######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011238 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: سجود التلاوة معانيه وأحكامه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011238 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11238 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11238 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: فواز أحمد زمرلي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1416هـ/1996م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ابن حزم، بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # سجود التلاوة معانيه وأحكامه # تأليف: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني # وقال شيخ الإسلام: ### | فصل في سجود القرآن # ] 1 # وهو نوعان: ### | 1- # خبر عن أهل السجود، ومدح لهم. ### | 2- # أو أمر به، وذم على تركه. PageV01P015 # فالأول: سجدة الأعراف: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه ~~وله يسجدون} [الأعراف: 206] ، وهذا ذكره بعد الأمر باستماع القرآن والذكر. # وفي الرعد: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال} [الرعد: 15] ، وفي النحل: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء ~~يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في ~~السماوات وما في الأرض من دآبة والملآئكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من ~~فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 48 50] ، وفي سبحان: {إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلي عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} [الإسراء: 107 ~~109] ، وهذا خبر عن سجود مع من سمع القرآن فسجد. # وكذلك في مريم: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ~~وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلي ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] ، فهؤلاء الأنبياء سجدوا ~~إذا تتلي عليهم آيات الرحمن، وأولئك الذين أوتوا العلم # PageV01P016 # من قبل القرآن إذا يتلي عليهم القرآن يسجدون. # وظاهر هذا سجود مطلق كسجود السحرة، وكقوله: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة} [البقرة: 58] ، وإن كان المراد به الركوع. فالسجود هو خضوع له وذل له؛ ~~ولهذا يعبر به عن الخضوع. كما قال الشاعر: # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # قال جماعة من أهل اللغة: السجود التواضع والخضوع وأنشدوا: # PageV01P017 # ساجد المنخر ما يرفعه ... خاشع الطرف أصم المسمع # قيل لسهل بن عبد الله: أيسجد القلب؟ قال: نعم، سجدة لا يرفع رأسه منها ~~أبدا. # وفي سورة [الحج] الأولى خبر: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ~~وكثير ms01 حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} ~~[الحج: 18] ، # والثانية: أمر مقرون بالركوع؛ ولهذا صار فيها نزاع. # وسجدة الفرقان: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما ~~تأمرنا وزادهم نفورا} # PageV01P018 # [الفرقان: 60] ، خبر مقرون بذم من أمر بالسجود فلم يسجد، ليس هو مدحا. ~~وكذلك سجدة النمل: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج ~~الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب ~~العرش العظيم} [النمل: 24 26] ، خبر يتضمن ذم من يسجد لغير الله، ولم يسجد ~~لله. ومن قرأ ألا يا اسجدوا، كانت أمرا. # PageV01P019 # وفي [ألم تنزيل السجدة] : {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا ~~سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15] ، وهذا من أبلغ الأمر ~~والتخصيص؛ فإنه نفي الإيمان عمن ذكر بآيات ربه ولم يسجد إذا ذكر بها. # وفي [ص] : خبر عن سجدة داود، وسماها ركوعا، # PageV01P020 # و [حم تنزيل] أمر صريح: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون فإن ~~استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} [فصلت: ~~37،38] ، والنجم أمر صريح: {فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم: 62] ، والانشقاق ~~أمر صريح عند سماع القرآن: {فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا ~~يسجدون} [الانشقاق: 20،21] ، و {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ، أمر ~~مطلق: {واسجد واقترب} [العلق: 91] . فالستة الأول إلى الأولى من الحج خبر ~~ومدح. والتسع البواقي من الثانية من الحج أمر وذم لمن لم يسجد، إلا [ص] . # PageV01P021 ### | حكم سجود التلاوة # فنقول: قد تنازع الناس في وجوب سجود التلاوة: # PageV01P022 # قيل: يجب. # PageV01P023 # وقيل: لا يجب. وقيل: يجب إذا قرئت السجدة في الصلاة، وهو رواية عن أحمد، # والذي يتبين لي أنه واجب: فإن الآيات التي فيها مدح لا تدل بمجردها على ~~الوجوب؛ لكن آيات الأمر والذم والمطلق ms02 منها قد يقال: إنه محمول على الصلاة، ~~كالثانية من الحج، والفرقان، واقرأ، وهذا ضعيف، فكيف وفيها مقرون بالتلاوة ~~كقوله: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم ~~وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15] ، فهذا نفي للإيمان بالآيات عمن لا يخر ~~ساجدا إذا ذكر بها، وإذا كان سامعا لها، فقد ذكر بها. # وكذلك سورة [الانشقاق] : {فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا ~~يسجدون} [الانشقاق: 20،21] ، وهذا ذم لمن لا يسجد إذا قرئ عليه القرآن ~~كقوله: {فما لهم عن التذكرة معرضين} [المدثر: 49] ، {وما لكم لا تؤمنون ~~بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم} [الحديد: 8] ، {فما لهؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78] ، وكذلك سورة [النجم] قوله: {أفمن هذا ~~الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا} ~~[النجم: 59 62] ، أمرا بالغا عقب ذكر الحديث الذي # PageV01P024 # هو القرآن يقتضي أن سماعه سبب الأمر بالسجود، لكن السجود المأمور به عند ~~سماع القرآن كما أنه ليس مختصا بسجود الصلاة فليس هو مختصا بسجود التلاوة، ~~فمن ظن هذا أو هذا، فقد غلط، بل هو متناول لهما جميعا، كما بينه الرسول صلى ~~الله عيله وسلم. # فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه. فالسجود عند سماع آية السجدة هو ~~سجود مجرد عند سماع آية السجدة، سواء تليت مع سائر القرآن، أو وحدها، ليس ~~هو سجودا عند تلاوة مطلق القرآن، فهو سجود عند جنس القرآن. وعند خصوص الأمر ~~بالسجود، فالأمر يتناوله. وهو أيضا متناول لسجود القرآن أيضا وهو أبلغ؛ ~~فإنه سبحانه وتعالى قال: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا ~~وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15] ، فهذا الكلام يقتضي أنه ~~لا يؤمن بآياته إلا من إذا ذكر بها خر ساجدا، وسبح بحمد ربه، وهو لا ~~يستكبر. # ومعلوم أن قوله: {بآياتنا} ليس يعني بها آيات السجود فقط، بل جميع ~~القرآن. فلابد أن يكون إذا ذكر بجميع آيات القرآن يخر ساجدا، وهذا حال ~~المصلي، فإنه يذكر بآيات الله بقراءة الإمام، والإمام يذكر بقراءة نفسه، ~~فلا يكونون ms03 مؤمنين حتى # PageV01P025 # يخروا سجدا، وهو سجودهم في الصلاة، وهو سجود مرتب ينتقلون أولا إلى ~~الركوع ثم إلى السجود، والسجود مثني كما بينه الرسول ليجتمع فيه خروران: ~~خرور من قيام وهو السجدة الأولى. وخرور من قعود، وهو السجدة الثانية. وهذا ~~مما يستدل به على وجوب قعدة الفصل، والطمأنينة فيها، كما مضت به السنة؛ فإن ~~الخرور ساجدا لا يكون إلا من قعود أو قيام. وإذا فصل بين السجدتين كحد ~~السيف، أو كان إلى القعود أقرب، لم يكن هذا خرورا. # ولكن الذي جوزه ظن أن السجود يحصل بوضع الرأس على الأرض، كيف ما كان. ~~وليس كذلك، بل هو مأمور به كما قال: {إذا ذكروا بها خروا سجدا} [السجدة: ~~15] ، ولم يقل: سجدوا. فالخرور مأمور به، كما ذكره في هذه الآية، ونفس ~~الخرور على الذقن عبادة مقصودة، كما أن وضع الجبهة على الأرض عبادة مقصودة. ~~يدل على ذلك قوله تعالى: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم ~~من قبله إذا يتلي عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ~~ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} [الإسراء: 107 109] ، ~~فمدح هؤلاء، وأثني عليهم بخرورهم للأذقان، أي على الأذقان سجدا. والثاني ~~بخرورهم للأذقان: أي عليها يبكون. # PageV01P026 # فتبين أن نفس الخرور على الذقن عبادة مقصودة، يحبها الله. وليس المراد ~~بالخرور إلصاق الذقن بالأرض، كما تلصق الجبهة، والخرور على الذقن هو مبدأ ~~الركوع، والسجود منتهاه. فإن الساجد يسجد على جبهته لا على ذقنه، لكنه يخر ~~على ذقنه، والذقن آخر حد الوجه، وهو أسفل شيء منه، وأقربه إلى الأرض. فالذي ~~يخر على ذقنه يخر وجهه ورأسه خضوعا لله. ومن حينئذ، قد شرع في السجود. فكما ~~أن وضع الجبهة هو آخر السجود، فالخرور على الذقن أول السجود، وتمام الخرور ~~أن يكون من قيام أو قعود، وقد روي عن ابن عباس: {ويخرون للأذقان} أي: ~~للوجوه. قال الزجاج: الذي يخر وهو قائم إنما يخر لوجهه، والذقن مجتمع ~~اللحيين، وهو غضروف أعضاء الوجه. فإذا ابتدأ يخر فأقرب الأشياء من ms04 وجهه إلى ~~الأرض الذقن. # وقال ابن الأنباري: أول ما يلقي الأرض من الذي # PageV01P027 # يخر قبل أن يصوب جبهته ذقنه، فلذلك قال: {للأذقان} ، ويجوز أن يكون ~~المعني يخرون للوجوه، فاكتفي بالذقن من الوجه. كما يكتفي بالبعض من الكل. ~~وبالنوع من الجنس. # قلت: والذي يخر على الذقن لا يسجد على الذقن، فليس الذقن من أعضاء ~~السجود، بل أعضاء السجود سبعة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت ~~أن أسجد على سبعة أعضاء: الجبهة وأشار بيده إلى الأنف واليدين، والركبتين، ~~والقدمين "، ولو سجد على ذقنه # PageV01P028 # ارتفعت جبهته، والجمع بينهما متعذر، أو متعسر؛ لأن الأنف بينهما وهو ~~ناتئ، يمنع إلصاقهما معا بالأرض في حال واحدة، فالساجد يخر على ذقنه، ويسجد ~~على جبهته. فهذا خرور السجود. ثم قال: {ويخرون للأذقان يبكون} [الإسراء: ~~109] ، فهذا خرور البكاء، قد يكون معه سجود، وقد لا يكون. # فالأول كقوله: {إذا تتلي عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] ~~، فهذا خرور وسجود وبكاء. # والثاني: كقوله: {ويخرون للأذقان يبكون} ، فقد يبكي الباكي من خشية الله ~~مع خضوعه بخروره، وإن لم يصل إلى حد السجود وهذا عبادة أيضا لما فيه من ~~الخرور لله، والبكاء له. وكلاهما عبادة لله، فإن بكاء الباكي لله، كالذي ~~يبكي من خشية الله. من أفضل العبادات. وقد روي: " عينان لا تمسهما النار: ~~عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ~~". # PageV01P029 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سبعة يظلهم الله في ~~ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا ~~في الله، اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ~~ورجل قلبه معلق بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجل تصدق بصدقة ~~فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال، ~~فقال إني أخاف الله رب العالمين ". # PageV01P031 # فذكر صلى الله عليه وسلم هؤلاء السبعة، إذ كل منهم كمل العبادة التي قام ~~بها، وقد ms05 صنف مصنف في نعتهم سماه: [اللمعة في أوصاف السبعة] . فالإمام ~~العادل: كمل ما يجب من الإمارة، والشاب الناشئ في عبادة الله: كمل ما يجب ~~من عبادة الله، والذي قلبه معلق بالمساجد: كمل عمارة المساجد بالصلوات ~~الخمس؛ لقوله: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله} [التوبة: 18] ، ~~والعفيف: كمل الخوف من الله، والمتصدق: كمل الصدقة، والباكي: كمل الإخلاص. # وأما قوله عن داود عليه السلام: {وخر راكعا وأناب} [ص: 24] ، لا ريب أنه ~~سجد. كما ثبت بالسنة، وإجماع المسلمين أنه سجد لله، والله سبحانه مدحه ~~بكونه خر راكعا، وهذا أول السجود، وهو خروره. فذكر سبحانه أول فعله وهو ~~خروره راكعا، ليبين أن هذا عبادة مقصودة، وإن كان هذا الخرور كان ليسجد. ~~كما أثني على النبيين بأنهم # PageV01P032 # كانوا: {إذا تتلي عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] ، {إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله} أنهم: {إذا يتلي عليهم يخرون للأذقان سجدا} ، ~~{ويخرون للأذقان يبكون} [الإسراء: 107 109] ، وذلك لأن الخرور هو أول ~~الخضوع المنافي للكبر. فإن المتكبر يكره أن يخر، ويحب ألا يزال منتصبا ~~مرتفعا، إذا كان الخرور فيه ذل وتواضع، وخشوع؛ ولهذا يأنف منه أهل الكبر من ~~العرب، وغير العرب. فكان أحدهم إذا سقط منه الشيء لا يتناوله، لئلا يخر ~~وينحني. # فإن الخرور انخفاض الوجه والرأس، وهو أعلى ما في الإنسان وأفضله. وهو قد ~~خلق رفيعا منتصبا، فإذا خفضه، لاسيما بالسجود، كان ذلك غاية ذله؛ ولهذا لم ~~يصلح السجود إلا لله، فمن سجد لغيره، فهو مشرك، ومن لم يسجد له فهو مستكبر ~~عن عبادته، وكلاهما كافر من أهل النار. قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب ~~لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] ، وقال ~~تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37] ، وقال في قصة ~~بلقيس: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله # PageV01P033 # وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله ~~الذي يخرج الخبء في السماوات ms06 والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله ~~إلا هو رب العرش العظيم} [النمل: 24،26] . والشمس أعظم ما يري في عالم ~~الشهادة وأعمه نفعا، وتأثيرا. فالنهي عن السجود لها نهي عما هو دونها بطريق ~~الأولى من الكواكب، والأشجار، وغير ذلك. # وقوله: {واسجدوا لله الذي خلقهن} ، دلالة على أن السجود للخالق لا ~~للمخلوق، وإن عظم قدره، بل لمن خلقه. وهذا لمن يقصد عبادته وحده. كما قال: ~~{إن كنتم إياه تعبدون} ، لا يصلح له أن يسجد لهذه المخلوقات، قال تعالى: ~~{فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} ~~[فصلت: 38] ، فإنه قد علم سبحانه أن في بني آدم من يستكبر عن السجود له ~~فقال: الذين هم أعظم من هؤلاء لا يستكبرون عن عبادة ربهم، بل يسبحون له ~~بالليل والنهار ولا يحصل لهم سآمة ولا ملالة، بخلاف الآدميين، فوصفهم هنا ~~بالتسبيح له، ووصفهم بالتسبيح والسجود جميعا في قوله: {إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله # PageV01P034 # يسجدون} [الأعراف: 206] . وهم يصفون له صفوفا كما قالوا: {وإنا لنحن ~~الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 165،166] . # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ألا تصفون كما تصف ~~الملائكة عند ربها؟ "، قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: " يسدون ~~الأول فالأول، ويتراصون في الصف ". # PageV01P035 ### | فصل [آيات الله توجب فهمها، وعبادة الله] # فآياته سبحانه توجب شيئين: # أحدهما: فهمها وتدبرها، ليعلم ما تضمنته. # والثاني: عبادته، والخضوع له إذا سمعت، فتلاوته إياها وسماعها يوجب هذا ~~وهذا، فلو سمعها السامع ولم يفهمها، كان مذموما. ولو فهمها ولم يعمل بما ~~فيها كان مذموما، بل لابد لكل أحد عند سماعها من فهمها والعمل بها. كما أنه ~~لابد لكل أحد من استماعها، فالمعرض عن استماعها كافر، والذي لا يفهم ما أمر ~~به فيها كافر. والذي يعلم ما أمر به فلا يقر بوجوبه ويفعله كافر. وهو ~~سبحانه يذم الكفار بهذا، وهذا كقوله: {فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة} [المدثر: 49،51] ، وقوله: {وقال ms07 الذين كفروا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26] ، وقوله: {كتاب ~~فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا ~~يسمعون} [فصلت: 3،4] ، ونظائره كثيرة. # PageV01P036 # وقال فيمن لم يفهمها ويتدبرها: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] ، فذمهم على أنهم لا يفهمون، ولو ~~فهموا لم يعملوا بعلمهم. وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم ~~لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله ~~فيهم خيرا لأسمعهم} [الأنفال: 21،23] ، وقال: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ~~لم يخروا عليها صما وعميانا} [الفرقان: 73] . # قال ابن قتيبة: لم يتغافلوا عنها، فكأنهم صم لم يسمعوها عمي لم يروها. # وقال غيره من أهل اللغة: لم يبقوا على حالتهم # PageV01P037 # الأولى، كأنهم لم يسمعوا، ولم يروا، وإن لم يكونوا خروا حقيقة. تقول ~~العرب: شتمت فلانا فقام يبكي، وقعد يندب، وأقبل يتعذر، وظل يفتخر، وإن لم ~~يكن قام، ولا قعد. # قلت: في ذكره سبحانه لفظ الخرور دون غيره، حكمة. فإنهم لو خروا وكانوا ~~صما وعميانا، لم يكن ذلك ممدوحا، بل معيبا. فكيف إذا كانوا صما وعميانا بلا ~~خرور. فلابد من شيئين: من الخرور، والسجود. ولابد من السمع والبصر لما في ~~آياته من النور والهدي والبيان، وكذلك لما شرعت الصلاة شرع فيها القراءة، ~~في القيام، ثم الركوع، والسجود. # PageV01P038 # فأول ما أنزل الله من القرآن: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ، ~~فافتتحها بالأمر بالقراءة، وختمها بالأمر بالسجود، فقال: {واسجد واقترب} ~~[العلق: 19] ، فقوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا ~~سجدا وسبحوا بحمد ربهم} [السجدة: 15] ، يدل على أن التذكير بها كقراءتها في ~~الصلاة موجب للسجود والتسبيح، وأنه من لم يكن إذا ذكر بها يخر ساجدا، ويسبح ~~بحمد ربه، فليس بمؤمن، وهذا متناول الآيات التي ليس فيها سجود، وهي جمهور ~~آيات القرآن، ففي القرآن أكثر من ستة آلاف آية، وأما آيات السجدة، فبضع ~~عشرة آية. # وقوله: {ذكروا بها} ، يتناول جميع الآيات، فالتذكير بها جميعها ms08 موجب ~~للتسبيح والسجود، وهذا مما يستدل به على وجوب التسبيح والسجود. وعلى هذا، ~~تدل عامة أدلة الشريعة من الكتاب والسنة تدل على وجوب جنس التسبيح فمن لم ~~يسبح في السجود، فقد عصي الله ورسوله، وإذا أتي بنوع من أنواع التسبيح ~~المشروع أجزأه. # وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال. # PageV01P039 # قيل: لا يجب ذكر بحال. # وقيل: يجب ويتعين قوله: " سبحان ربي الأعلى "، لا يجزئ غيره. وقيل: يجب ~~جنس التسبيح، وإن كان هذا النوع أفضل من غيره؛ لأنه أمر به أن يجعل في ~~السجود. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنواع أخر. وقوله: ~~" اجعلوها في سجودكم "، فيه كلام ليس هذا # PageV01P040 # موضعه، إذ قد يقال المسبح لربه: بأي اسم سبحه، فقد سبح اسم ربه الأعلى. ~~كما أنه بأي اسم دعاه فقد دعا ربه الذي له الأسماء الحسني. كما قال: {قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسني} [الإسراء: ~~110] ، وقال: {ولله الأسماء الحسني فادعوه بها} [الأعراف: 180] . # فإذا كان يدعي بجميع أسمائه الحسني، وبأي اسم دعاه، فقد دعا الذي له ~~الأسماء الحسني، وهو يسبح بجميع أسمائه الحسني، وبأي اسم سبح فقد سبح الذي ~~له الأسماء الحسني، ولكن قد يكون بعض الأسماء أفضل من بعض. وبسط هذا له ~~موضع آخر. # والمقصود هنا أن الأمر بالسجود تابع لقراءة القرآن كله، كما في الآية. ~~وفي قوله تعالى: {فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} ~~[الانشقاق 20،21] ، فهذا يتناول جميع القرآن، وأنه من قرئ عليه القرآن فهو ~~مأمور بالسجود، والمصلي قد # PageV01P041 # قرئ عليه القرآن، وذلك سبب للأمر بالسجود، فلهذا يسمع القرآن ويسجد ~~الإمام والمنفرد يسمع قراءة نفسه وهو يقرأ على نفسه القرآن. وقد يقال: لا ~~يصلون، لكن قوله: {خروا سجدا} [السجدة: 15] ، صريح في السجود المعروف؛ ~~لاقترانه بلفظ الخرور. وأما هذه الآية ففيها نزاع، قال أبو الفرج: {وإذا ~~قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} ، فيه قولان: # أحدهما: لا يصلون، قاله عطاء، وابن السائب. # والثاني: لا يخضعون له، ولا يستكينون له، قاله ms09 ابن جرير، واختاره القاضي ~~أبو يعلى. قال: واحتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة، وليس فيها دلالة على ~~ذلك. وإنما المعني لا يخشعون، ألا تري أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن، ~~والسجود يختص بمواضع منه. # قلت: القول الأول هو الذي يذكره كثير من # PageV01P042 # المفسرين، لا يذكرون غيره كالثعلبي، والبغوي وحكوه عن مقاتل، والكلبي وهو ~~المنقول عن مفسري السلف، وعليه عامة العلماء. # وأما القول الثاني فما علمت أحدا نقله عن أحد من السلف. والذين قالوه ~~إنما قالوه لما رأوا أنه لا يجب على كل من سمع شيئا من القرآن أن يسجد، ~~فأرادوا أن يفسروا الآية بمعني يجب في كل حال. # PageV01P043 # فقالوا: يخضعون، ويستكينون. فإن هذا يؤمر به كل من قرئ عليه القرآن. # ولفظ السجود يراد به مطلق الخضوع، والاستكانة. كما قد بسط هذا في مواضع، ~~لكن يقال لهم: الخضوع مأمور به، وخضوع الإنسان وخشوعه، لا يتم إلا بالسجود ~~المعروف، وهو فرض في الجملة على كل أحد، وهو المراد من السجود المضاف إلى ~~بني آدم: حيث ذكر في القرآن: إذ هو خضوع الآدمي للرب، والرب لا يرضي من ~~الناس بدون هذا الخضوع؛ إذ هو غاية خضوع العبد، ولكل مخلوق خضوع بحسبه، هو ~~سجوده. # وأما إن يكون سجود الإنسان لا يراد به إلا خضوع ليس فيه سجود الوجه، فهذا ~~لا يعرف، بل يقال: هم مأمورون: إذا قرئ عليهم القرآن بالسجود، وإن لم يكن ~~السجود التام عقب استماع القرآن، فإنه لابد أن يكون بين صلاتين، فإذا قاموا ~~إلى الصلاة، فقد أتوا بالسجود الواجب عليهم، وهم لما قرئ عليهم حصل لهم نوع ~~من الخضوع والخشوع باعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال. فإذا اعتقدوا وجوب ~~الصلاة وعزموا على الامتثال، فهذا مبدأ السجود المأمور به، ثم إذا صلوا، ~~فهذا تمامه. كما قال في المشركين: {فإن تابوا وأقاموا # PageV01P044 # الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] ، فهم إذا تابوا والتزموا ~~الصلاة كف عن قتالهم. فهذا مبدأ إقامتها، ثم إذا فعلوها فقد أتموا إقامتها. ~~وأما إذا التزموها بالكلام ولم يفعلوا فإنهم يقاتلون. ms10 # ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ~~سجد بها في الصلاة. ففي الصحيحين عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة ~~العتمة. فقرأ: {إذا السماء انشقت} [سورة الانشقاق] ، فسجد فقلت: ما هذه؟ ~~قال: سجدت بها خلف أبي القاسم، ولا أزال أسجد بها حتى ألقاه، وهذا الحديث ~~قد اتفق العلماء على صحته. # وأما سجوده فيها، فرواه مسلم دون البخاري. # PageV01P045 # والسجود فيها قول جمهور العلماء كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ~~وغيرهم. وهو قول ابن وهب، وغيره من أصحاب مالك، فكيف يقال: إن # PageV01P046 # لفظ السجود فيها لم يرد به إلا مطلق الخضوع والاستكانة، وأما السجود ~~المعروف فلم يدل عليه اللفظ؟ ولو كان هذا صحيحا، لم يكن السجود الخاص ~~مشروعا إذا تليت، لاسيما في الصلاة، وبهذا يظهر جواب من أجاب من احتج بها ~~على وجوب سجود التلاوة، بأن المراد الخضوع. # فإن قيل: فإذا فسر السجود بالصلاة، كما قاله الأكثرون، لم يجب سجود ~~التلاوة. # PageV01P047 # قيل: الصلاة مرادة من جنس قراءة القرآن. كما تقدم. وهذه الآية توجب على ~~من قرئ عليه القرآن أن يسجد، فإن قرئ عليه خارج الصلاة، فعليه أن يسجد ~~قريبا، إذا حضر وقت الصلاة، فإنه ما من ساعة يقرأ عليه فيها القرآن، إلا هو ~~وقت صلاة مفروضة، فعليه أن يصليها؛ إذ بينه وبين وقت الصلاة المفروضة أقل ~~من نصف يوم، فإذا لم يصل، فهو ممن إذا قرئ عليه القرآن لا يسجد فإن قرئ ~~عليه القرآن في الصلاة فعليه أن يسجد سجدة يخر فيها من قيام، وسجدة يخر ~~فيها من قعود، وكل منهما بعد ركوع، كما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم. # وأما السجود عند تلاوة هذه الآية، فهو السجود الخاص، وهو سجود التلاوة، ~~وهذا سجود مبادر إليه عند سماع هذه الآية، فإنها أمرته أن يسجد إذا قرئ ~~عليه القرآن، فمن تمام المبادرة أن يسجد عند سماعها سجود التلاوة. ثم يسجد ~~عند تلاوة غيرها كما تقدم، فإن هذه الآية تأمر بالسجود إذا قرئ عليه هي ms11 أو ~~غيرها، فهي الآمرة بالسجود عند قراءة القرآن، دون سائر الآيات التي لا يسجد ~~عندها، فكان لها حض من الأمر بالسجود مع عموم كونها من القرآن، فتخص ~~بالسجود لها، ويسجد في الصلاة إذا قرئت كما يسجد إذا قرئ غيرها. # PageV01P048 # وبهذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه سجد بها في الصلاة وفعله إذا ~~خرج امتثالا لأمر، أو تفسيرا لمجمل كان حكمه حكمه، فدل ذلك على وجوب السجود ~~الذي سجده عند قراءة هذه السورة، لا سيما وهو في الصلاة. والصلاة مفروضة، ~~وإتمامها مفروض، فلا تقطع إلا بعمل هو أفضل من إتمامها، فعلم أن سجود ~~التلاوة فيها أفضل من إتمامها بلا سجود، ولو زاد في الصلاة فعلا من جنسها ~~عمدا بطلت صلاته. وهنا سجود التلاوة مشروع فيها. # وعن أحمد في وجوب هذا السجود في الصلاة روايتان، والأظهر الوجوب، كما ~~قدمناه لوجوه متعددة: # منها: أن نفس الأئمة يؤمرون أن يصلوا كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو هكذا صلى. والله أعلم. # PageV01P049 # وقوله: {لا يسجدون} [الانشقاق: 21] ، ولم يقل لا يصلون، يدل على أن ~~السجود مقصود لنفسه، وأنه يتناول السجود في الصلاة وخارج الصلاة، فيتناول ~~أيضا الخضوع والخشوع، كما مثل. فالقرآن موجب لمسمي السجود الشامل لجميع ~~أنواعه، فما من سجود إلا والقرآن موجب له، ومن لم يسجد إذا قرئ عليه مطلقا ~~فهو كافر، ولكن لا يجب كل سجود في كل وقت، بل هو بحسب ما بينه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولكن الآية دلت على تكرار السجود عند تكرار قراءة ~~القرآن عليه، وهذا واجب إذا قرئ عليه القرآن في الصلاة وخارج الصلاة، كما ~~تقدم. والله أعلم. # وأما الأمر المطلق بالسجود، فلا ريب أنه يتناول الصلوات الخمس. فإنها فرض ~~بالاتفاق، ويتناول سجود القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن السجود في ~~هذه المواضع. فلابد أن يكون ما تلي سببا له، وإلا كان أجنبيا. والمذكور ~~إنما هو الأمر، فدل على أن هذا السجود من السجود المأمور به، وإلا فكيف ~~يخرج السجود المقرون بالأمر عن ms12 الأمر، وهذا كسجود الملائكة لآدم لما أمروا. # وهكذا جاء في الحديث الصحيح: " إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان ~~يبكي. يقول: يا ويله. أمر ابن # PageV01P050 # آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار! ". رواه ~~مسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا ترغيبا في هذا السجود، فدل على أن ~~هذا السجود مأمور به، كما كان السجود لآدم؛ لأن كلاهما أمر، وقد سن السجود ~~عقبه، فمن سجد كان متشبها بالملائكة، ومن أبي، تشبه بابليس، بل هذا سجود ~~لله، فهو أعظم من السجود لآدم. # وهذا الحديث كاف في الدلالة على الوجوب، وكذلك الآيات التي فيها الأمر ~~المقيد، والأمر المطلق أيضا. # وأيضا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ: {والنجم} ، سجد وسجد معه ~~المسلمون والمشركون، والجن والإنس. كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس. # PageV01P051 # وفي الصحيح عن ابن مسعود: أنهم سجدوا إلا رجلا من المشركين أخذ كفا من ~~حصا، وقال: يكفيني هذا. قال: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. وهذا يدل على أنهم ~~كانوا مأمورين بهذا السجود، وأن تاركه كان مذموما، وليس هو سجود الصلاة، بل ~~كان خضوعا لله، وفيهم كفار، وفيهم من لم يكن متوضيا، لكن سجود الخضوع إذا ~~تلي كلامه. # كما أثنى على من إذا سمعه سجد، فقال: {إذا تتلي عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا} [مريم: 58] ، وقال: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلي عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} [الإسراء: 107 ~~109] ، وهذا وإن قيل: إنه متناول سجود الصلاة، فإنهم إذا سمعوا القرآن ~~ركعوا وسجدوا، فلا ريب أنه متناول سجود القرآن بطريق الأولى؛ لأن هناك ~~السجود بعض الصلاة، وهنا ذكر سجودا مجردا على الأذقان، فما # PageV01P052 # بقي يمكن حمله على الركوع؛ لأن الركوع لا يكون على الأذقان. # وقوله: {للأذقان} أي: على الأذقان. كما قال: {وتله للجبين} [الصافات: ~~103] أي: على الجبين. وقوله: {للأذقان} ، يدل على تمام السجود، وأنهم سجدوا ~~على الأنف ms13 مع الجبهة حتى التصقت الأذقان بالأرض، ليسوا كمن سجد على الجبهة ~~فقط، والساجد على الأنف قد لا يلصق الذقن بالأرض، إلا إذا زاد انخفاضه. # وأما احتجاج من لم يوجبه بكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد لما قرأ ~~عليه زيد [النجم] ، وبقول عمر: لما قرأ على المنبر سورة النحل حتى جاء ~~السجدة فنزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى جاء ~~السجدة. قال: يا أيها الناس، إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم ~~يسجد فلا إثم عليه، وفي لفظ: فلما كان في الجمعة الثانية تشرفوا # PageV01P053 # فقال: إنا نمر بالسجدة ولم تكتب علينا، ولكن قد تشوفتم، ثم نزل فسجد. # فيقال: تلك قضية معينة، ولعله لما لم يسجد زيد لم يسجد هو، كما قال ابن ~~مسعود: أنت إمامنا، فإن سجدت سجدنا. وقال عثمان: إنما السجدة على من جلس ~~إليها، واستمع. وهذا يدل على أنها تجب على المستمع، ولا تجب على السامع، ~~وكذلك حديث ابن مسعود يدل على أنها لا تجب إذا لم يسجد القارئ. # وقد يقال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم عذر عند من يقول: إن السجود فيها ~~مشروع. فمن الناس من يقول: يمكن # PageV01P054 # أنه لم يكن على طهارة، ولكن قد يرجح جواز السجود على غير طهارة. # وقد قيل: إن السجود في [النجم] وحدها منسوخ، بخلاف [اقرأ] و [الانشقاق] ، ~~فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيهما، وسجد معه ~~أبو هريرة، وهو أسلم بعد خيبر. وهذا يبطل قول من يقول لم يسجد في المفصل ~~بعد الهجرة، وأما سورة النجم. # بل حديث زيد صريح في أنه لم يسجد فيها، # PageV01P055 # قال هؤلاء: فيكون النسخ فيها خاصة، لا في غيرها، لما كان الشيطان قد ~~ألقاه حين ظن من ظن أنه وافقهم، ترك السجود فيها بالكلية سدا لهذه الذريعة. ~~وهي في الصلاة تأتي في آخر القيام، وسجدة الصلاة تغني عنها، فهذا القول ~~أقرب من غيره. والله أعلم. # وأما حديث عمر: فلو كان صريحا لكان ms14 قوله وإقرار من حضر، وليسوا كل ~~المسلمين. وقول # PageV01P056 # عثمان وغيره يدل على الوجوب. # ثم يقال: قد يكون مراد عمر أنه لم يكتب علينا السجود في هذه الحال، وهو ~~إذا قرأها الإمام على المنبر. يبين ذلك أن السجود في هذه الحال ليس كالسجود ~~المطلق؛ لأنه يقطع فيه الإمام الخطبة، ويعمل عملا كثيرا. والسنة في الخطبة ~~الموالاة، فلما تعارض هذا وهذا صار السجود غير واجب؛ لأن القارئ يشتغل ~~بعبادة أفضل منه، وهو خطبة الناس وإن سجد جاز. # ولهذا يقول مالك وغيره: إن هذا السجود لا يستحب، قال: وليس العمل عندنا ~~على أن يسجد الإمام إذا قرأ على المنبر، كما أنه لم يستحب السجود في # PageV01P057 # الصلاة لا السر ولا الجهر. وأحمد في إحدى الروايتين، وأبو حنيفة وغيرهما ~~يقولون: لا يستحب في صلاة السر، مع أن أبا حنيفة يوجب السجود، وأحمد في ~~إحدى الروايتين يوجبه في الصلاة، ثم لم يستحبوه في هذه الحال، بل اتصال ~~الصلاة عندهم أفضل، فكذلك قد يكون مراد عمر أنه لم يكتب في مثل هذه الحال، ~~كما يقول من يقول، لا يستحب -أيضا- في هذه الحال. # وهذا كما أن الدعاء بعرفة لما كانت سنته الاتصال # PageV01P058 # لم يقطع بصلاة العصر، بل صليت قبله، فكذلك الخاطب يوم الجمعة مقصوده ~~خطابهم وأمرهم ونهيهم، ثم الصلاة عقب ذلك، فلا يجب أن يشتغلوا عن هذا ~~المقصود، مع أن عقبه يحصل السجود. # وهذا يدل على أن سجود التلاوة يسقط لما هو أفضل منه. ألا تري أن الإنسان ~~لو قرأ لنفسه يوم الجمعة، قد يقال: إنه لم يستحب له أن يسجد دون الناس، كما ~~لا يشرع للمأموم أن يسجد لسهوه؟ لأن متابعة الإمام أولى من السجود، وهو مع ~~البعد. وإن قلنا يستحب له أن يقرأ، فهو كما يستحب للمأموم أن يقرأ خلف ~~إمامه. ولو قرأ بالسجدة، لم يسجد بها دون الإمام. وما أعلم في هذا نزاعا. ~~فهنا محافظته على متابعة الإمام في الفعل الظاهر أفضل من سجود التلاوة، ومن ~~سجود السهو، بل هو منهي عن ذلك، ويوم الجمعة ms15 إنما سجد الناس لما سجد عمر، ~~ولو لم يسجد لم يسجدوا حينئذ. فإذا كان حديث عمر قد يراد به أنه لم يكتب ~~علينا في هذه الحال، لم يبق فيه حجة، ولو كان مرفوعا. # وأيضا، فسجود القرآن هو من شعائر الإسلام الظاهرة، إذا قرئ القرآن في ~~الجامع سجد الناس كلهم لله رب العالمين، وفي ترك ذلك إخلال بذلك؛ ولهذا # PageV01P059 # رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان، كقول أبي حنيفة وغيره، وهو أحد ~~أقوال الشافعي، وأحد القولين في مذهب أحمد. # PageV01P060 # وقول من قال: لا تجب، في غاية البعد، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، ~~والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شرع فيها التكبير، وقول من قال: هي ~~فرض على الكفاية، لا ينضبط، فإنه لو حضرها في المصر العظيم أربعون رجلا لم ~~يحصل المقصود، وإنما يحصل بحضور المسلمين كلهم، كما في الجمعة. # وأما الأضحية، فالأظهر وجوبها -أيضا- فإنها من # PageV01P061 # أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك مقرون ~~بالصلاة. في قوله: {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} ~~[الأنعام: 162] ، وقد قال تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] ، فأمر ~~بالنحر كما أمر بالصلاة. وقد قال تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم ~~الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر ~~المخبتين} [الحج: 34] ، وقال: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها ~~خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا ~~القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله # PageV01P062 # لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله ~~على ما هداكم وبشر المحسنين} [الحج: 36، 37] . وهي من ملة إبراهيم الذي ~~أمرنا باتباع ملته، وبها يذكر قصة الذبيح، فكيف يجوز أن المسلمين كلهم ~~يتركون هذا لا يفعله أحد منهم، وترك المسلمين كلهم هذا أعظم من ترك الحج، ~~في بعض السنين. # وقد قالوا: إن الحج كل عام فرض على الكفاية؛ لأنه من شعائر الإسلام، ~~والضحايا في عيد النحر كذلك، بل هذه تفعل في كل ms16 بلد هي والصلاة، فيظهر بها ~~عبادة الله وذكره، والذبح له، والنسك له، ما لا يظهر بالحج، كما يظهر ذكر ~~الله بالتكبير في الأعياد. وقد جاءت الأحاديث بالأمر بها. وقد خرج وجوبها ~~قولا في مذهب أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر ~~مذهب مالك. # ونفاة الوجوب ليس معهم نص، فإن عمدتهم قوله صلى الله عليه وسلم: " من ~~أراد أن يضحي ودخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره ". # PageV01P063 # قالوا: والواجب لا يعلق بالإرادة. وهذا كلام مجمل، فإن الواجب لا يوكل ~~إلى إرادة العبد. فيقال: إن شئت فافعله، بل قد يعلق الواجب بالشرط لبيان ~~حكم من الأحكام. كقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6] ، وقد ~~قدروا فيه: إذا أردتم القيام، وقدروا: إذا أردت القراءة فاستعذ، والطهارة ~~واجبة، والقراءة في الصلاة واجبة. وقد قال: {إن هو إلا ذكر للعالمين لمن ~~شاء منكم أن يستقيم} [التكوير: 27،28] ، ومشيئة الاستقامة واجبة. # وأيضا، فليس كل أحد يجب عليه أن يضحي، وإنما تجب على القادر، فهو الذي ~~يريد أن يضحي. كما قال: " من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد تضل الضالة، وتعرض ~~الحاجة ". والحج فرض على # PageV01P064 # المستطيع. فقوله: " من أراد أن يضحي "، كقوله: " من أراد الحج فليتعجل " ~~ووجوبها حينئذ مشروط بأن يقدر عليها فاضلا عن حوائجه الأصلية. كصدقة الفطر. # ويجوز أن يضحي بالشاة عن أهل البيت صاحب المنزل ونسائه وأولاده، ومن معهم ~~كما كان الصحابة يفعلون. وما نقل عن بعض الصحابة من أنه لم يضح، بل اشتري ~~لحما، فقد تكون مسألة نزاع. كما تنازعوا في وجوب العمرة، وقد يكون من لم ~~يضح لم يكن له # PageV01P065 # سعة في ذلك العام، وأراد بذلك توبيخ أهل المباهاة الذين يفعلونها لغير ~~الله، أو أن يكون قصد بتركها ذلك العام توبيخهم، فقد ترك الواجب لمصلحة ~~راجحة. كما قال صلى الله عليه وسلم: " لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم ~~أنطلق معي برجال، معهم حزم حطب إلى قوم لايشهدون الصلاة، فأحرق عليهم ~~بيوتهم بالنار، لولا ما في البيوت ms17 من النساء والذرية ". فكان يدع الجمعة ~~والجماعة الواجبة؛ لأجل عقوبة المتخلفين، فإن هذا من باب الجهاد الذي قد ~~يضيق # PageV01P066 # وقته، فهو مقدم على الجمعة والجماعة. # ولو أن ولي الأمر كالمحتسب وغيره تخلف بعض الأيام عن الجمعة لينظر من لا ~~يصليها فيعاقبه، جاز ذلك. وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة. فإن ~~عقوبة أولئك واجب متعين لا يمكن إلا بهذا الطريق، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قد بين أنه لولا النساء والصبيان، لحرق البيوت على من فيها، لكن فيها ~~من لا تجب عليهم جمعة ولا جماعة من النساء والصبيان، فلا تجوز عقوبته. كما ~~لا ترجم الحامل حتى تضع حملها؛ لأن قتل الجنين لا يجوز. كما في حديث ~~الغامدية. # PageV01P067 ### | فصل: [سجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل] # وسجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل: # PageV01P068 # هذا هو السنة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه عامة السلف، ~~وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين. وعلى هذا، فليست صلاة، فلا تشترط لها ~~شروط الصلاة، بل تجوز على غير طهارة. كما كان ابن عمر يسجد على غير طهارة، ~~لكن هي بشروط الصلاة أفضل، ولا # PageV01P071 # ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر. # فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به؛ لكن قد يقال: إنه لا يجب في هذه ~~الحال، كما لا يجب على السامع، ولا على من لم يسجد قارئه، وإن كان ذلك ~~السجود جائزا عند جمهور العلماء. # وكما يجب على المؤتم في الصلاة تبعا لإمامه بالاتفاق، وإن قالوا: لا يجب ~~في غير هذه الحال، وقد حمل بعضهم حديث زيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن متطهرا، وكما لا تجب الجمعة على المريض، والمسافر، والعبد، وإن جاز ~~له فعلها، لاسيما وأكثر العلماء لا يجوزون فعلها إلا مع الطهارة، ولكن ~~الراجح أنه يجوز فعلها للحديث. والمروي فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تكبيرة واحدة، فإنه لا ينتقل من عبادة إلى عبادة. وعلى هذا ترجم # PageV01P072 # البخاري فقال: [باب سجدة المسلمين مع المشركين] ، والمشرك نجس ليس ms18 له ~~وضوء. قال: وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء، وذكر سجود النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالنجم لما سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون. وهذا الحديث في ~~الصحيحين من وجهين: من حديث ابن مسعود، وحديث ابن عباس. وهذا فعلوه تبعا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله: {فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم: 62] ~~. # ومعلوم أن جنس العبادة لا تشترط له الطهارة، بل إنما تشترط للصلاة. فكذلك ~~جنس السجود يشترط لبعضه، وهو السجود الذي لله كسجود الصلاة، وسجدتي السهو، ~~بخلاف سجود التلاوة، وسجود الشكر، وسجود الآيات. # ومما يدل على ذلك: أن الله أخبر عن سجود السحرة لما آمنوا بموسي على وجه ~~الرضا بذلك السجود، ولا ريب أنهم لم يكونوا متوضئين، ولا يعرفون الوضوء. ~~فعلم أن السجود المجرد لله مما يحبه # PageV01P073 # الله ويرضاه، وإن لم يكن صاحبه متوضئا، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ~~شرعنا بخلافه، وهذا سجود إيمان، ونظيره الذين اسلموا فاعتصموا بالسجود، ولم ~~يقبل ذلك منهم خالد فقتلهم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا فوداهم ~~بنصف دية، ولم ينكر عليهم ذلك السجود، # PageV01P074 # ولم يكونوا بعد قد أسلموا، ولا عرفوا الوضوء، بل سجدوا لله سجود الإسلام، ~~كما سجد السحرة. # ومما يدل على ذلك، أن الله أمر بني إسرائيل أن # PageV01P076 # يدخلوا الباب سجدا، ويقولوا: حطة. ومعلوم أنه لم يأمرهم بوضوء، ولا كان ~~الوضوء مشروعا لهم، بل هو من خصائص أمة محمد، وسواء أريد السجود بالأرض، أو ~~الركوع، فإنه إن أريد الركوع فهو عبادة مفردة يتضمن الخضوع لله، وهو من جنس ~~السجود. لكن شرعنا شرع فيه سجود مفرد، وأما ركوع مفرد ففيه نزاع، جوزه بعض ~~العلماء بدلا عن سجود التلاوة. # PageV01P077 # وأيضا، فقد أخبر الله عن الأنبياء بالسجود المجرد، في مثل قوله: {أولئك ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ~~إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا} [مريم: 58] ، ولم يكونوا مأمورين بالوضوء فإن الوضوء من خصائص ~~أمة محمد، ms19 كما جاءت الأحاديث الصحيحة: أنهم يبعثون يوم القيام غرا محجلين ~~من آثار الوضوء، وأن الرسول يعرفهم بهذه السيماء فدل على أنه لا يشركهم ~~فيها غيرهم. والحديث الذي رواه ابن ماجه وغيره أنه توضأ مرة مرة، ومرتين ~~مرتين، وثلاثا ثلاثا، وقال: " هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي ". حديث ضعيف ~~عند أهل العلم # PageV01P078 # بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من ~~الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان ~~مشروعا، ولكن لم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء، وهذه الأمة مما فضلت به ~~التيمم مع الجنابة، والحدث الأصغر، والوضوء. # فإن قيل: أولئك الأنبياء إنما سجدوا على غير وضوء؛ لأن الصلاة كانت تجوز ~~لهم بغير وضوء. # PageV01P079 # قيل: لم يقص الله علينا في القرآن أن أحدا منهم صلي بغير وضوء، ونحن إنما ~~نتبع من شرع الأنبياء ما قصه الله علينا، وما أخبرنا به نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، فإنه قص ذلك علينا لنعتبر به. وقال: {أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ، وكذلك ذكر عن الذين أوتوا العلم من قبله: ~~أنهم {إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ~~ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} [الإسراء: 107 109] . # وقد أوجب الله تعالى الطهارة للصلاة كما أمر بذلك في القرآن، وكما ثبت عن ~~النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ ". أخرجاه في الصحيحين. وفي الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه ~~قال: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول "، وقد # PageV01P080 # أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة. # يبقي الكلام في مسمي [الصلاة] فإن الذين أوجبوا الطهارة للسجود المجرد، ~~اختلفوا فيما بينهم. فقالوا: يسلم منه، وقال بعضهم: يكبر تكبيرتين: تكبيرة ~~للافتتاح، وتكبيرة للسجود، وقال بعضهم: يتشهد فيه، وليس معهم لشيء من هذه ~~الأقوال أثر، لا عن النبي صلي الله عليه وسلم، ولا عن أحد من الصحابة، بل ~~هو مما قالوه برأيهم، لما ms20 ظنوه صلاة. # وقال بعضهم: لا تكون الصلاة إلا ركعتين، وما دون ذلك لا يكون صلاة، إلا ~~ركعة الوتر. واحتج بما في السنن عن ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم ~~قال: " صلاة الليل والنهار مثني مثني "، وهذا القول قاله ابن حزم، # PageV01P081 # ولم يشترط الطهارة لما دون ذلك، لا لصلاة الجنازة، ولا لغيرها. وهذا أيضا ~~ضعيف. فإن الحديث ضعيف. والحديث الذي في الصحاح الذي رواه الثقاة قوله: " ~~صلاة الليل مثني مثني ". وأما قوله: و " النهار "، فزيادة انفرد بها ~~البارقي، # PageV01P082 # وقد ضعفها أحمد، وغيره. والمرجع في مسمي الصلاة إلى الرسول. # وفي السنن حديث على عن النبي صلي الله عليه وسلم: " مفتاح الصلاة الطهور، ~~وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ". # PageV01P083 # وهذا محفوظ عن ابن مسعود من قوله: فهذا يبين أن [الصلاة] : التي مفتاحها ~~الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. وهذا يتناول كل ما تحريمه ~~التكبير، وتحليله التسليم: كالصلاة التي فيها ركوع وسجود، سواء كانت مثني ~~أو واحدة، أو كانت ثلاثا متصلة، أو أكثر من ذلك. وهو يتناول صلاة الجنازة، ~~فإن تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. # PageV01P084 # والصحابة أمروا بالطهارة لما فرقوا بينها وبين سجود التلاوة، وهو الذي ~~ذكره البخاري في صحيحه. فقال في [باب سنة الصلاة على الجنازة] : وقال النبي # PageV01P085 # صلي الله عليه وسلم: " من صلي على الجنازة " وقال: " صلوا على صاحبكم " ~~وقال: " صلوا على النجاشي "، سماها صلاة، وليس فيها ركوع ولا سجود، ولا ~~يتكلم فيها، وفيها تكبير وتسليم، وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرا، ولا يصلي # PageV01P086 # عند طلوع الشمس، ولا غروبها، ويرفع يديه. # PageV01P087 # وقال تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: ~~84] ، وفيها صفوف وإمام. # وهذه الأمور التي ذكرها كلها منتفية في سجود التلاوة، والشكر، وسجود ~~الآيات. فإن النبي صلي الله عليه وسلم لم يسم ذلك صلاة ولم يشرع لها ~~الاصطفاف، وتقدم الإمام، كما يشرع في صلاة الجنازة وسجدتي السهو بعد ~~السلام، وسائر الصلوات. ولا سن فيها النبي صلي الله عليه وسلم سلاما، لم ~~يرو ذلك عنه لا بإسناد صحيح، ms21 ولا ضعيف، بل هو بدعة. ولا جعل لها تكبير ~~افتتاح، وإنما روي عنه أنه كبر فيها إما للرفع، وإما للخفض، والحديث في ~~السنن. # وابن عباس جوز التيمم للجنازة عند عدم الماء، # PageV01P088 # وهذا قول كثير من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، ~~فدل على أن الطهارة # PageV01P089 # تشترط لها عنده، وكذلك هذه الصفات منتفية في الطواف، فليس فيه تسليم، ~~والكلام جائز فيه، وليس فيه اصطفاف وإمام، وقد قرن الله في كتابه وسنة ~~رسوله بين الطائف والمصلي، ولم يرد عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أمر ~~بالطهارة للطواف، لكنه كان يطوف متطهرا هو والصحابة، وكانوا يصلون ركعتي ~~الطواف بعد الطواف، ولا يصلي إلا متطهرا، والنهي إنما جاء في طواف الحائض ~~فقال: " الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ". # وقد قيل: إن ذلك لأجل المسجد. # وقيل لأجل الطواف. # PageV01P090 # وقيل: لهما. # والله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام: {وطهر بيتي للطائفين} [الحج: 26] ~~، فاقتضي ذلك تطهيره من دم الحيض وغيره. # وأيضا، فإبراهيم والنبيون بعده، كانوا يطوفون بغير وضوء، كما كانوا يصلون ~~بغير وضوء، وشرعهم شرعنا إلا فيما نسخ، فالصلاة قد أمرنا بالوضوء لها، ولم ~~يفرض علينا الوضوء لغيرها، كما جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا، فحيث ما أدركت ~~المسلم الصلاة، فعنده مسجده وطهوره، وإن كان جنبا تيمم وصلي، ومن قبلنا لم ~~يكن لهم ذلك، بل كانوا ممنوعين من الصلاة مع الجنابة حتى يغتسلوا، كما يمنع ~~الجنب من اللبث في المسجد، ومن قراءة القرآن. # ويجوز للمحدث اللبث في المسجد معتكفا، وغير معتكف. ويجوز له قراءة ~~القرآن، والمروي فيها عن النبي صلي الله عليه وسلم تكبيرة واحدة، # PageV01P091 # فإنه لم ينتقل من عبادة إلى عبادة. # PageV01P092 ### | فصل: [سجود التلاوة قائما أفضل من قاعدا] # وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز بين ~~جماعة، فقرأ سجدة، فقام على قدميه وسجد. فهل قيامه أفضل من سجوده وهو قاعد ~~أم لا؟ وهل فعله ذلك رياء ونفاق؟ # فأجاب: # بل سجود التلاوة قائما أفضل منه قاعدا، كما ذكر ذلك ms22 من ذكره من العلماء ~~من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وكما نقل عن عائشة، بل وكذلك # PageV01P093 # سجود الشكر، كما روي أبو داود في سننه عن النبي صلي الله عليه وسلم من ~~سجوده للشكر قائما، وهذا ظاهر في الاعتبار، فإن صلاة القائم أفضل من صلاة ~~القاعد. # وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه كان أحيانا يصلي # PageV01P094 # قاعدا فإذا قرب من الركوع فإنه يركع ويسجد وهو قائم، وأحيانا يركع ويسجد ~~وهو قاعد، فهذا قد يكون للعذر، أو للجواز، ولكن تحريه مع قعوده أن يقوم ~~ليركع ويسجد وهو قائم، دليل على أنه أفضل. إذ هو أكمل وأعظم خشوعا لما فيه ~~من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة لله من القيام. # ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحي، أو قيام ليل، أو غير ذلك، فإنه ~~يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا ~~علم الله من قلبه أنه يفعله سرا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء، ~~ومفسدات الإخلاص؛ ولهذا قال # PageV01P095 # الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك. ~~وفعله في مكانه الذي تكون فيه معيشته التي يستعين بها على عبادة الله خير ~~له من أن يفعله حيث تتعطل معيشته، ويشتغل قلبه بسبب ذلك، فإن الصلاة كلما ~~كانت أجمع للقلب، وأبعد من الوسواس، كانت أكمل. # ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء، فنهيه مردود عليه من وجوه: # أحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفا من الرياء، بل يؤمر بها، ~~وبالإخلاص فيها، ونحن إذا رأينا من يفعلها أقررناه، وإن جزمنا أنه يفعلها ~~رياء، فالمنافقون الذين قال الله فيهم: {إن المنافقين يخادعون الله وهو ~~خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآؤون الناس ولا يذكرون الله ~~إلا قليلا} [النساء: 142] ، فهؤلاء كان النبي صلي الله عليه وسلم والمسلمون ~~يقرونهم على ما يظهرونه من الدين، وإن كانوا مرائين، ولا ينهونهم عن ~~الظاهر؛ لأن الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره ms23 رياء، ~~كما أن فساد ترك إظهار الإيمان # PageV01P096 # والصلوات أعظم من الفساد في إظهار ذلك رياء؛ ولأن الإنكار إنما يقع على ~~الفساد في إظهار ذلك رئاء الناس. # الثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة، وقد قال رسول الله ~~صلي الله عليه وسلم: " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق ~~بطونهم ". وقد قال عمر بن الخطاب: من أظهر لنا خيرا أحببناه، وواليناه عليه ~~وإن كانت سريرته بخلاف ذلك. ومن أظهر لنا شرا أبغضناه عليه، وإن زعم أن ~~سريرته صالحة. # الثالث: أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل ~~الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرا مشروعا مسنونا، قالوا: هذا مراء، فيترك ~~أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة، حذرا من لمزهم وذمهم، فيتعطل ~~الخير، ويبقي لأهل الشرك # PageV01P097 # شوكة يظهرون الشر، ولا أحد ينكر عليهم، وهذا من أعظم المفاسد. # الرابع: أن مثل هذا من شعائر المنافقين، وهو يطعن على من يظهر الأعمال ~~المشروعة، قال الله تعالى: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ~~والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب اليم} ~~[التوبة: 79] . فإن النبي صلي الله عليه وسلم لما حض على الإنفاق عام تبوك ~~جاء بعض الصحابة بصرة كادت يده تعجز من حملها، فقالوا: هذا مراء، وجاء ~~بعضهم بصاع، فقالوا: لقد كان الله غنيا عن صاع فلان، فلمزوا هذا وهذا، ~~فأنزل الله ذلك، وصار عبرة فيمن يلمز المؤمنين المطيعين لله ورسوله. والله ~~أعلم. # PageV01P098 ### | هل يجوز سجود التلاوة بغير وضوء؟ # وسئل عن الرجل إذا تلي عليه القرآن فيه سجدة سجد على غير وضوء، فهل يأثم ~~أو يكفر، أو تطلق عليه زوجته؟ # فأجاب: # لا يكفر، ولا تطلق عليه زوجته، ولكن يأثم عند أكثر العلماء، ولكن ذكر بعض ~~أصحاب أبي حنيفة أن من صلي بلا وضوء فيما تشترط له الطهارة بالإجماع. ~~كالصلوات الخمس، أنه يكفر بذلك، وإذا كفر كان مرتدا. والمرتد عند أبي حنيفة ~~تبين منه زوجته، ولكن تكفير هذا ليس ms24 منقولا عن أبي حنيفة نفسه، ولا عن ~~صاحبيه وإنما هو عن أتباعه، وجمهور العلماء على أنه يعزر، ولا يكفر إلا إذا ~~استحل ذلك، واستهزأ بالصلاة. # PageV01P099 # وأما سجدة التلاوة، فمن العلماء من ذهب إلى أنها تجوز بغير طهارة، وما ~~تنازع العلماء في جوازه لا يكفر فاعله بالاتفاق، وجمهور العلماء على أن ~~المرتد لا تبين منه زوجته، إلا إذا انقضت عدتها، ولم يرجع إلى الإسلام. ~~والله أعلم. PageV01P100 ms25