######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0031237 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: السياسة الشرعية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0031237 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-31237 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/31237 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1418هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: 136 #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المقدمة # السياسة الشرعية # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات والهدى، وأنزل معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم الله ~~من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز؛ وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~الذي أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله؛ وأيده بالسلطان ~~النصير، الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة؛ ومعنى القدرة والسيف ~~للنصرة والتعزير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة ~~أخلص من الذهب الإبريز، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وصحبه وسلم تسليما كثيرا، شهادة يكون صاحبها في حرز حريز. (أما بعد) فهذه ~~رسالة مختصرة (1) فيها جوامع من السياسة الإلهية والآيات النبوية، لا ~~يستغني عنها الراعي والرعية، اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيما ثبت عنه من غير وجه في صحيح مسلم ~~وغيره: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» . ~~وهذه الرسالة مبنية على آيتين في كتاب الله: وهما قوله تعالى: PageV01P005 # {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا - يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} [النساء: 58 - 59] (سورة النساء: الآيتان 58، 59) . قال ~~العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور؛ عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من ~~الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ~~ومغازيهم وغير ذلك؛ إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله فلا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق فإن تنازعوا في شيء ردوه ms01 إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك، أطيعوا فيما يأمرون ~~به من طاعة الله ورسوله، لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأديت حقوقهم إليهم ~~كما أمر الله ورسوله، قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] (سورة المائدة: من الآية 2) . وإذا كانت ~~الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل: فهذان جماع ~~السياسة العادلة، والولاية الصالحة. # PageV01P006 ### | فصل أنواع أداء الأمانات ### | القسم الأول الولايات # فصل أما أداء الأمانات ففيه نوعان: أحدهما الولايات: وهو كان سبب نزول ~~الآية. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من ~~بني شيبة، طلبها منه العباس، ليجمع له بين سقاية الحاج، وسدانة البيت، ~~فأنزل الله هذه الآية، فدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة. فيجب على ولي ~~الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين، أصلح من يجده لذلك العمل، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو ~~يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله» . وفي رواية: «من ولى ~~رجلا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ~~ورسوله وخان المؤمنين» . رواه الحاكم في صحيحه. وروى بعضهم أنه من قول عمر: ~~لابن عمر، روي ذلك عنه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " من ولي من أمر ~~المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله ~~والمسلمين ". وهذا واجب عليه. فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من ~~نوابه على الأمصار؛ من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان، والقضاة، ونحوهم، ~~ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الصغار والكبار، وولاة الأموال: من ~~الوزراء، والكتاب، والشادين، والسعاة على الخراج والصدقات، وغير ذلك من ~~الأموال التي للمسلمين. وعلى كل واحد من هؤلاء، أن يستنيب ويستعمل أصلح من # PageV01P007 # يجده؛ وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين، والمقرئين، والمعلمين، ~~وأمراء الحاج، والبرد، والعيون الذين هم القصاد، وخزان ms02 الأموال، وحراس ~~الحصون، والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن، ونقباء العساكر ~~الكبار والصغار، وعرفاء القبائل والأسواق، ورؤساء القرى الذين هم " ~~الدهاقين ". فيجب على كل من ولي شيئا من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم، أن ~~يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه ~~طلب الولاية، أو سبق في الطلب؛ بل يكون ذلك سببا للمنع؛ فإن في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أن قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية؛ فقال: إنا لا ~~نولي أمرنا هذا من طلبه» . «وقال لعبد الرحمن بن سمرة: " يا عبد الرحمن! لا ~~تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها؛ وإن أعطيتها عن ~~مسألة وكلت إليها» أخرجاه في الصحيحين؛ وقال صلى الله عليه وسلم: «من طلب ~~القضاء واستعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه؛ أنزل ~~الله عليه ملكا يسدده» . رواه أهل السنن. فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى ~~غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو مرافقة في بلد أو ~~مذهب؛ أو طريقة، أو جنب: كالعربية، والفارسية، والتركية، والرومية، أو ~~لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه ~~على الأحق، أو عداوة بينهما: فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي ~~عنه في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال: 27] (سورة الأنفال: الآية 27) . ثم قال: ~~{واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم} [الأنفال: ~~28] (سورة الأنفال: الآية 28) . # PageV01P008 # فإن الرجل لحبه لولده، أو لعتيقه، قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما ~~لا يستحقه؛ فيكون قد خان أمانته؛ وكذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه؛ ~~بأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان ~~الله ورسوله، وخان أمانته. ثم إن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه، يثبته ~~الله فيحفظه في أهله وماله بعده، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده ms03 ~~فيذل أهله، ويذهب ماله. وفي ذلك الحكاية المشهورة: أن بعض خلفاء بني ~~العباس، سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد ~~العزيز، قيل له: يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم ~~فقراء لا شيء لهم -وكان في مرض موته- فقال: أدخلوهم علي، فأدخلوهم: وهم ~~بضعة عشر ذكرا، ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال لهم: يا بني ~~والله ما منعتكم حقا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم؛ ~~وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين؛ وإما غير صالح، فلا ~~أخلف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني. قال: فلقد رأيت بعض بنيه، ~~حمل على مائة فرس في سبيل الله، يعني أعطاها لمن يغزو عليها. قلت: هذا وقد ~~كان خليفة المسلمين، من أقصى المشرق: بلاد الترك، إلى أقصى المغرب: بلاد ~~الأندلس وغيرها، ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها، إلى ~~أقصى اليمن. وإنما أخذ كل واحد من أولاده، من تركته شيئا يسيرا، يقال: أقل ~~من عشرين درهما- قال وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد ~~منهم ستمائة ألف # PageV01P009 # دينار: ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس -أي يسألهم بكفه- وفي هذا الباب من ~~الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان، والمسموعة عما قبله؛ ما فيه عبرة ~~لكل ذي لب. وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة ~~يجب أداؤها في مواضع: مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر -رضي الله عنه- في ~~الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، ~~وأدى الذي عليه فيهما» رواه مسلم. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي ~~الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضيعت الأمانة، فانتظر ~~الساعة. قيل يا رسول الله: وما إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله ~~فانتظر الساعة» . وقد أجمع المسلمون على معنى هذا؛ فإن وصي اليتيم، وناظر ~~الوقف، ووكيل الرجل في ماله؛ عليه أن يتصرف ms04 له بالأصلح فالأصلح، كما قال ~~الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الإسراء: 34] ~~(سورة الإسراء: من الآية 34) . ولم يقل إلا بالتي هي حسنة. وذلك لأن الوالي ~~راع على الناس بمنزلة راعي الغنم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم ~~راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسئول عن ~~رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها، والولد راع في ~~مال أبيه، وهو مسئول عن رعيته؛ والعبد راع في مال سيده، وهو مسئول عن ~~رعيته؛ ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» . أخرجاه في الصحيحين، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «ما من راع يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش ~~لها، إلا حرم الله عليه رائحة الجنة» . رواه مسلم. ودخل أبو مسلم الخولاني ~~على معاوية بن أبي سفيان، فقال: السلام # PageV01P010 # عليكم أيها الأجير؛ فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير. فقال السلام ~~عليك أيهما الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال السلام عليك ~~أيها الأجير. فقالوا قل السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها ~~الأجير. فقال معاوية. دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول، فقال إنما أنت ~~أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها؛ فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، ~~وحبست أولاها على أخراها: وفاك سيدها أجرك، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم ~~تداو مرضاها؛ ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها. وهذا ظاهر في ~~الاعتبار: فإن الخلق عباد الله، والولاة نواب الله على عباده، وهم وكلاء ~~العباد على نفوسهم؛ بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر؛ ففيهم معنى الولاية ~~والوكالة؛ ثم الولي والوكيل متى استناب في أموره رجلا، وترك من هو أصلح ~~للتجارة أو العقار منه، وباع السلعة بثمن، وهو يجد من يشتريها بخير من ذلك ~~الثمن؛ فقد خان صاحبه، لا سيما إن كان بين من حاباه وبينه مودة أو قرابة، ~~فإن صاحبه يبغضه ويذمه، ويرى أنه قد خانه وداهن قريبه أو صديقه. # PageV01P011 ### | الأصلح هو الأولى # إذا عرف هذا، فليس عليه ms05 أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في ~~موجوده من هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه، ~~وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخذه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، ~~وقام بالواجب في هذا، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند الله؛ ~~وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره، إذا لم يمكن إلا ذلك، فإن الله يقول: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] (سورة التغابن: من الآية 16) . ~~ويقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] (سورة البقرة: من ~~الآية 286) وقال في الجهاد في سبيل الله: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا ~~نفسك وحرض المؤمنين} [النساء: 84] (سورة النساء: من الآية 84) . وقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ~~(سورة المائدة: من الآية 105) . فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى: ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . ~~أخرجاه في الصحيحين؛ لكن إن كان منه عجز بلا حاجة إليه، أو خيانة عوقب على ~~ذلك. وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة ~~والأمانة. كما قال تعالى: {إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] ~~(سورة القصص: من الآية 26) . وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام: {إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين} [يوسف: 54] (سورة يوسف: من الآية 54) . وقال تعالى في صفة ~~جبريل: {إنه لقول رسول كريم - ذي قوة عند ذي العرش مكين - مطاع ثم أمين} ~~[التكوير: 19 - 21] (سورة التكوير: الآيات 19-21) . # PageV01P012 # والقوة في كل ولاية بحسبها؛ فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، ~~وإلى الخبرة بالحروب، والخادعة فيها، فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على ~~أنواع القتال: من رمي وطعن وضرب وركوب، وكر، وفر، ونحو ذلك؛ كما قال الله ~~تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم} [الأنفال: 60] (سورة الأنفال: من الآية 60) . وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن ms06 تعلم ~~الرمي ثم نسيه فليس منا» وفي رواية: «فهي نعمة جحدها» رواه مسلم. والقوة في ~~الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى ~~القدرة على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ~~ثمنا قليلا، وترك خشية الناس؛ وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل ~~من حكم على الناس، في قوله تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~[المائدة: 44] (سورة المائدة: من الآية 44) . ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. فرجل علم الحق ~~وقضى بخلافه، فهو في النار. لرجل قضى بين الناس على جهل، فهو في النار، ~~ورجل علم الحق وقضى به، فهو في الجنة» رواه أهل السنن. والقاضي اسم كل من ~~قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان # PageV01P013 # خليفة، أو سلطانا، أو نائبا، أو واليا؛ أو كان منصوبا ليقضي بالشرع، أو ~~نائبا له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط، إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ظاهر. # PageV01P014 ### | فصل القوة والأمانة هما المطلوب في الشرع # فصل اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب -رضي ~~الله عنه- يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة. فالواجب في كل ~~ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة: ~~قدم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها: فيقدم في إمارة الحروب الرجل ~~القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا؛ ~~كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر ~~والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، ~~وفجوره على نفسه؛ وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين. ~~فيغزي مع القوي الفاجر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد ~~هذا الدين بالرجل الفاجر» . وروي «بأقوام لا خلاق لهم» . وإن ms07 لم يكن فاجرا، ~~كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده. ولهذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، ~~وقال: «إن خالدا سيف سد الله على المشركين» . مع أنه أحيانا قد كان يعمل ما ~~ينكره النبي، صلى الله عليه وسلم، حتى إنه -مرة- قام ثم رفع يديه إلى ~~السماء وقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد " لما أرسله إلى بني ~~جذيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض ~~من معه من الصحابة، حتى وداهم النبي صلى الله عليه وسلم، وضمن أموالهم؛ ومع ~~هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، # PageV01P015 # وفعل ما فعل بنوع تأويل. وكان أبو ذر -رضي الله عنه- أصلح منه في الأمانة ~~والصدق؛ ومع هذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر إني أراك ~~ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم» ~~. رواه مسلم. نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية، لأنه رآه ضعيفا مع أنه قد ~~روي: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر» . وأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل -استعطافا ~~لأقاربه الذين بعثه إليهم- على من هم أفضل منه. وأمر أسامة بن زيد؛ لأجل ~~طلب ثأر أبيه. وكذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة، مع أنه قد كان يكون مع ~~الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان. وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنه- ما زال يستعمل خالدا في حرب أهل الردة، ~~وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه ~~أنه كان له فيها هوى، فلم يعزله من أجلها؛ بل عاتبه عليها: لرجحان المصلحة ~~على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير، ~~إذا كان ms08 خلقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة؛ ~~وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين؛ ~~ليعتدل الأمر. ولهذا كان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يؤثر استنابة خالد؛ ~~وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يؤثر عزل خالد، واستنابة أبي عبيدة بن ~~الجراح -رضي الله عنه- لأن خالدا كان شديد، كعمر بن الخطاب، وأبا # PageV01P016 # عبيدة كان لينا كأبي بكر؛ وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه؛ ليكون ~~أمره معتدلا، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو ~~معتدل؛ حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا نبي الرحمة، أنا نبي ~~الملحمة» . وقال: «أنا الضحوك القتال» . وأمته وسط قال الله تعالى فيهم: ~~{أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا} [الفتح: 29] (سورة الفتح: من الآية 29) . وقال تعالى: {أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] (سورة المائدة: من الآية 54) . ~~ولهذا لما تولى أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- صارا كاملين في الولاية، ~~واعتدل منهما ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، من لين أحدهما وشدة الآخر، حتى قال فيهما النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» . وظهر من أبي بكر من شجاعة ~~القلب في قتال أهل الردة وغيرهم: ما برز به علي عمر وسائر الصحابة، رضي ~~الله عنهم أجمعين. وإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد، قدم ~~الأمين؛ مثل حفظ الأموال ونحوها؛ فأما استخراجها وحفظها، فلا بد فيه من قوة ~~وأمانة، فيولى عليها شاد قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته ~~وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أهل العلم والدين ~~جمع بين المصلحتين، وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد ~~جمع بين عدد؛ فلا بد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى، إذا لم تقع الكفاية ~~بواحد تام. ويقدم في ولاية القضاء: الأعلم الأورع الأكفأ؛ فإن كان ms09 أحدهما ~~أعلم، # PageV01P017 # والآخر أورع؛ قدم -فيما قد يظهر حكمه، ويخاف فيه الهوى- الأورع؛ وفيما ~~يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه: الأعلم. ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «إن الله يحب البصر النافذ عند وررد الشبهات، ويحب العقل ~~الكامل عند حلول الشهوات» . ويقدمان على الأكفأ، إن كان القاضي مؤيدا ~~تأييدا تاما، من جهة والي الحرب، أو العامة. ويقدم الأكفأ إن كان القضاء ~~يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي، أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن ~~القاضي المطلق يحتاج أن يكون عالما عادلا قادرا. بل وكذلك كل وال للمسلمين، ~~فأي صفة من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه، والكفاءة: إما بقهر ورهبة؛ ~~وإما بإحسان ورغبة؛ وفي الحقيقة فلا بد منهما. وسئل بعض العلماء: إذا لم ~~يوجد من يولى القضاء؛ إلا عالم فاسق، أو جاهل دين؛ فأيهما يقدم؟ فقال: إن ~~كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين. وإن كانت الحاجة إلى ~~العلم أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم. وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين، فإن ~~الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي، من أن يكون عدلا أهلا للشهادة، ~~واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدا، أو يجوز أن يكون مقلدا، ~~أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل، كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال. وبسط الكلام ~~على ذلك في غير هذا الموضع. ومع أنه يجوز تولية كير الأهل للضرورة، إذا كان ~~أصلح الموجود فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لا ~~بد لهم منه، # PageV01P018 # من أمور الولايات والإمارات ونحوها: كما يجب على المعسر السعي في وفاء ~~دينه، وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعداد ~~للجهاد، بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها فإنه لا يجب ~~تحصيلها، لأن الوجوب هنا لا يتم إلا بها. # PageV01P019 ### | كيفية معرفة الأصلح في الولاية # وأهم ما في هذا الباب معرفة الأصلح، ms10 وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ~~ومعرفة طريق المقصود؛ فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر. فلهذا لما غلب ~~على أكثر الملوك قصد الدنيا، دون الدين؛ قدموا في ولايتهم من يعينهم على ~~تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه، يؤثر تقديم من يقيم رئاسته؛ وقد ~~كانت السنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم: هم أمراء ~~الحرب، الذين هم نواب ذي السلطان على الأجناد؛ ولهذا لما قدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة، قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها. ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على حرب، كان هو الذي يؤمره ~~للصلاة بأصحابه، وكذلك إذا استعمل رجلا نائبا على مدينة، كما استعمل عتاب ~~ابن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعليا ومعاذا وأبا موسى ~~على اليمن، وعمرو بن حزم على نجران: كان نائبه هو الذي يصلي بهم، ويقيم ~~فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب، وكذلك خلفاؤه بعده، ومن بعدهم من ~~الملوك الأمويين وبعض العباسيين؛ وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد؛ ~~ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد، ~~«وكان إذا عاد مريضا يقول: اللهم اشف عبدك، يشهد لك صلاة، وينكأ لك عدوا» . ~~«ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن، قال: يا معاذ إن أهم ~~أمرك # PageV01P020 # عندي الصلاة» . وكذلك كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يكتب إلى عماله: ~~إن أهم أموركم عندي الصلاة؛ فمن حافظ عليها وحفظها حفظ دينه، ومن ضيعها كان ~~لما سواها من عمله أشد إضاعة. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الصلاة عماد الدين» . فإذا أقام المتولي عماد الدين: فالصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر، وهي التي تعين الناس على ما سواها من الطاعات، كما قال ~~الله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} ~~[البقرة: 45] (سورة البقرة: الآية 45) . وقال سبحانه وتعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153] ~~(سورة البقرة: الآية ms11 153) . وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وأمر أهلك ~~بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى} [طه: 132] ~~(سورة طه: الآية 132) . وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون - ~~ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون - إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين} [الذاريات: 56 - 58] (سورة الذاريات: الآيات 56-58) . فالمقصود ~~الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ~~ينفعهم ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر ~~دنياهم. وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه؛ وعقوبات المعتدين، فمن لم يعتد ~~أصلح له دينه ودنياه: ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: [إنما بعثت عمالي ~~إليكم ليعلموكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم، ويقسموا بينكم فيئكم ". فلما تغيرت ~~الرعية من وجه، والرعاة من وجه؛ تناقصت الأمور. فإذا اجتهد الراعي في إصلاح ~~دينهم ودنياهم بحسب # PageV01P021 # الإمكان كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله؛ ~~فقد روي: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة» وفي مسند الإمام أحمد، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب الخلق إلى الله إمام عادل، ~~وأبغضهم إليه إمام جائر» وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله لوم لا ظل إلا ~~ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج ~~منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في أدنه، اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ~~ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: ~~إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما ~~تنفق يمينه» . وفي صحح مسلم عن عياض بن حمار -رضي الله عنه- قال: قال رسول ~~صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق ~~القلب بكل ذي قربى ومسلم، لرجل غني عفيف متصدق» . وفي السنن عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه ms12 قال: «الساعي على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله» . وقد ~~قال الله تعالى لما أمر بالجهاد: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~لله} [البقرة: 193] (سورة الأنفال: من الآية 39) ، «وقيل للنبي، صلى الله ~~عليه وسلم: يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، ~~فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في ~~سبيل الله» أخرجاه في الصحيحين. فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون ~~كلمة الله العليا، وكلمة الله: اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه، وهكذا ~~قال الله تعالى: # PageV01P022 # {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط} [الحديد: 25] (سورة الحديد: من الآية 25) . فالمقصود من إرسال ~~الرسل، وإنزال الكتب، أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله، وحقوق خلقه، ثم ~~قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب} [الحديد: 25] (سورة الحديد: من الآية 25) . فمن عدل عن ~~الكتاب قوم بالحديد؛ ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. وقد روي عن جابر ~~بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نضرب بهذا -يعني السيف- من عدل عن هذا -يعني المصحف-» فإذا كان هذا هو ~~المقصود، فإنه يتوسل إليه بالأقرب فالأقرب، وينظر إلى الرجلين، أيهما كان ~~أقرب إلى المقصود ولي؛ فإذا كانت الولاية مثلا: إمامة صلاة فقط؛ قدم من ~~قدمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن ~~كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم ~~هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا، ولا يؤمن الرجل الرجل في ~~سلطانه، ولا يجلس في بيته على تكرمته إلا بإذنه» رواه مسلم. فإذا تكافأ ~~رجلان: وخفي أصلحهما، أقرع بينهما، كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم ~~القادسية، لما تشاجروا على الأذان، متابعة لقوله، صلى الله عليه وسلم: «لو ~~يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه ~~لاستهموا» ms13 . فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، وبفعله -وهو ما يرجحه ~~بالقرعة إذا خفي الأمر- كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى ~~أهلها. # PageV01P023 ### | القسم الثاني الأموال ### | الأعيان والديون الخاصة والعامة # فصل القسم الثاني من الأمانات: الأموال، كما قال تعالى في الديون: {فإن ~~أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه} [البقرة: 283] ~~(سورة البقرة: من الآية 283) . ويدخل في هذا القسم: الأعيان، والديون ~~الخاصة، والعامة: مثل رد الودائع، ومال الشريك، والموكل، والمضارب، ومال ~~المولى عليه، من اليتيم وأهل الوقف ونحو ذلك، وكذلك وفاء الديون من أثمان ~~المبيعات، وبدل القرض، وصدقات النساء وأجور المنافع، ونحو ذلك. وقد قال ~~الله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا - إذا مسه الشر جزوعا - وإذا مسه الخير ~~منوعا - إلا المصلين - الذين هم على صلاتهم دائمون - والذين في أموالهم حق ~~معلوم - للسائل والمحروم} [المعارج: 19 - 25] (سورة المعارج: الآيات 19-25) ~~. إلى قوله: {هم لأماناتهم وعهدهم راعون} [المعارج: 32] (سورة المعارج: ~~الآية 32) . وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105]-أي لا تخاصم عنهم- ~~(سورة النساء: الآية 105) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة ~~إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن ~~من أمنه المسلمون على دمائهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات ~~الله» . وهو حديث صحيح بعضه في الصحيحين، وبعضه في سنن الترمذي، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن ~~أخذها يريد إتلافها # PageV01P024 # أتلفه الله» . رواه البخاري. وإن كان الله قد أوجب أداء الأمانات التي ~~قبضت بحق؛ ففيه تنبيه على وجوب أداء الغضب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من ~~المظالم، وكذلك أداء العارية، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع، وقال في خطبته: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي ~~والزعيم غارم، إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ms14 فلا وصية لوارث» . وهذا القسم ~~يتناول الولاة والرعية، فعلى كل منهما: أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه ~~إليه، فعلى ذي السلطان، ونوابه في العطاء، أن يؤتوا كل ذي حق حقه، وعلى ~~جباة الأموال كأهل الديوان أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه؛ ~~وكذلك على الرعية الذين تجب عليهم الحقوق؛ وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة ~~الأموال ما لا يستحقونه، فيكونون من جنس من قال الله تعالى فيه: {ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون - ~~ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} [التوبة: 58 - 59] (سورة التوبة: الآيتان ~~58، 59) . ثم بين سبحانه لمن تكون بقوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60] (سورة التوبة: الآية ~~60) . ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق، وإن كان ~~ظالما؛ كما «أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر جور الولاة، قال: أدوا ~~إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» . ففي الصحيحين عن أبي ~~هريرة -رضي الله # PageV01P025 # عنه -عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم ~~الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، فإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء ~~ويكثرون. قالوا: فما تأمرنا؟ فقال: أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم ~~حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم» . وفيهما عن ابن مسعود -رضي الله عنه- ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا ~~تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا به يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم؛ ~~واسألوا الله حقكم» . وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم ~~المالك ملكه، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء، ليسوا ملاكا؛ كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إني -والله- لا أعطي أحدا، ولا أمنع أحدا؛ وإنما أنا ~~قاسم أضع حيث أمرت» . رواه البخاري ms15 وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- نحوه. ~~فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، ~~كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله، وكما يفعل ذلك الملوك ~~الذين يعطون من أحبوا ويمنعون من أبغضوا، وإنما هو عبد الله، يقسم المال ~~بأمره، فيضعه حيث أمره الله تعالى. وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب: يا أمير ~~المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى، فقال له عمر: ~~أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالا، ~~وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من ~~أموالهم؟ وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مال عظيم من الخمس: ~~فقال: إن قوما أدوا الأمانة في هذا لأمناء. فقال له بعض الحاضرين: إنك أديت # PageV01P026 # الأمانة إلى الله تعالى، فأدوا إليك الأمانة، ولو رتعت لرتعوا. # وينبغي أن يعرف أن أولي الأمر كالسوق، ما نفق فيه جلب إليه، هكذا قال عمر ~~بن عبد العزيز -رضي الله عنه- فإن نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة، ~~جلب إليه ذلك، وإن نفق فيه الكذب والفجور والجور والخيانة، جلب إليه ذلك. ~~والذي على ولي الأمر، أن يأخذ المال من حله، ويضعه في حقه، ولا يمنعه من ~~مستحقه، وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إذا بلغه أن بعض نوابه ظلم، ~~يقول: اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك، ولا أن يتركوا حقك. # PageV01P027 ### | فصل الأموال السلطانية ### | الغنيمة # فصل الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة؛ ثلاثة أصناف: ~~الغنيمة، والصدقة، والفيء. # فأما " الغنيمة " فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال، ذكرها الله في " ~~سورة الأنفال " التي أنزلها في غزوة بدر، وسماها أنفالا، لأنها زيادة في ~~أموال المسلمين، فقال: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} ~~[الأنفال: 1] (سورة الأنفال: من الآية1) . إلى قوله: {واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} ~~[الأنفال: 41] الآية (سورة الأنفال: الآية 41) ؛ وقال: {فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا ms16 واتقوا الله إن الله غفور رحيم} [الأنفال: 69] (سورة الأنفال: ~~الآية 69) . وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله، -رضي الله عنهما- أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة ~~شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل؛ ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى ~~قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت ~~بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل ~~رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» . رواه ~~أحمد في المسند عن ابن عمر، واستشهد به البخاري. # PageV01P028 # فالواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى؛ وقسمة ~~الأخماس الباقية بين الغانمين، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الغنيمة ~~لمن شهد الوقعة. وهم الذين شهدوها للقتال، قاتلوا أو لم يقاتلوا. ويجب ~~قسمها بينهم بالعدل، فلا يحابى أحد، لا لرياسته، ولا لنسبه، ولا لفضله، كما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يقسمونها. وفي صحيح البخاري: «أن سعد ~~بن أبي وقاص -رضي الله عنه- رأى له فضلا على من دونه، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» . وفي مسند أحمد «عن سعد بن ~~أبي وقاص، قال: قلت: يا رسول الله! الرجل يكون حامية القوم، يكون سهمه وسهم ~~غيره سواء؟ قال: " ثكلتك أمك ابن أم سعد؛ وهل ترزقون وتنصرون إلا ~~بضعفائكم؟» . وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية، ودولة ~~بني العباس، لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر؛ لكن يجوز للإمام ~~أن ينفل من ظهر منه زيادة نكاية: كسرية تسرت من الجيش، أو رجل صعد حصنا ~~عاليا ففتحه، أو حمل على مقدم العدو فقتله، فهزم العدو، ونحو ذلك، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا ينفلون لذلك. وكان ينفل السرية في ~~البداية الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد ms17 الخمس. وهذا النفل؛ قال ~~العلماء: إنه يكون من الخمس. وقال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس؛ لئلا يفضل ~~بعض الغانمين على بعض. والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس، وإن كان فيه ~~تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية؛ لا لهوى النفس، كما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غير مرة. وهذا قول فقهاء الشام، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، ~~وعلى هذا فقد # PageV01P029 # قيل: إنه ينفل الربع والثلث بشرط وغير شرط، وينفل الزيادة على ذلك ~~بالشرط، مثل أن يقول: من دلني على قلعة فله كذا، أو من جاءني برأس فله كذا ~~ونحو ذلك. وقيل: لا ينفل زيادة على الثلث، ولا ينفله إلا بالشرط، وهذان ~~قولان لأحمد وغيره. وكذلك -على القول الصحيح- للإمام أن يقول: من أخذ شيئا ~~فهو له؛ كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد قال ذلك في غزوة بدر. ~~إذا رأى ذلك مصلحة راجحة على المفسدة. وإذا كان الإمام يجمع الغنائم ~~ويقسمها لم يجز لأحد أن يغل منها شيئا {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} ~~[آل عمران: 161] (سورة آل عمران من الآية 161) فإن الغلول خيانة. ولا تجوز ~~النهبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها. فإذا ترك الإمام الجمع ~~والقسمة، وأذن في الأخذ إذنا جائزا: فمن أخذ شيئا بلا عدوان، حل له بعد ~~تخميسه، وكل ما دل على الإذن فهو إذن. وأما إذا لم يأذن أو أذن إذنا غير ~~جائز: جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة، متحريا للعدل في ذلك. ~~ومن حرم على المسلمين جمع الغنائم، والحال هذه، وأباح للإمام أن يفعل فيها ~~ما يشاء: فقد تقابل القولان تقابل الطرفين، ودين الله وسط. والعدل في ~~القسمة: أن يقسم للراجل سهم، وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم: سهم له، ~~وسهمان لفرسه، هكذا قسم النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر. ومن الفقهاء من ~~يقول: للفارس سهمان، والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس ~~يحتاج إلى مئونة نفسه وسائسه -منفعة الفارس به أكثر من ms18 منفعة راجلين- ومنهم ~~من يقول: يسوي بين الفرس العربي والهجين في هذا. ومنهم من يقول: بل الهجين ~~يسهم له سهم واحد، كما روي عن # PageV01P030 # النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والفرس الهجين: الذي تكون أمه نبطية ~~-ويسمى البرذون -وبعضهم يسميه التتري، سواء كان حصانا، أو خصيا، ويسمى ~~الإكديش أو رمكة، وهي الحجر: كان السلف يعدون للقتال الحصان، لقوته وحدته، ~~وللإغارة والبيات الحجر، لأنه ليس لها صهيل ينذر العدو فيحترزون، وللسير ~~الخصي، لأنه أصبر على السير. وإذا كان المغنوم مالا -قد كان للمسلمين قبل ~~ذلك. من عقار أو منقول، وعرف صاحبه قبل القسمة- فإنه يرد إليه بإجماع ~~المسلمين. وتفاريع المغانم وأحكامها: فيها آثار وأقوال اتفق المسلمون على ~~بعضها، وتنازعوا في بعض ذلك، وليس هذا موضعها؛ وإنما الغرض ذكر الجمل ~~الجامعة. # PageV01P031 ### | الصدقات # فصل وأما الصدقات، فهي لمن سمى الله تعالى في كتابه؛ فقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «أن رجلا سأله من الصدقة، فقال: " إن الله لم يرض في ~~الصدقة بقسم نبي ولا غيره؛ ولكن جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك ~~الأجزاء أعطيتك» . (فالفقراء والمساكين) يجمعهما معنى الحاجة إلى الكفاية؛ ~~فلا تحل الصدقة لغني، ولا لقوي مكتسب. (والعاملين عليها) هم الذين يجبونها، ~~ويحفظونها، ويكتبونها، ونحو ذلك. (والمؤلفة قلوبهم) فنذكرهم -إن شاء الله ~~تعالى- في مال ### | الفيء. # (وفي الرقاب) يدخل فيه إعانة المكاتبين، وافتداء الأسرى، وعتق الرقاب. ~~هذا أقوى الأقوال فيها. (والغارمين) هم الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءها. ~~فيعطون وفاء ديونهم، ولو كان كثيرا، إلا أن يكونوا غرموه في معصية الله ~~تعالى، فلا يعطون حتى يتوبوا. (وفي سبيل الله) وهم الغزاة الذين لا يعطون ~~من مال الله ما يكفيهم لغزوهم، فيعطون ما يغزون به، أو تمام ما يغزون به، ~~من خيل وسلاح ونفقة وأجرة؛ والحج من سبيل الله، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم. (وابن السبيل) هو المجتاز من بلد إلى بلد. # PageV01P032 ### | الفيء # فصل وأما الفيء، فأصله ما ذكره الله تعالى في سورة الحشر، التي أنزلها ~~الله في غزوة بني النضير، ms19 بعد بدر، من قوله تعالى: {وما أفاء الله على ~~رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من ~~يشاء والله على كل شيء قدير - ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب - للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون - ~~والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون - والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رءوف رحيم} [الحشر: 6 - 10] (سورة الحشر: الآيات 6-10) . فذكر سبحانه ~~وتعالى المهاجرين والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم على ما وصف، فدخل في ~~الصنف الثالث كل من جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة؛ كما دخلوا في قوله ~~تعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} [الأنفال: ~~75] (سورة الأنفال: من الآية 75) . وفي قوله: {والذين اتبعوهم بإحسان} ~~[التوبة: 100] (سورة التوبة: من الآية 100) . وفي قوله: {وآخرين منهم لما ~~يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم} [الجمعة: 3] (سورة الجمعة: الآية 3) . # PageV01P033 # ومعنى قوله {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6] (سورة الحشر: ~~من الآية 6) 0 أي ما حركتم ولا سقتم خيلا ولا إبلا. ولهذا قال الفقهاء: إن ~~الفيء هو ما أخذ من الكفار بغير قتال؛ لأن إيجاف الخيل والركاب هو معنى ~~القتال. وسمي فيئا؛ لأن الله أفاءه على المسلمين، أي رده عليهم من الكفار؛ ~~فإن الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنه إنما خلق ~~الخلق لعبادته. فالكافرون به أباح أنفسهم التي لم يعبدوه بها، وأموالهم ~~التي لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين ms20 الذين يعبدونه، وأفاء ~~إليهم ما يستحقونه، كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه، وإن لم يكن قبضه ~~قبل ذلك؛ وهذا مثل الجزية التي على اليهود والنصارى، والمال الذي يصالح ~~عليه العدو، أو يهدونه إلى سلطان المسلمين، كالحمل الذي يحمل من بلاد ~~النصارى ونحوهم؛ وما يؤخذ من تجار أهل الحرب، وهو العشر، ومن تجار أهل ~~الذمة إذا اتجروا في غير بلادهم، وهو نصف العشر. هكذا كان عمر بن الخطاب ~~-رضي الله عنه- يأخذ. وما يؤخذ من أموال من ينقض العهد منهم، والخراج الذي ~~كان مضروبا في الأصل عليهم، وإن كان قد صار بعضه على بعض المسلمين. ثم إنه ~~يجتمع من الفيء جميع الأموال السلطانية التي لبيت مال المسلمين: كالأموال ~~التي ليس لها مالك معين، مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معين؛ ~~وكالغصوب، والعواري، والودائع التي تعذر معرفة أصحابها؛ وغير ذلك من أموال ~~المسلمين، العقار والمنقول، فهذا ونحوه مال المسلمين. وإنما ذكر الله تعالى ~~في القرآن الفيء فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يموت على عهده ~~ميت، إلا وله وارث معين لظهور الأنساب في أصحابه، وقد # PageV01P034 # مات مرة رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى أكبر تلك القبيلة، أي أقربهم نسبا ~~إلى جدهم، وقد قال بذلك طائفة من العلماء، كأحمد في قول منصوص وغيره، ومات ~~رجل لم يخلف إلا عتيقا له، فدفع ميراثه إلى عتيقه، وقال بذلك طائفة من ~~أصحاب أحمد وغيرهم، ودفع ميراث رجل إلى رجل من أهل قريته. وكان صلى الله ~~عليه وسلم هو وخلفاؤه يتوسعون في دفع ميراث الميت، إلى من بينه وبينه نسب ~~كما ذكرناه. ولم يكن يأخذ من المسلمين إلا الصدقات، وكان يأمرهم أن يجاهدوا ~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم؛ كما أمر الله به في كتابه. ولم يكن للأموال ~~المقبوضة والمقسومة، ديوان جامع، على عهد رسول الله في وأبي بكر رضي الله ~~عنه، بل كان يقسم المال شيئا فشيئا، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه كثر المال، واتسعت البلاد، ms21 وكثر الناس، فجعل ديوان العطاء ~~للمقاتلة وغيرهم؛ وديوان الجير -في هذا الزمان- مشتمل على أكثره؛ وذلك ~~الديوان هو أهم دواوين المسلمين. وكان للأمصار دواوين الخراج والفيء وما ~~يقبض من الأموال؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يحاسبون العمال ~~على الصدقات، والفيء وغير ذلك. فصارت الأموال في هذا الزمان وما قبله ثلاثة ~~أنواع: نوع يستحق الإمام قبضه بالكتاب والسنة والإجماع، كما ذكرناه. ونوع ~~يحرم أخذه بالإجماع، كالجبايات التي تؤخذ من أهل القرية لبيت المال؛ لأجل ~~قتيل قتل بينهم، لان كان له وارث، أو على حد ارتكبه، وتسقط عنه العقوبة ~~بذلك، وكالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقا. ونوع فيه اجتهاد وتنازع كمال من ~~له # PageV01P035 # ذو رحم، وليس بذي فرض ولا عصبة، ونحو ذلك. وكثيرا ما يقع الظلم من الولاة ~~والرعية: هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما جب، كما قد يتظالم ~~الجند والفلاحون. وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب، ويكنز الولاة ~~من مال الله ما لا يحل كنزه. وكذلك العقوبات على أداء الأموال؛ فإنه قد ~~يترك منها ما يباح أو يجب؛ وقد يفعل ما لا يحل. والأصل في ذلك: أن كل من ~~عليه مال، يجب أداؤه، كرجل عنده وديعة، أو مضاربة، أو شركة، أو مال لموكله، ~~أو مال يتيم، أو مال وقف، أو مال لبيت المال؛ أو عنده دين وهو قادر على ~~أدائه، فإنه إذا امتنع من أداء الحق الواجب: من عاين، أو دين، وعرف أنه ~~قادر على أدائه؛ فإنه يستحق العقوبة، حتى يظهر المال، أو يدل على موضعه. ~~فإذا عرف المال، وصير في الحبس، فإنه يستوفي الحق من المال، ولا حاجة إلى ~~ضربه، وإن امتنع من الدلالة على ماله ومن الإيفاء، ضرب حتى يؤدي الحق أو ~~يمكن من أدائه. وكذلك لو امتنع من أداء النفقة الواجبة عليه مع القدرة ~~عليها، لما روى عمرو ابن الشريد عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «لي الواجد جل عرضه وعقوبته» ، رواه أهل السنن. وقال صلى الله عليه ms22 ~~وسلم: «مطل الفني ظلم» أخرجاه في الصحيحين، و " اللي "، هو المطل: والظالم ~~يستحق العقوبة والتعزير. وهذا أصل متفق عليه: أن كل من فعل محرما، أو ترك ~~واجبا، استحق العقوبة، فإن لم تكن مقدرة بالشرع كان تعزيرا يجتهد فيه ولي ~~الأمر فيعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، ~~وقد نص على ذلك الفقهاء: من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم # PageV01P036 # -رضي الله عنهم- ولا أعلم فيه خلافا. وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن ~~عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل خيبر على ~~الصفراء والبيضاء والسلاح، سأل بعض اليهود -وهو سعية عم حيي بن أخطب - عن ~~كنز مال حيي بن أخطب. فقال: أذهبته النفقات والحروب. فقال: " العهد قريب، ~~والمال أكثر من ذلك " فدفع النبي صلى الله عليه وسلم سعية إلى الزبير، فمسه ~~بعذاب، فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة ههنا، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المسك ~~في الخربة، وهذا الرجل كان ذميا، والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق؛ وكذلك كل ~~من كتم ما يجب إظهاره من دلالة واجبة ونحو ذلك، يعاقب على ترك الواجب. وما ~~أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه ~~منهم؛ كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل. قال أبو سعيد الخدري، رضي الله ~~عنه: هدايا العمال غلول. وروى إبراهيم الحربي -في كتاب الهدايا -عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هدايا الأمراء ~~غلول» . وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي، رضي الله عنه، قال: «استعمل ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد، يقال له ابن اللتبية، على الصدقة، ~~فلما قدم، قال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله؛ فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي ~~إلي؟ فهلا جلست في بيت أبيه، أو بيت أمه. فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي ~~نفسي بيده لا يأخذ منه شيئا، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على ms23 رقبته؛ إن ~~كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا ~~عفرتي إبطيه؛ ثم قال: اللهم هل # PageV01P037 # بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ ثلاثا» . وكذلك محاباة الولاة في ~~المعاملة من المبايعة، والمؤاجرة والمضاربة، والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك، ~~هو من نوع الهدية؛ ولهذا شاطر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من عماله من ~~كان له فضل ودين، لا يتهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل ~~الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمام عدل، يقسم ~~بالسوية. فلما تغير الإمام والرعية، كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من ~~الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له. ~~وقد يبتلى الناس من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها؛ ليتمكن بذلك من ~~استيفاء المظالم منهم، ويترك ما أوجبه الله من قضاء حوائجهم فيكون من أخذ ~~منهم عوضا على كف ظلم وقضاء حاجة مباحة أحب إليهم من هذا؛ فإن الأول قد باع ~~آخرته بدنيا غيره، وأخسر الناس صفقة من باع آخرته بدنيا غيره؛ وإنما الواجب ~~كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا ~~بها: من تبليغ ذي السلطان حاجاتهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، ~~وصرفه عن مفاسدهم؛ بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة، كما يفعل ذوو ~~الأغراض من الكتاب ونحوهم في أغراضهم. ففي حديث هند بن أبي هالة -رضي الله ~~عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أبلغوني حاجة من لا ~~يستطيع إبلاغها؛ فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها: ثبت ~~الله قدميه على الصراط يوم تزل # PageV01P038 # الأقدام» . وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود في سننه، عن أبي أمامة ~~الباهلي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شفع ~~لأخيه شفاعة، فأهدى له عليها هدية فقبلها، فقد أتى بابا غيما من أبواب ~~الربا» . وروى إبراهيم الحربي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: ms24 ~~السحت أن يطلب الحاجة للرجل، فتقضى له، فيهدي إليه هدية، فيقبلها. وروي ~~أيضا عن مسروق: أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها، فأهدى له صاحبها وصيفا، ~~فرده عليه، وقال: سمعت ابن مسعود يقول: من رد عن مسلم مظلمة، فرزأه عليها ~~قليلا أو كثيرا، فهو سحت: فقلت: يا أبا عبد الرحمن! ما كنا نرى السحت إلا ~~الرشوة في الحكم، قال: ذاك كفر. فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ~~ما يريد أن يختص به هو وذووه، فلا ينبغي إعانة واحد منهما، إذ كل منهما ~~ظالم، كلص سرق من لص، وكالطائفتين المقتتلتين على عصبية ورئاسة؛ ولا يحل ~~للرجل أن يكون عونا على ظلم؛ فإن التعاون نوعان: الأول: تعاون على البر ~~والتقوى: من الجهاد وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين؛ ~~فهذا مما أمر الله به ورسوله. ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة ~~فقد ترك فرضا على الأعيان، أو على الكفاية متوهما أنه متورع. وما أكثر ما ~~يشتبه الجبن والفشل بالورع؛ إذ كل منهما كف وإمساك. والثاني: تعاون على ~~الإثم والعدوان، كالإعانة على دم معصوم، أو أخذ مال معصوم، أو ضرب من لا ~~يستحق الضرب، ونحو ذلك؛ فهذا الذي # PageV01P039 # حرمه الله ورسوله. نعم إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق، وقد تعذر ردها ~~إلى أصحابها، ككثير من الأموال السلطانية؛ فالإعانة على صرف هذه الأموال في ~~مصالح المسلمين كسداد الثغور، ونفقة المقاتلة، ونحو ذلك: من الإعانة على ~~البر والتقوى؛ إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال -إذا لم يمكن معرفة ~~أصحابها وردها عليهم، ولا على ورثتهم -أن يصرفها- مع التوبة إن كان هو ~~الظالم- إلى مصالح المسلمين. هذا هو قول جمهور العلماء، كمالك، وأبي حنيفة، ~~وأحمد، وهو منقول عن غير واحد من الصحابة، وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية، ~~كما هو منصوص في موضع آخر. وإن كان غيره قد أخذها، فعليه هو أن يفعل بها ~~ذلك، وكذلك لو امتنع السلطان من ردها: كانت الإعانة على إنفاقها في مصالح ~~أصحابها أولى من تركها بيد من ms25 يضيعها على أصحابها، وعلى المسلمين. فإن مدار ~~الشريعة على قوله تعالى:! {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] (سورة ~~التغابن: من الآية 16) المفسر لقوله: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: ~~102] (سورة آل عمران: من الآية 102) ؛ وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» أخرجاه في الصحيحين. وعلى أن ~~الواجب تحصيل المصالح وتكميلها؛ وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان ~~تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال ~~أدناهما: هو المشروع. والمعين على الإثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه، ~~أما من أعان # PageV01P040 # المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة: فهو وكيل المظلوم؛ لا ~~وكيل الظالم؛ بمنزلة الذي يقرضه، أو الذي يتوكل في حمل المال له إلى ~~الظالم. مثال ذلك ولي اليتيم والوقف، إذا طلب ظالم منه مالا فاجتهد في دفع ~~ذلك بمال أقل منه إليه، أو إلى غيره بعد الاجتهاد التام في الدفع؛ فهو ~~محسن، وما على المحسنين من سبيل. وكذلك وكيل المالك من المنادين والكتاب ~~وغيرهم، الذي يتوكل لهم في العقد والقبض، ودفع ما يطلب منهم؛ لا يتوكل ~~للظالمين في الأخذ. وكذلك لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب أو سوق أو ~~مدينة فتوسط رجل منهم محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان وقسطها بينهم على ~~قدر طاقتهم، من غير محاباة لنفسه ولا لغيره، ولا ارتشاء، بل توكل لهم في ~~الدفع عنهم، والإعطاء: كان محسنا؛ لكن الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل ~~الظالمين محابيا مرتشيا مخفرا لمن يريد، وآخذا ممن يريد. وهذا من أكبر ~~الظلمة، الذين يحشرون في توابيت من نار، هم وأعوانهم وأشباههم، ثم يقذفون ~~في النار. # PageV01P041 ### | مصارف الفيء # فصل وأما المصارف: فالواجب أن يبدأ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح ~~المسلمين العامة: كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة. فمنهم المقاتلة: ~~الذين هم أهل النصرة والجهاد، وهم أحق الناس بالفيء، فإنه لا يحصل إلا بهم؛ ~~حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء: هل هو مختص بهم، أو مشترك في ms26 جميع ~~المصالح؟ وأما سائر الأموال السلطانية فلجميع المصالح وفاقا، إلا ما خص به ~~نوع، كالصدقات والمغنم. ومن المستحقين ذوو الولايات عليهم: كالولاة، ~~والقضاة، والعلماء، والسعاة على المال: جمعا، وحفظا، وقسمة، ونحو ذلك؛ حتى ~~أئمة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك. وكذا صرفه في الأثمان والأجور، لما يعم ~~نفعه: من سداد الثغور بالكراع، والسلاح، وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من ~~طرقات الناس: كالجسور والقناطر، وطرقات المياه كالأنهار. ومن المستحقين: ~~ذوو الحاجات؛ فإن الفقهاء قد اختلفوا هل يقدمون في غير الصدقات، من الفيء ~~ونحوه على غيرهم؛ على قولين في مذهب أحمد وغيره، منهم من قال: يقدمون، ~~ومنهم من قال: المال استحق بالإسلام، فيشتركون فيه، كما يشترك الورثة في ~~الميراث. والصحيح أنهم يقدمون؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم ذوي ~~الحاجات، كما قدمهم في مال بني النضير، وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ~~ليس أحد أحق بهذا المال من أحد؛ إنما # PageV01P042 # هو الرجل وسابقته، والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته فجعلهم ~~عمر -رضي الله عنه- أربعة أقسام: الأول: ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل ~~المال. الثاني: من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم، كولاة الأمور ~~والعلماء الذين يجتلبون لهم منافع الدين والدنيا. الثالث: من يبلي بلاء ~~حسنا في دفع الضرر عنهم، كالجاهدين في سبيل الله من الأجناد والعيون من ~~القصاد والناسحين ونحوهم. الرابع: ذوو الحاجات. وإذا حصل من هؤلاء متبرع، ~~فقد أغنى الله به؛ وإلا أعطي ما يكفيه، أو قدر عمله. وإذا عرفت أن العطاء ~~يكون بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في مال المصالح وفي الصدقات أيضا، فما ~~زاد على ذلك لا يستحقه الرجل، إلا كما يستحقه نظراؤه: مثل أن يكون شريكا في ~~غنيمة، أو ميراث. ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدا ما لا يستحقه لهوى نفسه: من ~~قرابة بينهما، أو مودة، ونحو ذلك؛ فضلا عن أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه، ~~كعطية المخنثين من الصبيان المردان: الأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا ~~والمغني، والمساخر، ونحو ذلك، أو إعطاء العرافين من الكهان والمنجمين ~~ونحوهم. لكن ms27 يجوز -بل يجب- الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن ~~كان هو لا يحل له أخذ ذلك، كما أباح الله تعالى في القرآن العطاء للمؤلفة # PageV01P043 # قلوبهم من الصدقات، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة ~~قلوبهم من الفيء ونحوه، وهم السادة المطاعون في عشائرهم، كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعطي الأقرع بن حابس سيد بني تميم، وعيينة بن حصن سيد بني ~~فزارة، وزيد الخير الطائي سيد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري سيد بني ~~كلاب، ومثل سادات قريش من الطلقاء: كصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، ~~وأبي سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعدد كثير. ففي ~~الصحيحين عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «بعث علي وهو باليمن ~~بذهيبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن حصن الفزاري، ~~وعلقمة بن علاثة العامري، سيد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، سيد بني نبهان. ~~قال: فغضبت قريش والأنصار، فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا: فقال رسول، صلى ~~الله عليه وسلم: " إني إنما فعلت ذلك لتأليفهم ". فجاء رجل كث اللحية، مشرف ~~الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا ~~محمد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فمن يتق الله إن عصيته؟ ~~أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ ! " قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل ~~من القوم في قتله، ويرون أنه خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل ~~الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ~~لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» . وعن رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: ~~«أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، ~~وعيينة بن حصن، والأقرع بن # PageV01P044 # حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ms28 ذلك، فقال ~~عباس بن مرداس: # أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع # وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع # وما كنت دون امرئ منهما ... ومن يخفض اليوم لا يرفع # قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة.» رواه مسلم و " العبيد ~~" اسم فرس له. والمؤلفة قلوبهم نوعان: كافر ومسلم؛ فالكافر: إما أن يرجى ~~بعطيته منفعة: كإسلامه؛ أر دفع مضرته، إذا لم يندفع إلا بذلك. والمسلم ~~المطاع يرجى بعطيته المنفعة أيضا، كحسن إسلامه. أو إسلام نظيره، أو جباية ~~المال ممن لا يعطيه إلا لخوف، أو النكاية في العدو، أو كف ضرره عن ~~المسلمين، إذا لم ينكف إلا بذلك. وهذا النوع من العطاء، وإن كان ظاهره ~~إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء، كما يفعل الملوك؛ فالأعمال بالنيات؛ فإذا كان ~~القصد بذلك مصلحة الدين وأهله، كان من جنى عطاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد، كان من جنس عطاء فرعون؛ ~~وإنما ينكره ذوو الدين الفاسد كذي الخويصرة الذي أنكره على النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى قال فيه ما قال، وكذلك حزبه الخوارج أنكروا على أمير ~~المؤمنين علي -رضي الله عنه- ما قصد به المصلحة من التحكيم، ومحو اسمه، وما ~~تركه من سبي نساء المسلمين وصبيانهم. وهؤلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتالهم، لأن معهم دينا فاسدا لا يصلح به دنيا ولا # PageV01P045 # آخرة، وكثيرا ما يشتبه الورع الفاسد بالجبن والبخل: فإن كليهما فيه ترك؛ ~~فيشتبه ترك الفساد؛ لخشية الله تعالى بترك ما يؤمر به من الجهاد والنفقة: ~~جبنا وبخلا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شر ما في المرء شح هالع ~~وجبن خالع» . قال الترمذي: حديث صحيح. وكذلك قد يترك الإنسان العمل ظنا أو ~~إظهارا أنه ورع؛ وإنما هو كبر وإرادة للعلو: وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» كلمة جامعة كاملة، فإن النية للعمل، كالروح ~~للجسد، وإلا فكل واحد من الساجد لله، والساجد للشمس والقمر، قد وضع جبهته ~~على الأرض، ms29 فصورتهما واحدة؛ ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى، وهذا أبعد ~~الخلق عن الله. وقد قال الله تعالى: {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} ~~[البلد: 17] (سورة البلد: من الآية 17) . وفي الأثر: أفضل الإيمان: السماحة ~~والصبر. فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود، الذي هو العطاء؛ ~~والنجدة، التي هي الشجاعة؛ بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك. ولهذا كان ~~من لا يقوم بهما سلبه الأمر، ونقله إلى غيره؛ كما قال الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ~~أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~قليل - إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا ~~والله على كل شيء قدير} [التوبة: 38 - 39] (سورة التوبة: الآيتان 38، 39) . ~~وقال تعالى: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] (سورة محمد: الآية 38) . وقد # PageV01P046 # قال الله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم ~~درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10] ~~(سورة الحديد: من الآية 10) . فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء، والقتال ~~الذي هو الشجاعة؛ وكذلك قال الله تعالى في غير موضع: {وجاهدوا بأموالكم ~~وأنفسكم في سبيل الله} [التوبة: 41] (سورة التوبة: من الآية 41) . وبين أن ~~البخل من الكبائر، في قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله ~~من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل ~~عمران: 180] (سورة آل عمران: من الآية 180) . وفي قوله: {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] ~~(سورة التوبة: من الآية 34) . وكذلك الجبن في مثل قوله تعالى: {ومن يولهم ~~يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال: 16] (سورة الأنفال: الآية 16) . وفي ms30 ~~قوله تعالى: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} ~~[التوبة: 56] (سورة التوبة: الآية 56) . وهو كثير في الكتاب والسنة، وهو ~~مما اتفق عليه أهل الأرض، حتى إنهم يقولون في الأمثال العامية: " لا طعنة ~~ولا جفنة " ويقولون: " لا فارس الخيل، ولا وجه العرب ". ولكن افترق الناس ~~هنا ثلاث فرق: فريق غلب عليهم حب العلو في الأرض والفساد، فلم ينظروا في ~~عاقبة المعاد، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يتأتى العطاء ~~إلا باستخراج أموال من غير حلها؛ فصاروا فهابين وهابين، وهؤلاء يقولون: لا ~~يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل وطعم، فإنه إذا تولى العفيف الذي لا ~~يأكل ولا يطعم سخط عليه الرؤساء # PageV01P047 # وعزلوه؛ إن لم يضروه في نفسه وماله. وهؤلاء نظروا في، عاجل دنياهم، ~~وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة، ~~إن لم يحصل لهم ما يصلح عاقبتهم من توبة ونحوها. وفريق عندهم خوف من الله ~~تعالى، ودين يمنعهم عما يعتقدونه قبيحا من ظلم الخلق، وفعل المحارم، فهذا ~~حسن واجب؛ ولكن قد يعتقدون مع ذلك: أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك ~~من الحرام، فيمتنعون عنها مطلقا، وربما كان في نفوسهم جبن أو بخل، أو ضيق ~~خلق ينضم إلى ما معهم من الدين، فيقعون أحيانا في ترك واجب، يكون تركه أضر ~~عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهي عن واجب، يكون النهي عنه من الصد ~~عن سبيل الله، وقد يكونون متأولين. وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا ~~يتم إلا بالقتال، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج، وهؤلاء لا تصلح بهم ~~الدنيا ولا الدين الكامل؛ لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين وبعض أمور ~~الدنيا، وقد يعفى عنهم فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا، ويغفر لهم قصورهم، وقد ~~يكونون من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا. وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه، ولا يعطي غيره، ولا يرى ~~أنه يتألف الناس من الكفار والفجار؛ لا ms31 بمال ولا بنفع، ويرى أن إعطاء ~~المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرم. الفريق الثالث: الأمة الوسط، ~~وهم أهل دين محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى ~~يوم القيامة، وهو إنفاق المال والمنافع للناس -وإن كانوا رؤساء- بحسب ~~الحاجة، إلى صلاح الأحوال، ولإقامة الدين، والدنيا التي يحتاج إليها الدين، ~~وعفته في نفسه، فلا يأخذ ما لا يستحقه # PageV01P048 # فيجمعون بين التقوى والإحسان {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} ~~[النحل: 128] (سورة النحل: الآية 128) . ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ~~ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة. وهذا هو الذي يطعم الناس ما ~~يحتاجون إلى طعامه، ولا يأكل هو إلا الحلال الطيب، ثم هذا يكفيه من الإنفاق ~~أقل مما يحتاج إليه الأول، فإن الذي يأخذ لنفسه، تطمع فيه النفوس، ما لا ~~تطمع في العفيف، ويصلح به الناس في ديتهم ما لا يصلحون بالثاني؛ فإن العفة ~~مع القدرة تقوي حرمة الدين، وفي الصحيحين عن أبي سفيان بن حرب: «أن هرقل ~~ملك الروم سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم: بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا ~~بالصلاة والصدق والعفاف والصلة» . وفي الأثر: " أن الله أوحى إلى إبراهيم ~~الخليل عليه السلام: يا إبراهيم: أتدري لم اتخذتك خليلا؟ لأني رأيت العطاء ~~أحب إليك من الأخذة. وهذا الذي ذكرناه في الرزق، والعطاء، الذي هو السخاء، ~~وبذل المنافع، نظيره في الصبر والغضب، الذي هو الشجاعة ودفع المضار. فإن ~~الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم. وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا ~~لربهم. والثالث -هو الوسط- الذي يغضب لربه لا لنفسه، كما في الصحيحين عن ~~عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: ~~خادما له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ~~ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت ~~حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله» . # PageV01P049 # فأما من يغضبه لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره. فهذا ms32 القسم ~~الرابع، شر الخلق؛ لا يصلح بهم دين ولا دنيا. كما أن الصالحين أرباب ~~السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين ~~يعطون ما يصلح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أبيح لهم، ويغضبون لربهم ~~إذا انتهكت محارمه، ويعفون عن حقوقهم، وهذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور. وكل ما كان إليها أقرب، كان أفضل. ~~فليجتهد المسلم في التقرب إليها بجهده، ويستغفر الله بعد ذلك من قصوره أو ~~تقصيره بعد أن يعرف كمال ما بعث الله تعالى به محمدا صلى الله عليه وسلم من ~~الدين، فهذا في قول الله سبحانه وتعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها} [النساء: 58] (سورة النساء: من الآية 58) والله أعلم. # PageV01P050 ### | فصل الحكم بين الناس ### | [القسم الأول الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين وتسمى حدود الله] # فصل وأما قوله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: ~~58] (سورة النساء: من الآية 58) . فإن الحكم بين الناس، يكون في الحدود ~~والحقوق، وهما قسمان. فالقسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين؛ ~~بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم. وكلهم محتاج إليها. وتسمى حدود ~~الله، وحقوق الله: مثل حد قطاع الطريق، والسراق، والزناة ونحوهم، ومثل ~~الحكم في الأموال السلطانية، والوقوف والوصايا التي ليست لمعين. فهذه من ~~أهم أمور الولايات؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: لا بد للناس ~~من إمارة: برة كانت أو فاجرة. فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البرة قد ~~عرفناها. فما بال الفاجرة؛ فقال: يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد ~~بها العدو، ويقسم بها الفيء. وهذا القسم يجب على الولاة البحث عنه، وإقامته ~~من غير دعوى أحد به، وكذلك تقام الشهادة فيه من غير دعوى أحد به، وإن كان ~~الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق: هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله؛ ~~على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ لكنهم متفقون على أنه لا يحتاج إلى مطالبة ~~المسروق بالحد، وقد اشترط بعضهم المطالبة ms33 بالمال: لئلا يكون للسارق فيه ~~شبهة. وهذا القسم يجب إقامته على الشريف، والوضيع، والضعيف، ولا يحل ~~تعطيله؛ لا بشفاعة، ولا بهدية، ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه. ومن # PageV01P051 # عطله لذلك -وهو قادر على إقامته- فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وهو ممن اشترى؛ بآيات الله ثمنا ~~قليلا. وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، ~~فقد ضاد الله في أمره. ومن خاصم في باطل وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ~~ينزع. ومن قال في مسلم دين ما ليس فيه، حبس في ردغة الخبال، حتى يخرج مما ~~قال. قيل يا رسول الله: وما ردغة الخبال؟ قال عصارة أهل الناري» . فذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الحكماء والشهداء والخصماء، وهؤلاء أركان الحكم. ~~وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها: «إن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي ~~سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن ~~يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد. فقال: يا أسامة: أتشفع في حد من حدود الله؟ ~~إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم ~~الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، ~~لقطعت يدها» . ففي هذه القصة عبرة؛ فإن أشرف بيت كان في قريش بطنان: بنو ~~مخزوم، وبنو عبد مناف. فلما وجب على هذه القطع بسرقتها -التي هي جحود ~~العارية، على قول بعض العلماء، أو سرقة أخرى غيرها على قول آخرين- وكانت من ~~أكبر القبائل، وأشرف البيوت، وشفع فيها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أسامة، غضب رسول، صلى الله عليه وسلم، فأنكر عليه دخوله فيما حرمه الله، ~~وهو الشفاعة في الحدود، ثم ضرب المثل بسيدة نساء العالمين -وقد برأها الله ~~من ذلك- فقال: " لو أن فاطمة بنت محمد # PageV01P052 # وقد روي: «أن هذه المرأة التي قطعت ms34 يدها تابت، وكانت تدخل بعد ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيقضي حاجتها» . فقد روي: «أن السارق إذا تاب ~~سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار» . وروى مالك في ~~الموطإ: أن جماعة أمسكوا لصا ليرفعوه إلى عثمان -رضي الله عنه- فتلقاهم ~~الزبير فشفع فيه فقالوا: إذا رفع إلى عثمان فاشفع فيه عنده فقال: " إذا ~~بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع ". يعني الذي يقبل الشفاعة. ~~«وكان صفوان بن أمية نائما على رداء له في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجاء لص فسرقه، فأخذه فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بقطع ~~يده فقال: يا رسول الله: أعلى ردائي تقطع يده؟ أنا أهبه له. فقال: " فهلا ~~قبل أن تأتيني به؟ ! " ثم قطع يده» . رواه أهل السنن، يعني صلى الله عليه ~~وسلم أنك لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به لكان، فأما بعد أن رفع إلي فلا. فلا ~~يجوز تعطيل الحد، لا بعفو، ولا بشفاعة، ولا بهبة، ولا غير ذلك. ولهذا اتفق ~~العلماء -فيما أعلم- على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رفعوا إلى ولي ~~الأمر ثم تابوا بعد ذلك، لم يسقط الحد عنهم؛ بل تجب إقامته وإن تابوا فإن ~~كانوا صادقين في التوبة كان الحد كفارة لهم، وكان تمكينهم من ذلك من تمام ~~التوبة -بمنزلة رد الحقوق إلى أهلها، والتمكين من استيفاء القصاص في حقوق ~~الآدميين. وأصل هذا في قوله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ~~ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: ~~85] (سورة النساء: الآية 85) . فإن الشفاعة إعانة الطالب حتى يصير معه ~~شفعا، بعد أن كان وترا، فإن أعانه على بر وتقوى، كانت # PageV01P053 # شفاعة حسنة، وإن أعانه على إثم وعدوان، كانت شفاعة سيئة. والبر ما أمرت ~~به، والإثم ما نهيت عنه. وإن كانوا كاذبين فإن الله لا يهدي كيد الخائنين. ~~وقد قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا ms35 أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم - إلا الذين تابوا ~~من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة: 33 - 34] ~~(سورة المائدة: الآيتان 33، 34) . فاستثنى التائبين قبل القدرة عليهم فقط، ~~فالتائب بعد القدرة عليه باق فيمن وجب عليه الحد؛ للعموم، والمفهوم، ~~والتعليل. هذا إذا كان قد ثبت بالبينة. فأما إذا كان بإقرار، وجاء مقرا ~~بالذنب تائبا: فهذا فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع. وظاهر مذهب أحمد: ~~أنه لا تجب إقامة الحد في مثل هذه الصورة؛ بل إن طلب إقامة الحد عليه أقيم، ~~وإن ذهب لم يقم عليه حد. وعلى هذا حمل حديث ماعز بن مالك، لما قال: " فهلا ~~تركتموه " وحديث الذي قال " أصبت حدا فأقمه " مع آثار أخر. وفي سنن أبي ~~داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب» . وفي سن النسائي ~~وابن ماجه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا» . وهذا ~~لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة، ~~فإذا أقيمت الحدود، ظهرت طاعة الله، ونقصت معصية الله تعالى، # PageV01P054 # فحصل الرزق والنصر. ولا يجوز أن يؤخذ من الزاني أو السارق أو الشارب أو ~~قاطع الطريق ونحوهم مال تعطل به الحدود؛ لا لبيت المال ولا لغيره. وهذا ~~المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك فقد جمع ~~فسادين عظيمين: (أحدهما) : تعطيل الحد، و (الثاني) : أكل السحت. فترك ~~الواجب وفعل المحرم. قال الله تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن ~~قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} [المائدة: 63] (سورة ~~المائدة: الآية 63) . وقال الله تعالى عن اليهود: {سماعون للكذب أكالون ~~للسحت} [المائدة: 42] (سورة المائدة: من الآية 42) . لأنهم كانوا يأكلون ~~السحت ms36 من الرشوة التي تسمى البرطيل، وتسمى أحيانا الهدية وغيرها. ومتى أكل ~~السحت ولي الأمر احتاج أن يسمع الكذب من شهادة الزور وغيرها. وقد «لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش -الواسطة- الذي بينهما» ~~رواه أهل السنن. وفي الصحيحين: «أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. فقال صاحبه -وكان ~~أفقه منه- نعم يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال: قل. ~~فقال: إن ابني كان عسيفا في أهل هذا -يعني أجيرا- فزنى بامرأته، فافتديت ~~منه بمائة شاة وخادم. وإني سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني ~~جلد مائة وتخريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال: " والذي نفسي بيده، ~~لأفضي! ن بينكما بكتاب الله: المائة والخادم رد عليك. وعلى ابنك جلد مائة ~~وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها، فإن اعترفت # PageV01P055 # فارجمها ". فسألها، فاعترفت، فرجمها» . ففي هذا الحديث، أنه لما بذل عن ~~المذنب هذا المال لدفع الحد عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع المال ~~إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد. ولم يأخذ المال للمسلمين: من المجاهدين ~~والفقراء وغيرهم. وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره ~~لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق والشارب، ~~والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد، ممال سحت خبيث. وكثير مما ~~يوجد من فساد أمور الناس، إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه، وهذا من أكبر ~~الأسباب التي هي فساد أهل البوادي والقرى والأمصار: من الأعراب، والتركمان، ~~والأكراد، والفلاحين، وأهل الأهواء كقيس، ويمن، وأهل الحاضرة من رؤساء ~~الناس وأغنيائهم وفقرائهم، وأمراء الناس ومقدميهم وجندهم، وهو سبب سقوط ~~حرمة المتولي، وسقوط قدره من القلوب، وانحلال أمره، فإذا ارتشى وتبرطل على ~~تعطيل حد ضعفت نفسه أن يقيم حدا آخر، وصار من جنس اليهود الملعونين، وأصل ~~البرطيل هو الحجر المستطيل، سميت به الرشوة، لأنها تلقم المرتشي عن التكلم ~~بالحق كما يلقمه الحجر الطويل، كما قد ms37 جاء في الأثر: " إذا دخلت الرشوة من ~~الباب، خرجت الأمانة من الكوة، وكذلك إذا أخذ مال للدولة على ذلك، مثل هذا ~~السحت الذي يسمى التأديبات. ألا ترى أن الأعراب المفسدين أخذوا لبعض الناس، ~~ثم جاءوا إلى ولي الأمر فقادوا إليه خيلا يقدمونها له أو غير ذلك، كيف يقوى ~~طمعهم في الفساد، وتنكسر حرمة الولاية والسلطنة، وتفسد الرعية؟ ؟ ! # PageV01P056 # وكذلك الفلاحون وغيرهم، وكذلك شارب الخمر إذا أخذ فدفع بعض ماله: كيف ~~يطمع الخمارون، فيرجون إذا أمسكوا أن يفتدوا ببعض أموالهم، فيأخذها ذلك ~~الوالي سحتا، لا يبارك فيها، والفساد قائم. وكذلك ذوو الجاه، إذا حموا أحدا ~~أن يقام عليه الحد، مثل أن يرتكب بعض الفلاحين جريمة، ثم يأوي إلى قرية ~~نائب السلطان أو أميره فيحمى على الله ورسوله، فيكون ذلك الذي حماه، ممن ~~لعنه الله ورسوله، فقد روى مسلم في صحيحه، عن علي بن أبي طالب -رضي الله ~~عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من أحدث حدثا أو ~~آوى محدثا» فكل من آوى محدثا من هؤلاء المحدثين، فقد لعنه الله ورسوله. ~~وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن من حالت شفاعته دون حد من ~~حدود الله، فقد ضاد الله في أمره» . فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده، ~~واعتاض عن المجرمين بسحت. من المال يأخذه، لا سيما الحدود على سكان البر؛ ~~فإن من أعظم فسادهم حماية المعتدين منهم بجاه أو مال، سواء كان المال ~~المأخوذ لبيت المال أو للوالي: سرا أو علانية، فذلك جميعه محرم بإجماع ~~المسلمين، وهو مثل تضمين الحانات والخمر، فإن من مكن من ذلك، أو أعان أحدا ~~عليه بمال يأخذه منه، فهو من جنس واحد. والمال المأخوذ على هذا يشبه ما ~~يؤخذ من مهر البغي، وحلوان الكاهن، وثمن الكلب، وأجرة المتوسط في الحرام: ~~الذي يسمى القواد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثمن الكلب خبيث، ومهر ~~البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث» . رواه البخاري. فمهر البغي الذي يسمى ~~حدور القحاب. وفي معناه ما يعطاه الخنثون ms38 الصبيان من المماليك أو الأحرار ~~على الفجور بهم، وحلوان # PageV01P057 # الكاهن: مثل حلاوة المنجم ونحوه على ما يخبر به من الأخبار المبشرة ~~بزعمه، ونحو ذلك. وولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليهما ~~بمال يأخذه: كان بمنزلة مقدم الحرامية، الذي يقاسم المحاربين على الأخيذة، ~~وبمنزلة القواد الذي يأخذ ما يأخذه؛ ليجمع بين اثنين على فاحشة، وكان حاله ~~شبيها بحال عجوز السوء امرأة لوط، التي كانت تدل الفجار على ضيفه، التي قال ~~الله تعالى فيها: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} [الأعراف: ~~83] (سورة الأعراف: الآية 83) . وقال تعالى: {فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم} [هود: 81] (سورة هود: من ~~الآية 18) . فعذب الله عجوز السوء القوادة بمثل ما عذب قوم السوء الذين ~~كانوا يعملون الخبائث، وهذا لأن هذا جميعه أخذ مال للإعانة على الإثم ~~والعدوان، وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذا هو ~~مقصود الولاية. فإذا كان الوالي يمكن من المنكر بمال يأخذه، كان قد أتى بضد ~~المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوك، فأعان عدوك عليك. وبمنزلة من أخذ ~~مالا ليجاهد به في سبيل الله، فقاتل به المسلمين. يوضح ذلك أن صلاح العباد ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ~~ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه ~~الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] (سورة أل عمران: من ~~الآية 110) . وقال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104] (سورة آل عمران: من الآية 104) ~~. # PageV01P058 # وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر} [التوبة: 71] (سورة التوبة: من الآية 71) . وقال تعالى ~~عن بني إسرائيل: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} ~~[المائدة: 79] (سورة المائدة: الآية 79) . وقال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا ~~به أنجينا الذين ينهون عن ms39 السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا ~~يفسقون} [الأعراف: 165] (سورة الأعراف: الآية 165) . فأخبر الله تعالى أن ~~العذاب لما نزل نجى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الظالمين بالعذاب الشديد. ~~وفي الحديث الثابت: أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- «خطب الناس على منبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ~~وتضعونها في غير موضعها: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم} [المائدة: 105] (سورة المائدة: من الآية 105) . وإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ~~يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» . وفي حديث آخر: «إن المعصية ~~إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة» . وهذا ~~القسم الذي ذكرناه من الحكم في حدود الله وحقوقه: مقصوده الأكبر: هو الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأمر بالمعروف: مثل الصلاة، والزكاة، ~~والصيام، والحج، والصدق، والأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن ~~العشرة مع الأهل والجيران ونحو ذلك. فالواجب على ولي الأمر أن يأمر ~~بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين، ~~فإن كان التاركون طائفة ممتنعة قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين، وكذلك ~~يقاتلون على ترك الزكاة، والصيام، وغيرهما، وعلى استحلال # PageV01P059 # المحرمات الظاهرة المجمع عليها، كنكاح ذوات المحارم، والفساد في الأرض، ~~ونحو ذلك. فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة ~~المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء. وإن كان ~~التارك للصلاة واحدا فقد قيل: إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلي، وجمهور ~~العلماء على أنه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب، فإن تاب ~~وصلى، وإلا قتل. وهل يقتل كافرا أو مسلما فاسقا؟ فيه قولان. وأكثر السلف ~~على أنه يقتل كافرا وهذا كله مع الإقرار بوجوبها، أما إذا جحد وجوبها، فهو ~~كافر بإجماع المسلمين، وكذلك من جحد سائر الواجبات المذكورات والمحرمات ~~التي يجب القتال عليها. فالعقوبة على ترك الواجبات، وفعل المحرمات، هي ~~مقصود ms40 الجهاد في سبيل الله، وهو واجب على الأمة بالاتفاق، كما دل عليه ~~الكتاب والسنة. وهو من أفضل الأعمال. . . «قال رجل: يا رسول الله! دلني على ~~عمل يعدل الجهاد في سبيل الله. قال: لا تستطيعه، أو لا تطيقه. قال: أخبرني ~~به؟ قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر، وتقوم ولا تفتر؟ ~~قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله» . وقال: ~~«إن في الجنة لمائة درجة، بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، ~~أعدها الله للمجاهدين في سبيله» كلاهما في الصحيحين. وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل ~~الله» . وقال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~[الحجرات: 15] (سورة الحجرات: الآية 15) . # PageV01P060 # وقال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين - الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون - يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات لهم فيها نعيم مقيم - خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} ~~[التوبة: 19 - 22] (سورة التوبة 19-22) # PageV01P061 ### | عقوبة المحاربين # فصل ومن ذلك عقوبة المحاربين، وقطاع الطريق: الذين يعترضون الناس بالسلاح ~~في الطرقات ونحوها، ليغصبوهم المال مجاهرة: من الأعراب، والتركمان، ~~والأكراد، والفلاحين، وفسقة الجند، أو مردة الحاضرة، أو غيرهم، قال الله ~~تعالى فيهم: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33] (سورة المائدة: ~~الآية 33) . وقد روى الشافعي -رحمه الله- في مسنده عن ابن عباس -رضي الله ~~عنهما- في قطاع الطريق- " إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ~~ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت ms41 ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض ~~". وهذا قول كثير من أهل العلم، كالشافعي وأحمد، وهو قريب من قول أبي حنيفة ~~رحمه الله. ومنهم من قال: للإمام أن يجتهد فيهم، فيقتل من رأى قتله مصلحة، ~~وإن كان لم يقتل: مثل أن يكون رئيسا مطاعا فيهم، ويقطع من رأى قطعه مصلحة؛ ~~وإن كان لم يأخذ المال، مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال. كما أن منهم ~~من درى أنهم إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا. والأول قول الأكثر. فمن ~~كان من المحاربين قد قتل، فإنه يقتله الإمام حدا، لا يجوز العفو عنه بحال ~~بإجماع العلماء. ذكره ابن المنذر، ولا # PageV01P062 # يكون أمره إلى ورثة المقتول؛ بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما أو ~~خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة؛ فإن هذا دمه لأولياء المقتول، إن ~~أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية؛ لأنه قتله لغرض خاص. ~~وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عام؛ بمنزلة السراق، ~~فكان قتلهم حدا لله. وهذا متفق عليه بين الفقهاء، حتى لو كان المقتول غير ~~مكافئ للقاتل، مثل أن يكون القاتل حرا والمقتول عبدا، أو القاتل مسلما، ~~والمقتول ذميا أر مستأمنا فقد اختلف الفقهاء هل يقتل في المحاربة؛ والأقوى ~~أنه يقتل: لأنه قتل للفساد العام حدا، كما يقطع إذا أخذ أموالهم، وكما يحبس ~~بحقوقهم. وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة، فالواحد منهم باشر القتل ~~بنفسه، والباقون له أعوان وردء له، فقد قيل: إنه يقتل المباشر فقط، ~~والجمهور على أن الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، وأن الردء والمباشر سواء، ~~وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ~~قتل ربيئة المحاربين، والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال، ينظر منه ~~لهم من يجيء. ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته. والطائفة ~~إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب، ~~كالمجاهدين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم، ms42 قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ~~ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، يرد متسريهم على قعدهم» يعني أن ~~جيش المسالمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالا، فإن الجيش يشاركها فيما غنمت، ~~لأنها بظهره وقوته تمكنت؛ لكن تنفل # PageV01P063 # عنها نفلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل السرية إذا كانوا في ~~بدايتهم الربع بعد الخمس، فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلهم الثلث ~~بعد الخمس، وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية، لأنها في مصلحة الجيش، ~~كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير يوم بدر؛ لأنه كان قد ~~بعثهما في مصلحة الجيش، فأعوان الطائفة الممتنعة، وأنصارها منها، فيما لهم ~~وعليهم. وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه؛ مثل المقتتلين على عصبية، ~~ودعوى جاهلية؛ كقيس ويمن ونحوهما؛ هما ظالمتان. كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: ~~يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه» . ~~أخرجاه في الصحيحين. ولضمن كل طائفة ما أتلفته للأخرى من نفس ومال. وإن لم ~~يعرف عين القاتل؛ لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد، ~~وفي ذلك قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] (سورة ~~البقرة: من الآية 178) . وأما إذا أخذوا المال فقط، ولم يقتلوا -كما قد ~~يفعله الأعراب كثيرا- فإنه يقطع من كل واحد يده اليمنى، ورجله اليسرى، عند ~~أكثر العلماء: كأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم. وهذا معنى قول الله تعالى {أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} [المائدة: 33] (سورة المائدة: من الآية 33) . ~~تقطع اليد التي يبطش بها، والرجل التي يمشي عليها، وتحسم يده ورجله بالزيت ~~المغلي ونحوه؛ لينحسم الدم فلا يخرج فيفضي إلى تلفه، وكذلك تحسم يد السارق ~~بالزيت. وهذا الفعل قد يكون أزجر من القتل، فإن الأعراب، وفسقة الجند ~~وغيرهم إذا رأوا دائما من هو بينهم مقطوع اليد والرجل، ذكروا بذلك جرمه # PageV01P064 # فارتدعوا؛ بخلاف القتل، فإنه قد ينسى؛ وقد يؤثر بعض النفوس الأبية قتله ~~على قطع يده ورجله من خلاف، ms43 فيكون هذا أشد تنكيلا له ولأمثاله. وأما إذا ~~شهروا السلاح ولم يقتلوا نفسا، ولم يأخذوا مالا، ثم أغمدوه، أو هربوا، ~~وتركوا الحراب، فإنهم ينفون. فقيل: نفيهم تشريدهم، فلا يتركون يأوون في ~~بلد. وقيل: هو حبسهم. وقيل: هو ما يراه الإمام أصلح من ففي أو حسي أو نحو ~~ذلك. والقتل المشروع: هو ضرب الرقبة بالكف ونحوه، لأن ذلك أروح أنواع ~~القتل، وكذلك شرع الله قتل ما يباح قتله من الآدميين والبهائم، إذا قدر ~~عليه على هذا الوجه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان ~~على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد ~~أحد كم شفرته وليرح ذبيحته» . رواه مسلم، وقال: «إن أعف الناس قتلة أهل ~~الإيمان» . وأما الصلب المذكور فهو رفعهم على مكان عال ليراهم الناس، ~~ويشتهر أمرهم، وهو بعد القتل عند جمهور العلماء. ومنهم من قال: يصلبون ثم ~~يقتلون وهم مصلبون. وقد جوز بعض العلماء قتلهم بغير السيف، حتى قال: يتركون ~~على المكان العالي، حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل. فأما التمثيل في القتل ~~فلا يجوز إلا على وجه القصاص، وقد قال عمران ابن حصين -رضي الله عنهما- «ما ~~خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن ~~المثلة، حتى الكفار إذا قتلناهم، فإنا لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نجدع ~~آذانهم وأنوفهم، ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا، فنفعل بهم ~~مثل ما فعلا» . والترك أفضل كما قال الله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ~~ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين - واصبر وما صبرك إلا بالله} ~~[النحل: 126 - 127] (سورة النحل: الآية 126، ومن الآية 127) # PageV01P065 # قيل إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد -رضي الله ~~عنهم- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ~~ما مثلوا بنا» . فأنزل الله هذه الآية -وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة، مثل ~~قوله: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] (سورة ~~الإسراء: من ms44 الآية 85) . وقوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ~~إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] (سوره هود: من الآية 114) . وغير ذلك ~~من الآيات التي نزلت بمكة، ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب، فأنزلت مرة ~~ثانية -فقال النبي صلى الله عليه وسلم، " بل نصبر ". وفي صحيح مسلم عن ~~بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه- قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~بعث أميرا على سرية أو جيش أو في حاجه نفسه أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ~~تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم يقول: اغزوا بسم الله، في سبيل الله، ~~قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا» ~~. ولو شهروا السلاح في البنيان -لا في الصحراء- لأخذ المال، فقد قيل: إنهم ~~ليسموا محاربين، بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب، لأن المطلوب يدركه الغوث، ~~إذا استغاث بالناس. وقال أكثرهم: إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد. وهذا ~~قول مالك -في المشهور عنه- والشافعي، وأكثر أصحاب أحمد، وبعض أصحاب أبي ~~حنيفة، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء؛ لأن البنيان محل ~~الأمن والطمأنينة، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي ~~شدة المحاربة والمغالبة؛ ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر ~~لا يكون معه-غالبا- إلا بعض # PageV01P066 # ماله. وهذا هو الصواب؛ لا سيما هؤلاء المتحزبون (1) الذين تسميهم العامة ~~في الشام ومصر المنسر (2) وكانوا يسمون ببغداد العيارين؛ ولو حاربوا بالعصي ~~والحجارة المقذوفة بالأيدي، أو المقاليع ونحوها: فهم محاربون أيضا. وقد حكي ~~عن بعض الفقهاء لا محاربة إلا بالمحدد. وحكى بعضهم الإجماع: على أن ~~المحاربة تكون بالمحدد والمثقل. وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن: فالصواب ~~الذي عليه جماهير المسلمين: أن من قاتل على أخذ المال بأي نوع كان من أنواع ~~القتالة فهو محارب قاطع، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان من ~~أنواع القتال فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف، أو رمح، أو سهم، ~~أو حجارة، أو عصي، فهو مجاهد في سبيل الله. وأما إذا كان يقتل ms45 النفوس سرا، ~~لأخذ المال؛ مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإذا انفرد بقوم ~~منهم قتلهم وأخذ أموالهم. أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة، أو طب أو ~~نحو ذلك فيقتله، ويأخذ ماله، وهذا يسمى القتل غيلة، ويسميهم بعض العامة ~~المعرجين (3) فإذا كان لأخذ المال، فهل هم كالمحاربين، أو يجرى عليهم حكم ~~القود؟ فيه قولان للفقهاء. أحدهما: أنهم كالمحاربين، لأن القتل بالحيلة ~~كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه؛ بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه ~~لا يدري به. PageV01P067 # والثاني: أن المحارب هو المجاهر بالقتال، وأن هذا المغتال يكون أمره إلى ~~ولي الدم. والأول أشبه بأصول الشريعة؛ بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه لا ~~يدري به. واختلف الفقهاء أيضا فيمن يقتل السلطان، كقتلة عثمان، وقاتل علي ~~-رضي الله عنهما- هل هم كالمحاربين، فيقتلون حدا، أو يكون أمرهم إلى أولياء ~~الدم -على قولين في مذهب أحمد وغيره- لأن في قتله فسادا عاما. # PageV01P068 # فصل وهذا كله إذا قدر عليهم. فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه، لإقامة ~~الحد بلا عدوان فامتنعوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق ~~العلماء، حتى يقدر عليهم كلهم. ومتى لم ينقادوا إلا بقتال يفضي إلى قتلهم ~~كلهم قوتلوا، وإن أفضى إلى ذلك؛ سواء كانوا قد قتلوا أو لم يقتلوا. ويقتلون ~~في القتال كيفما أمكن: في العنق وغيره. ويقاتل من قاتل معهم بن يحميهم ~~ويعينهم. فهذا قتال، وذاك إقامة حد. وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف ~~الممتنعة عن شرائع الإسلام. فإن هؤلاء قد تحزبوا لفساد النفوس والأموال، ~~وهلاك الحرث والنسل؛ ليس مقصودهم إقامة دين ولا ملك. وهؤلاء كالمحاربين ~~الذين يأوون إلى حصن، أو مغارة أو رأس جبل، أو بطن واد، ونحو ذلك: يقطعون ~~الطريق على من مر بهم، وإذا جاءهم جند ولي الأمر يطلبهم للدخول في طاعة ~~المسلمين والجماعة لإقامة الحدود: قاتلوهم ودفعوهم؛ مثل الأعراب الذين ~~يقطعون الطريق على الحاج أو غيره من الطرقات، أو الجبلية الذين يعتصمون ~~برءوس الجبال أو المغارات؛ لقطع الطريق. وكالأحلاف الذين تحالفوا لقطع ~~الطريق ms46 بين الشام والعراق، ويسمون ذلك " النهيضة " (1) فإنهم يقاتلون كما ~~ذكرنا: لكن قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار، إذا لم يكونوا كفارا، ولا تؤخذ ~~أموالهم، إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق؛ فإن عليهم ضمانها، ~~فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا، وإن لم PageV01P069 # نعلم عين الآخذ. وكذلك لو علم عينه؛ فإن الردء والمباشر سواء كما قلناه، ~~لكن إذا عرف عينه كان قرار الضمان عليه، ويرد ما يؤخذ منهم على أرباب ~~الأموال، فإن تعذر الرد عليهم كان لمصالح المسلمين: من رزق الطائفة ~~المقاتلة لهم، وغير ذلك. بل المقصود من قتالهم التمكن منهم لإقامة الحدود، ~~ومنعهم من الفساد، فإذا جرح الرجل منهم جرحا مثخنا، لم يجهز عليه حتى يموت، ~~إلا أن يكون قد وجب عليه القتل. وإذا هرب وكفانا شره لم نتبعه، إلا أن يكون ~~عليه حد أو نخاف عاقبته، ومن أسر منهم، أقيم عليه الحد الذي يقام على غيره. ~~ومن الفقهاء من يشدد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميسها؛ وأكثرهم يأبون ~~ذلك. فأما إذا تحيزوا إلى مملكة طائفة خارجة عن شريعة الإسلام، وأعانوهم ~~على المسلمين. قوتلوا كقتالهم. وأما من كان لا يقطع الطريق، ولكنه يأخذ ~~خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرءوس، والدواب، والأحمال ونحو ذلك، ~~فهذا مكاس، عليه عقوبة المكاسين. وقد اختلف الفقهاء في جواز قتله، وليس هو ~~من قطاع الطريق؛ فإن الطريق لا ينقطع به، مع أنه أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الغامدية: «لقد تابت توبة لو ~~تابها صاحب مكس، لغفر له» ويجوز للمظلومين -الذين تراد أموالهم- قتال ~~المحاربين بإجماع المسلمين. ولا يجب أن يبذل لهم من المال لا قليل ولا ~~كثير، إذا أمكن قتالهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله ~~فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل ~~دون حرمته فهو شهيد» . # PageV01P070 # وهذا الذي تسميه الفقهاء " الصائل " وهو الظالم بلا تأويل ولا ولاية، ~~فإذا كان مطلوبه المال جاز دفعه بما ms47 يمكن، فإذا لم يندفع إلا بالقتال قوتل، ~~وإن ترك القتال وأعطاهم شيئا من المال جاز، وأما إذا كان مطلوبه الحرمة- ~~مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان، أو يطلب من المرأة، أو الصبي المملوك أو ~~غيره الفجور به. فإنه يجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن، ولو بالقتال، ولا ~~يجوز التمكين منه بحال؛ بخلاف المال فإنه يجوز التمكين منه؛ لأن بذل المال ~~جائز، وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز. وأما إذا كان مقصوده قتل ~~الإنسان، جاز له الدفع عن نفسه. وهل يجب عليه؟ على قولين للعلماء في مذهب ~~أحمد وغيره. وهذا إذا كان للناس سلطان، فأما إذا كان- والعياذ بالله- فتنة، ~~مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين، ويقتتلان على الملك، فهل يجوز للإنسان، إذا ~~دخل أحدهما بلد الآخر، وجرى السيف، أن يدفع عن نفسه في الفتنة، أو يستسلم ~~فلا يقاتل فيها؟ على قولين لأهل العلم، في مذهب أحمد وغيره. فإذا ظفر ~~السلطان بالمحاربين الحرامية -وقد أخذوا الأموال التي للناس- فعليه أن ~~يستخرج منهم الأموال التي للناس، ويردها عليهم، مع إقامة الحد على أبدانهم. ~~وكذلك السارق؛ فإن امتنعوا من إحضار المال بعد ثبوته عليهم عاقبهم بالحبر ~~والضرب، حتى يمكنوا من أخذه بإحضاره أو توكيل من يحضره، أو الإخبار بمكانه ~~كما يعاقب كل ممتنع عن حق وجب عليه أداؤه؛ فإن الله قد أباح للرجل في كتابه ~~أن يضرب امرأته إذا نشزت، فامتنعت من الحق الواجب عليها، حتى تؤديه. فهؤلاء ~~أولى وأحرى. وهذه المطالبة والعقوبة حق لرب المال، فإن أراد هبتهم المال، ~~أو المصالحة عليه؛ أو العفو عن # PageV01P071 # عقوبتهم فله ذلك بخلاف إقامة الحد عليهم؛ فإنه لا سبيل إلى العفو عنه ~~بحال، وليس للإمام أن يلزم رب المال بترك شيء من حقه. وإن كانت الأموال قد ~~تلفت بالأكل وغيره عندهم أو عند السارق. فقيل: يضمنونها لأربابها، كما يضمن ~~سائر الغارمين. وهو قول الشافعي وأحمد -رضي الله عنهما- وتبقى مع الإعسار ~~في ذمتهم إلى ميسرة. وقيل: لا يجتمع الغرم والقطع؛ وهو قول أبي حنيفة -رحمه ~~الله- وقيل: يضمنونها مع اليسار ms48 فقط دون الإعسار، وهو قول مالك -رحمه ~~الله-. ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلا على طب المحاربين، ~~ولإقامة الحد، وارتجاع أموال الناس منهم، ولا على طلب السارقين، لا لنفسه، ~~ولا للجند الذين يرسلهم في طلبهم: بل طلب هؤلاء من نرع الجهاد في سبيل ~~الله، فيخرج فيه جند المسلمين، كما يخرج في غيره من الغزوات التي تسمى ~~البيكار. وينفق على المجاهدين في هذا من المال الذي ينفق منه على سائر ~~الغزاة، فإن كان لهم إقطاع أو عطاء يكفيهم وإلا أعطاهم تمام كفاية غزوهم من ~~مال المصالح من الصدقات؛ فإن هذا من سبيل الله. فإن كان على أبناء السبيل ~~المأخوذين زكاة، مثل التجار الذين قد يؤخذون، فأخذ الإمام زكاة أموالهم، ~~وأنفقهما في سبيل الله، كنفقة الذين يطلبون المحاربين جاز. ولو كانت لهم ~~شوكة قوية تحتاج إلى تأليف، فأعطى الإمام من الفيء والمصالح والزكاة لبعض ~~رؤسائهم يعينهم على إحضار الباقين، أو لترك شره فيضعف الباقون ونحو ذلك ~~جاز، وكان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم، وقد ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة، ~~كأحمد وغيره، وهو ظاهر الكتاب والسن وأصول الشريعة. # PageV01P072 # ولا يجوز أن يرسل الإمام من يضعف عن مقاومة الحرامية، ولا من يأخذ مالا ~~من المأخوذين: التجار ونحوهم من أبناء السبيل، بل يرسل من الجند الأقوياء ~~الأمناء؛ إلا أن يتعذر ذلك، فيرسل الأمثل فالأمثل. فإن كان بعض نواب ~~السلطان أو رؤساء القرى ونحوهم يأمرون الحرامية بالأخذ في الباطن أو ~~الظاهر، حتى إذا أخذوا شيئا قاسمهم ودافع عنهم، وأرضى المأخوذين ببعض ~~أموالهم، أو لم يرضهم، فهذا أعظم جرما من مقدم الحرامية؛ لأن ذلك يمكن دفعه ~~بدون ما يندفع به هذا. والواجب أن يقال فيه ما يقال في الردء والعون لهم. ~~فإن قتلوا قتل هو على قول أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- ~~وأكثر أهل العلم. وإن أخذوا المال قطعت يده ورجله، وإن قتلوا وأخذوا المال ~~قتل وصلب. وعلى قول طائفة من أهل العلم يقطع ويقتل ويصلب، وقيل يخير بين ~~هذين، وإن ms49 كان لم يأذن لهم؛ لكن لما قدر عليهم قاسمهم الأموال، وعطل بعض ~~الحقوق والحدود. ومن آوى محاربا أو سارقا، أو قاتلا ونحوهم. ممن وجب عليه ~~حد أو حق لله تعالى، أو لآدمي، ومنعه أن يستوفي منه الواجب بلا عدوان، فهو ~~شريكه في الجرم، وقد لعنه الله ورسوله. روى مسلم في صحيحه، عن علي ابن أبي ~~طالب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من ~~أحدث حدثا أو آوى محدثا» . وإذا ظفر بهذا الذي آوى المحدث، فإنه طلب منه ~~إحضاره، أو الإعلام به، فإن امتنع عوقب بالحبس والضرب مرة بعد مرة حتى يمكن ~~من ذلك المحدث، كما ذكرنا أنه يعاقب الممتنع من أداء المال الواجب. فمن وجب ~~حضوره من النفوس والأموال يعاقب من منع حضورها. # PageV01P073 # ولو كان رجلا يعرف مكان المال المطلوب بحق، أو الرجل المطلوب بحق، وهو ~~الذي يمنعه، فتنة يجب عليه الإعلام به والدلالة عليه، ولا يجوز كتمانه. فإن ~~هذا من باب التعاون على البر والتقوى، وذلك واجب؛ بخلاف ما لو كان النفس أو ~~المال مطلوبا بباطل، فإنه لا يحل الإعلام به، لأنه من التعاون على الإثم ~~والعدوان؛ بل يجب الدفع عنه، لأن نصر المظلوم واجب، ففي الصحيحين، عن أنس ~~بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «انصر ~~أخاك ظالما أو مظلوما. قلت: يا رسول الله أنصره مظلوما. فكيف أنصره ظالما؟ ~~قال: تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه» . وروى مسلم نحوه عن جابر، وفي ~~الصحيحين عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: «أمرنا رسول الله ولا ~~بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، ~~وإبرار المقسم، وإجابة الدعوة ورد السلام، ونصر المظلوم، ونهانا عن خواتيم ~~الذهب، وعن الشرب بالفضة، وعن المياثر، وعن لبس الحرير والقسي والديباج ~~والإستبرق» . فإن امتنع هذا العالم به من الإعلام بمكانه جازت عقوبته ~~بالحبس وغيره، حتى يخبر به، لأنه امتنع من حق واجب عليه، لا تدخله النيابة. ~~فعوقب كما تقدم، ولا تجوز ms50 عقوبته على ذلك، إلا إذا عرف أنه عالم به. وهذا ~~مطرد فيما تتولاه الولاة والقضاة وغيرهم، في كل من امتنع من واجب، من قول ~~أو فعل، وليس هذا بمطالبة للرجل بحق وجب على غيره، ولا عقوبة على جناية ~~غيره، حتى يدخل في قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر} [الإسراء: 15] (سورة ~~الإسراء: من الآية 15) . وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يجني ~~جان إلا على نفسه» . وإنما ذلك مثل أن يطلب بمال قد وجب على غيره، # PageV01P074 # وهو ليس وكيلا ولا ضامنا ولا له عنده مال. أو يعاقب الرجل جريرة قريبه أو ~~جاره، من غير أن يكون هو قد أذنب، لا بترك واجب، ولا بفعل محرم، فهذا الذي ~~لا يحل. فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد علم مكان ~~الظالم، الذي يطلب حضوره لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق ~~به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه في الكتاب ~~والسنة والإجماع، إما محاباة أو حمية لذلك الظالم، كما قد يفعل أهل العصبية ~~بعضهم ببعض، وإما معاداة أو بغضا للمظلوم. وقد قال الله تعالى: {ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] ~~(سورة المائدة: من الآية 8) . وإما إعراضا -عن القيام لله والقيام بالقسط ~~الذي أوجبه الله وجبنا وفشلا وخذلانا لدينه، كما يفعل التاركون لنصر الله ~~ورسوله، ودينه وكتابه، الذين إذا قيل لهم انفروا في سبيل الله اثاقلوا إلى ~~الأرض. وعلى كل تقدير فهذا الضرب، يستحق العقوبة باتفاق العلماء. وما لم ~~يسلك هذه السبل، عطلت الحدود وضيعت الحقوق، وأكل القوى الضعيف. وهو يشبه من ~~عنده مال الظالم المماطل من عين أو دين، وقد امتنع من تسليمه لحاكم عادل، ~~يوفي به دينه، أو يؤدي منه النفقة الواجبة عليه لأهله أو أقاربه أو مماليكه ~~أو بهائمه. وكثيرا ما يجب على الرجل حق بسبب غيره، كلما تجب عليه النفقة ~~بسبب حاجة قريبه، وكما تجب الدية على عاقلة القاتل. وهذا الضرب من التعزير ~~عقوبة ms51 لمن علم أن عنده مالا أو نفسا يجب # PageV01P075 # إحضاره، وهو لا يحضره؛ كالقطاع والسراق وحماتهم، أو علم أنه خبير به وهو ~~لا يخبر بمكانه. فأما إن امتنع من الإخبار والإحضار، لئلا يتعدى عليه ~~الطالب أو يظلمه، فهذا محسن. وكثيرا ما يشتبه أحدهما بالآخر، ويجتمع شبهة ~~وشهوة. والواجب تمييز الحق من الباطل. وهذا يقع كثيرا في الرؤساء من أهل ~~البادية والحاضرة، إذا استجار بهم مستجير، أو كان بينهما قرابة أو صداقة، ~~فإنهم يرون الحمية الجاهلية، والعزة بالإثم، والسمعة عند الأوباش: أنهم ~~ينصرونه -وإن كان ظالما مبطلا- على المحق المظلوم؛ لا سيما إن كان المظلوم ~~رئيسا يناديهم ويناويهم، فيرون في تسليم المستجير بهم إلى من يناويهم ذلا ~~أو عجزا؛ وهذا -على الإطلاق- جاهلية محضة. وهي من أكبر أسباب فساد الدين ~~والدنيا. وقد ذكر أنه إنما كان سبب كثير من حروب الأعراب، كحرب البسوس التي ~~كانت بين بني بكر وتغلب، إلى نحو هذا، وكذلك سبب دخول الترك، والمغول دار ~~الإسلام، واستيلائهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان: كان سببه نحو هذا. ~~ومن أذل نفسه لته فقد أعزها، ومن بذل الحق من نفسه فقد أكرم نفسه، فإن أكرم ~~الخلق عند الله أتقاهم. ومن اعتز بالظلم: من منع الحق، وفعل الإثم، فقد أذل ~~نفسه وأهانها، قال الله تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} ~~[فاطر: 10] (سورة فاطر: من الآية 10) . وقال تعالى عن المنافقين: {يقولون ~~لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 8] (سورة المنافقون: ~~الآية 8) . وقال الله تعالى في صفة هذا الضرب: {ومن الناس من يعجبك قوله في ~~الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام - وإذا تولى سعى ~~في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد - وإذا قيل له ~~اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد} [البقرة: 204 - 206] ~~(سورة البقرة: الآيات 204-206) . # PageV01P076 # وإنما الواجب على من استجار به مستجير- إن كان مظلوما ينصره. ولا يثبت ~~أنه مظلوم بمجرد دعواه؛ ms52 فطالما اشتكى الوجل وهو ظالم؛ بل يكثف خبره من خصمه ~~وغيره، فإن كان ظالما رده عن الظلم بالرفق إن أمكن؛ إما من صلح أو حكم ~~بالقسط، وإلا فبالقوة. وإن كان كل منهما ظالما مظلوما كأهل الأهواء، من قيس ~~ويمن ونحوهم. وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي، أو كان جميعا غير ~~ظالمين. لشبهة أو تأويل، أو غلط وقع فيما بينهما: سعى بينهما بالإصلاح، أو ~~الحكم، كما قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين - إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [الحجرات: 9 - ~~10] (سورة الحجرات: الآيتان 9، 10) . وقال تعالى: {لا خير في كثير من ~~نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء ~~مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 114] (سورة النساء: الآية 114) ~~. وقد روى أبو داود في السنن. عزر النبي صلى الله عليه وسلم أنه «قيل له: " ~~أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الحق؟ قال: لا. قال: ولكن من العصبية أن ~~ينصر الرجل قومه في الباطل» . وقال: «خيركم الدافع عن قومه ما لم يأثم» . ~~وقال: «مثل الذي ينصر قومه بالباطل كبعير تردى في # PageV01P077 # بئر فهو يجر بذنبه» . وقال: «من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن ~~أبيه. ولا تكنوا» . وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد، أو ~~جنس أو مذهب، أو طريقة: فهو من عزاء الجاهلية، بل «لما اختصم رجلان من ~~المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا ~~للأنصار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبدعوى الجاهلية وأنا بين ~~أظهركم» . وغضب لذلك غضبا شديدا. # PageV01P078 ### | حد السارق # فصل وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ~~والله عزيز حكيم - فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب ms53 عليه إن الله ~~غفور رحيم} [المائدة: 38 - 39] (سورة المائدة: الآيتان 38، 39) . ولا يجوز ~~بعد ثبوت الحد بالبينة عليه، أو بالإقرار تأخيره: لا بحبس ولا مال يفتدى به ~~ولا غيره، بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها؛ فإن إقامة الحد من ~~العبادات، كالجهاد في سبيل الله، فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من ~~الله بعباده: فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد، لا تأخذه رأفة في دين الله ~~فيعطله. ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات؛ لا شفاء غيظه، ~~وإرادة العلو على الخلق: بمنزلة الوالد إذا أدب ولده؛ فإنه لو كف عن تأديب ~~ولده -كما تشير به الأم رقة ورأفة- لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به، ~~وإصلاحا لحاله؛ مع أن يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب ~~الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل، والحجم، وقطع ~~العروق بالفساد، ونحو ذلك؛ بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه، وما يدخله ~~على نفسه من المشقة لينال به الراحة. فهكذا شرعت الحدود، وهكذا ينبغي أن ~~تكون نية الوالي في إقامتها، فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهي عن ~~المنكرات، بجلب المنفعة لهم، ودفع المضرة عنهم، وابتغى بذلك وجه الله ~~تعالى، وطاعة أمره: ألان الله له القلوب، وتيسرت له أسباب الخير، وكفاه ~~العقوبة البشرية، وقد # PageV01P079 # يرضي المحدود، إذا أقام عليه الحد. وأما إذا كان غرضه العلو عليهم، ~~وإقامة رياسته ليعظموه، أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال، انعكس عليه ~~مقصوده. ويروى أن عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- قبل أن يلي الخلافة كان ~~نائبا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ~~ساسهم سياسة صالحة، فقدم الحجاج من العراق، وقد سامهم سوء العذاب، فسأل أهل ~~المدينة عن عمر. كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه. قال: كيف ~~محبتكم له؟ قالوا: هو أحب إلينا من أهلنا قال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما ~~بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة. قال: هذه هيبته، وهذه محبته، وهذا أدبه، ~~هذا أمر من ms54 السماء. وإذا قطعت يده حسمت، ويستحب أن تعلق في عنقه. فإن سرق ~~ثانيا: قطعت رجله اليسرى. فإن سرق ثالثا، ورابعا: ففيه قولان للصحابة ومن ~~بعدهم من العلماء أحدهما: تقطع أربعته في الثالثة والرابعة، وهو قول أبي ~~بكر -رضي الله عنه- ومذهب الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين. والثاني أنه ~~يحبس، وهو قول علي -رضي الله عنه- والكوفيين، وأحمد في روايته الأخرى. ~~وإنما تقطع يده إذا سرق نصابا، وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، عند جمهور ~~العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم، كمالك، والشافعي، وأحمد، ومنهم ~~من يقول: دينار أو عشرة دراهم. فمن سرق ذلك قطع بالاتفاق، وفي الصحيحين عن ~~ابن عمر -رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قطع في مجن ~~ثمنه ثلاثة دراهم» وفي لفظ مسلم «قطع # PageV01P080 # سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم» والجن الترس. وفي الصحيحين عن عائشة ~~-رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقطع اليد في ~~ريع دينار فصاعدا» . وفي رواية لمسلم: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار ~~فصاعدا» وفي رواية للبخاري، قال «اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو ~~أدنى من ذلك» . وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر ~~درهما. ولا يكون السارق سارقا حتى يأخذ المال من حرز. فأما المال الضائع من ~~صاحبه، والثمر الذي يكون في الشجر في الصحراء بلا حائط، والماشية التي لا ~~راعي عندها ونحو ذلك، فلا قطع فيه، لكن يعزر الآخذ، ويضاعف عليه الغرم، كما ~~جاء به الحديث. وقد اختلف أهل العلم في التضعيف، وممن قال به أحمد وغيره، ~~قال رافع بن خديج: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا قطع في ثمر ~~ولا كثر» . والكثر جمار النخل. رواه أهل السنن، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده -رضي الله عنه- قال: «سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: يا رسول الله جئت أسألك عن الضالة من الإبل، قال: معها ~~حذاؤها وسقاؤها، تأكل الشجر، ms55 وترد الماء، فدعها حتى يأتيها باغيها. قال: ~~فالضالة من الغنم؛ قال: لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها: ~~قال: فالحريسة التي تؤخذ من مراتعها؟ قال: فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال. ~~وما أخذ من عطنه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن. قال: يا ~~رسول الله: فالثمار وما أخذ منها من أكمامها قال: من أخذ منها بفمه، ولم ~~يتخذ خبنة فليس عليه شيء، # PageV01P081 # ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع، ~~إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن، وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه كرامة ~~مثلية، وجلدات نكال» . رواه أهل السنن. لكن هذا سياق النسائي. ولذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا الخائن ~~قطع» . فالمنتهب الذي ينهب الشيء والناس ينظرون، والمختلس الذي يجتذب ~~الشيء، فيعلم به قبل أخذه، وأما الطرار وهو البطاط الذي يبط الجيوب ~~والمناديل والأكمام ونحوها، فإنه يقطع على الصحيح. # PageV01P082 ### | حد الزاني # وأما الزاني: فإن كان محصنا، فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت، كما رجم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديين، ~~ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده. وقد اختلف العلماء: هل يجلد قبل الرجم ~~مائة؛ على قولين في مذهب أحمد وغيره. وإن كان غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة ~~بكتاب الله، ويغرب عاما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن كان بعض ~~العلماء لا يرى وجوب التغريب. ولا يقام عليه الحد حتى يشهد عليه أربعة ~~شهداء، أو يشهد على نفسه أربع شهادات، عند كثير من العلماء أو أكثرهم. ~~ومنهم من يكتفي بشهادته على نفسه مرة واحدة، ولو أقر على نفسه، ثم رجع ~~فمنهم من يقول: يسقط عنه الحد، ومنهم من يقول: لا يسقط. والمحصن من وطئ ~~-وهو حر مكلف- من تزوجها نكاحا صحيحا في قبلها، ولو مرة واحدة. وهل يشترط ~~أن تكون الموطوءة مساوية للواطئ في هذه الصفات؛ على قولين للعلماء. . وهل ~~تحصن المراهقة البالغ؟ ms56 وبالعكس؟ فأما أهل الذمة، فإنهم محصنون أيضا عند ~~أكثر العلماء كالشافعي وأحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين ~~عند باب مسجده، وذلك أول رجم كان في الإسلام. واختلفوا في المرأة إذا وجدت ~~حبلى، ولم يكن لها زوج ولا سيد، ولم تدع شبهة في الحبل، ففيها قولان في ~~مذهب أحمد وغيره. قيل: لا حد # PageV01P083 # عليها؛ لأنه يجوز أن تكون حبلت مكرهة، أو بتحمل، أو بوطء شبهة. قيل: بل ~~تحد، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو ~~مذهب أهل المدينة؛ فإن الاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها، كاحتمال كذبها، ~~وكذب الشهود. وأما اللواط، فمن العلماء من يقول: حده كحد الزنا. وقد قيل: ~~دون ذلك. والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يقتل الاثنان الأعلى ~~والأسفل. سواء كانا محصنين أو غير محصنين؛ فإن أهل السنن رووا عن ابن عباس ~~-رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وجدتموه يعمل عمل ~~قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» . وروى أبو داود عن ابن عباس -رضي ~~الله عنهما- في البكر يوجد على اللوطية. قال: يرجم. ويروى عن علي بن أبي ~~طالب -رضي الله عنه- نحو ذلك. ولم تختلف الصحابة في قتله؛ ولكن تنوعوا فيه. ~~فروي عن الصديق -رضي الله عنه- أنه أمر بتحريقه، وعن غيره قتله، وعن بعضهم: ~~أنه يلقى عليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل: يحبسان في أنق موضع حتى ~~يموتا. وعن بعضهم: أنه يرفع على أعلى جدار في القرية ويرمى منه، ويتبع ~~بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط. . وهذه رواية عن ابن عباس. والرواية ~~الأخرى قال: يرجم. وعلى هذا أكثر السلف. قالوا لأن الله رجم قوم لوط، وشرع ~~رجم الزاني تشبيها برجم قوم لوط، فيرجم الاثنان، سواء كانا حرين أو ~~مملوكين، أو كان أحدهما مملوكا والآخر حرا، إذا كانا بالغين، فإن كان ~~أحدهما غير بالغ عوقب بما دون القتل، ولا يرجم إلا البالغ. # PageV01P084 ### | حد الشرب # فصل وأما حد الشرب: فإنه ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع ~~المسلمين، ms57 فقد روى أهل السنن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من وجوه أنه ~~قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن ~~شرب الرابعة فاقتلوه» . وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة، هو وخلفاؤه ~~والمسلمون بعده. والقتل عند أكثر العلماء منسوخ. وقيل: هو محكم، يقال: هو ~~تعزير يفعله الإمام عند الحاجة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه ~~ضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين. وضرب أبو بكر -رضي الله عنه- أربعين، ~~وضرب عمر في خلافته ثمانين» ، وكان علي -رضي الله عنه- يضرب مرة أربعين، ~~ومرة ثمانين. فمن العلماء من يقول: يجب ضرب الثمانين، ومنهم من يقول: ~~الواجب أربعون، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة، إذا أدمن الناس الخمر. ~~أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها، ونحو ذلك. فأما مع قلة الشاربين وقرب ~~أمر الشارب فتكفي الأربعون. وهذا أوجه القولين، وهو قول الشافعي وأحمد، ~~رحمهما الله في إحدى الروايتين عن أحمد. وقد كان عمر -رضي الله عنه- لما ~~كثر الشرب- زاد فيه النفي وحلق الرأس مبالغة في الزجر عنه، فلو غرب الشارب ~~مع الأربعين لينقطع خبره، أو عزله عن ولايته كان حسنا، فإن عمر بن الخطاب ~~-رضي الله عنه- بلغه # PageV01P085 # عن بعض نوابه أنه تمثل بأبيات في الخمر فعزله. والخمر التي حرمها الله ~~ورسوله، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد شاريها، كل شراب مسكر من أي ~~أصل كان، سواء كان من الثمار كالعنب، والرطب، والتين. أو الحبوب، كالحنطة، ~~والشعير. أو الطلول كالعسل. أو الحيوان، كلبن الخيل، بل لما أنزل الله ~~سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، تحريم الخمر، لم يكن ~~عندهم بالمدينة من خمر العنب شيء؛ لأنه لم يكن بالمدينة شجر عنب، وإنما ~~كانت تجلب من الشام، وكان عامة شرابهم من نبيذ التمر، وقد تواترت السنة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه -رضي الله عنهم- أنه ~~حرم كل مسكر، وبين أنه خمر. وكانوا يشربون النبيذ الحلو، وهو أن ينبذ في ~~الماء تمر وزبيب ms58 أي يطرح فيه، والنبذ: الطرح ليحلو الماء لا سيما كثير من ~~مياه الحجاز، فإن فيه ملوحة، فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين؛ لأنه لا ~~يسكر، كما يحل شرب عصير العنب قبل أن يصير مسكرا، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد نهاهم أن ينبذوا هذا النبيذ في أوعية الخشب، أو الجري، وهو ما يصنع ~~من التراب. أو القرع، أو الظروف المزفتة، وأمرهم أن ينبذوا في الظروف التي ~~تربط أفواهها بالأوكية؛ لأن الشدة تدب في النبيذ دبيبا خفيفا، ولا يشعر ~~الإنسان، فربما شرب الإنسان ما قد دبت فيه الشدة المطربة، وهو لا يشعر، ~~فإذا كان السقاء موكى، انشق الظرف، إذا غلى فيه النبيذ، فلا يقع الإنسان في ~~محذور، وتلك الأوعية لا تنشق. وروي عنه أنه صلى الله عليه وسلم رخص بعد هذا ~~في الانتباذ في الأوعية، وقال: «كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية ~~فانتبذوا، ولا تشربوا المسكر» # PageV01P086 # فاختلف الصحابة ومن بعدهم من العلماء، منهم من لم يبلغه النسخ أو لم ~~يثبته، فنهى عن الانتباذ في الأوعية. ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ فرخص ~~في الانتباذ في الأوعية. فسمع طائفة من الفقهاء أن بعض الصحابة كانوا ~~يشربون النبيذ فاعتقدوا أنه المسكر، فترخصوا في شرب أنواع من الأشربة التي ~~ليست من العنب والتمر، وترخصوا في المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم ~~يسكر الشارب. والصواب ما عليه جماهير المسلمين: أن كل مسكر خمر، يجلد ~~شاربه، ولو شرب منه قطرة واحدة، لتداو أو غير تداو، «فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن الخمر يتداوى بها، فقال: " إنها داء وليست بدواء، وإن ~~الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» . والحد واجب إذا قامت البينة، أو ~~اعترف الشارب، فإن وجدت منه رائحة الخمر، أو رؤي وهو يتقيؤها ونحو ذلك. فقد ~~ميل: لا يقام عليه الحد، لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر، أو شربها جاهلا بها، ~~أو مكرها ونحو ذلك. وقيل: بل يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر، وهذا هو المأثور عن ~~الخلفاء الراشدين وغيرهم من ms59 الصحابة: كعثمان، وعلي، وابن مسعود؛ وعليه تدل ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي يصلح عليه الناس، وهو مذهب ~~مالك. وأحمد في غالب نصوصه، وغيرهما. والحشيشة المصنوعة من ورق العنب حرام ~~أيضا، يجلد صاحبها كما يجلد ضارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها ~~تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد، ~~والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما يصد # PageV01P087 # عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة. وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها، ~~ورأى أن آكلها يعزر بما دون الحد؛ حيث ظنها تغير العقل من غير طرب. بمنزلة ~~البنج، ولم نجد للعلماء المتقدمين فيها كلاما، وليس كذلك، بل آكلوها ينشون ~~عنها، ويشتهونها، كشراب الخمر وأكثر. وتصدهم عن ذكر الله، وعن الصلاة، إذا ~~أكثروا منها، مع ما فيها من المفاسد الأخرى: من الدياثة والتخنث، وفساد ~~المزاج والعقل وغير ذلك. ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابا، تنازع ~~الفقهاء في نجاستها، على ثلاثة أقوال: في مذهب أحمد وغيره. فقيل: هي نجسة ~~كالخمر المشروبة، وهذا هو الاعتبار الصحيح. وقيل: لا؛ لجمودها. وقيل: يفرق ~~بين جامدها ومائعها. وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر ~~والمسكر لفظا ومعنى. «قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- يا رسول الله! ~~أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع، وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، ~~والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد. قال: وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم وخواتيمه. فقال: " كل مسكر حرام» . متفق ~~عليه في الصحيحين. وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن من الحنطة خمرا ومن الشعير خمرا. ومن الزبيب خمرا، ~~ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرا، وأنا أنهى عن كل مسكر» . رواه أبو داود ~~وغيره، ولكن هذا في الصحيحين عن عمر موقوفا عليه؛ أنه خطب به على منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الخمر ما خامر ms60 العقل» وعن ابن عمر رضي الله # PageV01P088 # عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» ~~وفي رواية: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» رواهما مسلم في صحيحه. وعن عائشة ~~-رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام، ~~وما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام» . قال الترمذي حديث حسن. وروى أهل ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال: «ما أسكر كثيره، ~~فقليله حرام» . وصححه الحفاظ. وعن جابر -رضي الله عنه- «أن رجلا سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له: المزر، ~~فقال: " أمسكر هو؟ قال: نعم. فقال: كل مسكر حرا، إن على الله عهدا لمن شرب ~~المسكر، أن بسقيه من طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ ~~قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار» رواه مسلم في صحيحه. وعن ابن عباس ~~-رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مخمر خمر، وكل مسكر ~~حرام» رواه أبو داود. والأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة، جمع رسول الله ~~بما أوتيه من جوامع الكلم، كل ما غطى العقل وأسكر، ولم يفرق بين نرع ونوع، ~~ولا تأثير لكونه مأكولا أو مشروبا، على أن الخمر قد يصطبغ بها، والحشيشة قد ~~تذاب في الماء وتشرب؛ فكل خمر يشرب ويؤكل، والحشيشة تؤكل وتشرب، وكل ذلك ~~حرام؛ وإنما لم يتكلم المتقدمون في خصوصها: لأنه إنما حدث أكلها من قريب، ~~في أواخر المائة السادسة، أو قريبا من ذلك، كما أنه قد أحدثت أشربة مسكرة ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها داخلة في الكلم الجوامع، من الكتاب ~~والسنة. # PageV01P089 # فصل ومن الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة، وأجمع عليها المسلمون حد ~~القذف، فإذا قذف الرجل محصنا بالزنا أو اللواط، وجب عليه الحد ثمانون جلدة، ~~والمحصن هنا: هو الحر العفيف، وفي باب حد الزنا هو الذي وطن وطئا كاملا في ~~نكاح تام. # PageV01P090 ### | المعاصي التي ليست لها حدود ms61 أو كفارة # فصل وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة، كالذي يقبل الصبي ~~والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع أو يأكل ما لا يحل، كالدم والميتة، أو ~~يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حرز، ولو شيئا يسيرا، أو يخون ~~أمانته، كولاة أموال بيت المال أو الوقوف، ومال اليتيم ونحو ذلك، إذا خانوا ~~فيها، وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو من يغش في معاملته، كالذين يغشون ~~في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، ~~أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو ~~يعتدي على رعيته، أو يتعزى بعزاء الجاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ~~ذلك من أنواع المحرمات: فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا، بقدر ما ~~يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته. فإذا كان كثيرا زاد ~~في العقوبة؛ بخلاف ما إذا كان قليلا. وعلى حسب حال المذنب؛ فإذا كان من ~~المدمنين على الفجور زيد في عقوبته؛ بخلاف المقل من ذلك. وعلى حسب كبر ~~الذنب وصغره؛ فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، بما لا يعاقب من لم ~~يتعرض إلا لمرأة واحدة، أو صبي واحد. وليس لأقل التعزير حد؛ بل هو بكل ما ~~فيه إيلام الإنسان، من قول وفعل، وترك قول، وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه ~~وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ~~ذلك هو المصلحة، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه " الثلاثة الذين ~~خلفوا "، وقد يعزر # PageV01P091 # بعزله عن ولايته، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعزرون بذلك؛ ~~وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فر من الزحف؛ ~~فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقطع أجره نوع تعزير له، وكذلك الأمير إذا ~~فعل ما يستعظم فعزله عن إمارته تعزير له. وكذلك قد يعزر بالحبس، وقد يعزر ~~بالضرب، وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبا؛ كما روي عن عمر بن ~~الخطاب ms62 -رضي الله عنه- أنه أمر بمثل ذلك في شاهد الزور، فإن الكاذب سود ~~الوجه، فسود وجهه، وقلب الحديث، فقلب ركوبه. وأما أعلاه؛ فقد قيل: " لا ~~يزاد على عشرة أسواط ". وقال كثير من العلماء لا يبلغ به الحد. ثم هم على ~~قولين: منهم من يقول: " لا يبلغ به أدنى الحدود ": لا يبلغ بالحر أدنى حدود ~~الحر، وهي الأربعون، أو الثمانون، ولا يبلغ بالعبد أدنى حدود العبد، وهي ~~العشرون أو الأربعون. وقيل: بل لا يبلغ بكل منهما حد العبد. ومنهم من يقول: ~~لا يبلغ بكل ذنب حد جنسه وإن زاد على حد جنس آخر، فلا يبلغ بالسارق من غير ~~حرز قطع اليد، وإن ضرب أكثر من حد القاذف. ولا يبلغ بمن فعل ما دون الزنا ~~حد الزاني، وإن زاد على حد القاذف، كما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله ~~عنه- أن رجلا نقش على خاتمه، وأخذ بذلك من بيت المال، فأمر به فضرب مائة ~~ضربة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة ضربة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة ~~ضربة. وروي عن الخلفاء الراشدين، في رجل وامرأة وجدا في لحاف: " يضربان ~~مائة ". «وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي جارية امرأته: " ~~إن كانت أحلتها له جلد مائة وإن لم تكن أحلتها له: رجم» . وهذه الأقوال في ~~مذهب أحمد، وغيره. والقولان الأولان في مذهب الشافعي، وغيره. # PageV01P092 # وأما مالك وغيره، فحكي عنه: أن من الجرائم ما يبلغ به القتل. ووافقه بعض ~~أصحاب أحمد، في مثل الجاسوس المسلم، إذا تجسس للعدو على المسلمين، فإن أحمد ~~توقف في قتله، وجوز مالك وبعض الحنابلة - كابن عقيل - قتله، ومنعه أبو ~~حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة، كالقاضي أبي يعلى. وجوز طائفة من أصحاب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما: قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، ~~وكذلك كثير من أصحاب مالك، وقالوا: إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل ~~الفساد في الأرض؛ لا لأجل الردة؛ وكذلك قد قيل في قتل الساحر؛ فإن أكثر ~~العلماء على أنه يقتل، وقد روي عن جندب -رضي ms63 الله عنه- موقوفا ومرفوعا: «أن ~~حد الساحر ضربه بالسيف» رواه الترمذي. وعن عمر وعثمان وحفصة وعبد الله بن ~~عمر وغيرهم من الصحابة -رضي الله عنهم- قتله. فقال بعض العلماء: لأجل ~~الكفر، وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض. لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حدا. ~~وكذلك أبو حنيفة يعزر بالقتل فيما تكرر من الجرائم، إذا كان جنسه يوجب ~~القتل، كما يقتل من تكرر منه اللواط، أو اغتيال النفوس لأخذ المال ونحو ~~ذلك. وقد يستدل على أن المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل: بما ~~رواه مسلم في صحيحه، عن عرفجة الأشجعي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق ~~عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» . وفي رواية: «ستكون هنات، وهنات. فمن ~~أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه # PageV01P093 # بالسيف كائنا من كان» . وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في ~~الرابعة؛ بدليل ما رواه أحمد في المسند، عن ديلم الحميري -رضي الله عنه- ~~قال: «سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله: إنا بأرض ~~نعالج بها عملا شديدا، وإنا نتخذ شرابا من القمح نتقوى به على أعمالنا، ~~وعلى برد بلادنا. فقال: هل يسكر؛ قلت نعم. قال: فاجتنبوه. قلت إن الناس غير ~~تاركيه. قال: فإن لم يتركوه فاقتلوهم» . وهذا لأن المفسد كالصائل، فإذا لم ~~يندفع الصائل إلا بالقتل قتل. وجماع ذلك أن العقوبة نوعان: (أحدهما) على ~~ذنب ماض، جزاء بما كسب نكالا من الله، كجلد الشارب والقاذف، وقطع المحارب ~~والسارق. و (الثاني) العقوبة لتأدية حق واجب، وترك محرم في المستقبل، كما ~~يستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب؛ وإلا قتل. وكما يعاقب تارك الصلاة ~~والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها. فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في ~~الضرب الأول. ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة، أو ~~يؤدي الواجب عليه. والحديث الذي في الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «لا يجلد ms64 فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» . قد فسره طائفة ~~من أهل العلم، بأن المراد بحدود الله ما حرم لحق الله، فإن الحدود في لفظ ~~الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام: مثل آخر الحلال وأول ~~الحرام. فيقال في الأول: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229] (سورة ~~البقرة من الآية 229) . # PageV01P094 # ويقال في الثاني: {تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة: 187] (سورة ~~البقرة من الآية 187) . وأما تسمية العقوبة المقدرة حدا، فهو عرف حادث. ~~ومراد الحديث: أن من ضرب لحق نفسه، كضرب الرجل امرأته في النشوز، لا يزيد ~~على عشر جلدات. والجلد الذي جاءت به الشريعة: هو الجلد المعتدل بالسوط؛ فإن ~~خيار الأمور أوساطها، قال علي -رضي الله عنه-: " ضرب بين ضربين، وسوط بين ~~سوطين ". ولا يكون الجلد بالعصي ولا بالمقارع، ولا يكتفى فيه بالدرة، بل ~~الدرة تستعمل في التعزير. أما الحدود، فلا بد فيها من الجلد بالسوط، وكان ~~عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يؤدب بالدرة: فإذا جاءت الحدود دعا بالسوط، ~~ولا تجرد ثيابه كلها؛ بل ينزع عنه ما يمنع كم الضرب، من الحشايا والفراء ~~ونحو ذلك. ولا يربط إذا لم يحتج إلى ذلك، ولا يضرب وجهه، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه» . ولا يضرب مقاتله. فإن ~~المقصود تأديبه لا قتله، ويعطى كل عضو حظه من الضرب، كالظهر والأكتاف ~~والفخذين ونحو ذلك. # PageV01P095 ### | [العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان] # فصل العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: أحدهما: ~~عقوبة المقدور عليه، من الواحد والعدد، كما تقدم. والثاني: عقاب الطائفة ~~الممتنعة، كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال. فاصل هذا هو جهاد الكفار، أعداء ~~الله ورسوله، فكل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله ~~الذي بعثه به فلم يستجب له؛ فإنه يجب قتاله (حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين ~~كله لله) . ولأن الله لما بعث نبيه، وأمره بدعوة الخلق إلى دينه: لم يأذن ~~له في ms65 قتل أحد على ذلك ولا قتاله، حتى هاجر إلى المدينة، فأذن له وللمسلمين ~~بقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير - ~~الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز - الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور} [الحج: 39 - 41] (سورة الحج: الآيات 39- 41) . ثم إنه بعد ذلك أوجب ~~عليهم القتال بقوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون} [البقرة: 216] (سورة البقرة: الآية 216) . وأكد الإيجاب وعظم أمر ~~الجهاد، في عامة السور المدنية. وذم التاركين له، ووصفهم بالنفاق ومرض ~~القلوب، # PageV01P096 # وقال تعالى {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين} [التوبة: 24] (سورة التوبة: الآية 15) . وقال تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15] (سورة الحجرات: الآية 15) . ~~وقال تعالى {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم ~~مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم - طاعة وقول معروف ~~فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم - فهل عسيتم إن توليتم أن ~~تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} [محمد: 20 - 22] (سورة محمد: من الآية 20 ~~والآيتان 21، 22) . فهذا كثير في القرآن. وكذلك تعظيمه وتعظيم أهله في " ~~سورة الصف " التي يقول فيها: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون - يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري ~~من ms66 تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم - وأخرى ~~تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} [الصف: 10 - 13] (سورة الصف: ~~الآيات 10-13) . وقوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله ~~لا يهدي القوم الظالمين - الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون - يبشرهم ربهم ~~برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم - خالدين فيها أبدا إن الله ~~عنده أجر عظيم} [التوبة: 19 - 22] (سورة التوبة: الآيات 19-22) . وقوله ~~تعالى: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [المائدة: 54] (سورة المائدة: من ~~الآية 54) . # PageV01P097 # وقال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ~~ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل ~~صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين - ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا ~~يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 120 ~~- 121] (سورة التوبة: من الآيتين 120، 121) . فذكر ما يتولد من أعمالهم، ~~وما يباشرونه من الأعمال. والأمر بالجهاد، وذكر فضائله في الكتاب والسنة، ~~أكثر من أن يحصر. ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء ~~أفضل من الحج والعمرة، ومن صلاة التطوع، وصوم التطوع. كما دل عليه الكتاب ~~والسنة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده ~~الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» . وقال: «إن في الجنة لمائة درجة، ما بين ~~الدرجة والدرجة، كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله» . ~~متفق عليه وقال: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار» رواه ~~البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من ~~صيام شهر ms67 وقيامه، وإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، ~~وأمن الفتان» . رواه مسلم وفي السنن: «رباط يوم في سبيل الله، خير من ألف ~~يوم فيما سواه من المنازل» وقال صلى الله عليه وسلم: «عينان لا تمسهما ~~النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» قال الترمذي ~~حديث حسن. وفي مسند الإمام أحمد: «حرس ليلة في سبيل الله، أفضل من ألف ليلة ~~يقام # PageV01P098 # ليلها، ويصام نهارها» وفي الصحيحين: «أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني ~~بشيء يعدل الجهاد في سبيل الله؛ قال: لا تستطيع. قال: أخبرني به؛ قال: هل ~~تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر، وتقوم لا تفتر؟ قال لا. قال: فذلك ~~الذي يعدل الجهاد ". وفي السنن أنه صلى الله عليه وسلم قال " إن لكل أمة ~~سياحة، وسياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» . وهذا باب واسع، لم يرد في ثواب ~~الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه. وهو ظاهر عند الاعتبار؛ فإن نفع الجهاد عام ~~لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبارات الباطنة ~~والطاهرة، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى، والإخلاص له، والتوكل عليه، ~~وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله، وسائر أنواع الأعمال؛ ~~على ما لا يشتمل عليه عمل آخر. والقائم به من الشخص والأمن أن إحدى ~~الحسنيين دائما؛ إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة. فإن الخلق لا بد ~~لهم من محيا وممات، ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا ~~والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما؛ وإن من الناس من يركب في ~~الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قلة منفعتها، فالجهاد أنفع فيهما من ~~كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت، فموت الشهيد أيسر ~~من كل ميتة، وهي أفضل الميتات. وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ~~ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن ~~امتنع من هذا قوتل باتفاق # PageV01P099 # المسلمين. وأما من لم ms68 يكن من أهل الممانعة والمقاتلة، كالنساء والصبيان ~~والراهب، والشيخ الكبير، والأعمى، والزمن، ونحوهم فلا يقتل عند جمهور ~~العلماء؛ إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع ~~لمجرد الكفر؛ إلا النساء والصبيان؛ لكونهم مالا للمسلمين. والأول هو ~~الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال ~~الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين} [البقرة: 190] (سورة البقرة: الآية 190) . وفي السنن عنه صلى ~~الله عليه وسلم «أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه، قد وقف عليها ~~الناس. فقال: ما كانت هذه لتقاتل» وقال لأحدهم: «الحق خالدا فقل له: لا ~~تقتلوا ذرية ولا عسيفا» . وفيها أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ~~«لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة» . وذلك أن الله تعالى ~~أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى: {والفتنة ~~أشد من القتل} [البقرة: 191] (سورة البقرة: من الآية 217) . أي أن القتل ~~وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن ~~لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه؛ ولهذا ~~قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع الخالفة للكتاب والسنة، يعاقب بما لا ~~يعاقب به الساكت. وجاء في الحديث: «أن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا ~~صاحبها؛ ولكن إذا ظهرت فلم شكر ضرت العامة» . ولهذا أوجبت الشريعة قتال ~~الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم؛ بل إذا أسر الرجل منهم في ~~القتال، أو غير القتال، مثل أن تلقيه السفينة # PageV01P100 # إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من ~~قتله، أو استعباده، أو المن عليه، أو مفاداته بمال أو نفس، عند أكثر ~~الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة، وإن كان من الفقهاء من يرى المن عليه ~~ومفاداته منسوخا. فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون، حتى يسلموا، أو يعطوا ~~الجزية عن يد وهم ms69 صاغرون. ومن سواهم فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم. ~~إلا أن عامتهم لا يأخذونها من العرب، وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، ~~وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة، فإنه يجب جهادها باتفاق ~~المسلمين، حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ~~وسائر الصحابة -رضي الله عنهم- مانعي الزكاة، وكان قد توقف في قتالهم بعض ~~الصحابة، ثم اتفقوا، حتى قال عمر بن الخطاب لأبي بكر -رضي الله عنهما- كيف ~~تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها، فقد ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؛ وحسابهم على الله» ، فقال له أبو ~~بكر: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعهم قال عمر: فما هو إلا أن رأيت ~~الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق. وقد ثبت عنه صلى الله ~~عليه وسلم من وجوه كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج، ففي الصحيحين عن علي بن ~~أبي طالب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون من # PageV01P101 # قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم ~~يوم القيامة» . وفي رواية لمسلم عن علي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى ~~قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم ~~وهو عليهم، لا تجاوز قراءتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن ~~العمل» . وعن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ~~«يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل ms70 الأوثان؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» ~~متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «تكون أمتي فرقتين فتخرج من بينهما مارقة، يلي ~~قتلهم أولى الطائفتين بالحق» . فهؤلاء الذين قتلهم أمير المؤمنين علي -رضي ~~الله عنه- لما حصلت الفرقة بين أهل العراق والشام، وكانوا يسمون الحرورية. ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم أن كلا الطائفتين المفترقتين من أمته، وأن ~~أصحاب علي أولى الطائفتين بالحق، ولم يحرض إلا على قتال أولئك المارقين ~~الذين خرجوا من الإسلام، وفارقوا الجماعة، واستحلوا دماء من سواهم من ~~المسلمين وأموالهم. فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أنه يقاتل من خرج عن ~~شريعة الإسلام، وإن تكلم بالشهادتين. وقد اختلف الفقهاء في الطائفة ~~الممتنعة، لو تركت السنة الراتبة، كركعتي الفجر، هل يجوز قتالها؛ على ~~قولين. فأما الواجبات والحرمات الظاهرة والمستفيضة، فيقاتل عليها بالاتفاق، ~~حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات # PageV01P102 # المكتوبات، ويؤدوا الزكاة، ويصوموا شهر رمضان، ويحجوا البيت، ويلتزموا ~~ترك المحرمات: من نكاح الأخوات، وأكل الخبائث، والاعتداء على المسلمين في ~~النفوس والأموال، ونحو ذلك. وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم إليهم بما يقاتلون عليه. فأما إذا بدأوا المسلمين ~~فيتأكد قتالهم، كما ذكرناه في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطرق. ~~وأبلغ الجهاد الواجب للكفار، والممتنعين عن بعض الشرائع، كمانعي الزكاة ~~والخوارج ونحوهم: يجب ابتداء ودفعا. فإذا كان ابتداء، فهو فرض على الكفاية، ~~إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين وكان الفضل لمن قام به، كما قال ~~الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] ~~الآية (سورة النساء: الآية 95) . فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين، ~~فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين، لإعانتهم، ~~كما قال الله تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق} [الأنفال: 72] (سورة الأنفال: من الآية 72) . وكما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال ~~أو لم يكن. وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة ~~والكثرة، ms71 والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم ~~يأذن الله في ترى لأحد، كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو، الذي ~~قسمهم فيه إلى قاعد وخارج. بل ذم الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ~~{يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} [الأحزاب: 13] ~~(سورة الأحزاب من الآية 13) . فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس، وهو قتال ~~اضطرار، وذلك قتال اختيار، للزيادة في الدين وإعلائه، ولإرهاب العدو، كغزاة ~~تبوك ونحوها. # PageV01P103 # فهذا النوع من العقوبة، هو للطوائف الممتنعة. فأما غير الممتنعين من أهل ~~ديار الإسلام ونحوهم فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس ~~وغيرها، من أداء الأمانات والوفاء بالعدد في المعاملات وغير ذلك. فمن كان ~~لا يصلي من جميع الناس: من رجالهم ونسائهم فإنه يؤمر بالصلاة، فإن امتنع ~~عوقب حتى يصلي بإجماع العلماء. ثم إن أكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصل، ~~فيستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهل يقتل كافرا أو مرتدا أو فاسقا؛ على قولين ~~مشهورين في مذهب أحمد وغيره. والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره، وهذا مع ~~الإقرار بالوجوب. فأما من جحد الوجوب فهو كافر بالاتفاق: بل يجب على ~~الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعا، ويضربوه عليها لعشر، كما ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم ~~عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» وكذلك ما تحتاج إليه الصلاة من ~~الطهارة الواجبة ونحوها. ومن تمام ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم. ~~وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «صلوا كما ~~رأيتموني أن أصلي» رواه البخاري. «وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر فقال: ~~(إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» . وعلى إمام الناس في الصلاة ~~وغيرها أن ينظر لهم. فلا يفوتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم: بل على كل ~~إمام للصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة ولا يقتصر على ما يجوز للمنفرد ~~الاقتصار عليه من قدر الأجزاء إلا لعذر، وكذلك على إمامهم في الحج، ms72 وأميرهم ~~في الحرب. ألا ترى أن الوكيل والولي # PageV01P104 # في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ~~ماله؟ وهو في مال نفسه يفوت نفسه ما شاء. فأمر الدين أهم، وقد ذكر الفقهاء ~~هذا المعنى. ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس: صلح للطائفتين دينهم ~~ودنياهم؛ وإلا اضطربت الأمور عليهم. وملاك ذلك كله صلاح النية للرعية، ~~وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه. فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة ~~والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: ~~5] (سورة الفاتحة: الآية 5) فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما يجمعان معاني ~~الكتب المنزلة من السماء. وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرة في ~~بعض مغازيه، فقال: " يا مالك يوم الدين، إياك نعبد، وإياك نستعين " فجعلت ~~الرءوس تندر عن كواهلها» . وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله: ~~{فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] (سورة هود: من الآية 123) وقوله تعالى: ~~{عليه توكلت وإليه أنيب} [هود: 88] (سورة هود: من الآية 88) . «وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته -يقول: " اللهم منك ولك» . وأعظم عون لولي ~~الأمر خاصة، ولغيره عامة، ثلاثة أمور: أحدها: الإخلاص لله، والتوكل عليه ~~بالدعاء وغيره، وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن. الثاني: ~~الإحسان إلى الخلق، بالنفع والمال الذي هو الزكاة. الثالث: الصبر على أذى ~~الخلق وغيره من النوائب. ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرا، كقوله ~~تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] (سورة البقرة: من الآية ~~45) . وكقوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين - واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ~~[هود: 114 - 115] (سورة هود: الأيتان 114، 115) . وقوله تعالى: {فاصبر على ~~ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} [طه: 130] (سورة طه: ~~من الآية 130) . # PageV01P105 # وكذلك في " سورة ق ": {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل الغروب} [ق: 39] (الآية 39) . وقال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ~~بما يقولون - فسبح بحمد ربك وكن من ms73 الساجدين} [الحجر: 97 - 98] (سورة ~~الحجر: الآيتان 97، 98) . وأما قرنه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير ~~جدا. فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية. إذا عرف ~~الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة: يدخل في الصلاة ذكر الله تعالى، ~~ودعاؤه، وتلاوة كتابه، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه. وفي الزكاة الإحسان ~~إلى الخلق بالمال والنفع: من نصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وقضاء حاجة ~~المحتاج. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل معروف ~~صدقة» فيدخل فيه كل إحسان، ولو ببسط الوجه، والكلمة الطيبة. ففي الصحيحين: ~~عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ~~منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمن ~~منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، فينظر ~~أمامه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة ~~فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة» . وفي السنن، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، ولو ~~أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي» . وفي السنن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن» . «وروي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لأم سلمة: " يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» # PageV01P106 # وفي الصبر احتمال الأذى، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، ومخالفة الهوى، ~~وترك الأشر والبطر، كما قال تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه إنه ليئوس كفور - ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب ~~السيئات عني إنه لفرح فخور - إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم ~~مغفرة وأجر كبير} [هود: 9 - 11] (سورة هود: الآيات 9- 11) . وقال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] ~~(سورة الأعراف: الآية 199) . وقال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ~~عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين - الذين ينفقون في السراء ms74 والضراء ~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} [آل عمران: 133 - ~~134] (سورة آل عمران: الآيتان 133، 134) . وقال تعالى: {ولا تستوي الحسنة ~~ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم - ~~وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم - وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت: 34 - 36] (سورة ~~فصلت: الآيات 34-36) . وقال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين} [الشورى: 40] (سورة الشورى: الآية 40) ~~. قال الحسن البصري -رحمة الله عليه-: إذا كان يوم القيامة، نادى مناد من ~~بطنان العرش: ألا ليقم من وجب أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح. ~~فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم، أن يفعل ما يهوونه ويترك ما ~~يكرهونه، فقد قال الله تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن} [المؤمنون: 71] [سورة المؤمنون: من الآية 71) . وقال ~~تعالى للصحابة: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم} [الحجرات: 7] (سورة الحجرات: من الآية 7) . وإنما الإحسان إليهم فعل ~~ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من # PageV01P107 # كرهه؛ لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه. ففي الصحيحين، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف ~~في شيء إلا شانه» . وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ~~ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» . وكان عمر بن عبد العزيز -رضي الله ~~عنه- يقول: والله إني لأريد أن أخرج لهم المرة من الحق، فأخاف أن ينفروا ~~عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا، فأخرجها معها، فإذا نفروا لهذه، ~~سكنوا لهذه. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة لم ~~يرده إلا بها، أو بميسور من القول. «وسأله مرة بعض أقاربه أن يوليه على ~~الصدقات، ويرزقه منها، فقال: " إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» . ~~فمنعهم إياها وعوضهم ms75 من الفيء. وتحاكم إليه علي، وزيد، وجعفر، في ابنة ~~حمزة، فلم يقض بها لواحد منهم: ولكن قضى بها لخالتها، ثم إنه طيب قلب كل ~~واحد منهم بكلمة حسنة، «فقال لعلي: " أنت مني وأنا منك» . «وقال لجعفر: " ~~أشبهت خلقي وخلقي» . «وقال لزيد: " أنت أخونا ومولانا» . فهكذا ينبغي لولي ~~الأمر في قسمه وحكمه، فإن الناس دائما يسألون ولي الأمر مالا يصلح بنقله من ~~الولايات، والأموال والمنافع والأجور، والشفاعة في الحدود وغير ذلك. ~~فيعوضهم من جهة أخرى إن أمكن، أو يردهم بميسور من القول، ما لم يحتج إلى ~~الإغلاظ؛ فإن رد السائل يؤلمه، خصوصا من يحتاج إلى تأليفه، وقد قال الله ~~تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} [الضحى: 10] (سورة الضحى: الآية 10) . وقال ~~الله تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} ~~[الإسراء: 26] (سورة الإسراء: الآية 26) إلى قوله: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء ~~رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] (سورة الإسراء: ~~الآية 28) . # PageV01P108 # وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذى، فإذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل ~~كان ذلك تمام السياسة، وهو نظير ما يعطيه الطبيب للمريض، من الطب الذي يسوغ ~~الدواء الكريه، وقد قال الله لموسى عليه السلام- لما أرسله إلى فرعون -: ~~{فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44] (سورة طه: الآية 44) . ~~«وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري -رضي الله ~~عنهما- لما بعثهما إلى اليمن-: " يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ~~ولا تختلفا» . «وبال مرة أعرابي في المسجد فقام أصحابه إليه فقال: " لا ~~تزرموه " أي لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر بدلو من ماء فصب عليه» . «وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» . ~~والحديثان في الصحيحين. وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ~~ورعيته؛ فإن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي ~~محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة. ألا ~~ترى أن الأكل والشرب واللباس ms76 واجب على الإنسان؛ حتى لو اضطر إلى الميتة وجب ~~عليه الأكل عند عامة العلماء، فإن لم جمل حتى مات دخل النار؛ لأن العبادات ~~لا تؤدى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولهذا كانت نفقة ~~الإنسان على نفسه وأهله مقدمة على غيرها. ففي السنن عن أبي هريرة -رضي الله ~~عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا فقال رجل يا رسول ~~الله: عندي دينار فقال تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على ~~زوجتك. قال: عندي آخر. قال تصدق # PageV01P109 # به على ولدك. قال: عندي آخر. قال تصدق به على خادمك. قال: عندي آخر. قال: ~~أنت أصر به» . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في ~~رقبة، ودينار صدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك. أعظمها أجرا الذي ~~أنفقته على أهلك» . وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، دان تمسكه ~~شر لك. ولا تلام على كفاف؛ وابدأ بمن تعول. واليد العليا خير من اليد ~~السفلى» . وهذا تأويل قوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} ~~[البقرة: 219] أي الفضل (سورة البقرة: من الآية 219) . وذلك لأن نفقة الرجل ~~على نفسه وأهله فرض عين، بخلاف النفقة في الغزو والمساكين؛ فإنه في الأصل ~~إما فرض على الكفاية، وإما مستحب، وإن كان قد يصير متعينا إذا لم يقم غيره ~~به؛ فإن إطعام الجائع واجب؛ ولهذا جاء في الحديث: «لو صدق السائل لما أفلح ~~من رده» . ذكره الإمام أحمد، وذكر أنه إذا علم صدقه وجب إطعامه. وقد روى ~~أبو حاتم البستي في صحيحه حديث أبي ذر -رضي الله عنه- الطويل، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذي فيه من أنواع العلم والحكمة -وفيه أنه كان في حكمة آل ~~داود عليه السلام-: " حق على العاقل أن تكون ms77 له أربع ساعات: ساعة يناجي ~~فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه ~~بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فسما يحل ويجمل، فإن ~~في هذه الساعة عونا على تلك الساعات ". فبين أنه لا بد من اللذات المباحة ~~الجميلة فإنها تدين على تلك الأمور. # PageV01P110 # ولهذا ذكر الفقهاء: أن العدالة هي الصلاح في الدين والمروءة؛ باستعمال ما ~~يجمله ويزينه، وتجنب ما يدنسه ويشينه. وكان أبو الدرداء - رضي الله عنه- ~~يقول: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل، لأستعين به على الحق. والله ~~سبحانه إنما خلق اللغات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق؛ فإنه بذلك ~~يجتلبون ما ينفعهم، كما خليق الغضب ليدفعوا به ما يضرهم، وحرم من الشهوات ~~ما يضر تناوله، وذم من اقتصر عليها. فأما من استعان بالمباح الجميل على ~~الحق، فهذا من الأعمال الصالحة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " في بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا ~~شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أما يكون عليه وزر؟ ~~قالوا: بلى، قال: فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال؟» . وفي ~~الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال له: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، ~~حتى اللقمة تضعها في في امرأتك» . والآثار في هذا كثيرة. فالمؤمن إذا كانت ~~له نية، أتت على عامة أفعاله، وكان المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ~~ونيته، والمنافق -لفساد قلبه ونيته- يعاقب على ما يظهره من العبادات رياء، ~~فإن في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا ~~صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» . ~~وكما أن العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات، وترك المحرمات، فقد شرع ~~أيضا كل ما يعين على ذلك. فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة، # PageV01P111 # والإعانة عليه، والترغيب فيه بكل ممكن؛ ms78 مثل أن يبذل لولده، وأهله، أو ~~رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح: من مال، أو ثناء أو غيره ولهذا شرعت ~~المسابقة بالخيل، والإبل، والمناضلة بالسهام، وأخذ الجعل عليها؛ لما فيه من ~~الترغيب في إعداد القوة ورباط الخيل لجهاد في سبيل الله، حتى كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يسابق بين الخيل، هو وخلفاؤه الراشدون، ويخرجون الأسباق من ~~بيت المال، وكذلك عطاء المؤلفة قلوبهم، فقد روي: " أن الرجل كان يسلم أول ~~النهار رغبة في الدنيا فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت ~~عليه الشمس ". وكذلك الشر والمعصية: ينبغي: حسم مادته، وسد ذريعته، ودفع ما ~~يفضي إليه، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة. مثال ذلك، ما نهى عنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان» . وقال: ~~«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين إلا ومعها ~~زوج أو ذو محرم» . فنهى صلى الله عليه وسلم عن الخلوة بالأجنبية، والسفر ~~بها؛ لأنه ذريعة إلى الشر. وروي عن الشعبي: أن «وفد عبد القيس لما قدموا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه خلف ~~ظهره. وقال: " إنما كانت خطيئة داود النظر» . وعمر بن الخطاب -رضي الله ~~عنه- لما كان يعس بالمدينة فسمع امرأة تتغنى بأبيات تقول فيها: # هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أو من سبيل إلى نصر بن حجاج # فدعا به، فوجده شابا حسنا، فحلق رأسه فازداد جمالا، فنفاه إلى البصرة، ~~لئلا تفتق به النساء. وروي عنه: أنه بلغه أن رجلا يجلس إليه الصبيان فنهى ~~عن مجالسته. # PageV01P112 # فإذا كان من الصبيان من تخاف فتنته على الرجال، أو على النساء، منع وليه ~~من إظهاره لغير حاجة، أو تحسينه؛ لا سيما بترييحه في الحمامات، وإحضاره ~~مجالس اللهو والأغاني؛ فإن هذا مما ينبغي التعزير عليه. وكذلك من ظهر منه ~~الفجور يمنع من تملك الغلمان المردان الصباح ويفرق بينهما؛ فإن الفقهاء ~~متفقون على أنه لو شهد شاهد عند الحاكم، وكان قد استفاض ms79 عنه نوع من أنواع ~~الفسوق القادحة في الشهادة، فإنه لا يجوز قبول شهادته، ويجوز للرجل أن ~~يجرحه بذلك وإن لم يره. «فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر عليه ~~بجنازة فأثنوا عليها خيرا. فقال: أوجبت وجبت ". ثم مر عليه بجنازة فأثنوا ~~عليها شرا، فقال: " وجبت وجبت ". فسألوه عن ذلك فقال: " هذه الجنازة أثنيتم ~~عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت ~~لها النار. أنتم شهداء الله في الأرض» . مع أنه كان في زمانه امرأة تعلن ~~(1) الفجور. فقال: «لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه» . فالحدود لا ~~تقام إلا بالبينة. وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك، فلا ~~يحتاج إلى المعاينة؛ بل الاستفاضة كافية في ذلك، وما هو دون الاستفاضة، حتى ~~أنه يستدل عليه بأقرانه، كما قال ابن مسعود: " اعتبروا الناس بأخدانهم (2) ~~". فهذا لدفع شره، مثل الاحتراز من العدو. وقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله ~~عنه-: " احترسوا من الناس بسوء الظن ". فهذا أمر عمر، مع أنه لا تجوز عقوبة ~~المسلم بسوء الظن. PageV01P113 ### | القسم الثاني الحدود والحقوق التي لأدمي معين ### | القصاص # وأما الحدود والحقوق التي لآدمي معين فمنها النفوس، قال الله تعالى: {قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون - ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ~~ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون - وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون} [الأنعام: 151 - 153] (سورة الأنعام: الآيات 151-153) . وقال تعالى: ~~{وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] (سورة النساء: من ~~الآية 92) 0 إلى قوله: ms80 {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب ~~الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] (سورة النساء: الآية ~~93) وقال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا} [المائدة: 32] (سورة المائدة: من الآية 32) . وفي الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في ~~الدماء» . فالقتل ثلاثة أنواع: أحدها: العمد المحض، وهو أن يقصد من يعلمه ~~معصوما بما يقتل غالبا، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله ~~كالسندان وكوذين القصار؛ أو # PageV01P114 # بغير ذلك كالتحريق والتغريق، والإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك ~~الخصيتين حتى تخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم ونحو ذلك من ~~الأفعال، فهذا إذا فعله وجب فيه القود، وهو أن يمكن أولياء المقتول من ~~القاتل؛ فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية. وليس لهم ~~أن يقتلوا غير قاتله، قال الله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا} [الإسراء: 33] (سورة الإسراء: الآية 33) . قيل في التفسير: لا يقتل ~~غير قاتله. وروي عن أبي شريح الخزاعي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «من أصيب بدم أو خبل -الخبل الجراح- فهو بالخيار بين ~~إحدى ثلاث: فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ ~~الدية. فمن فعل شيئا من ذلك فعاد فإن له جهنم خالدا فيها أبدا» . رواه أهل ~~السنن. قال الترمذي حديث حسن صحيح، فمن قتل بعد العفو أو أخذ الدية فهو ~~أعظم جرما ممن قتل ابتداء، حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتله حدا، ولا ~~يكون أمره لأولياء المقتول. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي ~~له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ms81 وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ~~فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم - ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ~~لعلكم تتقون} [البقرة: 178 - 179] (سورة البقرة: من الآية 178 والآية 179) ~~. قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يؤثروا أن ~~يقتلوا القاتل وأولياءه، وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرا من ~~أصحاب القاتل كسيد القبيلة ومقدم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدى في ~~الابتداء، وتعدى هؤلاء في الاستيفاء، كما كان يفعله أهل الجاهلية الخارجون ~~عن # PageV01P115 # الشريعة في هذه الأوقات، من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل ~~القاتل لكونه عظيما أشرف من المقتول، فيفضي ذلك إلى أن أولياء المقتول ~~يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل، وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا ~~بهم، وهؤلاء قوما، فيفضي إلى الفتن والعداوات العظيمة. وسبب ذلك خروجهم عن ~~سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى، فكتب الله علينا القصاص -وهو المساواة ~~والمعادلة في القتلى- وأخبر أن فيه حياة؛ فإنه يحقن دم غير القاتل من ~~أولياء الرجلين. وأيضا فإذا علم من يريد القتل أنه يقتل كف عن القتل. وقد ~~روي عن علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه- وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي ~~الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمنون تتكافأ ~~دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مسلم ~~بكافر، ولا ذو عهد في عهده» . رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن ~~فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم -أي تتساوى ~~وتتعادل- فلا يفضل عربي على عجمي، ولا قرشي أو هاشمي على غيره من المسلمين. ~~ولا حر أصلي على مولى عتيق، ولا عالم أو أمير، على أمي أو مأمور. وهذا متفق ~~عليه بين المسلمين؛ بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود فإنه كان ~~بقرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم صنفان من اليهود: قريظة والنضير، ~~وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ms82 ذلك، وفي حد الزنا، فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى التحميم، ~~وقالوا إن حكم بينكم بذلك كان لكم حجة، وإلا فأنتم قد تركتم حكم التوراة ~~فأنزل الله تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من ~~الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} [المائدة: 41] (سورة المائدة: ~~من الآية 41) . إلى # PageV01P116 # قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ~~وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} [المائدة: 42] (سورة ~~المائدة: من الآية 42) . إلى قوله: {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن ~~والسن بالسن والجروح قصاص} [المائدة: 44 - 45] (سورة المائدة: من الآيتين ~~44، 45) . فبين سبحانه وتعالى أنه سوى بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسا على ~~أخرى، كما كانوا يفعلونه إلى قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] ~~(سورة المائدة من الآية 48) . إلى قوله: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من ~~الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50] (سورة المائدة: الآية 50) . فحكم ~~الله سبحانه في دماء المسلمين أنها كلها سواء، خلاف ما عليه أهل الجاهلية. ~~وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر إنما هو البغي، ~~وترك العدل، فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها بعضا من الأخرى دما أو مالا، ~~أو تعلو عليها بالباطل ولا تنصفها، ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق، ~~فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء والأموال وغيرها بالقسط ~~الذي أمر الله به، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية، وإذا ~~أصلح مصلح بينهما فليصلح بالعدل، كما قال الله تعالى: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن ms83 فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين - إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 9 - ~~10] # PageV01P117 # (سورة الحجرات: الآية 9 ومن الآية 10) . وينبغي أن يطلب العفو من أولياء ~~المقتول، فإنه أفضل لهم، كما قال تعالى: {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو ~~كفارة له} [المائدة: 45] (سورة المائدة: من الآية 45) . قال أنس -رضي الله ~~عنه-: «ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فيه قصاص إلا أمر فيه ~~بالعفو» . رواه أبو داود وغيره. وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله ~~عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال، وما ~~زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» . وهذا الذي ~~ذكرناه من التكافؤ: هو المسلم الحر مع المسلم الحر. فأما الذمي فجمهور ~~العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم، كما أن المستأمن الذي يقدم من بلاد ~~الكفار رسولا أو تاجرا ونحو ذلك، ليس بكفء له وفاقا. ومنهم من يقول: بل هو ~~كفء له، وكذلك النزاع في قتل الحر بالعبد. والنوع الثاني: الخطأ الذي يشبه ~~العمد. قال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا إن في قتل الخطأ شبه العمد ما ~~كان في السوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» . ~~سماه شبه العمد؛ لأنه قصد العدوان عليه بالضرب؛ لكنه لا يقتل غالبا. فقد ~~تعمد العدوان، ولم يتعمد ما يقتل. والثالث: الخطأ المحض وما يجري مجراه: ~~مثل أن يرمي صيدا، أو هدفا: فيصيب إنسانا بغير علمه ولا قصده. فهذا ليس فيه ~~قود. وإنما فيه الدية والكفارة. وهنا مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم، ~~وبينهم. # PageV01P118 ### | القصاص في الجراح # فصل والقصاص في الجراح أيضا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة؛ ~~فإذا قطع يده اليمنى من مفصل، فله أن يقطع يده كذلك. وإذا قلع سنه، فله أن ~~يقلع سنه. وإذا شجه في رأسه أو وجهه، فأوضح العظم، فله أن يشجه كذلك، وإذا ~~لم تمكن المساواة: مثل أن يكسر له عظما ms84 باطنا، أو يشجه دون الموضحة، فلا ~~يشرع القصاص؛ بل تجب الدية المحدودة، أو الأرش. وأما القصاص في الضرب بيده ~~أو بعصاه أو سوطه، مثل أن يلطمه، أو يلكمه، أو يضربه بعصا، ونحو ذلك: فقد ~~قالت طائفة من العلماء: إنه لا قصاص فيه، بل فيه التعزير، لأنه لا تمكن ~~المساواة فيه. والمأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين: ~~أن القصاص مشروع في ذلك، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء، وبذلك جاءت سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصواب، قال أبو فراس: خطب عمر بن الخطاب ~~-رضي الله عنه- فذكر حديثا قال فيه: " لا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ~~ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم ~~وسنة نبيكم. فمن فعل به سوى ذلك: فليرفعه إلي. فوالذي نفسي بيده إذا لأقصنه ~~منه، فوثب عمرو بن العاص، فقال يا أمير المؤمنين: إن كان رجل من المسلمين ~~أمر على رعية فأدب رعيته، أئنك لتقصه منه؟ قال: إي والذي نفس محمد بيده إذا ~~لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه. ألا لا ~~تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم. رواه الإمام أحمد ~~وغيره. # PageV01P119 # ومعنى هذا إذا ضرب الوالي رعيته ضربا غير جائز. فأما الضرب المشروع، فلا ~~قصاص فيه بالإجماع، إذ هو واجب، أو مستحب، أو جائز. # PageV01P120 ### | القصاص في الأعراض # فصل والقصاص في الأعراض مشروع أيضا: وهو أن الرجل إذا لعن رجلا أو دعا ~~عليه، فله أن يفعل به كذلك. وكذلك إذا شتمه: بشتمة لا كذب فيها. والعفو ~~أفضل. قال الله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على ~~الله إنه لا يحب الظالمين - ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} ~~[الشورى: 40 - 41] (سورة الشورى: الآيتان 40، 41) . وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «المستبان: ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم» . ~~ويسمى هذا الانتصار. والشتيمة التي لا كذب فيها مثل الإخبار عنه بما فيه من ~~القبائح، أو تسميته بالكلب أو ms85 الحمار ونحو ذلك. فأما إن افترى عليه، لم يحل ~~له أن يفتري عليه، ولو كفره أو فسقه بغير حق لم يحل له أن يكفره أو يفسقه ~~بغير حق، ولو لعن أباه أو قبيلته، أو أهل بلده ونحو ذلك، لم يحل له أن ~~يتعدى على أولئك، فإنهم لم يظلموه. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] (سورة المائدة: من الآية 8) . فأمر الله ~~المسلمين ألا يحملهم بغضهم للكفار على ألا يعدلوا. وقال: {اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى} [المائدة: 8] (سورة المائدة من الآية 8) . # فإن كان العدوان عليه في العرض محرما لحقه؛ لما يلحقه من الأذى، جاز ~~الاقتصاص منه بمثله، كالدعاء عليه بمثل ما دعاه؛ وأما إذا كان محرما لحق ~~الله تعالى، كالكذب، لم يجز بحال، وهكذا قال كثير من الفقهاء: إذا قتله ~~بتحريق، أو تغريق، أو خنق أو نحو ذلك، فإنه يفعل به كما فعل، ما لم يكن ~~الفعل محرما في نفسه كتجريع الخمر واللواط به. ومنهم من قال: لا قود عليه ~~إلا بالسيف. والأول أشبه بالكتاب والسنة والعدل. # PageV01P121 # فصل # وإذا كانت الفرية، ونحوها لا قصاص فيها؛ ففيها العقوبة بغير ذلك. فمنه حد ~~القذف الثابت في الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون - إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم} [النور: 4 - 5] (سورة النور: الآيتان 4، 5) . # فإذا رمى الحر محصنا بالزنا واللواط فعليه حد القذف، وهو ثمانون جلدة، ~~وإن رماه بغير ذلك عوقب تعزيرا. # وهذا الحد يستحقه المقذوف، فلا يستوفى إلا بطلبه باتفاق الفقهاء. فإن عفا ~~عنه سقط عند جمهور العلماء، لأن المغلب فيه حق الآدمي، كالقصاص والأموال. ~~وقيل: لا يسقط، تغليبا لحق الله، لعدم المماثلة، كسائر الحدود. وإنما يجب ~~حد القذف إذا كان المقذوف محصنا، وهو المسلم الحر العفيف. # فأما المشهور بالفجور فلا يحد قاذفه، ms86 وكذلك الكافر والرقيق لكن يعزر ~~القاذف؛ إلا الزوج فإنه يجوز له أن يقذف امرأته إذا زنت ولم تحبل من الزنا. ~~فإن حبلت منه وولدت فعليه أن يقذفها، وينفي ولدها؛ لئلا يلحق به من ليس ~~منه. وإذا قذفها فإما أن تقر بالزنا، وإما أن تلاعنه، كما ذكره الله في ~~الكتاب والسنة. ولو كان القاذف عبدا فعليه نصف حد الحر، وكذلك في جلد الزنا ~~وشرب الخمر؛ لأن الله تعالى قال في الإماء: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] (سورة النساء: من الآية 25) . وأما ~~إذا كان الواجب القتل، أو قطع اليد، فإنه لا يتنصف. # PageV01P122 ### | الأبضاع # فصل ومن الحقوق الأبضاع، فالواجب الحكم بين الزوجين بما أمر الله تعالى ~~به، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. فيجب على كل من الزوجين أن يؤدي إلى ~~الآخر حقوقه، بطيب نفس وانشراح صدر؛ فإن للمرأة على الرجل حقا في ماله، وهو ~~الصداق والنفقة بالمعروف، وحقا في بدنه، وهو العشرة والمتعة؛ بحيث لو آلى ~~منها استحقت الفرقة بإجماع المسلمين، وكذلك لو كان مجبوبا أو عنينا لا ~~يمكنه جماعها فلها الفرقة؛ ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء. # وقد قيل: إنه لا يجب اكتفاء بالباعث الطبيعي. والصواب: أنه واجب، كما دل ~~عليه الكتاب والسنة والأصول. وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله ~~بن عمرو -رضي الله عنه- لما رآه يكثر الصوم والصلاة: " إن لزوجك عليك حقا» ~~. # ثم قيل: يجب عليه وطؤها كل أربعة أشهر مرة. وقيل: يجب وطؤها بالمعروف، ~~على قدر قوته وحاجتها. كما تجب النفقة بالمعروف كذلك، وهذا أشبه. # وللرجل عليها أن يستمتع منها متى شاء، ما لم يضر بها، أو يشغلها عن واجب. ~~فيجب عليها أن تمكنه كذلك. # ولا تخرج من منزله إلا بإذنه، أو بإذن الشارع، واختلف الفقهاء هل عليها ~~خدمة المنزل كالفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك؟ فقيل: يجب عليها. وقيل: لا ~~يجب. وقيل: يجب الخفيف منه. # PageV01P123 ### | فصل في الحكم بين الناس في الأموال بالعدل كما أمر الله ورسوله # فصل وأما الأموال ms87 فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر الله ورسوله، ~~مثل قسم المواريث بين الورثة، على ما جاء به الكتاب والسنة. # وقد تنازع المسلمون في مسائل من ذلك. وكذلك في المعاملات من المبايعات ~~والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا، ونحو ذلك من ~~المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض؛ فإن العدل فيها هو قوام العالمين، لا ~~تصلح الدنيا والآخرة إلا به. # فمن العدل فيها ما هو ظاهر، يعرفه كل أحد بعقله، كوجوب تسليم الثمن على ~~المشتري، وتسليم المبيع على البائع للمشتري، وتحريم تطفيف المكيال ~~والميزان، ووجوب الصدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة والغش، وأن جزاء ~~القرض الوفاء والحمد. # ومنه ما هو خفي، جاءت به الشرائع أو شريعتنا- أهل الإسلام- فإن عامة ما ~~نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل، والنهي عن ~~الظلم: دقه وجله، مثل أكل المال بالباطل، وجنسه من الربا والميسر، وأنواع ~~الربا والميسر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم: مثل بيع الغرر، ~~وبيع حبل الحبلة، وبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والبيع إلى أجل ~~غير مسمى، وبيع المصراة، وبيع المدلس، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة ~~والمحاقلة والنجش، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وما نهي عنه من أنواع ~~المشاركات الفاسدة، كالمخابرة بزرع بقعة بعينها من الأرض. # PageV01P124 # ومن ذلك ما قد تنازع فيه المسلمون لخفائه واشتباهه. فقد يرى هذا العقد ~~والقبض صحيحا عدلا، وإن كان غيره يرى فيه جورا يوجب فساده، وقد قال الله ~~تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا} [النساء: 59] (سورة النساء: من الآية 59) . والأصل في هذا أنه لا ~~يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة ~~على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله، إلا ~~ما دل الكتاب والسنة على شرعه؛ إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرمه ~~الله؛ بخلاف الذين ذمهم الله، حيث حرموا من دين الله ما ms88 لم يحرمه الله، ~~وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ~~اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته، والحرام ما حرمته، والدين ما شرعته. # PageV01P125 ### | فصل في المشورة # فصل لا غنى لولي الأمر عن المشاورة؛ فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى ~~الله عليه وسلم فقال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا ~~عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] (سورة آل ~~عمران: من الآية 159) . وقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لم يكن ~~أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وقد قيل: إن ~~الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليستخرج بها ~~منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي: من أمر الحروب، والأمور الجزئية، وغير ~~ذلك، فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشورة. # وقد أثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله: {وما عند الله خير وأبقى للذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون - والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون - والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ~~ومما رزقناهم ينفقون} [الشورى: 36 - 38] (سورة الشورى: من الآية 36 ~~والآيتان 37، 38) . وإذا استشارهم، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب ~~الله أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين، فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في ~~خلاف ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا. قال الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] (سورة ~~النساء: من الآية 59) . # وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ~~ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به. كما قال ~~تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] # PageV01P126 # (سورة النساء: من الآية 59) . # وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، ~~فعلى كل منهما ms89 أن يتحرى بما يقوله ويفعله طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب ~~الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو ~~الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده ~~أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه. هذا أقوى الأقوال. وقد قيل: ~~ليس له التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في ~~مذهب أحمد وغيره. # وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان، بل ~~وسائر العبادات من الصلاة والجهاد وغير ذلك، كل ذلك واجب مع القدرة. فأما ~~مع العجز فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. ولهذا أمر الله المصلي أن يتطهر ~~بالماء، فإن عدمه، أو خاف الضرر باستعماله لشدة البرد أو جراحة أو غير ذلك، ~~تيمم صعيدا طيبا، فمسح بوجهه ويديه منه. «وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعمران بن حصين: " صل قائما. فإن لم تستطع فقاعدا. فإن لم تستطع فعلى جنب» ~~. فقد أوجب الله فعل الصلاة في الوقت على أي حال أمكن، كما قال تعالى: ~~{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين - فإن خفتم فرجالا ~~أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} ~~[البقرة: 238 - 239] (سورة البقرة: الآيتان 238، 239) . # فأوجب الله الصلاة على الآمن والخائف، والصحيح والمريض، والغني والفقير، ~~والمقيم والمسافر، وخففها على المسافر والخائف والمريض، كما جاء به الكتاب ~~والسنة. # PageV01P127 # وكذلك أوجب فيها واجبات: من الطهارة، والستارة، واستقبال القبلة، وأسقط ~~ما يعجز عنه العبد من ذلك. فلو انكسرت سفينة قوم، أو سلبهم المحاربون ~~ثيابهم، صلوا عراة بحسب أحوالهم، وقام إمامهم وسطهم؛ لئلا يرى الباقون ~~عورته. # ولو اشتبهت عليهم القبلة، اجتهدوا في الاستدلال عليها. فلو عميت الدلائل ~~صلوا كيفما أمكنهم، كما قد روي أنهم فعلوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فهكذا الجهاد والولايات وسائر أمور الدين، وذلك كله في قوله ~~تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] (سورة التغابن: من الآية ~~16) . وفي قول ms90 النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم» . كما أن الله تعالى لما حرم المطاعم الخبيثة قال: {فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] (سورة البقرة: من الآية 173) . ~~وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] (سورة الحج: من ~~الآية 78) . وقال تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6] ~~(سورة المائدة: من الآية 6) . فلم يوجب ما لا يستطاع، ولم يحرم ما يضطر ~~إليه، إذا كانت الضرورة بغير معصية من العبد. # PageV01P128 ### | فصل منزلة الولاية # فصل يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام ~~للدين ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة ~~بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» . رواه أبو داود، من ~~حديث أبي سعيد، وأبي هريرة. # وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم» . ~~فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في ~~السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع. ولأن الله تعالى أوجب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما ~~أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم. وإقامة ~~الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا روي: «أن السلطان ظل الله في ~~الأرض» ويقال " ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان ". ~~والتجربة تبين ذلك. # ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما- يقولون: لو ~~كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» . رواه مسلم. ms91 ~~وقال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة # PageV01P129 # الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» . رواه أهل ~~السنن. وفي الصحيح عنه أنه قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين ~~النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم» . # فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله؛ فإن التقرب إليه ~~فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات. وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس ~~لابتغاء الرياسة أو المال بها. وقد روى كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء ~~على المال والشرف لدينه» . قال الترمذي حديث حسن صحيح. فأخبر أن حرص المرء ~~على المال والرياسة يفسد دينه، مثل أو أكثر من إفساد الذئبين الجائعين ~~لزريبة الغنم. # وقد أخبر الله تعالى عن الذي يؤتى كتابه بشماله أن يقول: {ما أغنى عني ~~ماليه - هلك عني سلطانيه} [الحاقة: 28 - 29] (سورة الحاقة الآيتان 28، 29) ~~. # وغاية مريد الرياسة أن يكون كفرعون، وجامع المال أن يكون كقارون، وقد بين ~~الله تعالى في كتابه حال فرعون وقارون، فقال تعالى: {أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا ~~في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق} [غافر: 21] ~~(سورة غافر: الآية 21) . # وقال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] (سورة القصص: الآية 83) . فإن الناس ~~أربعة أقسام: # القسم الأول: يريدون العلو على الناس، والفساد في الأرض وهو معصية الله، ~~وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه. وهؤلاء هم شرار # PageV01P130 # الخلق. قال الله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف ~~طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] ~~(سورة القصص: الآية 4) . وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه- ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ms92 من في قلبه مثقال ~~ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ". فقال رجل يا ~~رسول الله: إني أحب أن يكون ثوبي حسنا، ونعلي حسنا، أفمن الكبر ذاك؟ قال: " ~~لا: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس» فبطر الحق دفعه ~~وجحده. وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم، وهذا حال من يريد العلو والفساد. # والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد، بلا علو، كالسراق والمجرمين من سفلة ~~الناس. # والقسم الثالث: يريدون العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا ~~به على غيرهم من الناس. # وأما القسم الرابع: فهم أهل الجنة، الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم، كما قال الله تعالى: {ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] (سورة آل عمران: ~~الآية 139) . وقال تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله ~~معكم ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35] (سورة محمد: الآية 35) . وقال: {ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] (سورة المنافقون: من الآية 8) . # فكم ممن يريد العلو، ولا يزيده ذلك إلا سفولا، وكم ممن جعل من الأعلين ~~وهو لا يريد العلو ولا الفساد، وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم؛ لأن # PageV01P131 # الناس من جنس واحد. فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم. ~~ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه؛ لأن العادل منهم لا يحب ~~أن يكون مقهورا لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر. ثم إنه ~~مع هذا لا بد لهم -في العقل والدين- من أن يكون بعضهم فوق بعض، كما قدمناه، ~~كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس. قال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ~~ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم} [الأنعام: 165] (سورة ~~الأنعام: من الآية 165) . وقال تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} [الزخرف: 32] ~~(سورة الزخرف: من الآية 32) . فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل ~~الله. # فإذا ms93 كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإنفاق ذلك في ~~سبيله، كان ذلك صلاح الدين والدنيا. وإن انفرد السلطان عن الدين، أو الدين ~~عن السلطان فسدت أحوال الناس، وإنما يمتاز أهل طاعة الله عن أهل معصيته ~~بالنية والعمل الصالح، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» . # ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف، وصاروا بمعزل عن ~~حقيقة الإيمان في ولايتهم: رأى كثير من الناس أن الإمارة تنافي الإيمان ~~وكمال الدين. ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا يتم الدين إلا به من ذلك. ~~ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك، فأخذه معرضا عن الدين: لاعتقاده أنه مناف ~~لذلك، وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل. لا في محل العلو والعز. وكذلك ~~لما غلب على كثير من أهل الدينين (السابقين) العجز عن # PageV01P132 # تكميل الدين، والجزع لما قد يصيبهم في إقامته من البلاء: استضعف طريقتهم ~~واستذلها من رأى أنه لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها. # وهاتان السبيلان الفاسدتان -سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج ~~إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ~~ولم يقصد بذلك إقامة الدين- هما سبيل المغضوب عليهم والضالين. الأولى ~~للضالين النصارى، الثانية للمغضوب عليهم اليهود. وإنما الصراط المستقيم، ~~صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هي ~~سبيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسبيل خلفائه وأصحابه، ومن سلك سبيلهم. ~~وهم الذين قال الله فيهم: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} [التوبة: 100] (سورة التوبة من الآية ~~100) . # فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه؛ فمن ولي ولاية يقصد بها ~~طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه ~~من الواجبات واجتنب ما يمكنه من المحرمات: لم ms94 يؤاخذ بما يعجز عنه: فإن ~~تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار. ومن كان عاجزا عن إقامة الدين ~~بالسلطان والجهاد، ففعل ما يقدر عليه، من النصيحة بقلبه، والدعاء للأمة، ~~ومحبة الخير، وفعل ما يقدر عليه من الخير: لم يكلف ما يعجز عنه؛ فإن قوام ~~الدين بالكتاب الهادي، والحديد الناصر، كما ذكره الله تعالى. # فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى، ولطلب ما عنده، ~~مستعينا بالله في ذلك؛ ثم الدنيا تخدم الدين، كما قال معاذ بن جبل # PageV01P133 # -رضي الله عنه-: يا ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا وأنت إلى ~~نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا، ~~فانتظمها انتظاما، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة، وأنت ~~من الدنيا على خطر. ودليل ذلك ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «من أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، ~~وأتته الدنيا وهي راغمة؛ ومن أصبح والدنيا أكبر همه فرق الله عليه ضيعته، ~~وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له» . وأصل ذلك في ~~قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون - ما أريد منهم من رزق وما ~~أريد أن يطعمون - إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 56 - 58] ~~(سورة الذاريات: الآيات 56-58) . # فنسأل الله العظيم أن يوفقنا وسائر إخواننا، وجميع المسلمين لما يحبه لنا ~~ويرضاه من القول والعمل، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين. PageV01P134 ms95