######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011248 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح العقيدة الأصفهانية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011248 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11248 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11248 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد بن رياض الأحمد #META# 041.EdNUMBER :: الأولى - 1425هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة العصرية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل ~~فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله. # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) «1». # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا (1) «2». # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) «3». # أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في ~~النار، وبعد: # فهذا تعليق لطيف على كتاب شرح العقيدة الأصفهانية، لشيخ الإسلام ومفتي ~~الأنام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي رحمه ~~الله تعالى وأسكنه فسيح الجنة. # وقد حوى الكتاب- على صغر حجمه- دررا كثيرة، وفوائد جمة من كلام شيخ ~~الإسلام في نصرة العقيدة الصحيحة، عقيدة أهل السنة والجماعة، والرد على ~~ضلالات وأهواء أهل البدع، وتفنيد شبهاتهم، ودحض أباطيلهم، بأسلوب ماتع كما ~~هي عادته رحمه الله تعالى. PageV01P005 # ولأهمية هذا الكتاب وعظم فوائده استخرت الله تعالى في خدمته، فضبطت نصه ~~وخرجت أحاديثه وعلقت عليه بما يسره الله تعالى. # هذا وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يرحم شيخ الإسلام ~~ابن تيمية وجميع علمائنا ومشايخنا رحمة واسعة ويعلي درجتهم في الجنان. # كما أسأله سبحانه وهو الرحمن الرحيم، أن يغفر للمسلمين والمسلمات، ~~المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنه جواد كريم. # وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. # وكتب # محمد بن رياض الأحمد # كان الله معه بمنه وكرمه # PageV01P006 ### | ترجمة المصنف # «1» ### | أولا اسمه ونسبه ومولده # هو: ms001 شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس، أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة ~~شهاب الدين عبد الحليم، ابن الإمام العلامة مجد الدين أبي البركات عبد ~~السلام ابن أبي محمد عبد الله، ابن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن ~~علي بن عبد الله بن تيمية الحراني. # وتيمية: يقال إنها أم جده محمد، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها، ~~ولهذا أطلق على هذه الأسرة «آل تيمية». # ولد شيخ الإسلام بحران، يوم الاثنين عاشر، أو ثاني عشر ربيع الأول سنة ~~661 ه. # وبعد أن هجم التتار على بلده وعاثوا فيها فسادا سافر به والده مع إخوته ~~إلى الشام فوصل دمشق سنة 667 ه، واستقر بها. ### | ثانيا نشأته، وبداية حياته العلمية # نشأ شيخ الإسلام في بيت علم، ودين، فقد كان جده الشيخ مجد الدين أبو ~~البركات من كبار علماء الحنابلة، وفقهاء مصر، تفقه على يد عمه فخر الدين ~~الخطيب. قال عنه شيخ الإسلام: «كان الشيخ جمال الدين ابن مالك يقول: ألين ~~للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد» وقال أيضا: «كان جدنا عجبا في ~~سرد المتون وحفظ مذاهب الناس وإيرادها بلا كلفة» اه، وقال عنه الذهبي: ~~«تفقه، PageV01P007 # وبرع واشتغل، وصنف التصانيف، وانتهت إليه الإمامة في الفقه ... ». # من أهم مصنفاته «المنتقى من أحاديث الأحكام» الذي شرحه الشوكاني في كتابه ~~«نيل الأوطار» ومن مؤلفاته «الأحكام الكبرى» في عدة مجلدات «1». # أما والده شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام فقد سمع من والده مجد ~~الدين أبي البركات، ورحل في صغره إلى حلب وسمع هناك من عدد من المشايخ، قال ~~عنه الذهبي: «قرأ المذهب حتى أتقنه على والده، وأفتى وصنف، وصار شيخ البلد ~~بعد أبيه وخطيبه وحاكمه، وكان إماما محققا لما ينقله، كثير الفوائد، جيد ~~المشاركة في العلوم، له يد طولى في الفرائض ... » وقال عنه البرزاني: «كان ~~من أعيان الحنابلة، عنده فضائل وفنون، وباشر بدمشق مشيخة دار الحديث ~~السكرية بالقضاعيين وبها كان يسكن، وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام ~~الجمع من حفظه» اه «2». # وممن اشتهر بالعلم والعبادة ms002 والزهد من هذه الأسرة إخوة الشيخ وهم ثلاثة: # أخوه: شرف الدين عبد الله «3». وزين الدين عبد الرحمن «4» وأخوه لأمه: # بدر الدين محمد «5». # أما والدة الشيخ فهي: ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية ~~«6». # فمن هذا البيت المبارك، والأسرة الصالحة خرج شيخ الإسلام فنشأ وتربى في ~~حجر والده، وبدأ في طلب العلم مبكرا، وكانت علامات النجابة والفطنة تظهر ~~عليه منذ حداثة سنه، ونعومة أظفاره، وكان مفرط الذكاء، «ذكر ابن عبد الهادي ~~أن أحد علماء حلب قدم من دمشق وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له: أحمد بن ~~تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصدا لعلي أراه. فقال له خياط: هذه طريق ~~كتابه، وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهبا ~~إلى الكتاب. فجلس الشيخ الحلبي قليلا، فمر صبيان، فقال الخياط للحلبي: فذاك ~~PageV01P008 # الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية، فناداه الشيخ فجاء إليه، ~~فناول الشيخ اللوح، فنظر فيه، ثم قال: يا ولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئا ~~تكتبه، ففعل فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر حديثا، ~~وقال له: # اقرأ هذا، فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه ثم دفعه إليه، وقال: ~~اسمعه علي، فقرأ عليه عرضا كأحسن ما أنت سامع، فقال له: يا ولدي امسح هذا، ~~ففعل. فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه كما فعل ~~أول مرة فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن ~~هذا لم ير مثله. أو كما قال» اه «1». # حفظ القرآن في سن مبكرة ثم أكب على طلب العلم. فدرس على والده، وبعض ~~مشايخ عصره «2»، ولم يتجه إلى فن معين بل درس الحديث وسمع المسانيد، والكتب ~~الستة، وبعض المعاجم، وأقبل على التفسير، وعلم الفقه والأصول، إضافة إلى ~~علم اللغة. # وقد جلس للإفتاء وعمره تسع عشرة سنة، وخلف والده في التدريس بدار الحديث ~~السكرية وعمره اثنتان وعشرون سنة بعد أن توفي والده ms003 سنة 682 ه، وجلس الشيخ ~~للتدريس في الثاني من شهر الله المحرم سنة 683 ه، وقد حضر درسه الأول كبار ~~علماء دمشق، يقول ابن كثير واصفا هذا الدرس: « ... وحضر عنده قاضي القضاة ~~بهاء الدين ابن الزكي الشافعي، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية، ~~والشيخ زين الدين ابن المرحل، وزين الدين ابن المنجى الحنبلي، وكان درسا ~~هائلا، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما ~~استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه ~~كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين ... » «3». # وأيضا في اليوم العاشر من شهر صفر من هذه السنة جلس للتفسير في الجامع ~~الأموي بعد صلاة الجمعة، وقد استمر هذا الدرس سنين طويلة، وكان يحضره الجمع ~~الغفير من الناس. # وقال الإمام الذهبي: «نشأ- يعني الشيخ تقي الدين- رحمه الله في تصون تام، ~~وعفاف وتأله وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس ~~PageV01P009 # والمحافل في صغره، ويناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد ~~في العلم. فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقل، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك ~~الوقت، وأكب على الاشتغال، ومات والده- وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم- ~~فدرس بعد بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره، وبعد صيته في العالم ~~... «1». # وهكذا بدأ شيخ الإسلام تقي الدين حياته العلمية حتى أصبح آية من آيات ~~الله في الفهم وسعة الاطلاع، وقوة الحجة، وسرعة البديهة. ### | ثالثا بعض الصفات التي اتصف بها ### | أ- صفاته الخلقية # وصفه الذهبي: بأنه كان أبيض، أسود الرأس واللحية قليل الشيب، شعره إلى ~~شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين ~~المنكبين، جهوري الصوت، فصيحا، سريع القراءة، تعتريه حدة لكن يقهرها الحلم ~~«2». ### | ب- صفاته الخلقية ### $ 1 - كرمه: # كان رحمه الله سخيا جوادا، لا يرد سائلا قط، ويجود بكل ما يستطيع، حتى ~~ولو يشاطره بعض لباسه الذي عليه، ومن طريف ما يروى في ذلك ما ذكره البزار ~~قال: «حدثني الشيخ العالم الفاضل المقرئ أحمد بن سعيد قال: كنت يوما جالسا ~~بحضرة شيخ الإسلام ms004 ابن تيمية رضي الله عنه. فجاء إنسان فسلم عليه فرآه ~~الشيخ محتاجا إلى ما يعتم به. فنزع الشيخ عمامته من غير أن يسأله الرجل ~~فقطعها نصفين، واعتم بنصفها ودفع النصف الآخر إلى ذلك الرجل ... » اه «3». # وذكر البزار أيضا قال: «حدثني من أثق به أن الشيخ رضي الله عنه كان مارا ~~يوما ببعض الأزقة، فدعا له بعض الفقراء، وعرف الشيخ حاجته، ولم يكن مع ~~PageV01P010 # الشيخ ما يعطيه، فنزع ثوبا من على جلده ودفعه إليه وقال: بعه بما تيسر ~~وأنفقه. # واعتذر إليه من كونه لم يكن معه شيء من النفقة» اه «1». # وما يروى عنه في هذا الباب كثير مما يدل على كمال مروءته وسخاء نفسه. ### $ 2 - قوته وشجاعته: # لقد ضرب شيخ الإسلام أروع الأمثال في ميدان القوة والشجاعة ففي ميدان ~~الجهاد بطل مغوار لا يشق له غبار، يتبين هذا جليا ما فعله ضد التتار ويأتي ~~الكلام على شيء من ذلك. # إضافة إلى أنه كان ذا شخصية قوية، ونفس لا تهاب الصعاب كان يقف أمام ~~السلاطين والظلمة ينصحهم ويخوفهم ويحذرهم برباطة جأش يهابه كل من حضر، لا ~~يخاف في الله لومة لائم. # من مواقفه المشهورة التي تترجم قوة شخصيته وتنبئ عن شجاعته: موقفه من ~~«قازان» سلطان التتار- مع ما اشتهر عنهم من التسلط والظلم والبربرية- فقد ~~ذهب إليه شيخ الإسلام مع مجموعة من تلامذته، وكلمه بشدة ومما قاله له: «أنت ~~تزعم أنك مسلم ومعك مؤذن وقاض وإمام وشيخ على ما بلغنا، فغزوتنا وغزوت ~~بلادنا على ماذا؟ ... إلى أن قال: وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت» ولما ~~قربوا الطعام، فأكلوا إلا شيخ الإسلام، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل ~~من طعام وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار ~~الناس. # ووقعت له معه أمور تبين مقدار ما يتمتع به شيخ الإسلام من قوة وشجاعة ~~يعجز عنها الوصف «2». # وكان إذا حضر الجهاد مع المسلمين يشجعهم ويثبتهم، ويعدهم النصر، ويقوي ~~عزائمهم حتى كأنه هو القائد وهو الأمير وهو السلطان، وما هو إلا واحد من ms005 ~~الجند. # ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا لدى الفضل حتى عد ألف بواحد قال عنه الذهبي: ~~«وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال» اه «3». ~~PageV01P011 # ومن مواقفه البطولية التي خلدها التاريخ عند ما سار جيش التتار إلى ~~الشام، ابتدر شيخ الإسلام وذهب مع البريد إلى مصر ودخل على السلطان، وخاطبه ~~بقوة قائلا له: «إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله، والذب عنهم» وهدده بأن أهل ~~الشام سيقيمون لهم من يحميهم ويقوم بأمرهم فأجابه السلطان إلى ما أراد «1». # وبهذه المواقف وغيرها أصبحت شجاعة ابن تيمية وقوته مضرب المثل. # وقد وشي بالشيخ إلى السلطان الملك الناصر، فأحضره بين يديه، ومن جملة ما ~~قال له الناصر: أخبرت أنك أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فرد عليه ~~بنفس مطمئنة وقلب ثابت، وثبوت عال سمعه كثير ممن حضر: أنا أفعل ذلك؟ والله ~~إن ملكك وملك آبائك لا يساوي عندي فلسين. فتبسم السلطان لذلك «2». # ويذكر ابن القيم ما منحه الله من قوة القلب وانشراح الصدر وسرور النفس مع ~~أنه كان محبوسا في القلعة ويقول: «وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا ~~الظنون وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك ~~كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة ... » «3». # ويقول خادمه إبراهيم بن أحمد الغياني: « ... ثم بعد أيام جاء عند الشيخ- ~~يعني ابن تيمية- شمس الدين بن سعد الدين الحراني وأخبره أنهم يسفرونه إلى ~~الإسكندرية. وجاءت المشايخ التدامرة «4» وأخبروه بذلك، وقالوا له: كل هذا ~~يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك، فقال لهم: # «أنا إن قتلت كانت لي الشهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى ~~قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدا وأنا مثل ~~الغنمة كيفما تقلبت على صوف» فيئسوا منه وانصرفوا ... ثم ذكر أنه لما ركب ~~مع نائب السلطان متوجها إلى الإسكندرية فقال له إنسان: «يا سيدي هذا مقام ~~الصبر»، فقال له: «بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من ~~الفرح والسرور ms006 شيء لو قسم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم، ولو أن معي في هذا ~~PageV01P012 # الموضع ذهبا وأنفقته ما أديت عشر هذه النعمة التي أنا فيها». اه «1». ### $ 3 - زهده وتواضعه: # مع ما منح الله شيخ الإسلام من سعة العلم، وقوة الشخصية وعلو المكانة، مع ~~هذا كله فقد كان في غاية التواضع، والإزراء على النفس، كان زاهدا قانعا بما ~~في يده، لم يتطلع في يوم من الأيام إلى منصب أو جاه، ولم تكن الدنيا في ~~عينه تساوي شيئا وقد رضي منها بالقليل، واكتفى بما يغنيه عن الناس، ويسد ~~حاجته، وربما اكتفى بشيء من الخبز يأكله في الصبح وفي المساء، حتى قال عنه ~~زين الدين الواسطي وقد أقام مع الشيخ: «وكنت أسأله أن يزيد على أكله فلا ~~يفعل، حتى أني كنت في نفسي أتوجع له من قلة أكله ... » «2». # وقال الحافظ البزار: «وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره ~~مثله في ذلك، كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني الصالح ~~والفقير، وكان يدني الفقير الصالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه المستحلي ~~زيادة على مثله من الأغنياء، حتى إنه ربما خدمه بنفسه، وأعانه بحمل حاجته، ~~جبرا لقلبه، وتقربا بذلك إلى ربه ... » ثم ذكر أنه لا يسأم ممن يسأله ~~ويستفتيه مهما كان «3». # وقال أيضا في وصف الشيخ: «ولقد اتفق كل من رآه خصوصا من أطال ملازمته، ~~أنه ما رأى مثله في زهده في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهورا بحيث قد استقر ~~في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من ~~أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول ~~الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية ... » «4». ### | رابعا مواقفه الجهادية # لم يكن شيخ الإسلام عالما يصدر الفتاوى، ويؤلف الكتب، ويجلس للطلاب في ~~حلقات العلم فحسب، ولم يكن يعيش في معزل عن مجتمعه، بعيدا PageV01P013 # عن واقعه، لا يعلم ما يدور حوله، بل عايشه بقلبه وقالبه. وإذا قضى حياته ms007 ~~مجاهدا بقلمه ولسانه، فقد كان من حملة السيف، وأبطال المعارك، ترجم علمه ~~بعمله، وقوله بفعله، ولنأخذ أنموذجا وموقفا من مواقفه الجهادية التي خاض ~~غمارها وشق غبارها، ومن خلالها يمكن أن نستشف ما كان يتمتع به هذا الرجل من ~~روح جهادية، خلدت اسمه ورفعت شأنه. # عاش شيخ الإسلام عصرا محموما يعج بالفتن والقلاقل كانت الأمة الإسلامية ~~فيه مليئة بالأحداث الجسام والمصائب المتلاحقة، تعيش تمزقا لم يسبق له ~~مثيل، فما كادت الحملات الصليبية تنتهي، إلا وفجعت أمة الإسلام بالجيش ~~التتري الغاشم يجتاح العالم الإسلامي، ويأتي على الرطب واليابس، وأصبحت ~~ممالك المسلمين تتساقط في أيديهم الواحدة تلو الأخرى. وهم يعيثون فيها ~~خرابا، وسلبا ونهبا، وأسرا وقتلا، حتى أتوا على حاضرة العالم الإسلامي ~~«بغداد» وطوقوها عام 656 ه وسقطت في أيديهم بعد أن قتلوا الخليفة العباسي ~~«المستعصم» وما صاحب ذلك من سفك الدماء ودمار شامل لم يعرف التاريخ له ~~نظيرا «1». # وبهذا أصبح شبح التتار يثير الرعب في نفوس المسلمين وترتعد له القلوب ~~خوفا ورهبا. # وفي سنة 699 ه عزم «قازان» حاكم التتار على غزو الشام- وسبقت الإشارة إلى ~~موقف شيخ الإسلام من هذا ومقابلته قازان، ورجوع الأخير عن عزمه- «2». # وفي رجب سنة 702 ه شاعت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فأصاب ~~الناس ذعر وهلع وخوف شديد، وبدءوا في الخروج إلى الديار المصرية، وهنا يبرز ~~أثر الشيخ فيقف ويهدئ الناس ويطمئنهم ويعدهم النصر، ويحثهم على الجهاد، ~~ويأمرهم بالصبر والمصابرة، ويكثر من الابتهال إلى الله والتضرع إليه. # وفي هذه الأثناء سار إلى السلطان وحثه على قتال التتار فأجابه إلى ذلك، ~~وكان يحلف للأمراء والناس أنهم لمنصورون، فيقول له الأمراء: قل: إن شاء ~~الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وكان يتلو بعض الآيات في ذلك. # وقد حصل عند الناس شبهة، وتردد في قتالهم، على أي شيء يقاتلون! ~~PageV01P014 # فإن الظاهر منهم هو الإسلام. فسارع شيخ الإسلام وأزال هذه الشبهة وأوضح ~~للناس أنهم من قبيل الخوارج الذين قاتلهم الصحابة- رضي الله عنهم- وقال لهم ~~بكل قوة وعزيمة: «إذا رأيتموني ms008 من ذلك الجانب- أي في جانب التتار- وعلى ~~رأسي مصحف فاقتلوني». اه وبهذا زال ما وجد لدى بعض الناس وقويت عزائمهم. # وطلب منه السلطان أن يقف معه في المعركة، فقال له الشيخ: «السنة أن يقف ~~الرجل تحت راية قومه، ونحن مع جيش الشام لا نقف إلا معهم». # وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وليكون هذا أقبل للنفوس أوضح هذا عمليا، ~~فكان يدور على الأمراء والجند، ويأكل من شيء معه في يده. # ويقول: «إن الفطر أقوى لكم» ويتأول فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~الفتح حيث أصبح مفطرا. # وابتدأت المعركة، وكانت الدائرة في النهاية للمسلمين، وأعز الله جنده. # وكان لشيخ الإسلام فيها أعظم المواقف، وهي ما عرفت في التاريخ باسم ~~«معركة شقحب» «1». # يقول ابن عبد الهادي في ذكر بعض مواقف الشيخ البطولية في هذه المعركة: # «ولقد أخبرني أمير من أمراء الشاميين ذو دين متين، وصدق لهجة معروف في ~~الدولة قال: قال لي الشيخ- يعني شيخ الإسلام- يوم اللقاء، وقد تراءى ~~الجمعان: # يا فلان أوقفني موقف الموت. قال: فسقته إلى مقابلة العدو، وهم منحدرون ~~كالسيل، تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم. # ثم قلت له: يا سيدي، هذا موقف الموت، وهذا العدو، وقد أقبل تحت هذه ~~الغبر، فدونك وما تريد ... إلى أن قال: ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما ~~عدت رأيته، حتى فتح الله ونصر ... قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى ~~صوتيهما، تحريضا على القتال، وتخويفا للناس من الفرار. اه «2». # وبهذا تبوأ ابن تيمية منزلة جهادية لا يستهان بها، وكان له الأثر الواضح ~~في ميدان المعارك تنبئ عن هذا الإمام بأنه ليس إمام قلم فقط بل إمام قلم ~~وسيف، وإنه رجل المواقف. PageV01P015 ### | خامسا محنته ووفاته- رحمه الله- # إن هذه الشهرة الكبيرة والمنزلة العالية التي حظي بها الشيخ، وذياع صيته ~~في كل مكان بين الخاصة والعامة أثارت الضغائن، وحركت أصحاب النفوس الضعيفة ~~لإيذائه، وتأليب الحكام عليه، وإلصاق التهم به، حسدا من عند أنفسهم، وهذه ~~سنة جارية، أن من لمع نجمه وبرز اسمه كثر حاسدوه والناقمون عليه. # لقد ms009 سجن الشيخ أكثر من مرة، وأوذي وامتحن ولكن هذا لا يزيده إلا قوة في ~~الحق وصلابة في الدين. # وفي سنة ست وعشرين وسبعمائة ظفر خصوم الشيخ بفتوى أفتى بها قبل سنوات «1» ~~في مسألة شد الرحال إلى القبور «2»، وقد نقل أعداء الشيخ هذه الفتوى محرفة ~~بعد أن زادوا فيها ونقصوا «3» وزعم أولئك أن الشيخ ينتقص جناب الأنبياء ~~والأولياء، ونشروها بين العامة ليوغروا صدورهم عليه، لم يكتفوا بذلك، بل ~~أرسلوا إلى السلطان آنذاك- الناصر- بذلك وحرضوا عليه. # وفي عصر يوم الاثنين السادس من شهر شعبان في نفس السنة اعتقل الشيخ- رحمه ~~الله- بعد أن ورد مرسوم سلطاني بذلك بقلعة دمشق، وأقام معه أخوه زين الدين ~~ليخدمه. # لقد تقبل الشيخ هذا الخبر بسعادة ورحابة صدر، وقال بكل عزة وأنفة، وإيمان ~~ويقين: «أنا كنت منتظرا ذلك وهذا فيه خير عظيم» «4» وقال: «لو بذلت ~~PageV01P016 # ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ~~ما تسببوا لي فيه من الخير». اه «1». # ولما دخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: فضرب بينهم بسور له باب ~~باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب [الحديد: 13] «2». # لم يكن الشيخ أول من دخل السجن بل سبقه إلى هذا الطريق العلماء والأئمة، ~~وقبلهم الأنبياء والرسل. # وهو لمثل هؤلاء كالنار للذهب، لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء ولهذا قال ~~الشيخ كلمته المشهورة: «ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى ~~رحت فهي معي لا تفارقني. إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي ~~سياحة» اه «3». # وقد كان هذا الامتحان والإيذاء للشيخ من أسباب انتشار دعوته وعلمه، وقال ~~في إحدى رسائله: «ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه ~~فيحق الحق لكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ... » «4». # وضيق على الشيخ في سجنه شيئا فشيئا، ومنع دخول التلاميذ عليه، ثم صدر ~~مرسوم بإخراج جميع أدوات الكتابة من عنده منعا له من التأليف، وبعد هذا ~~تفرغ تفرغا تاما للعبادة والخلوة بربه، وكان يكثر من قراءة ms010 القرآن والتضرع ~~إلى الله. # وقبل وفاته ببضعة وعشرين يوما ألم به بعض المرض فبقي على هذه الحالة إلى ~~أن وافاه الأجل المحتوم في ليلة الاثنين لعشر بقين من ذي القعدة لسنة ثمان ~~وعشرين وسبع ومائة- رحمة الله رحمة واسعة-. # وقد فوجئ الناس بهذا الخبر، وانزعجوا لذلك انزعاجا كبيرا، وحضروا زرافات ~~وفردانا للقلعة حيث كان موجودا، وهالهم الخطب، وأغلقت المتاجر، وذكر أخوه ~~زين الدين- الذي كان يصحبه حيث كان يصحبه في سجنه- أنه كان يقرأ هو وأخوه ~~القرآن في داخل السجن. وأن آخر ما انتهى إليه الشيخ قبيل وفاته قوله تعالى: ~~إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) «5» «6». ~~PageV01P017 # وغسل شيخ الإسلام وكفن وصلى عليه في الجامع الأموي وقد حضره جم غفير من ~~الناس، حتى وقفوا مرصوصين رصا في داخل الجامع لا يتمكن أحد من السجود إلا ~~بكلفة لكثرتهم، وذكر ابن كثير أنه لم يتخلف عن حضورها أحد من أهل العلم إلا ~~ثلاثة نفر وهم ابن جملة، والصدر، والقفجاقي، وذكر أن هؤلاء اشتهروا بعداوة ~~الشيخ، فاختفوا خوفا على أنفسهم من الناس «1» وقد صلي عليه الظهر، ولم يدفن ~~إلا قرب العصر لكثرة الزحام، ودفن في مقبرة الصوفية إلى جانب أخيه شرف ~~الدين عبد الله. # ورحم الله الإمام أحمد حيث قال: «قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز» ~~«2». قال البرزالي بعد إيراد هذا الأثر: «ولا شك أن جنازة أحمد بن حنبل ~~كانت هائلة عظيمة بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن ~~الدولة كانت تحبه، والشيخ تقي الدين ابن تيمية توفي ببلده دمشق وأهلها لا ~~يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعا لو جمعهم ~~سلطان قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوا في جنازته، ~~وانتهوا إليها. هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوسا من جهة السلطان ... - ~~ثم ذكر تشويه بعض المنتسبين إلى الفقه لشخصيته بين الناس» «3». # وقد رئيت له منامات طيبة، ورثي بمراثي كثيرة من علماء عصره، وممن بعدهم ~~«4». ### | سادسا مكانته العلمية وثناء العلماء عليه # تبوأ الشيخ مكانة علمية ms011 واسعة فقد فاق أقرانه إذ هو الإمام حقا، وشيخ ~~الإسلام صدقا، وهو البحر من أي جهة أتيته، ولا تكدره الدلاء. # إمام وأي إمام. لقد طبق اسمه الدنيا وبلغت مؤلفاته ما بلغ الليل والنهار، ~~PageV01P018 # وأصبح علم المذهب السلفي، فكل من التزم المذهب الحق في باب العقائد قيل: # هو على مذهب ابن تيمية، فهو إذا مدرسة الأجيال تخرج منها فطاحل العلماء، ~~والأئمة العظماء. # فإذا كان عصره يعج بالتيارات الفكرية المتباينة، ممثلا في مذاهب عقدية ~~منحرفة من جهمية، ومعتزلة، وأشاعرة ... إلخ، إضافة إلى صوفية خيمت على ~~العالم الإسلامي بسلوكياتها وأصولها الفاسدة، أضف إلى أن بضاعة الفلاسفة ~~والمناطقة رائجة، وسلعتهم نافقة، هذا مع ما كان المسلمون يتلقونه من حرب ~~فكرية عاتية من الصليبية الحاقدة لا تقل خطرا عن حروبهم العسكرية الشرسة. # وقد تصدى الشيخ لكل هؤلاء، وانبرى للرد عليهم، وتفنيد أقوالهم، وكان يعمل ~~على جميع الجبهات، فلم يشغل مناقشة هؤلاء عن الرد على أولئك. # وكان إذا تكلم في فن حسبه السامع لا يحسن غيره، وظنه قد تخصص في هذا ~~الجانب بل إن أصحاب المذاهب الأخرى يستفيدون منه علوما في مذاهبهم كانوا ~~يجهلونها وتخفى عليهم «1». حتى ذكر أنه ما تكلم في علم من العلوم سواء أكان ~~علوم الشرع أم من غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وما ناظر أحدا ~~فانقطع معه «2». # وإن القارئ ليقف منبهرا أمام هذه العلمية الفذة. وخير من يجلي الحقيقة ~~ويوفي الموضوع حقه أو بعضه، هم العلماء الفحول، صيارفة الرجال، والأئمة ~~النقاد، الذين وصفهم هو الوصف، ومدحهم هو المدح، وثناؤهم هو الثناء. # يقول الإمام الذهبي في معرض وصفه لشيخ الإسلام: « ### | .... # وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه، وله المصنفات الكبار التي سارت بها ~~الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسر كتاب ~~الله تعالى مدة سنين من صدره في أيام الجمع، وكان يتوقد ذكاء، وسماعاته من ~~الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مائتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، ~~وحفظه للحديث ورجاله وصحته وسقمه، فما يلحق فيه، وأما نقله ms012 للفقه، ومذاهب ~~الصحابة والتابعين، فضلا عن المذاهب الأربعة، فليس له فيه نظير. وأما ~~معرفته بالملل والنحل، والأصول والكلام فلا أعلم له فيه نظيرا ... وقال ~~أيضا: كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك، رأسا في معرفة الكتاب والسنة ~~والاختلاف. بحرا في PageV01P019 # النقليات، هو في زمانه فريد عصره علما وزهدا ... إلى أن قال: وقرأ وحصل، ~~وبرع في الحديث والفقه، وتأهل للتدريس والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة. # وتقدم في علم التفسير والأصول، وجميع علوم الإسلام: أصولها وفروعها ودقها ~~وجلها، سوى علم القراءات. فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عد الفقهاء ~~فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا، وسرد وأبلسوا، واستغنى ~~وأفلسوا. وإن سمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سينا ~~يقدم الفلاسفة فلهم وتيسهم، وهتك أستارهم وكشف عوارهم. وله يد طولى في ~~معرفته العربية والصرف واللغة. وهو أعظم من أن يصفه كلمي، أو ينبه على شأوه ~~قلمي ... وقال: وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتاب والسنة والمسند، بحيث ~~يصدق عليه أن يقال: «كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث» ولكن الإحاطة ~~لله، غير أنه يغترف من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي ... ، ~~وقال: # فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما ~~رأى هو مثل نفسه في العلم». اه «1». # وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وقد سئل عن شيخ الإسلام بعد ~~اجتماعه به، كيف رأيته؟ فقال: «رأيت رجلا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما ~~شاء منها، ويترك ما شاء ... » «2». # وقال ابن عبد الهادي: «وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلدا لطيفا في يوم، ~~وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر، وأحصيت ما كتبه وبيضه في يوم فكان ~~ثمانية كراريس في مسألة من أشكل المسائل، وكان يكتب على سؤال الواحد مجلدا» ~~اه «3». # هذه لمحات يسيرة من ثناء الأئمة على الشيخ، من خلالها يمكن للقارئ معرفة ~~ما ميز الله هذا الرجل من وفرة العلم وسعة الاطلاع. وما ذكرته ما هو إلا ~~قطرة من بحر، ms013 وذرة من رمل وشيء يسير جدا ومن أراد التوسع فليراجع بعض الكتب ~~التي أفردت لهذا الشأن «4». وبنظرة سريعة على فهارس «مجموع الفتاوى» ~~PageV01P020 # يمكن للشخص أن يأخذ من خلالها حكما أوليا على المكانة العلمية الواسعة ~~والشاملة لهذا الرجل. # ويكفيه فخرا واعتزازا أن له الفضل- بعد الله- في تجديد ما اندرس من ~~المنهج السلفي القائم على الكتاب والسنة، ودعوة الناس من جديد للعودة إلى ~~هذا المعين الصافي والأخذ منه مباشرة، وقد كان لذلك الأثر الكبير على الأمة ~~الإسلامية إلى يومنا هذا. # يقول عبد الله بن حامد في معرض كلامه على مدى تأثره بشيخ الإسلام، وأنه ~~كان سببا في هدايته للحق والصواب، بعد أن فتش في كتب أهل الكلام، متقدميهم، ~~ومتأخريهم باحثا عن النهج السوي، والطريق المستقيم، يقول- رحمه الله: «وكنت ~~قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا رحمه الله، قد طالعت مصنفات المتقدمين، ~~ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الإسلام، فرأيت فيها الزخارف والأباطيل ~~والشكوك التي يأنف المسلم الضعيف في الدين أن تخطر بباله، فضلا عن القوي في ~~الدين، فكان يتعب قلبي ويحزنني ما يصير إليه الأعاظم، من المقالات السخيفة، ~~والآراء الضعيفة التي لا يعتقد جوازها آحاد الأمة، وكنت أفتش على السنة ~~المحضة في مصنفات المتكلمين من أصحاب الإمام أحمد على الخصوص، لاشتهارهم ~~بمنصوصات إمامهم في أصول العقائد، فلا أجد عندهم ما يكفي، وكنت أراهم ~~يتناقضون ... إلى أن قال: فإذا جمعت بين أقاويل المعتزلة، والأشعرية، ~~وحنابلة بغداد وكرامية خراسان، أرى إجماع هؤلاء المتكلمين في المسألة ~~الواحدة على ما يخالف الدليل العقلي والنقلي، فيسوءني ذلك وأظل أحزن حزنا ~~لا يعلم كنهه إلا الله ... إلى أن قال: إلى أن قدر الله سبحانه وقوع تصنيف ~~الإمام إمام الدنيا في يدي قبيل واقعته الأخيرة بقليل، فوجدت فيه ما يبهرني ~~في موافقة فطرتي، لما فيه من عزو الحق إلى أئمة السنة وسلف الأمة مع مطابقة ~~المعقول والمنقول، فبهت لذلك سرورا بالحق، وفرحا بوجود الضالة التي ليس ~~لفقدها عوض ... » «1». # وقال شهاب الدين أحمد بن مري الحنبلي- أحد تلامذة الشيخ- في رسالة إلى ~~تلاميذ الشيخ ms014 يحثهم فيها على جمع مؤلفاته، يقول في معرض ذلك: «فإن يسر الله ~~تعالى وأعان على هذه الأمور العظيمة صارت إن شاء الله مؤلفات شيخنا ذخيرة ~~PageV01P021 # صالحة للإسلام وأهله، وخزانة عظيمة لمن يؤلف منها وينقل، وينصر الطريقة ~~السلفية على قواعده ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى ... » ~~اه «1». # وصدق- والله- فإنه قلما يكتب أحد في أي مسألة من المسائل، وخاصة في ما ~~يتعلق بالأصول، إلا وينقل عن شيخ الإسلام، ويستفيد مما كتب وألف. # ومن طريف ما يذكر عن سرعة بديهة الشيخ وقوة علميته أنه مرة كان جالسا في ~~حلقته إذ جاءه سؤال على لسان ذمي ينكر صاحبه القدر، وكان السؤال عبارة عن ~~أبيات من الشعر، ومطلعها: # يا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأعظم حجة إذا ما قضى ربي بكفري ~~بزعمكم ولم يرضه مني فما وجه حيلتي فلما قرأ الشيخ الأبيات فكر قليلا، ثم ~~أنشأ يكتب في الحال جوابا لهذا الاعتراض، وكان الطلاب يظنون أنه يكتب نثرا، ~~ولما فرغ وقرأه من حضر من أصحابه وإذا هو نظم من الشعر، من نفس البحر ~~والقافية الذي ورد به السؤال، يزيد على مائة بيت، وقد ذكر أنه أبرز فيها من ~~العلوم ما لو شرح لجاء شرحه في مجلدين كبيرين، يقول في مطلعها: # سؤالك يا هذا سؤال معاند تخاصم رب العرش باري البرية وهذا سؤال خاصم ~~الملأ العلا قديما به إبليس أصل البلية ومن يك خصما للمهيمن يرجعن على أم ~~رأس هاويا في الحفيرة إلى آخر الأبيات «2». ### | سابعا مؤلفاته وآثاره # كما سبق أن عرفنا فقد كان الشيخ أشبه ما يكون بموسوعة، له في كل فن نصيب، ~~كان قلمه سيالا، تميز بسرعة الكتابة- ولولا ذلك والله أعلم- لما خلف هذا ~~التراث الضخم. PageV01P022 # يقول أخوه أبو عبد الله: «وقد من الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه ~~من غير نقل» اه «1». # وقد ذكر ابن عبد الهادي أنه يكتب مجلدا لطيفا في يوم، بل إنه كتب ~~«الحموية» في جلسة بين الظهر والعصر «2». وكتب «الواسطية» في قعدة بعد ~~العصر «3». # وغالب ما ms015 كتب في «باب العقائد» إما رد على مبتدع، أو جواب لسؤال ورد ~~عليه، كما ذكر ذلك هو عن نفسه، في مناظرة الواسطية قال: # «وأما الكتب، فما كتبت إلى أحد كتابا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك. # ولكنني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم» اه ~~«4». # وقد كان للفتن والمحن التي مر بها الشيخ أثر في ضياع بعض مصنفاته وكتبه ~~فكثيرا ما يقول: «قد كتبت في كذا وكذا ويسأل عن الشيء، فيقول: كتبت في هذا، ~~فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل. فمن ~~حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه فيذهب ولا يعرف اسمه» «5». # وأيضا من أسباب ضياع بعض كتبه: أنه يكتب في بعض الأحيان الجواب لمن سأله، ~~فإن وجد من ينقل الجواب ويبيضه، وإلا أخذ السائل الجواب وذهب «6». # وذكر ابن عبد الهادي أن الشيخ لما حبس تفرق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخوفوا ~~أصحابه من أن يظهروا كتبه، وذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه. ~~فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه، أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن ~~منهم من تسرق كتبه أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تحصيلها ~~فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف «7». PageV01P023 # ولهذه الأسباب وغيرها تعذر إحصاء مصنفاته، وتباينت أقوال العلماء في ~~تعدادها. # يقول الحافظ البزار: وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على ~~إحصائها، أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالبا أحد، لأنها ~~كثيرة جدا، كبارا وصغارا، وهي منشورة في البلدان. فقل بلد نزلته إلا ورأيت ~~فيه من تصانيفه. # ثم ذكر أنه يمكن تعداد ما ينيف على المائتين من مؤلفاته «1». # أما تلميذه ابن القيم فقد ذكر نحوا من سبعة وثلاثين وثلاثمائة مصنف ~~للشيخ، إجابة لمن سئل عن تعداد ما ألفه شيخ الإسلام، وذكر أن هذا هو الذي ~~يحضره وأنه لم يستوعبها «2». # وقد قيل: إن تعداد مؤلفاته تصل إلى الألف، وقيل خمسمائة وقيل ثلاثمائة، ~~وقيل غير ذلك، وكل يذكر ms016 ما وصل إليه «3». # وإنه لمن الصعب ذكر جميع مؤلفاته عبر هذه الترجمة الموجزة، ولكن ما لا ~~يدرك كله لا يترك جله، وسأذكر هنا أنموذجا لبعض مؤلفاته الكبار، وخاصة في ~~ما يتعلق بالعقيدة والذي سبق أن طبع، فمنها: ### | 1 - # درء تعارض العقل والنقل: # والكتاب طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في عشرة أجزاء والحادي عشر فهارس. ~~ط الأولى 1399 ه- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ### | 2 - # منهاج السنة في نقض كلام الشيعة القدرية: # وأيضا طبع أخيرا بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في ثمانية أجزاء التاسع منها ~~فهارس. ط الأولى 1406 ه- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ### | 3 - # نقض التأسيس: # طبع منه جزءان، بعناية: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، والكتاب حقق ~~PageV01P024 # في عدة رسائل علمية- في قسم العقيدة بكلية أصول الدين- جامعة الإمام محمد ~~بن سعود الإسلامية. ### | 4 - # الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: # طبع في جزءين، وقد حقق في عدة رسائل علمية، في قسم العقيدة بكلية أصول ~~الدين- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ### | 5 - # الاستقامة: # طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في جزءين. ط الأولى 1403 ه- جامعة الإمام ~~محمد بن سعود الإسلامية. ### | 6 - # اقتضاء الصراط المستقيم: # طبع أخيرا بتحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل، في جزءين ط الأولى 1404 ~~ه- مكتبة الرشد للنشر والتوزيع- الرياض. ### | 7 - # وهناك عدة رسائل نحو: التدمرية، والتسعينية، والحموية، وشرح الأصفهانية، ~~وغير ذلك. # كما أن كثيرا من مؤلفات الشيخ قد طبعت ضمن مجاميع، مثل: «مجموع فتاوى شيخ ~~الإسلام ابن تيمية» جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم، و «مجموعة الرسائل ~~الكبرى» و «الفتاوى الكبرى» و «مجموعة الرسائل والمسائل» و «مجموعة الرسائل ~~المنيرية» «1». ### | ثامنا شيوخه وتلاميذه # لقد سمع وروى عن كثير من الشيوخ يصل عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ، جاء ~~ذكر بعضهم في «الأربعين لشيخ الإسلام» «2». # وممن روى عنه الشيخ: والده عبد الحليم بن عبد السلام، وابن PageV01P025 # عبد الدائم، وابن أبي اليسر، والشيخ شرف الدين أحمد بن نعمة المقدسي، ~~المجد ابن عساكر، ويحيى بن الصيرفي، وابن عبد القوي، وغيرهم «1». # أما ms017 تلاميذه، فشيخ الإسلام ليس إلا مدرسة تخرج منها علماء أفذاذ، وجهابذة ~~حفاظ، وإنه من الصعب الإحاطة بجميع تلامذته، والمتأثرين به، وأنا أذكر هنا ~~أنموذجا ممن تخرج من هذه المدرسة، ومن أشهر هؤلاء: # - محمد بن أبي بكر، المعروف «بابن قيم الجوزية». المتوفى 752 ه. # - أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي. المتوفى 748 ه. # - الحافظ ابن كثير، أبو الفداء. المتوفى 774 ه. # - محمد بن أحمد، المعروف «بابن عبد الهادي». المتوفى 744 ه. # - عمر بن علي البزار. المتوفى 749 ه. # وغير هؤلاء كثير. # هذه ترجمة موجزة جدا لهذا الإمام، ولا تعدو أن تكون قطرة من بحر حياته، ~~وغيضا من فيض جهاده، ولو أقسم شخص، أنه لم يأت أحد بعده مثله، إلى يومنا ~~هذا، لما حنث في يمينه، والله أعلم. # وإنه لمن الجدير بكل مسلم، وخاصة العلماء منهم والدعاة أن يدرسوا حياة ~~هذا الشيخ دراسة متمعنة ووافية، وينهلوا من معينها الصافي. # ومع هذا كله لا يخرج عن كونه بشرا يصيب ويخطئ، ولكن كما قال الإمام ابن ~~كثير: « .. ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي وخطؤه أيضا مغفور ~~له، كما في صحيح البخاري: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد ~~فأخطأ فله أجر» «2» فهو مأجور ... » «3». # والله أسأل أن يجزل لنا وله ولجميع المسلمين الأجر والمثوبة، وأن يرفع ~~منزلته في أعلى عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا «4». PageV01P026 # PageV01P027 # PageV01P028 ### | المدخل # بسم الله الرحمن الرحيم سئل شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية ~~قدس الله روحه ونور ضريحه وهو مقيم بالديار المصرية في شهور سنة اثنتي عشر ~~وسبعمائة أن يشرح العقيدة التي ألفها الشيخ شمس الدين محمد ابن الأصفهاني ~~الإمام المتكلم المشهور الذي قيل إنه لم يدخل إلى الديار المصرية أحد من ~~رءوس علماء الكلام مثله وأن يبين ما فيها. # فأجاب إلى ذلك واعتذر بأنه لا بد عند شرح ذلك الكلام من مخالفة بعض ~~مقاصده لما توجبه قواعد الإسلام فإن الحق أحق أن يتبع، والله ورسوله ms018 أحق أن ~~يرضوه إن كانوا مؤمنين، والله تعالى يقول: وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا «1»، النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم «2»، فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما (65) «3». # وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59) «4» وليعلم أن الشرح المطلوب الآتي ~~ذكره اشتمل ولله الحمد مع اختصاره على غرر قواعد أصول الدين التي لم ينهض ~~بتحقيق الحق فيها إلا الجهابذة النقاد من سادات الأولين والآخرين كما ستشهد ~~ذلك ويشهد به وقت التأمل أهل العدل والإنصاف، من المحقين المحققين، والله ~~سبحانه ولي التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # وأول العقيدة المذكورة قوله: (الحمد لله حق حمده، وصلواته على محمد رسوله ~~وعبده: للعالم خالق واجب الوجود لذاته واحد عالم قادر حي مريد متكلم سميع ~~بصير. PageV01P029 # والدليل على وجوده: الممكنات لاستحالة وجودها بنفسها واستحالة وجودها ~~بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه وافتقار الممكن إلى ~~علته. # والدليل على وحدته: أنه لا تركيب فيه بوجه من الوجوه وإلا لما كان واجب ~~الوجود لذاته ضرورة افتقاره إلى ما تركب منه، ويلزم من ذلك أنه لا يكون من ~~نوعه اثنان إذ لو كان لزم وجود الاثنين بلا امتياز وهو محال. # والدليل على علمه إيجاده الأشياء لاستحالة إيجاده الأشياء مع الجهل بها. # والدليل على قدرته إيجاده الأشياء، وهي إما بالذات، وهو محال وإلا لكان ~~العالم وكل واحد من مخلوقاته قديما وهو باطل فتعين أن يكون فاعلا بالاختيار ~~وهو المطلوب. # والدليل على أنه حي: علمه وقدرته لاستحالة قيام العلم والقدرة بغير الحي. # والدليل على إرادته: تخصيصه الأشياء بخصوصيات واستحالة التخصيص من غير ~~مخصص. # والدليل على كونه متكلما: أنه آمر وناه لأنه بعث الرسل لتبليغ أوامره ~~ونواهيه ولا معنى لكونه متكلما إلا ذلك. # والدليل على كونه سميعا ms019 بصيرا: السمعيات. # والدليل على نبوة الأنبياء: المعجزات. # والدليل على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز نظمه ~~ومعناه. # ثم نقول: كل ما أخبر به النبي محمد عليه الصلاة والسلام من عذاب القبر ~~ومنكر ونكير وغير ذلك من أحوال القيامة والصراط والميزان والشفاعة والجنة ~~والنار فهو حق لأنه ممكن، وقد أخبر به الصادق فلزم صدقه، والله الموفق). # فأجاب رضي الله تعالى عنه: الحمد لله رب العالمين، ما في هذا الكلام من ~~الإخبار بأن للعالم خالقا وأنه واجب الوجود بنفسه «1» وأنه واحد عالم قادر ~~حي مريد متكلم سميع بصير فهو حق لا ريب فيه وكذلك ما فيه من الإقرار بنبوة ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه يجب ~~التصديق بكل ما أخبر به من PageV01P030 # عذاب القبر ومنكر ونكير وغير ذلك من أحوال القيامة والصراط والميزان، ~~والشفاعة والجنة والنار، فإنه حق، فإن هذه الأسماء المقدسة المذكورة لله ~~تعالى منها ما هو في كتاب الله تعالى كاسمه الواحد والعالم والقادر والحي ~~والسميع والبصير. # قال تعالى: وإلهكم إله واحد «1» وقال تعالى: رفيع الدرجات ذو العرش يلقي ~~الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم هم بارزون ~~لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16) «2» ~~وقال تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم «3» وعنت الوجوه للحي القيوم ~~«4» وقال تعالى: والله شكور حليم (17) عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ~~(18) «5» وقال تعالى: إن الله على كل شيء قدير «6» وقال تعالى: ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير «7» ومثل هذا في القرآن كثير. # أما تسميته سبحانه بأنه مريد وأنه متكلم فإن هذين الاسمين لم يردا في ~~القرآن ولا في الأسماء الحسنى المعروفة، ومعناهما حق، ولكن الأسماء الحسنى ~~المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة وهي التي ~~تقتضي المدح والثناء بنفسها، والعلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك وهي في نفسها ~~صفات مدح، والأسماء الدالة عليها أسماء مدح. # أما الكلام والإرادة: فلما كان جنسه ms020 ينقسم إلى محمود كالصدق والعدل، وإلى ~~مذموم كالظلم والكذب، والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم، جاء ~~ما يوصف به من الكلام والإرادة في أسماء تخص المحمود كاسمه الحكيم والرحيم ~~والصادق والمؤمن والشهيد والرءوف والحليم والفتاح ونحو ذلك مما يتضمن معنى ~~الكلام ومعنى الإرادة. # فإن الكلام نوعان: إنشاء وإخبار، والإخبار ينقسم إلى صدق وكذب، والله ~~تعالى يوصف بالصدق دون الكذب، والإنشاء نوعان: إنشاء تكوين وإنشاء تشريع، ~~فإنه سبحانه له الخلق والأمر، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون، والتكوين يستلزم الإرادة عند جماهير الخلائق، وكذلك يستلزم الكلام ~~عند أكثر أهل الإثبات، وأما التشريع فيستلزم الكلام وفي استلزامه الإرادة ~~نزاع، والصواب PageV01P031 # أنه يستلزم أحد نوعي الإرادة كما سنبين إن شاء الله، والإنشاء يتضمن ~~الأمر والنهي والإباحة، والله تعالى يوصف بأنه يأمر بالخير وينهى عن الشر ~~فهو سبحانه لا يأمر بالفحشاء، وكذلك الإرادة قد نزه نفسه عن بعض أنواعها ~~بقوله تعالى: وما الله يريد ظلما للعالمين «1». # وقوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر «2» فلهذا لم يجئ في ~~أسمائه الحسنى المأثورة: المتكلم والمريد. # وأما ما يوصف به الرب من الكلام والإرادة، فقد دلت عليه أسماؤه الحسنى، ~~وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله تعالى متكلم بكلام قائم به وأن ~~كلامه غير مخلوق «3»، وأنه مريد بإرادة قائمة به، وأن إرادته ليست مخلوقة، ~~وأنكروا على الجهمية «4» من المعتزلة وغيرهم الذين قالوا: إن كلام الله ~~مخلوق خلقه في غيره وإنه كلم موسى بكلام خلقه في الهواء. # واتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه ~~يعود ومعنى قولهم: منه بدأ أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره كما قالت ~~الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنه بدأ من بعض المخلوقات وأنه سبحانه لم يقم ~~به كلام، ولم يرد السلف أنه كلام فارق ذاته فإن الكلام وغيره من الصفات لا ~~تفارق الموصوف بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فكيف تكون صفة ~~الخالق تفارقه وتنتقل ms021 إلى غيره؟ ولهذا قال الإمام أحمد: كلام الله من الله ~~ليس ببائن منه، ورد بذلك على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين يقولون كلام ~~الله بائن منه خلقه في بعض الأجسام، ومعنى قول السلف: إليه يعود ما ~~PageV01P032 # جاء في الآثار: «إن القرآن يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا ~~في القلوب منه آية» «1». # وقد قال الله تعالى عن المخلوق: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا «2» ومع هذا فكلمة المخلوق لا تفارق ذاته وتنتقل إلى غيره. # وما جاءت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان وغيرهم من أئمة المسلمين كالحديث الذي رواه أحمد في مسنده وكتبه إلى ~~المتوكل في رسالته التي أرسل بها إليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه» «3» يعني القرآن، وفي لفظ: ~~«بأحب إليه مما خرج منه»، وقول أبي بكر الصديق لما سمع كلام مسيلمة: «إن ~~هذا كلام لم يخرج من إل». أي من رب. # وقول ابن عباس لما سمع قائلا يقول لميت وضع في لحده: اللهم رب القرآن ~~اغفر له، فالتفت إليه ابن عباس فقال: «مه. القرآن كلام الله ليس بمربوب منه ~~خرج وإليه يعود»، هذا الكلام معروف عن ابن عباس. # وقول السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود كما استفاضت ~~الآثار عنهم بذلك كما هو مذكور عنهم في الكتب المنقولة عنهم بالأسانيد ~~المشهورة لا يدل على أن الكلام يفارق المتكلم وينتقل إلى غيره، ولكن هذا ~~دليل على أن الله هو المتكلم بالقرآن. PageV01P033 # ومنه سمع لا أنه خلقه في غيره، كما فسره بذلك أحمد وغيره من الأئمة. # قال أبو بكر الأشتر: سئل أحمد عن قوله: القرآن كلام الله منه خرج وإليه ~~يعود؟ # فقال أحمد: منه خرج: هو المتكلم به وإليه يعود. # ذكره الخلال «1» في كتاب السنة عن عبد الله بن أحمد «2». # وما جاءت به الآثار مثل قول خباب بن الأرت: «تقرب إلى الله بما استطعت ms022 ~~فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه» وروي ذلك مرفوعا ونحو ذلك ~~أولى أن لا يدل على أن الكلام يفارق المتكلم وينتقل إلى غيره، ولكن هذا ~~دليل على أن الله هو المتكلم بالقرآن ومنه سمع لا أنه خلقه في غيره. # وقد بين السلف والأئمة وأتباعهم فساد قول الجهمية وأتباعهم- الذين يقولون ~~كلامه مخلوق- بوجوه كثيرة مثل قولهم: لو كان مخلوقا في غيره لكان صفة لذلك ~~المحل ولاشتق لذلك المحل منه اسم كما في سائر الصفات مثل العلم والقدرة ~~والسمع والبصر والحياة وكما في الحركة والسكون والسواد والبياض وسائر ~~الصفات التي تشترط لها الحياة فإنها إذا قامت بالمحل كانت صفة لذلك المحل ~~دون غيره، واشتق لذلك المحل منها اسم دون غيره، فإن الصفة إذا قامت بمحل ~~عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره، وسمي بالاسم المشتق منها ذلك المحل دون ~~غيره، وطرد هذا عند السلف وجمهور أهل الإثبات في أسماء الأفعال كالخالق ~~والعادل وغير ذلك. # أما من لم يطرد ذلك بل زعم أنه يوصف بصفات الأفعال وهي عنده PageV01P034 # المفعولات المباينة له ويشتق له منها اسم فقوله متناقض، ولهذا نقضت ~~المعتزلة قول هؤلاء بما سلموه لهم وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا التنبيه على الفرق بين المتكلم والمريد وغيرهما حيث جاءت ~~النصوص باسم العليم والقدير والسميع والبصير، ولم تأت باسم المريد والمتكلم ~~بما يدل على مطلق الإرادة والكلام وإنما جاءت بما يدل على الكلام المحمود ~~والإرادة المحمودة لا باسم يشترك فيه المحمود والمذموم وأن الكلام والإرادة ~~مما يقوم بالرب تعالى ويوصف به ليس ذلك أمرا منفصلا عنه كما تزعم الجهمية، ~~والتنبيه على أنه لو كان كلام الله مخلوقا في محل لكان ذلك المحل هو ~~المتكلم به، وكانت الشجرة مثلا هي القائلة لموسى: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني «1» ولوجب أن يكون ما أنطق الله به ~~بعض مخلوقاته كلاما له وقد قال تعالى: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء «2». # وقد كان النبي صلى ms023 الله عليه وسلم يسلم عليه الحجر، وقال: «إني لأعرف ~~حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن» «3». وقد سبح الحصى ~~بيديه حتى سمع تسبيحه «4»، وأمثال ذلك كثير، والله هو الذي أنطق هذه ~~الأجسام فلو كان ما يخلقه من النطق والكلام كلاما له لكان ذلك كلام الله ~~كما أن القرآن كلام، وكان لا فرق بين أن ينطق هو وبين أن ينطق غيره من ~~المخلوقات، وهذا ظاهر الفساد. # وكان قدماء الجهمية تنكر أن يكون الله يتكلم، فإن حقيقة مذهبهم أن الله ~~لا يتكلم، ولهذا قتل المسلمون أول من أظهر هذه البدعة في الإسلام: الجعد بن ~~PageV01P035 # درهم «1»، ضحى به خالد القسري «2» في يوم النحر، وقال: ضحوا أيها الناس ~~تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا ~~كبيرا، ثم نزل فذبحه. # ثم إنهم صاروا يقولون إنه متكلم مجازا ثم أظهروا القول بأنه متكلم حقيقة ~~وفسروا ذلك بأنه خالق للكلام في غيره، وكان هذا من التلبيس على الناس فإن ~~المتكلم عند الناس من قام به الكلام لا من أحدثه في غيره، كما أن المريد ~~والرحيم والسميع والبصير والعالم والقادر من قامت به الإرادة والرحمة ~~والسمع والبصر والعلم والقدرة لا من أحدث ذلك في غيره وكذلك الإرادة. # ومن الجهمية والمعتزلة وغيرهم من يقول إنه لا إرادة له كما يقوله من ~~يقوله من المعتزلة البغداديين، ومنهم من يقول: له إرادة أحدثها لا في محل ~~كما يقوله البصريون منهم، والشيعة المتأخرون وافقوهم على ذلك ولهم قولان ~~كالمعتزلة وهو من أفسد الأقوال من وجهين: من جهة إثباتهم صفة لا في محل، ~~ومن جهة إثباتهم حادثا أحدثه لا بإرادة. # فهذا المصنف: احترز عن مذهب هؤلاء وأحسن في ذلك، ولكن هذا المصنف اختصر ~~هذه العقيدة من كتب المتكلمين الصفاتية الذين يثبتون ما ذكره من الصفات بما ~~نبه عليه من الطرق العقلية ويسمون ذلك العقليات. # وأما أمر المعاد: فيجعلونه كله من ms024 باب السمعيات لأنه ممكن في العقل ~~PageV01P036 # والصادق قد أخبر به، وأما المعتزلة «1» والفلاسفة «2» والكرامية «3» ~~وغيرهم وكثير من أهل الحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم وكثير ~~من الصوفية وسلف الأمة وأئمتها فيجعلون المعاد أيضا من العقليات ويثبتونه ~~بالعقل، ويخوض أهل التأويل فيه كما خاضت الصفاتية في ذلك، ولكن المصنف سلك ~~في ذلك طريقة أبي عبد الله الرازي «4» فأثبت العلم والقدرة والإرادة ~~والحياة بالعقل، وأثبت السمع PageV01P037 # والبصر والكلام بالسمع، ولم يثبت شيئا من الصفات الخبرية، وأما من قبل ~~هؤلاء كأبي المعالي الجويني «1» وأمثاله والقاضي أبي يعلى «2» وأمثاله ~~فيثبتون جميع هذه الصفات بالعقل كما كان يسلكه القاضي أبو بكر «3» ومن قبله ~~كأبي الحسن الأشعري «4» وأبي PageV01P038 # العباس القلانسي ومن قبلهم كأبي محمد بن كلاب «1» والحارث المحاسبي «2» ~~وغيرهما، وهكذا السلف والأئمة كالإمام أحمد بن حنبل «3» وأمثاله يثبتون هذه ~~الصفات بالعقل كما ثبتت بالسمع وهذه الطريقة أعلى وأشرف من طريقة هؤلاء ~~المتأخرين، كما سنبين إن شاء الله تعالى. # وأيضا فأئمة الصفاتية المتقدمون كابن كلاب والحارث المحاسبي PageV01P039 # والأشعري وأبي العباس القلانسي وأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن ~~الطبري والقاضي أبي بكر ابن الباقلاني «1»، وأبي إسحاق الأسفرائيني «2»، ~~وأبي بكر ابن فورك «3» وغيرهم يثبتون الصفات الخبرية التي ثبت أن رسول الله ~~أخبر بها وكذلك سائر طوائف الإثبات كالسالمية والكرامية وغيرهم وهذا مذهب ~~السلف والأئمة. # ولا ريب أن ما أثبته هؤلاء الصفاتية من صفات الله تعالى ثابت بالشرع مع ~~العقل، وهو متفق عليه بين سلف الأئمة وأئمتها، وإنما خصوا هذه الصفات ~~بالذكر دون غيرها لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم كما نبه عليه المصنف، ~~ولكن لا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول فلا يلزم نفي ما سوى هذه من ~~الصفات، والسمع قد أثبت صفات أخرى، وأيضا فإن الرازي ونحوه ممن لم يثبت ~~السمع طريقا إلى إثبات الصفات، ولا نزاع بينهم أنه طريق صحيح لكن يفرقون ~~بين ما أثبتوه وبين ما توقفوا في ثبوته بأن العقل دل على ما أثبتناه ولم ~~يدل على ما توقفنا فيه، ولهم ms025 فيما لم يثبتوه طريقان: منهم من نفاه ومنهم من ~~توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي، وهذه طريقة محققيهم كالرازي والآمدي ~~وغيرهما بل ومن الناس من يثبت صفات أخرى بالعقل. PageV01P040 ### | مذهب السلف في الأسماء والصفات # فالذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما ~~وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف «1» ولا تعطيل «2»، ومن غير ~~تكييف «3» ولا تمثيل «4» فإنه قد علم بالشرع مع العقل أن الله تعالى ليس ~~كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله كما قال الله تعالى: ليس ~~كمثله شيء «5»، وقال تعالى: هل تعلم له سميا «6» قال تعالى: فلا تجعلوا لله ~~أندادا وأنتم تعلمون «7» PageV01P041 # قال تعالى: ولم يكن له كفوا أحد (4) «1» وقد علم بالعقل أن المثلين يجوز ~~على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع ~~عليه، فلو كان المخلوق مماثلا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ~~ويمتنع، والخالق يجب وجوده وقدمه، والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه، بل ~~يجب حدوثه وإمكانه فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك فكان كل منهما ~~يجب وجوده وقدمه ويمتنع وجوب وجوده وقدمه، ويجب حدوثه وإمكانه فيكون كل ~~منهما واجب القدم، واجب الحدوث، واجب الوجود ليس واجب الوجود يمتنع قدمه لا ~~يمتنع قدمه، وهذا جمع بين النقيضين. # فإذا عرفت هذا: فنقول: إن الله سمى نفسه في القرآن بالرحمن الرحيم، ووصف ~~نفسه في القرآن بالرحمة والمحبة كما قال تعالى: ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما «2». # قال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء «3» وقال تعالى: فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه «4». # قال تعالى: إن الله يحب المتقين «5» ويحب المحسنين ويحب الصابرين، ويحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ونحو ذلك. # ومن الناس: من جعل حبه ورحمته عبارة عما يخلقه من النعمة كما جعل بعضهم ~~إرادته عبارة عن ما يخلقه من المخلوقات، وهذا ظاهر البطلان، لا سيما على ~~أصل الصفاتية، ومنهم من جعل حبه ورحمته هي ms026 إرادته ونفى أن تكون له صفات هي ~~الحب والرضا والرحمة والغضب غير الإرادة. # فيقال لهذا القائل: لم أثبت له إرادة وإنه مريد حقيقة ونفيت حقيقة الحب ~~والرحمة ونحو ذلك؟ # فإن قال: لأن إثبات هذا تشبيه لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق والرب ينزه عن ~~مثل صفات المخلوقين. # قيل له: وكذلك يقول من ينازع في الإرادة أن الإرادة المعروفة ميل الإنسان ~~إلى ما ينفعه وما يضره، والله تعالى منزه عن أن يحتاج إلى عباده وهم لا ~~يبلغون ضره ولا نفعه بل هو الغني عن خلقه كلهم. PageV01P042 # فإن قلت: الإرادة التي نثبتها لله ليست مثل إرادة المخلوق كما أنا قد ~~اتفقنا وسائر المسلمين على أنه حي عليم قدير وليس هو مثل سائر الأحياء ~~العلماء القادرين. # قال لك أهل الإثبات: وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله ليست مثل رحمة ~~المخلوق ومحبة المخلوق. فإن قلت: لا أعقل من الرحمة والمحبة إلا هذا؟ # قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا ومعلوم عند كل عاقل أن ~~إرادتنا ومحبتنا ورحمتنا بالنسبة إلينا كإرادته ورحمته ومحبته بالنسبة ~~إليه، فلا يجوز التفريق بين المتماثلين، فيثبت له إحدى الصفتين وتنفي ~~الأخرى، وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق إذ أكثر ما يقال أني ~~أثبت الإرادة بالعقل لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادات فيقال ~~لك: انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول فهب أن مثل هذا الدليل ~~لا يثبت في الرحمة والمحبة فمن أين نفيت ذلك؟ ثم يقال: بل السمع أثبت ذلك ~~أيضا وقد يسلك في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة ~~فيقال: ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين، وكشف الضر عن المضرورين ~~والإحسان إلى المخلوقات وأنواع الرزق والهدى والمسرات هو دليل على رحمة ~~الخالق سبحانه والقرآن يثبت دلائل الربوبية بهذا الطريق؛ تارة يدلهم ~~بالآيات المخلوقة على وجود الخالق ويثبت علمه وقدرته ومشيئته، وتارة يدلهم ~~بالنعم والآلاء على وجود بره وإحسانه المستلزم رحمته وهذا كثير في القرآن، ~~وإن لم يكن مثل ms027 الأول أو أكثر منه ولم يكن أقل منه بكثير كقوله تعالى: يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) الذي ~~جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم «1» وقوله تعالى: أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج ~~به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) «2» وقوله في سورة ~~الرحمن بعد أن ذكر كل نوع من هذه الأنواع: فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) ~~«3». # وبالجملة ما ذكره في القرآن من الأمثال والآيات تارة يقرر بها نفس مشيئته ~~وقدرته وخلقه وتارة يقرر بها إحسانه وإنعامه ورحمته، وهذه الطريقة مستلزمة ~~للأولى من غير عكس، فإنه يلزم من وجود الإحسان والرحمة وجود القدرة ~~PageV01P043 # والمشيئة من غير عكس، وقس على هذا غيره من الصفات وأمره هو أيضا مما يعلم ~~بالسمع وبالعقل أيضا كما تعلم إرادته وكما تعلم محبته، وهذه المسائل مبسوطة ~~في مواضع، وإنما ذكرنا في هذا الشرح ما يناسب حال هذه العقيدة المختصرة ~~المشروحة. # وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في محبة الله وذكرنا أن للناس في هذا ~~الأصل العظيم ثلاثة أقوال: أحدها أن الله تعالى يحب ويحب، كما قال تعالى: ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه «1» فهو المستحق أن يكون له كمال المحبة ~~دون سواه، وهو سبحانه يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين، وهذا قول سلف ~~الأمة وأئمتها «2»، وهذا قول أئمة شيوخ المعرفة، والقول الثاني: أنه يستحق ~~أن يحب لكنه لا يحب إلا بمعنى أن يريد وهذا قول كثير من المتكلمين ومن ~~وافقهم من الصوفية، والثالث أنه لا يحب ولا يحب وإنما محبة العباد له ~~إرادتهم طاعته وهذا قول الجهمية ومن وافقهم من متأخري أهل الكلام والرازي. # ومما يوضح ذلك أن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ~~ليس موقوفا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها فإنه مما يعلم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول إذا أخبرنا بشيء من صفات الله ms028 تعالى ~~وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا ومن لم يقر بما جاء به ~~الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: قالوا لن نؤمن حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته «3» ومن سلك هذا ~~السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن ~~الربوبية ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك أو لم يخبر به فإن ~~ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به بل يتأوله أو يفوضه وما لم يخبر ~~به إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود ~~الرسول وإخباره وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن ~~والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده وهذا قد صرح به أئمة هذا ~~الطريق. # ثم الطريق النبوية فمنهم من يحيل على القياس، ومنهم من يحيل على الكشف، ~~وكل من الطريقتين فيها من الاضطراب والاختلاف ما لا ينضبط وليست ~~PageV01P044 # واحدة منهما تحصل المقصود بدون الطريق النبوية، والطريق النبوية تحصل ~~الإيمان النافع في الآخرة بدون ذلك، ثم إن حصل قياس أو كشف يوافق ما أخبر ~~به الرسول كان حسنا مع أن القرآن قد نبه على الطرق الاعتبارية التي بها ~~يستدل على مثل ما في القرآن كما قال تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق «1». # فأخبر أنه يري عباده من الآيات المشهودة التي هي أدلة عقلية ما يتبين أن ~~القرآن حق. # وليس لقائل أن يقول: إنما خصصت هذه الصفات بالذكر لأن السمع موقوف عليها ~~دون غيرها فإن الأمر ليس كذلك لأن التصديق بالسمعيات ليس موقوفا على إثبات ~~السمع والبصر ونحو ذلك. PageV01P045 ### | فصل [الرد على من نفى بعض صفات الله تعالى] # فإن قيل: إنما نفينا الرحمة والمحبة والرضا والغضب ونحو ذلك من الصفات ~~لأنه لا يعقل لها حقيقة تليق بالخالق إلا الإرادة فالمحبة والرضا إرادة ~~الإحسان، والغصب إرادة العقاب منه فالفرق ms029 بينهما بحسب تعلقاتها لأن هذه في ~~نفسها ليست عدة، قيل: هذا باطل فإن نصوص الكتاب والسنة والإجماع مع الأدلة ~~العقلية تبين الفرق فإن الله سبحانه يقول: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا ~~يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم «1» وقال تعالى: إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول «2» فبين أنه لا يرضى هذه المحرمات مع أن كل شيء كائن بسببه، ~~وقال تعالى: والله لا يحب الفساد «3» وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام ~~وبإجماع سلف الأمة قبل حدوث أقوال النفاة من الجهمية ونحوهم أن الله يحب ~~الإيمان والعمل الصالح، ولا يحب الكفر والفسوق والعصيان، وأنه يرضى هذا ولا ~~يرضى هذا والجميع بمشيئته وقدرته، والذين لم يفرقوا لهم تأويلات؛ تارة ~~يقولون لا يرضاه لعباده المؤمنين فهم يقولون لا يحب الإيمان والعمل الصالح ~~ممن لم يفعله كما لم يرده ممن لم يفعله ويقولون: إنه يحب الكفر والفسوق ممن ~~فعله كما أراده ممن فعله. # وفساد هذا القول مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، مع دلالة الكتاب ~~والسنة وإجماع السلف على فساده، وتأويلهم الثاني قالوا: لا يرضاه دينا كما ~~يقولون لا يريده دينا، ومعناه عندهم أنه لا يريد أن يثيب فاعله إذ جميع ~~الموجودات والأفعال عندهم بالنسبة إليه سواء، لا يحب منها شيئا دون شيء ولا ~~يبغض منها شيئا دون شيء، وقد بسط الكلام على فساد هذا القول وتناقضه في ~~مواضع أخر. PageV01P046 # وإنما المقصود هنا التنبيه على أن ما يجب إثباته لله تعالى من الصفات ليس ~~مقصورا على ما ذكره هؤلاء مع إثباتهم بعض صفاته بالعقل وبعضها بالسمع فإن ~~من عرف حقائق أقوال الناس وطرقهم التي دعتهم إلى تلك الأقوال حصل له العلم ~~والرحمة فعلم الحق ورحم الخلق، وكان مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين، وهذه خاصة أهل السنة المتبعين للرسول صلى ~~الله عليه وسلم فإنهم يتبعون الحق، ويرحمون من خالفهم باجتهاده حيث عذره ~~الله ورسوله، وأهل البدع يبتدعون بدعة باطلة ويكفرون من خالفهم فيها. # PageV01P047 ### | فصل [تميز أهل السنة والجماعة ms030 عن الكفار والمبتدعين] # ومن شأن المصنفين في العقائد المختصرة على مذهب أهل السنة والجماعة أن ~~يذكروا ما يتميز به أهل السنة والجماعة عن الكفار والمبتدعين فيذكروا إثبات ~~الصفات، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه تعالى يرى في الآخرة خلافا ~~للجهمية من المعتزلة وغيرهم، ويذكرون أن الله خالق أفعال العباد وأنه مريد ~~لجميع الكائنات وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، خلافا للقدرية «1» ~~من المعتزلة وغيرهم، ويذكرون مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، وأن ~~المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب، ولا يخلد في النار خلافا للخوارج «2» ~~والمعتزلة، ويحققون القول في الإيمان ويثبتون الوعيد لأهل الكبائر مجملا ~~خلافا للمرجئة «3»، PageV01P048 # ويذكرون إمامة الخلفاء الأربعة وفضائلهم خلافا للشيعة «1» من الرافضة ~~وغيرهم. # وأما الإيمان بما اتفق عليه المسلمون من توحيد الله تعالى والإيمان برسله ~~والإيمان باليوم الآخر فهذا لا بد منه، وأما دلائل هذه المسائل ففي الكتب ~~المبسوطة الكبار وهذا المصنف لم يسلك هذا الطريق بل أشار إشارة مختصرة إلى ~~دليل ما ذكره من الأحكام ولم يستوف الأحكام التي تذكر في المعتقدات وعذره ~~في ذلك أن يقول: ذكرت جمل الإقرار بالربوبية والرسالة والمعاد فذكرت صفات ~~الله الثبوتية، وذكرت الرسالة وما جاءت به النبوات من الإيمان بالمعاد. # وقوله إنه متكلم يناقض قول من قال: القرآن مخلوق، فإن حقيقة قول أولئك ~~أنه ليس بمتكلم وإثبات الإرادة عامة يتناول جميع الكائنات وإثبات القدرة ~~المطلقة تتضمن أنه خالق كل شيء بقدرته، وبهذين يخرج قول المعتزلة في الكلام ~~والقدرة، والمعترض عليه يقول: اقتصرت على بعض الصفات دون بعض. # فإن كنت اقتصرت على ما يعلم العقل عندك فقد ذكرت السمع والبصر والكلام ~~وأثبت ذلك بالسمع، وإن كنت ذكرت ما يتوقف تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فهو لا يتوقف عندك على إثبات السمع والبصر والكلام لأنك أثبت ذلك بالسمع، ~~وحقيقة الأمر أنك أثبت هذه الصفات السبع لأنها هي المشهورة عند المتأخرين ~~من الكلابية كأبي المعالي وأمثاله بأنها العقليات، ولكن لم يثبتها جميعها ~~بالعقل، بل أثبت بعضها بالسمع موافقة للرازي ms031 فلهذا لم تطرد له في ذلك طريق ~~واحد، وهو قد نبه على الأدلة تنبيها يعلم به جنس ما يثبت به من الأدلة وإلا ~~فما ذكره من الأدلة لا يكفي في العلم بهذه الأحكام، فإن الدليل إن لم تقرر ~~مقدماته ويجاب عما يعارضها PageV01P049 # لم يتم، فكيف إذا لم تقرر مقدماته بل ولا تثبت ونحن نزيد على ما ذكره على ~~وجه تقريره. # فأما قوله: (فالدليل على وجوده الممكنات لاستحالة وجودها بنفسها، ~~واستحالة وجودها بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه ~~وافتقار الممكن إلى علته)؛ فهذا الدليل مبني على مقدمتين: # إحداهما: أن الممكنات موجودة. # والثانية: أن الممكن لا يوجد إلا بواجب الوجود. # والمقدمة الأولى لم يقررها بحال ولا يمكن أن يسلك في ذلك طريقة ابن سينا ~~«1»، وأمثاله من المتفلسفة الذين قالوا: نفس الوجود يشهد بوجود واجب الوجود ~~«2»، فإن الوجود إما ممكن وإما واجب والممكن مستلزم للواجب فثبت وجود ~~الواجب على هذا التقرير. # فإن هذه الطريقة وإن كانت صحيحة بلا ريب لكن نتيجتها إثبات وجود واجب، ~~وهذا لم ينازع فيه أحد من العقلاء المعتبرين ولا هو من المطالب العالية، ~~ولا فيه إثبات الخالق ولا إثبات وجود واجب أبدع السموات والأرض كما يسلمه ~~الإلهيون من الفلاسفة كأرسطو وأتباعه المشائين، وإنما فيه أن الوجود وجود ~~واجب، وهذا يسلمه منكروا الصانع كفرعون والدهرية المحضة من الفلاسفة ~~والقرامطة «3» ونحوهم ويقولون إن هذا الوجود واجب الوجود بنفسه وإلى هذا ~~يؤول أهل الوحدة القائلين بأن الوجود واحد فإنهم يقولون في آخر الأمر: ما ~~ثم موجود مباين للسماوات والأرض، وما ثم غير وجود الموجود الممكن. ~~PageV01P050 # ومصنف العقيدة أثبت الصانع بهذا الطريق فإنه لما أثبت أنه صنع الممكنات ~~أثبت علمه وقدرته فلا بد أن يثبت أولا وجود شيء ممكن ليس بواجب ليبني عليه ~~ثبوت وجود واجب مبدع لوجود ممكن يتم ما سلكه، وأما مجرد إثبات وجود واجب ~~فلا يفيد هذا المطلوب، فليفهم اللبيب هذا. # ولا ريب أنه اختصر هذه العقيدة من كتب أبي عبد الله بن الخطيب، وقد ~~تكلمنا ms032 على ما ذكره أبو عبد الله الرازي مبسوطا في مواضعه ونحن نقدر وجود ~~الممكنات ليتم ما ذكره المصنف من الدليل، ويتبين أن هذا الطريق أصح في ~~العقل وأبين مما يذكر في كتب الأصول والأمهات التي اختصرت منها هذه العقيدة ~~لكونها موافقة لطريقة القرآن، فإن الفاضل إذا تأمل غاية ما يذكره المتكلمون ~~والفلاسفة من الطرق العقلية وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن ~~من الطرق العقلية، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما قد نبهنا على ~~بعضه في غير هذا الموضع. # فنقول: إنه يمكن تقريرها بما نشاهد من حدوث الحوادث فإنا نشاهد من حدوث ~~الحوادث حدوث الحيوان والنبات والمعادن، وهذه الحوادث ليست ممتنعة فإن ~~الممتنع لا يوجد ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل ~~العدم وهذه كانت معدومة ثم وجدت فعدمها ينفي وجوبها ووجودها ينفي امتناعها ~~وهذا دليل قاطع واضح بين على ثبوت الممكنات لكن من سلك هذا الطريق لم يحتج ~~إلى أن يثبت إمكانها بحدوثها ثم يستدل بإمكانها على الواجب بل نفس حدوثها ~~دليل على إثبات المحدث لها فإن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من ~~العلم بأن الممكن لا بد له من واجب فتكون تلك الطريق أبين وأقصر، وهذه أخفى ~~وأطول من حيث يستدل بالحدوث على الإمكان ثم بالإمكان على الواجب. # وإن كان بعض الناس يستدل بالحوادث على المحدث فإن الحوادث لا تختص بما هي ~~عليه إلا بمخصص فإنه يجوز أن تقع على خلاف ما وقعت عليه فتخصيص أحد طرفي ~~الممكن لا بد له مخصص فهذا الاستدلال وإن كان صحيحا فليس بمسلك سديد فإن ~~العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من هذا المحتاج إلى هاتين ~~المقدمتين اللتين هما أخفى من ذلك، ومن استدل على الجلي بالخفي فإنه وإن ~~تكلم حقا فلم يسلك طريق الاستدلال فإن كل مستلزم للشيء يصلح أن يكون دليلا ~~عليه إذ يلزم من ثبوت اللزوم ثبوت اللازم والدليل، وهذا من شأن الدليل فإنه ms033 ~~من ثبوته ثبوت المدلول عليه، ولهذا يجب طرد الدليل ولا يجب # PageV01P051 # عكسه، لكن إذا كان اللازم والمدلول عليه أظهر من الملزوم الذي هو الدليل ~~كان الاستدلال باللزوم على اللازم خطأ في البيان والدلالة وإن سلك المصنف ~~في إثبات الممكنات تقرير إمكان الأجسام كلها، فهذا دليل طويل وفيه مقدمات ~~متنازع فيها نزاعا طويلا وكثير من الناس يقدح فيها بما لم يمكن دفعه، ~~فإثبات الصانع بمثل هذه المقدمات لو كانت صحيحة كان الدليل باطلا. # وأما المقدمة الثانية: وهي أن الممكن لا بد له من واجب فقد نبه على هذه ~~المقدمة بقوله: (لاستحالة وجودها بنفسها) فإن الممكن هو الذي يقبل الوجود ~~والعدم كما نشاهده من المحدثات، وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده ~~بنفسه كما قال تعالى: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) «1»، يقول ~~سبحانه: # أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم، ومعلوم أن الشيء لا يوجد نفسه ~~فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودا بنفسه بل إن حصل ~~ما يوجده وإلا كان معدوما، وكل ما أمكن وجوده بدل عن عدمه وعدمه بدل عن ~~وجوده فليس له من نفسه وجود ولا عدم، وهذا بين. # ومما يقرره أن ما يمكن عدمه بدلا عن وجوده لا يكون وجوده بنفسه إذ لو كان ~~وجوده بنفسه لكان واجبا بنفسه، ولو كان واجبا بنفسه لم يقبل العدم، وهو قد ~~قبل العدم فليس موجودا بنفسه لكان واجبا بنفسه، يقرر ذلك أن ما كان موجودا ~~فإما أن يكون مفتقرا في وجوده إلى غيره، وإما أن لا يكون، فإن كان مفتقرا ~~في وجوده إلى غيره لم يكن وجوده بنفسه بل بذلك الغير الذي هو مفتقر إليه أو ~~به وبذلك الغير، فعلى التقديرين لا يكون وجوده بنفسه، وإن لم يكن مفتقرا في ~~وجوده إلى غيره كان موجودا بنفسه فالموجود بنفسه لا يكون مفتقرا إلى غيره، ~~والمفتقر إلى غيره لا يكون موجودا بنفسه، فالموجود بنفسه الذي لا يفتقر إلى ~~غيره واجب بنفسه، إذ نفسه ms034 كافية في وجوده فلا يتوقف وجوده على شيء غير ~~إنيته، إن قدر أن إنيته شيء غير وجوده، وإن قدر أن إنيته هي وجوده كما هو ~~قول أهل السنة كان قول القائل: موجودا بنفسه أي هويته ثابتة بهويته فحيث ~~قدرت هويته لم يمكن عدمها، فالموجود بنفسه لا يقبل العدم، وما قبل العدم ~~فليس موجودا بنفسه فيفتقر إلى غيره فكل ممكن مفتقر إلى غيره. # وهذه المقامات ثابتة في نفس الأمر ويمكن تحريرها بوجوه من الطرق ~~PageV01P052 # والعبارات والمعنى فيها واحد فتبين قول المصنف لاستحالة وجود الممكنات ~~بأنفسها. # وأما قوله: واستحالة وجودها بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ~~ما سواه وافتقار المعلول إلى علته، فمقصوده أن يبين أن الممكنات كما لا ~~توجد بأنفسها فلا توجد بممكن آخر. # فيلزم أنه لا بد له من واجب بنفسه وذلك لأنها لو وجدت بممكن استغنت به ~~عما سواه لأن ذلك الممكن إن لم يكن علة تامة لوجودها لم توجد به، وإن كان ~~علة تامة لوجودها استغنت به عما سواه، فإن العلة التامة تستلزم وجود ~~المعلول فلا يفتقر المعلول إلى غيرها فلو وجدت الممكنات بممكن لزم أن ~~يستغني به عما سواه، وذلك الممكن من جملة الممكنات والممكن مفتقر إلى غيره ~~فيلزم أن يكون مفتقرا إلى علة غير نفسه، والمفتقر إلى غيره لا يكون مستغنيا ~~بنفسه فيلزم أن يكون مفتقرا إلى غيره غير مفتقر إلى غيره، غنيا بنفسه ليس ~~بغني بنفسه، وهو جمع بين النقيضين، فلو كان فاعل الممكنات كلها ممكنا لزم ~~أن يكون هذا الممكن غنيا بنفسه ليس بغني بنفسه، فقيرا إلى غيره، غير فقير ~~إلى غيره، حيث جعل ممكنا مفتقرا، وجعل معلولا بعلة تامة فلا يفتقر فيلزم ~~التناقض، والأمر في هذا أوضح من هذا التطويل. # وإنما سلك هذا المصنف طريقة أبي عبد الله بن الخطيب الرازي فإن هذه طرقه ~~وكان ينسج على منواله، وإلا فالعلم بأن جميع الممكنات تفتقر إلى غيرها ~~كالعلم بأن هذا الممكن مفتقر إلى غيره، فإن الافتقار إذا كان من جهة كونه ~~ممكنا ms035 سواء كان الإمكان دليل الافتقار أو علة الافتقار فهو يعمها كلها فأي ~~شيء قدر ممكنا كان الفقر ثابتا فيه إلى غيره فلا بد لكل ممكن من مفتقر إليه ~~كما لا بد لهذا الممكن من غير يفتقر به، ومعلوم إن افتقار الشيء إلى بعض ~~أشد من افتقاره إلى نفسه فإذا كان الممكن لا يوجد بنفسه ولا يكون موجودا ~~بنفسه فكيف يكون موجودا ببعضه وكيف يتصور أن يكون مجموع الممكنات موجودة ~~بممكن من الممكنات وهي لا يكفي في وجودها مجموع الممكنات والهيئة ~~الاجتماعية لا تخرجها عن الإمكان الذي هو علة الافتقار أو دليل الافتقار، ~~وهذا بين ولله الحمد. # PageV01P053 ### | فصل [الرد على نفاة الصفات] # فلما قرر إثبات الصانع أخذ يثبت وحدانيته، فقال: (والدليل على وحدته أنه ~~لا تركيب فيه بوجه من الوجوه وإلا لما كان واجب الوجود لذاته ضرورة افتقاره ~~إلى ما تركب منه ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان لزم وجود ~~الاثنين بلا امتياز وهو محال)، وهذا الدليل أخذه من كلام أبي عبد الله ~~الرازي وقد سلك فيه مسلك المتفلسفة كابن سينا وأمثاله، فإن هذا هو عمدتهم ~~فيما يدعونه من التوحيد وهو حجة باطلة، ومقصودهم فيما يدعونه من التوحيد ~~وقد بين ذلك علماء المسلمين كما بينه أبو حامد الغزالي في «تهافت ~~الفلاسفة»، وكما قد صرح الرازي وغيره في هذه الطرق في مواضع أخر. # وأما قوله: ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان لزم وجود ~~الاثنين بلا امتياز وهو محال، فطريقهم في تقرير هذا أنه لو كان اثنان واجبا ~~الوجود لكانا مشتركين في وجوب الوجود، فإن كان كل منهما ممتاز عن الآخر ~~بتعينه كان كل منهما مركبا مما به الاشتراك وما به الامتياز فيكون كل منهما ~~مركبا وقد تقدم إن التركيب محال، وإن لم يكن أحدهما ممتاز عن الآخر لزم ~~وجود اثنين بلا امتياز. # وبهذه الحجة يثبتون إمكان الأجسام كلها لأنهم يقولون الجسم مركب إما من ~~المادة والصورة، وإما من الجواهر الفردة، ms036 وكل مركب ممكن فبهذه الحجة تقوم ~~الصفات، وكانوا من أشد الناس تجهما، لأنهم زعموا أن إثبات الصفات ينافي هذا ~~التوحيد، وقد تفطن لفساد هذه الحجة من تفطن لها من الفضلاء كأبي حامد ~~الغزالي وغيره وذلك من وجوه: # أحدها: أن يقال: قول القائل إنه يلزم افتقاره إلى ما ركب منه وذلك ينافي ~~وجوب الوجود ممنوع لأن غاية ما فيه أن ما ركب منه جزء من أجزائه، وقول ~~القائل: إن المركب مفتقر إلى جزئه ليس بأعظم من قوله: إنه مفتقر إلى كله، ~~فإن الافتقار إلى المجموع أشد من الافتقار إلى بعض المجموع، فالمفتقر إلى ~~المجموع مفتقر إلى كل جزء منه والمفتقر إلى جزء منه لا يلزم أن يكون مفتقرا ~~إلى الجزء الآخر. # PageV01P054 # ومعلوم أن افتقاره إلى الجميع هو افتقاره إلى نفسه، وهو معنى قوله هو ~~واجب بنفسه، فعلم أن وجوبه بنفسه لا يوجب الافتقار المنافي لوجوب الوجود. # الوجه الثاني: أن يقال: وجوب الوجود الذي دل عليه الدليل ينفي أن يفتقر ~~إلى أن يكون مفتقرا إلى شيء خارج عن نفسه، إذ لو كانت الممكنات لا بد لها ~~من وجود غير ممكن موجود بنفسه، وهذا ينفي أن يفتقر إلى شيء خارج عن نفسه ~~فلو قيل إنه موجود بنفسه مستغن عن غيره وأنه مفتقر إلى غيره للزم الجمع بين ~~النقيضين فأما ما هو داخل في مسمى نفسه فليس هو شيئا خارجا عن نفسه حتى ~~يقال: افتقاره إليه ينافي وجوده بنفسه. # الوجه الثالث: أن يقال: اسم الغير فيه اصطلاحان: أحدهما أن أحد الغيرين ~~ما جاز العلم بأحدهما مع علم العلم بالآخر، والآخر أن الغيرين ما جاز ~~مفارقة أحدهما الآخر بوجود أو إمكان أو زمان، والأول اصطلاح المعتزلة ~~والكرامية، والثاني اصطلاح الكلابية والأشعرية، فإن قيل بالثاني فجزؤه ~~وصفته ليس بغير له فلا يكون ثبوته موجبا لافتقاره إلى غيره، وإن قيل بالأول ~~فثبوت الغير ليس بهذا التغير لا بد منه فإنه يمكن العلم بوجوده، والعلم ~~بوجوبه والعلم بأنه خالق والعلم بعلمه، والعلم بإرادته، وهم يعبرون عن ذلك ~~بالعقل ms037 والعناية، وهذه المعاني أغيار على هذا الاصطلاح وثبوتها لازم لواجب ~~الوجود، وإذا كان ثبوت هذه الأغيار لازما له لم يجز القول بنفيها لأن نفيها ~~يستلزم نفي واجب الوجود وعلم أن مثل هذا وإن سمي تركيبا فليس منافيا لوجوب ~~الوجود. # فإن قيل: واجب الوجود لا يفتقر إلى غيره، قيل: لا يفتقر إلى غيره يجوز ~~مفارقته له أم لازم لوجوده؟ فالأول حق، وأما الثاني فممنوع، ونبين ذلك ~~بالوجه الرابع:، وهو أن يقال استعمال لفظ الافتقار في مثل هذا ليس هو ~~المعروف في اللغة والعقل فإن هذا إنما هو تلازم بمعنى أنه لا يوجد المركب ~~إلا بوجود جزء أو لا يوجد أحد الجزءين إلا بوجود الآخر أو لا يوجد الجزء ~~إلا بوجود الكل، أو لا توجد الصفة إلى بوجود الموصوف، أو لا يوجد الموصوف ~~إلا بوجود الصفة. # ومعلوم أن الشيئين المتلازمين في الوجود لا يجب أن يكون أحدهما مفتقرا ~~إلى الآخر بل إن كان ممكنين جاز أن يكون معلولي علة واحدة أوجبتهما من غير ~~أن يفتقر أحدهما إلى الآخر، وأما الأمور المتلازمة كالأبوة والبنوة لا يجب ~~أن يكون أحدهما مفتقرا إلى الآخر فإن افتقار الشيء إلى غيره إنما يكون إذا ~~كان ذاك # PageV01P055 # الغير مؤثرا في وجوده كتأثير العلة، فأما المتلازمان اللذان يكون وجود ~~أحدهما مستلزم لوجود الآخر معه فإنه وإن قيل إن وجوده شرط لوجوده لكن لا ~~يلزم أن يكون مفتقرا إليه بحيث يكون علة له، وإذا كان المراد بالافتقار هنا ~~التلازم فذلك لا ينافي وجوب الوجود، يوضح ذلك. # الوجه الخامس: وهو أن يقال: لا ريب أن يمتنع أن يكون شيئان كل منها علة ~~للآخر لأن العلة متقدمة على المعلول فلو كان علة لعلته للزم تقدمه على نفسه ~~لكونه علة العلة وتأخره عن نفسه لكونه معلول العلة وذلك جمع بين النقيضين ~~ولهذا كان الدور القبلي محالا، ولا يمتنع أن يكون شيئان كل منهما شرط في ~~الآخر لأن ذلك إنما يستلزم أن يكون كل منهما مع الآخر، وليس ذلك يمتنع، ~~ولهذا قيل الدور المعي ms038 ليس بمحال فالمركب غايته أن يكون كل من أجزائه ~~مشروطا بالجزء الآخر وأن يكون هو مشروطا بأجزائه ولا يقتضي التركيب وجود ~~جزء قبل جزء ولا وجود جزء قبل أجزائه، فإذا قيل إنه مفتقر إلى جزئه كان ~~معناه لا يوجد إلا بوجود جزئه معه ويستلزم ذلك وجود جزئه، ثم ذلك الجزء ليس ~~هو علة له ولا هو خارجا عن نفسه فالقول بأن وجوده يستلزم وجود الجزء حق، ~~والتعبير عن ذلك بأنه يقتضي أن يكون مفتقرا إلى جزئه، وجزؤه غيره ليس له ~~معنى إلا ذلك، وهذا لا يقتضي أنه مفتقر إلى علة ومحتاج إلى علة ولا شرط ~~خارج عن واجب الوجود ولا دور قبلي، وأما ما فيه من الدور المعي فليس ذلك ~~بمحال، ولا ينافي وجوب الوجود إلا أن يثبت أن مثل هذا التعدد ينافي وجوب ~~الوجود وهم لم يثبتوا أن التعدد ينافي وجوب الوجود إلا بهذا فبطل أن يكون ~~هذا دليلا على بطلان التعدد في وجوب الوجود. # الوجه السادس: أن يقال قول القائل واجب الوجود بنفسه هل يقتضي أن يكون ~~مفتقرا إلى نفسه أم لا يقتضي ذلك، فإن افتقاره كان افتقاره إلى جزئه أولى ~~وأحرى بالالتزام فلا يكون ممتنعا وإن قيل لا يقتضيه قيل وكذلك التركيب لا ~~يقتضي أن يكون المركب مفتقرا إلى جزئه فإنه إذا كانت نفسه لا توجد إلا ~~بنفسه ولم يحسن أن يقال هو مفتقر إليها فالجميع الذي لا يوجد إلا بأجزائه ~~أولى أن لا يقال له هو مفتقر إلى واحد منها إذ المركب ليس إلا الأجزاء ~~وصورة التركيب. # الوجه السابع: أن يقال: المعنى المعروف من لفظ التركيب أن يكون الجزءان ~~مفترقين فيركبهما جميعا مركب، لأن المركب اسم مفعول؛ ركبه مركب فهو مركب ~~كما يركب الطبيخ من أجزائه والأدوية المركبة من أجزائها وأمثال ذلك، ومعلوم ~~أن المركب بهذا الاعتبار مفتقر إلى من يركبه غيره، إذ لو كانت ذاته تقتضي ~~التركيب # PageV01P056 # لم يجز عليه التفرق، وواجب الوجود بنفسه لا يكون مفتقرا إلى شيء خارج عن ~~نفسه لأن ذلك جمع ms039 بين النقيضين، ولا ريب أن مثبتة الصفات ليس فيهم بل ولا ~~في سائر فرق الأمة من يثبت هذا التركيب في حق الله تعالى، ولكن المتفلسفة ~~يسمون الموصوف مركبا ويسمون الصفات أجزاء فيقولون الإنسان مركب من ~~الحيوانية والناطقية، والنوع مركب من الجنس والفصل، فإما أن يريدوا ~~بالحيوانية والناطقية جوهرا أو عرضا، فإن أرادوا بها جوهرا وهو الحيوان ~~والناطق فالحيوان والناطق هما الإنسان وليس الجوهر الذي هو الإنسان ولا هو ~~غير الجوهر الذي هو حيوان ناطق، لكن الذهن يجرد هذه المعاني في الذهن ~~فيتصور الناطق مطلقا والحيوان مطلقا والإنسان مطلقا لكن تجريد الذهن لها لا ~~يقتضي أن يكون في الخارج ثلاثة جواهر والعلم بهذا ضروري، وإن قيل إنه مركب ~~من الحيوانية والناطقية وهما عرضان فالعرض لا يقوم إلا بالجوهر والحيوانية ~~والناطقية صفة الإنسان، فكيف يكون الجوهر مركبا من صفاته، وصفاته لا قيام ~~لها إلا به وهي مفتقرة إليه. # وإذا قالوا: لو سمينا هذا تركيبا، لم ننازع في الألفاظ نزاعا لا فائدة ~~فيه نقول: كل موجود فلا بد أن يكون مركبا بهذا الاعتبار فإن وجود ذات عارية ~~عن جميع الصفات ممتنع، ووجود موجود مطلق لا يتعين ولا له حقيقة يختص بها عن ~~سائر الحقائق ممتنع وكل ما اختص وتميز عن غيره فلا بد له من خاصة وقد بسطنا ~~هذا في غير هذا الموضع، ولسنا محتاجين هنا إلى إثبات وجوب مثل هذا، بل يكفي ~~أن نقول لا نسلم امتناع مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا، وكثير من ~~المتكلمين لا يسمون الاتصاف تركيبا بل يسمون التقدير تركيبا لأن المقدر ~~مركب من الأجزاء الفردة أو من المادة والصورة، وهذا أيضا فيه نزاع فطوائف ~~من أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية يقولون: ليس بمركب ~~بحال، ومن قال إنه مركب قال لا يمكن وجود أجزائه وحينئذ فيقال لهم كما قيل ~~للمتفلسفة وهم يسمون نفي مثل هذا التركيب توحيدا ويدخلون في ذلك نفي الصفات ~~فيجعلون نفي علم الله وقدرته وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته من ~~التوحيد، ويسمون أنفسهم ms040 الموحدين كما يدعي المعتزلة إنهم أهل التوحيد ~~والعدل، ويعنون بالتوحيد نفي الصفات. # ولما كان أبو عبد الله محمد بن التومرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات ~~لقب أصحابه بالموحدين، وقد صرح في كتابه الكبير بنفي الصفات ولهذا لم يذكر ~~في مرشدته شيئا من الصفات الثبوتية، لا علم الله ولا قدرته ولا كلامه # PageV01P057 # ولا شيئا من صفاته الثبوتية وإنما ذكر السلوب والتوحيد الذي بعث الله به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه هو عبادة الله وحده لا شريك له، ~~وهو توحيد ألوهيته المتضمن توحيد ربوبيته كما قال تعالى: وإلهكم إله واحد ~~«1» وقال تعالى: لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون «2» ~~وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون (25) «3» وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة «4». # والمشركون كانوا يقرون بأن رب العالمين واحد لكن كانوا يعبدون معه غيره ~~كما قال تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) «5» وقال ~~تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله «6» وقال تعالى: قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) ~~قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون ~~(87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) «7». # (ونحن نوجه ذلك بعد ذكر حجته) ووجه نظمها أن يقال: واجب الوجود لا تركيب ~~فيه وما لا تركيب فيه فهو واحد، فواجب الوجود واحد، وإنما قلنا لا تركيب ~~لأن المركب مفتقر إلى ما تركب منه وما تركب منه غيره، وواجب الوجود لا ~~يفتقر إلى غيره فواجب الوجود لا تركيب فيه وهذا معنى قوله: (الدليل على ~~وحدته أنه لا تركيب فيه بوجه وإلا لما كان واجب الوجود لذاته) أي لو كان ~~فيه تركيب بوجه لما كان واجب الوجود لذاته، ms041 ثم قال: (ضرورة افتقاره إلى ما ~~تركب منه) كان مركبا للزم ضرورة أن يفتقر إلى ما ركب منه ثم إنه حذف تمام ~~الحجة وهو إذا افتقر إلى ما تركب منه كان مفتقرا إلى غيره، وواجب الوجود لا ~~يفتقر إلى غيره. # وأما قوله: (ويلزم من ذلك أن لا يكون من نوعه اثنان إذ لو كان اثنان واجب ~~الوجود فإن كان بينهما امتياز لزم تركيبهما مما به الاشتراك وما به ~~الامتياز وإلا لزم عدم التعيين). PageV01P058 # فيقال: الجواب عن ذلك من طريقين: # أحدهما: أنهما إذا اشتركا في وجوب الوجود وامتاز كل منهما بتعينه فمعلوم ~~أن وجوب أحدهما ليس هو عين وجوب الآخر كما أن عينه ليست عينه بل هذا واجب ~~وهذا واجب. كما أن هذا عين وهذا عين واشتراكهما في وجوب الوجود المطلق ~~كاشتراكهما في التعيين المطلق، والمطلق إنما يكون مطلقا في الأذهان لا في ~~الأعيان فعين هذا واجبة وجوبا يخصها، وعين هذا واجبة وجوبا يخصها، والذهن ~~يجرد وجوبا مطلقا وتعينا مطلقا، وإذا كان كذلك بطل قول القائل إن كلا منهما ~~مركب مما به الاشتراك وما به الامتياز بل ما به الاشتراك وهو الوجوب مثل ما ~~به الامتياز وهو التعيين، وهذه الحجة كثيرة في كلامهم والغلط فيها واقع لا ~~حيلة فيه، وإنما نشأ الغلط حيث أخذوا في الوجوب ما يشتركان في التعيين إذ ~~هذا معين وهذا معين ويمتاز كل منهما بوجوبه إذ لكل منهما وجوب يخصصه، وإذا ~~أمكن العكس تبين أن ما فعلوه تحكم محض. # الطريق الثاني: أن يقال: هب أن هذا تركب مما به الاشتراك والامتياز لكن ~~دليله على نفي مثل هذا التركيب باطل كما تقدم. # PageV01P059 ### | فصل [الدليل على علم الله تعالى] # وأما قوله: (والدليل على علمه إيجاده الأشياء لاستحالة إيجاده للأشياء مع ~~الجهل) فهذا الدليل مشهور عند نظار المسلمين أولهم وآخرهم، والقرآن قد دل ~~عليه كما في قوله تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) «1» ~~والمتفلسفة أيضا سلكوه، وبيانه من وجوه: # أحدها: أن إيجاده للأشياء هو بإرادته كما سيأتي، والإرادة ms042 تستلزم تصور ~~المراد قطعا، وتصور المراد هو العلم فكان الإيجاد مستلزما للإرادة، ~~والإرادة مستلزمة للعلم فالإيجاد مستلزم للعلم. # الثاني: إن المخلوقات فيها من الإحكام والاتقان ما يستلزم علم الفاعل لها ~~لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير عالم، وبهذين الطريقين يتقرر ~~ما ذكره «ولهم طرق» منها أن من المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال؛ ~~ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما، وهذا له طريقان: # أحدهما: أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن ~~الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا إذا فرضنا شيئين أحدهما عالم ~~والآخر غير عالم كان العالم أكمل منه فإذا لم يكن الخالق سبحانه عالما يلزم ~~أن يكون غير عالم أي جاهلا وهو ممتنع. # الثاني: أن يقال: كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه ومن ~~الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريا منه بل هو أحق؛ والله سبحانه- ~~وله المثل الأعلى- لا يستوي هو والمخلوق لا في قياس تمثيل ولا قياس شمول بل ~~كل ما أثبت لمخلوق فالخالق به أحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فتنزيه الخالق ~~عنه أولى. PageV01P060 ### | فصل [الدليل على قدرة الله تعالى] # وأما قوله: (والدليل على قدرته: إيجاده الأشياء، وهي إما بالذات وهو محال ~~وإلا لكان العالم وكل واحد من مخلوقاته قديما وهو باطل فتعين أن يكون فاعلا ~~بالاختيار وهو المطلوب) فقد يقال هذا إنما أثبت به أنه فاعل بالاختيار وإن ~~كان لم يقرر مقدمات دليله، وفعله بالاختيار يثبت الإرادة ولا يثبت القدرة، ~~وهو قد أثبت الإرادة فيما بعد: فظاهر هذا أنه كرر دليل الإرادة ولم يذكر ~~على القدرة دليلا لكن تقرير ذلك أن يقال إنه إما أن يكون المبدع للأشياء ~~مجرد ذات عارية عن الصفات يستلزم وجوده المفعول كما يقوله المتفلسفة ~~القائلون بقدم الأفلاك، وإما أن يكون ذاتا موصوفة بالصفات لا يجب معها وجود ~~المخلوقات كما عليه أهل الملل. # وإذا أردت التقسيم الحاضر قلت: الفاعل إما مجرد الذات، وإما الذات بصفة ~~فإن كان الأول فمعلوم أن العلة التامة تستلزم ms043 وجود المعلول فإذا كان مجرد ~~الذات هو الواجب فمجرد الذات علة تامة فيلزم وجود المعلول جميعه، ويلزم قدم ~~جميع الحوادث وهو خلاف المشاهدة، وإن كان الثاني فالصفة التي يصلح بها ~~الفعل هي القدرة. أو يقال: فإذا لم يكن موجبا لذاته بل بصفة، تعين أن يكون ~~مختارا فإنه إما موجب بالذات، وإما فاعل بالاختيار والمختار إنما يفعل ~~بالقدرة إذ القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يفعل فأما من يلزمه المفعول ~~بدون إرادته فهذا ليس بقادر بل ملزوم بمنزلة الذي تلزمه الحركات الطبيعية ~~التي لا قدرة له على فعلها ولا تركها. # PageV01P061 ### | فصل [الدليل على أنه سبحانه حي] # وأما قوله: (والدليل على أنه حي علمه وقدرته لاستحالة قيام العلم والقدرة ~~بغير الحي) فهذا دليل مشهور للنظار يقولون قد علم أن من شرط العلم والقدرة: # الحياة فإن ما ليس بحي يمتنع أن يكون عالما إذ الميت لا يكون عالما ~~والعلم بهذا ضروري. # وقد يقولون: هذه الشروط العقلية لا تختلف شاهدا ولا غائبا فتقدير عالم لا ~~حياة به ممتنع بصريح العقل. # وكذلك قوله: (والدليل على إرادته تخصيصه الأشياء بخصوصياته واستحالة ~~المخصص من غير مخصص) فإن هذا الدليل مشهور للنظار ويقرر هكذا أن العالم فيه ~~تخصيصات كثيرة مثل تخصيص كل شيء بما له من القدر والصفات والحركات كطوله ~~وقصره، وطعمه ولونه، وريحه وحياته، وقدرته وعلمه وسمعه وبصره، وسائر ما فيه ~~مع العلم الضروري بأنه من الممكن أن يكون خلاف ذلك إذ ليس واجب الوجود ~~بنفسه. ومعلوم أن الذات المجردة التي لا إرادة لها لا تخصص وإنما يكون ~~التخصيص بالإرادة، ولو قيل التخصيص هو بأسباب معلومة كالأرض والأشجار تكون ~~مختلفة فإذا سقيت بماء واحد اختلف ثمارها لاختلاف القوابل كما أن الشمس ~~تختلف آثارها بحسب القوافل كما تبيض الثوب وتسود وجه القصار وتلين اليابس ~~الذي لم ينضج بما تجذبه إليه من الرطوبة وتجفف الرطب الذي كمل نضجه لانقطاع ~~الرطوبة عنه. # قيل: هب أن الأمر كذلك فما الموجب لاختلاف القوابل حتى خصت هذه الشجرة ~~وهذا الجسم بسبب ms044 آخر فلا بد أن ينتهي الأمر إلى سبب لا سبب وقه، فإن قيل هو ~~شيء صدر عنه كما تقول المتفلسفة لا يصدر عن الواحد إلا واحد والصادر الأول ~~هو العقل وصدر عن العقل عقل ونفس وفلك فهذا باطل لأنه إن كان الصادر الأول ~~واحدا من كل وجه لم يصدر عنه أيضا إلا واحد. # وإن كان فيه كثرة فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد، وإن قيل الكثرة # PageV01P062 # عدمية لزم أن يصدر عن العدم وجود. ثم يقال: الفلك الثامن كثير الكواكب ~~دون التاسع فما الموجب لكثرة كواكبه. ثم قيل: السبب الأول إن كان فيه ~~اختصاص بصفة وقدر كان تخصيصه بالإرادة لأن التخصيص بذات الإرادة لها ممتنع ~~بصريح العقل، وإن قيل ليس له اختصاص بصفة وقدر قيل هذا يقتضي أن يكون وجودا ~~مطلقا والمطلق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان. # PageV01P063 ### | فصل [إثبات صفتي العلو والكلام والرد على النفاة] # كثير من النظار كابن كلاب وموافقيه كالأشعري «1» وأكثر متبعيه من أهل ~~الكلام والرأي والحديث والتصوف من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم كالقاضي أبي ~~يعلى «2» وأبي المعالي الجويني «3» وأبي الوليد الباجي «4»، وأبي منصور ~~الماتريدي وغيرهم يقولون إنه يعلم المعلومات كلها بعلم واحد بالعين، ويريد ~~المرادات كلها بإرادة واحدة بالعين بل يقولون إن كلامه الذي يتضمن كل أمر ~~أمر به، وكل خبر أخبر به هو أيضا واحد بالعين، وإن كان جمهور العقلاء ~~يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام، ثم تنازع القائلون ~~بهذا الأصل هل كلامه معنى فقط والقرآن العربي لم يتكلم به ولا بالتوراة ~~العبرانية، ولا تكلم بشيء من الحروف أو الحروف والأصوات التي نزل بها ~~القرآن وغيره وهي قديمة أزلية على قولين. # ومن القائلين بقدم أعيان الحروف أو الحروف والأصوات من لا يقول هي واحدة ~~بالعين بل يقول هي متعددة، وإن كانت لا نهاية لها ويقول ثبوت حروف أو حروف ~~معان لا نهاية لها في آن واحد وإنها لم تزل ولا تزال، ومن القائلين بقدم ~~معنى الكلام وأنه لم يتكلم بحروف ms045 من يقول القديم خمسة معان، ومنهم من يقول: ~~ذلك المعنى يعود إلى الخبر ويجعل الأمر داخلا في معنى الخبر ومنهم من يرد ~~الخبر إلى العلم ومنهم من يقول مع ذلك إن العلم ليس صفة قائمة بالعلم. ~~PageV01P064 # وأما أقوال السلف وعلماء الإسلام في هذا الأصل، وما في ذلك من نصوص ~~الكتاب والسنة فهذا أعظم من أن يسعه هذا الشرح، ومن كتب التفسير المنقولة ~~عن السلف مثل تفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن ~~راهويه، وبقي بن مخلد، وعبد الرحمن بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ~~ومحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر بن المنذر، وأبي بكر بن عبد العزيز، وأبي ~~الشيخ الأصفهاني، وأبي بكر بن مردويه وغيرهم، من ذلك ما تطول حكايته، وكذلك ~~الكتب المصنفة في السنة والرد على الجهمية وأصول الدين المنقولة عن السلف ~~مثل كتاب «الرد على الجهمية» لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري، وكتاب ~~«خلق الأفعال» للبخاري، وكتاب السنة لأبي داود السجستاني ولأبي بكر الأثرم، ~~ولعبد الله بن أحمد بن حنبل، ولحنبل بن إسحاق، ولأبي بكر الخلال، ولأبي ~~الشيخ الأصفهاني، ولأبي القاسم الطبراني، ولأبي عبد الله بن مندة وأمثالهم، ~~وكتاب «الشريعة» لأبي بكر الآجري، والإبانة لأبي عبد الله بن بطة، وكتاب ~~الأصول لأبي عمر الطلمنكي، وكتاب رد عثمان بن سعيد الدارمي وكتاب الرد على ~~الجهمية له وأضعاف هذه الكتب، وذلك مثل ما ذكره الخلال وغيره عن إسحاق بن ~~راهويه حدثنا بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرحمن على ~~العرش استوى (5) أي ارتفع. # وقال البخاري في صحيحه: قال أبو العالية: استوى إلى السماء ارتفع، وقال ~~مجاهد: استوى: علا على العرش. # وقال البغوي في تفسيره: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف استوى إلى ~~السماء: ارتفع إلى السماء، وكذلك قال الخليل بن أحمد، وروى البيهقي عن ~~الفراء: استوى أي صعد وهو كقول الرجل كان قاعدا فاستوى قائما. # وروى الشافعي في مسنده عن أنس بن مالك أنه قال عن يوم الجمعة: وهو اليوم ms046 ~~الذي استوى فيه ربكم على العرش. # وروى أبو بكر الأثرم عن الفضيل بن عياض قال: ليس لنا أن نتوهم في الله ~~كيف وكيف لأن الله وصف فأبلغ فقال: قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) «1» ~~فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه ومثل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا ~~الاطلاع كما شاء أن ينزل وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم أن ~~PageV01P065 # ينزل عن مكانه كيف؟ وإذا قال لك الجهمي: أنا كفرت برب ينزل، فقل أنت: أنا ~~أؤمن برب يفعل ما يشاء. # وقال البخاري في كتاب خلق الأفعال، والفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي ~~أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. # قال البخاري: وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: من زعم أن الرحمن على ~~العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي، وروى الخلال، عن ~~سليمان بن حرب، أنه سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل ~~الحديث ينزل الله إلى السماء الدنيا أيتحول من مكان إلى مكان، فسكت حماد بن ~~زيد ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء، وهذا نقله الأشعري في كتاب ~~المقالات عن أهل السنة والحديث فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول «1» ويرون اتباع من سلف من ~~أئمة الدين ولا يحدثون في دينهم ما لم يأذن الله ويقرون أن الله يجيء يوم ~~القيامة كما قال: # وجاء ربك والملك صفا صفا (22) «2»، وأن الله يقرب من خلقه كما يشاء كما ~~قال: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد «3». # ثم قال الأشعري: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب). # وقال أبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة في ~~السنة قال: ويثبت أهل الحديث نزول الرب سبحانه في كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، ms047 بل يثبتون له ~~ما أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهوه فيه إليه ويمرون الخبر ~~الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله وكذلك يثبون ما أنزل ~~الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة وقوله عز ~~وجل: وجاء ربك والملك صفا صفا (22) «4». # وقال: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن ~~محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي ~~يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم ~~يعني ابن راهويه فسئل عن حديث النزول صحيح هو؟ فقال: # نعم، فقال بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة ~~قال: PageV01P066 # نعم قال: كيف ينزل؟ قال أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبته ~~فوق، فقال إسحاق: قال الله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا (22) «1» فقال ~~له الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: ~~أعز الله الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟! # وروى بإسناده عن إسحاق قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا ~~يعقوب هذا الحديث الذي تروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ينزل ربنا كل ~~ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير لا يقال لأمر ~~الرب كيف ينزل؟ إنما ينزل بلا كيف. # وبإسناده أيضا عن عبد الله بن المبارك أنه سأله سائل عن النزول ليلة، ~~النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف ليلة النصف أي وحدها، هو ينزل في ~~كل ليلة فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ ألم يخل ذلك المكان؟ # فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء. # قال أبو عثمان النيسابوري: فلما صح خبر النزول عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أقر به أهل السنة، وقبلوا الحديث، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعتقدوا تشبيها له ms048 بنزول خلقه وعلموا وعرفوا ~~واعتقدوا وتحققوا أن صفات الرب لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ~~ذوات الخلق سبحانه وتعالى عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا. # وروى البيهقي بإسناده عن إسحاق بن راهويه قال: جمعني وهذا المبتدع- يعني ~~ابن صالح- مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول ~~فثبتها فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ~~ما يشاء، فرضي عبد الله كلامي، وأنكر على إبراهيم. # وقال حرب بن إسماعيل الكرماني في كتابه المصنف في مسائل أحمد وإسحاق مع ~~ما ذكر فيها من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم قال: # (باب القول في المذهب) هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر المعروفين بها ~~المقتدى بهم فيها، وأدركت من علماء العراق والحجاز والشام عليها فمن خالف ~~شيئا من هذه المذاهب «2»، أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن ~~الجماعة زائل عن سبيل السنة ومنهج الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن ~~PageV01P067 # إبراهيم وبقي بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور ~~وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم. # وذكر الكلام في الإيمان والقدر، والوعيد والإمامة، وما أخبر به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة وأمر البرزخ وغير ذلك إلى أن قال: وهو ~~سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش وللعرش حملة يحملونه ~~وله حد الله أعلم بحده، والله تعالى على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله ~~غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا ~~يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ~~ويتحرك، ويسمع ويبصر، وينظر ويقبض، ويبسط ويفرح، ويحب ويكره، ويبغض ويسخط، ~~ويغضب ويرحم، ويعفو ويغفر، ويعطي ويمنع، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ~~كيف شاء، متكلما عالما تبارك الله أحسن الخالقين. # وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة قال أخبرني به يوسف بن موسى أن أبا ms049 ~~عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- قيل له: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ويكلمونه ~~ويكلمهم؟ قال: نعم ينظر إليهم وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه كيف شاء وإذا ~~شاء. # وقال أيضا: أخبرني عبد الله بن حنبل أخبرني أبي حنبل بن إسحاق قال: # قال عمي: نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء. # قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: قلت لأبي عبد الله: ~~الله يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم فمن يقضي بين الخلائق إلا الله عز ~~وجل يكلم عبده ويسأله، الله متكلم لم يزل الله متكلما يأمر بما شاء، ويحكم ~~بما شاء، وليس له عدل ولا مثل كيف شاء وأين شاء. # قال الخلال وأن محمد بن علي بن بحر أن يعقوب بن بحتان حدثهم أن أبا عبد ~~الله سئل عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت. قال: بلى تكلم بصوت وهذه الأحاديث ~~كما جاءت نرويها لكل حديث وجه يريدون أن يموهوا على الناس، إن من زعم أن ~~الله لم يكلم موسى فهو كافر. # وأخبرنا المروزي سمعت أبا عبد الله وقيل له أن عبد الوهاب قد تكلم، وقال: ~~من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام فتبسم أبو ~~عبد الله وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله. # وعن عبد الله بن أحمد أيضا سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى # PageV01P068 # لم يتكلم بصوت فقال أبي: بل تكلم تبارك وتعالى بصوت وهذه الأحاديث نرويها ~~كما جاءت، وحديث ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة ~~على الصفوان «1» قال أبي: والجهمية تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن ~~يموهوا على الناس، إن من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر. # قلت: قد بين الإمام أحمد وغيره من السلف أن الصوت الذي تكلم الله تعالى ~~به ليس هو الصوت المسموع، وسئل أحمد عن قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا ~~من لم يتغن بالقرآن» «2» قال: هو الرجل يرفع صوته به، هذا ms050 معناه، وقال في ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # «زينوا القرآن بأصواتكم» «3»: يحسنه بصوته. # وقال البخاري في كتاب خلق الأفعال: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وليس هذا لغير الله «4»، ~~قال البخاري PageV01P069 # وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله يسمعه ~~من بعد كما يسمعه من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته «1» فإذا ينادي ~~الملائكة لم يصعقوا قال تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا «2» فليس لصفة الله ~~ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين. # ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # «يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا ~~الملك الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وواحد من أهل ~~النار يطلبه بمظلمة» «3» وذكر الحديث الذي رواه أيضا في صحيحه في هذا ~~المعنى في قوله: # حتى إذا فزع عن قلوبهم «4» عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «يقول الله يوم القيامة يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن ~~الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب ما بعث النار؟ قال ~~من كل ألف- أراه قال:- تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» «5». # وذكر البخاري حديث ابن مسعود الذي استشهد به أحمد وذكر الحديث الذي ~~PageV01P070 # رواه في صحيحه عن عكرمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه ~~سلسلة على صفوان» «1» حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا ~~الحق وهو العلي الكبير «2». # وذكر البخاري حديث ابن عباس المعروف من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ~~ابن عباس عن نفر من الأنصار وقد رواه أحمد ومسلم في صحيحه ms051 وساقه البخاري من ~~طريق ابن إسحاق عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: # «ما تقولون في هذه النجوم التي يرمى بها»؟ قالوا: كنا نقول حين رأيناها ~~يرمى بها: مات ملك، ولد مولود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس ~~ذلك كذلك ولكن إذا قضى الله في خلقه أمرا يسمعه حملة العرش فيسبحون، فيسبح ~~من تحتهم بتسبيحهم، فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى ~~السماء الدنيا، حتى يقول بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا ~~فسبحنا بتسبيحهم، فيقولون ألا تسألون من فوقكم لم سبحتم؟ فيسألونهم ~~فيقولون: # قضى الله في خلقه كذا وكذا الأمر الذي كان يهبط الخبر من سماء إلى سماء ~~حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثون به فتسترقه الشياطين بالسمع على ~~توهم منهم واختلاف، ثم يأتون به الكهان من أهل الأرض فيحدثهم، فيخطئون ~~ويصيبون، فيحدث به الكهان» «3». # قال البخاري: ولقد بين نعيم بن حماد «4» أن كلام الرب ليس يخلق، وأن ~~العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن ~~PageV01P071 # له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة فضيق عليه حتى مضى لسبيله، ~~وتوجع أهل العلم لما نزل به. # قال البخاري: وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس ~~بمارق ولا مبتدع. # وقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين: ومما يجب الإيمان به ~~التصديق بأن الله متكلم، وأن كلامه قديم، وأنه لم يزل متكلما في كل أوقاته ~~موصوفا بذلك، وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة، قال: وقد علم أن المذهب ~~أن كون الكلام صفة ومتكلما به ولم يزل موصوفا بذلك ومتكلما إذا شاء وبما ~~شاء، ولا نقول إنه ساكت في حال ومتكلم في حال من حيث حدوث الكلام. قال: ولا ~~خلاف عن أبي عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- أن الله لم يزل متكلما قبل أن ~~يخلق الخلق وقبل كل الكائنات وأن الله كان فيما لم يزل متكلما كيف ms052 شاء وكما ~~شاء، إذا شاء أنزل كلامه وإذا شاء لم ينزله، فقد ذكر ابن حامد أنه لا خلاف ~~في مذهب أحمد أنه سبحانه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء. ثم ذكر قولين هل ~~هو متكلم دائما بمشيئته أو أنه لم يزل موصوفا بذلك متكلما إذا شاء، وساكتا ~~إذا شاء لا بمعنى أنه يتكلم بعد أن لم يزل ساكتا فيكون كلامه حادثا كما ~~يقول الكرامية فإن قول الكرامية في الكلام لم يقل به أحد من أصحاب أحمد؛ ~~وكذلك ذكر القولين أبو بكر عبد العزيز في أول كتابه الكبير المسمى بالمقنع. # وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب إيضاح البيان في مسألة القرآن. ~~قال أبو بكر: لما سألوه إنكم إذا قلتم لم يزل متكلما كان ذلك عبثا فقال: ~~لأصحابنا قولان أحدهما أنه لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس كما ~~أن ضد العلم الجهل قال: ومن أصحابنا من قال: أثبت لنفسه أنه خالق، ولم يجز ~~أن يكون خالقا في كل حال بل قلنا إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق، وإن لم ~~يكن خالقا في كل حال ولم يبطل أن يكون خالقا كذلك، وإن لم يكن متكلما في كل ~~حال لم يبطل أن يكون متكلما بل هو متكلم خالق وإن لم يكن خالقا في كل حال ~~ولا متكلما في كل حال. # قال القاضي أبو يعلى في هذا الكتاب: نقول أنه لم يزل متكلما وليس بمتكلم، ~~ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه، نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: لم يزل الله ~~متكلما عالما غفورا قال: وقال في رواية عبد الله: لم يزل متكلما إذا شاء، ~~وقال حنبل في موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلما ~~والقرآن كلام الله غير مخلوق. # PageV01P072 # قلت: أحمد أخبر بدوام كلامه سبحانه ولم يخبر بدوام تكلمه بالقرآن بل قال: ~~والقرآن كلام الله غير مخلوق. # قال القاضي: قال أحمد في الجزء الذي رد فيه على الجهمية والزنادقة: # وكذلك الله يتكلم كيف ms053 شاء من غير أن نقول من جوف ولا فم ولا شفتين، قال ~~بعد ذلك: بل نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا ~~يتكلم حتى خلق. # وقال أبو إسماعيل الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام في مناقب الإمام أحمد لما ~~ذكر كلامه في مسألة القرآن وترتيب حدوث البدع قال: وجاءت طائفة فقالت لا ~~يتكلم بعد ما تكلم فيكون كلامه حادثا، قال: وهذه أغلوطة أخرى في الدين غير ~~واحدة، فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة «1» وكانت نيسابور دار الآثار تمد ~~إليها وتشد إليها الركائب ويجلب منها العلم فابن خزيمة في بيت ومحمد بن ~~إسحاق- يعني السراج «2» - في بيت، وأبو حامد بن الشرقي في بيت، قال: فطار ~~لتلك الفتنة الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها، يصنف في ردها كأنه منذر ~~جيش حتى دون في الدفاتر وتمكن في السرائر وتفسير في الكتاتيب ونقش في ~~المحاريب: # أن الله متكلم إن شاء تكلم وإن شاء سكت، قال: فجزى الله ذلك الإمام ~~وأولئك النفر على نصر دينه وتوقير نبيه خيرا. # قلت: لفظ السكوت يراد به السكوت عن شيء خاص، وهذا مما جاءت به ~~PageV01P073 # الآثار كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ~~وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان، فلا تسألوا ~~عنها ... » «1» # الحديث. # والحديث المعروف عن سلمان مرفوعا وموقوفا: «الحلال ما أحل الله في كتابه، ~~والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» «2». # والعلماء يقولون: أن مفهوم الموافقة أن يكون الحكم في المسكوت عنه أولى ~~منه في المنطوق به، ومفهوم المخالفة: أن يكون الحكم في السكوت مخالفا للحكم ~~في المنطوق به «3». # أما السكوت المنطوق به فهذا هو الذي ذكروا فيه القولين والقاضي أبو يعلى ~~وموافقوه على أصل ابن كلاب يتأولون كلام أحمد والآثار في ذلك بأنه سكوت عن ~~الإسماع لا عن التكليم. PageV01P074 # وكذلك تأول ابن عقيل «1» كلام أبي إسماعيل الأنصاري، ليس مرادهم ذلك كما ~~هو بين لمن تدبر كلامهم ms054 مع أن الإسماع على أصل النفاة إنما هو خلق إدراك في ~~السماع ليس سببا يقوم بالمتكلم فكيف يوصف بالسكوت لكونه لم يخلق إدراكا ~~لغيره؟ # فأصل ابن كلاب الذي وافقه عليه القاضي وابن عقيل وابن الزغواني وغيرهم ~~أنه منزه عن السكوت مطلقا فلا يجوز عندهم أن يسكت عن شيء من الأشياء إذ ~~كلامه صفة قديمة لذاته لا تتعلق عندهم بمشيئته كالحياة حتى يقال إن شاء ~~تكلم بكذا، وإن شاء سكت عنه. # ولا يجوز عندهم أن يقال إن الله سكت عن شيء كما جاءت به الآثار بل ~~يتأولونه على عدم خلق الإدراك لأنه منزه عن الخرس باتفاق الأمة، هذا مما ~~احتجوا به على قدم الكلام وقالوا: لو لم يكن متكلما للزم اتصافه بضده ~~كالسكوت والخرس، وذلك ممتنع عندهم سواء قيل هو سكوت مطلق أو سكوت عن شيء ~~معين. # وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه ~~(الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول) وذكر اثني عشر إماما الشافعي ومالك ~~وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة وابن المبارك وإسحاق بن ~~راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، قال فيه سمعت الإمام أبا منصور يقول: # سمعت الإمام أبا بكر عبيد الله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد ~~الأسفرائيني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله ~~تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا فما بين الدفتين وما في ~~صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومنقوشا كل PageV01P075 # حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر ~~عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين. # قال أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب ~~الكلام وقال: لم تزل أئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينتسبوا إلى ~~الأشعري ويتبرءون مما بنى مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم من الحوم ms055 ~~حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن ابن أحمد ~~الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد ~~بن طاهر الأسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا إذا سعى إلى ~~الجمعة من قطعية الكرخ إلى الجامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالروزي ~~المحاذي للجامع، يقبل على من حضر ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق كما قال أحمد بن حنبل لا كما يقول الباقلاني، ويتكرر ذلك منه، ~~فقيل له في ذلك فقال: حتى تنتشر في الناس وفي أهل البلاد ويشيع الخبر في ~~أهل البلاد أني بريء مما هم عليه- يعني الأشعرية- وبرئ من مذهب أبي بكر ~~الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ~~ويقرءون عليه فيعتنون بمذهبه فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة ~~فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته. # قال: وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن العجلي سمعت عدة من المشايخ ~~والأئمة ببغداد أظن أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا: كان أبو بكر الباقلاني ~~يخرج إلى الحمام مبرقعا خوفا من الشيخ أبي حامد الأسفرائيني «1» والكلام ~~على ما وقع من إنكار أبي حامد وغيره من أئمة الإسلام على القاضي أبي بكر مع ~~جلالة قدره وكثرة رده على أهل الإلحاد والبدع بسبب هذا الأصل الذي بنى عليه ~~مذهبه طويل ولبسطه موضع آخر. # وإنما المقصود هنا التنبيه على بعض من أثبت هذا الأصل ولم يوافق على ~~النفاة، والحارث المحاسبي قد ذكر القولين عن أهل السنة المثبتين الصفات ~~والقدر فقال في كتاب «فهم القرآن» لما تكلم على ما لا يدخل فيه النسخ وما ~~يدخل فيه النسخ، وما يظن أنه متعارض من الآيات وذكر عن أهل السنة في ~~الإرادة والسمع PageV01P076 # والبصر قولين في مثل قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله «1» ~~وقوله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها «2» وقوله تعالى: إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) «3» وكذلك قوله: إنا ms056 معكم ~~مستمعون «4» وقوله تعالى: # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون «5» ونحو ذلك فقال: ذهب ~~قوم من أهل السنة إلى أن لله استماعا حادثا في ذاته، وذكر أن هؤلاء وبعض ~~أهل البدع تأولوا ذلك في الإرادة على الحوادث قال: فأما من أدى السنة فأراد ~~إثبات القدر فقال: # إرادة الله تحدث من تقدير سابق للإرادة. # أما بعض أهل البدع فزعموا أن الإرادة هي خلق حادث وليست مخلوقة ولكن بها ~~كون الله المخلوقين قال: وزعموا أن الخلق غير المخلوق وأن الخلق هو ~~الإرادة، وإنها ليست بصفة لله من نفسه قال: وكذلك قال بعضهم أن رؤيته تحدث. # قال محمد بن الهيصم في كتاب «حمل الكلام» لما ذكر الكلام وأنه مبني على ~~خمسة فصول: # أحدها: أن القرآن كلام الله، وقد حكي عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام ~~الله على الحقيقة وإنما هو كلام خلقه الله فنسب إليه كما قيل: سماء الله ~~وأرض الله، وكما قيل: بيت الله وشهر الله. # وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا ~~جهما في المعنى حيث قالوا كلام خلقه بائنا عنه. # وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على الحقيقة وأنه تكلم به. # والفصل الثاني: أن القرآن غير قديم فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا أن ~~الله لم يزل متكلما بالقرآن، وقال أهل الجماعة إنما تكلم بالقرآن حيث خاطب ~~به جبريل، وكذلك سائر الكتب. # والفصل الثالث: أن القرآن غير مخلوق فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة ~~زعموا إنه مخلوق، وقال أهل الجماعة: إنه ليس بمخلوق. PageV01P077 # والفصل الرابع: أنه غير بائن منه فإن الجهمية وأتباعهم من المعتزلة ~~قالوا: إن القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه، وزعموا أن الله خلق كلاما ~~في الشجرة فسمعه موسى، وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل، ولا يصح عندهم ~~أنه وجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة. # وقال أهل الجماعة: بل القرآن غير بائن من الله وإنما هو موجود منه وقائم ~~به. # وذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق ms057 وغير ذلك ما يوافق ~~التي ليست أعيانها قديمة ولا مخلوقة، وهو يحكي ذلك عن أهل الجماعة. # وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد ~~على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد قال: وادعى ~~المعارض أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ~~حين يمضي من الليل الثلث، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟» ~~«1». # قال: فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على ~~العرش وكل مكان من غير زوال لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول. # قال: فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده ~~بيان، ولا لمذهبه برهان لأن أمر الله ورحمته تنزل في كل ساعة ووقت وأوان، ~~فما بال النبي صلى الله عليه وسلم يحد لنزوله الليل دون النهار، ويوقت في ~~الليل شطره أو الأسحار أفأمره ورحمته تدعوان العباد إلى الاستغفار؟ أو يقدر ~~الأمر والرحمة أن يتكلما دونه؟ فيقولا: «هل من داع فأجيب له؟ هل من مستغفر ~~فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟» فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة ~~والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله وهذا ~~محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء. # وقد علمتم ذاك ولكن تكابرون، ما بال أمره ورحمته ينزلان من عنده شطر ~~الليل ثم لا يمكثان إلى طلوع الفجر ثم يرفعان لأن رفاعة يرويه ويقول في ~~حديثه PageV01P078 # حتى ينفجر الفجر، وقد علمتم إن شاء الله أن هذا التأويل أبطل باطل ولا ~~يقبله إلا كل جاهل. # وأما دعواك أن تفسير القيوم: الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل ~~منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن ~~بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء، ~~ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء لأن ذلك أمارة ما ~~بين الحي ms058 والميت، لأن كل متحرك لا محالة حي، وكل ميت غير متحرك لا محالة. # ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة؟ ~~إذ فسر نزوله مشروطا منصوصا ووقت له وقتا موضوحا لم يدع لك ولا لأصحابك فيه ~~لبسا ولا عويصا. # قال: ثم أجمل المعارض جميع ما أنكره الجهمية من صفات الله تعالى وذواته ~~المسماة في كتابه وآثار رسوله صلى الله عليه وسلم فعد منها بضعا وعشرين صفة ~~نقشا، وأخذ يتكلم عليها ويفسرها بما حكى المريسي وفسرها وتأولها حرفا حرفا ~~خلاف ما عنى الله ورسوله، وخلاف ما تأولها الفقهاء والصالحون لا يعتمد في ~~أكثرها إلا على المريسي فبدأ منها بالوجه ثم بالسمع والبصر والغضب والرضا ~~والحب والبغض والفرح والكره والضحك والعجب والسخط والإرادة والمشيئة ~~والأصابع والكف والقدمين وقوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه «1» وقوله ~~تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله «2» وهو السميع البصير «3» لما خلقت بيدي ~~«4» وقالت اليهود يد الله مغلولة «5» يد الله فوق أيديهم «6» والسماوات ~~مطويات بيمينه «7» وقوله: فإنك بأعيننا «8» وهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ~~في ظلل من الغمام والملائكة «9» وجاء ربك والملك صفا صفا (22) «10» الذين ~~يحملون العرش ومن حوله «11» وقوله: ويحذركم الله نفسه «12» ولا يكلمهم الله ~~ولا ينظر إليهم يوم القيامة «13» وكتب ربكم على نفسه PageV01P079 # الرحمة «1» قال تعالى: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك «2» وإن الله ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين «3». # قال: عمد المعارض إلى هذه الصفات فنسقها ونظم بعضها إلى بعض كما نظمها ~~شيئا بعد شيء ثم قررها أبوابا في كتاب وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية ~~معتمدا على الرابع الجهمي بشر بن غياث المريسي عند الجهال بالتشنيع بها على ~~قوم يؤمنون بالله ويصدقون بالله ورسوله فيها بغير تكييف ولا تمثيل، فزعم أن ~~هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها وينسبونها بذوات أنفسهم، وأن العلماء بزعمه ~~قالوا ليس في شيء منها اجتهاد رأي لندرك كيفية ذلك أو يشبه فيها شيء مما هو ~~في الخلق موجود. # قال: وهذا خطأ، كما أن الله ليس كمثله شيء ms059 فكذلك ليس ككيفيته شيء. # قال أبو سعيد عثمان بن سعيد: فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع أن ~~قوله: كيفية هذه الصفات وتشبيهها مما هو في الخلق خطأ، فإنا لا نقول إنه ~~خطأ كما قلت بل هو عندنا كفر، ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما هو في الخلق ~~موجود أشد أنفا منكم غير أنا كما لا نشبهها ولا نكيفيها لا نكفر بها ولا ~~نكذبها ولا نبطلها بتأويل الضلال كما أبطلها إمامك المريسي. # قال: وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا نجيز اجتهاد ~~الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا ونسمعها بآذاننا ~~فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون وقصرت عنها الظنون؟ غير أنا لا نقول ~~فيها كما قال المريسي: إن هذه الصفات كلها شيء واحد وليس السمع منه غير ~~البصر، ولا الوجه منه غير اليد، ولا الذات غير النفس، وإن الرحمن ليس يعرف- ~~بزعمكم- لنفسه سمعا من بصر، ولا بصرا من سمع، ولا وجها من يدين، ولا يدين ~~من وجه، وهو كله- بزعمكم- سمع وبصر ووجه، وأعلى وأسفل ويد ونفس وعلم ومشيئة ~~وإرادة، مثل خلق السموات والأرض والجبال والتلال والهواء التي لا يعرف لشيء ~~منها شيء من هذه الصفات والذوات، ولا يوقف لها منها على شيء فالله تعالى ~~عندنا أن يكون كذلك فقد ميز الله تعالى في كتابه السمع من البصر، وذكر ~~PageV01P080 # الآيات الواردة في ذلك فقال تعالى: إنني معكما أسمع وأرى «1» قال تعالى: # إنا معكم مستمعون «2» وقال: ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم «3» ففرق بين ~~الكلام والنظر دون السمع فقال عند السمع والصوت قال تعالى: قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع ~~بصير (1) «4» لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء «5» ~~ولم يقل رأى الله قول التي تجادلك في زوجها، وقال تعالى في موضع الرؤية قال ~~تعالى: الذي يراك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) «6» وقال تعالى: ~~وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون «7» ولم يقل يسمع الله ms060 تقلبك ~~ويسمع الله عملكم فلم يذكر الرؤية فيما يسمع ولا السمع فيما يرى لما أنهما ~~عنده خلاف ما عندكم ... وذكر كلاما طويلا في الرد على النفاة. ### | مذهب أهل الحديث في الصفات وذكر الآيات الدالة على ذلك # قلت: وكلام أهل الحديث والسنة في هذا الأصل كثير جدا. # وأما الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل فكثيرة جدا يتعذر أو يتعسر ~~حصرها، ولكن نذكر بعضها، وقد جمع الإمام أحمد كثيرا من الآيات الدالة على ~~هذا الأصل وغيره مما يقوله النفاة، وذكرها عنه الخلال في كتاب السنة وذلك ~~كقوله تعالى: فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) «8» وقوله تعالى: ~~وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) «9». # وقوله تعالى: فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة ~~من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) «10» وقوله تعالى: هل ~~أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) «11» فوقت النداء ~~بقوله: «فلما» وبقوله: «إذ» فعلم أنه كان في وقت مخصوص لم يناداه قبل ذلك، ~~وقوله تعالى: ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم ~~الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) «12». PageV01P081 # وقال تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم «1» ~~فأخبر سبحانه أنه قال لهم ذلك بعد أن خلق آدم وصوره لا قبل ذلك، وقال ~~تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~~(59) «2» وقال تعالى: # وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق «3» ~~وقال تعالى: بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~(117) «4» وقال تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) ~~«5» وإذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، وأن الفعل المضارع للاستقبال. # وقال تعالى: وإذ قال ربك للملائكة «6» وقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان «7» وقال تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون «8» وقال ms061 تعالى: ثم استوى إلى السماء وهي دخان «9» ~~وقال تعالى: # الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام «10» وقال تعالى: هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام «11» وقال تعالى: هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك «12» وقال تعالى: وجاء ربك ~~والملك صفا صفا (22) «13» وقال تعالى: ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون «14» وقال تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) «15» قال تعالى: وإذا ~~أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال «16» وقال تعالى: ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله «17» وقال موسى: ستجدني إن شاء الله ~~صابرا «18» وقال إسماعيل: ستجدني إن شاء الله من الصابرين «19» وقال صاحب ~~مدين لموسى: ستجدني إن شاء الله من الصالحين «20» وأدوات الشرط تخلص الفعل ~~للاستقبال. PageV01P082 # ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال: إن شاء الله فإن ~~شاء فعل وإن شاء ترك» «1» رواه أهل السنن، واتفق الفقهاء على ذلك، وكذلك ما ~~في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن سليمان أنه قال: «لأطوفن ~~الليلة على تسعين امرأة تأتي كل امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له ~~صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل فلم تلد منهن إلا امرأة جاءت بشق ولد، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: فلو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله ~~فرسانا أجمعين» «2». # وقال تعالى: كل يوم هو في شأن «3» وقال تعالى: فاذهبا بآياتنا إنا معكم ~~مستمعون «4» وقال تعالى لموسى وهارون: إنني معكما أسمع وأرى «5» وقال ~~تعالى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80) ~~«6» وقال تعالى: # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء «7» وقال تعالى: ~~قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها «8». # وقال تعالى: الله نزل أحسن الحديث «9» وقال تعالى: فبأي حديث بعده يؤمنون ~~(185) «10» وقال تعالى: ومن أصدق من الله حديثا «11» وقال ms062 تعالى: فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم «12» وقال تعالى: ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) «13». # وقال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم «14» وقال PageV01P083 # تعالى: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا ~~يرضه لكم «1» فأخبر أن طاعته سبب لمحبته ورضاه، ومعصيته سبب لسخطه وأسفه، ~~وقال تعالى: # فاذكروني أذكركم «2» وجواب الشرط مع الشرط كالسبب مع مسببه. # ومثله في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله ~~تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير ~~منهم، ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه ~~باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» «3». # وقال تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93) «4» وأما أفعاله المتعدية إلى المفعول ~~به الحادثة وذكرها في القرآن العزيز فكثير جدا، كقوله: ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى (5) «5» وقوله تعالى: فسنيسره لليسرى (7) «6» فسنيسره للعسرى (10) ~~«7» وقوله تعالى: فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) «8» وقوله تعالى: من نطفة ~~خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء ~~أنشره (22) كلا لما يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا ~~صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) «9». # وقوله تعالى: وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه «10» وقوله ~~تعالى: ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) «11» وقوله تبارك ~~وتعالى: PageV01P084 # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~(13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) «1». # وقال تعالى: خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم ~~الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) «2». # وقوله تعالى: أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع ms063 سمكها فسواها (28) ~~وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ~~ومرعاها (31) «3». # وقوله تعالى: ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها «4» وقال تعالى: ~~من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه «5». # قال تعالى: ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين ~~لا يعلمون (18) «6» وقوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~«7». # ومثل هذا كثير في القرآن والاحتجاج به ظاهر على قول الجمهور الذين يجعلون ~~الخلق غير المخلوق وهو الصواب فإن الذين يقولون: الخلق هو المخلوق قولهم ~~فاسد. # وقد بينا فساده في غير هذا الموضع وشبهتهم أنه لو كان غيره لكان إن كان ~~قديما لزم قدم المخلوق وإن كان محدثا احتاج إلى خلق آخر فيلزم التسلسل وإن ~~كان قائما به فيكون محلا للحوادث. # وقد أجابهم الناس عن هذا كل قوم بجواب يبين فساد قولهم، وطائفة منعت قدم ~~المخلوق كالإرادة فإنهم سلموا أنها قديمة مع حدوث المراد، وطائفة منعت ~~قيامه به وقالت: لا يقوم به الخلق فلأن يكون محلا للحوادث، فإذا قالوا: إن ~~الخلق هو المخلوق ولا يقوم به فلأن يجوز أن يكون غير المخلوق ولا يقوم به ~~PageV01P085 # أولى، وطائفة قالت: لا نسلم أنه إذا افتقر المخلوق المنفصل إلى خلق أن ~~يفتقر ما يقوم به من الخلق إلى خلق آخر بل يكتفي فيه القدرة والمشيئة فإنكم ~~إذا جوزتم وجود الحادث الذي يباينه بمجرد القدرة والمشيئة فوجود ما لا ~~يباينه أولى بالجواز وهؤلاء وغيرهم يمانعونهم في قيام الحوادث به، وطائفة ~~منعت امتناع التسلسل في الآثار والأفعال وقالت: إنما يمتنع في الفاعلين لا ~~في الفعل كما قد بسط في موضع آخر. ### | ذكر الأحاديث الدالة على الصفات # وأما الأحاديث الدالة على هذا الأصل التي في الصحاح والسنن والمسانيد ~~وغيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر من أن يحصيها واحد، كقوله في ~~الحديث المتفق على صحته عن زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة بالحديبية على أثر سماء ms064 كانت من الليل فقال: «أتدرون ماذا ~~قال ربكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي؛ فمن قال: مطرنا ~~بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا ~~فهو كافر بي مؤمن بالكوكب» «1». # وفي الصحيحين في حديث الشفاعة يقول كل من أولي العزم من الرسل مع آدم: # «إن ربي قد غضب اليوم غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» ~~«2». # وقوله في الحديث الصحيح: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجر ~~السلسلة على الصفوان» «3». # وقوله في الحديث الصحيح: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء ومما أحدث أن لا ~~يتكلموا في الصلاة» «4». PageV01P086 # وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث التجلي المتفق على صحته من غير وجه: ~~«ويقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله ~~في صورته التي يعرفون» «1». # وقوله في الحديث المتفق عليه: «لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن ممن أضل ~~راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، فنام تحت شجرة ينتظر الموت ~~فلما استيقظ إذا بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ~~فرح هذا براحلته» «2». # وقوله في الحديث الصحيح: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما ~~يدخل الجنة» «3» وقوله في حديث الرجل: «هو آخر من يدخل الجنة» وهو حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه الذي يقول الله فيه: «أولست قد أعطيت العهود والمواثيق ~~أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ # فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه ثم يأذن له في دخول ~~الجنة» «4». # وفي حديث ابن مسعود وهو حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيقول ~~الله: يا ابن آدم أترضى أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب أتستهزئ ~~بي وأنت رب العالمين»؟ وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا ~~تسألوني مما ضحكت؟» فقالوا: لم ضحكت؟ فقال: «من ضحك رب العالمين حين قال: ~~أتستهزئ بي وأنت رب PageV01P087 # العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ بك ولكني على ما ms065 أشاء قادر» «1». # وفي حديث أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينظر إليكم أذلين ~~قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرحكم قريب؟» فقال له أبو رزين: أو يضحك الرب؟ ~~قال: # «نعم»، قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا «2». # وفي الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ~~فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب ~~العالمين (2) قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله: أثنى ~~علي عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين (4) قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: ~~إياك نعبد وإياك نستعين (5) قال الله عز وجل: هذه الآية بيني وبين عبدي ~~نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) قال الله: هؤلاء لعبدي ~~ولعبدي ما سأل» «3». # وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه: «ينزل ربنا كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب ~~له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر» «4». ~~PageV01P088 # وقوله في الحديث الصحيح حديث الأنصاري الذي أضاف رجلا وآثره على نفسه ~~وأهله فلما أصبح الرجل غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لقد ضحك ~~الله الليلة- أو قال- عجب من فعالكما- أو قال:- من أفعالكما الليلة» وأنزل ~~الله تعالى: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة «1»» «2». # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله ~~مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» «3». # وفي الصحيح عنه أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر ~~إلى قلوبكم وأعمالكم» «4». # وفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~قاعدا في أصحابه إذ جاءه ثلاثة نفر فأما رجل فرأى في الحلقة فرجة فجلس ~~فيها، وأما رجل فجلس خلفهم، وأما رجل فانطلق فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «ألا أخبركم عن هؤلاء النفر؟ # أما الرجل الذي جلس في ms066 الحلقة فرجل آوى إلى الله فآواه الله، وأما الرجل ~~الذي جلس في خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الرجل الذي انطلق ~~فأعرض فأعرض الله عنه» «5». # وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: من ~~عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت ~~عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه ~~الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي ~~بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي PageV01P089 # يبطش وبي يمشي، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي ~~عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» «1». # وفي الصحيحين عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأنصار ~~لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم ~~أبغضه الله» «2». # وفي الصحيحين عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحب ~~لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة ~~رضي الله عنها: إنا نكره الموت قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت ~~يبشر برضوان الله وكرامته فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، ~~وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وسخطه فكره لقاء الله وكره الله ~~لقاءه» «3». # وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قالوا: أنزل علينا ثم كان من المنسوخ: ~~«أبلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» «4». # وفي حديث عمرو بن مالك الرواسي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ~~يا رسول الله أراض عني؟ قال: فأعرض عني ثلاثا. # فقلت: يا رسول الله: إن الله ليرضى فارض عني فرضي عني «5». PageV01P090 # وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتد ~~غضب الله على قوم فعلوا برسول الله» وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، وقال: ~~«اشتد غضب الله على رجل ms067 يقتله رسول الله في سبيل الله» «1». # وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول في سجوده: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك ~~منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» «2». # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لما قضى الله الخلق ~~كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» «3»، وفي ~~رواية: # «سبقت». # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وفي ~~صلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف ~~تركتم عبادي؟. # قالوا: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون» «4». # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم ~~الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» «5». PageV01P091 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض الله ~~الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» «1». # وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ~~منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فينظر أيمن ~~منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، وينظر ~~أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، ~~فإن لم يجد فبكلمة طيبة» «2». # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون ~~الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. # قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم ~~منهم: ما يقول عبادي؟ # قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. # قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا ms068 والله ما رأوك. # قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ # قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد تمجيدا، وأكثر تسبيحا. # قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة. # قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. # قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها ~~حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة. # قال: فمما يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ ~~PageV01P092 # قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها؟ # قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، ~~وأشد لها مخافة. # قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. # قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة. # قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» «1». # وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليدنوا ~~أحدكم من ربه حتى ليقفه عليه فيقول: عملت كذا وكذا فيقول: نعم يا رب، ~~فيقرره ثم يقول: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى ~~كتاب حسناته، وهو قوله تعالى: هاؤم اقرؤا كتابيه «2» وأما الكافر والمنافق ~~فينادون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» «3». # فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه سبحانه يقول قولا ثم يقول العبد ثم يقول ~~الرب تعالى قولا آخر. # وهذا الأصل العظيم دلت عليه الكتب المنزلة من الله- القرآن والتوراة ~~والإنجيل- وكان عليه سلف الأمة وأئمتها بل وعليه جماهير العقلاء وأكابرهم ~~وجميع الطوائف حتى من الفلاسفة. PageV01P093 ### | فصل [طريقة إثبات السلف والأئمة لكلام الله سبحانه والرد على المشبهة] # وأما قوله: (والدليل على كونه متكلما أنه آمر وناه لأنه بعث الرسل لتبليغ ~~أوامره ونواهيه ولا معنى لكونه متكلما إلا ذلك) فنقول: السلف والأئمة ~~وغيرهم لهم في إثبات كونه متكلما طريقان فإنهم يثبتون ذلك بالسمع تارة ~~وبالعقل أخرى كما يوجد مثل ذلك في كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وفي ~~كلام متكلمة الصفاتية كعبد العزيز المكي وأبي محمد بن كلاب وأبي ms069 عبد الله ~~بن كرام وأبي الحسن الأشعري ونحوهم، والطرق التي أظهروها من العقليات قد دل ~~عليها القرآن، وأرشد إليها كما دل القرآن على الطرق العقلية التي يثبت بها ~~سائر قواعد العقائد المسماة بأصول الدين. # لكن الدليل قد تتنوع عباراته وتراكيبه فإنه تارة يركب على وجه الشمول ~~المنقسم إلى قياس تداخل وقياس تلازم وقياس تعاند الذي يسمى بالحملي والشرطي ~~المتصل والشرطي المنفصل، وتارة يركب على وجه قياس التمثيل المفيد لليقين ~~بأن يجعل المشترك بين الأصل والفرع الذي يسمى في قياس التمثيل: المناط ~~والوصف والعلة والمشترك والجامع ونحو ذلك من العبارات هو الحد الأوسط في ~~قياس الشمول فإذا قال ناظم القياس الأول: نبيذ الحبوب المسكر حرام قياسا ~~على خمر العنب لأنه خمر فكان حراما قياسا عليه فهذا كمال في نظم قياس ~~الشمول: # هذا خمر وكل خمر حرام، أو فيه الشدة المطربة وما فيه الشدة المطربة فهو ~~حرام وما يثبت به هذه المقدمة الكبرى يثبت به كون المشترك علة الحكم. # وبهذا تبين أن قياس التمثيل قد يكون أتم في البيان من قياس الشمول، فأما ~~ما يقوله طائفة من النظار من أن قياس الشمول هو الذي يفيد اليقين دون ~~التمثيل فهذا لا يصح إلا بحسب المواد بأن يوجد ذلك في مادة يقينية وهذا في ~~مادة ظنية، وحينئذ فقد يقال: بل ذلك يفيد اليقين دون هذا، وسبب غلطهم أنهم ~~تعودوا كثيرا استعمال التمثيل في الظنيات واستعمال الشمول في اليقينيات ~~عندهم فظنوا هذا من صور القياس، وليس الأمر كذلك بل هو من المادة. # PageV01P094 # وقد بسط الكلام على هذا في مواضع غير هذا الموضع كالرد على الغالطين في ~~المنطق وغير ذلك، ثم القياس تارة يعتبر فيه القدر المشترك من غير اعتبار ~~الأولوية، وتارة يعتبر فيه الأولوية فيؤلف على وجه قياس الأولى، وهو إن كان ~~قد يجعل نوعا من قياس الشمول والتمثيل فله خاصة يمتاز بها عن سائر الأنواع ~~وهو أن يكون الحكم المطلوب أولى بالثبوت من الصورة المذكورة في الدليل ~~الدال عليه، وهذا النمط هو الذي كان ms070 السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره من ~~السلف يسلكونه من القياس العقلي في أمر الربوبية وهو الذي جاء به القرآن ~~وذلك أن الله سبحانه لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قياس الشمول الذي تستوي ~~أفراده ولا تحت قياس التمثيل الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع، فإن الله ~~تبارك وتعالى ليس كمثله شيء لا في نفسه المذكورة بأسمائه ولا في صفاته ولا ~~في أفعاله ولكن يسلك في شأنه قياس الأولى كما قال: # ولله المثل الأعلى «1». # فإنه من المعلوم أن كل كمال ونعت ممدوح لنفسه لا نقص فيه يكون لبعض ~~الموجودات المخلوقة المحدثة، فالرب الخالق الصمد القيوم القديم الواجب ~~الوجود بنفسه هو أولى به، وكل نقص وعيب يجب أن ينزه عنه بعض المخلوقات ~~المحدثة الممكنة فالرب القدوس السلام القديم الواجب وجوده بنفسه هو أولى ~~بأن ينزه عنه. # وأما إذا سلك مسلك المشبهين لله بخلقه المشركين به الذين يجعلون له عدلا ~~وندا ومثلا، فيسوون بينه وبين غيره في الأمور كما يفعله أهل الضلال من أهل ~~الفلسفة والكلام من المعتزلة وغيرهم، فإن ذلك يكون قولا باطلا من وجوه، ~~منها: # أن تلك القضية الكلية التي تعمه وغيره قد لا يمكنها إثباتها عامة إلا ~~بمجرد قياس التمثيل، وقياس التمثيل إن أفاد اليقين في غير هذا الموضع ففي ~~هذا الموضع قد لا يفيد الظن للعلم بانتفاء الفارق. # ومنها: أنهم إذا حكموا على القدر المشترك الذي هو الحد الأوسط بحكم ~~يتناوله والمخلوقات كانوا بين أمرين إما أن يجعلوه كالمخلوقات، أو يجعلوا ~~المخلوقات مثله فينتقض عليهم طرد الدليل فيبطل. # ومثال ذلك إذا قال الفيلسوف: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وهو واحد ~~فلا يصدر عنه إلا واحد، فإنه يحتاج أن يعلم أولا قوله الواحد لا يصدر عنه ~~PageV01P095 # إلا واحد، فإن هذه قضية كلية، وكل قياس شمولي فلا بد فيه من قضية كلية، ~~وعلله بأن كل واحد لا يصدر عنه إلا واحد إما أن يكون باستقراء الآحاد، وإما ~~بقياس بعضها إلى بعض، وهذا استقراء ناقص وهذا تمثيل وهما عنده ms071 لا يفيدان ~~اليقين. فإن قال: أعلم بالبديهة أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان هذا ~~مكابرة لعقله فإن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست مغروزة في ~~الفطرة ابتداء بدون العلم بأمور معينة منها. # لكن لكثرة العلم بالأمور المعينة الجزئية يجرد العقل الكليات فتبقى ~~القضية العامة ثابتة في العقل لا تحتاج إلى شواهد وأمثلة جزئية إلا أن يكون ~~علم تلك القضية العقلية من تركيب قضايا أخر. # وقوله: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ليس من هذا ولا من هذا ثم إذا تصور ~~مفردات هذه القضية علم يقينا أنه ليس عنده منها علم بل علم أن الواقع ~~خلافها. # فإن قوله: الواحد إن عنى به الواحد الذي لا يعلم منه أمران ليس أحدهما ~~الآخر فليس في الوجود واحد بهذا الاعتبار فإنه يعلم أن واجب الوجود موجود، ~~وأنه عاقل ومعقول وعقل وأن له عناية، وأمثال هذه المعاني التي ليس أحدها هو ~~الآخر فإن الوجوب ليس هو الوجود ولا الوجوب، والوجود هو العاقل ولا العاقل ~~هو المعقول ولا العاقل الوجود والمعقول هو ذو العناية وإن قال هذه كلها ~~سلوب وإضافات محضة كان مكابرا لعقله، فإن كون الشيء يعقل ليس هو كونه يعقل ~~ولا كونه عالما مجرد نسبة محضة إلى المعلوم كالأمور الإضافية التي لا يتغير ~~بها حال المضاف كالتيامن والتياسر، فإنه من المعلوم أن كون الشيء متيامنا ~~أو متياسرا عنك لا يختلف به حالك في الموضعين. # وأما كون الشيء عالما فيخالف كونه غير عالم، كما أن كونه محبا يخالف كونه ~~غير محب، وكونه قادرا يخالف كونه غير قادر ومن جعل الشيء حال كونه عالما ~~وحال كونه غير عالم سواء فهو مصاب في عقله، وهذا من أعظم السفسطة «1»، ~~وكذلك من جعل كونه ذا عناية هو مجرد كونه عاقلا فإن هذا من أعظم السفسطة ~~والعقل الصريح يعلم أن كون الشيء عالما ليس هو مجرد كونه مريدا، ولا مجرد ~~كونه مريدا هو مجرد كونه عالما، ولو قيل: إن أحدهما يستلزم الآخر فالتلازم ~~لا يوجب كون الملزوم هو ms072 اللازم، وإذا قيل: في أي موجود فرض PageV01P096 # أن علمه هو إرادته، وإرادته هي حياته، وأن ذلك هو وجوده كان فساد هذا من ~~أبين الأمور في العقل كما إذا قيل: إن هذه التفاحة طعمها هو مجرد لونها، ~~ولونها هو مجرد ريحها، وريحها هو مجرد شكلها، وشكلها هو عين ذاتها. فهذا ~~الكلام من تصوره من الناس وفهمه حتى الصبيان المميزين علم أن قائله من أضل ~~الناس وأجهلهم، فهذا الواحد الذي يصفونه يمتنع في الموجود الواجب فهو في ~~غيره أشد امتناعا، ولهذا يؤول بهم الأمر إلى أن يجعلوه وجودا مطلقا بشرط ~~الإطلاق كما يجعله المعتزلة ذاتا مجردة من الصفات وكلاهما مما يعلم بصريح ~~العقل انتفاء ثبوته في الخارج بل المطلق لا بشرط يمتنع ثبوته في الخارج، ~~وهم يجعلون موضوع العلم الإلهي هذا الموجود المنقسم إلى واجب وممكن «1» ~~وجوهر «2» وعرض «3» وعلة «4» ومعلول، ويجعلون هذا هو الفلسفة الأولى ~~والحكمة العظمى ولم يعلموا أن الكليات المقسومة سواء سميت جنسا أو لم تسم ~~جنسا لا توجد في الخارج كلية فليس في الخارج الحيوان المنقسم إلى ناطق ~~وأعجم ولا الوجود المنقسم إلى جوهر وعرض بل كل حيوان يوجد في الخارج فهو من ~~هذا القسم، وكل موجود يوجد في الخارج فهو إما قائم بغيره، وهو المقسوم ~~الصادق على أقسامه فهو مطلق لا بشرط الإطلاق فإنه لو شرط فيه الإطلاق لم ~~يصدق على المعينات فإن المعين ليس مطلقا بشرط الإطلاق، فإذا كان المطلق لا ~~بشرط الإطلاق لا يوجد في الخارج فلا يوجد فيه حيوان مطلق بشرط الإطلاق ولا ~~إنسان مطلق بشرط الإطلاق وهذا بين لجميع العقلاء. # ثم قالوا في الموجود الواجب الوجود إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق وقد علم ~~بصريح العقل أن الوجود المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج وإنما هو ~~PageV01P097 # أمر يقدر في العقل لا حقيقة له في الخارج عن الذهن ولا ثبوت له في نفس ~~الأمر وهذا عين التعطيل للموجود الواجب الذي شهد به الوجود من حيث هو وجود ~~فإن الوجود من حيث هو وجود يشهد بوجود ms073 واجب الوجود كما قال ابن سينا «1» ~~وغيره وأصابوا في ذلك فإنه لا ريب أن ثم وجودا وأنه إما واجب وإما ممكن ~~والممكن لا بد له من واجب فثبت أنه لا بد في الوجود من موجود واجب. # فهذا البيان الذي ذكروه في إثبات واجب الوجود حق واضح مبين ولكنهم زعموا ~~مع ذلك أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق لا يتعين ولا يتخصص بحقيقة يمتاز بها عن ~~سائر الموجودات بل حقيقته وجود محض مطلق بشرط نفي جميع القيود والمعينات ~~والمخصصات وهم يعلمون في المنطق وكل عاقل تصور هذا الكلام أن هذا لا حقيقة ~~له ولا وجود له إلا في الذهن لا في الخارج فصار الموجود الواجب الذي يشهد ~~به الوجود في الخارج لا يوجد إلا في الذهن وهذا من أبين التناقض والاضطراب ~~والجمع بين النقيضين حيث جعلوه بموجب البرهان الحق موجودا في الخارج وبموجب ~~سلب الصفات هو التوحيد الذي تخيلوه معدوما في الخارج فصار قولهم مستلزما ~~لوجوده وعدمه، وكذلك قول من سلك سبيلهم من القرامطة الباطنية «2» كأصحاب ~~رسائل أخوان الصفا وأمثالهم من الاتحادية أهل وحدة الوجود كابن سبعين وابن ~~عربي «3» ونحوهما، بل وسبيل نفاة الصفات من أهل الكلام كالمعتزلة وغيرهم بل ~~وسبيل سائر من نفى شيئا من الصفات فإن لازم كلامه تعطيله ونفيه مع إقراره ~~بثبوته فيكون جامعا بين النقيضين وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # وإنما المقصود هنا التنبيه على مثال أقيستهم الفاسدة التي يجعلونها ~~براهين فيما خالفوا فيه الحق، ثم إذا تبين أن هذا الواحد ليس له حقيقة في ~~الخارج قيل لمن قال: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد: ما معنى الصدور؟ أنت لا ~~تعني به حدوثه عنه ولا فعله له بمشيئته وقدرته فعلا يسبق به الفاعل مفعوله ~~وإنما تعني به PageV01P098 # لزومه له ووجوبه به ونحن لا نتصور في الموجودات شيئا صدر عنه وحده شيء ~~منفصل عنه كان لازما له قبل هذا الوجه بل ما لزمه وحده كان صفة له إما أن ~~يكون اللازم للملزوم وحده شيئا منفصلا عنه فهذا بيان ms074 غير معقول ومعروف فهذا ~~الصدور الذي ذكرته غير معروف. # فقولك في هذه القضية الكلية للواحد لا يصدر عنه إلا واحد يقتضي الحكم على ~~كل ما يتصور أنه واحد بأنه لا يصدر عنه إلا واحد فإذا لم يتصور هذا الصدور ~~ولا يعلم صدق هذا السلب في صورة معينة من صور هذه القضية الكلية فمن أين ~~تعلم هذه القضية الكلية؟ # وإذا استدلوا على ذلك بالنار التي لا يصدر عنها إلا الإحراق وبسائر ~~الأجسام البسيطة كالماء أو بالشمس التي يصدر عنها الشعاع؛ لم يكن شيء من ~~هذه المعينات داخلا في قضيتهم الكلية؛ فإن الإحراق لا يصدر عن النار وحدها، ~~بل لا بد من محل قابل للإحراق ولهذا لا يصدر عنها الإحراق في السمندل ~~والياقوت، ونحوهما من الأجسام التي لا تقبل الإحراق، وكذلك المبردات. # ثم إن الإحراق له موانع تمنعه فهو موقوف على ثبوت شروط وانتفاء موانع غير ~~النار فلم يصر صادرا عن النار بالمعنى الذي أرادوه بالحجة وهو لزومه لذات ~~النار بحيث لا ينفك عنها. # وإنما يعقل هذا اللزوم في صفات الملزوم كاستدارة الشمس والضوء القائم بها ~~ونحو ذلك، فإن هذا لازم لا يفارق ذاتها بخلاف الضوء القائم بما يقابلها من ~~الأجسام وهو الشعاع المنعكس على الأجسام المسطحة كالأرض والقائمة كأشخاص ~~الجبال والحيوان والنبات والحيطان، فإن هذا ليس لازما لذات الشمس بل هو ~~موقوف على وجود هذه الحال التي يقوم بها هذا العرض. # وهو أيضا ممنوع عنها بالحجب كالسحاب الكثيف والكسوف وغير ذلك وهذا الشعاع ~~كالظل يكون بسبب الحجاب بينها وبين ما يظله الحجاب فيوجد تارة ويعدم أخرى ~~ولهذا يوجد الليل تارة والنهار أخرى. # فهذا بيان أن ما قدروه من الواحد ومن الصدور عنه أمر لا يعقل في الخارج ~~أصلا فضلا عن أن يكون قضية كلية عامة، وأما إذا قدروا واحدا يفرضونه في ~~أنفسهم وصدورا يفرضونه في أنفسهم فلا ريب أن هذا ملازمة حكم يكون في أنفسهم ~~لكن لا يعلم أنه مطابق للخارج حتى يعلم أن هذا الواجب الوجود هو هذا الواحد ~~وأن ms075 إبداعه للعالم هو هذا الصدور ولو علموا ذلك لم يحتاجوا إلى هذا القياس. # PageV01P099 # فهذا القياس لا يفيدهم شيئا إذ مطلوبه علم معين بقضية كلية وتلك القضية ~~لا مرد لها أصلا إلا ما يدعونه في ذلك المعين فهم إن علموا ثبوت الحكم لذلك ~~المعين بدون تلك القضية لم يحتاجوا إليها وإن لم يعلموا ثبوت الحكم للمعين ~~بدون تلك لم يعلم صدق القضية عليه فلا يفيد بل إذا عورضوا بنقيض ما قالوه ~~كان أبين في القياس فيقال لهم: ليس في الوجود واحد يصدر عنه واحد بل كل ~~صادر في الوجود فهو عن اثنين فصاعدا فلا حادث عن المخلوقات إلا عن أصلين ~~كالولد بين أبوين والتسخين والتدبير والإحراق والإغراق وغير ذلك لا بد فيه ~~من اثنين والشعاع المنبسط لا بد فيه من اثنين فإذا لم يكن في الوجود واحد ~~لا يصدر عنه واحد كان قول القائل: ليس كل واحد لا يصدر عنه إلا واحد أصح في ~~العقل والقياس من قولهم. # بل لو قال: الواحد الذي ذكروه لا يصدر عنه شيء أصلا لكان قوله أصح في ~~العقل والقياس من قولهم، وكذلك إذا قيل: الواحد الذي ذكروه لا يصدر عنه شيء ~~إلا مع غيره لكان قوله أصح من قولهم، وذلك يقتضي أن يكون للرب شريك وولد إذ ~~مقصودهم بالصدور هو لزومه إياه وهذا هو التوليد العقلي، وحقيقة قولهم: إن ~~العقول والنفوس متولدة عنه، وقولهم بالعلة والمعلول هو القول بالتولد ~~والمتولد عنه- فاستطرد شيخ الإسلام كلامهم إلى أن قال «1» -: # فإنه يحتاج أن يعلم أولا أنهم: وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض ~~أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم ~~الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) «2». # وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا أن قول هؤلاء أفسد من قول ms076 مشركي ~~العرب الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، وقالوا: إن آلهتنا تشفع لنا فإن ~~أولئك كانوا يقولون: إن الرب فاعل مختار والملائكة مخلوقون له، ولكن ضلوا ~~في بعض ما وصفوه كما ضلت النصارى في بعض ما ذكروه، وأما هؤلاء أعظم ضلالا ~~من اليهود والنصارى ومشركي العرب فإنهم في الحقيقة لا يجعلون الرب تعالى ~~خالقا لشيء ولا يفعل فعلا بمشيئته واختياره ولا يجعلون الملائكة عباده بل ~~PageV01P100 # يجعلون العقل الأول هو رب كل ما سوى الله، والشفاعة عندهم ليست سؤالا من ~~الله تعالى من الشافع، بل توجه إلى الشافع حتى يفيض منه على المستشفع ما ~~ليس لله ولا للشافع به علم عندهم ولا يحصل بقدرته ولا مشيئته. # والمقصود هنا التنبيه على أن طرق السلف والأئمة الموافقة للطرق التي دل ~~القرآن عليها وأرشد إليها هي أكمل الطرق وأصحها وأكثر الناس صوابا في ~~العقليات أقربهم إليهم كما أن أكثرهم صوابا في السمعيات أقربهم إليهم إذ ~~العقل الصريح لا يخالف السمع الصحيح بل يصدقه ويوافقه كما قال تعالى: ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق «1» وقال تعالى: ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) «2». # ولهذا كان المتكلمة الصفاتية كابن كلاب والأشعري وابن كرام خيرا وأصح ~~طريقا في العقليات والسمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيرا وأصح طريقا في ~~العقليات ولا السمعيات من المتفلسفة وإن كان في قول كل من هؤلاء ما ينكر ~~عليه وما خالف فيه العقل والسمع، ولكن من كان أكثر صوابا وأقوم قيلا كان ~~أحق بأن يقدم على من هو دونه تنزيلا وتفضيلا. # قالت عائشة رضي الله عنها: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل ~~الناس منازلهم» «3» وهذا من القسط الذي أمر الله به وأنزل به كتبه وبعث به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله «4» وقال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط «5». # والمقصود هنا: التنبيه على طرق الناس في إثبات كون الله ms077 تعالى متكلما ~~تنبيها مختصرا بحسب ما يحتمله جواب هذا السؤال، والطرق نوعان: سمعية ~~PageV01P101 # وعقلية، وإن كانت العقلية هي أيضا شرعية سمعية باعتبار أن السمع دل عليها ~~وأرشد إليها وأن الشرع أحبها ودعا إليها لكن صاحب هذا المختصر إنما سلك ~~طريقا سمعية اتباعا لمتبوعه أبي عبد الله بن الخطيب وهذه الطرق مبنية على ~~مقدمتين. # إحداهما: أنه آمر ناه ومن كان كذلك فهو متكلم، والمقدمة الأولى مدلول ~~عليها بأن الرسل بلغوا أمره ونهيه وكل من المقدمتين واضحة فإن الكلام ~~نوعان: # إنشاء وإخبار والإنشاء أمر ونهي وإباحة فإذا ثبت له نوع من أنواع الكلام ~~ثبت مطلق الكلام فثبت أنه متكلم. # وأما الثانية: فقد علم بالاضطرار من دين جميع الرسل أنهم يخبرون عن الله ~~بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا فيلزم من ثبوت الرسالة ثبوت كلام الله تعالى ~~وجحد كون الله متكلما هو جحد لما بلغت عنه الرسل من الأمر والنهي، فإن قيل: ~~فما الفرق بين هذه الطرق وبين الطرق التي أثبت بها السمع والبصر وهو السمع، ~~قيل: # هناك أثبت السمع والبصر بنفس الإخبار المنفصل مثل قوله: وهو السميع ~~البصير «1» وهنا أثبت تكلمه بمجرد إرسال الرسل من غير تعيين نص حيث قال: # علمنا أن الله تعالى أرسل رسله بتبليغ أمره ونهيه ولم يتعرض لإخبار السمع ~~بأنه متكلم. # فإن قيل إذا أثبت المثبت تكلمه بالسمع وجب أن يكون السمع قد علمت صحته ~~قبل العلم بكونه متكلما لكن الرسول إذا قال إن الله أرسلني إليكم يأمركم ~~بتوحيده وينهاكم عن الإشراك به مثلا فإن لم يعلموا قبل ذلك جواز كونه ~~متكلما لم يعلموا إمكان إرساله فلا يثبت السمع. # قيل: الجواب من وجهين: أحدهما أن ما علم بالسمع وقوعه يكفي فيه الإمكان ~~الذهني وهو كونه غير معلوم الامتناع بل كل مخبر أخبرنا بخبر ولم نعلم كذبه ~~جوزنا صدقه، ومتى كان فيه الصدق ممكنا لم يجز التكذيب بل أمكن أن يقام ~~الدليل الدال على صدقه ووجوب تصديقه فيجب تصديقه، وهذا الموضع يغلط فيه ~~كثير من النظار فيظنون أنه يحتاج ms078 فيما يطلب الدليل على وقوعه أو فيما قام ~~الدليل على وجوده العلم بإمكانه قبل ذلك وإنما يجب أن لا يعلم امتناعه ~~فالرسل صلوات الله عليهم تخبر بمجارات العقول، وما لا تعرفه العقول أو ما ~~تعجز عن معرفته فما علم العقل إمكانه ولم يعلم هل يكون أم لا يكون تخبر ~~الرسل بوقوعه PageV01P102 # أم عدم وقوعه وما لم يعلم العقل إمكانه تخبر الرسل أيضا إما بإمكانه وإما ~~بوقوعه المستلزم إمكانه، ولكن لا تخبر الرسل بوجوده ولا إمكانه وما علم ~~عدمه لا تخبر بوجوده فلا تأتي الرسل صلوات الله عليهم بما يعلم نقيضه ولكن ~~قد تأتي بما لم يكن يعلم كما قال تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا ~~عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~(151) فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) «1». # وكذلك الوحي النازل على الأنبياء يعلمهم ما لم يكونوا يعلمون لا يأتيهم ~~بما يعلمون خلافه، قال تعالى: ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم ~~أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) «2». # الوجه الثاني: أن يقال: إمكان التكلم معلوم بأدنى نظر العقل فإنه إذا عرف ~~أنه حي عليم قدير علم أنه يمكن أن يكون متكلما، فإن الكلام من الصفات ~~المشروطة بالحياة، والصفات المشروطة بالحياة إنما تمتنع عليه سبحانه ما ~~يمتنع منها، كالنوم والأكل والشرب لتضمنها نقصا ينزه عنه، وليس في الكلام ~~نقص، بل سنبين إن شاء الله أنه من صفات الكمال، ونبين ما يستحيل اتصافه به، ~~فهذا تقرير ما ذكره ويمكن أن يسلك في ذلك طريقا أعم مما ذكره، فإنه استدل ~~بالأمر والنهي، خاصة والتحقيق أن الخبر يدل أيضا على أنه متكلم، كما أن ~~الأمر يدل على ذلك، والرسل يبلغون عنه تارة الأمر والنهي، وتارة الخبر. إما ~~عن نفسه وإما عن مخلوقاته فيبلغون خبره عن نفسه بأسمائه وصفاته، وخبره عن ~~مخلوقاته بالقصص، كما يبلغون الخبر عن ملائكته وأنبيائه، ومن ms079 تقدم من الأمم ~~المؤمنين والمكذبين ويبلغون خبره عما يكون في القيامة من الثواب والعقاب، ~~والوعد والوعيد بل ما تبلغه الرسل من خبره أكثر مما تبلغه من أمره، والخبر ~~في القرآن أكثر من الأمر، وإذا قيل: لا معنى لكونه متكلما إلا أنه مخبر ~~منبئ، والتحقيق أن يقال: لزم من كونه آمرا ناهيا أن يكون متكلما، ويلزم من ~~كونه مخبرا منبئا أن يكون متكلما. # وأما قول القائل: لا معنى لكونه متكلما إلا أنه آمر ناه. وأنه مخبر ففيه ~~نظر فإن المتكلم يكون تارة آمرا وتارة مخبرا، وهو في حالة كونه مخبرا متكلم ~~وإن لم PageV01P103 # يكن آمرا، وفي حال كونه آمرا متكلم وإن لم يكن مخبرا سواء قدر إمكان ~~انفكاك أحدهما عن الآخر أو قدر تلازمهما في حق بعض المتكلمين. # ولقائل أن يقول: هذا الذي ذكره قليل الفائدة فإنه إن كان المقصود به ~~إثبات كونه متكلما على من يقر بالرسل فجميع هؤلاء يقرون بأنه متكلم إذ لا ~~يمكن أحدا ممن يؤمن بالتوراة أو الإنجيل أو القرآن أن ينكر أن الله تكلم، ~~وهذه الكتب مملوءة بذكر ذلك وأهل الملل مطبقون على ذلك وإن كان مقصوده ~~إثبات ذلك على من لا يقر بالرسل، فتقرير المسألة تقرير لهذا، فحاصله أن ما ~~ذكره من كونه متكلما هو حقيقة أن الرسل صادقون فيما أخبروا عنه فإذا أثبت ~~ذلك بصدق الرسل كان إثباتا للشيء بنفسه. # وإنما المقصود إثبات أنه متكلم حقيقة بكلام يقوم بنفسه خلافا للمتفلسفة ~~التي تحمل كلامه إنما هو تعريف فعلي وهو ما يفيض النفوس من التعريفات ~~وللجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يجعلون كلامه ما يخلقه في غيره من ~~الحروف والأصوات، وهذا الذي اعتنى به السلف في الرد على من يقول القرآن ~~مخلوق خلقه الله في الهواء، لم يقم به كلام فكيف بمن يقول ليس كلامه إلا ما ~~يحدث في النفوس من التعريف والإعلام من غير أن يكون له كلام منفصل عن نفوس ~~الأنبياء والمرسلين، وقد بسطنا القول في مسألة الكلام واضطراب الناس فيها ~~في غير هذا ms080 الموضع. # ولا ريب أنه سلك في هذا الاعتقاد مسلك الصفاتية المخالفين للمعتزلة، ~~ولهذا عد الصفات السبع. وأما المعتزلة فيقتصرون على أنه حي عالم قادر. وقد ~~يزيد البصريون الإدراك كالسمع والبصر. # وأما كونه متكلما ومريدا فهذا عندهم من باب المفعولات لا من باب الصفات، ~~إذ معنى كونه متكلما عندهم أنه خلق كلاما في غيره كسائر ما يخلقه من ~~المخلوقات بخلاف كونه حيا عالما قادرا أو مدركا عند البصريين، فإن ذلك ثبت ~~له لذاته سواء خلق شيئا أو لم يخلقه، ولهذا كان عام التعلق لا يختص بمعلوم ~~دون معلوم كما تختص الإرادة والكلام بمراد دون مراد ومأمور دون مأمور. # وهذا القدر الذي أثبته من كونه متكلما آمرا ناهيا لا ينازعه فيه معتزلي ~~بل ولا متفلسف إلهي يقر بالنبوات في الجملة كما يقر بها المتفلسفة الذين ~~حقيقة أمرهم أنهم يؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض، كما أن اليهود والنصارى ~~يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض. # ولقائل أن يقول إن هذا السؤال ليس لازما له في مسألة الكلام بل وفي سائر # PageV01P104 # المسائل فإنه لم يثبت شيئا من الصفات القائمة بنفسه، وإنما أثبت أحكام ~~الصفات وأثبت الأسماء. والمعتزلة توافق على الأسماء والأحكام بل والفلاسفة ~~أيضا توافق على إطلاق ما ذكره من الأسماء والصفات فلا يكون في هذا الاعتقاد ~~فرق بين مذهب الصفاتية أهل الإثبات، كابن كلاب والأشعري وأتباعهما ولا بين ~~المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وأمثالهم، بل هذا الاعتقاد ~~مشترك بين المعتزلة والأشعرية وغيرهم من الطوائف يبين هذا أنه لم يذكر في ~~اعتقاده ما تتميز به الأشعرية عن المعتزلة ولا ذكر أن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق، ولا ذكر مسألة الرؤية، وأن رؤية الله جائزة في الدنيا واقعة في ~~الآخرة، ولا ذكر أيضا مسائل القدر، وأن الله خالق أفعال العباد وإنه مريد ~~للكائنات، ولا ذكر أيضا مسائل الأسماء والأحكام، وأن الفاسق لا يخرج عن ~~الإيمان بالكلية، ولا يجب إنفاذ الوعيد، بل يجوز العفو عن أهل الكبائر، ولا ~~ذكر مسائل الإمامة والتفضيل. # وكل هذه الأصول ms081 تذكر في مختصرات المعتقدات التي يصنفها متأخر والأشاعرة ~~كالعقيدة القدسية لأبي حامد، والعقيدة البرهانية المختصرة من إرشاد أبي ~~المعالي ونحوهما فضلا عن الاعتقاد الذي تذكره أئمة الأشعرية كالقاضي أبي ~~بكر وذويه فإنهم يزيدون على ذلك إثبات الصفات الخبرية، وإثبات العلو وأمثال ~~ذلك فضلا عن الاعتقاد الذي ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة وأصحاب ~~الحديث فإن فيه جملا مفصلة فضلا عما يذكره السلف والأئمة الكبار من الإثبات ~~والتفصيل المبين للسنة الفاصل بينها وبين كل بدعة. # ولهذا كان أصحاب هذا المصنف مع انتسابهم إلى الأشعري إنما هم في باب ~~الصفات مقرون بما تقر به المعتزلة ولا يقرون بما تقر به الأشعرية من ~~الزيادات، وبحوث أبي عبد الله بن الخطيب تعطيهم ذلك فإن الوقف والحيرة ظاهر ~~على كلامه في إثبات الصفات، ومسألة الرؤيا والكلام وأمثالها بخلاف مسائل ~~القدر فإنه جازم فيها بمخالفة المعتزلة، وهذه الطريقة تشبه من بعض الوجوه ~~طريقة ضرار بن عمرو وحسين النجار وأمثالهما ممن كان يقر بالقدر ولكنه في ~~الصفات بين المعتزلة والأشعرية، أو تشبه طريقة الواقفية الذين كانوا يقفون ~~في القرآن، فلا يقولون هو مخلوق ولا غير مخلوق. # وكلام أئمة السنة في ذم هؤلاء، وكلام متكلمة الصفاتية كالأشعري وغيره في ~~ذلك مشهور معروف. # فإن قيل: فالمعتزلة لا تقر بمنكر ونكير، والصراط والميزان، ونحو ذلك مما ~~ذكره هذا المصنف؟ # PageV01P105 # قيل: المعتزلة في ذلك على قولين منهم من يثبت ذلك ومنهم من ينفيه على أن ~~ما ذكره ليس فيه ما يدل على إثبات هذه الأمور، وإنما فيه الإقرار بكل ما ~~أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور، ليس في المعتزلة ولا ~~غيرهم من المسلمين من يقول لا أقر بما أخبر به الرسول، بل كل مسلم يقول إن ~~ما أخبر به الرسول فهو حق يجب تصديقه به. # وكل المسلمين من أهل السنة والبدعة يقولون: آمنت بالله، وما جاء عن رسول ~~الله على مراد رسول الله، فإنه متى لم يقر بهذا فهو كافر كفرا ظاهرا، ولا ~~يتميز بهذا القول ms082 المجمل مذهب أهل السنة عن غيرهم، ولهذا لا يكتفي إمام من ~~أئمة السنة بمجرد هذا، ومن نقل عن الشافعي وغيره أنه اكتفى بهذا فقد كذب ~~عليه، وإنما هذا قول بعض المتأخرين وهو قول صحيح لا يخالف فيه إلا كافر لكن ~~العلم بالسنة مفصلا مقام آخر، فالمبتدع إذا نازع السني لا ينازعه في تصديق ~~الرسول في كل ما أخبر به لكن ينازعه هل أخبر بذلك الرسول أم لا؟ # وهل خبره على ظاهره أم لا؟ وهو لم يثبت لا هذا ولا هذا، إذ هما من علم ~~النقل ودلالة الألفاظ وليس فيما ذكره شيء من هذا وهذا. # كما أن كلامه في التوحيد ليس مبنيا على أصول الأشعرية ولا أصول المعتزلة ~~بل على أصول المتفلسفة فهو متردد بين الفلسفة والاعتزال وأخذ من بحوث ~~المنتسبين إلى الأشعرية كالرازي ونحوه ما قد يقوله هؤلاء وهؤلاء. # وكذلك يحكي عنه خواص أصحابه أنه كان في الباطن يميل إلى ذلك وقد ظهر ذلك ~~في خواص المحدثين من أصحابه كالقشيري وغيره، ومعلوم أنه تكلم بمبلغ علمه ~~وحسب اجتهاده ونهاية عقله وغاية نظره. # ولكن المقصود أن تعرف المقالات والمذاهب وما هي عليه من الدرجات ~~والمراتب، ليعطى كل ذي حق حقه ويعرف المسلم أين يضع رجله. # إذا تبين هذا فنحن ننبه على ما يتميز به أهل السنة عن المعتزلة ومن هو ~~أبعد عن الحق منهم كالمتفلسفة فنقول: إذا ثبت بهذا الدليل أنه سبحانه متكلم ~~وثبت أن الرسل أخبروا بذلك فنقول الذي أخبرت به الرسل أنه متكلم بكلام قائم ~~بنفسه، هذا هو الذي نبينه وهذا هو الذي فهمه عنهم أصحابهم ثم تابعوهم ~~بإحسان بل علموا هذا من دين الرسل بالاضطرار ولم يكن في صدر الأمة وسلفها ~~من ينكر ذلك، وأول من ابتدع خلاف ذلك الجعد بن درهم ثم صاحبه الجهم بن ~~صفوان وكلاهما قتل. # PageV01P106 # أما الجعد بن درهم الذي كان يقال إنه معلم مروان بن محمد آخر خلفاء بني ~~أمية وكان يقال له الجعدي نسبة إلى الجعد فإنه قتله خالد القسري؛ ضحى به ms083 ~~بواسط يوم النحر وقال: (أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد ~~بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ~~تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا) ثم نزل فذبحه. # وكانوا أول ما أظهروا بدعتهم قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يكلم كما حكى ~~عن الجعد وهذه حقيقة قولهم. # فكل من قال القرآن مخلوق فحقيقة قوله: إن الله لم يتكلم ولا يكلم ولا ~~يأمر ولا ينهى ولا يحب فلما رأوا ما في ذلك من مخالفة القرآن والمسلمين ~~قالوا: # إنه يتكلم مجازا، يخلق شيئا يعبر عنه لا أنه في نفسه يتكلم، فلما شنع ~~المسلمون عليهم قالوا: يتكلم حقيقة ولكن المتكلم هو من أحدث الكلام وفعله ~~ولو في غيره، فكل من أحدث كلاما ولو في غيره كان متكلما بذلك الكلام حقيقة ~~وقالوا: # المتكلم من فعل الكلام لا من قام به الكلام، وهذا الذي استقر عليه قول ~~المعتزلة وهم يموهون على الناس فيقولون أجمع المسلمون على أن الله متكلم ~~ولكن اختلفوا في معنى المتكلم هل هو من فعل الكلام أو من قام به الكلام وما ~~زعموه من أن المتكلم يكون متكلما بكلام قائم بغيره قول خرجوا به عن العقل ~~والشرع واللغة. # وكان قدماء الصفاتية من السلف والأئمة والكلابية والكرامية والأشعرية ~~يحققون هذا المقام، ويثبتون ضلال الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيه، ولكن ~~الرازي ونحوه أعرض عنه وقال: هذا بحث لفظي وزعم أنه قليل الفائدة ثم سلك ~~مسلكا ضعيفا في الرد عليهم قد بيناه في غير هذا الموضع. # وهذا غلط عظيم جدا من وجهين: # أحدهما: أن المسألة إذا كانت سمعية وأنت إنما أثبت أنه متكلم بأن الرسل ~~بلغت أمره ونهيه الذي هو كلامه كان من تمام ذلك البحث عن مراد الرسل بكونه ~~آمرا ناهيا متكلما هل مرادهم بذلك أنه خلق كلاما في غيره أو أنه قام به، ~~كلام تكلم به والدلائل السمعية مقرونة بالبحث عن ألفاظ الرسل ولغاتهم التي ~~بها خاطبوا الخلق فصارت هذه المقدمة هي الركن المعتمد ms084 في الرد على المعتزلة ~~كما سلكه قدماء الصفاتية وأئمتهم بل هي الركن المعتمد في معنى كونه متكلما ~~إذا ثبت ذلك بالطرق السمعية. # PageV01P107 # الثاني: إن المسألة ليست لغوية فقط بل كون الصفة إذا قامت بمحل هل يعود ~~حكمها على ذلك المحل أو على غيره، هو من البحوث العقلية النافعة في هذا ~~المقام، والسلف رضي الله عنهم عرفوا حقيقة المذهب وردوه بناء على هذا الأصل ~~كما ذكره البخاري في كتاب خلق أفعال العباد وقال: قال ابن مقاتل سمعت ابن ~~المبارك يقول: من قال: إنني أنا الله لا إله إلا أنا «1» مخلوق فهو كافر ~~ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك «2»، وقال: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ~~ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية «3». # وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان ~~القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: أنا ~~ربكم الأعلى «4» وزعموا أن هذا مخلوق ومن قال: إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا فاعبدني «5» مخلوق فهذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون فلم صار فرعون أولى ~~بأن يخلد في النار من هذا وكلاهما عنده مخلوق، فأخبر بذلك أبو عبيد ~~فاستحسنه وأعجبه «6». # قال البخاري: قال أبو الوليد: سمعت يحيى بن سعيد وذكر له أن قوما يقولون: ~~القرآن مخلوق، فقال: كيف يصنعون ب قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) «7» ~~وبقوله: إنني أنا الله لا إله إلا أنا «8» «9». # وروى عن وكيع بن الجراح أنه قال: لا تستخفوا بقولهم القرآن مخلوق فإنه من ~~شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل «10». # ومعنى كلام السلف أن من قال: «إن كلام الله مخلوق فحقيقة قوله أن الله ~~تعالى لا يتكلم وأن المحل الذي قام به إنني أنا الله لا إله إلا أنا «11» ~~هو المدعى PageV01P108 # الإلهية كما أن فرعون لما قام به أنا ربكم الأعلى «1» كان مدعيا ~~للربوبية، وكلام السلف مبني على ما يعلمونه من أن الله خالق أفعال العباد ~~وأقوالهم وإذا كان كلامه ما خلقه في غيره كان ms085 كل كلام كلامه وكان كلام ~~فرعون كلامه إذ المتكلم من قام به الكلام فلا يكون متكلما بكلام يكون في ~~غيره كسائر الصفات والأفعال فإنه لا يكون عالما بعلم يقوم بغيره ولا قادرا ~~بقدرة تقوم بغيره، ولا حيا بحياة تقوم بغيره. وكسائر الموصوفين فإن الشيء ~~لا يكون حيا عالما قادرا بحياة أو علم أو قدرة تقوم بغيره ولا يكون متحركا ~~أو ساكنا بحركة أو سكون يقوم بغيره كما لا يكون متلونا بلون يقوم بغيره. # وهنا أربع مسائل، مسألتان عقليتان ومسألتان سمعيتان لغويتان: # الأولى: أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك المحل فكان هو الموصوف ~~بها فالعلم والقدرة والكلام والحركة والسكون إذا قام بمحل كان ذلك المحل هو ~~العالم القادر المتكلم أو المتحرك أو الساكن. # الثانية: أن حكمها لا يعود على غير ذلك المحل فلا يكون عالما بعلم يقوم ~~بغيره ولا قادرا بقدرة تقوم بغيره ولا متكلما بكلام يقوم بغيره ولا متحركا ~~بحركة تقوم بغيره وهاتان عقليتان. # الثالثة: أنه يشتق لذلك المحل من تلك الصفة اسم إذا كانت تلك الصفة مما ~~يشتق لمحلها منها اسم، كما إذا قام العلم أو القدرة أو الكلام أو الحركة ~~بمحل، قيل: عالم أو قادر أو متكلم أو متحرك بخلاف أصناف الروائح التي لا ~~يشتق لمحلها منها اسم. # الرابعة: أنه لا يشتق الاسم لمحل لم يقم به تلك الصفة، فلا يقال لمحل لم ~~يقم به العلم أو القدرة أو الإرادة أو الكلام أو الحركة إنه عالم أو قادر ~~أو مريد أو متكلم أو متحرك. # والجهمية والمعتزلة عارضوا هذا بالصفات الفعلية، فقالوا: إنه كما أنه ~~خالق عادل بخلق وعدل لا يقوم به بل هو موجود في غيره، فكذلك هو متكلم مريد ~~بكلام وإرادة، لا تقوم به بل يقوم الكلام بغيره ممن سلم لهم هذا النقص، ~~كالأشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد أظهر تناقضهم ولم يجيبوهم ~~بجواب مستقيم. # وأما السلف وجمهور المسلمين من جميع الطوائف فإنهم طردوا أصلهم وقالوا: ~~بل الأفعال تقوم به كما تقوم ms086 به الصفات والخلق ليس هو المخلوق، وذكر ~~PageV01P109 # البخاري أن هذا إجماع العلماء، ومن قال الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية ~~وفعلية، ولم يجعل الأفعال تقوم به، فكلامه فيه تلبيس فإنه سبحانه لا يوصف ~~بشيء لا يقوم به وإن سلم أنه يتصف بما لا يقوم به، فهذا هو أصل الجهمية ~~الذين يصفونه بمخلوقاته يقولون: إنه متكلم ومريد وراض وغضبان ومحب ومبغض ~~وراحم لمخلوقات يخلقها منفصلة عنه لا بأمور تقوم بذاته. # إذا تبين ذلك فالسلف لما علموا هذا علموا أن قول من قال: إنني أنا الله ~~لا إله إلا أنا «1» مخلوق يوجب أن يكون هذا الكلام كلاما للشجرة لا كلاما ~~لله لأنه قام بالشجرة لم يقم بالله. كما أن كلام فرعون قام به، وإن كان ~~الله خالق ذلك كله فإنه خالق العباد وأفعالهم وكلامهم وهذا أيضا مما يبين ~~أنه لو كان من يخلق الكلام في غيره متكلما لوجب أن يكون كل كلام في الوجود ~~كلامه وهذا يقوله غالية الجهمية الاتحادية كصاحب الفصوص «2» ونحوه فإنه ~~يقول: # وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ومعلوم أن هذا الكلام ~~أعظم من كفر عباد الأصنام، كما ذكر ابن المبارك وغيره من السلف، وأيضا فإن ~~الله تعالى قد أنطق أشياء كما قال تعالى: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن ~~الله هو الحق المبين (25) «3» وقال: حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ~~قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء «4». # وقال: فهو منطق كل شيء وخالق نطقه ولا نزاع أنه خالق النطق في غير الحي ~~المختار، وإنما تنازعت القدرية في خلق أقوال الأحياء وأفعالهم، فإن كان ~~حقيقة كلامه ما خلقه في غيره من الكلام فهذا جميعه كلامه وما في هذا الكلام ~~المخلوق من ضمير المتكلم إما أن يعود إلى خالقه أو إلى محله، فإن عاد إلى ~~خالقه كانت شهادة الأعضاء شهادة الله وكان قول فرعون: أنا ربكم الأعلى ms087 «5»؟ # قولا لله وكان قولهم لجلودهم «لم شهدتهم علينا» قولا لله وكان قول الجلود ~~«أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء» بمعنى أنطقت نفسي. PageV01P110 # ولم يكن فرق عندهم بين نطق وأنطق، وإن عاد الضمير إلى محله كان الكلام ~~المخلوق في الشجرة إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني «1» كلاما للشجرة ~~فتكون الشجرة هي القائلة: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني «2»، وهذه ~~حقيقة قولهم لما ثبت من أن الكلام كلام لمن قام به، فيكون ضمير المتكلم فيه ~~عائدا إلى محله. # ولما كان هذا المعنى مستقرا في فطر الناس وعقولهم كان السلف يقصدون بمجرد ~~قولهم: القرآن كلام الله. الرد على هؤلاء الجهمية الذين حقيقة قولهم إن ~~القرآن ليس كلام الله وإنما هو كلام لجسم مخلوق، وحقيقة قولهم: إن الله لم ~~يكلم موسى وإنما كلمه مخلوق من مخلوقاته. # قال البخاري: قال عبد الرحمن بن عفان: سمعت سفيان بن عيينة في السنة التي ~~ضرب فيها المريسي، فقام ابن عيينة من مجلسه مغضبا، قال: ويحكم القرآن كلام ~~الله قد صحبت الناس وأدركتهم، هذا عمرو بن دينار وهذا ابن المنكدر حتى ذكر ~~منصور والأعمش ومسعر بن كدام، فقال ابن عيينة: قد تكلموا في الاعتزال ~~والرفض والقدر وأمرونا باجتناب القوم فما نعرف القرآن إلا كلام الله ومن ~~قال غير هذا فعليه لعنة الله، وما أشبه هذا القول بقول النصارى، لا ~~تجالسوهم ولا تسمعوا كلامهم. # وابن عيينة أخرج هذا القول عن الرفض والاعتزال لأن المعتزلة أولا الذين ~~كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون ~~في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر ~~الإمام أحمد بن حنبل في رده على الجهمية قول جهم قال: فاتبعه قوم من أصحاب ~~عمرو بن عبيد وغيره واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام ~~وأشباههم من أهل الكلام. # وأما الرافضة فلم يكن في قدمائهم من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في ~~التجسم مشهورا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله. ms088 # وقال البخاري: حدثني الحكم بن محمد الطبري كتبت عنه بمكة قال: حدثنا ~~سفيان بن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار، ~~يقولون: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. قلت: كان المريسي قد صنف كتابا في ~~PageV01P111 # نفي الصفات وجعل يقرؤه بمكة في أواخر حياة ابن عيينة، فشاع بين علماء أهل ~~مكة ذلك، وقالوا: صنف كتابا في التعطيل فسعوا في عقوبته وحبسه، وذلك قبل أن ~~يتصل بالمأمون ويجري من المحنة ما جرى. # وقول ابن عيينة: ما أشبه هذا الكلام بكلام النصارى هو كما قال كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع، فإن عيسى مخلوق، وهم يجعلونه نفس الكلمة لا يجعلونه ~~المخلوق بالكلمة، وأيضا فأئمة نصارى كغشتكين أحد فضلائهم الأكابر يقولون: ~~إن الله ظهر في صورة البشر مترائيا لنا كما ظهر كلامه لموسى في الشجرة ~~فالصوت المسموع هو كلام الله وإن كان خلقه في غيره وهذا المرئي هو الله وإن ~~كان قد حل في غيره. # قال البخاري: وقال علي بن عاصم: ما الذين قالوا بأن لله ولد أكفر من ~~الذين قالوا إن الله لا يتكلم «1». # قال: وقال علي بن عبد الله يعني ابن المديني: القرآن كلام الله من قال ~~إنه مخلوق فهو كافر لا يصلى خلفه «2». # قال: وقال أبو الوليد: من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن لم يعقد قلبه ~~على أن القرآن ليس بمخلوق فهو خارج عن الإسلام «3». # قال: وقال أبو عبيد: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت قوما ~~أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم «4». # قال: وقال معاوية بن عمار: سمعت جعفر بن محمد يقول: القرآن كلام الله ليس ~~بمخلوق «5». # وهذا باب واسع كبير منتشر في كتب السنة والحديث: فهذا تمام ما قرره في ~~مسألة الكلام. PageV01P112 ### | فصل [طرق أخرى في إثبات كونه سبحانه متكلما] # وللناس طرق أخرى في إثبات كون الله متكلما، منها ما في القرآن من الإخبار ~~عن ذلك كقوله تعالى: قال الله، ويقول الله، وقوله: وكلم الله ms089 موسى تكليما ~~«1» وقوله: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه «2» وما ذكره في القرآن من ~~كلمة وكلماته كقوله تعالى: ولولا كلمة سبقت من ربك «3» وقوله: وتمت كلمة ~~ربك صدقا وعدلا «4» وما فيه من ذكر مناداته ومناجاته كقوله: وناديناه من ~~جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) «5». # وقوله: ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) «6» ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين (65) «7» وإذ نادى ربك موسى أن ائت ~~القوم الظالمين (10) «8». # وما في القرآن من ذكر إنبائه وقصصه كقوله: قد نبأنا الله من أخباركم «9» ~~وقوله: نحن نقص عليك أحسن القصص «10». وما في القرآن من ذكر حديثه كقوله: # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا (87) «11» وقوله: الله نزل أحسن الحديث «12» من القول منه ~~وقوله: ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين «13». # وقوله تعالى: قوله الحق وله الملك «14». # وما ذكر في القرآن أنه منه أو ما أضيف إليه فإن كان عينا قائمة بنفسها أو ~~أمرا PageV01P113 # قائما بتلك العين كان مخلوقا كقوله في عيسى وروح منه «1» وقوله: وسخر لكم ~~ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه «2» وقوله تعالى: وما بكم من نعمة ~~فمن الله «3». # وأما ما كان صفة لا تقوم بنفسها ولم يذكر لها محل غير الله كان صفة له ~~فكالقول والعلم والأمر إذا أريد به المصدر كان المصدر من هذا الباب كقوله ~~تعالى: ألا له الخلق والأمر «4» وإن أريد به المخلوق المكون بالأمر كان من ~~الأول كقوله تعالى: أتى أمر الله فلا تستعجلوه «5». # وبهذا يفرق بين كلام الله سبحانه، وعلم الله، وبين عبد الله وبيت الله ~~وناقة الله وقوله: فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا «6» وهذا أمر ~~معقول في الخطاب فإذا قلت: علم فلان وكلامه ومشيئته لم يكن شيئا بائنا عنه، ~~والسبب في ذلك أن هذه الأمور صفات لما تقوم به فإذا أضيفت إليه كان ذلك ~~إضافة صفة لموصوف إذ لو قامت بغيره لكانت صفة لذلك الغير لا لغيره. # واعلم أن الاستدلال ms090 على الكلام بمثل هذه السمعيات أكمل من الاستدلال على ~~السمع والبصر بالسمعيات لأن ما أخبر الله به عن نفسه من قوله وكلامه ~~وإنبائه وقصصه وأمره ونهيه وتكليمه وندائه ومناجاته وأمثال ذلك أضعاف ~~وأضعاف ما أخبر به من كونه سميعا بصيرا. # وأيضا فإنه نوع الإخبار عن كل نوع من أنواع الكلام وثنى ذلك وكرره في ~~مواضع ولا يحصى ما في القرآن من ذلك إلا بكلفة، ومن المعلوم بالاضطرار أن ~~المخاطبين لا يفهمون من هذا الكلام عند الإطلاق أنه خلق صوتا في غيره وإنما ~~يفهمون منه أنه هو الذي تكلم بذلك وقاله كما قالت عائشة في حديث الإفك: # «ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى» «7» فلو كان ~~المراد PageV01P114 # بهذه الجمل الكثيرة العظيمة البينة الصريحة خلاف مفهومها ومقتضاها لوجب ~~بيان ذلك إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ثم لا يقدر أحد أن يحكي ~~عنهم أنهم جعلوا الكلام كلاما لمن أحدثه في غيره بل لا يوجد في كلامهم، قال ~~ويقول، تكلم ويتكلم، إلا إذا كان الكلام قائما بذاته. # وإذا احتجت الجهمية من المعتزلة ونحوهم بأن أحدنا إنما كان متكلما لأنه ~~فعل الكلام. قيل: هو لم يحدثه في غيره ولم يباين كلامه نفسه وأنتم تجعلون ~~الكلام البائن للمتكلم كلاما له. فإن قالوا: ولا نعقل الكلام إلا كلاما لمن ~~فعله بمشيئته وقدرته فإن كلام أحدنا لم يكن كلاما له بمجرد قيامه بذاته بل ~~لكونه فعله. # قيل: أما كلام أحدنا فهو قائم به وهو تكلم به بذاته ومشيئته وقدرته فهو ~~قد جمع الوصفين أنه قائم بذاته وأنه تكلم به بمشيئته وقدرته فليس جعلكم ~~الكلام كلامه لمجرد كونه فعله بأولى من جعل غيركم الكلام كلاما له لمجرد ~~كونه قام بذاته. # وهذا موضع تنازعت فيه الصفاتية بعد اتفاقهم على تضليل الجهمية من ~~الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم على قولين مشهورين، حتى القائلين بأن الكلام ~~معنى قائم بنفس المتكلم وراء الأصوات تنازعوا في ذلك كما ذكره أبو محمد بن ~~كلاب فيما حكاه عنه أبو بكر ms091 بن فورك. # قال ابن فورك: فأما صريح عبارته وما نص عليه في كتاب الصفات الكبيرة في ~~تحقيق الكلام فإنه قال: فأما الكلام فإنه على ما عاهدناه منه معنى قائم ~~بالنفس فقوم يزعمون أنه نعت لها، وقوم يزعمون أنه فعل من أفعالها إلا أنهم ~~يعبرون عنه بالألفاظ والكتاب والإيماء، وكل ذلك قد يسمى كلاما وقولا لأدائه ~~ما يؤدى عن تلك المعاني الخفيات. # وكذلك أبو بكر عبد العزيز ذكر في كتابه ما ذكره القاضي أبو يعلى عنه أن ~~أصحاب الإمام أحمد تنازعوا في معنى قولهم: القرآن غير مخلوق، هل المراد به ~~أنه صفة لازمة له كالعلم والقدرة أو أنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء؟ وهذه ~~المسألة متعلقة بمسألة قيام الأفعال بذاته المتعلقة بمشيئته، هل يجوز أم ~~لا؟ # كالإتيان والمجيء والاستواء ونحو ذلك، وتسمى مسألة حلول الحوادث، وكل ~~طائفة من طوائف الأمة وغيرهم فيها على قولين حتى الفلاسفة لهم فيها قولان ~~لمتقدميهم ومتأخريهم. # وذكر أبو عبد الله الرازي أن جميع الطوائف تلزمهم هذه المسألة وإن لم ~~يلتزموها وأول من صرح بنفيها الجهمية من المعتزلة ونحوهم ووافقهم على ذلك # PageV01P115 # أبو محمد بن كلاب وأتباعه كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي وأبي ~~الحسن الأشعري، ومن وافقهم من أتباع الأئمة كالقاضي أبي يعلى وأبي الوفاء ~~بن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وهو قول طائفة من متأخرى أهل الحديث كأبي ~~حاتم البستي «1»، والخطابي «2» ونحوهما، وكثير من طوائف أهل الكلام يثبتها ~~كالهشامية والكرامية والزهيرية، وأبي معاذ التومني وأمثالهم كما ذكره ~~الأشعري عنهم في المقالات وهو قول أساطين فلسفة المتقدمين، كأبي البركات ~~صاحب المعتبر وأمثاله من المتفلسفة وهو قول جمهور أئمة الحديث كما ذكره ~~عثمان بن سعيد الدارمي وإمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة وغيرهما عن مذهب ~~السلف والأئمة، وكما ذكره شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو عمر بن ~~عبد البر النميري. # وقاله طوائف من أصحاب أحمد كالخلال وصاحبه، وأبي حامد وأمثالهم وقاله ~~داود بن علي الأصفهاني وأتباعه، وهو مقتضى ما ذكروه عن السلف والأئمة من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم ms092 إلى عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل ~~والبخاري صاحب الصحيح وأمثالهم، وعليه يدل كلام السلف فهؤلاء إذا قالوا: # المتكلم من قام به الكلام وهو يتكلم بمشيئته وقدرته خصموا المعتزلة ~~وانقطعت حجتهم عنهم فإنهم اعتبروا الوصفين جميعا، فمن جعل المتكلم من قام ~~به الكلام، وإن لم يكن متكلما بمشيئته وقدرته، أو جعله من فعله بمشيئته ~~وقدرته وإن لم يكن قائما به لحذف أحد الوصفين. PageV01P116 # ولا ريب أن الطرق الدالة على الإثبات والنفي إما السمع وإما العقل، أما ~~السمع فليس مع النفاة منه شيء بل القرآن والأحاديث هي من جانب الإثبات ~~كقوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) «1» وقوله ~~تعالى: ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين (65) «2». # وقوله: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون «3» وقوله: خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش «4» وقوله: ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان «5». # وقوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ~~ربك «6». # وأمثال ذلك مما في القرآن فإنه كثير جدا. # وكذلك الأحاديث الصحيحة كقوله عليه الصلاة والسلام، لما صلى بهم صلاة ~~الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل: «أتدرون ماذا قال ربكم ~~الليلة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه قال: أصبح من عبادي مؤمن بي ~~وكافر بي، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن ~~قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب» «7» وما يذكره من ~~خطابه للعباد يوم القيامة وخطابه للملائكة، وأمثال ذلك، بل كل ما تحتج به ~~المعتزلة على أن القرآن مخلوق من نحو هذا فإنه لا يدل على أنه بائن منه، ~~وإنما يدل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته فيمكن هؤلاء التزامه ويكون قولهم ~~متضمنا للإيمان بجميع ما أنزل الله مما يدل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، ~~وعلى أن كلامه غير مخلوق بخلاف غيرهم، فإنه يقرر بعض النصوص ويرد بعضها ~~بتحريف أو تفويض ومن جعله متكلما بمشيئته وقدرته وقال: إن كلامه قائم ms093 به ~~زال عنه هذا كله والمنازع لهم يحتاج أن يقرر بالعقل امتناع ذلك ثم يبين أنه ~~يمكن تأويله. # فأما الطرق العقلية فالمثبتون يقولون إنها من جانبهم دون جانب النفاة كما ~~تزعم النفاة أنها من جانبهم، وذلك أنهم قالوا: إن قدرته على ما يقوم به من ~~الكلام، والفعل صفة كمال كما أن ما يقوم به من العلم والقدرة صفة كمال ومن ~~المعلوم أن من قدر على أن يفعل ويتكلم أكمل ممن لا يقدر على ذلك، ~~PageV01P117 # كما أن قدرته على أن يبدع الأشياء صفة كمال والقادر على الخلق أكمل ممن ~~لا يقدر على الخلق. # وقالوا: الحي لا يخلو عن هذا، والحياة هي المصححة لهذا كما هي المصححة ~~لسائر الصفات وإذا قدر حي لا يقدر على أن يفعل بنفسه ويتكلم بنفسه كان ~~عاجزا بمنزلة الزمن والأخرس كما أنه إذا قدر حي لا يسمع ولا يبصر كان أصم ~~أعمى، فما من طريق يسلكه الصفاتية في إثبات صفاته إلا يسلك هؤلاء نظيره من ~~إثبات ذلك. # ولا ريب أن النفاة نوعان: # أحدهما:- وهم الأصل- المعتزلة ونحوهم من الجهمية فهؤلاء ينفون الصفات ~~مطلقا وحجتهم على نفي قيام الأفعال به من جنس حجتهم على نفي الصفات به، وهم ~~يسوون في النفي بين هذا وهذا كما صرحوا بذلك وليس لهم حجة تختص بنفس قيام ~~الحوادث. # وأما مثبتة الصفات الذين ينفون الأفعال الاختيارية القائمة به كابن كلاب ~~والأشعري فإنهم فرقوا بين هذين بأنه لو جاز قيام الحوادث به لم يخل منها ~~لأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ~~وبهذا استدلوا على حدوث الأجسام لأنها لا تخلو من الأعراض الحادثة كالحركة ~~والسكون والاجتماع والافتراق فأجابهم الأولون بثلاثة أجوبة: # أحدها: أن استدلالكم بقيام الأفعال به على حدوثه هو نظير استدلال ~~المعتزلة بقيام الصفات به على حدوثه. وقالوا: الصفات أعراض والأعراض لا ~~تقوم إلا بجسم ففرقتم أنتم بين الصفات- وهي اللازمة- وبين الأعراض، وهو فرق ~~صوري يرجع في الحقيقة إلى الاصطلاح فإن جاز أن تقوم به الصفات التي هي ms094 ~~أعراض في غيره ولا يكون جسما محدثا جاز أن تقوم به الأفعال التي هي حركات ~~في غيره ولا يكون جسما محدثا وهذا إلزام. # الثاني: قالوا لهم: لا نسلم أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده وقد ~~اعترف أبو عبد الله الرازي وأبو الحسن الآمدي «1» ونحوهما بفساد هذا الأصل ~~PageV01P118 # وعليه بنى الأشعري وأصحابه كلامهم في مسألة امتناع قيام الحوادث به ~~ومسألة القرآن ونحوهما من المسائل. # الثالث: هب أنه لا يخلو عنه وعن ضده وأن ذلك يستلزم تعاقب الحوادث لكن لا ~~نسلم أن ذلك يستلزم حدوث ما قام به، قالوا: والدليل الذي ذكرتموه على حدوث ~~العالم من هذا الوجه دليل ضعيف وقد ألزمكم الفلاسفة فيه إلزاما لم تنفصلوا ~~عنه ولا يمكنكم الانفصال عنه إلا بتجويز ذلك على القديم فإنهم قالوا: ما ~~حدث بعد أن لم يكن فلا بد له من سبب حادث فإن ذلك الحادث ممكن والممكن لا ~~يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح والمرجح إن لم يجب حصول الممكن عند ~~حصوله لم يكن مرجحا تاما فافتقر إلى تمامه. # ثم القول في حدوث ذلك التمام كالقول في حدوث الأول فلا بد من مرجح تام ~~يجب عنده الحادث فلا بد لكل حادث من سبب تام يحصل الحادث عند تمام ذلك ~~السبب، فإذا كان العالم محدثا بعد أن لم يكن ولم يحدث سبب يقتضي حدوثه فلم ~~يكن حين إبداعه أمر يوجب ترجيحه لم يكن قبل إبداعه بل الحالان سواء فيلزم ~~ترجيح الحدوث بلا مرجح. # وهذا الموضع هو أصعب المواضع على المتكلمين في بحثهم مع الفلاسفة في ~~مسألة حدوث العالم. وهذه الشبهة أقوى شبه الفلاسفة فإنهم لما رأوا أن ~~الحدوث يمتنع إلا بسبب حادث قالوا: والقول في ذلك الحادث كالقول في الأول. # وقال هؤلاء المثبتة لقيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى: وعلى أصلنا ~~يبطل كلام الفلاسفة فإنه يقال لهم أنتم تجوزون قيام الحوادث بالقديم إذ ~~الفلك قديم عندكم والحركات تقوم به، وتجوزون حوادث لا أول لها وتعاقب ~~الحركات على الشيء لا يستلزم حدوثه وإذا ms095 كان كذلك فلم يجوز أن يكون الخالق ~~للعالم له أفعال اختيارية تقوم به يحدث بها الحوادث ولا يكون تسلسلها ~~وتعاقبها دليلا على حدوث ما قامت به. # قال هؤلاء لأصحابهم الذين أثبتوا حدوث العالم بهذه الطرق: تسلط عليكم ~~الفلاسفة في مسألة حدوث العالم فإنكم إذا أثبتم حدوث العالم وقلتم المحدث ~~لا بد له من محدث لأن تخصيص الحوادث ببعض الأوقات دون بعض لا بد من # PageV01P119 # مخصص، قال لكم الدهرية «1»: فأنتم تجوزون الحدوث من غير سبب حادث يقتضي ~~التخصيص ببعض الحوادث دون بعض. # فإن قلتم: القديم يخصص مثلا عن مثل بلا سبب أصلا جوزتم تخصيص أحد المثلين ~~على الآخر بغير مخصص وهذا يفسد عليكم إثبات العلم بالصانع وهو المقصود ~~بطريقكم فسلكتم طريقا لم تحصل المقصود من العرفان، وسلطتم عليكم أهل الضلال ~~والعدوان، كمن أراد أن يغزو بغير طريق شرعي فلا فتح بلادهم ولا حفظ بلادهم ~~بل سلطهم حتى صاروا يحاربونه بعد أن كانوا عاجزين عنه. # ولهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام المحدث المخالف للكتاب والسنة «2» إذ ~~كان فيه من الباطل في الأدلة والأحكام ما أوجب تكذيب بعض ما أخبر به الرسول ~~وتسلط العدو على أهل الإسلام وليس هذا موضع بسط الكلام في هذه الأمور ~~الكبيرة العظيمة، بل نبنهنا عليها تنبيها مختصرا بحسب ما يحتمله هذا المقام ~~فإن الكلام في مسألة الكلام حير عقول أكثر الأنام الذين ضعفت معرفتهم ~~واتباعهم لما بعث الله به رسله الكرام، ولهم طرق سمعية في تقريره يطول ~~ذكرها. # وأما الطرق العقلية: فمن وجوه: # أحدها: أن الحي إذا لم يتصف بالكلام لزم اتصافه بضده كالسكوت والخرس وهذه ~~آفة يتنزه الله عنها فتعين اتصافه بالكلام وهذا المسلك يسلكونه في إثبات ~~كونه سميعا بصيرا أيضا فإنه إذا كان حيا ولم يكن سميعا بصيرا لزم اتصافه ~~بضد ذلك من الصمم والعمى. # الثاني: أن الكلام صفة كمال وهنالك من جعله صفة لا تتعلق بمشيئته ~~واختياره جعله كالعلم والقدرة ومن قال إنه يتعلق بمشيئته وقدرته قال: كونه ~~متكلما يتكلم إذا شاء صفة كمال وقد ms096 يقول بطرد ذلك في كونه فاعلا الأفعال ~~الاختيارية القائمة بنفسه، ويجعل هذا كله من صفات الكمال وقد يقول القدرة ~~على ذلك هي صفة الكمال إذ الكمال لا يجوز أن يفارق الذات فإنه لم يزل ولا ~~يزال كاملا مستحقا لجميع صفات الكمال، فالقدرة على كونه يقول ما شاء ويفعل ~~ما شاء صفة كمال فالقدرة وحدها غير القدرة مع ما يقترن بها من المقدورية، ~~وهذا ينبني على PageV01P120 # أن ما يقوم به من ذلك هل كله مسبوق بالعدم أو لم يزل ذلك يقوم به؟ وفيه ~~لهم قولان، أحدهما أنه مسبوق بالعدم كما تقوله الكرامية وغيرهم. # الثالث: أنه ليس مسبوقا بالعدم وهو مذهب أكثر أهل الحديث وكثير من أهل ~~الكلام والفقه والتصوف. # الرابع: أن يقال: المخلوق ينقسم إلى متكلم وغير متكلم والمتكلم أكمل من ~~غير المتكلم وكل كمال هو في المخلوق مستفاد من الخالق فالخالق به أحق وأولى ~~ومن جعله لا يتكلم فقد شبهه بالموات الجماد الذي لا يتكلم وذلك صفة نقص إذ ~~المتكلم أكمل من غيره، قال تعالى في ذم من يعبد من لا يتكلم ولا ينفع ولا ~~يضر أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) «1» ~~وقال في الآية الأخرى: # ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا «2» وقال تعالى: وضرب الله مثلا ~~رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت ~~بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) «3». # فعاب الصنم بأنه أبكم لا يقدر على شيء إذ كان من المعلوم أن العجز عن ~~النطق والفعل صفة نقص فالنطق والقدرة صفة كمال. # والفرق بين هذه الطريق وبين التي قبلها أن هذه استدلال بما في المخلوق من ~~الكمال على أن الخالق أحق به وأنه يمتنع أن يكون مضاهيا للناقص، والأولى ~~أنه مستحق لصفات الكمال من حيث هي مع قطع النظر عن كونها ثابتة في ~~المخلوقات لامتناع النقص عليه بوجه من الوجوه سبحانه وتعالى. PageV01P121 ### | فصل [إثبات كون الله تعالى سميعا ms097 بصيرا] # قال: (والدليل على كونه سميعا بصيرا: السمعيات). # قلت: إثبات كونه سميعا بصيرا وأنه ليس هو مجرد العلم بالمسموعات ~~والمرئيات هو قول أهل الإثبات قاطبة من أهل السنة والجماعة من السلف ~~والأئمة وأهل الحديث والفقه والتصوف والمتكلمين من الصفاتية كأبي محمد بن ~~كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأصحابه وطائفة من المعتزلة ~~البصريين بل قدماؤهم على ذلك ويجعلونه سميعا بصيرا لنفسه كما يجعلونه عالما ~~قادرا لنفسه. وإثبات ذلك كإثبات كونه متكلما بل هو أقوى من بعض الوجوه فإن ~~المعتزلة البصريين يثبتونه مدركا مثل كونه عليما قديرا بخلاف كونه متكلما ~~فإنه من باب كونه خالقا. # وللناس في إثبات كونه سميعا بصيرا طرق: # أحدها: السمع كما ذكره وهو ما في الكتاب والسنة من وصفه بأنه سميع بصير ~~ولا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى لأن الله فرق بين العلم ~~وبين السمع والبصر، وفرق بين السمع والبصر وهو لا يفرق بين علم وعلم لتنوع ~~المعلومات قال تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع ~~عليم (200) «1» وفي موضع آخر: إنه سميع عليم قال تعالى: وإن عزموا الطلاق ~~فإن الله سميع عليم (227) «2» ذكر سمعه لأقوالهم وعلمه ليتناول باطن ~~أحوالهم. # وقال لموسى وهارون: إنني معكما أسمع وأرى «3» وفي السنن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها وإذا حكمتم بين PageV01P122 # الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ~~(58) «1» ووضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه «2»، ولا ريب أن مقصوده ~~بذلك تحقيق الصفة لا تمثيل الخالق بالمخلوق فلو كان السمع والبصر: العلم لم ~~يصح ذلك. # الطريق الثاني: إنه لو لم يتصف بالسمع والبصر لا تصف بضد ذلك وهو العمى ~~والصمم كما قالوا مثل ذلك في الكلام وذلك لأن المصحح لكون الشيء سميعا ~~بصيرا متكلما هو الحياة فإذا انتفت الحياة امتنع اتصاف المتصف بذلك ~~فالجمادات لا توصف بذلك لانتفاء الحياة فيها وإذا كان المصحح هو الحياة ms098 كان ~~الحي قابلا لذلك فإن لم يتصف به لزم اتصافه بأضداده بناء على أن القابل ~~للضدين لا يخلو من اتصاف بأحدهما إذ لو جاز خلو الموصوف عن جميع الصفات ~~المتضادة لزم وجود عين لا صفة لها وهو وجود جوهر بلا عرض يقوم به. # وقد علم بالاضطرار امتناع خلو الجواهر عن الأعراض وهو امتناع خلو الأعيان ~~والذات عن الصفات وذلك بمنزلة أن يقدر المقدر جسما لا متحركا ولا ساكنا ولا ~~حيا ولا ميتا ولا مستديرا ولا ذا جوانب ولهذا أطبق العقلاء من أهل الكلام ~~والفلسفة وغيرهم على إنكار زعم تجويز وجود جوهر خال عن جميع الأعراض وهو ~~الذي يحكى عن قدماء الفلاسفة من تجويز وجود مادة خالية عن جميع الصور ويذكر ~~هذا عن شيعة أفلاطون «3» وقد رد ذلك عليهم أرسطو وأتباعه. # وقد بسطنا الكلام في الرد على هؤلاء في غير هذا الموضع وبينا أن ما يدعيه ~~شيعة أفلاطون من إثبات مادة في الخارج خالية عن جميع الصور ومن إثبات خلاء ~~موجود غير الأجسام وصفاتها ومن إثبات المثل الأفلاطونية وهو إثبات حقائق ~~كلية خارجة عن الذهن غير مقارنة للأعيان الموجودة المعينة فظنوها ثابتة في ~~الخارج عن أذهانهم كما ظن قدماؤهم الفيثاغورية أن العدد أمر موجود في ~~الخارج بل وما ظنه PageV01P123 # أرسطو وشيعته من إثبات مادة في الخارج مغايرة للجسم المحسوس وصفاته ~~وإثبات ماهيات كلية للأعيان مقارنة لأشخاصها في الخارج هو أيضا من باب ~~الخيال حيث اشتبه عليه ما في الذهن بما في الخارج وفرق بين الوجود والماهية ~~في الخارج. # وأصل ذلك أن الماهية في غالب اصطلاحهم اسم لما يتصور في الأذهان والوجود ~~اسم لما يوجد في الأعيان، والفرق بين ما في الذهن وبين ما في الخارج لا ~~ينازع فيه عاقل فهمه، لكنهم بعدها ظنوا أن في الخارج ماهية للشيء الموجود ~~مغايرة للشخص الموجود في الخارج. # وهذا غلط ما في النفس سواء سمي وجودا ذهنيا أو ماهية ذهنية أو غير ذلك هو ~~مغاير لما في الخارج سواء سمي ذلك وجودا أو ماهية أو ms099 غير ذلك. # وأما أن يقال أن في الخارج في الجوهر المعين الموجود كالإنسان مثلا ~~جوهرين أحدهما ماهيته والآخر وجوده فهذا باطل كبطلان قولهم أن فيه جوهرين ~~أحدهما مادته والآخر صورته، وكقولهم أنه مركب من الحيوانية والناطقية فإن ~~الحيوانية والناطقية إن أرادوا إنها جوهران وهما الحيوان والناطق فالشخص ~~المعين هو الحيوان وهو الناطق، وليس هنا شخصان أحدهما حيوان والآخر ناطق، ~~وإن أرادوا نفس الحياة والنطق فهذان صفتان قائمتان بالإنسان وصفة الموصوف ~~قائمة به قيام العرض بالجوهر، والجوهر لا يتركب من أعراضه القائمة به، ولا ~~يكون وجود أعراضه سابقا لذاته والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع ~~«1». # والمقصود هنا أن أرسطو وأتباعه وأمثاله من أهل الفلسفة أنكروا على من جوز ~~منهم وجود مادة بلا صورة، فهم مع أصناف أهل الكلام وسائر العقلاء متفقون ~~على امتناع خلو الجسم عن جميع الصفات والأعراض، وإن جوز ذلك الصالحي ابتداء ~~فلم يجوزه دواما، والجمهور منعوه ابتداء ودواما، وإنما تنازع الناس في ~~استلزامه لجميع أجناس الأعراض فقيل: إنه لا بد أن يقوم به من الأعراض ~~المتضادة واحد منها، وما لا ضد له لا بد أن يقوم به واحد من جنسه، وهذا قول ~~الأشعري ومن اتبعه، وقيل: لا بد أن يقوم به الأكوان وهي الحركة أو السكون ~~والاجتماع والافتراق، ويجوز خلوه عن غيرها وهو قول البصريين من المعتزلة، ~~وقيل: يجوز خلوه عن الأكوان دون الألوان كما يذكر الكعبي وأتباعه من ~~البغداديين منهم وهؤلاء قد يتنازعون في قبول الشيء من الأجسام بكثير من ~~الأعراض، ويتفقون على امتناع خلو الجسم عن العرض وضده بعد قبوله له، ~~PageV01P124 # وذلك لأن خلو الموصوف عن الضدين اللذين لا ثالث لهما مع قبوله لهما ممتنع ~~في العقول، وبهذا يتبين أن الحي القابل للسمع والبصر والكلام إما أن يتصف ~~بذلك، وإما أن يتصف بضده وهو الصمم والبكم والخرس، ومن قدر خلوه عنهما فهو ~~مشابه للقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا ~~قادر ولا عاجز، بل قالوا: لا يوصف ms100 بالإيجاب ولا بالسلب، لا يقال: هو حي ~~عالم ولا يقال: ليس بحي عالم، ولا يقال: هو عليم قدير ولا يقال: ليس بقدير ~~عليم، ولا يقال: هو متكلم مريد ولا يقال: ليس بمتكلم مريد. # قالوا لأن من الإثبات تشبيها بما تثبت له هذه الصفات وفي النفي تشبيه له ~~بما ينفي عنه هذه الصفات، وقد قاربهم في ذلك من قال من متكلمة الظاهرية «1» ~~كابن حزم «2» أن أسماءه الحسنى كالحي والعليم والقدير بمنزلة أسماء الأعلام ~~التي لا تدل على حياة ولا علم ولا قدرة وقال: لا فرق بين الحي وبين العليم ~~وبين القدير في المعنى أصلا، ومعلوم أن مثل هذه المقالات سفسطة في العقليات ~~وقرمطة في السمعيات فإنا نعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والقدير والعليم ~~والملك والقدوس والغفور. # وإن العبد إذا قال: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور كان قد ~~أحسن في مناجاة ربه وإذا قال: اغفر لي وتب علي إنك أنت الجبار المتكبر ~~الشديد العقاب لم يكن محسنا في مناجاته، وإن الله أنكر على المشركين الذين ~~امتنعوا من تسميته بالرحمن فقال تعالى: وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا ~~وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) «3» وقال تعالى: ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا ~~يعملون (180) «4» وقال تعالى: كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من PageV01P125 # قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي ~~لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) «1» وقال تعالى: قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى «2». # ومعلوم أن الأسماء إذا كانت أعلاما وجامدات لا تدل على معنى لم يكن فرق ~~فيها بين اسم واسم فلا يلحد أحد في اسم دون اسم ولا ينكر عاقل اسما دون اسم ~~بل قد يمتنع عن تسميته مطلقا ولم يكن المشركون يمتنعون عن تسمية الله بكثير ~~من أسمائه وإنما امتنعوا عن بعضها، وأيضا فالله له الأسماء الحسنى دون ~~السوأى وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم ms101 السيئ بمعناه فلو كانت كلها ~~بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لا تنقسم إلى حسنى وسوأى بل ~~هذا القائل لو سمى معبوده بالميت والعاجز والجاهل بدل الحي والعالم والقادر ~~لجاز ذلك عنده. # فهذا ونحوه قرمطة ظاهرة من هؤلاء الظاهرية الذي يدعون الوقوف مع الظاهر ~~وقد قالوا بنحو مقالة القرامطة الباطنية في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته ~~مع ادعائهم الحديث ومذهب السلف وإنكارهم على الأشعري وأصحابه أعظم إنكار ~~«3». # ومعلوم أن الأشعري وأصحابه أقرب إلى السلف والأئمة ومذهب أهل الحديث في ~~هذا الباب من هؤلاء بكثير. # وأيضا فهم يدعون أنهم يوافقون أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة في مسائل ~~القرآن والصفات وينكرون على الأشعري وأصحابه، والأشعري وأصحابه أقرب إلى ~~أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة في مسائل القرآن والصفات منهم تحقيقا ~~وانتسابا. أما تحقيقا فمن عرف مذهب الأشعري وأصحابه ومذهب ابن حزم وأمثاله ~~من الظاهرية في باب الصفات تبين له ذلك وعلم هو وكل من فهم المقالتين أن ~~هؤلاء الظاهرية الباطنية أقرب إلى المعتزلة بل إلى الفلاسفة من الأشعرية. # وأن الأشعرية أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث منهم وأيضا فإن إمامهم ~~داود وأكابر أصحابه كانوا من المثبتين للصفات على مذهب أهل السنة ~~PageV01P126 # والحديث، ولكن من أصحابه طائفة سلكت مسلك المعتزلة وهؤلاء وافقوا ~~المعتزلة في مسائل الصفات وإن خالفوهم في القدر والوعيد. # وأما الانتساب فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصا وسائر أئمة ~~أهل الحديث عموما ظاهر مشهور في كتبهم كلها. # وما في كتب الأشعري مما يوجد مخالفا للإمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد ~~في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن ~~الجوزي وصدقة بن الحسين وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول ~~الأشعري وأئمة أصحابه ومن هو أقرب إلى أحمد والأئمة من مثل ابن عقيل وابن ~~الجوزي ونحوهما كأبي الحسن التميمي وابنه أبي الفضل التميمي وابن ابنه رزق ~~الله التميمي ونحوهم وأئمة أصحاب الأشعري كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني ~~وشيخه أبي ms102 عبد الله بن عبد الله بن مجاهد وأصحابه كأبي علي بن شاذان وأبي ~~محمد بن اللبان بل وشيوخ شيوخه كأبي العباس القلانسي وأمثاله، بل والحافظ ~~أبو بكر البيهقي وأمثاله أقرب إلى السنة من كثير من أصحاب الأشعري ~~المتأخرين الذين خرجوا عن كثير من قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو ~~الفلاسفة. # فإن كثير من متأخري أصحاب الأشعري خرجوا عن قوله إلى قول المعتزلة أو ~~الجهمية أو الفلاسفة إذ صاروا واقفين في ذلك كما سننبه عليه «1». # وما في هذا الاعتقاد المشروح هو موافق لقول الواقفة الذين لا يقولون بقول ~~الأشعري وغيره من متكلمة أهل الإثبات وأهل السنة والحديث والسلف بل يثبتون ~~ما وافقه عليه المعتزلة البصريون فإن المعتزلة البصريين يثبتون ما في هذا ~~الاعتقاد ولكن الأشعري وسائر متكلمة أهل الإثبات مع أئمة السنة والجماعة ~~يثبتون الرؤية ويقولون: القرآن غير مخلوق ويقولون: إن الله حي بحياة عالم ~~بعلم، قادر بقدرة، وليس في هذا الاعتقاد شيء من هذا الإثبات. # وقد رأيت اعتقادا مختصرا لصاحب مصنف هذا الاعتقاد المشروح وهو مشهور ~~بالعلم والحديث، وهو في الظاهر أشعري عند الناس ورأيت اعتقاده على هذا ~~النمط ذكر فيه أن الله متكلم آمر ناه كما يوافق عليه المعتزلة، ولم يذكر أن ~~القرآن غير مخلوق، ولا أثبت الرؤية بل جعلها مما تأول وكان يميل إلى ~~الجهمية الذين ناظروا أحمد بن حنبل وسائر أئمة السنة في القرآن ويرجح ~~جانبهم، وحكى PageV01P127 # عنهم ذم وسب لأحمد بن حنبل وهو بنى اعتقاده وركبه من قول الجهمية ومن قول ~~الفلاسفة القائلين بقدم العقول والنفوس وهو من جنس القول المضاف إلى ~~ديمقراطيس وليس هذا مذهب الأشعرية بل هم متفقون على أن القرآن غير مخلوق ~~وعلى أن الله يرى في الآخرة، وإن قيل إن في ذلك تدليسا أو خطأ أو غير ذلك، ~~فليس المقصود هنا تصويب قائل معين ولا تخطئته ولا بيان ما في مقالته من ~~الخطأ والصواب وموافقة السلف ومخالفتهم، بل أن يعلم مقالة كل شخص على ~~حقيقتها، ثم الحق يجب اتباعه بما أقام ms103 الله عليه من البرهان، ثم هذا ~~الاعتقاد المشروح مع أنه ليس فيه زيادة على اعتقاد المعتزلة البصريين ~~فاعتقاد المعتزلة البصريين خير منه فإن في هذا المعتقد من اعتقاد المتفلسفة ~~في التوحيد ما لا يرضاه المعتزلة كما نبهنا عليه فيما تقدم وبيناه أن ما ~~ذكره من التوحيد ودليله هو مأخوذ من أصول الفلاسفة وأنه من أبطل الكلام، ~~وهذه الجمل نافعة فإن كثيرا من الناس ينسب إلى السنة أو الحديث أو اتباع ~~مذهب السلف أو الأئمة أو مذهب الإمام أحمد أو غيره من الأئمة أو قول ~~الأشعري أو غيره ويكون في أقواله ما ليس بموافق لقول من انتسب إليهم. # فمعرفة ذلك نافعة جدا كما تقدم في الظاهرية الذين ينتسبون إلى الحديث ~~والسنة حتى أنكروا القياس الشرعي المأثور على السلف والأئمة ودخلوا في ~~الكلام الذي ذمه السلف والأئمة حتى نفوا حقيقة أسماء الله وصفاته وصاروا ~~مشابهين للقرامطة الباطنية بحيث تكون مقالة المعتزلة في أسماء الله أحسن من ~~مقالتهم فهم مع دعوى الظاهر يقرمطون في توحيد الله وأسمائه. # وأما السفسطة في العقليات فظاهرة، فإنه من المعلوم بصريح العقل امتناع ~~ارتفاع نقيضين جميعا وإنه لا واسطة بين النفي والإثبات فمن قال إن لا يصف ~~الرب بالإثبات فلا يقول إنه حي عليم قدير، ولا يصفه بالنفي فلا يقول ليس ~~بحي عليم قدير فقد امتنع عن النقيضين جميعا، والامتناع عن النقيضين كالجمع ~~بين النقيضين فإن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهذا مما رأيته قد ~~اعتمد عليه أئمة القرامطة كصاحب «كتاب الأقاليد الملكوتية» أبي يعقوب ~~السجستاني فإنهم قالوا نحن لم نجمع بين النقيضين فنقول أنه حي وليس بحي بل ~~رفعنا النقيضين فقلنا: لا موصوف ولا لا موصوف. # قال هذا القرمطي المصنف الذي رأيته أفضل هؤلاء القرامطة: (الإقليد ~~العاشر) في أن من عبد الله بنفي الصفات والحدود لم يعبده حق عبادته، إذ ~~عبادته واقعة لبعض المخلوقين فإن قوما من الأوائل وجماعة من فرق الإسلام لم ~~يعبدوا الله حق عبادته ولم يعرفوه بحقيقة المعرفة فقالوا إن الله غير موصوف ~~ولا ms104 # PageV01P128 # محدود ولا منعوت ولا مرئي ولا في مكان وتوهموا أن هذا المقدار تمجيد لله ~~عز وجل وتعظيم له وأنهم قد تخلصوا من الشرك والتشبيه، وإذا هم قد وقعوا في ~~الحيرة والتيه لأنهم نفوا الصفات والحدود والنعوت عن الباري- تقدست عظمته- ~~لئلا يكون بينه وبين خلقه مشابهة ولا مماثلة فنحن نسألهم بعد عن الموصوف من ~~خلق أهو الصفة والحد والنعت أم الموصوف غير صفته والمحدود غير حده والمنعوت ~~غير نعته. # فإن قالوا: إن الصفة هي الموصوف، والحد هو المحدود، والنعت هو المنعوت، ~~لزمهم أن يقولوا: إن السواد هو الأسود، والبياض هو الأبيض. # وإن قالوا: الموصوف غير صفته، والمنعوت غير نعته، والمحدود غير حده، وهو- ~~أعني الموصوف والمحدود والمنعوت جميعا- مخلوق هذا الخالق الذي نزهتموه عن ~~الصفة والحد والنعت أشركتم الخالق بالمخلوق الذي هو الصفة والحد والنعت في ~~باب أنها غير الموصوف عندكم وإن جاز أن يشارك المخلوق الخالق في وجه من ~~الوجوه لم لا يجوز أن يشاركه في جميع الوجوه، قال: فإذا من عبد الله بنفي ~~الصفات عنه واقع في التشبيه الخفي كما أن من عبده بسمة الصفات واقع في ~~التشبيه الجلي. # ثم أخذ يرد على المعتزلة لكن رده عليهم ما أثبتوه من الحق واحتج عليهم ~~بما وافقوه فيه من النفي، فإنه بهذا الطريق تمكنت القرامطة الزنادقة ~~الملاحدة من إفساد دين الإسلام حيث احتجوا على كل مبتدع بما وافقهم عليه من ~~البدعة من النفي والتعطيل وألزموه لازم قوله حتى قرروا التعطيل المحض. # قال القرمطي: ومن أعظم ما أتت به طائفة من أهل هذه النحلة في إقامة رأيهم ~~من أن المبدع سبحانه غير موصوف ولا منعوت أنهم أثبتوا له الأسامي التي لا ~~تتعرى عن الصفات والنعوت فقالوا إنه سميع بالذات بصير بالذات عالم بالذات ~~ونفوا عنه السمع والبصر والعلم ولم يعلموا أن هذه الأسامي إذا لزمت ذاتا من ~~الذوات لزمته الصفات التي من أجلها وقعت الأسامي، إذ لو جاز أن يكون عالما ~~بغير علم، أو سميعا بغير سمع، أو بصيرا بغير بصر، لجاز أن يكون الجاهل ms105 مع ~~عدم العلم عالما، والأعمى مع فقد البصر بصيرا، والأصم مع غيبوبة السمع ~~سميعا، فلما لم يجز ما وصفناه صح أن العالم إنما صار عالما لوجود العلم، ~~والبصير لوجود البصر، والسميع لوجود السمع. # قال: فإن قال قائل منهم: إنما نفينا عن البصير البصر إذ كان اسم البصير # PageV01P129 # متوجها نحو ذات الخالق لأنا هكذا شاهدنا أن من كان اسمه البصير لزمه من ~~أجل البصر أن يجوز عليه العمى، ومن كان اسمه السميع يلزمه من أجل السمع أن ~~يجوز عليه الصمم، ومن كان اسمه العالم يلحقه من أجل العلم أن يجوز عليه ~~الجهل، والله تعالى لا يلحق به الجهل والعمى والصمم فنفينا عنه ما يلزم ~~بزواله ضده، يقال له: ليس علة وجوب العمى البصر، ولا علة وجوب الصمم السمع، ~~ولا علة وجوب الجهل العلم، ولو كانت العلة فيه ما ذكرناه كان واجبا أنه متى ~~وجد البصر وجد العمى، أو متى وجد السمع وجد الصمم أو متى وجد العلم وجد ~~الجهل، فلما وجد البصر في بعض ذوي البصر من غير ظهور عمى به، ووجد السمع ~~كذلك في بعض ذوي السمع من غير وجود صمم يتبعه ووجد العلم في بعضهم من غير ~~وجود جهل به صح أن العلة في ظهور الجهل والصمم، والعمى ليس هو العلم والسمع ~~والبصر بل في قبول إمكان الآفة في بعض ذوي العلم والسمع والبصر، والله ~~تعالى ذكره ليس بمحل الآفات، ولا الآفات بداخلة عليه فهو إذا كان اسم ~~العالم والسميع والبصير يتوجه نحو ذاته ذا علم وسمع وبصر فتعالى الله عما ~~أضاف إليه الجهلة المغترون من هذه الأسامي بأنها لازمة له لزوم الذوات بل ~~هذه الأسامي مما تتوجه نحو الحدود المنصوبة من العلوي والسفلي والروحاني ~~والجسماني لمصلحة العباد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # قال: ويقال لهم إن كان الاستشهاد الذي استشهدتموه صحيحا فإن الاستشهاد ~~الآخر الذي لا يفارق الاستشهاد الأول مثله في باب الصحة لأنكم إن كنتم هكذا ~~شاهدتم أن من كان عالما من أجل علمه أو سميعا ms106 من أجل سمعه أو بصيرا من أجل ~~بصره جاز عليه الجهل والعمى والصمم، فنحن كذلك شاهدنا أن من كان عالما فإن ~~العلم سابقه، ومن كان بصيرا فإن البصر قرينه، ومن كان سميعا كان السمع ~~شهيده، فإن جاز لكم أن تتعدوا حكم الشاهد على الغائب في أحدهما فتقولوا جاز ~~أن يكون في الغائب عالم بغير علم وبصير بغير بصر وسميع بغير سمع، جاز لنا ~~أن نتعدى حكم الشاهد على الغائب في الباب الآخر فنقول: إنا وإن كنا لم ~~نشاهد عالما بعلم إلا وقد جاز عليه الجهل، وبصيرا ببصر إلا وقد جاز عليه ~~العمى، وسميعا بالسمع إلا وقد جاز عليه الصمم أن يكون في الغائب عالم بعلم ~~لا يجوز عليه الجهل وبصير بالبصر لا يجوز عليه العمى وسميع بالسمع لا يجوز ~~عليه الصمم، وإلا فما الفصل ولا سبيل لهم إلى التفصيل بين الاستشهادين ~~فاعرفه. # فليتدبر المؤمن العليم كيف ألزم هؤلاء الزنادقة الملاحدة المنافقون الذين ~~هم # PageV01P130 # أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب كالمعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات ~~نفي أسماء الله الحسنى، وأن تكون أسماؤه الحسنى لبعض المخلوقات فيكون ~~المخلوق هو المسمى بأسمائه الحسنى كقولهم في الأول والآخر والظاهر والباطن ~~أن الظاهر هو محمد الناطق، والباطن هو علي الأساس، ومحمد هو الأول وعلي هو ~~الآخر، وتأويلهم قوله تعالى: بل يداه مبسوطتان «1» أن اليد الواحدة هو محمد ~~والأخرى علي، وقوله تعالى: تبت يدا أبي لهب «2»، أن يديه هما أبو بكر وعمر، ~~لكونهما كانا مع أبي لهب في الباطن، فأمرهما بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعجزا عن ذلك، فأنزل الله تبت يدا أبي لهب وأمثال هذا من التأويلات ~~المعروفة عن القرامطة، وأصل كلامهم استدلالهم بما يزعمونه من نفي التشبيه ~~وإلزامهم لكل من وافقهم على شيء من النفي بطرد مقالته واتباع لوازمها ~~ولازمها التعطيل الذي يقصدونه. # وقال القرمطي: وأيضا فمن نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت ولم يجرده عما ~~لا صفة له ولا حد ولا نعت فقد أثبته بما لم يجرده عنه، وإذا كان إثباته ~~لمعبوده ms107 ينفي الصفة والحد والنعت فقد كان إثباته مهملا غير معروف لأن ما لا ~~صفة له ولا حد ولا نعت ليس هو الله بزعمه فقط بل هو والنفس والعقل وجميع ~~الجواهر البسيطة من الملائكة وغيرهم. # والله تعالى أثبت من أن يكون إثباته مهملا غير معلوم، فإذا الإثبات الذي ~~يليق بمجد المبدع ولا يلحقها الإهمال هو نفي الصفة ونفي أن لا صفة ونفي ~~الحد ونفي أن لا حد، لتبقى هذه العظمة لمبدع العالمين إذ لا يحتمل أن يكون ~~معه لمخلوق شركة في هذا التقديس وامتنع أن يكون الإثبات من هذه الطريق ~~مهملا فاعرفه. # قال: فإن قال إن من شريطة القضايا المتناقضة أن يكون أحد طرفيها صدقا ~~والآخر كذبا فقولكم لا موصوفة ولا لا موصوفة قضيتان متناقضتان لا بد ~~لأحدهما من أن تكون صادقة والأخرى كاذبة. # يقال له: غلطت في معرفة القضايا المتناقضة وذلك أن القضايا المتناقضة أحد ~~طرفي النقيض منه موجب والآخر سالب، فإن كانت القضية كلية موجبة كان نقيضها ~~جزئية سالبة كقولنا: كل إنسان حي وهي قضية كلية موجبة، نقيضة لا كل إنسان ~~حي فلما كان من شرط النقيض من أنه لا بد من أن يكون أحد طرفيها موجبة ~~PageV01P131 # والآخرة سالبة رجعنا إلى قضيتنا في المبدع هل نجد فيها هذه الشريطة ~~فوجدناها في كلتا طرفيها لم يوجب له شيئا بل كلتا طرفيها سالبتان وهي قولنا ~~لا موصوف ولا لا موصوف، فهي إذا لم يناقض بعضها بعضا وإنما تناقض القضية في ~~هذا الموضع أن نقول له صفة وأن ليس له صفة أو نقول له حد وأن لا حد له، أو ~~إنه في مكان وإنه لا في مكان، فيلزمنا حينئذ إثبات لاجتماع طرفي النقيض على ~~الصدق، فأما إذا كانت القضيتان سالبتين إحداهما سلب الصفة اللاحقة ~~بالجسمانيين والأخرى نفي الصفة اللازمة للروحانيين كان من ذلك تجريد الخالق ~~عن سمات المربوبين وصفات المخلوقين. # قال: فقد صح أن من نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت، واقع في التشبيه ~~الخفي كما أن من وصفه وحده ونعته واقع ms108 في التشبيه الجلي. # قلت: فهذا حقيقة مذهب القرامطة وهو قد رد على من وصفه منهم بالنفي دون ~~الإثبات ونفي النفي قال: «لأن في الإثبات تشبيها له بالجسمانيين وفي النفي ~~تشبيها له بالروحانيين»، وهي العقول والنفوس عندهم أنها موصوفة عندهم ~~بالنفي دون الإثبات ولهذا يقولون: بسائط ليس فيها تركيب عقلي من الجنس ~~والفصل، كما أنه ليس فيها تركيب الأجسام. # وظن هذا الملحد وأمثاله أنهم بذلك خلصوا من الإلزامات ومعلوم عند من عرف ~~حقيقة قولهم أن هذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا وأبعدها عن مذاهب ~~المسلمين واليهود والنصارى، بل مع ما قد حققوه من الفلسفة وعرفوه من مذهب ~~أهل الكلام وادعوه من العلوم الباطنة ومعرفة التأويل ودعوى العصمة في ~~أئمتهم، وقد قرروا أنا لا نقول الجمع بين النقيضين، فليس في قولنا محال، ~~فيقال لهم: ولكن سلبتم النقيضين جميعا وكما أنه يمتنع الجمع بين النقيضين ~~فيمتنع الخلو من النقيضين، فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ولهذا كان ~~المنطقيون يقسمون الشرطية المنفصلة إلى مانعة الجمع ومانعة الخلو ومانعتي ~~الجمع والخلو، فالمانعة من الجمع والخلو كقول القائل: الشيء إما أن يكون ~~موجودا وإما أن يكون معدوما، وإما أن يكون ثابتا وإما أن يكون منفيا، فتفيد ~~الاستثناءات الأربعة أنه موجود فليس بمعدوم أو هو معدوم فليس بموجود أو ليس ~~بموجود فهو معدوم، أو ليس بمعدوم فهو موجود، وكذلك ما كان من الإثبات ~~بمنزلة النقيضين كقول القائل: هذا العدد إما شفع وإما وتر فكونه شفعا ووترا ~~لا يجتمعان ولا يرتفعان وهؤلاء ادعوا إثبات شيء يخلو عنه النقيضان فإن ~~جوزوا خلوه عن النقيضين جاز اجتماع النقيضين فيه، وهذا مذهب أهل الوحدة ~~القائلين بوحدة الوجود كصاحب # PageV01P132 # الفصوص وابن سبعين وابن أبي المنصور وابن الفارض «1» والقونوي وأمثالهم ~~فإن قولهم وقول القرامطة من مشكاة واحدة والاتحادية «2» قد يصرحون باجتماع ~~النقيضين. # وكذلك يذكرون مثل هذا عن الحلاج «3»، والحلاج لما دخل بغداد كانوا ينادون ~~عليه: هذا داعي القرامطة، وكان يظهر للشيعة أنه منهم، ودخل على ابن نوبخت ~~رئيس الشيعة ليتبعه فطالبه بكرامات عجز ms109 عنها، ومقالات أهل الضلال كلها ~~تستلزم الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين جميعا، لكن منهم من يعرف لازم ~~قوله فيلتزمه، ومنهم من لا يعرف ذلك، وكل أمرين لا يجتمعان ولا يرتفعان ~~فهما في المعنى نقيضان لكن هذا ظاهر في الوجود والعدم. # وقول مثبتة الحالين الذين يقولون لا موجودة ولا معدومة هو شعبة من مذهب ~~القرامطة وإنما التحقيق إنها ليست موجودة في الأعيان ولا منتفية في ~~الأذهان، ومن الأمور الثبوتية ما يكونان بمنزلة الوجود والعدم كقولنا: إن ~~العدد إما شفع وإما وتر، وقولنا: أن كل موجودين إما أن يقترنا في الوجود أو ~~يتقدم أحدهما على الآخر، وكل موجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وكل جسم ~~إما متحرك وإما ساكن، وإما حي وإما ميت، وكل حي إما عالم وإما جاهل، وإما ~~قادر وإما عاجز، PageV01P133 # وإما سميع وإما أصم، وإما أعمى وإما بصير، بل وكذلك كل موجودين فإما أن ~~يكونا متجانسين، وإما أن يكونا متباينين وأمثال هذه القضايا. # وكل من رام سلب هذين جميعا كان من جنس القرامطة الرافعة للنقيضين لكن ~~التناقض قد يظهر باللفظ كما إذا قلنا إما أن يكون وإما أن لا يكون وقد يظهر ~~بالمعنى كما إذا قلنا إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره، وهذا كله مبسوط في ~~غير هذا الموضع، بل وقد زدنا في جواب السائل عما هو مقصوده لكن نبهنا على ~~أصول نافعة جامعة. # الطريق الثالث لأهل النظر في إثبات السمع والبصر أن السمع والبصر من صفات ~~الكمال فإن الحي السميع البصير أكمل من حي ليس بسميع ولا بصير كما أن ~~الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي، والموجود العالم أكمل من موجود ليس ~~بعالم، وهذا معلوم بضرورة العقل، وإذا كانت صفة كمال فلو لم يتصف الرب بها ~~لكان ناقصا والله منزه عن كل نقص، وكل كمال محض لا نقص فيه فهو جائز عليه، ~~وما كان جائزا عليه من صفات الكمال فهو ثابت له فإنه لو لم يتصف به لكان ~~ثبوته له موقوفا على غير نفسه فيكون ms110 مفتقرا إلى غيره في ثبوت الكمال له ~~وهذا ممتنع إذا لم يتوقف كمال إلا على نفسه فيلزم من ثبوت نفسه ثبوت الكمال ~~لها وكل ما ينزه عنه فإنه يستلزم نقصا يجب تنزيهه له. # وأيضا فلو لم يتصف بهذا الكلام لكان السميع البصير من مخلوقاته أكمل منه. # ومن المعلوم في بداهة العقول أن المخلوق لا يكون أكمل من الخالق إذ ~~الكمال لا يكون إلا بأمر وجودي والعدم المحض ليس فيه كمال وكل موجود ~~للمخلوق فالله خالقه ويمتنع أن يكون الوجود الناقص مبدعا وفاعلا للوجود ~~الكامل إذ من المستقر في بداهة العقول أن وجود العلة أكمل من وجود المعلول ~~دع وجود الخالق الباري الصانع فإنه من المعلوم بالاضطرار أنه أكمل من وجود ~~المخلوق المصنوع المفعول. # وقد بسطنا الكلام على مثل هذه الطريقة في غير هذا الموضع وبينا أن الله ~~سبحانه وتعالى يستعمل في حقه قياس الأولى كما جاء بذلك القرآن وهو الطريق ~~التي كان يسلكها السلف والأئمة كأحمد وغيره من الأئمة، فكل كمال ثبت ~~للمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص ينزه عنه المخلوق فالخالق أولى أن ينزه ~~عنه، كما قال تعالى: ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت # PageV01P134 # أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ~~«1». # وقال تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى ~~من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون (59) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو ~~العزيز الحكيم (60) «2». # وقوله تعالى: ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا ~~جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (62) «3». # وذلك لأن صفات الكمال أمور وجودية أو أمور سلبية مستلزمة لأمور وجودية ~~كقوله تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم «4» ~~فنفي السنة والنوم استلزم كمال صفة الحياة والقيومية وكذلك قوله: وما ربك ~~بظلام للعبيد «5» استلزم ثبوت العدل، وقوله تعالى: لا يعزب عنه ms111 مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض «6» استلزم كمال العلم ونظائر ذلك كثيرة. وأما ~~العدم المحض فلا كمال فيه وإذا كان كذلك فكل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت ~~للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين: # أحدهما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل ~~للعدم المحدث المربوب. # الثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه فإذا كان هو مبدعا ~~للكمال وخالقا له كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه ~~أولى بأن يكون متصفا به من المستفيد المبدع المعطي وقد قال الله تعالى:* ~~ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه ~~لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) «7». # وهذا المثل وإن كان يفيد الدعاء إلى عبادة الله وحده ودون عبادة ما سواه ~~ونفي عبادة الأوثان لوجود هذا الفرقان. فإذا علم انتفاء التساوي بين الكامل ~~والناقص وعلم أن الرب أكمل من خلقه وجب أن يكون أكمل منهم وأحق منهم بكل ~~كمال بطريق الأولى والأحرى. PageV01P135 # الطريق الرابع في إثبات السمع والبصر والكلام: أن نفي هذه الصفات نقائص ~~مطلقا سواء نفيت عن حي أو جماد وما انتفت عنه هذه الصفات لا يجوز أن يحدث ~~عنه شيء ولا يخلقه ولا يجيب سائلا ولا يعبد ولا يدعى كما قال الخليل: يا ~~أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا «1» وقال إبراهيم ~~لقومه: هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل ~~وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) «2» وقال تعالى: واتخذ قوم موسى من بعده من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه ~~وكانوا ظالمين (148) «3» وقال تعالى: فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) ~~أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا ms112 يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) «4». # وهذا لأنه من المستقر في الفطر أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم لا يكون ~~ربا معبودا كما أن ما لا يغني شيئا ولا يهدي ولا يملك ضرا ولا نفعا لا يكون ~~ربا معبودا، ومن المعلوم أن خالق العالم هو الذي ينفع عباده بالرزق وغيره ~~ويهديهم وهو الذي يملك أن يضرهم بأنواع الضرر فإن هذه الأمور من جملة ~~الحوادث التي يحدثها رب العالمين فلو قدر أنه ليس محدثا لها كانت حادثة ~~بغير محدث أو كان محدثها غيره، وإذا كان محدثها غيره فالقول في إحداث ذلك ~~الغير كالقول في سائر الحوادث فلا بد أن تنتهي إلى قديم لا محدث، ولذلك من ~~المستقر في العقول أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ناقص عن صفات الكمال ~~لأنه لا يسمع كلام أحد ولا يبصر أحدا ولا يأمر بأمر ولا ينهى عن شيء ولا ~~يخبر بشيء فإن لم يكن كالحي الأعمى الأصم كان بمنزلة ما هو شر منه وهو ~~الجماد الذي ليس فيه قبول أن يسمع ويبصر ويتكلم ونفي قبول هذه الصفات أبلغ ~~في النقص والعجز وأقرب إلى إنصاف المعدوم ممن يقبلها واتصف بأضدادها، إذ ~~الإنسان الأعمى أكمل من الحجر، والإنسان الأبكم أكمل من التراب، ونحو ذلك ~~مما لا يوصف بشيء من هذه الصفات، وإذا كان نفي هذه الصفات معلوما بالفطرة ~~أنه من أعظم النقائص والعيوب وأقرب شبها بالمعدوم كان من المعلوم بالفطرة ~~أن الخالق أبعد عن هذه النقائص والعيوب من كل ما ينفي عنه وأن اتصافه بهذه ~~العيوب من أعظم الممتنعات، وهذه الطريق ليست الثانية ولا الثالثة فإن ~~الثانية مبنية على أنه حي فلا بد من اتصافه بها أو بضدها. والثالثة مبنية ~~على أنها صفات كمال فيجب اتصاف الرب بها وأما هذه فمبنية على أن نفي هذه ~~الصفات نقائص ومعايب ومذام يمتنع وصف الرب بها. والله سبحانه وتعالى أعلم. ~~PageV01P136 ### | فصل [الدليل على نبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام] # ثم قال المصنف: (والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات والدليل ms113 على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز نظمه ومعناه). # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الطريقة هي من أعظم الطرق عند أهل الكلام ~~والنظر حيث يقررون نبوة الأنبياء بالمعجزات ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح ~~لتقرير نبوة الأنبياء لكن كثير من هؤلاء كل من بنى إيمانه عليها يظن أن لا ~~نعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات. # ثم لهم في تقرير دلالة المعجزة على الصدق طرق متنوعة وفي بعضها من ~~التنازع والاضطراب ما سننبه عليه، والتزم كثير من هؤلاء إنكار خرق العادات ~~لغير الأنبياء حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر ونحو ذلك. # وللنظار هنا طرق متعددة؛ منهم من لا يجعل المعجزة دليلا بل يجعل الدليل ~~استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض كما يقول طائفة من النظار، ~~ومنهم من يوجب تصديقه بدون هذا وهذا، ومنهم من يجعل المعجزة دليلا ويجعل ~~أدلة أخرى غير المعجزة وهذا أصح الطرق، ومن لم يجعل طريقها إلا المعجزة ~~اضطر لهذه الأمور التي فيها تكذيب لحق أو تصديق لباطل، ولهذا كان السلف ~~والأئمة يذمون الكلام المبتدع فإن أصحابه يخطئون إما في مسائلهم وإما في ~~دلائلهم فكثيرا ما يثبتون دين المسلمين في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله على أصول ضعيفة بل فاسدة يلتزمون لذلك لوازم يخالفون بها السمع ~~الصحيح والعقل الصريح. # وهذا حال الجهمية من المعتزلة وغيرهم حيث أثبتوا حدوث العالم بحدوث ~~الأجسام وأثبتوا ذلك بحدوث صفاتها التي هي الأعراض فاضطرهم ذلك إلى القول ~~بحدوث كل موصوف فنفوا عن الله الصفات وقالوا بأن القرآن مخلوق وأنه لا يرى ~~في الآخرة وقالوا إنه لا مباين ولا محايث وأمثال ذلك من مقالات النفاة التي ~~تستلزم التعطيل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وليس الأمر كذلك بل ~~معرفتها بغير المعجزات ممكنة فإن المقصود إنما هو معرفة صدق مدعي النبوة أو ~~كذبه فإنه إذا قال إني رسول الله فهذا الكلام إما أن يكون صدقا وإما أن ~~يكون # PageV01P137 # كذبا، وإن شئت قلت: هذا خبر فإما أن يكون مطابقا للمخبر وإما أن ms114 يكون ~~مخالفا له، سواء كانت مخالفته له على وجه العمد أو الخطأ، إذ قد يظن الرجل ~~في نفسه أو غيره أنه رسول الله غير متعمد للكذب بل خطأ وضلال مثل كثير ممن ~~يتمثل له الشيطان ويقول: إني ربك ويخاطبه بأشياء وقد يقول له: أحللت لك ما ~~حرمت على غيرك وأنت عبدي ورسولي وأنت أفضل أهل الأرض، وأمثال هذه الأكاذيب، ~~فإن مثل هذا قد وقع لكثير من الناس فإذا كان مدعي الرسالة لم يكن صادقا فلا ~~بد أن يكون كاذبا عمدا أو ضلالا فالتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة ~~فيما هو دون دعوى النبوة فكيف بدعوى النبوة «1». # ومعلوم أن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون ~~من أنقص الخلق وأرذلهم، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام: والله لا أقول لك كلمة واحدة، إن ~~كنت صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن ~~أرد عليك. # فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم، وما أحسن قول حسان: # لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر وما من أحد ادعى ~~النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ ~~الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز. # وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق ~~والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز فإن الرسول لا بد أن يخبر ~~الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمور. # والكذاب في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه ~~كثيرة، والصادق يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه ويفعله ما يظهر به صدقه ~~من وجوه كثيرة بل كل شخصين ادعيا أمرا من الأمور أحدهما صادق في دعواه ~~والآخر كاذب فلا بد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة، إذ ms115 الصدق ~~مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور كما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى ~~البر، وإن البر يهدي إلى PageV01P138 # الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، ~~وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا ~~يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» «1». # ولهذا قال تعالى: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك ~~أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون ~~(224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) ~~«2» بين سبحانه أنه ليس بكاهن تنزل عليه الشياطين ولا شاعر حيث كانوا ~~يقولون ساحر وشاعر، فبين أن الشياطين تنزل على الكاذب الفاجر يلقون إليهم ~~السمع وأكثرهم كاذبون فهؤلاء الكهان ونحوهم وإن كانوا يخبرون أحيانا بشيء ~~من المغيبات ويكون صدقا فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ~~ليس عن ملك وليسوا بأنبياء. # ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد: «قد خبأت لك خبيئا»، ~~قال: هو الدخ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اخسأ فلن تعدو قدرك» «3» ~~يعني إنما أنت كاهن، كما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يأتيني صادق وكاذب، ~~وقال: أرى عرشا على الماء، وذلك هو عرش الشيطان كما ثبت مثل ذلك في الصحيح ~~«4» عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وبين الله تعالى أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي الذي يتبع هواه ~~وشهوته، وإن كان ذلك مضرا له في العاقبة قال تعالى: ألم تر أنهم في كل واد ~~يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) «5». PageV01P139 # فهذه صفة الشعراء كما أن تلك صفة من تنزل عليه الشياطين، فمن عرف الرسول ~~وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله علم علما يقينيا أنه ليس بشاعر ولا كاهن ~~ولا كاذب. # والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعين ~~للصناعات والمقالات كالفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب والفقه ms116 ~~وغير ذلك، فما من أحد يدعي العلم بصناعة أو مقالة إلا والتفريق في ذلك بين ~~الصادق والكاذب له وجوه كثيرة، وكذلك من أظهر قصدا وعملا كمن يظهر الديانة ~~والأمانة والنصيحة والمحبة وأمثال ذلك من الأخلاق فإنه لا بد أن يتبين صدقه ~~وكذبه من وجوه متعددة. # والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها وهي أشرف ~~العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب، ولا يتبين صدق ~~الصادق وكذب الكاذب من وجوه كثيرة لا سيما والعالم لا يخلو من آثار نبي من ~~لدن آدم إلى زماننا، وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا ~~يدعون إليه ويأمرون به، ولم تزل آثار المرسلين في الأرض ولم يزل عند الناس ~~من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل ~~وغير الرسل. # فلو قدر أن رجلا جاء في زمان إمكان بعث الرسل وأمر بالشرك وعبادة الأوثان ~~وإباحة الفواحش والظلم والكذب، ولم يأمر بعبادة الله ولا بالإيمان باليوم ~~الآخر هل كان مثل هذا يحتاج أن يطالب بمعجزة أو يشك في كذبه أنه نبي، ولو ~~قدر أنه أتى بما يظن أنه معجزة لعلم أنه من جنس المخاريق أو الفتن والمحنة، ~~ولهذا لما كان الدجال يدعي الإلهية لم يكن ما يأتي به دالا على صدقه للعلم ~~بأن دعواه ممتنعة في نفسها وأنه كذاب، وكذلك من نشأ في بني إسرائيل معروفا ~~بينهم بالصدق والبر والتقوى بحيث قد خبر خبرة باطنة يعلم منها تمام عقله ~~ودينه، ثم أخبر بأن الله نبأه وأرسله إليهم فإن هذا لا يكون أولى بالرد من ~~أن يخبرنا الرجل الذي لا يشك في عقله ودينه وصدقه إنه رأى رؤيا. # وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه تنازع الناس في أن خبر الواحد هل يجوز أن ~~يقترن به من القرائن والضمائم ما يفيد معه العلم، ولا ريب أن المحققين من ~~كل طائفة على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما ~~يحصل معه ms117 العلم الضروري بخبر المخبر، بل القرائن وحدها قد تفيد العلم ~~الضروري كما يعرف الرجل رضاء الرجل وغضبه وحبه وبغضه وفرحه وحزنه وغير ذلك ~~مما في # PageV01P140 # نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكنه التعبير عنها كما قال تعالى: ولو ~~نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم «1» ثم قال: ولتعرفنهم في لحن القول «2» ~~فأقسم أنه لا بد أن يعرف المنافقين في لحن القول، وعلق معرفتهم بالسيماء ~~على المشيئة لأن ظهور ما في نفس الإنسان من كلامه أبين من ظهوره على صفحات ~~وجهه، وقد قيل: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات ~~لسانه، فإذا كان مثل هذا يعلم به ما في نفس الإنسان من غير إخبار فإذا ~~اقترن بذلك إخباره كان أولى بحصول العلم، ولا يقول عاقل من العقلاء: إن ~~مجرد خبر الواحد أو خبر كل واحد يفيد العلم بل ولا خبر كل خمسة أو عشرة، بل ~~قد يخبر ألف أو أكثر من ألف ويكونون كاذبين إذا كانوا متواطئين، وإذا كان ~~صدق المخبر أو كذبه يعلم بما يقترن به من القرائن بل في لحن قوله وصفحات ~~وجهه، ويحصل بذلك علم ضروري لا يمكن للمرء أن يدفعه عن نفسه فكيف بدعوى ~~المدعي إنه رسول الله؟ # كيف يخفى صدقه وكذبه أم كيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من ~~الأدلة لا تعد ولا تحصى؟ # وإذا كان الكاذب إنما يأتي من وجهين إما أن يتعمد الكذب وإما أن يلبس ~~عليه كمن يأتيه الشيطان، فمن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من الناس من يعلم ~~منه إنه لا يتعمد الكذب بل كثير ممن خبره الناس وجربوه من شيوخهم ومعامليهم ~~يعلمون منهم علما قاطعا إنهم لا يتعمدون الكذب وإن كانوا يعلمون أن ذلك ~~ممكن فليس كل ما علم إمكانه جوز وقوعه، فإنا نعلم أن الله قادر على قلب ~~الجبال ياقوتا والبحار دما. # ونعلم إنه لا يفعل ذلك ونعلم من حال البشر من حيث الجملة إنه يجوز أن ~~يكون أحدهم يهوديا ونصرانيا ونحو ذلك. # ونعلم ms118 مع هذا أن هذا لم يقع من الأشخاص، وإن من أخبرنا بوقوعه منهم ~~كذبناه قطعا. # ونحن لا ننكر أن الرجل قد يتغير ويصير متعمد الكذب بعد أن لم يكن كذلك ~~لكن إذا استحال وتغير ظهر ذلك لمن يخبره ويطلع على أموره. # ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: «إني قد خشيت على عقلي» فقالت: ~~«كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، ~~وتقري PageV01P141 # الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» «1» فهو لم يخف من تعمد ~~الكذب فإنه يعلم من نفسه صلى الله عليه وسلم إنه لم يكذب لكن خاف في أول ~~الأمر أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني فذكرت خديجة ما ينفي ~~هذا وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم والأعمال، وهو ~~الصدق المستلزم للعدل والإحسان إلى الخلق، ومن جمع فيه الصدق والعدل ~~والإحسان لم يكن مما يخزيه الله، وصلة الرحم وقرى الضيف وحمل الكل وإعطاء ~~المعدوم والإعانة على نوائب الحق هي من أعظم أنواع البر والإحسان. # وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن ~~الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه، وأيضا فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم ~~عليه السلام فإنه كان نبيا وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار. # وقد علم جنس ما يدعوا إليه الرسل وجنس أحوالهم فالمدعي للرسالة في زمن ~~الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته للرسل علم أنه ليس منهم. # وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم أنه منهم لا سيما إذا علم أنه لا بد ~~من رسول منتظر، وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه، فهذا قد ~~يبلغ بصاحبه إلى العلم الضروري بأن هذا هو الرسول المنتظر ولهذا قال تعالى: ~~الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون (146) «2». # والمسلك الأول: النوعي، هو مما استدل ms119 به النجاشي على نبوته فإنه لما ~~استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرءوه عليه قال: إن هذا والذي جاء ~~به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. # وكذلك قبله ورقة بن نوفل لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه ~~وكان ورقة قد تنصر وكان يكتب الإنجيل بالعبرانية، فقالت له خديجة: يا ابن ~~عم اسمع من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بخبره فقال: ~~هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى، وإن قومك سيخرجونك؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أو مخرجي هم»؟ فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا ~~عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي «3». ~~PageV01P142 # المسلك الثاني: الشخصي: استدل به هرقل ملك الروم، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما كتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام طلب هرقل من كان هنا ~~من العرب وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى غزة فطلبهم ~~وسألهم عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فسأل أبا سفيان وأمر الباقين إن ~~كذب أن يكذبوه، فصار يجدهم موافقين له في الإخبار، فسألهم: هل كان في آبائه ~~من ملك؟ قالوا: لا. وهل قال هذا القول أحد قبله؟ قالوا: لا. # وسألهم أهو ذو نسب فيكم؟ قالوا: نعم، وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ~~أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا ما جربنا عليه كذبا، وسألهم: هل اتبعه ضعفاء ~~الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه، وسألهم هل يزيدون أم ينقصون؟ ~~فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل ~~فيه، فقالوا: لا، وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم، وسألهم عن الحرب بينهم ~~وبينه؟ فقالوا: يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، وسألهم هل يغدر؟ ~~فذكروا أنه لا يغدر، وسألهم بماذا يأمركم فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده ~~ولا نشرك به شيئا وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدق ~~والعفاف والصلة «1»، فهذه أكثر من عشر ms120 مسائل. # ثم تبين لهم ما في هذه المسائل من الدلالة وأنه سألهم عن أسباب الكذب ~~وعلاماته فرآها منتفية، وسألهم عن علامات الصدق فوجدها ثابتة، فسألهم هل ~~كان في آبائه من ملك فقالوا: لا، قال: قلت: فلو كان في آبائه ملك لقلت: رجل ~~يطلب ملك أبيه، وسألتك هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلت: لا، فقلت: # لو قال هذا القول أحد قبله لقلت رجل ائتم بقول قيل قبله، ولا ريب أن ~~اتباع الرجل لعادة آبائه واقتدائه بمن كان قبله كثيرا ما يكون في الآدميين، ~~بخلاف الابتداء بقول لم يعرف في تلك الأمة قبله، وطلب أمر لا يناسب حال أهل ~~بيته، فإن هذا قليل في العادة لكنه قد يقع. # ولهذا أردفه بقوله: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فقالوا: # لا، قال: فقد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على ~~الله، وذلك أن مثل هذا يكون كذبا محضا يكذبه لغير عادة جرت، وهذا لا يفعله ~~إلا من يكون من شأنه أن يكذب، فإذا لم يكن من خلقه الكذب قط بل لم ~~PageV01P143 # يعرف منه إلا الصدق وهو يتورع أن يكذب على الناس كان تورعه عن أن يكذب ~~على الله أولى وأحق، والإنسان قد يخرج عن عادته في نفسه إلى عادة بني جنسه، ~~فإذا انتفى هذا وهذا كان هذا أبعد عن الكذب وأقرب إلى الصدق. # ثم أردف ذلك بالسؤال عن علامات الصدق فقال: وسألتكم أضعفاء الناس يتبعونه ~~أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل، وقال: فهذه علامات من علامات ~~الرسل، وهو اتباع الضعفاء له ابتداء. # قال تعالى حكاية عن قوم نوح:* قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) «1» ~~وقالوا: ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي «2». # وقال تعالى في قصة صالح: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به ~~مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به ms121 كافرون (76) «3». # وقال تعالى في قصة شعيب:* قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا ~~شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين ~~(88) قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ~~وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) «4». # ثم قال هرقل: وسألتكم أيزيدون أم ينقصون فقلتم بل يزيدون، وكذلك الإيمان ~~حتى يتم، وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه فقلتم ~~لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، فسألهم عن زيادة ~~أتباعه ودوامهم على اتباعه، فأخبروه أنهم يزيدون ويدومون، وهذا من علامات ~~الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه ~~أصحابه ويمتنع عنه من لم يدخل فيه. # ولهذا أخبرت الأنبياء المتقدمون أن المتنبئ الكذاب لا يدوم إلا مدة يسيرة ~~وهذه من بعض حجج ملوك النصارى الذين يقال لهم إنهم من ولد قيصر هذا أو ~~غيرهم حيث رأى رجلا يسب النبي صلى الله عليه وسلم من رءوس النصارى ~~PageV01P144 # ويرميه بالكذب فجمع علماء النصارى وسألهم عن المتنبئ الكذاب كم تبقى ~~نبوته؟ # فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء: إن الكذاب المفتري لا يبقى إلا ~~كذا وكذا سنة لمدة قريبة، إما ثلاثين سنة أو نحوها، فقال لهم: هذا دين محمد ~~له أكثر من خمسمائة سنة أو ستمائة سنة وهو ظاهر مقبول متبوع فكيف يكون هذا ~~كذابا ثم ضرب عنق ذلك الرجل. # وسألهم هرقل عن محاربته ومسألته فأخبروه أنه في الحرب تارة يغلب كما غلب ~~يوم بدر وتارة يغلب كما غلب يوم أحد، وإنه إذا عاهد لا يغدر فقال لهم: ~~وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم إنها دول، يدال علينا المرة وندال ~~عليه الأخرى، وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم هل يغدر؟ ~~فقلتم إنه لا يغدر، ms122 وكذلك الرسل لا تغدر، فهو لما كان عنده من علمه بعادة ~~الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون علم ~~أن هذا من علامات الرسل فإن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أنه يبتليهم ~~بالسراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر كما في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا ~~كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، ~~وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» «1». # والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة ~~فقال: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) إن يمسسكم ~~قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله ~~الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) وليمحص الله ~~الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) «2». # فمن الحكم تمييز المؤمن عن غيره، فإنهم إذا كانوا دائما منصورين لم يظهر ~~لهم وليهم وعدوهم إذ الجميع يظهرون الموالاة فإذا غلبوا ظهر عدوهم قال ~~تعالى: # وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان PageV01P145 # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين ~~قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صادقين (168) «1». # وقال تعالى: الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~(2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ~~(3) «2» إلى قوله: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل ~~فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله ~~بأعلم بما في صدور العالمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين (11) «3» وقال تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه حتى يميز ms123 الخبيث من الطيب «4» وأمثال ذلك. # ومن الحكم أن يتخذ منكم شهداء فإن منزلة الشهادة منزلة علية في الجنة، ~~ولا بد من الموت فموت العبد شهيدا أكمل له وأعظم لأجره وثوابه ويكفر عنه ~~بالشهادة ذنوبه وظلمه لنفسه، والله لا يحب الظالمين. # ومن ذلك أن يمحص الله الذين آمنوا فيخلصهم من الذنوب فإنهم إذا انتصروا ~~دائما حصل للنفوس من الطغيان وضعف الإيمان ما يوجب لها العقوبة والهوان قال ~~تعالى: إنما نملي لهم ليزدادوا إثما «5» وقال تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى ~~(6) أن رآه استغنى (7) «6». # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المؤمن كمثل ~~الخامة من الزرع تقيمها الرياح تقومها تارة وتميلها أخرى، ومثل المنافق ~~كمثل الأرزة لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة» «7». # وسئل صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء؟ فقال: «الأنبياء ثم الصالحون ~~ثم الأمثل PageV01P146 # فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه رقة خفف عنه وإن كان ~~في دينه صلابة زيد له في بلائه، ولا يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وأهله ~~وماله حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة» «1». # وقد قال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى ~~نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214) «2». # وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين (142) «3». # وفي الأثر فيما روي عن الله تعالى: «يا ابن آدم البلاء يجمع بيني وبينك ~~والعافية تجمع بينك وبين نفسك»، وفي الأثر أيضا: «إنهم إذا قالوا للمريض ~~اللهم ارحمه يقول الله: كيف أرحمه من شيء به أرحمه». # وقد شهدنا أن العسكر إذا انكسر خشع لله وذل وتاب إلى الله من الذنوب وطلب ~~النصر من الله وبرئ من حوله وقوته متوكلا على الله ولهذا ذكرهم الله بحالهم ~~يوم بدر وبحالهم يوم حنين فقال: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا ~~الله لعلكم تشكرون (123) «4» وقال تعالى: لقد ms124 نصركم الله في مواطن كثيرة ~~ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ~~ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل ~~جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) «5». # وشواهد هذا الأصل كثيرة وهو أمر يجده الناس بقلوبهم ويحسونه ويعرفونه ~~PageV01P147 # من أنفسهم ومن غيرهم وهو من المعارف الضرورية الحاصلة بالتجربة لمن ~~جربها، والأخبار المتواترة لمن سمعها، ثم ذكر حكمة أخرى فقال تعالى: ويمحق ~~الكافرين «1» ذلك أن الله سبحانه إنما يعاقب الناس بأعمالهم، والكافر إذا ~~كانت له حسنات أطعمه الله بحسناته في الدنيا فإذا لم تبقى له حسنة عاقبه ~~بكفره، والكفار إذا أديلوا يحصل لهم من الطغيان والعدوان وشدة الكفر ~~والتكذيب ما يستحقون به المحق ففي إدالتهم ما يمحقهم الله به. # وأما الغدر فإن الرسل لا تغدر أصلا إذ الغدر قرين الكذب كما في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، ~~وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» «2». # وفي الصحيحين أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان ~~منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: ~~إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» «3». # قلت: الغدر ونحوه داخل في الكذب كما قال تعالى:* ومنهم من عاهد الله لئن ~~آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا ~~به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) «4». # وقال تعالى:* ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم PageV01P148 # لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن ~~نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12) «1». # فالغدر يتضمن كذبا في المستقبل والرسل صلوات الله عليهم منزهون عن ذلك ~~فكان هذا ms125 من العلامات. # قال: وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا، يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ~~وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيا يبعث ولم أكن أظن أنه منكم ولوددت أن ~~أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما يقول حقا ~~فسيملك موضع قدمي هاتين، وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب وهو حينئذ ~~كافر من أشد الناس بغضا وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم. # قال أبو سفيان: فقلت لأصحابي ونحن خروج: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أنه ~~يخافه ملك بني الأصفر، وما زلت موقنا بأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام وأنا كاره. # قلت: فمثل هذا السؤال والبحث أفاد هذا العاقل اللبيب علما جازما بأن هذا ~~هو النبي الذي ينتظره. # وقد اعترض على هذا بعض من لم يدرك غور كلامه وسؤاله، كالمازري ونحوه، ~~وقال: إنه بمثل هذا لا تعلم النبوة، وإنما تعلم بالمعجزة. وليس الأمر على ~~ما قال، بل كل عاقل سليم الفطرة إذا سمع هذا السؤال والبحث علم أنه من أدل ~~الأمور على عقل السائل وخبرته واستنباطه مما يتميز به هل هو صادق أو كاذب، ~~وأنه بهذه الأمور تميز له ذلك، ومما ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب ~~لمجموع أمور قد يستقل بعضها به، بل كل ما يحصل للإنسان من شبع وري وسكن ~~وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ببعضها لكن بعضها قد يحصل بعض العلم. # وكذلك العلم بمجرد الإخبار وبما جربه من المجربات وبما في نفس الإنسان من ~~الأمور فإن الخبر الواحد يحصل في القلب نوع ظن ثم الآخر يقويه إلى أن ينتهي ~~إلى العلم حتى يتزايد فيقوى وكذلك ما يجربه الإنسان من الأمور وما يراه من ~~أحوال الشخص. PageV01P149 # وكذلك ما يستدل به على كذبه وصدقه، وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى أبقى في ~~العالم الآثار الدالة على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين ms126 من الكرامة وما فعله ~~بمكذبيهم من العقوبة، وذلك أيضا معلوم بالتواتر كتواتر الطوفان وإغراق ~~فرعون وجنوده. # والله تعالى كثيرا ما يذكر ذلك في القرآن كقوله: وإن يكذبوك فقد كذبت ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين ~~وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين من قرية ~~أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45) أفلم ~~يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) «1». # وقال تعالى: وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد ~~هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ~~(37) «2». # وقال تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) «3» ~~إلى قوله:* أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان ~~لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا ~~فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) «4» إلى قوله سبحانه: إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) «5» إلى قوله ~~تعالى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ~~وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق ~~وخسر هنالك المبطلون (78) «6» إلى قوله تعالى: أفلم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في ~~الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (83) فلما رأوا ~~بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به PageV01P150 # مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت ms127 ~~في عباده وخسر هنالك الكافرون (85) «1». # ولما ذكر في سورة الشعراء قصص الأنبياء نبيا بعد نبي كقصة موسى وإبراهيم ~~ونوح ومن بعده يقول في آخر كل قصة: إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ~~(139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) «2» كقوله تعالى: فلما تراءا ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربي سيهدين (62) ~~فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ~~(63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا ~~الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (68) «3». # وكذلك قال في آخر كل قصة إلى أن قال في قصة شعيب: فكذبوه فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ~~(190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) «4». # وقال تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم ~~لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) ~~«5». # وقال تعالى في قوم شعيب: فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ~~(37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم ~~من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) مثل الذين ~~اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو ~~العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ~~(43) «6». PageV01P151 # وقال تعالى: ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ~~(27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك ~~إفكهم وما كانوا يفترون (28) «1». # فهو سبحانه يذكر ما ظهر للموحدين من مساكنهم التي كانت حول أهل ms128 مكة فإن ~~عامة من قص الله نبأه من الرسل وأممهم بعثوا حول مكة كهود في اليمن وصالح ~~بالحجر من ناحية الشام، وإبراهيم وموسى وعيسى ويونس ولوط وأنبياء بني ~~إسرائيل بأرض الشام ومصر والجزيرة وما يليها من العراق. # وقد قال تعالى لما قص قصة قوم لوط: فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين ~~(75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) وإن كان أصحاب ~~الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) «2». # وقال تعالى: وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) ~~إلا عجوزا في الغابرين (135) ثم دمرنا الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) «3». # وقال تعالى: فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير ~~بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37) ~~«4». # وقال تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في ~~تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم ~~كعصف مأكول (5) «5». # وقال تعالى: لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب ~~هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) «6». # وقال تعالى: قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ~~وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك ~~لعبرة لأولي الأبصار (13) «7». # وقال تعالى: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول ~~الحشر ما ظننتم PageV01P152 # أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) «1». # وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ~~جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) لقد كان ~~في قصصهم عبرة لأولي الألباب ms129 ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) «2». # ومثل هذا في القرآن متعدد في غير موضع يذكر الله تعالى قصص رسله ومن آمن ~~بهم وما حصل لهم من النصر والسعادة وحسن العاقبة وقصص من كفر بهم وكذبهم ~~وما حصل لهم من البلاء والعذاب وسوء العاقبة، وهذا من أعظم الأدلة ~~والبراهين على صدق الرسل وبرهم وكذب من خالفهم وفجوره، ثم إنه سبحانه بين ~~أن ذلك يعلم بالبصر أو السمع أو بهما. # فالبصر والمشاهدة لمن رآهم أو رأى آثارهم الدالة عليهم كمن شاهد أصحاب ~~الفيل وما أحاط بهم، ومن شاهد آثارهم بأرض الشام واليمن والحجاز وغير ذلك ~~كآثار أصحاب الحجر وقوم لوط ونحو ذلك. # والسمع فبالأخبار التي تفيد العلم كتواتر الأخبار بما جرى في قصة موسى ~~وفرعون وغرق فرعون في القلزم، وكذلك تواتر الأخبار بقصة الخليل مع النمروذ، ~~وتواتر الأخبار بقصة نوح وإغراق أهل الأرض، وأمثال ذلك من الأخبار ~~المتواترة عند أهل الملل وغير أهل الملل مع أن في بعض قصص من تواترت به هذه ~~الأخبار ما يحصل العلم بخبرهم، واشتراك البصر والسمع كما يشاهد بعض الآثار ~~من تواتر الأخبار، ومما يبين الحال كما نشاهد السفن ويعلم بالخبر أن ~~ابتداءها كان سفينة نوح كما قال تعالى: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) «3» وقوله تعالى: إنا لما ~~طغى الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ~~(12) «4»، وكذلك نشاهد أرض الحجر وما فيها من البيوت المنقورة في الجبال، ~~ونعلم بالخبر تفصيل الحال وأمثال ذلك. PageV01P153 # وبالجملة فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول بأنهم رسل الله، وأن أقواما ~~اتبعوهم وأن أقواما خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين وجعل العاقبة ~~لهم وعاقب أعداءهم، هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها، ونقل هذه الأمور ~~أظهر وأوضح من نقل أخبار ملوك الفرس والعرب في جاهليتها وأخبار اليونان ~~وعلماء الطب والنجوم والفلسفة اليونانية كبقراط «1» وجالينوس «2» وبطليموس ~~«3» وسقراط «4» وأفلاطون «5» وأرسطو «6» وأتباعه. # فكل عاقل ms130 يعلم أن نقل أخبار الأنبياء وأتباعهم ينقلها من أهل الملل من لا ~~يحصى عدده إلا الله ويدونونها في الكتب وأهلها من أعظم الناس تدينا بوجوب ~~الصدق وتحريم الكذب ففي العادة المشتركة بينهم وبين سائر بني آدم ما يمنع ~~اتفاقهم وتواطأهم على الكذب، بل ما يمنع اتفاقهم على كتمان ما تتوفر الهمم ~~والدواعي على نقله، وفي عادتهم الخاصة ودينهم الخاص برهان آخر أخص من الأول ~~وأكمل وهذا معلوم على سبيل التفصيل من حال أمتنا فإنا نعلم علما ضروريا ~~بالنقل المتواتر من عادة سلف الأمة ودينهم الموجب للصدق والبيان المانع من ~~الكذب والكتمان ما يوجب علما ضروريا لنا بما تواتر لنا عنهم وبانتفاء أمور ~~لو كانت موجودة لنقلوها. # وأهل الكتابين قبلنا عندهم من التواتر بجمل أمور ما يحصل به المقصود في ~~هذا الموضع، وإن كان قد يجيء كذب أو كتمان في بعض التفاصيل من أهل الكتابين ~~قبلنا، وفي بعض أمتنا فهذا أقل بكثير مما يقع من الكذب والكتمان بأخبار ~~الفرس واليونان والهند وغيرهم ممن ينقل أخبار ملوكهم وعلمائهم ونحو ذلك، ~~وما PageV01P154 # من عاقل يسمع الخبر عن هؤلاء وعن هؤلاء كما هو موجود في هذا الزمان في ~~الكتب والألسنة، إلا ويحصل له من العلوم الضرورية بأحوال الأنبياء ~~وأوليائهم وأعدائهم أعظم مما يحصل من العلوم بأحوال ملوك الفرس والروم ~~وعلمائهم وأوليائهم وأعدائهم وهذا بين ولله الحمد. # ولولا أن هذا الجواب إنما كان القصد به الكلام على هذه العقيدة المختصرة ~~لكان البسط لي في هذا الموضع أولى من ذلك، فإن هذه المقامات تحتمل بسطا ~~عظيما لكن نبهنا على مقدمات نافعة فإن أكثر أهل الكلام مقصرون في حجج ~~الاستدلال على تقرير ما يجب تقريره من التوحيد والنبوة تقصيرا كثيرا جدا، ~~كما أنهم كثيرا ما يخطئون فيما يذكرونه من المسائل، ومن لا يعرف الحقائق ~~يظن أن ما ذكروه هو الغاية في أصول الدين، والنهاية في دلائله ومسائله ~~فيورثه ذلك مخالفة الكتاب والسنة بل وصريح العقل في مواضع، ويورثه استضعافا ~~لكثير من أصولهم وشكا فيما ذكروه من أصول ms131 الدين استرابة بل قد يروثه ترجيحا ~~لأقوال من يخالف الرسل من متفلسفة وصابئين ومشركين ونحوهم حتى يبقى في ~~الباطن منافقا زنديقا وفي الظاهر متكلما يذب عن النبوات. # ولهذا قال أحمد وغيره ممن قال من السلف: علماء الكلام زنادقة، وما ارتدى ~~أحد بالكلام إلا كان في قلبه غل على أهل الإسلام لأنهم بنوا أمرهم على أصول ~~فاسدة أوقعتهم في الضلال، وليس هذا موضع بسط هذا، وقد بسطناه في غير هذا ~~الموضع. # والمقصود هنا أن طرق العلم بالرسالة كثيرة جدا متنوعة ونحن اليوم إذا ~~علمنا بالتواتر بأحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم علمنا علما يقينا أنهم ~~كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة. # منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء ~~العاقبة لهم أخبارا كثيرة في أمور كثيرة هي كلها صادقة لم يقع في شيء منها ~~تخلف ولا غلط بخلاف من يخبر به من ليس متبعا لهم ممن تنزل عليه الشياطين أو ~~يستدل على ذلك بالأحوال الفلكية وغيره. # وهؤلاء لا بد أن يكونوا كثيرا بل الغالب من أخبارهم الكذب وإن صدقوا ~~أحيانا. # ومن ذلك: أن ما أحدثه الله تعالى من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه ~~الذي حصل عليه كحصول الغرق لفرعون وقومه بعد أن دخل البحر خلف موسى وقومه ~~كان هذا مما يورث علما ضروريا أن الله تعالى أحدث هذا نصرا # PageV01P155 # لموسى عليه السلام وقومه ونجاة لهم، وعقوبة لفرعون وقومه ونكالا لهم، ~~وكذلك أمر نوح والخليل عليهما السلام، وكذلك قصة الفيل وغير ذلك. # ومن الطرق أيضا: أن من تأمل ما جاء به الرسل عليهم السلام فيما أخبرت به ~~وما أمرت به علم بالضرورة أن مثل هذا لا يصدر إلا عن أعلم الناس وأصدقهم ~~وأبرهم وأن مثل هذا يمتنع صدوره عن كاذب متعمد للكذب مفتر على الله يخبر ~~عنه بالكذب الصريح، أو مخطئ جاهل ضال يظن أن الله تعالى أرسله ولم يرسله، ~~وذلك لأن فيما أخبروا به وما أمروا به من الإحكام والإتقان وكشف الحقائق ~~وهدى الخلائق وبيان ما يعلمه العقل ms132 جملة ويعجز عن معرفته تفصيلا ما يبين ~~أنهم من العلم والمعرفة والخبرة في الغاية التي باينوا بها أعلم الخلق ممن ~~سواهم فيمتنع أن يصدر مثل ذلك عن جاهل ضال، وفيها من الرحمة والمصلحة ~~والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أن ذلك ~~صدر عن راحم بار يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق، وإذا كان ذلك يدل على ~~كمال علمهم وكمال حسن قصدهم، فمن تم علمه وتم حسن قصده امتنع أن يكون كاذبا ~~على الله يدعي عليه هذه الدعوى العظيمة التي لا يكون أفجر من صاحبها إذا ~~كان كاذبا متعمدا، ولا أجهل منه إن كان مخطئا. # وهذه الطريق تسلك جملة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتفصيلا في ~~حق واحد واحد بعينه فيستدل المستدل بما يعلمه من الحق والخير جملة على علم ~~صاحبه وصدقه ثم يستدل بعلمه وصدقه على ما لم يعلمه تفصيلا، والعلم بجنس ~~الحق والباطل والخير والشر والصدق والكذب معلوم بالفطرة والعقل الصريح بل ~~جملة ذلك مما اتفق عليه بنو آدم، ولذلك يسمى ذلك معروفا ومنكرا، فإذا علم ~~أنه فيما علم الناس أنه الحق وأنه خير هو أحق منهم به، وأنصح الخلق فيه ~~وأصدقهم فيما يقول علم بذلك أنه صادق عالم ناصح لا كاذب ولا جاهل ولا غاش. # وهذه الطريق يسلكها كل أحد بحسبه ولا يحتاج في هذه الطريق إلى أن يعلم ~~أولا خواص النبوة وحقيقتها وكيفيتها بل أن يعلم أنه صادق بار فيما يخبر به ~~ويأمر به ثم من خبره يعلم حقيقة النبوة والرسالة. # وقد سلك آخرون من المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة وغيرهم طريق أخرى تشبه ~~هذه من وجه دون وجه وهو أن يعلم النبوة أولا وأنها موجودة في بني آدم وأنهم ~~محتاجون إليها ويعلم صفاتها ثم يعلم عين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~المتكلمون من المعتزلة # PageV01P156 # وغيرهم يوجبون النبوة على الله على طريقتهم في إيجاب ما يوجبونه عليه، ~~والمتفلسفة قد يوجبون ذلك على طريقتهم فيما يجب وجوده في العالم وغيرهم ~~يوجب ذلك لما ms133 علم من عادته في حكمته ورحمته وإعطائه الخلق ما يحتاجون إليه. # وبالجملة فيعلمون نوعها في العالم ثم يعلمون الواحد من الجنس بثبوت حقيقة ~~النوع فيه، وهذه الطريقة يسلكها كثير من المتكلمة والمتصوفة والمتفلسفة ~~والعامة غيرهم، لكن المتفلسفة كابن سينا وأمثاله أدركوا من النبوة بقدر ما ~~أعطتهم موادهم الفلسفية التي علموا بها أن النبي يكون له كمال القوة ~~العلمية وكمال قوة السمع والبصر وكمال قوة النفس بحيث يعلم ويسمع ويبصر ما ~~يقصر غيره عنه، ويفعل في العالم بهمته ما يعجز غيره عنه، وهؤلاء يجعلون نفس ~~النبوة ثلاثة أمور: # أحدها: أن تكون له قوة عقلية بل نسبة ينال بها العلم من غير تعلم. # الثاني: أن تكون له قوة خيالية يتخيل بها الحقائق العقلية موجودة خالية ~~وثقة من أجناس منام النائم فيرى في نفسه ضوءا وذلك هو الرسالة عندهم ويسمع، ~~ذلك هو كلام الله عندهم. # الثالث: أن تكون لنفسه قوة على أن تؤثر في العالم. # وهذه الأقوال الثلاثة تحصل لخلق كثير هم دون رتبة الصالحين فضلا عن ~~النبوة، ولهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة فصار كثير منهم يطلب أن يصير نبيا ~~كما جرى للسهروردي المقتول «1» ولابن سبعين. # ولهذا كان ابن سبعين يقول: لقد زدت في حديث قال: «لا نبي بعد نبي عربي» ~~وهؤلاء يجعلون النبوة إنما هي من جنس واحدة وقوة الناس في العلم والقدرة ~~لكن يقول بينهما من الفصل بإرادة النبي الخير، وإرادة الساحر الشر، ~~ويقولون: الملك والشيطان قوى لكن قوة الملك قوة صالحة وقوة الشيطان قوة ~~فاسدة. # وأما من يقول الملائكة والجن هم جنس واحد لا فرق بينهما في الصفات ~~PageV01P157 # فهؤلاء يقولون إن هذا القدر يحصل نوع منه لغيرهم من الأولياء لكن يحصل ~~لهم ما هو دون ذلك وهذا على طريقة عقلاء المتفلسفة الذين يفضلون النبي على ~~الفيلسوف والولي كابن سينا وأمثالهم. # وأما غلاتهم كالفارابي «1» وأمثاله الذين قد يفضلون الفيلسوف على النبي ~~كما يفضل أشباههم كابن عربي الطائي «2» صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم ~~وغيرهما فإنهم يفضلون الولي على النبي. # وكان يدعي أنه ms134 يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى ~~النبي، وإن الملك على أصلهم هو الخيال الذي في نفس النبي، والنبي بزعمهم ~~يأخذ عن ذلك الخيال، والخيال يأخذ عن العقل، ثم زعم هذا أنه يأخذ عن العقل ~~الذي في هذا الخيال، فلهذا قال إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ما ~~يوحي به إلى النبي، فهؤلاء شاركوهم في أصل طريقهم لكن عظم ضلالهم وجهلهم ~~بقدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أن أصل معرفة هؤلاء بقدر النبوة ~~معرفة ناقصة بتراء، بل من عرف ما جاءت به الأنبياء وما يذكرونه في قدر ~~النبوة علم أنهم آمنوا ببعض ما جاءت به الرسل وكفروا ببعض، فكما أن اليهود ~~والنصارى آمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض فهؤلاء آمنوا ببعض صفات النبوة ~~وكفروا ببعض، ولهذا قد يكون فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، وقد يكون ~~في اليهود والنصارى من هو أكفر منهم بحسب ما آمن به كل من هؤلاء بما جاءت ~~به الرسل وما كفروا به. # وأبو حامد كثيرا ما يسلك هذا الطريق في كتبه لكنه لا يوافق المتفلسفة على ~~كل ما يقولونه بل يكفرهم ببعض ويضللهم في موضع، وإن كان في الكتب المضافة ~~إليه ما قد يوافق بعض أصولهم بل في الكتب التي يقال إنها مضنون بها على غير ~~أهلها ما هو فلسفة محضة مخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى، وإن كانت ~~قد عبر عنها بعبارات إسلامية لكن هذه الكتب من الناس من يقول إنها ~~PageV01P158 # مكذوبة على أبي حامد ومنهم من يقول بل رجع عنها، ولا ريب أنه صرح في ~~مواضع ببعض ما قاله في هذه الكتب وأخبر في المنقذ من الضلال وغيره من كتبه ~~بما في ذلك من الضلال، وذكر كيف كان طلبه للعلوم أولا حتى قال: أقبلت بحد ~~بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ~~فانتهى بي طول التسلسل إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات ~~أيضا. # وأخذ يتبع الشك فيها وذكر بعض شبه ms135 السوفسطائية في الحسيات إلى أن قال: ~~فلما خطر لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر إذ ~~لم يمكن دفعه إلا بدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية ~~وإذا لم تكن مسلمة لم يمكن ترتيب الدليل فأعضل هذا الداء ودام قريبا من ~~شهرين أنا فيها على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال حتى ~~شفى الله تعالى عني ذلك المرض والإعلال وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ~~ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على إيمان ويقين، ولم يكن ذلك ~~بنظم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور وذلك النور هو ~~مفتاح أكثر المعارف، قال: فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة فقد ~~ضيق رحمة الله تعالى الواسعة، إلى أن قال: # والمقصود من هذه الحكاية أن يعلم أنه كمل الجد في الطلب حتى انتهى إلى ~~طلب ما لا يطلب لأن الأوليات ليست مطلوبة فإنها حاضرة والحاضر إذا طلب بعد ~~واختفى. # قال: ولما كفاني الله تعالى هذا المرض انحصرت أصناف الطالبين عندي في ~~أربع فرق: # المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر. # والباطنية: وهم يدعون أنهم أصحاب التعليم والمخصصون بالاقتباس من الإمام ~~المعصوم. # الفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أصحاب المنطق والبرهان. # والصوفية: وهم يدعون أنهم خاصة الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة. # فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة فهؤلاء السالكون سبيل ~~طلب الحق فإن شذ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع. # إلى أن قال: فابتدأت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هؤلاء الفرق مبتدئا ~~بعلم الكلام، ومثنيا بطريق الفلسفة، ومثلثا بتعليمات الباطنية، ومربعا ~~بطريق الصوفية. # PageV01P159 # قال: ثم إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته وطالعت كتب المحققين منهم ~~وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي، ~~وإنما المقصود منه حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش المبتدعة فقد ~~ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عقيدة هي ~~الحق على ما فيه ms136 صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمقدماته القرآن والأخبار ثم ~~ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة فلهجوا بها وكادوا ~~يشوشون عقيدة أهل الحق على أهلها. # فأنشأ الله تعالى طائفة من المتكلمين وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام ~~مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة على خلاف السنة المأثورة. # إلى أن قال: وكان أكثر حرصهم في استخراج مناقضات الخصوم ومؤاخذاتهم ~~بلوازمهم ومسلماتهم. # إلى أن قال: فلم يكن الكلام في حقي كافيا ولا لدائي الذي أشكوه شافيا. # إلى أن قال: فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات ~~الخلق ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري بل لا أشك في حصول ذلك لطائفة ~~ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات. # إلى أن قال: ثم إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة وعلمت ~~يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من المعلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم ~~حتى يساوي أعلمهم في أصل العلم ثم يزيد عليه ويجاوز درجته فيطلع على ما لم ~~يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة. # إلى أن قال: لم أزل حتى اطلعت على ما فيه من خداع وتلبيس وتحقيق تخييل ~~اطلاعا لم أشك فيه، فاستمع الآن حكايته وحكاية حاصل علومهم فإني رأيتهم ~~أصنافا ورأيت علومهم أقساما، وهم على كثرة أصنافهم تلزمهم وصمة الكفر ~~والإلحاد وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين وبين الأواخر منهم والأوائل ~~تفاوت عظيم في البعد عن الحق والقرب منه. # ثم قال: اعلم أنهم على كثرة فرقهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون ~~والطبائعيون والإلهيون «1». # الصنف الأول الدهريون: وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر للعالم ~~القادر وزعموا أن العالم، ولم يزل موجودا كذلك، ولم يزل الحيوان من ~~PageV01P160 # نطفة والنطفة من حيوان كذلك كان وكذلك يكون أبدا وهؤلاء الزنادقة. # الصنف الثاني: الطبيعيون: وهم قوم أكثر بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب ~~الحيوان والنبات. # إلى أن قال: إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم لاعتدال ~~المزاج ms137 تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به فظنوا أن القوة العاقلة من ~~الإنسان تابعة لمزاجه أيضا وأنها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم ثم إذا انعدمت ~~فلا تعقل إعادة المعدوم كما زعموا فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود ~~فجحدوا الآخرة وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب فلم يبق عندهم للطاعة ~~ثواب ولا للمعصية عقاب، فانحل عنهم اللجام وانهمكوا في الشهوات انهماك ~~الأنعام. # وهؤلاء أيضا زنادقة لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله واليوم الآخر ~~وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر، وإن آمنوا بالله تعالى وصفاته. # والصنف الثالث الإلهيون: وهم المتأخرون مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون، ~~وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس، وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق وهذب لهم ~~العلوم وخمر لهم ما لم يكن مخمرا من قبل، وأوضح لهم ما كان أحجى من علومهم، ~~وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية وأوردوا في ~~الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم وكفى الله المؤمنين القتال بقتالهم، ثم ~~رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبله من الإلهيين ردا لم يقصر ~~فيه حتى تبرأ عن جميعهم إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا ~~لم يوفق للنزوع عنها فوجب تكفيرهم وتكفير متبعيهم من المتفلسفة الإسلاميين ~~كابن سينا والفارابي وأمثالهما، على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من ~~متفلسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين وما نقله غيرهما ليس يخلو عن تخبيط ~~وتخليط يتشوش فيه قلب المطالع حتى لا يفهم ومن لا يفهم كيف يرد أو يقبل. # ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ~~أقسام: قسم يجب التكفير به، وقسم يجب التبديع به، وقسم لا يجب إنكاره أصلا ~~فلنفصله ... # ثم ذكر أنها ستة أقسام: رياضية ومنطقية وطبيعية وإلاهية وسياسية وخلقية ~~وتكلم على ذلك بما ليس هذا موضعه. # وقد بينا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. # إلى أن قال: ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهيمه وتزييف ما ~~تزيف منه علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض فإن العقل ms138 ليس مستقلا # PageV01P161 # بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات. # ثم ذكر مذهب الباطنية وتلبيسهم وأنه ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ~~ظلمات الآراء ثم هم مع عجزهم عن إقامة البرهان عن تعيين الإمام المعصوم ~~صدقناهم في الحاجة إلى التعليم وإلى المعلم المعصوم وأنه هو الذي عينوه. # ثم سألناهم عن العلم الذي تعلموه من هذا المعصوم وعرضنا عليهم إشكالات ~~فلم يفهموها فضلا عن القيام بحلها، فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب، ~~وقالوا لا بد من السفر إليه، والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم ~~والنجاح في الظفر به، ولم يتعلموا منه شيئا أصلا كالمتضمخ بالنجاسة يتعب في ~~طلب الماء فإذا وجد ما يستعمله بقي مضمخا بالنجاسة. # ومنهم من ادعى شيئا من علمهم، وكان حاصل ما ذكره من ركيك فلسفة فيثاغورس ~~وهو رجل من قدماء الأوائل ومذهبه أول مذاهب الفلاسفة وقد رد عليه ~~أرسطاطاليس بل استدرك كلامه واسترذله وهو المحكي في كتاب رسائل إخوان الصفا ~~وهو على التحقيق حشو الفلسفة. # فالعجب ممن يتعب طول العمر في طلب العلم ثم يتبع لمثل ذلك العلم الركيك ~~المستغث ويظن أنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم فهؤلاء أيضا جربناهم وسبرنا ~~باطنهم وظاهرهم، فرجع حاصلهم إلى استدراج العوام وضعفاء العقول ببيان ~~الحاجة إلى المعلم ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي ~~مفحم، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم ساعد، وقال: هات علمه وأفدنا ~~من تعليمه، وقف فقال: الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه فإنما غرضي هذا القدر ~~فقط، إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى المشكلات بل عجز ~~عن فهمه فضلا عن جوابه. # ثم قال: ثم إني لما فرغت من هذه أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن ~~طريقهم إنما يتم بعلم وعمل وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن ~~أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير ~~الله تعالى وتحليته بذكر الله، وكان العلم أيسر علي من العمل فابتدأت ~~بتحصيل علمهم من ms139 مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي وكتب الحارث ~~المحاسبي والمتفرقات المنثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس ~~الله أرواحهم وغير ذلك من كلام المشايخ، حتى اطلعت على كثير من مقاصدهم ~~العلمية وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع، وظهر لي أن أخص # PageV01P162 # خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات، ~~وكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن ~~يكون صحيحا شبعان، وبين أن يعرف حد السكر وأنه عبارة عن حالة تحصل عن ~~استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة إلى معادن الفكر وبين أن يكون سكرانا بل ~~السكران لا يعرف حد السكر وأركانه وهو سكران وما معه من علمه شيء، والطبيب ~~يعرف حد السكر وأركانه وما معه من السكر شيء، والطبيب في حالة المرض يعرف ~~حد الصحة وأدويتها وهو فاقد الصحة. # فكذلك الفرق بين من يعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها وبين من هو يكون ~~حالة الزهد عزوف النفس عن الدنيا، فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال لا أصحاب ~~أقوال وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصلته. # ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالتعلم والسماع بل بالذوق والسلوك وكان قد ~~حصل معي من العلوم التي مارستها، والمسالك التي سلكتها في تفتيشي عن صنفي ~~العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الآخر. # وهذه الأصول الثلاثة كانت رسخت في نفسي بلا دليل محرر بل بأسباب وقرائن ~~وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها، وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة ~~الآخرة إلا بالتقوى وكف النفس عن الهوى، وإن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب ~~عن الدنيا، والتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال ~~بكنه الهمة على الله تعالى، وإن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال. # وذكر حاله في خروجه عن ذلك ومجيئه إلى الشام ثم الحجاز. # إلى أن قال: وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها ~~واستقصاؤها والقدر الذي ms140 أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم ~~السالكون لطرق الله تعالى الخاصة وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب ~~الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم ~~الواقفين على أسرار الشريعة من العلماء ليغيروا شيئا من سيرتهم وأخلاقهم ~~ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ~~باطنهم وظاهرهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، فليس وراء نور النبوة على وجه ~~الأرض نور يستضاء به. # إلى أن قال: ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقهم حقيقة النبوة ~~وخاصتها. # ثم تكلم في حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها، فقال: اعلم أن جوهر # PageV01P163 # الإنسان من أول الفطرة خلق خاليا ساذجا لا خبر معه من عوالم الله تعالى، ~~والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله كما قال سبحانه: وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو «1» ثم ذكر ما يدركه بالحواس ثم بالتمييز ثم يترقى في طور آخر فيخلق له ~~العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات وأمورا لا توجد في الأطوار ~~التي قبله وراء العقل طور آخر يتفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون ~~في المستقبل وأمور أخرى العقل معزول عنها لعزل قوة الحس عن مدركات التمييز ~~وكما أن المميز لو عرض عليه مدركات العقل لأباه واستبعده، فكذلك بعض ~~العقلاء أبوا مدركات النبوة فاستبعدوها، وذلك عين الجهل إذ لا مستند له إلا ~~أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فظن أنه غير موجود في نفسه، والأكمه لو ~~لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال وحكى له ابتداء لم يفهمها ولم ~~يقر بها، وقد قرب الله منها ذلك إلى خلقه بأن أعطاهم أنموذجا من خاصة ~~النبوة وهو النائم إذ النائم لم يدرك ما سيكون في الغيب إما صريحا وإما في ~~كونه مثال يكشف عنه التعبير. # وهذا لو لم يجز به الإنسان من نفسه، وقيل له إن من الناس من يسقط مغشيا ~~عليه كالميت ويزول إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب لأنكره ولأقام البرهان ~~على استحالته. # وقال: القوى الحساسة ms141 أسباب الإدراك فمن لا يدرك الشيء مع وجودها وحضورها ~~فبأن لا يدرك مع ركودها أولى. # وهذا نوع قياس يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي ~~يحصل فيه عين أخرى يبصر بها أنواعا من المعقولات الحواس معزولة عنها ~~فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين أخرى لها نور يظهر في نورها الغيب ~~وأمور لا يدركها العقل، والشك في النبوة إما أن يقع في إمكانها أو في ~~وجودها أو وقوعها أو في حصولها لشخص معين. # ودليل إمكانها وجودها، ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن ~~تنال بالعقل كعلم الطب والنجوم، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك ~~إلا بإلهام إلهي «2» وتوفيق من جهة الله تعالى ولا سبيل إليه بالتجربة فمن ~~PageV01P164 # الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة فكيف ينال ذلك ~~بالتجربة، وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البرهان أن في الإمكان وجود طريق ~~لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل وهو المراد بالنبوة، لا أن النبوة ~~عينها فقط بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة وله ~~خواص كثيرة سواها، وما ذكرناه فقطرة من بحرها، إنما ذكرناها لأن معك ~~أنموذجا منها وهي مدركاتك في النوم ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم. # فأما معجزات الأنبياء فلا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلا، وأما ما ~~عداها من خواص النبوة فإنما يدركه بالذوق «1» من سلك طريق التصوف لأن هذا ~~إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، ولولاه ما صدقت به فإن كان للنبي خاصة ~~ليس لك منها أنموذج فلا تفهمها أصلا فكيف تصدق بها، وإنما التصديق بعد ~~التفهيم، وذلك الأنموذج يحصل في أول طريق التصوف فيحصل به نوع من الذوق ~~بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه فهذه الخاصة ~~الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة، فإن وقع لك الشك في شخص معين أنه نبي ~~أم لا فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله إما بالمشاهدة أو بالتواتر ~~والتسامع فإنك إذا ms142 عرفت الطب والفقه يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء ~~بمشاهدة أحوالهم وسماع أقوالهم إن لم تشاهدهم. # فمعرفة كون الشافعي فقيها وكون جالينوس طبيبا معروف بالحقيقة لا بالتقليد ~~بأن تتعلم شيئا من الطب والفقه، وتطالع كتبهما وتصانيفهما فيحصل لك علم ~~ضروري بحالهما، وكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثر النظر في القرآن والأخبار ~~يحصل لك العلم الضروري لكونه صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات النبوة ~~وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق ~~في كذا وكذا، فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف حصل لك علم ضروري لا ~~تتمارى فيه، فمن هذا القبيل طلب اليقين بالنبوة لا من قلب العصا ثعبانا وشق ~~القمر، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة ~~عن حد الحصر ربما ظننت أنه سحر وأنه تخييل، وأنه من الله تعالى إضلال، فإنه ~~يضل من يشاء ويهدي من يشاء. # ويرد عليك أسئلة المعجزات فإذا كان مستند إيمانك كلاما منظوما في وجه ~~PageV01P165 # دلالة المعجزة ينخرم إيمانك بكلام مرتب من وجه الإشكال والشبه عليهما ~~فليكن مثل هذه الخوارق إحدى القرائن والدلائل في جملة نظرك حتى يحصل لك علم ~~ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين كالذي يخبره جماعة بخبر متواتر لا ~~يمكنه أن يقول: اليقين مستفاد من قول واحد معين بل من حيث لا يدري ولا يخرج ~~عن جملة ذلك، ولا تتعين الآحاد فهذا هو الإيمان القوي العلمي. # وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد ولا يوجد إلا في طريق الصوفية. # قال: ثم إني واظبت على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين وبان لي في ~~أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها وبان لي من حقيقة الذوق أن ~~للإنسان بدنا وقلبا وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله تعالى ~~دون اللحم الذي يشاركه فيه الميت والبهيمة وأن البدن له صحة بها سعادته ~~ومرض فيه هلاكه، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة ولا ينجو إلا من أتى الله ~~بقلب سليم، وله ms143 مرض فيه هلاكه إن لم يتدارك كما قال تعالى: في قلوبهم مرض ~~«1». # وإن الجهل بالله سم مهلك، وإن معصية الله تعالى بمتابعة الهوى داؤه ~~الممرض، وإن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه ~~الشافي، وأنه لا سبيل إلى معالجته بإزالة مرضه وكسب صحته إلا بأدوية، كما ~~لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك، وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة ~~بخاصية فيها لا تدركها العقلاء ببضاعة العقل بل تجب فيها تقليد الأطباء ~~الذين أخذوها عن الأنبياء الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء ~~فكذلك بان لي على الضرورة أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة ~~المقدرة من جهة الأنبياء لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء بل يجب ~~فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص لا ببضاعة العقل، وكما أن ~~الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف لبعض في الوزن فلا ~~يخلو اختلاف مقاديرها عن سر من قبل الخواص فكذلك العبادات التي هي أدوية ~~القلوب مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار حتى أن السجود ضعف الركوع ~~وصلاة الصبح نصف صلاة الظهر ولا يخلو عن سر من الأسرار هو من قبيل الخواص ~~التي لا يطلع عليه إلا بنور النبوة. # لقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط بطريق العقل لها حكمة وظن أنها ~~ذكرت على الاتفاق لا عن سر إلهي فيها يقتضيها بطريق الخاصية وكما أن في ~~الأدوية أصولا هي أركانها وزوائد هي متمماتها لكل واحد منها خصوص تأثير في ~~PageV01P166 # أعمال أصولها كذلك السنن والنوافل لتكميل آثار أركان العبادات، وعلى ~~الجملة فالأنبياء أطباء أمراض القلوب. # وأما فائدة العقل وتصرفه أن عرفنا ذلك وشهد بصدق النبوة وبعجز نفسه عن ~~درك ما يدرك بعين النبوة وأخذنا بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى ~~القائدين، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين. # فإلى هاهنا مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك إلا عن تفهيم ما ~~يلقيه الطبيب إليه فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة في ~~مدة الخلوة والعزلة. # ثم رأينا ms144 فتور الاعتقاد في أصل النبوة ثم في حقيقة النبوة، ثم العمل بما ~~شرحته النبوة وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق ونظرت إلى أسباب فتور الخلق وضعف ~~إيمانهم بها فإذا هي أربعة: # سبب من الخائضين في علم الفلسفة، وسبب من الخائضين في طريق التصوف، وسبب ~~من المنتسبين إلى دعوى التعليم، وسبب من معاملة المتوسمين من العلماء فيما ~~بين الناس، فإني تتبعت مدة آحاد الخلق أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع ~~وأسأله شبهته وأبحث عن عقيدته وسره، وأقول له: ما لك تقصر فيها؟ # فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا فهذه حماقة فإنك لا ~~تبيع الاثنين بواحد فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة؟ # وإن كنت لا تؤمن فأنت كافر فدبر لنفسك في طلب الإيمان وانظر ما سبب كفرك ~~الخفي الذي هو مذهبك باطنا وهو سبب جراءتك ظاهرا، وإن كنت لا تصرح به تجملا ~~بالإيمان وتشرفا بذكر الشرع فقائل يقول: هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه ~~لكان العلماء أجدر بذلك، وفلان من المشهورين من الفضلاء لا يصلي وفلان يشرب ~~الخمر وفلان يأكل الأموال من الأوقاف وأموال اليتامى وفلان يأكل أدرار ~~السلطان ولا يحترز من الحرام، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم ~~جرا، إلى أمثاله. # وقائل ثان يدعي علم التصوف فيقول: إني بلغت مبلغا ترقيت عن الحاجة إلى ~~العبادة. # وقائل ثالث تعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة وهم الذين ضلوا عن طريق ~~التصوف، وقائل رابع لقي أهل التعليم ويقول: الحق مشكل والطريق إليه عسير ~~منسد والاختلاف كثير، وليس بعض المذاهب أولى من بعض، وأدلة العقول # PageV01P167 # متعارضة فلا ثقة برأي أهل الرأي، والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له ~~فكيف ندع اليقين بالشك. # وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليدا ولكني قرأت علم الفلسفة وأدركت ~~حقيقة النبوة وأن حاصلها يرجع إلى المصلحة والحكمة وأن المقصود من تعبداتها ~~ضبط عوام الخلق وتقييدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات فما ~~أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا ms145 من الحكماء أتبع ~~الحكمة وأنا بصير بها مستغني فيها عن التقليد. # هذا منتهى من قرأ فلسفة الإلهيين منهم ويعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي ~~نصر الفارابي وهؤلاء المتجملون منهم بالإسلام وربما يرى الواحد منهم يقرأ ~~القرآن ويحضر الجماعات والصلوات ويعظم الشريعة بلسانه ولكنه مع ذلك لا يترك ~~شرب الخمر وأنواعا من الفسق والفجور وإذا قيل له إن كانت النبوة غير صحيحة ~~فلم تصلي؟ # فربما يقول: رياضة الجسد وعادة البلد وحفظ الذرية والولد، وربما قال: # الشريعة صحيحة والنبوة حق فيقال له: فلم تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نهي عن ~~الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد ~~بها تشحيذ خاطري حتى أن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها أنه عاهد الله ~~تعالى على كذا وكذا وأن يعظم الأوضاع الشرعية ولا يقصر في العبادات الدينية ~~ولا يشرب الخمر تلهيا بل تداويا وتشفيا، وكان منتهى حالته في صفاء الإيمان ~~والتزام العبادات أن يستثني شرب الخمر لغرض التشفي فهذا إيمان من يدعي ~~الإيمان منهم وقد انخدع إلى ذكر ما رد به على أهل التعليم وأهل الإباحة. # قال: وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة حتى أنكر أصل النبوة فقد ذكرنا ~~حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة بدليل وجود خواص الأدوية والنجوم وغيرها ~~وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك، وأوردنا الدليل من خواص النجوم والطب ~~لأنه من نفس علمهم ونحن نبين لكل عالم بفن من العلوم كالنجوم والطب ~~والطبيعة والسحر والطلسمات مثلا من نفس علمه برهان النبوة. # وأما من أثبت النبوة بلسانه وسوى أوضاع الشرع على الحكمة فهو على التحقيق ~~كافر بالنبوة وإنما هو مؤمن بحكيم له طالع مخصوص يقتضي طالعه أن يكون ~~متبوعا وليس هذا من النبوة في شيء بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور ~~وراء طور العقل تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل معزول عنها # PageV01P168 # كعزل اللمس عن إدراك الأصوات وجميع الحواس عن إدراك المعقولات فإن لم ~~يجوز هذا فقد أقمنا البرهان على إمكانه بل على وجوده. ms146 # وأخذ يستدل بالخواص الموجودة في الطبيعيات على إمكان خواص ثابتة في ~~الشرعيات وأن تلك إذا لم تعرف بقياس العقل فكذلك الأخرى. # قال: وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة، قال: والعجب أنا لو غيرنا ~~العبارة إلى عبارة المنجمين لصدقوا باختلاف هذه الأوقات، فنقول: ليس يختلف ~~الحكم والطالع بأن تكون الشمس في وسط السماء أو في الطالع أو في الغارب حتى ~~بنوا على هذا في تسييراتهم اختلاف الصلاح وتفاوت الأعمار والآجال. # فلا فرق بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء ولا بين المغرب وبين ~~كونه في الغارب فلم يكن لتصديقه سبب إلا أن ذلك سمعه بعبارة منجم جرب كذبه ~~مائة مرة، ولا يزال يعاود تصديقه حتى لو قال له المنجم إذا كانت الشمس في ~~وسط السماء ونظر الكوكب الفلاني فلبست ثوبا جديدا في ذلك الوقت قتلت في ذلك ~~الوقت، فإنه لا يلبس الثوب في ذلك الوقت وربما يقاسي فيه البرد الشديد، ~~وربما سمعه من منجم قد جرب كذبه مرات فليت شعري من يتسع عقله لقبول هذه ~~البدائع ويضطر إلى الاعتراف بأنها خواص معرفتها معجزة لبعض الأنبياء كيف ~~ينكر مثل ذلك فيما يسمعه من قول نبي صادق مؤيد بالمعجزات لم يعرف قط بالكذب ~~ولم لا يتسع لإمكان هذه الخواص في أعداد الركعات ورمي الجمار وعدد أركان ~~الحج، وسائر تعبدات الشرع، ولم نجد بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقا ~~أصلا فإن قال: قد جربت شيئا من النجوم وشيئا من الطب فوجدت بعضه صادقا ~~فانقدح في نفسي تصديقه وسقط عن قلبي استبعاده ونفرته. # وهذا لم أجربه فيما أعلم وجوده وتحققه وإن أقررت بإمكانه فأقول: إنك لا ~~تقتصر على تصديق ما جربته بل سمعت أخبار المجربين وقلدتهم فاسمع أقوال ~~الأنبياء فقد جربوه وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع أو اسلك سبيلهم ~~تدرك بالمشاهدة بعض ذلك على أني أقول: وإن لم تجرب فيقتضي عقلك بوجوب ~~التصديق والاتباع قطعا. # فإنا لو فرضنا رجلا بلغ وعقل ولم يجرب ومرض وله والد مشفق حاذق بالطب ~~يسمع دعواه ms147 في معرفة الطب منذ عقل فعجن له والده دواء وقال: هذا يصلح لمرضك ~~ويشفيك من سقمك، فماذا يقتضيه عقله وإن كان الدواء كريها مر المذاق أن ~~يتناول أو يكذب ويقول: أنا لا أعرف مناسبة هذا الدواء لتحصيل الشفاء ولم ~~أجربه، فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك، فكذلك يستحمقك أهل البصائر # PageV01P169 # في توقفك، فإن قلت فلم أعرف شفقة النبي ومعرفته بهذا الطب فأقول وبم عرفت ~~شفقة أبيك فإن ذلك أمر ليس محسوسا بل عرفتها بقرائن أحواله وشواهد أعماله ~~في موارده ومصادره علما ضروريا لا يتمارى فيه. # ومن نظر في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ورد من الأخبار في ~~اهتمامه بإرشاد الخلق وتلطفه في حق الناس بأنواع اللين واللطف إلى تحسين ~~الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم حصل له ~~علم ضروري بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده، وإذا نظر إلى ~~عجائب ما ظهر عليه من الأفعال وإلى عجائب الغيب التي أخبر عنها في القرآن ~~على لسانه وفي الأخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان وظهر ذلك كما ذكره علما ~~ضروريا أنه بلغ الطور الذي وراء العقل وانفتحت له العين التي ينكشف منها ~~الغيب والخواص والأمور التي لا يدركها العقل وهذا هو منهاج يحصل العلم ~~الضروري بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، وتأمل في القرآن وطالع الأخبار إلى ~~أن تعرف ذلك بالعيان، وهذا القدر يكفي في تنبيه المتفلسفة ذكرناه لشدة ~~الحاجة إليه في هذا الزمان. # قلت: فهذه الطريق التي ذكرها أبو حامد الغزالي تفضي أيضا إلى العلم ~~بالنبوة والتصديق بها بأكثر من القدر الذي تقر به المتفلسفة وما ذكره من ~~المشاهدات والكشوفات التي تحصل للصوفية وأنهم يشهدون تحقيق ما أخبر به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ونفع ما أمر به فهذا أيضا حق في كثير مما أخبر ~~به وأمر به ثم إذا علم ذلك صار حجة على صدقه فيما لم يعلمه كمن سلك طريقا ~~من العلم بفن من الفنون إذا ms148 رأى كلام متكلم في ذلك العلم ورآه يحقق ما عنده ~~ويأتي بزيادات لا يستطيعها فإنه يعلم بما رآه من مزيد تحقيقه لما شاركه في ~~أصل معرفته أنه أعلم منه بما وراء ذلك كمن نظر في الطب إذا رأى كلام بقراط ~~«1» ومن نظر في النحو إذا رأى كلام الخليل «2» وسيبويه «3»، ومن نظر في ~~العلوم الدينية إذا رأى كلام أئمة PageV01P170 # السلف وكذلك من سلك مسلك الزهد والعبادة إذا بلغه سير زهاد السلف ~~وعبادتهم، ومن والى الناس وساسهم إذا رأى سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وعمر بن عبد العزيز ونحوهما، فهذا كله يبين له عظمة قدر هؤلاء وأنهم كانوا ~~أئمة في هذه الأمور وفيما يصلح ويجب من ذلك، ويعلم كل أحد الفرق بين سيرة ~~العمرين وسيرة الحجاج «1»، والمختار بن أبي عبيد «2» ونحوهما بل يعلم الفرق ~~بين سيرة بني أمية وبني العباس وبين سيرة بني بويه وبني عبيد وأمثال ذلك، ~~كذلك يعلم الفرق بين نبينا محمد وموسى وعيسى عليهم السلام وبين مسيلمة ~~والأسود العنسي وأمثالهما بأدنى تأمل، وهذه الطريق ينقسم الناس فيها إلى ~~عام وخاص بسبب علمهم بالخير والشر والصدق والكذب ونحو ذلك، وهذه تفيد العلم ~~القطعي بأن الأنبياء أكمل الخلق وأفضلهم وأنه لا يصلح لأحد أن يعارضهم ~~برأيه ولا يخالفهم بهواه لكن لا يفيد العلم بحقيقة النبوة إلا أن يعترف أن ~~النبي أعلم منه فلا يمكنه أن يقول هو أعلم منه فكل من حصل له من المخاطبات ~~ومن المشاهدات ما يحصل للأولياء فإنه يعلم أن الذي للأنبياء فوق الذي له من ~~ذلك كعمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر» ~~«3». PageV01P171 # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه» «1». # وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو لم أبعث فيكم لبعث ~~فيكم عمر» «2» وكان عمر بهذا يعلم أن ما يأتي النبي صلى ms149 الله عليه وسلم من ~~الوحي والملائكة وما يخبر به من الغيب وما يأمر به وينهى عنه أمر زائد على ~~قدره ومجاوز لطاقته بل يجد بينه وبين ذلك من التفاوت ما يعجز القلب واللسان ~~عن معرفته وتبيانه بل كان عمر بما حصل له من المكاشفة «3» والمخاطبة يعلم ~~أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أكمل منه معرفة ويقينا وأتم صدقا وأخلاقا ~~وأعلم منه بقدر الرسول صلى الله عليه وسلم فكان خضوع عمر هذا الذي هو أفضل ~~الأولياء المحدثين الملهمين المخاطبين لأبي بكر الصديق كخضوع من رأى غيره ~~من مشاركيه في فنه أكمل منه، كخضوع الأخفش «4» لسيبويه «5» وزفر «6» لأبي ~~حنيفة «7» PageV01P172 # وابن وهب «1» لمالك ونحو ذلك، أو خضوع فقهاء المدينة لسعيد بن المسيب «2» ~~وعلماء البصرة للحسن البصري «3» وفقهاء مكة لعطاء بن أبي رباح «4». # وإذا كان هذا مثل عمر مع أبي بكر لأن أبا بكر صديق يأخذ ما يأخذه عن ~~الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي قد عصم أن يستقر فيما جاء به خطأ، ~~فهو لخبرته بحال صديق النبي بهذه المثابة، وكل من كان عالما بالصحابة يعلم ~~أن عمر رضي الله عنه كان متأدبا معظما بقلبه لأبي بكر رضي الله عنه مشاهدا ~~أنه أعلى منه إيمانا ويقينا فكيف يكون حال عمر وغيره مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم. PageV01P173 # وإذا كان هذا حال أفضل المحدثين المخاطبين فكيف حال سائرهم، ولا ريب أن ~~الرجل كلما عظمت ولايته وعظم نصيبه من انكشاف الحقائق له كان تعظيمه للنبوة ~~أعظم، والناس في هذه الطريق متفاوتون بحسب درجاتهم لكن طريق الصوفية لا ~~ينهض بانكشاف جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بل ولا بأكثره، بل ~~عامة ما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أبو بكر وعمر فضلا عن ~~غيرهما أن يعلمه بدون خبره، وإن كان عند المخبرين علم بجمل ذلك أو أصله لكن ~~ما يخبر به من التفصيل لا يعلم بدون خبره أصلا، وما يوجد في كلام أبي حامد ~~وغيره من أن الكشف يحصل ms150 ذلك، وقول القائل أن الأولياء شاهدوا الحق في جميع ~~ما ورد به الشرع ليس بسديد، بل لا يزال الأولياء مع الأنبياء في إيمان ~~بالغيب ولا يتصور أن الولي يعطى ما أعطيه النبي من المشاهدة والمخالطة. # وأفضل الأولياء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم، وليس في هؤلاء من شاهد ~~ما شاهده النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ولا شاهد الملائكة الذين ~~كانوا ينزلون بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ولا سمع أحد منهم كلام ~~الله الذي كلم به نبيه ليلة المعراج ولا سمع عامة الأنبياء فضلا عن ~~الأولياء كلام الله كما سمعه موسى بن عمران عليه السلام، ولا كلم الله ~~تكليما، لداود وسليمان بل ولا إبراهيم ولا عيسى فضلا عن أن يكون يحصل لأحد ~~من الأولياء، والإيمان بكل ما جاء به الأنبياء واجب فإنهم معصومون ولا يجب ~~الإيمان بكل ما يقوله الولي بل ولا يجوز فإنه ما من أحد من الناس إلا يؤخذ ~~من كلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سب نبيا من الأنبياء ~~قتل وكان كافرا مرتدا بخلاف الولي، قال تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) ~~«1». # وقال تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله «2» وقال تعالى: وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ~~ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) «3». # فإن قيل ففي قراءة ابن عباس «ولا محدث» قيل: هذه القراءة ليست متواترة ~~PageV01P174 # ولا معلومة الصحة، ولا يجوز الاحتجاج بها في أصول الدين، وإن كانت صحيحة ~~فالمعنى أن المحدث كان فيمن كان قبلنا، وكانوا يحتاجون إليه وكان ينسخ ما ~~يلقيه الشيطان إليه كذلك وأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تحتاج ms151 إلى غير ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # ولهذا كانت الأمم قبلنا لا يكفيهم نبي واحد بل يحيلهم هذا النبي في بعض ~~الأمور على النبي الآخر، وكانوا يحتاجون إلى عدد من الأنبياء، ويحتاجون إلى ~~المحدث، وأمة محمد أغناهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن غيره من ~~الأنبياء والرسل فكيف لا يغنيهم عن المحدث، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ~~«إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» «1» فعلق ~~ذلك ب «إن» ولا يجزم به، لأنه علم استغناء أمته عن محدث كما استغنت عن غيره ~~من الأنبياء، سواء كان فيها محدث أو لا، أو كان ذلك لكمالها برسولها الذي ~~هو أكمل الرسل وأجملهم، وهؤلاء كبعض في أمته عن الأمم قبلهم. # وقد وقع في كلام أبي حامد وغيره نحو من هذا في مواضع أخر حتى ذكر فيما ~~يتأول وما لا يتأول أن ذلك لا يعلم إلا بتوفيق إلهي يشاهد به الحقائق على ~~ما هي عليه ثم ينظر في السمع والألفاظ الواردة فيه فما وافق مشهوده أقره ~~وما خالفه تأوله، وذكر في موضع آخر أن الواحد من الأولياء قد يسمع كلام ~~الله سبحانه كما سمعه موسى بن عمران وأمثال هذه الأمور، ولهذا تبين له في ~~آخر عمره إن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده فطلب الهدى من طريق الآثار ~~النبوية وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم، ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله ~~وكان كارها ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور مما أنكره الناس عليه، حتى ~~قال المازري وغيره ما معناه: # إن كلامه يؤثر في الإيمان بالنبوة فينقص قدرها أو نحو هذا، وكذلك ما ذكره ~~من أن النبوة انفتاح قوة أخرى فوق العقل. # ولا ريب أن هذا مما يكون للنبي، وليست النبوة قوة تدرك بها الأمور وإنما ~~يشبه هذا أصول الفلاسفة الذين يزعمون أن الفيض دائم من العقل الفعال وإنما ~~يحصل في القلوب بسبب استعداد الأشخاص، فأي عبد كان استعداده أتم كان الفيض ~~عليه أتم من غير أن يكون ms152 من الملأ الأعلى سبب يخص شخصا دون شخص بالخطاب ~~والتكليم. # وليس هذا مذهب المسلمين بل ولا اليهود ولا النصارى بل هؤلاء كلهم إلا من ~~ألحد منهم متفقون على أن الله سبحانه خصص موسى بالتكليم دون هارون ~~PageV01P175 # وغيره، وإنه يخص بالنبوة من يشاء من عباده لا أنه بمجرد استعداده يفيض ~~عليه العلوم من غير تخصيص إلهي. # وهنا صار الناس ثلاث أصناف: صنف يقولون: ليست النبوة إلا مجرد إنباء الله ~~تعالى للعبد وهو تعلق كلامه كما يقولون: إن الأحكام الشرعية ليست إلا مجرد ~~خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من غير أن يكون للفعل في نفسه صفة ~~اقتضت تخصيصه بالحكم. # وكذلك يقول هؤلاء: ليس للنبي في نفسه صفة اقتضت تخصيصه بالنبوة وهذا ~~يقوله طوائف من متكلمة أهل الإثبات القدريين أصحاب جهم وأبي الحسن وغيرهما ~~الذين يخالفون المعتزلة والفلاسفة فيما يقولونه في فعل الرب وحكمه إذ ~~المتفلسفة يقولون بالطبع والعلة الموجبة، والمعتزلة يقولون بالاختيار ~~المتضمن لشريعة عقلية ألزموه بها في التعديل والتجوير ونحو ذلك، والمنتسبون ~~إلى السنة والجماعة من الكلابية والأشعرية والكرامية وسائر المنتسبين إلى ~~السنة والجماعة يردون عليهم الأصول التي فارقوا بها أهل السنة والجماعة ~~بالتكذيب من القدر والصفات وتخليد أهل الكبائر كما يردون على المتفلسفة ما ~~فارقوا به المسلمين لكن لهؤلاء في مسائل الحكمة والمصالح وتعليل الأفعال ~~والأحكام وهل للأفعال صفات يدرك بها حسنها وقبحها؟ نزاع ليس هذا موضع ~~تفصيله، إنما نذكره مجملا، ومعلوم أن الإنباء والإرسال من باب كلام الله ~~تعالى، وكذلك الأمر والنهي هو من باب كلام الله تعالى، والأمر متعلق ~~بالفعل، والإرسال والإنباء متعلق بالرسول والنبي وللناس في هذا وهذا ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه ليس ذلك إلا مجرد كلام الله تعالى المتعلق بذلك، أو تعلق ~~الخطاب بذلك وهو من الصفات النسبية الإضافية عندهم، قالوا: لأنه ليس لمتعلق ~~القول من القول صفة ثبوتية وهذا قول هؤلاء. # والقول الثاني: أن ذلك يعود إلى صفة قائمة بالنبي وبالفعل. # والقول الثالث: أن ذلك يتضمن الأمرين فالحكم الشرعي يتضمن خطاب الشارع ~~وصفة قائمة ms153 بالفعل، والنبوة تتضمن خطاب الرب لتضمن صفة قائمة بالنبي أيضا، ~~وهذا معنى قول السلف والأئمة وجمهور المسلمين والفلاسفة والمعتزلة أيضا ~~يثبتون فيه أيضا حسن الفعل وقبحه إلى صفة فيه توجب الحمد والذم، وخطاب ~~الشارع كاشف لها لا مثبت لها والمتفلسفة عندهم يعود ذلك إلى صفة في الفعل ~~توجب كمال النفس أو نقصها، ولذلك يقولون: إن النبوة هي كمال للنفس الناطقة ~~تستعد به لأن تفيض عليها المعارف من العقل الفعال من غير أن يكون هناك # PageV01P176 # خطاب حقيقي لله تعالى، ولكن كلام الله سبحانه عندهم ما يحدث في نفس النبي ~~من أصوات يسمعها في نفسه لا خارجا عن نفسه، والملائكة عبارة عن أشكال ~~نورانية يراها تكون في نفسه لا خارجا عن نفسه كما يرى النائم في منامه صورا ~~يخاطبها وكلاما يسمعه وذلك في نفسه، ولهذا جعل أبو حامد هذا طريقا لهم في ~~إثبات النبوة كما سلك ابن سينا وغيره، ولا ريب أن كل ما يقر به من مقر من ~~الحق فإن أهل الإيمان يقرون به لكن يعلمون أشياء فوق ذلك لا يعلمها أهل ~~الباطل فما علمته المتفلسفة من هذه الأمور لا ينكرها أهل الإيمان لكن ~~ينكرون عليهم اقتصارهم في التصديق عليها. # وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في جواب المسألة الخراسانية التي سئلت ~~فيها عن ما يتعلق بالقرآن العظيم وكلام الله سبحانه وتعالى وذكرت مراتب ~~تكليم الله تعالى لخلقه، وأنها درجات وأن المتفلسفة أقروا ببعض الدرجات دون ~~بعض بل لعلهم لم يتجاوزوا أدنى الدرجات وهي درجات الإلهام وما يناسبه وما ~~أعطوا هذه الدرجة حقها، وأما المعتزلة فهم خير منهم فإنهم يقرون بما أخبر ~~به القرآن عن أصناف الملائكة وأوصافهم لكنهم مع هذا لا يقرون بأن لله كلاما ~~قائما به فحقيقة مذهبهم أن الله سبحانه لا يتكلم إنما يخلق كلاما في غيره ~~ولما ابتدعت الجهمية هذه المقالة كانوا يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم أو ~~يتكلم مجازا. # لكن المعتزلة امتنعت من هذا الإطلاق وقالوا: إنه متكلم أو يتكلم حقيقة ~~لكنهم فسروا ذلك بأنه ms154 خلق كلاما في غيره فلم ينازعوا قدماء الجهمية في ~~حقيقة المذهب وإنما نازعوهم في اللفظ. # والسلف والأئمة لما عرفوا حقيقة مذهبهم عرفوا أن هذا كفر وأن هذا في ~~الحقيقة تعطيل للرسالة وأنه يمتنع أن يكون متكلم بكلام لا يقوم به بل ~~بغيره، كما يمتنع أن يكون عالما بعلم لا يقوم به بل بغيره، وأن يكون قادرا ~~بقدرة لا تقوم به بل بغيره، وأنه لو كان كذلك لكان ما يخلقه من الكلام في ~~مخلوقاته كلاما له. # وقد قال تعالى: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء «1»، وقال عز وجل: اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) «2»، بل لما ثبت أن الله خالق كل شيء ~~فيجب أن يكون على قولهم كل كلام في الوجود كلامه وقد أفصح بذلك الاتحادية ~~الذين يقولون: PageV01P177 # الوجود واحد كابن عربي صاحب الفصوص ونحوه وقالوا: # وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ومذهبهم منتهى مذهب ~~الجهمية، وهو في الحقيقة تعطيل الخالق والقول بأن هذا الوجود هو الوجود ~~الواجب كما ذكر ذلك أبو حامد عن دهرية الفلاسفة فإن قول هؤلاء هو قول أولئك ~~وهو قول فرعون الذي أظهره، لكن فرعون وغيره من الدهرية لا يقولون: هذا ~~الوجود هو الله، وهؤلاء بجهلهم يقولون: إن الوجود هو الله، وقد أضلوا طوائف ~~من الشيوخ الذين لهم عبادة وزهادة حتى أنه كان في بيت المقدس رجل من أعبد ~~الناس وأزهدهم وكان طوال ليله يقول: الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ~~ولا أرى الله، وهؤلاء سلكوا في كثير من أصولهم ما ذكره أبو حامد الغزالي ~~وبنوا على ما في كتابه المضنون به وغيره من أصول الفلاسفة المكسوة عبادة ~~الصوفية فالأمور التي أنكرها عليه علماء المسلمين ما عليها هؤلاء حتى جعل ~~ابن سبعين الناس خمس طبقات أدناها الفقيه ثم المتكلم ثم الأشعري ثم ~~الفيلسوف ثم الصوفي ثم الخامس هو المحقق، وهؤلاء يجعلون ما أشار إليه أبو ~~حامد من الكشف هو ما حصل لهم ms155 وإنه لتعبده بالشريعة، لم يصل إلى القول بوحدة ~~الوجود، وهم ينتقصونه بما يحمده عليه المسلمون من الأقوال التي اعتصم فيها ~~بالكتاب والسنة وبالأقوال التي يعلم صحتها بصريح العقل، ويرون أن ذلك هو ~~الذي حجبه عن أن يشهد حقيقتهم التي هي وحدة الوجود، وإنما طمعوا فيه هذا ~~الطمع لما وجدوه في الكلام المضاف إليه مما يوافق أصول الجهمية المتفلسفة ~~ونحوهم. # والمقصود هنا: أن المعتزلة خير من المتفلسفة حيث يثبتون لله كلاما منفصلا ~~ويقولون: إن الرسالة والنبوة تتضمن نزول كلام لله تعالى منفصلا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ينزل عليه كما يقول سائر المسلمين، ثم قد يقول من يقول ~~من المعتزلة: أن النبوة جزاء على عمل متقدم وأن النبي لما قام بواجبات ~~عقلية أكرمه الله تعالى عليها بالنبوة مع كون النبي متميزا بصفات خصه الله ~~تعالى بها وهذا القول موافق في الجملة قول أكثر الناس وهو أن النبوة ~~والرسالة تتضمن كلام الله سبحانه الذي ينزل على رسوله ونبيه وأنه مع ذلك ~~مختص بصفات اختصه الله تعالى بها دون غيره من الأنبياء وأنه لا يكون النبي ~~والرسول كسائر الناس في العقل والخلق وغير ذلك، بل هو متميز عن الناس بذلك، ~~والنبوة فضل الله يؤتيه من يشاء لكن مع ذلك الله أعلم حيث يجعل رسالته. # وما ذكره أبو حامد فيه من تقرير النبوة في الجملة على الأصول التي يسلمها # PageV01P178 # المتفلسفة ويعرفونها ما ينتفع به من كان متفلسفا محضا فإن ذلك يوجب أن ~~يدخل في الإسلام نوع دخول وكلام أبي حامد في هذا ونحوه يصلح أن يكون برزخا ~~بين المتفلسفة وبين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فالمتفلسفة ~~تنتفع به حيث يصير عندهم من الإيمان والعلم ما لا يحصل لهم بمجرد الفلسفة. # وأما من كان مسلما يريد أن يستكمل العلم والإيمان فإن ذلك يضره من وجه ~~ويرده عن كثير من كمال الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، وإن كان ينفعه ~~من حيث يحول بينه وبين الفلسفة المحضة إلا أن يكون حسن الظن بالفلسفة دون ~~أصول ms156 الإسلام فإنه يخرجه إلى الإلحاد المحض كما أصاب ابن عربي الطائي وابن ~~سبعين وأمثالهما، وقد أخبر هو بما حصل له من السفسطة وأنه انحصرت فرق ~~الطالبين عنده في أربع فرق: المتكلمين والباطنية والفلاسفة والصوفية. # ومعلوم أن هذه الفرق كلها حادث بعد عصر الصحابة بل وبعد عصر التابعين بل ~~إنما ظهرت وانتشرت بعد القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم، ثم ~~الفلاسفة والباطنية هم كفار كفرهم ظاهر عند المسلمين كما ذكر هو وغيره، ~~وكفرهم ظاهر عند أقل من له علم وإيمان من المسلمين إذا عرفوا حقيقة قولهم ~~لكن لا يعرف كفرهم من لم يعرف حقيقة قولهم، وقد يكون قد تشبث ببعض أقوالهم ~~من لم يعلم أنه كفر فيكون معذورا لجهله، ولكن في المتكلمين والصوفية ممن له ~~علم وإيمان طوائف كثيرون بل فيمن بعد الصوفية مثل الفضيل بن عياض «1» وأبي ~~سليمان الداراني «2» وإبراهيم بن أدهم «3» ومعروف الكرخي «4» وأمثالهم ممن ~~PageV01P179 # هو من خيار المسلمين وساداتهم عند المسلمين وفي عصرهم حدث اسم الصوفية ~~وظهر الكلام أيضا. # وكلام سلف الأمة والأئمة في ذم البدع الكلامية في العلم والبدع المحدثة ~~في طريقة الزهد والعبادة مشهور كثير مستفيض، ولم يتنازع أهل العلم والإيمان ~~فيما استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «خير القرون قرني، الذي ~~بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «1» وكل من له لسان صدق من ~~مشهور بعلم أو دين معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة، وأن المتبع لهم ~~أفضل من غير المتبع لهم ولم يكن في زمنهم أحد من هذه الصنوف الأربعة ولا ~~تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان ومعروف ~~الكرخي وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين فيه ~~بعلم الصحابة وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضل والمناقب، ~~والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية وهم أهل الحديث والسنة العالمون ~~بطريقهم المتبعون لها وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في ms157 كل عصر ومصر. # فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهم أبو حامد وذلك ~~لأن هؤلاء لا يعرف طريقهم إلا من كان خبيرا بمعاني القرآن خبيرا بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خبيرا بآثار الصحابة فقيها في ذلك عاملا بذلك، ~~وهؤلاء هم أفضل الخلق من المنتسبين إلى العلم والعبادة، وأبو حامد لم ينشأ ~~بين من كان يعرف طريقة هؤلاء ولا تلقى عن هذه الطبقة ولا كان خبيرا بطريقة ~~الصحابة والتابعين بل كان يقول عن نفسه أنه مزجي البضاعة في الحديث ولهذا ~~يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات الموضوعة ما لا يعتمد عليه من ~~له علم بالآثار، ولكن نفعه الله تعالى بما وجده في كتب الصوفية والفقهاء من ~~ذلك كتاب أبي طالب «2» ورسالة القشيري «3» وغير ذلك، PageV01P180 # وبما وجده في كتب أصحاب الشافعي ونحو ذلك فخيار ما يأتي به ما يأخذ من ~~هؤلاء وهؤلاء. # ومعلوم أن طريقة أئمة الصوفية وأئمة الفقهاء أكمل من طريقة أبي القاسم ~~القشيري ومن طريقة أبي طالب والحارث ومن طريقة أبي المعالي وأمثاله، وأولئك ~~الأئمة كانوا أعلم بطريقة الصحابة وأتبع لها من أتباعهم، فالقاضي أبو بكر ~~الباقلاني وأمثاله أعلم بالأصول والسنة وأتبع لها من أبي المعالي وأمثاله، ~~والأشعري والقلانسي ونحوهما أعلى طبقة في ذلك من القاضي أبي بكر وعبد الله ~~بن سعيد بن كلاب، والحارث المحاسبي أعلى طبقة في ذلك من هؤلاء، ومالك ~~والأوزاعي وحماد بن زيد والليث بن سعد وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء، ~~والتابعون أعلى من هؤلاء، والصحابة أعلى من التابعين. # وكذلك أبو طالب المكي يأخذ عن شيخه ابن سالم، وابن سالم يأخذ عن سهل بن ~~عبد الله التستري، وسهل أعلى درجة عند الناس من أبي طالب ثم الفضل وأبو ~~سليمان وأمثالهما أعلى درجة من سهل وأمثاله، وأيوب السختياني وعبد الله بن ~~عون ويونس بن عبيد وغيرهم من أصحاب الحسن أعلى طبقة من هؤلاء، وأويس القرني ~~وعامر بن عبد قيس وأبو مسلم الخولاني وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء، وأبو ذر ~~الغفاري وسلمان ms158 الفارسي وأبو الدرداء وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء. # ومعلوم أن كل من سلك إلى الله جل وعز علما وعملا بطريق ليست مشروعة ~~موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأئمة وأئمتها فلا بد أن يقع في ~~بدعة قولية أو عملية، فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيأ فلا بد أن ~~يسلك بينات الطرق وإن كان ما يفعله الرجل من ذلك قد يكون مجتهدا فيه مخطئا ~~مغفورا له خطؤه، وقد يكون ذنبا، وقد يكون فسقا، وقد يكون كفرا، بخلاف ~~الطريقة المشروعة في العلم والعمل فإنها أقوم الطرق ليس فيها عوج كما قال ~~تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم «1». # وقال عبد الله بن مسعود: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا ~~عن يمينه وشماله ثم قال: «هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان ~~يدعو إليه، ثم PageV01P181 # قرأ: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~«1»» «2». # وقال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، ولهذا ~~قيل: «مثل السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» وهو يروى ~~عن مالك. # ومن سلك الطرق الشرعية النبوية لم يحتج في إثباتها إلى أن يشك في إيمانه ~~الذي كان عليه قبل البلوغ ثم يحدث نظرا يعلم به وجود الصانع، ولم يحتج إلى ~~أن يبقى شاكا مرتابا في كل شيء وإنما كان مثل هذا يعرض للجهم بن صفوان ~~وأمثاله فإنهم ذكروا أنه بقي أربعين يوما لا يصلي حتى يثبت أن له ربا ~~يعبده، فهذه الحالة كثيرا ما تعرض للجهمية وأهل الكلام الذين ذمهم السلف ~~والأئمة، وأما المؤمن المحض فيعرض له الوسواس فتعرض له الشكوك والشبهات وهو ~~يدفعها عن قلبه، فإن هذا لا بد منه كما ثبت في الصحيح أن الصحابة قالوا: يا ~~رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من ~~السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: «أفقد ms159 وجدتموه؟» قالوا: ~~نعم، قال: «ذلك صريح الإيمان» «3». # وفي السنن من وجه آخر أنهم قالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن ~~يتكلم به، فقال: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» «4». # قال غير واحد من العلماء: معناه أن ما تجدونه في قلوبكم من كراهة الوساوس ~~والنفرة عنه وبغضه ودفعه هو صريح الإيمان. PageV01P182 # وهذا من الزبد الذي قال الله تعالى فيه: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ~~ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال «1». وهذا مذكور في غير ~~هذا الموضع وكلام السلف والأئمة فيما أحدث من الكلام وما أحدث من الزهد ~~مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أن يعرف مراتب الناس في العلم بالنبوة ومعرفة قدرها وتعدد ~~الطرق في ذلك وأن عامة الطرق التي سلكها الناس في ذلك هي طرق مفيدة نافعة ~~لكن تختلف مقادير فوائدها ومنافعها، وفيها ما يضر من وجه كما ينفع من وجه، ~~وفيها ما ينتفع به من كان عديم الإيمان أو ضعيف الإيمان فيحصل به له بعض ~~الإيمان ويقوى إيمانه، وإن كان ذلك يضر من كان قوي الإيمان ويكون رجوعه ~~إليه ردة في حقه بمنزلة من كان معتصما بحبل قوي وعروة وثقى لا انفصام لها ~~فاعتاض عن ذلك بحبل ضعيف يكاد ينقطع به وهذا باب يطول وصف حال الناس فيه. # وأما ما ذكره أبو حامد من أن هذه الطريقة التي سلكها تفيد العلم الضروري ~~بالنبوة دون طريقة المعجزات، فالإنسان خبير بما حصل له من العلم الضروري ~~وغيره ليس هو خبير بما حصل لغيره من ذلك، وكثير من أهل النظر والكلام ~~يقولون نقيض هذا، يقولون لا يحصل العلم بالنبوة إلا بطريقة المعجزات دون ~~غيرها كما قال أكثر أهل الكلام ومن اتبعهم كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي ~~يعلى وأبي المعالي والمازري وأمثال هؤلاء. # والتحقيق ما عليه أكثر الناس أن العلم بالنبوة يحصل بطرق متعدد: # المعجزات وغير المعجزات ويحصل له العلم الضروري بها كما ذكره أبو حامد بل ~~يحصل له العلم الضروري بالنبوة على الجمل كما ms160 ذكره، وعامة من حصر العلم ~~بهذا أو غيره في طريق معينة وزعم أنه لا يحصل بغيرها فإنه يكون مخطئا وهذا ~~كثير ما سلكه كثير من أهل الكلام في إثبات العلم بالصانع أو إثبات حدوث ~~العالم أو إثبات التوحيد أو العلم بالنبوة أو غير ذلك، يسلك أحدهم طريقا ~~يزعم أنه لا يحصل العلم إلا به، وقد يكون طريقا فاسدا وربما قدح خصومه في ~~طريقه الصحيحة وادعوا أنها فاسدة. # وكثيرا ما يكون سبب العلم الحاصل في القلب غير الحجة الجدلية التي يناظر ~~بها غيره فإن الإنسان يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا ~~يستحضرها ولا يحصيها ولو استحضرها لا توافقه عبارته على بيانها ومع هذا ~~فإذا طلب PageV01P183 # منه بيان الدليل الدال على ذلك قد لا يعلم دليلا يدل به غيره إذا لم يكن ~~ذلك الغير شاركه في سبب العلم، وقد لا يمكنه التعبير عن الدليل إذا تصوره، ~~فالدليل الذي يعلم به المناظر شيء، والحجة التي يحتج بها المناظر شيء آخر ~~وكثيرا ما يتفقان كما يفترقان. # وليس هذا موضع بسط ذلك، وإنما المقصود التنبيه على تعدد طرق العلم ~~بالنبوة، وغيرها وكلام أكثر الناس في هذا الباب ونحوه على درجات متفاوتة ~~فيحمد كلام الرجل بالنسبة إلى من دونه، وإن كان مذموما بالنسبة إلى من فوقه ~~إذ الإيمان يتفاضل، وكل له من الإيمان بقدر ما حصل له منه. # ولهذا كان أبو حامد مع ما يوجد في كلامه من الرد على الفلاسفة وتكفيره ~~لهم، وتعظيم النبوة وغير ذلك ومع ما يوجد فيه أشياء صحيحة حسنة بل عظيمة ~~القدر نافعة يوجد في بعض كلامه مادة فلسفية وأمور أضيفت إليه توافق أصول ~~الفلاسفة الفاسدة المخالفة للنبوة بل المخالفة لصريح العقل حتى تكلم فيه ~~جماعات من علماء خراسان والعراق والمغرب كرفيقه أبي إسحاق المرغيناني وأبي ~~الوفاء بن عقيل والقشيري والطرطوشي «1» وابن رشد «2» والمازري «3» وجماعات ~~من الأولين حتى ذكر ذلك الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فيما جمعه من طبقات أصحاب ~~PageV01P184 # الشافعي وقرره الشيخ أبو زكريا النووي قال ms161 في هذا الكتاب: فصل في بيان ~~أشياء مهمة أنكرت على الإمام الغزالي في مصنفاته ولم يرتضيها أهل مذهبه ~~وغيرهم من الشذوذ في تصرفاته، منها قوله في مقدمة المنطق في أول المستصفى ~~«1»: «هذه مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط فلا ثقة له بعلومه أصلا». # قال الشيخ أبو عمرو «2»: وسمعت الشيخ العماد بن يونس يحكي عن يوسف ~~الدمشقي مدرس النظامية ببغداد وكان من النظار المعروفين أنه كان ينكر هذا ~~الكلام ويقول: فأبو بكر وعمر وفلان وفلان يعني أن أولئك السادة عظمت حظوظهم ~~من الثلج واليقين ولم يحيطوا بهذه المقدمة وأسبابها، قال الشيخ أبو عمرو: ~~قد ذكرت بهذا ما حكى صاحب كتاب الإمتاع والمؤانسة يعني أبا حيان التوحيدي ~~أن الوزير ابن الفرات احتفل مجلسه ببغداد بأصناف من الفضلاء من المتكلمين ~~وغيرهم وفي المجلس متى الفيلسوف النصراني، فقال الوزير: أريد أن ينتدب منكم ~~إنسان لمناظرة متى في قوله: إنه لا سبل إلى معرفة الحق من الباطل والحجة من ~~الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق واستفدناه من واضعه على ~~مراتبه، فانتدب له أبو سعيد السيرافي وكان فاضلا في علوم غير النجوم وكلمه ~~في ذلك حتى أفحمه وفضحه، قال أبو محمد: وليس هذا موضع التطويل بذكره. # قال الشيخ أبو عمرو: وغير خاف استغناء العقلاء والعلماء قبل واضع المنطق ~~أرسطاطاليس وبعده عن معارفهم الجمة عن تعلم المنطق، وإنما المنطق عندهم ~~بزعمهم آلة قانونية صناعية تعصم الذهن من الخطأ وكل ذي ذهن صحيح منطقي ~~بالطبع قال: فكيف غفل الغزالي عن حال شيخه إمام الحرمين ومن قبله من كل ~~PageV01P185 # إمام هو له مقدم ولمحله في تحقيق الحقائق رافع معظم ثم لم يرفع أحد منهم ~~بالمنطق رأسا ولا بنى عليه في شيء من تصرفاته أسا. # ولقد أتى بخلطه المنطق بأصول الفقه بدعة عظم شؤمها على المتفقهة حتى كثر ~~فيهم المتفلسفة، والله المستعان. # قال: ولأبي عبد الله المازري الفقيه المتكلم الأصولي وكان إماما محققا ~~بارعا في مذهبي مالك والأشعري وله تصانيف في فنون منها شرح الإرشاد ~~والبرهان لإمام ms162 الحرمين، ورسالة يذكر فيها حال الغزالي وحال كتابه الإحياء ~~أصدرها في حال حيدة الغزالية جوابا لما كوتب به من الغرب والشرق في سؤاله ~~عن ذلك عند اختلافهم في ذلك فذكر فيها ما اختصاره أن الغزالي كان قد خاض في ~~علوم وصنف فيها واشتهر بالإمامة في إقليمه حتى تضاءل له المنازعون واستبحر ~~في الفقه وفي أصول الدين وهو بالفقه أعرف. # وأما أصول الدين فليس بالمستبحر فيها شغله عن ذلك قراءته في علوم الفلسفة ~~وأكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني وتسهيلا للهجوم على الحقائق لأن ~~الفلاسفة تمر مع خواطرها وليس لها شرع يزغها ولا تخاف من مخالفة أئمة ~~تتبعها، فلذلك خامره ضرب من الإدلال على المعاني فاسترسل فيها استرسال من ~~لا يبالي بغيره. # قال: وقد عرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على قراءة رسائل إخوان الصفا، ~~وهذه الرسائل هي إحدى وخمسون، كل رسالة مستقلة بنفسها وقد ظن في مؤلفها ~~ظنون، وفي الجملة هو- يعني واضع الرسائل- رجل فيلسوف قد خاض في علوم الشرع ~~فمزج ما بين العلمين وحسن الفلسفة في قلوب أهل الشرع بآيات وأحاديث يذكرها ~~عندها. # ثم إنه كان في هذا الزمان المتأخر فيلسوف يعرف بابن سينا ملأ الدنيا ~~تآليف في علوم الفلسفة وكان ينتمي إلى الشرع ويتحلى بحلية المسلمين وأدته ~~قوته في علم الفلسفة إلى أن تلطف جهده في رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة ~~وتم له من ذلك ما لم يتم لغيره من الفلاسفة. # قال: ووجدت هذا الغزالي يعول عليه في أكثر ما يشير إليه في علوم الفلسفة ~~حتى إنه في بعض الأحايين ينقل نص كلامه من غير تغيير وأحيانا يغيره وينقله ~~إلى الشرعيات أكثر مما ينقل ابن سينا لكونه أعلم بأسرار الشرع منه، فعلى ~~ابن سينا ومؤلف رسائل إخوان الصفا عول الغزالي في علم الفلسفة. # PageV01P186 # قال: وأما مذهب المتصوفة فلست أدري على من عول فيها ولا من ينتسب إليه في ~~علمها، قال: وعندي إنه على أبي حيان التوحيدي الصوفي عول في مذاهب الصوفية. # وقد علمت أن أبا حيان هذا ms163 ألف ديوانا عظيما في هذا الفن، ولم يصل إلينا ~~منه شيء. # ثم ذكر أن في الإحياء فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له مثل ما استحسن في ~~قص الأظافر أن يبدأ بالسبابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها ~~المسبحة ثم بالوسطى لأنها ناحية اليمين ثم باليسرى على هيئة دائرة وكن ~~الأصابع عنده دائرة فإذا أراد أصابعه مر عليها مرور الدائرة ثم يختم بإبهام ~~اليمنى هكذا حدثني به من أثق به عن الكتاب. # قال: فانظر إلى هذا كيف أفاد قراءة الهندسة وعلم الدوائر وأحكامها أن ~~نقله إلى الشرع فأفتى به المسلمين. # قال: وحمل إلى بعض الأصحاب من هذا الإملاء الجزء الأول فوجدته يذكر فيه ~~أن من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن الباري قديم مات مسلما إجماعا، ومن تساهل ~~في حكاية الإجماع في مثل هذا الذي الأقرب أن يكون فيه الإجماع بعكس ما قال ~~فحقيق أن لا يوثق بكل ما ينقل وأن يظن به التساهل في رواية ما لم يثبت عنده ~~صحته. # قال: ثم تكلم المازري في محاسن الإحياء ومذامه ومنافعه ومضاره بكلام طويل ~~ختمه بأن من لم يكن عنده من البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا ~~الكتاب فإن قراءته لا تجوز له، وإن كان فيه ما ينتفع به، ومن كان عنده من ~~العلم ما يأمن على نفسه من غوائل هذا الكتاب ويعلم ما فيه من الرموز فيجتنب ~~مقتضى ظواهرها ويكل أمر مؤلفها إلى الله تعالى، وإن كان كلها تقبل التأويل ~~فقراءته له سائغة به، اللهم إلا أن يكون قارئه ممن يقتدى به ويغتر به فإنه ~~ينهى عن قراءته وعن مدحه والثناء عليه. # قال: ولولا أن علمنا أن إملاءنا هذا إنما يقرؤه الخاصة ومن عنده علم يأمن ~~به على نفسه لم نتبع محاسن هذا الكتاب الثناء ولم نتعرض لذكرها ولكنا نحن ~~أمنا من التغرير، ولئلا يظن أيضا من يتعصب للرجل أنا جانبنا الإنصاف في ~~الكلام على كتابه ويكون اعتقاده هذا فينا سببا لئلا يقبل نصيحتنا. # PageV01P187 # قال الشيخ ms164 أبو عمرو: وهذا آخر ما نقلناه عن المازري. # قلت: ما ذكره المازري في مادة أبي حامد الغزالي من الصوفية فهو كما قال ~~المازري عن نفسه: لم يدر على من عول فيها، ولم يكن للمازري من الاعتناء ~~بكتب الصوفية وأخبارهم ومذاهبهم ما له من الاعتناء بطريقة الكلام وما يتبعه ~~من الفلسفة ونحوها، فلذلك لم يعرف، ولم تكن مادة أبي حامد من كلام أبي حيان ~~التوحيدي وحده بل ولا غالب كلامه منه، فإن أبا حيان تغلب عليه الخطابة ~~والفصاحة وهو مركب من فنون أدبية وفلسفية وكلامية وغير ذلك، وإن كان قد شهد ~~عليه بالزندقة غير واحد وقرنوه بابن الراوندي كما ذكر ذلك ابن عقيل وغيره ~~وإنما كان غالب استمداد أبي حامد من كتاب أبي طالب المكي الذي سماه قوت ~~القلوب، ومن كتب الحارث المحاسبي وغيرها، ومن رسالة القشيري ومن منثورات ~~وصلت إليه من كلام المشايخ، وما نقله في الإحياء عن الأئمة في ذم الكلام ~~فإنه من كتاب أبي عمر بن عبد البر في فضل العلم وأهله «1»، وما نقله من ~~الأدعية والأذكار نقله من كتاب الذكر لابن خزيمة، ولهذا كانت أحاديث هذا ~~الباب جيدة وقد جالس من اتفق له من مشايخ الطرق لكنه يأخذ من كلام الصوفية ~~في الغالب ما يتعلق بالأعمال والأخلاق والزهد والرياضة والعبادة وهي التي ~~يسميها علوم المعاملة. # وأما التي يسميها علوم المكاشفة ويرمز إليها في الإحياء وغيره ففيها ~~يستمد من كلام المتفلسفة وغيرهم كما في مشكاة الأنوار والمضنون به على غير ~~أهله وغير ذلك، وبسبب خلطه التصوف بالفلسفة كما خلط الأصول بالفلسفة صار ~~ينسب إلى التصوف من ليس هو موافقا للمشايخ المقبولين الذين لهم في الأمة ~~لسان صدق رضي الله تعالى عنهم، بل يكون مباينا لهم في أصول الإيمان ~~كالإيمان بالتوحيد والرسالة واليوم الآخر ويجعلون هذه مذاهب الصوفية كما ~~يذكر ذلك ابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وأبو الوليد بن رشد الحفيد، ~~وصاحب خلع العلم، وابن العربي صاحب الفتوحات وفصوص الحكم، وابن سبعين، ~~وأمثال هؤلاء ممن يتظاهر بمذاهب ms165 مشايخ الصوفية وأهل الطريق وهو في التحقيق ~~منافق زنديق ينتهي إلى القول بالحلول والاتحاد، واتباع القرامطة أهل ~~الإلحاد، ومذهب الإباحية الدافعين للأمر والنهي والوعد والوعيد ملاحظين ~~لحقيقة القدر التي لا يفرق فيها بين الأنبياء والمرسلين وبين كل جبار عنيد ~~وقائلين مع ذلك بنوع من الحقائق PageV01P188 # البدعية، غير عارفين بالحقائق الدينية الشرعية ولا سالكين مسلك أولياء ~~الله الذين هم بعد الأنبياء خير البرية فهم في نهاية تحقيقهم يسقطون الأمر ~~والنهي والطاعة والعبادة مشاقين للرسول، متبعين غير سبيل المؤمنين، ~~ويفارقون سبيل أولياء الله المتقين إلى سبيل أولياء الشياطين، ثم يقولون ~~بالحلول والاتحاد، وهو غاية الكفر ونهاية الإلحاد، ولهذا في كلام العارفين ~~كأبي القاسم الجنيد وأمثاله من بيان أن التوحيد هو إفراد الحدوث عن القدم ~~ونحو ذلك. # ومن بيان وجوب اتباع الأمر والنهي ولزوم العبادة إلى الموت ما يبين به أن ~~أولئك السادة المهتدين حذروا من طريق هؤلاء الملحدين، ولهذا نجد هؤلاء كابن ~~عربي وابن سبعين وأمثالهما يردون على مثل الجنيد وأمثاله من أئمة المشايخ ~~ويدعون أنهم ظفروا في التحقيق بنهاية الرسوخ وإنما ظفروا بتحقيق الإلحاد، ~~والدخول في الحلول والاتحاد، وما زال شيوخ الصوفية المؤمنون يحذرون من مثل ~~هؤلاء الملبسين كما حذر أئمة الفقهاء من سبيل أهل البدعة والنفاق من أهل ~~الفلسفة والكلام ونحوهم، حتى ذكر ذلك أبو نعيم «1» الحافظ في أول حلية ~~الأولياء، وأبو القاسم القشيري في رسالته، دع من هو أجل منهما وأعلم منهما ~~بطريق الصوفية وأقل غلطا وأبعد عن الاعتماد على المنقولات الضعيفة ~~والمنقولات المبتدعة، قال أبو نعيم في أول الحلية: # أما بعد أحسن الله تعالى توفيقك فقد استعنت بالله عز وجل وأجبتك إلى ما ~~أبغيت من جمع كتاب يتضمن أسامي جماعة وبعض أحاديثهم وكلامهم من أعلام ~~المحققين من المتصوفة وأئمتهم وترتيب طبقاتهم من النساك ومحجتهم، من قرن ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم ممن عرف الأدلة والحقائق وباشر ~~الأحوال والطرائق وساكن الرياض والحدائق، وفارق العوارض والعلائق، وتبرأ من ~~المنقطعين والمتعمقين، ومن أهل الدعاوى المسوفين، ومن الكسالى والمثبطين، ~~المتشبهين بهم في ms166 اللباس والمقال، والمخالفين لهم في العقيدة والفعال، وذلك ~~لما بلغك من بسط ألسنتنا وألسنة أهل الفقه والأثر في كل الأقطار والأمصار، ~~في المنتسبين إليهم من الفسقة الفجار، والمباحية والحلولية الكفار، وليس ما ~~حل PageV01P189 # بالكذبة من الوقيعة والإنكار، بقادح في منقبة البررة الأخيار، وواضع من ~~درجة الصفوة الأطهار، بل في إظهار البراءة من الكذابين، والنكير على ~~الحشوية البطالين، نزاهة الصادقين، ورفعة المحققين، ولو لم نكشف عن مخازي ~~المبطلين ومساويهم ديانة، للزمنا إبانتها وإشاعتها حمية وصيانة، إذ ~~لأسلافنا في التصوف العلم المنشور، والصيت والذكر المشهور، فقد كان جدي ~~رحمه الله تعالى أحد من يسر الله تعالى به ذكر بعض المنقطعين إليه، وكيف ~~يستجيز نقيصة أولياء الله تعالى ومؤذيهم مؤذن بمحاربة ربه. # ثم أسند حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه البخاري في صحيحه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى قال: من آذى لي وليا» ~~وفي الرواية الأخرى: # «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أفضل من أداء ~~ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته ~~كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله ~~التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني ~~لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض ~~نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه» «1». # قلت: قد ذم أهل العلم والإيمان من أئمة العلم والدين من جميع الطوائف من ~~خرج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال باطنا أو ~~ظاهرا ومدحهم هو لمن وافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ~~موافقا من وجه ومخالفا من وجه كالعاصي الذي يعلم أنه عاص فهو ممدوح من جهة ~~موافقته، مذموم من جهة مخالفته. # وهذا مذهب سلف الأئمة وأئمتها من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل ~~الأسماء والأحكام، والخلاف فيها أول ms167 خلاف حدث في مسائل الأصول حيث كفرت ~~الخوارج بالذنب وجعلوا صاحب الكبيرة كافرا مخلدا في النار، ووافقتهم ~~المعتزلة على زوال جميع إيمانه وإسلامه وعلى خلوده في النار، لكن نازعوهم ~~في الاسم فلم يسموه كافرا بل قالوا: هو فاسق لا مؤمن ولا كافر ننزله منزلة ~~بين المنزلتين، فهم وإن كانوا في الاسم إلى السنة أقرب فهم في الحكم في ~~الآخرة مع الخوارج. # وأصل هؤلاء أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقا للثواب PageV01P190 # والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع ~~حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض ~~الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين، ووافقتهم المرجئة والجهمية ~~على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ~~ولا ينقص وقالوا: إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين، لكن فقهاء ~~المرجئة قالوا: إنه الاعتقاد والقول، وقالوا: إنه لا بد من أن يدخل النار ~~من فساق الملة من شاء الله تعالى كما قالت الجماعة، فكان خلاف كثير من ~~كلامهم للجماعة إنما هو في الاسم لا في الحكم، وقد بسطنا الكلام على ذلك في ~~غير هذا الموضع وبينا الفرق بين دلالة الاسم مفردا ودلالته مقرونا بغيره ~~كاسم الفقير والمسكين فإنه إذا أفرد أحدهما يتناول معنى الآخر كقوله تعالى: ~~للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله «1»، فإنه يدخل فيهم المساكين وقوله ~~تعالى: إطعام عشرة مساكين «2»، فإنه يدخل فيهم الفقراء، وأما إذا قرن ~~بينهما كقوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين «3» فهما صنفان، وكذلك ~~قوله تعالى: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر «4»، يدخل في المعروف كل ~~واجب وفي المنكر كل قبيح، والقبائح هي السيئات وهي المحظورات كالشرك والكذب ~~والظلم والفواحش. # فإذا قال: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر «5» وقال: وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي «6» فخص بعض أنواع المنكر بالذكر وعطف أحدهما على الآخر ~~صارت دلالة اللفظ عليه نصا مقصودا بطريق المطابقة بعد أن كانت بطريق العموم ~~والتضمن سواء قيل إنه داخل في اللفظ العام أيضا ms168 فيكون مذكورا مرتين أو قيل ~~إنه باقترانه بالاسم العام تبين أنه لم يدخل في الاسم العام لتغيير الدلالة ~~بالإفراد والتجرد بالافتراق والاجتماع كما قدمنا، وهكذا اسم الإيمان فإنه ~~تارة يذكر مفردا مجردا لا يقرن بالعمل الواجب فيدخل فيه العمل الواجب تضمنا ~~ولزوما، وتارة يقرن بالعمل فيكون العمل حينئذ مذكورا بالمطابقة والنص ولفظ ~~الإيمان يكون مسلوب الدلالة عليه حال الاقتران أو دالا عليه كما في قوله ~~تعالى: والذين PageV01P191 # يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة «1»، وقوله سبحانه لموسى عليه السلام: ~~إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) «2» وقوله ~~تعالى: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة «3» ونظائر ذلك كثيرة. # فالأعمال داخلة في الإيمان تضمنا، ولزوما في مثل قوله سبحانه: إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) ~~أولئك هم المؤمنون حقا «4». # وفي مثل قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) ~~«5»، وقوله عز وجل: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه «6»، وأمثال ذلك من الكتاب والسنة. # ومن استقرأ ذلك علم أن الاسم الشرعي كالإيمان، والصلاة والوضوء والصيام ~~لا ينفيه الشارع عن شيء إلا لانتفاء ما هو واجب فيه لا لانتفاء ما هو مستحب ~~فيه، وأما قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ~~(7) «7» ونحو ذلك فالعمل مخصوص بالذكر، إما توكيد وإما لأن الاقتران لا ~~يغير دلالة الاسم فهذا موقف يزول فيه كثير من النزاع اللفظي في ذلك، وأيضا ~~فإن الإيمان يتنوع بتنوع ما أمر الله تعالى به العبد فحين بعث الرسول لم ~~يكن الإيمان الواجب ولا الإقرار ولا العمل مثل الإيمان الواجب في آخر ~~الدعوة فإنه لم يكن يجب إذ ذاك الإقرار بما أنزله الله تعالى بعد ذلك من ~~الإيجاب والتحريم والخبر ولا العمل بموجب ذلك، بل كان الإيمان الذي ms169 أوجبه ~~الله تعالى يزيد شيئا فشيئا كما كان القرآن ينزل شيئا فشيئا، والدين يظهر ~~شيئا فشيئا حتى أنزل الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا «8». PageV01P192 # وكذلك العبد أول ما يبلغه خطاب الرسول عليه أكمل الصلاة وأكمل السلام ~~إنما يجب عليه الشهادتان، فإذا مات قبل أن يدخل عليه وقت الصلاة لم يجب ~~عليه شيء غير الإقرار، ومات مؤمنا كامل الإيمان الذي وجب عليه وإن كان ~~إيمان غيره الذي دخلت عليه الأوقات أكمل منه فهذا إيمانه ناقص كنقص دين ~~النساء حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكن ناقصات عقل ودين، أما ~~نقصان عقلكن فشهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، وأما نقصان دينكن فإن إحداكن ~~إذا حاضت لم تصل» «1» ومعلوم أن الصلاة حينئذ ليس واجبة عليها، وهذا نقص لا ~~تلام عليه المرأة، لكن من جعل كاملا كان أفضل منها بخلاف من نقص شيئا مما ~~وجب عليه، فصار النقص في الدين والإيمان نوعين نوعا لا يذم العبد عليه ~~لكونه لم يجب عليه لعجزه عنه حسا أو شرعا، وإما لكونه مستحبا ليس بواجب، ~~ونوعا يذم عليه وهو ترك الواجبات. # فقول النبي صلى الله عليه وسلم لجارية معاوية بن الحكم السلمي لما قال ~~لها: «أين الله»؟ # قالت: في السماء، قال: «من أنا» قالت: أنت رسول الله، قال: «اعتقها فإنها ~~مؤمنة» «2». ليس فيه حجة على أن من وجبت عليه العبادات فتركها وارتكب ~~المحظورات يستحق الاسم المطلق كما استحقته هذه التي لم يظهر منها بعد ترك ~~مأمور ولا فعل محظور، ومن عرف هذا تبين أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهذه إنها مؤمنة لا ينافي قوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» «3». # فإن ذلك نفي عنه الاسم لانتفاء بعض ما يجب عليه من ترك هذه الكبائر وتلك ~~لم تترك واجبا تستحق بتركه أن تكون هكذا، ويتبع هذا أن من آمن بما جاء ~~PageV01P193 # به الرسل مجملا ثم ms170 بلغه مفصلا فأقر به مفصلا وعمل به كان قد زاد ما عنده ~~من الدين والإيمان بحسب ذلك. # ومن أذنب ثم تاب أو غفل ثم ذكر أو فرط ثم أقبل فإنه يزيد دينه وإيمانه ~~بحسب ذلك، كما قال من قال من الصحابة كعمير بن حبيب الخطمي وغيره: # الإيمان يزيد وينقص، قيل له: فما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا حمدنا الله ~~وذكرناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وأضعنا فذلك نقصانه «1». # فذكر زيادته بالطاعات وإن كانت مستحبة ونقصانه بما أضاعه من واجب وغيره، ~~وأيضا فإن تصديق القلب يتبعه عمل القلب، فالقلب إذا صدق بما يستحقه الله ~~تعالى من الألوهية وما يستحقه الرسول من الرسالة تبع ذلك لا محالة محبة ~~الله سبحانه ورسوله عليه الصلاة والسلام وتعظيم الله عز وجل ورسوله، ~~والطاعة لله تعالى ورسوله أمر لازم لهذا التصديق لا يفارقه إلا لعارض من ~~كبر أو حسد أو نحو ذلك من الأمور التي توجب الاستكبار عن عبادة الله تعالى ~~والبغض لرسوله عليه الصلاة والسلام ونحو ذلك من الأمور التي توجب الكفر ~~ككفر إبليس وفرعون وقومه واليهود وكفار مكة وغير هؤلاء من المعاندين ~~والجاحدين. # ثم هؤلاء إذا لم يتبعوا التصديق بموجبه من عمل القلب واللسان وغير ذلك ~~فإنه قد يطبع على قلوبهم حتى يزول عنها التصديق كما قال تعالى: وإذ قال ~~موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم «2»، فهؤلاء كانوا عالمين فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ~~وقال موسى لفرعون: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ~~«3»، وقال تعالى: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار «4» إلى قوله ~~سبحانه: وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في ~~تباب «5». # قال تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما ~~الآيات عند الله PageV01P194 # وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) «1»، فبين سبحانه أن ms171 ~~مجيء الآيات لا يوجب الإيمان بقوله تعالى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم «2» أي فتكون هذه الأمور الثلاثة: أن ~~لا يؤمنوا وأن نقلب أفئدتهم وأبصارهم، وأن نذرهم في طغيانهم يعمهون؛ أي وما ~~يدريكم أن الآيات إذا جاءت تحصل هذه الأمور الثلاثة، وبهذا المعنى تبين أن ~~قراءة الفتح أحسن وأن من قرأ «أن» المفتوحة بمعنى «لعل» فظن أن قوله: ونقلب ~~أفئدتهم كلام مبتدأ لم يفهم معنى الآية، وإذا جعل ونقلب أفئدتهم داخلا في ~~خبر أن تبين معنى الآية، فإن كثيرا من الناس يؤمنون ولا تقلب قلوبهم لكن قد ~~يحصل تقليب أفئدتهم وأبصارهم وقد لا يحصل أي فما يدريكم أنهم لا يؤمنون، ~~والمراد وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون بل نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة، والمعنى وما يدريكم أن الأمر بخلاف ما تظنونه من ~~إيمانهم عند مجيء الآيات ونذرهم في طغيانهم يعمهون فيعاقبون على ترك ~~الإيمان أول مرة بعد وجوبه عليهم إما لكونهم عرفوا الحق وما أقروا به أو ~~تمكنوا من معرفته فلم يطلبوا معرفته ومثل هذا كثير. # والمقصود هنا: أن ترك ما يجب من العمل بالعلم الذي هو مقتضى التصديق، ~~والعلم قد يفضي إلى سلب التصديق، والعلم كما قيل: # العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل «3». # وكما قيل: كنا نستعين على حفظ العمل بالعمل به «4». # فما في القلب من التصديق بما جاء به الرسول إذا لم يتبعه موجبه ومقتضاه ~~من العمل قد يزول إذ وجود العلة يقتضي وجود المعلول، وعدم المعلول يقتضي ~~عدم العلة، فكما أن العلم والتصديق سبب للإرادة والعمل فعدم الإرادة والعمل ~~سبب لعدم العلم والتصديق، ثم إن كانت العلة تامة فعدم المعلول دليل يقتضي ~~عدمها. # وإن كانت سببا قد يتخلف معلولها كان له بخلفه أمارة على عدم المعلول قد ~~يتخلف مدلولها، وأيضا فالتصديق الجازم في القلب يتبعه موجبه بحسب الإمكان ~~PageV01P195 # كالإرادة الجازمة في القلب فكما إن الإرادة الجازمة في القلب إذا اقترنت ~~بها القدرة حصل بها المراد أو المقدور ms172 من المراد لا محالة كانت القدرة ~~حاصلة ولم يقع الفعل كان الحاصل هي لا إرادة جازمة وهذا هو الذي عفي عنه. # فكذلك التصديق الجازم إذا حصل في القلب تبعه عمل من عمل القلب لا محالة ~~لا يتصور أن ينفك عنه بل يتبعه الممكن من عمل الجوارح فمتى لم يتبعه شيء من ~~عمل القلب علم أنه ليس بتصديق جازم فلا يكون إيمانا لكن التصديق الجازم قد ~~لا يتبعه عمل القلب بتمامه لعارض من الأهواء كالكبر والحسد ونحو ذلك من ~~أهواء النفس لكن الأصل أن التصديق يتبعه الحب وإذا تخلف الحب كان لضعف ~~التصديق الموجب له، ولهذا قال الصحابة: كل من يعص الله فهو جاهل. # وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا. # ولهذا كان التكلم بالكفر من غير إكراه كفرا في نفس الأمر عند الجماعة ~~وأئمة الفقهاء حتى المرجئة خلافا للجهمية ومن اتبعهم، ومن هذا الباب سب ~~الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وبغضه، وسب القرآن وبغضه، وكذلك سب الله ~~سبحانه وبغضه ونحو ذلك مما ليس من باب التصديق والحب والتعظيم والموالاة بل ~~من باب التكذيب والبغض والمعاداة والاستخفاف. # ولما كان إيمان القلب له موجبات في الظاهر كان الظاهر دليلا على إيمان ~~القلب ثبوتا وانتفاء كقوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله «1» وقوله عز وجل: ولو كانوا يؤمنون بالله ~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء «2» وأمثال ذلك. # وبعد هذا فنزاع المنازع في أن الإيمان في اللغة هو اسم لمجرد التصديق دون ~~مقتضاه أو اسم للأمرين يؤول إلى نزاع لفظي، وقد يقال أن الدلالة تختلف ~~بالإفراد والاقتران والناس منهم من يقول أن أصل الإيمان في اللغة التصديق ~~ثم يقول والتصديق يكون باللسان ويكون بالجوارح، والقول يسمى تصديقا والعمل ~~يسمى تصديقا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «العينان تزنيان وزناهما ~~النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني ~~وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» «3». ~~PageV01P196 # وقال الحسن البصري: ms173 ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن بما وقر في ~~القلب وصدقه العمل. # ومنهم من يقول بل الإيمان هو الإقرار وليس هو مرادفا للتصديق، فإن ~~التصديق يقال على كل خبر عن شهادة أو غيب، وأما الإيمان فهو أخص منه فإنه ~~قد قيل لخبر إخوة يوسف وما أنت بمؤمن لنا وقيل: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ~~إذ الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام تصديق به والإيمان له تصديق له في ~~ذلك الخبر وهذا في المخبر ويقال لمن قال: الواحد نصف الاثنين والسماء فوق ~~الأرض: قد صدقت، ولا يقال: آمنت له، ويقال: أصدق بهذا ولا يقال: أؤمن به، ~~إذ لفظ الإيمان أفعال من الأمن فهو يقتضي طمأنينة وسكونا فيما من شأنه أن ~~يستريب فيه القلب ويخفق ويضطرب وهذا إنما يكون في الإخبار بالمغيبات لا ~~بالمشاهدات. # والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة ~~خلافهم مع أهل السنة يسير وبعضه لفظي ولم يعرف بين الأئمة المشهورين ~~بالفتيا خلاف إلا في هذا فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي ~~سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة، وأما قول الجهمية وهو أن ~~الإيمان مجرد تصديق القلب دون اللسان فهذا لم يقله أحد من المشهورين ~~بالإمامة، ولا كان قديما فيضاف هذا إلى المرجئة، وإنما وافق الجهمية عليه ~~طائفة من المتأخرين من أصحاب الأشعري. # وأما ابن كلاب فكلامه يوافق كلام المرجئة لا الجهمية وآخر الأقوال حدوثا ~~في ذلك قول الكرامية أن الإيمان اسم للقول باللسان وإن لم يكن معه اعتقاد ~~القلب، وهذا القول أفسد الأقوال لكن أصحابه لا يخالفون في الحكم فإنهم ~~يقولون إن هذا الإيمان باللسان دون القلب هو إيمان المنافقين، وأنه لا ينفع ~~في الآخرة وإنما أوقع هؤلاء كلهم ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن ~~الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله ومذهب أهل السنة والجماعة أنه ~~يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يخرج ~~من النار من كان في قلبه ms174 مثقال ذرة من الإيمان» «1». PageV01P197 # فالأقوال في ذلك ثلاثة: الخوارج والمعتزلة نازعوا في الاسم والحكم فلم ~~يقولوا بالتبعيض لا في الاسم ولا في الحكم فرفعوا عن صاحب الكبيرة بالكلية ~~اسم الإيمان وأوجبوا له الخلود في النيران، وأما الجهمية والمرجئة فنازعوا ~~في الاسم لا في الحكم فقالوا يجوز أن يكون مثابا معاقبا محمودا مذموما لكن ~~لا يجوز أن يكون معه بعض الإيمان دون بعض وكثير من المرجئة والجهمية من يقف ~~في الوعيد فلا يجزم بنفوذ الوعيد في حق أحد من أرباب الكبائر كما قال ذلك ~~من قاله من مرجئة الشيعة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره، ويذكر عن غلاتهم ~~أنهم نفوا الوعيد بالكلية لكن لا أعلم معينا معروفا أذكر عنه هذا القول، ~~ولكن حكي هذا عن مقاتل بن سليمان والأشبه أنه كذب عليه. # وأما أئمة السنة والجماعة: فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم فيكون مع ~~الرجل بعض الإيمان لا كله ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه ~~كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه، وولاية الله تعالى بحسب إيمان العبد ~~وتقواه، فيكون مع العبد من ولاية الله تعالى بحسب ما معه من الإيمان ~~والتقوى فإن أولياء الله هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى: ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) «1». # وعلى هذا فالمتأول الذي أخطأ في تأويله في المسائل الخبرية والأمرية وإن ~~كان في قوله بدعة يخالف بها نصا أو إجماعا قديما وهو لا يعلم أنه يخالف ذلك ~~بل قد أخطأ فيه كما يخطئ المفتي والقاضي في كثير من مسائل الفتيا والقضاء ~~باجتهاده؛ يكون أيضا مثابا من جهة اجتهاده الموافق لطاعة الله تعالى غير ~~مثاب من جهة ما أخطأ فيه وإن كان معفوا عنه، ثم قد يحصل فيه تفريط في ~~الواجب أو اتباع لهوى يكون ذنبا منه، وقد يقوى فيكون كبيرة وقد تقوم عليه ~~الحجة التي بعث الله عز وجل بها رسله ويعاندها مشاقا للرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى متبعا ms175 غير سبيل المؤمنين فيكون مرتدا منافقا أو مرتدا ردة ظاهرة، ~~فالكلام في الأشخاص لا بد فيه من هذا التفصيل، وأما الكلام في أنواع ~~الأقوال والأعمال باطنا وظاهرا من الاعتقاد والإرادات وغير ذلك فالواجب ~~فيما تنوزع في ذلك أن يرد إلى الله والرسول فما وافق الكتاب والسنة فهو حق، ~~وما خالفهما فهو باطل، وما وافقهما من وجه دون وجه فهو ما اشتمل على حق ~~وباطل فهذا هو. PageV01P198 # والمقصود هنا: أن أهل العلم والإيمان في تصديقهم لما يصدقون به وتكذيبهم ~~لما يكذبون به وحمدهم لما يحمدونه وذمهم لما يذمونه متفقون على هذا الأصل ~~فلهذا يوجد أئمة أهل العلم والدين من المنتسبين إلى الفقه والزهد يذمون أهل ~~البدع المخالفة للكتاب والسنة في الاعتقادات والأعمال من أهل الكلام والرأي ~~والزهد والتصوف ونحوهم وإن كان في أولئك من هو مجتهد له أجر على اجتهاده ~~وخطؤه مغفور له. # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: «خير القرون ~~القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «1». # فكان القرن الأول من كمال العلم والإيمان على حال لم يصل إليها القرن ~~الثاني، وكذلك الثالث وكان ظهور البدع والنفاق بحسب البعد عن السنن ~~والإيمان، وكلما كانت البدعة أشد تأخر ظهورها، وكلما كانت أخف كانت إلى ~~الحدوث أقرب، فلهذا حدث أولا بدعة الخوارج والشيعة ثم بدعة القدرية ~~والمرجئة وكان آخر ما حدث بدعة الجهمية حتى قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط ~~وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، إن الجهمية ليسوا من الثنتين ~~والسبعين فرقة بل هم زنادقة، وهذا مع أن كثيرا من بدعهم دخل فيها قوم ليسوا ~~بزنادقة بل قبلوا كلام الزنادقة جهلا وخطأ، قال الله تعالى: لو خرجوا فيكم ~~ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم «2» ~~فأخبر سبحانه أن في المؤمنين من هو مستجيب للمنافقين فما يقع فيه بعض أهل ~~الإيمان من أمور بعض المنافقين، هو من هذا الباب. # والمقصود هنا: أن يعلم أنه لم يزل في ms176 أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ~~من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن أمته لا تبقى على ضلالة بل إذا وقع ~~منكر من لبس حق بباطل أو غير ذلك، فلا بد أن يقيم الله تعالى من يميز ذلك ~~فلا بد من بيان ذلك ولا بد من إعطاء الناس حقوقهم كما قالت عائشة رضي الله ~~عنها: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم» رواه ~~أبو داود وغيره «3». # وهذا الموضع لا يحتمل من السعة وكلام الناس في مثل هذه الأمور التي ~~PageV01P199 # وقعت ممن وقعت منه؛ بل المقصود التنبيه على جمل ذلك لأن هذا محتاج إليه ~~في هذه الأوقات، فكتب الزهد والتصوف فيها من جنس ما في كتب الفقه والرأي ~~وفي كلاهما منقولات صحيحة وضعيفة بل وموضوعة، ومقالات صحيحة وضعيفة بل ~~وباطلة، وأما كتب الكلام ففيها من الباطل أعظم من ذلك بكثير بل فيها أنواع ~~من الزندقة والنفاق. # وأما كتب الفلسفة فالباطل غالب عليها بل الكفر الصريح كثير فيها وكتاب ~~الإحياء له حكم نظائره ففيه أحاديث كثيرة صحيحة وأحاديث كثيرة ضعيفة أو ~~موضوعة، فإن مادة المصنف في الحديث والآثار وكلام السلف وتفسيرهم للقرآن ~~مادة ضعيفة، وأجود ماله من المواد المادة الصوفية، ولو سلك فيها مسلك ~~الصوفية أهل العلم بالآثار النبوية واحترز عن تصوف المتفلسفة الصابئين لحصل ~~مطلوبه ونال مقصوده، لكنه في آخر عمره سلك هذا السبيل، وأحسن ما في كتابه ~~أو أحسن ما فيه ما يأخذه من كتاب أبي طالب في مقامات العارفين ونحو ذلك فإن ~~أبا طالب أخبر بذوق الصوفية حالا وأعلم بكلامهم وآثارهم سماعا وأكثر مباشرة ~~لشيوخهم الأكابر. # والمقصود هنا: أن طرق العلم بصدق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بل ~~وتفاوت الطرق في معرفة قدر النبوة والنبي متعددة تعددا كثيرا إذ النبي يخبر ~~عن الله سبحانه أنه قال ذلك إما إخبارا من الله تعالى وإما أمرا أو نهيا ~~ولكل من حال المخبر عنه والمخبر به بل ومن حال المخبرين- مصدقهم ومكذبهم- ~~دلالة على المطلوب سوى ما ينفصل عن ms177 ذلك من الخوارق وأخبار الأولين والهواتف ~~والكهان وغير ذلك، فالمخبر مطلقا يعلم صدقه وكذبه أمور كثيرة لا يحصل العلم ~~بآحادها كما يحصل العلم بمخبر الأخبار المتواترة بل بمخبر الخبر الواحد ~~الذي احتف بخبره قرائن أفادت العلم. # ومن هذا الباب علم الإنسان بعدالة الشاهد والمحدث والمفتي حتى يزكيهم ~~ويفتي بخبرهم ويحكم بشهادتهم وحتى لا يحتاج الحاكم في عدالة كل شاهد إلى ~~تزكيته فإنه لو احتاج كل مزك إلى مزكي لزم التسلسل، بل يعلم صدق الشخص تارة ~~باختباره ومباشرته، وتارة باستفاضة صدقه بين الناس، ولهذا قال العلماء: إن ~~التعديل لا يحتاج إلى بيان السبب فإن كون الشخص عدلا صادقا لا يكذب لا ~~يتبين بذكر شيء معين بخلاف الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسرا عند جمهور العلماء ~~لوجهين: # أحدهما: أن سبب الجرح ينضبط. # PageV01P200 # الثاني: أنه قد يظن ما ليس بجرح جرحا، وأما كونه صادقا متحريا للصدق لا ~~يكذب فهذا لا يعرف بشيء واحد حتى يخبر به وإنما يعرف ذلك من خلقه وعادته ~~بطول المباشرة له والخبرة له، ثم إذا استفاض ذلك عند عامة من يعرفه كان ذلك ~~طريقا للعلم لمن لم يباشره كما يعرف الإنسان عدل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد ~~العزيز وظلم الحجاج. # ولهذا قال الفقهاء: إن العدالة والفسق يثبتان بالاستفاضة وقالوا في الجرح ~~المفسر يجرحه بما رآه أو سمعه أو استفاض عنه، وصدق الإنسان في العادة ~~مستلزم لخصال البر كما أن كذبه مستلزم لخصال الفجور كما ثبت في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن ~~البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله ~~صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى ~~النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» «1». # وكما أن الخبر المتواتر يعلم لكونه خبر من يمتنع في العادة اتفاقهم ~~وتواطؤهم على الكذب، والخبر المنكر المكذب يعلم لكونه لم يخبر به من يمتنع ~~في العادة اتفاقهم على ms178 الكتمان فخلق الشخص وعادته في الصدق والكذب يمتنع في ~~العادة أن يخفى على الناس فلا يوجد أحد يظهر تحري الصدق وهو يكذب إذا أراد ~~إلا ولا بد أن يتبين كذبه، فإن الإنسان حيوان ناطق فالكلام له وصف لازم ~~ذاتي لا يفارقه، والكلام إما خبر وإما إنشاء والخبر أكثر من الإنشاء وأصل ~~له كما أن العلم أعم من الإرادة وأصل لها والمعلوم أعظم من المراد، فالعلم ~~يتناول الموجود والمعدوم والواجب والممكن والممتنع وما كان وما سيكون وما ~~يختاره العالم وما لا يختاره. # وإما الإرادة فتختص ببعض الأمور دون بعض والخبر يطابق العلم فكل ما يعلم ~~يمكن الخبر به، والإنشاء يطابق الإرادة، فإن الأمر إما محبوب يؤمر به أو ~~مكروه ينهى عنه، وأما ما ليس بمحبوب ولا مكروه فلا يؤمر به ولا ينهى عنه ~~وإذا كان كذلك فالإنسان إذا كان متحريا للصدق عرف ذلك منه وإذا كان يكذب ~~أحيانا لغرض من الأغراض لجلب ما يهواه أو دفع ما يبغضه أو غير ذلك، فإن ذلك ~~لا بد أن يعرف منه، وهذا أمر جرت به العادات كما جرت بنظائره فلا تجد أحدا ~~بين طائفة من الطوائف طالت مباشرتهم له إلا وهم يعرفونه هل يكذب أو لا ~~يكذب؟ PageV01P201 # ولهذا كان من سنة القضاة إذا شهد عندهم من لا يعرفونه كان لهم أصحاب ~~مسائل يسألون عنه جيرانه ومعامليه ونحوهم ممن له به خبرة فمن خبر شخصا خبرة ~~باطنة فإنه يعلم من عادته علما يقينيا أنه لا يكذب لا سيما في الأمور ~~العظام، ومن خبر عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وسفيان الثوري ومالك بن ~~أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وأضعاف أضعافهم ~~حصل عنده علم ضروري من أعظم العلوم الضرورية أن الواحد من هؤلاء لا يتعمد ~~الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تواترت عنه أخبارهم من أهل ~~زماننا وغيرهم حصل له هذا العلم الضروري ولكن قد يجوز على أحدهم الغلط الذي ~~يليق به، ثم خبر الفاسق والكافر ms179 بل ومن عرف الكذب قد تقترن به قرائن تفيد ~~علما ضروريا أن المخبر صادق في ذلك الخبر فكيف ممن عرف منه الصدق في ~~الأشياء فمن كان خبيرا بحال النبي صلى الله عليه وسلم مثل زوجته خديجة ~~وصديقه أبي بكر إذا أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه أو سمعه حصل له ~~علم ضروري بأنه صادق في ذلك ليس هو كاذبا في ذلك ثم أن النبي لا بد أن يحصل ~~له علم ضروري بأن ما أتاه صادق أو كاذب فيصير إخباره عما علمه بالضرورة ~~كأخبار أهل التواتر عما علموه بالضرورة. # وأيضا فالمتنبئ الكذاب كمسيلمة والعنسي ونحوهما يظهر لمخاطبه من كذبه في ~~أثناء الأمور أعظم ما يظهر من كذب غيره فإنه إذا كان الإخبار عن الأمور ~~المشاهدة لا بد أن يظهر فيه كذب الكاذب فما الظن بمن يخبر عن الأمور ~~الغائبة التي تطلب منه، ومن لوازم النبي التي لا بد منها الإخبار عن الغيب ~~الذي أنبأ الله تعالى به فإن لم يخبر عن غيب لا يكون نبيا فإذا أخبرهم ~~المتنبئ عن الأمور الغائبة عن حواسهم من الحاضرات والمستقبلات والماضيات ~~فلا بد أن يكذب فيها ويظهر لهم كذبه، وإن كان قد يصدق أحيانا في شيء كما ~~يظهر كذب الكهان والمنجمين ونحوهم وكذب المدعين للدين والولاية والمشيخة ~~بالباطل فإن الواحد من هؤلاء وإن صدق في بعض الوقائع فلا بد أن يكذب في ~~غيرها بل يكون كذبه أغلب من صدقه بل تتناقض أخباره وأوامره، وهذا أمر جرت ~~به سنة الله التي لن تجد لها تبديلا قال تعالى: ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا «1». # وأما النبي الصادق المصدوق فهو فيما يخبر به عن الغيوب توجد أخباره صادقة ~~مطابقة وكلما زادت أخباره ظهر صدقه، وكلما قويت مباشرته وامتحانه ظهر صدقه ~~كالذهب الخالص الذي كلما سبك خلص وظهر جوهره بخلاف المغشوش PageV01P202 # فإنه عند المحنة ينكشف ويظهر أن باطنه خلاف ظاهره، ولهذا جاء في النبوات ~~المتقدمة أن الكذاب لا يدوم أمره أكثر من مدة ms180 قليلة إما ثلاثين سنة وإما ~~أقل فلا يوجد مدعي النبوة كذبا إلا ولا بد أن ينكشف ستره ويظهر أمره، ~~والأنبياء الصادقون لا يزال يظهر صدقهم بل الذين يظهرون العلم ببعض الفنون ~~والخبرة ببعض الصناعات والصلاح والدين والزهد لا بد أن يتميز هذا من هذا ~~وينكشف، فالصادقون يدوم أمرهم، والكذابون ينقطع أمرهم، هذا أمر جرت به ~~العادة وسنة الله التي لن تجد لها تبديلا. # وأما المخبر عنه وبه كالنبي يخبر عن الله تعالى بأنه أخبر بكذا أو أنه ~~أمر بكذا فلا بد أن يكون خبره صدقا وأمره عدلا قال تعالى: وتمت كلمة ربك ~~صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) «1» والأمور التي يخبر ~~بها ويأمر بها تارة تنبه العقول على الأمثال والأدلة العقلية التي يعلم بها ~~صحتها فيكون ما علمته العقول بدلالته وإرشاده من الحق الذي أخبر به، والخبر ~~الذي أمر به شاهد بأنه هاد ومرشد معلم للخبر ليس بمضل ولا مغو ولا معلم ~~للشر، وهذه حال الصادق البر دون الكاذب الفاجر، فإن الكاذب الفاجر لا يتصور ~~أن يكون ما يأمر به عدلا وما يخبر به حقا وإذا كان أحيانا يخبر ببعض الأمور ~~الغائبة كشيطان يقرن به يلقي إليه ذلك أو غير ذلك فلا بد أن يكون كاذبا ~~فاجرا كما قال تعالى: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل ~~أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) «2». # وهذا بيان لأن الذي يأتيه ملك لا شيطان، فإن الشيطان لا ينزل على الصادق ~~البار ما دام صادقا بارا إذ لا يحصل مقصوده بذلك وإنما ينزل على من يناسبه ~~في التشطين وهو الكاذب الأثيم، والأثيم الفاجر. # وتارة يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمور ويأمر بأمور لا يتبين للعقول ~~صدقها ومنفعتها في أول الأمر، فإذا صدق الإنسان خبره وأطاع أمره وجد في ذلك ~~من البيان للحقائق والمنفعة والفوائد ما يعلم به أن عنده من عظيم العلم ~~والصدق والحكمة ما لا يعلمه إلا الله تعالى أعظم ما يتبين به صدق الطبيب ~~إذا استعمل ما ms181 يصفه من الأدوية، وصدق العقل المشير إذا استعمل ما يراه من ~~الآراء وأمثال ذلك، وحينئذ فيحصل للنفوس علم ضروري بكمال عقله وصدقه فإذا ~~أخبر بعد ذلك عن أمور ضرورية يراها أو يسمعها حصل للنفوس علم ضروري بأنه ~~صادق لا يتعمد الكذب وأنه PageV01P203 # متيقن لما أخبر به ليس فيه خطأ ولا غلط أعظم ما يتبين به صدق من أخبر عما ~~رآه من الرؤيا أو عما رآه من العجائب وأمثال ذلك، فإن الخبر إنما تأتيه ~~الآفة من تعمد الكذب أو الخطأ بأن يظن الأمر على خلاف ما هو عليه فإن كان ~~من العلوم الضرورية التي كلما دامت قويت وظهرت وزادت زال احتمال الخطأ وما ~~كان يتحرى الصدق الذي يعلم معه بالضرورة انتفاء تعمد الكذب هو وغيره من ~~الأمور التي يعلم معها انتفاء تعمد الكذب ويزول معه احتمال تعمده، وأما ~~العلم بالعدل فيما يؤمر به وبالعدل الفاضل فيما يأمره فهذا يعلم تارة مما ~~نبينه من الأدلة العقلية ونضربه من الأمثال وهذا هو الغالب على ما يذكره ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أصول الدين علما وعملا وتارة يظهر ذلك ~~بالتجربة والامتحان وتارة يستدل بما علم على ما يعلم. # وأيضا فقد علم أن العالم ما زال فيه نبوة من آدم عليه السلام إلى سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم فالنبي الثاني يعلم صدقه بأمور منها إخبار النبي ~~الأول به كما بشر بنبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام الأنبياء من ~~قبله، وكذلك بشر بالمسيح الأنبياء من قبله. # وتارة يعلم صدقه بأن يأتي بمثل ما أتوا به من الخبر والأمر فإن الكذاب ~~الفاجر لا يتصور أن يكون في أخباره وأوامره موافقا للأنبياء بل لا بد أن ~~يخالفهم في الأصول الكلية التي اتفق عليها الأنبياء كالتوحيد والنبوات ~~والمعاد كما أن القاضي الجاهل أو الظالم لا بد أن يخالف سنة القضاة ~~العالمين العادلين، وكذلك المفتي الجاهل أو الكاذب، والطبيب الكاذب أو ~~الجاهل فإن كل هؤلاء لا بد أن يتبين كذبهم أو جهلهم بمخالفتهم لما مضت به ~~سنة أهل ms182 العلم والصدق، وإن كان قد يخالف بعضهم بعضا في أمور اجتهادية فإنه ~~يعلم الفرق بين ذلك وبين المخالفة في الأصول الكلية التي لا يمكن انخرامها ~~ولهذا يتميز للناس في الأمراء والحكام والمفتين والمحدثين والأطباء وسائر ~~الأصناف بين العالم الصادق وإن خالف غيره من أهل العلم في الصدق في أشياء ~~وبين من يكون جاهلا أو كاذبا ظالما ويفرقون بين هذا وهذا كما أنهم يعلمون ~~من سيرة أبي بكر وعمر من العلم والعدل ما لا يرتابون فيه وإن كان بينهما ~~منازعات في أمور اجتهادية كالتفضيل في العطاء ونحو ذلك. # وأيضا فإذا أخبر اثنان عن قضية طويلة ذات أجزاء وشعب لم يتواطآ عليها ~~ويمتنع في العادة اتفاقهما فيها على تعمد الكذب والخطأ علمنا صدقهما مثل أن ~~يشهد رجلان واقعة من وقائع الحروب أو يشهدا الجمعة أو العيد أو موت ملك أو # PageV01P204 # تغير دولة ونحو ذلك أو يشهدا خطبة خطيب أو كتابا لبعض الولاة أو يطالعا ~~كتابا من الكتب أو يحفظاه ونعلم أنهما لم يتواطآ ثم يجيء أحدهما فيخبر بذلك ~~كله مفصلا شيئا فشيئا من غير تواطؤ فيعلم أنهما صادقان ويخبر الآخر بمثل ما ~~أخبر به الأول مفصلا شيئا فشيئا من غير تواطؤ فيعلم أنهما صادقان حتى لو ~~كان رجلان يحفظان بعض قصائد العرب كقصيدة امرئ القيس أو غيرها وهناك من لا ~~يحفظها، وهناك شخصان لا يعرف أحدهما الآخر فقال الذي لا يحفظها لأحدهما: # أنشدنيها فأنشدها، ثم طلب الآخر وقال له: أنشدنيها فأنشدها كما أنشدها ~~الأول علم المستمع أنها هي هي، بل وكذلك كتب الفقه والحديث واللغة والطب ~~وغير ذلك، ولو بعث بعض الملوك رسلا إلى أمرائه ونوابه في أمر من الأمور ثم ~~أخبر أحد الرسولين بأنه أمر بأمر ذكره وفصله وأخبر الآخر بمثل ذلك للقوم ~~الذين أرسل إليهم من غير علم منه بإرسال الآخر لعلم قطعا أن ذلك الأمر هو ~~الذي أمر به المرسل وأنهما صادقان فإنه يعلم علما ضروريا أنه يمتنع في ~~الكذب والخطأ أن يتفق في مثل هذا. # ومعلوم أن موسى ms183 عليه السلام وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ~~كانوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبروا عن الله سبحانه وتعالى ~~من توحيده وأسماءه وصفاته وملائكته وأمره ونهيه ووعده ووعيده وإرساله بما ~~أخبروا به، ومعلوم أيضا لمن علم حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~رجلا أميا نشأ بين قوم أميين ولم يكن يقرأ كتابا ولا يكتب بخطه كما قال ~~تعالى: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ~~(48) «1» وأن قومه الذين نشأ بينهم لم يكونوا يعلمون علوم الأنبياء بل ~~كانوا من أشد الناس شركا وجهلا وتبديلا وتكذيبا بالمعاد، وكانوا من أبعد ~~الأمم عن توحيد الله سبحانه، ومن أعظم الأمم إشراكا بالله عز وجل، ثم إذا ~~تدبرت القرآن والتوراة وجدتهما يتفقان في عامة المقاصد الكلية من التوحيد ~~والنبوات والأعمال الكلية وسائر الأسماء والصفات ومن كان له علم بهذا علم ~~علما ضروريا ما قاله النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة ~~واحدة، وما قاله ورقة بن نوفل: إن هذا الناموس الذي كان يأتي موسى. # قال تعالى: قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله «2» وقال تعالى: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل ~~الذين يقرؤن الكتاب من PageV01P205 # قبلك «1» وقال تعالى: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب «2». # وأمثال ذلك مما يذكر فيه شهادة الكتب المتقدمة بمثل ما أخبر به نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الأخبار منقولة عند أهل الكتاب بالتواتر كما ~~نقل عندهم بالتواتر معجزات موسى وعيسى عليهما السلام وإن كان كثيرا مما ~~يدعونه من أدق الأمور لم يتواتر عندهم لانقطاع التواتر فيهم فالفرق بين ~~الجمل الكلية المشهورة التي هي أصل الشرائع التي يعلمها أهل الملل كلهم ~~وبين الجزئيات الدقيقة التي لا يعلمها إلا خواص الناس ظاهر ولهذا كان وجوب ~~الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت وتحريم الفواحش والكذب ونحو ذلك ~~متواترا عند عامة ms184 المسلمين وأكثرهم لا يعلمون تفاصيل الأحكام والسنن ~~المتواترة عند الخاصة فإذا كان في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب وفيما ~~ينقلونه بالتواتر ما يوافق ما أخبر به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان ~~في ذلك فوائد جليلة هي من بعض حكمه إقرارهم بالجزية: # أحدها: أنه إذا علم اتفاق الرسل على مثل هذا علم صدقهم فيما أخبروا به عن ~~الله تعالى حيث أخبر محمد صلى الله عليه وسلم بمثل ما أخبر به موسى من غير ~~تواطؤ ولا تشاعر. # الثاني: أن ذلك دليل على اتفاق الرسل كلهم في أصول الدين كما يعلم أن رسل ~~الله قبله كانوا رجالا من البشر لم يكونوا ملائكة فلا يجعل سيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم هو الذي جاء بها كما قال تعالى: قل ما كنت بدعا من الرسل ~~«3» وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ~~أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة ~~خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) «4». # الثالث: أن هذه آية على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر ~~بمثل ما أخبرت به الأنبياء من غير تعلم من بشر وهذه الأمور هي من الغيب قال ~~تعالى: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل ~~هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) «5». # وقال تعالى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا ~~أمرهم وهم PageV01P206 # يمكرون (102) «1» وقال تعالى: وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما ~~كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت ~~بجانب الطور إذ نادينا ولكن ms185 رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من ~~قبلك لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما ~~جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما ~~أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) * ولقد وصلنا لهم القول لعلهم ~~يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى ~~عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ~~(54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام ~~عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) «2». # وكثير من أهل الكتاب آمنوا بمثل هذه الطرق، قال تعالى: قل آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~(107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا* (109) «3» وقال تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يفرحون ~~بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا ~~أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب (36) «4» وقال تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم ~~الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6) «5». # ولا ريب أن منكري النبوات لهم شبه؛ منها: إنكار أن يكون رسول الله بشرا ~~ومنها: دعوى أن الذي يأتيه شيطان لا ملك وغير ذلك وكل ذلك قد أجاب الله ~~تعالى عنه في القرآن العظيم وقرر ذلك بأبلغ تقرير لكن جواب هذا السؤال لا ~~يتسع لبسط ذلك في القرآن، قال تعالى: الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) أكان ~~للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر ms186 الناس «6». PageV01P207 # وقال تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السماء ملكا رسولا (95) «1». # وقال تعالى: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ~~ما يلبسون (9) «2» بين أن الرسول لو كان ملكا لكان في صورة رجل إذ لا ~~يستطيعون الأخذ عن الملك على صورته ولو كان في صورة رجل لعاد اللبس وقالوا: ~~أبعث الله بشرا رسولا. # وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم «3» وقال تعالى: وما ~~أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) ~~وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) «4» فأمر سبحانه ~~بمسألة أهل الذكر إذ ذلك مما تواتر عندهم أن الرسل كانوا رجالا، وقال ~~تعالى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية «5». # وبالجملة: فتقرير النبوات من القرآن أعظم من أن يشرح في هذا المقام إذ ~~ذلك هو عماد الدين وأصل الدعوة النبوية وينبوع كل خير وجماع كل هدى وأما ~~حال المخبر عنه فإن النبي والرسول يخبر عن الله تعالى بأنه أرسله ولا أعظم ~~فرية ممن يكذب على الله عز وجل كما قال تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله «6» ~~ذكر هذا بعد قوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ~~ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (91) وهذا كتاب ms187 أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ~~ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم ~~يحافظون (92) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله «7». # فنقض سبحانه دعوى الجاحد النافي للنبوة بقوله: قل من أنزل الكتاب الذي ~~جاء PageV01P208 # به موسى «1» وهذا الكتاب ظهر فيه من الآيات والبينات واتبعه كل الأنبياء ~~والمؤمنين وحصل فيه ما لم يحصل في غيره، فكانت البراهين والدلائل على صدقه ~~أكثر وأظهر من أن تذكر بخلاف الإنجيل وغيره. # وأيضا فإنه أصل والإنجيل تبع له إلا فيما أحله المسيح وهذا كما يقول ~~سبحانه: أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا «2» أي ~~القرآن والتوراة، وفي القراءة الأخرى قالوا: ساحران أي محمد والقرآن وكذلك ~~قوله: # إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) «3» ~~وكذلك قوله: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى ~~إماما ورحمة «4» وكذلك قول الجن: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا ~~لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم «5»، ولهذا كانت قصة موسى هي ~~أعظم قصص الأنبياء المذكورين في القرآن وهي أكبر من غيرها وتبسط أكثر من ~~غيرها. # قال عبد الله بن مسعود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة نهاره ~~يحدثنا عن بني إسرائيل «6». # ولما قرر الصدق بين حال الكذابين بأنهم ثلاثة أصناف، إذ لا يخلو الكذاب ~~من أن يضيف الكذب إلى الله تعالى ويقول: إنه أنزله أو يحذف فاعله ولا يضيفه ~~إلى أحد أو أن يقول إنه هو الذي وضعه معارضا، فقال تعالى: ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله «7». # وأما المخبر عنه فإنه الله تعالى، ولا ريب أنه يعلم من أمور الرب سبحانه ~~PageV01P209 # بما نصبه من الأدلة المعاينة الحسية التي يعقل بها نفسها وبالأمثال ~~المضروبة وهي الأقيسة ms188 العقلية ما يمتنع معه خفاء كذب الكاذب بل يمتنع معه ~~خفاء كذب الكاذب بل يمتنع معه خفاء صدق الصادق، فالدجال مثلا قد علم بوجوه ~~متعددة ضرورية أنه ليس هو الله وأنه كافر مفتقر وإذا كانت دعواه معلوما ~~كذبها ضرورة لم يكن ما يأتي به من الشبهات مصدقا لها، إذ العصمة الضرورية ~~لا تقدح فيها الطرق النظرية فإن الضروريات أصل النظريات فلو قدح بها فيها ~~لزم إبطال الأصل بالفرع فيبطلان جميعا فإنه يظهر أيضا من عجزه ما ينفي ~~دعواه. # وكذلك من أباح الفواحش والمظالم والشرك والكذب مدعيا للنبوة يعلم ~~بالاضطرار كذبه، للعلم الضروري بأن الله سبحانه لا يأمر بهذا سواء قيل أن ~~العقل يعلم به حسن الأفعال وقبحها أو لا يعلم به، فليس كلما أمكن في العقل ~~وقوعه، وكان الله قادرا عليه يشك في وقوعه، بل نحن نعلم بالضرورة أن البحار ~~لم تقلب دما، وأن الجبال لم تقلب يواقيت وأمثال ذلك من المعادن، وإن لم ~~يسند ذلك إلى دليل معين، وإن كنا عالمين بأن الله تعالى قادر على قلب ذلك ~~لكن العلم بالوقوع وعدمه شيء، والعلم بإمكان ذلك من قدرة الله سبحانه شيء، ~~وكل ذي فطرة سليمة يعلم بالاضطرار أن الله تعالى لا يأمر عباده بالكذب ~~والظلم والشرك والفواحش وأمثال ذلك مما قد يأتي به كثير من الكذابين بل ~~يعلم بفطرته السليمة ما يناسب حال الربوبية، وهذا باب واسع ليس هذا موضع ~~بسطه ولكن نذكر ما أشار إليه مصنف العقيدة. # PageV01P210 ### | فصل [طرق دلالة المعجزة على الصدق] # فهذه الطرق سلكها أكثر أهل الكلام وغيرهم ولهم في تقرير دلالة المعجزة ~~على الصدق طرق: # أحدها: إن إظهار المعجزة على يدي المتنبئ الكذاب قبيح والله سبحانه منزه ~~عن فعل القبيح، وهذه الطرق سلكها المعتزلة وغيرهم ممن يقول بالتحسين ~~والتقبيح وطعن فيها من ينكر ذلك، ثم إن المعتزلة جعلوا هذه أصل دينهم ~~والتزموا بها لوازم خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة بل وصريح العقل في مواضع ~~كثيرة، وحقيقة أمرهم أنهم لم يصدقوا الرسول إلا بتكذيب بعض ما ms189 جاء به ~~وكأنهم قالوا لا يمكن تصديقه في البعض إلا بتكذيبه في البعض لكنهم لا ~~يقولون إنهم يكذبونه في شيء بل تارة يطعنون في النقل وتارة يتأولون ~~المنقول، ولكن يعلم بطلان ما ذكروه إما ضرورة وإما نظرا، وذلك أنهم قالوا: ~~إن السمع مبني على صدق الرسول وصدقه على أن الله تعالى منزه عن فعل القبيح، ~~فإن تأييد الكذاب بالمعجزة قبيح والله منزه عنه، قالوا: # والدليل على أنه منزه عنه أن القبيح لا يفعله إلا جاهل بقبحه أو محتاج، ~~والله سبحانه منزه عن الجهل والحاجة، والدليل على ذلك أن المحتاج لا يكون ~~إلا جسما، والله تعالى ليس بجسم. # والدليل على أنه ليس بجسم هو ما دل على حدوث العالم، والدليل على حدوث ~~العالم أنه أجسام وأعراض وكلاهما محدث، والدليل على حدوث الأجسام أنها لا ~~تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، والدليل على ذلك أنها لا ~~تنفك عن الحركة والسكون وهما حادثان لامتناع حوادث لا أول لها، ثم التزموا ~~لذلك حدوث كل موصوف بصفة لأن الصفات هي الأعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم ~~وقد قام الدليل على حدوث الجسم فالتزموا لذلك أن لا يكون لله علم ولا قدرة ~~وأن لا يكون متكلما قام به الكلام، بل يكون القرآن وغيره من كلامه تعالى ~~مخلوقا خلقه في غيره، ولا يجوز أن يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا هو ~~مباين للعالم # PageV01P211 # ولا مجانبه، ولا داخل فيه ولا خارج عنه، ثم قالوا: أيضا لا يجوز أن يشاء ~~خلاف ما أمر به ولا أن يخلق أفعال عباده ولا يقدر أن يهدي ضلالا ولا يضل ~~مهتديا، لأنه لو كان قادرا على ذلك وقد أمر به ولم يعن عليه لكان قبيحا ~~منه، فركبوا عن هذا الأصل التكذيب بالصفات والتكذيب بالقدر وسموا أنفسهم ~~أهل التوحيد والعدل وسموا من أثبت الصفات من سلف الأمة وأئمتها مشبهة ~~ومجسمة ومجبرة وحشوية وجعلوا مالكا والشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وغيرهم ~~من هؤلاء الحشوية إلى أمثال هذه الأمور التي بسطنا ms190 الكلام عليها في غير هذا ~~الموضع، وأصل ضلالهم في القدر أنهم شبهوا المخلوق بالخالق سبحانه فهم مشبهة ~~الأفعال. # وأما أصل ضلالهم في الصفات فظنهم أن الموصوف الذي تقوم به الصفات لا يكون ~~إلا محدثا. وقولهم من أبطل الباطل فإنهم يسلمون أن الله حي عليم قدير، ومن ~~المعلوم أن حيا بلا حياة وعليما بلا علم وقديرا بلا قدرة مثل متحرك بلا ~~حركة وأبيض بلا بياض وأسود بلا سواد وطويل بلا طول وقصير بلا قصر ونحو ذلك ~~من الأسماء المشتقة التي يدعي فيها نفي المعاني المشتقة منه وهذا مكابرة ~~للعقل والشرع واللغة. # الثاني: أنه أيضا من المعلوم أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك ~~المحل لا غيره فإذا خلق سبحانه كلاما في محل وجب أن يكون ذلك المحل هو ~~المتكلم به فتكون الشجرة هي القائلة لموسى: إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني «1» ويكون كل ما أنطقه الله تعالى من المخلوقات كلامه كلاما لله ~~تعالى، وبسط هذا له موضع غير هذا. # والمقصود هنا: ما يتعلق بتقرير النبوة وقد يقال يمكن تقرير كونه سبحانه ~~منزها عن تأييد الكذاب بالمعجزة من غير بناء على أصل المعتزلة بما علم من ~~حكمة الله تعالى في مخلوقاته ورحمته ببريته وسنته في عباده. فإن ذلك دليل ~~على أنه لا يؤيد كذابا بمعجزة لا معارض لها. # ويمكن بسط هذه الطريقة وتقريرها بما ليس هذا موضعه في أنه كما علم بما في ~~مصنوعاته من الإحكام والإتقان أنه عالم، وبما أن فيها من التخصيص أنه مريد ~~فيعلم بما فيها من النفع للخلائق أنه رحيم، وبما فيها من الغايات المحمودة ~~أنه حكيم. PageV01P212 # والقرآن يبين آيات الله الدالة على قدرته ومشيئته وآياته الدالة على ~~إنعامه ورحمته وحكمته، ولعل هذا أكثر في القرآن كقوله تعالى: يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) الذي جعل لكم ~~الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) «1». # وقوله ms191 تعالى: أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) ~~نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم ~~في ما لا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) أفرأيتم ~~ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء لجعلناه حطاما ~~فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) أفرأيتم الماء ~~الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (69) لو نشاء ~~جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم ~~أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) ~~فسبح باسم ربك العظيم (74) «2». # وقوله سبحانه: ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) وخلقناكم ~~أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار ~~معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا ~~من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) «3». # وقوله عز وجل: فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ~~ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ~~ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) ~~«4». # وقوله جل وعز: أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا ~~تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) «5» وهو سبحانه في سورة الرحمن ~~يقول في عقب كل آية: فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) «6» وهو يذكر فيها ما يدل ~~على خلقه وعلمه وقدرته ومشيئته، وما يدل على إنعامه ورحمته وحكمته. # وكذلك ذكر في مخاطبة الرسل للكفار كقوله سبحانه: قال فمن ربكما يا موسى ~~(49) PageV01P213 # قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) قال فما بال القرون الأولى ~~(51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) «1». # مثل هذا في القرآن كثير وما فطر فيه من المخلوقات دل على ذلك، وفي نفس ~~الإنسان عبرة تامة فإن من نظر في خلق أعضائه وما فيها من المنافع له وما في ~~تركيبها من الحكمة ms192 والمنفعة، مثل كون ماء العين مالحا ليحفظ شحمة العين من ~~أن تذوب، وماء الأذن مرا ليمنع الذباب من الولوج، وماء الفم عذبا ليطيب ما ~~يمضغ من الطعام، وأمثال ذلك علم علما ضروريا أن خالق ذلك له من الرحمة ~~والحكمة ما يبهر العقول مع ما في ذلك من الدلالة على المشيئة، ثم إذا ~~استقرأ ما يجده في نوع الإنسان من أن كل من عظم ظلمه للخلق وضراره لهم كانت ~~عاقبته عاقبة سوء، واتبع اللعنة والذم. # ومن عظم نفعه للخلق وإحسانه إليهم كانت عاقبته عاقبة خير، وأمثال ذلك ~~استدل بما علم ما لم يعلم حتى يعلم أن الدولة ذات الظلم والجبن والبخل ~~سريعة الانقضاء كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم ~~انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ~~فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا ~~أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39) «2». # وقال عز وجل: ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ~~ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل ~~قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (38) «3». # كذلك سنته في الأنبياء الصادقين وأتباعهم من المؤمنين وفي الكذابين بالحق ~~إن هؤلاء ينصرهم ويبقي لهم لسان صدق في الآخرين وأولئك ينتقم منهم ويجعل ~~عليهم اللعنة. # فبهذا وأمثاله يعلم أنه لا يؤيد كذابا بالمعجزة لا معارض لها، لأن في ذلك ~~من الفساد والضرر بالعباد ما تمنعه رحمته، وفيه من سوء العاقبة ما تمنعه ~~حكمته، PageV01P214 # وفيه من نقض سنته المعروفة وعادته المطردة ما تعلم به مشيئته، قال تعالى: ~~ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه ~~الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) «1» وقال تعالى: ولولا أن ~~ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف ~~الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) «2» وقال تعالى: أم يقولون افترى على ~~الله كذبا فإن ms193 يشإ الله يختم على قلبك «3». # ثم قال: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما ~~تصفون (18) «4» وقال تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ~~(81) «5» قال تعالى: قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) «6». ~~PageV01P215 ### | فصل [مسألة التحسين والتقبيح العقليين] # وهذه الطريق لم يسلكها أبو الحسن الأشعري وأصحابه ومن وافقه من علماء ~~المذهب كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وابن الزغواني والأستاذ أبي المعالي ~~وصاحبه الأنصاري، والشهرستاني وأمثالهم وأبي الوليد الباجي والمازري ونحوهم ~~بناء على أنهم لا يرون تنزيه الرب سبحانه عن فعل من الأفعال لأنهم قد علموا ~~أن له أن يفعل ما يشاء وهم لا يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين حتى ~~يقولوا إن الفعل الفلاني قبيح وهو منزه عن فعل القبيح بل عندهم أن الظلم ~~غير مقدور إذ الظلم التصرف في ملك غيره فمهما فعل كان تصرفا في ملكه فلم ~~يكن ظلما، بل يقولون إنه يجوز أن يأمر بكل شيء وينهى عن كل شيء ولا يجعلون ~~للأفعال صفات باعتبارها يكون الحسن والقبح، وانتهى ما أثبتوه من الصفات ~~بالعقل إلى أنه حي عليم قدير مريد، وأثبتوا مع ذلك أنه سميع بصير متكلم. ~~فأما الرحمة والحكمة ونحو ذلك فلم يثبتوها بالعقل بل قد ينفون الحكمة التي ~~هي الغايات والمقاصد في أفعاله ويمنعون أن يفعل شيئا لأجل شيء كما قد بسط ~~الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. # فإن المقصود هنا: التنبيه على طرق الناس في النبوة والكلام بحسب العدل ~~والإنصاف لا بسط الكلام في كل ما تنازعوا فيه. # ومسألة التحسين والتقبيح العقليين هي كما تنازع فيها عامة الطوائف، فقال ~~بكل من القولين طوائف من المالكية والشافعية والحنبلية، ومن قال بالإثبات ~~من الحنبلية: أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب، ومن قال بالنفي: أبو عبد الله ~~بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وأكثر أصحابه. # ومسألة حكم الأعيان قبل ورود الشرع هي في الحقيقة من فروعها، وقد قال ~~فيها بالحظر أو الإباحة أعيان من هذه الطوائف، وأما الحنفية فالغالب عليهم ~~القول ms194 بالتحسين والتقبيح العقليين، وذكروا ذلك نصا عن أبي حنيفة رحمه الله ~~تعالى، وأهل الحديث فيها أيضا على قولين ومن قال بالإثبات أبو النصر السجزي ~~وصاحبه الشيخ أبو القاسم سعيد بن علي الزنجاني، فأما ما اختصت به القدرية ~~فهذا لا # PageV01P216 # يوافقهم عليه أحد من هؤلاء ولكن هؤلاء هم وجمهور الفقهاء بل وجمهور الأمة ~~يرون أن للأفعال صفات يتعلق الأمر والنهي بها لأجلها. وملخص ذلك أن الله ~~تعالى إذا أمر بأمر فإنه حسن بالاتفاق وإذا نهى عن شيء فإنه قبيح بالاتفاق، ~~لكن حسن الفعل وقبحه إما أن ينشأ من نفس الفعل والأمر والنهي كاشفان أو ~~ينشأ من نفس تعلق الأمر والنهي به أو من المجموع. # فالأول: هو قول المعتزلة ولهذا لا يجوزون نسخ العبادة قبل دخول وقتها ~~لأنه يستلزم أن يكون الفعل الواحد حسنا قبيحا، وهذا قول أبي الحسن التميمي ~~من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء. # والثاني: قول الأشعرية ومن وافقهم من الظاهرية وفقهاء الطوائف، وهؤلاء ~~يجعلون علل الشرع مجرد أمارات، ولا يثبتون بين العلل والأفعال مناسبة، لكن ~~هؤلاء الفقهاء متناقضون في هذا الباب فتارة يقولون بذلك موافقة للأشعرية ~~المتكلمين، وهم في أكثر تصرفاتهم يقولون بخلاف ذلك كما يوجد مثل هذا في ~~كلام فقهاء المالكية والشافعية والحنبلية. # وإما أن يكون ذلك ناشئا من الأمرين، وهذا مذهب الأئمة وعليه تجري تصرفات ~~الفقهاء في الشريعة، فتارة يؤمر بالفعل لحكمة تنشأ من نفس الأمر دون ~~المأمور به، وهذا هو الذي يجوز نسخه قبل التمكين كما نسخت الصلاة ليلة ~~المعراج من خمسين إلى خمس وكما نسخ أمر إبراهيم بذبح ابنه عليهما السلام. # وبالجملة فجمهور الأئمة على أن الله تعالى منزه عن أشياء هو قادر عليها ~~ولا يوافقون هؤلاء على أنه لا ينزه عن مقدور الظلم الذي نزه الله سبحانه ~~عنه نفسه في القرآن وحرمه على نفسه وهو قادر عليه وهو هضم الإنسان من ~~حسناته أو حمل سيئات غيره عليه كما قال تعالى: ومن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) «1». # وهؤلاء الجمهور لا ms195 يوافقون المعتزلة على قولهم إن الله تعالى لم يخلق ~~أفعال العباد ولا شاء الكائنات بل يقولون: إن الله خلق كل شيء وما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن، لكنهم مع هذا يثبتون لفعله حكمة وينزهونه عن ~~القبائح، وهذا قول الكرامية وغيرهم من أهل الكلام وهو قول الصوفية وأكثر ~~أهل الحديث وجمهور السلف والأئمة وجمهور المسلمين والنظار ولكن ليس هذا ~~موضع بسطه. # وهؤلاء يثبتون في إثبات النبوة ما سلكه ابن عقيل وغيره في مواضع أخر إذ ~~PageV01P217 # أثبت حكم الله تعالى فيها حيث قال: النبوات واسطة بين الله تعالى وبين ~~خلقه في الأفعال والتروك المتضمنة لمصالح المكلفين والثقة بها طريقها ما ~~سبق في علومنا باستدلالها على أن الباري حكيم لا يؤيد كذابا بالمعجزة، ولا ~~يمكن من معجزاته إلا من صدق فيها يخبر به عنه، فلما علمنا ذلك وتحققناه، ~~حصلت لنا الثقة بمن تكاملت فيه شرائط النبوة، وعلمنا أنه سفير فيما بيننا ~~وبين الله تعالى، وأنه رسوله فما أخبرنا به عنه قبلناه من غير تكشف عليه ~~بعقولنا ولا نضرب له الأمثال بآرائنا وعاداتنا بل نعتقد أنه جاء من عند من ~~حكمته فوق حكمتنا وتدبيره فوق تدبيرنا ولا يمتنع في العقل ولا تمنع الحكمة ~~من أن يجعل الأنبياء مذكرين للعقلاء، وموقظين لهم ومرشدين إلا الإصلاح الذي ~~لا يدرك بالعقل ولا يبلغ كنهه بالرأي والفحص وما هذا إلا كما جعل بعض ~~العقلاء حكيما واعظا مذكرا مؤديا وبعضهم يحتاج إلى مذكر ومؤدب ولا أحد منع ~~من ذلك فثبت حسن الرسالة بالعقل، ولأن لله جل وعز في الأفعال والتروك أسرار ~~من المصالح التي لا يعلمها العقلاء ولا يدركونها بعقولهم فاحتاجوا إلى ~~النبوات. # قلت: والمقصود هنا: أن من لم ينزهه عن فعل مقدور له بل جوز أن يفعل كل ما ~~يمكن ولم يثبت لفعله حكمة غير تعلق الحكم بالمفعولات وتعلق المشيئة بها ~~فإنه احتاج في دلالة المعجزة على الصدق إلى غير تلك الطريق فسلكوا طريقين ~~سلك كل طائفة من أهل الكلام والفقه من أصحاب مالك والشافعي ms196 وأبي حنيفة ~~وأحمد. # أحدهما: وهو قول أكثر شيوخهم المتقدمين أن وجه دلالة المعجزة على صدق ~~مدعي النبوة امتناع تعجيز الإله عن نصب الدلالة على صدق الرسل فإن تصديقهم ~~ممكن وذلك معلوم بالضرورة والاستدلال ولا دليل إلى التصديق إلا خلق ~~المعجزات وبظهورها على يد الكذاب يبطل دليل صدقهم فلا يبقى في المقدور طريق ~~يصدقون به فيلزم عجز الإله عن الممكن وذلك ممتنع، وقد عول على هذه الطريقة ~~أبو الحسن الأشعري وأصحابه كالأستاذين أبي إسحاق وأبي بكر بن فورك وكذلك ~~القاضي أبو بكر في مواضع من كتبه وكذلك القاضي أبو يعلى وأبو الحسن بن ~~الزاغوني. # الطريق الثاني: هي التي اختارها أبو المعالي وأتباعه وقال: إنها الطريقة ~~المرضية عند القاضي أبي بكر وهي التي أشار إليها أبو الحسن في الأمالي وهي ~~طريقة أبي محمد الصابوني ونحوه من الحنفية أن المعجزات تدل من حيث نزلت ~~منزلة التصديق بالقول والعلم بذلك يقع ضروريا بقرائن أحوال كالعلم بخجل ~~الخجل ووجل الوجل وغضب الغضبان وحرارة الحر وفحوى كلام المخاطب المتكلم، ~~ولا يتوقف العلم بما هذا سبيله على نظر واستدلال فيقبل عليه اعتراض. # PageV01P218 # قالوا: ووجه ذلك أن الفعل الخارق للعادة إذا علم أنه من قبل الله تعالى ~~وأنه خارق للعادة، وأنه سبحانه فعله عند دعوى الرسالة والطلب وعند قول جار ~~مجرى الطلب إما معينا وإما غير معين من المعجزات وأنه متعلق بالدعوى ومطابق ~~لها وأن الله تعالى سامع لدعوى النبوة عليه وعالم بها في مواضعة أهل لغة ~~الرسول ثم فعل ما يدعيه الرسول أنه ليس من فعله علم أنه قاصد بذلك إلى ~~تصديقه، وأن ما يفعله من الآيات في مثل هذه الحال قائم مقام تصديقه له ~~بالقول صدق أنا أرسلته على وجه يفهم الأمة التي يدعي فيها النبوة أنه قول ~~صدق به من قبله، بل التصديق له بالفعل أبعد من دخول الشبهة والاحتمال فيه ~~وهو جار مجرى قول مدعي الرسالة على زيد إن كنت رسولك وصاحبك فاكتب بذلك ~~رقعة أو اركب أو قم أو اقعد، وما جرى مجرى ms197 ذلك من الأفعال الظاهرة للحواس ~~التي يعلم تصديقه بها إذا فعلها فإذا فعل زيد ذلك قام مقام قوله صدق هو ~~رسولي وصاحبي الذي يعلم ضرورة قصده إلى تصديقه به وهذا واجب لا محال، قالوا ~~ليس يمكن أن تدل المعجزات على صدق الرسل إلا على هذه الطريقة فهي كذلك ~~جارية مجرى أدلة الأقوال. # هذا حاصل كلام القاضي أبي بكر بن الباقلاني في أحد قوليه وأبي المعالي ~~ونحوهما وضربوا لذلك مثلا فقالوا: إذا تصدى ملك للناس وتصدر لتلج عليه ~~رعيته وأتباعه وغيره واحتفل المجلس واحتشد وقد أرهف الناس شغل شاغل فلما ~~أخذ كل مجلسه وترتب الناس على مراتبهم انتصب واحد من خواص الناس وقال: # معاشر الأشهاد قد حدث بكم أمر عظيم وأظلكم خطب جسيم وأنا رسول الملك ~~إليكم، ومؤتمنه لديكم، ورقيبه عليكم، ودعواي هذه بمرأى من الملك ومسمع فإن ~~كنت أيها الملك صادقا في دعواي، فخالف عادتك، وجانب سجيتك، وانتصب في خدرك ~~قائما ثم اقعد، ففعل الملك ذلك على وفق دعواه وموافقة هواه فيتيقن الحاضرون ~~علم الضرورة بتصديق الملك إياه، وتنزيل الفعل الصادر منه منزلة القول ~~المصرح بالتصديق. # فهذا العمدة في ضرب المثال فإن تعسف متعسف في الصورة التي فرضنا الكلام ~~فيها وزعم أنه لا يحصل العلم بتصديق الملك لمن يدعي الرسالة كان ذلك جحدا ~~منه لما علم اضطرارا فإنا نعلم ببديهة العقول عند ما قدمناه من القرائن ~~حالا ومقالا أن أحدا من الذي شهدوا وشاهدوا لا يستريب في تصديق الملك لمدعي ~~الرسالة، ولا يعرض أحد منهم بعد ظهور الأمارات على تشكيك النفس وترديد ~~القول ولا تحوجهم قضية الحال إلى سبر ونظر وإطالة فكر بل يستوي النظار ~~الذين لا خبرة لهم في النظر. # PageV01P219 ### | فصل [دلائل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم] # قال المصنف: (والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات، والدليل على نبوة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز نظمه ومعناه). # قلت: قد تبين أن النبوة تعلم بالمعجزات وبغيرها على أصح الأقوال؛ وأما ~~نبوة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام فإنها ms198 تعرف بطرق كثيرة: # منها: المعجزات، ومعجزاته منها القرآن، ومنها غير القرآن، والقرآن معجز ~~بلفظه ونظمه ومعناه، وإعجازه يعلم بطريقين جملي وتفصيلي، أما الجملي فهو ~~أنه قد علم بالتواتر أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ادعى النبوة وجاء ~~بهذا القرآن، وأن في القرآن آيات التحدي والتعجيز كقوله تعالى: أم يقولون ~~شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم ~~تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون ~~(33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) «1». # فتحداهم هنا أن يأتوا بمثله. # وقال في موضع آخر: قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات «2» وقال في موضع آخر: ~~فأتوا بسورة من مثله «3» وأخبر مع ذلك أنهم لن يفعلوا فقال: وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ~~إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة أعدت للكافرين (24) «4». # بل أخبر أن جميع الإنس والجن إذا اجتمعوا لا يأتون بمثله فقال تعالى: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) «5». PageV01P220 # وقد علم بالتواتر أنه دعا قريشا خاصة والعرب عامة، وأن جمهورهم في أول ~~الأمر كذبوه وآذوه وآذوا الصحابة وقالوا فيه أنواع القول مثل قولهم هو ساحر ~~وشاعر وكاهن ومعلم ومجنون، وأمثال ذلك وعلم أنهم كانوا يعارضونه ولم يأتوا ~~بسورة من مثله وذلك يدل على عجزهم عن معارضته لأن الإرادة الجازمة لا يتخلف ~~عنها الفعل مع القدرة. # ومعلوم أن إرادتهم كانت من أشد الإرادات على تكذيبه وإبطال حجته، وأنهم ~~كانوا أحرص الناس على ذلك متى قالوا فيه ما يعلم أنه باطل بأدنى نظر، ~~وفيلسوفهم الكبير الوحيد فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر ~~(20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا ~~سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) «1». # وليس هذا موضع ذكر جزئيات القصص إذ المقصود ذكر ما علم ms199 بالتواتر من أنهم ~~كانوا من أشد الناس حرصا ورغبة على إقامة حجة يكذبونه بها حتى كانوا ~~يتعلقون بالنقض مع وجود الفرق فإنه لما نزل: إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون (98) «2» عارضوه بالمسيح حتى فرق الله تعالى ~~بينهما بقوله: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) «3» ~~وقال تعالى:* ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) «4» فمن ~~عارضوا خبره بمثل هذا كيف لا يدعون معارضة القرآن وهم لا يقدرون على ذلك. # وقوله: وما تعبدون خطاب للمشركين لم يدخل فيه أهل الكتاب ولا تناول اللفظ ~~المسيح كما يظنه ظان من الظانين بل هم عارضوه بالمسيح من باب القياس يقولون ~~إذا كانت الأنبياء من حصب جهنم لأنها معبودة كذلك المسيح، وهذا كما قال ~~تعالى: ولما ضرب ابن مريم مثلا فإنهم جعلوه مثلا لآلهتهم ولم يوردوه لشمول ~~اللفظ كما يظن ذلك بعض المصنفين في الأصول. # ولهذا بين الله الفرق بين المسيح وبين آلهتهم بأن المسيح عبد الله يستحق ~~الثواب ولا يظلم بذنب غيره بخلاف الحجارة، وإن في جعلهم من الأنبياء حصب ~~جهنم إهانة له بذلك من غير ظلم. PageV01P221 # ثم انتشرت دعوته في أرض العرب ثم في سائر الأرض إلى هذا الوقت وآيات ~~التحدي قائمة متلوة وما قدر أحد أن يعارضه بما يظن أنه مثل، لو ما جاء ~~مسيلمة ونحوه بما أتوا به يزعمون أنهم أتوا بمثله كان ما أتوا به من ~~المضاحك التي لا تحتاج للمعرفة بانتفاء مماثلها إلى نظر، وذلك كمن جاء إلى ~~الرجل الفارس الشجاع ذي اللامة التامة فأراد أن يبارزه بصورة مصورة ربطها ~~على الفرس. كقول مسيلمة: يا ضفدع بنت ضفدعين، كم تنقنقين، لا الماء تكدرين، ~~ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء، وذنبك في الطين. # وقوله أيضا: الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل، إن ذلك من خلق ~~ربنا الجليل، وأمثال ذلك. # ولهذا لما قدم وفد بني حنيفة ms200 على أبي بكر وسألهم أن يقرءوا له شيئا من ~~قرآن مسيلمة فاستعفوه فأبى أن يعفيهم حتى قرءوا شيئا من هذا فقال لهم ~~الصديق: # ويحكم أن يذهب بعقولكم، إن هذا كلام لم يخرج من إل، أي من رب، فاستفهم ~~استفهام المنكر عليهم لفرط التباين وعدم الالتباس وظهور الافتراء على هذا ~~الكلام، وإن الله سبحانه وتعالى لا يتكلم بمثل هذا الهذيان. # وأما الطرق فكثيرة جدا متنوعة من وجوه وليس كما يظنه بعض الناس وإن ~~معجزته من جهة ظرف الدواعي عن معارضته، وقول بعضهم إنه من جهة فصاحته، وقول ~~بعضهم من جهة إخباره بالغيوب إلى أمثال ذلك، فإن كلا من الناظرين قد يرى ~~وجه الإحجار وقد يريد الحجر وإن لم ير غيره ذلك الوجه واستيعاب الوجوه ليس ~~هو مما يتسع له شرح هذه العقيدة. # PageV01P222 ### | فصل [التصديق بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور الغيبية] # قال المصنف: (ثم نقول كل ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم من عذاب ~~القبر ومنكر ونكير وغير ذلك من أهوال القيامة والصراط والميزان والشفاعة ~~والجنة والنار فهو حق لأنه ممكن وقد أخبر به الصادق فيلزم صدقه). # والكلام على هذا في فصول: ### | الفصل الاول # أحدها: أن يقال إن هذه العقيدة اشتملت على الكلام في الإيمان بالله ~~سبحانه وبرسله واليوم الآخر، ولا ريب أن هذه الأصول الثلاثة هي أصول ~~الإيمان الخبرية العلمية، وهي جميعها داخلة في كل ملة وفي إرسال كل رسول، ~~فجميع الرسل اتفقت عليها كما اتفقت على أصول الإيمان العملية أيضا، مثل ~~إيجاب عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وإيجاب الصدق والعدل وبر الوالدين، ~~وتحريم الكذب والظلم والفواحش فإن هذه الأصول الكلية علما وعملا هي الأصول ~~التي اتفقت عليها الرسل كلهم، والسور التي أنزلها الله تعالى على نبيه عليه ~~الصلاة والسلام قبل الهجرة التي يقال لها السور المكية تضمنت تقرير هذه ~~الأصول كسورة الأنعام والأعراف وذوات الر وحم وطس ونحو ذلك، والإيمان ~~بالرسل يتضمن الإيمان بالمكتوب وبمن نزل بها من الملائكة، وهذه الخمسة ms201 هي ~~أصول الإيمان المذكورة في قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ~~«1» وفي قوله عز وجل: ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فقد ضل ضلالا بعيدا «2». # وهي التي أجاب بها النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل في صورة ~~أعرابي وسأله عن الإيمان فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله والبعث بعد الموت PageV01P223 # وتؤمن بالقدر خيره وشره» والحديث قد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي ~~هريرة وأخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب «1» وهو من أصح الأحاديث. # فتلك الثلاثة تتضمن هذه الخمسة، والله تعالى أنزل سورة البقرة وهي سنام ~~القرآن وجمع فيها معالم الدين وأصوله وفروعه إلى أمثال ذلك فإن النظر فيها ~~وجه من وجوه الإيجاب. # ولما ذكر في أولها أصناف الخلق وهم ثلاثة مؤمن وكافر ومنافق أخذ بعد ذلك ~~يقرر أصول الدين فقرر هذه الأصول الثلاثة الإيمان بالله ثم الرسالة ثم ~~اليوم الآخر، فإنه أنزل أربع آيات في المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين ~~وبضعة عشرة آية في صفة المنافقين، ثم قال تعالى تقريرا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم «2» إلى قوله تعالى: بسورة من ~~مثله «3» فإنه ذكر التحدي هكذا في غير موضع من القرآن. ### | الفصل الثاني # إن مسائل ما بعد الموت ونحو ذلك، الأشعري وأتباعه ومن وافقهم من أهل ~~المذاهب الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية يسمونها ~~السمعيات بخلاف باب الصفات والقدر وذلك بناء على أصلين. # أحدهما: أن هذه لا تعلم إلا بالسمع. والثاني: أن ما قبلها يعلم بالعقل ~~وكثير منهم أو أكثرهم يضم إلى ذلك أصلا آخر وهو أن السمع لا يعلم صحته إلا ~~بتلك الأصول التي يسمونها بالعقليات مثل إثبات حدوث العالم ونحو ذلك. # وأما محققوهم فيقولون أن العلم بحدوث العالم ليس من الأصول التي تتوقف ~~صحة السمع عليها بل يمكن العلم بصحة السمع ثم يعلم بالسمع خلق السموات ~~والأرض ونحو ذلك. وأما الأصلان ms202 الأولان فنازعهم فيها طوائف مثل PageV01P224 # أمر المعاد فإنه قد ذهب طوائف إلى أنه يعلم بالعقل أيضا، وهذا قاله طوائف ~~من المعتزلة ومن غير المعتزلة أيضا من أتباع الأئمة الأربعة حتى من أصحاب ~~أحمد كابن عقيل وغيره والفلاسفة الإلهيون يثبتون معاد النفوس بالعقل وقد ~~وافقهم على إثبات معاد الأرواح بالعقل طوائف من أهل الكلام والتصوف وغيرهم ~~وإن كان هؤلاء يثبتون معاد الأبدان أيضا إما بالسمع وإما بالعقل. # فالمقصود: أن العقل عندهم قد يعلم به إما معاد الأرواح وإما المعاد ~~مطلقا. # وأما إنكار الفلاسفة لمعاد الأبدان مما اتفق أهل الملل على إبطاله. ### | الفصل الثالث # أن من انتسب منهم إلى الملل من المسلمين واليهود والنصارى هم مضطربون في ~~ما جاءت به الأنبياء في المعاد فالمحققون منهم يعلمون أن حججهم على قدم ~~العالم ونفي معاد الأبدان ضعيفة، فيقبلون من الرسل ما جاءوا به ومنهم قوم ~~واقفة متحيرون لتعارض الأدلة وتكافئها عندهم ومنهم قوم أصروا على التكذيب ~~ثم زعموا أن ما جاءت به الرسل هو أمثال مضروبة لتفهم المعاد الروحاني، ~~وهؤلاء إذا حقق عليهم الأمر صرحوا بأن الرسل تكذب لمصلحة العالم وإذا حسنوا ~~العبارة قالوا إنهم يخيلون الحقائق في أمثال خيالية، وقالوا إن خاصة النبوة ~~تخييل الحقائق للمخاطبين وأنه لا يمكن خطاب الجمهور إلا بهذا الطريق كما ~~يزعم ذلك الفارابي وأمثاله، مع أن الفارابي له في معاد الأرواح ثلاثة أقوال ~~متناقضة تارة يقول لا تعاد وينكر المعاد بالكلية، وتارة يقول إنها تعاد، ~~وتارة يفرق بين الأنفس العالمة والجاهلة فيقر بمعاد العالمة دون الجاهلة ~~ولهم في تفضيل النبي على الفيلسوف أو بالعكس نزاع فعقلاؤهم كابن سينا ~~وأمثاله يفضل النبي على الفيلسوف وأما غلاتهم فيفضلون الفيلسوف، ولا ريب أن ~~أوليهم ليس لهم في النبوات كلام محصل وكلامهم في الإلهيات قليل، وإنما توسع ~~القوم في الأمور الطبيعية والرياضية ومصنفات معلمهم الأول أرسطو عامتها من ~~ذلك والذي فيها من الإلهيات أمر في غاية القلة مع اضطرابه وتناقضه. فإذا ~~عرف ذلك فما جاء به السمع من أمر المعاد قرره عليهم ms203 النظار بطريقين: # أحدهما: ببيان الكلام الصريح في إثبات معاد الأبدان وتفاصيل ذلك. # والثاني: أن العلم بالرسل جاءت بذلك علم ضروري فإن كل من سمع القرآن ~~والأحاديث المتواترة وتفسير الصحابة والتابعين لذلك علم بالاضطرار أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بمعاد الأبدان وأن القدح في ذلك كالقدح في ~~أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت العتيق ونحو ذلك، ~~والقرامطة الباطنية- وهم من الفلاسفة- أنكروا هذا وهذا وزعموا أن هذه كلها ~~رموز وإشارات إلى # PageV01P225 # علوم باطنة كما يقولون: إن الصلاة معرفة أسرارنا والصيام كتمان أسرارنا ~~والحج زيارة شيوخنا المقدسين ونحو ذلك مما هو مذكور في الكتب المؤلفة في ~~كشف أسرارهم وهتك أستارهم، ولهؤلاء القرامطة صنفت رسائل إخوان الصفا وهم ~~الذين يقال لهم: الإسماعيلية لانتسابهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر. # قال ابن سينا: كان أبي وأخي من أهل دعوتهم ولهذا اشتغلت بالفلسفة. وأما ~~الفلاسفة الذين لم يدخلوا في القرمطة المحضة فهم لا ينكرون العبادات ~~والشرائع العملية بل قد يوجبون اتباعها والعمل بها لا سيما من دخل منهم في ~~التصوف أو الكلام لكن منهم من يوجب اتباعها على العامة دون الخاصة أو ~~يوجبها من غير الوجه الذي أوجبها الرسول كما يجوزون أن يكون بعد محمد صلى ~~الله عليه وسلم من يأتي بشريعة أخرى ويقولون إن أحدهم يخاطبه الله سبحانه ~~وتعالى كما خاطب موسى بن عمران، ويعرج به كما عرج بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمثال هذه المقالات التي كثرت لما ظهرت الفلسفة التي أفسدت طوائف من ~~أهل التصوف والكلام. ### | الفصل الرابع # إنه إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع ~~كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة والحوض ونحو ذلك مما ~~استفاضت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد يستدل عليه ~~بدلائل من القرآن أيضا لكن ليس التصريح به في القرآن والتصريح بالجنة ~~والنار وقيام القيامة وحشر الخلق، ولهذا لم ينكر القيامة ومعاد الأبدان أحد ~~من أهل القبلة، وأنكر هذه الأمور التي جاءت بها ms204 الأحاديث المستفيضة بل ~~المتواترة عند علماء أهل الحديث طوائف من أهل البدع إما من المعتزلة وإما ~~من الخوارج وإما من غيره. ### | الفصل الخامس # إن هذا المصنف وأمثاله إنما يذكرون الإيمان بالسمعيات على طريق الإجمال ~~وأما العلم بتفصيل ذلك فإنما يعرفه من عرف الأحاديث الصحيحة في هذا الباب ~~وما جاء في ذلك من آيات القرآن الكريم وتفسيرها الثابت عن الصحابة ~~والتابعين ونحوهم. # الفصل السادس # إنه إذا علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله وأن الله تعالى مصدقه ~~في قوله: إني رسول الله إليكم «1» فالرسول هو المخبر عن المرسل بما أمره أن ~~يخبر به علم PageV01P226 # بذلك أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى إذ الكاذب فيما يخبر به ليس ~~برسول في ذلك كما أن الذي لم يرسل بشيء قط هو كاذب في كل ما يخبر به عمن ~~زعم أنه أرسله بالأمر كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا حدثتكم عن الله فلن ~~أكذب على الله» «1» وكما يعلم أنه صادق في قوله: إني رسول الله إليكم «2» ~~يعلم أنه صادق في قوله: # إن الله تعالى يقول لكم كذا ويأمركم بكذا فتكذيبه في هذا الخبر المعين ~~كتكذيبه في الأخبار بأصل الرسالة والطرق التي بها يعلم صدقه في المطلق يعلم ~~بها صدقه في المعين وأولى فإن ما دل على الصدق في كل ما يخبر عن الله دل ~~على الصدق في هذا الخبر المعين كالمعجزة، وإن المعجزة دلت على صدقه في ~~دعواه، ودعواه أني صادق على الله فيما أخبر به عنه لم يدع الصدق عليه في ~~بعض الأمور التي يخبر بها عنه دون بعض بل قال الله فيما أخبر به عنه: ولو ~~تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه ~~الوتين (46) «3» وقال تعالى: أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله ~~يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور ~~(24) «4» وقال تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون ~~لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو ms205 بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قل لو شاء ~~الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ~~(16) «5» وقال تعالى: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا ~~غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا (74) «6». # وقال تعالى: وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104) حقيق على ~~أن لا أقول على الله إلا الحق «7». # والرسول الذي يكذب على مرسله مثل الذي يكذب في أصل الرسالة والله تعالى ~~عالم بحقائق الأمور فلا فرق بين إظهار المعجز على يد من يكذب في أصل ~~الرسالة أو يكذب فيما يخبر به عن مرسله. PageV01P227 ### | الفصل السابع # إنه إذا ثبت صدقه في كل ما يخبر به عن الله تعالى فمما أخبر به عنه: ~~القرآن فإنه قد علم بالاضطرار أنه بلغ القرآن عن الله سبحانه وأخبر أن ~~القرآن كلام الله لا كلامه ومما أخبر به الله في القرآن أن الله أنزل عليه ~~الكتاب والحكمة، وأنه أمر أزواج نبيه عليه الصلاة والسلام أن يذكرن ما يتلى ~~في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وأنه امتن على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. # ومن المعلوم: أن ما يذكر في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إما ~~القرآن وإما ما يقوله من غير القرآن وذلك هو الحكمة وهو السنة فثبت أن ذلك ~~مما أنزله الله وأمر بذكره. # وقد أمر الله تعالى بطاعته في القرآن في آيات كثيرة، وقال تعالى: من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله «1» وقال عز وجل: والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم ~~وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) «2» وقال سبحانه ~~وتعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا «3» فهذا وأمثاله ~~يبين أن الله عز شأنه أوجب اتباعه فيما يقوله وإن لم يكن ms206 من القرآن، وأيضا ~~فرسالته اقتضت صدقه فيما يخبر به عن الله تعالى من القرآن وغير القرآن، ~~فوجب بذلك تصديقه فيما أخبر به وإن لم يكن ذلك من القرآن، والله سبحانه ~~أعلم. # والحمد لله والصلاة على خاتم رسل الله محمد وآله وصحبه أجمعين «4». ~~PageV01P228 ms207