######OpenITI# #META# ad: 728 #META# الناشر: مكتبة دار المنهاج - الرياض #META# ndata: سلسلة منDCE0E608أجمعين]. #META# auth: الواحدي :: ابن تيمية #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: شرح الأصبهانية ¶ المؤلف: شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية ¶ المحقق: محمد بن عودة السعوي ¶ الناشر: مكتبة دار المنهاج - الرياض ¶ الطبعة: الأولى، 1430ه ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مقابل] ¶ __________ ¶ أعده للمكتبة الشاملة/ محمد المنصور ¶ m_almansour@yahoo.com ¶ 3 - 5 - 1433 ه = 26 - 3 - 2012م ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# المؤلف: شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية #META# higrid: 728 #META# Lng: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي #META# idx: 1 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# الكتاب: شرح الأصبهانية #META# authno: 54 #META# cat: كتب ابن تيمية #META# bkid: 34392 #META# المحقق: محمد بن عودة السعوي #META# inf: أفضل وأوفى طبعات الكتاب حتى الآن، استدرك فيها المحقق -جزاه الله خيرا- قدرا كبيرا من الكتاب #META# authinf: الواحدي (000 - 468 ه) ( 000 - 1076 م) ¶ علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (أبو الحسن) مفسر، نحوي، لغوي، فقيه شاعر، إخباري. ¶ أصله من ساوه، ومن أولاد التجار. ¶ توفي بنيسابور في جمادى الآخرة، وقد شاخ. ¶ من تصانيفه: «البسيط» في نحو 16 مجلدا في التفسير، «المغازي»، «شرح ديوان المتنبي»، «الإغراب في الإعراب»، و«نفي التحريف عن القرآن الشريف». ¶ نقلا عن معجم المؤلفين لكحالة :: ابن تيمية، تقي الدين (661 - 728 ه، 1263 - 1328 م). ¶ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي. ¶ • شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه، فقيه أصولي ومفتي الدين الحصيف وصاحب الآثار الكبرى في علوم الدين والفكر الإسلامي. ولد بحران بتركيا، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربا من غزو التتار. وتلقى العلم على والده وعلى مشايخ دمشق وظهرت عليه علامات النجابة منذ نعومة أظفاره، فكان قوي الذاكرة سريع الحفظ. نهل من منهج النبوة، حتى آلت إليه الإمامة في العلم والعمل سنة 720 ه. ¶ • كان من أشد مفكري الإسلام نقدا للفلسفة وعلم الكلام، ودعا إلى وضع العقل بعد النقل وليس قبله. وقد صنف كتابا ضخما سماه درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول رد فيه على شطحات الفلاسفة، وفند فيه دعاوى أهل الفرق الضالة حسب رأيه واجتهاده، ودافع فيه عن المنطق الفطري، وهو المنطق السليم، منطق القرآن الكريم. وفي كتابه الرد على المنطقيين حمل على دعوى أتباع أرسطو من المنطقيين الذين ذهبوا إلى أن المفاهيم التي ليست بديهية لاتدرك إلا بالحد (الدليل) بحجة أنها لما كانت غير بديهية كان لابد لها من دليل، وإلا كانت دعوتهم باطلة، وبين ابن تيمية أن تحديد المفاهيم تكتنفه الصعاب، وحتى من دافع عن المنطق من أهل الفلسفة وعلم الكلام، اضطر إلى التسليم بصعوبة تحديد الجنس أو الفصل الخاص، الذي يقوم عليه التعريف، ونسبه ابن تيمية إلى اختلاف الناس في سرعة إدراك الحد الأوسط في القياس مثل حيوان يمشي على أربع، والكلب حيوان، الكلب يمشي على أربع، فالحد الأوسط هنا وهو الكلب حيوان لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه الغبي. والنتيجة تحصيل حاصل. وانتقد كذلك نظريات البرهان عند أرسطو باعتبار أن البرهان يتناول الكليات الذهنية، في حين أن الكائنات موجودات جزئية، ولذلك فالبرهان لايؤدي إلى معرفة إيجابيته بالكائنات بشكل عام وبالله بشكل خاص. ¶ • ذهب ابن تيمية إلى مصر فسجن بها، ورجع إلى دمشق، وجاهد ضد التتار وحبسه السلطان لفتواه عن طلاق الثلاث، وتحرش به علماء دمشق عند السلطات ليوقعوا به، فحبس ثانية في قلعة دمشق ومات فيها. وخرجت البلدة على بكرة أبيها تشيع جنازته. ¶ • كان ابن تيمية صالحا مصلحا، داعيا إلى الإصلاح والعودة إلى القرآن والسنة، وكان ذا باع طويل في اللغة العربية وعلومها، وفي مختلف العلوم. تربو مصنفاته على ثلاثمائة مجلد في علوم الإسلام المختلفة من أهمها: اقتضاء الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم؛ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية؛ الصارم المسلول على شاتم الرسول؛ الواسطة بين الخلق والحق؛ العقيدة التدمرية؛ الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان؛ العقيدة الواسطية؛ بيان الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن؛ تفسير سورة البقرة؛ درء تعارض العقل والنقل؛ منهاج السنة النبوية؛ مجموعة الفتاوى. ¶ • خالف بعض الأئمة والعلماء بعض آراء ابن تيمية وفتاويه وردوا عليه. ومن هؤلاء العلماء: صفي الدين الهندي وتقي الدين السبكي وشمس الدين الذهبي وابن حجر العسقلاني والعز بن جماعة وبدر الدين محمد بن إبرهيم بن جماعة وغيرهم. ¶ نقلا عن ¶ الموسوعة العربية العالمية http://www.mawsoah.net #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# max: 745 #META# bk: شرح الأصبهانية - ط المنهاج #META# bkord: 8554 #META# archive: 23 #META# iso: شرح الاصبهانيه ط المنهاج #META# digitization_comments: 3 - 5 - 1433 ه = 26 - 3 - 2012م #META# comp: 1 #META# الطبعة: الأولى، 1430ه #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-09-30 #META#Header#End# سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (35) ### | AUTO شرح الأصبهانية # وهو شرح عقيدة مختصرة لأبي عبد الله # محمد بن محمود بن محمد بن عباد العجلي # الأصبهاني الأشعري # (616 - 688ه) # تأليف # شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس # أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية # (661 - 728ه) # تحقيق # د/ محمد بن عودة السعوي # مكتبة دار المنهاج ... دار جودة للنشر والتوزيعسلسلة منشورات مكتبة دار ~~المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (35) ¶ شرح الأصبهانية ¶ وهو ~~شرح عقيدة مختصرة لأبي عبد الله ¶ محمد بن محمود بن محمد بن عباد ~~العجلي ¶ الأصبهاني الأشعري ¶ (616 - 688ه) ¶ تأليف ¶ شيخ الإسلام ~~تقي الدين أبي العباس ¶ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ¶ ~~(661 - 728ه) ¶ تحقيق ¶ د/ محمد بن عودة السعوي ¶ مكتبة دار المنهاج ~~... دار جودة للنشر والتوزيع ----NO PAGE NO------ بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر يا كريم1 ### | AUTO [سبب تأليف «شرح الأصبهانية» ومكانه وتاريخه]: # سئل شيخ الإسلام، [*وناصر السنة، فريد الدهر، وحيد العصر، بحر العلوم، ~~بقية المجتهدين، وقدوة المحققين، تاج العارفين، ولسان المتكلمين2، إمام ~~الزاهدين، ومنار المجاهدين، ورحلة الطالبين، الإمام الحجة النوراني، ~~والعالم المجتهد الرباني*]، تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن ~~عبد السلام بن تيمية، أدام الله علو قدره في الدنيا والآخرة، وأسبغ عليه ~~نعمه باطنة وظاهرة3، [*وهو مقيم بالديار المصرية، في شهور سنة اثنتي عشرة ~~وسبعمائة*]- أن يشرح عقيدة مختصرة ألفها4 الشيخ شمس الدين محمد بن ~~الأصفهاني5، PageV01P005 ~~الإمام المتكلم1 المشهور، الذي قيل: إنه لم يدخل إلى الديار المصرية أحد من ~~رؤوس علماء الكلام مثله، وأن يبين ما فيها. # فأجاب إلى ذلك، واعتذر بأنه لا بد عند شرح ذلك الكلام من مخالفة بعض ~~مقاصده لما توجبه قواعد الإسلام؛ فإن الحق أحق أن يتبع، {والله ورسوله أحق ~~أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} [التوبة: 62]، والله تعالى يقول: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، {النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم} [الأحزاب: 6]، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا ms001 مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]، {يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} [النساء: 59]. # وليعلم أن الشرح المطلوب، الآتي ذكره اشتمل -ولله الحمد، مع اختصاره- على ~~غرر قواعد أصول الدين2، التي لم ينهض بتحقيق الحق فيه3 إلا الجهابذة النقاد ~~من سادات الأولين والآخرين كما ستشهد ذلك، ويشهد به وقت التأمل أهل العدل ~~والإنصاف من المحقين المحققين، والله سبحانه ولي التوفيق، والهادي إلى سواء ~~الطريق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # وأول العقيدة المذكورة قوله4: PageV01P006 ### | AUTO [العقيدة الأصبهانية]: # الحمد لله حق حمده، وصلواته على محمد رسوله وعبده. # للعالم خالق، واجب الوجود لذاته، واحد، عالم، قادر، حي، مريد، متكلم، ~~سميع، بصير. # فالدليل1 على وجوده الممكنات؛ لاستحالة وجودها بنفسها، واستحالة وجودها ~~بممكن آخر، ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه، وافتقار الممكن إلى علته. # والدليل على وحدته أنه لا تركيب فيه بوجه؛ وإلا لما كان واجب الوجود ~~لذاته، ضرورة افتقاره إلى ما تركب منه؛ # ويلزم2 من ذلك أن لا يكون3 من نوعه اثنان؛ إذ لو كان لزم وجود الاثنين ~~بلا امتياز، وهو محال. # والدليل على علمه إيجاده الأشياء؛ لاستحالة إيجاده الأشياء [*مع الجهل بها. # والدليل على قدرته إيجاده الأشياء*]؛ وهي إما بالذات وهو محال؛ وإلا لكان ~~العالم وكل واحد من مخلوقاته قديما، وهو باطل، فتعين أن يكون فاعلا ~~بالاختيار، وهو المطلوب. # والدليل على أنه حي علمه وقدرته، لاستحالة قيام العلم والقدرة بغير الحي. # والدليل على إرادته تخصيصه الأشياء4 بخصوصيات، واستحالة التخصيص5 من غير مخصص. # والدليل على كونه متكلما أنه آمر وناه؛ لأنه بعث الرسل لتبليغ أوامره ~~ونواهيه، ولا معنى لكونه متكلما إلا ذلك. # والدليل على كونه سميعا بصيرا السمعيات. PageV01P007 # والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات، والدليل على نبوة [نبينا] 1 محمد صلى ~~الله عليه وسلم القرآن المعجز نظمه ومعناه. # ثم نقول: كل ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم2 من عذاب القبر، ومنكر ~~ونكير، ms002 وغير ذلك من أحوال القيامة، والصراط، والميزان، والشفاعة، والجنة ~~والنار - فهو حق؛ لأنه ممكن، وقد أخبر به الصادق، فيلزم3 صدقه، والله ~~الموفق. ### | AUTO [بداية كتاب شرح الأصبهانية]: # وأول الجواب، والشرح المطلوب من شيخنا أبي العباس4 أحمد بن تيمية، المقدم ~~ذكره - قوله: # الحمد لله5 رب العالمين. ### || AUTO [ما ذكره الأصبهاني من مسائل فهو حق في الجملة]: # ما في هذا الكلام من الأخبار بأن للعالم خالقا، وأنه واجب الوجود بنفسه، ~~وأنه واحد، عالم، قادر، حي، مريد، متكلم، سميع، بصير؛ فهو حق لا ريب فيه. # وكذلك ما فيه من الإقرار بنبوة الأنبياء [عليهم السلام] 6، ونبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وأنه يجب التصديق بكل ما أخبر به من عذاب القبر، ومنكر ~~ونكير، وغير ذلك من أحوال القيامة، والصراط، والميزان، والشفاعة، والجنة ~~والنار؛ فإنه حق. # فإن هذه الأسماء المقدسة المذكورة لله تعالى، منها ما هو في كتاب الله؛ ~~كاسمه «الواحد» و«العالم» و«القادر» و«الحي» و«السميع» و«البصير». # قال تعالى: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وقال تعالى: {رفيع PageV01P008 ~~الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم ~~التلاق • يوم هم بارزون، لا يخفى على الله منهم شيء، لمن الملك اليوم، لله ~~الواحد القهار} [غافر: 15، 16]. # وقال تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] وقال تعالى: ~~{وعنت الوجوه للحي القيوم} [طه: 111]. ### || AUTO وقال تعالى: {والله شكور حليم • عالم الغيب والشهادة العزيز ~~الحكيم} [التغابن: 17، 18]. وقال تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} ~~[البقرة: 20]. وقال تعالى: {ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير} [الشورى: ~~11]. ومثل هذا في القرآن كثير. # [«المريد» و«المتكلم» ليسا من الأسماء الحسنى، ومعناهما حق]: # وأما تسميته سبحانه1 بأنه مريد، وأنه متكلم؛ فإن هذين الاسمين لم يردا في ~~القرآن، ولا في الأسماء الحسنى المعروفة، ومعناهما2 حق، ولكن الأسماء ~~الحسنى3 هي التي يدعى الله تعالى بها4، وهي التي5 جاءت في الكتاب والسنة، ~~وهي التي تقتضي المدح6 والثناء بنفسها. # والعلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك هي في نفسها صفات مدح، والأسماء الدالة ~~عليها أسماء مدح7. # وأما الكلام ms003 والإرادة، فلما كان جنسه ينقسم إلى محمود كالصدق والعدل، ~~وإلى مذموم كالظلم والكذب8، والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم ~~- جاء ما يوصف به من الكلام والإرادة في PageV01P009 ~~أسماء تختص1 المحمود؛ كاسمه «الحكيم» و«الرحيم» و«الصادق» و«المؤمن» ~~و«الشهيد» و«الرؤوف» و«الحليم» و«الفتاح»، ونحو ذلك2 مما3 يتضمن معنى ~~الكلام ومعنى الإرادة. # فإن الكلام نوعان: إنشاء وإخبار. # والإخبار ينقسم إلى صدق وكذب، والله تعالى يوصف بالصدق دون الكذب. # [*والإنشاء نوعان: إنشاء تكوين وإنشاء تشريع، فإنه سبحانه له الخلق ~~والأمر، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: «كن»، فيكون. # والتكوين يستلزم الإرادة عند جماهير الخلائق، وكذلك يستلزم الكلام عند ~~أكثر أهل الإثبات. وأما التشريع فيستلزم الكلام، وفي استلزامه الإرادة ~~نزاع، والصواب أنه يستلزم أحد نوعي الإرادة، كما سيتبين4 إن شاء الله ~~تعالى*]. # والإنشاء يتضمن الأمر والنهي والإباحة، والله تعالى يوصف بأنه يأمر ~~بالخير وينهى عن الشر5، فهو سبحانه لا يأمر بالفحشاء. # وكذلك الإرادة قد نزه نفسه عن بعض أنواعها؛ كقوله6: {وما الله يريد ظلما ~~للعباد} [غافر: 31]، وقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ~~[البقرة: 185]. # فلهذا لم يجئ في أسمائه الحسنى المأثورة، المتكلم والمريد7. PageV01P010 # وأما ما يوصف به الرب تعالى من الكلام والإرادة، فقد دلت عليه أسماؤه ~~الحسنى. ### || AUTO [اتفاق السلف على أن الله متكلم بكلام قائم به وأن كلامه غير ~~مخلوق، وكذلك الإرادة]: # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله تعالى متكلم بكلام قائم به، وأن ~~كلامه غير مخلوق، وأنه مريد بإرادة قائمة به، وأن إرادته ليست مخلوقة، ~~وأنكروا على الجهمية1 من PageV01P011 ~~المعتزلة1 وغيرهم الذين قالوا: إن كلام الله مخلوق، خلقه في غيره، وإنه كلم ~~موسى بكلام خلقه في الهواء. PageV01P012 ### || AUTO [معنى قول السلف عن القرآن: منه بدا وإليه يعود]: # واتفق سلف الأمة وأئمتها على أن [القرآن] 1 كلام الله، منزل غير مخلوق، ~~منه بدا وإليه يعود. ومعنى قولهم: منه بدا؛ أي هو المتكلم به، لم يخلقه في ~~غيره2، كما قالت الجهمية من المعتزلة وغيرهم: «إنه بدا من بعض المخلوقات، ms004 ~~وإنه سبحانه3 لم يقم به كلام». # ولم يرد السلف4 أن كلامه5 فارق ذاته؛ فإن الكلام وغيره من الصفات لا ~~يفارق6 الموصوف، بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره، فكيف تكون صفة ~~الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره! ولهذا قال الإمام أحمد: كلام الله من الله ~~ليس ببائن منه7. [*ورد بذلك على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: ~~كلام الله بائن منه*] خلقه في بعض الأجسام. # ومعنى قول السلف: إليه يعود؛ ما جاء في الآثار: (إن القرآن يسرى به، حتى ~~لا يبقى في المصاحف منه8 حرف، ولا في القلوب منه آية). PageV01P013 # وقد قال تعالى1 عن المخلوق: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا ~~كذبا} [الكهف: 5]. ومع هذا فكلمة المخلوق لا تفارق2 ذاته، وتنتقل إلى غيره. # وما جاءت به الآثار3 عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان وغيرهم من أئمة المسلمين؛ كالحديث الذي رواه أحمد في مسنده، وكتبه ~~إلى المتوكل في رسالته التي أرسل بها إليه4، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه PageV01P014 ~~قال: (ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه). يعني القرآن، وفي لفظ: ~~(بأحب إليه مما خرج منه) 1. # وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لما سمع كلام مسيلمة2: «إن هذا PageV01P015 ~~كلام لم يخرج من إل»؛ أي من رب1. وقول ابن عباس لما سمع قائلا يقول لميت ~~لما وضع في لحده: «اللهم رب القرآن اغفر له»، فالتفت إليه ابن عباس فقال: ~~«مه، القرآن كلام الله ليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود». وهذا الكلام معروف ~~عن ابن عباس رضي الله عنه2. PageV01P016 # وقول السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدا وإليه يعود، كما استفاضت ~~الآثار عنهم بذلك، كما هو مذكور عنهم في الكتب المنقولة عنهم بالأسانيد ~~المشهورة - لا يدل على أن الكلام يفارق المتكلم ويتنقل إلى غيره، ولكن هذا ~~دليل على أن الله تعالى هو المتكلم بالقرآن، ومنه سمع، لا أنه خلقه في ~~غيره، كما فسره بذلك أحمد وغيره من الأئمة؛ قال أبو بكر الأعين1: سئل ms005 أحمد ~~عن قوله: القرآن كلام الله، منه خرج، وإليه يعود. فقال أحمد: منه خرج: هو ~~المتكلم به، وإليه يعود. PageV01P017 # ذكره الخلال1 في كتاب السنة2 عن عبد الله بن أحمد43. # [*وما جاءت5 به الآثار مثل قول خباب بن الأرت: (تقرب PageV01P018 ~~إلى الله بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه)، وروي ~~ذلك مرفوعا1، ونحو ذلك - أولى أن # لا يدل على أن الكلام يفارق المتكلم وينتقل إلى غيره، ولكن هذا دليل على ~~أن الله هو المتكلم بالقرآن ومنه سمع، لا أنه خلقه في غيره*]. ### || AUTO [فساد قول من يقول: كلام الله مخلوق]: # وقد بين السلف والأئمة وأتباعهم فساد قول الجهمية [وأتباعهم] 2 - الذين ~~يقولون: كلامه مخلوق- من وجوه3 كثيرة؛ مثل قولهم: لو كان مخلوقا في غيره ~~لكان صفة لذلك المحل، ولاشتق لذلك المحل منه اسم، كما في سائر الصفات؛ مثل: ~~العلم والقدرة والسمع والبصر والحياة، وكما في الحركة والسكون، والسواد ~~والبياض، وسائر الصفات التي يشترط4 لها الحياة، فإنها إذا قامت بمحل كانت ~~صفة لذلك المحل دون غيره، واشتق لذلك المحل منها اسم دون غيره، فإن الصفة5 ~~إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره، وسمي بالاسم المشتق منها ~~ذلك المحل دون غيره. PageV01P019 # وطرد هذا عند السلف وجمهور أهل الإثبات، أسماء الأفعال: كالخالق والعادل ~~وغير ذلك. # وأما من لم يطرد ذلك، بل زعم أنه يوصف بصفات الأفعال، وهي عنده المفعولات ~~المباينة له، ويشتق له منها اسم - فقوله متناقض؛ ولهذا نقضت المعتزلة قول ~~هؤلاء بما سلموه لهم، وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا التنبيه على الفرق بين المتكلم والمريد وغيرهما، حيث جاءت ~~النصوص باسم «العليم» و«القدير» و«السميع» و«البصير» ولم تأت2 باسم ~~«المريد» و«المتكلم» بما يدل على مطلق الإرادة والكلام، وإنما جاءت بما يدل ~~على الكلام المحمود، والإرادة المحمودة، لا باسم يشترك فيه المحمود ~~والمذموم؛ وأن الكلام والإرادة مما يقوم بالرب تعالى، ويوصف به، ليس ذلك ~~أمرا منفصلا عنه، كما تزعم الجهمية والمعتزلة، والتنبيه على أنه3 لو كان ~~كلام ms006 الله مخلوقا في محل، لكان ذلك المحل هو المتكلم به، وكانت الشجرة مثلا ~~هي القائلة لموسى: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} [طه: 14]، ولوجب ~~أن يكون ما أنطق الله به بعض مخلوقاته5 كلاما له. # وقد قال تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء} [فصلت: 21]. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عليه ~~الحجر؛ وقال: (إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني PageV01P020 ~~لأعرفه الآن) 1، وقد سبح الحصى بيديه حتى سمع تسبيحه2، وأمثال ذلك كثيرة3. # والله هو الذي أنطق هذه الأجسام، فلو كان ما يخلقه من النطق والكلام ~~كلاما له، لكان ذلك كلام الله، كما أن القرآن كلام الله، وكان لا فرق بين ~~أن ينطق هو، وبين أن ينطق غيره من المخلوقات، وهذا ظاهر الفساد. ### || AUTO [أطوار مذهب الجهمية في كلام الله وإرادته]: # وكان قدماء الجهمية تنكر أن يكون الله يتكلم4؛ فإن حقيقة مذهبهم PageV01P021 ~~أن الله لا يتكلم، ولهذا قتل المسلمون أول من أظهر هذه البدعة في الإسلام، ~~الجعد بن درهم1، ضحى به خالد بن عبد الله القسري2 في PageV01P022 ~~يوم النحر، وقال: ضحوا -أيها الناس- تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن ~~درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى ~~الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه. # ثم إنهم صاروا يقولون: إنه متكلم مجازا، ثم بعد ذلك أظهروا القول بأنه ~~متكلم حقيقة؛ وقرروا1 ذلك بأنه خالق للكلام في غيره. # وكان هذا من التلبيس على الناس؛ فإن المتكلم عند الناس من قام به الكلام، ~~لا من أحدثه في غيره، كما أن المريد، والرحيم، والسميع، والبصير، والعالم، ~~والقادر، من قامت به الإرادة، والرحمة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، ~~لا من أحدث ذلك في غيره. # وكذلك الإرادة، فإن من الجهمية2 والمعتزلة وغيرهم من يقول: إنه لا إرادة ~~له، كما يقوله من يقوله من المعتزلة البغداديين، ومنهم من يقول: له إرادة ~~أحدثها لا في محل، كما يقوله ms007 البصريون منهم3، PageV01P023 ~~والشيعة المتأخرون1 PageV01P024 ~~وافقوهم على ذلك، ولهم قولان كالمعتزلة1. # وهو من أفسد الأقوال من وجهين: من جهة إثباتهم صفة لا في محل، ومن جهة ~~إثباتهم حادثا أحدثه لا بإرادة. ### || AUTO [أحسن الأصبهاني في احترازه عن مذاهب الجهمية وأتباعهم، لكنه ~~اختصر هذه العقيدة من كتب المتكلمين الصفاتية]: # فهذا المصنف احترز عن مذهب هؤلاء، وأحسن في ذلك، ولكن هذا المصنف اختصر ~~هذه العقيدة من كتب المتكلمين الصفاتية2، PageV01P025 ~~الذين يثبتون ما ذكره من الصفات بما نبه عليه من الطرق العقلية، ويسمون ذلك ~~«العقليات»، وأما أمر المعاد فيجعلونه كله من باب السمعيات؛ لأنه ممكن في ~~العقل، والصادق قد أخبر به. # وأما المعتزلة والفلاسفة1 PageV01P026 ~~والكرامية1 وغيرهم، وكثير من أهل الحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة ~~وغيرهم، وكثير من الصوفية2، وسلف الأمة وأئمتها PageV01P027 ~~- فيجعلون1 المعاد أيضا من العقليات، ويثبتونه بالعقل؛ ويخوض أهل التأويل ~~منهم فيه2، كما خاض3 الصفاتية في ذلك. PageV01P028 # ولكن المصنف1 سلك في ذلك طريقة أبي عبد الله الرازي2؛ فأثبت العلم والقدرة ~~والإرادة والحياة بالعقل، وأثبت السمع والبصر والكلام بالسمع، ولم يثبت ~~شيئا من الصفات الخبرية. ### || AUTO [اقتصار الأصبهاني على إثبات الصفات السبع، ومتابعته لأبي عبد ~~الله الرازي في طريقة الاستدلال عليها، خلافا لمتقدمي الصفاتية]: # وأما من قبل هؤلاء كأبي المعالي الجويني3 وأمثاله، والقاضي أبي يعلى4 ~~وأمثاله، فيثبتون جميع هذه الصفات بالعقل، كما كان يسلكه PageV01P029 ~~القاضي أبو بكر1، ومن قبله كأبي الحسن الأشعري2، وأبي العباس PageV01P030 ~~القلانسي1، ومن قبلهم كأبي محمد بن كلاب2، والحارث المحاسبي3، وغيرهما. PageV01P031 # وهكذا السلف والأئمة؛ كالإمام أحمد بن حنبل وأمثاله، يثبتون هذه الصفات ~~بالعقل، كما ثبتت1 بالسمع، وهذه الطريقة أعلى وأشرف من طريقة هؤلاء ~~المتأخرين، كما سيتبين2 إن شاء الله تعالى. # وأيضا فأئمة الصفاتية المتقدمون؛ كابن كلاب، والحارث المحاسبي، والأشعري، ~~وأبي العباس القلانسي، وأبي عبد الله بن مجاهد3، وأبي الحسن الطبري4، ~~والقاضي أبي بكر الباقلاني5، وأبي إسحاق الإسفراييني6، PageV01P032 ~~وأبي بكر بن فورك1، وغيرهم - يثبتون الصفات الخبرية: التي ثبت أن الرسول2 ~~صلى الله عليه وسلم أخبر بها، وكذلك سائر طوائف الإثبات؛ كالسالمية3، ms008 ~~والكرامية، وغيرهم، وهذا مذهب السلف والأئمة4. # ولا ريب أن ما أثبته هؤلاء الصفاتية المتأخرون5 من PageV01P033 ~~صفات الله1 ثابت بالشرع مع العقل، وهو متفق عليه بين سلف الأمة وأئمتها، ~~وإنما خصوا هذه الصفات بالذكر دون غيرها؛ لأنها هي التي دل العقل عليها ~~عندهم2، كما نبه عليه المصنف. # ولكن لا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول؛ فلا يلزم نفي ما سوى هذه ~~من الصفات، والسمع قد3 أثبت صفات أخرى. # [*وأيضا فإن الرازي ونحوه، ممن لم يثبت السمع طريقا إلى إثبات الصفات. # ولا نزاع بينهم أنه طريق صحيح، لكن يفرقون بين ما أثبتوه وبين ما توقفوا ~~في ثبوته؛ بأن العقل دل على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه، ولهم ~~فيما لم يثبتوه طريقان؛ منهم من نفاه، ومنهم من توقف فيه، فلم يحكم فيه ~~بإثبات ولا نفي؛ وهذه طريقة محققيهم كالرازي والآمدي4 وغيرهما*]، بل ومن ~~الناس5 من يثبت صفات أخرى بالعقل. ### || AUTO [مذهب سلف الأمة في صفات الله تعالى وطريقة الاستدلال عليها]: # فالذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به PageV01P034 ~~نفسه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل1؛ فإنه قد علم بالسمع2 مع العقل أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ~~ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ كما قال تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: ~~11]، وقال تعالى: {هل تعلم له سميا} [مريم: 65]، وقال تعالى: {فلا تجعلوا ~~لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 22]، وقال تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} ~~[الإخلاص: 4]. # وقد علم بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ~~ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه؛ فلو كان المخلوق مثلا3 للخالق للزم ~~اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، والخالق يجب وجوده وقدمه، والمخلوق ~~يستحيل وجوب وجوده وقدمه، بل يجب حدوثه وإمكانه، فلو كانا متماثلين للزم ~~اشتراكهما في ذلك؛ فكان كل منهما يجب وجوده وقدمه؛ ويمتنع وجوب وجوده ~~وقدمه، ويجب حدوثه وإمكانه؛ فيكون كل منهما واجب القدم؛ ms009 واجب الحدوث، واجب ~~الوجود؛ ليس واجب الوجود، يمتنع4 قدمه، لا يمتنع قدمه، وهذا جمع بين ~~النقيضين. # فإذا عرف5 هذا، فنقول6: إن الله سمى نفسه في القرآن بالرحمن الرحيم، ووصف ~~نفسه في القرآن7 بالرحمة والمحبة؛ كما قال: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} ~~[غافر: 7]، وقال: {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156]، وقال: {فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54]، وقال: {إن الله يحب المتقين} ~~[التوبة: 4] و{يحب المحسنين} PageV01P035 ~~[البقرة: 195] 1 و{يحب الصابرين} [آل عمران: 146] و{يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] ونحو ذلك. ### || AUTO [مناقشة من يثبت بعض الصفات ويتأول بعضها]: # ومن الناس من جعل حبه ورحمته عبارة عما يخلقه من النعمة2، كما جعل بعضهم ~~إرادته عبارة عن ما يخلقه من المخلوقات، وهذا ظاهر البطلان، لا سيما على ~~أصل الصفاتية. # ومنهم من جعل حبه ورحمته هي إرادته، ونفى أن يكون3 له صفات هي الحب ~~والرضا والرحمة والغضب غير الإرادة. ### || AUTO [التفريق بين صفات الله تفريق بين متماثلات]: # فيقال لهذا4: لم أثبت له إرادة، وأنه مريد حقيقة، [ونفيت حقيقة] 5 الحب ~~والرحمة ونحو ذلك؟ # فإن قال: لأن إثبات هذا تشبيه؛ لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق، والرب منزه6 ~~عن مثل صفات المخلوقين. # قيل له: وكذلك يقول لك منازعك7 في الإرادة: إن الإرادة المعروفة ميل ~~الإنسان إلى ما ينفعه وما يضره، والله8 منزه عن الاحتياج9 إلى عباده، وهم ~~لا يبلغون ضره ولا نفعه، بل هو الغني عن خلقه كلهم. # فإن قلت: الإرادة التي نثبتها10 لله ليست مثل إرادة المخلوقين11؛ كما أنا ~~قد اتفقنا وسائر المسلمين على أنه حي، عليم، قدير، وليس هو مثل سائر ~~الأحياء العلماء القادرين. PageV01P036 # قال لك أهل الإثبات: وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله ليست1 مثل رحمة ~~المخلوق، ومحبة المخلوق. # فإن قلت: لا أعقل من الرحمة والمحبة2 إلا هذا. # قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا. # ومعلوم عند كل عاقل أن إرادتنا ورحمتنا ومحبتنا3 بالنسبة إلينا، كإرادته4 ~~ورحمته ومحبته5 بالنسبة إليه، فلا يجوز التفريق بين المتماثلين؛ فتثبت6 ms010 له ~~إحدى الصفتين وتنفى7 الأخرى، وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق، ~~إذ أكثر ما يقال: إني أثبت الإرادة بالعقل؛ لأن وجود التخصيص في المخلوقات ~~دل على الإرادة8. ### || AUTO [ما جاء السمع بإثباته نثبته ولو لم نعلم ثبوته بعقولنا]: # فيقال لك: انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول، فهب أن مثل هذا ~~الدليل لا يثبت في الرحمة والمحبة، فمن أين نفيت ذلك؟ ثم يقال: بل السمع ~~أثبت ذلك أيضا. ### || AUTO [ما دل عليه السمع قد يعلم بالعقل أيضا. والسمع تضمن دلائل ~~عقلية على المطالب العقدية]: # وقد يسلك9 في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة؛ فيقال: ~~ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين10، وكشف الضر عن المضرورين، ~~والإحسان إلى المخلوقات، وأنواع الرزق والهدى والمسرات - هو دليل على رحمة ~~الخالق سبحانه. # والقرآن يثبت دلائل الربوية بهذه11 الطريق؛ تارة يدلهم بالآيات PageV01P037 ~~المخلوقة1 على وجود الخالق، ويثبت علمه وقدرته ومشيئته2؛ وتارة يدلهم ~~بالنعم والآلاء على وجود بره وإحسانه المستلزم رحمته. # وهذا كثير في القرآن -وإن لم يكن مثل الأول أو أكثر منه، لم يكن3 أقل منه ~~بكثير- كقوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون • الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} [البقرة: 21،22]، وقوله: {أولم ~~يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم أفلا يبصرون} [السجدة: 27]، وقوله في سورة الرحمن بعد ذكر4 كل نوع ~~من هذه الأنواع: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}. # وفي الجملة، فما5 ذكره في القرآن من الأمثال والآيات؛ تارة يقرر بها نفس ~~مشيئته وقدرته6 وخلقه، وتارة يقرر بها إحسانه وإنعامه ورحمته، وهذه الطريق ~~مستلزمة للأولى من غير عكس؛ [*فإنه يلزم من وجود الإحسان والرحمة، وجود ~~القدرة والمشيئة من غير عكس*]. # وقس على هذا غيره من الصفات؛ مثل إثبات7 حكمته ومحبته التي ينبني عليها ~~حكمة خلقه8 وأمره، هو أيضا مما يعلم بالسمع وبالعقل أيضا، كما تعلم ms011 إرادته، ~~وكما تعلم محبته، وهذه المسائل مبسوطة في مواضع، وإنما ذكرنا في هذا الشرح ~~ما يناسب حال هذه العقيدة المختصرة المشروحة. PageV01P038 ### || AUTO [أقوال الناس في محبة الله]: # وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام1 في محبة الله، وذكرنا أن للناس في ~~هذا الأصل العظيم ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الله تعالى يحب ويحب؛ كما قال تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54]، فهو المستحق أن يكون له كمال المحبة دون ما ~~سواه، وهو سبحانه يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين، وهذا قول سلف الأمة ~~وأئمتها، وقول2 أئمة شيوخ المعرفة. # والقول الثاني: أنه يستحق أن يحب، لكنه لا يحب إلا بمعنى أنه يريد، وهذا ~~قول كثير من المتكلمين، ومن وافقهم من الصوفية. # الثالث: أنه لا يحب ولا يحب، وإنما محبة العباد له إرادتهم طاعته، وهذا ~~قول الجهمية ومن وافقهم من متأخري أهل الكلام والرازي3. # ومما يوضح ذلك، أن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر به الله ورسوله4 من ~~صفاته، ليس موقوفا على أن يقوم دليل5 عقلي على تلك الصفة بعينها، فإنه مما ~~يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أخبرنا ~~بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به، وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا. ### || AUTO [من علق تصديقه بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم على ~~ثبوته بعقله فليس مؤمنا بنبوته في الحقيقة]: # ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله6 فقد أشبه الذين قال الله ~~عنهم: {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله. الله أعلم PageV01P039 ~~حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124]، ومن سلك هذا1 السبيل فهو في الحقيقة ليس ~~مؤمنا بالرسول، ولا متلقيا عنه الإخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن ~~يخبر الرسول بشيء من ذلك، أو لم يخبر به2؛ فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه3 ~~بعقله لا يصدق به، بل يتأوله أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن ~~به، وإلا فلا. # [فلا4] فرق عند ms012 من سلك هذه5 السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم ~~الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكر6 من القرآن والحديث والإجماع [في هذا ~~الباب7] عديم الأثر عنده، وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق. # ثم الطريق النبوية فيهم8 من يحيل على9 القياس، وفيهم10 من يحيل على ~~الكشف؛ وكل من الطريقين11 فيها من الاضطراب والاختلاف ما لا ينضبط، وليست ~~واحدة منهما تحصل المقصود بدون الطريق النبوية12. PageV01P040 ### | AUTO والطريق النبوية تحصل1 الإيمان النافع في الآخرة بدون ذلك، ثم ~~إن حصل قياس أو كشف يوافق2 ما أخبر به الرسول كان حسنا، مع أن القرآن قد ~~نبه على الطرق الاعتبارية التي بها يستدل3 على مثل ما في القرآن، كما قال ~~تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ~~[فصلت: 53] فأخبر أنه يري عباده من الآيات المشهودة4 - التي هي أدلة عقلية- ~~ما يبين5 أن القرآن حق. # وليس لقائل أن يقول: إنما خصت6 هذه الصفات بالذكر؛ لأن السمع موقوف عليها ~~دون غيرها؛ فإن الأمر7 ليس كذلك؛ لأن التصديق بالسمعيات ليس موقوفا على ~~إثبات السمع والبصر ونحو ذلك. # فصل ### || AUTO [استمرار في مناقشة من يثبت بعض الصفات دون بعض]: # فإن قيل: إنما نفينا الرحمة والمحبة8 والرضا والغضب ونحو ذلك PageV01P041 ~~من الصفات؛ لأنه لايعقل لها حقيقة تليق بالخالق إلا الإرادة؛ فالمحبة ~~والرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة العقاب منه، فالفرق بينهما بحسب ~~تعلقاتها، لا أن1 هذه في نفسها ليست هذه. # قيل: هذا باطل؛ فإن نصوص الكتاب والسنة والإجماع مع الأدلة العقلية تبين ~~الفرق، فإن الله سبحانه يقول: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم، ولا يرضى ~~لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7]، وقال تعالى: {إذ يبيتون ما ~~لا يرضى من القول} [النساء: 108]؛ فبين أنه لا يرضى هذه المحرمات مع أن كل ~~شيء كائن بسببه2، وقال تعالى: {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205]. # وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبإجماع سلف الأمة -قبل حدوث أقوال ~~النفاة من الجهمية ونحوهم- إن الله يحب الإيمان والعمل الصالح، ولا يحب ~~الكفر والفسوق والعصيان، ms013 وأنه يرضى هذا ولا يرضى هذا، والجميع بمشيئته ~~وقدرته. # والذين لم يفرقوا، لهم تأويلات: # تارة يقولون: لا يرضاه لعباده المؤمنين، فهم يقولون: لا يحب الإيمان ~~والعمل الصالح ممن لم يفعله، كما لم يرده ممن لم يفعله. ويقولون: إنه يحب ~~الكفر والفسوق والعصيان ممن فعله، كما أراده ممن فعله. # وفساد هذا القول مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام مع دلالة الكتاب ~~والسنة وإجماع السلف على فساده. # وتأويلهم الثاني قالوا: لا يرضاه دينا، كما يقولون: لا يريده دينا؛ ~~ومعناه عندهم أنه لا يريد أن يثيب3 فاعله، إذ جميع الموجودات PageV01P042 ~~والأفعال عندهم بالنسبة إليه سواء؛ لا يحب منها شيئا دون شيء، ولا يبغض ~~منها شيئا دون شيء. # وقد بسط الكلام على فساد هذا القول وتناقضه في مواضع أخر، وإنما المقصود ~~هنا التنبيه على أن ما يجب إثباته لله تعالى من الصفات، ليس مقصورا على ما ~~ذكره هؤلاء، مع إثباتهم بعض صفاته بالعقل وبعضها بالسمع. # فإن من عرف حقائق أقوال الناس وطرقهم التي دعتهم إلى تلك الأقوال حصل له ~~العلم والرحمة؛ فعلم الحق، ورحم الخلق، وكان مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذه خاصة أهل السنة المتبعين ~~للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم يتبعون الحق، ويرحمون من خالفهم ~~باجتهاده1، حيث عذره الله ورسوله، وأهل البدع يبتدعون بدعة باطلة، ويكفرون ~~من خالفهم فيها2. ### | AUTO [فصل] 3 ### || AUTO [المسائل التي يذكرها أهل السنة في عقائدهم المختصرة]: # ومن شأن المصنفين في العقائد المختصرة، على مذهب أهل4 السنة والجماعة - ~~أن يذكروا ما يتميز5 به أهل السنة والجماعة عن الكفار والمبتدعين؛ فيذكرون ~~إثبات الصفات، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه تعالى يرى في الآخرة، ~~خلافا للجهمية من المعتزلة وغيرهم. # ويذكرون أن الله خالق أفعال العباد، وأنه مريد لجميع الكائنات، وأنه ما ~~شاء الله كان6 وما لم يشأ لم يكن، خلافا للقدرية من PageV01P043 ~~المعتزلة1 وغيرهم. # ويذكرون مسائل الأسماء والأحكام، والوعد والوعيد، وأن المؤمن لا يكفر ~~بمجرد الذنب، ولا يخلد في النار، خلافا للخوارج2 والمعتزلة. PageV01P044 # ويحققون ms014 القول في الإيمان، ويثبتون الوعيد لأهل الكبائر مجملا، خلافا، ~~للمرجئة1. PageV01P045 # ويذكرون إمامة الخلفاء الأربعة وفضائلهم، خلافا للشيعة من الرافضة وغيرهم. # وأما الإيمان بما1 اتفق عليه المسلمون من توحيد الله تعالى، والإيمان ~~برسله، والإيمان باليوم الآخر، فهذا لا بد منه، وأما دلائل هذه المسائل ففي ~~الكتب المبسوطة الكبار. ### || AUTO [الأصبهاني لم يستوف هذه المسائل، وما ذكره أشار إلى دليله ~~إشارة مختصرة]: # وهذا المصنف لم يسلك هذه2 الطريق، بل أشار إشارة مختصرة إلى دليل ما ذكره ~~من الأحكام، ولم يستوف [الأحكام3] التي تذكر في المعتقدات. # وعذره في ذلك4 أن يقول: ذكرت5 جمل الإقرار بالربوبية والرسالة والمعاد: ~~فذكرت صفات الله الثبوتية، وذكرت الرسالة، وما جاءت به النبوات من الإيمان ~~بالمعاد؛ وقولي: إنه متكلم، يناقض قول من قال: القرآن مخلوق، فإن حقيقة قول ~~أولئك أنه ليس بمتكلم؛ وإثبات الإرادة عامة يتناول6 جميع الكائنات، وإثبات ~~القدرة المطلقة يتضمن7 أنه خالق كل شيء بقدره8، وبهذين يخرج قول المعتزلة ~~في الكلام والقدر. # والمعترض عليه يقول: اقتصرت على بعض الصفات دون بعض، فإن كنت اقتصرت على ~~ما يعلم بالعقل عندك، فقد ذكرت السمع والبصر PageV01P046 ~~والكلام، وأثبت ذلك بالسمع، وإن كنت ذكرت ما يتوقف تصديق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عليه1، فهو لا يتوقف عندك على إثبات السمع والبصر والكلام؛ لأنك ~~أثبت ذلك بالسمع. # وحقيقة الأمر أنه2 أثبت هذه الصفات السبع؛ لأنها هي المشهورة عند ~~المتأخرين من الكلابية، كأبي المعالي وأمثاله بأنها العقليات، ولكن لم ~~يثبتها3 جميعها بالعقل، بل أثبت بعضها بالسمع موافقة للرازي، فلهذا لم ~~يطرد4 له في ذلك طريق واحد. # وهو قد نبه على الأدلة تنبيها، [*لم يقصد استيفاءها وتقرير مقدماتها، بل ~~نبه الناظر على الدليل تنبيها*] يعلم به جنس ما يثبت به5 من الأدلة6، وإلا ~~فما ذكره7 من الأدلة لا يكفي8 في العلم بهذه الأحكام؛ فإن الدليل إن لم ~~تقرر مقدماته ويجب9 عما يعارضها لم يتم، فكيف إذا لم تقرر مقدماته، بل ولا ~~ثبتت10، ونحن هنا ننبه11 على ما ذكره وعلى وجه تقريره. ### || AUTO [شرح دليل ms015 الأصبهاني على وجود الخالق]: # فأما قوله: «فالدليل على وجوده الممكنات؛ لاستحالة وجودها بنفسها، ~~واستحالة وجودها بممكن آخر، ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه، ~~وافتقار الممكن إلى علته». PageV01P047 ### || AUTO [هذا الدليل مبني على مقدمتين]: # فهذا الدليل مبني على مقدمتين: # إحداهما: أن الممكنات موجودة. # والثانية1: أن الممكن لا يوجد إلا بواجب الوجود. ### || AUTO [المقدمة الأولى: أن الممكنات موجودة]: ### || AUTO [طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود]: # والمقدمة الأولى لم يقررها بحال. ولا يمكن أن يسلك في ذلك طريقة ابن ~~سينا2 وأمثاله من المتفلسفة، الذين قالوا: نفس الوجود يشهد بوجود واجب3، ~~فإن الوجود إما ممكن وإما واجب، والممكن مستلزم للواجب، فيثبت4 وجود الواجب ~~على التقديرين5. PageV01P048 # فإن هذه الطريقة1 وإن كانت صحيحة بلا ريب، لكن نتيجتها إثبات وجود واجب، ~~وهذا لم ينازع فيه أحد من العقلاء المعتبرين، ولا هو من المطالب العالية، ~~ولا فيه إثبات الخالق، ولا إثبات وجود واجب أبدع السموات والأرض -كما يسلكه ~~الإلهيون من الفلاسفة الإسلاميين، المتبعين للفلاسفة اليونانيين كأرسطو ~~وأتباعه المشائين2، [*وإن كان بين قول ابن سينا وأتباعه، وقول أرسطو ~~وأتباعه فروق مبسوطة في غير هذا الموضع*]- وإنما فيه أن في3 الوجود وجودا PageV01P049 ~~واجبا1، وهذا يسلمه منكرو الصانع2 كفرعون، والدهرية المحضة من الفلاسفة ~~والقرامطة ونحوهم، ويقولون: إن هذا الوجود واجب الوجود بنفسه. # وإلى هذا يؤول قول أهل الوحدة3، القائلين بأن الوجود واحد؛ فإنهم يقولون ~~في آخر الأمر4: ما ثم موجود مباين للسماوات5 والأرض، وما ثم غير وجود ~~الموجود الممكن. ### || AUTO [مشابهة طريقة الأصبهاني لطريقة ابن سينا وأتباعه]: # ومصنف العقيدة أثبت الصانع بهذه6 الطريق؛ فإنه لما أثبت أنه صنع الممكنات ~~أثبت علمه وقدرته، فلا بد أن يثبت أولا وجود شيء ممكن7، ليبني عليه ثبوت ~~وجود واجب مبدع لوجود ممكن، ليتم ما سلكه، وأما مجرد إثبات وجود واجب فلا ~~يفيد هذا المطلوب، فليفهم اللبيب هذا. # [*لكن هذه الطريق التي سلكها تقتضي إثبات موجود واجب، وهي طريقة ابن سينا ~~ومن تبعه، فإنهم يقررون بطريقتهم في التوحيد بيان إمكان الأجسام، فيلزم من ~~ذلك ms016 أن يكون الواجب مغايرا لها، وعلى هذه الطريقة اعتمد في التوحيد كما ~~سيذكره، لكنها طريقة ضعيفة كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى*]. # ولا ريب أنه اختصر هذه العقيدة من كتب أبي عبد الله بن الخطيب PageV01P050 ~~الرازي1، وقد تكلمنا على ما ذكره أبو عبد الله الرازي مبسوطا في مواضعه2. ### || AUTO [التقرير الصحيح لهذه المقدمة]: # ونحن نقرر3 وجود الممكنات ليتم ما ذكره هذا4 المصنف من الدليل، ويتبين5 ~~أن هذه6 الطريق أصح في العقل، وأبين مما يذكر في كتب الأصول الأمهات7 التي ~~اختصرت منها هذه العقيدة، لكونها موافقة لطريقة القرآن، فإن الفاضل إذا ~~تأمل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية وجد الصواب منها ~~يعود إلى بعض ما ذكر8 في القرآن من الطرق9، وفي طرق القرآن من تمام البيان ~~والتحقيق ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا الموضع10. # فنقول: إنه يمكن تقريرها بما نشاهد من حدوث الحوادث؛ فإنا نشاهد حدوث ~~الحيوان11 والنبات والمعادن، [*وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك*]؛ ~~وهذه الحوادث ليست ممتنعة، فإن PageV01P051 ~~الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل ~~العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجوبها، ووجودها ينفي ~~امتناعها. وهذا دليل قاطع، واضح، بين، على ثبوت الممكنات. # لكن من سلك هذه الطريق لم يحتج إلى أن يثبت إمكانها بحدوثها، ثم يستدل ~~بإمكانها على الواجب، بل نفس حدوثها دليل على إثبات المحدث لها؛ فإن العلم ~~بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن الممكن لا بد له من واجب، ~~فتكون تلك الطريق أبين وأقصر، وهذه الطريق1 أخفى وأطول؛ حيث يستدل بالحدوث ~~على الإمكان، ثم بالإمكان على الواجب. # وإن كان بعض الناس يستدل بالحوادث2 على المحدث، فإن الحوادث لا تختص بما ~~هي عليه إلا بمخصص، فإنه يجوز أن تقع على خلاف ما وقعت عليه، فتخصيصها بوقت ~~دون وقت، وبوصف دون وصف، لا بد له من مخصص3. # ومنهم من يقول4: تخصيص الممكن بالوجود، لا بد له من مخصص، ويقول: إن ms017 ~~الممكن إنما يفتقر إلى العلة في وجوده، لا في عدمه، وإن العدم المستمر لا ~~يحتاج إلى علة، وهذا قول جماهير نظار المسلمين. # وإنما قال: يحتاج في كل من الطرفين إلى مخصص، طائفة من المتأخرين ~~المتفلسفة ومن وافقهم، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبين أن ~~عدم المرجح المخصص يستلزم عدمه، لا أنه PageV01P052 ~~هو الموجب لعدمه، وبسط الكلام على تنازعهم في علة الافتقار إلى المؤثر؛ هل ~~هو الحدوث، أو الإمكان، أو مجموعهما، أو كل منهما؟ وبين أن نفس الحقائق ~~المخلوقة مستلزمة الافتقار إلى الخالق تعالى، وأن ما اتصفت به من حدوث ~~وإمكان هو دليل افتقارها إلى الصانع، لا أن هذه الصفات هي الموجبة ~~للافتقار، فإن بسط هذه الأمور، وما وقع فيها من اشتباه واضطراب، مبسوط في ~~غير هذا الكتاب1. # وهذا الاستدلال بالتخصيص على المخصص وإن كان صحيحا2، فليس بمسلك سديد على ~~الإطلاق3، فإن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من هذا، فلا يحتاج4 ~~إلى هاتين المقدمتين اللتين هما أخفى من ذلك. # ومن استدل على الجلي بالخفي، فإنه وإن تكلم بحق5 فلم يسلك طريق ~~الاستدلال؛ فإن كل مستلزم للشيء يصلح أن يكون دليلا عليه، إذ يلزم من ثبوت ~~الملزوم ثبوت اللازم، والدليل ملزوم للمدلول عليه6، وهذا من شأن الدليل، ~~فإنه7 يلزم من ثبوته ثبوت المدلول عليه، ولهذا يجب طرد الدليل، ولا يجب ~~عكسه، لكن إذا كان اللازم المدلول عليه8 أظهر من الملزوم -الذي هو الدليل- ~~كان الاستدلال بالملزوم PageV01P053 ~~على اللازم خطأ في البيان والدلالة1. # وإن سلك المصنف في تقرير2 إثبات الممكنات تقرير إمكان الإجسام كلها، فهذا ~~دليل طويل، وفيه مقدمات متنازع فيها نزاعا طويلا، وكثير من الناس يقدح فيها ~~بما لا يمكن3 دفعه، فإثبات الصانع بمثل هذه المقدمات4، لو كانت صحيحة ~~[*خطأ، وإن لم تكن صحيحة*] كان الدليل باطلا. ### || AUTO [المقدمة الثانية: أن الممكن لا بد له من واجب]: # وأما المقدمة الثانية؛ وهي أن الممكن لا بد له من واجب، فقد نبه على هذه ~~المقدمة بقوله: «لاستحالة ms018 وجودها بنفسها»، فإن الممكن هو الذي يقبل الوجود ~~والعدم، كما نشاهده من المحدثات، وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده ~~بنفسه، كما أن المحدث لا يكون وجوده بنفسه، كما قال تعالى: {أم خلقوا من ~~غير شيء أم هم الخالقون} [الطور: 35] يقول سبحانه: أحدثوا من غير محدث، أم ~~هم أحدثوا أنفسهم؟ PageV01P054 # ومعلوم أن الشيء المحدث1 لا يوجد بنفسه2، فالممكن -الذي ليس له من نفسه ~~وجود ولا عدم- لا يكون موجودا بنفسه، بل إن حصل له3 ما يوجده وإلا كان ~~معدوما، وكل ما أمكن وجوده بدلا عن عدمه، وعدمه بدلا4 عن وجوده، فليس له من ~~نفسه وجود ولا عدم لازم له5. # وهذا بين، ومما يقرره6 أن ما يمكن عدمه بدلا عن وجوده، لا يكون وجوده ~~بنفسه؛ إذ لو كان وجوده بنفسه لكان واجبا بنفسه، [ولو كان واجبا بنفسه] 7 ~~لم يقبل العدم، وهو قد قبل العدم فليس موجودا بنفسه. # تقدير ذلك: ما كان8 موجودا، فإما أن يكون مفتقرا في وجوده إلى غيره، وإما ~~أن لا يكون، فإن كان مفتقرا في وجوده إلى غيره لم يكن وجوده بنفسه، بل بذلك ~~الغير الذي هو مفتقر إليه، أو به وبذلك الغير، فعلى التقديرين لا يكون ~~وجوده بنفسه، وإن لم يكن مفتقرا في وجوده إلى غيره كان موجودا بنفسه. # فالموجود بنفسه لا يكون مفتقرا إلى غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون ~~موجودا بنفسه، [فالموجود بنفسه الذي لا يفتقر إلى غيره واجب بنفسه؛ إذ ~~نفسه] كافية10 في وجوده، فلا يتوقف وجوده على شيء PageV01P055 ~~غير إنيته1، إن قدر أن إنيته شيء غير وجوده. # وإن قدر أن إنيته -التي هي ماهيته2 - هي وجوده، كما هو قول أهل السنة3 - PageV01P056 ~~كان قول القائل: موجود بنفسه، أي هويته1 ثابتة بهويته، فحيث قدرت هويته لم ~~يمكن عدمها، فالموجود بنفسه لا يقبل العدم، وما قبل العدم فليس موجودا ~~بنفسه؛ فيفتقر إلى غيره فكل ممكن مفتقر إلى غيره. # وهذه المقدمات2 ثابتة في نفس الأمر، ويمكن تحريرها بوجوه من الطرق ~~والعبارات، والمعنى فيها واحد، فتبين قول ms019 المصنف: «لاستحالة وجود الممكنات ~~بأنفسها». # [*وقد بسط الكلام على ما أورد المتأخرون في هذا الموضع من الشبه ~~والإشكالات، وتقرير ذلك بإبطال الدور والتسلسل، والفرق بين الدور المعي3 ~~الاقتراني، والدور القبلي والبعدي، وأن الممتنع هو هذا الثاني دون الأول، ~~والفرق بين التسلسل في المؤثرات؛ وهو التسلسل في الفاعلين؛ بحيث يكون لكل ~~فاعل فاعل، وبين التسلسل في الآثار PageV01P057 ~~والمفعولات1؛ وهو جواز دوام الفعل والآثار، وأن الأول متفق على إبطاله بين ~~العقلاء، وإنما تنازعوا في الثاني، وذكر ما تكلم به عامة العقلاء في هذه ~~المقدمات - في غير هذا الموضع*]. ### || AUTO [شرح قول الأصبهاني عن الممكنات: واستحالة وجودها بممكن آخر ~~... إلخ]: # وأما قوله: «واستحالة وجودها بممكن آخر، ضرورة استغناء المعلول بعلته عن ~~كل ما سواه، وافتقار المعلول إلى علته» - فمقصوده أن يبين أن الممكنات كما ~~لا توجد بأنفسها فلا توجد بممكن آخر، فيلزم أنه لا بد لها2 من واجب بنفسه. # وذلك لأنها لو وجدت بممكن3، استغنت به عمن4 سواه؛ لأن ذلك الممكن إن لم ~~يكن علة تامة لوجودها لم توجد به5، وإن كان علة تامة لوجودها استغنت به عما ~~سواه، فإن العلة التامة تستلزم وجود المعلول، فلا يفتقر المعلول إلى ~~غيرها6. # فلو وجدت الممكنات بممكن لزم أن تستغني7 به عما سواه، وذلك PageV01P058 ~~الممكن من جملة الممكنات، والممكن مفتقر إلى غيره، فيلزم أن يكون مفتقرا ~~إلى علة غير نفسه، والمفتقر إلى غيره لا يكون مستغنيا بنفسه، فيلزم أن يكون ~~مفتقرا إلى غيره؛ غير مفتقر إلى غيره، غنيا بنفسه؛ ليس بغني بنفسه، وهو جمع ~~بين النقيضين. # فلو كان فاعل الممكنات كلها ممكنا لزم أن يكون هذا الممكن غنيا بنفسه؛ ~~ليس بغني بنفسه1، فقيرا إلى غيره؛ غير فقير إلى غيره، حيث جعل ممكنا، وجعل ~~مفتقرا إلى غيره؛ علة تامة فلا يفتقر2، فيلزم التناقض. # والأمر في هذا أوضح من هذا التطويل؛ وإنما سلك هذا المصنف طريقة أبي عبد ~~الله بن الخطيب الرازي، فإن هذه طريقه3، وكان ينسج على منواله، وإلا فالعلم ~~بأن جميع الممكنات تفتقر إلى غيرها، كالعلم ms020 بأن هذا الممكن مفتقر إلى غيره. # فإن الافتقار إذا كان من جهة كونه ممكنا، سواء كان الإمكان دليل الافتقار ~~أو علة الافتقار، فهو يعمها كلها، فأي شيء قدر ممكنا كان الفقر ثابتا فيه ~~إلى غيره، فلا بد لكل ممكن من غير يفتقر إليه4، كما لا بد لهذا الممكن من ~~غير يفتقر إليه، [*فإذا كان بمجموع نفسه لا يكون موجودا، فأن لا يكون ~~موجودا ببعض ذلك أولى*]. # ومعلوم أن افتقار الشيء إلى بعضه5 أشد من افتقاره إلى نفسه، PageV01P059 ~~[*بمعنى أنه إذا لم يستغن بنفسه فأن لا يستغني ببعض نفسه أولى*]، فإذا كان ~~الممكن لا يوجد بنفسه؛ ولا يكون موجودا بنفسه، فكيف يكون موجودا ببعضه! ~~وكيف1 يتصور أن يكون مجموع الممكنات موجودة بممكن من الممكنات وهي لا يكفي2 ~~في وجودها مجموع الممكنات! # والهيئة الاجتماعية لا تخرجها عن الإمكان، الذي هو علة الافتقار أو دليل ~~الافتقار، [*فإن الهيئة الاجتماعية مفتقرة أيضا إلى غيرها، فهي من ~~الممكنات*]، وهذا بين ولله الحمد. # واعلم أنه ما من حق ودليل3 إلا ويمكن أنه4 يرد عليه شبه سوفسطائية، فإن ~~السفسطة5 إما خيال فاسد وإما معاندة للحق، وكلاهما لا ضابط له، بل هو بحسب ~~ما يخطر للنفوس من الخيالات الفاسدة والمعاندات الجاحدة، ومن هذا الباب ~~أوردها طائفة من المتأخرين على هذا الموضع، وقد6 بسط الكلام عليها وبين ~~فسادها في غير هذا الموضع. ### || AUTO [سعة طرق إثبات الخالق]: # ومما يبين سعة طرق إثبات الصانع سبحانه أن تقسيم الوجود إلى PageV01P060 ~~واجب وممكن، والاستدلال بالممكن على الواجب - ممكن من جنسه ما هو أبين منه؛ ~~مثل تقسيم الموجودات إلى محدث وقديم، والاستدلال بالمحدث على القديم؛ فإذا ~~قال القائل: إن الموجود إما ممكن وإما واجب؛ والممكن لا بد له من واجب؛ ~~فيلزم ثبوت الواجب على كل تقدير - أمكن أن يقال: الموجود إما حادث وإما ~~قديم، والحادث لا بد له من قديم، فيلزم ثبوت القديم على كل تقدير. # ويقال: الموجود إما غني وإما فقير، والفقير لا بد له من غني يحصل به ما ~~لا يوجد ms021 الفقير إلا به؛ فيلزم وجود الغني بنفسه على كل تقدير. # ومثل أن يقال: الموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق؛ والمخلوق لا بد له من ~~خالق؛ فيلزم ثبوت الخالق الذي ليس بمخلوق على كل تقدير. # وهذا المعنى الذي صار كثير من متأخري النظار؛ مثل صاحب هذه العقيدة ~~وأمثاله، يقررون به إثبات العلم بالخالق، فيثبتون أنه واجب الوجود - هو ~~معنى صحيح، وهو بعض ما دلت عليه النصوص الإلهية وأسماؤه الحسنى. # لكن النصوص تدل على معان تجمع هذا المعنى وغيره من صفات الكمال -لا تقتصر ~~على مجرد ذلك- مثل كونه تعالى قيوما، وكونه صمدا، كما قد بسطنا في تفسير ~~معنى اسمه «القيوم»، ومعنى اسمه «الصمد»، بل ومعنى اسمه «الرب» و«الإله»، ~~وغير ذلك من أسمائه الحسنى. # وذكرنا تفسير {قل هو الله أحد} في مصنف مفرد، وكذلك القول على كونها تعدل ~~ثلث القرآن في مصنف مفرد أيضا1، وبينا أن من معاني اسمه «الصمد»، أنه الغني ~~عن كل ما سواه، وأن كل ما سواه PageV01P061 ~~مفتقر إليه، وهذا يتضمن كونه واجب الوجود بنفسه، وكون كل ما سواه موجودا ~~به، فقيرا إليه، وهو يتضمن أن الممكنات كلها موجودة به، مفتقرة إليه. # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع1 أن الفقر والحاجة للمخلوقات -وهي الممكنات- ~~وصف لازم لها؛ فهي مفتقرة إليه دائما؛ حال الحدوث وحال البقاء، ومن زعم من ~~أهل الكلام أن افتقارها إليه في حال الحدوث فقط، كما يقوله من يقوله من ~~المعتزلة وغيرهم؛ أو في حال البقاء فقط، كما يقوله من يقوله من المتفلسفة ~~القائلين بمساواة2 العالم له، وكلا3 القولين خطأ؛ بل الإمكان والحدوث ~~متلازمان، وكل محدث ممكن، وكل ممكن محدث، والفقر ملازم لهما، فلا تزال ~~مفتقرة إليه، لا تستغني عنه لحظة عين، وهو الصمد الذي يصمد إليه جميع ~~المخلوقات، ولا يصمد هو إلى شيء، بل هو سبحانه الغني بنفسه، المغني لما سواه4. ### | AUTO فصل ### || AUTO [شرح دليل الأصبهاني على وحدانية الخالق]: # فلما قرر إثبات الصانع سبحانه5 أخذ يثبت وحدانيته؛ فقال: «والدليل على ~~وحدته أنه لا تركيب فيه بوجه، وإلا ms022 لما كان واجب الوجود لذاته؛ ضرورة ~~افتقاره إلى ما تركب منه، ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان؛ إذ لو ~~كان لزم6 وجود الاثنين بلا امتياز وهو محال». PageV01P062 ### || AUTO [متابعة الأصبهاني للمتفلسفة في الاستدلال على الوحدانية بنفي ~~التركيب]: # وهذا الدليل أخذه1 من كلام أبي عبد الله الرازي، وهو سلك فيه مسلك ~~المتفلسفة كابن سينا وأمثاله، فإن هذا هو عمدتهم فيما يدعونه من التوحيد، ~~وهو حجة باطلة، ومقصودهم فيما يدعونه نفي الصفات2، وقد بين علماء المسلمين ~~بطلانها3؛ كما بينه أبو حامد الغزالي4 في «تهافت الفلاسفة» 5 وكما قدح6 ~~الرازي وغيره في هذه الطريق7 في مواضع أخر8. PageV01P063 # وأما قوله: «ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان؛ إذ لو كان لزم وجود ~~الاثنين بلا امتياز وهو محال». فطريقهم في تقرير هذا أنه لو كان اثنان ~~واجبا الوجود لكانا مشتركين في وجوب الوجود؛ فإن كان كل منهما ممتازا عن ~~الآخر بنفسه1، كان كل منهما مركبا مما به الاشتراك وما به الامتياز، فيكون ~~كل منهما مركبا، وقد تقدم أن التركيب محال؛ وإن لم يكن أحدهما ممتازا عن ~~الآخر، لزم وجود اثنين بلا امتياز. # وبهذه الحجة يثبتون إمكان الأجسام كلها؛ لأنهم يقولون: الجسم مركب، إما ~~من المادة والصورة، وإما من الجواهر المنفردة2؛ وكل مركب ممكن. ### || AUTO [اعتماد الفلاسفة في نفي الصفات على حجة التركيب]: # فبهذه الحجة3 نفوا4 الصفات، وكانوا من أشد الناس تجهما؛ لأنهم زعموا أن ~~إثبات الصفات ينافي هذا التوحيد. ### || AUTO [فساد هذه الحجة من وجوه]: # وقد تفطن لفساد هذه الحجة بعض العقلاء؛ كأبي حامد5 الغزالي وغيره، وذلك ~~من وجوه: ### || AUTO [لفظ «التركيب» ونحوه من الألفاظ التي تعددت أقوال الناس في ~~معناها تحتاج إلى الاستفسار والتفصيل]: # أحدها: أن يقال: قول القائل: إنه يلزم افتقاره إلى ما ركب منه، وذلك ~~ينافي وجوب الوجود - ممنوع؛ لأن غاية ما فيه: أن ما ركب منه جزء من أجزائه، ~~وقول القائل: إن المركب مفتقر إلى جزئه، ليس بأعظم من قوله: إنه مفتقر إلى ~~كله؛ فإن الافتقار ms023 إلى المجموع أشد من PageV01P064 ~~الافتقار إلى بعض المجموع، فالمفتقر إلى المجموع مفتقر إلى كل جزء منه، ~~والمفتقر إلى جزء منه لا يلزم أن يكون مفتقرا إلى الجزء الآخر، ومعلوم أن ~~افتقاره إلى الجميع هو افتقاره إلى نفسه، [*وقول القائل: مفتقر إلى نفسه*]، ~~هو معنى قوله: هو واجب بنفسه؛ فعلم أن وجوبه بنفسه لا يوجب الافتقار ~~المنافي لوجوب الوجود. # الوجه الثاني: أن يقال: وجوب الوجود الذي دل عليه الدليل ينفي أن يكون ~~مفتقرا1 إلى أن يكون مفتقرا إلى شيء خارج عن نفسه، إذ كانت2 الممكنات لا بد ~~لها من موجود3 غير ممكن: موجود بنفسه، وهذا ينفي أن يفتقر إلى شيء خارج عن ~~نفسه؛ فلو قيل: إنه موجود بنفسه، مستغن عن غيره، وإنه مفتقر إلى غيره - ~~لزم4 الجمع بين النقيضين، فأما ما هو داخل في مسمى نفسه، فليس هو شيئا ~~خارجا عن نفسه، حتى يقال: افتقاره إليه ينافي وجوده بنفسه. ### || AUTO [لفظ «الغير»]: # الوجه الثالث: أن يقال: اسم «الغير» فيه اصطلاحان: # أحدهما: أن حد الغيرين: ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر. # والآخر: أن الغيرين ما جاز مفارقة أحدهما للآخر5، بوجود أو مكان6 أو ~~زمان، والأول اصطلاح المعتزلة والكرامية، والثاني اصطلاح طوائف من7 ~~الكلابية والأشعرية [*ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة. PageV01P065 # وأما الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره، فإن لفظ «الغير» عندهم يحتمل هذا وهذا؛ ~~ولهذا كان السلف لا يطلقون القول: بأن صفات الله غيره، ولا أنها1 ليست ~~غيره؛ فلا يقولون: كلام الله غير الله، ولا يقولون: ليس غير الله. بل ~~يستفسرون القائل عن مراده، فقد يريد الأول، وقد يريد الثاني، وهذه طريقة ~~حذاق النظار، وقد بسط الكلام على هذا في موضع آخر*]. # فإن تكلم بالاصطلاح الثاني، فجزء الشيء اللازم وصفته اللازمة ليس بغير ~~له3، فلا يكون ثبوته موجبا لافتقاره إلى غيره؛ وإن تكلم4 بالأول؛ فثبوت ~~الغير بهذا التفسير5 لا بد منه، فإنه يمكن العلم بوجوده، [والعلم بوجوبه] ~~6، والعلم بأنه خالق، والعلم بعلمه، والعلم بإرادته، وهم يعبرون عن7 ذلك ~~بالعقل والعناية، ms024 وهذه المعاني أغيار على هذا الاصطلاح، وثبوتها لازم لواجب ~~الوجود، وإذا كان ثبوت هذه الأغيار لازما له؛ لم يجز القول بنفيها؛ لأن ~~نفيها يستلزم نفي واجب الوجود، وعلم أن مثل هذا وإن سمي تركيبا فليس منافيا ~~لوجوب الوجود. # فإذا قيل: واجب الوجود لا يفتقر إلى غيره. # قيل: لا يفتقر إلى غير يجوز مفارقته له، أم إلى غير لازم لوجوده8؟ فالأول ~~حق، وأما الثاني -إذا أريد بالافتقار أنه مستلزم له- PageV01P066 ~~فممنوع1. ويتبين2 ذلك ب: ### || AUTO [لفظ «الافتقار»]: # الوجه الرابع: وهو أن يقال: استعمال لفظ «الافتقار» في مثل هذا ليس هو ~~المعروف في اللغة والعقل، فإن هذا إنما هو تلازم؛ بمعنى أنه لا يوجد المركب ~~إلا بوجود جزئه3، أو لا يوجد أحد الجزئين إلا بوجود الآخر، أو لا يوجد ~~الجزء إلا بوجود الكل، أو لا توجد الصفة إلا بوجود الموصوف، أو لا يوجد ~~الموصوف إلا بوجود الصفة. # ومعلوم أن الشيئين المتلازمين في الوجود لا يجب4 أن يكون أحدهما مفتقرا ~~إلى الآخر، بل إن كانا ممكنين جاز أن يكونا معلولي علة واحدة أوجبتهما، من ~~غير أن يفتقر [أحدهما] 5 إلى الآخر6؛ فإن افتقار الشيء إلى غيره إنما يجوز7 ~~إذا كان ذاك الغير مؤثرا في وجوده كتأثير العلة، فأما المتلازمان اللذان ~~يكون وجود أحدهما مستلزما لوجود الآخر معه؛ فإنه وإن قيل: إن وجوده شرط ~~لوجوده، لكن لا يلزم أن يكون مفتقرا إليه بحيث يكون علة له. # وإذا قال القائل8: أنا أقول: إن كل واحد من المتلازمين مفتقر إلى الآخر؛ ~~كافتقار المشروط إلى شرطه المستلزم له. PageV01P067 ### || AUTO [لفظ «الدور»]: # قيل له: فبقي النزاع لفظيا، كالنزاع في لفظ «الدور»؛ فإن الدور يراد به ~~الدور العلمي، الذي يذكر في حساب الجبر والمقابلة؛ ويراد به الدور الحكمي، ~~الذي يتكلم به الفقهاء؛ ويراد به الدور العقلي، الذي يتكلم به النظار. # ويطلق طائفة منهم: أن الدور باطل، وآخرون منهم يفصلون؛ فيقولون: الدور نوعان: # أحدهما: الدور القبلي؛ وهو أنه لا يكون هذا إلا بعد ذاك ولا يكون ذاك إلا ~~بعد هذا - فهذا ms025 ممتنع في صريح العقل؛ فإنه يستلزم كون الشيء سابقا للسابق ~~على نفسه، ومتأخرا عن المتأخر عن نفسه، فيلزم أن يكون قبل نفسه بدرجتين، ~~وأن لا يكون إلا بعد نفسه بدرجتين، وكونه موجودا قبل نفسه، أو لا يوجد إلا ~~بعد نفسه - محال، فكيف إذا كان هذا الممتنع متكررا! # وأما النوع الثاني: فهو الدور المعي الاقتراني، وهو أن لا يكون هذا إلا ~~مع ذاك، ولا يكون ذاك إلا مع هذا؛ كما لا توجد الأبوة إلا مع البنوة، ولا ~~البنوة إلا مع الأبوة، ولا توجد الذات الواجبة إلا مع صفاتها اللازمة، ولا ~~توجد صفاتها اللازمة إلا مع الذات - فهذا الدور جائز، وهذا الدور في ~~الشروط، والأول دور في العلل1. # فكذلك لفظ «الافتقار»؛ فإن مرادهم بافتقار المركب إلى جزئه ليس هو افتقار ~~المفعول إلى الفاعل، ولا المفعول إلى العلة الفاعلة، بل المراد بالافتقار ~~التلازم؛ والأمور المتلازمة كالأبوة والبنوة لا يجب أن يكون أحدهما مفتقرا ~~إلى الآخر، لا سيما على أصل الذين يقولون: إنه يلزم لمفعولاته؛ فإذا كان ~~وجوب وجوده لا ينافي استلزامه لأفعاله الممكنة، فكيف ينافي استلزامه لصفاته ~~اللازمة لذاته؟! PageV01P068 # وهذا مما يبين تناقض هؤلاء المتفلسفة النفاة للصفات وأن أقوالهم من أفسد ~~الأقوال في العقل؛ فإنهم يقولون: إن واجب الوجود موجب للعالم، ولا يمكن ~~وجوده بدون وجود العالم، مع تغير العالم. # وهذا الإيجاب والاستلزام لا ينافي وجوب وجوده عندهم، ثم يقولون مع ذلك: ~~وجوب الوجود ينافي استلزامه للصفات، ويسمون1 هذا الاستلزام والإيجاب ~~«افتقارا»، ويقولون: لو كان موصوفا بالصفات لكان مركبا من الذات والصفات، ~~والمركب مفتقر2 إلى جزئه، وجزؤه غيره، وواجب الوجود لا يكون مفتقرا إلى غيره. ### || AUTO [أنواع التركيب عند الفلاسفة]: # وقالوا ما ذكره عنهم أبو حامد الغزالي في «التهافت» 3: إن التركيب خمسة أنواع: PageV01P069 # أحدها: التركيب من وجود وماهية. # والثاني: التركيب من ذات وصفات. # والثالث: التركيب من أمر عام وخاص؛ كما يقال: يشارك العالم في الموجود، ~~ويمتاز عنه بالوجوب. وقد يسمون العام «جنسا»، وقد يسمونه «عرضا عاما»؛ ~~ويقولون: الجنس هو الذاتي المشترك، والعرض العام: ms026 العرضي المشترك، كما أن ~~«الفصل» هو الذاتي المميز، و«الخاصة» هي العرضي المميز، و«النوع» هو المركب ~~من الجنس والفصل، وهذه الخمسة هي الكليات الخمس المذكورة في منطقهم ~~اليوناني1. PageV01P070 # وقد بينا ما في هذا الكلام المذكور في المنطق؛ من حق وباطل في PageV01P071 ~~غير هذا الموضع، وبينا أن ما يذكرونه من الفرق بين الذاتي المقوم؛ الداخل ~~في الماهية، والعرضي اللازم للماهية؛ الخارج عنها - لا يرجع إلى حقيقة ~~موجودة ولا معقولة، وإنما هو تحكم اصطلاحي، كما أن ما يدعونه من التركيب من ~~الجنس والفصل ليس تركيبا حقيقيا في الخارج1؛ وإنما هو تركيب ذهني اعتباري؛ ~~وحقيقته ذات متصفة بصفات2، ولهم في هذه المواضع3، وقد بين نظار المسلمين من ~~خطئهم في المنطق والإلهي ما ذكره غير واحد منهم. # الرابع: التركيب العقلي من مادة وصورة. # الخامس: التركيب من الأجزاء التي هي الجواهر الفردة. # وهذان التركيبان إنما يصح القول بإثباتهما عند من يسلم أن الجسم مركب من ~~المادة والصورة، أو من الجواهر المنفردة، فأما من نفى هذا وهذا من النظار ~~وغيرهم فلا. ### || AUTO [موقف أهل الإثبات للصفات من قول الفلاسفة: إذا كان الله متصفا ~~بالصفات كان مركبا، والمركب مفتقر إلى جزئه، وجزؤه غيره]: # والمقصود هنا أنهم يقولون: إذا كان متصفا بالصفات كان مركبا، والمركب ~~مفتقر إلى جزئه، وجزؤه غيره، وواجب الوجود لا يكون مفتقرا إلى غيره. # ولفظ «المركب» يراد به ما ركبه غيره، وما كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمعت، أو ~~ما يقبل انفصال بعضه عن بعض. وأهل الإثبات للصفات يسلمون أن هذه المعاني ~~الثلاثة ممتنعة على الله تعالى؛ فلا يجوز أن يكون مركبا لا بهذا المعنى، ~~ولا بهذا، ولا بهذا. # لكن نفاة الصفات يسمون إثبات الصفات «تركيبا» ويقولون: الذات التي لها ~~صفات هي مركبة، ويقولون: المركب مفتقر إلى جزئه. PageV01P072 # والمراد بذلك أنه مستلزم لصفاته، لا يوجد بدون وجود الصفة، ليس المراد ~~بكونه مفتقرا إلى الجزء أن الجزء فاعل له، فإن هذا لا يقوله عاقل؛ لا يقول ~~عاقل: إن جزء المجموع يجب أن يكون فاعلا له، بل يمتنع أن يكون ms027 جزء الشيء ~~فاعلا له باتفاق العقلاء. # ولكن قد يكون جزؤه لازما له، وملزوما له؛ فإذا قيل: هو مفتقر إلى جزئه؛ ~~بمعنى أن المجموع لا يوجد إلا بوجود البعض - كان هذا ممكنا، وكذلك إذا قيل: ~~ذلك الجزء لا يوجد إلا مع جزء آخر، أو مع المجموع؛ كان هذا ممكنا. # وهم يسمون صفات الله تعالى وغيره من الموصوفات أجزاء، ويقولون: إذا أثبتم ~~له الصفات، فقد أثبتم له الأجزاء، ثم يقولون: ذلك محال؛ لأنه يقتضي أنه ~~مركب، والمركب مفتقر إلى أجزائه، بمعنى أنه مستلزم لأجزائه. # أو يقولون: إن كانت الصفات التي تثبتونها ذاتية، داخلة في الماهية - كانت ~~أجزاء مقومة له؛ وهو ممتنع، وإن كانت عرضية له، افتقر فيها إلى غيره. ### || AUTO [تناقض الفلاسفة في قولهم باستلزام الله لمفعولاته وامتناع ~~استلزامه لصفاته]: # فيقال لهم: عندكم أنه مستلزم لمفعولاته المعتبرة، ولا يمكن وجوده بدون ~~وجودها، ومع هذا فهذا لا ينافي وجوب وجوده بنفسه، ولا يكون امتناع بدون تلك ~~اللوازم المنفصلة المعتبرة ممتنعا1؛ فكيف يكون استلزامه لصفاته اللازمة له ~~ممتنعا؟ فإن كان هذا الاستلزام هو افتقار إلى صفاته -التي سميتموها أجزاء- ~~فذاك الاستلزام هو افتقار إلى مفعولاته، ومعلوم أن افتقار الواجب بنفسه إلى ~~مفعوله2 أعظم امتناعا في العقل من افتقاره إلى أجزائه أو صفاته. PageV01P073 # فإن كنتم لا تسمون هذا الإيجاب والاستلزام لمفعولاته افتقارا، كان هذا ~~الإيجاب والاستلزام لصفاته -التي قلتم: هي أجزاؤه- أولى أن لا يسمى ~~افتقارا. # وإن سمي ذلك افتقارا، وقلتم: هذا الافتقار ليس بممتنع؛ لأنه هو الموجب ~~لأفعاله، فإذا قيل: هو مفتقر إلى مفعوله -الذي هو مفتقر إليه- لم يكن في ~~الحقيقة مفتقرا إلا إلى نفسه. # قيل لكم: فهذا الافتقار إلى صفاته -التي توجبها ذاته وتستلزمها- أولى أن ~~لا يكون ممتنعا؛ لأنه في الحقيقة لم يفتقر إلا إلى نفسه. # وإن قلتم: هذا يقتضي كون الذات فاعلة للصفات وقابلة لها، والشيء الواحد ~~لا يكون فاعلا قابلا؛ لأن ذلك يفضي إلى التركيب، والواحد لا تركيب فيه. # قيل: أنتم إنما قلتم: إن الشيء الواحد لا يكون فاعلا وقابلا؛ لئلا يستلزم ~~التركيب، ms028 فلا يجوز أن تجعلوا هذا دليلا على نفي التركيب؛ لأن ذلك دور؛ ~~مضمونه أنكم تنفون كونه فاعلا وقابلا لئلا يلزم التركيب، وتنفون التركيب ~~لئلا يلزم كونه فاعلا وقابلا، فيكون هذا إثباتا لكل منهما بنفسه؛ وذلك ~~مصادرة على المطلوب1؛ باطلة في النظر والمناظرة باتفاق العقلاء. # وأيضا فالتركيب الذي نفيتموه، إنما نفيتموه لئلا يفضي إلى الافتقار إلى ~~الغير، والافتقار المراد به2 استلزامه للغير، وعندكم هو مستلزم PageV01P074 ~~للغير، فأنتم جميع ما نفيتموه في هذا المقام، إنما نفيتموه لئلا يكون ~~مستلزما لغيره، وعندكم هو مستلزم لغيره، بل جعلتموه مستلزما لغير هو مفعول ~~متغير، ونفيتم كونه مستلزما لصفات قائمة بذاته، ثابتة، لازمة له. # ومعلوم أن إيجابه لما هو قائم به، لازم، ثابت، دائم؛ أولى من إيجابه لما ~~هو منفصل عنه، متغير، فإذا كان -على اصطلاحكم- كونه مفتقرا إلى ما هو ~~متغير، مفعول، لا ينافي وجوبه بنفسه - فكيف يكون افتقاره إلى ما هو لازم له ~~دائم، ينافي وجوبه! وإذا كان هذا على اصطلاحكم؛ افتقاره إلى المنفصل عنه لا ~~ينافي وجوبه؛ فكيف افتقاره إلى ما هو قائم بذاته! ### || AUTO [لفظ «الكثرة»]: # وإذا قلتم: هذا يفضي إلى الكثرة في ذاته، بخلاف ذاك. # قيل لكم: الكثرة في ذاته هي التركيب عندكم، ومرادكم بالعبارتين واحد، ~~وإنما نفيتم ذلك بنفي هذا اللازم؛ الذي أثبتم ما هو أبلغ منه في الامتناع ~~على أصلكم، فإن وجب نفي هذا اللازم لما فيه من الافتقار؛ لزم نفي ذلك الذي ~~هو أبلغ في الافتقار منه، وإن لم يجب نفي هذا الأبلغ لم يجب نفي ذلك بطريق ~~الأولى. # فتبين أن القوم ينفون الشيء لمعنى، ويثبتون ما هو أبلغ في إثبات ذلك ~~المعنى منه، وأنهم من أعظم الناس تناقضا، وأنهم يصفون واجب الوجود بما يوجب ~~أن يكون ممتنع الوجود، فيجمعون بين النقيضين الذين هما في غاية التناقض؛ ~~فإن مناقضة الوجوب للامتناع أبلغ من مناقضة الوجود للعدم. # وأصل ذلك، أن القوم أرادوا أن يثبتوا وجودا مطلقا؛ لا يختص بحقيقة يمتاز ~~بها عن غيره، وإنما يمتاز بأمور سلبية، وهذا إنما يقدر ms029 في الأذهان، وأما ~~إثباته في الخارج فممتنع لذاته، كما قد بسط في موضعه. PageV01P075 ### || AUTO [لفظ «واجب الوجود» ولفظ «القديم»]: # وأصل الاشتباه في هذا المقام، الذي ضل فيه طوائف من النظار، أن1 مسمى ~~«واجب الوجود» فيه إجمال واشتراك، كما في لفظ «القديم» عند المعتزلة نفاة ~~الصفات. # فإن الأمر المعلوم أن الله قديم، فالقديم وهو2 الله لا إله إلا هو، فجعلت ~~المعتزلة القديم هو الذات المجردة عن الصفات؛ وقالوا: إذا أثبتم الصفات ~~قلتم بتعدد القدماء. ### || AUTO [لفظ «تعدد القدماء»]: # ولفظ «تعدد القدماء» مجمل؛ فإن أريد به تعدد الآلهة والخالقين والأرباب ~~فهذا باطل؛ فإن صفات الله ليست آلهة ولا خالقة ولا أربابا، وإن أريد ~~بالقدماء تعدد صفات قديمة لذات قديمة؛ فنفي هذا مصادرة على المطلوب، فلبسوا ~~على المسلمين بقولهم: إن إثبات الصفات يقتضي تعدد القدماء. # ولهذا ذكر الإمام أحمد في رده على الجهمية3: «أنهم قالوا لأهل السنة: ~~إنكم إذا قلتم: كلام الله وعلمه، وقدرته، ونوره، فقد قلتم4 بقول النصارى ~~حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته». # فقال أحمد: «لا نقول5: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره؛ ولكن نقول: ~~لم يزل بقدرته، ونوره، لا متى قدر، ولا كيف قدر». # فقالوا: «لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا: قد كان [الله] ولا شيء6. PageV01P076 # فقلنا: نحن نقول: قد كان الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل ~~بصفاته كلها، [أليس] إنما نصف1 إلها واحدا بجميع صفاته؟ وضربنا لهم في ذلك ~~مثلا؛ فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص ~~وجمار، واسمها شيء واحد2، وسميت نخلة بجميع صفاتها. # وكذلك3 الله -وله المثل الأعلى- بجميع صفاته إله واحد؛ لا نقول: إنه قد ~~كان في وقت من الأوقات ولا يقدر حتى خلق قدرته4، والذي ليس له قدرة فهو5 ~~عاجز، ولا نقول: قد كان في وقت من الوقات ولا يعلم حتى خلق له علما فعلم، ~~والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول: لم يزل الله عالما قادرا، لا متى، ولا كيف. ms030 # وقد سمى الله رجلا كافرا، اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي6 فقال: {ذرني ~~ومن خلقت وحيدا} [المدثر: 11]، وقد كان هذا الذي سماه وحيدا، له عينان ~~وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه الله وحيدا بجميع ~~صفاته، فكذلك الله7 - وله المثل الأعلى- هو بجميع صفاته إله واحد». # قلت: وهؤلاء المتفلسفة -موافقة الجهمية من المعتزلة وغيرهم في PageV01P077 ~~تعطيل الصفات- نفوا عن مسمى «واجب الوجود» من التركيب ما ينفون به الصفات، ~~كما نفت الجهمية من المعتزلة وغيرهم عن «القديم» من التركيب ما ينفون به ~~الصفات. # والنفاة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية1 أكثر نفيا وتعطيلا من PageV01P078 ~~المعتزلة، فأخذوا اسم «واجب الوجود» مجملا مشتبها مشتركا، فواجب الوجود ~~الذي دل عليه ثبوت الممكنات هو الموجود بنفسه، الذي لا يقبل العدم، ولا ~~يفتقر إلى ما هو غني عنه، وهذا القدر يوجب إثبات الصفات له من طرق متعددة، ~~كما قد بسط في موضعه. # فقالوا: واجب الوجود كما لا يفتقر إلى علة فاعلة لا يكون مفتقرا إلى علة ~~قابلة، فالصفات لا تكون واجبة الوجود لافتقارها إلى الذات، وإذا لم تكن ~~واجبة كانت ممكنة؛ فتكون الذات موجبة لها وقابلة لها. # فيقال لهم: مدلول الدليل أنه لا يكون مفتقرا إلى ما هو مستغن عنه كما ~~تقدم، وأما كون الصفات واجبة الوجود أو ممكنة؛ فإن أريد بواجب الوجود ما ~~ليس له فاعل فالصفات واجبة الوجود، وإن أريد به ما ليس له محل يقوم به ~~فليست واجبة بنفسها -بهذا التفسير- بل بغيرها، وحينئذ فالذات موجبة لها ~~وقابلة لها. # وهذا إنما منعوه لئلا يفضي إلى ما سموه تركيبا، فلا يجوز أن يحتجوا على ~~نفي التركيب بنفي هذا؛ لأنه يفضي إلى الدور في الاستدلال؛ فلا يستدلون على ~~هذا إلا بهذا، ولا على هذا إلا بهذا؛ وإذا كان كل من الشيئين لم يستدل عليه ~~إلا بالآخر، لم يكن على واحد PageV01P079 ~~منهما دليل، وكلام هؤلاء كلهم يدور على هذا الأصل. # وهذا الأصل وقع في كلام المتأخرين من النظار؛ كالرازي والآمدي وأمثالهما، ~~وهم تارة ينفون هذا كما نفته المتفلسفة، وتارة يثبتون ms031 كلام المتفلسفة. ~~وهؤلاء المتفلسفة ابن سينا وأمثاله من أتباع أرسطو. # وأما جماهير الفلاسفة الأساطين القدماء، الذين كانوا قبل أرسطو، فكما ~~أنهم لم يكونوا يقولون بقدم صورة العالم، ولم1 يكونوا يقولون بنفي الصفات، ~~بل يثبتون الصفات، بل والأفعال القائمة به، كما قد نقل ألفاظهم ونقل ~~الناقلين عنهم في غير هذا الموضع2. # وكذلك كثير من الفلاسفة المتأخرين؛ كأبي البركات صاحب «المعتبر» 3 وغيره ~~يثبتون لله تعالى الصفات والأفعال القائمة به، وقد ردوا على من نفى ذلك من ~~أصحابهم الفلاسفة بكلام بينوا فيه خطأهم، كما قد بسط في موضعه4. ### || AUTO [اضطراب كلام أبي عبد الله الرازي في «الكثرة»]: # واعلم أن كثيرا من النظار كثر خوضهم في توحيد الله وصفاته بلفظ «التركيب» ~~وغيره من الألفاظ المجملة، ومثبتة الصفات تارة يبينون فساد حجة النفاة ~~بذلك، وتارة يقررونها؛ كما يقع ذلك في كلام أبي عبد الله الرازي وأبي الحسن ~~الآمدي وغيرهما، حتى قال أبو عبد الله PageV01P080 ~~الرازي في آخر كتابه المسمى «الأربعين» 1: ### || AUTO [كلام الرازي في كتاب «الأربعين» في نفي الكثرة، والتعليق عليه]: # «واعلم أن ههنا مقدمتين يفرع المتكلمون والفلاسفة أكثر مباحثهم عليهما: ~~المقدمة الأولى - مقدمة الكمال والنقصان»، وتكلم عليها2، ثم قال3: «أما4 ~~المقدمة الثانية - فهي مقدمة الوجوب والإمكان، وهذه المقدمة في غاية الشرف ~~والعلو، وهي غاية عقول العقلاء، قالوا: الوجود5 إما واجب وإما ممكن6، ~~والممكن لا بد له من واجب7، وذلك الواجب8 لا بد أن9 يكون واجبا في ذاته وفي ~~صفاته؛ إذ لو كان ممكنا لافتقر إلى مؤثر آخر. # أما المقدمة الأولى؛ وهي أنه واجب لذاته فهذا له لازمان: # الأول: أن يكون منزها في حقيقته عن الكثرة، ثم يلزم من فردانيته في ذاته أمور: # أحدها10: أن لا يكون متحيزا؛ لأن كل متحيز منقسم، والمنقسم لا يكون فردا، ~~وإذا لم يكن متحيزا لم يكن في جهة. # وثانيها11: أن لا يكون واجب الوجود أكثر من واحد، ولو كان12 أكثر من واحد ~~لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعيين13، وما به PageV01P081 ~~المشاركة غير ما به الممايزة، فيلزم كون كل ms032 واحد منهما في نفسه مركبا، وقد ~~فرضناه فردا، هذا خلف. # اللازم الثاني لكونه واجب الوجود لذاته: أن لا يكون1 حالا ولا محلا وإلا ~~لعاد الافتقار». # قلت: قد ذكرت في غير هذا الموضع2 أن مقدمة الكمال والنقصان أشرف، وعليها ~~يعتمد أئمة النظار من أهل الكلام والفلسفة، كما يعتمد عليها أكثرهم، وعليها ~~يعتمد أساطين الفلسفة كأرسكو وغيره. # وأما مقدمة الوجوب والإمكان، فهي معروفة عن ابن سينا ومن وافقه من نظار ~~المتفلسفة والمتكلمين، وهو سلك في الإلهيات مسلكا أخذ بعضه من أصول الجهمية ~~من المعتزلة وغيرهم، وبعضه من أصول سلفه الفلاسفة. # ومقدمة الوجوب والإمكان لم يتكلم بها أحد من الفلاسفة القدماء، الذين ~~عرفت أقوالهم كأرسطو وأتباعه ولا غيره، ولا أثبت أحد منهم واجب الوجود ~~بطريقة الوجوب والإمكان، وإنما سلك مسلكه كالرازي ونحوه3، وأما نظار الملل: ~~كالمسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، فهم أبعد عن تعظيمها والثناء عليها من ~~أرسطو وغيره ولا يوجد تعظيمها والثناء عليها في كلامهم، إلا في كلام بعض ~~متأخريهم، الذين أخذوا ذلك عن ابن سينا وأمثاله، كالرازي وأمثاله. # وهذا الكلام الذي ذكر الرازي هنا أنه يلزم من واجب الوجود نفي4 PageV01P082 ~~الكثرة، المستلزم نفي الصفات - بين هو فساده في مواضع أخر؛ كما ذكر في ~~مسائل الصفات من كتابه المسمى ب «نهاية العقول» وهو أجل كتبه في الكلام، ~~لما ذكر شبهة نفاة الصفات، فقال1: ### || AUTO [كلام الرازي في كتاب «نهاية العقول» في وقوع الكثرة، والتعليق عليه]: # «الثاني: أن ذات الله2 لو كانت مصوفة بصفات قائمة بها، لكانت3 الحقيقة ~~الإلهية مركبة من تلك الذات ومن تلك الصفات، ولو كانت كذلك لكانت ممكنة؛ ~~لأن كل حقيقة مركبة، فهي محتاجة إلى أجزائها، وكل واحد من أجزائها غيرها، ~~فإذن4 كل حقيقة مركبة فهي محتاجة إلى غيرها، وذلك في حق الله تعالى محال، ~~فإذن يستحيل اتصاف ذاته بالصفات» 5. # وقال في الجواب عن هذا6: «قوله: يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في ~~الحقيقة الإلهية؛ فتكون تلك الحقيقة ممكنة - قلنا: إن عنيتم به احتياج تلك ~~الحقيقة إلى [سبب] 7 خارجي فلا ms033 يلزم؛ لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات ~~الواجبة لذاتها. وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على [تلك] 8 الذات ~~المخصوصة - فذلك مما نلتزمه، فأين المحال؟ PageV01P083 # وأيضا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا» 1. # وقال أيضا2: «والذي3 يحقق فساد قول الفلاسفة في قولهم: الشيء4 الواحد لا ~~يكون مؤثرا وقابلا - أنهم اتفقوا على أن الله5 عالم بالكليات، واتفقوا على ~~أن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم، واتفقوا على ~~أن صور المعلومات موجودة في ذات الباري تعالى، حتى إن ابن سينا قال6: إن ~~تلك الصور إذا كانت [غير] 7 داخلة في الذات؛ بل كانت من لوازم الذات، لم ~~يلزم منها محال، وإذا كان كذلك، فذاته4 مؤثرة في تلك الصور9 وقابلة لها. ~~ومن كان ذلك مذهبا له كيف يمكنه إنكار الصفات10». # قال11: «وبالجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة إلا أن الصفاتية ~~يقولون: [*الصفات قائمة بالذات، والفلاسفة يقولون*]: هذه الصور العقلية ~~عوارض متقومة بالذات، والذي يسميه الصفاتي12 «صفة» يسميه الفلسفي «عارضا»، ~~والذي يسميه الصفاتي «قياما» يسميه PageV01P084 ~~الفلسفي «قواما أو مقوما»، فلا فرق إلا في العبارة، وإلا فلا نزاع في ~~المعنى». # فهذا الكلام من الرازي يبين أن وقوع الكثرة مما لا بد منه، وأن الممتننع ~~في واجب الوجود إنما هو احتياجه إلى أمر خارجي، وأما كون ما يدخل في مسمى ~~«واجب الوجود» مما يتوقف بعضه على بعض، فذلك لا ينافي وجوب الوجود. # لكن لم يجب الرازي عن شبهة «التركيب» بحلها وبيان فسادها، ولكن أجاب عنها ~~بالمعارضة؛ وهو أن هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا نحن نلتزمه، وهو أيضا ~~لازم لكم، فليس لنا ولا لكم عنه محيد، والطائفتان جميعا تقولان بما يستلزم ~~ثبوت الصفات. # وليست هذه المعارضة معارضة جدلية؛ حتى يقال: فقد يكون قول الطائفتين في ~~نفس الأمر ليس حقا، وإنما الصواب هو النفي المطلق، كما دلت عليه حجة ~~التركيب، بل هي معارضة برهانية؛ فإن الأدلة التي ألجأت إلى إثبات1 الصفات ~~أدلة برهانية لا سبيل إلى نقضها، وكذلك ما أثبته ms034 الفلاسفة من الأمور ~~الثبوتية لواجب الوجود ألجأهم إليها البرهان الذي لا يمكن نقضه، وحجة ~~التركيب تناقض موجب البرهان. # فهذا حاصل ما ذكره الرازي من الجواب، ولكن غايته2 بيان عجز الطائفتين عن ~~الجمع بين ما أثبتوه وبين القول بموجب حجة التركيب، وأن كلا من الطائفتين، ~~وإن كان يقول بموجبها في موضع، فقد يخالف موجبها في موضع آخر لبرهان أوجب ذلك. ### || AUTO [حيرة أهل الكلام وشكهم]: # ومثل هذا النظر -وهو تعارض الأدلة التي يظن صاحبها أنها أدلة عقلية- يوجب ~~الحيرة والشك والتوقف3؛ ولهذا صرح طائفة من هؤلاء PageV01P085 ~~بالتوقف والحيرة في مسائل الصفات، وهذا شأن الرازي والآمدي وغيرهما في ~~مسائل لهم، وهو منتهى نظر أهل النظر والكلام المذموم في الشرع، فإنه ينتهي ~~بهم الأمر إلى الحيرة والشك، كما قال ابن عقيل1 وغيره من العلماء: آخر ~~المتكلمين الخارجين عن الشرع هو الشك، وآخر الصوفية الخارجين عن الشرع هو ~~الشطح2. PageV01P086 # وهو كما قالوا؛ فإن من تدبر كلام كثير منهم الثابت عنهم، وجد منتهى أمرهم ~~إلى الشك والتوقف، كما يوجد في كلام الرازي وغيره؛ فإنه واقف في «مسألة ~~الجوهر الفرد»، و«مسألة الصفات والأفعال»، وغير ذلك، كما أخبر به عن نفسه، ~~وكما يوجد في كتبه. وكذلك أبو حامد الغزالي واقف في كثير من المسائل، وكذلك ~~أبو المعالي حصل له التوقف قبل أن يموت في الصفات الخبرية؛ كالاستواء، وفي ~~قيام الأمور الاختيارية به. وابن عقيل يوجد في كلامه قول المثبتة للصفات ~~الخبرية تارة، وقول النفاة المعطلة تارة، وقول الواقفة1 تارة، ويوجب ~~تأويلات الجهمية تارة، ويحرمها تارة. PageV01P087 # والمقصود هنا: الكلام على حجة التركيب وبيان فسادها، فإنه دار عليها وعلى ~~ما يناسبها كلام أكثر النفاة للصفات، أو كثير منهم، وهي عمدة طوائف منهم، ~~ونحن قد بينا فسادها وحلها من وجوه كثيرة، ونبهنا على ما في لفظ «واجب ~~الوجود» من الإجمال. ### || AUTO [مذهب الفلاسفة في علم الله]: # وما ذكره الرازي1 من اتفاق الفلاسفة على أن الله تعالى عالم بالكليات؛ ~~فهو اتفاق ابن سينا وأمثاله، بخلاف أرسطو وأتباعه2. PageV01P088 # وكذلك ما ذكره من قولهم ms035 بإثبات صور المعلومات لذاته، وأنها عارضة لذاته، هو ~~قول ابن سينا وموافقيه، صرح بذلك في «الإشارات» 1. # وهو مما اعترف الفلاسفة بتناقض ابن سينا وأمثاله بذلك في مسألة توحيدهم ~~ونفي الصفات، حيث قالوا بنفي الصفات الثبوتية مطلقا، ثم قالوا بإثبات صور ~~وجودية علمية قائمة بذاته. وهو تصريح بإثبات الأمور الوجودية القائمة بذاته. # ولهذا لما رأى الطوسي2 شارح «الإشارات» تناقض ابن سينا في PageV01P089 ~~ذلك، وأراد أن ينصر طريقة سلفه نفاة الصفات - جنح إلى كلام حاصله أن العلم ~~هو المعلوم نفسه ليس هو شيئا زائدا عليه1، وهذا2 القول الذي صار إليه أفسد3 ~~ما قيل في العلم؛ فإن غيره كان يقول: العلم هو العالم، ويقولون: العلم هو ~~القدرة، هو الإرادة؛ والعلم PageV01P090 ~~والقدرة والإرادة هي العالم القادر المريد، فيجعلون كل صفة هي الأخرى، ~~ويجعلون الصفات هي الموصوف. وهذا القول وإن كان بعد تصوره التام معلوم ~~فساده بضرورة العقل؛ فالقول بأن العلم1 هو المعلوم نفسه، أشد فسادا منه. # وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع2، وبينا أن الذين نفوا علمه ~~بالجزئيات من الفلاسفة فروا من شيئين: من وقوع الكثرة، ومن وقوع التغير، ~~وظنوا أن إثبات الصفات كثرة باطلة، وأن علمه بأن قد كان الشيء، بعد علمه ~~بأن سيكون، يستلزم تغيرا باطلا، وأن نظار المسلمين ردوا عليهم. # أما الصفاتية فإنهم3 يلتزمون إثبات الصفات، والمعتزلة وإن نفوا الصفات؛ ~~فإنهم يعترفون بما يستلزم إثباتها، فإنهم يثبتون كونه حيا عالما قادرا، ~~وهذا بعينه يستلزم إثبات الصفات، وأما بحثهم مع من أثبت أحوالا زائدة على ~~الصفات؛ فأثبت العالمية معنى زائدا PageV01P091 ~~على العلم1. PageV01P092 # وأما المقدمة الثانية1، فمن النظار من منع تجدد شيء؛ وادعى أن المتجدد إنما ~~هو نسبة وإضافة، ومنهم من التزم هذا اللازم، وبين أن نصوص الكتاب والسنة ~~تدل على مثل ذلك، وأن إثبات هذا هو غاية الكمال، وليس في العقل ما ينفي ~~ذلك، وهذه طريقة كثير من أساطين الفلاسفة ومتأخريهم كأبي البركات وغيره، ~~وكما قد بسط في موضعه2. ### || AUTO [عود للكلام على لفظ «واجب الوجود»]: # وهذا المعنى ذكره ms036 أبو حامد الغزالي في «تهافت الفلاسفة» وغيره، وبين أن ~~واجب الوجود الذي أثبته البرهان هو ما يكون مبدعا للممكنات، وأما ما نفوه ~~من إثبات الصفات وتعددها؛ وسموه تركيبا؛ وما ادعوه من أنه وجود مجرد، ليس ~~له حقيقة وراء الوجود المجرد؛ لأن ذلك تركيب - فلم يقم البرهان على إثبات ~~واجب الوجود بهذا التفسير. # قلت: منشأ الضلال في هذا الموضع -كما تقدم التنبيه عليه- أن مسمى «واجب ~~الوجود» عبروا به عن عدة معان: # أحدها: الذي يكون موجودا بنفسه، لا يفتقر إلى مبدع. وهذا هو الذي يدل ~~عليه وجود الممكنات. # والثاني: الذي لا يكون له تعلق بغيره، ولا ملازمة بينه وبين غيره. # ونفي الصفات إنما يصح على هذا التفسير، لا على المعنى الأول، وهم من أعظم ~~الناس تناقضا في هذا الباب؛ فإنهم يجعلون وجوده PageV01P093 ~~لا ينفك عن وجود معلوله، وهذا التعلق1 من لوازم وجوده، ثم مع هذا ينفون عنه ~~الصفات لئلا يكون له تعلق بغيره، ومعلوم أن استلزامه لصفاته أولى بالجواز ~~من استلزامه لمفعولاته. # الثالث: أن يراد بواجب الوجود ما لا يكون له محل يقوم به. # وعلى هذا، فصفاته لا تسمى واجبة الوجود بهذا الاعتبار، وتسمى واجبة ~~الوجود بالاعتبار الأول؛ وهو ما ليس له فاعل. # الرابع: أن يراد بواجب الوجود ما لا يكون ملازما لغيره، بحيث يكون كل ~~منهما لازما وملزوما. # وعلى هذا، فإذا قيل بإثبات الذات والصفات لم يكن واحد منهما واجب الوجود، ~~بل واجب الوجود مجموعهما، لكن واجب الوجود بهذا التفسير -وهو عدم التلازم ~~من الطرفين- مما لا يقوم دليل على ثبوته، بل على نفيه، وكل العقلاء لا بد ~~لهم من إثبات المعاني المتلازمة في واجب الوجود. # فلما دخل في اسم «واجب الوجود» هذا الاشتراك والتلبيس والاضطراب - عظم ~~الخطأ والضلال في هذا الباب، ولهذا قال بعض الفضلاء: لما سموا رب العالمين ~~واجب الوجود خرب العالم. # إذا تبين هذا، فقول القائل2: «الواجب بذاته له لازمان: أحدهما: أن يكون ~~منزها في حقيقته عن الكثرة» كلام مجمل، فإذا أريد به أنه منزه عن أن يكون ~~ذوات ms037 متعددة مستقلة بأنفسها، فلا ريب أنه ليس في الوجود واجبان بهذا ~~الاعتبار، لكن دلالة وجوب الوجود على نفي هذا التعدد، لكون ذلك مستلزما ~~للتركيب في واجب الوجود، دليل باطل. ولكن إذا تبين أن واجب الوجود لا بد أن ~~يكون فاعلا للممكنات، وتبين أن اشتراك الفاعلين في الفعل ممتنع - فهذه ~~طريقة صحيحة، PageV01P094 ~~وهي طريقة نظار المسلمين كما قرر ذلك في موضعه. # وإن أريد بكونه منزها عن حقيقة الكثرة، أنه لا يتصف بمعان متعددة، ولا ~~تقوم به معان متعددة، أو لا يتضمن معاني متعددة، أو نحو ذلك من العبارات، ~~سواء سميت تلك المعاني أجزاء أو لم تسم - فليس في كونه موجودا بنفسه، غنيا ~~عن الفاعل؛ ما يوجب نفي هذا. # وإنما ينتفي هذا إذا قيل: إن ما هو واجب الوجود لا يتضمن معاني متلازمة، ~~أو لا يكون فيه تلازم، ونحو ذلك، ومعلوم أن هذا لم يقم عليه دليل قاطع، بل ~~الدليل القاطع يوجب ثبوت معان متعددة متلازمة في مسمى «واجب الوجود»، ~~والعقلاء كلهم يقولون بهذا المعنى وإن اختلفت عباراتهم، وإن كانوا قد ~~يقولون ما يقتضي نفي هذا، فما من أحد نفى هذا إلا وقد قال ما يثبته. # ولهذا كان النفاة يلزمهم الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين، ويلزمهم من ~~السفسطة وجحد الضروريات ما قد بسط في موضعه؛ كقولهم: إن الصفة هي نفس ~~الموصوف، وإن كل صفة هي نفس الصفة الأخرى؛ كما يقولون: إن العلم هو نفس ~~العالم، والعلم هو القدرة وهو الإرادة وهو الكلام؛ ونحو ذلك من الأقوال ~~التي متى تصورت تصورا تاما علم فسادها بالضرورة. # وإنما يتوقف عن العلم بفسادها من لم يتصورها حق التصور، أو قام في نفسه ~~شبه نفاة الصفات؛ فصار ذلك الاعتقاد الفاسد مانعا له من تصور فساد قوله، ~~كما هو حال عامة أرباب العقائد الفاسدة إذا تبين لهم الحق الذي لا ريب فيه1. # [الوجه]2 الخامس: أن يقال3: لا ريب أنه يمتنع أن يكون شيئان PageV01P095 ~~كل منها1 علة للآخر، و[*هذه القضية ضرورية متفق عليها بين العقلاء، وهي -مع ~~تصور ms038 طرفيها- بديهية، وإن كان بعضهم يستدل عليها؛ مثل قولهم: لا يجوز أن ~~يكون كل من الشيئين علة فاعلة للآخر*]؛ لأن العلة متقدمة على المعلول فلو ~~كان علة لعلته للزم تقدمه على نفسه لكونه علة العلة، وتأخره عن نفسه لكونه ~~معلول العلة، وذلك جمع بين النقيضين، ولهذا كان الدور القبلي محالا. و[*قد ~~بسط الكلام عليها وعلى ما قيل عليها من الكلام في مسألة إثبات الصانع2 ~~وغيرها*]. # ولا يمتنع أن يكون شيئان كل3 منهما شرط في الآخر لأن ذلك إنما يستلزم أن ~~يكون كل منهما مع الآخر، وليس ذلك بممتنع، ولهذا قيل: الدور المعي ليس ~~بممتنع4. # والمركب5 غايته أن يكون كل من أجزائه مشروطا بالجزء الآخر وأن يكون هو ~~مشروطا بأجزائه، لا يقتضي6 التركيب وجود جزء قبل جزء، ولا وجود جزء منه قبل ~~سائر أجزائه7. # فإذا قيل: إنه مفتقر إلى جزئه، كان معناه أنه8 لا يوجد إلا بوجود جزئه ~~معه، لا يستلزم9 ذلك وجود جزئه قبله10، ثم ذلك الجزء ليس هو علة فاعلة11 ~~له، ولا هو خارجا عن نفسه؛ فالقول بأن وجوده يستلزم وجود الجزء12، والتعبير ~~عن ذلك بأنه يقتضي أن PageV01P096 ~~يكون مفتقرا إلى جزئه، وجزؤه غيره، ليس له معنى إلا ذلك. # وهذا لا يقتضي أنه مفتقر إلى علة، ومحتاج إلى علة فاعلة، ولا فيه شرط1 ~~خارج عن واجب الوجود، ولا دور قبلي. # وأما ما فيه من الدور المعي، فليس ذلك بمحال، ولا ينافي وجوب الوجود؛ إلا ~~أن يثبت أن مثل هذا التعدد ينافي وجوب الوجود، وهم لم يثبتوا أن التعدد ~~ينافي وجوب الوجود إلا بهذا، فبطل أن يكون هذا دليلا على بطلان2 التعدد في ~~وجوب الوجود. # [الوجه] 3 السادس: أن يقال: قول القائل: واجب الوجود بنفسه، هل يقتضي أن ~~يكون مفتقرا إلى نفسه، أم لا يقتضي ذلك؟ فإن اقتضاه كان افتقاره إلى جزئه ~~أولى وأحرى بالالتزام، فلا يكون ممتنعا، وإن قيل: لا يقتضيه قيل: وكذلك ~~[التركيب] 4، لا يقتضي أن يكون المركب مفتقرا إلى جزئه؛ فإنه إذا كانت نفسه ~~لا توجد إلا بنفسه، ms039 ولم يجز5 أن يقال: هو مفتقر إليها، فالجميع -الذي لا ~~يوجد إلا بأجزائه- أولى أن لا يقال6: هو مفتقر إلى واحد منها؛ إذ المركب ~~ليس إلا الأجزاء وصورة التركيب. ### || AUTO [المعنى اللغوي للفظ «التركيب»]: # [الوجه] 7 السابع: أن يقال: المعنى المعروف من لفظ «التركيب» أن يكون8 ~~جزءان مفترقان9 فيركبهما جميعا مركب؛ لأن المركب اسم مفعول ركب يركب10، فهو ~~مركب؛ كما يركب الطبيخ من أجزائه، PageV01P097 ~~والثوب من أجزائه1، والأدوية المركبة من أجزائها، وأمثال ذلك. # ومعلوم أن المركب بهذا الاعتبار مفتقر إلى أن2 يركبه غيره؛ إذ لو كانت ~~ذاته تقتضي التركيب لم يجز عليه التفرق، وواجب الوجود بنفسه لا يكون مفتقرا ~~إلى شيء خارج عن نفسه؛ لأن ذلك جمع بين النقيضين. ولا ريب أن مثبتة الصفات ~~ليس فيهم -بل ولا في سائر فرق الأمة- من يثبت هذا التركيب في حق الله تعالى. # ولكن المتفلسفة يسمون الموصوف مركبا، ويسمون الصفات أجزاء؛ فيقولون: ~~الإنسان مركب [من] 3 الحيوانية والناطقية، والنوع مركب من الجنس والفصل؛ ~~فإما أن يريدوا بالحيوانية والناطقية جوهرا أو عرضا فإن أرادوا بهما4 جوهرا ~~وهو الحيوان والناطق؛ فالحيوان والناطق هما الإنسان، ليس الجوهر [*الذي هو ~~الناطق غير الجوهر*] الذي هو الإنسان، ولا هو غير الجوهر الذي هو حيوان ~~ناطق، لكن الذهن يجرد هذه المعاني في الذهن فيتصور الناطق مطلقا، والحيوان ~~مطلقا، والإنسان [مطلقا] 5، لكن تجريد الذهن لها لا يقتضي أن يكون في ~~الخارج ثلاثة جواهر، والعلم بهذا ضروري. # وإن أرادوا أنه6 مركب من الحيوانية والناطقية وهما عرضان - فالعرض لا ~~يقوم إلا بالجوهر، والحيوانية والناطقية صفة للإنسان7، فكيف يكون الجوهر ~~[مركبا] 8 من صفاته؛ وصفاته لا قيام لها إلا به؛ وهي مفتقرة إليه! PageV01P098 # وإذا قالوا: سمينا1 هذا تركيبا؛ لم ننازع في الألفاظ نزاعا لا فائدة فيه، ~~بل [نقول]: كل2 موجود فلا بد أن يكون مركبا بهذا الاعتبار؛ فإن وجود ذات ~~عرية3 عن جميع الصفات ممتنع، ووجود موجود مطلق لا يتعين، ولا له حقيقة يختص ~~بها عن سائر الحقائق - ممتنع، وكل ما اختص وتميز عن غيره، ms040 فلا بد له من ~~خاصة، وفد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. # ولسنا محتاجين هنا إلى إثبات وجوب مثل هذا، بل يكفي أن نقول: لا نسلم ~~امتناع مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا. # [*وكثير من المتكلمين لا يسمون الاتصاف تركيبا*]، بل يسمون التقدير ~~تركيبا؛ لأن المقدر مركب من الأجزاء المنفردة4، أو من المادة والصورة، وهذا ~~أيضا فيه نزاع؛ وطوائف5 من أهل الكلام: كالهشامية6، والضرارية7، PageV01P099 ~~والنجارية1، والكلابية2، يقولون: ليس بمركب بحال؛ ومن قال: إنه مركب، قال: ~~لا يمكن وجود أجزائه بدونه، كما لا يمكن وجوده بدون أجزائه؛ وحينئذ فيقال ~~لهم كما يقال3 للمتفلسفة. PageV01P100 ### || AUTO [لفظ «التوحيد»]: # وهؤلاء يسمون1 نفي مثل هذا التركيب توحيدا؛ ويدخلون في ذلك نفي الصفات؛ ~~فيجعلون نفي علم الله وقدرته وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته - من ~~التوحيد، ويسمون أنفسهم الموحدين؛ كما يدعي المعتزلة أنهم أهل التوحيد ~~والعدل، ويعنون بالتوحيد نفي الصفات. # ولما كان أبو عبد الله محمد بن التومرت2 على مذهب المعتزلة3 PageV01P101 ~~في نفي الصفات لقب أصحابه بالموحدين، وقد صرح في كتابه الكبير بنفي ~~الصفات1، ولهذا لم يذكر في «مرشدته» 2 شيئا من الصفات الثبوتية: لا علم ~~الله، ولا قدرته، ولا كلامه، ولا شيئا من صفاته الثبوتية، وإنما ذكر ~~السلوب. ### || AUTO [التوحيد الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه هو توحيد ~~ألوهيته المتضمن توحيد ربوبيته]: # والتوحيد3 الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه هو عبادة الله وحده لا ~~شريك له، وهو توحيد ألوهيته المتضمن توحيد ربوبيته، كما قال تعالى: {وإلهكم ~~إله واحد} [البقرة: 163]، وقال تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ~~إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} [النحل: 51]، وقال تعالى: {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25]، ~~وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36]. # والمشركون كانوا يقرون بأن الله4 رب العالمين واحد، لكن كانوا يعبدون معه ~~غيره؛ كما قال تعالى: ms041 {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ~~[لقمان: 25]، وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: ~~106] 5. PageV01P102 # وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون • سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون • قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم • سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون • قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون • ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون} [المؤمنون: 84 - 89]. ### || AUTO [عود لبيان دليل الأصبهاني على الوحدانية]: # ونحن نوجه ذلك بعد ذكر حجته؛ ووجه نظمها أن يقال: واجب الوجود لا تركيب ~~فيه، وما لا تركيب فيه فهو واحد؛ فواجب الوجود واحد؛ وإنما قلنا: لا تركيب ~~فيه، لأن المركب مفتقر إلى ما تركب منه، وما تركب منه غيره، وواجب الوجود ~~لا يفتقر إلى غيره؛ فواجب الوجود لا تركيب فيه. # [وهذا معنى قوله: «والدليل على وحدته أنه لا تركيب فيه] 1 بوجه، وإلا لما ~~كان واجب الوجود لذاته»، أي لو كان فيه تركيب بوجه لما كان واجب الوجود ~~لذاته، ثم قال: «ضرورة افتقاره إلى ما تركب منه». أي لو كان مركبا للزم ~~ضرورة أن يفتقر إلى ما تركب منه2، ثم إنه حذف تمام الحجة -فإنه لا يحتاج ~~إلى ذكره3 - وهو أنه4 إذا افتقر إلى ما تركب منه كان مفتقرا إلى غيره، ~~وواجب الوجود لا يفتقر إلى غيره. # وأما قوله: «ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان، إذ لو كان اثنان ~~واجبا الوجود؛ فإن كان بينهما امتياز لزم تركيبهما مما به الاشتراك وما به ~~الامتياز، وإلا لزم عدم التعيين» 5. # فيقال: الجواب عن ذلك من طريقين: # أحدهما: أنهما إذا اشتركا في وجوب الوجود، وامتاز كل منهما PageV01P103 ~~بتعيينه1؛ فمعلوم أن وجوب أحدهما ليس هو عين وجوب الآخر، كما أن عينه ليست ~~عينه، بل هذا واجب وهذا واجب، كما أن هذا عين وهذا عين، واشتراكهما في وجوب ~~الوجود المطلق كاشتراكهما في التعيين المطلق، والمطلق إنما يكون مطلقا في ~~الأذهان لا في الأعيان، فعين هذا واجبة وجوبا ms042 يخصها، وعين هذا واجبة وجوبا ~~يخصها، والذهن يجرد وجوبا مطلقا وتعيينا2 مطلقا. # وإذا كان كذلك بطل قول القائل: إن كلا منهما مركب مما به الاشتراك وما به ~~الامتياز، بل ما به الاشتراك عندهم3 وهو الوجوب هو4 مثل ما به الامتياز عند ~~[هم] 5 وهو التعيين. # وهذه الحجة كثيرة في كلامهم، والغلط فيها قاطع6 لا حيلة فيه، وإنما نشأ ~~الغلط حيث أخذوا في الوجوب ما يشتركان فيه، وفي التعيين ما يخص، وهذا يمكن ~~معارضته بمثله؛ بأن يقال: هما مشتركان في التعيين؛ إذ هذا معين وهذا معين، ~~ويمتاز كل منهما بوجوبه؛ إذ لكل منهما وجوب يخصه7، وإذا [أمكن] 8 العكس ~~تبين أن ما فعلوه تحكم محض. # الطريق الثاني: أن يقال: هب أن هذا تركيب9 مما به الاشتراك والامتياز، ~~لكن دليلهم10 على نفي مثل هذا التركيب باطل كما تقدم. PageV01P104 # ومما ينبغي أن يعلم1، أن كثيرا من متأخري النظار اضطربوا في معرفة التوحيد ~~وأدلته العقلية؛ حتى ظن منهم طائفة أنه لا يقوم عليه دليل عقلي، وأخذ2 هذا ~~عنهم بعض النفاة، ولما ذكر ذلك تكلم الناس في تكفيره. # والآمدي ذكر طرق الناس في التوحيد وزيفها، وذكر طريقة أضعف من غيرها3؛ ~~وابن عربي الطائي4 اغتر بذلك، وظن أن ما ذكره PageV01P105 ~~الآمدي من الدليل على التوحيد هو أمر عظيم لم يسبق إليه1. # وهذا الدليل الفلسفي الذي ذكره مصنف هذه العقيدة على التوحيد؛ لما كان ~~فاسدا حدثني الثقة من أصحابنا عن شيخ من أهل2 أنه سمع هذا المصنف يقول ~~للشيخ إبراهيم الجعبري3 - رحمهما الله تعالى-: بت البارحة أفكر في دليل ~~عقلي على التوحيد ليس له معارض فلم أجد، فأجابه الجعبري بما يناسب حال نفسه؛ PageV01P106 ~~وقال له: كنت قلت: {قل هو الله أحد • الله الصمد • لم يلد ولم يولد • ولم ~~يكن له كفوا أحد}. ### | AUTO فصل ### || AUTO [أنواع التوحيد]: # والكلام في التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع: # أحدها: الكلام في الصفات. # والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله خالق كل شيء. # والثالث: توحيد الإلهية؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له. ### || AUTO ms043 [توحيد الصفات]: # أما الأول: فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى «التوحيد»، وهذه ~~الطريق التي سلكها هؤلاء المتفلسفة النفاة للصفات في أن الواجب لا يكون ~~معنيين؛ قصدهم بها نفي ثبوت الصفات لله تعالى، قالوا: لأن إثبات الصفات لله ~~تعالى يستلزم تعدد الواجب. ### || AUTO [ركب ابن سينا ونحوه مذهبه في الإلهيات من كلام سلفهم ~~اليونانيين وكلام المعتزلة]: # وابن سينا ونحوه سلكوا في الإلهيات مسلكا مركبا من كلام سلفهم اليونانيين ~~وكلام المعتزلة، فإن قدماءهم الفلاسفة اليونانيين؛ كلامهم في الإلهيات ~~قليل، وعلمهم بها ناقص جدا -وعامة كلامهم في الطبيعيات- ويسمون هذا العلم ~~«علم ما قبل الطبيعة» باعتبار وجوده، أو «علم ما بعدها» باعتبار معرفته؛ ~~لكون الأمور الطبيعية يستدل بها عليه، وهم يسمون ذلك «الحكمة العليا» ~~و«الفلسفة الأولى». # وجعلوا موضوع هذا العلم هو الوجود المطلق بأقسامه الكبار؛ مثل انقسام ~~الوجود إلى جوهر وعرض، وإلى واجب وممكن، وإلى قديم ومحدث، وإلى علة ومعلول، ~~وإلى واحد وكثير. # ومن المعلوم أن الوجود الكلي المنقسم إلى هذه؛ هو وجميع أقسامه الكلية لا ~~يثبت كليا إلا في الأذهان لا في الأعيان؛ إذ ليس في الخارج وجود كلي مطلق، ~~بشرط كونه كليا مطلقا، ولا جوهر كلي مطلق، ولا عرض كلي مطلق، بل تقسيم ~~الوجود إلى هذه الأنواع من جنس تقسيم PageV01P107 ~~الذات أو الماهية أو الحقيقة أو المعلوم، وإن كان بعض هذه الأسماء أعم من ~~بعض؛ فإن لفظ «المعلوم» يدخل فيه الموجود والمعدوم. # وكذلك لفظ «الذات»، و«الماهية» عند من يزعم أن لها تحققا في العدم، وإن ~~كان هذا القول خطأ؛ إذ1 كان الصواب أن المعدوم ليس بشيء في الخارج؛ وإن كان ~~شيئا في العلم. # وكذلك ماهيات الأشياء وحقائقها ليست في الخارج، غير2 الموجودات الثابتة ~~في الخارج، ولكن الذهن قد يتصورها، وإن لم توجد؛ فتكون ثابتة في التصور لا ~~في الخارج، فأما أن يكون الذهن إذا تصور مثلثا؛ ولم يعلم وجوده في الخارج؛ ~~يجب أن يكون له وجود في الخارج - فهذا خطأ بين، به يظهر خطأ3 من جعل الوجود ~~في الخارج أمرا ms044 زائدا على الحقائق الثابتة في الخارج. # وأما من فرق بين الحقائق والماهيات وبين وجودها؛ وأراد بالماهيات ما في ~~الذهن، وبالوجود ما في الخارج فقد أصاب. # والمقصود هنا أنه إذا قيل: العلم الأعلى هو أمر كلي مطلق، لم يكن المعلوم ~~شيئا موجودا في الخارج؛ لا واجبا ولا ممكنا، وليس هذا هو العلم بالله ~~تعالى، ولكنه علم بمعنى كلي عام؛ يتناول الواجب والممكن، كالعلم بمسمى ~~«الذات»، ومسمى «الحقيقة»، ومسمى «الشيء»، ونحو ذلك. # فإذا قيل: الشيء ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث؛ لم يكن العلم بمسمى ~~«الشيء» أعلى العلوم؛ وإن كان علما بالمسمى الذي هو أعم من غيره، سواء كان ~~هو الأعم مطلقا أو لم يكن. ### || AUTO [العلم الأعلى هو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته كما جاءت ~~به الرسل عليهم السلام]: # بل العلم الأعلى هو العلم بالله نفسه؛ الذي هو في نفسه أعلى PageV01P108 ~~الموجودات، والعلم به أعلى العلوم، وإرادة وجهه أعلى الإرادات، وذكره أعلى ~~الأذكار، واسمه أعلى الأسماء؛ قال تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى • الذي خلق ~~فسوى • والذي قدر فهدى • والذي أخرج المرعى • فجعله غثاء أحوى} [الأعلى: 1 ~~- 5]، فإنه سبحانه هو في نفسه غني عن كل ما سواه؛ وكل ما سواه مفتقر إليه، ~~وهو رب كل ما سواه ومبدعه؛ فوجود كل ما سواه مفتقر إلى وجوده، ووجوده غني ~~عن وجود كل ما سواه. # وكذلك العلم به باعتبار أشرف نوعي الاستدلال -الذي يسمى برهان «لم»، ~~ويسمى برهان العلة1 - أصل للعلم بكل ما سواه، والعلم بما سواه فرع للعلم به ~~باعتبارات متعددة، فلا يكون الإنسان عالما بغيره على الوجه الذي ينبغي حتى ~~يعلم ما به وجد وتحقق، وذلك لا يكون PageV01P109 ~~إلا مع العلم بالله تعالى؛ ولهذا لا يزال العقل يطلب للموجود -الذي لم يوجد ~~بنفسه- ما به وجد؛ سواء سمي ذلك مؤثرا أو فاعلا أو علة فاعلة أو صانعا أو ~~ربا، حتى ينتهي النظر إلى الله سبحانه وتعالى، فحينئذ يقف الطلب. # ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق • خلق ~~الإنسان ms045 من علق • اقرأ وربك الأكرم • الذي علم بالقلم • علم الإنسان ما لم ~~يعلم} [العلق: 1 - 5]. فبين1 أنه هو الذي خلق الأعيان الموجودة، وعلم ~~العلم؛ فوجوده أصل كل وجود، وعلمه أصل كل علم. # والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول أخرى، كما يقول: {ذكر الله} ~~[المائدة: 91] يريد الذكر الذي هو ذكره وهو كلامه، ويريد به ذكر العبد ربه، ~~ويقول: {خلق الله} [لقمان: 11] يريد به أنه خالق، ويقول: {خلق السماوات ~~والأرض} [البقرة: 164] يريد به كونها مخلوقة. # فعلم الله بالمعنى الأول هو كونه عالما، وبالمعنى الثاني كونه معلوما، ~~وهو بكلا الاعتبارين أصل لما سواه؛ فإن الناس لا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شاء، وعلم المخلوقات من علمه ما شاء، والعلم به أعلى العلوم، وغاية ~~العلوم، ومنتهى العلوم، وتحقيق العلوم، وأصل العلوم. وإن كان العلم2 بغيره ~~أسبق إلى بعض الأذهان من العلم به، أو يكون دليلا على العلم به - فالعلم به ~~مع كونه أعلى وأكمل وأنفع، فإن الحاجة إليه ضرورية، وإنه لا صلاح للعبد إلا ~~به، ولا سعادة بدونه، فهو أصل لتحقيق تلك العلوم التي به تستحق أن تكون علوما. # وكلام الفلاسفة اليونانيين كأرسطو وأتباعه في الإلهيات؛ مع كونه PageV01P110 ~~قليلا ففيه خطأ كثير، وليس في كلامهم ذكر واجب الوجود؛ وإنما يقولون: ~~«العلة الأولى». # وهم لم يسلكوا في إثباته1 الطريقة التي سلكها متأخروهم المنتسبون للإسلام ~~كابن سينا، وإنما أثبتوه بطريق الحركة؛ فأثبتوا أنه علة غائية؛ بمعنى أن ~~الفلك يتحرك للتشبه به، فإنهم لما اعتقدوا أن حركة الفلك شوقية اختيارية ~~قالوا: إن الحركة الشوقية لا بد لها من محرك لا يتحرك، وهو يحركها كما يحرك ~~المعشوق عاشقه، وليس هو عندهم أنه يحب ذات الرب، بل يحب التشبه2 به؛ ~~فتحريكه له كتحريك الإمام المقتدى به للمأموم المقتدي، هذا هو الذي صرح به ~~أرسطو في آخر كلامه في الإلهيات، وهي «مقالة اللام» 3. # وقد سلك مسلكهم من تصوف على طريقهم من المتأخرين؛ ولهذا قالوا: «إن ~~الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة»، فجعلوها من جنس تحريك المراد ~~للمريد؛ ms046 كتحريك الطعام للآكل، والمحبوب للمحب. قالوا: وذلك أن الفلك يتحرك ~~للتشبه بالعلة الأولى، ولا قوام له إلا بالطبيعة4، ولا قوام لطبيعته إلا ~~بحركته، ولا قوام لحركته إلا بالمحبوب الذي يتحرك الفلك للتشبه به. # وهذا الذي ذكروه مع ما فيه من المقدمات الباطلة؛ غايته أنهم جعلوا PageV01P111 ~~حركة الفلك علة غائية، لا علة فاعلة، ولم يثبتوا واجبا بنفسه أبدع الأفلاك، ~~وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أن ابن سينا وأتباعه ركبوا مذهبا من قولهم ومن قول الجهمية ~~نفاة الصفات من المعتزلة وغيرهم -كما سنبين طريقة أولئك- فأثبتوا واجب ~~الوجود بأن الوجود لا بد له من واجب، ثم أخذوا يصفون الواجب الذي ادعوا ~~ثبوته بما لا دليل عليه، وسموا هذا «العلم الإلهي»، وذكروا ما يقربه إلى ما ~~جاء به الأنبياء، وتكلموا في النبوات بما لا يناقض أصول سلفهم؛ إذ كان ~~أولئك الفلاسفة ليس لهم في النبوات كلام معروف، وليس لها ذكر في كتب أرسطو ~~وأمثاله لا بنفي ولا بإثبات. # والجهمية وغيرهم أثبتوا الصانع بطريقة الاستدلال بحدوث الأجسام؛ وأنها لا ~~تخلوا عن الحوادث؛ وما لا يخلوا عن الحوادث فهو حادث. وبنوا على ذلك نفي ~~صفات الرب تعالى؛ وأنه لو قامت به الصفات والأفعال للزم أن يكون محدثا، ~~وقالوا: التوحيد هو أن يجعل القديم شيئا واحدا، فلا تثبت له صفة قديمة؛ لأن ~~إثبات صفة للقديم يوجب تعدد القديم. # فلما كان شعار هؤلاء أن القديم لا يتعدد، أخذ ابن سينا وأتباعه معنى ذلك ~~منهم؛ وقالوا: الواجب لا يتعدد، وصار هؤلاء يدعون وحدة الواجب، كما يدعي ~~أولئك وحدة القديم، ويدعي كل من هؤلاء أن هذا هو التوحيد، وأن إثبات الصفات ~~تشبيه وتركيب. # ومن المعلوم لكل من عرف ما جاءت به الرسل أن التوحيد الذي أرسل الله به ~~رسله وأنزل به كتبه لم يتضمن نفي صفات الله، بل الكتب الإلهية مملوءة ~~بإثبات صفات الله تعالى، وكذلك العقل الصريح هو موافق لما جاءت به الكتب ~~الإلهية من إثبات صفات الكمال لله تعالى. # وقول هؤلاء بامتناع إثبات ms047 واجبين قديمين؛ لفظ فيه إجمال وإبهام؛ PageV01P112 ~~فإن أريد بذلك نفي إلهين واجبين أو إلهين قديمين فهذا حق لا ينازع فيه ~~مسلم، وكذلك إن عنوا نفي موجودين قائمين بأنفسهما واجبين أو قديمين، فهذا حق. # فهم، وإن كان هذا بعض مرادهم، فلم يقتصروا عليه، بل أرادوا نفي صفات الله ~~الواجبة القديمة: كعلمه وقدرته، وحينئذ فنفي واجبين قديمين بهذا الاعتبار باطل. # وهم قد يقولون: لو كانت الصفة [ثابتة] لكانت1 مشاركة له في أخص صفاته، ~~فتكون الصفة إلها، ويدعون أن من أثبت الصفات، فقد قال بقول النصارى؛ كما ~~حكاه الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة عنهم2، وهو موجود في كلامهم، وهذا باطل. # ومن المعلوم أن صفة الموصوف المحدث الممكن: إذا وافقته في كونها محدثة ~~ممكنة - لم يلزم أن تكون مماثلة له؛ فليست صفة النبي نبيا، ولا صفة الإنسان ~~إنسانا، فكيف يجب أن تكون صفة الإله إلها؟! بل هو سبحانه إله واحد، مختص3 ~~بما لا يماثله فيه غيره من صفات الكمال، متنزه عن صفات النقص مطلقا؛ وعن أن ~~يكون له كفؤ في شيء من صفات الكمال، وهذا الذي نبهنا عليه هنا هو مبسوط في ~~موضع آخر. # ومعرفة هذا من أهم الأمور؛ فإن نفاة الصفات أدخلوا ذلك في مسمى ~~«التوحيد»، وجعلوا هذا جزءا من مسمى «التوحيد»، فلبسوا بذلك على كثير من ~~الناس؛ إذ كان مسمى «التوحيد»؛ في غاية العظمة عند أهل الملل، فإذا ظن من ~~لم يعرف حقائق الأمور أن ما ذكروه من PageV01P113 ~~النفي المستلزم للتعطيل: هو من التوحيد الذي بعث الله به الرسول، انقلب دين ~~الإسلام في نفسه، فجعل ما هو داخل في التعطيل -الذي ذم الله به فرعون وغيره ~~من الكافرين- هو من التوحيد الذي بعث الله به المرسلين، ولهذا كان علماء ~~الحديث يصنفون الكتب في التوحيد، ويذكرون1 إثبات ما أثبته الله ورسوله من ~~الأسماء والصفات مناققضة لقول هؤلاء النفاة. # ولما كان قول هؤلاء مستلزما لتعطيل الخالق تعالى؛ ولم يكن2 عامتهم يهتدون ~~إلى هذا التلازم، صاروا بين أمرين: إما أن يعطلوا العبادة، ويغلب عليهم ~~الغي ms048 واتباع الهوى والشهوات؛ وإما أن تكون فيهم عبادة وتأله، وإذا صار فيهم ~~عبادة وتأله، فالغالب عليهم الشرك بعبادة غير الله تعالى؛ تارة يعبدون ~~سببا3 معينا من المخلوقات -إما مع القول بالحلول والاتحاد فيه، وإما بدون ~~ذلك- وتارة يقولون بالحلول والاتحاد في جميع المخلوقات، فإن القائلين ~~بالحلول والاتحاد: منهم من يقول به في شيء معين كالنصارى وأهل الإلحاد من ~~الشيعة وغلاة الصوفية وغيرهم من المنتسبين إلى الإسلام، ومنهم من يقول به ~~في كل شيء كالجهمية القائلين بأن ذاته في كل مكان، أو أنه وجود كل موجود ~~ونحو ذلك؛ فمن غلب عليه التعطيل من الجهمية لا يعبد شيئا، ومن عبد منهم ~~شيئا صار إلى الحلول؛ ولهذا -كما قيل- متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ~~ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء. # وينظم4 هذا اسم الإنسان؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث PageV01P114 ~~الصحيح: (أصدق الأسماء الحارث وهمام) 1. فكل إنسان حارث: أي كاسب عامل، وهو ~~همام: كثير الهم، الذي هو مبدأ الإرادة، وهو -كما يقال- متحرك بالإرادة، ~~فكل إنسان لا بد له من العمل بإرادته؛ ولا بد للإرادة من مراد، والشيء إما ~~أن يراد لنفسه وإما يراد لغيره، وما أريد لغيره، فذلك الغير إما أن يكون ~~مرادا لنفسه، وإما أن [يكون] مرادا2 لغيره، والتسلسل في العلل ممتنع ~~بالضرورة واتفاق العقلاء، سواء كانت العلة فاعلية أو غائية، فلا بد أن ~~ينتهي الأمر إلى مراد لنفسه. # ولا يصلح أن يكون غير الله مرادا مقصودا لنفسه، كما لا يكون غيره موجودا ~~بنفسه، بل وحدانيته واجبة: في كونه ربا خالقا، وفي كونه إلها معبودا، فمن ~~لم يكن الله معبوده الذي هو غاية مراده، فلا بد أن يعبد ما سواه، فيكون ذلك ~~مراده، وحينئذ فيكون فاسد الإرادة، فاسد العمل، يضره ذلك ولا ينفعه، وهذا ~~مما يبين بعض معنى قوله تعالى: {إن الله PageV01P115 ~~لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48]، وقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]. # والمعبود المراد المحبوب لا يكون إلا موجودا؛ فإن المعدوم لا يراد لذاته، ~~وما كان ms049 منفي الصفات لم يكن إلا معدوما؛ فإن إثبات ذات بلا صفات، أو وجود ~~مطلق لا يتعين، إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان، فمن لم يثبت لله ~~الصفات لم يحقق عبادته له، فلهذا وغيره كان الشرك بعبادة غير الله واقعا في ~~نفاة الصفات. ### | AUTO فصل ### || AUTO [توحيد الربوبية]: # والنوع الثاني: توحيد الربوبية؛ كالإقرار بأن الله خالق كل شيء، وأنه ليس ~~للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، ~~وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية. ### || AUTO [اتفاق الناس على نفي وجود خالقين متماثلين في الصفات ~~والأفعال]: ### || AUTO [قول الثنوية]: # وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه1 طائفة معروفة من بني آدم، ولم يعرف عن ~~أحد من الطوائف أنه قال: «إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات ~~والأفعال»، فإن الثنوية من المجوس والمانوية2 PageV01P116 ~~PageV01P117 # القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما - متفقون على أن ~~النور خير من الظلمة؛ وهو الإله1 المحمود عندهم، وأن الظلمة شريرة مذمومة، ~~وهم متنازعون في الظلمة: هل هي قديمة أو محدثة؟ فلم يثبتوا2 ربين متماثلين. ### || AUTO [قول النصارى]: # وأما النصارى القائلون بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة آلهة ~~أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون على أن صانع العالم واحد؛ ويقولون: ~~باسم الآب والابن وروح القدس إله واحد. # وقولهم في التثليث قول متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه؛ ولهذا ~~كانوا مضطربين في فهمه وفي التعبير عنه، وكانوا يكتمون قولهم عن كثير من ~~أصحابهم؛ فإنهم إذا فهموه نفروا عنه بفطرة عقولهم. # وكذلك الجهمية تكتم حقيقة قولها عن أتباعهم، وكذلك الملاحدة يكتمون حقيقة ~~قولهم عن أكثر أتباعهم؛ لأن المقالات الفاسدة في الإلهيات قد فطر الله ~~عباده على العلم بفسادها بعد التصور التام. # ولهذا لا يكاد أحد من النصارى يعبر عن قولهم بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان ~~يتفقان على معنى واحد؛ فإنهم يقولون: «هو واحد بالذات ثلاثة بالأقنوم»، ~~والأقانيم تفسر تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص. # ويقولون: «إن الأقانيم هي ms050 أقنوم الآب وأقنوم الابن وأقنوم روح القدس». ~~ويفسرون الآب بالوجود، والابن يعبرون عنه بالكلمة وبالعلم، وروح القدس ~~بالحياة، وتارة يقولون: هو القدرة. # فتارة يقولون: هو موجود حي عليم، أو موجود حي عليم ناطق، PageV01P118 ~~وتارة: موجود حي عليم قدير، ويقولون: إن المتحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة. # وكثير منهم يقول: إن هذا مثل قولك: «زيد الكاتب الحاسب الطبيب»، فهو مع ~~الكتابة شيء، ومع الحساب شيء، ومع الطب شيء؛ فهكذا الخالق مع وجوده شيء، ~~ومع علمه1 ومع حياته شيء، وهذا عند التحقيق يرجع إلى إثبات الصفات لموصوف ~~واحد، لكن ضلوا في جعلها ثلاث صفات فقط؛ إذا لا فرق بين العلم وبين القدرة. # وأيضا فهم يجعلون2 أقنوم الكلمة إلها وأقنوم الروح إلها، مع قولهم: «إن ~~الإله واحد»، ويقولون: «إن المتحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة، وإن المسيح هو ~~إله يخلق ويرزق». # وهذا تناقض بين؛ فإن المتحد بالمسيح إن كان هو الذات الموصوفة فهو الآب، ~~فيكون المسيح هو الآب3 والابن وروح القدس، وهم مع قولهم: «إنه الله» ~~يقولون: «إنه ابن الله» ولا يقولون: «إنه الآب». # وإن كان المتحد بالمسيح هو صفة العلم والكلام: فالصفة لا تقوم بنفسها، ~~ولا تكون إلها، ولا تخلق ولا ترزق. # وإن قالوا: «المتحد هو الذات مع هذه الصفة، دون الصفة الأخرى» فالصفة ~~الأخرى لا تفارق الذات، ولا تقوم [بغير الذات] 4 وليس هنا ثلاث ذوات قائمة ~~بأنفسها. # وفي الجملة، فقولهم متناقض في نفسه باتفاق كل عاقل تصور قولهم، لكنهم -مع ~~هذا- لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين. # ومبدأ ضلالهم تمسكهم بألفاظ متشابهة لم يردوها إلى المحكم؛ فإن [ما] ~~ينقلونه5 في الإنجيل الذي بأيديهم، إن كان حقا، وأن المسيح PageV01P119 ~~قال لهم: «عمدوا الناس باسم الآب والابن وروح القدس» 1، فالاسم «الآب» في ~~لغتهم بمعنى المربي، وهذا كثير في الإنجيل الذي بأيديهم؛ كقوله: «تشبهوا ~~بأبيكم السماوي» وقوله: «أبي وأبيكم» 2. # وحينئذ، فالابن بمعنى المربي المصطفى، وروح القدس هو جبريل، والمعنى ~~يتضمن الإيمان بالله، وبنبيه الذي أرسله، وبالملك الذي جاءه بالوحي، وبهذا ~~يتم الإيمان. أو يراد بروح القدس الوحي ms051 الذي أنزل عليه وهو الكتاب، أو ~~مجموع الأمرين؛ قال تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح ~~القدس} [البقرة: 87]، وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} ~~[الشورى: 52]، وقال تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} ~~[المجادلة: 22]. # وأصل ضلالهم أنهم فرقوا بين المتماثلين في صفات الله تعالى وصفات رسوله، ~~فلا يمكنهم إثبات خصيصة للمسيح يكون بها أفضل من إبراهيم وموسى، بل كل ما ~~يدعونه في المسيح: إن كان ممكنا، PageV01P120 ~~فهو ممكن لإبراهيم وموسى، وإن كان ممتنعا، فهو ممتنع في المسيح وغيره، وهذا ~~مبسوط في موضعه1. # والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين مماثلين، مع أن ~~كثيرا من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره؛ ~~ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل، وزعم أنه يتلقى من السمع؛ ~~ومنهم من يطعن في طرق غيره، ويذكر طريقة أضعف مما زيفه كالآمدي ونحوه. ### || AUTO [صحة دليل التمانع، وخطأ الآمدي في الاعتراض عليه]: # والمشهور عند النظار إثبات هذا بدليل التمانع، وهو دليل صحيح في نفسه، ~~لكن من المتأخرين من لم يفهم وجه تقريره كالآمدي وغيره فزيفوه2. # وذلك أن وجه تقريره المشهور: أنه لو كان للعالم صانعان متكافئان؛ فعند ~~اختلافهما -مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم ويريد الآخر تسكينه، أو يريد ~~الآخر إحياءه ويريد الآخر إماتته- إما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو ~~لا يحصل مراد واحد منهما؛ والأول ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين الضدين؛ ~~والثالث ممتنع؛ لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع، ويلزم ~~أيضا عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، ولأن المانع من فعل أحدهما هو ~~فعل الآخر، فلو امتنع مرادهما لزم كون كل منهما مانعا للآخر وممنوعا للآخر، ~~وذلك يستلزم كون كل منهما قادرا غير قادر؛ لأن كونه مانعا يقتضي PageV01P121 ~~القدرة، وكونه ممنوعا يقتضي العجز، وذلك تناقض1. وإذا حصل مراد أحدهما دون ~~الآخر كان هذا هو الإله القادر؛ والآخر عاجز لا يصلح للإلهية. # فأوردوا عليهم سؤالا؛ وهو أنه يجوز أن يتفقا ms052 فلا يختلفا؛ وحينئذ فلا يلزم ~~ما ذكرتم. # فأجابوا عنه بأجوبة متعددة؛ كقولهم: إن جواز اختلافهما ممكن من كل منهما ~~حال انفراده، فإن كلا منهما قادر على التحريك والإحياء، وعلى التسكين ~~والإماتة، لولا معارضة الآخر، وذلك ممكن منه؛ فلو قدر ممتنعا حال وجود ~~الآخر، لزم أن يكون كل منهما ممنوعا بالآخر وهذا عجز ينافي الإلهية. # فقال المعترض: هذا بمنزلة القدرة على كل من الضدين على سبيل البدل لا على ~~سبيل الجمع؛ فإن القدرة ثابتة على تحريك الجسم المعين وعلى تسكينه لكن على ~~سبيل البدل، فأما على سبيل الجمع فلا؛ فكذلك قدرة كل منهما على [ذلك] تكون2 ~~حال الانفراد، لا حال الاجتماع. # وهذا مما اعترض به الآمدي وغيره3، وهو باطل؛ فإن القدرة على كل من الضدين ~~على سبيل البدل لا توجب عجز القادر ولا تنافي كمال قدرته؛ إذ الجمع بين ~~الضدين ممتنع لنفسه، وليس بشيء باتفاق العقلاء، فلا يدخل في مسمى قوله ~~تعالى: {على كل شيء قدير}؛ إذ لا PageV01P122 ~~حقيقة لهذا في الخارج أصلا، ولكن الذهن يفرضه ليعرف امتناع ثبوته في ~~الخارج، وأما القادر إذا كان ممنوعا من غيره لا يقدر مع وجود الغير على ما ~~يقدر1 عليه حال عدمه؛ فإنه يلزم أن يكون عاجزا ممنوعا بغيره، وهذا يقدح في قدرته. # والعقل الصريح يفرق بين من لا يكون قادرا متمكنا إلا في حال انفراده، لا ~~في حال وجود نظيره، وبين من يكون قادرا مطلقا، فيعلم أن الأول عاجز؛ قدرته ~~مشروطة بتمكين الغير له، بخلاف الثاني. ### || AUTO [تعظيم كثير من أهل الكلام والصوفية لتوحيد الربوبية، وظنهم ~~أنه الذي دعت إليه الرسل]: # وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: {لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]؛ لاعتقادهم أن توحيد الربوبية ~~الذي قرروه، هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل. # وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو ~~توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له. ### || AUTO [إقرار ms053 المشركين من العرب وغيرهم بتوحيد الربوبية في الجملة، ~~واحتجاج الله عز وجل عليهم بذلك]: # فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن الله خالق ~~السماوات والأرض واحد؛ كما أخبر عنهم تعالى بقوله: {ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [لقمان: ~~25]، وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون} [العنكبوت: 61]، {ولئن سألتهم من نزل من السماء ~~ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعقلون} [العنكبوت: 63]، وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم} [الزخرف: 9]، وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني PageV01P123 ~~برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر: 38]. # وأيضا ففي القرآن العزيز من باب استفهام الإنكار الذي يتضمن إقرارهم ~~بتوحيد الربوبوية، ما يطول ذكره هنا؛ كقوله تعالى: {قل أرأيتم إن أخذ الله ~~سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به} [الأنعام: 46]، ~~وقوله تعالى: {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} ~~[النمل: 60]. # وهذا في القرآن كثير، مما يحتج عليهم في إثبات توحيد الإلهية بما اعترفوا ~~به من توحيد الربوبية. # وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون • سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون} [المؤمنون: 84 - 85] الآيات الثلاث1. ### || AUTO [غالب شرك الأمم من سببين: ### || AUTO 1 - الغلو في الصالحين وتصوير تماثيلهم]: # ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان ~~حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم: ~~تارة يعتقدون أنها تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم ~~شفعاء، يتوسلون بهم إلى الله. # وهذا كان أصل شرك العرب؛ ms054 فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (إن عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف هو أول من غير دين إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، ونصب الأنصاب حول البيت، وسيب السوائب)، وأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (أنه رآه يجر قصبه في النار) أي: أمعاءه2. PageV01P124 # PageV01P125 # وكانت خزاعة ولاة البيت الحرام قبل قريش، وكان عمرو هذا -فيما ذكره أهل ~~السير- قد قدم أرض البلقاء من الشام فوجدهم يعبدون الأصنام، ويقولون: إنهم ~~يطلبون بهم الرزق والنصر، فجلب الأصنام إلى مكة؛ فكان ذلك أول الشرك الذي ~~غير به دين إبراهيم1. # وقد قال تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا • وقد أضلوا كثيرا} [نوح: 23 - 24]. وقد ثبت في صحيح البخاري ~~وكتب التفسير وقصص الأنبياء وغيرها عن ابن عباس وغيره من السلف، أن هذه ~~أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا ~~تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى ~~قبائل العرب؛ ذكرها ابن عباس قبيلة قبيلة2. PageV01P126 # فتبين أن شرك العرب كان من جنس شرك قوم نوح، وأن الأصنام أصلها تماثيل قوم ~~صالحين، وشرك النصارى من هذا الجنس؛ فإنهم يصورون في الكنائس صور من يحسنون ~~به الظن، ويتخذونه شفيعا ووسيلة إلى الله. # وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي1 قال: قال لي علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~أمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته2. وفي PageV01P127 ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته: (لعن الله ~~اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ~~ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا1. # وفي الصحيحين أنه ذكر له صلى الله عليه وسلم في مرض موته كنيسة بأرض ~~الحبشة؛ وذكر من حسنها وتصاوير فيها. فقال صلى الله عليه وسلم: (إن ms055 أولئك ~~إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، ~~أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) 2. وفي صحيح مسلم عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك، ولو كنت متخذا من ~~أهل الارض خليلا لاتخذت PageV01P128 ~~أبا بكر خليلا) 1. ### || AUTO [2 - عبادة الكواكب واتخاذ الأصنام لها]: # ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ [الأصنام لها] بحسب2 ما يظن أنه ~~مناسب للكواكب من طبائعها وغير ذلك، وشرك قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~كان فيما يقال من هذا الباب، وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم. # وهؤلاء المشركون كانوا مقرين بالصانع سبحانه، وأنه ليس للعالم صانعان؛ ~~ولكن اتخذوا هذه الوسائط شفعاء؛ كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى: {ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون} [يونس: 18] 3. وقال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول ~~مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94]. # وقال تعالى عن صاحب يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون • أأتخذ ~~من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون • إني ~~إذا لفي ضلال مبين • إني آمنت بربكم فاسمعون} [يس: 22 - 25]، وقال تعالى: ~~{والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ~~[الزمر: 3]، وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165]. PageV01P129 # ولهذا يقول سبحانه: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه ~~عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117]، فإن الله تعالى لم ينزل ~~بهذا الشرك كتابا، ولا أرسل به رسولا؛ كما قال تعالى: ms056 {واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45]، وقال ~~تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} [الأنبياء: 25]. # وقال تعالى عن أهل الكهف: {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون ~~عليهم بسلطان بين} [الكهف: 15]، قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون • منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من ~~المشركين • من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} ~~[الروم: 30 - 32] إلى قوله: {إذا هم يقنطون} 1 [الروم: 36]. # وكذلك قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم لم يكونوا معطلة للصانع سبحانه، ~~ولا كان استدلال إبراهيم بالأفول على إثبات الصانع، كما تظنه طائفة من أهل ~~الكلام؛ بل كانوا مشركين مقرين بالصانع؛ ولهذا قال الخليل: {أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون • أنتم وآباؤكم الأقدمون • فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} ~~[الشعراء: 75 - 77]، وقال تعالى: {فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما ~~تشركون • إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين • وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون ~~به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون • وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 78 - 81]. PageV01P130 # وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون • إلا الذي ~~فطرني فإنه سيهدين • وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف: 26 ~~- 28]. وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4]. # فلو أقر الرجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هؤلاء النظار، ويفنى فيه كثير ~~من أهل التصوف، ويجعلونه ms057 غاية السالكين؛ كما ذكره صاحب «منازل السائرين» 1 ~~وغيره، وهو مع ذلك لم يعبد الله وحده، ويبرأ من PageV01P131 ~~عبادة ما سواه - كان مشركا من جنس أمثاله من المشركين. ### || AUTO [تقرير القرآن لتوحيد الربوبية المستلزم لتوحيد الإلهية]: # والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد، وبيانه، وضرب الأمثال له؛ ومن ذلك ~~أنه يقرر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق غير الله، وأن ذلك مستلزم أن ~~لا يعبد إلا الله؛ فيجعل الأول دليلا على الثاني، إذ كانوا يسلمون الأول ~~وينازعون في الثاني؛ فبين لهم سبحانه أنه إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا ~~الله، وهو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، لا شريك له ~~في ذلك - فلماذا تعبدون غيره؟ وتجعلون مع آلهة أخرى؟ # كقوله تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون} إلى قوله: {أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي ~~وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون} [النمل: 59 - ~~61] 1. يقول تعالى: أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام الإنكار يتضمن نفي ~~ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج بذلك عليهم. # وليس المعنى أنه استفهام: هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم؛ فإن المعنى لا ~~يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، كما قال تعالى: ~~{أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد} [الأنعام: 19]. وكانوا ~~يقولون: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5]. لكنهم ما كانوا ~~يقولون: إن معه إلها جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسي، ~~وجعل بين البحرين PageV01P132 ~~حاجزا، بل هم مقرون بأن الله1 وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات بعد هذه الآية. # وكذلك قوله -في الأنعام-: {قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم ~~على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به} [الأنعام: 46]. وأمثال ذلك؛ وقوله: ~~{قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين • بل إياه ms058 تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} ~~[الأنعام: 40 - 41]. # وإذ كان توحيد الربوبية -الذي يجعله هؤلاء النظار ومن وافقهم من الصوفية ~~هو الغاية في التوحيد- داخلا في التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به ~~الكتب: فليعلم أن دلائله متعددة؛ كدلائل إثبات الصانع، ودلائل صدق الرسول، ~~فإن العلم كلما كان الناس إليه أحوج كانت أدلته أظهر وأكثر، رحمة من الله لخلقه. # والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل، وهي المقاييس العقلية المفيدة ~~للمطالب الدينية، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل -وما بعد الحق إلا ~~الضلال- وما كان من المقدمات معلوما ضروريا متفقا عليها استدل بها ولم يحتج ~~أن يستدل عليها، والطريق الفصيحة في البيان أن تحذف في الكلام للعلم بها، ~~وهي طريق القرآن، بخلاف ما يدعيه الجهال: الذين يظنون أنه ليس في القرآن ~~الطريقة البرهانية، كما قد بسط هذا في موضع آخر، بخلاف ما يشتبه ويقع فيه ~~النزاع؛ فإنه ينبه ويدل عليه. # وقد قلنا: إنه ليس في أهل الأرض من أثبت للعالم خالقين متماثلين في ~~الصفات والأفعال، بل هذا ممتنع لذاته، وامتناعه ظاهر في العقول، بخلاف ما ~~يظنه كثير من أهل الكلام والفلسفة كما سنبينه. # بل الذي ذهب إليه بعضهم أن يكون ثم خالق [خلق] بعض PageV01P133 ~~العالم1؛ كما تقوله الثنوية في الظلمة، وكما تقوله القدرية في أفعال ~~الحيوان2، وكما تقول الفلاسفة الدهرية في حركة الأفلاك، أو حركات النفوس ~~والأجسام الطبيعية، فإن [هؤلاء و] نحوهم3 يثبتون أمورا محدثة بدون إحداث ~~الله تعالى إياها؛ فهم مشركون4 في بعض الربوبية، وكثير من مشركي العرب ~~وغيرهم قد يظن في آلهته شيئا5 من هذا، وأنها تنفعه وتضره، بدون أن يخلق ~~الله ذلك. # فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودا في الناس، بين القرآن بطلانه؛ كما ~~في قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} [المؤمنون: 91]. ### || AUTO [مقدمة في بيان امتناع وجود العالم عن خالقين متماثلين]: # وبيانه أن تقدم ms059 مقدمة تبين6 أن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع ~~لذاته، وأن العلم بذلك مستقر في الفطرة، معلوم بصريح العقل، بل ممتنع في ~~جميع ما يقدر مؤثرا، سواء سمي علة أو فاعلا أو غير ذلك؛ يمتنع أن يجتمع ~~[في] الأثر7 الواحد مؤثران كل منهما مستقل بالتأثير. # وامتناع هذا متفق عليه بين العقلاء؛ فإنه إذا قدر أن هذا وحده استقل ~~بالتأثير امتنع أن يكون له شريك، فضلا عن أن يكون غيره مستقلا بالتأثير وحده. # وذلك أنه إذا قدر للعالم صانعان متماثلان، فلا بد أن يكونا PageV01P134 ~~متساويين في القدرة، بل إذا قدر صانعان متماثلان، أو غير متماثلين، فلا بد ~~من كون كل منهما قادرا؛ إذ الفعل بدون القدرة ممتنع. # وحينئذ، فإما أن يكون كل منهما حال انفراده قادرا، وإما أن لا يكون قادرا ~~إلا مع الآخر، والثاني ممتنع لذاته؛ وذلك أنه إذا لم يكن هذا حال انفراده ~~قادرا ولا هذا حال انفراده قادرا: فعند اجتماعهما إما أن يحصل شيء مما كان ~~حاصلا حين انفرادهما، وإما أن لا يحصل، والأول ممتنع، فتعين الثاني؛ وحينئذ ~~فيلزم أنهما إذا كانا مسلوبي القدرة حال الانفراد، أن يكونا مسلوبي القدرة ~~حال الاجتماع. # وبيان امتناع الأول، أنه حال الاجتماع لو حصل لهما قدرة لم تكن حال ~~الانفراد: فإما أن تحصل منهما أو من غيرهما، وكلاهما ممتنع؛ أما منهما1 فلا ~~يحصل ذلك؛ [لأنه] إنما يحصل2 إذا كان لأحدهما قدرة حال انفراده، وأما إذا ~~لم يكن لواحد منهما قدرة حال انفراده امتنع أن يجعل غيره قادرا حال اجتماعه ~~معه؛ لأن ذلك يستلزم الدور القبلي، وهو الدور في المؤثرات الذي هو باطل ~~باتفاق العقلاء. # فإنه إذا كان كل منهما غير قادر حال الانفراد، امتنع أن يجعل أحدهما ~~الآخر قادرا حين الاجتماع؛ فإن الإقدار فرع على القدرة، فمن لا يكون في ~~نفسه قادرا امتنع أن يجعل غيره قادرا، وإذا كان هذا لا يقدر حتى يجعله ذاك ~~قادرا، وذاك لا يكون قادرا حتى يجعله هذا قادرا - لم يصر واحد منهما قادرا، ~~كما أنه إذا ms060 لم يصر هذا فاعلا أو موجودا حتى يجعله ذاك فاعلا أو موجودا، ~~وذاك لا يصير فاعلا أو موجودا حتى يجعله ذاك3 فاعلا أو موجودا - امتنع أن ~~يصير واحد منهما فاعلا وموجودا. PageV01P135 # بخلاف هذا، الدور المعي الاقتراني؛ كما إذا قيل: لا تحدث الأبوة إلا مع ~~البنوة، ولا البنوة إلا مع الأبوة، فإن هذا ممكن، إذا لم يكن أحدهما مؤثرا ~~في حدوث الآخر، ولا جزءا من المؤثر، بل كلاهما حادث عن سبب منفصل؛ فإن ~~إيلاد الأب أوجب أبوته وبنوة الابن في حال واحد. # والقدرة1 بها يصير الفاعل فاعلا؛ فإذا كان يمتنع أن يكون فعل كل منهما ~~مؤثرا في كون الآخر فاعلا: فامتناع أن تكون قدرة كل منهما هي المؤثرة في ~~كون الآخر قادرا أظهر وأظهر، بخلاف ما إذا كان لهذا نوع قدرة ولهذا نوع ~~قدرة، فإنه عند الاجتماع تجتمع القدرتان، فتكون قدرة الاثنين حال الاجتماع ~~أقوى من قدرة أحدهما حال الانفراد، وكذلك إذا كان هذا فاعلا بنفسه وهذا ~~فاعلا بنفسه؛ فإنهما إذا تعاونا كان فعلهما أقوى من فعل أحدهما وحده. # وأما إذا قدر أحدهما حال انفراده لا قدرة له أصلا، ولا فعل له أصلا، ~~امتنع أن يصيرا حال الاجتماع قادرين فاعلين، إلا [أن] يحدث2 لهما ذلك من ~~ثالث غيرهما، وهذا هو التقدير الثاني، وهو أن يقال: إنه لا قدرة لواحد ~~منهما حال الانفراد أصلا، لكن حال الاجتماع يصيران قادرين بسبب من غيرهما. # فيقال: هذا ممتنع في حق الربين اللذين3 قدر أنهما خالقان لكل ما سواهما؛ ~~إذ ليس فوقهما أحد يعطيهما قدرة ولا غيرها، ولأن الرب الخالق متى جعله غيره ~~قادرا، كان الذي أقدره هو ربه؛ وهو أحق بأن يكون الخالق دونه، إذ كان في ~~نفسه عاجزا، لم تحصل له القدرة إلا من ذاك. # وبهذا يتبين لك الفرق بين اشتراك الاثنين المخلوقين وبين تقدير PageV01P136 ~~اشتراك الانثين الخالقين؛ فإنه مثلا إذا جمع1 بين الأجزاء المختلطة، كأجزاء ~~الطبيخ وأجزاء البناء ونحو ذلك، فقد تحدث بالاجتماع حال ثالثة لم تكن ~~لأحدهما حال الانفراد، لكن تلك تكون ms061 بسبب منفصل عنهما أو بشركة في فعلهما، ~~أما إذا قدر أنه لا قدرة لواحد منهما حال انفراده، ولا هناك ثالث غيرهما ~~يعطيهما قدرة حال اجتماعهما، امتنع أن يصيرا حال الاجتماع قادرين، إلا أن ~~يكونا حال الانفراد قادرين. # فتبين بهذا البيان الباهر، أن تقدير ربين للعالم، لا يكونان قادرين، إلا ~~حال الاجتماع ممتنع لذاته، وإن كان ذلك ممكنا في اثنين مخلوقين، يحدث لهما2 ~~حال الاجتماع صفة لم تكن حاصلة لهما حال الانفراد؛ فذاك من غيرهما، أو بسبب ~~قوة فيهما حال الانفراد، فأما مع انتفاء هذين فممتنع، وهذا المعنى قد ذكره ~~غير واحد من النظار؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني3، والقاضي أبي يعلى4. ~~وغيرهما. # ومما يبين ذلك أن الصانع للعالم لا بد أن تكون له قدرة من لوازم ذاته، ~~يمتنع أن تكون قدرته مستفادة من غيره؛ فإن ذلك الغير إن كان مصنوعا له لزم ~~الدور القبلي: وهو أن يكون هذا هو الذي أقدر هذا، PageV01P137 ~~وهذ هو الذي أقدر هذا، وذلك ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء كما تقدم ~~بيانه، كما يمتنع أن يكون هذا هو الذي خلق هذا، وهذا هو الذي خلق هذا. وإن ~~كان مصنوعا لغيره لزم التسلسل في العلل والمؤثرات، وهذا فاسد بالضرورة ~~واتفاق العقلاء كما قد بسط هذا في موضع آخر. وإن لم يكن مصنوعا له ولا ~~لغيره لزم أن يكون قديما واجب الوجود بنفسه. # وحينئذ، فقدرته إن كانت من لوازم نفسه، ثبت أن قدرة الرب القديم الواجب ~~من لوازم نفسه، وهو المطلوب، وإن كان من غيره لزم الدور القبلي والتسلسل في ~~التأثير، وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء. واحترزنا بذلك عن التسلسل ~~في الآثار؛ فإن فيه نزاعا، وأكثر أئمة الحديث وأئمة الفلاسفة يجيزونه، ~~وكثير من أهل الكلام يمنعه. # وإذا كانت قدرة صانع العالم من لوازم نفسه: فإذا قدر صانعان لزم أن تكون ~~قدرة كل منهما من لوازم نفسه؛ إذ لو كانت قدرته مستفادة من الآخر، أو ~~بالثالث، لزم الدور أو التسلسل الباطلان. # وهذا المعنى صحيح ثابت، كلما أمعن النظر فيه ازداد ms062 بيانا ووضوحا؛ وذلك أن ~~كون الفاعل الخالق لا بد أن يكون قادرا هو من المعلوم بضرورة العقل؛ فإذا ~~قدر خالقان، فلا بد أن يكون كل منهما قادرا، ويمتنع أن لا يصير هذا قادرا ~~إلا بهذا، ولا يصير هذا قادرا إلا بهذا، كما يمتنع أن لا يكون فاعلا مؤثرا ~~إلا به، وكما يمتنع أن لا يكون موجودا إلا به؛ فإن كونه موجودا بنفسه، ~~قادرا بنفسه1، فاعلا بنفسه - من لوازم كونه واجبا بنفسه. # وحينئذ، فإذا كان لا بد من قدرة كل منهما حال الانفراد: فمن هنا يظهر صحة ~~دليل التمانع، الذي استدل به النظار، وغيره من الأدلة، ويبين أن كثيرا من ~~النظار، إنما لم يقرر هذه المقدمة لظهورها PageV01P138 ~~ووضوحها، وكونها من المقدمات الضرورية؛ مثل امتناع الدور القبلي وتسلسل ~~الفاعل؛ فإن أكثر النظار لم يحتاجوا إلى تقدير ذلك بالدليل؛ لكونه من ~~العلوم الضرورية التي تحصل عند التصور التام حصولا لا يمكن دفعه، وإنما ~~تشتبه على بعض الناس لعدم التصور التام المستلزم للعلم الضروري، وقد يكون ~~بعض النظار يترك تقدير بعض المقدمات لأسباب أخر. # وكان عادة بعض النظار يأخذون وجوب كون الصانع قادرا حال الانفراد مسلما؛ ~~لأن كل واحد يعلم أن الصانع لا بد أن يكون قادرا، وأن المشتركين المتعاونين ~~على الفعل لا بد أن تكون لأحدهما قدرة على معاونة الآخر، وتلك القدرة حاصلة ~~حال انفراده -وإن كانت بمشاركة الآخر تزيد القوة- وإن لم تكن له حال ~~الانفراد1 قوة فما يحدث حال الاجتماع لا بد فيه من سبب ثالث؛ ولهذا لم يحتج ~~بيان القرآن إلى ذكر هذه المقدمة لظهورها. # إذا تبين هذا ظهر امتناع وجود خالقين من وجوه متعددة: ### || AUTO [ظهور امتناع وجود خالقين من وجوه: ### || AUTO الوجه الأول]: # أحدها: أن يقال: إذا كان كل منهما قادرا حال الانفراد: فقدرته من لوازم ~~ذاته؛ ليست مستفادة من غيره، وقد فرضنا أنهما متماثلان -إذ التقدير الآخر ~~سيأتي الكلام عليه- فلا بد حينئذ أن يقدر2 كل منهما حال انفراده على ما ~~يقدر عليه الآخر حال الانفراد، وإلا لم يكونا ms063 متماثلين. # وإذا كان كذلك، فعند الاجتماع إما [أن] لا تبقى3 قدرة كل منهما كما كانت ~~وإما أن تبقى؛ فإن كان الأول لزم أن يقدر كل منهما على كل ما يقدر عليه ~~الآخر حال الاجتماع، لكن هذا ممتنع لذاته؛ لأن أحدهما PageV01P139 ~~حال الانفراد يقدر على تحريك هذا إن شاء، وعلى تسكينه إن شاء، وفي حال ~~الاجتماع، إذا جعل هذا قادرا على التحريك والتسكين، كان هذا ممتنعا لذاته ~~سواء اتفقا أو اختلفا. # أما [إذا] اتفقا1، فلأن أحدهما لا يمكنه تحريك هذا إلا إذا لم يحركه ~~الآخر، وإلا فوجود المفعول الواحد من كل منهما على التمام ممتنع لذاته، ~~وهذا هو الذي يقال فيه: يمتنع وجود مقدور واحد بين قادرين مستقلين؛ وأثر ~~واحد بين مؤثرين مستقلين، وفعل واحد بين فاعلين مستقلين؛ فإن الاستقلال ~~يقتضي أن هذا فعله وحده، وهذا يناقض كون الآخر فعل2 بعضه، فضلا عن أن يكون ~~الآخر فعله كله. # وهذا بين واضح، مستقر في العقول بعد تصوره؛ فإن الإنسان يعلم أنه يمتنع ~~أن يكون هذا وحده بنى هذه الدار، وهذا وحده بناها بعينها، حال بناء الأول، ~~وكذلك في سائر المفعولات. # وإذا كان صدور المقدور عن كل منهما على سبيل الاستقلال حال صدوره عن ~~الآخر، ممتنعا لذاته؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين، ويلزم أن يكون كل ~~منهما هو الذي فعله وهو لم يفعله - تبين أن كون أحدهما قادرا على أن يفعل ~~شيئا حال ما يكون الآخر قادرا على أن يفعله [- ممتنع] 3. # وهذا موجود في المخلوقين؛ فإن القادرين على الفعل، لا يمكن أحدهما فعله ~~إلا في حال لم يفعله الآخر فيه، فلا يكون أحدهما قادرا على الفعل حال كون ~~الآخر قادرا عليه. # وإذا قيل: «هما قادران»، فالمراد أنهما قادران على البدل؛ أي: هذا قادر ~~[على الفعل] 4 في حال لا يمكن الآخر أن يفعله أيضا في PageV01P140 ~~تلك الحال، وهذان1 القادران لا يكون أحدهما متمكنا من الاستقلال بالفعل إلا ~~إذا مكنه الآخر، فلم يفعله ولم يشاركه فيه، كما هو المفعول في الفاعلين؛ ~~فإذا كانت قدرة ms064 كل منهما على كل مقدور الآخر: من لوازم ذاته، وفي حال ~~الاجتماع تمتنع هذه القدرة - لزم في حال الاجتماع زوال قدرة كل منهما، وهذا ~~ممتنع من وجوه: # منها، أن لوازم ذات واجب الوجود لا تعدم إلا بعدم ذاته؛ فإن اللازم لا ~~يعدم إلا إذا عدم الملزوم، وإلا لم يكن لازما، وعدم ذات واجب الوجود ممتنع؛ ~~فعدم لوازم ذاته ممتنع؛ فعدم قدرته ممتنع، ووجود2 قادر مستقل حال قدرته ~~عليه ممتنع؛ لاستلزامه الجمع بين النقيضين كما تقدم، ووجود3 مساو له في ~~القدرة ممتنع، وهذا هو المطلوب: أن وجود ربين متماثلين في القدرة ممتنع لذاته. # ومنها، أنه إذا كان كل منهما قادرا حال الانفراد، امتنع زوال قدرته حال ~~الاجتماع؛ لأن المؤثر في زوال قدرة كل منهما حال عدم قدرة كل منهما3، وهو ~~جمع بين النقيضين. # ومنها، أنه إذا قدر زوال قدرتهما حال اجتماعهما لزم امتناع الفعل حال ~~الاجتماع؛ فيكون صدور الفعل منهما حال الاجتماع ممتنعا، وهذا هو المطلوب. # ومنها، أن الحوادث موجودة ضرورة، وصدورها متفقين4 ممتنع؛ فيلزم امتناع ~~اثنين متفقين مستقلين متماثلين، وهو المطلوب. # فهذا إذا قدر اتفاقهما، وأما إذا قدر اختلافهما، بحيث5 يريد PageV01P141 ~~أحدهما ضد مراد الآخر -والتقدير أنهما متماثلان في القدرة- فممتنع أيضا؛ ~~لأنه حينئذ يمتنع وجود أحد المرادين لتساوي القادرين، فترجيح أحدهما مع ~~التساوي ممتنع؛ فلا يوجد مراد واحد منهما؛ فيلزم عجز كل منهما عن بلوغ ~~مراده وعدم قدرته عليه، فيلزم عدم قدرة كل منهما عند الاختلاف، كما يلزم ~~عدم قدرة كل منهما عند الاتفاق، إذا قدر كل منهما مستقلا بالفعل. # لكن عدم قدرة كل منهما محال، لما تقدم من أنها ممتنعة العدم؛ لأنها من ~~لوازم ما يمتنع عدمه، وما امتنع عدمه امتنع عدم شيء من لوازمه؛ فإن عدم ~~اللازم يوجب عدم الملزوم، فإذا كان عدم الملزوم ممتنعا كان عدم لوازمه ~~ممتنعا. # وأيضا، فلأنه لو عدمت قدرة كل منهما بالآخر، كان كل منهما قادرا حين لا ~~يكون قادرا؛ فإنه إنما تمتنع قدرة الآخر بقدرته، فيمتنع أن يكون هذا مانعا ~~لقدرة هذا؛ ms065 وهذا مانعا لقدرة هذا، كما يمتنع أن يكون هذا محصلا لقدرة هذا؛ ~~وهذا محصلا لقدرة هذا. # فتبين أن وجود ربين قادرين مستقلين ممتنع لذاته، سواء فرض اتفاقهما أو ~~اختلافهما، وقد تبين امتناع وجود ربين غير مستقلين؛ فثبت امتناع وجود ربين ~~للعالم على كل حال، وهو المطلوب. ### || AUTO [الوجه الثاني]: # ومن وجه آخر؛ أن يقال: إذا كان كل منهما قادرا حين الانفراد كما تقدم: ~~أمكن وجود مقدوره، وإلا لم يكن قادرا، وحينئذ فيمكن أن يريد تحريك ما أراد ~~الآخر تسكينه، إذ لو لم يتمكن من هذه الإرادة لكان عاجزا، وحينئذ فإذا أراد ~~أحدهما ضد مراد الآخر، امتنع حصول مرادهما جميعا، وعدم مرادهما جميعا، ولزم ~~وجود مراد أحدهما دون الآخر، والذي2 حصل مراده هو القادر فهو الرب، والآخر ~~ليس بقادر فليس برب. PageV01P142 # وذلك أنه إن حصل مرادهما لزم اجتماع الضدين وهو محال، وإن لم يحصل مراد ~~أحدهما لزم كون كل منهما غير قادر على تحصيل مراده؛ وقد ثبت أن كلا منهما ~~قادر1 على مثل مقدور الآخر؛ فيلزم أن يكون كل منهما قادرا على تحصيل مراده؛ ~~وأن لا يكون قادرا على تحصيل مراده وهذا جمع بين النقيضين، وأن يكون كل ~~منهما قادرا على مثل مقدور الآخر، غير قادر على مثل مقدور الآخر، وهو جمع ~~بين النقيضين أيضا. # فإن أحدهما حال الانفراد هو قادر على مثل مقدور الآخر، فإذا كان غير قادر ~~حال الاجتماع، يلزم زوال قدرة كل منهما، وهو ممتنع كما تقدم، فتبين أن ~~تقدير ربين متماثلين ممتنع لذاته، مستلزم أن يكونا قادرين، غير قادرين، ~~وذلك ممتنع لذته. ### || AUTO [الوجه الثالث]: # ومن وجه آخر؛ أن يقال: إذا قدر ربان؛ فإذا أراد أحدهما فعلا، فإن أمكنه ~~أن يستقل به، لزم قدرة كل منهما على أن يستقل بما لا يستقل به الآخر، وذلك ~~يستلزم الجمع بين النقيضين؛ لاستلزام ذلك كون الفعل الواحد بين الفاعلين ~~المستقلين، وهو ممتنع، مستلزم للجمع بين النقيضين كما تقدم. # وإن لم يمكنه أن يستقل به، بل لا بد من معاونة الآخر ms066 له، لزم أن لا يكون ~~أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء، بل يصيران قادرين حال الاجتماع، بدون ~~سبب يوجب ذاك، لا منهما ولا من غيرهما، وهذا ممتنع، وقد تقدم أن هذا ممتنع، ~~ومستلزم للدور القبلي، الباطل بصريح العقل واتفاق العقلاء. # وأيضا، فلا بد أن تكون للرب قدرة من لوازم نفسه، لا يفتقر فيها إلى غيره، ~~وإلا لزم الدور القبلي والتسلسل في المؤثرات؛ وحينئذ فيمتنع أن تكون قدرة ~~أحدهما موقوفة على غيره، وافتقاره إلى من يعينه يستلزم أن تكون قدرته ~~موقوفة على غيره. PageV01P143 # وهذه الأدلة وما أشبهها، كلما فهمها الانسان ازداد بصيرة، وعلم أنه من ~~الممتنع أن لا يكون الرب قادرا؛ ومن الممتنع لذاته وجود ربين متماثلين في ~~القدرة. ### || AUTO [لازما تقدير خالقين متفاضلين]: # وحينئذ فإذا قدر ربان، فلا بد أن يكون أحدهما مختصا بقدرة لا يماثله فيها ~~الآخر؛ وحينئذ فيلزم أن يذهب كل إله بما خلق، ويعلو بعضهم على بعض. ### || AUTO [اللازم الأول: ذهاب كل إله بما خلق]: # أما اللازم الأول -وهو ذهاب كل إله بما خلق- فهذا لازم، سواء فرضا ~~متماثلين في القدرة أو متفاضلين فيها، وإن كان كل من التقديرين ممتنعا، لكن ~~بطلان هذا اللازم مما يدل على امتناع كل منهما؛ وذلك لأنه قد تبين أنه ~~يمتنع أن يكون المفعول الواحد فعلا1 لكل منهما على سبيل الاستقلال، ويمتنع ~~أيضا التعاون: بحيث لا يصير أحدهما قادرا إلا إذا أعانه الآخر، ولا يصير ~~فاعلا إلا إذا [أعانه] الآخر2. # ويبين ذلك، أن ذلك ممتنع لذاته، بل لا بد أن يكون أحدهما قادرا على ~~الفعل؛ يفعل بإرادته دون معاونة الآخر، وإذا كان كذلك، وجب أن يتميز مفعوله ~~عن مفعول الآخر، وأن يذهب بمفعوله؛ لأنه لا يجب اختلاط المفعولين إلا إذا ~~احتاج أحد الفاعلين إلى الآخر؛ كالحاملين للخشبة، لا يقدر أحدهما على حملها ~~إلا بمعاونة الآخر، فلا يتميز أثره في الخشبة عن أثر الآخر. # فأما القادر -الذي يمنع افتقاره إلى من يعينه، وقدرته من لوازم ذاته ~~الغنية عن أن يجعله غيره قادرا- فهذا مقدوره متميز ms067 مستقل. # فإن اختلاط أحد المقدورين بالآخر، إن كان لحاجته إليه، لزم افتقار القادر ~~الغني عما سواه إلى غيره، وهو جمع بين النقيضين، وإن اختلط PageV01P144 ~~بغيره مع استقلاله وغناه عن غيره، كان هذا ممتنعا مستلزما للجمع بين ~~النقيضين أيضا. # لأن الاختلاط حينئذ أمر ممكن -ليس بواجب- فلا بد له من فاعل، والفعل لا ~~يخرج عنهما؛ فإن كان أحدهما خلط مفعول الآخر بمفعوله: لزم من هذا أن يكون ~~أحدهما مؤثرا في الآخر، غالبا له، مغيرا لمفعوله؛ سواء كان بمشيئة الآخر ~~وقدرته، أو بدون مشيئته وقدرته. # ومعلوم أن مفعولاته من لوازم مشيئته وقدرته؛ فإن القادر إذا شاء شيئا ~~فعله، وقدرته ومشيئته من لوازم نفسه؛ فيلزم من تغيير اللازم تغيير الملزوم؛ ~~فإذ فرض أن غيره غير مقدوره بدون مشيئته وقدرته، لزم من ذلك أن يكون مغيرا ~~لذاته، وحينئذ فيلزم أن يكون هذا مغيرا لهذا، وهذا مغيرا لهذا. # وقد تقدم أن ذلك ممتنع؛ إذ قدرة كل منهما مشيئته من لوازم ذاته التي لا ~~تقبل العدم، ولا يمكن غيره أن يعدم ذلك، وما1 كان من لوازم ذاته -التي يجب ~~وجودها ووجود لوازمها- إذا قدر زواله لزم الجمع بين النقيضين، فتبين أنه ~~يمتنع2 كون المغير قادرا على ذلك. # ولأن قدرة كل منهما على تغيير قدرة الآخر مشروطة بنفاذ3 قدرته. وحينئذ، ~~فيلزم أن يكون كل منهما قادرا حين لا يكون قادرا. # وكما4 أن الدور القبلي ممتنع في الإيجاد، فكذلك هو ممتنع في الإعدام؛ ~~فإذا كان يمتنع أن لا يصير أحدهما قادرا إلا بإقدار الآخر: فيمتنع أن لا ~~يصير كل منهما غير قادر إلا بأن يصيره الآخر غير قادر، فتأثير قدرة كل ~~منهما في قدرة الآخر، كتأثير قدرة كل منهما في عدم قدرة الآخر. PageV01P145 # وتأثير عدم قدرة كل منهما في عدم قدرة الآخر، أو في قدرته: أولى بالبطلان ~~فإن هذه1 الأمور تستلزم من الجمع بين النقيضين أكثر مما يستلزمه تأثير قدرة ~~كل منهما في وجود قدرة الآخر. # وهذا كله ممتنع؛ إن خلط أحدهما مفعوله بمفعول الآخر بمشيئته وقدرته، أو ~~قيل: إنه ms068 بدون مشيئته وقدرته، فإنه يلزم أن يكون كل منهما مؤثرا أيضا في ~~قدرة الآخر ومشيئته. # وقد تقدم أن تعاونهما ممتنع لذاته؛ سواء قدر أن كلا منهما يقدر على ~~الاستقلال، أو قدر أنه لا يقدر على الاستقلال، وتمانعهما ممتنع لذاته. # وخلط أحد المفعولين بالآخر لا يخرج عن التمانع والتعاون؛ فإنه إن كان ~~بمشيئة الآخر لزم التعاون، وإن كان بدون مشيئته لزم التمانع، وكلاهما ممتنع ~~لذاته في الربين المقدرين، وما لزم منه الممتنع [فهو ممتنع] 2. # فتبين أنه لو كان مع الله ألهة تخلق لذهب كل إله بما خلق، والموجود خلاف ~~هذا؛ فإن العالم مرتبط بعضه ببعض، متعلق بعضه ببعض، ما من مخلوق إلا وهو ~~متصل بغيره من المخلوقات؛ محتاج إليه؛ مرتبط به. # فالحيوان الواحد، والنبات الواحد، من أصل، وذلك الأصل من غيره، وهلم جرا، ~~وهو أيضا مفتقر إلى الهواء والماء والتراب، بل وإلى أنواع النباتات ~~والحيوانات، ومفتقر إلى أثر الشمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك. # والفلك مرتبط بعضه ببعض، والأفلاك مفتقر بعضها إلى بعض، والعالم العلوي ~~مرتبط بالعالم السفلي. PageV01P146 # فلو قدر أن صانع الأرض غير صانع السماء، وأنه مستغن عنه، لا يغير أحدهما ~~مصنوع الآخر: لزم من ذلك أن لا يكون ما في السماء مؤثرا في الأرض؛ فلا تؤثر ~~الشمس والقمر في الأرض، وأن يكون ما يصعد من الأبخرة والأدخنة لا تؤثر في ~~نور الشمس والقمر. # والهواء، إن كان لرب السماء لزم أن لا تؤثر فيه الأبخرة والأدخنة ~~والأغبرة، وإن كان لرب الأرض لزم أن لا تؤثر فيه الشمس ولا غيرها بالتسخين ~~ولا غيره1، من حوادث الجو: كالسحاب والمطر وغير ذلك من الحوادث التي تحدث ~~بأسباب سماوية، وهذا أمر واسع لمن اعتبره. # فتبين انتفاء اللازم في قوله تعالى: {إذا لذهب كل إله بما خلق} ~~[المؤمنون: 91]، وحذف سبحانه نفي اللازم لظهوره ووضوحه؛ فإن ذهاب كل إله ~~بمخلوقه، وانفراده به، واستقلاله به أمر يظهر بطلانه لعموم العقلاء، ~~والمقدمات الظاهرة البينة لا يحتاج إلى ذكرها في البيان الفصيح، الذي هو ~~طريقة القرآن. # واختصار ذلك، أن ms069 الخالق لا بد أن يكون قادرا، وأن يكون كونه قادرا من ~~لوازمه، لا يفتقر في ذلك إلى غيره. # والعلم بأن الفاعل لا بد أن يكون قادرا، هو من العلوم الضرورية البينة ~~بنفسها بعد التصور الصحيح؛ لكونه فاعلا، ولهذا كان وصف الرب تعالى بكونه ~~قادرا هو مما نطقت به جميع الكتب، وقال به جماهير العقلاء من المسلمين وأهل ~~الكتاب والمشركين. ### || AUTO [مناقشة قول بعض الفلاسفة: إن الرب موجب بذاته]: # وما يقوله بعض المتفلسفة من كونه موجبا بذاته، إن أريد به كونه موجبا ~~بذات قادرة مختارة، فهذا مما يقر به جمهور المسلمين؛ نظارهم وغير نظارهم. # فإن القدرة التامة، مع الإرادة التامة، تستلزم وجود المقدور، ومع PageV01P147 ~~عدم واحدة1 منهما يمتنع وجود شيء؛ فإنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن، فما شاءه وجب وجوده بمشيئته المستلزمة لقدرته، وما لم يشأه امتنع ~~وجوده بعدم مشيئته؛ وإن كان ممكنا مقدورا عليه. # وإن أريد بكونه موجبا بذاته، أنه موجب لمفعوله بذات عارية عن المشيئة ~~والقدرة، فهذا ممتنع لوجوه: # منها، أن فعل الفاعل بدون قدرة ممتنع، والمتفلسفة يسلمون وجود القوى فيما ~~يفعل بطبعه من الأجسام الطبيعية، وفيما يفعل بإرادته من الحيوان، فلا ~~يعرفون فاعلا قط بدون قوة يتصف بها الفاعل، واتصافه بالقدرة على الفعل2 صفة كمال. # وليس المراد هنا ما يقال فيما هو بالقوة وما هو بالفعل؛ فإن ذاك يعنى به ~~الاستعداد، وإنما المراد ما يفعل الأفعال بقوة فيه. # فإذ لم يعرف فاعل إلا بالقوة، والقوة صفة كمال، فإثبات الفاعل لكل شيء أن ~~بلا قوة، من أفسد الأقوال وأعظمها تناقضا. # وإذا كان لا بد من كونه قادرا، فقدرته3 من لوازم نفسه، لامتناع افتقاره ~~إلى غيره، فإن ذلك الغير: إن كان مخلوقا له لزم الدور القبلي الممتنع، وإن ~~كان خالقا آخر لزم التسلسل في الفاعلين؛ وهو أيضا ممتنع. # وامتناع كليهما متفق عليه بين العلماء، معلوم بضرورة العقل بعد التصور ~~التام، وبالنظر والاستدلال أيضا. # فإنه إذا قيل: لا يوجد هذا إلا بعد ذاك؛ ولا يوجد ذاك إلا ms070 بعد هذا، ~~[فهذا] 4 مما يعلم فساده وامتناعه بنفس تصوره التام. # وكذلك إذا قيل: لا يوجد شيء إلا بعد أن يكون له فاعل، ولا يكون فاعل إلا ~~مفعولا لغيره. PageV01P148 # فتقدير وجود مفعولات متسلسلة، كل منها فاعل مفعول، ليس فيها فاعل موجود ~~بنفسه، مع العلم بأن الفاعل لا يكون إلا موجودا. فإن هذا يستلزم أن تكون ~~مفعولات متسلسلة ليس لها فاعل، وفرض مفعول واحد لا فاعل له ممتنع، فإذا قدر ~~كثرتها وتسلسلها إلى غير نهاية، كان ذلك أبعد في كثرة الممتنعات. # كما إذا قدر معدوم وجد بنفسه، فإن هذا ممتنع، فإذا قدر مع ذلك كثرة ذلك، ~~أو وجود ما لا نهاية منه، كان أبلغ في الامتناع. # وإذا عرف أنه لا بد أن يكون قادرا بنفسه، لا يفتقر إلى غيره - فتقدير ~~خالقين قادرين بأنفسهما [ممتنع]؛ فإنه يمتنع1 فعل كل منهما لشيء واحد على ~~سبيل الاستقلال؛ لأنه يوجب كون هذا وحده هو الفاعل لا مشارك له فيه، والآخر ~~كذلك، فيلزم أن يكون كل منهما فاعلا له وحده، غير فاعل له وحده، وهو جمع ~~بين النقيضين. # وإذا لم يكونا مستقلين كانا متعاونين؛ فإن [كان] كل منهما محتاجا2 إلى ~~إعانة الآخر؛ لا يمكنه الفعل إلا به، لم يكن واحد منهما قادرا بنفسه، وقد ~~تبين أنه لا بد من وجود القادر بنفسه. # وإن كان كل منهما غنيا عن الآخر في فعل شيء، كان مستقلا بذلك، فيكون ~~مفعول هذا مميزا3 عن مفعول ذلك؛ فيذهب كل إله بما خلق. # فاستقلال كل منهما بالجميع جمع بين النقيضين، واحتياج كل منهما إلى الآخر ~~في فعل كل شيء، يوجب أن لا يكون واحد منهما قادرا بنفسه، فلم يبق إلا أن ~~يكون كل منهما مستقلا بشيء يقدر بنفسه عليه، وحينئذ فيلزم أن يتميز مفعول ~~هذا عن مفعول هذا؛ فيذهب كل إله بما PageV01P149 ~~خلق، وسواء قدر أنهما متماثلان في القدرة أو مختلفان فيها. # وأيضا فتماثلهما في القدرة يوجب أن لا يكون واحد1 منهما قادرا؛ فإن قدرة ~~كل منهما على ما يقدر عليه الآخر ms071 توجب أن لا يقدر واحد منهما على شيء مما ~~يقدر عليه الآخر؛ فإنه إذا قدر [كل منهما قادرا على] 2 فعل شيء استقلالا - ~~لم يقدر عليه إلا إذا لم يفعله الآخر؛ فيكون كل منهما ممنوعا من فعل ما ~~فعله الآخر؛ فلا يكون أحدهما قادرا على شيء في الحال التي يكون [فيها] ~~الآخر قادرا على [هذا] الشيء3، وإذا كانا عادمي القدرة لزم أن لا تكون ~~لواحد منهما قدرة على شيء، فيلزم من قدرتهما انتفاء قدرتهما، وهو جمع بين ~~النقيضين. # فامتنع تماثلهما في القدرة ولزم تفاضلهما، وحينئذ فالأعلى يقهر الأدنى، ~~مع ذهابه بما خلق، فيلزم أن يعلو بعضهم على بعض، مع ذهاب كل منهم بما خلق. ### || AUTO [اللازم الثاني: علو بعضهم على بعض]: # وأما الدليل الثاني الذي ذكره سبحانه في قوله: {ولعلا بعضهم على بعض} ~~[المؤمنون: 91]؛ فقد تبين امتناع ربين متماثلين في القدرة. وحينئذ، فإذا ~~قدرت آلهة، فلا بد أن يكون أحدهما له من القدرة ما ليس للآخر، ومن المعلوم ~~بالاضطرار أن الأقدر يعلو على من دونه في القدرة. # ومما يبين ذلك أن المرجوح إما أن يكون مستغنيا عن الآخر في كل شيء، بحيث ~~يستقل بمفعولاته، ويمكنه دفع الآخر عن معارضته؛ أو لا يكون كذلك. # فإن فرض أنه قادر على الاستقلال ودفع الآخر لم يكن دونه في PageV01P150 ~~القدرة؛ فإن القادر على منع غيره لا تكون قدرته دون قدرته؛ بل لا بد أن ~~تكون قدرته مثل قدرته أو أقوى. # وإلا فالقادران إذا اختلفا، فإن كانا متماثلين1 تمانعا وتدافعا، وإن كان ~~أحدهما أقوى من الآخر قهر القوي الضعيف، ونفذ مراد القوي دون مراد الضعيف. # فإذا قدر أن أحدهما لو أراد مخالفة الآخر في شيء من مفعولاته، ويغير ذلك: ~~لم يقدر على ذلك بمنع الآخر له، لم يكن المانع الدافع أضعف من الممنوع ~~المدفوع. # فتبين أنه إذا كان أحدهما أضعف من الآخر لم يكن قادرا على ممانعته، ~~وحينئذ، فلا يتمكن من شيء إلا بتمكين الآخر له وتخليته، والمحتاج إلى غيره ~~المفتقر إليه يكون مغلوبا مقهورا ms072 معه، ويكون الآخر قاهرا غالبا. # فثبت أنه لو كان معه آلهة، لعلا بعضهم على بعض، وثبت أن الوحدانية والقهر ~~متلازمان؛ كما قال تعالى: {وبرزوا لله الواحد القهار} [إبراهيم: 48]، وأن ~~قول: «الله أكبر». ملازم لقول: «لا إله إلا الله». # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: (يا عدي، ما يفرك؟ ~~أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله غير الله؟ يا عدي أيفرك ~~أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟). رواه أحمد والترمذي ~~وصححه2. # ومنه قوله تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: 111]. PageV01P151 # وكلمات الأذان مؤلفة من الشهادتين والتكبير، لا يخرج عن ذلك إلا دعوة الخلق ~~بالحيعلتين. # ولما كان الخلق هو الدال على قدرة الرب، وغير ذلك من صفاته، كان أول ما ~~أنزل من القرآن: {اقرأ باسم ربك الذي خلق • خلق الإنسان من علق} [العلق: 1، ~~2] فعم الخلق وخص الإنسان، ثم ذكر التعليم والهداية التي هي كمال الإنسان، ~~كما قال موسى: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50]. وقال تعالى: ~~{سبح اسم ربك الأعلى • الذي خلق فسوى • والذي قدر فهدى} [الأعلى: 1 - 3]. # [وهذا] 1 مما يستقرأ في الموجودات، فلا يكون اثنان يشتركان في أمر إلا ~~وفوقهما ثالث2 يطيعونه، أو يكون أحدهما مطيعا للآخر. # يمتنع أن يكونا متكافئين وليس فوقهما غيرهما، فإن تماثلهما بوجب التمانع؛ ~~فإن هذا إذا كان لا يريد حتى يريد ذاك، وذاك لا يريد حتى يريد هذا - لم يرد ~~أحدهما شيئا، فلا يفعلان شيئا. # وإذا أراد كل منهما بدون إرادة الآخر؛ فإن كان لا يفعل حتى يمكنه الآخر ~~لزم التمانع، وأن لا يفعل واحد منهما؛ وإن أمكن كلا منهما الفعل بدون تمكين ~~الآخر، استقل كل منهما بفعله، ولم يكن الآخر مشاركا، فذهب كل منهما بما فعل. # وإذا لم يكونا متماثلين، كان الأضعف مقهورا مع الأقوى، إما محتاجا إلى ~~إعانته، وإما إلى تخليته وترك ms073 ممانعته؛ وكل من كان لا يمكنه الفعل إلا بأن ~~يعينه غيره، أو بأن يخليه3 ولا يعوقه ولا4 يمنعه، وذلك الغير مستقل بالفعل ~~دون هذا، من غير معاونة ولا ممانعة - كان ذلك الغير هو القاهر العالي على ~~ذلك الضعيف العاجز. PageV01P152 ### || AUTO [فساد قول الثنوية]: # وهذا مما يظهر به فساد قول الثنوية من المجوس والمانوية؛ فإن الظلمة إما ~~أن تكون محدثة، وإما أن تكون قديمة، ولهم في ذلك قولان. فإن كانت الظلمة ~~محدثة، أحدثها النور؛ إما بفكرة رديئة فكرها النور كما يقوله بعضهم، أو ~~بغير ذلك؛ فيكون النور هو خالق الظلمة، كما هو خالق سائر الأشياء؛ وهذا ~~يبطل أن يكون شيء من العالم صدر عن أصلين1، ثم إنهم نزهوا النور أن يضيفوا ~~إليه شرا، وجعلوه قد [خلق] أصل2 كل شيء شر. # ثم إما أن يقولوا بقول أهل السنة: إن الله خالق أفعال الحيوان، وإما أن ~~يقولوا بقول القدرية؛ فإن قالوا بالأول، لزم أن يكون خالقا لجميع أفعال ~~الظلمة التي خلقها، وهذا ينقض قولهم، وإن قالوا بالثاني، فهذا قول القدرية ~~من أهل الملل، وحينئذ فالظلمة كسائر الحيوانات لا فرق بين هذا وهذا. # وأما قول من جعل الظلمة قديمة، فإن كان قدرتها مساوية لقدرة النور كان ~~ذلك ممتنعا كما تقدم، وإن كان النور أقوى منها كان غالبا قاهرا لها. # وحينئذ فإما أن يكون معينا لها أو قادرا3 على منعها، وإذا كان لا يفعل ~~إلا خيرا - ومنع الظلمة من الشر [خير] 4 - وجب أن يمنع الظلمة، فإن لم ~~يمنعها لزم أن لا يكون قادرا، وإما أن لا يكون مريدا للخير، [وهذا] 5 على ~~أصلهم وكلامهم يبطل مذهبهم. PageV01P153 # والكلام على هذا قد بسط في غير هذا الموضع، لكن لما بينا فساد ما ذكره ~~هؤلاء في معنى التوحيد وفساد دليلهم، ذكرنا من معنى التوحيد ودليله، ما ~~يليق بجواب هذا السؤال الذي طلب في شرح هذا الاعتقاد، مع أن كثيرا من ~~متأخري النظار قصروا في هذا الباب -حكما ودليلا- تقصيرا ظاهرا يعرفه من له ~~خبرة بما قالوه. ### | AUTO فصل ms074 ### || AUTO [مسألة «حدوث العالم»]: ### || AUTO [إغفال الأصبهاني هذه المسألة]: # وهذا المصنف لم يذكر مسألة «حدوث العالم» في هذه العقيدة، وكأن ذلك لما ~~رأى فيها من الاضطراب، لا سيما فيما عنده من طريقة الرازي وأمثاله؛ فإن ~~كلامهم فيها يوجب الحيرة والشك. # أو لاعتقاده1 أن ما ذكره من الطريق إلى إثبات الصانع لا يحتاج إلى إثبات ~~حدوث العالم؛ فيمكن مع ذلك العلم به من جهة السمع، كما يقول ذلك طوائف من ~~النظار كما هو قول الرازي وغيره. ### || AUTO [إنكار أئمة الإسلام طريقة الجهمية وموافقيهم في إثبات الصانع ~~وحدوث العالم]: # وهؤلاء أنكروا على من زعم أن إثبات الصانع لا يمكن إلا بمعرفة حدوث ~~[العالم] 2، وذلك لا يمكن إلا بمعرفة حدوث الأجسام؛ ومعرفة حدوث الأجسام هو ~~بمعرفة استلزامها للحوادث؛ وأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وهذه طريقة ~~الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الكلابية وغيرهم. # كما فعل ذلك3 كثير من المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وغيرهم، وجلوا القول ~~بذلك عن الأئمة الكبار من أتباع الأربعة وسائر أئمة المسلمين. # وهؤلاء أخطؤوا من وجوه: # منها، دعواهم أن الرب تعالى لا يعرف إلا بهذه الطريق. PageV01P154 # ومنها، دعواهم أنها أول واجب1 على العباد. # ومنها، التزامهم للوازمها؛ كنفي الصفات والأفعال، أو رؤية الله، أو غير ~~ذلك من اللوازم المبسوطة في غير هذا الموضع. # وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول لم يدع أحدا بهذه الطريق، ~~فضلا عن أن يوجبها على كل مكلف، ولا سلك هذه أحد من الصحابة. # بل لما أحدثها من أحدثها من أهل الكلام تطابقت أئمة الإسلام على ذم هذا ~~الكلام؛ كما هو مشهور عنهم متواتر؛ كما هو معروف عن مالك وأبي حنيفة، وحماد ~~بن زيد2 وحماد بن سلمة3، وعبد الله بن المبارك4 PageV01P155 ~~وأبي يوسف1، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهوية2، وغيرهم من أئمة الإسلام. # وجمهور الناس أنكروا عليهم إيجاب سلوك هذه الطريق؛ ودعواهم أنه لا سبيل ~~إلى معرفة الله تعالى إلا بها؛ لظهور فساد ذلك في شريعة الإسلام. # لكن من هؤلاء من سلم صحتها؛ ولكن رآها ms075 طويلة كثيرة الشبهات، وأما أئمة ~~الإسلام والسنة فرأوها طريقة فاسدة في العقل، كما هي بدعة في الشرع؛ وأنها ~~إلى نفي حدوث العالم، وعدم الدلالة على إثبات الصانع، أقرب منها إلى إثبات ~~حدوث العالم وإثبات الصانع. # فإن مبناها على ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح، وحدوث الحادث بلا سبب ~~لحدوثه ولا حكمة لإحداثه، وأن ما قامت به الصفات والأفعال فهو محدث: كائن ~~بعد أن لم يكن، وغير ذلك من لوازمها المنافية لصريح المعقول وصحيح المنقول. PageV01P156 ### || AUTO [بطلان دعوى المتكلمين أن طريقتهم طريقة إبراهيم عليه السلام]: # وأعجب من ذلك دعوى كثير منهم أنها طريقة إبراهيم الخليل، المذكورة في ~~قوله: {قال لا أحب الآفلين} [الأنعام: 76]؛ فزعموا أن إبراهيم أثبت بذلك ~~وجود الصانع وحدوث العالم، وهذا غلط على إبراهيم من وجوه: # منها، أن مقصوده كان إثبات التوحيد، لا إثبات الصانع؛ كما قد بسط في موضعه. # ومنها، أنه لو كان مقصوده إثبات الصانع لكان ذلك دليلا على نقيض مطلوبهم؛ ~~فإن الخليل لم يستدل بنفس الأعراض الحادثة؛ كالحركة والانتقال والبزوغ ~~والجريان في الفلك، وما جعل ذلك منافيا لمقصوده، وإنما استدل بالأفول، وهو ~~المغيب والاحتجاب، فلو كان مطلوبه إثبات العلم بالصانع لكانت الأعراض ~~الحادثة لا تنافي ذلك؛ وإنما ينافيه الأفول والاحتجاب، وهذا مناقض لقولهم، ~~وهذا مبسوط في موضع آخر. # وأئمة الذين سلكوا هذه الطريق يقولون: إنه لا طريق لنا إلى العلم بحدوث ~~العالم والرد على الدهرية1 إلا من جهتها؛ كما هو قول أئمتها، مثل الجهم، ~~وأبي الهذيل2 PageV01P157 ~~والنظام1 ومن تبعهم. ### || AUTO [استطالة الفلاسفة الدهرية عليهم بهذه الطريقة]: # وهم -مع هذا- لا للإسلام نصروا، ولا للدهرية كسروا؛ فإن الدهرية القائلين ~~بقدم الأفلاك، استطالوا عليهم بهذه الطريق؛ كما سلكه الفارابي2 وابن ~~الهيثم3 وابن سينا، والسهروردي PageV01P158 ~~المقتول1 وابن رشد2 وأمثالهم من الفلاسفة. # وقالوا: إثبات ذات كانت معطلة عن الكلام والفعل، ثم حدث الفعل عنها بلا ~~سبب - معلوم الفساد بصريح العقل؛ فإنا إذا فرضنا ذاتا لم تفعل ثم فعلت، فلا ~~بد من حدوث أمر: إما قدرة، وإما إرادة، وإما علم، وإما سبب من ms076 الأسباب. # وأما إذا قدرنا [ذاتا] 3 كانت ولم تفعل، وهي الآن كما كانت، فهي الآن لم ~~تفعل، فإذا قيل: «إنها فعلت بعد أن لم تفعل»، فلا بد من حدوث أمر من ~~الأمور. ثم القول في ذلك الأمر كالقول في غيره؛ يمتنع حدوثه في وقت دون ~~وقت، وحدوثه دون غيره، مع تماثل أحوال PageV01P159 ~~الفاعل، وأوقات الفعل، وعدم اختصاص الفعل عن غيره بسبب ما. # وهذا أعظم عمدتهم1. وصاروا2 يتنازعون في إمكان حوادث لا تتناهى ولا أول ~~لها؛ فهؤلاء يجوزون ذلك في الواجب والممكن، ويقولون: إن الفلك أزلي، لم تزل ~~الحوادث متعاقبة عليه. # وأولئك3 يمنعون ذلك في الواجب والممكن، ويمنعون أن يكون الرب تعالى لم ~~يزل متكلما إذا شاء، أو يكون لم يزل قادرا على الفعل، بل يمنعون أن يكون ~~فاعلا بنفسه بحال. # ثم ينازعون في إمكان دوام الحوادث في المستقبل؛ فقال رؤساء هذه الطريقة ~~-جهم وأبو الهذيل- بامتناع دوام الحوادث في المستقبل، ثم قال جهم بفناء ~~الجنة والنار، وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهم، وأنهم يبقون في سكون دائم. # وأما سلف الأمة وأئمتها، وأئمة الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو، فيفرقون ~~بين الواجب والممكن، [والخالق] 4 والمخلوق. ### || AUTO [بيان حدوث كل ما سوى الله]: # وقد بسطنا الكلام على ما يتبين به حدوث كل ما سوى الله من الأفلاك ~~وغيرها، وذكرنا كل ما احتجوا به، وبينا فساده بالوجوه البينة العقلية، لما ~~رأينا من ضعف أجوبة هؤلاء المتكلمين المبتدعين لأهل الإلحاد، وما أدخلوا في ~~الشرع والعقل من الفساد، وقد أغنى الله سبحانه بالحق عن الباطل. # ونحن ننبه هنا على ما به يعرف تحقيق ما أخبرت به الرسل من أن الله PageV01P160 ~~تعالى خالق كل شيء؛ فكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم1 ... ستة أيام، وأنه ~~يعلم امتناع قدم شيء من ذلك؛ من غير حاجة إلى تلك الطريق الفاسدة شرعا ~~وعقلا، بعد أن ننبه على فساد حجة الفلاسفة، التي يسمونها المعضلة الزباء2 ~~والداهية الدهياء. # وذلك بأن يقال: دوام حدوث الحوادث، وإن الحوادث لا أول لها، والتسلسل في ~~الآثار - إما أن ms077 يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا؛ فإن كان ممتنعا بطل ~~قولهم، وأمكن أن تحدث الحوادث بلا سبب، وبطلت حجتهم وبطل قولهم بقدم ~~الأفلاك التي لا تخلو عن الحوادث عندهم. # وإن كان ممكنا، أمكن حدوث الأفلاك بسبب حادث قبلها؛ وحينئذ فيكون القول ~~بوجوب قدمها باطلا. # فإن مطلوبهم إثبات قدم الأفلاك، أو قدم3 شيء بعينه من العالم، وهذا لا ~~دليل عليه أصلا، بل جميع ما يذكرونه إنما يدل على دوام نوع الفعل، والفرق ~~بين النوع والعين معلوم بالاضطرار4، وهم يسلمون الفرق. # وإذا لم يكن دليل على قدم شيء من العالم، كان الجزم بذلك باطلا؛ فكيف إذا ~~كانت الأدلة تدل على امتناعه5. # وهكذا سائر حججهم المبنية على «الفاعل» و«الغاية» و«المادة» و«المدة». ~~وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع؛ وبينا أنه ليس PageV01P161 ~~لهم حجة واحدة تدل على قدم شيء من العالم أصلا؛ بل غاية ما يستدلون عليه ~~دوام نوع الفعل؛ وذلك لا يدل على قدم شيء معين للفرق [بين] 1 العين والنوع، ~~الذي يعترفون بصحته، وإن لم يعترفوا بصحته لزم فساد مذهبهم من أصله، فكيف ~~إذا كان فعل الشيء المعين يمتنع أن يقارن2 الفاعل، بل يجب تقدم الفاعل على ~~الفعل المعين والمفعول المعين، وإن قيل: إنه مستلزم لنوع الفعل والكلام. ### || AUTO [بيان امتناع قدم شيء مع الله]: # وأما بيان امتناع قدم شيء مع الله كائنا ما كان - فهذا يعرف بوجوه: منها، ~~أن يقال: لو كان في الممكنات قديم للزم أن يكون مفعولا3 لعلة تامة قديمة، ~~وأن يكون الواجب موجبا لها بذاته، سواء قدر أن له مع ذلك قدرة أو لم يقدر، ~~لكن كون الواجب علة تامة أزلية ممتنع؛ فقدم شيء من العالم ممتنع. # وإن شئت قلت: لكن كونه موجبا بذاته في الأزل ممتنع، فقدم شيء من العالم ممتنع. # أما المقدمة الأولى: فمتفق عليها، فإنهم يسلمونها، وهي -مع ذلك- معلومة ~~بصريح العقل. # وذلك أن الناس في هذا المقام على قولين: فجمهور العقلاء من الأولين ~~والآخرين يقولون: يمتنع أن يكون الممكن قديما، ولا يكون الممكن إلا ms078 محدثا؛ ~~فإن الممكن هو الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه؛ وهذا ممتنع في القديم؛ فإن ~~القديم واجب إما بنفسه وإما بغيره؛ فيمتنع عدمه على التقديرين؛ وما امتنع ~~عدمه لم يقبل العدم. # وإذا قيل: هو باعتبار نفسه يقبل الأمرين، وإنما يجب وجوده أو عدمه بغيره. PageV01P162 # قيل: هذا باطل لثلاثة أوجه: # أحدها: أن هذا مبني على [أن] 1 ماهيته الثابتة في الخارج غير الوجود ~~الثابت في الخارج، وتلك الماهية تقبل الأمرين، وهذا باطل عند جماهير ~~العلماء، بل فساده معلوم بالضرورة بعد التأمل، وقد بسط الكلام على هذا في ~~مواضع كثيرة. # الثاني: أنه بتقدير2 ثبوت ذلك، فتلك الماهية إذا كانت قديمة، واجبة ~~الوجود بغيرها، امتنع عدم وجودها؛ فلم يكن وجودها قابلا للعدم؛ فلا يكون ~~لها حال تقبل فيه الوجود والعدم، وهذا بخلاف المعدوم إذا وجد، فإنه يقبل ~~الوجود والعدم؛ فإنه تارة يكون3 موجودا، وتارة يكون معدوما. # الثالث: أن المعدوم يفتقر في وجوده إلى فاعل يوجده، فأما العدم4 المستمر، ~~فلا يحتاج إلى من يجعله معدوما، فالممكن إنما يفتقر إلى من يرجح وجوده على ~~عدمه، فأما العدم فلا يفتقر إلى علة، كما ذهب إليه جماهير النظار من ~~المسلمين وغيرهم. ### || AUTO [تجويز ابن سينا وأتباعه وجود ممكن قديم واجب بغيره]: # وإنما خالف في ذلك هذه الطائفة القليلة كابن سينا وأمثاله؛ الذين قالوا: ~~«إن الممكن قد يكون واجبا بغيره5، قديما، أزليا، يمتنع عدمه». وخالفوا في ~~ذلك سلفهم وجماهير العقلاء؛ فإن أرسطو وقدماء الفلاسفة يوافقون جمهور ~~العقلاء في أن الممكن لا يكون إلا محدثا، وأما القديم الأزلي فلا يكون ~~ممكنا، وهذا مما عده ابن رشد الحفيد وغيره من المواضع التي خالف فيها ابن ~~سينا لأرسطو وقدماء الفلاسفة. # ولهذا لما جوز ابن سينا وأتباعه؛ كالرازي والسهروردي والآمدي، أن الممكن ~~قد يكون قديما أزليا - ورد عليهم من السؤالات القادحة PageV01P163 ~~في هذا الإمكان ما لم يمكنهم جوابه، كما قد بسط في موضعه. # وما يثبتون به إمكان هذا، من قولهم: «هذا بمنزلة الشعاع مع الشمس، ~~وبمنزلة الصوت مع الحركة، وبمنزلة قول القائل: حركت ms079 يدي، فتحرك الخاتم أو ~~كمي، فإن هذا يقتضي كون الأول علة للثاني مع اقترانهما في الزمان»، فهذا ~~باطل لوجهين: # أحدهما: أنه ليس فيما ذكروه أن فاعلا لم يتقدم على فعله؛ فإن الحركة ليست ~~فاعلة للصوت، ولا حركة اليد فاعلة لحركة الكم، ولا الشمس فاعلة للشعاع، بل ~~الأول هنا شرط في الثاني، وشرط الشيء قد يقارنه في الزمان، وأين الفاعل من ~~الشرط؟! لا سيما الفاعل الذي هو وحده يفعل مفعوله. # والشمس والنار لا يفيض عنها الشعاع إلا بشرط جسم يقبل ذلك، وكذلك الصوت، ~~والحركة إنما تحصل عن الأولى بشرط أمور أخرى، فليس هنا ما هو فاعل وحده، بل ~~ولا هو فاعل أصلا. # ولفظ «العلة» مجمل، والكلام إنما هو في العلة الفاعلة لمفعول؛ هل تقارنه ~~في الزمان؟ ولا شيء في الوجود قط فاعل قارن مفعولا، وهذا مما ينبغي التفطن ~~له؛ فإنهم يلبسون به. # وإذا كان الممكن لا يكون إلا محدثا، وكل ما سوى الواجب بنفسه فهو ممكن، ~~فكل ما سواه فهو محدث. # وإذا قيل: بل يمكن قدمه. # فيقال: لا ريب أنه لا يكون قديما إلا إذا كانت له [علة] 1 تامة أزلية، ~~وهذا متفق عليه، وذلك أنه إذا كان ممكنا -ليس موجودا بنفسه- وهو مع ذلك ~~قديم أزلي: فإنه لا بد له من موجب بذاته في الأزل؛ بحيث يلزم من وجوده ~~وجوده، وهذا هو العلة التامة الأزلية التي تستلزم ثبوت معلولها في الأزل. PageV01P164 # إذ لو لم يكن في الأزل موجب بذاته هو علة تامة، لم يجب وجود المعلول، بل ~~كان ممكن الوجود ممكن العدم1؛ وحينئذ فلا يجوز وجوده، كما تقدم بيانه من أن ~~الممكن -القابل للوجود والعدم- يمتنع وجوده بنفسه، ويمتنع وجوده بدون مرجح ~~تام يجب وجوده به. # وأما المقدمة الثانية: فلأن العالم مستلزم للحوادث مقارن لها، بحيث ليس ~~فيه شيء إلا [ويقترن] 2 بالحوادث مقارنة لا تقدم عليها، وقد دخل في ذلك ~~العقول والنفوس التي يثبتها الفلاسفة -إذا قيل بوجودها3 - فإن العقول، وإن ~~لم تقم بها الحوادث عند كثير منهم، فإنها مقارنة للحوادث ms080 لا تتقدم عليها. # وهذه المقدمة مسلمة، والدليل عليها أن كل جزء من العالم إما أن يقترن ~~بالحوادث، بحيث يمتنع تقدمه عليها، وإما أن يجوز وجوده قبل وجود شيء من ~~الحوادث. # فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني لزم أن يكون لجميع الحوادث ~~أول؛ وهذا مع أنه يبطل عمدة الفلاسفة الدهرية إذا التزموه - فإنه باطل؛ ~~وذلك [أنه] 4 يستلزم ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، وحدوث ~~الحوادث بلا سبب. # وإذا كان كل جزء من العالم مستلزما لمقارنة الحوادث -لا يجوز أن يوجد ~~قبلها- امتنع أن يكون مفعول العلة التامة القديمة، وأن يكون صادرا عن موجب ~~بالذات في الأزل، فإن وجود الملزوم بدون اللازم محال. # وما كان5 مستلزما للحوادث -بمعنى أنه لا يوجد إلا مقارنا، بل لا PageV01P165 ~~يكون وجوده إلا مقارنا لها- امتنع وجوده دونها، وامتنع أيضا وجود الحوادث ~~المتسلسلة عن علة تامة أزلية، وهو الموجب بالذات في الأزل؛ لأن العلة ~~التامة الأزلية تستلزم معلولها في الأزل، وإن شئت قلت: لأن الموجب بالذات ~~في الأزل يجب وجود موجبه في الأزل، لا يتأخر عنه شيء من معلوله وموجبه. # والحوادث المتعاقبة شيئا بعد شيء لا تكون جملتها، بل ولا واحد منها بعينه ~~في الأزل؛ فامتنع صدور الحوادث أو ما1 يستلزم الحوادث عن علة تامة أزلية؛ ~~فامتنع ثبوت الموجب بالذات في الأزل؛ فامتنع صدور شيء من العالم عن علة ~~تامة في الأزل؛ فامتنع قدم شيء من العالم، وهو المطلوب. # وإذا قيل: هو موجب الحادث الثاني بشرط الأول؛ كقاطع المسافة. # قيل: إذا كان علة تامة أزلية على حال واحدة أزلا وأبدا - فما من وقت إلا ~~ويمتنع اختصاصه فيه بما يوجب صدور حادث عنه، فلا يصدر عنه شيء من الحوادث، ~~وهذا بخلاف قاطع المسافة؛ فإنه إذا قطع الجزء الأول حدث في نفسه إرادة ~~وقدرة لم تكن؛ فبها2 أحدث الحادث الثاني. # فإن قيل: هذا يبطل قول من لا يقول بقيام الحوادث بالواجب من الفلاسفة، ~~وأما القائلون به مثل الأساطين وأبي البركات وغيرهم؛ فهم يقولون: إنما أحدث ~~الثاني بما ms081 قام في نفسه من الأمور المتجددة كالإرادة ونحوها. # قيل: وعلى هذا القول يكون القول بأنه ليس في العالم شيء قديم - أظهر وأظهر. # وذلك أنه إذا كان إنما يفعل بأمور متجددة تقوم بنفسه، كان فعل كل PageV01P166 ~~مفعول له متجددا، وإذا كان فعل المفعول حادثا، فالمفعول يكون حادثا بطريق ~~الأولى والأحرى؛ فإنه على هذا القول يكون امتناع فعل قديم لمفعول قديم أظهر وأظهر. # ولأنه على هذا التقدير لا بد أن تكون ذاته علة تامة لذات الفلك، ووجود ~~الفلك بدون لوازمه ممتنع؛ فلا بد أن يكون علة له وللوازمه الحادثة، وهو لا ~~يكون على هذا القول علة بذات مجردة، بل بذات موصوفة بالإرادة المتعاقبة ~~شيئا بعد شيء، وما كان كذلك امتنع أن يكون شيء من مراداته المفعولة له ~~قديما أزليا. ### || AUTO [نظرية الفيض عند الفلاسفة الدهرية]: # وسنبين1 - إن شاء الله تعالى- أن كل فاعل يمتنع أن يقارنه مفعوله؛ فضلا ~~عن الفاعل بالإرادة؛ فضلا عن أكمل الفاعلين؛ كل شيء2؛ نوضح بذلك أن هؤلاء ~~المتفلسفة الدهرية يزعمون أن الرب تعالى دائم الفيض، وأن فيضه إنما يتوقف ~~على حدوث الاستعدادات والقوابل؛ كما يقولونه في العقل الفعال، ويقولون: إنه ~~دائم الفيض على هذا العالم، لكن تأخير فيضه بسبب تأخير حدوث الاستعدادات ~~والقوابل3. PageV01P167 # فيقال لهم: ما ذكر في العقل الفعال وإن كان باطلا؛ لكن بتقدير1 تسليمه، ~~فالعقل ليس هو المبدع لما سواه، بل ما يصدر عنه متوقف عليه وعلى غيره، فلما ~~صار له شريك في الإحداث توقف فيضه على إحداث شركائه، وأما واجب الوجود ~~المبدع لكل ما سواه، فلا يتوقف فعله على غيره، ولا يحتاج في شيء من أموره ~~إلى غيره. # فلو قيل: إن فعله يتوقف على حدوث استعداد وحدوث قوابل. ### || AUTO [قولهم في حركة الفلك]: # قيل: الكلام في حدوث الاستعداد والقوابل كالقول في المحدث غيره، وهم ~~يقولون: إن حركة الفلك هي أصل حدوث كل حادث. # فيقال لهم: ما الموجب لحركة الفلك؛ وهي قائمة بالفلك الذي هو ممكن معلول لغيره؟ # إن قلتم: تجدد تصورات وإرادات الفلك. # قيل: والكلام في ms082 تجدد تلك التصورات والإرادات؛ فإنها أمور ممكنة قائمة ~~بأعيان ممكنة؛ فهي ومحلها مفتقرة إلى مبدع فاعل لها؛ فما PageV01P168 ~~الموجب لحدوثها، والواجب عندكم لا يحدث عنه أمر من الأمور أصلا؟ ### || AUTO [حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بلا محدث]: # فحقيقة قولكم أن جميع الحوادث تحدث بلا محدث أصلا، وهذا أشد فسادا من قول ~~الجهمية والمعتزلة وموافقيهم؛ الذين قالوا: تحدث عن فاعل مختار بدون سبب ~~حادث، وبدون مرجح لأحد المتماثلين على الآخر؛ فإن إنكار المحدث أعظم فسادا ~~في العقل من إنكار سبب الحدوث. # وحقيقة قول هؤلاء الفلاسفة -الذين قالوا بأن العالم معلول علة قديمة- أن ~~حوادث العالم لا محدث لها أصلا؛ فإن منتهى قولهم إضافة الحوادث إلى حركة ~~الفلك، ثم لا يثبتون للحركة1 القائمة بالممكنات محدثا لها، فإنه ليس فوق ~~ذلك إلا علة تامة أزلية -وهو الذي يسمونه موجبا بالذات- أو ما هو من لوازم ~~وجوده كالعقول التي يثبتونها، فإنها لازمة له مفعولة، لا تنفك لا هي ولا شي ~~من أحوالها. # ومن المعلوم بصريح العقل أن العلة التامة الأزلية ولوازمها يقارنها ~~معلولها -وهي موجبة بذاتها له في الأزل- لا يتأخر عنها، فلا يكون شيء من ~~الحوادث معلولا لها ولا موجبا بها؛ فلا تكون الحوادث صادرة عنها لا بواسطة ~~ولا بغير واسطة، ولا يمكن إسناد الحوادث إلى غيرها؛ فإنه إن كان واجبا ~~بنفسه كان باطلا من وجوه: # منها: لزوم إثبات واجبين قائمين بأنفسهما، مشتركين في العالم؛ هذا أبدع ~~الذوات وهذا أبدع الحوادث، مع أنه مما اتفق أهل الأرض على فساده، ففساده ~~معلوم بصريح العقل، وقد تقدم بيان فساده. # ومنها، أن الكلام في صدور الحوادث عن هذا الواجب بنفسه؛ كالكلام في ~~صدورها عن الأول؛ فإن صدور الحوادث عن علة تامة أزلية ممتنع كيفما قدر. PageV01P169 # وإن قيل: بل هذا الواجب تقوم به أمور اختيارية، هي سبب حدوث الحوادث - أمكن ~~أن يقال مثل هذا في الواجب بنفسه الحق، فلا حاجة إلى إثبات رب ثان واجب ~~بنفسه، مع أنه معلوم الامتناع بصريح المعقول وصحيح المنقول. # فحقيقة قول هؤلاء في حركات الأفلاك ms083 من جنس قول القدرية في أفعال الحيوان، ~~مع أنهم ينكرون على القدرية قولهم، والقدرية خير منهم؛ فإن الحيوان يعلم ~~الناس أنه متحرك باختياره وقدرته بالضرورة، بخلاف الفلك، ويعلمون ما يحدث ~~بأفعاله بخلاف الفلك. # فقول هؤلاء باطل من وجوه: # منها، أنهم جعلوا جميع الحوادث لا سبب لها إلا حركة الفلك، وهذا باطل قطعا. # ومنها، أنهم أخرجوا الفاعل عن أن يكون فاعلا، وسووا بين صفاته اللازمة له ~~بأعيانها وبين أفعاله التي يفعلها منفصلة عنه، لا سيما وهو فاعل لها بقدرته ~~ومشيئته. # أما الأول فلأن غاية حركة الفلك أن تكون سببا في حدوث أمور حادثة، ~~والأسباب الموجودة في العالم ليس فيها شيء مستقل بالتأثير؛ بل كل منها لا ~~بد له من شريك معاون وله معارض مانع؛ فإن لم تحصل الشروط وتنتف الموانع، لم ~~يحصل المسبب. # وهؤلاء غايتهم أن يثبتوا سببا، لم يثبتوا معه الأسباب1 التي هي شروط له، ~~ولم ينفوا الموانع المعارضة. # وهذا شأنهم دائما في جميع الحوادث، مثل إضافتهم لما يضيفونه إلى الطبيعة، ~~والطبيعة هي قوة في الجسم؛ فغايتها أن تكون سببا مفتقرا إلى أمور أخرى تنضم ~~إليها، ولها موانع معارضة تدفع مقتضاها. PageV01P170 ### || AUTO [قول الجبرية الأشاعرة في طبائع الأجسام]: # وقد قابلهم طوائف من المتكلمين، فمنعوا ثبوت الطبيعة، وزعموا أن ليس في ~~الأجسام قوى وطبائع، ثم طوائف من هؤلاء طردوا هذا في الحيوان والجماد؛ ~~وسلبوا1 الحيوان أن تكون له قدرة لها أثر في مقدوره، وقالوا: «إن الإنسان ~~لا يفعل أفعاله، بل يكسبها»، وفسروا الكسب بما قارن القدرة المحدثة في محلها. # ومجرد المقارنة لا يميز القدرة عن غيرها؛ فإن الفعل يقارن العلم والإرادة ~~وغير ذلك، ولهذا قال جمهور العقلاء: ثلاثة أشياء لا حقيقة لها: «طفرة ~~النظام2، وأحوال أبي هاشم3، وكسب الأشعري4». PageV01P171 # والكسب الذي أنكره الجمهور على الأشعري تابعه عليه طوائف من المنتسبين إلى ~~السنة؛ من الفقهاء أصحاب مالك والشافعي وأحمد، ومن أهل الحديث والصوفية ~~وغيرهم. ### || AUTO [نفي الأشاعرة للأسباب والحكم]: # وهؤلاء لا يثبتون للحوادث سببا ولا حكمة، بل يجعلون نفس الإرادة القديمة ~~الأزلية ms084 اقتضت حدوث الحوادث جميعها؛ بصفاتها وأقدارها وأزمنتها المعينة؛ مع ~~تماثل الأزمنة وتماثل الحوادث بالنسبة إلى الإرادة، ويقولون: «إن من شأن ~~الإرادة تخصيص أحد المتماثلين على الآخر بدون مخصص». PageV01P172 # وأما جمهور العقلاء من أهل الحديث والكلام والفقه والتصوف والفلسفة وغيرهم ~~- يقولون: «فساد هذا معلوم بصريح العقل». ### || AUTO [قول القدرية في طبائع الأجسام]: # وأما القدرية من المعتزلة ونحوهم، فأثبتوا ما في الحيوان من القدرة ~~والاختيار والأفعال، دون سائر القوى والطبائع والأفعال التي فيه أو في غيره ~~من الأجسام، وغلوا في أفعال الحيوان حتى جعلوها تحدث إرادية بلا سبب محدث ~~لها، كما زعمه أولئك الفلاسفة في الحركة الفلكية. # وجعل أكثرهم ما يحدث بسبب منه ومن غيره أفعالا1 يسمونها «الأفعال ~~المتولدة»: كالشبع والري عن الأكل والشرب، وخروج السهم عن النزع، وحصول ~~الموت عن الضرب ونحو ذلك. ### || AUTO [قولهم في الأسباب]: # وهؤلاء القدرية تارة يثبتون حادثا بلا محدث؛ وممكنا يرجح وجوده على عدمه ~~بلا مرجح؛ كحدوث فعل الحيوان، وتارة يضيفون الحادث إلى بعض أسبابه دون سائر ~~أسبابه؛ كإضافة المتولدات إلى فعل الإنسان دون غيره؛ وتارة ينكرون الأسباب ~~كإنكارهم ما في الأجسام من القوة الطبيعية غير الإرادية2. # والأسباب ثابتة، وهي حادثة بإحداث الله تعالى، وهي مفتقرة إلى أسباب أخر، ~~ولها موانع. وهؤلاء ينفون بعضها، ويجعلون بعضها PageV01P173 ~~حادثا بغير إحداث الله؛ ويجعلون ذلك المحدث مستقلا لا يفتقر إلى مشارك. # وأما مقابلوهم -المائلون إلى الجبر- فأثبتوا أن الله خالق كل شيء وربه ~~ومليكه، وهذا جيد، لكن نفوا تأثير الأسباب والحكم في الجماد والحيوان، ~~وأنكروا أن يكون للحيوان -الإنسان أو غيره- فعل يفعله بقدرته. # وحقيقة قول هؤلاء ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح؛ وحدوث الحوادث بلا سبب أصلا. ### || AUTO [قول الفلاسفة أفسد من قول القدرية والجبرية من وجوه]: # وقول هؤلاء وهؤلاء مع ما فيه من الخطأ والفساد؛ فهو خير من قول أولئك ~~المتفلسفة وأهل الطبع والنجوم من وجوه: # فإن قول أولئك يتضمن ما يتضمنه قول هؤلاء وقول1 هؤلاء، من ترجيح أحد ~~المتماثلين على الآخر بلا مرجح، ومن حدوث الحوادث بلا سبب، ويزيد ms085 عليه بأنه ~~يتضمن حدوث جميع الحوادث بلا محدث أصلا. # ويتضمن إضافتهم الحوادث إلى ما لا يعلم ثبوته، بل يعلم انتفاؤه من ~~الأسباب. # ويتضمن أنهم يجعلون السبب مستقلا بالإحداث، مع افتقاره إلى شريك يعاونه، ~~ومانع يعارضه، وافتقاره إلى محدث يحدثه؛ فلا يثبتون لا محدثه ولا شريكه2 ~~ولا مانعه، بل يضيفون إلى السبب المحدث الذي له شركاء وموانع، وحصول الأثر ~~به موقوف على فعل الله تعالى - يضيفون إليه مع هذا، ما هو مخلوق للرب الذي ~~لا شريك له ولا ضد له ولا رب له. # ولهذا كان إلحاد هؤلاء ظاهرا3 عند أهل الملة، بخلاف الأولين، فإنهم ~~معدودون من أهل البدع. PageV01P174 # وهذا المقام من أعظم المقامات التي اضطرب فيها مبتدعة المتكلمين وملاحدة ~~الفلاسفة، حتى إن الرجل الواحد يصنف الكتب المتعددة، فينصر قول هؤلاء في ~~كتاب1، كما يقع في كتب الرازي والآمدي، بل وأبي حامد وغيرهم، والقول الوسط، ~~الجامع للحق، الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول - لا يهتدون إليه. ### || AUTO [انتساب الجبرية الأشاعرة إلى السنة، وردهم على الفلاسفة ~~والقدرية]: # وأشهر الطوائف انتسابا إلى السنة هم مثبتة القدر؛ الذين يقرون بما اتفق ~~عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء بقدرته ومشيئته. # فهؤلاء يردون على أهل التعطيل من المتفلسفة وفروعهم، الذين يثبتون بعض ~~الأسباب للحوادث ويعرضون عما سوى ذلك؛ ويردون على القدرية الذين يزعمون أن ~~ما يحدث من أفعال الحيوان يحدث بدون قدرة الله ومشيئته وخلقه، ويثبتون هذا ~~من جملة الحوادث. # مع أن الدليل على أن الله تعالى خالق كل شيء يتناول هذا كما يتناول غيره؛ ~~سواء استدل بالإمكان، أو بالحدوث، أو مجموعهما، أو كل منهما، أو غير ذلك؛ ~~مما به يعلم أن الله خالق الممكنات المحدثات من الأعراض القائمة بالحيوان ~~والجماد - يعلم به أنه2 خالق أفعال الحيوان، كما هو مبسوط في غير هذا ~~الموضع. ### || AUTO [نقد مذهب الأشاعرة في نفي الأسباب والحكم]: # لكن هؤلاء المنتسبون إلى السنة، لم ms086 يثبت كثير منهم للرب حكمة يفعل ~~لأجلها؛ قائمة به ولا منفصلة عنه، ولا يثبتون له رحمة ومحبة ورضا وسخطا، ~~غير محض المشيئة التي نسبتها إلى جميع الممكنات نسبة واحدة، ولا يثبتون ~~للحوادث أسبابا تقتضي التخصيص، ولا يثبتون ما خلقه الله من الأسباب ~~والموانع. PageV01P175 # بل غايتهم أن يجعلوا مجرد القدرة والمشيئة والإرادة القديمة مؤثرة في كل ~~حادث، مع نفي تأثير الأسباب بوجه من الوجوه، ويقولون: إن الله يفعل هذه ~~الحوادث عند هذه الأمور المقارنة لا بها؛ وإن ذلك عادة محضة، ويجعلون ~~«اللام» في أفعاله «لام العاقبة» لا «لام التعليل». ### || AUTO [دلالة القرآن على إثبات الأسباب في أفعال الله]: # والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا ~~به من كل الثمرات} [الأعراف: 57]. فبين سبحانه أنه ينزل الماء بالسحاب ~~ويخرج الثمر بالماء. # وقال تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة} [البقرة: 164] 1. وقال تعالى: ~~{ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد • والنخل باسقات ~~لها طلع نضيد • رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} [ق: 9 - 11]. # وقال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين • يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام} [المائدة: 15 - 16]. وقال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم} [التوبة: 14]. وقال تعالى: {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا} [الشورى: 52]. وقال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} [البقرة: ~~26]. ومثل هذا كثير. ### || AUTO [دلالة القرآن على إضافة آثار المخلوقات من الحيوان والجماد ~~إليها]: # وأيضا ففي القرآن من إضافة الآثار إلى المخلوقات من الحيوان والجماد ما ~~لا يكاد يحصى؛ كقوله في الآدميين: {يعلمون} و{يعقلون} PageV01P176 ~~و{يؤمنون} و{يتقون} و{يشكرون}، وأمثال ذلك، وأمره لهم بالأفعال، ونهيه لهم ~~عن الأفعال، وهذا كثير. # قال في الجماد: {وأخرجت الأرض ms087 أثقالها} [الزلزلة: 2]. وقال: {اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج} [الحج:5]. وقال تعالى في1: {تدمر كل شيء بأمر ربها} ~~[الأحقاف: 25]. وقال تعالى: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية • وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر عاتية} [الحاقة: 5، 6]. وقال تعالى: {إنا لما طغى الماء ~~حملناكم في الجارية} [الحاقة: 11] وقال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه} ~~[العنكبوت: 8] والولادة ليست من الأفعال الاختيارية؛ وإن كان بعض أسبابها ~~اختياريا. # وقال تعالى: {والذاريات ذروا • فالحاملات وقرا • فالجاريات يسرا} ~~[الذاريات: 1 - 3]. وقال: {والمرسلات عرفا • فالعاصفات عصفا • والناشرات ~~نشرا • فالفارقات فرقا} [المرسلات: 1 - 4]. # وقال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت ~~سحابا ثقالا} [الأعراف: 57]. وقال تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح} [الحجر: 22]. # وقال تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا ~~وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81]. وقال تعالى: ~~{وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ~~وإن منها لما يهبط من خشية الله} [البقر: 74]. # وقال تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي ~~الأمر واستوت على الجودي} [هود: 44]. وقال تعالى: {وهي تجري بهم في موج ~~كالجبال} [هود: 42]. # وقال تعلى: {كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه}. وقال تعالى: ~~{كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت PageV01P177 ~~كلها ضعفين} [البقرة: 265]. وقال تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم ~~منه شيئا} [الكهف: 33]. # وقال تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة} [البقرة: 261]. وقال تعالى: {كمثل صفوان عليه ~~تراب فأصابه وابل فتركه صلدا} [البقرة: 264]. وقال تعالى: {مثل ما ينفقون ~~في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته} [آل عمران: 117]. وقال تعالى: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت} ~~[يونس: 24]. ومثل هذا كثير في القرآن العزيز. ### || AUTO [دلالة القرآن على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره]: # وكذلك ذكر حكمته سبحانه -في غير موضع1 - في خلقه وأمره؛ في تكوينه ~~وتشريعه؛ في مثل قوله ms088 تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم ~~به} [آل عمران: 126]. وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} [البقرة: 185]. ~~وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة:183]. وقوله: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين ~~من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 21]. # وقال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165]. ~~وقال تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء} [الحشر: 7]. وقال تعالى: {لئلا ~~يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله} [الحديد: 29]. وقوله: ~~{فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق} [القصص: 13]. # وقال تعالى: {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} ~~[النجم: 31]. وقوله تعالى: {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا PageV01P178 ~~إيمانا} [المدثر: 31]. وقال تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا} [الفرقان: 32] 1 .. وقوله ~~تعالى: {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير • ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ~~ما لهم من محيص} [الشورى: 34، 35]. # وقوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم} [المائدة: 97]. وقوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ~~ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن ~~الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12]. # وقوله تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} [يوسف: 2]. وقوله ~~تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} [مريم: ~~97]. وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم: ~~4]. وقال تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة ~~الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60]. # وقال تعالى: {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون} [القصص: 73]. وقال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ms089 ضياء ~~والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} [يونس: 5]. وقال ~~تعالى: {والأرض وضعها للأنام} [الرحمن: 10]. وقال تعالى: {وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: 13]. # وقال تعالى: {مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم} [الحج: 5]. وقال تعالى: {وهو ~~الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 97]. ~~وقال تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام} [الحج: 34]. ومثل هذا في القرآن كثير. # وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع؛ وإنما المقصود هنا: PageV01P179 # التنبيه على أصول المقالات بحسب ما يحتمله جواب هذا السؤال؛ والتنبيه على ~~أن القول الصحيح هو الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول؛ الذي يجمع ما في ~~الأقوال المختلفة من الصواب ويجتنب ما فيها من الخطأ؛ وهذه هي طريقة سلف ~~الأمة وأئمة الدين، وهي التي يدل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف. ### || AUTO [أدلة القرآن خبرية وعقلية]: # فإن الله تعالى بين في كتابه الحق وأدلته، بما ضربه فيه من الأمثال وسنه ~~من البراهين العقلية؛ إذ1 كانت دلالة القرآن ليست مجرد الإخبار، حتى يكون ~~الاستدلال به موقوفا على العلم بصدق المخبر؛ بل القرآن -وإن أخبر بالحقائق ~~الثابتة في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، في المبدأ والمعاد- فهو يذكر ~~الأدلة الدالة على ذلك، ويرشد إليها، ويهدي إليها. # فإذا تأمل العاقل الخبير نهاية ما يذكره أهل النظر من جميع طوائف الكلام ~~والفلسفة وغيرهم، وجد الذي في القرآن أكمل منه، مع سلامته عن الخطأ ~~والتناقض والتلبيس والتعقيد والتطويل الذي يكثر في كلام أولئك. # والله سبحانه وتعالى لا ينبغي أن يستعمل في ذاته وصفاته وأفعاله قياس ~~التمثيل الذي يستوي أفراده، فإنه سبحانه لا مثل له؛ ولا القياس الشمولي ~~الكلي [الذي] 2 يستوي أفراده، فإنه لا يساويه شيء من الأشياء في أمر من ~~الأمور، بل إنما يستعمل قياس الأولى؛ مثل أن يبين أن ما اتصف به غيره من ~~صفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه فهو أحق به؛ وما نفي عن غيره ~~من صفات النقص فهو ms090 أحق بتنزيهه عنه. وقد بسط الكلام في ذلك في غير هذا ~~الموضع3. PageV01P180 ### || AUTO [عود للكلام على مذهب الفلاسفة الدهرية في الحوادث]: # ومما يوضح كونهم لم يثبتوا لحركة الفلك، ولا غيرها من الحوادث، PageV01P181 ~~محدثا؛ فلأنه ليس عندهم إلا علة تامة قديمة مستلزمة لمعلولها، وهذه يمتنع ~~أن يصدر عنها حادث بوسط وبغير وسط؛ بل لا يكون معلولها إلا قديما أزليا ~~مقارنا لها، مع أن هذا باطل أيضا؛ فإنه قد تبين أن المفعول المعين يمتنع أن ~~يكون مقارنا لفاعله، كما قرر في غير هذا الموضع. # وإذا كانت العلة التامة الأزلية يجب أن يقارنها معلولها، لم يكن شيء من ~~الحوادث معلولا لها، وليس هناك فاعل آخر؛ فيلزم حدوث الحوادث بلا محدث؛ ~~وهذا أعظم ما يكون من السفسطة والإلحاد. # وقولهم: إن الذات البسيطة -التي لا يقوم بها صفة ولا فعل- يحدث عنها ~~الحادث الثاني بشرط الأول؛ فتأخر الأثر كان لتأخر شرطه - باطل من وجوه: # أحدها: أن يقال: شرط الفعل لا بد أن يكون ثابتا مع الفعل، لا يكفي ثبوته ~~قبل الفعل؛ ولهذا كان مذهب السلف أهل السنة: أن القدرة لا بد أن تكون مع ~~الفعل؛ وإن قيل [يجوز] وجودها1 قبل الفعل أيضا؛ لكن لا يجوز أن تكون معدومة ~~عند وجود الفعل. # وكذلك الإرادة وسائر ما يتوقف عليه الفعل؛ لأن هذه جميعا هي شروط كون ~~الفاعل فاعلا، سواء سمي مؤثرا أو علة أو غير ذلك. ويمتنع وجود الفعل بفاعل ~~موجود قبل وجوده، معدوم عند وجوده، وكذلك سائر ما به يصير الفاعل فاعلا. # فإن قيل: الشرط هو عدم الحادث الأول، وهذا العدم مقارن للحادث الثاني. # قيل: فالعدم لا يكون تمام المؤثر؛ فإن العدم يمتنع أن يكون مؤثرا في ~~الوجود؛ إذا قدر أنه يشترط في فعل أحد الضدين عدم الآخر ونحو ذلك؛ فلا بد ~~أن يتضمن عدم المانع أمرا ثبوتيا يحصل به تمام كون الفاعل فاعلا، وعندهم ~~الفاعل هنا، حاله قبل الحادث وبعده سواء. PageV01P182 # وإن قالوا: تجدد قبول المحل للحدوث، وهذا كان ممتنعا قبل انقضاء الحادث الأول. # قيل: فانقلاب ms091 الشيء من الامتناع إلى الإمكان لا بد أن يكون بسبب حادث؛ ~~والكلام في حدوث هذا القبول كالكلام في الحادث المقبول، وليس هناك سبب أوجب ~~حدوثه؛ فيلزم الحدوث بلا سبب. # فإن قيل: فهذا السؤال وإن كان مفحما؛ لكن يلزم مثله غيرنا من الطوائف؛ ~~ولهذا استعظم الرازي هذا السؤال، ورأى أنه وارد على جميع الطوائف؛ فإن من ~~قال: «يفعل بعد أن لم يكن فاعلا من غير شيء». يلزمه مثل ذلك1. # قيل لهم: هؤلاء وإن شاركوهم في أصل هذا السؤال؛ لكن أولئك قالوا بتجدد ~~جنس الفعل بدون سبب حادث، وأنتم قلتم بدوام حدوث الحوادث عن ذات بسيطة ~~مستلزمة لمعلولها، لا يحدث عنها شيء؛ فقولكم أظهر فسادا وتناقضا. # وأما سلف الأمة وأئمتها الذين يقولون: إنه لم يزل سبحانه متكلما إذا شاء؛ ~~ويقولون: لم يزل فاعلا لما يشاء؛ ويقولون: إنه تقوم بذاته الأمور ~~الاختيارية؛ ويقولون: إنه كان ولم يزل متصفا بما أخبر أنه كان موصوفا به. ~~فهذا السؤال المفحم لا يرد عليهم. # أما من2 يقولون: هو متكلم وفاعل بمشيئته وقدرته؛ كلاما بعد كلام وفعلا ~~بعد فعل؛ ونفسه هي موجبة لما يصدر عنها من أقوال وأفعال؛ لكن يوجب الثاني ~~بشرط انقضاء الأول؛ فالأول إذا انقضى أوجبت النفس لها حالا3 بها تفعل ~~الثاني؛ والموجب لتلك الحال هو نفسها المتصفة بالأمور الثبوتية التي هي ~~كمال في حقها. PageV01P183 # ومعلوم أنه يمتنع فعل الشيء إلا بلوازمه، ويمتنع وجوده مع ضده؛ فإذا كان ~~تأخير الثاني لوجود ضده أو لامتناع لوازمه، كان قد صار ممكنا بعد أن لم ~~يكن: بما1 تجدد من الحوادث التي2 جعلته ممكنا. # وهذا بخلاف ما إذا كانت الذات لا تقوم بها الأحوال؛ فإنه ليس هناك ما ~~يتصور حدوث شيء عنها3 - فلم يثبتوا حوادث مختلفة متجددة عن ذات بسيطة؛ بل ~~ذات متصفة بصفات وأفعال، وهذا أمر ممكن باتفاق العقلاء. # وإنما الأمر المردود في فطرة كل عاقل فهو ما ادعوه؛ ولهذا كان عامة ~~حذاقهم يقدرونه من محارات عقولهم؛ كما ذكر ذلك ابن رشد الحفيد الفيلسوف في ~~«تهافت التهافت»، وكما ذكره ms092 أبو عبد الله الرازي في «المطالب العالية». ### || AUTO [كلام أبي عبد الله الرازي في كتاب «المطالب العالية» عن أفعال ~~الله، والتعليق عليه]: # قال4: «وأما معرفة أفعال الله5 ففيه موقف حارت6 العقول وضلت الأفهام ~~فيه7، وهو إسناد الأثر المتغير إلى مؤثر لا يتغير البتة، كيف يعقل؟ فإنه ما ~~لم يحدث إرادة، أو يغير وقت، أو حدوث مصلحة، أو زوال عائق - فإنه يمتنع أن ~~يصير فاعلا بعد أن لم يكن كذلك. PageV01P184 # أما1 القائلون بحدوث العالم، فقد احتاجوا2 إلى دفع هذه العقدة، وأما ~~القائلون بقدم3 العالم، فقد ظنوا أنهم تخلصوا من4 هذه العقدة5. # وليس الأمر كذلك؛ فإنه لا شك في حدوث الصور6 والأعراض في هذا العالم؛ وأن ~~هذه الأحوال قد توجد بعد عدمها، وتعدم7 بعد وجودها؛ فإن أسندنا كل حادث إلى ~~حادث [آخر] 8 من غير إسنادها إلى موجود واجب قائم بنفسه9 - فهو محال؛ وإن ~~وجب انتهاؤها وإسنادها بالآخر10 إلى موجود واجب لذاته، متنزه11 عن جهات ~~التغير، فقد عاد الإشكال». # قلت: فقد تبين أن هذه العقدة التي لزمت هؤلاء وهؤلاء، إنما لزمتهم لكونهم ~~لم يوافقوا النصوص النبوية فيما دلت عليه من أن الفاعل تعالى تقوم به ~~الأمور الاختيارية؛ فإن القرآن والسنة مملوء من تقرير هذا الأصل، وهو مذهب ~~أئمة أهل السنة والحديث. # وليس في أئمة الإسلام من نازع في هذا؛ وإنما نازع فيه من أخذ قوله عن ~~الجهمية والمعتزلة؛ وحينئذ فلا إشكال -ولله الحمد- على مذهب السلف والأئمة؛ ~~بل هو الذي تطابق عليه صريح المعقول مع صحيح المنقول. PageV01P185 # وهذا الأصل يوافق عليه أئمة الطوائف الكبار من أهل الملل: المسلمين واليهود ~~والنصارى وغيرهم؛ ومن الفلاسفة أيضا؛ كما قد بسط الكلام على أقوال الناس في ~~هذا الأصل وغيره في غير هذا الموضع. ### || AUTO [حكاية أبي عيسى الوراق لأقوال الفلاسفة في أفعال الله]: # وقد ذكر اختلاف الفلاسفة في ذلك غير واحد ممن صنف في مقالاتهم؛ كما ذكر ~~ذلك أبو عيسى الوراق1 وغيره. # قالوا2: «قال سقراط3 وأفلاطون4 PageV01P186 ~~وأرسطو1: إن الباري لا يعبر عنه إلا بهو فقط، وهو الهوية ms093 المحضة غير ~~المتكثرة، وهو2 الحكمة المحضة، والحق المحض». وذكر تمام كلامهم3. # قالوا4: «وقال تاليس5 وبلاطوحس6 ولوقيوس7 PageV01P187 ~~وكسمايس1 وأنبدقليس2 جميعا: «إن الباري واحد ساكن»، غير [أن] 3 أنبدقليس ~~قال: إنه متحرك بنوع سكون؛ كالعقل المتحرك بنوع سكون، وذلك4 جائز، لأن ~~العقل إذا كان مبدعا فهو متحرك بنوع PageV01P188 ~~سكون، فلا محالة أن المبدع متحرك بنوع سكون1؛ لأنه [علة] 2». # قالوا: «وتابعه3 على هذا القول فيثاغورس4 ومن بعده إلى زمن أفلاطون. وقال زينون5 PageV01P189 ~~وديمقراط1 وساعوريون2: إن الباري تعالى3 متحرك في الحقيقة، وإن حركته فوق ~~[الذهن] 4 فليست زوالا». # قالوا: «وقال تاليس -وهو أحد أساطين الحكمة-: إن صفة الباري تعالى4 لا ~~تدركها العقول إلا من جهة آثاره، فأما من جهة هويته فغير مدرك له صفة من ~~نحو ذاته، بل من نحو ذواتنا، وكان يقول: أبدع الله5 العالم ليس لحاجة6 ~~إليه، بل لفضله، ولولا ظهور أفاعيل الفضيلة لم يكن ههنا وجود، وكان يقول: ~~إن فوق السماء عوالم مبدعة، أبدعها من لا تدرك العقول كنهه. # وقال فيثاغورس نحو قول تاليس: لا يدرك من جهة النفس، هو فوق الصفات ~~العلوية الروحانية7، غير مدرك من نحو هويته8؛ بل من قبل PageV01P190 ~~آثاره في كل عالم [فيوصف وينعت بقدر ظهور تلك الآثار في ذلك العالم] 1، وهو ~~الواحد الذي إذا رامت العقول إدراك معرفته، عرفت أن ذواتها مبدعة مسبوقة ~~مخلوقة2». # قالوا: «وقال أنكسمانس3 نحو مقالة هذين، غير أنه قال: يجوز4 لقائل أن ~~يقول: إن الباري يتحرك بحركة فوق هذه الحركات». ### || AUTO [كلام أبي البركات ابن ملكا في «المعتبر» عن أفعال الله وأقوال ~~الفلاسفة فيها، والتعليق عليه]: # قلت: وممن ذكر القولين من متأخريهم أبو البركات صاحب «المعتبر»؛ حكى ~~المقالتين عن غيره، بل عن القائلين بقدم العالم، واختار قول المثبتة، فقال5: # «قال القائلون بالحدوث للقدميين: فإذا كان الله6 لم يزل [جوادا] 7 خالقا ~~قديما في الأزل، فالحوادث في العالم كيف وجدت: أعن القديم أم عن غيره؟ # فإن قلتم: هو خالقها وعنه صدر8 وجودها، فقد قلتم بأن القديم خلق المحدث ~~وأراد خلقه بعد أن لم ms094 يرد، وإن قلتم: [إن] 9 غيره فعل PageV01P191 ~~الحوادث1، فقد أشركتم بعدما بالغتم في التوحيد لواجب الوجود بذاته». # قال2: «فقال القدميون: بل الخالق الأول الواحد القديم3، هو خالق ~~المخلوقات بأسرها من قديم وحديث؛ وحده لا شريك له في وجوده وخلقه وملكه وأمره. # وتشعب رأيهم في ذلك إلى4 مذهبين؛ فمنهم من قال: إنه خلق الأشياء القديمة ~~دائمة5 الوجود بدوام وجوده6، والحوادث شيئا بعد شيء؛ أراد فخلق وخلق فأراد، ~~أوجب7 خلقه إرادته وأوجبت8 إرادته خلقه. # مثال ذلك: أنه أراد خلق آدم الذي هو الأب، فخلقه وأوجده؛ واقتضى وجود ~~الأب من جوده وجود الابن9؛ أراد فجاد وجاد فأراد، إرادة بعد إرادة، لموجود ~~بعد موجود. # فإذا قلتم: لم أوجد؟ # قيل: لأنه أراد فجاد. # ولم أراد؟ PageV01P192 # [قيل] 1: لأنه أوجد، فوجود الحوادث يقتضي بعضها2 بعضا من جوده3 السابق ~~واللاحق4. # [فإن] 5 قالوا: كيف تحدث له الإرادة بعد الإرادة، وكيف تكون6 له حال ~~منتظرة تكون بعد أن لم تكن7، وكيف يكون محل الحوادث؟ # قيل: وكيف يكون8 محلا لغير الحوادث؛ أعني الإرادة القديمة؟ # فإن قيل: لأنها له منه. # قيل: والإرادات الحديثة9 له منه. # فإن قيل: الإرادة10 القديمة له في قدمه. # قيل: والحديثة له من قدمه11؛ لأن السابق من جوده12 بالإرادة السابقة أوجب ~~عنده إرادة لاحقة، فأحدث13 خلقا بعد خلق بإرادة بعد إرادة، وجبت في حكمته ~~من خلقه بعد خلقه، فاللاحق من إرادته وجب PageV01P193 ~~عن1 سابق إرادته بتوسط مراداته، وهكذا هلم جرا». # قال2: «والتنزيه عن الإرادة الحادثة كالتنزيه عن الإرادة القديمة في كونه ~~محلا لها، لكنه لا وجه لهذا التنزيه كما سنتكلم عليه في «فصل العلم» إذا ~~قلنا في علمه: لم3 يعلم؟ وكيف يعلم؟». # قال4: «فهذا أحد المذهبين». # قال5: «وأما المذهب الآخر، فإن أهله يقولون: إن كل حادث يتجدد بعد عدمه ~~فله سبب يوجب حدوثه، وذلك6 السبب حادث أيضا، حتى ترتقي أسباب الحوادث إلى ~~الحركة الدائمة في المتحركات الدائمة7». # وساق تمام قول هؤلاء، وهو قول أرسطو وأتباعه8. # قلت: وقد نقل غير واحد أن أول من قال بقدم العالم من الفلاسفة ms095 هو أرسطو، ~~وأما الأساطين قبله فلم يكونوا يقولون بقدم صورة الفلك؛ وإن كان لهم في ~~المادة أقوال أخر. # وقال أيضا أبو البركات في «مسألة العلم9»، لما رد على من زعم أنه سبحانه ~~لا يعلم الجزئيات، حذرا من التغير والتكثر10 في ذاته، وذكر حجة أرسطو وابن ~~سينا ونقضها11، PageV01P194 ~~وقال1: «فأما القول بإيجاب الغيرية فيه بإدراك الأغيار؛ والكثرة بكثرة ~~المدركات، فجوابه المحقق: أنه لا يتكثر بذلك تكثرا في ذاته، بل في إضافاته ~~ومناسباته؛ وتلك مما لا تعيد2 الكثرة على هويته وذاته، ولا الوحدة التي ~~أوجبت له في3 وجوب وجوده بذاته، ومبدئيته الأولى التي بها عرفناه، وبحسبها ~~أوجبنا له ما أوجبنا وسلبنا عنه ما سلبنا، هي وحدة مدركاته ونسبه وإضافاته، ~~بل إنما هي وحدة حقيقتة وذاته وهويته». # قال4: «ولا تعتقدون أن الوحدة المقولة في صفات واجب الوجود بذاته - قيلت ~~على طريق التنزيه، بل لزمت بالبرهان5 عن مبدئيته الأولى6 ووجوب وجوده ~~بذاته، والذي لزم عن ذلك لم يلزم إلا في حقيقته وذاته، لا في مدركاته ~~ومضافاته7، فأما أن8 يتغير بإدراك المتغيرات فذلك أمر إضافي، لا معنى له9 ~~في نفس الذات، وذلك مما لا10 تبطله الحجة، ولم يمنعه البرهان11، ونفيه من ~~طريق التنزيه PageV01P195 ~~والإجلال لا وجه له، بل التنزيه من هذا التنزيه، والإجلال من هذا الإجلال أولى». # وتكلم أبو البركات على قول أرسطو؛ إذ1 قال2: «من المحال أن يكون كماله ~~بعقل3 غيره، إذ كان جوهرا في الغاية من الإلهية والكرامة PageV01P196 ~~والعقل فلا يتغير، والتغير فيه انتقال إلى الأنقص، وهذا هو حركة ما، فيكون ~~هذا العقل ليس عقلا بالفعل لكن بالقوة». # فقال أبو البركات1: «ما قيل في منع التغير مطلقا حتى يمنع التغير في ~~المعارف والعلوم: فهو غير لازم في التغير مطلقا، بل هو غير لازم البتة، وإن ~~لزم كان لزومه في بعض تغيرات الأجسام، مثل الحرارة والبرودة، وفي بعض ~~الأوقات، لا في كل حال ووقت، ولا يلزم مثل ذلك في النفوس التي تخصها ~~المعرفة والعلم دون الأجسام؛ فإنه يقول: إن كل تغير وانفعال3 فإنه يلزم ms096 أن ~~يتحرك قبل ذلك التغير4 حركة مكانية». # قال5: «وهذا محال، فإن النفوس6 تتجدد لها المعارف والعلوم من غير أن ~~تتحرك على7 المكان على رأيه، فإنه8 لا يعتقد فيها أنها مما تكون9 في مكان ~~البتة، فكيف أن تتحرك فيه؟ # وإنما ذلك للأجسام في بعض التغيرات والأحوال كالتسخين والتبرد10، ولا ~~يلزم فيهما أبدا11، وإنما12 ذلك فيما يصعد بالبخار من PageV01P197 ~~الماء، ويتدخن من الأرض من الأجزاء التي هي كالهباء دون غيرها من الأحجار ~~الكبار [الصلبة] 1 التي تحمى حتى تصير بحيث تحرق وهي في مكانها لا تتحرك، ~~والماء يسخن بسخونة2 كثيرة وهو في مكانه لا يتبخر، وإنما يتبخر3 منه بعض ~~الأجزاء. # ثم تكون الحركة المكانية بعد الاستحالة لا قبلها؛ كما قال: إن جميع هذه ~~هي حركات توجد بأخرة بعد الحركة المكانية، وفيما عدا ذلك فقد يسود الجسم ~~ويبيض وهو4 في مكانه لم يتحرك، ولا يتحرك قبل الاستحالة ولا بعدها. # فما لزم5 هذا في كل جسم، بل في بعض الأجسام، ولا في كل حال ووقت؛ بل في ~~بعض الأحوال والأوقات، ولا كان ذلك على طريق التقدم كما قال، بل على طريق ~~التبع6، ولو لزم في التغيرات الجسمانية لما لزم في التغيرات النفسانية، ولو ~~لزم في التغيرات النفسانية أيضا لما لزم انتقال الحكم فيه إلى التغيرات في ~~المعارف والعلوم والعزائم والإرادات، فالحكم الجزئي لا يلزم كليا ولا يتعدى ~~من البعض إلى البعض، وإلا لكانت الأشياء على حال واحد7». # قال8: «والقائلون بالحدوث قالوا: إنه لا يحتاج9 إلى هذا PageV01P198 ~~التمحل1 - وسموه على طريق المجادلة باسم «التمحل2» للتشنيع والتسفيه - بل ~~نقول: بأن المبدئ المعيد خلق العالم وأحدثه بإرادة قديمة أزلية، أراد بها ~~في القدم3 إحداث العالم حين4 إحداثه5». # قال6: «وقد قيل7 في جوابهم: إن ذلك المبدأ - يعني المفعول الأول8 - لا ~~يتغير ويتخصص9 في القدم، إلا بمعقول يجعله مقصودا10 في العلم القديم عند ~~الإرادة القديمة؛ حيث أراده11 في مدة القدم12 السابق لحدوث13 العالم التي ~~هي مدة غير متناهية البداية، وما لا يعقل14 ولا يتصور لا يعلم، وما لا يمكن ms097 ~~أن يعلم لا يعلمه عالم؛ لا لأن15 الله16 لا يقدر على علمه، لكن لأنه في ~~نفسه غير مقدور عليه. PageV01P199 # ثم ما الذي يقولونه في حوادث العالم؛ من1 مشيئة الله تعالى وإرادته التي ~~بها يقبل الدعاء من الداعي، ويحسن إلى المحسن، ويسيء إلى المسيء2، ويقبل ~~توبة التائب، ويغفر للمستغفر - هل يكون ذلك عنه أو3 لا يكون؟ # فإن قالوا: بأنه لا يكون، أبطلوا بذلك الشرع الذي قصدهم نصرته، وأبطلوا ~~حكم أوامره ونواهيه، وكل ما جاء لأجله من الحث على الطاعة والنهي عن ~~المعصية. # وإن قالوا: «يكون ذلك بأسره عنه»، فهل هو بإرادة أم بغير إرادة؟ وكونه ~~بغير إرادة أشنع، وإن كان بإرادة فهل هي إرادة4 قديمة أو محدثة؟ # فإن كانت قديمة، فالإرادات القديمة غير واحدة، وما أظنهم يقولون: إن ~~المرادات الكثيرة صدرت عن إرادة واحدة». # قال5: «وإن قالوا إن ذلك يصدر عنه بإرادات حادثة، فقد قالوا بما هربوا ~~منه أولا». # قلت: أبو البركات -لاستبعاد عقله أن تصدر المرادات الكثيرة عن إرادة ~~واحدة- ظن أنهم لا يقولون به؛ ولم يكن له من الخبرة بأقوال المتكلمين ما له ~~من الخبرة بأقوال المتفلسفة؛ وإلا6 فكثير من النظار؛ PageV01P200 ~~كابن كلاب وموافقيه؛ كالأشعري وأكثر متبعيه من أهل الكلام والرأي والحديث ~~والتصوف من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؛ كالقاضي أبي يعلى وأبي المعالي ~~الجويني وأبي الوليد الباجي1 وأبي منصور الماتريدي2 وغيرهم - يقولون: إنه ~~يعلم المعلومات كلها بعلم واحد بالعين؛ ويريد المرادات كلها بإرادة واحدة ~~بالعين. # بل يقولون: إن كلامه الذي يتضمن كل أمر أمر [به] 3، وكل خبر أخبر به، هو ~~أيضا واحد بالعين، وإن كان جمهور العقلاء يقولون: إن فساد هذا معلوم ~~بالضرورة بعد التصور التام. PageV01P201 # ثم تنازع القائلون بهذا الأصل: هل كلامه معنى فقط، والقرآن العربي لم يتكلم ~~به، ولا بالتوراة العبرانية، ولا تكلم بشيء من الحروف، أو كلامه1 الحروف، ~~أو الحروف والأصوات التي نزل بها القرآن وغيره، وهي قديمة أزلية؟ - على قولين. # ومن القائلين بقدم أعيان الحروف، أو الحروف والأصوات، من لا يقول: هي ~~واحدة بالعين، بل يقول: ms098 هي متعددة، وإن كانت لا نهاية لها، ويقول بثبوت2 ~~حروف أو حروف ومعان لا نهاية لها في آن واحد، وأنها لم تزل ولا تزال. # ومن القائلين بقدم معنى الكلام، وأنه لم يتكلم بحروف من يقول: القديم ~~خمسة معان؛ ومنهم [من] 3 يقول: ذلك المعنى يعود إلى الخبر، ويجعل الأمر ~~داخلا في معنى الخبر، ومنهم من يرد الخبر إلى العلم، ومنهم من يقول -مع ~~ذلك-: إن العلم ليس صفة قائمة بالعالم4. ### || AUTO [أقوال ومرويات السلف والمقاربين لهم في بيان مذهبهم في أفعال الله]: # وأما أقوال السلف وعلماء الإسلام في هذا الأصل؛ وما في ذلك من نصوص ~~الكتاب والسنة؛ فهذا أعظم من أن يسعه هذا الشرح. # ومن كتب التفسير المنقولة عن السلف؛ مثل تفسير عبد الرزاق5، PageV01P202 ~~وعبد بن حميد1، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد2، وعبد ~~الرحمن بن إبراهيم: دحيم3، وعبد الرحمن بن أبي حاتم4، ومحمد بن جرير ~~الطبري5، وأبي بكر [بن] PageV01P203 ~~المنذر1، وأبي بكر عبد العزيز2، وأبي الشيخ الأصفهاني3، وأبي بكر [بن] ~~مردويه4، وغيرهم - من ذلك ما تطول حكايته. PageV01P204 # وكذلك الكتب المصنفة في السنة، والرد على الجهمية، وأصول الدين؛ المنقولة ~~عن السلف؛ مثل كتاب «الرد على الجهمية» لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ ~~البخاري1، وكتاب «خلق الأفعال» للبخاري، PageV01P205 ~~وكتاب «السنة» لأبي داود السجستاني1، ولأبي بكر الأثرم2، ولعبد الله بن ~~أحمد بن حنبل3، ولحنبل بن إسحاق4، ولأبي بكر الخلال5، ولأبي الشيخ ~~الأصفهاني، ولأبي القاسم PageV01P206 ~~الطبراني1، ولأبي عبد الله بن منده2، وأمثالهم. # وكتاب «الشريعة» لأبي بكر الآجري3، و«الإبانة» لأبي عبد الله بن PageV01P207 ~~بطة1، وكتاب «الأصول» لأبي عمر الطلمنكي2، وكتاب «رد عثمان بن سعيد ~~الدارمي»، وكتاب «الرد على الجهمية» له3، وأضعاف هذه الكتب. PageV01P208 ### || AUTO [أمثلة من أقوالهم ومروياتهم في كتب متفرقة]: # وذلك مثل ما ذكره الخلال وغيره، عن إسحاق بن راهويه، ثنا1 بشر بن عمر2، ~~قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ~~أي: ارتفع. # وقال البخاري في «صحيحه»: «قال أبو العالية: {استوى إلى السماء} [البقرة: ~~29]: ارتفع»، ms099 «وقال مجاهد4: استوى: علا على العرش» 5. # وقال البغوي6 في «تفسيره»: «قال ابن عباس وأكثر مفسري PageV01P209 ~~السلف: {استوى إلى السماء}: ارتفع إلى السماء1». # وكذلك قال الخليل بن أحمد3. # وروى البيهقي4 PageV01P210 ~~عن الفراء: «استوى؛ أي: صعد، وهو كقول الرجل: كان قاعدا فاستوى قائما» 2. # وروى الشافعي في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال عن يوم ~~الجمعة: «وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش». # وروى أبو بكر الأثرم «عن الفضيل بن عياض4 قال: ليس لنا أن PageV01P211 ~~نتوهم في الله كيف وكيف؛ لأن الله وصف فأبلغ؛ فقال: {قل هو الله أحد • الله ~~الصمد} 1 فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه؛ وكل2 هذا النزول والضحك، وهذه ~~المباهاة وهذا3 الاطلاع؛ كما شاء أن ينزل4، وكما شاء أن يضحك؛ فليس لنا أن ~~نتوهم أن كيف وكيف5. وإذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب ينزل عن مكانه. فقل ~~أنت6: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء». # وقال البخاري في كتاب: «خلق الأفعال» 7: «وقال الفضيل بن عياض: إذا قال ~~لك الجهمي8: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء». PageV01P212 # قال البخاري1: «وحدث2 يزيد بن هارون3 عن الجهمية؛ فقال4: من زعم أن الرحمن ~~على العرش استوى على خلاف ما تقرر5 في قلوب العامة، فهو جهمي». # وروى الخلال عن سليمان بن حرب6 أنه سأل بشر بن السري7 حماد بن زيد؛ فقال: ~~يا أبا إسماعيل، الحديث: (ينزل الله إلى السماء الدنيا) 8 PageV01P213 ~~PageV01P214 # يتحول1 من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو في مكانه، يقرب من ~~خلقه كيف شاء. ### || AUTO [قول الأشعري في كتاب «مقالات الإسلاميين»]: # وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب «المقالات» عن أهل السنة والحديث؛ ~~فقال2: «ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم3 [(أن ~~الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟) كما جاء في ~~الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم] 4، ويأخذون بالكتاب والسنة؛ كما ~~قال تعالى5: {فإن تنازعتم في شيء ms100 فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59]. # ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، ولا يحدثون6 في دينهم ما لم يأذن به ~~الله، ويقرون أن الله تعالى7 يجيء يوم القيامة؛ كما قال: {وجاء ربك والملك ~~صفا صفا} [الفجر: 22]. وأن الله يقرب من خلقه كما يشاء8؛ كما قال: {ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16]». # ثم قال الأشعري9: «وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب». ### || AUTO [قول أبي عثمان الصابوني النيسابوري في رسالته في «السنة»]: # وقال أبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام في رسالته PageV01P215 ~~المشهورة في السنة1؛ قال2: «ويثبت أهل الحديث3 نزول الرب سبحانه في كل4 ~~ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا ~~تكييف، بل يثبتون له5 ما أثبته له4 رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون ~~فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله. # وكذلك يثبتون ما أنزل الله6 في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين ~~في قوله عز وجل: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة} [البقرة: 210] 7، وقوله عز وجل8: {وجاء ربك والملك صفا صفا}». # وقال9: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ10 يقول: سمعت [*أبا PageV01P216 ~~زكريا يحيى بن محمد العنبري1 يقول: سمعت إبراهيم بن*] أبي طالب2، سمعت3 ~~أحمد بن سعيد الرباطي4 يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر5 ذات يوم؛ ~~وحضر إسحاق بن إبراهيم -يعني PageV01P217 ~~ابن راهويه- فسئل1 عن حديث النزول: صحيح هو؟ فقال2: نعم. فقال3 بعض قواد ~~عبد الله: يا أبا يعقوب، أتزعم أن الله ينزل كل4 ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ~~ينزل؟ قال5: أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبته فوق. فقال ~~إسحاق: قال الله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22]. فقال له ~~الأمير عبد الله بن طاهر6: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة. فقال إسحاق: أعز ~~الله الأمير، من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟». # وروى بإسناده8 عن إسحاق قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا ms101 أبا ~~يعقوب، هذا الحديث الذي تروونه عن النبي9 صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا ~~كل ليلة إلى السماء الدنيا). كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال ~~لأمر الرب: كيف ينزل11؟ إنما ينزل بلا كيف. # وبإسناده أيضا12 عن عبد الله بن المبارك أنه سأله سائل عن النزول ليلة ~~النصف من شعبان13؛ فقال عبد الله: «يا ضعيف، ليلة النصف؟! PageV01P218 # - أي وحدها1؟ - ينزل2 في كل ليلة. فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن3، كيف ~~ينزل؟ أليس يخلو4 ذلك المكان5؟ فقال عبد الله بن المبارك6: ينزل كيف شاء». # قال أبو عثمان النيسابوري7: «فلما صح خبر النزول عن النبي8 صلى الله عليه ~~وسلم أقر به أهل السنة، وقبلوا الحديث، وأثبتوا النزول9 على ما قاله PageV01P219 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه، وعلموا ~~وعرفوا واعتقدوا وتحققوا أن صفات الرب1 لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا ~~تشبه ذوات الخلق، سبحانه وتعالى2 عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا». ### || AUTO [قول البيهقي في كتاب «الأسماء والصفات»]: # وروى البيهقي3 بإسناده عن إسحاق بن راهويه؛ قال: «جمعني وهذا المبتدع ~~-يعني إبراهيم بن أبي صالح4 - مجلس الأمير عبد الله بن طاهر؛ فسألني الأمير ~~عن أخبار النزول فثبتها5، فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، ~~فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء. فرضي عبد الله كلامي، وأنكر على إبراهيم». ### || AUTO [قول حرب الكرماني في مصنفه في «مسائل أحمد وإسحاق»]: # وقال حرب بن إسماعيل الكرماني6 في كتابه المصنف في «مسائل أحمد وإسحاق» ~~مع ما ذكر فيها من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم؛ قال: «باب، القول في المذهب: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر ~~المعروفين بها، المقتدى بهم فيها؛ وأدركت PageV01P220 ~~من أدركت من علماء العراق والحجاز والشام عليها؛ فمن خالف شيئا من هذه ~~المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها1 فهو مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن ~~سبيل السنة ومنهج الحق؛ وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن مخلد ms102 وعبد ~~الله بن الزبير الحميدي2 وسعيد بن منصور3 وغيرهم، ممن جالسنا وأخذنا عنهم ~~العلم». # وذكر الكلام في الإيمان، والقدر، والوعيد، والإمامة، وما أخبر به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وأمر البرزخ، وغير ذلك، إلى أن قال: ~~«وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة ~~يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله تعالى على عرشه، عز ذكره، وتعالى ~~جده، ولا إله غيره. # والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، ~~حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، ~~ويسمع ويبصر وينظر، ويقبض ويبسط، ويفرح ويحب، ويكره ويبغض، ويسخط ويغضب، ~~ويرحم ويعفو ويغفر، PageV01P221 ~~ويعطي ويمنع، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، متكلما، عالما، ~~تبارك الله أحسن الخالقين». ### || AUTO [قول الخلال في كتاب «السنة»]: # وروى أبو بكر الخلال في كتاب «السنة» قال: «أخبرني به يوسف بن موسى1: أن ~~أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- قيل له: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ~~ويكلمونه ويكلمهم؟ قال: نعم؛ ينظر إليهم وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه، ~~كيف شاء وإذا شاء». # وقال أيضا: «أخبرني عبد الله بن حنبل2؛ أخبرني أبي حنبل بن إسحاق، قال: ~~قال عمي3: نحن نؤمن بأن الله على العرش، كيف شاء وكما شاء». # قال الخلال: «وأخبرني علي بن عيسى4 أن حنبلا حدثهم، قال: قلت لأبي عبد ~~الله: الله يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلائق إلا ~~الله عز وجل؟! يكلم عبده ويسأله، الله متكلم؛ لم يزل الله PageV01P222 ~~متكلما1: يأمر بما شاء ويحكم بما شاء -وليس له عدل ولا مثل- كيف شاء وأين شاء». # قال الخلال: وأنا2 محمد بن علي بن بحر3 أن يعقوب بن بختان4 حدثهم: أن أبا ~~عبد الله سئل عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت؟ قال: بلى، تكلم بصوت؛ وهذه ~~الأحاديث كما جاءت نرويها؛ لكل حديث وجه، يريدون أن يموهوا على الناس؛ من ~~زعم أن الله لم يكلم ms103 موسى فهو كافر. # وأخبرنا المروذي5: سمعت أبا عبد الله، وقيل له: إن عبد الوهاب6 قد تكلم؛ ~~وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت، فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام. ~~فتبسم أبو عبد الله، وقال: «ما أحسن ما قال! عافاه الله». PageV01P223 ### || AUTO [قول عبد الله بن أحمد في كتاب «السنة»]: # وعن عبد الله بن أحمد أيضا: «سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى ~~لم يتكلم بصوت، فقال أبي: بل2 تكلم تبارك وتعالى3 بصوت، وهذه4 الأحاديث ~~نرويها كما جاءت، وحديث5 ابن مسعود: (إذا تكلم الله بالوحي6 سمع له صوت كجر ~~السلسلة على الصفوان) 7. PageV01P224 # قال أبي: والجهمية1 تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار، يريدون أن يموهوا على ~~الناس، أن من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر2». # قلت: قد بين الإمام أحمد وغيره من السلف أن الصوت الذي تكلم الله تعالى ~~به ليس هو الصوت المسموع؛ وسئل أحمد عن قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا ~~من لم يتغن بالقرآن)، قال: هو الرجل يرفع صوته به هذا معناه3. PageV01P225 # وقال في قوله صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم) 1. يحسنه ~~بصوته2. PageV01P226 ### || AUTO [قول البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد»]: # وقال البخاري في كتاب «خلق الأفعال» 1: «ويذكر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (أن الله ينادي2 بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)، وليس هذا لغير ~~الله». قال البخاري4: «وفي هذا دليل على أن5 صوت الله لا يشبه أصوات الخلق؛ ~~لأن صوت الله6 يسمع من بعد كما يسمع من قرب؛ وأن الملائكة يصعقون من صوته، ~~فإذا تنادى7 الملائكة لم يصعقوا، قال تعالى8: {فلا تجعلوا لله أندادا} ~~[البقرة: 22]. فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في ~~المخلوقين». # ثم روى9 بإسناده حديث عبد الله بن أنيس؛ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: ~~أنا الملك، الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من ms104 أهل ~~النار10 يطلبه بمظلمة) 11. PageV01P227 # وذكر1 الحديث الذي رواه أيضا في صحيحه في هذا المعنى في قوله: {حتى إذا فزع ~~عن قلوبهم} الآية [سبأ: 23]؛ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله2 صلى الله ~~عليه وسلم: (يقول الله3 يوم القيامة: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك4. فينادي ~~بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: يا رب، ما بعث ~~النار5؟ قال: من كل ألف -أراه قال- تسعمائة وتسعة وتسعين6. فحينئذ تضع ~~الحامل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد) 7. PageV01P228 # وذكر البخاري حديث ابن مسعود، الذي استشهد به أحمد1، وذكر2 الحديث الذي ~~رواه في صحيحه عن عكرمة قال: سمعت أبا هريرة3 يقول: إن نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إذا قضى الله4 الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها ~~خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير) 5. # وذكر البخاري6 حديث ابن عباس المعروف، من حديث الزهري7 عن علي بن الحسين8 ~~عن ابن عباس عن نفر من الأنصار. وقد رواه PageV01P229 ~~أحمد ومسلم في صحيحه، وساقه البخاري من طريق ابن إسحاق عنه1 PageV01P230 ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: (ما تقولون في هذه النجوم التي ~~يرمى بها1؟)، قالوا: كنا نقول2 حين رأيناها يرمى بها3: مات ملك، ولد ~~مولود4. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس ذلك كذلك، ولكن إذا قضى ~~الله في خلقه أمرا يسمعه حملة العرش، فيسبحون5 فيسبح من تحتهم بتسبيحهم، ~~فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل التسبيح يهبط6 حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، حتى ~~يقول7 بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم. ~~فيقولون: ألا8 تسألون من فوقكم: مم سبحتم9؟ فيسألونهم، فيقولون: قضى الله ~~في خلقه كذا وكذا. الأمر الذي كان يهبط به الخبر10 من سماء إلى سماء حتى ~~ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثون به، فتسترقه11 الشياطين بالسمع على توهم ~~منهم واختلاف، ثم يأتون به إلى12 الكهان من أهل الأرض، فيحدثونهم13، ms105 ~~فيخطئون ويصيبون، فتحدث14 به الكهان). # قال البخاري15: «ولقد بين نعيم بن حماد16 أن كلام الرب ليس PageV01P231 ~~بخلق1، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو ~~حي، ومن لم [يكن] 2 له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة. فضيق عليه ~~حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به». # قال البخاري3: «وفي اتفاق المسلمين دليل4 على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس ~~بمارق5 ولا مبتدع». ### || AUTO [قول أبي عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين]: # وقال أبو عبد الله بن حامد6 في كتابه في «أصول الدين»: «ومما يجب الإيمان ~~به: التصديق بأن الله متكلم، وأن كلامه قديم، وأنه لم يزل متكلما في كل ~~أوقاته موصوفا بذلك، وكلامه قديم غير محدث، كالعلم والقدرة». # قال: «وقد [يجيء] على المذهب7 أن يكون الكلام صفة متكلم به، PageV01P232 ~~لم يزل موصوفا بذلك، ومتكلما إذا شاء وكلما شاء1، ولا نقول: إنه ساكت في ~~حال ومتكلم في حال، من حيث حدوث الكلام». # قال: «ولا خلاف عن أبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- أن الله لم يزل ~~متكلما قبل أن يخلق الخلق، وقبل كل الكائنات، وأن الله كان فيما لم يزل ~~متكلما، كيف شاء وكما شاء، إذا شاء أنزل كلامه، وإذا شاء لم ينزله». # فقد ذكر ابن حامد أنه لا خلاف في مذهب أحمد أنه سبحانه لم يزل متكلما كيف ~~شاء وإذا شاء2، ثم ذكر قولين: هل هو متكلم دائما بمشيئته؟ أو أنه لم يزل ~~موصوفا بذلك، متكلما إذا شاء وساكتا إذا شاء؟ لا بمعنى أنه يتكلم بعد أن لم ~~يزل ساكتا، فيكون كلامه حادثا، كما يقول الكرامية، فإن قول الكرامية في ~~«الكلام» لم يقل به أحد من أصحاب أحمد. ### || AUTO [قول أبي بكر عبد العزيز في كتاب «المقنع»]: # وكذلك ذكر3 القولين أبو بكر عبد العزيز4 في أول كتابه الكبير المسمى ~~«بالمقنع»، وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب «إيضاح البيان في ~~مسألة القرآن5»: «قال أبو بكر، لما ms106 سألوه: إنكم إذا PageV01P233 ~~قلتم: لم يزل متكلما، كان ذلك عبثا - فقال: لأصحابنا قولان: أحدهما - أنه ~~لم يزل متكلما كالعلم؛ لأن ضد الكلام الخرس، كما أن ضد العلم الجهل. # قال: ومن أصحابنا من قال: قد أثبت لنفسه أنه خالق، ولم يجز أن يكون خالقا ~~في كل حال، بل قلنا: إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق، وإن لم يكن خالقا في ~~كل حال، ولم يبطل أن يكون خالقا، كذلك وإن لم يكن متكلما في كل حال لم يبطل ~~أن يكون متكلما، بل هو متكلم خالق، وإن لم يكن خالقا في كل حال، ولا متكلما ~~في كل حال. ### || AUTO [قول القاضي أبي يعلى في كتاب «إيضاح البيان في مسألة ~~القرآن»]: # قال القاضي أبو يعلى في هذا الكتاب: «نقول: إنه لم يزل متكلما، وليس ~~بمكلم1 ولا مخاطب، ولا آمر ولا ناه، نص عليه أحمد في رواية حنبل، فقال: لم ~~يزل الله متكلما عالما غفورا». # قال: «وقال في رواية عبد الله: لم يزل الله متكلما إذا شاء. وقال حنبل في ~~موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلما، والقرآن كلام الله ~~غير مخلوق». # قلت: أحمد أخبر بدوام كلامه سبحانه؛ ولم يخبر بدوام تكلمه بالقرآن، بل ~~قال: «والقرآن كلام الله غير مخلوق». # قال القاضي: «قال أحمد في الجزء الذي رد فيه على الجهمية والزنادقة2»: ~~«وكذلك الله يتكلم3 كيف شاء، من غير أن نقول: PageV01P234 # جوف ولا فم ولا شفتان» 1 وقال بعد ذلك2: «بل نقول: إن الله لم يزل متكلما ~~إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق3». ### || AUTO [قول أبي إسماعيل الأنصاري في كتاب «مناقب الإمام أحمد»]: # وقال أبو إسماعيل الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام في «مناقب الإمام أحمد» 4 ~~لما ذكر كلامه في مسألة «القرآن» و«ترتيب حدوث البدع»؛ قال: «وجاءت طائفة ~~فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثا». # قال: «وهذه أغلوطة أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة5؛ فانتبه لها أبو ~~بكر بن خزيمة6، وكانت نيسابور دار الآثار، ms107 تمد إليها الدأيات7، وتشد إليها ~~الركائب، ويجلب منها العلم، فابن خزيمة في PageV01P235 ~~بيت، ومحمد بن إسحاق - يعني السراج1 - في بيت، وأبو حامد بن الشرقي2 في بيت». # قال: «فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر، فلم يزل يصيح بتشويهها، ~~ويصنف في ردها، كأنه منذر جيش، حتى دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر، ~~ولقن3 في الكتاتيب، ونقش في المحاريب: أن الله متكلم، إن شاء تكلم، وإن شاء سكت». PageV01P236 # قال: «فجزى [الله] 1 ذلك الإمام وأولئك النفر الغر2، عن نصر دينه وتوقير ~~نبيه خيرا». ### || AUTO [لفظ «السكوت» وما ورد فيه من الآثار وأقوال العلماء]: # قلت: لفظ «السكوت» 3 يراد به السكوت عن شيء خاص، وهذا مما جاءت به ~~الآثار؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ~~وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها) ~~4، والحديث المعروف عن سلمان مرفوعا وموقوفا: (الحلال ما أحله الله في ~~كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) 5. PageV01P237 # والعلماء يقولون: مفهوم الموافقة أن يكون الحكم في المسكوت عنه أولى منه في ~~المنطوق به، ومفهوم المخالفة أن يكون الحكم في المسكوت [عنه] 1 مخالفا ~~للحكم في المنطوق به. # أما السكوت مطلقا2 فهذا هو الذي ذكروا فيه القولين، والقاضي أبو يعلى ~~وموافقوه على أصل ابن كلاب يتأولون كلام أحمد والآثار في ذلك: بأنه سكوت عن ~~الإسماع لا عن التكليم. وكذلك تأول ابن عقيل كلام أبي إسماعيل الأنصاري. PageV01P238 # وليس مرادهم ذلك، كما هو بين لمن تدبر كلامهم، مع أن الإسماع على أصل ~~النفاة إنما هو خلق إدراك في السامع، ليس شيئا1 يقوم بالمتكلم، فكيف يوصف ~~بالسكوت لكونه لم يخلق إدراكا لغيره؟ # فأصل ابن كلاب الذي وافقه عليه القاضي وابن عقيل وابن الزاغوني2 وغيرهم ~~أنه منزه عن السكوت مطلقا3؛ فلا يجوز عندهم أن يسكت عن شيء من الأشياء؛ إذ ~~كلامه صفة قديمة لازمة لذاته، لا تتعلق عندهم بمشيئته -كالحياة-، حتى يقال: ~~إن شاء تكلم بكذا، ms108 وإن شاء سكت عنه. # ولا يجوز عندهم أن يقال: إن الله سكت عن شيء كما جاءت به الآثار، بل ~~يتأولونه على عدم خلق الإدراك. # منزه4 عن الخرس باتفاق الأمة، هذا مما احتجوا به على قدم الكلام، وقالوا: ~~لو لم يكن متكلما للزم اتصافه بضده كالسكوت والخرس، وذلك ممتنع عندهم، سواء ~~قيل: هو سكوت مطلق أو سكوت عن شيء معين. ### || AUTO [قول أبي الحسن الكرجي في كتاب «الفصول»]: # وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي5 الشافعي في كتابه الذي سماه ~~«الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول» 6، وذكر اثني PageV01P239 ~~عشر إماما: الشافعي ومالك وسفيان الثوري1 وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة2 ~~وابن المبارك [والأوزاعي3 والليث بن PageV01P240 ~~سعد] 1 وإسحاق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة2 وأبو حاتم3. # قال فيه: «سمعت [*الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا ~~بكر عبد الله بن أحمد4 يقول: سمعت*] الشيخ أبا حامد PageV01P241 ~~الإسفراييني1 يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار: أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من ~~الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما2 بين ~~الدفتين، وما في صدورنا؛ مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومنقوشا؛ كل3 حرف منه ~~كالباء والتاء - كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، عليه ~~لعائن الله والملائكة والناس أجمعين». # قال أبو الحسن: «وكان الشيخ أبو حامد شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب ~~الكلام». # قال: «ولم يزل4 الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينتسبوا إلى ~~الأشعري، ويتبرؤون مما بنى5 مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم من6 الحوم ~~حواليه، على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة - منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد ~~الساجي7 - يقولون: سمعنا PageV01P242 ~~جماعة من المشايخ الثقاة قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن [أبي] 1 طاهر ~~الإسفراييني إمام الأئمة؛ الذي طبق الأرض علما وأصحابا؛ إذا سعى إلى الجمعة ~~من قطيعة2 الكرخ إلى الجامع المنصور؛ يدخل الرباط المعروف ms109 بالروزي3 المحاذي ~~للجامع، ويقبل على من حضر، ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق، كما قاله أحمد بن حنبل، لا كما يقول الباقلاني. # ويتكرر ذلك منه، فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر4 في الناس وفي أهل ~~[الصلاح] 5، ويشيع الخبر في أهل البلاد: أني بريء مما هم عليه -يعني: ~~الأشعرية- وبريء من مذهب أبي بكر الباقلاني؛ فإن جماعة من المتفقهة الغرباء ~~يدخلون على الباقلاني خفية، ويقرؤون عليه، فيفتنون6 بمذهبه، فإذا رجعوا إلى ~~بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته، وأنا ~~بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته». PageV01P243 # قال1: «وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن العجلي2؛ سمعت عدة من المشايخ ~~والأئمة ببغداد -أظن أبا إسحاق الشيرازي3 أحدهم- قالوا: كان أبو بكر ~~الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعا4، خوفا من الشيخ أبي حامد الإسفراييني». ~~والكلام على ما وقع من إنكار أبي حامد وغيره من أئمة الإسلام على القاضي ~~أبي بكر -مع جلالة قدره وكثرة رده على أهل الإلحاد والبدع، بسبب هذا الأصل ~~الذي بنى عليه مذهبه- طويل، ولبسطه موضع آخر5، وإنما المقصود هنا: التنبيه ~~عن6 بعض من أثبت هذا الأصل ولم يوافق النفاة. ### || AUTO [قول الحارث المحاسبي في كتاب «فهم القرآن»]: # والحارس المحاسبي قد ذكر القولين عن أهل السنة المثبتين الصفات والقدر؛ ~~فقال في كتاب «فهم القرآن»؛ لما تكلم على ما لا يدخل فيه PageV01P244 ~~النسخ وما يدخل فيه، وما يظن أنه1 متعارض من الآيات؛ وذكر عن أهل السنة في ~~الإرادة والسمع والبصر قولين، في مثل قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله} [الفتح: 27]، وقوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها} [الإسراء: 16]، وقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون} [يس: 82]، وكذلك قوله: {إنا معكم مستمعون} [الشعراء: 15]، وقوله ~~تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105] ونحو ذلك -. # فقال: «ذهب قوم من أهل السنة إلى أن لله استماعا حادثا في ذاته». وذكر أن ~~هؤلاء وبعض أهل البدع تأولوا ذلك في الإرادة على الحوادث2. ms110 # قال3: «فأما من أدعى السنة، فأراد إثبات القدر، فقال: إرادة الله تحدث من ~~تقدير سابق للإرادة4. وأما بعض أهل البدع، فزعموا أن الإرادة إنما هي خلق ~~حادث، وليست مخلوقة؛ ولكن بها كون الله PageV01P245 ~~المخلوقين1». # قال2: «وزعموا3 أن الخلق غير المخلوق، وأن الخلق هو الإرادة، وإنها ليست ~~بصفة الله4 من نفسه». # قال5: «وكذلك قال بعضهم: إن رؤيته تحدث». ### || AUTO [قول محمد بن الهيصم في كتاب «جمل الكلام»]: # وقال محمد بن الهيصم6 في كتاب «جمل الكلام» لما ذكر جمل الكلام وأنه مبني ~~على خمسة فصول: PageV01P246 # أحدها: «أن القرآن كلام الله، وقد حكي عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام ~~الله على الحقيقة، وإنما هو كلام خلقه الله فنسب إليه، كما قيل: سماء الله، ~~وأرض الله، وكما1 قيل: بيت الله، وشهر الله. وأما المعتزلة، فإنهم أطلقوا ~~القول بأنه كلام الله على الحقيقة، ثم وافقوا2 جهما في المعنى؛ حيث قالوا: ~~كلام خلقه بائنا عنه. وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على ~~الحقيقة، وأنه تكلم به. # والفصل الثاني: أن القرآن غير قديم، فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا ~~أن الله لم يزل متكلما بالقرآن. وقال أهل الجماعة: إنما تكلم بالقرآن حيث ~~خاطب به جبريل، وكذلك سائر الكتب. # والفصل الثالث: أن القرآن غير مخلوق، فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة ~~زعموا أنه مخلوق، وقال أهل الجماعة: إنه ليس بمخلوق. # والفصل الرابع: أنه غير بائن منه، فإن الجهمية وأتباعهم من المعتزلة ~~قالوا: إن القرآن بائن من الله، وكذلك سائر كلامه، وزعموا أن الله خلق ~~كلاما في الشجرة فسمعه موسى، وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل، ولا يصح ~~عندهم أنه وجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة. وقال أهل الجماعة: بل ~~القرآن غير بائن من الله، وإنما هو موجود منه، وقائم به». # وذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ~~التي ليست أعيانها قديمة ولا مخلوقة3، وهو يحكي ذلك عن أهل الجماعة. PageV01P247 ### || AUTO [قول الدارمي في «النقض على المريسي»]: # وقال الإمام عثمان بن ms111 سعيد الدارمي، في كتابه المعروف ب «نقض عثمان بن ~~سعيد، على المريسي الجهمي العنيد، فيما افترى على الله في التوحيد» 1؛ ~~قال2: «وادعى المعارض3 أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينزل إلى ~~السماء الدنيا حين يمضي من الليل الثلث، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ ~~4 هل من داع؟). PageV01P248 # قال1: «فادعى2 أن لا ينزل3 بنفسه، إنما ينزل أمره ورحمته، وهو على العرش ~~وبكل4 مكان من غير زوال؛ لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول». # قال5: «فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس ~~عنده بيان، ولا لمذهبه برهان؛ لأن أمر الله ورحمته ينزل6 في كل ساعة ووقت ~~وأوان، فما بال النبي صلى الله عليه وسلم يحد لنزوله الليل دون النهار، ~~ويوقت من الليل شطره أو الأسحار؟ # أفأمره ورحمته يدعوان7 العباد إلى الاستغفار؟ أو يقدر الأمر والرحمة أن ~~يتكلما دونه؛ فيقولا8: هل من داع فأجيب له9؟ هل من مستغفر فأغفر له10؟ هل ~~من سائل فأعطيه؟ فإن قررت11 مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما ~~اللذان12 يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله، وهذا محال عند ~~السفهاء، فكيف عند الفقهاء؟ قد علمتم ذاك13، ولكن تكابرون. # وما بال أمره ورحمته14 ينزلان من عنده [شطر] الليل15، ثم يمكثان PageV01P249 ~~إلى طلوع الفجر1، ثم يرفعان؟ لأن رفاعة2 يرويه؛ يقول3 في حديثه: (حتى ينفجر ~~الفجر) 4. وقد5 علمتم -إن شاء الله- أن هذا التأويل أبطل باطل، ولا يقبله6 ~~إلا كل جاهل. # وأما دعواك أن تفسير «القيوم» الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك. فلا يقبل ~~منك7 هذا التفسير إلا بأثر8 صحيح مأثور عن النبي9 صلى الله عليه وسلم، أو ~~عن بعض أصحابه أو التابعين؛ لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا شاء، ~~ويهبط10 ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط، ويقوم PageV01P250 ~~ويجلس إذا شاء؛ لأن أمارة ما بين الحي والميت [التحرك] 1: كل حي متحرك لا ~~محالة2، وكل ميت غير متحرك لا محالة. ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع ~~تفسير نبي الرحمة ms112 ورسول رب العزة؟! إذ3 فسر نزوله مشروحا منصوصا، ووقت له5 ~~وقتا مخصوصا6، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا7». # قال8: «ثم أجمل المعارض جميع ما أنكره9 الجهمية من صفات الله تعالى10 ~~وذاته11 المسماة في كتابه وآثار رسوله12 صلى الله عليه وسلم، فعد منها بضعا ~~وثلاثين13 صفة نسقا واحدا14، يتكلم عليها ويفسرها بما حكى15 المريسي ~~وفسرها، وتأولها حرفا حرفا، خلاف ما عنى الله ورسوله16، وخلاف ما تأولها ~~الفقهاء والصالحون17، لا يعتمد في أكثرها إلا على المريسي. PageV01P251 # فبدأ منها بالوجه، ثم بالسمع1، والبصر، والغضب، والرضا، والحب، والبغض، ~~والفرح، والكره، والضحك، والعجب، والسخط، والإرادة، والمشيئة، والأصابع، ~~والكف، والقدمين. # وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]، {فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~[البقرة: 115] 2، {وهو السميع البصير} [الشورى: 11]، و{خلقت بيدي} [ص: 75] ~~3، {وقالت اليهود يد الله مغلولة} [المائدة: 64]، و{يد الله فوق أيديهم} ~~[الفتح: 10]، {والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67]. # وقوله: {فإنك بأعيننا} [الطور: 48]، و{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام والملائكة} [البقرة: 210]، {وجاء ربك والملك صفا صفا} ~~[الفجر: 22]، [{ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [الحاقة: 17]، و{الرحمن ~~على العرش استوى} [طه: 5]] 4 و{الذين يحملون العرش ومن حوله} [غافر:7]. # وقوله: {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 28]، {ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة} [آل عمران: 77] 5، و{كتب ربكم على نفسه الرحمة} ~~[الأنعام:54] 6، و{تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة: 116]، ~~و{الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] 7». # قال8: «عمد المعارض إلى هذه الصفات [والآيات] 9 فنسقها، PageV01P252 ~~ونظم بعضها إلى بعض، كما نظمها شيئا بعد شيء، ثم فرقها1 أبوابا في كتابه، ~~وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية، معتمدا فيها على الزائغ الجهمي بشر بن ~~غياث المريسي3، ومدلسا4 عند الجهال بالتشنيع بها على قوم يؤمنون بها5، ~~ويصدقون الله ورسوله فيها، بغير تكييف ولا تمثيل6، فزعم أن هؤلاء المؤمنين ~~بها7 يكيفونها ويشبهونها8 بذوات أنفسهم، وأن العلماء بزعمه قالوا: ليس في ~~شيء منها اجتهاد رأي، ليدرك كيفية ذلك، أو يشبه شيء منها بشيء9 مما هو في ~~الخلق10، قال: وهذا خطأ، كما11 ms113 أن الله ليس كمثله شيء، فكذلك ليس ككيفيته شيء. # قال أبو سعيد عثمان بن سعيد12: فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع: أما ~~قولك: إن كيفية13 هذه الصفات وتشبيهها بما هو في14 الخلق خطأ. فإنا لا ~~نقول: إنه خطأ، بل هو عندنا كفر، ونحن لتكييفها وتشبيهها15 PageV01P253 ~~بما هو في الخلق موجود1 أشد أنفا2 منكم، غير أنا -كما لا نشبهها ولا ~~نكيفها- لا نكفر بها ولا نكذبها3، ولا نبطلها بتأويل الضلال، كما أبطلها ~~إمامك المريسي». # قال4: «وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله: فإنا لا نجيز ~~اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام، التي نراها بأعيينا، ونسمعها ~~بآذاننا5، فكيف في صفات الله تعالى6 التي لم ترها العيون، وقصرت عنها ~~الظنون؟ # غير أنا لا نقول فيها كما قال المريسي7: إن هذه الصفات كلها شيء واحد8، ~~وليس السمع منه غير البصر، ولا الوجه منه غير اليد، [ولا اليد منه] 9 غير ~~النفس، وأن الرحمن ليس يعرف -بزعمكم- لنفسه سمعا من بصر، ولا بصرا من سمع، ~~ولا وجها من يدين، ولا يدين من وجه، وهو10 كله -بزعمكم- سمع وبصر11 ووجه، ~~وأعلى وأسفل، ويد ونفس، وعلم ومشيئة وإرادة، مثل خلق السماوات والأرض PageV01P254 ~~والجبال والتلال1 والهواء، التي لا يعرف لشيء منها شيء2 [*من هذه الصفات ~~والذوات، ولا يوقف لها3 منها على شيء*]، فالله تعالى4 عندنا أن يكون كذلك، ~~فقد ميز الله تعالى في كتابه السمع من البصر». # وذكر الآيات الواردة في ذلك5: فقال تعالى6: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: ~~46] و{إنا معكم مستمعون} [الشعراء: 15]. وقال: {ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم} [آل عمران: 77] 7، ففرق بين الكلام والنظر دون [السمع] 8: فقال عند ~~السمع9 والصوت: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ~~والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] و{لقد سمع الله قول ~~الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181]. ولم يقل: [قد] 10 ~~رأى الله قول التي تجادلك في زوجها. وقال تعالى11 في موضع الرؤية: {الذي ~~يراك حين تقوم • وتقلبك في الساجدين} [الشعراء: ms114 218، 219] 12. وقال ~~تعالى13: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105] 14 ~~ولم يقل: PageV01P255 # يسمع1 الله2 تقلبك، ويسمع الله عملكم، فلم يذكر الرؤية فيما يسمع، ولا ~~السمع فيما يرى، لما أنها عنده3 خلاف ما عندكم. وذكر كلاما طويلا في الرد ~~على النفاة4. # قلت: وكلام أهل الحديث والسنة في هذا الأصل كثير جدا. ### || AUTO [دلالة القرآن على أفعال الله]: # وأما الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل فكثيرة جدا، يتعذر أو يتعسر ~~حصرها، لكن نذكر بعضها، وقد جمع الإمام أحمد كثيرا من الآيات الدالة على ~~هذا الأصل وغيره مما يقوله النفاة؛ وذكرها عنه الخلال في كتاب «السنة». # وذلك كقوله تعالى: {فلما أتاها نودي يا موسى • إني أنا ربك فاخلع نعليك ~~إنك بالواد المقدس طوى • وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى} [طه: 11 - 13]، ~~وقوله تعالى: {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين} [الشعراء: 13]، ~~وقوله تعالى: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله ~~رب العالمين} [النمل: 8]، وقوله تعالى: {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد ~~الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} ~~[القصص: 30]، وقوله تعالى: {هل أتاك حديث موسى • إذ ناداه ربه بالواد ~~المقدس طوى} [النازعات: 15 - 16]؛ فوقت النداء بقوله: {فلما} وبقوله {وإذ} ~~فعلم أنه كان في وقت مخصوص، لم يناده5 قبل ذلك. وقوله تعالى: {ويوم يناديهم ~~فيقول ماذا أجبتم المرسلين} [القصص: 65]. # وقال تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا PageV01P256 ~~لآدم} [الأعراف: 65]. فأخبر سبحانه أنه قال لهم ذلك بعد أن خلق آدم وصوره، ~~لا قبل ذلك. # وقال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون} [آل عمران: 59]، وقال تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ~~ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} [الأنعام: 73]، وقال تعالى: {بديع السماوات ~~والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117]، وقال تعالى: ~~{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82]. و«إذا» ظرف لما ~~يستقبل من ms115 الزمان، و«أن» [تخلص] 1 الفعل المضارع للاستقبال. # وقال تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة} [البقرة: 30]، وقال تعالى: {وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186]، وقال ~~تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105]، ~~وقال تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت: 11]، وقال تعالى: {الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام} [الأعراف: 54]، وقال تعالى: {هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210]، وقال تعالى: {هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} ~~[الأنعام: 158]، وقال تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22]، وقال ~~تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس: 14]. ~~وقال تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا} [الإسراء: 16]، وقال تعالى: {وإذا أراد الله بقوم ~~سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} [الرعد: 11]. # وقال تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} [الفتح: 27]، وقال موسى: ~~{ستجدني إن شاء الله صابرا} [الكهف: 69]، وقال إسماعيل: {ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين} [الصافات: 102]، وقال صاحب مدين PageV01P257 ~~لموسى عليه الصلاة والسلام: {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} [القصص: 27]. # وأدوات الشرط تخلص الفعل1 للاستقبال، ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه ~~وسلم: (من حلف، فقال: إن شاء الله؛ فإن شاء فعل، وإن شاء ترك). رواه أهل ~~السنن2، واتفق الفقهاء على ذلك. # وكذلك ما في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن سليمان عليه ~~السلام: أنه قال: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تأتي كل امرأة بفارس ~~يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله. فلم يقل، فلم تلد منهن ~~إلا امرأة جاءت بشق ولد). قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فلو قال: إن شاء الله، PageV01P258 ~~لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين) 1. # وقال تعالى: {كل يوم هو في شأن} [الرحمن: 29]، وقال تعالى: {فاذهبا ~~بآياتنا إنا معكم مستمعون} [الشعراء: 15] 2، وقال تعالى لموسى وهارون: ~~{إنني معكما ms116 أسمع وأرى} [طه: 46]، وقال تعالى: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [الزخرف: 80]، وقال تعالى: {لقد سمع الله ~~قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181]، وقال تعالى: ~~{قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1]. # وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} [الزمر: 23]، وقال تعالى: {فبأي حديث ~~بعده يؤمنون} [الأعراف: 185]، وقال تعالى: {ومن أصدق من الله حديثا} ~~[النساء: 87]، وقال تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} [الزخرف: 55]، وقال ~~تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} ~~[محمد: 28]، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم} [آل عمران: 31]، وقال تعالى: {إن تكفروا فإن الله غني ~~عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7]. فأخبر أن ~~طاعته سبب لمحبته ورضاه؛ PageV01P259 ~~ومعصيته سبب لسخطه وأسفه. وقال تعالى: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] 1. ~~وجواب الشرط مع الشرط كالمسبب مع سببه2. # ومثله في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك ~~وتعالى3 أنه قال: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإ ذكرته ~~في ملإ خير منهم، ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا ~~تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) 4. # وقال تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93]. # وأما أفعاله المتعدية إلى المفعول به الحادثة، وذكرها في القرآن العزيز، ~~فكثير جدا؛ كقوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى: 5]، وقوله تعالى: ~~{فسنيسره لليسرى} [الليل: 7]، {فسنيسره للعسرى} [الليل: 10]، وقوله تعالى: ~~{فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [الانشقاق: 8] 5، وقوله تعالى: {من نطفة PageV01P260 ~~خلقه فقدره • ثم السبيل يسره • ثم أماته فأقبره • ثم إذا شاء أنشره • كلا ~~لما يقض ما أمره • فلينظر الإنسان إلى طعامه • أنا صببنا الماء صبا • ثم ~~شققنا الأرض شقا} [عبس: 19 - 26]. # وقوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27]، ~~وقوله تعالى: {ألم نهلك الأولين • ثم نتبعهم الآخرين} [المرسلات: ms117 16 - 17] ~~وقوله تعالى1: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين • ثم جعلناه نطفة في ~~قرار مكين • ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} ~~[المؤمنون: 12 - 14]، وقال تعالى: {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ~~وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ~~في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون} [الزمر: 6] 2. # وقوله تعالى: {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها • رفع سمكها فسواها • ~~وأغطش ليلها وأخرج ضحاها • والأرض بعد ذلك دحاها • أخرج منها ماءها ~~ومرعاها} [النازعات: 27 - 31] 3، وقوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما ~~جاء أمة رسولها كذبوه} [المؤمنون: 44]. وقوله تعالى: {كيف تكفرون بالله ~~وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [البقرة: 28] 4، ~~وقوله5 تعالى: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم PageV01P261 ~~يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54]، وقوله1 تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من ~~الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية: 18]، وقوله ~~تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32]. # ومثل هذا كثير في القرآن، والاحتجاج به ظاهر على قول الجمهور، الذين ~~يجعلون الخلق غير المخلوق، وهو الصواب، فإن الذين يقولون: «الخلق هو ~~المخلوق»؛ قولهم فاسد، وقد بين فساده في غير هذا الموضع. # وشبهتهم أنه لو كان غيره، لكان إن كان قديما لزم قدم المخلوق، وإن كان ~~محدثا احتاج إلى خلق آخر فيلزم التسلسل، وإن كان قائما به، فيكون محلا ~~للحوادث. # وقد أجابهم الناس عن هذا، كل قوم بجواب يبين فساد قولهم: فطائفة2 منعت ~~قدم المخلوق3، كالإرادة: فإنهم4 سلموا أنها قديمة مع حدوث المراد. # وطائفة منعت قيامه به، وقالت: لا يقوم به الخلق، فلا يكون محلا للحوادث. ~~فإذا قالوا: إن الخلق هو المخلوق ولا يقوم به، فلأن يجوز أن يكون غير ~~المخلوق ولا يقوم به أولى. # وطائفة قالت: لا نسلم أنه إذا افتقر المخلوق المنفصل إلى خلق: أن ms118 يفتقر ~~ما يقوم به من الخلق إلى خلق آخر، بل يكفي فيه القدرة والمشيئة، فإنكم إذا ~~جوزتم وجود الحادث الذي يباينه بمجرد القدرة والمشيئة: فوجود ما لا يباينه ~~بهما أولى بالجواز. وهؤلاء وغيرهم يمانعونهم في قيام الحوادث به. PageV01P262 # وطائفة منعت امتناع التسلسل في الآثار والأفعال، وقالت: إنما يمتنع في ~~الفاعلين لا في الفعل، كما قد بسط في موضع آخر. ### || AUTO [دلالة الأحاديث على أفعال الله]: # وأما الأحاديث الدالة على هذا الأصل، التي في الصحاح والسنن والمسانيد ~~وغيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر من أن يحصيها واحد؛ كقوله في ~~الحديث المتفق على صحته عن زيد بن خالد، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الصبح بالحديبية1، على إثر سماء كانت من الليل، فقال: (أتدرون ~~ماذا قال ربكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فمن قال: ~~مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء ~~كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب) 2. # وفي الصحيحين في حديث الشفاعة: يقول كل من أولي العزم من الرسل، مع آدم: ~~(إن ربي قد غضب اليوم غضبا شديدا، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله) ~~3. وقوله في الحديث الصحيح: PageV01P263 # (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان) 1، وقوله ~~في الحديث الصحيح: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء2، وإن مما3 أحدث أن لا ~~تتكلموا4 في الصلاة) 5، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث التجلي، المتفق ~~على صحته من غير وجه: (ويقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا ~~عرفنا، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون) 6. PageV01P264 # وقوله في الحديث المتفق عليه من وجوه متعددة1: (لله أشد فرحا بتوبة عبده ~~المؤمن ممن أضل راحلته بأرض دوية مهلكة، عليها طعامه وشرابه، فنام تحت شجرة ~~ينتظر الموت، فلما استيقظ إذا بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من هذا براحلته) 2. # وقوله في الحديث الصحيح: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما ~~يدخل ms119 الجنة) 3، وقوله في حديث الرجل الذي هو آخر من PageV01P265 ~~يدخل الجنة، وهو حديث أبي هريرة الذي يقول الله تعالى1 فيه: (أولست قد ~~أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب، لا ~~تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة) 2. # وفي حديث ابن مسعود -وهو حديث آخر- قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيقول ~~الله: يا ابن آدم، أترضى أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب، ~~أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا ~~تسألون مم ضحكت؟ فقالوا: لم ضحكت؟ فقال: من ضحك رب العالمين حين قال: ~~أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ بك، ولكني على ما أشاء ~~قادر) 3، PageV01P266 ~~وفي حديث أبي رزين1 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينظر إليكم أزلين2 ~~قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب). فقال له أبو رزين: أويضحك الرب؟ ~~قال: (نعم) قال: لن نعدم3 من رب يضحك خيرا). PageV01P267 # وفي الحديث الصحيح: (يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: ~~فنصفها1 لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: {الحمد لله رب ~~العالمين}. قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: {الرحمن الرحيم}. قال الله: ~~أثنى علي عبدي. فإذا قال: {مالك يوم الدين}. قال الله مجدني عبدي. فإذا ~~قال: {إياك نعبد وإياك نستعين}. قال الله2: هذه الآية بيني وبين عبدي ~~نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم • صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}. قال الله: هؤلاء لعبدي، ~~ولعبدي ما سأل) 3. # وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه: (ينزل ربنا كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب PageV01P268 ~~له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر) 1. # وقوله في الحديث الصحيح، حديث الأنصاري الذي أضاف رجلا وآثره على نفسه ~~وأهله، فلما أصبح الرجل وغدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (لقد ضحك ms120 ~~الله الليلة -أو قال: عجب- من فعالكما -أو قال: من أفعالكما- الليلة). ~~وأنزل الله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] 2. # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا حلوة خضرة، وإن الله ~~مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء) 3. PageV01P269 # وفي الصحيح عنه أنه قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر ~~إلى قلوبكم وأعمالكم) 1. وفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي2 أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان قاعدا في أصحابه، إذا جاءه ثلاثة نفر، فأما رجل ~~فرأى في الحلقة فرجة فجلس فيها، وأما رجل فجلس خلفهم، وأما رجل فانطلق. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم عن هؤلاء النفر؟ أما الرجل ~~الذي جلس في الحلقة، فرجل أوى إلى الله فآواه الله، وأما الرجل الذي جلس في ~~خلف الحلقة فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الرجل الذي انطلق فأعرض فأعرض ~~الله عنه) 3. PageV01P270 # وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله تعالى: من ~~عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت ~~عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه ~~الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي ~~بها؛ فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن ~~استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي ~~المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه) 1. # وفي الصحيحين عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الأنصار ~~لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم ~~أبغضه الله) 2، وفي الصحيحين عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله ~~لقاءه). فقالت عائشة: إنا لنكره الموت. قال: (ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا ~~حضره الموت يبشر برضوان الله ms121 وكرامته، فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب ~~الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله PageV01P271 ~~وسخطه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه) 1. # وفي الصحيحين عن أنس قال: أنزل علينا ثم كان من المنسوخ: (أبلغوا قومنا ~~أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) 2. # وفي حديث عمرو بن مالك الرؤاسي3 قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: PageV01P272 # يا رسول الله، ارض عني، قال: فأعرض عني، ثلاثا، فقلت: يا رسول الله، إن ~~الرب ليرضى [فيرضى] 1، فارض عني، فرضي عني2. وفي الصحيحين عن ابن مسعود ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول ~~الله) -وهو حينئذ يشير إلى رباعيته- وقال: (اشتد غضب الله على رجل يقتله ~~رسول الله في سبيل الله) 3. # وفي صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول في سجوده: ~~(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا ~~أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) 4. PageV01P273 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما قضى الله الخلق ~~كتب في كتاب، فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي). وفي رواية ~~(سبقت) 1. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر ~~وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم -وهو أعلم بهم- ~~كيف تركتم عبادي؟ قالوا: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون) 2. PageV01P274 # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم ~~الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) 1. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا ~~الملك، أين ملوك الأرض؟) 2. وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (ما ms122 منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حاجب ولا PageV01P275 ~~ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ~~شيئا قدمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو ~~بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة) 1. # وفي الصحيحين، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن ~~لله ملائكة فضلا عن كتاب الناس، سياحين في الأرض، فإذا وجدوا قوما يذكرون ~~الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيجيؤون حتى يحفوا بهم إلى السماء ~~الدنيا، قال: فيقول الله: أي شيء تركتم عبادي يصنعون؟ قال: فيقولون: ~~تركناهم يحمدونك ويسبحونك ويمجدونك. فيقول: فهل رأوني؟ فيقولون: لا. فيقول: ~~كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تحميدا وأشد ذكرا. فيقول: فأي ~~شيء يطلبون؟ قالوا: يطلبون الجنة. قال: فيقول: فهل رأوها؟ فيقولون: لا. ~~قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا أشد عليها حرصا ~~وأشد لها طلبا. قال2: فيقول: من أي شيء يتعوذون؟ قال: فيقولون: يتعوذون من ~~النار. قال: فيقول: هل رأوها؟ قال: فيقولون: لا. قال: فيقول: فكيف لو ~~رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا أشد PageV01P276 ~~منها تعوذا وأشد منها هربا. قال: فيقول: أشهدكم1 أني قد غفرت لهم. قال: ~~فيقولون: إن فيهم فلانا الخطاء، لم يردهم إنما جاء في حاجة. قال: فيقول: هم ~~القوم لا يشقى بهم جليسهم) 2. PageV01P277 # وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما1 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (ليدنو أحدكم من ربه حتى ليقفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: ~~نعم يا رب. فيقرره، ثم يقول: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفر لك ~~اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته، وهو قوله2 تعالى: {هاؤم اقرءوا كتابيه} ~~[الحاقة: 19]، وأما الكفار والمنافقون3 فينادون: {هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18]) 4. فأخبر صلى الله عليه وسلم ~~أنه سبحانه يقول قولا، ثم يقول العبد، ثم يقول الرب تعالى قولا آخر. ### || AUTO [بطلان مذهب الحرنانيين القائلين ms123 بالقدماء الخمسة]: # وبهذا الأصل العظيم، الذي دلت5 عليه الكتب المنزلة من الله: القرآن ~~والتوراة والإنجيل، وكان عليه سلف الأئمة وأئمتها، بل وعليه جماهير العقلاء ~~وأكابرهم من جميع الطوائف، حتى من الفلاسفة6 - يظهر أيضا بطلان مذهب ~~الحرنانيين7 بالقدماء PageV01P278 ~~الخمسة1، وهو منسوب إلى ديمقراطيس2 وقد نصره محمد بن PageV01P279 ~~زكريا الرازي1، وأبو عبد الله بن الخطيب الرازي يرجحه في «محصله» وفي ~~«المطالب العالية» وغير ذلك. # وهم يقولون: بأن العلة، والنفس، والهيولى -وهي في لغتهم بمعنى المحل- ~~والخلاء، والدهر، قديمة أزلية، وأن سبب حدوث العالم أن النفس التفتت إلى ~~الهيولى، وامتنع على الرب تخليصها، أو رأى أنه لا يخلصها مرارة2 تعلقها ~~بالهيولى ثم يخلصها، أو لتستفيد بذلك كمالات ثم يخلصها بعد ذلك. PageV01P280 # ولهذا يقول ابن زكريا ونحوه: «لا لذة إلا عدم الألم، وغاية سعادة النفس ~~خلاصها من الألم الحاصل بتعلقها بالهيولى». # وأبو عبد الله الرازي وبعض من يأتم به يرجحون هذا القول، وبه يجيب هؤلاء ~~عن الحجة المشهورة للفلاسفة، ويسمونه «الجواب الباهر». ### || AUTO [عرض أبي عبد الله الرازي لمذهب الحرنانيين في «المحصل»، ~~والتعليق عليه]: # قال في «محصله» 2: «الفريق الثاني3 - الذين قالوا: أصل العالم ليس بجسم، ~~وهم فرقتان؛ الأولى الحرنانية4 وهم الذين أثبتوا5 القدماء الخمسة: البارئ6، ~~والنفس، والهيولى، والدهر، والخلاء؛ فقالوا: البارئ تعالى تام العلم7 ~~والحكمة، لا يعرض له سهو ولا غفلة، وتفيض عنه النفس8 كفيض النور عن القرص9، ~~لكنها - يعني PageV01P281 ~~النفس1 - جاهلة لا تعلم الأشياء2 ما لم تمارسها. # وكان البارئ تعالى عالما بأن النفس ستميل3 إلى التعلق4 بالهيولى وتعشقها، ~~وتطلب اللذة الجسمية5، وتكره مفارقة الأجسام، وتنسى نفسها، ولما6 كان من ~~شأن7 البارئ8 الحكمة التامة: عمد إلى الهيولى بعد تعلق النفس بها، فركبها ~~ضروبا من التراكيب [مثل] السماوات والعناصر9، وركب أجسام الحيوانات على ~~الوجه الأكمل، والذي بقي فيها من الفساد فذلك لا يمكن10 إزالته. # ثم إنه تعالى أفاض على النفس عقلا وإدراكا، وصار ذلك سببا لتذكرها ~~عالمها، وسببا لعلمها بأنها [ما] دامت11 في العالم الهيولاني12 لا تنفك13 ~~عن الآلام، إذا14 عرفت النفس ذلك، وعرفت أن لها ms124 في عالمها اللذات الخالية ~~عن الآلام15 اشتاقت إلى ذلك [العالم] 16، وعرجت [عليه] 17 بعد المفارقة، ~~وبقيت هناك PageV01P282 ~~[إلى] 1 أبد الآباد في نهاية البهجة والسعادة. # قالوا: وبهذه2 الطريق زالت الشبهات الدائرة بين القائلين بالقدم والحدوث؛ ~~فإن3 أصحاب القدم قالوا: لو كان العالم محدثا، فلم أحدثه الله تعالى4 في ~~هذا الوقت المعين، وما أحدثه قبل ذلك ولا بعده5؟ وإن كان خالق العالم ~~حكيما، فلم ملأ الدنيا من الآفات؟ وأصحاب الحدوث قالوا: لو كان العالم ~~قديما، لكان غنيا عن الفاعل، هذا باطل قطعا؛ لما نرى أن آثار الحكمة ظاهرة ~~في العالم. # وتحير الفريقان في ذلك. # وأما على هذا الطريق، فالإشكالات زائلة؛ لأنا لما اعترفنا بالصانع ~~الحكيم6، لا جرم قلنا بحدوث العالم، فإذا قيل: فلم7 أحدث العالم في هذا ~~الوقت؟ قلنا: لأن النفس إنما8 تعلقت بالهيولى في ذلك الوقت؛ وعلم الباري9 ~~أن ذلك التعلق سبب الفساد؛ إلا أنه بعد وقوع المحذور صرفه إلى الوجه الأكمل ~~بحسب الإمكان، وأما الشرور الباقية، فإنما بقيت لأنه لا يمكن تجريد10 هذا ~~التركيب عنها. # بقي ههنا سؤالان: # أحدهما: أن يقال: لم تعلقت النفس بالهيولى بعد أن كانت غير متعلقة بها11؟ ~~فإن حدث ذلك التعلق لا عن سبب: فجوز حدوث العالم PageV01P283 ~~بكليته لا عن سبب1. # والثاني: أن يقال: فهلا منع الباري2 النفس من التعلق بالهيولى؟ أجابوا عن ~~الأول بأن هذا السؤال غير مقبول من3 المتكلمين؛ لأنهم يقولون: القادر ~~المختار قد يرجح أحد مقدوريه [على الآخر] من غير4 مرجح. فهلا جوزوا الترجيح ~~بإرادة القادر المختار؟ وأما الفلاسفة فإنهم يجوزون أن يكون السابق علة ~~معدة للاحق5، فهلا جوزوا أن تكون6 النفس [قديمة] 7 ولها تصورات8 متجددة9 ~~غير متناهية، ولم يزل كل سابق علة للاحق حتى انتهت إلى ذلك التصور الموجب ~~لذلك10 التعلق؟ # وأجابوا عن السؤال الثاني بأن11 الباري علم أن12 الأصلح للنفس أن تصير ~~عالمة13 بمضار14 هذا التعلق, حتى إنها بنفسها15 تمتنع PageV01P284 ~~عن1 تلك المخالطة، وأيضا فالنفس بمخالطتها للهيولى تكتسب2 من الفضائل ~~العقلية ما لم تكن موجودة3 لها, فلهذين الغرضين4 لم ms125 يمنع5 الباري تعالى6 ~~النفس من التعلق7 [بالهيولى] 8». # قلت: وهذا الذي ذكره عن هؤلاء من حدوث الأجسام وقدم النفس, وأنها حدث لها ~~من التصور ما كان سبب حدوث الأجسام - هو الذي أجاب به عن حجة الفلاسفة في ~~قدم العالم، وادعى أنه هو «الجواب الباهر»، ولهذا أخذه الأرموي صاحب «لباب ~~الأربعين»، وأجاب به في «لبابه» 9، وادعى أيضا أنه «الجواب الباهر»، وكذلك ~~من سلك هذا السبيل كالقشيري المصري المتأخر10 لم يذكر في عقيدته إلا حدوث PageV01P285 ~~الأجسام، مع إثباته أن جميع الممكنات صادرة عنه. # وهؤلاء يقولون: نحن جمعنا بين ما أقام المتكلمون عليه الحجة من حدوث ~~الأجسام، وما أقام1 الفلاسفة عليه الحجة من ثبوت معلول مساوق للرب تعالى ~~وهي النفس القديمة التي لم تزل. # وهذا المذهب من أفسد مذاهب العالم، وهو يشبه من بعض الوجوه مذهب المجوس؛ ~~الذين قالوا بأصلين قديمين: النور والظلمة، وجعلوا اختلاطهما هو المبدأ، ~~وخلاص النور من الظلمة هو المعاد. # ولابن زكريا المتطبب الملحد2 حكاية مشهورة، ذكرها أبو حاتم صاحب «كتاب ~~الزينة» 3، ورد عليه فيما تكلم به من الإلحاد والقدح في PageV01P286 ~~الأنبياء، وذكر أنه شبه التفات النفس إلى الهيولى بغير اختيار الباري ~~بحبقة1 تحصل من أمير كانا بحضرته، إذا حصلت بغير اختياره، وأنه بين له فساد ~~ما قاله، مع ما اقترن به من قلة العقل وسوء الأدب2. PageV01P287 # ودعوى الرازي أن جوابهم؛ وهو القول الأول الذي رجحه هؤلاء من القول بحدوث ~~الأجسام وقدم النفس، ودعواهم أنهم جمعوا بين حجة المتكلمين على حدوث ~~الأجسام وحجة المتفلسفة على كونه علة قديمة أزلية، وأنهم أجابوا بالجواب ~~الباهر - في غاية الفساد. # وذلك أن دوام الفاعلية ووجود ما لا أول له إما أن يكون ممكنا وإما أن ~~يكون ممتنعا، فإن كان ممكنا بطل دليل المتكلمين على حدوث الأجسام، فإن ~~دليلهم مبناه على امتناع حوادث لا أول لها، وهذا الدليل يعم جميع الحوادث، ~~سواء قدرت قائمة بجسم أو بغير جسم، إن قدر وجوده. # ومن قال بأن النفس لها تصورات وإرادات لا بداية لها، فإنه يقول بدوام ~~الحوادث، ومن ms126 قال من المتأخرين: إن المتكلمين لم يقيموا دليلا على حدوث سوى ~~الأجسام. فهو - مع فساده - إنما أراد كونهم لا يثبتون موجودا ممكنا غير ~~الأجسام والأعراض، وإلا فبتقدير ثبوته - وقيل: إن ذلك الممكن لا يخلو عن ~~الحوادث، وقيل مع ذلك: إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث - لزم حدوثه. ~~والنفس عند مثبتيها - PageV01P288 ~~الذين قالوا: لا تخلو عن التصورات والإرادات المتعاقبة - لا تخلو1 عن ~~الحوادث. # وإن ادعى مدع أن تلك النفس عقل مجرد؛ لا يقوم به حادث: فهذا غير ما ~~ذكروه، ثم يبطل عليهم من وجوه أخر؛ وحصول التفاتها إلى الهيولى، وتعلقها ~~بالهيولى، فإن2 هذا كله يقتضي قيام الحوادث بها، والعقل المجرد عندهم ليس ~~كذلك البتة. # فتبين أن دوام الفاعلية إن كان ممكنا بطل دليل المتكلمين على حدوث ~~الأجسام، وإن كان دوام الفاعلية ممتنعا بطل قولهم بدوام حدوث تصورات ~~وإرادات للنفس لا أول لها. # وإن شئت قلت: دليل المتكلم؛ إن كان صحيحا بطل وجود تصورات وإرادات لا ~~بداية لها؛ فبطل قدم النفس، وإن كان باطلا أمكن دوام الفاعلية. # وهذا القول مخالف لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومخالف لصريح ~~العقل؛ فإن الرسل وأتباعهم أهل الملل متفقون على أن الله تعالى خالق لكل ما ~~سواه، فليس معه شيء قديم بقدمه، لا نفس ولا عقل ولا غير ذلك من الأعيان، ~~سواء سمي خلاء أو دهرا أو غير ذلك. ### || AUTO [بيان فساد مذهب الحرنانيين من وجوه]: # وقد بينا في غير هذا الموضع أن ما يثبته المتفلسفة من المجردات العقلية ~~إنما يرجع إلى أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان، إلا نفس ~~الإنسان المفارقة لبدنة بالموت، ونحن ننبه هنا على بعض ما به يعرف فساد هذا ~~المذهب، وذلك من وجوه: PageV01P289 # أحدها: أن النفس التي يثبتها الفلاسفة لا تكون نفسا إلا إذا كانت متعلقة ~~بالجسم تعلق التدبير والتصريف، وإلا فإذا كانت مجردة عن التدبير سموها ~~عقلا. فهذا الذي سموه نفسا، وجعلوه قديما قبل حدوث شيء من الأجسام، لا يكون ~~عندهم نفسا، بل عقلا، ms127 والعقل لا يقبل الحركة عندهم بوجه من الوجوه، ولا ~~يلتفت إلى الأجسام1. # فإن قال هؤلاء: هذا الذي ذكرتموه طريقة المشائين: أرسطو وأتباعه؛ ~~كالفارابي وابن سينا، ونحن نخالف هؤلاء؛ فنسمي المجرد نفسا وإن لم يتعلق بجسم. # قيل لهم: فحينئذ يكون قولكم فاسدا من وجه آخر؛ وهو أن يقال: إذا كان الرب ~~موجبا بذاته للنفس أزلا وأبدا ولا جسم هناك: لم يكن للنفس أحوال متجددة، ~~فإنها عقل مجرد، وحينئذ فلا تحدث لها تصورات وإرادات ليحدث عنها جسم ولا غيره. PageV01P290 # فإن أثبتوا النفس التي تحدث لها تصورات وإرادات كالنفس الفلكية والإنسانية ~~ما دامت متعلقة بالبدن، فتلك لا تكون إلا مع الجسم. وإن أثبتوا عقلا مجردا ~~عن الأجسام لم يكن هناك ما يوجب تجدد تصورات وإرادات له. # الوجه الثاني: أن يقال: إذا كان الباري موجبا بذاته لهذه النفس أزلا ~~وأبدا، وجب أن تكون أحوالها متشابهة أزلا وأبدا، وامتنع أن يحدث لها في بعض ~~الأوقات ما يوجب التفاتها إلى الهيولى وحدوث الأجسام؛ فإن حدوث الأمر ~~الحادث لا بد له من سبب حادث. # وأما قولهم: يجوز أن تكون النفس قديمة أزلية؛ ولها تصورات متجددة غير ~~متناهية، ولم يزل كل سابق علة معدة للاحق، حتى انتهى الأمر إلى التصور ~~الموجب لذلك التعلق، كما قال أرسطو وأتباعه في النفس الفلكية. # فيقال: أولا - أرسطو إنما قال هذا في المتعلقة بالأجسام [لا] في1 نفس مجردة. # ويقال: ثانيا - مجرد الإلزام لهؤلاء ليس بحجة عقلية، وإنما هذه حجة جدلية ~~لا علمية، وغايتها إفساد قول2 أرسطو وأتباعه، وإذا قيل: ما ذكرناه يدل على ~~فساد القولين جميعا؛ لم يكن لكم على دفع هذا حجة. # وقد بينا أن قول أرسطو وأصحابه أيضا باطل، وأنه يتضمن حدوث الحوادث كلها ~~بلا سبب حادث. ولو قدر أن قول أرسطو صحيح؛ لكون الحركة الفلكية سببا ~~لتصورات متغيرة، لم يمكن أن يقال مثل هذا في النفس التي لم تتعلق بجسم ~~متحرك يكون سببا لحدوث تصورات متغيرة. PageV01P291 # وكذلك ما ألزموا به المتكلمين ليس بحجة علمية، بل الدليل المذكور يدل على ~~فساد ms128 القولين. # ثم يقال: إن كان حدوث الحادث بلا سبب ممكنا، فلا حاجة إلى القول بقدم ~~النفس ولا غيرها، بل يقال: إنه تعالى أحدث كل ما سواه، كما يقولون: إنه ~~أحدث التفاتها إلى الهيولى، وإن لم يكن ممكنا بطل هذا الجواب، فظهر بطلانه ~~على التقديرين. # وأيضا فمساوقة المفعول المعين لفاعله إن كان ممكنا أمكن قول الفلاسفة، ~~وإن كان لم يكن بطل هذا المذهب. # وأيضا فكون الحوادث تحدث بمشيئته وقدرته أعظم في الكمال من كونها تحدث ~~بسبب محدث من قديم معه. # الوجه الثالث: أن يقال: هذا المذهب مبني على إثبات دهر غير مقدار الحركة، ~~وخلاء موجود، وهذا باطل عند جمهور العقلاء. ومن قال ببعض ذلك من المسلمين، ~~فإنه يجعله مخلوقا لله تعالى، لا يقول: إنه قديم مع الله سبحانه. # الوجه الرابع: أن تلك القدماء، إن قيل: «إنها معلولة للباري» فقد تقدم أن ~~كل ما كان مفعولا لغيره لا يكون إلا محدثا، وأنه يمتنع وجود ممكن قديم أزلي. # وهؤلاء ذكروا أنهم فروا من هذا المحذور، وأنه بقولهم زالت إشكالات ~~الطائفتين، وذكروا إشكال المتكلمين؛ أنههم قالوا: «لو كان العالم قديما ~~لكان غنيا عن الفاعل، وهذا باطل قطعا؛ لما نرى أن آثار الحكمة ظاهرة في ~~العالم» 1. # وهذا الذي ذكره المتكلمون هو حق في نفسه، يقر به عامة العقلاء من الأولين ~~والآخرين، حتى أرسطو وأتباعه، وإنما خالفت شرذمة من PageV01P292 ~~المتفلسفة - كابن سينا وأمثاله - الذين ادعوا وجود قديم مفعول. # وهؤلاء الحرنانيون ادعوا أن في قولهم خلاصا من هذا الإشكال؛ لقولهم بحدوث ~~الأجسام، وليس الأمر كما ظنوه؛ فإنهم أثبتوا خمسة قدماء: الباري والنفس ~~والهيولى والدهر والخلاء، فإن قالوا: إن الأربعة مفعولة للرب تعالى، لزمهم ~~أن يكون القديم مفعولا، فقد1 زعموا أنهم تخلصوا من هذا الإشكال، وهم لم ~~يتخلصوا منه. # وإن قالوا: ليست مفعولة للرب تعالى، بل كل منها واجب الوجود لنفسه: كان ~~هذا أبلغ في الفساد، ولزم من ذلك أن يكون الوجود الواجب بنفسه مؤثرا في ~~الوجود الواجب بنفسه؛ حيث أثرت النفس في الهيولى، الهيولى في النفس، ~~والباري ms129 أثر فيهما، فيكون الواجب بنفسه مدبرا مصنوعا، وهذا يستلزم فقرة ~~وحاجته إلى غيره المنافي لوجوده بنفسه، وأن تكون الهيولى واجبة الوجود ~~بنفسها، فتكون الأعيان كلها واجبة الوجود بنفسها، وقد حدث فيها من الحركات ~~والأعراض والتأليف ما ليس له سبب، وفي هذا القول من اللوازم الفاسدة ما ~~يطول وصفه. # الوجه الخامس: أن يقال: إن كان الرب تعالى غير قادر على منعها عن التعلق: ~~لزم عجزه، وإن كان قادرا لزم انتفاء حكمته؛ حيث مكنها من التعلق المذموم ~~الضار لها. # وقولهم: إنه علم أن الأصلح لها التعلق، وأنه علقها لتنال الفضائل العقلية ~~- تناقض منهم؛ فإنه على هذا التقدير يكون تعلقها خيرا من عدم تعلقها، ~~وحينئذ ينبغي أن يعلقها الباري باختياره لا تتعلق بغير اختياره. فهم ~~يقولون: إنما سعادتها في عدم التعلق، وشقاوتها في التعلق، ويجعلون ذلك من ~~صفاتها2 اللازمة لها، والصفات اللازمة لا تتبدل. PageV01P293 # وإذا قالوا: بل تارة تكون مصلحتها في التعلق بالبدن، وتارة في التجريد عنه ~~- كان هذا من أقوال جماهير أهل الملل وغيرهم، وأمكن أن يقال: بل تعاد إلى ~~أبدان تبقى فيها، ويكون ذلك أصلح لها. # وأمكن أن يقال: إذا كانت إنما تكسب الفضائل بتعلقها بالبدن، فدوام هذا ~~التعلق يقتضي دوام فضائلها وكمالاتها. # وأمكن أن يقال: لها تعلقان: تعلق تكسب به ما يعدها للسعادة، وتعلق تكون ~~به سعيدة سعادة دائمة أبدية، وتمام البسط على فساد هذه الأقوال له موضع آخر. # فإن قيل: فهب أن الأمر كذلك، لكن كونه فاعلا للشيء المعين بعد أن لم يكن ~~- أمر حادث فلا بد له من سبب حادث. # قيل: الكلام والفعل الذي لا يمكن إلا متعاقبا: يكون متكلما وفاعلا له ~~شيئا بعد شيء، وهو سبحانه الفاعل لجميع ما يكون، لكن يمتنع وجود الثاني مع ~~الأول الذي ينافيه وينافي لوازمه، والممتنع لذاته ليس بشيء، فلا يدخل في ~~عموم ما تناولته القدرة، ولا يجوز أن تتناوله الإرادة. # والشيء يكون ممتنعا إما لامتناعه في ذاته، وإما لاستلزامه الممتنع في ~~ذاته. ومعلوم أن ما خلقه الرب تعالى، فلا بد أن ms130 يخلق لوازمه التي لا يوجد ~~إلا بها، وأنه لا يخلق إلا في حال عدم أضداده التي لا يجتمع هو وهي في آن ~~واحد، وإذا لزم تحقق لوازمه وانتفاء أضداده كان وجوده بدون ذلك ممتنعا. # وحينئذ فإذا صار الفعل والمفعول ممكنا بعد أن كان ممتنعا - لم يكن ذلك ~~لامتناع ذاته، بل لإمكان لوازمه، وانتفاء موانعه، التي هي شروط فيه، وعدم ~~المانع حصل بانقضاء الفعل الأول، وأمكن حينئذ حصول الثاني بلوازمه، ولم يكن ~~عدم المانع جزءا من المؤثر، بل كان مستلزما كمال التأثير. PageV01P294 ### || AUTO [عود للكلام عن ابن سينا وأمثاله]: # وإنما صار هذا يحكى في كتب النظر، لما ظهر قول هؤلاء المتفلسفة المنتسبين ~~إلى الملل: كابن سينا وأمثاله؛ فأظهروا هذا القول المركب من قول سلفهم ~~الدهرية القائلين بقدم العالم، ومن قول جماهير الأمم: أهل الملل وغيرهم ~~بإثبات رب العالمين. # وإلا، فأرسطو وأتباعه ليس في كتبهم إثبات علة للفلك، وإنما فيه إثبات علة ~~غائية يتحرك الفلك للتشبه بها، فقولهم، وإن كان أشد فسادا في العقل والشرع ~~من قول ابن سينا، فليس فيه المكابرة بأن الممكن المفعول يكون قديما أزليا. # وهؤلاء إنما احتاجوا إلى هذه المكابرة لما رأوا إن إثبات صانع العالم ~~أمر1 لابد منه، وأرادوا أن يضموا ذلك إلى كون الفلك قديما، فجمعوا بين ~~المتناقضين. # ومما بين هذا أن الفلاسفة: أرسطو وشيعته، عندهم «أن يفعل» هو من جملة ~~الأعراض، وكذلك «أن ينفعل»، والوجود2 عندهم ينقسم إلى جوهر وعرض، والأجناس ~~العالية عندهم عشرة: الجوهر، والأعراض التسعة: الكم، والكيف، وأين، ومتى، ~~والإضافة، والملك، وأن يفعل، وأن ينفعل، والوضع. وقد جمعت في بيتي شعر، وهما: # زيد، الطويل، الأسود، ابن مالك ... في داره، بالأمس، كان يتكي # في يده سيف، نضاه، فانتضى ... فهذه عشر3 مقولات سوى4 PageV01P295 ~~PageV01P296 # والحركة عندهم اسم جنس، تتناول الحركة: الكم والكيف والأين والوضع1. # وحينئذ فيجب إذا كان الرب تعالى فاعلا أن يقوم به أمر وجودي، وهو «أن ~~يفعل»، فيمتنع أن يكون فاعلا بدون أمر وجودي يقوم به، فإنه إذا كان ما سواه ~~من الفاعلين؛ لا ms131 يكون فعله إلا وجوديا: فالفاعل لجميع الممكنات أولى أن ~~فعله وجوديا2. # والحركة لا تكون إلا شيئا فشيئا3، يمتنع حركة قديمة الأجزاء، بل كل جزء ~~من أجزائها حادث بعد الآخر. وهم متنازعون في المتحركات: هل تنتهي إلى محرك ~~لا يتحرك؟ على قولين: # فالأساطين قبل4 أرسطو يقولون: لا بد أن يكون المحرك لها PageV01P297 ~~متحركا؛ لأن التحريك فعل، والفعل مستلزم للحركة، أو هو الحركة، فيمتنع أن ~~يكون محرك غير متحرك. # وأرسطو وأتباعه إذا أثبتوا محركا لا يتحرك، فلم يقولوا1: إنه علة فاعله ~~للحركة، بل يقولون: إن المتحرك - وهو الفلك - لما [كان] تحركه2 للتشبه به، ~~صار الأول مع الفلك بمنزلة المحبوب مع محبه: الذي يجب أن يقتدي به ويتشبه ~~به، فالمحب3 المقتدي المتشبه الذي يتحرك لأجل التشبه بالمقتدى4 به المتشبه ~~[به] 5 - يتحرك لأجل المحبوب، وإن كان المحبوب لا يشعر بذلك، ولا يفعل شيئا ~~من حركة المحب، بل ولا يقدر على ذلك. # ومعلوم أن المحبوب بمجرد كونه محبوبا لا يكون مبدعا للمحب، فاعلا له، ~~خالقا له، بل كونه خالقا فاعلا له أمر غير كونه محبوبا له. # ولهذا كان قول الأساطين القدماء مخالفا لأرسطو وأمثاله في هذا؛ فإنهم ~~قالوا: إنه لا يحرك غيره إلا بحركة بنفسه6، وقالوا: إن العلة الأولى تقوم ~~بها الحركة، ولولا ذلك لامتنع أن يفعل شيئا، أو يحرك شيئا. # وإذا كان الفاعل7 لا يفعل إلا ما يكون حادثا شيئا بعد شيء، وكل ما سوى ~~الرب مفعول له، فكل ما سواه حادث، وليس للدهرية حجة تدل على قدم شيء من ~~العالم أصلا، ولكن حجتهم إنما تدل على دوام الفاعلية. PageV01P298 ### || AUTO [التزام الجهمية وأتباعهم في مناظرة الفلاسفة معاني فاسدة]: # ثم لما ناظرهم الجهمية والقدرية؛ وادعوا أن الرب لم يزل غير متمكن من أن ~~يفعل ويتكلم1 بمشيئته، ثم صار متمكنا2 من أن يفعل [ويتكلم] 3 بمشيئته ~~وقدرته، إما كلاما مخلوقا له على قول المعتزلة وغيرهم، وإما قائما به على ~~قول الكرامية وغيرهم - تسلط عليهم أولئك الدهرية، وقالوا: هذا يستلزم أنه ~~صارت4 المفعولات والفعل ممكنة بعد ms132 أن كانت ممتنعة من غير سبب أوجب ذلك، ~~وأنها انتقلت من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي من غير سبب. # بل وشنع عليهم أئمة السنة وغيرهم من المسلمين بأن هذا يستلزم أن يكون ~~الرب صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه من غير سبب ~~يوجب ذلك، وفيه وصف الرب تعالى بعدم القدرة في الأزل، وفيه أن القدرة تجددت ~~له من غير سبب يوجب تجددها. # فالتزمت المتكلمة من الجهمية والقدرية ومن اتبعهم من الكرامية والكلابية ~~وغيرهم - هذا المعنى، وقالوا: نقول: إنه كان قادرا في الأزل على الفعل فيما ~~لا يزال. # فقيل لهم: إذا كان هذا الفعل في الأزل ممتنعا عندكم: امتنع أن يكون ~~مقدورا في الأزل، فإن المقدور لا بد أن يكون ممكنا، فإذا أثبتم قادرا في ~~حال يمتنع فيها مقدوره؛ كنتم قد جمعتم بين النقيضين؛ وحقيقة قولكم أنه في ~~الأزل قادر ليس بقادر. # وقالوا لهم: إمكان الفعل والإحداث لا أول له، فإنه ما من وقت يفرض [فيه] ~~الفعل5 إلا والإحداث فيه ممكن، فحينئذ لم يزل الفعل ممكنا؛ فلم يزل قادرا ~~على الفعل. # قالوا: إذا قلنا: الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول له - لم يكن PageV01P299 ~~لهذا الإمكان بداية، مع أنه لا يستلزم دوام الفعل؛ فإنه قد شرطنا أن يكون ~~مسبوقا بالعدم. # فقال لهم الناس: أنتم قدرتم تقديرا جمعتم فيه بين النقيضين، فإنكم قلتم: ~~ما هو مسبوق لا أول له، وما لا أول له لم يسبقه شيء، فإذا جعلتموه لا أول ~~له، وقلتم: إنه مسبوق بالعدم - جمعتم بين النقيضين. # وقد يعبرون عن هذا: إن إمكان الأزلية غير أزلية الإمكان، أو بأن صحة ~~الأزلية غير أزلية الصحة، وأنه لا يستلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر. # فقال لهم الناس: بل هذان المعنيان ملازمان، وإذا كانت الأزلية ممكنة، ~~فالإمكان أزلي، وإذا كان الإمكان أزليا، فالأزلية ممكنة، فإنه إذا كان ~~إمكان الفعل أزليا لم يزل، كان إمكان الفعل دائما أبدا، فلا أول لإمكان1 ~~الفعل، وهذا هو أزلية إمكان الفعل، وهو يستلزم إمكان ms133 أزلية الفعل؛ فإنه ~~يتضمن أنه لم يزل الفعل ممكنا، وهذا هو المراد بإمكان أزلية الفعل، وهو ~~إمكان دوام الفعل، وإمكان كون الفاعل لم يزل فاعلا. # فقال متكلمة الجهمية والقدرية: والإحداث والفعل لا يعقل إلا مسبوقا ~~بالعدم؛ فإن معنى كون الشيء مفعولا هو معنى كونه محدثا؛ والمحدث لا يكون ~~إلا مسبوقا بالعدم. # فقال أهل السنة الذين ليس في قولهم ما يناقض صريح المعقول ولا صحيح ~~المنقول: هذا الكلام حق أيضا، وهو دليل على بطلان قول الفلاسفة الدهرية، ~~الذين يقولون: إنه قديم وهو مفعول للرب. فإن كل ما هو مفعول فهو محدث، لكن ~~فرق بين حدوث نوع الفعل والكلام وحدوث عين الفعل والكلام - بأنا نعقل أن كل ~~ما يفعله فلا بد أن يكون متقدما عليه، ونعقل أنه يمكن أنه لم يزل فاعلا ~~متكلما، ونعقل أنه PageV01P300 ~~يمكن دوام كونه متكلما فعالا، وأن تكون كلماته لا نهاية لها؛ كما قال ~~تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ~~ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف: 109] 1، وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض ~~من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله ~~عزيز حكيم} [لقمان: 27]. # ولهذا نعقل أنه سبحانه يفعل ويتكلم، وإن كان كل واحد من أعيان ذلك ينقضي2 ~~وينفد، وجنس الفعل والمفعول لا انقضاء له ولا نفاد؛ كما قال تعالى: {أكلها ~~دائم وظلها} [الرعد: 35]، وقال تعالى: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} [ص: ~~54] 3؛ فالجنس دائم لا نفاد له، وإن كان كل من أجزاء الأكل والرزق له نفاد، ~~وهو لا يدوم. # والرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وكان عرشه على الماء4، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن ~~الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان ~~عرشه على الماء) 5. وفي صحيح البخاري عن ms134 عمران بن الحصين: أن أهل اليمن PageV01P301 ~~جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: جئناك لنتفقه في الدين، ~~ونسألك عن أول هذا الأمر. فقال: (كان الله ولم يكن شيء1 قبله، وكان عرشه ~~على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض) 2. # وذكرنا3 هذا الحديث الذي في البخاري وغيره، وبينا أن الثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم هو قوله: (كان الله ولم يكن شيء قبله) 4، كما دل على ذلك ~~القرآن بقوله: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3]، وكما في ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول في دعائه: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت PageV01P302 ~~الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) 1. # وجواب سؤال السائلين لشرح هذه العقيدة المختصرة2، لا يحتمل البسط المكتوب ~~في غير هذا الموضع. ### | AUTO فصل ### || AUTO [طرق أهل الكلام في إثبات الصانع]: # وكذلك ما يستدلون به على إثبات الصانع سبحانه وتعالى؛ فإن من الناس من ~~يستدل بإمكان الأجسام، ومنهم من يستدل بحدوثها، ومنهم من يستدل بإمكان ~~صفاتها، ومنهم من يستدل بحدوث صفاتها. # وقد ذكر الرازي وغيره هذه الطرق الثلاث، وذكر الطريقة الرابعة3. PageV01P303 # والطرق الأولى الثلاث هي طرق صحيحة؛ إذا قرر إمكان بعض ذلك وحدوث بعض ذلك، ~~فأما مع طلب تقرير عموم الإمكان والحدوث، فهو الذي قدح فيه الناس، كما أن ~~الطريقة الرابعة إنما هي مبنية على حدوث بعض ذلك. # لكن يكون في ذلك تطويل لا تحتاج إليه الفطر السليمة، وإن كان قد ينتفع ~~به، بل يحتاج إليه بعض الناس؛ إذ من الناس من قد ينتفع بالطرق الطويلة ~~الخفية أكثر من الطرق القريبة الجلية؛ وذلك لأن دلالة الحدوث على المحدث ~~أظهر من دلالة الإمكان على الواجب، ودلالة ما يشهد حدوثه أظهر من دلالة ما ~~يستدل على حدوثه؛ فكان الاستدلال بما يشاهد من الحدوث أبين الطرق، وهذه هي ~~الطريقة الرابعة التي يسمونها حدوث الصفات. # وهذه الطريق وإن كانت صحيحة، فطريقة ms135 القرآن العزيز أكمل منها؛ فإنه ~~سبحانه يستدل بحدوث الأعيان، وذلك أكمل، مع ما في القرآن من الطرق الكثيرة ~~التي يبين بها ربوبية الرب تعالى ومشيئته وقدرته تارة، ورحمته وعنايته ~~وإحسانه وإلهيته وحكمته تارة. # وأيضا فطريقة1 القرآن يستدل فيها بالآيات أو بقياس الأولى، وأولئك إنما ~~يستدلون بالقياس، وذلك لا يدل إلا على أمر كلي مشترك، لا يدل على المطلوب. # وإنما ذكر أولئك حدوث الصفات لاعتقادهم أن ما نشهده من الحوادث إنما هو ~~صفات؛ بناء على إثبات الجوهر الفرد، وأن الحدوث إنما هو اجتماع الجواهر ~~وافتراقها. وهذا قول المثبتين للجوهر المفرد2، فإن مذهبهم أن جميع ما نشهد ~~حدوثه إنما هي PageV01P304 ~~صفات للجواهر: من اجتماع وافتراق، وحركة وسكون. # وهذا قول فاسد، والصواب أنا ندرك نفس حدوث أعيان هي أجسام، كما نشهد حدوث ~~الحيوان والنبات والمطر والسحاب وغير ذلك، وأن الأجسام يستحيل بعضها إلى ~~بعض، لا أن هناك جواهر منفردة باقية تعتقب عليها الصفات؛ فإن القول بإثبات ~~الجوهر الفرد باطل، كما أن القول بإثبات الجواهر العقلية في الخارج - التي ~~هي العقل والنفس والمادة والصورة1 - باطل. # ودعوى كون الأجسام متركبة من مادة وصورة هما جوهران قائمان بأنفسهما2 - ~~باطلة، وكذلك دعوى وجود جوهر متحيز، لا يتميز منه يمين عن شمال - باطلة، ~~وكذلك دعوى قبول الأجسام الانقسام إلى غير نهاية - باطلة. # بل الأجسام إذا فرقت تنتهي إلى أجزاء صغيرة، تستحيل إلى غيرها PageV01P305 ~~إذا انتهى صغرها؛ كما نشهد في أجزاء الماء إذا صغرت بأنها تستحيل هواء، فلا ~~تبقى، ولا تكون بحيث لا يتميز منها جانب عن جانب، وإذا تعذر بقاؤها تعذر ~~قبولها للانقسام الفعلي، فمن قال: إنها تقبل الانقسام إلى غير نهاية ~~بالفعل، أخطأ، ومن قال: إنها تنتهي إلى جوهر فرد لا يتميز منه جانب عن ~~جانب، أخطأ، والصواب أنها إذا انتهى صغرها استحالت إلى غيرها، وقد تستحيل ~~قبل صغرها. والقول باستحالة الأجسام بعضها إلى بعض هو قول الفقهاء والأطباء ~~وكثير من أهل الكلام وجمهور العقلاء. # وقد بسط الكلام على مسألة «الجوهر الفرد» وبيان انتفائه، والجواهر ~~المجردة العقلية ms136 وبيان أنها ثابتة في الذهن لا في الخارج. وكذلك بينا أن ~~أكثر النظار لا يقولون بالجوهر الفرد الحسي؛ ولا بالجوهر الفرد العقلي في ~~الخارج، بل بنفيهما جميعا قول1 الهشامية والنجارية والضرارية والكلابية ~~وكثير من الكرامية وغير هؤلاء من طوائف النظار. # وإنما المقصود هنا التنبيه على مبادئ الطرق بحسب ما يليق بهذا الموضع، ~~والله أعلم بأن هذه المواضع من دقيق مسائل النظار؛ التي هي من محارات ~~العقول؛ التي اضطرب فيها أكثر الخائضين في ذلك، وأكثر من تكلم فيها لا يعرف ~~إلا قولين أو ثلاثة أو أربعة، ويظن أن ذلك مجموع أقوال الناس، ولا يكون ~~الحق في تلك القوال التي يعرفها، بل في غيرها. # كما يصيبهم مثل2 فيما يحكونه من المقالات في مسائل «كلام الله» و«أفعاله» ~~و«النبوات» و«المعاد» وغير ذلك، تجد أكثر أهل الفلسفة والكلام يذكرون في ~~المسألة عدة مقالات لا يعرفون غيرها، والقول الصواب لا يعرفونه، ولهذا كان ~~المقتدي بهم في طريقهم إنما ينتهي إلى PageV01P306 ~~الحيرة والشك، وإلى تقليدهم فيما أخطؤوا فيه1. # ومسألة «الجوهر» من هذا وهذا, ولهذا صار كثير من أعيانهم يصل فيها إلى ~~الوقف2 والحيرة؛ كأبي الحسين البصري3، وأبي المعالي الجويني، وأبي عبد الله ~~الرازي، وغيرهم4. # ولم5، لأن معرفة الله ورسوله لا تتوقف على هذه المسائل، ولأن كثيرا6 من ~~النظار اعتقدوا أن هذا من أصول الدين وقواعد الإيمان، فتكلموا في ذلك ~~بالكلام الذي ذمه السلف والأئمة. # وهؤلاء هم الجهمية من المعتزلة ومن اتبعهم، وأصل كلامهم أنهم قالوا: لا ~~يعرف صدق الرسول حتى يعرف إثبات الصانع، ولا يعرف إثبات الصانع حتى يعرف ~~حدوث العالم، ولا يعلم حدوث العالم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام. PageV01P307 ### || AUTO [طرق أهل الكلام في الاستدلال على حدوث الأجسام]: # ثم استدلوا على حدوث الأجسام بطرق: أحدها: أنه لا يخلو عن الحوادث، وما ~~لم يخل عن الحوادث فهو حادث. # ثم قرر فريق منهم المقدمة الأولى بأن الجسم لا يخلو عن الحركة والسكون، ~~وهما حادثان. وهذه الطريقة معروفة عن المعتزلة وغيرهم، والرازي يذكرها في كتبه. # وآخرون قرروا ذلك ms137 بأن الجسم لا يخلو عن الأكوان: وهي الاجتماع والافتراق ~~والحركة والسكون، والأكوان حادثة، وهذه الطريقة معروفة عن المعتزلة. # وآخرون قرروا ذلك بأن الأجسام لا تخلو عن الاجتماع والافتراق، وهما ~~حادثان. وهذه طريقة الأشعري وغيره، وهذا مبني على الجوهر الفرد. فإذا قيل: ~~إن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة، فالجواهر إما مجتمعة وإما متفرقة. # وأما من قال: إن الأجسام ليست مركبة من الجواهر الفردة، فإنه - على قوله ~~- لا يكون الجسم ملزوما لاجتماع الأجزاء وافتراقها. # وقرر آخرون ذلك بأن الجسم لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض عن واحد ~~منها، قالوا: لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، ثم قالوا: والعرض لا ~~يبقى زمانين، فتكون الأعراض كلها حادثة شيئا بعد شيء، والأجسام لا تخلو منها. # وهذه هي الطريقة المشهورة عند الأشعرية، وعليها اعتمد الآمدي، وذكر أنها ~~عمدة أصحابه، وبنى مسألة حدوث الأجسام على أن العرض لا يبقى زمانين. واعترض ~~طائفة عليه كالهندي1، وقالوا: كيف تقرر PageV01P308 ~~هذا الأصل العظيم على مثل هذه المقدمة التي ينكرها جمهور العقلاء؟ # وهذا الاعتراض صحيح، وما ذكره الآمدي من النقل عن أصحابه صحيح، بل كثير ~~منهم - كأبي المعالي وغيره - لا يقرر أن الأجسام لا تخلو عن الأعراض، وأن ~~القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. بل يذكرها دعوى مجردة1، فإذا تكلم عليها ~~في مسألة «حدوث العالم» - كما ذكر في «الإرشاد» - أحال على بحثه مع ~~الكرامية، وإذا بحثها مع الكرامية لم يذكر عليها حجة إلا مجرد تناقضهم في ~~عدم طردها2. PageV01P309 # وهذا ليس بدليل، بل غايته أن الكرامية أخطؤوا1 في بعض لوازم قولهم، فمن لم ~~يوافق الكرامية على ذلك وطرد اللوازم - لم يكن هذا عليه حجة جدلية، كما أنه ~~ليس بحجة علمية البتة. # وأما المقدمة الثانية: وهي أن ما لم يخل عن الحوادث فهو حادث، فهو أعظم ~~المقدمتين، وقد تتنوع العبارات فيه؛ فتارة يقولون: ما لم يخل عن الحوادث ~~فلم يسبقها، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث. # وتارة يقولون: ما لم يسبق الحوادث، أو ما لم يخل عنها، لا ms138 يكون إلا معها ~~أو بعدها، وما لا يكون إلا مع الحوادث أو بعدها فهو حادث. فعمدة الدليل أن ~~ما قارن الحوادث - فلم يكن قبلها - فهو حادث. # ثم كثير منهم لا يقرر هذه المقدمة بناء على ظهورها، وذلك أنهم يفهمون ~~منها: أنهم يفهمون من حد «الحوادث»: التي جملتها حادثة بعد أن لم تكن. # ومعلوم أن ما لم يسبق هذه فهو حادث، لكن الدليل الذي ذكروه لم يدل على ~~ذلك، لم يدل إلا على أن الأجسام مقارنة لجنس الحوادث، لا تكون إلا ومعها ~~حادث، فإذا قدر أن الحوادث دائمة، توجد شيئا بعد شيء دائما - لم يلزم أن ~~يكون ما لم يسبقها حادثا؛ فلهذا صار كثير منهم يحتاجون إلى بيان امتناع ~~حوادث لا أول لها، وهذا قطب رحى هذا المكان. # والمقصود هنا أن قول القائل: «ما لم يخل عن الحوادث فهو حادث»: لفظ مجمل؛ ~~فإن ما لم يخل عن حادث معين، أو حوادث PageV01P310 ~~معينة، أو عن مجموع الحوادث، [إن1] قدر لها مجموع له ابتداء - فهو حادث ~~باتفاق العقلاء. وكذلك ما لم يسبق الحادث المعين، وكذلك ما لم يخل عن حوادث ~~محصورة، أو لم يسبق حوادث محصورة، أو لم يخل عن مجموع الحوادث، أو لم يسبق ~~مجموع الحوادث، إن قدر لها مجموع له ابتداء - فإنه حادث باتفاق العقلاء، ~~فإن الحادث المعين، والحوادث المحصورة، والمجموع الذي له ابتداء - مسبوق ~~بالعدم، كائن بعد أن لم يكن، فما [لم2] يسبقه كان إما معه وإما بعده، لا ~~يكون قبله، فيجب أن يكون حادثا لا قديما. وما لم يخل عن حادث معين، أو ~~حوادث محصورة، أو عن3 مجموع له ابتداء، فإنه لا يتقدمها؛ إذ لو تقدمها لخلا ~~عنها، والتقدير أنه ملزوم لها، لا يخلو عنها، ووجود الملزوم بدون اللازم ممتنع. ### || AUTO [أقوال الناس في دوام الحوادث]: # وأما دوام الحوادث شيئا بعد شيء، بحيث لا تكون لها بداية ولا نهاية؛ فهل ~~هذا ممكن أم لا؟ هذا فيه لبني آدم ثلاثة أقوال: ### || AUTO [قولا الطائفة الأولى]: # فقيل: إنه ممتنع مطلقا. وهذا ms139 قول المتكلمين والفلاسفة الذين استدلوا على ~~حدوث الأجسام - أو حدوث العالم - بأنها مستلزمة للحوادث، وما استلزم ~~الحوادث فهو حادث. # ثم تنازع هؤلاء في امتناع دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي, أو ~~بالامتناع فيهما: ### || AUTO [القول الأول]: # فقال إماما هذه الطريقة: الجهم بن صفوان وأبو الهذيل العلاف: يمتنع دوام ~~الحوادث في المستقبل ووجود حوادث لا آخر لها، كما امتنع وجود حوادث لا أول ~~لها. ولهذا قال الجهم بن صفوان بفناء الجنة والنار، وأن العالم يفنى كله، ~~وجعل الرب تعالى معطلا عن PageV01P311 ~~الكلام والفعل في الأزل والأبد. ولهذا كان من أعظم ما أنكره السلف والأئمة ~~على الجهمية، بل كفروهم به، قولهم بفناء الجنة والنار. # وقال أبو الهذيل: تفنى الحركات، ويبقى أهل الجنة1 في سكون دائم. # فيقال له: إن جوزت خلو الجسم عن السكون، وامتناع الحركة عليه في ~~المستقبل؛ فجوز ذلك في الماضي، حينئذ فيمكن خلو الأجسام عن الحوادث، فيبطل ~~دليلك الذي عمدته أن الجسم لا يخلو عن الحوادث. # ولهذا قالت الهشامية والكرامية وغيرهم بأن الباري جسم قديم أزلي، لم يكن ~~متحركا، ثم صار متحركا بعد أن لم يكن. وهؤلاء يلزمهم من المطالبة بسبب حدوث ~~الحوادث ما يلزم غيرهم, مع ما في قولهم من التجسيم الباطل، كما قد بسط في موضعه. ### || AUTO [القول الثاني]: # وقال أكثرهم: بل تدوم الحوادث في المستقبل، دون الماضي، قالوا: لأن هذا ~~بمنزلة أن يقول: لا أعطيتك درهما إلا أعطيتك بعده درهما، فهذا ممكن، وإذا ~~قال: لا أعطيك حتى أعطيك درهما2 - كان هذا ممتنعا، وهذا عمدة صاحب «الإرشاد ~~إلى قواطع الأدلة» 3 ونحوه من أهل الكلام، وعليه بنوا الدين الذي ذكروا أنه ~~دين الإسلام. PageV01P312 # فقال القادح في حجتهم: ليس هذا بتمثيل مطابق؛ بل المطابق أن يقال: ما ~~أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما، فهذا مثال الماضي، ومثال المستقبل أن ~~يقول: ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك بعده درهما، والعقل يسوي بين هذين؛ فإن ~~كان أحدهما ممكنا كان الآخر مثله. # وأما إذا قال: لا أعطيك1 حتى أعطيك. فهو بمنزلة أن يقول: ms140 ما أعطيتك درهما ~~حتى أعطيتك بعده درهما، وهذان ممتنعان؛ فإنه نفى المستقبل حتى يوجد قبله ~~مستقبل، فيلزم أن لا يكون شيء من المستقبل، ونفى الماضي حتى يوجد بعده ماض، ~~فيلزم أن لا يكون شيء من الماضي، فإنه إذا لم يكن مستقبل حتى يكون مستقبل - ~~كان دورا ممتنعا، وإذا لم يكن ماض حتى [يكون2] ماض كان دورا ممتنعا؛ كما ~~إذا قيل: لا يكون موجود حتى يكون قبله موجود، بخلاف ما إذا نفى الماضي ~~المعين إلا وقبله ماض، أو نفى المستقبل المعين إلا وبعده مستقبل؛ فإن العقل ~~يفرق بين هذين وبين ذينك. ### || AUTO [قول الطائفة الثانية]: # وقالت الطائفة الثانية: بل يجوز دوام الحوادث في الماضي والمستقبل، ويجوز ~~دوام ما تقوم به الحوادث، وما تقارنه من الأجسام وغيرها أزلا وأبدا، وهذا ~~قول الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم الأفلاك. # ثم هؤلاء نوعان: ### || AUTO [هذه الطائفة نوعان: ### || AUTO النوع الأول]: # دهرية، معطلة محضة، يقولون بأن العالم قديم أزلي، وجب بنفسه، ليس له مبدع ~~ولا صانع؛ لا فاعل بالاختيار ولا موجب بالذات، وهؤلاء قولهم من جنس القول ~~الذي أظهره فرعون؛ حيث قال: {وما رب العالمين} [الشعراء: 23] فاستفهم ~~استفهام إنكار عن رب العالمين، لا استفهام استعلام عن ماهيته كما يظنه ~~بعضهم، فإن فرعون كان مظهرا PageV01P313 ~~للجحود والتعطيل، كما قال: {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38] وقال: ~~{أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] وقال: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب • أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} [غافر: 36، ~~37]. وإن كان هو وقومه كما قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} ~~[النمل: 14]، وقال له موسى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض بصائر} [الإسراء: 102]. # وهؤلاء يعلم فساد قولهم تارة بالضرورة، وتارة بالنظر، من وجوه كثيرة؛ فإن ~~ما في العالم من الحوادث المشهودة التي تدل على أن محدثها عالم قدير حكيم، ~~وما في العالم من الحاجة والافتقار: الذي يدل على أن العالم جميعه وكل جزء ~~منه محتاج مفتقر، وأن جميع ما هو فقير محتاج يفتقر إلى ما ms141 هو خارج عنه، وأن ~~الوجود إما واجب وإما ممكن، وإما قديم وإما محدث، وإما غني لا محتاج وإما ~~محتاج، وإما مخلوق أو غير مخلوق، ولا بد للممكن من واجب، وللمحدث من قديم، ~~وللفقير من غني، والمخلوق من خالق غير مخلوق؛ فيلزم وجود الخالق الغني ~~القديم الواجب بنفسه بالضرورة، وهذا وغيره مبسوط في غير هذا الموضع، وسنبين ~~إن شاء الله تعالى أن الإقرار بالصانع عند جماهير العقلاء فطري ضروري، وإن ~~كان قد يكون عند بعض الناس نظريا1. ### || AUTO [النوع الثاني]: # والنوع الثاني: الدهرية الإلهيون القائلون بأن العالم قديم، والأفلاك ~~قديمة، لكن له علة قديمة هو مفتقر إليها. وهذا قول ابن سينا وأمثاله من ~~الفلاسفة. # وهذا القول يحكى عن المشائين كأرسطو وأتباعه، وليس الأمر كذلك؛ فإن الذين ~~كانوا قبل أرسطو كانوا يقولون بحدوث صورة الأفلاك، وإنما تكلموا في قدم ~~المادة إما عينا وإما نوعا. PageV01P314 ### || AUTO [العلة والمعلول عند أرسطو]: # وأرسطو إنما أثبت في كتبه علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها، فهذا هو ~~المعروف في كتب أرسطو وأتباعه من القدماء؛ وهو أنهم أثبتوا له علة غائية، ~~وأثبتوا ذلك بطريق الحركة؛ بناء على أن حركة الفلك حركة شوقية إرادية، وأنه ~~يتحرك للتشبه بمن فوقه، فتلك العلة تحركه كما يحرك الإمام المقتدى به ~~للمأموم المقتدي الذي يحب التشبه به، وهذا مرادهم بأنه يحركه كما يحرك ~~المعشوق العاشق، كما قد بسط ذلك أرسطو في «مقالة اللام»، التي هي منتهى ~~العلم الإلهي عندهم1. # ومن لم يجعل العلة إلا هذا القدر: فحقيقة قوله أن الأول لم يفعل شيئا، ~~ولم يبدع شيئا؛ فإن مجرد كون الشيء محبوبا ومعشوقا ومتشبها به، لا يوجب أن ~~يكون مبدعا موجبا لمحبه وعاشقه المتشبه به. ### || AUTO [العلة والمعلول عند ابن سينا وأمثاله]: # وأما أتباع أرسطو المنتسبون إلى الإسلام - كابن سينا وأمثاله -، فهؤلاء ~~أثبتوا «العلة الأولى» بغير هذه الطريق، وسموها «واجب الوجود»، الذي يسميه ~~أرسطو «علم ما بعد الطبيعة»، وقالوا: الوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن ~~لا بد له من واجب، فيلزم إثبات الواجب على ms142 التقديرين. # ثم أخذوا يتكلمون في خصائص الوجود كلام مؤلف من قول سلفهم المشائين وكلام ~~المعتزلة نفاة الصفات، ونفوا الصفات بناء على طريقة «التركيب»، وسموا هذا ~~العلم «العلم الإلهي»، وتكلموا في النبوات وأسرار الآيات وغير ذلك بكلام لم ~~ينقل عن سلفهم المشائين، ولكن تلقوا كثيرا منه من نظار المسلمين وأهل ~~الملل، وأرادوا أن يجمعوا بين أصول سلفهم الدهرية وبين مقالات أهل الملل من ~~المسلمين واليهود والنصارى، وصار كثير من المتأخرين - كالرازي والآمدي ~~وغيرهما - يثبتون واجب الوجود بهذه الطريق. # وليست هذه طريق قدماء أهل الكلام وأئمتهم، كما أنها ليست طريقة PageV01P315 ~~قدماء الفلاسفة ولا أئمتهم، وهي تفيد ما لا نزاع بين العقلاء فيه، من إثبات ~~موجود واجب الوجود بنفسه، أما إثبات صانع العالم سواء، فلا تفيده هذه ~~الطريقة، إلا بناء على نفي الصفات التي بنوا عليها توحيدهم، وهي طريقة ~~فاسدة، أو أن يسلك في ذلك طرق أخرى غير ما ذكروه. فهذا ممكن أيضا. # وهؤلاء المصنفون في الفلسفة من المتأخرين - مثل السهروردي المقتول ~~والرازي والآمدي والطوسي وغير هؤلاء، ممن يشرح إشارات ابن سينا أو يصنف غير ~~ذلك - عمدتهم في الفلسفة على ما يجدونه في كتب ابن سينا، وإذا قال الرازي: ~~«أجمعت الفلاسفة»، فإنما عمدته ما ذكره ابن سينا. # توسع1 في العلم الإلهي، وخاض في الكلام في النبوات وفي أشياء لا توجد في ~~كلام سلفه المشائين، فإن كلامهم في هذا الباب - الذي يسمونه «علم ما بعد ~~الطبيعة» أو «ما قبل الطبيعة» باعتبار الوجود والنظر، ويسمونه «الفلسفة ~~الأولى» و«الحكمة العليا» - كلام قليل جدا2، وغايته كلام في أمور كلية، ~~ولهذا كان موضوعه عندهم هو «الوجود المطلق»، المنقسم إلى واجب وممكن، وجوهر ~~وعرض، وعلة ومعلول، وعامة كلام القوم إنما هو في الطبيعيات، لكن هؤلاء ~~المنتسبون إلى الإسلام منهم، وسعوا الكلام في الإلهيات بما ضموه إلى ذلك من ~~كلام أهل الكلام، حتى صار شيئا يذكر ويقال، مع كثرة ما فيه من الخطأ ~~والضلال، وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أن هذا الصنف الثاني من الدهرية ms143 - الذين يقولون بأن العالم ~~صدر عن موجب بذاته لازم له - هم أيضا يقولون بدوام PageV01P316 ~~الحوادث من غير بداية ولا نهاية، ولا يفرقون بين الحوادث القائمة بالممكن ~~المعلول المفتقر إلى غيره، وبين ما يفعله الواجب بنفسه الذي لا يفتقر إلى غيره. ### || AUTO [رد الفلاسفة باطل المتكلمين في هذه المسألة بباطل]: # وهؤلاء عمدوا إلى ما ذكره أولئك من امتناع حوادث لا أول لها فأبطلوه، كما ~~فعله الفارابي، وابن سينا، وأبو البركات صاحب «المعتبر»، وابن رشد الحفيد، ~~وكما فعله الرازي، وغيرهم في كتبهم الفلسفية «كالمباحث المشرقية» وغيرها. # ولكن ليس في إبطال قول أولئك ما يقتضي صحة قولهم، لا بقدم الأفلاك ولا ~~غيرها، بل ولا إمكان قدم شيء سوى الله تعالى، ولكن ردوا باطل أولئك ~~بباطلهم، والحق لم ينحصر في قول هؤلاء وهؤلاء، بل قول هؤلاء أشد فسادا من ~~قول أولئك في العقل، كما أنه أفسد منه في الشرع. ### || AUTO [بطلان قول الفلاسفة]: # فإنه من المعلوم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله ~~تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهذا مما نطق به القرآن في غير ~~موضع، وكذلك التوراة، وغير ذلك من كتب الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. ~~وكذلك نطقت الكتب الإلهية بأن الله تعالى يخلق بمشيئته وقدرته، وأنه سبحانه ~~على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وغير ذلك مما يناقض قول هؤلاء. # ولهذا كان هؤلاء ملاحدة باطنية، أهل قرمطة في السمعيات، كما أنهم جهال ~~متحيرون، أهل سفسطة في العقليات؛ فإن الواجب بذاته الأزلي؛ الذي يستلزم ~~موجبه ومقتضاه في الأزل؛ الذي لم يزل ولا يزال موجبا له - يمتنع أن يتخلف ~~عنه شيء من موجبه ومقتضاه، أو يحدث عنه شيء بعد شيء. والعالم مملوء من ~~الحوادث المشهودة وغير المشهودة؛ فيمتنع أن تصدر عن موجب بذاته بواسطة أو ~~بغير واسطة؛ فإن تلك الواسطة - سواء قيل: إنها العقول1 والنفوس، أو قيل غير PageV01P317 ~~ذلك - إن كانت لازمة لذاته - كما يقولون -، امتنع أيضا أن يحدث عنها شيء، ~~وإن لم تكن1 لازمة كانت حادثة، وذلك يبطل ms144 قولهم. # وإذا قالوا: «إن سبب الحوادث هي حركة الفلك»؛ فالقول في السبب الموجب ~~لحدوث الحركة شيئا بعد شيء. # وإذا قالوا: «هو تصور النفس الفلكية المتعاقبة»، فالقول في حدوث تلك ~~التصورات شيئا بعد شيء. # فإن هذا كله إن لم يكن حادثا، امتنع أن يحدث به ما لم يكن حادثا، وإن كان ~~حادثا امتنع أن يصدر عن موجب أزلي مستلزم لموجبه ومقتضاه؛ إذ كونه مستلزما ~~لموجبه في الأزل مع حدوث الحوادث عنه شيئا بعد شيء - جمع بين المتناقضين. # وهؤلاء أنكروا على أولئك قولهم بصدور الحوادث بدون سبب حادث، مع أن أولئك ~~يقولون: تصدر عن فاعل مختار، ويقولون: إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه ~~على الآخر بلا مرجح. # فهذا القول وإن [كان2] باطلا عند جمهور العقلاء، فقول هؤلاء أبطل منه؛ ~~فإن حقيقته أن الحوادث جميعها التي في العالم العلوي والسفلي تحدث من غير ~~محدث لها أصلا. والفلك الذي جعلوه مبدأ الحوادث، غايتهم أن يقولوا فيه ما ~~قاله أولئك في فعل المخلوق القادر المختار؛ فإن أولئك القدرية يقولون: إن ~~فعل الحيوان يصدر عنه بمشيئته التي يحدثها هو، ويقولون: إن إرادته ترجح أحد ~~مقدوريه على الآخر بلا مرجح. # وهؤلاء إذا انتهوا فغايتهم أن يقولوا في الفلك مثل ذلك؛ فكل ما أبطل به ~~قول أولئك3 يبطل قول هؤلاء وزيادات؛ فإنه إذا كان القادر PageV01P318 ~~المختار يمكن أن يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح - أمكن أن يحدث الفلك وغيره من ~~الحوادث، وأمكن تخصيص أحد المتماثلين بالإحداث بلا مرجح؛ وذلك يبطل أصل ~~قولهم في الموجب بالذات وقدم العالم. # وإن لم يمكن ذلك لم يمكن أن تحدث حركات الفلك الذي هو معلول مفتقر، ~~وتصورات الفلك وإراداته1، إذا قيل: له تصور وإرادة لا بمحدث فوقها يحدثها2؛ ~~وذلك يبطل قولهم بالموجب بالذات، وبطلانه مستلزم لبطلان قولهم بقدم العالم. # ويمتنع أن يقولوا في الممكن المعقول: إنه يحدث الحوادث بلا مرجح، وإنه ~~يحدث تصوراته وإراداته بلا محدث، مع أنه مربوب معلول، والواجب القديم لا ~~يرجحها إلا بمرجح. ويمتنع أن يقولوا: إن هذه الحوادث قائمة بالفلك ms145 تحدث ~~شيئا بعد شيء دائما؛ عن علة تامة أزلية موجبة بنفسها لمعلولها؛ بواسطة أو ~~غير واسطة، فإن هذا جمع بين النقيضين. # ولما كان فساد هذا القول بعد التصور التام يقينا: صاروا يحتاجون إلى أن ~~ينازعوا في لوازمه، ويذكروا في العلم الإلهي الكلي والعلم الطبيعي مقدمات ~~مخالفة لما قاله سلفهم، ولما عليه جمهور العقلاء، ولما يعلم بفطرة العقل؛ ~~مثل قولهم: إن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم يكون واجبا بغيره قديما ~~أزليا يمتنع عدمه. فيجمعون بين النقيضين، ولهذا أورد عليهم من الإشكالات في ~~هذا الممكن - مثل ما ذكره الرازي في «محصله» وغيره - ما لا يمكن عنه جواب ~~صحيح. فالقول المتناقض يلزمه لوازم باطلة، مثل قولهم: إن الفاعل المبدع ~~لمفعوله يكون مفعوله مقارنا له في الزمان؛ ملازما له أزلا وأبدا لا يتأخر ~~عنه. وهذا مما أنكره جماهير العقلاء. PageV01P319 # ثم من أعظم تناقضهم [أن] 1 يقولوا: واجب الوجود لا تكون له صفات؛ لأن ذلك ~~يقتضي أن يكون مستلزما لها لا تنفك عنه، وسموا ذلك الاستلزام «افتقارا»، ~~وقالوا: هذا يقتضي أن يكون واجب الوجود مفتقرا إلى غيره، وذلك ممتنع. وهم ~~قد جعلوه مستلزما للأفلاك وغيرها من مصنوعات لا تنفك عنه، وإذا سمي ~~الاستلزام افتقارا كان هذا افتقارا إلى الأفلاك؛ فيكون واجب الوجود مفتقرا ~~إلى مفعولاته، وذلك أعظم استحالة من استلزامه الصفات. # ثم إنهم يجعلون «أن يفعل» و«أن ينفعل» من أنواع الأعراض الموجودة؛ فإن ~~الأجناس العالية التي جعلوها أجناس الموجودات هي عندهم عشر: الجوهر ~~والأعراض، ولم يقيموا دليلا على انحصارها2 في تسعة، ولهذا جعلها بعضهم ~~ثلاثة: «الكم»، و«الكيف»، و«الإضافة»، وبعضهم غير ذلك، وعلى كل قول، فهم لا ~~يتنازعون أن الأعراض موجودة، وأن الفعل والانفعال من الأعراض. # ومعلوم أن فعل الأول لكل ما سواه، أعظم من فعل غيره، ففعله أعظم أنواع ~~الفعل؛ فيلزم أن يكون فعله موجودا، وهو عرض لا يقوم بنفسه، ولا يجوز أن ~~يقوم بغيره بالضرورة، وهم يسلمون ذلك؛ ويقولون: «أن يفعل» 3، يقوم بالفاعل، ~~و«أن ينفعل» يقوم بالقابل. فيلزم أن يكون الرب تعالى قد قام ms146 به «أن يفعل»، ~~وإذا قام به الفعل، فقيام القدرة وغيرها من الصفات أولى وأحرى، وحينئذ ~~فتكون الصفات قائمة به. # والفعل عند أساطينهم من جنس الحركة، وذلك لا يكون إلا شيئا بعد شيء، فإن ~~الحركة عندهم ليست مختصة بالانتقال من حيز إلى حيز، بل هذا يسمونه حركة في ~~«الأين»، ويسمون حركة الفلك حركة PageV01P320 ~~في «الوضع»، ويجعلون الفعل وتحول الموصوف1 من صفة إلى صفة: حركة في ~~«الكيف»، ويجعلون حركة النبات حركة في «الكم» 2. # وإذا كان الفعل حركة في «الكيف» لزم أن مفعول الرب تعالى لا يصدر عنه إلا ~~شيئا بعد شيء، فامتنع أن يكون في مفعوله قديم. # وأيضا فالذات الواحدة البسيطة يمتنع في صريح العقل أن يصدر عنها أمور ~~مختلفة متعددة بواسطة أو لا بواسطة، وهم يعرفون ذلك بقولهم: «الواحد لا ~~يصدر عنه إلا واحد». # لكن «الواحد» الذي وصفوا به رب العالمين لا حقيقة له؛ فإنهم أثبتوا وجودا ~~لا يتصف بصفة ثبوتية، بل هو بسيط مطلق بشرط الإطلاق عند بعضهم كأبي يعقوب ~~السجستاني3 وغيره، أو مطلق بشرط نفي كل أمر ثبوتي عنه كقول ابن سينا ~~وأمثاله. والأول إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والثاني أشد عدما ~~منه؛ لأنه مشروط4 بالعدم، وما خلا عن تقيد بوجود أو عدم كان أقرب إلى ~~الوجود5 مما قيد بالعدم، مع أن هذا يستلزم أن يكون أي شيء فرضت من ~~الموجودات أكمل من واجب الوجود؛ فإنهما اشتركا في مسمى «الوجود»، وامتاز ~~الممكن بأمر وجودي، وامتاز الواجب عندهم بأمر عدمي، فكان ما امتاز به PageV01P321 ~~الممكن عن الواجب عندهم أكمل مما امتاز به الواجب. # وأيضا فإنهم1 يصرحون في منطقهم بأن الشيئين إذا اشتركا في أمر وجودي لم ~~ينفصل أحدهما عن الآخر إلا بأمر وجودي، لا بأمر عدمي، ولهذا يقولون: إن ~~فصول الأجناس لا تكون عدما بل وجودا، ثم يقولون: إن رب العالمين يشارك كل ~~موجود في مسمى «الوجود»، ولم يمتز عن شيء منها2 إلا بأمر عدمي. # وإذا قالوا: هذا نقوله في الأنواع المركبة، ووجود الواجب ليس من الأنواع ~~المركبة. ms147 # قيل: هذا فرق لمجرد اللفظ والاصطلاح، وإلا فإذا اشترك الشيئان3 في أمر ~~وجودي، فلا بد من أن يمتاز أحدهما عن الآخر بأمر وجودي؛ سواء سمي ذلك ~~«فصلا» أو «خاصة». # ثم تفريقهم في الصفات اللازمة للموصوف: بين الذاتيات المقومة الداخلة في ~~الماهية، وبين العرضية اللازمية للماهية، وبين العرضية اللازمة لوجود ~~الماهية - تفريق باطل، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين فيه أن هذا ~~الفرق إنما يصح لو كان في الخارج لكل شيء ماهية موجودة غير الموجود المعين، ~~وهذا مما قد عرف فساد كلامهم فيه، وبين أن الفرق ثابت بين ما يتصور في ~~الأذهان وما يوجد في الأعيان؛ فإذا أريد بالماهية ما يتصور في الذهن، ~~وبالوجود ما هو خارج الذهن؛ كما يتصور المثلث في الذهن قبل أن يعرف وجوده ~~في الخارج، فإنه يقال: إن هذه الماهية المتصورة في الذهن غير الحقيقة ~~الموجودة في الخارج. # وأما أن يراد إثبات حقيقة في الخارج غير الشيء المعين، وأن PageV01P322 ~~الإنسان مركب من جواهر موجودة، في أحدها1 جسم، والآخر نام حساس، والآخر ~~نام، والآخر متحرك بالإرادة، والآخر ناطق؛ فهذا مما يعلم فساده بعد التصور ~~التام بضرورة العقل. # وقد بين أن ما يسمونه «تمام الماهية، ومجموع الماهية، وكمال الماهية»، ~~وما يسمونه «جزء الماهية»، وما يسمونه «لازم الماهية» - يعود بعد التحقيق ~~إلى المدلول عليه «بالمطابقة»، و«التضمن»، و«الالتزام»؛ فإن المدلول عليه ~~بالمطابقة هو مجموع المعنى الذي تصوره المتكلم في ذهنه وعبر عنه بلسانه، ~~والمدلول عليه بالتضمن هو جزء هذا المعنى، والمدلول عليه بالالتزام هو ما ~~يلزم هذا المعنى2. # وأما الإنسان الموجود في الخارج، فلا ريب أن بدنه مركب من أعضائه التي ~~يمتاز بعضها عن بعض، ومركب من أخلاطه التي امتزج بعضها ببعض، وهو أيضا مركب ~~من بدن ومن نفس قائمة بنفسها، عند سلف الأمة وأهل السنة القائلين بأن الروح ~~جوهر قائم بنفسه؛ PageV01P323 ~~ليست جزءا من البدن ولا عرضا من أعراضه، وإن كانوا لا يقولون بتجريدها عن ~~الصفات والأفعال، كما تزعمه المتفلسفة في النفس الناطقة. # فالمقصود هنا: أن هذا التركيب ms148 مسلم، وأما تركيب الإنسان الموجود في ~~الخارج من عدة جواهر عقلية، فهذا مما يعلم بطلانه بصريح العقل بعد التصور ~~لمرادهم. نعم، هو ذات موصوفة بصفات قائمة بها، وهي أعراض قائمة [به1]؛ فإنه ~~تقوم به الحياة والنطق والضحك وغير ذلك من الصفات بالقوة وبالفعل، وهذه ~~الصفات التي تقوم [به1] ليست مادة له، ولا أجزاء سابقة له، ولا جواهر قائمة به. # ولهذا اضطربوا في الصفات: هل يكون فيها ما هو مقوم للموصوف، متقدم عليه ~~أو لا؟ وفرعوا على ذلك أن الفصل هل يكون علة، لخصه النوع من الجنس؟ واضطرب ~~في ذلك كلامهم اضطرابا منشؤه من أصول فاسدة، كما قد نبه عليه في غير هذا ~~الموضع. # والمعقول الصريح الذي لا ريب فيه أن الصفات القائمة بالموصوف تنقسم إلى ~~لازم للنوع، وعارض؛ فالأول كالحياة والنطق والضحك بالقوة أو الفعل للإنسان، ~~والثاني كالسواد والبياض، والطول والقصر، والشباب والمشيب، ونحو ذلك من ~~العوارض التي قد تكون بطيئة الزوال، وقد تكون سريعة الزوال؛ كحمرة الخجل، ~~وصفرة الوجل. وإلى لازم الشخص كالفطوسة2 ونحو ذلك، وعارض له كتزوج المرأة ~~المعينة وطلاقها. # واللازمة للنوع لازمة للنوع الموجود3 في الخارج، وهي الماهية PageV01P324 ~~والحقيقة الموجودة في الخارج، وأما المتصور1 في الذهن، فقد يتصور مجملا، ~~وقد يتصور مفصلا، والتصور المفصل على درجات متفاوتة، كما قد بسط في مواضع ~~في بيان كثير من غلطهم في المنطق والإلهيات وغير ذلك. # والمقصود هنا: أن ما ذكره ابن سينا وأمثاله في واجب الوجود: أنه وجود ~~مقيد بسلب كل ثبوتي عنه2 - يستلزم من التناقض والفساد ما لا يتسع له هذا ~~الموضع، وتعبيره عن ذلك بأنه الوجود الذي لا يعرض له3 الوجود، بناء على أن ~~في الخارج شيئين: ماهية ممكنة، وموجودا هو غير الماهية الموجودة الممكنة، ~~فلهذا قال: «فالواجب أن وجوده لا يعرض لشيء من الماهيات»، بناء على هذا الأصل. # وإذا قال: «إن وجوده عين ماهيته» 4، فليس مراده أن الحقيقة5 تختص به، وأن ~~تلك الحقيقة هي عين وجوده الثابت في الخارج، بل هذا قول نظار أهل السنة، ~~وهو قول ms149 الأشعري وغيره، ولكن مراده أنه وجود مجرد، لا يتصف بأمر ثبوتي ~~أصلا، بل إنما يتميز عن غيره بالسلوب والإضافات فقط، وهذا إذا تصوره ~~الإنسان تصورا تاما علم أنه يمتنع وجوده في الخارج6، كان أكمل من هذا ~~الوجود المشروط بسلب كل أمر ثبوتي عنه. PageV01P325 # وهذا إنما قاله بناء على نفي ما ظنوه تركيبا، وهم يستعملون لفظ «التركيب» ~~في خمسة أنواع: # أحدها: تركيب1 الموصوف من الذات والصفات. # والثاني: تركيب الماهيات النوعية من الجنس والفصل. # والثالث: تركيب الأعيان الموجودة من وجود وماهية. # والرابع: تركيب الجسم من مادة وصورة، [على2] قول من يقول بذلك. وعلى قول ~~كثير من أهل الكلام وغيرهم هو مركب: # التركيب الخامس: هو تركيب الجسم من الجواهر المنفردة. # وقد بين في غير هذا الموضع أن جميع هذه الأنواع باطلة3 في الوجود الواجب ~~والممكن، إلا النوع الأول وهو وجود ذات لها صفات؛ فإن هذا ثابت في الواجب ~~والممكن، وأما ما سوى ذلك، فهو باطل في الممكنات والمخلوقات، فليس شيء منها ~~مركبا تركيبا من تلك الأنواع الأربعة؛ فالرب الخالق أولى أن لا يكون مركبا ~~من شيء من تلك الأنواع الأربعة. # ولكن لما ظن من ظن وجود تلك التركيبات الأربعة، أو بعضها، ثابتا في ~~الخارج، صاروا بعد ذلك متنازعين في الخالق جل جلاله، منهم من يثبت بعض هذه ~~التركيبات فيه، ومنهم من ينفيها، ويلزم كلا من القولين من التناقض ما يبين ~~فساده، حيث بنوا على تحقيق هذه التركيبات في الخارج؛ فإذا علم انتفاؤها في ~~الخارج مطلقا، لم يكن لها حقيقة لا في الخالق ولا في المخلوق. # ولكن التركيب الثابت في الخارج هو تركيب الشيء من أجزائه PageV01P326 ~~المتنوعة، إما في الجنس وإما في القدر؛ كتركيب المخلوقات: الحيوان والنبات ~~من أبعاضه ومن أخلاطه، وتركب المصنوعات - كالأبنية والثياب1، والأطعمة ~~والأشربة، والأدوية - من الأبعاض المميزة والمختلطة. # ولهذا كان العقلاء يقولون: الجسم ينقسم إلى بسيط ومركب: فالبسيط هو ما ~~شابه جزؤه كله: كالماء والهواء، والمركب بخلاف ذلك. وقد تكون أبعاض الجسم ~~متفقة في الحقيقة مع تنوع مقاديرها، كما يصاغ ms150 من الذهب والفضة والنحاس ~~والزجاج والبلور2 وغير ذلك صور مختلفة، فهذا ونحوه من التركيب هو مما يسلمه ~~لهم سائر العقلاء. # وأما ما يدعونه من التركيب العقلي - وهو تركيب الشيء المعين من وجود ~~وماهية، وتركيب النوع من الجنس والفصل، وتركيب الجسم من جوهرين عقليين: ~~مادة وصورة - فهذا كله إنما يوجد في الأذهان، لا في العيان. والتركيب من ~~الجواهر باطل أيضا، كما قد بسط هذا كله في موضعه. # ثم إنهم مع ذلك لما اضطروا إلى إثبات أمور وجودية - مثل كونه فاعلا، ~~وكونه عاقلا ومعقولا وعقلا، وكونه عاشقا ومعشوقا وعشقا، PageV01P327 ~~وملتذا ولذيذا ولذة - أخذوا يكابرون؛ فيجعلون1 هذه الصفة هي الأخرى، ~~فيجعلون كونه فاعلا هو كونه عالما، وكونه عاشقا هو كونه عالما، وكونه عالما ~~هو كونه قادرا؛ ويجعلون الصفة هي الموصوف؛ فيجعلون العلم عين العالم، ~~والقدرة عين القادر، والمحبة عين المحبوب. ومن متأخريهم - كالطوسي شارح ~~«الإشارات» - من جعل العلم عين المعلومات2، ويجعلون هذه الأمور الموجودة ~~أمورا عدمية. # فهذا وأمثاله مما يعلم به كل عاقل تصور قولهم تصورا تاما: أنهم من3 ~~مخالفة للمعقول الصريح في العلم4. وسبب ذلك أن متقدميهم ليس لهم في ذلك علم ~~ولا خوض، ولا عرفوا الله تعالى، ولا ملائكته، ولا كتبه، ولا رسله، ولا ~~البعث بعد الموت. وإنما عرفوا أمورا مشهودة من هذا العالم، وأمورا كلية ~~لهذه الأمور المشهودة5 من الطبيعية والرياضية، وعرفوا أن وراء الأفلاك ~~موجودا آخر، ولكن صاروا يتكلمون فيه رجما بالغيب، وهم يقذفون بالغيب من ~~مكان بعيد. # وكان غاية ما عند أرسطو - معلمهم الأول، صاحب المصنفات الموروثة عندهم في ~~المنطق والطبيعي والإلهي - أن أثبت علة غائية، يتحرك الفلك للتشبه بها، ولم ~~يذكر أنه فعل شيئا، بل أنكر6 أن يكون عالما بشيء من الموجودات، وتكلم فيه ~~بكلام قد ذكرناه، وذكرنا بعض PageV01P328 ~~ما رد عليه أتباعه المعظمون له وغير أتباعه، وما به يعلم أن الرجل وأتباعه ~~من أجهل أهل الأرض برب العالمين، وأن كفار اليهود والنصارى بعد النسخ ~~والتبديل أعلم برب العالمين منهم. # ولهذا لم يوافقهم متأخروهم - كابن سينا وأمثاله ms151 - على كل ما قالوه، بل ~~أثبتوا أمورا، وصاروا يتقربون إلى الحق، وتكلموا [في1] النبوات، وأسرار ~~الآيات وغير ذلك بكلام لبسوا به الحق بالباطل، فصار ينفق2 على الجهال ~~الأغتام3 الذين لم يعطوا العقل حقه في المطالب الإلهية، ولا اتبعوا ما ~~أخبرت به الرسل عن رب البرية، بل صاروا ممن قيل فيه: {لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10]، وصار كلام متأخريهم بالنسبة إلى ~~متقدميهم مثل النحاس المغشوش بالفضة والذهب بالنسبة إلى النحاس المكشوف، ~~فهذا يروج على من لا يعرف النقد، بخلاف النحاس المكشوف، فإنه لا يشتبه على ~~أحد أنه ليس بفضة ولا ذهب، ولكن يقبله من ليس عنده ذهب ولا فضة. # وأولئك المتفلسفة القدماء لم يكن عندهم من المعرفة بالله تعالى وملائكته ~~وكتبه ما أنضجته الأفكار العقلية، ولا ما أخبرت به الرسل عن رب البرية، ~~ولكن تكلموا في الطبيعيات وأشياء من الكليات بما هو من جنس الفلوس بالنسبة ~~إلى الذهب الذي جاءت به الرسل عن الله تعالى، لا سيما خاتم المرسلين صلوات ~~الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وهذه الأمور مبسوطة في موضعها. # ولكن المقصود هنا: التنبيه على بعض لوازم قول هؤلاء، الذين يقولون «بأن ~~حركة الفلك دائمة أزلية أبدية»؛ لأنه لا يجوز وجود PageV01P329 ~~حوادث لا أول لها. ومن المعلوم أن تجويز نوع حوادث لا أول لها، لا يستلزم ~~ثبوت ذلك في شيء معين، لا الفلك، ولا الأركان الأربعة: الماء والهواء ~~والتراب والنار، ولا المولدات من الحيوان والنبات والمعدن؛ فإذا جاز أن ~~يكون في جنس الوجود حوادث لا أول لها، وجاز أن تكون الحوادث دائمة: فأي شيء ~~في ذلك مما يدل على أن حوادث الجسم المعين دائمة أزلية أبدية؟ # وكل ما يحتجون به من دوام الفاعلية ولوازمها: من دوام الحركة، أو مقدار ~~الحركة الذي يسمونه الزمان، أو دوام جنس المدة، أو جنس المادة - فلا يدل ~~على قدم شيء بعينه من العالم أبدا. # لكن لما كان من ناظرهم من أهل الكلام المبتدع: كلام الجهمية والقدرية قد ~~قالوا: إن جنس ms152 الفعل وملزوماته حادث، وإن الرب تعالى لم يمكنه أن يفعل ~~ويتكلم بمشيئته؛ بل كان ذلك ممتنعا عليه ثم صار ممكنا، واحتجوا على ذلك ~~بامتناع حوادث لا أول لها - صار هؤلاء إذا أثبتوا إمكان حوادث لا أول لها، ~~أو وجوب ذلك؛ ظنوا أن ذلك السلب الكلي العام إذا بطل: ثبت ما ادعوه من ~~التعيين. # وهذا جهل عظيم؛ فإن السالبة الكلية تنتقض بصورة واحدة جزئية، ولا يلزم من ~~ذلك صدق كل جزئي ينافيها؛ فإذا أكذب1 قول القائل: {ما أنزل الله على بشر من ~~شيء} [الأنعام: 91] بإنزاله2 على موسى ومحمد ونحوهما، لم يلزم من ذلك أن ~~يكون قد أنزل على مسيلمة الكذاب3، والأسود العنسي4، PageV01P330 ~~وطليحة الأسدي1، والحارث الدمشقي2، والسهروردي المقتول الحلبي3، وابن سبعين ~~الأندلسي4، وبابا الرومي5، وأمثالهم من الكذابين. PageV01P331 ### || AUTO [قول الطائفة الثالثة]: # وبما ذكرناه من فساد هذين القولين يظهر القول الثالث؛ الذي عليه أئمة أهل ~~الملل، وعلماء الحديث والسنة وغيرهم، وأئمة الفلاسفة القدماء الأساطين ~~الذين كانوا قبل أرسطو - وهو الفرق بين الواجب والممكن، بين الغني والفقير، ~~بين الخالق والمخلوق، بين الرب والمربوب، وعلى اصطلاحهم: بين العلة ~~والمعلول، وعلى الاصطلاح المشترك: بين المؤثر والأثر؛ فالواجب الغني المؤثر ~~لا يمتنع عليه دوام1 الفعل والكلام؛ إذ لا يفتقر في ذلك إلى غيره. ### || AUTO [استمرار في بيان بطلان مذهب ابن سينا وأمثاله في العلة ~~والمعلول]: # وأما المعلول المربوب، فيمتنع أن تقارنه الحوادث على سبيل الدوام، فكل ما ~~قارنته الحوادث وهو معلول فهو حادث، وإن شئت قلت: كل ما لا يسبق الحوادث ~~وهو معلول فهو حادث، وإن شئت قلت: كل ما قارن الحوادث، أو لم يسبق الحوادث، ~~وهو مربوب، أو فقير، أو ممكن، فهو حادث، وإن كان مجرد العلم بأنه مفعول ~~ومبدع ومعلول ومربوب: يستلزم العالم بكونه حادثا؛ لأن تقدير مفعول مقارن ~~لفاعله أزلا وأبدا ممتنع في صريح العقل، كما قد بسط في موضع آخر. # والمقصود هنا: أن لزوم الحوادث يمنع أن يكون أيضا قديما معلولا لعلة ~~موجبة بالذات؛ لأنه لو كان قديما للزم أن يكون صادرا ms153 عن موجب بذاته؛ إذ لو ~~كان2 ممكنا بذاته: يقبل الوجود والعدم، وليس له موجب بذاته في الأزل، امتنع ~~كونه أزليا، فإنه إن امتنع وجوده في الأزل فلا كلام، وإن جاز3 وجوده في ~~الأزل وعدم وجوده، لم يترجح إلا أحدهما بما يجب به أحدهما، وهذا هو المرجح ~~التام، وهذا على PageV01P332 ~~رأيهم في أنه لا يترجح أحد طرفي الممكن إلا بمرجح. # وأما على قول الجمهور من المسلمين وغيرهم، فإنه يقال: لا يترجح وجوده ولا ~~عدمه إلا بمرجح تام، وأما العدم المستمر به، فلا يحتاج إلى [علة1]. # وأيضا فتجويز قديم أزلي2 ممكن هو مفعول علة قديمة: قول هذه الطائفة ~~القليلة من المتفلسفة، وأما3 جماهير العقلاء الأولين والآخرين من أهل الملل ~~والفلاسفة، حتى أرسطو وأتباعه القدماء؛ فإن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم ~~- لا يكون إلا محدثا، وأما القديم فلا يكون عندهم ممكنا يقبل الوجود ~~والعدم. ومن جوز قديما معلولا من هؤلاء كابن رشد ونحوه، فإنهم لا يقولون: ~~إنه ممكن. فلهم هذه القوال الثلاثة. # والمقصود هنا: أن الموجب بذاته - سواء أوجب بذات لا صفة لها، أو بذات ~~موصوفة بالصفات، وسواء أوجب بدون مشيئة، أو بمشيئة - فإن المقصود هنا أن ~~القديم المعلول لا بد له من مؤثر تام في الأزل، وهو الموجب بذاته، سواء ~~أوجب بمجرد الذات، أو لصفة، أو مع المشيئة، أو بدونها، فإذا كان الممكن لا ~~يكون قديما إلا مع ثبوت موجبه التام في الأزل؛ والموجب التام لا يصدر عنه ~~حادث - امتنع صدور الممكن المستلزم للحوادث عنه؛ فإنه إن صدر عنه بدون ~~الحوادث لزم تحقيق الملزوم بدون اللازم، وإن صدر عنه مع الحوادث المتعاقبة ~~لزم صدور الحوادث المتعاقبة عن الموجب بذاته، الذي لا يتخلف عنه موجبه، وهو ~~متناقض. # وأيضا فإن كونه فاعلا ومبدعا مع كون مفعوله ومبدعه المعين مقارنا PageV01P333 ~~له أزلا وأبدا - جمع بين الضدين، وتسوية بين صفاته ومفعولاته، وكونه موجبا ~~بذاته معينا1 وهو الفلك، ومحدثا للوازمه شيئا بعد شيء - ممتنع أيضا. وإن ~~قيل: إنها تحدث بما يقوم بذاته من الأمور الاختيارية؛ لأن الفاعل ms154 الذي يفعل ~~ما يقوم به من الحوادث أولى أن تكون مفعولاته حادثة، ولأن حقيقة الإبداع ~~والفعل تستلزم حدوث شيء بعد شيء، والإمكان الحقيقي لا يعقل إلا فيما يمكن، ~~وأما ما لم2 يزل موجودا، فهذا لم يسمه3 ممكنا لا أهل الملل ولا الفلاسفة ~~القدماء، وإنما سماه ممكنا ابن سينا وأمثاله، كما قد تقدم. # ولما يطعن ابن سينا وأمثاله بهذا الموضع، وأنه يستحيل صدور حوادث متعاقبة ~~عن موجب تام مستلزم لأثره، وكذلك ابن رشد وغيره ادعوا أن4 صدور المتغير عما ~~لا يتغير مما تنكره العقول بفطرتها؛ فلأن5 ابن سينا وأمثاله يدعون أن ~~الحركة المتصلة لا توجد في الأعيان، وإنما يوجد في الأعيان شيء سموه ~~«التوسط»، وزعموا أنه ليس فيه تغير أصلا، فخالفوا صريح العقل والحس بكلام ~~مزخرف اشتبه على كثير من العقلاء. ### || AUTO [كلام ابن سينا في الحركة، والتعليق عليه]: # وهذا كلام ابن سينا في تحقيق القول في الحركة6: «اسم لمعنيين: PageV01P334 # الأول: الأمر المتصل المعقول للمتحرك1 من المبدأ إلى المنتهى، وذلك مما لا ~~حصول له في الأعيان؛ لأن المتحرك ما دام لم يصل إلى المنتهى، فالحركة لم ~~توجد بتمامها، وإذا وصل فقد انقطع وبطل؛ فإذن لا وجود له في الأعيان2، بل ~~في الذهن. # وذلك لأن للمتحرك نسبة إلى المكان الذي [تركه، وإلى المكان الذي3] أدركه، ~~فإذا ارتسمت صورة كونها4 في المكان الأول في الخيال، ثم قبل زوالها عن ~~الخيال ارتسمت صورة كونها4 في المكان الثاني - فقد اجتمعت الصورتان في ~~الخيال، فحينئذ يشعر الذهن بالصورتين معا على أنهما شيء واحد، [وأما5] في ~~الخارج فلا وجود له. # الثاني: وهو الأمر الوجودي في الخارج، وهو كون الجسم متوسطا بين المبدأ ~~والمنتهى، بحيث أي حد يفرض فيه لا يكون فيه لا قبله ولا بعده6، وهو حالة ~~موجودة مستمرة ما دام الشيء يكون متحركا، وليس في هذه الحالة تغير أصلا. # نعم، قد تتغير حدود الوسط7 بالعرض، لكن ليس كون المتحرك متحركا لأنه في ~~حد معين الوسط8؛ وإلا لم يكن متحركا عند خروجه PageV01P335 ~~منه، بل لأنه متوسط على ms155 الصفة1 المذكورة، وتلك الحال2 ثابتة في جميع حدود ~~ذلك الوسط، وهذه الصورة3 توجد في المتحرك وهو في كل4 آن؛ لأنه يصح أن يقال ~~له في كل آن يفرض: «إنه في حد متوسط، لا يكون قبله ولا بعده فيه». # والذي يقال: «[من أن5] كل حركة ففي زمان». فإن6 عني بالحركة الأمر المتصل ~~فهو في الزمان، ووجوده7 فيه على سبيل وجود الأمور8 في الماضي، لكن بيانها ~~بوجه آخر؛ فإن الأمور الموجودة في الماضي قد كان لها وجود في آن من9 الماضي ~~كان حاضرا فيه، ولا كذلك هذا10. # وإن11 عني به المعنى الثاني، فكونه في الزمان، لا على معنى أنه يلزمه ~~مطابقة12 الزمان، بل على معنى أنه لا يخلو من حصول [قطع، و] ذلك13 القطع ~~مطابق للزمان، فلا يخلو14 من حدوث زمان، ولأنه ثابت في كل آن من ذلك ~~الزمان، فيكون ثابتا في هذا الزمان بواسطة». # ولما ذكر الرازي هذا في «مباحثه المشرقية» قال15: «فهذا ما PageV01P336 ~~قالوه» 1. وذكره حكاية عنهم، لم يقرره كما جرت عادته بتقرير ما يتبرهن عنده. # وإذا تدبر اللبيب هذا الكلام وجدهم فيه قد قلبوا الحقائق؛ فجعلوا الحركة ~~الموجودة في الخارج ليست موجودة في الخارج، بل في الذهن، والأمر الكلي ~~المطابق للجزئيات الخارجية الذي لا يوجد إلا في الذهن؛ جعلوه موجودا2 في ~~الخارج. # ومثل هذا يقع لهؤلاء كثيرا؛ يجعلون الواحد اثنين والاثنين واحدا3، ~~والذهني خارجيا والخارجي ذهنيا، يجعلون المجردات العقلية - التي يجردها ~~العقل كالأعداد المجردة4 والمقادير المجردة كالنقطة المجردة، والخط المجرد، ~~والسطح المجرد، والجسم التعليمي المجرد عن كل شيء معين - أمورا موجودة في ~~الخارج. # وكذلك ما يذكرونه من الجواهر العقلية: كالعقول، وواجب الوجود الذي ~~يثبتونه، والمادة والصورة، والكليات المجردة - كل هذه إذا حققت لم تكن ~~ثابتة إلا في الذهن لا في الخارج. # ويجعلون المحسوسات الموجودة في الخارج - كالحركات المتصلة الموجودة في ~~العالم العلوي والسفلي - إنما هي في الذهن. ### || AUTO [المناقشة التفصيلية لكلام ابن سينا]: # وأما قوله: «الأمر المتصل المعقول للمتحرك، من المبدأ إلى المنتهى، فذلك5 ~~مما لا حصول له في ms156 الأعيان». PageV01P337 # فيقال له: شيئان: # أحدهما: الحركة المتصلة الموجودة في الخارج: كحركة الكواكب التي نشهدها، ~~وكحركة الفلك عند من قام عنده دليل على أن الفلك نفسه هو المتحرك. # والثاني: الحركة الكلية المعقولة في الذهن، المطابقة لكل معنى معين من ~~الحركات، أو من أجزاء الحركة المتصلة إذا فرض لها أجزاء1 بالعرض. # وهذا الكلي المعقول هو معنى قائم بذهن العاقل، ليس هو الحركة القائمة ~~بالمتحرك، بل هذه الحركة موجودة، سواء قدر وجود ذلك المعقول أو قدر عدمه، ~~كما توجد نفس الأجسام المتحركة، سواء وجد من يعقلها أو لم يوجد. # ونحن نعلم بالحس والعقل أن الحركة القائمة بالمتحرك متصلة موجودة شيئا ~~بعد شيء، بخلاف الكلي المعقول، فإنه موجود في آن واحد قائم بالعاقل، وهو لا ~~يوجد شيئا شيئا، ولا يكون بعضه قبل بعض، وقد يتصور الإنسان حركته إلى مكة ~~جملة في آن واحد، وهي لا توجد في الخارج إلا [في2] مدة طويلة، وكذلك سائر ~~الحركات. # وأما قوله: «لأن المتحرك ما دام لم يصل إلى المنتهى، فالحركة لم توجد ~~بكمالها3، وإذا وصل فقد انقطع وبطل، فإذن لا وجود له في الأعيان». # فيقال: هذا تلبيس؛ فإن الموجود في الأعيان يراد به الوجود المجتمع ~~المقترن في آن واحد، ويراد به مطلق الوجود وإن كان شيئا PageV01P338 ~~بعد شيء، ومعلوم أن الحركة وأنواعها، ليس وجودها وجود النوع الأول كأبعاض ~~الجسم، وإنما توجد شيئا فشيئا. ولهذا من قال: إن الكلام لا وجود له، أو ~~الصوت لا وجود له، أو العقود: كالبيع والنكاح والإجارة لا وجود لها - فإن ~~عنى أنه لا يوجد كل جزء منه مع الآخر، فهذا لا ينازع فيه عاقل، ولكن هو ~~موجود شيئا فشيئا. # وقوله: «المتحرك ما لم يصل1 إلى المنتهى، فالحركة لم توجد بتمامها». # يقال له: التمام إنما يقال في حركة2 محدودة، وأما مطلق الحركة، فليس لها ~~حد يكون تماما، وكل من النوعين يوجد شيئا فشيئا، ولا يلزم إذا لم توجد ~~بتمامها أن لا يكون قد وجد بعضها، بل المتحرك من حين يتحرك إلى أن يصل إلى ms157 ~~المنتهى، فالحركة توجد شيئا فشيئا، ولا يلزم إذا كانت توجد شيئا فشيئا، ولم ~~يوجد تمامها - أن لا يكون قد [وجد] منها2 شيء، وهذا ظاهر يتبين به تلبيسهم. # ومما يوضح هذا أن يقال: قولك: «الحركة لم توجد بتمامها» نفي لوجود الحركة ~~المحدودة تامة، وهذا أخص من نفي وجود شيء من الحركة؛ فإنه لا يلزم إذا لم ~~توجد الحركة من بلده إلى مكة تامة، أن لا يكون قد وجد ما هو حركة أقصر وضح4 ~~من تلك، والحركة تحاذي المسافة المحدودة فتوجد شيئا بعد شيء، وكلما وجد شيء ~~زادت الحركة وطالت إلى أن تتم الحركة المحدودة، فتوجد أولا حركة قصيرة، ثم ~~أطول منها، ثم أطول من تلك، إلى أن توجد الحركة التامة. PageV01P339 # وهكذا الأجسام؛ فإن النبات ينبت شيئا بعد شيء، وهكذا الحيوان، وهما متحركان ~~في الكيف بالنمو والاغتذاء، فإذا كمل النبات انتهت الحركة التي هي النمو1 ~~والاغتذاء، ولا يقال: «إنه لم توجد حركة»؛ لأنه إنما2 لم توجد له الحركة ~~التامة. # ومن المشهور عندهم وقوع الحركة في أربعة أنواع: في الكيفية، والكمية، ~~والمكان الذي يسمونه «الأين»، وفي الوضع؛ وهو ما يكون محله واحدا، كحركة ~~الأجسام المستديرة: كالرحى، والمنجنون الذي هو الدولاب3، والفلك؛ فإن محل ~~الجسم المتحرك لا يختلف كما يختلف في الحركة المكانية، ولكن يحاذي كل جزء ~~من المحل أجزاء الحال شيئا بعد شيء، وفي جميع هذه الأنواع يوجد ابتداء ~~الحركة شيئا بعد شيء لما أن يوجد تمامها إن كانت محدودة لها منتهى، أو إلى ~~أن ينتهي إلى حد يفرض من المتحرك. # ولا يجوز لقائل أن يقول: «إن الحركة إذا لم توجد بتمامها إلى منتهاها لم ~~توجد حركة أصلا»، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام؛ فلا يلزم إذا لم يكن ~~هناك حيوان صاهل أن لا يكون هناك حيوان أصلا. # وأما قوله: «إذا وصل المتحرك إلى المنتهى، فقد انقطعت وبطلت، فإذن لا ~~وجود لها في الأعيان» 4. # فيقال له: إذا وصل إلى المنتهى انقطعت الحركة وبطلت بعد أن وجد منها ما ~~وجد من المبدأ إلى المنتهى، ms158 وعند وجود التمام لم يبق شيء من الحركة ~~المحدودة. PageV01P340 # والانقطاع يراد به أنه لم يبق شيء يوجد من الحركة، لا يعنى به أنه لم يوجد ~~منها شيء، ولا ريب أن الحركة كلما وجد منها شيء عدم بعد وجوده، لكن إذا عدم ~~بعد وجوده لم يلزم أنه لم يوجد. # وأما قوله: «بل وجودهما في الذهن؛ لأن للمتحرك1 نسبة إلى المكان الذي ~~تركه وإلى المكان الذي أدركه، فإذا ارتسمت صورة كونها في المكان الأول في ~~الخيال، ثم قبل زوالها عن الخيال ارتسمت صورة كونها في المكان الثاني - فقد ~~اجتمعت الصورتان في الخيال، فحينئذ يشعر الذهن بالصورتين معا على أنهما شيء ~~واحد، وأما في الخارج فلا وجود له». # فيقال له: هذا يقتضي اجتماع تصور الكون الأول والكون الثاني معا في ~~الذهن، وأجزاء الحركة لا توجد معا في الخارج، بل توجد متعاقبة متتالية. # فإذا قيل: يجتمع2 تصور أجزائها في الذهن في وقت واحد، ولا يتصور وجود ~~أجزائها في الخارج في وقت واحد. فهذا كلام صحيح، والذي في الذهن هو العلم ~~بها، لا نفسها، والذي في الخارج نفسها، لا العلم بها، والعلم بالشيء ليس هو ~~نفس الشيء المعلوم، والمعلوم الذي لا يوجد إلا متعاقبا متتاليا، شيئا بعد ~~شيء، لا يوجد أوله وآخره في وقت واحد - هو غير العلم به الذي يوجد في وقت ~~واحد، بحيث قد يتصور أوله وآخره في وقت واحد. # وغاية3 الجواب أن الوجود يراد به الوجود المقترن في وقت واحد، ويراد به ~~الوجود المتعاقب المتتالي، ولا ريب أن ليس وجودها هو PageV01P341 ~~النوع الأول من الوجود، وإنما وجودها هو النوع الثاني من الوجود، ولا يلزم ~~من نفي الأول نفي الثاني، ولا من نفي أحد نوعي الوجود نفي مطلق الوجود. # ولو قدر أن القائل قال: أنا لا أسمي وجودا1 إلا النوع الأول، لكان هذا ~~نزاعا لفظيا، والمقصود أن الحركة لها [وجود2] متتال متعاقب معلوم بالحس ~~والعقل، والنزاع في ذلك سفسطة. # وأما قوله: «الثاني: وهو الأمر الوجودي في الخارج، وهو كون الجسم متوسطا ~~بين المبدأ ms159 والمنتهى، بحيث أي حد يفرض فيه لا يكون فيه لا قبله ولا بعده، ~~وهو حالة موجودة مستمرة ما دام الشيء يكون3 متحركا، وليس في هذه الحالة ~~تغير أصلا»، إلى آخره كما تقدم. # فيقال له: أولا: كون الجسم متوسطا بين حدين، يكون مع كونه متحركا، ويكون ~~مع كونه ساكنا، بل التوسط في السكون أظهر؛ فإنه إذا توسط بين الحدين على ~~السواء، فهو متوسط حقيقة4، وتوسط مستمر ما دام ساكنا، بخلاف المتحرك؛ فإنه ~~وإن كان يحصل له هذا التوسط، فإنه لا يلبث، بل كما تتوسط الشمس والكواكب في ~~وسط السماء، ثم تزول5 عقيب ذلك. # وهم لم يعنوا بالتوسط، أن يكون المتوسط بين الحدين على السواء، بل ما هو ~~أعم من ذلك بحيث يكون من حيث ابتداء الحركة إلى منتهاها متوسطا، وهذا أيضا ~~يكون مع السكون؛ فإن كونه6 في أي حد فرض لا يكون فيه لا قبله ولا بعده، ~~يكون مع سكونه ويكون مع حركته. PageV01P342 # وإذا كان التوسط بالمعنى الخاص والعام، يكون مع الحركة تارة ومع السكون ~~أخرى، لم يكن في تفسير الحركة بالتوسط بيان لمعناها، إنما في ذلك ذكر بعض ~~لوازم الحركة؛ فإن المتحرك من مبدأ إلى منتهى يلزمه أن لا يزال بينهما، ~~فكونه بينهما حال لازم له ما دام متحركا، وهذا هو التوسط الذي ذكروه، ~~ومعلوم أن هذا ليس هو نفس الحركة، بل الحركة تحوله من محل إلى محل، وكونه ~~بين الحدين أمر لازم لحركته. # بل وتفسير الحركة بهذا يشبه تفسير الحيوان بأنه1 النامي المغتذي، والنامي ~~المغتذي أعم من الحيوان؛ فإن2 النبات نام3 مغتذ، وكذلك تفسير الإنسان بأنه ~~الحساس المتحرك بالإرادة، والحساس المتحرك بالإرادة أعم من الإنسان، فتفسير ~~الحركة بأنها التوسط بين المبدأ والمنتهى تفسير لها بأمر أعم [من] الحركة4، ~~فإذن كان التوسط يكون للجسم إذا كان بينهما، سواء كان متحركا أو كان5 ساكنا. # ثم يقال: التوسط يراد به نوع التوسط، ويراد به التوسط المعين، ومعلوم أن ~~النوع أمر كلي، وثباته6 لا يوجد في الخارج كليا، وإنما يوجد في الخارج ~~التوسط ms160 [المعين] 7، وهذا التوسط وكل واحد من التوسطات المعينة حركة معينة، ~~وجنس الحركة يعم هذا كله، والحركة الكلية العقلية لا توجد في الخارج إلا ~~معينة، كما أن التوسط كذلك، والحركة المتصلة الموجودة شيئا بعد شيء هي ~~التوسط المتصل8 شيئا بعد شيء. PageV01P343 # فهنا ثلاثة أمور: # أحدها: حركة متصلة موجودة شيئا بعد شيء، وهو متوسط متصل يوجد شيئا بعد شيء. # والثاني: ما يعين بالفرض من أجزاء تلك الحركة وذلك التوسط، وهذان أمران ~~موجودان في الخارج. # والثالث: الحركة الكلية الموجودة في الذهن الشاملة لهذا كله، وهي توجد ~~معا في آن واحد، بخلاف الحركة المتصلة، فإنها لا توجد إلا شيئا بعد شيء، ~~وأجزاؤها لا يوجد منها الثاني إلا بعد الأول، فلا توجد إلا متعاقبة ~~متتالية، فهذا الثالث هو الذهني، والأولان خارجيان. # وهؤلاء جعلوا التوسط الكلي الذهني خارجيا، وجعلوا الحركة المتصلة ~~الموجودة في الخارج ذهنية، والحركة هي التوسط؛ فقلبوا الحقائق، فجعلوا ~~الذهني خارجيا، والخارجي ذهنيا. # ومما يوضح ذلك أنه قال: «الثاني وهو الأمر الوجودي في الخارج، وهو كون ~~الجسم متوسطا بين المبدأ والمنتهى، بحيث أي حد يفرض فيه [لا يكون فيه] 1 لا ~~قبله ولا بعده، وهو حالة موجودة مستمرة ما دام الشيء يكون متحركا». # فيقال له: كون الجسم متوسطا بين المبدأ والمنتهى، قد يعنى به توسطه بين ~~مبدأ معين2 ومنتهى معين2، فيكون التوسط معينا، وهذا التوسط يزول ويخلفه ~~توسط آخر، فليس هو مستمرا؛ ويعنى به جنس التوسط من مبدأ مطلق ومنتهى مطلق، ~~وهو الأمر الكلي المعقول، فهذا لا وجود له في الخارج. # وكذلك قد يعنى به توسط متصل من مبدأ بعد مبدأ، وإلى منتهى3 PageV01P344 ~~بعد منتهى، فإن المتحرك إذا تحرك من مبدأ إلى منتهى: فالحركة توجد شيئا ~~فشيئا، وهو إذا عين مبدأ حركته المطلوبة ومنتهاها، كان مبدؤها بلده الذي ~~يحج منه ومنتهاها مكة، فهو لا يزال بين بلده ومكة. # وإذا أريد به هذا1 التوسط، فليس المراد في وسط الطريق، بل المراد أن ما ~~بين بلده ومكة وسط بينهما، وهو لا يزال في هذا الوسط، فهذا ms161 في التوسط ~~المتصل، وهو الحركة المتصلة، وهذا التوسط والتحرك لا يزال يوجد شيئا بعد شيء. # وقول القائل: «إن هذه حالة مستمرة ما دام الشيء يكون متحركا»؛ كقوله: إن ~~الحركة حركة مستمرة ما دام الشيء متحركا، وقوله: «ليس في هذه الحالة تغير ~~أصلا»؛ كقوله: ليس في الحركة المتصلة تغير أصلا. # ولفظ «التغير» و«الاستمرار» فيه إجمال؛ فقد يقال: «ليس فيه تغير»، ~~والمعنى2 أن الحركة مستمرة لا تنقطع، وقد يعنى به أن3 هناك حركة هي تغير، ~~وهي في نفسها تحول من حال معين إلى حال معين. # فإذا أريد الأول فهو صحيح، ولكن يبين غلطهم؛ فإنهم إنما أرادوا المعنى ~~الذي به يحصل مقصودهم، فإن4 نفس الذي يسمى «حركة» و«تغيرا» و«تحولا» ونحو ~~ذلك من العبارات، إذا كان مستمرا دائما كان التغير والتحول والحركة دائما ~~مستمرا، والدائم المستمر إذا لم ينقطع فهو لم يتغير، بمعنى أنه لم يعدم ~~التغير والتحرك والتحول، لا بمعنى أن نفس التحول والتحرك ليس تحولا ولا ~~تحركا5. # ولفظ «التغير» قد يراد به مسمى «الحركة»، وهذا موجود في الحركة لا يزال، ~~وقد يراد به انتقال المتحرك من صفة إلى صفة تخالفها؛ كانتقال PageV01P345 ~~الإنسان من جهل إلى علم، ومن ضعف إلى قوة، ومن جوع إلى شبع. # فإذا قيل: إن الحركة الواحدة المتصلة ليس فيها تغير بهذا الاعتبار ~~الثاني، [فهو] 1 صحيح، وإن أريد نفيه بالاعتبار الأول فهو باطل؛ فإن الحركة ~~لذاتها تقتضي أن بعض أجزائها مسبوق ببعض. # ومما يوضح هذا قوله بعد ذلك: «نعم، قد تتغير حدود الوسط بالعرض، لكن ليس ~~كون المتحرك متحركا؛ لأنه في حد معين الوسط، وإلا لم يكن متحركا عند خروجه ~~منه، بل لأنه متوسط على الصفة المذكورة، وتلك الحال ثابتة في [جميع] 2 حدود ~~ذلك الوسط». # فإنه يقال له: كون المتحرك متحركا يراد به المعنى الكلي العقلي؛ وهو ثبوت ~~الحركة المطلقة له، كما يقال: كون الموجود موجودا، وكون الحي حيا، وكون ~~العالم عالما؛ فالمتحركية المطلقة، والعالمية المطلقة الكلية لا توجد في ~~الخارج كلية3، وهذه هي الثابتة عند كونه في ms162 الحد الأول والحد الثاني، فهذه ~~الصورة العالمية ثابتة في الحالين، وليست هذه هي الحركة الموجودة في ~~الخارج، بل هي التي جعلها في الذهن كما تقدم. # وأيضا فحركته المتصلة من المبدأ الأول إلى المنتهى الآخر ثابتة، سواء جاز ~~الجزء الأول من المسافة أو الثاني، وهذا يوجد شيئا بعد شيء، فإذا عدم الجزء ~~الأول منها كان الثاني موجدا، فهي لم4. # وهذا التوسط هو الموجود في الخارج، وهو الحركة المتصلة الموجودة في ~~الخارج، وهي غير التوسط في حد معين وغير المعنى الكلي المعقول. PageV01P346 # فإذا نفيت عن هذه الحركة المطلقة أن تكون هي هذا المعين، فهذا صحيح، لكن لا ~~يلزم من ذلك أن لا تكون هي التوسط المتصل الموجود في الخارج، الذي يوجد ~~شيئا فشيئا، ولا يلزم أن يكون التوسط واحدا بالعين جملة، لا يوجد شيئا فشيئا. # وهذا كما أن الإنسان قد يراد به المعين، وقد يراد الإنسان الكلي المعقول ~~في الذهن، وقد يراد به الإنسان في الخارج، فلا يلزم من عدم أن يكون هو ~~المعين أن يكون هو ذلك العقلي الذي في الذهن، بل هو أفراد موجودة في الخارج ~~كثيرون، سواء قدر وجودهم معينا أو متعاقبا. # لكن طبيعة الحركة تستلزم التعاقب، وأن لا تكون إلا شيئا فشيئا، بخلاف ~~الإنسان؛ فإنه قد توجد - أو كثيرا منها - أفراده مجتمعة1 في آن واحد. # وأما قوله: «وهذا التصوير يوجد2 في المتحرك وهو في كل آن؛ لأنه يصح أن ~~يقال له في كل آن يفرض: إنه في حد متوسط لا يكون قبله ولا بعده». # فيقال له: هب أن الأمر كذلك، لكن هذا حكم كلي عقلي، فإن - صحة أن يقال له ~~في كل آن: إنه في حد متوسط - حكم مطلق كلي على حد مطلق وتوسط مطلق، لا يقال ~~له في كل آن: «متوسط بين مبدأ حركته ومنتهاها»، إلا أن يعنى بالتوسط التوسط ~~المتصل، وهو الحركة المتصلة؛ كما يقال للمسافر من بلده إلى مكة؛ إنه لا ~~يزال متوسطا بين بلده ومكة، وكما يقال للشمس: إنها لا تزال متوسطة بين ~~المشرق ms163 والمغرب من حين طلوعها إلى غروبها. وهذا التوسط غير توسطها المعين ~~عند انتصاف النهار، وهو أيضا غير كل PageV01P347 ~~توسط توسط من مبدأ معين ومنتهى معين غير المشرق والمغرب. # فإنها مثلا إذا ظهرت من المشرق، فحركتها مقدار درجة من درجات الفلك، لها ~~مبدأ ومنتهى، وحركتها مقدار درجة ثانية كذلك، فالمبدأ والمنتهى أمر إضافي، ~~فإذا عين المشرق والمغرب كان لها توسط باعتبار ذلك، وإذا عين من درجة إلى ~~درجة كان لها توسط باعتبار ذلك، وفي كل حد قد يعنى بالتوسط كونها بينهما، ~~وقد يعنى بالتوسط أن تكون قد قطعت نصف المسافة، وقطع نصف المسافة واحد ~~بالعين، وهو جزئي يمنع تصوره من وقوع الشركة1، وكذلك التوسط المتصل وهو ~~الحركة المتصلة واحد بالعين في الخارج، ولكنه لا يوجد إلا شيئا فشيئا، وهو ~~جزئي، يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. # وأما إذا جعل التوسط أجزاء كما تجعل الحركة أجزاء، فيقال: هذا توسط وهذا ~~توسط، فالمعنى العام الذي يعم ذاك كلي، لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، ~~والتوسط الأول غير2 الثاني. # والحال الثابت في جميع الحدود أمران: الأمر المتصل، والأمر المعقول، لكن ~~ثبات المتصل هو ثبات حركة مستمرة وتغير مستمر، فنفس الحركة هي الثابتة، ~~وثباتها هو ثبات التحول الذي يسمى تغيرا وحركة. # يقال في الإنسان: هو ثابت على حال واحدة. إذا كان ثابتا على عمل واحد، ~~وإن كان ذلك العمل نفسه تحولا: يتقدم بعضه على بعض. وكذلك يقال: هو على ~~طريقة واحدة، وسجية3 واحدة، ونحو ذلك. وإن كان موجودا متصلا شيئا بعد شيء، ~~ولا يلزم من ذلك PageV01P348 ~~أن لا يكون الشيء المتصل الموجود شيئا بعد شيء غير موجود في الأعيان. # وأما قوله: «والذي يقال: من [أن1] كل حركة ففي زمان. فإن عني بالحركة ~~الأمر المتصل فهو فيه، وموجودة2 فيه على سبيل وجود الأمور في الماضي، لكن ~~بيانها3 بوجه آخر؛ فإن الأمور الموجودة في الماضي قد كان لها وجود في آن من ~~الماضي كان حاضرا فيه، ولا كذلك هذا». # فيقال له: بل وجود الحركة في الزمان، ms164 بمعنى أن لها وجودا في آن هي حاضرة ~~فيه، وإن لم يكن لها وجود في الزمان بهذا الاعتبار، فلا وجود لها أصلا، ~~ووجود الشيء في الحاضر أكمل من وجوده في الماضي؛ فإن ما يوجد في الماضي من ~~الحركات والأزمنة قد عدم، بخلاف الحاضر، فكيف يكون موجودا في الماضي مع أنه ~~لم يكن موجودا في حاضر، مع أن كون الشيء ماضيا وحاضرا أمر إضافي باعتبار ~~المتكلم؛ فالمتكلم الذي يقول: «الآن»؛ يكون ما هو موجود وقت كلامه حاضرا، ~~وما تقدم [كلامه] 4 ماض، وما بعده مستقبل. ### || AUTO [اعتراض أبي عبد الله الرازي على كلام ابن سينا في الحركة، ~~والتعليق عليه]: # وقد اعترض الرازي على هذا، فقال:5 «وفي هذا الكلام إشكال آخر، وهو أن6 ما ~~لا وجود له في الخارج كيف يتقدر بالزمان الموجود في الأعيان، بل الحركة عند ~~الشيخ - يعني ابن سينا7 - محل الزمان PageV01P349 ~~وعلته1، فالمعدوم كيف يكون محلا للوجود2 وعلة له، اللهم إلا أن يقال: ~~الزمان لا وجود له في الخارج، بل في الذهن». قال3: «والشيخ ليس من القائلين ~~بهذا المذهب». # قلت: بل وجود الحركة أظهر للعقل والحس من وجود ما يدعون أنه الزمان، وهو ~~مقدار الحركة؛ فيمتنع كون الأضعف المعلول وجوديا، دون الأقوى الذي هو العلة. # وابن سينا ألجأه إلى هذه السفسطة - التي لا يخفى فسادها على من فهم حقيقة ~~ما يقول، ولم يكن مقلدا له - أنه يجعل الحركة الموجودة موجودة في آن واحد، ~~ولم يجعل الحركة المتصلة موجودة في الخارج، لئلا يكون شيء موجود يوجد شيئا ~~بعد [شيء] 4. ليخلص بذلك مما يظهر به فساد قوله بقدم العالم عن علة موجبة. # فإن العلة إذا كانت قديمة أزلية تامة لزم أن يكون معلولها كذلك، ويمتنع ~~في صريح العقل صدور المعلول - الذي يوجد شيئا فشيئا - عن علة تامة مستلزمة ~~لمعلولها. # فأراد أن يجعل الحركة المعلولة الموجودة في الخارج هي موجودة معا أزلا ~~وأبدا، لا يتقدم منها شيء قبل شيء، بل جعل الحركة نفسها كالفلك نفسه لا ~~يزال مساوقا للعلة، وزعم أن ما ms165 يوجد شيئا بعد شيء لا وجود له في الخارج. # ومعلوم أن الكلام ليس في حركة الفلك وحدها، بل في جميع الحركات، فيلزم من ~~ذلك أن جميع الحركات الموجودة في العالم العلوي والسفلي: كحركة الرياح ~~والمطر والسحاب والحيوان والنبات والمعادن - لم يوجد منها شيء قبل شيء، بل ~~الموجود من كل حركة هو PageV01P350 ~~واحد بالعين، ثابت لا يوجد فيه شيء قبل شيء، وما يوجد شيء قبل شيء، فلا ~~وجود له في الخارج. # وهذا من أظهر السفسطة، لا سيما والحركة عندهم تحتها1 أنواع: منها الحركة ~~في «الكيف» كحركة الجسم في السواد والبياض، وتحرك الإنسان من الجهل إلى ~~العلم، ومن العجز إلى القدرة. والحركة في «الكم» كحركة الحيوان والنبات ~~بالنمو والاغتذاء في الجهات. والحركة المكانية الوضعية. # وعلى ما قاله، يلزم أن لا يكون شيئا مما يوجد، يحصل شيئا بعد شيء - ~~موجودا في الخارج2، واحد بالعين، لم يحدث شيء أصلا لا بواسطة ولا بغير ~~واسطة، بل لم يفعل شيء3 أصلا، فإن الحادث المسبوق بغيره عنده لم يوجد في ~~الخارج، وإنما وجد في الخارج ما هو ثابت أزلي أبدي، فيلزم أن يكون كل موجود ~~في الخارج أزليا أبديا لم يتغير البتة. # وهذا من أعلى مراتب السفسطة، وحقيق لمن هذا حاله في المعقولات أن يكون من ~~أكابر الملحدين في السمعيات: فيحرف الكلم عن مواضعه، ويلحد في أسماء الله ~~وآياته، وهذا حال الذين قالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير} [الملك: 10]. # قال الرازي: في إشكاله الذي أورده وجها عليه4: «وأيضا فكيف يكون [وجود] 5 ~~الحركة بالمعنى الأول في الزمان، على سبيل الوجود PageV01P351 ~~في الماضي، مع الاعتراف بأن حصول الشيء في الماضي، هو أن يكون قد كان له ~~حصول في آن من الآنات الماضية، مع أنه ليس لهذه الحركة وجودا أصلا». # قال1: «ثم لنترك ذلك ولنتكلم فيما هو أهم؛ فإن لقائل أن يقول: الحركة إما ~~أن تكون [مركبة] 2 من أمور كل واحد منها غير قابل للقسمة، وإما أن لا تكون ~~كذلك، والأول باطل. وإلا ms166 لكان الجسم كذلك، فإن3 الجسم لو كان منقسما، لكان ~~الواقع في أحد جزئيه غير الواقع في الجزء الثاني، وأما إذا4 كانت قابلة ~~للقسمة أبدا، فالأجزاء المفترضة فيها لا توجد بأسرها دفعة؛ لأنها منقضية ~~سيالة، ولا محالة يوجد منها شيء بعد شيء، فالشيء الموجود إن لم يكن منقسما، ~~فكذلك الذي يحصل الانقضاء به مقارنا5 - شيء غير منقسم، فالحركة مركبة من ~~أمور غير منقسمة، هذا خلف، وإن كان منقسما كان بعضه قبل وبعضه بعد، فلا ~~يكون كله حاصلا، فلا يكون الحاصل حاصلا، [هذا] 6 خلف». # قلت: هذا إشكال أورده الرازي يقتضي أنه ليس للحركة وجود أصلا، ومقتضاه ~~أبعد عن الحق مما ذكره ابن سينا، وهو مبني على نفي الجوهر الفرد، مع أن ~~الرازي يستدل على إثبات الجوهر الفرد بنقيض هذه الحجة؛ فإن هذه الحجة ~~مبناها على أن الحركة والزمان ليس له جزء لا يقبل القسمة، بل يقبل القسمة ~~أبدا، فينفي الآن الذي لا ينقسم، وهو في موضع آخر يثبت الآن الذي لا ينقسم. # قال7: «لأنه لولا ثبوت الآن لانتفى الماضي والمستقبل، وإذا لزم PageV01P352 ~~وجود آن لا ينقسم لزم وجود حركة لا تنقسم، فيلزم ثبوت متحرك لا ينقسم؛ لأن ~~الزمان مقدار الحركة، والحركة قائمة بالمتحرك، وإذا كان العرض لا ينقسم، ~~فمحله لا ينقسم». # وقد بسط الكلام على هذا في غير موضع، وبين أن القول بإثبات الجوهر باطل، ~~والقول أيضا بتركيب الأجسام من المادة والصورة باطل، وإن كانت كتب الرازي ~~وأمثاله1 ليس فيها مما يتصورونه إلا هذان القولان، فجمهور المسلمين، نظارهم ~~وغير نظارهم، على خلاف هذين القولين: لا يقولون بإثبات الجزء الذي لا ~~ينقسم، ولا يقولون بالتركيب من المادة والصورة. # وأيضا فالقول بقبول الانقسام إلى غير نهاية باطل، بل الأجسام إذا تصغرت ~~أجزاؤها استحالت إلى نوع آخر، والقول باستحالة الأجسام بعضها إلى بعض قول ~~جمهور الناس، وهو قول الفقهاء والأطباء وكثير من أهل الكلام، وكذلك ما ذكر ~~من أن الجسم إذا صغر استحال، قول كثير من نظار المسلمين والفلاسفة. # وبكل حال، فهذه الحجة مضمونها ms167 أن [ما لا] يوجد2 إلا شيئا بعد شيء، لا ~~يوجد وجودا مقترنا بعضه ببعض، فلا يوجد معا، وهذا مسلم لا ينازع فيه عاقل، ~~فغاية ما يذكرونه أنه لا بد أن يكون بعضها قبل بعض، وهذا حق، لكن دعواهم أن ~~ما كان هكذا لا يكون موجودا دعوى باطلة. وإن قالوا: مرادنا أنه [لا] يوجد3 ~~معا في آن واحد. فهذا لم يدعه أحد. # وهذه الأمور لبسطها موضع آخر، والمقصود هنا: التنبيه على ما به يعرف PageV01P353 ~~ضلال هؤلاء، وتعرف أصول أقوالهم التي بها خالفوا العقل والسمع. ### || AUTO [كلام الرازي في حقيقة الحركة، والتعليق عليه]: # ومما يوضح هذا: أنهم قد قالوا1: «حقيقة الحركة هي الحدوث، أو الحصول، أو ~~الخروج من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا، أو بالتدريج2، أو لا دفعة». # قالوا3: «وهذه العبارات دالة على معنى الحركة، ومنهم من يحد بها الحركة، ~~ومنهم من لا يستعملها في الحد، وإن كانت مطابقة للمسمى؛ لأن الدفعة عبارة ~~عن الحصول في الآن، والآن طرف الزمان، والزمان مقدار الحركة، فيكون تعريف ~~الحركة به دورا» 4. # وهذا كما بعض فيمن يعرف الخبر5 بأنه ما يقبل التصديق والتكذيب، ونحو هذا ~~التعريف إن صح، فالتصديق6 والتكذيب نوعا PageV01P354 ~~الخبر، فلا يعرفان إلا بالخبر، فتعريف الخبر بهما1 دور. ولهذا نظائر. # وجواب هذا أنه قد تكون الألفاظ المذكورة في الحد أعرف عند بعض الناس من ~~المحدود2، فتكون تعريفا لما هو أخفى عنده بما هو أجلى عنده، وقد يعرف ~~الزمان والآن من يحتاج إلى معرفة مسمى «الحركة». # وأيضا، فالحد يراد به ما يميز المحدود عن غيره، وهذا يحصل بهذا، ويراد به ~~ما يتصور به كنه المحدود، وهذا باطل كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أن ~~الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال، فدلالته من جنس دلالة الأسماء ~~المفصلة3. # ثم رأيت هذا الجواب قد ذكره الرازي عن بعض الفضلاء واستحسنه، فقال4: ~~«وأجاب بعض الفضلاء عن ذلك، فقال: تصور حقيقة الدفعة واللادفعة5 والتدريج؛ ~~كل ذلك تصورات أولية لإعانة الحس عليها، فأما أن نعلم6 أن هذه الأمور ms168 إنما ~~تحصل7 بسبب الآن والزمان، فذلك هو المحتاج إلى البرهان، فمن8 الجائز أن ~~تعرف حقيقة الحركة بهذه الأمور، ثم تجعل الحركة معرفة للزمان والآن، اللذين ~~هما سببا هذه الأمور التي هي أولية9 التصور، وحينئذ لا يلزم PageV01P355 ~~الدور». قال1: «وهذا جواب حسن». # قال2: «والمتقدمون3 لما استقبحوا4 هذا النوع من التعريف، سلكوا في تعريف ~~الحركة [نهجا] 5 آخر؛ فقالوا: الحركة أمر ممكن الحصول للشيء6، وكل ما يمكن ~~حصوله للشيء فإن حصوله كمال لذلك الشيء، فالحركة إذن كمال لما يمكن أن ~~يتحرك، ولكنها تفارق7 سائر الكمالات من حيث إنها8 لا حقيقة [لها] 9 إلا ~~التأدي إلى الغير والسلوك10 إليه، وما كان كذلك فلا بد له من خاصيتين11: # إحداهما: أنه لا بد هناك من مطلوب ممكن الحصول ليكون التوجه توجها12 إليه. # وأخراهما13: أن ذلك التوجه ما دام موجودا، فقد بقي منه شيء بالقوة، فإن ~~المتحرك إنما يكون متحركا بالفعل، إذا لم يصل إلى المقصود. وما دام كذلك، ~~فقد بقي [منه] 14 شيء بالقوة، فإذا هوية PageV01P356 ~~الحركة متعلقة بأن يبقى شيء منها بالقوة1، [وبأن] 2 لا يكون الشيء3 الذي هو ~~المقصود من الحركة حاصلا بالفعل، وأما سائر الكمالات، فلا توجد فيها واحدة ~~من هاتين الخاصيتين». ### || AUTO [تعريف متقدمي الفلاسفة للحركة، والتعليق عليه]: # إلى أن ذكر حدود الفلاسفة للحركة؛ فقال4: «قال أرسطو: هي كمال أول لما ~~بالقوة من جهة ما هو بالقوة. قال فيثاغورس: هي الغيرية؛ أي: التغير» 5. # قلت: والمقصود: أن كلامهم وكلام سائر العقلاء، يقتضي أن الحركة المتصلة ~~شيئا بعد شيء أمر موجود في الخارج عندهم، لكن وجودها [ليس] وجود6 ما توجد ~~أجزاؤه معا كأبعاض الجسم، وعلى هذا فأجناسها وفروعها كالأقوال والأفعال7 من ~~الناس وغير الناس؛ وما يدخل في ذلك من العبارات والمعاملات وغير ذلك من ~~الصلوات والأدعية والأذكار والجهاد وأصوات الآدميين والبهائم وغيرهم - كلها ~~وجودها بهذا الاعتبار. # فمن زعم أن الحركة المتصلة ليست موجودة في الخارج، فهو مكابر للحس ~~والعقل، ومن فسر التوسط بين المبدأ والمنتهى بهذه الحركة فالمعنى واحد. PageV01P357 # وإذا قال: إن هذا ms169 المتصل قد تتغير أبعاضه وتتجزأ باعتبار محله أو غير محله، ~~فيكون لها أجزاء وأبعاض؛ فهذا حق. و[أما] الأمر1 المعقول الكلي المتناول ~~الجنس الذي يوجد في آن واحد، فهذا ليس بموجود في الخارج، وهذا هو العلم ~~بالحركة، ليس هو نفس الحركة. # وإذا قيل: نوع الحركة يدوم أو لا يدوم، أو نوعها موجود في الخارج أو ليس ~~موجودا في الخارج. # فقد يراد بالنوع الحركة الموجودة شيئا فشيئا، وهذا هو الموجود في الخارج، ~~وقد يراد به المعنى المعقول الكلي الموجود في الذهن في آن واحد، وهذا ليس ~~بموجود في الخارج. # والفرق بين نوع الحركة الموجودة في الخارج ونوع غيرها: أن غيرها قد توجد ~~أشخاصه في آن واحد؛ كما توجد أشخاص الإنسان والبياض والسواد وغير ذلك من ~~الأعراض، بخلاف الحركة. # ومن أنواع الحركة الأكل والشرب، وما يتنعم به أهل الجنة من النعيم الذي ~~يحدثه الله لهم شيئا فشيئا، فنعيم الجنة دائم؛ كما قال تعالى: {أكلها دائم ~~وظلها} [الرعد: 35]. فهو مستمر لا ينفد؛ كما قال تعالى: {إن هذا لرزقنا ما ~~له من نفاد} [ص: 54]. # والمراد أنه لا ينفد النوع الذي يوجد شيئا [فشيئا] 2، وأنه يدوم النعيم ~~الذي يوجد شيئا فشيئا، والأكل الذي هو المأكول يوجد شيئا فشيئا. # وإذا قال القائل في مثل هذا: إنه ثابت ودائم وباق ومستمر وإنه لا يتغير، ~~بمعنى أنه لا يزال موجودا شيئا فشيئا، لا ينفد ولا ينقطع - فهذا PageV01P358 ~~حق. وإن أراد بذلك أن هذا موجود معا في آن واحد، لا يوجد شيئا فشيئا، وأنه ~~ليس بعضه قبل بعض، فهذا مكابر للعقل والحس. # وبهذا يظهر ما في كلام هؤلاء من التلبيس، من جهة أنهم جعلوا المتصل شيئا ~~بعد شيء ليس موجودا في الأعيان، وجعلوا الموجود في الأعيان من الحركة ~~موجودا معا، لا يوجد شيئا فشيئا، ليسلم لهم ما ادعوه من أن رب العالم لم ~~يحدث شيئا، بل لم يخلق شيئا، بل حقيقة قولهم أنه لم يحدث في العالم شيء بعد ~~أن لم يكن، وهذا غاية المكابرة. # وإذا أثبتوه فاعلا كان حقيقة ms170 قولهم أنه علة تامة فاعلة لمعلولها مساوية ~~[له] 1 أزلا وأبدا، وهذا من أبطل الأمور عقلا؛ فليس في الوجود أصلا علة ~~تامة فاعلة لمعلولها مساوية له، لم تتقدم عليه، بل هذا مما يعلم امتناعه ~~بضرورة العقل عند عامة العقلاء. # ولا يعقل أن يفعل الفاعل شيئا إلا إذا أحدث ما كان معدوما، ومن لم يحدث ~~شيئا فلم يفعل، وحقيقة الفعل هو الإحداث، فيلزم من كون كل ما سواه مفعوله، ~~أن يكون كل ما سواه حادثا كائنا بعد أن لم يكن، ولا يلزم من دوام كونه ~~فاعلا أن يكون معه شيء من مفعولاته، ولا أن يكون في العالم ما هو قديم ~~بقدمه، بل هو الخالق لكل شيء، كما أخبرت به الأنبياء. # ولهذا وصفه أئمة أهل الحديث بأنه لم يزل متكلما فاعلا، بل قالوا: إن ~~الحياة مستلزمة للكلام والفعل، وأنه لا يكون الحي إلا متكلما فاعلا، وصرح ~~بعضهم بلفظ «الحركة». # وكذلك قال أساطين الفلاسفة القدماء، كما ذكر بعض ألفاظهم في غير هذا ~~الموضع2. PageV01P359 # فتبين أنه يمتنع أن1 يكون مع الله تعالى شيء قديم بقدمه، وإن جاز وجود ~~حوادث لا أول لها، وإن قدر أنه لم يزل متكلما إذا شاء، ولم يزل قادرا على ~~الفعل، وإن قدر أنه لم يزل فاعلا أفعالا تقوم بنفسه، بل لو قدر أنه لم يزل ~~يفعل شيئا بعد شيء؛ لم يكن في العالم شيء قديم معه، بل كل ما سوى الله ~~تعالى مخلوق، حادث، كائن بعد أن لم يكن، وإن كان سبحانه لم يزل موصوفا ~~بصفات الكمال، كما قال أئمة السنة والحديث: لم يزل الله متكلما إذا شاء، ~~فاعلا أفعالا تقوم بذاته. # فإن من المعلوم بصريح العقل أن من يقدر على أن يحدث شيئا بعد شيء أكمل ~~ممن لا يقدر على إحداث شيء. ومعلوم بصريح العقل أن الفعل لا يكون فعلا إلا ~~إذا حدث بعد أن لم يكن، وأما ما يلزم ذات الشيء لا يكون فاعلا له، بل يكون ~~صفة له. # ومعلوم بصريح العقل أن الواجب الغني بنفسه لا ms171 يفتقر إلى غيره، بل يجب ~~اتصافه بالكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه، فإنه إذا كان ممكنا جاز ~~اتصافه به، وما جاز اتصافه به وجب له؛ إذ لو لم يجب له لافتقر ثبوته له إلى ~~غيره، فكان يكون مفتقرا في كماله إلى غيره، وهذا ممتنع في الغني بنفسه؛ ~~ولأن معطي الكمال أحق بالكمال، فلو أعطاه غيره الكمال للزم أن يكون المخلوق ~~أكمل من الخالق. # ولا يمكن أن يقال: يمتنع اتصافه بالكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه؛ ~~إذ هو جمع بين النقيضين؛ فإن الممكن الوجود لا يكون ممتنع الوجود. # وأيضا فاتصاف غيره إن كان ممتنعا كان ذلك ممتنعا مطلقا، والتقدير أنه ~~ممكن كالحياة والعلم والقدرة، وإن أمكن اتصاف غيره به - بحيث يكون متصفا ~~بصفات الكمال - فمن المعلوم أن الخالق أحق بالكمال من PageV01P360 ~~المخلوق، كما أنه أحق بالتنزيه عن النقائص من المخلوقات، ومن المعلوم أن كل ~~كمال ثبت للمخلوق فهو من الخالق، والمعطي لغيره الكمال أحق بالكمال في ~~صرائح العقول، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: بيان أصول المقالات، وبيان ما في قول القائل بامتناع دوام ~~الحوادث، ودوام الفعل والفاعل، وأن ما لم يسبق الحوادث، أو ما لم يخل عن ~~الحوادث فهو حادث - من النزاع: فطائفة أطلقت الإثبات، وطائفة أطلقت النفي، ~~وطائفة فصلت وميزت. # وهذا التفصيل والتمييز لا يعرفه الفلاسفة المتأخرون، ولا المتكلمون ~~بالكلام المحدث في الإسلام، ولا يوجد في كتبهم، وإنما يعرفه أئمة السنة ~~والحديث وأئمة الفلاسفة. ### || AUTO [عود لمناقشة استدلال أهل الكلام على حدوث الأجسام]: # وأما المقدمة الأولى1 وهي قولهم: إن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون، ~~أو عن الاجتماع والافتراق، أو عن الأكوان، أو من كل جنس من الأعراض عن عرض ~~منه والعرض لا يبقى زمانين2 - فالمقدمة الأولى ليس فيها نزاع معروف؛ وهي ~~كون الجسم لا يخلو عن الحركة والسكون. # لكن النزاع في السكون: هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ نزاع مشهور بين النظار ~~من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم؛ فكثير من نظار المسلمين وغيرهم يقولون: ms172 هو ~~عدمي. وكثير منهم يقول: هو وجودي. وليس القائلون بأنه عدمي هم الفلاسفة ~~فقط، بل كثير من نظار أهل الإسلام يقول ذلك، من الكرامية والهشامية، ومن ~~الفقهاء والصوفية وأهل الحديث وغيرهم. # وعلى هذا القول تبطل المقدمة الأولى على الدليل، كما أبطل أولئك PageV01P361 ~~المقدمة الثانية، فإنه حينئذ أمكن وجود الجسم الساكن الذي لا يتحرك؛ وخلوه ~~عن الحوادث؛ وأن يكون حدوث حركته بعد أن لم تكن كحدوث الفعل بعد أن لم يكن. # وذلك بأن يقال: لا يخلو: إما أن يكون القادر المختار يمكنه الفعل وترجيح ~~أحد المتماثلين بلا مرجح ولا سبب حادث، وإما أن لا يمكن؛ فإن أمكن جاز أن ~~يكون الجسم القديم ساكنا ثم حدثت حركته؛ فالقادر المختار - سواء قيل: هو ~~واجب بنفسه أو ممكن - فلا يلزم وجوب حدوث الجسم. وإن لم يمكن لزم دوام ~~الحوادث، وحينئذ فيلزم بطلان مدلول هذا الدليل، وبطلان المدلول يستلزم ~~بطلان الدليل، فلزم فساده على التقديرين. # وهذا بخلاف بطلان الدليل؛ فإنه لا يستلزم فساد المدلول، فإن الدليل يجب ~~طرده ولا يجب عكسه، والدليل مستلزم المدلول، وليس المدلول مستلزما للدليل، ~~إلا أن يكون التلازم من الطرفين: كصفات الله بعضها مع بعض، وكصفاته مع ~~ذاته؛ فعلمه وقدرته متلازمان، وكلاهما ملازم لذاته، فيلزم من ثبوت شيء من ~~ذلك ثبوت1. # وأما التقدير الثاني والثالث - وهو أن الجسم لا يخلو عن الاجتماع ~~والافتراق2 - فمبني على إثبات الجوهر الفرد. # ومن هنا جعل هؤلاء الجوهر الفرد من أصول الدين، وجعلوا القول بتماثل ~~الجواهر والأجسام من أصول دينهم، وهذا كله باطل شرعا وعقلا. # وأيضا، فقد جعل بعضهم الجوهر الفرد أصلا للعلم بالمعاد، كما PageV01P362 ~~ذكره الرازي في «الأربعين» وغيره1، وهو أبطل من هذا؛ من حيث اعتقد أن ~~المعاد يفتقر فيه إلى نفي النفس الناطقة، ولا يمكن نفيها إلا بإثبات الجوهر ~~الفرد. وكلا المقدمتين باطلة. # وسبب ذلك أن كثيرا من أهل الكلام اعتقدوا أن لا معاد إلا للبدن، والروح ~~جزء منه أو عرض فيه، فصاروا يجعلون هذا دين الإسلام، وقابلهم المتفلسفة ~~الذين يقولون: أن لا معاد ms173 إلا للنفس الناطقة. # وكلا القولين باطل؛ ليس هو إثبات معاد الروح والبدن جميعا، وأن النفس إذا ~~فارقت البدن كانت منعمة أو معذبة، وأن الله تعالى يعيد الأرواح إلى الأبدان ~~عند القيامة الكبرى. # فلما كان القول بمعاد البدن فقط هو قول هؤلاء المتكلمين احتاجوا مع ذلك ~~إلى نفي بقاء النفس بعد2؛ فاحتاجوا إلى القدح في أدلة إثباتها، وكان ~~أشهرها3 عند المتفلسفة هو قيام العلم بما لا ينقسم4؛ قالت الفلاسفة: وكل ~~متحيز فإنه منقسم، فيلزم إثبات ما لا ينقسم، وهو النفس الناطقة عندهم - ~~فأثبت هؤلاء5 الجوهر الفرد لكونه متحيزا لا ينقسم. # ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الإيمان بالله6 PageV01P363 ~~لا يتوقف على إثبات الجوهر الفرد، بل الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دعا ~~الناس إلى الإيمان بهذه الأصول لم يتعرض لإثبات الجوهر الفرد، ولا أصحابه ~~ولا التابعون لهم بإحسان. وأول من أثبت ذلك في الإسلام طائفة من أهل ~~الكلام: الجهمية والمعتزلة ونحوهم، الذين هم عند علماء الدين وأئمة ~~المسلمين من [أهل] 1 البدع والضلال، وكلامهم هذا هو من الكلام الذي ذمه ~~السلف والأئمة رضي الله عنهم أجمعين. # وأما قول من يقول: إن كل جسم فهو مستلزم لكل نوع من الأعراض، وإن العرض ~~لا يبقى زمانين؛ فجمهور العقلاء يقولون: إن كل واحدة من المقدمتين معلومة ~~الفساد بالضرورة. # ولهؤلاء طريقة ثالثة، وهي طريقة التقدير والاختصاص، وأن كل مختص فهو ممكن ~~أو محدث، ولم يفرقوا بين الواجب الغني بنفسه وبين المفتقر إلى غيره، مع ~~العلم بأن الواجب الغني بنفسه له حقيقة تختص به، واجبة بنفسها؛ لا يفتقر ~~إلى مخصص مباين له، وكذلك سائر لوازمه، وهذا أيضا مبسوط في موضعه. # والمقصود هنا: التنبيه على أن ما كان بدعة في الشرع، أو باطلا في العقل؛ ~~ما يصلح أن يكون من فروع الدين؛ فضلا عن أن يكون من أصوله؛ فضلا عن أن ~~تصديق2 الرسول عليه؛ فكيف إذا كان بدعة وباطلا شرعا وعقلا! # وليس العلم بإثبات الصانع سبحانه مفتقرا إلى شيء من الطرق المبتدعة وإن ~~كانت صحيحة، فكيف ms174 إذا كانت باطلة! # لكن الرجل إذا استدل على الحق بدليل صحيح لم يكن هذا مذموما مطلقا، كما ~~تجد كثيرا من أهل الحديث والصوفية والمتفقهة يعيبون من PageV01P364 ~~أقام دليلا عقليا صحيحا على بعض المطالب الدينية، ويجعلون هذا من الكلام ~~المذموم. # وليس الأمر كما يقوله هؤلاء، بل الدليل الصحيح مقبول وإن لم يعلم ~~استدلال1 غيره به، لكن قد يذم لأسباب؛ مثل أن يكون فيه خطر وغيره مغن عنه؛ ~~كمن سلك إلى مكة الطريق البعيد المخوفة مع إمكان القريبة الأمينة. # وكذلك إذا رد الباطل بممانعة صحيحة، أو معارضة صحيحة. # لكن المذموم أن يدعى صحة الباطل، أو يتوقف الإيمان على بدعة ما شرعها ~~الله تعالى ورسوله. فكيف إذا اجتمعا جميعا كما زعم هؤلاء! حيث قالوا: لا ~~يمكن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بما ذكروه من الطرق النظرية التي ~~ابتدعوها. # وهؤلاء يبنون الإيمان بالله تعالى ورسوله على مقدمات يزعمون أنه لا يحصل ~~العلم - أو لا يحصل الإيمان - إلا بها، وقد تكون تلك الطرق باطلة، وقد تكون ~~طويلة خفية مخطرة، وقد تكون - مع صحتها - هناك طرق أخر غيرها، وقد يكون ~~غيرها أصح أقرب منها. وأيضا فقد يقولون: إن المطلوب لا يعلم إلا بها. ### || AUTO [ذم السلف للكلام المبتدع]: # وهذا حال أهل الكلام المحدث المبتدع في الإسلام، الذي ذمه سلف الأمة ~~وأئمتها: كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، ~~وأبي يوسف2 وزفر بن الهذيل3، PageV01P365 ~~والبويطي1، والمزني2، والبخاري، ومسلم، وأبي داود السجستاني3، وإبراهيم ~~الحربي4، وعبد الرحمن بن القاسم5، PageV01P366 ~~وعبد الملك بن حبيب1، وأبي العباس بن سريج2، وأبي حامد الإسفراييني3، ~~والمروزي4، وأبي زيد المروزي5، والقاضي PageV01P367 ~~حسين1، وأبي بكر الخلال2، وأبي بكر عبد العزيز3، وأبي عبد الله بن بطة4، ~~وأبي القاسم الجنيد5، وسهل بن عبد الله التستري6، وعمرو بن عثمان المكي7، ~~وأبي عبد الله بن PageV01P368 ~~خفيف1، وأبي عبد الرحمن السلمي2، ومن لا يحصى عدده من أئمة الدين وشيوخ ~~المسلمين؛ الذين ذموا الكلام المبتدع في الإسلام: مثل كلام الجهمية. # كما قد ذكرت ألفاظ هؤلاء العلماء، والأسانيد ms175 عنهم بذلك، في كتب متعددة من ~~كتب الآثار؛ مثل ما ذكره أبو عبد الله السلمي فيما صنفه في ذلك3، وما ذكره ~~شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتابه الكبير المصنف في ذلك4، ~~وما ذكره الحافظ أبو عمر PageV01P369 ~~النمري في كتابه في «بيان العلم وفضله» 1، حتى فيما ذكره أبو حامد الغزالي ~~في كتابه المسمى «بالإحياء» 2، ومثل هذا يوجد في كتب السنة والحديث من ~~المنقولات الكثيرة في ذلك. # وقد بسطنا الكلام على أقوال السلف في غير هذا الموضع، وبينا مناظرة ~~الإمام أحمد بن حنبل في محنته المشهورة للجهمية، كأبي عيسى محمد بن عيسى: ~~برغوث، أحد رؤوس الكلام3، صاحب حسين PageV01P370 ~~النجاري1؛ ومناظرة الإمام الشافعي لحفص الفرد2، صاحب ضرار بن عمرو الكوفي3، ~~وبينا قول حفص الذي كفره به الشافعي، وقول أبي عيسى برغوث وغيره من الجهمية ~~الذين ناظروا الإمام أحمد4. PageV01P371 ### || AUTO [من أعظم ما ذمه السلف كلام الجهمية]: # وبينا أن من أعظم الكلام الذي ذمه هؤلاء الأئمة وغيرهم، كلام الجهمية ~~الذي استدلوا به على نفي الصفات، وهو الذي جعلوه أصلا للعلم بإثبات الصانع، ~~وهو استدلالهم على ذلك بأن الأجسام محدثة؛ لأنها لا تخلو عن الحوادث، وما ~~لا يخلو عن الحوادث فهو محدث. # وهم ومن تبعهم من الكلابية والكرامية، ومن وافقهم من متفقهة ومحدثين ~~وصوفية وغيرهم - يظنون أن هذا هو أصل الدين الذي به يعلم ثبوت الصانع ~~سبحانه، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ما يقدح في هذا فهو قدح في ~~أصل دين الإسلام، وأنه لا طريق إلى العلم بصدق الرسول إلا هذا الطريق. # ثم إن أئمة هذا الطريق1 رأوا أن هذا يستلزم نفي صفات الرب تعالى، [لأجل] ~~الحجة2 على أن ما قامت به الأعراض3 باتفاقهم، وما قامت به الأعراض قامت به ~~الحوادث أيضا عند أئمتهم وجمهورهم: كالجهمية والمعتزلة والكرامية والضرارية ~~والهشامية. # فصاروا لأجل هذا يقولون: إن الرب لا يقوم به صفة: لا علم، ولا قدرة، ولا كلام. # فقالوا: القرآن مخلوق خلقه منفصلا عنه، بل قالوا: كلامه مخلوق PageV01P372 ~~خلقه منفصلا1 عنه. # وقالوا: إنه ms176 ليس فوق العالم؛ لأنه لو كان فوقه للزم أن يكون جسما حاملا ~~للأعراض والحوادث، وما قامت به الأعراض والحوادث فهو حادث. # وقالوا: إنه لا يرى في الآخرة؛ لأنه لا يرى إلا ما كان مقابلا للرائي2؛ ~~فيلزم أن يكون في جهة منه؛ فيكون جسما حاملا للأعراض؛ فيكون حادثا. ### || AUTO [محنة القول بخلق القرآن]: # ولأجل هذا الأصل الذي بنوا عليه دينهم، امتحنوا أئمة الدين وعلماء ~~المسلمين المحنة المشهورة، التي دعوا الناس فيها إلى نفي الصفات، وإنكار ~~الرؤية، والقول بخلق القرآن وغير ذلك، حتى ثبت الله إمام السنة الصابر على ~~المحنة أبا عبد الله أحمد بن حنبل. # وأقام على السنة أيضا سائر أئمة السنة والحديث والفقه، وإن كان بعضهم ~~وافقهم ظاهرا، واعترف إنما3 وافقهم محنة، لما تهددوا الناس بالقتل، وحبسوا ~~بعضهم، وقتلوا بعضهم، وأمروا أن لا تقبل شهادة شاهد حتى يمتحن، فيوافقهم ~~على قول الجهمية، ولا يولى قاض، ولا إمام مسجد، حتى يوافقهم، ولا يجرى رزق ~~من بيت المال إلا على من يوافقهم، ولا يفتك أسير من أيدي الكفار حتى ~~يوافقهم. # وأقامت هذه المحنة بضع عشرة سنة، ثم جلاها الله تعالى بما أعطاه لأئمة ~~الدين من الصبر واليقين؛ قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] 4. # إمام الأمة في ذلك الزمان كان أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ولهذا شبهه ~~العلماء بالخلفاء الراشدين، وسموه «الصديق الثاني»؛ قال المرودي5: PageV01P373 # «أحمد بن حنبل [يوم المحنة، وأبو بكر] 1 الصديق يوم الردة، وعمر يوم ~~السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم الخوارج». إلى غير ذلك مما قد جمعه ~~العلماء من أخباره وأخبار غيره. ### || AUTO [منزلة ابن كلاب]: # ولأجل ظهور بدعتهم، واشتباه ضلالتهم، قامت طائفة أخرى؛ كأبي محمد عبد ~~الله بن سعيد بن كلاب ومن اتبعه، فردوا عليهم قولهم بنفي الصفات، وإنكار ~~العلو والرؤية، وبخلق القرآن؛ وخالفوهم في ذلك. # ولكن وافقوهم في أصل قولهم بامتناع حوادث لا أول لها، وأن ما قامت به ~~الحوادث فهو حادث؛ فقالوا: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته ms177 وقدرته، وقالوا: ~~إن القرآن ليس بمخلوق، لكنه قديم. # وابن كلاب أول من ظهر عنه في الإسلام أنه قال: «هو قديم». ولم يقل هذا ~~أحد من الأمة والأئمة؛ وإنما كانوا يقولون: «كلام الله غير مخلوق»، ويقولون ~~أيضا: «منه بدأ وإليه يعود». # ويريدون بقولهم: منه بدأ، أي: هو الذي تكلم به، لم يبدأ من غيره؛ كما ~~تقول الجهمية والمعتزلة: إنه مخلوق ابتدأ من غيره. ولهذا قال الإمام أحمد ~~بن حنبل: «كلام الله من الله، ليس ببائن منه» 2. ### || AUTO [منزلة أبي الحسن الأشعري]: # وجاء أبو الحسن الأشعري بعد ابن كلاب؛ وكان قد صار من أئمة المعتزلة ~~وأخبرهم بمقالاتهم؛ فلما تبين له فساد أقوالهم وتناقضها انتقل PageV01P374 ~~عن مذهبهم، وأخذ أصول ابن كلاب فاتبعها وبنى عليها، وأظهر من تناقض ~~المعتزلة في مسائل الصفات والقدر والوعيد وغير ذلك - ما ظهر به فساد ~~أقوالهم لكثير من الناس الذين كانوا لا يعرفون حقيقة أقوالهم، حتى قال فيه ~~أبو بكر الصيرفي1: إنه قمع المعتزلة في قمع السمسمة. # لكنه موافق لابن كلاب على الأصل الذي وافق فيه هؤلاء الجهمية، فصار ~~المخالفون له - من أهل السنة والإثبات، ومن أهل النفي والتجهم - يردون ~~عليه، ويقولون: إنه تناقض، وقال أقوالا مخالفة لصريح المعقول وصحيح ~~المنقول، وإن ما أثبته من الكلام لا حقيقة له، بل يعود إلى التعطيل؛ لأنه ~~اثبت معنى واحدا قائما بذات الرب؛ هو الأمر بكل مأمور به، والنهي عن كل ~~منهي عنه، والخبر بكل مخبر عنه؛ وأن هذا المعنى إن عبر عنه بالعربية كان ~~قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان ~~إنجيلا، وأن معنى آية الكرسي وآية الدين معنى واحد، وأنه يريد جميع ~~الكائنات بإرادة واحدة، وإرادته تخلق ذلك، وكذلك قال في سائر الصفات كما ~~قال في الكلام. # ويقولون: إن ما أثبته من الرؤية لا حقيقة له في نفس الأمر؛ فإنه أثبت ~~رؤية بالعين من غير مواجهة للمرئي. # قالوا: وهذه مكابرة للعقل، مخالفة للنص؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أخبر عن الله تعالى، وقال: (إنكم ms178 ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، لا ~~تضامون في رؤيته) 2. فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي PageV01P375 ~~كالمرئي. وهذا أبلغ ما يكون من كمال الرؤية ووضوحها، فلا يحتاج مع تفسير ~~الرسول المبلغ عن الله تعالى إلى قول يخالف ذلك. # وإلى غير ذلك من المقالات. # وأبو الحسن الشعري أيضا أظهر من تناقض الجهمية والمعتزلة والرافضة ~~وغيرهم، ومن بيان فساد مقالاتهم - ما تبين به أن ما عابهم به أعظم مما ~~عابوه، وأن قوله، وإن كان فيه باطل مخالف للعقل والسمع، ففي أقوال أولئك من ~~مخالفة السمع والعقل أعظم مما في قوله، وفي أقوالهم من التناقض أعظم مما في ~~قوله؛ ولهذا اتبعه كثير من المنتسبين إلى السنة من أصحاب مالك والشافعي ~~وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم. # وكان أبو الحسن منتسبا إلى السنة وأهل الحديث من الحنبلية وغيرهم، معظما ~~لأحمد بن حنبل، منتسبا إليه في السنة؛ كما قال في PageV01P376 ~~كتابه المعروف: «بالإبانة»، وقد ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر1 في كتابه ~~الذي سماه: «تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري». # قال أبو الحسن في أثناء كتابه المذكور2: «فإن قال3 قائل: قد أنكرتم قول ~~الجهمية والقدرية والخوارج والروافض4، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، ~~وديانتكم التي بها تدينون. # قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا، ~~وبسنة نبينا، وبما5 روي عن الصحابة والتابعين6. وبما كان يقول به أبو عبد ~~الله أحمد بن حنبل7 قائلون، ولما خالف قوله مجانبون؛ فإنه الإمام الكامل، ~~والرئيس الفاضل8، الذي أبان الله به PageV01P377 ~~الحق1، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك ~~الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم2، وكبير مفهم، [*وعلى جميع أئمة ~~المسلمين*]». وذكر جمل مقالاته3. # كما ذكر جمل مقالات أهل السنة والحديث في كتابه المصنف في «مقالات ~~الإسلاميين» 4، إلى أن قال: «وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول، وإليه نذهب». ### || AUTO [منزلة أبي عبد الله بن كرام]: # وقام أيضا أبو عبد الله محمد بن كرام بسجستان ونواحيها؛ ينصر مذهب ms179 أهل ~~السنة والجماعة، المثبتة للصفات والقدر و[حب] الصحابة5 وغير ذلك، ويرد على ~~الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم، ويوافقهم على أصول مقالاتهم التي بها ~~قالوا ما قالوا، ويخالفهم في لوازمها، كما خالفهم ابن كلاب والأشعري، لكن ~~هؤلاء منتسبون6 إلى السنة والحديث، وابن كرام منتسب7 إلى مذهب أهل الرأي. # و[خالف] قول الجماعة8، وتكلم في مسألة الإيمان بكلام لم يسبقه إليه أحد ~~من المسلمين؛ حيث جعل المتكلم بلسانه مؤمنا باطنا وظاهرا، وإن كان منافقا ~~في الباطن، وجعله مع ذلك كافرا مخلدا في النار. # وبعض الناس يحكي عنه أنه جعله سعيدا في الآخرة، وهذا غلط PageV01P378 ~~عليه؛ فإنه جعله في النار، فلم يخالف الجماعة في حكمه في الآخرة، وإنما ~~خالفهم في اسمه في الدنيا. # وتكلم أيضا في «مسألة الجسم» و«حلول الحوادث» بكلام تناقض فيه، فلم يجر ~~فيه على السنة قاعدة عقلية ولا سمعية، وتكلم بأمور أخرى أنكرت عليه، وإن ~~كانت موافقته لأهل السنة أعظم من موافقة المعتزلة والرافضة. وهذه المقاصد ~~مبسوطة في موضع آخر. ### || AUTO [مشاركة رؤوس الكلام المتأخرين للمتقدمين في أصل ضلالهم]: # وأهل السنة المحضة والحديث يعيبون جميع رؤوس الكلام المحدث، كما يعيبون ~~رؤوسهم المتقدمين: كالجهم والجعد وأبي الهذيل والنظام وغيرهم، فإنهم ~~شاركوهم1 في الأصل الذي منه ضلوا؛ حيث ادعوا أن صدق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إنما يمكن بهذه الطريق التي أحدثوها، وهو إثبات حدوث الأجسام بقيام ~~الحوادث بها، وأن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث. وصار هؤلاء المتبعون لأهل ~~الكلام المبتدع يظنون أن دين الإسلام إنما تعلم صحته بهذه الطريق. # ومن عالم2 بالسنة لفظا ومعنى عقلا ونقلا، إذا تدبر حقيقة قولهم تبين له ~~أن الأمر عكس ما قالوه، وأن لا يمكن معرفة الصانع تعالى، وأنه خلق السماوات ~~والأرض، وأنه أرسل رسوله محمدا بكلامه الذي أنزله عليه - إلا بنقيض قولهم ~~الفاسد، وعلم أنه يجب أن يكون موصوفا بصفات الكمال: من العلم والقدرة وغير ~~ذلك، يخلق ويتكلم بمشيئته وقدرته، متصفا بالصفات والأفعال الاختيارية ~~القائمة بذاته المقدسة، وأن ما لا يكون كذلك يمتنع أن يكون خالقا ms180 لشيء أو ~~متكلما بشيء. # فطريقتهم التي أثبتوا بها أنه خالق للخلق، مرسل للرسل، إذا حققت PageV01P379 ~~عليهم وجد لازمها أنه ليس بخالق ولا مرسل، فيبقى المسلم العاقل إذا تبين له ~~حقيقة الأمر، وكيف انقلب العقل والسمع على هؤلاء - متعجبا. ### || AUTO [سبب تسلط أعداء الإسلام على أهل الكلام]: # ولهذا تسلط عليهم بها أعداء الإسلام من الفلاسفة والملاحدة وغيرهم، لما ~~بينوا أنه لا يثبت بها خلق ولا إرسال، فادعى أولئك قدم العالم، وأثبتوا ~~موجبا بذاته، وقالوا: إن الرسالة فيض يفيض على النبي من جهة العقل الفعال، ~~لا أن هناك كلاما تكلم الله تعالى به، قائما به، أو مخلوقا في غيره. # وكان في الوقت الذي أظهرت الجهمية فيه مقالتهم الأولى، وامتحنوا أئمة ~~الإسلام كأحمد بن حنبل وغيره، قد ظهر أصل كلمة1 هؤلاء الملاحدة الباطنية ~~باطنا، وذلك في إمارة المأمون ثم المعتصم، وتجدد بعد ذلك من الحوادث ~~العظيمة التي كانت في الإسلام، في أثناء المائة الرابعة ما يطول شرحه، مما ~~تزلزل به أقطار البلاد الإسلامية. ### || AUTO [صور من هذا التسلط]: # ولما ظهرت تلك البدع المخالفة للشرع والعقل، وخفيت السنن الموافقة للعقل ~~والسمع - دخلت الملاحدة من هذا الباب، فأخذوا من أولئك المبتدعة ما ~~وافقتهم2 عليه، وجعلوه أصلا لما يريدونه من إلحادهم وزندقتهم. # فصاروا يقولون للمعتزلي: أنت وافقتنا على أن ما قام به العلم والقدرة ~~يكون جسما مشبها بخلقه، وذلك ممتنع؛ فكذلك3 ما سمي عالما قادرا لا يكون إلا ~~جسما مشبها للخلق؛ فيجب عليك أن تنفي الأسماء كما نفيت الصفات. # ويقولون للكلابي: أنت وافقتنا على أن ما قامت به الحوادث فهو حادث؛ فإن ~~ما قامت به الحوادث لم يخل منها؛ فيكون حادثا؛ لامتناع حوادث لا أول لها، ~~وما قامت به الأعراض فهو جسم محدث، فيجب عليك أن تنفي الصفات وتنفي العلم ~~والقدرة؛ لأن هذه الصفات PageV01P380 ~~أعراض، فلا تقوم إلا بجسم، ولأن من قامت به الأعراض قامت به الحوادث، ولا ~~يفرق بين هذا وهذا عقل ولا نقل؛ فقولك: إنه تقوم به الأعراض دون الحوادث تناقض. # فإذا قال: أنا ms181 لا أسمي ما يقوم به عرضا؛ لأن العرض لا يبقى زمانين، ~~وصفاته باقية عندي. # قالوا: قولك: «إن العرض لا يبقى زمانين»، مخالف لصريح العقل، بل هو مما ~~يعلم فساده بضرورة العقل، وحينئذ فلا فرق بين بقاء صفاته وبقاء صفات غيره، ~~فإما أن تسمي الجميع عرضا أو لا تسمي الجميع عرضا. # وإذا قال: إنما قلت: إنه لا يقبل الحوادث؛ لأن ما [قامت به الحوادث] 1 لا ~~يخلو منها. # قالوا له: وإذا كان عندك قد صار فاعلا بعد أن لم يكن، ولم يلزم من ذلك ~~أنه لا يخلو من الفعل، فقل: إنه قام به الفعل بعد أن لم يكن، كما قالت ~~إخوانك من مثبتة2 الصفات: الكرامية وغيرهم، ولا يلزم من ذلك أن يكون الفعل ~~لم يقم به. # إلى غير ذلك من الحجج التي صار يحتج بها الملاحدة على أصناف أهل الكلام ~~المحدث، حتى حدث في الإسلام من شر القرامطة الباطنية والفلاسفة الملاحدة ما ~~يعرفه من عرف أيام الإسلام. # وكان من أسباب ذلك عدم علمهم بما بعث الله تعالى به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وعدم تحقيقهم لقواعد المعقول؛ فإن الأقوال المبتدعة لا بد أن تكون ~~مناقضة للشرع والعقل. ### || AUTO [موافقة السالمية لأصل المعتزلة والكلابية، وقولهم في القرآن ~~بقول مركب من مذهبيهما]: # جاء بعد هؤلاء طوائف من السالمية3 والفقهاء وأهل الحديث والصوفية: من ~~حنبلي وشافعي ومالكي وحنفي وغيرهم، فوافقوا أهل PageV01P381 ~~الكلام المبتدع في أصلهم، ورأوا مقالاتهم التي بها ظهر في الأمة أنهم ~~خالفوا بها السنة؛ كقول المعتزلة في القرآن وكلام الله تعالى، وقول ~~الكلابية؛ فخالفوا الطائفتين في قولهم الذي ظهر مخالفته للنص والعقل، ولكن ~~وافقوهم في الأصل الذي منه ضلوا؛ وهو أن الرب تعالى لم يكن في الأزل يمكنه ~~أن يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يمكن أن يتكلم دائما بمشيئته وقدرته، ولا ~~يمكن له1 كلمات لا نهاية لها. # وإذا كان كذلك، مع القول بأن القرآن غير مخلوق، لم يكن إلا أحد القولين: ~~إما قول الكرامية ومن وافقهم على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته بعد أن ms182 كان ~~الكلام ممتنعا عليه، وإما قول ابن كلاب: إن الكلام قديم العين، لام للذات، ~~ولا يمكن الرب أن يتكلم بمشيئته وقدرته. # فصار فريق من هؤلاء إلى ذلك القول المنسوب إلى الهشامية والكرامية، وصار ~~فريق منهم إلى أن القرآن قديم العين؛ فأحدثوا قولا مركبا من قول المعتزلة ~~والكلابية؛ فقالوا: إنه حروف وأصوات، أو حروف بلا أصوات؛ قديمة الأعيان، ~~قائمة بذات الرب تعالى، لم تزل ولا تزال قائمة بذات الرب. # وأخذوا في الرد على من يقول: «إنه مخلوق». طريق ابن كلاب والأشعري ومن ~~وافقهما، وفي الرد على من يقول: «إن القرآن العربي ليس هو كلام الله، وحروف ~~القرآن هي ليست كلام الله؛ وهذا القرآن ليس هو كلام الله؛ والكلام إنما هو ~~معنى واحد2 قائم بذات الرب» - طريق المعتزلة ومن وافقهم. # ولهذا [قالوا:] 3 إن الكلام هو الحروف، أو الحروف والأصوات، ولم يجعلوا ~~المعاني داخلة في مسمى «الكلام»؛ وهذا قول المعتزلة، PageV01P382 ~~ليس هذا قول السلف والأئمة، بل السلف والأئمة عندهم أن الكلام يتضمن الحروف ~~والأصوات والمعاني. والمعتزلة عندهم لم تقم بذات الرب تعالى معان تكون ~~مدلول الحروف. وأما هؤلاء فعندهم يقوم به العلم والإرادة وغير ذلك من ~~الصفات. # والكلابية أثبتوا طلبا مخالفا للإرادة، وحكما نفسيا مخالفا للعلم، وجمهور ~~العقلاء يعلمون أن هذا فاسد، وهؤلاء قد يوافقون الكلابية فيما أثبتوه من ~~هذا المعنى المخالف للعلم والإرادة. # لكن يتناقضون؛ فإنهم [إن1] جعلوا ذلك مسمى الكلام، بطل قولهم: «إنه مجرد ~~الحروف والأصوات». وإن قالوا: «إنه مدلول الكلام»، أثبتوا صفة من جنس العلم ~~والإرادة، مخالفة للعلم والإرادة، وهم ينكرون إثبات هذا على الكلابية، كما ~~أنكره المعتزلة وسائر2. # ولهذا صاروا يأخذون ما يذكره المعتزلة، من فضائح ذلك القول ومعايب أهله ~~فيذكرونه هم، ويأخذون ما يذكره الأشعرية، من فضائح المعتزلة ومعايبهم ~~فيذكرونها. ### || AUTO [عود لبيان منزلة ابن كلاب والأشعري]: # حتى إنهم يذكرون عن ابن كلاب والأشعري حكايات في ذمهم؛ يعلم أنها باطلة ~~من افتراء المعتزلة عليهم، مثل نقلهم عن ابن كلاب رحمه الله أنه كان ~~نصرانيا في الباطن، وأنه ms183 أظهر الإسلام ليفسده على أهله، وأنه بذلك أرضى ~~أختا له نصرانية راهبة لما عيرته بالإسلام3. ومن نقلهم عن الأشعري رحمه ~~الله تعالى أنه كان يبطن خلاف ما يظهر، وأنه مات PageV01P383 ~~على ظهر غلام بالأحساء1. # إلى غير ذلك، مما يعلم العاقل أنه كذب عليهما، وأن الرجلين قالا ما ~~يعتقدانه ظاهرا وباطنا، وكانا متدينين بذلك، وأن نسبة قولهما إلى النصارى ~~هو من افتراء الجهمية؛ فإنهم يقولون: من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى. ~~وقد ذكر ذلك عنهم الإمام أحمد في «رده على الجهمية» كما تقدم: «قالوا: إذا ~~قلتم: إن الله لم يزل وقدرته، لم يزل وعلمه، لم يزل ونوره، فقد قلتم بقول ~~النصارى» 2. # وابن كلاب كان مسلما باطنا وظاهرا، رجلا فاضلا، جليل القدر، وقد رد على ~~أهل البدع الكبار من الجهمية والمعتزلة والرافضة ردا كثيرا، أحسن فيه ~~وأصاب، وغلط في بعض ذلك. # وكذلك الأشعري بعده كان مسلما باطنا وظاهرا، أظهر من الرد على أهل البدع ~~وتناقضهم أكثر مما أظهر ابن كلاب، وإن كان ابن كلاب أعلم بالسنة وأتبع لها ~~من الشعري؛ فالأشعري صنف في أبواب الرد على المعتزلة والجهمية والرافضة ~~والفلاسفة أكثر منه، PageV01P384 ~~وأظهر من فساد أقوال هؤلاء أكثر مما أظهر ابن كلاب. # ولهذا صار قول الطائفة منسوبا [إليه] 1، وكان في الأصل إنما هو قول ابن ~~كلاب، وكثير من الناس لا يعرفون ابن كلاب، بل إنما يعرفون الأشعري لشهرته، ~~وكثرة2 رده على أهل البدع، وكثير ممن ينتسب إليه من الفضلاء، وأنه كان ظهور ~~انتسابه إلى أحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث أعظم من ابن كلاب، ولكن خفي ~~عليه من فساد أصل الجهمية ما خفي على غيره، مثل ابن كلاب وغيره، فالتزم ذلك ~~الأصل الفاسد، وأراد أن يجمع بينه وبين المقالات الظاهرة3 عن أهل السنة. # فهو وإن كان في قوله خطأ وتناقض، ففي قوله من الصواب الموافق لصريح ~~المعقول وصحيح المنقول أكثر مما في قول هؤلاء الطوائف: كالجهمية والقدرية ~~والفلاسفة، ولهذا يلقب بإمام السنة في البلاد والأماكن التي لا يعرف فيها ~~إلا ms184 قوله وقول هؤلاء، فمن خرج عن قوله من الناظرين في العقليات المسماة ~~«بأصول الدين» خرج إلى قول معتزلي أو فيلسوف، وقوله أقرب إلى السنة من قول ~~هؤلاء، فهو إمام السنة بهذا الاعتبار، وإن [كان4] في قوله من المخالفة ~~للسنة ما يعرفه5 غير هؤلاء الذين يظنون أن مراد السلف والأئمة بقولهم: ~~القرآن غير مخلوق، أنه قديم العين. ### || AUTO [افتراق الكلابية والسالمية في معنى قولهم: «القرآن قديم ~~العين»]: # وهؤلاء6 وهؤلاء يفترقون في القديم: ما هو؟ على هذين القولين، وبين ~~الطائفتين منازعات ومخاصمات، بل وفتن، كفتنة بيت الفراء وبيت PageV01P385 ~~القشيري التي كانت ببغداد1: فإن هؤلاء قولهم في القرآن قول PageV01P386 ~~السالمية، وهؤلاء قولهم قول الكلابية، وكل هؤلاء معظمون لأحمد بن حنبل، ~~منتسبون في اعتقاده، قائلون: إن الذي ننصره وندعو إليه هو قوله. # وفي الحقيقة فقول أحمد وسائر أئمة أهل السنة لا قول هؤلاء ولا قول هؤلاء، ~~وإنما ظنوا ذلك لموافقتهم أصول الجهمية، فلما كان قولهم مركبا من أقوال أهل ~~السنة ومن أصول الجهمية صار قولا مبتدعا، مخالفا للشرع والعقل، وهم يظنون ~~أنه قول أهل السنة، وأن من خالفه فهو مبتدع، وقد يكفرون من خالفهم، ولا ~~يصلون خلفه، ولا يسمعون منه الحديث، ولا يسمعونه إياه، ولا يستفتونه. # وهم في الحقيقة من جنسه؛ قولهم مبتدع كما أن قوله1 مبتدع، ومعهم حق وباطل ~~ومعه حق وباطل، وقد يكون الحق الذي مع هؤلاء أكثر، وقد يكون الحق الذي مع ~~هذا أكثر؛ فإن وزن ما مع كل شخص من الحق والباطل2، ومنه ما لا يعرفه إلا ~~الله تعالى؛ PageV01P387 ~~فإن الشخص الواحد تختلف أحواله، وإنما نتكلم في جنس القول الذي عرفناه، وفي ~~لوازمه، وما تولد عنه: كلاما كليا عاما، لا نخص به شخصا بعينه، لنبين أن ~~الأصل الذي منه تفرقت الأمة، وصاروا شيعا في هذه المسائل هو من ذلك الأصل؛ ~~الذي ابتدعته الجهمية وظنت أنه أصل. # وصار هؤلاء الذين قالوا بقول السالمية المركب من قول المعتزلة والكلابية، ~~القائلون بأن الصوت المعين الذي تكلم الله تعالى به قديم - متنازعين في ~~الصوت ms185 المسموع من القراء1 على ثلاثة أقوال: # منهم من يقول2: «بل الصوت القديم غيره، وذاك لا يسمع» 3، وهؤلاء أقل خطأ، ~~ومنهم من يقول: «بل الصوت يشتمل على صوتين4: محدث وقديم». # والذين قالوا بقول الكلابية متنازعون في القرآن العربي: كلام من هو؟ ومن ~~الذي5؛ فمنهم من يقول: هو مخلوق خلقه الله تعالى في غيره؛ ليدل به على ذلك ~~المعنى القديم. ومنهم من يقول: بل هو إحداث جبريل أنشأه وعبر به عما في نفس ~~الله تعالى. ومن متأخريهم من قال: بل هو إحداث محمد صلى الله عليه وسلم عبر ~~به عما ألهمه الله تعالى من المعنى. # وصارت الطائفة القائلة بقدم القرآن، بل بقدم عين الكلام، متفقة على أن من ~~كلمه الله تعالى، من الملائكة والأنبياء وغيرهم، فلم يكلمه PageV01P388 ~~بكلام تكلم به حين كلمه، بل أسمعه حينئذ ما هو موجودا1 قديما أزليا، لم يزل ~~ولا يزال. # فقيل للكلابية: المعنى لا يسمع، وإنما يسمع الصوت. # فقال الأشعري: بل يسمع كل موجود، بل يشم ويذاق، فالحواس الخمس يجوز أن ~~تتعلق بكل موجود. وقال بقوله طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد: كالقاضي ~~أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وغيرهما. # وقال القاضي أبو بكر: كلام الله لا يسمع. ### || AUTO [بطلان احتجاج من يقول: إن القرآن إحداث محمد أو جبريل]: # واحتج طائفة من الكلابية - كأبي محمد الدمشقي2 وغيره - على أن القرآن ~~إحداث محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {إنه لقول رسول كريم} [الحاقة: ~~40]. قال: فإنما أضافه إليه لأنه هو الذي أحدثه وألفه. # وهذا باطل؛ فإن الله تعالى أضافه إلى الرسول البشري تارة، وإلى الرسول ~~الملكي أخرى: إلى جبريل ومحمد صلى الله عليهما وسلم تسليما، وكلاهما رسول ~~مصطفى؛ كما قال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج: 75]. # قال تعالى: {إنه لقول رسول كريم • ذي قوة عند ذي العرش مكين • مطاع ثم ~~أمين} [التكوير: 19 - 21]. فهذا جبريل، وقال تعالى: {إنه لقول رسول كريم • ~~وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون • ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون • تنزيل ~~من رب ms186 العالمين} [الحاقة: 40 - 43]. فهذا محمد صلى الله عليه وسلم، فلو كان ~~مضافا إليه لأنه أحدثه لتناقض الخبران؛ فإنه إن كان أحدثه هذا لم يحدثه الآخر. # [وأيضا فإنه سبحانه قال: {إنه لقول رسول كريم}. ولم يقل: نبي ولا PageV01P389 ~~ملك. فأضافه إليه باسم «الرسول» ليبين أنه مبلغ له عن مرسله، لا محدث له من ~~تلقاء نفسه، فعلم أنه أضافه إلى الرسول؛ لأنه بلغه عن الله، لا أنه أحدثه ~~وأنشأه. # وأيضا فالمضاف هو القرآن، ليس هو مجرد لفظه، فلو كان المراد ما ذكرتم، ~~لزم أن يكون كله كلام محمد أو جبريل، لا كلام الله تعالى، وهذا قول الوحيد، ~~الذي قال الله تعالى فيه: {ذرني ومن خلقت وحيدا • وجعلت له مالا ممدودا • ~~وبنين شهودا • ومهدت له تمهيدا • ثم يطمع أن أزيد • كلا إنه كان لآياتنا ~~عنيدا • سأرهقه صعودا • إنه فكر وقدر • فقتل كيف قدر • ثم قتل كيف قدر • ثم ~~نظر • ثم عبس وبسر • ثم أدبر واستكبر • فقال إن هذا إلا سحر يؤثر • إن هذا ~~إلا قول البشر} [المدثر: 11 - 25]. # فالله تعالى قد كفر من جعله قولا للبشر، وأخبر سبحانه أنه قول رسول من ~~البشر، كما أخبر أنه قول رسول من الملائكة؛ فتبين أنه قول للرسول بلغه عن ~~المرسل له، فله فيه البلاغ، لم يحدث هو شيئا منه، بل بلغه كما أنزل عليه. ~~قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67]. وقال ~~تعالى: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} [الجن: 28]. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما ~~سمعه1، فرب مبلغ أوعى من سامع). وفي رواية: (فرب حامل فقه غير فقيه، ورب ~~حامل فقه إلى من هو أفقه منه) 2. ومن بلغ عن الرسول كلاما PageV01P390 ~~كقوله: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى) 1. فذلك كلام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان المبلغ بلغه بصوت نفسه وحركته. # فكلام الله تعالى أولى أن يكون كلام الله، وإن بلغه المبلغون بحركاتهم ~~وأصواتهم، كما قال تعالى: {وإن ms187 أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله} [التوبة: 6]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن ~~بأصواتكم) 2 فأضاف النبي صلى الله عليه وسلم الصوت إلى العبد، وإن كان ~~القرآن كلام الله لا كلام العبد. كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات: 2]. وقال تعالى: {إن الذين يغضون ~~أصواتهم عند رسول الله} [الحجرات: 3]. # فالقرآن العزيز الذي يقرؤه المسلمون كلام الله، ليس لملك ولا لبشر فيه ~~شيء، وإن كان القراء من الملائكة والبشر إنما يقرؤونه بحركاتهم وأصواتهم. # والتلاوة إن أريد بها نفس أفعال العباد، فليست هي الكلام المتلو، وإن ~~أريد بها نفس القرآن، فالقرآن هو كلام الله الذي يتلى. وقد بسطنا الكلام ~~على هذا الموضع وما فيه من النزاع، وبينا أن بعضه لفظي وبعضه معنوي في غير ~~هذا الموضع. PageV01P391 ### || AUTO [تلخيص لأقوال الفرق في كلام الله]: # والمقصود هنا: أن منشأ النزاع والضلال في هذا الباب هو قول الجهمية ~~والقدرية، الذين حقيقة قولهم أن الرب تعالى لم يكن قادرا على أن يفعل ~~ويتكلم بمشيئته وقدرته، بل رجح أحد المقدورين1 المتماثلين على الآخر بلا مرجح. # ثم قالت القدرية: وكذلك العبد يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح. ~~وقالت الجهمية: بل العبد لا يحدث شيئا أصلا، ولا يفعل شيئا، لامتناع حوادث ~~لا أول لها. # فلما قالوا هذا صارت طائفة تقول: كلامه حينئذ لا يكون إلا مخلوقا؛ لأنه ~~إن لم يكن مخلوقا لزم أن يكون قديما، أو قائما به وهو حادث، والرب تعالى لا ~~تحله الحوادث. وهذا قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم. # وطائفة تقول: بل حادث قائم به، والرب يمتنع أن يتكلم في الأزل بمشيئته ~~وقدرته، وهذا قول الهشامية والكرامية وأبي معاذ التومني2 وزهير الأثري3 ~~وطوائف كثيرين4. # وطائفة تقول: بل هو قديم العين. وهم الكلابية ومن وافقهم، PageV01P392 ~~ثم قيل: القديم هو المعنى. كقول ابن كلاب نفسه، وقيل: بل هو الحروف، أو ~~الحروف والأصوات. كقول السالمية وغيرهم. # وأما قول السلف والأئمة؛ فقالوا: إن الله تعالى لم يزل متكلما ms188 إذا شاء، ~~وكيف يشاء، وكما يشاء. كما قد نص على ذلك أحمد بن حنبل وعبد الله بن ~~المبارك وغيرهما من أهل السنة والحديث، وهو الذي حكاه أبو بكر عبد العزيز ~~وأبو عبد الله بن حامد عن أصحاب أحمد1. # لكن أبو الحسن التميمي2 والقاضي أبو يعلى وغيرهما وافقوا الكلابية على ~~أصلهم، كما وافقهم على ذلك أبو المعالي الجويني وغيره من أصحاب الشافعي، ~~وأبو الوليد الباجي3 وغيره من أصحاب مالك. ### | AUTO فصل ### || AUTO [طريقة القرآن في إثبات الصانع]: # وأما طريقة القرآن في إثبات الصانع تعالى، واختلاف الناس في الإقرار ~~بالصانع: هل هو فطري أو نظري؟ وبيان قول من يقول إنه فطري، وإن كل مولود ~~يولد على الفطرة، وإنه قد يصير نظريا لبعض الناس؛ لما يعرض له من الشبه؛ ~~فيستدل عليه بالأدلة الكثيرة - فطريقة القرآن ذكر الآيات وقياس الأولى، ~~بخلاف طريقة أهل الكلام والفلسفة؛ الذين يستعملون فيه قياس الشمول، الذي ~~تتساوى أفراده، أو قياس التمثيل. PageV01P393 # والفرق بين الآيات والمقاييس؛ أن القياس العقلي - الذي يسميه أهل المنطق ~~«البرهان» - إنما يدل على مطلوب كلي، فإنه لا بد من قضية كلية موجبة؛ إذ لا ~~نتاج عن السالبتين ولا عن جزئيين. # وقياس التمثيل حقيقته هي حقيقة قياس الشمول؛ فإن ما يسمى «الحد الأوسط» ~~في هذا يسمى في ذاك «الجامع المشترك بين الأصل والفرع». # وقياس الشمول إنما يدل على مطلوب كلي، لا على شيء بعينه؛ فإنه لا بد من ~~مقدمة كلية، فلا يفيد ما يختص به الموصوف، بخلاف الآيات؛ فإن الآية تستلزم ~~عين ما هي آية عليه، فإنها دليل على عين المطلوب. # وجميع المخلوقات آيات للخالق تعالى؛ فإنها مستلزمة لذاته المعينة؛ فإنه ~~يمتنع وجود شيء من المخلوقات إلا بوجود نفسه المقدسة المعينة؛ فصارت لازمة ~~لكل موجود، وكل ملزوم فإنه يستدل به على لازمه، فإن الدليل هو ما يكون ~~مستلزما لغيره، فكل ما كان مستلزما لغيره أمكن الاستدلال به عليه، وكل ~~مخلوق فإنه [يستلزم] 1 الخالق؛ يمتنع وجوده بدون وجود الخالق؛ فيمكن ~~الاستدلال به على عين الخالق. # وإذا قلنا: ms189 هو محدث، وكل محدث فله محدث؛ أو هذا ممكن، وكل ممكن فلا بد له ~~من واجب؛ فهذا صحيح، لكنه يدل2 على محدث مطلق، وواجب مطلق، لا يمنع تصوره ~~من وقوع الشركة فيه، إلا أن تعلم عينه أو أنه واحد بدليل منفصل. وأما هذا ~~القياس، فإنما يدل على وصف كلي مشترك. # ثم إذا علمنا بالدليل أن الفاعل القديم لا يكون إلا واحدا، والفاعل ~~الواجب بنفسه لا يكون إلا واحدا؛ لم يكن في ذلك ما يدل على عينه، بل إنما ~~يدل على واحد مطلق عندنا، وإن كان معينا في نفس الأمر. PageV01P394 # وآيات الله تعالى دالة على نفسه سبحانه وتعالى، ومن لم تدله1 على ذلك، ~~فلتصوره في استدلاله، لا لتصور دلالتها، بخلاف القياس، فإنه ليس فيه ما يدل ~~على معين البتة. # ولهذا كان المستعمل في الكتاب والسنة وكلام السلف في حقه تعالى هو ~~«القياس الأولى»؛ مثل أن يعلم أن ما ثبت لغيره من كمال مطلق لا نقص فيه، ~~فهو أحق بأن يثبت له من ذلك الكمال ما هو أحق به مما سواه؛ فإذا كان الحياة ~~والعلم والقدرة كمالا لا نقص فيه، وقد اتصف به المخلوق، فالخالق تعالى أحق ~~أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة؛ وما ينزه عنه غيره من العيوب، فهو سبحانه ~~أحق بتنزيهه عنه. # قال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم • يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون • للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى} إلى قوله ~~تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن ~~لهم النار وأنهم مفرطون} [النحل: 58 - 60، 62]. # وقال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء ~~في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} الآية [الروم: 28]، ~~وقال تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم • قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق ms190 عليم} [يس: 78 - 79]. وقال تعالى: ~~{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14]. ومثل هذا كثير، والمقصود ~~هنا التنبيه، كما يليق بهذا الجواب2. PageV01P395 ### | AUTO فصل ### || AUTO [شرح دليل الأصبهاني على «علم الله»]: # وأما قوله: «والدليل على علمه إيجاده الأشياء؛ لاستحالة إيجاده الأشياء1 ~~مع الجهل». # فهذا الدليل مشهور عند نظار المسلمين أوليهم وآخريهم2. والقرآن قد دل ~~عليه؛ كما في قوله [تعالى] 3: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: ~~14]. والمتفلسفة أيضا سلكوه. # وبيانه من وجوه: # أحدها: أن إيجاده الأشياء4 هو بإرادته -كما سيأتي- والإرادة تستلزم تصور ~~المراد [قطعا، وتصور المراد] 5 هو العلم، فكان6 الإيجاد مستلزما للإرادة، ~~والإرادة مستلزمة7 للعلم، فالإيجاد مستلزم4 للعلم. # الثاني: أن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل ~~بها8؛ لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير عالم. # وبهذين الطريقين يتقرر ما ذكره. # ولهم طرق أخرى9؛ منها أن من المخلوقات ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ~~ويمتنع أن يكون10 [*المخلوق أكمل من الخالق؛ إذ كل كمال فيه فهو منه؛ فيجب ~~أن يكون*] الخالق عالما. PageV01P396 # وهذا له طريقان: # أحدهما: أن يقال: [نحن] 1 نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن ~~الواجب أكمل من الممكن، ونعلم بالضرورة2 أنا إذا فرضنا شيئين؛ أحدهما عالم، ~~والآخر غير عالم؛ كان العالم أكمل، فلو لم يكن الواجب عالما لزم أن يكون ~~الممكن أكمل منه3، وهو ممتنع. # الثاني: أن يقال: كل علم في الممكنات -التي هي المخلوقات- فهو منه4، ومن ~~الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريا منه، بل هو أحق به5، والله ~~سبحانه له6 المثل الأعلى؛ لا يستوي هو والمخلوق في قياس شمول، ولا قياس ~~تمثيل7، بل كل ما ثبت8 لمخلوق من كمال9 فالخالق تعالى أحق به10، وكل نقص ~~تنزه عنه11 مخلوق ما12، فتنزيه الخالق عنه أولى. ### | AUTO فصل ### || AUTO [شرح دليل الأصبهاني على «قدرة الله»]: # وأما قوله: «والدليل على قدرته إيجاده الأشياء، وهو13 إما بالذات وهو ~~محال، وإلا لكان العالم وكل [واحد من] 14 مخلوقاته قديما وهو PageV01P397 ~~باطل، فتعين أن يكون ms191 فاعلا بالاختيار، وهو المطلوب». # فقد1 يقال: هذا إنما أثبت به كونه فاعلا2 بالاختيار [وإن كان لم يقرر ~~مقدمات دليله. وفعله بالاختيار] 3 يثبت4 الإرادة، لا يثبت5 القدرة، وهو قد ~~أثبت الإرادة فيما بعد، فظاهر [هذا] أنه كرر6 دليل الإرادة ولم يذكر على ~~القدرة دليلا. ### || AUTO [تقرير دلالة الفعل بالاختيار على القدرة]: # لكن تقرير ذلك أن يقال: إنه إما أن يكون المبدع للأشياء مجرد ذات عرية7 ~~عن الصفات، مستلزمة وجود8 المفعول، كما يقوله من يقوله من المتفلسفة ~~القائلين9 بقدم الأفلاك [*وصدورها عن ذات مجردة*]. وإما أن يكون ذاتا ~~موصوفة بصفات10، لا يجب معها وجود المخلوقات، كما عليه أهل الملل. # [*والأول باطل؛ لأنه يستلزم أن لا يحدث في العالم شيء؛ لأن العلة التامة ~~القديمة يجب أن تستلزم معلولها، فلا يتأخر شيء من معلولها11 عن الأزل، وهو ~~خلاف الحس والمشاهد، وهذا الوجه يبطل قولهم بالموجب بالذات وتقدم شيء بعينه ~~من أجزاء العالم، وسواء PageV01P398 ~~فسروا الموجب بذات مجردة مستلزمة للموجب، أو بذات موصوفة مستلزمة للموجب، ~~فإن القول بكون المبدع ملزوما لموجبه ومقتضاه، مع تأخر بعض ذلك عن الأزل - ~~جمع بين النقيضين*]. # وإذا أردت التقسيم الحاصر1 قلت: الفاعل إما ذات مجردة، وإما الذات ~~بصفات2، فإن كان الأول فمعلوم أن العلة التامة3 تستلزم وجود المعلول، فإذا ~~كان مجرد الذات هو الموجب4 فمجرد الذات علة تامة، فيلزم وجود المعلول ~~جميعه، فيلزم5 قدم جميع الحوادث، وهو خلاف المشاهدة. # وإن كان الثاني فالصفة التي يصلح بها الفعل هي القدرة. أو يقال: فإذا لم ~~يكن موجبا بذاته6، بل بصفة، تعين أن يكون مختارا، فإنه إما موجب بالذات، ~~وإما فاعل بالاختيار، والمختار إنما يفعل بالقدرة، إذ القادر هو الذي إن ~~شاء فعل وإن شاء لم يفعل. # فأما من يلزمه7 المفعول بدون إرادته، فهذا ليس بقادر، بل ملزوم بمنزلة ~~الذي تلزمه8 الحركات الطبيعية، التي9 لا قدرة له على فعلها ولا تركها. ### || AUTO [الفرق بين القدرة والقوة]: # وحقيقة الأمر10 أن العلم بكون الفاعل قادرا علم ضروري، حتى لو فرض أنه ~~يفعل بالإرادة، لم ms192 يكن بد أن يكون له قوة على الفعل، ولهذا PageV01P399 ~~لما كانت الحوادث تصدر تارة بسبب الأحياء القادرين؛ كالملائكة والجن والإنس ~~وسائر الحيوان، وتارة بسبب الجمادات؛ كالنار والهواء والماء، كانت هذه ~~المتحركات مختصة بقوى؛ بها تمتاز عما لا يصدر عنه مثل تلك الحركة. # فصفة الحي تسمى «قدرة»، وإذا كانت أكمل من غيرها سميت «قوة» قال تعالى: ~~{وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} ~~[فصلت: 15]، وقال تعالى: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها} ~~[الروم: 9]، وقد ذكر قوله: {أشد منهم قوة} في غير موضع. # وقال تعالى: {علمه شديد القوى • ذو مرة فاستوى} [النجم: 5، 6]، وقال ~~تعالى: {إنه لقول رسول كريم • ذي قوة عند ذي العرش مكين} [التكوير: 19، ~~20]، وقال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من ~~بعد قوة ضعفا وشيبة} [الروم: 54]، وقال تعالى: {إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين} [الذاريات: 58]. # وفي صحيح البخاري وغيره عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمهم السورة من القرآن؛ يقول: ~~(إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني ~~أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا ~~أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، [اللهم] 1 إن كنت تعلم أن هذا ~~الأمر - يسميه باسمه - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، ويسره ~~لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي ~~وعاقبة أمري فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث ما كنت، ورضني PageV01P400 ~~به). وقد شك بعض الرواة هل قال: (ديني ومعاشي وعاقبة أمري). أو قال: (عاجل ~~أمري وآجله). وجزم [بعضهم] 1 باللفظ الأول2. # والذي دل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وأئمتها أن الله يخلق ~~الأشياء بالأسباب، فالقوى ms193 التي جعلها في الحيوان والجماد هي من الأسباب ~~التي بها يحدث الحوادث. # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبين أن مذهب السلف والأئمة ~~أن الله خالق كل شيء بمشيئته وقدرته، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ~~فقدرته ومشيئته تستلزم وجود المقدور. ### || AUTO [معنى لفظ «الاختيار» في القرآن والسنة وكلام السلف]: # ولفظ «الاختيار» في القرآن والسنة وكلام السلف يتضمن تفضيل المختار على ~~غيره؛ كقوله تعالى: {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين • من فرعون ~~إنه كان عاليا من المسرفين • ولقد اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: ~~30 - 32]، وقال تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار}، ثم قال: {ما كان لهم ~~الخيرة} [القصص: 68] فذكر الاختيار بعد المشيئة، وقال تعالى: {واختار موسى ~~قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [الأعراف: 155]؛ أي: من قومه. # وقد صار لفظ «الاختيار» يعبر به عن الإرادة؛ بناء على أن العالم لا يريد ~~إلا ما هو خير من غيره، أو بناء على أن الحي لا يريد إلا ما يراه PageV01P401 ~~خيرا من غيره، وإن كان قد يغلط في اعتقاده أنه خير من غيره. وهذا يطابق قول ~~من قال: إن القادر المختار لا يرجح أحد مقدوريه على الآخر إلا بمرجح. ### || AUTO [من طرق السلف في إثبات القدرة والقوة]: # والمقصود هنا: أن السلف والأئمة وجمهور الخلق الذين يثبتون في المخلوقات ~~قوى وقدرا، بها تكون الحوادث التي تصدر عنها، فيكون إثبات القوة لله تعالى، ~~وقدرته على الفعل من أبين الأشياء عندهم، ويكون العلم بذلك من أظهر المعارف ~~وأجلاها. # فإنه قد استقر في فطرهم أن الفاعل لا يكون إلا قادرا، وأن القدرة صفة ~~كمال، فإذا كان المخلوق قويا قادرا على ما يفعله، فالخالق تعالى أولى أن ~~يكون قادرا قويا على ما يفعله. # ومن المستقر في الفطر أنه إذا فرض الفاعل غير قادر على الفعل امتنع كونه ~~فاعلا؛ ولهذا كان من نفى أن يكون للعبد قدرة1 مؤثرة - كجهم وأبي الحسن2 ومن ~~اتبعهما - لا يسمون العبد فاعلا، بل يقولون: هو كاسب. # وجهم نفسه كان ms194 يقول: ليس بقادر، كما انه ليس بفاعل، وأبو الحسن وافقه على ~~أنه ليس بفاعل حقيقة، بل هو كاسب، وأنه ليس له قدرة مؤثرة في المقدور، لكن ~~أثبت له قدرة، وسماه قادرا، خلافا لجهم. # وكثير من الناس يقولون: إن منازعته له لفظية، لا تعود إلى معنى معقول. ~~كما قد بسط في موضعه، ويقال: عجائب الكلام ثلاثة: طفرة النظام، وأحوال أبي ~~هاشم، وكسب الأشعري. # ولما كان كون الفاعل قادرا من المعارف الضرورية اعترف فضلاء الفلاسفة بأن ~~الله تعالى قادر، مع قولهم: إن العالم قديم. كما يقولون: إنه عالم. PageV01P402 # لكن نفاة الصفات منهم يقولون: إن قدرته عين علمه، وعلمه عين قدرته، ونفس ~~القدرة والعلم نفس القادر العالم. وهذا مما يقول العقلاء: إن فساده معلوم ~~بالاضطرار بعد التصور التام. ### || AUTO [نقد قول المتكلمين «بالقادر المختار» وقول الفلاسفة «بالموجب ~~بالذات»]: # والرازي وأمثاله يترجمون هذه المسألة بأن الباري تعالى هو فاعل مختار، أو ~~موجب بالذات، ويجعلون الأول قول أهل الملل، والثاني قول الفلاسفة، ثم ~~يقررون القادر المختار بأنه الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل، وهذا تفسير ~~القدرية، بل تفسير بعضهم، وأما بعضهم فإنه يوافق أئمة أهل السنة على أنه مع ~~القدرة التامة والإرادة الجازمة يلزم وجود المراد. # ولهذا كان مذهب أئمة أهل السنة أن الله تعالى خالق لأفعال العباد، مع ~~قولهم: إن العبد فاعل قادر، يفعل بمشيئته، وان الله خالق ذلك كله، وأنه إذا ~~خلق له قدرة تامة ومشيئة جازمة، كان هذا مستلزما لخلق المراد المقدور. # وعلى هذا، فإذا قال القائل: «هو موجب بذاته»؛ فإن أراد أنه موجب بذاته ~~الموصوفة بالقدرة والمشيئة؛ بمعنى أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، مع ~~كون1 كل ما سواه مخلوقا له، محدثا بعد أن لم يكن، فهذا حق، وهو قول أئمة ~~المسلمين. وإن أراد أنه موجب بذات عرية عن الصفات، أو أن ذاته وإرادته ~~مستلزمة لوجود المفعول معه أزلا وأبدا، فهذا باطل وليس هو قول أحد من ~~المسلمين. # وإذا قيل: «إنه قادر مختار»؛ فإن أريد بالقادر أنه ms195 يفعل مع جواز أن لا ~~يفعل، وأن الأمر الحادث الممكن يترجح وجوده على عدمه بدون السبب التام ~~المستلزم لوجوده؛ كما يقوله من يقوله من القدرية والجهمية، فهذا باطل. # والرازي إذا ناظر الفلاسفة في إثبات كون الرب قادرا مختارا؛ سلك PageV01P403 ~~مسلك هؤلاء، وأما في مناظرته للقدرية وفي بحوثه في مسائل الممكن، فهو يقرر ~~أن القدرة والإرادة مستلزمة لوجود المراد، وأن الممكن لا يوجد إلا عند وجود ~~السبب التام المستلزم له، ويرد على من يقول من المعتزلة كالخوارزمي1 وغيره: ~~إن الوجود يصير أولى به. ولهذا ورد على تفسيره «القادر المختار» من الأسولة ~~الضعيفة ما لم يجب عنه بجواب صحيح، بل ولم يقم دليلا صحيحا على أن الله ~~تعالى قادر، كما قد بطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. PageV01P404 ### || AUTO [معنى القادر المختار عند السلف]: # وأما على مذهب السلف وجمهور المسلمين الذين يثبتون القدر، ويقولون: ما ~~شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وإن العبد فاعل قادر مختار، والله تعالى ~~خالق فعله وقدرته ومشيئته، فتزول الإشكالات كلها، ويظهر أنه لا منافاة بين ~~أن يكون الرب قادرا مختارا؛ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن - فهو يوجب ~~بمشيئته وقدرته ما شاءه من المقدورات، فما شاءه وجب وجوده، وما لم يشأه ~~امتنع وجوده، فهو موجب بذاته الموصوفة بالمشيئة والقدرة، بمعنى أنه يجب ما ~~شاءه - ومع أن كل ما شاءه فهو محدث، كائن بعد أن لم يكن، ليس معه شيء قديم بقدمه. # وإذا انضم إلى هذا ما تقدم ذكره من مذهب السلف والأئمة وجمهور المسلمين، ~~وأنه سبحانه يخلق الأشياء بالأسباب، وأنه يخلق بحكمة، كان العلم بأنه قادر ~~مختار بهذا المعنى يزيل الشبه الواردة جميعها، وإن كان هذا القول لا يوجد ~~في كتب الرازي وأمثاله من المصنفين، الذين لا يوجد في كتبهم إلا مذهب ~~الفلاسفة أو القدرية أو الجهمية. ولهذا يوجد أحدهم متناقضا حائرا، لا يثبت ~~على قول واحد؛ لأنه ما من قول من هذه الأقوال إلا وفيه من الفساد ما يمنع ~~العارف به ms196 وبلوازمه أن يعتقده حقا. # وفروع هذه المسألة كثيرة جدا، مثلما إذا تكلموا فيما يحدثه الله من المطر ~~والسحاب، والنبات والحيوان، والحر والبرد، والإهلال PageV01P405 ~~والإبدار1 والاستسرار2 وغير ذلك، فتجد أولئك المتفلسفة لا يجعلون الموجب ~~لذلك إلا مجرد ما رأوه علة من الحركات الفلكية والقوى الطبيعية، أو النفوس ~~والعقول. # وتجد المتكلمين من الجهمية ومن اتبعهم - كأبي الحسن وأتباعه ممن لا يثبت ~~الأسباب ولا الحكم، أو لا يثبت أحدهما، ويقول: إن نفس القادر المختار يرجح ~~أحد المتماثلين بغير مرجح - يحيل هذا كله على هذا القادر المختار الذي ~~ذكروه، وليس3 هو القادر المختار عند السلف والأئمة وجمهور المسلمين. # وهؤلاء الذين أحالوا الحوادث على القادر4 المختار، ينكرون ما يشهده الناس ~~ويعقلونه ويعلمونه من السباب والحكم، وإذا رأوا المصلحة حصلت للخلق مع ~~الحادث قالوا: إن هذا مجرد اقتران جرت به العادة من غير أن يفعل أحدهما ~~بسبب أصلا، ومن5 غير أن يفعله لحكمة أصلا. # ويغلون في ذلك حتى يقول من أثبت الجوهر الفرد منهم، ومن اثبت الخلاء: إن ~~الفلك والرحى وغيرهما مما يدور، يتفكك عند الدوران دائما، والقادر المختار ~~يعيده6 كما كان، وإن ماء البحر فيه خلاء؛ لأن7 ما فيه PageV01P406 ~~يحصل بالقادر المختار1، إلى أمثال ذلك. # ولهذا يوجد أحدهم ينصر في هذا المصنف شيئا، وينصر في الآخر ما يناقضه، ~~تارة يرد على المتفلسفة بأصول المتكلمين الجهمية والقدرية، وتارة يرد على ~~أولئك بأصول هؤلاء، وتارة يعارض بين القولين ويبقى حائرا واقفا، وبسط هذه ~~الأمور لا يحتمله هذا المختصر. # والمقصود هنا: الكلام على أن الله سبحانه قادر، وأن العلم بذلك بعد تصور ~~أنه فاعل - علم ضروري، والطرق الدالة على ذلك كثيرة PageV01P407 ~~جدا، وكل ما علم أن الله تعالى فعله ولو بواسطة، فإنه يدل على أنه فاعل1 ~~للعلم الضروري بامتناع الفعل من غير قادر. # ومن تمام ذلك أن يعلم أن الله على كل شيء قدير، والممتنع لذاته ليس بشيء ~~في الخارج باتفاق العقلاء؛ لامتناع أن يكون له في الخارج وجود أو ثبوت، عند ~~من يفرق بين الثبوت والوجود، وهو ms197 سبحانه قادر على كل شيء، واحد2 من الضدين ~~على سبيل البدل، وأما وجودهما معا فليس بشيء، بل هو ممتنع لذاته. # وكذلك وجود الملزوم بدون لوازمه التي يمتنع وجوده بدونها: هو من هذا ~~الباب؛ كوجود الولد قبل والده، مع كونه قد ولده3، ووجود الصفات بدون ذات ~~تقوم بها، ونحو ذلك. # ومن فهم هذا المر انحلت عنه الإشكالات، التي تورد على قدرة الله وحكمته ~~ومشيئته في مسائل القدر وغيرها، وتبين له أن خير الكلام كلام الله، وأنه ~~سبحانه بين فيه الأمور الإلهية والمطالب العلوية أحسن بيان وأكمله؛ حيث ~~يبين قدرته على أشياء لم يفعلها؛ كقوله؛ {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ~~[السجدة: 13]، {ولو شاء الله ما اقتتلوا} [البقرة: 253]، ونحو ذلك. مع أنه ~~لم يفعل مقدوره، وأن خلاف المعلوم مقدور ممكن باعتبار نفسه، لكنه لا يكون ~~لعدم مشيئته له، وهو لا يشاؤه لما في ذلك من فوات حكمته التي يمتنع ~~اجتماعها مع وجود هذا المفروض، والله أعلم. ### || AUTO [من تمام العلم بأن الله تعالى قادر مختار أنه يخلق ويأمر ~~لحكمة]: # وهذا من تمام العلم بأن الله قادر مختار، فإنه سبحانه كما أنه يفعل ~~بمشيئته وقدرته فهو سبحانه يفعل ما يفعله لحكمة، فيخلق لحكمة، PageV01P408 ~~ويأمر لحكمة. وهذا قول السلف والأئمة وجمهور المسلمين وأكثر طوائف النظار ~~من المسلمين وغيرهم، وهو قول الكرامية والمعتزلة وغيرهم وجمهور الفقهاء ~~أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، لكن من متأخريهم من قد تناقض؛ فيفرع في بعض ~~المواضع فروعا لا تناسب هذا الأصل. # وذهب الجهم بن صفوان ومن وافقه من متكلمة الصفاتية إلى أنه لا يفعل شيئا ~~لحكمة؛ فلا يخلق لحكمة، ولا يأمر لحكمة، ولا يفعل شيئا لشيء أصلا، وليس ~~عندهم في القرآن العزيز «لام كي» لا في خلقه ولا في أمره. # وهذا القول ينصره كثير من مثبتة القدر الرادين على المعتزلة: كأبي الحسن ~~ومن وافقه من المتأخرين من أهل الكلام، ومن يوافقهم أحيانا من الفقهاء، ~~وينصره طائفة من نفاة1 القياس من الظاهرية. # وكثير من الكتب المصنفة في أصول الدين لا يوجد فيها ms198 إلا هذا القول وقول ~~المعتزلة والقدرية، وقد علم أن قول القدرية مخالف للسنة والجماعة: فيظن من ~~لا يعرف حقائق الأمور أن قول الجهم وأتباعه هو قول أهل السنة، وهذا مبسوط ~~في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على هذه الأصول. # والرازي وأمثاله ينصرون هذا القول، ويدعون أن القول الأول - وإن كان هو ~~قول جمهور المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل التفسير والحديث والوعظ ~~والعامة - فإنه باطل بالأدلة العقلية البرهانية، ونحن نذكر ما ذكروه من ~~حججهم على هذا النفي، ونبين فسادها، فننقل ما ذكره الرازي في كتابه ~~«الأربعين»، وهو لم يذكر النزاع إلا مع المعتزلة وأكثر المتأخرين من ~~الفقهاء. PageV01P409 ### || AUTO [حجج الرازي على نفي الحكمة عن أفعال الله وأحكامه، والجواب عنها]: # فقال1: «المسألة السادسة والعشرون: في أنه لا يجوز أن تكون أفعال الله2 ~~وأحكامه معللة بعلة البتة. # اتفقت المعتزلة على أن أفعال الله2 وأحكامه معللة برعاية مصالح العباد، ~~وهو اختيار أكثر المتأخرين من الفقهاء». # قال3: «وهذا عندنا باطل، ويدل عليه وجوه خمسة: ### || AUTO [الحجة الأولى]: # الحجة الأولى: [أن4] كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة، أو لدفع مفسدة: ~~فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى له من عدم تحصيلها، كان ذلك الفاعل قد ~~استفاد بذلك الفعل تحصيل تلك الأولوية. وكل من كان كذلك كان ناقصا بذاته، ~~مستكملا بغيره، وهو في حق الله تعالى محال. وإن كان تحصيلها له5 وعدم ~~تحصيلها بالنسبة [إليه] سيين6: فمع الاستواء لا يحصل الرجحان، فامتنع ~~الترجيح». # ثم أورد سؤالا، وهو سؤال المعتزلة، فقال7: «لا يقال: حصولها، ولا حصولها ~~بالنسبة إليه، وإن كانا8 على التساوي، إلا أن حصولها للعبد أولى9 من عدم ~~حصولها له، فلأجل هذه10 الأولوية العائدة إلى العبد يرجح الله الوجود11 على ~~العدم؛ لأنا نقول: تحصيل تلك PageV01P410 ~~المصلحة1 وعدم تحصيلها له: إما أن يكونا متساويين بالنسبة إلى الله2، أو لا ~~يستويان، وحينئذ يعود التقسيم المذكور». ### || AUTO [الجواب عنها من وجوه]: # والجواب عن هذه الحجة من وجوه: # الأول: قوله: «وكل من كان كذلك كان ناقصا بذاته، مستكملا بغيره، ms199 وهو في ~~حق الله تعالى محال». - كلام مجمل؛ فإنه يقال له: ما تعني بقول: «ناقص ~~بذاته»؟ أتعني به أنه كان عادما شيئا من الكمال الذي كان يجب أن يكون له ~~قبل حدوث ذلك المراد، وكان3 المعدوم قبل ذلك ما ليس كذلك، بل كان عدمه قبل ~~ذلك أولى من وجوده، أو معنى ثالثا؟ # فإن ادعيت الأول كان ممنوعا، وإن ادعيت الثاني، فهو حجة عليك؛ لأن ما كان ~~قبل وجوده عدمه أولى من وجوده، ووقت وجوده كان وجوده أولى من عدمه - لم يكن ~~عدمه قبل وجوده نقصا، ولا وجوده بعد عدمه نقصا، بل كان الكمال عدمه قبل وقت ~~وجوده، ووجوده وقت وجوده. # وإذا كان كذلك، فلم قلت: إن هذه الحكم المطلوبة ليست من هذا النوع؟ ~~وحينئذ فيكون وجودها وقت وجودها هو الكمال، ويكون عدمها حينئذ نقصا، فيكون ~~نافيها هو الذي وصف الله تعالى بالنقص لا مثبتها. # الثاني: أن يقال: قولك: «مستكملا بغيره». أتعني به أن الحكمة التي يجب ~~وجودها حصلت له من شيء غني عنه، أم تعني به أن تلك الحكمة نفسها هي الغير، ~~وأنه استكمل بها؟ # فإن ادعيت الأول، فهو باطل؛ فإنه لا محدث لشيء من الأشياء PageV01P411 ~~إلا هو لا شريك له، فلم يستفد من أحد غيره شيئا. # وإن قلت بالثاني، قيل لك: قولك: «إنه استكمل بها»، أتعني به أنه حصل ~~مراده الذي يحبه بها، أم تعني به شيئا آخر؟ # والثاني ممنوع، والأول يتضمن الكمال لا النقص؛ فإن من كان قادرا على ما ~~يحبه، وفعله في الوقت الذي يحبه، على الوجه الذي يحبه، فهو الكامل، لا من ~~لا محبوب له، أو من له محبوب لا يقدر على فعله. # الثالث: أن يقال: أنت قد ذكرت في كتبك أنه لم يقم على نفي النقص دليل ~~عقلي، متبعا في ذلك لأبي المعالي وغيره، ممن يقول: إنه لم يقم على نفي ~~النقص دليل عقلي. وقلت أنت وهم: إنما ينفى النقص عن الله بالسمع، وهو ~~الإجماع. # لم تنفوه عن الله بالمعقول ولا بنص منقول عن الرسول، ms200 بل بما ذكرتموه من ~~الإجماع، وحينئذ فإن ما ينفى بالإجماع ما انعقد الإجماع على نفيه، والفعل ~~لحكمة لم ينعقد الإجماع على نفيه، وإذا سميته أنت نقصا لم تكن هذه التسمية ~~موجبة للإجماع. # ولو قلت: أهل الإجماع أجمعوا على نفي النقص، وهذا نقص. # قيل لك: لو سلم لك أنهم أجمعوا على إطلاق هذا اللفظ، فالاعتبار بمرادهم ~~باللفظ، لا بنفس اللفظ، وإذا كانوا يقولون: «ليس مورد النزاع مما أجمعنا ~~عليه»، امتنع الاحتجاج عليه بدعوى إجماعهم. # الرابع: أن يقال: نحن ندعي أن النقص منفي عنه عقلا، كما هو منفي عنه ~~سمعا، والعقل يوجب اتصافه سبحانه بصفات الكمال، والنقص هو ما ضاد صفات ~~الكمال، فالعلم صفة كمال، فما ضاده كان نقصا؛ والقدرة صفة كمال، فما ضاده ~~كان نقصا؛ والحياة صفة كمال، فما ضاده كان نقصا. وأما حصول ما يحبه في ~~الوقت الذي يحبه فإنما هو كمال إذا حصل على الوجه الذي يحبه، وعدمه قبل ذلك ~~نقص إذا كان لا يحبه قبل ذلك. PageV01P412 # الوجه الخامس: أن يقال: الكمال الذي يستحقه هو الكمال الممكن أو الممتنع؟ ~~والثاني باطل قطعا، وأما الأول فيقال: إذا كان في الأمور ما لا يحدث إلا ~~شيئا بعد شيء: كان وجوده في الأزل ممتنعا، فلا يكون من الكمال، وإنما يكون ~~الكمال وجوده حتى يمكن وجوده. # السادس: أن يقال: لا ريب أنه تعالى أحدث أشياء بعد أن لم يكن محدثا لها: ~~كالحوادث المشهودة. والقائلون بأن الفلك قديم عن علة موجبة يسلمون ذلك، ~~ويسلمون أنه يحدث الحوادث بواسطة، وإن كانوا قد يتناقضون. # وحينئذ، فيقال: هذا الإحداث إما أن يكون صفة كمال وإما أن لا يكون، فإن ~~كان صفة كمال فقد كان فاقدا لها قبل ذلك، وإن لم يكن صفة كمال فقد اتصف ~~بالنقص. # فإن قلت: أقول: ليس بصفة كمال ولا نقص. # وقد تنازع النظار في الفاعلية: هل هي صفة كمال أو نقص؟ وجمهور المسلمين ~~يقولون: هي صفة كمال. وهذا قول أكثر1 الحنفية والحنبلية، وأئمة المالكية ~~والشافعية، وأهل الحديث والصوفية وكثير من النظار من المتكلمين ms201 والفلاسفة ~~أو أكثرهم. وقالت طائفة: ليست صفة كمال ولا نقص. وهو قول أكثر أصحاب ~~الأشعري. # فإذا التزم هذا القول قيل له: الجواب من وجهين: # أحدهما: أنه من المعلوم بصريح العقل أنه من يخلق أكمل ممن لا يخلق؛ ولهذا ~~قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: 17]. فاستفهم ~~سبحانه استفهام إنكار، وهو يتضمن الإنكار على من سوى بين من يخلق ومن لا ~~يخلق، وذلك على أن تفضيل من يخلق على من لا يخلق أمر فطري ضروري؛ كتفضيل من ~~يعلم على من لا يعلم. PageV01P413 # كما قال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9]، ~~وقال تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~• وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ~~أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} ~~[النحل: 75 - 76]، وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير • ولا الظلمات ~~ولا النور • ولا الظل ولا الحرور • وما يستوي الأحياء ولا الأموات} [فاطر: ~~19 - 22] ونظائر هذا كثير. # الثاني: أنه إذا كان الأمر هكذا، فلم لا يجوز أنه يفعل لحكمة يكون وجودها ~~وعدمها بالنسبة إليه سواء؟ كما أنه يخلق ويحدث، ووجود الخلق والإحداث وعدمه ~~بالنسبة إليه سواء، كما ذكرتم. # فإنكم إذا جعلتموه فاعلا بالإرادة، ووجود المراد وعدمه بالنسبة إليه ~~سواء، فهذه إرادة لا تعقل في الشاهد، فكذلك فقولوا: يفعل لحكمة وجودها ~~وعدمها بالنسبة إليه سواء، وإن كان مثله لا يعقل في الشاهد، لا سيما والفعل ~~عندكم هو المفعول المنفصل؛ فجوزوا أيضا أن يفعل لحكمة منفصلة، كما قالت ~~المعتزلة. # وأنتم إنما قلتم ذلك فرارا من قيام الحوادث به ومن التسلسل، فكذلك فقولوا ~~بنظير ذلك فرارا من هذا. فإن لم تقولوه وقاله غيركم، لم يلزمه من ذلك إلا ~~نظير ما لزمكم، فلا يكون قوله أبطل من قولكم. # وهذا لازم لهم؛ ms202 فإنهم قالوا: الخلق هو المخلوق وخالفوا بهذا صريح العقل ~~والسمع لئلا يلزم التسلسل، فمن قال: «إنه يفعل مفعولا لمفعول» بأن يريده ~~لنفسه، كان أقرب إلى المعقول. # السابع: أن يقال: العقل الصريح يعلم أن من فعل فعلا لا لحكمة، فهو أولى ~~بالنقص ممن فعل لحكمة كانت معدومة، ثم صارت موجودة PageV01P414 ~~في الوقت الذي أحب كونها فيه، فكيف يجوز أن يقال: فعله لحكمة يستلزم النقص، ~~وفعله لا لحكمة لا نقص فيه! # الثامن: أن هؤلاء يقولون: «يفعل ما يشاء من غير اعتبار حكمة» فيجوزون ~~عليه كل ممكن؛ حتى الأمر بالشرك والكذب والظلم، والنهي عن التوحيد والصدق ~~والعدل. وحينئذ، فإن يكن هذا نقصا كان وجود الحكمة المطلوبة بفعله مما ~~يشاؤه، وما شاءه كان، ولا نقص فيه، فلا يجوز على قولهم أن يكون في شيء من ~~المرادات نقص، وهذا مراد فلا نقص فيه. # وقولهم: «من فعل شيئا1 كان ناقصا»، فله قضية كلية عامة، وعمومها حينئذ ~~ممنوع، وهو أولى من قول القائل: من أكرم أهل الجهل والظلم، وأهان أهل العلم ~~والعدل، كان سفيها. # وإذا كان هذا جائزا عليه عندهم، ولم يكن سفيها، وكانت هذه القضية الكلية ~~منتقضة به عندهم - فأن تكن تلك القضية الكلية منتقضة2 به بطريق الأولى ~~والأحرى. # الوجه التاسع: أنه لو سلم لهم أنه مستكمل بأمر حادث، لكان هذا من الحوادث ~~المرادات عندهم، وكل ما هو عندهم حادث، فلا يقبح3 عندهم ولا يمتنع عليه، ~~فكل شيء ممكن فلا ينزه عنه، والقبيح الممتنع عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل ~~تحت المقدور، وهذا يدخل تحت المقدور؛ فلا يكون قبيحا ممتنعا، وليس هو نقصا ~~من لوازم ذاته، بل هو من الأمور الحادثة، وتلك ليس فيها ما يمتنع عندهم. # فإن قالوا: هذا قائم بذاته، أو حكمته تعود إليه، فيمتنع. # قيل: إن كان بائنا عنه فهو كسائر المحدثات، وعندكم لا تعود حكم PageV01P415 ~~شيء منها إليه، ولا يقبح منه شيء من الأشياء. وإن كان قائما به لم يكن ذلك ~~إلا على قول من يجوز قيام الحوادث، وما ليس1 بقبيح لم ms203 يكن ممتنعا على أصلهم. # وجماع هذا وهذا، وهو الوجه العاشر: أنه ما من محذور يلزم بتجويز أن يفعل ~~لحكمة، إلا والمحاذير التي تلزم بكونه يفعل لا لحكمة أعظم وأعظم، وحينئذ ~~فإن كان هذا ممتنعا فالفعل لا لحكمة أعظم امتناعا، وإن كان غير ممتنع صح2 ~~الفعل لحكمة، مع أن الفعل لحكمة أولى من الفعل لا لحكمة، فعلم أن ما يستدل ~~به على امتناع فعله لحكمة فهو حجة باطلة، وأن الفعل لحكمة أولى بكونه صفة ~~كمال، وأصح في الأدلة العقلية والنقلية وأبعد عن التناقض سمعا وعقلا، هذا ~~لو كان الفعل لا [لحكمة] ممكنا3، فكيف إذا كان ممتنعا؟ ### || AUTO [الحجة الثانية]: # قال الرازي4: «الحجة الثانية: لو كانت موجديته5 معللة بعلة، لكانت تلك ~~العلة: إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الفعل، وهو محال. وإن كانت محدثة ~~افتقر كونه تعالى موجدا لتلك العلة إلى علة أخرى، ولزم6 التسلسل وهو محال، ~~وهذا هو المراد من قول مشايخ الأصول: [علة7] كل شيء صنعه، ولا علة لصنعه». ### || AUTO [الجواب عنها من وجوه]: # والجواب من وجوه: # أحدها: أن يقال: لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديم العين أو قديم ~~النوع، أو لا يمكن ذلك. PageV01P416 # فإن جاز أن يكون قديم العين أو قديم النوع، جاز في الحكمة التي يكون الفعل ~~لأجلها، أن تكون قديمة العين أو قديمة النوع، فإن من قال: إنه خالق مكون في ~~الأزل لما لم يكن بعد، وقال: قولي هذا كقول من قال: هو مريد في الأزل لما ~~لم يكن بعد، فقولي بقدم كونه فاعلا كقول هؤلاء بقدم كونه مريدا - فحينئذ ~~يمكنه أن يقول بقدم ما خلق لأجله وأراد لأجله. # وإذا قيل: هذا ممتنع، فالأول أيضا ممتنع، والمقصود إلزام هؤلاء الذين ~~يجوزون الشيء أو يوجبونه، ويحيلون ما هو مثله أو أولى منه بالجواز أو ~~الوجوب. # ومن قال من المتفلسفة: «إن فعله قديم لمفعول معين» يقول: إن الحكمة ~~قديمة، وإنه لم يزل يلتذ، ومن قال بدوام نوع الفعل، فقوله بدوام نوع الحكمة ~~واضح لا شبهة ms204 فيه. # وإن لم يمكن أن يكون الفعل لا قديم العين ولا قديم النوع؛ فيقال: إذا كان ~~فعله حادث العين والنوع كانت حكمته حادثة. # وقوله: «يفتقر كونه محدثا لتلك العلة إلى علة أخرى» 1. ممنوع؛ فإن هذا ~~إنما يلزم أن لو قال: كل حادث فلا بد له من علة. وهم لم يقولوا هذا، بل ~~قالوا: يفعل لحكمة وعلة. # ومعلوم أن المفعول لأجله هو مراد محبوب للفاعل، والمراد المحبوب إما أن ~~يكون محبوبا لنفسه، وإما أن يكون محبوبا لغيره، والمحبوب [لغيره2] إنما ~~يكون محبوبا لأن ذلك الغير محبوب، فلا بد أن ينتهي3 الأمر إلى محبوب لنفسه. # وحينئذ، فمعنى كونه يفعل لحكمة أنه يفعل مرادا لمراد آخر يحبه. PageV01P417 # فإذا كان الثاني محبوبا لنفسه لم يجب أن يكون الأول كذلك، ولا يجب في هذا ~~تسلسل، ولا يلزم إذا كان المراد الأول مرادا لغيره أن يكون الثاني مرادا لغيره. # وهذا لازم لهم؛ فإنهم قالوا: «الخلق هو المخلوق» وخالفوا بذلك صريح العقل ~~والسمع؛ لئلا يستلزم التسلسل، فمن قال: إنه يفعل مفعولا يريده لمفعول ثان ~~يريده لنفسه، كان أقرب إلى المعقول. # الجواب الثاني: أنه كما أنه خلق شيئا بسبب، وخلق السبب بسبب آخر، حتى ~~ينتهي إلى أسباب فوقها - فكذلك خلق لحكمة، والحكمة لحكمة، حتى ينتهي ذلك ~~إلى حكمة لا حكمة فوقها. # الجواب الثالث: أن هؤلاء يقولون: كل مخلوق فهو مراد لنفسه لا لغيره، ~~وحينئذ فلأن يجوز في بعض المخلوقات أن يكون مرادا لنفسه1 أولى وأحرى، ولا ~~يمتنع حينئذ أن يكون عند ذلك مرادا له. # الجواب الرابع: أن يقال: هب أن هذا الأمر يستلزم التسلسل، لكنه يستلزم ~~التسلسل في الحوادث المستقبلة؛ فإن الحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون ~~حاصلة بعده، فإذا كان بعدها حكمة أخرى لزم حوادث لا آخر لها في المستقبل، ~~وهذا جائز باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجماهيرها، ولم يخالف في ذلك إلا الجهم ~~وأبو الهذيل. # فإن قيل: فيلزم من ذلك أن لا تحصل الغاية المطلوبة أبدا. # قيل: بل لا تزال الحكمة المطلوبة تحصل دائما، فإن الواحد من ms205 الناس يفعل ~~الشيء لحكمة يحبها لنفسها يحصل بها محبوبه، ثم يفعل لحكمة يحبها يحصل بها ~~محبوبه. # فإذا قيل: «إنه سبحانه يفعل لحكمة يحبها يحصل بها محبوبه، ثم يفعل لحكمة ~~يحبها يحصل بها محبوبه». لم تزل محبوباته تحصل شيئا بعد شيء، وهذا هو ~~الكمال الذي يستحق أن يوصف به، فإنه لا يزال PageV01P418 ~~مراده الذي يحبه يحصل بفعله، وهو غني [عن1] كل ما سواه، ورحمته لعباده ~~وإحسانه إليهم هو مما يحبه، وهو سبحانه إذا أمر العباد2 ونهاهم، أمرهم بما ~~يحبه ويرضاه لهم، وهو يحبهم ويرضى عنهم إذا فعلوه؛ قال تعالى: {إن تكفروا ~~فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7] 3. # لكن فرق بين ما يريد هو أن يخلقه لما يحصل به من الحكمة التي يحبها، فهذا ~~يفعله سبحانه ولا بد من وجوده؛ فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وبين ما ~~يريد من العباد أن يفعلوه، ويحبه إذا فعلوه4، ويأمرهم به من غير مشيئة منه ~~أن يخلقه، فإن المشيئة متعلقة بفعله، والأمر متعلق بفعل عبده المأمور. ### || AUTO [الإرادة نوعان]: # والإرادة منه تارة تكون بمعنى المشيئة، وتارة تكون بمعنى المحبة؛ ففرق ~~بين ما يريد أن يخلقه، وبين ما أمر به، ولكن هو لا يريد أن يخلقه؛ فإن ~~الفرق بين ما يريد الفاعل أن يفعله، وبين ما يريد من المأمور أن يفعله فرق واضح. # وهو سبحانه له الخلق والأمر؛ فلما أمر عباده بالإيمان به وطاعته وطاعة ~~رسله أراد مع ذلك أن يعين طائفة على ذلك؛ فيخلق أفعالهم، ويجعلهم مطيعين ~~له، فصار مريدا للإيمان خلقا وأمرا، وهو سبحانه الذي جعلهم مسلمين. # كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} [البقرة: ~~128]. وقال الخليل أيضا: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} [إبراهيم: 40]. ~~وقال تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا PageV01P419 ~~وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} ~~[الأنبياء: 73]. # ولم يرد سبحانه أن يخلق ms206 فعل طائفة أخرى ويعينهم، فهؤلاء لم يؤمنوا، وإن ~~كان قد أمرهم بالإيمان، وأراد منهم أن يفعلوه إرادة شرعية، ولم يرد هو أن ~~يفعله، ويخلق ما يصيرون به مؤمنين1، لما له في إعانة هؤلاء وترك إعانة ~~هؤلاء من الحكمة، كما يؤتي قوما علما وقدرة، وآخرين لا يؤتيهم ذلك، ومثل ~~ذلك في التخصيصات الواقعة في ملكه كثير، يخص بعض عباده من النعم بما لم ~~يشركه فيه غيره. # قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7]. وقال تعالى: ~~{يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17]. # وقال تعالى: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم • يختص ~~برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [آل عمران: 73، 74]. وقال تعالى ~~أيضا: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم} [المائدة: 54]. وقالت الرسل لقومهم: {إن نحن إلا بشر ~~مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان ~~إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [إبراهيم: 11]. # وهو سبحانه إذا خلق شيئا، فلا بد من وجود لوازمه، ولا بد من عدم أضداده، ~~وهو على كل شيء قدير، والممتنع بذاته ليس بشيء باتفاق العقلاء، ولا يتصور ~~العقل وجوده في الخارج، ومن ذلك الجمع بين الضدين. # وهو سبحانه يعلم من لوازم فعله وعاقبته الحميدة ما لا يعلمه غيره؛ PageV01P420 ~~ولهذا لما قال تعالى للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون • وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صادقين • قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم • قال يا آدم ms207 أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم ~~أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} ~~[البقرة: 30 - 33]. # وكذلك في أمره؛ قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون} [البقرة: 216]. # فعدم علم الناس بما له سبحانه من الحكمة في خلقه وأمره، لا يستلزم عدم ~~ثبوتها في نفس الأمر؛ فإن عدم العلم ليس علما بالعدم، ومن المعلوم أن أكثر ~~الناس لا يعرفون ما لصناعهم وعلمائهم وأمرائهم وشيوخهم ومصنفي الكتب من ~~الحكمة، وإذا اعترضوا عليهم ضرب لهم المثل المذكور في كتاب «كليلة ودمنة» ~~في القرد والمنشار1، فكيف PageV01P421 ~~بحكمة أحكم الحاكمين ورب العالمين سبحانه وتعالى؟! ### || AUTO [الحجة الثالثة]: # قال الرازي1: «الحجة الثالثة: أن جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: ~~تحصيل اللذة والسرور، ودفع الألم والحزن، والله تعالى قادر على تحصيل ~~[هذين2] المطلوبين ابتداء من غير شيء من الوسائط، ومن3 كان قادرا على تحصيل ~~المطلوب ابتداء بدون الوسائط4، ولم يصر تحصيل ذلك المطلوب بتلك الوسائط ~~أسهل عليه من تحصيله ابتداء - كان التوسل إلى تحصيل ذلك المطلوب بتلك ~~الوسائط4 عبثا، وذلك على الله5 محال، فثبت أنه لا يمكن تعليل أحكامه ~~وأفعاله6 بشيء من العلل والأغراض». ### || AUTO [الجواب عنها من وجوه]: # والجواب من وجوه: # أحدها: أنه يقال: لا ريب أن الله على كل شيء قدير، لكن لا يلزم إذا كان ~~الشيء مقدورا ممكنا أن تكون الحكمة المطلوبة بوجوده تحصل مع عدمه، أو ~~الحكمة المطلوبة مع عدمه تحصل مع وجوده؛ فإن وجود الملزوم بدون لازمه ~~ممتنع، والجمع بين الضدين ممتنع؛ فيمتنع. # ولهذا بين سبحانه قدرته على أشياء لم يفعلها، وبين حكمته في ترك فعلها؛ ~~كقوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله ~~لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم ms208 • سيهديهم ويصلح بالهم • ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 4 - 6]. PageV01P422 # الوجه الثاني: أن يقال: دعوى «أحد الوجودين لا يكون شرطا أو سببا لوجود ~~الآخر»؛ دعوى عرية عن الحجة، وقد قال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ~~وهو أهون عليه} [الروم: 27]. وقال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من ~~خلق الناس} [غافر: 57]. فبين سبحانه أن خلق بعض الأشياء أكبر من خلق بعض، ~~فكيف يقال: إن خلق جميع المخلوقات سواء! # الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان في خلق الوسائل حكمة أخرى تحصل بخلقها، ~~وفي ذلك مصلحة ومنفعة لتلك الوسائط، لم تكن الحكمة الحاصلة بوجودها مثل ~~الحاصلة بعدمها؛ كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض الناس في التجارات، فاقتضى ~~ذلك أن يجلبوا البضائع إلى من يحتاج إليها، فينتفع هؤلاء بالبضائع وهؤلاء ~~بالثمن، لم تكن هذه الحكمة حاصلة، أو حصل لأولئك مطلوبهم من الربح، بدون ~~التجارة. # فإن قيل: فيمكن تحصيل مقصود أولئك بدون تجارة هؤلاء. # قيل: في ذلك تفويت مصالح الآخرين. # والمقصود الكلام الكلي العام، ليس المقصود بيان حكمة كل ما خلق؛ فإن هذا ~~لا يمكننا أن نعرفه، بل نعرف حكمته من حيث الجملة، وقد نعرف بعض حكمته. # والمقصود أنه إذا جوز العقل أن يكون له في الوسائل حكمة لا تحصل إلا بها، ~~بطل قطع من قطع بأنه لا حكمة له في خلقها. # الوجه الرابع: قوله: «كان ذلك عبثا، وهو على الله محال». يقال له: إن كان ~~العبث عليه محالا لزم أنه لا يفعل ولا يحكم إلا لحكمة. وحينئذ، فتبطل الحجة ~~النافية لذلك، وإن لم يكن العبث عليه محالا بطلت هذه الحجة؛ فيلزم بطلانها ~~على التقديرين. # الوجه الخامس: أنه يقال: لم لا يجوز أن يفعل أشياء لحكمة، PageV01P423 ~~فتكون معللة، وأشياء غير معللة، وعلى هذا التقدير، فتكون هذه الوسائط غير ~~معللة. ولا يمكنك مع هذا أن تقول: «لا يجوز تعليل شيء من أفعاله وأحكامه». ~~ولكن تقول: «لا يجب أن يكون كل شيء لعلة». وأنت نفيت جواز التعليل لا ~~وجوبه، وصار هذا بمنزلة ما يقوله بعض الفقهاء: ms209 إن من الأحكام ما له علة، ~~ومنها ما هو تعبد لا علة له. # وهذا الجواب يبطل قوله، وإن كنا لا نقول به، بل نقول: جميع أفعاله ~~وأحكامه لها علة، سواء علمناها أو لم نعلمها. ### || AUTO [الحجة الرابعة]: # قال الرازي1: «الحجة الرابعة: أنه لو وجب أن يكون خلقه وحكمه معللا بغرض ~~لكان خلق الله2 العالم في وقت معين دون ما قبله وما بعده معللا برعاية غرض ~~ومصلحة3، ثم ذلك الغرض و[تلك4] المصلحة إما أن يقال: إنه كان حاصلا قبل ذلك ~~الوقت، أو ما كان حاصلا قبله. # فإن كان حاصلا قبله كان ما لأجله أوجد الله5 العالم في ذلك الوقت حاصلا ~~قبل أن أوجده، فيلزم أن يقال: إنه كان موجدا له قبل أن لم يكن موجدا له6، ~~وذلك محال. # وإن7 قلنا بأن ذلك الغرض وتلك المصلحة ما كان حاصلا قبل ذلك الوقت، وإنما ~~حدث في ذلك الوقت، فنقول: حصول ذلك الغرض في ذلك الوقت إما أن يكون مفتقرا8 ~~إلى المحدث، أو لا يفتقر. # فإن لم يفتقر، فقد حدث الشيء لا عن موجد محدث، وهو محال و[إن9] افتقر إلى ~~المحدث: فإن افتقر تخصيص إحداث ذلك الغرض PageV01P424 ~~بذلك الوقت إلى غرض آخر عاد التقسيم الأول فيه، ولزم التسلسل. وإن لم يفتقر ~~البتة إلى رعاية غرض آخر، فحينئذ تكون موجودية الله1 وخالقيته غنية عن ~~التعليل بالأغراض والمصالح، وهذا هو المطلوب». # قال2: «واعلم أن هذه الحجة التي ذكرناها في اختصاص حدوث العالم بذلك ~~الوقت [المعين3] عائدة في اختصاص كل واحد4 من الحوادث بوقته5 المعين». ### || AUTO [الجواب عنها من وجوه]: # والجواب6 أن يقال: هذه الحجة مذكورة في ضمن الحجة الثانية، والجواب عنها ~~من وجوه: # أحدها: أن هذا إنما يستلزم التسلسل في الحوادث المستقبلة، وذلك جائز. # الثاني: أن هذا غايته أن يكون من الحوادث ما يراد لنفسه، ومنها ما يراد ~~لغيره، وأن الحكمة المطلوبة لنفسها لا تفتقر إلى حكمة أخرى تراد لأجلها، ~~وهذا إذا سلم لم يمنع أن يكون ما سوى هذه الحكمة مرادا لأجلها. # الثالث: أن كون ms210 أفعاله مستغنية عن العلة غير كون تعليلها جائزا. وهذه ~~الحجة إنما تدل على عدم وجود التعليل، لا على عدم جواز التعليل، وإنما تدل ~~على عدم تعليل بعض الحوادث، لا على تعليل أكثرها. ### || AUTO [الحجة الخامسة]: # قال الرازي7: «الحجة الخامسة: قد بينا في مسألة «خلق PageV01P425 ~~الأفعال» أنه لا موجد إلا الله تعالى، وإذا كان كذلك كان الخير والشر، ~~والكفر والإيمان، حاصلا بإيجاده وخلقه1 وتكوينه، وإذا كان الأمر كذلك امتنع ~~توقف2 كونه3 خالقا وموجدا على رعاية المصالح والأغراض». ### || AUTO [الجواب عنها]: # والجواب: أن هذا التلازم ممنوع، بل الذي عليه جمهور المسلمين أن لله ~~تعالى في كل ما يخلقه حكمة، وأن ما خلقه مما هو شر في حق بعض الناس: ففي ~~خلقه حكمة للرب تعالى، باعتبارها كان خلقه مما يحمد الرب تعالى عليه، فله ~~الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء بعد ذلك، فكل ما خلقه ~~فهو محمود على خلقه، وخلقه حسن، وله في ذلك حكمة؛ قال تعالى: {صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88]. وقال تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه} ~~[السجدة: 7]. ### || AUTO [الشر في خلق الله يذكر في القرآن على ثلاثة وجوه]: # ولهذا لم يكن4 الشر مضافا إلى الله تعالى في القرآن مع كونه شرا، ولا ~~يذكر إلا على أحد وجوه ثلاثة: إما أن يدخل في العموم؛ كقوله تعالى: {الله ~~خالق كل شيء} [الزمر: 62]، أو يذكر مضافا إلى السبب؛ كقوله: {من شر ما خلق} ~~[الفلق: 2]، أو يحذف فاعله؛ كقول الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في ~~الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن: 10]. # ومنه قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} [الفاتحة: 7]. فذكر النعمة مضافة إليه، وأخبر أنهم هم الضالون5، ~~وحذف فاعل الغضب. # ولما كان لله تعالى الأسماء الحسنى كانت أسماؤه متضمنة لحكمته PageV01P426 ~~ورحمته وعدله، ولم يكن له سبحانه اسم يذكر وحده يتضمن1؛ قال تعالى: {اعلموا ~~أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: 98]. وقال تعالى: {إن ~~ربك سريع العقاب وإنه لغفور ms211 رحيم} [الأنعام: 165]. وقال تعالى: {نبئ عبادي ~~أني أنا الغفور الرحيم • وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر: 49، 50]. ~~فوصف نفسه سبحانه بأنه هو الغفور الرحيم، وأخبر أن عذابه2 شديد وسريع، وأن ~~عذابه أليم. فجعل ما هو شر لبعض العباد هو من أفعاله، لم يجعله من أسمائه؛ ~~كما في قوله تعالى: {أني أنا الغفور الرحيم}. لم يقل: وإني أنا المعاقب ~~المعذب. # وجاء في القرآن العزيز معنى «الانتقام» في قوله: {إنا من المجرمين ~~منتقمون} [السجدة: 22]. وفي قوله: {والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4]. ~~ولم يقل: إني أنا المنتقم. # ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عد «المنتقم» من أسمائه ~~الحسنى، بل الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعيين التسعة وتسعين ~~اسما - حديثان ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث: أجودهما الذي رواه الترمذي ~~من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد3، وهذا فيه ذكر ~~«المنتقم»، وأهل العلم بالحديث يعلمون أن هذا مما أخذه عن بعض أهل الشام، ~~ليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث الثاني رواه ابن ماجه، ~~وهو أيضا ضعيف عند أهل العلم، أضعف من الأول4. PageV01P427 # ولم يجئ في أسمائه ذكر «الضار، والمانع، والمذل» إلا مقرونا؛ فيقال: الضار ~~النافع، المعطي المانع، المعز المذل. فإن الجمع بينهما يبين عموم القدرة ~~والخلق. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما ~~أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم [يغض1] ما في يمينه، والقسط بيده ~~الأخرى يخفض ويرفع» 2. PageV01P428 # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن فعل الرب تعالى فضل وعدل؛ ولهذا قال العلماء: ~~«كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل». وهو سبحانه لا يسأل عما يفعل؛ لكمال ~~علمه وحكمته ورحمته وعدله، لا لمجرد قهره ومشيئته وقدرته. # وفي الحديث الصحيح الإلهي: (يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم ~~أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ms212 ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه) 1. وفي الحديث الصحيح، حديث الاستفتاح: (لبيك وسعديك، والخير كله ~~بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك) 2. PageV01P429 # وما ذكر1 من خلق كفر الكافر وعقوبته على ذلك، إذا سلم انتفاء المصلحة في ~~ذلك، فإنما يدل على عدم رعاية مصلحة هذا المعين، وهو حجة على المعتزلة؛ ~~الذين يقولون: «يجب رعاية الصلاح أو الأصلح في حق كل معين». بحسب ما يظنونه ~~هم، ويقيسونه فيه على خلقه. # وقول المعتزلة باطل عند سلف الأمة وأئمتها وجمهورها، كما أن قول الجهمية ~~أيضا باطل عند هؤلاء، فلا يلزم من بطلان أحد القولين صحة الآخر، ولا يدل ~~هذا على انتفاء الحكمة مطلقا، ولا على انتفاء رعاية الصلاح لجملة العالم. # وهذا كما أن الشريعة متضمنة لصلاح العباد في المعاش والمعاد؛ كما قال ~~تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]. وهذا معلوم ~~بالاضطرار بعد تتبع كليات الشريعة، وسواء قيل: إن فعله وحكمه يعلل، أو لا ~~يعلل؛ فإن من نفى التعليل يقول: إن المصالح اقترنت بالفعل المأمور به، وكان ~~ذلك علامة ودلالة، وإن لم يقل: إن شرع الفعل لتلك المصلحة. # ومع هذا فمعلوم أن اعتبار الشارع المصالح العامة الكلية لا يوجب حصول هذا ~~في كل معين؛ فقطع يد السارق، وإن كان شرا بالنسبة إليه إذا لم يتب، فهو ~~مصلحة لعموم الخلق، وكذلك سائر العقوبات الشرعية، وكذلك الجهاد، وإن كان ~~فيه قتل نفوس، وأخذ أموالهم، وسبي حريمهم - فمصالحه غامرة لهذه المفسدة ~~القليلة. # ولهذا كان مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد ~~وتقليلها، والشارع يحصل خير الخيرين في الحصول، وشر الشرين في الدفع؛ وقد ~~يلتزم تفويت خير قليل لتحصيل خير كثير، أو دفع شر: دفعه أنفع من ذلك الخير ~~القليل. أو يلتزم تحصيل شر قليل لتفويت شر كثير، أو لتحصيل خير هو أنفع من ~~دفع ذلك الشر القليل. PageV01P430 # وإذا كان هذا موجودا في أحكامه الأمرية فكذلك1 هو في أحكامه الخلقية، وهو ~~سبحانه له الخلق والأمر، سبحانه وتعالى عما يشركون. # وهذه الطريقة طريقة عامة أهل الفقه والحديث ms213 والتصوف وكثير من أهل الكلام ~~كالكرامية2 وغيرهم. # والرازي إنما يذكر قول الجهمية وقول القدرية، وقد يذكر أحيانا قول ~~الفلاسفة، وإن كانوا في هذا الموضع يقاربون طريقة أهل الحديث والفقه ~~والكلام الذين يقولون بذلك، ويقولون بنحو من قولهم في أن تفويت الخير ~~الكثير لأجل الشر القليل شر كثير؛ كما يذكر في إنزال المطر وقت الحاجة، ~~فإنه حكمة ورحمة عامة، وإن كان فيه ضرر لبعض الناس، وهذا وافق فيه هؤلاء ~~المتفلسفة لمن قاله من نظار المسلمين. # لكن هؤلاء المتفلسفة متناقضون؛ فإنهم يثبتون غاية وحكمة غائية، ولا ~~يثبتون إرادة، والجهمية تثبت أنه سبحانه مريد، ولا تثبت له حكمة فعل ~~لأجلها، وكل من القولين متناقض. # ثم المتفلسفة نفاة الصفات يجعلون عنايته هي إرادته، وإرادته3 هي علمه، ثم ~~يقولون: «العلم هو العالم أو المعلوم»، فهم متناقضون في إثبات الصفات. # بخلاف أئمة المسلمين، فإنهم لا تناقض في أقوالهم التي اتبعوا فيها الرسول ~~صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك جاء من عند الله، وما جاء من عند الله لا ~~اختلاف فيه، وإنما الاختلاف فيما جاء من عند غيره؛ قال تعالى: {أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ~~[النساء: 82]. # ولهذا كل طائفة كانت إلى النبوات أقرب كانت أقل اختلافا، وكلما PageV01P431 ~~كثر بعدها كثر اختلافها؛ فالمتفلسفة لما كانوا أبعد من الكلام1 عن النبوات ~~كانوا أكثر اختلافا، فإن لهم من الاختلاف في الطبيعيات والرياضيات ما لا ~~يكاد يحصيه إلا الله، وأما اختلافهم في الإلهيات فأعظم. # والشيعة لما كانوا من أجهل الطوائف المنسوبين إلى الملة2، كانوا أكثر ~~اختلافا من جميع الطوائف، ثم المعتزلة أكثر اختلافا من المثبتة للصفات ~~والقدر، ثم المثبتة المتكلمون فيهم من الاختلاف ما لا يوجد في أهل العلم ~~بالسنة المحضة والحديث وأقوال السلف. # فإن هؤلاء أبعد الطوائف عن الاختلاف في أصولهم؛ لأنهم أكثر اعتصاما ~~بالكتاب والسنة من غيرهم، وبطريقتهم تنحل الإشكالات الواردة على طريقة ~~غيرهم، كما نبهنا عليه في غير مسألة من المسائل الكبار، منها مسألة «القادر ~~المختار» 3. # وهكذا سائر المطالب الإلهية، ms214 من عرف ما قاله النظار فيها من أهل الكلام ~~والفلسفة وغيرهم، وما جاء به القرآن في ذلك - تبين له من فضل طريقة القرآن ~~وسلامتها عن التناقض والفساد ما لا يقدر قدره إلا رب العباد. # ومعلوم أن الصفات نوعان: إثبات ونفي؛ فصفات الإثبات كالحياة والعلم ~~والقدرة، والنفي تنزيه الرب تعالى عن الشركاء والأولاد وسائر النقائص. ### || AUTO [طريقة القرآن في صفات الله تعالى إثبات الكمال لله على وجه ~~التفصيل، ونفي النقص والمثل]: # وطريقة القرآن في ذلك إثبات صفات الكمال لله تعالى على وجه التفصيل، مع ~~تنزيهه عن التمثيل. والتنزيه يجمعه نوعان: PageV01P432 # أحدهما: أنه منزه عن النقائص مطلقا، ونفس ثبوت الكمال له ينافي النقص. # الثاني: أنه منزه عن أن يكون [له1] مثل في شيء من صفات الكمال. # ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله تعالى بما وصف [به ~~نفسه2] وبما وصفه به رسوله: من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا ~~تعطيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. كما قال تعالى: {ليس كمثله ~~شيء}. وهذا إبطال للتمثيل، ثم قال: {وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. وهذا ~~إبطال للتعطيل. # وقال تعالى: {قل هو الله أحد • الله الصمد • لم يلد ولم يولد • ولم يكن ~~له كفوا أحد}. وقد بينا تفسير3 هذه السورة، وفي تحقيق أنها تعدل ثلث القرآن ~~- أنها تجمع ما يستحقه الله تعالى من صفات النفي والإثبات، وأن اسم «الصمد» ~~يتناول ما ذكره الوالبي عن ابن عباس أنه العليم الكامل في علمه، القدير ~~الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته، الرحيم الكامل في رحمته4. PageV01P433 # واسم «الأحد» ينفي أن يكون له مثل، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # والرسل صلوات الله عليهم وسلامه جاؤوا بإثبات مفصل ونفي مجمل؛ فأثبتوا أن ~~الله سبحانه حي، عليم، قدير، سميع، بصير، رؤوف، رحيم، إلى سائر ما ذكره ~~الرب من أسمائه وصفاته. # وفي النفي: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، {هل تعلم له سميا} [مريم: 65]، ~~{فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74]، {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: ~~22]، {لم يلد ولم يولد • ولم ms215 يكن له كفوا أحد} [الصمد: 3، 4]، {ولم يتخذ ~~ولدا ولم يكن له شريك في الملك} [الفرقان: 2]. ونحو ذلك. ### || AUTO [تضمن النفي إثبات الكمال]: # والنفي إنما يدل على عدم المنفي، والعدم المحض ليس بشيء أصلا، فضلا عن أن ~~يكون كمالا، وإنما يكون كمالا إذا استلزم أمرا وجوديا. # فلهذا لم يصف الرب تعالى نفسه بشيء من النفي إلا إذا تضمن PageV01P434 ### || AUTO [بيان ذلك في آية الكرسي]: # ثبوتا؛ كقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا ~~نوم} [البقرة: 255]؛ فقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم}. يتضمن كمال حياته ~~وقيوميته، فإن النوم أخو الموت، ومن تأخذه السنة والنوم لا يكون قيوما ~~قائما بنفسه، مقيما لغيره؛ فإن السنة والنوم يناقض ذلك. # ثم قال تعالى: {له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه}. فنفي شفاعة أحد عنده إلا بإذنه يتضمن كمال كونه له ما في السماوات ~~وما في الأرض، ليس له في ذلك شريك ولا ظهير، فإن الشافع إذا شفع عند غيره ~~بغير إذنه كان شريكا له فيما شفع فيه، وكان متصرفا فيه إذ جعله فاعلا بعد ~~أن لم يكن، فكان في نفي هذه الشفاعة قد بين [أنه1] لا شريك له بوجه من ~~الوجوه، وأنه الصمد الذي يحتاج إليه كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء، ولا يؤثر ~~فيه غيره. # وإذا ألهم العباد الدعاء وأجابهم، وألهمهم العمل وأثابهم: فالجميع منه، ~~هو الذي خلق الأسباب والمسببات، لم يكن ما سواه مؤثرا فيه، بل هو الجاعل ~~لبعض الأمور سببا لبعض. # ومن شفع عنده بغير إذنه الشرعي، فهو وإن كان سبحانه خالقا لفعله، فإن شاء ~~قبل شفاعته، وإن شاء لم يقبل، بخلاف من أذن له أن يشفع؛ كما يأذن لنبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أن يشفع في الناس. # والمشركون بالمخلوقات، الذين يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ~~ويقولون: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] من المشركين بالملائكة ~~والأنبياء والشيوخ الصالحين وغيرهم - يظن أحدهم أن الذي اتخذه ms216 شفيعا له2 ~~عند الله تعالى، أنه يشفع له بدون [إذن3] الله الشرعي، وأن الله يقبل ~~شفاعته لوجاهته عنده، كما يقبل الإنسان شفاعة PageV01P435 ~~من يكرم عليه، وأن يشفع عنده بدون إذنه. فأبطل الله تعالى هذه الشفاعة التي ~~أثبتها المشركون، فقال تعالى في كتابه: {وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26]. # ولهذا أعظم الخلق جاها عند الله، وأكملهم شفاعة، محمد صلى الله عليه وسلم ~~تسليما وعلى آله، لا يشفع يوم القيامة إلا بإذن الله له في الشفاعة، كما ~~نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة؛ فقال في الحديث الصحيح: (لا ألفين أحدكم يأتي ~~يوم القيامة، على رقبته [بعير1] له رغاء، أو شاة لها ثغاء2، فيقول: يا رسول ~~الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك) 3. وقال في ~~الحديث الصحيح: (يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا ~~عباس عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله، لا ~~أغني عنك من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم) 4. # وفي الحديث الصحيح أنه قال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يوم ~~القيامة؟ فقال: (من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه) 5. فإن أحق الناس ~~بشفاعته من كان أكملهم إخلاصا، فإن من PageV01P436 ~~كان إخلاصه أكمل كان أقرب إلى رحمة الله، فيأذن في الشفاعة له. # ثم قال تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء} [البقرة: 255]. وهذا النفي يتضمن كمال علمه؛ فإنه سبحانه إذا ~~كان عالما بما بين أيديهم وما خلفهم، وعلموا هم ما علمه بلا مشيئته1 كانوا ~~نظراء له في العلم، فلما قال: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}، ~~وعلمه محيط بكل شيء؛ بين أنه لا علم لأحد إلا ما علمه إياه، فهو الذي خلق، ~~خلق الإنسان من علق، وهو الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وهو ~~الذي خلق فسوى، ms217 والذي قدر فهدى، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. # ثم قال تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي ~~العظيم} [البقرة: 255] أي: لا يكرثه2 ولا يثقله3، وهذا بيان لكمال قدرته؛ ~~فإن الحافظ للشيء قد يحفظه بكلفة ومشقة، فإذا كان لا يكرثه حفظهما، كان ذلك ~~بيانا لكمال قدرته، وأنها في الغاية التي لا يلحقها نقص أصلا. ### || AUTO [أمثلة أخرى]: # ونظير هذا قوله تعالى: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب} [ق: 38] 4. وقوله تعالى: {لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض} [سبأ: 3] 5. # وقوله6 تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103]. فإن الإدراك - في ~~القول المأثور عن ابن عباس وغيره من السلف، وهو قول أكثر PageV01P437 ~~العلماء - هو1 الإحاطة. ومن قال: «هو مجرد الرؤية» 2 غلط؛ فإن نفي مجرد ~~الرؤية لا يتضمن مدحا ولا كمالا، فإن المعدوم لا يرى، وما يوصف به المعدوم ~~لا يكون كمالا ولا مدحا، بخلاف ما إذا قيل: لا تدركه الأبصار، فإنه يدل على ~~أنه يرى ولا يحاط به رؤية، كما أنه يعلم ولا يحاط به علما، وهذا يتضمن من ~~المدح ما سبب ذكر الله تعالى له في سياق مدحه لنفسه سبحانه وتعالى. ### || AUTO [طريقة العادلين عن الكتاب والسنة في صفات الله]: # وأما من عدل عن طريقة الكتاب والسنة من أهل الكلام المحدث، فإنهم لا ~~يذكرون في تنزيهه عن النقائص قولا مطردا مستقيما، بل أقوالهم متناقضة؛ ~~فإنهم يذكرون في النفي أنه ليس بجوهر، ولا جسم، ولا متحيز، ونحو ذلك من ~~العبارات. ثم ما ينفونه من الصفات يقولون: «لأن هذا يستلزم أن يكون جوهرا ~~أو جسما أو عرضا3، وهذا محال». ثم هم يثبتون من الصفات ما يلزم فيه نظير ما ~~يلزم فيما نفوه، وإذا لزمهم فيما أثبتوه نظير ما يلزم فيما نفوه لزمهم: إما ~~النفي المطلق وهو التعطيل المحض، وإما أن يكون ما ذكروه4 من الدليل على ما ~~نفوه باطلا. ### || AUTO [مناقشتهم]: # مثال ذلك، أن يقال لمن وصفه بالإرادة. وقال: ms218 لا أصفه بالمحبة والرحمة ~~والرضا والغضب، إلا إذا تأولت ذلك بالإرادة. قال: لأن هذه الصفات تستلزم ~~التجسيم؛ لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، والرحمة رقة تلحق ~~الراحم، والرقة من صفات الأجسام، ونحو ذلك. PageV01P438 # قيل له: وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها، ودفع ما يضرها. ~~والله منزه عن ذلك. # فإن قال: هذه إرادة الإنسان، وإرادة الخالق سبحانه بخلاف ذلك. # قيل له: وكذلك ما ذكرته في الغضب والرحمة ونحو ذلك، إنما هو في غضب العبد ~~ورحمته ونحو ذلك، وغضب الله ورحمته بخلاف ذلك. # فإذا قال: أنا لا أعقل الرحمة والغضب إلا ما يوجد في الشاهد، واللفظ لا ~~تدل حقيقته إلا على ما يتصف به الشاهد. # قيل له: وكذلك في الإرادة، بل وفي السمع، والبصر، والكلام، والعلم، ~~والقدرة، والحياة، لا يعقل في ذلك إلا ما هو موجود في الشاهد، واللفظ لا ~~يدل على حقيقة إلا على ما يتصف به الشاهد، فما ادعيته في نفي ذلك من قياس ~~وتأويل يلزمك ذلك في نظيره في ذلك. # فإذا قال: أنا لا ألتزم مذهب الصفاتية، بل أقول بقول نفاة الصفات؛ فأثبت ~~الأسماء وأنفي الصفات؛ وأقول: هو حي عليم قدير، من غير أن يكون له حياة ~~وعلم وقدرة، ولا أثبت له إرادة تقوم به، ولا كلاما يقوم به. # قيل له: هذا المذهب، تصوره التام يكفي في العلم بفساده؛ فإن إثبات حي لا ~~حياة له، وعالم لا علم له، وقادر لا قدرة له، كإثبات مريد لا إرادة له، ~~ومتكلم لا كلام له، ومتحرك لا حركة له، وأنواع ذلك. بل وإثبات متكلم ومريد ~~لم يقم به كلام ولا إرادة، كإثبات متحرك ومصل وطائف لم تقم به حركة ولا ~~صلاة ولا طواف. # وإن قال: هذا يلزمكم نظيره في كونه خالقا وعادلا. # قيل: مذهب سلف الأمة وأئمة السنة وجمهور المسلمين: أن الله تقوم به ~~الصفات الفعلية، وأن الخلق ليس هو نفس المخلوق. ولهذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك PageV01P439 ~~من ms219 عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) 1. ~~كما كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق) 2. وهذا مما استدل ~~به أئمة السنة كأحمد بن حنبل وغيره3 على أن كلام الله غير مخلوق، وقالوا: ~~إنه لا يستعاذ بمخلوق. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أن المعتزلي إذا التزم نفي الصفات، وقال: إن إثباتها PageV01P440 ~~تشبيه وتجسيم؛ لأن الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بمتحيز1، والمعقول في ~~قيام الصفة بالموصوف كونها بحيث هو2. # قيل له: فيلزمك هذا فيما أثبته من الأسماء والأحكام التي تخبر بها عنه؛ ~~فإنك تقول: «إنه عالم قادر حي»، بل البصريون يقولون: «إنه سميع بصير» ~~والإدراك عندهم أمر زائد على كونه عالما. فيقال: لا يعقل حي عالم قادر في ~~الشاهد إلا جسم، كما لا يعقل حياة وعلم وقدرة إلا أعراض تقوم بجسم. # فالقول في الأسماء كالقول في الصفات، فدعوى المدعي أن أحدهما يستلزم ~~التجسيم دون الآخر تحكم، وتفريق بين المتماثلين، فإن أمكن إثبات أحدهما ~~بدون اللوازم الباطلة فكذلك الآخر، وإن امتنع في أحدهما امتنع في الآخر. # فإن قال الجهمي المحض، والنافي الملحد: أنا أنفي الأسماء أيضا كلها، فلا ~~أثبتها حقيقة ولا مجازا؛ لئلا يلزم التشبيه والتجسيم، فإنني لا أعرف مسمى ~~بهذه السماء إلا جسما. # قيل له: فيلزمك نفي الذات؛ فإنك أيضا لا تعرف موجودا قائما بنفسه إلا ~~جسما، ولا قائما3 بغيره إلا عرضا، وإلا فالقول في هذا كالقول في هذا. # فإن طرد قياسه الفاسد، والتزم التعطيل المحض، وجحد الصانع، كما أظهر ذلك ~~فرعون - قيل له: من المعلوم بضرورة العقل أن الوجود إما قديم وإما حادث، ~~وإما4 واجب بنفسه وإما ممكن، وإما مخلوق وإما غير مخلوق، وإما غني وإما ~~فقير؛ والحوادث مشهودة؛ وكل PageV01P441 ~~حادث فهو ممكن، فقير، مخلوق. والمحدث يستلزم محدثا، والممكن يستلزم واجبا، ~~والفقير يستلزم غنيا، والمخلوق يستلزم خالقا. فقد علم بالاضطرار أن في ~~الوجود ما هو قديم واجب بنفسه غني خالق، وما هو حادث ممكن فقير مخلوق. # ومعلوم بالاضطرار ms220 أنهما، وإن اتفقا في مسمى «الوجود» ولوازمه، فإنهما ~~مختلفان من وجوه أخرى، وأن حقيقة أحدهما مخالفة لحقيقة الآخر؛ إذ لو ~~تماثلت1 الحقيقتان لاشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع، وكان يلزم الجمع بين ~~النقيضين؛ فيكون قديما ليس بقديم، واجبا ليس بواجب، محدثا ليس بمحدث، غنيا ~~ليس بغني، فقيرا ليس بفقير. # فإن قيل: إنه يلزم من إثبات الأسماء والصفات التشبيه الباطل - الذي هو ~~التجسيم - لزم من إثبات الذات التشبيه الباطل وهو التجسيم. وإن لم يلزم من ~~هذا باطل، لم يلزم من هذا باطل. # ولما كان الرد بهذه الطريقة باطلا متناقضا لم يجئ الكتاب والسنة بهذه ~~الطريقة، ولا سلكها السلف والأئمة، ولا أبطل الله ما افترته اليهود، بهذه ~~الطريقة، وقد ذكر الله قولهم: إن الله فقير، وإن الله بخيل2. # وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وغيره: أن ~~اليهود كانوا إذا ذكروا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من الصفات PageV01P442 ~~المأثورة عن الأنبياء يقرها ويضحك تعجبا وتصديقا لما أخبرت به الرسل قبله1. # وإنما أنكر عليهم ما وصفوه سبحانه به من النقائص: كالفقر والبخل والعجز. # فالذين سلكوا فيما يجب لله، وفيما يمتنع عليه، وما يجوز له - هذه الطريقة ~~المحدثة متناقضون، لا يطرد لهم قول، ولا ينفون شيئا بهذه الطريق إلا لزمهم ~~فيما أثبتوه نظير ما ألزموه غيرهم فيما نفوه. فإن كان انتفاء ذلك اللازم ~~يدل على فساد قوله دل على فساد قولهم، وإن لم يدل على فساد قولهم لم يدل ~~على قوله، وهذا بين لمن تدبره، وهو مبسوط في مواضع أخر. # ولكن نبهنا على أن الطريقة التي جاء بها القرآن العزيز في النفي والإثبات ~~هي الحق الذي لا اختلاف [فيه2]، وما كان من عند غير الله هو كما قال تعالى: ~~{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82]. وقال ~~تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم • والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم PageV01P443 ~~كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ms221 بالهم • ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن ~~الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} [محمد: 1 - 3]. ### || AUTO [قدح الرازي في حجة المعتزلة على القول برعاية الحكمة، والرد عليه]: # ثم ذكر الرازي حجة من يقول برعاية الحكمة، وذكر قدحه فيها، ونحن نذكر ذلك ~~ونبين أنه ليس بقادح، وإنما ذكر حجة المعتزلة، وأما حجج أهل السنة فكثيرة، ~~لكن نذكر ما ذكره. # قال1: «واحتج الخصم على مذهبه بأنه تعالى عالم بقبح القبائح، وعالم بكونه ~~غنيا2 عنها3، وكل من كان كذلك امتنع أن يكون فاعلا4 للقبيح. # أما المقدمة الأولى: وهي قولنا5: إنه تعالى6 عالم بقبح القبائح، وعالم ~~بكونه غنيا عنها7. فهذه المقدمة مبنية على ثلاث مقدمات: # أحدها8: أن القبائح إنما تقبح لوجوه عائدة إليها. # وثانيها: أنه تعالى منزه عن جميع الحاجات. # وثالثها: أنه9 عالم بجميع المعلومات. # وإذا10 ثبتت هذه المقدمات الثلاث ظهر أنه تعالى غني عن فعل كل القبائح، ~~وأنه تعالى عالم بكونه غنيا عنها. # وأما المقدمة الثانية: وهو12 أن كل من كان غنيا عن القبائح، وكان عالما ~~بكونه غنيا عنها، فإنه يستحيل أن يفعل القبيح. وقد ذكر الرازي PageV01P444 ~~في تقريرها طريقين1: # الأول2: أنها بديهة العقل، فعلم3 أن جهة القبح جهة صرف عن الفعل، لا جهة ~~دعاء إليه. فإذا حصل العلم بكونه قبيحا، ولم يصر هذا4 الصارف معارضا بداعية ~~الشهوة والحاجة، بقي الصارف خالصا5 عن معارضة الداعي؛ فوجب أن يمتنع الفعل. # الطريق الثاني: وهو أنا نثبت هذه المقدمة في الشاهد، ثم نقيس الغائب على ~~الشاهد، أما إثباتها في الشاهد، فلأنا إذا قلنا لإنسان6 كامل العقل: «إن ~~صدقت أعطيناك دينارا، وإن كذبت أعطيناك دينارا»، وفرضنا حصول الاستواء بين ~~الصدق والكذب في جميع منافع الدنيا والآخرة، وفي جميع مضارهما7 من المدح ~~والذم، والثواب والعقاب، وسهولة اللفظ بتلك اللفظة وصعوبته، فإن في هذه ~~الصورة نعلم بالضرورة أنه يرجح الصدق على الكذب، وذلك يدل على أن جهة الحسن ~~جهة دعاء، وجهة القبح جهة صرف. # وإذا ثبت هذا في الشاهد، فنقيس الغائب عليه، فنقول9: ms222 هذا الترجيح لا بد ~~فيه من علة، وتلك10 العلة ليست إلا علمه بأن هذا حسن، وبأن ذاك11 قبيح؛ ~~لأنا كلما12 علمناه قبيحا علمنا هذه PageV01P445 ~~المرجوحية، وكلما علمناه حسنا علمناه هذه الراجحية. فلما دار العلم بأحدهما ~~مع العلم بالآخر وجودا وعدما علمنا أن العلة في هذا البعث وفي [هذا1] المنع ~~ليس إلا العلم بهذه2 الجهة، وإذا كان [هذا3] العلم حاصلا في حق الله تعالى، ~~وجب أن يترتب عليه4 هذا البعث وهذا المنع». # ثم قال5: «هذا6 غاية تقرير كلام المعتزلة في هذه المسألة». # قال7: «والجواب: أما المقدمة الأولى من هذا الدليل، فهي مبنية على أن ~~الحسن والقبح إنما يثبتان لوجوه عائدة إلى الفعل، وقد أبطلنا هذه القاعدة؛ ~~سلمنا أنه سبحانه8 عالم بقبح القبيح، وعالم بكونه غنيا عنه9، فلم قلتم: إن ~~كل من كان كذلك فإنه لا يفعل القبيح؟ # وتقريره، أنكم إما أن تقولوا: «إن كل من كان كذلك، فإنه يمتنع مع هذه ~~الحال10 أن يفعل القبيح» أو لا تدعوا الامتناع العقلي، فإن ادعيتم الامتناع ~~العقلي، لم يكن الله11 قادرا مختارا؛ لأن الاستغناء والعلم بالاستغناء12 من ~~لوازم ذاته [وترك القبيح من لوازم هذا الاستغناء وهذا العلم، ولازم اللازم ~~لازم13] فترك القبيح من لوازم الذات المخصوصة. PageV01P446 # وإذا كان كذلك، كان ترك القبيح أمرا واجبا بالذات، ممتنع العدم، وإذا كان ~~ترك القبيح [أمرا1] واجبا بالذات كان إيصال الثواب إلى المستحق أمرا واجبا ~~وجوبا بالذات2؛ لأن تركه لما كان قبيحا ممتنعا بالذات كان فعله فعلا واجبا ~~بالذات، فحينئذ يلزم أن تكون ذاته تعالى موجبا لحصول الثواب ووصوله إلى ~~المستحق، وأن لا يكون قادرا على الترك أصلا. # فإثبات الحكمة على هذا الوجه يقدح في كونه قادرا؛ لأن3 الحكمة مفرعة4 على ~~كونه قادرا، والفرع إذا استلزم فساد الأصل كان باطلا، فالقول بالحكمة يجب ~~أن يكون باطلا على هذا القول. # وأيضا إذا كان الفعل موقوفا على الداعي لزم الجبر، وإذا لزم الجبر كان ~~الله تعالى فاعلا لجميع أفعال العباد، بواسطة خلق القدرة والداعي الموجبين5 ~~لها، وإذا كان كذلك امتنع ms223 أن يقال: إنه تعالى لا يفعل هذه الأفعال. # وأما القسم الثاني، وهو أن تقولوا: إن كونه تعالى غنيا مع كونه عالما ~~بكونه غنيا لا ينافي فعل القبيح، ولم يكن بين حصول هذا الفعل وحصول ذلك ~~الوصف منافاة ولا معاندة أصلا. وحينئذ6 يتعذر الاستدلال بذلك الوصف على أنه ~~تعالى لا يفعل القبيح؛ لأن كل ما لم يكن فيه امتناع لا يلزم7 من فرض وجوده8 ~~محال ولا فساد، فهذا سؤال صعب على ما ذكروه». PageV01P447 # قلت: فهذا كلام الرازي بلفظه1، وهو غاية ما عنده من الجواب. # قوله2: «أما المقدمة3 من هذا الدليل، فهي مبنية على أن الحسن والقبح إنما ~~يثبتان لوجوه عائدة إلى الفعل، وقد أبطلنا هذه القاعدة». # فيقال: قولك: «أبطلنا هذه القاعدة» ممنوع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # وقد تعقب أبو الحسن الآمدي، فذكر ما احتج به أصحابه كلهم في هذه المسألة، ~~وبين فساده، واحتج بما هو أضعف مما ذكره غيره؛ فقال: «إن الحسن والقبح عرض، ~~والفعل عرض، والعرض لا يقوم بعرض» 4. # فيقال له: لا ريب أن الأعراض توصف؛ فيقال: حركة سريعة وبطيئة، وبياض شديد ~~وضعيف، ومحبة قوية وضعيفة، واعتقاد مطابق وغير مطابق، وقول صادق وكاذب، ~~وأمر رشيد وغير رشيد. والأفعال باعتبار كونها ملائمة للفاعل ومنافرة له: ~~حسنها وقبحها5 صفتان ثابتتان للأفعال باتفاق العقلاء، فعلم أنه لا يمتنع ~~عند أحد في العقل أن تكون للفعل صفة باعتبارها كان حسنا وقبيحا، فمن نفى ~~القبح6 العقلي مطلقا بناء على أن الفعل لا يوصف بصفة من الصفات، فقد خالف ~~إجماع العقلاء. # ثم الذين قالوا: «إن العرض لا يقوم بالعرض» مرادهم أن كلا العرضين يقومان ~~بالعين القائمة بنفسها، كما تسمى «جسما» و«جوهرا»، وحينئذ فيكون الحسن ~~والقبح مع الفعل صفات قائمة بالفاعل، لكن إحدى الصفتين مشروطة بالأخرى. PageV01P448 # ثم يقال: لو لم يكن حسن الفعل وقبحه لمعنى يعود إليه، للزم ترجيح الشارع ~~لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، ولجاز أن يأمر1 بالشرك والكذب والكفر، ~~وينهى عن الصدق والعدل والتوحيد، ولكان لا فرق بين هذا وهذا، ولا فرق ms224 بين ~~النهي2 عن المعروف والأمر بالمنكر، وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~ولا بين تحليل الطيبات وتحليل الخبائث، ولا بين تحريم الخبائث وتحريم ~~الطيبات، ولم يكن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يأمر بالمعروف وينهى ~~عن المنكر، ويحل الطيبات ويحرم الخبائث، إلا بمنزلة أن يقال: يأمر بما يأمر ~~به، وينهى عما ينهى عنه، ويحل ما يحل، ويحرم ما يحرم، ولكان يجوز أن يأمر ~~الله تعالى بالفحشاء، ويحب الفساد، ويرضى لعباده الكفر؛ إذ الجميع3 عند ~~النفاة [سواء4]، لم يختص بعضها بصفة يكون لأجلها لا حسنة مأمورا بها ~~محبوبة، ولا سيئة منهيا عنها مكروهة. وهذا مما يعلم بطلانه بالاضطرار عقلا وشرعا. # ولوازم هذا القول الفاسد أكثر من أن يمكن حصرها فإن هذا القول مبناه على ~~أن جميع الأعيان والأفعال سواء في نفس الأمر، ليس لبعضها صفة توجب أن يفضل ~~بها على الأخرى حتى يحب الله تعالى هذا ويأمر به، ويبغض هذا وينهى عنه. # ومن تدبر القرآن العزيز وجده مخالفا لهذا القول، بل هذا مخالف لما فطر ~~الله تعالى عليه العقلاء، ولهذا لم يعرف هذا القول عن أحد من سلف الأمة ~~وأئمتها الأربعة ولا غيرهم. بل قد ذكره5 أبو نصر PageV01P449 ~~السجزي1 وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني2، وغيرهما من أهل الحديث والسنة - ~~من البدع المحدثة في الإسلام، وأضافوه إلى أبي الحسن، وعدوه مما ينكر على ~~أبي الحسن. # قال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28]. وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين • ~~ما لكم كيف تحكمون} [القلم: 35، 36]. وقال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون} [الجاثية: 21] 3. ### | AUTO فصل ### || AUTO [شرح دليل الأصبهاني على «حياة الله»]: # وأما قوله: «والدليل على أنه حي علمه وقدرته؛ لاستحالة قيام العلم ~~والقدرة بغير الحي». # فهذا دليل مشهور للنظار؛ يقولون: قد علم أن من شرط العلم PageV01P450 ~~والقدرة الحياة؛ فإن ما ليس بحي يمتنع أن يكون عالما؛ إذ الميت1 لا يكون ~~عالما، ms225 والعلم بهذا ضروري. # وقد يقولون: هذه الشروط العقلية لا تختلف شاهدا ولا غائبا، فتقدير عالم ~~لا حياة به ممتنع بصريح العقل. ### || AUTO [شرح دليل الأصبهاني على «إرادة الله»]: # وكذلك قوله: «والدليل2 على إرادته تخصيصه الأشياء بخصوصيات3، واستحالة ~~المخصص من غير مخصص». # فإن هذا دليل مشهور للنظار، ويقرر هكذا4: أن العالم5 فيه تخصيصات كثيرة؛ ~~مثل تخصيص كل شيء بما له من القدر والصفات والحركات: كطوله وقصره، وطعمه ~~ولونه وريحه، وحياته وقدرته وعلمه، وسمعه وبصره، وسائر ما فيه، مع العلم ~~الضروري بأنه من الممكن أن يكون خلاف ذلك؛ إذ ليس واجب الوجود بنفسه. ~~ومعلوم أن الذات المجردة التي لا إرادة لها لا تخصص، وإنما يكون التخصيص ~~بالإرادة. # ولو قيل: التخصيص هو بأسباب معلومة؛ كالأرض والأشجار تكون مختلفة، فإذا ~~سقيت بماء واحد اختلفت ثمارها لاختلاف القوابل، كما أن الشمس تختلف آثارها ~~بحسب القوابل، كما تبيض الثوب، وتسود وجه القصار6، وتلين اليابس الذي لم ~~ينضج بما تجذبه7 إليه من الرطوبة، وتجفف الرطب الذي كمل نضجه لانقطاع ~~الرطوبة عنه. PageV01P451 # قيل: هب أن الأمر كذلك، فما الموجب لاختلاف القوابل، حتى خصت هذه الشجرة ~~وهذا الجسم بسبب آخر؟ فلا بد أن ينتهي الأمر إلى سبب لا سبب فوقه. # فإن قيل: هو شيء صدر عنه، كما تقول المتفلسفة: «لا يصدر عن الواحد إلا ~~واحد، والصادر الأول هو العقل، وصدر عن العقل عقل ونفس وفلك». # فهذا باطل؛ لأنه إن كان الصادر الأول واحدا من كل وجه، لم يصدر عنه أيضا ~~إلا واحد؛ وإن كان فيه كثرة، فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد. # وإن قيل: «الكثرة عدمية»؛ لزم أن يصدر عن العدم وجود. # ثم يقال: الفلك الثامن كثير الكواكب دون التاسع، فما الموجب لكثرة ~~كواكبه؟ # ثم قيل1: السبب الأول إن كان فيه اختصاص بصفة وقدر كان تخصيصه بالإرادة؛ ~~لأن التخصيص بذات لا إرادة2 لها ممتنع بصريح3 العقل. # وإن قيل: ليس له اختصاص بصفة وقدر. # قيل: هذا يقتضي أن يكون وجودا مطلقا، والمطلق لا يكون إلا في الأذهان، لا ~~في ms226 الأعيان4. PageV01P452 ### | AUTO فصل ### || AUTO [شرح دليل الأصبهاني على كون الله متكلما]: # وأما قوله: «والدليل على كونه متكلما أنه آمر وناه1؛ لأنه بعث الرسل ~~لتبليغ أوامره ونواهيه، ولا معنى لكونه متكلما إلا ذلك». # فنقول: السلف والأئمة وغيرهم2 لهم في إثبات كونه3 متكلما طريقان: فإنهم ~~يثبتون ذلك بالسمع تارة وبالعقل أخرى، كما يوجد مثل ذلك في كلام الإمام ~~أحمد وغيره من الأئمة، وفي كلام متكلمة الصفاتية: كعبد العزيز المكي4، وأبي ~~محمد بن كلاب، وأبي عبد الله بن كرام، وأبي الحسن الأشعري ونحوهم. # والطرق التي أظهروها من العقليات قد دل القرآن عليها، وأرشد إليها، كما ~~دل القرآن على الطرق العقلية التي يثبت بها سائر قواعد العقائد5، المسماة ~~«بأصول الدين». ### || AUTO [تنوع الأقيسة، وما يستعمل منها في حق الله تعالى]: # لكن الدليل قد تتنوع عباراته وتراكيبه6، فإنه تارة يركب على وجه الشمول: ~~المنقسم إلى قياس تداخل، وقياس تلازم، وقياس تعاند؛ PageV01P453 ~~الذي يسمى الحملي1، والشرطي المتصل، والشرطي المنفصل2. # وتارة يركب على وجه قياس التمثيل المفيد3 لليقين، بأن يجعل المشترك4 بين ~~الأصل والفرع -الذي يسمى في5 قياس التمثيل PageV01P454 ~~«المناط» و«الوصف» و«العلة» و«المشترك» و«الجامع» ونحو ذلك من العبارات- هو ~~الحد الأوسط في قياس الشمول1. # فإذا قال ناظم القياس الأول: «نبيذ الحبوب المسكر، حرام، قياسا على خمر ~~العنب؛ لأنه خمر، فكان حراما قياسا عليه». فهذا كما يقال في نظم قياس ~~الشمول: «هذا النبيذ خمر، وكل خمر حرام؛ أو فيه الشدة المطربة، وما فيه ~~الشدة المطربة فهو حرام» وما يثبت به هذه المقدمة الكبرى يثبت به كون ~~المشترك علة الحكم2، وبهذا تبين أن قياس التمثيل قد يكون أتم في البيان من ~~قياس الشمول. # فأما ما يقوله طائفة من النظار من أن قياس الشمول هو الذي يفيد3 اليقين ~~دون التمثيل، فهذا لا يصح إلا بحسب المواد، بأن يوجد ذلك في مادة يقينية ~~وهذا في مادة ظنية؛ وحينئذ فقد يقال: بل ذلك يفيد اليقين دون هذا. # وسبب غلطهم أنهم تعودوا كثيرا استعمال التمثيل في الظنيات، واستعمال ~~الشمول في اليقينيات عندهم، فظنوا هذا ms227 من صورة القياس، وليس الأمر كذلك، بل ~~هو من المادة. وقد بسط الكلام على هذا في مواضع غير هذا الموضع، «كالرد على ~~الغالطين في المنطق» وغير ذلك4. ### || AUTO [قياس الأولى]: # ثم القياس تارة يعتبر فيه القدر المشترك من غير اعتبار الأولوية، PageV01P455 ~~وتارة يعتبر فيه الأولوية، فيؤلف1 على وجه قياس الأولى، وهو وإن2 كان قد ~~يجعل نوعا من قياس الشمول والتمثيل، فله خاصة يمتاز بها عن3 سائر الأنواع؛ ~~وهو أن يكون الحكم المطلوب أولى بالثبوت من الصورة المذكورة في الدليل4 ~~الدال عليه. # وهذا النمط هو الذي كان السلف والأئمة -كالإمام أحمد وغيره من السلف- ~~يسلكونه من القياس العقلي في أمر الربوبية، وهو الذي جاء به القرآن. # وذلك أن الله سبحانه لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قياس شمول تستوي ~~أفراده، ولا تحت قياس تمثيل يستوي5 فيه حكم الأصل والفرع، فإن الله تعالى6 ~~ليس كمثله شيء لا في نفسه المذكورة بأسمائه وصفاته7، ولا في أفعاله، ولكن ~~يسلك8 في شأنه9 قياس الأولى، كما قال [تعالى] 10: {ولله المثل الأعلى} ~~[النحل: 60]، فإنه من المعلوم أن كل كمال ونعت ممدوح لنفسه لا نقص فيه12، ~~يكون لبعض PageV01P456 ~~الموجودات المخلوقة1 المحدثة - فالرب الخالق الصمد القيوم القديم الواجب ~~الوجود بنفسه هو أولى به؛ وكل نقص وعيب يجب أن ينزه عنه بعض المخلوقات ~~المحدثة الممكنة - فالرب الخالق القدوس السلام القديم الواجب وجوده بنفسه ~~هو أولى بأن ينزه عنه. ### || AUTO [نقد أقيسة أهل الفلسفة والكلام]: # وأما إذا سلك مسلك المشبهين لله بخلقه، المشركين به، الذين يجعلون له ~~عدلا وندا ومثلا2، فيسوون3 بينه وبين غيره في الأمور، كما يفعله أهل الضلال ~~من أهل الفلسفة والكلام من المعتزلة وغيرهم، فإن ذلك يكون4 قولا باطلا من وجوه: # منها: أن تلك القضية الكلية التي تعمه وغيره قد لا يمكنهم5 إثباتها عامة ~~إلا بمجرد قياس التمثيل، وقياس التمثيل إن أفاد اليقين في غير هذا الموضع، ~~ففي هذا الموضع قد لا يفيد الظن، للعلم بانتفاء الفارق. # ومنها: أنهم إذا حكموا على القدر المشترك الذي هو «الحد الأوسط» ms228 بحكم ~~يتناوله والمخلوقات كانوا بين أمرين: إما أن يجعلوه كالمخلوقات، أو يجعلوا ~~المخلوقات مثله، فينتقض عليهم طرد الدليل، فيبطل. ### || AUTO [قول الفلاسفة: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد]: # مثال ذلك، إذا قال الفيلسوف: «إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وهو واحد، ~~فلا يصدر عنه إلا واحد»، فإنه يحتاج أن يعلم أولا قوله: «الواحد لا يصدر ~~عنه إلا واحد» فإن هذه قضية كلية، وكل قياس شمولي فلا بد فيه من قضية كلية، ~~وعلمه6 بأن كل واحد لا يصدر عنه إلا واحد، إما أن يكون باستقراء الآحاد، ~~وإما بقياس بعضها إلى PageV01P457 ~~بعض، وهذا استقراء ناقص، وهذا تمثيل، وهما عنده لا يفيدان اليقين. # فإن قال: «أعلم بالبديهة أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد»؛ كان هذا ~~مكابرة لعقله، فإن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست مغروزة في ~~الفطرة ابتداء بدون العلم بأمور معينة منها، لكن لكثرة العلم بالأمور ~~المعينة الجزئية يجرد العقل الكليات، فتبقى القضية العامة ثابتة في العقل ~~لا تحتاج إلى شواهد وأمثلة جزئية، إلا أن يكون علم تلك القضية العقلية من ~~تركب قضايا أخر، وقوله: «الواحد لا يصدر عنه إلا واحد» 1 ليس من هذا ولا من هذا. # ثم إذا تصور مفردات هذه القضية علم يقينا أنه ليس عنده منها علم، بل علم ~~أن الواقع خلافها؛ فإن قوله: «الواحد»؛ إن عنى به الواحد الذي لا يعلم منه ~~أمران: ليس أحدهما الآخر، فليس في الوجود واحد بهذا الاعتبار. فإنه يعلم أن ~~واجب الوجود موجود، وأنه واجب الوجود، وأنه عاقل ومعقول وعقل، وأن له ~~عناية، وأمثال هذه المعاني التي ليس أحدها هو الآخر؛ فإن الوجوب ليس هو ~~الوجود، ولا الوجوب والوجود هو العاقل، ولا العاقل هو المعقول، ولا العاقل ~~والمعقول هو ذو العناية. # وإن قال: «هذه كلها سلوب وإضافات محضة» كان مكابرا لعقله؛ فإن كون الشيء ~~يعقل ليس هو كونه يعقل2، ولا كونه عالما مجرد نسبة محضة إلى المعلوم، ~~كالأمور الإضافية التي لا يتغير بها حال المضاف: كالتيامن والتياسر، فإنه ~~من المعلوم ms229 أن كون الشيء متيامنا [عنك] 3 أو متياسرا عنك لا يختلف به حالك ~~في الموضعين. وأما كون الشيء عالما فيخالف كونه غير عالم، كما أن كونه محبا يخالف PageV01P458 ~~كونه غير محب، وكونه قادرا يخالف كونه غير قادر. ومن جعل الشيء حال كونه ~~عالما وحال كونه غير عالم سواء، فهو مصاب في فهو عقله، وهذا من أعظم ~~السفسطة. # وكذلك من جعل كونه ذا عناية هو مجرد كونه عاقلا، فإن هذا من أعظم ~~السفسطة، والعقل الصريح يعلم أن كون الشيء عالما ليس هو مجرد كونه مريدا، ~~ولا مجرد كونه مريدا هو مجرد كونه عالما. # ولو قيل: «إن أحدهما يستلزم الآخر» فالتلازم لا يوجب كون الملزوم هو ~~اللازم، وإذا قيل في أي موجود فرض: «إن علمه هو إرادته، وإرادته هي حياته، ~~وإن1 ذلك هو وجوده» كان فساد هذا من أبين الأمور في العقل. # كما إذا قيل: «إن هذه التفاحة: طعمها هو مجرد لونها، ولونها هو مجرد ~~ريحها، وريحها مجرد شكلها، وشكلها هو عين ذاتها» فهذا الكلام من تصوره من ~~الناس وفهمه حتى الصبيان المميزين، علم أن قائله من أضل الناس وأجهلهم. ### || AUTO [قول الفلاسفة عن واجب الوجوب: إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق]: # فهذا الواحد الذي يصفونه يمتنع في الموجود الواجب، فهو في غيره أشد ~~امتناعا، ولهذا يؤول بهم الأمر إلى أن يجعلوه2 وجودا مطلقا بشرط الإطلاق، ~~كما يجعله المعتزلة ذاتا مجردة من الصفات، وكلاهما مما يعلم بصريح العقل ~~انتفاء ثبوته في الخارج، بل المطلق لا بشرط يمتنع ثبوته في الخارج. # وهم يجعلون موضوع «العلم الإلهي» هذا الوجود3 المنقسم إلى واجب وممكن، ~~وجوهر وعرض، وعلة ومعلول؛ ويجعلون هذا هو «الفلسفة الأولى» و«الحكمة ~~العظمى»، وهم يعلمون أن الكليات PageV01P459 ~~المقسومة -سواء سميت جنسا أو لم تسم جنسا- لا توجد في الخارج كلية؛ فليس في ~~الخارج الحيوان المنقسم إلى ناطق وأعجم، ولا الوجود المنقسم إلى جوهر وعرض. # بل كل حيوان يوجد في الخارج، فهو من هذا القسم [أو من هذا القسم] 1، وكل ~~موجود يوجد في الخارج، فهو إما ms230 [قائم بنفسه وإما] 1 قائم بغيره، وهذا2 ~~المقسوم صادق3 على أقسامه، فهو مطلق لا بشرط الإطلاق؛ فإنه لو شرط فيه ~~الإطلاق لم يصدق على المعينات؛ فإن المعين ليس مطلقا بشرط الإطلاق. # فإذا كان المطلق لا بشرط الإطلاق لا يوجد في الخارج [إلا معينا، فالمطلق ~~بشرط الإطلاق يمتنع وجوده في الخارج، وهم قد اعترفوا بهذا في المنطق، ~~وبينوا4 أن المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد في الخارج] 5، فلا يوجد فيه حيوان ~~مطلق بشرط الإطلاق، ولا إنسان مطلق بشرط الإطلاق، وهذا بين لجميع العقلاء6. PageV01P460 # ثم قالوا في الموجود الواجب الوجود: «إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق»، وقد علم ~~بصريح العقل أن الوجود المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج، وإنما هو ~~أمر يقدر في العقل - فعاد الوجود الواجب الذي أبدع العالم كله، وهو ربه ~~ومالكه إلى أمر يقدر في العقل، لا حقيقة له في الخارج عن الذهن، ولا ثبوت ~~له في نفس الأمر، وهذا عين التعطيل للموجود الواجب الذي شهد به الوجود1 من ~~حيث هو وجود. # فإن الوجود من حيث هو وجود يشهد بوجود واجب الوجود -كما قال ابن سينا ~~وغيره2، وأصابوا في ذلك- فإنه لا ريب أن ثم وجودا، وأنه إما واجب وإما ~~ممكن، والممكن لا بد له من واجب، فثبت أنه لا بد في الوجود من موجود3 واجب. # فهذا البيان الذي ذكروه في إثبات واجب الوجود حق واضح مبين، لكنهم زعموا ~~مع ذلك أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق: لا يتعين ولا يتخصص بحقيقة يمتاز بها ~~عن سائر الموجودات، بل حقيقته وجود محض مطلق، بشرط نفي جميع القيود ~~والمعينات والمخصصات [عنه] 4. # وهم يعلمون في المنطق -وكل عاقل تصور هذا الكلام- أن هذا لا حقيقة له، ~~ولا وجود له5 إلا في الذهن، لا في الخارج، فصار الموجود الواجب الذي يشهد ~~به الوجود في الخارج لا يوجد إلا في الذهن! # وهذا من أبين التناقض والاضطراب والجمع بين النقيضين؛ حيث PageV01P461 ~~جعلوه بموجب البرهان الحق موجودا في الخارج، وبموجب سلب الصفات -وهو ~~التوحيد الذي تخيلوه1 - معدوما في الخارج؛ فصار ms231 قولهم مستلزما لوجوده وعدمه. # وكذلك قول من سلك سبيلهم من القرامطة الباطنية -كأصحاب رسائل إخوان ~~الصفا2، وأمثالهم من الاتحادية أهل وحدة الوجود: كابن سبعين وابن عربي ~~ونحوهما- بل وسبيل نفاة الصفات من أهل الكلام كالمعتزلة وغيرهم، بل وسبيل ~~سائر من نفى شيئا من الصفات؛ فإن لازم كلامه تعطيله ونفيه مع إقراره ~~بثبوته، فيكون جامعا بين النقيضين. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما ~~المقصود هنا التنبيه على مثال أقيستهم الفاسدة التي يجعلونها براهين فيما ~~خالفوا فيه الحق. ### || AUTO [عود للكلام على قول الفلاسفة: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد]: # ثم إذا تبين أن هذا الواحد ليس له حقيقة في الخارج، قيل لمن قال: الواحد ~~لا يصدر عنه إلا واحد: ما معنى الصدور؟ أنت لا تعني به حدوثه عنه، ولا فعله ~~له بمشيئته وقدرته فعلا يسبق به الفاعل مفعوله؛ PageV01P462 ~~وإنما تعني به لزومه له ووجوبه به، ونحن لا نتصور في الموجودات شيئا صدر ~~عنه وحده شيء منفصل عنه، كان لازما له قبل هذا الوجه؛ بل ما لزمه وحده كان ~~صفة له. أما أن يكون اللازم للملزوم وحده شيئا منفصلا عنه، فهذا بيان غير ~~معقول ومعروف1. فهذا الصدور الذي ذكرته غير معروف؛ فقولك في هذه القضية ~~الكلية: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ يقتضي الحكم على كل ما يتصور أنه ~~واحد بأنه لا يصدر عنه إلا واحد، فإذا لم يتصور هذا الصدور، ولا يعلم صدق ~~هذا السلب في صورة معينة من صور هذه القضية الكلية، فمن أين تعلم هذه ~~القضية الكلية؟! # وإذا استدلوا على ذلك بالنار التي لا يصدر عنها إلا الإحراق، وبسائر ~~الأجسام البسيطة كالماء، أو بالشمس التي يصدر عنها الشعاع، لم يكن شيء من ~~هذه المعينات داخلا في قضيتهم الكلية؛ فإن الإحراق لا يصدر عن النار وحدها، ~~بل لا بد من محل قابل للإحراق، ولهذا لا يصدر عنها الإحراق في السمندل3 ~~والياقوت4 ونحوهما من PageV01P463 ~~الأجسام التي لا تقبل الإحراق، وكذلك المبردات. ثم إن الإحراق له موانع ~~تمنعه، فهو موقوف على ثبوت ms232 شروط وانتفاء موانع غير النار، فلم يصر صادرا عن ~~النار بالمعنى الذي أرادوه بالحجة1 وهو لزومه لذات النار بحيث لا ينفك عنها. # وإنما يعقل هذا اللزوم في صفات الملزوم: كاستدارة الشمس والضوء القائم ~~بها ونحو ذلك؛ فإن هذا لازم لها لا يفارق ذاتها، بخلاف الضوء القائم بما ~~يقابلها من الأجسام، وهو الشعاع المنعكس على الأجسام المسطحة2 كالأرض، ~~والقائمة كأشخاص الجبال والحيوان والنبات والحيطان؛ فإن هذا ليس لازما لذات ~~الشمس، بل هو موقوف على وجود هذه المحال3 التي يقوم بها هذا العرض. وهو ~~أيضا ممنوع عنها بالحجب: كالسحاب الكثيف والسقوف4 وغير ذلك. وهذا الشعاع ~~كالظل يكون بسبب الحجاب بينها وبين ما يظله الحجاب، فيوجد تارة ويعدم أخرى، ~~ولهذا يوجد الليل تارة والنهار أخرى. # فهذا بيان أن ما قدروه من الواحد ومن الصدور عنه، أمر لا يعقل في الخارج ~~أصلا، فضلا عن أن يكون قضية كلية عامة. # وأما إذا قدروا واحدا يفرضونه في أنفسهم، وصدورا يفرضونه في أنفسهم؛ فلا ~~ريب أن هذا ملازمة5 حكم يكون في أنفسهم، لكن لا PageV01P464 ~~يعلم أنه مطابق للخارج حتى يعلم أن1 واجب2 الوجود هو هذا الواحد، وأن ~~إبداعه للعالم هو هذا الصدور. # ولو علموا ذلك لم يحتاجوا إلى هذا القياس، فهذا القياس لا يفيدهم شيئا؛ ~~إذ مطلوبه علم معين بقضية كلية، وتلك القضية لا مرد لها أصلا إلا ما يدعونه ~~في ذلك المعين، فهم إن علموا ثبوت الحكم لذلك المعين بدون تلك القضية لم ~~يحتاجوا إليها، وإن لم يعلموا ثبوت الحكم للمعين بدون تلك القضية لم يعلم ~~صدق القضية عليه فلا يفيد. # بل إذا عورضوا بنقيض ما قالوه كان أبين في القياس؛ فيقال لهم: ليس في ~~الوجود واحد يصدر عنه واحد، بل كل صادر في الوجود فهو عن اثنين فصاعدا، فلا ~~حادث عن3 المخلوقات إلا عن أصلين: كالولد بين أبوين، والتسخين، والتدبير4، ~~والإحراق، والإغراق، وغير ذلك، لا بد فيه من اثنين، والشعاع المنبسط لا بد ~~فيه من اثنين. # فإذا لم يكن في الوجود واحد لا يصدر عنه ms233 واحد، كان قول القائل: ليس كل ~~واحد لا يصدر عنه إلا واحد، أصح في العقل والقياس من قولهم، بل لو قال: ~~الواحد الذي ذكروه لا يصدر عنه شيء أصلا، لكان قوله أصح في العقل والقياس ~~من قولهم، وكذلك إذا قيل: الواحد الذي ذكروه لا يصدر عنه شيء إلا مع غيره، ~~لكان قوله أصح من قولهم. # وذلك يقتضي أن يكون للرب شريك وولد؛ إذ مقصودهم بالصدور هو لزومه إياه، ~~وهذا هو التولد العقلي، وحقيقة قولهم أن العقول PageV01P465 ~~والنفوس متولدة عنه، وقولهم بالعلة والمعلول هو القول بالمتولد1 والمتولد ~~عنه، قال تعالى2: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون • بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم • ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو ~~خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل • لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار وهو اللطيف الخبير} [الأنعام: 100 - 103]. # وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، [*وبينا أن قول هؤلاء أفسد من قول ~~مشركي العرب الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، وقالوا: إن آلهتنا تشفع ~~لنا. فإن أولئك كانوا يقولون: إن الرب فاعل مختار، والملائكة مخلوقون له، ~~ولكن ضلوا في بعض ما وصفوه، كما ضلت النصارى في بعض ما ذكروه. # وأما هؤلاء، فأعظم ضلالا من اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ فإنهم في ~~الحقيقة لا يجعلون الرب تعالى خالقا لشيء، ولا يفعل فعلا بمشيئته واختياره، ~~ولا يجعلون الملائكة عباده، بل يجعلون العقل الأول هو رب كل ما سوى الله. ~~والشفاعة عندهم ليست سؤالا من الله تعالى من الشافع، بل توجه إلى الشافع ~~حتى يفيض منه على المستشفع ما ليس لله ولا للشافع به علم عندهم، ولا يحصل ~~بقدرته ولا مشيئته*]. PageV01P466 # والمقصود هنا: التنبيه على أن طرق السلف والأئمة1 الموافقة للطرق التي دل ~~القران عليها، وأرشد إليها - هي أكمل الطرق وأصحها2. وأكثر الناس صوابا في ~~العقليات أقربهم إليهم، كما أن أكثرهم صوابا في ms234 السمعيات أقربهم إليهم؛ إذ ~~العقل الصريح لا يخالف السمع الصحيح، بل يصدقه ويوافقه كما قال تعالى: ~~{ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} [سبأ: 6]. وقال ~~تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33]. # ولهذا كان المتكلمة الصفاتية -كابن كلاب والأشعري وابن كرام- خيرا وأصح ~~طريقا في العقليات والسمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيرا وأصح طريقا في ~~العقليات والسمعيات من المتفلسفة3. وإن كان في قول كل من هؤلاء ما ينكر ~~عليه وما خالف فيه العقل والسمع، ولكن4 من كان أكثر صوابا وأقوم قيلا كان ~~أحق بأن يقدم على من هو دونه تنزيلا وتفصيلا5؛ # قالت عائشة6: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس ~~منازلهم7. PageV01P467 # وهذا من1 القسط الذي أمر الله به، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله؛ قال تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135]. وقال ~~تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط} [الحديد: 25]. ### || AUTO [عود لشرح دليل الأصبهاني على كون الله متكلما]: # والمقصود هنا: التنبيه على طرق الناس في إثبات كون الله متكلما، تنبيها ~~مختصرا بحسب2 ما يحتمله جواب هذا السؤال. # والطرق نوعان: سمعية وعقلية، وإن كانت العقلية هي أيضا شرعية سمعية، ~~باعتبار أن السمع دل عليها وأرشد إليها، وأن الشرع أحبها ودعا إليها3. # لكن صاحب هذا المختصر إنما سلك طريقا سمعية اتباعا لمتبوعه أبي عبد الله ~~بن الخطيب، وهذه الطريق4 مبنية على مقدمتين: إحداهما: أنه آمر ناه، ومن كان ~~كذلك فهو متكلم. # والمقدمة الأولى: مدلول عليها بأن الرسل بلغوا أمره ونهيه، وكل من ~~المقدمتين واضحة؛ فإن الكلام نوعان: إنشاء وإخبار، والإنشاء أمر ونهي ~~وإباحة، فإذا ثبت له نوع من أنواع الكلام ثبت مطلق الكلام، فثبت أنه متكلم. # وأما الثانية: فقد علم بالاضطرار من دين جميع الرسل أنهم يخبرون عن الله ~~بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا، فيلزم من ثبوت الرسالة ثبوت كلام الله تعالى، ~~وجحد كون الله متكلما هو جحد لما بلغت عنه الرسل ms235 من الأمر والنهي. PageV01P468 # فإن قيل: فما الفرق1 بين هذه الطريق وبين الطريق2 التي أثبت بها السمع ~~والبصر، وهو السمع. # قيل: هناك أثبت السمع والبصر بنفس الإخبار المفصل3، مثل قوله: {وهو ~~السميع البصير} [الشورى: 11]. وهنا أثبت تكلمه بمجرد إرسال الرسل من غير ~~تعيين نص، حيث قال: «علمنا أن الله أرسل رسله لتبليغ4 أمره ونهيه»، ولم ~~يتعرض لإخبار السمع بأنه متكلم. # فإن قيل: إذا أثبت المثبت تكلمه بالسمع، وجب أن يكون السمع قد علمت صحته ~~قبل العلم بكونه متكلما، لكن الرسول إذا قال: «إن الله أرسلني إليكم، ~~يأمركم بتوحيده وينهاكم عن الإشراك به»، مثلا، فإن لم يعلموا قبل ذلك جوار ~~كونه5 متكلما لم يعلموا إمكان إرساله، فلا6 يثبت السمع. # قيل: الجواب من وجهين: # أحدهما: أن ما علم بالسمع7 وقوعه يكفي فيه الإمكان الذهني، وهو كونه غير ~~معلوم الامتناع، بل كل مخبر أخبرنا بخبر ولم نعلم كذبه جوزنا صدقه، ومتى ~~كان فيه الصدق ممكنا لم يجز التكذيب، بل أمكن أن يقام الدليل الدال على ~~صدقه ووجوب تصديقه، فيجب تصديقه. # [*وهذا الموضع يغلط فيه كثير من النظار، فيظنون أنه يحتاج فيما يطلب ~~الدليل على وقوعه، أو فيما قام الدليل على وجوده - العلم PageV01P469 ~~بإمكانه قبل ذلك، وإنما يجب أن لا يعلم امتناعه؛ فالرسل صلوات الله عليهم ~~تخبر بمحارات1 العقول، وما لا تعرفه العقول أو ما تعجز عن معرفته. فما علم ~~العقل إمكانه، ولم يعلم هل يكون أم لا يكون، تخبر الرسل بوقوعه أو عدم2 ~~وقوعه؛ وما لم يعلم بالعقل إمكانه ولا امتناعه، تخبر الرسل أيضا إما ~~بإمكانه وإما بوقوعه المستلزم إمكانه، ولكن*] لا تخبر الرسل3 [بمحالات ~~العقول، وهو ما علم بالعقل امتناعه، لا تخبر] 4 بوجوده ولا إمكانه؛ وما علم ~~عدمه لا تخبر بوجوده، فلا تأتي الرسل5 صلوات الله عليهم بما يعلم نقيضه، ~~ولكن قد تأتي بما لم يكن يعلم. # كما قال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون • فاذكروني أذكركم ~~واشكروا لي ولا ms236 تكفرون}. [البقرة: 151، 152]. وكذلك الوحي النازل على ~~الأنبياء يعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، لا يأتيهم بما يعلمون خلافه؛ قال ~~تعالى: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون ~~إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} [النساء: 113]. # الوجه الثاني: أن يقال: إمكان6 التكلم7 معلوم بأدنى نظر العقل؛ فإنه إذا ~~عرف أنه حي، عليم، قدير، علم أنه يمكن أن يكون8 متكلما، فإن الكلام من ~~الصفات المشروطة بالحياة، والصفات المشروطة بالحياة PageV01P470 ~~إنما يمتنع1 عليه سبحانه [*ما يمتنع منها -كالنوم والأكل والشرب-*] لتضمنها ~~نقصا ينزه عنه، وليس في الكلام نقص، بل سنبين -إن شاء الله- أنه من صفات ~~الكمال، ونبين ما يستحيل اتصافه به2. # فهذا تقرير ما ذكره3. ### || AUTO [يمكن إثبات الكلام بطريق أعم مما ذكره الأصبهاني]: # ويمكن أن يسلك4 في ذلك طريق5 أعم مما ذكره، فإنه استدل بالأمر والنهي ~~خاصة، والتحقيق أن الخبر يدل أيضا على أنه متكلم، كما أن الأمر يدل على ~~ذلك، والرسل يبلغون عنه تارة الأمر والنهي، وتارة الخبر: إما عن نفسه وإما ~~عن مخلوقاته، فيبلغون خبره عن نفسه بأسمائه وصفاته، وخبره6 عن مخلوقاته ~~بالقصص؛ كما يبلغون الخبر عن ملائكته وأنبيائه، ومن تقدم من الأمم المؤمنين ~~والمكذبين، ويبلغون خبره عما يكون في القيامة: من الثواب7 والعقاب، والوعد ~~والوعيد. بل ما تبلغه الرسل من خبره أكثر8 مما تبلغه من أمره، والخبر في ~~القرآن أكثر8 من الأمر. # [*وإذا قيل: لا معنى لكونه متكلما إلا أنه [آمر ناه. # قيل: لا معنى لكونه متكلما إلا أنه] 9 مخبر منبئ. # والتحقيق أن يقال: لزم من كونه آمرا ناهيا أن يكون متكلما، ويلزم من كونه ~~مخبرا منبئا أن يكون متكلما. وأما قول القائل: «لا معنى PageV01P471 ~~لكونه متكلما إلا أنه آمر ناه، أو أنه1 مخبر» ففيه نظر؛ فإن المتكلم يكون ~~تارة آمرا وتارة مخبرا، وهو في حال2 كونه مخبرا متكلم وإن لم يكن آمرا، وفي ~~حال كونه آمرا متكلم وإن لم ms237 يكن مخبرا، سواء قدر إمكان انفكاك أحدهما عن ~~الآخر، أو قدر تلازمهما في حق بعض المتكلمين. # ولقائل أن يقول: هذا الذي ذكره قليل الفائدة؛ فإنه إن كان المقصود به ~~إثبات كونه متكلما على من يقر بالرسل، فجميع هؤلاء مقرون3 بأنه متكلم*]، إذ ~~لا يمكن4 أحدا ممن يؤمن بالتوراة أو الإنجيل أو القرآن أن ينكر أن الله ~~متكلم5، وهذه الكتب مملوءة بذكر ذلك، وأهل الملل مطبقون على ذلك. # وإن كان مقصوده إثبات ذلك على من لا يقر بالرسل فتقرير الرسالة6 تقرير ~~لهذا؛ فحاصله أن ما ذكره7 من كونه متكلما هو حقيقة أن الرسل صادقون فيما ~~أخبروا عنه، فإذا أثبت ذلك بصدق الرسل كان إثباتا للشيء بنفسه. # وإنما المقصود: إثبات أنه متكلم حقيقة، بكلام يقوم بنفسه، خلافا ~~للمتفلسفة التي تجعل كلامه إنما هو تعريف فعلي، وهو ما يفيض8 على النفوس من ~~التعريفات، وللجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يجعلون كلامه ما يخلقه في ~~غيره من الحروف والأصوات. PageV01P472 # وهذا الذي اعتنى به السلف في الرد على من يقول: «القرآن مخلوق، خلقه الله1 ~~في الهواء، لم يقم به كلام» فكيف بمن يقول: «ليس كلامه إلا ما يحدث في ~~النفوس من التعريف والإعلام»، من غير أن يكون له كلام منفصل عن نفوس ~~الأنبياء والمرسلين! وقد بسطنا القول في مسألة «الكلام» واضطراب الناس فيها ~~في غير هذا الموضع. ### || AUTO [الأصبهاني لم يحقق بهذه العقيدة مذهب الأشاعرة، وهو كأبي عبد ~~الله الرازي متأثر بالفلسفة والاعتزال]: # ولا ريب أنه سلك في هذا الاعتقاد مسلك الصفاتية المخالفين للمعتزلة؛ ~~ولهذا عد هذه الصفات السبع2؛ وأما المعتزلة فيقتصرون على أنه حي، عالم، ~~قادر؛ وقد يزيد3 البصريون الإدراك كالسمع والبصر، وأما كونه متكلما ومريدا ~~فهذا عندهم من باب المفعولات لا من باب الصفات؛ إذ معنى كونه متكلما عندهم ~~أنه خلق كلاما في غيره كسائر ما يخلقه من المخلوقات، بخلاف كونه حيا عالما ~~قادرا4، أو مدركا عند البصريين؛ فإن ذلك ثبت له5 لذاته سواء خلق شيئا أو لم ~~يخلقه؛ ولهذا كان6 عام التعلق، لا ms238 يختص بمعلوم دون معلوم، كما تختص الإرادة ~~والكلام بمراد دون مراد، ومأمور دون مأمور. # وهذا القدر الذي أثبته من كونه متكلما أمر7 لا ينازعه فيه معتزلي، بل ولا ~~متفلسف إلهي يقر بالنبوات في الجملة، كما يقر بها المتفلسفة الذين حقيقة ~~أمرهم أنهم يؤمنون ببعض صفاتها8 ويكفرون ببعض، كما أن اليهود والنصارى ~~يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض. PageV01P473 # ولقائل أن يقول: إن1 هذا السؤال ليس لازما له في مسألة «الكلام»، بل وفي ~~سائر المسائل، فإنه لم يثبت شيئا من الصفات القائمة بنفسه2، وإنما أثبت ~~أحكام الصفات وأثبت الأسماء، والمعتزلة توافق على الأسماء والأحكام، بل ~~والفلاسفة أيضا توافق على إطلاق ما ذكره من الأسماء والصفات؛ فلا يكون في ~~هذا الاعتقاد فرق بين مذهب الصفاتية أهل الإثبات -كابن كلاب والأشعري ~~وأتباعهما- ولا بين المعتزلة -كأبي علي3 وأبي هاشم4 وأبي الحسين البصري5 ~~وأمثالهم- بل هذا الاعتقاد مشترك بين المعتزلة والأشعرية وغيرهم من ~~الطوائف. # يبين هذا أنه لم يذكر في اعتقاده ما تتميز6 به الأشعرية عن المعتزلة: ~~ولا7 ذكر أن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ ولا ذكر مسألة PageV01P474 ~~«الرؤية»: وأن رؤية الله جائزة في الدنيا واقعة في الآخرة؛ ولا ذكر أيضا ~~مسائل «القدر»: وأن الله خالق أفعال العباد، وأنه مريد للكائنات؛ ولا ذكر ~~أيضا مسائل «الأسماء والأحكام»: وأن الفاسق لا يخرج عن الإيمان بالكلية، ~~ولا يجب إنفاذ الوعيد، بل يجوز العفو عن أهل الكبائر؛ ولا ذكر مسائل ~~«الإمامة والتفضيل». # وكل هذه الأصول تذكر في مختصرات المعتقدات التي يصنفها1 متأخرو الأشاعرة: ~~«كالعقيدة القدسية» لأبي حامد2، و«العقيدة البرهانية المختصرة من إرشاد أبي ~~المعالي» 3 ونحوهما، فضلا عن الاعتقاد الذي يذكره4 أئمة الأشعرية: كالقاضي ~~أبي بكر وذويه، فإنهم يزيدون على ذلك إثبات الصفات الخبرية، وإثبات العلو ~~وأمثال ذلك، فضلا عن الاعتقاد الذي ذكره الأشعري في «المقالات» عن أهل ~~السنة وأصحاب الحديث، فإن فيه جملا مفصلة، فضلا عما يذكره السلف والأئمة ~~الكبار من الإثبات والتفصيل، المبين للسنة، الفاصل بينها وبين كل بدعة. # ولهذا كان أصحاب هذا المصنف مع انتسابهم إلى الأشعري، إنما ms239 هم في باب ~~الصفات مقرون بما تقر به5 [*المعتزلة6، لا يقرون7 بما تقر به5*] PageV01P475 ~~الأشعرية من الزيادات، وبحوث أبي عبد الله بن الخطيب تعطيهم ذلك؛ فإن ~~الوقف1 والحيرة2 ظاهر على كلامه في إثبات الصفات، ومسألة «الرؤية» ~~و«الكلام» وأمثالهما، بخلاف مسائل «القدر»، فإنه جازم فيها بمخالفة ~~المعتزلة. # وهذه الطريقة تشبه من بعض الوجوه طريقة ضرار بن عمرو وحسين3 النجار ~~وأمثالهما، ممن كان يقر بالقدر، ولكنه في الصفات بين المعتزلة والأشعرية. ~~أو تشبه4 طريقة الواقفية: الذين كانوا يقفون في القرآن، فلا يقولون: هو ~~مخلوق ولا غير مخلوق. وكلام أئمة السنة في ذم هؤلاء، وكلام متكلمة الصفاتية ~~-كالأشعري وغيره- في ذلك مشهور معروف5. # فإن قيل: فالمعتزلة لا تقر بمنكر ونكير6، والصراط، والميزان، ونحو ذلك ~~مما ذكره هذا المصنف. # قيل: المعتزلة في ذلك على قولين: منهم من يثبت ذلك، ومنهم من ينفيه؛ على ~~أن ما ذكره ليس فيه ما يدل7 على إثبات هذه الأمور، وإنما فيه الإقرار بكل ~~ما أخبر به الرسول [*من هذه الأمور، وليس في PageV01P476 ~~المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين من يقول: لا أقر بما أخبر به الرسول*]. # بل كل مسلم يقول: إن ما أخبر به الرسول، فهو حق يجب تصديقه به. [*وكل ~~المسلمين من أهل السنة والبدعة يقولون: «آمنت بالله [وما جاء عن الله على ~~مراد الله، وآمنت برسول الله] 1 وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله». ~~فإنه متى لم يقر بهذا، فهو كافر كفرا ظاهرا، ولا يتميز بهذا2 القول المجمل ~~مذهب أهل السنة عن غيرهم. # ولهذا لا يكتفي إمام من أئمة السنة بمجرد هذا، ومن نقل عن الشافعي وغيره ~~أنه اكتفى بهذا فقد كذب عليه، وإنما هذا قول بعض المتأخرين، وهو قول صحيح، ~~لا يخالف فيه إلا كافر، لكن العلم بالسنة مفصلا مقام آخر. # فالمبتدع إذا نازع السني لا ينازعه في تصديق الرسول في كل ما أخبر به*]، ~~لكن [المنكر لشيء من السنة] ينازع [فيه]: هل3 أخبر بذلك الرسول أم لا؟ وهل ~~خبره على ظاهره أم لا؟ وهو ms240 لم يثبت لا هذا ولا هذا؛ إذ هما من علم النقل ~~ودلالة الألفاظ، وليس فيما ذكره شيء من هذا وهذا. # كما أن كلامه في التوحيد ليس مبنيا على أصول الأشعرية ولا أصول المعتزلة، ~~بل على أصول المتفلسفة، فهو4 متردد بين الفلسفة والاعتزال، وأخذ من بحوث ~~المنتسبين إلى الأشعرية -كالرازي ونحوه- PageV01P477 ~~ما قد يقوله هؤلاء وهؤلاء. وكذلك يحكي عنه خواص أصحابه أنه كان في الباطن ~~يميل إلى ذلك، [*وقد ظهر ذلك في خواص المحدثين من أصحابه كالقشيري وغيره*]. ~~ومعلوم أنه تكلم بمبلغ علمه، وحسب اجتهاده، ونهاية عقله، وغاية نظره؛ ولكن ~~المقصود أن تعرف1 المقالات والمذاهب، وما هي عليه من الدرجات والمراتب، ~~ليعطى كل ذي حق حقه، ويعرف المسلم أين يضع رجله. ### || AUTO [صفة الكلام الذي أخبرت به الرسل]: # إذا تبين هذا، فنحن ننبه على ما يتميز به أهل السنة عن المعتزلة، ومن هو ~~أبعد عن الحق منهم كالمتفلسفة، فنقول: إذا ثبت بهذا الدليل أنه سبحانه ~~متكلم، وثبت أن الرسل أخبروا بذلك - فنقول: الذي أخبرت به الرسل أنه متكلم ~~بكلام قائم بنفسه، هذا هو الذي بينته3، وهذا هو الذي فهمه عنهم أصحابهم، ثم ~~تابعوهم بإحسان، [*بل علموا هذا من دين4 الرسل بالاضطرار*]، ولم يكن في صدر ~~الأمة وسلفها PageV01P478 ~~من ينكر ذلك، وأول من ابتدع خلاف ذلك الجعد بن درهم، ثم صاحبه الجهم بن صفوان. # وكلاهما قتل؛ أما الجعد بن درهم -الذي كان يقال: إنه معلم مروان بن محمد ~~آخر خلفاء بني أمية، وكان يقال له «الجعدي» نسبة إلى الجعد- فإنه قتله خالد ~~بن عبد الله القسري، ضحى به بواسط يوم النحر؛ وقال: «أيها الناس ضحوا تقبل ~~الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا». ثم ~~نزل فذبحه. # وكانوا1 أول ما أظهروا بدعتهم قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يكلم2. كما ~~حكي عن الجعد، وهذا3 حقيقة قولهم؛ فكل من قال: «القرآن مخلوق» فحقيقة قوله ~~أن الله لم ms241 يتكلم ولا يكلم4، ولا يأمر ولا ينهى، ولا يحب. فلما رأوا ما في ~~ذلك من مخالفة القرآن والمسلمين قالوا: إنه يتكلم مجازا: يخلق شيئا يعبر ~~عنه5، لا أنه في نفسه يتكلم. فلما شنع المسلمون عليهم قالوا: يتكلم حقيقة، ~~ولكن المتكلم هو من أحدث الكلام وفعله ولو في غيره، فكل6 من أحدث كلاما ولو ~~في غيره كان متكلما بذلك الكلام حقيقة، وقالوا: المتكلم من فعل الكلام، لا ~~من قام به الكلام. وهذا الذي استقر عليه قول المعتزلة. # وهم يموهون7 على الناس فيقولون: «أجمع المسلمون على أن الله متكلم»، ~~[وربما قالوا: «أجمع المسلمون على أن الله متكلم حقيقة] 8، PageV01P479 ~~ولكن اختلفوا في معنى «المتكلم»: هل هو من فعل الكلام؟ أو من قام به ~~الكلام؟». وما زعموه1 من أن المتكلم يكون متكلما بكلام قائم بغيره، قول ~~خرجوا به عن العقل والشرع واللغة. # وكان قدماء الصفاتية من السلف والأئمة والكلابية والكرامية والأشعرية ~~يحققون هذا المقام، ويبينون2 ضلال الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيه. ### || AUTO [موقف الرازي من رد الصفاتية على الجهمية مذهبهم في الكلام]: # ولكن الرازي ونحوه أعرض عنه، وقال: هذا بحث لفظي. وزعم أنه قليل الفائدة، ~~ثم سلك مسلكا ضعيفا في الرد عليهم، قد بيناه في غير هذا الموضع3. # وهذا غلط عظيم جدا من وجهين: # أحدهما: أن المسألة إذا كانت سمعية، وأنت إنما أثبت أنه متكلم بأن الرسل ~~بلغت أمره ونهيه الذي هو كلامه - كان من تمام ذلك البحث عن مراد الرسل ~~بكونه آمرا ناهيا متكلما: هل مرادهم بذلك أنه خلق كلاما في غيره، أو أنه ~~قام به كلام تكلم به؟ والدلائل السمعية مقرونة بالبحث عن ألفاظ الرسل ~~ولغاتهم التي بها خاطبوا PageV01P480 ~~الخلق، فصارت1 هذه المقدمة هي الركن المعتمد في الرد على المعتزلة، كما ~~سلكه قدماء الصفاتية وأئمتهم، [*بل هي الركن المعتمد في معنى كونه متكلما ~~إذا ثبت ذلك بالطرق2 السمعية*]. # الثاني: أن المسألة ليست لغوية فقط، بل كون الصفة إذا قامت بمحل: هل يعود ~~حكمها على ذلك المحل أو على غيره. هو من البحوث ms242 العقلية النافعة في هذا ~~المقام. ### || AUTO [بيان السلف لحقيقة مذهب الجهمية في كلام الله، وردهم عليهم]: # والسلف رضي الله عنهم عرفوا حقيقة المذهب، وردوه بناء على هذا الأصل، كما ~~ذكره3 البخاري في كتاب «خلق الأفعال»، قال4: «وقال5 ابن مقاتل6: سمعت ابن ~~المبارك يقول: من قال: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} [طه: 14] 7 مخلوق، ~~فهو كافر، ولا ينبغي8 لمخلوق أن يقول ذلك»، «وقال9: إنا10 لنحكي كلام ~~اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية». «وقال11 سليمان بن ~~داود الهاشمي12: PageV01P481 # من قال: القرآن1 مخلوق. فهو كافر؛ وإن كان القرآن مخلوقا -كما زعموا- فلم ~~صار فرعون أولى بأن يخلد2 في النار إذ قال: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: ~~24]؟ وزعموا أن هذا مخلوق. ومن قال3: إنني4 أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني، هذا5 أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون، فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في ~~النار من هذا، وكلاهما6 عنده مخلوق. فأخبر بذلك أبو عبيد7 فاستحسنه ~~وأعجبه». # قال البخاري8: «وقال9 أبو الوليد10: سمعت يحيى بن PageV01P482 ~~سعيد1، وذكر له أن قوما يقولون: القرآن مخلوق. فقال: كيف يصنعون2 ب {قل هو ~~الله أحد} [الإخلاص: 1] 3، كيف يصنعون4 بقوله: {إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا} [طه: 14]!» وروى عن وكيع بن الجراح5 أنه قال6: «لا تستخفوا بقولهم: ~~«القرآن مخلوق»؛ فإنه من شر قولهم، إنما7 يذهبون إلى التعطيل». # ومعنى كلام السلف أن [*من قال: إن كلام الله مخلوق، فحقيقة قوله أن الله ~~تعالى لا يتكلم، وأن المحل الذي قام به {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} هو ~~المدعي الإلهية؛ كما أن فرعون لما قام به: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: ~~24] كان مدعيا للربوبية. PageV01P483 # وكلام السلف مبني على ما يعلمونه من أن الله خالق أفعال العباد وأقوالهم، ~~وإذا كان كلامه ما خلقه في غيره كان كل كلام كلامه، وكان كلام فرعون كلامه؛ ~~إذ*] المتكلم من قام به الكلام، فلا يكون متكلما بكلام يكون في غيره؛ كسائر ~~الصفات والأفعال، فإنه لا يكون عالما بعلم يقوم بغيره، ولا قادرا بقدرة ms243 ~~تقوم بغيره، ولا حيا بحياة تقوم بغيره؛ وكسائر الموصوفين، فإن الشيء لا ~~يكون حيا عالما قادرا بحياة أو علم أو قدرة تقوم بغيره، [*ولا يكون متحركا ~~أو ساكنا بحركة أو سكون يقوم بغيره*] كما لا يكون متلونا بلون يقوم بغيره. # وهنا1 أربع مسائل: مسألتان عقليتان، ومسألتان سمعيتان لغويتان. # الأولى: أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك المحل، فكان هو ~~الموصوف بها، فالعلم والقدرة والكلام والحركة والسكون إذا قام بمحل كان ذلك ~~المحل هو العالم، أو2 القادر، أو3 المتكلم، أو المتحرك، أو الساكن4. # الثانية: أن حكمها لا يعود على غير ذلك المحل، فلا يكون عالما بعلم يقوم ~~بغيره، ولا قادرا بقدرة تقوم بغيره، ولا متكلما بكلام يقوم بغيره، ولا ~~متحركا بحركة تقوم بغيره. وهاتان عقليتان. # الثالثة: أنه يشتق لذلك المحل5 من تلك الصفة اسم؛ إذا كانت تلك الصفة مما ~~يشتق لمحلها منها اسم؛ كما إذا قام العلم أو القدرة أو الكلام أو الحركة ~~بمحل - قيل: عالم أو قادر أو متكلم أو متحرك. بخلاف أصناف الروائح التي لا ~~يشتق لمحلها منها اسم. PageV01P484 # الرابعة: أنه1 لا يشتق الاسم لمحل لم يقم به تلك الصفة، فلا2 يقال لمحل لم ~~يقم به العلم، أو القدرة، أو الإرادة، أو الكلام، أو الحركة: إنه عالم، أو ~~قادر، أو مريد، أو متكلم، أو متحرك. # [*والجهمية والمعتزلة عارضوا هذا بالصفات الفعلية؛ فقالوا: إنه كما أنه ~~خالق عادل بخلق وعدل لا يقوم به، بل هو موجود في غيره، فكذلك هو متكلم مريد ~~بكلام وإرادة لا تقوم به، بل يقوم3 الكلام بغيره. # فمن4 سلم لهم هذا النقص -كالأشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي ~~وأحمد- أظهر تناقضهم5، ولم يجيبوهم بجواب مستقيم. وأما السلف وجمهور ~~المسلمين من جميع الطوائف، فإنهم طردوا أصلهم؛ وقالوا: بل الأفعال تقوم به، ~~كما تقوم6 به الصفات، والخلق ليس هو المخلوق. وذكر البخاري أن هذا إجماع ~~العلماء7. PageV01P485 # ومن قال: الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية، وفعلية. ولم يجعل الأفعال تقوم1 به ~~- فكلامه فيه تلبيس، فإنه سبحانه لا يوصف ms244 بشيء لا يقوم به. وإن سلم أنه ~~يتصف بما لا يقوم به، فهذا هو أصل الجهمية؛ الذين يصفونه بمخلوقاته، ~~ويقولون: إنه متكلم ومريد، وراض وغضبان، ومحب ومبغض، وراحم لمخلوقات يخلقها ~~منفصلة عنه لا بأمور تقوم بذاته*]. # إذا تبين ذلك2 فالسلف لما علموا هذا علموا أن قول من قال: {إنني أنا الله ~~لا إله إلا أنا} [طه: 14] 3، مخلوق. يوجب أن يكون هذا الكلام كلاما للشجرة، ~~لا كلاما لله؛ لأنه قام بالشجرة لم يقم بالله. كما أن كلام فرعون قام به، ~~وإن كان الله خالق ذلك كله، فإنه خالق العباد وأفعالهم وكلامهم. # وهذا أيضا مما يبين أنه لو كان من4 يخلق الكلام في غيره متكلما، لوجب أن ~~يكون كل كلام في الوجود كلامه، وهذا يقوله غالية5 الجهمية الاتحادية: كصاحب ~~«الفصوص» ونحوه فإنه # يقول: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه6 PageV01P486 ~~ومعلوم أن هذا الكلام أعظم من كفر عباد الأصنام1، كما ذكر ابن المبارك2 ~~وغيره من السلف3. # وأيضا فإن الله تعالى قد4 أنطق أشياء؛ كما قال تعالى: {يوم تشهد عليهم ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون • يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ~~ويعلمون أن الله هو الحق المبين} [النور: 24، 25]. وقال: {حتى إذا ما ~~جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون • وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} [فصلت: 20، ~~21]. فهو5 منطق كل شيء وخالق نطقه. ولا نزاع أنه خالق النطق في غير الحي ~~المختار، [*وإنما تنازعنا6 القدرية في خلق أقوال الأحياء وأفعالهم*]. # فإن كان حقيقة كلامه ما خلقه في غيره من الكلام، فهذا جميعه كلامه، وما ~~في هذا الكلام المخلوق من ضمير المتكلم إما أن يعود إلى خالقه أو إلى محله. PageV01P487 # فإن عاد إلى خالقه كانت شهادة الأعضاء شهادة الله؛ وكان قول فرعون: {أنا ~~ربكم الأعلى} قولا لله1؛ وكان قولهم لجلودهم: {لم شهدتم علينا}؟ قولا لله2؛ ~~وكان قول الجلود: {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} بمعنى أنطقت نفسي! ولم ~~يكن فرق عندهم بين «نطق» و«أنطق». # وإن ms245 عاد الضمير إلى محله كان الكلام المخلوق في الشجرة: {إنني أنا الله ~~لا إله إلا أنا}. كلاما للشجرة، فتكون الشجرة هي القائلة: {إنني أنا الله ~~لا إله إلا أنا}. وهذا حقيقة قولهم؛ لما ثبت من أن الكلام كلام لمن قام به، ~~فيكون ضمير المتكلم فيه عائدا إلى محله. # ولما كان هذا المعنى مستقرا في فطر الناس وعقولهم، كان السلف يقصدون ~~بمجرد3 قولهم: «القرآن كلام الله» الرد على هؤلاء الجهمية، الذين حقيقة ~~قولهم إن القرآن ليس كلام الله، وإنما هو كلام لجسم مخلوق، وحقيقة قولهم أن ~~الله لم يكلم موسى، وإنما كلمه مخلوق من مخلوقاته. # قال البخاري4: «قال5 عبد الرحمن بن عفان6 سمعت سفيان بن عيينة في السنة ~~التي ضرب8 فيها المريسي، فقام ابن عيينة من PageV01P488 ~~مجلسه مغضبا، قال1: ويحكم! القرآن كلام الله، قد صحبت الناس وأدركتهم؛ هذا ~~عمرو بن دينار2، وهذا ابن المنكدر3 - حتى ذكر منصورا4 والأعمش5 ومسعر بن ~~كدام6 - فقال ابن عيينة: قد تكلموا PageV01P489 ~~في الاعتزال والرفض والقدر، وأمرونا1 باجتناب القوم، فما نعرف القرآن إلا ~~كلام الله، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله، وما أشبه2 هذا القول بقول ~~النصارى، لا تجالسوهم3، ولا تسمعوا كلامهم». # [*وابن عيينة أخرج هذا القول عن الرفض والاعتزال؛ لأن المعتزلة أولا ~~الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد4 وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا ~~يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر. وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا ~~لما ذكر الإمام أحمد بن حنبل في «رده على الجهمية» قول جهم، قال: «فاتبعه ~~قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره» 5. واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل ~~العلاف والنظام وأشباههما من أهل الكلام. # وأما الرافضة فلم يكن في قدمائهم من يقول بنفي الصفات، بل كان PageV01P490 ~~الغلو في التجسم مشهورا عن شيوخهم؛ هشام بن الحكم1 وأمثاله*]. # وقال البخاري2: «حدثني الحكم بن محمد الطبري3 - كتبت عنه بمكة- قال: ~~حدثنا سفيان بن عيينة، قال: أدركت مشيختنا4 منذ سبعين سنة -منهم عمرو بن ~~دينار- يقولون: القرآن كلام الله، وليس بمخلوق». # قلت: كان المريسي ms246 قد صنف كتابا في نفي الصفات5، وجعل يقرؤه بمكة في أواخر ~~حياة ابن عيينة، فشاع بين علماء أهل مكة ذلك، وقالوا: صنف كتابا في ~~التعطيل. فسعوا في عقوبته وحبسه، وذلك قبل أن يتصل بالمأمون ويجري من ~~المحنة ما جرى. # وقول ابن عيينة: ما أشبه هذا الكلام بكلام6 النصارى! هو كما قال -كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع- فإن عيسى مخلوق، وهم PageV01P491 ~~يجعلونه نفس الكلمة، لا يجعلونه المخلوق بالكلمة. وأيضا [*فأئمة النصارى1 - ~~كغشتكين أحد فضلائهم الأكابر2*]- يقولون: إن الله ظهر في صورة البشر ~~مترائيا لنا، كما ظهر كلامه لموسى3 في الشجرة، فالصوت المسموع هو4 كلام ~~الله وإن كان خلقه5 في غيره؛ وهذا المرئي هو الله وإن كان قد حل في غيره. # قال البخاري6: «وقال علي بن عاصم7: ما الذين8 قالوا بأن9 لله ولدا أكفر ~~من الذين قالوا: إن الله لا يتكلم». قال10: «وقال علي بن عبد الله -يعني بن ~~المديني11 - : القرآن كلام الله، من قال: «إنه مخلوق»، PageV01P492 ~~فهو كافر، لا يصلى خلفه». قال1: «وقال أبو الوليد: من قال: القرآن مخلوق، ~~فهو كافر، ومن لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق فهو خارج من2 ~~الإسلام». قال3: «وقال أبو عبيد4: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، ~~فما رأيت قوما5 أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم، إلا من لا ~~يعرف كفرهم». قال6: «وقال معاوية بن عمار7: سمعت جعفر بن محمد8 يقول: ~~القرآن كلام الله، ليس9 بمخلوق». # وهذا باب واسع كبير منتشر في كتب السنة والحديث، فهذا تمام ما قرره10 في ~~مسألة «الكلام». PageV01P493 ### | AUTO فصل1 ### || AUTO [طرق أخرى في إثبات كون الله متكلما: ### || AUTO 1 - الطرق السمعية]: # وللناس طرق أخرى في إثبات كون الله متكلما2؛ منها ما في القرآن من ~~الإخبار عن ذلك، كقوله تعالى: {قال الله} [المائدة: 115] ويقول الله:3 ~~وقوله: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164]. وقوله: {ولما جاء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه} [الأعراف: 143]. # وما ذكره في القرآن من كلمته4 وكلماته، كقوله تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ~~ربك} [يونس: 19]، وقوله: {وتمت} كلمات ms247 {ربك صدقا وعدلا} [الأنعام: 115] 5. # وما فيه من ذكر مناداته ومناجاته، كقوله: {وناديناه من جانب الطور الأيمن ~~وقربناه نجيا} [مريم: 52]، وقوله: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين ~~كنتم تزعمون} [القصص: 62] 6، {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} ~~[القصص: 65]، {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين} [الشعراء: 10]. # وما في القرآن من ذكر إنبائه7 وقصصه؛ كقوله: {قد نبأنا الله من أخباركم} ~~[التوبة: 94]. وقوله: {نحن نقص عليك أحسن القصص} [يوسف: 3]. # وما في القرآن من ذكر حديثه [وقوله] 8، كقوله: {الله لا إله إلا هو PageV01P494 ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا} [النساء: ~~87]. وقوله: {الله نزل أحسن الحديث} [الزمر: 23]، [وقوله] 1: {قوله الحق ~~وله الملك يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] 2. # [وما فيه] 3 من [أن] 4 القول منه؛ كقوله5: {ولكن حق القول مني لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين} [السجدة: 13] 6. # وما ذكر في القرآن أنه منه، أو ما أضيف إليه: فإن كان عينا قائمة بنفسها ~~أو أمرا قائما بتلك العين، كان مخلوقا؛ كقوله في عيسى: {وروح منه} [النساء: ~~171]، وقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: ~~13] وقوله7: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53]. # وأما ما كان صفة لا تقوم بنفسها، ولم يذكر لها محل غير الله؛ كان صفة له ~~كالقول8 والعلم. # والأمر إذا أريد به المصدر كان9 من هذا الباب؛ كقوله تعالى10: {ألا له ~~الخلق والأمر} [الأعراف: 54]. وإن أريد به المخلوق المكون بالأمر كان من ~~الأول؛ كقوله تعالى11: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل: 1]. PageV01P495 # وبهذا يفرق بين كلام الله سبحانه1، وعلم الله2؛ وبين عبد الله، وبيت الله، ~~وناقة الله، وقوله: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} [مريم: 17]. # وهذا أمر معقول في الخطاب3؛ فإذا قلت: «علم فلان وكلامه ومشيئته» لم يكن ~~شيئا بائنا عنه4، والسبب في ذلك أن هذه الأمور صفات لما تقوم به، فإذا ~~أضيفت إليه كان ذلك إضافة صفة5 لموصوف؛ إذ لو قامت بغيره لكانت صفة لذلك ~~الغير، لا له6. # واعلم أن الاستدلال على الكلام ms248 بمثل هذه السمعيات أكمل من الاستدلال على ~~السمع والبصر بالسمعيات؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه من قوله وكلامه، ~~ونبئه وقصصه، وأمره ونهيه وتكليمه، وندائه ومناجاته وأمثال ذلك - أضعاف ~~أضعاف ما أخبر به من كونه سميعا بصيرا. # وأيضا، فإنه نوع الإخبار عن كل نوع من أنواع الكلام، وثنى ذلك، وكرره في ~~مواضع، ولا يحصى7 ما في القرآن من ذلك إلا بكلفة. # ومن المعلوم بالاضطرار أن المخاطبين لا يفهمون من هذا الكلام عند الإطلاق ~~أنه خلق صوتا في غيره، وإنما يفهمون منه [أنه] 8 هو الذي تكلم بذلك وقاله9، ~~كما قالت عائشة في حديث الإفك: «ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله ~~في بوحي يتلى». PageV01P496 # فلو كان المراد بهذه الجمل الكثيرة العظيمة البينة الصريحة خلاف مفهومها ~~ومقتضاها لوجب بيان ذلك؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. # ثم لا يقدر أحد أن يحكي عنهم أنهم جعلوا الكلام كلاما لمن أحدثه في غيره، ~~بل لا يوجد في كلامهم: «قال ويقول»، و«تكلم1 ويتكلم» إلا إذا كان الكلام ~~قائما بذاته. # وإذا احتجت الجهمية -من المعتزلة ونحوهم- بأن أحدنا إنما كان متكلما؛ ~~لأنه فعل الكلام، قيل: هو لم2 يحدثه في غيره ولم يباين كلامه نفسه، وأنتم ~~تجعلون الكلام المباين3 للمتكلم كلاما له. # فإن قالوا: ولا نعقل4 الكلام إلا كلاما لمن فعله بمشيئته وقدرته، فإن ~~كلام أحدنا لم يكن كلاما له لمجرد5 قيامه بذاته، بل لكونه فعله. # قيل: أما كلام أحدنا6 فهو قائم به، وهو تكلم7 به في ذاته ومشيئته وقدرته، ~~فهو8 قد جمع الوصفين: أنه قائم بذاته، وأنه تكلم به9 بمشيئته وقدرته. فليس ~~جعلكم الكلام كلامه لمجرد كونه فعله PageV01P497 ~~بأولى من جعل غيركم الكلام كلاما له لمجرد كونه قام1 بذاته. # وهذا موضع تنازعت فيه الصفاتية بعد اتفاقهم على تضليل الجهمية من ~~الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم - على قولين مشهورين، حتى القائلون بأن الكلام ~~معنى قائم بنفس المتكلم وراء الأصوات تنازعوا في ذلك، كما ذكره أبو محمد بن ~~كلاب فيما حكاه عنه أبو بكر بن ms249 فورك # قال ابن فورك: «فأما صريح عبارته [-يعني عبارة ابن كلاب-2] وما نص عليه ~~في كتاب «الصفات الكبير» 3 في تحقيق الكلام، فإنه قال: فأما الكلام، فإنه ~~على ما شاهدناه4 منه معنى قائم بالنفس: فقوم يزعمون أنه نعت لها، وقوم ~~يزعمون أنه فعل من أفعالها، إلا أنه5 يعبر عنه بالألفاظ والكتاب والإيماء، ~~وكل ذلك قد يسمى كلاما وقولا لأدائه ما يؤدى عن تلك المعاني الخفيات». # وكذلك أبو بكر عبد العزيز ذكر في كتابه ما ذكره القاضي أبو يعلى6 عنه؛ أن ~~أصحاب الإمام أحمد تنازعوا في معنى قولهم: القرآن غير مخلوق: هل المراد به ~~أنه صفة لازمة له كالعلم والقدرة؛ أو أنه يتكلم PageV01P498 ~~إذا شاء1 ويسكت إذا شاء. ### || AUTO [تعلق مسألة الكلام بمسألة قيام الأفعال الاختيارية بالله ~~تعالى]: # وهذه المسألة متعلقة بمسألة «قيام الأفعال بذاته المتعلقة بمشيئته». هل ~~يجوز2 أم لا؟ كالإتيان، والمجيء، والاستواء، ونحو ذلك، وتسمى3 «مسألة حلول ~~الحوادث» 4. وكل طائفة من طوائف الأمة وغيرهم5 فيها على قولين، حتى ~~الفلاسفة لهم فيها قولان: لمتقدميهم ومتأخريهم6، وذكر أبو عبد الله الرازي ~~أن جميع الطوائف تلزمهم هذه المسألة وإن لم يلتزموها7. # وأول من صرح بنفيها الجهمية من المعتزلة ونحوهم، ووافقهم على ذلك أبو ~~محمد بن كلاب وأتباعه كالحارث المحاسبي8 وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن ~~الأشعري9، ومن وافقهم10 من أتباع الأئمة PageV01P499 ~~كالقاضي أبي يعلى وأبي الوفا ابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني، وهو قول ~~طائفة من متأخري أهل الحديث كأبي حاتم البستي1 والخطابي2 ونحوهما. # وكثير من طوائف أهل الكلام3 يثبتها؛ كالهشامية4، والكرامية، والزهيرية5، ~~وأبي معاذ التومني6 وأمثالهم، كما ذكره الأشعري عنهم في «المقالات». [*وهو ~~قول أساطين الفلاسفة7 المتقدمين*]، وأبي8 البركات صاحب «المعتبر» وغيره من ~~المتأخرين9. PageV01P500 # وهو قول جمهور أئمة الحديث، كما ذكره عثمان بن سعيد الدارمي، وإمام الأئمة ~~أبو بكر بن خزيمة وغيرهما عن مذهب السلف والأئمة، وكما ذكره شيخ الإسلام ~~أبو إسماعيل1 الأنصاري وأبو عمر بن عبد البر النمري. وقاله طوائف من أصحاب ~~أحمد: كالخلال وصاحبه2 وأبن حامد3 وأمثالهم، وقاله داود بن ms250 علي الأصفهاني4 ~~وأتباعه، وهو مقتضى ما ذكروه5 عن السلف والأئمة من الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم، إلى عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاري صاحب «الصحيح» ~~وأمثالهم، وعليه يدل كلام السلف. # فهؤلاء6 إذا قالوا: المتكلم من قام به الكلام، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته. ~~خصموا المعتزلة، وانقطعت حجتهم عنهم؛ فإنهم اعتبروا الوصفين جميعا، فمن جعل ~~المتكلم من قام به الكلام7 وإن لم يكن متكلما بمشيئته وقدرته، أو جعله من ~~فعله بمشيئته وقدرته وإن لم يكن PageV01P501 ~~قائما به حذف1 أحد الوصفين. # ولا ريب أن الطرق الدالة على الإثبات والنفي إما السمع وإما العقل؛ أما ~~السمع، فليس مع النفاة منه شيء، بل القرآن والأحاديث هي من جانب الإثبات؛ ~~كقوله تعالى2: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82]، ~~وقوله تعالى4: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} [القصص: 65]، ~~وقوله: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105]، ~~وقوله: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} [الأعراف: ~~54] 3، وقوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت: 11]. وقوله: {هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} ~~[الأنعام: 158]. وأمثال ذلك مما في القرآن فإنه كثير جدا. # وكذلك الأحاديث الصحيحة4؛ كقوله عليه الصلاة والسلام5، لما صلى بهم صلاة ~~الصبح بالحديبية6 على أثر سماء كانت من الليل: (أتدرون ماذا قال ربكم ~~الليلة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنه قال: أصبح من عبادي مؤمن بي ~~وكافر بي) 7، وما يذكره من خطابه للعباد يوم القيامة، وخطابه للملائكة، ~~وأمثال ذلك. # بل كل ما تحتج به المعتزلة على أن القرآن مخلوق من نحو هذا، [*فإنه لا ~~يدل على أنه بائن منه، وإنما يدل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته*]، PageV01P502 ~~فيمكن1 هؤلاء2 التزامه [*ويكون قولهم متضمنا للإيمان بجميع ما أنزله الله ~~مما يدل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وعلى أن كلامه غير مخلوق، بخلاف ~~غيرهم؛ فإنه يقرر بعض النصوص ويرد بعضها بتحريف أو تفويض*]. ومن جعله3 ~~متكلما بمشيئة وقدرته، [*وقال: «إن كلامه قائم به*]» زال ms251 عنه هذا كله، ~~والمنازع لهم يحتاج أن يقرر بالعقل امتناع ذلك، ثم يبين أنه يمكن تأويله. # فأما الطرق العقلية؛ فالمثبتون يقولون: إنها من جانبهم دون جانب النفاة ~~-كما تزعم النفاة أنها من جانبهم- وذلك أنهم قالوا: إن قدرته على ما يقوم ~~به من الكلام والفعل صفة كمال، كما أن ما يقوم به من العلم والقدرة صفة ~~كمال، ومن المعلوم أن من قدر على أن يفعل ويتكلم أكمل ممن لا يقدر على ذلك، ~~كما أن قدرته على أن يبدع الأشياء صفة كمال، والقادر على الخلق أكمل ممن لا ~~يقدر على الخلق. وقالوا: الحي لا يخلو عن هذا، والحياة هي المصححة لهذا، ~~كما هي المصححة لسائر الصفات، وإذا قدر حي لا يقدر على أن يفعل بنفسه ~~ويتكلم بنفسه كان عاجزا بمنزلة الزمن4 والأخرس، كما أنه إذا قدر حي لا يسمع ~~ولا يبصر كان أصم أعمى. فما من طريق يسلكه الصفاتية في إثبات صفاته إلا ~~يسلك5 هؤلاء6 نظيره من إثبات ذلك. PageV01P503 # ولا ريب أن النفاه نوعان1: ### || AUTO [نفاة قيام الأفعال الاختيارية بالله نوعان: # 1 - الجهمية والمعتزلة]: # أحدهما -وهم الأصل- المعتزلة ونحوهم من الجهمية، فهؤلاء2 ينفون الصفات ~~مطلقا، وحجتهم على نفي قيام الأفعال به من جنس حجتهم على نفي قيام الصفات ~~به، [*وهم يسوون في النفي بين هذا وهذا، كما صرحوا بذلك، وليس لهم حجة تختص ~~بنفس قيام الحوادث*]. ### || AUTO [2 - الصفاتية كابن كلاب والأشعري]: # وأما مثبتة الصفات الذين ينفون الأفعال الاختيارية3 القائمة به كابن كلاب ~~والأشعري، فإنهم فرقوا بين4 هذين بأنه لو جاز قيام الحوادث به لم يخل ~~منها5؛ لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن6 ضده، وما لا يخلو من الحوادث فهو ~~حادث. وبهذا استدلوا على حدوث الأجسام؛ لأنها لا تخلو من الأعراض الحادثة: ~~كالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق7. # فأجابهم الأولون8 بثلاثة أجوبة: ### || AUTO [مناقشة المثبتة للنوع الثاني]: # أحدها: أن استدلالكم بقيام الأفعال به على حدوثه هو نظير استدلال ~~المعتزلة بقيام الصفات به على حدوثه، وقالوا: الصفات أعراض، والأعراض لا ~~تقوم إلا بجسم، ففرقتم أنتم ms252 بين الصفات وهي اللازمة وبين الأعراض، وهو فرق ~~صوري، يرجع في الحقيقة إلى الاصطلاح؛ فإن جاز أن تقوم به الصفات التي هي ~~أعراض في غيره، ولا يكون جسما محدثا - جاز أن تقوم به الأفعال التي هي ~~حركات في غيره، ولا يكون جسما محدثا، وهذا إلزام. PageV01P504 # الثاني: قالوا لهم: لا نسلم أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. وقد ~~اعترف أبو عبد الله الرازي وأبو الحسن الآمدي ونحوهما بفساد هذا الأصل، ~~وعليه بنى الأشعري وأصحابه كلامهم في مسألة «امتناع قيام الحوادث به» ~~ومسألة «القرآن» ونحوهما من المسائل. # الثالث: هب أنه لا يخلو عنه وعن ضده، وأن ذلك يستلزم تعاقب الحوادث، لكن ~~لا نسلم أن ذلك يسلتزم حدوث ما قام به. # قالوا: والدليل الذي ذكرتموه على حدوث العالم من هذا الوجه دليل ضعيف، ~~وقد ألزمكم الفلاسفة فيه إلزاما لم تنفصلوا عنه، ولا يمكنكم الانفصال عنه ~~إلا بتجويز ذلك على القديم. # فإنهم قالوا: ما حدث بعد أن لم يكن لا بد له من سبب حادث، فإن ذلك الحادث ~~ممكن، والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، والمرجح إن لم يجب ~~حصول الممكن عند حصوله لم يكن مرجحا تاما، فافتقر إلى تمامه. ثم القول في ~~حدث ذلك التمام كالقول في حدوث الأول، فلا بد من مرجح تام يجب عنده الحادث، ~~فلا بد لكل حادث من سبب تام يحصل الحادث عند تمام ذلك السبب: فإذا كان ~~العالم محدثا بعد أن لم يكن، ولم يحدث سبب يقتضي حدوثه - فلم يكن حين ~~إبداعه أمر يوجب ترجيحه لم يكن قبل إبداعه، بل الحالان سواء - فيلزم ترجيح ~~الحدوث بلا مرجح. # وهذا الموضع هو أصعب المواضع1 على المتكلمين في بحثهم مع الفلاسفة في ~~مسألة «حدوث العالم»، وهذه الشبهة أقوى شبهة الفلاسفة؛ فإنهم لما رأوا أن ~~الحدوث يمتنع إلا بسبب حادث؛ قالوا: والقول في ذلك الحادث كالقول في الأول. # وقال2 هؤلاء المثبتة لقيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى: وعلى PageV01P505 ~~أصلنا يبطل كلام الفلاسفة؛ فإنه يقال لهم: أنتم تجوزون قيام ms253 الحوادث ~~بالقديم؛ إذ الفلك قديم -عندكم- والحركات تقوم به، وتجوزون حوادث لا أول ~~لها؛ وتعاقب الحركات على الشيء لا يسلتزم حدوثه، واذا كان كذلك فلم لا ~~يجوز1 أن يكون الخالق للعالم له أفعال اختيارية تقوم به يحدث بها الحوادث، ~~ولا يكون تسلسلها وتعاقبها دليلا على حدوث ما قامت به. # قال هؤلاء لأصحابهم الذين أثبتوا حدوث العالم بهذه الطريق2: [هذه الطريق] ~~3 تسلط عليكم الفلاسفة في مسألة «حدوث العالم»؛ فإنكم إذا أثبتم حدوث ~~العالم، وقلتم: المحدث لا بد له من محدث؛ لأن تخصيص الحوادث ببعض الأوقات ~~دون بعض لا بد له من مخصص - قال لكم الدهرية: فأنتم تجوزون الحدوث من غير ~~سبب حادث يقتضي التخصيص ببعض الحوادث دون بعض. # فإن قلتم: القديم يخصص مثلا عن مثل بلا سبب أصلا. جوزتم تخصيص أحد ~~المثلين على الآخر بغير مخصص، وهذا يفسد عليكم إثبات العلم بالصانع، وهو ~~المقصود بطريقكم، فسلكتم طريقا لم تحصل المقصود من العرفان، وسلطتم عليكم ~~أهل الضلال والعدوان، كمن أراد أن يغزو العدو بغير طريق شرعي؛ فلا فتح ~~بلادهم، ولا حفظ بلاده، بل سلطهم حتى صاروا يحاربونه بعد أن كانوا عاجزين عنه. # ولهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام المحدث المخالف للكتاب والسنة؛ إذ كان ~~فيه من الباطل في الأدلة والأحكام ما أوجب تكذيب بعض ما أخبر به الرسول ~~وتسلط4 العدو على أهل الإسلام. # وليس هذا موضع بسط الكلام في هذه الأمور الكبيرة العظيمة5، بل PageV01P506 ~~نبهنا عليها تنبيها مختصرا بحسب ما يحتمله هذا المقام؛ فإن الكلام في مسألة ~~«الكلام» حير عقول أكثر الأنام: الذين ضعفت معرفتهم واتباعهم لما بعث الله ~~به رسله الكرام1. ولهم طرق سمعية في تقريره يطول ذكرها. ### || AUTO [2 - الطرق العقلية]: # وأما الطرق العقلية فمن وجوه2: # أحدهما: أن الحي إذا لم يتصف بالكلام لزم اتصافه بضده: كالسكوت والخرس، ~~وهذه آفة يتنزه الله عنها، فتعين اتصافه بالكلام، وهذا المسلك يسلكونه في ~~إثبات كونه سميعا بصيرا أيضا؛ فإنه إذا كان حيا ولم يكن سميعا بصيرا لزم ~~اتصافه بضد ذلك من الصمم والعمى. ms254 # الثاني: أن الكلام صفة كمال. وهنا من جعله صفة لا تتعلق بمشيئته ~~واختياره: جعله كالعلم والقدرة، ومن قال: إنه يتعلق بمشيئته وقدرته، وقال: ~~كونه متكلما يتكلم إذا شاء صفة كمال. وقد يقول بطرد ذلك في كونه فاعلا ~~الأفعال الاختيارية القائمة بنفسه، ويجعل هذا كله من صفات الكمال، وقد ~~يقول: القدرة على ذلك هي صفة الكمال؛ إذ الكمال لا يجوز أن يفارق الذات، ~~فإنه لم يزل ولا يزال كاملا مستحقا لجميع صفات الكمال؛ فالقدرة على كونه ~~يقول ما شاء ويفعل ما شاء صفة كمال، فالقدرة وحدها غير القدرة مع ما يقترن ~~بها من المقدور3. # وهذا ينبني على أن ما يقوم به من ذلك: هل كله مسبوق بالعدم أو لم يزل ذلك ~~يقوم به؟ وفيه لهم قولان: # أحدهما: أنه مسبوق بالعدم، كما تقوله الكرامية وغيرهم. PageV01P507 # والثاني: أنه ليس مسبوقا بالعدم، وهو مذهب أكثر أهل الحديث، وكثير من أهل ~~الكلام والفقه والتصوف. # الثالث: أن يقال: المخلوق ينقسم إلى متكلم وغير متكلم، والمتكلم أكمل من ~~غير المتكلم، وكل كمال هو في المخلوق [فهو] 1 مستفاد من الخالق، فالخالق به ~~أحق وأولى. ومن جعله لا يتكلم فقد شبهه بالموات والجماد الذي لا يتكلم، ~~وذلك صفة نقص، إذ المتكلم أكمل من غيره. قال تعالى في ذم من يعبد من لا ~~يتكلم ولا ينفع ولا يضر: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ~~ولا نفعا} [طه: 89]. وقال في الآية الأخرى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا} [الأعراف: 148]. وقال تعالى: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما ~~أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي ~~هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} [النحل: 76]. فعاب الصنم بأنه ~~أبكم لا يقدر على شيء؛ إذ كان من المعلوم أن العجز عن النطق والفعل صفة ~~نقص، فالنطق والقدرة صفة كمال. # والفرق بين هذه الطريق وبين التي قبلها أن هذه استدلال بما في المخلوق من ~~الكمال على أن الخالق أحق به، ms255 وأنه يمتنع أن يكون مضاهيا للناقص؛ والأولى ~~أنه مستحق لصفات الكمال من حيث هي هي، مع قطع النظر عن كونها ثابتة في ~~المخلوقات، لامتناع النقص عليه بوجه من الوجوه سبحانه وتعالى. ### | AUTO فصل ### || AUTO [شرح دليل الأصبهاني على إثبات السمع والبصر]: # قال [المصنف] 2: «والدليل على كونه سميعا بصيرا: السمعيات». # قلت: إثبات كونه سميعا بصيرا، وأنه ليس هو مجرد العلم بالمسموعات ~~والمرئيات، هو قول أهل الإثبات قاطبة من أهل السنة PageV01P508 ~~والجماعة: من السلف والأئمة، وأهل الحديث والفقه والتصوف، والمتكلمين من ~~الصفاتية: كأبي محمد بن كلاب، وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري ~~وأصحابه. # وطائفة من المعتزلة البصريين، بل قدماؤهم على ذلك، ويجعلونه سميعا بصيرا ~~لنفسه، كما يجعلونه عالما قادرا لنفسه. وإثبات ذلك كإثبات كونه متكلما، بل ~~هو أقوى من بضع الوجوه، فإن المعتزلة البصريين يثبتون مدركا، مثل كونه ~~عليما قديرا، بخلاف كونه متكلما، فإنه من باب كونه خالقا. # وللناس في إثبات كونه سميعا بصيرا طرق: ### || AUTO [طرق إثبات السمع والبصر: ### || AUTO الطريق الأول: الأدلة السمعية]: # أحدها: السمع1 - كما ذكره - وهو ما في الكتاب والسنة من وصفه بأنه سميع بصير. # ولا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى؛ لأن الله فرق بين العلم ~~وبين السمع والبصر، وفرق بين السمع والبصر؛ وهو لا يفرق بين علم وعلم لتنوع ~~المعلومات. # قال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع ~~العليم} [فصلت: 36]. وفي موضع آخر: {إنه سميع عليم} [الأعراف: 200]. وقال2: ~~{وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}؛ ذكر سمعه لأقوالهم، وعلمه ليتناول ~~باطن أحوالهم. وقال لموسى وهارون: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46]. # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر: {إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ~~إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} [النساء: 58]؛ ووضع إبهامه ~~على أذنه، وسبابته على عينه.3 PageV01P509 ~~ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة، لا تمثيل الخالق بالمخلوق، فلو كان ~~السمع ms256 والبصر العلم لم يصح ذلك. ### || AUTO [الطريق الثاني: دليل عقلي]: # الطريق الثاني1: أنه لو لم يتصف بالسمع والبصر لاتصف بضد ذلك، وهو العمى ~~والصمم -كما قالوا مثل ذلك في الكلام- وذلك لأن المصحح لكون الشيء سميعا ~~بصيرا متكلما هو الحياة، فإذا انتفت الحياة امتنع اتصاف المتصف بذلك؛ ~~فالجمادات2 لا توصف بذلك لانتفاء الحياة فيها، وإذا كان المصحح هو الحياة ~~كان الحي قابلا لذلك، فإن لم يتصف به لزم اتصافه بأضداده بناء على أن ~~القابل للضدين لا يخلو من اتصافه بأحدهما؛ إذ لو جاز خلو الموصوف عن جميع ~~الصفات المتضادات لزم وجود عين لا صفة لها، وهو وجود جوهر بلا عرض يقوم به. # وقد علم بالاضطرار امتناع خلو الجواهر عن الأعراض، وهو امتناع خلو ~~الأعيان والذات عن الصفات، وذلك بمنزلة أن يقدر المقدر جسما، لا متحركا ولا ~~ساكنا، ولا حيا ولا ميتا، ولا مستديرا ولا ذا جوانب. # ولهذا أطبق العقلاء من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم على إنكار زعم من زعم ~~تجويز وجود جوهر خال عن جميع الأعراض، وهو الذي PageV01P510 ~~يحكى عن [بعض] 1 قدماء الفلاسفة من تجويز وجود مادة خالية عن جميع الصور، ~~ويذكر هذا عن شيعة أفلاطون، وقد رد ذلك عليهم أرسطو وأتباعه. # وقد بسطنا الكلام في الرد على هؤلاء في غير هذا الموضع، وبينا أن ما ~~يدعيه2 شيعة أفلاطون من إثبات مادة في الخارج خالية عن جميع الصور، ومن ~~إثبات خلاء موجود غير الأجسام وصفاتها، [ووجود مدة موجودة وهو جوهر غير ~~الأجسام وصفاتها] 3، من إثبات المثل الأفلاطونية: وهو إثبات حقائق كلية ~~خارجة عن الذهن غير مقارنة للأعيان الموجودة - كل ذلك أمور ذهنية جردها ~~الذهن وانتزعها من الحقائق الموجودة المعينة، فظنوها ثابتة في الخارج عن ~~أذهانهم. # كما ظن قدماؤهم الفيثاغورية أن العدد أمر موجود في الخارج، بل وما ظنه ~~أرسطو وشيعته من إثبات مادة في الخارج مغايرة للجسم المحسوس وصفاته، وإثبات ~~ماهيات كلية للأعيان مقارنة لأشخاصها في الخارج. هو أيضا من باب الخيال؛ ~~حيث اشتبه عليه ما في الذهن بما في ms257 الخارج، وفرق بين الوجود والماهية في ~~الخارج. # وأصل ذلك أن الماهية -في غالب اصطلاحهم- اسم لما يتصور في الأذهان، ~~والوجود اسم لما يوجد في الأعيان. والفرق بين ما في الذهن وما في الخارج لا ~~ينازع فيه عاقل فهمه، لكنهم بعدها ظنوا أن في الخارج ماهية للشيء الموجود ~~مغايرة للشخص الموجود في الخارج. # وهذا غلط؛ بل ما في النفس -سواء سمي وجودا ذهنيا4، أو ماهية ذهنية، أو ~~غير ذلك- هو مغاير لما في الخارج، سواء سمي ذلك وجودا PageV01P511 ~~أو ماهية أو غير ذلك. وأما أن يقال: إن في الخارج في الجوهر المعين الموجود ~~-كالإنسان مثلا- جوهرين: أحدهما ماهيته1 والآخر وجوده - فهذا باطل؛ كبطلان ~~قولهم: إن فيه جوهرين: أحدهما مادته والآخر صورته؛ وكقولهم: إنه مركب من ~~الحيوانية والناطقية. # فإن الحيوانية والناطقية إن أرادوا أنها جوهران: وهما الحيوان والناطق - ~~فالشخص المعين هو الحيوان وهو الناطق، وليس2 هنا شخصان: أحدهما حيوان ~~والآخر ناطق. وإن أردوا نفس الحياة والنطق، فهذان3 صفتان قائمتان بالإنسان، ~~وصفة الموصوف قائمة به قيام العرض بالجوهر، والجوهر لا يتركب من أعراضه ~~القائمة به، ولا يكون وجود أعراضه سابقا لذاته. والكلام على هذا مبسوط في ~~غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أن أرسطو وأتباعه وأمثاله4 من أهل الفلسفة أنكروا على من ~~جوز منهم وجود مادة بلا صورة، فهم مع أصناف أهل الكلام وسائر العقلاء ~~متفقون على امتناع خلو الجسم عن جميع الصفات والأعراض، وإن جوز ذلك ~~الصالحي5 ابتداء، فلم يجوزه دواما، والجمهور منعوه ابتداء ودواما. PageV01P512 # وإنما تنازع الناس في استلزامه لجميع أجناس الأعراض؛ فقيل: إنه لا بد أن ~~يقوم به من الأعراض المتضادة واحد منها1، وما لا ضد له لا بد أن يقوم به ~~واحد من جنسه، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه. # وقيل: لا بد أن يقوم به الأكوان: وهي الحركة أو السكون، والاجتماع أو ~~الافتراق2؛ ويجوز خلوه عن غيرها، وهو قول البصريين من المعتزلة. وقيل: يجوز ~~خلوه عن الأكوان دون الألوان، كما يذكر الكعبي3 وأتباعه من البغداديين ~~منهم، وهؤلاء قد يتنازعون في قبول الشيء من ms258 الأجسام لكثير4 من الأعراض، ~~ويتفقون على امتناع خلو الجسم عن العرض وضده بعد قبوله له؛ وذلك لأن خلو ~~الموصوف عن الضدين اللذين لا ثالث لهما مع قبوله لهما ممتنع في العقول5. # وبهذا يتبين أن الحي القابل للسمع والبصر والكلام إما أن يتصف بذلك، وإما ~~أن يتصف بضده وهو الصمم والبكم والخرس؛ ومن قدر خلوه عنهما، فهو مشابه ~~للقرامطة الذين قالوا: لا يوصف بأنه حي ولا PageV01P513 ~~ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز. بل قالوا: لا يوصف بالإيجاب ~~ولا بالسلب، فلا يقال: هو حي عالم، ولا يقال: ليس بحي عالم؛ ولا يقال: هو ~~عليم قدير، ولا يقال: ليس بقدير عليم؛ ولا يقال: هو متكلم مريد، ولا يقال: ~~ليس بمتكلم مريد. قالوا: لأن في الإثبات تشبيها بما تثبت له هذه الصفات، ~~وفي النفي تشبيه1 له بما ينفى عنه هذه الصفات2. ### || AUTO [مقالة ابن حزم في أسماء الله، والرد عليها]: # وقد قاربهم في ذلك من قال من متكلمة الظاهرية كابن حزم3: إن أسماءه4 ~~الحسنى -كالحي والعليم والقدير- بمنزلة أسماء الأعلام التي5 لا تدل على ~~حياة ولا علم ولا قدرة؛ وقال6: ولا فرق بين PageV01P514 ~~الحي وبين العليم وبين القدير في المعنى أصلا. # ومعلوم أن مثل هذه المقالات سفسطة في العقليات وقرمطة في السمعيات؛ فإنا ~~نعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والعليم والقدير2 والملك والقدوس والغفور، ~~وأن العبد إذا قال: «رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور» كان قد ~~أحسن في مناجاة ربه3؛ وإذا PageV01P515 ~~قال: «اغفر لي وتب علي، إنك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب». لم يكن ~~محسنا1 في مناجاته؛ وأن الله أنكر على المشركين الذين امتنعوا2 من تسميته ~~«بالرحمن»؛ فقال تعالى: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ~~أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} [الفرقان: 60]؛ وقال تعالى: {ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} ~~[الأعراف: 180]؛ وقال تعالى: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ~~لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل ms259 هو ربي لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وإليه متاب} [الرعد: 30]؛ وقال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110]. # ومعلوم أن الأسماء إذا كانت أعلاما وجامدات لا تدل على معنى - لم يكن فرق ~~فيها بين اسم واسم، فلا3 يلحد أحد في اسم دون اسم، ولا ينكر عاقل اسما دون ~~اسم، بل قد يمتنع عن تسميته مطلقا، ولم يكن المشركون يمتنعون عن تسمية الله ~~بكثير من أسمائه، وإنما امتنعوا عن بعضها. # وأيضا فالله له الأسماء الحسنى دون السوآى، وإنما يتميز الاسم الحسن عن ~~الاسم السيء بمعناه، فلو كانت [الأسماء] 4 كلها بمنزلة الأعلام الجامدات ~~-التي لا تدل على معنى- لم تنقسم إلى حسنى وسوآى، بل هذا القائل لو سمى ~~معبوده5 بالميت والعاجز والجاهل، بدل الحي والعالم والقادر، لجاز ذلك عنده. # فهذا ونحوه قرمطة ظاهرة من هؤلاء الظاهرية، الذين يدعون الوقوف PageV01P516 ~~مع الظاهر، وقد قالوا بنحو مقالة القرامطة الباطنية في باب توحيد الله ~~وأسمائه وصفاته، مع ادعائهم الحديث ومذهب السلف، وإنكارهم على الأشعري ~~وأصحابه أعظم إنكار. ومعلوم أن الأشعري وأصحابه أقرب إلى السلف والأئمة ~~ومذهب أهل1 الحديث في هذا الباب من هؤلاء بكثير. # وأيضا فهم يدعون أنهم يوافقون أحمد2 بن حنبل ونحوه من الأئمة في مسائل ~~«القرآن» و«الصفات»، وينكرون على الأشعري وأصحابه، والأشعري وأصحابه أقرب ~~إلى أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة في مسائل «القرآن» و«الصفات» منهم تحقيقا ~~وانتسابا. # أما تحقيقا، فمن عرف مذهب الأشعري وأصحابه، ومذهب ابن حزم وأمثاله من ~~الظاهرية في باب الصفات، تبين3 له ذلك، وعلم هو وكل من فهم المقالتين أن ~~هؤلاء الظاهرية الباطنية أقرب إلى المعتزلة، بل إلى الفلاسفة من الأشعرية، ~~وأن الأشعرية أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث منهم4. # [*وأيضا، فإن إمامهم داود وأكابر أصحابه كانوا من المثبتين للصفات، على ~~مذهب أهل السنة والحديث، ولكن من أصحابه طائفة سلكت مسلك المعتزلة، وهؤلاء ~~وافقوا المعتزلة في مسائل الصفات، وإن خالفوهم في القدر والوعيد*]. # وأما الانتساب، فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد ms260 خصوصا، وسائر ~~أئمة أهل5 الحديث عموما، ظاهر مشهور في كتبهم كلها. PageV01P517 # وما في كتب الأشعري مما يوجد مخالفا للإمام أحمد وغيره من الأئمة، فيوجد في ~~كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد -كأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الفرج ابن ~~الجوزي1 وصدقة بن الحسين2 وأمثالهم3 - ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من ~~قول الأشعري وأئمة أصحابه. # ومن هو أقرب4 إلى أحمد والأئمة -من مثل ابن عقيل وابن الجوزي ونحوهما- ~~كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل التميمي5، وابن PageV01P518 ~~ابنه رزق الله التميمي1، ونحوهم، وأئمة أصحاب الأشعري؛ كالقاضي أبي بكر بن ~~الباقلاني، وشيخه أبي عبد الله ابن مجاهد2، وأصحابه كأبي علي بن شاذان3، ~~وأبي محمد بن اللبان4، بل وشيوخ شيوخه؛ كأبي العباس القلانسي وأمثاله، بل ~~والحافظ أبو بكر البيهقي وأمثاله - أقرب إلى السنة5 من كثير من أصحاب ~~الأشعري المتأخرين، الذين خرجوا عن كثير من قوله إلى قول المعتزلة أو ~~الجهمية6 أو الفلاسفة؛ فإن كثيرا من متأخري أصحاب الأشعري خرجوا عن قوله ~~إلى قول المعتزلة أو الجهمية4 PageV01P519 ~~أو الفلاسفة؛ إذ1 صاروا واقفين في ذلك، كما سننبه عليه. # وما في هذا الاعتقاد المشروح2 هو موافق لقول الواقفة، الذين لا يقولون ~~بقول الأشعري وغيره من متكلمة أهل3 الإثبات، وأهل السنة والحديث والسلف، بل ~~يثبتون ما وافقه عليه المعتزلة البصريون، فإن المعتزلة البصريين يثبتون ما ~~في هذا الاعتقاد، ولكن الأشعري وسائر متكلمة أهل الإثبات -مع أئمة السنة ~~والجماعة- يثبتون4 الرؤية، ويقولون: القرآن غير مخلوق، ويقولون: إن5 الله ~~حي بحياة، عالم بعلم، قادر بقدرة، وليس في هذا الاعتقاد شيء من هذا ~~الإثبات. # وقد رأيت اعتقادا مختصرا لصاحب مصنف هذا الاعتقاد المشروح، وهو6 مشهور ~~بالعلم والحديث، وهو في الظاهر أشعري عند الناس، ورأيت اعتقاده على هذا ~~النمط؛ ذكر فيه # أن الله متكلم آمر ناه -كما يوافق عليه المعتزلة- ولم يذكر أن القرآن غير ~~مخلوق، ولا أثبت الرؤية، بل جعلها مما يتأول7. [*وكان يميل إلى الجهمية ~~الذين ناظروا أحمد بن حنبل وسائر أئمة السنة في مسألة «القرآن»، ويرجح ~~جانبهم، وحكي8 عنه8 ذم وسب ms261 لأحمد بن حنبل. # وهو بنى اعتقاده وركبه من قول الجهمية ومن قول الفلاسفة القائلين بقدم ~~العقول والنفوس، وهو من جنس القول المضاف إلى ديمقراطيس*]، وليس هذا مذهب ~~الأشعرية؛ بل هم متفقون على أن القرآن غير مخلوق، وعلى أن الله يرى في ~~الآخرة. PageV01P520 ### || AUTO [قد ينتسب الشخص إلى مذهب معين دون أن يحقق هذا الانتساب]: # وإن قيل: إن في ذلك تدليسا أو خطأ أو غير ذلك. فليس المقصود هنا تصويب ~~قائل معين ولا تخطئته، ولا بيان ما في مقالته من الخطأ والصواب، وموافقة ~~السلف ومخالفتهم، بل أن تعلم1 مقالة كل شخص على حقيقتها، ثم الحق يجب ~~اتباعه بما أقام الله عليه من البرهان. # ثم هذا الاعتقاد المشروح مع2 أنه ليس فيه زيادة على اعتقاد المعتزلة ~~البصريين؛ فاعتقاد المعتزلة البصريين خير منه، فإن في هذا المعتقد من ~~اعتقاد المتفلسفة في التوحيد ما لا يرضاه المعتزلة، كما نبهنا عليه فيما ~~تقدم، وبينا3 أن ما ذكره من التوحيد ودليله هو مأخوذ من أصول الفلاسفة، ~~وأنه من أبطل الكلام. # وهذه الجمل نافعة؛ فإن كثيرا من الناس ينتسب إلى السنة أو الحديث، أو ~~اتباع مذهب السلف أو الأئمة4، أو مذهب الإمام أحمد أو غيره من الأئمة، أو ~~قول الأشعري أو غيره - ويكون في أقواله ما ليس بموافق لقول من انتسب إليهم، ~~فمعرفة ذلك نافعة جدا. # كما تقدم في الظاهرية الذين ينتسبون إلى الحديث والسنة، حتى أنكروا ~~القياس5 الشرعي المأثور عن السلف والأئمة، ودخلوا في الكلام الذي ذمه السلف ~~والأئمة، حتى نفوا حقيقة أسماء الله6 وصفاته، وصاروا مشابهين للقرامطة ~~الباطنية، بحيث تكون مقالة المعتزلة في أسماء الله أحسن من مقالتهم، فهم مع ~~دعوى الظاهر يقرمطون في توحيد الله وأسمائه. PageV01P521 # وأما السفسطة في العقليات فظاهرة؛ فإنه من المعلوم بصريح العقل امتناع ~~ارتفاع النقيضين1 جميعا، وأنه لا واسطة بين النفي والإثبات، فمن قال: إنه ~~لا يصف الرب بالإثبات؛ فلا يقول: «إنه حي عليم قدير» ولا يصفه بالنفي؛ فلا ~~يقول: «ليس بحي عليم قدير» - فقد امتنع عن # النقيضين جميعا، والامتناع ms262 عن النقيضين كالجمع بين النقيضين؛ فإن ~~النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان. ### || AUTO [مقالة أبي يعقوب السجستاني القرمطي في كتابه «الأقاليد ~~الملكوتية» في رفع النقيضين عن الله تعالى، والتعليق عليها]: # وهذا مما رأيته قد اعتمد عليه أئمة القرامطة، كصاحب كتاب «الأقاليد ~~الملكوتية» أبي يعقوب السجستاني2؛ فإنهم قالوا: نحن لم نجمع3 بين النقيضين؛ ~~فنقول: إنه حي وليس بحي. بل رفعنا النقيضين؛ فقلنا: لا موصوف ولا لا موصوف. # قال هذا القرمطي المصنف -الذي رأيته من أفضل هؤلاء القرامطة-: «الإقليد ~~العاشر: في أن من عبد الله بنفي الصفات والحدود لم يعبده حق عبادته؛ إذ ~~عبادته واقعة لبعض المخلوقين؛ فإن قوما من الأوائل وجماعة من فرق الإسلام ~~لم يعبدوا الله حق عبادته، ولم يعرفوه بحقيقة المعرفة؛ فقالوا: إن الله غير ~~موصوف ولا محدود ولا منعوت ولا مرئي ولا في مكان. وتوهموا أن هذا المقدار ~~تمجيد لله عز وجل4 وتعظيم له، وأنهم قد تخلصوا من الشرك والتشبيه، وإذا هم ~~قد وقعوا في الحيرة والتيه5؛ لأنهم لما نفوا الصفات والحدود والنعوت عن ~~الباري تقدست PageV01P522 ~~عظمته، لئلا يكون بينه وبين خلقه مشابهة ولا مماثلة: فنحن نسألهم بعد عن ~~الموصوف والمحدود والمنعوت من خلقه، أهو الصفة والحد والنعت أم الموصوف غير ~~صفته، والمحدود غير حده، والمنعوت غير نعته؟ # فإن قالوا: إن الصفة هي الموصوف، والحد هو المحدود، والنعت هو المنعوت، ~~لزمهم أن يقولوا: إن السواد هو الأسود، والبياض هو الأبيض. # وإن قالوا: الموصوف غير صفته، والمنعوت غير نعته، والمحدود غير حده، وهو ~~-أعني الموصوف والمحدود والمنعوت جميعا- مخلوق هذا الخالق الذي نزهتموه عن ~~الصفة والحد والنعت - أشركتم الخالق بالمخلوق الذي هو الصفة والحد والنعت ~~في باب أنها غير الموصوف [والخالق غير المخلوق] 1 عندكم، وإن جاز أن يشارك ~~المخلوق الخالق في وجه من الوجوه لم لا يجوز أن يشاركه في جميع الوجوه؟». # قال: «فإذن: من عبد الله بنفي الصفات واقع التشبيه الخفي، كما أن من عبده ~~بسمة الصفات واقع في التشبيه الجلي». # ثم أخذ يرد على المعتزلة، لكن رد2 عليهم ms263 ما أثبتوه من الحق، واحتج عليهم ~~بما وافقوه فيه من النفي، فإنه بهذا الطريق تمكنت القرامطة الزنادقة ~~الملاحدة من إفساد دين الإسلام؛ حيث احتجوا على كل مبتدع بما وافقهم عليه ~~من البدعة: من النفي3 والتعطيل، وألزموه لازم قوله، حتى قرروا التعطيل المحض. # قال القرمطي: «ومن أطم4 ما أتت به طائفة من أهل هذه النحلة في إقامة ~~رأيهم من أن المبدع سبحانه غير موصوف ولا منعوت أنهم أثبتوا PageV01P523 ~~له الأسامي التي لا تتعرى1 عن الصفات والنعوت؛ فقالوا: إنه سميع بالذات، ~~بصير بالذات، عالم بالذات. ونفوا عنه السمع والبصر والعلم، ولم يعلموا أن ~~هذه الأسامي إذا لزمت ذاتا من الذوات لزمته الصفات التي من أجلها وقعت ~~الأسامي؛ إذ لو جاز أن يكون عالما بغير علم، أو سميعا بغير سمع، أو بصيرا ~~بغير بصر؛ لجاز أن يكون الجاهل مع عدم العلم عالما، والأعمى مع فقد البصر ~~بصيرا، والأصم مع غيبوبة السمع سميعا. فلما لم يجز ما وصفناه صح أن العالم ~~إنما صار عالما لوجود العلم، والبصير2 لوجود البصر، والسميع لوجود السمع». # قال: «فإن قال قائل منهم: إنما نفينا عن البصير البصر؛ إذ كان3 اسم ~~«البصير» متوجها نحو ذات الخالق؛ لأنا هكذا شاهدنا أن من كان اسمه «البصير» ~~يلزمه4 من أجل البصر أن يجوز عليه العمى، ومن كان اسمه «السميع» يلزمه من ~~أجل السمع أن يجوز عليه الصمم، ومن كان اسمه العالم يلحقه من أجل العلم أن ~~يجوز عليه الجهل؛ والله تعالى لا يلحق به الجهل والعمى والصمم، فنفينا عنه ~~ما يلزم بزواله ضده5. # يقال له: ليس علة وجوب العمى البصر، ولا علة وجوب الصمم السمع، ولا علة ~~وجوب الجهل العلم، ولو كانت العلة فيه ما ذكرناه كان واجبا أنه متى وجد ~~البصر وجد العمى، أو متى وجد السمع وجد الصمم، أو متى وجد العلم وجد الجهل. ~~فلما وجد البصر في بعض ذوي البصر من غير ظهور عمى به، ووجد السمع كذلك في ~~بعض ذوي السمع من غير وجود صمم يتبعه، ووجد العلم في ms264 بعضهم من غير وجود جهل ~~به - صح أن العلة في ظهور الجهل والصمم والعمى ليس PageV01P524 ~~هو العلم والسمع والبصر، بل إمكان قبول الآفة1 في بعض ذوي العلم والسمع ~~والبصر. # والله تعالى ذكره ليس بمحل الآفات، ولا الآفات بداخلة عليه، فهو1 إذا ~~كان3 اسم «العالم» و«السميع» و«البصير» يتوجه نحو ذاته4 ذا علم وسمع وبصر، ~~فتعالى الله عما أضاف إليه الجهلة المفترون5 من هذه الأسامي بأنها لازمة له ~~لزوم الذوات6، بل هذه الأسامي مما تتوجه نحو الحدود المنصوبة -من العلوي ~~والسفلي7، والروحاني والجسماني- لمصلحة العباد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # قال: «ويقال لهم: إن كان الاستشهاد الذي استشهدتموه صحيحا، فإن الاستشهاد الآخر # الذي لا يفارق الاستشهاد الأول مثله في باب الصحة؛ لأنكم إن كنتم هكذا ~~شاهدتم أن من كان عالما من أجل علمه، أو سميعا من أجل سمعه، أو بصيرا من ~~أجل بصره، جاز عليه الجهل والعمى والصمم، فنحن كذلك شاهدنا أن من كان ~~عالما، فإن8 العلم سابقه، ومن كان بصيرا كان البصر قرينه، ومن كان سميعا ~~كان السمع شهيده. # فإن جاز لكم أن تتعدوا حكم الشاهد على الغائب9 في [*أحدهما؛ فتقولوا: جاز ~~أن يكون في الغائب عالم بغير علم، وبصير بغير بصر، وسميع بغير سمع - جاز ~~لنا أن نتعدى حكم الشاهد على الغائب في*] الباب الآخر؛ فنقول: إنا وإن كنا ~~لم نشاهد عالما بعلم إلا وقد جاز PageV01P525 ~~عليه الجهل، وبصيرا بالبصر إلا وقد جاز عليه العمى، وسميعا بالسمع إلا وقد ~~جاز عليه الصمم، [إلا أنه يجوز] 1 [*أن يكون في الغائب عالم بعلم لا يجوز ~~عليه الجهل، وبصير بالبصر لا يجوز عليه العمى، وسميع بالسمع لا يجوز عليه ~~الصمم*]، وإلا فما الفصل؟ ولا سبيل لهم إلى التفصيل بين الاستشهادين ~~فاعرفه». # فليتدبر2 المؤمن العليم كيف ألزم هؤلاء الزنادقة الملاحدة المنافقون، ~~الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب - للمعتزلة ونحوهم من نفاة ~~الصفات نفي أسماء الله الحسنى، وأن تكون أسماؤه الحسنى لبعض المخلوقات، ~~فيكون المخلوق هو المسمى بأسمائه الحسنى. # كقولهم في «الأول ms265 والآخر والظاهر والباطن»: إن الظاهر هو محمد الناطق، ~~والباطن هو علي الأساس، ومحمد هو الأول، وعلي هو الآخر. وتأويلهم قوله ~~تعالى: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64]. أن اليد الواحدة هو محمد، ~~والأخرى علي؛ وقوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد: 1] أن يديه هما ~~أبو بكر وعمر؛ لكونهما كانا مع أبي لهب في الباطن، فأمرهما بقتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فعجزا عن ذلك، فأنزل الله: {تبت يدا أبي لهب}. وأمثال هذه ~~التأويلات المعروفة عن القرامطة. # وأصل كلامهم استدلالهم بما يزعمونه من نفي التشبيه، وإلزامهم لكل من ~~وافقهم على شيء من النفي بطرد مقالته، وإتباع لوازمها، ولازمها التعطيل ~~الذي يقصدونه. # قال القرمطي: «وأيضا فمن نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت، ولم يجرده عما ~~لا صفة له ولا حد ولا نعت - فقد أثبته بما لم يجرده عنه؛ وإذا كان إثباته ~~لمعبوده بنفي3 الصفة والحد والنعت فقط4 كان PageV01P526 ~~إثباته مهملا غير معروف؛ لأن ما لا صفة له ولا حد ولا نعت ليس هو الله ~~بزعمه1 فقط، بل هو والنفس والعقل وجميع الجواهر البسيطة من الملائكة ~~وغيرهم. # والله تعالى أثبت من أن يكون إثباته مهملا غير معلوم، فإذن الإثبات الذي ~~يليق بمجد2 المبدع، ولا يلحقها الإهمال، هو نفي الصفة ونفي أن لا صفة، ونفي ~~الحد ونفي أن لا حد، لتبقى هذه العظمة لمبدع العالمين؛ إذ لا يحتمل أن يكون ~~معه لمخلوق شركة في هذا التقديس، وامتنع أن يكون الإثبات من هذه3 الطريق ~~مهملا فاعرفه». # قال: «فإن قال: أن من شريطة القضايا المتناقضة أن يكون أحد طرفيها صدقا ~~والآخر كذبا؛ فقولكم: «لا موصوف ولا لا موصوف» 4 قضيتان متناقضتان، لا بد ~~لإحداهما من أن تكون صادقة والأخرى كاذبة5. # يقال له: غلطت في معرفة القضايا المتناقضة، وذلك أن القضايا المتناقضة: ~~أحد طرفي النقيض منه موجب والآخر سالب؛ فإن كانت القضية كلية موجبة كان ~~نقيضها6 جزئية سالبة؛ كقولنا: كل إنسان حي، وهو قضية كلية موجبة، نقيضة لا ~~كل إنسان حي. # فلما كان من شرط النقيض7 أنه لا ms266 بد أن يكون8 أحد طرفيها موجبة والآخر9 ~~سالبة - رجعنا إلى قضيتنا في المبدع: هل نجد فيها PageV01P527 ~~هذه الشريطة؟ فوجدناها في كلتا1 طرفيها لم توجب2 له شيئا، بل كلتا طرفيها ~~سالبتان3؛ وهي قولنا: لا موصوف ولا لا موصوف. فهي إذن لم يناقض بعضها بعضا. # وإنما تتناقض القضية في هذا الموضع؛ أن نقول: له صفة وأن4 ليس له صفة، أو ~~أن نقول: له حد وأن لا حد له5، أو أنه في مكان وأنه6 لا في مكان. فيلزمنا ~~حينئذ إثبات لاجتماع طرفي النقيض على الصدق. # فأما إذا كانت القضيتان سالبتين: إحداهما: سلب الصفة اللاحقة ~~بالجسمانيين، والأخرى نفي الصفة اللازمة للروحانيين، كان من ذلك تجريد ~~الخالق عن سمات المربوبين وصفات المخلوقين». # قال: «فقد صح أن من نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت واقع في التشبيه ~~الخفي، كما أن من وصفه وحده ونعته واقع في التشبيه الجلي». ### || AUTO [الرد على أبي يعقوب السجستاني]: # قلت: فهذا حقيقة مذهب القرامطة، وهو [*قد رد على من وصفه منهم بالنفي دون ~~الإثبات، ونفى النفي؛ قال: «لأن في الإثبات تشبيها له بالجسمانيين، وفي ~~النفي تشبيها له بالروحانيين». وهي العقول والنفوس عندهم، إنها موصوفة ~~عندهم بالنفي دون الإثبات، ولهذا يقولون: بسائط ليس فيها تركيب عقلي من ~~الجنس والفصل، كما أنه ليس فيها تركيب الأجسام. # وظن هذا الملحد وأمثاله أنهم بذلك خلصوا من الإلزمات، ومعلوم عند من عرف ~~حقيقة قولهم أن هذا القول*] من أفسد الأقوال شرعا وعقلا7، وأبعدها عن مذاهب ~~المسلمين واليهود والنصارى؛ بل مع ما PageV01P528 ~~قد حققوه من الفلسفة، وعرفوه من مذاهب1 أهل الكلام، وادعوه من العلوم ~~الباطنة، ومعرفة التأويل، ودعوى العصمة في أئمتهم - وقد قرروا: إنا لا نقول ~~بالجمع2 بين النقيضين، فليس في قولنا محال. # فيقال لهم: ولكن سلبتم النقيضين جميعا، وكما أنه يمتنع الجمع بين ~~النقيضين، فيمتنع الخلو من النقيضين، فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. # ولهذا كان المنطقيون يقسمون الشرطية المنفصلة إلى مانعة الجمع، ومانعة ~~الخلو، ومانعة3 الجمع والخلو؛ فالمانعة من الجمع والخلو كقول القائل: [هذا] ~~4 الشيء ms267 إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما، وإما أن يكون ثابتا وإما ~~أن يكون منتفيا5، فتفيد الاستثناءات6 الأربعة، لكنه موجود فليس بمعدوم، أو ~~هو معدوم فليس بموجود، أو ليس بموجود فهو معدوم، أو ليس بمعدوم فهو موجود. ~~وكذلك ما كان من الإثبات بمنزلة النقيضين، كقول القائل: هذا العدد إما شفع ~~وإما وتر. فكونه شفعا ووترا لا يجتمعان ولا يرتفعان. # وهؤلاء ادعوا إثبات شيء يخلو عنه النقيضان، فإن جوزوا خلوه عن النقيضين ~~جاز اجتماع النقيضين فيه. وهذا مذهب أهل الوحدة7 القائلين بوحدة الوجود: ~~كصاحب «الفصوص»، وابن سبعين، وابن أبي المنصور8، PageV01P529 ~~وابن الفارض1، والقونوي2، وأمثالهم؛ فإن قولهم وقول القرامطة من مشكاة ~~واحدة، والاتحادية قد يصرحون باجتماع النقيضين، وكذلك يذكرون مثل هذا عن ~~الحلاج3، والحلاج لما دخل بغداد كانوا ينادون عليه: هذا داعي القرامطة. ~~وكان يظهر للشيعة أنه منهم، ودخل على PageV01P530 ~~ابن نوبخت رئيس الشيعة1 ليتبعه، فطالبه بكرامات عجز عنها2. # ومقالات أهل الضلال كلها تستلزم الجمع بين النقيضين، أو رفع النقيضين ~~جميعا، لكن منهم من يعرف لازم قوله فيلتزمه، ومنهم من لا يعرف ذلك. وكل ~~أمرين لا يجتمعان ولا يرتفعان فهما في المعنى نقيضان، لكن هذا ظاهر في ~~الوجود والعدم. # وقول مثبتة الحالين3 الذين يقولون: لا موجودة ولا معدومة4؛ هو شعبة من ~~مذهب القرامطة، وإنما التحقيق أنها ليست موجودة في الأعيان، ولا منتفية في ~~الأذهان. # ومن الأمور الثبوتية ما يكونان بمنزلة الوجود والعدم؛ كقولنا: إن5 PageV01P531 ~~العدد إما شفع وإما وتر، وقولنا: إن1 كل موجودين إما2 أن يقترنا في الوجود ~~أو يتقدم أحدهما على الآخر، وكل موجود إما3 قائم بنفسه وإما قائم بغيره، ~~وكل جسم إما4 متحرك وإما ساكن، وإما حي وإما ميت، وكل حي إما2 عالم وإما ~~جاهل، وإما قادر وإما عاجز، وإما سميع وإما أصم، وإما بصير وإما أعمى4؛ بل ~~وكذلك5 كل موجودين: فإما أن يكونا متجانسين6، وإما أن يكونا متباينين7، ~~وأمثال هذه القضايا. وكل من رام سلب هذين جميعا كان من جنس القرامطة ~~الرافعة للنقيضين. # لكن التناقض قد يظهر باللفظ؛ ms268 كما إذا قلنا: إما أن يكون وإما أن لا يكون. ~~وقد يظهر بالمعنى؛ كما إذا قلنا: إما قائم8 بنفسه وإما قائم بغيره. وهذا ~~كله مبسوط في غير هذا الموضع، بل قد زدنا في جواب السائل عما هو مقصوده، ~~لكن نبهنا على أصول نافعة جامعة9. ### || AUTO [الطريق الثالث: دليل عقلي]: # الطريق الثالث: لأهل النظر10 في إثبات السمع والبصر - أن السمع والبصر من ~~صفات الكمال -فإن الحي السميع البصير أكمل من حي ليس بسميع ولا بصير، كما ~~أن الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي، والموجود العالم أكمل من موجود ليس ~~بعالم؛ وهذا معلوم بضرورة العقل- وإذا كانت صفة كمال، فلو لم يتصف الرب بها ~~لكان ناقصا، والله منزه عن كل نقص. PageV01P532 # [*وكل كمال محض لا نقص فيه فهو جائز عليه، وما كان جائزا عليه من صفات ~~الكمال فهو ثابت له، فإنه لو لم يتصف به، لكان ثبوته له موقوفا على غير ~~نفسه، فيكون مفتقرا إلى غيره في ثبوت الكمال له، وهذا ممتنع؛ وإذا لم يتوقف ~~كماله1 إلا على نفسه، فيلزم من ثبوت نفسه ثبوت الكمال لها، وكل ما ينزه ~~عنه، فإنه يستلزم نقصا يجب تنزيهه عنه2*]. # وأيضا فلو لم يتصف بهذا الكمال، لكان السميع البصير من مخلوقاته أكمل ~~منه؛ ومن المعلوم في بدايه العقول أن المخلوق لا يكون أكمل من الخالق؛ إذ ~~الكمال لا يكون إلا بأمر وجودي، والعدم المحض ليس فيه كمال، وكل [كمال] 3 ~~موجود للمخلوق فالله خالقه، ويمتنع أن يكون الوجود الناقص مبدعا وفاعلا ~~للوجود الكامل؛ إذ من المستقر في بدايه العقول أن وجود العلة أكمل من وجود ~~المعلول، دع وجود الخالق الباري الصانع، فإنه من المعلوم بالاضطرار أنه ~~أكمل من وجود المخلوق المصنوع المفعول. # وقد بسطنا الكلام على مثل هذه الطريقة في غير هذا الموضع، وبينا أن الله ~~سبحانه وتعالى يستعمل في حقه قياس الأولى، كما جاء بذلك القرآن، وهو الطريق ~~التي4 كان يسلكها5 السلف والأئمة كأحمد وغيره من الأئمة؛ فكل كمال ثبت ~~للمخلوق فالخالق أولى به، وكل ms269 نقص ينزه عنه مخلوق فالخالق أولى أن ينزه ~~عنه، كما قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} PageV01P533 ~~[الروم: 28]. وقال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ~~• يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون • للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو ~~العزيز الحكيم} [النحل: 58 - 60]. وقوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون ~~وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} ~~[النحل: 62]. # وذلك لأن صفات الكمال أمور وجودية، أو أمور سلبية مستلزمة لأمور وجودية؛ ~~كقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} ~~[البقرة: 255]. فنفي السنة والنوم استلزم كمال صفة الحياة والقيومية؛ وكذلك ~~قوله: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46]. استلزم ثبوت العدل؛ وقوله1: {لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} [سبأ: 3] 2. استلزم كمال ~~العلم؛ ونظائر ذلك كثيرة، وأما العدم المحض، فلا كمال فيه. # وإذا كان كذلك، فكل كمال لا نقص فيه بوجه3 ثبت4 للمخلوق فالخالق أحق به ~~من وجهين: # أحدهما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم، أكمل من المخلوق القابل ~~للعدم المحدث المربوب. # الثاني: أن كل كمال فيه، فإنما استفاده من ربه وخالقه، فإذا كان هو مبدعا ~~للكمال وخالقا له، كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه ~~أولى بأن يكون متصفا به من المستفيد المبدع المعطى. PageV01P534 # وقد قال الله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون • وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو ~~كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم} [النحل: 75، 76]. # وهذا المثل وإن1 كان يفيد الدعاء ms270 إلى عبادة الله وحده دون عبادة ما سواه، ~~ونفي عبادة الأوثان2 لوجود هذا الفرقان؛ فإذا علم انتفاء التساوي بين ~~الكامل والناقص، وعلم أن الرب أكمل من خلقه، وجب أن يكون أكمل منهم وأحق ~~منهم بكل كمال بطريق الأولى والأحرى. ### || AUTO [الطريق الرابع: دليل عقلي]: # الطريق الرابع3: في إثبات السمع والبصر والكلام: إن نفي هذه الصفات نقائص ~~مطلقا، سواء نفيت عن حي أو جماد، وما انتفت عنه هذه الصفات لا يجوز أن يحدث ~~عنه شيء4 ولا يخلقه، ولا يجيب سائلا، ولا يعبد، ولا يدعى؛ كما قال الخليل: ~~{يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} [مريم: 42]. وقال ~~إبراهيم لقومه: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون • أو ينفعونكم أو يضرون • قالوا ~~بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 72 - 74]. وقال تعالى: {واتخذ قوم ~~موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} [الأعراف: 148]. وقال تعالى: {فقالوا ~~هذا إلهكم وإله موسى فنسي • أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ~~ضرا ولا نفعا} [طه: 88، 89]. # وهذا لأنه من المستقر5 في الفطر أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا PageV01P535 ~~يتكلم لا يكون ربا معبودا، كما أن ما لا يغنى شيئا ولا يهدي ولا يملك ضرا ~~ولا نفعا لا يكون ربا معبودا؛ ومن المعلوم أن خالق العالم هو الذي ينفع ~~عباده بالرزق وغيره ويهديهم، وهو الذي يملك أن يضرهم بأنواع الضرر. فإن هذه ~~الأمور من جملة الحوادث التي يحدثها رب العالمين؛ فلو قدر أنه ليس محدثا ~~لها كانت حادثة بغير محدث، أو كان محدثها غيره. وإذا كان محدثها غيره، ~~فالقول في إحداث ذلك الغير كالقول في سائر الحوادث، فلا بد أن تنتهي إلى ~~قديم لا محدث [له] 1. # ولذلك2 من المستقر في العقول أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ناقص عن ~~صفات الكمال؛ لأنه لا يسمع كلام أحد، ولا يبصر أحدا، ولا يأمر بأمر، ولا ~~ينهى عن شيء، ولا يخبر ms271 بشيء؛ فإن لم يكن كالحي الأعمى الأصم كان بمنزلة ما ~~هو شر منه، وهو الجماد الذي ليس فيه قبول أن يسمع ويبصر ويتكلم. ونفي قبول ~~هذه الصفات أبلغ في النقص والعجز، وأقرب3 إلى اتصاف المعدوم ممن يقبلها ~~واتصف بأضدادها؛ إذ الإنسان الأعمى أكمل من الحجر، والإنسان الأبكم أكمل من ~~التراب، ونحو ذلك مما لا يوصف بشيء من هذه الصفات. # وإذا كان نفي هذه الصفات معلوما بالفطرة أنه من أعظم النقائص والعيوب، ~~وأقرب شبها بالمعدوم؛ كان من المعلوم بالفطرة أن الخالق أبعد عن هذه ~~النقائص والعيوب من كل ما ينفى عنه، وأن اتصافه بهذه العيوب من أعظم ~~الممتنعات. # وهذه الطريق ليست الثانية ولا الثالثة، فإن الثانية مبنية على أنه حي، ~~فلا بد من اتصافه بها أو بضدها، والثالثة مبنية على أنها صفات كمال، فيجب ~~اتصاف الرب بها، وأما4 هذه فمبنية على أن نفي هذه الصفات PageV01P536 ~~نقائص ومعائب ومذام يمتنع وصف الرب بها. والله سبحانه وتعالى أعلم1. ### | AUTO فصل ### || AUTO [شرح دليل الأصبهاني على نبوة الأنبياء]: # ثم قال المصنف: «والدليل2 على نبوة الأنبياء المعجزات، والدليل على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز نظمه ومعناه». ### || AUTO [تعدد دلائل النبوة]: # قلت3: هذه الطريقة هي من أشهر4 الطرق عند أهل الكلام والنظر، حيث يقررون ~~نبوة الأنبياء بالمعجزات5. ### || AUTO [1 - الاستدلال بالمعجزات]: # ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء، لكن كثير من هؤلاء، ~~بل كل6 من بنى إيمانه عليها يظن أن لا تعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، ~~ثم لهم في تقرير7 دلالة المعجزة على الصدق طرق PageV01P537 ~~متنوعة، وفي بعضها من التنازع والاضطراب ما سننبه عليه1، والتزم2 كثير من ~~هؤلاء إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر ~~ونحو ذلك. # وللنظار هنا طرق متعددة؛ منهم من لا يجعل المعجزة دليلا، بل يجعل الدليل ~~استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض، كما يقوله طائفة من النظار؛ ~~ومنهم من يوجب تصديقه بدون3 هذا وهذا؛ ومنهم من يجعل المعجزة دليلا، ويجعل ~~أدلة أخرى ms272 غير المعجزة، وهذا أصح الطرق. # ومن لم يجعل طريقها4 إلا المعجزة اضطر لهذه الأمور التي فيها تكذيب لحق ~~أو تصديق لباطل5. # ولهذا6 كان السلف والأئمة يذمون الكلام المبتدع؛ فإن أصحابه يخطؤون إما ~~في مسائلهم وإما في دلائلهم، فكثيرا ما يثبتون دين المسلمين في الإيمان ~~بالله وملائكته7 وكتبه ورسله على أصول ضعيفة، بل فاسدة، ويلتزمون لذلك ~~لوازم يخالفون بها السمع الصحيح والعقل الصريح. # وهذا حال الجهمية من المعتزلة وغيرهم؛ حيث أثبتوا حدوث العالم بحدوث ~~الأجسام، وأثبتوا ذلك بحدوث صفاتها التي هي الأعراض، فاضطرهم ذلك إلى القول ~~بحدوث كل موصوف، فنفوا عن الله الصفات؛ وقالوا بأن القرآن مخلوق، وأنه لا ~~يرى في الآخرة، وقالوا: إنه لا مباين ولا محايث8. وأمثال ذلك من PageV01P538 ~~مقالات النفاة التي تستلزم التعطيل، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. ### || AUTO [2 - الاستدلال بما يأتي به النبي من الخبر والأمر. ### || AUTO 3 - الاستدلال بحال النبي وصفاته]: # وليس الأمر كذلك؛ بل معرفتها بغير المعجزات ممكنة؛ فإن المقصود إنما هو ~~معرفة صدق مدعي النبوة أو كذبه، فإنه إذا1 قال: «إني رسول الله»؛ فهذا ~~الكلام إما أن يكون صدقا وإما أن يكون كذبا؛ وإن شئت قلت: هذا خبر؛ فإما أن ~~يكون مطابقا للمخبر1، وإما أن يكون مخالفا له، سواء كانت مخالفته له على ~~وجه العمد أو الخطأ؛ إذ قد يظن الرجل في نفسه أو غيره أنه رسول الله، غير ~~متعمد للكذب3، بل خطأ وضلال4؛ مثل كثير ممن يتمثل له الشيطان ويقول: «إني ~~ربك»، ويخاطبه بأشياء، وقد يقول له: «أحللت لك ما حرمت على غيرك، وأنت عبدي ~~ورسولي، وأنت أفضل أهل الأرض». وأمثال هذه الأكاذيب، فإن مثل هذا قد وقع ~~لكثير من الناس. # فإذا كان مدعي الرسالة [إذا] 5 لم يكن صادقا، فلا بد أن يكون كاذبا: عمدا ~~أو ضلالا؛ فالتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو6 دون دعوى ~~النبوة، فكيف بدعوى النبوة! # ومعلوم أن مدعى الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم، وإما أن يكون ~~من أنقص الخلق ms273 وأرذلهم؛ ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي صلى الله7 عليه ~~وسلم -لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام-: «والله لا أقول لك كلمة ~~واحدة؛ إن كنت صادقا فأنت أجل في عيني8 من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا PageV01P539 ~~فأنت أحقر من أن أرد عليك» 1. فكيف2 يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق ~~وأرذلهم، وما أحسن قول حسان: # لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر3 # وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب ~~والفجور واستحواذ الشياطين4 عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، وما من أحد ~~ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع ~~الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز5. فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور، ~~ويأمرهم بأمور، ولا بد أن يفعل أمورا؛ والكذاب يظهر في نفس ما يأمر به وما ~~يخبر عنه6 وما يفعله ما PageV01P540 ~~يبين به كذبه من وجوه كثيرة، والصادق يظهر في نفس ما يأمر به وما يخبر عنه1 ~~ويفعله ما يظهر به صدقه من وجوه كثيرة. # بل كل شخصين ادعيا أمرا من الأمور: أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب، ~~فلا بد2 أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة؛ إذ الصدق مستلزم للبر، ~~والكذب مستلزم للفجور3. # كما في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله4 عليه وسلم أنه قال: ~~(عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا ~~يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا؛ وإياكم والكذب؛ فإن ~~الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ~~ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) 5. # ولهذا قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين • تنزل على كل أفاك ~~أثيم • يلقون السمع وأكثرهم كاذبون • والشعراء يتبعهم الغاوون • ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون • وأنهم يقولون ما لا يفعلون} [الشعراء: 221 - 226]. ~~بين سبحانه أنه ليس بكاهن تنزل6 عليه PageV01P541 ~~الشياطين، ولا شاعر؛ ms274 حيث كانوا يقولون: ساحر وشاعر. فبين أن الشياطين تنزل ~~على الكاذب الفاجر، يلقون1 إليهم السمع وأكثرهم كاذبون. # فهؤلاء الكهان ونحوهم، وإن كانوا يخبرون أحيانا بشيء من المغيبات ويكون2 ~~صدقا، فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن ملك، ~~وليسوا بأنبياء؛ ولهذا لما3 قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد: (قد ~~خبأت لك خبيئا). وقال4: هو الدخ - قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اخسأ، ~~فلن تعدو قدرك). يعني إنما أنت كاهن، كما قال5 للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~يأتيني صادق وكذاب، وقال: أرى عرشا على الماء. وذلك هو عرش الشيطان، كما ~~ثبت مثل6 ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم7. PageV01P542 # وبين الله تعالى1 أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي الذي يتبع هواه ~~وشهوته، وإن كان ذلك مضرا له في العاقبة؛ قال تعالى: {ألم تر أنهم في كل ~~واد يهيمون • وأنهم يقولون ما لا يفعلون} [الشعراء: 225 - 226]. فهذه صفة ~~الشعراء، كما أن تلك صفة من تنزل عليه الشياطين. # فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله2 علم يقينا أنه ليس ~~بشاعر ولا كاهن ولا كاذب3. # والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة، حتى في المدعين ~~للصناعات والمقالات: كالفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب والفقه ~~وغير ذلك. فما من أحد يدعي4 العلم بصناعة أو مقالة إلا والتفريق في ذلك5 ~~بين الصادق والكاذب له وجوه كثيرة. # وكذلك من أظهر قصدا وعملا: كمن يظهر الديانة والأمانة والنصيحة والمحبة ~~وأمثال ذلك من الأخلاق، فإنه لا بد أن يتبين6 صدقه وكذبه من وجوه متعددة. PageV01P543 # والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم ~~وأشرف الأعمال؛ فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب! ولا يتبين1 صدق الصادق ~~وكذب الكاذب من وجوه كثيرة! لا سيما والعالم لم يخل2 من آثار نبي3 من لدن ~~آدم إلى زماننا، وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء4 والمرسلون، وما كانوا ~~يدعون إليه ويأمرون به، ولم تزل آثار المرسلين في الأرض، ولم يزل ms275 عند الناس ~~من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل، ويفرقون به بين الرسل ~~وغير الرسل. # فلو قدر أن رجلا جاء في زمان إمكان بعث الرسل، وأمر بالشرك وعبادة ~~الأوثان، وأباح5 الفواحش والظلم والكذب؛ ولم يأمر بعبادة الله ولا ~~بالإيمان6 باليوم الآخر - هل كان مثل هذا يحتاج أن يطالب بمعجزة، أو يشك في ~~كذبه أنه نبي7، ولو قدر أنه أتى بما يظن أنه معجزة لعلم أنه من جنس ~~المخاريق أو الفتن والمحنة. ولهذا لما كان الدجال يدعي الإلهية، لم يكن ما ~~يأتي به دالا على صدقه؛ للعلم بأن دعواه ممتنعة في نفسها، وأنه كذاب. # وكذلك من نشأ في بني إسرائيل، معروفا بينهم بالصدق والبر والتقوى؛ بحيث ~~قد خبر خبرة باطنة، يعلم منها تمام عقله ودينه، ثم أخبر بأن الله نبأه ~~وأرسله إليهم - فإن هذا لا يكون أولى بالرد8 من أن PageV01P544 ~~يخبرنا الرجل الذي لا يشك في عقله ودينه وصدقه1 أنه رأى رؤيا. # وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه تنازع الناس2 في أن خبر الواحد: هل يجوز ~~أن يقترن به من القرائن والضمائم ما يفيد معه العلم؟ 3 ولا ريب أن المحققين ~~من كل طائفة على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ~~ما يحصل معه [العلم] 4 الضروري بخبر المخبر، بل القرائن وحدها قد تفيد ~~العلم الضروري؛ كما يعرف الرجل رضا الرجل وغضبه، وحبه وبغضه، وفرحه وحزنه، ~~وغير ذلك مما في نفسه، بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكنه التعبير عنها. # كما قال تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم}. ثم قال: ~~{ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30]. فأقسم أنه لا بد أن يعرف المنافقين ~~في لحن القول، وعلق معرفتهم بالسيما على المشيئة؛ لأن ظهور ما في نفس ~~الإنسان من كلامه أبين من ظهوره على صفحات وجهه. وقد قيل: ما أسر أحد سريرة ~~إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. فإذا كان مثل هذا يعلم به ما ~~في نفس الإنسان من غير إخبار؛ فإذا اقترن ms276 بذلك إخباره كان أولى بحصول العلم. # ولا يقول عاقل من العقلاء: إن مجرد5 خبر الواحد، أو خبر كل واحد يفيد ~~العلم، بل ولا خبر كل خمسة أو عشرة؛ بل قد يخبر PageV01P545 ~~ألف1 أو أكثر2 من ألف، ويكونون كاذبين إذا كانوا متواطئين. # وإذا كان صدق المخبر أو كذبه يعلم بما يقترن به من القرائن، بل في لحن ~~قوله وصفحات وجهه، ويحصل بذلك علم ضروري لا يمكن المرء أن يدفعه عن نفسه - ~~فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله؛ كيف يخفى صدقه3 وكذبه! أم كيف لا يتميز4 ~~الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة لا تعد ولا تحصى! # وإذا كان الكاذب إنما يؤتى5 من وجهين: إما أن يتعمد الكذب، وإما أن يلبس ~~عليه؛ كمن يأتيه الشيطان6 - فمن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من الناس من ~~يعلم منه أنه لا يتعمد الكذب، بل كثير ممن خبره الناس وجربوه من شيوخهم ~~ومعامليهم يعلمون منهم علما قاطعا إنهم لا يتعمدون الكذب، وإن كانوا يعلمون ~~أن ذلك ممكن، فليس كل ما علم إمكانه جوز وقوعه؛ فإنا نعلم أن الله قادر على ~~قلب الجبال ياقوتا، والبحار دما، ونعلم أنه لا يفعل ذلك. # ونعلم من حال البشر7 - من حيث الجملة- أنه يجوز أن يكون أحدهم يهوديا ~~ونصرانيا ونحو ذلك، ونعلم -مع هذا- أن هذا لم يقع، بل ولا يقع من أشخاص8، ~~وأن من أخبرنا9 بوقوعه منهم كذبناه قطعا، ونحن لا ننكر أن الرجل10 قد ~~يتغير؛ ويصير متعمدا الكذب11 بعد أن لم يكن PageV01P546 ~~كذلك، لكن إذا استحال وتغير ظهر ذلك لمن يخبره ويطلع على أموره. ### || AUTO [المسلك الذي استدلت به خديجة رضي الله عنها]: # ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها1 تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه الصادق البار؛ قال لها لما جاءه الوحي: (إني قد خشيت على عقلي). فقالت ~~[له2]: كلا، والله لا يخزيك الله! إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل ~~الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق3. # فهو لم يخف من تعمد الكذب؛ فإنه ms277 يعلم من نفسه صلى الله عليه وسلم أنه لم ~~يكذب، لكن خاف في أول الأمر أن يكون قد عرض له عارض سوء -وهو المقام ~~الثاني- فذكرت خديجة ما ينفي هذا؛ وهو ما كان مجبولا PageV01P547 ~~عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم والأعمال: وهو الصدق المستلزم للعدل، ~~والإحسان إلى الخلق. ومن جمع فيه الصدق والعدل والإحسان لم يكن ممن1 يخزيه الله. ### || AUTO [4 - الاستدلال بكمال ربوبية الله تعالى وكمال صفاته]: # وصلة الرحم، وقرى الضيف، وحمل الكل، وإعطاء المعدوم، والإعانة على نوائب ~~الحق - هي من أعظم أنواع البر والإحسان. وقد علم من سنة الله أن من جبله ~~الله على الأخلاق المحمودة، ونزهه عن الأخلاق المذمومة، فإنه لا يخزيه2. # وأيضا، فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم عليه السلام؛ فإنه كان نبيا، ~~وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار، وقد علم جنس ما يدعو إليه ~~الرسل، وجنس أحوالهم؛ فالمدعي للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به ~~مخالفته للرسل3 علم أنه ليس منهم، وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم أنه ~~منهم4. لا سيما إذا علم أنه لا بد من رسول منتظر، وعلم أن لذلك الرسول صفات ~~متعددة تميزه عمن سواه؛ فهذا قد يبلغ بصاحبه إلى العلم الضروري بأن هذا هو ~~الرسول المنتظر، ولهذا قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146]. ### || AUTO [المسلك الذي استدل به النجاشي وورقة بن نوفل]: # والمسلك الأول: النوعي، هو مما استدل به النجاشي5 على نبوته، PageV01P548 ~~فإنه لما استخبرهم عما يخبر به، واستقرأهم القرآن، فقرؤوه عليه؛ قال: إن ~~هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة1. # وكذلك قبله ورقة بن نوفل2؛ لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه3، ~~وكان ورقة قد تنصر، وكان يكتب الإنجيل بالعبرانية4، فقالت له خديجة: يا ابن ~~عم5! اسمع من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بخبره6، ~~فقال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى، وإن قومك سيخرجوك7. فقال ms278 النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (أومخرجي هم). PageV01P549 # قال1: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك ~~نصرا مؤزرا. ثم لم2 ينشب3 ورقة أن توفي4. ### || AUTO [المسلك الذي استدل به هرقل ملك الروم]: # والمسلك الثاني: الشخصي، استدل به هرقل5 ملك الروم؛ فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما كتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام طلب هرقل من كان هناك ~~من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى غزة، ~~فطلبهم وسألهم عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم7؛ فسأل أبا سفيان وأمر ~~الباقين8 إن كذب أن يكذبوه، فصار يجدهم9 موافقين له في الإخبار. PageV01P550 # فسألهم1: هل كان في آبائه ملك؟ فقالوا: لا؛ وهل قال هذا القول أحد قبله؟ ~~فقالوا2: لا؛ وسألهم أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا3: نعم؛ وسألهم: هل كنتم ~~تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما جربنا عليه كذبا؛ ~~وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه؛ ~~وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون؛ وسألهم: هل يرجع أحد ~~منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا، وسألهم: هل قاتلتموه؟ ~~فقالوا4: نعم؛ وسألهم عن الحرب بينهم وبينه، فقالوا: يدال علينا المرة ~~وندال عليه الأخرى؛ وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر؛ وسألهم بماذا ~~يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما ~~كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فهذه أكثر من عشر مسائل. # ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الدلالة؛ وأنه سألهم عن أسباب الكذب ~~وعلاماته، فرآها منتفية، وسألهم عن علامات الصدق، فوجدها ثابتة؛ فسألهم: هل ~~كان في آبائه ملك؟ فقالوا: لا. قال: قلت: فلو5 كان في آبائه ملك، لقلت: رجل ~~يطلب ملك أبيه، وسألتك: هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلت: لا، فقلت: ~~لو قال هذا القول6 أحد قبله، لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله. # ولا ريب أن اتباع الرجل ms279 لعادة آبائه، واقتدائه بمن كان قبله كثيرا ما ~~يكون في الآدميين، بخلاف الابتداء بقول لم يعرف في تلك الأمة قبله، وطلب ~~أمر لا يناسب حال أهل بيته؛ فإن هذا قليل في العادة، لكنه قد يقع. PageV01P551 # ولهذا أردفه بقوله: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: ~~لا، قال: فقد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. # وذلك أن مثل هذا يكون كذبا محضا يكذبه1 لغير عادة جرت، وهذا لا يفعله إلا ~~من يكون من شأنه أن يكذب. فإذا2 لم يكن من خلقه الكذب قط، بل لا يعرف منه ~~إلا الصدق، وهو يتورع أن يكذب على الناس، كان تورعه عن أن يكذب على الله ~~أولى وأحق3. والإنسان قد يخرج عن عادته في نفسه إلى عادة بني جنسه، فإذا ~~انتفى هذا وهذا كان هذا أبعد عن الكذب وأقرب إلى الصدق. # ثم أردف ذلك بالسؤال عن علامات الصدق؛ فقال: وسألتكم أضعفاء الناس ~~يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم4: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. # وهذه علامة5 من علامات الرسل، وهو اتباع الضعفاء لهم6 ابتداء؛ قال الله ~~تعالى حكاية عن قوم نوح: {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111]. ~~وقالوا: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} [هود: 27]. وقال ~~تعالى في قصة صالح: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن ~~آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون • قال ~~الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} [الأعراف: 75، 76] 7. وقال PageV01P552 ~~تعالى في قصة شعيب: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين • قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون ~~لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله ~~توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} [الأعراف: 88، 89] 1. # ثم2 قال هرقل3: وسألتكم: ms280 أيزيدون أم ينقصون؟ فقلتم4: بل يزيدون. وكذلك ~~الإيمان حتى يتم، وسألتكم: هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل ~~فيه؟ فقلتم5: لا. وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. ### || AUTO [5 - الاستدلال بعاقبة النبي ومتبعيه وعاقبة مخالفيه]: # فسألهم عن زيادة أتباعه ودوامهم على اتباعه، فأخبروه أنهم يزيدون ~~ويدومون، وهذا من علامات الصدق والحق؛ فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في ~~آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه. # ولهذا أخبرت الأنبياء المتقدمون أن المتنبئ الكذاب لا يدوم إلا مدة ~~يسيرة؛ وهذه من بعض حجج ملوك النصارى6 - الذين يقال: إنهم من ولد قيصر هذا ~~أو غيرهم- حيث رأى رجلا يسب النبي صلى الله عليه وسلم من رؤوس النصارى ~~ويرميه بالكذب، فجمع علماء النصارى، وسألهم عن المتنبئ الكذاب: كم تبقى ~~نبوته؟ فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء أن الكذاب المفتري7 لا يبقى ~~إلا كذا وكذا سنة؛ مدة8 قريبة إما ثلاثين PageV01P553 ~~سنة أو نحوها، فقال لهم: هذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة1 - أو ستمائة ~~سنة - وهو ظاهر مقبول متبوع، فكيف يكون هذا كذابا! ثم ضرب عنق ذلك الرجل. # وسألهم هرقل2 عن محاربته ومسالمته؛ فأخبروه أنه في الحرب تارة يغلب كما ~~غلب يوم بدر، وتارة يغلب كما غلب يوم أحد؛ وأنه إذا عاهد لا يغدر؛ فقال ~~لهم: وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول3؛ يدال علينا المرة ~~وندال عليه الأخرى. وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها؛ قال: وسألتكم: هل ~~يغدر؟ فقلتم4: إنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر. # فهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم؛ أنه تارة ينصرهم ~~وتارة يبتليهم، وأنهم لا يغدرون - علم أن هذا من علامات الرسل. فإن5 سنة ~~الله في الأنبياء والمؤمنين أنه يبتليهم بالسراء والضراء6، لينالوا درجة ~~الشكر والصبر؛ كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي ~~نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك ms281 لأحد إلا ~~للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) 7. PageV01P554 ### || AUTO [الحكمة في إدالة العدو على المؤمنين في معركة أحد]: # والله تعالى قد1 بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من ~~الحكمة؛ فقال: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين • إن ~~يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم ~~الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين • وليمحص الله ~~الذين آمنوا ويمحق الكافرين} [آل عمران: 139 - 141]. # فمن الحكم:2 تمييز المؤمن من3 غيره؛ فإنهم إذا كانوا دائما منصورين لم ~~يظهر وليهم وعدوهم4، إذ الجميع يظهرون الموالاة، فإذا غلبوا ظهر عدوهم5؛ ~~قال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين • ~~وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا ~~لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون • الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} [آل عمران: ~~166 - 168] 6. # وقال تعالى: {الم • أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون • ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن PageV01P555 ~~الكاذبين} إلى قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل ~~فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله ~~بأعلم بما في صدور العالمين • وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} ~~[العنكبوت: 1 - 3، 10، 11]. وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179]. وأمثال ذلك. # ومن الحكم: أن يتخذ منكم شهداء، فإن منزلة الشهادة منزلة علية في الجنة، ~~ولا بد من الموت، فموت العبد شهيدا أكمل له وأعظم لأجره وثوابه، ويكفر عنه ~~بالشهادة ذنوبه وظلمه لنفسه، والله لا يجب الظالمين. # ومن ذلك: أن يمحص الله الذين آمنوا فيخلصهم من ms282 الذنوب، فإنهم إذا انتصروا ~~دائما حصل للنفوس من الطغيان وضعف الإيمان ما يوجب لها العقوبة والهوان؛ ~~قال تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178]. وقال تعالى: ~~{كلا إن الإنسان ليطغى • أن رآه استغنى} [العلق: 6، 7] 1. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل المؤمن كمثل ~~الخامة من الزرع تفيئها2 الرياح تقومها تارة وتميلها أخرى، ومثل المنافق ~~كمثل شجرة الأرز لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها3 مرة واحدة) 4. PageV01P556 # وسئل صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: (الأنبياء، ثم ~~الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه ~~رقة خفف عنه، وإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، ولا يزال البلاء بالمؤمن ~~في نفسه وأهله وماله، حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة) 1. # وقد قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى ~~نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214]. وقال تعالى: {أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142]. # وفي الأثر فيما روي2 عن الله تعالى: (يا ابن آدم! البلاء يجمع بيني ~~وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك). وفي الأثر أيضا أنهم إذا قالوا ~~للمريض: اللهم ارحمه. يقول الله: (كيف أرحمه من شيء به أرحمه!) 3. PageV01P557 # وقد شهدنا أن العسكر إذا انكسر خشع لله، وذل وتاب إلى الله من الذنوب، وطلب ~~النصر من الله، وبرئ من حوله1 وقوته متوكلا على الله؛ ولهذا ذكرهم الله ~~بحالهم يوم بدر، وبحالهم2 يوم حنين؛ فقال: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} [آل عمران: 123]. وقال تعالى: {لقد نصركم ~~الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين • ثم أنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين} ~~[التوية: ms283 25، 26]. # وشواهد هذا الأصل كثيرة، وهو أمر يجده الناس بقلوبهم، ويحسونه3 ويعرفونه ~~من أنفسهم ومن غيرهم، وهو من المعارف الضرورية الحاصلة بالتجربة لمن جربها، ~~والأخبار المتواترة لمن سمعها. # ثم ذكر حكمة أخرى، فقال: {ويمحق الكافرين}. وذلك أن الله سبحانه إنما ~~يعاقب الناس بأعمالهم، والكافر إذا كانت له حسنات أطعمه الله بحسناته في ~~الدنيا، فإذا لم تبق له حسنة عاقبه بكفره، والكفار إذا أديلوا يحصل لهم من ~~الطغيان والعدوان وشدة الكفر والتكذيب ما يستحقون به المحق، ففي إدالتهم ما ~~يمحقهم الله به. # وأما الغدر؛ فإن الرسل لا تغدر أصلا؛ إذ الغدر قرين الكذب، كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث ~~كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) 4. وفي الصحيحين أيضا PageV01P558 ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه قال:] 1 (أربع من كن فيه كان منافقا ~~خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث ~~كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) 2. # قلت: الغدر3 ونحوه داخل في الكذب؛ كما قال تعالى: {ومنهم من عاهد الله ~~لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين • فلما آتاهم من فضله بخلوا ~~به وتولوا وهم معرضون • فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا ~~الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 75 - 77]. وقال تعالى: {ألم تر ~~إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم ~~لكاذبون • لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ~~ليولن الأدبار PageV01P559 ~~ثم لا ينصرون} [الحشر: 11، 12]. فالغدر يتضمن كذبا في المستقبل، والرسل ~~صلوات الله عليهم منزهون عن ذلك، فكان هذا من العلامات. # قال: وسألتكم عما يأمر به، فذكرتم1 أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، وينهاكم عما كان يعبد ~~آباؤكم. وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيا ms284 يبعث، ولم أكن أظن أنه منكم2، ~~ولوددت أني أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما ~~تقول3 حقا، فسيملك موضع قدمي هاتين. # وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب، وهو حينئذ كافر، من أشد الناس بغضا ~~وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ قال أبو سفيان: فقلت لأصحابي -ونحن ~~خروج-: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه4 ملك بني الأصفر. وما زلت ~~موقنا بأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سيظهر حتى أدخل الله علي ~~الإسلام وأنا كاره5. # قلت6: فمثل هذا السؤال والبحث أفاد7 هذا العاقل8 اللبيب علما جازما بأن ~~هذا هو النبي الذي ينتظره. # وقد اعترض على هذا بعض من لم يدرك غور كلامه وسؤاله كالمازري9 ونحوه، ~~وقال: إنه بمثل هذا لا تعلم النبوة، وإنما تعلم بالمعجزة. PageV01P560 # وليس الأمر على ما قال؛ بل كل عاقل سليم الفطرة إذا سمع هذا السؤال والبحث ~~علم أنه من أدل الأمور على عقل السائل وخبرته، واستنباطه ما يتميز1 به هل ~~هو صادق أو كاذب، وأنه بهذه الأمور تميز2 له ذلك. # ومما ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب لمجموع أمور، قد لا يستقل3 بعضها ~~به، بل كل ما يحصل للإنسان من شبع وري وسكر وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ~~ببعضها، لكن بعضها قد يحصل بعض الأمر4، وكذلك العلم بخبر5 الأخبار، وبما ~~جربه6 من المجربات، وبما في نفس الإنسان من الأمور؛ فإن الخبر7 الواحد، ~~يحصل في القلب نوع ظن، ثم الآخر يقويه، إلى أن ينتهي إلى العلم، حتى يتزايد ~~ويقوى8؛ وكذلك ما يجربه الإنسان من الأمور، وما يراه من أحوال الشخص، وكذلك ~~ما يستدل به على كذبه وصدقه. # وأيضا، فإن الله سبحانه وتعالى أبقى9 في العالم الآثار الدالة على ما ~~فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة، PageV01P561 ~~وذلك أيضا معلوم بالتواتر: كتواتر الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده1. ### || AUTO [بيان الله جل وعلا لما فعله بأنبيائه ومتبعيهم من الكرامة وما ~~فعله بمخالفيهم من العقوبة]: # والله ms285 تعالى كثيرا ما يذكر ذلك في القرآن؛ كقوله: {وإن يكذبوك فقد كذبت ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود • وقوم إبراهيم وقوم لوط • وأصحاب مدين وكذب موسى ~~فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير • فكأين من قرية أهلكناها وهي ~~ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد • أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 42 - 46]. وقال تعالى: {وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص • إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 36، 37]. # وقال تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} [غافر: ~~5]. إلى قوله تعالى: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم ~~وما كان لهم من الله من واق • ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا ~~فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب} [غافر: 21، 22]. إلى قوله سبحانه: {إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51]. ~~إلى قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي ~~بالحق وخسر هنالك المبطلون} [غافر: 78]. إلى قوله تعالى: {أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة ~~وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون • فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به PageV01P562 ~~يستهزئون • فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين • فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 82 - 85]. # ولما ذكر ms286 في سورة الشعراء قصص الأنبياء نبيا بعد نبي: كقصة موسى وإبراهيم ~~ونوح ومن بعده، يقول في آخر كل قصة: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ~~• وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 8، 9] كقوله تعالى: {فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون • قال كلا إن معي ربي سيهدين • فأوحينا ~~إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم • وأزلفنا ~~ثم الآخرين • وأنجينا موسى ومن معه # أجمعين • ثم أغرقنا الآخرين • إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين • ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 61 - 68]. # وكذلك قال في آخر كل قصة، إلى أن قال في قصة شعيب: {فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم • إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين • وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 189 - 191]. # وقال تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد • وثمود وقوم ~~لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب • إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} [ص: 12 - ~~14]. وقال تعالى في قوم شعيب: {فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين • وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين • وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين • فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من ~~أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من ~~أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون • مثل الذين اتخذوا ~~من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو PageV01P563 ~~كانوا يعلمون • إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم • ~~وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 37 - 43]. ~~وقال تعالى: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون • ~~فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم ~~وما كانوا يفترون} [الأحقاف: 27، 28]. # فهو سبحانه يذكر ما ظهر1 للموحدين من مساكنهم التي كانت ms287 حول أهل مكة؛ فإن ~~عامة من قص الله نبأه من الرسل وأممهم بعثوا حول مكة: كهود باليمن، وصالح ~~بالحجر من ناحية الشام، ونوح2 وإبراهيم وموسى وعيسى ويونس ولوط وأنبياء بني ~~إسرائيل بأرض الشام3 ومصر والجزيرة وما يليها من العراق. # وقال تعالى لما قص قصة قوم لوط: {فأخذتهم الصيحة مشرقين • فجعلنا عاليها ~~سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل • إن في ذلك لآيات للمتوسمين • وإنها ~~لبسبيل مقيم • إن في ذلك لآية للمؤمنين • وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين • ~~فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين} [الحجر: 73 - 79]. وقال تعالى: {وإن ~~لوطا لمن المرسلين • إذ نجيناه وأهله أجمعين • إلا عجوزا في الغابرين • ثم ~~دمرنا الآخرين • وإنكم لتمرون عليهم مصبحين • وبالليل أفلا تعقلون} ~~[الصافات: 133 - 138]. وقال تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين • فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين • وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب ~~الأليم} [الذاريات: 35 - 37]. # وقال4 تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل • ألم يجعل كيدهم في ~~تضليل • وأرسل عليهم طيرا أبابيل • ترميهم بحجارة من سجيل • فجعلهم كعصف ~~مأكول} [الفيل: 1 - 5]. وقال تعالى: {لإيلاف PageV01P564 ~~قريش • إيلافهم رحلة الشتاء والصيف • فليعبدوا رب هذا البيت • الذي أطعمهم ~~من جوع وآمنهم من خوف} [قريش: 1 - 4]. # وقال تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ~~وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك ~~لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 13]. وقال تعالى: {هو الذي أخرج الذين ~~كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ~~مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} ~~[الحشر: 2]. # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون • حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم ~~نصرنا فنجي من ms288 نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين • لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل ~~شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [يوسف: 109 - 111]. # ومثل هذا في القرآن متعدد في غير موضع، يذكر الله تعالى قصص رسله ومن آمن ~~بهم، وما حصل لهم من النصر والسعادة وحسن العاقبة، وقصص من كفر بهم وكذبهم، ~~وما حصل لهم من البلاء والعذاب وسوء العاقبة؛ وهذا من أعظم الأدلة ~~والبراهين على صدق الرسل وبرهم، وكذب من خالفهم وفجوره. ### || AUTO [تعلم عاقبة الأنبياء ومتبعيهم وعاقبة مخالفيهم بالبصر والسمع ~~وبهما]: # ثم إنه سبحانه بين1 أن ذلك يعلم بالبصر، أو السمع، أو بهما، فالبصر ~~والمشاهدة لمن رآهم، أو رأى آثارهم الدالة عليهم؛ كمن شاهد أصحاب الفيل وما ~~أحاط بهم، ومن شاهد آثارهم بأرض الشام واليمن PageV01P565 ~~والحجاز وغير ذلك: كآثار أصحاب الحجر وقوم لوط ونحو ذلك1. # والسمع؛ فبالأخبار التي تفيد العلم؛ كتواتر الأخبار بما جرى من2 قصة موسى ~~وفرعون وغرق فرعون في القلزم3، وكذلك تواتر الأخبار بقصة الخليل مع ~~النمرود، وتواتر الأخبار بقصة نوح وإغراق أهل الأرض، وأمثال ذلك من الأخبار ~~المتواترة عند أهل الملل وغير أهل الملل4، مع أن في بعض قصص من تواترت به ~~هذه الأخبار ما يحصل العلم بخبرهم5. # واشتراك البصر والسمع؛ كما يشاهد بعض الآثار وتتواتر الأخبار، مما6 يبين ~~الحال، كما تشاهد7 السفن ويعلم بالخبر أن ابتداءها كان سفينة نوح؛ كما قال ~~تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون • وخلقنا لهم من مثله ~~ما يركبون} [يس: 41، 42] 8. وقوله تعالى9: {إنا لما طغى الماء حملناكم في ~~الجارية • لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} [الحاقة: 11، 12]. وكذلك ~~يشاهد أرض الحجر وما فيها من PageV01P566 ~~البيوت المنقورة في الجبال، ويعلم1 بالخبر تفصيل الحال، وأمثال ذلك. # وبالجملة: فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول بأنهم رسل الله2، وإن أقواما ~~اتبعوهم، وأن أقواما خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة ~~لهم، وعاقب أعداءهم - هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها. # ونقل هذه ms289 الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار ملوك الفرس والعرب في جاهليتها، ~~وأخبار اليونان وعلماء الطب والنجوم والفلسفة اليونانية: كأبقراط3 ~~وجالينوس4، وبطليموس5، وسقراط6 وأفلاطون7 PageV01P567 ~~وأرسطو1 وأتباعه. فكل عاقل يعلم أن نقل أخبار الأنبياء وأممهم وأعدائهم ~~أكثر وأكثر من نقل أخبار مثل هؤلاء؛ فإن أخبار الأنبياء وأتباعهم ينقلها من ~~أهل الملل من لا يحصي عدده إلا الله، ويدونونها في الكتب، وأهلها من أعظم ~~الناس تدينا بوجوب الصدق وتحريم الكذب، ففي العادة المشتركة بينهم وبين ~~سائر بني آدم ما يمنع اتفاقهم وتواطأهم على الكذب، بل ما يمنع اتفاقهم على ~~كتمان ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، وفي عادتهم الخاصة ودينهم الخاص ~~برهان آخر أخص من الأول وأكمل. # وهذا معلوم على سبيل التفصيل2 من حال أمتنا؛ فإنا نعلم علما ضروريا ~~بالنقل المتواتر من عادة سلف الأمة ودينهم الموجب للصدق والبيان، المانع من ~~الكذب والكتمان - ما يوجب علما ضروريا لنا بما تواتر لنا عنهم، وبانتفاء ~~أمور لو كانت موجودة لنقلوها، وأهل الكتابين قبلنا3 عندهم من التواتر4 ~~بجمل5 الأمور ما يحصل به المقصود في هذا الموضع. # وإن كان قد يجيء كذب أو كتمان في بعض التفاصيل من أهل الكتابين قبلنا ~~ومن6 بعض أمتنا؛ فهذا هو7 أقل بكثير مما يقع من الكذب والكتمان بأخبار ~~الفرس واليونان والهند وغيرهم، ممن ينقل8 أخبار ملوكهم وعلمائهم ونحو ذلك. # وما من عاقل يسمع9 الخبر عن هؤلاء وعن هؤلاء10، كما هو PageV01P568 ~~موجود في هذا الزمان في الكتب والألسنة؛ إلا ويحصل له من العلوم الضرورية ~~بأحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم، أعظم مما يحصل من العلوم بأحوال ملوك ~~الفرس والروم وعلمائهم وأوليائهم وأعدائهم، [*وهذا بين ولله الحمد. # ولولا أن هذا الجواب إنما كان القصد به الكلام على هذه العقيدة المختصرة، ~~لكان البسط لي1 في هذا الموضع أولى من ذلك؛ فإن هذه المقامات تحتمل بسطا ~~عظيما*]، لكن نبهنا2 على مقدمات نافعة؛ فإن أكثر أهل الكلام مقصرون3 في حجج ~~الاستدلال على تقرير ما يجب تقريره من التوحيد والنبوة تقصيرا كثيرا جدا، ~~كما أنهم كثيرا ما يخطؤون فيما ms290 يذكرونه4 من المسائل. # ومن لا يعرف الحقائق يظن أن ما ذكروه هو الغاية في أصول الدين5، والنهاية ~~في دلائله ومسائله؛ فيورثه ذلك مخالفة الكتاب والسنة، بل وصريح6 العقل في ~~مواضع؛ ويورثه استضعافا لكثير من أصولهم، وشكا فيما ذكروه من أصول الدين ~~واسترابة، بل قد يورثه ترجيحا لأقوال من يخالف الرسل من متفلسفة وصابئين ~~ومشركين7 ونحوهم؛ حتى يبقى في الباطن منافقا زنديقا، وفي الظاهر متكلما يذب ~~عن النبوات. # ولهذا قال أحمد وغيره ممن قال8 من السلف: علماء الكلام زنادقة، وما ارتدى ~~أحد بالكلام إلا كان في قلبه غل على أهل الإسلام9؛ PageV01P569 ~~لأنهم1 بنوا أمرهم على أصول فاسدة أوقعتهم في الضلال. وليس هذا موضع بسط ~~هذا، وقد2 بسطناه في غير هذا الموضع. ### || AUTO [ما تواتر من أحوال الأنبياء يدل على صدقهم من وجوه]: # والمقصود هنا: أن طرق العلم بالرسالة كثيرة جدا متنوعة، ونحن اليوم إذا ~~علمنا بالتواتر أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم؛ علمنا علما يقينا3 أنهم ~~كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة: ### || AUTO [1 - صدق أخبارهم عن عاقبتهم وعاقبة أعدائهم]: # منها أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم، وخذلان أولئك، وبقاء ~~العاقبة لهم، [*أخبارا كثيرة في أمور كثيرة، وهي كلها صادقة، لم يقع في شيء ~~منها تخلف4 ولا غلط، بخلاف من يخبر به من ليس متبعا لهم من تنزل عليه ~~الشياطين، أو يستدل على ذلك بالأحوال الفلكية وغيره. وهؤلاء لا بد أن ~~يكونوا5 كثيرا؛ بل الغالب من أخبارهم الكذب، وإن صدقوا أحيانا*]. ### || AUTO [2 - نصر الله لهم وإهلاك عدوهم]: # ومن ذلك أن ما أحدثه الله تعالى من نصرهم وإهلاك عدوهم، إذا عرف6 الوجه ~~الذي حصل عليه: كحصول الغرق لفرعون وقومه بعد أن دخل البحر خلف موسى وقومه ~~- كان هذا مما يورث علما ضروريا أن الله تعالى أحدث هذا نصرا لموسى عليه ~~السلام وقومه، ونجاة لهم؛ وعقوبة PageV01P570 ~~لفرعون وقومه، ونكالا لهم. وكذلك أمر نوح والخليل عليهما السلام، وكذلك قصة ~~الفيل وغير ذلك. ### || AUTO [3 - إحكام ما جاؤوا به من الخبر والأمر]: # ومن الطرق ms291 أيضا: أن1 من تأمل ما جاءت2 به الرسل عليهم السلام فيما أخبرت ~~به وما أمرت به، علم بالضرورة أن مثل هذا لا يصدر إلا عن3 أعلم الناس ~~وأصدقهم وأبرهم، وأن مثل هذا يمتنع صدوره عن كاذب متعمد للكذب4؛ مفتر على ~~الله يخبر عنه بالكذب الصريح، أو مخطىء جاهل ضال يظن أن الله تعالى أرسله ~~ولم يرسله. # وذلك لأن فيما أخبروا به وما أمروا به من الإحكام والإتقان، وكشف ~~الحقائق، وهدي الخلائق، وبيان ما يعلمه العقل جملة، ويعجز عن معرفته ~~تفصيلا، ما يبين أنهم من5 العلم والمعرفة والخبرة6 في الغاية التي باينوا ~~بها أعلم الخلق ممن7 سواهم؛ فيمتنع أن يصدر مثل ذلك عن جاهل ضال. وفيها من ~~الرحمة والمصلحة والهدى والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم؛ ~~ما يبين أن ذلك صدر عن راحم بار8 يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق. # وإذا كان ذلك يدل على كمال علمهم، وكمال حسن قصدهم؛ فمن تم علمه وتم حسن ~~قصده امتنع أن يكون كاذبا على الله؛ يدعي عليه هذه الدعوى العظيمة، التي لا ~~يكون أفجر9 من صاحبها إذا10 كان كاذبا متعمدا، ولا أجهل منه إن كان مخطئا. # وهذه الطريق تسلك جملة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، PageV01P571 ~~وتفصيلا في حق واحد واحد بعينه1، فيستدل المستدل2 بما يعلمه من الحق والخير ~~جملة على علم صاحبه وصدقه، ثم يستدل بعلمه وصدقه على ما لم يعلمه تفصيلا. # والعلم بجنس الحق والباطل، والخير والشر، والصدق والكذب، معلوم بالفطرة ~~والعقل الصريح، بل جمل ذلك مما اتفق3 عليه بنو آدم، ولذلك يسمى ذلك معروفا4 ~~ومنكرا، فإذا علم أنه فيما علم الناس أنه حق وأنه خير؛ هو أعلم منهم به، ~~وأنصح الخلق فيه، وأصدقهم فيما يقول، علم بذلك أنه صادق عالم ناصح، لا كاذب ~~ولا جاهل ولا غاش. # وهذه الطريق يسلكها كل أحد بحسبه، ولا يحتاج في هذه الطريق إلى أن يعلم5 ~~أولا خواص النبوة وحقيقتها وكيفيتها، بل أن يعلم أنه صادق بار فيما يخبر به ~~ويأمر به، ثم من ms292 خبره يعلم حقيقة النبوة والرسالة. # وقد سلك آخرون من المتكلمين6 والمتفلسفة والمتصوفة وغيرهم طريقا أخرى ~~تشبه هذه من وجه دون وجه؛ وهو أن يعلم النبوة أولا، وأنها موجودة في بني ~~آدم، وأنهم محتاجون إليها، ويعلم صفاتها، ثم يعلم عين النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم المتكلمون من المعتزلة وغيرهم يوجبون النبوة على الله تعالى7 على ~~طريقتهم8 في إيجاب ما يوجبونه عليه، والمتفلسفة قد9 يوجبون ذلك على ~~طريقتهم4 فيما يجب وجوده في العالم، وغيره يوجب ذلك PageV01P572 ~~لما علم من عادته في حكمته ورحمته وإعطائه الخلق ما يحتاجون إليه. # وبالجملة، فيعلمون نوعها في العالم، ثم يعلمون الواحد من الجنس1 بثبوت ~~حقيقة النوع فيه، وهذه الطريقة2 يسلكها كثير من المتكلمة والمتصوفة3 ~~والمتفلسفة والعامة وغيرهم. ### || AUTO [مذهب ابن سينا في حقيقة النبوة]: # لكن المتفلسفة - كابن سينا وأمثاله - أدركوا من النبوة بقدر ما أعطتهم ~~موادهم الفلسفية، التي علموا بها أن النبي يكون له كمال القوة العلمية، ~~وكمال قوة السمع والبصر، وكمال قوة النفس؛ بحيث يعلم ويسمع ويبصر ما يقصر ~~غيره عنه، ويفعل في العالم بهمته ما يعجز غيره عنه. # وهؤلاء يجعلون4 نفس النبوة ثلاثة أمور: # أحدها: أن تكون له قوة عقلية، بل نسبة5 ينال بها العلم من غير تعلم. # والثاني: أن تكون له قوة خيالية، يتخيل بها الحقائق العقلية موجودة، ~~خالية، موثقة، من أجناس منام النائم، فيرى في نفسه ضوءا؛ وذلك هو الرسالة ~~عندهم، ويسمع [في نفسه صوتا6]؛ وذلك هو كلام الله عندهم. # الثالث: أن تكون لنفسه قوة على أن تؤثر7 في العالم8. PageV01P573 # وهذه الأقوال الثلاثة تحصل لخلق كثير، هم دون رتبة الصالحين، فضلا عن ~~النبوة، ولهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة، فصار كثير منهم يطلب أن يصير ~~نبيا، كما جرى للسهروردي المقتول ولابن سبعين، ولهذا كان ابن سبعين يقول: ~~«لقد زدت في حديث قال: (لا نبي بعدي1) - نبي عربي». PageV01P574 # وهؤلاء يجعلون النبوة إنما هي من جنس واحد وقوة النفس، في العلم والقدرة، ~~لكن يقول1: بينهما من الفصل بإرادة النبي الخير، وإرادة الساحر الشر، ~~ويقولون: الملك ms293 والشيطان قوى، لكن قوة الملك قوة صالحة، وقوة الشيطان قوة فاسدة. # وأما من يقول: الملائكة والجن هم جنس واحد، لا فرق بينهما في الصفات. ~~فهؤلاء2 يقولون: إن هذا القدر3 يحصل نوع منه لغيرهم من الأولياء، لكن يحصل ~~لهم ما هو دون ذلك. وهذا على طريقة عقلاء PageV01P575 ~~المتفلسفة الذين يفضلون النبي على الفيلسوف والولي، كابن سينا وأمثاله. ### || AUTO [مذهب الفارابي وابن عربي]: # وأما غلاتهم، كالفارابي وأمثاله، الذين قد يفضلون الفيلسوف على النبي1، ~~كما يفضل أشباههم، كابن عربي الطائي صاحب «الفتوحات المكية» و«فصوص الحكم» ~~وغيرهما؛ فإنهم2 يفضلون الولي على النبي، [*وكان يدعي أنه يأخذ من المعدن ~~الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى النبي؛ وأن الملك - على أصلهم - هو ~~الحال الذي في نفس النبي، والنبي بزعمهم يأخذ عن ذلك الحال، والحال يأخذ عن ~~العقل، ثم زعم هذا أنه يأخذ عن العقل الذي في هذا الخيال، فلهذا قال: إنه ~~يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ما يوحى به إلى النبي*] 3 فهؤلاء ~~شاركوهم في أصل طريقهم. PageV01P576 # PageV01P577 # لكن عظم ضلالهم وجهلهم بقدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مع أن1 أصل ~~معرفة هؤلاء بقدر النبوة معرفة ناقصة بتراء2، بل من عرف ما جاءت به ~~الأنبياء، وما يذكرونه في قدر النبوة، علم أنهم آمنوا ببعض ما جاءت به ~~الرسل3 وكفروا ببعض، فكما أن اليهود والنصارى آمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ~~ببعض، فهؤلاء آمنوا ببعض صفات النبوة وكفروا PageV01P578 ~~ببعض؛ ولهذا قد يكون فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، وقد يكون في ~~اليهود والنصارى من هو أكفر منهم، بحسب ما آمن به كل من هؤلاء مما1 جاءت به ~~الرسل وما2 كفروا به. ### || AUTO [مذهب أبي حامد الغزالي]: # وأبو حامد كثيرا ما يسلك هذه الطريق في كتبه، لكنه لا يوافق المتفلسفة ~~على كل ما يقولونه، بل يكفرهم ببعض، ويضللهم في موضع، وإن كان في الكتب ~~المضافة إليه ما قد يوافق بعض أصولهم، بل في الكتب التي يقال: إنها «مضنون ~~بها على غير أهلها» 3. ما هو فلسفة محضة، مخالفة ms294 لدين المسلمين واليهود ~~والنصارى، وإن كانت قد عبر عنها بعبارات إسلامية. # لكن هذه الكتب، في الناس من يقول: إنها مكذوبة على أبي حامد؛ ومنهم من ~~يقول: بل رجع عنها. # ولا ريب أنه صرح في مواضع ببعض4 ما قاله في هذه الكتب، وأخبر في «المنقذ ~~من الضلال» وغيره من كتبه؛ بما في ذلك من PageV01P579 ### || AUTO [حكاية الغزالي لسيرته العلمية في كتابه «المنقذ من الضلال»]: # الضلال، وذكر كيف كان طلبه للعلوم أولا1؛ حتى قال:2 «أقبلت3 بجد بليغ، ~~أتأمل في المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها، فانتهى ~~بي طول التشكك4 إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا، # وأخذ يتبع الشك فيها» 5، وذكر بعض شبه السوفسطائية في الحسيات6. # إلى أن قال7: «فلما خطرت8 لي هذه الخواطر، وانقدحت في النفس، حاولت لذلك ~~علاجا فلم يتيسر، إذ لم يمكن9 دفعه إلا بدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من ~~تركيب العلوم الأولية. وإذا10 لم تكن مسلمة لم يمكن ترتيب الدليل، فأعضل ~~هذا الداء11، ودام قريبا من شهرين، أنا فيها على مذهب السفسطة بحكم الحال، ~~لا بحكم PageV01P580 ~~المنطق1 والمقال. حتى شفى الله تعالى عني ذلك المرض والإعلال2، وعادت النفس ~~إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ~~ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في ~~الصدر3، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف». قال4: «فمن ظن أن الكشف موقوف ~~على الأدلة المجردة، فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة». # إلى أن قال5: «والمقصود من هذه الحكاية6 أن يعلم7 كمال الجد في الطلب، ~~حتى انتهى إلى طلب ما لا يطلب؛ لأن8 الأوليات ليست مطلوبة؛ فإنها حاضرة، ~~والحاضر إذا طلب بعد9 واختفى». ### || AUTO [انحصار الفرق الطالبة للحق عند الغزالي في أربع]: # قال10: «ولما كفاني الله تعالى هذا المرض11 انحصرت أصناف الطالبين12 عندي ~~في أربع فرق: المتكلمون، وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر؛ والباطنية، وهم ~~يدعون أنهم أصحاب التعليم، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم؛ ~~والفلاسفة، وهم PageV01P581 ~~يزعمون أنهم ms295 أصحاب1 المنطق والبرهان؛ والصوفية، وهم يدعون أنهم خاصة2 ~~الحضرة، وأهل المشاهدة والمكاشفة. # فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء [هم3] السالكون ~~سبيل طلب الحق، فإن شذ الحق عنهم، فلا يبقى في درك الحق مطمع». ### || AUTO [كلام الغزالي عن هذه الفرق]: # إلى أن قال4: «فابتدأت5 لسلوك هذه الطرق، واستقصاء ما عند هؤلاء الفرق، ~~مبتدئا بعلم الكلام، ومثنيا بطريق الفلسفة، ومثلثا بتعليمات الباطنية، ~~ومربعا بطريق الصوفية». ### || AUTO [1 - المتكلمون]: # قال6: «ثم إني ابتدأت بعلم الكلام، فحصلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين ~~منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير واف ~~بمقصود. وإنما المقصود منه حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش ~~المبتدعة7؛ فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم8 عقيدة هي الحق، على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمقدماته ~~القرآن والأخبار، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة، ~~فلهجوا بها، وكادوا يشوشون عقيدة أهل9 الحق على أهلها؛ فأنشأ الله تعالى ~~طائفة من10 PageV01P582 ~~المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة، بكلام مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل ~~البدع المحدثة، على خلاف السنة المأثورة». إلى أن قال1: «وكان أكثر حرصهم2 ~~في استخراج مناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازمهم ومسلماتهم3». # إلى أن قال4: «فلم يكن الكلام في حقي كافيا، ولا لدائي الذي5 أشكوه ~~شافيا». إلى أن قال6: «فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في ~~اختلافات الخلق، ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري، بل لا أشك7 في حصول ~~ذلك لطائفة، ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من ~~الأوليات». ### || AUTO [2 - الفلاسفة]: # إلى أن قال8: «ثم إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام، بعلم الفلسفة، ~~وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك ~~العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل العلم9، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع ~~على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة». # إلى أن قال10: «لم أزل ms296 حتى اطلعت11 على ما فيه من خداع PageV01P583 ~~وتلبيس، وتحقيق وتخييل، اطلاعا لم أشك فيه. فاسمع1 الآن حكايتهم2 وحكاية ~~حاصل علومهم، فإني رأيتهم أصنافا، ورأيت علومهم أقساما، وهم - على كثرة ~~أصنافهم - تلزمهم3 وصمة الكفر والإلحاد، وإن كان بين القدماء منهم ~~والأقدمين، وبين الأواخر منهم والأوائل، تفاوت عظيم في البعد عن الحق ~~والقرب منه». # ثم قال3: «اعلم أنهم - على كثرة فرقهم -5 ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: ~~الدهريون، والطبايعيون6، والإلهيون. # الصنف الأول: الدهريون، وهم طائفة من الأقدمين، جحدوا الصانع المدبر، ~~العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك7، ولم يزل الحيوان من ~~نطفة، والنطفة من حيوان، كذلك كان، وكذلك يكون أبدا، وهؤلاء [هم8] ~~الزنادقة. # الصنف9 الثاني: الطبيعيون، وهم قوم أكثروا10 بحثهم عن عالم الطبيعة، وعن ~~عجائب الحيوان والنبات». # إلى أن قال11: «إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة، ظهر عندهم PageV01P584 ~~لاعتدال المزاج تأثير عظيم في قوام1 قوى الحيوان به، فظنوا أن القوة ~~العاقلة2 من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا، وأنها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم3، ~~ثم إذا انعدمت4 فلا تعقل5 إعادة المعدوم كما زعموا، فذهبوا إلى أن النفس ~~تموت ولا تعود، فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب، فلم ~~يبق عندهم للطاعة ثواب، ولا للمعصية عقاب، فانحل عنهم6 اللجام، وانهمكوا في ~~الشهوات انهماك الأنعام. # وهؤلاء أيضا زنادقة؛ لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله واليوم الآخر، ~~وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر، وإن آمنوا بالله7 وصفاته. # الصنف8 الثالث: الإلهيون، وهم المتأخرون9 مثل سقراط، وهو أستاذ أفلاطون، ~~وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس، وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق، وهذب لهم ~~العلوم، وخمر لهم ما لم يكن مخمرا من قبل، وأوضح لهم ما كان أحجى10 من ~~علومهم. # وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية، وأوردوا في ~~الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم، وكفى الله المؤمنين القتال بتقاتلهم، ~~ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبله11 من الإلهيين ردا لم ~~يقصر فيه، حتى تبرأ عن جميعهم، إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم ~~بقايا لم يوفق للنزوع ms297 عنها. PageV01P585 # فوجب تكفيرهم، وتكفير متبعيهم من المتفلسفة الإسلاميين، كابن سينا ~~والفارابي وأمثالهما1. على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متفلسفة ~~الإسلاميين كقيام هذين الرجلين، وما نقله غيرهما ليس يخلو عن تخبيط وتخليط ~~بتشوش فيه قلب المطالع حتى لا يفهم، وما لا يفهم2 كيف يرد أو يقبل! # ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس - بحسب نقل هذين الرجلين - ينحصر ~~في [ثلاثة3] أقسام: قسم يجب التكفير به4، وقسم يجب التبديع به، وقسم لا يجب ~~إنكاره أصلا، فلنفصله». # ثم ذكر أنها ستة أقسام: رياضية، ومنطقية، وطبيعية، وإلهية، وسياسية، ~~وخلقية. وتكلم على ذلك5 بما ليس هذا موضعه، وقد بينا الكلام على ذلك في غير ~~هذا الموضع. # إلى أن قال6: «ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهمه7، وتزييف ~~ما تزيف8 منه؛ علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض، وأن9 العقل ليس ~~مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات». ### || AUTO [3 - الباطنية]: # ثم ذكر مذهب الباطنية وتلبيسهم10، «وأنه ليس معهم شيء من PageV01P586 ~~الشفاء المنجي من ظلمات الآراء1، بل2 هم - مع عجزهم عن إقامة البرهان على3 ~~تعيين الإمام المعصوم -[طالما جاريناهم5] فصدقناهم6 في الحاجة إلى التعليم، ~~وإلى المعلم المعصوم، وأنه هو7 الذي عينوه، ثم سألناهم عن العلم الذي ~~تعلموه من هذا المعصوم، وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها، فضلا عن القيام ~~بحلها. فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب، وقالوا: لا بد من السفر إليه. # والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم والتبجح8 بالظفر به9، ولم يتعلموا ~~منه شيئا أصلا، كالمتضمخ10 بالنجاسة يتعب في طلب الماء، حتى إذا وجده لم ~~يستعمله، وبقي مضمخا11 بالخبائث12. # ومنهم من ادعى شيئا من علمهم، وكان13 حاصل ما ذكره [شيئا] 14 من15 ركيك ~~فلسفة فيثاغورس؛ وهو رجل من قدماء الأوائل، ومذهبه أرك مذاهب الفلاسفة، وقد ~~رد عليه أرسطاطاليس، بل استرك17 PageV01P587 ~~كلامه واسترذله، وهو المحكي في كتاب «رسائل1 إخوان الصفا»، وهو على التحقيق ~~حشو الفلسفة. # فالعجب ممن يتعب طول العمر في طلب العلم، ثم يتبع لمثل ذلك2 ms298 العلم الركيك ~~المستغث، ويظن أنه3 ظفر بأقصى مقاصد العلوم، فهؤلاء أيضا جربناهم4 وسبرنا ~~باطنهم وظاهرهم5، فرجع حاصلهم إلى استدراج العوام وضعفاء العقول ببيان ~~الحاجة إلى المعلم، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم، بكلام قوي ~~مفحم، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد، وقال: هات علمه، وأفدنا ~~من تعليمه! وقف، وقال6: الآن، إذا سلمت لي هذا فاطلبه، فإنما غرضي هذا ~~القدر فقط؛ إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح، ولعجز عن حل أدنى المشكلات، ~~بل عجز عن فهمه، فضلا عن جوابه». ### || AUTO [4 - الصوفية]: # قال7: «ثم إني لما فرغت من هذه8 [العلوم9] أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، ~~وعلمت أن طريقهم إنما يتم10 بعلم وعمل، وكان حاصل علمهم11 قطع عقبات النفس، ~~والتنزه عن أخلاقها المذمومة PageV01P588 ~~وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى، ~~وتحليته بذكر الله. # وكان العلم أيسر علي من العمل؛ فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم، ~~مثل: «قوت القلوب» لأبي طالب المكي1، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات ~~المنثورة عن الجنيد، والشبلي2، وأبي يزيد البسطامي3، قدس الله أرواحهم، ~~وغير ذلك من كلام PageV01P589 ~~المشايخ1، حتى اطلعت على كثير من مقاصدهم2 العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل ~~من طريقهم بالتعلم والسماع، وظهر3 لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه ~~بالتعلم، بل بالذوق4 والحال5 وتبدل الصفات. # وكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن ~~يكون صحيحا شبعان6؛ وبين أن يعرف حد السكر؛ وأنه عبارة عن حالة تحصل من7 ~~استيلاء8 أبخرة تتصاعد من المعدة إلى معادن الفكر، وبين أن يكون9 سكران؛ بل ~~السكران لا يعرف حد السكر وأركانه10، وهو سكران وما معه من علمه شيء؛ PageV01P590 ~~والطبيب1 يعرف حد السكر وأركانه وما معه من السكر شيء، والطبيب في حالة ~~المرض يعرف حد الصحة [وأسبابها2] وأدويتها وهو فاقد الصحة3. # فكذلك الفرق4 بين أن5 يعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها، وبين أن4 يكون6 ~~حاله7 الزهد وعزوف8 النفس عن الدنيا. # فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال، لا أصحاب ms299 أقوال9، وأن ما يمكن تحصيله ~~بطريق العلم قد10 حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالتعلم والسماع11، ~~بل بالذوق والسلوك12، وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها، والمسالك ~~التي سلكتها في تفتيشي13 عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية - إيمان يقيني ~~بالله تعالى، وبالنبوة، وباليوم الآخر. # وهذه الأصول الثلاثة14 كانت15 رسخت في نفسي بلا دليل محرر16؛ بل بأسباب ~~وقرائن وتجارب، لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها، وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع ~~في سعادة الآخرة إلا PageV01P591 ~~بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا، ~~والتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة1 ~~على الله تعالى، وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال2». ### || AUTO [ترجيح الغزالي الصوفية على غيرهم، وتنويهه بطريقتهم]: # وذكر حاله في خروجه عن ذلك، ومجيئه إلى الشام، ثم الحجاز3؛ إلى أن قال4: ~~«وانكشف5 لي في أثناء هذه الخلوات أمور، لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، ~~والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق ~~الله تعالى خاصة6، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم7 أصوب الطرق، وأخلاقهم ~~أزكى الأخلاق؛ بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على ~~أسرار الشريعة8 من العلماء - ليغيروا شيئا من سيرتهم9 وأخلاقهم، ويبدلوه ~~بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلا؛ فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ~~باطنهم وظاهرهم10 مقتبسة من نور مشكاة11 النبوة، وليس12 وراء نور النبوة ~~على وجه الأرض نور يستضاء به». # إلى أن قال13: «ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقتهم، حقيقة PageV01P592 ~~النبوة وخاصيتها1». ### || AUTO [كلام الغزالي في حقيقة النبوة، والاستدلال عليها]: # ثم تكلم في حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها؛ فقال: «اعلم أن جوهر ~~الإنسان من أول3 الفطرة خلق خاليا ساذجا، لا خبر4 معه من عوالم الله تعالى، ~~والعوالم كثيرة، لا يحصيها إلا الله؛ كما قال سبحانه5: {وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو} [المدثر: 31]». # ثم ذكر ما يدركه بالحواس، ثم بالتمييز6، «ثم يترقى في7 طور آخر، فيخلق له ms300 ~~العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأمورا لا توجد في الأطوار ~~التي قبله. ووراء العقل طور آخر ينفتح8 فيه عين أخرى؛ يبصر بها الغيب، وما ~~سيكون في المستقبل، وأمورا9 أخرى10، العقل معزول عنها كعزل11 قوة الحس عن ~~مدركات التمييز، وكما أن المميز لو عرض12 عليه مدركات العقل لأباها ~~واستبعدها13، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها14. وذلك عين ~~الجهل؛ إذ لا مستند له15 إلا أنه طور لم يبلغه، ولم يوجد في حقه، فظن16 أنه غير PageV01P593 ~~موجود في نفسه. والأكمه1 لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال، ~~وحكي له [ذلك2] ابتداء، لم يفهمها ولم يقر بها. ### || AUTO [تشبيه الغزالي النبوة بالمنامات]: # وقد قرب الله تعالى ذلك إلى خلقه3، بأن أعطاهم أنموذجا من خاصية5 النبوة، ~~وهو النائم6؛ إذ النائم يدرك7 ما سيكون في8 الغيب، إما صريحا، وإما في ~~كسوة9 مثال يكشف عنه التعبير. # وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه، وقيل له: ((إن من الناس من يسقط مغشيا ~~عليه كالميت، ويزول إحساسه وسمعه وبصره، فيدرك الغيب». - لأنكره ولأقام10 ~~البرهان على استحالته؛ وقال: القوى الحساسة أسباب الإدراك، فمن لا يدرك ~~الأشياء11 مع وجودها وحضروها، فبأن لا يدرك مع ركودها أولى12. # وهذا نوع قياس13 يكذبه الوجود والمشاهدة، فكما أن العقل طور من أطوار ~~الآدمي، يحصل فيه عين أخرى14 يبصر بها أنواعا من المعقولات؛ الحواس15 ~~معزولة عنها؛ فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين أخرى4 لها نور، يظهر ~~في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل. PageV01P594 # والشك في النبوة، إما أن يقع في إمكانها، أو في وجودها ووقوعها1، أو في ~~حصولها لشخص معين. # ودليل إمكانها وجودها2، ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن ~~تنال بالعقل: كعلم الطب والنجوم؛ فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا ~~تدرك إلا بإلهام إلهي وتوفيق من جهة الله تعالى، ولا سبيل إليها3 بالتجربة؛ ~~فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة، فكيف ينال ذلك ~~بالتجربة! وكذلك خواص الأدوية. # فتبين بهذا البرهان أن في الإمكان ms301 وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا ~~يدركها العقل، وهو المراد بالنبوة، لا أن النبوة [عبارة] عنها فقط4، بل ~~إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة، ولها5 خواص ~~كثيرة سواها، وما ذكرناها6 فقطرة من بحرها، إنما ذكرناها لأن معك أنموذجا ~~منها، وهي7 مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم. # فأما8 معجزات الأنبياء، فلا9 سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلا، وأما ~~ما عداها من خواص النبوة، فإنما يدركه بالذوق من سلك10 طريق التصوف؛ لأن ~~هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، PageV01P595 ~~ولولاه ما1 صدقت به؛ فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج، فلا2 تفهمها ~~أصلا، فكيف تصدق بها! وإنما التصديق بعد التفهيم3، وذلك الأنموذج يحصل في ~~أول4 طريق التصوف، فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل، ونوع من التصديق ~~بما لم يحصل بالقياس إليه، فهذه الخاصة5 الواحدة تكفيك للإيمان بأصل ~~النبوة. ### || AUTO [استدلال الغزالي على النبوة بأحوال مدعيها، وتضعيفه طريق ~~المعجزات]: # فإن وقع لك الشك في شخص معين أنه نبي أم لا؛ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة ~~أحواله، إما بالمشاهدة، أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه، ~~يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم، وإن6 لم ~~تشاهدهم؛ فمعرفة7 كون الشافعي فقيها، وكون جالينوس طبيبا معرفة8 بالحقيقة، ~~لا بالتقليد9؛ بأن تتعلم10 شيئا من الطب والفقه11، وتطالع كتبهما ~~وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. # وكذلك12 إذا فهمت معنى النبوة، فأكثر13 النظر في القرآن والأخبار، يحصل14 ~~لك العلم الضروري بكونه صلى الله عليه وسلم على15 أعلى درجات النبوة، واعضد ~~ذلك بتجربة ما قاله في العبادات، وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق في ~~كذا وكذا16؛ فإذا جربت ذلك في PageV01P596 ~~ألف، وألفين، وآلاف، حصل لك علم ضروري لا1 تتمارى فيه. # فمن هذا القبيل2 اطلب3 اليقين بالنبوة، لا من قلب العصا ثعبانا، وشق ~~القمر؛ فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم4 إليه القرائن الكثيرة ~~الخارجة عن حد5 الحصر، ربما ظننت أنه سحر وأنه تخييل6، وأنه من ms302 الله تعالى ~~إضلال؛ فإنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء. # ويرد7 عليك أسئلة8 المعجزات، فإذا كان مستند إيمانك كلاما منظوما9 في وجه ~~دلالة المعجزة، ينجزم10 إيمانك بكلام مرتب في11 وجه الإشكال والشبه12 ~~عليها، فليكن مثل هذه الخوارق إحدى القرائن والدلائل13 في جملة نظرك، حتى ~~يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين؛ كالذي يخبره جماعة ~~بخبر متواتر، لا يمكنه أن يقول: اليقين14 مستفاد من قول واحد معين؛ بل من ~~حيث لا يدري، ولا يخرج عن جملة ذلك، ولا تتعين15 الآحاد، فهذا هو الإيمان PageV01P597 ~~القوي العلمي. وأما الذوق1 فهو كالمشاهدة والأخذ باليد، ولا يوجد إلا في ~~طريق الصوفية». # قال2: «ثم إني3 واظبت على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين، وبان لي في ~~أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها، وبان لي من حقيقة الذوق أن ~~للإنسان4 بدنا وقلبا - وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله ~~تعالى، دون اللحم الذي يشاركه5 فيه الميت والبهيمة - وأن البدن له صحة بها ~~سعادته، ومرض فيه هلاكه، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة، ولا ينجو إلا من ~~أتى [الله6] بقلب سليم، وله مرض فيه هلاكه إن لم يتدارك، كما قال تعالى: ~~{في قلوبهم مرض} [البقرة: 10]. # وأن الجهل بالله سم مهلك8، وأن معصية الله تعالى - بمتابعة الهوى - داؤه ~~الممرض، وأن معرفة الله تعالى ترياقه9 المحيي، وطاعته - بمخالفة الهوى - ~~دواؤه الشافي، وأنه لا سبيل إلى معالجته - بإزالة مرضه وكسب صحته10 - إلا ~~بأدوية، كما لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك. PageV01P598 # وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، لا يدركها1 العقلاء ~~ببضاعة العقل، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها عن الأنبياء، الذين ~~اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء - فكذلك بان لي على الضرورة أن2 ~~أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا ~~يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء، الذين ~~أدركوا تلك الخواص [بنور النبوة3]، لا ببضاعة العقل. # وكما أن الأدوية تركب من أخلاط ms303 مختلفة النوع والمقدار، وبعضها ضعف لبعض ~~في الوزن4، فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر من قبل5 الخواص، فكذلك العبادات ~~التي هي أدوية القلوب6، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار؛ حتى إن ~~السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة الظهر7، ولا يخلو عن سر من ~~الأسرار، هو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة. # ولقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط بطريق العقل لها حكمة، أو ظن8 ~~أنها ذكرت على الاتفاق، لا عن سر إلهي فيها يقتضيها بطريق الخاصية. # وكما أن في الأدوية أصولا هي أركانها، وزوائد هي متمماتها، لكل واحد منها ~~خصوص تأثير في إعمال أصولها، كذلك السنن والنوافل PageV01P599 ~~لتكميل1 آثار أركان العبادات. # وعلى الجملة، فالأنبياء2 أطباء أمراض القلوب، وأما3 فائدة العقل وتصرفه ~~أن عرفنا ذلك، وشهد بصدق النبوة، وبعجز نفسه4 عن درك ما يدرك بعين النبوة، ~~وأخذ5 بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى القائدين، وتسليم المرضى ~~المتحيرين إلى الأطباء المشفقين، فإلى ههنا مجرى العقل ومخطاه6، وهو معزول ~~عما بعد ذلك، إلا عن تفهيم7 ما يلقيه الطبيب إليه. فهذه أمور عرفناها ~~بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة، في مدة الخلوة والعزلة. ### || AUTO [رأي الغزالي في أسباب ضعف إيمان أكثر الناس بالنبوة وتقصيرهم ~~في متابعة الشرع]: # ثم رأينا فتور8 الاعتقاد9 في أصل النبوة، ثم في حقيقة النبوة، ثم في ~~العمل بما شرحته النبوة؛ وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق، ونظرت10 إلى أسباب ~~فتور الخلق، وضعف إيمانهم بها11، فإذا هو أربعة: سبب من الخائضين في علم ~~الفلسفة، وسبب من الخائضين في طريق التصوف، وسبب من المنتسبين إلى دعوى ~~التعليم، وسبب من معاملة المتوسمين من العلماء12 فيما بين الناس. # فإني تتبعت مدة آحاد الخلق، أسأل من يقصر13 منهم في متابعة PageV01P600 ~~الشرع، وأسأله عن شبهته1، وأبحث عن عقيدته وسره، وأقول2 له: ما لك تقصر ~~فيها؟ فإن كنت تؤمن بالآخرة، ولست تستعد لها، وتبيعها بالدنيا؛ فهذه حماقة؛ ~~فإنك لا تبيع الاثنين بواحد، فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة! وإن ~~كنت لا تؤمن ms304 فأنت كافر، فدبر لنفسك3 في طلب الإيمان، وانظر ما سبب كفرك ~~الخفي: الذي هو مذهبك باطنا، وهو سبب جرأتك4 ظاهرا، وإن كنت لا تصرح به، ~~تجملا بالإيمان، وتشرفا بذكر الشرع5. # فقائل يقول: هذا6 أمر لو وجبت المحافظة عليه، لكان العلماء أجدر بذلك، ~~وفلان من المشهورين بين7 الفضلاء لا يصلي، وفلان يشرب الخمر، وفلان يأكل ~~الأموال من الأوقاف8 وأموال اليتامى، وفلان يأكل أدرار السلطان ولا يحترز ~~من9 الحرام، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة. وهلم جرا إلى أمثاله. # وقائل ثان يدعي علم التصوف، فيقول إني بلغت مبلغا ترقيت10 عن الحاجة إلى ~~العبادة. # وقائل ثالث تعلل11 بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة، وهم الذين ضلوا عن ~~طريق التصوف12. # وقائل رابع لقي أهل التعليم، ويقول13: الحق مشكل، والطريق إليه PageV01P601 ~~عسير منسد1، والاختلاف فيه كثير، وليس بعض المذاهب أولى من بعض، وأدلة ~~العقول متعارضة، فلا ثقة برأي أهل الرأي، والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة ~~له، فكيف ندع2 اليقين بالشك؟ # وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليدا، ولكني قرأت علم الفلسفة، وأدركت ~~حقيقة النبوة، وأن حاصلها يرجع إلى المصلحة والحكمة3، وأن المقصود من ~~تعبداتها ضبط عوام الخلق، وتقييدهم4 عن التقاتل والتنازع، والاسترسال في ~~الشهوات، فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا من ~~الحكماء، أتبع الحكمة وأنا بصير بها، مستغن فيها عن التقليد. # هذا منتهى إيمان من قرأ فلسفة الإلهيين منهم، ويعلم5 ذلك من كتب ابن سينا ~~وأبي نصر الفارابي، وهؤلاء [هم6] المتجملون منهم7 بالإسلام. # وربما يرى8 الواحد منهم يقرأ القرآن، ويحضر الجماعات والصلوات، ويعظم ~~الشريعة بلسانه، ولكنه - مع ذلك - لا يترك شرب الخمر، وأنواعا من الفسق ~~والفجور. وإذا قيل له: إن كانت النبوة غير صحيحة فلم تصلي؟ فربما يقول: ~~«رياضة الجسد، وعادة البلد9، وحفظ المال والولد»؛ وربما قال: «الشريعة ~~صحيحة، والنبوة حق»، فيقال له10: فلم # تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نهي عن الخمر؛ لأنها تورث العداوة والبغضاء، ~~وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد به تشحيذ خاطري. PageV01P602 # حتى أن ابن ms305 سينا ذكر في وصية له، كتب فيها أنه عاهد الله تعالى على كذا ~~وكذا، وأن يعظم الأوضاع الشرعية، ولا يقصر في العبادات الدينية، ولا يشرب ~~الخمر1 تلهيا، بل تداويا وتشفيا. # وكان2 منتهى حالته في صفاء الإيمان والتزام العبادات، أن استثنى3 شرب ~~الخمر لغرض التشفي4، فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم5». # إلى [أن6] ذكر [أبو حامد7] ما رد به على أهل التعليم وأهل الإباحة8، ~~قال9: «وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة، حتى أنكر أصل النبوة، فقد ذكرنا ~~حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة، بدليل وجود خواص الأدوية والنجوم وغيرها10، ~~وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك، وأوردنا11 الدليل من خواص النجوم ~~والطب12؛ لأنه من نفس علمهم، ونحن نبين لكل عالم بفن من العلوم، كالنجوم ~~والطب والطبيعة والسحر والطلسمات13 PageV01P603 ~~مثلا من نفس علمه، برهان1 النبوة. # وأما من أثبت النبوة بلسانه، وسوى أوضاع الشرع على الحكمة، فهو على ~~التحقيق كافر بالنبوة، وإنما هو مؤمن بحكيم له طالع مخصوص، يقتضي طالعه أن ~~يكون متبوعا2، وليس هذا من النبوة في شيء، بل الإيمان بالنبوة أن يقر ~~بإثبات طور وراء طور3 العقل، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل ~~معزول عنها؛ كعزل اللمس عن إدراك الأصوات4، وجميع الحواس عن إدراك ~~المعقولات، فإن لم يجوز5 هذا، فقد أقمنا البرهان على إمكانه، بل على ~~وجوده». # وأخذ يستدل بالخواص الموجودة في الطبيعيات على إمكان خواص ثابتة في ~~الشرعيات، وأن تلك إذا لم تعرف بقياس العقل، فكذلك الأخرى6. قال: «وإنما ~~تدرك هذه الخواص بنور النبوة». # قال7: «والعجب أنا لو غيرنا العبارة إلى عبارة المنجمين، لصدقوا باختلاف8 ~~هذه الأوقات؛ فنقول: أليس يختلف الحكم والطالع9؟ PageV01P604 # بأن تكون الشمس في وسط السماء، أو في الطالع، أو في الغارب، حتى بنوا1 على ~~هذا في تسييراتهم اختلاف الهيلاج2، وتفاوت الأعمار والآجال، فلا3 فرق بين ~~الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء، ولا بين المغرب وبين كون الشمس في ~~الغارب. # فلم يكن لتصديقه4 سبب، إلا أن ذلك سمعه5 بعبارة منجم، جرب6 كذبه مائة مرة ~~ولا يزال يعاود7 تصديقه، ms306 حتى لو قال له المنجم8: إذا كانت الشمس في وسط ~~السماء، ونظر إليها9 الكوكب الفلاني، [والطالع هو البرج الفلاني10]؛ فلبست ~~ثوبا جديدا في ذلك الوقت قتلت في ذلك الثوب11! فإنه لا يلبس الثوب في ذلك ~~الوقت، وربما يقاسي فيه البرد الشديد، وربما سمعه من منجم قد جرب كذبه مرات! # فليت شعري من يتسع عقله لقبول هذه البدائع، ويضطر إلى الاعتراف بأنها ~~خواص، معرفتها معجزة لبعض الأنبياء؛ كيف12 ينكر PageV01P605 ~~مثل ذلك فيما يسمعه من قول نبي صادق، مؤيد بالمعجزات، لم يعرف قط بالكذب! ~~ولم لا يتسع لإمكان1 هذه الخواص في أعداد الركعات، ورمي الجمار، وعدد أركان ~~الحج، وسائر تعبدات الشرع! ولم نجد2 بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقا أصلا. # فإن قال: قد جربت شيئا من النجوم، وشيئا من الطب، فوجدت بعضه صادقا، ~~فانقدح في نفسي تصديقه، وسقط عن3 قلبي استبعاده ونفرته، وهذا لم أجربه، فبم ~~أعلم وجوده وتحققه4، وإن أقررت بإمكانه؟ ### || AUTO [تقرير الغزالي لما يدرك بالمشاهدة والكشف والصوفي]: # فأقول: إنك لا تقتصر على تصديق ما جربته، بل سمعت أخبار المجربين ~~وقلدتهم، فاسمع أقوال الأولياء فقد جربوه5، وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به ~~الشرع، أو اسلك6 سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك. # على أني أقول: وإن لم تجرب7، فيقتضي8 عقلك بوجوب التصديق والاتباع قطعا؛ ~~فإنا لو فرضنا رجلا بلغ وعقل ولم يجرب ومرض9، وله والد مشفق، حاذق بالطب، ~~يسمع دعواه في معرفة PageV01P606 ~~الطب منذ عقل، فعجن له والده دواء؛ وقال1: «هذا يصلح لمرضك، ويشفيك من ~~سقمك»، فماذا يقتضيه عقله - وإن كان الدواء كريها مر المذاق2 - أن يتناول ~~أو يكذب؟ ويقول: «أنا لا أعرف3 مناسبة هذا الدواء لتحصيل الشفاء، ولم ~~أجربه». فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك، فكذلك4 يستحمقك أهل البصائر في توقفك. # فإن قلت: فبم5 أعرف شفقة النبي6 ومعرفته بهذا الطب؟ # فأقول: وبم عرفت شفقة أبيك؟ فإن ذلك أمر7 ليس محسوسا، بل عرفتها بقرائن ~~أحواله، وشواهد أعماله، في موارده ومصادره8، علما ضروريا لا تتمارى9 فيه. # ومن نظر في أقوال رسول ms307 الله10 صلى الله عليه وسلم، وما ورد من الأخبار في ~~اهتمامه بإرشاد # الخلق، وتلطفه في حق الناس بأنواع [الرفق و] اللين واللطف11، إلى تحسين ~~الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم - حصل له ~~علم ضروري بأن شفقته12 على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده. # وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال، وإلى عجائب الغيب التي أخبر ~~عنها13 في القرآن على لسانه في الأخبار، وإلى ما ذكره في PageV01P607 ~~آخر الزمان، وظهر1 ذلك كما ذكره -[علم2] علما ضروريا أنه بلغ الطور الذي ~~وراء العقل، وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب، والخواص3 والأمور ~~التي لا يدركها العقل. # وهذا4 هو منهاج تحصيل5 العلم الضروري بصدق6 النبي صلى الله عليه وسلم، ~~[فجرب7]، وتأمل في القرآن وطالع الأخبار، إلى أن تعرف8 ذلك بالعيان. وهذا ~~القدر يكفي في تنبيه9 المتفلسفة، ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان». ### || AUTO [الطريق الذي سلكه الغزالي في الاستدلال على النبوة صحيح، ~~والناس فيه متفاوتون بتفاوت معرفتهم وخبرتهم]: # قلت: فهذه الطريق التي ذكرها أبو حامد وغيره، تفضي أيضا إلى العلم من ~~النبوة والتصديق منها، بأكثر من القدر الذي تقر به10 المتفلسفة؛ وما ذكره ~~من المشاهدات والكشوفات التي تحصل للصوفية، وأنهم يشهدون تحقيق ما أخبر به ~~الرسول عليه الصلاة والسلام، ونفع ما أمر به، فهذا أيضا حق في كثير11 مما ~~أخبر به وأمر به، ثم إذا علم ذلك صار حجة على صدقه فيما لم يعلمه؛ كمن سلك ~~طريقا12 من PageV01P608 ~~العلم بفن من الفنون، إذا رأى كلام متكلم في ذلك العلم، ورآه يحقق ما عنده، ~~ويأتي بزيادات لا يستطيعها - فإنه يعلم بما رآه من مزيد تحقيقه لما شاركه ~~في أصل معرفته أنه أعلم منه بما وراء ذلك؛ كمن نظر في الطب إذا رأى كلام ~~بقراط، ومن نظر في النحو إذا رأى كلام الخليل وسيبويه1، ومن نظر في العلوم ~~الدينية إذا رأى كلام2 أئمة السلف. # وكذلك3 من سلك مسلك الزهد والعبادة إذا بلغه سير زهاد5 السلف وعبادتهم، ms308 ~~ومن ولي الناس وساسهم6 إذا رأى سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه7 وعمر بن ~~عبد العزيز ونحوهما. # فهذا كله مما يبين له عظمة قدر هؤلاء، وأنهم كانوا أئمة في هذه الأمور، ~~وفيما يصلح ويجب من ذلك، ويعلم كل أحد الفرق بين سيرة العمرين وسيرة ~~الحجاج8 PageV01P609 ~~والمختار بن أبي عبيد1 ونحوهما؛ بل يعلم الفرق بين سيرة بني أمية2 وبني ~~العباس، وبين سيرة بني بويه وبني عبيد، وأمثال ذلك. # كذلك يعلم الفرق بين نبينا محمد [صلى الله عليه وسلم] وموسى وعيسى عليهما ~~السلام3، وبين مسيلمة والأسود العنسي وأمثالهما بأدنى تأمل. # وهذه الطريق ينقسم الناس فيها إلى عام وخاص، بسبب علمهم بالخير والشر، ~~والصدق والكذب، ونحو ذلك؛ وهذه تفيد العلم القطعي بأن الأنبياء أكمل الخلق ~~وأفضلهم، وأنه لا يصلح لأحد أن يعارضهم برأيه، ولا يخالفهم بهواه. لكن لا ~~يفيد العلم بحقيقة النبوة [*إلا أن يعترف أن النبي أعلم منه*]، فلا يمكنه ~~أن يقول: هو أعلم منه. PageV01P610 # فكل من حصل له من المخاطبات والمشاهدات ما يحصل للأولياء، فإنه يعلم أن ~~الذي للأنبياء فوق الذي له من ذلك؛ كعمر بن الخطاب رضي الله1 عنه، فإنه قد ~~ثبت في الصحيح أنه صلى الله4 عليه وسلم، قال: (إنه قد كان في الأمم قبلكم ~~محدثون، فإن يكن في أمتي أحد، فعمر) 2. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ~~ضرب الحق على لسان عمر وقلبه) 3. وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (لو لم أبعث فيكم لبعث PageV01P611 ~~فيكم عمر1). # وكان عمر بهذا يعلم أن ما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي ~~والملائكة، وما يخبر به من الغيب، وما يأمر به وينهى عنه - أمر زائد على ~~قدره ومجاوز لطاقته؛ بل يجد بينه وبين ذلك من التفاوت ما يعجز القلب ~~واللسان عن معرفته وتبيانه2. # بل كان عمر بما حصل له3 من المكاشفة والمخاطبة؛ يعلم أن أبا بكر الصديق ~~رضي الله تعالى عنهما أكمل منه معرفة ويقينا، وأتم صدقا وأخلاقا، وأعلم منه ~~بقدر الرسول صلى الله عليه ms309 وسلم؛ فكان4 خضوع عمر - هذا الذي هو أفضل ~~الأولياء المحدثين الملهمين المخاطبين - لأبي بكر الصديق5؛ كخضوع من رأى ~~غيره من مشاركيه في فنه أكمل منه: PageV01P612 # كخضوع الأخفش1 لسيبويه، وزفر لأبي حنيفة، وابن وهب2 لمالك، ونحو ذلك؛ أو ~~خضوع فقهاء المدينة لسعيد بن المسيب3، وعلماء البصرة للحسن البصري4، وفقهاء ~~مكة لعطاء بن أبي رباح5. PageV01P613 # وإذا كان هذا مثل عمر مع أبي بكر - لأن أبا بكر صديق، يأخذ ما يأخذه عن ~~الرسول المعصوم عليه الصلاة والسلام، الذي قد عصم أن يستقر فيما جاء به ~~خطأ، فهو لخبرته بحال صديق النبي بهذه المثابة، وكل من كان عالما بالصحابة؛ ~~يعلم أن عمر رضي الله1 عنه كان متأدبا معظما بقلبه لأبي بكر رضي الله عنه، ~~مشاهدا2 أنه أعلى منه إيمانا ويقينا - فكيف يكون حال عمر وغيره مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم! وإذا كان هذا حال أفضل المحدثين المخاطبين، فكيف حال ~~سائرهم! فلا3 ريب أن الرجل كلما عظمت ولايته، وعظم نصيبه من انكشاف الحقائق ~~له؛ كان تعظيمه للنبوة أعظم، والناس في هذه الطريق متفاوتون بحسب درجاتهم. ### || AUTO [خطأ الغزالي فيما ادعاه للكشف الصوفي من خصائص]: # لكن طريق الصوفية لا ينتهض4 بانكشاف جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، بل ولا بأكثره، بل عامة ما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لا ~~يمكن أبو بكر5 وعمر - فضلا عن غيرهما - أن يعلمه بدون خبره، وإن كان عند ~~المخبرين علم بجمل6 ذلك، أو أصله؛ لكن ما يخبر به من التفصيل لا يعلم بدون ~~خبره أصلا. # وما يوجد في كلام أبي حامد أو غيره7 من أن الكشف يحصل PageV01P614 ~~ذلك، وقول1 القائل: إن الأولياء شاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع2، ليس ~~بسديد؛ بل لا يزال الأولياء مع الأنبياء في إيمان بالغيب، ولا يتصور أن ~~الولي يعطى ما أعطيه النبي من المشاهدة والمخاطبة. # وأفضل الأولياء أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ونحوهم، وليس في هؤلاء من ~~شاهد ما شاهده النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ولا ms310 شاهد الملائكة ~~الذين كانوا ينزلون بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سمع أحد منهم ~~كلام الله الذي كلم به نبيه ليلة المعراج، ولا سمع عامة الأنبياء - فضلا عن ~~الأولياء - كلام الله كما سمعه موسى بن عمران، ولا كلم الله تكليما لداود ~~وسليمان، بل ولا لإبراهيم وعيسى3؛ فضلا عن أن يكون ذلك يحصل لأحد من ~~الأولياء. # والإيمان بكل ما جاء به الأنبياء4 واجب؛ فإنهم معصومون، ولا يجب الإيمان ~~بكل ما يقوله الولي، بل ولا يجوز؛ فإنه ما من أحد من الناس إلا يؤخذ من ~~كلامه ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سب نبيا من الأنبياء ~~قتل، وكان كافرا مرتدا، بخلاف الولي؛ قال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي ~~موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} ~~[البقرة: 136]. وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ~~آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285]. # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى PageV01P615 ~~ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم} [الحج: 52]. # فإن قيل: ففي قراءة ابن عباس: (ولا محدث) 1. # قيل: هذه القراءة ليست متواترة، ولا معلومة الصحة، ولا يجوز الاحتجاج بها ~~في أصول الدين. # وإن كانت صحيحة، فالمعنى أن المحدث كان فيمن كان2 قبلنا، وكانوا يحتاجون ~~إليه، وكان ينسخ ما يلقيه الشيطان إليه كذلك. # وأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى غير محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ولهذا كانت الأمم قبلنا لا يكفيهم نبي واحد، بل يحيلهم هذا النبي في بعض ~~الأمور على النبي الآخر، وكانوا يحتاجون إلى عدد من الأنبياء، ويحتاجون إلى ~~المحدث. وأمة محمد أغناهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم عن3 غيره من ~~الأنبياء والرسل، فكيف لا يغنيهم عن المحدث! ولهذا قال صلى الله ms311 عليه وسلم: ~~(إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر). فعلق ذلك ~~«بإن» ولم يجزم به؛ لأنه علم استغناء أمته عن محدث، كما استغنت عن غيره من ~~الأنبياء، سواء كان فيها محدث أو لا، وكان4 ذلك لكمالها برسولها الذي هو ~~أكمل الرسل وأجملهم، وهؤلاء كبعض في أمته5 عن PageV01P616 ~~الأمم قبلهم1. # وقد وقع في كلام أبي حامد وغيره2 نحو من هذا في مواضع أخر3، حتى ذكر فيما ~~يتأول وما لا يتأول: «أن ذلك لا يعلم إلا بتوفيق إلهي، يشاهد به الحقائق ~~على ما هي عليه، ثم ينظر في السمع والألفاظ الواردة فيه؛ فما وافق مشهوده4 ~~أقره، وما خالفه تأوله» 5. وذكر في موضع آخر: «أن الواحد من الأولياء قد ~~يسمع كلام الله PageV01P617 ~~سبحانه، كما سمعه موسى بن عمران» 1. وأمثال هذه الأمور. PageV01P618 # ولهذا تبين له في آخر عمره أن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده، فطلب الهدى من ~~طريق الآثار1 النبوية، وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم، ومات في أثناء ذلك على ~~أحسن أحواله2، وكان كارها ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور: مما3 أنكره ~~الناس عليه، حتى قال المازري وغيره ما معناه: «إن كلامه يؤثر في الإيمان ~~بالنبوة، فينقص قدرها» أو نحو هذا. ### || AUTO [مشابهة قول الغزالي لقول الفلاسفة في حقيقة النبوة]: # وكذلك ما ذكره من أن النبوة انفتاح قوة أخرى فوق العقل4؛ ولا5 ريب أن هذا ~~مما يكون للنبي، وليست للنبوة قوة تدرك6 بها الأمور، وإنما يشبه هذا أصول ~~الفلاسفة، الذين يزعمون أن الفيض دائم من العقل الفعال، وإنما يحصل في7 ~~القلوب بسبب استعداد8 الأشخاص؛ فأي عبد كان استعداده أتم كان الفيض عليه ~~أتم، من غير أن يكون من الملأ الأعلى سبب يخص شخصا دون شخص بالخطاب ~~والتكليم. # وليس هذا مذهب المسلمين، بل ولا اليهود ولا النصارى، بل هؤلاء كلهم - إلا ~~من ألحد منهم - متفقون على أن الله سبحانه خصص موسى بالتكليم، دون هارون ~~وغيره، وأنه يخص بالنبوة من PageV01P619 ~~يشاء من عباده، لا أنه بمجرد استعداده تفيض1 عليه ms312 العلوم من غير تخصيص إلهي. ### || AUTO [هل تخصيص بعض الناس بالنبوة، وبعض الأفعال بحكم شرعي؛ هو مجرد ~~خطاب الرب، أو يعود لصفات قائمة بالنبي والفعل؟]: # وهنا صار الناس ثلاثة أصناف: # صنف يقولون: ليست النبوة إلا مجرد إنباء2 الله3 للعبد، وهو تعلق كلامه ~~به؛ كما يقولون: إن الأحكام الشرعية ليست إلا مجرد خطاب الله4 تعالى ~~المتعلق بأفعال المكلفين، من غير أن يكون للفعل في نفسه صفة اقتضت تخصيصه ~~بالحكم4؛ وكذلك يقول5 هؤلاء: ليس للنبي في نفسه صفة اقتضت تخصيصه بالنبوة. ~~وهذا يقوله طوائف من متكلمة أهل الإثبات [*القدريين، أصحاب جهم وأبي الحسن ~~وغيرهما*]، الذين يخالفون المعتزلة والفلاسفة فيما يقولونه في فعل الرب ~~وحكمه6. # إذ المتفلسفة يقولون بالطبع والعلة الموجبة7، والمعتزلة يقولون بالاختيار ~~المتضمن لشريعة عقلية ألزموه بها في التعديل والتجوير8 ونحو ذلك، ~~والمنتسبون إلى السنة والجماعة من الكلابية والأشعرية والكرامية، وسائر ~~المنتسبين إلى السنة والجماعة - يردون عليهم الأصول التي فارقوا بها أهل ~~السنة والجماعة [*من التكذيب بالقدر9، PageV01P620 ~~والصفات، وتخليد أهل الكبائر؛ كما يردون على المتفلسفة ما فارقوا به ~~المسلمين*]. # لكن لهؤلاء في مسائل الحكمة والمصالح، وتعليل الأفعال والأحكام، وهل ~~للأفعال صفات يدرك بها حسنها وقبحها - نزاع ليس هذا موضع تفصيله، وإنما ~~نذكره مجملا. # ومعلوم أن الإنباء والإرسال من باب كلام الله تعالى1، وكذلك الأمر والنهي ~~هو من باب كلام2 الله تعالى، والأمر متعلق بالفعل، والإرسال والإنباء متعلق ~~بالرسول والنبي. # وللناس في هذا وهذا3 ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه4 ليس ذلك إلا مجرد كلام الله المتعلق بذلك، أو تعلق الخطاب ~~بذلك، وهو من الصفات النسبية الإضافية عندهم؛ قالوا: لأنه ليس لمتعلق5 ~~القول من القول صفة ثبوتية، وهذا قول هؤلاء. # والقول الثاني: أن ذلك يعود إلى صفة قائمة بالنبي وبالفعل. # [*والقول الثالث: أن ذلك يتضمن الأمرين: فالحكم الشرعي يتضمن خطاب الشارع ~~وصفة قائمة بالفعل، والنبوة تتضمن خطاب الرب وتتضمن6 صفة قائمة بالنبي ~~أيضا، وهذا معنى قول السلف والأئمة وجمهور المسلمين*]. # [والثاني قول من يقول ذلك من الفلاسفة والمعتزلة، لكن المعتزلة PageV01P621 ~~يعود عندهم] حسن الفعل ms313 وقبحه1 إلى صفة فيه توجب الحمد والذم، وخطاب الشارع ~~كاشف لها، لا مثبت لها. والمتفلسفة عندهم يعود ذلك إلى صفة في الفعل توجب ~~كمال النفس أو نقصها2؛ ولذلك4 يقولون: إن النبوة هي كمال للنفس4 الناطقة، ~~تستعد به لأن تفيض عليها المعارف من العقل الفعال، من غير أن يكون هناك ~~خطاب حقيقي لله تعالى، ولكن كلام الله سبحانه عندهم هو ما يحدث في نفس ~~النبي من أصوات، يسمعها في نفسه، لا خارجا عن نفسه؛ [*والملائكة عبارة عن ~~أشكال5 نورانية، يراها تكون في نفسه لا خارجا عن نفسه*]، كما يرى النائم في ~~منامه صورا يخاطبها وكلاما يسمعه وذلك في نفسه. ولهذا جعل أبو حامد هذا ~~طريقا لهم إلى إثبات النبوة، كما سلك ابن سينا وغيره6. # ولا ريب أن كل ما يقر به مقر من الحق، فإن أهل الإيمان يقرون به، لكن ~~يعلمون أشياء فوق ذلك لا يعلمها أهل الباطل، فما علمته المتفلسفة من هذه ~~الأمور لا ينكرها أهل الإيمان، لكن ينكرون عليهم اقتصارهم في التصديق عليها. # وقد بسطت الكلام على هذا7 في «جواب المسألة الخراسانية»، PageV01P622 ~~التي سئلت فيها عما يتعلق بالقرآن العظيم1، وكلام الله سبحانه وتعالى2؛ ~~وذكرت مراتب تكليم الله تعالى لخلقه، وأنها درجات، وأن المتفلسفة أقروا ~~ببعض الدرجات دون بعض، بل لعلهم لم يتجاوزوا أدنى الدرجات، وهي درجة3 ~~الإلهام وما يناسبه، وما أعطوا هذه الدرجة حقها4. PageV01P623 # وأما المعتزلة، فهم خير منهم1، فإنهم يقرون بأن لله تعالى كلاما منفصلا ~~خارجا عن نفس الرسول، كما أن له ملائكة منفصلين عن نفس الرسول، وليست هي ~~العقول والنفوس التي تزعمها2 المتفلسفة والقرامطة، بل يقرون بما أخبر به ~~القرآن من أصناف الملائكة وأوصافهم، لكنهم - مع هذا - لا يقرون بأن لله ~~كلاما قائما به، فحقيقة3 مذهبهم أن الله سبحانه لا يتكلم، وإنما4 يخلق ~~كلاما5 في غيره. # ولما ابتدعت الجهمية هذه المقالة كانوا يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم، ~~أو يتكلم مجازا، لكن المعتزلة امتنعت من هذا الإطلاق؛ وقالوا: إنه متكلم، ~~أو يتكلم6 حقيقة. لكنهم فسروا ذلك بأنه ms314 خلق كلاما في غيره، فلم ينازعوا ~~قدماء الجهمية في حقيقة المذهب، وإنما نازعوهم في اللفظ. # والسلف والأئمة لما عرفوا حقيقة مذهبهم عرفوا أن هذا كفر، وأن هذا في ~~الحقيقة تعطيل للرسالة، وأنه يمتنع أن يكون متكلما7 بكلام لا يقوم به، بل ~~بغيره؛ كما يمتنع أن يكون عالما بعلم لا يقوم به، بل بغيره؛ وأن يكون قادرا ~~بقدرة لا تقوم به، بل بغيره. وأنه لو كان كذلك لكان ما يخلقه من الكلام في ~~مخلوقاته كلاما له، وقد قال تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} [فصلت: 21]؛ وقال عز وجل: {اليوم نختم على ~~أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} [يس: 65]. بل قد ~~ثبت أن الله خالق كل شيء؛ فيجب أن يكون - على قولهم8 - كل كلام في الوجود كلامه. PageV01P624 # وقد أفصح بذلك الاتحادية، الذين يقولون: الوجود واحد. كابن عربي صاحب ~~«الفصوص» 1 ونحوه، وقالوا: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه2 # ومذهبهم منتهى مذهب الجهمية، وهو في الحقيقة تعطيل الخالق. # والقول بأن هذا الوجود هو الوجود الواجب، كما ذكر ذلك أبو حامد عن دهرية ~~الفلاسفة؛ فإن قول هؤلاء هو قول أولئك، وهو قول فرعون الذي أظهره، لكن ~~فرعون وغيره من الدهرية لا يقولون: هذا الوجود هو الله. وهؤلاء بجهلهم3 ~~يقولون: إن الوجود هو الله. # وقد أضلوا طوائف من الشيوخ4 الذين لهم عبادة وزهادة، حتى إنه كان ببيت ~~المقدس رجل من أعبد الناس وأزهدهم، وكان طول ليله يقول: الوجود واحد، وهو ~~الله؛ ولا أرى الواحد، ولا أرى الله! # وهؤلاء5 سلكوا في كثير من أصولهم ما ذكره أبو حامد، وبنوا على ما في ~~كتابه «المضنون به6» وغيره من أصول الفلاسفة المكسوة عبارة7 الصوفية، ~~فالأمور التي أنكرها عليه علماء المسلمين ما عليها هؤلاء8، حتى جعل ابن ~~سبعين الناس خمس طبقات: أدناها الفقيه، ثم المتكلم الأشعري، ثم الفيلسوف، ~~ثم الصوفي، ثم الخامس هو المحقق9. PageV01P625 # وهؤلاء يجعلون ما أشار إليه أبو حامد من الكشف هو ما حصل لهم، ms315 وأنه لتقيده1 ~~بالشريعة لم يصل إلى القول بوحدة الوجود، وهم ينتقصونه بما يحمده عليه ~~المسلمون من الأقوال التي اعتصم فيها بالكتاب والسنة، [بل2] وبالأقوال3 ~~التي يعلم صحتها بصريح العقل، ويرون أن ذلك هو الذي حجبه عن أن يشهد ~~حقيتهم4 التي هي وحدة PageV01P626 ~~الوجود، وإنما طمعوا فيه هذا الطمع لما1 وجدوه في الكلام المضاف إليه مما ~~يوافق أصول الجهمية المتفلسفة ونحوهم. # والمقصود هنا: أن المعتزلة خير من المتفلسفة، حيث يثبتون لله2 كلاما ~~منفصلا، ويقولون: إن الرسالة والنبوة تتضمن نزول كلام لله3، منفصل عن النبي ~~[*صلى الله4 عليه وسلم، ينزل عليه*]، كما يقول ذلك سائر المسلمين، ثم قد ~~يقول من يقول من المعتزلة: إن النبوة جزاء على عمل متقدم، وإن النبي لما ~~قام بواجبات عقلية، أكرمه الله4 عليها بالنبوة، مع كون النبي متميزا بصفات ~~خصه الله بها. # وهذا القول موافق في الجملة لقول5 أكثر الناس؛ وهو أن6 النبوة والرسالة ~~تتضمن كلام الله7، الذي ينزل8 على رسوله ونبيه؛ وأنه - مع ذلك - مختص بصفات ~~اختصه الله9 بها، دون غيره10؛ وأنه لا يكون النبي والرسول كسائر الناس في ~~العقل والخلق وغير ذلك، بل هو متميز عن الناس بذلك، والنبوة فضل الله يؤتيه ~~من يشاء، لكن مع ذلك، الله أعلم حيث يجعل رسالته11. # وما ذكره أبو حامد، فيه من تقرير النبوة في الجملة، على الأصول التي ~~يسلمها المتفلسفة ويعرفونها؛ ما ينتفع به من كان متفلسفا محضا، PageV01P627 ~~فإن ذلك يوجب [له1] أن يدخل في الإسلام نوع دخول؛ وكلام أبي حامد في هذا ~~ونحوه يصلح أن يكون برزخا بين المتفلسفة وبين أهل الملل من المسلمين ~~واليهود والنصارى، فالمتفلسفة تنتفع به حيث يصير عندهم من الإيمان والعلم ~~ما لا يحصل لهم بمجرد الفلسفة. # وأما من كان مسلما يريد أن يستكمل العلم والإيمان، فإن ذلك يضره2 من وجه، ~~ويرده عن كثير من كمال الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، وإن كان ينفعه ~~من حيث يحول بينه وبين الفلسفة المحضة. إلا أن يكون حسن الظن بالفلسفة دون ~~أصول الإسلام، فإنه يخرجه إلى ms316 الإلحاد المحض، كما أصاب ابن عربي الطائي ~~وابن سبعين وأمثالهما. ### || AUTO [نقد الغزالي في حصره الفرق في أربع]: # وقد أخبر هو بما حصل له من السفسطة، وأنه انحصرت فرق الطالبين عنده في ~~أربع فرق: المتكلمين3، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية. # ومعلوم أن هذه الفرق كلها حادثة بعد عصر الصحابة، بل وبعد عصر التابعين، ~~بل إنما ظهرت وانتشرت بعد القرون الثلاثة: الصحابة، والتابعين، وتابعيهم. # ثم الفلاسفة والباطنية هم كفار، كفرهم ظاهر عند المسلمين، كما ذكر هو ~~وغيره4، وكفرهم ظاهر عند أقل من له علم وإيمان من PageV01P628 ~~المسلمين، إذا عرفوا حقيقة قولهم. لكن لا يعرف كفرهم من لم1 يعرف حقيقة ~~قولهم، وقد يكون قد تشبث ببعض أقوالهم من لم يعلم2 أنه كفر، فيكون معذورا لجهله. # ولكن في المتكلمة والصوفية فيهم ممن3 له علم وإيمان طوائف كثيرون، بل في ~~من يعد من الصوفية - مثل الفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني4، وإبراهيم ~~بن أدهم5، ومعروف الكرخي6، وأمثالهم - من هو من خيار المسلمين وساداتهم عند ~~المسلمين؛ وفي عصرهم حدث PageV01P629 ~~اسم «الصوفية»، وظهر الكلام أيضا1. ### || AUTO [فضل الصحابة وذم ما أحدث من الكلام والعبادة]: # وكلام السلف والأئمة في ذم البدع الكلامية في العلم، والبدع المحدثة في ~~طريقة الزهد والعبادة، مشهور كثير مستفيض. # ولم يتنازع أهل العلم والإيمان فيما استفاض عن النبي صلى الله2 عليه وسلم ~~من قوله: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين ~~يلونهم) 3 PageV01P630 ~~وكل من له1 لسان صدق، من مشهور بعلم أو دين؛ معترف بأن خير هذه الأمة هم ~~الصحابة، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم2؛ ولم يكن في زمنهم3 أحد ~~من هذه الصنوف الأربعة. # ولا تجد إماما في العلم والدين - كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، ~~والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوايه؛ ومثل الفضيل، وأبي سليمان، ~~ومعروف الكرخي، وأمثالهم - إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا4 فيه ~~مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا4 فيه مقتدين5 بعمل الصحابة، وهم ~~يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل ms317 والمناقب. # والذين اتبعوهم من6 أهل الأثارة7 النبوية؛ وهم أهل الحديث والسنة، ~~العالمون بطريقهم، المتبعون لها؛ وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ~~ومصر، فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهم أبو حامد. # وذلك8 لأن هؤلاء لا يعرف طريقهم إلا من كان خبيرا بمعاني القرآن، خبيرا ~~بسنة رسول الله9 صلى الله عليه وسلم، خبيرا بآثار الصحابة، فقيها في ذلك، ~~عاملا بذلك؛ وهؤلاء هم أفضل الخلق من المنتسبين إلى العلم والعبادة. PageV01P631 # وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء، ولا تلقى عن هذه الطبقة، ~~ولا كان خبيرا بطريقة الصحابة والتابعين، بل كان يقول عن نفسه: أنا مزجى ~~البضاعة في الحديث1. ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة، والحكايات ~~الموضوعة، ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار؛ ولكن2 نفعه الله3 بما وجده ~~في كتب [*الصوفية والفقهاء من ذلك؛ مما4 وجده في كتب أبي طالب، ورسالة ~~القشيري5 وغير ذلك؛ ومما4 وجده في كتب*] أصحاب6 الشافعي ونحو ذلك؛ فخيار ما ~~يأتي به ما يأخذه من هؤلاء وهؤلاء. # ومعلوم أن7 طريقة أئمة الصوفية وأئمة الفقهاء؛ أكمل من طريقة أبي القاسم ~~القشيري، ومن طريقة أبي طالب والحارث، ومن طريقة أبي المعالي وأمثاله. ~~وأولئك الأئمة كانوا أعلم بطريقة الصحابة، وأتبع لها، من أتباعهم؛ فالقاضي ~~أبو بكر الباقلاني وأمثاله أعلم بالأصول والسنة، وأتبع لها، من أبي المعالي ~~وأمثاله؛ والأشعري والقلانسي PageV01P632 ~~ونحوهما أعلى طبقة في ذلك من القاضي أبي بكر؛ وعبد الله بن سعيد بن كلاب ~~والحارث المحاسبي أعلى طبقة في ذلك من هؤلاء؛ ومالك، والأوزاعي، وحماد بن ~~زيد، والليث بن سعد، وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء؛ والتابعون أعلى من ~~هؤلاء؛ والصحابة أعلى من التابعين. # وكذلك أبو طالب المكي يأخذ عن شيخه ابن سالم1، وابن سالم يأخذ2 عن سهل بن ~~عبد الله التستري3؛ وسهل أعلى درجة عند الناس من أبي طالب؛ ثم الفضيل4 وأبو ~~سليمان وأمثالهما أعلى درجة من سهل وأمثاله5؛ وأيوب السختياني6، وعبد الله ~~بن عون7، ويونس بن عبيد8، PageV01P633 ~~وغيرهم من أصحاب ms318 الحسن1، أعلى طبقة من هؤلاء؛ وأويس القرني2، وعامر بن عبد ~~قيس3، وأبو مسلم الخولاني4، وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء؛ وأبو ذر الغفاري، ~~وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء، وأمثالهم، أعلى طبقة من هؤلاء5. # ومعلوم أن كل من سلك إلى الله جل وعز6 علما وعملا بطريق ليست مشروعة، ~~موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، فلا بد أن يقع في ~~بدعة قولية أو عملية؛ فإن السائر إذا سار PageV01P634 ~~على غير الطريق المهيع، فلا بد أن يسلك بنيات الطريق1، وإن كان ما يفعله ~~الرجل من ذلك قد يكون مجتهدا فيه مخطئا مغفورا له خطؤه، وقد يكون ذنبا2، ~~وقد فسقا، وقد يكون كفرا. # بخلاف الطريقة المشروعة في العلم والعمل؛ فإنها أقوم الطرق، ليس فيها عوج ~~كما قال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9]. وقال عبد ~~الله بن مسعود: خط رسول الله صلى الله3 عليه وسلم خطا، وخط خطوطا عن يمينه ~~وشماله، ثم قال: (هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو ~~إليه)؛ ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله} [الأنعام: 153] 4. وقال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: ~~الاعتصام بالسنة نجاة5. ولهذا قيل: مثل السنة مثل6 سفينة نوح، من ركبها ~~نجا، ومن تخلف عنها غرق. [*وهو يروى عن مالك*]. PageV01P635 # ومن سلك الطريق الشرعية النبوية [الإلهية1] لم يحتج في إثباتها2 إلى أن يشك ~~في إيمانه الذي كان عليه قبل البلوغ، ثم يحدث نظرا يعلم به وجود الصانع؛ ~~ولم يحتج إلى أن يبقى شاكا مرتابا في كل شيء، وإنما كان مثل هذا يعرض لمثل ~~الجهم بن صفوان وأمثاله، فإنهم ذكروا أنه بقي أربعين يوما لا يصلي، حتى ~~يثبت أن له ربا يعبده4؛ فهذه الحال5 كثيرا ما تعرض للجهمية وأهل الكلام ~~الذين ذمهم السلف والأئمة. # وأما المؤمن المحض، فيعرض له الوسواس؛ فتعرض له الشكوك6 والشبهات، وهو ~~يدفعها عن قلبه، فإن هذا لا بد منه؛ كما ثبت في الصحيح أن الصحابة قالوا: ~~يا رسول ms319 الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة، أو يخر ~~من السماء إلى الأرض، أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: (أوقد7 وجدتموه؟). ~~قالوا: نعم. قال: (ذلك صريح الإيمان). وفي السنن من وجه آخر، أنهم قالوا: ~~إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به. فقال: (الحمد لله، الذي رد ~~كيده إلى الوسوسة) 8. PageV01P636 # قال غير واحد من العلماء: معناه أن ما تجدونه في قلوبكم من كراهة [هذا] ~~الوسواس1، والنفرة عنه، وبغضه، ودفعه؛ هو صريح الإيمان. وهذا من الزبد الذي ~~قال الله2 فيه: {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ~~كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد: 17] 3. وهذا مذكور في غير هذا الموضع؛ ~~وكلام4 السلف والأئمة فيما أحدث من الكلام، وما أحدث من الزهد، مبسوط في ~~غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أن تعرف5 مراتب الناس في العلم بالنبوة، ومعرفة قدرها، ~~وتعدد الطرق في ذلك؛ وأن عامة الطرق التي سلكها الناس في ذلك هي طرق مفيدة ~~نافعة، لكن تختلف مقادير فوائدها ومنافعها، وفيها ما يضر من وجه، كما ينفع ~~من وجه، وفيها ما ينتفع به من كان عديم PageV01P637 ~~الإيمان أو ضعيف الإيمان، فيحصل به له1 بعض الإيمان، أو يقوى إيمانه؛ وإن ~~كان ذلك يضر من كان قوي الإيمان، ويكون رجوعه إليه ردة في حقه؛ بمنزلة من ~~كان معتصما بحبل قوي، وعروة وثقى لا انفصام لها، فاعتاض عن ذلك بحبل ضعيف، ~~يكاد ينقطع به؛ وهذا باب يطول وصف حال الناس فيه. ### || AUTO [مخالفة الغزالي لكثير من أهل الكلام في استدلاله على النبوة ~~بأحوال مدعيها دون المعجزات، ومشاركتهم في خطئهم حصر العلم بالنبوة بطريق ~~معينة ونفي ما سواها]: # وأما ما ذكره أبو حامد من أن هذه الطريقة التي سلكها تفيد العلم الضروري ~~بالنبوة، دون طريقة المعجزات2؛ فالإنسان خبير بما حصل له من العلم الضروري ~~وغيره، وليس هو خبيرا بما حصل لغيره من ذلك، وكثير من أهل النظر والكلام ~~يقولون نقيض هذا؛ يقولون: لا يحصل العلم بالنبوة إلا ms320 بطريقة المعجزات دون ~~غيرها، كما قال ذلك3 أكثر أهل الكلام4 ومن اتبعهم؛ كالقاضي أبي بكر، ~~والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، والمازري، وأمثال هؤلاء. والتحقيق ما عليه ~~أكثر الناس، أن العلم بالنبوة يحصل بطرق متعددة: المعجزات وغير المعجزات، ~~ويحصل له العلم الضروري بها، كما ذكره أبو حامد، بل يحصل له العلم الضروري ~~بالنبوة على الجمل كما ذكره5. # وعامة من حصر العلم بهذا أو غيره في طريق معينة، وزعم أنه لا يحصل ~~بغيرها، فإنه يكون مخطئا، وهذا كثيرا ما يسلكه6 كثير من أهل الكلام في ~~إثبات العلم بالصانع، أو إثبات حدوث العالم، أو إثبات التوحيد، أو العلم ~~بالنبوة، أو غير ذلك؛ يسلك أحدهم طريقا، يزعم أنه لا يحصل العلم إلا بها، ~~وقد تكون طريقا فاسدة، وربما قدح خصومه في طريقه الصحيحة، وادعوا أنها فاسدة. PageV01P638 # وكثيرا ما يكون سبب1 العلم الحاصل في القلب، غير الحجة الجدلية التي يناظر ~~بها غيره؛ فإن الإنسان يحصل له العلم بكثير من المعلومات، بطرق وأسباب قد ~~لا يستحضرها ولا يحصيها، ولو استحضرها لا توافقه2 عبارته على3 بيانها؛ ومع ~~هذا فإذا طلب منه بيان الدليل الدال على ذلك، قد لا يعلم دليلا يدل به ~~غيره، إذا لم يكن ذلك الغير شاركه في سبب العلم؛ وقد لا يمكنه التعبير عن ~~الدليل إن تصوره، فالدليل الذي يعلم به المناظر4 شيء، والحجة التي يحتج بها ~~المناظر4 شيء آخر؛ وكثيرا ما يتفقان كما5 يفترقان؛ وليس هذا موضع بسط ذلك، ~~وإنما المقصود التنبيه على تعدد طرق العلم بالنبوة6 وغيرها. # وكلام أكثر الناس في هذا الباب ونحوه على درجات متفاوتة، فيحمد كلام ~~الرجل بالنسبة إلى من دونه، وإن كان مذموما بالنسبة إلى من فوقه؛ إذ ~~الإيمان يتفاضل، وكل له من الإيمان بقدر ما حصل له منه. ### || AUTO [سبب تكلم بعض العلماء في الغزالي مع ما يوجد في كتبه من أشياء ~~عظيمة القدر والنفع]: # ولهذا كان أبو حامد مع ما يوجد في كلامه من الرد على الفلاسفة، وتكفيره ~~لهم، وتعظيم النبوة، وغير ذلك؛ ومع ما يوجد ms321 فيه [من7] أشياء صحيحة حسنة، بل ~~عظيمة القدر، نافعة - يوجد8 في بعض كلامه مادة فلسفية، وأمور أضيفت إليه ~~توافق أصول الفلاسفة الفاسدة؛ المخالفة للنبوة؛ بل المخالفة لصريح العقل. ~~حتى تكلم فيه جماعات PageV01P639 ~~من علماء خراسان والعراق والمغرب؛ كرفيقه أبي إسحاق المرغيناني1، وأبي ~~الوفاء بن عقيل2، و[بني] القشيري3 PageV01P640 ~~والطرطوشي1، وابن رشد، والمازري، وجماعات من الأولين2، حتى ذكر ذلك الشيخ ~~أبو عمرو بن الصلاح3 «فيما جمعه من طبقات أصحاب الشافعي»، وقرره4 الشيخ أبو ~~زكريا النووي5. PageV01P641 ### || AUTO [كلام ابن الصلاح في الغزالي]: # قال في هذا الكتاب1: «فصل، لبيان2 أشياء مهمة أنكرت على الإمام الغزالي ~~في مصنفاته، ولم يرتضها أهل مذهبه وغيرهم، من الشذوذ في تصرفاته: منها قوله ~~في مقدمة المنطق في أول «المستصفى»: «هذه مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط ~~بها، فلا ثقة بعلومه أصلا» 3. # قال الشيخ أبو عمرو4: سمعت الشيخ العماد بن يونس5 يحكي PageV01P642 ~~عن يوسف الدمشقي - مدرس النظامية ببغداد1، وكان من النظار المعروفين2 - أنه ~~كان ينكر هذا الكلام؛ ويقول: فأبو بكر وعمر، وفلان وفلان! يعني أن أولئك ~~السادة3 عظمت حظوظهم من الثلج4 واليقين، ولم يحيطوا بهذه المقدمة ~~وأسبابها5. # قال الشيخ أبو عمرو6: فذكرت7 بهذا ما حكى صاحب «كتاب الإمتاع والمؤانسة» ~~-[*يعني أبا حيان التوحيدي*]- أن الوزير ابن PageV01P643 ~~الفرات1 احتفل مجلسه ببغداد بأصناف من الفضلاء، من المتكلمين وغيرهم2، وفي ~~المجلس متى، الفيسلوف النصراني3؛ فقال الوزير: أريد أن ينتدب منكم إنسان ~~لمناظرة متى في قوله: إنه لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والحجة من ~~الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق، واستفدناه من واضعه ~~على مراتبه4. فانتدب له أبو سعيد السيرافي - وكان فاضلا في علوم غير النحو5 ~~- فكلمه6 في PageV01P644 ~~ذلك حتى أفحمه وفضحه». قال1: «وليس هذا موضع التطويل بذكره2. # قال الشيخ أبو عمرو3: وغير خاف استغناء العقلاء والعلماء قبل واضع المنطق ~~أرسطاطاليس وبعده، ومعارفهم4 الجمة عن تعلم المنطق، وإنما المنطق عندهم، ~~بزعمهم: آلة قانونية5 صناعية، تعصم الذهن من6 الخطأ. وكل ذي ذهن صحيح منطقي ~~بالطبع». # قال7: «فكيف غفل الغزالي عن حال ms322 شيخه إمام الحرمين، ومن8 قبله، من كل ~~إمام هو له مقدم، ولمحله في تحقيق الحقائق رافع ومعظم، ثم لم9 يرفع أحد ~~منهم بالمنطق رأسا، ولا بنى عليه في شيء من تصرفاته أسا10. ولقد أتى بخلطه ~~المنطق بأصول الفقه بدعة، عظم11 شؤمها على المتفقهة، حتى كثر فيهم بعد ذلك ~~المتفلسفة12، والله المستعان». ### || AUTO [ما نقله ابن الصلاح من كلام المازري في الغزالي، والتعقيب عليه]: # قال13: «ولأبي عبد الله المازري، الفقيه، المتكلم، الأصولي، PageV01P645 ~~وكان إماما محققا، بارعا في مذهبي مالك والأشعري، وله تصانيف في فنون؛ ~~منها1 «شرح الإرشاد»، و«البرهان» لإمام الحرمين - رسالة يذكر فيها حال ~~الغزالي وحال كتابه «الإحياء» 2، أصدرها في حياة3 الغزالي، جوابا لما كوتب ~~به من الغرب والشرق4، في سؤاله عن ذلك عند اختلافهم في ذلك؛ فذكر فيها ما ~~اختصاره5. # أن الغزالي كان قد خاض في علوم، وصنف فيها، واشتهر بالإمامة في إقليمه6 ~~حتى تضاءل له المنازعون؛ واستبحر في الفقه وفي أصول الفقه، وهو بالفقه أعرف. # وأما أصول الدين، فليس بالمستبحر فيها7، شغله عن ذلك قراءته PageV01P646 ~~علوم الفلسفة، وكسبته قراءة الفلسفة جراءة1 على المعاني، وتسهيلا للهجوم ~~على الحقائق؛ لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، وليس لها شرع يزعها، ولا تخاف ~~من مخالفة أئمة تتبعها، فلذلك خامره ضرب من الإدلال على المعاني، فاسترسل ~~فيها استرسال من لا يبالي بغيره. # قال2: وقد عرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على قراءة «رسائل إخوان ~~الصفا»؛ وهذه الرسائل هي إحدى وخمسون رسالة، كل رسالة مستقلة بنفسها؛ وقد ~~ظن في مؤلفها ظنون، وفي الجملة هو -[*يعني واضع الرسائل*]- رجل فيسلوف، قد ~~خاض في علوم الشرع، فمزج ما بين العلمين، وحسن الفلسفة في قلوب أهل الشرع ~~بآيات وأحاديث يذكرها عندها. # ثم إنه كان في هذا الزمان المتأخر فيلسوف يعرف بابن سينا، ملأ الدنيا ~~تآليف3 في علوم الفلسفة، وكان ينتمي إلى الشرع، ويتحلى بحلية المسلمين، ~~وأداه قوته في علم الفلسفة إلى أن تلطف4 جهده في رد أصول العقائد إلى علم ~~الفلسفة، وتم له من ذلك ما لم يتم لغيره ms323 من الفلاسفة». # قال5: «ووجدت هذا الغزالي يعول عليه في أكثر ما يشير إليه في علوم ~~الفلسفة، حتى إنه في بعض الأحايين6 ينقل نص كلامه من غير تغيير، وأحيانا ~~يغيره وينقله إلى الشرعيات أكثر مما7 نقل ابن سينا؛ لكونه أعلم بأسرار ~~الشرع منه، فعلى ابن سينا ومؤلف «رسائل إخوان الصفا» عول الغزالي في علم ~~الفلسفة. # قال: وأما مذاهب8 المتصوفة9، فلست أدري على من عول فيها، PageV01P647 ~~ولا من ينتسب1 إليه في علمها. قال: وعندي أنه على أبي حيان التوحيدي الصوفي ~~عول في2 مذاهب الصوفية؛ وقد أعلمت أن أبا حيان هذا ألف ديوانا عظيما في هذا ~~الفن، ولم يصل إلينا منه شيء3. # ثم ذكر أن في «الإحياء» فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له؛ مثل ما استحسن ~~في قص الأظفار أن يبدأ بالسبابة؛ لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها ~~المسبحة، ثم بالوسطى لأنها ناحية اليمين، ثم باليسرى على هيئة دائرة. وكأن ~~الأصابع عنده دائرة، فإذا أدار أصابعه مر عليها مرور الدائرة، ثم يختم ~~بإبهام اليمنى، هكذا حدثني به من4 أثق به عن الكتاب» 5. # قال6: «فانظر إلى هذا [الخباط7] كيف أفاده قراءة الهندسة وعلم PageV01P648 ~~الدوائر وأحكامها أن نقله1 إلى الشرع، فأفتى به المسلمين». # قال: «وحمل إلي بعض الأصحاب من2 هذا الإملاء الجزء الأول، فوجدته يذكر ~~فيه أن من مات بعد بلوغه ولم يعلم3 أن الباري4 قديم، مات مسلما إجماعا5. ~~ومن تساهل في حكاية الإجماع في مثل6 هذا، الذي الأقرب أن يكون فيه الإجماع ~~بعكس ما قال؛ فحقيق7 أن لا يوثق بكل ما نقل8، وأن يظن به التساهل في رواية ~~ما لم يثبت عنده صحته». # قال9: «ثم تكلم المازري في محاسن «الإحياء» ومذامه، ومنافعه ومضاره، ~~بكلام طويل، ختمه بأن من لم يكن عنده من البسطة في العلم [*ما يعتصم به من ~~غوائل هذا الكتاب، فإن قراءته لا تجوز له، وإن كان PageV01P649 ~~فيه ما ينتفع به؛ ومن كان عنده من العلم*] ما يأمن به على نفسه من غوائل ~~هذا الكتاب، ويعلم ما فيه من الرموز، ms324 فيجتنب مقتضى ظواهرها، ويكل أمر ~~مؤلفها إلى الله تعالى، إن1 كانت كلها تقبل التأويل - فقراءته له2 سائغة، ~~وينتفع به؛ اللهم إلا أن يكون قارئه ممن3 يقتدى به ويغتر به، فإنه ينهى عن ~~قراءته، وعن مدحه والثناء عليه. # قال: ولولا أن علمنا أن4 إملاءنا هذا إنما يقرؤه الخاصة، ومن عنده علم ~~يأمن به على نفسه؛ لم نتبع محاسن هذا الكتاب بالثناء، ولم نتعرض لذكرها؛ ~~ولكنا نحن أمنا من التغرير، ولئلا يظن أيضا من يتعصب للرجل أنا جانبنا ~~الإنصاف في الكلام على كتابه، ويكون اعتقاده هذا فينا سببا لئلا يقبل ~~نصيحتنا. قال الشيخ أبو عمرو: هذا5 آخر ما نقلناه عن المازري». ### || AUTO [المصادر التي استمد منها الغزالي مادته الصوفية]: # قلت: ما ذكره المازري في مادة أبي حامد من الصوفية، فهو كما قال المازري ~~عن نفسه: لم يدر على من عول فيها؛ ولم يكن للمازري من الاعتناء بكتب ~~الصوفية وأخبارهم ومذاهبهم ما له من الاعتناء بطريقة الكلام، وما يتبعه من ~~الفلسفة؛ ونحوها فلذلك لم يعرف ذلك؛ ولم تكن مادة أبي حامد من كلام أبي ~~حيان التوحيدي وحده، بل6 ولا غالب كلامه منه؛ فإن7 أبا حيان تغلب عليه ~~الخطابة والفصاحة، وهو PageV01P650 ~~مركب من فنون أدبية وفلسفية وكلامية وغير ذلك؛ [*وإن كان قد شهد عليه ~~بالزندقة غير واحد، وقرنوه بابن الراوندي1، كما ذكر ذلك ابن عقيل وغيره*]. # وإنما كان غالب استمداد أبي حامد من كتاب أبي طالب المكي، الذي سماه «قوت ~~القلوب»؛ ومن كتب الحارث المحاسبي: [الرعاية2] وغيرها، ومن رسالة القشيري3؛ ~~ومن منثورات وصلت إليه من كلام المشايخ. # [*وما نقله في «الإحياء» عن الأمة في ذم الكلام، فإنه من كتاب أبي عمر بن ~~عبد البر في «فضل العلم وأهله»؛ وما نقله من الأدعية والأذكار نقله4 من ~~كتاب «الذكر» لابن خزيمة5، ولهذا كانت أحاديث هذا الباب جيدة*]. PageV01P651 # وقد جالس من اتفق له من مشايخ الطرق1، لكنه يأخذ من كلام الصوفية في الغالب ~~ما يتعلق بالأعمال والأخلاق والزهد والرياضة والعبادة، وهي التي يسميها ~~«علوم المعاملة»؛ وأما التي ms325 يسميها «علوم المكاشفة»، ويرمز إليها في ~~«الإحياء» وغيره2، ففيها يستمد3 من كلام المتفلسفة4 وغيرهم؛ كما في «مشكاة ~~الأنوار» و«المضنون به على غير أهله» 5 وغير ذلك. ### || AUTO [اختلاف أحوال المنتسبين إلى التصوف]: # وبسبب خلط التصوف بالفلسفة، كما اختلطت6 الأصول بالفلسفة؛ صار ينسب7 إلى ~~التصوف من ليس هو موافقا للمشايخ المقبولين، الذين لهم في الأمة لسان صدق ~~رضي الله8 عنهم، بل يكون مباينا لهم PageV01P652 ~~في أصول الإيمان، كالإيمان بالتوحيد والرسالة واليوم الآخر، ويجعلون هذه ~~مذاهب الصوفية، كما يذكر ذلك ابن الطفيل صاحب رسالة «حي بن يقظان1»، وأبو ~~الوليد بن رشد الحفيد، وصاحب «خلع العلم2»، وابن عربي صاحب «الفتوحات» ~~و«فصوص الحكم»، وابن سبعين. # وأمثال هؤلاء ممن يتظاهر بمذاهب مشايخ الصوفية3 وأهل الطريق، وهو في ~~التحقيق4 منافق زنديق، ينتهي إلى القول بالحلول والاتحاد، واتباع القرامطة ~~أهل الإلحاد، ومذهب الإباحية PageV01P653 ~~الدافعين1 للأمر والنهي والوعد والوعيد، ملاحظين لحقيقة القدر، التي لا ~~يفرق فيها بين الأنبياء والمرسلين وبين كل كفار عنيد، أو قائلين2 مع ذلك ~~بنوع من الحقائق البدعية، غير عارفين بالحقائق الدينية الشرعية، ولا سالكين ~~مسلك أولياء الله الذين هم بعد الأنبياء خير البرية. فهم في نهاية تحقيقهم ~~يسقطون الأمر والنهي والطاعة والعبادة، مشاقين للرسول، متبعين غير سبيل ~~المؤمنين؛ ويفارقون سبيل أولياء الله3 المتقين، إلى سبيل أولياء الشياطين، ~~ثم يقولون بالحلول والاتحاد، وهو4 غاية الكفر ونهاية الإلحاد. # ولهذا في كلام المشايخ العارفين - كأبي القاسم الجنيد وأمثاله - من بيان ~~أن التوحيد هو إفراد الحدوث عن القدم، ونحو ذلك؛ ومن بيان وجوب اتباع الأمر ~~والنهي، ولزوم العبادة إلى الموت - ما يبين به أن أولئك السادة المهتدين ~~حذروا5 من طريق هؤلاء الملحدين. # ولهذا نجد6 هؤلاء - كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما - يردون على مثل ~~الجنيد وأمثاله من أئمة المشايخ، ويدعون أنهم ظفروا في التحقيق بنهاية ~~الرسوخ، وإنما ظفروا بتحقيق الإلحاد، والدخول في الحلول والاتحاد. ### || AUTO [كلام أبي نعيم في «حلية الأولياء» في التحذير ممن انتسب إلى ~~التصوف مع مخالفته للسنة والاستقامة]: # وما زال شيوخ الصوفية المؤمنون يحذرون من مثل ms326 هؤلاء الملبسين، كما حذر ~~أئمة الفقهاء من سبيل أهل البدعة والنفاق من أهل الفلسفة والكلام ونحوهم، ~~حتى ذكر ذلك أبو نعيم الحافظ في أول «حلية الأولياء» 7، وأبو القاسم ~~القشيري في «رسالته»؛ دع من هو أجل PageV01P654 ~~منهما، وأعلم منهما1 بطريق الصوفية، وأقل غلطا، وأبعد عن الاعتماد على ~~المنقولات الضعيفة، والمقولات2 المبتدعة. # قال أبو نعيم في أول «الحلية»: «أما بعد - أحسن الله4 توفيقك - فقد ~~استعنت بالله عز وجل وأجبتك إلى ما ابتغيت، من جمع كتاب يتضمن أسامي جماعة؛ ~~وبعض أحاديثهم وكلامهم؛ من أعلام المحققين5 من المتصوفة وأئمتهم، وترتيب ~~طبقاتهم من النساك ومحجتهم، من قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم، ~~ممن عرف الأدلة والحقائق، وباشر الأحوال والطرائق، وساكن الرياض والحدائق، ~~وفارق العوارض والعلائق، وتبرأ من المتنطعين6 والمتعمقين، ومن أهل الدعاوى ~~من المتسوفين7، ومن8 الكسالى والمتثبطين، المتشبهين بهم في اللباس والمقال، ~~والمخالفين لهم في العقيدة والفعال. # وذلك لما بلغك من بسط ألسنتنا وألسنة أهل الفقه والأثر9 في كل الأقطار10 ~~والأمصار، في المنتسبين إليهم من الفسقة الفجار، والمباحية PageV01P655 ~~والحلولية الكفار، وليس ما حل بالكذبة من الوقيعة والإنكار، بقادح في منقبة ~~البررة الأخيار، وواضع من درجة الصفوة الأخيار1. بل في إظهار البراءة من ~~الكذابين، والنكير على الخونة2 البطالين - نزاهة الصادقين، ورفعة ~~المحققين3. # ولم لم نكشف4 عن مخازي المبطلين ومساوئهم ديانة، للزمنا إبانتها وإشاعتها ~~حمية وصيانة؛ إذ لأسلافنا في التصوف العلم المنشور، والصيت والذكر المشهور؛ ~~فقد كان جدي محمد بن يوسف5 رحمه الله6، أحد من يسر الله7 به ذكر بعض ~~المنقطعين إليه8، وكيف نستجيز9 نقيصة أولياء الله تعالى10 ومؤذيهم مؤذن ~~بمحاربة ربه» 11. # ثم أسند حديث أبي هريرة12 الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي صلى ~~الله13 عليه وسلم أنه قال: (إن الله4 قال: من آذى لي PageV01P656 ~~وليا) - وفي الرواية الأخرى: (من عادى لي وليا - فقد آذنته بالحرب، وما ~~تقرب إلي عبدي بشيء أفضل من أداء2 ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي ~~يبصر به، ms327 ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها3، فبي يسمع، وبي يبصر، ~~وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت ~~عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ~~ولا بد له منه) 4. ### || AUTO [يذم الشخص بقدر مخالفته لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويمدح بقدر موافقته. وهذا مذهب السلف في مسائل الأسماء والأحكام]: # قلت: فذم أهل العلم والإيمان من أئمة العلم والدين من جميع الطوائف، هو ~~لمن خرج عما6 جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في الأقوال أو الأعمال7 ~~باطنا أو ظاهرا، ومدحهم هو لمن وافق ما جاء به الرسول صلى الله8 عليه وسلم. ~~ومن كان موافقا من وجه ومخالفا من وجه، كالعاصي الذي يعلم أنه عاص؛ فهو ~~ممدوح من جهة موافقته، مذموم من جهة مخالفته. وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها ~~من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل «الأسماء والأحكام». ### || AUTO [مذاهب الفرق المخالفة في هذه المسائل]: # والخلاف فيها أول خلاف حدث في مسائل الأصول؛ حيث كفرت الخوارج بالذنب، ~~وجعلوا صاحب الكبيرة كافرا مخلدا في النار؛ ووافقتهم المعتزلة على زوال ~~جميع إيمانه وإسلامه وعلى9 خلوده في PageV01P657 ~~النار، لكن نازعوهم في الاسم، فلم يسموه كافرا، بل قالوا: هو فاسق لا مؤمن ~~ولا كافر1؛ ننزله منزلة بين المنزلتين. فهم وإن كانوا في الاسم إلى السنة ~~أقرب، فهم في الحكم في الآخرة مع الخوارج. ### || AUTO [الشبهة المشتركة بين مخالفي السلف]: # وأصل هؤلاء أنهم2 ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقا للثواب والعقاب، ~~والوعد والوعيد، والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا؛ فأحبطوا جميع حسناته ~~بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: الإيمان هو الطاعة، فيزول بزوال بعض الطاعة؛ ~~ثم تنازعوا: هل يخلفه الكفر؟ على القولين. # ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه ~~لا يتبعض ولا يتفاضل، فلا يزيد ولا ينقص3، وقالوا: إن إيمان الفساق كإيمان ~~الأنبياء والمؤمنين. # لكن فقهاء المرجئة قالوا: إنه الاعتقاد والقول، وقالوا: إنه لا بد ms328 من أن ~~يدخل النار من فساق الملة من شاء الله4. كما قالت الجماعة؛ فكان خلاف كثير ~~من كلامهم5 للجماعة إنما هو في الاسم، لا في الحكم. ### || AUTO [تنوع دلالة اسم (الإيمان) بالإفراد والاقتران]: # وقد بسطنا الكلام على ذلك6 في غير هذا الموضع، وبينا الفرق بين دلالة ~~الاسم مفردا ودلالته مقرونا بغيره، كاسم «الفقير» و«المسكين»؛ فإنه إذا ~~أفرد أحدهما يتناول7 معنى الآخر؛ كقوله تعالى: {للفقراء PageV01P658 ~~الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273]. فإنه يدخل فيهم المساكين؛ وقوله ~~تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] 1. فإنه يدخل فيهم ~~الفقراء؛ وأما إذا قرن بينهما كقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين} [التوبة: 60]، فهما صنفان. # وكذلك قوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} [الأعراف: 157]. ~~يدخل في المعروف كل واجب، وفي المنكر كل قبيح؛ والقبائح هي السيئات، وهي ~~المحظورات كالشرك والكذب والظلم والفواحش؛ فإذا قال: {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]. وقال2: {وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي} [النحل:90]. فخص بعض أنواع المنكر بالذكر، وعطف أحدهما على الآخر، ~~صارت دلالة اللفظ عليه نصا مقصودا بطريق المطابقة، بعد أن كانت بطريق ~~العموم والتضمن، سواء قيل: إنه داخل في اللفظ العام أيضا، فيكون مذكورا ~~مرتين، أو قيل: إنه باقترانه بالاسم العام تبين أنه لم يدخل في الاسم ~~العام؛ لتغيير الدلالة بالإفراد والتجرد وبالاقتران والاجتماع كما قدمنا. # وهكذا اسم «الإيمان»؛ فإنه تارة يذكر مفردا مجردا، لا يقرن4 بالعمل ~~الواجب، فيدخل فيه العمل الواجب تضمنا # ولزوما؛ وتارة يقرن بالعمل، فيكون العمل5 حينئذ مذكورا بالمطابقة والنص، ~~ولفظ «الإيمان» يكون مسلوب الدلالة6 عليه حال الاقتران، أو دالا عليه. # كما في قوله تعالى: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} [الأعراف: ~~170]، وقوله سبحانه لموسى عليه السلام: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا PageV01P659 ~~فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14]، وقوله تعالى: {اتل ما أوحي إليك من ~~الكتاب وأقم الصلاة} [العنكبوت: 45]. ونظائر ذلك كثيرة1. # فالأعمال داخلة في الإيمان تضمنا ولزوما في مثل قول تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ms329 ربهم يتوكلون • الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون • ~~أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 2 - 4]، وفي مثل قوله سبحانه: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15]، وقوله عز وجل: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه} [النور: 62]. وأمثال ذلك من2 الكتاب والسنة. # ومن استقرأ ذلك علم أن الاسم الشرعي؛ كالإيمان، والصلاة، والوضوء، ~~والصيام، لا ينفيه الشارع عن شيء إلا لانتفاء ما هو واجب فيه، لا3 لانتفاء ~~ما هو مستحب فيه. # وأما قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} ~~[البينة: 7]. ونحو ذلك؛ فالعمل مخصوص4 بالذكر؛ إما توكيدا، وإما لأنه ~~بالاقتران تغيرت دلالة الاسم5. # فهذا موقف يزول فيه كثير من النزاع اللفظي في ذلك. ### || AUTO [زيادة الإيمان من جهة أمر الله ومن جهة فعل العبد]: # وأيضا، فإن الإيمان يتنوع بتنوع ما أمر الله6 به العبد7؛ فحين بعث الرسول ~~لم يكن الإيمان الواجب، لا إقرارا ولا عملا8، مثل الإيمان PageV01P660 ~~الواجب في آخر الدعوة؛ فإنه لم يكن يجب إذ ذاك الإقرار بما أنزله الله1 بعد ~~ذلك، من الإيجاب والتحريم والخبر، ولا العمل بموجب ذلك. بل كان الإيمان ~~الذي أوجبه الله4 يزيد شيئا فشيئا، كما كان القرآن ينزل شيئا فشيئا، والدين ~~يظهر شيئا فشيئا، حتى أنزل الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]. # وكذلك العبد أول ما يبلغه خطاب الرسول2 إنما يجب عليه الشهادتان، فإذا ~~مات قبل أن يدخل عليه وقت صلاة لم3 يجب عليه شيء غير الإقرار، ومات4 مؤمنا ~~كامل الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان إيمان غيره الذي دخلت عليه الأوقات5 ~~أكمل منه. # فهذا إيمانه ناقص كنقص دين النساء، حيث قال النبي صلى الله6 عليه وسلم: ~~(إنكن ناقصات عقل ودين؛ أما نقصان عقلكن فشهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، ~~وأما نقصان دينكن فإن إحداكن إذا حاضت لم تصل) 7. ومعلوم أن الصلاة حينئذ ~~ليست ms330 واجبة عليها، PageV01P661 ~~فهذا1 نقص لا تلام عليه المرأة، لكن2 من جعل كاملا كان أفضل منها؛ بخلاف من ~~نقص شيئا مما وجب عليه. # فصار النقص في الدين والإيمان نوعين: نوعا لا يذم العبد عليه، لكونه لم ~~يجب عليه لعجزه عنه حسا أو شرعا، وإما لكونه مستحبا ليس بواجب؛ ونوعا يذم ~~عليه، وهو ترك الواجبات. # فقول النبي صلى الله3 عليه وسلم لجارية معاوية بن الحكم السلمي؛ لما قال ~~لها: (أين الله؟) قالت: في السماء؛ قال: (من أنا؟) قالت: أنت رسول الله؛ ~~قال: (أعتقها، فإنها مؤمنة) 4. - ليس فيه حجة PageV01P662 ~~على أن من وجبت عليه العبادات فتركها، وارتكب المحظورات؛ يستحق الاسم ~~المطلق، كما1 استحقته هذه التي لم يظهر منها بعد ترك مأمور ولا فعل محظور. # ومن عرف هذا تبين أن قول النبي صلى الله2 عليه وسلم لهذه: (إنها مؤمنة). ~~لا ينافي قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين ~~يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) 3. PageV01P663 # فإن ذلك1 نفى عنه الاسم لانتفاء بعض ما يجب عليه من ترك هذه الكبائر، وتلك ~~لم تترك واجبا تستحق بتركه أن تكون هكذا. # ويتبع هذا أن من آمن بما جاء به الرسل مجملا، ثم بلغه مفصلا، فأقر به ~~مفصلا وعمل به؛ كان قد زاد ما عنده من الدين والإيمان بحسب ذلك؛ ومن أذنب ~~ثم تاب، أو غفل ثم ذكر، أو فرط ثم أقبل؛ فإنه يزيد دينه وإيمانه بحسب ذلك، ~~كما قال من قال من الصحابة، كعمير بن حبيب الخطمي2 وغيره3: الإيمان يزيد ~~وينقص. قيل له: فما زيادته ونقصانه4؟ قال: إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحناه ~~فتلك5 زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وأضعنا فذلك نقصانه. فذكر زيادته بالطاعات ~~وإن كانت مستحبة، ونقصانه بما أضاعه من واجب وغيره. PageV01P664 ### || AUTO [اقتضاء التصديق العمل]: # وأيضا فإن تصديق القلب يتبعه عمل القلب، فالقلب إذا صدق بما يستحقه الله1 ~~من الألوهية، وما يستحق الرسول من الرسالة؛ تبع ذلك لا محالة محبة2 الله ~~ورسوله، وتعظيم الله ورسوله3. # والطاعة لله ورسوله ms331 أمر لازم لهذا التصديق، لا يفارقه إلا لعارض من كبر ~~أو حسد أو نحو ذلك4، من الأمور التي توجب الاستكبار عن عبادة الله5 والبغض ~~لرسوله6، ونحو ذلك من الأمور التي توجب الكفر؛ ككفر إبليس، وفرعون وقومه، ~~واليهود، وكفار مكة، وغير هؤلاء من المعاندين الجاحدين7. # ثم هؤلاء إذا لم يتبعوا التصديق بموجبه من عمل القلب واللسان وغير ذلك؛ ~~فإنه قد يطبع على قلوبهم حتى يزول عنها التصديق؛ كما قال تعالى: {وإذ قال ~~موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم} [الصف:5]. فهؤلاء كانوا عالمين، فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم. وقال موسى لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر} [الإسراء:102]. وقال تعالى: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن ~~السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب} [غافر:37] إلى قوله8: {كذلك يطبع الله ~~على كل قلب متكبر جبار} [غافر: 35] 9. PageV01P665 # وقال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما ~~الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون • ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: ~~109، 110]. فبين سبحانه أن مجيء الآيات لا يوجب الإيمان بقوله تعالى1: {وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون • ونقلب أفئدتهم وأبصارهم}؛ أي: فتكون هذه ~~الأمور الثلاثة2: أن لا يؤمنوا، وأن نقلب أفئدتهم وأبصارهم، وأن نذرهم3 في ~~طغيانهم يعمهون؛ [*أي: وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت تحصل هذه الأمور ~~الثلاثة. # وبهذا المعنى تبين أن قراءة الفتح أحسن، وأن من قال: (أن) المفتوحة بمعنى ~~(لعل)؛ فظن أن قوله: {ونقلب أفئدتهم} كلام مبتدأ - لم4 يفهم معنى الآية؛ ~~وإذا جعل {ونقلب أفئدتهم} داخلا في خبر (أن)، تبين معنى الآية، فإن كثيرا ~~من الناس يؤمنون ولا تقلب قلوبهم، لكن قد يحصل تقليب أفئدتهم وأبصارهم وقد ~~لا يحصل؛ أي: فما يدريكم أنهم لا يؤمنون، والمراد وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون، بل نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ms332 مرة، والمعنى: ~~وما يدريكم أن الأمر بخلاف ما تظنونه من إيمانهم عند مجي الآيات، ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون*]، فيعاقبون على ترك الإيمان أول مرة بعد وجوبه عليهم، إما ~~لكونهم عرفوا الحق وما أقروا به، أو تمكنوا من معرفته، فلم يبطلوا معرفته، ~~ومثل هذا كثير. # والمقصود هنا: أن ترك ما يجب من العمل بالعلم الذي5 هو مقتضى التصديق ~~والعلم، قد يفضي إلى سلب التصديق والعلم؛ كما قيل: العلم PageV01P666 ~~يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. وكما قيل: كنا نستعين على حفظ العلم ~~بالعمل به. # فما في القلب من التصديق بما جاء به الرسول1 إذا لم يتبعه موجبه ومقتضاه ~~من العمل قد يزول؛ إذ وجود العلة يقتضي وجود المعلول، وعدم المعلول يدل ~~على2 عدم العلة، فكما3 أن العلم والتصديق سبب للإرادة4 والعمل، فعدم ~~الإرادة والعمل يدل على عدم5 العلم والتصديق. # [*ثم إن كانت العلة تامة، فعدم المعلول دليل يقتضي عدمها، وإن كانت سببا ~~قد تخلف معلولها، كان له بخلفه أمارة على عدم المعلول قد يتخلف مدلولها*]. # وأيضا، فالتصديق الجازم في القلب يتبعه موجبه بحسب الإمكان، كالإرادة ~~الجازمة في القلب، فكما أن الإرادة الجازمة في القلب إذا اقترنت بها القدرة ~~حصل بها المراد أو المقدور من المراد لا محالة، [ومتى7] كانت القدرة حاصلة ~~ولم يقع الفعل كان الحاصل هما8، لا إرادة جازمة، وهذا هو الذي عفي عنه، ~~فكذلك التصديق الجازم، إذا حصل في القلب تبعه عمل من عمل القلب9 لا محالة، ~~لا يتصور أن ينفك عنه، بل يتبعه الممكن10 من عمل الجوارح، فمتى لم يتبعه شيء PageV01P667 ~~من عمل القلب علم أنه ليس بتصديق جازم، فلا يكون إيمانا. # لكن التصديق الجازم قد لا يتبعه عمل القلب بتمامه، لعارض1 من الأهواء ~~كالكبر والحسد ونحو ذلك من أهواء النفس، لكن الأصل أن التصديق يتبعه الحب، ~~[*وإذا تخلف الحب كان لضعف التصديق الموجب له؛ ولهذا قال الصحابة: كل من ~~يعصي الله فهو جاهل. وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار ~~جهلا*]. # ولهذا كان التكلم بالكفر من ms333 غير إكراه كفرا في نفس الأمر، عند الجماعة ~~وأئمة الفقهاء حتى المرجئة، خلافا للجهمية ومن اتبعهم. ومن هذا الباب سب ~~الرسول2 وبغضه، وسب القرآن وبغضه، وكذلك سب الله3 وبغضه، ونحو ذلك مما ليس ~~من باب التصديق والتكذيب، بل من باب الحب والتعظيم والموالاة، أو البغض ~~والمعاداة والاستخفاف4. # ولما كان إيمان القلب له موجبات في الظاهر، كان الظاهر دليلا على إيمان ~~القلب ثبوتا وانتفاء؛ كقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله} الآية [المجادلة: 22]، وقوله5: {ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} [المائدة: 81] ~~وأمثال ذلك. PageV01P668 # وبعد هذا، فنزاع المنازع في أن الإيمان في اللغة هل هو اسم لمجرد التصديق ~~دون مقتضاه، أو اسم للأمرين - يؤول إلى نزاع لفظي؛ وقد يقال: إن الدلالة ~~تختلف بالإفراد والاقتران1. ### || AUTO [في مناقشة من يقول: إن الإيمان هو التصديق؛ ويستدل بأن هذا ~~معناه في اللغة؛ من الناس من يسلم بأن الإيمان في اللغة هو التصديق، ثم ~~يقول: إن التصديق يكون بالقول والعمل أيضا]: # والناس منهم من يقول: إن أصل الإيمان في اللغة التصديق، ثم يقول: ~~والتصديق يكون باللسان ويكون بالجوارح، والقول يسمى تصديقا والعمل يسمى ~~تصديقا؛ كقول2 النبي صلى الله3 عليه وسلم: (العينان تزنيان وزناهما النظر، ~~والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها ~~المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) 4. وقال الحسن ~~البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي5، ولكن بما وقر في القلب، وصدقه ~~العمل6. PageV01P669 ### || AUTO [ومنهم من يقول: إن الإيمان في اللغة هو الإقرار وليس مرادفا ~~للتصديق]: # ومنهم من يقول: بل الإيمان هو الإقرار، وليس هو مرادفا للتصديق؛ فإن ~~التصديق يقال على كل خبر عن شهادة أو غيب، وأما الإيمان، فهو أخص منه؛ فإنه ~~قد قيل لخبر إخوة يوسف: {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17]. وقيل: {يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61]؛ إذ الإيمان بالنبي1 تصديق به، والإيمان له ~~تصديق له؛ ذلك في الخبر2، وهذا في المخبر. # ويقال - لمن قال: الواحد ms334 نصف الاثنين، والسماء فوق الأرض -: قد صدقته3. ~~ولا يقال: آمنت له؛ ويقال: أصدق بهذا. ولا يقال: أؤمن به. إذ لفظ «الإيمان» ~~إفعال من الأمن، فهو يقتضي طمأنينة وسكونا، فيما من شأنه أن يستريب فيه ~~القلب فيخفق ويضطرب، وهذا إنما يكون في الإخبار بالمغيبات لا بالمشاهدات. ~~والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع. # وإنما المقصود: أن فقهاء المرجئة، خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه ~~لفظي، ولم يعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا؛ فإن ذلك قول ~~طائفة من فقهاء الكوفيين: كحماد بن أبي سليمان4، وصاحبه أبي حنيفة، وأصحاب ~~أبي حنيفة. # وأما قول الجهمية - وهو أن الإيمان مجرد تصديق القلب دون PageV01P670 ~~اللسان - فهذا لم يقله أحد من المشهورين بالإمامة، ولا كان قديما يضاف1 هذا ~~إلى المرجئة، وإنما وافق الجهمية عليه طائفة من المتأخرين من أصحاب ~~الأشعري، وأما ابن كلاب، فكلامه يوافق كلام المرجئة، لا الجهمية. # وآخر الأقوال حدوثا في ذلك قول الكرامية؛ أن الإيمان اسم للقول باللسان، ~~وإن لم يكن معه اعتقاد القلب. وهذا القول أفسد الأقوال، لكن أصحابه لا ~~يخالفون في الحكم، فإنهم يقولون: إن هذا الإيمان باللسان دون القلب هو ~~إيمان المنافقين، وإنه لا ينفع في الآخرة. # وإنما أوقع هؤلاء كلهم ما أوقع الخوارج والمعتزلة، في ظنهم أن الإيمان لا ~~يتبعض، بل إذا ذهب بعضه ذهب كله. ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض، وأنه ~~ينقص ولا يزول جميعه، كما قال النبي صلى الله2 عليه وسلم: (يخرج من النار ~~من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) 3. PageV01P671 # فالأقوال في ذلك ثلاثة: # الخوارج والمعتزلة نازعوا في الاسم والحكم، فلم يقولوا بالتبعيض؛ لا في ~~الاسم ولا في الحكم، فرفعوا عن صاحب الكبيرة اسم «الإيمان» بالكلية1، ~~وأوجبوا له الخلود في النار2. # وأما الجهمية والمرجئة، فنازعوا في الاسم لا في الحكم، فقالوا: يجوز أن ~~يكون مثابا معاقبا، محمودا مذموما، لكن لا يجوز أن يكون معه بعض الإيمان ~~دون بعض. # وكثير من المرجئة والجهمية من يقف في الوعيد، فلا يجزم بنفوذ PageV01P672 ~~الوعيد في ms335 حق أحد من أرباب الكبائر، كما قال ذلك من قاله من مرجئة الشيعة ~~والأشعرية؛ كالقاضي أبي بكر وغيره، ويذكر عن غلاتهم أنهم نفوا الوعيد ~~بالكلية، لكن لا أعلم معينا معروفا أذكر عنه هذا القول، [*ولكن حكي هذا عن ~~مقاتل بن سليمان1، والأشبه أنه كذب عليه*]. # وأما أئمة السنة والجماعة، فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم، فيكون مع ~~الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما ~~معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه، وولاية الله2 بحسب إيمان العبد ~~وتقواه، فيكون مع العبد من ولاية الله4 بحسب ما معه من الإيمان والتقوى، ~~فإن أولياء الله3 هم المؤمنون المتقون؛ كما قال تعالى: {ألا إن أولياء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون • الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: 62، 63]. # وعلى هذا، فالمتأول الذي أخطأ في تأويله، في المسائل الخبرية والأمرية، ~~وإن كان في قوله بدعة يخالف بها نصا أو إجماعا قديما، وهو لا يعلم أنه ~~يخالف ذلك، بل قد أخطأ فيه، كما يخطىء المفتي PageV01P673 ~~والقاضي في كثير من مسائل الفتيا والقضاء باجتهاده - يكون أيضا مثابا من ~~جهة اجتهاده الموافق لطاعة الله تعالى1، غير مثاب من جهة ما أخطأ فيه، وإن ~~كان معفوا عنه. # ثم قد يحصل منه2 تفريط في الواجب أو اتباع لهوى يكون ذنبا منه، وقد يقوى ~~فيكون كبيرة، وقد تقوم عليه الحجة التي بعث الله3 بهما رسله، ويعاندها ~~مشاقا4 للرسول من بعد ما تبين له الهدى، متبعا غير سبيل المؤمنين؛ فيكون ~~مرتدا منافقا، أو مرتدا ردة ظاهرة. فالكلام في الأشخاص لا بد فيه من هذا ~~التفصيل. # وأما الكلام في أنواع الأقوال والأعمال باطنا وظاهرا من الاعتقاد ~~والإرادات وغير ذلك، فالواجب فيما تنوزع فيه [من5] ذلك أن يرد إلى الله ~~والرسول، فما وافق الكتاب والسنة فهو حق، وما خالفه فهو باطل، وما وافقه من ~~وجه دون وجه، فهو ما اشتمل على حق وباطل، فهذا هذا6. # والمقصود هنا: أن أهل العلم والإيمان، في تصديقهم لما يصدقون به، ms336 ~~وتكذيبهم لما يكذبون به، وحمدهم لما يحمدونه، وذمهم لما يذمونه - متفقون ~~على هذا الأصل. فلهذا يوجد أئمة أهل العلم والدين من المنتسبين إلى الفقه ~~والزهد، يذمون البدع المخالفة للكتاب والسنة في الاعتقادات والأعمال، من ~~أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف ونحوهم؛ وإن كان في أولئك من هو مجتهد، ~~له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له. # وقد ثبت7 عن النبي صلى الله8 عليه وسلم من غير وجه أنه قال: (خير القرون ~~القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين PageV01P674 ~~يلونهم) 1. فكان القرن الأول من كمال العلم والإيمان على حال لم يصل إليها ~~القرن الثاني، وكذلك الثالث. # وكان ظهور البدع والنفاق بحسب البعد عن السنن والإيمان، وكلما كانت ~~البدعة أشد تأخر ظهورها، وكلما كانت أخف كانت إلى الحدوث أقرب، فلهذا حدث ~~أولا بدعة الخوارج والشيعة2، ثم بدعة القدرية والمرجئة، وكان آخر ما حدث ~~بدعة الجهمية، حتى قال ابن المبارك، ويوسف بن أسباط3، وطائفة من العلماء، ~~من أصحاب أحمد وغيرهم: إن الجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة، بل هم ~~زنادقة. # وهذا مع أن كثيرا من بدعهم دخل فيها قوم ليسوا زنادقة، بل قبلوا كلام ~~الزنادقة جهلا وخطأ؛ قال الله تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} [التوبة: 47]. فأخبر4 أن ~~في المؤمنين من هو مستجيب للمنافقين، فما يقع فيه بعض أهل الإيمان من أمور ~~بعض المنافقين هو من هذا الباب. # والمقصو هنا: أن يعلم أنه لم يزل في أمة محمد صلى الله5 عليه وسلم من ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن أمته لا تبقى على ضلالة، بل إذا وقع ~~منكر من لبس حق بباطل أو غير ذلك؛ فلا بد أن يقيم الله تعالى6 من يميز ذلك. ~~فلا بد من بيان ذلك، ولا بد من إعطاء PageV01P675 ~~الناس حقوقهم؛ كما قالت عائشة رضي الله1 عنها: أمرنا رسول الله صلى الله1 ~~عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم. رواه أبو داود وغيره2. # وهذا الموضع لا يحتمل من السعة، وكلام الناس ms337 في مثل هذه الأمور التي وقعت ~~ممن وقعت منه، بل المقصود التنبيه على جمل ذلك، لأن هذا محتاج إليه في هذه ~~الأوقات؛ فكتب الزهد والتصوف فيها من جنس ما في كتب الفقه والرأي؛ وفي ~~كلاهما منقولات صحيحة وضعيفة، بل وموضوعة؛ ومقالات صحيحة وضعيفة، بل ~~وباطلة. وأما كتب الكلام ففيها من الباطل أعظم من ذلك بكثير، بل فيها أنواع ~~من الزندقة والنفاق، وأما كتب الفلسفة فالباطل غالب عليها، بل الكفر الصريح ~~كثير فيها. ### || AUTO [عود إلى الكلام عن الغزالي]: # وكتاب «الإحياء» له حكم نظائره، ففيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأحاديث كثيرة ~~ضعيفة أو موضوعة؛ فإن مادة مصنفه في الحديث والآثار، وكلام السلف وتفسيرهم ~~للقرآن؛ مادة ضعيفة. وأجود ما له من المواد المادة الصوفية، ولو سلك فيها ~~مسلك الصوفية أهل العلم بالآثار النبوية، واحترز عن تصوف المتفلسفة ~~الصابئين، لحصل مطلوبه، ونال مقصوده؛ لكنه في آخر عمره سلك هذا3 السبيل. ~~وأحسن ما في كتابه - أو من أحسن ما فيه - ما يأخذه من كتاب أبي طالب في ~~مقامات العارفين ونحو ذلك، فإن أبا طالب أخبر بذوق الصوفية حالا، وأعلم ~~بكلامهم وآثارهم سماعا، وأكثر مباشرة لشيوخهم الأكابر. ### || AUTO [عود إلى الكلام عن دلائل النبوة وتعددها]: # والمقصود هنا: أن طرق العلم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم4، بل وتفاوت ~~الطرق في معرفة قدر النبوة والنبي؛ متعددة تعددا كثيرا؛ إذ النبي يخبر عن الله PageV01P676 ~~سبحانه1 أنه قال ذلك: إما إخبارا من الله2، وإما أمرا أو نهيا3، ولكل من ~~حال المخبر، والمخبر عنه، والمخبر به، بل ومن حال المخبرين: مصدقهم4 ~~ومكذبهم - دلالة على المطلوب، سوى ما ينفصل عن ذلك من الخوارق، وأخبار ~~الأولين والهواتف، والكهان، وغير ذلك. ### || AUTO [دلالة حال المخبر]: # فالمخبر5 مطلقا يعلم6 صدقه وكذبه بأمور كثيرة لا يحصل العلم بآحادها، كما ~~يحصل العلم بمخبر الأخبار المتواترة، بل بمخبر الخبر الواحد الذي احتف ~~بخبره قرائن أفادت العلم. # ومن هذا الباب علم الإنسان بعدالة الشاهد والمحدث والمفتي، حتى يزكيهم ~~ويفتي بخبرهم ويحكم بشهادتهم، وحتى لا يحتاج الحاكم في عدالة ms338 كل شاهد إلى ~~تزكيته، فإنه لو احتاج كل مزك إلى مزك لزم التسلسل، بل يعلم صدق الشخص تارة ~~باختباره ومباشرته، وتارة باستفاضة صدقه بين الناس7. # ولهذا قال العلماء: إن التعديل8 لا يحتاج إلى بيان السبب، فإن كون الشخص ~~عدلا صادقا لا يكذب؛ لا يتبين بذكر شيء معين، بخلاف الجرح، فإنه لا يقبل ~~إلا مفسرا عند جمهور العلماء لوجهين: # أحدهما: أن سبب الجرح ينضبط. # الثاني: أنه قد يظن ما ليس بجرح جرحا. # وأما كونه صادقا متحريا للصدق، لا يكذب، فهذا لا يعرف بشيء PageV01P677 ~~واحد حتى يخبر به، وإنما يعرف ذلك من خلقه وعادته، بطول المباشرة له ~~والخبرة له؛ ثم إذا استفاض ذلك عند عامة من يعرفه كان ذلك طريقا [للعلم1] ~~لمن لم يباشره، كما يعرف الإنسان عدل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، ~~وظلم الحجاج. ولهذا قال الفقهاء: إن العدالة والفسق يثبت بالاستفاضة، ~~وقالوا في الجرح المفسر: يجرحه2 بما رآه أو سمعه أو استفاض عنه. # وصدق الإنسان في العادة مستلزم لخصال البر، كما أن كذبه مستلزم لخصال ~~الفجور، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله3 عليه وسلم أنه قال: (عليكم ~~بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال4 ~~الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا؛ وإياكم والكذب، فإن ~~الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال4 الرجل يكذب ~~ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) 5. # وكما أن الخبر المتواتر يعلم لكونه [*خبر6 من يمتنع في العادة اتفاقهم ~~وتواطؤهم على الكذب، والخبر المنكر المكذب يعلم لكونه*] لم يخبر به من ~~يمتنع في العادة اتفاقهم على الكتمان - فخلق الشخص وعادته في الصدق والكذب ~~يمتنع في العادة أن يخفى على الناس، فلا7 يوجد أحد يظهر تحرى الصدق وهو ~~يكذب إذا أراد؛ إلا ولا بد أن يتبين كذبه8. # فإن الإنسان حيوان ناطق؛ فالكلام له وصف لازم ذاتي لا يفارقه، PageV01P678 ~~والكلام إما خبر وإما إنشاء، والخبر أكثر من الإنشاء وأصل له، كما أن العلم ms339 ~~أعم من الإرادة وأصل لها، والمعلوم # أعظم من المراد؛ فالعلم يتناول الموجود والمعدوم، والواجب والممكن ~~والممتنع، وما كان وما سيكون، وما يختاره العالم وما لا يختاره، وأما ~~الإرادة فتختص ببعض الأمور دون بعض. والخبر يطابق العلم، فكل ما يعلم يمكن ~~الخبر به، والإنشاء يطابق الإرادة؛ فإن الأمر إما محبوب يؤمر به، أو مكروه ~~ينهى عنه، وأما ما ليس بمحبوب ولا مكروه فلا يؤمر به ولا ينهى عنه. # وإذا كان كذلك، فالإنسان إذا كان متحريا للصدق عرف ذلك منه1، وإذا كان ~~يكذب أحيانا لغرض من الأغرض، لجلب ما يهواه أو دفع ما يبغضه أو غير ذلك2: ~~فإن ذلك لا بد أن يعرف منه، وهذا أمر جرت به العادات كما جرت بنظائره، فلا ~~تجد أحدا بين طائفة من الطوائف طالت مباشرتهم له، إلا وهم يعرفونه: هل يكذب ~~أو لا يكذب. # ولهذا كان من سنة القضاة إذا شهد عندهم من لا يعرفونه كان لهم أصحاب ~~مسائل، يسألون عنه جيرانه ومعامليه ونحوهم، ممن له به خبرة، فمن خبر شخصا ~~خبرة باطنة، فإنه3 يعلم من عادته علما يقينيا4 أنه لا يكذب، لا سيما في ~~الأمور العظام. # ومن خبر عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، ~~وشعبة بن الحجاج5، ويحيى بن سعيد PageV01P679 ~~لقطان1، وأحمد بن حنبل، وأضعاف أضعافهم؛ حصل عنده علم ضروري من أعظم العلوم ~~الضرورية أن الواحد من هؤلاء لا يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله2 عليه ~~وسلم، ومن تواترت عنده3 أخبارهم من أهل زماننا وغيرهم؛ حصل له هذا العلم ~~الضروري، ولكن قد يجوز على أحدهم الغلط الذي يليق به. # ثم خبر الفاسق والكافر، بل ومن عرف بالكذب؛ قد تقترن به قرائن تفيد علما ~~ضروريا أن المخبر صادق [*في ذلك الخبر، فكيف ممن عرف منه الصدق في ~~الأشياء*]! # فمن4 كان خبيرا بحال النبي صلى الله5 عليه وسلم؛ مثل زوجته خديجة، وصديقه ~~أبي بكر، إذا أخبره النبي صلى الله5 عليه وسلم بما رآه أو سمعه، حصل له علم ~~ضروري بأنه ms340 صادق في ذلك، ليس هو كاذبا في ذلك. # ثم إن6 النبي لا بد أن يحصل له علم ضروري بأن ما أتاه صادق أو PageV01P680 ~~كاذب، فيصير إخباره عما علمه بالضرورة كإخبار أهل التواتر عما علموه ~~بالضرورة. # وأيضا فالمتنبي الكذاب كمسيلمة والعنسي ونحوهما؛ يظهر لمخاطبه1 من كذبه ~~في أثناء الأمور أعظم مما يظهر من كذب غيره، فإنه إذا كان الإخبار عن ~~الأمور المشاهدة لا بد أن يظهر فيه كذب الكاذب؛ فما الظن بمن يخبر عن ~~الأمور الغائبة التي تطلب منه. # ومن لوازم النبي التي لا بد منها: الإخبار عن الغيب الذي أنبأه الله2 به، ~~فإن من لم يخبر عن غيب لا يكون نبيا؛ فإذا أخبرهم المتنبىء3 عن الأمور ~~الغائبة عن حواسهم4، من الحاضرات والمستقبلات والماضيات، فلا بد أن يكذب ~~فيها، ويظهر لهم كذبه؛ وإن كان قد يصدق أحيانا في شيء، كما يظهر كذب الكهان ~~والمنجمين ونحوهم، وكذب المدعين للدين والولاية والمشيخة بالباطل، فإن ~~الواحد من هؤلاء وإن صدق في بعض الوقائع؛ فلا بد أن يكذب في غيرها، بل يكون ~~كذبه أغلب من صدقه، بل تتناقض أخباره وأوامره، وهذا أمر جرت به سنة الله ~~التي لن تجد لها تبديلا؛ قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا} [النساء: 82]. # وأما النبي الصادق المصدوق5 فهو فيما6 يخبر به عن7 الغيوب، توجد أخباره ~~صادقة مطابقة، وكلما زادت أخباره ظهر صدقه، وكلما قويت مباشرته وامتحانه ~~ظهر صدقه؛ كالذهب الخالص الذي كلما سبك خلص وظهر8 جوهره، بخلاف PageV01P681 ~~المغشوش، فإنه عند المحنة ينكشف ويظهر أن باطنه خلاف ظاهره. # ولهذا جاء في النبوات المتقدمة أن الكذاب لا يدوم أمره أكثر من مدة ~~قليلة، إما ثلاثين سنة وإما أقل: فلا يوجد مدعي النبوة كذاب1 إلا ولا بد أن ~~ينكشف ستره ويظهر أمره؛ والأنبياء الصادقون لا يزال يظهر صدقم، بل الذين ~~يظهرون العلم ببعض الفنون، والخبرة ببعض الصناعات، والصلاح والدين والزهد؛ ~~لا بد أن يتميز هذا من هذا وينكشف، فالصادقون يدوم أمرهم، والكذابون ينقطع ~~أمرهم، هذا أمر2 جرت ms341 به العادة وسنة الله التي لن تجد لها تبديلا. ### || AUTO [دلالة حال المخبر به]: # وأما المخبر عنه وبه3، فالنبي4 يخبر عن الله تعالى بأنه أخبر بكذا، أو ~~أنه أمر بكذا؛ فلا بد أن يكون خبره صدقا وأمره عدلا؛ {وتمت كلمت ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} [الأنعام: 115] 5. # والأمور التي يخبر بها ويأمر بها، تارة تنبه العقول على الأمثال والأدلة ~~العقلية التي يعلم بها صحتها، فيكون ما علمته العقول6 بدلالته وإرشاده - من ~~الحق الذي أخبر به7، والعدل8 الذي أمر به - شاهدا9 بأنه هاد مرشد10 معلم ~~للخير، ليس بمضل ولا مغو ولا معلم للشر. # وهذه حال الصادق البر دون الكاذب الفاجر، فإن الكاذب الفاجر لا يتصور أن ~~يكون ما يأمر به عدلا، وما يخبر به حقا. وإذا كان أحيانا يخبر ببعض الأمور ~~الغائبة، لشيطان يقترن به11 يلقي إليه ذلك، أو غير PageV01P682 ~~ذلك؛ فلا بد أن يكون كاذبا فاجرا؛ كما قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين • تنزل على كل أفاك أثيم • يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} [الشعراء: ~~221 - 223] 1. وهذا بيان لأن الذي يأتيه ملك لا شيطان، فإن الشيطان لا ينزل ~~على الصادق البار ما دام صادقا بارا؛ إذ لا يحصل مقصوده بذلك، وإنما ينزل ~~على من يناسبه في التشيطن2 وهو الأفاك3 الأثيم، [والأفاك: الكذاب] 4، ~~والأثيم: الفاجر. # وتارة يخبر النبي5 بأمور ويأمر بأمور، لا يتبين للعقول6 صدقها ومنفعتها ~~في أول الأمر، فإذا صدق الإنسان خبره وأطاع أمره؛ وجد في ذلك من البيان ~~للحقائق، والمنفعة والفوائد، ما يعلم به أن عنده من عظيم العلم والصدق ~~والحكمة ما لا يعلمه إلا الله7؛ أعظم مما يتبين به8 صدق الطبيب إذا استعمل ~~ما يصفه من الأدوية، وصدق العاقل9 المشير إذا استعمل ما يراه من الآراء، ~~وأمثال ذلك، وحينئذ يحصل10 للنفوس علم ضروري بكمال عقله وصدقه. # فإذا أخبر بعد ذلك عن أمور ضرورية يراها أو يسمعها، حصل للنفوس علم ضروري ~~بأنه صادق لا يتعمد الكذب، وأنه متيقن11 لما أخبر به، ليس فيه خطأ ولا غلط؛ ms342 ~~أعظم مما يتبين به صدق من أخبر عما رآه من الرؤيا، أو عما رآه من العجائب ~~وأمثال ذلك. # فإن المخبر12 إنما تأتيه الآفة من تعمد الكذب، أو الخطأ؛ بأن يظن PageV01P683 ~~الأمر على خلاف ما هو عليه؛ فما كان1 من العلوم الضرورية التي كلما دامت ~~قويت وظهرت وزادت، زال2 احتمال الخطأ؛ وما كان يتحرى3 الصدق الذي يعلم معه4 ~~بالضرورة انتفاء5 تعمد الكذب، [*هو وغيره من الأمور التي يعلم معها انتفاء ~~تعمد الكذب - يزول6 معه احتمال تعمده. # وأما العلم بالعدل فيما يؤمر به، وبالعدل الفضل7 فيما يأمره*]؛ فهذا يعلم ~~تارة بما يبينه من الأدلة العقلية ويضربه8 من الأمثال، وهذا هو الغالب على ~~ما يذكره الأنبياء9 من أصول الدين علما وعملا. وتارة يظهر ذلك بالتجربة ~~والامتحان، وتارة يستدل بما علم على ما يعلم. # وأيضا، فقد علم أن العالم ما زال فيه نبوة من آدم إلى محمد10 صلى الله ~~عليه وسلم، فالنبي الثاني يعلم صدقه بأمور: # منها: إخبار النبي الأول به، كما بشر بنبينا محمد11 صلى الله عليه وسلم ~~الأنبياء قبله، وكذلك بشر بالمسيح الأنبياء قبله. PageV01P684 # وتارة يعلم صدقه بأن يأتي بمثل ما أتوا به من الخبر والأمر؛ فإن الكذاب ~~الفاجر لا يتصور أن يكون في أخباره وأوامره موافقا للأنبياء، بل لا بد أن ~~يخالفهم في الأصول الكلية التي اتفق عليها الأنبياء؛ كالتوحيد والنبوات ~~والمعاد. كما أن القاضي الجاهل أو الظالم لا بد أن يخالف سنة القضاة ~~العالمين العادلين، وكذلك المفتي الجاهل أو الكاذب، والطبيب الكاذب1 أو ~~الجاهل؛ فإن كل هؤلاء لا بد أن يتبين2 كذبهم أو جهلهم بمخالفتهم3 لما مضت ~~به سنة أهل العلم والصدق؛ وإن كان قد يخالف بعضهم بعضا في أمور اجتهادية، ~~فإنه يعلم الفرق بين ذلك وبين المخالفة في الأصول الكلية التي لا يمكن ~~انخرامها4. # ولهذا يميز الناس5 في الأمراء والحكام والمفتين والمحدثين والأطباء وسائر ~~الأصناف، بين العالم الصادق - وإن خالف غيره من أهل العلم والصدق6 في أشياء ~~- وبين من يكون جاهلا أو كاذبا ظالما، ويفرقون بين هذا وهذا، كما ms343 أنهم ~~يعلمون من سيرة أبي بكر وعمر من العلم والعدل ما لا يرتابون فيه، وإن كان ~~بينهما منازعات في أمور اجتهادية؛ كالتفضيل في العطاء ونحو ذلك. # وأيضا، فإذا أخبر اثنان عن قضية طويلة ذات أجزاء وشعب، لم يتواطئا عليها، ~~ويمتنع في العادة اتفاقهما فيها على تعمد الكذب أو الخطأ7، علمنا صدقهما؛ ~~مثل أن يشهد رجلان واقعة من وقائع PageV01P685 ~~الحروب، أو يشهدا1 الجمعة أو العيد أو موت ملك، أو تغير دولة ونحو ذلك، أو ~~يشهدا1 خطبة خطيب، أو كتابا لبعض الولاة، أو يطالعا2 كتابا من الكتب أو ~~يحفظاه3، ويعلم4 أنهما لم يتواطئا، ثم يجيء أحدهما، فيخبر بذلك كله مفصلا ~~شيئا فشيئا، ويخبر الآخر5 بمثل ما أخبر به الأول مفصلا شيئا فشيئا، من غير ~~تواطئ، فيعلم أنهما صادقان. # حتى لو كان رجلان يحفظان بعض قصائد العرب - كقصيدة امرئ القيس6 أو غيرها ~~- وهناك من لا يحفظها، وهناك شخصان لا يعرف أحدهما الآخر، فقال [*الذي لا ~~يحفظها لأحدهما*]: أنشدنيها. فأنشدها، ثم طلب الآخر، وقال له: أنشدنيها7. ~~فأنشدها كما أنشد الأول، علم المستمع أنها هي هي8. بل وكذلك كتب الفقه ~~والحديث واللغة والطب وغير ذلك. # ولو بعث بعض الملوك رسلا9 إلى أمرائه ونوابه، في أمر من الأمور، ثم أخبر ~~أحد الرسولين بأنه أمر بأمر - ذكره وفصله - وأخبر الآخر بمثل ذلك القوم10 ~~الذين أرسل إليهم، من غير علم منه بإرسال الآخر، لعلم قطعا أن ذلك الأمر هو ~~الذي أمر به المرسل، وأنهما PageV01P686 ~~صادقان؛ فإنه يعلم علما ضروريا أنه يمتنع في الكذب والخطأ أن يتفق في مثل هذا. # ومعلوم أن موسى وغيره من الأنبياء كانوا قبل محمد1، وقد2 أخبروا عن الله3 ~~من4 توحيده وأسمائه وصفاته، وملائكته، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وإرساله ~~- بما أخبروا به؛ ومعلوم أيضا لمن علم حال محمد5 صلى الله6 عليه وسلم أنه ~~كان رجلا أميا، نشأ بين قوم أميين، ولم يكن يقرأ كتابا، ولا يكتب بخطه ~~شيئا، كما قال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا ~~لارتاب المبطلون} [العنكبوت: ms344 48]؛ وأن قومه الذين نشأ بينهم لم يكونوا ~~يعلمون علوم7 الأنبياء، بل كانوا من أشد الناس شركا وجهلا وتبديلا وتكذيبا ~~بالمعاد، وكانوا من أبعد الأمم عن توحيد الله، ومن أعظم الأمم إشراكا ~~بالله8. ثم إذا تدبرت القرآن والتوراة وجدتهما يتفقان في عامة المقاصد ~~الكلية، من التوحيد والنبوات، والأعمال الكلية، وسائر9 الأسماء والصفات. # ومن كان له علم بهذا علم علما ضروريا ما قاله النجاشي: إن هذا والذي جاء ~~به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. وما قاله ورقة بن نوفل: إن هذا هو الناموس ~~الذي كان يأتي موسى. # قال تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من PageV01P687 ~~بني إسرائيل على مثله} وقال تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل ~~الذين يقرءون الكتاب من قبلك} [يونس: 94]، وقال تعالى: {قل كفى بالله شهيدا ~~بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43]. وأمثال ذلك مما يذكر فيه ~~شهادة الكتب المتقدمة بمثل ما أخبر به محمد1 صلى الله2 عليه وسلم. # وهذه الأخبار منقولة عند أهل الكتاب بالتواتر، كما نقل عندهم بالتواتر ~~معجزات موسى وعيسى عليهما السلام3. وإن كان كثير مما يدعونه من دق الأمور ~~لم يتواتر5 عندهم، لانقطاع التواتر فيهم؛ فالفرق بين الجمل الكلية6 ~~المشهورة التي هي أصول7 الشرائع، التي يعلمها أهل الملل كلهم؛ وبين ~~الجزئيات الدقيقة، التي لا يعلمها إلا خواص الناس - ظاهر. # ولهذا كان وجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان8، وحج البيت، وتحريم الفواحش ~~والكذب، ونحو ذلك - متواترا عند عامة المسلمين؛ وأكثرهم لا يعلمون تفاصيل ~~الأحكام والسنن المتواترة عند الخاصة. ### || AUTO [من حكمة إقرار أهل الكتاب بالجزية أن يسمعوا ما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويسمع منهم، فيظهر توافق كتب الله ورسله]: # فإذا كان في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب، وفيما ينقلونه بالتواتر؛ ما ~~يوافق ما أخبر به محمد صلى الله9 عليه وسلم كان في ذلك فوائد جليلة، هي من ~~بعض حكمة10 إقرارهم بالجزية: PageV01P688 ### || AUTO [فوائد ذلك]: # أحدها: أنه إذا علم اتفاق الرسل على مثل هذا؛ علم صدقهم ms345 فيما أخبروا به ~~عن الله، حيث أخبر محمد1 بمثل ما أخبر به موسى من غير تواطئ ولا تشاعر. # والثاني: أن ذلك دليل على اتفاق الرسل كلهم في أصول الدين، كما يعلم أن ~~رسل الله قبله كانوا رجالا من البشر، لم يكونوا ملائكة، فلا يجعل محمد2 ~~وحده هو الذي جاء بها؛ كما قال تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: ~~9]. وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة ~~خير للذين اتقوا أفلا تعقلون • حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ~~جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين • لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [يوسف: 109 - 111]. # الثالث: أن هذه آية3 على نبوة محمد صلى الله4 عليه وسلم، حيث أخبر بمثل ~~ما5 أخبرت به الأنبياء من غير تعلم من بشر، وهذه الأمور هي من الغيب، قال ~~تعالى: [* {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} [هود: 49]، وقال تعالى*]: {ذلك من أنباء ~~الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} [يوسف: 102]. PageV01P689 # وقال تعالى: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين • ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل ~~مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين • وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ~~ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون • ~~ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين • فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا ~~لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران ~~تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون • قل ms346 فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ~~أتبعه إن كنتم صادقين • فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين • ولقد ~~وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون • الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون • وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله ~~مسلمين • أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما ~~رزقناهم ينفقون • وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 44 - 55]. # وكثير1 من أهل الكتاب آمنوا بمثل هذه الطريق2؛ قال تعالى: {قل آمنوا به ~~أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا • ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا • ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا} [الإسراء: 107 - 109]، وقال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب ~~يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ~~ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب} [الرعد: 36]، وقال تعالى: {ويرى الذين ~~أوتوا العلم الذي أنزل إليك PageV01P690 ~~من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} [سبأ: 6]. ### || AUTO [شبه منكري النبوات، وجواب الله تعالى عنها في القرآن]: # ولا ريب أن منكري النبوات لهم شبه: منها إنكار أن يكون رسول الله بشرا، ~~ومنها دعوى أن الذي يأتيه شيطان لا ملك، وغير ذلك. وكل ذلك قد أجاب الله ~~تعالى عنه في القرآن1، وقرر ذلك بأبلغ تقرير؛ لكن جواب هذا السؤال لا يتسع ~~لبسط ذلك2. # قال تعالى: {الر تلك آيات الكتاب الحكيم • أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى ~~رجل منهم أن أنذر الناس} [يونس: 1، 2]، وقال تعالى: {وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا • قل لو كان في ~~الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} [الإسراء: ~~94، 95]. # وقال تعالى: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ms347 الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين • وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون • ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون} [الأنعام: 7 - 9]. بين3 أن الرسول لو كان ملكا لكان في صورة رجل؛ ~~إذ لا يستطيعون الأخذ عن الملك على صورته، ولو كان في صورة رجل لعاد اللبس، ~~وقالوا: أبعث الله بشرا رسولا! # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} [يوسف: 109]، وقال ~~تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون • [*بالبينات والزبر} [النحل: 43، 44]. وقال تعالى: {وما ~~أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون •*] ~~وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام PageV01P691 ~~وما كانوا خالدين} [الأنبياء: 7، 8]. فأمر سبحانه1 بمسألة أهل الذكر؛ إذ ~~ذلك مما تواتر عندهم أن الرسل كانوا رجالا، وقال تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا ~~من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} [الرعد: 38]. # وبالجملة، فتقرير2 النبوات من القرآن أعظم من أن يشرح في هذا المقام؛ إذ ~~ذلك هو عماد الدين، وأصل الدعوة النبوية، وينبوع كل خير وجماع كل هدى. ### || AUTO [دلالة حال المخبر عنه]: # وأما حال المخبر عنه3، فإن النبي والرسول يخبر عن الله4 بأنه أرسله5، ~~ولا6 أعظم فرية ممن يكذب على الله7؛ كما قال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل ~~الله}. وذكر هذا بعد قوله: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ~~تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ~~قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون • وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين ~~يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم ms348 على ~~صلاتهم يحافظون • ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم ~~يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 91 - 93]. # فنقض سبحانه دعوى الجاحد النافي للنبوة بقوله: {قل من أنزل الكتاب الذي ~~جاء به موسى}. وذلك الكتاب ظهر معه8 من الآيات البينات، واتبعه من9 ~~الأنبياء والمؤمنين، وحصل له10 ما لم يحصل PageV01P692 ~~في غيره1؛ فكانت البراهين والدلائل على صدقه أكثر وأظهر من أن تنكر2، بخلاف ~~الإنجيل وغيره. # [*وأيضا، فإنه أصل والإنجيل تبع له، فمن ذلك الخبر به وعنه، إلا فيما ~~أحله المسيح، و[في] هذا3 يقول سبحانه: {أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ~~قالوا سحران تظاهرا} [القصص: 48]؛ أي: القرآن والتوراة، وفي القراءة ~~الأخرى: (قالوا ساحران)؛ أي: محمد وموسى4. # وكذلك قوله: {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا} الآية [المزمل: 15] 5، وكذلك قوله: {أفمن كان على بينة من ربه ~~ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة} [هود: 17]، وكذلك قول ~~الجن: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق ~~وإلى طريق مستقيم} [الأحقاف: 30]. # ولهذا كانت قصة موسى هي أعظم قصص الأنبياء المذكورين في القرآن، وهي أكبر ~~من غيرها، وتبسط أكثر من غيرها، قال عبد الله بن مسعود: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عامة نهاره يحدثنا عن بني إسرائيل6*]. # ولما قرر الصدق بين حال الكذابين بأنهم7 ثلاثة أصناف؛ PageV01P693 ~~إذ لا يخلو الكذاب من أن يضيف الكذب إلى الله1 ويقول: إنه أنزله، أو يحذف ~~فاعله ولا يضيفه إلى أحد، أو أن يقول: إنه هو الذي وضعه معارضا؛ فقال ~~تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه ~~شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 93]. # [*وأما المخبر عنه، فإنه الله تعالى*]، ولا ريب أنه يعلم من أمور الرب ~~سبحانه، بما نصبه من الأدلة المعاينة الحسية التي يعقل بها2 بنفسها، ~~وبالأمثال المضروبة، وهي الأقيسة العقلية، ما يمتنع معه خفاء3 ms349 كذب الكاذب، ~~بل يمتنع معه خفاء4 صدق الصادق. # فالدجال مثلا، قد علم بوجوه متعددة ضرورية أنه ليس هو الله، وأنه كافر ~~مفتر، وإذا كانت دعواه معلوما كذبها ضرورة، لم يكن ما يأتي به من الشبهات ~~مصدقا لها؛ إذ العلوم الضرورية لا تقدح فيها الطرق النظرية، فإن الضروريات ~~أصل النظريات، فلو قدح بها فيها، لزم إبطال الأصل بالفرع، فيبطلان جميعا، ~~[وأيضا] 5 فإنه يظهر أيضا من عجزه ما ينفي دعواه6. # وكذلك من أباح الفواحش والمظالم والشرك والكذب مدعيا للنبوة؛ يعلم ~~بالاضطرار كذبه، للعلم7 الضروري بأن الله سبحانه8 لا يأمر بهذا، سواء قيل: ~~إن العقل يعلم به حسن الأفعال وقبحها، أو لا يعلم به. فليس كل ما أمكن في ~~العقل وقوعه، وكان الله قادرا عليه، يشك في وقوعه9، بل نحن نعلم بالضرورة ~~أن البحار لم تنقلب دما، وأن PageV01P694 ~~الجبال لم تنقلب يواقيت، وأمثال ذلك من المعارف1، وإن لم يسند ذلك إلى دليل ~~معين، وإن كنا عالمين بأن الله تعالى2 قادر على قلب ذلك، لكن العلم بالوقوع ~~وعدمه شيء، والعلم بإمكان ذلك من3 قدرة الله سبحانه4 شيء. # وكل ذي فطرة سليمة يعلم بالاضطرار أن الله تعالى5 لا يأمر عباده بالكذب ~~والظلم والشرك والفواحش وأمثال ذلك، مما قد يأتي به كثير من الكذابين، بل ~~يعلم بفطرته السليمة ما يناسب حال الربوبية. # وهذا باب واسع، ليس هذا موضع بسطه، [*ولكن نذكر ما أشار إليه مصنف ~~العقيدة*]. ### | AUTO فصل ### || AUTO [طرق أهل الكلام في تقرير دلالة المعجزة على صدق النبي]: # وهذه6 الطريق7 سلكها أكثر أهل الكلام وغيرهم، ولهم في تقرير دلالة ~~المعجزة على الصدق طرق: ### || AUTO [طريق المعتزلة]: # أحدها: أن إظهار المعجزة على يدي8 المتنبئ الكذاب قبيح، والله سبحانه9 ~~منزه عن فعل القبيح. وهذه الطريق10 سلكها المعتزلة وغيرهم ممن يقول ~~بالتحسين والتقبيح، وطعن فيها من ينكر ذلك11. PageV01P695 # ثم إن المعتزلة جعلوا هذه أصل دينهم، والتزموا لها1 لوازم خالفوا بها نصوص ~~الكتاب والسنة، بل وصريح العقل في مواضع كثيرة. # وحقيقة أمرهم أنهم لم يصدقوا الرسول إلا بتكذيب ms350 بعض ما جاء به، وكأنهم ~~قالوا: لا يمكن تصديقه في البعض إلا بتكذيبه في البعض. لكنهم لا يقولون: ~~إنهم يكذبونه في شيء. بل تارة يطعنون في النقل، وتارة يتأولون المنقول، ~~ولكن يعلم بطلان ما ذكروه إما ضرورة وإما نظرا. # وذلك أنهم قالوا: إن2 السمع مبني على صدق الرسول، وصدقه [مبني] 3 على أن ~~الله4 منزه عن فعل القبيح، فإن تأييد الكذاب بالمعجزة5 قبيح، والله منزه عنه. # قالوا: والدليل على أنه منزه عنه؛ أن القبيح لا يفعله إلا جاهل بقبحه أو ~~محتاج [إليه] 6، والله7 منزه عن الجهل والحاجة؛ والدليل على ذلك أن المحتاج ~~لا يكون إلا جسما، والله تعالى ليس بجسم؛ والدليل على أنه ليس بجسم هو ما ~~دل على حدوث العالم؛ والدليل على حدوث العالم أنه أجسام وأعراض وكلاهما ~~محدث؛ والدليل على حدوث الأجسام إنها لا تخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث، والدليل على ذلك أنها لا تنفك عن الحركة والسكون وهما ~~حادثان، لامتناع حوادث لا أول لها. # ثم التزموا لذلك حدوث كل موصوف بصفة؛ لأن الصفات هي الأعراض، والأعراض لا ~~تقوم إلا بجسم، وقد قام الدليل على حدوث الجسم؛ فالتزموا لذلك أن لا يكون ~~لله علم ولا قدرة؛ وأن لا يكون متكلما قام به الكلام، بل يكون القرآن وغيره ~~من كلامه8 مخلوقا، PageV01P696 ~~خلقه في غيره؛ ولا يجوز أن يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولا هو مباين ~~للعالم ولا محايث1، ولا داخل فيه ولا خارج عنه. # ثم قالوا أيضا: لا يجوز أن يشاء خلاف ما أمر به، ولا أن يخلق2 أفعال ~~عباده، ولا يقدر أن يهدي ضالا3، ولا يضل مهتديا؛ لأنه لو كان قادرا على ذلك ~~وقد أمر به ولم يعن عليه، لكان قبيحا منه. # فركبوا عن هذا الأصل التكذيب بالصفات والتكذيب بالقدر، وسموا أنفسهم «أهل ~~التوحيد والعدل»، وسموا من أثبت الصفات [والقدر] 4 من سلف الأمة وأئمتها ~~«مشبهة» و«مجسمة» و«مجبرة» و«حشوية»، وجعلوا مالكا وأصحابه، والشافعي ~~وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وغيرهم - من هؤلاء الحشوية، إلى ms351 أمثال هذه الأمور ~~التي بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع. # وأصل ضلالهم في القدر إنهم شبهوا المخلوق بالخالق5، فهم مشبهة الأفعال، ~~وأما أصل ضلالهم في الصفات، فظنهم أن الموصوف الذي تقوم به الصفات لا يكون ~~إلا محدثا. # وقولهم من أبطل الباطل، فإنهم يسلمون أن الله حي عليم قدير، ومن المعلوم6 ~~أن حيا بلا حياة، وعليما بلا علم، وقديرا بلا قدرة، مثل متحرك بلا حركة، ~~وأبيض بلا بياض، وأسود بلا سواد، وطويل بلا طول، وقصير بلا قصر، ونحو ذلك ~~من الأسماء المشتقة التي يدعى فيها7 نفي المعنى المشتق منه، وهذا مكابر ~~للعقل والشرع واللغة. # الثاني: أنه أيضا من المعلوم أن الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد PageV01P697 ~~حكمها على ذلك المحل لا [على] 1 غيره، فإذا خلق سبحانه كلاما في محل وجب أن ~~يكون ذلك المحل هو المتكلم به، فتكون الشجرة هي القائلة لموسى: {إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا فاعبدني} [طه: 14]. ويكون كل ما أنطقه الله2 من ~~المخلوقات، كلامه كلاما لله3. وبسط هذا له موضع غير هذا4 والمقصود هنا ما ~~يتعلق بتقرير النبوة. ### || AUTO [يمكن تقرير تنزيه الله عن تأييد الكذاب بالمعجزة بما علم من ~~حكمة الله ورحمته وسنته]: # وقد يقال: يمكن تقرير كونه سبحانه5 منزها عن تأييد الكذاب بالمعجزة من ~~غير بناء على أصل المعتزلة، بما علم6 من حكمة الله7 في مخلوقاته، ورحمته ~~ببريته، وسنته8 في عباده؛ فإن ذلك دليل على أنه لا يؤيد كذابا بمعجزة لا ~~معارض لها. # ويمكن بسط هذه الطريقة وتقريرها بما ليس هذا موضعه؛ فإنه9 كما علم بما في ~~مصنوعاته من الإحكام والإتقان أنه عالم، وبما10 فيها من التخصيص أنه مريد، ~~فيعلم بما فيها من النفع للخلائق أنه رحيم، وبما فيها من الغايات المحمودة ~~أنه حكيم. # والقرآن يبين آيات الله الدالة على قدرته ومشيئته، وآياته الدالة على ~~إنعامه ورحمته وحكمته، ولعل هذا أكثر في القرآن؛ كقوله تعالى11: {يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون • الذي جعل لكم ~~الأرض فراشا والسماء ms352 بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم PageV01P698 ~~تعلمون} [البقرة: 21، 22]، وقوله تعالى1: {أفرأيتم ما تمنون • أأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخالقون • نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين • على ~~أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون • ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا ~~تذكرون • أفرأيتم ما تحرثون • أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون • لو نشاء ~~لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون • إنا لمغرمون • بل نحن محرومون • أفرأيتم ~~الماء الذي تشربون • أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون • لو نشاء ~~جعلناه أجاجا فلولا تشكرون • أفرأيتم النار التي تورون • أأنتم أنشأتم ~~شجرتها أم نحن المنشئون • نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين • فسبح باسم ~~ربك العظيم} [الواقعة: 58 - 74]. # وقوله2: {ألم نجعل الأرض مهادا • والجبال أوتادا • وخلقناكم أزواجا • ~~وجعلنا نومكم سباتا • وجعلنا الليل لباسا • وجعلنا النهار معاشا • وبنينا ~~فوقكم سبعا شدادا • وجعلنا سراجا وهاجا • وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا • ~~لنخرج به حبا ونباتا • وجنات ألفافا} [النبأ: 6 - 16]، وقوله3: {فلينظر ~~الإنسان إلى طعامه • أنا صببنا الماء صبا • ثم شققنا الأرض شقا • فأنبتنا ~~فيها حبا • وعنبا وقضبا • وزيتونا ونخلا • وحدائق غلبا • وفاكهة وأبا • ~~متاعا لكم ولأنعامكم} [عبس: 24 - 32]، وقوله4: {أولم يروا أنا نسوق الماء ~~إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} ~~[السجدة: 27]. # وهو سبحانه في سورة الرحمن يقول في عقب كل آية: {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان}. وهو يذكر فيها ما يدل على خلقه وعلمه وقدرته ومشيئته، وما يدل على ~~إنعامه ورحمته وحكمته. PageV01P699 # وكذلك ذكر في مخاطبة الرسل للكفار؛ كقوله سبحانه1: {قال فمن ربكما يا موسى ~~• قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى • قال فما بال القرون الأولى • ~~قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى • الذي جعل لكم الأرض مهدا ~~وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى • ~~كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى} [طه: 49 - 54]. ومثل هذا ~~في القرآن كثير. # وما فطر2 فيه من ms353 المخلوقات دل على ذلك، وفي نفس الإنسان عبرة تامة، فإن ~~من نظر في خلق أعضائه وما فيها من المنافع له، وما في تركيبها من الحكمة ~~والمنفعة؛ مثل كون ماء العين مالحا ليحفظ شحمة العين من أن تذوب، وماء ~~الأذن مرا ليمنع3 الذباب من الولوج، وماء الفم عذبا ليطيب ما يمضغ من ~~الطعام، وأمثال ذلك - علم علما ضروريا أن خالق ذلك له من الرحمة والحكمة ما ~~يبهر العقول، مع ما في ذلك من الدلالة على المشيئة. # ثم إذا استقرأ ما يجده في نوع الإنسان؛ من أن كل من عظم ظلمه للخلق ~~وإضراره4 لهم كانت عاقبته سوء، [*وأتبع اللعنة والذم*]؛ ومن عظم نفعه للخق ~~وإحسانه إليهم كانت عاقبته عاقبة خير5، وأمثال ذلك - استدل بما علم على ما ~~لم يعلم؛ حتى يعلم أن الدولة ذات الظلم والجبن والبخل سريعة الانقضاء، كما ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا قليل • إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ~~ولا تضروه شيئا} [التوبة: 38، 39]. PageV01P700 # وقال1: {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل ~~فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38]. # كذلك سنته في الأنبياء الصادقين وأتباعهم من المؤمنين، وفي الكذابين ~~والمكذبين بالحق؛ أن هؤلاء ينصرهم ويبقي لهم لسان صدق في الآخرين، وأولئك ~~ينتقم منهم ويجعل عليهم اللعنة. # فبهذا وأمثاله يعلم أنه لا يؤيد كذابا بمعجزة2 لا معارض لها؛ لأن في ذلك ~~من الفساد والضرر بالعباد ما تمنعه رحمته، وفيه من سوء العاقبة ما تمنعه ~~حكمته، وفيه3 من نقض4 سنته المعروفة وعادته المطردة ما تعلم5 به مشيئته. # قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل • لأخذنا منه باليمين • ثم ~~لقطعنا منه الوتين • فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 44 - 47]، وقال ~~تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ms354 شيئا قليلا • إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} [الإسراء: 74، 75]، وقال ~~تعالى: {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك} - ثم ~~قال: {ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور} [الشورى: ~~24]، وقال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم ~~الويل مما تصفون} [الأنبياء: 18]، وقال تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل ~~إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء: 81]، {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما ~~يعيد} [سبأ: 49]. PageV01P701 ### | AUTO فصل ### || AUTO [طريق الأشاعرة وموافقيهم]: # وهذه الطريق لم يسلكها أبو الحسن الأشعري وأصحابه ومن وافقه من فقهاء ~~المذاهب1؛ كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل2، وابن الزاغوني؛ والأستاذ أبي ~~المعالي، وصاحبه الأنصاري3، والشهرستاني4، وأمثالهم؛ وأبي الوليد الباجي5، ~~والمازري، ونحوهم، بناء على أنهم لا يرون تنزيه الرب سبحانه6 عن فعل من ~~الأفعال؛ لأنهم قد علموا أن له أن يفعل ما يشاء، وهم لا يقولون PageV01P702 ~~بالتحسين والتقبيح العقليين؛ حتى يقولوا1: إن الفعل الفلاني قبيح، وهو منزه ~~عن فعل القبيح. بل عندهم أن الظلم غير مقدور؛ إذ الظلم2 التصرف في ملك ~~غيره، فمهما فعل كان تصرفا في ملكه، فلم يكن ظلما. # بل يقولون: إنه يجوز أن يأمر بكل شيء وينهى عن كل شيء، ولا يجعلون ~~للأفعال صفات باعتبارها يكون الحسن والقبح3، وانتهى ما أثبتوه من الصفات ~~بالعقل إلى أنه حي عليم قدير مريد، وأثبتوا مع ذلك4 أنه سميع بصير متكلم. ~~فأما الرحمة والحكمة ونحو ذلك، فلم يثبتوها بالعقل5، بل قد ينفون الحكمة ~~التي هي الغايات والمقاصد في أفعاله، ويمنعون أن يفعل شيئا لأجل شيء، كما ~~قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، فإن المقصود هنا التنبيه على طرق ~~الناس في النبوة، والكلام عليها بحسب العدل والإنصاف، لأبسط الكلام في كل ~~ما تنازعوا فيه. ### || AUTO [مسألة التحسين والتقبيح العقليين]: # ومسألة «التحسين والتقبيح العقليين» هي مما6 تنازع فيها عامة PageV01P703 ~~الطوائف، فقال بكل من القولين طوائف من المالكية والشافعية والحنبلية، ~~وممن1 قال بالإثبات من الحنبلية أبو ms355 الحسن التميمي، وأبو الخطاب2، وممن1 ~~قال بالنفي أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى، وأكثر أصحابه. # ومسألة «حكم الأعيان قبل ورود الشرع» هي في الحقيقة من فروعها، وقد قال ~~فيها بالحظر أو الإباحة أعيان من هذه الطوائف. # وأما الحنفية، فالغالب عليهم القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وذكروا ~~ذلك نصا عن أبي حنيفة3، وأهل الحديث فيها أيضا على قولين، وممن قال ~~بالإثبات أبو نصر4 السجزي، وصاحبه الشيخ أبو القاسم سعد5 بن علي الزنجاني. # فأما ما اختصت به القدرية، فهذا لا يوافقهم عليه أحد من هؤلاء، ولكن ~~هؤلاء هم وجمهور الفقهاء، بل وجمهور الأمة، يرون أن للأفعال صفات تعلق6 ~~الأمر والنهي بها لأجلها. # وملخص ذلك، أن الله7 إذا أمر بأمر، فإنه حسن بالاتفاق، وإذا نهى عن شيء، ~~فإنه قبيح بالاتفاق؛ لكن حسن الفعل وقبحه8 إما أن PageV01P704 ~~ينشأ من نفس الفعل، والأمر والنهي كاشفان؛ أو ينشأ من نفس تعلق الأمر ~~والنهي به1؛ أو من المجموع. # فالأول: هو قول المعتزلة، ولهذا لا يجوزون نسخ6 العبادة قبل [*دخول ~~وقتها؛ لأنه يستلزم*] أن يكون الفعل الواحد حسنا قبيحا. وهذا قول أبي الحسن ~~التميمي من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء. # والثاني: قول الأشعرية ومن وافقهم من الظاهرية وفقهاء الطوائف، وهؤلاء3 ~~يجعلون علل الشرع مجرد أمارات، ولا يثبتون بين العلل والأفعال مناسبة. لكن4 ~~هؤلاء الفقهاء متناقضون في هذا الباب، فتارة يقولون بذلك موافقة للأشعرية ~~المتكلمين، وهم في أكثر تصرفاتهم يقولون بخلاف ذلك، كما يوجد مثل هذا5 في ~~كلام فقهاء المالكية والشافعية والحنبلية. # وإما أن يكون ذلك ناشئا6 من الأمرين، وهذا مذهب الأئمة، وعليه تجري ~~تصرفات الفقهاء في الشريعة، فتارة يؤمر بالفعل لحكمة تنشأ من نفس الأمر دون ~~المأمور به، وهذا هو الذي يجوز نسخه قبل التمكين، كما نسخت الصلاة ليلة ~~المعراج من خمسين إلى خمس، وكما نسخ أمر PageV01P705 ~~إبراهيم بذبح ابنه1. # وبالجملة فجمهور الأئمة على أن الله2 منزه عن أشياء هو قادر عليها، ولا ~~يوافقون3 هؤلاء على أنه لا ينزه عن مقدور الظلم الذي نزه الله4 عنه ms356 نفسه في ~~القرآن، وحرمه على نفسه، وهو5 قادر عليه؛ وهو هضم الإنسان من حسناته، أو ~~حمل سيئات غيره عليه، كما قال تعالى6: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا ~~يخاف ظلما ولا هضما} [طه: 112]. # وهؤلاء الجمهور لا يوافقون7 المعتزلة على قولهم: إن الله8 لم يخلق أفعال ~~العباد، ولا شاء الكائنات. بل يقولون: إن الله خلق كل شيء، وما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن. لكنهم مع هذا يثبتون لفعله حكمة، وينزهونه عن ~~القبائح9. PageV01P706 # وهذا قول الكرامية وغيرهم من أهل الكلام1، وهو قول أكثر الصوفية، وأكثر أهل ~~الحديث وجمهور السلف والأئمة، وجمهور المسلمين والنظار، لكن ليس هذا موضع بسطه. # وهؤلاء يسلكون في إثبات النبوة ما سلكه ابن عقيل وغيره [*في مواضع أخر إذ ~~أثبت حكم الله تعالى فيها*]، حيث قال: «النبوات واسطة بين الله3 وبين خلقه، ~~في الأفعال والتروك المتضمنة لمصالح المكلفين، والثقة بها طريقها ما سبق في ~~علومنا، باستدلالنا على أن الباري حكيم لا يؤيد كذابا بالمعجزة4، ولا يمكن ~~من معجزاته إلا من صدق فيها يخبر به عنه. # فلما علمنا ذلك وتحققناه، حصلت لنا الثقة بمن تكاملت فيه شرائط النبوة، ~~وعلمنا أنه سفير فيما بيننا وبين الله5 وأنه رسوله، فما6 أخبرنا به عنه ~~قبلناه من غير تكشف عليه بعقولنا، ولا نضرب له الأمثال بآرائنا وعادتنا، بل ~~نعتقد أنه جاء من عند من حكمته فوق حكمتنا، وتدبيره فوق تدبيرنا. # ولا يمتنع في العقل، ولا تمنع7 الحكمة من أن يجعل الأنبياء مذكرين ~~للعقلاء، وموقظين لهم، ومرشدين إلى الأصلح الذي لا يدرك بالعقل، ولا يبلغ ~~كنهه بالرأي والفحص، وما هذا إلا كما جعل بعض العقلاء حكيما واعظا مذكرا ~~مؤدبا، وبعضهم يحتاج إلى مذكر ومؤدب، ولا أحد منع من ذلك؛ فثبت حسن الرسالة ~~بالعقل، PageV01P707 ~~ولأن1 لله2 في الأفعال والتروك أسرارا من المصالح التي لا يعلمها العقلاء ~~ولا يدركونها بعقولهم، فاحتاجوا3 إلى النبوات». ### || AUTO [عود للكلام على طريق الأشاعرة وموافقيهم في تقرير دلالة ~~المعجزة على صدق النبي]: # قلت4: والمقصود هنا أن من لم ms357 ينزهه عن فعل مقدور له؛ بل جوز5 أن يفعل كل ~~ما يمكن؛ ولم يثبت لفعله حكمة، غير تعلق الحكم بالمفعولات، وتعلق المشيئة ~~بها - فإنه احتاج6 في دلالة المعجزة على الصدق إلى غير تلك الطريق، فسلكوا ~~طريقين، سلك كلا [منهما] طائفة7 من أهل الكلام والفقه، من أصحاب مالك ~~والشافعي وأبي حنيفة وأحمد8. # أحدهما: وهو قول9 أكثر شيوخهم المتقدمين - أن وجه دلالة المعجزة على صدق ~~مدعي النبوة؛ امتناع تعجيز الإله عن نصب الدلالة على صدق الرسل؛ فإن ~~تصديقهم ممكن، وذلك معلوم بالضرورة والاستدلال، ولا دليل إلى التصديق إلا ~~خلق المعجزات؛ وظهورها10 على يد الكذاب يبطل دليل صدقهم، فلا يبقى في ~~المقدور طريق يصدقون به، فيلزم عجز الإله عن الممكن، وذلك ممتنع. # وقد عول على هذه الطريقة أبو الحسن الأشعري وأصحابه، كالأستاذين أبي ~~إسحاق11، وأبي بكر بن فورك؛ وكذلك القاضي PageV01P708 ~~أبو بكر في مواضع من كتبه، وكذلك القاضي أبو يعلى، وأبو الحسن بن ~~الزاغوني1. # الطريق الثاني: وهي2 التي اختارها أبو المعالي وأتباعه، وقال: إنها ~~الطريقة المرضية عند القاضي أبي بكر. وهي التي أشار إليها أبو الحسن في ~~«الأمالي»، وهي طريقة أبي محمد الصابوني3 ونحوه من الحنفية - أن المعجزات ~~تدل من حيث نزلت4 منزلة التصديق بالقول، والعلم بذلك يقع ضروريا بقرائن ~~أحوال؛ كالعلم بخجل الخجل، ووجل الوجل، وغضب الغضبان، وجرأة الجسور5، وفحوى ~~كلام المخاطب المتكلم؛ ولا يتوقف العلم بما هذا سبيله على نظر واستدلال ~~فيقبل عليه اعتراض6. # قالوا: ووجه ذلك أن الفعل الخارق للعادة؛ إذا علم أنه من قبل الله7؛ وأنه ~~خارق للعادة؛ وأنه سبحانه فعله عند دعوى الرسالة والطلب، [*أو عند8 قول جار ~~مجرى الطلب*]، إما معينا وإما غير معين من المعجزات؛ وأنه متعلق بالدعوى ~~ومطابق لها9؛ وأن الله تعالى سامع لدعوى النبوة عليه، وعالم بها في مواضعة ~~أهل لغة الرسول، ثم فعل ما يدعيه الرسول أنه له10 من فعله - علم أنه قاصد PageV01P709 ~~بذلك إلى تصديقه، وأن ما يفعله من الآيات في مثل هذه الحال قائم مقام ~~تصديقه له بالقول: صدق1، أنا أرسلته. ms358 على وجه يفهم الأمة التي يدعي فيها ~~النبوة إنه قول صدق به من قبله2. # بل التصديق له بالفعل أبعد من دخول الشبهة والاحتمال فيه، وهو جار مجرى ~~قول مدع الرسالة على زيد: إن كنت3 رسولك وصاحبك فاكتب بذلك رقعة، أو اركب، ~~أو قم، أو اقعد. وما جرى مجرى ذلك من الأفعال الظاهرة للحواس4، التي يعلم ~~تصديقه بها إذا فعلها، فإذا فعل زيد ذلك قام مقام قوله: «صدق، هو رسولي ~~وصاحبي»، الذي يعلم ضرورة قصده إلى تصديقه به، وهذا5 واجب لا محالة. # قالوا6: وليس يمكن أن تدل المعجزات على صدق الرسل إلا على هذه الطريقة، ~~فهي كذلك جارية مجرى أدلة الأقوال7. هذا حاصل كلام القاضي أبي بكر بن ~~الباقلاني في أحد8 قوليه، وأبي المعالي ونحوهما. # وضربوا لذلك مثلا9، فقالوا: إذا تصدى ملك للناس، وتصدر لتلج10 PageV01P710 ~~عليه رعيته وأتباعه وغيره1، واحتفل المجلس واحتشد، وقد أرهق الناس شغل ~~شاغل، فلما أخذ كل مجلسه، وترتب الناس على مراتبهم؛ انتصب واحد من خواص ~~الناس، وقال: معاشر الأشهاد قد حدث بكم أمر عظيم، وأظلكم خطب جسيم2، وأنا ~~رسول الملك إليكم، ومؤتمنه لديكم، ورقيبه عليكم، ودعواي هذه بمرأى من الملك ~~ومسمع، فإن كنت أيها الملك صادقا في دعواي؛ فخالف عادتك، وجانب سجيتك، ~~وانتصب في خدرك قائما ثم3 اقعد. ففعل الملك ذلك على وفق دعواه، وموافقة ~~هواه؛ فيتيقن الحاضرون علم الضرورة بتصديق الملك إياه، وتنزيل الفعل الصادر ~~منه منزلة القول المصرح بالتصديق. # فهذه3 العمدة في ضرب المثال، فإن تعسف متعسف في الصورة التي فرضنا الكلام ~~فيها، وزعم أنه لا يحصل العلم بتصديق الملك لمن يدعي الرسالة كان ذلك جحدا ~~منه لما علم اضطرارا، فإنا نعلم ببديهة العقول عند ما قدمناه من القرائن ~~حالا ومقالا؛ أن أحدا من الذين شهدوا وشاهدوا لا يستريب في تصديق الملك ~~لمدعي الرسالة، ولا يعرض أحد منهم بعد ظهور الأمارات على تشكيك النفس ~~وترديد القول، ولا تحوجهم قضية الحال إلى سبر ونظر وإطالة فكر، بل يستوي ~~النظار والذين5 لا خبرة لهم في النظر. PageV01P711 ### | AUTO ms359 فصل ### || AUTO [شرح دليل الأصبهاني على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم]: # قال المصنف1: «والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات، والدليل على نبوة ~~نبينا [محمد2] صلى الله عليه وسلم القرآن، المعجز نظمه ومعناه». # قلت: قد تبين أن النبوة تعلم بالمعجزات وبغيرها على أصح الأقوال، وأما ~~نبوة نبينا محمد صلى الله3 عليه وسلم، فإنها تعلم4 بطرق كثيرة؛ منها ~~المعجزات، ومعجزاته منها القرآن ومنها غير القرآن، والقرآن معجز بلفظه ~~ونظمه ومعناه، وإعجازه يعلم بطريقين: جملي وتفصيلي. # أما الجملي، فهو أنه قد علم بالتواتر أن محمدا صلى الله5 عليه وسلم ادعى ~~النبوة، وجاء بهذا القرآن؛ وأن في القرآن آيات التحدي والتعجيز؛ كقوله ~~تعالى: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون • قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين • أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون • أم يقولون تقوله بل ~~لا يؤمنون • فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} [الطور: 30 - 34]، ~~فتحداهم هنا أن يأتوا بمثله، وقال في موضع آخر: {فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات} [هود: 13] 6، وقال في موضع آخر: {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] 7. # وأخبر مع ذلك أنهم لن يفعلوا، فقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين • ~~فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار} [البقرة: 23، 24]، بل PageV01P712 ~~أخبر أن جميع الإنس والجن إذا اجتمعوا لا يأتون بمثله، فقال: {قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88]. # وقد علم أيضا بالتواتر أنه دعا قريشا خاصة والعرب عامة؛ وأن جمهورهم في ~~أول الأمر كذبوه وآذوه، وآذوا أصحابه1، وقالوا فيه أنواع القول، مثل قولهم: ~~هو ساحر، وشاعر، وكاهن، ومعلم، ومجنون، وأمثال ذلك؛ وعلم أنهم كانوا ~~يعارضونه2 - ولم يأتوا بسورة من مثله، وذلك يدل على عجزهم عن معارضته؛ لأن ~~الإرادة الجازمة لا يتخلف عنها الفعل مع القدرة. # ومعلوم أن إرادتهم كانت من أشد الإرادات على تكذيبه وإبطال حجته، وأنهم ~~كانوا أحرص الناس على ذلك، ms360 حتى قالوا فيه ما يعلم أنه باطل بأدنى نظر، ~~وفيلسوفهم الكبير الوحيد {فكر وقدر} [المدثر: 18]، {ثم نظر • ثم عبس وبسر • ~~ثم أدبر واستكبر • فقال إن هذا إلا سحر يؤثر • إن هذا إلا قول البشر} ~~[المدثر: 21 - 25]. # وليس هذا موضع ذكر جزئيات القصص، إذ المقصود ذكر ما علم بالتواتر؛ من ~~أنهم كانوا من أشد الناس حرصا ورغبة على إقامة حجة يكذبونه بها، حتى كانوا ~~يتعلقون بالنقض مع وجود الفرق؛ فإنه لما نزل: {إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم} [الأنبياء: 98] عارضوه بالمسيح، حتى فرق الله3 بينها بقوله: {إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101]. وقال ~~تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون • وقالوا أآلهتنا خير ~~أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} [الزخرف: 57، 58]. فمن عارضوا ~~خبره4 بمثل هذا كيف يدعون PageV01P713 ~~معارضة القرآن وهم يقدرون1 على ذلك. # [*وقوله: {ما تعبدون}. خطاب للمشركين، لم يدخل فيه أهل الكتاب، ولا تناول ~~اللفظ المسيح، كما يظنه ظان من الظانين، بل هم عارضوه بالمسيح من باب ~~القياس؛ يقولون: إذا كانت الأنبياء2 من حصب جهنم لأنها معبودة كذلك المسيح، ~~وهذا كما قال تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا}، فإنهم جعلوه مثلا لآلهتهم، ~~ولم يورده3 لشمول اللفظ كما يظن ذلك بعض المصنفين في الأصول. ولهذا بين ~~الله الفرق بين المسيح وبين آلهتهم بأن المسيح عبد الله يستحق الثواب، ولا ~~يظلم بذنب غيره، بخلاف الحجارة؛ فإن4 في جعلها حصب5 جهنم إهانة لهم6 بذلك ~~من غير ظلم*] [لها7]. # ثم انتشرت دعوته في أرض العرب ثم في سائر الأرض، إلى هذا الوقت وآيات ~~التحدي قائمة متلوة؛ وما قدر أحد أن يعارضه بما يظن أنه مثل. # ولما جاء مسيلمة ونحوه بما أتوا به، يزعمون أنهم أتوا بمثله؛ كان ما أتوا ~~به من المضاحك، التي لا تحتاج8 للمعرفة بانتفاء مماثلتها9 إلى نظر، وذلك ~~كمن جاء إلى الرجل الفارس الشجاع ذي اللأمة10 التامة، PageV01P714 ~~فأراد أن يبارزه بصورة مصورة ربطها على الفرس؛ كقوله مسيلمة: ms361 يا ضفدع بنت ~~ضفدعين، [نقي] كم تنقين1، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك في ~~الماء، وذنبك في الطين. وقوله أيضا: الفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم ~~طويل، إن ذلك من خلق ربنا الجليل2. وأمثال ذلك. # ولهذا لما قدم وفد بني حنيفة على أبي بكر، وسألهم أن يقرؤوا له شيئا من ~~قرآن مسيلمة، فاستعفوه فأبى أن يعفيهم، حتى قرؤوا شيئا من هذا - فقال لهم ~~الصديق: ويحكم! أين يذهب بعقولكم! إن هذا كلام لم يخرج من إل. أي: من رب3؛ ~~فاستفهمهم4 استفهام المنكر عليهم، لفرط التباين، وعدم الالتباس، وظهور ~~الافتراء على هذا الكلام، وأن الله5 لا يتكلم بمثل هذا الهذيان. # [*وأما الطرق فكثيرة جدا، متنوعة من وجوه؛ وليس كما يظنه بعض الناس أن6 ~~معجزته من جهة صرف الدواعي عن معارضته؛ وقول بعضهم: إنه من جهة فصاحته، ~~وقول بعضهم: من جهة إخباره بالغيوب، إلى أمثال ذلك؛ فإن كلا من الناظرين قد ~~يرى7 وجها من وجه الإعجاز8، وقد يريد الحجر9 وإن لم ير غيره ذلك الوجه، ~~واستيعاب الوجوه ليس هو مما يتسع له شرح هذه العقيدة*]. PageV01P715 ### | AUTO فصل ### || AUTO [شرح كلام الأصبهاني عن اليوم الآخر]: # قال المصنف: «ثم نقول: كل ما أخبر به محمد صلى الله1 عليه وسلم من عذاب ~~القبر، ومنكر ونكير، وغير ذلك من أحوال2 القيامة، والصراط، والميزان، ~~والشفاعة، والجنة والنار، فهو حق؛ لأنه ممكن، وقد أخبر به الصادق، فيلزم صدقه». # والكلام على هذا في فصول: # أحدها: أن يقال: إن3 هذه العقيدة اشتملت على الكلام في الإيمان بالله ~~سبحانه وبرسله4 وباليوم الآخر، ولا ريب أن هذه الأصول الثلاثة هي أصول ~~الإيمان الخبرية العلمية، وهي جميعها داخلة في كل ملة، وفي إرسال كل رسول، ~~فجميع الرسل اتفقت عليها، كما اتفقت على أصول الإيمان العملية أيضا، مثل ~~إيجاب عبادة الله5 وحده لا شريك له، وإيجاب الصدق والعدل وبر الوالدين، ~~وتحريم الكذب والظلم والفواحش؛ فإن هذه الأصول الكلية علما وعملا هي الأصول ~~التي اتفقت عليها الرسل كلهم. # والسور التي أنزلها الله على نبيه6 ms362 قبل الهجرة، التي يقال لها: «السور ~~المكية»، تضمنت تقرير هذه الأصول؛ كسورة الأنعام، والأعراف، وذوات {الر}، ~~و{حم}، و{طس}، ونحو ذلك7. PageV01P716 # والإيمان بالرسل يتضمن الإيمان بالكتب، وبمن نزل بها من الملائكة. # وهذه الخمسة هي أصول الإيمان المذكورة في قوله تعالى1: {ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} [البقرة: 177]، وفي قوله ~~عز وجل2: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا ~~بعيدا} [النساء: 136]. # وهي التي أجاب بها النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل في صورة ~~أعرابي، وسأله عن الإيمان؛ فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ~~ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره). والحديث قد أخرجاه في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب3، وهو من ~~أصح الأحاديث، فتلك الثلاثة تتضمن هذه الخمسة. PageV01P717 # والله تعالى أنزل سورة البقرة، وهي سنام القرآن1، وجمع فيها معالم الدين ~~وأصوله2 وفروعه، [*إلى أمثال ذلك، فإن النظر3 فيها وجه من وجوه الإيجاب*]. # ولما ذكر في أولها أصناف الخلق، وهم ثلاثة: مؤمن، وكافر، PageV01P718 ~~ومنافق؛ أخذ بعد ذلك يقرر أصول الدين، فقرر هذه الأصول الثلاثة: الإيمان ~~بالله، ثم الرسالة، ثم اليوم الآخر؛ [*فإنه أنزل أربع آيات في المؤمنين، ~~وآيتين في صفة الكافرين، وبضع1 عشرة آية في صفة المنافقين، ثم قال تعالى ~~تقريرا للنبي صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم}. ~~إلى قوله تعالى: {بسورة من مثله} [البقرة: 21 - 23] 2. فإنه ذكر التحدي*] ~~هكذا3 في غير موضع من القرآن. # الفصل الثاني: أن مسائل «ما بعد الموت» ونحو ذلك، الأشعري وأتباعه ومن ~~وافقهم من أهل المذاهب الأربعة؛ من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية؛ ~~يسمونها «السمعيات»، بخلاف باب الصفات والقدر. # وذلك بناء على أصلين: أحدهما: أن هذه لا تعلم إلا بالسمع، والثاني: أن ما ~~قبلها يعلم بالعقل. # وكثير منهم، أو أكثرهم، يضم إلى ذلك أصلا آخر؛ وهو أن السمع لا يعلم صحته ~~إلا بتلك الأصول التي يسمونها4 «العقليات» 5، مثل إثبات حدوث العالم ونحو ~~ذلك. وأما محققوهم ms363 فيقولون: إن العلم بحدوث العالم ليس من الأصول التي ~~تتوقف صحة السمع عليها، بل يمكن العلم بصحة السمع، ثم يعلم بالسمع خلق ~~السموات والأرض ونحو ذلك. PageV01P719 # وأما الأصلان الأولان فنازعهم فيها طوائف، مثل أمر المعاد؛ فإنه قد ذهب ~~طوائف إلى أنه يعلم بالعقل أيضا، وهذا قاله طوائف من المعتزلة، ومن غير ~~المعتزلة أيضا من أتباع1 الأئمة الأربعة، حتى2 من أصحاب أحمد كابن عقيل وغيره. # والفلاسفة الإلهيون يثبتون معاد النفوس بالعقل، وقد وافقهم على إثبات ~~معاد الأرواح بالعقل طوائف من أهل الكلام والتصوف وغيرهم، وإن كان هؤلاء ~~يثبتون معاد الأبدان أيضا، إما بالسمع وإما بالعقل؛ فالمقصود أن العقل ~~عندهم قد يعلم به إما معاد الأرواح وإما المعاد مطلقا وأما إنكار الفلاسفة ~~لمعاد الأبدان، مما اتفق أهل الملل على إبطاله. # الفصل الثالث: أن من انتسب إلى الملل منهم، من المسلمين واليهود ~~والنصارى؛ هم مضطربون في ما جاءت به الأنبياء في المعاد، فالمحققون منهم ~~يعلمون أن حججهم على قدم العالم ونفي معاد الأبدان ضعيفة، فيقبلون3 من4 ~~الرسل ما جاؤوا به؛ ومنهم قوم واقفة متحيرون لتعارض الأدلة وتكافئها عندهم؛ ~~ومنهم قوم أصروا على التكذيب، ثم زعموا أن ما جاءت به الرسل هو أمثال ~~مضروبة لتفهيم5 المعاد الروحاني. # وهؤلاء إذا حقق عليهم الأمر صرحوا بأن الرسل تكذب لمصلحة العالم، وإذا ~~حسنوا العبارة قالوا: إنهم يخيلون [*الحقائق في أمثال خيالية*]. وقالوا: إن ~~خاصة النبوة تخييل الحقائق للمخاطبين6، وإنه PageV01P720 ~~لا يمكن خطاب الجمهور إلا بهذا الطريق، كما يزعم ذلك الفارابي وأمثاله1. # مع أن الفارابي له في معاد الأرواح ثلاثة أقوال متناقضة: تارة يقول: لا ~~تعاد. وينكر المعاد بالكلية، وتارة يقول: إنها تعاد، وتارة يفرق بين الأنفس ~~العالمة والجاهلة؛ فيقر بمعاد العالمة دون الجاهلة2. # ولهم في تفضيل النبي على الفيلسوف أو بالعكس نزاع؛ فعقلاؤهم - كابن سينا ~~وأمثاله - يفضل النبي على الفيلسوف، وأما غلاتهم فيفضلون الفيلسوف. # ولا ريب أن أوليهم3 ليس لهم في النبوات كلام محصل4، وكلامهم في الإلهيات ~~قليل، وإنما توسع القوم في الأمور الطبيعية والرياضية، ومصنفات معلمهم ms364 ~~الأول أرسطو: عامتها من ذلك5، والذي فيها من الإلهيات أمر في غاية القلة مع ~~اضطرابه وتناقضه. # فإذا عرف ذلك، فما جاء به السمع6 من أمر المعاد قرره عليهم PageV01P721 ~~النظار بطريقين: أحدهما: ببيان1 الكلام الصريح في إثبات معاد الأبدان، ~~وتفاصيل ذلك. والثاني: أن العلم بأن الرسل جاءت بذلك علم ضروري، فإن كل من ~~سمع القرآن والأحاديث2 المتواترة وتفسير الصحابة والتابعين لذلك، علم ~~بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بمعاد الأبدان، وأن القدح في ~~ذلك كالقدح في أنه3 جاء بالصلوات PageV01P722 ~~الخمس، وصوم شهر رمضان، وحج البيت العتيق، ونحو ذلك. # والقرامطة الباطنية - وهم من الفلاسفة - أنكروا هذا وهذا، وزعموا أن هذه ~~كلها رموز وإشارات إلى علوم باطنة، كما يقولون: إن الصلاة معرفة أسرارنا، ~~والصيام كتمان أسرارنا، والحج زيارة شيوخنا المقدسين، ونحو ذلك مما هو ~~مذكور في الكتب المؤلفة في «كشف أسرارهم وهتك أستارهم». ولهؤلاء القرامطة ~~صنفت «رسائل إخوان الصفا» 1، وهم الذين يقال لهم: «الإسماعيلية»؛ لانتسابهم ~~إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر2. قال ابن سينا: كان أبي وأخي من أهل دعوتهم، ~~ولهذا اشتغلت بالفلسفة3. # وأما الفلاسفة الذين لم يدخلوا في القرمطة المحضة؛ فهم لا ينكرون ~~العبادات والشرائع العملية؛ بل قد يوجبون اتباعها والعمل بها، لا سيما من ~~دخل منهم في التصوف أو الكلام. لكن منهم من يوجب اتباعها على العامة دون ~~الخاصة، أو يوجبها4 من غير الوجه الذي أوجبها الرسول، كما يجوزون أن يكون ~~بعد محمد صلى الله عليه وسلم من يأتي بشريعة PageV01P723 ~~أخرى، ويقولون: إن أحدهم يخاطبه الله1 كما خاطب2 موسى بن عمران، ويعرج به ~~كما عرج بالنبي صلى الله3 عليه وسلم، وأمثال هذه المقالات التي كثرت لما ~~ظهرت الفلسفة التي أفسدت طوائف من أهل التصوف والكلام4. # الفصل الرابع: إنه إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض ~~أهل البدع؛ كعذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، وكالصراط، والشفاعة، والحوض، ~~ونحو ذلك مما استفاضت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله5 عليه وسلم. ~~وقد يستدل عليه بدلائل من القرآن أيضا، ms365 لكن ليس التصريح به في القرآن ~~كالتصريح6 بالجنة والنار، وقيام القيامة، وحشر الخلق؛ ولهذا لم ينكر ~~القيامة ومعاد الأبدان أحد من أهل القبلة، وأنكر هذه الأمور التي جاءت بها ~~الأحاديث المستفيضة، بل7 المتواترة عند علماء أهل الحديث8 - طوائف من أهل ~~البدع، إما من المعتزلة وإما من الخوارج وإما من غيرهما. # الفصل الخامس: أن هذا المصنف وأمثاله، إنما يذكرون الإيمان بالسمعيات على ~~طريق الإجمال؛ وأما العلم بتفصيل ذلك، فإنما يعرفه من عرف الأحاديث الصحيحة ~~في هذا الباب؛ وما جاء في ذلك من PageV01P724 ~~آيات القرآن1، وتفسيرها الثابت عن الصحابة والتابعين ونحوهم. # الفصل السادس: أنه إذا علم أن محمدا2 رسول الله، وأن الله2 مصدقه في ~~قوله: إني رسول الله إليكم - فالرسول هو المخبر عن المرسل بما أمره أن يخبر ~~به - علم بذلك أنه صادق فيما يخبر به عن الله4، إذ الكاذب فيما يخبر به ليس ~~برسول في ذلك، كما أن الذي لم يرسل بشيء قط هو كاذب في كل ما يخبر به عمن ~~زعم أنه أرسله بالأمر، كما قال صلى الله2 عليه وسلم: (إذا حدثتكم عن الله، ~~فلن أكذب على الله) 4. # وكما يعلم أنه صادق في قوله: إني رسول الله إليكم. يعلم أنه صادق في ~~قوله: إن الله5 يقول لكم كذا، ويأمركم بكذا. فتكذيبه في هذا الخبر المعين ~~كتكذيبه في الإخبار بأصل الرسالة، والطرق التي بها يعلم صدقه في المطلق ~~يعلم بها صدقه في المعين وأولى؛ فإن ما دل6 على الصدق في كل ما يخبر [به7] ~~عن الله دل على الصدق في هذا الخبر المعين8. كالمعجزة، فإن9 المعجزة دلت ~~على صدقه في دعواه، PageV01P725 ~~ودعواه: إني صادق على الله فيما أخبر به عنه1، لم يدع الصدق عليه في بعض ~~الأمور التي يخبر بها عنه دون بعض. # بل قال الله فيما أخبر به عنه2: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل • لأخذنا ~~منه باليمين • ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: 44 - 46]، وقال تعالى3: {أم ~~يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ms366 ~~ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور} [الشورى: 24]، وقال تعالى4: {وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو ~~بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم • قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا ~~أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون} [يونس: 15، 16]، وقال ~~تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا ~~لاتخذوك خليلا • ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} [الإسراء: ~~73، 74] 4، {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين • حقيق على أن لا ~~أقول على الله إلا الحق} [الأعراف: 104، 105]. # والرسول الذي يكذب على مرسله [في بعض الأمور5] مثل الذي يكذب في أصل ~~الرسالة، والله6 عالم7 بحقائق الأمور، فلا فرق بين إظهار المعجزة8 على يد ~~من يكذب في أصل الرسالة أو يكذب فيما يخبر به عن مرسله. PageV01P726 # الفصل السابع: إنه إذا ثبت صدقه في كل ما يخبر به عن الله1، فمما أخبر به ~~عنه القرآن، فإنه قد علم بالاضطرار أنه بلغ القرآن عن الله2، وأخبر أن ~~القرآن كلام الله لا كلامه، ومما أخبر به الله3 في القرآن أن الله أنزل ~~عليه الكتاب والحكمة، وأنه أمر4 أزواج نبيه5 أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من ~~آيات الله والحكمة، وأنه امتن على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ ومن المعلوم أن ما يذكر ~~في بيوت أزواج النبي6 إما القرآن، وإما ما يقوله من غير القرآن، وذلك هو ~~الحكمة، وهو السنة؛ فثبت أن ذلك مما أنزله الله وأمر بذكره. # وقد أمر الله7 بطاعته في القرآن في آيات كثيرة، وقال: {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} [النساء: 80]، وقال8: {والنجم إذا هوى • ما ضل صاحبكم وما غوى • ~~وما ينطق عن الهوى • إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 1 - 4]، وقال9: {وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ms367 عنه فانتهوا} [الحشر: 7]. فهذا وأمثاله يبين ~~أن الله أوجب اتباعه فيما يقوله وإن لم يكن من القرآن. # وأيضا فرسالته11 اقتضت صدقه فيما يخبر به عن الله12 من القرآن PageV01P727 ~~وغير القرآن، فوجب بذلك تصديقه فيما أخبر به وإن لم يكن ذلك من القرآن. # والله سبحانه أعلم1، [*والحمد لله، والصلاة2 على خاتم رسل الله محمد وآله ~~وصحبه أجمعين]. PageV01P728 ms368