفسك > ? وفي الأثر أيضا إنهم إذا قالوا للمريض ~~اللهم ارحمه يقول الله كيف أرحمه من شيء به أرحمه وقد شهدنا أن العسكر إذا ~~انكسر خشع لله وذل وتاب إلى الله من الذنوب وطلب النصر من الله وبرىء من ~~حوله وقوته متوكلا على الله ولهذا ذكرهم الله بحالهم يوم بدر وبحالهم يوم ~~حنين فقال @QB@ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ms106 أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين ~~كفروا وذلك جزاء الكافرين @QE@ PageV01P130 # وشواهد هذا الأصل كثيرة وهو أمر يجده الناس بقلوبهم ويخشونه ويعرفونه من ~~أنفسهم ومن غيرهم وهو من المعارف الضرورية الحاصلة بالتجربة لمن جربها ~~والأخبار المتواترة لمن سمعها ثم ذكر حكمة أخرى فقال @QB@ ويمحق الكافرين ~~@QE@ وذلك أن الله سبحانه إنما يعاقب الناس بأعمالهم والكافر إذا كانت له ~~حسنات أطعمه الله بحسناته في الدنيا فإذا لم تبقى له حسنة عاقبه بكفره ~~والكفار إذا أديلوا يحصل لهم من الطغيان والعدوان وشدة الكفر والتكذيب ما ~~يستحقون به المحق ففي إدالتهم ما يمحقهم الله به وأما الغدر فإن الرسل لا ~~تغدر أصلا إذ الغدر قرين الكذب كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنه قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ~~وفي الصحيحين أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه كان منافقا ~~خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث ~~كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر قلت الغدر ونحوه داخل في ~~الكذب كما قال تعالى @QB@ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا ~~لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون @QE@ PageV01P131 # فالغدر يتضمن كذبا في المستقبل والرسل صلوات ms107 الله عليهم منزهون عن ذلك ~~فكان هذا من العلامات قال وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة وينهاكم ~~عما كان يعبد آباؤكم وهذه صفة نبي وقد كنت أعلم أن نبيا يبعث ولم أكن أظن ~~أنه منكم ولوددت أني أخلص إليه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه وإن ~~يكن ما يقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن ~~حرب وهو حينئذ كافر من أشد الناس بغضا وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم قال ~~أبو سفيان فقلت لأصحابي ونحن خروج لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك ~~بني الأصفر وما زلت موقنا بأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سيظهر حتى ~~أدخل الله علي الإسلام وأنا كاره قلت فمثل هذا السؤال والبحث أفاد هذا ~~العاقل اللبيب علما جازما بأن هذا هو النبي الذي ينتظره # وقد اعترض على هذا بعض من لم يدرك غور كلامه وسؤاله كالمازردي ونحوه وقال ~~إنه بمثل هذا لا تعلم النبوة وإنما تعلم بالمعجزة وليس الأمر على ما قال بل ~~كل عاقل سليم الفطرة إذا سمع هذا السؤال والبحث علم أنه من أدل الأمور على ~~عقل السائل وخبرته واستنباطه ما يتميز به هل هو صادق أو كاذب وأنه بهذه ~~الأمور تميز له ذلك ومما ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب لمجموع أمور قد ~~يستقل بعضها به بل كل ما يحصل للإنسان من شبع وري وسكر وفرح وغم بأمور ~~مجتمعة لا يحصل ببعضها لكن بعضها قد يحصل بعض العلم # وكذلك العلم بمجرد الأخبار وبما جربه من المجربات وبما في نفس الإنسان من ~~الأمور فإن الخبر الواحد يحصل في القلب نوع ظن ثم الآخر يقويه إلى أن ينتهي ~~إلى العلم حتى يتزايد فيقوى وكذلك ما يجربه الإنسان من الأمور وما يراه من ~~أحوال الشخص # وكذلك ما يستدل به على كذبه وصدقه وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى ~~PageV01P132 أبقى في العالم ms108 الآثار الدالة على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين ~~من الكرامة وما فعله بمكذبيهم من العقوبة وذلك أيضا معلوم بالتواتر كتواتر ~~الطوفان وإغراق فرعون وجنوده # والله تعالى كثيرا ما يذكر ذلك في القرآن كقوله @QB@ وإن يكذبوك فقد كذبت ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى ~~فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة ~~فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم ~~قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور @QE@ وقال تعالى @QB@ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد @QE@ وقال تعالى @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب ~~من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ~~فأخذتهم فكيف كان عقاب @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا ~~في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب @QE@ إلى ~~قوله سبحانه @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا ~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا ~~جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم ~~وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما ~~رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم ms109 لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ~~@QE@ PageV01P133 # ولما ذكر في سورة الشعراء قصص الأنبياء نبيا بعد نبي كقصة موسى وإبراهيم ~~ونوح ومن بعده يقول في آخر كل قصة @QB@ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم @QE@ كقوله تعالى @QB@ فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى ~~موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم ~~الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم @QE@ # وكذلك قال في آخر كل قصة إلى أن قال في قصة شعيب @QB@ فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم @QE@ وقال تعالى @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو ~~الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل ~~فحق عقاب @QE@ وقال تعالى في قوم شعيب @QB@ فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا ~~في دارهم جاثمين وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم ~~موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم ~~من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون مثل الذين اتخذوا ~~من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز ~~الحكيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون @QE@ ~~PageV01P134 وقال تعالى @QB@ ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات ~~لعلهم يرجعون فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا ~~عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون @QE@ # فهو سبحانه يذكر ما ظهر ms110 للموحدين من مساكنهم التي كانت حول أهل مكة فإن ~~عامة من قص الله نبأه من الرسل وأممهم بعثوا حول مكة كهود باليمن وصالح ~~بالحجر من ناحية الشام وإبراهيم وموسى وعيسى ويونس ولوط وأنبياء بني ~~إسرائيل بأرض الشام ومصر والجزيرة وما يليها من العراق # وقال تعالى لما قص قصة قوم لوط @QB@ فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها ~~سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها ~~لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ~~فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن لوطا لمن ~~المرسلين إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين ~~وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون @QE@ @QB@ فأخرجنا من كان ~~فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية ~~للذين يخافون العذاب الأليم @QE@ # وقال تعالى @QB@ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في ~~تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب ~~هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف @QE@ وقال تعالى @QB@ قد كان ~~لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم ~~رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار @QE@ ~~وقال تعالى PageV01P135 @QB@ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة ~~خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ~~جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين لقد كان في ~~قصصهم ms111 عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ # ومثل هذا في القرآن متعدد في غير موضع يذكر الله تعالى قصص رسله ومن آمن ~~بهم وما حصل لهم من النصر والسعادة وحسن العاقبة وقصص من كفر بهم وكذبهم ~~وما حصل لهم من البلاء والعذاب وسوء العاقبة وهذا من أعظم الأدلة والبراهين ~~على صدق الرسل وبرهم وكذب من خالفهم وفجوره ثم إنه سبحانه بين أن ذلك يعلم ~~بالبصر أو السمع أو بهما فالبصر والمشاهدة لمن رآهم أو رأى آثارهم الدالة ~~عليهم كمن شاهد أصحاب الفيل وما أحاط بهم ومن شاهد آثارهم بأرض الشام ~~واليمن والحجاز وغير ذلك كأثار أصحاب الحجر وقوم لوط ونحو ذلك # والسمع فبالأخبار التي تفيد العلم كتواتر الأخبار بما جرى في قصة موسى ~~وفرعون وغرق فرعون في القلزم وكذلك تواتر الأخبار بقصة الخليل مع النمروذ ~~وتواتر الأخبار بقصة نوح وإغراق أهل الأرض وأمثال ذلك من الأخبار المتواترة ~~عند أهل الملل وغير أهل الملل مع أن في بعض قصص من تواترت به هذه الأخبار ~~ما يحصل العلم بخبرهم واشتراك البصر والسمع كما يشاهد بعض الآثار من تواتر ~~الأخبار ومما يبين الحال كما نشاهد السفن ويعلم PageV01P136 بالخبر أن ~~ابتداءها كان سفينة نوح كما قال تعالى @QB@ وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في ~~الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون @QE@ وقوله تعالى @QB@ إنا لما ~~طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية @QE@ ~~وكذلك نشاهد أرض الحجور وما فيها من البيوت المنقورة في الجبال ونعلم ~~بالخبر تفصيل الحال وأمثال ذلك # وبالجملة فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول بأنهم رسل الله وإن أقواما ~~ابتعوهم وأن أقواما خالفوهم وأن الله نصر الرسل والمؤمنين وجعل العاقبة لهم ~~وعاقب أعداءهم هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها ونقل هذه الأمور أظهر ~~وأوضح من نقل أخبار ملوك الفرس والعرب في جاهليتها وأخبار اليونان وعلماء ~~الطب والنجوم والفلسفة اليونانية كبقراط وجالينوس وبطليموس وسقراط وافلاطون ~~وأرسطو ms112 وأتباعه فكل عاقل يعلم أن نقل أخبار الأنبياء وأتباعهم ينقلها من ~~أهل الملل من لا يحصى عدده إلا الله ويدونونها في الكتب وأهلها من أعظم ~~الناس تدينا بوجوب الصدق وتحريم الكذب ففي العادة المشتركة بينهم وبين سائر ~~بني آدم ما يمنع التفاهم وتواطأهم على الكذب بل ما يمنع اتفاقهم على كتمان ~~ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله وفي عادتهم الخاصة ودينهم الخاص برهان ~~آخر أخص من الأول وأكمل وهذا معلوم على سبيل التفصيل من حال أمتنا فإنا ~~نعلم علما ضروريا بالنقل المتواتر من عادة سلف الأمة ودينهم الموجب للصدق ~~والبيان المانع من الكذب والكتمان ما يوجب علما ضروريا لنا بما تواتر لنا ~~عنهم وبانتفاء أمور لو كانت موجودة لنقلوها وأهل الكتابين قلنا عندهم من ~~التواتر بحمل الأمور ما يحصل به المقصود في هذا الموضع وإن كان قد يجيء كذب ~~أو كتمان في بعض التفاصيل من أهل الكتابين قبلنا وفي بعض أمتنا فهذا هو أقل ~~بكثير مما يقع من الكذب والكتمان بأخبار الفرس واليونان والهند وغيرهم ممن ~~ينقل أخبار ملوكهم وعلمائهم ونحو ذلك وما من عاقل يسمع الخبر عن هؤلاء ~~PageV01P137 وعن هؤلاء كما هو موجود في هذا الزمان في الكتب والألسنة إلا ~~ويحصل له من العلوم الضرورية بأحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم أعظم مما ~~يحصل من العلوم بأحوال ملوك الفرس والروم وعلمائهم وأوليائهم وأعدائهم وهذا ~~بين ولله الحمد # ولولا أن هذا الجواب إنما كان القصد به الكلام على هذه العقيدة المختصرة ~~لكان البسط لي في هذا الموضع أولى من ذلك فإن هذه المقامات تحتمل بسطا ~~عظيما لكن نبهنا على مقدمات نافعة فإن أكثر أهل الكلام مقصرون في حجج ~~الاستدلال على تقرير ما يجب تقريره من التوحيد والنبوة تقصيرا كثيرا جدا ~~كما أنهم كثيرا ما يخطئون فيما يذكرونه من المسائل ومن لا يعرف الحقائق يظن ~~أن ما ذكروه هو الغاية في أصول الدين والنهاية في دلائته ومسائله فيورثه ~~ذلك مخالفة الكتاب والسنة بل وصريح العقل في مواضع ويورثه استضعافا لكثير ~~من أصولهم وشكا ms113 فيما ذكروه من أصول الدين واسترابة بل قد يورثه ترجيحا ~~لأقوال من يخالف الرسل من متفلسفة وصابئين ومشركين ونحوهم حتى يبقى في ~~الباطن منافقا زنديقا وفي الظاهر متكلما يذب عن النبوات # ولهذا قال أحمد وغيره ممن قال من السلف علماء الكلام زنادقة وما ارتدى ~~أحد بالكلام إلا كان في قلبه غل على أهل الإسلام لأنهم بنوا أمرهم على أصول ~~فاسدة أوقعتهم في الضلال وليس هذا موضع بسط هذا وقد بسطناه في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا أن طرق العلم بالرسالة كثيرة جدا متنوعة ونحن اليوم إذا ~~علمنا بالتواتر أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم علمنا علما يقينا أنهم ~~كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة منها أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من ~~انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم أخبارا كثيرة في أمور كثيرة وهي ~~كلها صادقة لم يقع في شيء منها تخلف ولا غلط بخلاف من يخبر به من ليس ~~PageV01P138 متبعا لهم من تنزل عليه الشياطين أو يستدل على ذلك بالأحوال ~~الفلكية وغيره # وهؤلاء لا بد أن يكونوا كثيرا بل الغالب من أخبارهم الكذب وإن صدقوا ~~أحيانا ومن ذلك أن ما أحدثه الله تعالى من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف ~~الوجه الذي حصل عليه كحصول الغرق لفرعون وقومه بعد أن دخل البحر خلف موسى ~~وقومه كان هذا مما يورث علما ضروريا أن الله تعالى أحدث هذا نصرا لموسى ~~عليه السلام وقومه ونجاة لهم وعقوبة لفرعون وقومه ونكالا لهم وكذلك أمر نوح ~~والخليل عليهما السلام وكذلك قصة الفيل وغير ذلك # ومن الطرق أيضا أن من تأمل ما جاء به الرسل عليهم السلام فيما أخبرت به ~~وما أمرت به علم بالضرورة أن مثل هذا لا يصدر إلا عن أعلم الناس وأصدقهم ~~وأبرهم وأن مثل هذا يمتنع صدوره عن كاذب متعمد للكذب مفتر على الله يخبر ~~عنه بالكذب الصريح أو مخطىء جاهل ضال يظن أن الله تعالى أرسله ولم يرسله ~~وذلك لأن فيما أخبروا به وما أمروا به من الأحكام والإتقان وكشف الحقائق ~~وهدي الخلائق ms114 وبيان ما يعلمه العقل جملة ويعجز عن معرفته تفصيلا ما يبين ~~أنهم من العلم والمعرفة والخبرة في الغاية التي باينوا بها أعلم الخلق ممن ~~سواهم فيمتنع أن يصدر مثل ذلك عن جاهل ضال وفيها من الرحمة والمصلحة والهدى ~~والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أن ذلك صدر عن ~~راحم بار يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق وإذا كان ذلك يدل على كمال علمهم ~~وكمال حسن قصدهم فمن تم علمه وتم حسن قصده امتنع أن يكون كاذبا على الله ~~يدعي عليه هذه الدعوى العظيمة التي لا يكون أفجر من صاحبها إذا كان كاذبا ~~متعمدا ولا أجهل منه إن كان مخطئا # وهذه الطريق تسلك جملة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتفصيلا في ~~حق واحد واحد بعينه فيستدل المستبدل بما يعلمه من الحق والخير جملة على علم ~~صاحبه وصدقه ثم يستدل بعلمه وصدقه على ما لم يعلمه PageV01P139 تفصيلا ~~والعلم بجنس الحق والباطل والخير والشر والصدق والكذب معلوم بالفطرة والعقل ~~الصريح بل جملة ذلك مما اتفق عليه بنو آدم ولذلك يسمى ذلك معروفا ومنكرا ~~فإذا علم أنه فيما علم الناس أنه الحق وإنه خير هو أحق منهم به وأنصح الخلق ~~فيه وأصدقهم فيما يقول علم بذلك أنه صادق عالم ناصح لا كاذب ولا جاهل ولا ~~غاش # وهذه الطريق يسلكها كل أحد بحسبه ولا يحتاج في هذه الطريق إلى أن يعلم ~~أولا خواص النبوة وحقيقتها وكيفيتها بل أن يعلم أنه صادق بار فيما يخبر به ~~ويأمر به ثم من خبره يعلم حقيقة النبوة والرسالة # وقد سلك آخرون من المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة وغيرهم طريق أخرى تشبه ~~هذه من وجه دون وجه وهو أن يعلم النبوة أولا وأنها موجودة في بني آدم وأنهم ~~محتاجون إليهم ويعلم صفاتها ثم يعلم عين النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~المتكلمون من المعتزلة وغيرهم يوجبون النبوة على الله على طريقتهم في إيجاب ~~ما يوجبونه عليه والمتفلسفة قد يوجبون ذلك على طريقتهم فيما يجب وجوده في ~~العالم ms115 وغيره يوجب ذلك لما علم من عادته في حكمته ورحمته وإعطائه الخلق ما ~~يحتاجون إليه # وبالجملة فيعلمون نوعها في العالم ثم يعلمون الواحد من الجنس بثبوت حقيقة ~~النوع فيه وهذه الطريقة يسلكها كثير من المتكلمة والمتصوفة والمتفلسفة ~~والعامة وغيرهم لكن المتفلسفة كابن سينا وأمثاله أدركوا من النبوة بقدر ما ~~أعطتهم موادهم الفلسفية التي علموا بها أن النبي يكون له كمال القوة ~~العلمية وكمال قوة السمع والبصر وكمال قوة النفس بحيث يعلم ويسمع ويبصر ما ~~يقصر غيره عنه ويفعل في العالم بهمته ما يعجز غيره عنه وهؤلاء يجعلون نفس ~~النبوة ثلاثة أمور # أحدها أن تكون له قوة عقلية بل نسبة ينال بها العلم من غير تعلم # والثاني أن تكون له قوة خيالية يتخيل بها الحقائق العقلية موجودة ~~PageV01P140 خالية وثقة من أجناس منام النائم فيرى في نفسه ضوءا وذلك هو ~~الرسالة عندهم ويسمع وذلك هو كلام الله عندهم # الثالث أن تكون لنفسه قوة على ان تؤثر في العالم وهذه الأقوال الثلاثه ~~تحصل لخلق كثير هم دون رتبة الصالحين فضلا عن النبوة ولهذا كانت النبوة ~~عندهم مكتسبة فصار كثير منهم يطلب أن يصير نبيا كما جرى للسهروردي المقتول ~~ولابن سبعين ولهذا كان ابن سبعين يقول لقد زدت في حديث قال لا نبي بعد نبي ~~عربي وهؤلاء يجعلون النبوة إنما هي من جنس واحد وقوة الناس في العلم ~~والقدرة لكن يقول بينهما من الفصل بإرادة النبي الخير وإرادة الساحر الشر ~~ويقولون الملك والشيطان قوي لكن قوة الملك قوة صالحة وقوة الشيطان قوة ~~فاسدة وأما من يقول الملائكة والجن هم جنس واحد لا فرق بينهما في الصفات ~~فهؤلاء يقولون إن هذا القدر يحصل نوع منه لغيرهم من الأولياء لكن يحصل لهم ~~ما هو دون ذلك وهذا على طريقة عقلاء المتفلسفة الذين يفضلون النبي على ~~الفيلسوف والولي كابن سينا وأمثاله # وأما غلاتهم كالفارابي وأمثاله الذين قد يفضلون الفيلسوف على النبي كما ~~يفضل أشباههم كابن عربي الطائي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وغيرهما ~~فإنهم يفضلون الولي على ms116 النبي # وكان يدعي أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى ~~النبي وإن الملك على أصلهم هو الحال الذي في نفس النبي والنبي بزعمهم يأخذ ~~عن ذلك الحال والحال يأخذ عن العقل ثم زعم هذا إنه يأخذ عن العقل الذي في ~~هذا الخيال فلهذا قال إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ما يوحي به ~~إلى النبي فهؤلاء شاركوهم في أصل طريقهم لكن عظم ضلالهم وجهلهم بقدر ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أن أصل معرفة هؤلاء بقدر النبوة معرفة ~~ناقصة بتراء بل من عرف ما جاءت به الأنبياء وما يذكرونه في قدرة النبوة علم ~~إنهم آمنوا ببعض ما جاءت به الرسل وكفروا PageV01P141 ببعض فكما أن اليهود ~~والنصارى آمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض فهؤلاء آمنوا ببعض صفات النبوة ~~وكفروا ببعض ولهذا قد يكون فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى وقد يكون في ~~اليهود والنصارى من هو أكفر منهم بحسب ما آمن به كل من هؤلاء بما جاءت به ~~الرسل وما كفروا به # وأبو حامد كثيرا ما يسلك هذا الطريق في كتبه لكنه لا يوافق المتفلسفة على ~~كل ما يقولونه بل يكفرهم ببعض ويضللهم في موضع وإن كان في الكتب المضافة ~~إليه ما قد يوافق بعض أصولهم بل في الكتب التي يقال أنها مضنون بها على غير ~~أهلها ما هو فلسفة محضة مخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى وإن كانت قد ~~عبر عنها بعبارات إسلامية لكن هذه الكتب في الناس من يقول إنها مكذوبة على ~~أبي حامد ومنهم من يقول بل رجع عنها ولا ريب أنه صرح في مواضع ببعض ما قاله ~~في هذه الكتب وأخبر في المنقذ من الضلال وغيره من كتبه بما في ذلك من ~~الضلال وذكر كيف كان طلبه للعلوم أولا حتى قال أقبلت بحد بليغ أتأمل في ~~المحسوسات والضروريات وانظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها فانتهى بي طول ~~التسلسل إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا # وأخذ يتبع الشك ms117 فيها وذكر بعض شبه السوفسطائية في الحسيات إلى أن قال ~~فلما خطر لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر إذ ~~لم يمكن دفعه إلا بدليل ولم يمكن نصبه دليل إلا من تركيب العلوم الأولية ~~وإذا لم تكن مسلمة لم يمكن ترتيب الدليل فأعضل هذا الداء ودام قريبا من ~~شهرين أنا فيها على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال حتى ~~شفى الله تعالى عني ذلك المرض والإعلال # وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا ~~بها على أمين ويقين ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه الله ~~تعالى في الصدور وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف قال فمن PageV01P142 ظن ~~أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة إلى أن ~~قال # والمقصود من هذه الحكاية أن يعلم كمال الجد في الطلب حتى انتهى إلى طلب ~~مالا يطلب لأن الأوليات ليست مطلوبة فإنها حاضرة والحاضر إذا طلب بعد ~~واختفى قال ولما كفاني الله تعالى هذا المرض انحصرت أصناف الطالبين عندي في ~~أربع فرق المتكلمون وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر والباطنية وهم يدعون ~~أنهم أصحاب التعليم والمخصصون بالاقتباس من الإمام المعصوم والفلاسفة وهم ~~يزعمون أنهم أصحاب المنطق والبرهان والصوفية وهم يدعون إنهم خاصة الحضرة ~~وأهل المشاهدة والمكاشفة فقلت في نفسي الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة ~~فهؤلاء السالكون سبيل طلب الحق فإن شذ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع ~~إلى أن قال فابتدأت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هؤلاء الفرق مبتدئا ~~بعلم الكلام ومثنيا بطريق الفلسفة ومثلثا بتعليمات الباطنية ومربعا بطريق ~~الصوفية قال ثم إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته وطالعت كتب المحققين ~~منهم وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف ~~بمقصودي وإنما المقصود منه حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش المبتدعة ~~فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عقيدة هي ~~الحق على ms118 ما فيه صلاح دينهم ودنياهم كما نطق بمقدماته القرآن والأخبار ثم ~~ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة فلهجوا بها وكادوا ~~يشوشون عقيدة أهل الحق على أهلها # فأنشأ الله تعالى طائفة من المتكلمين وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام ~~مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة على خلاف السنة المأثورة إلى أن ~~قال وكان أكثر حرصهم في استخراج مناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازمهم ~~ومسلماتهم إلى أن قال فلم يكن الكلام في حقي كافيا ولا لدائي الذي ~~PageV01P143 أشكوه شافيا إلى أن قال فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات ~~الحيرة في اختلافات الخلق ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري بل لا أشك في ~~حصول ذلك لطائفة ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من ~~الأوليات إلى أن قال ثم إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة ~~وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من المعلوم من لا يقف على منتهى ذلك ~~العلم حتى يساوي أعلمهم في أصل العلم ثم يزيد عليه ويجاوز درجته فيطلع على ~~ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائله إلى أن قال لم أزل حتى اطلعت على ~~ما فيه من خداع وتلبيس وتحقيق تخييل اطلاعا لم أشك فيه فاستمع الآن حكايته ~~وحكاية حاصل علومهم فإني رأيتهم أصنافا ورأيت علومهم أقساما # وهم على كثرة أصنافهم تلزمهم وصمة الكفر والإلحاد وإن كان بين القدماء ~~منهم والأقدمين وبين الأواخر منهم والأوائل تفاوت عظيم في البعد عن الحق ~~والقرب منه # ثم قال أعلم أنهم على كثرة فرقهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام الدهريون ~~والطبائعيون والإلهيون # الصنف الأول الدهريون وهم طائفة من الأقدميين جحدوا الصانع المدبر العالم ~~القادر وزعموا أن العالم لم يزل موجودا وجحدوا كذلك ولم يزل الحيوان من ~~نطفة والنطفة من حيوان كذلك كان وكذلك يكون أبدا وهؤلاء الزنادقة # الصنف الثاني الطبيعيون وهم قوم أكثر بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب ~~الحيوان والنبات إلى أن قال إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر ms119 عندهم ~~لاعتدال المزاج تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به فظنوا أن القوة العاقلة ~~من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا وإنها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم ثم إذا ~~انعدمت فلا تعقل إعادة المعدوم كما زعموا فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا ~~تعود فجحدوا الآخرة وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب فلم يبق عندهم ~~PageV01P144 للطاعة ثواب ولا للمعصية عقاب فانحل عنهم اللجام وانهمكوا في ~~الشهوات انهماك الأنعام # وهؤلاء أيضا زنادقة لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله واليوم الآخر ~~وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر وإن آمنوا بالله تعالى وصفاته # والصنف الثالث الإلهيون وهم المتأخرون مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون ~~وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق وهذب لهم ~~العلوم وخمر لهم ما لم يكن مخمرا من قبل وأوضح لهم ما كان أحجى من علومهم ~~وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية وأوردوا في ~~الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم وكفى الله المؤمنين القتال بقتالهم ثم ~~رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبله من الإلهين ردا لم يقصر فيه ~~حتى تبرأ عن جميعهم إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم ~~يوفق للنزوع عنها فوجب تكفيرهم وتكفير متبعيهم من المتفلسفة الإسلاميين ~~كابن سينا والفارابي وأمثالهما على أنه لم يقل بنقل علم أرسطاطاليس أحد من ~~متفلسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين وما نقله غيرهما ليس يخلو عن تخبيط ~~وتخليط بتشوش فيه قلب المطالع حتى لا يفهم ومن لا يفهم كيف يرد أو يقبل ~~ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ~~أقسام قسم يجب التكفير به وقسم يجب التبديع به وقسم لا يجب إنكاره أصلا ~~فلنفصله # ثم ذكر أنها ستة أقسام رياضية ومنطقية وطبيعية وإلهية وسياسية وخلقية ~~وتكلم على ذلك بما ليس هذا موضعه وقد بينا الكلام على ذلك في غير هذا ~~الموضع إلى أن قال ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهيمه وتزييف ~~ما تزيف منه علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال ms120 الغرض فإن العقل ليس مستقلا ~~بالإحاطة بجميع المطالب ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات PageV01P145 ثم ~~ذكر مذهب الباطنية وتلبيسهم وأنه ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات ~~الآراء ثم هم مع عجزهم عن إقامة البرهان عن تعيين الإمام المعصوم صدقناهم ~~في الحاجة إلى التعليم وإلى المعلم المعصوم وأنه هو الذي عينوه # ثم سألناهم عن العلم الذي تعلموه من هذا المعصوم وعرضنا عليهم إشكالات ~~فلم يفهموها فضلا عن القيام بحلها فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب ~~وقالوا لا بد من السفر إليه والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم والنجاح ~~في الظفر به ولم يتعلموا منه شيئا أصلا كالمتضمخ بالنجاسة يتعب في طلب ~~الماء فإذا وجد ما يستعمله بقي مضمخا بالنجاسة ومنهم من ادعى شيئا من علمهم ~~وكان حاصل ما ذكره من ركيك فلسفة فيثاغورس وهو رجل من قدماء الأوائل ومذهبه ~~أول مذاهب الفلاسفة وقد رد عليه أرسطاطاليس بل استدرك كلامه واسترذله وهو ~~المحكي في كتاب رسائل أخوان الصفا وهو على التحقيق حشو الفلسفة # فالعجب ممن يتعب طول العمر في طلب العلم ثم يتبع لمثل ذلك العلم الركيك ~~المستغث ويطن أنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم فهؤلاء أيضا جربناهم وسبرنا ~~باطنهم وظاهرهم فرجع حاصلهم إلى استدراج العوام وضعفاء العقول ببيان الحاجة ~~إلى المعلم ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي مفحم حتى ~~إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال هات علمه وأفدنا من تعليمه ~~وقف فقال الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه فإنما غرضي هذا القدر فقط إذ علم أنه ~~لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى المشكلات بل عجز عن فهمه فضلا عن ~~جوابه قال ثم إني لما فرغت من هذه أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن ~~طريقهم إنما يتم بعلم وعمل وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن ~~أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير ~~الله تعالى وتحليته بذكر الله وكان العلم أيسر علي من العمل فابتدأت بتحصيل ms121 ~~علمهم من مطالعة كتبهم PageV01P146 مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي وكتب ~~الحارث المحاسبي والمتفرقات المنثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي ~~قدس الله أرواحهم وغير ذلك من كلام المشائخ حتى اطلعت على كثير من مقاصدهم ~~العلمية وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع وظهر لي أن أخص ~~خواصهم مالا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات وكم ~~من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون ~~صحيحا شبعان وبين أن يعرف حد السكر وإنه عبارة عن حالة تحصل عن استيلاء ~~أبخرة تتصاعد من المعدة إلى معادن الفكر وبين أن يكون سكران بل السكران لا ~~يعرف حد السكر وأركانه وهو سكران وما معه من علمه شيء والطبيب يعرف حد ~~السكر وأركانه وما معه من السكر شيء والطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة ~~وأدويتها وهو فاقد الصحة # فكذلك الفرق بين من يعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها وبين من يكون حالة ~~الزهد عزوف النفس عن الدنيا فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال لا أصحاب أقوال ~~وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصلته # ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالتعلم والسماع بل بالذوق والسلوك وكان قد ~~حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في تفتيشي عن صنفي ~~العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الآخر # وهذه الأصول الثلاثة كانت رسخت في نفسي بلا دليل محرر بل باسباب وقرائن ~~وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة ~~الآخرة إلا بالتقوى وكف النفس عن الهوى وإن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن ~~الدنيا والتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإقبال بكنه ~~الهمة على الله تعالى وإن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال # وذكر حاله في خروجه عن ذلك ومجيئه إلى الشام ثم الحجاز إلى أن قال ~~PageV01P147 # وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها والقدر ~~الذي ms122 أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطرق الله ~~تعالى الخاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق وأخلافهم أزكى ~~الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم والواقعين على أسرار ~~الشريعة من العلماء ليغيروا شيئا من سيرتهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير ~~منه لم يجدوا إليه سبيلا فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في باطنهم وظاهرهم ~~مقتبسة من نور مشكاة النبوه فليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء ~~به إلى أن قال ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقهم حقيقة النبوة وخاصتها ~~ثم تكلم في حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها # فقال أعلم أن جوهر الإنسان من أول الفطرة خلق خاليا ساذجا لا خبر معه من ~~عوالم الله تعالى والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله كما قال سبحانه @QB@ ~~وما يعلم جنود ربك إلا هو @QE@ ثم ذكر ما يدركه بالحواس ثم بالتمييز ثم ~~يترقى في طور آخر فيخلق له العقل فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات ~~وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله ووراء العقل طور آخر يتفتح فيه عين ~~أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمور أخرى العقل معزول عنها ~~لعزل قوة الحسن عن مدركات التمييز وكما أن المميز لو عرض عليه مدركات العقل ~~لأباه واستبعده # فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة فاستبعدوها وذلك عين الجهل إذ لا ~~مستند له إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه فظن أنه غير موجود في نفسه ~~والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال وحكى له ابتداء لم ~~يفهمها ولم يقر بها وقد قرب الله منها ذلك إلى خلقه بأن أعطاهم أنموذجا من ~~خاصة النبوة وهو النائم إذ النائم لم يدرك ما سيكون في الغيب إما صريحا ~~وإما في كوة مثال يكشف عنه التعبير PageV01P148 وهذا لو لم يجر به الإنسان ~~من نفسه وقيل له إن من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت ويزول إحساسه وسمعه ~~وبصره فيدرك الغيب لأنكره ولأقام البرهان على استحالته وقال القوي الحساسة ms123 ~~أسباب الإدراك فمن لا يدرك الشيء مع وجودها وحضروها فبأن لا يدرك مع ركودها ~~أولى # وهذا نوع قياس يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي ~~يحصل فيه عين أخرى يبصر بها أنواعا من المعقولات الحواس معزولة عنها ~~فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين أخرى لها نور يظهر في نورها الغيب ~~وأمور لا يدركها العقل والشك في النبوة إما أن يقع في إمكانها أو في وجودها ~~أو وقوعها أو في حصولها لشخص معين # ودليل إمكانها وجودها ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن ~~تنال بالعقل كعلم الطب والنجوم فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك ~~إلا بإلهام إلهي وتوفيق من جهة الله تعالى ولا سبيل إليه بالتجربة فمن ~~الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة فكيف ينال ذلك بالتجربة ~~وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البرهان أن في الإمكان وجود طريق لإدراك هذه ~~الأمور التي لا يدركها العقل وهو المراد بالنبوة لا أن النبوة عينها فقط بل ~~إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة وله خواص كثيرة ~~سواها وما ذكرناه فقطرة من بحرها إنما ذكرناها لأن معك أنموذجا منها وهي ~~مدركاتك في النوم ومعك علوم من جنسها في الطلب والنجوم # فأما معجزات الأنبياء فلا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلا وأما ما ~~عداها من خواص النبوة فإنما يدركه بالذوق من سلك طريق التصوف لأن هذا إنما ~~فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم ولولاه ما صدقت به فإن كان للنبي خاصة ليس ~~لك منها أنموذج فلا تفهمها أصلا فكيف تصدق بها وإنما التصديق بعد التفهيم ~~وذلك الأنموذج يحصل في أول طريق التصوف فيحصل به نوع من PageV01P149 الذوق ~~بالقدر الحاصل ونوع من التصدق بما لم يحصل بالقياس إليه فهذه الخاصة ~~الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة فإن وقع لك الشك في شخص معين أنه نبي أم ~~لا فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله إما بالمشاهدة أو بالتواتر والتسامع ~~فإنك إذا ms124 عرفت الطب والفقه يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم ~~وسماع أقوالهم إن لم تشاهدهم # فمعرفة كون الشافعي فقيها وكون جالينوس طبيبا معروف بالحقيقة لا بالتقليد ~~بأن تتعلم شيئا من الطب والفقه وتطالع كتبهما وتصانيفهما فيحصل لك علم ~~ضروري بحالهما وكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثر النظر في القرآن والأخبار ~~يحصل لك العلم الضروري لكونه صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات النبوة ~~وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب وكيف صدق ~~في كذا وكذا فإذا جربت ذاك في ألف وألفين وآلاف حصل لك علم ضروري لا تتمارى ~~فيه فمن هذا القبيل طلب اليقين بالنبوة لا من قلب العصا ثعبانا وشق القمر ~~فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن حد ~~الحصر ربما ظننت أنه سحر وأنه تخييل وأنه من الله تعالى إضلال فإنه يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء # ويرد عليك أسئلة المعجزات فإذا كان مستند إيمانك كلاما منظوما في وجه ~~دلالة المعجزة ينحزم إيمانك بكلام مرتب من وجه الإشكال والشبه عليها فليكن ~~مثل هذه الخوارق إحدى القرائن والدلائل في جملة نظرك حتى يحصل لك علم ضروري ~~لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين كالذي يخبره جماعة بخبر متواتر لا يمكنه ~~أن يقول اليقين مستفاد من قول واحد معين بل من حيث لا يدري ولا يخرج عن ~~جملة ذلك ولا تتعين الآحاد فهذا هو الإيمان القوي العلمي وأما الذوق فهو ~~كالمشاهدة والأخذ باليد ولا يوجد إلا في طريق الصوفية # قال ثم إني واظبت على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين وبان لي ~~PageV01P150 في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها وبان لي من حقيقة ~~الذوق أن للإنسان بدنا وقلبا وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة ~~الله تعالى دون اللحم الذي يشاركه فيه الميت والبهيمة وإن البدن له صحة بها ~~سعادته ومرض فيه هلاكه وإن القلب كذلك له صحة وسلامة ولا ينجو إلا من أتى ~~الله بقلب سليم وله ms125 مرض فيه هلاكه إن لم يتدارك كما قال تعالى @QB@ في ~~قلوبهم مرض @QE@ # وإن الجهل بالله سم مهلك وإن معصية الله تعالى بمتابعة الهوى داؤه المرض ~~وإن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي ~~وأنه لا سبيل إلى معالجته بإزالة مرضه وكسب صحته إلا بأدوية كما لا سبيل ~~إلى معالجة البدن إلا بذلك وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية ~~فيها لا تدركها العقلاء ببضاعة العقل بل تجب فيها تقليد الأطباء الذين ~~أخذوها عن الأنبياء الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء فكذلك بان ~~لي على الضرورة أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من ~~جهة الأنبياء لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء بل يجب فيها تقليد ~~الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص لا ببضاعة العقل وكما أن الأدوية تركب من ~~أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف لبعض في الوزن فلا يخلو اختلاف ~~مقاديرها عن سر من قبل الخواص فكذلك العبادات التي هي أدوية القلوب مركبة ~~من أفعال مختلفة النوع والمقدار حتى أن السجود ضعف الركوع وصلاة الصبح نصف ~~صلاة الظهر ولا يخلو عن سر من الأسرار هو من قبيل الخواص التي لا يطلع ~~عليها إلا بنور النبوة # ولقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط بطريق العقل لها حكمة وظن أنها ~~ذكرت على الاتفاق لا عن سر إلهي فيها يقتضيها بطريق الخاصية وكما أن في ~~الأدوية أوصولا هي أركانها وزوائد هي متمماتها لكل واحد منها PageV01P151 ~~خصوص تأثير في أعمال أصولها كذلك السنن والنوافل لتكميل آثار أركان ~~العبادات وعلى الجملة فالأنبياء أطباء أمراض القلوب # وأما فائدة العقل وتصرفه أن عرفنا ذلك وشهد بصدق النبوة وبعجز نفسه عن ~~درك ما يدرك بعين النبوة وأخذنا بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى ~~القائدين وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشقفين # فإلى ههنا مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك إلا عن تفهيم ما ~~يلقيه الطبيب إليه فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة في ~~مدة الخلوة والعزلة # ثم رأينا ms126 فتور الإعتقاد في أصل النبوة ثم في حقيقة النبوة ثم في العمل ~~بما شرحته النبوة وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق ونظرت إلى أسباب فتور الخلق ~~وضعف إيمانهم بها فإذا هو أربعة سبب من الخائضين في علم الفلسفة وسبب من ~~الخائضين في طريق التصوف وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم وسبب من ~~معاملة المتوسمين من العلماء فيما بين الناس فإني تتبعت مدة آحاد الخلق ~~أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع وأسأله شبهته وأبحث عن عقيدته وسره ~~وأقول له مالك تقصر فيها فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها ~~بالدنيا فهذه حماقة فإنك لا تبيع الاثنين بواحد فكيف تبيع مالا نهاية له ~~بأيام معدودة # وإن كنت لا تؤمن فأنت كافر فدبر لنفسك في طلب الإيمان وانظر ما سبب كفرك ~~الخفي الذي هو مذهبك باطنا وهو سبب جراءتك ظاهرا وإن كنت لا تصرح به تجملا ~~بالإيمان وتشرفا بذكر الشرع فقائل يقول هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه لكان ~~العلماء أجدر بذلك وفلان من المشهورين من الفضلاء لا يصلي وفلان يشرب الخمر ~~وفلان يأكل الأموال من الأوقاف وأموال اليتامى وفلان يأكل أدرار السلطان ~~ولا يحترز من الحرام وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم جرا إلى ~~أمثاله وقائل ثان يدعي علم التصوف فيقول إني بلغت مبلغا ترقيت عن الحاجة ~~إلى العبادة وقائل ثالث تعلل PageV01P152 بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة ~~هم الذين ضلوا عن طريق التصوف وقائل رابع لقي أهل التعليم ويقول الحق مشكل ~~والطريق إليه عسير منسد والاختلاف فيه كثير # وليس بعض المذاهب أولى من بعض وأدلة العقول متعارضة فلائقة برأي أهل ~~الرأي والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له # فكيف ندع اليقين بالشك وقائل خامس يقول لست أفعل هذا تقليدا ولكني قرأت ~~علم الفلسفة وأدركت حقيقة النبوة وأن حاصلها يرجع إلى المصلحة والحكمة وإن ~~المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقييدهم عن التقاتل والتنازع ~~والاسترسال في الشهوات فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف ~~وإنما أنا من ms127 الحكماء اتبع الحكمة وأنا بصير بها مستغني فيها عن التقليد # هذا منتهى إيمان من قرأ فلسفة الإلهيين منهم ويعلم ذلك من كتب ابن سينا ~~وأبي نصر الفارابي وهؤلاء المتجملون منهم بالإسلام وربما يرى الواحد منهم ~~يقرأ القرآن ويحضر الجماعات والصلوات ويعظم الشريعة بلسانه ولكنه مع ذلك لا ~~يترك شرب الخمر وأنواعا من الفسق والفجور وإذا قيل له إن كانت النبوة غير ~~صحيحة فلم تصلي فربما يقول رياضة الجسد وعادة البلد وحفظ الذل والولد وربما ~~قال الشريعة صحيحة والنبوة حق فيقال له فلم تشرب الخمر فيقول إنما نهي عن ~~الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء وأنا بحكمتي محترز عن ذلك وإني أقصد به ~~تشحيذ خاطري حتى أن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها أنه عاهد الله تعالى ~~على كذا وكذا وإن يعظم الأوضاع الشرعية ولا يقصر في العبادات الدينية ولا ~~يشرب الخمر تلهيا بل تداويا وتشفيا وكان منتهى حالته في صفاء الإيمان ~~والتزام العبادات أن يستثني شرب الخمر لغرض التشفي فهذا إيمان من يدعي ~~الإيمان منهم وقد انخدع إلى ذكر ما رد به على أهل التعليم وأهل الإباحة ~~PageV01P153 # قال وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة حتى أنكر أصل النبوة فقد ذكرنا ~~حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة بدليل وجود خواص الأدوية والنجوم وغيرها ~~وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك وأوردنا الدليل من خواص النجوم والطب ~~لأنه من نفس علمهم ونحن نبين لكل عالم بفن من العلوم كالنجوم والطب ~~والطبيعة والسحر والطلسمات مثلا من نفس علمه برهان النبوة وأما من أثبت ~~النبوة بلسانه وسوى أوضاع الشرع على الحكمة فهو على التحقيق كافر بالنبوة ~~وإنما هو مؤمن بحكيم له طالع مخصوص يقتضي طالعه أن يكون متبوعا وليس هذا من ~~النبوة في شيء بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور وراء طور العقل تنفتح ~~فيه عين يدرك بها مدركات خاصة والعقل معزول عنها كعزل اللمس عن إدراك ~~الأصوات وجميع الحواس عن إدراك المعقولات فإن لم يجوز هذا فقد أقمنا ~~البرهان على إمكانه بل على وجوده ms128 # وأخذ يستدل بالخواص الموجودة في الطبيعيات على إمكان خواص ثابتة في ~~الشرعيات وأن تلك إذا لم تعرف بقياس العقل فكذلك الأخرى قال وإنما تدرك هذه ~~الخواص بنور النبوة قال والعجب إنا لو غيرنا العبارة إلى عبارة المنجمين ~~لصدقوا باختلاف هذه الأوقات فنقول ليس يختلف الحكم والطالع بأن تكون الشمس ~~في وسط السماء أو في الطالع أو في الغارب حتى بنوا على هذا في تسييراتهم ~~اختلاف الصلاح وتفاوت الأعمار والآجال # فلا فرق بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء ولا بين المغرب وبين ~~كون الشمس في الغارب فلم يكن لتصديقه سبب إلا أن ذلك سمعه بعبارة منجم بحرب ~~كذبه مائة مرة ولا يزال يعاود تصديقه حتى لو قال له المنجم إذا كانت الشمس ~~وسط السماء ونظر إليه الكوكب الفلاني فلبست ثوبا جديدا في ذلك الوقت قتلت ~~في ذلك الوقت فإنه لا يلبس الثوب في ذلك الوقت وربما يقاسي فيه البرد ~~الشديد وربما سمعه من منجم قد جرب كذبه مرات فليت شعري من يتسع عقله لقبول ~~هذه البدائع ويضطر إلى الاعتراف بأنها خواص PageV01P154 معرفتها معجزة لبعض ~~الأنبياء كيف ينكر مثل ذلك فيما يسمعه من قول نبي صادق مؤيد بالمعجزات لم ~~يعرف قط بالكذب ولم لا يتسع لإمكان هذه الخواص في إعداد الركعات ورمي ~~الجمار وعدد أركان الحج وسائر تعبدات الشرع ولم نجد بينها وبين خواص ~~الأدوية والنجوم فرقا أصلا فإن قال قد جربت شيئا من النجوم وشيئا من الطب ~~فوجدت بعضه صادقا فانقدح في نفسي تصديقه وسقط عن قلبي استبعاده ونفرته # وهذا لم أجربه فيم أعلم وجوده وتحققه وإن أقررت بإمكانه فأقول إنك لا ~~تقتصر على تصديق ما جربته بل سمعت أخبار المجربين وقلدتهم فاسمع أقوال ~~الأنبياء فقد جربوه وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع أو أسلك سبيلهم ~~تدرك بالمشاهدة بعض ذلك على أني أقول وإن لم تجرب فيقتضي عقلك بوجوب ~~التصديق والاتباع قطعا # فإنا لو فرضنا رجلا بلغ وعقل ولم يجرب ومرض وله والد مشفق حاذق بالطب ~~يسمع ms129 دعواه في معرفة الطب منذ عقل فعجن له والده دواء وقال هذا يصلح لمرضك ~~ويشفيك من سقمك فماذا يقتضيه عقله وإن كان الدواء كريها مر بالمذاق أن ~~يتناول أو يكذب ويقول أنا لا أعرف مناسبة هذا الدواء لتحصيل الشفاء ولم ~~أجربه فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك فكذلك يستحمقك أهل البصائر في توقفك ~~فإن قلت فلم أعرف شفقة النبي ومعرفته بهذا الطب فأقول وبم عرفت شفقة أبيك ~~فإن ذلك أمر ليس محسوسا بل عرفتها بقرائن أحواله وشواهد أعماله في موارده ~~ومصادره علما ضروريا لا يتمارى فيه ومن نظر في أقوال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق وتلطفه في حق الناس ~~بأنواع اللين واللطف إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين وبالجملة إلى ما ~~يصلح به دينهم ودنياهم حصل له علم ضروري بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة ~~الوالد على ولده وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال وإلى عجائب ~~الغيب التي أخبر عنها في القرآن على لسانه في PageV01P155 الأخبار وإلى ما ~~ذكره في آخر الزمان وظهر ذلك كما ذكره علما ضروريا أنه بلغ الطور الذي وراء ~~العقل وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب والخواص والأمور التي لا ~~يدركها العقل وهذا هو منهاج يحصل العلم الضروري بصدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتأمل في القرآن وطالع الأخبار إلى أن تعرف ذلك بالعيان وهذا القدر ~~يكفي في تنبيه المتفلسفة ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان # قلت فهذه الطريق التي ذكرها أبو حامد وغيره تفضي أيضا إلى العلم من ~~النبوة والتصديق منها بأكثر من القدر الذي تقر به المتفلسفة وما ذكره من ~~المشاهدات والكشوفات التي تحصل للصوفية وأنهم يشهدون تحقيق ما أخبر به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ونفع ما أمر به فهذا أيضا حق في كثير مما أخبر ~~به وأمر به ثم إذا علم ذلك صار حجة على صدقه فيما لم يعلمه كمن سلك طريقا ~~من العلم بفن من ms130 الفنون إذا رأى كلام متكلم في ذلك العلم ورآه يحقق ما عنده ~~ويأتي بزيادات لا يستطيعها فإنه يعلم بما رآه من مزيد تحقيقه لما شاركه في ~~أصل معرفته أنه أعلم منه بما وراء ذلك كمن نظر في الطب إذا رأى كلام بقراط ~~ومن نظر في النحو إذا رأى كلام الخليل وسيبويه ومن نظر في العلوم الدينية ~~إذا رأى كلامه أئمة السلف وكذلك من سلك مسلك الزهد والعبادة إذا بلغه سير ~~زهاد السلف وعبادتهم ومن والى الناس وساسهم إذا رأى سيرة عمر ابن الخطاب ~~رضي الله عنه وعمر بن عبد العزيز ونحوهما # فهذا كله مما يبين له عظمة قدر هؤلاء وأنهم كانوا أئمة في هذه الأمور ~~وفيما يصلح ويجب من ذلك وبعلم كل أحد الفرق بين سيرة العمرين وسيرة الحجاج ~~والمختار بن أبي عبيد ونحوهما بل يعلم الفرق بين سيرة بني أمية وبني العباس ~~وبين سيرة بني بويه وبني عبيد وأمثال ذلك كذلك يعلم الفرق بين نبينا محمد ~~وموسى وعيسى عليهم السلام وبين مسيلمة والأسود العنسي وأمثالهما بأدنى تأمل ~~وهذه الطريق ينقسم الناس فيها إلى عام وخاص بسبب علمهم بالخير والشر والصدق ~~والكذب ونحو ذلك وهذه تفيد العلم القطعي بأن الأنبياء أكمل PageV01P156 ~~الخلق وأفضلهم وأنه لا يصلح لأحد أن يعارضهم برأيه ولا يخالفهم بهواه لكن ~~لا يفيد العلم بحقيقة النبوة إلا أن يعترف أن النبي أعلم منه فلا يمكنه أن ~~يقول هو أعلم منه فكل من حصل له من المخاطبات والمشاهدات ما يحصل للأولياء ~~فإنه يعلم أن الذي للأنبياء فوق الذي له من ذلك كعمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه فإنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال أنه قد كان في ~~الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر وقال صلى الله عليه وسلم إن ~~الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر وكان عمر بهذا يعلم أن ما يأتي ms131 النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الوحي والملائكة وما يخبر به من الغيب وما يأمر به ~~وينهى عنه أمر زائد على قدره ومجاوز لطاقته بل يجد بينه وبين ذلك من ~~التفاوت ما يعجز القلب واللسان عن معرفته وتبيانه بل كان عمر بما حصل له من ~~المكاشفة والمخاطبة يعلم أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما أكمل منه ~~معرفة ويقينا وأتم صدقا وأخلاقا وأعلم منه بقدر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فكان خضوع عمر هذا الذي هو أفضل الأولياء المحدثين الملهمين المخاطبين لأبي ~~بكر الصديق كخضوع من رأى غيره من مشاركيه في فنه أكمل منه كخضوع الأخفش ~~لسيبويه وزفر لأبي حنيفة وابن وهب لمالك ونحو ذلك أو خضوع فقهاء المدينة ~~لسعيد بن المسيب وعلماء البصرة للحسن البصري وفقهاء مكة لعطاء بن أبي رباح # وإذا كان هذا مثل عمر مع أبي بكر لأن أبا بكر الصديق يأخذ ما يأخذه عن ~~الرسول المعصوم عليه الصلاة والسلام الذي قد عصم أن يستقر فيما جاء به خطأ ~~فهو لخبرته بحال صديق النبي بهذه المثابة وكل من كان عالما بالصحابة يعلم ~~أن عمر رضي الله تعالى عنه كان متأدبا معظما بقلبه لأبي بكر رضي الله عنه ~~مشاهدا أنه أعلى منه إيمانا ويقينا فكيف يكون حال عمر وغيره مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم # وإذا كان هذا حال أفضل المحدثين المخاطبين فكيف حال سائرهم ولا ريب أن ~~الرجل كلما عظمت ولايته وعظم نصيبه من انكشاف الحقائق له كان PageV01P157 ~~تعظيمه للنبوة أعظم والناس في هذه الطريق متفاوتون بحسب درجاتهم لكن طريق ~~الصوفية لا ينهض بانكشاف جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بل ولا ~~بأكثره بل عامة ما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أبو بكر وعمر ~~فضلا عن غيرهما أن يعلمه بدون خبره وإن كان عند المخبرين علم بجمل ذلك أو ~~أصله لكن ما يخبر به من التفصيل لا يعلم بدون خبره أصلا وما يوجد في كلام ~~أبي حامد وغيره من ms132 أن الكشف يحصل ذلك وقول القائل أن الأولياء شاهدوا الحق ~~في جميع ما ورد به الشرع ليس بسديد بل لا يزال الأولياء مع الأنبياء في ~~إيمان بالغيب ولا يتصور أن الولي يعطى ما أعطيه النبي من المشاهدة ~~والمخاطبة وأفضل الأولياء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم # وليس في هؤلاء من شاهد ما شاهده النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ~~ولا شاهد الملائكة الذين كانوا ينزلون بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا سمع أحد منهم كلام الله الذي كلم به نبيه ليلة المعراج ولا سمع عامة ~~الأنبياء فضلا عن الأولياء كلام الله كما سمعه موسى بن عمران ولا كلم الله ~~تكليما لداود وسليمان بل ولا إبراهيم ولا عيسى فضلا عن أن يكون ذلك يحصل ~~لأحد من الأولياء والإيمان بكل ما جاء به الأنبياء واجب فإنهم معصومون ولا ~~يجب الإيمان بكل ما يقوله الولي بل ولا يجوز فإنه ما من أحد من الناس إلا ~~يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سب نبيا من ~~الأنبياء قتل وكان كافرا مرتدا بخلاف الولي # قال تعالى @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون @QE@ وقوله تعالى @QB@ آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ~~ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم @QE@ PageV01P158 # فإن قيل ففي قراءة ابن عباس ولا محدث قيل هذه القراءة ليست متواترة ولا ~~معلومة الصحة ولا يجوز الاحتجاج بها في أصول الدين وإن كانت صحيحة فالمعنى ~~أن المحدث كان فيمن كان قبلنا وكانوا يحتاجون إليه وكان ينسخ ما يلقيه ~~الشيطان وإليه كذلك وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ms133 لا تحتاج إلى غير محمد ~~صلى الله عليه وسلم ولهذا كانت الأمم قبلنا لا يكفيهم نبي واحد بل يحيلهم ~~هذا النبي في بعض الأمور على النبي الآخر وكانوا يحتاجون إلى عدد من ~~الأنبياء ويحتاجون إلى المحدث وأمة محمد أغناهم الله بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وعن غيره من الأنبياء والرسل فكيف لا يغنيهم عن المحدث ولهذا قال صلى ~~الله عليه وسلم أنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر ~~فعلق ذلك بأن ولا يجزم به لأنه علم استغناء أمته عن محدث كما استغنت عن ~~غيره من الأنبياء سواء كان فيها محدث أولا أو كان ذلك لكمالها برسولها الذي ~~هو أكمل الرسل وأجملهم وهؤلاء كبعض في أمته عن الأمم قبلهم # وقد وقع في كلام أبي حامد وغيره نحو من هذا في مواضع أخر حتى ذكر فيما ~~يتأول وما لا يتأول أن ذلك لا يعلم إلا بتوفيق إلهي يشاهد به الحقائق على ~~ما هي عليه ثم ينظر في السمع والألفاظ الواردة فيه فما وافق مشهوده أقره ~~وما خالفه تأوله وذكر في موضع آخر أن الواحد من الأولياء قد يسمع كلام الله ~~سبحانه كما سمعه موسى بن عمران وأمثال هذه الأمور ولهذا تبين له في آخر ~~عمره إن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده فطلب الهدى من طريق الآثار النبوية ~~وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله وكان كارها ~~ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور مما أنكره الناس عليه حتى قال المازري ~~وغيره ما معناه إن كلامه يؤثر في الإيمان بالنبوة فينقص قدرها أو نحو هذا ~~وكذلك ما ذكره من أن النبوة انفتاح قوة أخرى فوق العقل # ولا ريب أن هذا مما يكون للنبي وليست للنبوة قوة تدرك بها الأمور وإنما ~~PageV01P159 يشبه هذا أصول الفلاسفة الذين يزعمون أن الفيض دائم من العقل ~~الفعال وإنما يحصل في القلوب بسبب استعداد الأشخاص فأي عبد كان استعداده ~~أتم كان الفيض عليه أتم من غير أن يكون ms134 من الملأ الأعلى سبب يخص شخصا دون ~~شخص بالخطاب والتكليم # وليس هذا مذهب المسلمين بل ولا اليهود ولا النصارى بل هؤلاء كلهم إلا من ~~الحد منهم متفقون على أن الله سبحانه خصص موسى بالتكليم دون هارون وغيره ~~وإنه يخص بالنبوة من يشاء من عباده لا أنه بمجرد استعداده يفيض عليه العلوم ~~من غير تخصيص إلهي وهنا صار الناس ثلاثة أصناف صنف يقولون ليست النبوة إلا ~~مجرد أنباء الله تعالى للعبد وهو تعلق كلامه كما يقولون أن الأحكام الشرعية ~~ليست إلا مجرد خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من غير أن يكون ~~للفعل في نفسه صفة اقتضت تخصيصه بالحكم # وكذلك يقول هؤلاء ليس للنبي في نفسه صفة اقتضت تخصيصه بالنبوة وهذا يقوله ~~طوائف من متكلمة أهل الإثبات القدريين أصحاب جهم وأبي الحسن وغيرهما الذين ~~يخالفون المعتزلة والفلاسفة فيما يقولونه في فعل الرب وحكمه إذ المتفلسفة ~~يقولون بالطبع والعلة الموجبة والمعتزلة يقولون بالاختيار المتضمن لشريعة ~~عقلية ألزموه بها في التعديل والتجويز ونحو ذلك والمنتسبون إلى السنة ~~والجماعة من الكلابية والأشعرية والكرامية وسائر المنتسبين إلى السنة ~~والجماعة يردون عليهم الأصول التي فارقوا بها أهل السنة والجماعة بالتكذيب ~~من القدر والصفات وتخليد أهل الكبائر كما يردون على المتفلسفة ما فارقوا به ~~المسلمين لكن لهؤلاء في مسائل الحكمة والمصالح وتعليل الأفعال والأحكام وهل ~~للأفعال صفات يدرك بها حسنها وقبحها نزاع ليس هذا موضع تفصيله وإنما نذكره ~~مجملا # ومعلوم أن الإنباء والإرسال من باب كلام الله تعالى وكذلك الأمر والنهي ~~هو من باب كلام الله تعالى والأمر متعلق بالفعل والإرسال والإنباء ~~PageV01P160 متعلق بالرسول والنبي وللناس في هذا وهذا ثلاثة أقوال # أحدها أنه ليس ذلك إلا مجرد كلام الله المتعلق بذلك أو تعلق الخطاب بذلك ~~وهو من الصفات النسبية الإضافية عندهم قالوا لأنه ليس لمتعلق القول من ~~القول صفة ثبوتية وهذا قول هؤلاء # والقول الثاني إن ذلك يعود إلى صفة قائمة بالنبي وبالفعل # والقول الثالث إن ذلك يتضمن الأمرين فالحكم الشرعي يتضمن خطاب الشارع ~~وصفة قائمة بالفعل ms135 والنبوة تتضمن خطاب الرب لتضمن صفة قائمة بالنبي أيضا ~~وهذا معنى قول السلف والأئمة وجمهور المسلمين والفلاسفة والمعتزلة أيضا ~~يثبتون أيضا فيه حسن الفعل وقبحه إلى صفة فيه توجب الحمد والذم وخطاب ~~الشارع كاشف لها لا مثبت لها والمتفلسفة عندهم يعود ذلك إلى صفة في الفعل ~~توجب كمال النفس أو نقصها ولذلك يقولون إن النبوة هي كمال للنفس الناطقة ~~تستعد به لأن تفيض عليها المعارف من العقل الفعال من غير أن يكون هناك خطاب ~~حقيقي لله تعالى ولكن كلام الله سبحانه عندهم هو ما يحدث في نفس النبي من ~~أصوات يسمعها في نفسه لا خارجا عن نفسه والملائكة عبارة عن أشعال نورانية ~~يراها تكون في نفسه لا خارجا عن نفسه كما يرى النائم في منامه صورا يخاطبها ~~وكلاما يسمعه وذلك في نفسه ولهذا جعل أبو حامد هذا طريقا لهم إلى إثبات ~~النبوة كما سلك ابن سينا وغيره ولا ريب أن كل ما يقربه من مقر من الحق فإن ~~أهل الإيمان يقرون به لكن يعلمون أشياء فوق ذلك لا يعلمها أهل الباطل فما ~~علمته المتفلسفة من هذه الأمور لا ينكرها أهل الإيمان لكن ينكرون عليهم ~~اقتصارهم في التصديق عليها # وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في جواب المسألة الخراسانية التي سئلت ~~فيها عن ما يتعلق بالقرآن العظيم وكلام الله سبحانه وتعالى وذكرت مراتب ~~تكليم الله تعالى لخلقه وأنها درجات وأن المتفلسفة أقروا ببعض الدرجات دون ~~بعض بل لعلهم لم يتجاوزوا أدنى الدرجات وهي درجات PageV01P161 الإلهام وما ~~يناسبه وما أعطوا هذه الدرجة حقها وأما المعتزلة فهم خير منهم فإنهم يقرون ~~بما أخبر به القرآن من أصناف الملائكة وأوصافهم لكنهم مع هذا لا يقرون بأن ~~لله كلاما قائما به فحقيقة مذهبهم أن الله سبحانه لا يتكلم إنما يخلق كلامه ~~في غيره ولما ابتدعت الجهمية هذه المقالة كانوا يقولون إن الله تعالى لا ~~يتكلم أو يتكلم مجازا # لكن المعتزلة امتنعت من هذا الإطلاق وقالوا إنه متكلم أو يتكلم حقيقة ~~لكنهم فسروا ذلك بأن خلق ms136 كلاما في غيره فلم ينازعوا قدماء الجهمية في حقيقة ~~المذهب وإنما نازعوهم في اللفظ # والسلف والأئمة لما عرفوا حقيقة مذهبهم عرفوا أن هذا كفر وأن هذا في ~~الحقيقة تعطيل للرسالة وأنه يمتنع أن يكون متكلم بكلام لا يقوم به بل بغيره ~~كما يمتنع أن يكون عالما بعلم لا يقوم به بل بغيره وأن يكون قادرا بقدرة لا ~~تقوم به بل بغيره وإنه لو كان كذلك لكان ما يخلقه من الكلام في مخلوقاته ~~كلاما له # وقد قال تعالى @QB@ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء @QE@ وقال عز وجل @QB@ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا ~~أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون @QE@ بل لما ثبت أن الله خالق كل شيء ~~فيجب أن يكون على قولهم كل كلام في الوجود كلامه وقد أفصح بذلك الاتحادية ~~الذين يقولون الوجود واحد كابن عربي صاحب الفصوص ونحوه وقالوا % وكل كلام ~~في الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % $ # ومذهبهم منتهى مذهب الجهمية وهو في الحقيقة تعطيل الخالق والقول بأن هذا ~~الوجود هو الوجود الواجب كما ذكر ذلك أبو حامد عن دهرية الفلاسفة فإن قول ~~هؤلاء هو قول أولئك وهو قول فرعون الذي أظهره لكن فرعون وغيره من الدهرية ~~لا يقولون هذا الوجود هو الله وهؤلاء بجهلهم يقولون إن الوجود هو الله وقد ~~أضلوا طوائف من الشيوخ الذين لهم عبادة PageV01P162 وزهادة حتى أنه كان ~~ببيت المقدس رجل من أعبد الناس وأزهدهم وكان طوال ليله يقول الوجود واحد ~~وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله وهؤلاء سلكوا في كثير من أصولهم ما ~~ذكره أبو حامد وبنوا على ما في كتابه المضنون به وغيره من أصول الفلاسفة ~~المكسوة عبادة الصوفية فالأمور التي أنكرها عليه علماء المسلمين ما عليها ~~هؤلاء حتى جعل ابن سبعين الناس خمس طبقات أدناها الفقيه ثم المتكلم الأشعري ~~ثم الفيلسوف ثم الصوفي ثم الخامس هو المحقق وهؤلاء يجعلون ما أشار إليه أبو ~~حامد من الكشف هو ما حصل لهم وإنه لتعبده بالشريعة لم ms137 يصل إلى القول بوحدة ~~الوجود وهم ينتقصونه بما يحمده عليه المسلمون من الأقوال التي اعتصم فيها ~~بالكتاب والسنة وبالأقوال التي يعلم صحتها بصريح العقل ويرون أن ذلك هو ~~الذي حجبه عن أن يشهد حقيتهم التي هي وحدة الوجود وإنما طمعوا فيه هذا ~~الطمع لما وجدوه في الكلام المضاف إليه مما يوافق أصول الجهمية المتفلسفة ~~ونحوهم # والمقصود هنا أن المعتزلة خير من المتفلسفة حيث يثبتون لله كلاما منفصلا ~~ويقولون أن الرسالة والنبوة تتضمن نزول كلام الله تعالى منفصل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ينزل عليه كما يقول ذلك سائر المسلمين ثم قد يقول من يقول ~~من المعتزلة أن النبوة جزاء على عمل متقدم وإن النبي لما قام بواجبات عقلية ~~أكرمه الله تعالى عليها بالنبوة مع كون النبي متميزا بصفات خصه الله تعالى ~~بها وهذا القول موافق في الجملة قول أكثر الناس وهو أن النبوة والرسالة ~~تتضمن كلام الله سبحانه الذي ينزل على رسوله ونبيه وإنه مع ذلك مختص بصفات ~~اختصه الله تعالى بها دون غيره من الأنبياء وأنه لا يكون النبي والرسول ~~كسائر الناس في العقل والخلق وغير ذلك بل هو متميز عن الناس بذلك والنبوة ~~فضل الله يؤتيه من يشاء لكن مع ذلك الله أعلم حيث يجعل رسالته # وما ذكره أبو حامد فيه من تقرير النبوة في الجملة على الأصول التي يسلمها ~~المتفلسفة ويعرفونها ما ينتفع به من كان متفلسفا محضا فإن ذلك يوجب ~~PageV01P163 أن يدخل في الإسلام نوع دخول وكلام أبي حامد في هذا ونحوه يصلح ~~أن يكون برزخا بين المتفلسفة وبين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى ~~فالمتفلسفة تنتفع به حيث يصير عندهم من الإيمان والعلم مالا يحصل لهم بمجرد ~~الفلسفة # وأما من كان مسلما يريد أن يستكمل العلم والإيمان فإن ذلك يضره من وجه ~~ويرده عن كثير من كمال الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وإن كان ينفعه من ~~حيث يحول بينه وبين الفلسفة المحضة إلا أن يكون حسن الظن بالفلسفة دون أصول ~~الإسلام فإنه يخرجه إلى ms138 الإلحاد المحض كما أصاب ابن عربي الطائي وابن سبعين ~~وأمثالهما وقد أخبر هو بما حصل له من السفسطة وإنه انحصرت فرق الطالبين ~~عنده في أربع فرق المتكلمين والباطنية والفلاسفة والصوفية # ومعلوم أن هذه الفرق كلها حادثة بعد عصر الصحابة بل وبعد عصر التابعين بل ~~إنما ظهرت وانتشرت بعد القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم ثم ~~الفلاسفة والباطنية هم كفار كفرهم ظاهر عند المسلمين كما ذكر هو وغيره ~~وكفرهم ظاهر عند أقل من له علم وإيمان من المسلمين إذا عرفوا حقيقة قولهم ~~لكن لا يعرف كفرهم من لم يعرف حقيقة قولهم وقد يكون قد تشبث ببعض أقوالهم ~~من لم يعلم أنه كفر فيكون معذورا لجهلة ولكن في المتكلمين والصوفية ممن له ~~علم وإيمان طوائف كثيرون بل في من بعد من الصوفية مثل الفضيل بن عياض وابي ~~سليمان الداراني وإبراهيم بن أدهم ومعروف الكرخي وأمثالهم ممن هو خيار ~~المسلمين وساداتهم عند المسلمين وفي عصرهم حدث اسم الصوفية وظهر الكلام ~~أيضا # وكلام السلف والأئمة في ذم البدع الكلامية في العلم والبدع المحدثة في ~~طريقة الزهد والعبادة مشهور كثير مستفيض ولم يتنازع أهل العلم والإيمان ~~فيما استعاض عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله خير القرون القرن الذي ~~بعثت فيهم ثم الذين PageV01P164 يلونهم وكل من له لسان صدق من مشهور بعلم ~~أو دين معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة # وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم ولم يكن في زمنهم أحد من هذه ~~الصنوف الأربعة ولا تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي والثوري ~~وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوايه ومثل الفضيل وأبي ~~سليمان ومعروف الكرخي وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه ~~مقتدين بعلم الصحابة وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة وهم ~~يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب والذين اتبعوهم من ~~أهل الآثار النبوية وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقهم المتبعون لها ~~وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ms139 ومصر # فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهم أبو حامد وذلك ~~لأن هؤلاء لا يعرف طريقهم إلا من كان خبيرا بمعاني القرآن خبيرا بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خبيرا بآثار الصحابة فقيها في ذلك عاملا بذلك ~~وهؤلاء هم أفضل الخلق من المنتسبين إلى العلم والعبادة وأبو حامد لم ينشأ ~~بين من كان يعرف طريقة هؤلاء ولا تلقى عن هذه الطبقة ولا كان خبيرا بطريقة ~~الصحابة والتابعين بل كان يقول عن نفسه أنا مزجى البضاعة في الحديث ولهذا ~~يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات الموضوعة ما لا يعتمد عليه من ~~له علم بالآثار ولكن نفعه الله تعالى بما وجده في كتب الصوفية والفقهاء من ~~ذلك وبما وجد في كتب أبي طالب ورسالة القشيري وغير ذلك وبما وجده في كتب ~~أصحاب الشافعي ونحو ذلك فخيار ما يأتي به ما يأخذ من هؤلاء وهؤلاء # ومعلوم أن طريقة أئمة الصوفية وأئمة الفقهاء أكمل من طريقة أبي القاسم ~~القشيري ومن طريقة أبي طالب والحارث ومن طريقة أبي المعالي وأمثاله وأولئك ~~الأئمة كانوا أعلم بطريقة الصحابة وأتبع لها من أتباعهم فالقاضي أبو بكر ~~الباقلاني وأمثاله أعلم بالأصول والسنة وأتبع لها من أبي المعالي وأمثاله ~~PageV01P165 والأشعري والقلانسي ونحوهما أعلى طبقة في ذلك من القاضي أبي ~~بكر وعبد الله بن سعيد بن كلاب والحارث المحاسبي أعلى طبقة في ذلك من هؤلاء ~~ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد والليث بن سعد وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء ~~والتابوعو أعلى من هؤلاء والصحابة أعلى من التابعين # وكذلك أبو طالب المكي يأخذ عن شيخه ابن سالم وابن سالم يأخذ عن سهل بن ~~عبد الله التستري وسهل أعلى درجة عند الناس من أبي طالب ثم الفضل وأبو ~~سليمان وأمثالهما أعلى درجة من سهل وأمثاله وأيوب السختياني وعبد الله بن ~~عون ويونس بن عبيد وغيرهم من أصحاب الحسن أعلى طبقة من هؤلاء وأويس القرني ~~وعامر بن عبد قيس وأبو مسلم الخولاني وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء وأبو ذر ~~الغفاري ms140 وسلمان الفارسي وأبو الدرداء وامثالهم أعلى طبقة من هؤلاء # ومعلوم إن كل من سلك إلى الله جل وعز علما وعملا بطريق ليست مشروعة ~~موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها فلابد أن يقع في بدعة ~~قولية أو عملية فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيع فلابد أن يسلك ~~بينات الطريق وإن كان ما ما يفعله الرجل من ذلك قد يكون مجتهدا فيه مخطئا ~~مغفورا له خطؤه وقد يكون ذنبا وقد فسقا وقد يكون كفرا بخلاف الطريقة ~~المشروعة في العلم والعمل فإنها أقوم الطرق ليس فيها عوج كما قال تعالى ~~@QB@ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم @QE@ وقال عبد الله بن مسعود خط رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه ومشماله ثم قال هذا سبيل ~~الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ @QB@ وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ وقال الزهري كان ~~من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة ولهذا قيل مثل السنة مثل ~~سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهو يروي عن مالك ومن سلك الطريق ~~الشرعية النبوية لم يحتج في إثباتها إلى أن يشك في إيمانه الذي PageV01P166 ~~كان عليه قبل البلوغ ثم يحدث نظرا يعلم به وجود الصانع ولم يحتج إلى أن ~~يبقى شاكا مرتابا في كل شيء وإنما كان مثل هذا يعرض لمثل الجهم بن صفوان ~~وأمثاله فإنهم ذكروا أنه بقي أربعين يوما لا يصلي حتى يثبت إنه له ربا ~~يعبده فهذه الحالة كثيرا ما تعرض للجهيمة وأهل الكلام الذين ذمهم السلف ~~والائمة وأما المؤمن المحض فيعرض له الوسواس فتعرض له الشكوك والشبهات وهو ~~يدفعها عن قلبه فإن هذا لا بد منه كما ثبت في الصحيح إن الصحابة قالوا يا ~~رسول الله أن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من ~~السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به فقال أفقد ms141 وجدتموه قالوا نعم قال ~~ذلك صريح الإيمان وفي السنن من وجه آخر أنهم قالوا إن أحدنا ليجد في نفسه ~~ما يتعاظم أن يتكلم به فقال الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة قال غير ~~واحد من العلماء معناه أن ما تجدونه في قلوبكم من كراهة الوساوس والنفرة ~~عنه وبغضه ودفعه هو صريح الإيمان # وهذا من الزبد الذي قال الله تعالى فيه @QB@ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ~~ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال @QE@ وهذا مذكور في ~~غير هذا الوضع وكلام السلف والأئمة فيما أحدث من الكلام وما أحدث من الزهد ~~مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن يعرف مراتب الناس في العلم بالنبوة ومعرفة قدرها وتعدد ~~الطرق في ذلك وإن عامة الطرق التي سلكها الناس في ذلك هي طرق مفيدة نافعة ~~لكن تختلف مقادير فوائدها ومنافعها وفيها ما يضر من وجه كما ينفع من وجه ~~وفيها ما ينتفع به من كان عديم الإيمان أو ضعيف الإيمان فيحصل به له بعض ~~الإيمان أو يقوي إيمانه وإن كان ذلك يضر من كان قوي الإيمان ويكون رجوعه ~~إليه ردة في حقه بمنزلة من كان معتصما بحبل قوي وعروة وثقى لا انقصام لها ~~فاعتاض عن ذلك بحبل ضعيف يكاد ينقطع به وهذا باب يطول وصف حال الناس فيه ~~PageV01P167 # وأما ما ذكره أبو حامد من أن هذه الطريقة التي سلكها تفيد العلم الضروري ~~بالنبوة دون طريقة المعجزات فالإنسان خبير بما حصل له من العلم الضروري ~~وغيره وليس هو خبير بما حصل لغيره من ذلك وكثير من أهل النظر والكلام ~~يقولون نقيض هذا يقولون لا يحصل العلم بالنبوة إلا بطريقة المعجزات دون ~~غيرها كما قال ذلك أكثر أهل الكلام ومن اتبعهم كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي ~~يعلى وأبي المعالي والمازري وأمثال هؤلاء والتحقيق ما عليه أكثر الناس أن ~~العلم بالنبوة يحصل بطرق متعددة المعجزات وغير المعجزات ويحصل له العلم ~~الضروري بها كما ذكره أبو حامد بل يحصل له العلم الضروري بالنبوة على ms142 الجمل ~~كما ذكره وعامة من حصر العلم بهذا أو غيره في طريق معينة وزعم أنه لا يحصل ~~بغيرها فإنه يكون مخطئا وهذا كثير ما سلكه كثير من أهل الكلام في إثبات ~~العلم بالصانع أو إثبات حدوث العالم أو إثبات التوحيد أو العلم بالنبوة أو ~~غير ذلك يسلك أحدهم طريقا يزعم أنه لا يحصل العلم إلا به وقد يكون طريقا ~~فاسدا وربما قدح خصوصه في طريقه الصحيحة وادعوا أنها فاسدة # وكثيرا ما يكون سبب العلم الحاصل في القلب غير الحجة الجدلية التي يناظر ~~بها غيره فإن الإنسان يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا ~~يستحضرها ولا يحصيها ولو استحضرها لا توافقه عبارته على بيانها ومع هذا ~~فإذا طلب منه بيان الدليل الدال على ذلك قد لا يعلم دليلا يدل به غيره إذا ~~لم يكن ذلك الغير شاركه في سبب العلم وقد لا يمكنه التعبير عن الدليل إن ~~تصوره فالدليل الذي يعلم به المناظر شيء والحجة التي يحتج بها المناظر شيء ~~آخر وكثيرا ما يتفقان كما يفترقان # وليس هذا موضع بسط ذلك وإنما المقصود التنبيه على تعدد طرق العلم بالنبوة ~~وغيرها وكلام الناس في هذا الباب ونحوه على درجات متفاوتة فيحمد كلام الرجل ~~بالنسبة إلى من دونه وإن كان مذموما بالنسبة إلى من فوقه PageV01P168 إذ ~~الإيمان يتفاضل وكل له من الإيمان بقدر ما حصل له منه # ولهذا كان أبو حامد مع ما يوجد في كلامه من الرد على الفلاسفة وتكفيره ~~لهم وتعظيم النبوة وغير ذلك ومع ما يوجد فيه أشياء صحيحة حسنة بل عظيمة ~~القدر نافعة يوجد في بعض كلامه مادة فلسفية وأمور أضيفت إليه توافق أصول ~~الفلاسفة الفاسدة المخالفة للنبوة بل المخالفة لصريح العقل حتى تكلم فيه ~~جماعات من علماء خراسان والعراق والمغرب كرفيقه أبي إسحاق المرغيناني وأبي ~~الوفاء بن عقيل والقشيري والطرطوشي وابن رشد والمازري وجماعات من الأولين ~~حتى ذكر ذلك الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فيما جمعه من طبقات أصحاب الشافعي ~~وقرره الشيخ أبو زكريا النووي ms143 قال في هذا الكتاب فصل في بيان أشياء مهمة ~~أنكرت على الإمام الغزالي في مصنفاته ولم يرتضيها أهل مذهبه وغيرهم من ~~الشذوذ في تصرفاته منها قوله في مقدمة المنطق في أول المستصفي # هذه مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط فلا ثقة له بعلومه أصلا قال الشيخ أبو ~~عمرو وسمعت الشيخ العماد بن يونس يحكي عن يوسف الدمشقي مدرس النظامية ~~ببغداد وكان من النظار المعروفين إنه كان ينكر هذا الكلام ويقول فأبو بكر ~~وعمر وفلان وفلان يعني أن أولئك السادة عظمت حظوظهم من الثلج واليقين ولم ~~يحيطوا بهذه المقدمة وأسبابها قال الشيخ أبو عمرو قد ذكرت بهذا ما حكى صاحب ~~كتاب الإمتاع والمؤانسة يعني أبا حيان التوحيدي أن الوزير ابن الفرات احتفل ~~مجلسه ببغداد بأصناف من الفضلاء من المتكلمين وغيرهم وفي المجلس متى ~~الفيسلوف النصراني فقال الوزير أريد أن ينتدب منكم إنسان لمناظرة متي في ~~قوله إنه لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل والحجة من الشبهة والشك من ~~اليقين إلا بما حويناه من المنطق واستفدناه من واضعه على مراتبه فانتدب له ~~أبو سعيد السيرافي وكان فاضلا في علوم غير النجوم وكلمه في ذلك حتى أفحمه ~~وفضحه قال أبو محمد وليس هذا موضع التطويل بذكره PageV01P169 # قال الشيخ أبو عمرو وغير خائف استغناء العقلاء والعلماء قبل واضع المنطق ~~أرسطاطاليس وبعده مع معارفهم الجمة عن تعلم المنطق وإنما المنطق عندهم ~~بزعمهم آلة قانونية صناعية تعصم الذهن من الخطأ وكل ذي ذهن صحيح منطقي ~~بالطبع قال فكيف غفل الغزالي عن حال شيخه إمام الحرمين ومن قبله من كل إمام ~~هو له مقدم ولمحله في تحقيق الحقائق رافع ومعظم ثم لم يرفع أحد منهم ~~بالمنطق رأسا ولا بنى عليه في شيء من تصرفاته أسا # ولقد أتى بخلطة المنطق بأصول الفقه بدعة عظم شؤمها على المتفقهة حتى كثر ~~فيهم بعد ذلك المتفلسفة والله المستعان قال ولأبي عبد الله المازري الفقيه ~~المتكلم الأصولي وكان إماما محققا بارعا في مذهبي مالك والأشعري وله تصانيف ~~في فنون منها شرح ms144 الأرشاد والبرهان لإمام الحرمين رسالة يذكر فيها حال ~~الغزالي وحال كتابه الإحياء أصدرها في حال حيدة الغزالي جوابا لما كوتب به ~~من الغرب والشرق في سؤاله عن ذلك عند اختلافهم في ذلك فذكر فيها ما اختصاره ~~أن الغزالي كان قد خاض في علوم وصنف فيها واشتهر بالإمامة في إقليمه حتى ~~تضاءل له المنازعون واستبحر في الفقه وفي وأصول الفقه وهو بالفقه أعرف # وأما أصول الدين فليس بالمستبحر فيها شغله عن ذلك قراءته علوم الفلسفة ~~وأكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني وتسهيلا للهجوم على الحقائق لأن ~~الفلاسفة تمر مع خواطرها وليس لها شرع يزعها ولا تخاف من مخالفة أئمة ~~تتبعها فلذلك خامره ضرب من الأدلال على المعاني فاسترسل فيها استرسال من لا ~~يبالي بغيره قال وقد عرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على قراءة رسائل ~~إخوان الصفا وهذه الرسائل هي إحدى وخمسون كل رسالة مستقلة بنفسها وقد ظن في ~~مؤلفها ظنون وفي الجملة هو يعني واضع الرسائل رجل فيسلوف قد خاض في علوم ~~الشرع فمزج ما بين العلمين وحسن الفلسفة في قلوب أهل الشرع بآيات وأحاديث ~~يذكرها عندها PageV01P170 # ثم أنه كان في هذا الزمان المتأخر فيلسوف يعرف بأبن سينا ملأ الدنيا ~~تأليف في علوم الفلسفة وكان ينتمي إلى الشرع ويتحلى بحلية المسلمين وأدته ~~قوته في علم الفلسفة إلى أن تلطف جهده في رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة ~~وتم له من ذلك ما لم يتم لغيره من الفلاسفة قال ووجدت هذا الغزالي يعول ~~عليه في أكثر ما يشير إليه في علوم الفلسفة حتى إنه في بعض الأحايين ينقل ~~نص كلامه من غير تغيير وأحيانا يغيره وينقله إلى الشرعيات أكثر مما نقل ابن ~~سينا لكونه أعلم بأسرار الشرع منه فعلى ابن سينا ومؤلف رسائل إخوان الصفا ~~عول الغزالي في علم الفلسفة قال وأما مذهب المتصوفة فلست أدري على من عول ~~فيها ولا من ينتسب إليه في علمها قال وعندي إنه على أبي حيان التوحيدي ~~الصوفي عول على مذاهب الصوفية # وقد علمت ms145 أن أبا حيان هذا ألف ديوانا عظيما في هذا الفن ولم يصل إلينا ~~منه شيء ثم ذكر أن في الإحياء فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له مثل ما ~~استحسن في قص الأظافر أن يبدأ بالسبابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع ~~لكونها المسبحة ثم بالوسطى لأنها ناحية اليمين ثم باليسرى على هيئة دائرة ~~وكأن الأصابع عنده دائرة فإذا أدار أصابعه مر عليها مرور الدائرة ثم يختم ~~بإبهام اليمنى هكذا حدثني به من أثق به عن الكتاب قال فانظر إلى هذا كيف ~~أفاد قراء الهندسة وعلم الدوائر وأحكامها أن نقله إلى الشرع فأفتى به ~~المسلمين قال وحمل إلى بعض الأصحاب من هذا الإملاء الجزء الأول فوجدته يذكر ~~فيه إن من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن الباري قديم مات مسلما إجماعا ومن ~~تساهل في حكاية الإجماع في مثله هذا الذي الأقرب أن يكون فيه الإجماع بعكس ~~ما قال فحقيق أن لا يوثق بكل ما ينقل وإن يظن به التساهل في رواية ما لم ~~يثبت عنده صحته قال ثم تكلم المازري في محاسن الإحياء ومذامه ومنافعه ~~ومضاره بكلام طويل ختمه بأن من لم يكن عنده من البسطة في العلم ما يعتصم به ~~من وغوائل هذا الكتاب فإن قراءته لا تجوز له وإن كان فيه ما ينتفع به ~~PageV01P171 # ومن كان عنده من العلم ما يأمن به على نفسه من غوائل هذا الكتاب ويعلم ما ~~فيه من الرموز فيجتنب مقتضى ظواهرها ويكل أمر مؤلفها إلى الله تعالى وإن ~~كان كلها تقبل التأويل فقراءته له سائغة به اللهم إلا أن يكون قارؤه ممن ~~يقتدي به ويغتر به فإنه ينهى عن قراءته وعن مدحه والثناء عليه قال ولولا أن ~~علمنا أن إملاءنا هذا إنما يقرؤه الخاصة ومن عنده علم يأمن به على نفسه لم ~~نتبع محاسن هذا الكتاب بالثناء ولم نتعرض لذكرها ولكنا نحن أمنا من التغرير ~~ولئلا يظن أيضا من يتعصب للرجل إنا جانبنا الإنصاف في الكلام على كتابه ~~ويكون اعتقاده هذا فينا سببا ms146 لئلا يقبل نصيحتنا قال الشيخ أبو عمرو وهذا ~~آخر ما نقلناه عن المازري قلت ما ذكره المازري في مادة أبي حامد من الصوفية ~~فهو كما قال المازري عن نفسه لم يدر على من عول فيها ولم يكن للمازري من ~~الاعتناء بكتب الصوفية وأخبارهم ومذاهبهم ماله من الاعتناء بطريقة الكلام ~~وما يتبعه من الفلسفة ونحوها # فلذلك لم يعرف ذلك ولم تكن مادة أبي حامد من كلام أبي حيان التوحيدي وحده ~~بل ولا غالب كلامه منه فإن أبا حيان تغلب عليه الخطابة والفصاحة وهو مركب ~~من فنون أدبية وفلسفية وكلامية وغير ذلك وإن كان قد شهد عليه بالزندقة غير ~~واحد وقرنوه بابن الراوندي كما ذكر ذلك ابن عقيل وغيره وإنما كان غالب ~~استمداد أبي حامد من كتاب أبي طالب المكي الذي سماه قوت القلوب ومن كتب ~~الحارث المحاسبي وغيرها ومن رسالة القشيري ومن منثورات وصلت إليه من كلام ~~المشايخ وما نقله في الإحياء عن الأئمة في ذم الكلام فإنه من كتاب أبي عمر ~~ابن عبد البر في فضل العلم وأهله وما نقله من الأدعية والأذكار ونقله من ~~كتاب الذكر لابن خزيمة ولهذا كانت أحاديث هذا الباب جيدة وقد جالس من اتفق ~~له من مشايخ الطرق لكنه يأخذ من كلام الصوفية في الغالب ما يتعلق بالأعمال ~~والأخلاق والزهد والرياضة والعبادة وهي التي يسميها علوم المعاملة ~~PageV01P172 # وأما التي يسميها علوم المكاشفة ويرمز إليها في الإحياء وغيره ففيها ~~يستمد من كلام المتفلسفة وغيرهم كما في مشكاة الانوار والمضنون به على غير ~~أهله وغير ذلك وبسبب خلطه التصوف بالفلسفة كما خلط الأصول بالفلسفة صار ~~ينسب إلى التصوف من ليس هو موافقا للمشائخ المقبولين الذين لهم في الأمة ~~لسان صدق رضي الله تعالى عنهم بل يكون مباينا لهم في أصول الإيمان كالإيمان ~~بالتوحيد والرسالة واليوم الآخر ويجعلون هذه مذاهب الصوفية كما يذكر ذلك ~~ابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وأبو الوليد ابن رشد الحفيد وصاحب خلع ~~العلم وابن العربي صاحب الفتوحات وفصوص الحكم وابن سبعين وأمثال ms147 هؤلاء ممن ~~يتظاهر بمذاهب مشايخ الصوفية وأهل الطريق وهو في التحقيق منافق زنديق ينتهي ~~إلى القول بالحلول والاتحاد واتباع القرامطة أهل الإلحاد ومذهب الإباحية ~~الدافعين للأمر والنهي والوعد والوعيد ملاحظين لحقيقة القدر التي لا يفرق ~~فيها بين الأنبياء والمرسلين وبين كل جبار عنيد وقائلين مع ذلك بنوع من ~~الحقائق البدعية غير عارفين بالحقائق الدينية الشرعية ولا سالكين مسلك ~~أولياء الله الذين هم بعد الأنبياء خير البرية فهم في نهاية تحققيهم يسقطون ~~الأمر والنهي والطاعة والعبادة مشاقين للرسول متبعين غير سبيل المؤمنين ~~ويفارقون سبيل أولياء الله المتقين إلى سبيل أولياء الشياطين ثم يقولون ~~بالحلول والاتحاد وهو غاية الكفر ونهاية الإلحاد ولهذا في كلام العارفين ~~كأبي القاسم الجنيد وأمثاله من بيان أن التوحيد هو إفراد الحدوث عن القدم ~~ونحو ذلك ومن بيان وجوب اتباع الأمر والنهي ولزوم العبادة إلى الموت ما ~~يبين به أن أولئك السادة المهتدين حذروا من طريق هؤلاء الملحدين ولهذا نجد ~~هؤلاء كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما يردون على مثل الجنيد وأمثاله من ~~أئمة المشايخ ويدعون أنهم ظفروا في التحقيق بنهاية الرسوخ وإنما ظفروا ~~بتحقيق الإلحاد والدخول في الحلول والاتحاد وما زال شيوخ الصوفية المؤمنون ~~يحذرون من مثل هؤلاء الملبسين كما حذر أئمة الفقهاء PageV01P173 من سبيل ~~أهل البدعة والنفاق من أهل الفلسفة والكلام ونحوهم حتى ذكر ذلك أبو نعيم ~~الحافظ في أول حلية الأولياء وأبو القاسم القشيري في رسالته دع من هو أجل ~~منهما وأعلم منهما بطريق الصوفية وأقل غلطا وأبعد عن الاعتماد على ~~المنقولات الضعيفة والمنقولات المبتدعة قال أبو نعيم في أول الحلية # أما بعد أحسن الله تعالى توفيقك فقد استعنت بالله عز وجل وأجبتك إلى ما ~~أبغيت من جمع كتاب يتضمن أسامي جماعة وبعض أحاديثهم وكلامهم من أعلام ~~المحققين من المتصوفة وأئمتهم وترتيب طبقاتهم من النساك ومحجتهم من قرن ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم من بعدهم ممن عرف الأدلة والحقائق وباشر ~~الأحوال والطرائق وساكن الرياض والحدائق وفارق العوارض والعلائق وتبرأ من ~~المنقطعين والمتعمقين ومن أهل الدعاوى من المسوفين ومن ms148 الكسالى والمثبطين ~~المتشبهين بهم في اللباس والمقال والمخالفين لهم في العقيدة وانفعال وذلك ~~لما بلغك من بسط ألسنتنا وألسنة أهل الفقه والأثر في كل الأقطار والأمصار ~~في المنتسبين إليهم من الفسقة الفجار والمباحية والحلولية الكفار وليس ما ~~حل بالكذبة من الوقيعة والإنكار بقادح في منقبة البررة الأخيار وواضع من ~~درجة الصفوة الأطهار بل في إظهار البراءة من الكذابين والنكير على الحشوية ~~البطالين نزاهة الصادقين ورفعة المحققين # ولم لم ينكشف عن مخازي المبطلين ومساويهم ديانة للزمنا إبانتها وإشاعتها ~~حمية وصيانة إذ لأسلافنا في التصوف العلم المنشور والصيت والذكر المشهور ~~فقد كان جدي محمد بن يوسف رحمه الله تعالى أحد من يسر الله تعالى به ذكر ~~بعض المنقطعين إليه وكيف يستجيز نقيصة أولياء الله تعالى ومؤذيهم مؤذن ~~بمحاربة ربه ثم أسند حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى قال من آذى لي وليا وفي الرواية ~~الأخرى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أفضل من ~~أداء ما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ~~PageV01P174 فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده ~~التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ~~ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه # قلت قد ذم أهل العلم والإيمان من أئمة العلم والدين من جميع الطوائف من ~~خرج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال باطنا أو ~~ظاهرا ومدحهم هو لمن وافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ~~موافقا من وجه ومخالفا من وجه كالعاصي الذي يعلم أنه عاص فهو ممدوح من جهة ~~موافقته مذموم من جهة مخالفته # وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل ms149 الأسماء ~~والأحكام والخلاف فيها أول خلاف حدث في مسائل الأصول حيث كفرت الخوارج ~~بالذنب وجعلوا صاحب الكبيرة كافرا مخلدا في النار ووافقتهم المعتزلة على ~~زوال جميع أيمانه وإسلامه وعلى خلوده في النار لكن نازعوهم في الاسم فلم ~~يسموه كافرا بل قالوا هو فاسق لا مؤمن ولا مسلم ولا كافر ننزله منزلة بين ~~المنزلتين فهم وإن كانوا في الاسم إلى السنة أقرب فيهم في الحكم في الآخرة ~~مع الخوارج # وأصل هؤلاء أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقا للثواب والعقاب ~~والوعد والوعيد والحمد والذم بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته ~~بالكبيرة التي فعلها وقالوا الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة ثم ~~تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن ~~الإيمان يزول كله ويزول شيء منه وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ~~ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين لكن فقهاء المرجئة ~~قالوا إنه الإعتقاد والقول وقالوا إنه لا بد من أن يدخل النار ومن فساق ~~الملة من شاء الله تعالى كما قالت الجماعة فكان خلاف كثير من كلامهم ~~للجماعة إنما هو في الاسم لا في PageV01P175 الحكم وقد بسطنا الكلام على ~~ذلك في غير هذا الموضع وبينا الفرق بين دلالة الاسم مفردا ودلالته مقرونا ~~بغيره كاسم الفقير والمسكين فإنه إذا أفرد أحدهما يتناول معنى الآخر كقوله ~~تعالى @QB@ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله @QE@ فإنه يدخل فيهم ~~المساكين وقوله تعالى @QB@ إطعام عشرة مساكين @QE@ فإن يدخل فيهم الفقراء ~~وأما إذا قرن بينهما كقوله تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ ~~فهما صنفان وكذلك قوله تعالى @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ ~~يدخل في المعروف كل واجب وفي المنكر كل قبيح والقبائح هي السيئات وهي ~~المحظورات كالشرك والكذب والظلم والفواحش # فإذا قال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقال وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي فخص بعض أنواع المنكر بالذكر وعطف أحدهما على الآخر صارت ~~دلالة اللفظ عليه نصا مقصودا بطريق المطابقة بعد أن كانت بطريق العموم ~~والتضمن سواء ms150 قيل إنه داخل في اللفظ العام أيضا فيكون مذكورا مرتين أو قيل ~~إنه باقترانه بالاسم العام تبين أنه لم يدخل في الاسم العام لتغيير الدلالة ~~بالأفراد والتجرد والافتراق والاجتماع كما قدمنا وهكذا اسم الإيمان فإنه ~~تارة يذكر مفردا مجردا لا يقرن بالعمل الواجب فيدخل فيه العمل الواجب تضمنا ~~ولزوما وتارة يقرن بالعمل فيكون العمل حينئذ مذكورا بالمطابقة والنص ولفظ ~~الإيمان يكون مسلوب الدلالة عليه حال الاقتران أو دالا عليه كما في قوله ~~تعالى @QB@ والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة @QE@ وقوله سبحانه لموسى ~~عليه السلام @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة @QE@ ونظائر ~~ذلك كثيرة فالأعمال داخلة في الإيمان تضمنا ولزوما في مثل قول تعالى @QB@ ~~إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ PageV01P176 # وفي مثل قوله سبحانه @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ ~~وقوله عز وجل @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه @QE@ # وأمثال ذلك من الكتاب والسنة ومن استقرأ ذلك علم أن الاسم الشرعي ~~كالإيمان والصلاة والوضوء والصيام لا ينفيه الشارع عن شيء إلا لانتفاء ما ~~هو واجب فيه لا لانتفاء ما هو مستحب فيه وأما قوله تعالى @QB@ إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية @QE@ ونحو ذلك فالعمل مخصوص ~~بالذكر إما توكيد وإما لأن الاقتران لا يغير دلالة الاسم فهذا موقف يزول ~~فيه كثير من النزاع اللفظي في ذلك وأيضا فإن الإيمان يتنوع بتنوع ما أمر ~~الله تعالى به العبد فحين بعث الرسول لم يكن الإيمان الواجب ولا الإقرار ~~ولا العمل مثل الإيمان الواجب في آخر الدعوة فإنه لم يكن يجب إذ ذاك ~~الإقرار بما أنزله الله تعالى بعد ذلك من الإيجاب والتحريم والخبر ولا ms151 ~~العمل بموجب ذلك بل كان الإيمان الذي أوجبه الله تعالى يزيد شيئا فشيئا كما ~~كان القرآن ينزل شيئا فشيئا والدين يظهر شيئا فشيئا حتى أنزل الله تعالى ~~@QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~@QE@ # وكذلك العبد أول ما يبلغه خطاب الرسول عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام ~~إنما يجب عليه الشهادتان فإذا مات قبل أن يدخل عليه وقت صلاة لم يجب عليه ~~غير الإقرار ومات مؤمنا كامل الإيمان الذي وجب عليه وإن كان إيمان غيره ~~الذي دخلت عليه الأوقات أكمل منه فهذا إيمانه ناقص كنقص دين النساء حيث قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنكن ناقصات عقل ودين أما نقصان عقلكن فشهادة ~~امرأتين بشهادة رجل واحد وأما نقصان دينكن فإن إحداكن إذا حاضت لم تصل ~~ومعلوم أن الصلاة حينئذ ليست واجبة عليها وهذا نقص لا تلام عليه المرأة لكن ~~من جعل كاملا كان أفضل منها بخلاف من نقص شيئا PageV01P177 مما وجب عليه ~~فصار النقص في الدين والإيمان نوعين نوعا لا يذم العبد عليه لكونه لم يجب ~~عليه لعجزه عنه حسا أو شرعا وإما لكونه مستحبا ليس بواجب ونوعا يذم عليه ~~وهو ترك الواجبات # فقول النبي صلى الله عليه وسلم لجارية معاوية بن الحكم السلمي لما قال ~~لها أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها ~~فإنها مؤمنة ليس فيه حجة على أن من وجبت عليه العبادات فتركها وارتكب ~~المحظورات يستحق الاسم المطلق كما استحقته هذه التي لم يظهر منها بعد ترك ~~مأمور ولا فعل محظور ومن عرف هذا تبين أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهذه إنها مؤمنة لا ينافي قوله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن فإن ذلك نفى ~~عنه الاسم لانتفاء بعض ما يجب عليه من ترك هذه الكبائر وتلك لم تترك واجبا ~~تستحق بتركه أن تكون هكذا ويتبع هذا أن من آمن ms152 بما جاء به الرسل مجملا ثم ~~بلغه مفصلا فأقر به مفصلا وعمل به كان قد زاد ما عنده من الدين والإيمان ~~بحسب ذلك # ومن أذنب ثم تاب أو غفل ثم ذكر أو فرط ثم أقبل فإنه يزيد دينه وإيمانه ~~بحسب ذلك كما قال من قال من الصحابة كعمير بن حبيب الخطمي وغيره الإيمان ~~يزيد وينقص قيل له فما زيادته ونقصانه قال إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحناه ~~فذلك زيادة وإذا غفلنا ونسينا وأضعنا فذلك نقصانه فذكر زيادته بالطاعات وإن ~~كانت مستحبة ونقصانه بما أضاعه من واجب وغيره وأيضا فإن تصديق القلب يتبعه ~~عمل القلب فالقلب إذا صدق بما يستحقه الله تعالى من الألوهية وما يستحق ~~الرسول من الرسالة تبع ذلك لا محالة محبة الله سبحانه ورسوله عليه الصلاة ~~والسلام وتعظيم الله عز وجل ورسوله والطاعة لله ورسوله أمر لازم لهذا ~~التصديق لا يفارقه إلا لعارض من كبر أو حسد أو نحو ذلك من الأمور التي توجب ~~الاستكبار عن عبادة الله تعالى والبغض لرسوله عليه الصلاة والسلام ونحو ذلك ~~من الأمور التي توجب الكفر ككفر إبليس وفرعون وقومه PageV01P178 واليهود ~~وكفار مكة وغير هؤلاء من المعاندين الجاحدين # ثم هؤلاء إذا لم يتبعوا التصديق بموجبه من عمل القلب واللسان وغير ذلك ~~فإنه قد يطبع على قلوبهم حتى يزول عنها التصديق كما قال تعالى @QB@ وإذ قال ~~موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم @QE@ فهؤلاء كانوا عالمين فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ~~وقال موسى لفرعون @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما ~~كيد فرعون إلا في تباب @QE@ إلى قوله سبحانه @QB@ كذلك يطبع الله على كل ~~قلب متكبر جبار @QE@ وقال تعالى @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم ~~آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ms153 طغيانهم ~~يعمهون @QE@ # فبين سبحانه أن مجيء الآيات لا يوجب الإيمان بقوله تعالى @QB@ وما يشعركم ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم @QE@ أي فتكون هذه الأمور ~~الثلاثة أن لا يؤمنوا وأن نقلب أفئدتهم وأبصارهم وأن نذرهم في طغيانهم ~~يعمهون أي وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت تحصل هذه الأمور الثلاثة وبهذا ~~المعنى تبين أن قراءة الفتح أحسن # وإن من قال أن المفتوحة بمعنى لعل فظن أن قوله @QB@ ونقلب أفئدتهم @QE@ ~~كلام مبتدأ لم يفهم معنى الآية وإذا جعل ونقلب أفئدتهم داخلا في خبر أن ~~تبين معنى الآية فإن كثيرا من الناس يؤمنون ولا تقلب قلوبهم لكن قد يحصل ~~تقليب أفئدتهم وأبصارهم وقد لا يحصل أي فما يدريكم إنهم لا يؤمنون والمراد ~~وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون بل نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة والمعنى وما يدريكم أن الأمر بخلاف ما تظنونه من إيمانهم ~~عند مجي الآيات @QB@ ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ فيعاقبون على ترك ~~PageV01P179 الإيمان أول مرة بعد وجوبه عليهم إما لكونهم عرفوا الحق وما ~~أقروا به أو تمكنوا من معرفته فلم يبطلوا معرفته ومثل هذا كثير # والمقصود هنا أن ترك ما يجب من العمل بالعلم الذي هو مقتضى التصديق ~~والعلم قد يفضي إلى سلب التصديق والعلم كما قيل العلم يهتف بالعمل فإن ~~أجابه وإلا ارتحل وكما قيل كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به فما في ~~القلب من التصديق بما جاء به الرسول إذا لم يتبعه موجبه ومقتضاه من العمل ~~قد يزول إذ وجود العلة يقتضي وجود المعلول وعدم المعلول يقتضي عدم العلة ~~فكما أن العلم والتصديق سبب للإرادة والعمل فعدم الإرادة والعمل سبب لعدم ~~العلم والتصديق ثم إن كانت العلة تامة فعدم المعلول دليل يقتضي عدمها وإن ~~كانت سببا قد يتخلف معلولها كان له بخلفه أمارة على عدم المعلول قد يتخلف ~~مدلولها وأيضا فالتصديق الجازم في القلب يتبعه موجبه بحسب الإمكان كالإرادة ~~الجازمة في القلب فكما أن الإرادة الجازمة في القلب إذا اقترنت بها القدرة ms154 ~~حصل بها المراد أو المقدور من المراد لا محالة كانت القدرة حاصلة ولم يقع ~~الفعل كان الحاصل هي لا إرادة جازمة وهذا هو الذي عفي عنه # فكذلك التصديق الجازم إذا حصل في القلب تبعه عمل من عمل القلب لا محالة ~~لا يتصور أن ينفك عنه بل يتبعه الممكن من عمل الخوارج فمتى لم يتبعه شيء من ~~عمل القلب علم أنه ليس بتصديق جازم فلا يكون إيمانا لكن التصديق الجازم قد ~~لا يتبعه عمل القلب بتمامه لعارض من الأهواء كالكبر والحسد ونحو ذلك من ~~أهواء النفس لكن الأصل أن التصديق يتبعه الحب وإذا تخلف الحب كان لضعف ~~التصديق الموجب له ولهذا قال الصحابة كل من يعصي الله فهو جاهل وقال ابن ~~مسعود كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا ولهذا كان التكلم بالكفر من ~~غير إكراه كفرا في نفس الأمر عند الجماعة وأئمة الفقهاء حتى المرجئة خلافا ~~للجهمية ومن اتبعهم ومن هذا الباب سب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ~~وبغضه وسب القرآن وبغضه وكذلك سب PageV01P180 الله سبحانه وبغضه ونحو ذلك ~~مما ليس من باب التصديق والحب والتعظيم والموالاة بل من باب التكذيب والبغض ~~والمعاداة والاستخفاف # ولما كان إيمان القلب له موجبات في الظاهر كان الظاهر دليلا على إيمان ~~القلب ثبوتا وانتفاء كقوله تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله @QE@ وقوله جل وعز @QB@ ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء @QE@ وأمثال ذلك # وبعد هذا فنزاع المنازع في أن الإيمان في اللغة هل هو اسم لمجرد التصديق ~~دون مقتضاه أو اسم للأمرين يؤول إلى نزاع لفظي وقد يقال أن الدلالة تختلف ~~بالأفراد والاقتران والناس منهم من يقول أن أصل الإيمان في اللغة التصديق # ثم يقول والتصديق يكون باللسان ويكون بالجوارح والقول يسمى تصديقا والعمل ~~يسمى تصديقا كقول النبي صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان وزناهما النظر ~~والأذن تزني وزناها السمع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها ~~المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصد ms155 ذلك أو يكذبه # وقال الحسن البصري ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن بما وقر في ~~القلب وصدقه العمل ومنهم من يقول بل الإيمان هو الإقرار وليس هو مرادفا ~~للتصديق فإن التصديق يقال على كل خبر عن شهادة أو غيب وأما الإيمان فهو أخص ~~منه فإنه قد قيل لخبر إخوة يوسف وما أنت بمؤمن لنا وقيل يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين إذ الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام تصديق به والإيمان له ~~تصديق له في ذلك الخبر وهذا في المخبر ويقال لمن قال الواحد نصف الاثنين ~~والسماء فوق الأرض قد صدقت ولا يقال آمنت له ويقال أصدق بهذا ولا يقال أؤمن ~~به إذ لفظ الإيمان أفعال من إلا من فهو يقتضي طمأنينة وسكونا فيما من شأنه ~~أن يستريب فيه القلب فيخفق ويضطرب وهذا إنما يكون في الأخبار بالمغيبات لا ~~بالمشاهدات # والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما المقصود أن فقهاء ~~PageV01P181 المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير وبعضه لفظي ولم يعرف بين ~~الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا فإن ذلك قول طائفة من فقهاء ~~الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة وأما قول ~~الجهمية وهو أن الإيمان مجرد تصديق القلب دون اللسان فهذا لم يقله أحد من ~~المشهورين بالإمامة ولا كان قديما فيضاف هذا إلى المرجئة وإنما وافق ~~الجهمية عليه طائفة من المتأخرين من أصحاب الأشعري # وأما ابن كلاب فكلامه يوافق كلام المرجئة لا الجهمية وآخر الأقوال حدوثا ~~في ذلك قول الكرامية إن الإيمان اسم للقول باللسان وإن لم يكن معه اعتقاد ~~القلب وهذا القول أفسد الأقوال لكن أصحابه لا يخالفون في الحكم فإنهم ~~يقولون إن هذا الإيمان باللسان دون القلب هو إيمان المنافقين وأنه لا ينفع ~~في الآخرة وإنما أوقع هؤلاء كلهم ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن ~~الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله ومذهب أهل السنة والجماعة أنه ~~يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ms156 يخرج من ~~النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان # فالأقوال في ذلك ثلاثة الخوارج والمعتزلة نازعوا في الاسم والحكم فلم ~~يقولوا بالتبعيض لا في الاسم ولا في الحكم فرفعوا عن صاحب الكبيرة بالكلية ~~اسم الإيمان وأوجبوا له الخلود في النيران وأما الجهمية والمرجئة فنازعوا ~~في الاسم لا في الحكم فقالوا يجوز أن يكون مثابا معاقبا محمودا مذموما لكن ~~لا يجوز أن يكون معه بعض الإيمان دون بعض وكثير من المرجئة والجهمية من يقف ~~في الوعيد فلا يجزم بنفوذ الوعيد في حق أحد من أرباب الكبائر كما قال ذلك ~~من قاله من مرجئة الشيعة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره ويذكر عن غلاتهم ~~أنهم نفوا الوعيد بالكلية لكن لا أعلم معينا معروفا أذكر عنه هذا القول ~~ولكن حكي هذا عن مقاتل بن سليمان والأشبه أنه كذب عليه PageV01P182 # وأما أئمة السنة والجماعة فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم فيكون مع ~~الرجل بعض الإيمان لا كله ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه ~~كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه وولاية الله تعالى بحسب إيمان العبد ~~وتقواه فيكون مع العبد من ولاية الله تعالى بحسب ما معه من الإيمان والتقوى ~~فإن أولياء الله هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى @QB@ ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ # وعلى هذا فالمتأول الذي أخطأه في تأويله في المسائل الخبرية والأمرية وإن ~~كان في قوله بدعة يخالف بها نصا أو إجماعا قديما وهو لا يعلم أنه يخالف ذلك ~~بل قد أخطأ فيه كما يخطىء المفتي والقاضي في كثير من مسائل الفتيا والقضاء ~~باجتهاده يكون أيضا مثابا من جهة اجتهاده الموافق لطاعة الله تعالى غير ~~مثاب من جهة ما أخطأ فيه وإن كان معفوا عنه ثم قد يحصل فيه تفريط في الواجب ~~أو اتباع الهوى يكون ذنبا منه وقد يقوى فيكون كبيرة وقد تقوم عليه الحجة ~~التي بعث الله عز وجل بهما رسله ويعاندها مشاقا للرسول ms157 من بعد ما تبين له ~~الهدى متبعا غير سبيل المؤمنين فيكون مرتدا منافقا أو مرتدا ردة ظاهرة ~~فالكلام في الأشخاص لا بد فيه من هذا التفصيل وأما الكلام في أنواع الأقوال ~~والأعمال باطنا وظاهرا من الإعتقاد والإرادات وغير ذلك فالواجب فيما تتوزع ~~فيه ذلك أن يرد إلى الله والرسول فما وافق الكتاب والسنة فهو حق وما ~~خالفهما فهو باطل وما وافقهما من وجه دون وجه فهو ما اشتمل على حق وباطل ~~فهذا هو # والمقصود هنا أن أهل العلم والإيمان في تصديقهم لما يصدقون به وتكذيبهم ~~لما يكذبون به وحمدهم لما يحمدونه وذمهم لما يذمونه متفقون على هذا الأصل ~~فلهذا يوجد أئمة أهل العلم والدين من المنتسبين إلى الفقه والزهد يذمون ~~البدع المخالفة للكتاب والسنة في الاعتقادات والأعمال من أهل الكلام والرأي ~~والزهد والتصوف ونحوهم وإن كان في أولئك من هو مجتهد له أجر PageV01P183 ~~على اجتهاده وخطؤه مغفور له # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال خير القرون ~~القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فكان القرن الأول من ~~كمال العلم والإيمان على حال لم يصل إليها القرن الثاني وكذلك الثالث وكان ~~ظهور البدع والنفاق بحسب البعد عن السنن والإيمان وكلما كانت البدعة أشد ~~تأخر ظهورها وكلما كانت أخف كانت إلى الحدوث أقرب فلهذا حدث أولا بدعة ~~الخوارج والشيعة ثم بدعة القدرية والمرجئة وكان آخر ما حدث بدعة الجهمية ~~حتى قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد ~~وغيرهم أن الجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة بل هم زنادقة وهذا مع أن ~~كثيرا من بدعهم دخل فيها قوم ليسوا زنادقة بل قبلوا كلام الزنادقة جهلا ~~وخطأ قال الله تعالى @QB@ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم @QE@ فأخبر سبحانه أن في المؤمنين ~~من هو مستجيب للمنافقين فما يقع فيه بعض أهل الإيمان من أمور بعض المنافقين ~~هو من هذا الباب # والمقصو هنا ms158 أن يعلم أنه لم يزل في أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأن أمته لا تبقى على ضلالة بل إذا وقع منكر ~~من ليس حق بباطل أو غير ذلك فلا بد أن يقيم الله تعالى من يميز ذلك فلا بد ~~من بيان ذلك ولا بد من إعطاء الناس حقوقهم كما قالت عائشة رضي الله تعالى ~~عنها أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم رواه أبو ~~داود وغيره وهذا الموضع لا يحتمل من السعة وكلام الناس في مثل هذه الأمور ~~التي وقعت ممن وقعت منه بل المقصود التنبيه على جمل ذلك لأن هذا محتاج إليه ~~في هذه الأوقات فكتب الزهد والتصوف فيها من جنس ما في كتب الفقه والرأي وفي ~~كلاهما منقولات صحيحة وضعيفة بل وموضوعة ومقالات صحيحة وضعيفة بل وباطلة ~~وأما كتب الكلام ففيها من الباطل أعظم من ذلك بكثير بل فيها أنواع من ~~الزندقة والنفاق PageV01P184 # وأما كتب الفلسفة فبالباطل غالب عليها بل الكفر الصريح وكثير فيها وكتاب ~~الإحياء له حكم نظائره ففيه أحاديث كثيرة صحيحة وأحاديث كثيرة ضعيفة أو ~~موضوعة فإن مادة مصنفه في الحديث والآثار وكلام السلف وتفسيرهم للقرآن مادة ~~ضعيفة وأجود ماله من المواد المادة الصوفية ولو سلك فيها مسلك الصوفية أهل ~~العلم بالآثار النبوية واحترز عن تصوف المتفلسفة الصابئين لحصل مطلوبه ونال ~~مقصوده لكنه في آخر عمره سلك هذا السبيل وأحسن ما في كتابه أو أحسن ما فيه ~~ما يأخذه من كتاب أبي طالب في مقامات العارفين ونحو ذلك فإن أبا طالب أخبر ~~بذوق الصوفية حالا وأعلم بكلامهم وآثارهم سماعا وأكثر مباشرة لشيوخهم ~~الأكابر # والمقصود هنا أن طرق العلم بصدق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بل ~~وتفاوت الطرق في معرفة قدر النبوة والنبي متعددة تعددا كثيرا إذ النبي يخبر ~~عن الله سبحانه أنه قال ذلك إما إخبارا من الله تعالى وإما أمرا أو نهيا ~~ولكل من حال المخبر عنه والمخبر به بل ومن حال المخبرين ms159 مصدقهم ومكذبهم ~~دلالة على المطلوب سوى ما ينفصل عن ذلك من الخوارق وأخبار الأولين والهواتف ~~والكهان وغير ذلك فالمخبر مطلقا يعلم صدقه وكذبه أمور كثيرة لا يحصل العلم ~~بآحادها كما يحصل العلم بمخبر الأخبار المتواترة بل بمخبر الخبر الواحد ~~الذي احتف بخبره قرائن أفادت العلم # ومن هذا الباب علم الإنسان بعدالة الشاهد والمحدث والمفتي حتى يزكيهم ~~ويفتي بخبرهم ويحكم بشهادتهم وحتى لا يحتاج الحاكم في عدالة كل شاهد إلى ~~تزكيته فإنه لو احتاج كل مزكي إلى مزكي لزم التسلسل بل يعلم صدق الشخص تارة ~~باختياره ومباشرته وتارة باستضافه صدقه بين الناس ولهذا قال العلماء إن ~~التعديل لا يحتاج إلى بيان السبب فإن كون الشخص عدلا صادقا لا يكذب لا ~~يتبين بذكر شيء معين بخلاف الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسرا عند جمهور العلماء ~~لوجهين PageV01P185 # أحدهما أن سبب الجرح ينضبط # الثاني أنه قد يظن ما ليس بجرح جرحا وأما كونه صادقا متحريا للصدق لا ~~يكذب فهذا لا يعرف بشيء واحد حتى يخبر به وإنما يعرف ذلك من خلقه وعادته ~~بطول المباشرة له والخبرة له ثم إذا استفاض ذلك عند عامة من يعرفه كان ذلك ~~طريقا للعلم لمن لم يباشره كما يعرف الإنسان عدل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد ~~العزيز وظلم الحجاج # ولهذا قال الفقهاء إن العدالة والفسق يثبتان بالاستفاضة وقالوا في الجرح ~~المفسر يجرحه بما رآه أو سمعه أو استفاض عنه وصدق الإنسان في العادة مستلزم ~~لخصال البر كما أن كذبه مستلزم لخصال الفجور كما ثبت في الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر ~~يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ~~وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا ~~يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا وكما أن الخبر ~~المتواتر يعلم لكونه خبر من يمتنع في العادة اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب ~~والخبر المنكر المكذب ms160 يعلم لكونه لم يخبر به من يمتنع في العادة اتفاقهم ~~على الكتمان فخلق الشخص وعادته في الصدق والكذب يمتنع في العادة إتفاقهم ~~على الكتمان فخلق الشخص وعادته في الصدق والكذب يمتنع في العادة أن يخفي ~~على الناس فلا يوجد أحد يظهر تحرى الصدق وهو يكذب إذا أراد إلا ولا بد أن ~~يتبين كذبه فإن الإنسان حيوان ناطق فالكلام له وصف لازم ذاتي لا يفارقه ~~والكلام إما خبر وإما إنشاء والخبر أكثر من الإنشاء وأصل له كما أن العلم ~~أعم من الإرادة وأصل لها والمعلوم أعظم من المراد فالعلم يتناول الموجود ~~والمعدوم والواجب والممكن والممتنع وما كان وما سيكون وما يختاره العالم ~~وما لا يختاره # وأما الإرادة فتختص ببعض الأمور دون بعض والخبر يطابق العلم فكل ~~PageV01P186 ما يعلم يمكن الخبر به والإنشاء يطابق الإرادة فإن الأمر إما ~~محبوب يؤمر به أو مكروه ينهى عنه وأما ما ليس بمحبوب ولا مكروه فلا يؤمر به ~~ولا ينهى عنه وإذا كان كذلك فالإنسان إذا كان متحريا للصدق عرف ذلك منه ~~وإذا كان يكذب أحيانا لغرض من الأغرض لجلب ما يهواه أو دفع ما يبغضه أو غير ~~ذلك فإن ذلك لا بد أن يعرف منه وهذا أمر جرت به العادات كما جرت بنظائره ~~فلا تجد أحدا بين طائفة من الطوائف طالت مباشرتهم له إلا وهم يعرفونه هل ~~يكذب أو لا يكذب # ولهذا كان من سنة القضاة إذا شهد عندهم من لا يعرفونه كان لهم أصحاب ~~مسائل يسألون عنه جيرانه ومعامليه ونحوهم ممن له به خبرة فمن خبر شخصا خبرة ~~باطنة فإنه يعلم من عادته علما يقينا أنه لا يكذب لا سيما في الأمور العظام ~~ومن خبر عبد الله ابن عمر وسعيد بن المسيب وسفيان الثوري ومالك بن أنس ~~وشعبة بن الحجاج ويحيى ابن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وأضعاف أضعافهم حصل ~~عنده علم ضروري من أعظم العلوم الضرورية أن الواحد من هؤلاء لا يتعمد الكذب ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تواترت عنه ms161 اخبارهم من أهل زماننا ~~وغيرهم حصل له هذا العلم الضروري ولكن قد يجوز على أحدهم الغلط الذي يليق ~~به ثم خبر الفاسق والكافر بل ومن عرف بالكذب قد تقترن به قرائن تفيد علما ~~ضروريا أن المخبر صادق في ذلك الخبر فكيف ممن عرف منه الصدق في الأشياء فمن ~~كان خبيرا بحال النبي صلى الله عليه وسلم مثل زوجته خديجة وصديقه أبي بكر ~~إذا أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه أو سمعه حصل له علم ضروري بأنه ~~صادق في ذلك ليس هو كاذبا في ذلك ثم إن النبي لا بد أن يحصل له علم ضروري ~~بأن ما أتاه صادق أو كاذب فيصير إخباره عما علمه بالضرورة كأخبار أهل ~~التواتر عما علموه بالضرورة # وأيضا فالمتنبيء الكذاب كمسيلمة والعنسي ونحوهما يظهر لمخاطبه من كذبه في ~~أثناء الأمور أعظم مما يظهر من كذب غيره فإنه إذا كان الإخبار عن ~~PageV01P187 الأمور المشاهدة لا بد أن يظهر فيه كذب الكاذب فما الظن بمن ~~يخبر عن الأمور الغائبة التي تطلب منه ومن لوازم النبي التي لا بد منها ~~الإخبار عن الغيب الذي أنبأ الله تعالى به فإن من لم يخبر عن غيب لا يكون ~~نبيا فإذا أخبرهم المتنبىء عن الأمور الغائبة عن حواسهم من الحاضرات ~~والمستقبلات والماضيات فلا بد أن يكذب فيها ويظهر لهم كذبه وإن كان قد يصدق ~~أحيانا في شيء كما يظهر كذب الكهان والمنجمين ونحوهم وكذب المدعين للدين ~~والولاية والمشيخة بالباطل فإن الواحد من هؤلاء وإن صدق في بعض الوقائع فلا ~~بد أن يكذب في غيرها بل يكون كذبه أغلب من صدقه بل تتناقض أخباره وأوامره ~~وهذا أمر جرت به سنة الله التي لن تجد لها تبديلا قال تعالى @QB@ ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ وأم النبي الصادق المصدوق ~~فهو يخبر به عن الغيوب توجد أخباره صادقة مطابقة وكلما زادت أخباره ظهر ~~صدقه وكلما قويت مباشرته وامتحانه ظهر صدقه كالذهب الخالص الذي كلما سبك ~~خلص وظهر جوهره بخلاف ms162 المغشوش فإنه عند المحنة ينكشف ويظهر أن باطنه خلاف ~~ظاهره ولهذا جاء في النبوات المتقدمة أن الكذاب لا يدوم أمره أكثر من مدة ~~قليلة أما ثلاثين سنة وأما أقل فلا يوجد مدعي النبوة كذابا إلا ولا بد أن ~~ينكشف ستره ويظهر أمره والأنبياء الصادقون لا يزال يظهر صدقم بل الذين ~~يظهرون العلم ببعض الفنون والخبرة ببعض الصناعات والصلاح والدين والزهد لا ~~بد أن يتميز هذا من هذا وينكشف فالصادقون يدوم أمرهم والكذابون ينقطع أمرهم ~~هذا أمر جرت به العادة وسنة الله التي لن تجد لها تبديلا # وأما المخبر عنه وبه كالنبي يخبر عن الله تعالى بأنه أخبر بكذا أو أنه ~~أمر بكذا فلا بد أن يكون خبره صدقا وأمره عدلا @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم @QE@ والأمور التي يخبر بها ويأمر ~~بها تارة تنبه العقول على الأمثال والأدلة العقلية التي يعلم بها صحتها ~~فيكون ما علمته العقول بدلالته وإرشاده من الحق الذي أخبر به والخبر الذي ~~أمر به شاهد بأنه PageV01P188 هاد ومرشد معلم للخير ليس بمضل ولا مغو ولا ~~معلم للشر وهذه حال الصادق البر دون الكاذب الفاجر فإن الكاذب الفاجر لا ~~يتصور أن يكون ما يأمر به عدلا وما يخبر به حقا وإذا كان أحيانا يخبر ببعض ~~الأمور الغائبة كشيطان يقرن به يلقي إليه ذلك أو غير ذلك فلا بد أن يكون ~~كاذبا فاجرا كما قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على ~~كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ # وهذا بيان لأن الذي يأتيه ملك لا شيطان فإن الشيطان لا ينزل على الصادق ~~البار ما دام صادقا بارا إذ لا يحصل مقصوده بذلك وإنما ينزل على من يناسبه ~~في التشيطن وهو الكاذب الأثيم والأثيم الفاجر وتارة يخبر النبي بأمور ويأمر ~~بأمور لا يتبين للعقول صدقها ومنفعتها في أول الأمر فإذا صدق الإنسان خبره ~~وأطاع أمره وجد في ذلك من البيان للحقائق والمنفعة والفوائد ما يعلم به أن ~~عنده من عظيم العلم ms163 والصدق والحكمة ما لا يعلمه إلا الله تعالى أعظم مما ~~يتبين به صدق الطبيب إذا استعمل ما يصفه من الأدوية وصدق العقل المشير إذا ~~استعمل ما يراه من الآراء وأمثال ذلك وحينئذ فيحصل للنفوس علم ضروري بكمال ~~عقله وصدقه فإذا أخبر بعد ذلك عن أمور ضرورية يراها أو يسمعها حصل للنفوس ~~علم ضروري بأنه صادق لا يتعمد الكذب وإنه متيقن لما أخبر به ليس فيه خطأ ~~ولا غلط أعظم مما يتبين به صدق من أخبر عما رآه من الرؤيا أو عما رآه من ~~العجائب وأمثال ذلك فإن الخبر إنما تأتيه الآفة من تعمد الكذب أو الخطأ بأن ~~يظن الأمر على خلاف ما هو عليه فإن كان من العلوم الضرورية التي كلما دامت ~~قويت وظهرت وزادت زال احتمال الخطأ وما كان يتحرى الصدق الذي يعلم معه ~~بالضرورة وانتفاء تعمد الكذب هو وغيره من الأمور التي يعلم معها انتفاء ~~تعمد الكذب ويزول معه احتمال تعمده وأما العلم بالعدل فيما يؤمر به وبالعدل ~~الفاضل فيما يأمره # فهذا يعلم تارة مما نبينه من الأدلة العقلية ونضربه من الأمثال وهذا هو ~~PageV01P189 الغالب على ما يذكره الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أصول ~~الدين علما وعملا وتارة يظهر ذلك بالتجربة والامتحان وتارة يستدل بما علم ~~على ما يعلم # وأيضا فقد علم أن العالم ما زال فيه نبوة من آدم عليه السلام إلى سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم فالنبي الثاني يعلم صدقه بأمور منها إخبار النبي ~~الأول به كما بشر نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام الأنبياء قبله ~~وكذلك بشر بالمسيح الأنبياء قبله وتارة يعلم صدقه بأن يأتي بمثل ما أتوا به ~~من الخبر والأمر فإن الكذاب الفاجر لا يتصور أن يكون في أخباره وأوامره ~~موافقا للأنبياء بل لا بد أن يخالفهم في الأصول الكلية التي اتفق عليها ~~الأنبياء كالتوحيد والنبوات والمعاد كما أن القاضي الجاهل أو الظالم لا بد ~~أن يخالف سنة القضاة العالمين العادلين وكذلك المفتي الجاهل أو الكاذب ~~والطبيب الكاذب أو الجاهل فإن ms164 كل هؤلاء لا بد أن يتبين كذبهم أو جهلهم ~~بمخالفتهم لما مضت به سنة أهل العلم والصدق # وإن كان قد يخالف بعضهم بعضا في أمور اجتهادية فإنه يعلم الفرق بين ذلك ~~وبين المخالفة في الأصول الكلية التي لا يمكن انخرامها ولهذا يتميز للناس ~~في الأمراء والحكام والمفتين والمحدثين والأطباء وسائر الأصناف بين العالم ~~الصادق وإن خالف غيره من أهل العلم في الصدق في أشياء وبين من يكون جاهلا ~~أو كاذبا ظالما ويفرقون بين هذا وهذا كما أنهم يعلمون من سيرة أبي بكر وعمر ~~من العلم والعدل مالا يرتابون فيه وإن كان بينهما منازعات في أمور اجتهادية ~~كالتفصيل في العطاء ونحو ذلك # وأيضا فإذا أخبر اثنان عن قضية طويلة ذات أجزاء وشعب لم يتواطأ عليها ~~ويمتنع في العاد اتفاقهما فيها على تعمد الكذب والخطأ علمنا صدقهما مثل أن ~~يشهد رجلان واقعة من وقائع الحروب أو يشهدا الجمعة أو العيد أو موت ملك أو ~~تغير دولة ونحو ذلك أو يشهد خطبة خطيب أو كتابا لبعض PageV01P190 الولاة أو ~~يطالعا كتابا من الكتب أو يحفظاه ونعلم أنهما لم يتواطأ ثم يجيء أحدهما ~~فيخبر بذلك كله مفصلا شيئا فشيئا من غير تواطيء فيعلم أنهما صادقان ويخبر ~~الآخر بمثل ما أخبر به الأول مفصلا شيئا فشيئا من غير تواطيء فيعلم أنهما ~~صادقان حتى لو كان رجلان يحفظان بعض قصائد العرب كقصيدة امرىء القيس أو ~~غيرها وهناك من لا يحفظها وهناك شخصان لا يعرف أحدهما الآخر فقال الذي لا ~~يحفظها لأحدهما أنشدنيها فأنشدها ثم طلب الآخر وقال له أنشدنيها فأنشدها ~~كما أنشد الأول علم المستمع إنها هي هي بل وكذلك كتب الفقه والحديث واللغة ~~والطب وغير ذلك ولو بعث بعض الملوك رسلا إلى أمارئه ونوابه في أمر من ~~الأمور ثم أخبر أحد الرسولين بأنه أمر بأمر ذكره وفصله وأخبر الآخر بمثل ~~ذلك للقوم الذين أرسل إليهم من غير علم منه بإرسال الآخر لعلم قطعا أن ذلك ~~الأمر هو الذي أمر به المرسل وإنهما صادقان فإنه يعلم علما ms165 ضروريا أنه ~~يمتنع في الكذب والخطأ أن يتفق في مثل هذا # ومعلوم أن موسى عليه السلام وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ~~كانوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبروا عن الله سبحانه وتعالى ~~من توحيده وأسمائه وصفاته وملائكته وأمره ونهيه ووعده ووعيده وإرساله بما ~~أخبروا به # ومعلوم أيضا لمن علم حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان رجلا ~~أميا نشأ بين قوم أميين ولم يكن يقرأ كتابا ولا يكتب بخطه شيئا كما قال ~~تعالى @QB@ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون @QE@ وإن قومه الذين نشأ بينهم لم يكونوا يعلمون علوم الأنبياء بل ~~كانوا من أشد الناس شركا وجهلا وتبديلا وتكذيبا بالمعاد # وكانوا من أبعد الأمم عن توحيد الله سبحانه ومن أعظم الأمم إشراكا بالله ~~عز وجل ثم إذا تدبرت القرآن والتوراة وجدتهما يتفقان في عامة المقاصد ~~الكلية من التوحيد والنبوات والأعمال الكلية وسائر الأسماء والصفات من ~~PageV01P191 كان له علم بهذا علم علما ضروريا ما قاله النجاشي إن هذا والذي ~~جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة وما قاله ورقة بن نوفل إن هذا هو الناموس ~~الذي كان يأتي موسى قال تعالى @QB@ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ~~وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله @QE@ وقال تعالى @QB@ فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ~~كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب @QE@ # وأمثال ذلك مما يذكر فيه شهادة الكتب المتقدمة بمثل ما أخبر به نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الأخبار منقولة عند أهل الكتاب بالتواتر كما ~~نقل عندهم بالتواتر معجزات موسى وعيسى عليهما السلام وإن كان كثير مما ~~يدعونه من أدق الأمور لم يتواتر عندهم لانقطاع التواتر فيهم فالفرق بين ~~الجمل الكلية المشورة التي هي أصل الشرائع التي يعلمها أهل الملل كلهم وبين ~~الجزئيات الدقيقة التي لا يعلمها إلا خواص الناس ظاهر ولهذا كان ms166 وجوب ~~الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت وتحريم الفواحش والكذب ونحو ذلك ~~متواترا عند عامة المسلمين وأكثرهم لا يعلمون تفاصيل الأحكام والسنن ~~المتواترة عند الخاصة فإذا كان في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب وفيما ~~ينقلونه بالتواتر ما يوافق ما أخبر به نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ~~كان في ذلك فوائد جليلة هي من بعض حكمه إقرارهم بالجزية # أحدها أنه إذا علم اتفاق الرسل على مثل هذا علم صدقهم فيما أخبروا به عن ~~الله تعالى حيث أخبر محمد عليه الصلاة والسلام بمثل ما أخبر به موسى من غير ~~تواطيء ولا تشاعر # الثاني أن ذلك دليل على اتفاق الرسل كلهم في أصول الدين كما يعلم أن رسل ~~الله قبله كانوا رجالا من البشر لم يكونوا ملائكة فلا يجعل سيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم هو الذي جاء بها كما قال تعالى @QB@ قل ما كنت بدعا من ~~الرسل @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من ~~أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم ~~قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ PageV01P192 # الثالث أن هذه آية على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بمثل ~~ما أخبرت به الأنبياء من غير تعلم من بشر وهذه الأمور هي من الغيب قال ~~تعالى @QB@ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك من أنباء الغيب ~~نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا ~~أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ms167 ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم ~~آياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك ~~لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولا أن تصيبهم مصيبة ~~بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من ~~المؤمنين فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم ~~يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ~~الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به ~~إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا ~~عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين @QE@ ~~PageV01P193 # وكثير من أهل الكتاب آمنوا بمثل هذه الطرق قال تعالى @QB@ قل آمنوا به أو ~~لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم ~~خشوعا @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ~~ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو ~~وإليه مآب @QE@ وقال تعالى @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ~~ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد @QE@ # ولا ريب أن منكري النبوات لهم شبه منها إنكار أن يكون رسول الله بشرا ~~ومنها دعوى أن الذي يأتيه شيطان لا ملك وغير ذلك وكل ذلك قد أجاب الله ~~تعالى عنه في القرآن العظيم وقرر ذلك بأبلغ تقرير لكن جواب هذا السؤال لا ~~يتسع لبسط ذلك في ms168 القرآن قال تعالى @QB@ الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان ~~للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ~~منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل ~~لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ~~ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ~~ما يلبسون @QE@ بين أن الرسول لو كان ملكا لكان في صورة رجل إذ لا يستطيعون ~~الأخذ عن الملك على صورته ولو كان في صورة رجل لعاد اللبس وقالوا @QB@ أبعث ~~الله بشرا رسولا @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ @QB@ وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام وما كانوا خالدين @QE@ PageV01P194 فأمر سبحانه بمسألة أهل الذكر إذ ~~ذلك مما تواتر عندهم أن الرسل كانوا رجالا وقال تعالى @QB@ ولقد أرسلنا ~~رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية @QE@ # وبالجملة فتقرير النبوات من القرآن أعظم من أن يشرح في هذا المقام إذ ذلك ~~هو عماد الدين وأصل الدعوة النبوية وينبوع كل خير وجماع كل هدي وأما حال ~~المخبر عنه فإن النبي والرسول يخبر عن الله تعالى بأنه أرسله ولا أعظم فرية ~~ممن يكذب على الله جل وعز كما قال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ~~@QE@ ذكر هذا بعد قوله @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ~~تجعلونه قراطيس تبدونها ms169 وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ~~قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين ~~يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على ~~صلاتهم يحافظون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله @QE@ # فنقض سبحانه دعوى الجاحد النافي للنبوة بقوله @QB@ قل من أنزل الكتاب ~~الذي جاء به موسى @QE@ وذلك الكتاب ظهر فيه من الآيات والبينات وأتبعه كل ~~الأنبياء والمؤمنين وحصل فيه ما لم يحصل في غيره فكانت البراهين والدلائل ~~على صدقه أكثر وأظهر من أن تذكر بخلاف الإنجيل وغيره # وأيضا فإنه أصل والإنجيل تبع له إلا فيما أحله المسيح وهذا كما يقول ~~سبحانه @QB@ أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا @QE@ أي ~~القرآن والتوراة وفي القراءة الأخرى قالوا ساحران أي محمد والقرآن وكذلك ~~PageV01P195 قوله @QB@ إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى ~~فرعون رسولا @QE@ وكذلك قوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد ~~منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة @QE@ وكذلك قول الجن @QB@ إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ~~@QE@ # ولهذا كانت قصة موسى هي أعظم قصص الأنبياء المذكورين في القرآن وهي أكبر ~~من غيرها وتبسط أكثر من غيرها قال عبد الله بن مسعود كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عامة نهاره يحدثنا عن بني إسرائيل ولما قرر الصدق بين حال ~~الكذابين بأنهم ثلاثة أصناف إذ لا يخلو الكذاب من أن يضيف الكذب إلى الله ~~تعالى ويقول إنه أنزله أو يحذف فاعله ولا يضيفه إلى أحد أ أن يقول إنه هو ~~الذي وضعه معارضا فقال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله @QE@ وأما ~~المخبر عنه فإنه الله تعالى # ولا ريب أنه ms170 يعلم من أمور الرب سبحانه بما نصبه من الأدلة المعاينة ~~الحسية التي يعقل بها نفسها وبالأمثال المضروبة وهي الأقيسة العقلية ما ~~يمتنع معه خفاء كذب الكاذب بل يمتنع معه خفاء صدق الصادق فالدجال مثلا قد ~~علم بوجوه متعددة ضرورية إنه ليس هو الله وإنه كافر مفتر وإذا كانت دعواه ~~معلوما كذبها ضرورة لم يكن ما يأتي به من الشبهات مصدقا لها إذ العصمة ~~الضرورية لا تقدح فيها الطرق النظرية فإن الضروريات أصل النظريات فلو قدح ~~بها فيها لزم إبطال الأصل بالفرع فيبطلان جميعا فإنه يظهر أيضا من عجزه ما ~~ينفي دعواه # وكذلك من أباح الفواحش والمظالم والشرك والكذب مدعيا للنبوة يعلم ~~بالاضطرار كذبه للعلم الضروري بأن الله سبحانه لا يأمر بهذا سواء قيل أن ~~الفعل يعلم به حسن الأفعال وقبحها أو لا يعلم به فليس كلما أمكن في العقل ~~PageV01P196 وقوعه وكان الله قادرا عليه يشك في وقوعه بل نحن نعلم بالضرورة ~~أن البحار لم تقلب دما وإن الجبال لم تنقلب يواقيت وأمثال ذلك من المعادن ~~وإن لم يسند ذلك إلى دليل معين وإن كنا عالمين بأن الله تعالى قادر على قلب ~~ذلك لكن العلم بالوقوع وعدمه شيء والعلم بإمكان ذلك من قدرة الله سبحانه ~~شيء وكل ذي فطرة سليمة يعلم بالاضطرار أن الله تعالى لا يأمر عباده بالكذب ~~والظلم والشرك والفواحش وأمثال ذلك مما قد يأتي به كثير من الكذابين بل ~~يعلم بفطرته السليمة ما يناسب حال الربوبية وهذا باب واسع ليس هذا موضع ~~بسطه ولكن نذكر ما أشار إليه مصنف العقيدة PageV01P197 $ فصل # فهذه الطرق سلكها أكثر أهل الكلام وغيرهم ولهم في تقرير دلالة المعجزة ~~على الصدق طرق أحدها أن إظهار المعجزة على يدي المتنبي الكذاب قبيح والله ~~سبحانه منزه عن فعل القبيح وهذه الطرق سلكها المعتزلة وغيرهم ممن يقول ~~بالتحسين والتقبيح وطعن فيها من ينكر ذلك ثم إن المعتزلة جعلوا هذه أصل ~~دينهم والتزموا بها لوازم خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة بل وصريح العقل في ~~مواضع كثيرة وحقيقة أمرهم ms171 أنهم لم يصدقوا الرسول إلا بتكذيب بعض ما جاء به ~~وكأنهم قالوا لا يمكن تصديقه في البعض إلا بتكذيبه في البعض لكنهم لا ~~يقولون إنهم يكذبونه في شيء بل تارة يطعنون في النقل وتارة يتأولون المنقول ~~ولكن يعلم بطلان ما ذكروه إما ضرورة وإما نظرا وذلك أنهم قالوا إن السمع ~~مبني على صدق الرسول وصدقه على أن الله تعالى منزه عن فعل القبيح فإن تأييد ~~الكذاب بالمعجزة قبيح والله منزه عنه قالوا والدليل على أنه منزله عنه أن ~~القبيح لا يفعله إلا جاهل بقبحه أو محتاج والله سبحانه منزه عن الجهل ~~والحاجة والدليل على ذلك أن المحتاج لا يكون إلا جسما والله تعالى ليس بجسم # والدليل على أنه ليس بجسم هو ما دل على حدوث العالم والدليل على حدوث ~~العالم أنه أجسام وأعراض وكلاهما محدث والدليل على حدوث الأجسام إنها لا ~~تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث والدليل على ذلك أنها لا ~~تنفك عن الحركة والسكون وهما حادثان لامتناع حوادث لا أول لها ثم التزموا ~~لذلك حدوث كل موصوف بصفة لأن الصفات هي الأعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم ~~وقد قام الدليل على حدوث الجسم فالتزموا لذلك أن لا يكون لله علم ولا قدرة ~~وأن لا يكون متكلما قام به الكلام PageV01P198 بل يكون القرآن وغيره من ~~كلامه تعالى مخلوقا خلقه في غيره ولا يجوز أن يرى لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة ولا هو مباين للعالم ولا مجانبه ولا داخل فيه ولا خارج عنه ثم قالوا ~~أيضا لا يجوز أن يشاء خلاف ما أمر به ولا أن يخلق أفعال عباده ولا يقدر أن ~~يهدي ضلالا ولا يضل مهتديا لأنه لو كان قادر على ذلك وقد أمر به ولم يعن ~~عليه لكان قبيحا منه فركبوا عن هذا الأصل التكذيب بالصفات والتكذيب بالقدر ~~وسموا أنفسهم أهل التوحيد والعدل وسموا من أثبت الصفات من سلف الأمة ~~وأئمتها مشبهة ومجسمه ومجبرة وحشوية وجعلوا مالكا وأصحابه والشافعي وأصحابه ~~وأحمد وأصحابه وغيرهم ms172 من هؤلاء الحشوية إلى أمثال هذه الأمور التي بسطنا ~~الكلام عليها في غير هذا الموضع وأصل ضلالهم في القدر إنهم شبهوا المخلوق ~~بالخالق سبحانه فهم مشبهة الأفعال # وأما أصل ضلالهم في الصفات فظنهم أن الموصوف الذي تقوم به الصفات لا يكون ~~إلا محدثا وقولهم من أبطل الباطل فإنهم يسلمون إن الله حي عليم قدير ومن ~~المعلوم إن حيا بلا حياة وعليما بلا علم وقديرا بلا قدرة مثل متحرك بلا ~~حركة وأبيض بلا بياض وأسود بلا سواد وطويل بلا طول وقصير بلا قصر ونحو ذلك ~~من الأسماء المشتقة التي يدعي فيها نفي المعنى المشتقة منه وهذا مكابرة ~~للعقل والشرع واللغة # الثاني أنه أيضا من المعلوم أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك ~~المحل لا غيره فإذا خلق سبحانه كلاما في محل وجب أن يكون ذلك المحل هو ~~المتكلم به فتكون الشجرة هي القائلة لموسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني ويكون كلما أنطقه الله تعالى من المخلوقات كلامه كلاما لله تعالى ~~وبسط هذا له موضع غير هذا # والمقصود هنا ما يتعلق بتقرير النبوة وقد يقال يمكن تقرير كونه سبحانه ~~منزها عن تأييد الكذاب بالمعجزة من غير بناء على أصل المعتزلة بما علم من ~~PageV01P199 حكمة الله تعالى في مخلوقاته ورحمته ببريته وسنته في عباده فإن ~~ذلك دليل على أنه لا يؤيد كذابا بمعجزة لا معارض لها # ويمكن بسط هذه الطريقة وتقريرها بما ليس هذا موضعه في أنه كما علم بما في ~~مصنوعاته من الأحكام والإتقان أنه عالم وبما أن فيها من التخصيص أنه مريد ~~فيعلم بما فيها من النفع للخلائق أنه رحيم وبما فيها من الغايات المحمودة ~~أنه حكيم والقرآن يبين آيات الله الدالة على قدرته ومشيئته وآياته الدالة ~~على إنعامه ورحمته وحكمته ولعل هذا أكثر في القرآن كقوله تعالى @QB@ يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا ms173 لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما ~~نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم ~~النشأة الأولى فلولا تذكرون أفرأيتم @QE@ @QB@ ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم ~~نحن الزارعون @QE@ @QB@ لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل ~~نحن محرومون أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه @QE@ @QB@ من المزن ~~أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي ~~تورون أأنتم أنشأتم @QE@ @QB@ شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ~~ومتاعا للمقوين فسبح باسم ربك العظيم @QE@ وقوله سبحانه @QB@ ألم نجعل ~~الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا ~~الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا ~~وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا ~~@QE@ وقاله عز وجل @QB@ فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم ~~شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا ~~وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم @QE@ PageV01P200 وقوله جل وعز @QB@ أولم ~~يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم أفلا يبصرون @QE@ وهو سبحانه في سورة الرحمن يقول في عقب كل آية ~~@QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان @QE@ وهو يذكر فيها ما يدل على خلقه وعلمه ~~وقدرته ومشيئته وما يدل على إنعامه ورحمته وحكمته # وكذلك ذكر في مخاطبة الرسل للكفار كقوله سبحانه @QB@ قال فمن ربكما يا ~~موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال ~~علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك ~~لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا ~~وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى @QE@ # مثل هذا في القرآن كثير وما فطر فيه من المخلوقات دل على ذلك وفي نفس ~~الإنسان عبرة تامة فإن من نظر في خلق أعضائه ms174 وما فيها من المنافع له وما في ~~تركيبها من الحكمة والمنفعة مثل كون ماء العين مالحا ليحفظ شحمة العين من ~~أن تذوب وماء الأذن مرا ليمنع الذباب من الولوج وماء الفم عذاب ليطيب ما ~~يمضغ من الطعام وأمثال ذلك علم علما ضروريا أن خالق ذلك له من الرحمة ~~والحكمة ما يبهر العقول مع ما في ذلك من الدلالة على المشيئة ثم إذا استقرأ ~~ما يجده في نوع الإنسان من أن كل من عظم ظلمه للخلق وضراره لهم كانت عاقبته ~~سوء واتبع اللعنة والذم # ومن عظم نفعه للخق وإحسانه إليهم كانت عاقبته عاقبة خير وأمثال ذلك استدل ~~بما علم ما لم يعلم حتى يعلم أن الدولة ذات الظلم والجبن والبخل سريعة ~~الانقضاء كما قال تعالى @QB@ ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا ~~تضروه شيئا @QE@ وقال عز وجل @QB@ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل ~~الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم @QE@ PageV01P201 كذلك ~~سنته في الأنبياء الصادقين وأتباعهم من المؤمنين وفي الكذابين بالحق إن ~~هؤلاء ينصرهم ويبقى لهم لسان صدق في الآخرين وأولئك ينتقم منهم ويجعل عليهم ~~اللعنة # فبهذا وأمثاله يعلم أنه لا يؤيد كذابا بالمعجزة لا معارض لها لأن في ذلك ~~من الفساد والضرر بالعباد ما تمنعه رحمته وفيه من سوء العاقبة ما تمنعه ~~حكمته وفيه من نقص سنته المعروفة وعادته المطردة ما تعلم به مشيئته قال ~~تعالى @QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه ~~الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين @QE@ وقال تعالى @QB@ ولولا أن ثبتناك ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا ~~تجد لك علينا نصيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ أم يقولون افترى على الله كذبا ~~فإن ms175 يشأ الله يختم على قلبك @QE@ ثم قال @QB@ بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقل جاء ~~الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا @QE@ @QB@ قل جاء الحق وما يبدئ ~~الباطل وما يعيد @QE@ PageV01P202 $ فصل # وهذه الطريق لم يسلكها أبو الحسن الأشعري وأصحابه ومن وافقه من علماء ~~المذهب كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني والأستاذ أبي المعالي ~~وصاحبه الأنصاري والشهرستاني وأمثالهم وأبي الوليد الباجي والمازري ونحوهم ~~ونحوهم بناء على أنهم لا يرون تنزيه الرب سبحانه عن فع من الأفعال لأنهم قد ~~علموا أن له أن يفعل ما يشاء وهم لا يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين حتى ~~يقولوا إن الفعل الفلاني قبيح وهو منزه عن فعل القبيح بل عندهم أن الظلم ~~غير مقدور إذ الظلم التصرف في ملك غيره فبما فعل كان تصرفا في ملكه فلم يكن ~~ظلما بل ويقولون إنه يجوز أن يأمر بكل شيء وينهى عن كل شيء ولا يجعلون ~~للأفعال صفات باعتبارها يكون الحسن والقبح وانتهى ما أثبتوه من الصفات ~~بالعقل إلى أنه حي عليم قدير مريد وأثبتوا مع ذلك أنه سميع بصير متكلم فأما ~~الرحمة والحكمة ونحو ذلك فلم يثبتوها بالعقل بل قد ينفون الحكمة التي هي ~~الغايات والمقاصد في أفعاله ويمنعون أن يفعل شيئا لأجل شيء كما قد بسط ~~الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # فإن المقصود هنا التشبيه على طرق الناس في النبوة والكلام بحسب العدل ~~والإنصاف لأبسط الكلام في كل ما تنازعوا فيه ومسألة التحسين والتقبيح ~~العقليين هي كما تنازع فيها عامة الطوائف فقال بكل من القولين طوائف من ~~المالكية والشافعية والحنبلية ومن قال بالإثبات من الحنبلية أبو الحسن ~~التميمي وأبو الخطاب ومن قال بالنفي أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي ~~أبو يعلى وأكثر أصحابه # ومسألة حكم الأعيان قبل ورود الشرع هي في الحقيقة من فروعها وقد قال فيها ~~بالحظر أو الإباحة أعيان من هذه الطوائف وأما الحنفية فالغالب PageV01P203 ~~عليهم القول بالتحسين والتقبيح العقليين وذكروا ذلك نصا ms176 عن أبي حنيفة رحمه ~~الله تعالى وأهل الحديث فيها أيضا على قولين ومن قال بالإثبات أبو النصر ~~السجزي وصاحبه الشيخ أبو القاسم سعيد ابن علي الزنجاني فأما ما اختصت به ~~القدرية فهذا لا يوافقهم عليهم أحد من هؤلاء ولكن هؤلاء هم وجمهور الفقهاء ~~بل وجمهور الأمة يرون أن للأفعال صفات يتعلق الأمر والنهي بها لأجلها وملخص ~~ذلك أن الله تعالى إذا أمر بأمر فإنه حسن بالاتفاق وإذا نهى عن شيء فإنه ~~قبيح بالاتفاق لكن حسن الفعل وقبحه إما أن ينشأ من نفس الفعل والأمر والنهي ~~كاشفان أو ينشأ من نفس تعلق الأمر والنهي به أو من المجموع # فالأول هو قول المعتزلة ولهذا لا يجوزون نسخ العبادة قبل دخول وقتها لأنه ~~يستلزم أن يكون الفعل الواحد حسنا قبيحا وهذا قول أبي الحسن التميمي من ~~أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء # والثاني قول الأشعرية ومن وافقهم من الظاهرية وفقهاء الطوائف وهؤلاء ~~يجعلون علل الشرع مجرد أمارات ولا يثبتون بين العلل والأفعال مناسبة لكن ~~هؤلاء الفقهاء متناقضون في هذا الباب فتارة يقولون بذلك موافقة للأشعرية ~~المتكلمين وهم في أكثر تصرفاتهم يقولون بخلاف ذلك كما يوجد مثل هذا في كلام ~~فقهاء المالكية والشافعية والحنبلية # وإما أن يكون ذلك ناشئا من الأمرين وهذا مذهب الأئمة وعليه تجرى تصرفات ~~الفقهاء في الشريعة فتارة يؤمر بالفعل لحكمة تنشأ من نفس الأمر دون المأمور ~~به وهذا هو الذي يجوز نسخه قبل التمكين كما نسخت الصلاة ليلة المعراج من ~~خمسين إلى خمس وكما نسخ أمر إبراهيم بذبح ابنه عليهما السلام # وبالجملة فجمهور الأئمة على أن الله تعالى منزه عن أشياء هو قادر عليها ~~ولا يوافقون هؤلاء على أنه لا ينزه عن مقدور الظلم الذي نزه الله ~~PageV01P204 سبحانه عنه نفسه في القرآن وحرمه على نفسه وهو قادر عليه وهو ~~هضم الإنسان من حسناته أو حمل سيئات غيره عليه كما قال تعالى @QB@ ومن يعمل ~~من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما @QE@ وهؤلاء الجمهور لا ~~يوافقون المعتزلة على قولهم أن الله ms177 تعالى لم يخلق أفعال العباد ولا شاء ~~الكائنات بل يقولون إن الله خلق كل شيء وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~لكنهم مع هذا يثبتون لفعله حكمة وينزهونه عن القبائح وهذا قول الكرامية ~~وغيرهم من أهل الكلام وهو قول أكثر الصوفية وأكثر أهل الحديث وجمهور السلف ~~والأئمة وجمهور المسلمين والنظار لكن ليس هذا موضع بسطه # وهؤلاء يسلكون في إثبات النبوة ما سلكه ابن عقيل وغيره في مواضع أخرى إذ ~~أثبت حكم الله تعالى فيها حيث قال النبوات واسطة بين الله تعالى وبين خلقه ~~في الأفعال والتروك المتضمنة لمصالح المكلفين والثقة بها طريقها ما سبق في ~~علومنا باستدلالنا على أن الباري حكيم لا يؤيد كذابا بالمعجزة ولا يمكن من ~~معجزاته إلا من صدق فيها يخبر به عنه فلما علمنا ذلك وتحققناه حصلت لنا ~~الثقة بمن تكاملت فيه شرائط النبوة وعلمنا أنه سفير فيما بيننا وبين الله ~~تعالى وأنه رسوله فيما أخبرنا به عند قبلناه من غير تكشف عليه بعقولنا ولا ~~نضرب له الأمثال بآرائنا وعادتنا بل نعتقد أنه جاء من عند حكمته فوق حكمتنا ~~وتدبيره فوق تدبيرنا ولا يمتنع في العقل ولا تمنع الحكمة من أن يجعل ~~الأنبياء مذكرين للعقلاء وموقظين لهم ومرشدين إلى الأصلح الذي لا يدرك ~~بالعقل ولا يبلغ كنهه بالرأي والفحص وما هذا إلا كما جعل بعض العقلاء حكيما ~~واعظا مذكرا مؤديا وبعضهم يحتاج إلى مذكر ومؤدب ولا أحد منع من ذلك فثبت ~~حسن الرسالة بالعقل ولأن الله جل وعز في الأفعال والتروك أسرارا من المصالح ~~التي لا يعلمها العقلاء ولا يدركونها بعقولهم فاحتاجوا إلى النبوات # قلت والمقصود هنا إن من لم ينزهه عن فعل مقدور له بل جوز أن يفعل كلما ~~يمكن ولم يثبت لفعله حكمة غير تعلق الحكم بالمفعولات وتعلق PageV01P205 ~~المشيئة بها فإنه احتاج في دلالة المعجزة على الصدق إلى غير تلك الطريق ~~فسلكوا طريقين سلك كل طائفة من أهل الكلام والفقه من أصحاب مالك والشافعي ~~وأبي حنيفة وأحمد # أحدهما وهو قول أكثر ms178 شيوخهم المتقدمين أن وجه دلالة المعجزة على صدق مدعي ~~النبوة امتناع تعجيز الإله عن نصب الدلالة على صدق الرسل فإن تصديقهم ممكن ~~وذلك معلوم بالضرورة والاستدلال ولا دليل إلى التصديق إلا خلق المعجزات ~~وبظهورها على يد الكذاب يبطل دليل صدقهم فلا يبقى في المقدور طريق يصدقون ~~به فيلزم عجز الإله عن الممكن وذلك ممتنع وقد عول على هذه الطريقة أبو ~~الحسن الأشعري وأصحابه كالأستاذين أبي إسحاق وأبي بكر بن فورك وكذلك القاضي ~~أبو بكر في مواضع من كتبه وكذلك القاضي أبو يعلى وأبو الحسن ابن الزاغوني # الطريق الثاني هي التي اختارها أبو المعالي وأتباعه وقال إنها الطريقة ~~المرضية عند القاضي أبي بكر وهي التي أشار إليها أبو الحسن في الأمالي وهي ~~طريقة أبي محمد الصابوني ونحوه من الحنفية أن المعجزات تدل من حيث نزلت ~~منزلة التصديق بالقول والعلم بذلك يقع ضروريا بقرائن أحوال كالعلم بخجل ~~الخمل ووجل الوجل وغضب الغضبان وحرارة الحر وفحوى كلام المخاطب المتكلم ولا ~~يتوقف العلم بما هذا سبيله على نظر واستدلال فيقبل عليه اعتراض قالوا ووجه ~~ذلك أن الفعل الخارق للعادة إذا علم أنه من قبل الله تعالى وأنه خارق ~~للعادة وأنه سبحانه فعله عند دعوى الرسالة والطلب وعند قول جار مجرى الطلب ~~أما معينا وإما غير معين من المعجزات وإنه متعلق بالدعوى ومطابق لها وأن ~~الله تعالى سامع لدعوى النبوة عليه وعالم بها في مواضعة أهل لغة الرسول ثم ~~فعل ما يدعيه الرسول إنه ليس من فعله علم أنه قاصد بذلك إلى تصديقه وإن ما ~~يفعله من الآيات في مثل هذه الحال قائم مقام تصديقه له بالقول صدق أنا ~~أرسلته على وجه يفهم الأمة التي يدعي فيها النبوة PageV01P206 إنه قول صدق ~~به من قبله بل التصديق له بالفعل أبعد من دخول الشبهة والاحتمال فيه وهو ~~جار مجرى قول مدعي الرسالة على زيد إن كنت رسولك وصاحبك فاكتب بذلك رقعة أو ~~اركب أو قم أو اقعد وما جرى مجرى ذلك من الأفعال الظاهرة للحواس التي يعلم ms179 ~~تصديقه بها إذا فعلها فإذا فعل زيد ذلك قام مقام قوله صدق هو رسولي وصاحبي ~~الذي يعلم ضرورة قصده إلى تصديقه به وهذا واجب لا محالة قالوا وليس يمكن أن ~~تدل المعجزات على صدق الرسل إلا على هذه الطريقة فهي كذلك جارية مجرى أدلة ~~الأقوال # هذا حاصل كلام القاضي أبي بكر ابن الباقلاني في أحد قوليه وأبي المعالي ~~ونحوهما وضربوا لذلك مثلا فقالوا إذا تصدى ملك للناس وتصدر لتلج عليه رعيته ~~وأتباعه وغيره واحتفل المجلس واحتشد وقد أرهق الناس شغل شاغل فلما أخذ كل ~~مجلسه وترتب الناس على مراتبهم انتصب واحد من خواص الناس وقال معاشر ~~الأشهاد قد حدث بكم أمر عظيم وأظلكم خطب جسيم وأنا رسول الملك إليكم ~~ومؤتمنه لديكم ورقيبه عليكم ودعواي هذه بمرأى من الملك ومسمع فإن كنت أيها ~~الملك صادقا في دعواي فخالف عادتك وجانب سجيتك وانتصب في خدرك قائما ثم ~~اقعد ففعل الملك ذلك على وفق دعواه وموافقة هواه فيتيقن الحاضرون علم ~~الضرورة بتصديق الملك إياه وتنزيل الفعل الصادر منه منزلة القول المصرح ~~بالتصديق # فهذا العمدة في ضرب المثال فإن تعسف متعسف في الصورة التي فرضنا الكلام ~~فيها وزعم أنه لا يحصل العلم بتصديق الملك لمن يدعي الرسالة كان ذلك جحدا ~~منه لما علم اضطرارا فإن نعلم ببديهة العقول عندما قدمناه من القرائن حالا ~~ومقالا إن أحدا من الذين شهدوا وشاهدوا لا يستريب في تصديق الملك لمدعي ~~الرسالة ولا يعرض أحد منهم بعد ظهور الإمارات على تشكيك النفس وترديد القول ~~ولا تحوجهم قضية الحال إلى سبر ونظر وإطالة فكر بل يستوي النظار الذين لا ~~خبرة لهم في النظر PageV01P207 $ فصل # قال المصنف والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات والدليل على نبوة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز نظمه ومعناه قلت قد تبين أن النبوة تعلم ~~بالمعجزات وبغيرها على أصح الأقوال وأما نبوة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة ~~وأكمل السلام فإنها تعرف بطرق كثيرة منها المعجزات ومعجزاته منها القرآن ~~ومنها غير القرآن والقرآن معجز بلفظه ونظمه ومعناه ms180 وإعجازه يعلم بطريقين ~~جملي وتفصيلي أما الجملي فهو أنه قد علم بالتواتر أن محمد صلى الله تعالى ~~عليه وسلم ادعى النبوة وجاء بهذا القرآن وأن في القرآن آيات التحدي ~~والتعجيز كقوله تعالى @QB@ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا ~~فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون أم يقولون ~~تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين @QE@ فتحداهم هنا ~~أن يأتوا بمثله # وقال في موضع آخر @QB@ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ وقال في موضع ~~آخر @QB@ فأتوا بسورة من مثله @QE@ وأخبر مع ذلك أنهم لن يفعلوا فقال @QB@ ~~وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار @QE@ بل ~~أخبر أن جميع الإنس والجن إذا اجتمعوا لا يأتون بمثله فقال @QB@ قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ وقد علم أيضا بالتواتر أنه دعا قريشا خاصة والعرب ~~عامة وأن جمهورهم في أول الأمر كذبوه وآذوه وآذوا الصحابة وقالوا فيه أنواع ~~القول مثل قولهم هو ساحر وشاعر وكاهن ومعلم ومجنون وأمثال ذلك وعلم أنهم ~~كانوا يعارضونه ولم يأتوا بسورة من مثله وذلك يدل على عجزهم عن معارضته لأن ~~الإرادة الجازمة لا يتخلف عنها الفعل مع القدرة PageV01P208 # ومعلوم أن إرادتهم كانت من أشد الإرادات على تكذيبه وإبطال حجته وأنهم ~~كانوا أحرص الناس على ذلك حتى قالوا فيه ما يعلم أنه باطل بأدنى نظر ~~وفيلسوفهم الكبير الوحيد فكر وقدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال ~~إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر وليس هذا موضع ذكر جزئيات القصص ~~إذ المقصود ذكر ما علم بالتواتر من أنهم كانوا من أشد الناس حرصا ورغبة على ~~إقامة حجة يكذبونه بها حتى كانوا يتعلقون بالنقض مع وجود الفرق فأنه لما ~~نزل @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله ms181 حصب جهنم @QE@ عارضوه بالمسيح حتى ~~فرق الله تعالى بينها بقوله @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ~~وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون @QE@ فمن ~~عارضوا خبره بمثل هذا كيف لا يدعون معارضة القرآن وهم لا يقدرون على ذلك ~~وقوله وما تعبدون خطاب للمشركين لم يدخل فيه أهل الكتاب ولا تناول اللفظ ~~المسيح كما يظنه ظان من الظانين بل هم عارضوه بالمسيح من باب القياس يقولون ~~إذا كانت الأنبياء من حصب جهنم لأنها معبودة كذلك المسيح وهذا كما قال ~~تعالى @QB@ ولما ضرب ابن مريم مثلا @QE@ فإنهم جعلوه مثلا لآلهتهم ولم ~~يوردوه لشمول اللفظ كما يظن ذلك بعض المصنفين في الأصول # ولهذا بين الله الفرق بين المسيح وبين آلهتهم بأن المسيح عبد الله يستحق ~~الثواب ولا يظلم بذنب غيره بخلاف الحجارة وإن في جعلهم من الأنبياء حصب ~~جهنم إهانة له بذلك من غير ظلم ثم انتشرت دعوته في أرض العرب ثم في سائر ~~الأرض إلى هذا الوقت وآيات التحدي قائمة متلوة وما قدر أحد أن يعارضه بما ~~يظن أنه مثل # ولما جاء مسيلمة ونحوه بما أتوا به يزعمون أنهم أتوا بمثله كان ما أتوا ~~به من المضاحك التي لا تحتاج للمعرفة بانتفاء مماثلها إلى نظر وذلك كمن جاء ~~إلى PageV01P209 الرجل الفارس الشجاع ذي اللامة التامة فأراد أن يبارزه ~~بصورة مصورة ربطها على الفرس كقوله مسيلمة يا ضفدع بنت ضفدعين كم تنقنقين ~~لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين رأسك في الماء وذنبك في الطين وقوله ~~أيضا الفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا الجليل ~~وأمثال ذلك # ولهذا لما قدم وفد بني حنيفة على أبي بكر وسألهم أن يقرأوا له شيئا من ~~قرأن مسيلمة فاستعفوه فأبى أن يعفيهم حتى قرأوا شيئا من هذا فقال لهم ~~الصديق ويوحكم أين يذهب بعقولكم إن هذا كلام لم يخرج من إل ms182 أي من رب ~~فاستفهم استفهام المنكر عليهم لفرط التباين وعدم الالتباس وظهور الافتراء ~~على هذا الكلام وإن الله سبحانه وتعالى لا يتكلم بمثل هذا الهذيان وأما ~~الطرق فكثيرة جدا متنوعة من وجوه وليس كما يظنه بعض الناس وإن معجزته من ~~جهة صرف الدواعي عن معارضته وقول بعضهم إنه من جهة فصاحته وقول بعضهم من ~~جهة إخباره بالغيوب إلى أمثال ذلك فإن كلا من الناظرين قد يرى وجها من وجه ~~الإحجار وقد يريد الحجر وإن لم ير غيره ذلك الوجه واستيعاب الوجوه ليس هو ~~مما يتسع له شرح هذه العقيدة PageV01P210 $ فصل # قال المصنف ثم نقول كلما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر ~~ومنكر ونكير وغير ذلك من أهوال القيامة والصراط والميزان والشفاعة والجنة ~~والنار فهو حق لأنه ممكن وقد أخبر به الصادق فيلزم صدقه والكلام على هذا في ~~فصول # أحدها # أن يقال أن هذه العقيدة اشتملت على الكلام في الإيمان بالله سبحانه ~~وبرسله واليوم الآخر ولا ريب أن هذه الأصول الثلاثة هي أصول الإيمان ~~الخبرية العلمية وهي جميعها داخلة في كل ملة وفي إرسال كل رسول فجميع الرسل ~~اتفقت عليها كما اتفقت على أصول الإيمان العملية أيضا مثل إيجاب عبادة الله ~~تعالى وحده لا شريك له وإيجاب الصدق والعدل وبر الوالدين وتحريم الكذب ~~والظلم والفواحش فإن هذه الأصول الكلية علما وعملا هي الأصول التي اتفقت ~~عليها الرسل كلهم والسور التي انزلها الله تعالى على نبيه عليه الصلاة ~~والسلام قبل الهجرة التي يقال لها السور المكية تضمنت تقرير هذه الأصول ~~كسورة الأنعام والأعراف وذوات ألر وحم وطس ونحو ذلك والإيمان بالرسل يتضمن ~~الإيمان بالمكتوب وبمن نزل بها من الملائكة وهذه الخمسة هي أصول الإيمان ~~المذكورة في قوله تعالى @QB@ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين @QE@ وفي قوله عز وجل @QB@ ومن يكفر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا @QE@ وهي التي أجاب ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل في صورة ms183 أعرابي وسأله عن ~~الإيمان فقال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ~~وتؤمن بالقدر خيره وشره والحديث قد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ~~وأخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب وهو من أصح الأحاديث فتلك الثلاثة ~~PageV01P211 تتضمن هذه الخمسة والله تعالى أنزل سورة البقرة وهي سنام ~~القرآن وجمع فيها معالم الدين واصوله وفروعه إلى أمثال ذلك فإن النظر فيها ~~وجه من وجوه الإيجاب ولما ذكر في أولها أصناف الخلق وهم ثلاثة مؤمن وكافر ~~ومنافق أخذ بعد ذلك يقرر أصول الدين فقرر هذه الأصول الثلاثة الإيمان بالله ~~ثم الرسالة ثم اليوم الآخر فإنه أنزل أربع آيات في المؤمنين وآيتين في صفة ~~الكافرين وبضعة عشرة آية في صفة المنافقين ثم قال تعالى تقريرا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم @QE@ إلى قوله ~~تعالى @QB@ بسورة من مثله @QE@ فإنه ذكر التحدي هكذا في غير موضع من القرآن # الفصل الثاني # إن مسائل ما بعد الموت ونحو ذلك الأشعري وأتباعه ومن وافقهم من أهل ~~المذاهب الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية يسمونها ~~السمعيات بخلاف باب الصفات والقدر وذلك بناء على أصلين # أحدهما أن هذه لا تعلم إلا بالسمع والثاني إن ما قبلها يعلم بالعقل وكثير ~~منهم أو أكثرهم يضم إلى ذلك أصلا آخر وهو أن السمع لا يعلم صحته إلا بتلك ~~الأصول التي يسمونها بالعقليات مثل إثبات حدوث العالم ونحو ذلك وأما ~~محققوهم فيقولون إن العلم بحدوث العالم ليس من الأصول التي تتوقف صحة السمع ~~عليها بل يمكن العلم بصحة السمع ثم يعلم بالسمع خلق السموات والأرض ونحو ~~ذلك وأما الأصلان الأولان فنازعهم فيها طوائف مثل أمر المعاد فإنه قد ذهب ~~طوائف إلى أنه يعلم بالعقل أيضا وهذا قاله طوائف من المعتزلة ومن غير ~~المعتزلة أيضا من أتباع الأئمة الأربعة حتى من أصحاب أحمد كابن عقيل وغيره ~~والفلاسفة الإلهيون يثبتون معاد النفوس بالعقل وقد وافقهم على إثبات معاد ~~الأرواح بالعقل طوائف من أهل الكلام والتصوف وغيرهم ms184 وإن كان هؤلاء يثبتون ~~معاد الأبدان أيضا أما بالسمع وأما بالعقل # فالمقصود أن العقل عندهم قد يعلم به أما معاد الأرواح وأما المعاد ~~PageV01P212 مطلقا وأما إنكار الفلاسفة لمعاد الأبدان مما اتفق أهل الملل ~~على إبطاله # الفصل الثالث # إن من انتسب إلى الملل منهم من المسلمين واليهود والنصارى هم مضطربون في ~~ما جاءت به الأنبياء في المعاد فالمحققون منهم يعلمون أن حججهم على قدم ~~العالم ونفي معاد الأبدان ضعيفة فيقبلون من الرسل ما جاؤوا به ومنهم قوم ~~واقفة متحيرون لتعارض الأدلة وتكافئها عندهم ومنهم قوم أصروا على التكذيب ~~ثم زعموا أن ما جاءت به الرسل هو أمثال مضروبة لتفهم المعاد الروحاني ~~وهؤلاء إذا حقق عليهم الأمر صرحوا بأن الرسل تكذب لمصلحة العالم وإذا حسنوا ~~العبارة قالوا إنهم يخيلون الحقائق في أمثال خيالية وقالوا إن خاصة النبوة ~~تخييل الحقائق للمخاطبين وإنه لا يمكن خطاب الجمهور إلا بهذا الطريق كما ~~يزعم ذلك الفارابي وأمثاله مع أن الفارابي له في معاد الأرواح ثلاثة أقوال ~~متناقضة تارة يقول لا تعاد وينكر المعاد بالكلية وتارة يقول إنها تعاد ~~وتارة يفرق بين الأنفس العالمة والجاهله فيقر بمعاد العالمة دون الجاهلة ~~ولهم في تفضيل النبي على الفيلسوف أو بالعكس نزاع فعقلاؤهم كابن سينا ~~وأمثاله يفضل النبي على الفيلسوف وأما غلاتهم فيفضلون الفيلسوف ولا ريب أن ~~أوليهم ليس لهم في النبوات كلام محصل وكلامهم في الإلهيات قليل وإنما توسع ~~القوم في الأمور الطبيعية والرياضية ومصنفات معلمهم الأول أرسطو عامتها من ~~ذلك والذي فيها من الإلهيات أمر في غاية القلة مع اضطرابه وتناقضه فإذا عرف ~~ذلك فما جاء به السمع من أمر المعاد قرره عليهم النظار بطريقين أحدهما ~~ببيان الكلام الصريح في إثبات معاد الأبدان وتفاصيل ذلك والثاني إن العلم ~~بأن الرسل جاءت بذلك علم ضروري فإن كل من سمع القرآن والأحاديث المتواترة ~~وتفسير الصحابة والتابعين لذلك علم بالاضطرار إن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أخبر بمعاد الأبدان وإن القدح في ذلك كالقدح في أنه جاء بالصلوات الخمس ~~وصوم شهر ms185 رمضان وحج البيت العتيق ونحو ذلك والقرامطة الباطنية PageV01P213 ~~وهم من الفلاسفة أنكروا هذا وهذا وزعموا أن هذه كلها رموز وإشارات إلى علوم ~~باطنة كما يقولون إن الصلاة معرفة أسرارنا والصيام كتمان أسرارنا والحج ~~زيارة شيوخنا المقدسين ونحو ذلك مما هو مذكور في الكتب المؤلفة في كشف ~~أسرارهم وهتك أستارهم ولهؤلاء القرامطة صنفت رسائل أخوان الصفا وهم الذين ~~يقال لهم الإسماعيلية لانتسابهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر # قال ابن سينا كان أبي وأخي من أهل دعوتهم ولهذا اشتغلت بالفلسفة وأما ~~الفلاسفة الذين لم يدخلوا في القرامطة المحضة فهم لا ينكرون العبادات ~~والشرائع العملية بل قد يوجبون إتباعها والعمل بها لا سيما من دخل منهم في ~~التصوف أو الكلام لكن منهم من يوجب اتباعها على العامة دون الخاصة أو ~~يوجبها من غير الوجه الذي أوجبها الرسول كما يجوزون أن يكون بعد محمد صلى ~~الله عليه وسلم من يأتي بشريعة أخرى ويقولون أن أحدهم يخاطبه الله سبحانه ~~وتعالى كما خاطب موسى بن عمران ويعرج به كما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأمثال هذه المقالات التي كثرت لما ظهرت الفلسفة التي أفسدت طوائف من أهل ~~التصوف والكلام # الفصل الرابع # إنه إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع ~~كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة والحوض ونحو ذلك مما ~~استفاضت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد يستدل عليه ~~بدلائل من القرآن أيضا لكن ليس التصريح به في القرآن والتصريح بالجنة ~~والنار وقيام القيامة وحشر الخلق ولهذا لم ينكر القيامة ومعاد الأبدان أحد ~~من أهل القبلة وأنكر هذه الأمور التي جاءت بها الأحاديث المستفيضة بل ~~المتواترة عند علماء أهل الحديث طوائف من أهل البدع إما من المعتزلة وإما ~~من الخوارج وإما من غيرها # الفصل الخامس # إن هذا المصنف وأمثاله إنما يذكرون الإيمان بالسمعيات على طريق ~~PageV01P214 الإجمال وأما العلم بتفصيل ذلك فإنما يعرفه من عرف الأحاديث ~~الصحيحة في هذا الباب وما جاء في ذلك من ms186 آيات القرآن الكريم وتفسيرها ~~الثابت عن الصحابة والتابعين ونحوهم # الفصل السادس # أنه إذا علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله وأن الله تعالى مصدقه ~~في قوله إني رسول الله إليكم فالرسول هو المخبر عن المرسل بما أمره أن يخبر ~~به علم بذلك أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى إذ الكاذب فيما يخبر به ~~ليس برسول في ذلك كما أن الذي لم يرسل بشيء قط هو كاذب في كل ما يخبر به ~~عمن زعم أنه أرسله بالأمر كما قال صلى الله عليه وسلم إذا حدثتكم عن الله ~~فلن أكذب على الله وكما يعلم أنه صادق في قوله إني رسول الله إليكم يعلم ~~أنه صادق في قوله إن الله تعالى يقول لكم كذا ويأمركم بكذا فتكذيبه في هذا ~~الخبر المعين كتكذيبه في الأخبار بأصل الرسالة والطرق التي بها يعلم صدقه ~~في المطلق يعلم بها صدق في المعين وأولى فإن ما دل على الصدق في كل ما يخبر ~~عن الله دل على الصدق في هذا الخبر المعين كالمعجزة وإن المعجزة دلت على ~~صدقه في دعواه ودعواه أني صادق على الله فيما أخبر به عنه لم يدع الصدق ~~عليه في بعض الأمور التي يخبر بها عنه دون بعض بل قال الله فيما أخبر به ~~عنه @QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه ~~الوتين @QE@ وقال تعالى @QB@ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله ~~يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون ~~لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل لو شاء الله ~~ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري ms187 علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا @QE@ ~~PageV01P215 وقال تعالى @QB@ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ~~حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق @QE@ والرسول الذي يكذب على مرسله ~~مثل الذي يكذب في أصل الرسالة والله تعالى عالم بحقائق الأمور فلا فرق بين ~~إظهار المعجز على يد من يكذب في أصل الرسالة أو يكذب فيما يخبر به عن مرسله # الفصل السابع # إنه إذا ثبت صدقه في كل ما يخبر به عن الله تعالى فمما أخبر به عنه ~~القرآن فإنه قد علم بالاضطرار أنه بلغ القرآن عن الله سبحانه وأخبر ان ~~القرآن كلام الله لا كلامه ومما أخبر به الله في القرآن إن الله أنزل عليه ~~الكتاب والحكمة وأنه أمر أزواج نبيه عليه الصلاة والسلام أن يذكرن ما يتلى ~~في بيوتهن من آيات الله والحكمة وإنه امتن على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة # ومن المعلوم أن ما يذكر في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إما ~~القرآن وإما ما يقوله من غير القرآن وذلك هو الحكمة وهو السنة فثبت إن ذلك ~~مما أنزله الله وأمر بذكره وقد أمر الله تعالى بطاعته في القرآن في آيات ~~كثيرة وقال @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقال عز وجل @QB@ والنجم ~~إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ ~~وقال سبحانه وتعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~@QE@ فهذا وأمثاله يبين أن الله عز وشأنه أوجب اتباعه فيما يقوله وإن لم ~~يكن من القرآن وأيضا فرسالته اقتضت صدقه فيما يخبر به عن الله تعالى من ~~القرآن وغير القرآن الله فوجب بذلك تصديقه فيما أخبر به وإن لم يكن ذلك من ~~القرآن والله سبحانه أعلم # والحمد لله والصلاة على خاتم رسول الله محمد وآله وصحبه أجمعين ~~PageV01P216 ms188