######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011258 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح حديث النزول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011258 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11258 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11258 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الخامسة، 1397هـ/1977م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | شرح حديث النزول # التأليف: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني # سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه: # ما يقول سيدنا وشيخنا شيخ الإسلام وقدوة الأنام أيده الله ورضي عنه في ~~رجلين تنازعا في ### | [حديث النزول] # أحدهما مثبت، والآخر ناف. # فقال المثبت: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الآخر، فقال النافي: كيف ينزل؟ فقال المثبت: ينزل بلا كيف، فقال النافي: ~~يخلو منه العرش أم لا يخلو؟ فقال المثبت: هذا قول مبتدع ورأى مخترع، فقال ~~النافي: ليس هذا جوابي، بل هوحيدة [الحيدة: البعد والتنحي] . عن الجواب، ~~فقال له المثبت: هذا جوابك، فقال النافي: إنما ينزل أمره ورحمته، فقال ~~المثبت: أمره ورحمته ينزلان كل ساعة، والنزول قد وقت له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثلث الليل الآخر، فقال النافي: الليل لا يستوى وقته في البلاد، ~~فقد يكون الليل في بعض البلاد خمس عشرة ساعة ونهارها تسع ساعات، ويكون في ~~بعض البلاد ست عشرة ساعة والنهار ثماني ساعات، وبالعكس، فوقع الاختلاف في ~~طول الليل وقصره بحسب الأقاليم والبلاد، # PageV01P004 # وقد يستوى الليل والنهار في بعض البلاد، وقد يطول الليل في بعض البلاد ~~حتى يستوعب أكثر الأربع والعشرين ساعة، ويبقي النهار عندهم وقت يسير؛ فيلزم ~~على هذا أن يكون ثلث الليل دائما، ويكون الرب دائما نازلا إلى السماء , # والمسؤول إزالة الشبه والإشكال، وقمع أهل الضلال. # فأجاب رضي الله عنه: # الحمد لله رب العالمين , أما القائل الأول الذي ذكر نص النبى صلى الله ~~عليه وسلم فقد أصاب فيما قال، فإن هذا القول الذي قاله قد استفاضت به السنة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة ~~والحديث على تصديق ذلك وتلقيه بالقبول , ومن قال ما قاله الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فقوله حق وصدق , وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من ~~المعاني؛ كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني؛ فإن أصدق الكلام كلام ~~الله، وخير الهدي هدي ms001 محمد صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~قال هذا الكلام وأمثاله علانية، وبلغه الأمة تبليغا عاما لم يخص به أحدا ~~دون أحد، ولا كتمه عن أحد، وكانت الصحابة والتابعون تذكره وتؤثره وتبلغه ~~وترويه في المجالس الخاصة والعامة، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في ~~المجالس الخاصة والعامة، كصحيحي البخاري ومسلم، و [موطأ مالك] ، و [مسند ~~الإمام أحمد] ، و [سنن أبي داود] ، و [الترمذي] ، و [النسائي] ، وأمثال ذلك ~~من كتب المسلمين. # لكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه، كتمثيله بصفات ~~المخلوقين، ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه، فقد أخطأ في ذلك، وإن ~~أظهر ذلك منع منه، وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضا في ~~ذلك. # فإن وصفه سبحانه وتعالى في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات؛ ~~كوصفه بالاستواء إلى السماء وهي دخان، ووصفه بأنه خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش، ووصفه بالإتيان والمجىء في مثل قوله تعالى: ~~{هل ينظرون إلا أن يأتيهم # PageV01P005 # الله في ظلل من الغمام والملآئكة} [البقرة: 210] ، وقوله: {هل ينظرون إلا ~~أن تأتيهم الملآئكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] ، ~~وقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] ، وكذلك قوله تعالى: {الذي ~~خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} [الفرقان: ~~59] ، وقوله: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} [الذاريات: 47] ، وقوله: ~~{الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء} [الروم: 40] ، وقوله: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم ~~يعرج إليه} [السجدة: 5] ، وأمثال ذلك من الأفعال التي وصف الله تعالى بها ~~نفسه التي تسميها النحاة أفعالا متعدية، وهي غالب ما ذكر في القرآن، أو ~~يسمونها لازمة لكونها لا تنصب المفعول به، بل لا تتعدى إليه إلا بحرف الجر، ~~كالاستواء إلى السماء وعلى العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، ونحو ذلك , # فإن الله وصف نفسه بهذه الأفعال، ووصف نفسه بالأقوال اللازمة ms002 والمتعدية ~~في مثل قوله: {وإذ قال ربك للملائكة} [البقرة: 30] ، وقوله: {وكلم الله ~~موسى تكليما} [النساء: 461] ، وقوله تعالى: {وناداهما ربهما} [الأعراف: 22] ~~، وقوله: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} [القصص: 65] ، وقوله: ~~{والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] ، وقوله: {الله لا إله إلا ~~هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا} [النساء: ~~87] ، وقوله: {الله نزل أحسن الحديث} [الزمر: 23] ، وقوله: {وتمت كلمت ربك ~~الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا} [الأعراف: 137] ، وقوله: {وتمت كلمت ربك ~~صدقا وعدلا} # PageV01P006 # [الأنعام: 115] ، وقوله: {ولقد صدقكم الله وعده} [آل عمران: 152] . # وكذلك وصف نفسه بالعلم، والقوة، والرحمة، ونحو ذلك، كما في قوله: {ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] ، وقوله: {إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 58] ، وقوله: {ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما} [غافر: 7] ، وقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] ، ونحو ذلك ~~مما وصف به نفسه في كتابه وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن القول ~~في جميع ذلك من جنس واحد. # ومذهب سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفونه بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ~~صلى الله عليه وسلم في النفي والإثبات. # والله سبحانه وتعالى قد نفي عن نفسه مماثلة المخلوقين، فقال الله تعالى: ~~{قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} [سورة ~~الإخلاص] ، فبين أنه لم يكن أحد كفوا له، وقال تعالى: {هل تعلم له سميا} ~~[مريم: 65] ، فأنكر أن يكون له سمي، وقال تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا} ~~[البقرة: 22] ، وقال تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74] ، وقال ~~تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] . # ففيما أخبر به عن نفسه، من تنزيهه عن الكفء، والسمي، والمثل، والند، وضرب ~~الأمثال له؛ بيان أن لا مثل له في صفاته، ولا أفعاله، فإن التماثل في ~~الصفات والأفعال يتضمن التماثل في الذات. فإن الذاتين المختلفتين يمتنع ~~تماثل صفاتهما وأفعالهما؛ إذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات، ~~فإن الصفة تابعة للموصوف بها، والفعل أيضا تابع للفاعل، بل هو مما ms003 يوصف به ~~الفاعل. فإذا كانت الصفتان متماثلتين كان الموصوفان متماثلين، حتى إنه يكون ~~بين الصفات من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الموصوفين، كالإنسانين كما ~~كانا من نوع واحد، فتختلف مقاديرهما وصفاتهما بحسب اختلاف ذاتيهما، ويتشابه ~~ذلك بحسب تشابه ذلك. # PageV01P007 # كذلك إذا قيل: بين الإنسان والفرس تشابه، من جهة أن هذا حيوان وهذا ~~حيوان، واختلاف من جهة أن هذا ناطق وهذا صاهل، وغير ذلك من الأمور، كان بين ~~الصفتين من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الذاتين؛ وذلك أن الذات المجردة ~~عن الصفة لا توجد إلا في الذهن، فالذهن يقدر ذاتا مجردة عن الصفة، ويقدر ~~وجودا مطلقا لا يتعين، وأما الموجودات في أنفسها فلا يمكن فيها وجود ذات ~~مجردة عن كل صفة، ولا وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص , وإذا قال من قال من ~~أهل الإثبات للصفات: [أنا أثبت صفات الله زائدة على ذاته] : فحقيقة ذلك أنا ~~نثبتها زائدة على ما أثبتها النفاة من الذات. فإن النفاة اعتقدوا ثبوت ذات ~~مجردة عن الصفات، فقال أهل الإثبات: نحن نقول بإثبات صفات زائدة على ما ~~أثبته هؤلاء. # وأما الذات نفسها الموجودة فتلك لا يتصور أن تتحقق بلا صفة أصلا، بل هذا ~~بمنزلة من قال: أثبت إنسانا، لا حيوانا، ولا ناطقا، ولا قائما بنفسه، ولا ~~بغيره، ولا له قدرة، ولا حياة، ولا حركة، ولا سكون، أو نحو ذلك، أو قال: ~~أثبت نخلة ليس لها ساق، ولا جذع، ولا ليف، ولا غير ذلك؛ فإن هذا يثبت ما لا ~~حقيقة له في الخارج، ولا يعقل؛ ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفاة الصفات ~~[معطلة] ؛ لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله تعالى وإن كانوا هم قد لا يعلمون ~~أن قولهم مستلزم للتعطيل، بل يصفونه بالوصفين المتناقضين فيقولون: هو موجود ~~قديم واجب، ثم ينفون لوازم وجوده، فيكون حقيقة قولهم: موجود ليس بموجود، حق ~~ليس بحق، خالق ليس بخالق، فينفون عنه النقيضين، إما تصريحا بنفيهما، وإما ~~إمساكا عن الإخبار بواحد منهما. # ولهذا كان محققوهم وهم القرامطة ينفون عنه النقيضين، فلا يقولون: ms004 موجود ~~ولا لا موجود، ولا حي ولا لا حي، ولا عالم ولا لاعالم , قالوا: لأن وصفه ~~بالإثبات تشبيه له بالموجودات، ووصفه بالنفي فيه تشبيه له بالمعدومات. فآل ~~بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل. ثم إنهم لم يخلصوا ~~مما فروا منه، بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد شبهوه بالممتنع الذي ~~هو أخس # PageV01P008 # من الموجود والمعدوم الممكن. ففروا في زعمهم من تشبيهه بالموجودات ~~والمعدومات، ووصفوه بصفات الممتنعات التي لا تقبل الوجود، بخلاف المعدومات ~~الممكنات، وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات والمعدومات ~~الممكنات. # وما فر منه هؤلاء الملاحدة ليس بمحذور , فإنه إذا سمي حقا موجودا قائما ~~بنفسه حيا عليما رءوفا رحيما , وسمى المخلوق بذلك، لم يلزم من ذلك أن يكون ~~مماثلا للمخلوق أصلا، ولو كان هذا حقا، لكان كل موجود مماثلا لكل موجود، ~~ولكان كل معدوم مماثلا لكل معدوم، ولكان كل ما ينفي عنه شيء من الصفات ~~مماثلا لكل ما ينفي عنه ذلك الوصف , # فإذا قيل: السواد موجود، كان على قول هؤلاء قد جعلنا كل موجود مماثلا ~~للسواد. وإذا قلنا: البياض معدوم، كنا قد جعلنا كل معدوم مماثلا للبياض , ~~ومعلوم أن هذا في غاية الفساد، ويكفي هذا خزيا لحزب الإلحاد. # وإذا لم يلزم مثل ذلك في السواد الذي له أمثال بلا ريب، فإذا قيل في خالق ~~العالم: إنه موجود لا معدوم، حي لا يموت، قيوم لا تأخده سنة ولا نوم، فمن ~~أين يلزم أن يكون مماثلا لكل موجود ومعدوم وحي وقائم، ولكل ما ينفي عنه ~~العدم وما ينفي عنه صفة العدم، وما ينفي عنه الموت والنوم، كأهل الجنة ~~الذين لا ينامون ولا يموتون؟ ! # وذلك أن هذه الأسماء العامة المتواطئة التي تسميها النحاة أسماء الأجناس، ~~سواء اتفقت معانيها في محالها أو تفاضلت كالسواد ونحوه؛ وسواء سميت مشككة. ~~وقيل: إن المشككة نوع من المتواطئة إما أن تستعمل مطلقة وعامة، كما إذا ~~قيل: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، وخالق ومخلوق، والعلم ~~ينقسم إلى قديم ومحدث وإما أن تستعمل ms005 [خاصة معينة] كما إذا قيل: وجود زيد ~~وعمرو، وعلم زيد وعمرو، وذات زيد وعمرو. فإذا استعملت خاصة معينة دلت على ~~ما يختص به المسمى، لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج؛ فإن ما يختص ~~به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره. # PageV01P009 # فإذا قيل: علم زيد، ونزول زيد، واستواء زيد، ونحو ذلك، لم يدل هذا إلا ~~على ما يختص به زيد من علم ونزول واستواء ونحو ذلك، لم يدل على ما يشركه ~~فيه غيره. لكن لما علمنا أن زيدا نظير عمرو، وعلمنا أن علمه نظير علمه، ~~ونزوله نظير نزوله، واستواءه نظير استوائه، فهذا علمناه من جهة القياس ~~والمعقول والاعتبار، لا من جهة دلالة اللفظ، فإذا كان هذا في صفات المخلوق؛ ~~فذلك في الخالق أولى. # فإذا قيل: علم الله وكلام الله ونزوله واستواؤه ووجوده وحياته ونحو ذلك، ~~لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى، ولم يدل ذلك ~~على مماثلة الغير له في ذلك كما دل في زيد وعمرو؛ لأنا هناك علمنا التماثل ~~من جهة الاعتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو، وهنا نعلم أن الله لا مثل له ~~ولا كفو ولا ند، فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره، ولا كلامه ~~مثل كلام غيره، ولا استواءه مثل استواء غيره، ولا نزوله مثل نزول غيره، ولا ~~حياته مثل حياة غيره. # ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات، ونفي مماثلتها لصفات ~~المخلوقات. فالله تعالى موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه، منزه عن صفات ~~النقص مطلقا، ومنزه عن أن يمثاله غيره في صفات كماله، فهذان المعنيان جمعا ~~التنزيه، وقد دل عليهما قوله تعالى: {قل هو الله أحد الله الصمد} [الإخلاص: ~~1، 2] . فالاسم [الصمد] يتضمن صفات الكمال، والاسم [الأحد] يتضمن نفي المثل ~~كما قد بسط الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة. # فالقول في صفاته كالقول في ذاته، والله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ~~ولا في صفاته ولا في أفعاله، لكن يفهم من ms006 ذلك أن نسبة هذه الصفة إلى ~~موصوفها كنسبة هذه الصفة إلى موصوفها. فعلم الله وكلامه ونزوله واستواؤه، ~~هو كما يناسب ذاته ويليق بها، كما أن صفة العبد هي كما تناسب ذاته وتليق ~~بها، ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفات العبد إلى ذاته؛ # PageV01P010 # ولهذا قال بعضهم: إذا قال لك السائل: كيف ينزل، أو كيف استوى، أو كيف ~~يعلم، أو كيف يتكلم ويقدر ويخلق؟ فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: أنا لا ~~أعلم كيفية ذاته؛ فقل له: وأنا لا أعلم كيفية صفاته، فإن العلم بكيفية ~~الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف. # فهذا إذا استعملت هذه الأسماء والصفات على وجه التخصيص والتعيين وهذا هو ~~الوارد في الكتاب والسنة وأما إذا قيلت مطلقة وعامة كما يوجد في كلام ~~النظار: الموجود ينقسم إلى قديم ومحدث، والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ~~ذلك فهذا مسمى اللفظ المطلق والعام، والعلم معنى مطلق وعام، والمعاني لا ~~تكون مطلقة وعامة إلا في الأذهان لا في الأعيان، فلا يكون موجود وجودا ~~مطلقا أو عاما إلا في الذهن، ولا يكون مطلق أو عام إلا في الذهن، ولا يكون ~~إنسان أو حيوان مطلق وعام إلا في الذهن، وإلا فلا تكون الموجودات في أنفسها ~~إلا معينة مخصوصة متميزة عن غيرها. # فليتدبرالعاقل هذا المقام الفارق فإنه زل فيه خلق من أولي النظرالخائضين ~~في الحقائق، حتى ظنوا أن هذه المعاني العامة المطلقة الكلية تكون موجودة في ~~الخارج كذلك، وظنوا أنا إذا قلنا: إن الله عز وجل موجود حي عليم، والعبد ~~موجود حي عليم، أنه يلزم وجود موجود في الخارج يشترك فيه الرب والعبد، وأن ~~يكون ذلك الموجود بعينه في العبد والرب، بل وفي كل موجود، ولا بد أن يكون ~~للرب ما يميزه عن المخلوق، فيكون فيه جزآن: # أحدهما: لكل مخلوق، وهو القدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات. # والثاني: يختص به، وهو المميز له عن سائر الموجودات، ثم لا يذكرون فيما ~~يختص به إلا ما يلزم فيه مثل ذلك. فإذا قالوا: يمتاز بذاته أو بحقيقته ms007 أو ~~ماهيته أونحو ذلك، كان ذلك بمنزلة قولهم: يمتاز بوجوده؛ فإن الذات والحقيقة ~~والماهية تستعمل مطلقا ومعينا كلفظ الوجود سواء # وهذا المقام حار فيه طوائف من أئمة النظار، حتى قال طائفة: إن لفظ الوجود ~~وغيره # PageV01P011 # مقول بالاشتراك اللفظي فقط، وحكوا ذلك عن كل من قال بنفي الأحوال وهم ~~عامة أهل الإثبات فصار مضمون نقلهم: أن مذهب عامة أهل الإسلام، ومتكلمة ~~الإثبات كابن كلاب، والأشعري، وابن كرام، وغيرهم، بل ومحققي المعتزلة؛ كأبي ~~الحسين البصري وغيره أن لفظ الوجود وغيره مما يسمى الله به ويسمى به ~~المخلوق إنما يقال بالاشتراك اللفظي فقط من غير أن يكون بين المسميين معنى ~~عام: كلفظ [المشتري] إذا سمي به المبتاع والكوكب، ولفظ [سهيل] المقول على ~~الكوكب والرجل , وهذا النقل غلط عظيم عمن نقلوه عنه؛ فإن هؤلاء متفقون على ~~أن هذه الأسماء عامة متواطئة كالتواطؤ العام الذي يدخل فيه المشكك تقبل ~~التقسيم والتنويع، وذلك لا يكون إلا في الأسماء المتواطئة، كما نقول: ~~الموجود ينقسم إلى قديم ومحدث، وواجب وممكن. # بل هؤلاء الناقلون بأعيانهم كأبي عبد الله الرازي وأمثاله من المتأخرين ~~يجمعون في كلامهم بين دعوى الاشتراك اللفظي فقط وبين هذا التقسيم في هذه ~~الأسماء، مع قولهم: إن التقسيم لا يكون إلا في الألفاظ المتواطئة المشتركة ~~لفظا ومعنى، لا يكون في المشترك اشتراكا لفظيا. ومن جملتها التي يسمونها ~~المشككة لا يكون التقسيم في الأسماء التي ليس بينها معنى مشترك عام. # فهذا تناقض هؤلاء الذين هم من أشهر المتأخرين بالنظر والتحقيق للفلسفة ~~والكلام، قد ضلوا في هذا النقل وهذا البحث في مثل هذا الأصل ضلالا لا يقع ~~فيه أضعف العوام وذلك لما تلقوه عن بعض أهل المنطق من القواعد الفاسدة التي ~~هي عن الهدي والرشد حائدة؛ حيث ظنوا أن الكليات المطلقة ثابتة في الخارج ~~جزءا من المعينات، وأن ذلك يقتضي تركيب المعين من ذلك الكلي المشترك ومما ~~يختص به، فلزمهم على هذا القول أن يكون الرب تعالى الواجب الوجود مركبا من ~~الوجود المشترك، ومما يختص به من الوجوب أو ms008 الوجود أو الماهية، مع أنه من ~~المشهور عند أهل المنطق أن الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في ~~الأعيان. # PageV01P012 # ومن هداه الله تعالى يعلم أن الموجودات لا تشترك في شيء موجود فيها أصلا، ~~بل كل موجود متميز بنفسه وبما له من الصفات والأفعال، وإنا إذا قلنا: إن ~~هذا الإنسان حي متكلم، أو حيوان ناطق، ونحو ذلك، لم يكن ما له من الحيوانية ~~أو الناطقية، أو النطق والحياة مشتركا بينه وبين غيره، بل له ما يخصه ~~ولغيره ما يخصه، ولكن تشابها وتماثلا بحسب تشابه حيوانيتهما ونطقيتهما، ~~وغير ذلك من صفاتهما. # ومن قال: إن الإنسان مركب مما به الاشتراك وهو الحيوانية وما به من ~~الامتياز وهو النطق فإن أراد بذلك أن هذا تركيب ذهني، فإنا إذا تصورنا في ~~أذهاننا حيوانا ناطقا، كان الحيوان جزء هذا المعنى الذهني، والنطق جزأه ~~الآخر، وكان الحيوان جزءا له أشباه أكثر من أشباه الناطق , وإذا تصورنا ~~مسمى حيوان ومسمي ناطق، كان مسمى الحيوان يعم الإنسان وغيره، وكان مسمى ~~الناطق يخصه فدعوى التركيب في هذه المعاني الذهنية صحيح، لكن ليس هذا ~~ضابطا، بل هو بحسب ما يتصوره الإنسان سواء كان تصوره حقا أو باطلا. # ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها ما يدخل في هذا التصور، وبجزئها ~~الخارج عنها اللازم لوجودها ما يدل عليه هذا اللفظ بالتضمن والالتزام، ~~وأراد بتمام الماهية ما يدل عليه هذا بالمطابقة فهذا صحيح، لكن هذا لا ~~يقتضي أن تكون الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من الصفات الخاصة والعامة، ~~ولا أن يكون بعض صفاتها اللازمة داخلة في الحقيقة ذاتيا لها، وبعضها خارجا ~~عن الحقيقة عارضا لها، كما يزعمه أهل المنطق اليوناني , # وهذا الموضع مما ضلوا فيه، وضل بسبب ضلالهم فيه الطوائف الذين اتبعوهم في ~~ذلك من النظار، وقلدهم في ذلك من لم يفهم حقيقة قولهم ولوازمه، ولم يتصوره ~~تصورا تاما # وإن أرادوا بالتركيب أنه موصوف بالحياة والنطق وإحدى الصفتين يوجد نظيرها # PageV01P013 # في سائر الحيوان، والأخرى مختصة بالإنسان فهذا معنى صحيح. # وإن أرادوا به أن ms009 حيوانيته مشتركة بينه وبين غيره، فقد غلطوا؛ فإن ~~حيوانية كل حيوان كناطقية كل ناطق، وذلك مختص بمحله. # وكذلك إن أرادوا بالتركيب أن هنا موجودا موصوفا بأنه حيوان غير الموجود ~~الموصوف بأنه ناطق وصاهل، وأن الإنسان مركب من هذا الموجود وهذا الموجود، ~~والفرس مركب من هذا الموجود وهذا الموجود، فقد غلطوا، بل لا موجود إلا هذا ~~الإنسان الموصوف بأنه حيوان ناطق، وهذا الفرس الموصوف بأنه حيوان صاهل، ~~وكذلك سائر الحيوانات والموجودات، فقول القائل: الإنسان مركب من هذا وهذا، ~~إذا أريد به أن هنا شيئا مركبا، وأن له جزئين متباينين هو مركب منهما، كان ~~جاهلا، بل هو شيء واحد موصوف بصفتين لا يوجد إلا بصفتيه، ولا توجد صفتاه ~~إلا به. # وهذا المعنى صحيح، وهو أن الإنسان موصوف بأنه حيوان، وأنه ناطق حقيقة، ~~وأنه ذات مستلزمة لصفاتها، لا يوجد الموصوف بدون صفته اللازمة له. # لكن هذا ليس في الخارج تركيبا، وليس في الخارج صفة لازمة ذاتية، وأخرى ~~عرضية لازمة للماهية، وأخرى لازمة لوجوده، بل ليس في الخارج إلا الموجود ~~المعين، وصفاته، تنقسم إلى: لازمة له، وعارضة، وهو لا يوجد بدون شيء من ~~صفاته اللازمة؛ فليس فيها ما هو لازم للذات الموجودة في الخارج، ولكن ليس ~~بلازم لها بل لازم للموجود في الخارج، كما يظن ذلك من يظنه من المنطقيين. # وأصل خطئهم أنه اشتبه عليهم ما يتصور في الأذهان بما يوجد في الأعيان؛ ~~فإن الذهن يتصور المثلث قبل وجوده في الخارج، وظنوا أن الماهية مغايرة ~~للوجود، وهو صحيح إذا فسرت الماهية بما يتصوره الذهن. وأما أن يكون في ~~الخارج مثلث له ماهية ثابتة في الخارج غير الشيء الموجود في الخارج؛ فهذا ~~غلط بين. فإذا فهم هذا في صفة المخلوق؛ فالخالق أبعد عما سماه هؤلاء ~~تركيبا. # فإذا قيل: إن الله سبحانه وتعالى حي عليم قدير، فهو موصوف بأنه الحي ~~العليم القدير. # PageV01P014 # وإذا قيل: هو موجود واجب بنفسه، فهو سبحانه موصوف بالوجود والوجوب، فلا ~~مشاركة بينه وبين غيره في شيء موجود، ولا هو مركب من جزأين، ms010 ولا صفات مقومة ~~تكون أجزاء لوجوده، ولا نحو ذلك مما يدعي من التركيب الذي هو ممتنع في ~~المخلوق، فهو في الخالق أشد امتناعا. # ولكن لفظ التركيب مجمل يدخل عند هؤلاء فيه اتصاف الموصوف بصفاته اللازمة ~~له، وليس هذا هو المعقول من لفظ التركيب، وهؤلاء أحدثوا اصطلاحا لهم في لفظ ~~التركيب لم يسبقهم إليه أحد من أهل اللغة، ولا من طوائف أهل العلم، فجعلوا ~~لفظ التركيب يتناول خمسة أنواع: # أحدها: التركيب من الوجود والماهية؛ لظنهم أن وجود كل ممكن في الخارج غير ~~ماهيته، ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها يدخل في هذا المتصور، ويلازمها ~~الخارج عنها ما يلزم هذا التصور، وهذان المعنيان هما ما يدل عليه اللفظ. # والثاني: التركيب من الجنس والفصل، كقولهم: إن الإنسان مركب من الحيوانية ~~والناطقية، وقد يضمون إلى ذلك التركيب من المعنى العام والخاص، يسمى تركيبا ~~من جنس وفصل، أو من خاصة وعرض عام. # الثالث: التركيب من الذات والصفات، كمسمي الحي العالم القادر، وتركيب ~~الجسم من أجزائه الحسية، عند من يقول: إنه مركب من الجواهر المفردة، أو ~~تركيبه من الجزأين العقليين، عند من يقول: إنه مركب من المادة والصورة # وأما التركيب [الأول] و [الثاني] فنازعهم جمهور العقلاء في ثبوتهما في ~~الخارج ويقولون: ليس في الخارج تركيب بهذا الاعتبار. # والتركيب [الرابع] و [الخامس] : فيه نزاع مشهور بين العقلاء، منهم من ~~يثبت في الجسم أحد التركيبين، ومنهم من يقول ليس مركبا لا من هذا، ولا من ~~هذا # وأما [الرابع] فيوافقهم على ثبوته جماهير العقلاء، ما أعلم من ينازعهم ~~فيه نزاعا معنويا، لكن حكي عن طائفة من أهل النظر، كعبد الرحمن بن كيسان ~~الأصم وغيره، أنهم نفوا الأعراض ولم يثبتوا الأعراض زائدة على الجسم، ونفوا ~~كون الحركة زائدة على الجسم , وخالفهم الأكثرون في ذلك. # وهذا والله أعلم نزاع لفظي، وهو أن مسمى الجسم هل يتناول الجسم بأعراضه ~~أم تكون الأعراض زائدة على مسمى الجسم؟ وإلا فعاقل لا ينكر وجود الطعم ~~واللون، والرائحة # PageV01P015 # والحركة، وغير ذلك من الصفات القائمة بالموصوفات. # وهذا ms011 يشبه نزاع الناس في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا؟ فمن ~~أراد بالذات [الذات المجردة] فالصفات زائدة عليها، ومن أراد بالذات [الذات ~~الموصوفة] فليست الصفات مباينة للذات الموصوفة بصفاتها اللازمة لها. # ثم إن هؤلاء زعموا أنهم ينفون هذه الأنواع، فأما [الأنواع الأربعة] فمن ~~قال: إنها منتفية عن المخلوق فهي عن الخالق أشد انتفاء، وأما [النوع ~~الرابع] : فمن نازع في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا؟ فهذا نزاع ~~لفظي، ومن نازع في ثبوت هذه الصفات في نفس الأمر، ونفي أن يكون لله علم ~~وقدرة ومشيئة، وجعل هذه الصفة هي الأخرى، والصفة هي الموصوف، فهذا قوله ~~معلوم الفساد بعد التصور التام. # وإذا علم أنه سبحانه حي عليم قدير، ومعنى كونه حيا ليس معنى كونه عليما، ~~ومعنى كونه عليما ليس معنى كونه قديرا، فهذا هو إثبات الصفات. # فإن قال القائل: إن معنى كونه عليما هو معنى كونه مريدا قديرا حيا، فهذا ~~مكابرة. وكذلك إذا ادعى أن هذه المعاني هي معنى الذات الموصوفة بها. وإن ~~اعترف بثبوت هذه المعاني لله، وقال: أنا أنفي أن يكون الله مفتقرا إلى ذوات ~~أو معان بها يصير حيا عالما قادرا، فهذا مناظرة منه لمثبتة الأحوال كالقاضي ~~أبى بكر وأبى يعلى، وغيرهما ممن يقول: إن له علما وعالمية، وعالميته معنى ~~زائد على علمه. # وهذا القول: قول بعض الصفاتية؛ وجمهورهم ينكرون هذا، ويقولون: بل معنى ~~العلم هو معنى العالم # وفي مسائل الصفات ثلاثة أمور: # أحدها: الخبر عنه بأنه حي عليم قدير، فهذا متفق على إثباته، وهذا يسمى ~~الحكم. # والثاني: أن هذه معان قائمة بذاته، وهذا أيضا أثبته مثبتة الصفات السلف ~~والأئمة، والمنتسبون إلى السنة من عامة الطوائف. # والثالث: الأحوال , وهو العالمية والقادرية، وهذه قد تنازع فيها مثبتو ~~الصفات ونفاتها، فأبو هاشم وأتباعه يثبتون الأحوال، دون الصفات، والقاضي ~~أبو بكر، وأتباعه يثبتون الأحوال والصفات، وأكثر الجهمية والمعتزلة ينفون ~~الأحوال والصفات. # وأما جماهير أهل السنة، فيثبتون الصفات دون الأحوال، وهذا لبسطه موضع ~~آخر. # والمقصود هنا الكلام ms012 على التركيب لفظا ومعنى، وبيان أن هؤلاء لهم فيه ~~اصطلاح مخالف لجمهور العقلاء، وأنهم مضطرون إلى الإقرار بثبوت ما نفوه، ~~ولكن هؤلاء يقولون: هذا اشتراك، والاشتراك تشبيه، ويقولون: هذه أجزاء، وهذا ~~تركيب من هذه الأجزاء، ثم إنهم لا يقدرون على # PageV01P016 # نفي هذا الذي سموه اشتراكا وتشبيها، ولا على نفي هذه الأمور التي سموها ~~أجزاء وتركيبا وتقسيما، فإنهم يقولون: هو عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ ولذة ~~وملتذ، وعاشق ومعشوق وعشق. # وقد يقولون: هو عالم قادر مريد، ثم يقولون: العلم هو القدرة، والقدرة هي ~~الإرادة، فيجعلون كل صفة هي الأخرى , ويقولون: العلم هو العالم وقد يقولون: ~~هو المعلوم فيجعلون الصفة هي الموصوف أو هي المخلوقات. # وهذه أقوال رؤسائهم، وهي في غاية الفساد في صريح المعقول، فهم مضطرون إلى ~~الإقرار بما يسمونه تشبيها وتركيبا، ويزعمون أنهم ينفون التشبيه والتركيب ~~والتقسيم؛ فليتأمل اللبيب كذبهم وتناقضهم وحيرتهم وضلالهم؛ ولهذا يؤول بهم ~~الأمر إلى الجمع بين النقيضين، أو الخلو عن النقيضين. ثم إنهم ينفون عن ~~الله ما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لزعمهم أن ذلك ~~تشبيه وتركيب. ويصفون أهل الإثبات بهذه الأسماء، وهم الذين ألزموها بمقتضى ~~أصولهم، ولا حيلة لهم في دفعها. فهم كما قال القائل: # رمتني بدائها وانسلت. # وهم لم يقصدوا هذا التناقض، ولكن أوقعتهم فيه قواعدهم الفاسدة المنطقية ~~التي زعموا فيها تركيب الموصوفات من صفاتها، ووجود الكليات المشتركة في ~~أعيانها. فتلك القواعد المنطقية الفاسدة التي جعلوها قوانين تمنع مراعاتها ~~الذهن أن يضل في فكره، أوقعتهم في هذا الضلال والتناقض ثم إن هذه القوانين ~~فيها ما هو صحيح لا ريب فيه، وذلك يدل على تناقضهم وجهلهم، فإنهم قد قرروا ~~في القوانين المنطقية أن الكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، ~~بخلاف الجزئي , وقرروا أيضا أن الكليات لا تكون كلية إلا في الأذهان؛ دون ~~الأعيان. وأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الذهن، وهذه قوانين ~~صحيحة. # ثم يدعون ما ادعاه أفضل متأخريهم؛ أن الواجب الوجود هو الوجود ms013 المطلق ~~بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي. # أو كما يقوله طائفة منهم: أنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ~~ثبوتي وسلبي، كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة الباطنية، المنتسبين إلى ~~التشيع، والمنتسبين إلى التصوف. # أو يقوله طائفة ثالثة: إنه الوجود المطلق لا بشرط، كما تقوله طائفة منهم. # وهم متفقون على أن المطلق بشرط الإطلاق عن الأمور الوجودية والعدمية لا ~~يكون # PageV01P017 # في الخارج موجودا، فالمطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي، أولى ألا يكون ~~موجودا. فإن المقيد بسلب الوجود والعدم نسبته إليهما سواء، والمقيد بسلب ~~الوجود يختص بالعدم دون الوجود، والمطلق لا بشرط إنما يوجد مطلقا في ~~الأذهان. # وإذا قيل: هو موجود في الخارج؛ فذلك بمعنى أنه يوجد في الخارج مقيدا، لا ~~أنه يوجد في الخارج مطلقا، فإن هذا باطل، وإن كانت طائفة تدعيه، فمن تصور ~~هذا تصورا تاما، علم بطلان قولهم، وهذا حق معلوم بالضرورة، فهذا القانون ~~الصحيح لم ينتفعوا به في إثبات وجود الرب، بل جعلوه مطلقا بشرط الإطلاق عن ~~النقيضين، أو عن الأمور الوجودية، أو لا بشرط، وذلك لا يتصور إلا في ~~الأذهان. # والقوانين الفاسدة أوقعتهم في ذلك التناقض والهذيان، وهم يفرون من ~~التشبيه بوجه من الوجوه؛ ثم يقولون: الوجود ينقسم إلى: واجب وممكن، فهما ~~مشتركان في مسمى الوجود، وكذلك لفظ الماهية، والحقيقة، والذات، ومهما قيل: ~~هو ينقسم إلى واجب وممكن، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فقد اشتركت ~~الأقسام في المعنى العام الكلي الشامل لما تشابهت فيه، فهذا تشبيه يقولون ~~به، وهم يزعمون أنهم ينفون كل ما يسمى تشبيها، حتى نفوا الأسماء، فكان ~~الغلاة من الجهمية والباطنية لا يسمونه شيئا فرارا من ذلك # وأي شيء أثبتوه، لزمهم فيه مثل ذلك، وإلا لزم ألا يكون وجود واجب الوجود ~~ممكنا، وقديما ومحدثا، وإن المحدث والممكن لابد له من قديم. ومن المعلوم ~~بالاضطرار أن الوجود فيه محدث ممكن، وأن المحدث الممكن لابد له من قديم، ~~واجب بنفسه، فثبوت النوعين ضروري لابد منه. # وحقيقة الأمر أن لفظ المطلق قد يعنى ms014 به ما هو كلي لا يمنع تصور معناه من ~~وقوع الشركة فيه. ويمتنع أن يكون شيئا موجودا في الخارج قائما بنفسه أو صفة ~~لغيره بهذا الاعتبار، فضلا عن أن يكون رب العالمين الأحد الصمد كذلك. # وقد يراد بالمطلق: المجرد عن الصفات الثبوتية، أو عن الثبوتية والسلبية ~~جميعا، والمطلق لا بشرط الإطلاق، وهذا إذا قدر جعل معينا خاصا لا كليا، ~~فإنه يمتنع وجوده في الخارج أعظم من امتناع الكليات المطلقة بشرط، لكونها ~~كلية، فإن تلك الكليات لها جزئيات موجودة في الخارج، والكليات مطابقة لها. # وأما وجود شيء مجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية وسلبية، فهذا يمتنع تحققه في ~~الخارج # PageV01P018 # كليا وجزئيا. وكذلك المجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية، بل هذا أولى ~~بالامتناع منه. وإذا كان هذا قد شارك سائر الموجودات في مسمى الوجود ولم ~~يميز عنها إلا بالقيود السلبية، وهي قد امتازت عنه بالقيود الوجودية، كان ~~كل ممكن في الوجود أكمل من هذا الذي زعموا أنه واجب الوجود، فإن الوجود ~~الكلي مشترك بينه وبينها، ولم يميز عنها إلا بعدم، وامتازت عنه بوجود، فكان ~~ما امتازت به عنه أكمل مما امتاز به هو عنها؛ إذ الوجود أكمل من العدم. # وأما إذا قيل: هو الوجود لا بشرط، فهذا هو الوجود الكلي والطبيعي المطابق ~~لكل موجود، وهذا لا يكون كليا إلا في الذهن. وأما في الخارج، فلا يوجد إلا ~~معينا، ومن الناس من قال: إن هذا الكلى جزء من المعينات. # فإن كان الأول هو الصواب، لزم أن يكون الموجود الواجب معدوما في الخارج ~~أو أن يكون عين الواجب عين الممكن، كما يقوله من يقوله من القائلين بوحدة ~~الوجود، وإن كان الثاني هو الصواب، لزم أن يكون وجوده جزءا من كل موجود، ~~فيكون الواجب الوجود جزءا من وجود الممكنات. # ومن المعلوم بصريح العقل أن جزء الشيء لا يكون هو الخالق له كله، بل ~~يمتنع أن يكون خالقا لنفسه، فضلا عن أن يكون خالقا لما هو بعضه؛ إذ الكل ~~أعظم من الجزء، فإذا امتنع أن يكون ms015 خالقا للجزء، فامتناع كونه خالقا للكل ~~أظهر وأظهر. # فصحيح المنطق لم ينتفعوا به في معرفة الله، وباطل المنطق أوقعهم في غاية ~~الكذب والجهل بالله، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] ~~، و {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] ، وهو ~~القائل: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} [الحديد: 25] ، وهو القائل: {كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين # PageV01P019 # وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ~~[البقرة: 213] ، # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من الليل ما رواه مسلم في ~~صحيحه : " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم ~~الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ". # فصل # وتمام الكلام في هذا الباب: أنك تعلم أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ~~ما شهدناه، فنحن نعرف أشياء بحسنا الظاهر أو الباطن، وتلك معرفة معينة ~~مخصوصة، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى في أذهاننا قضايا عامة ~~كلية، ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة ~~المشهود لنا. # فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعا وعطشا، وشبعا وريا وحبا وبغضا، ولذة وألما ~~ورضا وسخطا، لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا ذلك، وأخبرنا به عن ~~غيرنا. # وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد؛ حياة وقدرة، وعلما وكلاما، لم نفهم ما ~~نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك. وكذلك لو لم نشهد موجودا، ms016 لم نعرف وجود ~~الغائب عنا، فلابد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ ~~المتواطئ. فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ~~ونثبته، وهذا خاصة العقل. # ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه، ولم نعلم أمورا عامة ولا أمورا غائبة عن ~~أحاسيسنا الظاهرة والباطنة؛ ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف ~~حقيقته. # PageV01P020 # ثم إن الله تعالى أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من النعيم ~~والعذاب، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك. فلولا معرفتنا بما ~~يشبه ذلك في الدنيا، لم نفهم ما وعدنا به، ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ~~ليست مثل هذه، حتى قال ابن عباس رضي الله عنه : ليس في الدنيا مما في الجنة ~~إلا الأسماء، وهذا تفسير قوله: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] على أحد ~~الأقوال. # فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة ~~واشتراك من بعض الوجوه، وبه فهمنا المراد، وأحببناه ورغبنا فيه، أو أبغضناه ~~ونفرنا عنه، وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها في الدنيا. وهذا من ~~التأويل الذي لا نعلمه نحن، بل يعلمه الله تعالى ولهذا كان قول من قال: [إن ~~المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله] حقا، وقول من قال: [إن الراسخين في ~~العلم يعلمون تأويله] حقا. وكلا القولين مأثور عن السلف من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان. # فالذين قالوا: إنهم يعلمون تأويله، مرادهم بذلك أنهم يعلمون تفسيره ~~ومعناه، وإلا فهل يحل لمسلم أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ~~يعرف معنى ما يقوله ويبلغه من الآيات والأحاديث؟ ! بل كان يتكلم بألفاظ لها ~~معان لا يعرف معانيها؟ ! # ومن قال: إنهم لا يعرفون تأويله، أرادوا به الكيفية الثابتة التي اختص ~~الله بعلمها؛ ولهذا كان السلف كربيعة، ومالك بن أنس وغيرهما يقولون: ~~الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وهذا قول سائر السلف كابن الماجشون، والإمام ~~أحمد بن حنبل، وغيرهم. وفي غير ذلك من الصفات. فمعنى الاستواء معلوم، وهو ~~التأويل والتفسير الذي يعلمه الراسخون، والكيفية هي التأويل ms017 المجهول لبني ~~آدم وغيرهم، الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. # وكذلك ما وعد به في الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر الله به، وأما ~~كيفيته فقد قال تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما ~~كانوا يعملون} [السجدة: 17] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " يقول الله تعالى: ~~أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ~~". # PageV01P021 # فما أخبرنا الله به من صفات المخلوقين نعلم تفسيره ومعناه، ونفهم الكلام ~~الذي خوطبنا به، ونعلم معنى العسل واللحم واللبن، والحرير والذهب والفضة، ~~ونفرق بين مسميات هذه الأسماء وأما حقائقها على ما هي عليه، فلا يمكن أن ~~نعلمها نحن، ولا نعلم متي تكون الساعة؟ وتفصيل ما أعد الله عز وجل لعباده ~~لا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، بل هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا ~~الله تبارك وتعالى. # فإذا كان هذا في هذين المخلوقين، فالأمر بين الخالق والمخلوق أعظم؛ فإن ~~مباينة الله لخلقه وعظمته، وكبريائه وفضله، أعظم وأكبر مما بين مخلوق ~~ومخلوق. # فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق، بينهما من ~~التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا ولا يمكن أن نعلمه، بل هو من ~~التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى فصفات الخالق عز وجل أولى أن ~~يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله ~~تبارك وتعالى وأن يكون هذا من التأويل الذي لا يعلمه كل أحد؛ بل منه ما ~~يعلمه الراسخون، ومنه ما يعلمه الأنبياء والملائكة، ومنه ما لا يعلمه إلا ~~الله. # كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن التفسير على أربعة أوجه: ~~تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه ~~العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب. # ولفظ [التأويل] في كلام السلف لا يراد به إلا التفسير، أو الحقيقة ~~الموجودة في الخارج التي يئول إليها: ms018 كما في قوله تعالى: {هل ينظرون إلا ~~تأويله يوم يأتي تأويله} الآية [الأعراف: 53] . # وأما استعمال التأويل بمعنى: أنه صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى ~~الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به أو متأخر أو لمطلق الدليل، فهذا اصطلاح ~~بعض المتأخرين، ولم يكن في لفظ أحد من السلف ما يراد منه بالتأويل هذا ~~المعنى. # ثم لما شاع هذا بين المتأخرين، صاروا يظنون أن هذا هو التأويل في قوله ~~تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] . # ثم طائفة تقول: لا يعلمه إلا الله، وقالت طائفة: بل يعلمه الراسخون. ~~وكلتا الطائفتين غالطة؛ فإن هذا لا حقيقة له، بل هو باطل، والله يعلم ~~انتفاءه وأنه لم يرده. وهذا مثل تأويلات القرامطة الباطنية، والجهمية، ~~وغيرهم من أهل الإلحاد والبدع. وتلك التأويلات باطلة والله لم يردها ~~بكلامه، # PageV01P022 # وما لم يرده، لا نقول: إنه يعلم أنه مراده، فإن هذا كذب على الله عز وجل ~~والراسخون في العلم لا يقولون على الله تبارك وتعالى الكذب، وإن كنا مع ذلك ~~قد علمنا بطريق خبر الله عز وجل عن نفسه بل وبطريق الاعتبار أن لله المثل ~~الأعلى أن الله يوصف بصفات الكمال: موصوف بالحياة، والعلم، والقدرة، وهذه ~~صفات كمال. والخالق أحق بها من المخلوق، فيمتنع أن يتصف المخلوق بصفات ~~الكمال دون الخالق. # ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي، يقتضى من المواطأة ~~والموافقة والمشابهة ما به تفهم وتثبت هذه المعاني لله، لم نكن قد عرفنا عن ~~الله شيئا، ولا صار في قلوبنا إيمان به، ولا علم، ولا معرفة، ولا محبة، ولا ~~إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه، فإن جميع هذه الأمور لا تكون ~~إلا مع العلم، ولا يمكن العلم إلا بإثبات تلك المعاني، التي فيها من ~~الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا. # ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة، حصل له من العلم ~~والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ~~ما يصير به في هذا الباب ms019 من أفضل الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين، ومن سادة أهل العلم والإيمان، وتبين له أن القول في بعض [صفات ~~الله] كالقول في سائرها، وأن القول في صفاته كالقول في ذاته، وأن من أثبت ~~صفة دون صفة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع مشاركة أحدهما الأخرى ~~فيما به نفاها، كان متناقضا. # فمن نفي النزول والاستواء، أو الرضى والغضب، أو العلم والقدرة، أو اسم ~~العلىم أو القدير، أو اسم الموجود، فرار بزعمه من تشبيه وتركيب وتجسيم، ~~فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه لغيره فيما نفاه هو وأثبت المثبت. # فكل ما يستدل به على نفي النزول والاستواء والرضى والغضب، يمكن منازعه أن ~~يستدل بنظيره على نفي الإرادة، والسمع والبصر، والقدرة والعلم. وكل ما ~~يستدل به على نفي القدرة والعلم والسمع والبصر، يمكن منازعه أن يستدل ~~بنظيره على نفي العلىم والقدير، والسميع والبصير. وكل ما يستدل به على نفي ~~هذه الأسماء، يمكن منازعه أن يستدل به على نفي الموجود والواجب. # PageV01P023 # ومن المعلوم بالضرورة أنه لا بد من موجود قديم واجب بنفسه، يمتنع عليه ~~العدم؛ فإن الموجود: إما ممكن ومحدث، وإما واجب وقديم. والممكن المحدث لا ~~يوجد إلا بواجب قديم، فإذا كان ما يستدل به على نفي الصفات الثابتة يستلزم ~~نفي الموجود الواجب القديم، ونفي ذلك يستلزم نفي الموجود مطلقا، علم أن من ~~عطل شيئا من الصفات الثابتة بمثل هذا الدليل كان قوله مستلزما تعطيل ~~الموجود المشهود. # ومثال ذلك: أنه إذا قال: النزول والاستواء ونحو ذلك من صفات الأجسام، ~~فإنه لا يعقل النزول والاستواء إلا لجسم مركب، والله سبحانه منزه عن هذه ~~اللوازم، فيلزم تنزيهه عن الملزوم. أو قال: هذه حادثة، والحوادث لا تقوم ~~إلا بجسم مركب، وكذلك إذا قال: الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك هو من ~~صفات الأجسام. # فإنه يقال له: وكذلك الإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة من صفات ~~الأجسام، فإنا كما لا نعقل ما ينزل، ويستوى ويغضب ويرضى إلا جسم، لم نعقل ~~ما يسمع ms020 ويبصر ويريد، ويعلم ويقدر إلا جسما. # فإذا قيل: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليست كإرادتنا، ~~وكذلك علمه وقدرته. # قيل له: وكذلك رضاه ليس كرضانا، وغضبه ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ~~ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا. # فإذا قال: لا يعقل في الشاهد غضب إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام، ولا ~~يعقل نزول إلا الانتقال، والانتقال يقتضى تفريغ حيز وشغل آخر، فلو كان ~~ينزل، لم يبق فوق العرش رب. # قيل: ولا يعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه ~~وينفعه، ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره، والله سبحانه وتعالى كما ~~أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه الإلهي: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي ~~فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني "؛ فهو منزه عن الإرادة التي لا يعقل في ~~الشاهد إلا هي. # وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد إلا بدخول صوت في الصماخ [الصماخ: خرق ~~الأذن، ويطلق على الأذن نفسها] ، وذلك لا يكون إلا في أجوف؛ والله سبحانه ~~أحد صمد منزه عن مثل ذلك، بل وكذلك البصر والكلام لا يعقل في الشاهد إلا في ~~محل أجوف، والله سبحانه أحد صمد منزه عن ذلك. # PageV01P024 # قال ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وخلق من السلف: الصمد: ~~الذي لا جوف له. وقال آخرون: هو السيد الذي كمل في سؤدده، وكلا القولين حق؛ ~~فإن لفظ [الصمد] في اللغة يتناول هذا وهذا، والصمد في اللغة السيد، و ~~[الصمد] أيضا المصمد، والمصمد المصمت، وكلاهما معروف في اللغة. # ولهذا قال يحيى بن أبي كثير: الملائكة صمد، والآدميون جوف. وهذا أيضا ~~دليل آخر؛ فإنه إذا كانت الملائكة وهم مخلوقون من النور كما ثبت في صحيح ~~مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خلقت ~~الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم " فإذا كانوا ~~مخلوقين من نور، وهم لا يأكلون ولا يشربون، بل هم صمد ليسوا جوفا كالإنسان، ~~وهم يتكلمون ويسمعون ويبصرون ويصعدون ms021 وينزلون كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة، ~~وهم مع ذلك لا تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات الإنسان وفعله؛ فالخالق تعالى ~~أعظم مباينة لمخلوقاته من مباينة الملائكة للآدميين؛ فإن كليهما مخلوق. ~~والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من المخلوق إلى الخالق سبحانه وتعالى. # وكذلك [روح ابن آدم] ، تسمع وتبصر وتتكلم وتنزل وتصعد، كما ثبت ذلك ~~بالنصوص الصحيحة، والمعقولات الصريحة، ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات ~~البدن وأفعاله. # فإذا لم يجز أن يقال: إن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي هو ~~الجسد، وهي مقرونة به وهما جميعا الإنسان، فإذا لم يكن روح الإنسان مماثلا ~~للجسم الذي هو بدنه، فكيف يجوز أن يجعل الرب تبارك وتعالى وصفاته وأفعاله ~~مثل الجسم وصفاته وأفعاله؟ ! # فإن أراد النافي التزام أصله؛ وقال: أنا أقول: ليس له كلام يقوم به، بل ~~كلامه مخلوق، قيل له: فيلزمك في السمع والبصر، فإن البصريين من المعتزلة ~~يثبتون الإدراك. فإن قال: أنا أقول بقول البغداديين منهم، فلا أثبت له سمعا ~~ولا بصرا ولا كلاما يقوم به، بل أقول كلامه مخلوق من مخلوقاته؛ لأن إثبات ~~ذلك تجسيم وتشبيه، بل ولا أثبت له إرادة كما لا يثبتها البغداديون، بل ~~أجعلها سلبا أو إضافة فأقول: معنى كونه مريدا أنه غير مغلوب ولا مكره، أو ~~بمعنى كونه خالقا وآمرا. قيل له: فيلزمك ذلك في كونه حيا # PageV01P025 # عالما قادرا، فإن المعتزلة مطبقة على إثبات أنه حي عالم قادر، وقيل له: ~~أنت لا تعرف حيا عالما قادرا إلا جسما؛ فإذا جعلته حيا عالما قادرا، لزمك ~~التجسيم والتشبيه. فإن زاد في التعطيل وقال: أنا لا أقول بقول المعتزلة، بل ~~بقول الجهمية المحضة، والباطنية من الفلاسفة، والقرامطة فأنفي الأسماء مع ~~الصفات، ولا أسميه حيا ولا عالما ولا قادرا ولا متكلما إلا مجازا بمعنى ~~السلب والإضافة، أي: هو ليس بجاهل ولا عاجز، وجعل غيره عالما قادرا. قيل ~~له: فيلزمك ذلك في كونه موجودا واجبا بنفسه قديما فاعلا؛ فإن جهما قد قيل: ~~إنه كان يثبت كونه فاعلا قادرا؛ لأن الإنسان عنده ليس بقادر ولا ms022 فاعل، فلا ~~تشبيه عنده في ذلك. وإذا وصل إلى هذا المقام، فلابد له أن يقول بقول طائفة ~~منهم، فيقول: أنا لا أصفه بصفة وجود ولا عدم، فلا أقول موجود ولا معدوم، أو ~~لا موجود ولا غير موجود، بل أمسك عن النقيضين فلا أتكلم لا بنفي ولا إثبات. # وإما أن يقول: أنا لا أصفه قط بأمر ثبوتي بل بالسلبي؛ فلا أقول: موجود بل ~~أقول: ليس بمعدوم. # وإما أن يقال: بل هو معدوم، فالقسمة حاصرة. فإنه إما أن يصفه بأمر ثبوتي ~~فيلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم، وإما أن يقول: لا أصفه بالثبوت ~~بل بسلب العدم، فلا أقول: موجود بل ليس بمعدوم. # وإما أن يلتزم التعطيل المحض فيقول: ما ثم وجود واجب؛ فإن قال بالأول ~~وقال: لا أثبت واحدا من النقيضين؛ لا الوجود ولا العدم. قيل: هب أنك تتكلم ~~بذلك بلسانك، ولا تعتقد بقلبك واحدا من الأمرين، بل تلتزم الإعراض عن معرفة ~~الله وعبادته وذكره، فلا تذكره قط ولا تعبده ولا تدعوه ولا ترجوه ولا ~~تخافه، فيكون جحدك له أعظم من جحد إبليس الذي اعترف به، فامتناعك من إثبات ~~أحد النقيضين لا يستلزم رفع النقيضين في نفس الأمر؛ فإن النقيضين لا يمكن ~~رفعهما، بل في نفس الأمر لابد أن يكون الشيء أي شيء كان إما موجودا وإما ~~معدوما، إما أن يكون، وإما ألا يكون، وليس بين النفي والإثبات واسطة # PageV01P026 # أصلا. ونحن نذكر ما في نفس الأمر سواء جحدته أنت أو اعترفت به، وسواء ~~ذكرته أو أعرضت عنه؛ فإعراض الإنسان عن رؤية الشمس والقمر والكواكب والسماء ~~لا يدفع وجودها، ولا يدفع ثبوت أحد النقيضين، بل بالضرورة [الشمس] إما ~~موجودة، وإما معدومة، فإعراض قلبك ولسانك عن ذكر الله كيف يدفع وجوده ويوجب ~~رفع النقيضين؟ ! فلا بد أن يكون إما موجودا وإما معدوما في نفس الأمر. ~~وكذلك من قال: أنا لا أقول: موجود؛ بل أقول: ليس بمعدوم؛ فإنه يقال: سلب ~~أحد النقيضين إثبات للآخر، فأنت غيرت العبارة؛ إذ قول القائل: ليس بمعدوم، ~~يستلزم أن ms023 يكون موجودا، فأما إذا لم يكن معدوما، إما أن يكون موجودا، وإما ~~ألا يكون لا موجودا ولا معدوما. # وهذا [القسم الثالث] يوجب رفع النقيضين، وهو مما يعلم فساده بالضرورة، ~~فوجب أنه إذا لم يكن معدوما أن يكون موجودا. # وإن قال: بل التزم أنه معدوم. قيل له: فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل وجود ~~موجودات، ومن المعلوم أيضا أن منها ما هو حادث بعد أن لم يكن، كما نعلم نحن ~~أنا حادثون بعد عدمنا، وأن السحاب حادث، والمطر والنبات حادث، والدواب ~~حادثة، وأمثال ذلك من الآيات التي نبه الله تعالى عليها بقوله: {إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها ~~من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون} [البقرة: 146] . # وهذه الحوادث المشهودة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها؛ فإن ما وجب ~~وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فدل وجودها ~~بعد عدمها على أنها يمكن وجودها ويمكن عدمها، فإن كليهما قد تحقق فيها، ~~فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ممكن. فنقول حينئذ: الموجود ~~والمحدث # PageV01P027 # الممكن لابد له من موجد قديم واجب بنفسه، فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه، ~~كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه، وهذا من أظهر المعارف الضرورية؛ فإن ~~الإنسان بعد قوته ووجوده لا يقدر أن يزيد في ذاته عضوا، ولا قدرا، فلا يقصر ~~الطويل ولا يطول القصير، ولايجعل رأسه أكبر مما هو ولا أصغر، وكذلك أبواه ~~لا يقدران على شيء من ذلك. # ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لابد له من محدث، وهذه قضية ~~ضرورية معلومة بالفطرة، حتى للصبيان؛ فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا ~~يبصره لقال: من ضربني؟ فلو قيل له: لم يضربك أحد، لم يقبل عقله أن تكون ~~الضربة حدثت من غير محدث، بل يعلم أنه لابد للحادث من محدث. فإذا قيل: فلان ~~ضربك، بكي ms024 حتى يضرب ضاربه، فكان في فطرته الإقرار بالصانع وبالشرع الذي ~~مبناه على العدل ولهذا قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} ~~[الطور: 35] . # وفي الصحيحين: عن جبير بن مطعم؛ أنه لما قدم في فداء أسارى بدر قال: وجدت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور. قال: فلما سمعت هذه ~~الآية: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} أحسست بفؤادي قد انصدع. # وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره الله بصيغة استفهام الإنكار، ليبين أن هذه ~~المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها، يقول: {أم خلقوا من غير شيء} أي: ~~من غير خالق خلقهم، أم هم خلقوا أنفسهم؟ ! وهم يعلمون أن كلا النقيضين ~~باطل، فتعين أن لهم خالقا خلقهم سبحانه وتعالى. # وهنا طرق كثيرة مثل أن يقال: الوجود إما قديم وإما محدث، والمحدث لابد له ~~من قديم، والموجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب ونحو ذلك. ~~وعلى كل تقدير، فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب بنفسه، وموجود ممكن ~~محدث كائن بعد أن لم يكن. وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود، وهو لا يعقل ~~موجود في الشاهد إلا جسما، فلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم الذي ~~ادعاه. # فعلم أن من نفي شيئا من صفات الله بمثل هذه الطريقة، فإن نفيه باطل، ولو ~~لم يرد الشرع بإثبات ذلك، ولا دل أيضا عليه العقل. فكيف ينفي بمثل ذلك ما ~~دل الشرع والعقل # PageV01P028 # على ثبوته؟ ! فيتبين أن كل من نفي شيئا من الصفات لأن ذلك يستلزم التشبيه ~~والتجسيم لزمه ما ألزم به غيره. وحينئذ فيكون الجواب مشارك. وأيضا، فإذا ~~كان هذا لازما على كل تقدير، علم أن الاستدلال به على نفي الملزوم باطل؛ ~~فإن الملزوم موجود لا يمكن نفيه بحال؛ ولهذا لا يوجد الاستدلال بمثل هذا في ~~كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها، وإنما هو مما أحدثته الجهمية والمعتزلة، ~~وتلقاه عنهم كثير من الناس: ينفي عن الرب ما يجب نفيه عن الرب؛ مثل أن ينفي ~~عنه ms025 النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها؛ كالجهل، والعجز، والحاجة وغير ذلك. ~~وهذا تنزيه صحيح، ولكن يستدل عليه بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه فيعارض ~~بما أثبته؛ فيلزمه التناقض. # ومن هنا دخلت [الملاحدة الباطنية] على المسلمين، حتى ردوا عن الإسلام ~~خلقا عظيما صاروا يقولون لمن نفي شيئا عن الرب مثل من ينفي بعض الصفات، أو ~~جميعها أو الأسماء الحسنى : ألم تنف هذا لئلا يلزم التشبيه والتجسيم؟ ! ~~فيقول: بلي! فيقول: وهذا اللازم يلزمك فيما أثبته، فيحتاج أن يوافقهم على ~~النفي شيئا بعد شيء حتى ينتهي أمره إلى ألا يعرف الله بقلبه، ولا يذكره ~~بلسانه، ولا يعبده، ولا يدعوه وإن كان لا يجزم بعدمه، بل يعطل نفسه عن ~~الإيمان به، وقد عرف تناقض هؤلاء. # وإن التزم تعطيله وجحده موافقة لفرعون، كان تناقضه أعظم؛ فإنه يقال له: ~~فهذا العالم الموجود إذا لم يكن له صانع كان قديما أزليا واجبا بنفسه ومن ~~المعلوم أن فيه حوادث كثيرة كما تقدم وحينئذ ففي الوجود قديم ومحدث وواجب ~~وممكن، وحينئذ فيلزمك أن يكون ثم موجودان: أحدهما قديم واجب. والآخر: محدث ~~ممكن. # فيلزمك ما فررت منه من التشبيه والتجسيم، بل هذا يلزمك بصريح قولك، فإن ~~العالم المشهود جسم تقوم به الحركات؛ فإن الفلك جسم، وكذلك الشمس والقمر ~~والكواكب أجسام تقوم بها الحركات والصفات، فجحدت رب العالمين لئلا تجعل ~~القديم الواجب جسما تقوم به الصفات والحركات؟ ! ثم في آخر أمرك جعلت القديم ~~الأزلي الواجب الوجود بنفسه أجسام متعددة، تشبه غيرها من وجوه كثيرة تقوم ~~بها الصفات والحركات، # PageV01P029 # مع ما فيها من الافتقار والحاجة. فإن الشمس والقمر والكواكب محتاجة إلى ~~محالها التي هي فيها، ومواضعها التي تحملها وتدور بها، والأفلاك كل منها ~~محتاج إلى ما سواه، إلى غير ذلك من دلائل نقصها وحاجتها! # والمقصود هنا أن هذا الذي فر من أن يجعل القديم الواجب موجودا وموصوفا ~~بصفات الكمال، لئلا يلزم ما ذكره من التشبيه والتجسيم، وجعل نفي هذا اللازم ~~دليلا على نفي ما جعله ملزوما له لزمه في آخر الأمر ما فر ms026 منه من جعله ~~الموجود الواجب جسما يشبه غيره، مع أنه وصفه بصفات النقص التي يجب تنزيه ~~الرب عنها، ومع أنه جحد الخالق جل جلاله فلزمه مع الكفر الذي هو أعظم من ~~كفر عامة المشركين، فإنهم كانوا يقرون بالصانع مع عبادتهم لما سواه، ولزمه ~~مع هذا أنه من أجهل بني آدم وأفسدهم عقلا ونظرا، وأشدهم تناقضا. # وهكذا يفعل الله بالذين يلحدون في أسمائه وآياته مع دعوى النظر والمعقول ~~والبرهان والقياس كفرعون وأتباعه قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم ~~بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما ~~كيد الكافرين إلا في ضلال وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف ~~أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد وقال موسى إني عذت بربي وربكم من ~~كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف ~~كذاب يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في # PageV01P030 # الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ~~وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما ~~للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله ~~من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما ~~زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك ~~يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ~~كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على ms027 كل قلب متكبر جبار ~~وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع ~~إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل ~~وما كيد فرعون إلا في تباب} [غافر: 2337] . # وقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ولقد ~~آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل لكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب فاصبر ~~إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار إن الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في دورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} [غافر: 51 56] . # وسبب ذلك: أن لفظ [الجسم] و [التشبيه] فيه إجمال واشتباه كما سنبينه إن ~~شاء الله تعالى فإن هؤلاء النفاة لا يريدون بالجسم الذي نفوه ما هو المراد ~~بالجسم في اللغة، فإن الموصوف بالصفات لا يجب أن يكون هو الجسم الذي في ~~اللغة، كما نقله أهل اللغة باتفاق العقلاء، وسنأتي بذلك، وإنما يريدون ~~بالجسم ما اعتقدوه أنه مركب من أجزاء، واعتقدوا # PageV01P031 # أن كل ما تقوم به الصفات فهو مركب من أجزاء، وهذا الاعتقاد باطل. بل الرب ~~موصوف بالصفات، وليس جسما مركبا لا من الجواهر المفردة ولا من المادة ~~والصورة، كما يدعون، كما سنبينه إن شاء الله تعالى فلا يلزم من ثبوت الصفات ~~لزوم ما ادعوه من المحال، بل غلطوا في هذا التلازم. وأما ما هو لازم لا ريب ~~فيه، فذاك يجب إثباته لا يجوز نفيه عن الله تعالى فكان غلطهم باستعمال لفظ ~~مجمل، وإحدى المقدمتين باطلة: إما الأولى وإما الثانية، كما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى. وهذه قواعد مختصرة جامعة، وهي مبسوطة في مواضع أخرى. # فصل # إذا تبين هذا فقول السائل: كيف ينزل؟ بمنزلة قوله: كيف استوى؟ وقوله: كيف ~~يسمع؟ وكيف يبصر؟ وكيف يعلم ويقدر؟ وكيف يخلق ويرزق؟ وقد تقدم الجواب عن ~~مثل هذا السؤال من أئمة الإسلام مثل: مالك بن ms028 أنس، وشيخه ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن؛ فإنه قد روى من غير وجه أن سائلا سأل مالكا عن قوله: {الرحمن على ~~العرش استوى} [طه: 5] : كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء [أي: ~~العرق] ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال ~~عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء؛ ثم أمر به فأخرج. # ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك، وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة ~~رضي الله عنها موقوفا ومرفوعا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه، وهكذا سائر ~~الأئمة، قولهم يوافق قول مالك: في أنا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم ~~كيفية ذاته، ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب، فنعلم معنى الاستواء، ~~ولا نعلم كيفيته، وكذلك نعلم معنى النزول، ولا نعلم كيفيته، ونعلم معنى ~~السمع والبصر والعلم والقدرة، ولا نعلم كيفية ذلك، ونعلم معنى الرحمة ~~والغضب والرضا والفرح والضحك، ولا نعلم كيفية ذلك. # وأما سؤال السائل: هل يخلو منه العرش أم لا يخلو منه؟ وإمساك المجيب عن ~~هذا لعدم علمه بما يجيب به فإنه إمساك عن الجواب بما لم يعلم حقيقته، وسؤال ~~السائل له عن هذا إن كان # PageV01P032 # نفيا لما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم، فخطأ منه، وإن كان استرشادا، ~~فحسن، وإن كان تجهيلا للمسؤول، فهذا فيه تفصيل؛ فإن المثبت الذي لم يثبت ~~إلا ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم ونفي علمه بالكيفية، فقوله سديد لا ~~يرد عليه سؤاله، والمعترض الذي يعترض عليه بهذا السؤال، اعتراضه باطل؛ فإن ~~ذلك لا يقدح في جواب المجيب. # وقول المسؤول: هذا قول مبتدع ورأى مخترع حيدة منه عن الجواب يدل على جهله ~~بالجواب السديد، ولكن لا يدل هذا على أن نفي المعترض لما أخبر به الرسول ~~حق، ولا على أن تأويله بنزول أمره ورحمته تأويل صحيح. # ومما يبين ذلك: أن هذا المعترض إما أن يقر بأن الله فوق العرش، وإما ألا ~~يكون مقرا بذلك. فإن لم يكن مقرا بذلك، كان قوله: هل يخلو العرش منه أم ms029 لا ~~يخلو؟ كلاما باطلا؛ لأن هذا التقسيم فرع ثبوت كونه على العرش، وإن قال ~~المعترض: أنا ذكرت هذا التقسيم لأنفي نزوله وأنفي العلو؛ لأنه إن قال: يخلو ~~منه العرش، لزم أن يخلو من استوائه على العرش وعلوه عليه، وألا يكون وقت ~~النزول هو العلي الأعلى، بل يكون في جوف العالم والعالم محيط به. وإن قال: ~~إن العرش لا يخلو منه، قيل له: فإذا لم يخل العرش منه لم يكن قد نزل، فإن ~~نزوله بدون خلو العرش منه لا يعقل. فيقال لهذا المعترض: هذا الاعتراض باطل ~~لا ينفعك؛ لأن الخالق سبحانه وتعالى موجود بالضرورة والشرع والعقل ~~والاتفاق، فهو إما أن يكون مباينا للعالم فوقه، وإما أن يكون مداخلا للعالم ~~محايثا، وإما أن يكون لا هذا ولا هذا. # فإن قلت: إنه محايث للعالم بطل قولك، فإنك إذا جوزت نزوله وهو بذاته في ~~كل مكان، لم يمتنع عندك خلو ما فوق العرش منه، بل هو دائما خال منه. لأنه ~~هناك ليس عندك شيء، ثم يقال لك: وهل يعقل مع هذا أن يكون في كل مكان وأنه ~~مع هذا ينزل إلى السماء الدنيا؟ فإن قلت: نعم، قيل لك: فإذا نزل، هل يخلو ~~منه بعض الأمكنة أو لا يخلو؟ فإن قلت: يخلو منه بعض الأمكنة، كان هذا نظير ~~خلو العرش منه. فإن قلت: # PageV01P033 # لا يخلو منه مكان، كان هذا نظير كون العرش لا يخلو منه. فإن جوزت هذا، ~~كان لخصمك أن يجوز هذا. # فقد لزمك على قولك ما يلزم منازعك، بل قولك أبعد عن المعقول؛ لأن نزول من ~~هو فوق العالم أقرب إلى المعقول من نزول من هو حال في جميع العالم، فإن ~~نزول هذا لا يعقل بحال، وما فررت منه من الحلول وقعت في نظيره، بل منازعك ~~الذي يجوز أن يكون فوق العالم وهو أعظم عنده من العالم وينزل إلى العالم ~~أشد تعظيما لله منك، ويقال له: هل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما أحدهما ~~محايث للآخر؟ فإن قال: لا، بطل قوله. وإن قال: نعم، قيل ms030 له: فليعقل أنه فوق ~~العرش وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش، فإن هذا أقرب إلى ~~العقل مما إذا قلت: إنه حال في العالم. # وإن قلت: إنه لا مباين للعالم ولا مداخل له. قيل لك: فهل يعقل موجودان ~~قائمان بأنفسهما ليس أحدهما مباينا للآخر ولا محايثا له؟ فإن جمهور العقلاء ~~يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة، فإذا قال: نعم يعقل ذلك، فيقال له: ~~فإن جاز وجود موجود قائم بنفسه ليس هو مباينا للعالم ولا محايثا له، فوجود ~~مباين للعالم ينزل إلى العالم ولا يخلو منه ما فوق العالم أقرب إلى ~~المعقول؛ فإنك إن كنت لا تثبت من الوجود إلا ما تعقل له حقيقة في الخارج، ~~فأنت لا تعقل في الخارج موجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما داخلا في الآخر ~~ولا محايثا له، وإن كنت تثبت ما لا تعقل حقيقته في الخارج، فوجود موجودين ~~أحدهما مباين للآخر أقرب إلى المعقول، ونزول هذا من غير خلو ما فوق العرش ~~منه أقرب إلى المعقول من كونه لا فوق العالم ولا داخل العالم، فإن حكمت ~~بالقياس، فالقياس عليك لا لك، وإن لم تحكم به، لم يصح استدلالك على منازعك ~~به. # وأما قول السائل: ليس هذا جوابي بل هو حيدة عن الجواب، فيقال له: الجواب ~~على وجهين: جواب معترض ناف لنزوله وعلوه، وجواب مثبت لنزوله وعلوه، وأنت لم ~~تسأل سؤال مستفت، بل سألت سؤال معترض ناف. وقد تبين لك أن هذا الاعتراض ~~ساقط لا ينفعك، فإنه سواء قيل: إنه يخلو منه العرش أو قيل: لا يخلو # PageV01P034 # منه العرش، ليس في ذلك ما يصحح قولك: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا ~~قولك إنه بذاته في كل مكان. وإذا بطل هذان القولان تعين الثالث، وهو: أنه ~~سبحانه وتعالى فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه، وإذا كان كذلك، بطل قول ~~المعترض. # هذا إن كان المعترض غير مقر بأنه فوق العرش، وقد سئل بعض أئمة نفاة العلو ~~عن النزول، فقال: ينزل أمره. فقال له السائل: فممن ms031 ينزل؟ ما عندك فوق ~~العالم شيء فممن ينزل الأمر؟ من العدم المحض! ! فبهت. # وإن كان المعترض من المثبتة للعلو، ويقول: إن الله فوق العرش، لكن لا يقر ~~بنزوله، بل يقول بنزول ملك أو يقول بنزول أمره الذي هو مأمور به، وهو مخلوق ~~من مخلوقاته؛ فيجعل النزول مفعولا محدثا يحدثه الله في السماء، كما يقال ~~مثل ذلك في استوائه على العرش، فيقال له: هذا التقسيم يلزمك فإنك إن قلت: ~~إذا نزل يخلو منه العرش، لزم المحذور الأول، وإن قلت: لا يخلو منه العرش، ~~أثبت نزولا مع عدم خلو العرش منه، وهذا لا يعقل على أصلك. # وإن قال: إنما أثبت ذلك في بعض مخلوقاته، قيل له: أي شيء أثبته مع عدم ~~فعل اختياري يقوم بنفسه كان غير معقول من هذا الخطاب؛ لا يمكن أن يراد به ~~أصلا، مع تحريف الكلم عن مواضعه، فجمعت بين شيئين: بين أن ما أثبته لا يمكن ~~أن يعقل من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين أنك حرفت كلام الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. فإن قلت: الذي ينزل ملك. قيل: هذا باطل من وجوه: # منها: أن الملائكة لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض، كما قال ~~تعالى: {ينزل الملآئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده} [النحل: 2] ، ~~وقال تعالى: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} [مريم: 64] . # وفي الصحيحين: عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ~~ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، ~~فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، ~~وتركناهم وهم يصلون". # وكذلك ثبت في الصحيح: عن # PageV01P035 # أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن لله ملائكة سياحين ~~فضل، يتتبعون مجالس الذكر. فإذا مروا على قوم يذكرون الله تعالى ينادون: ~~هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ". قال: " فيسألهم ~~ربهم وهو أعلم بهم : ما يقول عبادي؟ " قال: " فيقولون: ms032 يسبحونك ويكبرونك ~~ويحمدونك ويمجدونك ". # وفي رواية لمسلم: " إن لله ملائكة سيارة، فضلا عن كتاب الناس، يتبعون ~~مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر، قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا حتى ~~يملؤوا ما بينهم وبين سماء الدنيا، فإذا تفرقوا، عرجوا أو صعدوا إلى السماء ~~". قال: " فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم : من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا ~~من عند عبادك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك، ويسألونك ". ~~الحديث بطوله. # الوجه الثاني أنه قال فيه: "من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من ~~يستغفرني فأغفرله؟ ". وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك عن الله، بل الذي ~~يقول الملك: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا ~~أحب الله العبد نادى جبريل أني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في ~~السماء أن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في ~~الأرض "، وذكر في البغض مثل ذلك. # فالملك إذا # PageV01P036 # نادى عن الله لا يتكلم بصيغة المخاطب، بل يقول: إن الله أمر بكذا أوقال ~~كذا. وهكذا إذا أمر السلطان مناديا ينادي فإنه يقول: يامعشر الناس، أمر ~~السلطان بكذا، ونهى عن كذا، ورسم بكذا، لا يقول: أمرت بكذا، ونهيت عن كذا، ~~بل لو قال ذلك بودر إلى عقوبته. # وهذا تأويل من التأويلات القديمة للجهمية، فإنهم تأولوا تكليم الله لموسى ~~عليه السلام بأنه أمر ملكا فكلمه، فقال لهم أهل السنة: لو كلمه ملك لم يقل: ~~{إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] ، بل ~~كان يقول كما قال المسيح عليه السلام: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 117] . # فالملائكة رسل الله إلى الأنبياء تقول كما كان جبريل عليه السلام ~~يقوللمحمد صلى الله عليه وسلم: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ~~وما خلفنا وما بين ذلك} [مريم: 64] ويقول: إن الله يأمرك بكذا ويقول كذا، ~~لا يمكن أن يقول ملك من الملائكة: {إنني أنا الله لا إله ms033 إلا أنا فاعبدني} ~~[طه: 14] ، ولا يقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من ~~يستغفرني فأغفر له؟ "، ولا يقول: لا يسأل عن عبادي غيري، كما رواه النسائي ~~وابن ماجة وغيرهما، وسندهما صحيح أنه يقول: " لا أسأل عن عبادي غيري ". # وهذا أيضا مما يبطل حجة بعض الناس، فإنه احتج بما رواه النسائي في بعض ~~طرق الحديث أنه يأمر مناديا فينادي، فإن هذا إن كان ثابتا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإن الرب يقول ذلك، ويأمر مناديا بذلك، لا أن المنادي ~~يقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ "، ومن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~المنادي يقول ذلك، فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فإنه مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفا عن سلف ~~فاسد في المعقول، فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم [ينزل] ~~بالضم، وكما قرأ بعضهم: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] ، ونحو ذلك ~~من تحريفهم اللفظ والمعنى. # PageV01P037 # وإن تأول ذلك بنزول رحمته أو غير ذلك، قيل: الرحمة التي تثبتها إما أن ~~تكون عين قائمة بنفسها، وإما أن تكون صفة قائمة في غيرها. # فإن كانت عينا وقد نزلت إلى السماء الدنيا، لا يمكن أن تقول: من يدعوني ~~فأستجيب له؟ كما لا يمكن الملك أن يقول ذلك. # وإن كانت صفة من الصفات، فهي لا تقوم بنفسها، بل لابد لها من محل. ثم لا ~~يمكن الصفة أن تقول هذا الكلام ولا محلها. ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء ~~الدنيا ولم تنزل إلينا، فأي منفعة لنا في ذلك؟ # وإن قال: بل الرحمة ما ينزله على قلوب قوام الليل في تلك الساعة، من ~~حلاوة المناجاة والعبادة، وطيب الدعاء والمعرفة، وما يحصل في القلوب من ~~مزيد المعرفة بالله والإيمان به وذكره وتجليه لقلوب أوليائه، فإن هذا أمر ~~معروف يعرفه قوام الليل، قيل له: حصول هذا في القلوب حق، لكن هذا ينزل إلى ~~الأرض إلى قلوب عباده لا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يصعد بعد ms034 نزوله، وهذا ~~الذي يوجد في القلوب يبقى بعد طلوع الفجر، لكن هذا النور والبركة والرحمة ~~التي في القلوب، هي من آثار ما وصف به نفسه من نزوله بذاته سبحانه وتعالى. # كما وصف نفسه بالنزول عشية عرفة في عدة أحاديث صحيحة، وبعضها في صحيح ~~مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من ~~يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وأنه عز وجل ~~ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ "، وعن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم ~~عرفة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة فيقول: انظروا ~~إلى عبادي أتونى شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق " [والشعث: هو اغبرار ~~الرأس، والغبر: هو التراب، والغبرة: لونه] . وعن أم سلمة رضي الله عنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # PageV01P038 # " إن الله ينزل إلى السماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة ويقول: ~~انظروا إلى عبادي، أتونى شعثا غبرا " فوصف أنه يدنو عشية عرفة إلى السماء ~~الدنيا، ويباهي الملائكة بالحجيج فيقول: " انظروا إلى عبادي أتوني شعثا ~~غبرا ما أراد هؤلاء؟ " فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على ~~قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه، لكن ليس ~~هذا الذى في قلوبهم هو الذى يدنو إلى السماء الدنيا، ويباهي الملائكة ~~بالحجيج. # والجهمية ونحوهم من المعطلة، إنما يثبتون مخلوقا بلا خالق، وأثرا بلا ~~مؤثر، ومفعولا بلا فاعل، وهذا معروف من أصولهم، وهذا من فروع أقوال ~~الجهمية. # وأيضا , فيقال له: وصف نفسه بالنزول كوصفه في القرآن بأنه {هو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} [الحديد: 4] وبأنه استوى ~~إلى السماء وهي دخان، وبأنه نادى موسى وناجاه في البقعة المباركة من الشجرة ~~, وبالمجيء والإتيان في قوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] , ~~وقال: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم ms035 الملآئكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ~~ربك} [الأنعام: 158] . # والأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إتيان الرب يوم ~~القيامة كثيرة , وكذلك إتيانه لأهل الجنة يوم الجمعة، وهذا مما احتج به ~~السلف على من ينكر الحديث، فبينوا له أن القرآن يصدق معنى هذا الحديث , كما ~~احتج به إسحاق بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد الله بن طاهر ~~أمير خراسان. # قال أبو عبد الله الرباطي: حضرت يوما مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات ~~يوم , وحضر إسحاق بن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ فقال: نعم، ~~فقال له بعض # PageV01P039 # قواد عبد الله: يا أبا يعقوب , أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، ~~قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته فوق , حتى أصف لك النزول , فقال له الرجل: أثبته ~~فوق , فقال له إسحاق: قال الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: ~~22] فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة! فقال ~~إسحاق: أعز الله الأمير , ومن يجيء يوم القيامة , من يمنعه اليوم؟ ! . # ثم بعد هذا، إذا نزل: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ هذه مسألة أخرى تكلم ~~فيها أهل الإثبات. # فمنهم من قال: لا يخلو منه العرش , ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في ~~رسالته إلى مسدد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد ~~الدارمي، وغيرهم. # ومنهم من أنكر ذلك، وطعن في هذه الرسالة , وقال: راويها عن أحمد بن حنبل ~~مجهول لا يعرف. # والقول الأول معروف عند الأئمة , كحماد بن زيد، وإسحاق بن راهويه ~~وغيرهما، قال الخلال في [كتاب السنة] : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، ثنا ~~أحمد بن محمد المقدمي، ثنا سليمان بن حرب، قال: سأل بشر بن السري حماد بن ~~زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا " ~~يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد , ثم قال: هو في مكانه يقرب من ~~خلقه كيف شاء. ورواه ابن بطة في كتاب ms036 [الإبانة] فقال: حدثني أبو القاسم حفص ~~بن عمر الأردبيلي، حدثنا أبو حاتم الرازي , حدثنا سليمان بن حرب، قال: سأل ~~بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء "ينزل ~~الله إلى سماء الدنيا " أيتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد , ثم ~~قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء , وقال ابن بطة: وحدثنا أبو بكر ~~النجاد، ثنا أحمد بن على الأبار [هو أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الأبار ~~, الحافظ المتقن، من علماء الأثر ببغداد , وكان من أزهد الناس، وتوفي سنة ~~092ه] ، ثنا على بن خشرم [هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي ~~الأثرم، أحد الأعلام ومصنف السنن، له مصنفات في علل الحديث، وثقه ابن حبان، ~~وتكلم فيه غيره، مات سنة 273ه وقيل غير ذلك] .، قال: قال إسحاق بن راهويه: ~~دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟ قلت: أي ~~شيء، أصلح الله الأمير؟ قال: تروون أن # PageV01P040 # الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ ! قلت: نعم، رواها الثقات الذين يروون ~~الأحكام. قال: أينزل ويدع عرشه؟ قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو ~~العرش منه. قال: نعم. قلت: ولم تتكلم في هذا؟ ! # وقد رواها اللالكائي أيضا بإسناد منقطع، واللفظ مخالف لهذا. وهذا الإسناد ~~أصح، وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما أئمة ثقات. فحماد بن زيد ~~يقول: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء، فأثبت قربه إلى خلقه مع كونه فوق ~~عرشه، وعبد الله بن طاهر وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن ~~الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه ~~العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من ~~غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم، فقال له إسحاق: لم تتكلم في ~~هذا؟ يقول: فإذا كان قادرا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا ~~يجوز أن يعترض ms037 على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من ~~اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا. # ونظيره ما رواه أبو بكر الأثرم في [السنة] قال: حدثنا إبراهيم بن الحارث ~~يعني العبادي قال: حدثني الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: ~~سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، ~~فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. أراد الفضيل بن عياض رحمه الله مخالفة ~~الجهمي الذي يقول: إنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية فلا يتصور منه إتيان، ~~ولا مجيء، ولا نزول، ولا استواء، ولا غير ذلك من الأفعال الاختيارية ~~القائمة به. فقال الفضيل: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر بربيزول عن مكانه، ~~فقل: أنا أومن برب يفعل ما شاء. فأمره أن يؤمن بالرب الذي يفعل ما يشاء من ~~الأفعال القائمة بذاته التي يشاؤها، لم يرد من المفعولات المنفصلة عنه. # ومثل ذلك ما يروى عن الأوزاعي وغيره من السلف، أنهم قالوا في حديث ~~النزول: يفعل # PageV01P041 # الله ما يشاء. قال اللالكائي: حدثنا المسير بن عثمان , حدثنا أحمد بن ~~الحسين، ثنا أحمد بن على الأبار، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا سمعت ~~الجهمي يقول: أنا أكفر برب ينزل , فقل: أنا أومن برب يفعل ما يريد، فإن بعض ~~من يعظمهم وينفي قيام الأفعال الاختيارية به كالقاضي أبي بكر , ومن اتبعه، ~~وابن عقيل , والقاضي عياض , وغيرهم يحمل كلامهم على أن مرادهم بقولهم: ~~[يفعل ما يشاء] أن يحدث شيئا منفصلا عنه من دون أن يقوم به هو فعل أصلا. ~~وهذا أوجبه أصلان لهم: # أحدهما: أن الفعل عندهم هو المفعول , والخلق هو المخلوق , فهم يفسرون ~~أفعاله المتعدية، مثل قوله تعالى: {خلق السماوات والأرض} [الأعراف: 54] ~~وأمثاله: أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته، بل حاله قبل ~~أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة ونسبة وهي أمر عدمي , ~~لا وجودي , كما يقولون مثل ذلك في كونه يسمع أصوات ms038 العباد، ويرى أعمالهم ~~وفي كونه كلم موسى وغيره، وكونه أنزل القرآن، أو نسخ منه ما نسخ، وغير ذلك؛ ~~فإنه لم يتجدد عندهم إلا مجرد نسبة وإضافة بين الخالق والمخلوق , وهي أمر ~~عدمي , لا وجودي. # وهكذا يقولون في استوائه على العرش إذا قالوا: إنه فوق العرش، وهذا قول ~~ابن عقيل وغيره، وهو أول قولي القاضي أبي يعلى. ويسمى ابن عقيل هذه النسبة: ~~الأحوال، ولعله يشبهها بالأحوال التي يثبتها من يثبتها من النظار، ويقولون: ~~هي لا موجودة ولا معدومة، كما يقول ذلك أبو هاشم , والقاضيان: أبو بكر، ~~وأبو يعلى , وأبو المعالي الجويني في أول قوليه. # وأكثر الناس خالفوهم في هذا الأصل , وأثبتوا له تعالى فعلا قائما بذاته، ~~وخلقا غير المخلوق ويسمى التكوين وهو الذي يقول به قدماء الكلابية , كما ~~ذكره الثقفي والضبعي وغيرهما من أصحاب أبي بكر محمد بن خزيمة في العقيدة؛ ~~التي كتبوها وقرؤوها على أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة؛ لما وقع بينهم ~~النزاع في [مسألة القرآن] . وهو آخر قولي القاضي أبي # PageV01P042 # يعلى وجمهور الحنفية والحنبلية وأئمة المالكية والشافعية، وهو الذي ذكره ~~البغوي في [شرح السنة] عن أهل السنة، وذكره البخاري إجماع العلماء، كما بسط ~~ذلك في مواضع أخر. # والأصل الثاني: نفيهم أن تقوم به أمور تتعلق بقدرته ومشيئته، ويسمون ذلك: ~~[حلول الحوادث] فلما كانوا نفاة لهذا، امتنع عندهم أن يقوم به فعل اختياري، ~~يحصل بقدرته ومشيئته، لا لازم ولا متعد، لا نزول ولا مجيء، ولا استواء ولا ~~إتيان، ولا خلق، ولا إحياء، ولا إماتة، ولا غير ذلك. فلهذا فسروا قول السلف ~~بالنزول بأنه يفعل ما يشاء، على أن مرادهم حصول مخلوق منفصل، لكن كلام ~~السلف صريح في أنهم لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا الفعل الاختياري الذي يقوم ~~به. # والفضيل بن عياض رحمه الله لم يرد أنه يخلو منه العرش، بل أراد مخالفة ~~الجهمية؛ فإن قوله: [يفعل ما يشاء] لا يتضمن أنه لابد أن يكون تحت العرش بل ~~كلامه من جنس كلام أمثاله من السلف، كالأوزاعي، وحماد بن زيد، ms039 وغيرهما. ~~ومنهم من أنكر ما روى عن أحمد في رسالته إلى مسدد، وقال: راويها عن أحمد ~~مجهول، لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البردعي. # وأهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال: # منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني ~~المقدسي وغيره. # ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي ~~عبد الله بن محمد بن منده مصنفا في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش، ~~وسماه: [الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له ~~مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول] . # وذكر أنه سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في # PageV01P043 # [أقوال أهل السنة] ؛ عن أبي الحسن محمد بن على المروزي , عن محمد بن ~~إبراهيم الدينوري، عن على بن أحمد بن محمد بن موسى، عن أحمد بن محمد ~~البردعي التميمي، قال: لما أشكل على مسدد بن مسرهد أمر السنة، وما وقع فيه ~~الناس من [القدر] و [الرفض] و [الاعتزال] و [الإرجاء] , و [خلق القرآن] كتب ~~إلى أحمد بن حنبل: أن أكتب إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب ~~إليه: # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد , ثم ذكر فيها: وينزل الله إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه ~~العرش، وعن حديث روي عن إسحاق بن راهويه في هذا المعنى. # وزعم عبد الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما وعن غيرهما، ~~وحكمه عند أهل الأثر حكم حديث منكر، وقال: أحمد بن محمد البردعي مجهول، لا ~~يعرف في أصحاب أحمدمن اسمه [أحمد بن محمد] , فيمن روى عن أحمد بن محمد بن ~~حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ، وأبي بكر الأثرم، وأحمد بن محمد بن الحجاج [هو ~~أحمد بن محمد بن الحجاج، عالم بالفقه والحديث، وكان أجل أصحاب الإمام أحمد ~~, وروى عنه مسائل كثيرة، ووصف بأنه كثير التصانيف، توفي سنة 275ه] ، وأبي ~~بكر المروزي ms040 [هو إمام محدث، ورحال صادق، من الثقات ببلخ، طوف وسمع الكثير، ~~وخرج لنفسه معجما، توفي سنة 376ه] ، وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي، ~~وأحمد بن محمد الصائغ , وأحمد بن محمد بن غالب القاص غلام خليل، وأحمد بن ~~محمد بن مزيد الوراق. # وزاد ابن الجوزي: أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي، وأحمد بن خالد ~~أبا العباس البراني، وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة وأحمد بن محمد بن ~~عبد الله ابن صالح الأسدي , وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي، وأحمد بن ~~محمد بن يحيى الكحال , وأحمد بن محمد بن البخاري، وأحمد بن محمد بن بطة، ~~وذكر أحمد ابن الحسن أبا الحسن الترمذي , وأحمد بن سعيد وقيل: أبو الأشعبة ~~الترمذي. # وذكر في المحمدين: محمد بن إسماعيل الترمذي , قال: ولم يعد هذا فيمن روى ~~عن مسدد أيضا. قال: وهذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من ~~الصحابة على لفظ واحد # PageV01P044 # منهم: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ~~بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، ومعاذ بن جبل، وأبو ~~أمامة، وعقبة بن عامر، وأبو ثعلبة الخشني، ورفاعة بن عرابة الجهني، وعبادة ~~بن الصامت، وعمر بن عبسة، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، ~~وجابر بن عبد الله، وجبير بن مطعم، وأنس بن مالك، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم ~~رضي الله عنهم أجمعين ولم يقل أحد منهم هذا اللفظ، ولا من رواه من الصحابة ~~والتابعين والأئمة بعدهم. # ثم ساق الأحاديث بألفاظها، وذكر أن أحدا منهم لم يقل هذا اللفظ. قال: وهو ~~لفظ موافق لرأى من زعم أنه لا يخلو منه مكان، ورأى من زعم أنه ليس له مكان. # قال: وتأويل من تأول النزول على غير النزول مخالف لقول من قال: ينزل ربنا ~~إلى السماء الدنيا كل ليلة، ولقوله: فلا يزال كذلك إلى الفجر. # قلت: القائلون بذلك لم يقولوا: إن هذا اللفظ في الحديث، وليس في الحديث ~~أيضا أنه ms041 لا يخلو منه العرش أو يخلو منه العرش، كما يدعيه المدعون لذلك، ~~فليس في الحديث لا لفظ المثبتين لذلك، ولا لفظ النفاة له. وهؤلاء يقولون: ~~إنهم يتأولون النزول على غير النزول، بل قد يكون من هؤلاء من ينفي نزولا ~~يقوم به، ويجعل النزول مخلوقا منفصلا عنه، وعامة رد ابن منده المستقيم إنما ~~يتناول هؤلاء، لكنه زاد زيادات نسب لأجلها إلى البدعة؛ ولهذا كانوا يفضلون ~~أباه أبا عبد الله عليه، وكان إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي وغيره ~~يتكلمون فيه في ذلك، كما هو معروف عنهم. # قال عبد الرحمن: قال أبي في الرد على من تأول النزول على غير النزول، ~~واحتج في إبطال الأخبار الصحاح بأحاديث موضوعة: وادعى المدبر أنه يقول ~~بحديث النزول فحرفه على من حضر مجلسه، وأنكر في خطبته ما أنزل الله في ~~كتابه من حجته، وما بين الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه ينزل بذاته، ~~وتأول النزول على معنى الأمر والنهي، لا حقيقة النزول، وزعم # PageV01P045 # أن أئمتهم العارفين بالأصول ينزهون الله عن التنقلات، فأبطل جميع ما أخرج ~~في هذا الباب إذ كان مذهبه غير ظاهر الحديث، واعتماده على التأويل الباطل ~~والمعقول الفاسد. # وقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، نفي التشبيه من جميع الجهات ~~وكل المعاني، ولكن البائس المسكين لم يجد الطريق إلى ثلب الأئمة إلا بهذا ~~الطريق الذي هو به أولى، ثم قصد تعلىل حديث النزول بما لا يعد علة ولا ~~خلافا من قول الراوي [ينزل] و [يقول إذا مضى نصف الليل] وقال بعضهم: [ثلث ~~الليل، ونصف الليل] قال ابن منده: وليس هذا اختلافا ولكنه جهل، واحتج معها ~~بحديث محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن زيد بن أبي أنيسة، عن طارق، عن ~~سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنه ~~يأمر مناديا ينادي كل ليلة ". # وهذا حديث موضوع موافق لمذهبه. زعم أن يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي ~~والبخاري ومسلما، أخرجوا في كتبهم مثل هؤلاء الضعفاء المتروكين ترددا ms042 منه ~~وجهلا، وأعاد حديث أبي هشام الرفاعي عن حفص. رواه محاضر وغير واحد، قال: ~~[إن الله ينزل كل ليلة] . # وكذلك حديث طارق رواه عن عبيد الله بن عمر، عن زيد بن أبي أنيسة، عن ~~طارق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله:" إن الله ينزل كل ليلة ". # وأما حديث الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، فقد تقدم الكلام عليه فيما ~~ذكرنا، وليس في هذه الأحاديث ولا رواتها ما يصح، قال: ولو سكت عن معرفة ~~الحديث كان أجمل به وأحسن؛ إذ قد سلب الله معرفته وأرسخ في قلبه تبطيل ~~الأخبار الصحاح، واعتماد معقوله الفاسد. # قلت: فهذا نقل عبد الرحمن لكلام أبيه، وأبوه أعلم منه وأفقه وأسد قولا. ~~ثم قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده هذا، قال: حدثنا ~~محمد بن محمد بن الحسن، ثنا عبد الله # PageV01P046 # بن محمد الوراق , ثنا زكريا بن يحيى الساجي، ثم قال عبد الرحمن: حدثني ~~أحمد بن نصر قال: كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه رجل كلامي من أصحاب ~~الكلام فقال له: تقولون: إن الله على عرشه لا يزول، ثم تروون أن الله ينزل ~~إلى السماء الدنيا؟ فقال: عن حماد بن زيد: إن الله على عرشه، ولكن يقرب من ~~خلقه كيف شاء. # قال عبد الرحمن: ومن زعم أن حماد بن زيد وسليمان بن حرب، أرادا بقولهما: ~~يقرب من خلقه كيف شاء؛ أرادا ألا يزول عن مكانه؛ فقد نسبهما إلى خلاف ما ~~ورد في الكتاب والسنة. # قال: وحدثنا عبد الصمد بن محمد المعاصمي ببلخ، أنبأنا إبراهيم بن أحمد ~~المستملي، قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حراش، قال: حدثنا أحمد بن الحسن ~~بن زياد، حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال ~~لك الجهمي: أنا لا أومن برب يزول عن مكانه، فقل له: أنا أؤمن برب يفعل ما ~~يشاء. # قال: رواه جماعة عن فضيل بن عياض، قال: ولم يرد به أحد أن الله يفعل ما ~~ذهب إليه الزنادقة، ms043 فلا يبقى خلاف بين من يقول: أنا أكفر برب ينزل ويصعد ~~وبين من يقول: أنا أومن برب لا يخلو منه العرش في إبطال ما نطق به الكتاب ~~والسنة. ثم روى بإسناده عن الفضيل بن عياض: إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب ~~ينزل ويصعد، فقل: آمنت برب يفعل ما يشاء. # قلت: زكريا بن يحيى الساجي أخذ عنه أبو الحسن الأشعري ما أخذه من أصول ~~أهل السنة والحديث، وكثير مما نقل في كتاب [مقالات الإسلاميين] من مذهب أهل ~~السنة والحديث، وذكر عنهم ما ذكره حماد بن زيد من أنه فوق العرش، وأنه يقرب ~~من خلقه كيف شاء. # ومعنى ذلك عنده وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته، أنه يخلق ~~أعراضا في بعض المخلوقات يسميها نزولا، كما قال: إنه يخلق في العرش معنى ~~يسميه استواء. وهو عند الأشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل ~~, بل يجعل أفعاله اللازمة كالنزول والاستواء كأفعاله المتعدية كالخلق ~~والإحسان , وكل ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه. # PageV01P047 # والأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون: إن الله فوق العرش ~~بذاته، ولكن يقولون في النزول ونحوه من الأفعال هذا القول بناء على أصلهم ~~في نفي قيام الحوادث به , والسلف الذين قالوا: يفعل ما يشاء، وينزل كيف شاء ~~وكما شاء , والفضيل بن عياض الذي قال: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب ~~يزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء مرادهم نقيض هذا القول. ورد ~~أبي عبد الله بن منده متناول لهؤلاء , وعلى هذا فلا يبقى خلاف بين من يقول: ~~ينزل ويصعد , وبين من ينفي ذلك , وذلك لأن الأفعال المنفصلة لم ينازع فيها ~~أحد من المسلمين، فعلم أن مراد هؤلاء إثبات الفعل الاختياري القائم به؛ ~~ولكنهم مع هذا ليس في كلامهم أنهم كانوا يعتقدون خلو العرش منه، وأنه لا ~~يبقى فوق العرش؛ كما ذكره عبد الرحمن وزعم أنه معنى الحديث. # وروى بإسناده من [كتاب السنة] لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال: أخبرنا ~~محمد بن ms044 محمد بن الحسن، حدثني أبي، ثنا أحمد بن محمد بن عمر اللبناني، ثنا ~~عبد الله بن أحمد بن حنبل , ثنا أبي , ثنا موسى بن داود أبو معمر، ثنا عباد ~~بن العوام، قال: قدم علىنا شريك فسألته عن الحديث [إن الله ينزل ليلة النصف ~~من شعبان] . قلنا: إن قوما ينكرون هذه الأحاديث! ! قال: فما يقولون؟ قلنا: ~~يطعنون فيها , فقال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن ~~وبالصلاة وبالحج وبالصوم، فما يعرف الله إلا بهذه الأحاديث. # قال: وأما حديث إسحاق بن راهويه , فرواه إسماعيل الترمذي وذكر عن ابن أبي ~~حاتم أنهم تكلموا فيه. قال: والحديث حدث به أحمد بن موسى بن بريدة , عن ~~أحمد ابن عبد الله بن محمد بن بشير، عن الترمذي: سمعت إسحاق بن راهويه ~~يقول: اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر يوما فقالوا له: أيها الأمير , ~~إنك تقدم إسحاق وتكرمه وتعظمه، وهو كافر يزعم أن الله عز وجل ينزل إلى ~~السماء الدنيا كل ليلة ويخلو منه العرش. قال: فغضب عبد الله وبعث إلى , ~~فدخلت عليه وسلمت، فلم يرد على السلام غضبا ولم يستجلسني، ثم رفع # PageV01P048 # رأسه وقال لي: ويلك يا إسحاق، ما يقول هؤلاء؟ قال: قلت: لا أدري، قال: ~~تزعم أن الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ويخلو منه ~~العرش؟ فقلت: أيها الأمير، لست أنا قلته، قاله النبي صلى الله عليه وسلم: ~~ثنا أبو بكر بن عياش، عن إسحاق، عن الأغر بن مسلم أنه قال: أشهد على أبي ~~هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"ينزل الله إلى سماء الدنيا في كل ليلة فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من ~~يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له " ولكن مرهم يناظروني. قال فلما ذكرت ~~له النبي صلى الله عليه وسلم، سكن غضبه، وقال لي اجلس، فجلست. فقلت: مرهم ~~أيها الأمير يناظروني. قال: ناظروه، قال: فقلت لهم: يستطيع أن ينزل ولا ~~يخلو منه العرش أم لا يستطيع؟ قال: فسكتوا ms045 وأطرقوا رؤوسهم. فقلت: أيها ~~الأمير، مرهم يجيبوا، فسكتوا. فقال: ويحك يا إسحاق، ماذا سألتهم؟ قال: قلت: ~~أيها الأمير! قل لهم يستطيع أن ينزل؛ ولا يخلو منه العرش أم لا؟ قال: فإيش ~~هذا؟ قلت: إن زعموا أنه لا يستطيع أن ينزل إلا أن يخلو منه العرش، فقد ~~زعموا أن الله عاجز مثلي ومثلهم، وقد كفروا. وإن زعموا أنه يستطيع أن ينزل ~~ولا يخلو منه العرش، فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء، ولا يخلو منه ~~المكان. # قال عبد الرحمن: والصحيح مما جرى بين إسحاق وعبد الله بن طاهر ما أخبرنا ~~أبي: ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، ثنا محمد بن حاتم، سمعت إسحاق ~~بن إبراهيم بن مخلد يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذه ~~الأحاديث التي تروونها في النزول يعني وغير ذلك ما هي؟ قلت: أيها الأمير، ~~هذه أحاديث جاءت مجيء الأحكام والحلال والحرام، ونقلها العلماء، فلا يجوز ~~أن ترد، هي كما جاءت بلا كيف، فقال عبد الله: صدقت، ما كنت أعرف وجوهها إلى ~~الآن. # قال عبد الرحمن: ولا يخلو منه المكان كيفية تهدم النزول، وتبطل قول من ~~يقول: هي كما جاءت بلا كيف، فيقال: بل مخاطبة إسحاق لعبد الله بن طاهر كان ~~فيها زيادة على هذه الرواية كما ثبت ذلك في غير هذه الرواية؛ ولكن هذه ~~المخاطبات والمناظرات ينقل منها هذا ما لا ينقل غيره، كما نقلوا في مناظرة ~~أحمد بن حنبل وغيره، هذا ينقل ما لا ينقله هذا، كما نقل صالح وعبد الله ~~والمروزي وغيرهم وكلهم ثقات، وإسحاق بسط الكلام مع ابن طاهر. # PageV01P049 # قال الشيخ أبو عثمان النيسابوري الصابوني، الملقب بشيخ الإسلام، في ~~رسالته في السنة قال: ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله سبحانه وتعالى فوق ~~سبع سمواته على عرشه، كما نطق به كتابه في قوله: {إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] وذكر عدة ~~آيات من ذلك؛ فإن هذا ذكره الله في سبعة مواضع ms046 من القرآن، قال: وأهل الحديث ~~يثبتون في ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب جل جلاله في ~~خبره، ويطلقون ما أطلقه الله سبحانه من استوائه على عرشه ويمرون ذلك على ~~ظاهره، ويكلون علمه إلى الله تعالى و {يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب} [آل عمران: 7] . # وروى بإسناده من طريقين أن مالك بن أنس سئل عن قوله: {الرحمن على العرش ~~استوى} [طه: 5] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول , والكيف غير معقول، ~~والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالا، وأمر أن يخرج من ~~المجلس. وروى بإسناده الثابت عن عبد الله بن المبارك أنه قال: نعرف ربنا ~~بأنه فوق سبع سمواته بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: بأنه هاهنا، ~~وأشار بيده إلى الأرض. # وقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ يعني الحاكم في كتاب [التاريخ] الذي ~~جمعه لأهل نيسابور , وفي كتاب [معرفة أصول الحديث] اللذين جمعهما ولم يسبق ~~إلى مثلهما، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ , سمعت الإمام أبا ~~بكر محمد ابن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى ~~فوق سبع سمواته، فهو كافر به، حلال الدم يستتاب , فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، ~~وألقى على بعض المزابل. # قال الشيخ أبو عثمان: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف , بل يثبتون ~~ما أثبته رسول # PageV01P050 # صلى الله عليه وسلم , وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره ~~على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله سبحانه وتعالى وكذلك يثبتون ما أنزل الله ~~في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى: {هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] ، وقوله عز وجل: {وجاء ربك ~~والملك صفا صفا} [الفجر: 22] . # وقال: أخبرنا أبو بكر بن زكريا , سمعت أبا حامد الشرقي , سمعت حمدان ~~السلمى وأبا داود الخفاف، قالا: سمعنا إسحاق بن إبراهيم ms047 الحنظلي، يقول: قال ~~لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب , هذا الحديث الذي ترويه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا " كيف ~~ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب: كيف! إنما ينزل بلا ~~كيف. # قال: وسمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد ~~العنبري، سمعت إبراهيم بن أبي طالب، سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد ~~الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق ~~بن إبراهيم رحمه الله فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال: نعم , فقال له ~~بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب , أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ ! قال: ~~نعم، قال: كيف ينزل؟ فقال إسحاق: أثبته فوق. فقال: أثبته فوق. فقال إسحاق: ~~قال الله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] ، فقال الأمير عبد ~~الله: هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير، من يجىء يوم القيامة ~~من يمنعه اليوم؟ ! . # وقال أبو عثمان: قرأت في رسالة أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان أن الله ~~ينزل إلى السماء الدنيا، على ما صح به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقد قال الله عز وجل: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ~~[البقرة: 210] وقال: {وجاء # PageV01P051 # ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] , نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، ~~فلو شاء سبحانه أن يبين كيف ذلك فعل؛ فانتهينا إلى ما أحكمه , وكففنا عن ~~الذي يتشابه , إذ كنا قد أمرنا به في قوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ~~آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب} [آل عمران: 7] . وروى عبد الرحمن بن منده بإسناده عن حرب بن ~~إسماعيل , قال: سألت ms048 إسحاق ابن إبراهيم , قلت: حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم (ينزل الله إلى السماء الدنيا) قال: نعم ينزل الله كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا كما شاء وكيف شاء، وقال: عن حرب: لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى ~~كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين؛ لقول الله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون} [الأنبياء: 23] . وروى أيضا عن حرب قال: هذا مذهب أئمة العلم ~~وأصحاب الحديث والأثر وأهل السنة المعروفين بها، وهو مذهب أحمد بن حنبل، ~~وإسحاق بن راهويه، والحميدي وغيرهم. كان قولهم: إن الله ينزل كل ليلة إلى ~~السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء , {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ~~[الشورى: 11] . وروي أيضا عن حرب: قال: قال إسحاق بن إبراهيم: لا يجوز لأحد ~~أن يتوهم على الخالق بصفاته وأفعاله توهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر ~~المخلوقين؛ وذلك أنه يمكن أن يكون موصوفا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثاها ~~إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله؛ لأنه الخالق يصنع كيف ~~شاء.وروى أيضا عن محمد بن سلام، قال: سأل فضالة عبد الله بن المبارك عن ~~النزول ليلة النصف من شعبان؛ فقال عبد الله: يا ضعيف، تجد خداي خوشيركن ~~ينزل كيف شاء. # PageV01P052 # وروى عن ابن المبارك قال: من قال لك: يا مشبه، فاعلم أنه جهمي. وقال عبد ~~الرحمنبن منده: إياك أن تكون فيمن يقول: أنا أومن برب يفعل ما يشاء، ثم ~~تنفي ما في الكتاب والسنة مما شاء الله وأوجب على خلقه الإيمان به: أفاعيله ~~كل ليلة أن ينزل بذاته من العرش إلى السماء الدنيا، والزنادقة ينكرونه ~~بزعمهم أن الله لا يخلو منه مكان. # وروى حديث مرفوع من طريق نعيم بن حماد، عن جرير , عن ليث , عن بشر , عن ~~أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أراد الله أن ينزل عن عرشه ~~نزل بذاته ". قلت: ضعف أبو القاسم إسماعيل التميمي وغيره من الحفاظ هذا ~~اللفظ ms049 مرفوعا، ورواه ابن الجوزي في [الموضوعات] ,، وقال أبو القاسم ~~التميمي: [ينزل] معناه صحيح أنا أقر به ,، لكن لم يثبت مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ,، وقد يكون المعنى صحيحا وإن كان اللفظ نفسه ليس ~~بمأثور , كما لو قيل: إن الله هو بنفسه وبذاته خلق السموات والأرض، وهو ~~بنفسه وذاته كلم موسى تكليما، وهو بنفسه وذاته استوى على العرش؛ ونحو ذلك ~~من أفعاله التي فعلها هو بنفسه، وهو نفسه فعلها؛ فالمعنى صحيح، وليس كل ما ~~بين به معنى القرآن والحديث من اللفظ يكون من القرآن ومرفوعا. # فهذا تلخيص ما ذكره عبد الرحمن بن منده، مع أنه استوعب طرق هذا الحديث ~~وذكر ألفاظه مثل قوله: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث ~~الليل الأول , فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي ~~يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك إلى ~~الفجر) . وفي لفظ: (إذا بقي من الليل ثلثاه يهبط الرب إلى سماء الدنيا) وفي ~~لفظ: " حتى ينشق الفجر ثم يرتفع "، وفي رواية يقول: "لا أسأل عن عبادي غيري ~~, من ذا الذي يسألني فأعطيه "، وفي رواية عمرو بن عبسة: "أن الرب يتدلى في ~~جوف الليل إلى السماء الدنيا "، وفي لفظ: " حتى ينشق الفجر، ثم يرتفع " ~~وذكر نزوله عشية عرفة من عدة طرق، وكذلك ليلة النصف من شعبان ,، وذكر نزوله ~~يوم القيامة في ظلل من الغمام، # PageV01P053 # وحديث يوم المزيد في يوم الجمعة من أيام الآخرة، وما فيه من ذكر نزوله ~~وارتفاعه، وأمثال ذلك منالأحاديث، وهو ينكر على من يقول: إنه لا يخلو منه ~~العرش , ويجعل هذا مثل قول من يقول: إنه في كل مكان، ومن يقول: إنه ليس في ~~مكان. # وكلامه من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين: قول من يقول: ~~إنه ينزل نزولا يخلو منه العرش. # وقول من يقول: ما ثم نزول أصلا كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته ~~باختياره. # وهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول ms050 إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد ~~الذي يقتضى تفريغ مكان وشغل آخر. ثم منهم من ينفي النزول عنه، ينزهه عن مثل ~~ذلك. ومنهم من أثبت له نزولا من هذا الجنس، يقتضى تفريغ مكان وشغل آخر، ~~فأولئك يقولون: هذا القول باطل , فتعين الأول , كما يقول من يقابلهم: ذلك ~~القول باطل فتعين الثاني. وهو يحمل كلام السلف [يفعل ما يشاء] على أنه نزول ~~يخلو منه العرش، ومن يقابله يحمله أن المراد مفعول منفصل عن الله. # وفي الجملة، فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث. ~~وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين ~~بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه، وما ~~ذكره عبد الرحمن من تضعيف تلك الرواية عن إسحاق، فقد ذكرنا الرواية الأخرى ~~الثابتة التي رواها ابن بطة وغيره، وذكرنا أيضا اللفظ الثابت عن سليمان بن ~~حرب، عن حماد بن زيد , رواه الخلال وغيره. # وأما رسالة أحمد بن حنبل إلى مسدد بن مسرهد، فهي مشهورة عند أهل الحديث ~~والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم، تلقوها بالقبول، وقد ذكرها أبو عبد الله بن ~~بطة في كتاب [الإبانة] ، واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى وكتبها ~~بخطه. # PageV01P054 # فصل # وقد تأول قوم من المنتسبين إلى السنة والحديث حديث النزول وما كان نحوه ~~من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم؛ كالإتيان والمجيء , والهبوط ونحو ذلك ~~, ونقلوا في ذلك قولا لمالك، ولأحمد بن حنبل حتى ذكر المتأخرون من أصحاب ~~أحمد كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره عن أحمد في تأويل هذا الباب روايتين، ~~بخلاف غير هذا الباب , فإنه لم ينقل عنه في تأويله نزاعا. # وطرد ابن عقيل الروايتين في [التأويل] في غير هذه الصفة، وهو تارة يوجب ~~التأويل، وتارة يحرمه، وتارة يسوغه. # والتأويل عنده تارة للصفات الخبرية مطلقا ويسميها الإضافات لا الصفات ~~موافقة لمن أخذ ذلك عنه من المعتزلة , كأبي علي بن الوليد , وأبي القاسم بن ~~التبان وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري وأبو ms051 الفرج بن الجوزي مع ابن عقيل ~~على ذلك في بعض كتبه، مثل [كف التشبيه بكف التنزيه] ، ويخالفه في بعض كتبه. # والأكثرون من أصحاب أحمد لم يثبتوا عنه نزاعا في التأويل , لا في هذه ~~الصفات ولا في غيرها. # وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية، أن أحمد لم يتأول إلا ~~[ثلاثة أشياء] : " الحجر الأسود يمين الله في الأرض "، و " قلوب العباد بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن "، و " إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن ": فهذه ~~الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد , ولا يعرف أحد من أصحابه ~~نقل ذلك عنه. وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف، لا علمه ~~بما قال، ولا صدقه فيما قال. # وأيضا، وقع النزاع بين أصحابه: هل اختلف اجتهاده في تأويل المجيء ~~والإتيان، والنزول ونحو ذلك؟ لأن حنبلا نقل عنه في [المحنة] أنهم لما ~~احتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " تجيء البقرة، وآل عمران، ~~كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف " # PageV01P055 # ونحو ذلك من الحديث الذي فيه إتيان القرآن ومجيئه. وقالوا له: لا يوصف ~~بالإتيان والمجيء إلا مخلوق؛ فعارضهم أحمد بقوله: وأحمد وغيره من أئمة ~~السنة فسروا هذا الحديث بأن المراد به مجيء ثواب البقرة وآل عمران، كما ذكر ~~مثل ذلك من مجيء الأعمال في القبر وفي القيامة , والمراد منه ثواب الأعمال. # والنبي صلى الله عليه وسلم قال: " اقرءوا البقرة وآل عمران، فإنهما ~~يجيئان يوم القيامة كأنهما غيايتان، أو غمامتان، أو فرقان من طير صواف , ~~يحاجان عن أصحابهما" وهذا الحديث في الصحيح: فلما أمر بقراءتهما وذكر ~~مجيئهما يحاجان عن القارئ، علم أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما وهو عمله، ~~وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلاوة لهما في الصورة التي ذكرها، كما أخبر ~~بمجيء غير ذلك من الأعمال. # وهذا فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع: هل يقلب الله العمل جوهرا قائما ~~بنفسه أم الأعراض لا تنقلب جواهر؟ وكذلك قوله: "يؤتى بالموت في صورة كبش ~~أملح " [أي ms052 بياضه أكثر من سواده] . # والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بمجيء القرآن في هذه ~~الصورة أراد به الإخبار عن قراءة القارئ التي هي عمله , وذلك هو ثواب قارئ ~~القرآن , ليس المراد به أن نفس كلامه الذي تكلم به , وهو قائم بنفسه يتصور ~~صورة غمامتين. فلم يكن في هذا حجة للجهمية على ما ادعوه. # ثم إن الإمام أحمد في المحنة عارضهم بقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] . قال: قيل: إنما يأتي أمره ~~هكذا نقل حنبل , ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في [المحنة] كعبد الله ~~بن أحمد , وصالح بن أحمد، والمروزي وغيره، فاختلف أصحاب أحمد في ذلك. # فمنهم من قال: غلط حنبل، لم يقل أحمد هذا. وقالوا: حنبل له غلطات معروفة ~~وهذا منها , وهذه طريقة أبي إسحاق بن شاقلا. # ومنهم من قال: بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم. يقول: إذا كان أخبر ~~عن نفسه بالمجيء والإتيان ولم يكن ذلك دليلا على أنه مخلوق، بل تأولتم ذلك ~~على أنه جاء # PageV01P056 # أمره , فكذلك قولوا: جاء ثواب القرآن , لا أنه نفسه هو الجائي , فإن ~~التأويل هنا ألزم , فإن المراد هنا الإخبار بثواب قارئ القرآن، وثوابه عمل ~~له لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن. # فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه ثم تأولتم ذلك بأمره فإذا أخبر بمجيء ~~قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجيء ثوابه بطريق الأولى والأحرى. # وإذا قاله لهم على سبيل الإلزام لم يلزم أن يكون موافقا لهم عليه، وهو لا ~~يحتاج إلى أن يلتزم هذا. فإن هذا الحديث له نظائر كثيرة فيمجيء أعمال ~~العباد، والمراد مجيء قراءة القارئ التي هي عمله، وأعمال العباد مخلوقة، ~~وثوابها مخلوق. # ولهذا قال أحمد , وغيره من السلف: إنه يجيء ثواب القرآن , والثواب إنما ~~يقع على أعمال العباد لا على صفات الرب وأفعاله. # وذهب طائفة ثالثة من أصحاب أحمد إلى أن أحمد قال هذا: ذلك الوقت، وجعلوا ~~هذا رواية عنه، ثم من يذهب ms053 منهم إلى التأويل كابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما ~~يجعلون هذه عمدتهم؛ حتى يذكرها أبو الفرج بن الجوزي في تفسيره، ولا يذكر من ~~كلام أحمد والسلف ما يناقضها. # ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين أنه لا ~~يقول: إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك. # والذين ذكروا عن أحمد في تأويل النزول ونحوه من [الأفعال] لهم قولان: # منهم من يتأول ذلك بالقصد، كما تأول بعضهم قوله: {ثم استوى إلى السماء} ~~[فصلت: 11] بالقصد، وهذا هو الذي ذكره ابن الزاغوني. # ومنهم من يتأول ذلك بمجيء أمره ونزول أمره، وهو المذكور في رواية حنبل. # وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وغيره ممن يوافق أبا الحسن ~~الأشعري على أن [الفعل] هو المفعول؛ وأنه لا يقوم بذاته فعل اختياري. ~~يقولون: معنى النزول والاستواء وغير ذلك: أفعال يفعلها الرب في المخلوقات. ~~وهذا هو المنصوص عن أبي الحسن الأشعري وغيره، # PageV01P057 # قالوا: الاستواء فعل فعله في العرش كان به مستويا، وهذا قول أبي الحسن بن ~~الزاغوني. # وهؤلاء يدعون أنهم وافقوا السلف، وليس الأمر كذلك، كما قد بسط في موضعه. # وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك، رويت من طريق كاتبه حبيب بنأبي حبيب، لكن ~~هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل، لا يقبل أحد منهم نقله عن مالك، ورويت ~~من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر، وفي إسنادها من لا نعرفه. # واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في النزول ~~والإتيان، والمجيء وغير ذلك: هل يقال: إنه بحركة وانتقال؟ أم يقال بغير ~~حركة وانتقال؟ أم يمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوال، ذكرها القاضي ~~أبو يعلى في كتاب [اختلاف الروايتين والوجهين] : # فالأول: قول أبي عبد الله بن حامد وغيره. # والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته. # والثالث: قول أبي عبد الله بن بطة وغيره. # ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى، وهو قول ~~كثير منهم، كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد ms054 الرحمن وغيره. # ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ، وهم في المعنى منهم من يتصوره ~~مجملا، ومنهم من يتصوره مفصلا؛ إما مع الإصابة، وإما مع الخطأ. # والذين أثبتوا هذه رواية عن أحمد هم، وغيرهم ممن ينتسب إلى السنة والحديث ~~لهم في تأويل ذلك قولان: # أحدهما: أن المراد به إثبات أمره ومجيء أمره. # والثاني: أن المراد بذلك عمده وقصده. وهكذا تأول هؤلاء قوله تعالى: {ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت: 11] قالوا: قصد وعمد. # وهذا تأويل طائفة من أهل العربية، منهم أبو محمد عبد الله بن قتيبة، ذكر ~~في كتاب [مختلف الحديث] له، الذي رد فيه على أهل الكلام، الذين يطعنون في ~~الحديث، فقال: قالوا: حديث في التشبيه يكذبه القرآن والإجماع. قالوا: رويتم ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء ~~الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من داع # PageV01P058 # فأستجيب له؟ أو مستغفر فأغفر له؟ "، و "ينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة) . و ~~" ينزل ليلة النصف من شعبان ". وهذا خلاف لقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا ~~هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7] ، وقوله: {وهو الذي في السماء إله وفي ~~الأرض إله} [الزخرف: 84] . # فقد أجمع الناس أنه يكون بكل مكان، ولا يشغله شأن عن شأن. # ونحن نقول في قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة: 7] ~~أنه معهم بالعلم بما هم عليه، كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع، ووكلته ~~بأمر من أمرك: احذر التقصير والإغفال لشيء مما تقدمت فيه إليك، فإني معك؛ ~~يريد: أنه لا يخفي على تقصيرك أو جدك بالإشراف عليك، والبحث عن أمورك، فإذا ~~جاز هذا في المخلوق والذي لا يعلم الغيب، فهو في الخالق الذي يعلم الغيب ~~أجوز. # وكذلك هو بكل مكان يراك، لا يخفي عليه شيء مما في الأماكن، هو فيها ~~بالعلم بها والإحاطة، فكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل ms055 مكان على الحلول، مع ~~قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] أي: استقر، قال الله تعالى: {فإذا ~~استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين} ~~[المؤمنون: 28] أي: استقررت، ومع قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} [فاطر: 10] . # وكيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرتفع إليه عمل هو عنده؟ وكيف تعرج ~~الملائكة والروح يوم القيامة؟ وتعرج بمعنى: تصعد، يقال: عرج إلى السماء: ~~إذا صعد، والله ذو المعارج، والمعارج: الدرج. فما هذه الدرج؟ فإلى من تؤدي ~~الملائكة الأعمال إذا كان بالمحل الأعلى مثله بالمحل الأدنى؟ # ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم، وما ركبت عليه خلقتهم، من معرفة الخالق، ~~لعلموا أن الله هو العلي وهو الأعلى، وبالمكان الرفيع، وأن القلوب عند ~~الذكر تسمو نحوه، والأيدي ترتفع بالدعاء إليه. ومن العلو يرجى الفرج، ~~ويتوقع النصر والرزق. # وهناك الكرسي والعرش، والحجب والملائكة. يقول الله تبارك وتعالى: {وله من ~~في # PageV01P059 # السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 19،20] . وقال في الشهداء: {أحياء عند ~~ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] قيل لهم: شهداء؛ لأنهم يشهدون ملكوت الله، ~~واحدهم شهيد، كما يقال: علىم وعلماء، وكفيل وكفلاء. # وقال عز وجل: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا} [الأنبياء: 17] ~~أي: لاتخذنا ذلك عندنا لا عندكم؛ لأن زوجة الرجل وولده يكونان عنده بحضرته ~~لا عند غيره. # والأمم كلها عجمها وعربها تقول: إن الله عز وجل في السماء، ما تركت على ~~فطرتها، ولم تنقل عن ذلك بالتعليم. # وفي الحديث: أن رجلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة أعجمية ~~للعتق، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين الله؟ " قالت: في ~~السماء. قال: " من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، فقال:" هي مؤمنة " وأمره ~~بعتقها. وقال أمية بن أبي الصلت: # مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا ما يناله بصر العي ... ن ms056 ترى دونه الملائك صورا # وصورا جمع أصور، وهو المائل العنق، وهكذا قيل في حملة العرش صور، وكل من ~~حمل شيئا ثقيلا على كاهله أو على منكبه، لم يجد بدا من أن يميل عنقه. # وفي [الإنجيل] : أن المسيح عليه السلام قال: " لا تحلفوا بالسماء فإنها ~~كرسي الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء ~~يغفر لكم كلكم، انظروا إلى طير السماء، فإنهن لا يزرعن، ولا يحصدن، ولا ~~يجمعن في الأهواء، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهم، أفلستم أفضل ~~منهن؟ " ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب. # قال ابن قتيبة: وأما قوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} ~~[الزخرف: 84] ، فليس في ذلك ما يدل على الحلول بهما، وإنما أراد أنه إله ~~السماء ومن فيها وإله الأرض ومن # PageV01P060 # فيها. ومثل هذا من الكلام قولك: هو بخراسان أمير، وبمصر أمير، فالإمارة ~~تجتمع له فيهما، وهو حال بأحدهما أو بغيرهما. هذا واضح لا يخفي. # فإن قال لنا: كيف النزول منه جل وعز؟ قلنا: لا نحكم على النزول منه بشيء، ~~ولكنا نبين كيف النزول منا، وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ، والله أعلم بما ~~أراد. # والنزول منا يكون بمعنيين: # أحدهما: الانتقال من مكان إلى مكان، كنزولك من الجبل إلى الحضيض، ومن ~~السطح إلى الدار. # والمعنى الآخر: إقبالك إلى الشيء بالإرادة والنية. كذلك الهبوط والارتفاع ~~والبلوغ والمصير، وأشباه هذا من الكلام. # ومثال ذلك: إن سألك سائل عن محل قوم من الأعراب وهو لا يريد المصير إليهم ~~فتقول له: إذا صرت إلى جبل كذا فانزل منه وخذ يمينا، وإذا صرت إلى وادي كذا ~~فاهبط فيه ثم خذ شمالا، وإذا سرت إلى أرض كذا فاعل هضبة هناك حتى تشرف ~~عليهم، وأنت لا تريد في شيء مما تقوله افعله ببدنك، إنما تريد افعله بنيتك ~~وقصدك. # وقد يقول القائل: بلغت إلى الأحزاب تشتمهم، وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم، ~~وجئت إلى العلم تزهد فيه، ونزلت عن معالي الأخلاق إلى الدناءة، ليس يراد في ms057 ~~شيء من هذا انتقال الجسم، وإنما يراد به القصد إلى الشيء بالإرادة والعزم ~~والنية، وكذلك قوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: ~~128] لا يراد به أنه معهم بالحلول؛ ولكن بالنصر والتوفيق والحياطة. # وكذلك قوله عز وجل:: "من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ~~ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " # قال: وثنا عن عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب بن منبه؛ "أن موسى عليه السلام ~~لما نودي من الشجرة {فاخلع نعليك} [طه: 12] أسرع الإجابة، وتابع التلبية، ~~وما كان ذلك إلا استئناسا منه بالصوت، وسكونا إليه. # وقال: إني أسمع صوتك، وأحس حسك، ولا أدري مكانك، فأين أنت؟ قال:: أنا ~~فوقك، وأمامك وخلفك، ومحيط بك وأقرب إليك من نفسك": يريد: إني أعلم بك منك؛ ~~لأنك إذا نظرت إلى ما بين يديك خفي عليك ما وراءك، وإذا # PageV01P061 # سموت بطرفك إلى ماهو فوقك ذهب عنك علم ما تحتك، وأنا لا يخفي علي خافية ~~منك في جميع أحوالك. # ونحو هذا قول رابعة العابدة العدوية قالت: شغلوا قلوبهم عن الله بحب ~~الدنيا، ولو تركوها لجالت في الملكوت، ثم رجعت إليهم بطرف الفائدة، ولم ترد ~~أن أبدانهم وقلوبهم تجول في السماء بالحلول، ولكن تجول هناك بالفكر والقصد ~~والإقبال. # وكذلك قول أبي ممندية الأعرابي قال: اطلعت في النار فرأيت الشعراء لهم ~~كظيظ، يعني التقاء، وأنشد فيه: # جياد بها صرعى لهن كظيظ # ولو قال قائل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اطلعت في الجنة، ~~فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ": إن ~~اطلاعه فيها كان بالفكرة والإقبال كان حسنا. # قلت: وتأويل المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك بمعنى القصد والإرادة ونحو ~~ذلك هو قول طائفة. وتأولوا ذلك في قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء} ~~[البقرة: 29] وجعل ابن الزاغوني وغيره ذلك: هو إحدى الروايتين عن أحمد. # والصواب: أن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئا ~~منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف ms058 المعروف المتواتر عن أئمة ~~السنة والحديث أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة السنة. # ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الأئمة، ~~وتكون إما غلطا أو محرفة، كما تقدم من أن قول الأوزاعي وغيره من أئمة السلف ~~في النزول [يفعل الله ما يشاء] فسره بعضهم أن النزول مفعول مخلوق، منفصل عن ~~الله، وأنهم أرادوا بقولهم: [يفعل الله ما يشاء] هذا المعنى وليس الأمر ~~كذلك، كما تقدمت الإشارة إليه. # وآخرون كالقاضي أبي يعلى في [إبطال التأويل] قالوا: لم يرد الأوزاعي أن ~~النزول من صفات الفعل، وإنما أراد بهذا الكلام بقوله: {ويفعل الله ما يشاء} ~~وشبهوا ذلك بقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ~~لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته # PageV01P062 # مشفقون} [الأنبياء: 26 28] ، فزعموا أن قوله سبحانه ليس تنزيها له عن ~~اتخاذ الولد بناء على أصلهم الفاسد، وهو أن الرب لا ينزه عن فعل من الأفعال ~~بل يجوز عليه كل ما يقدر عليه. # وكذلك جعلوا قول الأوزاعي وغيره: أن النزول ليس بفعل يشاؤه الله؛ لأنه ~~عندهم من صفات الذات لا من صفات الفعل، بناء على أصلهم، وأن الأفعال ~~الاختيارية لا تقوم بذات الله؛ فلو كان صفة فعل لزم ألا يقوم بذاته، بل ~~يكون منفصلا عنه. # وهؤلاء يقولون: النزول من صفات الذات، ومع هذا فهو عندهم أزلي كما يقولون ~~مثل ذلك في الاستواء، والمجيء، والإتيان، والرضا، والغضب، والفرح، والضحك، ~~وسائر ذلك: إن هذا جميعه صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية، لا تتعلق ~~بمشيئته واختياره؛ بناء على أصلهم الذي وافقوا فيه ابن كلاب، وهو أن الرب ~~لا يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته واختياره، بل من هؤلاء من يقول: إنه لا ~~يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يقوم به فعل يحدث بمشيئته واختياره. # بل من هؤلاء من يقول: إن الفعل قديم أزلي، وإنه مع ذلك يتعلق بمشيئته ~~وقدرته، وأكثر العقلاء يقولون: فساد هذا معلوم بضرورة العقل؛ كما قالوا ms059 مثل ~~ذلك في قول من قال من المتفلسفة: إن الفلك قديم أزلي، وأنه أبدعه بقدرته ~~ومشيئته. # وجمهور العقلاء يقولون: الشيء المعين من الأعيان والصفات إذا كان حاصلا ~~بمشيئة الرب وقدرته لم يكن أزليا. # فلما كان من أصل ابن كلاب ومن وافقه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس ~~القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، والقضاة أبي بكر بن الطيب، وأبي يعلى بن ~~الفراء، وأبي جعفر السماني، وأبي الوليد الباجي وغيرهم من الأعيان، كأبي ~~المعالي الجويني وأمثاله؛ وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني ~~وأمثالهما: أن الرب لا يقوم به ما يكون بمشيئته وقدرته، ويعبرون عن هذا ~~بأنه لا تحله الحوادث، ووافقوا في ذلك للجهم ابن صفوان، وأتباعه من الجهمية ~~والمعتزلة، صاروا فيما ورد في الكتاب والسنة من صفات الرب، على أحد قولين: # إما أن يجعلوها كلها مخلوقات منفصلة عنه. فيقولون: كلام الله مخلوق بائن ~~عنه، لا يقوم به # PageV01P063 # كلام. وكذلك رضاه، وغضبه، وفرحه، ومجيئه وإتيانه، ونزوله وغير ذلك، هو ~~مخلوق منفصل عنه، لا يتصف الرب بشيء يقوم به عندهم. # وإذا قالوا: هذه الأمور من صفات الفعل، فمعناه: أنها منفصلة عن الله ~~بائنة، وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. # ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون ~~على من يقول: آيات الصفات وأحاديث الصفات. # وإما أن يجعلوا جميع هذه المعاني قديمة أزلية، ويقولون: نزوله ومجيئه، ~~وإتيانه وفرحه، وغضبه ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي، كما يقولون: إن القرآن ~~قديم أزلي. # ثم منهم من يجعله معنى واحدا، ومنهم من يجعله حروفا، أو حروفا وأصواتا ~~قديمة أزلية، مع كونه مرتبا في نفسه. ويقولون: فرق بين ترتيب وجوده، وترتيب ~~ماهيته، كما قد بسطنا الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع على هذه ~~الأقوال وقائليها، وأدلتها السمعية والعقلية في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أنه ليس شيء من هذه الأقوال قول الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ولا قول أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة أئمة السنة والجماعة وأهل ~~الحديث كالأوزاعي، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وحماد ms060 بن سلمة، وعبد الله ~~بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأمثالهم بل أقوال ~~السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم من أئمة الدين، ~~وعلماء المسلمين، موجودة في الكتب التي ينقل فيها أقوالهم بألفاظها، ~~بالأسانيد المعروفة عنهم. # كما يوجد ذلك في كتب كثيرة، مثل كتاب [السنة] و [الرد على الجهمية] لمحمد ~~بن عبد الله الجعفي، شيخ البخاري؛ ولأبي داود السجستاني، ولعبد الله بن ~~أحمد بن حنبل، ولأبي بكر الأثرم، ولحنبل بن إسحاق، ولحرب الكرماني، ولعثمان ~~بن سعيد الدارمي، ولنعيم بن حماد الخزاعي، ولأبي بكر الخلال، ولأبي بكر بن ~~خزيمة، ولعبد الرحمن بن أبي حاتم، ولأبي القاسم الطبراني، ولأبي الشيخ ~~الأصبهاني، ولأبي عبد الله بن منده، ولأبي عمرو الطلمنكي، وأبي عمر بن عبد ~~البر. # PageV01P064 # وفي كتب التفسير المسندة قطعة كبيرة من ذلك، مثل تفسير عبد الرزاق، وعبد ~~بن حميد، ودحيم وسنيد، وابن جرير الطبري، وأبي بكر بن المنذر، وتفسير عبد ~~الرحمن ابن أبي حاتم، وغير ذلك من كتب التفسير، التي ينقل فيها ألفاظ ~~الصحابة والتابعين، في معاني القرآن بالأسانيد المعروفة. # فإن معرفة مراد الرسول ومراد الصحابة هو أصل العلم، وينبوع الهدى، وإلا ~~فكثير ممن يذكر مذهب السلف ويحكيه لا يكون له خبرة بشيء من هذا الباب، كما ~~يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها. أنه لا يفهم أحد معانيها؛ ~~لا الرسول ولا غيره، ويظنون أن هذا معنى قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} ~~[آل عمران: 7] مع نصرهم للوقف على ذلك؛ فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول ~~بلغ قرآنا لا يفهم معناه، بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها، وأن ~~جبريل كذلك، وأن الصحابة والتابعين كذلك. # وهذا ضلال عظيم، وهو أحد أنواع الضلال في كلام الله والرسول صلى الله ~~عليه وسلم، ظن أهل التخييل، وظن أهل التحريف والتبديل، وظن أهل التجهيل. ~~وهذا مما بسط الكلام عليه في مواضع، والله يهدينا وسائر إخواننا إلى صراطه ~~المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك ms061 رفيقا. # والمقصود هنا الكلام على من يقول: ينزل ولا يخلو منه العرش، وإن أهل ~~الحديث في هذا على ثلاثة أقوال: # منهم من ينكر أن يقال: يخلو، أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني ~~وغيره. # ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنفا في ~~الإنكار على من قال: لا يخلو من العرش، أو لا يخلو منه العرش كما تقدم بعض ~~كلامه. # وكثير من أهل الحديث يتوقف عن أن يقول: يخلو أو لا يخلو. وجمهورهم على ~~أنه لا يخلو منه العرش. وكثير منهم يتوقف عن أن يقال: يخلو أو لا يخلو؛ ~~لشكهم في ذلك، وأنهم لم يتبين لهم جواب أحد الأمرين، وإما مع كون الواحد ~~منهم قد ترجح عنده أحد الأمرين # PageV01P065 # لكن يمسك في ذلك؛ لكونه ليس في الحديث ولما يخاف من الإنكار عليه. وأما ~~الجزم بخلو العرش فلم يبلغنا إلا عن طائفة قليلة منهم. # والقول الثالث وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها : إنه لا ~~يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ~~ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس ~~نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم، بل ~~الله منزه عن ذلك، وسنتكلم عليه إن شاء الله، وهذه المسألة تحتاج إلى بسط. # وأما قول النافي: إنما ينزل أمره ورحمته، فهذا غلط لوجوه، وقد تقدم ~~التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو. وأما إذا كان من ~~النفاة للعلو والنزول جميعا، فيجاب أيضا بوجوه: # أحدها: أن الأمر والرحمة إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملائكة، ~~وإما أن يراد بها صفات وأعراض. فإن أريد الأول، فالملائكة تنزل إلى الأرض ~~في كل وقت، وهذا خص النزول بجوف الليل، وجعل منتهاه سماء الدنيا، والملائكة ~~لا يختص نزولهم لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان. وإن أريد صفات وأعراض مثل ~~ما يحصل في قلوب العابدين في وقت السحر ms062 من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ~~ونحو ذلك، فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا. # الثاني: أن في الحديث الصحيح: أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول: " لا ~~أسأل عن عبادي غيري "، ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره. # الثالث: أنه قال: " ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: من ذا الذي يدعوني ~~فأستجيب # PageV01P066 # له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع ~~الفجر "، ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤله إلا ~~الله، وأمره ورحمته لا تفعل شيئا من ذلك. # الرابع: نزول أمره ورحمته لا تكون إلا منه، وحينئذ فهذا يقتضي أن يكون هو ~~فوق العالم، فنفس تأويله يبطل مذهبه؛ ولهذا قال بعض النفاة لبعض المثبتين: ~~ينزل أمره ورحمته؛ فقال له المثبت: فممن ينزل؟ ! ما عندك فوق شيء؛ فلا ينزل ~~منه لا أمر، ولا رحمة ولا غير ذلك؟ ! فبهت النافي وكان كبيرا فيهم. # الخامس: أنه قد روي في عدة أحاديث: " ثم يعرج " وفي لفظ " ثم يصعد ". # السادس: أنه إذا قدر أن النازل بعض الملائكة، وأنه ينادي عن الله كما حرف ~~بعضهم لفظ الحديث فرواه " ينزل " من الفعل الرباعي المتعدي أنه يأمر مناديا ~~ينادي؛ لكان الواجب أن يقول: من يدعو الله فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه، من ~~يستغفره فيغفر له؟ كما ثبت في [الصحيحين] ، و [موطأ مالك] و [مسند أحمد بن ~~حنبل] ، وغير ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " إذا أحب الله العبد نادى في السماء: ياجبريل، إني أحب فلانا ~~فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل ~~السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "، وقال في البغض مثل ذلك. # فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الفرق بين نداء الله ونداء جبريل، فقال ~~في نداء الله: " يا جبريل، إني أحب فلانا فأحبه "، وقال في نداء جبريل: " ~~إن الله يحب فلانا فأحبوه "، وهذا موجب اللغة التي بها خوطبنا، ms063 بل وموجب ~~جميع اللغات، فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم. فأما من أخبر عن غيره ~~فإنما يأتي باسمه الظاهر وضمائر الغيبة. وهم يمثلون نداء الله بنداء ~~السلطان ويقولون: قد يقال: نادى السلطان، إذا أمر غيره بالنداء وهذا كما ~~قالت الجهمية المحضة في تكليم الله لموسى: إنه أمر غيره فكلمه، لم يكن هو ~~المتكلم. # فيقال # PageV01P067 # لهم: إن السلطان إذا أمر غيره أن ينادي أو يكلم غيره أو يخاطبه؛ فإن ~~المنادي ينادي: معاشر الناس، أمر السلطان بكذا، أو رسم بكذا، لا يقول: إني ~~أنا أمرتكم بذلك. # ولو تكلم بذلك لأهانه الناس ولقالوا: من أنت حتى تأمرنا؟ ! والمنادي كل ~~ليلة يقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر ~~له؟ " كما في ندائه لموسى عليه السلام: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] ، وقال: {إني أنا الله رب العالمين} ~~[القصص: 30] . ومعلوم أن الله لو أمر ملكا أن ينادي كل ليلة أو ينادي موسى ~~لم يقل الملك: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني ~~فأغفر له؟ " ولا يقول: لا أسأل عن عبادي غيري. # وأما قول المعترض: إن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول في التقدم ~~والتأخر والطول والقصر. # فيقال له: الجواب عن هذا كالجواب عن قولك: هل يخلو منه العرش، أو لا يخلو ~~منه؟ وذلك أنه إذا جاز أنه ينزل ولا يخلو منه العرش، فتقدم النزول وتأخره ~~وطوله وقصره كذلك، بناء على أن هذا نزول لا يقاس بنزول الخلق. وجماع الأمر ~~أن الجواب عن مثل هذا السؤال يكون بأنواع: # أحدها: أن يبين أن المنازع النافي يلزمه من اللوازم ما هو أبعد عن ~~المعقول الذي يعترف به مما يلزم المثبت، فإن كان مما يحتج به من المعقول ~~حجة صحيحة، لزم بطلان النفي، فيلزم الإثبات؛ إذ الحق لا يخلو عن النقيضين. ~~وإن كان باطلا، لم يبطل به الإثبات، فلا يعارض ما ثبت بالفطرة العقلية ~~والشرعة النبوية، وهذا كما إذا قال: لو كان فوق العرش لكان جسما، وذلك ms064 ~~ممتنع، فيقالله: للناس هنا ثلاثة أقوال: # PageV01P068 # منهم من يقول: هو فوق العرش وليس بجسم. # ومنهم من يقول: هو فوق العرش وهو جسم. # ومنهم من يقول: هو فوق العرش ولا أقول: هو جسم، ولا ليس بجسم، ثم من ~~هؤلاء من يسكت عن هذا النفي والإثبات؛ لأن كليهما بدعة في الشرع. # ومنهم من يستفصل عن مسمى الجسم، فإن فسر بما يجب تنزيه الرب عنه نفاه ~~وبين أن علوه على العرش لا يستلزم ذلك، وإن فسر بما يتصف الرب به لم ينف ~~ذلك المعنى. فالجسم في اللغة هو البدن، والله منزه عن ذلك، وأهل الكلام قد ~~يريدون بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة. وكثير ~~منهم ينازع في كون الأجسام المخلوقة مركبة من هذا وهذا، بل أكثر العقلاء من ~~بنى آدم عندهم أن السموات ليست مركبة، لا من الجواهر المفردة، ولا من ~~المادة والصورة، فكيف يكون رب العالمين مركبا من هذا وهذا؟ فمن قال: إن ~~الله جسم، وأراد بالجسم هذا المركب، فهو مخطئ في ذلك. ومن قصد نفي هذا ~~التركيب عن الله، فقد أصاب في نفيه عن الله، لكن ينبغي أن يذكر عبارة تبين ~~مقصوده. # ولفظ التركيب قد يراد به أنه ركبه مركب، أو أنه كانت أجزاؤه متفرقة ~~فاجتمع، أو أنه يقبل التفريق، والله منزه عن ذلك كله. # وقد يراد بلفظ الجسم والمتحيز ما يشار إليه بمعنى أن الأيدي ترفع إليه في ~~الدعاء، وأنه يقال: هو هنا وهناك، ويراد به القائم بنفسه، ويراد به ~~الموجود. ولا ريب أن الله موجود قائم بنفسه، وهو عند السلف وأهل السنة ترفع ~~الأيدي إليه في الدعاء، وهو فوق العرش. فإذا سمى المسمى ما يتصف بهذه ~~المعاني جسما، كان كتسمية الآخر ما يتصف بأنه حي عالم قادر جسما، وتسمية ~~الآخر ما له حياة وعلم وقدرة جسما. # ومعلوم أن هؤلاء كلهم ينازعون في ثلاث مقامات: # PageV01P069 # أحدها: أن تسمية ما يتصف بهذه الصفات بالجسم بدعة في الشرع واللغة، فلا ~~أهل اللغة يسمون هذا جسما، بل الجسم ms065 عندهم هو البدن، كما نقله غير واحد من ~~أئمة اللغة، وهو مشهور في كتب اللغة، قال الجوهري في [صحاحه] المشهور: قال ~~أبو زيد: الجسم: الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان، وقال الأصمعي: الجسم ~~والجثمان: الجسد، والجثمان الشخص، قال: والأجسم الأضخم بالبدن، وقال ابن ~~السكيت: تجسمت الأمر أي: ركبت أجسمه، وجسيمه أي: معظمه، قال: وكذلك تجسمت ~~الرجل والجبل، أي ركبت أجسمه. # وقد ذكر الله لفظ الجسم في موضعين من القرآن، في قوله تعالى: {وزاده بسطة ~~في العلم والجسم} [البقرة: 247] ، وفي قوله تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم} [المنافقون: 4] ، والجسم قد يفسر بالصفة القائمة بالمحل وهو القدر ~~والغلظ، كما يقال: هذا الثوب له جسم، وهذا ليس له جسم أي: له غلظ وضخامة ~~بخلاف هذا، وقد يراد بالجسم نفس الغلظ والضخم. # وقد ادعى طوائف من أهل الكلام النفاة أن الجسم في اللغة هو المؤلف ~~المركب، وأن استعمالهم لفظ الجسم في كل ما يشار إليه موافق للغة، قالوا: ~~لأن كل ما يشار إليه، فإنه يتميز منه شيء عن شيء، وكل ما كان كذلك؛ فهو ~~مركب من الجواهر المنفردة التى كل واحد منها جزء لا يتجزأ ولا يتميز منه ~~جانب عن جانب، أو من المادة والصورة اللذين هما جوهران عقليان، كما يقول ~~ذلك بعض الفلاسفة. # قالوا: وإذا كان هذا مركبا مؤلفا، فالجسم في لغة العرب هو المؤلف المركب، ~~بدليل أنهم يقولون: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، إذا كثر ذهابه في الجهات، ~~وليس يقصدون بالمبالغة في قولهم: أجسم وجسيم إلا كثرة الأجزاء المنضمة ~~والتأليف؛ لأنهم لا يقولون: أجسم فيمن كثرت علومه وقدره وسائر تصرفاته ~~وصفاته غير الاجتماع، حتى إذا كثر الاجتماع فيه بتزايد أجزائه قيل: أجسم، ~~ورجل جسيم، فدل ذلك على أن قولهم: جسم مفيد للتأليف. # PageV01P070 # فهذا أصل قول هؤلاء النفاة، وهومبني على أصلين: سمعي لغوي، ونظري عقلي ~~فطري. # أما السمعي اللغوي فقولهم: إن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على المركب ~~واستدلوا عليه بقوله: هو أجسم إذا كان أغلظ وأكثر ذهابا في الجهات، وأن هذا ~~يقتضى أنهم اعتبروا ms066 كثرة الأجزاء. # فيقال: أما المقدمة الأولى وهو: إن أهل اللغة يسمون كل ما كان له مقدار ~~بحيث يكون أكبر من غيره أو أصغر جسما، فهذا لا يوجد في لغة العرب البتة، ~~ولا يمكن أحد أن ينقل عنهم أنهم يسمون الهواء الذي بين السماء والأرض جسما، ~~ولا يسمون روح الإنسان جسما، بل من المشهور أنهم يفرقون بين الجسم والروح؛ ~~ولهذا قال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} [المنافقون: 4] يعني أبدانهم ~~دون أرواحهم الباطنة. # وقد ذكر نقلة اللغة: أن الجسم عندهم هو الجسد. ومن المعروف في اللغة أن ~~هذا اللفظ يتضمن الغلظ والكثافة، فلا يسمون الأشياء القائمة بنفسها إذا ~~كانت لطيفة كالهواء وروح الإنسان، وإن كان لذلك مقدار يكون به بعضه أكبر من ~~بعض، لكن لا يسمى في اللغة ذلك جسما، ولا يقولون في زيادة أحدهما على ~~الآخر: هذا أجسم من هذا، ولا يقولون: هذا المكان الواسع أجسم من هذا المكان ~~الضيق، وإن كان أكبر منه، وإن كانت أجزاؤه زائدة على أجزائه عند من يقول ~~بأنه مركب من الأجزاء. # فليس كل ما هو مركب عندهم من الأجزاء يسمى جسما ولا يوجد في الكلام قبض ~~جسمه، ولا صعد بجسمه إلى السماء، ولا أن الله يقبض أجسامنا حيث يشاء، ~~ويردها حيث شاء، إنما يسمون ذلك روحا، ويفرقون بين مسمى الروح ومسمى الجسم ~~كما يفرقون بين البدن والروح، وكما يفرقون بين الجسد والروح، فلا يطلقون ~~لفظ الجسم على الهواء، فلفظ الجسم عندهم يشبه لفظ الجسد، قال الجوهري: ~~الجسد البدن، تقول فيه: تجسد كما تقول في الجسم: تجسم، كما تقدم نقله عن ~~أئمة اللغة أن الجسم هو الجسد. # PageV01P071 # فعلم أن هذين اللفظين مترادفان، أو قريبان من الترادف؛ ولهذا يقولون: ~~لهذا الثوب جسد، كما يقولون له: جسم إذا كان غليظا ثخينا صفيقا، وتقول ~~العلماء: النجاسة قد تكون مستجسدة كالدم والميتة، وقد لا تكون مستجسدة ~~كالرطوبة، ويسمون الدم جسدا كما قال النابغة: # فلا لعمر الذي قد زرته حججا ... وما أريق على الأنصاب من جسد # كما يقولون: له: جسم، فبطل ms067 ما ذكروه عن اللغة؛ أن كل ما يتميز منه شيء عن ~~شيء يسمونه جسما. # المقدمة الثانية: أنه لو سلم ذلك، فقولهم: إن هذا [جسم] يطلقونه عند ~~تزايد الأجزاء، هو مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، وهذا لو ~~قدر أنه صحيح، فأهل اللغة لم يعتبروه، ولا قال أحد منهم ذلك، فعلم أنهم ~~إنما لحظوا غلظه وكثافته. وأما كونهم اعتبروا كثرة الأجزاء وقلتها؛ فهذا لا ~~يتصوره أكثر عقلاء بني آدم؛ فضلا عن أن ينقل عن أهل اللغة قاطبة أنهم ~~أرادوا ذلك بقولهم: جسيم وأجسم. والمعنى المشهور في اللغة لا يكون مسماه ما ~~لا يفهمه إلا بعض الناس، وإثبات الجواهر المنفردة أمر خص به بعض الناس، فلا ~~يكون مسمى الجسم في اللغة ما لا يعرفه إلا بعض الناس، وهو المركب من ذلك. # وأما الأصل الثاني العقلي، فقولهم: إن كل ما يشار إليه بأنه هنا أوهناك، ~~فإنه مركب من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة. وهذا بحث عقلي، ~~وأكثر عقلاء بني آدم من أهل الكلام وغير أهل الكلام ينكرون أن يكون ذلك ~~مركبا من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، وإنكار ذلك قول ابن كلاب ~~وأتباعه من الكلابية وهو إمام الأشعري في مسائل الصفات وهو قول الهشامية، ~~والنجارية، والضرارية، وبعض الكرامية. وهؤلاء # PageV01P072 # والتفريق والحركة والسكون، وأنكر هؤلاء أن يكون الله لما خلقنا أحدث ~~أبداننا قائمة بأنفسها، أو شجرا وثمرا أو شيئا آخر قائما بنفسه، وإنما أحدث ~~عندهم أعراضا. وأما الجواهر المنفردة فلم تزل موجودة. ثم من يقول: إنها ~~محدثة، منهم من يقول: إنهم علموا حدوثها بأنها لم تخل من الحوادث، وما لم ~~يخل من الحوادث، فهو حادث. # قالوا: فبهذا [الدليل العقلي] وأمثاله، علمنا أنه ما أبدع شيئا قائما ~~بنفسه؛ لأنا نشهده من حلول الحوادث المشهودة كالسحاب والمطر. وهؤلاء في ~~[معاد الأبدان] يتكلمون فيه على هذا الأصل: فمنهم من يقول: يفرق الأجزاء ثم ~~يجمعها، ومنهم من يقول: يعدمها ثم يعيدها، واضطربوا هاهنا فيما إذا أكل ~~حيوان حيوانا فكيف يعاد؟ وادعى بعضهم أن الله ms068 يعدم جميع أجزاء العالم، ~~ومنهم من يقول: هذا ممكن لا نعلم ثبوته ولا انتفاءه. # ثم [المعاد] عندهم يفتقر إلى أن يبتدئ هذه الجواهر، والجهم بن صفوان منهم ~~يقول بعدمها بعد ذلك، ويقول بفناء الجنة والنار لامتناع دوام الحوادث عنده ~~في المستقبل كامتناع دوامها في الماضي، وأبو الهذيل العلاف يقول بعدم ~~الحركات. وهؤلاء ينكرون استحالة الأجسام بعضها إلى بعض، أو انقلاب جنس إلى ~~جنس، بل الجواهر عندهم متماثلة، والأجسام مركبة منها، وما ثم إلا تغيير ~~التركيب فقط، لا انقلاب ولا استحالة. # ولا ريب أن جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم على إنكار هذا، والأطباء ~~والفقهاء ممن يقول باستحالة الأجسام بعضها إلى بعض كما هو موجود في كتبهم، ~~والأجسام عندهم ليست متماثلة، بل الماء يخالف الهواء، والهواء يخالف التراب ~~وأبدان الناس تخالف النبات؛ ولهذا صارت النفاة إذا أثبت أحد شيئا من ~~الصفات، كان ذلك مستلزما لأن يكون الموصوف عندهم جسما وعندهم الأجسام ~~متماثلة فصاروا يسمونه مشبها بهذه المقدمات التي تلزمهم # PageV01P073 # مثل ما ألزموه لغيرهم، وهي متناقضة لا يتصور أن ينتظم منها قول صحيح، ~~وكلها مقدمات ممنوعة عند جماهير العقلاء، وفيها من تغيير اللغة والمعقول ما ~~دخل بسبب هذه الأغاليط والشبهات حتى يبقى الرجل حائرا لا يهون عليه إبطال ~~عقله ودينه، والخروج عن الإيمان والقرآن؛ فإن ذلك كله متطابق على إثبات ~~الصفات. # ولا يهون عليه التزام ما يلزمونه من كون الرب مركبا من الأجزاء ومماثلا ~~للمخلوقات؛ فإنه يعلم أيضا بطلان هذا، وأن الرب عز وجل يجب تنزيهه عن هذا، ~~فإنه سبحانه أحد صمد، و [الأحد] ينفي التمثيل، و [الصمد] ينفي أن يكون ~~قابلا للتفريق والتقسيم والبعضية سبحانه وتعالى فضلا عن كونه مؤلفا مركبا؛ ~~ركب وألف من الأجزاء، فيفهمون من يخاطبون أن ما وصف به الرب نفسه لا يعقل ~~إلا في بدن مثل بدن الإنسان، بل وقد يصرحون بذلك ويقولون: الكلام لا يكون ~~إلا من صورة مركبة مثل فم الإنسان ونحو ذلك مما يدعونه. # وإذا قال النفاةلهم: متى قلتم إنه يرى؟ لزم أن يكون مركبا ms069 مؤلفا؛ لأن ~~المرئي لا يكون إلا بجهة من الرائي، وما يكون بجهة من الرائي لا يكون إلا ~~جسما، والجسم مؤلف مركب من الأجزاء، أو قالوا: إن الرب إذا تكلم بالقرآن ~~أوغيره من الكلام، لزم ذلك، وإذا كان فوق العرش، لزم ذلك، وصار المسلم ~~العارف بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله يرى في الآخرة؛ ~~لما تواتر عنده من الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وكذلك يعلم ~~أن الله تكلم بالقرآن وغيره من الكلام، ويعلم أن الله فوق العرش بما تواتر ~~عنده عن الرسول بما يدل على ذلك، مع ما يوافق ذلك من القضايا الفطرية التي ~~خلق الله عليها عباده. # وإذا قالوا له: هذا يستلزم أن يكون الله مركبا من الأجزاء المنفردة، ~~والمركب لابد له من مركب؛ فيلزم أن يكون الله محدثا؛ إذ المركب يفتقر إلى ~~أجزائه، وأجزاؤه تكون غيره، وما افتقر إلى غيره؛ لم يكن غنيا واجب الوجود ~~بنفسه حيروه وشككوه # PageV01P074 # إن لم يجعلوه مكذبا لما جاء به الرسول، مرتدا عن بعض ما كان عليه من ~~الإيمان، مع أن تشككه وحيرته تقدح في إيمانه ودينه وعلمه وعقله. # فيقال لهم: أما كون الرب سبحانه وتعالى مركبا ركبه غيره، فهذا من أظهر ~~الأمور فسادا، وهذا معلوم فساده بضرورة العقل. ومن قال هذا، فهو من أكفر ~~الناس وأجهلهم وأشدهم محاربة لله، وليس في الطوائف المشهورة من يقول بهذا. # وكذلك إذا قيل: هو مؤلف أو مركب بمعنى أنه كانت أجزاؤه متفرقة فجمع بينها ~~كما يجمع بين أجزاء المركبات من الأطعمة والأدوية والثياب والأبنية فهذا ~~التركيب من اعتقده في الله، فهو من أكفر الناس وأضلهم، ولم يعتقده أحد من ~~الطوائف المشهورة في الأمة. بل أكثر العقلاء عندهم أن مخلوقات الرب ليست ~~مركبة هذا التركيب، وإنما يقول بهذا من يثبت الجواهر المنفردة. # وكذلك من زعم أن الرب مركب مؤلف؛ بمعنى أنه يقبل التفريق والانقسام ~~والتجزئة، فهذا من أكفر الناس وأجهلهم، وقوله شر من قول الذين يقولون: إن ~~لله ولدا؛ بمعنى أنه ms070 انفصل منه جزء فصار ولدا له، وقد بسطنا الكلام على هذا ~~في تفسير: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، وفي غير ذلك. وكذلك إذا قيل: هو ~~جسم؛ بمعنى أنه مركب من الجواهر المنفردة، أو المادة والصورة، فهذا باطل، ~~بل هو أيضا باطل في المخلوقات، فكيف في الخالق سبحانه وتعالى؟ ! وهذا مما ~~يمكن أن يكون قد قاله بعض المجسمة الهشامية، والكرامية وغيرهم ممن يحكى ~~عنهم التجسيم؛ إذ من هؤلاء من يقول: إن كل جسم فإنه مركب من الجواهر ~~المنفردة، ويقولون مع ذلك: إن الرب جسم، وأظن هذا قول بعض الكرامية، فإنهم ~~يختلفون في إثبات الجوهر الفرد، وهم متفقون على أنه سبحانه جسم. # لكن يحكى عنهم نزاع في المراد بالجسم، هل المراد به أنه موجود قائم ~~بنفسه، أو المراد به أنه مركب؟ فالمشهور عن أبي الهيصم وغيره من نظارهم أنه ~~يفسر مراده؛ بأنه موجود قائم بنفسه مشار إليه، لا بمعنى أنه مؤلف # PageV01P075 # مركب. وهؤلاء ممن اعترف نفاة الجسم بأنهم لا يكفرون؛ فإنهم لم يثبتوا ~~معنى فاسدا في حق الله تعالى لكن قالوا: إنهم أخطؤوا في تسمية كل ما هو ~~قائم بنفسه، أو ما هو موجود جسما، من جهة اللغة؛ قالوا: فإن أهل اللغة لا ~~يطلقون لفظ الجسم إلا على المركب. # والتحقيق أن كلا الطائفتين مخطئة على اللغة، أولئك الذين يسمون كل ما هو ~~قائم بنفسه جسما، وهؤلاء الذين سموا كل ما يشار إليه وترفع الأيدي إليه ~~جسما، وادعوا أن كل ما كان كذلك فهو مركب، وأن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم ~~على كل ما كان مركبا. فالخطأ في اللغة، والابتداع في الشرع مشترك بين ~~الطائفتين. # وأما المعاني: فمن أثبت من الطائفتين ما نفاه الله ورسوله، أو نفي ما ~~أثبت الله ورسوله، فهو مخطئ عقلا، كما هو مخطئ شرعا. بل أولئك يقولون لهم: ~~نحن وأنتم اتفقنا على أن القائم بنفسه يسمى جسما في غير محل النزاع، ثم ~~ادعيتم أن الخالق القائم بنفسه يختص بما يمنع هذه التسمية التي اتفقنا نحن ~~وأنتم عليها، فبينا أنه ms071 لا يختص؛ لأن ذلك مبني على أن الأجسام مركبة، ونحن ~~نمنع ذلك ونقول: ليست مركبة من الجواهر المنفردة. # ولهذا كره السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره أن ترد البدعة بالبدعة، فكان ~~أحمد في مناظرته للجهمية لما ناظروه على أن القرآن مخلوق، وألزمه أبو عيسى ~~محمد ابن عيسى برغوث [هو أحد مناظري الإمام أحمد وقت المحنة، صنف كتاب ~~[الاستطاعة] و [المقالات] وغيرهما، توفي سنة 240ه وقيل: سنة 241ه] ، أنه ~~إذا كان غير مخلوق لزم أن يكون الله جسما وهذا منتف، فلم يوافقه أحمد، لا ~~على نفي ذلك، ولا على إثباته؛ بل قال: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ~~ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} [سورة الإخلاص] . # ونبه أحمد على أن هذا اللفظ لا يدرى ما يريدون به. وإذا لم يعرف مراد ~~المتكلم به لم يوافقه، لا على إثباته، ولا على نفيه. فإن ذكر معنى أثبته ~~الله ورسوله أثبتناه، وإن ذكر معنى نفاه الله ورسوله نفيناه باللسان العربي ~~المبين، ولم نحتج إلى ألفاظ مبتدعة في الشرع، محرفة في اللغة، ومعانيها ~~متناقضة في العقل، فيفسد الشرع واللغة والعقل؛ كما فعل أهل البدع من أهل ~~الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة. # PageV01P076 # وكذلك أيضا لفظ [الجبر] كره السلف أن يقال: جبر، وأن يقال: ما جبر؛ فروى ~~الخلال في كتاب [السنة] عن أبي إسحاق الفزاري الإمام قال: قال الأوزاعي: ~~أتاني رجلان، فسألاني عن القدر، فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما ~~وتجيبهما. قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب. قال: فأتاني الأوزاعي ومعه ~~الرجلان، فقال: تكلما، فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا في ~~القدر، ونازعناهم حتى بلغ بنا وبهم الجواب، إلى أن قلنا: إن الله قد جبرنا ~~على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرم علينا، ~~فقال: أجبهما يا أبا إسحاق، قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب، فقال: ~~أجبهما، فكرهت أن أخالفه، فقلت: يا هؤلاء، إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ~~ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثا، وإني أراكم قد خرجتم ms072 من البدعة إلى مثل ما ~~خرجوا إليه، فقال: أجبت وأحسنت يا أبا إسحاق. # وروي أيضا عن بقية بن الوليد قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال ~~الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ~~ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلا من القرآن ~~والسنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف ~~في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما وضعت هذا مخافة ~~أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق. # وروي عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: تقول: إن الله أجبر ~~العباد؟ فقال: هكذا لا تقول، وأنكر هذا. وقال: يضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء. # وقال المروذى: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف العكبري وقال: إنه ~~تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي؛ ~~فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد أراد بذلك إثبات القدر ~~فوضع # PageV01P077 # أحمد بن على كتابا يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله وأخبرته بالقصة ~~قال: ويضع كتابا؟ ! وأنكر عليهما جميعا: على بن رجاء حين قال: جبر العباد، ~~وعلى القدري الذي قال: لم يجبر، وأنكر على أحمد بن على وضعه الكتاب ~~واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب، وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ~~ربه لما قال: جبر العباد. فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ ~~فقال: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء. # قال الخلال: وأخبرنا المروذي في هذه المسألة: أنه سمع أبا عبد الله لما ~~أنكر على الذي قال: لم يجبر، وعلى من رد عليه جبر، فقال أبو عبد الله: كلما ~~ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، ~~وأنكر على من رد شيئا من جنس الكلام إذا لم يكن له فيه إمام تقدم. # قال المروذي: فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن ms073 على من عكبرا ومعه نسخة ~~وكتاب من أهل عكبرا، فأدخلت أحمد بن على على أبي عبد الله، فقال: يا أبا ~~عبد الله، هذا الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم على منبر ~~عكبرا وأستغفر الله، فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن تقبلوا منه وارجعوا ~~إليه. # قال المروذي: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر ~~سفيان الثوري جبر، وقال: الله تعالى جبل العباد. قال المروذي: أظنه أراد ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس. # قلت: هذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، وإنما المقصود التنبيه على أن ~~السلف # PageV01P078 # كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه عن الله من صفاته ~~وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات، بل كل معنى صحيح ~~فإنه داخل فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم. والألفاظ المبتدعة ليس ~~لها ضابط، بل كل قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراده أولئك؛ كلفظ ~~الجسم، والجهة، والحيز، والجبر ونحو ذلك، بخلاف ألفاظ الرسول فإن مراده بها ~~يعلم كما يعلم مراده بسائر ألفاظه، ولو يعلم الرجل مراده لوجب عليه الإيمان ~~بما قاله مجملا. ولو قدر معنى صحيح والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبر به ~~لم يحل لأحد أن يدخله في دين المسلمين، بخلاف ما أخبر به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فإن التصديق به واجب. # والأقوال المبتدعة تضمنت تكذيب كثير مما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك يعرفه من عرف مراد الرسول صلى الله عليه وسلم ومراد أصحاب تلك ~~الأقوال المبتدعة. ولما انتشر الكلام المحدث، ودخل فيه ما يناقض الكتاب ~~والسنة، وصاروا يعارضون به الكتاب والسنة، صار بيان مرادهم بتلك الألفاظ ~~وما احتجوا به لذلك من لغة وعقل، يبين للمؤمن ما يمنعه أن يقع في البدعة ~~والضلال، أو يخلص منها إن كان قد وقع ويدفع عن نفسه في الباطن والظاهر ما ~~يعارض إيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك. وهذا مبسوط في موضعه. ms074 # والمقصود هنا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدفع بالألفاظ ~~المجملة كلفظ التجسيم وغيره مما قد يتضمن معنى باطلا، والنافي له ينفي الحق ~~والباطل. فإذا ذكرت المعاني الباطلة نفرت القلوب. وإذا ألزموه ما يلزمونه ~~من التجسيم الذي يدعونه نفر إذا قالوا له: هذا يستلزم التجسيم؛ لأن هذا لا ~~يعقل إلا في جسم لم يحسن نقض ما قالوه، ولم يحسن حله. وكلهم متناقضون. # وحقيقة كلامهم أن ما وصف به الرب نفسه، لا يعقل منه إلا ما يعقل في قليل ~~من المخلوقات التي نشهدها كأبدان بني آدم. وهذا في غاية الجهل؛ فإن من ~~المخلوقات مخلوقات # PageV01P079 # لم نشهدها كالملائكة والجن حتى أرواحنا. ولا يلزم أن يكون ما أخبر به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مماثلا لها، فكيف يكون مماثلا لما شاهدوه؟ ! # وهذا الكلام في لفظ الجسم من حيث [اللغة] # وأما الشرع، فمعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة، ولا ~~التابعين، ولا سلف الأمة أن الله جسم، أو أن الله ليس بجسم، بل النفي ~~والإثبات بدعة في الشرع. # وأما من جهة العقل فبينهم نزاع فيما اتفقوا على تسميته جسما: كالسماء ~~والأرض، والريح والماء، ونحو ذلك مما يشار إليه ويختص بجهة وهو متحيز، قد ~~تنازعوا: هل هو مركب من جواهر لا تقبل القسمة، أو من مادة وصورة، أو لا من ~~هذا ولا من هذا؟ وأكثر العقلاء على القول الثالث. وكل من القولين الأولين ~~قاله طائفة من النظار. والأول: كثير في أهل الكلام، والثاني: كثير في ~~الفلاسفة، لكن قول الطائفتين باطل، معلوم بالعقل بطلانه عند أهل القول ~~الثالث. # وإذا كان كذلك، فإذا قال القائل: أنا أقول: إنه فوق العرش، وأنه ترفع ~~الأيدي إليه ونحو ذلك، وليس كل ما كان كذلك كان مركبا من أجزاء مفردة، ولا ~~من المادة والصورة العقليين، كان الكلام مع هذا في التلازم. فإذا قال ~~الثاني: بل كل ما كان فوق غيره، وكل ما كان يشار إليه بالأيدي، فلا يكون ~~إلا مركبا إما من هذا، وإما ms075 من هذا: كان هذا بمنزلة قول الآخر: كل ما كان ~~حيا قادرا عالما، فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب، أو كل ما كان له حياة ~~وعلم وقدرة، فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب، أو كل ما كان سميعا بصيرا ~~متكلما فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب، بناء على أن كل موجود قائم بنفسه ~~هو جسم، وكل جسم فهو مركب هذا التركيب. # ومعلوم أن هذا باطل عند جماهير العلماء والعقلاء باتفاقهم؛ فإني لا أعلم ~~طائفة من العقلاء المعتبرين أنهم قالوا: هو جسم، وهو مركب هذا التركيب، بل ~~الذي أعرف أنهم # PageV01P080 # قالوا: هو جسم كالهشامية والكرامية لا يفسرون كلهم الجسم بما هو مركب هذا ~~التركيب، بل إنما نقل هذا عن بعضهم، وقد ينقل عن بعضهم مقالات ينكرها ~~بعضهم، كما نقل عن مقاتل بن سليمان، وهشام بن الحكم مقالات ردية. ومن الناس ~~من رد هذا النقل عن مقاتل بن سليمان فرده كثير من الناس. وأما النقل عن ~~هشام فرده كثير من أتباعه. # ومن قدر أنه قال ذلك من الناس، فقوله باطل كسائر من قال على الله الباطل، ~~كما حكي عن بعض اليهود والرافضة والمجسمة، وإنهم يصفونه بالنقائص التي ~~تعالى الله عنها، كوصفه أنه أجوف، وأنه بكى حتى رمد وعادته الملائكة، وعض ~~أصابعه حتى خرج منها الدم، وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أورق [أي: في لونه ~~بياض إلى سواد، وهو من أطيب الإبل لحما لا سيرا وعملا] . # وأمثال هذه الأقوال التي فيها الافتراء على الله تعالى ووصفه بالنقائص، ~~ما يعلم بطلانه بصريح المعقول وصحيح المنقول. # وهكذا إذا قال القائل: إنه لو نزل إلى سماء الدنيا، للزم الحركة، ~~والانتقال والحركة والانتقال من خصائص الأجسام، أو قال: للزم أن يخلو منه ~~العرش وذلك محال؛ فإن للناس في هذا ثلاثة أقوال: # أحدها: قول من يقول: ينزل وليس بجسم. # وقول من يقول: ينزل وهو جسم. # وقول من لا ينفي الجسم ولا يثبته، إما إمساكا عنهما؛ لكون ذلك بدعة ~~وتلبيسا كما تقدم، وإما مع تفصيل المراد، وإقرار الحق ms076 وبطلان الباطل، وبيان ~~الصواب من المعاني العقلية التي اشتبهت في هذا؛ مثل أن يقال: النزول ~~والصعود والمجيء والإتيان، ونحو ذلك، مما هو أنواع جنس الحركة، لا نسلم أنه ~~مخصوص بالجسم الصناعي الذي يتكلم المتكلمون في إثباته ونفيه، بل يوصف به ما ~~هو أعم من ذلك. ثم هنا طريقان: # أحدهما: أن هذه الأمور توصف بها الأجسام والأعراض فيقال: جاء البرد وجاء ~~الحر، وجاءت الحمى، ونحو ذلك من الأعراض. وإذا كانت الأعراض توصف بالمجيء # PageV01P081 # والإتيان، علم أن ذلك ليس من خصائص الأجسام، فلا يجوز أن يوصف بهذه ~~الأفعال حقيقة مع أنه ليس بجسم، وهذه طريقة الأشعري ومن تبعه من نظار أهل ~~الحديث وأتباع الأئمة الأربعة وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وغيره، وهذا معنى ما ~~حكاه في [المقالات] عن أهل السنة والحديث. # ولهذا كان قول ابن كلاب والأشعري والقلانسي ومن وافقهم من أتباع الأئمة ~~الأربعة وغيرهم من أصحاب أحمد وغيرهم، أن الاستواء فعل يفعله الرب في ~~العرش. وكذلك يقولون في النزول. ومعني ذلك أنه يحدث في العرش قربا فيصير ~~مستويا عليه من غير أن يقوم به نفسه فعل اختياري، سواء قالوا: إن الفعل هو ~~المفعول، أو لم يقولوا بذلك، وكذلك النزول عندهم، فهم يجعلون الأفعال ~~اللازمة بمنزلة الأفعال المتعدية؛ وذلك لأنهم اعتقدوا أنه لا يقوم به فعل ~~اختياري؛ لأن ذلك حادث، فقيامه به يستلزم أن تقوم به الحوادث، فنفوا ذلك ~~لهذا الأصل الذي اعتقدوه. # الطريق الثاني: أنيقال: المجيء والإتيان والصعود والنزول توصف به روح ~~الإنسان التي تفارقه بالموت، وتسمى النفس، وتوصف به الملائكة، وليس نزول ~~الروح وصعودها من جنس نزول البدن وصعوده؛ فإن روح المؤمن تصعد إلى فوق ~~السموات، ثم تهبط إلى الأرض، فيما بين قبضها ووضع الميت في قبره. وهذا زمن ~~يسير، لا يصعد البدن إلى ما فوق السموات، ثم ينزل إلى الأرض في مثل هذا ~~الزمان. # وكذلك صعودها ثم عودها إلى البدن في النوم واليقظة؛ ولهذا يشبه بعض الناس ~~نزولها إلى القبر بالشعاع، لكن ليس هذا مثالا مطابقا. فإن نفس الشمس لا ms077 ~~تنزل، والشعاع الذي يظهر على الأرض هو عرض من الأعراض يحدث بسبب الشمس، ليس ~~هو الشمس ولا صفة قائمة بها، والروح نفسها تصعد وتنزل، ففي الحديث المشهور ~~حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في قبض الروح وفتنة القبر، وقد رواه ~~الإمام أحمد وغيره، ورواه أبو داود أيضا واختصره، وكذلك النسائي، وابن ~~ماجه، ورواه أبو عوانة في [صحيحه] بطوله، وفي روايته عن زاذان: سمعت ~~البراء، # PageV01P082 # وذلك يبطل قول من قال: إنه لم يسمعه منه. # ورواه الحاكم في [صحيحه] من حديث أبي معاوية، قال: حدثنا الأعمش، ثنا ~~المنهال بن عمرو، عن أبي عمرو زاذان، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما ~~قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فانتهينا إلى القبر ~~ولما يلحد، وذكر الحديث بطوله. ورواه الحاكم أيضا من حديث محمد بن الفضل، ~~قال: حدثنا الأعمش، فذكره. وقال في آخره: حدثنا فضيل، حدثني أبي، عن أبي ~~حازم، عن أبي هريرة بهذا الحديث، إلا أنه قال: " أرقد رقدة كرقدة من لا ~~يوقظه إلا أحب الناس إليه ". # قال: وقد رواه شعبة، وزائدة، وغيرهما، عن الأعمش، ورواه مؤمل، عن الثوري ~~عنه، قال: وهو على شرطهما قد احتجا بالمنهال بن عمرو، قال: وقد روى ابن ~~جرير عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~المؤمن والكافر، ثم ذكر طرفا من حديث القبر، وقد رواه الإمام أحمد في ~~[مسنده] عن عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، ~~الحديث بطوله. قال: وكذلك أبوخالد الدالاني، وعمرو بن قيس الملائي، والحسن ~~بن عبيد الله النخعي، عن المنهال، ورواه شعيب بن صفوان، عن يونس بن خباب، ~~فقال: عن المنهال، عن زاذان، عن أبي البختري، قال، سمعت البراء قال: وهذا ~~وهم من شعيب، فقد رواه معمر ومهدي بن ميمون وعباد بن عباد عن يونس التامر. # وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: وأما حديث البراء رواه المنهال بن عمرو ~~عن زاذان، عن البراء، فحديث مشهور رواه عن ms078 المنهال الجم الغفير [الجم: ~~الكثير، والغفير: المجتمع، أي العدد الكثير بجملتهم] . ورواه عن البراء عدي ~~بن ثابت، ومحمد بن عقبة، وغيرهما. ورواه عن زاذان عطاء بن السائب. قال: وهو ~~حديث أجمع رواة الأثر على شهرته واستفاضته، وقال الحافظ أبو عبد الله بن ~~منده: هذا الحديث إسناده متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء. # PageV01P083 # وقال الإمام أحمد في [المسند] : حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن ~~المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ~~ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلموجلسنا حوله، كأن على رءوسنا ~~الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه فقال: (استعيذوا بالله من ~~عذاب القبر) مرتين أو ثلاثا، ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع ~~من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن ~~وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسون ~~منه مد بصره، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس ~~الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) . قال: (فتخرج فتسيل كما تسيل ~~القطرة من في السقاء، فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى ~~يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها ريح كأطيب نفحة ~~مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون يعني بها على ملأ من ~~الملائكة بين السماء والأرض، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: ~~فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا ~~به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له. فيشيعه من كل سماء مقربوها ~~إلى السماء التي تليها، حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة، فيقول الله ~~تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم ~~وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى) ، قال: (فتعاد روحه، فيأتيه ملكان ~~فيجلسانه فيقولان له: ms079 من ربك؟ فيقول: الله ربي، فيقولان له: وما دينك؟ ~~فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب ~~الله فآمنت به وصدقت، فينادى مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من ~~الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة) ، قال: # PageV01P084 # " فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره". قال: " فيأتيه رجل ~~حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي ~~كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجىء بالخير؟ فيقول: أنا عملك ~~الصالح. فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ". # وقال: " وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، ~~نزل عليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ~~ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجى إلى ~~سخط من الله وغضب "، قال: " فتتفرق في جسده، فينزعها كما ينزع السفود من ~~الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى ~~يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، ~~فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح ~~الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، ~~حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له ". ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] " فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين ~~في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا ". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~{ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق} [الحج: 31] . " فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه ~~فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان ms080 له: ما دينك؟ فيقول: ~~هاه هاه، لا أدري: فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه ~~هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، ~~وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ~~ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، ~~منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن ~~أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب، لا ~~تقم الساعة ". # PageV01P085 # قلت: هذا قد رواه عن البراء بن عازب غير واحد غير زاذان، منهم: عدي بن ~~ثابت، ومحمد بن عقبة، ومجاهد. # قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب [الروح والنفس] : ~~حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا أبو النضر ~~هاشم بن قاسم، ثنا عيسى بن المسيب، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، ~~قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجنازة رجل من الأنصار، ~~فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس وجلسنا حوله، كأن على أكتافنا فلق ~~الصخر، وعلى رءوسنا الطير، فأزم قليلا والإزمام: السكوت فلما رفع رأسه قال: ~~" إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة ودبر من الدنيا وحضره ملك الموت، ~~نزلت عليه ملائكة من السماء، معهم كفن من الجنة، وحنوط من الجنة، فيجلسون ~~منه مد بصره، وجاءه ملك الموت فجلس عند رأسه، ثم يقول: اخرجي أيتها النفس ~~الطيبة، اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه، فتسيل نفسه كما تقطر القطرة من ~~السقاء. فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض إلا الثقلين، ثم ~~يصعد به إلى السماء فتفتح له السماء ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية ~~والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى العرش، مقربو كل سماء. ~~فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين، فيقول الرب عز وجل: ردوا عبدي ~~إلى مضجعه، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة ~~أخرى فيرد ms081 إلى مضجعه، فيأتيه منكر ونكير، يثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصان ~~[أي: يحفران] . الأرض بأشعارهما، فيجلسانه ثم يقال له: يا هذا من ربك؟ ~~فيقول: الله ربي، فيقولان: صدقت. ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، ~~فيقولان له: صدقت. ثم يقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد رسول الله، فيقولان: ~~صدقت. ثم يفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، طيب الريح، فيقول ~~له: جزاك الله خيرا، فوالله ما علمت إن كنت لسريعا في طاعة الله، بطيئا عن ~~معصية الله، فيقول: وأنت، جزاك الله خيرا، فمن أنت؟ فقال: أنا عملك الصالح. ~~ثم يفتح له باب إلى الجنة، فينظر إلى # PageV01P086 # مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة. وإن الكافر إذا كان في انقطاع من ~~الدنيا وإقبال من الآخرة وحضره ملك الموت، نزل عليه من السماء ملائكة معهم ~~كفن من نار، وحنوط من نار ". قال: " فيجلسون منه مد بصره، وجاء ملك الموت ~~فجلس عند رأسه، ثم قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى غضب الله ~~وسخطه، فتتفرق روحه في جسده، كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين، فيستخرجها كما ~~يستخرج السفود [حديدة ذات شعب يشوى عليها اللحم] . من الصوف المبلول، فإذا ~~خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء والأرض إلا الثقلين، ثم يصعد به إلى ~~السماء الدنيا فتغلق دونه، فيقول الرب تبارك وتعالى: ردوا عبدي إلى مضجعه، ~~فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فترد ~~روحه إلى مضجعه، فيأتيه منكر ونكير، يثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصان الأرض ~~بأشعارهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيجلسانه، ثم ~~يقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فينادى من جانب القبر: لا دريت، ~~فيضربانه بمرزبة من حديد، لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل. ويضيق ~~عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن ~~الريح، فيقول: جزاك الله شرا، فوالله ما علمت إن كنت بطيئا عن طاعة الله، ~~سريعا في معصية الله، فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الخبيث، ثم يفتح له ~~باب ms082 إلى النار، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة ". # وقال ابن منده: رواه الإمام أحمد بن حنبل، ومحمود بن غيلان، وغيرهما عن ~~أبي النضر. # ومن ذلك حديث ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن ~~أبي هريرة. وقد رواه الإمام أحمد في [مسنده] وغيره. وقال الحافظ أبو نعيم ~~الأصبهاني: هذا حديث متفق على عدالة ناقليه. اتفق الإمامان محمد بن إسماعيل ~~البخاري ومسلم بن الحجاج على ابن أبي ذئب ومحمد بن عمرو بن عطاء، وسعيد بن ~~يسار، وهم من شرطهما، ورواه # PageV01P087 # المتقدمون الكبار عن ابن أبي ذئب مثل ابن أبي فديك، وعنه دحيم بن ~~إبراهيم. # قلت: وقد رواه عن ابن أبي ذئب غير واحد، ولكن هذا سياق حديث ابن أبي فديك ~~لتقدمه. قال ابن أبي فديك: حدثني محمد بن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن ~~عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~" إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح فيقولون: اخرجي أيتها ~~النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب ~~غير غضبان "، قال: " فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء الدنيا ~~فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: مرحبا بالنفس الطيبة، ~~كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. ~~فيقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل. وإذا كان ~~الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث. اخرجي ~~ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج. فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم ~~يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقولون: لا ~~مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لن تفتح ~~لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى قبره. فيجلس الرجل ~~الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف، ثم يقال: ما كنت تقول في الإسلام؟ ~~فيقول: ما هذا ms083 الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات من قبل الله ~~فآمنا وصدقنا". وذكر تمام الحديث. # والمقصود أن في حديث أبي هريرة قوله: " فيصير إلى قبره " كما في حديث ~~البراء ابن عازب، وحديث أبي هريرة روي من طرق تصدق حديث البراء بن عازب، ~~وفي بعض طرقه سياق حديث البراء بطوله، كما ذكره الحاكم، مع أن سائر ~~الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن؛ إذ المسألة للبدن ~~بلا روح قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور، وكذلك السؤال للروح بلا ~~بدن قاله ابن ميسرة وابن حزم، ولو كان # PageV01P088 # كذلك لم يكن للقبر بالروح اختصاص. # وزعم ابن حزم أن [العود] لم يروه إلا زاذان عن البراء وضعفه، وليس الأمر ~~كما قاله، بل رواه غير زاذان عن البراء. وروى عن غير البراء مثل عدي بن ~~ثابت وغيره. وقد جمع الدارقطني طرقه في مصنف مفرد، مع أن زاذان من الثقات، ~~روى عن أكابر الصحابة كعمر وغيره، وروى له مسلم في [صحيحه] وغيره، قال يحيى ~~بن معين: هو ثقة، وقال حميد بن هلال وقد سئل عنه فقال : هو ثقة، لا يسأل عن ~~مثل هؤلاء، وقال ابن عدي: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة، وكان يتبع ~~الكرابيسي، وإنما رماه من رماه بكثرة كلامه. # وأما المنهال بن عمرو، فمن رجال البخاري. وحديث [عود الروح] قد رواه عن ~~غير البراء أيضا. وحديث زاذان مما اتفق السلف والخلف على روايته وتلقيه ~~بالقبول. # وأرواح المؤمنين في الجنة، وإن كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن، كما أنها ~~تكون في البدن، ويعرج بها إلى السماء كما في حال النوم. أما كونها في ~~الجنة، ففيه أحاديث عامة، وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء، واحتجوا ~~بالأحاديث المأثورة العامة وأحاديث خاصة في النوم وغيره. فالأول مثل حديث ~~الزهري المشهور الذي رواه مالك عن الزهري في [موطئه] وشعيب بن أبي حمزة ~~وغيرهما، وقد رواه الإمام أحمد في [المسند] وغيره. # قال الزهري: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن ms084 مالك: أن كعب بن ~~مالك الأنصاري وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم كان يحدث أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " إنما نسمة [أي: روح] المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ~~حتى يرجعه الله إلى جسده"، فأخبر أنه يعلق في شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده، ~~يعني في النشأة الآخرة. قال أبو عبد الله بن منده: ورواه يونس، والزبيدي، ~~والأوزاعي، وابن إسحاق. # وقال عمرو بن دينار، وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، # PageV01P089 # عن أبيه قال. . . قال صالح بن كيسان، وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد ~~الرحمن بن كعب، أنه بلغه أن كعبا قال. . . رواه الإمام أحمد، والنسائي، ~~وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # قلت: وفي الحديث المشهور حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو حاتم في [صحيحه] وقد رواه أيضا ~~الأئمة. قال: " إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه. فإن كان مؤمنا ~~كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان ~~فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه. ~~فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول ~~الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم ~~يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان ~~إلى الناس: ما قبلي مدخل، فيقال له: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس، وقد دنت ~~للغروب فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ فيقول: دعوني ~~حتى أصلي؛ فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه. فقال: عم تسألوني؟ ~~فيقولون: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم، ما تشهد عليه به؟ فيقول: ~~أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال: على ذلك حييت، ~~وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله تعالى، ثم يفتح له باب من أبواب ms085 ~~الجنة فيقال له: ذلك مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة ~~وسرورا، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له: ذلك مقعدك منها، وما أعد ~~الله لك فيها لو عصيت ربك، فيزداد غبطة وسرورا ثم يفسح له في قبره سبعون ~~ذراعا، وينور له فيه، ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته في نسم الطيب، وهي ~~طير تعلق [أي: ترعى وتأكل] في شجر الجنة ". # وفي لفظ: "وهو في طير يعلق في شجر الجنة ". قال أبو هريرة: قال الله ~~تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ~~[إبراهيم: 27] ، وفي لفظ: " ثم يعاد الجسد إلى ما بدئ منه". # وهذه الإعادة هي المذكورة في قوله تعالى: # PageV01P090 # {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55] ليست هي ~~النشأة الثانية. # ورواه الحاكم في [صحيحه] عن معمر، عن قتادة عن قسامة بن زهير، عن أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن المؤمن إذا احتضر أتته ~~ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيا عنك إلى روح ~~وريحان ورب غير غضبان؛ فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنهم ليناوله بعضهم بعضا ~~يشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من ~~الأرض! وكلما أتوا سماء قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أفرح ~~به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ قال: فيقولون: ~~دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال لهم: ما أتاكم؟ ! فإنه قد ~~مات؛ يقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية. وأما الكافر فإن ملائكة العذاب ~~تأتيه، فتقول: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وسخطه، فتخرج كأنتن ~~ريح جيفة، فينطلقون به إلى باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! ! كلما ~~أتوا على أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح الكفار ". # قال الحاكم: تابعه هشام # PageV01P091 # الدستوائي، عن قتادة. وقال همام بن يحيى: عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن ~~أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ms086 بنحوه. # والكل صحيح، وشاهدها حديث البراء بن عازب. وكذلك رواه الحافظ أبو نعيم من ~~حديث القاسم بن الفضل الحذائي، كما رواه معمر. قال: ورواه أبو موسى وبندار، ~~عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، مثله مرفوعا. ومن أصحاب قتادة من رواه ~~موقوفا، ورواه همام عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، مرفوعا نحوه. ~~وقد روى هذا الحديث النسائي، والبزار في [مسنده] وأبو حاتم في [صحيحه] . # وقد روى مسلم في [صحيحه] عن أبي هريرة قال: " إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ~~ملكان فصعدا بها، فذكر من طيب ريحها وذكر المسك. قال: فيقول أهل السماء: ~~روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق ~~بها إلى ربه ثم يقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت ~~روحه، وذكر من نتنها وذكر لعنا، فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل ~~الأرض. قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل ". قال أبو هريرة: فرد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند النوم: ~~" باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها ~~فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين "، وفي الصحيح أيضا: أنه كان يقول: " ~~اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها ~~فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ # PageV01P092 # به عبادك الصالحين) ". # ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن، ما بين أن ~~صعودها نوع آخر، ليس مثل صعود البدن ونزوله. # وروينا عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن منده في كتاب [الروح والنفس] : ~~حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن الحسن الحراني، ثنا أحمد ~~بن شعيب، ثنا موسى بن أيمن، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن ~~جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: {الله يتوفي الأنفس ms087 ~~حين موتها والتي لم تمت في منامها} [الزمر: 42] . قال: تلتقي أرواح الأحياء ~~في المنام بأرواح الموتى ويتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل ~~أرواح الأحياء إلى أجسادها. # وروى الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم في [تفسيره] : حدثنا عبد الله بن ~~سليمان، ثنا الحسن، ثنا عامر، عن الفرات، ثنا أسباط عن السدى: {والتي لم ~~تمت في منامها} قال: يتوفاها في منامها. قال: فتلتقي روح الحي وروح الميت ~~فيتذاكران ويتعارفان. قال: فترجع روح الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية ~~أجله في الدنيا. قال: وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس. # PageV01P093 # وهذا أحد القولين وهو أن قوله: {فيمسك التي قضى عليها الموت} [الزمر: 42] ~~أريد بها أن من مات قبل ذلك لقي روح الحي. # والقول الثاني وعليه الأكثرون أن كلا من النفسين الممسكة والمرسلة توفيتا ~~وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث؛ وهي التي قدمها ~~بقوله: {الله يتوفي الأنفس حين موتها} ، وعلى هذا يدل الكتاب والسنة؛ فإن ~~الله قال: {الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي ~~قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} ، فذكر إمساك التي قضى عليها ~~الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك ~~لم يصفها بإمساك ولا إرسال، ولا ذكر في الآية التقاء الموتى بالنيام. # والتحقيق أن الآية تتناول النوعين؛ فإن الله ذكر توفيتين: توفي الموت، ~~وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى. # ومعلوم أنه يمسك كل ميتة، سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك، ويرسل من لم ~~تمت. وقوله: {الله يتوفي الأنفس حين موتها} يتناول ما ماتت في اليقظة وما ~~ماتت في النوم، فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ~~ويرسلها في الأخرى، وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف. وما ذكر من التقاء ~~أرواح النيام والموتي لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه، لكن ~~قوله: {فيمسك التي قضى عليها الموت} يقتضي أنه يمسكها لا يرسلها كما يرسل ~~النائمة، سواء ms088 توفاها في اليقظة أو في النوم، ولذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن ~~أمسكتها فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " فوصفها ~~بأنها في حال توفي النوم إما ممسكة وإما مرسلة. # وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا عمر بن عثمان، ثنا بقية؛ ثنا صفوان بن ~~عمرو، حدثني سليم بن عامر الحضرمي؛ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لعلي ~~بن أبي طالب رضي الله # PageV01P094 # عنه: أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال! فتكون ~~رؤياه كأخذ باليد، ويرى الرجل الشيء؛ فلا تكون رؤياه شيئا، فقال على بن أبي ~~طالب: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله يقول: {الله يتوفي الأنفس ~~حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ~~إلى أجل مسمى} [الزمر: 42] ، فالله يتوفي الأنفس كلها، فما رأت وهي عنده في ~~السماء فهو الرؤيا الصادقة. وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين ~~في الهواء فكذبتها، فأخبرتها بالأباطيل وكذبت فيها، فعجب عمر من قوله. # وذكر هذا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب [الروح والنفس] ~~وقال: هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره، ولفظه: قال على بن أبي طالب: ~~يا أمير المؤمنين، يقول الله تعالى: {الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم ~~تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} ~~والأرواح يعرج بها في منامها، فما رأت وهي في السماء فهو الحق، فإذا ردت ~~إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها، فما رأت من ذلك فهو ~~الباطل. # قال الإمام أبو عبد الله بن منده: وروى عن أبي الدرداء قال: روى ابن ~~لهيعة عن عثمان بن نعيم الرعيني، عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبي الدرداء ~~قال: إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال: فإن كان طاهرا أذن ~~لها بالسجود، وإن كان جنبا لم ms089 يؤذن لها بالسجود. رواه زيد بن الحباب وغيره. # وروى ابن منده حديث على وعمر رضي الله عنهما مرفوعا، حدثنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن محمد، ثنا محمد بن شعيب، ثنا ابن عياش بن أبي إسماعيل، وأنا ~~الحسن بن علي، أنا عبد الرحمن بن محمد، ثنا قتيبة والرازي، ثنا محمد بن ~~حميد، ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، ثنا الأزهر بن عبد الله ~~الأزدي، عن محمد بن عجلان، عن سالم بن عبد الله بن # PageV01P095 # عمر، عن أبيه قال: لقي عمر بن الخطاب على بن أبي طالب فقال: يا أبا ~~الحسن، ربما شهدت وغبنا، وربما شهدنا وغبت، ثلاثة أشياء أسألك عنهن، فهل ~~عندك منهن علم؟ فقال على بن أبي طالب: وما هن؟ قال: الرجل يحب الرجل ولم ير ~~منه خيرا، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرا. فقال: نعم، سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الأرواح جنود مجندة، تلتقي في الهواء، ~~فتشام، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " قال عمر: واحدة. قال ~~عمر: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه، فبينما هو قد نسيه إذ ذكره. فقال: نعم، ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من القلوب قلب إلا وله سحابة ~~كسحابة القمر، فبينما القمر يضىء إذ تجللته سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه ~~فأضاء، وبينما القلب يتحدث إذ تجللته فنسي، إذ تجلت عنه فذكر ". قال عمر: ~~اثنتان. قال: والرجل يرى الرؤيا: فمنها ما يصدق، ومنها ما يكذب. فقال: نعم، ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من عبد ينام فيمتلئ نوما إلا ~~عرج بروحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، ~~والذي يستيقظ دون العرش فهي الرؤيا التي تكذب ". فقال عمر: ثلاث كنت في ~~طلبهن؛ فالحمد لله الذي أصبتهن قبل الموت. # ورواه من وجه ثالث: أن ابن عباس سأل عنه عمر، فقال: حدثنا أحمد بن سليمان ~~بن أيوب، ثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد، ثنا آدم بن أبي إياس، ms090 ثنا إسماعيل ~~بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي، عن ابن أبي طلحة القرشي؛ أن ابن عباس ~~رضي الله عنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين، أشياء ~~أسألك عنها؟ قال: سل عما شئت؛ فقال: يا أمير المؤمنين، مم يذكر الرجل، ومم ~~ينسى؟ ومم تصدق الرؤيا، ومم تكذب؟ فقال # PageV01P096 # له: عمر أما قولك: مم يذكر الرجل ومم ينسى؟ فإن على القلب طخاء [الطخاء: ~~ثقل وغشى، وأصله: الظلمة والغيم] . مثل طخاء القمر، فإذا تغشت القلب نسي ~~ابن آدم، فإذا تجلت عن القلب ذكر ما كان ينسى، وأما مم تصدق الرؤيا ومم ~~تكذب؟ فإن الله يقول: {الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها} [الزمر: 42] فمن دخل منها في ملكوت السماء فهي التي تصدق، وما كان ~~منها دون ملكوت السماء فهي التي تكذب. # قلت: وفي هذين الطريقين ذكر أن التي تكذب ما لم يكمل وصولها إلى العلو. ~~وفي الأول ذكر أن ذلك يكون مما يحصل بعد رجوعها. وكلا الأمرين ممكن؛ فإن ~~الحكم يختلف لفوات شرطه، أو وجود مانعه عن ذلك، قال عكرمة ومجاهد: إذا نام ~~الإنسان فإن له سببا تجري فيه الروح، وأصله في الجسد، فتبلغ حيث شاء الله، ~~فما دام ذاهبا فإن الإنسان نائم، فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان، فكان ~~بمنزلة شعاع هو ساقط بالأرض وأصله متصل بالشمس. # قال ابن منده: وأخبرت عن عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، عن على بن ~~يزيد السمرقندي وكان من أهل العلم والأدب وله بصر بالطب والتعبير قال: إن ~~الأرواح تمتد من منخر الإنسان، ومراكبها وأصلها في بدن الإنسان، فلوخرج ~~الروح لمات، كما أن السراج لو فرقت بينها وبين الفتيلة لطفئت. ألا ترى أن ~~تركب النار في الفتيلة، وضوءها وشعاعها ملأ البيت، فكذلك الروح تمتد من ~~منخر الإنسان في منامه حتى تأتي السماء، وتجول في البلدان، وتلتقي مع أرواح ~~الموتى. فإذا رآها الملك الموكل بأرواح العباد أراه ما أحب أن يراه وكان ~~المرء في اليقظة عاقلا ذكيا صدوقا لا ms091 يلتفت في اليقظة إلى شيء من الباطل ~~رجع إليه روحه، فأدى إلى قلبه الصدق بما أراه الله عز وجل على حسب صدقه. ~~وإن كان خفيفا نزيقا [أي: خفيفا] . يحب الباطل والنظر إليه، فإذا نام وأراه ~~الله أمرا من خير أو شر رجع # PageV01P097 # روحه، فجب ما رأي شيئا من مخاريق الشيطان أو باطلا وقف عليه كما يقف في ~~يقظته، وكذلك يؤدي إلى قبله، فلا يعقل ما رأي، لآنه خلط الحق بالباطل، فلا ~~يمكن ميكن معبر يعبر له، وقد اختلط الحق بالباطل، فلا يمكن معبر يعبر له، ~~وقد اختلط الحق بالباطل. قال الإمام ابن منده: ومما يشهد لهذا الكلام ما ~~ذكرناه عن عمر وعلى وأبي الدرداء رضي الله عنهم. # قلت: وخرج ابن قتيبة في كتاب [تعبير الرؤيا] ، قال: حدثني حسين بن حسن ~~المروزي [حسين بن الحسن بن حرب السلمي بن عبد الله المروزي، نزيل مكة. روى ~~عن ابن المبارك ويزيد بن زريع وابن علية وغيرهم، وروى عنه الترمذي وابن ~~ماجه وغيرهما، وثقه ابن حبان وغير واحد. مات سنة 46ه] ، أخبرنا ابن المبارك ~~عبد الله، ثنا المبارك عن الحسن أنه قال: أنبئت أن العبد إذا نام وهو ساجد ~~يقول الله تبارك وتعالى: " انظروا إلى عبدي، روحه عندي، وجسده في طاعتي ". # وإذا كانت الروح تعرج إلى السماء مع أنها في البدن، علم أنه ليس عروجها ~~من جنس عروج البدن الذي يمتنع هذا فيه. وعروج الملائكة ونزولها من جنس عروج ~~الروح ونزولها، لا من جنس عروج البدن ونزوله. وصعود الرب عز وجل فوق هذا ~~كله وأجل من هذا كله؛ فإنه تعالى أبعد عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق ~~لمخلوق. # وإذا قيل: الصعود والنزول والمجيء والإتيان أنواع جنس الحركة، قيل: ~~والحركة أيضا أصناف مختلفة، فليست حركة الروح كحركة البدن، ولا حركة ~~الملائكة كحركة البدن، والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز، ويراد ~~بها أمور أخرى، كما يقوله كثير من الطبائعية والفلاسفة: منها الحركة في ~~الكم كحركة النمو، والحركة في الكيف كحركة الإنسان من جهل ms092 إلى علم، وحركة ~~اللون أو الثياب من سواد إلى بياض، والحركة في الأين كالحركة تكون بالأجسام ~~النامية من النبات والحيوان في النمو والزيادة، أو في الذبول والنقصان، ~~وليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز. # ومن قال: إن الجواهر المفردة تنتقل، فقوله غلط، كما هو مبسوط في موضعه. ~~وكذلك الأجسام تنتقل ألوانها وطعومها وروائحها، فيسود الجسم بعد ابيضاضه، ~~ويحلو # PageV01P098 # بعد مرارته، بعد أن لم يكن كذلك. وهذه حركات واستحالات وانتقالات، وإن لم ~~يكن في ذلك انتقال جسم من حيز إلى حيز. وكذلك الجسم الدائر في موضع واحد ~~كالدولاب والفلك هو بجملته لا يخرج من حيزه، وإن لم يزل متحركا. وهذه ~~الحركات كلها في الأجسام، وأما في الأرواح فالنفس تنتقل من بغض إلى حب، ومن ~~سخط إلى رضا. ومن كراهة إلى إرادة، ومن جهل إلى علم، ويجد الإنسان من حركات ~~نفسه وانتقالاتها وصعودها ونزولها ما يجده. وذلك من جنس آخر غير جنس حركات ~~بدنه. # وإذا عرف هذا؛ فإن للملائكة من ذلك ما يليق بهم، وإن ما يوصف به الرب ~~تبارك وتعالى هو أكمل وأعلى وأتم من هذا كله، وحينئذ فإذا قال السلف ~~والأئمة كحماد بن زيد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من أئمة أهل السنة أنه ~~ينزل ولا يخلو منه العرش، لم يجز أن يقال: إن ذلك ممتنع، بل إذا كان ~~المخلوق يوصف من ذلك بما يستحيل من مخلوق آخر، فالروح توصف من ذلك بما ~~يستحيل اتصاف البدن به، كان جواز ذلك في حق الرب تبارك وتعالى أولى من ~~جوازه من المخلوق كأرواح الآدميين والملائكة. # ومن ظن أن ما يوصف به الرب عز وجل لا يكون إلا مثل ما توصف به أبدان بني ~~آدم، فغلطه أعظم من غلط من ظن أن ما توصف به الروح مثل ما توصف به الأبدان. # وأصل هذا: أن قربه سبحانه ودنوه من بعض مخلوقاته، لا يستلزم أن تخلو ذاته ~~من فوق العرش، بل هو فوق العرش، ويقرب من خلقه كيف شاء، كما قال ذلك من ~~قاله من ms093 السلف، وهذا كقربه إلى موسى لما كلمه من الشجرة، قال تعالى: {إذ ~~قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم ~~تصطلون فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب ~~العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك فلما رآها تهتز ~~كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى # PageV01P099 # لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم} [النمل: 711] وقال في ~~السورة الأخرى: {فلما قضى موسىالأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} [القصص: 29،30] وقال تعالى: ~~{واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب ~~الطور الأيمن وقربناه نجيا} [مريم: 51،52] فأخبر أنه ناداه من جانب الطور، ~~وأنه قربه نجيا، وقال تعالى: {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا ~~يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون فلما جاءهم موسى بآياتنا ~~بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين وقال ~~موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح ~~الظالمون وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا ~~هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من ~~الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم ~~أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ~~ويوم القيامة هم من المقبوحين ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا ~~القرون الأولى ms094 بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون وما كنت بجانب الغربي ~~إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول ~~عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين ~~وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} [القصص: 3446] وقال تعالى: {هل أتاك حديث موسى ~~إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن ~~تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى} [النازعات: 1520] . # وقال ابن أبي حاتم في [تفسيره] : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عثمان بن ~~أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ~~ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: {فلما جاءها نودي أن بورك من ~~في النار ومن حولها} [النمل: 8] قال: كان ذلك النار، قال الله: من في ~~النور، ونودي أن بورك من في النور. # PageV01P100 # حدثنا على بن الحسين، ثنا محمد بن حمزة، ثنا على بن الحسين بن واقد، عن ~~أبيه، عن يزيد النحوي؛ أن عكرمة حدثني عن ابن عباس: {أن بورك من في النار} ~~قال: كان ذلك النار نوره {ومن حولها} أي: بورك من في النور ومن حول النور. ~~وكذلك روى بإسناده من تفسير عطية عن ابن عباس: {فلما جاءها نودي أن بورك من ~~في النار} [النمل: 8] يعني نفسه، قال: كان نور رب العالمين في الشجرة ومن ~~حولها. # حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري [هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد ~~الجوهري، الطبري الأصل، البغدادي، الحافظ، ولد بعد السبعين ومائة، وثقه ~~النسائي والخطيب، ومات سنة 249ه وقيل غير ذلك] ، ثنا أبو معاوية، عن شيبان، ~~عن عكرمة: {أن بورك من في النار} [النمل: 8] قال: كان الله في نوره. # حدثنا أبو زرعة، ثنا بن أبي شيبة، ثنا على بن جعفر المدائني، عن ورقاء، ~~عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير: {أن بورك ms095 من في النار} [النمل: 8] ~~قال: ناداه وهو في النور. # حدثنا على بن الحسين المنجاني، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا مفضل بن أبي ~~فضالة حدثني ابن ضمرة: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها} ، ~~قال: إن موسى كان على شاطئ الوادي إلى أن قال فلما قام أبصر النار فسار ~~إليها، فلما أتاها {نودي أن بورك من في النار} ، قال: إنها لم تكن نارا، ~~ولكن كان نور الله وهو الذي كان في ذلك النور، وإنما كان ذلك النور منه، ~~وموسى حوله. # حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا مكي بن إبراهيم، ثنا موسى بن ~~عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله عز وجل: {أن بورك من في النار ومن حولها} ~~قال: النار نور الرحمة، قال: ضوء من الله تعالى {ومن حولها} : موسى ~~والملائكة. # وروي بإسناده عن ابن عباس: {ومن حولها} قال: الملائكة. قال: وروي عن ~~عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتاده مثل ذلك. وروى عن السدي وحده: {أن ~~بورك من في النار} ، قال: كان في النار ملائكة. # PageV01P101 # وفي صحيح مسلم عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ~~يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل ~~عمل الليل، حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهي إليه ~~بصره من خلقه ". ثم قرأ أبو عبيدة: {أن بورك من في النار ومن حولها} وذكر ~~من تفسير الوالبي عن ابن عباس: {أن بورك من في النار} ، يقول: قدس، وعن ~~مجاهد: {أن بورك من في النار} بوركت النار. كذلك كان يقول ابن عباس وفي ~~السورة الأخرى: ذكر أنه ناداه من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة، وقوله: {من الشجرة} هو بدل من قوله: {من شاطئ الوادي الأيمن} ~~[القصص: 30] فالشجرة كانت فيه، وقال أيضا: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} ~~[مريم: 52] والطور هو ms096 الجبل، فالنداء كان من الجانب الأيمن من الطور ومن ~~الوادي فإن شاطئ الوادي جانبه، وقال: {وما كنت بجانب الغربي} [القصص: 44] ~~أي: بالجانب الغربي، وجانب المكان الغربي؛ فدل على أن هذا الجانب الأيمن هو ~~الغربي لا الشرقي، فذكر أن النداء كان من موضع معين وهو الوادي المقدس طوى ~~من شاطئ الوادي الأيمن من جانب الطور الأيمن من الشجرة، وذكر أنه قربه نجيا ~~فناداه وناجاه، وذلك المنادى له، والمناجى له، هو الله رب العالمين لا ~~غيره، ونداؤه ومناجاته قائمة به، ليس ذلك مخلوقا منفصلا عنه، كما يقوله من ~~يقول: إن الله لا يقوم به كلام، بل كلامه منفصل عنه مخلوق، وهو سبحانه ~~وتعالى ناداه وناجاه ذلك الوقت، كما دل عليه القرآن، لا كما يقوله من يقول: ~~لم يزل مناديا مناجيا له، ولكن ذلك الوقت خلق فيه إدراك النداء القديم الذي ~~لم يزل ولا يزال. # فهذان قولان مبتدعان لم يقل واحدا منها أحد من السلف. وإذا كان المنادي ~~هو الله # PageV01P102 # رب العالمين، وقد ناداه من موضع معين وقربه إليه، دل ذلك على ما قاله ~~السلف من قربه ودنوه من موسى عليه السلام مع أن هذا قرب مما دون السماء. # وقد جاء أيضا من حديث وهب بن منبه وغيره من الإسرائيليات قربه من أيوب ~~عليه السلام وغيره من الأنبياء عليهم السلام ولفظه الذي ساقه البغوي أنه ~~أضله غمام ثم نودي: يا أيوب، أنا الله، يقول: أنا قد دنوت منك، أنزل منك ~~قريبا. لكن الإسرائيليات إنما تذكر على وجه المتابعة، لا على وجه الاعتماد ~~عليها وحدها، وهو سبحانه وتعالى قد وصف نفسه في كتابه وفي سنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بقربه من الداعي وقربه من المتقرب إليه، فقال تبارك وتعالى: ~~{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186] . # وثبت في [الصحيحين] عن أبي موسى، أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال: " أيها الناس، اربعوا على ~~أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ms097 إنما تدعون سميعا قريبا، إن الذي ~~تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ". وفي الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " يقول الله تعالى: من تقرب إلى شبرا تقربت إليه # PageV01P103 # ذراعا، ومن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة". # وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقر به جميع من يقول: إنه فوق العرش، ~~سواء قالوا مع ذلك: إنه تقوم به الأفعال الاختيارية أو لم يقولوا. # وأما من ينكر ذلك: # فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض الوجوه ~~فيكونون قريبين منه، وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة؛ فإنهم يقولون: ~~الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة. # ومنهم من يفسر قربهم بطاعتهم، ويفسر قربه بإثابته. وهذا تفسير جمهور ~~الجهمية؛ فإنهم ليس عندهم قرب ولا تقريب أصلا. # ومما يدخل في معاني القرب وليس في الطوائف من ينكره قرب المعروف والمعبود ~~إلى قلوب العارفين العابدين؛ فإن كل من أحب شيئا فإنه لابد أن يعرفه ويقرب ~~من قلبه، والذي يبغضه يبعد من قلبه. لكن هذا ليس المراد به أن ذاته نفسها ~~تحل في قلوب العارفين العابدين، وإنما في القلوب معرفته وعبادته ومحبته، ~~والإيمان به؛ ولكن العلم يطابق المعلوم. # وهذا الإيمان الذي في القلوب هو [المثل الأعلى] الذي له في السموات ~~والأرض، وهو معنى قوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} ~~[الزخرف: 84] ، وقوله: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} [الأنعام: 3] . # وقد غلط في هذه الآية طائفة من الصوفية والفلاسفة وغيرهم، فجعلوه حلول ~~الذات واتحادها بالعابد والعارف، من جنس قول النصارى في المسيح، وهو قول ~~باطل، كما قد بسط في # PageV01P104 # موضعه. والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف ~~والأئمة، وهو قول الأشعري وغيره من الكلابية؛ فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ~~ذاته، وكذلك يثبتون استواءه على العرش بذاته، ونحو ذلك، ويقولون: الاستواء ~~فعل فعله في العرش فصار مستويا على العرش. وهذا أيضا قول ابن عقيل، وابن ~~الزاغوني، وطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم. # وأما دنوه نفسه وتقربه ms098 من بعض عباده؛ فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال ~~الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش. وهذا ~~مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك ~~متواتر. # وأول من أنكر هذا في الإسلام الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة، وكانوا ~~ينكرون الصفات والعلو على العرش، ثم جاء ابن كلاب فخالفهم في ذلك، وأثبت ~~الصفات والعلو على العرش، لكن وافقهم على أنه لا تقوم به الأمور ~~الاختيارية؛ ولهذا أحدث قوله في القرآن: أنه قديم لم يتكلم به بقدرته. ولا ~~يعرف هذا القول عن أحد من السلف، بل المتواتر عنهم أن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق، وأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، كما ذكرت ألفاظهم في كتب كثيرة في ~~مواضع غير هذا. # فالذين يثبتون أنه كلم موسى بمشيئته وقدرته كلاما قائما به، هم الذين ~~يقولون: إنه يدنو ويقرب من عباده بنفسه. وأما من قال: القرآن مخلوق أو ~~قديم، فأصل هؤلاء أنه لا يمكن أن يقرب من شيء ولا يدنو إليه، فمن قال منهم ~~بهذا مع هذا، كان من تناقضه؛ فإنه لم يفهم أصل القائلين بأنه قديم. # وأهل الكلام قد يعرفون من حقائق أصولهم ولوازمها ما لا يعرفه من وافقهم ~~على أصل المقالة، ولم يعرف حقيقتها ولوازمها؛ فلذا يوجد كثير من الناس ~~يتناقض كلامه في هذا الباب. فإن نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف متظاهرة ~~بالإثبات، وليس على النفي دليل واحد: لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر، ~~وإنما أصله قول الجهمية، فلما جاء ابن كلاب فرق، ووافقه كثير من الناس على ~~ذلك، فصار كثير من الناس يقر # PageV01P105 # بما جاء عن السلف وما دل عليه الكتاب والسنة، وبما يقوله النفاة مما ~~يناقض ذلك، ولا يهتدي للتناقض: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ~~[البقرة: 213] . # وبهذا يحصل الجواب عما احتج به من قال: إن ثلث الليل يختلف باختلاف ~~البلاد وهذا قد احتج به طائفة وجعلوا هذا دليلا على ما يتأولون عليه حديث ~~النزول. وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله ms099 من جنس نزول أجسام الناس ~~من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض ~~المخلوقات فوقه وبعضها تحته! # فإذا قدر النزول هكذا كان ممتنعا؛ لما ذكروه من أنه لا يزال تحت العرش في ~~غالب الأوقات أو جميعها، فإن بين طرفي العمارة نحو ليلة؛ فإنه يقال: بين ~~ابتداء العمارة من المشرق ومنتهاها من المغرب مقدار مائة وثمانين درجة ~~فلكية، وكل خمس عشرة فهي ساعة معتدلة، والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتي ~~عشرة ساعة بالليل أو النهار، إذا كان الليل والنهار متساويين كما يستويان ~~في أول الربيع الذي تسميه العرب الصيف، وأول الخريف الذي تسميه الربيع ~~بخلاف ما إذا كان أحدهما أطول من الآخر، وكل واحد اثنتا عشرة ساعة، فهذه ~~الساعات مختلفة في الطول والقصر، فتغرب الشمس عن أهل المشرق قبل غروبها عن ~~أهل المغرب، كما تطلع على هؤلاء قبل هؤلاء بنحو اثنتي عشرة ساعة أو أكثر. # فإن الشمس على أي موضع كانت مرتفعة من الأرض الارتفاع التام كما يكون عند ~~نصف النهار فإنها تضيء على ما أمامها وخلفها من المشرق والمغرب تسعين درجة ~~شرقية وتسعين غربية، والمجموع مقدار حركتها: اثنتا عشرة ساعة، ستة شرقية، ~~وستة غربية، وهو النهار المعتدل. # ولا يزال لها هذا النهار، لكن يخفي ضوؤها بسبب ميلها إلى جانب الشمال ~~والجنوب، فإن المعمور من الأرض من الناحية الشمالية من الأرض التي هي شمال ~~خط الاستواء المحاذي لدائرة معتدل النهار التي نسبتها إلى القطبين الشمالي ~~والجنوبي نسبة واحدة؛ ولهذا يقال في حركة الفلك: إنها على ذلك المكان ~~دولابية مثل الدولاب، وأنها عند القطبين # PageV01P106 # رحاوية تشبه حركة الرحى، وأنها في المعمور من الأرض حمائلية تشبه حمائل ~~السيوف. والمعمور المسكون من الأرض، يقال: إنه بضع وستون درجة أكثر من ~~السدس بقليل. # والكلام على هذا لبسطه موضع آخر، ذكرنا فيه دلالة الكتاب والسنة وأقوال ~~الصحابة والتابعين وسائر من تبعهم من علماء المسلمين على أن الفلك مستدير. ~~وقد ذكر إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد، منهم الإمام ms100 أبو الحسين بن ~~المنادي الذي له نحو [أربعمائة مصنف] وهو من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد، ~~وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم. # والمقصود هنا أن الشمس إذا طلعت على أول البلاد الشرقية، فإنه حينئذ يكون ~~إما وقت غروبها وإما قريبا من وقت غروبها على آخر البلاد الغربية، فإنها ~~تكون بحيث يكون الضوء أمامها تسعين درجة وخلفها تسعين درجة، فهذا منتهي ~~نورها. فإذا طلعت عليهم كان بينها وبينهم تسعون درجة، وكذلك على بلد تطلع ~~عليه، والحاسب يفرق بين الدرجات كما يفرق بين الساعات، فإن الساعات ~~المختلفة الزمانية كل واحد منها خمس عشرة درجة بحسب ذلك الزمان، فيكون ~~بينها وبين المغرب أيضا تسعون درجة من ناحية المغرب، وإذا صار بينها وبين ~~مكان تسعون درجة غربية غابت، كما تطلع إذا كان بينها وبينهم تسعون درجة ~~شرقية، وإذا توسطت عليهم وهو وقت استوائها قبل أن تدلك [أي تميل عن ~~الاستواء] وتزيغ ويدخل وقت الظهر كان لها تسعون درجة شرقية وتسعون درجة ~~غربية. # وإذا كان كذلك والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة ~~والسلام الذي اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم، واتفق علماء الحديث على ~~صحته: هو " إذا بقي ثلث الليل الآخر "وأما رواية "النصف والثلثين" فانفرد ~~بها مسلم في بعض طرقه، وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: " ~~إذا بقي ثلث الليل الآخر ". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ~~جماعة كثيرة من الصحابة كما ذكرنا قبل هذا؛ فهو حديث متواتر عند أهل العلم ~~بالحديث، والذي لا شك فيه إذا بقي ثلث الليل الآخر. # PageV01P107 # فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر [النزول] أيضا إذا مضى ثلث ~~الليل الأول وإذا انتصف الليل؛ فقوله حق وهو الصادق المصدوق، ويكون النزول ~~أنواعا ثلاثة: الأول إذا مضى ثلث الليل الأول، ثم إذا انتصف وهو أبلغ، ثم ~~إذا بقي ثلث الليل، وهو أبلغ الأنواع الثلاثة. # ولفظ " الليل والنهار " في كلام الشارع إذا أطلق، فالنهار من طلوع الفجر، ~~كما ms101 في قوله سبحانه وتعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} ~~[هود: 114] ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: " صم يوما وأفطر يوما " ~~وقوله: " كالذي يصوم النهار ويقوم الليل " ونحو ذلك، فإنما أراد صوم النهار ~~من طلوع الفجر، وكذلك وقت صلاة الفجر، وأول وقت الصيام بالنقل المتواتر ~~المعلوم للخاصة والعامة والإجماع الذي لا ريب فيه بين الأمة، وكذلك في مثل ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر ~~بركعة ". ولهذا قال العلماء كالإمام أحمد بن حنبل وغيره : إن صلاة الفجر من ~~صلاة النهار. # وأما إذا قال الشارع صلى الله عليه وسلم: " نصف النهار " فإنما يعني به ~~النهار المبتدئ من طلوع الشمس، لا يريد قط لا في كلامه ولا في كلام أحد من ~~علماء المسلمين بنصف النهار # PageV01P108 # النهار الذي أوله من طلوع الفجر؛ فإن نصف هذا يكون قبل الزوال؛ ولهذا غلط ~~بعض متأخري الفقهاء لما رأى كلام العلماء أن الصائم المتطوع يجوز له أن ~~ينوي التطوع قبل نصف النهار؛ وهل يجوز له بعده؟ على قولين هما روايتان عن ~~أحمد ظن أن المراد بالنهار هنا نهار الصوم الذي أوله طلوع الفجر. وسبب غلطه ~~في ذلك أنه لم يفرق بين مسمى النهار إذا أطلق، وبين مسمى نصف النهار، ~~فالنهار الذي يضاف إليه نصف في كلام الشارع وعلماء أمته هو من طلوع الشمس، ~~والنهار المطلق في وقت الصلاة والصيام من طلوع الفجر. # والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بالنزول إذا بقي ثلث الليل، فهذا ~~الليل المضاف إليه الثلث يظهر أنه من جنس النهار المضاف إليه النصف وهو ~~الذي ينتهي إلى طلوع الشمس، وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وقت ~~العشاء إلى نصف الليل " أو " إلى الثلث "، فهو هذا الليل. وكذلك الفقهاء ~~إذا أطلقوا ثلث الليل ونصفه؛ فهو كإطلاقهم نصف النهار. وهكذا أهل الحساب لا ~~يعرفون غير هذا. # وقد يقال: بل هو الليل المنتهي بطلوع الفجر كما في الحديث الصحيح: " أفضل ~~القيام قيام داود؛ كان ينام نصف ms102 الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه ". واليوم ~~المعتاد المشروع إلى طلوع الشمس بل إلى طلوع الفجر. فإن كان المراد بالحديث ~~هذا، وحينئذ فإذا قدر ثلث الليل في أول المشرق يكون قبل طلوع الشمس عليهم ~~بأربع ساعات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ينزل ربنا كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من ~~يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ حتى يطلع الفجر ". فقد أخبر # PageV01P109 # بدوامه إلى طلوع الفجر، وفي رواية: (إلى أن ينصرف القارئ من صلاة الفجر) ~~. وقد قال تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78] ~~تشهده ملائكة الليل والنهار، وقد قيل: يشهده الله وملائكته. # وإذا كان هذا النزول يدوم نحو سدس عند أولئك، فهكذا هو عند كل قوم إذا ~~مضى ثلثا ليلهم يدوم عندهم سدس الزمان، وأما النزول الذي في النصف أو ~~الثلثين، فإنه يدوم ربع الزمان أو ثلثه، فهو أكثر دواما من ذلك. وإن أريد ~~الليل المنتهي بطلوع الشمس، كان وقت النزول أقل من ذلك فيكون قريبا من ثمن ~~الزمان وتسعه، وعلى رواية النصف والثلث يكون قريبا من سدسه وربعه وأكثر من ~~ذلك. # ومعلوم أن زمن ثلث ليل البلد الشرقي قبل ثلث ليل البلد الغربي كما قد ~~عرف، والعمارة طولها اثنتا عشرة ساعة، مائة وثمانون درجة، فلو قدر أن لكل ~~مقدار ساعة وهو خمس عشرة درجة من المعمور ثلثا غير ثلث مقدار الساعة ~~الأخرى، لكان المعمور ستة وثلاثين ثلثا، والنزول يدوم في كل ثلث مقدار سدس ~~الزمان، فيلزم أن يكون النزول يدوم ليلا ونهارا، أنه يدوم بقدر الليل ~~والنهار ست مرات، إذا قدر أن لكل طول ساعة من المعمور ثلثا فكيف النزول ~~الإلهي إلى السماء الدنيا لدعاء عباده الساكنين في الأرض؟ # فكل أهل بلد من البلاد يبقي نزوله ودعاؤه لهم: هل من سائل؟ هل من داع؟ هل ~~من مستغفر؟ سدس الزمان، والبلاد من المشرق إلى المغرب كثيرة. والإسلام ولله ~~الحمد قد انتشر من المشرق إلى المغرب، كما قال النبي صلى ms103 الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح: (زويت لي الأرض، مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي ~~لي منها) [وقوله: (زويت) : أي جمعت] . # PageV01P110 # وإنما ذكرنا هذا؛ لأنه قد يقال: إن هذا [النزول، والدعاء] إنما هو لعباده ~~المؤمنين الذين يعبدونه ويسألونه ويستغفرونه؛ كما أن [نزول عشيةعرفة] إنما ~~هو لعباده المؤمنين الذين يحجون إليه، وكما أن رمضان إذا دخل فتحت أبواب ~~الجنة لعباده المؤمنين الذين يصومون رمضان، وعنهم تغلق أبواب النار، وتصفد ~~[أي: توثق وتقيد] . شياطينهم، وأما الكفار الذين يستحلون إفطار شهر رمضان ~~ولا يرون له حرمة ومزية فلا تفتح لهم فيه أبواب الجنة ولا تغلق عنهم فيه ~~أبواب النار، ولا تصفد شياطينهم. # وليس المقصود هنا بسط هذا المعنى، بل المقصود أن النزول إن كان خاصا ~~بالمؤمنين، فهم ولله الحمد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وإن كان عاما؛ ~~فهو أبلغ، فعلى كل تقدير لابد أن يدوم النزول الإلهي على أهل كل بلد مقدار ~~سدس الزمان أو أكثر. فإنه إذا قيل: ليل صيفهم قصير، قيل: وليل شتائهم طويل، ~~فيعادل هذا هذا، وما نقص من ليل صيفهم زيد في ليل شتائهم؛ ولهذا جاء في ~~الأثر: (الشتاء ربيع المؤمن؛ يصوم نهاره، ويقوم ليله) . # وإذا كان كذلك، فلو كان النزول كما يتخيله بعض الجهال من أنه يصير تحت ~~السموات وفوق السماء الدنيا وتحت العرش مقدار ثلث الليل على كل بلد، لم يكن ~~اللازم أنه لا يزال تحت العرش وتحت السموات فقط؛ فإن هذا إنما يكون وحده هو ~~اللازم إذا كان كل سدس من المعمور لهم كلهم ثلث واحد، وكان المجموع ستة ~~أثلاث، فإذا قدر بقاؤه على هؤلاء مقدار ثلث، ثم على هؤلاء الآخرين مقدار ~~ثلث، لزم ألا يزال تحت # PageV01P111 # العرش، أو تحت السموات، أو حيث تخيل الجاهل أن الله محصور فيه، فلا يكون ~~قط فوق العرش. # وأما إذا كان لكل بلد ثلث غير الثلث الآخر، وأن أول كل بلد بعد الثلث ~~الآخر، يقدر ما بينهما، وكذلك آخر ثلث ليل البلد الشرقي ينقضي قبل انقضاء ~~ثلث ليل ms104 البلد الغربي، وأيضا، إن كانت مداخلة، فلابد أن يدوم النزول على كل ~~بلد ثلث ليلهم إلى طلوع فجرهم، فيلزم من ذلك أن يقدر أثلاث بقدر عدد ~~البلاد. # وأيضا، فكما أن ثلث الليل يختلف بطول البلد، فهو يختلف بعرضها أيضا. ~~فكلما كان البلد أدخل في الشمال، كان ليله في الشتاء أطول، وفي الصيف أقصر. ~~وما كان قريبا من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك وليله ~~في الصيف أطول من ليل ذاك، فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي. # وحينئذ، فالنزول الإلهي لكل قوم هو مقدار ثلث ليلهم، فيختلف مقداره ~~بمقادير الليل في الشمال والجنوب، كما اختلف في المشرق والمغرب. وأيضا، ~~فإنه إذا صار ثلث الليل عند قوم، فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من ~~البلاد، فيحصل النزول الإلهي الذي أخبر به الصادق المصدق أيضا عند أولئك ~~إذا بقي ثلث ليلهم، وهكذا إلى آخر العمارة. # فلو كان كما توهمه الجاهل، من أنه يكون تحت العرش، وتكون فوقه السماء ~~وتحته السماء؛ لكان هذا ممتنعا من وجوه كثيرة: # منها: أنه لا يكون فوق العرش قط بل لا يزال تحته، ومنها: أنه يجب على هذا ~~التقدير أن يكون الزمان بقدر ما هو مرات كثيرة جدا ليقع كذلك، ومنها: أنه ~~مع دوام نزوله إلى سماء هؤلاء إلى طلوع فجرهم، إن أمكن مع ذلك، أن يكون قد ~~نزل على غيرهم أيضا، ممن ثلث ليلهم يخالف ثلث هؤلاء في التقديم والتأخير ~~والطول والقصر. # فهذا خلاف ما تخيلوه، فإنهم لا يمكنهم أن يتخيلوا نازلا كنزول العباد، من ~~يكون نازلا على سماء هؤلاء ثلث ليلهم، وهو أيضا في تلك الساعة نازلا على ~~سماء آخرين، مع أنه يجب أن يتقدم على أولئك أو يتأخر عنهم، أو يزيد أو ~~يقصر. # PageV01P112 # وحكى عن بعض الجهال أنه قيل له: فالسموات كيف حالها عند نزوله؟ قال: ~~يرفعها، ثم يضعها، وهو قادر على ذلك. فهؤلاء الذين يتخيلون ما وصف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم به ربه أنه مثل صفات أجسامهم، كلهم ms105 ضالون، ثم ~~يصيرون قسمين: # قسم علموا أن ذلك باطل، وظنوا أن هذا ظاهر النص ومدلوله، وأنه لا يفهم ~~منه معنى إلا ذلك، فصاروا: إما أن يتأولوه تأويلا يحرفون به الكلم عن ~~مواضعه. وإما أن يقولوا: لا يفهم منه شيء، ويزعمون أن هذا مذهب السلف. # ويقولون: إن قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] يدل على أن ~~معنى المتشابه لا يعلمه إلا الله، والحديث منه متشابه كما في القرآن وهذا ~~من متشابه الحديث، فيلزمهم أن يكون الرسول الذي تكلم بحديث النزول لم يدر ~~هو ما يقول، ولا ما عنى بكلامه وهو المتكلم به ابتداء. فهل يجوز لعاقل أن ~~يظن هذا بأحد من عقلاء بنى آدم؟ ! فضلا عن الأنبياء! فضلا عن أفضل الأولين ~~والآخرين، وأعلم الخلق، وأفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق صلى الله عليه ~~وسلم؟ ! وهم مع ذلك يدعون أنهم أهل السنة، وإن هذا القول الذي يصفون به ~~الرسول وأمته هو قول أهل السنة. # ولا ريب أنهم لم يتصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه. ولو تصوروا ذلك لعلموا ~~أنه يلزمهم ما هو من أقبح أقوال الكفار في الأنبياء، وهم لا يرتضون مقالة ~~من ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، ولو تنقصه أحد لاستحلوا قتله. وهم ~~مصيبون في استحلال قتل من يقدح في الأنبياء عليهم السلام، وقولهم يتضمن ~~أعظم القدح؛ لكن لم يعرفوا ذلك. ولازم القول ليس بقول، فإنهم لو عرفوا أن ~~هذا يلزمهم ما التزموه. # وقسم ثان، من الممثلين لله بخلقه، لما رأوا أن قول هؤلاء منكر، وأن قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم حق، قالوا مثل تلك الجهالات: من أنه تصير فوقه ~~سماء وتحته سماء، أو أن السموات ترتفع ثم تعود، ونحو ذلك مما يظهر بطلانه ~~لمن له أدنى عقل ولب. # وقد ثبت في الصحيحين أنه ينزل، وفي لفظ: (ينزل كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر) ، # PageV01P113 # وفي حديث آخر: " أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الآخر "، وفي ~~صحيح مسلم: " إن الله ينزل إلى سماء ms106 الدنيا حين يمضي ثلث الليل "، وفي صحيح ~~مسلم أيضا : " إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، ينزل الله إلى سماء الدنيا " ~~فما ذكر من تقدم اختلاف الليل في البلاد، يبطل قول من يظن أنه يخلو منه ~~العرش، ويصير تحت العرش أو تحت السماء. # وأما النزول الذي لا يكون من جنس نزول أجسام العباد فهذا لا يمتنع أن ~~يكون في وقت واحد لخلق كثير، ويكون قدره لبعض الناس أكثر، بل لا يمتنع أن ~~يقرب إلى خلق من عباده دون بعض، فيقرب إلى هذا الذي دعاه دون هذا الذي لم ~~يدعه. وجميع ما وصف به الرب عز وجل نفسه من القرب، فليس فيه ما هو عام ~~لجميع المخلوقات كما في المعية؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص. # وأما قربه مما يقرب منه، فهو خاص لمن يقرب منه، كالداعي والعابد، وكقربه ~~عشية عرفة، ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج، وإن كانت تلك العشية ~~بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض البلاد، وتكون ليلا في بعض البلاد؛ فإن ~~تلك البلاد لم يدن إليها، ولا إلى سمائها الدنيا، وإنما دنا إلى السماء ~~الدنيا التي على الحجاج، وكذلك نزوله بالليل. # وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة، وكل ~~منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه، وذلك ~~المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره. كذلك قال أبو رزين: للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه ~~كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر "، قال: يا رسول الله، كيف ونحن جميع وهو ~~واحد؟ ! فقال: " سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله؛ هذا القمر كلكم يراه مخليا ~~به، فالله أكبر ". وقال رجل لابن عباس رضي الله عنه كيف يحاسب الله العباد ~~في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. # وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " يقول الله: قسمت الصلاة بيني ms107 وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها ~~لعبدي، ولعبدي # PageV01P114 # ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} ، قال الله: حمدني ~~عبدي، فإذا قال العبد: {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى على عبدي، فإذا قال ~~العبد: مالك يوم الدين؛ قال الله: مجدنى عبدي، فإذا قال العبد: إياك نعبد ~~وإياك نستعين؛ قال: هذه بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ~~{اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} ، قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ". # فهذا يقوله سبحانه وتعالى لكل مصل قرأ الفاتحة، فلو صلى الرجل ما صلى من ~~الركعات قيل له ذلك وفي تلك الساعة يصلي من يقرأ الفاتحة من لا يحصى عدده ~~إلا الله، وكل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا، كما يحاسبهم كذلك، ~~فيقول لكل واحد ما يقول له من القول في ساعة واحدة. وكذلك سمعه لكلامهم ~~يسمع كلامهم كله مع اختلاف لغاتهم، وتفنن حاجاتهم، يسمع دعاءهم سمع إجابة، ~~ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع. ولا تغلطه ~~المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، فإنه سبحانه هو الذي خلق هذا كله، وهو ~~الذي يرزق هذا كله وهو الذي يوصل الغذاء إلى كل جزء جزء من البدن على ~~مقداره وصفته المناسبة له، وكذلك من الزرع. # وكرسيه قد وسع السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما، فإذا كان لا يؤوده خلقه ~~ورزقه على هذه التفاصيل، فكيف يؤوده العلم بذلك، أو سمع كلامهم، أو رؤية ~~أفعالهم، أو إجابة دعائهم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا {وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر: 67] . # وهذه الآية مما تبين خطأ هؤلاء، فإنه سبحانه وتعالى قال: {وما قدروا الله ~~حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه # PageV01P115 # سبحانه وتعالى عما يشركون} ، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقبض الله الأرض ويطوي ms108 ~~السموات بيمينه، ويقول: أنا الملك، أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ! ". # وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أبلغ من ذلك، والسياق لمسلم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن ~~بيده اليمنى، ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين ~~المتكبرون؟ ". رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، ورواه عثمان بن أبي شيبة قال: ~~" يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك ~~أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله فيقول: أنا ~~الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". # وفي حديث عبد الله بن مقسم عن عبد الله بن عمر، قال: رأيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر، وهو يقول: " يأخذ الجبار سمواته وأرضه وقبض بيده ~~وجعل يقبضها ويبسطها ويقول: أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا ~~السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، ~~أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئا، أنا الذي أعيدها، أين الجبارون أين ~~المتكبرون؟ "، ويتميل رسول الله على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر ~~يتحرك من أسفل شيء منه حتى إنى أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ . رواه ابن منده، وابن خزيمة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وسعيد بن ~~منصور وغيرهم من الأئمة الحفاظ النقاد الجهابذة. # فإذا كان سبحانه يطوي السموات كلها بيمينه، وهذا قدرها عنده كما قال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما : ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما ~~بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم، وهو سبحانه بين لنا من عظمته ~~بقدر ما نعقله، كما قال عبد العزيز الماجشون [هو عبد العزيز بن عبد الله بن ~~أبي سلمة الماجشون، الإمام المفتى الكبير، نزيل بغداد، وسمي بالماجشون؛ لأن ~~وجنتيه كانتا حمراوين - والماجشون تطلق على الثياب المصبغة - وثقه أبو زرعة ~~وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، توفي ببغداد سنة 164ه] : والله، ما دلهم على ~~عظيم ما وصف من نفسه، وما تحيط ms109 به قبضته إلا صغر # PageV01P116 # نظيرها منهم عندهم، أن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم. # وقد قال تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] قال ~~ابن أبي حاتم في [تفسيره] : حدثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، ثنا بشر ~~بن عمارة عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى: {لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] قال: (لو أن الجن والإنس، والشياطين ~~والملائكة؛ منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا) ، ~~فمن هذه عظمته، كيف يحصره مخلوق من المخلوقات، سماء أو غير سماء؟ ! حتى ~~يقال: إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صار العرش فوقه، أو يصير شيء من ~~المخلوقات يحصره ويحيط به سبحانه وتعالى. # فإذا قال القائل: هو قادر على ما يشاء، قيل: فقل: هو قادر على أن ينزل ~~سبحانه وتعالى وهو فوق عرشه، وإذا استدللت بمطلق القدرة والعظمة من غير ~~تمييز، فما كان أبلغ في القدرة والعظمة، فهو أولي بأن يوصف به مما ليس ~~كذلك؛ فإن من توهم العظيم الذي لا أعظم منه يقدر على أن يصغر حتى يحيط به ~~مخلوقه الصغير، وجعل هذا من باب القدرة والعظمة، فقوله: إنه ينزل مع بقاء ~~عظمته وعلوه على العرش، أبلغ في القدرة والعظمة، وهو الذي فيه موافقة الشرع ~~والعقل. # وهذا كما قد يقوله طائفة منهم أبو طالب المكى قال: إن شاء وسعه أدنى شيء، ~~وإن شاء لم يسعه شيء، وإن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن ~~أحب وجد عند كل شيء، وإن لم يحب لم يوجد عند شيء، وقد جاوز الحد والمعيار، ~~وسبق القيل والأقدار، ذو صفات لا تحصى، وقدر لا يتناهى، ليس محبوسا في ~~صورة، ولا موقوفا بصفة، ولا محكوما عليه بكلم، ولا يتجلى بوصف مرتين، ولا ~~يظهر # PageV01P117 # في صورة لاثنين، ولا يرد منه بمعنى واحد كلمتان، بل لكل تجل منه صورة، ~~ولكل ms110 عبد عند ظهوره صفة، وعن كل نظرة كلام، وبكل كلمة إفهام، ولا نهاية ~~لتجليه، ولا غاية لأوصافه. # قلت: أبو طالب رحمه الله هو وأصحابه [السالمية] أتباع الشيخ أبي الحسن بن ~~سالم صاحب سهل بن عبد الله التستري، لهم من المعرفة والعبادة والزهد واتباع ~~السنة والجماعة في عامة المسائل المشهورة لأهل السنة ما هم معروفون به، وهم ~~منتسبون إلى إمامين عظيمين في السنة؛ الإمام أحمد بن حنبل، وسهل بن عبد ~~الله التستري، ومنهم من تفقه على مذهب مالك بن أنس كبيت الشيخ أبي محمد ~~وغيرهم، وفيهم من هو على مذهب الشافعى. # فالذين ينتسبون إليهم، أو يعظمونهم، ويقصدون متابعتهم، أئمة هدى رضوان ~~الله عليهم أجمعين. وهم في ذلك كأمثالهم من أهل السنة والجماعة. # وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه ~~أهل البدع؛ ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه، وأصول الدين، ~~والفقه، والزهد، والتفسير، والحديث، من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، ~~ويحكى من مقالات الناس ألوانا، والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره؛ ~~لعدم علمه به؛ لا لكراهته لما عليه الرسول. # وهؤلاء وقع في كلامهم أشياء، أنكروا بعض ما وقع من كلام أبي طالب في ~~الصفات من نحو الحلول وغيره أنكرها عليهم أئمة العلم والدين ونسبوهم إلى ~~الحلول من أجلها؛ ولهذا تكلم أبو القاسم بن عساكر في أبي على الأهوازي لما ~~صنف هذا مثالب أبي الحسن الأشعري، وهذا مناقبه، وكان أبو علي الأهوازي من ~~السالمية فنسبهم طائفة إلى الحلول. والقاضي أبو يعلى له كتاب صنفه في الرد ~~على السالمية. # وهم فيما ينازعهم المنازعون فيه كالقاضي أبي يعلى وغيره، وكأصحاب ~~الأشعري، وغيرهم من ينازعهم من جنس تنازع الناس، تارة يرد عليهم حق وباطل، ~~وتارة يرد عليهم حق من حقهم، وتارة يرد باطل بباطل، وتارة يرد # PageV01P118 # باطل بحق. وكذلك ذكر الخطيب البغدادى في [تاريخه] أن جماعة من العلماء ~~أنكروا بعض ما وقع في كلام أبي طالب في الصفات. وما وقع في كلام ms111 أبي طالب ~~من الحلول سرى بعضه إلى غيره من الشيوخ، الذين أخذوا عنه كأبي الحكم بن ~~برجان ونحوه. # وأما أبو إسماعيل الأنصاري صاحب [منازل السائرين] فليس في كلامه شيء من ~~الحلول العام، لكن في كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل ~~إلى ما سماه هو: [مقام التوحيد] ، وقد باح منه بما لم يبح به أبو طالب، لكن ~~كنى عنه. # وأما [الحلول العام] ففي كلام أبي طالب قطعة كبيرة منه، مع تبريه من لفظ ~~الحلول، فإنه ذكر كلاما كثيرا حسنا في التوحيد كقوله: عالم لا يجهل، قادر ~~لا يعجز، حي لا يموت، قيوم لا يغفل، حليم لا يسفه، سميع بصير، ملك لا يزول ~~ملكه، قديم بغير وقت، آخر بغير حد، كائن لم يزل، إلى أن قال: وإنه أمام كل ~~شيء، ووراء كل شيء، وفوق كل شيء، ومع كل شيء، ويسمع كل شيء، وأقرب إلى كل ~~شيء من ذلك الشيء، وإنه مع ذلك غير محل للأشياء، وأن الأشياء ليست محلا له، ~~وأنه على العرش استوى كيف شاء بلا تكييف ولا تشبيه، وأنه بكل شيء عليم، ~~وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء محيط. # وذكر كلاما آخر يتعلق بالمخلوقات وإحاطة بعضها ببعض بحسب ما رآه، ثم قال: ~~والله جل جلاله وعظم شأنه هو ذات منفرد بنفسه، متوحد بأوصافه، بائن من جميع ~~خلقه، لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه من ~~ذاته شيء، ليس في الخلق إلا الخلق ولا في الذات إلا الخالق. # قلت: وهذا ينفي الحلول كما نفاه أولا. # ثم قال: فصل شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين # فشهادة الموقن يقينه أن الله هو الأول من كل شيء، وأقرب من كل شيء، فهو ~~المعطى المانع، الهادي المضل، لا معطي ولا مانع ولا ضار ولانافع إلا الله، ~~كما لا إله إلا الله، ويشهد قرب الله منه ونظره إليه، وقدرته عليه # PageV01P119 # وحيطته به، فسبق نظره وهمه إلى الله قبل كل شيء، ويذكره في كل شيء، ويخلو ~~قلبه له ms112 من كل شيء، ويرجع إليه بكل شيء، ويتأله إليه دون كل شيء، ويعلم أن ~~الله أقرب إلى القلب من وريده، وأقرب إلى الروح من حياته، وأقرب إلى البصر ~~من نظره، وأقرب إلى اللسان من ريقه بقرب هو وصفه لا يتقرب ولا يقرب. # وأنه تعالى على العرش في ذلك كله، وأنه رفيع الدرجات من الثرى، كما هو ~~رفيع الدرجات من العرش، وأن قربه من الثرى ومن كل شيء كقربه من العرش، وأن ~~العرش غير ملاصق له بحس، ولا تمكن فيه، ولا يذكر فيه بوجس ولا ناظر إليه ~~بعين، ولا يحاط به فيدرك؛ لأنه تعالى محتجب بقدرته عن جميع بريته، ولا نصيب ~~للعرش منه إلا كنصيب موقن عالم به، واجد لما أوجده منه من أن الله عليه، ~~وأن العرش مطمئن به، وأن الله محيط بعرشه فوق كل شيء، وفوق تحت كل شيء، فهو ~~فوق الفوق، تحت التحت، لا يحد بتحت فيكون له فوق؛ لأنه العلي الأعلى. # أين كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان، ولا يحد بمكان، ولا يفقد من مكان، ~~ولا يوجد بمكان، فالتحت للأسفل، والفوق للأعلى. # وهو سبحانه فوق كل فوق في العلو، وفوق كل تحت في السمو، هو فوق ملائكة ~~الثرى، كما هو فوق ملائكة العرش والأماكن الممكنات، ومكانه مشيئته ووجوده ~~قدرته، والعرش والثرى فما بينهما، هو حد للخلق الأسفل والأعلى بمنزلة خردلة ~~في قبضته، وهو أعلى من ذلك محيط بجميع ذلك، كما لايدركه العقل ولا يكيفه ~~الوهم، ولا نهاية لعلوه، ولا فوق لسموه، ولا بعد في دنوه. # إلى أن قال: وإن الله لا يحجبه شيء عن شيء، ولا يبعد عليه شيء، قريب من ~~كل شيء بوصفه، وهو القدرة والدراك، والأشياء مبعدة بأوصافها؛ وهو البعد ~~والحجب، فالبعد والإبعاد حكم مشيئته، والحدود والأقطار حجب بريته. # إلى أن قال: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} [الأنعام: 3] ، {ثم استوى ~~على # PageV01P120 # العرش} [الفرقان: 59] ، {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] غير متصل ~~بالخلق ولا مفارق، وغير مماس للكون ولا متباعد، بل منفرد بنفسه، متوحد ms113 ~~بوصفه، لا يزدوج إلى شيء، ولا يقترن به شيء، أقرب من كل شيء بقرب هو وصفه، ~~وهو محيط بكل شيء بحيطة هى نعته، وهو مع كل شيء، وفوق كل شيء، وأمام كل ~~شيء، ووراء كل شيء؛ بعلوه ودنوه، وهو قربه، فهو وراء الحول الذي هو وراء ~~حملة العرش، وهو أقرب من حبل الوريد الذي هو الروح، وهو مع ذلك فوق كل شيء ~~وهو محيط بكل شيء، وليس هو تعالى في هذا مكانا لشيء ولا مكانا له شيء، وليس ~~كمثله في كل هذا شيء، لا شريك له في ملكه ولا معين له في خلقه، ولا نظير له ~~في عباده، ولا شبيه له في إيجاده، وهو أول في آخريته بأولية هى صفته، وآخر ~~في أوليته بآخرية هى نعته، وباطن في ظهوره بباطنية هى قربه، وظاهر في ~~باطنيته بظهور هو علوه، لم يزل كذلك أولا، ولا يزال كذلك آخرا، ولم يزل ~~كذلك باطنا، ولا يزال كذلك ظاهرا. # إلى أن قال: هو على عرشه بإخباره لنفسه؛ فالعرش حد خلقه الأعلى وهو غير ~~محدود بعرشه؛ والعرش محتاج إلى مكان، والرب عز وجل غير محتاج إليه؛ كما قال ~~تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] الرحمن اسم، والاستواءنعته، متصل ~~بذاته والعرش خلقه منفصل عن صفاته، ليس بمضطر إلى مكان يسعه ولا حامل ~~يحمله. # إلى أن قال: وهو لا يسعه غير مشيئته، ولا يظهر إلا في أنوار صفته، ولا ~~يوجد إلا في سعة البسطة. فإذا قبض أخفي ما أبدى، وإذا بسط أعاد ما أخفي. ~~وكذلك جعله في كل رسم كون، وفعله بكل اسم مكان، ومما جل فظهر ومما دق ~~فاستتر، لا يسعه غير مشيئته بقربه، ولا يعرف إلا بشهوده، ولا يرى إلا ~~بنوره، هذا لأوليائه اليوم بالغيب في القلوب، ولهم ذلك عند المشاهدة ~~بالأبصار، ولا يعرف إلا بمشيئته، إن شاء وسعه أدنى شيء، وإن لم يشأ لم يسعه ~~كل شيء، إن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن # PageV01P121 # أحب وجد عند كل شيء، وإن ms114 لم يحب لم يوجد بشيء. وذكر تمام كلامه كما ~~حكيناه من قبل. # قلت: وهذا الذي ذكره من قربه وإطلاقه، وأنه لايتجلى بوصف مرتين ولا يظهر ~~في صورة لاثنين، هو حكم ما يظهر لبعض السالكين من قربه إلى قلوبهم، وتجليه ~~لقلوبهم لا أن هذا هو وصفه في نفس الأمر، وأنه كما تحصل هذه التجليات ~~المختلفة تحصل يوم القيامة للعيون. # وهذا الموضع مما يقع الغلط فيه لكثير من السالكين، يشهدون أشياء بقلوبهم ~~فيظنون أنها موجودة في الخارج هكذا، حتى إن فيهم خلقا منهم من المتقدمين ~~والمتأخرين يظنون أنهم يرون الله بعيونهم؛ لما يغلب على قلوبهم من المعرفة ~~والذكر والمحبة، يغيب بشهوده فيما حصل لقلوبهم، ويحصل لهم فناء واصطلام، ~~فيظنون أن هذا هو أمر مشهود بعيونهم، ولا يكون ذلك إلا في القلب؛ ولهذا ظن ~~كثير منهم أنه يرى الله بعينه في الدنيا. # وهذا مما وقع لجماعة من المتقدمين والمتأخرين، وهو غلط محض حتى أورث مما ~~يدعيه هؤلاء شكا عند أهل النظر والكلام الذين يجوزون رؤية الله في الجملة، ~~وليس لهم من المعرفة بالسنة ما يعرفون به؛ هل يقع في الدنيا أو لا يقع؟ ~~فمنهم من يذكر في وقوعها في الدنيا قولين، ومنهم من يقول يجوز ذلك. وهذا ~~كله ضلال؛ فإن أئمة السنة والجماعة متفقون من أن الله لا يراه أحد بعينه في ~~الدنيا ولم يتنازعوا إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة. وقد روى نفي ~~رؤيتنا له في الدنيا عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه، منها ما ~~رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لما ذكر الدجال ~~قال: " واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت " وموسى بن عمران عليه ~~السلام قد سأل الرؤية، فذكر الله سبحانه قوله: {قال لن تراني} [الأعراف: ~~143] ، وما أصاب موسى من الصعق. # PageV01P122 # وهؤلاء منهم من يقول: إن موسى رآه، وإن الجبل كان حجابه، فلما جعل الجبل ~~دكا رآه، وهذا يوجد في كلام أبي طالب ونحوه. ومنهم من يجعل ms115 الرائي هو ~~المرئي، فهو الله فيذكرون اتحادا، وأنه أفنى موسى عن نفسه حتى كان الرائي ~~هو المرئي فما رآه عندهم موسى، بل رأى نفسه بنفسه، وهذا يدعونه لأنفسهم. # والاتحاد والحلول باطل. وعلى قول من يقول به إنما هذا في الباطن والقلب، ~~لا في الظاهر؛ فإن غاية ذلك ما تقوله النصارى في المسيح، ولم يقولوا: إن ~~أحدا رأى اللاهوت الباطن المتدرع [أي: المتلبس، وفيها معنى الدخول في ~~الشيء] . بالناسوت. # وهذا الغلط يقع كثيرا في السالكين. يقع لهم أشياء في بواطنهم فيظنونها في ~~الخارج في ذلك بمنزلة الغالطين من نظار المتفلسفة ونحوهم؛ حيث يتصورون ~~أشياء بعقولهم كالكليات والمجردات ونحو ذلك، فيظنونها ثابتة في الخارج، ~~وإنما هى في نفوسهم؛ ولهذا يقول أبو القاسم السهيلي وغيره: نعوذ بالله من ~~قياس فلسفي، وخيال صوفي. # ولهذا يوجد التناقض الكثير في كلام هؤلاء وهؤلاء. وأما الذين جمعوا ~~الآراء الفلسفية الفاسدة والخيالات الصوفية الكاسدة كابن عربى وأمثاله، فهم ~~من أضل أهل الأرض؛ ولهذا كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة إمام هدى، ~~فكان قد عرف ما يعرض لبعض السالكين، فلما سئل عن التوحيد قال: التوحيد ~~إفراد الحدوث عن القدم. # فبين أنه يميز المحدث عن القديم تحذيرا عن الحلول والاتحاد. فجاءت ~~الملاحدة كابن عربى ونحوه فأنكروا هذا الكلام على الجنيد؛ لأنه يبطل مذهبهم ~~الفاسد. والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال، وكذلك غير ~~الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين، وفيما يرونه في قلوبهم من ~~الأنوار وغير ذلك، وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله تعالى. # وقد خطب عروة بن الزبير من عبد الله بن عمر ابنته، وهو في الطواف، فقال: ~~أتحدثنى # PageV01P123 # في النساء، ونحن نتراءى الله في طوافنا؟ ! فهذا كله وما أشبهه لم يريدوا ~~به أن القلب ترفع جميع الحجب بينه وبين الله حتى تكافح الروح ذات الله كما ~~يرى هو نفسه؛ فإن هذا لا يمكن لأحد في الدنيا، ومن جوز ذلك إنما جوزه للنبى ~~صلى الله عليه وسلم؛ كقول ابن عباس: رأي محمد ms116 ربه بفؤاده مرتين، ولكن هذا ~~التجلي يحصل بوسائط بحسب إيمان العبد ومعرفته وحبه؛ ولهذا تتنوع أحوال ~~الناس في ذلك كما تتنوع رؤيتهم لله تعالى في المنام، فيراه كل إنسان بحسب ~~إيمانه، ويرى في صور متنوعة. # فهذا الذي قاله أبوطالب وهؤلاء، إذا قيل مثله فيما يحصل في القلوب، كان ~~مقاربا، مع أن في بعض ذلك نظرا. وإما أن يقال: إن الرب تعالى في نفسه ~~هوكذلك، فليس الأمر كذلك. # أما قوله: أقرب إلى الروح من حياته، وأقرب إلى البصر من نظره وإلىاللسان ~~من ريقه بقرب هو وصفه، وقوله: أقرب من حبل الوريد، فهذا ليس في كتاب الله ~~ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قاله أحد من السلف، لا من ~~الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة ~~المسلمين، ولا الشيوخ المقتدى بهم من شيوخ المعرفة والتصوف. وليس في القرآن ~~وصف الرب تعالى بالقرب من كل شيء أصلا، بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام؛ ~~كقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} [البقرة: 186] فهو سبحانه قريب ~~ممن دعاه. # وكذلك ما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير؛ فقال: " يأيها الناس، ~~اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا، ~~إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " فقال: " إن الذي تدعونه ~~أقرب إلى أحدكم " لم يقل: إنه قريب إلى كل # PageV01P124 # موجود، وكذلك قول صالح عليه السلام : {فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي ~~قريب مجيب} [هود: 61] هو كقول شعيب: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي ~~رحيم ودود} [هود: 90] ، ومعلوم أن قوله: {قريب مجيب} مقرون بالتوبة ~~والاستغفار، أراد به قريب مجيب لاستغفار المستغفرين التائبين إليه، كما أنه ~~رحيم ودود بهم، وقد قرن القريب بالمجيب، ومعلوم أنه لا يقال: إنه مجيب لكل ~~موجود، وإنما الإجابة لمن سأله ms117 ودعاه، فكذلك قربه سبحانه وتعالى. # وأسماء الله المطلقة؛ كاسمه السميع، والبصير، والغفور، والشكور، والمجيب، ~~والقريب، لا يجب أن تتعلق بكل موجود، بل يتعلق كل اسم بما يناسبه، واسمه ~~العليم لما كان كل شيء يصلح أن يكون معلوما تعلق بكل شيء. # وأما قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ ~~من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 16 18] ؛ وقوله: {فلولا إذا بلغت الحلقوم ~~وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 8385] ، ~~فالمراد به قربه إليه بالملائكة، وهذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من ~~السلف، قالوا: ملك الموت أدنى إليه من أهله، ولكن لا تبصرون الملائكة، وقد ~~قال طائفة: {ونحن أقرب إليه} بالعلم، وقال بعضهم: بالعلم والقدرة، ولفظ ~~بعضهم: بالقدرة والرؤية. # وهذه الأقوال ضعيفة؛ فإنه ليس في الكتاب والسنة وصفه بقرب عام من كل ~~موجود، حتى يحتاجوا أن يقولوا بالعلم والقدرة والرؤية، ولكن بعض الناس لما ~~ظنوا أنه يوصف بالقرب من كل شيء، تأولوا ذلك بأنه عالم بكل شيء، قادر على ~~كل شيء. # وكأنهم ظنوا أن لفظ [القرب] مثل لفظ [المعية] ، فإن لفظ المعية في سورة ~~الحديد والمجادلة في قوله تعالى: # PageV01P125 # {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما ~~يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ~~ما كنتم والله بما تعملون بصير} [الحديد: 4] ، وقوله تعالى: {ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة} [المجادلة: 7] ~~. # وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه، وقد ذكر ابن عبد البر وغيره ~~أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتد ~~بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وسفيان ms118 الثوري، ~~وأحمد ابن حنبل وغيرهم. # قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن معمر، ~~عن نوح بن ميمون المضروب، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة عن ~~ابن عباس في قوله: {وهو معكم أين ما كنتم} قال: هو على العرش وعلمه معهم. ~~قال: وروى عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم. وقال: حدثنا أبي، قال: ~~حدثنا أحمد ابن إبراهيم الدورقي [أحمد بن إبراهيم الدورقي العبدي، والد ~~المحدث الثقة عبد الله بن أحمد، روى عنه مسلم وأبو داود والترمذى وغيرهم، ~~ووثقه العقيلي والخليلي وغيرهما، مات سنة 642 ه] . حدثنا نوح بن ميمون ~~المضروب [هو أبو سعيد نوح بن ميمون بن عبد الحميد بن أبي الرجال العجلي ~~البغدادي، ويقال: المروزي، المعروف بالمضروب لضربة كانت بوجهه وثقه ابن ~~حبان والخطيب وغيرهما. توفي سنة 218ه] ، ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن ~~حيان، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} ~~إلى قوله: {أين ما كانوا} قال: هو على العرش وعلمه معهم. ورواه بإسناد آخر ~~عن مقاتل بن حيان هذا، وهو ثقة في التفسير ليس بمجروح، كما جرح مقاتل بن ~~سليمان. # وقال عبد الله بن أحمد: ثنا أبي، ثنا نوح بن ميمون المضروب، عن بكير بن ~~معروف، ثنا أبو معاوية، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك في قوله تعالى: {ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} قال: هوعلى العرش وعلمه معهم. وقال على ~~بن الحسن بن شقيق: حدثنا # PageV01P126 # عبد الله بن موسى صاحب عبادة، ثنا معدان قال ابن المبارك: إن كان أحد ~~بخراسان من الأبدال فمعدان قال: سألت سفيان الثوري عن قوله: {وهو معكم أين ~~ما كنتم} [الحديد: 4] ؛ قال: علمه. # وقال حنبل بن إسحاق في كتاب [السنة] : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ~~ما معنى قوله تعالى: {وهو معكم أين ما ms119 كنتم} و {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا ~~هو رابعهم} إلى قوله تعالى: {إلا هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7] قال: ~~علمه، عالم الغيب والشهادة محيط بكل شيء، شاهد. علام الغيوب، يعلم الغيب، ~~ربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السموات والأرض. # وقد بسط الإمام أحمد الكلام على معنى المعية في [الرد على الجهمية] . ~~ولفظ المعية في كتاب الله جاء عاما كما في هاتين الآيتين، وجاء خاصا كما في ~~قوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] وقوله: {قال ~~لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] وقوله: {لا تحزن إن الله معنا} ~~[التوبة: 40] . فلو كان المراد أنه بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض ~~التخصيص؛ فإنه قد علم أن قوله: {لا تحزن إن الله معنا} أراد به تخصيصه وأبا ~~بكر دون عدوهم من الكفار، وكذلك قوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون} خصهم بذلك دون الظالمين والفجار. # وأيضا، فلفظ [المعية] ليست في لغة العرب ولا شيء من القرآن يراد بها ~~اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى؛ كما في قوله: {محمد رسول الله والذين معه} ~~[الفتح: 29] ، وقوله: {فأولئك مع المؤمنين} [النساء: 146] ، وقوله: {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] ، وقوله: ~~{وجاهدوا معكم} [الأنفال: 75] . ومثل هذا كثير؛ فامتنع أن يكون قوله: {وهو ~~معكم} يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق. وأيضا، فإنه افتتح الآية بالعلم ~~وختمها بالعلم، فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم. # PageV01P127 # وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر، وبين أن لفظ المعية في اللغة وإن اقتضى ~~المجامعة والمصاحبة والمقارنة فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على ~~عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه. فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة ~~والسلطان ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد. # وقد قال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن الفضل: حدثنا محمد بن على بن ~~الحسن بن شقيق، ثنا محمد بن مزاحم، ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن سليمان ~~في قوله ms120 تعالى: {يعلم ما يلج في الأرض} من المطر {وما يخرج منها} من النبات ~~{وما ينزل من السماء} من القطر {وما يعرج فيها} ما يصعد إلى السماء من ~~الملائكة {وهو معكم أين ما كنتم} يعنى بقدرته وسلطانه وعلمه معكم أينما ~~كنتم. # وبهذا الإسناد عن مقاتل بن سليمان قال: بلغنا والله أعلم في قوله تعالى: ~~{هو الأول} قال: قبل كل شيء {والآخر} قال: بعد كل شيء {والظاهر} قال: فوق ~~كل شيء {والباطن} قال: أقرب من كل شيء؛ وإنما نعنى بالقرب بعلمه وقدرته وهو ~~فوق عرشه {وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] يعلم نجواهم ويسمع كلامهم، ثم ~~ينبئهم يوم القيامة بكل شيء نطقوا به، سيئ أو حسن. # وهذا ليس مشهورا عن مقاتل كشهرة الأول الذي روى عنه من وجوه لم يجزم بما ~~قاله، بل قال: بلغنا، وهو الذي فسر الباطن بالقريب، ثم فسر القرب بالعلم ~~والقدرة، ولا حاجة إلى هذا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت ~~الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء " وجاء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبي ذر # PageV01P128 # رضي الله عنهما في تفسير هذه الأسماء، وحديث [الإدلاء] ما قد بسطنا القول ~~عليه في [مسألة الإحاطة] . # وكذلك هذا الحديث ذكره قتادة في تفسيره، وهو يبين أنه ليس معنى الباطن ~~أنه القرب، ولا لفظ الباطن يدل على ذلك، ولا لفظ القرب في الكتاب والسنة ~~على جهة العموم كلفظ المعية، ولا لفظ القرب في اللغة والقرآن كلفظ المعية؛ ~~فإنه إذا قال: هذا مع هذا؛ فإنه يعنى به المجامعة والمقارنة والمصاحبة، ولا ~~يدل على قرب إحدى الذاتين من الأخرى، ولا اختلاطها بها؛ فلهذا كان إذا قيل: ~~هو معهم، دل على أن علمه وقدرته وسلطانه محيط بهم، وهو مع ذلك فوق عرشه، ~~كما أخبر القرآن والسنة بهذا. وقال تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ms121 ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] فأخبر سبحانه ~~أنه مع علوه على عرشه يعلم كل شيء، فلا يمنعه علوه عن العلم بجميع الأشياء. # وكذلك في حديث [الأوعال] [جمع الوعل، وهو تيس الجبل] الذي في [السنن] قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " والله فوق عرشه ويعلم ما أنتم عليه "، ولم يأت ~~في لفظ القرب مثل ذلك أنه قال: هو فوق عرشه وهو قريب من كل شيء، بل قال: ~~{إن رحمت الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] وقال: {وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186] ، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب ". # قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، ثنا جرير، عن عبدة بن ~~أبي برزة السجستاني، عن الصلت بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد ~~فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله # PageV01P129 # تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} [البقرة: 186] . إذا أمرتهم أن يدعونى فدعونى ~~أستجيب لهم. # ولا يقال في هذا: قريب بعلمه وقدرته؛ فإنه عالم بكل شيء، قادر على كل ~~شيء، وهم لم يشكوا في ذلك ولم يسألوا عنه، وإنما سألوا عن قربه إلى من ~~يدعوه ويناجيه؛ ولهذا قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان} فأخبر أنه قريب مجيب. # وطائفة من أهل السنة تفسر [القرب] في الآية والحديث بالعلم؛ لكونه هو ~~المقصود؛ فإنه إذا كان يعلم ويسمع دعاء الداعي حصل مقصوده، وهذا هو الذي ~~اقتضى أن يقول من يقول: إنه قريب من كل شيء، بمعنى العلم والقدرة؛ فإن هذا ~~قد قاله بعض السلف، كما تقدم عن مقاتل بن حيان وكثير من الخلف، لكن لم يقل ~~أحد ms122 منهم: إن نفس ذاته قريبة من كل شيء. وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين، ~~من يقول: إنه فوق العرش، ومن يقول: إنه ليس فوق العرش. # وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ~~الماجشون قال: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] يعلم وهو كذلك ما توسوس به ~~أنفسنا منا، وهو بذلك أقرب إلينا من حبل الوريد، وكيف لا يكون كذلك وهو ~~أعلم بما توسوس به أنفسنا منا، فكيف بحبل الوريد؟ ! وكذلك قال أبو عمرو ~~الطلمنكي، قال: ومن سأل عن قوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] ~~فاعلم أن ذلك كله على معنى العلم به والقدرة عليه. والدليل من ذلك صدر ~~الآية، فقال الله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد} لأن الله لما كان عالما بوسوسته، كان أقرب إليه ~~من حبل الوريد، وحبل الوريد لا يعلم ما توسوس به النفس. # PageV01P130 # ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطا لدم الإنسان ولحمه، وألا ~~يجرد الإنسان تسمية المخلوق حتى يقول: خالق ومخلوق؛ لأن معبوده بزعمه داخل ~~حبل الوريد من الإنسان وخارجه، فهو على قوله ممتزج به غير مباين له. # قال: وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه، بائن من جميع ~~خلقه، وتعالى الله عن قول أهل الزيغ، وعما يقول الظالمون علوا كبيرا. # قال: وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت {ونحن أقرب إليه منكم ولكن ~~لا تبصرون} [الواقعة: 85] أي بالعلم به والقدرة عليه، إذ لا يقدرون له على ~~حيلة ولا يدفعون عنه الموت، وقد قال تعالى: {توفته رسلنا وهم لا يفرطون} ~~[الأنعام: 61] ، وقال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} [السجدة: ~~11] . # قلت: وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبى وأبي الفرج بن الجوزي ~~وغيرهما في قوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ، وأما في قوله: {ونحن ~~أقرب إليه منكم} فذكر أبو الفرج القولين: أنهم الملائكة، وذكره عن أبي صالح ~~عن ابن ms123 عباس، وأنه القرب بالعلم. # وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد أن ذات الباري جل وعلا قريبة من وريد ~~العبد ومن الميت، ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون قرب الملائكة فسروا ~~ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية، ولا حاجة إلى هذا؛ فإن المراد ~~بقوله: {ونحن أقرب إليه منكم} أي بملائكتنا في الآيتين، وهذا بخلاف لفظ ~~المعية، فإنه لم يقل: ونحن معه، بل جعل نفسه هو الذي مع العباد، وأخبر أنه ~~ينبئهم يوم القيامة بما عملوا، وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض، وهو نفسه ~~الذي استوى على العرش، فلا يجعل لفظ مثل لفظ، مع تفريق القرآن بينهما. # وكذلك قال أبو حامد موافقا لأبي طالب المكي في بعض ما قال، مخالفا له في ~~البعض؛ # PageV01P131 # فإنه من نفاة علو الله نفسه على العرش، وإنما المراد عنده أنه قادر عليه ~~مستول عليه، أو أنه أفضل منه. قال: وأنه مستو على العرش على الوجه الذي ~~قاله والمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة والاستقرار، والتمكن ~~والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطيف قدرته، ~~مقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقيته لا ~~تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع ~~الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل ~~الوريد، وهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ~~ذاته ذات الأجسام، وأنه لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء، إلى أن قال: وإنه ~~بائن بصفاته من خلقه، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته. # قلت: فالفوقية التي ذكرها في القدرة والاستيلاء [فوقية القدرة] ، وهو أنه ~~أفضل المخلوقات، و [القرب] الذي ذكره هو العلم أو هو العلم والقدرة. وثبوت ~~علمه وقدرته واستيلائه على كل شيء هو مما اتفق عليه المسلمون، وتفسير قربه ~~بهذا قاله جماعة من العلماء، لظنهم أن القرب في الآية هو قربه وحده، ~~ففسروها ms124 بالعلم لما رأوا ذلك عاما. قالوا: هو قريب من كل موجود بمعنى ~~العلم، وهذا لا يحتاج إليه كما تقدم، وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد} لا يجوز أن يراد به مجرد العلم؛ فإن من كان بالشيء أعلم من غيره لا ~~يقال: إنه أقرب إليه من غيره لمجرد علمه به، ولا لمجرد قدرته عليه. # ثم إنه سبحانه وتعالى عالم بما يسر من القول وما يجهر به، وعالم بأعماله، ~~فلا معنى لتخصيص حبل الوريد بمعنى أنه أقرب إلى العبد منه؛ فإن حبل الوريد ~~قريب إلى القلب ليس قريبا إلى قوله الظاهر، وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه. ~~قال تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من ~~خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 13، 14] وقال تعالى: {يعلم السر وأخفي} # PageV01P132 # [طه: 7] ، وقال تعالى: {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله ~~علام الغيوب} [التوبة: 78] ، وقال تعالى: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [الزخرف: 80] ، وقال تعالى: {ألم تر أن ~~الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} ~~[المجادلة: 7] . # ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم؛ أنه قال تعالى: {ولقد خلقنا ~~الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى ~~المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 16،17] ، فأخبر أنه يعلم ما ~~توسوس به نفسه، ثم قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} فأثبت العلم؛ وأثبت ~~القرب وجعلهما شيئين، فلا يجعل أحدهما هو الآخر. وقيد القرب بقوله: {إذ ~~يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد} . # وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد، أو أن ذاته أقرب ~~إلى الميت من أهله فهذا ms125 في غاية الضعف؛ وذلك أن الذين يقولون: إنه في كل ~~مكان، أو إنه قريب من كل شيء بذاته، لا يخصون بذلك شيئا دون شيء، ولا يمكن ~~مسلما أن يقول: إن الله قريب من الميت دون أهله، ولا إنه قريب من حبل ~~الوريد دون سائر الأعضاء. # وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم، وهو عندهم في جميع بدن الإنسان، أو قريب ~~من جميع بدن الإنسان، أو هو في أهل الميت كما هو في الميت، فكيف يقول: ~~{ونحن أقرب إليه منكم} إذا كان معه ومعهم على وجه واحد؟ ! وهل يكون أقرب ~~إلى نفسه من # PageV01P133 # نفسه؟ ! وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة؛ فإنه قال: {ولقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ ~~يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد} [ق: 16-18] . فقيد القرب بهذا الزمان، وهو زمان تلقي المتلقيين، قعيد ~~عن اليمين، وقعيد عن الشمال، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال: ~~{ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات ~~الرب لم يختص ذلك بهذه الحال، ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى ~~مناسب. # وكذلك قوله في الآية الأخرى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ~~ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 83-85] ، فلو أراد قرب ذاته ~~لم يخص ذلك بهذه الحال، ولا قال: {ولكن لا تبصرون} ؛ فإن هذا إنما يقال إذا ~~كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال ولكن نحن لا نبصره، والرب تعالى ~~لا يراه في هذه الحال، لا الملائكة ولا البشر. # وأيضا، فإنه قال: {ونحن أقرب إليه منكم} ، فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر ~~من الناس الذين عنده في هذه الحال. وذات الرب سبحانه وتعالى إذا قيل: هي في ~~مكان، أو قيل: قريبة من كل موجود، لا يختص بهذا الزمان والمكان والأحوال، ~~ولا يكون أقرب إلى شيء من شيء. # ولا يجوز أن يراد به ms126 قرب الرب الخاص، كما في قوله: {وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب} [البقرة: 186] ، فإن ذاك إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده، ~~وهذا المحتضر قد يكون كافرا أو فاجرا أو مؤمنا أو مقربا؛ ولهذا قال تعالى: ~~{فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب ~~اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من ~~حميم وتصلية جحيم} [الواقعة: 88 94] ، ومعلوم أن مثل هذا # PageV01P134 # المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من حوله، وقد يكون حوله قوم مؤمنون، ~~وإنما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر، كما قال تعالى: {إن ~~الذين توفاهم الملآئكة ظالمي أنفسهم} [النساء: 97] ، وقال: {ولو ترى إذ ~~يتوفي الذين كفروا الملآئكة يضربون وجوههم وأدبارهم} [الأنفال: 50] ، وقال: ~~{ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملآئكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [الأنعام: 39] ، وقال تعالى: {حتى ~~إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} [الأنعام: 61] ، وقال ~~تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} [السجدة: ~~11] . # ومما يدل على ذلك: أنه ذكره بصيغة الجمع، فقال: {ونحن أقرب إليه منكم} ، ~~{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ، وهذا كقوله سبحانه: {نتلوا عليك من نبإ ~~موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون} [القصص: 3] ، وقال: {نحن نقص عليك أحسن ~~القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} [يوسف: 3] ~~، وقال: {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} ~~[القيامة: 17-19] . # فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه دل على أن المراد أنه ~~سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة؛ فإن صيغة [نحن] يقولها ~~المتبوع المطاع العظيم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه ~~كطاعة ms127 الملائكة ربهم، وهو خالقهم وربهم، فهو سبحانه العالم بما توسوس به ~~نفسه، وملائكته تعلم؛ فكان لفظ [نحن] هنا هو المناسب. # وكذلك قوله: {ونعلم ما توسوس به نفسه} فإنه سبحانه يعلم ذلك، # PageV01P135 # وملائكته يعلمون ذلك كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، ~~وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإن تركها ~~لله كتبت حسنة ". فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة، وليس ذلك من ~~علمهم بالغيب الذي اختص الله به، وقد روى عن ابن عيينة أنهم يشمون رائحة ~~طيبة فيعلمون أنه هم بحسنة، ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنه هم بسيئة، وهم ~~وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة، فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك، بل مافي قلب ~~ابن آدم يعلمونه، بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه، بل الشيطان يلتقم قلبه، ~~فإذا ذكر الله خنس [أي انقبض وتأخر] .، وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس، ويعلم ~~هل ذكر الله أم غفل عن ذكره؟ ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغي فيزينها ~~له. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكر صفية رضي ~~الله عنها : " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". # وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار، سواء كان ~~العبد مؤمنا أو كافرا. وإما أن تكون ذات الرب في قلب كل أحد كافر أو مؤمن ~~فهذا باطل، لم يقله أحد من سلف الأمة ولا نطق به كتاب ولا سنة، بل الكتاب ~~والسنة وإجماع السلف مع العقل يناقض ذلك. # ولهذا لما ذكر الله سبحانه قربه من داعيه وعابديه قال: {وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186] ، فهنا هو نفسه ~~سبحانه وتعالى القريب الذي يجيب دعوة الداع لا الملائكة، وكذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلمفي الحديث المتفق على صحته: " إنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا، إنما ms128 تدعون سميعا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق ~~راحلته ". # PageV01P136 # وذلك لأن الله سبحانه قريب من قلب الداعي، فهو أقرب إليه من عنق راحلته. ~~وقربه من قلب الداعي له معنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون: إن ~~الله فوق العرش، ومعنى آخر فيه نزاع. # فالمعنى المتفق عليه عندهم يكون بتقريبه قلب الداعي إليه، كما يقرب إليه ~~قلب الساجد؛ كما ثبت في الصحيح: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " ~~فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه من ربه، وإن كان بدنه على الأرض. ومتى ~~قرب أحد الشيئين من الآخر صار الآخر إليه قريبا بالضرورة. وإن قدر أنه لم ~~يصدر من الآخر تحرك بذاته، كما أن من قرب من مكة قربت مكة منه. وقد وصف ~~الله أنه يقرب إليه من يقربه من الملائكة والبشر، فقال: {لن يستنكف المسيح ~~أن يكون عبدا لله ولا الملآئكة المقربون} [النساء: 172] ، وقال: {والسابقون ~~السابقون أولئك المقربون} [الواقعة: 10، 11] ، وقال تعالى: {فأما إن كان من ~~المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} [الواقعة: 88، 89] ، وقال تعالى: {عينا ~~يشرب بها المقربون} [المطففين: 28] ، وقال: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء: 57] ، وقال: {وناديناه من جانب الطور ~~الأيمن وقربناه نجيا} [مريم: 52] . # وأما قرب الرب قربا يقوم به بفعله القائم بنفسه، فهذا تنفيه الكلابية ومن ~~يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته. وأما السلف وأئمة الحديث والسنة، فلا ~~يمنعون ذلك، وكذلك كثير من أهل الكلام. فنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، ~~ونزوله عشية عرفة، ونحو ذلك هو من هذا الباب؛ ولهذا حد النزول بأنه إلى ~~السماء الدنيا، وكذلك تكليمه لموسى عليه السلام فإنهلو أريد مجرد تقريب ~~الحجاج وقوام الليل إليه، لم يخص نزوله بسماء الدنيا، كما لم يخص ذلكفي ~~إجابة الداعي وقرب العابدين له، قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186] . وقال: " من تقرب إلى شبرا تقربت ~~إليه ذراعا " # PageV01P137 # وهذه الزيادة تكون على الوجه المتفق عليه، بزيادة تقريبه للعبد إليه جزاء ~~على تقربه باختياره. ms129 فكلما تقرب العبد باختياره قدر شبر زاده الرب قربا ~~إليه حتى يكون كالمتقرب بذراع. فكذلك قرب الرب من قلب العابد، وهو ما يحصل ~~في قلب العبد من معرفة الرب والإيمان به، وهو المثل الأعلى، وهذا أيضا لا ~~نزاع فيه، وذلك أن العبد يصير محبا لما أحب الرب، مبغضا لما أبغض، مواليا ~~لمن يوالي، معاديا لمن يعادي، فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه ~~الله ويرضاه. # وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه، وموالاة الرب لعبده. فإن الولاية ضد ~~العداوة، والولاية تتضمن المحبة والموافقة، والعداوة تتضمن البغض ~~والمخالفة. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ~~وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، ~~وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، ~~وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت ~~وأكره مساءته، ولا بد له منه ". # فأخبر سبحانه وتعالى أنه يقرب العبد بالفرائض، ولا يزال يتقرب بالنوافل ~~حتى يحبه الله فيصير العبد محبوبا لله، كما قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] ، وقال تعالى: {فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] ، وقال تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين} [البقرة: 195] ، وقال تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن ~~الله يحب المتقين} [التوبة: 4] ، وقال: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن ~~الله يحب المتقين} [التوبة: 7] ، وقال تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين} [البقرة: 222] ، وقال تعالى: {إن الله يحب الذين # PageV01P138 # يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] ، وقال تعالى: {فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} [التوبة: 108] ، وقال تعالى: ~~{وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب ms130 الصابرين} [آل عمران: 146] . # فقد أخبر أنه يحب المتبعين لرسوله والمجاهدين في سبيله، وأنه يحب المتقين ~~والصابرين والتوابين والمتطهرين، وهو سبحانه يحب كل ما أمر به أمر إيجاب أو ~~استحباب. # وقوله: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد} [ق: 16] يقتضي أنه سبحانه وجنده الموكلين بذلك يعلمون ما يوسوس ~~به العبد نفسه، كما قال: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا ~~لديهم يكتبون} [الزخرف: 80] فهو يسمع، ومن يشاء من الملائكة يسمعون، ومن ~~شاء من الملائكة. # وأما الكتابة فرسله يكتبون، كما قال هاهنا: {ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد} [ق: 81] ، وقال تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم} [يس: 12] . فأخبر بالكتابة بقوله نحن؛ لأن جنده يكتبون بأمره. ~~وفصل في تلك الآية بين السماع والكتابة لأنه يسمع بنفسه، وأما كتابة ~~الأعمال فتكون بأمره والملائكة يكتبون. # فقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} مثل قوله: {ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم} لما كانت ملائكته متقربين إلى العبد بأمره، كما كانوا يكتبون عمله ~~بأمره، قال ذلك، وقربه من كل أحد بتوسط الملائكة كتكليمه كل أحد بتوسط ~~الرسل؛ كما قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] . # PageV01P139 # فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل، وذاك قربه إليهم عند الاحتضار، ~~وعند الأقوال الباطنة في النفس والظاهرة على اللسان، وقال تعالى: {وإن ~~عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} [الانفطار: 10 12] . # وقد غلط طائفة ظنوا أنه نفسه الذي يسمع منه القرآن، وهو الذي يقرؤه بنفسه ~~بلا واسطة عند قراءة كل قارئ، كما غلطوا في القرب، وهم طائفة من متأخري أهل ~~الحديث ومتأخري الصوفية. # ومن الناس من يفسر قول القائلين: بأنه أقرب إلى كل شيء من نفس ذلك الشيء؛ ~~بأن الأشياء معدومة من جهة أنفسها، وإنما هي موجودة بخلق الرب سبحانه ~~وتعالى لها، وهي باقية بإبقائه، وهو سبحانه وتعالى ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم ms131 يكن، فلا موجود إلا بإيجاده، ولا باقى إلا بإبقائه. فلو قدر أنه لم يشأ ~~خلقها وتكوينها لكانت باقية على العدم لا وجود لها أصلا، فصار هو أقرب ~~إليها من ذواتها، فتكوين الشيء وخلقه وإيجاده هو فعل الرب سبحانه وتعالى ~~وبه كان الشيء موجودا وكان ذاتا محققة في الخارج. والموجود دائما محتاج إلى ~~خالقه لا يستغنى عنه طرفة عين، فكان موجودا بنسبته إلى خالقه، ومعدوما ~~بنسبته إلى نفسه، فإنه بالنظر إلى نفسه لا يستحق إلا العدم، فكان الرب أقرب ~~إلى المخلوقات من المخلوقات إلى أنفسها بهذا الاعتبار. # وقد يفسر بعضهم قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] بهذا ~~المعنى؛ فإن الأشياء كلها بالنظر إلى أنفسها عدم محض، ونفي صرف، وإنما هي ~~موجودة تامة بالوجه الذي لها إلى الخالق، وهو تعلقها به، وبمشيئته وقدرته، ~~فباعتبار هذا الوجه كانت موجودة، وبالوجه الذي يلي أنفسها لا تكون إلا ~~معدومة. # وقد يفسرون بذلك قول لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... # PageV01P140 # ولا يقال: هذه المقالة صحيحة في نفسها، فإنها لولا خلق الله للأشياء لم ~~تكن موجودة، ولولا إبقاؤه لها لم تكن باقية. وقد تكلم النظار في سبب ~~افتقارها إليه: هل هو الحدوث، فلا تحتاج إلا في حال الإحداث كما يقول ذلك ~~من يقوله من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، أو هو الإمكان الذي يظن أنه يكون ~~بلا حدوث بل بكون الممكن المعلول قديما أزليا، ويمكن افتقارها في حال ~~البقاء بلا حدوث كما يقوله ابن سينا وطائفة. # وكلا القولين خطأ، كما قد بسط في موضعه، وبين أن الإمكان والحدوث ~~متلازمان كما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين حتى قدماء الفلاسفة ~~كأرسطو وأتباعه؛ فإنهم أيضا يقولون: إن كل ممكن فهو محدث، وإنما خالفهم في ~~ذلك ابن سينا وطائفة؛ ولهذا أنكر ذلك عليه إخوانه من الفلاسفة كابن رشد ~~وغيره، والمخلوقات مفتقرة إلى الخالق، فالفقر وصف لازم لها دائما لا تزال ~~مفتقرة إليه. # والإمكان والحدوث دليلان على الافتقار، لا أن هذين الوصفين جعلا الشيء ~~مفتقرا بل فقر الأشياء إلى ms132 خالقها لازم لها لا يحتاج إلى علة، كما أن غنى ~~الرب لازم لذاته لا يفتقر في اتصافه بالغنى إلى علة، وكذلك المخلوق لا ~~يفتقر في اتصافه بالفقر إلى علة، بل هو فقير لذاته لا تكون ذاته إلا فقيرة ~~فقرا لازما لها، ولا يستغنى إلا بالله. # وهذا من معاني [الصمد] ، وهو الذي يفتقر إليه كل شيء، ويستغنى عن كل شيء. ~~بل الأشياء مفتقرة من جهة ربوبيته، ومن جهة إلهيته، فما لا يكون به لا ~~يكون، وما لا يكون له لا يصلح ولا ينفع ولا يدوم، وهذا تحقيق قوله: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] . # فلو لم يخلق شيئا بمشيئته وقدرته لم يوجد شيء، وكل الأعمال إن لم تكن ~~لأجله، فيكون هو المعبود المقصود المحبوب لذاته، وإلا كانت أعمالا فاسدة؛ ~~فإن الحركات تفتقر إلى العلة الغائية كما افتقرت إلى العلة الفاعلية، بل ~~العلة الغائية بها صار الفاعل فاعلا، ولولا ذلك لم يفعل. # فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شيء من الأعمال والحركات، بل ~~كان العالم يفسد، وهذا معنى # PageV01P141 # قوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] ولم يقل: ~~لعدمتا؛ وهذا معنى قول لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وهو كالدعاء المأثور: " أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك ~~باطل، إلا وجهك الكريم ". # ولفظ [الباطل] يراد به المعدوم، ويراد به ما لا ينفع، كقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه ~~فرسه، وملاعبته لزوجته، فإنهن من الحق ". # وقوله عن عمر رضي الله عنه : " إن هذا الرجل لا يحب الباطل "، ومنه قول ~~القاسم بن محمد لما سئل عن الغناء قال: إذا ميز الله يوم القيامة الحق من ~~الباطل في أيهما يجعل الغناء؟ قال السائل: من الباطل. قال: {فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال فأنى تصرفون} [يونس: 32] ، ومنه قوله تعالى: {ذلك بأن الله هو ~~الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62] . # فإن الآلهة موجودة ولكن عبادتها ودعاؤها باطل ms133 لا ينفع، والمقصود منها ~~لايحصل، فهو باطل، واعتقاد ألوهيتها باطل، أي غير مطابق، واتصافها بالإلهية ~~في أنفسها باطل، لا بمعنى أنه معدوم. # ومنه قوله تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} ~~[الأنبياء: 18] ، وقوله: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان # PageV01P142 # زهوقا} [الإسراء: 81] ، فإن الكذب باطل لأنه غير مطابق، وكل فعل ما لا ~~ينفع باطل؛ لأنه ليس له غاية موجودة محمودة. # فقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا ~~كل شيء ما خلا الله باطل " # هذا معناه: أن كل معبود من دون الله باطل، كقوله: {ذلك بأن الله هو الحق ~~وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62] ، وقال تعالى: {قل من يرزقكم ~~من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ~~ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} [يونس: 31، 32] ، وقد ~~قال قبل هذا: {هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون} [يونس: 30] ، كما قال في الأنعام: {حتى إذا جاء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} ~~[الأنعام: 61، 62] ، وقال: {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين ~~آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} [محمد: 3] . # ودخل عثمان أو غيره على ابن مسعود وهو مريض فقال: كيف تجدك؟ قال: أجدني ~~مردودا إلى الله مولاي الحق، قال تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو ~~الحق المبين} [النور: 24، 25] ، وقد أقروا بوجوده في الدنيا، لكن في ذلك ~~اليوم يعلمون أنه الحق المبين دون ما سواه؛ ولهذا قال: {هو الحق} بصيغة ~~الحصر، فإنه يومئذ لا يبقى أحد يدعي فيه الإلهية، ولا أحد يشرك بربه أحدا. # PageV01P143 # فصل # وإذا عرف تنزيه الرب عن صفات النقص مطلقا، فلا يوصف بالسفول ولا علو شيء ~~عليه بوجه من الوجوه، ms134 بل هوالعلي الأعلى الذي لا يكون إلا أعلى، وهو الظاهر ~~الذي ليس فوقه شيء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس كمثله شيء ~~فيما يوصف به من الأفعال اللازمة والمتعدية، لا النزول ولا الاستواء ولا ~~غير ذلك، فيجب مع ذلك إثبات ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، ~~والأدلة العقلية الصحيحة توافق ذلك لا تناقضه، ولكن السمع والعقل يناقضان ~~البدع المخالفة للكتاب والسنة، والسلف، بل الصحابة والتابعون لهم بإحسان ~~كانوا يقرون أفعاله من الاستواء والنزول وغيرهما على ما هي عليه. # قال أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره: ثنا عصام بن الرواد، ثنا آدم، ثنا ~~أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، {ثم استوى إلى السماء} [فصلت: 11] ~~يقول: ارتفع. قال: وروي عن الحسن يعني البصري والربيع بن أنس مثله كذلك. # وذكر البخاري في صحيحه في [كتاب التوحيد] قال: قال أبو العالية: {ثم ~~استوى إلى السماء} [فصلت: 11] : ارتفع فسوى خلقهن. وقال مجاهد: {ثم استوى ~~إلى السماء} [فصلت: 11] : علا على العرش، وكذلك ذكر ابن أبي حاتم فيتفسيره ~~في قوله: {ثم استوى إلى السماء} [فصلت: 11] وروى بهذا الإسناد عن أبي ~~العالية، وعن الحسن، وعن الربيع مثل قول أبي العالية. وروى بإسناده {ثم ~~استوى على العرش} [الحديد: 4] قال: في اليوم السابع. # وقال أبو عمرو الطلمنكي: وأجمعوا يعني أهل السنة والجماعة على أن لله ~~عرشا، وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه. قال: ~~فأجمع المسلمون # PageV01P144 # من أهل السنة على أن معنى: {وهو معكم أين ما كنتم} ونحو ذلك في القرآن أن ~~ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء. # قال: وقال أهل السنة في قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] : ~~الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز، واستدلوا ~~بقول الله: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} [المؤمنون: 28] ، وبقوله: ~~{لتستووا على ظهوره} [الزخرف: 13] ، وبقوله: {واستوت على الجودي وقيل بعدا ~~للقوم الظالمين} [هود: 44] ، إلا أن المتكلمين من أهل الإثبات في هذا ms135 على ~~أقوال: فقال مالك رحمه الله : إن الاستواءمعقول، والكيف مجهول، والإيمان به ~~واجب، والسؤال عنه بدعة. # وقال عبد الله بن المبارك ومن تابعه من أهل العلم، وهم كثير : إن معنى ~~{استوى على العرش} [يونس: 3] : استقر، وهو قول القتيبي، وقال غير هؤلاء: ~~استوى أي ظهر. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: استوى بمعنى: علا، وتقول ~~العرب: استويت على ظهر الفرس، بمعنى: علوت عليه، واستويت على سقف البيت، ~~بمعنى علوت عليه، ويقال: استويت على السطح بمعناه، وقال الله تعالى: {فإذا ~~استويت أنت ومن معك على الفلك} ، وقال: {لتستووا على ظهوره} ، وقال: ~~{واستوت على الجودي} ، وقال: {استوى على العرش} بمعنى علا على العرش. # وقول الحسن: وقول مالك من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشده استيعابا؛ ~~لأن فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعقول، وقد ائتم أهل العلم بقوله ~~واستجودوه واستحسنوه. # ثم تكلم على فساد قول من تأول {استوى} بمعنى: استولى. # PageV01P145 # وقال الثعلبي: وقال الكلبي ومقاتل: {استوى على العرش} يعني: استقر، قال: ~~وقال أبو عبيدة: صعد. وقيل: استولى. وقيل: ملك. واختار هو ما حكاه عن ~~الفراء وجماعة أن معناه: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه، قال: ويدل عليه ~~قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت: 11] أي: عمد إلى خلق السماء. # وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق ~~السموات والأرض، وكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على ~~الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض ". فإذا كان العرش ~~مخلوقا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؛ لو ~~كان هذا يعرف في اللغة: أن استوى على كذا بمعنى أنه عمد إلى فعله، وهذا لا ~~يعرف قط في اللغة، لا حقيقة ولا مجازا، لا في نظم ولا في نثر. # ومن قال: استوى بمعنى: عمد، ذكره في قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي ms136 ~~دخان} [فصلت: 11] ؛ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا، وقصدت ~~إلى كذا، ولا يقال: عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك # PageV01P146 # الآية لا يعرف في اللغة أيضا، ولا هو قول أحد من مفسري السلف، بل ~~المفسرون من السلف قولهم بخلاف ذلك كما قدمناه عن بعضهم. # وإنما هذا القول وأمثاله ابتدع في الإسلام، لما ظهر إنكار أفعال الرب ~~التي تقوم به ويفعلها بقدرته ومشيئته واختياره؛ فحينئذ صار يفسر القرآن من ~~يفسره بما ينافي ذلك، كما يفسر سائر أهل البدع القرآن على ما يوافق ~~أقاويلهم. وأما أن ينقل هذا التفسير عن أحد من السلف فلا، بل أقوال السلف ~~الثابتة عنهم متفقة في هذا الباب، لا يعرف لهم فيه قولان، كما قد يختلفون ~~أحيانا في بعض الآيات. وإن اختلفت عباراتهم فمقصودهم واحد وهو إثبات علو ~~الله على العرش. # فإن قيل: إذا كان الله لا يزال عاليا على المخلوقات كما تقدم، فكيف يقال: ~~ثم ارتفع إلى السماء وهي دخان؟ أو يقال: ثم علا على العرش؟ قيل: هذا كما ~~أخبر أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يصعد، وروى [ثم يعرج] ، وهو سبحانه لم ~~يزل فوق العرش، فإن صعوده من جنس نزوله. وإذا كان في نزوله لم يصر شيء من ~~المخلوقات فوقه، فهو سبحانه يصعد وإن لم يكن منها شيء فوقه. # وقوله: {ثم استوى إلى السماء} [البقرة: 29] إنما فسروه بأنه ارتفع؛ لأنه ~~قال قبل هذا: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين} [فصلت: 9-12] ، وهذه نزلت في سورة [حم] بمكة. ثم أنزل الله في ~~المدينة سورة البقرة: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في ms137 الأرض جميعا ثم # PageV01P147 # استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 28، 29] ~~، فلما ذكر أن استواءه إلى السماء كان بعد أن خلق الأرض وخلق ما فيها، تضمن ~~معنى الصعود؛ لأن السماء فوق الأرض، فالاستواء إليها ارتفاع إليها. # فإن قيل: فإذا كان إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام، فقبل ذلك لم يكن على العرش؟ قيل: الاستواء علو خاص، فكل مستو على ~~شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستو عليه. # ولهذا لا يقال لكل ما كان عاليا على غيره: إنه مستو عليه، واستوى عليه، ~~ولكن كل ما قيل فيه: إنه استوى على غيره؛ فإنه عال عليه. والذي أخبر الله ~~أنه كان بعد خلق السموات والأرض [الاستواء] لا مطلق العلو، مع أنه يجوز أنه ~~كان مستويا عليه قبل خلق السموات والأرض لما كان عرشه على الماء، ثملما خلق ~~هذا العالم كان عاليا عليه ولم يكن مستويا عليه، فلما خلق هذا العالم استوى ~~عليه، فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم له، كما أن عظمته وكبرياءه ~~وقدرته كذلك، وأما [الاستواء] فهو فعل يفعله سبحانه وتعالى بمشيئته وقدرته؛ ~~ولهذا قال فيه: {ثم استوى} [فصلت: 11] ؛ ولهذا كان الاستواء من الصفات ~~السمعية المعلومة بالخبر. # وأما علوه على المخلوقات فهو عند أئمة أهل الإثبات من الصفات العقلية ~~المعلومة بالعقل مع السمع، وهذا اختيار أبي محمد بن كلاب وغيره، وهو آخر ~~قولي القاضي أبي يعلى، وقول جماهير أهل السنة والحديث ونظار المثبتة. # وهذا الباب ونحوه إنما اشتبه على كثير من الناس؛ لأنهم صاروا يظنون أن ما ~~وصف الله عز وجل به من جنس ما توصف به أجسامهم، فيرون ذلك يستلزم الجمع بين ~~الضدين؛ فإن كونه فوق العرش مع نزوله يمتنع في مثل أجسامهم، لكن مما يسهل ~~عليهم معرفة إمكان هذا معرفة أرواحهم وصفاتها وأفعالها، وأن الروح قد تعرج ~~من النائم إلى السماء وهي لم تفارق البدن، كما قال تعالى: {الله يتوفي ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في # PageV01P148 # منامها ms138 فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر: ~~24] وكذلك الساجد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من ~~ربه وهو ساجد ". وكذلك تقرب الروح إلى الله في غير حال السجود مع أنها في ~~بدنه؛ ولهذا يقول بعض السلف: القلوب جوالة: قلب يجول حول العرش، وقلب يجول ~~حول الحش. # وإذا قبضت الروح عرج بها إلى الله في أدنى زمان، ثم تعاد إلى البدن فتسأل ~~وهي في البدن، ولو كان الجسم هو الصاعد النازل لكان ذلك في مدة طويلة، ~~وكذلك ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم من حال الميت في قبره وسؤال منكر ~~ونكير له، والأحاديث في ذلك كثيرة. # وقد ثبت في الصحيحين من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أقعد الميت في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا ~~الله، فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] ) . # وكذلك في صحيح البخاري وغيره عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع ~~نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ ~~فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقول له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك ~~الله به مقعدا من الجنة " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فيراهما جميعا. ~~وأما الكافر والمنافق فيقول: هاه، هاه، لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، ~~سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطرقة ~~من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين " [وقوله: " ولا ~~تليت " قال ابن الأثير: هكذا يرويه المحدثون. والصواب: ولا ائتليت. وقيل: ~~معناه: لا قرأت، أي: لا تلوت] . . # PageV01P149 # والناس في مثل هذا على ثلاثة أقوال: منهم من ينكر إقعاد الميت مطلقا؛ ~~لأنه قد أحاط ببدنه من الحجارة والتراب ما لا يمكن قعوده ms139 معه، وقد يكون في ~~صخر يطبق عليه، وقد يوضع على بدنه ما يكشف فيوجد بحاله ونحو ذلك؛ ولهذا صار ~~بعض الناس إلى أن عذاب القبر إنما هو على الروح فقط، كما يقوله ابن ميسرة ~~وابن حزم، وهذا قول منكر عند عامة أهل السنة والجماعة. # وصار آخرون إلى أن نفس البدن يقعد، على ما فهموه من النصوص. # وصار آخرون يحتجون بالقدرة وبخبر الصادق، ولا ينظرون إلى ما يعلم بالحس ~~والمشاهدة، وقدرة الله حق، وخبر الصادق حق، لكن الشأن في فهمهم. # وإذا عرف أن النائم يكون نائما وتقعد روحه وتقوم وتمشي وتذهب وتتكلم ~~وتفعل أفعالا وأمورا بباطن بدنه مع روحه، ويحصل لبدنه وروحه بها نعيم ~~وعذاب، مع أن جسده مضطجع، وعينيه مغمضة، وفمه مطبق، وأعضاءه ساكنة، وقد ~~يتحرك بدنه لقوة الحركة الداخلة، وقد يقوم ويمشي ويتكلم ويصيح لقوة الأمر ~~في باطنه كان هذا مما يعتبر به أمر الميت في قبره؛ فإن روحه تقعد وتجلس ~~وتسأل وتنعم وتعذب وتصيح وذلك متصل ببدنه، مع كونه مضطجعا في قبره. وقد ~~يقوى الأمر حتى يظهر ذلك في بدنه، وقد يرى خارجا من قبره والعذاب عليه ~~وملائكة العذاب موكلة به، فيتحرك بدنه ويمشى ويخرج من قبره، وقد سمع غير ~~واحد أصوات المعذبين في قبورهم، وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب، ومن ~~يقعد بدنه أيضا إذا قوى الأمر، لكن هذا ليس لازما في حق كل ميت؛ كما أن ~~قعود بدن النائم لما يراه ليس لازما لكل نائم، بل هو بحسب قوة الأمر. # وقد عرف أن أبدانا كثيرة لا يأكلها التراب كأبدان الأنبياء وغير الأنبياء ~~من الصديقين، وشهداء أحد، وغير شهداء أحد، والأخبار بذلك متواترة. لكن ~~المقصود أن # PageV01P150 # ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلممن إقعاد الميت مطلقا هو متناول لقعودهم ~~ببواطنهم، وإن كان ظاهر البدن مضطجعا. # ومما يشبه هذا إخباره صلى الله عليه وسلم بما رآه ليلة المعراج من ~~الأنبياء في السموات، وإنه رأي آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وموسى ~~وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم ms140 وأخبر أيضا أنه رأى موسى قائما يصلي في ~~قبره، وقد رآه أيضا في السموات. ومعلوم أن أبدان الأنبياء في القبور إلا ~~عيسى وإدريس. وإذا كان موسى قائما يصلي في قبره، ثم رآه في السماء السادسة، ~~مع قرب الزمان، فهذا أمر لا يحصل للجسد. ومن هذا الباب أيضا نزول الملائكة ~~صلوات الله عليهم وسلامه جبريل وغيره. # فإذا عرف أن ما وصفت به الملائكة وأرواح الآدميين من جنس الحركة والصعود ~~والنزول وغير ذلك لا يماثل حركة أجسام الآدميين، وغيرها مما نشهده بالأبصار ~~في الدنيا، وأنه يمكن فيها ما لا يمكن في أجسام الآدميين كان ما يوصف به ~~الرب من ذلك أولى بالإمكان، وأبعد عن مماثلة نزول الأجسام، بل نزوله لا ~~يماثل نزول الملائكة وأرواح بني آدم، وإن كان ذلك أقرب من نزول أجسامهم. # وإذا كان قعود الميت في قبره ليس هو مثل قعود البدن، فما جاءت به الآثار ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من لفظ [القعود والجلوس] في حق الله تعالى ~~كحديث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وغيرهما أولى ألا يماثل صفات أجسام العباد. # فصل # نزاع الناس في معنى [حديث النزول] ، وما أشبهه في الكتاب والسنة من ~~الأفعال اللازمة المضافة إلى الرب سبحانه وتعالى مثل المجيء، والإتيان، ~~والاستواء إلى السماء وعلى # PageV01P151 # العرش، بل وفي الأفعال المتعدية مثل الخلق، والإحسان، والعدل وغير ذلك هو ~~ناشئ عن نزاعهم في أصلين: # أحدهما: أن الرب تعالى هل يقوم به فعل من الأفعال؛ فيكون خلقه للسموات ~~والأرض فعلا فعله غير المخلوق، أو أن فعله هوالمفعول، والخلق هوالمخلوق؟ ~~على قولين معروفين: # والأول: هو المأثور عن السلف، وهو الذي ذكره البخاري في [كتاب خلق أفعال ~~العباد] عن العلماء مطلقا، ولم يذكر فيه نزاعا، وكذلك ذكر البغوي وغيره ~~مذهب أهل السنة، وكذلك ذكره أبو علي الثقفي والضبعي وغيرهما من أصحاب ابن ~~خزيمة في [العقيدة] التي اتفقوا هم وابن خزيمة على أنها مذهب أهل السنة، ~~وكذلك ذكره الكلاباذي في كتاب [التعرف ms141 لمذهب التصوف] أنه مذهب الصوفية وهو ~~مذهب الحنفية وهو مشهور عندهم، وبعض المصنفين في [الكلام] كالرازي ونحوه ~~ينصب الخلاف في ذلك معهم، فيظن الظان أن هذا مما انفردوا به، وهو قول السلف ~~قاطبة، وجماهير الطوائف، وهو قول جمهور أصحاب أحمد، متقدميهم كلهم وأكثر ~~المتأخرين منهم، وهو أحد قولي القاضي أبي يعلى. وكذلك هو قول أئمة المالكية ~~والشافعية وأهل الحديث وأكثر أهل الكلام، كالهشامية أوكثير منهم، والكرامية ~~كلهم، وبعض المعتزلة وكثير من أساطين الفلاسفة، متقدميهم ومتأخريهم. # وذهب آخرون من أهل الكلام الجهمية، وأكثر المعتزلة والأشعرية، إلى أن ~~الخلق هو نفس المخلوق، وليس لله عند هؤلاء صنع ولا فعل ولا خلق ولا إبداع ~~إلا المخلوقات أنفسها، وهو قول طائفة من الفلاسفة المتأخرين؛ إذ قالوا بأن ~~الرب مبدع كابن سينا وأمثاله. # والحجة المشهورة لهؤلاء المتكلمين: أنه لو كان خلق المخلوقات بخلق، لكان ~~ذلك الخلق إما قديما وإما حادثا. فإن كان قديما لزم قدم كل مخلوق، وهذا ~~مكابرة. وإن كان حادثا، فإن قام بالرب لزم قيام الحوادث به، وإن لم يقم به ~~كان الخلق قائما بغير الخالق، وهذا ممتنع. # PageV01P152 # وسواء قام به أو لم يقم به، يفتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر، ويلزم التسلسل، ~~هذا عمدتهم. # وجواب السلف والجمهورعنها بمنع مقدماتها، كل طائفة تمنع مقدمة، ويلزمهم ~~ذلك إلزاما لا محيد لهم عنه. # أما الأولى: فقولهم: لو كان قديما لزم قدم المخلوق، يمنعهم ذلك من يقول: ~~بأن الخلق فعل قديم يقوم بالخالق، والمخلوق محدث، كما يقول ذلك من يقوله من ~~الكلابية والحنفية والحنبلية والشافعية والمالكية والصوفية وأهل الحديث، ~~وقالوا: أنتم وافقتمونا على أن إرادته قديمة أزلية مع تأخر المراد، كذلك ~~الخلق هو قديم أزلي وإن كان المخلوق متأخرا. ومهما قلتموه في الإرادة ~~ألزمناكم نظيره في الخلق. # وهذا جواب إلزامي جدلي لا حيلة لهم فيه. # وأما المقدمة الثانية: وهي قولهم: لوكان حادثا قائما بالرب، لزم قيام ~~الحوادث وهو ممتنع، فقد منعهم ذلك السلف وأئمة أهل الحديث، وأساطين ~~الفلاسفة وكثير من متقدميهم ومتأخريهم، وكثير من أهل الكلام، ms142 كالهشامية ~~والكرامية، وقالوا: لا نسلم انتفاء اللازم، وسيأتي الكلام إن شاء الله ~~تعالى على ذلك في [الأصل الثاني] . # وأماالثالث: فقولهم: إن لم تقم به فهو محال، فهذا لم يمنعهم إياه إلا ~~طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، فمنهم من قال: بل الخلق يقوم ~~بالمخلوق، ومنهم من يقول: بل الخلق ليس في محل، كما تقول المعتزلة ~~البصريون: فعل بإرادة لا في محل، وهذا ممتنع لا أعرفه عن أحد من السلف وأهل ~~الحديث والفقهاء والصوفية والفلاسفة. # وأما المقدمة الرابعة وهي قولهم: الخلق الحادث يفتقر إلى خلق آخر، فقد ~~منعهم من ذلك عامة من يقول بخلق حادث من أهل الحديث والكلام والفلسفة ~~والفقه والتصوف وغيرهم، كأبي معاذ التومني، وزهير الإبرى، والهشامية، ~~والكرامية، وداود بن على # PageV01P153 # الأصبهاني، وأصحابه، وأهل الحديث، والسلف الذين ذكرهم البخاري وغيره، ~~وقالوا: إذا خلق السموات والأرض بخلق، لم يلزم أن يحتاج ذلك الخلق إلى خلق ~~آخر، ولكن ذلك الخلق يحصل بقدرته ومشيئته، وإن كان ذلك الخلق حادثا. # والدليل على فساد إلزامهم: أن الحادث إما أن يكفي في حصوله القدرة ~~والمشيئة، وإما ألا يكفي. فإن لم يكف ذلك، بطل قولهم: إن المخلوقات تحدث ~~بمجرد القدرة والإرادة بلا خلق، وإذا بطل قولهم، تبين أنه لابد للمخلوق من ~~خالق خلقه، وهو المطلوب. وإن كفي في حصول المخلوق القدرة والمشيئة، جاز ~~حصول هذا الخلق الذي يخلق به المخلوقات بالقدرة والمشيئة، ولم يحتج إلى خلق ~~آخر، فتبين أنه على كل تقدير، لا يلزم أن يقال: خلقت المخلوقات بلا خلق، بل ~~يجوز أن يقال: خلقت بخلق، وهو المطلوب. # وتبين أن النفاةليس لهم قط حجة مبنية على مقدمة إلا وقد نقضوا تلك ~~المقدمة في موضع آخر، فمقدمات حجتهم كلها منتقضة. # وأيضا، فمن المعقول أن المفعول المنفصل الذي يفعله الفاعل لا يكون إلا ~~بفعل يقوم بذاته. وأما نفس فعله القائم بذاته فلا يفتقر إلى فعل آخر، بل ~~يحصل بقدرته ومشيئته؛ ولهذا كان القائلون بهذا يقولون: إن الخلق حادث، ولا ~~يقولون: هو مخلوق، وتنازعوا هل يقال: إنه محدث؟ ms143 على قولين. # وكذلك يقولون: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه هو حديث، وهو أحسن ~~الحديث، وليس بمخلوق باتفاقهم، ويسمى حديثا وحادثا. وهل يسمى محدثا؟ على ~~قولين لهم. ومن كان من عادته أنه لا يطلق لفظ المحدث إلا على المخلوق ~~المنفصل كما كان هذا الاصطلاح هوالمشهور عند المتناظرين الذين تناظروا في ~~القرآن في محنة الإمام أحمد رحمه الله وكانوا لايعرفون للمحدث معنى إلا ~~المخلوق المنفصل فعلى هذا الاصطلاح لا يجوز عند أهل السنة أن يقال: القرآن ~~محدث، بل من قال: إنه محدث، فقد قال: إنه مخلوق. # PageV01P154 # ولهذا أنكر الإمام أحمد هذا الإطلاق على [داود] لما كتب إليه أنه تكلم ~~بذلك، فظن الذين يتكلمون بهذا الاصطلاح أنه أراد هذا فأنكره أئمة السنة. ~~وداود نفسه لم يكن هذا قصده، بل هو وأئمة أصحابه متفقون على أن كلام الله ~~غير مخلوق، وإنما كان مقصوده أنه قائم بنفسه، وهو قول غير واحد من أئمة ~~السلف، وهو قول البخاري وغيره. # والنزاع في ذلك بين أهل السنة لفظي؛ فإنهم متفقون على أنه ليس بمخلوق ~~منفصل، ومتفقون على أن كلام الله قائم بذاته، وكان أئمة السنة، كأحمد ~~وأمثاله، والبخاري وأمثاله، وداود وأمثاله، وابن المبارك وأمثاله، وابن ~~خزيمة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن أبي شيبة وغيرهم، متفقين على أن الله ~~يتكلم بمشيئته وقدرته، ولم يقل أحد منهم: إن القرآن قديم، وأول من شهر عنه ~~أنه قال ذلك هو ابن كلاب. # وكان الإمام أحمد يحذر من الكلابية، وأمر بهجر الحارث المحاسبي لكونه كان ~~منهم، وقد قيل عن الحارث: إنه رجع في القرآن عن قول ابن كلاب، وإنه كان ~~يقول: إن الله يتكلم بصوت. وممن ذكر ذلك عنه الكلاباذي في كتاب [التعرف ~~لمذهب التصوف] . # والمقصود هنا أن قول القائل: لو كان خلقه للأشياء ليس هو الأشياء، لافتقر ~~الخلق إلى خلق آخر فيكون الخلق مخلوقا ممنوع، بل الخلق يحصل بقدرة الرب ~~ومشيئته، والمخلوق يحصل بالخلق. # وأما المقدمة الخامسة: وهو أن ذلك يفضى إلى التسلسل، فهذه المقدمة تقال ~~على وجهين: # أحدهما: أن الخلق يفتقر ms144 إلى خلق آخر، وذلك الخلق إلى خلق آخر، كما تقدم. # والثاني: أن يقال: هب أنه لا يفتقر إلى خلق، لكن يفتقر إلى سبب يحصل به ~~الخلق، وإن لم يسم ذلك خلقا، وذلك السبب إنما تم عند وجود الخلق، فتمامه ~~حادث، وكل حادث فلابد له من سبب؛ إذ لو كان ذلك الخلق لا يفتقر إلى سبب ~~حادث للزم وجود الحادث بلا سبب # PageV01P155 # حادث. وإن قيل: إن السبب التام قديم، لزم من ذلك تأخر المسبب عن سببه ~~التام، وهذا ممتنع. # وهنا للقائلين بأن الخلق غير المخلوق وإن الخلق حادث أربعة أجوبة: # أحدها: قول من يقول: الخلق الحادث لا يفتقر إلى سبب حادث لا إلى خلق ولا ~~إلى غيره، قالوا: أنتم يا معشر المنازعين كلكم يقول: إنه قد يحدث حادث بلا ~~سبب حادث، فإنه من قال: المخلوق غير الخلق، فالمخلوقات كلها حادثة عنده بلا ~~سبب حادث، ومن قال: الخلق قديم، فلا ريب أن القديم لا اختصاص له بوقت معين، ~~فالمخلوق الحادث في وقته المعين له لم يحصل له سبب حادث. # قالوا: وإذا كان هذا لازما على كل تقدير، لم يخص بجوابه، بل نقول: ~~المخلوق حدث بالخلق، والخلق حصل بقدرة الله ومشيئته القديمة من غير افتقار ~~إلى سبب آخر، وهذا قول كثير من الطوائف من أهل الحديث والكلام كالكرامية ~~وغيرهم. # الجواب الثاني: قول من يقول من المعتزلة: إن الخلق الحادث قائم بالمخلوق ~~أو قائم لا بمحل، كما يقولون في الإرادة إنها حادثة لا في محل من غير سبب ~~اقتضى حدوثها، بل إحداثها بمجرد القدرة. # الجواب الثالث: جواب معمر وأصحابه الذين يسمون [أهل المعاني] ، فإنهم ~~يقولون بالتسلسل في آن واحد، فيقولون: إن الخلق له خلق وللخلق خلق، وللخلق ~~خلق آخر، وهلم جرا لا إلى نهاية، وذلك موجود كله في آن واحد، وهذا مشهور ~~عنهم. # والجواب الرابع: قول من يقول: الخلق الحادث يفتقر إلى سبب حادث، وكذلك ~~ذلك السبب، وهلم جرا. وهذا يستلزم دوام نوع ذلك، وهذا غير ممتنع؛ فإن مذهب ~~السلف: أن الله لم يزل ms145 متكلما إذا شاء، وكلماته لا نهاية لها، وكل كلام ~~مسبوق بكلام قبله لا إلى نهاية محدودة، وهو سبحانه يتكلم بقدرته ومشيئته. # PageV01P156 # وكذلك يقولون: الحي لا يكون إلا فعالا، كما قاله البخاري، وذكره عن نعيم ~~بن حماد، وعثمان بن سعيد، وابن خزيمة وغيرهم، ولا يكون إلا متحركا، كما قال ~~عثمان ابن سعيد الدارمي وغيره، وكل منهما يذكر أن ذلك مذهب أهل السنة، ~~وهكذا يقول ذلك من أساطين الفلاسفة من ذكر قوله بذلك في غير هذا الموضع من ~~متقدميهم ومتأخريهم. # قالوا: وهذا تسلسل في الآثار والبرهان، إنما دل على امتناع التسلسل في ~~المؤثرين، فإن هذا مما يعلم فساده بصريح المعقول، وهو مما اتفق العقلاء على ~~امتناعه، كما بسط الكلام عليه في موضع آخر. # فأما كونه سبحانه وتعالى يتكلم كلمات لا نهاية لها وهو يتكلم بمشيئته ~~وقدرته، فهذا هو الذي يدل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول، وهو مذهب سلف ~~الأمة وأئمتها، والفلاسفة توافق على دوام هذا النوع. وقدماء أساطينهم ~~يوافقون على قيام ذلك بذات الله كما يقوله أئمة المسلمين وسلفهم. والذين ~~قالوا: إن ذلك ممتنع هم أهل الكلام المحدث في الإسلام من الجهمية ~~والمعتزلة، وهم الذين استدلوا على حدوث كل ما تقوم به الحوادث بامتناع ~~حوادث لا أول لها. # ومن هنا يظهر الأصل الثاني الذي تبنى عليه أفعال الرب تعالى اللازمة ~~والمتعدية: وهو أنه سبحانه هل تقوم به الأمورالاختيارية المتعلقة بقدرته ~~ومشيئته أو لا؟ # فمذهب السلف وأئمة الحديث وكثير من طوائف الكلام والفلاسفة جواز ذلك. ~~وذهب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة، والكلابية من مثبتة ~~الصفات إلى امتناع قيام ذلك به. # أما نفاة الصفات: فإنهم ينفون هذا وغيره، ويقولون: هذا كله أعراض، ~~والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام محدثة، فلو قامت به الصفات، لكان ~~محدثا. # PageV01P157 # أما الكلابية: فإنهم يقولون: نحن نقول: تقوم به الصفات ولا نقول: هي ~~أعراض، فإن العرض لا يبقى زمانين، وصفات الرب تبارك وتعالى عندنا باقية ~~بخلاف الأعراض القائمة بالمخلوقات؛ فإن الأعراض عندنا لا تبقى زمانين. # وأما جمهور العقلاء، فنازعوهم ms146 في هذا، وقالوا: بل السواد والبياض الذي ~~كان موجودا من ساعة هو هذا السواد بعينه، كما قد بسط في غير هذا الموضع؛ إذ ~~المقصود هنا التنبيه على مقالات الطوائف في هذا الأصل. # قالت الكلابية: وأما الحوادث فلو قامت به، للزم ألا يخلو منها، فإن ~~القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. وإذا لم يخل منها لزم أن يكون حادثا، ~~فإن هذا هو الدليل على حدوث الأجسام. هذا عمدتهم في هذا الأصل، والذين ~~خالفوهم قد يمنعون المقدمتين كليهما، وقد يمنعون واحدة منهما. # وكثير من أهل الكلام والحديث منعوا الأولى؛ كالهشامية والكرامية، وأبى ~~معاذ وزهير الإبري، وكذلك الرازي، والأمدي، وغيرهما من الأشعرية، منعوا ~~المقدمة الأولى وبينوا فسادها، وأنه لا دليل لمن ادعاها على دعواه. بل قد ~~يكون الشيء قابلا للشيء وهو خال منه ومن ضده، كما هو الموجود؛ فإن القائلين ~~بهذا الأصل التزموا أن كل جسم له طعم ولون وريح، وغير ذلك من أجناس الأعراض ~~التي تقبلها الأجسام. فقال جمهور العقلاء: هذا مكابرة ظاهرة، ودعوى بلا ~~حجة، وإنما التزمته الكلابية لأجل هذا الأصل. # وأما المقدمة الثانية: وهو منع دوام نوع الحادث، فهذه يمنعها أئمة السنة ~~والحديث، القائلين بأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن كلماته لا نهاية ~~لها، والقائلين بأنه لم يزل فعالا، كما يقوله البخاري وغيره، والذين ~~يقولون: الحركة من لوازم الحياة فيمتنع وجود حياة بلا حركة أصلا؛ كما يقول ~~الدارمي وغيره. # PageV01P158 # وقد روى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق - رضى الله ~~عنه : أنه سئل عن قوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} [المؤمنون: 115] ~~لم خلق الله الخلق؟ فقال: لأن الله كان محسنا بما لم يزل فيما لم يزل إلى ~~مالم يزل، فأراد الله أن يفيض إحسانه إلى خلقه، وكان غنيا عنهم، لم يخلقهم ~~لجر منفعة ولا لدفع مضرة، ولكن خلقهم وأحسن إليهم وأرسل إليهم الرسل حتى ~~يفصلوا بين الحق والباطل، فمن أحسن كافأه بالجنة، ومن عصى كافأه بالنار. # وقال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وكان الله ms147 غفورا رحيما} ~~[النساء: 100] {وكان الله عليما حكيما} [النساء: 17] ونحو ذلك، قال: كان ~~ولم يزل ولا يزال. # ويمنعها أيضا جمهور الفلاسفة، ولكن الجهمية والمعتزلة والكلابية ~~والكرامية يقولون بامتناعها، وهي من الأصول الكبار التي يبتنى عليها الكلام ~~في كلام الله تعالى وفي خلقه. # وهذا القول هو أصل الكلام المحدث في الإسلام الذي ذمه السلف والأئمة؛ فإن ~~أصحاب هذا الكلام في الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم، ظنوا أن معنى كون الله ~~خالقا لكل شيء كما دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه أهل الملل من ~~المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم أنه سبحانه وتعالى لم يزل معطلا لا يفعل ~~شيئا ولا يتكلم بشيء أصلا، بل هو وحده موجود بلا كلام يقوله، ولا فعل ~~يفعله. ثم إنه أحدث ما أحدث من كلامه ومفعولاته المنفصلة عنه، فأحدث ~~العالم. وظنوا أن ما جاءت به الرسل واتفق عليه أهل الملل من أن كل ما سوى ~~الله مخلوق، والله خالق كل شيء هذا معناه، وأن ضد هذا قول من قال بقدم ~~العالم أو بقدم مادته، فصاروا في كتبهم الكلامية لا يذكرون إلا قولين: # أحدهما: قول المسلمين وغيرهم من أهل الملل: أن العالم محدث، ومعناه عندهم ~~ما تقدم. # والثاني: قول الدهرية الذين يقولون: العالم قديم، وصاروا يحكون في كتب ~~الكلام # PageV01P159 # والمقالات: أن مذهب أهل الملل قاطبة من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم ~~أن الله كان فيما لم يزل لا يفعل شيئا، ولا يتكلم بشيء، ثم إنه أحدث ~~العالم، ومذهب الدهرية: أن العالم قديم. # والمشهور عن القائلين بقدم العالم أنه لا صانع له؛ فينكرون الصانع جل ~~جلاله. وقد ذكر أهل المقالات أن أول من قال من الفلاسفة بقدم العالم ~~[أرسطو] صاحب التعاليم الفلسفية؛ المنطقي والطبيعي والإلهي. وأرسطو وأصحابه ~~القدماء يثبتون في كتبهم العلة الأولى، ويقولون: إن الفلك يتحرك للتشبه ~~بها؛ فهي علة له بهذا الاعتبار، إذ لولا وجود من تشبه به الفلك لم يتحرك، ~~وحركته من لوازم وجوده، فلو بطلت حركته لفسد. ولم يقل أرسطو: إن العلة ~~الأولى أبدعت الأفلاك، ولا قال: هو موجب بذاته، ms148 كما يقوله من يقول من ~~متأخري الفلاسفة؛ كابن سينا وأمثاله، ولا قال: إن الفلك قديم وهو ممكن ~~بذاته؛ بل كان عندهم ما عند سائر العقلاء أن الممكن هوالذي يمكن وجوده ~~وعدمه، ولا يكون كذلك إلا ما كان محدثا، والفلك عندهم ليس بممكن بل هو قديم ~~لم يزل، وحقيقة قولهم إنه واجب لم يزل ولا يزال. # فلهذا لا يوجد في عامة كتب الكلام المتقدمة القول بقدم العالم، إلا عمن ~~ينكر الصانع، فلما أظهر من أظهر من الفلاسفة؛ كابن سينا وأمثاله، أن العالم ~~قديم عن علة موجبة بالذات قديمة، صار هذا قولا آخر للقائلين بقدم العالم، ~~أزالوا به ما كان يظهر من شناعة قولهم من إنكار صانع العالم، وصاروا أيضا ~~يطلقون ألفاظ المسلمين من أنه مصنوع ومحدث ونحو ذلك، ولكن مرادهم بذلك أنه ~~معلول قديم أزلي، لا يريدون بذلك أن الله أحدث شيئا بعد أن لم يكن، وإذا ~~قالوا: إن الله خالق كل شيء، فهذا معناه عندهم، فصار المتأخرون من ~~المتكلمين يذكرون هذا القول، والقول المعروف عن أهل الكلام في معنى حدوث # PageV01P160 # العالم الذي يحكونه عن أهل الملل كما تقدم، كما يذكر ذلك الشهرستاني ~~والرازي والآمدي وغيرهم. # وهذا الأصل الذي ابتدعه الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام، من امتناع ~~دوام فعل الله، وهو الذي بنوا عليه أصول دينهم، وجعلوا ذلك أصل دين ~~المسلمين، فقالوا: الأجسام لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث، ~~فهو حادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث؛ لأن ما لا يخلو عنها ولا يسبقها ~~يكون معها أو بعدها، وما كان مع الحوادث أو بعدها فهو حادث. # وكثير منهم لا يذكر على ذلك دليلا لكون ذلك ظاهرا؛ إذ لم يفرقوا بين نوع ~~الحوادث وبين الحادث المعين، لكن من تفطن منهم للفرق، فإنه يذكر دليلا على ~~ذلك بأن يقول: الحوادث لا تدوم بل يمتنع وجود حوادث لا أول لها. ومنهم من ~~يمنع أيضا وجود حوادث لا آخر لها، كما يقول ذلك إماما هذا الكلام: الجهم بن ~~صفوان وأبو ms149 الهذيل. # ولما كان حقيقة هذا القول أن الله سبحانه لم يكن قادرا على الفعل في ~~الأزل، بل صار قادرا على الفعل بعد أن لم يكن قادرا عليه، كان هذا مما ~~أنكره المسلمون على هؤلاء، حتى إنه كان من البدع التي ذكروها؛ من بدع ~~الأشعري في الفتنة التي جرت بخراسان لما أظهروا لعنة أهل البدع، والقصة ~~مشهورة. # ثم إن أهل الكلام وأئمتهم كالنظام والعلاف وغيرهما من شيوخ المعتزلة ~~والجهمية ومن اتبعهم من سائر الطوائف يقولون: إن دين الإسلام إنما يقوم على ~~هذا الأصل، وإنه لا يعرف أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بهذا ~~الأصل؛ فإن معرفة الرسول متوقفة على معرفة المرسل، فلابد من إثبات العلم ~~بالصانع أولا، ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجور عليه. # قالوا: وهذا لا يمكن معرفته إلا بهذه الطريقة، فإنه لا سبيل إلى معرفة ~~الصانع فيما زعموا إلا بمعرفة مخلوقاته، ولا سبيل إلى معرفة حدوث المخلوقات ~~إلا بهذه الطريق فيما زعموا، ويقول أكثرهم: أول ما يجب على الإنسان معرفة ~~الله، ولا يمكن معرفته إلا بهذا الطريق. # PageV01P161 # ويقول كثير منهم: إن هذه طريقة إبراهيم الخليل عليه السلام المذكورة في ~~قوله: {لا أحب الآفلين} [الأنعام: 76] قالوا: فإن إبراهيم استدل بالأفول ~~وهو الحركة والانتقال على أن المتحرك لا يكون إلها. # قالوا: ولهذا يجب تأويل ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفا لذلك ~~من وصف الرب بالإتيان والمجيء والنزول وغير ذلك؛ فإن كونه نبيا لم يعرف إلا ~~بهذا الدليل العقل، فلو قدح في ذلك لزم القدح في دليل نبوته فلم يعرف أنه ~~رسول الله، وهذا ونحوه هو الدليل العقلي الذي يقولون: إنه عارض السمع ~~والعقل. ونقول: إذا تعارض السمع والعقل امتنع تصديقهما وتكذيبهما وتصديق ~~السمع دون العقل؛ لأن العقل هو أصل السمع، فلو جرح أصل الشرع كان جرحا له. # ولأجل هذه الطريق أنكرت الجهمية والمعتزلة الصفات والرؤية، وقالوا: ~~القرآن مخلوق؛ ولأجلها قالت الجهمية بفناء الجنة والنار؛ ولأجلها قال ~~العلاف بفناء حركاتهم؛ ولأجلها فرع كثير من أهل ms150 الكلام، كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع. # فقال لهم الناس: أما قولكم: إن هذه الطريق هي الأصل في معرفة دين الإسلام ~~ونبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين ~~الإسلام؛ فإنه من المعلوم لكل من علم حال الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، وما جاء به من الإيمان والقرآن، أنه لم يدع الناس بهذه الطريق ~~أبدا، ولا تكلم بها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، فكيف تكون هي ~~أصل الإيمان؟ ! والذي جاء بالإيمان وأفضل الناس أيمانا لم يتكلموا بها ~~البتة، ولا سلكها منهم أحد. # والذين علموا أن هذه طريق مبتدعة حزبان: # حزب ظنوا أنها صحيحة في نفسها، لكن أعرض السلف عنها لطول مقدماتها ~~وغموضها، وما يخاف على سالكها من الشك والتطويل. وهذا قول جماعة كالأشعري ~~في رسالته إلى # PageV01P162 # الثغر، والخطابي والحليمي، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي بكر ~~البيهقي وغير هؤلاء. # والثاني: قول من يقول: بل هذه الطريقة باطلة في نفسها؛ ولهذا ذمها السلف، ~~وعدلوا عنها. وهذا قول أئمة السلف كابن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ~~وإسحاق بن راهويه، وأبي يوسف، ومالك بن أنس، وابن الماجشون عبد العزيز، ~~وغير هؤلاء من السلف. # وحفص الفرد لما ناظر الشافعي في مسألة القرآن وقال: القرآن مخلوق، وكفره ~~الشافعي كان قد ناظره بهذه الطريقة. # وكذلك أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث كان من المناظرين للإمام أحمد بن حنبل ~~في مسألة القرآن بهذه الطريقة. # وقد ذكر الإمام أحمد في رده على الجهمية مما عابه عليهم أنهم يقولون: إن ~~الله لا يتكلم ولا يتحرك. # وأما عبد الله بن المبارك، فكان مبتلى بهؤلاء في بلاده، ومذهبه في ~~مخالفتهم كثير وكذلك الماجشون في الرد عليهم، وكلام السلف في الرد على ~~هؤلاء كثير، وقال لهم الناس: إن هذا الأصل الذي ادعيتم إثبات الصانع به، ~~وإنه لا يعرف أنه خالق للمخلوقات إلا به، هو بعكس ما قلتم، بل هذا الأصل ~~يناقض كون الرب خالقا للعالم، ولا يمكن مع القول به القول بحدوث، العالم ms151 ~~ولا الرد على الفلاسفة. # فالمتكلمون الذين ابتدعوه وزعموا أنهم به نصروا الإسلام، وردوا به على ~~أعدائه كالفلاسفة، لا للإسلام نصروا، ولا لعدوه كسروا، بل كان ما ابتدعوه ~~مما أفسدوا به حقيقة الإسلام على من اتبعهم، فأفسدوا عقله ودينه، واعتدوا ~~به على من نازعهم من المسلمين، وفتحوا لعدو الإسلام بابا إلى مقصوده. # PageV01P163 # فإن حقيقة قولهم إن الرب لم يكن قادرا، ولا كان الكلام والفعل ممكنا له، ~~ولم يزل كذلك دائما مدة، أو تقدير مدة لا نهاية لها، ثم إنه تكلم وفعل من ~~غير سبب اقتضى ذلك، وجعلوا مفعوله هو فعله، وجعلوا فعله وإرادة فعله قديمة ~~أزلية والمفعول متأخرا، وجعلوا القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ~~وكل هذا خلاف المعقول الصريح وخلاف الكتاب والسنة، وأنكروا صفاته ورؤيته، ~~وقالوا: كلامه مخلوق، وهو خلاف دين الإسلام. # والذين اتبعوهم وأثبتوا الصفات قالوا: يريد جميع المرادات بإرادة واحدة، ~~وكل كلام تكلم به أو يتكلم به إنما هو شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض، وإذا ~~رؤى رؤى لابمواجهة، ولا بمعاينة، وإنه لم يسمع ولم ير الأشياء حتى وجدت، ثم ~~لما وجدت لم يقم به أمر موجود، بل حاله قبل أن يسمع ويبصر كحاله بعد ذلك، ~~إلى أمثال هذه الأقوال التي تخالف المعقول الصريح والمنقول الصحيح. # ثم لما رأت الفلاسفة أن هذا مبلغ علم هؤلاء، وأن هذا هو الإسلام الذي ~~عليه هؤلاء، وعلموا فساد هذا أظهروا قولهم بقدم العالم، واحتجوا بأن تجدد ~~الفعل بعد أن لم يكن ممتنع، بل لابد لكل متجدد من سبب حادث، وليس هناك سبب، ~~فيكون الفعل دائما، ثم ادعوا دعوى كاذبة لم يحسن أولئك أن يبينوا فسادها ~~وهو: أنه إذا كان دائما، لزم قدم الأفلاك والعناصر. # ثم إنهم لما أرادوا تقرير [النبوة] جعلوها فيضا يفيض على نفس النبي من ~~العقل الفعال أو غيره، من غير أن يكون رب العالمين يعلم له رسولا معينا، ~~ولا يميز بين موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين ولا يعلم الجزئيات، ~~ولا نزل من عنده ملك، بل ms152 جبريل هو خيال يتخيل في نفس النبي أو هو العقل ~~الفعال، وأنكروا أن تكون السموات والأرض خلقت في ستة أيام، وأن السموات ~~تنشق وتنفطر، وغير ذلك مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم. # وزعموا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أراد به خطاب ~~الجمهور، مما يخيل إليهم بما ينتفعون # PageV01P164 # به من غير أن يكون الأمر في نفسه كذلك، ومن غير أن تكون الرسل بينت ~~الحقائق، وعلمت الناس ما الأمر عليه. # ثم منهم من يفضل الفيلسوف على النبي صلى الله عليه وسلم. وحقيقة قولهم: ~~إن الأنبياء كذبوا لما ادعوه من نفع الناس، وهل كانوا جهالا؟ على قولين ~~لهم. إلى غير ذلك من أنواع الإلحاد والكفر الصريح والكذب البين على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # وقد بين في غير هذا الموضع أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بعد النسخ ~~والتبديل، وإن تظاهروا بالإسلام؛ فإنهم يظهرون من مخالفة الإسلام أعظم مما ~~كان يظهره المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال حذيفة ~~بن اليمان رضي الله عنه : المنافقون اليوم شر من المنافقين على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قيل: ولم ذلك؟ قال: لأنهم كانوا يسرون نفاقهم، ~~وهم اليوم يعلنونه. ولم يكن على عهد حذيفة من وصل إلى هذا النفاق ولا إلى ~~قريب منه؛ فإن هؤلاء إنما ظهروا في الإسلام في أثناء [الدولة العباسية] ~~وآخر [الدولة الأموية] لما عربت الكتب اليونانية ونحوها، وقد بسط الرد ~~عليهم في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا: أن هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا عليهم، لم يكن ~~الأمر كما قالوه، بل هم فتحوا لهم دهليز الزندقة؛ ولهذا يوجد كثير ممن دخل ~~في هؤلاء الملاحدة إنما دخل من باب أولئك المتكلمين، كابن عربي وابن سبعين ~~وغيرهما. وإذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة فإنهم يستنصرون ويستعينون ~~بأولئك المتكلمين المبتدعين، ويعينهم أولئك على من ينصر الله ورسوله، فهم ~~جندهم على محاربة الله ورسوله كما ms153 قد وجد ذلك عيانا. # ودعواهم أن هذه طريقة إبراهيم الخليل في قوله: {لا أحب الآفلين} ~~[الأنعام: 76] كذب ظاهر على إبراهيم؛ فإن الأفول هو التغيب والاحتجاب ~~باتفاق أهل اللغة والتفسير، وهو من الأمور الظاهرة في اللغة، وسواء أريد ~~بالأفول ذهاب ضوء القمر # PageV01P165 # والكواكب بطلوع الشمس، أو أريد به سقوطه من جانب المغرب؛ فإنه إذا طلعت ~~الشمس يقال: إنما غابت الكواكب واحتجبت، وإن كانت موجودة في السماء، ولكن ~~طمس ضوء الشمس نورها. # وهذا مما ينحل به الإشكال الوارد على الآية في طلوع الشمس بعد أفول ~~القمر، وإبراهيم عليه السلام لم يقل: {لا أحب الآفلين} [الأنعام: 76] لما ~~رأى الكوكب يتحرك، والقمر والشمس، بل إنما قال ذلك حين غاب واحتجب. فإن كان ~~إبراهيم قصد بقوله الاحتجاج بالأفول على نفي كون الآفل رب العالمين - كما ~~ادعوه - كانت قصة إبراهيم حجة عليهم، فإنه لم يجعل بزوغه وحركته في السماء ~~إلى حين المغيب دليلا على نفي ذلك، بل إنما جعل الدليل مغيبه، فإن كان ما ~~ادعوه من مقصوده من الاستدلال صحيحا، فإنه حجة على نقيض مطلوبهم، وعلى ~~بطلان كون الحركة دليل الحدوث. # لكن الحق أن إبراهيم لم يقصد هذا، ولا كان قوله: {هذا ربي} [الأنعام: 77] ~~إنه رب العالمين، ولا اعتقد أحد من بني آدم أن كوكبا من الكواكب خلق ~~السموات والأرض، وكذلك الشمس والقمر، ولا كان المشركون قوم إبراهيم يعتقدون ~~ذلك، بل كانوا مشركين بالله يعبدون الكواكب، ويدعونها، ويبنون لها الهياكل، ~~ويعبدون فيها أصنامهم، وهو دين الكلدانيين والكشدانيين والصابئين المشركين، ~~لا الصابئين الحنفاء، وهم الذين صنف صاحب [السر المكتوم في السحر ومخاطبة ~~النجوم] كتابه على دينهم. # وهذا دين كان كثير من أهل الأرض عليه بالشام والجزيرة والعراق وغير ذلك، ~~وكانوا قبل ظهور دين المسيح عليه السلام وكان جامع دمشق وجامع حران وغيرهما ~~موضع بعض هياكلهم؛ هذا هيكل المشتري، وهذا هيكل الزهرة. # وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وبدمشق محاريب قديمة إلى الشمال. ~~والفلاسفة اليونانيون كانوا من جنس هؤلاء المشركين # PageV01P166 # يعبدون الكواكب والأصنام، ويصنعون السحر، وكذلك أهل مصر وغيرهم. ms154 وجمهور ~~المشركين كانوا مقرين برب العالمين، والمنكر له قليل، مثل فرعون ونحوه. # وقوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع، ولهذا قال لهم إبراهيم الخليل: {قال ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين} [الشعراء: 75-77] فعادى كل ما يعبدونه إلا رب العالمين، وقال ~~تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء} [الممتحنة: 4] ، وقال الخليل عليه السلام : ~~{قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 95،96] ، وقال ~~تعالى في سورة الأنعام: {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ أكبر فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد ~~هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا ~~تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 78-82] ، قال ~~الله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ~~ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83] . # ولما فسر هؤلاء [الأفول] بالحركة، وفتحوا باب تحريف الكلم عن مواضعه، ~~دخلت الملاحدة من هذا الباب، ففسر ابن سينا وأمثاله من الملاحدة الأفول ~~بالإمكان الذي ادعوه # PageV01P167 # حيث قالوا: إن الأفلاك قديمة أزلية وهي مع ذلك ممكنة، وكذلك ما فيها من ~~الكواكب والنيرين. قالوا: فقول إبراهيم: {لا أحب الآفلين} أي: لا أحب ~~الممكن المعلول وإن كان قديما أزليا. وأين في لفظ الأفول ما يدل على هذا ~~المعنى؟ ولكن هذا شأن المحرفين للكلم عن مواضعه. # وجاء بعدهم من جنس من زاد في ms155 التحريف فقال: المراد ب[الكواكب والشمس ~~والقمر] هوالنفس والعقل الفعال والعقل الأول. وقد ذكر ذلك أبوحامد الغزالي ~~في بعض كتبه، وحكاه عن غيره في بعضها، وقال هؤلاء: الكواكب والشمس والقمر ~~لا يخفي على عاقل أنها ليست رب العالمين، بخلاف النفس والعقل. # ودلالة لفظ الكواكب والشمس والقمر على هذه المعاني لو كانت موجودةمن ~~عجائب تحريفات الملاحدة الباطنية، كما يتأولون العلميات مع العمليات، ~~ويقولون: الصلوات الخمس معرفة أسرارنا، وصيام رمضان كتمان أسرارنا، والحج ~~هو الزيارة لشيوخنا المقدسين. وفتح لهم هذا الباب [الجهمية] و [الرافضة] ~~حيث صار بعضهم يقول: الإمام المبين: علي بن أبي طالب، والشجرة الملعونة في ~~القرآن: بنو أمية، والبقرة المأمور بذبحها: عائشة، واللؤلؤ والمرجان: الحسن ~~والحسين. # وقد شاركهم في نحو هذه التحريفات طائفة من الصوفية وبعض المفسرين، كالذين ~~يقولون: {والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين} [التين: 1-3] ، ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وكذلك قوله: {كزرع أخرج شطأه} أبو ~~بكر {فآزره} عمر {فاستغلظ} هو عثمان {فاستوى على سوقه} [الفتح: 29] هو علي، ~~وقول بعض الصوفية: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} [طه: 24] هو القلب {إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] هي: النفس. وأمثال هذه التحريفات. لكن ~~منها مايكون معناه صحيحا، وإن لم يكن هو المراد باللفظ، وهو # PageV01P168 # الأكثر في إشارات الصوفية. وبعض ذلك لا يجعل تفسيرا، بل يجعل من باب ~~الاعتبار والقياس، وهذه طريقة صحيحة علمية، كما في قوله تعالى: {لا يمسه ~~إلا المطهرون} [الواقعة: 97] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تدخل ~~الملائكة بيتا فيه كلب "، فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون فمعانيه لا ~~يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة، وإذا كان الملك لا يدخل بيتا فيه كلب، ~~فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبا فيه أخلاق الكلاب المذمومة، ولا ~~تنزل الملائكة على هؤلاء، وهذا لبسطه موضع آخر. # والمقصود أن أولئك المبتدعة من أهل الكلام، لما فتحوا باب القياس الفاسد ~~في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات، صار ذلك دهليزا للزنادقة ~~الملحدين إلى ما هو أعظم من ذلك من ms156 السفسطة في العقليات، والقرمطة في ~~السمعيات، وصار كل من زاد في ذلك شيئا دعاه إلى ما هو شر منه، حتى انتهي ~~الأمر بالقرامطة إلى إبطال الشرائع المعلومة كلها، كما قال لهم رئيسهم ~~بالشام: قد أسقطنا عنكم العبادات، فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة. # ولهذا قال من قال من السلف: البدع بريد الكفر، والمعاصي بريد النفاق. # ولما اعتقد أئمة الكلام المبتدع، أن معنى كون الله خالقا لكل شيء هو ما ~~تقدم: أنه لم يزل غير فاعل لشيء، ولا متكلم بشيء، حتى أحدث العالم، لزمهم ~~أن يقولوا: إن القرآن أو غيره من كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه. فإنه لو ~~كان له كلام قديم، أو كلام غير مخلوق، لزم قدم العالم على الأصل الذي ~~أصلوه؛ لأن الكلام قد عرف العقلاء أنه إنما يكون بقدرة المتكلم ومشيئته. # وأما كلام يقوم بذات المتكلم بلا قدرة ولا مشيئة، فهذا لم يكن يتصوره أحد ~~من العقلاء، ولا نعرف أن أحدا قاله، بل ولا يخطر ببال جماهير الناس، حتى ~~أحدث القول به ابن كلاب. # PageV01P169 # وإنما ألجأه إلى هذا: أن أولئك المتكلمين لما أظهروا موجب أصلهم، وهو ~~القول بأن القرآن مخلوق، أظهروا ذلك في أوائل المائة الثانية، فلما سمع ذلك ~~علماء الأمة أنكروا ذلك، ثم صار كلما ظهر قولهم أنكره العلماء وكلام السلف ~~والأئمة في إنكار ذلك مشهور متواتر إلى أن صار لهؤلاء المتكلمين الكلام ~~المحدث في دولة المأمون عز، وأدخلوه في ذلك، وألقوا إليه الحجج التي لهم. # وقالوا: إما أن يكون العالم مخلوقا أو قديما. وهذا الثاني كفر ظاهر، ~~معلوم فساده بالعقل والشرع. وإذا كان العالم مخلوقا محدثا بعد أن لم يكن، ~~لم يبق قديم إلا الله وحده، فلو كان العالم قديما، لزم أن يكون مع الله ~~قديم آخر. # وكذلك الكلام إن كان قائما بذاته، لزم دوام الحوادث وقيامها بالرب، وهذا ~~يبطل الدليل الذي اشتهر بينهم على حدوث العالم. وإن كان منفصلا عنه لزم ~~وجود المخلوق في الأزل، وهذا قول بقدم العالم. # فلما امتحن الناس ms157 بذلك، واشتهرت هذه المحنة، وثبت الله من ثبته من أئمة ~~السنة، وكان الإمام الذي ثبته الله وجعله إماما للسنة حتى صار أهل العلم ~~بعد ظهور المحنة يمتحنون الناس به، فمن وافقه كان سنيا، وإلا كان بدعيا هو ~~الإمام أحمد بن حنبل، فثبت على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. # وكان المأمون، لما صار إلى الثغر بطرسوس، كتب بالمحنة كتابا إلى نائبه ~~بالعراق إسحاق بن إبراهيم، فدعا العلماء والفقهاء والقضاة، فامتنعوا عن ~~الإجابة والموافقة، فأعاد عليه الجواب، فكتب كتابا ثانيا يقول فيه عن ~~القاضيين بشر بن الوليد، وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يجيبا فاضرب أعناقهما، ~~ويقول عن الباقين: إن لم يجيبوا فقيدهم فأرسلهم إلى. فأجاب القاضيان، وذكرا ~~لأصحابهما أنهما مكرهان، وأجاب أكثر الناس قبل أن يقيدهم لما رأوا الوعيد، ~~ولم يجب ستة أنفس فقيدهم. فلما قيدوا أجاب الباقون إلا اثنين أحمد بن حنبل، ~~ومحمد بن نوح النيسابوري [هو أبو الحسن محمد بن نوح بن عبد الله الجند ~~يسابوري، نزيل بغداد، وثقه غير واحد، وحدث بدمشق ومصر وبغداد، ومات سنة ~~231ه] . فأرسلوهما مقيدين إليه، فمات محمد بن نوح في الطريق، ومات # PageV01P170 # المأمون قبل أن يصل أحمد إليه، وتولى أخوه أبو إسحاق، وتولى القضاء أحمد ~~بن أبي دؤاد، وأقام أحمد ابن حنبل في الحبس من سنة ثماني عشرة إلى سنة ~~عشرين. # ثم إنهم طلبوه وناظروه أياما متعددة، فدفع حججهم وبين فسادها، وأنهم لم ~~يأتوا على ما يقولونه بحجة لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر، وأنه ليس لهم ~~أن يبتدعوا قولا، ويلزموا الناس بموافقتهم عليه، ويعاقبوا من خالفهم. وإنما ~~يلزم الناس ما ألزمهم الله ورسوله، ويعاقب من عصى الله ورسوله، فإن الإيجاب ~~والتحريم، والثواب والعقاب، والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله، ليس ~~لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله، وتحريم ما ~~حرمه الله ورسوله، وتصديق ما أخبر الله به ورسوله. وجرت في ذلك أمور يطول ~~شرحها. # ولما اشتهر هذا وتبين للناس باطن أمرهم، وأنهم معطلة ms158 للصفات يقولون: إن ~~الله لا يرى، ولا له علم، ولا قدرة، وأنه ليس فوق العرش رب، ولا على ~~السموات إله، وإن محمدا لم يعرج به إلى ربه، إلى غير ذلك من أقوال الجهمية ~~النفاة كثر رد الطوائف عليهم بالقرآن والحديث والآثار تارة، وبالكلام الحق ~~تارة، وبالباطل تارة. # وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان له ~~فضل وعلم ودين. ومن قال: إنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في ~~المسلمين كما يذكره طائفة في مثالبه، ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك فهذا كذب ~~عليه. وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم؛ فإنهم ~~يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى. وقد ذكر مثل ذلك عنهم ~~الإمام أحمد في الرد على الجهمية، وصار ينقل هذا من ليس من المعتزلة من ~~السالمية، ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ينفرون عنه لبدعته في القرآن، ~~ويستعينون بمثل هذا الكلام الذي هو من افتراء الجهمية والمعتزلة عليه. ولا ~~يعلم هؤلاء أن الذين ذموه بمثل هذا هم شر منه، وهوخير وأقرب إلى السنة ~~منهم. # PageV01P171 # وكان أبو الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال، سلك طريقة أبي محمد بن ~~كلاب، فصار طائفة ينتسبون إلى السنة والحديث من السالمية وغيرهم كأبي علي ~~الأهوازي، يذكرون في مثالب أبي الحسن أشياء هي من افتراء المعتزلة وغيرهم ~~عليه؛ لأن الأشعري بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها مالم يبينه غيره، ~~حتى جعلهم في قمع السمسمة. # وابن كلاب لما رد على الجهمية، لم يهتد لفساد أصل الكلام المحدث الذي ~~ابتدعوه في دين الإسلام، بل وافقهم عليه. وهؤلاء الذين يذمون ابن كلاب ~~والأشعري بالباطل هم من أهل الحديث. والسالمية من الحنبلية والشافعية ~~والمالكية وغيرهم كثير منهم موافق لابن كلاب والأشعرى على هذا، موافق ~~للجهمية على أصل قولهم الذي ابتدعوه. وهم إذا تكلموا في [مسألة القرآن] ~~وأنه غير مخلوق، أخذوا كلام ابن كلاب والأشعري فناظروا به المعتزلة ~~والجهمية، وأخذوا كلام الجهمية والمعتزلة فناظروا به هؤلاء، وركبوا قولا ~~محدثا من ms159 قول هؤلاء وهؤلاء لم يذهب إليه أحد من السلف، ووافقوا ابن كلاب ~~والأشعري وغيرهما على قولهم: إن القرآن قديم، واحتجوا بما ذكره هؤلاء على ~~فساد قول المعتزلة والجهمية وغيرهم، وهم مع هؤلاء. وجمهور المسلمين يقولون: ~~إن القرآن العربي كلام الله، وقد تكلم الله به بحرف وصوت، فقالوا: إن ~~الحروف والأصوات قديمة الأعيان، أو الحروف بلا أصوات، وأن [الباء والسين ~~والميم] مع تعاقبها في ذاتها فهي أزلية الأعيان لم تزل ولا تزال؛ كما بسطت ~~الكلام على أقوال الناس في القرآن في موضع آخر. # والمقصود هنا التنبيه على أصل مقالات الطوائف، وابن كلاب أحدث ما أحدثه ~~لما اضطره إلى ذلك من دخول أصل كلام الجهمية في قلبه، وقد بين فساد قولهم ~~بنفي علو الله ونفي صفاته. وصنف كتبا كثيرة في أصل التوحيد والصفات، وبين ~~أدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية، وبين فيها أن علو الله على خلقه، ~~ومباينته لهم، من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية، كما دل على ~~ذلك الكتاب والسنة. # وكذلك ذكرها الحارث # PageV01P172 # المحاسبي في كتاب [فهم القرآن] وغيره. بين فيه من علو الله واستوائه على ~~عرشه ما بين به فساد قول النفاة، وفرح الكثير من النظار الذين فهموا أصل ~~قول المتكلمين، وعلموا ثبوت الصفات لله، وأنكروا القول بأن كلامه مخلوق، ~~فرحوا بهذه الطريقة التي سلكها ابن كلاب، كأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن ~~الأشعري، والثقفي؛ ومن تبعهم، كأبي عبد الله بن مجاهد، وأصحابه، والقاضي ~~أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبى بكر بن فورك، وغير هؤلاء. # وصار هؤلاء يردون على المعتزلة ما رده عليهم ابن كلاب والقلانسي والأشعري ~~وغيرهم من مثبتة الصفات، فيبينون فساد قولهم: بأن القرآن مخلوق وغير ذلك، ~~وكان في هذا من كسر سورة المعتزلة والجهمية ما فيه ظهور شعار السنة، وهو ~~القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة، وإثبات ~~الصفات والقدر، وغير ذلك من أصول السنة. # لكن الأصل العقلي الذي بنى عليه ابن كلاب قوله في كلام الله وصفاته، هو ~~أصل الجهمية والمعتزلة ms160 بعينه، وصاروا إذا تكلموا في خلق الله السموات ~~والأرض وغير ذلك من المخلوقات، إنما يتكلمون بالأصل الذي ابتدعه الجهمية ~~ومن اتبعهم؛ فيقولون قول أهل الملة، كما نقله أولئك، ويقررونه بحجة أولئك. # وكانت محنة الإمام أحمد سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية ~~يظهرون قولهم، فإن كتب الفلاسفة قد عربت وعرف الناس أقوالهم. فلما رأت ~~الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، هو ~~هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول ~~الذي يقولونه فاسد من جهة العقل. طمعوا في تغيير الملة. فمنهم من أظهر ~~إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود، ~~كما فعلته قرامطة البحرين. وكان قبلهم قد فعل بابك الخرمي مع المسلمين ما ~~هو مشهور. # PageV01P173 # وقد ذكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره من كشف أسرار الباطنية، وهتك ~~أستارهم، فإنه كان منهم من النفاة الباطنية الخرمية، وصاروا يحتجون في ~~كلامهم وكتبهم بحجج قد ذكرها أرسطو وأتباعه من الفلاسفة، وهو أن الحركة ~~يمتنع أن يكون لها ابتداء، ويمتنع أن يكون للزمان ابتداء، ويمتنع أن يصير ~~الفاعل فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا، فصار هؤلاء الفلاسفة وهؤلاء المتكلمون ~~كلاهما يستدل على قوله بالحركة. # فأرسطو وأتباعه يقولون: إن الحركة يمتنع أن يحدث نوعها بعد أن لم يكن، ~~ويمتنع أن يصير الفاعل فاعلا بعد أن لم يكن؛ ولأنه من المعلوم بصريح ~~المعقول أن الذات إذا كانت لا تفعل شيئا ثم فعلت بعد أن لم تفعل، فلا بد من ~~حدوث حادث من الحوادث، وإلا فإذا قدرت على حالها وكانت لا تفعل، فهي الآن ~~لا تفعل، فإذا كانت الآن تفعل، لزم دوام فعلها. # ويقولون: [قبل وبعد] مستلزم للزمان، فمن قال بحدوث الزمان لزمه القول ~~بقدمه من حيث هو قائل بحدوثه. # ويقولون: الزمان مقدار الحركة فيلزم من قدمه قدمها، ويلزم من قدم الحركة ~~قدم المتحرك وهو الجسم فيلزم ثبوت جسم قديم، ثم يجعلون ذلك الجسم القديم هو ~~الفلك، ولكن ليس لهم على هذا حجة، كما ms161 قد بسط في موضع آخر. # وصار المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية يردون عليهم، ~~ويدعون أن القادر المختار يرجح أحد المقدورين المتماثلين على الآخر المماثل ~~له بلا سبب أصلا، وعلى هذا الأصل بنوا كون الله خالقا للمخلوقات. # ثم نفاة الصفات يقولون: رجح بمجرد القدرة، وكذلك أصل القدرية، والمعتزلة ~~جمعت بين الأمرين. وأما المثبتة كالكلابية والكرامية فيدعون أنه رجح بمشيئة ~~قديمة أزلية. وكلا القولين مما ينكره جمهور العقلاء. # ولهذا صار كثير من المصنفين في هذا الباب، كالرازي، ومن قبله من أئمة ~~الكلام والفلسفة كالشهرستاني ومن قبله من طوائف الكلام والفلسفة لا يوجد ~~عندهم إلا العلة الفلسفية، أو القادرية المعتزلية أو الإرادية الكلابية، ~~وكل # PageV01P174 # من الثلاثة منكر في العقل والشرع؛ ولهذا كانت بحوث الرازي في مسألة ~~القادر المختار في غاية الضعف من جهة المسلمين، وهي على قول الدهرية أظهر ~~دلالة. # واحتج أهل الكلام المبتدع بأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، ويقولون: لو ~~وجدت حوادث لا أول لها، لكنا إذا قدرنا ما وجد قبل الطوفان وما وجد قبل ~~الهجرة، وقابلنا بينهما، فإما أن يتساويا وهو ممتنع لأنه يكون الزائد مثل ~~الناقص، وإما أن يتفاضلا، فيكون فيما لا يتناهي تفاضلا وهو ممتنع، ويذكرون ~~حججا أخرى قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع. # وقد تكلم الناس في هذه [الحجة] ونحوها، وبينوا فسادها؛ بأن التفاضل إنما ~~يقع من الطرف المتناهي لا من الطرف الذي لا يتناهي، وبأن هذا منقوض ~~بالحوادث المستقبلة، فإن كون الحادث ماضيا أو مستقبلا أمر إضافي؛ ولهذا منع ~~أئمة هذا القول كجهم والعلاف وجود حوادث لا تتناهي في المستقبل، وقال جهم: ~~بفناء الجنة والنار، وقال العلاف: بفناء الحركات، وهذا كله مبسوط في موضع ~~آخر. # وصار طائفة أخرى، قد عرفت كلام هؤلاء وكلام هؤلاء كالرازي والآمدي ~~وغيرهما يصنفون الكتب الكلامية، فينصرون فيها ماذكره المتكلمون المبتدعون ~~عن أهل الملة من [حدوث العالم] بطريقة المتكلمين المبتدعة هذه، وهو امتناع ~~حوادث لا أول لها، ثم يصنفون الكتب الفلسفية كتصنيف الرازي [المباحث ~~الشرقية] ونحوها، ويذكر فيها ms162 ما احتج به المتكلمون على امتناع حوادث لا أول ~~لها، وإن الزمان والحركة والجسم لها بداية، ثم ينقض ذلك كله، ويجيب عنه، ~~ويقرر حجة من قال: إن ذلك لا بداية له. # وليس هذا تعمدا منه لنصر الباطل، بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية ~~في نظره وبحثه. فإذا وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح # PageV01P175 # به في كلام الفلاسفة قدح به، فإن من شأنه البحث المطلق بحسب ما يظهر له. ~~فهو يقدح في كلام هؤلاء بما يظهر له أنه قادح فيه من كلام هؤلاء، وكذلك ~~يصنع بالآخرين. ومن الناس من يسىء به الظن، وهو أنه يتعمد الكلام الباطل، ~~وليس كذلك، بل تكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر والبحث في كل مقام بما يظهر ~~له، وهو متناقض في عامة ما يقوله؛ يقرر هنا شيئا ثم ينقضه في موضع آخر؛ لأن ~~المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند ~~السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة، يشتمل على كلام باطل كلام ~~هؤلاء وكلام هؤلاء فيقرر كلام طائفة بما يقرر به ثم ينقضه في موضع آخر بما ~~ينقض به. # ولهذا اعترف في آخر عمره فقال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج ~~الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا [الغليل: شدة العطش ~~وحرارته] ، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: {الرحمن على ~~العرش استوى} [طه: 5] {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] ، واقرأ في ~~النفي: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] {ولا يحيطون به علما} [طه: 110] ، ومن ~~جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. # والآمدي تغلب عليه الحيرة والوقف في عامة الأصول الكبار، حتى إنه أورد ~~على نفسه سؤالا في تسلسل العلل، وزعم أنه لا يعرف عنه جوابا، وبنى إثبات ~~الصانع على ذلك، فلا يقرر في كتبه لا إثبات الصانع ولاحدوث العالم، ولا ~~وحدانية الله، ولا النبوات، ولا شيئا من الأصول التي يحتاح إلى معرفتها. # والرازي وإن كان يقرر بعض ذلك فالغالب على ما يقرره أنه ينقضه في موضع ~~آخر، لكن هو أحرص ms163 على تقرير الأصول التي يحتاج إلى معرفتها من الآمدي. ولو ~~جمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد جميعه موافقا لما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجد صريح المعقول مطابقا لصحيح ~~المنقول. # لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء # PageV01P176 # به الرسول، وحصل اضطراب في المعقول به، فحصل نقص في معرفة السمع والعقل، ~~وإن كان هذا النقص هو منتهي قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته، فالعجز يكون ~~عذرا للإنسان في أن الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام. هذا على قول ~~السلف والأئمة في أن من اتقى الله ما استطاع، إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم ~~يعذب به. # وأما من قال من الجهمية ونحوهم: إنه قد يعذب العاجزين، ومن قال من ~~المعتزلة ونحوهم من القدرية: إن كل مجتهد فإنه لابد أن يعرف الحق، وإن من ~~لم يعرفه فلتفريطه لا لعجزه، فهما قولان ضعيفان، وبسببهما صارت الطوائف ~~المختلفة من أهل القبلة يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضم بعضا. # فيقال لأرسطو وأتباعه ممن رأى دوام الفاعلية ولوازمها: العقل الصريح لا ~~يدل على قدم شيء بعينه من العالم، لا فلك ولا غيره، وإنما يدل على أن الرب ~~لم يزل فاعلا. وحينئذ فإذا قدر أنه لم يزل يخلق شيئا بعد شيء كان كل ما ~~سواه مخلوقا محدثا مسبوقا بالعدم، ولم يكن من العالم شيء قديم، وهذا ~~التقدير ليس معكم ما يبطله فلماذا تنفونه؟ ! ونفس قدر الفعل هو المسمى ~~بالزمان، فإن الزمان إذا قيل: أنه مقدار الحركة، كان جنس الزمان مقدار جنس ~~الحركة، لا يتعين في ذلك أن يكون مقدار حركة الشمس أو الفلك. # وأهل الملل متفقون على أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وخلق ذلك ~~من مادة كانت موجودة قبل هذه السموات والأرض، وهو الدخان الذي هو البخار، ~~كما قال تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11] ، وهذا الدخان هو بخار الماء الذي ~~كان حينئذ موجودا، كما ms164 جاءت بذلك الآثار عن الصحابة والتابعين، وكما عليه ~~أهل الكتاب، كما ذكر هذا كله في موضع آخر. وتلك الأيام لم تكن مقدار حركة ~~هذه الشمس وهذا الفلك، فإن هذا مما خلق في تلك الأيام، بل تلك الأيام مقدرة ~~بحركة أخرى. وكذلك إذا # PageV01P177 # شق الله هذه السموات، وأقام القيامة، وأدخل أهل الجنة الجنة، قال تعالى: ~~{ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} [مريم: 62] ، وقد جاءت الآثار عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأنه تبارك وتعالى يتجلى لعباده المؤمنين يوم الجمعة، وأن ~~أعلاهم منزلة من يرى الله تعالى كل يوم مرتين، وليس في الجنة شمس ولا قمر، ~~ولا هناك حركة فلك، بل ذلك الزمان مقدر بحركات، كما جاء في الآثار أنهم ~~يعرفون ذلك بأنوار تظهر من جهة العرش. # وإذا كان مدلول الدليل العقلي أنه لا بد أنه قديم تقوم به الأفعال شيئا ~~بعد شيء، فهذا إنما يناقض قول المبتدعة من أهل الملل الذين ابتدعوا الكلام ~~المحدث الذي ذمه السلف والأئمة الذين قالوا: إن الرب لم يزل معطلا عن الفعل ~~والكلام. فصار ما علمته العقلاء من أصناف الأمم من الفلاسفة وغيرهم بصريح ~~المعقول، هو عاضد وناصر لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على من ابتدع ~~في ملته ما يخالف أقواله. # وكان ما علم بالشرع مع صريح العقل أيضا راد لما يقوله الفلاسفة الدهرية ~~من قدم شيء من العالم مع الله، بل القول بقدم العالم قول اتفق جماهير ~~العقلاء على بطلانه، فليس أهل الملة وحدهم تبطله، بل أهل الملل كلهم، ~~وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف المشركين، مشركي العرب، ومشركي الهند ~~وغيرهم من الأمم. وجماهير أساطين الفلاسفة كلهم معترفون بأن هذا العالم ~~محدث كائن بعد أن لم يكن، بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء، والعرب ~~المشركون كلهم كانوا يعترفون بأن الله خالق كل شيء وأن هذا العالم كله ~~مخلوق، والله خالقه وربه، وهذه الأمور مبسوطة في موضعها. # والمقصود هنا الكلام على ما يحتاج إليه من معرفة [حديث النزول] وأمثاله، ~~وهما [الأصلان المتقدمان] ms165 . ومن تمام الأصل الثاني لفظ [الحركة] : هل يوصف ~~الله بها أم يجب نفيه عنه؟ # اختلف فيه المسلمون، وغيرهم من أهل الملل، وغير أهل الملل من أهل الحديث ~~وأهل الكلام، وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال. وهذه الثلاثة موجودة في ~~أصحاب الأئمة الأربعة من # PageV01P178 # أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. وقد ذكر القاضي أبو يعلى الأقوال الثلاثة عن ~~أصحاب الإمام أحمد في [الروايتين والوجهين] وغير ذلك من الكتب. # وقبل ذلك ينبغي أن يعرف أن لفظ الحركة والانتقال والتغير والتحول، ونحو ~~ذلك، ألفاظ مجملة؛ فإن المتكلمين إنما يطلقون لفظ الحركة على الحركة ~~المكانية، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان بحيث يكون قد فرغ الحيز الأول ~~وشغل الثاني، كحركة أجسامنا من حيز إلى حيز، وحركة الهواء والماء، والتراب ~~والسحاب، من حيز إلى حيز، بحيث يفرغ الأول ويشغل الثاني، فأكثر المتكلمين ~~لا يعرفون للحركة معنى إلا هذا. # ومن هنا نفوا ما جاءت به النصوص من أنواع جنس الحركة؛ فإنهم ظنوا أن ~~جميعها إنما تدل على هذا، وكذلك من أثبتها وفهم منها كلها هذا، كالذين ~~فهموا من نزوله إلى السماء الدنيا أنه يبقى فوقه بعض مخلوقاته، فلا يكون هو ~~الظاهر الذي ليس فوقه شيء، ولا يكون هو العلي الأعلى، ويلزمهم ألا يكون ~~مستويا على العرش بحال، كما تقدم. # والفلاسفة يطلقون لفظ [الحركة] على كل ما فيه تحول من حال إلى حال. ~~ويقولون أيضا: حقيقة الحركة هي الحدوث أو الحصول، والخروج من القوة إلى ~~الفعل يسيرا يسيرا بالتدريج. قالوا: وهذه العبارات دالة على معنى الحركة. # وقد يحدون بها الحركة. وهم متنازعون في الرب تعالى: هل تقوم به جنس ~~الحركة؟ على قولين. # وأصحاب أرسطو جعلوا الحركة مختصة بالأجسام، ويصفون النفس بنوع من الحركة، ~~وليست عندهم جسما فيتناقضون. وكانت الحركة عندهم ثلاثة أنواع، فزاد ابن ~~سينا فيها قسما رابعا فصارت أربعة. ويجعلون الحركة جنسا تحته أنواع: حركة ~~في الكيف، وحركة في الكم، وحركة في الوضع، وحركة في الأين. # فالحركة في الكيف: هي تحول الشيء من صفة إلى صفة؛ مثل ms166 اسوداده واحمراره ~~واخضراره واصفراره، ومثل مصيره حلوا وحامضا، ومثل تغير رائحته، وكذلك في ~~النفوس كعلم # PageV01P179 # الإنسان بعد جهله، وحبه بعد بغضه، وإيمانه بعد كفره، وفرحه بعد حزنه، ~~ورضاه بعد غضبه، كل هذه الأحوال النفسانية حركة في الكيف، وهذا مما احتج به ~~من جوز منهم الحركة، فإن إرادته لإحداث الشيء عندهم حركة. والحركة في الكم: ~~مثل امتداد الشيء، مثل كبر الحيوان بعد صغره، وطوله بعد قصره، ومثل امتداد ~~الشجر والنبات وامتداد عروقه في الأرض وأغصانه في الهواء، فهذا حركة في ~~المقدار والكمية، كما أن الأول حركة في الصفات والكيفية. # وأما الحركة في الوضع: فمثل دوران الشيء في موضع واحد، كدوران [الفلك] و ~~[المنجنون] الذي يسمى الدولاب، وكحركة الرحى وغير ذلك، فإنه لا ينتقل من ~~حيز إلى حيز، بل حيزه واحد، لكن يختلف في أوضاعه، فيكون الجزء منه تارة ~~محاذيا للجهة العليا فيصير محاذيا للجهة السفلى، أو للجهة اليمنى فيصير ~~محاذيا للجهة اليسرى. # وهذا النوع يقولون: إن ابن سينا زاده. # والرابع: الحركة في الأين: وهي الحركة المكانية، وهو انتقاله من حيز إلى ~~حيز. # وأما عموم أهل اللغة فيطلقون لفظ الحركة على جنس الفعل. فكل من فعل فعلا ~~فقد تحرك عندهم، ويسمون أحوال النفس حركة، فيقولون: تحركت فيه المحبة، ~~وتحركت فيه الحمية، وتحرك غضبه، وتوصف هذه الأحوال بالحركة والسكون، فيقال: ~~سكن غضبه، قال تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح} [الأعراف: 154] ~~، فوصف الغضب بالسكوت، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ومعاوية ابن قرة، ~~وعكرمة: [ولما سكن] بالنون وعلى القراءة المشهورة [بالتاء] قال المفسرون: ~~سكت الغضب: أي سكن. وكذلك قال أهل اللغة؛ الزجاج وغيره. # PageV01P180 # قال الجوهري: سكت الغضب مثل سكن، فالسكون أخص، فكلساكت ساكن، وليس كل ~~ساكن ساكتا، وإذا وصف بالسكون دل على أنه كان متحركا، وهذا وصف للأعراض ~~النفسانية بالحركة والسكون. # والأشعري قد استدل على أن الحركة وأنواعها لا تختص بالأجسام بما وجد من ~~استعمالهم ذلك في الأعراض، قال: فإنهم يقولون: جاءت الحمى، وجاء البرد، ~~وجاءت العافية، وجاء الشتاء، وجاء الحر. ms167 ونحو ذلك مما يوصف بالمجيء ~~والإتيان من الأعراض. ومجيء هذه الأعراض هو حدوث وتغير وتحول من حال إلى ~~حال. # فإن قيل: ما وصف بالحركة والسكون من هذه الأعراض فإنما هو لتحرك المحل ~~الحامل لذلك العرض وإلا فالعرض لا يقوم بنفسه، ولا يفارق محله، فإن الحمى ~~والحر والبرد يقوم بالهواء الذي يحمل الحر والبرد. وكذلك الغضب هوغليان دم ~~القلب لطلب الانتقام، وهذا حركة الدم؛ فإذا سكن غليان الدم سكن الغضب. # قيل: ليس الأمر كذلك، بل هذا يستعمل فيما يحدث من الأعراض في المحل شيئا ~~فشيئا، وإن لم يكن هناك جسم ينتقل معه، كما تقدم من الحركة في الكيفيات ~~والصفات؛ فإن الماء إذا سخن حدثت فيه الحرارة، وسخن الوعاء الذي فيه الماء ~~من غير انتقال جسم حار إليه، وإذا وضع الماء المسخن في المكان البارد، برد ~~من غير انتقال جسم بارد إليه. وكذلك الحمى حرارة أو برودة تقوم بالبدن من ~~غير أن ينتقل إلى كل جزء من البدن جسم حار أو بارد. والغضب وإن كان بعض ~~الناس يقول: إنه غليان دم القلب فهو صفة تقوم بنفس الغضبان غير غليان دم ~~القلب؛ وإنما ذلك أثره، فإن حرارة الغضب تسخن الدم حتى يغلي. فإن مبدأ ~~الغضب من النفس، هي التي تتصف به أولا، ثم يسرى ذلك إلى الجسم، وكذلك الحزن ~~والفرح وسائر الأحوال النفسانية. والحزن يوجب دخول الدم؛ ولهذا يصفر لون ~~الحزين، وهو من الأحوال النفسانية، لكن الحزين يستشعر العجز عن دفع المكروه ~~الذي أصابه وييأس من ذلك # PageV01P181 # فيغور دمه، والغضبان يستشعر قدرته على الدفع أو المعاقبة، فينبسط دمه. # والحركة والسكون والطمأنينة التي توصف بها النفس، ليست مماثلة لما يوصف ~~به الجسم، قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] والاطمئنان ~~هو السكون، قال الجوهري: اطمأن الرجل إطمئنانا وطمأنينة: أي سكن، قال ~~تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: ~~27،28] وكذلك للقلوب سكينة تناسبها، قال تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في ~~قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] . # وكذلك [الريب] ms168 حركة النفس للشك، ومنه الحديث: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر بظبي حاقف فقال: " لا يريبه أحد " [وقوله: " ظبي حاقف ": أي نائم] ~~. ويقال: رابني منه ريب، و " دع ما يريبك إلى مالا يريبك) [و " لا ": أي لا ~~يزعجه] ، وقال: # PageV01P182 # "الكذب ريبة، والصدق طمأنينة " فجعل الطمأنينة ضد الريبة وكذلك اليقين ضد ~~الريب. واليقين يتضمن معنى الطمأنينة والسكون، ومنه: ماء يقن، وكذلك يقال: ~~انزعج. وأزعجه فانزعج أي: أقلقه، ويقال ذلك لمن قلقت نفسه، ولمن قلق بنفسه ~~وبدنه حتى فارق مكانه، وكذلك يقال: قلقت نفسه، واضطربت نفسه، ونحو ذلك من ~~أنواع الحركة. ويسمى ما يألفه جنس الإنسان ويحبه سكنا؛ لأنه يسكن إليه. ~~ويقال: فلان يسكن إلى فلان ويطمئن إليه، ويقال: القلب يسكن إلى فلان، ~~ويطمئن إليه، إذا كان مأمونا معروفا بالصدق؛ فإن الصدق يورث الطمأنينة ~~والسكون. # وقد سميت الزوجة سكنا، قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 12] ، وقال: {وجعل ~~منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] ، فيسكن الرجل إلى المرأة بقلبه ~~وبدنه جميعا. # وقد يكون بدن الشخص ساكنا ونفسه متحركة حركة قوية، وبالعكس قد يسكن قلبه، ~~وبدنه متحرك. والمحب للشيء المشتاق إليه يوصف بأنه متحرك إليه؛ ولهذا يقال: ~~العشق حركة نفس فارغة. فالقلوب تتحرك إلى الله تعالى بالمحبة والإنابة ~~والتوجه، وغير ذلك من أعمال القلوب، وإن كان البدن لا يتحرك إلى فوق، فقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". ~~ومع هذا فبدنه أسفل ما يكون. # فينبغي أن يعرف أن الحركة جنس تحته أنواع مختلفة باختلاف الموصوفات بذلك. ~~وما يوصف به نفس الإنسان من إرادة ومحبة وكراهية وميل ونحو ذلك، كلها فيها ~~تحول النفس من حال إلى حال وعمل للنفس، وذلك حركة لها بحسبها؛ ولهذا يعبر ~~عن هذه المعاني بألفاظ الحركة، فيقال: فلان يهفو إلى فلان كما قيل: # PageV01P183 # يهفو إلى البان من قلبي نوازعه ... وما بي البان بل من دارة البان # وهذا اللفظ يستعمل في حركة الشيء ms169 الخفيف بسرعة، كما يقال: هفا الطائر ~~بجناحه، أي: خفق وطار، وهفا الشيء في الهواء، إذا ذهب كالصوفة ونحوها، ومر ~~الظبي يهفو، أي: يطفو، ومنه قيل للزلة: هفوة، كما سميت زلة، والزلة حركة ~~خفيفة، وكذلك الهفوة. وكذلك يسمى المحب المشتاق الذي صار حبه أقوى من ~~العلاقة [صبا] وحاله صبابة، وهو رقة الشوق وحرارته، والصب المحب المشتاق؛ ~~وذلك لانصباب قلبه إلى المحبوب كما ينصب الماء الجاري، والماء ينصب من ~~الجبل، أي: ينحدر. فلما كان في انحداره يتحرك حركة لا يرده شيء سميت حركة ~~الصب [صبابة] ، وهذا يستعمل في المحبة المحمودة والمذمومة. # ومنه الحديث: إن أبا عبيدة رضي الله عنه لما أرسله النبي صلى الله عليه ~~وسلم في سرية بكى صبابة وشوقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والصبابة ~~والصب متفقان في الاشتقاق الأكبر. والعرب تعاقب بين الحرف المعتل والحرف ~~المضعف كما يقولون: تقضى البازي وتقضض، وصبا يصبو: معناه: مال، وسمي الصبي ~~صبيا؛ لسرعة ميله. قال الجوهري: والصبي أيضا من الشوق، يقال منه: تصابي، ~~وصبا يصبو صبوة وصبوا، أي: مال إلى الجهل والفتوة، وأصبته الجارية. وقد ~~يستعمل هذا في الميل المحمود على قراءة من قرأ: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابين} بلا همزة في قراءة نافع، فإنه لا يهمز {الصابئين} ~~في جميع القرآن. وبعضهم قد حمده الله تعالى وكذلك يقال: حن إليه حنينا، ~~ومنه: حنه في الاشتقاق الأكبر يحنو عليه حنوا. قال الجوهري: حنوت عليه عطفت ~~عليه، ويحني عليه، أي: يعطف، مثل تحنن، كما قال الشاعر: # تحنى عليك النفس من لاعج الهوى ... فكيف تحنيها وأنت تهينها؟ # وقال: الحنين: الشوق وتوقان النفس، ويقال: حن إليه يحن حنينا، فهو حان # PageV01P184 # والحنان الرحمة. يقال: حن عليه يحن حنانا، ومنه قوله تعالى: {وحنانا من ~~لدنا} [مريم: 13] . والحنان بالتشديد : ذو الرحمة، وتحنن عليه: ترحم، ~~والعرب تقول: حنانيك يا رب، وحنانك، بمعنى واحد، أي: رحمتك، وهذا كلام ~~الجوهري. # وفي الأثر في تفسير [الحنان، المنان] : أن الحنان هو الذي يقبل على من ~~أعرض عنه، والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل ms170 السؤال، وهذا باب واسع. # والمقصود هنا أن هذا كله من أنواع جنس الحركة العامة، والحركة العامة هي ~~التحول من حال إلى حال، ومنه قولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسي رضي الله عنه : " ~~ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ " قال: بلى، قال: " لا حول ولا قوة إلا ~~بالله ". # وفي صحيح مسلم وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قال ~~المؤذن: الله أكبر، فقال الرجل: الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ~~فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم # PageV01P185 # قال: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال: ~~حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، ~~فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، فقال: الله ~~أكبر الله أكبر ". # فلفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال، والقوة هي القدرة على ذلك ~~التحول؛ فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة ~~وتحول من حال إلى حال، ولا قدرة على ذلك إلا بالله. ومن الناس من يفسر ذلك ~~بمعنى خاص فيقول: لا حول من معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا ~~بمعونته. # والصواب الذي عليه الجمهور هو التفسير الأول، وهو الذي يدل عليه اللفظ، ~~فإن الحول لا يختص بالحول عن المعصية، وكذلك القوة لا تختص بالقوة على ~~الطاعة، بل لفظ الحول يعم كل تحول. # ومنه لفظ [الحيلة] ووزنها فعلة بالكسر، وهي النوع المختص من الحول كما ~~يقال: الجلسة، والقعدة، واللبسة، والأكلة، والضجعة ونحو ذلك بالكسر هي ~~النوع الخاص، وهو بالفتح المرة الواحدة. فالحيلة أصلها حولة، لكن لما جاءت ~~الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء، كما في لفظ ميزان وميقات، وميعاد وزنه ~~مفعال؛ وقياسه موزان وموقات، لكن لما جاءت الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ~~ياء، قال تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ms171 لا يستطيعون ~~حيلة ولا يهتدون سبيلا} [النساء: 98] من الحيل؛ فإنها نكرة في سياق النفي ~~فتعم جميع أنواع الحيل. وكذلك لفظ [القوة] ، قال تعالى: {الله الذي خلقكم ~~من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} [الروم: 54] ، ~~ولفظ القوة قد يراد به ما كان في القدرة أكمل من غيره، فهو قدرة أرجح من ~~غيرها، أو القدرة التامة. ولفظ # PageV01P186 # [القوة] قد يعم القوة التي في الجمادات بخلاف لفظ القدرة؛ فلهذا كان ~~المنفي بلفظ [القوة] أشمل وأكمل. فإذا لم تكن قوة إلا به لم تكن قدرة إلا ~~به بطريق الأولى. وهذا باب واسع. # والمقصود هنا أن الناس متنازعون في جنس [الحركة العامة] التي تتناول ما ~~يقوم بذات الموصوف من الأمور الاختيارية كالغضب والرضا والفرح، وكالدنو ~~والقرب والاستواء والنزول، بل والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان وغير ذلك ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: قول من ينفي ذلك مطلقا وبكل معنى، فلا يجوز أن يقوم بالرب شيء من ~~الأمور الاختيارية. فلا يرضى على أحد بعد أن لم يكن راضيا عنه، ولا يغضب ~~عليه بعد أن لم يكن غضبان، ولا يفرح بالتوبة بعد التوبة، ولا يتكلم بمشيئته ~~وقدرته إذا قيل: إن ذلك قائم بذاته. # وهذا القول أول من عرف به هم [الجهمية] و [المعتزلة] وانتقل عنهم إلى ~~الكلابية والأشعرية والسالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة، كأبي ~~الحسن التميمي، وابنه أبى الفضل، وابن ابنه رزق الله، والقاضي أبى يعلى، ~~وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني، وأبى الفرج بن الجوزي؛ وغير هؤلاء من ~~أصحاب أحمد وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض كلامه وكأبي المعالي الجويني ~~وأمثاله من أصحاب الشافعي، وكأبي الوليد الباجي وطائفة من أصحاب مالك، ~~وكأبي الحسن الكرخي وطائفة من أصحاب أبي حنيفة. # والقول الثاني: إثبات ذلك، وهو قول الهشامية والكرامية وغيرهم من طوائف ~~أهل الكلام، الذين صرحوا بلفظ الحركة. # وأما الذين أثبتوها بالمعنى العام حتى يدخل في ذلك قيام الأمور والأفعال ~~الاختيارية بذاته، فهذا قول طوائف غير هؤلاء، كأبي الحسين البصري، ms172 وهو ~~اختيار أبى عبد الله بن الخطيب الرازي، وغيره من النظار، وذكر طائفة: أن ~~هذا القول لازم لجميع الطوائف. # وذكرعثمان بن سعيد الدارمي إثبات لفظ الحركة في كتاب نقضه # PageV01P187 # على بشر المريسي، ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث، وذكره حرب بن ~~إسماعيل الكرماني، لما ذكر مذهب أهل السنة والأثر عن أهل السنة والحديث ~~قاطبة، وذكر ممن لقى منهم على ذلك: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعبد ~~الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور. وهو قول أبى عبد الله بن حامد ~~وغيره. # وكثير من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح، لكن لا يطلق هذا اللفظ ~~لعدم مجيء الأثر به، كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر وغيره في كلامهم على ~~حديث النزول. # والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد به ~~الكتاب والسنة من أنه يأتي وينزل، وغير ذلك من الأفعال اللازمة. # قال أبو عمرو الطلمنكي: أجمعوا يعني أهل السنة والجماعة على أن الله يأتي ~~يوم القيامة والملائكة صفا صفا لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء، قال ~~تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملآئكة وقضي ~~الأمر} [البقرة: 210] . وقال تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] ~~. # قال: وأجمعوا على أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به ~~الآثار كيف شاء، لا يحدون في ذلك شيئا، ثم روى بإسناده عن محمد بن وضاح ~~قال: وسألت يحيى بن معين عن النزول فقال: نعم، أقر به، ولا أحد فيه حدا. # والقول الثالث: الإمساك عن النفي والإثبات، وهو اختيار كثير من أهل ~~الحديث والفقهاء والصوفية، كابن بطة وغيره. وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن ~~تقدير أحد الأمرين، ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما، ولكن لا يتكلم لا بنفي ~~ولا بإثبات. والذي يجب القطع # PageV01P188 # به أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه. فمن وصفه بمثل صفات ~~المخلوقين في شيء من الأشياء فهو مخطئ قطعا، كمن قال: ms173 إنه ينزل فيتحرك ~~وينتقل، كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار، كقول من يقول: إنه يخلو ~~منه العرش، فيكون نزوله تفريغا لمكان وشغلا لآخر، فهذا باطل يجب تنزيه ~~الرب، عنه كما تقدم. # وهذا هو الذي تقوم على نفيه وتنزيه الرب عنه الأدلة الشرعية والعقلية؛ ~~فإن الله سبحانه وتعالى أخبر أنه الأعلى، وقال: {سبح اسم ربك الأعلى} ~~[الأعلى: 1] . فإن كان لفظ العلو لا يقتضي علو ذاته فوق العرش، لم يلزم أن ~~يكون على العرش. # وحينئذ، فلفظ النزول ونحوه يتأول قطعا، إذ ليس هناك شيء يتصور منه ~~النزول. وإن كان لفظ العلو يقتضي علو ذاته فوق العرش، فهو سبحانه الأعلى من ~~كل شيء، كما أنه أكبر من كل شيء. فلو صار تحت شيء من العالم لكان بعض ~~مخلوقاته أعلى منه، ولم يكن هو الأعلى، وهذا خلاف ما وصف به نفسه. # وأيضا، فقد أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على ~~العرش، فإن لم يكن استواؤه على العرش يتضمن أنه فوق العرش، لم يكن الاستواء ~~معلوما، وجاز حينئذ ألا يكون فوق العرش شيء؛ فيلزم تأويل النزول وغيره. # وإن كان يتضمن أنه فوق العرش فيلزم استواؤه على العرش، وقد أخبر أنه ~~استوى عليه لما خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأخبر بذلك عند إنزال ~~القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بألوف من السنين، ودل كلامه ~~على أنه عند نزول القرآن مستو على عرشه، فإنه قال: {هو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون ~~بصير} [الحديد: 4] . # وفي حديث الأوعال [جمع الوعل، وهو تيس الجبل] الذي رواه أهل السنن كأبي ~~داود والترمذي وغيرهما : لما مرت سحابة قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " السحاب "، قالوا: ~~السحاب، قال: " والمزن "، قالوا: والمزن، وذكر السموات وعددها، وكم بين ms174 كل # PageV01P189 # سمائين، ثم قال: " والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه ". # وكذلك في حديث جبير بن مطعم الذي رواه أبو داود وغيره عن جبير بن مطعم ~~قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت ~~الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا ~~نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ويحك! تدري ما تقول؟ ! " وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ~~زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: " ويحك! أتدري ما الله؟ إن ~~الله على عرشه، وعرشه على سمواته مثل القبة " وأشار بيده. # وهذا إخبار عن أنه سبحانه فوق العرش في تلك الحال، كما دل عليه القرآن، ~~كما أخبر أنه استوى على العرش، وأنه معنا أينما كنا، وكونه معنا أمر خاص؛ ~~فكذلك كونه مستويا على العرش. # وكذلك سائر النصوص تبين وصفه بالعلو على عرشه في هذا الزمان، فعلم أن ~~الرب سبحانه لم يزل عاليا على عرشه. فلو كان في نصف الزمان أو كله تحت ~~العرش أو تحت بعض المخلوقات، لكان هذا مناقضا لذلك. # وأيضا، فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول: " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس ~~بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء "، وهذا ~~نص في أن الله ليس فوقه شيء، وكونه الظاهر صفة لازمة له مثل كونه الأول ~~والآخر، وكذلك الباطن، فلا يزال ظاهرا ليس فوقه شيء، ولا يزال باطنا ليس ~~دونه شيء. # PageV01P190 # وأيضا، فحديث أبي ذر وأبي هريرة وقتادة، المذكور في تفسير هذه [الأسماء ~~الأربعة] الذي فيه ذكر الأدلاء، قد ذكرناه في [مسألة الإحاطة] ، وهو مما ~~يبين أن الله لا يزال عاليا على المخلوقات مع ظهوره وبطونه وفي حال نزوله ~~إلى السماء الدنيا. # وأيضا، فقد قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات ms175 مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر: 67] . ~~فمن هذه عظمته يمتنع أن يحصره شيء من مخلوقاته، وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في تفسير هذه الآية أحاديث صحيحة اتفق أهل العلم بالحديث على صحتها، ~~وتلقيها بالقبول والتصديق، والله سبحانه وتعالى أعلم. ا. ه # تم كتاب شرح حديث النزول والحمد لله الذي تتم بنعمه الصالحات. ~~PageV01P191 ms176