######OpenITI# #META# comp: 1 #META# iso: شبهات حول الصحابه ذو النورين عثمان #META# authinf: ابن تيمية، تقي الدين (661 - 728 ه، 1263 - 1328 م). ¶ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي. ¶ • شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه، فقيه أصولي ومفتي الدين الحصيف وصاحب الآثار الكبرى في علوم الدين والفكر الإسلامي. ولد بحران بتركيا، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربا من غزو التتار. وتلقى العلم على والده وعلى مشايخ دمشق وظهرت عليه علامات النجابة منذ نعومة أظفاره، فكان قوي الذاكرة سريع الحفظ. نهل من منهج النبوة، حتى آلت إليه الإمامة في العلم والعمل سنة 720 ه. ¶ • كان من أشد مفكري الإسلام نقدا للفلسفة وعلم الكلام، ودعا إلى وضع العقل بعد النقل وليس قبله. وقد صنف كتابا ضخما سماه درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول رد فيه على شطحات الفلاسفة، وفند فيه دعاوى أهل الفرق الضالة حسب رأيه واجتهاده، ودافع فيه عن المنطق الفطري، وهو المنطق السليم، منطق القرآن الكريم. وفي كتابه الرد على المنطقيين حمل على دعوى أتباع أرسطو من المنطقيين الذين ذهبوا إلى أن المفاهيم التي ليست بديهية لاتدرك إلا بالحد (الدليل) بحجة أنها لما كانت غير بديهية كان لابد لها من دليل، وإلا كانت دعوتهم باطلة، وبين ابن تيمية أن تحديد المفاهيم تكتنفه الصعاب، وحتى من دافع عن المنطق من أهل الفلسفة وعلم الكلام، اضطر إلى التسليم بصعوبة تحديد الجنس أو الفصل الخاص، الذي يقوم عليه التعريف، ونسبه ابن تيمية إلى اختلاف الناس في سرعة إدراك الحد الأوسط في القياس مثل حيوان يمشي على أربع، والكلب حيوان، الكلب يمشي على أربع، فالحد الأوسط هنا وهو الكلب حيوان لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه الغبي. والنتيجة تحصيل حاصل. وانتقد كذلك نظريات البرهان عند أرسطو باعتبار أن البرهان يتناول الكليات الذهنية، في حين أن الكائنات موجودات جزئية، ولذلك فالبرهان لايؤدي إلى معرفة إيجابيته بالكائنات بشكل عام وبالله بشكل خاص. ¶ • ذهب ابن تيمية إلى مصر فسجن بها، ورجع إلى دمشق، وجاهد ضد التتار وحبسه السلطان لفتواه عن طلاق الثلاث، وتحرش به علماء دمشق عند السلطات ليوقعوا به، فحبس ثانية في قلعة دمشق ومات فيها. وخرجت البلدة على بكرة أبيها تشيع جنازته. ¶ • كان ابن تيمية صالحا مصلحا، داعيا إلى الإصلاح والعودة إلى القرآن والسنة، وكان ذا باع طويل في اللغة العربية وعلومها، وفي مختلف العلوم. تربو مصنفاته على ثلاثمائة مجلد في علوم الإسلام المختلفة من أهمها: اقتضاء الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم؛ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية؛ الصارم المسلول على شاتم الرسول؛ الواسطة بين الخلق والحق؛ العقيدة التدمرية؛ الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان؛ العقيدة الواسطية؛ بيان الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن؛ تفسير سورة البقرة؛ درء تعارض العقل والنقل؛ منهاج السنة النبوية؛ مجموعة الفتاوى. ¶ • خالف بعض الأئمة والعلماء بعض آراء ابن تيمية وفتاويه وردوا عليه. ومن هؤلاء العلماء: صفي الدين الهندي وتقي الدين السبكي وشمس الدين الذهبي وابن حجر العسقلاني والعز بن جماعة وبدر الدين محمد بن إبرهيم بن جماعة وغيرهم. ¶ نقلا عن ¶ الموسوعة العربية العالمية http://www.mawsoah.net #META# ad: 728 #META# archive: 19 #META# digitization_comments: 1410ه - 1989م #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# المصدر: موقع مكتبة صيد الفوائد #META# bkord: 11916 #META# max: 127 #META# higrid: 728 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: شبهات حول الصحابة ذو النورين عثمان ¶ لشيخ الإسلام ابن تيمية ¶ جمع وتعليق: محمد مال الله ¶ الطبعة الأولى ¶ 1410ه - 1989م ¶ المصدر: موقع مكتبة صيد الفوائد ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# cat: الفرق والردود - مرقم آليا #META# auth: ابن تيمية #META# authno: 54 #META# ndata: شبهات حو51395387ه الحمد. #META# idx: 1 #META# Lng: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي #META# الكتاب: شبهات حول الصحابة ذو النورين عثمان #META# جمع وتعليق: محمد مال الله #META# bkid: 37807 #META# bk: شبهات حول الصحابة ذو النورين عثمان #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ~~وعلى آله وصحبه أجمعين. # وبعد : # أخي القارئ أقدم الجزء الرابع من هذه السلسلة، راجيا من الله تعالى أن ~~ينفعك بها، وأن لا تبخل بالدعاء لمن قام بتأليفها وأيضا لجامعها. # أبو عبد الرحمن # محمد مال الله # شذرات من مناقب عثمان رضي الله عنه # 1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا نخير بين الناس في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي ~~الله عنهم(1). # 2 - عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني أبو موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم ~~خرج، فقلت: لألزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأكونن معه يومي هذا. # قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: خرج ووجه ~~هاهنا، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب - ~~وبابها من جريد - حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فتوضأ، فقمت ~~إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس قفها، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، ~~فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اليوم. فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو ~~بكر. فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن. ~~فقال: ائذن له وبشره بالجنة. # فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك ~~بالجنة. PageV01P001 # فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القف ودلى ~~رجليه في البئر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن ساقيه. # ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا ~~- يريد أخاه - يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن ~~الخطاب. فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله ms01 عليه وسلم فسلمت ~~عليه فقلت: عمر بن الخطاب يستأذن. فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فجئت فقلت: ~~ادخل، وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. # فدخل فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القف عن يساره ودل رجليه ~~في البئر. # ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به، فجاء إنسان يحرك ~~الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت على رسلك. فجئت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ~~تصيبه. فجئت فقلت له: ادخل، وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة على ~~بلوى تصيبك. # فدخل فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاهه من الشق الآخر. # قال شريك بن عبد الله: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم(1). # 3 - عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: # كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل ~~فاستفتح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افتح وبشره بالجنة، ففتحت له، ~~فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله. # ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افتح وبشره بالجنة، ~~ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله. PageV01P002 # ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، ~~فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله ثم قال: الله ~~المستعان(1). # 4 - عن ابن شهاب أخبرني عروة أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن ~~المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، قالا: ما يمنعك أن ~~تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ # فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك. # قال: يا أيها المرء منك - قال معمر: أراه قال: أعوذ بالله منك -. # فانصرفت فرجعت إليهما، إذ جاء رسول عثمان، فأتيته، ms02 فقال: ما نصيحتك؟ # فقلت: إن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه ~~الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فهاجرت الهجرتين، ~~وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت هديه. وقد أكثر الناس في شأن ~~الوليد. # قال: أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ # قلت: لا، ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها. # قال: أما بعد، فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، فكنت ممن ~~استجاب لله ولرسوله، وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين - كما قلت - وصحبت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعته، فوالله ما عصيته ولا غششته حتى ~~توفاه الله. ثم أبو بكر مثله. ثم عمر مثله. ثم استخلفت، أفليس لي من الحق ~~مثل الذي لهم؟ # قلت: بلى. # قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد ~~فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله. ثم دعا عليا فأمره أن يجلده، فجلده ~~ثمانين(2). PageV01P003 # 5 - عن قتادة أن أنسا رضي الله عنه حدثهم، قال: صعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف، فقال: اسكن أحد - أظنه ضربه ~~برجله - فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان(1). # 6 - عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم(2). # 7 - حدثنا عثمان هو ابن موهب قال: # جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ ~~فقالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. # قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ # قال: نعم. # فقال: هل تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ # قال: نعم. # قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ # قال: نعم. # قال: ms03 الله أكبر. # قال ابن عمر: تعال أبين لك: # أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. # وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مريضة، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه. # وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه ~~مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ~~ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد ~~عثمان. فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. # فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك(3). # 8 - عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء وسليمان ابني يسار، وأبى سلمة بن عبد ~~الرحمن، أن عائشة قالت: PageV01P004 # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، ~~فاستأذن أبو بكر، فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن ~~له وهو كذلك، فتحدث ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسوى ثيابه - قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث. فلما خرج ~~قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ~~ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ # فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟(1). # 9 - عن يحيى بن سعيد بن العاص، أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو ~~كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف. # ثم استأذن عمر فأذن له، وهو على تلك الحال، فقضى إليه ثم انصرف. # قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت ~~إليه حاجتي ثم انصرفت. # فقالت عائشة: يا رسول الله ما ms04 لي لم أرك فزعت لأبي بكر، وعمر رضي الله ~~عنهما - كما فزعت لعثمان؟ # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عثمان حيي وإني خشيت إن أذنت له ~~على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته(2). # 10 - عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو ~~وأبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: اهدأ فما عليك إلا نبي، أو صديق أو شهيد(3). # 11 - عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما حصر عثمان، أشرف عليهم فوق داره ~~ثم قال: # أذكركم بالله هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ”اثبت حراء فليس عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد“؟ # قالوا: نعم. PageV01P005 # قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جيش ~~العسرة: ”من ينفق نفقة متقبلة“؟ والناس مجهدون معسرون، فجهزت ذلك الجيش؟ # قالوا: نعم. # ثم قال: أذكركم الله هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن، ~~فابتعتها، فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ # قالوا: اللهم نعم. # وأشياء عدها(1). # 12 - عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بألف دينار - قال الحسن بن رافع: وفي موضع آخر من كتابي: في كمه - حين جهز ~~جيش العسرة فنثرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقلبها في حجره ويقول: # ”ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم“ مرتين(2). # 13 - عن ثمامة بن حزن القشيري، قال: شهدت الدار، حين أشرف عليه عثمان، ~~فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي؟ # قال: فجيء بهما كأنهما جملان، أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان، ~~فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ”من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها ms05 ~~في الجنة“. # فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها، حتى أشرب من ~~ماء البحر! # قالوا: اللهم نعم. # فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # ”من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة“؟ # فاشتريتها من صلب مالي، وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين. # قالوا: اللهم نعم. # قال: أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر، وعمر، وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته ~~بالحضيض، قال: فركضه برجله فقال: PageV01P006 # ”اسكن ثبير فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان“. # قالوا: اللهم نعم. # قال: الله أبكر، شهدوا لي ورب الكعبة: أني شهيد ثلاثا(1). # 14 - عن أبي الأشعث الصنعاني: أن خطباء قامت بالشام وفيهم رجال من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقام آخرهم رجل يقال له: مرة ابن كعب، فقال: لولا ~~حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قمت، وذكر الفتن فقر بها، ~~فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى، فقمت إليه فإذا هو عثمان ~~بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: نعم(2). # 15 - عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # "يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه ~~لهم"(3). # 16 - عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: # أبو بكر، وعمر، وعثمان(4). # 17 - عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال: # "يقتل هذا فيها مظلوما" لعثمان بن عفان رضي الله عنه(5). # 18 - عن قيس، حدثني أبو سهلة قال: قال لي عثمان يوم الدار: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه(6). # 19 - عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن جابان - رجل من بني تميم - وذاك ~~أني قلت له: أرأيت اعتزال الأحنف بن قيس ما كان؟ ms06 قال: سمعت الأحنف يقول: # أتيت المدينة، وأنا حاج، فبينما نحن في منازلنا، نضع رحالنا، إذ أتى آت ~~فقال: قد اجتمع الناس في المسجد، فاطلعت فإذا يعني الناس مجتمعون، وإذا بين ~~أظهرهم نفر قعود، فإذا هو علي بن أبي طالب، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي ~~وقاص - رحمة الله عليهم - فلما قمت عليهم، قيل: هذا عثمان بن عفان قد جاء، ~~قال: فجاء وعليه ملية صفراء. PageV01P007 # فقلت لصاحبي: كما أنت، حتى أنظر ما جاء به. # فقال عثمان: أهاهنا علي؟ أهاهنا الزبير؟ أهاهنا طلحة؟ أهاهنا سعد؟ # قالوا: نعم. # قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # ”من يبتاع مربد بني فلان، غفر الله له“. # فابتعته، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني ابتعت مربد بني ~~فلان، قال: # "فاجعله في مسجدنا، وأجره لك". # قالوا: نعم. # قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # ”من يبتاع بئر رومة غفر الله له“. # فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: قد ابتعت بئر رومة قال: # "فاجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك". # قالوا: نعم. # قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # ”من يجهز جيش العسرة غفر الله له“. # فجهزتهم حتى ما يفقدون عقالا، ولا خطاما. # قالوا: نعم. # قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد(1). # 20 - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عثمان أشرف عليهم حين حصروه، فقال: ~~أنشد بالله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الجبل حين ~~اهتز، فركله برجله وقال: # ”اسكن فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان“ وأنا معه. # فانتشد له رجال ثم قال: أنشد بالله رجلا شهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم بيعة الرضوان يقول: # ”هذه يد الله وهذه يد عثمان“. # فانتشد له رجال ثم قال: أنشد بالله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه ms07 ~~وسلم يوم جيش العسرة يقول: # ”من ينفق نفقة متقبلة“. # فجهزت نصف الجيش من مالي، فانتشد له رجال ثم قال: أنشد بالله رجلا سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # ”من يزيد في هذا المسجد ببيت له في الجنة“. PageV01P008 # فاشتريته من مالي، فانتشد له رجال، ثم قال: أنشد بالله رجلا شهد رومة تباع، ~~فاشتريتها من مالي، فأبحتها لابن السبيل، فانتشد له رجال(1). # 21 - عن كعب بن عجرة، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة ~~فقربها. فمر رجل مقنع رأسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ”هذا، يومئذ على الهدى“. # فوثبت فأخذت بضبعي عثمان، ثم استقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقلت: هذا؟ قال: هذا(2). # 22 - عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ”يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوما، فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك ~~الذي قمصك الله فلا تخلعه“. # يقول ذلك ثلاث مرات. # قال النعمان: فقلت لعائشة: ما منعك أن تعلمي الناس بهذا؟ # قالت: أنسيته(3). # 23 - عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: # ”وددت أن عندي بعض أصحابي“ قلنا: يا رسول الله ألا ندعو لك أبا بكر؟ ~~فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال: ”نعم“ ~~فجاء، فخلا به، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه، ووجه عثمان يتغير. # قال قيس: فحدثني أبو سهلة، مولى عثمان: أن عثمان بن عفان قال يوم الدار: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا، فأنا صائر إليه. # وقال علي في حديثه: وأنا صابر عليه. # قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم(4). PageV01P009 # 24 - عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة بعد ~~طلوع الشمس، فقال رأيت قبيل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما ~~المقاليد فهذه المفاتيح، وأما الموازين، فهذه التي تزنون بها، فوضعت في ~~كفة، ووضعت أمتي في كفة، فوزنت بهم، فرجحت، ثم جيء بأبي بكر، فوزن بهم، ثم ms08 ~~جيء بعمر، فوزن، ثم جيء بعثمان فوزن بهم، ثم رفعت(1). # من أقوال الصحابة في عثمان رضي الله عنهم # 1 - من أقوال علي في عثمان - رضي الله عنه - وقتلته # 1 - عن أبي جعفر الأنصاري، قال: لما دخل على عثمان يوم الدار: خرجت فملأت ~~فروجي(2) مجتازا في المسجد، فإذا رجل قاعد في ظلة النساء عليه عمامة سوداء، ~~وحوله نحو من عشرة، فإذا هو علي. فقال: ما فعل الرجل؟ قلت: قتل: قال: تبا ~~لهم تبا لهم آخر الدهر(3). # 2 - عن قيس بن عباد، قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك ~~من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة ~~فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة(4). وإني لأستحي من ~~الله أن أبايع وعثمان قتيل الأرض لم يدفن بعد. فانصرفوا، فلما دفن رجع ~~الناس يسألونني البيعة. فقلت: اللهم إني لمشفق مما أقدم عليه. ثم جاء عزمة ~~فبايعت، فلما قالوا: أمير المؤمنين فكأن صدع قلبي وانسكبت بعبرة(5). PageV01P010 # 3 - عن ابن عباس قال: أشهد على علي أنه قال في عثمان: ما قتلت، ولا أمرت، ~~ولقد كنت له كارها(1). # 4 - عن ابن عباس قال: سمعت عليا يقول حين قتل عثمان: والله ما قتلت ولا ~~أمرت، ولكن غلبت. يقول ذلك ثلاث مرات(2). # 5 - عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، قال: إن شاء الناس قمت لهم خلف ~~مقام إبراهيم، فحلفت لهم بالله ما قتلت عثمان، ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم ~~فعصوني(3). # 6 - عن علي بن ربيعة الوالبي، قال: قال علي: وددت أن بني أمية رضوا مني ~~بقسامة(4) خمسين رجلا، ما أمرت، ولا قتلت(5). # 7 - عن خليد بن شريك، قال: سمعت علي بن أبي طالب، وهو على منبر الكوفة، ~~يقول: أي بني أمية، من شاء نفلت(6) له يميني بين المقام والركن ما قتلت ~~عثمان ولا شركت في دمه(7). PageV01P011 # 8 - عن أبي صالح، قال: ms09 رأيت علي بن أبي طالب قاعدا في زرارة(1) تحت السدرة، ~~وانحدرت سفينة، فقرأ: { وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام }، والذي ~~أجراها مجراها ما قتلت عثمان، ولا شايعت في قتله، ولا مالأت، ولقد غمني(2). # 9 - عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنا مع ابن الحنفية في الشعب فسمع رجلا ~~ينتقص عثمان، وعنده ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، هل سمعت، أو سمعت، أمير ~~المؤمنين عشية سمع الضجة من قبل المربد فبعث، فقال: نعم عشية بعث - فلان بن ~~فلان، فقال: اذهب فانظر ما هذا الصوت، فجاء، فقال: هذه عائشة تلعن قتلة ~~عثمان والناس يؤمنون. فقال علي: وأنا ألعن قتلة عثمان في السهل والجبل، ~~اللهم العن قتلة عثمان، اللهم العن قتلة عثمان في السهل والجبل. ثم أقبل ~~ابن الحنفية عليه وعلينا فقال: أما في وفي ابن عباس شاهدا عدل؟ قال: قلنا: ~~بلى، قال: قد كان هذا(3). # 10 - عن أبي جعفر قال: سمع علي بن أبي طالب صوتا يوم الجمل تلقاء أم ~~المؤمنين، فقال: انظروا ما يقولون. قال: يهتفون بقتلة عثمان. فقال: اللهم ~~جلل قتلة عثمان خزيا(4). # 11 - عن عمير بن زوذي قال: قال علي بن أبي طالب: لئن لم يدخل الجنة إلا ~~من قتل عثمان لا أدخلها، وإن لم يدخل النار إلا من قتله لا أدخلها. فأكثر ~~الناس في ذلك. # فقال: إنكم قد أكثرتم في وفي عثمان، والله قتله وأنا معه. # قال عباد: يعني قتله الله ويقتلني معه(5). PageV01P012 # 12 - عن أم عمر بنت حسان، قالت سمعت أبي يقول: دخلت مسجد الأكبر، مسجد ~~الكوفة، وعلي بن أبي طالب على المنبر، وهو يخطب، وهو ينادي بأعلى صوته: يا ~~أيها الناس، يا أيها الناس إنكم تكثرون في وفي ابن عفان، وإن مثلي ومثله ~~كما قال الله عز وجل: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين }(1). # 13 - عن قرة العين بنت جون الضبي قالت: كنت عند عبد الله بن أبي سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب، فجاء قنبر فسلم، فقال: لا سلم الله عليك. ms10 فقلت: ~~سبحان الله تقول هذا لمولى عمك؟ قال: إن هذا يأتي إلى أهل العراق فيقول: ~~قال ابن عفان. وأنا سمعت عليا يقول: قاتل الله هؤلاء المفضلي على ابن عفان، ~~والمفضلي ابن عفان علي ما أقل علمهم بالله، والله إني لأرجو أن أكون أنا ~~وابن عفان من الذين قال الله تعالى: {إخوانا على سرر متقابلين}(2). # 14 - عن محمد بن حاطب، عن علي، قال: عثمان منهم، من الذين قال الله ~~تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون }(3). # 15 - عن محمد بن حاطب، قال: كنت مع علي بالبصرة، فلما هدأت الحرب، قلت: ~~يا أمير المؤمنين، ما أرد على قومي إذا سألوني عن قتل هذا الرجل؟ قال: أنا ~~وعثمان مثلما وصف الله في كتابه { ونزعنا ما في صدورهم من غل }. إذا قدمت ~~فأبلغهم أن عثمان من الذي آمنوا ثم اتقوا، ثم آمنوا ثم اتقوا، ثم آمنوا ثم ~~اتقوا، وعلى ربهم يتوكلون(4). PageV01P013 # 16 - عن رافع بن خديج، قال: قال علي: دخلت على بناتي وهن يبكين، فقلت: ما ~~يبكيكين؟ فقلن: لانقطاعنا من أرضنا، ولموت - أو لقتل - ابن عفان. فقال: إني ~~لأرجو أن أكون أنا وابن عفان ممن قال الله: { ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~إخوانا على سرر متقابلين }(1). # 17 - عن يوسف بن سعد مولى عثمان بن مظعون قال: قال لي ابن حاطب: لو شهدت ~~اليوم شهدت عجبا، قال: قلت: ما هو؟ قال: فإن عليا وعمارا ومالكا وصعصعة ~~اجتمعوا في دار نافع فذكروا عثمان، فقال علي يا أبا اليقظان(2) لقد سبق في ~~عثمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم سوابق لا يعذبه الله بعدها أبدا(3). # 18 - عن مطرف بن عبد الله قال: لقيني علي فقال: أحب عثمان شغلك؟ قال: ~~فسكت لما معه من الناس، فلما رأيت منه خلوة أقبل نحوي، فقلت: أنا أحق ~~بالسرعة إليك، قال: فحركت، فقال: إن تفعل فإنه كان أتقانا للرب وأوصانا ~~للرحم(4). # 19 - عن عمير بن زوذي قال: خطب علي عليه السلام، فقطعوا خطبته، فنزل ~~فدخل، فقال: # إنما ms11 مثلي ومثل عثمان مثل ثلاثة أثوار كن في غيضة، أبيض، وأحمر، وأسود، ~~معهم فيها أسد، كان كلما أراد واحد منهم اجتمعن عليه، فلم يطقهم، فقال ~~للأسود والأحمر: إن هذا الأبيض يفضحنا في غيضتنا، يرى بياضه خليا عنه كيما ~~آكله، ثم أكون أنا وأنتما، فلوني على لونكما، وألوانكما على لوني. قال: ~~فخليا عنه، فلم يلبث أن أكله. PageV01P014 # قال: ثم كان كلما أراد واحدا منهما اجتمعا عليه، فلم يطقهما، فقال للأحمر: ~~إن هذا الأسود يفضحنا في غيضتنا، يرى سواده، فخل عني كيما آكله، ثم أكون ~~أنا وأنت، فلوني على لونك ولونك على لوني. قال: فتركه، فلم يبلث أن أكله. ~~قال: فلبث، ثم قال يا أحمر، إني آكلك، قال: تأكلني؟ قال: نعم. قال: فخل عني ~~أصوات ثلاثة أصوات. قال: ثم قال: ألا إني إنما أكلت يوم أكل الأبيض، ألا ~~إنما أكلت يوم أكل الأبيض، ألا إنما أكلت يوم أكل الأبيض. # قال: ثم قال علي: وأنا إنما وهنت يوم قتل عثمان. قال ذلك ثلاثا: ألا وإني ~~وهنت يوم قتل عثمان، ألا وإني وهنت يوم قتل عثمان(1). # 20 - عن أبي إسحاق قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب: إن عثمان في النار، ~~قال: ومن أين علمت؟ قال: لأنه أحدث أحداثا، فقال له علي: أتراك لو كانت لك ~~بنت أكنت تزوجها حتى تستشير؟ قال: لا: أفرأي هو خير من رأي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لابنتيه؟ وأخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم، أكان إذا ~~أراد أمرا يستخير الله أو لا يستخيره؟ قال: لا، بل كان يستخيره. قال: أفكان ~~الله عز وجل يخير له أم لا؟ قال: بل كان يخير له. قال: فأخبرني عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أخار الله له في تزويجه أم لم يخر له؟ قال: ثم ~~قال له: لقد تجردت لك لأضرب عنقك، فأبى الله ذلك، أما والله لو قلت غير ذلك ~~ضربت عنقك(2). PageV01P015 # 21 - عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: أيها ms12 ~~الناس! الله الله، إياكم والغلو في عثمان وقولكم: حراق المصاحف، فوالله ما ~~أحرقها إلا عن ملأ منا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، جمعنا فقال: ما ~~تقولون في هذه القراءة التي قد اختلف فيها الناس، يلقي الرجل الرجل فيقول: ~~قراءتي خير من قراءتك، وقراءتي أفضل من قراءتك، وهذه شبيه بالكفر، فقلنا: ~~ما الرأي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أرى أن أجمع الناس على مصحف واحد، فإنكم ~~إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا. فقلنا: نعم ما رأيت، فأرسل إلى ~~زيد بن ثابت وسعيد بن العاص، فقال: يكتب أحدكما، ويملي الآخر، فإذا ~~اختلفتما في شيء فارفعاه إلي، فكتب أحدكما وأمل الآخر، فما اختلفا في شيء ~~من كتاب الله إلا في سورة البقرة، فقال أحدهما: التابوه بالهاء، وقال ~~الآخر: التابوت بالتاء، فرفعاه إلى عثمان - رضي الله عنه -، فقال: التابوت. # قال: قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: والله لو وليت مثل الذي ولي ~~لصنعت مثل الذي صنع. # قال: فقال القوم لسويد: الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا من علي؟ قال: ~~الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا من علي - رضي الله عنه -(1). # 2 - من أقوال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في عثمان وقتلته # 1 - عن ابن سيرين قال: قالت عائشة: مصصتموه مص الإناء ثم قتلتموه(2). # 2 - عن أبي خالد الوالبي، قال: قالت عائشة: استتابوه حتى تركوه كالثوب ~~الرحيض ثم قتلوه(3). # 3 - عن مسروق قال: قالت عائشة حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من ~~الدنس ثم قتلتموه. PageV01P016 # فقلت: هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج إليه. # قالت: والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوداء في ~~بيضاء حتى جلست مجلسي هذا. # قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب عنها وهي لا تعلم(1). # 4 - عن جبير بن نفير، عن عائشة قالت: # كان الناس يختلفون إلي في عتب عثمان، ولا أرى إلا أنها معاتبة، وأما ~~الدم، فأعوذ بالله من دمه، فوالله لوددت أني عشت في الدنيا برصاء سالخ ms13 وإني ~~لم أذكر عثمان بكلمة قط. وأيم الله لأصبع عثمان التي يشير بها إلى الأرض ~~بها خير من طلاع الأرض مثل فلان(2). # 5 - عن طلق بن خشاف، قال: قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم نسألهم عن قتله، فسمعت عائشة قالت: قتل مظلوما، لعن الله ~~قتلته(3). # 3 - ابن عباس رضي الله عنه # 1 - عن زهدم الجرمي قال: # خطب ابن عباس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من ~~السماء(4). # 2 - عن زياد بن أبي مليح عن أبيه عن ابن عباس قال: # لو أجمع الناس على قتل عثمان لرموا بالحجارة كما رمي قوم لوط(5). # 3 - عن ابن عمر قال: لقيت ابن عباس، وكان خليفة عثمان عام قتل على الموسم ~~فأخبرته بقتله، فعظم أمره، وقال: والله إنه لمن الذين يأمرون بالقسط. ~~فتمنيت أن أكون قتلت يومئذ(6). PageV01P017 # 4 - عن زهدم الجرمي قال: كنت في سمر ابن عباس، فقال: لأحدثكم حديثا ليس بسر ~~ولا علانية: إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان - يعني عثمان - قلت لعلي: ~~اعتزل هذا الأمر، فوالله لو كنت في مجر لأتاك الناس حتى يبايعوك. فعصاني، ~~وايم الله ليتأمرن عليه معاوية، وذلك بأن الله يقول: { ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا }(1). # 5 - عن ابن عباس قال: لما قتل عثمان بن عفان رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في منامي، فمر بي فسلم علي، فقلت: حبيبي رسول الله ألا تقف حتى ~~أشتف منك بالنظر؟ قال: إني مستعجل، إن أبي إبراهيم وأخي موسى منتظرون لي ~~زفاف عثمان الليلة(2). # 4 - حذيفة بن اليمان رضي الله عنه # 1 - عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن ~~الدجال(3). # 2 - عن زيد بن وهب عن حذيفة قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج ~~الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان ~~إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن ms14 لم يدركه، آمن به في قبره(4). # 3 - عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال: اللهم إن كان قتل عثمان بن ~~عفان خيرا. فليس لي فيه نصيب، وإن كان قتله شرا فأنا منه بريء، والله لئن ~~كان قتله خيرا ليحلبنه لبنا، وإن كان قتله شرا ليمتص به دما(5). PageV01P018 # 4 - عن أبي عبد الله الحراني أن حذيفة بن اليمان في مرضه الذي هلك فيه كان ~~عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته، ففتح عينيه، فسألهما فقالا خيرا، ~~قال: شيئا تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجل - يعني عثمان - قال: ~~فاسترجع ثم قال: اللهم إني كنت من هذا الأمر بمعزل، فإن كان خيرا فهو لمن ~~حضره، وأنا منه بريء، وإن كان شرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، اليوم تغيرت ~~القلوب يا عثمان، الحمد لله الذي سبق بي الفتن، قادتها وعلوجها الخطى، ومن ~~تردى بغيره فشبع شحما وقبل عمله(1). # 5 - عبد الله بن عمر رضي الله عنهما # 1 - عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر ~~محاسن عمله. قال: لعل ذاك يسؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله عز وجل بأنفك. ~~قال: ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله، ثم قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: لعل ذاك يسؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم ~~الله بأنفك، انطلق فاجهد علي جهدك(2). # 2 - عن العلاء بن عرار قال: أتيت ابن عمر، فقلت: إني أريد أن أسألك عن ~~رجلين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اختلف الناس علينا فيهم. قال: من ~~هما؟ قلت: علي وعثمان. فقال: أما علي فهذه داره والله. وأما عثمان فأذنب ~~ذنبا فيما بينه وبين الله، ذنبا عظيما، فعفا الله عنه، وأذنب فيما بينكم ~~وبينه ذنبا صغيرا فعمدتم إليه فقتلتموه(3). # 3 - عن أبي حازم قال: كنت عند عبد الله بن عمر بن الخطاب، فذكر عثمان، ~~فذكر فضله ومناقبه وقرابته حتى تركه أنقى من الزجاجة، ثم ذكر علي بن ms15 أبي ~~طالب، فذكر فضله وسابقته وقرابته حتى تركه أنقى من الزجاجة، ثم قال: من ~~أراد أن يذكر هذين فليذكرهما هكذا، أو فليدع(4). PageV01P019 # 4 - عن عبد الله بن بابيه قال: كنت مع ابن عمر فجاءه رجل سأله عن علي ~~وعثمان دفعه حتى تباعد الرجل، فقال: ما حملك على هذا؟ سألتني عن رجلين ~~كلاهما كنت أجله وأعظمه، أفتراني أمدح أحدهما وأذم الآخر(1). # 6 - سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه # عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، سمعت أباها يقول: # ألا لعن الله من لعن عليا، ألا لعن الله من لعن عثمان، إنهما الفئتان ~~التي قال الله: { حتى تفيء إلى أمر الله }(2). # 7 - أنس بن مالك رضي الله عنه # 1 - عن حميد الطويل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: يقولون: لا يجتمع حب علي ~~وعثمان في قلب مؤمن. وكذبوا، والله الذي لا إله إلا هو لقد اجتمع حبهما في ~~قلوبنا(3). # 2 - عن حميد الطويل قال: ذكر عند أنس بن مالك أنه لا يجتمع حب علي وعثمان ~~في قلب عبد أبدا. فقال أنس: كذبوا والله، إنا نحب عليا ونحب عثمان(4). # 3 - عن حميد الطويل قال: قلت لأنس بن مالك: يدعي ناس أن حب علي وعثمان لا ~~يجتمعان في قلب واحد. فقال: كذبوا والله، لقد جمع الله حبهم في قلوبنا(5). # 8 - سعيد بن زيد رضي الله عنه # عن قيس بن أبي حازم عن سعيد بن زيد قال: # لقد رأيتني وإن عمر موثقي وأخته على الإسلام، ولو ارفض أحد فيما صنعتم ~~بابن عفان كان حقيقا(6). # 9 - أبو موسى الأشعري رضي الله عنه # عن قتادة عن أبي موسى الأشعري قال: # لو كان قتل هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة ~~دما(7). # 10 - ثمامة بن عدي رضي الله عنه # عن أبي قلابة قال: PageV01P020 # لما بلغ ثمامة بن عدي قتل عثمان، وكان أميرا على صنعاء، وكانت له صحبة، بكى ~~فطال بكاؤه، ثم قال: # هذا حين انتزعت خلافة النبوة من أمة محمد، فصار ملكا وجبرية، ms16 من غلب على ~~شيء أكله(1). # 11 - أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه # عن أبي الأسود قال: سمعت أبا بكرة يقول: # لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أشرك في دم عثمان(2). # 12 - سمرة بن جندب رضي الله عنه # 1 - عن الحسن عن سمرة قال: # إن الإسلام كان في حصن حصين، وإنهم ثلموا في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان، ~~وإنهم شرطوا شرطة، وإنهم لن يسدوا ثلمتهم - أو لا يسدونها - إلى يوم ~~القيامة، وإن أهل المدينة كانت فيهم الخلافة، فأخرجوها ولم تعد فيهم(3). # " شبهات الشيعة الرافضة حول عثمان رضي الله عنه " PageV01P021 # قال الرافضي: "وأما عثمان؛ فإنه ولى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية، حتى ~~ظهر من بعضهم الفسوق، ومن بعضهم الخيانة، وقسم الولايات بين أقاربه، وعوتب ~~على ذلك مرارا فلم يرجع، واستعمل الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخمر، ~~وصلى بالناس وهو سكران. واستعمل سعيد بن العاص على الكوفة، وظهر منه ما أدى ~~إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها. وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر حتى ~~تظلم منه أهلها، وكاتبه أن يستمر على ولايته سرا، خلاف ما كتب إليه جهرا، ~~وأمر بقتل محمد بن أبي بكر. وولى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدث. ~~وولى عبد الله بن عامر(1) البصرة ففعل من المناكير ما فعل. وولى مروان ~~أمره، وألقى إليه مقاليد أموره، ودفع إليه خاتمه، فحدث من ذلك قتل عثمان، ~~وحدث من الفتنة بين الأمة ما حدث. وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت ~~المال، حتى أنه دفع إلى أربعة نفر من قريش - زوجهم بناته - أربعمائة ألف ~~دينار، ودفع إلى مروا ألف ألف دينار. وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفره، ~~ولما حكم ضربه حتى مات. وضرب عمارا حتى صار به فتق. وقد قال فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم: عمار جلدة بين عيني تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله ~~شفاعتي يوم القيامة. وكان عمار يطعن عليه. وطرد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms17 الحكم بن أبي العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو ~~- وابنه - طريدا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. فلما ولي ~~عثمان آواه ورده إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره، مع أن الله ~~تعالى قال: { لا تجد قوما PageV01P022 ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم } [المجادلة: 22]. ونفى أبا ذر إلى الربذة، وضربه ضربا وجيعا، مع ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حقه: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء ~~على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. وقال: إن الله أوحى إلي أنه يحب أربعة من ~~أصحابي وأمرني بحبهم. فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: سيدهم علي وسلمان ~~والمقداد وأبو ذر. وضيع حدود الله فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل ~~الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين يطلب عبيد ~~الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطل حد الشرب في الوليد ~~بن عقبة حتى حده أمير المؤمنين، وقال: لا يبطل حد الله وأنا حاضر. وزاد ~~الأذان الثاني يوم الجمعة، وهو بدعة، وصار سنة إلى الآن. وخالفه المسلمون ~~كلهم حتى قتل، وعابوا أفعاله، وقالوا له: غبت عن بدر، وهربت يوم أحد، ولم ~~تشهد بيعة الرضوان. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى". # والجواب: أن يقال: نواب علي خانوه وعصوه أكثر مما خان عمال عثمان له ~~وعصوه. وقد صنف الناس كتبا فيمن ولاه علي فأخذ المال وخانه، وفيمن تركه ~~وذهب إلى معاوية. وقد ولى علي رضي الله عنه زياد بن أبي سفيان أبا عبيد ~~الله بن زياد قاتل الحسين، وولى الأشتر النخعي وولى محمد بن أبي بكر وأمثال هؤلاء. # ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان خيرا من هؤلاء كلهم. PageV01P023 # ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدعن أن عليا كان أبلغ فيه من ~~عثمان، فيقولون: إن عثمان ولى أقاربه من بني أمية. ومعلوم أن ms18 عليا ولى ~~أقاربه من قبل أبيه وأمه، كعبد الله وعبيد الله ابني العباس. فولى عبيد ~~الله بن عباس على اليمن، وولى على مكة والطائف قثم بن العباس وأما المدينة ~~فقيل إنه ولى عليها سهل بن حنيف. وقيل: ثمامة بن العباس. وأما البصرة فولى ~~عليها عبد الله بن عباس(1). وولى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه ~~في حجره. # ثم إن الإمامية تدعي أن عليا نص على أولاده في الخلافة، أو على ولده، ~~وولده على ولده الآخر، وهلم جرا. # ومن المعلوم أنه إن كان تولية الأقربين منكرا، فتولية الخلافة العظمى ~~أعظم من إمارة بعض الأعمال، وتولية الأولاد أقرب إلى الإنكار من تولية بني ~~العم. ولهذا كان الوكيل والولي الذي لا يشتري لنفسه لا يشتري لابنه أيضا في ~~أحد قولي العلماء، والذي دفع إليه المال ليعطيه لمن يشاء لا يأخذه لنفسه ~~ولا يعطيه لولده في أحد قوليهم. # وكذلك تنازعوا في الخلافة: هل للخليفة أن يوصي بها لولده؟ على قولين. ~~والشهادة لابنه مردودة عن أكثر العلماء. ولا ترد الشهادة لبني عمه. وهكذا ~~غير ذلك من الأحكام. PageV01P024 # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”أنت ومالك لأبيك“(1) وقال: ”ليس ~~لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهبه لولده“(2). # فإن قالوا: إن عليا رضي الله عنه فعل ذلك بالنص. # قيل أولا: نحن نعتقد أن عليا خليفة راشد، وكذلك عثمان. لكن قبل أن نعلم ~~حجة كل منهما فيما فعل، فلا ريب من تطرق الظنون والتهم إلى ما فعله علي ~~أعظم من تطرق التهم والظنون إلى ما فعله عثمان. # وإذا قال القائل: لعلي حجة فيما فعله. PageV01P025 # قيل له: وحجة عثمان فيما فعله أعظم. وإذا ادعي لعلي العصمة ونحوها مما يقطع ~~عنه ألسنة الطاعنين، كان ما يدعى لعثمان من الاجتهاد الذي يقطع ألسنة ~~الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول. # فإن الرافضي يجيء إلى أشخاص ظهر بصريح المعقول وصحيح المنقول أن بعضهم ~~أكمل سيرة من بعض، فيجعل الفاضل مذموما مستحقا للقدح، ويجعل المفضول معصوما ~~مستحقا للمدح، ms19 كما فعلت النصارى: يجيئون إلى الأنبياء صلوات الله عليهم، ~~وقد فضل الله بعضهم على بعض، فيجعلون المفضول إلها والفاضل منقوصا دون ~~الحواريين الذين صحبوا المسيح، فيكون ذلك قلبا للحقائق. وأعجب من ذلك أنهم ~~يجعلون الحواريين الذين ليسوا أنبياء معصومين من الخطأ، ويقدحون في بعض ~~الأنبياء كسليمان وغيره. # ومعلوم أن إبراهيم ومحمدا أفضل من نفس المسيح صلوات الله وسلامه عليهم ~~بالدلائل الكثيرة، بل وكذلك موسى. فكيف يجعل الذين صحبوا المسيح أفضل من ~~إبراهيم ومحمد؟ # وهذا من الجهل والغلو الذي نهاهم الله عنه. قال تعالى: { يا أهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } [النساء: 171]. # وكذلك الرافضة موصوفون بالغلو عند الأمة، فإن فيهم من ادعى الإلهية في علي(1) PageV01P026 ~~. وهؤلاء شر من النصارى، وفيهم من ادعى النبوة فيه. ومن أثبت نبيا بعد محمد ~~فهو شبيه بأتباع مسيلمة الكذاب وأمثاله من المتنبئين، إلا أن عليا رضي الله ~~عنه بريء من هذه الدعوة، بخلاف من ادعى النبوة لنفسه كمسيلمة وأمثاله. # وهؤلاء الإمامية يدعون ثبوت إمامته بالنص، وأنه كان معصوما هو وكثير من ~~ذريته، وأن القوم ظلموه وغصبوه. # ودعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة. فإن المعصوم يجب اتباعه في كل ما ~~يقول، لا يجوز أن يخالف في شيء. وهذه خاصة الأنبياء، ولهذا أمرنا أن نؤمن ~~بما أنزل إليهم فقال تعالى: { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } [البقرة: 136]، ~~فأمرنا أن نقول: آمنا بما أوتي النبيون. # وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملآئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285]. # وقال تعالى: { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملآئكة والكتاب ~~والنبيين } [البقرة: 177]. # فالإيمان بما جاء به النبيون مما أمرنا ms20 أن نقوله ونؤمن به. وهذا مما اتفق ~~عليه المسلمون: أنه يجب الإيمان بكل نبي، ومن كفر بنبي واحد فهو كافر، ومن ~~سبه وجب قتله باتفاق العلماء. # وليس كذلك من سوى الأنبياء، سواء سموا أولياء أو أئمة أو حكماء، أو علماء ~~أو غير ذلك. فمن جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه ~~معنى النبوة، وإن لم يعطه لفظها. PageV01P027 # ويقال لهذا: ما الفرق بين هذا وبين أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا مأمورين ~~باتباع شريعة التوراة؟ # وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك. ويقولون: الشيخ ~~محفوظ، ويأمرون باتباع الشيخ في كل ما يفعل، لا يخالف في شيء أصلا. وهذا من ~~جنس غلو الرافضة والنصارى والإسماعيلية: تدعي في أئمتها أنهم كانوا ~~معصومين. # وأصحاب ابن تومرت(1) PageV01P028 ~~الذي ادعى أنه المهدي يقولون: إنه معصوم، ويقولون في خطبة الجمعة: الإمام ~~المعصوم والمهدي المعلوم، ويقال: إنهم قتلوا بعض من أنكر أن يكون معصوما. # ومعلوم أن كل هذه الأقوال مخالفة لدين الإسلام: للكتاب والسنة وإجماع سلف ~~الأمة وأئمتها. فإن الله تعالى يقول: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } الآية [النساء: ~~59]، فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصا ~~معصوما غير الرسول، أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لا يقول عنده إلا ~~الحق كالرسول. وهذا خلاف القرآن. # وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد. ~~والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة. قال تعالى: { ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا } [النساء: 69]. وقال: { ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } [الجن: 23] فدل القرآن في غير موضع على ~~أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر. # ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، ~~فالرسول صلى ms21 الله عليه وسلم هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، ~~وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، والهدى ~~والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقي وسعيد، فمن اتبعه ~~فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي. وليست هذه المرتبة لغيره. PageV01P029 # ولهذا اتفق أهل العلم - أهل الكتاب والسنة - على أن كل شخص سوى الرسول فإنه ~~يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يجب تصديقه في ~~كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن ~~هو إلا وحي يوحى، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال تعالى: { ~~فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]. # وهو الذي يمتحن به الناس في قبورهم، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن ~~نبيك؟ ويقال: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به ~~واتبعناه. ولو ذكر بدل الرسول من ذكره من الصحابة والأئمة والتابعين ~~والعلماء لم ينفعه ذلك، ولا يمتحن في قبره بشخص غير الرسول. # والمقصود هنا أن ما يعتذر به عن علي فيما أنكر عليه يعتذر بأقوى منه عن ~~عثمان، فإن عليا قاتل على الولاية، وقتل بسبب ذلك خلق كثير عظيم، ولم يحصل ~~في ولايته لا قتال للكفار، ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة ~~خير، وقد ولى من أقاربه من ولاه، فولاية الأقارب مشتركة، ونواب عثمان كانوا ~~أطوع من نواب علي وأبعد عن الشر. # وأما الأموال التي تأول فيها عثمان، فكما تأول علي في الدماء. وأمر ~~الدماء أخطر وأعظم. # ويقال ثانيا: هذا النص الذي تدعونه أنتم فيه مختلفون اختلافا يوجب العلم ~~الضروري بأنه ليس عندكم ما يعتمد عليه فيه، بل كل قوم منكم يفترون ما شاءوا. # وأيضا فجماهير المسلمين يقولون: إنا نعلم علما يقينا، بل ضروريا، كذب هذا ~~النص، بطرق كثيرة مبسوطة في مواضعها. PageV01P030 # ويقال ثالثا: إذا كان ms22 كذلك ظهرت حجة عثمان؛ فإن عثمان يقول: إن بني أمية ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده من لا ~~يتهم بقرابة: فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه. ولا ~~نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ~~بني عبد شمس، لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرف وسؤدد، فاستعمل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في عزة الإسلام على أفضل الأرض: "مكة" عتاب بن أسيد بن أبي ~~العاص بن أمية، واستعمل على نجران أبا سفيان بن حرب بن أمية، واستعمل أيضا ~~خالد بن سعيد بن العاص على صدقات بني مذحج وعلى صنعاء اليمن، فلم يزل عليها ~~حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعمل عثمان بن سعيد بن العاص على ~~تيماء وخيبر وقرى عرينة، واستعمل أبان بن سعيد بن العاص على بعض السرايا، ~~ثم استعمله على البحرين فلم يزل عليها بعد العلاء بن الحضرمي حتى توفي ~~النبي صلى الله عليه وسلم، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط حتى أنزل ~~الله فيه: { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة }... الآية ~~[الحجرات: 6]. # فيقول عثمان: أنا لم استعمل إلا من استعمله النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهم ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، فقد ولى أبو بكر ~~يزيد بن أبي سفيان بن حرب في فتوح الشام، وأقره عمر، ثم ولى عمر بعده أخاه ~~معاوية. # وهذا النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في استعمال هؤلاء ثابت مشهور ~~عنه، بل متواتر عند أهل العلم، ومنه متواتر عند علماء الحديث، ومنه ما ~~يعرفه العلماء منهم، ولا ينكره أحد منهم. PageV01P031 # فكان الاحتجاج على جواز الاستعمال من بني أمية بالنص الثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أظهر عند كل عاقل من دعوى كون الخلافة في واحد معين من بني ~~هاشم بالنص، لأن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالنقل، وذاك صدق باتفاق أهل ~~العلم بالنقل. # وأما ms23 بنو هاشم فلم يستعمل النبي صلى الله عليه وسلم منهم إلا علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه على اليمن. وولى أيضا على اليمن معاذ بن جبل وأبا موسى ~~الأشعري، وولى جعفر بن أبي طالب على قتال مؤتة، وولى قبل جعفر زيد بن حارثة ~~مولاه، وقيل: عبد الله بن رواحة. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ~~في الولاية زيد بن حارثة مولاه، وهو من كلب، على جعفر بن أبي طالب. وقد روى ~~أن العباس سأله ولاية فلم يوله إياها. # وليس في بني هاشم بعد علي أفضل من حمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث بن المطلب ~~الذي قتل يوم بدر، فحمزة لم يتول شيئا، فإنه قتل يوم أحد شهيدا رضي الله عنه. # وما ينقله بعض الترك، بل وشيوخهم، من سيرة حمزة ويتداولونها بينهم، ~~ويذكرون له حروبا وحصارات وغير ذلك، فكله كذب، من جنس ما يذكره الذاكرون من ~~الغزوات المكذوبة على علي بن أبي طالب، بل وعلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~من جنس ما يذكره أبو الحسن البكري صاحب "تنقلات الأنوار" فيما وضعه من ~~السيرة(1)، فإنه من جنس ما يفتريه الكذابون من سيرة داهمة والبطالين ~~والعيارين ونحو ذلك. PageV01P032 # فإن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفة مضبوطة عند أهل العمل، ~~وكانت بضعا وعشرين غزوة، لكن لم يكن القتال منها إلا في تسع مغاز: بدر، ~~وأحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وحنين، ~~والطائف، وهي آخر غزوات القتال. لكن لما حاصر الطائف، وكان بعدها غزوة ~~تبوك، وهي آخر المغازي وأكثرها عددا وأشقها على الناس، وفيها أنزل الله ~~سورة براءة، لكن لم يكن فيها قتال. # وما يذكره جهال الحجاج من حصار تبوك كذب لا أصل له، فلم يكن بتبوك حصن ~~ولا مقاتلة. وقد أقام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين ليلة، ثم رجع ~~إلى المدينة النبوية. # وإذا كان جعفر أفضل بني هاشم بعد علي في حياته، ثم مع هذا أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم زيد بن ms24 حارثة - وهو من كلب - عليه، علم أن التقديم بفضيلة ~~الإيمان والتقوى، وبحسب أمور أخر، بحسب المصلحة لا بالنسب. ولهذا قدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر على أقاربه، لأنه رسول الله يأمر بأمر ~~الله، ليس من الملوك الذين يقدمون بأهوائهم لأقاربهم ومواليهم وأصدقائهم. ~~وكذلك كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما حتى قال عمر: "من أمر رجلا لقرابة ~~أو صداقة بينهما، وهو يجد في المسلمين خيرا منه، فقد خان الله ورسوله وخان ~~المؤمنين". # والقاعدة الكلية في هذا أن لا نعتقد أن أحدا معصوم بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ، والذنوب التي تقع ~~منهم قد يتوبون منها، وقد تكفر عنهم بحسناتهم الكثيرة، وقد يبتلون أيضا ~~بمصائب يكفر الله عنهم بها، وقد يكفر عنهم بغير ذلك. # فكل ما ينقل عن عثمان غايته أن يكون ذنبا أو خطا. وعثمان رضي الله عنه قد ~~حصلت له أسباب المغفرة من وجوه كثيرة، منها سابقته وإيمانه وجهاده وغير ذلك ~~من طاعاته. PageV01P033 # وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له، بل بشره بالجنة على بلوى ~~تصيبه(1). # ومنها أنه تاب من عامة ما أنكروه عليه، وأنه ابتلي ببلاء عظيم، فكفر الله ~~به خطاياه، وصبر حتى قتل شهيدا مظلوما. وهذا من أعظم ما يكفر الله به ~~الخطايا. # وكذلك علي رضي الله عنه: ما تنكره الخوارج وغيرهم عليه غايته أن يكون ~~ذنبا أو خطأ، وكان قد حصلت له أسباب المغفرة من وجوه كثيرة. منها سابقته ~~وإيمانه وجهاده، وغير ذلك من طاعته، وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له ~~بالجنة. ومنها أنه تاب من أمور كثيرة أنكرت عليه وندم عليها، ومنها أنه قتل ~~مظلوما شهيدا. # فهذه القاعدة تغنينا أن نجعل كل ما فعل واحد منهم هو الواجب أو المستحب ~~من غير حاجة بنا إلى ذلك. والناس المنحرفون في هذا الباب صنفان: القادحون ~~الذين يقدحون في الشخص بما يغفره الله له. والمادحون الذين يجعلون الأمور ~~المغفورة من باب السعي المشكور. فهذا ms25 يغلو في الشخص الواحد حتى يجعل سيئاته ~~حسنات. وذلك يجفو فيه حتى يجعل السيئة الواحدة منه محبطة للحسنات. PageV01P034 # وقد أجمع المسلمون كلهم - حتى الخوارج - على أن الذنوب تمحى بالتوبة، وأن ~~منها ما يمحى بالحسنات. وما يمكن أحد أن يقول: إن عثمان أو عليا أو غيرهما ~~لم يتوبوا من ذنوبهم. فهذه حجة على الخوارج الذين يكفرون عثمان وعليا، وعلى ~~الشيعة الذين يقدحون في عثمان وغيره، وعلى الناصبة الذين يخصون عليا ~~بالقدح. # ولا ريب أن عثمان رضي الله عنه تقابلت فيه طائفتان: شيعته من بني أمية ~~وغيرهم، ومبغضوه من الخوارج والزيدية والإمامية وغيرهم. # لكن شيعته أقل غلوا فيه من شيعة علي، فما بلغنا أن أحدا منهم اعتقد فيه ~~بخصوصه إلاهية ولا نبوة، ولا بلغنا أن أحدا اعتقد ذلك في أبي بكر وعمر. # لكن قد يكون بعض من يغلو في جنس المشايخ، ويعتقد فيهم الحلول أو الاتحاد ~~أو العصمة، يقول ذلك في هؤلاء، لكن لا يخصهم بذلك. # ولكن شيعة عثمان، الذين كان فيهم انحراف عن علي، كان كثير منهم يعتقد أن ~~الله إذا استخلف خليفة يقبل منه الحسنات ويتجاوز له عن السيئات، وأنه يجب ~~طاعته في كل ما يأمر به. وهو مذهب كثير من شيوخ الشيعة العثمانية وعلمائها. PageV01P035 # ولهذا لما حج سليمان بن عبد الملك، وتكلم مع أبي حازم في ذلك، قال له أبو ~~حازم: يا أمير المؤمنين؛ إن الله تعالى يقول: { يا داوود إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } [سورة ص: ~~26]. وموعظة أبي حازم لسليمان معروفة(1). # ولما تولى عمر بن عبد العزيز أظهر من السنة والعدل ما كان قد خفي، ثم ~~مات، فطلب يزيد بن عبد الملك أن يسير سيرته، فجاء إليه عشرون شيخا من شيوخ ~~الشيعة العثمانية، فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو أن الله إذا استخلف ~~خليفة تقبل منه الحسنات وتجاوز له عن السيئات، حتى ms26 أمسك عن مثل طريقة عمر ~~بن عبد العزيز. # ولهذا كانت فيهم طاعة مطلقة لمتولي أمرهم، فإنهم كانوا يرون أن الله أوجب ~~عليهم طاعة ولي أمرهم مطلقا، وأن الله لا يؤاخذه على سيئاته، ولم يبلغنا أن ~~أحدا منهم كان يعتقد فيهم أنهم معصومون، بل يقولون: إنهم لا يؤاخذون على ~~ذنب، كأنهم يرون أن سيئات الولاة مكفرة بحسناتهم، كما تكفر الصغائر باجتناب ~~الكبائر. # فهؤلاء إذا كانوا لا يرون خلفاء بني أمية، معاوية فمن بعده، مؤاخذين ~~بذنب، فكيف يقولون في عثمان - مع سابقته وفضله وحسن سيرته وعدله، وأنه من ~~الخلفاء الراشدين؟ PageV01P036 # وأما الخوارج، فأولئك يكفرون عثمان وعليا جميعا. ولم يكن لهم اختصاص بذم ~~عثمان. وأما شيعة علي فكثير منهم - أو أكثرهم يذم عثمان، حتى الزيدية الذين ~~يترحمون على أبي بكر وعمر، فيهم من يسب عثمان ويذمه، وخيارهم الذي يسكت عنه ~~فلا يترحم عليه ولا يلعنه. # وقد كان من شيعة عثمان من يسب عليا، ويجهر بذلك على المنابر وغيرها، لأجل ~~القتال الذي كان بينهم وبينه. وكان أهل السنة من جميع الطوائف تنكر ذلك ~~عليهم، وكان فيهم من يؤخر الصلاة عن وقتها، فكان المتمسك بالسنة يظهر محبة ~~علي وموالاته، ويحافظ على الصلاة في مواقيتها. حتى رئي عمرو بن مرة الجملي، ~~وهو من خيار أهل الكوفة: شيخ الثوري وغيره، بعد موته، فقيل له: ما فعل الله ~~بك؟ فقال: غفر لي بحب علي بن أبي طالب، ومحافظتي على الصلاة في مواقيتها. # وغلت شيعة علي في الجانب الآخر، حتى صاروا يصلون العصر مع الظهر دائما ~~قبل وقتها الخاص، ويصلون العشاء مع المغرب دائما قبل وقتها الخاص، فيجمعون ~~بين الصلاتين دائما في وقت الأولى. وهذا خلاف المتواتر من سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإن الجمع إنما كان يفعله لسبب، لا سيما الجمع في وقت ~~الأولى، فإن الذي تواتر عند الأئمة أنه فعله بعرفة. وأما ما فعله بغيرها ~~ففيه نزاع. ولا خلاف أنه لم يكن يفعله دائما لا في الحضر ولا في السفر، بل ~~في حجة الوداع لم ms27 يجمع إلا بعرفة ومزدلفة. ولكن روي عنه الجمع في غزوة ~~تبوك. وروي أيضا أنه جمع بالمدينة، لكن نادرا لسبب. والغالب عليه ترك ~~الجمع. فكيف يجمع بين الصلاتين دائما؟ # وأولئك إذا كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، فهو خير من تقديم العصر ~~إلى وقت الظهر. فإن جمع التأخير خير من جمع التقديم. فإن الصلاة يفعلها ~~النائم والناسي قضاء بعد الوقت. وأما الظهر قبل الزوال فلا تصلى بحال. PageV01P037 # وهكذا تجد في غالب الأمور بدع هؤلاء أشنع من بدع أولئك. ولم يكن أحد منهم ~~يتعرض لأبي بكر وعمر إلا بالمحبة والثناء والتعظيم، ولا بلغنا أن أحدا منهم ~~كفر عليا، كما كفرته الخوار الذي خرجوا عليه من أصحابه. وإنما غاية من ~~يعتدي منهم على علي رضي الله عنه أن يقول: كان ظالما، ويقولون: لم يكن من ~~الخلفاء، ويروون عنه أشياء من المعاونة على قتل عثمان، والإشارة بقتله في ~~الباطن، والرضا بقتله. # وكل ذلك كذب على علي رضي الله عنه. وقد حلف رضي الله عنه - وهو الصادق ~~بلا يمين - أنه لم يقتل عثمان، ولا مالأ على قتله، بل ولا رضي بقتله، وكان ~~يلعن قتلة عثمان(1). # وأهل السنة يعلمون ذلك منه بدون قوله. فهو أتقى لله من أن يعين على قتل ~~عثمان، أو يرضى بذلك. # فما قالته شيعة علي في عثمان أعظم مما قالته شيعة عثمان في علي؛ فإن ~~كثيرا منهم يكفر عثمان. وشيعة عثمان لم تكفر عليا. ومن لم يكفره يسبه ~~ويبغضه أعظم مما كانت شيعة عثمان تبغض عليا. # وأهل السنة يتولون عثمان وعليا جميعا. ويتبرؤون من التشيع والتفرق في ~~الدين، الذي يوجب موالاة أحدهما ومعاداة الآخر. وقد استقر أمر أهل السنة ~~على أن هؤلاء مشهود لهم بالجنة، ولطلحة والزبير، وغيرهما ممن شهد له الرسول ~~بالجنة، كما قد بسط في موضعه. وكان طائفة من السلف يقولون: لا نشهد بالجنة ~~إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. وهذا قول محمد بن الحنفية ~~والأوزاعي وطائفة أخرى من أهل الحديث، كعلي بن المديني وغيره، يقولون: هم ~~في ms28 الجنة، ولا يقولون: نشهد لهم بالجنة. # والصواب أنا نشهد لهم بالجنة كما استقر على ذلك مذهب أهل السنة. وقد ناظر ~~أحمد بن حنبل لعلي بن المديني في هذه المسألة. PageV01P038 # وهذا معلوم عندنا بخبر الصادق. وهذه المسألة لبسطها موضع آخر. والكلام هنا ~~فيما يذكر عنهم من أمور يراد بها الطعن عليهم. # فطائفة تغلو فيهم فتريد أن تجعلهم معصومين أو كالمعصومين. وطائفة تريد أن ~~تسبهم وتذمهم بأمور، إن كانت صدقا فهم مغفور لهم، أو هم غير مؤاخذين بها، ~~فإنه ما ثم إلا ذنب أو خطأ في الاجتهاد. والخطأ قد رفع الله المؤاخذة به عن ~~هذه الأمة. والذنب لمغفرته عدة أسباب كانت موجودة فيهم. وهما أصلان: عام ~~وخاص. أما العام فإن الشخص الواحد يجتمع فيه أسباب الثواب والعقاب عند عامة ~~المسلمين، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين. # والنزاع في ذلك مع الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: ما ثم إلا مثاب في ~~الآخرة أو معاقب، ومن دخل النار لم يخرج منها: لا بشفاعة ولا غيرها، ~~ويقولون: إن الكبيرة تحبط جميع الحسنات، ولا يبقى مع صاحبها من الإيمان شيء. # وقد ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم إخراج قوم من ~~النار بعدما امتحشوا. وثبت أيضا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل ~~الكبائر من أمته. والآثار بذلك متواترة عند أهل العلم بالحديث، أعظم من ~~تواتر الآثار بنصاب السرقة، ورجم الزاني المحصن، ونصب الزكاة، ووجوب ~~الشفعة، وميراث الجدة، وأمثال ذلك. PageV01P039 # لكن هذا الأصل لا يحتاج إليه في مثل عثمان وأمثاله ممن شهد له بالجنة، وأن ~~الله رضي الله عنه، وأنه لا يعاقبه في الآخرة، بل نشهد أن العشرة في الجنة، ~~وأن أهل بيعة الرضوان في الجنة، وأن أهل بدر في الجنة، كما ثبت الخبر بذلك ~~عن الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وقد دخل في ~~الفتنة خلق من هؤلاء المشهود لهم بالجنة، والذي قتل عمار بن ياسر هو أبو ~~الغادية(1) وقد قيل: إنه من أهل بيعة الرضوان، ذكر ms29 ذلك ابن حزم. # فنحن نشهد لعمار بالجنة، ولقاتله إن كان من أهل بيعة الرضوان بالجنة. ~~وأما عثمان وعلي وطلحة والزبير فهم أجل قدرا من غيرهم، ولو كان منهم ما ~~كان، فنحن لا نشهد أن الواحد من هؤلاء لا يذنب، بل الذي نشهد به أن الواحد ~~من هؤلاء إذا أذنب، فإن الله لا يعذبه في الآخرة، ولا يدخله النار، بل ~~يدخله الجنة بلا ريب، وعقوبة الآخرة، تزول عنه: إما بتوبته منه، وإما ~~بحسناته الكثيرة، وإما بمصائبه المكفرة، وإما بغير ذلك، كما قد بسطناه في موضعه. # فإن الذنوب مطلقا من جميع المؤمنين هي سبب العذاب، لكن العقوبة بها في ~~الآخرة في جهنم تندفع بنحو عشرة أسباب. PageV01P040 # السبب الأول: التوبة؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. والتوبة مقبولة ~~من جميع الذنوب: الكفر، والفسوق، والعصيان. قال الله تعالى: { قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [الأنفال: 38] وقال تعالى: { فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } [التوبة: 11]. # وقال تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا ~~إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم، أفلا ~~يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } [المائدة: 73-74]. # وقال: { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ~~ولهم عذاب الحريق } [البروج: 10]. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم ~~والجود، فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار، ثم هو يدعوهم إلى التوبة. # والتوبة عامة لكل عبد مؤمن، كما قال تعالى: { وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب ~~الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما } [الأحزاب: 72-73]. # وقد أخبر الله في كتابه عن توبة أنبيائه ودعائهم بالتوبة، كقوله: { فتلقى ~~آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]. PageV01P041 # وقول إبراهيم وإسماعيل: { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك ~~أنت التواب الرحيم ms30 } [البقرة: 127-128]. # وقال موسى: { أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، واكتب لنا ~~في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك } [الأعراف: 155، 156]. # وقوله: { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } ~~[القصص: 16]. # وقوله: { تبت إليك وأنا أول المؤمنين } [الأعراف: 143]. # كذلك ما ذكره في قصة داود وسليمان وغيرهما. # وأما المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فكثير مشهور. وأصحابه ~~كانوا أفضل قرون الأمة، فهم أعرف القرون بالله، وأشدهم له خشية، وكانوا ~~أقوم الناس بالتوبة في حياته وبعد مماته. PageV01P042 # فمن ذكر ما عيب عليهم ولم يذكر توبتهم، التي بها رفع الله درجتهم، كان ~~ظالما لهم، كما جرى من بعضهم يوم الحديبية، وقد تابوا منه، مع أنه كان ~~قصدهم الخير. وكذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة تاب منها، بل زانيهم كان يتوب ~~توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، كما تاب ماعز بن مالك وأتى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى طهره بإقامة الحد عليه(1). وكذلك الغامدية بعده. وكذلك ~~كانوا زمن عمر وغيره إذا شرب أحدهم الخمر أتى إلى أميره، فقال: طهرني وأقم ~~علي الحد. فهذا فعل من يأتي الكبير منهم حين يعلمها حراما، فكيف إذ أتى ~~أحدهم الصغيرة أو ذنبا تأول فيه ثم تبين له خطؤه؟ # وعثمان بن عفان رضي الله عنه تاب توبة ظاهرة من الأمور التي صاروا ~~ينكرونها، ويظهر له أنها منكر. وهذا مأثور مشهور عنه رضي الله عنه وأرضاه. # وكذلك عائشة رضي الله عنها ندمت على مسيرها إلى البصرة، وكانت إذا ذكرته ~~تبكي حتى تبل خمارها. # وكذلك طلحة ندم على ما ظن من تفريطه في نصر عثمان وعلى غير ذلك. والزبير ~~ندم على مسيره يوم الجمل. # وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ندم على أمور فعلها من القتال وغيره، وكان يقول: # لقد عجزت عجزة لا أعتذر ... سوف أكيس بعدها وأستمر # وأجمع الرأي الشتيت المنتشر # وكان يقول ليالي صفين: "لله در مقام قامه عبد الله بن عمر وسعد بن مالك؛ ms31 ~~إن كان برا إن أجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطره ليسير" وكان يقول: "يا حسن ~~يا حسن! ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا، ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة". PageV01P043 # ولما رجع من صفين تغير كلامه، وكان يقول: "لا تكرهوا إمارة معاوية، فلو قد ~~فقدتموه لرأيتم الرؤوس تتطاير عن كواهلها". وقد روي هذا عن علي رضي الله ~~عنه من وجهين أو ثلاثة. وتواترت الآثار بكراهته الأحوال في آخر الأمر، ~~ورؤيته اختلاف الناس وتفرقهم، وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ~~ما استدبر ما فعل ما فعل. # وبالجملة ليس علينا أن نعرف كل واحد تاب، ولكن نحن نعلم أن التوبة مشروعة ~~لكل عبد: للأنبياء ولمن دونهم، وأن الله سبحانه يرفع عبده بالتوبة، وإذا ~~ابتلاه بما يتوب منه، فالمقصود كمال النهاية لا نقص البداية، فإنه تعالى ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهو يبدل بالتوبة السيئات حسنات. # والذنب مع التوبة يوجب لصاحبه من العبودية والخشوع والتواضع والدعاء وغير ~~ذلك، ما لم يكن يحصل قبل ذلك. ولهذا قال طائفة من السلف: إن العبد ليفعل ~~الذنب فيدخل به الجنة، ويفعل الحسنة فيدخل بها النار. يفعل الذنب فلا يزال ~~نصب عينيه، إذا ذكره تاب إلى الله ودعاه وخشع له فيدخل به الجنة، ويفعل ~~الحسنة فيعجب بها فيدخل النار. # وفي الأثر: "لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أعظم من الذنب، وهو العجب". ~~وفي أثر آخر "لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم ~~الخلق عليه". # وفي أثر آخر: "يقول الله تعالى: أهل ذكي أهل مجالستي، وأهل شكري أهل ~~زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا ~~فأنا حبيبهم، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا فأنا ~~طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب". والتائب حبيب الله سواء ~~أكان شابا أو شيخا. PageV01P044 # السبب الثاني: الاستغفار؛ فإن الاستغفار هو طلب المغفرة، وهو من جنس الدعاء ~~والسؤال، وهو مقرون بالتوبة في الغالب ومأمور به، لكن ms32 قد يتوب الإنسان ولا ~~يدعو، وقد يدعو ولا يتوب. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: ”أذنب عبد ذنبا ~~فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن ~~له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي. ~~فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ ~~بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب؛ اغفر لي ذنبي. فقال تعالى: أذنب عبدي ~~ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. قد غفرت لعبدي“ وفي رواية ~~لمسلم: ”فليفعل ما شاء“(1). # والتوبة تمحو جميع السيئات، وليس شيء يغفر جميع الذنوب إلا التوبة، فإن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وأما التوبة فإنه ~~تعالى قال: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } [الزمر: 53] وهذه لمن ~~تاب. ولهذا قال: { لا تقنطوا من رحمة الله } بل توبوا إليه، وقال بعدها: ~~{وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} ~~[الزمر: 54]. وأما الاستغفار بدون التوبة، فهذا لا يستلزم المغفرة، ولكن هو ~~سبب من الأسباب. PageV01P045 # السبب الثالث: الأعمال الصالحة؛ فإن الله تعالى يقول: { إن الحسنات يذهبن ~~السيئات } [هود: 114]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل يوصيه: ~~”يا معاذ؛ اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس ~~بخلق حسن“(1). # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”الصلوات الخمس، والجمعة إلى ~~الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر“ (أخرجاه في ~~الصحيحين)(2). PageV01P046 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ”من صام رمضان إيمانا واحتسابا ~~غفر له ما تقدم من ذنبه“(1). # وقال: ”من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه“(2). PageV01P047 # وقال: ”أرأيتم ms33 لو أن بباب أحدكم نهرا غمرا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل ~~كان يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن ~~الخطابا كما يمحو الماء الدرن“ وهذا كله في الصحيح(1). PageV01P048 # وقال: ”الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار“ رواه الترمذي وصححه(1). # وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} [الصف: 10-12]. PageV01P049 # وفي الصحيح: ”يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين“(1). وما روى: أن ”شهيد البحر ~~يغفر له الدين“. فإسناده ضعيف(2). والدين حق لآدمي فلابد من استيفائه. # وفي الصحيح: ”صوم يوم عرفة كفارة سنتين، وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة“(3). ~~ومثل هذه النصوص كثير، وشرح هذه الأحاديث يحتاج إلى بسط كثير. PageV01P050 # فإن الإنسان قد يقول: إذا كفر عني الصلوات الخمس، فأي شيء تكفر عني الجمعة ~~أو رمضان، وكذلك صوم يوم عرفة وعاشوراء؟ وبعض الناس يجيب عن هذا بأنه يكتب ~~لهم درجات إذا لم تجد ما تكفره من السيئات. # فيقال: أولا: العمل الذي يمحو الله به الخطايا ويكفر به السيئات هو العمل ~~المقبول. # والله تعالى إنما يتقبل من المتقين. # والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: { إنما يتقبل الله من المتقين } ~~[المائدة: 27] ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا ~~يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر. وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة ~~بحال. والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك. والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل ~~إلا مما اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصا لوجه الله تعالى. # قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } [هود: 7] ~~قال: أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا ~~كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، ms34 ~~حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. # فصاحب الكبائر إذا اتقى الله في عمل من الأعمال تقبل الله منه، ومن هو ~~أفضل منه إذا لم يتق الله في عمل لم يتقبله منه، وإن تقبل منه عملا آخر. PageV01P051 # وإذا كان الله إنما يتقبل ممن يعمل العمل على الوجه الأمور به، ففي السنن ~~عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”إن العبد لينصرف عن صلاته ~~ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، حتى قال: إلا ~~عشرها“(1). # وقال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. # وفي الحدث: ”رب صائم حظه من صيامه العطش، ورب قائم حظه من قيامه ~~السهر“(2). وكذلك الحج والجهاد وغيرهما. PageV01P052 # وفي حديث معاذ موقوفا ومرفوعا، وهو في السنن: ”الغزو غزوان: فغزو يبتغى به ~~وجه الله، ويطاع فيه الأمير، وتنفق فيه كرائم الأموال، ويياسر فيه الشريك، ~~ويجتنب فيه الفساد، ويتقى فيه الغلول، فذلك الذي لا يعدله شيء. وغزو لا ~~يبتغى به وجه الله، ولا يطاع فيه الأمير، ولا تنفق فيه كرائم الأموال، ولا ~~يياسر فيه الشريك، ولا يجتنب فيه الفساد، ولا يتقى فيه الغلول، فذاك حسب ~~صاحب أن يرجع كفانا"(1). # وقيل لبعض السلف: الحاج كثير. فقال: الداج كثير، والحاج قليل. ومثل هذا كثير. # فالمحو والتكفير يقع بما يتقبل من الأعمال. وأكثر الناس يقصرون في ~~الحسنات، حتى في نفس صلاتهم. فالسعيد منهم من يكتب له نصفها، وهم يفعلون ~~السيئات كثيرا. فلهذا يكفر بما يقبل من الصلوات الخمس شيء، وبما يقبل من ~~الجمعة شيء، وبما يقبل من صيام رمضان شيء آخر. وكذلك سائر الأعمال، وليس كل ~~حسنة تمحو كل سيئة، بل المحو يكون للصغائر تارة، ويكون للكبائر تارة، ~~باعتبار الموازنة. PageV01P053 # والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته ~~لله، فيغفر الله له به كبائر. كما في الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ms35 أنه قال: ”يصاح برجل من ~~أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا، كل سجل ~~منها مد البصر. فيقال: هل تنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: لا ~~ظلم عليك. فتخرج له بطاقة قدر الكف، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فيقول: ~~أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فتوضع هذه البطاقة في كفة، والسجلات ~~في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات“(1). # فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص. وإلا فأهل الكبائر ~~الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله ولم يترجح قولهم على ~~سيئاتهم، كما ترجح قول صاحب البطاقة. PageV01P054 # وكذلك في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”بينما رجل يمشي ~~بطريق اشتد عليه فيها العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها فشرب. ثم خرج، فإذا كلب ~~يلهث، يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل ~~الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى ~~الكلب، فشكر الله له، فغفر له“(1). # وفي لفظ في الصحيحين: ”إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد ~~أدلع لسانه من العطش، فنزعت له موقها، فسقته به، فغفر لها“(2). وفي لفظ في ~~الصحيحين أنها كانت بغيا من بغايا بني إسرائيل(3). PageV01P055 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”بينما ~~رجل يمشي في طريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له، فغفر له“(1). # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”دخلت ~~امرأة النار في هرة، ربطتها: لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش ~~الأرض حتى ماتت“(2). # فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت ~~كلبا يغفر لها. وكذلك هذا الذي نحى غصن الشوك عن الطريق، فعله إذ ذاك ~~بإيمان خالص، وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك. فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ms36 ~~ما في القلوب من الإيمان والإخلاص، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف ~~واحدا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وليس كل من نحى غصن شوك عن ~~الطريق يغفر له. # قال الله تعالى: { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى ~~منكم } [الحج: 37]. فالناس يشتركون في الهدايا والضحايا، والله لا يناله ~~الدم المهراق ولا اللهم المأكول، والتصدق به، لكنه يناله تقوى القلوب. PageV01P056 # وفي الأثر: أن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدا، وبين صلاتيهما كما بين ~~المشرق والمغرب. # فإذا عرف أن الأعمال الظاهرة يعظم قدرها ويصغر قدرها بما في القلوب، وما ~~في القلوب يتفاضل، لا يعرف مقادير ما في القلوب من الإيمان إلا الله - عرف ~~الإنسان أن ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم كله حق، لم يضرب بعضه ببعض. # وقد قال تعالى: { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم ~~راجعون } [المؤمنون: 60]. # وفي الترمذي وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله: أهو الرجل ~~يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعاقب؟ قال: لا يا ابنة الصديق، بل هو ~~الرجل بصوم ويصلي ويصدق ويخال أن لا يتقبل منه(1) PageV01P057 ~~. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”لا تسبوا ~~أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه“(1). # وذلك أن الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقلة ~~أهله، وكثرة الصوارف عنه، وضعف الدواعي إليه لا يمكن أحدا أن يحصل له مثله ~~ممن بعدهم. وهذا يعرف بعضه من ذاق الأمور، وعرف المحن والابتلاء الذي حصل ~~للناس، وما يحصل للقلوب من الأحوال المختلفة. # وهذا مما يعرف به أن أبا بكر رضي الله عنه لن يكون أحد مثله، فإن اليقين ~~والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد. قال أبو بكر بن عياس: ما ~~سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه. # وهكذا سائر الصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول صلى الله عليه ms37 وسلم، مؤمنين ~~به مجاهدين معه، إيمان ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم. PageV01P058 # وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع ~~رأسه إلى السماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: "النجوم أمنة ~~للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ~~ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ~~ما يوعدون"(1) PageV01P059 ~~. # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”ليأتين على الناس زمان يغزو ~~فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فيقال: نعم، فيفتح لهم“ وفي لفظ: ”هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من ~~الناس، فيقال: هل فيكم من صحب من صحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فيقولون: نعم. فيفتح لهم“(1). هذا لفظ بعض الطرق، والثلاثة الطبقات متفق ~~عليها في جميع الطرق، وأما الطبقة الرابعة فهي مذكورة في بعضها. # وقد ثبت ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على القرون الثلاثة في عدة أحاديث ~~صحيحة، من حديث ابن مسعود، وعمران بن حصين يقول فيها: ”خير القرون قرني، ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم“ ويشك بعضه الرواة هل ذكر بعد قرنه قرنين أو ~~ثلاثة(2) PageV01P060 ~~. # والمقصود أن فضل الأعمال وثوابها ليس لمجرد صورها الظاهرة، بل لحقائقها ~~التي في القلوب. والناس يتفاضلون في ذلك تفاضلا عظيما. وهذا مما يحتج به من ~~رجح كل واحد من الصحابة على كل واحد ممن بعدهم، فإن العلماء، متفقون على أن ~~جملة الصحابة أفضل من جملة التابعين، لكن هل يفضل كل واحد من الصحابة على ~~كل واحد ممن بعدهم، ويفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز؟ # ذكر القاضي عياض وغيره في ذلك قولين، وأن الأكثرين يفضلون كل واحد من ~~الصحابة، وهذا مأثور عن ابن المبارك، وأحمد بن حنبل وغيرهما. # ومن حجة هؤلاء أن أعمال التابعين ms38 وإن كانت أكثر، وعدل عمر بن عبد العزيز ~~أظهر من عدل معاوية، وهو أزهد من معاوية، لكن الفضائل عند الله بحقائق ~~الإيمان الذي في القلوب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ”لو أنفق أحدكم ~~مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه“. # قالوا: فنحن قد نعلم أن أعمال بعض من بعدهم أكثر من أعمال بعضهم، لكن من ~~أين نعلم أن ما في قلبه من الإيمان أعظم مما ي قلب ذلك، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يخبر أن جبل ذهب من الذين أسلموا بعد الحديبية لا يساوي نصف مد ~~من السابقين. وملوم فضل النفع المتعدي بعمر بن عبد العزيز: أعطى الناس ~~حقوقهم وعدل فيهم، فلو قدر أن الذي أعطاهم ملكه، وقد تصدق به عليهم، لم ~~يعدل ذلك مما أنفقه السابقون إلا شيئا يسيرا. وأين مثل جبل أحد ذهبا حتى ~~ينفقه الإنسان، وهو لا يصير مثل نصف مد؟ PageV01P061 # ولهذا يقول من يقول من السلف: غبار دخل في أنف معاوية مع روسل الله صلى ~~الله عليه وسلم أفضل من عمل عمر بن عبد العزيز(1). # وهذه المسألة تحتاج إلى بسط وتحقيق ليس هذا موضعه، إذ المقصود هنا أن ~~الله سبحانه مما يمحو به السيئات الحسنات، وأن الحسنات تتفاضل بسبب ما في ~~قلب صاحبها من الإيمان والتقوى. وحينئذ فيعرف أن من هو دون الصحابة قد تكون ~~له حسنات تمحو مثل ما يذم من أحدهم فكيف الصحابة؟؟. # السبب الرابع: الدعاء للمؤمنين، فإن صلاة المسلمين على الميت ودعاءهم له ~~من أسباب المغفرة. وكذلك دعاؤهم واستغفارهم في غير صلاة الجنازة. والصحابة ~~مازال المسلمون يدعون لهم. # السبب الخامس: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره في حياته وبعد ~~مماته، كشفاعته يوم القيامة، فإنهم أخص الناس بدعائه وشفاعته في محياه ~~ومماته. # السبب السادس: ما يفعل بعد الموت من عمل صالح يهدى له، مثل من يتصدق عنه، ~~ويحج عنه ويصوم عنه. فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ذلك يصل إلى الميت ~~وينفعه، وهذا غير دعاء ولده، فإن ذلك من ms39 عمله. PageV01P062 # قال النبي صلى الله عليه وسلم: ”إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ~~صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له“ رواه مسلم(1). فولده من ~~كسبه، ودعاؤه محسوب من عمله، بخلاف دعاء غير الولد: فإنه ليس محسوبا من ~~عمله، والله ينفعه به. PageV01P063 # السبب السابع: المصائب الدنيوية التي يكفر الله بها الخطايا. كما في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا ~~غم ولا هم، ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من ~~خطاياه“(1). PageV01P064 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”مثل المؤمن مثل الخامة ~~من الزرع تفيئها الرياح، تقومها تارة وتميلها أخرى. ومثل المنافق كمثل شجرة ~~الأرزة، لا تزال ثابتة على أصلها، حتى يكون انجعافها مرة واحدة“(1). # وهذا المعنى متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. ~~والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يبتلون بالمصائب الخاصة، وابتلوا بمصائب ~~مشتركة، كالمصائب التي حصلت في الفتن، ولو لم يكن إلا أن كثيرا منهم قتلوا، ~~والأحياء أصيبوا بأهليهم وأقاربهم، وهذا أصيب في ماله، وهذا أصيب بجراحته، ~~وهذا أصيب بذهاب ولايته وعزه، إلى غير ذلك، فهذه كلها مما يكفر الله بها ~~ذنوب المؤمنين من غير الصحابة، فكيف الصحابة؟ وهذا مما لابد منه. PageV01P065 # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”سألت ربي ثلاثا ~~فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، فأعطانيها ~~وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها. وسألته أن لا ~~يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها“(1) PageV01P066 ~~. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل قوله تعالى: { قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } [الأنعام: 65] قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ”أعوذ بوجهك“ { أو من تحت أرجلكم } قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ”أعوذ بوجهك“ { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال: ”هذا ~~أهون وأيسر“(1). ms40 # فهذا الأمر لابد منه للأمة عموما. والصحابة رضي الله عنهم كانوا أقل فتنا ~~من سائر من بعدهم، فإنه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق والخلاف. # ولهذا لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهر، فلما قتل وتفرق الناس حدثت ~~بدعتان متقابلتان: بدعة الخوارج المكفرين لعلي، وبدعة الرافضة المدعين ~~لإمامته وعصمته، أو نبوته أو إلاهيته. # ثم لما كان في آخر عصر الصحابة، في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، حدثت ~~بدعة المرجئة والقدرية. ثم لما كان في أول عصر التابعين في أواخر الخلافة ~~الأموية حدثت بدعة الجهمية المعطلة والمشبهة الممثلة. ولم يكن على عهد ~~الصحابة شيء من ذلك. # وكذلك فتن السيف، فإن الناس كانوا في ولاية معاوية رضي الله عنه متفقين ~~يغزون العدو، فلما مات معاوية قتل الحسين، وحوصر ابن الزبير بمكة، ثم جرت ~~فتنة الحرة بالمدينة. # ثم لما مات يزيد جرت فتنة بالشام بين مروان والضحاك بمرج راهط. # ثم وثب المختار على ابن زياد فقتله وجرت فتنة. PageV01P067 # ثم جاء مصعب بن الزبير فقتل المختار وجرت فتنة. # ثم ذهب عبد الملك إلى مصعب فقتله وجرت فتنة. # وأرسل الحجاج إلى ابن الزبير فحاصره مدة ثم قتله وجرت فتنة. # ثم لما تولى الحجاج العراق خرج عليه ابن الأشعث مع خلق عظيم من العراق ~~وكانت فتنة كبيرة، فهذا كله بعد موت معاوية. # ثم جرت فتنة ابن المهلب بخراسان، وقتل زيد بن علي بالكوفة، وقتل خلق آخرون. # ثم قام أبو مسلم وغيره بخراسان وجرت حروب وفتن يطول وصفها، ثم هلم جرا. # فلم يكن من ملوك المسلمين ملك خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك ~~من الملوك خيرا منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده. وأما ~~إذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل. # وقد روى أبو بكر الأثرم، ورواه ابن بطة من طريقه، حدثنا محمد بن عمرو بن ~~جبلة، حدثنا محمد بن مروان، عن يونس، عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل ~~معاوية لقال أكثرهم: هذا المهدي. # وكذلك ms41 رواه ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو ~~أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي(1). # ورواه الأثرم: حدثنا محمد بن حواش حدثنا أبو هريرة المكتب قال: كنا عند ~~الأعمش، فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم ~~معاوية؟ قالوا في حلمه؟ قال: لا والله بل في عدله. # وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ~~أبي إسحاق قال: لما قدم معاوية فرض للناس على أعطية آبائهم حتى انتهى إلي، ~~فأعطاني ثلاث مئة درهم. PageV01P068 # وقال عبد الله، أخبرنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الثقفي، عن ~~أبي إسحاق، يعني السبيعي، أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم ~~أيامه لقلتم: كان المهدي. # وروى الأثرم، حدثنا محمد بن العلاء، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق ~~قال: ما رأيت بعده مثله، يعني معاوية. # وقال البغوي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن أبي قيس ~~قال: كان معاوية قد جعل في كل قبيل رجلا، وكان رجل منا يكنى أبا يحيى، يصبح ~~كل يوم فيدور على المجالس: هل ولد فيكم الليلة ولد؟ هل حدث الليلة حدث؟ هل ~~نزل اليوم بكم نازل؟ قال: فيقولون: نعم، نزل رجل من أهل اليمن بعياله، ~~يسمونه وعياله، فإذا فرغ من القبيل كله أتى الديوان، فأوقع أسماءهم في ~~الديوان. # وروى محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم، عن ~~عطية بن قيس قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطبنا يقول: إن في بيت مالكم ~~فضلا بعد أعطياتكم، وإني قاسمه بينكم، فإن كان بيأتينا فضل عاما قابلا ~~قسمناه عليكم، وإلا فلا عتبة علي، فإنه ليس بمالي، وإنما هو مال الله الذي ~~أفاء عليكم. # وفضائل معاوية في حسن السيرة والعدل والإحسان كثيرة. وفي الصحيح أن رجلا ~~قال لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ إنه أوتر بركعة؟ قال: أصاب ~~إنه فقيه(1). PageV01P069 # وروى البغوي في معجمه بإسناده، ورواه ابن بطة من وجه ms42 آخر كلاهما عن سعيد بن ~~عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، عن قيس بن الحارث، عن ~~الصنابحي، عن أبي الدرداء قال: ما رأيت أحدا أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من إمامكم هذا. يعني معاوية(1). # فهذه شهادة الصحابة بفقهه ودينه، والشاهد بالفقه ابن عباس، وبحسن الصلاة ~~أبو الدرداء، وهما هما. والآثار الموافقة لهذا كثيرة(2). # هذا ومعاوية ليس من السابقين الأولين، بل قد قيل: إنه من مسلمة الفتح. ~~وقيل: أسلم قبل ذلك. وكان يعترف بأنه ليس من فضلاء الصحابة. وهذه سيرته مع ~~عموم ولايته، فإنه كان في ولايته من خراسان إلى بلاد إفريقية بالمغرب، ومن ~~قبرص إلى اليمن. # ومعلوم بإجماع المسلمين أنه ليس قريبا من عثمان وعلي، فضلا عن أبي بكر ~~وعمر. فكيف يشبه غير الصحابة بهم؟ وهل توجد سيرة أحد من الملوك مثل سيرة ~~معاوية رضي الله عنه؟ PageV01P070 # والمقصود أن الفتن التي بين الأمة، والذنوب التي لها بعد الصحابة، أكثر ~~وأعظم. ومع هذا فمكفرات الذنوب موجودة لهم. وأما الصحابة فجمهورهم وجمهور ~~أفاضلهم ما دخلوا في فتنة. # قال عبد الله بن الإمام أحمد، حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل، يعني ابن علية، ~~حدثنا أيوب يعني السختياني، عن محمد بن سيرين قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ~~ثلاثين. وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض. ومحمد بن سيرين من أورع ~~الناس في منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل. # وقال عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل حدثنا منصور بن عبد الرحمن قال: ~~قال الشعبي: لم يشهد الجمل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير علي ~~وعمار وطلحة والزبير، فإن جاءوا بخامس فأنا كذاب. # وقال عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا أمية بن خالد قال: قيل لشعبة: ~~إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: شهد صفين من أهل ~~بدر سبعون رجلا. فقال: كذب والله، لقد ذاكرت الحكم ms43 بذلك، وذاكرناه في بيته، ~~فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت. # قلت: هذا النفي يدل على قلة من حضرها، وقد قيل: إنه حضرها سهل بن حنيف ~~وأبو أيوب. وكلام ابن سيرين مقارب فما يكاد يذكر مائة واحد. # وقد روى ابن بطة عن بكير بن الأشج قال: أما إن رجالا من أهل بدر لزموا ~~بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم. # السبب الثامن: ما يبتلى به المؤمن في قبره من الضغطة وفتنة الملكين. # السبب التاسع: ما يحصل له في الآخرة من كرب أهوال يوم القيامة. PageV01P071 # السبب العاشر: ما ثبت في الصحيحين أن المؤمنين إذا عبروا الصراط، وقفوا على ~~قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في ~~دخول الجنة(1). # فهذه الأسباب لا تفوت كلها من المؤمنين إلا القليل، فكيف بالصحابة رضوان ~~الله عليهم، الذين هم خير قرون الأمة؟ وهذا في الذنوب المحققة، فكيف بما ~~يكذب عليهم؟ فكيف بما يجعل من سيئاتهم وهو من حسناتهم؟ PageV01P072 # وهذا كما ثبت في الصحيح أن رجلا أراد أن يطعن في عثمان عند ابن عمر، فقال: ~~إنه قد فر يوم أحد، ولم يشهد بدرا، ولم يشهد بيعة الرضوان. فقال ابن عمر: ~~أما يوم أحد فقد عفا الله عنه. وفي لفظ: فر يوم أحد فعفا الله عنه، وأذنب ~~عندكم ذنبا، فلم تعفوا عنه. وأما يوم بدر فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استخلفه على ابنته، وضرب له بسهمه. وأما بيعة الرضوان فإنما كانت بسبب ~~عثمان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مكة وبايع عنه بيده، ويد ~~النبي صلى الله عليه وسلم خير من يد عثمان(1). # فقد أجاب ابن عمر بأن ما يجعلونه عيبا ما كان منه عيبا، فقد عفا الله ~~عنه، والباقي ليس بعيب، بل هو من الحسنات. وهكذا عامة ما يعاب به على سائر ~~الصحابة هو إما حسنة وإما معفو عنه. # حول تولية عثمان بعض الولاة # وحينئذ فقول الرافضي: إن عثمان ولى من لا ms44 يصلح للولاية. إما أن يكون هذا ~~باطلا، ولم يول إلا من يصلح. وإما أن يكون ولى من لا يصلح في نفس الأمر، ~~لكنه كان مجتهدا في ذلك، فظن أنه كان يصلح وأخطأ ظنه، وهذا لا يقدح فيه. PageV01P073 # وهذا الوليد بن عقبة الذي أنكر عليه ولايته قد اشتهر في التفسير والحديث ~~والسير أن النبي صلى الله عليه وسلم ولاه على صدقات ناس من العرب فلما قرب ~~منهم خرجوا إليه، فظن أنهم يحاربونه فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يذكر محاربتهم له، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليهم جيشا، ~~فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } [الحجرات: 6]. # فإذا كان حال هذا خفي على النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يخفى على ~~عثمان؟! # وإذا قيل: إن عثمان ولاه بعد ذلك؟ # فيقال: باب التوبة مفتوح. وقد كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد عن ~~الإسلام، ثم جاء تائبا، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه وتوبته بعد ~~أن كان أهدر دمه. # وعلي رضي الله عنه تبين له من عماله ما لم يكن يظنه فيهم. فهذا لا يقدح ~~في عثمان ولا في غيره. وغاية ما يقال: إن عثمان ولى من يعلم أن غيره أصلح ~~منه، وهذا من موارد الاجتهاد. # أو يقال: إن محبته لأقاربه ميلته إليهم، حتى صار يظنهم أحق من غيرهم، أو ~~أن ما فعله كان ذنبا، وقد تقدم أن ذنبه لا يعاقب عليه في الآخرة. # كان عثمان يؤدب الولاة إذا ظهر منهم ما يوجب ذلك # وقوله: حتى ظهر من بعضهم الفسق، ومن بعضهم الخيانة. # فيقال: ظهور ذلك بعد الولاية لا يدل على كونه كان ثابتا حين الولاية، ولا ~~على أن المولي علم ذلك. وعثمان رضي الله عنه لما علم أن الوليد بن عقبة شرب ~~الخمر طلبه وأقام عليه الحد. وكان يعزل من يراه مستحقا للعزل، ويقيم الحد ~~على من يراه مستحقا لإقامة ms45 الحد عليه. # ذهب الفقهاء إلى أن سهم ذوي القربى لقرابة الإمام # وأما قوله: وقسم المال بين أقاربه. PageV01P074 # فهذا غايته أن يكون ذنبا لا يعاقب عليه في الآخرة، فكيف إذا كان من موارد ~~الاجتهاد؟ فإن الناس تنازعوا فيما كان للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته: ~~هل يستحقه ولي الأمر بعده، على قولين. وكذلك تنازعوا في ولي اليتيم: هل له ~~أن يأخذ من مال اليتيم إذا كان غنيا أجرته مع غناه، والترك أفضل، أو الترك ~~واجب؟ على قولين. ومن جوز الأخذ من مال اليتيم مع الغني، جوزه للعامل على ~~بيت مال المسلمين، وجوزه للقاضي وغيره من الولاة. ومن قال لا يجوز ذلك من ~~مال اليتيم، فمنهم من يجوزه من مال بيت المال، كما يجوز للعامل على الزكاة ~~الأخذ مع الغنى، فإن العامل على الزكاة يجوز له أخذ جعالته مع غناه. # وولي اليتيم قد قال تعالى فيه: { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف } [النساء: 6]. # وأيضا فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن سهم ذوي القربى هو لقرابة الإمام، كما ~~قال الحسن وأبو ثور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي أقاربه بحكم ~~الولاية، وسقط حق ذوي قرباه بموته. كما يقول ذلك كثير من العلماء كأبي ~~حنيفة وغيره، ثم لما سقط حقه بموته، فحقه الساقط قيل: إنه يصرف في الكراع ~~والسلاح والمصالح، كما كان يفعل أبو بكر وعمر. وقيل: هو لمن ولي الأمر ~~بعده. وقيل: إن هذا مما تأوله عثمان. ونقل عن عثمان رضي الله عنه نفسه أنه ~~ذكر هذا، وأنه يأخذ بعمله، وأن ذلك جائز. وإن كان ما فعله أبو بكر وعمر ~~أفضل، فكان له الأخذ بهذا وهذا، وكان يعطي أقرباءه مما يختص به، فكان ~~يعطيهم لكونهم ذوي قربى الإمام، على قول من يقول ذلك. # وبالجملة فعامة من تولى الأمر بعد عمر كان يخص بعض أقاربه: إما بولاية، ~~وإما بمال. وعلي ولى أقاربه أيضا. PageV01P075 # وأما قوله استعمال الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخم، وصلى بالناس وهو ~~سكران(1) ms46 PageV01P076 ~~. # فيقال: لا جرم طلبه وأقام عليه الحد بمشهد من علي بن أبي طالب، وقال ~~لعلي: قم فاضربه. فأمر علي الحسن بضربه، فامتنع. وقال لعبد الله بن جعفر: ~~قم فاضربه، فضربه أربعين. ثم قال: أمسك، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي" رواه مسلم ~~وغيره(1). # فإذا أقام الحد برأي علي وأمره، فقد فعل الواجب. # الوالي قد يذنب والخليفة لا يعلم # وكذلك قوله: أنه استعمل سعيد بن العاص(2) PageV01P077 ~~على الكوفة، وظهر منه ما أدى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها. # فيقال: مجرد إخراج أهل الكوفة لا يدل على ذنب يوجب ذاك، فإن القوم كانوا ~~يقومون على كل وال(1) PageV01P078 ~~. وقد قاموا على سعد بن أبي وقاص، وهو الذي فتح البلاد، وكسر جنود كسرى، ~~وهو أحد أهل الشورى، ولم يتول عليهم نائب مثله. وقد شكوا غيره مثل عمار بن ~~ياسر، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم. ودعا عليهم عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فقال: اللهم إنهم قد لبسوا علي فلبس عليهم. # وإذا قدر أنه أذنب ذنبا، فمجرد ذلك لا يوجب أن يكون عثمان راضيا بذنبه، ~~ونواب علي قد أذنبوا ذنوبا كثيرة. بل كان غير واحد من نواب النبي صلى الله ~~عليه وسلم يذنبون ذنوبا كثيرة. وإنما يكون الإمام مذنبا إذا ترك ما يجب ~~عليه من إقامة حد، أو استيفاء حق، أو اعتداء ونحو ذلك. # وإذا قدر أن هناك ذنبا، فقد علم الكلام فيه. # دور ابن سبأ في الفتنة # وأما قوله: وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر حتى تظلم منه أهلها، ~~وكاتبه أن يستمر على ولايته سرا، خلاف ما كتب إليه جهرا(1) PageV01P079 ~~. # والجواب: أن هذا كذب على عثمان. وقد حلف عثمان أنه لم يكتب شيئا من ذلك، ~~وهو الصادق البار بلا يمين، وغاية ما قيل: إن مروان كتب بغير علمه، وأنهم ~~طلبوا أن يسلم إليهم مروان ليقتلوه، فامتنع. فإن كان قتل مروان لا يجوز، ~~فقد فعل الواجب، وإن ms47 كان يجوز ولا يجب، فقد فعل الجائز، وإن كان قتله ~~واجبا، فذاك من موارد الاجتهاد؛ فإنه لم يثبت لمروان ذنب يوجب قتله شرعا، ~~فإن مجرد التزويد لا يوجب القتل. وبتقدير أن يكون ترك الواجب فقد قدمنا ~~الجواب العام. # عثمان رضي الله عنه لا يأمر بقتل معصوم الدم # وأما قوله: أمر بقتل محمد بن أبي بكر # فهذا من الكذب المعلوم على عثمان. وكل ذي علم بحال عثمان وإنصاف له، يعلم ~~أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط أنه ~~قتل أحدا من هذا الضرب، وقد سعوا في قتله، ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا ~~يأمر بقتالهم دفعا عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم؟ # وإن ثبت أن عثمان أمر بقتل محمد بن أبي بكر، لم يطعن على عثمان. بل عثمان ~~إن كان أمر بقتل محمد بن أبي بكر أولى بالطاعة ممن طلب قتل مروان، لأن ~~عثمان إمام هدى، وخليفة راشد، يجب عليه سياسة رعيته، وقتل من لا يدفع شره ~~إلا بالقتل. وأما الذين طلبوا قتل مروان فقوم خوارج مفسدون في الأرض، ليس ~~لهم قتل أحد، ولا إقامة حد. وغايتهم أن يكونوا ظلموا في بعض الأمور، وليس ~~لكل مظلوم أن يقتل بيده كل من ظلمه، بل ولا يقيم الحد. # وليس مروان أولى بالفتنة والشر من محمد بن أبي بكر، ولا هو أشهر بالعلم ~~والدين منه. بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان وله قول مع أهل ~~الفتيا، واختلف في صحبته. PageV01P080 # ومحمد بن أبي بكر ليس بهذه المنزلة عند الناس، ولم يدرك من حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا أشهرا قليلة: من ذي القعدة إلى أول شهر ربيع الأول، ~~فإنه ولد بالشجرة لخمس بقين من ذي القعدة عام حجة الوداع. ومروان من أقران ~~ابن الزبير، فهو قد أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم ويمكن أنه رآه عام ~~فتح مكة، أو عام حجة الوداع. # والذي قالوا: لم ير النبي صلى الله عليه ms48 وسلم قالوا: إن أباه كان ~~بالطائف، فمات النبي صلى الله عليه وسلم وأبوه بالطائف، وهو مع أبيه، ومن ~~الناس من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أباه إلى الطائف، وكثير من ~~أهل العلم ينكر ذلك، ويقول إنه ذهب باختياره، وإن نفيه ليس له إسناد. # وهذا إنما يكون بعد فتح مكة، فقد كان أبوه بمكة مع سائر الطلقاء، وكان هو ~~قد قارب سن التمييز. # وأيضا فقد يكون أبوه حج مع الناس، فرآه في حجة الوداع، ولعله قدم إلى ~~المدينة. فلا يمكن الجزم بنفي رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم. # وأما أقرانه، كالمسور بن مخرمه، وعبد الله بن الزبير، فهؤلاء كانوا ~~بالمدينة. وقد ثبت أنهم سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم. # عمر بن الخطاب هو الذي ولى معاوية الشام # وأما قوله: "ولى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدثه". # فالجواب: أن معاوية إنما ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لما مات أخوه ~~يزيد بن أبي سفيان ولاه عمر مكان أخيه. واستمر في ولاية عثمان، وزاده عثمان ~~في الولاية. وكان سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكان رعيته ~~يحبونه. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”خيار أئمتكم ~~الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين ~~تبغضونهم ويبغضوكم، وتلعنونهم ويلعنونكم“(1) PageV01P081 ~~. # وإنما ظهر الأحداث من معاوية في الفتنة لما قتل عثمان، ولما قتل عثمان ~~كانت الفتنة شاملة لأكثر الناس، لم يختص بها معاوية، بل كان معاوية أطلب ~~للسلامة من كثير منهم، وأبعد عن الشر من كثير منهم. # ومعاوية كان خيرا من الأشتر النخعي، ومن محمد بن أبي بكر، ومن عبيد الله ~~بن عمر بن الخطاب، ومن أبي الأعور السلمي، ومن هاشم بن هاشم بن هاشم ~~المرقال، ومن الأشعث بن قيس الكندي، ومن بسر بن أبي أرطاة، وغير هؤلاء من ~~الذين كانوا معه ومع علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. # عبد الله بن عامر أحد قواد الإسلام # وأما قوله: "وولى عبد ms49 الله بن عامر البصرة، ففعل من المناكير ما فعل"(1) PageV01P082 ~~. # فالجواب: أن عبد الله بن عامر له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ~~ينكر، وإذا فعل منكرا فذنبه عليه. فمن قال: إن عثمان رضي بالمنكر الذي فعله؟ # مسألة تولية مروان بن الحكم # وأما قوله: "وولى مروا أمره، وألقى إليه مقاليد أموره، ودفع إليه خاتمه، ~~وحدث من ذلك قتل عثمان(1)، وحدث من الفتنة بين الأمة ما حدث". # فالجواب: أن قتل عثمان والفتنة لم يكن سببها مروان وحده، بل اجتمعت أمور ~~متعددة، من جملتها أمور تنكر من مروان. وعثمان رضي الله عنه كان قد كبر، ~~وكانوا يفعلون أشياء لا يعلمونه بها، فلم يكن آمرا لهم بالأمور التي ~~أنكرتموها عليه، بل كان يأمر بإبعادهم وعزلهم، فتارة يفعل ذلك، وتارة لا ~~يفعل ذلك، وقد تقدم الجواب العام. # ولما قدم المفسدون الذين أرادوا قتل عثمان، وشكوا أمورا، أزالها كلها ~~عثمان(2) PageV01P083 ~~، حتى أنه أجابهم إلى عزل من يريدون عزله، وإلى أن مفاتيح بيت المال تعطى ~~لمن يرتضونه، وأنه لا يعطي أحدا من المال إلا بمشورة الصحابة ورضاهم، ولم ~~يبق لهم طلب. # ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: "مصصتموه كما يمص الثوب، ثم عمدتم إليه ~~فقتلتموه"(1). # وقد قيل: أنه زور عليه كتاب بقتلهم، وأنهم أخذوه في الطريق، فأنكر عثمان ~~الكتاب وهو الصادق. وأنهم اتهموا به مروان، وطلبوا تسليمه إليهم، فلم ~~يسلمه(2). # وهذا بتقدير أن يكون صحيحا، لا يبيح شيئا مما فعلوه بعثمان، وغايته أن ~~يكون مروان قد أذنب في إرادته قتلهم، ولكن لم يتم غرضه، ومن سعى في قتل ~~إنسان ولم يقتله، لم يجب قتله. فما كان يجب قتل مروان بمثل هذا. نعم ينبغي ~~الاحتراز ممن يفعل مثل هذا، وتأخيره وتأديبه. ونحو ذلك. أما الدم فأمر عظيم. # إحسان عثمان شمل الجميع # وأما قوله: "وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، حتى أنه دفع ~~إلى أربعة نفر من قريش، زوجهم بناته، أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ~~ألف ألف دينار". PageV01P084 # فالجواب: أولا أن يقال: أين النقل ms50 الثابت بهذا؟ نعم كان يعطي أقاربه عطاء، ~~ويعطي غير أقاربه أيضا، وكان محسنا إلى جميع المسلمين. وأما هذا القدر ~~الكثير فيحتاج إلى نقل ثابت. # ثم يقال: ثانيا: هذا من الكذب البين، فإنه لا عثمان ولا غيره من الخلفاء ~~الراشدين أعطوا أحدا ما يقارب هذا المبلغ. ومن المعلوم أن معاوية كان يعطي ~~من يتألفه أكثر من عثمان. ومع هذا فغاية ما أعطى الحسن بن علي مائة ألفه أو ~~ثلاثمائة ألف درهم. وذكروا أنه لم يعط أحدا قدر هذا قط. # نعم كان عثمان يعطي بعض أقاربه ما يعطيهم من العطاء الذي أنكر عليه، وقد ~~تقدم تأويله في ذلك، والجواب العام يأتي على ذلك، فإنه كان له تأويلان في ~~إعطائهم، كلاهما مذهب طائفة من الفقهاء: أحدهما: أنه ما أطعم الله لنبي ~~طعمة إلا كانت طعمة لمن يتولى الأمر بعده، وهذا مذهب طائفة من الفقهاء، ~~ورووا في ذلك حديثا معروفا مرفوعا(1)، وليس هذا موضع بسط الكلام في جزئيات ~~المسائل. PageV01P085 # وقالوا إن ذوي القربى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ذوو قرباه، وبعد ~~موته هم ذوو قربى من يتولى الأمر بعده. وقالوا: إن أبا بكر وعمر لم يكن ~~لهما أقارب كما كان لعثمان، فإن بني عبد شمس من أكبر قبائل قريش، ولم يكن ~~من يوازيهم إلا بنو مخزوم. والإنسان مأمور بصلة رحمه من ماله، فإذا اعتقدوا ~~أن ولي الأمر يصله من مال بيت المال مما جعله الله لذوي القربى، استحقوا ~~بمثل هذا أن يوصلوا من بيت المال ما يستحقونه، لكونهم أولي قربى الإمام. ~~وذلك أن نصر ولي الأمر والذب عنه متعين، أقاربه ينصرونه ويذبون عنه ما لا ~~يفعله غيرهم(1). # وبالجملة، فلابد لكل ذوي أمر من أقوام يأتمنهم على نفسه، ويدفعون عنه من ~~يريد ضرره. فإن لم يكن الناس مع إمامهم كما كانوا مع أبي بكر وعمر، احتاج ~~الأمر إلى بطانة يطمئن إليهم، وهم لابد لهم من كفاية. فهذا أحد التأويلين. PageV01P086 # والتأويل الثاني: أنه كان يعمل في المال. وقد قال الله تعالى: { والعاملين ~~عليها } [التوبة: ms51 60]. والعامل على الصدقة الغني له أن يأخذ بعمالته باتفاق ~~المسلمين. # والعامل في مال اليتيم قد قال الله تعالى فيه: { ومن كان غنيا فليستعفف ~~ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } [النساء: 6]. وهل الأمر للغني بالاستعفاف ~~أمر إيجاب أو أمر استحباب؟ على قولين. # وولي بيت المال وناظر الوقف هل هو كعامل الصدقة أو كولي اليتيم؟ على ~~قولين. وإذا جعل ولي الأمر كعامل الصدقة استحق مع الغني. وإذا جعل كولي ~~اليتيم ففيه القولان. فهذه ثلاثة أقوال، وعثمان على قولين: كان له الأخذ مع ~~الغني. وهذا مذهب الفقهاء، ليست كأغراض الملوك التي لم يوافق عليها أحد من ~~أهل العلم. # ومعلوم أن هذه التأويلات إن كانت مطابقة فلا كلام، وإن كانت مرجوحة ~~فالتأويلات في الدماء التي جرت من علي ليست بأوجه منها. والاحتجاج لهذه ~~الأقوال أقوى من الاحتجاج لقول من رأى القتال. # عبد الله بن مسعود وجمع القرآن # وأما قوله: "وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفره". # فالجواب: أن هذا من الكذب البين على ابن مسعود، فإن علماء أهل النقل ~~يعلمون أن ابن مسعود ما كان يكفر عثمان، بل لما ولي عثمان وذهب ابن مسعود ~~إلى الكوفة قال: "ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل". # وكان عثمان في السنين الأول من ولايته لا ينقمون منه شيئا ولما كانت ~~السنين الآخرة نقموا منه أشياء بعضها هم معذورون فيه، وكثير منها كان عثمان ~~هو المعذور فيه. PageV01P087 # من جملة ذلك أمر ابن مسعود؛ فإن ابن مسعود بقي في نفسه من أمر المصحف، لما ~~فوض كتابته إلى زيد دونه، وأمر الصحابة أن يغسلوا مصاحفهم. وجمهور الصحابة ~~كانوا على ابن مسعود مع عثمان، وكان زيد بن ثابت قد انتدبه قبل ذلك أبو بكر ~~وعمر لجمع المصحف في الصحف، فندب عثمان من ندبه أبو بكر وعمر، وكان زيد بن ~~ثابت قد حفظ العرضة الأخيرة، فكان اختبار تلك أحب إلى الصحابة، فإن جبريل ~~عارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في العام الذي قبض فيه مرتين(1) PageV01P088 ~~. # وأيضا فكان ابن مسعود أنكر على الوليد بن عقبة ms52 لما شرب الخمر(1) PageV01P089 ~~، وقد قدم ابن مسعود إلى المدينة، وعرض عليه عثمان النكاح(1). # وهؤلاء المبتدعة غرضهم التكفير أو التفسيق للخلفاء الثلاثة بأشياء لا ~~يفسق بها واحد من الولاة، فكيف يفسق بها أولئك؟ ومعلوم أن مجرد قول الخصم ~~في خصمه لا يوجب القدح في واحد منهما، وكذلك كلام أحد المتشاجرين في الآخر. # ثم يقال: بتقدير أن يكون ابن مسعود طعن على عثمان رضي الله عنهما فليس ~~جعل ذلك قدحا في عثمان بأولى من جعله قدحا في ابن مسعود. # وإذا كان كل واحد منهما مجتهدا فيما قاله أثابه الله على حسناته وغفر له ~~خطأه، وإن كان صدر من أحدهما ذنب، فقد علمنا أن كلا منهما ولي لله، وأنه من ~~أهل الجنة، وأنه لا يدخل النار، فذنب كل واحد منهما لا يعذبه الله عليه في ~~الآخرة. # وعثمان أفضل من كل من تكلم فيه. # هو أفضل من ابن مسعود، وعمار، وأبي ذر، ومن غيرهم من وجوه كثيرة، كما ثبت ~~ذلك بالدلائل الكثيرة. # فليس جعل كلام المفضول قادحا في الفاضل بأولى من العكس، بل إن أمكن ~~الكلام بينهما بعلم وعدل، وإلا تكلم بما يعلم من فضلهما ودينهما، وكان من ~~شجر بينهما وتنازعا فيه أمره إلى الله. # ولهذا أوصوا بالإمساك عما شجر بينهم، لأنا نسأل عن ذلك. # كما قال عمر بن عبد العزيز: "تلك دماء طهر الله منها يدي، فلا أحب أن ~~أخضب بها لساني". PageV01P090 # وقال آخر: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون } [البقرة: 134]. # لكن إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل، فلابد من الذب عنهم، وذكر ما يبطل ~~حجته بعلم وعدل. # وكذلك ما نقل من تكلم عمار في عثمان، وقول الحسن فيه، ونقل عنه أنه قال: ~~"لقد كفر عثمان كفرة صلعاء" وأن الحسن بن علي أنكر ذلك عليه، وكذلك علي، ~~وقال له: "يا عمار أتكفر برب آمن به عثمان؟". # وقد تبين أن الرجل المؤمن الذي هو ولي لله قد يعتقد كفر الرجل المؤمن ~~الذي هو ولي لله، ms53 ويكون مخطئا في هذا الاعتقاد، ولا يقدح هذا في إيمان واحد ~~منهما وولايته. كما ثبت في الصحيح أن أسيد بن حضير قال لسعد بن عبادة بحضرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك منافق تجادل عن المنافقين"، وكما قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه لحاطب بن أبي بلتعة: "دعني يا رسول الله أضرب عنق ~~هذا المنافق"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ”إنه قد شهد بدرا، وما يدريك ~~لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم“. # فعمر أفضل من عمار، وعثمان أفضل من حاطب بن أبي بلتعة بدرجات كثيرة. # وحجة عمر فيما قال لحاطب أظهر من حجة عمار. PageV01P091 # ومع هذا فكلاهما من أهل الجنة، فكيف لا يكون عثمان وعمار من أهل الجنة، وإن ~~قال أحدهما للآخر ما قال؟! مع أن طائفة من العلماء أنكروا أن يكون عمار قال ذلك(1) PageV01P092 ~~. # لأمير المؤمنين تأديب رعيته # وأما قول: "إنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات". # فهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإنه لما ولى أقر ابن مسعود على ما كان عليه ~~من الكوفة، إلى أن جرى من ابن مسعود ما جرى، وما مات ابن مسعود من ضرب ~~عثمان أصلا. # وفي الجملة فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمارا، فهذا لا يقدح في ~~أحد منهم؛ فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم من أكابر أولياء الله ~~المتقين. وقد قدمنا أن ولي الله قد يصدر منه ما يستحق عليه العقوبة ~~الشرعية، فكيف بالتعزيز؟ # وقد ضرب عمر بن الخطاب أبي بن كعب بالدرة لما رأى الناس يمشون خلفه. ~~فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع. # فإن كان عثمان أدب هؤلاء، فإما أن يكون عثمان مصيبا في تعزيرهم ~~لاستحقاقهم ذلك، أ, يكون ذلك الذي عزروا عليه تابوا منه، أو كفر عنهم ~~بالتعزير وغيره من المصائب، أو بحسناتهم العظيمة، أو بغير ذلك. # وإما أن يقال: كانوا مظلومين مطلقا، فالقول في عثمان كالقول فيهم وزيادة، ~~فإنه أفضل ms54 منهم، وأحق بالمغفرة والرحمة. # وقد يكون الإمام مجتهدا في العقوبة مثابا عليها، وأولئك مجتهدون فيما ~~فعلوه لا يأثمون به، بل يثابون عليه لاجتهادهم. مثل شهادة أبي بكرة على ~~المغيرة، فإن أبا بكرة رجل صالح من خيار المسلمين، وقد كان محتسبا في ~~شهادته معتقدا أنه يثاب على ذلك، وعمر أيضا محتسب في إقامة الحد عليه مثاب ~~على ذلك. # فلا يمتنع أن يكون ما جرى من عثمان في تأديب ابن مسعود وعمار من هذا الباب. # وإذا كان المقتتلون قد يكون كل منهم مجتهدا مغفورا له خطؤه فالمختصمون ~~أولى بذلك. # وإما أن يقال: كان مجتهدا وكانوا مجتهدين. فمثل هذا يقع كثيرا: يفعل ~~الرجل شيئا باجتهاده، ويرى ولي الأمر أن مصلحة المسلمين لا تتم إلا ~~بعقوبته، كما أنها لا تتم إلا بعقوبة المتعدي، وإن تاب بعد رفعه إلى ~~الإمام. PageV01P093 # فالزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام وثبوت الحد عليهم، ~~لم يسقط الحد عنهم بالتوبة، بل يعاقبون مع كونهم بالتوبة مستحقين للجنة، ~~ويكون الحد مما يثابون عليه ويؤجرون عليه، ويكفر الله به ما يحتاج إلى ~~التكفير. # ولو أن رجلا قتل من اعتقده مستحقا لقتله قصاصا، أو أخذ ما لا يعتقد أنه ~~له في الباطن، ثم ادعى أهل المقتول وأهل المال بحقهم عند ولي الأمر، حكم ~~لهم به، وعاقب من امتنع من تسليم المحكوم به إليهم، وإن كان متأولا فيما ~~فعله، بل بريئا في الباطن. # وأكثر الفقهاء يحدون من شرب النبيذ المتنازع فيه، وإن كان متأولا. وكذلك ~~يأمرون بقتال الباغي المتأول لدفع بغيه، وإن كانوا مع ذلك لا يفسقونه ~~لتأويله. # وقد ثبت في الصحيح أن عمار بن ياسر لما أرسله علي إلى الكوفة هو والحسن ~~ليعينوا على عائشة، قال عمار بن ياسر: إنا لنعلم أنها زوجة نبيكم في الدنيا ~~والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لينظر: إياه تطيعون أم إياها؟(1). # فقد شهد لها عمار بأنها من أهل الجنة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الآخرة، ومع هذا دعا الناس إلى دفعها بما يمكن ms55 من قتال وغيره. # فإذا كان عمار يشهد لها بالجنة ويقاتلها، فكيف لا يشهد له عثمان بالجنة ~~ويضربه؟ # وغاية ما يقال: إن ما وقع كان هذا وهذا وهذا مذنبين فيه. وقد قدمنا ~~القاعدة الكلية أن القوم مشهود لهم بالجنة وإن كان لهم ذنوب. # حب الرسول صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر # وأما قوله: "وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ”عمار جلدة بين عيني، ~~تقتله الفئة الباغية، لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة“. PageV01P094 # فيقال: الذي في الصحيح: ”تقتل عمار الفئة الباغية“. وطائفة من العلماء ~~ضعفوا هذا الحديث، منهم الحسين الكرابيسي وغيره، ونقل ذلك عن أحمد أيضا. # وأما قوله: "لا أنالهم الله شفاعتي" فكذب مزيد في الحديث، لم يروه أحد من ~~أهل العلم بإسناد معروف. # وكذلك قوله: "عمار جلدة بين عيني" لا يعرف له إسناد. # ولو قيل مثل ذلك، فقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ”إنما فاطمة بضعة مني ~~يريبني ما يريبها“. # وفي الصحيح عنه أنه قال: ”لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها“. # وثبت عنه في الصحيح أنه كان يحب أسامة، ثم يقول: ”اللهم إني أحبه وأحب من ~~يحبه“(1). PageV01P095 # ومع هذا لما قتل ذلك الرجل أنكر عليه إنكارا شديدا، وقال: ”يا أسامة أقتلته ~~بعد أن قال لا إله إلا الله؟ أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله“ قال: فما ~~زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ"(1). # وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ”يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله ~~شيئا، يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا“. الحديث. # وثبت عنه في عبد الله حمار أنه كان يضربه على شرب الخمر مرة بعد مرة، ~~وأخبر عنه أنه يحب الله ورسوله. # وقال في خالد: ”سيف من سيوف الله“ ولما فعل في بني جذيمة ما فعل قال: ~~”اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد“. # وثبت عنه أن قال لعلي: ”أنت مني وأنا منك“. # ولما خطب بنت أبي جهل قال: ”إن ms56 بني المغيرة استأذنوني في أن يزوجوا ~~ابنتهم عليا، وإني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب ~~أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله ~~عند رجل واحد“. PageV01P096 # وفي حديث آخر أنه رأى أبا بكر يضرب عبده وهو محرم، فقال: ”انظروا ما يفعل ~~بالمحرم“(1) ومثل هذا كثير. # فكون الرجل محبوبا لله ورسوله، لا يمنع أن يؤدب بأمر الله ورسوله، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا هم ولا ~~حزن، ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه“ ~~أخرجاه في الصحيحين. PageV01P097 # ولما نزل قوله تعالى: { من يعمل سوءا يجز به } [النساء: 123]. قال أبو بكر: ~~يا رسول الله قد جاءت قاصمة الظهر. فقال: ”ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست ~~تصيبك اللأواء؟ فهو مما تجزون به“ رواه أحمد وغيره(1). # وفي الحديث: ”الحدود كفارات لأهلها“(2). PageV01P098 # وفي الصحيحين عن عبادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”بايعوني ~~على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا ولا تسرقوا، ولا تأتوا ببهتان ~~تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على ~~الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ~~ذلك شيئا فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر ~~له“(1). # فإذا كانت المصائب السماوية التي تجري بغير فعل بشر مما يكفر الله بها ~~الخطايا، فما يجري من أذى الخلق والمظالم بطريق الأولى، كما يصيب المجاهدين ~~من أذى الكفار، وكما يصيب الأنبياء من أذى من يكذبهم، وكما يصيب المظلوم من ~~أذى الظالم. # وإذا كان هذا مما يقع معصية لله ورسوله، فما يفعله ولي الأمر من إقامة حد ~~وتعزير يكون تكفير الخطايا به أولى. # وكانوا في زمن عمر إذا شرب أحدهم الخمر جاء بنفسه إلى الأمير وقال: ~~"طهرني". # وقد جاء ماعز بن مالك والغامدية إلى النبي صلى ms57 الله عليه وسلم وطلبا منه ~~التطهير. # وإذا كان كذلك، فكون الرجل وليا لله لا يمنع أن يحتاج إلى ما يكفر الله ~~به سيئاته، من تأديب ولي الأمر الذي أمره الله عليه، وغير ذلك. PageV01P099 # وإذا قيل: هم مجتهدون معذورون فيما أدبهم عليه عثمان، فعثمان أولى أن يقال ~~فيه: كان مجتهدا معذورا فيما أدبهم عليه، فإنه إمام مأمور بتقويم رعيته. ~~وكان عثمان أبعد عن الهوى، وأولى بالعلم والعدل فيما أدبهم عليه، رضي الله ~~عنهم أجمعين. # ولو قدح رجل في علي بن أبي طالب بأنه قاتل معاوية وأصحابه وقاتل طلحة ~~والزبير. # لقيل له: علي بن أبي طالب أفضل وأولى بالعلم والعدل من الذين قاتلوه، فلا ~~يجوز أن يجعل الذين قاتلوه هم العادلين، وهو ظالم لهم. # كذلك عثمان فيمن أقام عليه حدا أو تعزيرا هو أولى بالعلم والعدل منهم. ~~وإذا وجب الذب عن علي لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك فالذب عن عثمان لمن ~~يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك أولى. # قصة نفي الحكم ليست في الصحاح وسندها ضعيف # وقوله: "وطرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بن أبي العاص عم عثمان ~~عن المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو وابنه طريدين في زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما ولي عثمان آواه ورده إلى المدينة، وجعل ~~مروان كاتبه وصاحبه تدبيره. مع أن الله قال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22]. # والجواب: أن الحكم بن أبي العاص كان من مسلمة الفتح، وكانوا ألفي رجل، ~~ومروان ابنه كان صغيرا إذ ذاك، فإنه من أقران ابن الزبير والمسور بن مخرمة، ~~عمره حين الفتح سن التمييز: إما سبع سنين، أو أكثر بقليل، أو أقل بقليل، ~~فلم يكن لمروان ذنب يطرد عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فإن كان ~~قد طرده، فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله ~~إلى مكة. وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه، ms58 وقالوا: هو ذهب باختياره(1). PageV01P100 # وقصة نفي الحكم ليست في الصحاح، ولا لها إسناد يعرف به أمرها. # ومن الناس من يروي أنه حاكى النبي صلى الله عليه وسلم في مشيته، ومنهم من ~~يقول غير ذلك، ويقولون: إنه نفاه إلى الطائف. # والطلقاء ليس فيهم من هاجر، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ”لا هجرة ~~بعد الفتح ولكن جهاد ونية“(1). # ولما قدم صفوان بن أمية مهاجرا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع ~~إلى مكة. ولما أتاه العباس برجل ليبايعه على الهجرة وأقسم عليه، أخذ بيده ~~وقال: إني أبررت قسم عمي، ولا هجرة بعد الفتح. # وكان العباس قد خرج من مكة إلى المدينة قبل وصول النبي صلى الله عليه ~~وسلم إليها عام الفتح، فلقيه في الطريق. فلم تكن الطلقاء تسكن المدينة. فإن ~~كان قد طرده فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان ~~يرسله إلى مكة. # وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه كما تقدم، وقالوا: هو ذهب باختياره. PageV01P101 # والطرد هو النفي، والنفي قد جاءت به السنة في الزاني وفي المخنثين، وكانوا ~~يعزرون بالنفي. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عزر رجلا بالنفي، لم ~~يلزم أن يبقى منفيا طول الزمان، فإن هذا لا يعرف في شيء من الذنوب، ولم تأت ~~الشريعة بذنب يبقى صاحبه منفيا دائما، بل غاية النفي المقدر سنة، وهو نفي ~~الزاني والمخنث حتى يتوب من التخنيث، فإن كان تعزير الحاكم لذنب يتوب منه، ~~فإذا تاب سقطت العقوبة عنه، وإن كانت على ذنب ماض فهو أمر اجتهادي لم يقدر ~~فيه قدر، ولم يوقت فيه وقت. # وإذا كان كذلك، فالنفي كان في آخر الهجرة، فلم تطل مدته في زمن أبي بكر ~~وعمر. فلما كان عثمان طالت مدته، وقد كان عثمان شفع في عبد الله بن أبي سرح ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كاتبا للوحي، وارتد عن الإسلام، وكان ~~النيب صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه فيمن أهدر، ثم جاء به عثمان ms59 فقبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم شفاعته فيه وبايعه، فكيف لا يقبل شفاعته في ~~الحكم؟! # وقد رووا أن عثمان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرده فأذن له في ذلك، ~~ونحن نعلم أن ذنبه دون ذنب عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وقصة عبد الله ~~ثابتة معروفة بالإسناد الثابت. # وأما قصة الحكم فعامة من ذكرها إنما ذكرها مرسلة، وقد ذكرها المؤرخون ~~الذين يكثر الكذب فيما يروونه، وقل أن يسلم لهم نقلهم من الزيادة والنقصان، ~~فلم يكن هنا نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان. PageV01P102 # والمعلوم من فضائل عثمان، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم له، وثنائه عليه، ~~وتخصيصه بابنتيه، وشهادته له بالجنة، وإرساله إلى مكة، ومبايعته له عنه لما ~~أرسله إلى مكة، وتقديم الصحابة له باختيارهم في الخلافة، وشهادة عمر وغيره ~~له بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو عنه راض، وأمثال ذلك مما يوجب ~~العلم القطعي بأنه من كبار أولياء الله المتقين، الذين رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه، فلا يدفع هذا بنقل لا يثبت إسناده، ولا يعرف كيف وقع، ويجعل لعثمان ~~ذنب بأمر لا يعرف حقيقته، بل مثل هذا مثل الذين يعارضون المحكم بالمتشابه، ~~وهذا من فعل الذين في قلوبهم زيغ، الذين يبتغون الفتنة. # ولا ريب أن الرافضة من شرار الزائغين الذين يبتغون الفتنة الذين ذمهم ~~الله ورسوله. # وبالجملة فنحن نعلم قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمر بنفي ~~أحد دائما ثم يرده عثمان معصية لله ورسوله، ولا ينكر ذلك عليه المسلمون. ~~وكان عثمان رضي الله عنه أتقى لله من أن يقدم على مثل هذا، بل هذا مما ~~يدخله الاجتهاد، فلعل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يرداه لأنه لم يتبين ~~لهما توبته، وتبين ذلك لعثمان. وغاية ما يقدر أن يكون هذا خطأ من الاجتهاد ~~أو ذنبا، وقد تقدم الكلام على ذلك. # وأما استكتابه مروان، فمروان لم يكن له في ذلك ذنب، لأنه كان صغيرا لم ~~يجر عليه القلم، ومات ms60 النبي صلى الله عليه وسلم ومروان لم يبلغ الحلم ~~باتفاق أهل العلم، بل غايته أن يكون له عشر سنين أو قريب منها، وكان مسلما ~~باطنا وظاهرا، يقرأ القرآن ويفقه في الدين، ولم يكن قبل الفتنة معروفا بشيء ~~يعاب به، فلا ذنب لعثمان في استكتابه. # وأما الفتنة فأصابت من هو أفضل من مروان، ولم يكن مروان ممن يحاد الله ~~ورسوله. # وأما أبوه الحكم فهو من الطلقاء، والطلقاء حسن إسلام أكثرهم وبعضهم فيه ~~نظر. ومجرد ذنب يعزر عليه لا يوجب أن يكون منافقا في الباطن. PageV01P103 # والمنافقون تجري عليهم في الظاهر أحكام الإسلام، ولم يكن أحد من الطلقاء ~~بعد الفتح يظهر المحادة لله ورسوله، بل يرث ويورث، ويصلى عليه، ويدفن في ~~مقابر المسلمين، وتجرى عليه أحكام الإسلام التي تجرى على غيره. # وقد عرف نفاق جماعة من الأوس والخزرج كعبد الله بن أبي بن سلول وأمثاله، ~~ومع هذا كان المؤمنون يتعصبون لهم أحيانا، كما تعصب سعد بن عبادة لابن أبي ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لسعاد بن معاذ: ”والله لا ~~تقتله ولا تقدر على قتله“. # وهذا وإن كان ذنبا من سعد لم يخرجه ذلك عن الإيمان، بل سعد من أهل الجنة، ~~ومن السابقين الأولين من الأنصار. فكيف بعثمان إذا آوى رجلا لا يعرف أنه ~~منافق؟! # ولو كان منافقا لم يكن الإحسان إليه موجبا للطعن في عثمان فإن الله تعالى ~~يقول: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } [الممتحنة: 8]. # وقد ثبت في الصحيح أن أسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت ~~وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: ”نعم صلي أمك“(1). # وقد أوصت صفية بنت حيي بن أخطب لقرابة لها من اليهود. # فإذا كان الرجل المؤمن قد يصل أقاربه الكفار، ولا يخرجه ذلك عن الإيمان، ~~فكيف إذا وصل أقاربه المسلمين، وغاية ما فيهم أن يتهموا بالنفاق؟! PageV01P104 # وأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب كان أبوها من ms61 رؤوس اليهود المحادين لله ~~ورسوله، وكانت هي امرأة صالحة من أمهات المؤمنين المشهود لهم بالجنة، ولما ~~ماتت أوصت لبعض أقاربها من اليهود(1)، وكان ذلك مما تحمد عليه لا مما تذم عليه. # وهذا مما احتج به الفقهاء على جواز صلة المسلم لأهل الذمة بالصدقة عليهم ~~والوصية لهم. فكيف بأمير المؤمنين إذا أحسن إلى عمه المظهر للإسلام؟! # وهذا حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين بأخبار النبي صلى الله عليه ~~وسلم عام الفتح، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة ~~لشهوده بدرا والحديبية، وقال لمن قال: "إنه منافق": ”ما يدريك لعل الله ~~اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم“. # وأين حاطب من عثمان؟ فلو قدر - والعياذ بالله - أن عثمان فعل مع أقاربه ~~ما هو من هذا الجنس، لكان إحساننا القول فيه والشهادة له بالجنة أولى بذلك ~~من حاطب بن أبي بلتعة. # السبب الحقيقي في اعتزال أبي ذر PageV01P105 ~~وأما قوله: "إنه نفي أبا ذر إلى الربذة وضربه ضربا وجيعا، مع أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في حقه: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة ~~أصدق من أبي ذر. وقال: إن الله أوحى إلي أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني ~~بحبهم. فقيل له: من هم يا رسول الله؟ قال: علي سيدهم، وسلمان، والمقداد، ~~وأبو ذر"(1). # فالجواب: أن أبا ذر سكن الربذة ومات بها لسبب ما كان يقع بينه وبين ~~الناس(2) PageV01P106 ~~، فإن أبا ذر رضي الله عنه كان رجلا صالحا زاهدا، وكان من مذهبه أن الزهد ~~واجب، وأن ما أمسكه الإنسان فاضلا عن حاجته فهو كنز يكوى به في النار، ~~واحتج على ذلك بما لا حجة فيه من الكتاب والسنة احتج بقوله تعالى: { والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } [التوبة: 34]، وجعل الكنز ~~ما يفضل عن الحاجة، واحتج بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه ~~قال: ”يا أبا ذر ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا يمضي عليه ms62 ثالثة وعندي منه ~~دينار، إلا دينارا أرصده لديه“ وأنه قال: ”الأكثرون هم الأقلون يوم ~~القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا“(1). # ولما توفي عبد الرحمن بن عوف وخلف مالا، جعل أبو ذر ذلك من الكنز الذي ~~يعاقب عليه، وعثمان يناظره في ذلك، حتى دخل كعب ووافق عثمان، فضربه أبو ذر، ~~وكان قد وقع بينه وبين معاوية بالشام بهذا السبب. # وافق أبا ذر على هذا طائفة من النساك، كما يذكر عن عبد الواحد بن زيد ~~ونحوه، ومن الناس من يجعل الشبلي من أرباب هذا القول. وأما الخلفاء ~~الراشدون وجماهير الصحابة والتابعين فعلى خلاف هذا القول(2). PageV01P107 # فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: ”ليس فيما دون ~~خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق ~~صدقة“(1). ففي الوجوب فيما دون المائتين، ولم يشترط كون صاحبها محتاجا ~~إليها أم لا. # وقال جمهور الصحابة: الكنز هو المال الذي لم تؤد حقوقه، وقد قسم الله ~~تعالى المواريث في القرآن، ولا يكون الميراث إلا لمن خلف مالا. وقد كان غير ~~واحد من الصحابة له مال على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، من الأنصار، بل ~~ومن المهاجرين. وكان غير واحد من الأنبياء له مال. # وكان أبو ذر يريد أن يوجب على الناس ما لم يوجب الله عليهم، ويذمهم على ~~ما لم يذمهم الله عليه، مع أنه مجتهد في ذلك، مثاب على طاعته رضي الله عنه، ~~كسائر المجتهدين من أمثاله. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه إيجاب، إنما قال: ”ما أحب أن يمضي ~~علي ثالثة وعندي من شيء“ فهذا يدل على استحباب إخراج ذلك قبل الثالثة لا ~~على وجوبه. وكذا قوله: ”المكثرون هم المقلون“ دليل على أن من كثر ماله قلت ~~حسناته يوم القيامة إذا لم يكثر الإخراج منه، وذلك لا يوجب أن يكون الرجل ~~القليل الحسنات من أهل النار، إذا لم يأت كبيرة ولم يترك فريضة من فرائض الله. PageV01P108 # وكان عمر بن الخطاب ms63 رضي الله عنه يقوم رعيته تقويما تاما، فلا يعتدي لا ~~الأغنياء ولا الفقراء، فلما كان في خلافة عثمان توسع الأغنياء في الدنيا، ~~حتى زاد كثير منهم على قدر المباح في المقدار والنوع، وتوسع أبو ذر في ~~الإنكار حتى نهاهم عن المباحات. وهذا من أسباب الفتن بين الطائفتين. # فكان اعتزال أبي ذر لهذا السبب، ولم يكن لعثمان مع أبي ذر غرض من ~~الأغراض. # وأما كون أبي ذر من أصدق الناس، فذاك لا يوجب أنه أفضل من غيره، بل كان ~~أبو ذر مؤمنا ضعيفا، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال له: ”يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحل لنفسي. لا تأمرن ~~على اثنين، ولا تولين مال يتيم“(1). # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ”المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف، وفي كل خير“(2). # وأهل الشورى مؤمنون أقوياء، وأبو ذر وأمثاله مؤمنون ضعفاء. فالمؤمنون ~~الصالحون لخلافة النبوة، كعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، أفضل من أبي ذر ~~وأمثاله. # والحديث المذكور بهذا اللفظ الذي ذكره الرافضي ضعيف، بل موضوع، وليس له ~~إسناد يقوم به. # مسألة قتل الهرمزان PageV01P109 ~~وأما قوله: "إنه ضيع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل ~~الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين يطلب عبيد ~~الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطل حد الشرب في الوليد ~~بن عقبة، حتى حده أمير المؤمنين. وقال: لا تبطل حدود الله وأنا حاضر". # فالجواب: أما قوله: "إن الهرمزان كان مولى علي". # فمن الكذب الواضح، فإن الهرمزان كان من الفرس الذي استنابهم كسرى على ~~قتال المسلمين، فأسره المسلمون وقدموا به على عمر، فأظهر الإسلام، فمن عليه ~~عمر وأعتقه، فإن كان عليه ولاء فهو للمسلمين، وإ، كان الولاء لمن باشر ~~العتق فهو لعمر، وإن لم يكن عليه ولاء، بل هو كالأسير إذا من عليه فلا ولاء ~~عليه، فإن العلماء تنازعوا في الأسير إذا أسلم: هل يصير رقيقا بإسلامه؟ ms64 أم ~~يبقى حرا يجوز المن عليه والمفاداة كما كان قبل الإسلام؟ مع اتفاقهم على ~~أنه عصم بالإسلام دمه. # وفي المسألة قولان مشهوران، هما قولان في مذهب أحمد وغيره. وليس لعلي سعي ~~لا في استرقاقه ولا في إعتاقه. ولما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ~~الذي قتله أبو لؤلؤة الكافر المجوسي مولى المغيرة بن شعبة وكان بينه وبين ~~الهرمزان مجانسة، وذكر لعبيد الله بن عمر أنه رؤي عند الهرمزان حين قتل ~~عمر، فكان ممن اتهم بالمعاونة على قتل عمر(1). # وقد قال عبد الله بن عباس لما قتل عمر، وقال له عمر: قد كنت أنت وأبوك ~~تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة. فقال: إن شئت أن نقتلهم. فقال: "كذبت، أما ~~بعد إذ تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم"(2). PageV01P110 # فهذا ابن عباس وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير يستأذن عمر ~~في قتل علوج الفرس مطلقا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد اعتقد ~~جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبد الله جواز قتل الهرمزان؟ فلما استشار ~~عثمان الناس في قتله، فأشار عليه طائفة من الصحابة أن لا تقتله، فإن أباه ~~قتل بالأمس ويقتل هو اليوم، فيكون في هذا فساد في الإسلام، وكأنهم وقعت لهم ~~شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع؟ أو ~~من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟ # وقد تنازع الفقهاء في المشركين في القتل إذا باشر بعضهم دون بعض. فقيل: ~~لا يجب القود إلا على المباشر خاصة. وهو قول أبي حنيفة. وقيل: إذا كان ~~السبب قويا وجب على المباشر والمتسبب كالمكره والمكره، وكالشهود بالزنا ~~والقصاص إذا رجعوا وقالوا: تعمدنا. وهذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي ~~وأحمد. ثم إذا أمسك واحد وقتله الآخر، فمالك يوجب القود على الممسك ~~والقاتل، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والرواية الأخرى: يقتل القاتل ويحبس ~~الممسك حتى يموت، كما روي عن ابن عباس. وقيل: لا قود إلى على القاتل، كقول ~~أبي حنيفة والشافعي. # وقد تنازعوا أيضا في الآمر الذي لم ms65 يكره، إذا أمر من يعتقد أن القتل ~~محرم، هل يجب القو على الآمر؟ على قولين. PageV01P111 # وأما الردء فيما يحتاج فيه إلى المعاونة كقطع الطريق، فجمهورهم على أن الحد ~~يجب على الردء والمباشر جميعا. وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد. وكان عمر بن ~~الخطاب يأمر بقتل الربيئة(1) وهو الناطور(2) لقطاع الطريق. # وإذا كان الهرمزان من أعان على قتل عمر جاز قتله في أحد القولين قصاصا. ~~وعمر هو القائل في المقتول بصنعاء: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به". # وأيضا فقد تنازع الناس في قتل الأئمة: هل يقتل قاتلهم حدا أو قصاصا؟ على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره. أحدهما: أنهم يقتلون حدا، كما يقتل القاتل في ~~المحاربة حدا، لأن قتل الأئمة فيه فساد عام أعظم من فساد قطاع الطريق، فكان ~~قاتلهم محاربا لله ورسوله، ساعيا في الأرض فسادا. وعلى هذا خرجوا فعل الحسن ~~بن علي رضي الله عنهما لما قتل ابن ملجم قاتل علي، وكذلك قتل قتلة عثمان. # وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض ~~المحاربين، فيجب قتله لذلك. ولو قدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن ~~كان متأولا يعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة، صار ذلك شبهة تدرأ القتل عن القاتل. ~~كما أن أسامة بن زيد لما قتل ذلك الرجل بعدما قال: لا إله إلا الله، واعتقد ~~أن هذا القول لا يعصمه، عزره النبي صلى الله عليه وسلم بالكلام ولم يقتله ~~لأنه كان متأولا، لكن الذي قتله أسامة كان مباحا قبل القتل، فشك في العاصم. PageV01P112 # وإذا كان عبيد الله بن عمر متأولا يعتقد أن الهرمزان أعان على قتل أبيه، ~~وأنه يجوز له قتله، صارت هذه شبهة يجوز أن يجعلها المجتهد مانعة من وجوب ~~القصاص، فإن مسائل القصاص فيها مسائل كثيرة اجتهادية. # وأيضا فالهرمزان لم يكن له أولياء يطلبون دمه وإنما وليه ولي الأمر. ومثل ~~هذا إذا قتله قاتل كان للإمام قتل قاتله، لأن وليه، وكان له العفو عنه إلى ~~الدية لئلا تضيع حقوق المسلمين. فإذا ms66 قدر أن عثمان عفا عنه، ورأى قدر الدية ~~أن يعطيها لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، فإنه كان عليه ثمانون ألفا، ~~وأمر أهله أن يقضوا دينه من أموال عصبته عاقلة الرجل هم الذين يحملون كله، ~~والدية لو طالب بها عبيد الله، أو عصبة عبيد الله إذا كان قتله خطأ أو عفا ~~عنه إلى الدية فهم الذين يؤدون دين عمر، فإذا أعان بها في دين عمر كان هذا ~~من محاسن عثمان التي تمدح بها لا يذم. # وقد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة، وكان يعطي الناس عطاء ~~كثيرا أضعاف هذا، فكيف لا يعطي هذا لآل عمر؟ # وبكل حال فكانت مسألة اجتهادية، وإذا كانت مسألة اجتهادية، وقد رأى طائفة ~~كثيرة من الصحابة أن لا يقتل، ورأى آخرون أن يقتل، لم ينكر على عثمان ما ~~فعله باجتهاده، ولا علي علي ما قاله باجتهاده. # وقد ذكرنا تنازع العلماء في قتل الأئمة: هل هو من باب الفساد الذي يجب ~~قتل صاحبه حتما، كالقاتلين لأخذ المال؟ أم قتلهم كقتل الآحاد الذين يقتل ~~أحدهم الآخر لغرض خاص فيه، فيكون على قاتل أحدهم القود؟ وذكرنا في ذلك ~~قولين، وهما قولان في مذهب أحمد وغيره، وذكرهما القاضي أبو يعلى وغيره. # فمن قال: إن قتلهم حد. قال: إن جنايتهم توجب من الفتنة والفساد أكثر مما ~~يوجبه جناية بعض قطاع الطريق لأخذ المال، فيكون قاتل الأئمة من المحاربين ~~لله ورسوله، الساعين في الأرض فسادا. PageV01P113 # ويدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~”من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف ~~كائنا من كان“. # فأمر بقتل الواحد المريد لتفريق الجماعة، ومن قتل إمام المسلمين فقد فرق ~~جماعتهم. # ومن قال هذا قال: إن قاتل عمر يجب قتله حتما، وكذلك قتلة عثمان قتلهم ~~حتما، وكذلك قاتل علي يجب قتله حتما. # وبهذا يجاب عن ابنه الحسن بن علي وغيره من يعترض عليهم، فنقول: كيف قتلوا ~~قاتل علي، وكان ms67 في ورثته صغار وكبار، والصغار لم يبلغوا؟ # فيجاب عن الحسن بجوابين: أحدهما: أن قتله كان واجبا حتما، لأن قتل علي ~~وأمثاله من أعظم المحاربة لله ورسوله والفساد في الأرض. # ومنهم من يجيب بجواز انفراد الكبار بالقود، كما يقول ذلك من يقوله من ~~أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين. # وإذا كان قتل عمر وعثمان وعلي ونحوهم من باب المحاربة، فالمحاربة يشترط ~~فيها الردء والمباشر عند الجمهور. فعلى هذا من أعان على قتل عمر، ولو ~~بكلام، وجب قتله. وكان الهرمزان ممن ذكر عنه أنه أعان على قتل عمر بن ~~الخطاب. # وإذا كان الأمر كذلك كان قتله واجبا، ولكن كان قتله إلى الأئمة فافتات ~~عبيد الله بقتله، وللإمام أن يعفو عمن افتات عليه. # وأما قوله: إن عليا كان يريد قتل عبيد الله بن عمر. فهذا لو صح كان قدحا ~~في علي. PageV01P114 # والرافضة لا عقول لهم، يمدحون بما هو إلى الذم أقرب؛ فإنها مسألة اجتهاد، ~~وقد حكم حاكم بعصمة الدم، فكيف يحل لعلي نقضه؟ وعلي ليس ولي المقتول، ولا ~~طلب ولي المقتول القود. وإذا كان حقه لبيت المال، فللإمام أن يعفو عنه. ~~وهذا مما يذكر في عفو عثمان، وهو أن الهرمزان لم يكن له عصبة إلا السلطان، ~~وإذا قتل من لا ولي له، كان للإمام أن يقتل قاتله، وله أن لا يقتل قاتله، ~~ولكن يأخذ الدية، والدية حق للمسلمين، فيصرفها في مصارف الأموال. وإذا ترك ~~لآل عمر دية مسلم، كان هذا بعض ما يستحقونه على المسلمين. # وبكل حال فلم يكن بعد عفو عثمان وحكمه بحقن دمه يباح قتله أصلا. وما أعلم ~~في هذا نزاعا بين المسلمين، فكيف يجوز أن ينسب إلى علي مثل ذلك؟ # ثم يقال: يا ليت شعري متى عزم علي على قتل عبيد الله؟ ومتى تمكن علي من ~~قتل عبيد الله؟ أو متى تفرغ له حتى ينظر في أمره؟ # وعبيد الله كان معه ألوف مؤلفة من المسلمين مع معاوية، وفيهم خير من عبيد ~~الله بكثير. وعلي لم يمكنه عزل معاوية، ms68 وهو عزل مجرد. أفكان يمكنه قتل عبيد الله؟! # ومن حين مات عثمان تفرق الناس، وعبد الله بن عمر الرجل الصالح لحق بمكة، ~~ولم يبايع أحدا، ولم يزل معتزل الفتنة حتى اجتمع الناس على معاوية، ومع ~~محبته لعلي، ورؤيته له أنه هو المستحق للخلافة، وتعظيمه له، وموالاته له، ~~وذمه لمن يطعن عليه. ولكن كان لا يرى الدخول في القتال بين المسلمين، ولم ~~يمتنع عن موافقة علي إلا في القتال. # وعبيد الله بن عمر لحق معاوية بعد مقتل عثمان، كما لحقه غيره ممن كانوا ~~يميلون إلى عثمان وينفرون عن علي. ومع هذا فلم يعرف لعبيد الله من القيام ~~في الفتنة ما عرف لمحمد بن أبي بكر والأشتر النخعي وأمثالهما، فإنه بعد ~~القتال وقع الجميع في الفتنة. وأما قبل مقتل عثمان فكان أولئك ممن أثار ~~الفتنة بين المسلمين. PageV01P115 # ومن العجب أن دم الهرمزان المتهم بالنفاق، والمحاربة لله ورسوله، والسعي في ~~الأرض بالفساد، تقام فيه القيامة، ودم عثمان يجعل لا حرمة له، وهو إمام ~~المسلمين المشهود له بالجنة، الذي هو - وإخوانه - أفضل الخلق بعد النبيين! # ومن المعلوم بالتواتر أن عثمان كان من أكف الناس عن الدماء، وأصبر الناس ~~على من نال من عرضه، وعلى من سعى في دمه فحاصروه وسعوا في قتله، وقد عرف ~~إرادتهم لقتله، وقد جاءه المسلمون من كل ناحية ينصرونه ويشيرون عليه ~~بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال، ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم. ~~وروي أنه قال لمماليكه: من كف يده فهو حر. وقيل له: تذهب إلى مكة؟ فقال: لا ~~أكون ممن ألحد في الحرم. فقيل له: تذهب إلى الشام؟ فقال: لا أفارق دار ~~هجرتي. فقيل له: فقاتلهم. فقال: لا أكون أول من خلف محمدا في أمته بالسيف. # فكان صبر عثمان حتى قتل من أعظم فضائله عند المسلمين. ومعلوم أن الدماء ~~الكثيرة التي سفكت باجتهاده علي ومن قاتله لم يسفك قبلها مثلها من دماء ~~المسلمين. فإذا كان ما فعله علي مما لا يوجب القدح في علي، بل كان دفع ~~الظالمين ms69 لعلي من الخوارج وغيرهم من النواصب القادحين في علي واجبا، فلأن ~~يجب دفع الظالمين القادحين في عثمان بطريق الأولى والأحرى، إذ كان بعد ~~عثمان عن استحلال دماء المسلمين أعظم من بعد علي عن ذلك بكثير كثير، وكان ~~من قدح في عثمان بأنه كان يستحل إراقة دماء المسلمين بتعطيل الحدود، كان قد ~~طرق من القدح في علي ما هو أعظم من هذا، وسوغ لمن أبغض عليا وعاداه وقاتله ~~أن يقول: إن عليا عطل الحدود الواجبة على قتلة عثمان. وتعطيل تلك الحدود إن ~~كانت واجبة أعظم فسادا من تعطيل حد وجب بقتل الهرمزان. # وإذا كان من الواجب الدفع عن علي بأنه كان معذورا باجتهاد أو عجز، فلأن ~~يدفع عن عثمان بأنه كان معذورا بطريق الأولى. # عثمان رضي الله عنه كان ينفذ الحدود PageV01P116 ~~وأما قوله: "أراد عثمان تعطيل حد الشرب في الوليد بن عقبة، حتى حده أمير ~~المؤمنين". # فهذا كذب عليهما، بل عثمان هو الذي أمر عليا بإقامة الحد عليه، كما ثبت ~~ذلك في الصحيح(1)، وعلي خفف عنه وجلده أربعين، ولو جلده ثمانين لم ينكر ~~عليه عثمان. # لم يكن علي عاجزا عن تطبيق الحدود PageV01P117 ~~وقول الرافضي: "إن عليا قال: لا يبطل حد الله وأنا حاضر" فهو كذب. وإن كان ~~صدقا فهو من أعظم المدح لعثمان؛ فإن عثمان قبل قول علي ولم يمنعه من إقامة ~~الحد، مع قدرة عثمان على منعه لو أراد، فإن عثمان كان إذا أراد شيئا فعله، ~~ولم يقدر علي على منعه. وإلا فلو كان علي قادرا على منعه مما فعله من ~~الأمور التي أنكرت عليه ولم يمنعه مما هو عنده منكر مع قدرته، كان هذا قدحا ~~ي علي. فإذا كان عثمان أطاع عليا فيما أمره به من إقامة الحد، دل ذلك على ~~دين عثمان وعدله. # وعثمان ولى الوليد بن عقبة هذا على الكوفة، وعندهم أن هذا لم يكن يجوز. ~~فإن كان حراما وعلي قادر على منعه، وجب على علي منعه، فإذا لم يمنعه دل على ~~جوازه عند علي، أو على ms70 عجز علي. وإذا عجز عن منعه عن الإمارة، فكيف لا يعجز ~~عن ضربه الحد؟ فعلم أن عليا كان عاجزا عن حد الوليد، لولا أن عثمان أراد ~~ذلك، فإذا أراده عثمان دل على دينه. # وقائل هذا يدعي أن الحدود مازالت تبطل وعلي حاضر، حتى في ولايته يدعون ~~أنه كان يدع الحدود خوفا وتقية. فإن كان قال هذا لم يقله إلا لعلمه بأن ~~عثمان وحاشيته يوافقون على إقامة الحدود، وإلا فلو كان يتقي منهم لما قال ~~هذا. ولا يقال: إنه كان أقدر منهم على ذلك، فإن قائل هذا يدعي أنه كان ~~عاجزا لا يمكنه إظهار الحق بينهم. # ودليل هذا أنه لم يمكنه عندهم إقامة الحد على عبيد الله بن عمر وعلى نواب ~~عثمان وغيرهم. # والرافضة تتكلم بالكلام المتناقض الذي ينقض بعضه بعضا. # الصحابة يوافقون عثمان على اجتهاده # وأما قوله: "إنه زاد الأذان الثاني يوم الجمعة، وهو بدعة، فصار سنة إلى الآن". PageV01P118 # فالجواب: أن عليا رضي الله عنه كان ممن يوافق على ذلك في حياة عثمان وبعد ~~مقتله. ولهذا لما صار خليفة لم يأمر بإزالة هذا الأذان، كما أمر بما أنكره ~~من ولاية طائفة من عمال عثمان، بل أمر بعزل معاوية وغيره. ومعلوم أن إبطال ~~هذه البدعة كان أهون عليه من عزل أولئك ومقاتلتهم التي عجز عنها، فكان على ~~إزالة هذه البدعة، من الكوفة ونحوها من أعماله، أقدر منه على إزالة أولئك، ~~ولو أزال ذلك لعلمه الناس ونقلوه. # فإن قيل: كان الناس لا يوافقونه على إزالتها. # قيل: فهذا دليل على أن الناس وافقوا عثمان على استحبابها واستحسانها، حتى ~~الذي قاتلوا مع علي، كعمار وسهل بن حنيف وغيرهما من السابقين الأولين. وإلا ~~فهؤلاء الذين هم أكابر الصحابة لو أنكروا ذلك لم يخالفهم غيرهم، إن قدر أن ~~في الصحابة من كان ينكر هذا ومنهم من لا ينكره، كان ذلك من مسائل الاجتهاد، ~~ولم يكن هذا مما يعاب به عثمان. # وقول القائل: هي بدعة. إن أراد بذلك أنه لم يكن يفعل قبل ذلك، فكذلك قتال ~~أهل ms71 القبلة بدعة، فإنه لم يعرف أن إماما قاتل أهل القبلة قبل علي. وأين ~~قتال أهل القبلة من الأذان؟! # فإن قيل: بل البدعة ما فعل بغير دليل شرعي. # قيل لهم: فمن أين لكم أن عثمان فعل هذا بغير دليل شرعي؟ وأن عليا قاتل ~~أهل القبلة بدليل شرعي؟ # وأيضا فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أحدث في خلافته العيد الثاني ~~بالجامع، فإن السنة المعروفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر وعمر وعثمان أنه لا يصلى في المصر إلا جمعة واحدة، ولا يصلى يوم النحر ~~والفطر إلا عيد واحد. والجمعة كانوا يصلونها في المسجد، والعيد يصلونه ~~بالصحراء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة وعرفة قبل ~~الصلاة، وفي العيد بعد الصلاة. واختلف عنه في الاستسقاء. PageV01P119 # فلما كان على عهد علي قيل له: إن بالبلد ضعفاء لا يستطيعون الخروج إلى ~~المصلى، فاستخلف عليهم رجلا صلى بالناس بالمسجد. قيل: إنه صلى ركعتين ~~بتكبير، وقيل: بل صلى أربعا بلا تكبير. # وأيضا فإن ابن عباس عرف في خلافة علي بالبصرة، ولم يرو عن علي أنه أنكر ذلك. # وما فعله عثمان من النداء الأول اتفق عليه الناس بعده: أهل المذاهب ~~الأربعة وغيرهم، كما اتفقوا على ما سنه أيضا عمر من جمع الناس في رمضان على ~~إمام واحد. # وأما ما سنه علي من إقامة عيدين فتنازع العلماء فيه وفي الجمعة على ثلاثة ~~أقوال. قيل: إنه لا يشرع في المصر إلا جمعة واحدة وعيد واحد، كقول مالك ~~وبعض أصحاب أبي حنيفة، لأنه السنة. وقيل: بل يشرع تعدد صلاة العيد في المصر ~~دون الجمعة، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. لكن قائل هذا بناه على ~~أن صلاة العيد لا يشترط لها الإقامة العدد كما يشترط للجمعة. وقالوا: إنها ~~تصلى في الحضر والسفر. وهذا خلاف المتواتر من سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسنة خلفائه الراشدين. وقيل: بل يجوز عند الحاجة أن تصلى جمعتان في ~~المصر. كما صلى علي عيدين للحاجة. وهذا مذهب ms72 أحمد بن حنبل في المشهور عنه، ~~وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وأكثر المتأخرين من أصحاب الشافعي. وهؤلاء يحتجون ~~بفعل علي بن أبي طالب لأنه من الخلفاء الراشدين. # وكذلك أحمد بن حنبل جوز التعريف بالأمصار، احتج بأن ابن عباس فعله ~~بالبصرة. وكان ذلك في خلافة علي، وكان ابن عباس نائبه بالبصرة. فأحمد بن ~~حنبل وكثير من العلماء يتبعون عليا فيما سنه، كما يتبعون عمر وعثمان فيما ~~سناه. وآخرون من العلماء، كمالك وغيره، لا يتبعون عليا فيما سنه، وكلهم ~~متفقون على اتباع عمر وعثمان فيما سناه. فإن جاز القدح في عمر وعثمان فيما ~~سناه، وهذا حاله، فلأن يقدح في علي فيما سنه - وهذا حاله - بطريق الأولى. PageV01P120 # وإن قيل بأن ما فعله علي سائغ لا يقدح فيه، لأنه باجتهاده، أو لأنه سنة ~~يتبع فيه، فلأن يكون ما فعله عمر وعثمان كذلك بطريق الأولى. # ومن هذا الباب ما يذكر مما فعله عمر، مثل تضعيف الصدقة، التي هي جزية في ~~المعنى، على نصارى بني تغلب، وأمثال ذلك. # ثم من العجب أن الرافضة تنكر شيئا فعله عثمان بمشهد من الأنصار ~~والمهاجرين، ولم ينكروه عليه، واتبعه المسلمون كلهم عليه في آذان الجمعة، ~~وهم قد زادوا في الأذان شعارا لم يكن يعرف على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا نقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في الأذان، وهو ~~قولهم: "حي على خير العمل". # وغاية ما ينقل إن صح النقل، أن بعض الصحابة، كابن عمر رضي الله عنهما، ~~كان يقول ذلك أحيانا على سبيل التوكيد، كما كان بعضهم يقول بين النداءين: ~~حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا يسمى نداء الأمراء، وبعضهم يسميه ~~التثويب ورخص فيه بعضهم، وكرهه أكثر العلماء، ورووا عن عمر وابنه وغيرهما ~~كراهة ذلك. # ونحن نعلم بالاضطرار أن الأذان، الذي كان يؤذنه بلال وابن أم مكتوم في ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ ~~في قباء، لم يكن فيه هذا الشعار الرافضي. ولو كان فيه لنقله ms73 المسلمون ولم ~~يهملوه، كما نقلوا ما هو أيسر منه. فلما لم يكن في الذين نقلوا الأذان من ~~ذكر هذه الزيادة علم أنها بدعة باطلة. # وهؤلاء الأربعة كانوا يؤذنون بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه تعلموا ~~الأذان، وكانوا يؤذنون في أفضل المساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد ~~قباء. وأذانهم متواتر عند العامة والخاصة. # ومعلوم أن نقل المسلمين للأذان أعظم من نقلهم إعراب آية، كقوله: ~~(وأرجلكم) ونحو ذلك. ولا شيء أشهر في شعائر الإسلام من الأذان، فنقله من ~~نقل سائر شعائر الإسلام. # وإن قيل: فقد اختلف في صفته. PageV01P121 # قيل: بل كل ما ثبت به النقل فهو صحيح سنة، ولا ريب أن تعليم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبا محذورة الأذان، وفيه الترجيع والإقامة مثناة كالأذان. ولا ~~ريب أن بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، ولم يكن في أذانه ترجيع. ~~فنقل أفراد الإقامة صحيح بلا ريب، ونقل تثنيتها صحيح بلا ريب، وأهل العلم ~~بالحديث يصححون هذا وهذا. # وهذا مثل أنواع التشهدات المنقولات. ولكن اشتهر بالحجاز آخرا إفراد ~~الإقامة التي عليها النبي صلى الله عليه وسلم بلالا. وأما الترجيع فهو يقال سرا. # وبعض الناس يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم علمه لأبي محذورة ليثبت ~~الإيمان في قلبه، لا أنه من الأذان. فقد اتفقوا على أنه لقنه أبا محذورة، ~~فلم يبق بين الناس خلاف في نقل الأذان المعروف. # خطأ الساعين في قتل عثمان وبغيهم # وأما قوله: وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل. وعابوا أفعاله، وقالوا له: غبت ~~عن بدر، وهربت يوم أحد، ولم تشهد بيعة الرضوان. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى. # فالجواب: أما قوله "وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل". # فإن أراد إنهم خالفوه خلافا يبيح قتله، أو إنهم كلهم أمروا بقتله، ورضوا ~~بقتله، وأعانوا على قتله. فهذا مما يعلم كل أحد أنه من أظهر الكذب، فإنه لم ~~يقتله إلا طائفة قليلة باغية ظالمة(1) PageV01P122 ~~. # قال ابن الزبير: "لعنت قتلة عثمان، خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، ~~فقتلهم الله كل قتلة، ونجا من ms74 نجا منهم تحت بطون الكواكب"، يعني هربوا ~~ليلا، وأكثر المسلمين كانوا غائبين، وأكثر أهل المدينة الحاضرين لم يكونوا ~~يعلمون أنهم يريدون قتله حتى قتلوه. # وإن أراد أن كل المسلمين خالفوه في كل ما فعله، أو في ما أنكر عليه. فهذا ~~أيضا كذب. فما من شيء أنك عليه إلا وقد وافقه عليه كثير من المسلمين، بل من ~~علمائهم الذين لا يتهمون بمداهنة، والذين وافقوا عثمان على ما أنكر عليه ~~أكثر وأفضل عند المسلمين من الذين وافقوا عليا على ما أنكر عليه بعض ~~الأمور، وأما في غالبها، وبعض المسلمين أنكر عليه بعض الأمور، وكثير من ذلك ~~يكون الصواب فيه مع عثمان، وبعضه يكون فيه مجتهدا، ومنه ما يكون المخالف له ~~مجتهدا: إما مصيبا وإما مخطئا. # وأما الساعون في قتله فكلهم مخطئون، بل ظالمون باغون معتدون. وإن قدر أن ~~فيهم من قد يغفر الله له، فهذا لا يمنع كون عثمان قتل مظلوما. # والذي قال له: غبت عن بدر وبيعة الرضوان، وهربت يوم أحد، قليل جدا من ~~المسلمين. ولم يعين منهم إلا اثنان أو ثلاثة أو نحو ذلك. وقد أجابهم عثمان ~~وابن عمر وغيرهما عن هذا السؤال، وقالوا: يوم بدر غاب بأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليخلفه عن ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب له النبي صلى ~~الله عليه وسلم بسهمه وأجره. PageV01P123 # ويوم الحديبية بايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان بيده. ويد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خير له من يده لنفسه، وكانت البيعة بسببه، فإنه لما ~~أرسله النبي صلى الله عليه وسلم رسولا إلى أهل مكة بلغه أنهم قتلوه، فبايع ~~أصحابه على أن لا يفروا وعلى الموت، فكان عثمان شريكا في البيعة، مختصا ~~بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم له، وطلبت منه قريش أن يطوف بالبيت دون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فامتنع من ذلك، وقال: حتى يطوف به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن ~~يرسل عمر، ms75 فأخبره أنه ليس له بمكة شوكة يحمونه، وأن عثمان له بمكة بنو ~~أمية، وهم من أشراف مكة، فهم يحمونه. # وأما التولي يوم أحد، فقد قال الله تعالى: { إن الذين تولوا منكم يوم ~~التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن ~~الله غفور حليم } [آل عمران: 155] فقد عفا الله عن جميع المتولين يوم أحد، ~~فدخل في العفو من هو دون عثمان، فكيف لا يدخل هو فيه مع فضله وكثرة ~~حسناته؟! # المحتوى # الموضوع الصفحة # شذرات من مناقب سيدنا عثمان رضي الله عنه ... # من أقوال الصحابة رضي الله عنهم في عثمان رضي الله عنه ... # من أقوال الإمام علي في عثمان وقتلته ... # من أقوال أم المؤمنين عائشة في عثمان وقتلته ... # من أقوال ابن عباس في عثمان رضي الله عنهما ... # من أقوال حذيفة بن اليمان في عثمان ... # من أقوال عبد الله بن عمر في عثمان ... # من أقوال سعد بن أبي وقاص ... # من أقوال أنس بن مالك ... # من أقوال سعيد بن زيد ... # من أقوال أبي موسى الأشعري ... # من أقوال ثمامة بن عدي ... # من أقوال أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ... # من أقوال سمرة بن جندب ... # شبهات الرافضة حول عثمان رضي الله عنه والرد عليها ... PageV01P124 # جملة الشبهات التي أوردها الرافضة ... # من العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدعون أن عليا كان أبلغ فيه من ~~عثمان ... # هل للخليفة أن يوصي بالخلافة لولده ؟ ... # الرافضة موصوفون بالغلو عن الأمة ... # دفع دعوى أئمة الرافضة والإسماعيلية ... # بيان أن كل شخص سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يؤخذ من قوله ويترك ... # نواب عثمان كانوا أطوع من نواب علي ... # بيان أن عثمان لم يستعمل إلا من استعمله النبي صلى الله عليه وسلم ... # الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعمل من بني هاشم إلا علي بن أبي طالب ... # التقديم يكون بفضيلة الإيمان والتقوى ... # القاعدة الكلية: لا أحد معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ... # المسلمون مجمعون على أن الذنوب تمحى بالتوبة ... # شيعة عثمان أقل غلوا فيه من شيعة علي ms76 ... # الخوارج يكفرون عثمان وعليا جميعا ... # ما قالته شيعة علي في عثمان أعظم مما قالته شيعة عثمان في علي ... # أهل السنة يتولون عثمان وعليا جميعا ... # بيان أن الذنوب من جميع المؤمنين هي سبب العذاب ولكن العقوبة في الآخرة ~~تندفع بعشرة أسباب ... # السبب الأول: التوبة ... # * توبة عثمان من الأمور التي أنكرت عليه ... # السبب الثاني: الاستغفار ... # السبب الثالث: الأعمال الصالحة ... # * العمل المقبول يمحو الله به الخطايا ... # السبب الرابع: الدعاء للمؤمنين ... # السبب الخامس: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره لشفاعته ... # السبب السادس: ما يفعل بعد الموت من عمل صالح ... # السبب السابع: المصائب الدنيوية تكفر الذنوب ... # السبب الثامن: ضغطة القبر وفتنة الملكين ... # السبب التاسع: ما يحصل له في الآخر من كرب أهوال يوم القيامة ... # السبب العاشر: الصراط سبب دخول الجنة ... # حول تولية عثمان رضي الله عنه بعض الولاة ... # تأديب عثمان الولاة إذا ظهر منهم ما يوجب ذلك ... # بيان أن عثمان لم يقسم المال بين أقاربه ... PageV01P125 # استعمال عثمان للوليد بن عقبة ... # * تحليل لشخصية الوليد بن عقبة ... # الوالي قد يذنب والخليفة لا يعلم ... # استعمال عثمان لسعيد بن العاص ... # سيرة المجاهد سعيد بن العاص ... # عزل عثمان لسعيد لم يكن من ذنب أتاه ... # دور ابن سبأ في الفتنة ... # لم يأمر عثمان بقتل معصوم الدم ... # * بيان أن عثمان لم يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ... # عمر بن الخطاب ولى معاوية الشام ... # عبد الله بن عامر أحد قواد الإسلام ... # مسألة تولية مروان بن الحكم ... # * لم يكن مروان سبب الفتنة وحده ... # * إثارة الفتنة كان من بعض الموتورين ... # * كان تأديب مروان واجبا ... # إحسان عثمان شمل الجميع ... # عبد الله بن مسعود وجمع القرآن ... # بين عثمان وابن مسعود ... # مسألة جمع القرآن تكتب بمداد من ذهب لعثمان ... # لماذا لم يكن ابن مسعود في لجنة جمع المصحف ؟ ... # إنكار ابن مسعود على الوليد بن عقبة ... # تطاول الموتورين على والي الكوفة الجديد ... # معاوية يثني الموتورين عن الفتنة ... # عثمان أفضل من كل من تكلم فيه ... # عثمان كان من أحرص الناس ألا يجرح شعور أي صحابي ... # حقيقة قصة عمار في ms77 الرواية الصحيحة ... # لأمير المؤمنين تأديب رعيته ... # عثمان يشهد لعمار بالجنة ... # حب الرسول صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر ... # كون الرجل محبوبا لله ورسوله لا يمنع أن يؤدب بأمر الله ورسوله ... # * الحدود كفارة لأهلها ... # قصة نفي الحكم ليست في الصحاح ... # عثمان شفع في الحكم ... # كان مروان مسلما ظاهرا وباطنا ... # جاز صلة المسلم لأهل السنة ... # السبب الحقيقي في اعتزال أبي ذر ... # سبب اعتكاف أبي ذر في الربذة ... # أبو ذر أوجب ما لم يوجبه الله على الناس ... # مسألة قتل الهرمزان ... # الهرمزان ساعد على قتل عمر ... # ولي الهرمزان هو ولي الأمر، وله العفو عنه إلى الدية ... # للإمام أن يعفو ... # دم عثمان أعظم حرمة من غيره ... # عثمان رضي الله عنه - كان ينفذ الحدود ... PageV01P126 # لم يكن الإمام علي عاجزا عن تطبيق الحدود ... # الرافضة تتكلم بالكلام المتناقض ... # الصحابة يوافقون عثمان على اجتهاده ... # النداء الأول في الجمعة اتفق عليه الناس ... # اجتهاد الخلفاء الراشدين ... # خطأ الساعين في قتل عثمان وبغيهم ... # خطبة عثمان الجامعة يوم التروية لبيان حقيقة من ثار بالفتنة ... # المحتوى ... # تم الكتاب ولله الحمد. PageV01P127 ms78