######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006827 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التحفة العراقية في الأعمال القلبية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006827 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6827 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6827 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1399 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المطبعة السلفية - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه ~~وسلم أما بعد ### | فهذه كلمات مختصرة في أعمال القلوب التي تسمى المقامات والأحوال # وهي من أصول الايمان وقواعد الدين مثل محبة الله ورسوله والتوكل على الله ~~وإخلاص الدين له والشكر له والصبر على حكمه والخوف منه والرجاء له وما يتبع ~~ذلك اقتضى ذلك بعض من أوجب الله حقه من أهل الإيمان واستكتبها وكل منا ~~عجلان فأقول هذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق المأمورين في الأصل ~~باتفاق أئمة الدين والناس في هذا على ثلاث درجات كما هم في أعمال الأبدان ~~على ثلاث درجات ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات فالظالم لنفسه العاصي ~~بترك مأمور وفعل محظور والمقتصد المؤدي الواجبات والتارك المحرمات والسابق ~~بالخيرات المتقرب بما يقدر عليه من واجب ومسنون والتارك للمحرم والمكروه ~~وإن كان كل من المقتصد والسابق قد تكون له ذنوب تمحى عنه بتوبة والله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين إما بحسنات ماحية وإما بمصائب مفكرة وإما بغير ذلك ~~وكل من الصنفين المقتصدين والسابقين من أولياء الله الذي ذكرهم في كتابه ~~يونس فأولياء الله هم المؤمنون المتقون ولكن ذلك ينقسم إلى عام وهم ~~المقتصدون وخاص وهم السابقون وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء ~~والصديقين وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم القسمين في الحديث الذي رواه ~~البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال يقول الله من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر ms01 وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ~~ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعل ترددي عن قبض نفس عبدي ~~المؤمن يكره الموت وأكره مساءته # PageV01P037 # ولا بد له منه وما الظالم لنفسه من أهل الإيمان ففيه من ولاية الله بقدر ~~إيمانه وتقواه كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره فالشخص الواحد قد تجتمع فيه ~~الحسنات المقتضية للثواب والسيئات المقتضية للعقاب حتى يمكن أن يثاب ويعاقب ~~وهذا قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة الإسلام وأهل السنة ~~والجماعة الذين يقولون إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~وأما القائلون بالتخليد كالخوارج أو المعتزلة القائلين أنه لا يخرج من ~~النار من دخلها من أهل القبلة وأنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في اهل ~~الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعدها فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب ~~وعقاب وحسنات وسيئات بل من اثيب لا يعاقب ومن عوقب لم يثب ودلائل هذا الأصل ~~من الكتاب والسنة وإجماع الأمة كثير ليس هذا هو موضعه قد بسطناه في موضعه ~~وينبني على هذا أمور كثيرة ولهذا من كان معه إيمان حقيقي فلا بد أن يكون ~~معه من هذه الأعمال بقدر إيمانه وإن كان له ذنوب كما رواه البخاري في صحيحه ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا كان يسمى حمارا وكان يضحك النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكان يشرب الخمر ويجلده النبي صلى الله عليه وسلم فأتى به ~~مرة فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله فهذا بين أن ~~المذنب بالشراب وغيره قد يكون محبا لله ورسوله وحب الله رسوله أوثق عرى ~~الإيمان كما أن العابد الزاهد قد يكون لما في قلبه من بدعة ونفاق مسخوطا ~~عند الله ورسوله من ذلك الوجه كما استفاض في الصحاح وغيرها من حديث علي بن ~~أبي طالب وأبي سعيد الخدري ms02 عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ذكر الخوارج ~~فقال يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قارءتهم ~~يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم لئن ~~أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيهم في الحديث الصحيح تمرق مارقة على خير فرقة من ~~المسلمين يقتلهم أدنى الطائفتين ولهذا قال أئمة المسلمين كسفيان الثوري أن ~~البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب ~~منها ومعنى قولهم أن البدعة لا يتاب منها أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم ~~يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب # PageV01P038 # ما دام يراه حسنا لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه أو أنه ~~ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو أمر استحباب ليتوب ويفعله فما دام يرى ~~فعله حسنا وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب ولكن التوبة ممكنة وواقعه بأن ~~يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من ~~الكفار والمافقين وطوائف أهل البدع والضلال وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما ~~علمه فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى محمد والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقال النساء ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم وأشد تثيبتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم ~~صراطا مستقيما وقال تعالى الحديد يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به وقال تعالى البقرة ~~الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور وقال تعالى المائدة قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه ms03 سبل السلام ~~الآية وشواهد هذا كثيرة في الكتاب والسنة وكذلك من أعرض عن اتباع الحق الذي ~~يعلمه تبعا لهواه فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق ~~الواضح كما قال تعالى الصف فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم الآية وقال تعالى ~~البقرة في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال تعالى الأنعام وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم الآية وهذا استفهام نفي ~~وإنكار أي وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون وإنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~كما لم يؤمنوا به أول مرة على قراءة من قرأ إنها بالكسر تكون جزما بأنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ولهذا ~~قال من قال من السلف كسعيد بن جبير إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من ~~عقوبة السيئة السيئة بعدها وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ~~وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند ~~الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى ~~النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدق يستلزم البر وأن الكذب يستلزم الفجور ~~وقد قال تعالى الانفطار # PageV01P039 # إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ولهذا كان بعض المشايخ إذا أمر ~~متبعيه بالتوبة وأحب أن لا ينفر ويتعب قلبه أمره بالصدق ولهذا يكثر في كلام ~~مشايخ الدين وأئمته ذكر الصدق والإخلاص حتى يقولون قل لمن لا يصدق لا ~~يتبعني ويقولون الصدق سيف الله في الأرض ما وضع على شيء إلا قطعه ويقول ~~يوسف بن اسباط وغيره ما صدق الله عبد إلا صنع له وأمثال هذا كثير والصدق ~~والإخلاص هما تحقيق الإيمان والإسلام فإن ms04 المظهرين الإسلام ينقسمون إلى ~~مؤمن ومنافق فالفارق بين المؤمن والمنافق هو الصدق كما في قوله الحجرات ~~قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا إلى قوله إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون وقال تعالى الحشر للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ~~من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك ~~هم الصادقون فأخبر أن الصادقين في دعوى الإيمان هم المؤمنون الذين لم يتعقب ~~إيمانهم به وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم وذلك أن هذا هو العهد ~~المأخوذ على الأولين والآخرين كما قال تعالى آل عمران وإذ اخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري الآية قال ابن عباس ما بعث الله ~~نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره ~~أن يأخذ الميثاق على أمته ليؤمنن به ولينصرنه وقال تعالى الحديد لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن ~~الله قوى عزيز فذكر تعالى أنه أنزل الكتاب والميزان وأنه أنزل الحديد لأجل ~~القيام بالقسط وليعلم الله من ينصره ورسله ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي ~~وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا والكتاب والحديد وإن اشتركا في الإنزال ~~فلا يمنع أن يكون أحدهما نزل من حيث لم ينزل الآخر حيث نزل الكتاب من الله ~~كما قال تعالى أول الزمر تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم وقال تعالى ~~أول هود كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير وقال النمل وإنك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم والحديد أنزل من الجبال التي يخلق فيها وكذلك وصف ~~الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع الدين في قوله البقرة ليس البر أن ~~تولوا # PageV01P040 # وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ms05 واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين إلى قوله أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ~~وأما المنافقون فوصفهم بالكذب في آيات متعددة كقوله البقرة في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وقوله أول المنافقون إذا ~~جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون وقال التوبة فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ونحو ذلك من القرآن ~~كثير ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق يكون في الأقوال والأعمال كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كتب على ابن آدم حظه من الزنا ~~فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر والأذنان تزنيان ~~وزناهما السمع واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي ~~والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه ويقال حملوا على العدو حملة ~~صادقة إذا كان إرادتهم القتال ثابتة صادقة ويقال فلان صادق الحب والمودة ~~ونحو ذلك ولهذا يراد بالصادق الصادق في إرادته وقصده وطلبه وهو الصادق في ~~عمله ويريدون الصادق في خبره وكلامه والمنافق ضد المؤمن الصادق وهو الذي ~~يكون كاذبا في خبره أو كاذبا في عمله كالمرائي في عمله قال الله تعالى ~~النساء إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى يراؤون الناس الآيتين وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ الإسلام هو ~~الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى الزمر ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان الآية فمن لم يستسلم له فقد استكبر ~~ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ~~ضد الشرك والكبر وذلك في القرآن كثير ولهذا كان الإسلام شهادة أن لا إله ~~إلا الله وهي متضمنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه وهو الإسلام العام ~~الذي لا يقبل الله من أحد من الأولين والآخرين دينا سواه كما قال تعالى آل ~~عمران ومن يبتغ غير الإسلام دينا ms06 فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ~~وقال آل عمران شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وهذا الذي ~~ذكرنا مما يبين # PageV01P041 # أن أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال وأن ~~الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي رواه أحمد في مسنده الإسلام علانية والإيمان في القلب ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور ~~مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن ~~وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ~~وإن لك ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت ~~صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد وهي القلب وعن أبي هريرة قال ~~القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث خبثت جنوده ~~فصل وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ~~ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودا في حال ~~واحد وإن ارتقى مقامه وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله بل قد نهى عنه ~~في مواضع وإن تعلق أمر الدين به كقوله تعالى آل عمران ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين وقوله النحل ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق ~~مما يمكرون وقوله التوبة إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا وقوله يونس ~~ولا يحزنك قولهم وقوله الحديد لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم وأمثال ذلك كثيرة وذلك أنه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة ولا فائدة ~~فيه ومالا فائدة فيه لا يأمر الله به نعم لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه ~~محرم كما يحزن على المصائب كما قال النبي صلى الله ms07 عليه وسلم إن الله لا ~~يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا ويرحم وأشار بيده ~~إلى لسانه وقال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب ومنه ~~قوله تعالى يوسف فتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن ~~فهو كظيم وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه ويكون محمودا من ~~تلك الجهة لا من جهة الحزن كالحزين على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين ~~عموما فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك ولكن ~~الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع ~~مضرة # PageV01P042 # منهى عنها وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من جهة الحزن وأما إن أفضى ~~إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله ورسوله به كان مذموما عليه ~~من تلك الجهة وإن كان محمودا من جهة أخرى وأما المحبة لله والتوكل والإخلاص ~~له ونحو ذلك فهذه كلها خير محض وهي حسنة محبوبة في حق كل النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد ~~غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها فإن هذه لا يخرج عنها مؤمن قط وإنما ~~يخرج عنها كافر ومنافق وقد تكلم بعضهم بكلام بينا غلطه فيه وأنه تقصير في ~~تحقيق هذه المقامات من مدة وليس هذا موضعه ولكن هذه المقامات ينقسم الناس ~~فيها إلى خصوص وعموم فللخاصة خاصها وللعامة عامها مثال ذلك أن هؤلاء قالوا ~~إن التوكل مناضلة عن النفس في طلب القوت والخاص لا يناضل عن نفسه وقالوا ~~المتوكل يطلب بتوكله أمرا من الأمور والعارف يشهد الأمور بفروغه منها فلا ~~يطلب شيئا فيقال أما الأول فإن التوكل أعم من التوكل في مصالح الدنيا فإن ~~المتوكل يتوكل على الله في صلاح قلبه ودينه وحفظ لسانه وإرادته وهذا أهم ~~الأمور إليه ولهذا يناجي ربه في كل صلاة بقوله إياك نعبد وإياك نستعين كما ~~في ms08 قوله هود فاعبده وتوكل عليه وقوله هود والشورى عليه توكلت وإليه أنيب ~~فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع لأن هذين يجمعان الدين كله ~~ولهذا قال من قال من السلف إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن وجمع علم ~~القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب ~~في قوله إياك نعبد وإياك نستعين وهاتان الكلمتان الجامعتان اللتان للرب ~~والعبد كما في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال يقول الله سبحانه قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ~~نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي يقول العبد الرحمن ~~الرحيم يقول الله أثني على عبدي يقول العبد مالك يوم الدين يقول الله مجدني ~~عبدي يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله فهذه الآية بيني وبين ~~عبدي ولعبدي ما سأل يقول العبد اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين يقول الله فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل # PageV01P043 # فالرب سبحانه له نصف الثناء والخير والعبد له نصف الدعاء والطلب وهاتان ~~جامعتان ما للرب سبحانه وما للعبد فإياك نعبد للرب وإياك نستعين للعبد وفي ~~الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه قال كنت رديفا للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~حمار فقال يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قلت الله ورسوله اعلم قال ~~حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن ~~لا يعذب من لا يشرك به والعبادة هي الغاية التي خلق الله لها العباد من جهة ~~أمر الله ومحبته ورضاه كما قال تعالى الذاريات وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب وهي اسم يجمع كمال الذل ونهايته وكمال ~~الحب لله ونهايته فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة وإنما ms09 ~~العبادة ما يجمع كمال الأمرين ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله وهي وإن ~~كانت منفعتها للعبد والله غني عنها فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها ~~ولهذا كان الله أشد فرحا بتوبة العبد من الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه ~~في ارض دوية ملهكة إذا نام آيسا منها ثم استيقظ فوجدها فالله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من هذا براحلته وهذا يتعلق به أمور جليلة قد بسطناها وشرحناها ~~في غير هذا الموضع والتوكل والاستعانة للعبد لأنه هو الوسيلة والطريق الذي ~~ينال به مقصوده ومطلوبه من العبادة فالاستعانة كالدعاء والمسألة وقد روى ~~الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله يا ابن ~~آدم إنما هي اربع واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين ~~خلقي فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي هي لك فعملك أجازيك ~~به أحوج ما تكون إليه وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلى الاجابة وأما ~~التي بينك وبين خلقي فأت للناس ما تحب أن يأتوا إليك وكون هذا لله وهذا ~~للعبد هو اعتبار تعلق المحبة والرضاء ابتداء فإن العبد ابتداء يحب ويريد ما ~~يراه ملائما له والله تعالى يحب ويرضى ما هو الغاية المقصودة في رضاه وحبه ~~الوسيلة تبعا لذلك وإلا فكل مأمور به فمنفعته عائدة على العبد وكل ذلك يحبه ~~الله ويرضاه وعلى هذا فالذي ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل ~~لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا وهو غلط بل التوكل في الأمور الدينية أعظم ~~وأيضا التوكل في الأمور الدينية التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها ~~والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ويأمر به ويرضاه والزهد المشروع هو ترك ~~الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو فضول المباح التي لا يستعان بها ~~على طاعة الله كما أن الورع المشروع هو ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ~~ترك المحرمات # PageV01P044 # والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها ms10 كالواجبات فأما ما ~~ينفع في الدار الآخرة بنفسه أو على ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس ~~من الدين بل صاحبه داخل في قوله تعالى المائدة يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين كما أن ~~الاشتغال بفضول المباحات هو ضد الزهد المشروع فإن اشتغل بها عن واجب او ~~بفعل محرم كان عاصيا وإلا كان منقوصا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين ~~وأيضا فالتوكل هو محبوب لله مرضى مأمور به دائما وما كان محبوبا لله مرضيا ~~مأمورا به دائما لا يكون من فعل المقتصدين دون المقربين فهذه ثلاثة أجوبة ~~عن قولهم المتوكل لا يطلب حظوظه وأما قولهم الأمور قد فرغ منها فهذا نظير ~~ما قاله بعضهم في الدعاء أنه لا حاجة إليه لأن المطلوب إن كان مقدرا فلا ~~حاجة إليه وإن لم يكن مقدرا لم ينفع وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا ~~وكذلك قول من قال التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة ولا يدفع به مضرة وإنما ~~هو عبادة محضة وإن حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض وهذا وإن كان ~~قاله طائفة من المشايخ فهو غلط أيضا وكذلك قول من قال الدعاء إنما هو عبادة ~~محضة فهذه الأقوال وما أشبهها يجمعها أصل واحد وهو أن هؤلاء ظنوا أن كون ~~الأمور مقدرة مقضية يمنع أن يتوقف على أسباب مقدرة أيضا تكون من العبد ولم ~~يعلموا أن الله سبحانه يقدر الأمور ويقضيها بالأسباب التي جعلها معلقة بها ~~من أفعال العباد وغير أفعالهم ولهذا كان طور قولهم يوجب تعطيل العمال ~~بالكلية وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا مرات فأجاب عنه كما ~~أخرجاه في الصحيحين عن عمران بن حصين قال قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعلم أهل الجنة من أهل النار قال نعم قالوا ففيم العمل قال كل ميسر ~~لما خلق له وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال كنا في جنازة فيها رسول ~~الله صلى ms11 الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم ~~رفع رأسه وقال ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من النار أو الجنة إلا ~~وقد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل من القوم يا نبي الله أفلا نمكث على ~~كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من ~~أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل ~~السعادة فييسرون للسعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة ثم قال نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم الليل فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى # PageV01P045 # فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى أخرجه ~~الجماعة في الصحاح والسنن والمسانيد وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل فقيل يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى ~~نتقيها أترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله وقد جاء هذا المعنى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث فبين صلى الله عله وسلم أن تقدم ~~العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ينافي أن تكون سعادة هذا بالأعمال الصالحة ~~وشقاوة هذا بالأعمال السيئة فإنه سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه وكذلك ~~يكتبها فهو يعلم أن السعيد يسعد بالأعمال الصالحة والشقي يشقى بالأعمال ~~السيئة فمن كان سعيدا ييسر للأعمال الصالحة والشقي يشقى بالأعمال السيئة ~~فمن كان للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة كلاهما ميسر لما خلق له وهو ما ~~يصير إليه من مشيئة الله العامة الكونية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه ~~في قوله تعالى هود ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وأما ما ~~خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية وأمره بموجباتها فذلك ~~مذكور في قوله الذاريات وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون والله سبحانه قد ~~بين في كتابه في كل واحدة من الكلمات والأمر والإرادة والإذن والكتاب ~~والحكم والقضاء والتحريم ونحو ذلك مما هو ديني موافقته لمحبة الله ms12 ورضاه ~~وأمره الشرعي وما هو كوني موافقته لمشيئته الكونية مثال ذلك أنه قال في ~~الأمر الديني النحل إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وقال ~~تعالى النساء إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ونحو ذلك وقال في ~~الكوني ياسين إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وكذلك قوله ~~الإسراء وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول على أحد الأقوال في هذه الآية وقال في الارادة الدينية البقرة يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر النساء يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن ~~الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم المائدة ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وقال في الإرادات الكونية البقرة ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد وقال الأنعام فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد ~~في السماء وقال نوح عليه السلام هود ولا ينفعكم نصحي إن # PageV01P046 # اردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم وقال ياسين إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وقال في الإذن الديني الحشر ما قطعتم من ~~لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبأذن الله وقال في الكوني البقرة وما ~~هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله وقال في القضاء الديني الإسراء وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه أي أمر وقال الكوني فصلت فقضاهن سبع سماوات في يومين ~~وقال في الحكم الديني أول المائدة أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد وقال الممتحنة ذلكم ~~حكم الله يحكم بينكم وقال في الكوني يوسف عن ابن يعقوب فلن أبرح الأرض حتى ~~يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين وقال الأنبياء قال رب احكم ~~بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون وقال في التحريم الديني المائدة ~~حرمت ms13 عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير النساء حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~الآية وقال في التحريم الكوني المائدة فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون ~~في الأرض وقال في الكلمات الدينية البقرة وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن وقال في الكونية الأعراف وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما ~~صبروا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم المستفيض عنه من وجوه في الصحاح والسنن ~~والمسانيد أنه كان يقول أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا ~~فاجر ومن المعلوم أن هذا هو الكوني الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته وتكوينه ~~وأما الكلمات الدينية فقد خالفها الكفار بمعصيته والمقصود هنا أنه صلى الله ~~عليه وسلم بين أن العواقب التي خلق لها الناس سعادة وشقاوة ييسرون لها ~~بالأعمال التي يصيرون بها إلى ذلك كما أن سائر المخلوقات كذلك فهو سبحانه ~~خلق الولد وسائر الحيوان في الأرحام بما يقدره من اجتماع الأبوين على ~~النكاح واجتماع الماءين في الرحم فلو قال الإنسان أنا أتوكل ولا أطأ زوجتي ~~فإن كان قد قضى لي بولد وإلا لم يوجد ولا حاجة إلى وطء كان أحمق بخلاف ما ~~إذا وطئ وعزل الماء فإن عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد إذا شاء الله إذ قد ~~يخرج بغير اختياره وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سرايا من العرب ~~فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل فسألنا عن ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P047 # فقال ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة ~~وفي صحيح مسلم عن جابر إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي ~~جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال ~~اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها وهذا مع ان الله سبحانه قادر على ~~ما قد فعله من خلق الإنسان من غير أبوين كما خلق ms14 آدم ومن خلقه من أب فقط ~~كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن خلقه من أم فقط كما خلق المسيح بن مريم ~~عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب أخرى غير معتادة وهذا الموضع وإن كان إنما ~~يجحده الزنادقة المعطلون للشرائع فقد وقع في كثير من وكثير من المشايخ ~~المعظمين يسترسل أحدهم مع القدر غير محقق لما أمر به ونهى عنه ويجعل ذلك من ~~باب التفويض والتوكل ويجري مع الحقيقة القدرية ويحسب أن قول القائل ينبغي ~~للعبد أن يكون مع الله كالميت بين يدي الناس يتضمن ترك العمل بالأمر والنهي ~~حتى يترك ما أمر به ويفعل ما نهى عنه وحتى يضعف عنده النور والفرقان والذي ~~يفرق به بين ما أمر الله به وأحبه وأرضاه وبين ما نهى عنه وأبغضه وسخطه ~~فيسوى بين ما فرق الله بينه قال تعالى الجاثية أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون وقال تعالى القلم أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ~~وقال تعالى ص أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار وقال تعالى الزمر قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون وقال تعالى وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا ~~الظل ولا الحرور وما يستوي الاحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما ~~أنت بمسمع من في القبور وأمثال ذلك حتى يفضي الأمر بغلاتهم إلى عدم التمييز ~~بين الأمر بالمأمور النبوي الإلهي الفرقاني الشرعي الذي دل عليه الكتاب ~~والسنة وبين ما يكون في الوجوه من الأحوال التي تجري على أيدي الكفار ~~والفجار فيشهدون وجه الجمع من جهة الجمع بقضاء الله وقدره وربوبيته وإرادته ~~العامة وأنه داخل في ملكه ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين ~~أوليائه وأعدائه والأبرار والفجار والمؤمنين والكافرين وأهل الطاعة الذين ~~أطاعوا أمره الديني وأهل المعصية الذين عصوا هذا الأمر # PageV01P048 # ويشهدون في ذلك بكلمات مجملة نقلت عن بعض الأشياخ أو ms15 ببعض غلطات بعضهم ~~وهذا أصل عظيم من اعظم ما يجب الاعتناء به على أهل طريق الله السالكين سبيل ~~إرادة الدين يريدون وجهه فإنه قد دخل بسبب إهمال ذلك على طوائف منهم من ~~الكفر والفسوق والعصيان مالا يعلمه إلا الله حتى يصيروا معاونين على البغي ~~والعدوان للمسلطين في الارض من أهل الظلم والعلو الذين يتوجهون بقلوبهم في ~~معاونة من يهوونه من أهل العلو في الأرض والفساد ظانين أنهم إذا كانت لهم ~~احوال أثروا بها في ذلك من أولياء الله فإن القلوب لها من التأثير أعظم مما ~~للأبدان لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحا وإن كانت فاسدة كان تأثيرها ~~فاسدا فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تارة ومكروها لله أخرى وقد تكلم ~~الفقهاء على وجوب القود على من يقتل بغيره في الباطن حيث يجب القود في ذلك ~~ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم ~~بكشف لهم أو بتأثير يوافق إرادته هو كرامة من الله له ولا يعلمون أنه في ~~الحقيقة إهانة وأن الكرامة لزوم الاستقامة وأن الله لم يكرم عبده بكرامة ~~أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ~~ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم يونس ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإن كانوا موافقين له فيما أوجبه ~~عليهم فهم من المقتصدين وإن كانوا موافقين فيما أوجبه وأحبه فهم من ~~المقربين مع أن كل واجب محبوب وليس كل محبوب واجبا وأما ما يبتلى الله به ~~عبده من الشر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد ~~على ربه ولا هوانه عليه بل قد يسعد بها أقوام إذا أطاعوه في ذلك وقد يشقى ~~بها قوم إذا عصوه في ذلك قال الله تعالى الفجر فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ~~ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهانن كلا ولهذا كان الناس في هذه الأمور على ثلاثة اقسام قسم ms16 ترتفع ~~درجاتهم بخرق العادة إذا استعملوها في الطاعة وقوم يتعرضون بها لعذاب الله ~~إذا استعملوها في معصية الله كبلعام وغيره وقوم تكون في حقهم بمنزلة ~~المباحات والقسم الأول هم المؤمنون حقا المتبعون لنبيهم سيد ولد آدم الذي ~~إنما كانت خوارقه لحجة يقيم بها دين الله أو لحاجة يستعين بها على طاعة ~~الله ولكثرة اللغط في هذا الأصل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الاسترسال # PageV01P049 # مع القدر بدون الحرص على فعل المأمور الذي ينفع العبد فروى مسلم في صحيحه ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب ~~إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا ~~تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما ~~شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان وفي سنن أبي داود أن رجلين اختصما إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقضى على أحدهما فقال المقضي عليه حسبي الله ونعم ~~الوكيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن ~~عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل فأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم المؤمن أن يحرص على ما ينفعه وأن يستعين بالله وهذا مطابق لقوله ~~إياك نعبد وإياك نستعين وقوله هود فاعبده وتوكل عليه فإن الحرص على ما ينفع ~~العبد هو طاعة الله وعبادته إذ النافع له هو طاعة الله ولا شيء أنفع له من ~~ذلك وكل ما يستعان به على الطاعة فهو طاعة وإن كان من جنس المباح قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لسعد إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه ~~الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الله يلوم على العجز الذي هو ضد الكيس وهو التفريط ~~فيما يؤمر بفعله فإن ذلك ينافي القدرة المقارنة للفعل وإن كان لا ينافي ms17 ~~القدرة المقدمة التي هي مناط الأمر والنهي فإن الاستطاعة التي توجب الفعل ~~وتكون مقارنة له لا تصلح إلا لمقدورها كما ذكرها في قوله هود ما كانوا ~~يستطيعون السمع وقوله الكهف وكانوا لا يستطعيون سمعا وأما الاستطاعة التي ~~يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن كما في قوله ~~آل عمران ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وقوله صلى الله ~~عليه وسلم لعمر أن صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك ~~فهذا الموضع قد انقسم الناس فيه على أربعة أقسام قوم ينظرون إلى جانب الأمر ~~والنهي والعبادة والطاعة شاهدين لألوهيته سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه ولا ~~ينظروا إلى جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة وهو حال كثير من ~~المتفقهة المتعبدة فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله وشعائره يغلب ~~عليهم الضعف والعجز والخذلان والاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه ~~والدعاء له هي التي تقوى العبد وتيسر عليه الأمور ولهذا قال بعض # PageV01P050 # السلف من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله وفي الصحيحين عن عبد ~~الله ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته في التوراة إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ~~ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي بالسيئة ~~الحسنة ويغفر ولن أقبضه حتى اقيم به الملة العوجاء فأفتح بك أعينا عميا ~~وآذانا صما وقلوبا غلفا بأن يقولوا لا إله إلا الله ولهذا روى أن حملة ~~العرش إنما اطاقوا حمل العرش بقولهم لا حول ولا قوة إلا بالله وفي الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها كنز من كنوز الجنة قال تعالى الطلاق ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه وقال تعالى آل عمران الذين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل إلى ~~قوله فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ms18 في ~~قوله وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم الخليل حين ألقى في ~~النار وقالها محمد حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم وقسم ثان ~~يشهدون ربوبية الحق وافتقارهم إليه ويستعينون بها على أهوائهم وأذواقهم غير ~~ناظرين إلى حقيقة امره ونهيه ورضاه وغضبه ومحبته وهذا حال كثير من المتفقرة ~~والمتصوفة ولهذا كثيرا ما يعملون على الأحوال التي يتصرفون بها في الوجود ~~لا يقصدون ما يرضي الرب ويحبه وكثيرا ما يغلطون فيظنون أن معصيته هي مرضاته ~~فيعودون إلى تعطيل الأمر والنهي ويسمهون هذا حقيقة ويظنون أن هذه الحقيقة ~~الأمرية الدينية هي التي تحوي مرضاة الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهرا وباطنا ~~وهؤلاء كثيرا ما يسلبون أحوالهم وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق بل ~~كثير منهم يرتد عن الاسلام لأن العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند أمر الله ~~ونهيه فليس من المتقين فهم يقعون في بعض ما وقع المشركون فيه تارة من بدعة ~~يظنونها شرعة وتارة في الاحتجاج بالقدر على الأمر والله تعالى لما ذكر ما ~~ذم به المشركين في سورة الأنعام ذكر ما ابتدعوه في الدين وجعلوه شرعة كما ~~قال تعالى الأعراف وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء وقد ذمهم على أن حرموا ما لم يحرمه الله ~~وأن شرعوا ما لم يشرعه الله وذكر احتجاجهم بالقدر في قوله الأنعام لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ونظيرها في النحل ويس والزخرف ~~وهؤلاء يكون فيهم شبهة في هذا وهذا # PageV01P051 # وأما القسم الثالث وهو من أعرض عن عبادة الله واستعانته به فهؤلاء شر ~~الأقسام والقسم الرابع هو القسم المحمود وهو حال الذين حققوا إياك نعبد ~~وإياك نستعين وقوله هود فاعبده وتوكل عليه فاستعانوا به على طاعته وشهدوا ~~أنه إلههم الذي لا يجوز أن يعبدوا إلا إياه وطاعة رسوله وأنه ربهم الذي ليس ~~لهم من دونه ولي ولا شفيع وأنه فاطر ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ms19 ممسك ~~لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده يونس وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله الزمر قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ~~ولهذا قال طائفة من العلماء الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو ~~الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في ~~الشرع وإنما التوكل المأمور به ما يجتمع فيه مقتضي التوحيد والعقل والشرع ~~فقد بين أن من ظن التوكل من مقامات عامة اهل الطريق فقد غلط غلطا شديدا وإن ~~كان من أعيان المشايخ كصاحب علل المقامات وهو من أجل المشايخ وأخذ ذلك عنه ~~صاحب محاسن المجالس وأظهر ضعف حجته فمن قال ذلك قال إن المطلوب به حظ ~~العامة فقط وظنه أنه لا فائدة له في تحصيل المقصود وهذه حال من جعل الدعاء ~~كذلك وذلك بمنزلة من جعل الأعمال المأمور بها كذلك كمن اشتغل بالتوكل عما ~~يجب عليه من الأسباب التي هي عبادة الله وطاعة مأمور بها فإن غلط هذا من ~~ترك الأسباب المأمور بها التي هي داخلة في قوله هود فاعبده وتوكل عليه كغلط ~~الأول في ترك التوكل المأمور به الذي هو داخل في قوله فاعبده وتوكل عليه ~~لكن يقال من كان توكله على الله ودعاؤه له هو في حصول مباحات فهو من العامة ~~وإن كان في حصول مستحبات وواجبات فهو من الخاصة كما أن من دعاه وتوكل عليه ~~في حصول محرمات فهو ظالم لنفسه ومن أعرض عن التوكل فهو عاص لله ورسوله بل ~~خارج عن حقيقة الإيمان فكيف يكون هذا المقام للخاصة قال الله تعالى يونس ~~وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وقال ~~تعالى آل عمران إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم ~~من بعده وقال إبراهيم وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقال تعالى # PageV01P052 # الزمر قل ms20 أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ~~ضره إلى قوله قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون وقد ذكر الله هذه الكلمة ~~حسبي الله في جلب المنفعة تارة وفي دفع المضرة أخرى فالأولى قوله التوبة ~~ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله الآية والثانية قوله آل عمران الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وفي قوله ~~الأنفال وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله وقوله التوبة ولو أنهم رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله الآية ~~يتضمن الأمر بالرضا والتوكل والرضا والتوكل يكتنفان المقدور فالتوكل قبل ~~وقوعه والرضاء بعد وقوعه ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ~~الصلاة اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ~~وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسالك خشيتك في الغيب والشهادة ~~وأسالك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسالك ~~نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع اللهم إني أسألك الرضاء بعد القضاء ~~وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من ~~غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ~~رواه احمد والنسائي من حديث عمار بن ياسر وأما ما يكون قبل القضاء فهو عزم ~~على الرضا لا حقيقة للرضا ولهذا كان طائفة من المشايخ يعزمون على الرضا قبل ~~وقوع البلاء فإذا وقع انفسحت عزائمهم كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره كما ~~قال تعالى آل عمران ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه ~~وأنتم تنظرون وقال تعالى الصف يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص نزلت هذه الاية لما ms21 قالوا لو علمنا أي الأعمال ~~احب إلى الله لعملناه فأنزل الله آية الجهاد فكرهه من كرهه ولهذا كره للمرء ~~أن يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه مالا يوجبه الشارع عليه بالعهد والنذر ~~ونحو ذلك أو يطلب ولاية أو يقدم على بلد فيه طاعون كما ثبت في الصحيحين من ~~غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي ~~بخير وإنما يستخرج به من البخيل وثبت عنه في الصحيحين أنه قال لعبد الرحمن ~~بن سمرة # PageV01P053 # لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير ~~مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو ~~خير وكفر عن يمينك وثبت عنه في الصحيحين أنه قال في الطاعون إذا سمعتم به ~~بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وثبت في ~~الصحيحين أنه قال لا تتمنوا لقاء العدو وأسالوا الله العافية ولكن إذا ~~لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف وأمثال ذلك مما يقتضي ~~أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى فيما يوجب عليه أشياء فيبخل بالوفاء كما ~~يفعل كثير ممن يعاهد الله عهودا على أمور وغالب هؤلاء يبتلون بنقض العهود ~~وينبغي أن الإنسان إذا ابتلى فعليه أن يصبر ويثبت ولا يكل حتى يكون من ~~الرجال الموفين القائمين بالواجبات ولا بد في جميع ذلك من الصبر ولهذا كان ~~الصبر واجبا باتفاق المسلمين على أداء الواجبات وترك المحظورات ويدخل في ~~ذلك الصبر على المصائب عن أن يخرج والصبر عن ابتاع أهواء النفس فيما نهى ~~الله عنه وقد ذكر الله الصبر في كتابه في اكثر من تسعين موضعا وقرنه ~~بالصلاة في قوله البقرة استعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين البقرة استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين وقوله هود ~~وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إلى قوله واصبر فإن الله لايضيع ~~اجر المحسنين طه فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ms22 طلوع الشمس وقبل ~~غروبها غافر فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك الآية وجعل الإمامة في ~~الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله السجدة وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فإن الدين كله علم بالحق وعمل به فالعمل ~~به لا بد فيه من الصبر بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر كما قال معاذ بن جبل ~~علكيم بالعلم فإن طلبه لله عبادة ومعرفته خشية والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن ~~لا يعلمه صدقة ومذاكرته تسبيح به يعرف الله ويعبد به يمجد ويوحد يرفع الله ~~بالعلم أقوما يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم وينتهون إلى رأيهم فجعل ~~البحث عن العلم من الجهاد ولا بد في الجهاد من الصبر ولهذا قال تعالى ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر وقال تعالى ص واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي ~~الأيدي والأبصار فالعلم النافع ع هو أصل الهدى والعمل بالحق هو # PageV01P054 # الرشاد وضد الأول هو الضلال وضد الثاني هو الغي والضلال العمل بغير علم ~~والغي اتباع الهوى قال تعالى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فلا ينال ~~الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد إلا بالصبر ولهذا قال علي ألا إن الصبر ~~من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا انقطع الرأس بان الجسد ثم رفع صوته ~~فقال ألا لا إيمان لمن لا صبر له وأما الرضا فقد تنازع العلماء والمشايخ من ~~أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضاء بالقضاء هل هو واجب أو مستحب على قولين ~~فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين ~~قال عمر بن عبد العزيز الرضاء عزيز ولكنه معول المؤمن وقد روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين ~~فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ولهذا لم يجيء في ~~القرآن إلا مدح الراضين لا إيجاب ذلك وهذا في الرضا فيما يفعله الرب ms23 بعبده ~~من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى البقرة والصابرين في ~~البأساء والضراء وحين البأس وقال البقرة أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلولوا فالبأساء في ~~الأموال والضراء في الأبدان والزلزال في القلوب وأما الرضا بما أمر الله به ~~فأصله واجب وهو من الايمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ذاق ~~طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وهو من توابع ~~المحبة كما سنذكره إن شاء الله تعالى وقال النساء فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ~~وقال تعالى التوبة ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله روسوله وقالوا حسبنا الله ~~الآية وقال تعالى محمد ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم وقال التوبة وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ومن ~~النوع الأول ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن سعد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له ومن ~~شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله وسخطه بما يقسم الله له وأما الرضا ~~بالمنهيات من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء يقولون لا يشرع الرضا ~~بها إذ هي كما لا تشرع محبتها فإن الله سبحانه # PageV01P055 # لا يرضاها ولا يحبها وإن كان قدرها وقضاها كما قال سبحانه البقرة والله ~~لا يحب الفساد وقال تعالى الزمر ولا يرضى لعباده الكفر بل يسخطه كما قال ~~تعالى محمد ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ~~وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقا وتسخط من جهة كونها ~~مضافة إلى العبد فعلا وكسبا وهذا لا ينافي الذي قبله بل هما يعودان إلى أصل ~~واحد وهو سبحانه قدر الأشياء لحكمة فهي لاعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية ms24 ~~وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يحب من ~~أحدهما ويكره من الآخر كما في الحديث الصحيح ما ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه وأما ~~من قال بالرضا بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله لا بالمقضي الذي هو مفعلوه ~~فهو خروج منه عن مقصود الكلام فإن الكلام ليس بالرضاء فيما يقوم بذات الرب ~~تعالى من صفاته وأفعاله وإنما الكلام في الرضاء بمفعولاته والكلام فيما ~~يتعلق بهذا قد بيناه في غير هذا الموضع والرضاء وإن كان من أعمال القلوب ~~فكماله هو الحمد حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضاء ولهذا جاء في الكتاب ~~والسنة حمد الله على كل حال وذلك يتضمن بمقضياته وفي الحديث أول من يدعى ~~إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله في السراء والضراء وروى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان إذا أتاه الأمر يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم ~~الصالحات وإذا أتاه الأمر الذي يسؤوه قال الحمد لله على كل حال وفي مسند ~~الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قبض ~~ولد العبد يقول الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ~~ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال فيقولون حمدك واسترجعك فيقول ابنوا ~~لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ونبينا صلى الله عليه وسلم هو صاحب ~~لواء الحمد وأمته هم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء والرضا ~~والحمد على الضراء يوجبه شاهدان أحدهما علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب ~~لذلك مستحق له لنفسه فإنه احسن كل شيء خلقه وأتقن كل شيء وهو العليم الحكيم ~~الخبير الرحيم والثاني علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره ~~لنفسه كما روى مسلم في صحيحه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له # PageV01P056 # ليس ذلك إلا للمؤمن ms25 إن اصبته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر ~~كان خيرا له فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن ~~الذي يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له قال تعالى إن في ذلك ~~لايات لكل صبار شكور وذكرها في أربعة مواضع من كتابة إبراهيم لقمان سبأ ~~الشورى فأما من لا يصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء فلا يلزم أن يكون ~~القضاء خيرا له ولهذا أجبت من أورد على هذا بما يقضى على المؤمن من المعاصي ~~بجوابين أحدهما أن هذا إنما يتناول ما اصاب العبد لا ما فعله العبد كما في ~~قوله النساء ما أصابك من حسنة فمن الله أي من سراء وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك أي من ضراء وكقوله الأعراف وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ~~أي بالسراء والضراء كما قال الأنبياء ونبلوكم بالشر والخير فتنة وقال آل ~~عمران إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها يراد بها المسار ~~والمضار ويراد بها الطاعات والمعاصي والجواب الثاني أن هذا في حق المؤمن ~~الصبار الشكور والذنوب تنقص الإيمان فإذا تاب العبد أحبه الله وقد ترتفع ~~درجته بالتوبة قال بعض السلف كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فمن ~~قضى له بالتوبة كان كما قال سعيد ابن جبير إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها ~~النار وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون ~~نصب عينة ويعجب بها ويعمل السيئة فتكون نصب عينة فيستغفر الله ويتوب إليه ~~منها وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأعمال ~~بالخواتيم والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبته تندفع عنه بعشرة أسباب أن يتوب ~~فيتوب الله عليه فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له أو يستغفر فيغفر له أو ~~يعمل حسنات تمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات أو يدعو له إخوانه المؤمنون ~~ويشفعون له حيا وميتا أو يهدون له من ثواب أعمالهم لينفعه الله به أو يشفع ms26 ~~فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أو يبتليه الله في الدنيا بمصائب تكفر ~~عنه أو يبتليه في البرزخ والصعقة فيكفر بها عنه أو يبتليه في عرصات القيامة ~~من أهوالها بما يكفر عنه أو يرحمه أرحم الراحمين فمن أخطأته هذه العشرة فلا ~~يلومن إلا نفسه كما قال تعالى فيما يروى عنه رسوله يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم احصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه فإن كان المؤمن يعلم أن القضاء خير إذا كان صابرا ~~شكورا # PageV01P057 # وكان قد استخار الله وعلم أن من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما ~~قسم له كان قد رضى بما هو خير له وفي الحديث الصحيح عن علي قال إن الله ~~يقضي بالقضاء فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط ففي هذا الحديث الرضا ~~والاستخارة فالرضا بعد القضاء والاستخارة قبل القضاء وهذا اكمل من الرضا ~~والصبر فلهذا ذكر في ذاك الرضا وفي هذا الصبر ثم إذا كان القضاء مع الصبر ~~خيرا له فكيف مع الرضا ولهذا جاء في الحديث المصاب من حرم الثواب فالأثر ~~الذي رواه الشافعي في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات سمعوا ~~قائلا يقول يا آل بيت رسول الله إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل ~~هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب ~~ولهذا لم نؤمر بالحزن المنافي للرضا قط مع أنه لا فائدة فيه فقد يكون مضرة ~~لكنه يعفى عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله لكن البكاء على الميت على وجه ~~الرحمة حسن مستحب وذلك لا ينافي الرضا يخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه ~~وبهذا تعرف معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما بكى على الميت وقال إن ~~هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء وأن ~~هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت وأن الفضيل ms27 بن عياض لما مات ~~ابنه على فضحك وقال رأيت أن الله قضى فأحببت أن أرضى بما قضى الله به حاله ~~حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع وأما رحمة الميت مع الرضا بالقضاء وحمد الله ~~كحال النبي صلى الله عليه وسلم فهذا أكمل قال تعالى البلد ثم كان من الذين ~~آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة فذكر سبحانه التواصي بالصبر والرحمة ~~والناس أربعة اقسام منهم من يكون فيه صبر بقسوة ومنهم من يكون فيه رحمة ~~بجزع ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع والمؤمن المحمود الذي يصبر على ما ~~يصيبه ويرحم الناس وقد فطن طائفة من المصنفين في هذا الباب أن الرضا عن ~~الله من توابع المحبة له وهذا إنما يتوجه على المأخذ الأول وهو الرضا عنه ~~لاستحقاقه ذلك بنفسه مع قطع العبد النظر عن حظه بخلاف المأخذ الثاني وهو ~~الرضا لعلمه بأن المقضي خير له ثم إن المحبة متعلقة به والرضا متعلق بقضائه ~~لكن قد يقال في تقرير ما قال هذا المصنف ونحوه إن المحبة لله نوعان محبة له ~~نفسه ومحبة لما منهم من الاحسان وكذلك الحمد له نوعان حمد لله على ما ~~يستحقه بنفسه وحمد على إحسانه لعبده فالنوعان للرضا كالنوعين للمحبة وأما ~~الرضا به وبدينه وبرسوله فذلك من # PageV01P058 # حظ المحبة ولهذا ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذاق طعم ~~الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن ~~يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ انقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار وهذا مما يبين من الكلام على المحبة فنقول فصل محبة الله ورسوله من ~~أعظم واجبات الايمان وأكبر أوصله وأجل قواعده بل هي أصل كل عمل من أعمال ~~الإيمان والدين كما أن التصديق أصل كل قول من أقوال الإيمان ms28 والدين فإن كل ~~حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة إما عن محبة محمودة او عن محبة مذمومة ~~كما قد بسطنا ذلك في قاعدة المحبة من القواعد الكبار فجميع الأعمال ~~الايمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة وأصل المحبة المحمودة هي ~~محبة الله سبحانه وتعالى إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون ~~عملا صالحا بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله ~~فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن ~~الشرك فمن عمل عملا فأشرك فيه غيري فأنا منه برئ وهو كله للذي أشرك وثبت في ~~الصحيح حديث الثلاثة الذين هم اول من تسعر بهم النار القارئ المرائي ~~والمجاهد المرائي والمتصدق المرائي بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لا ~~يقبل الله سواه فهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل وانزل به جميع ~~الكتب واتفق عليه أئمة أهل الإيمان وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب ~~القرآن الذي تدور عليه رحاه قال تعالى أول الزمر وأول غافر وأول الجاثية ~~وأول الحقاف تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم أول الزمر إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والسورة كلها ~~عمتها في هذا المعنى من قوله الزمر قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له ~~الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين إلى قوله الزمر قل الله أعبد مخلصا له ~~ديني إلى قوله أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه # PageV01P059 # إلى قوله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره الآية إلى قوله الزمر أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات ~~والأرض ثم إليه ترجعون وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ms29 يؤمنون ~~بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون إلى قوله قل أفغير الله ~~تأمروني أعبد أيها الجاهلون إلى قوله بل الله فاعبد وكن من الشاكرين وقال ~~تعالى فيما قصه من قصة آدم وإبليس أنه قال ص فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين وقال تعالى الحجر إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين وقال النحل إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون فبين أن سلطان ~~الشيطان وإغواءه إنما هو لغير الملخصين ولهذا قال في قصة يوسف وكذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين وأتباع الشيطان هم أصحاب النار ~~كما قال تعالى ص لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وقد قال سبحانه ~~والنساء إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهذه الآية ~~في حق من لم يتب ولهذا خصص الشرك وقبل ما سواه بالمشيئة فإنه لا يغفر الشرك ~~لمن لم يتب منه وما دونه يغفره لمن يشاء وأما قوله الزمر قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا فتلك ~~في حق التائبين ولهذا عمم وأطلق وسياق الآية يبين ذلك مع سبب نزولها وقد ~~أخبر سبحانه أن الأولين والآخرين إنما أمروا بذلك في غير موضع كالسورة التي ~~قرأها النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره أن يقرأ عليه قراءة إبلاغ وإسماع ~~بخصوصه فقال البينة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء الآية وهذا حقيقة ~~قول لا إله إلا الله وبذلك بعث جميع الرسل قال الله تعالى الأنبياء وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال ~~الزخرف واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ~~وقال تعالى النحل ولقد بعثنا في ms30 كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت وجميع الرسل افتتحوا دعوتهم بهذا الأصل كما قال نوح عليه السلام ~~الأعراف اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وكذلك # PageV01P060 # هود هود وصالح هود وشعيب هود عليهم السلام وغيرهم كل يقول اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره لا سيما أفضلا الرسل اللذين اتخذ الله كلاهما خليلا ~~إبراهيم ومحمدا عليهما السلام فإن هذا الأصل بينه الله بهما وأيدهما فيه ~~ونشره بهما فإبراهيم هو الإمام الذي قال الله فيه البقرة إني جاعلك للناس ~~إماما وفي ذريته جعل النبوة والكتاب والرسل فأهل هذه النبوة والرسالة هم من ~~آله الذين بارك الله عليهم قال سبحانه الزخرف وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ~~إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه لعلهم يرجعون فهذه الكلمة هي كلمة الإخلاص لله وهي البراءة من كل ~~معبود إلا من الخالق الذي فطرنا كما قال صاحب ياسين ياسين ومالي لا أعبد ~~الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون وقال تعالى في قصته بعد أن ذكر ما يبين ضلال من ~~اتخذ بعض الكواكب ربا يعبده من دون الله قال الأنعام فلما أفلت قال يا قوم ~~إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا ~~من المشركين إلى قوله ولا تخالفون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا وقال إبراهيم الخليل عليه السلام الشعراء أفرأيتم ما كنتم تعبدون ~~أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين ~~والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين وقوله تعالى الممتحنة قد كانت ~~لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم الآية ونبينا صلى الله عليه وسلم هو الذي ~~أقام الله به الدين الخالص لله دين التوحيد وقمع به المشركين من كان مشركا ~~من الأصل ms31 ومن الذين كفروا من أهل الكتب وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ~~الإمام أحمد وغيره بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك ~~له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف امري ومن تشبه ~~بقوم فهو منهم وقد تقدم بعض ما أنزل الله عليه من الآيات المتضمنة للتوحيد ~~فقال تعالى والصافات صفا إلى قوله إن إلهكم لواحد إلى قوله إنهم كانوا إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ~~بل جاء بالحق وصدق المرسلين إلى قوله أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون ~~إلى ما ذكره من قصص الأنبياء في التوحيد وإخلاص الدين لله إلى قوله سبحان ~~الله # PageV01P061 # عما يصفون إلا عباد الله المخلصين وقال تعالى النساء إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتمصوا ~~بالله وأخلصوا دينهم لله وفي الجملة فهذا الأصل في سورة الأنعام والأعراف ~~والنور وطسم وحم وسور المفصل وغير ذلك من السور المكية ومواضع من السور ~~المدنية كثير ظاهر فهو اصل الأصول وقاعدة الدين حتى في سورتي الإخلاص قل يا ~~ايها الكافرون وقل هو الله أحد وهاتان السورتان كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ بهما في صلاة التطوع كركعتي الطواف وسنة الفجر وهما متضمنتان ~~للتوحيد فأما قل يا أيها الكافرون فهي متضمنة للتوحيد العملي الإرادي وهو ~~إخلاص الدين لله بالقصد والإرادة وهو الذي يتكلم به مشايخ التصوف غالبا ~~وأما سورة قل هو الله أحد فمتضمنة للتوحيد القولي العملي كما ثبت في ~~الصحيحين عن عائشة أن رجلا كان يقرأ قل هو الله أحد في صلاته فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم سلوه لم يفعل ذلك فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبها ~~فقال أخبروه أن الله يحبه ولهذا تضمنت هذه السورة من وصف الله سبحانه ~~وتعالى الذي ينفى قول أهل التعطيل وقول أهل التمثيل ما صارت به هي الأصل ~~المعتمد في مسائل الذات كما قد ms32 بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وذكرنا اعتماد ~~الأئمة عليها مع ما تضمنته في تفسير الأحد كما جاء تفسيره عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وما دل على ذلك من الدلائل لكن المقصود ~~هنا هو التوحيد العملي وهو إخلاص الدين لله وإن كان أحد النوعين مرتبطا ~~بالآخر فلا يوجد أحد من اهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه ~~نوع من الشرك العملي إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه أو ~~بينه وبين المعدومات كما يسوى المعطلة بينه وبين المعدومات في الصفات ~~السلبية التي لا تستلزم مدحا ولا ثبوت كمال أو يسوون بينه وبين الناقص من ~~الموجودات في صفات النقص وكما يسوون إذ أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة ~~مساواة بينه وبين المخلوقات في حقائقها حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ~~ويجعلون له أندادا ويشبهون الملخوق برب العالمين واليهود كثيرا ما يعدلون ~~الخالق بالملخوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك ~~من النقائص التي يجب تنزيهه عنها وهي من صفات خلقه والنصارى يعدلون المخلوق ~~بالخالق حتى يجعلوا في المخلوق من نعوت الربوبية وصفات الإلهية ويجوزون له ~~مالا يصلح إلا للخالق سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا والله ~~سبحانه وتعالى قد امرنا أن نسأله الهداية بقوله اهدنا الصراط المستقيم # PageV01P062 # صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وفي هذ الأمة من هؤلاء ~~وهؤلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود ~~والنصارى قال فمن والحديث في الصحيحين فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص ~~الدين لله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته وهذا كمال المحبة لكن ~~أكثر ما جاء المطلوب مسمى باسم العبادة كقوله الذاريات وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون وقوله البقرة يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين ms33 من قبلكم وأمثال هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ~~ونهايته فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا والمعظم الذي لا ~~يحب لا يكون معبودا ولهذا قال تعالى البقرة ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله فبين سبحانه ان المشركين ~~الذين يتخذون من دون ألله أندادا وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله فالذين ~~آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم لأن المؤمنين أعلم بالله والحب يتبع ~~العلم ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده وأولئك جعلوا بعض حبهم له ~~وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب ومعلوم أن ذلك افضل قال الله تعالى ~~الزمر ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان ~~مثلا الآية واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله ~~وأنبياءه وعباده المؤمنين وإن كان ذلك من محبة الله وإن كانت المحبة التي ~~لله لا يستحقها غيره فلهذا جاءت محبة الله مذكورة بما يختص به سبحانه من ~~العبادة والإنابة إليه والتبتل له ونحو ذلك فكل هذه الأسماء تتضمن محبة ~~الله سبحانه وتعالى ثم إنه كان بين أن محبته أصل الدين فقد بين أن كمال ~~الدين بكمالها ونقصه بنقصها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأس الأمر ~~الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله فأخبر أن الجهاد ~~ذورة سنام العمل وهو أعلاه وأشرفه وقد قال تعالى التوبة أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله إلى قوله أجر عظيم والنصوص في فضائل الجهاد وأهله كثيرة ~~وقد ثبت أنه أفضل ما تطوع به العبد والجهاد دليل المحبة الكاملة قال تعالى ~~التوبة قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم الآية وقال تعالى في ~~صفة المحبين المحبوبين # PageV01P063 # المائدة يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ms34 يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم فإن المحبة مستلزمة للجهاد ولأن المحب يحب ما يحب ~~محبوبه ويبغض ما يبغض محبوبه ويوالي من يوالي محبوبه ويعادي من يعاديه ويرض ~~لرضاه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما نهى عنه فهو موافق في ذلك ~~وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم ويغضب لغضبهم إذ هم إنما يرضون لرضاه ~~ويغضبون لما يغضب له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في طائفة ~~فيهم صهيب وبلال لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فقال لهم يا ~~إخوتي هل أغضبتكم قالوا لا يغفر الله لك يا أبا بكر وكان قد مر بهم أبو ~~سفيان بن حرب فقالوا ما أخذت السيوف مأخذها فقال لهم أبو بكر أتقولون هذا ~~لسيد قريش وذكر أبو بكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له ما تقدم لان ~~أولئك إنما قالوا ذلك غضبا لله لكمال ما عندهم من الموالاة لله ورسوله ~~والمعاداة لأعدائهما ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~فيما يروى عن ربه لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته ~~كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي ~~يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن ~~استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ~~يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه فبين أنه يتردد لأن التردد ~~تعارض إرادتين وهو سبحانه يحب ما يحب عبده ويكره ما يكرهه وهو يكره الموت ~~فهو يكرهه كما قال وأنا أكره مساءته وهو سبحانه قد قضى بالموت فهو يريد أن ~~يموت فسمى ذلك ترددا ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك وهذا اتحاد في المحبوب ~~المرضي المأمور به والمبغض المكروه المنهي عنه وقد يقال له اتحاد نوعي وصفي ~~وليس ذلك اتحاد الذاتين فإن ذلك ممتنع والقائل به كافر وهو قول النصارى ms35 ~~والغالية من الرافضة والنساك كالحلاجية ونحوهم وهو الاتحاد المقيد في شيء ~~بعينه وأما الاتحاد المطلق الذي هو قول أهل وحدة الوجود الذين يزعمون أن ~~وجود المخلوق هو عين وجود الخالق فهذا تعطيل للصانع وجحود له وهو جامع لكل ~~شرك فكما أن الاتحاد نوعان فكذلك الحلول نوعان قوم يقولون بالحلول المقيد ~~في بعض الأشخاص وقوم يقولون بحلوله في كل شيء وهم الجهمية الذين يقولون إن ~~ذات الله في كل مكان وقد يقع لبعض المصطلمين من أهل الفناء في المحبة أنه ~~يغيب بمحبوبه # PageV01P064 # عن نفسه وحبه ويغيب بمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته وبموجوده عن ~~وجوده حتى لا يشهد إلا محبوبه فيظن في زوال تمييزه ونقص عقله وسكره أنه هو ~~محبوبه كما قيل إن محبوبا وقع في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال أنا وقعت ~~فأنت ما الذي أوقعك فقال غبت بك عني فظننت أنك أنا فلا ريب أن هذا خطأ ~~وضلال لكن إن كان هذا لقاء المحبة والذكر من غير أن يحصل عن سبب محظور زال ~~به عقله كان معذورا في زواله فلا يكون مؤاخذا بما يصدر منه من الكلام في ~~هذه الحال التي زال فيها عقله بغير سبب محظور كما قيل في عقلاء المجانين ~~أنهم قوم آتاهم الله عقولا وأحوالا فسلب عقولهم وأبقى أحوالهم وأسقط ما فرض ~~بما سلب وأما إذا كان السبب الذي به زوال العقل محظورا لم يكن السكران ~~معذورا وإن كان لا يحكم بكفره في اصح القولين كما لا يقع طلاقه في أصح ~~القولين وإن كان النزاع فيه مشهورا وقد بسطنا الكلام في هذا وفيمن يسلم له ~~حاله ومن لا يسلم في قاعدة ذلك وبكل حال فالفناء الذي يفضي بصاحبه إلى مثل ~~هذا حال نقاص وإن كان صاحبه غير مكلف ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة ~~الذين هم افضل الأمة ولا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لهؤلاء ~~في صعق موسى نوع تعلق وإنما حدث زوال العقل عند الواردات الإلهية على بعض ~~التابعين ms36 ومن بعدهم وإن كانت المحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في ~~محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته فمن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة ~~فلا بد أن يبغض أعداءه ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى الصف ~~إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص والمحب التام لا ~~يؤثر فيه لوم اللائم وعذل العاذل بل ذلك يغريه بملازمة المحبة كما قد اكثر ~~الشعراء في ذلك وهؤلاء هم أهل الملام المحمود وهم الذين لا يخافون من ~~يلومهم على ما يحب الله ويرضاه من جهاد أعدائه فإن الملام على ذلك كثير ~~وأما الملام على فعل ما يكرهه الله أو ترك ما أحبه فهو لوم بحق وليس من ذلك ~~المحمود الصبر على هذا الملام بل الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ~~وبهذا يحصل الفرق بين الملامية الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا ~~يخافون لومة لائم في ذلك وبين الملامية الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ~~ويصبرون على الملام في ذلك # PageV01P065 # فصل وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم ~~المحبة ويرجع إليها فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه ~~والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب قال تعالى الإسراء أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه الآية وقال ~~البقرة إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمة الله ورحمته اسم جامع لكل خير وعذابه اسم لكل شر ودار الرحمة الخالصة ~~هي الجنة ودار العذاب الخالص هي النار وأما الدنيا فدار استدارج فالرجاء ~~وإن تعلق بدخول الجنة فالجنة اسم جامع لكل نعيم وأعلاه النظر إلى وجه الله ~~كما في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا اهل الجنة إن لكم عند ~~الله موعد يريد أن ينجزكموهن فيقولون ما هو ألم يبيض وجوها ألم ms37 يثقل ~~موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه ~~فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة ومن هنا يتبين زوال ~~الاشتباه في قول من قال ما عبدتك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك وإنما ~~عبدتك شوقا إلى رؤيتك فإن هذا القائل ظن هو ومن تابعه أن الجنة لا يدخل في ~~مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح والسماع ونحو ذلك مما فيه التمتع ~~بالمخلوقات كما يوافق على ذلك من ينكر رؤية الله من الجهمية أو من يقر بها ~~ويزعم أنه لا تمتع في نفس رؤية الله كما يقوله طائفة من المتفقهة فهؤلاء ~~متفقون على أن مسمى الجنة والآخرة لا يدخل فيه إلا التمتع بالمخلوقات ولهذا ~~قال بعض من غلط من المشايخ لما سمع قوله آل عمران منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة قال فأين من يريد الله وقال آخر التوبة إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة قال إذا كانت النفوس والأموال ~~بالجنة فأين النظر إليه وكل هذا لظنهم أن الجنة لا يدخل فيها النظر ~~والتحقيق أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم وأعلى ما فيها النظر إلى وجه ~~الله وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة كما أخبرت به النصوص وكذلك اهل ~~النار فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار مع أن قائل هذا القول إذا كان ~~عارفا بما يقول فإنما قصده إنك لو لم تخلق نارا ولو لم تخلق جنة لكان يجب ~~أن تعبد ويجب التقرب إليك والنظر إليك كما قال عمر رضي الله عنه نعم العبد # PageV01P066 # صهيب لو لم يخف الله لم يعصه أي هو لم يعصه ولو لم يخفه فإن إجلاله ~~وإكرامه لله يمنعه من معصيته والراجي الخائف إذا تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب ~~باحتجاب الرب عنه والتنعم بتجلية فمعلوم أن هذا من توابع محبته له فالمحبة ~~هي أوجبت محبة التجلي والخوف من الاحتجاب وإن تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب ~~بمخلوق والتنعم به فهذا إنما يطلب ذلك بعبادة ms38 الله المستلزمة محبته لله وهي ~~أحلى من كل محبة ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء كما في ~~الحديث إن اهل الجنة يلهمون التسبيح كما تلهمون وهو يبين غاية تنعمهم بذكر ~~الله ومحبته فالخوف من التعذب بمخلوق والرجاء له يسوقه إلى محبة الله التي ~~هي الأصل وهذا كله ينبني على أصل المحبة فيقال قد نطق الكتاب والسنة بمحبة ~~العباد المؤمنين لله كما في قوله البقرة والذين آمنوا أشد حبا لله وقوله ~~المائدة يحبهم ويحبونه وقوله التوبة أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الايمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء ~~لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره ~~أن يلقى في النار بل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت لمحبة الله ~~كما في قوله التوبة أحب إليكم من الله ورسوله وكما في الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر ~~حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال والله لأنت أحب إلي من نفسي وكذلك محبة ~~صحابته وقرابته كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال آية ~~الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار وقال لا يبغض الأنصار رجل يؤمن ~~بالله واليوم الآخر وقال علي رضي الله عنه إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا ~~يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق وفي السنن أنه قال للعباس والذي نفسي ~~بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبونكم لله ولقرابتي يعني بني هاشم وقد روى حديث ~~عن ابن عباس مرفوعا أنه قال أحبوا ms39 الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني بحب ~~الله وأحبوا أهل بيتي لأجلي وأما محبة الرب لعبده فقال تعالى النساءواتخذ ~~الله إبراهيم خليلا وقال تعالى المائدة يحبهم ويحبونه وقال البقرة وأحسنوا ~~إن الله يحب المحسنين الحجرات وأقسطوا إن الله يحب المقسطين # PageV01P067 # التوبة فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين التوبة فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين الصف إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص آل عمران بلى من أوفى بعهده وأتقى ~~فإن الله يحب المتقين وأما الأعمال التي يحبها الله من الواجبات والمستحبات ~~الظاهرة والباطنة فكثيرة معروفة وكذلك حبه لأهلها وهم المؤمنون أولياء الله ~~المتقون وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة والذي عليه سلف الأمة ~~وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين وأئمة التصوف أن الله محبوب ~~لذاته محبة حقيقة بل هي أكمل محبة فإنها كما قال تعالى البقرة والذين آمنوا ~~أشد حبا لله وكذلك هو سبحانه يحب ما يحب عباده المؤمنون وما هو في الله ~~محبة حقيقية وأنكر الجهمية حقيقة المحبة من الطرفين زعما منهم أن المحبة لا ~~تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث ~~توجب محبته وقاسوا به المحبة وكان أول من أحدث هذا في الإسلام الجعد بن ~~درهم في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد ابن عبد الله القسري أمير ~~العراق والمشرق بواسط خطب الناس يوم الأضحى فقال أيها الناس ضحوا يقبل الله ~~ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه فكأنه قد أخذ هذا المذهب عنه الجهم بن ~~صفوان فأظهره عليه وإليه أضيف قول الجهمية فقتله سلم ابن أحوز أمير خراسان ~~بها ثم نقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو ابن عبيد وأظهر قولهم في زمن ~~الخليفة المأمون حتى امتحن أئمة الإسلام ودعوا إلى الموافقة لهم عن ذلك ~~وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفسلفة ومبتدعة ms40 أهل ~~الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفات ثبوتية أصلا وهؤلاء هم أعداء ~~إبراهيم الخليل عليه السلام وهم يعبدون الكواكب ويبنون الهياكل للعقول ~~والنجوم وغيرهما وهم ينكرون في الحقيقة أن يكون إبراهيم خليلا وموسى كليما ~~وأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للحب كما قيل قد تخللت مسلك الروح مني ~~وبذا سمى الخليل خليلا ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا ~~بكر خليلا ولكن صاحبكم # PageV01P068 # خليل الله يعني نفسه وفي رواية إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت ~~متخذ من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابا بكر خليلا وفي رواية إن الله اتخذني ~~خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلح له أن ~~يتخذ من المخلوقين خليلا وأنه لو يكون ذلك لكان احق الناس بها أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه مع أنه صلى الله عليه وسلم قد وصف نفسه بأنه يحب ~~أشخاصا كما قال معاذ والله إني لأحبك وكذلك قوله للأنصار وكان زيد بن حارثة ~~حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك ابنه أسامة حبه وأمثال ذلك وقال له ~~عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك قال عائشة قال فمن الرجال قال أبوها وقال ~~لفاطمة رضي الله عنها ألا تحبين ما أحب قالت بلى قال فأحبي عائشة وقال ~~للحسن اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه وأمثال هذا كثير فوصف نفسه بمحبة ~~الأشخاص وقال إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة بحيث هي من ~~كمالها وتخللها الحب حتى يكون المحبوب بها محبوبا لذاته لا لشيء آخر إذ ~~المحبوب لشيء غيره هو مؤخر في المحبة عن ذلك الغير ومن كمالها لا تقبل ~~الشركة والمزاحمة لتخللها الحب ففيها كمال التوحيد وكمال الحب وإن الخلة ~~أيضا تنافي المزاحمة ms41 وتقدم الغير بحيث يكون المحبوب محبوبا لذاته لا يزاحمه ~~فيها غيره وهذه محبة لا تصلح إلا لله فلا يجوز أن يشركه غيره فيما يستحقه ~~وهو محبوب لذاته وكل ما يحب غيره إذا كان محبوبا بحق فإنما يحب لأجله وكل ~~ما أحب لغيره فمحبته باطلة في الدنيا والدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ~~كان لله تعالى فإذا كانت الخلة كذلك فمن المعلوم أن من أنكر أن يكون الله ~~محبوبا لذاته ينكر مخاللته وكذلك أيضا إن أنكر محبته لأحد من عباده فقد ~~انكر أن يتخذه خليلا بحيث يحب الرب ويحبه العبد على أكمل ما يصلح للعبادة ~~وكذلك تكليمه لموسى أنكروه لإنكارهم أن يقوم به صفة من الصفات أو فعل من ~~الأفعال فكما ينكرون أن يتصف بحياة أو قدرة أو علم أو أن يستوى أو أن يجيء ~~فكذلك ينكرون أن يتكلم أو يكلم فهذا حقيقة قولهم البقرة كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم لكن لما كان الإسلام ظاهرا والقرآن متلوا لا ~~يمكن جحده لمن أظهر الإسلام أخذوا يلحدون في أسماء الله ويحرفون الكلم عن ~~مواضعه فتأولوا محبة العباد له بمجرد محبتهم لطاعته والتقرب إليه وهذا جهل ~~عظيم فإن محبة المتقرب إلى المتقرب إليه # PageV01P069 # تابع لمحبته وفرع عليه فمن لا يحب الشيء لا يمكن أن يحب التقرب إليه إذ ~~التقرب وسيلة ومحبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود فيمتنع أن تكون الوسيلة إلى ~~الشيء المحبوب هي المحبوب دون الشيء المقصود بالوسيلة وكذلك العبادة ~~والطاعة إذا قيل في المطاع المعبود إن هذا يحب طاعته وعبادته فإن محبة ذلك ~~تبع لمحبته وإلا فمن لا يحبه لا يحب طاعته وعبادته ومن كان لا يعمل لغيره ~~إلا لعوض يناله منه أو لدفع عقوبة فإنه يكون معارضا له أو مفتديا منه لا ~~يكون محبا له ولا يقال إن هذا يحبه ويفسر ذلك بمحبة طاعته وعبادته فإن محبة ~~المقصود وإن استلزمت محبة الوسيلة أو غير محبة الوسيلة فإن ذلك يقتضي أن ~~يعبر بلفظين محبة العوض والسلامة عن محبة ms42 العمل أما محبة الله فلا تعلق لها ~~بمجرد محبة العوض ألا ترى أن من استأجر أجيرا بعضو لا يقال إن الأجير يحبه ~~بمجرد ذلك بل قد يستأجر الرجل من لا يحبه بحال بل من يبغضه وكذلك من افتدى ~~نفسه بعمل من عذاب معذب لا يقال إنه يحبه بل يكون مبغضا له فعلم أن ما وصف ~~الله به عباده المؤمنين من أنهم يحبونه يمتنع أن يكون معناه مجرد محبة ~~العمل الذي ينالون به بعض الأغراض المحبوبة من غير أن يكون ربهم محبوبا ~~أصلا وأيضا فلفظ العبادة متضمن للمحبة مع الذل كما تقدم ولهذا كانت محبة ~~القلب للبشر على طبقات أحدها العلاقة فهو تعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة ~~وهو انصباب القلب إليه ثم الغرام وهو الحب اللازم ثم العشق وآخر المراتب هو ~~التتيم وهو التعبد للمحبوب والمتيم المعبود وتيم الله عبد الله فإن المحب ~~يبقى ذاكرا معبدا مذللا لمحبوبه وأيضا فاسم الانابة إليه يقتضي المحبة أيضا ~~وما أشبه ذلك من الأسماء كما تقدم وأيضا فلو كان الذي قالوه حقا من كون ذلك ~~مجازا لما فيه من الحذف والاضمار فالمجاز لا يطلق إلا بقرينة تبين المراد ~~ومعلوم أن ليس في كتاب الله وسنة رسوله ما ينفي أن يكون الله محبوبا وأن لا ~~يكون المحبوب إلا الأعمال لا في الدلالة المتصلة ولا المنفصلة بل ولا في ~~العقل أيضا فمن علامات المجاز صحة إطلاق نفيه فيجب أن يصح إطلاق القول بان ~~الله لا يحب ولا يحب كما أطلق إمامهم الجعد بن درهم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ومعلوم أن هذا ممتنع بإجماع المسلمين ~~فعلم دلالة الإجماع على أن هذا ليس مجازا بل هي حقيقة وأيضا فقد فرق بين ~~محبته ومحبة العمل له في قوله التوبة أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله كما فرق بين محبته ومحبة رسوله في قوله أحب إليكم من الله ورسوله فلو ~~كان المراد بمحبته ليس إلا محبة العمل لكان هذا تكريرا أو من باب ms43 عطف الخاص # PageV01P070 # على العام وكلاهما على خلاف ظاهر الكلام الذي لا يجوز المصير إليه إلا ~~بدلالة تبين المراد وكما أن محبته لا يجوز أن تفسر بمجرد محبة رسوله فكذلك ~~لا يجوز تفسيرها بمجرد محبة العمل وإن كانت محبته تستلزم محبة رسوله ومحبة ~~العمل له وأيضا فالتعبير بمحبة الشيء عن مجرد محبة طاعته لا عن محبة نفسه ~~أمر لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازا فحمل الكلام عليه تحريف محض وقد ~~قررنا في مواضع من القواعد الكبار أنه لا يجوز أن يكون غير الله محبوبا ~~مرادا لذاته كما لا يجوز أن يكون غير الله موجودا بذاته بل لا رب إلا الله ~~ولا إله غيره والإله هو المعبود الذي يستحق أن يحب لذاته ويعظم لذاته كمال ~~المحبة والتعظيم وكل مولود يولد على الفطرة فإنه سبحانه فطر القلوب على أنه ~~ليس في محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه إلا الله وحده وإن كل ما أحبه ~~المحبوب من مطعوم وملبوس ومنظور وملموس يجد من نفسه وإن قلبه يطلب شيئا ~~سواه ويحب أمرا غيره يتألهه ويصمد إليه ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من هذه ~~الاجناس ولهذا قال الله تعالى في كتابه الرعد ألا بذكر الله تطمئن القلوب ~~وفي الصحيح عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله قال إني ~~خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما احللت لهم وأمرتهم ان ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه كما نتنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول ~~أبو هريرة اقرءوا إن شئتم الروم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبيدل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم وأيضا فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت ~~الكمال فالله هو المستحق له على الكمال وكل ما في غيره من محبوب فهو منه ~~سبحانه وتعالى فهو المستحق لأن ms44 يحب على الحقيقة والكمال وإنكار محبة العبد ~~لربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودا كما أن إنكار محبته لعبده ~~يستلزم إنكار مشيئته وهو يستلزم إنكار كونه ربا خالقا فصار إنكارها مستلزما ~~لإنكار كونه رب العالمين ولكونه إله العالمين وهذا هو قول أهل التعطيل ~~والجحود ولهذا اتفقت الأمتان قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن موسى ~~وعيسى أن أعظم الوصايا أن تحب الله بكل قلبك وعقلك وقصدك وهذا هو حقيقة ~~الحنيفية ملة إبراهيم التي هي اصل شريعة التوراة والإنجيل والقرآن وإنكار ~~ذلك هو مأخوذ من مقال الصابئين أعداء إبراهيم الخليل ومن وافقهم على ذلك من ~~متفلسف أو متكلم أو متفقه أخذه عن هؤلاء وظهر ذلك في القرامطة الباطنية من ~~الاسماعيلية ولهذا قال الخليل إمام الحنفاء الشعراء أفرأيتم # PageV01P071 # ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين وقال ~~أيضا الأنعام لا احب الآفلين وقال تعالى الشعراء يوم لا ينفع مال ولا بنون ~~إلا من أتى الله بقلب سليم وهو السليم من الشرك وأما قولهم إنه لا مناسبة ~~بين المحدث والقديم توجب محبته له وتمتعه بالنظر إليه فهذا الكلام مجمل فإن ~~ارادوا بالمناسبة أنه ليس بوالد فهذا حق وإن أرادوا أنه ليس بينهما من ~~المناسبة ما بين الناكح والمنكوح والآكل والمأكول ونحو ذلك فهذا أيضا حق ~~وإن أرادوا أنه لا مناسبة بينهما توجب أن يكون أحدهما محبا عابدا والاخر ~~معبودا محبوبا فهذا هو رأس المسألة والاحتجاج به مصادرة على المطلوب ويكفي ~~في ذلك المنع ثم يقال بل لا مناسبة تقتضي المحبة الكاملة إلا المناسبة التي ~~بين المخلوق والخالق الذي لا إله غيره الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله ~~وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وحقيقة قول هؤلاء أنهم جحدوا كون الله ~~معبودا في الحقيقة ولهذا وافق على هذه المسألة طوائف من الصوفية المتكلمين ~~الذين ينكرون أن يكون الله محبا في الحقيقة فأقروا بكونه محبوبا ومنعوا ~~كونه محبا لأنهم تصوفوا مع ما كانوا عليه من قول أولئك ms45 المتكلمة فأخذوا عن ~~الصوفية مذهبهم في المحبة وإن كانوا قد يخلطون فيه وأصل إنكارها إنما هو ~~قول المعتزلة ونحوهم من الجهمية فأما محبة الرب عبده فهم لها أشد إنكارا ~~ومنكروها قسمان قسم يتأولونها بنفس المفعولات التي يحبها العبد فيجعلون ~~محبته نفس خلقه وقسم يجعلونها نفس إرادته لتلك المفعولات وقد بسطنا الكلام ~~في ذلك في قواعد الصفات والقدر وليس هذا هو موضعها ومن المعلوم أنه قد دل ~~الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على أن الله يحب ويرضى ما أمر بفعله من ~~واجب ومستحب وإن لم يكن ذلك موجودا وعلى أنه قد يريد وجود أمور يبغضها ~~ويسخطها من الأعيان والأفعال كالفسق والكفر وقد قال الله تعالى البقرة ~~والله لا يحب الفساد وقال تعالى الزمر ولا يرضى لعباده الكفر والمقصود هنا ~~إنما هو في ذكر محبة العباد لله وقد تبين أن ذلك هو أصل أعمال الإيمان ولم ~~يتبين بين أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان نزاع في ذلك ~~وكانوا يحركون هذه المحبة بما شرع الله أن تحرك به من أنواع العبادات ~~الشرعية كالعرفان الإيماني والسماع الفرقاني قال تعالى الشورى وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان إلى آخر السورة ثم ~~أنه لما طال الأمد صار في طائف المتكلمة من المعتزلة وغيرهم من ينكر هذه ~~المحبة وصار في بعض المتصوفة من يطلب تحريكها بأنواع من سماع # PageV01P072 # الحديث كالتغيير وسماع المكاء والتصدية فيسمعون من الأقوال والأشعار ما ~~فيه تحريك جنس الحب الذي يحرك من كل قلب ما فيه من الحب بحيث يصلح لمحب ~~الأوتار والصلبان والاخوان والأوطان والمردان والنسوان كما يصلح لمحب ~~الرحمن ولكن كان الذين يحضرونه من الشيوخ يشترطون له المكان والإمكان ~~والخلان وربما اشترطوا له الشيخ الذي يحرس من الشيطان ثم توسع في ذلك غيرهم ~~حتى خرجوا في ذلك إلى أنواع من المعاصي بل إلى نوعم الفسوق بل خرج فيه ~~طوائف إلى الكفر الصريح بحيث يتواجدون على أنواع من الأشعار التي فيها ~~الكفر والإلحاد ms46 مما هو من أعظم أنواع الفساد وينتج ذلك لهم من الأحوال ~~بحسبه كما تنتج لعباد المشركين وأهل الكتاب عباداتهم بحسبها والذي عليه ~~محققوا المشايخ أنه كما قال الجنيد رحمه الله من تكلف السماع فتن به ومن ~~صادفه استراح به ومعنى ذلك أنه لا يشرع الاجتماع لهذا السماع المحدث ولا ~~يؤمر به ولا يتخذ دينا وقربة وأن القرب والعبادات إنما تؤخذ عن الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم فكما أنه لا حرام إلا ما حرمه الله فإنه لا دين إلا ما ~~شرعه الله قال الله تعلى الشورى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن ~~به الله ولهذا قال آل عمران قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم فجعل محبتهم لله موجبة لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله ~~موجبة لمحبة الله لهم قال أبي بن كعب رضي الله عنه عليكم بالسبيل والسنة ~~فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله فاقشعر جلده من مخافة الله إلا ~~تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجرة وما من عبد على السبيل ~~والسنة ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من مخافة الله إلا لم تمسه النار أبدا ~~وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون ~~أعمالكم اقتصادا واجتهادا على منهاج الأنبياء وسنتهم وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع فلو كان هذا مما يؤمر به ويستحب وتصلح به القلوب للمعبود المحبوب ~~لكان ذلك مما دلت الأدلة الشرعية عليه ومن المعلوم أنه لم يكن في القرون ~~الثلاثة المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني ~~الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم لا في الحجاز ولا في الشام ~~ولا في اليمن ولا في العراق ولا في مصر ولا في خراسان أحد من أهل الخير ~~والدين يجتمع على السماع المبتدع لصلاح القلوب ولهذا كرهه الأئمة كالإمام ~~احمد وغيره وعده الشافعي من إحداث الزنادقة # PageV01P073 # حين قال خلفت ببغداد شيئا أحدثه الزنادقة ms47 يسموه التغيير يصدون به الناس ~~عن القرآن وأما مالا يقصده الإنسان من الاستماع فلا يترتب عليه نهى ولا ذم ~~باتفاق الآئمة ولهذا إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا على السماع ~~فالمستمع للقرآن يثاب عليه والسامع له من غير قصد لا يثاب على ذلك إذ ~~الأعمال بالنيات وكذلك ما ينهى عن استماعه من الملاهي لو سمعه السامع بدون ~~قصد لم يضره ذلك فلو استمع السامع بيتا يناسب بعض حاله تحرك ساكنه المحمود ~~وأزعج قاطنه المحبوب أو تمثل بذلك ونحو ذلك لم يكن ذلك مما ينهى عنه وإن ~~كان المحمود الحسن حركة قلبه التي يحبها الله ورسوله أو التي تتضمن فعل ما ~~يحبه الله وترك ما يكرهه كالذي اجتاز ببيت فسمع قائلا يقول كل يوم تتلون ~~غير هذا بك أجمل فأخذ منه إشارة تناسب حاله فإن الاشارة من باب القياس ~~والاعتبار وضرب الأمثال ومسألة السماع كبيرة منتشرة قد تكلمنا عليها في غير ~~هذا الموضع والمقصود ههنا أن المقاصد المطلوبة للمريدين تحصل بالسماع ~~الايماني القرآني النبوي الديني الشرعي الذي هو سماع النبيين وسماع ~~العالمين وسماع العارفين وسماع المؤمنين قال الله تعالى مريم أولئك الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم إلى قوله إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا وقال تعالى الإسراء إن الذين أوتوا العلم من قبله ~~إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا إلى قوله ويزيدهم خشوعا وقال تعالى ~~المائدة وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا ~~من الحق وقال تعالى الأنفال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا الآية وقال تعالى الزمر الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم الآية وكما ~~مدح المقبلين على هذا السماع فقد ذم المعرضين عنه في مثل قوله لقمان ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا إلى ~~قوله وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ms48 يسمعها الآية وقال تعالى ~~الفرقان والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا وقال ~~تعالى الأنفال ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم الآية # PageV01P074 # وقال تعالى فصلت وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون وقال تعالى المدثر فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة ومثل هذا كثير في القرآن وهذا كان سماع سلف الأمة ~~وأكابر مشايخها وأئمتها كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ كإبراهيم ~~بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي سليمان الدراراني ومعروف الكرخي ويوسف بن ~~أسباط وحذيفة المرعشي وامثال هؤلاء وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى ~~الأشعري يا ابا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يسمعون ويبكون وكان أصحاب محمد ~~إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ القرآن والباقي يستمعون وقد ثبت في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فجعل ~~يستمع لقراءته وقال لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود وقال مررت بك ~~البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال لو علمت أنك تسمع لحبرته لك ~~تحبيرا أي لحسنته لك تحسينا وقال زينوا القرآن بأصواتكم وقال الله أشد أذنا ~~إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته أذنا أي استماعا ~~كقوله الانشقاق وأذنت لربها وحقت أي استمعت وقال صلى الله عليه وسلم ما أذن ~~الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به وقال ليس منا من لم ~~يتغن بالقرآن ولهذا السماع من المواجيد العظيمة والأذواق الكريمة ومزيد ~~المعارف والأحوال الجسيمة مالا يسعه خطاب ولا يحويه كتاب كما أن في تدبر ~~القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان مالا يحيط به بيان ومما ينبغي التفطن ~~له أن الله سبحانه قال في كتابه آل عمران قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله قال طائفة من السلف أدعى قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الاية قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ms49 الآية فبين سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول وأن ابتاع ~~الرسول يوجب محبة الله للعبد وهذه محبة امتحن الله بها أهل دعوى محبة الله ~~فإن هذا الباب يكثر فيه الدعاوى والاشتباه ولهذا يروى عن ذي النون المصري ~~أنهم تكلموا في مسألة المحبة عنده فقال اسكتوا عن هذه المحبة لا تسمعها ~~النفوس فتدعيها وقال بعضهم من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبد الله ~~بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء ومن عبده بالحب ~~والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد وذلك لأن الحب المجرد تتبسط النفوس فيه حتى ~~تتسع في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله حتى قالت اليهود والنصارى # PageV01P075 # المائدة نحن أبناء الله وأحباؤه ويوجد في مدعى المحبة من مخالفة الشريعة ~~مالا يوجد في أهل الخشية ولهذا قرن والخشية بها في قوله ق هذا ما توعدون ~~لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم ~~الخلود وكان المشايخ المصنفون في السنة يذكرون في عقائدهم مجانبة من يكثر ~~دعوى المحبة والخوض فيها من غير خشية لما في ذلك من الفساد الذي وقع فيه ~~طوائف من المتصوفة وما وقع في هؤلاء من فساد الاعتقاد والأعمال أوجب إنكار ~~طوائف لأصل طريقة المتوصفة بالكلية حتى صار المنحرفون صنفين صنف يقر بحقها ~~وباطلها وصنف ينكر حقها وباطلها كما عليه طوائف من أهل الكلام والفقه ~~والصواب إنما هو الإقرار بما فيه وفي غيرها من موافقة الكتاب والسنة ~~والإنكار لما فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة وقال تعالى آل عمران ~~قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فاتباع سنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع شريعته باطنا وظاهرا هي موجب محبة الله ~~كما أن الجهاد في سبيله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها كما في ~~الحديث أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وفي الحديث من أحب ~~لله وابغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل المحبة وكثير ممن يدعى المحبة ms50 ~~هو أبعد من غيره عن ابتاع السنة وعن الأمر بالمعروف وعن النهي عن المنكر ~~والجهاد في سبيل الله ويدعى مع هذا أن ذلك أكمل لطريق المحبة من غيره لزعمه ~~أن طريق المحبة لله ليس فيه غيرة ولا غضب لله وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب ~~والسنة ولهذا في الحديث المأثور يقول الله تعالى يوم القيامة اين المتحابون ~~بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي فقوله أين المتحابون بجلال ~~الله تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه والتحاب فيه وبذلك ~~يكونون حافظين لحدوده دون الذين لا يحفظون حدوده لضعف الإيمان في قلوبهم ~~وهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي ~~للمتجالسين في وحقت محبتي للمتزاورين في وحقت محبتي للمتابذلين في ~~والأحاديث في المتحابين لله كثيرة وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث أبي هريرة سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام ~~عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل # PageV01P076 # قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه ورجلان تحابا في الله ~~واجتمعا وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لاتعلم شماله ما أنفقت ~~يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات نسب وجمال فقال ~~إني أخاف الله رب العالمين وأصل المحبة هو معرفة الله سبحانه وتعالى ولها ~~أصلان أحدهما وهو الذي يقال له محبة العامة لأجل إحسانه إلى عباده وهذه ~~المحبة على هذا الأصل لا ينكرها أحد فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن ~~إليها وبغض من اساء إليها والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة ~~فإنه المتفضل بجميع النعم وإن جرت بواسطة إذ هو ميسر الوسائط وسبب الأسباب ~~لكن هذه المحبة إذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسه فما أحب العبد في ~~الحقيقة إلا نفسه وهذا ليس بمذموم بل محمود وهذه المحبة هي المشار إليها ~~بقوله أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهلي بحبي ~~والمتقصر ms51 على هذه هو لم يعرف من جهة الله ما يستوجب أنه يحبه إلا للإحسان ~~إليه وهذا كما قالوا إن الحمد لله على نوعين حمد هو شكر وذلك لا يكون إلا ~~على نعمته وحمد هو ثناء عليه ومحبة له وهو بما يستحقه لنفسه سبحانه فكذلك ~~الحب فإن الأصل الثاني هو محبته لما هو أهل وهذا حب من عرف من الله ما ~~يستحق أن يحب لأجله وما من وجه من الوجوه التي يعرف الله بها مما دلت عليه ~~أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق المحبة الكاملة من ذلك الوجه حتى جميع ~~مفعولاته إذ كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ولهذا استحق ان يكون محمودا ~~على كل حال ويستحق أن يحمد على السراء والضراء وهذا أعلى وأكمل وهذا حب ~~الخاصة وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم ويتلذذون بذكره ~~ومناجاته ويكون ذلك لهم أعظم من الماء للسمك لو أنقطعوا عن ذلك لوجدوا من ~~الألم مالا يطيقون وهم السابقون كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال مر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بجبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق ~~المفردون قالوا يا رسول الله من المفردون قال الذاكرون الله كثيرا ~~والذاكرات وفي رواية أخرى قال المستهترون بذكر الله يضع الذكر عنهم اثقالهم ~~فيأتون يوم القيامة خفافا وفي حديث هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال قال موسى يا رب أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ~~ينساني # PageV01P077 # قال أي عبادك أعلم قال الذي يطلب علم الناس إلى علمه ليجد كلمة تدله على ~~هدى أو ترده عن ردي قال أي عبادك أحكم قال الذي يحكم على نفسه كما يحكم على ~~غيره ويحكم لغيره كما يحكم لنفسه فذكر في هذا الحديث الحب والعلم والعدل ~~وذلك جماع الخير ومما ينبغي التفطن له أنه لا يجوز أن يظن في باب محبة الله ~~تعالى ما يظن في محبة غيره مما هو من جنس التجني والهجر والقطيعة لغير ms52 سبب ~~ونحو ذلك مما قد يغلط فيه طوائف من الناس حتى يتمثلون في حبه بجنس ما ~~يتمثلون به في حب من يصد ويقطع بغير ذنب أو يبعد من يتقرب إليه وإن غلط في ~~ذلك من غلط من المصنفين في رسائلهم حتى يكون مضمون كلامهم إقامة الحجة على ~~الله بل لله الحجة البالغة وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ~~ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ~~ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وفي بعض ~~الآثار يقول الله تعالى أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيارتي وأهل ~~طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي أؤيسهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم لأن ~~الله يحب التوابين وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب حتى أطهرهم ~~من المعايب وقال تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما قيل الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن ينقص من حسنات نفسه وقال ~~تعالى وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر ~~رضي الله عنه قال يقول الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ~~يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا ~~من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر ~~الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني ~~ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا ~~على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ~~يا عبادي ms53 لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد # PageV01P078 # فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا غمس في البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وما ~~رواه البخاري عن شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ~~الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي ~~وابوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا ~~بها فمات في يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته ~~دخل الجنة فالعبد دائما بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر وذنب منه ~~يحتاج فيه إلى أستغفار وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائما فإنه لا ~~يزال يتقلب في نعم الله وآلائه ولا يزال محتاجا إلى التوبة والاستغافر ~~ولهذا كان سيد ولد آدم وإمام المتقين يستغفر في جميع الأحوال وقال صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أيها الناس توبوا إلى ربكم ~~فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة وقال عبد الله بن عمر كنا نعد لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد يقول رب أغفر لي وتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم مائة مرة وقال إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم اثنتين ~~وسبعين مرة وفي صحيح مسلم أنه قال إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في ~~اليوم مائة مرة ولهذا شرع الاستغفار في خواتيم الأعمال قال تعالى آل عمران ~~والمستغفرين بالأسحار قال بعضهم أحيوا الليل بالصلاة فلما كان وقت السحر ~~أمروا بالاستغفار وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من ~~صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ms54 ومنك السلام تباركت ياذا الجلال ~~والإكرام وقال تعالى البقرة فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام إلى قوله واستغفروا الله إن الله غفور رحيم وقد أمر الله نبيه بعد ~~أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهادة وأتى بما أمر الله به مما لم يصل ~~إليه غيره فقال إذا جاء نصر الله والفتح رأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ولهذا كان قوام الدين ~~بالتوحيد والاستغفار كما قال الله تعالى أول هود الر كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا الآية وقال تعالى فصلت ~~فاستقيموا إليه واستغفروه # PageV01P079 # وقال تعالى محمد فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات ولهذا جاء في الحديث يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني ~~بلا إله إلا الله والاستغفار وقال يونس الأنبياء لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركب دابته يحمد الله ثم ~~يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي وكفارة المجلس التي ~~كان يختم بها المجلس والوضوء سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ~~أستغفرك وأتوب إليك والله أعلم وصلى الله على محمد وسلم PageV01P080 ms55